Lafzullah

Tafsir Makhi — الفجر 89:22 – الشمس 91:15

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الفجر 89:22
  2. الفجر 89:23
  3. الفجر 89:24
  4. الفجر 89:25
  5. الفجر 89:26
  6. الفجر 89:27
  7. الفجر 89:28
  8. الفجر 89:29
  9. الفجر 89:30
  10. البلد 90:1
  11. البلد 90:2
  12. البلد 90:3
  13. البلد 90:4
  14. البلد 90:5
  15. البلد 90:6
  16. البلد 90:7
  17. البلد 90:8
  18. البلد 90:9
  19. البلد 90:10
  20. البلد 90:11
  21. البلد 90:12
  22. البلد 90:13
  23. البلد 90:14
  24. البلد 90:15
  25. البلد 90:16
  26. البلد 90:17
  27. البلد 90:18
  28. البلد 90:19
  29. البلد 90:20
  30. الشمس 91:1
  31. الشمس 91:2
  32. الشمس 91:3
  33. الشمس 91:4
  34. الشمس 91:5
  35. الشمس 91:6
  36. الشمس 91:7
  37. الشمس 91:8
  38. الشمس 91:9
  39. الشمس 91:10
  40. الشمس 91:11
  41. الشمس 91:12
  42. الشمس 91:13
  43. الشمس 91:14
  44. الشمس 91:15

الفجر 89:22

قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها. قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا). قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟! قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره". وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم. وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها. وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال]. وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت". وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً. وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع]. قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره). * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب. وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة". فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد. يعني أنه جواب القسم. ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم. قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه. وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾. أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة. وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه. قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم". * * وقوله: ﴿كَلاَّ﴾. هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال. قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي. (ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي. وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر. والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة. * * وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً. ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً. قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً. وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام. وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه. [قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧]. فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم]. قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾, أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾. الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً. وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة. قال ابن عباس: هو "تحريكها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف. وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب. وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]. وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية. وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧]. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى. قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾. أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته. فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة. وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤]. قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة". وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة". وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم. وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق. وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً. المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة". [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده. قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة. وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري. قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.

الفجر 89:23

قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها. قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا). قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟! قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره". وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم. وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها. وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال]. وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت". وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً. وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع]. قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره). * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب. وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة". فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد. يعني أنه جواب القسم. ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم. قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه. وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾. أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة. وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه. قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم". * * وقوله: ﴿كَلاَّ﴾. هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال. قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي. (ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي. وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر. والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة. * * وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً. ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً. قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً. وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام. وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه. [قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧]. فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم]. قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾, أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾. الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً. وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة. قال ابن عباس: هو "تحريكها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف. وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب. وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]. وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية. وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧]. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى. قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾. أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته. فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة. وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤]. قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة". وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة". وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم. وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق. وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً. المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة". [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده. قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة. وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري. قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.

الفجر 89:24

قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها. قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا). قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟! قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره". وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم. وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها. وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال]. وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت". وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً. وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع]. قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره). * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب. وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة". فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد. يعني أنه جواب القسم. ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم. قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه. وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾. أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة. وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه. قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم". * * وقوله: ﴿كَلاَّ﴾. هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال. قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي. (ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي. وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر. والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة. * * وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً. ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً. قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً. وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام. وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه. [قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧]. فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم]. قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾, أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾. الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً. وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة. قال ابن عباس: هو "تحريكها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف. وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب. وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]. وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية. وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧]. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى. قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾. أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته. فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة. وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤]. قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة". وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة". وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم. وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق. وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً. المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة". [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده. قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة. وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري. قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.

الفجر 89:25

قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها. قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا). قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟! قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره". وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم. وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها. وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال]. وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت". وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً. وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع]. قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره). * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب. وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة". فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد. يعني أنه جواب القسم. ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم. قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه. وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾. أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة. وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه. قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم". * * وقوله: ﴿كَلاَّ﴾. هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال. قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي. (ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي. وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر. والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة. * * وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً. ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً. قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً. وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام. وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه. [قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧]. فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم]. قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾, أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾. الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً. وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة. قال ابن عباس: هو "تحريكها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف. وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب. وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]. وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية. وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧]. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى. قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾. أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته. فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة. وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤]. قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة". وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة". وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم. وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق. وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً. المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة". [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده. قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة. وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري. قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.

الفجر 89:26

قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها. قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا). قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟! قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره". وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم. وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها. وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال]. وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت". وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً. وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع]. قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره). * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب. وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة". فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد. يعني أنه جواب القسم. ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم. قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه. وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾. أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة. وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه. قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم". * * وقوله: ﴿كَلاَّ﴾. هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال. قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي. (ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي. وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر. والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة. * * وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً. ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً. قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً. وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام. وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه. [قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧]. فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم]. قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾, أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾. الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً. وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة. قال ابن عباس: هو "تحريكها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف. وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب. وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]. وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية. وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧]. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى. قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾. أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته. فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة. وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤]. قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة". وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة". وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم. وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق. وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً. المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة". [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده. قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة. وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري. قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.

الفجر 89:27

قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها. قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا). قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟! قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره". وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم. وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها. وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال]. وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت". وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً. وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع]. قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره). * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب. وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة". فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد. يعني أنه جواب القسم. ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم. قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه. وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾. أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة. وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه. قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم". * * وقوله: ﴿كَلاَّ﴾. هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال. قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي. (ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي. وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر. والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة. * * وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً. ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً. قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً. وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام. وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه. [قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧]. فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم]. قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾, أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾. الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً. وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة. قال ابن عباس: هو "تحريكها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف. وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب. وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]. وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية. وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧]. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى. قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾. أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته. فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة. وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤]. قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة". وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة". وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم. وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق. وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً. المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة". [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده. قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة. وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري. قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.

الفجر 89:28

قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها. قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا). قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟! قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره". وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم. وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها. وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال]. وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت". وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً. وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع]. قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره). * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب. وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة". فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد. يعني أنه جواب القسم. ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم. قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه. وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾. أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة. وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه. قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم". * * وقوله: ﴿كَلاَّ﴾. هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال. قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي. (ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي. وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر. والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة. * * وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً. ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً. قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً. وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام. وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه. [قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧]. فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم]. قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾, أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾. الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً. وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة. قال ابن عباس: هو "تحريكها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف. وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب. وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]. وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية. وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧]. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى. قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾. أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته. فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة. وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤]. قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة". وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة". وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم. وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق. وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً. المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة". [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده. قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة. وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري. قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.

الفجر 89:29

قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها. قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا). قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟! قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره". وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم. وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها. وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال]. وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت". وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً. وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع]. قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره). * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب. وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة". فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد. يعني أنه جواب القسم. ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم. قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه. وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾. أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة. وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه. قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم". * * وقوله: ﴿كَلاَّ﴾. هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال. قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي. (ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي. وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر. والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة. * * وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً. ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً. قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً. وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام. وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه. [قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧]. فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم]. قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾, أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾. الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً. وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة. قال ابن عباس: هو "تحريكها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف. وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب. وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]. وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية. وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧]. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى. قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾. أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته. فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة. وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤]. قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة". وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة". وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم. وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق. وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً. المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة". [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده. قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة. وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري. قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.

الفجر 89:30

قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ﴾ إلى آخر السورة. أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعرب تقول: "جاب فلان [الفلاة] يجوبها جوْباً" إذا دخلها وقطعها. قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ ٱلصَّخْرَ﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا). قال مجاهد: "جابوا الجبال فجعلوها بيوتا". * * ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟! قال ابن عباس: الأوتاد هنا "الجنود الذين يشدون له أمره". وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم. وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس وأرجلهم يقتلهم بها. وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال]. وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون "وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت". وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً. وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها. * * وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثروا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي. * * ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة. والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي. فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها. [وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: خلط عذاب لأنه أنواع]. قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ "ما عذبوا به". وهو قول ابن زيد (وغيره). * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة. وقيل: معناه: لا يفوته هارب. وقال ابن عباس: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "يسمع ويرى". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ويقول: "وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة". فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه. قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن. وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع. وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾. وقال الحسن: ﴿لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ أي: "مرصاد عمل بني آدم". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد. يعني أنه جواب القسم. ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم. قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد. وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ ٱلْعِمَادِ﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه. والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾. والاختيار الوقف على "كلا" وهو قول نصير وأحمد بن موسى . والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه. وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعا، على الغنى والفقر. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ﴾. أي: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة. وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه. قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ﴾ "ما أسرع ما كفر ابن آدم". * * وقوله: ﴿كَلاَّ﴾. هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب إهانته من أهان قلة المال. قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوفيقه إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخذلانه وارتكاب لمعصيتي. (ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهدا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي. وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر. والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون "كلا" في الابتداء بمعنى "حقاً"، أو بمعنى "ألا". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى. وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا). والوقف عند نصير والفراء على "كلا"، وهو الاختيار، لأنها عند أهل التفسير رد لما قبلها. (وقد) قال الحسن: "كلا" معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى. وقاله قتادة. * * وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ أي: بل إنما أهنت من أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً. ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً. قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً. وقال الحسن: معنى ﴿لَّمّاً﴾، أي: يخلطون الحلال بالحرام. وقال ابن زيد: ﴿وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: تأكلون كل شيء تجدونه من الميراث وغيره، لا تسألون عنه، يأكل الذي له والذي لصاحبه. [قال]: كانوا لا [يورثون] النساء ولا [يورثون] الصغار، وقرأ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]... إلى قوله ﴿عَلِيماً﴾ [النساء: ١٢٧]. فقوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ [النساء: ١٢٧]، يعني: يستضعفوهم [فلا يؤتونهم]. قال: وقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾, أي: وتحبون جمع المال واقتناءه حبا كثيرا. والعرب تقول: "جم الماء في الحوض": إذا اجتمع وكثر. * * ثم قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾. الوقف على "كلا" حسن، ومعناه: ليس هكذا ينبغي أن يكون الأمر أن تأكلوا الميراث أكلا شديدا، وتحبوا جمع المال حباً كثيراً. ولا تكرمون اليتيم بالصدقة، ولا تحضون على طعام المسكين. وقيل: المعنى: لا يغني عنكم جمع المال شيئاً. وقوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ﴾، أي: رجت وزلزلت مرة بعد مرة. قال ابن عباس: هو "تحريكها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ أي: والملائكة صفاً بعد صف. وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جِنَّهم وإنسهم، فإذا كان [ذلك] اليوم قيضت السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض، جنهم وإنسهم بضعف، [فإذا مروا] على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: (أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون) سبحان ربنا، ليس فينا وهو آتٍ ثم تقاض السماء الثانية، فأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل سماء الدنيا ومن جميع أهل الأرض بضعف جنهم وإنسهم، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من كلامهم ويقولون: سبحان الله، ليس فينا، وهو آت ثم تقاض السماوات سماءً (سماءً)، كلما قيضت سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السماوات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون، لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى [تقاض السماء] السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سماوات ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله عز وجل فيهم وجميع الأمم جثيٌّ [صفوف]، وينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ فيسرحون إلى الجنة، قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، [فيلتقطهم] من الصفوف لقط الطير حب السمسم فيخنس بهم في جهنم، [ثم] [يخرج] ثانية [فيقول]: إني وكلت منكم بمن آذى الله ورسوله، [فيلتقطهم] [من الصفوف] لقط الطير حب السمسم [فيخنس] بهم في جهنم. قال شهر ابن حوشب: وأحسب أنه ذكر في الثالثة أهل التصاوير [فيلتقطهم] كذلك. قال: فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة، نشرت الصحف ووضعت الموازين ودعي الخلائق للحساب. وقال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله جل ذكره السماء الدنيا بأهلها، فنزل من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، كذلك إلى السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى، على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله عز وجل: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]. وقرئ بتشديد الدال من ند البعير: إذا فر. قال: ذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقوله: ﴿يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ..﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية. وهو قوله: ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٦-١٧]. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ (قال): توقفون موقفاً واحداً يوم القيامة مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دما وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم [الأذقان] ويلجمكم وتضجون ثم تقولون: [من] يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم، قبل الله توبته وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه [قبلاً]، فيؤتى آدم، فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم الأنبياء - نبياً - نبياً - كلما جاؤوا نبياً أبى. قال رسول الله ﷺ: حتى يأتونني فإذا جاءوني خرجت حتى أتي الفحص. قال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، وما الفحص؟ قال قدام العرش، قال: فأخر ساجداً، قال: فلا أزال ساجداً حتى يبعث الله إلي ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني، فيقول الله جل وعز [لي]: يا محمد، فأقول: نعم، وهو أعلم، فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك واقض بينهم، فيقول تعالى: قد شفعتك، أنا آتيهم وأقضي بينهم. قال رسول الله ﷺ: فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينما نحن وقوف، سمعنا حساً من السماء شديداً، فهالنا، فنزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الإنس والجن، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم، وأخذوا [مصافهم] [فقلنا] (لهم): أفيكم ربنا؟ [فقالوا]: لا، وهو آت. ثم نزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة وبمثل من فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض لنورهم وأخذوا مصافهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا، وهو آت، ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة لهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان الملك ذي الملكوت، سبحان رب العرش ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبداً أبداً، فينزل تعالى جل ذكره يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرشُ إلى مناكبهم. قال: فيضع الله جل ذكره كرسيه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي بنداء يسمع الخلائق فيقول: يا [معشر الجن] والإنس [إني] قد أنصت من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا إليَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا [يلم] إلا نفسه. قال: ثم يأمر الله جل وعز جهنم فيخرج منها عنق ساطع [مظلم] يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ فيتميز الناس ويجثون، [وهي] التي يقول الله تعالى جل ذكره: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾ إلى ﴿تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقضي الله جل ثناؤه بين خلقه الجن والإنس والبهائم، فإنه [ليقيدُ] يومئذ للجماء من ذات القرن، حتى إذا لم تبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله تعالى: كوني تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً! [قال]: ثم يقضي الله جل ذكره بين الجن والإنس ووقع [التكرير] في (دكاً دكاً) و (صفاً صفاً) على معنى: دكاً (بعد دكاً) [وصفاً] بعد صف. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال ابن مسعود: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودنها وقاله ابن وائل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ﴾. أي: يتذكر تفريطه في الدنيا في طاعة الله، ومن أي وجه له الذكرى في ذلك اليوم وقد حيل بينه وبين العمل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. أي: يتلهف ويتندم فيقول: يا ليتني قدمت في الدنيا عملاً صالحاً لحياتي هذه التي لا موت بعدها فينجيني ذلك العمل من عذاب الله تعالى وسخطه ويقربني من رضوانه وجنته. فالمعنى: قدمت لآخرتي (التي) هي الحياة الدائمة، دليله قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] أي: لهي الحياة. وقيل: المعنى قدمت لأحيا،، لأن أهل النار ليسوا بأحياء ولا أموات، بدلالة قوله: ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ [طه: ٧٤]. قال قتادة: "هناكم والله الحياة الطويلة". وقال مجاهد: "لحياتي": "للآخرة". وقيل: الكلام بمعنى في والتقدير: يا ليتني قدمت (في حياتي، أي: قدمت العمل الصالح) في حياتي في الدنيا، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عدتهن. * * ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ﴿وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. من كسر الذال والثاء من ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿يُوثِقُ﴾ فمعناه: فلا يعذب - ذلك اليوم - أحد مثل عذاب الله لهم ولا يوثق أحد مثل وثاق الله لهم. وقيل: (معناه: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ ولا يوثق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذ. ومن فتح ذلك)، فمعناه: فلا يعذب أحد مثلما يعذب الكافر ولا يوثق مثلما يوثق. وقال الحسن: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً (و) وثاقاً، فقال: فيومئذ لا يعذبه عذابه أحد (في الدنيا) ولا يوثق وثاقه في الدنيا. * * ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. هذا خبر من الله - جل ذكره - عن قول الملائكة يوم القيامة لأولياء الله، والمعنى: تقول الملائكة لأولياء الله يوم القيامة، يا أيتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله [و] وعيده، فصدقت بذلك في الدنيا. قال ابن عباس: المطمئنة: "المصدقة" (وقال قتادة: "هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله"، وعنه:): المصدقة بما وعد الله. وقال مجاهد: المطمئنة: الموقنة إن الله ربها، وعنه أيضاً. المطمئنة التي أيقنت بلقاء ربها. وفي قراءة أبي: "يا أيتها النفس الآمنة". [قال الحسن: المطمئنة إذا أراد الله عز وجل قبضها اطمأنت إلى الله سبحانه واطمأن الله سبحانه إليها ورضيت من الله تعالى ورضي عنها فأمر بقبضها وإدخالها الجنة وجعله من عباده الصالحين]، وروي أن ذلك قول [الملائكة] للعبد المؤمن عند خروج نفسه [تبشره] برضاء ربه عنه وإعداد ما أعد له من الكرامة عنده. قال أبو صالح: ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هذا عند الموت ﴿فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هذا يوم القيامة. وقيل: إنه كله يوم القيامة. وإن [معنى] ﴿ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ﴾، أي: إلى صاحبك . وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك: "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد فيأتون الله كما خلقهم أول مرة" فهو على قوله أيضاً كله يوم القيامة، وهو اختيار الطبري. قال عكرمة: ﴿إِلَىٰ رَبِّكِ﴾ إلى جسد صاحبك. [وقاله] ابن جبير. فيكون أيضاً كله يوم القيامة وتكون المخاطبة للنفس ودل على ذلك قوله: ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ ودخول الجنة لا يكون إلا في القيامة. وقال الضحاك: إن معنى [فادخلي في عبادي]، [أي: طاعتي]، ﴿وَٱدْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: رحمتي فالمخاطبة - على قوله هذا - للإنسان، لا للنفس في المعنى. وإليه يذهب الفراء، ومعناه عنده أن الملائكة تقول لهم إذا أعطوا كتبهم بإيمانهم هذا، (أي): ارجعي إلى ثواب ربك.

البلد 90:1

قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. قال الأخفش: "لا" صلة، وأجاز أن تكون بمعنى "ألا". وقد قيل: إن "لا" رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: "لا" غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾. يعني محمداً ﷺ، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يعني بذلك النبي ﷺ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي صالح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له" فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: "لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): "في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: "خلق منتصباً على رجلين لم تخلق دابة على خلقه". وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء، خلق آدم في السماء. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ. فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. * * ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: "لبداً" - ([بالتشديد]) - جعله جمع "لابد". فأما من خفف، فإنه جعله جمع "لبدة". وقيل: هو واحد، "كحطم". وقرأ مجاهد: "لُبُداً" - بضمتين - جعله جمع لبود. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: "أهلكت مالاً لبداً"، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنجد في اللغة الطريق المرتفع.

البلد 90:2

قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. قال الأخفش: "لا" صلة، وأجاز أن تكون بمعنى "ألا". وقد قيل: إن "لا" رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: "لا" غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾. يعني محمداً ﷺ، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يعني بذلك النبي ﷺ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي صالح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له" فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: "لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): "في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: "خلق منتصباً على رجلين لم تخلق دابة على خلقه". وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء، خلق آدم في السماء. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ. فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. * * ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: "لبداً" - ([بالتشديد]) - جعله جمع "لابد". فأما من خفف، فإنه جعله جمع "لبدة". وقيل: هو واحد، "كحطم". وقرأ مجاهد: "لُبُداً" - بضمتين - جعله جمع لبود. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: "أهلكت مالاً لبداً"، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنجد في اللغة الطريق المرتفع.

البلد 90:3

قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. قال الأخفش: "لا" صلة، وأجاز أن تكون بمعنى "ألا". وقد قيل: إن "لا" رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: "لا" غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾. يعني محمداً ﷺ، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يعني بذلك النبي ﷺ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي صالح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له" فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: "لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): "في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: "خلق منتصباً على رجلين لم تخلق دابة على خلقه". وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء، خلق آدم في السماء. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ. فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. * * ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: "لبداً" - ([بالتشديد]) - جعله جمع "لابد". فأما من خفف، فإنه جعله جمع "لبدة". وقيل: هو واحد، "كحطم". وقرأ مجاهد: "لُبُداً" - بضمتين - جعله جمع لبود. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: "أهلكت مالاً لبداً"، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنجد في اللغة الطريق المرتفع.

البلد 90:4

قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. قال الأخفش: "لا" صلة، وأجاز أن تكون بمعنى "ألا". وقد قيل: إن "لا" رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: "لا" غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾. يعني محمداً ﷺ، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يعني بذلك النبي ﷺ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي صالح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له" فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: "لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): "في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: "خلق منتصباً على رجلين لم تخلق دابة على خلقه". وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء، خلق آدم في السماء. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ. فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. * * ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: "لبداً" - ([بالتشديد]) - جعله جمع "لابد". فأما من خفف، فإنه جعله جمع "لبدة". وقيل: هو واحد، "كحطم". وقرأ مجاهد: "لُبُداً" - بضمتين - جعله جمع لبود. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: "أهلكت مالاً لبداً"، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنجد في اللغة الطريق المرتفع.

البلد 90:5

قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. قال الأخفش: "لا" صلة، وأجاز أن تكون بمعنى "ألا". وقد قيل: إن "لا" رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: "لا" غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾. يعني محمداً ﷺ، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يعني بذلك النبي ﷺ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي صالح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له" فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: "لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): "في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: "خلق منتصباً على رجلين لم تخلق دابة على خلقه". وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء، خلق آدم في السماء. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ. فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. * * ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: "لبداً" - ([بالتشديد]) - جعله جمع "لابد". فأما من خفف، فإنه جعله جمع "لبدة". وقيل: هو واحد، "كحطم". وقرأ مجاهد: "لُبُداً" - بضمتين - جعله جمع لبود. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: "أهلكت مالاً لبداً"، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنجد في اللغة الطريق المرتفع.

البلد 90:6

قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. قال الأخفش: "لا" صلة، وأجاز أن تكون بمعنى "ألا". وقد قيل: إن "لا" رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: "لا" غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾. يعني محمداً ﷺ، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يعني بذلك النبي ﷺ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي صالح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له" فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: "لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): "في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: "خلق منتصباً على رجلين لم تخلق دابة على خلقه". وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء، خلق آدم في السماء. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ. فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. * * ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: "لبداً" - ([بالتشديد]) - جعله جمع "لابد". فأما من خفف، فإنه جعله جمع "لبدة". وقيل: هو واحد، "كحطم". وقرأ مجاهد: "لُبُداً" - بضمتين - جعله جمع لبود. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: "أهلكت مالاً لبداً"، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنجد في اللغة الطريق المرتفع.

البلد 90:7

قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. قال الأخفش: "لا" صلة، وأجاز أن تكون بمعنى "ألا". وقد قيل: إن "لا" رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: "لا" غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾. يعني محمداً ﷺ، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يعني بذلك النبي ﷺ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي صالح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له" فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: "لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): "في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: "خلق منتصباً على رجلين لم تخلق دابة على خلقه". وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء، خلق آدم في السماء. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ. فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. * * ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: "لبداً" - ([بالتشديد]) - جعله جمع "لابد". فأما من خفف، فإنه جعله جمع "لبدة". وقيل: هو واحد، "كحطم". وقرأ مجاهد: "لُبُداً" - بضمتين - جعله جمع لبود. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: "أهلكت مالاً لبداً"، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنجد في اللغة الطريق المرتفع.

البلد 90:8

قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. قال الأخفش: "لا" صلة، وأجاز أن تكون بمعنى "ألا". وقد قيل: إن "لا" رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: "لا" غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾. يعني محمداً ﷺ، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يعني بذلك النبي ﷺ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي صالح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له" فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: "لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): "في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: "خلق منتصباً على رجلين لم تخلق دابة على خلقه". وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء، خلق آدم في السماء. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ. فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. * * ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: "لبداً" - ([بالتشديد]) - جعله جمع "لابد". فأما من خفف، فإنه جعله جمع "لبدة". وقيل: هو واحد، "كحطم". وقرأ مجاهد: "لُبُداً" - بضمتين - جعله جمع لبود. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: "أهلكت مالاً لبداً"، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنجد في اللغة الطريق المرتفع.

البلد 90:9

قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. قال الأخفش: "لا" صلة، وأجاز أن تكون بمعنى "ألا". وقد قيل: إن "لا" رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: "لا" غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾. يعني محمداً ﷺ، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يعني بذلك النبي ﷺ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي صالح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له" فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: "لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): "في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: "خلق منتصباً على رجلين لم تخلق دابة على خلقه". وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء، خلق آدم في السماء. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ. فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. * * ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: "لبداً" - ([بالتشديد]) - جعله جمع "لابد". فأما من خفف، فإنه جعله جمع "لبدة". وقيل: هو واحد، "كحطم". وقرأ مجاهد: "لُبُداً" - بضمتين - جعله جمع لبود. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: "أهلكت مالاً لبداً"، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنجد في اللغة الطريق المرتفع.

البلد 90:10

قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. قال الأخفش: "لا" صلة، وأجاز أن تكون بمعنى "ألا". وقد قيل: إن "لا" رد لكلامهم. ثم ابتداء: (أقسم) بهذا البلد، وهو قول مجاهد والمعنى: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: "لا" غير زائدة - والمعنى أن الله جل ذكره يقول لنبيه: لا أقسم بهذا البلد بعد خروجك منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾. يعني محمداً ﷺ، (أي): وأنت حلال يا محمد بهذا البلد تصنع فيه [ما شئت] من قتل من أردت قتله وأسر من أردت أسره، [ما شئت من ذلك مطلق لك]، يقال: حل وحلال بمعنى. قال ابن عباس: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ يعني بذلك النبي ﷺ، أحل (الله) (له) يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء، فقتل ابن خطل يومئذ صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة. ولم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها (أحداً). قال مجاهد: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾، أحل لنبيه أن يصنع ما شاء فيها. [وقال] ابن زيد: لم يكن [بها أحد] حلالاً غير النبي ﷺ، كان كل من كان [بها]. حراماً، لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ولا يستحلوا حرمة فأحله الله جل وعز لرسوله، فقال المشركين (فيه). وقال عطاء: إن الله حرم مكة لم تحل لنبي إلا لنبيكم ساعة من نهار. * * ثم قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال مجاهد: الوالد: آدم عليه السلام، وما ولد: ولده. وهو قول قتادة وأبي صالح والضحاك وسفيان. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الوالد: الذي [يلد]. ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: العاقر الذي لا يولد له" فهو عام. وقال أبو عمران الجوني: عنى بذلك إبراهيم عليه السلام وولده. وعن ابن عباس أيضاً أن الوالد: من ولد له، و (ما ولد): ولده. فهو عام أيضاً على هذا القول، كأنه قال: ووالد وولادته، وهذا اختيار الطبري. * * ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا جواب القسم والمعنى: لقد خلقنا ابن آدم من شدة [وعناء] ونصب. قال قتادة: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في مشقة لا تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة. قال الحسن: "لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وعن ابن عباس أيضاً: (في كبد): "في شدة معيشته وحمله وحياته ونبات أسنانه". وقال سفيان: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: خروج أسنانه. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: في انتصابه، خلق معتدل القامة منتصباً. وعنه قال: خلق ابن آدم مستوياً، وخلق كل دابة على أربع. وقال عبد الله بن شداد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: معتدل القامة. وقاله أبو صالح. وقال الضحاك: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: "خلق منتصباً على رجلين لم تخلق دابة على خلقه". وقال الحسن: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: يكابد [مضايق] الدنيا وشدائد الآخرة. وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم...، (فلا يزال) في مكابدة. وقال ابن زيد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ في السماء، خلق آدم في السماء. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. يروى أنها نزلت في رجل [بعينه] من بني جمح كان يدعى [أبا الأشدين]، وكان شديداً قوياً. يروى أنه كان يأخذ الأديم فيجعله تحت قدمه ويجذبه (عشرة) حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان معادياً لرسول الله ﷺ. فالمعنى: أيحسب هذا القوي أن لن يقهره أحد؟! فالله غالبه. * * ثم قال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً﴾. أي: يقول هذا القوي: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد، وهو كاذب في قوله. واللبد: الكثير من التلبد، وهو الكثير بعضه على بعض. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اللبد: المال الكثير. وقرأ أبو جعفر: "لبداً" - ([بالتشديد]) - جعله جمع "لابد". فأما من خفف، فإنه جعله جمع "لبدة". وقيل: هو واحد، "كحطم". وقرأ مجاهد: "لُبُداً" - بضمتين - جعله جمع لبود. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن هذا القائل (إني) أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﷺ، أن لم يره أحد في حال إنفاقه ما يزعم أنه أنفقه؟! وإنما قال ذلك تندماً على أن أنفق. وقيل: قاله افتخاراً. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾. أي: ألم نجعل لهذا القائل: "أهلكت مالاً لبداً"، عينين يبصر بهما حجج الله عليه، ولساناً وشفتين نعمة من الله عليه؟! قال قتادة: نعم الله متظاهرة عليك، يعرفك بها كيما تشكر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ﴾. أي: الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، كقوله: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣]. هذا قول ابن مسعود. وقال ابن عباس: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الهدى والضلال. وهو معنى قول مجاهد وعكرمة وابن زيد. وروي ذلك عن النبي ﷺ. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ٱلنَّجْدَينِ﴾: الثديين، [سبيل] اللبن. وقال الضحاك، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والنجد في اللغة الطريق المرتفع.

البلد 90:11

قوله تعالى: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ إلى آخر السورة. أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. قال ابن عباس: "العقبة جبل في جهنم". وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسر. وقال كعب: العقبة "[سبعون] درجة في جهنم". وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به: لم يفعل ما أمر به، ومثل ذلك بالعقبة لصعوبته وصعوبة جواز العقبة. وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾. أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية. قال الحسن: "ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل النبي ﷺ عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: "أكثرها ثمناً" وقال ﷺ: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]: * * ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. أي: وهو أيضاً أن يطعم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. "ذا قرابة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: "ليس له مأوى إلا التراب"، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. وقيل: معناه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم "ترب الرجل" إذا افتقر. وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير. وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ "ذا عيال لاصقين بالأرض من المسكنة". وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. وقوله ﷺ: "فعليك بذات الدين تربت يمينك"، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك]. ونظيره: "[وللعاهر] الحجر"، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. ويقال: "فلان ترب فلان"، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، الواحدة: تريبة، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾. قيل: "ثم" بمعنى "الواو"، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال. وقيل: "ثم" على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم وغيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له]. وقيل: المعنى على هذا، و "ثم" بمعنى الواو. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله وهو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، "فثم" على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا. (ومعنى) الكلام أنك تقول "أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني"، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنما هو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل" إخبارك الآن. فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. * * وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾. قال ابن عباس: "بمرحمة الناس". * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: ذات اليمين في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾. أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. * * ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: "مطبقة" وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد. والهمز وتركه في "موصدة" لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته]. * * وقوله: ﴿بِٱلوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: "بالأصيد.

البلد 90:12

قوله تعالى: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ إلى آخر السورة. أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. قال ابن عباس: "العقبة جبل في جهنم". وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسر. وقال كعب: العقبة "[سبعون] درجة في جهنم". وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به: لم يفعل ما أمر به، ومثل ذلك بالعقبة لصعوبته وصعوبة جواز العقبة. وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾. أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية. قال الحسن: "ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل النبي ﷺ عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: "أكثرها ثمناً" وقال ﷺ: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]: * * ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. أي: وهو أيضاً أن يطعم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. "ذا قرابة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: "ليس له مأوى إلا التراب"، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. وقيل: معناه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم "ترب الرجل" إذا افتقر. وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير. وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ "ذا عيال لاصقين بالأرض من المسكنة". وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. وقوله ﷺ: "فعليك بذات الدين تربت يمينك"، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك]. ونظيره: "[وللعاهر] الحجر"، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. ويقال: "فلان ترب فلان"، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، الواحدة: تريبة، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾. قيل: "ثم" بمعنى "الواو"، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال. وقيل: "ثم" على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم وغيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له]. وقيل: المعنى على هذا، و "ثم" بمعنى الواو. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله وهو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، "فثم" على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا. (ومعنى) الكلام أنك تقول "أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني"، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنما هو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل" إخبارك الآن. فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. * * وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾. قال ابن عباس: "بمرحمة الناس". * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: ذات اليمين في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾. أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. * * ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: "مطبقة" وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد. والهمز وتركه في "موصدة" لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته]. * * وقوله: ﴿بِٱلوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: "بالأصيد.

البلد 90:13

قوله تعالى: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ إلى آخر السورة. أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. قال ابن عباس: "العقبة جبل في جهنم". وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسر. وقال كعب: العقبة "[سبعون] درجة في جهنم". وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به: لم يفعل ما أمر به، ومثل ذلك بالعقبة لصعوبته وصعوبة جواز العقبة. وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾. أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية. قال الحسن: "ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل النبي ﷺ عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: "أكثرها ثمناً" وقال ﷺ: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]: * * ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. أي: وهو أيضاً أن يطعم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. "ذا قرابة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: "ليس له مأوى إلا التراب"، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. وقيل: معناه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم "ترب الرجل" إذا افتقر. وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير. وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ "ذا عيال لاصقين بالأرض من المسكنة". وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. وقوله ﷺ: "فعليك بذات الدين تربت يمينك"، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك]. ونظيره: "[وللعاهر] الحجر"، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. ويقال: "فلان ترب فلان"، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، الواحدة: تريبة، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾. قيل: "ثم" بمعنى "الواو"، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال. وقيل: "ثم" على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم وغيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له]. وقيل: المعنى على هذا، و "ثم" بمعنى الواو. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله وهو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، "فثم" على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا. (ومعنى) الكلام أنك تقول "أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني"، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنما هو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل" إخبارك الآن. فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. * * وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾. قال ابن عباس: "بمرحمة الناس". * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: ذات اليمين في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾. أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. * * ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: "مطبقة" وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد. والهمز وتركه في "موصدة" لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته]. * * وقوله: ﴿بِٱلوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: "بالأصيد.

البلد 90:14

قوله تعالى: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ إلى آخر السورة. أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. قال ابن عباس: "العقبة جبل في جهنم". وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسر. وقال كعب: العقبة "[سبعون] درجة في جهنم". وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به: لم يفعل ما أمر به، ومثل ذلك بالعقبة لصعوبته وصعوبة جواز العقبة. وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾. أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية. قال الحسن: "ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل النبي ﷺ عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: "أكثرها ثمناً" وقال ﷺ: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]: * * ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. أي: وهو أيضاً أن يطعم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. "ذا قرابة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: "ليس له مأوى إلا التراب"، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. وقيل: معناه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم "ترب الرجل" إذا افتقر. وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير. وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ "ذا عيال لاصقين بالأرض من المسكنة". وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. وقوله ﷺ: "فعليك بذات الدين تربت يمينك"، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك]. ونظيره: "[وللعاهر] الحجر"، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. ويقال: "فلان ترب فلان"، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، الواحدة: تريبة، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾. قيل: "ثم" بمعنى "الواو"، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال. وقيل: "ثم" على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم وغيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له]. وقيل: المعنى على هذا، و "ثم" بمعنى الواو. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله وهو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، "فثم" على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا. (ومعنى) الكلام أنك تقول "أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني"، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنما هو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل" إخبارك الآن. فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. * * وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾. قال ابن عباس: "بمرحمة الناس". * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: ذات اليمين في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾. أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. * * ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: "مطبقة" وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد. والهمز وتركه في "موصدة" لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته]. * * وقوله: ﴿بِٱلوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: "بالأصيد.

البلد 90:15

قوله تعالى: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ إلى آخر السورة. أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. قال ابن عباس: "العقبة جبل في جهنم". وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسر. وقال كعب: العقبة "[سبعون] درجة في جهنم". وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به: لم يفعل ما أمر به، ومثل ذلك بالعقبة لصعوبته وصعوبة جواز العقبة. وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾. أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية. قال الحسن: "ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل النبي ﷺ عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: "أكثرها ثمناً" وقال ﷺ: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]: * * ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. أي: وهو أيضاً أن يطعم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. "ذا قرابة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: "ليس له مأوى إلا التراب"، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. وقيل: معناه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم "ترب الرجل" إذا افتقر. وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير. وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ "ذا عيال لاصقين بالأرض من المسكنة". وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. وقوله ﷺ: "فعليك بذات الدين تربت يمينك"، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك]. ونظيره: "[وللعاهر] الحجر"، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. ويقال: "فلان ترب فلان"، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، الواحدة: تريبة، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾. قيل: "ثم" بمعنى "الواو"، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال. وقيل: "ثم" على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم وغيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له]. وقيل: المعنى على هذا، و "ثم" بمعنى الواو. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله وهو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، "فثم" على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا. (ومعنى) الكلام أنك تقول "أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني"، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنما هو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل" إخبارك الآن. فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. * * وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾. قال ابن عباس: "بمرحمة الناس". * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: ذات اليمين في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾. أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. * * ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: "مطبقة" وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد. والهمز وتركه في "موصدة" لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته]. * * وقوله: ﴿بِٱلوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: "بالأصيد.

البلد 90:16

قوله تعالى: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ إلى آخر السورة. أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. قال ابن عباس: "العقبة جبل في جهنم". وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسر. وقال كعب: العقبة "[سبعون] درجة في جهنم". وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به: لم يفعل ما أمر به، ومثل ذلك بالعقبة لصعوبته وصعوبة جواز العقبة. وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾. أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية. قال الحسن: "ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل النبي ﷺ عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: "أكثرها ثمناً" وقال ﷺ: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]: * * ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. أي: وهو أيضاً أن يطعم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. "ذا قرابة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: "ليس له مأوى إلا التراب"، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. وقيل: معناه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم "ترب الرجل" إذا افتقر. وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير. وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ "ذا عيال لاصقين بالأرض من المسكنة". وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. وقوله ﷺ: "فعليك بذات الدين تربت يمينك"، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك]. ونظيره: "[وللعاهر] الحجر"، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. ويقال: "فلان ترب فلان"، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، الواحدة: تريبة، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾. قيل: "ثم" بمعنى "الواو"، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال. وقيل: "ثم" على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم وغيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له]. وقيل: المعنى على هذا، و "ثم" بمعنى الواو. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله وهو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، "فثم" على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا. (ومعنى) الكلام أنك تقول "أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني"، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنما هو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل" إخبارك الآن. فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. * * وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾. قال ابن عباس: "بمرحمة الناس". * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: ذات اليمين في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾. أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. * * ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: "مطبقة" وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد. والهمز وتركه في "موصدة" لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته]. * * وقوله: ﴿بِٱلوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: "بالأصيد.

البلد 90:17

قوله تعالى: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ إلى آخر السورة. أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. قال ابن عباس: "العقبة جبل في جهنم". وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسر. وقال كعب: العقبة "[سبعون] درجة في جهنم". وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به: لم يفعل ما أمر به، ومثل ذلك بالعقبة لصعوبته وصعوبة جواز العقبة. وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾. أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية. قال الحسن: "ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل النبي ﷺ عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: "أكثرها ثمناً" وقال ﷺ: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]: * * ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. أي: وهو أيضاً أن يطعم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. "ذا قرابة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: "ليس له مأوى إلا التراب"، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. وقيل: معناه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم "ترب الرجل" إذا افتقر. وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير. وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ "ذا عيال لاصقين بالأرض من المسكنة". وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. وقوله ﷺ: "فعليك بذات الدين تربت يمينك"، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك]. ونظيره: "[وللعاهر] الحجر"، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. ويقال: "فلان ترب فلان"، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، الواحدة: تريبة، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾. قيل: "ثم" بمعنى "الواو"، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال. وقيل: "ثم" على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم وغيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له]. وقيل: المعنى على هذا، و "ثم" بمعنى الواو. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله وهو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، "فثم" على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا. (ومعنى) الكلام أنك تقول "أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني"، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنما هو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل" إخبارك الآن. فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. * * وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾. قال ابن عباس: "بمرحمة الناس". * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: ذات اليمين في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾. أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. * * ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: "مطبقة" وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد. والهمز وتركه في "موصدة" لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته]. * * وقوله: ﴿بِٱلوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: "بالأصيد.

البلد 90:18

قوله تعالى: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ إلى آخر السورة. أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. قال ابن عباس: "العقبة جبل في جهنم". وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسر. وقال كعب: العقبة "[سبعون] درجة في جهنم". وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به: لم يفعل ما أمر به، ومثل ذلك بالعقبة لصعوبته وصعوبة جواز العقبة. وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾. أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية. قال الحسن: "ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل النبي ﷺ عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: "أكثرها ثمناً" وقال ﷺ: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]: * * ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. أي: وهو أيضاً أن يطعم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. "ذا قرابة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: "ليس له مأوى إلا التراب"، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. وقيل: معناه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم "ترب الرجل" إذا افتقر. وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير. وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ "ذا عيال لاصقين بالأرض من المسكنة". وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. وقوله ﷺ: "فعليك بذات الدين تربت يمينك"، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك]. ونظيره: "[وللعاهر] الحجر"، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. ويقال: "فلان ترب فلان"، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، الواحدة: تريبة، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾. قيل: "ثم" بمعنى "الواو"، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال. وقيل: "ثم" على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم وغيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له]. وقيل: المعنى على هذا، و "ثم" بمعنى الواو. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله وهو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، "فثم" على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا. (ومعنى) الكلام أنك تقول "أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني"، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنما هو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل" إخبارك الآن. فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. * * وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾. قال ابن عباس: "بمرحمة الناس". * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: ذات اليمين في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾. أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. * * ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: "مطبقة" وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد. والهمز وتركه في "موصدة" لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته]. * * وقوله: ﴿بِٱلوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: "بالأصيد.

البلد 90:19

قوله تعالى: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ إلى آخر السورة. أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. قال ابن عباس: "العقبة جبل في جهنم". وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسر. وقال كعب: العقبة "[سبعون] درجة في جهنم". وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به: لم يفعل ما أمر به، ومثل ذلك بالعقبة لصعوبته وصعوبة جواز العقبة. وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾. أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية. قال الحسن: "ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل النبي ﷺ عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: "أكثرها ثمناً" وقال ﷺ: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]: * * ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. أي: وهو أيضاً أن يطعم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. "ذا قرابة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: "ليس له مأوى إلا التراب"، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. وقيل: معناه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم "ترب الرجل" إذا افتقر. وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير. وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ "ذا عيال لاصقين بالأرض من المسكنة". وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. وقوله ﷺ: "فعليك بذات الدين تربت يمينك"، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك]. ونظيره: "[وللعاهر] الحجر"، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. ويقال: "فلان ترب فلان"، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، الواحدة: تريبة، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾. قيل: "ثم" بمعنى "الواو"، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال. وقيل: "ثم" على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم وغيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له]. وقيل: المعنى على هذا، و "ثم" بمعنى الواو. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله وهو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، "فثم" على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا. (ومعنى) الكلام أنك تقول "أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني"، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنما هو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل" إخبارك الآن. فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. * * وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾. قال ابن عباس: "بمرحمة الناس". * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: ذات اليمين في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾. أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. * * ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: "مطبقة" وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد. والهمز وتركه في "موصدة" لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته]. * * وقوله: ﴿بِٱلوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: "بالأصيد.

البلد 90:20

قوله تعالى: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ إلى آخر السورة. أي: فلم يقتحم، أي: لم يركب هذا القوي الشديد العقبة فيقطعها ويجوزها بالإيمان والعمل الصالح، فهو خاص يراد به العموم. قال ابن عباس: "العقبة جبل في جهنم". وقال الحسن: هي عقبة في جهنم. وقال قتادة: [للنار] عقبة دون الجسر. وقال كعب: العقبة "[سبعون] درجة في جهنم". وقيل: معناه أنه تمثيل يراد به: لم يفعل ما أمر به، ومثل ذلك بالعقبة لصعوبته وصعوبة جواز العقبة. وقال ابن زيد: ﴿فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ [أي]: فلم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾. أي: ما [اقتحام] العقبة؟! [أي]: وأي شيء أشعرك يا محمد ما اقتحام العقبة؟! ثم بين ما هو فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: اقتحامها والنجاة منها هو فك رقبة من الرق [وأسر] العبودية. قال الحسن: "ذكر لنا أنه ليس مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار. وسئل النبي ﷺ عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ فقال: "أكثرها ثمناً" وقال ﷺ: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار ثم خير أيضاً في اقتحام العقبة، [فقال]: * * ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. أي: وهو أيضاً أن يطعم في يوم ذي مجاعة يتيماً لا أب له من قرابتك والمقربة والقرابة واحد. قال ابن زيد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. "ذا قرابة". * * ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي: ذا [لصوق] بالتراب قال مجاهد: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: "ليس له مأوى إلا التراب"، يعني: المسكين المطروح في التراب ليس له شيء يقيه من التراب. وقيل: معناه: أو مسكينا ذا فقر، من قولهم "ترب الرجل" إذا افتقر. وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: كثير الحاجة، وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: ذا عيال وكبر سن ليس بينك وبينه قرابة وقاله ابن جبير. وقال الضحاك: ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ "ذا عيال لاصقين بالأرض من المسكنة". وعن ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: هو الرجل يخرج إلى حاجته ثم يرد وجهه منقلباً إلى بيته يستيقن أن ليس فيه إلا التراب. وقال سفيان: هم المطروحون في ظهر الطريق، لا بيت لهم. [يقال]: تربت يد الرجل: إذا افتقر، أي: ليس يحصل في يده إلا التراب. وقوله ﷺ: "فعليك بذات الدين تربت يمينك"، معناه: افتقرت يمينك إن فاتتك، أي: لا يحصل في يمينك إلا التراب إن [فاتتك]. ونظيره: "[وللعاهر] الحجر"، أي: لا يحصل في يد الزاني بأمة على فراش غيره من الولد إلا التراب، أي: لا شيء (له) فيه. ويقال: أترب الرجل إذا استغنى، أي: صار المال عنده ككثرة التراب. ويقال: "فلان ترب فلان"، [أي: ولداً] في وقت واحد فربا على التراب في وقت. ومن هذا، قيل لضلوع الصدر: ترائب، الواحدة: تريبة، لأنها مستوية ليست منحنية كغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾. قيل: "ثم" بمعنى "الواو"، والمعنى: وكان من الذين آمنوا [بفعله] هذه الخصال. وقيل: "ثم" على بابها والمعنى: ثم ضم الإيمان إلى هذا الفعل الذي يفعله المسلم وغيره، لأن فك الرقاب وإطعام الطعام شيء يفعله المشرك كما يفعله المسلم، فإذا ضم الإيمان معه كان نافعاً [له]. وقيل: المعنى على هذا، و "ثم" بمعنى الواو. وقيل: المعنى: ثم كان من الذين يؤمنون أن [هذا] نافعهم عند الله. [ففعله] إنما كان وهو مؤمن بالله، ولم يفعله وهو غير مؤمن ثم آمن، إنما فعله وهو مؤمن ثم (آمن) بعد فعله أنه نافعه، "فثم" على بابها، فتقديره: ثم كان من الذين آمنوا [بنفع] ما يفعلون من البر لهم عند الله. ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ﴾، أي: وتواصوا بالدوام على ذلك الفعل (و) على أنه نافعهم عند الله. وقيل: بالصبر على ما نالهم في ذات الله. وقال (الفضيل): بالصبر عن معاصي الله، وقيل: معنى ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾: ثم أخبرهم بهذا. (ومعنى) الكلام أنك تقول "أحسنت إلى فلان (وفعلت به) ثم هو يذمني"، فليس إخبارك بذمه لك كان بعد قولك الآن، إنما هو شيء كان قبل إخبارك الآن بما فعلت به من الإحسان، فذمه لك وقع بعد إحسانك إليه و [قبل" إخبارك الآن. فالإيمان في الآية ثابت قبل فعله ما تقتحم به العقبة وإن كان الإخبار وقع عنه بعد ذكر الاقتحام. وقيل: معناه: ثم ثبت على الإيمان، ففعله كان أولاً وهو مؤمن، ثم ثبت على الإيمان ولم يبدله. * * وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾. قال ابن عباس: "بمرحمة الناس". * * ثم قال: ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي: ذات اليمين في الجنة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾. أي: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. * * ثم قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: "مطبقة" وقاله مجاهد والضحاك وقتادة. وقال قتادة: أطبقها الله عليهم، فلا ضوء فيها ولا فروج ولا خروج منها آخر الأبد. والهمز وتركه في "موصدة" لغتان، يقال: آصدت (الباب) وأوصدته، بمعنى: [أطبقته]. * * وقوله: ﴿بِٱلوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، يدل على (معنى) أوصدت، ولو كان من آصدت لكان: "بالأصيد.

الشمس 91:1

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:2

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:3

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:4

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:5

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:6

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:7

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:8

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:9

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:10

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:11

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:12

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:13

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:14

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.

الشمس 91:15

قوله تعالى: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى آخرها. هذا قسم، يقسم ربنا بما شاء. والتقدير: ورب الشمس. * * وقوله: ﴿وَضُحَاهَا﴾ يعني: ونهار الشمس. قاله قتادة والفراء. وهو اختيار الطبري. وكذلك قوله: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ [الضحى: ١]، هو عند الفراء: النهار كله. وقال مجاهد: وضحاها: "وضوءها". والضحى عند العرب إذا طلعت الشمس بعد ذلك. وهي مؤنثة مقصورة، فإذا ارتفع النهار قيل: الضحاء. فتح الضاد والمد مذكراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾. أي: إذا اتبع الشمس. وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تبعها القمر طالعا. هذا قول مجاهد وغيره. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلاَهَا﴾، يعني "صبيحة الهلال، فإذا سقطت الشمس رئي الهلال". وقال ابن زيد: (القمر) يتلو الشمس نصف الشهر الأول، وتتلوه النصف الآخر، فأما النصف (الأول فهو يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها، فإذا كان النصف) الآخر كان هو أمامها يقدمها، وتليه الشمس. وقال الفراء: تلاها: أخذ منها. يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا﴾. أي: جلى الشمس بإضاءته. وقال قتادة: "جلاها": "إذا غشيها النهار". وقال الفراء: إذا جلى الظلمة، أي: أذهبها بضوء، فأضمر الظلمة في ﴿جَلاَّهَا﴾، ولم يجر لها ذكر، وفيه بعد. وقيل: "جلاها"، أي: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. أي: والليل إذا يغشى الشمس. وذلك حين [تغيب] فتظلم الآفاق. * * ثم قال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال الطبري: "ما" بمعنى "من"، كما قال تعالى ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، فأتت ("ما") في موضع "من"، أي: ومن ولد، لأنه أقسم بآدم وولده. وروي عن مجاهد أنه قال: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾: الله جل وعز [بنى] السماء. وقال المبرد: "[ما]" والفعل: مصدر، أي: والسماء [وبنائها]، ومثله في الاختلاف والتقدير: ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. (ومعنى): ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: بسطها يميناً وشمالاً ومن كل جانب. وقال ابن عباس): "وما خلق فيها"، "فما" - على هذا - على وجهها، ليست بمعنى "من"، ولا [هي] - مع الفعل - مصدر، بل بمعنى: "الذي". وقال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ "دحاها". وقال ابن زيد وأبو صالح: ﴿طَحَاهَا﴾ "بسطها". وعن ابن عباس أيضا: ﴿طَحَاهَا﴾ "قسمها". * * ثم قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. أي: ومن سواها، يعني نفسه جل ذكره، لأنه سوى النفس فخلقها فعدل خلقها، ويجوز أن تكون [ما] والفعل مصدراً أي: ونفسي وتسويتها. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. [أي]: فبين لها ما ينبغي أن تأتي [وتذر] من خير أو شر. وقال ابن عباس: "بين الخير والشر"، وعنه: "علمها الطاعة والمعصية". قال مجاهد: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: "عرفها". وقال قتادة: بين لها ذلك وقال الضحاك وسفيان: "بين لها الطاعة والمعصية". [وقال] ابن زيد: معناه: "جعل فيها فجورها وتقواها". (و) عن النبي عليه السلام: "من كان الله خلقه لإحدى المنزلين [يهيئه] (لها). يريد السعادة والشقاء، ثم قال ﷺ: وتصديق ذلك في كتاب الله جل وعز: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وهذا فيه أعظم حجة على القدرية أن كل امرئ ميسر لما قدر عليه قبل أن يخلق، فمن كان قد قضى الله له السعادة يسر إلى عمل أهل السعادة، ومن كان (قد) قضى (الله) له بالشقاء يسر إلى عمل أهل الشقوة، ولا يكون [ذلك منه] ظلماً لخلقه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قد علم قبل خلقهم ما هم عاملون، فخلقهم على ما تقدم من علمه بهم فجاؤوا على مثل ذلك: مؤمن وكافر، وشقي وسعيد. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أي: قد نجا وفاز من زكى نفسه فطهرها ونماها بالإيمان والعمل الصالح، والزكاة أصلها النماء والزيادة. وهذا جواب القسم على تقدير حذف اللام، أي: لقد أفلح من زكاها، وهو قول الأخفس. والتمام عنده على ﴿زَكَّاهَا﴾. وقيل: إنه لا تقدير حذف في هذا، وهو جواب القسم بغير لام على التقديم والتأخير، (والتقدير): قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها، كما تقول: "قد نام زيد، والله، قد خرج الأمير، والله، وهذا قول أبي حاتم. و (قد) قيل: معنى الآية: قد أفلح من زكى الله نفسه. قاله ابن زيد وابن أبي طلحة وفيه بعد في العربية، لأنه لا يعود على "من" [شيء] لصلتها، لأن الضمير المرفوع في "زكى": "الله"، والهاء للنفس، ويبعد أن تجعل "من" (للنفس، ولكن يجوز ذلك على حيلة، وهي أن تجعل "من") للفرقة أو الطائفة ونحوها، فتكون الهاء في "زكاها" تعود على "من" على المعنى، [فيكون المعنى]: قد أفلحت الفرقة التي [طهرها] الله للتوفيق لطاعته. والأول هو قول عكرمة وقتادة، وهو حسن، لا يحتاج إلى حيلة، يكون الضمير في "زكى" يعود على "من"، والهاء تعود على النفس والتقدير: قد أفلح الإنسان الذي طهر نفسه بالعمل الصالح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. أي: وقد خسر النجاء والفوز من دسى نفسه بالعمل الخبيث والكفر، فوضع منها وأوردها غضب الله. وقيل: معناه وقد خسر من [دسى] الله نفسه فخذله حتى مات على كفره. وتكون "من" (أيضاً) - على هذا القول - للفرقة أو الطائفة لتعود الهاء على "من". وأصله: [دسها]، لأنه من دس [ودست]، ولكن أبدل من إحدى السينين ياء، كما قالوا: "قصَّيت أظفاري"، بمعنى: قصصت. وكما قالوا: ["تظنيت هذا الأمر" بمعنى: تظننته]. وكما قال العجاج: تَقَضيِّ البازي إذا البازي كسر. يريد: تَقَضُّضَ البازي، فأبدل من الضاد الثانية ياء، وكسر الأولى لتصح. وقال آخر: رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت. (يريد "أما"، فأبدل من الميم الأولى ياء). * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾. أي: كذبت ثمود - وهم قوم صالح - بطغيانهم، أي: بعذابهم الذي أوعدهم به صالح. وسمي العذاب طغياناً، لأنه طغى عليهم وعتا فأهلكهم كما قال: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. [أي: بالعذاب الذي اسمه الطاغية]. ودل على ذلك قوله بعد ذلك: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، فذكر العذاب الذي عذب به [الإنسان]، وسماه. قال ابن عباس: اسم العذاب إلى جاء ثمود: الطغوى، (فقال: كذبت ثمود بعذابها، وتقديره: بعذاب) طغواها. وقال محمد بن كعب القرظي: معناه: كذبت ثمود بعصيتهم الله. فيكون "طغوى" بمعنى: طغيان، وهما مصدران، لكن أتى هنا على [فعلى]، لأنه أشبه برؤوس الآتي. وعنه أيضاً: [أن] معناه: كذبت ثمود بأجمعها. رواه ابن وهب عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: إذ ثار أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. وحكى الفراء أن ﴿أَشْقَاهَا﴾ [لاثنين]، قدار وآخر، وشبهه بقول (الشاعر): ؎ ألا بكر "النَّاعي"، [بخير] بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد فقال "بخير"، ثم أتى باثنين، وشبهه (بقولهم): "هذان أفضل الناس، وهذان خيرُ الناس. وفي هذا بعد لأن ظاهر الخطاب لا يخرج على حده إلا بدليل، ولا دليل في الآية (يدل) على أنهما اثنان. وقد قال النبي ﷺ في خبر صالح وناقته: "انتدب لها رجل"ولم يقل: رجلان. وقال في خطبة (له) إذا ذكر الناقة والذي عقرها - قال: ﴿إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انبعث لها رجل عزيز عارم ممنع في رهطه مثل أبي زمعة. قال قتادة: "إذا انبعث أشقاها" "احيمر ثمود". * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. أي: احذروا ناقة الله وسقياها، أي: [لا تؤذوها] ولا تحولوا بينها وبين شربها لكم يوم، ولها يوم. قال قتادة: "ناقة الله وسقياها" أي: "[قسم] الله الذي قسم لها من هذا الماء". قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحاً في الخبر الذي أخبرهم عن الله أن للناقة شرب، يوم، ولهم شرب يوم (معلوم)، وأن الله ينزل بهم نقمته إن عقروها، وذلك أنهم كانوا سلموا للناقة شرب يوم ولهم شرب يوم، ثم بدا لهم فكذبوا صالحاً في ما قال لهم، وأجمعوا على عقرها ومنعها الشرب، وعن رضاء جميعهم عقرها من عقرها، فلذلك نسب العقر إلى جميعهم (وإن كان عاقرها واحد.، لأنهم لما رضوا بذلك كانوا كالفاعلين له فنسب التكذيب والعقر إلى جميعهم). * * ثم قال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. أي: فسوى الدمدمة عليهم جميعاً فلم يفلت منهم أحد. ودل "دمدم" على الدمدمة. وقال الفراء: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [أي]: فسوى بينهم العقوبة، فلم يبق منهم أحداً، ومعنى "دمدم": دمر. وقال الفراء: أرجف. وذنبهم: هو تكذيبهم لصالح وعقرهم للناقة، ووحدة، لأنه مصدر. قال قتادة: ذكر (لنا) أن أحيمر (ثمود أبى) أن يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما [اشترك] القوم في عقرها، دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها. وقال الحسن: "لما عقروا الناقة طلبوا فصيلها، فصار في قارة الجبال، فقطع الله عز وجل قلوبهم". * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. أي: فلا يخاف الله تبعة دمدمته عليهم، قال ابن عباس: "لا يخاف الله من أحد تابعة". وقال الحسن: ذلك ربنا لا يخاف منهم تبعة فيما صنع بهم. وهو قول مجاهد. [فالضمير] في "يخاف" لله جل ذكره. وقال الضحاك: معناه: [فلم يخف الذي عقرها عقبى فعله. وهو قول السدي. فالضمير في "يخاف" للعاقر. وقال إبراهيم بن عرفة: من قرأ بالفاء: "فلا يخاف" فالضمير في "يخاف": الله، [لا غيرة]. ومن قرأ: "ولا يخاف"، بالواو، فالضمير للعاقر. وقال غيره: يجوز أن يكون لله أيضاً على قراءة من [قرأ] بالواو، فإذا جعلته للعاقر لم تقف على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وإذا جعلته لله، وقفت على ﴿فَسَوَّاهَا﴾، وكذلك [يقف] على ﴿فَسَوَّاهَا﴾ من قرأ بالفاء، لأن الضمير لله جل ذكره.