Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — النساء 4:103 – المائدة 5:95

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. النساء 4:103
  2. النساء 4:104
  3. النساء 4:111
  4. النساء 4:113
  5. النساء 4:114
  6. النساء 4:117
  7. النساء 4:118
  8. النساء 4:119
  9. النساء 4:123
  10. النساء 4:125
  11. النساء 4:127
  12. النساء 4:128
  13. النساء 4:129
  14. النساء 4:130
  15. النساء 4:133
  16. النساء 4:139
  17. النساء 4:140
  18. النساء 4:141
  19. النساء 4:142
  20. النساء 4:145
  21. النساء 4:153
  22. النساء 4:154
  23. النساء 4:156
  24. النساء 4:160
  25. النساء 4:165
  26. النساء 4:171
  27. النساء 4:174
  28. النساء 4:176
  29. المائدة 5:1
  30. المائدة 5:2
  31. المائدة 5:5
  32. المائدة 5:6
  33. المائدة 5:15
  34. المائدة 5:27
  35. المائدة 5:32
  36. المائدة 5:35
  37. المائدة 5:41
  38. المائدة 5:42
  39. المائدة 5:44
  40. المائدة 5:45
  41. المائدة 5:47
  42. المائدة 5:51
  43. المائدة 5:52
  44. المائدة 5:54
  45. المائدة 5:66
  46. المائدة 5:67
  47. المائدة 5:71
  48. المائدة 5:74
  49. المائدة 5:75
  50. المائدة 5:78
  51. المائدة 5:89
  52. المائدة 5:90
  53. المائدة 5:95

النساء 4:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الصَّلاةَ كانَتْ ولَمْ تَزَلْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا، أيْ: شَيْئًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِمْ واجِبًا حَتْمًا مَوْقُوتًا، أيْ: لَهُ أوْقاتٌ يَجِبُ بِدُخُولِها ولَمْ يُشِرْ هُنا إلى تِلْكَ الأوْقاتِ، ولَكِنَّهُ أشارَ لَها في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، فَأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وهو زَوالُها عَنْ كَبِدِ السَّماءِ عَلى التَّحْقِيقِ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ؛ وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وهو ظَلامُهُ إلى صَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ؛ وأشارَ بِقَوْلِهِ: (p-٢٨٠)﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالقُرْآنِ بِمَعْنى القِراءَةِ؛ لِأنَّها رُكْنٌ فِيها مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ الشَّيْءِ بِاسْمِ بَعْضِهِ. وَهَذا البَيانُ أوْضَحَتْهُ السُّنَّةُ إيضاحًا كُلِّيًّا، ومِنَ الآياتِ الَّتِي أُشِيرَ فِيها إلى أوْقاتِ الصَّلاةِ كَما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨]، قالُوا: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ في هَذِهِ الآيَةِ الصَّلاةُ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى صَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ، وبِقَوْلِهِ: وعَشِيًّا إلى صَلاةِ العَصْرِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، وأقْرَبُ الأقْوالِ في الآيَةِ أنَّهُ أشارَ بِطَرَفَيِ النَّهارِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ أوَّلَهُ وصَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ آخِرَهُ أيْ: في النِّصْفِ الأخِيرِ مِنهُ وأشارَ بِزُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ إلى صَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يُحْتَمَلُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وكانَ الواجِبُ قَبْلَها صَلاتانِ: صَلاةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وصَلاةً قَبْلَ غُرُوبِها، وقِيامَ اللَّيْلِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِطَرَفَيِ النَّهارِ بِالصَّلاةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها، والمُرادُ بِزُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ قِيامُ اللَّيْلِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاحْتِمالَ الَّذِي ذَكَرَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِعِيدٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي اليَسَرِ في المَدِينَةِ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلَواتِ بِزَمَنٍ فَهي عَلى التَّحْقِيقِ مُشِيرَةٌ لِأوْقاتِ الصَّلاةِ، وهي آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ وهَذِهِ تَفاصِيلُ أوْقاتِ الصَّلاةِ بِأدِلَّتِها المُبَيِّنَةِ لَها مِنَ السُّنَّةِ، ولا يَخْفى أنَّ لِكُلِّ وقْتٍ مِنها أوَّلًا وآخِرًا، أمّا أوَّلُ وقْتِ الظُّهْرِ فَهو زَوالُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ، أمّا الكِتابُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، فاللّامُ لِلتَّوْقِيتِ ودُلُوكُ الشَّمْسِ زَوالُها عَنْ كَبِدِ السَّماءِ عَلى التَّحْقِيقِ. وَأمّا السُّنَّةُ فَمِنها حَدِيثُ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَها الأُولى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ» . . . الحَدِيثَ، ومَعْنى تَدْحَضُ: تَزُولُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ. وَفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: حِينَ تَزُولُ، وفي ”الصَّحِيحَيْنِ“ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كانَ (p-٢٨١)النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهاجِرَةِ»، وفي ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ «خَرَجَ حِينَ زاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلّى الظُّهْرَ»، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”أمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ بابِ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ»“ الحَدِيثَ، أخْرَجَهُ الإمامانِ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ في ”المُسْتَدْرَكِ“، وقالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، فَإنْ قِيلَ في إسْنادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي الزِّنادِ، وحَكِيمُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ عَبّادِ بْنِ حُنَيْفٍ وكُلُّهم مُخْتَلَفٌ فِيهِمْ، فالجَوابُ: أنَّهم تُوبِعُوا فِيهِ فَقَدْ أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ العُمَرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ نافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. قالَ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ: هي مُتابَعَةٌ حَسَنَةٌ، وصَحَّحَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، مَعَ أنَّ بَعْضَ رِواياتِهِ لَيْسَ في إسْنادِها عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي الزِّنادِ بَلْ سُفْيانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ المَذْكُورِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ المَذْكُورِ، فَتَسْلَمُ هَذِهِ الرِّوايَةُ مِنَ التَّضْعِيفِ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي الزِّنادِ، ومِن هَذِهِ الطَّرِيقِ أخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وقالَ: إنَّ الكَلامَ في إسْنادِهِ لا وجْهَ لَهُ، وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ مِن هَذا الوَجْهِ أبُو داوُدَ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والبَيْهَقِيُّ، وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”جاءَهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُ:“ قُمْ فَصَلِّهْ ”، فَصَلّى الظُّهْرَ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ»“ الحَدِيثَ، أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ. وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: قالَ مُحَمَّدٌ: يَعْنِي البُخارِيَّ، حَدِيثُ جابِرٍ، أصَحُّ شَيْءٍ في المَواقِيتِ. قالَ عَبْدُ الحَقِّ: يَعْنِي في إمامَةِ جِبْرِيلَ، وهو ظاهِرٌ، وعَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ وقْتِ الصَّلاةِ، فَقالَ:“ صَلِّ مَعَنا هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ ”، فَلَمّا زالَتِ الشَّمْسُ أمَرَ بِلالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأذَّنَ ثُمَّ أمَرَهُ فَأقامَ الظُّهْرَ»“ . الحَدِيثُ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“، وعَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتاهُ سائِلٌ يَسْألُهُ عَنْ مَواقِيتِ الصَّلاةِ، إلى أنْ قالَ: ثُمَّ أمَرَهُ، فَأقامَ بِالظُّهْرِ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ، والقائِلُ يَقُولُ: قَدِ انْتَصَفَ النَّهارُ، وهو كانَ أعْلَمَ مِنهم» الحَدِيثَ، رَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا، والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَأمّا الإجْماعُ، فَقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ أوَّلَ وقْتِ صَلاةِ الظُّهْرِ هو زَوالُ (p-٢٨٢)الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ، كَما هو ضَرُورِيٌّ مِن دِينِ الإسْلامِ. * * وَأمّا آخِرُ وقْتِ صَلاةِ الظُّهْرِ، فالظّاهِرُ مِن أدِلَّةِ السُّنَّةِ فِيهِ، أنَّهُ عِنْدَما يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ ظِلِّ الزَّوالِ، فَإنَّ في الأحادِيثِ المُشارِ إلَيْها آنِفًا، أنَّهُ في اليَوْمِ الأوَّلِ صَلّى العَصْرَ عِنْدَما صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ في إمامَةِ جِبْرِيلَ، وذَلِكَ عِنْدَ انْتِهاءِ وقْتِ الظُّهْرِ، وأصْرَحُ شَيْءٍ في ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَقْتُ صَلاةِ الظُّهْرِ ما لَمْ يَحْضُرِ العَصْرُ»، وهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا جاءَ وقْتُ العَصْرِ، فَقَدْ ذَهَبَ وقْتُ الظُّهْرِ، والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْنا تَحْدِيدَهُ بِالأدِلَّةِ، هو وقْتُ الظُّهْرِ الِاخْتِيارِيُّ، وأنَّ وقْتَها الضَّرُورِيَّ يَمْتَدُّ بِالِاشْتِراكِ مَعَ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَطاءٍ، وطاوُسٍ، والظّاهِرُ أنَّ حُجَّةَ أهْلِ هَذا القَوْلِ الأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى اشْتِراكِ الظُّهْرِ والعَصْرِ في الوَقْتِ، فَمِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُشارِ إلَيْهِ سابِقًا «فَصَلّى الظُّهْرَ في اليَوْمِ الثّانِي في الوَقْتِ الَّذِي صَلّى فِيهِ العَصْرَ في الأوَّلِ»، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ، ولا سَفَرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ”مِن غَيْرِ خَوْفٍ، ولا مَطَرٍ“ فاسْتَدَلُّوا بِهَذا عَلى الِاشْتِراكِ، وقالُوا أيْضًا: الصَّلَواتُ زِيدَ فِيها عَلى بَيانِ جِبْرِيلَ في اليَوْمِ الثّانِي، فَيَنْبَغِي أنْ يُزادَ في وقْتِ الظُّهْرِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الظّاهِرُ سُقُوطُ هَذا الِاسْتِدْلالِ، أمّا الِاسْتِدْلالُ عَلى الِاشْتِراكِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ ”فَصَلّى الظُّهْرَ في اليَوْمِ الثّانِي في الوَقْتِ الَّذِي صَلّى فِيهِ العَصْرَ في اليَوْمِ الأوَّلِ“ فَيُجابُ عَنْهُ بِما أجابَ بِهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وهو أنَّ مَعْنى صَلاتِهِ لِلظَّهْرِ في اليَوْمِ الثّانِي فَراغُهُ مِنها، كَما هو ظاهِرُ اللَّفْظِ، ومَعْنى صَلاتِهِ لِلْعَصْرِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، في اليَوْمِ الأوَّلِ ابْتِداءُ الصَّلاةِ، فَيَكُونُ قَدْ فَرَغَ مِن صَلاةِ الظُّهْرِ في اليَوْمِ الثّانِي عِنْدَ كَوْنِ ظِلِّ الشَّخْصِ مِثْلَهُ، وابْتَدَأ صَلاةَ العَصْرِ في اليَوْمِ الأوَّلِ عِنْدَ كَوْنِ ظِلِّ الشَّخْصِ مِثْلَهُ أيْضًا، فَلا يَلْزَمُ الِاشْتِراكَ، ولا إشْكالَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ آخِرَ وقْتِ الظُّهْرِ، هو أوَّلُ وقْتِ العَصْرِ، ويَدُلُّ لِصِحَّةِ هَذا الَّذِي قالَهُ الشّافِعِيُّ، ما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «وَصَلّى الظُّهْرَ قَرِيبًا مِن وقْتِ العَصْرِ بِالأمْسِ»، فَهو دَلِيلٌ صَحِيحٌ واضِحٌ في أنَّهُ ابْتَدَأ صَلاةَ الظُّهْرِ في اليَوْمِ الثّانِي قَرِيبًا مِن وقْتِ كَوْنِ ظِلِّ الشَّخْصِ مِثْلَهُ، وأتَمَّها عِنْدَ كَوْنِ ظِلِّهِ مِثْلَهُ كَما هو ظاهِرٌ، ونَظِيرُ هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٨٣)﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فالمُرادُ بِالبُلُوغِ الأوَّلِ مُقارَبَتُهُ، وبِالثّانِي حَقِيقَةُ انْقِضاءِ الأجَلِ. وَأمّا الِاسْتِدْلالُ عَلى الِاشْتِراكِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أنَّهُ ﷺ «جَمَعَ بِالمَدِينَةِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ، ولا سَفَرٍ»، فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى الجَمْعِ الصُّورِيِّ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ، وهو أنَّهُ صَلّى الظُّهْرَ في آخِرِ وقْتِها حِينَ لَمَّ يَبْقَ مِن وقْتِها إلّا قَدْرَ ما تُصَلِّى فِيهِ، وعِنْدَ الفَراغِ مِنها دَخَلَ وقْتُ العَصْرِ فَصَلّاها في أوَّلِهِ، ومَن صَلّى الظُّهْرَ في آخِرِ وقْتِها، والعَصْرَ في أوَّلِ وقْتِها كانَتْ صُورَةُ صَلاتِهِ صُورَةَ الجَمْعِ، ولَيْسَ ثَمَّ جَمْعٌ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ أدّى كُلًّا مِنَ الصَّلاتَيْنِ في وقْتِها المُعَيَّنِ لَها، كَما هو ظاهِرٌ، وسَتَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. وَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِأنَّ الصَّلَواتِ زِيدَ فِيها عَلى بَيانِ جِبْرِيلَ، فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ تَوْقِيتَ العِباداتِ تَوْقِيفِيٌّ بِلا نِزاعٍ، والزِّيادَةُ في الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ ثَبَتَتْ بِالنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ. * * وَأمّا صَلاةُ العَصْرِ، فَقَدْ دَلَّتْ نُصُوصُ السُّنَّةِ عَلى أنَّ لَها وقْتًا اخْتِيارِيًّا، ووَقْتًا ضَرُورِيًّا، أمّا وقْتُها الِاخْتِيارِيُّ فَأوَّلُهُ عِنْدَما يَكُونُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ ظِلِّ الزَّوالِ، ويَدْخُلُ وقْتُها بِانْتِهاءِ وقْتِ الظُّهْرِ المُتَقَدِّمِ بَيانُهُ، فَفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ: «فَصَلّى العَصْرَ حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ» . وَفِي حَدِيثِ جابِرٍ المُتَقَدِّمِ أيْضًا: «فَصَلّى العَصْرَ حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مَثْلَهُ»، وهَذا هو التَّحْقِيقُ في أوَّلِ وقْتِ العَصْرِ، كَما صَرَّحَتْ بِهِ الأحادِيثُ المَذْكُورَةُ وغَيْرُها. وَقالَ الشّافِعِيُّ: أوَّلُ وقْتِ العَصْرِ إذا صارَ ظِلُّ كَلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وزادَ أدْنى زِيادَةٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ كانَ مُرادُ الشّافِعِيِّ أنَّ الزِّيادَةَ لِتَحْقِيقِ بَيانِ انْتِهاءِ الظِّلِّ إلى المِثْلِ إذْ لا يُتَيَقَّنُ ذَلِكَ إلّا بِزِيادَةٍ ما كَما قالَ بِهِ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ فَهو مُوافِقٌ لِما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ لا مُخالِفَ لَهُ، وإنْ كانَ مُرادُهُ غَيْرَ ذَلِكَ فَهو مَرْدُودٌ بِالنُّصُوصِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ أوَّلَ وقْتِ العَصْرِ عِنْدَما يَكُونُ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى زِيادَةٍ، مَعَ أنَّ الظّاهِرَ إمْكانُ تَحْقِيقِ كَوْنِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى زِيادَةٍ ما. وشَذَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن بَيْنِ عامَّةِ العُلَماءِ فَقالَ: يَبْقى وقْتُ الظُّهْرِ حَتّى يَصِيرَ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ، فَإذا زادَ عَلى ذَلِكَ يَسِيرًا كانَ أوَّلَ وقْتِ العَصْرِ. (p-٢٨٤)وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ عَنِ القاضِي أبِي الطَّيِّبِ أنَّ ابْنَ المُنْذِرِ قالَ: لَمْ يَقُلْ هَذا أحَدٌ غَيْرُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وحُجَّتُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إنَّما بَقاؤُكم فِيما سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكم كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أهْلُ التَّوْراةِ التَّوْراةَ فَعَمِلُوا حَتّى إذا انْتَصَفَ النَّهارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيراطًا قِيراطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أهْلُ الإنْجِيلِ الإنْجِيلَ، فَعَمِلُوا إلى صَلاةِ العَصْرِ فَعَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيراطًا قِيراطًا، ثُمَّ أُوتِينا القُرْآنَ فَعَمِلْنا إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينا قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ. فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: أيْ رَبَّنا، أعْطَيْتَ هَؤُلاءِ قِيراطَيْنِ قِيراطَيْنِ وأعْطَيْتَنا قِيراطًا قِيراطًا ونَحْنُ أكْثَرُ عَمَلًا ؟ قالَ اللَّهُ تَعالى: (هَلْ ظَلَمَتْكم مَن أجْرِكم مَن شَيْءٍ، قالُوا لا قالَ فَهو فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ)» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قالَ: فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ وقْتَ العَصْرِ أقْصَرُ مِن وقْتِ الظُّهْرِ ومِن حِينِ يَصِيرُ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ هو رُبُعُ النَّهارِ، ولَيْسَ بِأقَلَّ مِن وقْتِ الظُّهْرِ، بَلْ هو مِثْلُهُ. وَأُجِيبَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الحَدِيثِ ضَرْبُ المَثَلِ لا بَيانُ تَحْدِيدِ أوْقاتِ الصَّلاةِ، والمَقْصُودُ مِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى انْتِهاءِ وقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَما يَصِيرُ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ هو تَحْدِيدُ أوْقاتِ الصَّلاةِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ أخْذَ الأحْكامِ مِن مَظانِّها أوْلى مِن أخْذِها لا مِن مَظانِّها مَعَ أنَّ الحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ أحَدَ الزَّمَنَيْنِ أكْثَرُ مِنَ الآخَرِ وإنَّما فِيهِ أنَّ عَمَلَهم أكْثَرُ، وكَثْرَةُ العَمَلِ لا تَسْتَلْزِمُ كَثْرَةَ الزَّمَنِ لِجَوازِ أنْ يَعْمَلَ بَعْضُ النّاسِ عَمَلًا كَثِيرًا في زَمَنٍ قَلِيلٍ، ويَدُلُّ لِهَذا أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ وُضِعَتْ عَنْها الآصارُ والأغْلالُ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: خالَفَ أبُو حَنِيفَةَ في قَوْلِهِ هَذا الآثارَ والنّاسَ، وخالَفَهُ أصْحابُهُ، فَإذا تَحَقَّقْتَ أنَّ الحَقَّ كَوْنُ أوَّلِ وقْتِ العَصْرِ عِنْدَما يَكُونُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، مِن غَيْرِ اعْتِبارِ ظِلِّ الزَّوالِ فاعْلَمْ أنَّ آخِرَ وقْتِ العَصْرِ جاءَ في بَعْضِ الأحادِيثِ تَحْدِيدُهُ بِأنْ يَصِيرَ ظِلُّ كَلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وجاءَ في بَعْضِها تَحْدِيدُهُ بِما قَبْلَ اصْفِرارِ الشَّمْسِ، وجاءَ في بَعْضِها امْتِدادُهُ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَفي حَدِيثِ جابِرٍ وابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمَيْنِ في إمامَةِ جِبْرِيلَ في بَيانِهِ لِآخِرِ وقْتِ العَصْرِ في اليَوْمِ الثّانِي، ثُمَّ «صَلّى العَصْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ»، وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وعِنْدَ مُسْلِمٍ وأحْمَدَ، «وَوَقْتُ صَلاةِ العَصْرِ ما لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ»، وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى عِنْدَ أحْمَدَ ومُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ، ثُمَّ أخَّرَ العَصْرَ فانْصَرَفَ (p-٢٨٥)مِنها، والقائِلُ يَقُولُ: احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ، وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وعِنْدَ مُسْلِمٍ ووَقْتُ صَلاةِ العَصْرِ ما لَمْ تَصَفَرَّ الشَّمْسُ ويَسْقُطْ قَرْنُها الأوَّلُ. وَفِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «وَمَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ العَصْرَ» . والظّاهِرُ في وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ في تَحْدِيدِ آخِرِ وقْتِ العَصْرِ أنَّ مَصِيرَ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ، هو وقْتُ تَغْيِيرِ الشَّمْسِ مِنَ البَياضِ والنَّقاءِ إلى الصُّفْرَةِ، فَيُؤَوَّلُ مَعْنى الرِّوايَتَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، كَما قالَهُ بَعْضُ المالِكِيَّةِ. وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ مَن صَلّى العَصْرَ والشَّمْسُ بَيْضاءُ نَقِيَّةٌ، فَقَدْ صَلّاها في وقْتِها، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُراعاةَ المِثْلَيْنِ عِنْدَهُمُ اسْتِحْبابٌ ولَعَلَّهُما مُتَقارِبانِ يُوجَدُ أحَدُهُما قَرِيبًا مِنَ الآخَرِ. اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ. وهَذا هو انْتِهاءُ وقْتِها الِاخْتِيارِيِّ. وَأمّا الرِّواياتُ الدّالَّةُ عَلى امْتِدادِ وقْتِها إلى الغُرُوبِ، فَهي في حَقِّ أهْلِ الأعْذارِ كَحائِضٍ تَطْهُرُ، وكافِرٍ يُسْلِمُ، وصَبِيٍّ يَبْلُغُ، ومَجْنُونٍ يُفِيقُ، ونائِمٍ يَسْتَيْقِظُ، ومَرِيضٍ يَبْرَأُ، ويَدُلُّ لِهَذا الجَمْعِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تِلْكَ صَلاةُ المُنافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتّى إذا كانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطانِ قامَ فَنَقَرَها أرْبَعًا لا يَذْكُرُ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا» . فَفي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ جَوازِ تَأْخِيرِ صَلاةِ العَصْرِ إلى الِاصْفِرارِ فَما بَعْدَهُ بِلا عُذْرٍ. * * وَأوَّلُ وقْتِ صَلاةِ المَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، أيْ: غَيْبُوبَةُ قُرْصِها بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وفي حَدِيثِ جابِرٍ وابْنِ عَبّاسٍ في إمامَةِ جِبْرِيلَ: «فَصَلّى المَغْرِبَ حِينَ وجَبَتِ الشَّمْسُ»، وفي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يُصَلِّي المَغْرِبَ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وتَوارَتْ بِالحِجابِ» . أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، والإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعِ إلّا النَّسائِيَّ، والأحادِيثُ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ، واخْتُلِفَ في آخِرِ وقْتِها أعْنِي المَغْرِبَ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَيْسَ لَها إلّا وقْتٌ واحِدٌ وهو قَدْرُ ما تُصَلّى فِيهِ أوَّلَ وقْتِها مَعَ مُراعاةِ الإتْيانِ بِشُرُوطِها، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ: وهو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ، وحُجَّةُ أهْلِ هَذا القَوْلِ أنَّ جِبْرِيلَ صَلّاها بِالنَّبِيِّ ﷺ في اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ في وقْتِ صَلاتِهِ لَها في الأُولى، قالُوا: فَلَوْ كانَ لَها وقْتٌ آخَرُ لَأخَّرَها في الثّانِيَةِ إلَيْهِ كَما فَعَلَ في جَمِيعِ الصَّلَواتِ غَيْرِها. (p-٢٨٦)والتَّحْقِيقُ أنَّ وقْتَ المَغْرِبِ يَمْتَدُّ ما لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ. فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو المُتَقَدِّمِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «وَوَقْتُ المَغْرِبِ ما لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ» الحَدِيثَ. والمُرادُ بِثَوْرِ الشَّفَقِ: ثَوَرانُهُ وانْتِشارُهُ ومُعْظَمُهُ، وفي القامُوسِ أنَّهُ حُمْرَةُ الشَّفَقِ الثّائِرَةُ فِيهِ، وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى المُتَقَدِّمِ عِنْدَ أحْمَدَ ومُسْلِمٍ وحَدِيثِ بِرَيْدَةَ المُتَقَدِّمِ عِنْدَ أحْمَدَ ومُسْلِمٍ وأصْحابِ السُّنَنِ الأرْبَعِ ثُمَّ أخَّرَ المَغْرِبَ حَتّى كانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، وفي لَفْظٍ: «فَصَلّى المَغْرِبَ قَبْلَ سُقُوطِ الشَّفَقِ»، والجَوابُ عَنْ أحادِيثِ إمامَةِ جِبْرِيلَ حَيْثُ صَلّى المَغْرِبَ في اليَوْمَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ وقْتِ الِاخْتِيارِ ولَمْ يَسْتَوْعِبْ وقْتَ الجَوازِ وهَذا جارٍ في كُلِّ الصَّلَواتِ ما سِوى الظُّهْرِ. والثّانِي: أنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في أوَّلِ الأمْرِ بِمَكَّةَ وهَذِهِ الأحادِيثُ بِامْتِدادِ وقْتِ المَغْرِبِ إلى غُرُوبِ الشَّفَقِ مُتَأخِّرَةٌ في آخِرِ الأمْرِ بِالمَدِينَةِ فَوَجَبَ اعْتِمادُها. والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الأحادِيثَ أصَحُّ إسْنادًا مِن حَدِيثِ بَيانِ جِبْرِيلَ فَوَجَبَ تَقْدِيمُها، قالَهُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ولا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ في أفْضَلِيَّةِ تَقْدِيمِ صَلاةِ المَغْرِبِ عِنْدَ أوَّلِ وقْتِها ومَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ امْتِدادُ الوَقْتِ الضَّرُورِيِّ لِلْمَغْرِبِ بِالِاشْتِراكِ مَعَ العِشاءِ إلى الفَجْرِ. وَقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: رُوِّينا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في المَرْأةِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ صَلَّتِ المَغْرِبَ والعِشاءَ، والظّاهِرُ أنَّ حُجَّةَ هَذا القَوْلِ بِامْتِدادِ وقْتِ الضَّرُورَةِ لِلْمَغْرِبِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ كَما هو مَذْهَبُ مالِكٍ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا مِن أنَّهُ ﷺ «جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بِالمَدِينَةِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ»، فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”صَلّى بِالمَدِينَةِ سَبْعًا وثَمانِيًا الظُّهْرَ، والعَصْرَ، والمَغْرِبَ، والعِشاءَ»“ ومَعْناهُ: أنَّهُ يُصَلِّي السَّبْعَ جَمِيعًا في وقْتٍ واحِدٍ، والثَّمانِ كَذَلِكَ كَما بَيَّنَتْهُ رِوايَةُ البُخارِيِّ في بابِ ”وَقْتِ المَغْرِبِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ ”سَبْعًا جَمِيعًا وثَمانِيًا جَمِيعًا»“ . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ وأحْمَدَ وأصْحابِ السُّنَنِ إلّا ابْنَ ماجَهْ: «جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ وبَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بِالمَدِينَةِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا مَطَرٍ»، قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما (p-٢٨٧)أرادَ بِذَلِكَ ؟ قالَ: أرادَ ألّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مالِكٍ في [ المُوَطَّأِ ] لَعَلَّ ذَلِكَ لِعِلَّةِ المَطَرِ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَفِي لَفْظِ أكْثَرِ الرِّواياتِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا الجَمْعَ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى الجَمْعِ الصُّورِيِّ لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن أنَّ الجَمْعَ واجِبٌ إذا أمْكَنَ، وبِهَذا الحَمْلِ تَنْتَظِمُ الأحادِيثُ ولا يَكُونُ بَيْنَها خِلافٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَمْلَ المَذْكُورَ مُتَعَيَّنٌ، ما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِلَفْظِ ”صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا، والمَغْرِبَ والعِشاءَ جَمِيعًا، أخَّرَ الظُّهْرَ وعَجَّلَ العَصْرَ، وأخَّرَ المَغْرِبَ وعَجَّلَ العِشاءَ»“، فَهَذا ابْنُ عَبّاسٍ راوِي حَدِيثَ الجَمْعِ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّ ما رَواهُ مِنَ الجَمْعِ المَذْكُورِ هو الجَمْعُ الصُّورِيُّ، فَرِوايَةُ النَّسائِيِّ هَذِهِ صَرِيحَةٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ مُبَيِّنَةٌ لِلْإجْمالِ الواقِعِ في الجَمْعِ المَذْكُورِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ البَيانَ بِما سَنَدُهُ دُونَ سَنَدِ المُبَيَّنِ جائِزٌ عِنْدَ جَماهِيرِ الأُصُولِيِّينَ، وكَذَلِكَ المُحَدِّثُونَ وأشارَ إلَيْهِ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ في مَبْحَثِ البَيانِ: [ الرَّجَزُ ] ؎وَبَيَّنَ القاصِرُ مِن حَيْثُ السَّنَدْ أوِ الدَّلالَةِ عَلى ما يُعْتَمَدْ وَيُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ الشَّيْخانِ عَنْ عُمَرَ وابْنِ دِينارٍ، أنَّهُ قالَ: ”يا أبا الشَّعْثاءِ، أظُنُّهُ أخَّرَ الظُّهْرَ وعَجَّلَ العَصْرَ، وأخَّرَ المَغْرِبَ وعَجَّلَ العِشاءَ. قالَ: وأنا أظُنُّهُ“، وأبُو الشَّعْثاءِ هو راوِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والرّاوِي أدْرى بِما رَوى مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ قَرائِنَ لا يَعْلَمُها الغائِبُ، فَإنْ قِيلَ ثَبَتَ في ”صَحِيحِ البُخارِيِّ“ وغَيْرِهِ أنَّ أيُّوبَ السِّخْتِيانِيَّ قالَ لِأبِي الشَّعْثاءِ: لَعَلَّ ذَلَكَ الجَمْعَ في لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ، فَقالَ أبُو الشَّعْثاءِ: عَسى. فالظّاهِرُ في الجَوابِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنّا لَمْ نَدَّعِ جَزْمَ أبِي الشَّعْثاءِ بِذَلِكَ ورِوايَةَ الشَّيْخَيْنِ عَنْهُ بِالظَّنِّ، والظَّنُّ لا يُنافِي احْتِمالَ النَّقِيضِ وذَلِكَ النَّقِيضُ المُحْتَمَلُ هو مُرادُهُ بِعَسى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَمِمّا يُؤَيِّدُهُ الجَمْعُ المَذْكُورُ عَلى الجَمْعِ الصُّورِيِّ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كِلاهُما مِمَّنْ رَوى عَنْهُ الجَمْعَ المَذْكُورَ بِالمَدِينَةِ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما رَوى عَنْهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالجَمْعِ المَذْكُورِ الجَمْعُ الصُّورِيُّ. أمّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَدْ رَواهُ عَنْهُ الطَّبَرانِيُّ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ . (p-٢٨٨)وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الكَبِيرِ والأوْسَطِ كَما ذَكَرَهُ الهَيْثَمِيُّ في ”مَجْمَعِ الزَّوائِدِ“ بِلَفْظِ: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ وبَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: صَنَعْتُ ذَلِكَ لِئَلّا تُحْرَجَ أُمَّتِي»، مَعَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَوى عَنْهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، أنَّهُ قالَ: «ما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلاةً لِغَيْرِ مِيقاتِها إلّا صَلاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ وصَلّى الفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقاتِها»، فَنَفْيُ ابْنِ مَسْعُودٍ لِلْجَمْعِ المَذْكُورِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَمْعَ المَرْوِيَّ عَنْهُ الجَمْعُ الصُّورِيُّ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الصَّلاتَيْنِ في وقْتِها وإلّا لَكانَ قَوْلُهُ مُتَناقِضًا والجَمْعُ واجِبٌ مَتى ما أمْكَنَ. وَأمّا ابْنُ عُمَرَ فَقَدْ رَوى عَنْهُ الجَمْعَ المَذْكُورَ بِالمَدِينَةِ عَبْدُ الرَّزّاقِ كَما قالَهُ الشَّوْكانِيُّ أيْضًا مَعَ أنَّهُ رَوى عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكانَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ ويُعَجِّلُ العَصْرَ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُما، ويُؤَخِّرُ المَغْرِبَ ويُعَجِّلُ العِشاءَ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُما»، قالَهُ الشَّوْكانِيُّ أيْضًا، وهَذا هو الجَمْعُ الصُّورِيُّ، فَهَذِهِ الرِّواياتُ مُعِيِّنَةٌ لِلْمُرادِ بِلَفْظِ جَمَعَ. واعْلَمْ أنَّ لَفْظَةَ جَمَعَ فِعْلٌ في سِياقِ الإثْباتِ، وقَدْ قَرَّرَ أئِمَّةُ الأُصُولِ أنَّ الفِعْلَ المُثْبَتَ لا يَكُونُ عامّا في أقْسامِهِ. قالَ ابْنُ الحاجِبِ في ”مُخْتَصَرِهِ الأُصُولِيِّ“ في مَبْحَثِ العامِّ، ما نَصُّهُ: الفِعْلُ المُثْبَتُ لا يَكُونُ عامًّا في أقْسامِهِ مِثْلَ صَلّى داخِلَ الكَعْبَةِ فَلا يَعُمَّ الفَرْضَ والنَّفْلَ إلى أنْ قالَ: وكانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ لا يَعُمُّ وقْتَيْهِما وأمّا تَكَرُّرُ الفِعْلِ فَمُسْتَفادٌ مِن قَوْلِ الرّاوِي: كانَ يَجْمَعُ كَقَوْلِهِمْ كانَ حاتِمٌ يُكْرِمُ الضَّيْفَ. . . الخَ. قالَ شارِحُهُ العَضُدُ ما نَصُّهُ: وإذا قالَ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ فَلا يَعُمُّ جَمْعُهُما بِالتَّقْدِيمِ في وقْتِ الأُولى، والتَّأْخِيرِ في وقْتِ الثّانِيَةِ، وعُمُومُهُ في الزَّمانِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا، ورُبَّما تَوَهَّمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ كانَ يَفْعَلُ، فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ التَّكْرارُ، كَما إذا قِيلَ: كانَ حاتِمُ يُكْرِمُ الضَّيْفَ وهو لَيْسَ مِمّا ذَكَرْناهُ في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنَ الفِعْلِ، وهو يَجْمَعُ. بَلْ مِن قَوْلِ الرّاوِي، وهو كانَ، حَتّى لَوْ قالَ: جَمَعَ لَزالَ التَّوَهُّمُ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ بِحَذْفٍ يَسِيرٍ لِما لا حاجَةَ إلَيْهِ في المُرادِ عِنْدَنا فَقَوْلُهُ: حَتّى لَوْ قالَ: جَمَعَ زالَ التَّوَهُّمُ، يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ جَمَعَ لا يُتَوَهَّمُ فِيهِ العُمُومُ، وإذَنْ فَلا تَتَعَيَّنُ صُورَةٌ مِن صُوَرِ الجَمْعِ، إلّا بِدَلِيلٍ (p-٢٨٩)مُنْفَصِلٍ. وَقَدْ قَدَّمْنا الدَّلِيلَ عَلى أنَّ المُرادَ الجَمْعُ الصُّورِيُّ. وَقالَ صاحِبُ ”جَمْعِ الجَوامِعِ“ عاطِفًا عَلى ما لا يُفِيدُ العُمُومَ نَصُّهُ: والفِعْلُ المُثْبَتُ، ونَحْوُ كانَ يَجْمَعُ في السَّفَرِ. قالَ شارِحُهُ صاحِبُ ”الضِّياءِ اللّامِعِ“ ما نَصُّهُ: ونَحْوُ كانَ يَجْمَعُ في السَّفَرِ، أيْ: بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ، لا عُمُومَ لَهُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ في سِياقِ الثُّبُوتِ فَلا يَعُمُّ جَمْعُهُما بِالتَّقْدِيمِ في وقْتِ الأُولى، والتَّأْخِيرِ إلى وقْتِ الثّانِيَةِ، بِهَذا فَسَّرَ الرَّهُونِيُّ كَلامَ ابْنِ الحاجِبِ إلى أنْ قالَ: وإنَّما خَصَّ المُصَنِّفُ هَذا الفِعْلَ الأخِيرَ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ فِعْلًا في سِياقِ الثُّبُوتِ؛ لِأنَّ في كانَ مَعْنًى زائِدًا، وهو اقْتِضاؤُها مَعَ المُضارِعِ التَّكْرارَ عُرْفًا فَيُتَوَهَّمُ مِنها العُمُومُ نَحْوَ كانَ حاتِمٌ يُكْرِمُ الضِّيفانَ. وَبِهَذا صَرَّحَ الفِهْرِيُّ والرَّهُونِيُّ وذَكَرَ ولِيُّ الدِّينِ عَنِ الإمامِ في ”المَحْصُولِ“ أنَّها لا تَقْتَضِي التَّكْرارَ عُرْفًا ولا لُغَةً. * * قالَ ولِيُّ الدِّينِ والفِعْلُ في سِياقِ الثُّبُوتِ لا يَعُمُّ كالنَّكِرَةِ المُثَبَتَةِ، إلّا أنْ تَكُونَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] . اهـ. مِن ”الضِّياءِ اللّامِعِ“ لِابْنِ حَلَوْلَوَ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وجْهُ كَوْنِ الفِعْلِ في سِياقِ الثُّبُوتِ لا يَعُمُّ هو أنَّ الفِعْلَ يَنْحَلُّ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، وبَعْضِ البَلاغِيِّينَ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ ويَنْحَلُّ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ البَلاغِيِّينَ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ ونِسْبَةٍ، فالمَصْدَرُ كامِنٌ في مَعْناهُ إجْماعًا، والمَصْدَرُ الكامِنُ فِيهِ لَمْ يَتَعَرَّفْ بِمُعَرَّفٍ فَهو نَكِرَةٌ في المَعْنى ومَعْلُومٌ أنَّ النَّكِرَةَ لا تَعُمُّ في الإثْباتِ وعَلى هَذا جَماهِيرُ العُلَماءِ وما زَعَمَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ الجَمْعَ الصُّورِيَّ لَمْ يَرِدْ في لِسانِ الشّارِعِ ولا أهْلِ عَصْرِهِ فَهو مَرْدُودٌ بِما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ النَّسائِيِّ وابْنِ عُمَرَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزّاقِ، وبِما رَواهُ أبُو داوُدَ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحاهُ والشّافِعِيُّ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ «مِن حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ”أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَها وهي مُسْتَحاضَةٌ،“ فَإنْ قَوِيتِ عَلى أنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وتُعَجِّلِي العَصْرَ ثُمَّ تَغْتَسِلِي حَتّى تَطْهُرِي وتُصَلِّينَ الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمْعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ وتُعَجِّلِينَ العِشاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فافْعَلِي وتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ» ”. (p-٢٩٠)قالَ: وهَذا أعْجَبُ الأمْرَيْنِ إلَيَّ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَمْعَ المَذْكُورَ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ جَمْعٌ صُورِيٌّ ما رَواهُ النَّسائِيُّ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ“ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ صَلّى بِالبَصْرَةِ الأُولى والعَصْرَ لَيْسَ بَيْنَهُما شَيْءٌ والمَغْرِبَ والعِشاءَ لَيْسَ بَيْنَهُما شَيْءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مِن شُغْلٍ ”، وفِيهِ رَفْعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ أنَّ شُغْلَ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورَ كانَ بِالخُطْبَةِ وأنَّهُ خَطَبَ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ إلى أنْ بَدَتِ النُّجُومُ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ وفِيهِ تَصْدِيقُ أبِي هُرَيْرَةَ لِابْنِ عَبّاسٍ في رَفْعِهِ. انْتَهى مِن“ فَتْحِ البارِي " . وَما ذَكَرَهُ الخَطّابِيُّ وابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“ مِن أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «صَنَعْتُ ذَلِكَ لِئَلّا تُحْرَجَ أُمَّتِي» في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ المُتَقَدِّمَيْنِ يَقْدَحُ في حَمْلِهِ عَلى الجَمْعِ الصُّورِيِّ؛ لِأنَّ القَصْدَ إلَيْهِ لا يَخْلُو مِن حَرَجٍ، وأنَّهُ أضْيَقُ مِنَ الإتْيانِ بِكُلِّ صَلاةٍ في وقْتِها؛ لِأنَّ أوائِلَ الأوْقاتِ وأواخِرَها مِمّا يَصْعُبُ إدْراكُهُ عَلى الخاصَّةِ فَضْلًا عَنِ العامَّةِ، يُجابُ عَنْهُ بِما أجابَ بِهِ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ وهو أنَّ الشّارِعَ ﷺ، قَدْ عَرَّفَ أُمَّتَهُ أوائِلَ الأوْقاتِ وأواخِرَها وبالَغَ في التَّعْرِيفِ والبَيانِ، حَتّى إنَّهُ عَيَّنَها بِعَلاماتٍ حِسِّيَّةٍ لا تَكادُ تَلْتَبِسُ عَلى العامَّةِ فَضْلًا عَنِ الخاصَّةِ، والتَّخْفِيفُ في تَأْخِيرِ إحْدى الصَّلاتَيْنِ إلى آخِرِ وقْتِها، وفِعْلُ الأُخْرى في أوَّلِ وقْتِها مُتَحَقِّقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما في أوَّلِ وقْتِها، كَما كانَ دَيْدَنُهُ ﷺ، حَتّى قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «ما صَلّى صَلاةً لِآخِرِ وقْتِها مَرَّتَيْنِ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ»، ولا يَشُكُّ مُنْصِفٌ أنَّ فِعْلَ الصَّلاتَيْنِ دُفْعَةً والخُرُوجَ إلَيْهِما مَرَّةً أخَفُّ مِن صَلاةِ كُلٍّ مِنهُما في أوَّلِ وقْتِها. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالجَمْعِ المَذْكُورِ الجَمْعُ الصُّورِيُّ ابْنُ الماجِشُونِ والطَّحاوِيُّ وإمامُ الحَرَمَيْنِ والقُرْطُبِيُّ، وقَوّاهُ ابْنُ سَيِّدِ النّاسِ. بِما قَدَّمْنا عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ، ومالَ إلَيْهِ بَعْضَ المَيْلِ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ في بابِ ”المَواقِيتِ مِن كِتابِ الصَّلاةِ“، فَإنْ قِيلَ: الجَمْعُ الصُّورِيُّ الَّذِي حَمَلْتُمْ عَلَيْهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ هو فِعْلُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الصَّلاتَيْنِ المَجْمُوعَتَيْنِ في وقْتِها وهَذا لَيْسَ بِرُخْصَةٍ، بَلْ هو عَزِيمَةٌ فَأيُّ فائِدَةٍ إذَنْ في قَوْلِهِ ﷺ: «لِئَلّا تُحْرَجَ أُمَّتِي»، مَعَ كَوْنِ الأحادِيثِ المُعَيِّنَةِ لِلْأوْقاتِ تَشْمَلُ الجَمْعَ الصُّورِيَّ، وهَلْ حَمْلُ الجَمْعِ عَلى ما شَمِلَتْهُ أحادِيثُ التَّوْقِيتِ إلّا مِن بابِ الِاطِّراحِ لِفائِدَتِهِ وإلْغاءِ مَضْمُونِهِ، فالجَوابُ، هو ما أجابَ بِهِ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أيْضًا، وهو أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الأقْوالَ الصّادِرَةَ مِنهُ ﷺ، في أحادِيثِ تَوْقِيتِ الصَّلَواتِ شامِلَةٌ لِلْجَمْعِ (p-٢٩١)الصُّورِيِّ كَما ذَكَرَهُ المُعْتَرِضُ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ رَفْعُ الحَرَجِ مَنسُوبًا إلَيْها، بَلْ هو مَنسُوبٌ إلى الأفْعالِ لَيْسَ إلّا لِما عَرَّفْناكَ مِن أنَّهُ ﷺ ما صَلّى صَلاةً لِآخِرِ وقْتِها مَرَّتَيْنِ، فَرُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ فِعْلَ الصَّلاةِ في أوَّلِ وقْتِها مُتَحَتِّمٌ لِمُلازَمَتِهِ ﷺ لِذَلِكَ طُولَ عُمُرِهِ فَكانَ في جَمْعِهِ جَمْعًا صُورِيًّا تَخْفِيفٌ وتَسْهِيلٌ عَلى مَنِ اقْتَدى بِمُجَرَّدِ الفِعْلِ. وَقَدْ كانَ اقْتِداءُ الصَّحابَةِ بِالأفْعالِ أكْثَرَ مِنهُ بِالأقْوالِ، ولِهَذا امْتَنَعَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِن نَحْرِ بُدْنِهِمْ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ أنْ أمَرَهم ﷺ، بِالنَّحْرِ حَتّى دَخَلَ ﷺ عَلى أُمِّ سَلَمَةَ مَغْمُومًا فَأشارَتْ عَلَيْهِ بِأنْ يَنْحَرَ ويَدْعُوَ الحَلّاقَ يَحْلِقُ لَهُ فَفَعَلَ، فَنَحَرُوا جَمِيعًا وكادُوا يَهْلَكُونَ غَمًّا مِن شِدَّةِ تَراكُمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ حالَ الحَلْقِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ الجَمْعَ المُتَنازَعَ فِيهِ لا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أتى بابًا مِن أبْوابِ الكَبائِرِ»، وفي إسْنادِهِ حَنَشُ بْنُ قَيْسٍ وهو ضَعِيفٌ. وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا ما قالَهُ التِّرْمِذِيُّ، في آخِرِ ”سُنَنِهِ“ في كِتابِ العِلَلِ مِنهُ، ولَفْظُهُ جَمِيعُ ما في كِتابِي هَذا مِنَ الحَدِيثِ مَعْمُولٌ بِهِ، وبِهِ أخَذَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، ما خَلا حَدِيثَيْنِ: حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بِالمَدِينَةِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ، ولا سَفَرٍ» الَخْ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ التِّرْمِذِيَّ يَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى العَمَلِ بِهَذا الحَدِيثِ في جَمْعِ التَّقْدِيمِ أوِ التَّأْخِيرِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الجَمْعُ الصُّورِيُّ، فَيَتَعَيَّنُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم أجازُوا الجَمْعَ في الحَضَرِ لِلْحاجَةِ مُطْلَقًا، لَكِنْ بِشَرْطِ ألّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ عادَةً، مِنهم: ابْنُ سِيرِينَ، ورَبِيعَةُ، وأشْهَبُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والقَفّالُ الكَبِيرُ. وَحَكاهُ الخَطّابِيُّ، عَنْ جَماعَةٍ مِن أصْحابِ الحَدِيثِ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ، وغَيْرُهُ وحُجَّتُهم ما تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِ: «لِئَلّا تُحْرَجَ أُمَّتِي»، وقَدْ عَرَفْتَ مِمّا سَبَقَ أنِ الأدِلَّةَ تُعَيِّنُ حَمْلَ ذَلِكَ عَلى الجَمْعِ الصُّورِيِّ، كَما ذُكِرَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * تَنْبِيهٌ قَدِ اتَّضَحَ مِن هَذِهِ الأدِلَّةِ الَّتِي سُقْناها، أنَّ الظُّهْرَ لا يَمْتَدُّ لَها وقْتٌ إلى الغُرُوبِ، وأنَّ المَغْرِبَ لا يَمْتَدُّ لَها وقْتٌ إلى الفَجْرِ، ولَكِنْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ هَذا الوَقْتِ المَنفِيِّ بِالأدِلَّةِ (p-٢٩٢)عَلى الوَقْتِ الِاخْتِيارِيِّ، فَلا يُنافِي امْتِدادَ وقْتِ الظُّهْرِ الضَّرُورِيِّ إلى الغُرُوبِ، ووَقْتِ المَغْرِبِ الضَّرُورِيِّ إلى الفَجْرِ، كَما قالَهُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى اشْتِراكِ الظُّهْرِ والعَصْرِ في الوَقْتِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وكَذَلِكَ المَغْرِبُ والعِشاءُ، وأوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ جَوازُ كُلٍّ مِن جَمْعِ التَّقْدِيمِ، وجَمْعِ التَّأْخِيرِ في السَّفَرِ، فَصَلاةُ العَصْرِ مَعَ الظُّهْرِ عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ دَلِيلٌ عَلى اشْتِراكِها مَعَ الظُّهْرِ في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وصَلاةُ الظُّهْرِ بَعْدَ خُرُوجِ وقْتِها في وقْتِ العَصْرِ في جَمْعِ التَّأْخِيرِ دَلِيلٌ عَلى اشْتِراكِها مَعَها في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ أيْضًا، وكَذَلِكَ المَغْرِبُ والعِشاءُ، أمّا جَمْعُ التَّأْخِيرِ بِحَيْثُ يُصَلِّي الظُّهْرَ في وقْتِ العَصْرِ والمَغْرِبَ في وقْتِ العِشاءِ، فَهو ثابِتٌ في الرِّواياتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها. فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا ارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسَ، أخَّرَ الظُّهْرَ إلى وقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُما» . قالَ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِهِ لِهَذا الحَدِيثِ قَوْلُهُ: ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُما، أيْ: في وقْتِ العَصْرِ، وفي رِوايَةِ قُتَيْبَةَ عَنِ المُفَضَّلِ في البابِ الَّذِي بَعْدَهُ ”ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُما“، ولِمُسْلِمٍ مِن رِوايَةِ جابِرِ بْنِ إسْماعِيلَ، عَنْ عُقَيْلٍ: «يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلى وقْتِ العَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُما، ويُؤَخِّرُ المَغْرِبَ حَتّى يَجْمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ العِشاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ» ولَهُ مِن رِوايَةٍ شَبابَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ: ”حَتّى يَدْخُلَ أوَّلُ وقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُما“ . اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَفِي ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ إذا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ»، ولا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الجَمْعِ عَلى الجَمْعِ الصُّورِيِّ؛ لِأنَّ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةَ الَّتِي ذَكَرْنا آنِفًا فِيها التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ صَلّى الظُّهْرَ في وقْتِ العَصْرِ، والمَغْرِبَ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ. وَقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: اتَّفَقَتْ رِوايَةُ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ الأنْصارِيِّ، ومُوسى بْنِ عُقْبَةَ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وأيُّوبَ السِّخْتِيانِيِّ، وعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ نافِعٍ، عَلى أنَّ جَمْعَ ابْنِ عُمَرَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ كانَ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وخالَفَهم مَن لا يُدانِيهِمْ في حِفْظِ أحادِيثِ نافِعٍ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا بِقَلِيلٍ، ورِوايَةُ الحُفّاظِ مِن أصْحابِ نافِعٍ أوْلى بِالصَّوابِ، فَقَدْ رَواهُ سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأسْلَمُ مَوْلى عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينارٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي ذُؤَيْبٍ، وقِيلَ ابْنُ ذُؤَيْبٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ رِوايَتِهِمْ، ثُمَّ ساقَ البَيْهَقِيُّ أسانِيدَ رِواياتِهِمْ، وأمّا جَمْعُ التَّقْدِيمِ بِحَيْثُ يُصَلِّي العَصْرَ عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ مَعَ الظُّهْرِ في أوَّلِ وقْتِها، والعِشاءَ مَعَ المَغْرِبِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ في أوَّلِ وقْتِها، فَهو (p-٢٩٣)ثابِتٌ أيْضًا عَنْهُ ﷺ وإنْ أنْكَرَهُ مَن أنْكَرَهُ مِنَ العُلَماءِ، وحاوَلَ تَضْعِيفَ أحادِيثِهِ، فَقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ أحادِيثٌ مِنها ما هو صَحِيحٌ، ومِنها ما هو حَسَنٌ. فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ الطَّوِيلِ في الحَجِّ «ثُمَّ أذَّنَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى العَصْرَ، ولَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُما شَيْئًا»، وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوالِ، فَهَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ صَلّى العَصْرَ مُقَدَّمَةً مَعَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوالِ. وَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ عَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”كانَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ إذا ارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أخَّرَ الظُّهْرَ حَتّى يَجْمَعَها إلى العَصْرِ يُصَلِّيهِما جَمِيعًا، وإذا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ سارَ، وكانَ إذا ارْتَحَلَ قَبْلَ المَغْرِبِ أخَّرَ المَغْرِبَ حَتّى يُصَلِّيَها مَعَ العِشاءِ، وإذا ارْتَحَلَ بَعْدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشاءَ، فَصَلّاها مَعَ المَغْرِبِ»“، وإبْطالُ جَمْعِ التَّقْدِيمِ بِتَضْعِيفِ هَذا الحَدِيثِ، كَما حاوَلَهُ الحاكِمُ، وابْنُ حَزْمٍ لا عِبْرَةَ بِهِ لِما رَأيْتَ آنِفًا مِن أنَّ جَمْعَ التَّقْدِيمِ، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ الطَّوِيلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ في السَّفَرِ إذا زاغَتِ الشَّمْسُ في مَنزِلِهِ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ قَبْلَ أنْ يَرْكَبَ، فَإذا لَمْ تَزِغْ لَهُ في مَنزِلِهِ سارَ حَتّى إذا حانَتِ العَصْرُ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وإذا حانَتِ المَغْرِبُ في مَنزِلِهِ جَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ العِشاءِ، وإذا لَمْ تَحِنْ في مَنزِلِهِ رَكِبَ حَتّى إذا كانَتِ العِشاءُ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُما» رَواهُ أحْمَدُ، ورَواهُ الشّافِعِيُّ في مَسْنَدِهِ بِنَحْوِهِ، وقالَ فِيهِ: «إذا سارَ قَبْلَ أنْ تَزُولَ الشَّمْسُ أخَّرَ الظُّهْرَ حَتّى يَجْمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ العَصْرِ في وقْتِ العَصْرِ» ورَواهُ البَيْهَقِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، ورُوِيَ عَنِ التِّرْمِذِيِّ أنَّهُ حَسَّنَهُ. فَإنْ قِيلَ: حَدِيثُ مُعاذٍ مَعْلُولٌ بِتَفَرُّدِ قُتَيْبَةَ فِيهِ، عَنِ الحُفّاظِ، وبِأنَّهُ مُعَنْعَنٌ بِيَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، ولا يُعْرَفُ لَهُ مِنهُ سَماعٌ، كَما قالَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وبِأنَّ في إسْنادِهِ أبا الطُّفَيْلِ وهو مَقْدُوحٌ فِيهِ بِأنَّهُ كانَ حامِلُ رايَةِ المُخْتارِ بْنِ أبِي عُبَيْدٍ، وهو يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ، وبِأنَّ الحاكِمَ قالَ: هو مَوْضُوعٌ، وبِأنَّ أبا داوُدَ قالَ: لَيْسَ في جَمْعِ التَّقْدِيمِ حَدِيثٌ قائِمٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ في إسْنادِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وهو ضَعِيفٌ، فالجَوابُ أنَّ إعْلالَهُ بِتَفَرُّدِ قُتَيْبَةَ بِهِ مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالمَكانَةِ المَعْرُوفَةِ لَهُ مِنَ العَدالَةِ (p-٢٩٤)والضَّبْطِ والإتْقانِ، وهَذا الَّذِي رَواهُ لَمْ يُخالِفْ فِيهِ غَيْرَهُ، بَلْ زادَ ما لَمْ يُذَكُرْهُ غَيْرُهُ، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الحَدِيثِ أنَّ زِياداتِ العُدُولِ مَقْبُولَةٌ لا سِيَّما وهَذِهِ الزِّيادَةُ الَّتِي هي جَمْعُ التَّقْدِيمِ، تَقَدَّمَ ثُبُوتُها في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ أيْضًا أنَّها صَحَّتْ مِن حَدِيثِ أنَسٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ بَلْ تابَعَهُ فِيهِ المُفَضَّلُ بْنُ فَضالَةَ، قالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”زادِ المَعادِ“ ما نَصُّهُ: فَإنَّ أبا داوُدَ رَواهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيِّ، حَدَّثْنا المُفَضَّلُ بْنُ فَضالَةَ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ هِشامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ مُعاذٍ فَذَكَرَهُ، فَهَذا المُفَضَّلُ قَدْ تابَعَ قُتَيْبَةَ، وإنْ كانَ قُتَيْبَةُ أجَلَّ مِنَ المُفَضَّلِ، وأحْفَظُ لَكِنْ زالَ تَفَرُّدُ قُتَيْبَةُ بِهِ اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَرَواهُ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أنْبَأنا أبُو بَكْرِ بْنُ داسَةَ، حَدَّثَنا أبُو داوُدَ، ثُمَّ ساقَ السَّنَدَ المُتَقَدِّمَ آنِفًا، أعْنِي سَنَدَ أبِي داوُدَ الَّذِي ساقَهُ ابْنُ القَيِّمِ، والمَتْنُ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ، وكَذَلِكَ رَواهُ النَّسائِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ، كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“، فاتَّضَحَ أنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهَذا الحَدِيثِ؛ لِأنَّ أبا داوُدَ والنَّسائِيَّ والدّارَقُطْنِيَّ والبَيْهَقِيَّ، أخْرَجُوهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى مُتابَعَةً لِرِوايَةِ قُتَيْبَةَ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّخْلِيصِ“: إنَّ في سَنَدِ هَذِهِ الطَّرِيقِ هِشامُ بْنُ سَعْدٍ وهو لَيِّنُ الحَدِيثِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: هِشامُ بْنُ سَعْدٍ المَذْكُورُ مِن رِجالِ مُسْلِمٍ وأخْرَجَ لَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا وبِهِ تَعْلَمُ صِحَّةَ طَرِيقِ المُفَضَّلِ المُتابِعَةِ لِطَرِيقِ قُتَيْبَةَ، ولِذا قالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ قالَ الشَّيْخُ، وإنَّما أنْكَرُوا مِن هَذا رِوايَةَ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، فَأمّا رِوايَةُ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، فَهي مَحْفُوظَةٌ صَحِيحَةٌ، واعْلَمْ أنَّهُ لا يَخْفى أنَّ ما يُرْوى عَنِ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن أنَّهُ سَألَ قُتَيْبَةَ عَمَّنْ كَتَبَ مَعَهُ هَذا الحَدِيثَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فَقالَ: كَتَبَهُ مَعِي خالِدٌ المَدائِنِيُّ، فَقالَ البُخارِيُّ: كانَ خالِدٌ المَدائِنِيُّ يُدْخِلُ عَلى الشُّيُوخِ يَعْنِي، يُدْخِلُ في رِوايَتِهِمْ ما لَيْسَ مِنها، أنَّهُ لا يَظْهَرُ كَوْنُهُ قادِحًا في رِوايَةِ قُتَيْبَةَ؛ لِأنَّ العَدْلَ الضّابِطَ لا يَضُرُّهُ أخْذُ آلافِ الكَذّابِينَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُحَدِّثُ بِما عَلِمَهُ ولا يَضُرُّهُ كَذِبُ غَيْرِهِ كَما هو ظاهِرٌ. والجَوابُ عَمّا قالَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِن أنَّهُ مُعَنْعَنٌ بِيَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ ولا (p-٢٩٥)يُعْرَفُ لَهُ مِنهُ سَماعٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ العَنْعَنَةَ ونَحْوَها لَها حُكْمُ التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ عِنْدَ المُحْدِّثِينَ إلّا إذا كانَ المُعَنْعِنُ مُدَلِّسًا، ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: قالَ فِيهِ الذَّهَبِيُّ في ”تَذْكِرَةِ الحُفّاظِ“ كانَ حُجَّةً حافِظًا لِلْحَدِيثِ وذَكَرَ مِن جُمْلَةِ مَن رَوى عَنْهم أبا الطُّفَيْلِ المَذْكُورَ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: ثِقَةٌ فَقِيهٌ، وكانَ يُرْسِلُ ومَعْلُومٌ أنَّ الإرْسالَ غَيْرُ التَّدْلِيسِ؛ لِأنَّ الإرْسالَ في اصْطِلاحِ المُحْدِّثِينَ هو رَفْعُ التّابِعِيِّ مُطْلَقًا أوِ الكَبِيرِ خاصَّةً الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقِيلَ إسْقاطُ راوٍ مُطْلَقًا، وهو قَوْلُ الأُصُولِيِّينَ فالإرْسالُ مَقْطُوعٌ فِيهِ بِحَذْفِ الواسِطَةِ بِخِلافِ التَّدْلِيسِ، فَإنَّ تَدْلِيسَ الإسْنادِ يَحْذِفُ فِيهِ الرّاوِي شَيْخَهُ المُباشِرَ لَهُ ويُسْنِدُ إلى شَيْخِ شَيْخِهِ المُعاصِرِ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ لِلسَّماعِ مُباشَرَةً وبِواسِطَةٍ، نَحْوَ عَنْ فُلانٍ وقالَ فُلانٌ فَلا يَقْطَعُ فِيهِ بِنَفْيِ الواسِطَةِ بَلْ هو يُوهِمُ الِاتِّصالَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن مُعاصَرَةِ مَن أسْنَدَ إلَيْهِ أعْنِي: شَيْخَ شَيْخِهِ، وإلّا كانَ مُنْقَطِعًا كَما هو مَعْرُوفٌ في عُلُومِ الحَدِيثِ وقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ لَمْ يُعَرَفْ لَهُ مِنهُ سَماعٌ لَيْسَ بِقادِحٍ؛ لِأنَّ المُعاصَرَةَ تَكْفِي ولا يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ اللُّقِىِّ وأحْرى ثُبُوتُ السَّماعِ فَمُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ لا يَشْتَرِطُ في ”صَحِيحِهِ“ إلّا المُعاصَرَةَ فَلا يَشْتَرِطُ اللُّقِىَّ وأحْرى السَّماعُ وإنَّما اشْتَرَطَ اللُّقِىَّ البُخارِيُّ، قالَ العِراقِيُّ في ”ألْفِيَّتِهِ“: [ الرَّجَزُ ] ؎وَصَحَّحُوا وصْلَ مُعَنْعَنٍ سَلِمْ مِن دُلْسَةِ راوِيهِ واللِّقا عُلِمْ ؎وَبَعْضُهم حَكى بِذا إجْماعا ∗∗∗ ومُسْلِمٌ لَمْ يَشْرُطِ اجْتِماعا لَكِنْ تَعاصَرُوا. . . إلَخْ * * وَبِالجُمْلَةِ فَلا يَخْفى إجْماعُ المُسْلِمِينَ عَلى صِحَّةِ أحادِيثِ مُسْلِمٍ مَعَ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ إلّا المُعاصَرَةَ وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ ابْنِ حَزْمٍ ومَن وافَقَهُ إنَّهُ لا تُعْرَفُ رِوايَةُ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ لا تَقْدَحُ في حَدِيثِهِ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ العَنْعَنَةَ مِن غَيْرِ المُدَلِّسِ لَها حُكْمُ التَّحْدِيثِ ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ ماتَ سَنَةَ ثَمانٍ وعِشْرِينَ بَعْدَ المِائَةِ، وقَدْ قارَبَ الثَّمانِينَ. وَأبُو الطُّفَيْلِ وُلِدَ عامَ أُحُدٍ وماتَ سَنَةَ عَشْرٍ ومِائَةٍ عَلى الصَّحِيحِ، وبِهِ تَعَلَمُ أنَّهُ لا شَكَّ في مُعاصَرَتِهِما واجْتِماعِهِما في قَيْدِ الحَياةِ زَمَنًا طَوِيلًا، ولا غَرْوَ في حُكْمِ ابْنِ حَزْمٍ عَلى رِوايَةِ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ بِأنَّها باطِلَةٌ، فَإنَّهُ قَدِ ارْتَكَبَ أشَدَّ مِن ذَلِكَ في حُكْمِهِ عَلى الحَدِيثِ الثّابِتِ في ”صَحِيحِ البُخارِيِّ“: «لَيَكُونَنَّ في أُمَّتِي أقْوامٌ (p-٢٩٦)يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحَرِيرَ والخَمْرَ والمَعازِفَ»، بِأنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ ولا يُحْتَجُّ بِهِ بِسَبَبِ أنَّ البُخارِيَّ قالَ في أوَّلِ الإسْنادِ قالَ: هِشامُ بْنُ عَمّارٍ ومَعْلُومٌ أنَّ هِشامَ بْنَ عَمّارٍ مِن شُيُوخِ البُخارِيِّ وأنَّ البُخارِيَّ بَعِيدٌ جِدًّا مِنَ التَّدْلِيسِ وإلى رَدِّ هَذا عَلى ابْنِ حَزْمٍ أشارَ العِراقِيُّ في ”ألْفِيَّتِهِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] ؎وَإنْ يَكُنْ أوَّلُ الِاسْنادِ حُذِفْ مَعْ صِيغَةِ الجَزْمِ فَتَعْلِيقًا عُرِفْ ؎وَلَوْ إلى آخِرِهِ أمّا الَّذِي ∗∗∗ لِشَيْخِهِ عَزا بِقالَ فَكَذِي ؎عَنْعَنَةٌ كَخَبَرِ المَعازِفِ ∗∗∗ لا تُصْغِ لِابْنِ حَزْمٍ المُخالِفِ مَعَ أنَّ المَشْهُورَ عَنْ مالِكٍ وأحْمَدَ وأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ الِاحْتِجاجُ بِالمُرْسَلِ، والمُرْسَلُ في اصْطِلاحِ أهْلِ الأُصُولِ ما سَقَطَ مِنهُ راوٍ مُطْلَقًا، فَهو بِالِاصْطِلاحِ الأُصُولِيِّ يَشْمَلُ المُنْقَطِعَ والمُعْضَلَ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ يَحْتَجُّ بِعَنْعَنَةِ المُدَلِّسِ مِن بابِ أوْلى كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ وهو واضِحٌ، والجَوابُ عَنِ القَدْحِ في أبِي الطُّفَيْلِ بِأنَّهُ كانَ حامِلُ رايَةِ المُخْتارِ مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ أبا الطُّفَيْلِ صَحابِيٌّ وهو آخِرُ مَن ماتَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما قالَهُ مُسْلِمٌ وعَقَدَهُ ناظِمُ ”عَمُودِ النَّسَبِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] آخِرُ مَن ماتَ مِنَ الأصْحابِ لَهْ أبُو الطُّفَيْلِ عامِرُ بْنُ واثِلَهْ وَأبُو الطُّفَيْلِ هَذا هو عامِرُ بْنُ واثِلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَحْشٍ اللَّيْثِيِّ نِسْبَةً إلى لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ، والصَّحابَةُ كُلُّهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عُدُولٌ وقَدْ جاءَتْ تَزْكِيَتُهم في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ والحُكْمُ لِجَمِيعِ الصَّحابَةِ بِالعَدالَةِ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ وهو الحَقُّ وقالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ] ؎وَغَيْرُهُ رِوايَةٌ والصَّحْبُ ∗∗∗ تَعْدِيلُهم كُلٌّ إلَيْهِ يَصْبُو ؎واخْتارَ في المُلازِمِينَ دُونَ مَن ∗∗∗ رَآهُ مَرَّةً إمامٌ مُؤْتَمَن الوَجْهُ الثّانِي: هو ما ذَكَرَهُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ وهو أنَّ أبا الطُّفَيْلِ إنَّما خَرَجَ مَعَ المُخْتارِ عَلى قاتِلِي الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مِنَ المُخْتارِ إيمانَهُ بِالرَّجْعَةِ، والجَوابُ عَنْ قَوْلِ الحاكِمِ إنَّهُ مَوْضُوعٌ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ هو ثابِتٌ ولَيْسَ بِمَوْضُوعٍ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وحُكْمُهُ بِالوَضْعِ عَلى هَذا الحَدِيثِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، يَعْنِي: الحاكِمَ، (p-٢٩٧)وَقالَ ابْنُ القَيِّمِ أيْضًا في ”زادِ المَعادِ“: قالَ الحاكِمُ هَذا الحَدِيثُ مَوْضُوعٌ وإسْنادُهُ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ لَكِنْ رُمِيَ بِعِلَّةٍ عَجِيبَةٍ، قالَ الحاكِمُ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ بالَوَيْهِ، حَدَّثَنا مُوسى بْنُ هارُونَ، حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ إلى أنْ قالَ: وإذا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سارَ» الحَدِيثَ. قالَ الحاكِمُ: هَذا الحَدِيثُ رُواتُهُ أئِمَّةٌ ثِقاتٌ، وهو شاذُّ الإسْنادِ والمَتْنِ ثُمَّ لا نَعْرِفْ لَهُ عِلَّةً نُعِلُّهُ بِها فَلَوْ كانَ الحَدِيثُ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ لَعَلَّلْنا بِهِ الحَدِيثَ، ولَوْ كانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ لَعَلَّلْنا بِهِ، فَلَمّا لَمَّ نَجِدْ لَهُ العِلَّتَيْنِ خَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ مَعْلُولًا، ثُمَّ نَظَرْنا فَلَمْ نَجِدْ لِيَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ رِوايَةً، ولا وجَدْنا هَذا المَتْنَ بِهَذِهِ السِّياقَةِ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِ أبِي الطُّفَيْلِ ولا عَنْ أحَدٍ مِمَّنْ رَوى عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ غَيْرِ أبِي الطُّفَيْلِ، فَقُلْنا: الحَدِيثُ شاذٌّ، وقَدْ حَدَّثُوا عَنْ أبِي العَبّاسِ الثَّقَفِيِّ قالَ: كانَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ يَقُولُ: لَنا عَلى هَذا الحَدِيثِ عَلامَةُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وعَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ، ويَحْيى بْنِ مَعِينٍ، وأبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ، وأبِي خَيْثَمَةَ، حَتّى عَدَّ قُتَيْبَةَ سَبْعَةً مِن أئِمَّةِ الحَدِيثِ كَتَبُوا عَنْهُ هَذا الحَدِيثَ، وأئِمَّةُ الحَدِيثِ إنَّما سَمِعُوهُ مِن قُتَيْبَةَ تَعْجُّبًا مِن إسْنادِهِ ومَتْنِهِ، ثُمَّ لَمْ يَبْلُغْنا عَنْ أحَدٍ مِنهم أنَّهُ ذَكَرَ لِلْحَدِيثِ عِلَّةً ثُمَّ قالَ: فَنَظَرْنا فَإذا بِالحَدِيثِ مَوْضُوعٌ، وقُتَيْبَةُ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ. اهـ. مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ لا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنَ المَعْنى. وانْظُرْهُ فَإنَّ قَوْلَهُ ولَوْ كانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ لَعَلَّلْنا بِهِ فِيهِ أنَّ سَنَدَهُ الَّذِي ساقَ فِيهِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ. وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ حُكْمَ الحاكِمِ عَلى هَذا الحَدِيثِ بِأنَّهُ مَوْضُوعٌ لا وجْهَ لَهُ أمّا رِجالُ إسْنادِهِ فَهم ثِقاتٌ بِاعْتِرافِهِ هو، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ أنَّ قُتَيْبَةَ تابَعَهُ فِيهِ المُفَضَّلُ بْنُ فَضالَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ والبَيْهَقِيِّ والدّارَقُطْنِيِّ، وانْفِرادُ الثِّقَةِ الضّابِطِ بِما لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ لا يُعَدُّ شُذُوذًا، وكَمْ مِن حَدِيثٍ صَحِيحٍ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ وغَيْرِهِما انْفَرَدَ بِهِ عَدْلٌ ضابِطٌ عَنْ غَيْرِهِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ، وأمّا مَتْنُهُ فَهو بَعِيدٌ مِنَ الشُّذُوذِ أيْضًا. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مِثْلَهُ رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وصَحَّ أيْضًا مِثْلُهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ. قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وقَدْ رَوى إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ حَدَّثَنا شَبابَةُ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ (p-٢٩٨)عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ إذا كانَ في سَفَرٍ فَزالَتِ الشَّمْسُ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ ثُمَّ ارْتَحَلَ» وهَذا إسْنادٌ كَما تَرى. وشَبابَةُ هو شَبابَةُ بْنُ سَوّارٍ الثِّقَةُ المُتَّفَقُ عَلى الِاحْتِجاجِ بِحَدِيثِهِ وقَدْ رَوى لَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“، فَهَذا الإسْنادُ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. اهـ. مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ إسْحاقَ هَذا ما نَصُّهُ: وأُعِلَّ بِتَفَرُّدِ إسْحاقَ بِهِ عَنْ شَبابَةَ ثُمَّ تَفَرُّدِ جَعْفَرٍ الفِرْيابِيِّ بِهِ عَنْ إسْحاقَ ولَيْسَ ذَلِكَ بِقادِحٍ، فَإنَّهُما إمامانِ حافِظانِ. اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَرَوى الحاكِمُ في ”الأرْبَعِينَ“ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ إسْحاقَ المَذْكُورِ ونَحْوَهُ لِأبِي نُعَيْمٍ في ”مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ“، قالَ الحافِظُ في ”بُلُوغُ المَرامِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ أنَسٍ المُتَّفَقَ عَلَيْهِ ما نَصُّهُ: وفي رِوايَةٍ لِلْحاكِمِ في ”الأرْبَعِينَ“ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ «صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ»، ولِأبِي نُعَيْمٍ في مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ: «كانَ إذا كانَ في سَفَرٍ فَزالَتِ الشَّمْسُ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ ارْتَحَلَ» . وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”تَلْخِيصِ الحَبِيرِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ الحاكِمِ المَذْكُورِ بِسَنَدِهِ ومَتْنِهِ ما نَصُّهُ: وهي زِيادَةٌ غَرِيبَةٌ صَحِيحَةُ الإسْنادِ وقَدْ صَحَّحَهُ المُنْذِرِيُّ مِن هَذا الوَجْهِ والعَلائِيُّ، وتَعَجَّبَ مِن كَوْنِ الحاكِمِ لَمْ يُورِدْهُ في ”المُسْتَدْرَكِ“، قالَ: ولَهُ طَرِيقٌ أُخْرى رَواها الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، ثُمَّ ساقَ الحَدِيثَ بِها وقالَ: تَفَرَّدَ بِهِ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ ولا يَقْدَحُ في رِوايَةِ الحاكِمِ هَذِهِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“ مِن أنَّ البَيْهَقِيَّ ساقَ سَنَدَ الحاكِمِ المَذْكُورَ ثُمَّ ذَكَرَ المَتْنَ ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ زِيادَةَ جَمْعِ التَّقْدِيمِ لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ وزِيادَةُ العُدُولِ مَقْبُولَةٌ كَما تَقَدَّمَ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ مُعاذٍ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ ما نَصُّهُ: رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقالَ البَيْهَقِيُّ: هو مَحْفُوظٌ صَحِيحٌ، وعَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كانَ في سَفَرٍ فَزالَتِ الشَّمْسُ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ ارْتَحَلَ»، رَواهُ الإسْماعِيلِيُّ والبَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ. قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في ”الأسالِيبِ“: في ثُبُوتِ الجَمْعِ أخْبارٌ صَحِيحَةٌ هي نُصُوصٌ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها تَأْوِيلٌ ودَلِيلُهُ في المَعْنى الِاسْتِنْباطُ مِن صُورَةِ الإجْماعِ وهي الجَمْعُ بِعَرَفاتٍ ومُزْدَلِفَةَ، إذْ لا يَخْفى أنَّ سَبَبَهُ احْتِياجُ الحُجّاجِ إلَيْهِ لِاشْتِغالِهِمْ (p-٢٩٩)بِمَناسِكِهِمْ، وهَذا المَعْنى مَوْجُودٌ في كُلِّ الأسْفارِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. والجَوابُ عَنْ قَوْلِ أبِي داوُدَ لَيْسَ في جَمْعِ التَّقْدِيمِ حَدِيثٌ قائِمٌ هو ما رَأيْتَ مِن أنَّهُ ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ مِن حَدِيثِ جابِرٍ وصَحَّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مِن طَرِيقِ إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ وأخْرَجَهُ الحاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ في ”الأرْبَعِينَ“ وأخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في ”مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ“ والإسْماعِيلِيُّ والبَيْهَقِيُّ وقالَ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ بِلَفْظِ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كانَ في سَفَرٍ وزالَتِ الشَّمْسُ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا» إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ. * * قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ أحادِيثَ جَمْعِ التَّقْدِيمِ بَعْضُها صَحِيحٌ وبَعْضُها حَسَنٌ، وذَلِكَ يَرُدُّ قَوْلَ أبِي داوُدَ: لَيْسَ في جَمْعِ التَّقْدِيمِ حَدِيثٌ قائِمٌ، والجَوابُ عَنْ تَضْعِيفِ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ في جَمْعِ التَّقْدِيمِ بِأنَّ في إسْنادِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ هو ضَعِيفٌ، هو أنَّهُ رُوِيَ مِن طَرِيقَيْنِ أُخْرَيَيْنِ بِهِما يَعْتَضِدُ الحَدِيثُ حَتّى يَصِيرَ أقَلُّ دَرَجاتِهِ الحَسَنَ. الأُولى: أخْرَجَها يَحْيى بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ الحَمّانِيُّ عَنْ أبِي خالِدٍ الأحْمَرِ عَنِ الحَجّاجِ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِيَةُ: مِنهُما رَواها إسْماعِيلُ القاضِي في الأحْكامِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي أُوَيْسٍ عَنْ أخِيهِ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ والشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ . وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا: يُقالُ إنِ التِّرْمِذِيَّ حَسَّنَهُ وكَأنَّهُ بِاعْتِبارِ المُتابَعَةِ، وغَفَلَ ابْنُ العَرَبِيِّ فَصَحَّحَ إسْنادَهُ. وَبِهَذا كُلِّهِ تَعْلَمُ أنَّ كُلًّا مِن جَمْعِ التَّقْدِيمِ وجَمْعِ التَّأْخِيرِ في السَّفَرِ ثابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفِيهِ صُورَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْها وهي الَّتِي رَواها مُسْلِمٌ عَنْ جابِرٍ في حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ في الحَجِّ كَما قَدَّمْنا، وهي جَمْعُ التَّقْدِيمِ ظُهْرَ عَرَفاتٍ، وجَمْعُ التَّأْخِيرِ عِشاءَ المُزْدَلِفَةِ. قالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: والجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِعُذْرِ السَّفَرِ مِنَ الأُمُورِ المَشْهُورَةِ المُسْتَعْمَلَةِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، مَعَ الثّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ عَنْ أصْحابِهِ ثُمَّ ما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِن جَمْعِ النّاسِ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ بِالمُزْدَلِفَةِ. اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ. (p-٣٠٠)وَرَوى البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سَألَ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: هَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في السَّفَرِ ؟ فَقالَ: نَعَمْ لا بَأْسَ بِذَلِكَ، ألَمْ تَرَ إلى صَلاةِ النّاسِ بِعَرَفَةَ اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَقالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”زادِ المَعادِ“: قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ويَدُلُّ عَلى جَمْعِ التَّقْدِيمِ جَمْعُهُ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ لِمَصْلَحَةِ الوُقُوفِ لِيَتَّصِلَ وقْتُ الدُّعاءِ ولا يَقْطَعَهُ بِالنُّزُولِ لِصَلاةِ العَصْرِ مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ بِلا مَشَقَّةٍ، فالجَمْعُ كَذَلِكَ لِأجْلِ المَشَقَّةِ والحاجَةِ أوْلى. قالَ الشّافِعِيُّ: وكانَ أرْفَقُ بِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ تَقْدِيمُ العَصْرِ؛ لِأنْ يَتَّصِلَ لَهُ الدُّعاءُ فَلا يَقْطَعَهُ بِصَلاةِ العَصْرِ، والتَّأْخِيرُ أرْفَقُ بِالمُزْدَلِفَةِ؛ لِأنْ يَتَّصِلَ لَهُ المُسَيَّرُ ولا يَقْطَعُهُ لِلنُّزُولِ لِلْمَغْرِبِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلى النّاسِ اهـ. مِن ”زادَ المَعادِ“ . فَبِهَذِهِ الأدِلَّةِ الَّتِي سُقْناها في هَذا المَبْحَثِ تَعْلَمُ أنَّ العَصْرَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ الظُّهْرِ في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وأنَّ العِشاءَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ المَغْرِبِ في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ أيْضًا، وأنَّ الظُّهْرَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ العَصْرِ في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وأنَّ المَغْرِبَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ العِشاءِ في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ أيْضًا، ولا يَخْفى أنَّ الأئِمَّةَ الَّذِينَ خالَفُوا مالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في امْتِدادِ وقْتِ الضَّرُورَةِ لِلظَّهْرِ إلى الغُرُوبِ وامْتِدادِ وقْتِ الضَّرُورَةِ لِلْمَغْرِبِ إلى الفَجْرِ كالشّافِعِيِّ وأحْمَدَ رَحِمَهُما اللَّهُ ومَن وافَقَهُما أنَّهم في الحَقِيقَةِ مُوافِقُونَ لَهُ لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الحائِضَ إذا طَهُرَتْ قَبْلَ الغُرُوبِ بِرَكْعَةٍ صَلَّتِ الظُّهْرَ والعَصْرَ مَعًا، وكَذَلِكَ إذا طَهُرَتْ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ بِرَكْعَةٍ صَلَّتِ المَغْرِبَ والعِشاءَ كَما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَلَوْ كانَ الوَقْتُ خَرَجَ بِالكُلِّيَّةِ لَمْ يَلْزَمْها أنْ تُصَلِّيَ الظُّهْرَ ولا المَغْرِبَ لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ الحائِضَ لا تَقْضِي ما فاتَ وقْتُهُ مِنَ الصَّلَواتِ وهي حائِضٌ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنا أنَّهُ يَجِبُ عَلى المَعْذُورِ الظُّهْرُ بِما تَجِبُ بِهِ العَصْرُ، وبِهِ قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وابْنُ عَبّاسٍ وفُقَهاءُ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم. وَقالَ الحَسَنُ وحَمّادٌ وقَتادَةُ والثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وداوُدُ: لا تَجِبُ عَلَيْهِ. اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ، ومالِكٌ يُوجِبُها بِقَدْرِ ما تُصَلّى فِيهِ الأُولى مِن مُشْتَرَكَتَيِّ الوَقْتِ مَعَ بَقاءِ رَكْعَةٍ فَهو أرْبَعٌ في المَغْرِبِ والعِشاءِ وخَمْسٌ في الظُّهْرِ والعَصْرِ لِلْحاضِرِ، وثَلاثٌ لِلْمُسافِرِ. وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ورُوِيَ هَذا القَوْلُ يَعْنِي إدْراكَ الظُّهْرِ مَثَلًا بِما (p-٣٠١)تُدْرَكُ بِهِ العَصْرُ في الحائِضِ تَطْهُرُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وابْنِ عَبّاسٍ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ ورَبِيعَةَ ومالِكٍ واللَّيْثِ والشّافِعِيِّ وإسْحاقَ وأبِي ثَوْرٍ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: عامَّةُ التّابِعِينَ يَقُولُونَ بِهَذا القَوْلِ إلّا الحَسَنَ وحْدَهُ، قالَ: لا تَجِبْ إلّا الصَّلاةُ الَّتِي طَهُرَتْ في وقْتِها وحْدَها، إلى أنْ قالَ: ولَنا ما رَوى الأثْرَمُ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما بِإسْنادِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما قالا في الحائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ بِرَكْعَةٍ: تُصَلِّي المَغْرِبَ والعِشاءَ، فَإذا طَهُرَتْ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ صَلَّتِ الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا؛ ولِأنَّ وقْتَ الثّانِيَةِ وقْتُ الأُولى حالَ العُذْرِ فَإذا أدْرَكَهُ المَعْذُورُ لَزِمَهُ فَرْضُها كَما يَلْزَمُهُ فَرْضُ الثّانِيَةِ، اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ مَعَ حَذْفٍ يَسِيرٍ، وهو تَصْرِيحٌ مِن هَذا العالِمِ الجَلِيلِ الحَنْبَلِيِّ بِامْتِدادِ وقْتِ الضَّرُورَةِ لِلْمَغْرِبِ إلى الفَجْرِ، ولِلظُّهْرِ إلى الغُرُوبِ كَقَوْلِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأمّا أوَّلُ وقْتِ العِشاءِ فَقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ يَدْخُلُ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ. وَفِي حَدِيثِ جابِرٍ وابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمَيْنِ في إمامَةِ جِبْرِيلَ في بَيانِ أوَّلِ وقْتِ العِشاءِ ثُمَّ صَلّى العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ. وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ المُتَقَدِّمِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ ثُمَّ أمَرَهُ فَأقامَ العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ. وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: ثُمَّ أمَرَهُ فَأقامَ العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ، والأحادِيثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا وهو أمْرٌ لا نِزاعَ فِيهِ. فَإذا عَلِمْتَ إجْماعَ العُلَماءِ عَلى أنَّ أوَّلَ وقْتِ العِشاءِ هو مَغِيبُ الشَّفَقِ، فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في الشَّفَقِ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو الحُمْرَةُ، وهو الحَقُّ. وَقالَ بَعْضُهم: هو البَياضُ الَّذِي بَعْدَ الحُمْرَةِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّفَقَ هو الحُمْرَةُ ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الشَّفَقُ الحُمْرَةُ فَإذا غابَ الشَّفَقُ وجَبَتِ الصَّلاةُ» . قالَ الدّارَقُطْنِيُّ في ”الغَرائِبِ“: هو غَرِيبٌ وكُلُّ رُواتِهِ ثِقاتٌ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «وَوَقْتُ صَلاةِ المَغْرِبِ إلى أنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ» الحَدِيثَ. قالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ أغْنَتْ عَنْ غَيْرِها مِنَ الرِّواياتِ، لَكِنْ تَفَرَّدَ بِها مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. (p-٣٠٢)قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ هو الواسِطِيُّ وهو صَدُوقٌ، ورَوى هَذا الحَدِيثَ ابْنُ عَساكِرَ وصَحَّحَ البَيْهَقِيُّ وقْفَهُ عَلى ابْنِ عُمَرَ. وَقالَ الحاكِمُ أيْضًا: إنَّ رَفْعَهُ غَلَطٌ، بَلْ قالَ البَيْهَقِيُّ: رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وشَدّادِ بْنِ أوْسٍ، ولا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ ولَكِنْ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الإسْنادَ الَّذِي رَواهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِهِ في ”صَحِيحِهِ“ لَيْسَ فِيهِ مِمّا يُوجِبُ تَضْعِيفَهُ إلّا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ صَدُوقٌ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُمْرَةَ الشَّفَقُ ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ «عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ:“ أنا أعْلَمُ النّاسِ بِوَقْتِ صَلاةِ العِشاءِ " كانَ ﷺ يُصَلِّيها لِسُقُوطِ القَمَرِ لِثالِثَةٍ» لِما حَقَّقَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أنَّ البَياضَ لا يَغِيبُ إلّا بَعْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وسُقُوطِ القَمَرِ لِثالِثَةِ الشَّهْرِ قَبْلَ ذَلِكَ كَما هو مَعْلُومٌ. * * وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: ومِن حُجَجِ القائِلِينَ بِأنَّ الشَّفَقَ الحُمْرَةُ ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «أنَّهُ صَلّى العِشاءَ لِسُقُوطِ القَمَرِ لِثالِثَةِ الشَّهْرِ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهو صَحِيحٌ وصَلّى قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ. قالَ ابْنُ سَيِّدِ النّاسِ في ”شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ“: وقَدْ عَلِمَ كُلُّ مَن لَهُ عِلْمٌ بِالمَطالِعِ والمَغارِبِ أنَّ البَياضَ لا يَغِيبُ إلّا عِنْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ، وهو الَّذِي حَدَّ ﷺ خُرُوجَ أكْثَرِ الوَقْتِ بِهِ فَصَحَّ يَقِينًا أنَّ وقْتَها داخِلٌ قَبْلِ ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ بِيَقِينٍ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أنَّهُ داخِلٌ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ الَّذِي هو البَياضُ فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ يَقِينًا أنَّ الوَقْتَ دَخَلَ يَقِينًا بِالشَّفَقِ الَّذِي هو الحُمْرَةُ. اهـ. وابْتِداءُ وقْتِ العِشاءِ مَغِيبُ الشَّفَقِ إجْماعًا لِما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ وحَدِيثِ التَّعْلِيمِ، وهَذا الحَدِيثُ وغَيْرُ ذَلِكَ انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ الشَّفَقَ الحُمْرَةُ لا البَياضُ، وفي ”القامُوسِ“ الشَّفَقُ الحُمْرَةُ ولَمْ يُذْكَرِ البَياضَ. وَقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ: الشَّفَقُ الحُمْرَةُ وما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن أنَّ الشَّفَقَ في السَّفَرِ هو الحُمْرَةُ وفي الحَضَرِ هو البَياضُ الَّذِي بَعْدَ الحُمْرَةِ لا يُخالِفُ ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ مِن تَحْقِيقِ المَناطِ لِغَيْبُوبَةِ الحُمْرَةِ الَّتِي هي الشَّفَقُ عِنْدَ أحْمَدَ وإيضاحُهُ أنَّ الإمامَ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: ”الشَّفَقُ هو الحُمْرَةُ“ والمُسافِرُ لِأنَّهُ في الفَلاةِ والمَكانِ المُتَّسِعِ يَعْلَمُ سُقُوطَ الحُمْرَةِ، أمّا الَّذِي في الحَضَرِ فالأُفُقُ يَسْتَتِرُ عَنْهُ بِالجُدْرانِ فَيَسْتَظْهِرُ حَتّى يَغِيبَ البَياضُ لِيَسْتَدِلَّ بِغَيْبُوبَتِهِ عَلى مَغِيبِ (p-٣٠٣)الحُمْرَةِ، فاعْتِبارُهُ لِغَيْبَةِ البَياضِ لِدَلالَتِهِ عَلى مَغِيبِ الحُمْرَةِ لا لِنَفْسِهِ. اهـ. مِنَ ”المُغْنِي“ لِابْنِ قُدامَةَ. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن وافَقَهُ: الشَّفَقُ البَياضُ الَّذِي بَعْدَ الحُمْرَةِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّهُ الحُمْرَةُ، وأما آخِرُ وقْتِ العِشاءِ فَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ انْتِهاؤُهُ عِنْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ نِصْفُ اللَّيْلِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ ما يَدُلُّ عَلى امْتِدادِهِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ. فَمِنَ الرِّواياتِ بِانْتِهائِهِ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”كانُوا يُصَلُّونَ العِشاءَ فِيما بَيْنَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ“ . وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى، وبُرَيْدَةَ المُتَقَدِّمَيْنِ في تَعْلِيمِ مَن سَألَ عَنْ مَواقِيتِ الصَّلاةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: ”أنَّهُ ﷺ في اللَّيْلَةِ الأُولى أقامَ العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ، وفي اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ أخَّرَهُ حَتّى كانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلِ، ثُمَّ قالَ: الوَقْتُ فِيما بَيْنَ هَذَيْنِ“ . وَفِي حَدِيثِ جابِرٍ، وابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمَيْنِ في إمامَةِ جِبْرِيلَ: ”أنَّهُ في اللَّيْلَةِ الأُولى صَلّى العِشاءَ حِينَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، وفي اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ صَلّاها حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلِ وقالَ: الوَقْتُ فِيما بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ“، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّواياتِ الدّالَّةِ عَلى انْتِهاءِ وقْتِ العِشاءِ عِنْدَ ذَهابِ ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ. وَمِنَ الرِّواياتِ الدّالَّةِ عَلى امْتِدادِهِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ، ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ العِشاءَ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلّى، ثُمَّ قالَ: قَدْ صَلّى النّاسُ ونامُوا أما إنَّكم في صَلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُوها» . قالَ أنَسٌ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى وبِيصِ خاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو المُتَقَدِّمِ عِنْدَ أحْمَدَ، ومُسْلِمٍ، والنَّسائِيِّ، وأبِي داوُدَ: «وَوَقْتُ صَلاةِ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ» وفي بَعْضِ رِواياتِهِ: «فَإذا صَلَّيْتُمُ العِشاءَ فَإنَّهُ وقْتٌ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ» . وَمِنَ الرِّواياتِ الدّالَّةِ عَلى امْتِدادِهِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ ما رَواهُ أبُو قَتادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّما التَّفْرِيطُ عَلى مَن لَمْ يُصَلِّ الصَّلاةَ حَتّى يَجِيءَ وقْتُ الأُخْرى»، رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ . واعْلَمْ أنَّ عُمُومَ هَذا الحَدِيثِ مَخْصُوصٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ وقْتَ الصُّبْحِ (p-٣٠٤)لا يَمْتَدُّ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ، فَلا وقْتَ لِلصُّبْحِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إجْماعًا، فَإنْ قِيلَ يُمْكِنُ تَخْصِيصُ حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ هَذا بِالأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى انْتِهاءِ وقْتِ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ. فالجَوابُ: أنَّ الجَمْعَ مُمْكِنٌ، وهو واجِبٌ إذا أمْكَنَ وإعْمالُ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما، ووَجْهُ الجَمْعِ أنَّ التَّحْدِيدَ بِنِصْفِ اللَّيْلِ لِلْوَقْتِ الِاخْتِيارِيِّ والِامْتِدادَ إلى الفَجْرِ لِلْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ. وَيَدُلُّ لِهَذا: إطْباقُ مَن ذَكَرْنا سابِقًا مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّ الحائِضَ إذا طَهُرَتْ قَبْلَ الصُّبْحِ بِرَكْعَةٍ صَلَّتِ المَغْرِبَ، والعِشاءَ، ومَن خالَفَ مِنَ العُلَماءِ فِيما ذَكَرْنا سابِقًا، إنَّما خالَفَ في المَغْرِبِ لا في العِشاءِ، مَعَ أنَّ الأثَرَ الَّذِي قَدَّمْنا في ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وابْنِ عَبّاسٍ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في حُكْمِ المَرْفُوعِ؛ لِأنَّ المَوْقُوفَ الَّذِي لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، كَما تَقَرَّرَ في عُلُومِ الحَدِيثِ، ومَعْلُومٌ أنَّ انْتِهاءَ أوْقاتِ العِباداتِ كابْتِدائِها لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ مَحْضٌ. وَبِهَذا تَعْرِفُ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ ما دَلَّ عَلى انْتِهائِهِ بِنِصْفِ اللَّيْلِ، وما دَلَّ عَلى امْتِدادِهِ إلى الفَجْرِ، ولَكِنْ يَبْقى الإشْكالُ بَيْنَ رِواياتِ الثُّلُثِ ورِواياتِ النِّصْفِ، والظّاهِرُ في الجَمْعِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّهُ جَعَلَ كُلَّ ما بَيْنَ الثُّلُثِ والنِّصْفِ وهو السُّدُسُ ظَرْفًا لِآخِرِ وقْتِ العِشاءِ الِاخْتِيارِيِّ. وَإذَنْ فَلِآخِرِهِ أوَّلٌ وآخِرٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وعَلى أنَّ الجَمْعَ بِهَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِمُقْنِعٍ فَلَيْسَ هُناكَ طَرِيقٌ إلّا التَّرْجِيحُ بَيْنَ الرِّواياتِ. فَبَعْضُ العُلَماءِ رَجَّحَ رِواياتِ الثُّلُثِ بِأنَّها أحْوَطُ في المُحافَظَةِ عَلى الوَقْتِ المُخْتارِ وبِأنَّها مَحَلُّ وِفاقٍ لِاتِّفاقِ الرِّواياتِ عَلى أنَّ مَن صَلّى العِشاءَ قَبْلَ الثُّلُثِ فَهو مُؤَدٍّ صَلاتَهُ في وقْتِها الِاخْتِيارِيِّ، وبَعْضُهم رَجَّحَ رِواياتِ النِّصْفِ بِأنَّها زِيادَةٌ صَحِيحَةٌ، وزِيادَةُ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ. وَأمّا أوَّلُ وقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ فَهو عِنْدُ طُلُوعِ الفَجْرِ الصّادِقِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ وهو الفَجْرُ الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعامَ والشَّرابَ عَلى الصّائِمِ. وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى، وبُرَيْدَةَ المُتَقَدِّمَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: «وَأمَرَ بِلالًا فَأقامَ الفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الفَجْرُ، والنّاسُ لا يَكادُ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا» الحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ جابِرٍ المُتَقَدِّمِ، في إمامَةِ جِبْرِيلَ أيْضًا: «ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ حِينَ بَرَقَ (p-٣٠٥)الفَجْرُ، وحَرُمَ الطَّعامُ عَلى الصّائِمِ»، ومَعْلُومٌ أنَّ الفَجْرَ فَجْرانِ كاذِبٌ وصادِقٌ، فالكاذِبُ لا يُحَرِّمُ الطَّعامَ عَلى الصّائِمِ، ولا تَجُوزُ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، والصّادِقُ بِخِلافِ ذَلِكَ فِيهِما، وأمّا آخِرُ وقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ تَحْدِيدُهُ بِالإسْفارِ، وجاءَ في بَعْضِها امْتِدادُهُ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَمِنَ الرِّواياتِ الدّالَّةِ عَلى انْتِهائِهِ بِالإسْفارِ ما في حَدِيثِ جابِرٍ المَذْكُورِ آنِفًا: «ثُمَّ جاءَهُ حِينَ أسْفَرَ جِدًّا فَقالَ: قُمْ فَصَلِّهِ فَصَلّى الفَجْرَ» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ آنِفًا: «ثُمَّ صَلّى الصُّبْحَ حِينَ أسْفَرَتِ الأرْضُ» الحَدِيثَ. وهَذا في بَيانِهِ لِآخِرِ وقْتِ الصُّبْحِ المُخْتارِ في اليَوْمِ الثّانِي. وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى وبُرَيْدَةَ المُتَقَدِّمَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: «ثُمَّ أخَّرَ الفَجْرَ مِنَ الغَدِ حَتّى انْصَرَفَ مِنها والقائِلُ يَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ أوْ كادَتْ» . وَمِنَ الرِّواياتِ الدّالَّةِ عَلى امْتِدادِهِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «وَوَقْتُ صَلاةِ الفَجْرِ ما لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ» . وَفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَوَقْتُ الفَجْرِ ما لَمْ يَطْلُعْ قَرْنُ الشَّمْسِ الأوَّلُ»، والظّاهِرُ في وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ أنَّ الوَقْتَ المُنْتَهِيَ إلى الإسْفارِ هو وقْتُ الصُّبْحِ الِاخْتِيارِيُّ، والمُمْتَدُّ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وقْتُها الضَّرُورِيُّ، وهَذا هو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ. وَقالَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ: لا ضَرُورِيَّ لِلصُّبْحِ فَوَقْتُها كُلُّهُ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وقْتُ اخْتِيارٍ، وعَلَيْهِ فَوَجْهُ الجَمْعِ هو ما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ في الكَلامِ عَلى آخِرِ وقْتِ العِشاءِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو تَفْصِيلُ الأوْقاتِ الَّذِي أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [ ٤ ]، وبَيَّنَ بَعْضَ البَيانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ الآيَةَ [هود: ١١٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآيَةَ [الروم: ١٧]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، (p-٣٠٦)نَهى اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ الوَهْنِ، وهو الضَّعْفُ في طَلَبِ أعْدائِهِمُ الكافِرِينَ، وأخْبَرَهم بِأنَّهم إنْ كانُوا يَجِدُونَ الألَمَ مِنَ القَتْلِ والجِراحِ فالكُفّارُ كَذَلِكَ، والمُسْلِمُ يَرْجُو مِنَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ والرَّحْمَةِ ما لا يَرْجُوهُ الكافِرُ، فَهو أحَقُّ بِالصَّبْرِ عَلى الآلامِ مِنهُ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٣٩ \ ١٤٠]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النساء 4:111

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن فَعَلَ ذَنْبًا فَإنَّهُ إنَّما يَضُرُّ بِهِ خُصُوصَ نَفْسِهِ لا غَيْرَها، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النساء 4:113

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ عَلَّمَ نَبِيَّهُ ﷺ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ عَلَّمَهُ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ الآيَةَ [الشورى: ٥٢]، وقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النساء 4:114

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كَثِيرًا مِن مُناجاةِ النّاسِ فِيما بَيْنَهم لا خَيْرَ فِيهِ. وَنَهى في مَوْضِعٍ آخَرَ عَنِ التَّناجِي بِما لا خَيْرَ فِيهِ، وبَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ لِيُحْزِنَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠، ٩] . وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلِ المُرادُ بِالنّاسِ المُسْلِمُونَ دُونَ الكُفّارِ أوْ لا. (p-٣٠٧)وَلَكِنَّهُ أشارَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ المُرَغَّبِ في الإصْلاحِ بَيْنَهم هُنا المُسْلِمُونَ خاصَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحجرات: ٩]، فَتَخْصِيصُهُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم لَيْسَ كَذَلِكَ كَما هو ظاهِرٌ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [ ٨ ] . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: ١١٤]، يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١، ٢، ٣]، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨]، والآيَةُ الأخِيرَةُ فِيها أنَّها في الآخِرَةِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ المَذْكُورُ إنَّما هو في الدُّنْيا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:117

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِدُعائِهِمُ الشَّيْطانَ المَرِيدَ عِبادَتَهم لَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [يس: ٦٠]، وقَوْلُهُ عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ [مريم: ٤٤]، وقَوْلُهُ عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٤١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [يس: ١٣٧]، ولَمْ يُبَيِّنْ في هَذِهِ الآياتِ ما وجْهُ عِبادَتِهِمْ لِلشَّيْطانِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ مَعْنى عِبادَتِهِمْ لِلشَّيْطانِ إطاعَتُهم لَهُ واتِّباعُهم لِتَشْرِيعِهِ وإيثارُهُ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، «فَإنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا ؟ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّهم أحَلُّوا لَهم ما حَرَّمَ اللَّهُ، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ ما أحَلَّ اللَّهُ فاتَّبَعُوهم“»، وذَلِكَ هو مَعْنى اتِّخاذِهِمْ إيّاهم أرْبابًا. ويُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآياتِ بِوُضُوحٍ لا لَبْسَ فِيهِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعَ الشَّيْطانِ مُؤْثِرًا لَهُ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ، عابِدٌ لِلشَّيْطانِ، مُتَّخِذٌ الشَّيْطانَ رَبًّا، وإنْ سَمّى اتِّباعَهُ لِلشَّيْطانِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ؛ لِأنَّ الحَقائِقَ لا تَتَغَيَّرُ بِإطْلاقِ الألْفاظِ عَلَيْها، كَما هو مَعْلُومٌ.

النساء 4:118

(p-٣٠٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، بَيَّنَ هُنا فِيما ذُكِرَ عَنِ الشَّيْطانِ كَيْفِيَّةَ اتِّخاذِهِ لِهَذا النَّصِيبِ المَفْرُوضِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، والمُرادُ بِتَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ شَقُّ أُذُنِ البَحِيرَةِ مَثَلًا وقَطْعُها لِيَكُونَ ذَلِكَ سِمَةٌ وعَلامَةٌ لِكَوْنِها بَحِيرَةً أوْ سائِبَةً، كَما قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقَدْ أبْطَلَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٠٣]، والمُرادُ بِبَحْرِها شَقُّ أُذُنِها كَما ذَكَرْنا، والتَّبْتِيكُ في اللُّغَةِ: التَّقْطِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: [ البَسِيطُ ] ؎حَتّى إذا ما هَوَتْ كَفُّ الوَلِيدِ لَها طارَتْ وفي كَفِّهِ مِن رِيشِها بِتَكُ أيْ: قِطَعٌ، كَما بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ اتِّخاذِهِ لِهَذا النَّصِيبِ المَفْرُوضِ في آياتٍ أُخَرَ • كَقَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦] • وقَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٦٢]، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ هَذا الظَّنُّ الَّذِي ظَنَّهُ إبْلِيسُ بِبَنِي آدَمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ مِنهم نَصِيبًا مَفْرُوضًا وأنَّهُ يُضِلُّهم تَحَقَّقَ لِإبْلِيسَ أوْ لا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّ ظَنَّهُ هَذا تَحَقَّقَ لَهُ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٠]، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا الفَرِيقَ السّالِمَ مِن كَوْنِهِ مِن نَصِيبِ إبْلِيسَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ • كَقَوْلِهِ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠] • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ نُصِيبُ إبْلِيسَ هَذا هو الأكْثَرُ أوْ لا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ هو الأكْثَرُ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] • وقَوْلِهِ: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [النحل: ١١٦] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ نَصِيبَ الجَنَّةِ واحِدٌ مِنَ الألْفِ والباقِي في النّارِ.

النساء 4:119

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الشَّيْطانَ يَأْمُرُهم بِالكُفْرِ وتَغْيِيِرِ فِطْرَةِ (p-٣٠٩)الإسْلامِ الَّتِي خَلَقَهُمُ اللَّهُ عَلَيْها، وهَذا القَوْلُ يُبَيِّنُهُ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، إذِ المَعْنى عَلى التَّحْقِيقِ لا تُبَدِّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَكم عَلَيْها بِالكُفْرِ. فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الإنْشاءُ إيذانًا بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي إلّا أنْ يَمْتَثِلَ، حَتّى كَأنَّهُ خَبَرٌ واقِعٌ بِالفِعْلِ لا مَحالَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٧]، أيْ: لا تَرْفُثُوا، ولا تَفْسُقُوا، ويَشْهَدُ لِهَذا ما ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمَجِّسانِهِ، كَما تُولَدُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تَجِدُونَ فِيها مِن جَدْعاءَ»، وما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارِ بْنِ أبِي حِمارٍ التَّمِيمِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِّي خَلَقْتُ عِبادِيَ حُنَفاءَ فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم» . وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ في الآيَةِ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ خِصاءُ الدَّوابِّ، والقَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ الوَشْمُ، فَلا بَيانَ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، وبِكُلٍّ مِنَ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: وتَفْسِيرُ بَعْضِ العُلَماءِ لِهَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ المُرادَ بِها خِصاءُ الدَّوابِّ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ جَوازِهِ؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ في مَعْرِضِ الذَّمِّ واتِّباعِ تَشْرِيعِ الشَّيْطانِ، أمّا خِصاءُ بَنِي آدَمَ فَهو حَرامٌ إجْماعًا؛ لِأنَّهُ مُثْلَةٌ وتَعْذِيبٌ وقَطْعُ عُضْوٍ، وقَطْعُ نَسْلٍ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ. وَأمّا خِصاءُ البَهائِمِ فَرَخَّصَ فِيهِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إذا قُصِدَتْ بِهِ المَنفَعَةُ إمّا لِسِمَنٍ أوْ غَيْرِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يُضَحّى بِالخَصِيِّ، واسْتَحْسَنَهُ بَعْضُهم إذا كانَ أسْمَنُ مِن غَيْرِهِ، ورَخَّصَ في خِصاءِ الخَيْلِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وخَصى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بَغْلًا لَهُ، ورَخَّصَ مالِكٌ في خِصاءِ ذُكُورِ الغَنَمِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبَ إلى غَيْرِ اللَّهِ، وإنَّما يُقْصَدُ بِهِ تَطْيِيبُ لَحْمِ ما يُؤْكَلُ وتَقْوِيَةُ الذَّكَرِ إذا انْقَطَعَ أمَلُهُ عَنِ الأُنْثى، ومِنهم مَن كَرِهَ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «”إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ“ .» قالَهُ القُرْطُبِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ ثابِتٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وكانَ يَقُولُ هو: نَماءُ خَلْقِ اللَّهِ، وكَرِهَ ذَلِكَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ. وَقالَ الأوْزاعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ خِصاءَ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ نَسْلٌ. (p-٣١٠)وَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وفِيهِ حَدِيثانِ: أحَدُهُما: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنْ خِصاءِ الغَنَمِ والبَقَرِ والإبِلِ والخَيْلِ» . والآخَرُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنْ صَبْرِ الرُّوحِ وخِصاءِ البَهائِمِ»، والَّذِي في ”المُوَطَّأِ“ مِن هَذا البابِ ما ذَكَرَهُ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ الإخْصاءَ، ويَقُولُ: فِيهِ تَمامُ الخَلْقِ. قالَ أبُو عُمَرَ، يَعْنِي في تَرْكِ الإخْصاءِ: تَمامُ الخَلْقِ، ورُوِيَ نَماءُ الخَلْقِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: بَعْدَ أنْ ساقَ هَذا الكَلامَ الَّذِي ذَكَرْنا: قُلْتُ: أسْنَدَ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الغَنِيِّ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ إسْماعِيلَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا تَخْصُوا ما يُنَمِّي خَلْقَ اللَّهِ» رَواهُ عَنِ الدّارَقُطْنِيِّ شَيْخُهُ قالَ: حَدَّثَنا عَبّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا قُرادٌ، حَدَّثَنا أبُو مالِكٍ النَّخَعِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ إسْماعِيلَ فَذَكَرَهُ. قالَ الدّارَقُطْنِيُّ: ورَواهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمانِ عَنْ أبِي مالِكٍ. اهـ مِنَ القُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ، وكَذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ الوَشْمُ، فَهو يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الوَشْمَ حَرامٌ. وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والنّامِصاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ قالَ: ألا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المُرادُ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأحْجارَ والنّارَ وغَيْرَها مِنَ المَخْلُوقاتِ لِلِاعْتِبارِ ولِلِانْتِفاعِ بِها، فَغَيَّرَها الكَفّارُ بِأنْ جَعَلُوها آلِهَةً مَعْبُودَةً. وَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأنْعامَ لِتُرْكَبَ وتُؤْكَلَ، فَحَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ وجَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والحِجارَةَ مُسَخَّرَةً لِلنّاسِ، فَجَعَلُوها آلِهَةً يَعْبُدُونَها، فَقَدْ غَيَّرُوا ما خَلَقَ اللَّهُ. (p-٣١١)وَما رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن أنَّهُ كانَ لا يَحْضُرُ نِكاحَ سَوْداءَ بِأبْيَضَ ولا بَيْضاءَ بِأسْوَدَ، ويَقُولُ: هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١١٩]، فَهو مَرْدُودٌ بِأنَّ اللَّفْظَ وإنْ كانَ يَحْتَمِلُهُ، فَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ بِالآيَةِ فَمِن ذَلِكَ إنْفاذُهُ ﷺ نِكاحَ مَوْلاهُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكانَ أبْيَضَ بِظِئْرِهِ بَرَكَةَ أُمِّ أُسامَةَ، وكانَتْ حَبَشِيَّةً سَوْداءَ، ومِن ذَلِكَ إنْكاحُهُ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وكانَتْ بَيْضاءَ قُرَشِيَّةً وأُسامَةُ أسْوَدَ، وكانَتْ تَحْتَ بِلالٍ أُخْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِن بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلابٍ، وقَدْ سَها طاوُسٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ عِلْمِهِ وجَلالَتِهِ عَنْ هَذا. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: ويُشْبِهُ قَوْلُ طاوُسٍ هَذا في هَذِهِ الآيَةِ ما قالَ بَعْضُ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ مِن أنَّ السَّوْداءَ تُزَوَّجُ بِوِلايَةِ المُسْلِمِينَ العامَّةِ بِناءً عَلى أنَّ مالِكًا يُجِيزُ تَزْوِيجَ الدَّنِيَّةِ بِوِلايَةٍ عامَّةٍ مُسْلِمًا إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولِيٌّ خاصٌّ مُجْبَرٌ. قالُوا: والسَّوْداءُ دَنِيَّةٌ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ السَّوادَ شَوَهٌ في الخِلْقَةِ وهَذا القَوْلُ مَرْدُودٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِنَ العُلَماءِ، والحَقُّ أنَّ السَّوْداءَ قَدْ تَكُونُ شَرِيفَةً، وقَدْ تَكُونُ جَمِيلَةً، وقَدْ قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: [ الوافِرُ ] ؎وَسَوْداءُ الأدِيمِ تُرِيكَ وجْهًا تَرى ماءَ النَّعِيمِ جَرى عَلَيْهِ ؎رَآها ناظِرِي فَرَنا إلَيْها ∗∗∗ وشَكْلُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ وَقالَ آخَرُ: [ الوافِرُ ] ؎وَلِي حَبَشِيَّةٌ سَلَبَتْ فُؤادِي ∗∗∗ ونَفْسِي لا تَتُوقُ إلى سِواها ؎كَأنَّ شُرُوطَها طُرُقٌ ثَلاثٌ ∗∗∗ تَسِيرُ بِها النُّفُوسُ إلى هَواها وَقالَ آخَرُ في سَوْداءَ: [ السَّرِيعُ ] ؎أشْبَهَكِ المِسْكُ وأشْبَهْتِهِ ∗∗∗ قائِمَةً في لَوْنِهِ قاعِدَهْ ؎لا شَكَّ إذْ لَوْنُكُما واحِدٌ ∗∗∗ أنَّكُما مِن طِينَةٍ واحِدَهْ وَأمْثالُهُ في كَلامِ الأُدَباءِ كَثِيرَةٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ [النساء: ١١٩] يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْطِيعَ آذانِ الأنْعامِ لا يَجُوزُ وهو كَذَلِكَ. أمّا قَطْعُ أُذُنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ تَقَرُّبًا بِذَلِكَ لِلْأصْنامِ فَهو كُفْرٌ بِاللَّهِ إجْماعًا، وأمّا تَقْطِيعُ آذانِ البَهائِمِ لِغَيْرِ ذَلِكَ فالظّاهِرُ أيْضًا أنَّهُ لا يَجُوزُ، ولِذا «أمَرَنا ﷺ: ”أنْ نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ، والأُذُنَ، ولا نُضَحِّيَ بِعَوْراءَ، ولا مُقابَلَةٍ، ولا مُدابَرَةٍ، (p-٣١٢)وَلا خَرْقاءَ، ولا شَرْقاءَ“» . أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعِ، والبَزّارُ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وأعَلَّهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والمُقابَلَةُ المَقْطُوعَةُ طَرَفَ الأُذُنِ، والمُدابَرَةُ المَقْطُوعَةُ مُؤَخَّرَ الأُذُنِ، والشَّرْقاءُ مَشْقُوقَةُ الأُذُنِ طُولًا، والخَرْقاءُ الَّتِي خُرِقَتْ أُذُنُها خَرْقًا مُسْتَدِيرًا، فالعَيْبُ في الأُذُنِ مُراعًى عِنْدَ جَماعَةِ العُلَماءِ. قالَ مالِكٌ واللَّيْثُ: المَقْطُوعَةُ الأُذُنِ لا تُجْزِئُ، أوْ جُلِّ الأُذُنِ قالَهُ القُرْطُبِيُّ، والمَعْرُوفُ مِن مَشْهُورِ مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّ الَّذِي يَمْنَعُ الإجْزاءَ قَطْعُ ثُلُثِ الأُذُنِ فَما فَوْقَهُ لا ما دُونَهُ فَلا يَضُرُّ، وإنْ كانَتْ سَكّاءَ وهي الَّتِي خُلِقَتْ بِلا أُذُنٍ. فَقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: لا تُجْزِئُ، وإنْ كانَتْ صَغِيرَةَ الأُذُنِ أجْزَأتْ، ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ مَشْقُوقَةَ الأُذُنِ لِلْمَيْسَمِ أجَزَأتْ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وجَماعَةِ الفُقَهاءِ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:123

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا مِن أمانِيهِمْ، ولا مِن أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى بَعْضِ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ • كَقَوْلِهِ في أمانِيِّ العَرَبِ الكاذِبَةِ: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]، • وقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. • وقَوْلِهِ في أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١١]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٨]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ وأهْلَ الكِتابِ تَفاخَرُوا، فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: نَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، فَنَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم، وقالَ المُسْلِمُونَ: نَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم، ونَبِيُّنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ، وكِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٣]، لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ

النساء 4:125

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا أحَدَ أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ في حالِ كَوْنِهِ مُحْسِنًا؛ لِأنَّ اسْتِفْهامَ الإنْكارِ مُضَمَّنٌ مَعْنى النَّفْيِ، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَقَدِ (p-٣١٣)اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [لقمان: ٢٢]، ومَعْنى إسْلامِ وجْهِهِ لِلَّهِ إطاعَتُهُ وإذْعانُهُ، وانْقِيادُهُ لِلَّهِ تَعالى بِامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ في حالِ كَوْنِهِ مُحْسِنًا، أيْ: مُخْلِصًا عَمَلَهُ لِلَّهِ لا يُشْرِكُ فِيهِ بِهِ شَيْئًا مُراقِبًا فِيهِ لِلَّهِ كَأنَّهُ يَراهُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ يَراهُ فاللَّهُ تَعالى يَراهُ، والعَرَبُ تُطْلِقُ إسْلامَ الوَجْهِ، وتُرِيدُ بِهِ الإذْعانَ والِانْقِيادَ التّامَّ، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ العَدَوِيِّ: [ المُتَقارِبُ ] ؎وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا ؎وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالًا

النساء 4:127

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمْ في الكِتابِ ما هو، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣]، كَما قَدَّمْناهُ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَما يُتْلى﴾ [النساء: ١٢٧] في مَحَلِّ رَفْعٍ مَعْطُوفًا عَلى الفاعِلِ الَّذِي هو لَفْظُ الجَلالَةِ، وتَقْرِيرُ المَعْنى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، أيْضًا: ما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ الآيَةَ، ومَضْمُونُ ما أفْتى بِهِ هَذا الَّذِي يُتْلى عَلَيْنا في الكِتابِ هو تَحْرِيمُ هَضْمِ حُقُوقِ اليَتِيماتِ فَمَن خافَ أنْ لا يُقْسِطَ في اليَتِيمَةِ الَّتِي في حِجْرِهِ فَيَتْرُكْها ولْيَنْكِحْ ما طابَ لَهُ سِواها، وهَذا هو التَّحْقِيقُ في مَعْنى الآيَةِ كَما قَدَّمْنا، وعَلَيْهِ فَحَرْفُ الجَرِّ المَحْذُوفُ في قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، هو عَنْ أيْ: تَرْغَبُونَ عَنْ نِكاحِهِنَّ لِقِلَّةِ مالِهِنَّ وجِمالِهِنَّ، أيْ: كَما أنَّكم تَرْغَبُونَ عَنْ نِكاحِهِنَّ إنْ كُنَّ قَلِيلاتِ مالٍ وجَمالٍ، فَلا يَحِلُّ لَكم نِكاحُهُنَّ إنْ كُنَّ ذَواتُ مالٍ وجِمالٍ إلّا بِالإقْساطِ إلَيْهِنَّ في حُقُوقِهِنَّ، كَما تَقَدَّمَ عَنْعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الحَرْفُ المَحْذُوفُ هو ”في“ أيْ: تَرْغَبُونَ في نِكاحِهِنَّ إنْ كُنَّ مُتَّصِفاتٍ بِالجَمالِ وكَثْرَةِ المالِ مَعَ أنَّكم لا تُقْسِطُونَ فِيهِنَّ، والَّذِينَ قالُوا بِالمَجازِ واخْتَلَفُوا في جَوازِ مَحَلِّ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ مَعًا أجازُوا ذَلِكَ في المَجازِ العَقْلِيِّ كَقَوْلِكَ: أغْنانِي زَيْدٌ وعَطاؤُهُ، فَإسْنادُ الإغْناءِ إلى زَيْدٍ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وإسْنادُهُ إلى العَطاءِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ فَجازَ جَمْعُها، وكَذَلِكَ إسْنادُ الإفْتاءِ إلى اللَّهِ حَقِيقِيٌّ، وإسْنادُهُ إلى ما يُتْلى (p-٣١٤)مَجازٌ عَقْلِيٌّ عِنْدَهم لِأنَّهُ سَبَبُهُ فَيَجُوزُ جَمْعُهُما. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، في مَحَلِّ جَرٍّ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ، وعَلَيْهِ فَتَقْرِيرُ المَعْنى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ ويُفْتِيكم فِيما يُتْلى عَلَيْكم، وهَذا الوَجْهُ يُضْعِفُهُ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنَّ الغالِبَ أنَّ اللَّهَ يُفْتِي بِما يُتْلى في هَذا الكِتابِ، ولا يُفْتِي فِيهِ لِظُهُورِ أمْرِهِ. الثّانِي: أنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ المَخْفُوضِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الخافِضِ ضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، وأجازَهُابْنُ مالِكٍ مُسْتَدِلًّا بِقِراءَةِ حَمْزَةَ، والأرْحامَ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَساءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: ١]، وبِوُرُودِهِ في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: [ البَسِيطُ ] ؎فاليَوْمَ قَرَّبَتْ تَهْجُونا وتَشْتُمُنا فاذْهَبْ فَما بِكَ والأيّامِ مِن عَجَبِ بِجَرِّ الأيّامِ عَطْفًا عَلى الكافِ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎نُعَلِّقُ في مِثْلِ السَّوارِي سُيُوفَنا ∗∗∗ وما بَيْنَها والكَعْبِ مَهْوى نَفانِفِ بِجَرِّ الكَعْبِ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ قَبْلَهُ وقَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎وَقَدْ رامَ آفاقَ السَّماءِ فَلَمْ يَجِدْ ∗∗∗ لَهُ مِصْعَدًا فِيها ولا الأرْضُ مِقْعَدًا فَقَوْلُهُ: ولا الأرْضُ بِالجَرِّ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ وقَوْلُ الآخَرِ: [ الوافِرُ ] ؎أمُرُّ عَلى الكَتِيبَةِ لَسْتُ أدْرِي ∗∗∗ أحَتْفِي كانَ فِيها أمْ سِواها فَسِواها في مَحَلِّ جَرٍّ بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ. وَأُجِيبَ عَنِ الآيَةِ بِجَوازِ كَوْنِها قَسَمًا، واللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، كَما أقْسَمَ بِمَخْلُوقاتِهِ كُلِّها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩]، وعَنِ الأبْياتِ بِأنَّها شُذُوذٌ يُحْفَظُ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ وصَحَّحَ ابْنُ القَيِّمِ جَوازَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَخْفُوضِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الخافِضِ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، فَقالَ إنَّ قَوْلَهُ: ومَن في مَحَلِّ جَرٍّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: حَسْبُكَ، وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلَيْهِ: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾، (p-٣١٥)أيْ: كافِيكَ، وكافِي مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأجازَ ابْنُ القَيِّمِ والقُرْطُبِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾، أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا مَعْطُوفًا عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّ الكافَ مَخْفُوضٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎إذا كانَتِ الهَيْجاءُ وانْشَقَّتِ العَصا ∗∗∗ فَحَسْبُكَ والضَّحّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ بِنَصْبِ الضَّحّاكِ كَما ذَكَرْنا، وجَعَلَ بَعْضُ العُلَماءِ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠] فَقالَ: ومَن عَطْفٌ عَلى ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: لَكم وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلَيْهِ، وجَعَلْنا لَكم ولِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وكَذَلِكَ إعْرابُ وما يُتْلى بِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ خَبَرُهُ في الكِتابِ، وإعْرابُهُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ، ويُبَيِّنُ لَكم ما يُتْلى، وإعْرابُهُ مَجْرُورًا عَلى أنَّهُ قَسَمٌ، كُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ ظاهِرٍ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ [النساء: ١٢٧]، آياتُ المَوارِيثِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ فاسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آياتِ المَوارِيثِ. وَعَلى هَذا القَوْلِ، فالمُبَيِّنُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ هو قَوْلُهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ [النساء: ١١] . وقَوْلُهُ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أصَحُّ وأظْهَرُ. تَنْبِيهٌ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنْ“ وصِلَتُها في قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، أصْلُهُ مَجْرُورٌ بِحَرْفٍ مَحْذُوفٍ، وقَدْ قَدَّمْنا الخِلافَ هَلْ هو ”عَنْ“، وهو الأظْهَرُ، أوْ هو ”في“ وبَعْدَ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ المَذْكُورِ فالمَصْدَرُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّحْقِيقِ، وبِهِ قالَ الكِسائِيُّ والخَلِيلُ: وهو الأقْيَسُ لِضَعْفِ الجارِّ عَنِ العَمَلِ مَحْذُوفًا. وَقالَ الأخْفَشُ: هو في مَحَلِّ جَرٍّ بِالحَرْفِ المَحْذُوفِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎وَما زُرْتُ لَيْلى أنْ تَكُونَ حَبِيبَةً ∗∗∗ إلَيَّ ولا دَيْنٍ بِها أنا طالِبُهُ بِجَرِّ ”دَيْنٍ“ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ”أنْ تَكُونَ“ أيْ: لِكَوْنِها حَبِيبَةً ولا لِدَيْنٍ، ورَدَّ أهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ الِاحْتِجاجَ بِالبَيْتِ بِأنَّهُ مِن عَطْفِ التَّوَهُّمِ، كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: [ الطَّوِيلُ ](p-٣١٦) ؎بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقٌ شَيْئًا إذا كانَ جائِيًا بِجَرِّ ”سابِقٍ“ لِتَوَهُّمِ دُخُولِ الباءِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هو خَبَرُ لَيْسَ، وقَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎مَشائِمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ∗∗∗ ولا ناعِبٍ إلّا بِبَيْنِ غُرابِها واعْلَمْ أنَّ حَرْفَ الجَرِّ لا يَطَّرِدُ حَذْفُهُ إلّا في المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن، ”أنْ“، بِجَرِّ ”ناعِبٍ“ لِتَوَهُمِ الباءِ وأجازَ سِيبَوَيْهُ الوَجْهَيْنِ. وصِلَتُهُما عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلافًا لِعَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ الأخْفَشِ القائِلِ بِأنَّهُ مُطَّرِدٌ في كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، وعَقَدَهُ ابْنُ مالِكٍ في ”الكافِيَةِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] ؎وابْنُ سُلَيْمانَ اطِّرادَهُ رَأى ∗∗∗ إنْ لَمْ يُخَفْ لَبْسٌ كَمَن زَيْدٌ نَأى وَإذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مَعَ غَيْرِ ”أنْ“ وأنْ نَقْلًا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، وقِياسًا عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ في قَوْلِ الأخْفَشِ فالنَّصْبُ مُتَعَيَّنٌ، والنّاصِبُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ الفِعْلُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ نَزْعُ الخافِضِ كَقَوْلِهِ: [ الوافِرُ ] ؎تَمُرُّونَ الدِّيارَ ولَنْ تَعُوجُوا ∗∗∗ كَلامُكُمُ عَلَيَّ إذَنْ حَرامُ وَبَقاؤُهُ مَجْرُورًا مَعَ حَذْفِ الحَرْفِ شاذٌّ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎إذا قِيلَ أيُّ النّاسِ شَرٌّ قَبِيلَةً ∗∗∗ أشارَتْ كَلِيبٍ بِالأكُفِّ الأصابِعِ أيْ: أشارَتِ الأصابِعُ بِالأكُفِّ، أيْ: مَعَ الأكُفِّ إلى كُلَيْبٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ، القِسْطُ: العَدْلُ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا القِسْطَ الَّذِي أمَرَ بِهِ لِلْيَتامى، ولَكِنَّهُ أشارَ لَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، • وقَوْلِهِ: فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَكُلُّ ذَلِكَ فِيهِ القِيامُ بِالقِسْطِ لِلْيَتامى.

النساء 4:128

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الأنْفُسَ أُحْضِرَتِ الشُّحَّ، أيْ: جُعِلَ شَيْئًا حاضِرًا لَها كَأنَّهُ مُلازِمٌ لَها لا يُفارِقُها؛ لِأنَّها جُبِلَتْ عَلَيْهِ. (p-٢١٧)وَأشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ أحَدٌ إلّا إذا وقاهُ اللَّهُ شُحَّ نَفْسِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّ مَن لَمْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ لَمْ يُفْلِحْ وهو كَذَلِكَ، وقَيَّدَهُ بَعْضُ العُلَماءِ بِالشُّحِّ المُؤَدِّي إلى مَنعِ الحُقُوقِ الَّتِي يَلْزَمُها الشَّرْعُ، أوْ تَقْتَضِيها المُرُوءَةُ، وإذا بَلَغَ الشُّحُّ إلى ذَلِكَ، فَهو بُخْلٌ وهو رَذِيلَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:129

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾، هَذا العَدْلُ الَّذِي ذَكَرَ تَعالى هُنا أنَّهُ لا يُسْتَطاعُ هو العَدْلُ في المَحَبَّةِ، والمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ بِخِلافِ العَدْلِ في الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ فَإنَّهُ مُسْتَطاعٌ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم ذَلِكَ أدْنى ألّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، أيْ: تَجُورُوا في الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ، والعَرَبُ تَقُولُ: عالَ يَعُولُ إذا جارَ ومالَ، وهو عائِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ: [ الطَّوِيلُ ] ؎بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِيسُ شَعِيرَةً لَهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ غَيْرُ عائِلِ أيْ: غَيْرُ مائِلٍ ولا جائِرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: [ البَسِيطُ ] ؎قالُوا تَبِعْنا رَسُولَ اللَّهِ واطَّرَحُوا ∗∗∗ قَوْلَ الرَّسُولِ وعالُوا في المَوازِينِ أيْ: جارُوا، وقَوْلُ الآخَرِ: [ الوافِرُ ] ؎ثَلاثَةُ أنْفُسٍ وثَلاثُ ذَوْدٍ ∗∗∗ لَقَدْ عالَ الزَّمانُ عَلى عِيالِي أيْ: جارَ ومالَ، أمّا قَوْلُ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ الأنْصارِيِّ: [ الوافِرُ ] ؎وَما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ وَقَوْلُ جَرِيرٍ: [ الكامِلُ ] ؎اللَّهُ نَزَّلَ في الكِتابِ فَرِيضَةً ∗∗∗ لِابْنِ السَّبِيلِ ولِلْفَقِيرِ العائِلِ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ العَيْلَةِ، وهي الفَقْرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآيَةَ [التوبة: ٢٨]، فَعالَ الَّتِي بِمَعْنى جارَ واوِيَّةُ العَيْنِ، والَّتِي بِمَعْنى افْتَقَرَ يائِيَّةُ العَيْنِ. وَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، أيْ: يَكْثُرُ عِيالُكم (p-٣١٨)مِن عالَ الرَّجُلُ يَعُولُ إذا كَثُرَ عِيالُهُ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ هَذا لا يَصِحُّ وإنَّ المَسْمُوعَ أعالَ الرَّجُلَ بِصِيغَةِ الرُّباعِيِّ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، فَهو مُعِيلٌ إذا كَثُرَ عِيالُهُ فَلا وجْهَ لَهُ؛ لِأنَّ الشّافِعِيَّ مِن أدْرى النّاسِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولِأنَّ عالَ بِمَعْنى كَثُرَ عِيالُهُ لُغَةَ حِمْيَرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الوافِرُ ] ؎وَإنَّ المَوْتَ يَأْخُذُ كُلَّ حَيٍّ ∗∗∗ بِلا شَكٍّ وإنْ أمْشى وعالا يَعْنِي: وإنْ كَثُرَتْ ماشِيَتُهُ وعِيالُهُ، وقَرَأ الآيَةَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ألّا تُعِيلُوا وبِضَمِّ التّاءِ مِن أعالَ إذا كَثُرَ عِيالُهُ عَلى اللُّغَةِ المَشْهُورَةِ.

النساء 4:130

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الزَّوْجَيْنِ إنِ افْتَرَقا أغْنى اللَّهُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِن سَعَتِهِ وفَضْلِهِ الواسِعِ، ورَبَطَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بِأنْ جَعَلَ أحَدَهُما شَرْطًا والآخَرَ جَزاءٍ. وَقَدْ ذَكَرَ أيْضًا أنَّ النِّكاحَ سَبَبٌ لِلْغِنى، بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] .

النساء 4:133

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ إنْ شاءَ أذْهَبَ النّاسَ المَوْجُودِينَ وقْتَ نُزُولِها، وأتى بِغَيْرِهِمْ بَدَلًا مِنهم، وأقامَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وذَلِكَ الدَّلِيلُ هو أنَّهُ أذْهَبَ مَن كانَ قَبْلَهم وجاءَ بِهِمْ بَدَلًا مِنهم، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣] . وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم إنْ تَوَلَّوْا أبْدَلَ غَيْرَهم وأنَّ أُولَئِكَ المُبَدَّلِينَ لا يَكُونُونَ مِثْلَ المُبَدَّلِ مِنهم بَلْ يَكُونُونَ خَيْرًا مِنهم، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ ذَلِكَ هَيِّنٌ عَلَيْهِ غَيْرُ صَعْبٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وَما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩، ٢٠]، أيْ: لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ ولا صَعْبٍ.

النساء 4:139

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ جَمِيعَ العِزَّةِ لَهُ جَلَّ وعَلا. (p-٣١٩)وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ العِزَّةَ الَّتِي هي لَهُ وحْدَهُ أعَزَّ بِها رَسُولَهُ، والمُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، أيْ: وذَلِكَ بِإعْزازِ اللَّهِ لَهم والعِزَّةُ الغَلَبَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣]، أيْ: غَلَبَنِي في الخِصامِ، ومِن كَلامِ العَرَبِ مَن عَزَّ بَزَّ يَعْنُونَ مَن غَلَبَ اسْتَلَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: [ المُتَقارِبُ ] ؎كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُخْتَشى إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزَّ بَزّا

النساء 4:140

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾، هَذا المَنزِلُ الَّذِي أحالَ عَلَيْهِ هُنا هو المَذْكُورُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ حُكْمَ ما إذا نَسُوا النَّهْيَ حَتّى قَعَدُوا مَعَهم، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في ”الأنْعامِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] .

النساء 4:141

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أوْجُهٌ لِلْعُلَماءِ: مِنها: أنَّ المَعْنى ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ سَبِيلًا، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٤١]، وهو ظاهِرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِهِ قالَ جَمِيعُ أهْلِ التَّأْوِيلِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ، وضَعَّفَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ زاعِمًا أنَّ آخِرَ الآيَةِ غَيْرُ مَرْدُودٍ إلى أوَّلِها. وَمِنها: أنَّ المُرادَ بِأنَّهُ لا يَجْعَلُ لَهم عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، يَمْحُو بِهِ دَوْلَةَ المُسْلِمِينَ ويَسْتَأْصِلُهم ويَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهم، كَما ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ وغَيْرِهِ عَنْهُ ﷺ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ، أنَّهُ قالَ: «وَإنِّي سَألْتُ رَبِّي ألّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ بِعامَّةٍ وألّا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن سِوى أنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهم، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطانِي لِأُمَّتِي ذَلِكَ حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم يُهْلِكُ بَعْضًا، ويَسْبِي بَعْضُهم بَعْضًا»، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [غافر: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، (p-٣٢٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَمِنها: أنَّ المَعْنى أنَّهُ لا يَجْعَلُ لَهم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا إلّا أنْ يَتَواصَوْا بِالباطِلِ ولا يَتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، ويَتَقاعَدُوا عَنِ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ تَسْلِيطُ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ مِن قِبَلِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] . قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا نَفِيسٌ جِدًّا وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّهم مَنصُورُونَ لَوْ أطاعُوا، والبَلِيَّةُ جاءَتْهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ في الأمْرَيْنِ. وَمِنها: أنَّهُ لا يَجْعَلُ لَهم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا شَرَعًا، فَإنْ وُجِدَ فَهو بِخِلافِ الشَّرْعِ. وَمِنها: أنَّ المُرادَ بِالسَّبِيلِ الحُجَّةُ، أيْ: ولَنْ يَجْعَلَ لَهم عَلَيْهِمْ حُجَّةً، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، وأخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَنعَ دَوامِ مِلْكِ الكافِرِ لِلْعَبْدِ المُسْلِمِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:142

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ صِفَةَ صَلاةِ المُنافِقِينَ بِأنَّهم يَقُومُونَ إلَيْها في كَسَلٍ ورِياءٍ، ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيها إلّا قَلِيلًا، ونَظِيرُها في ذَمِّهِمْ عَلى التَّهاوُنِ بِالصَّلاةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥٤]، وقَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ الآيَةَ [الماعون: ٤]، ويُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةِ هَذِهِ الآياتِ أنَّ صَلاةَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وهَذا المَفْهُومُ صَرَّحَ بِهِ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٧ \ ٣٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النساء 4:145

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُنافِقِينَ في أسْفَلِ طَبَقاتِ النّارِ، عِياذًا بِاللَّهِ تَعالى. (p-٣٢١)وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ يُؤْمَرُ بِإدْخالِهِمْ أشَدَّ العَذابِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] . وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ عَذابًا لا يُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ وذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ عَذابًا لا يُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، فَهَذِهِ الآياتُ تُبَيِّنُ أنَّ أشَدَّ أهْلِ النّارِ عَذابًا المُنافِقُونَ وآلُ فِرْعَوْنَ ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ، كَما قالَهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والدَّرْكُ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِها، لُغَتانِ مَعْرُوفَتانِ وقِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ.

النساء 4:153

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا سَبَبَ عَفْوِهِ عَنْهم ذَنْبَ اتِّخاذِ العِجْلِ إلَهًا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] .

النساء 4:154

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلِ امْتَثَلُوا هَذا الأمْرَ، فَتَرَكُوا العُدْوانَ في السَّبْتِ أوْ لا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهم لَمْ يَمْتَثِلُوا وأنَّهُمُ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٦٥]، وقَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٦٣] .

النساء 4:156

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا البُهْتانَ العَظِيمَ الَّذِي قالُوهُ عَلى الصِّدِّيقَةِ مَرْيَمَ العَذْراءِ، ولَكِنَّهُ أشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّهُ رَمْيُهم لَها بِالفاحِشَةِ، وأنَّها جاءَتْ بِوَلَدٍ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ في زَعْمِهِمُ الباطِلِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، يَعْنُونَ ارْتِكابَ الفاحِشَةِ، ﴿ياأُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، أيْ: زانِيَةً، فَكَيْفَ تَفْجُرِينَ ووالِداكِ لَيْسا كَذَلِكَ، وفي القِصَّةِ أنَّهم رَمَوْها بِيُوسُفَ النَّجّارِ وكانَ مِنَ الصّالِحِينَ، والبُهْتانُ أشَدُّ الكَذِبِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ.

النساء 4:160

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذِهِ الطَّيِّباتِ الَّتِي حَرَّمَها عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ (p-٣٢٢)بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] .

النساء 4:165

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذِهِ الحُجَّةُ الَّتِي كانَتْ تَكُونُ لِلنّاسِ عَلَيْهِ لَوْ عَذَّبَهم دُونَ إنْذارِهِمْ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في سُورَةِ ”طَهَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤]، وأشارَ لَها في سُورَةِ ”القَصَصِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧] .

النساء 4:171

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾، هَذا الغُلُوُّ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ هو وقَوْلُ غَيْرِ الحَقِّ هو قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو اللَّهُ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو إلَهٌ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عُلُوًّا كَبِيرًا، كَما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وأشارَ هُنا إلى إبْطالِ هَذِهِ المُفْتَرَياتِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٧١]، • وقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٧٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَدْخُلُ في الغُلُوِّ وغَيْرِ الحَقِّ المَنهِيِّ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ ما قالُوا مِنَ البُهْتانِ عَلى مَرْيَمَ أيْضًا، واعْتَمَدَهُ القُرْطُبِيُّ وعَلَيْهِ فَيَكُونُ الغُلُوُّ المَنهِيُّ عَنْهُ شامِلًا لِلتَّفْرِيطِ والإفْراطِ. وَقَدْ قَرَّرَ العُلَماءُ أنَّ الحَقَّ واسِطَةٌ بَيْنَ التَّفْرِيطِ والإفْراطِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: الحَسَنَةُ بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ مَن جانَبَ التَّفْرِيطَ والإفْراطَ فَقَدِ اهْتَدى، (p-٣٢٣)وَلَقَدْ أجادَ مَن قالَ: [ الطَّوِيلُ ] ؎وَلا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى عِيسى، وقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾، لَيْسَتْ لَفْظَةُ ”مِن“ في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، كَما يَزْعُمُهُ النَّصارى افْتِراءً عَلى اللَّهِ، ولَكِنْ ”مِن“ هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ، يَعْنِي: أنَّ مَبْدَأ ذَلِكَ الرُّوحِ الَّذِي وُلِدَ بِهِ عِيسى حَيًّا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أحْياهُ بِهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مِن هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، أيْ: كائِنًا مَبْدَأُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنهُ جَلَّ وعَلا ويَدُلُّ لِما ذَكَرْنا ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قالَ: ”خَلَقَ اللَّهُ أرْواحَ بَنِي آدَمَ لَمّا أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ رَدَّها إلى صُلْبِ آدَمَ، وأمْسَكَ عِنْدَهُ رُوحَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ“؛ فَلَمّا أرادَ خَلْقَهُ أرْسَلَ ذَلِكَ الرُّوحَ إلى مَرْيَمَ، فَكانَ مِنهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذِهِ الإضافَةُ لِلتَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الأرْواحِ مِن خَلْقِهِ جَلَّ وعَلا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الشمس: ١٣] . وقِيلَ: قَدْ يُسَمّى مَن تَظْهَرُ مِنهُ الأشْياءُ العَجِيبَةُ رُوحًا ويُضافُ إلى اللَّهِ، فَيُقالُ: هَذا رُوحٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ: مِن خَلْقِهِ، وكانَ عِيسى يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ، فاسْتَحَقَّ هَذا الِاسْمَ، وقِيلَ: سُمِّيَ رُوحًا بِسَبَبِ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ ”والتَّحْرِيمِ“، والعَرَبُ تُسَمِّي النَّفْخَ رُوحًا؛ لِأنَّهُ رِيحٌ تَخْرُجُ مِنَ الرُّوحِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎فَقُلْتُ لَهُ: ارْفَعْها إلَيْكَ وأحْيِها بِرُوحِكَ واقْتَتْهُ لَها قِيتَةً قَدْرًا وَعَلى هَذا القَوْلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَرُوحٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ العائِدِ إلى اللَّهِ الَّذِي هو فاعِلُ ألْقاها، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿وَرُوحٌ مِنهُ﴾، أيْ: رَحْمَةً مِنهُ، وكانَ عِيسى رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ، قِيلَ ومِنهُ: ﴿وَأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [الأنفال: ٢٢]، أيْ: بِرَحْمَةٍ مِنهُ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ أيْضًا، وقِيلَ، رُوحٌ مِنهُ، أيْ: بُرْهانٌ مِنهُ وكانَ عِيسى بُرْهانًا وحُجَّةً عَلى (p-٣٢٤)قَوْمِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النساء 4:174

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ المُرادُ بِهَذا النُّورِ المُبِينِ القُرْآنُ العَظِيمُ؛ لِأنَّهُ يُزِيلُ ظُلُماتِ الجَهْلِ والشَّكِّ كَما يُزِيلُ النُّورُ الحِسِّيُّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ، وقَدْ أوْضَحَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾ الآيَةَ [الشورى: ٥٢]، وقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النساء 4:176

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ الآيَةَ، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ الأُخْتَيْنِ يَرِثانِ الثُّلُثَيْنِ، والمُرادُ بِهِما الأُخْتانِ لِغَيْرِ أُمٍّ، بِأنْ تَكُونا شَقِيقَتَيْنِ أوْ لِأبٍ بِإجْماعِ العُلَماءِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا مِيراثَ الثَّلاثِ مِنَ الأخَواتِ فَصاعِدًا، ولَكِنَّهُ أشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ الأخَواتِ لا يَزِدْنَ عَلى الثُّلُثَيْنِ، ولَوْ بَلَغَ عَدَدُهُنَّ ما بَلَغَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى في البَناتِ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، ومَعْلُومٌ أنَّ البَناتَ أمَسُّ رَحِمًا، وأقْوى سَبَبًا في المِيراثِ مِنَ الأخَواتِ، فَإذا كُنَّ لا يَزِدْنَ عَلى الثُّلُثَيْنِ ولَوْ كَثُرْنَ فَكَذَلِكَ الأخَواتُ مِن بابِ أوْلى، وأكْثَرُ عُلَماءِ الأُصُولِ عَلى أنَّ فَحْوى الخِطابِ، أعْنِي: مَفْهُومَ المُوافَقَةِ، الَّذِي المَسْكُوتُ فِيهِ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَنطُوقِ، مِن قَبِيلِ دَلالَةِ اللَّفْظِ، لا مِن قَبِيلِ القِياسِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ وقَوْمٍ، وكَذَلِكَ المَساوِئُ عَلى التَّحْقِيقِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، يُفْهَمُ مِنهُ مِن بابِ أوْلى حُرْمَةُ ضَرْبِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ الآيَةَ [الزلزلة: ٧]، يُفْهَمُ مِنهُ مِن بابِ أوْلى أنَّ مَن عَمِلَ مِثْقالَ جَبَلٍ يَراهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، يُفْهَمُ مِنهُ مِن بابِ أوْلى قَبُولُ شَهادَةِ الثَّلاثَةِ والأرْبَعَةِ مَثَلًا مِنَ العُدُولِ، ونَهْيُهُ ﷺ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالعَوْراءِ، يُفْهَمُ مِنهُ مِن بابِ أوْلى النَّهْيُ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالعَمْياءِ، وكَذَلِكَ في المَساوِئِ، فَتَحْرِيمُ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ يُفْهَمُ مِنهُ بِالمُساواةِ مَنعُ إحْراقِهِ وإغْراقِهِ، ونَهْيُهُ ﷺ عَنِ البَوْلِ في الماءِ الرّاكِدِ، يَفْهَمُ مِنهُ كَذَلِكَ أيْضًا النَّهْيُ عَنِ البَوْلِ في إناءٍ وصَبِّهِ فِيهِ، وقَوْلُهُ ﷺ: «مَن أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ» الحَدِيثَ. يُفْهَمُ مِنهُ كَذَلِكَ أنَّ الأمَةَ كَذَلِكَ، ولا نِزاعَ في هَذا عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ، وإنَّما خالَفَ فِيهِ بَعْضُ الظّاهِرِيَّةِ. وَمَعْلُومٌ أنَّ خِلافَهم في مِثْلِ هَذا، لا أثَرَ لَهُ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَرَّحَ بِأنَّ (p-٣٢٥)البَناتِ وإنْ كَثُرْنَ لَيْسَ لَهُنَّ غَيْرُ الثُّلُثَيْنِ، عُلِمَ أنَّ الأخَواتِ كَذَلِكَ مِن بابِ أوْلى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:1

(p-٣٢٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المائِدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما هَذا الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمُ المُسْتَثْنى مِن حِلِّيَّةِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾، فالمَذْكُوراتُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كالمَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ، وإنْ كانَتْ مِنَ الأنْعامِ؛ فَإنَّها تَحْرُمُ بِهَذِهِ العَوارِضِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ الأنْعامَ هي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ، كَما قَدَّمْنا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إباحَةِ أكْلِ الجَنِينِ إذا ذُكِّيَتْ أمُّهُ ووُجِدَ في بَطْنِها مَيِّتًا. وَجاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ ذَكاةَ أُمِّهِ ذَكاةٌ لَهُ» كَما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ. وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ حَسَنٌ، ورَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

المائدة 5:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾، يَعْنِي إنَّ شِئْتُمْ، فَلا يَدُلُّ هَذا الأمْرُ عَلى إيجابِ الِاصْطِيادِ عِنْدَ الإحْلالِ، ويَدُلُّ لَهُ الِاسْتِقْراءُ في القُرْآنِ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ كانَ جائِزًا، ثُمَّ حُرِّمَ لِمُوجِبٍ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ بَعْدَ زَوالِ ذَلِكَ المُوجِبِ، فَإنَّ ذَلِكَ الأمْرَ كُلَّهُ في القُرْآنِ لِلْجَوازِ، نَحْوَ قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾، • وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٢] . وَلا يُنْقَضُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥]؛ لِأنَّ قَتْلَهم كانَ واجِبًا قَبْلَ تَحْرِيمِهِ العارِضِ بِسَبَبِ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ سَواءٌ قُلْنا: إنَّها أشْهُرُ الإمْهالِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، أوْ (p-٣٢٧)قُلْنا: إنَّها الأشْهُرُ الحُرُمُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] . وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْراءُ التّامُّ في القُرْآنِ أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ يَدُلُّ عَلى رُجُوعِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ مِن إباحَةٍ أوْ وُجُوبٍ، فالصَّيْدُ قَبْلَ الإحْرامِ كانَ جائِزًا فَمُنِعَ لِلْإحْرامِ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ بَعْدَ الإحْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾، فَيَرْجِعُ لِما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وهو الجَوازُ، وقَتْلُ المُشْرِكِينَ كانَ واجِبًا قَبْلَ دُخُولِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَمُنِعَ مِن أجْلِها، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ بَعْدَ انْسِلاخِها في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ الآيَةَ، فَيَرْجِعُ لِما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وهو الوُجُوبُ. وَهَذا هو الحَقُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ الأُصُولِيَّةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وهَذا أمْرٌ بَعْدَ الحَظْرِ، والصَّحِيحُ الَّذِي يَثْبُتُ عَلى السَّبْرِ أنَّهُ يُرَدُّ الحُكْمُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّهْيِ، فَإنْ كانَ واجِبًا رَدَّهُ، فَواجِبٌ، وإنْ كانَ مُسْتَحَبًّا فَمُسْتَحَبٌّ، أوْ مُباحًا فَمُباحٌ. وَمَن قالَ: إنَّهُ لِلْوُجُوبِ يَنْتَقِضُ عَلَيْهِ بِآياتٍ كَثِيرَةٍ؛ ومَن قالَ: إنَّهُ لِلْإباحَةِ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِآياتٍ أُخْرى، والَّذِي يَنْتَظِمُ الأدِلَّةَ كُلَّها هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ كَما اخْتارَهُ بَعْضُ عُلَماءِ الأُصُولِ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَفِي هَذِهِ المَسْألَةِ أقْوالٌ أُخَرُ عَقَدَها في (مَراقِي السُّعُودِ) بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] ؎والأمْرُ لِلْوُجُوبِ بَعْدَ الحَظْلِ وبَعْدَ سُؤالٍ قَدْ أتى لِلْأصْلِ أوْ يَقْتَضِي إباحَةً لِلْأغْلَبِ إذا تَعَلَّقَ بِمِثْلِ السَّبَبِ إلّا فَذا المَذْهَبُ والكَثِيرُ لَهُ إلى إيجابِهِ مَصِيرُ وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الِاسْتِقْراءَ التّامَّ حُجَّةٌ بِلا خِلافٍ، وغَيْرُ التّامِّ المَعْرُوفُ بِـ ”إلْحاقِ الفَرْدِ بِالأغْلَبِ“ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ، كَما عَقَدَهُ في مَراقِي السُّعُودِ في كِتابِ ”الِاسْتِدْلالِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] ؎وَمِنهُ الِاسْتِقْراءُ بِالجُزْئِيِّ ∗∗∗ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ لِلْكُلِّيِّ ∗∗∗ فَإنْ يَعُمَّ غَيْرَ ذِي الشِّقاقِ ∗∗∗ فَهو حُجَّةٌ بِالِاتِّفاقِ ∗∗∗ وَهُوَ في البَعْضِ إلى الظَّنِّ انْتَسَبْ ∗∗∗ يُسَمّى لُحُوقَ الفَرْدِ بِالَّذِي غَلَبْ فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ، وعَرَفْتَ أنَّ الِاسْتِقْراءَ التّامَّ في القُرْآنِ دَلَّ عَلى ما اخْتَرْنا، (p-٣٢٨)واخْتارَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وهو قَوْلُ الزَّرْكَشِيِّ مِن أنَّ الأمْرَ بَعْدَ الحَظْرِ يَدُلُّ عَلى رُجُوعِ الحُكْمِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، عَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ هو الحَقُّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ الآيَةَ، نَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَحْمِلَهم بُغْضُ الكُفّارِ لِأجْلِ أنْ صَدُّوهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يَعْتَدُوا عَلى المُشْرِكِينَ بِما لا يَحِلُّ لَهم شَرْعًا. كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ بِالحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ، وقَدِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَمَرَّ بِهِمْ أُناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ المَشْرِقِ يُرِيدُونَ العُمْرَةَ، فَقالَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ: نَصُدُّ هَؤُلاءِ كَما صَدَّنا أصْحابُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ»، اهـ. بِلَفْظِهِ مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ قَبْلَ هَذا: ﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ [المائدة: ٢]، وصَرَّحَ بِمِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٨]، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم صَدُّوهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ بِالفِعْلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿أنْ صَدُّوكُمْ﴾، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ مَعْناها: لِأجْلِ أنْ صَدُّوكم، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا حِكْمَةَ هَذا الصَّدِّ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهم صَدُّوا مَعَهُمُ الهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وذَكَرَ في سُورَةِ الفَتْحِ أنَّهم صَدُّوا مَعَهُمُ الهَدْيَ، وأنَّ الحِكْمَةَ في ذَلِكَ المُحافَظَةُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، الَّذِينَ لَمَّ يَتَمَيَّزُوا عَنِ الكَفّارِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، بِقَوْلِهِ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ عَلَيْهِ أنْ يُعامِلَ مَن عَصى اللَّهَ فِيهِ، بِأنْ يُطِيعَ اللَّهَ فِيهِ. وَفِي الحَدِيثِ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ» . وَهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى كَمالِ دِينِ الإسْلامِ، وحُسْنُ ما يَدْعُو إلَيْهِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، مُبَيِّنٌ أنَّهُ دِينٌ سَماوِيٌّ لا شَكَّ فِيهِ. (p-٣٢٩)وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ولا يَجْرِمَنَّكم، مَعْناهُ: لا يَحْمِلْنَكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أنْ تَعْتَدُوا، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ، قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وَلَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا أيْ حَمَلَتْهم عَلى أنْ يَغْضَبُوا. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولا يَجْرِمَنَّكم، أيْ: لا يُكْسِبَنَّكم، وعَلَيْهِ فَلا تَقْدِيرَ لِحَرْفِ الجَرِّ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَعْتَدُوا﴾، أيْ: لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُهُمُ الِاعْتِداءَ عَلَيْهِمْ. وَقَرَأ بَعْضُ السَّبْعَةِ: شَنْآنُ، بِسُكُونِ النُّونِ، ومَعْنى الشَّنَآنِ عَلى القِراءَتَيْنِ، أيْ بِفَتْحِ النُّونِ، وبِسُكُونِها: البُغْضُ. مَصْدَرُ ”شَنَأهُ“ إذا أبْغَضَهُ. وَقِيلَ عَلى قِراءَةِ سُكُونِ النُّونِ يَكُونُ وصْفًا كالغَضْبانِ، وعَلى قِراءَةِ: ﴿أنْ صَدُّوكُمْ﴾، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ فالمَعْنى: إنْ وقَعَ مِنهم صَدُّهم لَكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَلا يَحْمِلَنَّكم ذَلِكَ عَلى أنْ تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ بِما لا يَحِلُّ لَكم. وَإبْطالُ هَذِهِ القِراءَةِ: بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ صَدِّ المُشْرِكِينَ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ، وأنَّهُ لا وجْهَ لِاشْتِراطِ الصَّدِّ بَعْدَ وُقُوعِهِ - مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ قِراءَةَ إنْ صَدُّوكم، بِصِيغَةِ الشَّرْطِ قِراءَةٌ سَبْعِيَّةٌ مُتَواتِرَةٌ لا يُمْكِنُ رَدُّها، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ: الثّانِي: أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: إنْ صَدُّوكم مَرَّةً أُخْرى عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ ”أنْ“؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الشَّكِّ في حُصُولِ الشَّرْطِ، فَلا يَحْمِلَنَّكم تَكَرُّرُ الفِعْلِ السَّيِّئِ عَلى الِاعْتِداءِ عَلَيْهِمْ بِما لا يَحِلُّ لَكم، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُرْتَدَّ يُحْبِطُ جَمِيعَ عَمَلِهِ بِرِدَّتِهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ زائِدٍ، ولَكِنَّهُ أشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّ ذَلِكَ فِيما إذا ماتَ عَلى الكُفْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] . وَمُقْتَضى الأُصُولِ حَمْلُ هَذا المُطْلَقِ عَلى هَذا المُقَيَّدِ، فَيُقَيِّدُ إحْباطَ العَمَلِ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ، خِلافًا لِمالِكٍ القائِلِ بِإحْباطِ الرِّدَّةِ العَمَلَ (p-٣٣٠)مُطْلَقًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٢٥٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المائِدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى إباحَةِ ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا ولَوْ سَمَّوْا عَلَيْها غَيْرَ اللَّهِ أوْ سَكَتُوا ولَمْ يُسَمُّوا اللَّهَ ولا غَيْرَهُ لِأنَّ الكُلَّ داخِلٌ في طَعامِهِمْ. وَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو أُمامَةَ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ والحُسْنُ ومَكْحُولٌ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: أنَّ المُرادَ بِطَعامِهِمْ ذَبائِحُهم. كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ ونَقَلَهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ودُخُولُ ذَبائِحِهِمْ في طَعامِهِمْ أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مَعَ أنَّهُ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما سُمِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ لا يَجُوزُ أكْلُهُ، وعَلى أنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ أكْلُهُ أيْضًا. أمّا الَّتِي دَلَّتْ عَلى مَنعِ أكْلِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، فَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ . وَقَوْلِهِ: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] في المائِدَةِ، والنَّحْلِ [النحل: ١٥] . وَقَوْلِهِ في ”الأنْعامِ“: ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . والمُرادُ بِالإهْلالِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ. وَأمّا الَّتِي دَلَّتْ عَلى مَنعِ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢١] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨ - ١١٩]، فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ الأكْلِ مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. (p-٢٦٠)والجَوابُ عَنْ مِثْلِ هَذا مُشْتَمِلٌ عَلى مَبْحَثَيْنِ: المَبْحَثُ الأوَّلُ: في وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ عُمُومِ آيَةِ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مَعَ عُمُومِ الآياتِ المُحَرِّمَةِ لِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيما إذا سَمّى الكِتابِيُّ عَلى ذَبِيحَتِهِ غَيْرَ اللَّهِ، بِأنْ أهَلَّ بِها لِلصَّلِيبِ أوْ عِيسى أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. المَبْحَثُ الثّانِي: في وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ آيَةِ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْضًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فِيما إذا لَمْ يُسَمِّ الكِتابِيُّ اللَّهَ ولا غَيْرَهُ عَلى ذَبِيحَتِهِ. أمّا المَبْحَثُ الأوَّلُ فَحاصِلُهُ أنْ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وجْهٍ، تَنْفَرِدُ آيَةُ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ في الخُبْزِ والجُبْنِ مِن طَعامِهِمْ مَثَلًا، وتَنْفَرِدُ آيَةُ: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ في ذَبْحِ الوَثَنِيِّ لِوَثَنِهِ ويَجْتَمِعانِ في ذَبِيحَةِ الكِتابِيِّ الَّتِي أهَلَّ بِها لِغَيْرِ اللَّهِ، كالصَّلِيبِ أوْ عِيسى فَعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ يَقْتَضِي تَحْرِيمَها، وعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يَقْتَضِي حَلِّيَّتَها. وَقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ الأعَمَّيْنِ مِن وجْهٍ يَتَعارَضانِ في الصُّورَةِ الَّتِي يَجْتَمِعانِ فِيها، فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُما، والرّاجِحُ مِنهُما يُقَدَّمُ ويُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ الآخَرِ. كَما قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النِّساءِ“ في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، وكَما أشارَ لَهُ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَإنْ يَكُ العُمُومُ مِن وجْهٍ ظَهَرْ فالحُكْمُ بِالتَّرْجِيحِ حَتْمًا مُعْتَبِرْ فَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في هَذَيْنِ العُمُومَيْنِ أيُّهُما أرْجَحُ، فالجُمْهُورُ عَلى تَرْجِيحِ الآياتِ المُحَرِّمَةِ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ ورِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ ورَواهُ إسْماعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ. كَما ذَكَرَهُ صاحِبُ المُغْنِي وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ورَبِيعَةَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُما البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ وذَكَرَهُ النَّوَوِيِّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ عَنْ عَلِيٍّ وعائِشَةَ ورَجَّحَ بَعْضُهم عُمُومَ آيَةِ (p-٢٦١)التَّحْلِيلِ، بِأنَّ اللَّهَ أحَلَّ ذَبائِحَهم وهو أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ. كَما احْتَجَّ بِهِ الشَّعْبِيُّ وعَطاءٌ عَلى إباحَةِ ما أهَلُّوا بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّ عُمُومَ آياتِ المَنعِ أرْجِحُ وأحَقُّ بِالِاعْتِبارِ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. مِنها قَوْلُهُ ﷺ: «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» . وقَوْلُهُ ﷺ: «والإثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ» الحَدِيثَ. وقَوْلُهُ ﷺ: «فَمَنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ» . وَمِنها أنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، ويَنْبَنِي عَلى ذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ إذا تَعارَضَ مَعَ الإباحَةِ كَما هُنا، فالنَّهْيُ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ والِاعْتِبارِ، لِأنَّ تَرْكَ مُباحٍ أهْوَنُ مِنِ ارْتِكابِ حَرامٍ. بَلْ صَرَّحَ جَماهِيرُ مِنَ الأُصُولِيِّينَ بِأنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى الإباحَةِ في المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ مِنَ النَّصِّ الدّالِّ عَلى نَهْيِ التَّحْرِيمِ لِأنَّ نَهْيَ التَّحْرِيمِ مُقَدَّمٌ عَلى الأمْرِ الدّالِّ عَلى الوُجُوبِ لِما ذَكَرْنا مِن تَقْدِيمِ دَرْءِ المَفاسِدِ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ، والدّالُّ عَلى الأمْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الدّالِ عَلى الإباحَةِ لِلِاحْتِياطِ في البَراءَةِ مِن عُهْدَةِ الطَّلَبِ. وَقَدْ أشارَ إلى هَذا صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ في مَبْحَثِ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبارِ المَدْلُولِ بِقَوْلِهِ: ؎وَناقِلٌ ومُثْبِتٌ والآمِرُ ∗∗∗ بَعْدَ النَّواهِي ثُمَّ هَذا الآخَرُ عَلى إباحَةٍ إلخ. . . فَإنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ”والآمِرُ بَعْدَ النَّواهِي“، أنَّ ما دَلَّ عَلى الأمْرِ بَعْدَما دَلَّ عَلى النَّهْيِ، فالدّالُّ عَلى النَّهْيِ هو المُقَدَّمُ وقَوْلُهُ: ”ثُمَّ هَذا الآخَرُ عَلى إباحَةٍ“، يَعْنِي أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى الأمْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الإباحَةِ كَما ذَكَرْنا فَتَحَصَّلَ أنَّ الأوَّلَ النَّهْيُ فالأمْرُ فالإباحَةُ، فَظَهَرَ تَقْدِيمُ النَّهْيِ عَمّا أهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ عَلى إباحَةِ طَعامِ أهْلِ الكِتابِ. واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا فِيما حُرِّمَ عَلى أهْلِ الكِتابِ كَشَحْمِ الجَوْفِ مِنَ البَقَرِ والغَنَمِ المُحَرَّمِ عَلى اليَهُودِ، هَلْ يُباحُ لِلْمُسْلِمِ مِمّا ذَبَحَهُ اليَهُودِيُّ ؟ فالجُمْهُورُ عَلى إباحَةِ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِ لِأنَّ الذَّكاةَ لا تَتَجَزَّأُ، وكَرِهَهُ مالِكٌ ومَنَعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ كابْنِ القاسْمِ وأشْهَبَ، واحْتَجَّ عَلَيْهِمُ الجُمْهُورُ بِحُجَجٍ لا يَنْهَضُ الِاحْتِجاجُ بِها عَلَيْهِمْ فِيما يَظْهَرُ، وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ أصْحابَ مالِكٍ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قالُوا: (p-٢٦٢)المُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ مِن طَعامِهِمْ حَتّى يَدْخُلَ فِيما أحَلَّتْهُ الآيَةُ. فاحْتَجَّ عَلَيْهِمُ الجُمْهُورُ بِما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن تَقْرِيرِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أخْذِهِ جِرابًا مِن شَحْمِ اليَهُودِ يَوْمَ خَيْبَرَ. وَبِما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أضافَهُ يَهُودِيٌّ عَلى خُبْزِ شَعِيرٍ وإهالَةٍ سَنِخَةٍ» أيْ ودَكٍ مُتَغَيِّرِ الرِّيحِ، وبِقِصَّةِ الشّاةِ المَسْمُومَةِ الَّتِي سَمَّتْها اليَهُودِيَّةُ لَهُ ﷺ ونَهَشَ مِن ذِراعِها وماتَ مِنها بِشْرُ بْنُ البَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وهي مَشْهُورَةٌ صَحِيحَةٌ قالُوا: إنَّهُ ﷺ عَزَمَ عَلى أكْلِها هو ومَن مَعَهُ ولَمْ يَسْألْهم هَلْ نَزَعُوا مِنها ما يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ مِن شَحْمِها أوْ لا. وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصالِ بِمَنزِلَةِ العُمُومِ في الأقْوالِ، كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَنَزِّلَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصالِ ∗∗∗ مَنزِلَةَ العُمُومِ في المَقالِ والَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ هَذِهِ الأدِلَّةَ لَيْسَ فِيها حُجَّةٌ عَلى أصْحابِ مالِكٍ. أمّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وحَدِيثُ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَلَيْسَ في واحِدٍ مِنهُما النَّصُّ عَلى خُصُوصِ الشَّحْمِ المُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ، ومُطْلَقُ الشَّحْمِ لَيْسَ حَرامًا عَلَيْهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، فَما في الحَدِيثَيْنِ أعَمُّ مِن مَحَلِّ النِّزاعِ والدَّلِيلُ عَلى الأعَمِّ لَيْسَ دَلِيلًا عَلى الأخَصِّ لِأنَّ وُجُودَ الأعَمِّ لا يَقْتَضِي وُجُودَ الأخَصِّ بِإجْماعِ العُقَلاءِ. وَمِثْلُ رَدِّ هَذا الِاحْتِجاجِ بِما ذَكَرْنا هو القادِحُ في الدَّلِيلِ المَعْرُوفِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ بِالقَوْلِ بِالمُوجِبِ، وأشارَ لَهُ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎والقَوْلُ بِالمُوجِبِ قَدْحُهُ جَلا ∗∗∗ وهو تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مُسْجَلا ؎مِن مانِعٍ أنَّ الدَّلِيلَ اسْتَلْزَما ∗∗∗ لِما مِنَ الصُّوَرِ فِيهِ اخْتَصَما أمّا القَوْلُ بِالمُوجِبِ عِنْدَ البَيانِيِّينَ فَهو مِن أقْسامِ البَدِيعِ المَعْنَوِيِّ وهو ضَرْبانِ مَعْرُوفانِ في عِلْمِ البَلاغَةِ، وقَصَدْنا هُنا القَوْلَ بِالمُوجِبِ بِالِاصْطِلاحِ الأُصُولِيِّ لا البَيانِيِّ، وأمّا (p-٢٦٣)تَرْكُهُ ﷺ الِاسْتِفْصالَ في شاةِ اليَهُودِيَّةِ فَلا يَخْفى أنَّهُ لا دَلِيلَ فِيهِ، لِأنَّهُ ﷺ يَنْظُرُ بِعَيْنِهِ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَحْمُ الجَوْفِ ولا شَحْمُ الحَوايا ولا الشَّحْمُ المُخْتَلِطُ بِعَظْمٍ، كَما هو ضَرُورِيٌّ فَلا حاجَةَ إلى السُّؤالِ عَنْ مَحْسُوسٍ حاضِرٍ. وَأجْرى الأقْوالِ عَلى الأُصُولِ في مِثْلِ الشَّحْمِ المَذْكُورِ الكَراهَةُ التَّنْزِيهِيَّةُ لِعَدَمِ دَلِيلِ جازِمٍ عَلى الحِلِّ أوِ التَّحْرِيمِ، لِأنَّ ما يَعْتَقِدُ الشَّخْصُ أنَّهُ حَرامٌ عَلَيْهِ لَيْسَ مِن طَعامِهِ، والذَّكاةُ لا يَظْهَرُ تَجَزُّؤُها فَحُكْمُ المَسْألَةِ مُشْتَبِهٌ «وَمَن تَرَكَ الشُّبَهاتِ اسْتَبْرَأ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ» . وَأمّا المَبْحَثُ الثّانِي وهو الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فِيما إذا لَمْ يَذْكُرِ الكِتابِيُّ عَلى ذَبِيحَتِهِ اسْمَ اللَّهِ ولا اسْمَ غَيْرِهِ. فَحاصِلُهُ أنَّ في قَوْلِهِ ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وجْهَيْنِ مِنَ التَّفْسِيرِ: أحَدُهُما: وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ لَها أنَّهُ قَوِيٌّ، أنَّ المُرادَ بِما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ هو ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ، فَمَبْحَثُ هَذِهِ الآيَةِ هو المَبْحَثُ الأوَّلُ بِعَيْنِهِ لا شَيْءَ آخَرَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّها عَلى ظاهِرِها، وعَلَيْهِ فَبَيْنَ الآيَتَيْنِ أيْضًا عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ تَنْفَرِدُ آيَةُ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فِيما ذَبَحَهُ الكِتابِيُّ وذَكَرَ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ فَهو حَلالٌ بِلا نِزاعٍ. وَتَنْفَرِدُ آيَةُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فِيما ذَبَحَهُ وثَنِيٌّ أوْ مُسْلِمٌ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَما ذَبَحَهُ الوَثَنِيُّ حَرامٌ بِلا نِزاعٍ، وما ذَبَحَهُ المُسْلِمُ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةٍ يَأْتِي حُكْمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَجْتَمِعانِ فِيما ذَبَحَهُ كِتابِيٌّ ولَمْ يُسَمِّ اللَّهَ عَلَيْهِ فَيُعارِضانِ فِيهِ. فَيَدُلُّ عُمُومُ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ عَلى الإباحَةِ، ويَدُلُّ عُمُومُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ عَلى التَّحْرِيمِ، فَيُصارُ إلى التَّرْجِيحِ كَما قَدَّمْنا. واخْتُلِفَ في هَذَيْنِ العُمُومَيْنِ أيْضًا أيُّهُما أرْجَحُ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى تَرْجِيحِ عُمُومِ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ الآيَةَ. وَقالَ بَعْضُهم بِتَرْجِيحِ عُمُومِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ . (p-٢٦٤)قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: ذَبِيحَةُ أهْلِ الكِتابِ حَلالٌ سَواءٌ ذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها أمْ لا، لِظاهِرِ القُرْآنِ العَزِيزِ، هَذا مَذْهَبُنا ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ. وَحَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ واللَّخْمِيِّ وحَمّادِ بْنِ سُلَيْمانَ وأبِي حَنِيفَةَ وأحْمَدَ وإسْحاقَ وغَيْرِهِمْ، فَإنْ ذَبَحُوا عَلى صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَحَكى النَّوَوِيُّ القَوْلَ الآخَرَ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا وأبِي ثَوْرِ وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّ لِعُمُومِ كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ مُرَجِّحًا، وأنَّ مُرَجِّحَ آيَةِ التَّحْلِيلِ أقْوى وأحَقُّ بِالِاعْتِبارِ أمّا آيَةُ التَّحْلِيلِ فَيُرَجَّحُ عُمُومُها بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها أقَلُّ تَخْصِيصًا، وآيَةُ التَّحْرِيمِ أكْثَرُ تَخْصِيصًا، لِأنَّ الشّافِعِيَّ ومَن وافَقَهُ خَصَّصُوها بِما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وخَصَّصَها الجُمْهُورُ بِما تُرِكَتْ فِيهِ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا قائِلِينَ إنَّ تَرْكَها نِسْيانًا لا أثَرَ لَهُ وآيَةُ التَّحْلِيلِ لَيْسَ فِيها مِنَ التَّخْصِيصِ غَيْرَ صُورَةِ النِّزاعِ إلّا تَخْصِيصٌ واحِدٌ، وهو ما قَدَّمْنا مِن أنَّها مَخْصُوصَةٌ بِما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عَلى القَوْلِ الصَّحِيحِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الأقَلَّ تَخْصِيصًا مُقَدَّمٌ عَلى الأكْثَرِ تَخْصِيصًا، كَما أنَّ ما لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ أصْلًا مُقَدَّمٌ عَلى ما دَخَلَهُ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ الأُصُولِيِّينَ. وخالَفَ فِيهِ السُّبْكِيُّ والصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وبَيَّنَ صاحِبُ نَشْرِ البُنُودِ في شَرْحِ مَراقِي السُّعُودِ في مَبْحَثِ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبارِ حالِ المَرْوِيِّ في شَرْحِ قَوْلِهِ: ؎تَقْدِيمُ ما خُصَّ عَلى ما لَمْ يَخُصْ ∗∗∗ وعَكْسُهُ كُلٌّ أتى عَلَيْهِ نَصْ أنَّ الأقَلَّ تَخَصُّصًا مُقَدَّمٌ عَلى الأكْثَرِ تَخْصِيصًا، وأنَّ ما لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ مُقَدَّمٌ عَلى ما دَخَلَهُ عِنْدَ جَماهِيرِ الأُصُولِيِّينَ، وأنَّهُ لَمْ يُخالِفْ فِيهِ إلّا السُّبْكِيُّ وصَفِيُّ الدِّينِ الهِنْدِيُّ. والثّانِي: ما نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ونَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ ومَكْحُولٍ أنَّ آيَةَ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ناسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ . (p-٢٦٥)وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ مُرادَهم بِالنَّسْخِ التَّخْصِيصُ، ولَكِنّا قَدَّمْنا أنَّ التَّخْصِيصَ بَعْدَ العَمَلِ بِالعامِّ نَسْخٌ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بَيانٌ والبَيانُ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وقْتِ العَمَلِ. وَيَدُلُّ لِهَذا أنَّ آيَةَ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مِن سُورَةِ ”الأنْعامِ“ وهي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ وآيَةُ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مِنَ ”المائِدَةِ“ وهي مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِالمَدِينَةِ، وأمّا آيَةُ التَّحْرِيمِ فَيُرَجَّحُ عُمُومُها بِما قَدَّمْنا مِن مُرَجِّحاتِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ لِأنَّ كِلْتاهُما دَلَّتْ عَلى نَهْيٍ يَظْهَرُ تَعارُضُهُ مَعَ إباحَةٍ، وحاصِلُ هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ ذَبِيحَةَ الكِتابِيِّ لَها خَمْسُ حالاتٍ لا سادِسَةَ لَها: الأُولى: أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ سَمّى اللَّهَ عَلَيْها، وفي هَذِهِ تُؤْكَلُ بِلا نِزاعٍ، ولا عِبْرَةَ بِخِلافِ الشِّيعَةِ في ذَلِكَ، لِأنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ في الإجْماعِ. الثّانِيَةُ: أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ أُهِلَّ بِها لِغَيْرِ اللَّهِ فَفِيها خِلافٌ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّها لا تُؤْكَلُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ . الثّالِثَةُ: أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اسْمِ اللَّهِ واسْمِ غَيْرِهِ، وظاهِرُ النُّصُوصِ أنَّها لا تُؤْكَلُ أيْضًا لِدُخُولِها فِيما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. الرّابِعَةُ: أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ سَكَتَ ولَمْ يُسَمِّ اللَّهَ ولا غَيْرَهُ، فالجُمْهُورُ عَلى الإباحَةِ وهو الحَقُّ، والبَعْضُ عَلى التَّحْرِيمِ كَما تَقَدَّمَ. الخامِسَةُ: أنْ يُجْهَلَ الأمْرُ لِكَوْنِهِ ذُبِحَ حالَةَ انْفِرادِهِ فَتُؤْكَلُ عَلى ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وهو الحَقُّ إنْ لَمْ يُعْرَفِ الكِتابِيُّ بِأكْلِ المَيْتَةِ كالَّذِي يَسُلُّ عُنُقَ الدَّجاجَةِ بِيَدِهِ، فَإنْ عُرِفَ بِأكْلِ المَيْتَةِ لَمْ يُؤْكَلْ ما غابَ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، ويَجُوزُ أكْلُهُ عِنْدَ البَعْضِ، بَلْ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ: إذا عايَناهُ يَسُلُّ عُنُقَ الدَّجاجَةِ بِيَدِهِ، قُلْنا الأكْلُ مِنها لِأنَّها مَعَ طَعامِهِ، واللَّهُ أباحَ لَنا طَعامَهُ. واسْتَبْعَدَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هو جَدِيرٌ بِالِاسْتِبْعادِ، فَكَما أنَّ نِساءَهم يَجُوزُ نِكاحُهُنَّ ولا تَجُوزُ مُجامَعَتُهُنَّ في الحَيْضِ، فَكَذَلِكَ طَعامُهم يَجُوزُ لَنا مِن غَيْرِ إباحَةِ المَيْتَةِ، لِأنَّ غايَةَ الأمْرِ أنَّ ذَكاةَ الكِتابِيِّ تَحِلُّ مُذَكّاةً كَذَكاةِ المُسْلِمِ. (p-٢٦٦)وَما وعَدْنا بِهِ مِن ذِكْرِ حُكْمِ ما ذَبَحَهُ المُسْلِمُ ولَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ. فَحاصِلُهُ أنَّ فِيهِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: أرْجَحُها: وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ: أنَّهُ إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وإنْ تَرَكَها نِسْيانًا أُكِلَتْ لِأنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ لَسَمّى اللَّهَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ مَن حَرَّمَ ذَبِيحَةَ النّاسِي فَقَدْ خَرَجَ مِن قَوْلِ الحُجَّةِ وخالَفَ الخَبَرَ الثّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ ابْنَ جَرِيرٍ يَعْنِي بِذَلِكَ ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «المُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ إنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ، فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ولِيَأْكُلْهُ» . ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ رَفْعَ الحَدِيثِ خَطَأٌ أخْطَأ فِيهِ مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الجَزَرِيُّ، والصَّوابُ وقْفُهُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. كَما رَواهُ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الحُمَيْدِيُّ. وَمِمّا اسْتَدَلَّ بِهِ البَعْضُ عَلى أكْلِ ذَبِيحَةِ النّاسِي لِلتَّسْمِيَةِ دَلالَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ عَلى العُذْرِ بِالنِّسْيانِ. وَمِمّا اسْتَدَلَّ بِهِ البَعْضُ لِذَلِكَ حَدِيثٌ رَواهُ الحافِظُ أبُو أحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ الرَّجُلَ مِنّا يَذْبَحُ ويَنْسى أنْ يُسَمِّيَ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْمُ اللَّهِ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ» ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذا الحَدِيثَ وضَعَّفَهُ بِأنَّ في إسْنادِهِ مَرْوانَ بْنَ سالِمٍ أبا عَبْدِ اللَّهِ الشّامِيَّ وهو ضَعِيفٌ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَبِيحَةَ المُسْلِمِ تُؤْكَلُ ولَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَما تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ يَرى أنَّهُ ما لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُرادُ بِهِ ما أهَّلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ لا شَيْءَ آخَرَ، وقَدِ ادَّعى بَعْضُهُمُ انْعِقادَ الإجْماعِ قَبْلَ الشّافِعِيِّ عَلى أنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لا يُؤْكَلُ، ولِذَلِكَ قالَ أبُو يُوسُفَ وغَيْرُهُ: لَوْ حَكَمَ حاكِمٌ بِجَوازِ بَيْعِهِ لَمْ يُنَفَّذْ لِمُخالَفَتِهِ الإجْماعَ. واسْتَغْرَبَ ابْنُ كَثِيرٍ حِكايَةَ الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ قائِلًا: إنَّ الخِلافَ فِيهِ قَبْلَ الشّافِعِيِّ مَعْرُوفٌ. (p-٢٦٧)القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُسْلِمَ إذا لَمْ يُسَمِّ عَلى ذَبِيحَتِهِ لا تُؤْكَلُ مُطْلَقًا تَرَكَها عَمْدًا أوْ نِسْيانًا. وهو مَذْهَبُ داوُدَ الظّاهِرِيِّ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُما كَرِها مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ نِسْيانًا والسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الكَراهَةَ عَلى التَّحْرِيمِ كَثِيرًا. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ ابْنَ جَرِيرٍ لا يَعْتَبِرُ مُخالَفَةَ الواحِدِ أوِ الِاثْنَيْنِ لِلْجُمْهُورِ فَيَعُدُّهُ إجْماعًا مَعَ مُخالَفَةِ الواحِدِ أوِ الِاثْنَيْنِ، ولِذَلِكَ حَكى الإجْماعَ عَلى أكْلِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ نِسْيانًا مَعَ أنَّهُ نَقَلَ خِلافَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وابْنِ سِيرِينَ. ** مَسائِلُ مُهِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَباحِثِ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ مِنَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ وغَيْرِهِمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ما ذَبَحَهُ أُهْلُ الكِتابِ لِصَنَمٍ، وبَيْنَ ما ذَبَحُوهُ لِعِيسى أوْ جِبْرِيلَ، أوْ لِكَنائِسِهِمْ، قائِلِينَ: إنَّ الأوَّلَ مِمّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ دُونَ الثّانِي عِنْدَهم كَراهَةَ تَنْزِيهٍ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] . والَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ هَذا الفَرْقَ باطِلٌ بِشَهادَةِ القُرْآنِ لِأنَّ الذَّبِيحَ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ عِبادَةٌ بِالإجْماعِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [ ١٠٨ ] . وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٦٢] . فَمَن صَرَفَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ جَعَلَهُ شَرِيكًا مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ العِبادَةِ الَّتِي هي الذَّبْحُ، سَواءٌ كانَ نَبِيًّا أوْ مَلَكًا أوْ بِناءً أوْ شَجَرًا أوْ حَجَرًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ صالِحٍ وطالِحٍ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ [آل عمران: ٨٠] . ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ كافِرٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] . وَقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٧٩] . (p-٢٦٨)وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٦٤]، فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَخَّصَ في أكْلِ ما ذَبَحُوهُ لِكَنائِسِهِمْ أبُو الدَّرْداءِ وأبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ والعِرْباضُ بْنُ سارِيَةَ والقاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ وحَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ وأبُو سَلَمَةَ الخَوْلانِيُّ وعُمَرُ بْنُ الأسْوَدِ ومَكْحُولٌ واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وغَيْرُهم. فالجَوابُ: أنَّ هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم، وقَدْ خالَفَهم فِيهِ غَيْرُهم. ومِمَّنْ خالَفَهم أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها والإمامُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٥٩]، فَنَرُدُّ هَذا النِّزاعَ إلى اللَّهِ فَنَجِدُهُ حَرَّمَ ما أهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، يَدْخُلُ فِيهِ المَلَكَ والنَّبِيَّ، كَما يَدْخُلُ فِيهِ الصَّنَمُ والنُّصُبُ والشَّيْطانُ وقَدْ وافَقُونا في مَنعِ ما ذَبَحُوهُ بِاسْمِ الصَّنَمِ، وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ النَّبِيِّ والمَلَكِ، وبَيْنَ الصَّنَمِ والنُّصُبِ، فَلَزِمَهُمُ القَوْلُ بِالمَنعِ. وَأمّا اسْتِدْلالُهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ فَلا دَلِيلَ فِيهِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ لَيْسَ بِمُخَصِّصٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ بَعْضَ ما دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ . وَقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أفْرادِ الحُكْمِ العامِّ بِحُكْمِ العامِّ، لا يُخَصَّصُ عَلى الصَّحِيحِ وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ خِلافًا لِأبِي ثَوْرٍ مُحْتَجًّا بِأنَّهُ لا فائِدَةَ لِذِكْرِهِ إلّا التَّخْصِيصَ وأُجِيبَ مِن قِبَلِ الجُمْهُورِ بِأنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وفائِدَةُ ذِكْرِ البَعْضِ نَفْيُ احْتِمالِ إخْراجِهِ مِنَ العامِّ، فَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ ذِكْرَ البَعْضِ لا يُخَصِّصُ العامَّ سَواءٌ ذُكِرا في نَصٍّ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] أوْ ذُكِرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ، كَحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ: «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» مِن حَدِيثِ مُسْلِمٍ أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِشاةٍ مَيِّتَةٍ فَقالَ: «هَلّا أخَذْتُمْ إهابَها» الحَدِيثَ. فَذِكْرُ الصَّلاةِ الوُسْطى الأوَّلُ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المُحافَظَةِ عَلى غَيْرِها مِنَ الصَّلَواتِ، (p-٢٦٩)وَذِكْرُ إهابِ الشّاةِ في الأخِيرِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِإهابِ غَيْرِ الشّاةِ، لِأنَّ ذِكْرَ البَعْضِ لا يُخَصِّصُ العامَّ. وَكَذَلِكَ رُجُوعُ ضَمِيرِ البَعْضِ لا يُخَصِّصُ أيْضًا عَلى الصَّحِيحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فَإنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهو لِخُصُوصِ الرَّجْعِيّاتِ مِنَ المُطَلَّقاتِ مَعَ أنَّ تَرَبُّصَ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ عامٌّ لِلْمُطَلَّقاتِ مِن رَجْعِيّاتٍ وبَوائِنَ، وإلى هَذا أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ مُبَيِّنًا مَعَهُ أيْضًا أنَّ سَبَبَ الواقِعَةِ لا يُخَصِّصُها وأنَّ مَذْهَبَ الرّاوِي لا يُخَصِّصُ مَرْوِيَّهُ عَلى الصَّحِيحِ فِيهِما أيْضًا بِقَوْلِهِ: ؎وَدَعْ ضَمِيرَ البَعْضِ والأسْبابا ∗∗∗ وَذِكْرَ ما وافَقَهُ مِن مُفْرَدِ ∗∗∗ ومَذْهَبَ الرّاوِي عَلى المُعْتَمَدِ وَرُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ وأكْثَرِ الحَنَفِيَّةِ التَّخْصِيصُ بِضَمِيرِ البَعْضِ، وعَلَيْهِ فَتَرَبُّصُ البَوائِنِ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ مَأْخُوذٌ مِن دَلِيلٍ آخَرَ. أمّا عَدَمُ التَّخْصِيصِ بِذِكْرِ البَعْضِ فَلَمْ يُخالِفْ فِيهِ إلّا أبُو ثَوْرٍ، وتَقَدَّمَ رَدُّ مَذْهَبِهِ. وَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ الآيَةَ مُعارَضَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فَإنّا نَجِدُ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِتَرْكِ مِثْلِ هَذا الَّذِي تَعارَضَتْ فِيهِ النُّصُوصُ بِقَوْلِهِ: «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَكاةِ نَصارى العَرَبِ كَبَنِي تَغْلِبَ وتَنُوخَ وبَهْراءَ وجُذامَ ولَخْمٍ وعامِلَةَ ونَحْوِهِمْ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذَبائِحَهم لا تُؤْكَلُ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ ونَقَلَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ عَنْ عَلِيٍّ وعَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أيْضًا إباحَةَ ذَكاتِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والنَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ والزُّهْرِيِّ والحَكَمِ وحَمّادٍ وأبِي حَنِيفَةَ وإسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ وأبِي ثَوْرٍ، وصَحَّحَ هَذا القَوْلَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي مُحْتَجًّا بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ . وَحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما نَصارى العَرَبِ بِأهْلِ كِتابٍ لا تَحِلُّ لَنا ذَبائِحُهم. (p-٢٧٠)وَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا تَحِلُّ ذَبائِحُ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ لِأنَّهم دَخَلُوا في النَّصْرانِيَّةِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، ولا يُعْلَمُ هَلْ دَخَلُوا في دِينِ مَن بَدَّلَ مِنهم أوْ في دِينِ مَن لَمْ يُبَدِّلْ فَصارُوا كالمَجُوسِ لَمّا أشْكَلَ أمْرُهم في الكِتابِ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبائِحُهم، ذَكَرَ هَذا صاحِبُ المُهَذَّبِ وسَكَتَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ في الشَّرْحِ قائِلًا: إنَّهُ حُجَّةُ الشّافِعِيَّةِ في مَنعِ ذَبائِحِهِمْ، ويُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ إباحَةِ كُلِّ ذَكاةِ اليَهُودِ والنَّصارى اليَوْمَ لِتَبْدِيلِهِمْ لا سِيَّما فِيمَن عُرِفُوا مِنهم بِأكْلِ المَيْتَةِ كالنَّصارى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَبائِحُ المَجُوسِ لا تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ ؟ قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: هي حَرامٌ عِنْدَنا، وقالَ بِهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، ونَقَلَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أكْثَرِ العُلَماءِ، قالَ: ومِمَّنْ قالَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى والنَّخَعِيُّ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ومُرَّةُ الهَمْدانِيُّ ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ وإسْحاقُ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ قَوْلَهُ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ . وَأمّا المَجُوسُ فَإنَّهم وإنْ أُخِذَتْ مِنهُمُ الجِزْيَةُ تَبَعًا وإلْحاقًا لِأهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم ولا تُنْكَحُ نِساؤُهم خِلافًا لِأبِي ثَوْرٍ إبْراهِيمَ بْنِ خالِدٍ الكَلْبِيِّ أحَدِ الفُقَهاءِ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ولَمّا قالَ ذَلِكَ واشْتُهِرَ عَنْهُ أنْكَرَ عَلَيْهِ الفُقَهاءُ حَتّى قالَ عَنْهُ الإمامُ أحْمَدُ: أبُو ثَوْرٍ كاسْمِهِ، يَعْنِي في هَذِهِ المَسْألَةِ وكَأنَّهُ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ حَدِيثٍ رُوِيَ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ»، ولَكِنْ لَمْ يُثْبَتْ بِهَذا اللَّفْظِ. وَإنَّما الَّذِي في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَ الجِزْيَةَ مِن مَجُوسِ هَجَرَ»، ولَوْ سَلِمَ صِحَّةُ هَذا الحَدِيثِ فَعُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فَدَلَّ بِمَفْهُومِهِ مَفْهُومُ المُخالَفَةِ عَلى أنَّ طَعامَ مَن عَداهم مِن أهْلِ الأدْيانِ لا يَحِلُّ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ واعْتَرَضَ عَلَيْهِ في الحاشِيَةِ الشَّيْخُ السَّيِّدُ مُحَمَّد رَشِيد رِضا بِما نَصُّهُ فِيهِ: إنَّ هَذا مَفْهُومُ لَقَبٍ وهو لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الصَّوابُ مَعَ الحافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، واعْتِراضُ الشَّيْخِ عَلَيْهِ سَهْوٌ مِنهُ، لِأنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مَفْهُومُ عِلَّةٍ لا مَفْهُومُ (p-٢٧١)لَقَبٍ، كَما ظَنَّهُ الشَّيْخُ لِأنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ في اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ هو ما عَلِقَ فِيهِ الحُكْمُ بِاسْمٍ جامِدٍ سَواءٌ كانَ اسْمَ جِنْسٍ أوِ اسْمَ عَيْنٍ أوِ اسْمَ جَمْعٍ، وضابِطُهُ أنَّهُ هو الَّذِي ذُكِرَ لِيُمْكِنَ الإسْنادُ إلَيْهِ فَقَطْ لِاشْتِمالِهِ عَلى صِفَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ. أمّا تَعْلِيقُ هَذا الحُكْمِ الَّذِي هو إباحَةُ طَعامِهِمْ بِالوَصْفِ بِإيتاءِ الكِتابِ فَهو تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِعِلَّتِهِ لِأنَّ الوَصْفَ بِإيتاءِ الكِتابِ صالِحٌ لِأنَّ يَكُونَ مَناطَ الحُكْمِ بِحِلِّيَّةِ طَعامِهِمْ. وَقَدْ دَلَّ المَسْلَكُ الثّالِثُ مِن مَسالِكِ العِلَّةِ المَعْرُوفُ بِالإيماءِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَناطَ حِلِّيَّةِ طَعامِهِمْ هو إيتاؤُهُمُ الكِتابَ، وذَلِكَ بِعَيْنِهِ هو المَناطُ لِحِلِّيَّةِ نِكاحِ نِسائِهِمْ، لِأنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ بِحِلِّيَّةِ طَعامِهِمْ ونِسائِهِمْ عَلى إيتائِهِمُ الكِتابَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِأنَّهُ عِلَّتُهُ لَما كانَ في التَّخْصِيصِ بِإيتاءِ الكِتابِ فائِدَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى وصْفٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّتَهُ لَكانَ حَشْوًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ عِلَّتُهُ بِمَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ. قالَ في مَراقِي السُّعُودِ في تَعْدادِ صُوَرِ الإيماءِ: ؎كَما إذا سَمِعَ وصْفًا فَحَكَمْ ∗∗∗ وذِكْرُهُ في الحُكْمِ وصْفًا قَدْ ألَمْ ؎إنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّتُهُ لَمْ يُفِدِ ∗∗∗ ومَنعُهُ مِمّا يُفِيتُ اسْتَفِدِ ∗∗∗ تَرْتِيبَهُ الحُكْمَ عَلَيْهِ واتَّضَحْ إلخ. وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ قَوْلُهُ: ”اسْتَفِدِ تَرْتِيبَهُ الحُكْمَ عَلَيْهِ“، وقَوْلُهُ: ”وَذِكْرُهُ في الحُكْمِ وصْفًا إنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّتُهُ لَمْ يُفِدِ“ . وَمِمّا يُوَضِّحُ ما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَماءِ النَّحْوِ في المَذْهَبِ الصَّحِيحِ المَشْهُورِ أنَّ الصِّفَةَ الصَّرِيحَةَ كاسْمِ الفاعِلِ واسْمِ المَفْعُولِ الواقِعَةَ صِلَةَ ألْ بِمَثابَةِ الفِعْلِ مَعَ المَوْصُولِ، ولِذا عَمِلَ وصْفُ المُقْتَرِنِ بِألِ المَوْصُولَةِ في الماضِي لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَإنْ يَكُنْ صِلَةَ ألْ فَفي المُضِي ∗∗∗ وغَيرِهِ إعْمالُهُ قَدِ ارْتُضِي فَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِمَثابَةِ ما لَوْ قُلْتَ وطَعامُ المُؤْتِينَ الكِتابَ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ أنَّ مَفْهُومَ اسْمِ المَفْعُولِ مَفْهُومُ لَقَبٍ لِاشْتِمالِهِ عَلى أمْرٍ هو المُصْدَرُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ المُتَّصِفُ بِهِ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ دُونَ غَيْرِهِ، كَما ذَكَرُوا في مَفْهُومِ الصِّفَةِ. (p-٢٧٢)فَظَهَرَ أنَّ إيتاءَ الكِتابِ صِفَةٌ خاصَّةٌ بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، وهي العِلَّةُ في إباحَةِ طَعامِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ، فادِّعاءُ أنَّها مَفْهُومُ لَقَبٍ سَهْوٌ ظاهِرٌ. وَظَهَرَ مِنَ التَّحْقِيقِ أنَّ المَفْهُومَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مَفْهُومُ عِلَّةٍ ومَفْهُومُ العِلَّةِ قِسْمٌ مِن أقْسامِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ، فالصِّفَةُ أعَمُّ مِنَ العِلَّةِ وإيضاحُهُ كَما بَيَّنَهُ القَرافِيُّ أنَّ الصِّفَةَ قَدْ تَكُونُ مُكَمِّلَةً لِلْعِلَّةِ لا عِلَّةً تامَّةً كَوُجُوبِ الزَّكاةِ في السّائِمَةِ فَإنَّ عِلَّتَهُ لَيْسَتِ السَّوْمَ فَقَطْ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَتْ في الوُحُوشِ لِأنَّها سائِمَةٌ ولَكِنَّ العِلَّةَ مِلْكُ ما يَحْصُلُ بِهِ الغِنى وهي مَعَ السَّوْمِ أتَمُّ مِنها مَعَ العَلْفِ وهَذا عِنْدَ مَن لا يَرى الزَّكاةَ في المَعْلُوفَةِ. وَظَهَرَ أنَّ ما قالَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى هو الصَّوابُ. وَقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ المَفْهُومَ بِنَوْعَيْهِ مِن مُخَصَّصاتِ العُمُومِ، أمّا تَخْصِيصُ العامِّ بِمَفْهُومِ المُوافَقَةِ بِقِسْمَيْهِ فَلا خِلافَ فِيهِ. وَمِمَّنْ حَكى الإجْماعَ عَلَيْهِ: الآمِدِيُّ والسُّبْكِيُّ في شَرْحِ المُخْتَصَرِ، ودَلِيلُ جَوازِهِ أنَّ إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما. وَمِثالُهُ تَخْصِيصُ حَدِيثِ: «لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ» أيْ يُحِلُّ العِرْضَ بِقَوْلِهِ مَطَلَنِي والعُقُوبَةَ بِالحَبْسِ فَإنَّهُ مُخَصَّصٌ بِمَفْهُومِ المُوافَقَةِ الَّذِي هو الفَحْوى في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، لِأنَّ فَحْواهُ تَحْرِيمُ أذاهُما فَلا يُحْبَسُ الوالِدُ بِدَيْنِ الوَلَدِ. وَأمّا تَخْصِيصُهُ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ فَفِيهِ خِلافٌ، والأرْجَحُ مِنهُ هو ما مَشى عَلَيْهِ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ الواسِعَةِ وهو التَّخْصِيصُ بِهِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا مِن أنَّ إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما. وَقِيلَ: لا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ، ونَقَلَهُ الباجِيُّ عَنْ أكْثَرِ المالِكِيَّةِ. وَحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ دَلالَةَ العامِّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَفْهُومُ بِالمَنطُوقِ وهو مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ، ويُجابُ بِأنَّ المُقَدَّمَ عَلَيْهِ مَنطُوقٌ خاصٌّ لا ما هو مِن إفْرادِ العامِّ، فالمَفْهُومُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِأنَّ إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما. واعْتَمَدَ التَّخْصِيصَ بِهِ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ في قَوْلِهِ في مَبْحَثِ الخاصِّ في الكَلامِ عَلى المُخَصِّصاتِ المُنْفَصِلَةِ: (p-٢٧٣) ؎واعْتَبَرَ الإجْماعَ جُلُّ النّاسِ ∗∗∗ وقِسْمِي المَفْهُومِ كالقِياسِ وَمِثالُ التَّخْصِيصِ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ ﷺ: «فِي أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ» الَّذِي يَشْمَلُ عُمُومُهُ السّائِمَةَ والمَعْلُوفَةَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: «فِي الغَنَمِ السّائِمَةِ زَكاةٌ» عِنْدَ مَن لا يَرى الزَّكاةَ في المَعْلُوفَةِ، وهم أكْثُرْ لِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ غَيْرَ السّائِمَةِ لا زَكاةَ فِيها، فَيُخَصَّصُ بِذَلِكَ عُمُومُ: «فِي أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ» والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما صادَهُ الكِتابِيُّ بِالجَوارِحِ والسِّلاحِ حَلالٌ لِلْمُسْلِمِ، لِأنَّ العَقْرَ ذَكاةُ الصَّيْدِ وعَلى هَذا القَوْلِ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ واللَّيْثُ والأوْزاعِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وداوُدُ وجُمْهُورُ العُلَماءِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ. وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ واضِحَةٌ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وخالَفَ مالِكٌ وابْنُ القاسِمِ فَفَرَّقا بَيْنَ ذَبْحِ الكِتابِيِّ وصَيْدِهِ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، لِأنَّهُ خَصَّ الصَّيْدَ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ ورِماحِهِمْ دُونَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ هَذا الِاحْتِجاجَ لا يَنْهَضُ عَلى الجُمْهُورِ، وأنَّ الصَّوابَ مَعَ الجُمْهُورِ. وَقَدْ وافَقَ الجُمْهُورَ مِنَ المالِكِيَّةِ أشْهَبُ وابْنُ هارُونَ وابْنُ يُونُسَ والباجِيُّ واللَّخْمِيُّ، ولِمالِكٍ في المُوازَنَةِ كَراهَتُهُ، قالَ ابْنُ بَشِيرٍ: ويُمْكِنُ حَمْلُ المُدَوَّنَةِ عَلى الكَراهَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَبائِحُ أهْلِ الكِتابِ في دارِ الحَرْبِ كَذَبائِحِهِمْ في دارِ الإسْلامِ، قالَ النَّوَوِيُّ: وهَذا لا خِلافَ فِيهِ، ونَقَلَ ابْنُ المُنْذِرِ الإجْماعَ عَلَيْهِ.

المائدة 5:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾، في قَوْلِهِ: وأرْجُلَكم ثَلاثُ قِراءاتٍ: واحِدَةٌ شاذَّةٌ، واثْنَتانِ مُتَواتِرَتانِ. أمّا الشّاذَّةُ: فَقِراءَةُ الرَّفْعِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ؛ وأمّا المُتَواتِرَتانِ: فَقِراءَةُ النَّصْبِ، وقِراءَةُ الخَفْضِ. أمّا النَّصْبُ: فَهو قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ مِنَ السَّبْعَةِ، ويَعْقُوبَ مِنَ الثَّلاثَةِ. وَأمّا الجَرُّ: فَهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةَ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ. أمّا قِراءَةُ النَّصْبِ: فَلا إشْكالَ فِيها، لِأنَّ الأرْجُلَ فِيها مَعْطُوفَةٌ عَلى الوُجُوهِ، وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلَيْها: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ، وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم. وَإنَّما أُدْخِلَ مَسْحُ الرَّأْسِ بَيْنَ المَغْسُولاتِ مُحافَظَةً عَلى التَّرْتِيبِ، لِأنَّ الرَّأْسَ يُمْسَحُ بَيْنَ المَغْسُولاتِ؛ ومِن هُنا أخَذَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ في أعْضاءِ الوُضُوءِ حَسْبَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ. وَأمّا عَلى قِراءَةِ الجَرِّ: فَفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ إجْمالٌ، وهو أنَّها يُفْهَمُ مِنها الِاكْتِفاءُ بِمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ عَنِ الغَسْلِ كالرَّأْسِ، وهو خِلافُ الواقِعِ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ في وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ والتَّوَعُّدِ بِالنّارِ لِمَن تَرَكَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» . اعْلَمْ أوَّلًا، أنَّ القِراءَتَيْنِ إذا ظَهَرَ تَعارُضُهُما في آيَةٍ واحِدَةٍ لَهُما حُكْمُ الآيَتَيْنِ، كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العُلَماءِ، وإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ: وأرْجُلَكم، بِالنَّصْبِ صَرِيحٌ في وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ، فَهي تُفْهِمُ أنَّ قِراءَةَ الخَفْضِ إنَّما هي لِمُجاوَرَةِ المَخْفُوضِ مَعَ أنَّها في الأصْلِ مَنصُوبَةٌ بِدَلِيلِ قِراءَةِ النَّصْبِ، والعَرَبُ تَخْفِضُ الكَلِمَةَ لِمُجاوَرَتِها لِلْمَخْفُوضِ، مَعَ أنَّ إعْرابَها النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ. وَما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ الخَفْضَ بِالمُجاوَرَةِ مَعْدُودٌ مِنَ اللَّحْنِ الَّذِي يُتَحَمَّلُ (p-٣٣١)لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ خاصَّةً، وأنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ في العَطْفِ، وأنَّهُ لَمْ يَجُزْ إلّا عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، فَهو مَرْدُودٌ بِأنَّ أئِمَّةَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ صَرَّحُوا بِجَوازِهِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الأخْفَشُ، وأبُو البَقاءِ، وغَيْرُ واحِدٍ. وَلَمْ يُنْكِرْهُ إلّا الزَّجّاجُ، وإنْكارُهُ لَهُ، مَعَ ثُبُوتِهِ في كَلامِ العَرَبِ، وفي القُرْآنِ العَظِيمِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَتَبَّعِ المَسْألَةَ تَتَبُّعًا كافِيًا. والتَّحْقِيقُ: أنَّ الخَفْضَ بِالمُجاوَرَةِ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وأنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ لِأنَّهُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. فَمِنهُ في النَّعْتِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎كَأنَّ ثَبِيرًا في عِرانِينِ ودْقِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ بِخَفْضٍ ”مُزَمَّلِ“ بِالمُجاوَرَةِ، مَعَ أنَّهُ نَعْتُ ”كَبِيرُ“ المَرْفُوعِ بِأنَّهُ خَبَرُ ”كَأنَّ“ وقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [ البَسِيطُ ] ؎تُرِيكَ سُنَّةَ وجْهٍ غَيْرِ مُقْرِفَةٍ ∗∗∗ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ إذِ الرِّوايَةُ بِخَفْضِ ”غَيْرِ“، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِلْمُجاوَرَةِ، مَعَ أنَّهُ نَعْتُ ”سُنَّةَ“ المَنصُوبِ بِالمَفْعُولِيَّةِ. وَمِنهُ في العَطْفِ، قَوْلُ النّابِغَةِ: [ البَسِيطُ ] ؎لَمْ يَبْقَ إلّا أسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ ∗∗∗ ومُوثَقٍ في حِبالِ القَدِّ مَجْنُوبِ بِخَفْضٍ ”مُوثَقٍ“ لِمُجاوَرَتِهِ المَخْفُوضِ، مَعَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”أسِيرٌ“ المَرْفُوعِ بِالفاعِلِيَّةِ. وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎وَظَلَّ طُهاةُ اللَّحْمِ ما بَيْنَ مُنْضِجٍ ∗∗∗ صَفِيفَ شِواءٍ أوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ بِجَرٍّ ”قَدِيرٍ“ لِمُجاوَرَتِهِ لِلْمَخْفُوضِ، مَعَ أنَّهُ عَطَفَ عَلى ”صَفِيفَ“ المَنصُوبِ بِأنَّهُ مَفْعُولُ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو ”مُنْضِجٍ“، والصَّفِيفُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو المَصْفُوفُ مِنَ اللَّحْمِ عَلى الجَمْرِ لِيَنْشَوِيَ، والقَدِيرُ: كَذَلِكَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو المَجْعُولُ في القِدْرِ مِنَ اللَّحْمِ لِيَنْضُجَ بِالطَّبْخِ. (p-٣٣٢)وَهَذا الإعْرابُ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الحَقُّ، لِأنَّ الإنْضاجَ واقِعٌ عَلى كُلٍّ مِنَ الصَّفِيفِ والقَدِيرِ، فَما زَعَمَهُ ”الصَّبّانُ“ في حاشِيَتِهِ عَلى ”الأشْمُونِيِّ“ مِن أنَّ قَوْلَهُ ”أوْ قَدِيرٍ“ مَعْطُوفٌ عَلى ”مُنْضِجٍ“ بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْ وطابِخِ قَدِيرٍ. . . الخَ، ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ المُنْضِجَ شامِلٌ لِشاوِي الصَّفِيفِ، وطابِخِ القَدِيرِ، فَلا حاجَةَ إلى عَطْفِ الطّابِخِ عَلى المُنْضَجِ لِشُمُولِهِ لَهُ، ولا داعِيَ لِتَقْدِيرِ ”طابِخٍ“ مَحْذُوفٍ. وَما ذَكَرَهُ العَيْنِيُّ مِن أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”شِواءٍ“، فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ أيْضًا؛ وقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ ”الصَّبّانُ“، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ بِذَلِكَ: وصَفِيفٍ قَدِيرٍ، والقَدِيرُ لا يَكُونُ صَفِيفًا. والتَّحْقِيقُ: هو ما ذَكَرْنا مِنَ الخَفْضِ بِالمُجاوَرَةِ، وبِهِ جَزَمَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي. وَمِنَ الخَفْضِ بِالمُجاوَرَةِ في العَطْفِ، قَوْلُ زُهَيْرٍ: [ الكامِلُ ] ؎لَعِبَ الزَّمانُ بِها وغَيَّرَها ∗∗∗ بَعْدِي سَوافِي المَوْرِ والقَطْرِ بِجَرِّ ”القَطْرِ“ لِمُجاوَرَتِهِ لِلْمَخْفُوضِ مَعَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”سَوافِي“ المَرْفُوعِ، بِأنَّهُ فاعِلُ غَيَّرَ. وَمِنهُ في التَّوْكِيدِ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ البَسِيطُ ] ؎يا صاحِ بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجاتِ كُلَّهُمُ ∗∗∗ أنْ لَيْسَ وصْلٌ إذا انْحَلَّتْ عُرى الذَّنَبِ بِجَرِّ ”كُلِّهِمْ“ عَلى ما حَكاهُ الفَرّاءُ، لِمُجاوَرَةِ المَخْفُوضِ، مَعَ أنَّهُ تَوْكِيدُ ”ذَوِيِ“ المَنصُوبِ بِالمَفْعُولِيَّةِ. وَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ في العَطْفِ - كالآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢]، عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ. وَرِوايَةُ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ بِالجَرِّ لِمُجاوَرَتِهِ لِأكْوابٍ وأبارِيقَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]، مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾، حُكْمُهُ الرَّفْعُ، فَقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فاعِلِ ”يَطُوفُ“ الَّذِي هو ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] . وَقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ. أيْ: وفِيها حُورٌ عِينٌ، أوْ لَهم حُورٌ عِينٌ. (p-٣٣٣)وَإذَنْ فَهو مِنَ العَطْفِ بِحَسَبِ المَعْنى. وَقَدْ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْعَطْفِ عَلى المَعْنى قَوْلَ الشَّمّاخِ، أوْ ذِي الرُّمَّةِ: [ الكامِلُ ] ؎بادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلا ∗∗∗ إلّا رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَباءُ ؎وَمُشَجَّجٌ أمّا سَواءُ قِذالِهِ ∗∗∗ فَبَدا وغَيَّبَ سارَهُ المَعْزاءُ لِأنَّ الرِّوايَةَ بِنَصْبِ ”رَواكِدَ“ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ورَفْعِ مُشَجَّجٍ عَطْفًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المَعْنى لَمْ يَبْقَ مِنها إلّا رَواكِدُ ومُشَجَّجٌ، ومُرادُهُ بِالرَّواكِدِ أثافِي القِدْرِ، وبِالمُشَجَّجِ وتَدُ الخِباءِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ وجْهَ الخَفْضِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ هو المُجاوَرَةُ لِلْمَخْفُوضِ، كَما ذَكَرْنا خِلافًا لِمَن قالَ في قِراءَةِ الجَرِّ: إنَّ العَطْفَ عَلى أكْوابٍ، أيْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِأكْوابٍ، وبِحُورٍ عِينٍ، ولِمَن قالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتِ النَّعِيمِ، أيْ هم في جَنّاتِ النَّعِيمِ، وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ، أيْ في مُعاشَرَةِ حُورٍ. وَلا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ الأوَّلَ يُرَدُّ، بِأنَّ الحُورَ العِينَ لا يُطافُ بِهِنَّ مَعَ الشَّرابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى:﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] . والثّانِي فِيهِ أنَّ كَوْنَهم في جَنّاتِ النَّعِيمِ، وفي حُورٍ ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما تَرى، وتَقْدِيرُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لا وجْهَ لَهُ. وَأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِجَوابَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ العَطْفَ فِيهِ بِحَسَبِ المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: يَتَنَعَّمُونَ بِأكْوابٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ. الجَوابُ الثّانِي: أنَّ الحُورَ قِسْمانِ: ١ - حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ. ٢ - وحُورٌ يُطافُ بِهِنَّ عَلَيْهِمْ قالَهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ، وهو تَقْسِيمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ولا يُعْرَفُ مِن صِفاتِ الحُورِ العِينِ كَوْنُهُنَّ يُطافُ بِهِنَّ كالشَّرابِ، فَأظْهَرُها الخَفْضُ بِالمُجاوَرَةِ، كَما ذَكَرْنا. وَكَلامُ الفَرّاءِ، وقُطْرُبٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ، وما رُدَّ بِهِ القَوْلُ بِالعَطْفِ عَلى أكْوابٍ مِن كَوْنِ الحُورِ لا يُطافُ بِهِنَّ يُرَدُّ بِهِ القَوْلُ بِالعَطْفِ عَلى ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾، في قِراءَةِ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الحُورَ يَطُفْنَ عَلَيْهِمْ كالوِلْدانِ، والقَصْرُ في الخِيامِ يُنافِي ذَلِكَ. وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأنَّ خَفْضَ وأرْجُلِكم؛ لِمُجاوَرَةِ المَخْفُوضِ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ (p-٣٣٤)الكُبْرى“، فَإنَّهُ قالَ ما نَصُّهُ: بابُ قِراءَةِ مَن قَرَأ ”وَأرْجُلَكم“ نَصْبًا، وأنَّ الأمْرَ رَجَعَ إلى الغَسْلِ، وأنَّ مَن قَرَأها خَفْضًا، فَإنَّما هو لِلْمُجاوَرَةِ، ثُمَّ ساقَ أسانِيدَهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والأعْرَجِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَيْلانَ، ونافِعِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي نُعَيْمٍ القارِئِ، وأبِي مُحَمَّدٍ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ أنَّهم قَرَءُوها كُلُّهم: وأرْجُلَكم، بِالنَّصْبِ. قالَ: وبَلَغَنِي عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها نَصْبًا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ اليَحْصَبِيِّ، وعَنْ عاصِمٍ بِرِوايَةِ حَفْصٍ، وعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ مِن رِوايَةِ الأعْشى، وعَنِ الكِسائِيِّ، كُلُّ هَؤُلاءِ نَصَبُوها. وَمَن خَفَضَها فَإنَّما هو لِلْمُجاوَرَةِ، قالَ الأعْمَشُ: كانُوا يَقْرَءُونَها بِالخَفْضِ، وكانُوا يَغْسِلُونَ، اهـ كَلامُ البَيْهَقِيِّ. وَمِن أمْثِلَةِ الخَفْضِ بِالمُجاوَرَةِ في القُرْآنِ في النَّعْتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]، بِخَفْضِ مُحِيطٍ مَعَ أنَّهُ نَعْتٌ لِلْعَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]، ومِمّا يَدُلُّ أنَّ النَّعْتَ لِلْعَذابِ، وقَدْ خُفِضَ لِلْمُجاوَرَةِ، كَثْرَةُ وُرُودِ الألَمِ في القُرْآنِ نَعْتًا لِلْعَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِخَفْضِ مَحْفُوظٍ كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ ومِن كَلامِ العَرَبِ: ”هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ“ بِخَفْضِ خَرِبٍ لِمُجاوَرَةِ المَخْفُوضِ مَعَ أنَّهُ نَعْتُ خَبَرِ المُبْتَدَأِ؛ وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ دَعْوى كَوْنِ الخَفْضِ بِالمُجاوَرَةِ لَحْنًا لا يُتَحَمَّلُ إلّا لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ باطِلَةٌ، والجَوابُ عَمّا ذَكَّرُوهُ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، هو أنَّ اللَّبْسَ هُنا يُزِيلُهُ التَّحْدِيدُ بِالكَعْبَيْنِ، إذْ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُ المَمْسُوحِ، وتُزِيلُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ، كَما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ قِراءَةُ الجَرِّ الدّالَّةُ عَلى مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ هي المُبَيِّنَةُ لِقِراءَةِ النَّصْبِ بِأنْ تَجْعَلَ قِراءَةَ النَّصْبِ عَطْفًا عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّ الرُّءُوسَ مَجْرُورَةٌ بِالباءِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ: [ الرَّجَزُ ] ؎وَجَرُّ ما يَتْبَعُ ما جُرَّ ومَن ∗∗∗ راعى في الِاتْباعِ المَحَلَّ فَحَسَنْ وابْنُ مالِكٍ وإنْ كانَ أوْرَدَ هَذا في ”إعْمالِ المَصْدَرِ“ فَحُكْمُهُ عامٌّ، أيْ وكَذَلِكَ الفِعْلُ والوَصْفُ، كَما أشارَ لَهُ في الوَصْفِ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] ؎واجُرُرْ أوِ انْصِبْ تابِعَ الَّذِي انْخَفَضْ ∗∗∗ كَمُبْتَغِي جاهٍ ومالًا مَن نَهَضْ (p-٣٣٥)فالجَوابُ أنَّ بَيانَ قِراءَةِ النَّصْبِ بِقِراءَةِ الجَرِّ، كَما ذَكَرَ، تَأْباهُ السُّنَّةُ الصَّرِيحَةُ الصَّحِيحَةُ النّاطِقَةُ بِخِلافِهِ، وبِتَوَعُّدِ مُرْتَكِبِهِ بِالوَيْلِ مِنَ النّارِ بِخِلافِ بَيانِ قِراءَةِ الخَفْضِ بِقِراءَةِ النَّصْبِ، فَهو مُوافِقٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثّابِتَةَ عَنْهُ قَوْلًا وفِعْلًا. فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. قالَ: «تَخَلَّفَ عَنّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَفْرَةٍ سافَرْناها فَأدْرَكَنا، وقَدْ أرْهَقَتْنا الصَّلاةُ صَلاةُ العَصْرِ ونَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنا نَمْسَحُ عَلى أرْجُلِنا، فَنادى بِأعْلى صَوْتِهِ: ”أسْبِغُوا الوُضُوءَ، ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ“»، وكَذَلِكَ هو في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أسْبِغُوا الوُضُوءَ، ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ»، ورَوى البَيْهَقِيُّ والحاكِمُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حارِثِ بْنِ جُزْءٍ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ، وبُطُونِ الأقْدامِ مِنَ النّارِ»؛ ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» . وَرَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ مُعَيْقِيبٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ»، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ»، قالَ: فَما بَقِيَ في المَسْجِدِ شَرِيفٌ ولا وضِيعٌ إلّا نَظَرْتُ إلَيْهِ يُقَلِّبُ عُرْقُوبَيْهِ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وَثَبَتَ في أحادِيثِ الوُضُوءِ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عاصِمٍ، والمِقْدادِ بْنِ مَعْدِيَكَرِبَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَسَلَ الرِّجْلَيْنِ في وُضُوئِهِ، إمّا مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا» عَلى اخْتِلافِ رِواياتِهِمْ. وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ”. ثُمَّ قالَ:“ هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» . والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وهي صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ في وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ، وعَدَمِ الِاجْتِزاءِ بِمَسْحِهِما. * * وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ غَسْلُهُما. والعَرَبُ تُطْلِقُ المَسْحَ عَلى الغَسْلِ أيْضًا، وتَقُولُ تَمَسَّحْتُ بِمَعْنى تَوَضَّأْتُ، ومَسَحَ المَطَرُ الأرْضَ أيْ غَسَلَها، (p-٣٣٦)وَمَسَحَ اللَّهُ ما بِكَ أيْ غَسَلَ عَنْكَ الذُّنُوبَ والأذى، ولا مانِعَ مِن كَوْنِ المُرادِ بِالمَسْحِ في الأرْجُلِ هو الغَسْلُ، والمُرادُ بِهِ في الرَّأْسِ المَسْحُ الَّذِي لَيْسَ بِغَسْلٍ، ولَيْسَ مِن حَمْلِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ، ولا مِن حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، لِأنَّهُما مَسْألَتانِ كُلٌّ مِنهُما مُنْفَرِدَةٌ عَنِ الأُخْرى مَعَ أنَّ التَّحْقِيقَ جَوازُ حَمْلِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ، كَما حَقَّقَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ في رِسالَتِهِ في عُلُومِ القُرْآنِ، وحَرَّرَ أنَّهُ هو الصَّحِيحُ في مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وجَمَعَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ بَيْنَ قِراءَةِ النَّصْبِ والجَرِّ بِأنَّ قِراءَةَ النَّصْبِ يُرادُ بِها غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، لِأنَّ العَطْفَ فِيها عَلى الوُجُوهِ والأيْدِي إلى المَرافِقِ، وهُما مِنَ المَغْسُولاتِ بِلا نِزاعٍ، وأنَّ قِراءَةَ الخَفْضِ يُرادُ بِها المَسْحُ مَعَ الغَسْلِ، يَعْنِي الدَّلْكَ بِاليَدِ أوْ غَيْرِها. والظّاهِرُ أنَّ حِكْمَةَ هَذا في الرِّجْلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِما؛ أنَّ الرِّجْلَيْنِ هُما أقْرَبُ أعْضاءِ الإنْسانِ إلى مُلابَسَةِ الأقْذارِ لِمُباشَرَتِهِما الأرْضَ فَناسَبَ ذَلِكَ أنْ يُجْمَعَ لَهُما بَيْنَ الغَسْلِ بِالماءِ والمَسْحِ أيِ الدَّلْكِ بِاليَدِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغُ في التَّنْظِيفِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِقِراءَةِ الجَرِّ: المَسْحُ، ولَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَلى الخُفِّ. وَعَلَيْهِ فالآيَةُ تُشِيرُ إلى المَسْحِ عَلى الخُفِّ في قِراءَةِ الخَفْضِ، والمَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ، إذا لَبِسَهُما طاهِرًا، مُتَواتِرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَمْ يُخالِفْ فِيهِ إلّا مَن لا عِبْرَةَ بِهِ، والقَوْلُ بِنَسْخِهِ بِآيَةِ المائِدَةِ يَبْطُلُ بِحَدِيثِ «جَرِيرٍ أنَّهُ بالَ ثُمَّ تَوَضَّأ، ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَكَذا ؟ قالَ: نَعَمْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بالَ، ثُمَّ تَوَضَّأ، ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ، قالَ إبْراهِيمُ: فَكانَ يُعْجِبُهم هَذا الحَدِيثَ، لِأنَّ إسْلامَ جَرِيرٍ كانَ بَعْدَ نُزُولِ المائِدَةِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُوَضِّحُ عَدَمَ النَّسْخِ أنَّ آيَةَ المائِدَةِ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ ”المُرَيْسِيعِ“ . وَلا شَكَّ أنَّ إسْلامَ جَرِيرٍ بَعْدَ ذَلِكَ، مَعَ أنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رَوى المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخِرُ مَغازِيهِ ﷺ . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِنُزُولِ آيَةِ المائِدَةِ في غَزْوَةِ ”المُرَيْسِيعِ“ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“، وأشارَ لَهُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في ”نَظْمِ المَغازِي“، بِقَوْلِهِ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ: [ الرَّجَزُ ] ؎والإفْكُ في قُفُولِهِمْ ونُقِلا أنَّ التَّيَمُّمَ بِها قَدْ أُنْزِلا (p-٣٣٧)والتَّيَمُّمُ في آيَةِ المائِدَةِ، وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى جَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفِّ الَّذِي هو مِنَ الجُلُودِ، واخْتَلَفُوا فِيما كانَ مِن غَيْرِ الجِلْدِ إذا كانَ صَفِيقًا ساتِرًا لِمَحَلِّ الفَرْضِ، فَقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ: لا يُمْسَحُ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ الجِلْدِ؛ فاشْتَرَطُوا في المَسْحِ أنْ يَكُونَ المَمْسُوحَ خُفًّا مِن جُلُودٍ، أوْ جَوْرَبًا مُجَلَّدًا ظاهِرُهُ وباطِنُهُ، يَعْنُونَ ما فَوْقَ القَدَمِ وما تَحْتَها لا باطِنَهُ الَّذِي يَلِي القَدَمَ. واحْتَجُّوا بِأنَّ المَسْحَ عَلى الخُفِّ رُخْصَةٌ، وأنَّ الرُّخَصَ لا تَتَعَدّى مَحَلَّها، وقالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمْسَحْ عَلى غَيْرِ الجِلْدِ؛ فَلا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى شَطْرِ قاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ مُخْتَلَفٍ فِيها، وهي: هَلْ يَلْحَقُ بِالرُّخَصِ ما في مَعْناها، أوْ يُقْتَصَرُ عَلَيْها ولا تُعَدّى مَحَلَّها ؟ . وَمِن فُرُوعِها اخْتِلافُهم في بَيْعِ ”العَرايا“ مِنَ العِنَبِ بِالزَّبِيبِ اليابِسِ، هَلْ يَجُوزُ إلْحاقًا بِالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ أوْ لا ؟ . وَجُمْهُورُ العُلَماءِ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، وأصْحابُهم عَلى عَدَمِ اشْتِراطِ الجِلْدِ، لِأنَّ سَبَبَ التَّرْخِيصِ الحاجَةُ إلى ذَلِكَ وهي مَوْجُودَةٌ في المَسْحِ عَلى غَيْرِ الجِلْدِ، ولِما «جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أنَّهُ مَسَحَ عَلى الجَوْرَبَيْنِ، والمُوقَيْنِ» . قالُوا: والجَوْرَبُ: لِفافَةُ الرِّجْلِ، وهي غَيْرُ جِلْدٍ. وَفِي القامُوسِ: الجَوْرَبُ لِفافَةُ الرِّجْلِ، وفي اللِّسانِ: الجَوْرَبُ لِفافَةُ الرِّجْلِ، مُعَرَّبٌ وهو بِالفارِسِيةِ ”كَوْرَبُ“ . وَأجابَ مَنِ اشْتَرَطَ الجِلْدَ بِأنَّ الجَوْرَبَ هو الخُفُّ الكَبِيرُ، كَما قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، أمّا الجُرْمُوقُ والمُوقُ، فالظّاهِرُ أنَّهُما مِنَ الخِفافِ. وَقِيلَ: إنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، وهو الظّاهِرُ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ. وقِيلَ: إنَّهُما مُتَغايِرانِ، وفي القامُوسِ: الجُرْمُوقُ: كَعُصْفُورٍ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الخُفِّ، وفي القامُوسِ أيْضًا: المُوقُ خُفٌّ غَلِيظٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الخُفِّ، وفي اللِّسانِ: الجُرْمُوقُ، خُفٌّ صَغِيرٌ، وقِيلَ: خُفٌّ صَغِيرٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الخُفِّ، في اللِّسانِ أيْضًا: المُوقُ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الخُفِّ، فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والمُوقُ: الخُفُّ اهـ. قالُوا: والتَّساخِينُ: الخِفافُ، فَلَيْسَ في الأحادِيثِ ما يُعَيِّنُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ (p-٣٣٨)عَلى غَيْرِ الجِلْدِ، والجُمْهُورُ قالُوا: نَفْسُ الجِلْدِ لا أثَرَ لَهُ، بَلْ كُلُّ خُفٍّ صَفِيقٍ ساتِرٍ لِمَحَلِّ الفَرْضِ يُمْكِنُ فِيهِ تَتابُعُ المَشْيِ، يَجُوزُ المَسْحُ عَلَيْهِ، جِلْدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ. * * مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ الأُولى: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى جَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ في السَّفَرِ والحَضَرِ؛ وقالَ الشِّيعَةُ والخَوارِجُ: لا يَجُوزُ، وحَكى نَحْوَهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ داوُدَ، والتَّحْقِيقُ عَنْ مالِكٍ، وجُلِّ أصْحابِهِ، القَوْلُ بِجَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفِّ في الحَضَرِ والسَّفَرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ المَنعُ مُطْلَقًا، ورُوِيَ عَنْهُ جَوازُهُ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ أحَدًا أنْكَرَهُ إلّا مالِكًا في رِوايَةٍ أنْكَرَها أكْثَرُ أصْحابِهِ، والرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ مُصَرِّحَةٌ بِإثْباتِهِ، ومُوَطَّأُهُ، يَشْهَدُ لِلْمَسْحِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وعَلَيْهِ جَمِيعُ أصْحابِهِ، وجَمِيعُ أهْلِ السُّنَّةِ. وَقالَ الباجِيُّ: رِوايَةُ الإنْكارِ في ”العُتْبِيَّةِ“ وظاهِرُها المَنعُ، وإنَّما مَعْناها أنَّ الغَسْلَ أفْضَلُ مِنَ المَسْحِ، قالَ ابْنُ وهْبٍ: آخِرُ ما فارَقْتُ مالِكًا عَلى المَسْحِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، فَما قالَهُ ابْنُ الحاجِبِ عَنْ مالِكٍ مِن جَوازِهِ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ المَسْحَ عَلى الخُفِّ مُتَواتِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ الزُّرْقانِيُّ في شَرْحِ ”المُوَطَّأِ“: وجَمَعَ بَعْضُهم رُواتُهُ فَجاوَزُوا الثَّمانِينَ، مِنهُمُ العَشَرَةُ، ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنَ الصَّحابَةِ بِالمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، اهـ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ ”المُهَذَّبِ“: وقَدْ نَقَلَ ابْنُ المُنْذِرِ في كِتابِ ”الإجْماعِ“، إجْماعَ العُلَماءِ عَلى جَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُسْتَفِيضَةُ في مَسْحِ النَّبِيِّ ﷺ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وأمَرَهُ بِذَلِكَ وتَرْخِيصُهُ فِيهِ، واتِّفاقُ الصَّحابَةِ، فَمَن بَعْدَهم عَلَيْهِ. قالَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ: رُوِّينا جَوازَ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وأبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وعَمْرِو بْنِ العاصِ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وأبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ، والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، (p-٣٣٩)وَجابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وأبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ جُزْءٍ، وأبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. قُلْتُ: ورَواهُ خَلائِقٌ مِنَ الصَّحابَةِ، غَيْرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ البَيْهَقِيُّ، وأحادِيثُهم مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ السُّنَنِ وغَيْرِها. قالَ التِّرْمِذِيُّ: وفي البابِ عَنْ عُمَرَ، وسَلْمانَ، وبُرَيْدَةَ، وعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، ويَعْلى بْنِ مُرَّةَ، وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وأُسامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، وأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وصَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وعَوْفِ بْنِ مالِكٍ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي بَكْرَةَ، وبِلالٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: ورُوِّينا عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، قالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَمْسَحُ عَلى الخُفَّيْنِ» . قالَ: ورُوِّينا عَنِ ابْنِ المُبارَكِ، قالَ: لَيْسَ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ اخْتِلافٌ. اهـ. وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أنَّهُ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفِّ في غَزْوَةِ تَبُوكَ»، وهي آخِرُ مُغازِيهِ ﷺ، وثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفِّ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ المائِدَةِ كَما تَقَدَّمَ، وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ أنَّهم لَمّا قالُوا لِجَرِيرٍ: إنَّما كانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ المائِدَةِ، قالَ: ما أسْلَمْتُ إلّا بَعْدَ نُزُولِ المائِدَةِ. وَهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنا تَدُلُّ عَلى عَدَمِ نَسْخِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، وأنَّهُ لا شَكَّ في مَشْرُوعِيَّتِهِ، فالخِلافُ فِيهِ لا وجْهَ لَهُ البَتَّةَ. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في غَسْلِ الرِّجْلِ والمَسْحِ عَلى الخُفِّ أيُّهُما أفْضَلُ ؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: غَسْلُ الرِّجْلِ أفْضَلُ مِنَ المَسْحِ عَلى الخُفِّ، بِشَرْطِ أنْ لا يَتْرُكَ المَسْحَ رَغْبَةً عَنِ الرُّخْصَةِ في المَسْحِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأصْحابِهِمْ، ونَقَلَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ورَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ. وَحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ هو الَّذِي واظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ في مُعْظَمِ (p-٣٤٠)الأوْقاتِ، ولِأنَّهُ هو الأصْلُ، ولِأنَّهُ أكْثَرُ مَشَقَّةً. وَذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ المَسْحَ أفْضَلُ، وهو أصَحُّ الرِّواياتِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ. واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ ﷺ في بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: ”بِهَذا أمَرَنِي رَبِّي“ . وَلَفْظُهُ في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَسِيتَ ؟ قالَ: ”بَلْ أنْتَ نَسِيتَ؛ بِهَذا أمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وجَلَّ“» . واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ في حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَمْسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ» الحَدِيثَ. قالُوا: والأمْرُ إذا لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ لِلنَّدْبِ، قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وأظْهَرُ ما قِيلَ في هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدِي، هو ما ذَكَرَهُ ابْنُ القَيِّمِ، وعَزاهُ لِشَيْخِهِ تَقِيِّ الدِّينِ، وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّفُ ضِدَّ حالِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَدَماهُ، بَلْ إنْ كانَتا في الخُفِّ مَسَحَ عَلَيْهِما، ولَمْ يَنْزِعْهُما، وإنْ كانَتا مَكْشُوفَتَيْنِ غَسَلَ القَدَمَيْنِ، ولَمْ يَلْبَسِ الخُفَّ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ، وهَذا أعْدَلُ الأقْوالِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، اهـ. وَيُشْتَرَطُ في الخُفِّ: أنْ يَكُونَ قَوِيًّا يُمْكِنُ تَتابُعُ المَشْيِ فِيهِ في مَواضِعِ النُّزُولِ، وعِنْدَ الحَطِّ والتَّرْحالِ، وفي الحَوائِجِ الَّتِي يَتَرَدَّدُ فِيها في المَنزِلِ، وفي المُقِيمِ نَحْوُ ذَلِكَ، كَما جَرَتْ عادَةُ لابِسِي الخِفافِ. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا كانَ الخُفُّ مُخَرَّقًا، فَفي جَوازِ المَسْحِ عَلَيْهِ خِلافٌ بَيْنِ العُلَماءِ، فَذَهَبَ مالِكٌ وأصْحابُهُ إلى أنَّهُ إنْ ظَهَرَ مِن تَخْرِيقِهِ قَدْرُ ثُلُثِ القَدَمِ لَمْ يَجُزِ المَسْحُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ جازَ المَسْحُ عَلَيْهِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلى أنَّ الثُّلُثَ آخِرُ حَدِّ اليَسِيرِ، وأوَّلُ حَدِّ الكَثِيرِ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَجُوزُ المَسْحُ عَلى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنهُ شَيْءٌ مِنَ القَدَمِ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ، ومَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ. (p-٣٤١)واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ المُنْكَشِفَ مِنَ الرِّجْلِ حُكْمُهُ الغَسْلُ، والمَسْتُورُ حُكْمُهُ المَسْحُ، والجَمْعُ بَيْنَ المَسْحِ والغَسْلِ لا يَجُوزُ، فَكَما أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَغْسِلَ إحْدى رِجْلَيْهِ ويَمْسَحَ عَلى الخُفِّ في الأُخْرى، لا يَجُوزُ لَهُ غَسْلُ بَعْضِ القَدَمِ مَعَ مَسْحِ الخُفِّ في الباقِي مِنها. وَذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ إلى أنَّ الخَرْقَ الكَبِيرَ يَمْنَعُ المَسْحَ عَلى الخُفِّ دُونَ الصَّغِيرِ. وحَدَّدُوا الخَرْقَ الكَبِيرَ بِمِقْدارِ ثَلاثَةِ أصابِعَ. قِيلَ: مِن أصابِعِ الرِّجْلِ الأصاغِرِ، وقِيلَ: مِن أصابِعِ اليَدِ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: يَجُوزُ المَسْحُ عَلى جَمِيعِ الخِفافِ، وإنْ تَخَرَّقَتْ تَخْرُّقًا كَثِيرًا ما دامَتْ يُمْكِنُ تَتابُعُ المَشْيِ فِيها؛ ونَقَلَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، ويَزِيدَ بْنِ هارُونَ، وأبِي ثَوْرٍ. وَرَوى البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، أنَّهُ قالَ: امْسَحْ عَلَيْهِما ما تَعَلَّقا بِالقَدَمِ، وإنْ تَخَرَّقا، قالَ: وكانَتْ كَذَلِكَ خِفافُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مُخَرَّقَةً مُشَقَّقَةً، اهـ. وَقالَ البَيْهَقِيُّ: قَوْلُ مَعْمَرِ بْنِ راشِدٍ في ذَلِكَ أحَبُّ إلَيْنا، وهَذا القَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنا عَنِ الثَّوْرِيِّ، ومَن وافَقَهُ هو اخْتِيارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. وَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وبُقُولِ الثَّوْرِيِّ أقُولُ، لِظاهِرِ إباحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ قَوْلًا عامًا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الخِفافِ. اهـ، نَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ، وهو قَوِيٌّ. وَعَنِ الأوْزاعِيِّ إنْ ظَهَرَتْ طائِفَةٌ مِن رِجْلِهِ مَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ، وعَلى ما ظَهَرَ مِن رِجْلِهِ. هَذا حاصِلُ كَلامِ العُلَماءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وَأقْرَبُ الأقْوالِ عِنْدِي، المَسْحُ عَلى الخُفِّ المُخَرَّقِ ما لَمْ يَتَفاحَشْ خَرْقُهُ حَتّى يَمْنَعَ تَتابُعَ المَشْيِ فِيهِ لِإطْلاقِ النُّصُوصِ، مَعَ أنَّ الغالِبَ عَلى خِفافِ المُسافِرِينَ، والغُزاةِ عَدَمُ السَّلامَةِ مِنَ التَّخْرِيقِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ المَسْحُ عَلى النَّعْلَيْنِ وخالَفَ في ذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَماءِ، واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِالمَسْحِ عَلى (p-٣٤٢)النَّعْلَيْنِ بِأحادِيثَ، مِنها ما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ، حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ وكِيعٍ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أبِي قَيْسٍ الأوْدِيِّ، هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوانَ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ ومَسَحَ الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ»، قالَ أبُو داوُدَ: وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ لا يُحَدِّثُ بِهَذا الحَدِيثِ، لِأنَّ المَعْرُوفَ عَنِ المُغِيرَةِ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ»، ورَوى هَذا الحَدِيثَ البَيْهَقِيُّ. ثُمَّ قالَ: قالَ أبُو مُحَمَّدٍ: رَأيْتُ مُسْلِمَ بْنَ الحَجّاجِ ضَعَّفَ هَذا الخَبَرَ، وقالَ أبُو قَيْسٍ الأوْدِيُّ، وهُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ: لا يَحْتَمِلانِ مَعَ مُخالَفَتِهِما الأجِلَّةَ الَّذِينَ رَوَوْا هَذا الخَبَرَ عَنِ المُغِيرَةِ، فَقالُوا: مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ، وقالَ: لا نَتْرُكُ ظاهِرَ القُرْآنِ بِمِثْلِ أبِي قَيْسٍ وهُزَيْلٍ، فَذَكَرْتُ هَذِهِ الحِكايَةَ عَنْ مُسْلِمٍ لِأبِي العَبّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيِّ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: عَلِيُّ بْنُ شَيْبانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا قُدامَةَ السَّرَخْسِيَّ يَقُولُ: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: قُلْتُ لِسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: لَوْ حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثِ أبِي قَيْسٍ عَنْ هُزَيْلٍ ما قَبِلْتُهُ مِنكَ، فَقالَ سُفْيانُ: الحَدِيثُ ضَعِيفٌ أوْ واهٍ، أوْ كَلِمَةً نَحْوَها، اهـ. وَرَوى البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّهُ قالَ حَدَّثْتُ أبِي بِهَذا الحَدِيثِ، فَقالَ أبِي: لَيْسَ يُرْوى هَذا إلّا مِن حَدِيثِ أبِي قَيْسٍ، قالَ أبِي: إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: هو مُنْكَرٌ، ورَوى البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ أنَّهُ قالَ: حَدِيثُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ في المَسْحِ رَواهُ عَنِ المُغِيرَةِ أهْلُ المَدِينَةِ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وأهْلُ البَصْرَةِ، ورَواهُ هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ عَنِ المُغِيرَةِ، إلّا أنَّهُ قالَ: ومَسَحَ عَلى الجَوْرَبَيْنِ، وخالَفَ النّاسَ. وَرُوِيَ أيْضًا عَنْ يَحْيى بْنِ مَعِينٍ، أنَّهُ قالَ في هَذا الحَدِيثِ: النّاسُ كُلُّهم يَرْوُونَهُ عَلى الخُفَّيْنِ غَيْرَ أبِي قَيْسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أيْضًا ما قَدَّمْنا عَنْ أبِي داوُدَ مِن أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ كانَ لا يُحَدِّثُ بِهَذا الحَدِيثِ، لِأنَّ المَعْرُوفَ عَنِ المُغِيرَةِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ»، وقالَ أبُو داوُدَ: ورُوِيَ هَذا الحَدِيثُ أيْضًا عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ ولا بِالمُتَّصِلِ، وبَيَّنَ البَيْهَقِيُّ مُرادَ أبِي داوُدَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَّصِلٍ وغَيْرَ قَوِيٍّ، فَعَدَمُ اتِّصالِهِ، إنَّما هو لِأنَّ راوِيَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ هو الضَّحّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَ البَيْهَقِيُّ: والضَّحّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَثْبُتْ سَماعُهُ مِن أبِي مُوسى، وعَدَمُ قُوَّتِهِ؛ لِأنَّ في إسْنادِهِ عِيسى بْنَ سِنانٍ، قالَ البَيْهَقِيُّ: وعِيسى بْنُ سِنانٍ ضَعِيفٌ، اهـ. (p-٣٤٣)وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: لَيِّنُ الحَدِيثِ، واعْتَرَضَ المُخالِفُونَ تَضْعِيفَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ في المَسْحِ عَلى الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ، قالُوا: أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، وسَكَتَ عَنْهُ، وما سَكَتَ عَنْهُ فَأقَلُّ دَرَجاتِهِ عِنْدَهُ الحَسَنُ، قالُوا: وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، قالُوا: وأبُو قَيْسٍ وثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وقالَ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ ثَبْتٌ، وهُزَيْلٌ وثَّقَهُ العِجْلِيُّ، وأخْرَجَ لَهُما مَعًا البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، ثُمَّ إنَّهُما لَمْ يُخالِفا النّاسَ مُخالَفَةَ مُعارَضَةٍ، بَلْ رَوَيا أمْرًا زائِدًا عَلى ما رَوَوْهُ بِطْرِيقٍ مُسْتَقِلٍّ غَيْرِ مُعارَضٍ، فَيُحْمَلُ عَلى أنَّهُما حَدِيثانِ قالُوا: ولا نُسَلِّمُ عَدَمَ سَماعِ الضَّحّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِن أبِي مُوسى، لِأنَّ المُعاصَرَةَ كافِيَةٌ في ذَلِكَ كَما حَقَّقَهُ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ في مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ؛ ولِأنَّ عَبْدَ الغَنِيِّ قالَ في ”الكَمالِ“: سَمِعَ الضَّحّاكُ مِن أبِي مُوسى، قالُوا: وعِيسى بْنُ سِنانٍ، وثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ، وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في ”الجَنائِزِ“ حَدِيثًا في سَنَدِهِ عِيسى بْنُ سِنانٍ هَذا، وحَسَّنَهُ. وَيَعْتَضِدُ الحَدِيثُ المَذْكُورُ أيْضًا بِما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ «أنَّ عُبَيْدَ بْنَ جُرَيْجٍ قالَ لَهُ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأيْتُكُ تَصْنَعُ أرْبَعًا لَمْ أرَ أحَدًا مِن أصْحابِكَ يَصْنَعُها، قالَ: ما هُنَّ ؟ فَذَكَرَهُنَّ، وقالَ فِيهِنَّ: رَأيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعالَ السَّبْتِيَّةَ، قالَ: أمّا النِّعالُ السَّبْتِيَّةُ، ”فَإنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعالَ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَعْرٌ ويَتَوَضَّأُ فِيها، فَأنا أُحِبُّ أنْ ألْبَسَها“» . قالَ البَيْهَقِيُّ، بَعْدَ أنْ ساقَ هَذا الحَدِيثَ بِسَنَدِهِ: ورَواهُ البُخارِيُّ في الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مالِكٍ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيى بْنِ يَحْيى، ورَواهُ جَماعَةٌ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، ورَواهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ عَنِ المَقْبُرِيِّ، فَزادَ فِيهِ: ويَمْسَحُ عَلَيْها؛ وهو مَحَلُّ الشّاهِدِ، قالَ البَيْهَقِيُّ: وهَذِهِ الزِّيادَةُ وإنْ كانَتْ مَحْفُوظَةً فَلا يُنافِي غَسْلَهُما، فَقَدْ يَغْسِلُهُما في النَّعْلِ، ويَمْسَحُ عَلَيْهِما. وَيَعْتَضِدُ الِاسْتِدْلالُ المَذْكُورُ أيْضًا في المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ، قالَ: بالَ عَلِيٌّ، وهو قائِمٌ ثُمَّ تَوَضَّأ، ومَسَحَ عَلى النَّعْلَيْنِ، ثُمَّ قالَ: وبِإسْنادِهِ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أبِي ظَبْيانَ، قالَ: ”بالَ عَلِيٌّ وهو قائِمٌ ثُمَّ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى النَّعْلَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلّى الظُّهْرَ“ . وَأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ أبِي ظَبْيانَ بِسَنَدٍ آخَرَ، ويَعْتَضِدُ الِاسْتِدْلالُ المَذْكُورُ (p-٣٤٤)بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا مِن طَرِيقِ رَوّادِ بْنِ الجَرّاحِ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً، ومَسَحَ عَلى نَعْلَيْهِ» . ثُمَّ قالَ: هَكَذا رَواهُ رَوّادُ بْنُ الجَرّاحِ، وهو يَنْفَرِدُ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِمَناكِيرَ هَذا أحَدُها، والثِّقاتُ رَوَوْهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ دُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ. وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ الحُبابِ عَنِ الثَّوْرِيِّ هَكَذا، ولَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، ثُمَّ قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ بْنُ عَبْدانَ، أنْبَأ سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ الطَّبَرانِيُّ، ثَنا إبْراهِيمُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الوَكِيعِيُّ، حَدَّثَنِي أبِي، ثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، ثَنا سُفْيانُ فَذَكَرَهُ بِإسْنادِهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلى النَّعْلَيْنِ»، اهـ. قالَ البَيْهَقِيُّ بَعْدَ أنْ ساقَهُ: والصَّحِيحُ رِوايَةُ الجَماعَةِ، ورَواهُ عَبْدُ العَزِيزِ الدَّراوَرْدِيُّ، وهِشامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، فَحَكَيا في الحَدِيثِ: «رَشًّا عَلى الرِّجْلِ وفِيها النَّعْلُ»، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ غَسَلَها في النَّعْلِ. فَقَدْ رَواهُ سُلَيْمانُ بْنُ بِلالٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَجْلانَ، ووَرْقاءُ بْنُ عُمَرَ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، فَحَكَوْا في الحَدِيثِ غَسْلَهُ رِجْلَيْهِ، والحَدِيثُ حَدِيثٌ واحِدٌ. والعَدَدُ الكَثِيرُ أوْلى بِالحِفْظِ مِنَ العَدَدِ اليَسِيرِ، مَعَ فَضْلِ حِفْظِ مَن حَفِظَ فِيهِ الغَسْلَ بَعْدَ الرَّشِّ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْهُ، ويَعْتَضِدُ الِاسْتِدْلالُ المَذْكُورُ أيْضًا بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا، أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أنا أبُو بَكْرِ بْنُ داسَةَ، ثَنا أبُو داوُدَ، ثَنا مُسَدَّدٌ، وعَبّادُ بْنُ مُوسى، قالا: ثَنا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلى بْنِ عَطاءٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ عَبّادٌ: قالَ: أخْبَرَنِي أوْسُ بْنُ أبِي أوْسٍ الثَّقَفِيُّ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى نَعْلَيْهِ وقَدَمَيْهِ» . وَقالَ مُسَدَّدٌ: إنَّهُ رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ورَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَعْلى بْنِ عَطاءٍ، عَنْ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى نَعْلَيْهِ» وهو مُنْقَطِعٌ، أخْبَرَناهُ أبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ثَنا أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، ثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ. وَهَذا الإسْنادُ غَيْرُ قَوِيٍّ، وهو يَحْتَمِلُ ما احْتَمَلَ الحَدِيثُ الأوَّلُ، اهـ كَلامُ البَيْهَقِيِّ. وَلا يَخْفى أنَّ حاصِلَهُ أنَّ أحادِيثَ المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ مِنها ما هو ضَعِيفٌ لا يُحْتَجُّ (p-٣٤٥)بِهِ، ومِنها ما مَعْناهُ عِنْدَهُ: «أنَّهُ ﷺ غَسَلَ رِجْلَيْهِ في النَّعْلَيْنِ» . ثُمَّ اسْتَدَلَّ البَيْهَقِيُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوُضُوءِ في النَّعْلَيْنِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فِيهِما بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ، أنَّهُ قالَ: «أمّا النِّعالُ السَّبْتِيَّةُ فَإنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعالَ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَعْرٌ، ويَتَوَضَّأُ فِيها، فَأنا أُحِبُّ أنْ ألْبَسَها» اهـ. وَمُرادُ البَيْهَقِيِّ أنَّ مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ”وَيَتَوَضَّأُ“ فِيها أنَّهُ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فِيها، وقَدْ عَلِمْتَ أنّا قَدَّمْنا رِوايَةَ ابْنِ عُيَيْنَةَ الَّتِي ذَكَرَها البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، وفِيها زِيادَةٌ ”وَيَمْسَحُ عَلَيْها“ . وَقالَ البَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في مَنعِ المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ والجَوْرَبَيْنِ: والأصْلُ وُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إلّا ما خَصَّتْهُ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ، أوْ إجْماعٌ لا يُخْتَلَفُ فِيهِ، ولَيْسَ عَلى المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ ولا عَلى الجَوْرَبَيْنِ واحِدٌ مِنهُما، اهـ. وَأُجِيبَ مِن جِهَةِ المُخالِفِينَ بِثُبُوتِ المَسْحِ عَلى الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: إنَّ التِّرْمِذِيَّ صَحَّحَ المَسْحَ عَلى الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ، وحَسَّنَهُ مِن حَدِيثِ هُزَيْلٍ عَنِ المُغِيرَةِ، وحَسَّنَهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ الضَّحّاكِ عَنْ أبِي مُوسى، وصَحَّحَ ابْنُ حِبّانَ المَسْحَ عَلى النَّعْلَيْنِ مِن حَدِيثِ أوْسٍ، وصَحَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ في المَسْحِ عَلى النِّعالِ السَّبْتِيَّةِ. قالُوا: وما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الحُبابِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ في المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ، حَدِيثٌ جَيِّدٌ قالُوا: ورَوى البَزّارُ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَتَوَضَّأُ ونَعْلاهُ في رِجْلَيْهِ، ويَمْسَحُ عَلَيْهِما. وَيَقُولُ: ”كَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ“»، وصَحَّحَهُ ابْنُ القَطّانِ. وَقالَ ابْنُ حَزْمٍ: المَنعُ مِنَ المَسْحِ عَلى الجَوْرَبَيْنِ خَطَأٌ، لِأنَّهُ خِلافُ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخِلافُ الآثارِ. هَذا حاصِلُ ما جاءَ في المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ والجَوْرَبَيْنِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ كانَ المُرادُ بِالمَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ والجَوْرَبَيْنِ، أنَّ (p-٣٤٦)الجَوْرَبَيْنِ مُلْصَقانِ بِالنَّعْلَيْنِ، بِحَيْثُ يَكُونُ المَجْمُوعُ ساتِرًا لِمَحَلِّ الفَرْضِ مَعَ إمْكانِ تَتابُعِ المَشْيِ فِيهِ، والجَوْرَبانِ صَفِيقانِ فَلا إشْكالَ. وَإنْ كانَ المُرادُ المَسْحَ عَلى النَّعْلَيْنِ بِانْفِرادِهِما، فَفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَغْسِلْ رِجْلَهُ، ولَمْ يَمْسَحْ عَلى ساتِرٍ لَها، فَلَمْ يَأْتِ بِالأصْلِ، ولا بِالبَدَلِ. والمَسْحُ عَلى نَفْسِ الرِّجْلِ تَرُدُّهُ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُصَرِّحَةُ بِمَنعِ ذَلِكَ بِكَثْرَةٍ كَقَوْلِهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ»، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَوْقِيتِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى تَوْقِيتِ المَسْحِ بِيَوْمٍ ولَيْلَةٍ لِلْمُقِيمِ، وثَلاثَةِ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ لِلْمُسافِرِ. وَإلَيْهِ ذَهَبَ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأصْحابُهم وهو مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأبِي ثَوْرٍ، وإسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ، وداوُدَ الظّاهِرِيِّ، ومُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، والحَسَنِ بْنِ صالِحِ بْنِ حُسَيْنٍ. وَمِمَّنْ قالَ بِهِ مِنَ الصَّحابَةِ: عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ، والمُغِيرَةُ، وأبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ. وَرُوِيَ أيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَنْ جَمِيعِهِمْ. وَمِمَّنْ قالَ بِهِ مِنَ التّابِعِينَ شُرَيْحٌ القاضِي، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والشَّعْبِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. وَقالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أكْثَرُ التّابِعِينَ والفُقَهاءِ عَلى ذَلِكَ. وَقالَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ: التَّوْقِيتُ ثَلاثًا لِلْمُسافِرِ، ويَوْمًا ولَيْلَةً لِلْمُقِيمِ هو قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم. وَقالَ الخَطّابِيُّ: التَّوْقِيتُ قَوْلُ عامَّةِ الفُقَهاءِ، قالَهُ النَّوَوِيُّ. وَحُجَّةُ أهْلِ هَذا القَوْلِ بِتَوْقِيتِ المَسْحِ الأحادِيثُ الوارِدَةُ بِذَلِكَ، فَمِن ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِلْمُسافِرِ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ، ولِلْمُقِيمِ، يَوْمٌ ولَيْلَةٌ»، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، والإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ (p-٣٤٧)حِبّانَ. وَمِن ذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ أبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسافِرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ، ولِلْمُقِيمِ يَوْمًا ولَيْلَةً، إذا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِما»، أخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ في العِلَلِ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ الجارُودِ، والأثْرَمُ في سُنَنِهِ، وصَحَّحَهُ الخَطّابِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وغَيْرُهُما. وَمِن ذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ المُرادِيِّ قالَ: «أمَرَنا، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ، أنْ نَمْسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ إذا نَحْنُ أدْخَلْناها عَلى طُهْرٍ ثَلاثًا إذا سافَرْنا، ويَوْمًا ولَيْلَةً إذا أقَمْنا، ولا نَخْلَعَهُما مِن غائِطٍ، ولا بَوْلٍ، ولا نَوْمٍ، ولا نَخْلَعَهُما إلّا مِن جَنابَةٍ»، أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحاهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ. قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وحَكى التِّرْمِذِيُّ عَنِ البُخارِيِّ، أنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ، ومَدارُهُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُّجُودِ، وهو صَدُوقٌ، سَيِّئُ الحِفْظِ، وقَدْ تابَعَهُ جَماعَةٌ، ورَواهُ عَنْهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعِينَ نَفْسًا، قالَهُ ابْنُ مِندَهْ، اهـ. وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى عَدَمِ تَوْقِيتِ المَسْحِ وقالُوا: إنَّ مَن لَبِسَ خُفَّيْهِ وهو طاهِرٌ، مَسَحَ عَلَيْهِما ما بَدا لَهُ، ولا يَلْزَمُهُ خَلْعُهُما إلّا مِن جَنابَةٍ. وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ مالِكٌ، وأصْحابُهُ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ. وَيُرْوى عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والشَّعْبِيِّ، ورَبِيعَةَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ في القَدِيمِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وَحُجَّةُ أهْلِ هَذا القَوْلِ ما رَواهُ الحاكِمُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا تَوَضَّأ أحَدُكم، فَلَبِسَ خُفَّيْهِ، فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِما، ولْيُصَلِّ فِيهِما، ولا يَخْلَعْهُما إنْ شاءَ، إلّا مِن جَنابَةٍ ونَحْوِهِ» . وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ. وَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي أخْرَجَهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ، يَعْتَضِدُ بِما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ الهِلالِيَّةِ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن عَدَمِ التَّوْقِيتِ. (p-٣٤٨)وَيُؤَيِّدُهُ أيْضًا ما رَواهُ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ زادَ في حَدِيثِ التَّوْقِيتِ ما لَفْظُهُ: ولَوِ اسْتَزَدْناهُ لَزادَنا، وفي لَفْظٍ: ”لَوْ مَضى السّائِلُ عَلى مَسْألَتِهِ لَجَعَلَها خَمْسًا“، يَعْنِي لَيالِيَ التَّوْقِيتِ لِلْمَسْحِ. وَحَدِيثُ خُزَيْمَةَ هَذا الَّذِي فِيهِ الزِّيادَةُ المَذْكُورَةُ صَحَّحَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهُما، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ادِّعاءَ النَّوَوِيِّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ الِاتِّفاقَ عَلى ضَعْفِهِ، غَيْرُ صَحِيحٍ. وَقَوْلُ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. إنَّهُ لا يَصِحُّ عِنْدَهُ لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ لِلْجَدَلِيِّ سَماعٌ مِن خُزَيْمَةَ، مَبْنِيٌّ عَلى شَرْطِهِ، وهو ثُبُوتُ اللُّقِىِّ. وَقَدْ أوْضَحَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ، أنَّ الحَقَّ هو الِاكْتِفاءُ بِإمْكانِ اللُّقِىِّ بِثُبُوتِ المُعاصَرَةِ، وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ العُلَماءِ. فَإنْ قِيلَ: حَدِيثُ خُزَيْمَةَ الَّذِي فِيهِ الزِّيادَةُ، ظَنَّ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَوِ اسْتُزِيدَ لَزادَ، وقَدْ رَواهُ غَيْرُهُ، ولَمْ يَظُنَّ هَذا الظَّنَّ، ولا حُجَّةَ في ظَنِّ صَحابِيٍّ خالَفَهُ غَيْرُهُ فِيهِ. فالجَوابُ: أنَّ خُزَيْمَةَ هو ذُو الشَّهادَتَيْنِ الَّذِي جَعَلَهُ ﷺ بِمَثابَةِ شاهِدَيْنِ، وعَدالَتُهُ، وصِدْقُهُ، يَمْنَعانِهِ مِن أنْ يَجْزِمَ بِأنَّهُ لَوِ اسْتُزِيدَ لَزادَ إلّا وهو عارِفٌ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، بِأُمُورٍ أُخَرَ اطَّلَعَ هو عَلَيْها، ولَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها غَيْرُهُ. وَمِمّا يُؤَيِّدُ عَدَمَ التَّوْقِيتِ ما رَواهُ أبُو داوُدَ، وقالَ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ عُمارَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ قالَ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ أمْسَحُ عَلى الخُفَّيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: يَوْمًا، قالَ: نَعَمْ، قالَ: ويَوْمَيْنِ، قالَ: نَعَمْ، قالَ: وثَلاثَةَ أيّامٍ، قالَ: نَعَمْ، وما شِئْتَ“» . وَهَذا الحَدِيثُ وإنْ كانَ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا، فَإنَّهُ يَصْلُحُ لِتَقْوِيَةِ غَيْرِهِ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنا. فَحَدِيثُ أنَسٍ في عَدَمِ التَّوْقِيتِ صَحِيحٌ، ويَعْتَضِدُ بِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ الَّذِي فِيهِ الزِّيادَةُ، وحَدِيثُ مَيْمُونَةَ، وحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عُمارَةَ، وبِالآثارِ المَوْقُوفَةِ عَلى عُمَرَ، وابْنِهِ، وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. تَنْبِيهٌ الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ في هَذِهِ الأحادِيثِ بِحَمْلِ (p-٣٤٩)المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، لِأنَّ المُطْلَقَ هُنا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِجَوازِ المَسْحِ أكْثَرَ مِن ثَلاثٍ لِلْمُسافِرِ، والمُقِيمِ، والمُقَيَّدُ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِمَنعِ الزّائِدِ عَلى الثَّلاثِ لِلْمُسافِرِ واليَوْمِ واللَّيْلَةِ لِلْمُقِيمِ؛ فَهُما مُتَعارِضانِ في ذَلِكَ الزّائِدِ، فالمُطْلَقُ يُصَرِّحُ بِجَوازِهِ، والمُقَيَّدُ يُصَرِّحُ بِمَنعِهِ، فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الأدِلَّةِ، فَتُرَجَّحُ أدِلَّةُ التَّوْقِيتِ بِأنَّها أحْوَطُ، كَما رَجَّحَها بِذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وبِأنَّ رُواتَها مِنَ الصَّحابَةِ أكْثَرُ، وبِأنَّ مِنها ما هو ثابِتٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وهو حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المُتَقَدِّمُ. وَقَدْ تَرْجَّحَ أدِلَّةُ عَدَمِ التَّوْقِيتِ بِأنَّها تَضَمَّنَتْ زِيادَةً، وزِيادَةُ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ، وبِأنَّ القائِلَ بِها مُثْبِتٌ أمْرًا، والمانِعُ مِنها نافٍ لَهُ، والمُثْبِتُ أوْلى مِنَ النّافِي. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: والنَّفْسُ إلى تَرْجِيحِ التَّوْقِيتِ أمْيَلُ؛ لِأنَّ الخُرُوجَ مِنَ الخِلافِ أحْوَطُ كَما قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: [ الرَّجَزُ ] ؎إنِ الأوْرَعَ الَّذِي يَخْرُجُ مِن خِلافِهِمْ ولَوْ ضَعِيفًا فاسْتَبِنْ وَقالَ الآخَرُ: [ الرَّجَزُ ] ؎وَذُو احْتِياطٍ في أُمُورِ الدِّينِ ∗∗∗ مَن فَرَّ مَن شَكٍّ إلى يَقِينِ وَمِصْداقُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﷺ: «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» . فالعامِلُ بِأدِلَّةِ التَّوْقِيتِ طَهارَتُهُ صَحِيحَةٌ بِاتِّفاقِ الطّائِفَتَيْنِ، بِخِلافِ غَيْرِهِ فَإحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ بِبُطْلانِها بَعْدَ الوَقْتِ المُحَدَّدِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِالتَّوْقِيتِ اخْتَلَفُوا في ابْتِداءِ مُدَّةِ المَسْحِ. فَذَهَبَ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُما، وأحْمَدُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وداوُدُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ، وغَيْرُهم، إلى أنَّ ابْتِداءَ مُدَّةِ التَّوْقِيتِ مِن أوَّلِ حَدَثٍ يَقَعُ بَعْدَ لُبْسِ الخُفِّ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ. واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِزِيادَةٍ رَواها الحافِظُ القاسِمُ بْنُ زَكَرِيّا المُطَرِّزُ في حَدِيثِ صَفْوانَ: مِنَ الحَدَثِ إلى الحَدَثِ. قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: وهي زِيادَةٌ غَرِيبَةٌ لَيْسَتْ ثابِتَةً. واحْتَجُّوا أيْضًا بِالقِياسِ وهو أنَّ المَسْحَ عِبادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَيَكُونُ ابْتِداءُ وقْتِها مِن حِينِ جَوازِ فِعْلِها قِياسًا عَلى الصَّلاةِ. (p-٣٥٠)وَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ ابْتِداءَ المُدَّةِ مِن حِينِ يَمْسَحُ بَعْدَ الحَدَثِ. وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا، الأوْزاعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، وداوُدَ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ النَّوَوِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأحادِيثِ التَّوْقِيتِ في المَسْحِ، وهي أحادِيثٌ صِحاحٌ. وَوَجْهُ احْتِجاجِهِمْ بِها أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «يَمْسَحُ المُسافِرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ» صَرِيحٌ، في أنَّ الثَّلاثَةَ كُلَّها ظَرْفٌ لِلْمَسْحِ. وَلا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلّا إذا كانَ ابْتِداءُ المُدَّةِ مِنَ المَسْحِ، وهَذا هو أظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا فِيما يَظْهَرُ لِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَفِي المَسْألَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّ ابْتِداءَ المُدَّةِ مِن حِينِ لُبْسِ الخُفِّ، وحَكاهُ الماوَرْدِيُّ والشّاشِيُّ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، قالَهُ النَّوَوِيُّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ يَكْفِي مَسْحُ ظاهِرِ الخُفِّ، أوْ لا بُدَّ مِن مَسْحِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ. فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ ظاهِرِهِ. وَمِمَّنْ قالَ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وغَيْرِهِمْ. وَأصَحُّ الرِّواياتِ عَنْ أحْمَدَ أنَّ الواجِبَ مَسْحُ أكْثَرِ أعْلى الخُفِّ، وأبُو حَنِيفَةَ يَكْفِي عِنْدَهُ مَسْحُ قَدْرِ ثَلاثَةِ أصابِعَ مِن أعْلى الخُفِّ. وَحُجَّةُ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى مَسْحِ ظاهِرِ الخُفِّ دُونَ أسْفَلِهِ، حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَوْ كانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكانَ أسْفَلُ الخُفِّ أوْلى بِالمَسْحِ مِن أعْلاهُ، لَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلى ظاهِرِ خُفَّيْهِ» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والدّارَقُطْنِيُّ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”بُلُوغِ المَرامِ“: إسْنادُهُ حَسَنٌ. وَقالَ في ”التَّلْخِيصِ“: إسْنادُهُ صَحِيحٌ. (p-٣٥١)واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لا يُقْدَحُ فِيهِ بِأنَّ في إسْنادِهِ عَبْدُ خَيْرِ بْنُ يَزِيدَ الهَمْدانِيُّ، وأنَّ البَيْهَقِيَّ قالَ: لَمْ يَحْتَجْ بِعَبْدِ خَيْرٍ المَذْكُورِ صاحِبا الصَّحِيحِ، اهـ؛ لِأنَّ عَبْدَ خَيْرٍ المَذْكُورِ، ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ مَشْهُورٌ، قِيلَ إنَّهُ صَحابِيٌّ. والصَّحِيحُ أنَّهُ مُخَضْرَمٌ وثَّقَهُ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، والعِجْلِيُّ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ مِنَ الثّانِيَةِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ صُحْبَةٌ. وَأمّا كَوْنُ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يُخَرِّجا لَهُ، فَهَذا لَيْسَ بِقادِحٍ فِيهِ بِاتِّفاقِ أهْلِ العِلْمِ. وَكَمْ مِن ثِقَةٍ عَدْلٍ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الشَّيْخانِ ! وَذَهَبَ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أنَّ الواجِبَ مَسْحُ أقَلِّ جُزْءٍ مِن أعْلاهُ، وأنَّ مَسْحَ أسْفَلِهِ مُسْتَحَبٌّ. وَذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أنَّهُ يَلْزَمُ مَسْحُ أعْلاهُ وأسْفَلِهِ مَعًا، فَإنِ اقْتَصَرَ عَلى أعْلاهُ أعادَ في الوَقْتِ، ولَمْ يُعِدْ أبَدًا، وإنِ اقْتَصَرَ عَلى أسْفَلِهِ أعادَ أبَدًا. وَعَنْ مالِكٍ أيْضًا أنَّ مَسْحَ أعْلاهُ واجِبٌ، ومَسْحُ أسْفَلِهِ مَندُوبٌ. واحْتَجَّ مَن قالَ بِمَسْحِ كُلٍّ مِن ظاهِرِ الخُفِّ وأسْفَلِهِ، بِما رَواهُ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ ورّادٍ، كاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أعْلى الخُفِّ وأسْفَلِهِ»، أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ الجارُودِ. وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ثَوْرٍ غَيْرُ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وسَألْتُ أبا زُرْعَةَ ومُحَمَّدًا عَنْ هَذا الحَدِيثِ فَقالا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الحَدِيثَ ضَعِيفٌ. وَقَدِ احْتَجَّ مالِكٌ لِمَسْحِ أسْفَلِ الخُفِّ بِفِعْلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى اشْتِراطِ الطَّهارَةِ المائِيَّةِ لِلْمَسْحِ عَلى الخُفِّ، وأنَّ مَن لَبِسَهُما مُحْدِثًا، أوْ بَعْدَ تَيَمُّمٍ، لا يَجُوزُ لَهُ المَسْحُ عَلَيْهِما. واخْتَلَفُوا في اشْتِراطِ كَمالِ الطَّهارَةِ، كَمَن غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنى فَأدْخَلَها في الخُفِّ قَبْلَ أنْ يَغْسِلَ رِجْلَهُ اليُسْرى، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُسْرى فَأدْخَلَها أيْضًا في الخُفِّ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ المَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ إذا أحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ . (p-٣٥٢)ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى اشْتِراطِ كَمالِ الطَّهارَةِ، فَقالُوا في الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ: لا يَجُوزُ لَهُ المَسْحُ لِأنَّهُ لَبِسَ أحَدَ الخُفَّيْنِ قَبْلَ كَمالِ الطَّهارَةِ. ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ، ومالِكٌ وأصْحابُهُ، وإسْحاقُ، وهو أصَحُّ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ. واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِالأحادِيثِ الوارِدَةِ بِاشْتِراطِ الطَّهارَةِ لِلْمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، كَحَدِيثِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: ”دَعْهُما فَإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ“ فَمَسَحَ عَلَيْهِما» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ولِأبِي داوُدَ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «”دَعِ الخُفَّيْنِ فَإنِّي أدْخَلْتُ القَدَمَيْنِ الخُفَّيْنِ، وهُما طاهِرَتانِ“ فَمَسَحَ عَلَيْهِما» . وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أحْمَدَ أنَّهُ ﷺ قالَ لَهُ لَمّا نَبَّهَهُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ: «إنِّي أدْخَلْتُهُما وهُما طاهِرَتانِ» . وَفِي حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ المُتَقَدِّمِ: «أمَرَنا أنْ نَمْسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ إذا نَحْنُ أدْخَلْناهُما عَلى طُهْرٍ» الحَدِيثَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ. وَقالُوا: والطَّهارَةُ النّاقِصَةُ كَلا طَهارَةٍ. وَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى عَدَمِ اشْتِراطِ كَمالِ الطَّهارَةِ وقْتَ لُبْسِ الخُفِّ فَأجازُوا لُبْسَ خُفِّ اليُمْنى قَبْلَ اليُسْرى والمَسْحَ عَلَيْهِ، إذا أحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّ الطَّهارَةَ كَمُلَتْ بَعْدَ لُبْسِ الخُفِّ. قالُوا: والدَّوامُ كالِابْتِداءِ. ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، ويَحْيى بْنُ آدَمَ، والمُزَنِيُّ، وداوُدُ. واخْتارَ هَذا القَوْلَ ابْنُ المُنْذِرِ، قالَهُ النَّوَوِيُّ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: مَنشَأُ الخِلافِ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو قاعِدَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها، ”وَهي هَلْ يَرْتَفِعُ الحَدَثُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ مِن أعْضاءِ الوُضُوءِ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ، أوْ لا يَرْتَفِعُ الحَدَثُ عَنْ شَيْءٍ مِنها إلّا بِتَمامِ الوُضُوءِ ؟“، وأظْهَرُهُما عِنْدِي أنَّ الحَدَثَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي لا يَنْقَسِمُ ولا يَتَجَزَّأُ، فَلا يَرْتَفِعُ مِنهُ جُزْءٌ، وأنَّهُ قَبْلَ تَمامِ الوُضُوءِ مُحْدِثٌ، والخُفُّ يُشْتَرَطُ في المَسْحِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ وقْتَ لُبْسِهِ غَيْرَ مُحْدِثٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، اهـ. * * تَنْبِيهٌ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى اشْتِراطِ النِّيَّةِ في الوُضُوءِ والغَسْلِ، لِأنَّهُما قُرْبَةٌ، والنَّبِيُّ ﷺ (p-٣٥٣)يَقُولُ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وخالَفَ أبُو حَنِيفَةَ قائِلًا: إنَّ طَهارَةَ الحَدَثِ لا تَشْتَرِطُ فِيها النِّيَّةُ، كَطَهارَةِ الخَبَثِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْضًا في الغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، هَلْ هي داخِلَةٌ فَيَجِبُ غَسْلُ المُرافِقِ في الوُضُوءِ ؟ . وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. أوْ خارِجَةٌ فَلا يَجِبُ غَسْلُ المُرافِقِ فِيهِ ؟ . والحُقُّ اشْتِراطُ النِّيَّةِ، ووُجُوبُ غَسْلِ المَرافِقِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَسْحِ الرَّأْسِ في الوُضُوءِ هَلْ يَجِبُ تَعْمِيمُهُ، فَقالَ مالِكٌ وأحْمَدُ وجَماعَةٌ: يَجِبُ تَعْمِيمُهُ، ولا شَكَّ أنَّهُ الأحْوَطُ في الخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِالمَسْحِ، وقالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: لا يَجِبُ التَّعْمِيمُ. واخْتَلَفُوا في القَدْرِ المُجْزِئِ، فَعَنِ الشّافِعِيِّ: أقَلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ المَسْحِ كافٍ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: الرُّبُعُ، وعَنْ بَعْضِهِمُ: الثُّلُثُ، وعَنْ بَعْضِهِمُ: الثُّلُثانِ، وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”المَسْحُ عَلى العِمامَةِ“، وحَمَلَهُ المالِكِيَّةُ عَلى ما إذا خِيفَ بِنَزْعِها ضَرَرٌ، وظاهِرُ الدَّلِيلِ الإطْلاقُ. وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ ”المَسْحُ عَلى النّاصِيَةِ والعِمامَةِ“، ولا وجْهَ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالنّاصِيَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ أنَّهُ ﷺ اكْتَفى بِها، بَلْ مَسَحَ مَعَها عَلى العِمامَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ في مَسْحِ الرَّأْسِ ثَلاثُ حالاتٍ: المَسْحُ عَلى الرَّأْسِ، والمَسْحُ عَلى العِمامَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما بِالمَسْحِ عَلى النّاصِيَةِ، والعِمامَةِ. والظّاهِرُ مِنَ الدَّلِيلِ جَوازُ الحالاتِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَما قَدَّمَنا مِن حِكايَةِ الإجْماعِ عَلى عَدَمِ الِاكْتِفاءِ في المَسْحِ عَلى الخُفِّ بِالتَّيَمُّمِ، مَعَ أنَّ فِيهِ بَعْضُ خِلافٍ كَما يَأْتِي، لِأنَّهُ لِضَعْفِهِ عِنْدَنا كالعَدَمِ، ولْنَكْتَفِ بِما ذَكَرْنا مِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خَوْفَ الإطالَةِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ الآيَةَ، اعْلَمْ أنَّ لَفْظَةَ مِن في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُحْتَمِلَةٌ، لِأنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، فَيَتَعَيَّنُ في التَّيَمُّمِ التُّرابُ الَّذِي لَهُ غُبارٌ يَعْلَقُ بِاليَدِ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ مَبْدَأُ ذَلِكَ المَسْحِ كائِنٌ مِنَ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَلا يَتَعَيَّنُ مالَهُ غُبارٌ، وبِالأوَّلِ قالَ الشّافِعِيُّ، (p-٣٥٤)وَأحْمَدُ، وبِالثّانِي قالَ مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى جَمِيعًا. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إشارَةً إلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن حَرَجٍ﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ زِيدَتْ قَبْلَها مِن، والنَّكِرَةُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ، فَهي نَصٌّ في العُمُومِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ عاطِفًا عَلى صِيَغِ العُمُومِ: [ الرَّجَزُ ] ؎وَفِي سِياقِ النَّفْيِ مِنها يُذْكَرْ إذا بُنِي أوْ زِيدَ مِن مُنَكَّرْ فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ في كُلِّ أنْواعِ الحَرَجِ، والمُناسِبُ لِذَلِكَ كَوْنُ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ البِلادِ لَيْسَ فِيهِ إلّا الرِّمالُ أوِ الجِبالُ، فالتَّكْلِيفُ بِخُصُوصِ ما فِيهِ غُبارٌ يَعْلَقُ بِاليَدِ، لا يَخْلُو مِن حَرَجٍ في الجُمْلَةِ. وَيُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، فَأيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتِي أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، فَلْيُصَلِّ»، وفي لَفْظٍ: «فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وطَهُورُهُ» الحَدِيثَ. فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في أنَّ مَن أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ في مَحَلٍّ لَيْسَ فِيهِ إلّا الجِبالُ أوِ الرِّمالُ أنَّ ذَلِكَ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ الَّذِي هو الحِجارَةُ، أوِ الرَّمْلُ طَهُورٌ لَهُ ومَسْجِدٌ؛ وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَعَيُّنِ كَوْنِ مِن لِلتَّبْعِيضِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإنْ قِيلَ: ورَدَ في الصَّحِيحِ ما يَدُلُّ عَلى تَعَيُّنِ التُّرابِ الَّذِي لَهُ غُبارٌ يَعْلَقُ بِاليَدِ، دُونَ غَيْرِهِ مِن أنْواعِ الصَّعِيدِ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُضِّلْنا عَلى النّاسِ بِثَلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ، وجُعِلَتْ لَنا الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لَنا طَهُورًا، إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ» الحَدِيثَ، فَتَخْصِيصُ التُّرابِ بِالطَّهُورِيَّةِ في مَقامِ الِامْتِنانِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الصَّعِيدِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَ الأمْرِ مَذْكُورًا في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، مِمّا يَمْنَعُ فِيهِ اعْتِبارُ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ في مَوانِعَ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ: [ الرَّجَزُ ](p-٣٥٥) ؎أوِ امْتِنانٌ أوْ وِفاقُ الواقِعِ ∗∗∗ والجَهْلُ والتَّأْكِيدُ عِنْدَ السّامِعِ وَلِذا أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى جَوازِ أكْلِ القَدِيدِ مِنَ الحُوتِ مَعَ أنَّ اللَّهَ خَصَّ اللَّحْمَ الطَّرِيَّ مِنهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ اللَّحْمَ الطَّرِيَّ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، فَلا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ، فَيَجُوزُ أكْلُ القَدِيدِ مِمّا في البَحْرِ. الثّانِي: أنَّ مَفْهُومَ التُّرْبَةِ مَفْهُومُ لَقَبٍ، وهو لا يُعْتَبَرُ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ، وهو الحَقُّ كَما هو مَعْلُومٌ في الأُصُولِ. الثّالِثُ: أنَّ التُّرْبَةَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ الصَّعِيدِ؛ وذِكْرُ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ بِحُكْمِ العامِّ لا يَكُونُ مُخَصِّصًا لَهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، سَواءٌ ذُكِرا في نَصٍّ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أوْ ذُكِرا في نَصَّيْنِ كَحَدِيثِ: «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، عِنْدَ أحْمَدَ، ومُسْلِمٍ، وابْنِ ماجَهْ، والتِّرْمِذِيِّ، وغَيْرِهِمْ، مَعَ حَدِيثِ: «هَلّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِها»، يَعْنِي شاةً مَيِّتَةً عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، كِلاهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذِكْرُ الصَّلاةِ الوُسْطى في الأوَّلِ، وجِلْدِ الشّاةِ في الأخِيرِ لا يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَهُما مِنَ الصَّلَواتِ في الأوَّلِ، ومِنَ الجُلُودِ في الثّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ عاطِفًا عَلى ما لا يُخَصَّصُ بِهِ العُمُومُ: [ الرَّجَزُ ] ؎وَذِكْرُ ما وافَقَهُ مِن مُفْرَدِ ∗∗∗ ومَذْهَبُ الرّاوِي عَلى المُعْتَمَدِ وَلَمْ يُخالِفْ في عَدَمِ التَّخْصِيصِ بِذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ بِحُكْمِ العامِّ، إلّا أبُو ثَوْرٍ مُحْتَجًّا بِأنَّهُ لا فائِدَةَ لِذِكْرِهِ إلّا التَّخْصِيصُ. وَأُجِيبَ مِن قِبَلِ الجُمْهُورِ بِأنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وفائِدَةُ ذِكْرِ البَعْضِ نَفْيُ احْتِمالِ إخْراجِهِ مِنَ العامِ، والصَّعِيدُ في اللُّغَةِ: وجْهُ الأرْضِ، كانَ عَلَيْهِ تُرابٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ، قالَهُ الخَلِيلُ، وابْنُ الأعْرابِيِّ، والزَّجّاجُ. قالَ الزَّجّاجُ: لا أعْلَمُ فِيهِ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، أيْ أرْضًا غَلِيظَةً لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ تَعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [ البَسِيطُ ] ؎كَأنَّهُ بِالضُّحى تَرْمِي الصَّعِيدُ بِهِ ∗∗∗ دَبّابَةٌ في عِظامِ الرَّأْسِ خُرْطُومُ (p-٣٥٦)وَإنَّما سُمِّيَ صَعِيدًا؛ لِأنَّهُ نِهايَةُ ما يُصْعَدُ إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، وجَمْعُ الصَّعِيدِ صُعُداتٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ومِنهُ حَدِيثُ: «إيّاكم والجُلُوسَ في الصُّعُداتِ»، قالَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ عَنْهُ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ مِن أجْلِ تَقْيِيدِهِ بِالطَّيِّبِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: ”الطَّيِّبُ“ هو الطّاهِرُ، فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِوَجْهِ الأرْضِ كُلِّهِ، تُرابًا كانَ أوْ رَمْلًا، أوْ حِجارَةً، أوْ مَعْدِنًا، أوْ سَبْخَةً، إذا كانَ ذَلِكَ طاهِرًا، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيِّ، وغَيْرِهِمْ. وَقالَتْ طائِفَةٌ: الطَّيِّبُ: الحَلالُ، فَلا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرابٍ مَغْصُوبٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ: التُّرابُ المُنْبِتُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٨] فَإذا عَلِمْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ المَسْألَةَ لَها واسِطَةٌ وطَرَفانِ: طَرَفٌ أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى جَوازِ التَّيَمُّمِ بِهِ، وهو التُّرابُ المُنْبِتُ الطّاهِرُ الَّذِي هو غَيْرُ مَنقُولٍ، ولا مَغْصُوبٍ؛ وطَرَفٌ أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى مَنعِ التَّيَمُّمِ بِهِ، وهو الذَّهَبُ والفِضَّةُ الخالِصانِ، والياقُوتُ والزُّمُرُّدُ، والأطْعِمَةُ كالخُبْزِ واللَّحْمِ وغَيْرِهِما، والنَّجاساتُ وغَيْرُ هَذا هو الواسِطَةُ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيها العُلَماءُ، فَمِن ذَلِكَ المَعادِنُ. فَبَعْضُهم يُجِيزُ التَّيَمُّمَ عَلَيْها كَمالِكٍ، وبَعْضُهم يَمْنَعُهُ كالشّافِعِيِّ ومِن ذَلِكَ الحَشِيشُ، فَقَدْ رَوى ابْنُ خُوَيْزٍ مِندادُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ يُجِيزُ التَّيَمُّمَ عَلى الحَشِيشِ إذا كانَ دُونَ الأرْضِ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ المَنعُ، ومِن ذَلِكَ التَّيَمُّمُ عَلى الثَّلْجِ، فَرُوِيَ عَنْ مالِكٍ في ”المُدَوَّنَةِ“، و ”المَبْسُوطِ جَوازُهُ“، قِيلَ: مُطْلَقًا، وقِيلَ: عِنْدَ عَدَمِ الصَّعِيدِ، وفي غَيْرِهِما مَنعُهُ. واخْتُلِفَ عَنْهُ في التَّيَمُّمِ عَلى العُودِ، فالجُمْهُورُ عَلى المَنعِ، وفي ”مُخْتَصَرِ الوَقارِ“ أنَّهُ جائِزٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ في العُودِ المُتَّصِلِ بِالأرْضِ دُونَ المُنْفَصِلِ عَنْها، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّ مالِكًا قالَ: لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى شَجَرَةٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِها أجَزَأهُ، قالَ: وقالَ الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ بِالأرْضِ، وكُلُّ ما عَلَيْها مِنَ الشَّجَرِ والحَجَرِ، والمَدَرِ وغَيْرِها حَتّى قالا: لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى الجَمَدِ والثَّلْجِ أجْزَأهُ. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يُجِيزُهُ بِالكُحْلِ، والزَّرْنِيخِ، والنَّوْرَةِ، والجَصِّ، والجَوْهَرِ المَسْحُوقِ، ويَمْنَعُهُ بِسُحالَةِ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، لِأنَّ (p-٣٥٧)ذَلِكَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأرْضِ. وَذَكَرَ النَّقّاشُ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وابْنِ كَيْسانَ أنَّهُما أجازاهُ بِالمِسْكِ، والزَّعْفَرانِ، وأبْطَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا القَوْلَ، ومَنَعَهُ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ بِالسِّباخِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ، وعَنْهُ فِيمَن أدْرَكَهُ التَّيَمُّمَ، وهو في طِينٍ أنَّهُ يَطْلِي بِهِ بَعْضَ جَسَدِهِ، فَإذا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وَأمّا التُّرابُ المَنقُولُ في طَبَقٍ أوْ غَيْرِهِ، فالتَّيَمُّمُ بِهِ جائِزٌ في مَشْهُورِ مَذْهَبِ مالِكٍ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المالِكِيَّةِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأصْحابِهِ، وعَنْ بَعْضِ المالِكِيَّةِ، وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مَنعُهُ. وَما طُبِخَ كالجَصِّ، والآجُرِّ فَفِيهِ أيْضًا خِلافٌ عَنِ المالِكِيَّةِ، والمَنعُ أشْهَرُ. واخْتَلَفُوا أيْضًا في التَّيَمُّمِ عَلى الجِدارِ، فَقِيلَ: جائِزٌ مُطْلَقًا، وقِيلَ: مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا، وقِيلَ بِجَوازِهِ لِلْمَرِيضِ دُونَ غَيْرِهِ، وحَدِيثُ أبِي جُهَيْمٍ الآتِي يَدُلُّ عَلى الجَوازِ مُطْلَقًا. والظّاهِرُ أنَّ مَحَلَّهُ فِيما إذا كانَ ظاهِرُ الجِدارِ مِن أنْواعِ الصَّعِيدِ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ جَوازُ التَّيَمُّمِ عَلى المَعادِنِ غَيْرَ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ ما لَمْ تُنْقَلْ، وجَوازُهُ عَلى المِلْحِ غَيْرِ المَصْنُوعِ، ومَنعُهُ بِالأشْجارِ، والعِيدانِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأجازَهُ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ عَلى اللُّبَدِ، والوَسائِدِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ إذا كانَ عَلَيْهِ غُبارٌ. والتَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ: القَصْدُ، تَيَمَّمْتُ الشَّيْءَ قَصَدْتُهُ، وتَيَمَّمْتُ الصَّعِيدَ تَعَمَّدْتُهُ، وأنْشَدَ الخَلِيلُ قَوْلَ عامِرِ بْنِ مالِكٍ، مُلاعِبِ الأسِنَّةِ: [ البَسِيطُ ] ؎يَمَّمْتُهُ الرُّمْحَ شَزْرًا ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ هَذِي البَسالَةُ لا لَعِبُ الزَّحالِيقِ وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي وَقَوْلُ أعْشى باهِلَةَ: [ المُتَقارِبُ ] ؎تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ ∗∗∗ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَةٍ ذِي شَزَنْ وَقَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: [ الطَّوِيلُ ] ؎سَلِ الرَّبْعَ أنّى يَمَّمَتْ أُمُّ طارِقٍ ∗∗∗ وهَلْ عادَةٌ لِلرَّبْعِ أنْ يَتَكَلَّما (p-٣٥٨)والتَّيَمُّمُ في الشَّرْعِ: القَصْدُ إلى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ لِمَسْحِ الوَجْهِ، واليَدَيْنِ مِنهُ بِنِيَّةِ اسْتِباحَةِ الصَّلاةِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، أوِ العَجْزِ عَنِ اسْتِعْمالِهِ، وكَوْنُ التَّيَمُّمِ بِمَعْنى القَصْدِ يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ النِّيَّةِ في التَّيَمُّمِ، وهو الحَقُّ. * * مَسائِلُ في أحْكامِ التَّيَمُّمِ المَسْألَةُ الأُولى: لَمْ يُخالِفْ أحَدٌ مِن جَمِيعِ المُسْلِمِينَ في التَّيَمُّمِ، عَنِ الحَدَثِ الأصْغَرِ، وكَذَلِكَ عَنِ الحَدَثِ الأكْبَرِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ مِنَ التّابِعِينَ أنَّهم مَنَعُوهُ، عَنِ الحَدَثِ الأكْبَرِ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ عَنِ ابْنِ الصَّبّاغِ وغَيْرِهِ القَوْلَ بِرُجُوعِ عُمَرَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ، واحْتَجَّ لِمَن مَنَعَ التَّيَمُّمَ، عَنِ الحَدَثِ الأكْبَرِ بِأنَّ آيَةَ النِّساءِ لَيْسَ فِيها إباحَتُهُ إلّا لِصاحِبِ الحَدَثِ الأصْغَرِ؛ حَيْثُ قالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٣]، ورَدُّ هَذا الِاسْتِدْلالِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنا لا نُسَلِّمُ عَدَمَ ذِكْرِ الجَنابَةِ في آيَةِ النِّساءِ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فَسَّرَهُ تُرْجُمانُ القُرْآنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، بِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِماعُ، وإذًا فَذِكْرُ التَّيَمُّمِ بَعْدَ الجِماعِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِاللَّمْسِ، أوِ المُلامَسَةِ بِحَسَبِ القِراءَتَيْنِ، والمَجِيءُ مِنَ الغائِطِ دَلِيلٌ عَلى شُمُولِ التَّيَمُّمِ لِحالَتَيِ الحَدَثِ الأكْبَرِ، والأصْغَرِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ، صَرَّحَ بِالجَنابَةِ غَيْرَ مُعَبِّرٍ عَنْها بِالمُلامَسَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَها التَّيَمُّمَ، فَدَلَّ عَلى أنْ يَكُونَ عَنْها أيْضًا حَيْثُ قالَ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦] . فَهُوَ عائِدٌ إلى المُحْدِثِ، والجُنُبِ جَمِيعًا، كَما هو ظاهِرٌ. الثّالِثُ: تَصْرِيحُهُ ﷺ بِذَلِكَ الثّابِتُ عَنْهُ في الصَّحِيحِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُ قالَ: «أجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الماءَ، فَتَمَعَّكْتُ في الصَّعِيدِ وصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: ”إنَّما كانَ يَكْفِيكَ هَكَذا“، (p-٣٥٩)وَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأرْضَ، ونَفَخَ فِيهِما، ثُمَّ مَسَحَ بِهِما وجْهَهُ، وكَفَّيْهِ» . وَأخْرَجا في صَحِيحَيْهِما أيْضًا مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ فَصَلّى بِالنّاسِ؛ فَإذا هم بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ، فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّيَ ؟ قالَ: أصابَتْنِي جَنابَةٌ ولا ماءَ، قالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإنَّهُ يَكْفِيكَ» . والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ تَكْفِي لِلتَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ أوْ لا ؟ فَقالَ جَماعَةٌ: تَكْفِي ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ لِلْكَفَّيْنِ والوَجْهِ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الإمامُ أحْمَدُ، وعَطاءٌ، ومَكْحُولٌ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، ونَقْلَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جُمْهُورِ العُلَماءِ واخْتارَهُ، وهو قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ الحَدِيثِ، ودَلِيلُهُ حَدِيثُ عَمّارٍ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ آنِفًا. وَذَهَبَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن ضَرْبَتَيْنِ: إحْداهُما لِلْوَجْهِ، والأُخْرى لِلْكَفَّيْنِ، ومِنهم مَن قالَ بِوُجُوبِ الثّانِيَةِ، ومِنهم مَن قالَ بِسُنِّيَّتِها كَمالِكٍ، وذَهَبَ ابْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ شِهابٍ، وابْنُ سِيرِينَ إلى أنَّ الواجِبَ ثَلاثُ ضَرَباتٍ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، وضَرْبَةٌ لِلذِّراعَيْنِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الظّاهِرُ مِن جِهَةِ الدَّلِيلِ الِاكْتِفاءُ بِضَرْبَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِن أحادِيثِ البابِ شَيْءٌ مَرْفُوعًا، إلّا حَدِيثُ عَمّارٍ المُتَقَدِّمَ، وحَدِيثُ أبِي جُهَيْمِ بْنِ الحارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأنْصارِيِّ، قالَ: " «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مِن نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، حَتّى أقْبَلَ عَلى الجِدارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ ويَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»، أخْرَجَهُ البُخارِيُّ مَوْصُولًا، ومُسْلِمٌ تَعْلِيقًا، ولَيْسَ في واحِدٍ مِنهُما ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُما ضَرْبَتانِ كَما رَأيْتَ، وقَدْ دَلَّ حَدِيثُ عَمّارٍ أنَّها واحِدَةٌ. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ يَلْزَمُ في التَّيَمُّمِ مَسْحُ غَيْرِ الكَفَّيْنِ ؟ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَأوْجَبَ بَعْضُهُمُ المَسْحَ في التَّيَمُّمِ إلى المِرْفَقَيْنِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأصْحابُهُما، والثَّوْرِيُّ، وابْنُ أبِي سَلَمَةَ، واللَّيْثُ، كُلُّهم يَرَوْنَ بُلُوغَ التَّيَمُّمِ بِالمِرْفَقَيْنِ فَرْضًا واجِبًا، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ، وابْنُ نافِعٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ إسْماعِيلُ القاضِي. (p-٣٦٠)قالَ ابْنُ نافِعٍ: مَن تَيَمَّمَ إلى الكُوعَيْنِ أعادَ الصَّلاةَ أبَدًا، وقالَ مالِكٌ: في المُدَوَّنَةِ يُعِيدُ في الوَقْتِ، ورُوِيَ التَّيَمُّمُ إلى المِرْفَقَيْنِ مَرْفُوعًا، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي أُمامَةَ، وعائِشَةَ، وعَمّارٍ، والأسْلَعِ، وسَيَأْتِي ما في أسانِيدِ رِواياتِهِمْ مِنَ المَقالِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وبِهِ كانَ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: يَمْسَحُ في التَّيَمُّمِ إلى الآباطِ. واحْتَجَّ مَن قالَ بِالتَّيَمُّمِ إلى المِرْفَقَيْنِ بِما رُوِيَ عَمَّنْ ذَكَرْنا مِن ذِكْرِ المِرْفَقَيْنِ، وبِأنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يَفْعَلُهُ، وبِالقِياسِ عَلى الوُضُوءِ، وقَدْ قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الأدِلَّةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّ الواجِبَ في التَّيَمُّمِ هو مَسْحُ الكَفَّيْنِ فَقَطْ، لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في صِفَةِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَصِحَّ مِنها شَيْءٌ ثابِتُ الرَّفْعِ إلّا حَدِيثَ عَمّارٍ: وحَدِيثَ أبِي جُهَيْمٍ المُتَقَدِّمَيْنِ. أمّا حَدِيثُ أبِي جُهَيْمٍ، فَقَدْ ورَدَ بِذِكْرِ اليَدَيْنِ مُجْمَلًا، كَما رَأيْتَ، وأمّا حَدِيثُ عَمّارٍ فَقَدْ ورَدَ بِذِكْرِ الكَفَّيْنِ في الصَّحِيحَيْنِ، كَما قَدَّمْنا آنِفًا. ووَرَدَ في غَيْرِهِما بِذِكْرِ المِرْفَقَيْنِ، وفي رِوايَةٍ إلى نِصْفِ الذِّراعِ، وفي رِوايَةٍ إلى الآباطِ، فَأمّا رِوايَةُ المِرْفَقَيْنِ، ونِصْفِ الذِّراعِ، فَفِيهِما مَقالٌ سَيَأْتِي، وأمّا رِوايَةُ الآباطِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ: إنْ كانَ ذاكَ وقَعَ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكُلُّ تَيَمُّمٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ فَهو ناسِخٌ لَهُ؛ وإنْ كانَ وقَعَ بِغَيْرِ أمْرِهِ، فالحُجَّةُ فِيما أمَرَ بِهِ، ومِمّا يُقَوِّي رِوايَةَ الصَّحِيحَيْنِ في الِاقْتِصارِ عَلى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ، كَوْنُ عَمّارٍ كانَ يُفْتِي بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ؛ وراوِي الحَدِيثِ أعْرِفُ بِالمُرادِ بِهِ مِن غَيْرِهِ؛ ولا سِيَّما الصَّحابِيُّ المُجْتَهِدُ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“ . وَأمّا فِعْلُ ابْنُ عُمَرَ، فَلَمْ يَثْبُتْ رَفْعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، والمَوْقُوفُ عَلى ابْنِ عُمَرَ لا يُعارَضُ بِهِ مَرْفُوعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وهو حَدِيثُ عَمّارٍ. وَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، أنَّهُ قالَ: «مَرَّ رَجُلٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ، وقَدْ خَرَجَ مِن غائِطٍ أوْ بَوْلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتّى كادَ الرَّجُلُ يَتَوارى في السِّكَكِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى حائِطٍ، ومَسَحَ بِها وجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرى فَمَسَحَ بِها ذِراعَيْهِ»، ومَدارُ الحَدِيثِ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ، وقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو حاتِمٍ. وقالَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ: يُنْكَرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ التَّيَمُّمِ. أيْ (p-٣٦١)هَذا، زادَ البُخارِيُّ: خالَفَهُ أيُّوبُ، وعُبَيْدُ اللَّهِ والنّاسُ، فَقالُوا عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَعَلَهُ. وَقالَ أبُو داوُدَ: لَمْ يُتابِعْ أحَدٌ مُحَمَّدَ بْنَ ثابِتٍ في هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ضَرْبَتَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَوَوْهُ مِن فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وقالَ الخَطّابِيُّ: لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مُحَمَّدَ بْنَ ثابِتٍ ضَعِيفٌ جِدًّا، ومُحَمَّدُ بْنُ ثابِتٍ هَذا هو العَبْدِيُّ أبُو عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ، قالَ فِيهِ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ، لَيِّنُ الحَدِيثِ. واعْلَمْ أنَّ رِوايَةَ الضَّحّاكِ بْنِ عُثْمانَ، وابْنِ الهادِ لِهَذا الحَدِيثِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَيْسَ في واحِدَةٍ مِنهُما مُتابَعَةُ مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ عَلى الضَّرْبَتَيْنِ، ولا عَلى الذِّراعَيْنِ؛ لِأنَّ الضَّحّاكَ لَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ في رِوايَتِهِ، وابْنَ الهادِ قالَ في رِوايَتِهِ ”مَسَحَ وجْهَهَ ويَدَيْهِ“، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، والبَيْهَقِيُّ، ورَوى الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ ظَبْيانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ» . قالَ الدّارَقُطْنِيُّ: وقَفَهُ يَحْيى القَطّانُ، وهُشَيْمٌ وغَيْرُهُما، وهو الصَّوابُ، ثُمَّ رَواهُ مِن طَرِيقِ مالِكٍ عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، مَعَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ ظَبْيانَ ضَعَّفَهُ القَطّانُ، وابْنُ مَعِينٍ، وغَيْرُ واحِدٍ. وَهُوَ ابْنُ ظَبْيانَ بْنِ هِلالٍ العَبْسِيُّ الكُوفِيُّ، قاضِي بَغْدادَ، قالَ فِيهِ في ”التَّقْرِيبِ“: ضَعِيفٌ. وَرَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن طَرِيقِ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «تَيَمَّمْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ضَرَبْنا بِأيْدِينا عَلى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، ثُمَّ نَفَضْنا أيْدِيَنا فَمَسَحْنا بِها وُجُوهَنا، ثُمَّ ضَرَبْنا ضَرْبَةً أُخْرى فَمَسَحْنا مِنَ المَرافِقِ إلى الأكُفِّ» الحَدِيثَ، لَكِنْ في إسْنادِهِ سُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ، وهو مَتْرُوكٌ. قالَ البَيْهَقِيُّ: رَواهُ مَعْمَرٌ وغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَوْقُوفًا، وهو الصَّحِيحُ، ورَواهُ الدَّراقُطْنِيُّ أيْضًا مِن طَرِيقِ سُلَيْمانَ بْنِ أبِي داوُدَ الحَرّانَيِّ، وهو مَتْرُوكٌ أيْضًا عَنْ سالِمٍ، ونافِعٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «وَفِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَتانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ» . قالَ أبُو زُرْعَةَ: حَدِيثٌ باطِلٌ، ورَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ (p-٣٦٢)مُحَمَّدٍ الأنْماطِيِّ عَنْ عَزْرَةَ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلذِّراعَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ»، ومِن طَرِيقِ أبِي نُعَيْمٍ عَنْ عَزْرَةَ بِسَنَدِهِ المَذْكُورِ، قالَ: «جاءَ رَجُلٌ، فَقالَ: أصابَتْنِي جَنابَةٌ، وإنِّي تَمَعَّكْتُ في التُّرابِ، فَقالَ: اضْرِبْ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأرْضَ فَمَسَحَ وجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَيْهِ فَمَسَحَ بِهِما إلى المِرْفَقَيْنِ» . ضَعَّفَ ابْنُ الجَوْزِيِّ هَذا الحَدِيثَ بِأنَّ فِيهِ عُثْمانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ورُدَّ عَلى ابْنِ الجَوْزِيِّ بِأنَّ عُثْمانَ بْنَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أحَدٌ، كَما قالَهُ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ، لَكِنَّ رِوايَتَهُ المَذْكُورَةَ شاذَّةٌ؛ لِأنَّ أبا نُعَيْمٍ رَواهُ عَنْ عَزْرَةَ مَوْقُوفًا، أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ أيْضًا. وَقالَ الدّارَقُطْنِيُّ في ”حاشِيَةِ السُّنَنِ“، عَقِبَ حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدٍ: كُلُّهم ثِقاتٌ، والصَّوابُ مَوْقُوفٌ، قالَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“، وقالَ في ”التَّقْرِيبِ“ في عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدٍ المَذْكُورِ مَقْبُولٌ، وقالَ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا، وفي البابِ عَنِ الأسْلَعِ، قالَ: «كُنْتُ أخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ بِآيَةِ الصَّعِيدِ، فَأرانِي التَّيَمُّمَ، فَضَرَبْتُ بِيَدَيَّ الأرْضَ واحِدَةً، فَمَسَحْتُ بِها وجْهِيَ ثُمَّ ضَرَبْتُ بِها الأرْضَ فَمَسَحْتُ بِها يَدَيَّ إلى المِرْفَقَيْنِ»، رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وفِيهِ الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ، وهو ضَعِيفٌ، وعَنْ أبِي أُمامَةَ، رَواهُ الطَّبَرانِيُّ، وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ أيْضًا. وَرَواهُ البَزّارُ، وابْنُ عَدِيٍّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ مَرْفُوعًا: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ»، تَفَرَّدَ بِهِ الحَرِيشُ بْنُ الخِرِّيتِ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْها قالَ أبُو حاتِمٍ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، والحَرِيشُ شَيْخٌ لا يُحْتَجُّ بِهِ. وَحَدِيثُ: «أنَّهُ ﷺ قالَ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: تَكْفِيكَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ»، رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والكَبِيرِ، وفِيهِ إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي يَحْيى، وهو ضَعِيفٌ، ولَكِنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. وَحَدِيثُ عَمّارٍ: «كُنْتُ في القَوْمِ حِينَ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ فَأمَرَنا فَضَرَبْنا واحِدَةً لِلْوَجْهِ، ثُمَّ ضَرْبَةً أُخْرى لِلْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ» . رَواهُ البَزّارُ، ولا شَكَّ أنَّ الرِّوايَةَ المُتَّفَقَ عَلَيْها عَنْ عَمّارٍ أوْلى مِنهُ. وَقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أكْثَرُ الآثارِ المَرْفُوعَةِ عَنْ عَمّارٍ ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ، وما رُوِيَ عَنْهُ مِن ضَرْبَتَيْنِ فَكُلُّها مُضْطَرِبَةٌ، اهـ، مِنهُ؛ فَبِهَذا كُلُّهُ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ في البابِ إلّا حَدِيثُ (p-٣٦٣)عَمّارٍ، وأبِي جُهَيْمٍ المُتَقَدِّمَيْنِ، كَما ذَكَرْنا. فَإذا عَرَفْتَ نُصُوصَ السُّنَّةِ في المَسْألَةِ فاعْلَمْ أنَّ الواجِبَ في المَسْحِ الكَفّانِ فَقَطْ، ولا يَبْعُدُ ما قالَهُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وُجُوبِ الكَفَّيْنِ، وسُنِّيَّةِ الذِّراعَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، لِأنَّ الوُجُوبَ دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ في الكَفَّيْنِ. وَهَذِهِ الرِّواياتُ الوارِدَةُ بِذِكْرِ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ تَدُلُّ عَلى السُّنِّيَّةِ، وإنْ كانَتْ لا يَخْلُو شَيْءٌ مِنها مِن مَقالٍ، فَإنَّ بَعْضَها يَشُدُّ بَعْضًا، لِما تَقَرَّرَ في عُلُومِ الحَدِيثِ مِن أنَّ الطُّرُقَ الضَّعِيفَةَ المُعْتَبَرَ بِها يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا حَتّى يَصْلُحَ مَجْمُوعُها لِلِاحْتِجاجِ: لا تُخاصِمْ بِواحِدٍ أهْلَ بَيْتٍ، فَضَعِيفانِ يَغْلِبانِ قَوِيًّا، وتَعْتَضِدُ أيْضًا بِالمَوْقُوفاتِ المَذْكُورَةِ. والأصْلُ إعْمالُ الدَّلِيلَيْنِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ يَجِبُ التَّرْتِيبُ في التَّيَمُّمِ أوْ لا ؟ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ إلى أنَّ تَقْدِيمَ الوَجْهِ عَلى اليَدَيْنِ رُكْنٌ مِن أرْكانِ التَّيَمُّمِ، وحَكى النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ اتِّفاقُ الشّافِعِيَّةِ، وذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِنهم مالِكٌ، وجُلُّ أصْحابِهِ إلى أنَّ تَقْدِيمَ الوَجْهِ عَلى اليَدَيْنِ سُنَّةٌ. وَدَلِيلُ تَقْدِيمِ الوَجْهِ عَلى اليَدَيْنِ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَهُ في آيَةِ النِّساءِ، وآيَةِ المائِدَةِ، حَيْثُ قالَ فِيهِما: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ . وَقَدْ قالَ ﷺ: «أبْدَأُ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ»، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٨]، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ ”ابْدَءُوا“ بِصِيغَةِ الأمْرِ، وذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ، ومَن وافَقَهُ إلى تَقْدِيمِ اليَدَيْنِ، مُسْتَدِلًّا بِما ورَدَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في بابِ ”التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ“، مِن حَدِيثِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: «إنَّما كانَ يَكْفِيكَ أنَّ تَصْنَعَ هَكَذا، فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ ضَرْبَةً عَلى الأرْضِ، ثُمَّ نَفَضَها، ثُمَّ مَسَحَ بِها ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمالِهِ، أوْ ظَهْرَ شِمالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِها وجْهَهُ» الحَدِيثَ. وَمَعْلُومٌ أنْ ”ثُمَّ“ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِيهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وإنَّما تَقْتَضِي مُطْلَقَ التَّشْرِيكِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنْ يَقُومَ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلى أنَّ المَعْطُوفَ بِالواوِ مُؤَخَّرٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ، وكَما في قَوْلِ حَسّانَ: [ الوافِرُ ](p-٣٦٤) ؎هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وأجَبْتُ عَنْهُ عَلى رِوايَةِ ”الواوِ“، فَحَدِيثُ البُخارِيِّ هَذا نَصٌّ في تَقْدِيمِ اليَدَيْنِ عَلى الوَجْهِ، ولِلْإسْماعِيلِيِّ مِن طَرِيقِ هارُونَ الحَمّالِ، عَنْ أبِي مُعاوِيَةَ ما لَفْظُهُ: «إنَّما يَكْفِيكَ أنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ عَلى الأرْضِ ثُمَّ تَنْفُضَهُما، ثُمَّ تَمْسَحَ بِيَمِينِكَ عَلى شِمالِكَ، وشِمالِكَ عَلى يَمِينِكَ، ثُمَّ تَمْسَحَ عَلى وجْهِكَ» قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى تَقْدِيمِ الوَجْهِ مَعَ الِاخْتِلافِ في وُجُوبِ ذَلِكَ، وسُنِّيَّتِهِ. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

المائدة 5:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ [ الآيَةَ [المائدة: ١٥]، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ الكَثِيرِ الَّذِي يُبَيِّنُهُ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ مِمّا كانُوا يُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ، يَعْنِي التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وبَيَّنَ كَثِيرًا مِنهُ في مَواضِعَ أُخَرَ. فَمِمّا كانُوا يُخْفُونَ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ رَجْمُ الزّانِي المُحْصَنِ، وبَيَّنَهُ القُرْآنُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣] . (p-٣٧١)يَعْنِي يُدْعَوْنَ إلى التَّوْراةِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم في حَدِّ الزّانِي المُحْصَنِ بِالرَّجْمِ، وهم مُعْرِضُونَ عَنْ ذَلِكَ مُنْكِرُونَ لَهُ، ومِن ذَلِكَ، ما أخْفَوْهُ مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ في كِتابِهِمْ، وإنْكارِهِمْ أنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّهُ هو الرَّسُولُ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] . وَمِن ذَلِكَ إنْكارُهم أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضَ الطَّيِّباتِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] . فَإنَّهم أنْكَرُوا هَذا، وقالُوا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْنا إلّا ما كانَ مُحَرَّمًا عَلى إسْرائِيلَ، فَكَذَّبَهُمُ القُرْآنُ في ذَلِكَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] . وَمِن ذَلِكَ كَتْمُ النَّصارى بِشارَةَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ لَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ بَيَّنَها تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِما أخْفَوْهُ مِن كُتُبِهِمْ.

المائدة 5:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ. قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: إنَّهُما ابْنا آدَمَ لِصُلْبِهِ، وهُما هابِيلُ، وقابِيلُ. وَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هُما رَجُلانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَكِنَّ القُرْآنَ يَشْهَدُ لِقَوْلِ الجَماعَةِ، ويَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ قَوْلِ الحَسَنِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأةَ أخِيهِ﴾ [الحجر: ٣١]، ولا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ لَيْسَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ يَجْهَلُ الدَّفْنَ حَتّى يَدُلَّهُ عَلَيْهِ الغُرابُ، فَقِصَّةُ الِاقْتِداءِ بِالغُرابِ في الدَّفْنِ، ومَعْرِفَتِهِ مِنهُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواقِعَةَ وقَعَتْ في أوَّلِ الأمْرِ قَبْلَ أنْ (p-٣٧٢)يَتَمَرَّنَ النّاسُ عَلى دَفْنِ المَوْتى، كَما هو واضِحٌ، ونَبَّهَ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

المائدة 5:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ [ الآيَةَ ]، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفَّسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ولَمْ يَتَعَرَّضْ هُنا لِحُكْمِ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِنَفْسٍ، أوْ بِفَسادٍ في الأرْضِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَبَيَّنَ أنَّ قَتْلَ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ جائِزٌ، في قَوْلِهِ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٥]، وفي قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٣٣] . واعْلَمْ أنَّ آياتِ القِصاصِ في النَّفْسِ فِيها إجْمالٌ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، وحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ فِيها أنَّ الذَّكَرَ الحُرَّ المُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذَّكَرِ الحُرِّ المُسْلِمِ إجْماعًا، وأنَّ المَرْأةَ كَذَلِكَ تُقْتَلُ بِالمَرْأةِ كَذَلِكَ إجْماعًا، وأنَّ العَبْدَ يُقْتَلُ كَذَلِكَ بِالعَبْدِ إجْماعًا، وإنَّما لَمْ نَعْتَبِرْ قَوْلَ عَطاءٍ بِاشْتِراطِ تَساوِي قِيمَةِ العَبْدَيْنِ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، ولا قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ بَيْنَ العَبِيدِ قِصاصٌ، لِأنَّهم أمْوالٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَرُدُّهُ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ الآيَةَ، وأنَّ المَرْأةَ تُقْتَلُ بِالرَّجُلِ، لِأنَّها إذا قُتِلَتْ بِالمَرْأةِ، فَقَتْلُها بِالرَّجُلِ أوْلى، وأنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ فِيهِما. وَرُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنهم عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ، وأحْمَدُ في رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ لا يُقْتَلُ بِها حَتّى يَلْتَزِمَ أوْلِياؤُها قَدْرَ ما تَزِيدُ بِهِ دِيَتُهُ عَلى دِيَتِها؛ فَإنْ لَمْ يَلْتَزِمُوهُ أخَذُوا دِيَتَها. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، والحَسَنِ: أنَّها إنْ قَتَلَتْ رَجُلًا قُتِلَتْ بِهِ، وأخَذَ أوْلِياؤُهُ أيْضًا زِيادَةَ دِيَتِهِ عَلى دِيَتِها، أوْ أخَذُوا دِيَةَ المَقْتُولِ واسْتَحْيَوْها. قالَ القُرْطُبِيُّ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ عَنْهم أيْضًا: رَوى هَذا الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، ولا يَصِحُّ لِأنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَلْقَ عَلِيًّا. وَقَدْ رَوى الحَكَمُ، عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُما قالا: إذا قَتَلَ الرَّجُلُ المَرْأةَ مُتَعَمِّدًا (p-٣٧٣)فَهُوَ بِها قَوَدٌ، وهَذا يُعارِضُ رِوايَةَ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ؛ وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في بابِ: ”سُؤالِ القاتِلِ حَتّى يُقِرَّ“ والإقْرارُ في الحُدُودِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ القَوْلَ المَذْكُورَ عَنْ عَلِيٍّ والحَسَنِ: ولا يَثْبُتُ عَنْ عَلِيٍّ، ولَكِنْ هو قَوْلُ عُثْمانَ البَتِّيِّ أحَدُ فُقَهاءِ البَصْرَةِ، ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ، أنَّ أوْلِياءَ الرَّجُلِ إذا قَتَلَتْهُ امْرَأةٌ يُجْمَعُ لَهم بَيْنَ القِصاصِ ونِصْفِ الدِّيَةِ، وهَذا قَوْلٌ يَدُلُّ الكِتابُ والسُّنَّةُ عَلى بُطْلانِهِ، وأنَّهُ إمّا القِصاصُ فَقَطْ، وإمّا الدِّيَةُ فَقَطْ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ الآيَةَ، فَرَتَّبَ الِاتِّباعَ بِالدِّيَةِ عَلى العَفْوِ دُونَ القِصاصِ. وَقالَ ﷺ: «مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» الحَدِيثَ، وهو صَرِيحٌ في عَدَمِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، كَما هو واضِحٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ؛ وحُكِيَ عَنْ أحْمَدَ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وعُثْمانَ البَتِّيِّ، وعَطاءٍ، أنَّ الرَّجُلَ لا يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ، بَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، ورُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ والزُّهْرِيِّ، أنَّها إنْ كانَتْ زَوْجَتَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِها، وإنْ كانَتْ غَيْرَ زَوْجَتِهِ قُتِلَ بِها. والتَّحْقِيقُ قَتْلُهُ بِها مُطْلَقًا؛ كَما سَتَرى أدِلَّتَهُ، فَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ إجْماعُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الصَّحِيحَ السَّلِيمَ الأعْضاءِ إذا قَتَلَ أعْوَرَ أوْ أشَلَّ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ عَمْدًا، وجَبَ عَلَيْهِ القِصاصُ، ولا يَجُبْ لِأوْلِيائِهِ شَيْءٌ في مُقابَلَةِ ما زادَ بِهِ مِنَ الأعْضاءِ السَّلِيمَةِ عَلى المَقْتُولِ. وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ، ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: «أنَّهُ ﷺ رَضَّ رَأْسَ يَهُودِيٍّ بِالحِجارَةِ قِصاصًا بِجارِيَةٍ فَعَلَ بِها كَذَلِكَ»، وهَذا الحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ العُلَماءُ عَلى قَتْلِ الذَّكَرِ بِالأُنْثى، وعَلى وُجُوبِ القِصاصِ في القَتْلِ بِغَيْرِ المُحَدَّدِ، والسِّلاحِ. وَقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ في بابِ ”قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ“: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ، ثَنا أبُو زَكَرِيّا يَحْيى بْنُ مُحَمَّدٍ العَنْبَرِيُّ، ثَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ العَبْدِيُّ، ثَنا الحَكَمُ بْنُ مُوسى القَنْطَرِيُّ، ثَنا يَحْيى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”أنَّهُ كَتَبَ إلى أهْلِ اليَمَنِ بِكِتابٍ فِيهِ الفَرائِضُ، والسُّنَنُ، والدِّياتُ، وبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وكانَ فِيهِ، وإنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ»“ . (p-٣٧٤)وَرَوى هَذا الحَدِيثَ مَوْصُولًا أيْضًا النَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ ما نَصُّهُ: وفي الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ النَّسائِيُّ، وغَيْرُهُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ في كِتابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ»، وكِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذا لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي فِيهِ أنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ، رَواهُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، ورَواهُ أيْضًا الدّارَقُطْنِيُّ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والدّارِمِيُّ، وكَلامُ عُلَماءِ الحَدِيثِ في كِتابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ هَذا مَشْهُورٌ بَيْنَ مُصَحِّحٍ لَهُ، ومُضَعِّفٍ؛ ومِمَّنْ صَحَّحَهُ: ابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، وعَنْ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: أرْجُو أنْ يَكُونَ صَحِيحًا. وصَحَّحَهُ أيْضًا - مِن حَيْثُ الشُّهْرَةِ، لا مِن حَيْثُ الإسْنادِ - جَماعَةٌ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ فَإنَّهُ قالَ: لَمْ يَقْبَلُوا هَذا الحَدِيثَ حَتّى ثَبَتَ عِنْدَهم أنَّهُ كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هو كِتابٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أهْلِ السِّيَرِ، مَعْرُوفٌ ما فِيهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، يَسْتَغْنِي بِشُهْرَتِهِ عَنِ الإسْنادِ؛ لِأنَّهُ أشْبَهَ المُتَواتِرَ لِتَلَقِّي النّاسِ لَهُ بِالقَبُولِ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى شُهْرَتِهِ ما رَوى ابْنُ وهْبٍ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: وُجِدَ كِتابٌ عِنْدَ آلِ حَزْمٍ يَذْكُرُونَ أنَّهُ كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ العُقَيْلِيُّ: هَذا حَدِيثٌ ثابِتٌ مَحْفُوظٌ، وقالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيانَ: لا أعْلَمَ في جَمِيعِ الكُتُبِ المَنقُولَةِ كِتابًا أصَحَّ مِن كِتابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ هَذا، فَإنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والتّابِعِينَ، يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، ويَدَعُونَ رَأْيَهم. وَقالَ الحاكِمُ: قَدْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وإمامُ عَصْرِهِ الزُّهْرِيُّ بِالصِّحَّةِ لِهَذا الكِتابِ، ثُمَّ ساقَ ذَلِكَ بِسَنَدِهِ إلَيْهِما، وضَعَّفَ كِتابَ ابْنِ حَزْمٍ هَذا جَماعَةٌ، وانْتَصَرَ لِتَضْعِيفِهِ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ في مُحَلّاهُ. والتَّحْقِيقُ: صِحَّةُ الِاحْتِجاجِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَتَبَهُ لِيُبَيِّنَ بِهِ أحْكامَ الدِّياتِ، والزَّكَواتِ، وغَيْرِها، ونُسْخَتُهُ مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. والحَدِيثُ: ولا سِيَّما عِنْدَ مَن يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ كَمالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ في أشْهَرِ الرِّواياتِ. وَمِن أدِلَّةِ قَتْلِهِ بِها عُمُومُ حَدِيثِ: «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» الحَدِيثَ، وسَيَأْتِي البَحْثُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ في قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٥]، وقَوْلُهُ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ (p-٣٧٥)يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزّانِي، والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ» الحَدِيثَ، أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، وباقِي الجَماعَةِ، مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَعُمُومُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وهَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقْتَضِي قَتْلَ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ، لِأنَّهُ نَفْسٌ بِنَفْسٍ، ولا يَخْرُجُ عَنْ هَذا العُمُومِ، إلّا ما أخْرَجَهُ دَلِيلٌ صالِحٌ لِتَخْصِيصِ النَّصِّ بِهِ، نَعَمْ يَتَوَجَّهُ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: ما وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، مَعَ أنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ قَوْمِ مُوسى، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] . السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لا يُخَصَّصُ عُمُومُ قَتْلِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ في الآيَةِ والحَدِيثِ المَذْكُورَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ أخَصُّ مِن تِلْكَ، لِأنَّها فَصَّلَتْ ما أُجْمِلَ في الأُولى، ولِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ مُخاطَبَةٌ بِها صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ الآيَةَ. الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّرْعِ: أنَّ كُلَّ ما ذُكِرَ لَنا في كِتابِنا، وسُنَّةِ نَبِيِّنا ﷺ مِمّا كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا أنَّهُ يَكُونُ شَرْعًا لَنا، مِن حَيْثُ إنَّهُ وارِدٌ في كِتابِنا، أوْ سُنَّةِ نَبِيِّنا ﷺ لا مِن حَيْثُ إنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا؛ لِأنَّهُ ما قَصَّ عَلَيْنا في شَرْعِنا إلّا لِنَعْتَبِرَ بِهِ، ونَعْمَلَ بِما تَضْمَّنَ. والنُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، ولِأجْلِ هَذا أمَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ في غَيْرِ ما آيَةٍ بِالِاعْتِبارِ بِأحْوالِهِمْ، ووَبَّخَ مَن لَمْ يَعْقِلْ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] . فِي قَوْلِهِ: أفَلا تَعْقِلُونَ تَوْبِيخٌ لِمَن مَرَّ بِدِيارِهِمْ، ولَمْ يَعْتَبِرْ بِما وقَعَ لَهم، ويَعْقِلْ ذَلِكَ لِيَجْتَنِبَ الوُقُوعَ في مِثْلِهِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ثُمَّ هَدَّدَ الكَفّارَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] . (p-٣٧٦)وَقالَ في حِجارَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، أوْ دِيارِهِمُ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيها: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]، وهو تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مِنهُ تَعالى لِمَن لَمْ يَعْتَبِرْ بِحالِهِمْ، فَيَجْتَنِبَ ارْتِكابَ ما هَلَكُوا بِسَبَبِهِ، وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وَقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١]، فَصَرَّحَ بِأنَّهُ يَقُصُّ قَصَصَهم في القُرْآنِ لِلْعِبْرَةِ، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ لِما ذَكَرْنا، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَن ذَكَرَ مِنَ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الأنْعامِ، قالَ لِنَبِيِّنا ﷺ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأمْرُهُ ﷺ أمْرٌ لَنا؛ لِأنَّهُ قُدْوَتُنا، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٢١]، ويَقُولُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٣١]، ويَقُولُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٧] . وَيَقُولُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨٠]، ومِن طاعَتِهِ اتِّباعُهُ فِيما أمَرَ بِهِ كُلِّهُ، إلّا ما قامَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى الخُصُوصِ بِهِ ﷺ وكَوْنُ شَرْعِ مَن قَبْلَنا الثّابِتِ بِشَرْعِنا شَرْعًا لَنا، إلّا بِدَلِيلٍ عَلى النَّسْخِ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، مِنهم مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْنِ، وخالَفَ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أصَحِّ الرِّواياتِ عَنْهُ، فَقالَ: إنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا الثّابِتَ بِشَرْعِنا لَيْسَ شَرْعًا لَنا، إلّا بِنَصٍّ مِن شَرْعِنا عَلى أنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنا، وخالَفَ أيْضًا في الصَّحِيحِ عَنْهُ في أنَّ الخِطابَ الخاصَّ بِالرَّسُولِ ﷺ يَشْمَلُ حُكْمُهُ الأُمَّةَ؛ واسْتَدَلَّ لِلْأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾، ولِلثّانِي: بِأنَّ الصِّيغَةَ الخاصَّةَ بِالرَّسُولِ لا تَشْمَلُ الأُمَّةَ وضْعًا، فَإدْخالُها فِيها صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، فَيُحْتاجُ إلى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وحَمْلُ الهُدى في قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾، والدِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ﴾ الآيَةَ [الشورى: ١٣] عَلى خُصُوصِ الأُصُولِ الَّتِي هي التَّوْحِيدُ دُونَ الفُرُوعِ العَمَلِيَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في العَقائِدِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقالَ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] . وَقالَ في الفُرُوعِ العَمَلِيَّةِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى اتِّفاقِهِمْ في الأُصُولِ، واخْتِلافِهِمْ في الفُرُوعِ، كَما قالَ ﷺ: «إنّا مَعْشَرُ الأنْبِياءِ إخْوَةٌ لِعَلّاتٍ دِينُنا واحِدٌ»، أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ (p-٣٧٧)عَنْهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ - وغَفَرَ لَهُ: أمّا حَمْلُ الهُدى في آيَةِ ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾، والدِّينِ في آيَةِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ﴾، عَلى سَبِيلِ التَّوْحِيدِ دُونَ الفُرُوعِ العَمَلِيَّةِ، فَهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”ص“، عَنْ مُجاهِدٍ: ”«أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ أخَذْتَ السَّجْدَةَ في“ ص "، فَقالَ: أوَ ما تَقْرَأُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٨٤ و٩٠]، فَسَجَدَها داوُدُ، فَسَجَدَها رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ» - . فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أدْخَلَ سُجُودَ التِّلاوَةِ في الهُدى في قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّ سُجُودَ التِّلاوَةِ فَرْعٌ مِنَ الفُرُوعِ لا أصْلٌ مِنَ الأُصُولِ. وَأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ الصَّحِيحِ المَشْهُورِ أنَّ اسْمَ الدِّينِ يَتَناوَلُ الإسْلامَ، والإيمانَ، والإحْسانَ، حَيْثُ قالَ: «هَذا جِبْرِيلُ أتاكم يُعَلِّمُكم دِينَكم»، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقالَ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] . وَصَرَّحَ ﷺ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ بِأنَّ الإسْلامَ يَشْمَلُ الأُمُورَ العَمَلِيَّةَ، كالصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصَّوْمِ، والحَجِّ، وفي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «بُنِي الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ» الحَدِيثَ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّ الإسْلامَ هو خُصُوصُ العَقائِدِ، دُونَ الأُمُورِ العَمَلِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الدِّينَ لا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ الآيَةَ، وهو ظاهِرٌ جِدًّا؛ لِأنَّ خَيْرَ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ هو كِتابُ اللَّهِ، وسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ . وَأمّا الخِطابُ الخاصُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾، فَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلى شُمُولِ حُكْمِهِ لِلْأُمَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ، إلى غَيْرِها مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ عَلِمْنا ذَلِكَ مِنِ اسْتِقْراءِ القُرْآنِ العَظِيمِ حَيْثُ يُعَبِّرُ فِيهِ دائِمًا بِالصِّيغَةِ الخاصَّةِ بِهِ ﷺ ثُمَّ يُشِيرُ إلى أنَّ المُرادَ عُمُومُ حُكْمِ الخِطابِ لِلْأُمَّةِ، كَقَوْلِهِ في أوَّلِ سُورَةِ الطَّلاقِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ [الطلاق: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ الآيَةَ، فَدَلَّ عَلى دُخُولِ الكُلِّ حُكْمًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾، وقالَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]؛ (p-٣٧٨)فَدَلَّ عَلى عُمُومِ حُكْمِ الخِطابِ بِقَوْلِهِ: يا أيُّها النَّبِيُّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الأحْزابِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]، فَقَوْلُهُ: بِما تَعْمَلُونَ، يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الخِطابِ بِقَوْلِهِ: يا أيُّها النَّبِيُّ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ الآيَةَ. وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ آيَةُ الرُّومِ، وآيَةُ الأحْزابِ، أمّا آيَةُ الرُّومِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠]، ثُمَّ قالَ: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١]، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ المُسْتَتِرِ، المُخاطَبِ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾، الآيَةَ. وَتَقْرِيرُ المَعْنى: فَأقِمْ وجْهَكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ، في حالِ كَوْنِكم مُنِيبِينَ، فَلَوْ لَمْ تُدْخِلِ الأُمَّةُ حُكْمًا في الخِطابِ الخاصِّ بِهِ ﷺ لَقالَ: مُنِيبًا إلَيْهِ، بِالإفْرادِ، لِإجْماعِ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ عَلى أنَّ الحالَ الحَقِيقِيَّةَ، أعْنِي الَّتِي لَمْ تَكُنْ سَبَبِيَّةً، تَلْزَمُ مُطابَقَتُها لِصاحِبِها، إفْرادًا، وجَمْعًا، وتَثْنِيَةً، وتَأْنِيثًا، وتَذْكِيرًا، فَلا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: جاءَ زَيْدٌ ضاحِكِينَ، ولا جاءَتْ هِنْدٌ ضاحِكاتٍ، وأمّا آيَةُ الأحْزابِ، فَقَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الأسْدِيَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فَإنَّ هَذا الخِطابَ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ . * * وَقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِشُمُولِ حِكْمَتِهِ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الآيَةَ، وأشارَ إلى هَذا أيْضًا في الأحْزابِ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]؛ لِأنَّ الخِطابَ الخاصَّ بِهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ، لَوْ كانَ حُكْمُهُ خاصًّا بِهِ ﷺ لَأغْنى ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾، كَما هو ظاهِرٌ. وَقَدْ رَدَّتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَلى مَن زَعَمَ أنَّ تَخْيِيرَ الزَّوْجَةِ طَلاقٌ، بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ نِساءَهُ فاخْتَرْنَهُ، فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا؛ مَعَ أنَّ الخِطابَ في ذَلِكَ خاصٌّ بِهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ الآيَتَيْنِ [الأحزاب: ٢٨] . وَأخْذَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيْنُونَةَ الزَّوْجَةِ بِالرِّدَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وهو خِطابٌ خاصٌّ بِهِ ﷺ . (p-٣٧٩)وَحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ في مَسْألَةِ ”شَرْعِ مَن قَبْلَنا“، أنَّ لَها واسِطَةٌ وطَرَفَيْنِ، طَرَفٌ يَكُونُ فِيهِ شَرْعًا لَنا إجْماعًا، وهو ما ثَبَتَ بِشَرْعِنا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، ثُمَّ بُيِّنَ لَنا في شَرْعِنا أنَّهُ شَرْعٌ لَنا، كالقِصاصِ، فَإنَّهُ ثَبَتَ بِشَرْعِنا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، وبُيِّنَ لَنا في شَرْعِنا أنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنا في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾، وطَرَفٌ يَكُونُ فِيهِ غَيْرَ شَرْعٍ لَنا إجْماعًا وهو أمْرانِ: أحَدُهُما: ما لَمْ يَثْبُتْ بِشَرْعِنا أصْلًا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، كالمُتَلَقّى مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهانا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ، وتَكْذِيبِهِمْ فِيها، وما نَهانا ﷺ عَنْ تَصْدِيقِهِ لا يَكُونُ مَشْرُوعًا لَنا إجْماعًا. والثّانِي: ما ثَبَتَ في شَرْعِنا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، وبُيِّنَ لَنا في شَرْعِنا أنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لَنا، كالآصارِ، والأغْلالِ الَّتِي كانَتْ عَلى مَن قَبْلَنا؛ لِأنَّ اللَّهَ وضَعَها عَنّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأ ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أنَّ اللَّهَ قالَ: نَعَمْ قَدْ فَعَلْتُ» . وَمِن تِلْكَ الآصارِ الَّتِي وضَعَها اللَّهُ عَنّا، عَلى لِسانِ نَبِيِّنا ﷺ ما وقَعَ لِعَبَدَةِ العِجْلِ، حَيْثُ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهم إلّا بِتَقْدِيمِ أنْفُسِهِمْ لِلْقَتْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] . والواسِطَةُ هي مَحَلُّ الخِلافِ بَيْنَ العُلَماءِ، وهي ما ثَبَتَ بِشَرْعِنا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يُبَيَّنْ لَنا في شَرْعِنا أنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنا، ولا غَيْرُ مَشْرُوعٍ لَنا، وهو الَّذِي قَدَّمْنا أنَّ التَّحْقِيقَ كَوْنُهُ شَرْعًا لَنا، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وقَدْ رَأيْتَ أدِلَّتَهم عَلَيْهِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ آيَةَ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، يَلْزَمُنا الأخْذُ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأحْكامِ. مَعَ أنَّ القُرْآنَ صَرَّحَ بِذَلِكَ في الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، المُتَّفَقِ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمِ، التَّصْرِيحُ بِأنَّ ما فِيها مِن قَتْلِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ مَشْرُوعٌ لَنا، (p-٣٨٠)حَيْثُ قالَ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزّانِي، والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ»، الحَدِيثَ. وَإلى هَذا أشارَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، حَيْثُ قالَ: بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَقَدِّمَ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ: والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ مُطابَقَتُها لِلَفْظِ الحَدِيثِ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّها وإنْ ورَدَتْ في أهْلِ الكِتابِ، فالحُكْمُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مُسْتَمِرٌّ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ، فَهو أصْلٌ في القِصاصِ في قَتْلِ العَمْدِ؛ ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ ﷺ: «كِتابُ اللَّهِ القِصاصُ»، أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ ”بِكِتابِ اللَّهِ“ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾، في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، وعَلى بَقِيَّةِ الأقْوالِ فَلا دَلِيلَ في الحَدِيثِ، ولَمْ يَزَلِ العُلَماءُ يَأْخُذُونَ الأحْكامَ مِن قِصَصِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَما أوْضَحْنا دَلِيلَهُ. فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ المالِكِيَّةِ وغَيْرِهِمْ: إنَّ القَرِينَةَ الجازِمَةَ رُبَّما قامَتْ مَقامَ البَيِّنَةِ، مُسْتَدِلِّينَ عَلى ذَلِكَ بِجَعْلِ شاهِدِ يُوسُفَ شَقَّ قَمِيصِهِ مِن دُبُرٍ قَرِينَةً عَلى صِدْقِهِ، وكَذِبِ المَرْأةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٢٦، ٢٧، ٢٨]، فَذِكْرُهُ تَعالى لِهَذا مُقَرِّرًا لَهُ يَدُلُّ عَلى جَوازِ العَمَلِ بِهِ، ومِن هُنا أوْجَبَ مالِكٌ حَدَّ الخَمْرِ عَلى مَنِ اسْتَنْكَهَ فَشُمَّ في فِيهِ رِيحُ الخَمْرِ، لِأنَّ رِيحَها في فِيهِ قَرِينَةٌ عَلى شُرْبِهِ إيّاها. وَأجازَ العُلَماءُ لِلرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ مِن غَيْرِ أنْ يَراها فَتَزُفُّها إلَيْهِ ولائِدُ، لا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِنَّ أمْرٌ أنْ يُجامِعَها مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ عَلى عَيْنِها أنَّها فُلانَةُ بِنْتُ فُلانٍ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها العَقْدُ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ، وتَنْزِيلًا لَها مَنزِلَةَ البَيِّنَةِ. وَكَذَلِكَ الضَّيْفُ يَنْزِلُ بِساحَةِ قَوْمٍ فَيَأْتِيهِ الصَّبِيُّ، أوِ الوَلِيدَةُ بِطَعامٍ، فَيُباحُ لَهُ أكْلُهُ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلى إذَنْ أهْلِ الطَّعامِ لَهُ في الأكْلِ، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ. وَأخَذَ المالِكِيَّةُ وغَيْرُهم إبْطالَ القَرِينَةِ بِقَرِينَةٍ أقْوى مِنها، مِن أنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ لَمّا جَعَلُوا يُوسُفَ في غَيابَةِ الجُبِّ، جَعَلُوا عَلى قَمِيصِهِ دَمَ سَخْلَةٍ، لِيَكُونَ الدَّمُ عَلى قَمِيصِهِ قَرِينَةً عَلى صِدْقِهِمْ في أنَّهُ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأبْطَلَها يَعْقُوبُ بِقَرِينَةٍ أقْوى مِنها، وهي عَدَمُ شَقِّ (p-٣٨١)القَمِيصِ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! مَتى كانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا كَيِّسًا، يَقْتُلُ يُوسُفَ، ولا يَشُقُّ قَمِيصَهُ ؟ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وأخَذَ المالِكِيَّةُ ضَمانَ الغُرْمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى، في قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ: ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وأخَذَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ ضَمانَ الوَجْهِ المَعْرُوفِ بِالكَفالَةِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] . وَأخَذَ المالِكِيَّةُ تَلُومُ القاضِيَ لِلْخُصُومِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بَعْدَ انْقِضاءِ الآجالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ صالِحٍ: ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [هود: ٦٥] . وَأخَذُوا وُجُوبَ الإعْذارِ إلى الخَصْمِ الَّذِي تَوَجَّهُ إلَيْهِ الحُكْمُ بِـ ”أبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ ؟“، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ سُلَيْمانَ مَعَ الهُدْهُدِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١]، وأخَذَ الحَنابِلَةُ جَوازَ طُولِ مُدَّةِ الإجارَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ مُوسى، وصِهْرِهِ شُعَيْبٍ أوْ غَيْرِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٢٧]، وأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، لا يُخالِفُ ما ذَكَرْنا، لِأنَّ المُرادَ بِهِ أنَّ بَعْضَ الشَّرائِعِ تُنْسَخُ فِيها أحْكامٌ كانَتْ مَشْرُوعَةً قَبْلَ ذَلِكَ، ويُجَدَّدُ فِيها تَشْرِيعُ أحْكامٍ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً قَبْلَ ذَلِكَ. وَبِهَذا الِاعْتِبارِ يَكُونُ لِكُلٍّ شِرْعَةٍ ومِنهاجٍ مِن غَيْرِ مُخالَفَةٍ لِما ذَكَرْنا، وهَذا ظاهِرٌ، فَبِهَذا يَتَّضِحُ لَكَ الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ، وتَعْلَمُ أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، مَشْرُوعٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ كالعَكْسِ عَلى التَّحْقِيقِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وكَأنَّ القائِلَ بِعَدَمِ القِصاصِ بَيْنَهُما يَتَشَبَّثُ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: ﴿والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وسَتَرى تَحْقِيقَ المَقامِ فِيهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - قَرِيبًا. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي - الَّذِي هو لِمَ لا يُخَصِّصْ عُمُومَ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ بِالتَّفْصِيلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ ؟ هو (p-٣٨٢)ما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن أنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ إذا كانَ مُحْتَمِلًا لِمَعْنًى آخَرَ، غَيْرِ مُخالَفَتِهِ لِحُكْمِ المَنطُوقِ، يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِبارِ. قالَ صاحِبُ ”جَمْعِ الجَوامِعِ“ في الكَلامِ عَلى مَفْهُومِ المُخالَفَةِ: وشَرْطُهُ ألّا يَكُونَ المَسْكُوتُ تُرِكَ لِخَوْفٍ ونَحْوِهِ، إلى أنْ قالَ: أوْ غَيْرِهِ مِمّا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾، يَدُلُّ عَلى قَتْلِ الحُرِّ بِالحُرِّ، والعَبْدِ بِالعَبْدِ، والأُنْثى بِالأُنْثى، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِقَتْلِ الأُنْثى بِالذَّكَرِ، أوِ العَبْدِ بِالحُرِّ، ولا لِعَكْسِهِ بِالمَنطُوقِ. وَمَفْهُومُ مُخالَفَتِهِ هُنا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ، أنَّ قَبِيلَتَيْنِ مِنَ العَرَبِ اقْتَتَلَتا، فَقالَتْ إحْداهُما: نَقْتُلُ بِعَبْدِنا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، وبِأُمَّتِنا فُلانَةُ بِنْتُ فُلانٍ، تَطاوُلًا مِنهم عَلَيْهِمْ، وزَعَما أنَّ العَبْدَ مِنهم بِمَنزِلَةِ الحَرِّ مِن أُولَئِكَ، وأنَّ أُنْثاهم أيْضًا بِمَنزِلَةِ الرَّجُلِ مِنَ الآخَرِينَ، تَطاوُلًا عَلَيْهِمْ، وإظْهارًا لِشَرَفِهِمْ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ مَعْنى هَذا القُرْطُبِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ. وَرَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ نَحْوَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، والسُّيُوطِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، لِأنَّهم كانَ بَيْنَهم قِتالٌ، وبَنُو النَّضِيرِ يَتَطاوَلُونَ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ. فالجَمِيعُ مُتَّفَقٌ عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّ قَوْمًا يَتَطاوَلُونَ عَلى قَوْمٍ، ويَقُولُونَ: إنَّ العَبْدَ مِنّا لا يُساوِيهِ العَبْدُ مِنكم، وإنَّما يُساوِيهِ الحُرُّ مِنكم، والمَرْأةُ مِنّا لا تُساوِيها المَرْأةُ مِنكم، وإنَّما يُساوِيها الرَّجُلُ مِنكم، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا أنَّهم سَواءٌ، ولَيْسَ المُتَطاوِلُ مِنهم عَلى صاحِبِهِ بِأشْرَفَ مِنهُ، ولِهَذا لَمْ يُعْتَبَرْ مَفْهُومُ المُخالَفَةِ هُنا. * * وَأمّا قَتْلُ الحُرِّ بِالعَبْدِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ، مِنهم مالِكٌ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ. وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وزَيْدٌ، وابْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي، وغَيْرُهُ. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ: وهو مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيِّ، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ عَلى قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ، بِقَوْلِهِ ﷺ: «المُؤْمِنُونَ تَتَكافَأُ (p-٣٨٣)دِماؤُهم، وهم يَدٌ عَلى مَن سِواهم، ويَسْعى بِذِمَّتِهِمْ أدْناهم» الحَدِيثَ، أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وأبُو داوُدَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. فَعُمُومُ المُؤْمِنِينَ يَدْخُلُ فِيهِ العَبِيدُ، وكَذَلِكَ عُمُومُ النَّفْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ ﷺ: ”والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ“ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ، واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِما رَواهُ قَتادَةُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْناهُ، ومَن جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْناهُ»، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وفي رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ: «وَمِن خَصى عَبْدَهُ خَصَيْناهُ»، هَذِهِ هي أدِلَّةُ مَن قالَ بِقَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ. وَأُجِيبَ عَنْها مِن جِهَةِ الجُمْهُورِ بِما سَتَراهُ الآنَ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - أمّا دُخُولُ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ في عُمُومِ المُؤْمِنِينَ في حَدِيثِ: «المُؤْمِنُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» . وعُمُومِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ في الآيَةِ، والحَدِيثِ المَذْكُورِينَ، فاعْلَمْ أوَّلًا أنَّ دُخُولَ العَبِيدِ في عُمُوماتِ نُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَماءُ الأُصُولِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: الأوَّلُ: وعَلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ: أنَّ العَبِيدَ داخِلُونَ في عُمُوماتِ النُّصُوصِ؛ لِأنَّهم مِن جُمْلَةِ المُخاطَبِينَ بِها. الثّانِي: وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ مِنَ المالِكِيَّةِ، والشّافِعِيَّةِ، وغَيْرِهِمْ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ فِيها إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، واسْتَدَلَّ لِهَذا القَوْلِ بِكَثْرَةِ عَدَمِ دُخُولِهِمْ، كَعَدَمِ دُخُولِهِمْ في خِطابِ الجِهادِ، والحَجِّ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٨]، فالإماءُ لا يَدْخُلْنَ فِيهِ. الثّالِثُ: وذَهَبَ إلَيْهِ الرّازِيُّ مِنَ الحَنَفِيَّةِ أنَّ النَّصَّ العامَّ، إنْ كانَ مِنَ العِباداتِ، فَهم داخِلُونَ فِيهِ، وإنْ كانَ مِنَ المُعامَلاتِ لَمْ يَدْخُلُوا فِيهِ، وأشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ إلى أنَّ دُخُولَهم في الخِطابِ العامِّ هو الصَّحِيحُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] والعَبْدُ والمَوْجُودُ والَّذِي كَفَرْ مَشْمُولَةٌ لَهُ لَدى ذَوِي النَّظَرْ ويَنْبَنِي عَلى الخِلافِ في دُخُولِهِمْ في عُمُوماتِ النُّصُوصِ، وُجُوبُ صَلاةِ الجُمُعَةُ عَلى المَمْلُوكَيْنِ، فَعَلى أنَّهم داخِلُونَ في العُمُومِ فَهي واجِبَةٌ عَلَيْهِمْ، وعَلى أنَّهم لا يَدْخُلُونَ فِيهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَهي غَيْرُ واجِبَةٍ عَلَيْهِمْ، وكَذَلِكَ إقْرارُ العَبْدِ بِالعُقُوبَةِ بِبَدَنِهِ يَنْبَنِي أيْضًا عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ، قالَهُ صاحِبُ ”نَشْرِ البُنُودِ شَرَحِ مَراقِي السُّعُودِ“ في (p-٣٨٤)شَرْحِ البَيْتِ المَذْكُورِ آنِفًا، فَإذا عَلِمْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ دُخُولِ العَبِيدِ في عُمُومِ نُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَلا إشْكالَ. وَعَلى القَوْلِ بِدُخُولِهِمْ فِيهِ، فالجَوابُ عَنْ عَدَمِ إدْخالِهِمْ في عُمُومِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها يُعْلَمُ مِن أدِلَّةِ الجُمْهُورِ الآتِيَةِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - عَلى عَدَمِ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ، وأمّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَيُجابُ عَنْهُ مِن أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ بِالحَدِيثِ تَرَكُوا رِوايَةَ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ، وقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ إلّا حَدِيثَ العَقِيقَةِ، وأثْبَتَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، والبُخارِيُّ سَماعَهُ عَنْهُ. قالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ في كِتابِ ”الجِناياتِ“ ما نَصُّهُ: وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ رَغِبُوا عَنْ رِوايَةِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ. وَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ غَيْرَ حَدِيثِ العَقِيقَةِ، وقالَ أيْضًا في بابِ ”النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الحَيَوانِ بِالحَيَوانِ“: إنَّ أكْثَرَ الحُفّاظِ لا يُثْبِتُونَ سَماعَ الحَسَنِ مِن سَمُرَةَ في غَيْرِ حَدِيثِ العَقِيقَةِ. الثّانِي: أنَّ الحَسَنَ كانَ يُفْتِي بِأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ، ومُخالَفَتُهُ لِما رَوى تَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِ عِنْدَهُ، قالَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا ما نَصُّهُ: قالَ قَتادَةُ: ثُمَّ إنَّ الحَسَنَ نَسِيَ هَذا الحَدِيثَ، قالَ: لا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ، قالَ الشَّيْخُ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الحَسَنُ لَمْ يَنْسَ الحَدِيثَ، لَكِنْ رَغِبَ عَنْهُ لِضَعْفِهِ. الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”مُنْتَقى الأخْبارِ“ مِن أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ قالَ بِعَدَمِ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ، وتَأوَّلُوا الخَبَرَ عَلى أنَّهُ أرادَ مَن كانَ عَبْدَهُ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَقَدُّمُ المِلْكِ مانِعًا مِنَ القِصاصِ. الرّابِعُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِالأدِلَّةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها الجُمْهُورُ في عَدَمِ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ، وسَتَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مُفَصَّلَةً، وهي تَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ، والنَّهْيُ مُقَدَّمٌ عَلى الأمْرِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. الخامِسُ: ما ادَّعى ابْنُ العَرَبِيِّ دَلالَتَهُ عَلى بُطْلانِ هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، ووَلِيُّ العَبْدِ سَيِّدُهُ، قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ الآيَةَ، ما نَصُّهُ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: (p-٣٨٥)وَلَقَدْ بَلَغَتِ الجَهالَةُ بِأقْوامٍ إلى أنْ قالُوا: يُقْتَلُ الحُرُّ بِعَبْدِ نَفْسِهِ. ورَوَوْا في ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن قَتَلَ عَبْدَهَ قَتَلْناهُ»، وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ. وَدَلِيلُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾، والوَلِيُّ هاهُنا: السَّيِّدُ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ لَهُ سُلْطانٌ عَلى نَفْسِهِ، وقَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ السَّيِّدَ إذا قَتَلَ عَبْدَهُ خَطَأً؛ أنَّهُ لا تُؤْخَذُ مِنهُ قِيمَتُهُ لِبَيْتِ المالِ. اهـ. وَتَعَقَّبَ القُرْطُبِيُّ تَضْعِيفَ ابْنِ العَرَبِيِّ لِحَدِيثِ الحَسَنِ هَذا عَنْ سَمُرَةَ، بِأنَّ البُخارِيَّ، وابْنَ المَدِينِيِّ صَحَّحا سَماعَهُ مِنهُ، وقَدْ عَلِمْتَ تَضْعِيفَ الأكْثَرِ لِرِوايَةِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ فِيما تَقَدَّمَ؛ ويَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِ مُخالَفَةُ الحَسَنِ نَفْسَهُ لَهُ. السّادِسُ: أنَّ الحَدِيثَ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ، والمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ. السّابِعُ: ما قِيلَ مِن أنَّهُ مَنسُوخٌ. قالَ الشَّوْكانِيُّ: ويُؤَيِّدُ النُّسَخَ فَتْوى الحَسَنِ بِخِلافِهِ. الثّامِنُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾، ولَكِنّا قَدْ قَدَّمْنا عَدَمَ اعْتِبارِ هَذا المَفْهُومِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ - وهُمُ الجُمْهُورُ - بِأدِلَّةٍ، مِنها ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، بِإسْنادِهِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَيّاشٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أنْ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ مُتَعَمِّدًا، فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ونَفاهُ سَنَةً، ومَحا اسْمَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يُقِدْهُ بِهِ، وأمَرَهُ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً»، ورِوايَةُ إسْماعِيلَ بْنِ عَيّاشٍ، عَنِ الشّامِيِّينَ، قَوِيَّةٌ صَحِيحَةٌ. وَمَعْلُومٌ أنَّ الأوْزاعِيَّ شامِيٌّ دِمَشْقِيُّ، قالَ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: ولَكِنَّ دُونَهُ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ الشّامِيَّ، قالَ فِيهِ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم بِالمَحْمُودِ، وعِنْدَهُ غَرائِبُ. وَأسْنَدَ البَيْهَقِيُّ هَذا الحَدِيثَ، فَقالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ الحارِثِ الفَقِيهُ، أنْبَأ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الحافِظُ، ثَنا الحُسَيْنُ بْنُ الحُسَيْنِ الصّابُونِيُّ الأنْطاكِيُّ، قاضِي الثُّغُورِ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ الرَّمْلِيُّ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الرَّمْلِيُّ، ثَنا إسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ عَنِ (p-٣٨٦)الأوْزاعِيِّ إلى آخِرِ السَّنَدِ المُتَقَدِّمِ بِلَفْظِ المَتْنِ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الرَّمْلِيُّ مِن رِجالِ البُخارِيِّ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ يَهِمُ، فَتَضْعِيفُ هَذا الحَدِيثِ بِهِ لا يَخْلُو مِن نَظَرٍ. والظّاهِرُ أنَّ تَضْعِيفَ البَيْهَقِيِّ لَهُ مِن جِهَةِ إسْماعِيلَ بْنِ عَيّاشٍ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الحَقَّ كَوْنُهُ قَوِيًّا في الشّامِيِّينَ، دُونَ الحِجازِيِّينَ، كَما صَرَّحَ بِهِ أئِمَّةُ الحَدِيثِ كالإمامِ أحْمَدَ، والبُخارِيِّ، ولِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذا شاهِدٌ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ، وغَيْرِهِ، مِن طَرِيقِ إسْماعِيلَ بْنِ عَيّاشٍ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ عَبْدَهُ مُتَعَمِّدًا، فَجَلَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةً، ونَفاهُ سَنَةً، ومَحا اسْمَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يُقِدْهُ بِهِ» . ولَكِنَّ إسْحاقَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ مَتْرُوكٌ. وَمِن أدِلَّتِهِمْ عَلى أنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِعَبْدٍ ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُ، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: ”أنَّهُ جاءَتْهُ جارِيَةٌ اتَّهَمَها سَيِّدُها، فَأقْعَدَها في النّارِ فاحْتَرَقَ فَرْجُها، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“ لا يُقادُ مَمْلُوكٌ مِن مالِكِهِ، ولا ولَدٌ مِن والِدِهِ ”، لَأقَدْناها مِنكَ فَبَرَزَهُ، وضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، وقالَ لِلْجارِيَةِ: اذْهَبِي فَأنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وأنْتِ مُوَلّاةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ»“ . قالَ أبُو صالِحٍ، وقالَ اللَّيْثُ: وهَذا القَوْلُ مَعْمُولٌ بِهِ، وفي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ عُمَرُ بْنُ عِيسى القُرَشِيُّ الأسَدِيُّ. ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أحْمَدَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ حَمّادٍ يَذْكُرُ عَنِ البُخارِيِّ أنَّهُ مُنْكَرُ الحَدِيثِ. وَقالَ فِيهِ الشَّوْكانِيُّ: هو مُنْكَرُ الحَدِيثِ، كَما قالَ البُخارِيُّ: ومِن أدِلَّتِهِمْ عَلى أنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِعَبْدٍ، ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ»، قالَ البَيْهَقِيُّ بَعْدَ أنْ ساقَ هَذا الحَدِيثَ: وفي هَذا الإسْنادِ ضَعْفٌ، وإسْنادُهُ المَذْكُورُ فِيهِ جُوَيْبِرٌ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ: فِيهِ جُوَيْبِرٌ وغَيْرُهُ مِنَ المَتْرُوكِينَ، ومِن أدِلَّتِهِمْ عَلى أنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِعَبْدٍ، ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ الجُعْفِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ”مِنَ السُّنَّةِ ألّا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ“ تَفَرَّدَ بِهَذا الحَدِيثِ جابِرٌ المَذْكُورُ، وقَدْ ضَعَّفَهُ الأكْثَرُ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: ضَعِيفٌ (p-٣٨٧)رافِضِيٌّ. وَقالَ فِيهِ النَّسائِيُّ: مَتْرُوكٌ، ووَثَّقَهُ قَوْمٌ مِنهُمُ الثَّوْرِيُّ، وذَكَرَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ في بابِ ”النَّهْيِ عَنِ الإمامَةِ جالِسًا“ عَنِ الدّارَقُطْنِيِّ: أنَّهُ مَتْرُوكٌ. وَمِن أدِلَّتِهِمْ أيْضًا ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ مِن طَرِيقِ المُثَنّى بْنِ الصَّبّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «كانَ لِزِنْباعٍ عَبْدٌ يُسَمّى سَنْدَرًا، أوِ ابْنَ سَنْدَرٍ، فَوَجَدَهُ يُقَبِّلُ جارِيَةً لَهُ، فَأخَذَهُ فَجَبَّهُ، وجَدَعَ أُذُنَيْهِ وأنْفَهُ، فَأتى إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ ”مَن مَثَّلَ بِعَبْدِهِ أوْ حَرَّقَهُ بِالنّارِ فَهو حُرٌّ، وهو مَوْلى اللَّهِ ورَسُولِهِ“، فَأعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُقِدْهُ مِنهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أوْصِ بِي، فَقالَ: ”أُوصِي بِكَ كُلَّ مُسْلِمٍ»“ . قالَ البَيْهَقِيُّ بَعْدَ أنْ ساقَ هَذا الحَدِيثَ: المُثَنّى بْنُ الصَّبّاحِ ضَعِيفٌ لا يُحْتَجُّ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَجّاجِ بْنِ أرْطَأةَ عَنْ عَمْرٍو مُخْتَصَرًا، ولا يُحْتَجُّ بِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في آيَةِ التَّيَمُّمِ تَضْعِيفَ حَجّاجِ بْنِ أرْطَأةَ. وَرُوِيَ عَنْ سَوّارِ بْنِ أبِي حَمْزَةَ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ، هَكَذا قالَ البَيْهَقِيُّ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: سَوّارُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ مِن رِجالِ مُسْلِمٍ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ لَهُ أوْهامٌ، ومِن أدِلَّتِهِمْ أيْضًا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مُسْتَصْرِخٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: حادِثَةٌ لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: ”وَيْحَكَ ما لَكَ ؟“ فَقالَ: شَرٌّ، أبْصَرَ لِسَيِّدِهِ جارِيَةً، فَغارَ، فَجَبَّ مَذاكِيرَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”عَلَيَّ بِالرَّجُلِ“، فَطُلِبَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اذْهَبْ فَأنْتَ حُرٌّ“، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ عَلى مَن نُصْرَتِي ؟، قالَ: ”عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ“، أوْ قالَ: ”عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ»“، ومِن أدِلَّتِهِمْ، ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، عَنْ بُكَيْرٍ أنَّهُ قالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ بِألا يُقْتَلَ الحُرُّ المُسْلِمُ بِالعَبْدِ، وإنْ قَتَلَهُ عَمْدًا، وعَلَيْهِ العَقْلُ. وَمِن أدِلَّتِهِمْ أيْضًا ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وغَيْرِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ، وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: ”أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا لا يَقْتُلانِ الحُرَّ بِالعَبْدِ“، وهَذِهِ الرِّواياتُ الكَثِيرَةُ، وإنْ كانَتْ لا يَخْلُو شَيْءٌ مِنها مِن مَقالٍ، فَإنَّ بَعْضَها يَشُدُّ بَعْضًا، (p-٣٨٨)وَيُقَوِّيهِ حَتّى يَصْلُحَ المَجْمُوعُ لِلِاحْتِجاجِ. قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ ما نَصُّهُ: وثانِيًا بِالأحادِيثِ القاضِيَةِ؛ بِأنَّهُ لا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ، فَإنَّها قَدْ رُوِيَتْ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا فَتَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وتَعْتَضِدُ هَذِهِ الأدِلَّةُ عَلى ألّا يُقْتُلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ بِإطْباقِهِمْ عَلى عَدَمِ القِصاصِ لِلْعَبْدِ مِنَ الحُرِّ فِيما دُونَ النَّفْسِ، فَإذا لَمْ يَقْتَصَّ لَهُ مِنهُ في الأطْرافِ، فَعَدَمُ القِصاصِ في النَّفْسِ مِن بابِ أوْلى، ولَمْ يُخالِفْ في أنَّهُ لا قِصاصَ لِلْعَبْدِ مِنَ الحَرِّ فِيما دُونَ النَّفْسِ إلّا داوُدُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وتَعْتَضِدُ أيْضًا بِإطْباقِ الحُجَّةِ مِنَ العُلَماءِ، عَلى أنَّهُ إنْ قُتِلَ خَطَأً فَفِيهِ القِيمَةُ، لا الدِّيَةُ. وَقَيَّدَهُ جَماعَةٌ بِما إذا لَمَّ تَزِدْ قِيمَتُهُ عَنْ دِيَةِ الحُرِّ، وتَعْتَضِدُ أيْضًا بِأنَّ شَبَهَ العَبْدِ بِالمالِ أقْوى مَن شَبَهِهِ بِالحُرِّ، مِن حَيْثُ إنَّهُ يَجْرِي فِيهِ ما يَجْرِي في المالِ مِن بَيْعٍ، وشِراءٍ، وإرْثٍ، وهَدِيَّةٍ، وصَدَقَةٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَّصَرُّفِ، وبِأنَّهُ لَوْ قَذَفَهُ حُرٌّ ما وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ، إلّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، وأهْلِ الظّاهِرِ مِن وُجُوبِهِ في قَذْفِ أُمِّ الوَلَدِ خاصَّةً. وَيَدُلُّ عَلى عَدَمِ حَدِّ الحُرِّ بِقَذْفِهِ العَبْدَ ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ أبا القاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «مِن قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وهو بَرِيءٌ مِمّا يَقُولُ جُلِدَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أنْ يَكُونَ كَما قالَ»، وهو يَدُلُّ عَلى عَدَمِ جَلَدِهِ في الدُّنْيا، كَما هو ظاهِرٌ. هَذا مُلَخَّصُ كَلامِ العُلَماءِ في حُكْمِ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ. * * وَأمّا قَتْلُ المُسْلِمِ بِالكافِرِ فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى مَنعِهِ، مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، ومُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ وغَيْرِهِ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وعُثْمانَ وغَيْرِهِمْ. وَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ إلى أنَّ المُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ، واسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ في الآيَةِ والحَدِيثِ المُتَقَدِّمَيْنِ، وبِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ رَبِيعَةُ بْنُ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ البَيْلَمانِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعاهَدٍ»، (p-٣٨٩)وَهُوَ مُرْسَلٌ مِنَ الصَّحابَةِ ضَعِيفٌ، فابْنُ البَيْلَمانِيِّ لا يُحْتَجُّ بِهِ لَوْ وصَلَ، فَكَيْفَ وقَدْ أرْسَلَ، وتَرْجَمَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ لِهَذا الحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: بابُ ”بَيانِ ضَعْفِ الخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ في قَتْلِ المُؤْمِنِ بِالكافِرِ، وما جاءَ عَنِ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ“، وذَكَرَ طُرُقَهُ، وبَيَّنَ ضَعْفَها كُلَّها. وَمِن جُمْلَةِ ما قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ الحارِثِ الفَقِيهُ، قالَ: قالَ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الدّارَقُطْنِيُّ الحافِظُ: ابْنُ البَيْلَمانِيِّ ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ إذا وصَلَ الحَدِيثَ، فَكَيْفَ بِما يُرْسِلُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ الآيَةَ، ما نَصُّهُ: ولا يَصِحُّ لَهم ما رَوَوْهُ مِن حَدِيثِ رَبِيعَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ يَوْمَ خَيْبَرَ مُسْلِمًا بِكافِرٍ» لِأنَّهُ مُنْقَطِعٌ، ومِن حَدِيثِ ابْنِ البَيْلَمانِيِّ، وهو ضَعِيفٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَرْفُوعًا، قالَ الدّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ إبْراهِيمَ بْنِ أبِي يَحْيى، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. والصَّوابُ عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ البَيْلَمانِيِّ مُرْسَلٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وابْنُ البَيْلَمانِيِّ ضَعِيفُ الحَدِيثِ، لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ إذا وصَلَ الحَدِيثَ، فَكَيْفَ بِما يُرْسِلُهُ، فَإذا عَرَفْتَ ضَعْفَ الِاسْتِدْلالِ عَلى قَتْلِ المُسْلِمِ بِالكافِرِ، فاعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ لا يُقْتَلُ بِهِ ثابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُبُوتًا لا مَطْعَنَ فِيهِ مُبَيِّنًا بُطْلانَ تِلْكَ الأدِلَّةِ الَّتِي لا يُعَوَّلُ عَلَيْها. فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في بابِ ”كِتابَةِ العِلْمِ“، وفي بابِ ”لا يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالكافِرِ“، «أنَّ أبا جُحَيْفَةَ سَألَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ مِمّا لَيْسَ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ: لا، والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَّأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا في كِتابِهِ، وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وما في الصَّحِيفَةِ ؟، قالَ: العَقْلُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، وألّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ» . فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ، قاطِعٌ لِلنِّزاعِ، مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ، مُبَيِّنٌ عَدَمَ صِحَّةِ الأخْبارِ المَرْوِيَّةِ بِخِلافِهِ، ولَمْ يَصِحَّ في البابِ شَيْءٌ يُخالِفُهُ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذا: ولا يَصِحُّ حَدِيثٌ، ولا تَأْوِيلٌ يُخالِفُ هَذا، وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ قُلْتُ: فَلا يَصِحُّ في البابِ إلّا حَدِيثُ البُخارِيِّ، وهو يُخَصِّصُ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ الآيَةَ، وعُمُومَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا في هَذا المَبْحَثِ هو تَحْقِيقُ المَقامِ في حُكْمِ (p-٣٩٠)القِصاصِ في الأنْفُسِ بَيْنَ الذُّكُورِ والإناثِ، والأحْرارِ والعَبِيدِ، والمُسْلِمِينَ والكُفّارِ. وَأمّا حُكْمُ القِصاصِ بَيْنَهم في الأطْرافِ، فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ تابِعٌ لِلْقِصاصِ في الأنْفُسِ؛ فَكُلُّ شَخْصَيْنِ يَجْرِي بَيْنَهُما القِصاصُ في النَّفْسِ، فَإنَّهُ يَجْرِي بَيْنَهُما في الأطْرافِ، فَيُقْطَعُ الحُرُّ المُسْلِمُ بِالحُرِّ المُسْلِمِ، والعَبْدُ بِالعَبْدِ، والذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ، والذَّكَرُ بِالأُنْثى، والأُنْثى بِالذَّكَرِ، ويُقْطَعُ النّاقِصُ بِالكامِلِ، كالعَبْدِ بِالحُرِّ، والكافِرِ بِالمُسْلِمِ. وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّ النّاقِصَ لا يُقْتَصُّ مِنهُ لِلْكامِلِ في الجِراحِ، فَلا يُقْتَصُّ مِن عَبْدٍ جَرَحَ حُرًّا، ولا مِن كافِرٍ جَرَحَ مُسْلِمًا، وهو مُرادُ خَلِيلِ بْنِ إسْحاقَ المالِكِيِّ بِقَوْلِهِ في ”مُخْتَصَرِهِ“: والجُرْحُ كالنَّفْسِ في الفِعْلِ، والفاعِلِ والمَفْعُولِ، إلّا ناقِصًا جَرَحَ كامِلًا، يَعْنِي فَلا يُقْتَصُّ مِنهُ لَهُ، ورِوايَةُ ابْنِ القَصّارِ عَنْ مالِكٍ وُجُوبُ القِصاصِ وِفاقًا لِلْأكْثَرِ، ومَن لا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ، لا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ، فَلا يُقْطَعُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ، ولا حُرٌّ بِعَبْدٍ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وإسْحاقُ، وابْنُ المُنْذِرِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهم صاحِبُ ”المُغْنِي“، وغَيْرُهُ. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا قِصاصَ في الأطْرافِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي البَدَلِ، فَلا يُقْطَعُ الكامِلُ بِالنّاقِصِ، ولا النّاقِصُ بِالكامِلِ، ولا الرَّجُلُ بِالمَرْأةِ، ولا المَرْأةُ بِالرَّجُلِ، ولا الحُرُّ بِالعَبْدِ، ولا العَبْدُ بِالحُرِّ. وَيُقْطَعُ المُسْلِمُ بِالكافِرِ، والكافِرُ بِالمُسْلِمِ؛ لِأنَّ التَّكافُؤَ مُعْتَبَرٌ في الأطْرافِ، بِدَلِيلِ أنَّ الصَّحِيحَةَ لا تُؤْخَذُ بِالشَّلّاءِ، ولا الكامِلَةَ بِالنّاقِصَةِ، فَكَذَلِكَ لا يُؤْخَذُ طَرَفُ الرَّجُلِ بِطَرَفِ المَرْأةِ، ولا يُؤْخَذُ طَرَفُها بِطَرَفِهِ، كَما لا تُؤْخَذُ اليُسْرى بِاليُمْنى. وَأُجِيبَ مِن قِبَلِ الجُمْهُورِ، بِأنَّ مَن يَجْرِي بَيْنَهُما القِصاصُ في النَّفْسِ، يَجْرِي في الطَّرَفِ بَيْنَهُما، كالحُرَّيْنِ، وما ذَكَرَهُ المُخالِفُ يَبْطُلُ بِالقِصاصِ في النَّفْسِ، فَإنَّ التَّكافُؤَ فِيهِ مُعْتَبَرٌ؛ بِدَلِيلِ أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِمُسْتَأْمَنٍ، ثُمَّ يَلْزَمُهُ أنْ يَأْخُذَ النّاقِصَةَ بِالكامِلَةِ؛ لِأنَّ المُماثَلَةَ قَدْ وُجِدَتْ، ومَعَها زِيادَةٌ، فَوَجَبَ أخْذُها بِها إذا رَضِيَ المُسْتَحِقُّ، كَما تُؤْخَذُ ناقِصَةُ الأصابِعِ بِكامِلَةِ الأصابِعِ. وَأمّا اليَسارُ واليَمِينُ، فَيُجْرَيانِ مَجْرى النَّفْسِ لِاخْتِلافِ مَحَلَّيْهِما، ولِهَذا اسْتَوى بَدَلُهُما، فَعُلِمَ أنَّها لَيْسَتْ ناقِصَةً عَنْها شَرْعًا، وأنَّ العِلَّةَ فِيهِما لَيْسَتْ كَما ذَكَرَ المُخالِفُ، قالَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ . (p-٣٩١)وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلى جَرَيانِ القِصاصِ في الأطْرافِ، بَيْنَ مَن جَرى بَيْنَهم في الأنْفُسِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] . وَما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ مِن أنَّهُ لا قِصاصَ بَيْنَ العَبِيدِ، فِيما دُونَ النَّفْسِ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وِفاقًا لِأبِي حَنِيفَةَ؛ مُعَلِّلِينَ بِأنَّ أطْرافَ العَبِيدِ مالٌ كالبَهائِمِ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الجُمْهُورِ الَّذِي ذَكَرْنا آنِفًا، وبِأنَّ أنْفُسَ العَبِيدِ مالٌ أيْضًا كالبَهائِمِ، مَعَ تَصْرِيحِ اللَّهِ تَعالى بِالقِصاصِ فِيها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْقِصاصِ فِيما دُونَ النَّفْسِ، ثَلاثَةُ شُرُوطٍ: الأوَّلُ: كَوْنُهُ عَمْدًا، وهَذا يُشْتَرَطُ في قَتْلِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ أيْضًا. الثّانِي: كَوْنُهُما يَجْرِي بَيْنَهُما القِصاصُ في النَّفْسِ. الثّالِثُ: إمْكانُ الِاسْتِيفاءِ مِن غَيْرِ حَيْفٍ، ولا زِيادَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٦]، ويَقُولُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فَإنْ لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفاؤُهُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ سَقَطَ القِصاصُ، ووَجَبَتِ الدِّيَةُ، ولِأجْلِ هَذا أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ ما يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُهُ مِن غَيْرِ حَيْفٍ، ولا زِيادَةٍ، فِيهِ القِصاصُ المَذْكُورُ في الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾، وكالجِراحِ الَّتِي تَكُونُ في مَفْصِلٍ، كَقَطْعِ اليَدِ، والرِّجْلِ مِن مَفْصِلَيْهِما. واخْتَلَفُوا في قَطْعِ العُضْوِ مِن غَيْرِ مَفْصِلٍ، بَلْ مِن نَفْسِ العَظْمِ، فَمِنهم مَن أوْجَبَ فِيهِ القِصاصَ؛ نَظَرًا إلى أنَّهُ يُمْكِنُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا مالِكٌ، فَأوْجَبَ القِصاصَ في قَطْعِ العَظْمِ مِن غَيْرِ المَفْصِلِ، إلّا فِيما يُخْشى مِنهُ المَوْتُ، كَقَطْعِ الفَخِذِ، وغَيْرِها. وَقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجِبُ القِصاصُ في شَيْءٍ مِنَ العِظامِ مُطْلَقًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ يَقُولُ عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وهو مَشْهُورُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وغَيْرُهُ. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وصاحِباهُ: لا يَجُبِ القِصاصُ في شَيْءٍ مِنَ العِظامِ، إلّا في السِّنِّ. (p-٣٩٢)واسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّهُ لا قِصاصَ في قَطْعِ العَظْمِ مِن غَيْرِ المَفْصِلِ، بِما رَواهُ ابْنُ ماجَهْ مِن طَرِيقِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، عَنْ دَهْثَمِ بْنِ قُرّانٍ، عَنْ نِمْرانَ بْنِ جارِيَةَ، عَنْ أبِيهِ جارِيَةَ بْنِ ظَفَرٍ الحَنَفِيِّ، «أنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلى ساعِدِهِ بِالسَّيْفِ مِن غَيْرِ المَفْصِلِ فَقَطَعَها، فاسْتَعْدى النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَ لَهُ بِالدِّيَةِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُرِيدُ القِصاصَ، فَقالَ: ”خُذِ الدِّيَةَ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيها“ ولَمْ يَقْضِ لَهُ بِالقِصاصِ» . قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَيْسَ لِهَذا الحَدِيثِ غَيْرُ هَذا الإسْنادِ، ودَهْثَمُ بْنُ قُرّانٍ العُكْلِيُّ ضَعِيفٌ أعْرابِيٌّ لَيْسَ حَدِيثُهُ مِمّا يَحْتَجُّ بِهِ، ونِمْرانُ بْنُ جارِيَةَ ضَعِيفٌ أعْرابِيٌّ أيْضًا، وأبُوهُ جارِيَةُ بْنُ ظَفَرٍ مَذْكُورٌ في الصَّحابَةِ، اهـ. مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“ في دَهْثَمٍ المَذْكُورِ: مَتْرُوكٌ، وفي نِمْرانَ المَذْكُورِ: مَجْهُولٌ، واخْتِلافُ العُلَماءِ في ذَلِكَ، إنَّما هو مِنِ اخْتِلافِهِمْ في تَحْقِيقِ مَناطِ المَسْألَةِ، فالَّذِينَ يَقُولُونَ بِالقِصاصِ، يَقُولُونَ: إنَّهُ يُمْكِنُ مِن غَيْرِ حَيْفٍ، والَّذِينَ يَقُولُونَ بِعَدَمِهِ، يَقُولُونَ: لا يُمْكِنُ إلّا بِزِيادَةٍ، أوْ نَقْصٍ، وهُمُ الأكْثَرُ. وَمِن هُنا مَنَعَ العُلَماءُ القِصاصَ، فِيما يُظَنُّ بِهِ المَوْتُ، كَما بَعْدَ المُوَضِّحَةِ مِن مُنَقِّلَةٍ أطارَتْ بَعْضَ عِظامِ الرَّأْسِ، أوْ مَأْمُومَةٍ وصَلَتْ إلى أُمِّ الدِّماغِ، أوْ دامِغَةٍ خَرَقَتْ خَرِيطَتَهُ، وكالجائِفَةِ، وهي الَّتِي نَفَذَتْ إلى الجَوْفِ، ونَحْوِ ذَلِكَ لِلْخَوْفِ مِنَ الهَلاكِ. وَأنْكَرَ النّاسُ عَلى ابْنِ الزُّبَيْرِ القِصاصَ في المَأْمُومَةِ. وقالُوا: ما سَمِعْنا بِأحَدٍ قالَهُ قَبْلَهُ، واعْلَمْ أنَّ العَيْنَ الصَّحِيحَةَ لا تُؤْخَذُ بِالعَوْراءِ، واليَدَ الصَّحِيحَةَ لا تُؤْخَذُ بِالشَّلّاءِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، كَما هو ظاهِرٌ. * * تَنْبِيهٌ إذا اقْتَصَّ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنَ الجانِي، فِيما دُونَ النَّفْسِ، فَماتَ مِنَ القِصاصِ، فَلا شَيْءَ عَلى الَّذِي اقْتَصَّ مِنهُ، عِنْدَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينَ، وغَيْرِهِمْ. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ الدِّيَةُ في مالِ المُقْتَصِّ، وقالَ الشَّعْبِيُّ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، والحارِثُ العُكْلِيِّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، تَجِبُ الدِّيَةُ عَلى عاقِلَةِ المُقْتَصِّ لَهُ. (p-٣٩٣)وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ، يُسْقَطُ عَنِ المُقْتَصِّ لَهُ قَدْرُ تِلْكَ الجِراحَةِ، ويَجِبُ الباقِي في مالِهِ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. والحُقُّ أنَّ سِرايَةَ القَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، لِأنَّ مَن قَتَلَهُ القَوَدُ، قَتَلَهُ الحَقُّ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وغَيْرِهِما، بِخِلافِ سِرايَةِ الجِنايَةِ، فَهي مَضْمُونَةٌ، والفَرْقُ بَيْنَهُما ظاهِرٌ جِدًّا. واعْلَمْ أنَّهُ لا تُؤْخَذُ عَيْنٌ، ولا أُذُنٌ، ولا يَدٌ يُسْرى بِيُمْنى، ولا عَكْسُ ذَلِكَ، لِوُجُوبِ اتِّحادِ المَحَلِّ في القِصاصِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وشَرِيكٍ أنَّهُما قالا: بِأنَّ إحْداهُما تُؤْخَذُ بِالأُخْرى، والأوَّلُ قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ تَأْخِيرُ القِصاصِ في الجِراحِ حَتّى تَنْدَمِلَ جِراحَةُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَإنِ اقْتَصَّ مِنهُ قَبْلَ الِانْدِمالِ، ثُمَّ زادَ جُرْحُهُ، فَلا شَيْءَ لَهُ. والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ، ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ في رُكْبَتِهِ، فَجاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أقِدْنِي، فَقالَ: ”حَتّى تَبْرَأ“، ثُمَّ جاءَ إلَيْهِ، فَقالَ: أقِدْنِي، فَأقادَهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ عَرِجْتُ، فَقالَ: ”قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَأبْعَدَكَ اللَّهُ وبَطَلَ عَرَجُكَ“، ثُمَّ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقْتَصَّ مِن جُرْحٍ قَبْلَ أنْ يَبْرَأ صاحِبُهُ»، تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِجَوازِ تَعْجِيلِ القِصاصِ قَبْلَ البُرْءِ، وقَدْ عَرَفْتَ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ المَذْكُورِ آنِفًا، أنَّ سِرايَةَ الجِنايَةِ بَعْدَ القِصاصِ هَدَرٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: لَيْسَتْ هَدَرًا، بَلْ هي مَضْمُونَةٌ، والحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِما - رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى - ووَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ اسْتَعْجَلَ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِعْجالُهُ، فَأبْطَلَ الشّارِعُ حَقَّهُ. * * وَإذا عَرَفْتَ مِمّا ذَكَرْنا تَفْصِيلَ مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآيَةَ. فاعْلَمْ أنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢]، هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: المُحارَبَةُ هي المُخالَفَةُ والمُضادَّةُ، وهي صادِقَةٌ عَلى الكُفْرِ، وعَلى قَطْعِ الطَّرِيقِ، وإخافَةِ السَّبِيلِ، وكَذا الإفْسادُ في الأرْضِ، يُطْلَقُ عَلى أنْواعٍ (p-٣٩٤)مِنَ الشَّرِّ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] . فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ المُحارِبَ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، ويُخِيفُ السَّبِيلَ، ذَكَرَ اللَّهُ أنَّ جَزاءَهُ واحِدَةٌ مِن أرْبَعِ خِلالٍ هي: أنْ يُقَتَّلُوا، أوْ يُصَلَّبُوا، أوْ تُقَطَّعُ أيْدِيهِمْ، وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ، أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ فِيها، يَفْعَلُ ما شاءَ مِنها بِالمُحارِبِ، كَما هو مَدْلُولٌ، أوْ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى التَّخْيِيرِ. وَنَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم أوْ كِسْوَتُهم أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] . وَكَوْنُ الإمامِ مُخَيَّرًا بَيْنَهُما مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، هو مَذْهَبُ مالِكٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والضَّحّاكُ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ، وهو رِوايَةُ ابْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ونَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ، عَنْ أبِي ثَوْرٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، والنَّخَعِيِّ، ومالِكٍ، وقالَ: وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَرَجَّحَ المالِكِيَّةُ هَذا القَوْلَ بِأنَّ اللَّفْظَ فِيهِ مُسْتَقِلٌّ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ، لِأنَّ اللَّفْظَ إذا دارَ بَيْنَ الِاسْتِقْلالِ، والِافْتِقارِ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، فالِاسْتِقْلالُ مُقَدَّمٌ؛ لِأنَّهُ هو الأصْلُ، إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ عَلى لُزُومِ تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ، وإلى هَذا أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] ؎كَذاكَ ما قابَلَ ذا اعْتِلالِ مِنَ التَّأصُّلِ والِاسْتِقْلالِ إلى قَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] ؎كَذاكَ تَرْتِيبٌ لِإيجابِ العَمَلْ ∗∗∗ بِما لَهُ الرُّجْحانُ مِمّا يَحْتَمِلُ والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُنَزَّلَةٌ عَلى أحْوالٍ، وفِيها قُيُودٌ مُقَدَّرَةٌ، وإيضاحُهُ: أنَّ المَعْنى أنْ يَقَتَّلُوا إذا قَتَلُوا، ولَمْ يَأْخُذُوا المالَ، أوْ يُصَلَّبُوا إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ، وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ إذا أخَذُوا ولَمْ يَقْتُلُوا أحَدًا، (p-٣٩٥)أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ، إذا أخافُوا السَّبِيلَ، ولَمْ يَقْتُلُوا أحَدًا، ولَمْ يَأْخُذُوا مالًا، وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ والأئِمَّةِ. قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، ونَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مِجْلَزٍ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وغَيْرِهِمْ. وَنَقَلَ القُرْطُبِيُّ، عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، إذا قَتَلَ قُتِلَ، وإذا أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ، وإذا أخَذَ المالَ وقَتَلَ، فالسُّلْطانُ مُخَيَّرٌ فِيهِ إنْ شاءَ قَطَعَ يَدَهُ ورِجْلَهُ، وإنْ شاءَ لَمْ يَقْطَعْ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ المُتَبادِرَ مِنَ الآيَةِ، هو القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ بِقُيُودٍ تَحْتاجُ إلى نَصٍّ مِن كِتابٍ، أوْ سُنَّةٍ، وتَفْسِيرُ الصَّحابِيِّ لِهَذا بِذَلِكَ، لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، لِإمْكانِ أنْ يَكُونَ عَنِ اجْتِهادٍ مِنهُ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا رَوى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِالقُيُودِ المَذْكُورَةِ، خَبَرًا مَرْفُوعًا، إلّا ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أنَسٍ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ: أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ كَتَبَ إلى أنَسِ بْنِ مالِكٍ، يَسْألُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنَسٌ يُخْبِرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُولَئِكَ النَّفَرِ العُرَنَيِّينَ، إلى أنْ قالَ: قالَ أنَسٌ: «فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ عَنِ القَضاءِ فِيمَن حارَبَ، فَقالَ: مَن سَرَقَ، وأخافَ السَّبِيلَ، فاقْطَعْ يَدَهُ بِسَرِقَتِهِ، ورِجْلَهُ بِإخافَتِهِ، ومَن قَتَلَ فاقْتُلْهُ، ومَن قَتَلَ وأخافَ السَّبِيلَ، واسْتَحَلَّ الفَرْجَ الحَرامَ، فاصْلُبْهُ» "، وهَذا الحَدِيثُ لَوْ كانَ ثابِتًا لَكانَ قاطِعًا لِلنِّزاعِ، ولَكِنْ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ خَلَّطَ بَعْدَ احْتِراقِ كُتُبِهِ، ولا يُحْتَجُّ بِهِ، وهَذا الحَدِيثُ لَيْسَ راوِيهِ عَنْهُ ابْنَ المُبارَكَ، ولا ابْنَ وهْبٍ؛ لِأنَّ رِوايَتَهُما عَنْهُ أعْدَلُ مِن رِوايَةِ غَيْرِهِما، وابْنُ جَرِيرٍ نَفْسُهُ يَرى عَدَمَ صِحَّةِ هَذا الحَدِيثِ الَّذِي ساقَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ في سَوْقِهِ لِلْحَدِيثِ المَذْكُورِ: وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَصْحِيحِ ما قُلْنا في ذَلِكَ بِما في إسْنادِهِ نَظَرٌ، وذَلِكَ ما حَدَّثَنا بِهِ عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، إلى آخِرِ الإسْنادِ الَّذِي قَدَّمْنا آنِفًا، وذَكَرْنا مَعَهُ مَحَلَّ الغَرَضِ مِنَ المَتْنِ، ولَكِنَّ هَذا الحَدِيثَ، وإنْ كانَ ضَعِيفًا، فَإنَّهُ يُقَوِّي هَذا القَوْلَ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلُ العِلْمِ، ونَسَبَهُ ابْنُ كَثِيرٍ لِلْجُمْهُورِ. واعْلَمْ أنَّ الصَّلْبَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُصَلَّبُوا﴾، اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ، فَقِيلَ: يُصْلَبُ حَيًّا، ويُمْنَعُ مِنَ الشَّرابِ والطَّعامِ حَتّى يَمُوتَ، وقِيلَ: يُصْلَبُ حَيًّا، ثُمَّ يُقْتَلُ بِرُمْحٍ (p-٣٩٦)وَنَحْوِهِ، مَصْلُوبًا، وقِيلَ: يُقْتَلُ أوَّلًا، ثُمَّ يُصْلَبُ بَعْدَ القَتْلِ، وقِيلَ: يُنْزَلُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقِيلَ: يَتْرَكُ حَتّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُصْلَبُ بَعْدَ القَتْلِ زَمَنًا يَحْصُلُ فِيهِ اشْتِهارُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ صَلْبَهُ رَدْعٌ لِغَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾، اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالنَّفْيِ فِيهِ أيْضًا، فَقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ أنْ يُطْلَبُوا حَتّى يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ، فَيُقامُ عَلَيْهِمُ الحَدُّ، أوْ يَهْرَبُوا مِن دارِ الإسْلامِ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، والزُّهْرِيِّ، واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، ومالِكِ بْنِ أنَسٍ. وَقالَ آخَرُونَ: هو أنْ يُنْفَوْا مِن بَلَدِهِمْ إلى بَلَدٍ آخَرَ، أوْ يُخْرِجُهُمُ السُّلْطانُ، أوْ نائِبُهُ، مِن عُمالَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ، إنَّهم يُنْفَوْنَ، ولا يُخْرَجُونَ مِن أرْضِ الإسْلامِ. وَذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفْيِ في الآيَةِ السِّجْنُ، لِأنَّهُ نَفْيٌ مِن سِعَةِ الدُّنْيا إلى ضِيقِ السِّجْنِ، فَصارَ المَسْجُونُ كَأنَّهُ مَنفِيٌّ مِنَ الأرْضِ، إلّا مِن مَوْضِعِ اسْتِقْرارِهِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ بَعْضِ المَسْجُونِينَ في ذَلِكَ: [ الطَّوِيلُ ] ؎خَرَجْنا مِنَ الدُّنْيا ونَحْنُ مِن ∗∗∗ أهْلِها فَلَسْنا مِنَ الأمْواتِ فِيها ولا الأحْيا ؎إذا جاءَنا السَّجّانُ يَوْمًا لِحاجَةٍ ∗∗∗ عَجِبْنا وقُلْنا جاءَ هَذا مِنَ الدُّنْيا وَهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، ولا يَخْفى عَدَمُ ظُهُورِهِ. واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ، أنَّ المُرادَ بِالنَّفْيِ في هَذِهِ الآيَةِ، أنْ يُخْرَجَ مِن بَلَدِهِ إلى بَلَدٍ آخَرَ، فَيُسْجَنَ فِيهِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مالِكٍ أيْضًا، ولَهُ اتِّجاهٌ؛ لِأنَّ التَّغْرِيبَ عَنِ الأوْطانِ نَوْعٌ مِنَ العُقُوبَةِ، كَما يُفْعَلُ بِالزّانِي البِكْرِ، وهَذا أقْرَبُ الأقْوالِ لِظاهِرِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ إنَّهُ لا يُرادُ نَفْيُهم مِن جَمِيعِ الأرْضِ إلى السَّماءِ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ أوْطانُهُمُ الَّتِي تَشُقُّ عَلَيْهِمْ مُفارَقَتُها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * مَسائِلُ مِن أحْكامِ المُحارِبِينَ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ يُثْبِتُونَ حُكْمَ المُحارِبَةِ في الأمْصارِ (p-٣٩٧)والطُّرُقِ عَلى السَّواءِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا الأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، حَتّى قالَ مالِكٌ في الَّذِي يَغْتالُ الرَّجُلَ فَيَخْدَعُهُ، حَتّى يَدْخِلَهُ بَيْتًا، فَيَقْتُلَهُ ويَأْخُذُ ما مَعَهُ، إنَّ هَذِهِ مُحارَبَةٌ، ودَمُهُ إلى السُّلْطانِ، لا إلى ولِيِّ المَقْتُولِ، فَلا اعْتِبارَ بِعَفْوِهِ عَنْهُ في إسْقاطِ القَتْلِ. وَقالَ القاضِي ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ: كُنْتُ أيّامَ حُكْمِي بَيْنَ النّاسِ، إذا جاءَنِي أحَدٌ بِسارِقٍ، وقَدْ دَخَلَ الدّارَ بِسِكِّينٍ يَحْبِسُهُ عَلى قَلْبِ صاحِبِ الدّارِ، وهو نائِمٌ، وأصْحابُهُ يَأْخُذُونَ مالَ الرَّجُلِ، حَكَمْتُ فِيهِمْ بِحُكْمِ المُحارِبِينَ، وتَوَقَّفَ الإمامُ أحْمَدُ في ذَلِكَ، وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ أنَّهُ لا مُحارَبَةَ إلّا في الطُّرُقِ، فَلا يَكُونُ مُحارِبًا في المِصْرِ؛ لِأنَّهُ يَلْحَقُهُ الغَوْثُ. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الحَنابِلَةِ إلى أنَّهُ يَكُونُ مُحارِبًا في المِصْرِ أيْضًا، لِعُمُومِ الدَّلِيلِ. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ: لا تَكُونُ المُحارِبَةُ إلّا في الطُّرُقِ، وأمّا في الأمْصارِ فَلا؛ لِأنَّهُ يَلْحَقُهُ الغَوْثُ إذا اسْتَغاثَ، بِخِلافِ الطَّرِيقِ لِبُعْدِهِ مِمَّنْ يُغِيثُهُ، ويُعِينُهُ. قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَثْبُتُ لَهم حُكْمُ المُحارِبَةِ، إلّا إذا كانَ عِنْدَهم سِلاحٌ. وَمِن جُمْلَةِ السِّلاحِ: العِصِيُّ، والحِجارَةُ عِنْدَ الأكْثَرِ؛ لِأنَّها تُتْلَفُ بِها الأنْفُسُ والأطْرافُ كالسِّلاحِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ المالُ الَّذِي أتْلَفَهُ المُحارِبُ، أقَلُّ مِن نِصابِ السَّرِقَةِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ القَطْعُ، أوْ كانَتِ النَّفْسُ الَّتِي قَتَلَها غَيْرَ مُكافِئَةٍ لَهُ، كَأنْ يَقْتُلَ عَبْدًا، أوْ كافِرًا، وهو حُرٌّ مُسْلِمٌ، فَهَلْ يُقْطَعُ في أقَلَّ مِنَ النِّصابِ ؟ ويُقْتَلُ بِغَيْرِ الكُفْءِ أوْ لا ؟ . اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم: لا يُقْطَعُ إلّا إذا أخَذَ رُبْعَ دِينارٍ، وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، وقالَ مالِكٌ: يُقْطَعُ ولَوْ لَمْ يَأْخُذْ نِصابًا؛ لِأنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ المُحارِبِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى، حَدَّدَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ رُبُعَ دِينارٍ لِوُجُوبِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ، ولَمْ يُحَدِّدْ في قَطْعِ الحِرابَةِ شَيْئًا، ذَكَرَ جَزاءَ المُحارِبِ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ تَوْفِيَةَ جَزائِهِمْ عَلى المُحارَبَةِ عَنْ حَبَّةٍ، ثُمَّ إنَّ هَذا قِياسُ أصْلٍ عَلى أصْلٍ، (p-٣٩٨)وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وقِياسُ الأعْلى بِالأدْنى، وذَلِكَ عَكْسُ القِياسِ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقاسَ المُحارِبُ عَلى السّارِقِ، وهو يَطْلُبُ خَطْفَ المالِ ؟ فَإنْ شُعِرَ بِهِ فَرَّ، حَتّى إنَّ السّارِقَ إذا دَخَلَ بِالسِّلاحِ يَطْلُبُ المالَ، فَإنْ مُنِعَ مِنهُ، أوْ صِيحَ عَلَيْهِ حارَبَ عَلَيْهِ، فَهو مُحارِبٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ المُحارِبِينَ. اهـ كَلامُ ابْنِ العَرَبِيِّ. وَيَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ، عَدَمُ اشْتِراطِ الإخْراجِ مِن حِرْزٍ فِيما يَأْخُذُهُ المُحارِبُ في قَطْعِهِ، وأمّا قَتْلُ المُحارِبِ بِغَيْرِ الكُفْءِ، فَهو قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ فِيهِ رِوايَتانِ، والتَّحْقِيقُ عَدَمُ اشْتِراطِ المُكافَأةِ في قَتْلِ الحِرابَةِ؛ لِأنَّ القَتْلَ فِيها لَيْسَ عَلى مُجَرَّدِ القَتْلِ، وإنَّما هو عَلى الفَسادِ العامِّ مِن إخافَةِ السَّبِيلِ، وسَلْبِ المالِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا﴾، فَأمَرَ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلى المُحارِبِ إذا جَمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وهُما المُحارَبَةُ، والسَّعْيُ في الأرْضِ بِالفَسادِ، ولَمْ يَخُصَّ شَرِيفًا مِن وضِيعٍ، ولا رَفِيعًا مِن دَنِيءٍ. اهـ مِنَ القُرْطُبِيِّ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: ومِمّا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ المُكافَأةِ في قَتْلِ الحِرابَةِ، إجْماعُ العُلَماءِ عَلى أنَّ عَفْوَ ولِيِّ المَقْتُولِ في الحَرّابَةِ لَغْوٌ لا أثَرَ لَهُ، وعَلى الحاكِمِ قَتْلُ المُحارِبِ القاتِلِ، فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مَسْألَةُ قِصاصٍ خالِصٍ، بَلْ هُناكَ تَغْلِيظٌ زائِدٌ مِن جِهَةِ المُحارَبَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا حَمَلَ المُحارِبُونَ عَلى قافِلَةٍ مَثَلًا، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضَ القافِلَةِ، وبَعْضُ المُحارِبِينَ لَمْ يُباشِرْ قَتْلَ أحَدٍ، فَهَلْ يُقْتَلُ الجَمِيعُ، أوْ لا يُقْتَلُ إلّا مَن باشَرَ القَتْلَ. فِيهِ خِلافٌ، والتَّحْقِيقُ قَتَلُ الجَمِيعِ؛ لِأنَّ المُحارَبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى حُصُولِ المَنَعَةِ والمُعاضَدَةِ والمُناصَرَةِ، فَلا يَتَمَكَّنُ المُباشِرُ مِن فِعْلِهِ، إلّا بِقُوَّةِ الآخَرِ الَّذِي هو رِدْءٌ لَهُ ومُعِينٌ عَلى حِرابَتِهِ، ولَوْ قَتَلَ بَعْضُهم، وأخَذَ بَعْضُهُمُ المالَ جازَ قَتْلُهم كُلِّهِمْ، وصَلْبُهم كُلِّهِمْ؛ لِأنَّهم شُرَكاءُ في كُلِّ ذَلِكَ، وخالَفَ في هَذا الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قالَ: لا يَجِبُ الحَدُّ إلّا عَلى مَنِ ارْتَكَبَ المَعْصِيَةَ، ولا يَتَعَلَّقُ بِمَن أعانَهُ عَلَيْها كَسائِرِ الحُدُودِ، وإنَّما عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا كانَ في المُحارِبِينَ صَبِيٌّ، أوْ مَجْنُونٌ، أوْ أبُ المَقْطُوعِ عَلَيْهِ، (p-٣٩٩)فَهَلْ يَسْقُطُ الحَدُّ عَنْ كُلِّهِمْ ؟ ويَصِيرُ القَتْلُ لِلْأوْلِياءِ إنْ شاءُوا قَتَلُوا، وإنْ شاءُوا عَفَوْا نَظَرًا إلى أنَّ حُكْمَ الجَمِيعِ واحِدٌ، فالشُّبْهَةُ في فِعْلِ واحِدٍ شُبْهَةٌ في الجَمِيعِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، أوْ لا يَسْقُطُ الحَدُّ عَنْ غَيْرِ المَذْكُورِ مِن صَبِيٍّ، أوْ مَجْنُونٍ، أوْ أبٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ، وهو الظّاهِرُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا تابَ المُحارِبُونَ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ؛ فَتَوْبَتُهم حِينَئِذٍ لا تُغَيِّرُ شَيْئًا مِن إقامَةِ الحُدُودِ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِمْ، وأمّا إنْ جاءُوا تائِبِينَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ لِلْإمامِ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ سَبِيلٌ؛ لِأنَّهم تَسْقُطُ عَنْهم حُدُودُ اللَّهِ، وتَبْقى عَلَيْهِمْ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، فَيُقْتَصُّ مِنهم في الأنْفُسِ والجِراحِ، ويَلْزَمُهم غُرْمُ ما أتْلَفُوهُ مِنَ الأمْوالِ، ولِوَلِيِّ الدَّمِ حِينَئِذٍ العَفْوُ إنْ شاءَ، ولِصاحِبِ المالِ إسْقاطُهُ عَنْهم. وَهَذا قَوْلُ أكْثَرِ العُلَماءِ مَعَ الإجْماعِ عَلى سُقُوطِ حُدُودِ اللَّهِ عَنْهم بِتَوْبَتِهِمْ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، كَما هو صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٤]، وإنَّما لَزِمَ أخْذُ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأمْوالِ، وتَضْمِينُهم ما اسْتَهْلَكُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَصْبٌ، فَلا يَجُوزُ لَهم تَمُلُّكُهُ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: لا يُطْلَبُ المُحارِبُ الَّذِي جاءَ تائِبًا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ إلّا بِما وُجِدَ مَعَهُ مِنَ المالِ، وأمّا ما اسْتَهْلَكَهُ، فَلا يُطْلَبُ بِهِ، وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ هَذا عَنْ مالِكٍ مِن رِوايَةِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو الظّاهِرُ مِن فِعْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِحارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ الغُدانِيُّ، فَإنَّهُ كانَ مُحارِبًا، ثُمَّ تابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ لَهُ سُقُوطَ الأمْوالِ والدَّمِ عَنْهُ كِتابًا مَنشُورًا، ونَحْوَهُ ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ مالِكٍ في المُحارِبِ إذا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ، ولَمْ يُوجَدْ لَهُ مالٌ، هَلْ يُتْبَعُ دَيْنًا بِما أخَذَ ؟ أوْ يُسْقَطُ عَنْهُ، كَما يُسْقَطُ عَنِ السّارِقِ، يَعْنِي عِنْدَ مالِكٍ، والمُسْلِمُ، والذِّمِّيُّ في ذَلِكَ سَواءٌ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناها أنَّ مَن قَتَلَ نَبِيًّا، أوْ إمامَ عَدْلٍ، فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن أحْياهُ، بِأنْ شَدَّ عَضُدَهُ ونَصَرَهُ، فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا، نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما، ولا يَخْفى بُعْدَهُ عَنْ ظاهِرِ القُرْآنِ. (p-٤٠٠)وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المَعْنى، أنَّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ نَفْسٍ واحِدَةٍ بِقَتْلِها، فَهو كَمَن قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا؛ لِأنَّ انْتِهاكَ حُرْمَةَ الأنْفُسِ، سَواءٌ في الحُرْمَةِ والإثْمِ، ومَن تَرَكَ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ واسْتَحْياها خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، فَهو كَمَن أحْيا النّاسَ جَمِيعًا، لِاسْتِواءِ الأنْفُسِ في ذَلِكَ. وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾، أيْ عِنْدِ المَقْتُولِ إذْ لا غَرَضَ لَهُ في حَياةِ أحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ هو، ومَن أحْياها واسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ، فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ المُسْتَنْقَذِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أنَّ الَّذِي يَقْتُلُ النَّفْسَ المُؤْمِنَةَ مُتَعَمِّدًا جَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهُ جَهَنَّمَ، وغَضِبَ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ، وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا، ولَوْ قَتْلَ النّاسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ، ومَن لَمْ يَقْتُلْ فَقَدْ حَيِيَ النّاسُ مِنهُ. واخْتارَ هَذا القَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى أنَّ مَن قَتَلَ نَفْسًا يَلْزَمُهُ مِنَ القِصاصِ ما يَلْزَمُ مَن قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، قالَ: ومَن أحْياها، أيْ عَفا عَمَّنْ وجَبَ لَهُ قَتْلُهُ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: هو العَفْوُ بَعْدَ المَقْدِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّ مَن قَتَلَ نَفْسا فالمُؤْمِنُونَ كُلُّهم خُصَماؤُهُ، لِأنَّهُ قَدْ وتَرَ الجَمِيعَ، ومَن أحْياها وجَبَ عَلى الكُلِّ شُكْرُهُ، وقِيلَ: كانَ هَذا مُخْتَصًّا بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ واحِدٍ، فَقَدِ اسْتَحَلَّ الجَمِيعَ؛ لِأنَّهُ أنْكَرَ الشَّرْعَ، ومَن حَرَّمَ دَمَ مُسْلِمٍ، فَكَأنَّما حَرَّمَ دِماءَ النّاسِ جَمِيعًا، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ القُرْطُبِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم، واسْتَظْهَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ، وعَزاهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَمَن أحْياها﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن حَرَّمَ قَتْلَها إلّا بِحَقٍّ حَيِيَ النّاسُ مِنهُ جَمِيعًا. وَقالَ القُرْطُبِيُّ: إحْياؤُهُ عِبارَةٌ عَنِ التَّرْكِ، والإنْقاذِ مِن هَلَكَةٍ، وإلّا فالإحْياءُ حَقِيقَةً الَّذِي هو الِاخْتِراعُ، إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، وهَذا الإحْياءُ، كَقَوْلِ نَمْرُودَ لَعَنَهُ اللَّهُ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فَسَمّى التَّرْكَ إحْياءً. وَكَذَلِكَ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ الآيَةَ، اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها، فَقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الحَرُورِيَّةِ. (p-٤٠١)وَأشْهُرُ الأقْوالِ هو ما تَضافَرَتْ بِهِ الرِّواياتُ في الصِّحاحِ، وغَيْرِها، أنَّها نَزَلَتْ «فِي قَوْمِ ”عُرَيْنَةَ“، و ”عُكْلٍ“ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمَرَ لَهم ﷺ بِلِقاحٍ، وأمَرَهم أنْ يَشْرَبُوا مِن أبْوالِها، وألْبانِها، فانْطَلَقُوا، فَلَمّا صَحُّوا وسَمِنُوا، قَتَلُوا راعِيَ النَّبِيِّ ﷺ واسْتاقُوا اللِّقاحَ، فَبَلَغَهُ ﷺ خَبَرُهم، فَأرْسَلَ في أثَرِهِمْ سَرِيَّةً فَجاءُوا بِهِمْ، فَأمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم، وسُمِلَتْ أعْيُنُهم، وأُلْقُوا في الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَلا يُسْقَوْنَ حَتّى ماتُوا» . وَعَلى هَذا القَوْلِ، فَهي نازِلَةٌ في قَوْمٍ سَرَقُوا، وقَتَلُوا، وكَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، هَذِهِ هي أقْوالُ العُلَماءِ في سَبَبِ نُزُولِها، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القُرْآنِ أنَّها في قُطّاعِ الطَّرِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، كَما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، فَإنَّها لَيْسَتْ في الكافِرِينَ قَطْعًا؛ لِأنَّ الكافِرَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، كَما تُقْبَلُ قَبْلَها إجْماعًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ولَيْسَتْ في المُرْتَدِّينَ؛ لِأنَّ المُرْتَدَّ يُقْتَلُ بِرِدَّتِهِ وكُفْرِهِ، ولا يُقْطَعُ لِقَوْلِهِ ﷺ عاطِفًا عَلى ما يُوجِبُ القَتْلَ: «والتّارِكُ لِدِينِهِ المُفارِقُ لِلْجَماعَةِ»، وقَوْلِهِ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ»، فَيَتَعَيَّنُ أنَّها في المُحارِبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: وهَلْ يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلى المُسْلِمِ أنَّهُ مُحارِبٌ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ؟ فالجَوابُ: نَعَمْ. والدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩] . تَنْبِيهٌ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ العُلَماءِ تَمْثِيلَهُ ﷺ بِالعُرَنِيِّينَ؛ لِأنَّهُ سَمَلَ أعْيُنَهم مَعَ قَطْعِ الأيْدِي والأرْجُلِ، مَعَ أنَّ المُرْتَدَّ يَقْتُلُ ولا يُمَثَّلُ بِهِ. واخْتُلِفَ في الجَوابِ، فَقِيلَ فِيهِ ما حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتْ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ بِهِمْ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الحُدُودِ، وقالَ أبُو الزِّنادِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُعاتَبَةٌ لَهُ ﷺ عَلى ما فَعَلَ بِهِمْ، وبَعْدَ العِتابِ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَعُدْ، قالَهُ أبُو داوُدَ. والتَّحْقِيقُ في الجَوابِ هو أنَّهُ ﷺ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ قِصاصًا، وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ (p-٤٠٢)مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ ﷺ إنَّما سَمَلَ أعْيُنَهم قِصاصًا؛ لِأنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ رُعاةِ اللِّقاحِ، وعَقَدَهُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في ”مَغازِيهِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ] ؎وَبَعْدَها انْتَهَبَها الأُلى انْتَهَوْا لِغايَةِ الجَهْدِ وطِيبَةَ اجْتَوَوْا ؎فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا ألْبانَها ∗∗∗ ونَبَذُوا إذْ سَمِنُوا أمانَها ؎فاقْتَصَّ مِنهُمُ النَّبِيُّ أنْ مَثَّلُوا ∗∗∗ بِعَبْدِهِ ومُقْلَتَيْهِ سَمَلُوا واعْتَرَضَ عَلى النّاظِمِ شارِحُ النَّظْمِ حَمّادٌ لَفْظَةَ ”بِعَبْدِهِ“؛ لِأنَّ الثّابِتَ أنَّهم مَثَّلُوا بِالرِّعاءِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ الآيَةَ. اعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوَسِيلَةِ هُنا هو القُرْبَةُ إلى اللَّهِ تَعالى، بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، واجْتِنابِ نَواهِيهِ عَلى وفْقِ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِإخْلاصٍ في ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ هَذا وحْدَهُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى رِضى اللَّهِ تَعالى، ونَيْلِ ما عِنْدَهُ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وَأصْلُ الوَسِيلَةِ: الطَّرِيقُ الَّتِي تُقَرِّبُ إلى الشَّيْءِ، وتُوَصِّلُ إلَيْهِ وهي العَمَلُ الصّالِحُ بِإجْماعِ العُلَماءِ؛ لِأنَّهُ لا وسِيلَةَ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا بِاتِّباعِ رَسُولِهِ ﷺ وعَلى هَذا فالآياتُ المُبَيِّنَةُ لِلْمُرادِ مِنَ الوَسِيلَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [ \ ٣١ ]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ المُرادَ بِالوَسِيلَةِ الحاجَةُ، ولَمّا سَألَهُ نافِعٌ الأزْرَقُ هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ أنْشَدَ لَهُ بَيْتَ عَنْتَرَةَ: [ الكامِلُ ] ؎إنَّ الرِّجالَ لَهم إلَيْكِ وسِيلَةٌ إنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي قالَ: يَعْنِي لَهم إلَيْكِ حاجَةٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالمَعْنى: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، واطْلُبُوا حاجَتَكم مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ وحْدَهُ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إعْطائِها، ومِمّا يُبَيِّنُ مَعْنى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ١٧]، وقَوْلُهُ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٢]، وفي الحَدِيثِ: «إذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ» . (p-٤٠٣)قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: التَّحْقِيقُ في مَعْنى الوَسِيلَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ عامَّةَ العُلَماءِ مِن أنَّها التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ لَهُ في العِبادَةِ، عَلى وفْقِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وتَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ داخِلٌ في هَذا؛ لِأنَّ دُعاءَ اللَّهِ والِابْتِهالَ إلَيْهِ في طَلَبِ الحَوائِجِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ عِبادَتِهِ الَّتِي هي الوَسِيلَةُ إلى نَيْلِ رِضاهُ ورَحْمَتِهِ. وَبِهَذا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ أنَّ ما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِن مَلاحِدَةِ أتْباعِ الجُهّالِ المُدَّعِينَ لِلتَّصَوُّفِ مِن أنَّ المُرادَ بِالوَسِيلَةِ في الآيَةِ الشَّيْخُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ واسِطَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، أنَّهُ تَخَبُّطٌ في الجَهْلِ والعَمى وضَلالٌ مُبِينٌ وتَلاعُبٌ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى، واتِّخاذُ الوَسائِطِ مَن دُونِ اللَّهِ مَن أصُولِ كُفْرِ الكَفّارِ، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، فَيَجِبُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَعْلَمَ أنَّ الطَّرِيقَ المُوَصِّلَةَ إلى رِضى اللَّهِ وجَنَّتِهِ ورَحْمَتِهِ هي اتِّباعُ رَسُولِهِ ﷺ ومَن حادَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ، ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٣] . والظّاهِرُ أنَّ الوَسِيلَةَ في بَيْتِ عَنْتَرَةَ مَعْناها التَّقَرُّبُ أيْضًا إلى المَحْبُوبِ؛ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ لِنَيْلِ المَقْصُودِ مِنهُ، ولِذا أنْشَدَ بَيْتَ عَنْتَرَةَ المَذْكُورَ ابْنُ جَرِيرٍ، والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما لِهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْنا، وجَمْعُ الوَسِيلَةِ: الوَسائِلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا ∗∗∗ وعادَ التَّصافِي بَيْنَنا والوَسائِلُ وَهَذا الَّذِي فَسَّرْنا بِهِ الوَسِيلَةَ هُنا هو مَعْناها أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٧]، ولَيْسَ المُرادُ بِالوَسِيلَةِ أيْضًا المَنزِلَةَ الَّتِي في الجَنَّةِ الَّتِي أمَرَنا ﷺ أنْ نَسْألَ لَهُ اللَّهَ أنْ يُعْطِيَهُ إيّاها، نَرْجُو اللَّهَ أنْ يُعْطِيَهُ إيّاها؛ لِأنَّها لا تَنْبَغِي إلّا لِعَبْدٍ، وهو يَرْجُو أنْ يَكُونَ هو.

المائدة 5:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إجْمالٌ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ هَذا، مُفَسِّرٌ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: فَخُذُوهُ، وقَوْلُهُ: لَمْ تُؤْتَوْهُ، لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ في الآيَةِ ولَكِنَّ اللَّهَ أشارَ لَهُ هُنا، وذَكَرَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ. (p-٤٠٤)اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِيِّ واليَهُودِيَّةِ الَّذِينَ زَنَيا بَعْدَ الإحْصانِ، وكانَ اليَهُودُ قَدْ بَدَّلُوا حُكْمَ الرَّجْمِ في التَّوْراةِ، فَتَعَمَّدُوا تَحْرِيفَ كِتابِ اللَّهِ، واصْطَلَحُوا فِيما بَيْنَهم عَلى أنَّ الزّانِيَ المُحْصَنَ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّ حَدَّهُ في كِتابِ اللَّهِ، التَّوْراةِ: الرَّجْمُ، أنَّهم يَجْلِدُونَهُ ويَفْضَحُونَهُ بِتَسْوِيدِ الوَجْهِ، والإرْكابِ عَلى حِمارٍ، فَلَمّا زَنى المَذْكُورانِ قالُوا فِيما بَيْنَهم تَعالَوْا نَتَحاكَمُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ في شَأْنِ حَدِّهِما، فَإنْ حَكَمَ بِالجَلْدِ والتَّحْمِيمِ فَخُذُوا عَنْهُ ذَلِكَ واجْعَلُوهُ حُجَّةً بَيْنَكم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ قَدْ حَكَمَ فِيهِما بِذَلِكَ، وإنْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ فَلا تَتَّبِعُوهُ، فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: هَذا، وقَوْلِهِ: فَخُذُوهُ، وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾، هو الحُكْمُ المُحَرَّفُ الَّذِي هو الجَلْدُ والتَّحْمِيمُ كَما بَيَّنّا، وأشارَ إلى ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا﴾ يَعْنِي المُحَرَّفَ والمُبَدَّلَ الَّذِي هو الجَلْدُ والتَّحْمِيمُ فَخُذُوهُ، ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ بِأنْ حَكَمَ بِالحَقِّ الَّذِي هو الرَّجْمُ فاحْذَرُوا أنْ تَقْبَلُوهُ. وَذَكَرَ تَعالى هَذا أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣]، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يَعْنِي في شَأْنِ الزّانِيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾، أيْ عَمّا في التَّوْراةِ مِن حُكْمِ رَجْمِ الزّانِي المُحْصَنِ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾، هو مَعْنى قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:42

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذْ تَحاكَمَ إلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الحُكْمِ بَيْنَهم والإعْراضِ عَنْهم، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٩] . والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهُمْ﴾ ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ (p-٢٧٤)وَعَطاءٍ الخُراسانِيِّ وغَيْرِ واحِدٍ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وَقِيلَ: مَعْنى ﴿وَأنِ احْكُمْ﴾ أيْ إذا حَكَمْتَ بَيْنَهم، فاحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ لا بِاتِّباعِ الهَوى، وعَلَيْهِ فالأُولى مُحْكَمَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ الآيَةَ. أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الأحْبارَ والرُّهْبانَ اسْتَحْفَظُوا كِتابَ اللَّهِ يَعْنِي اسْتَوْدَعُوهُ، وطَلَبَ مِنهم حِفْظَهُ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلِ امْتَثَلُوا الأمْرَ في ذَلِكَ وحَفِظُوهُ، أوْ لَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ في ذَلِكَ وضَيَّعُوهُ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهم لَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ، ولَمْ يَحْفَظُوا ما اسْتُحْفِظُوهُ، بَلْ حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ عَمْدًا كَقَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ . الآيَةَ [النساء: ٤٦] . • وَقَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾، • وقَوْلِهِ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٧٩]، • وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٧٨]، (p-٤٠٥) إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. تَنْبِيهٌ إنْ قِيلَ ما الفَرْقُ بَيْنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ ؟ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما كَلامُ اللَّهِ أنْزَلَهُ عَلى رَسُولٍ مِن رُسُلِهِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ - والتَّوْراةُ حُرِّفَتْ، وبُدِّلَتْ كَما بَيَّنّاهُ آنِفًا، والقُرْآنُ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، لَوْ حَرَّفَ مِنهُ أحَدٌ حَرْفًا واحِدًا فَأبْدَلَهُ بِغَيْرِهِ، أوْ زادَ فِيهِ حَرْفًا أوْ نَقَصَ فِيهِ آخَرَ لَرَدَّ عَلَيْهِ آلافُ الأطْفالِ مِن صِغارِ المُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنْ كِبارِهِمْ. فالجَوابُ أنَّ اللَّهَ اسْتَحْفَظَهُمُ التَّوْراةَ، واسْتَوْدَعَهم إيّاها، فَخانُوا الأمانَةَ ولَمْ يَحْفَظُوها، بَلْ ضَيَّعُوها عَمْدًا، والقُرْآنُ العَظِيمُ لَمْ يَكِلِ اللَّهُ حِفْظَهُ إلى أحَدٍ حَتّى يُمْكِنَهُ تَضْيِيعُهُ، بَلْ تَوَلّى حِفْظَهُ جَلَّ وعَلا بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ المُقَدَّسَةِ، كَما أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، و ”الباءُ“ في قَوْلِهِ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، مُتَعَلِّقَةٌ بِالرُّهْبانِ والأحْبارِ؛ لِأنَّهم إنَّما صارُوا في تِلْكَ المَرْتَبَةِ بِسَبَبِ ما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ. وَقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِيَحْكُمُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: هَلْ هي في المُسْلِمِينَ، أوْ في الكُفّارِ ؟، فَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّها في المُسْلِمِينَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها في اليَهُودِ، ورُوِيَ عَنْ طاوُسٍ أيْضًا أنَّها في المُسْلِمِينَ، وأنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ فِيها كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وأنَّهُ لَيْسَ الكُفْرَ المُخْرِجَ مِنَ المِلَّةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ الكُفْرَ الَّذِي تَذْهَبُونَ إلَيْهِ، رَواهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وقالَ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: والقُرْآنُ العَظِيمُ يَدُلُّ عَلى أنَّها في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيما قَبْلَها أنَّهم ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾، وأنَّهم يَقُولُونَ ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا﴾، يَعْنِي الحُكْمَ المُحَرَّفَ الَّذِي هو غَيْرُ حُكْمِ اللَّهِ فَخُذُوهُ، وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ أيِ المُحَرَّفَ، بَلْ أُوتِيتُمْ حُكْمَ اللَّهِ الحَقَّ فاحْذَرُوا، فَهم يَأْمُرُونَ بِالحَذَرِ مِن حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَقٌّ. (p-٤٠٦)وَقَدْ قالَ تَعالى بَعْدَها ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٥]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ الآيَةَ في أهْلِ الكِتابِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما ذَكَرَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ وغَيْرُهم، وزادَ الحَسَنُ، وهي عَلَيْنا واجِبَةٌ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، ونَقَلَ نَحْوَ قَوْلِ الحَسَنِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ و الظّالِمُونَ و الفاسِقُونَ [المائدة: ٤٤، ٤٥، ٤٧]، نَزَلَتْ كُلُّها في الكُفّارِ، ثَبَتَ ذَلِكَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ البَراءِ وقَدْ تَقَدَّمَ، وعَلى هَذا المُعْظَمِ، فَأمّا المُسْلِمُ فَلا يَكْفُرُ وإنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وقِيلَ فِيهِ إضْمارٌ، أيْ ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾، رَدًّا لِلْقُرْآنِ وجَحْدًا لِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ فَهو كافِرٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ. فالآيَةُ عامَّةٌ عَلى هَذا، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ: هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، واليَهُودِ، والكُفّارِ، أيْ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ ومُسْتَحِلًّا لَهُ. فَأمّا مَن فَعَلَ ذَلِكَ، وهو مُعْتَقِدٌ أنَّهُ مُرْتَكِبُ مُحَرَّمٍ فَهو مِن فُسّاقِ المُسْلِمِينَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ فَقَدْ فَعَلَ فِعْلًا يُضاهِي أفْعالَ الكُفّارِ، وقِيلَ: أيْ ومَن لَمْ يَحْكم بِجَمِيعِ ما أنْزَلَ فَهو كافِرٌ فَأمّا مَن حَكَمَ بِالتَّوْحِيدِ، ولَمْ يَحْكم بِبَعْضِ الشَّرائِعِ فَلا يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ إلّا أنَّ الشَّعْبِيَّ قالَ: هي في اليَهُودِ خاصَّةً، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ثَلاثَةُ أشْياءَ: مِنها أنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوا قَبْلَ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ. وَمِنها أنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ بَعْدَهُ ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾، فَهَذا الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ بِإجْماعٍ، وأيْضًا فَإنَّ اليَهُودَ هُمُ الَّذِينَ أنْكَرُوا الرَّجْمَ والقِصاصَ، فَإنْ قالَ قائِلٌ ”مَن“ إذا كانَتْ لِلْمُجازاةِ فَهي عامَّةٌ إلّا أنْ يَقَعَ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِها، قِيلَ لَهُ: ”مَن“ هُنا بِمَعْنى الَّذِي، مَعَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأدِلَّةِ والتَّقْرِيرِ؛ واليَهُودُ الَّذِينَ لَمْ يَحْكُمُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ، فَهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذا. (p-٤٠٧)وَيُرْوى أنَّ حُذَيْفَةَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآياتِ، أهِيَ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ: نَعَمْ هي فِيهِمْ، ولَتَسْلُكُنَّ سَبِيلَهم حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، وقِيلَ: الكافِرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ، والظّالِمُونَ لِلْيَهُودِ، والفاسِقُونَ لِلنَّصارى، وهَذا اخْتِيارُ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ، قالَهُ: لِأنَّهُ ظاهِرُ الآياتِ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وابْنِ أبِي زائِدَةَ، وابْنِ شُبْرُمَةَ، والشَّعْبِيِّ أيْضًا قالَ طاوُسٌ وغَيْرُهُ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ، ولَكِنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ. وَهَذا يَخْتَلِفُ إنْ حَكَمَ بِما عِنْدَهُ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهو تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الكُفْرَ، وإنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى ومَعْصِيَةً فَهو ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ المَغْفِرَةُ عَلى أصْلِ أهْلِ السُّنَّةِ في الغُفْرانِ لِلْمُذْنِبِينَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَذْهَبُ الخَوارِجِ أنَّ مَنِ ارْتَشى، وحَكَمَ بِحُكْمِ غَيْرِ اللَّهِ فَهو كافِرٌ، وعَزا هَذا إلى الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: أخَذَ اللَّهُ عَلى الحُكّامِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: ألّا يَتَّبِعُوا الهَوى، وألّا يَخْشَوُا النّاسَ ويَخْشَوْهُ، وألّا يَشْتَرُوا بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الظّاهِرُ المُتَبادِرُ مِن سِياقِ الآياتِ أنَّ آيَةَ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، نازِلَةٌ في المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَها مُخاطِبًا لِمُسْلِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، فالخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ كَما هو ظاهِرٌ مُتَبادِرٌ مِن سِياقِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ فالكُفْرُ إمّا كُفْرٌ دُونَ كَفْرٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا لَهُ، أوْ قاصِدًا بِهِ جَحْدَ أحْكامِ اللَّهِ ورَدِّها مَعَ العِلْمِ بِها. أمّا مَن حَكَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ، وهو عالِمٌ أنَّهُ مُرْتَكِبٌ ذَنْبًا، فاعِلٌ قَبِيحًا، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ الهَوى فَهو مِن سائِرِ عُصاةِ المُسْلِمِينَ، وسِياقُ القُرْآنِ ظاهِرٌ أيْضًا في أنَّ آيَةَ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ قالَ قَبْلَها: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . فالخِطابُ لَهم لِوُضُوحِ دَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ كَما أنَّهُ ظاهِرٌ أيْضًا في أنَّ آيَةَ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ في النَّصارى؛ لِأنَّهُ قالَ قَبْلَها: ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ تَحْرِيرَ المَقامِ في هَذا البَحْثِ أنَّ الكُفْرَ، والظُّلْمَ، والفِسْقَ، كُلُّ واحِدٍ مِنها (p-٤٠٨)رُبَّما أُطْلِقَ في الشَّرْعِ مُرادًا بِهِ المَعْصِيَةُ تارَةً، والكُفْرَ المُخْرِجَ مِنَ المِلَّةِ أُخْرى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾، مُعارَضَةً لِلرُّسُلِ وإبْطالًا لِأحْكامِ اللَّهِ، فَظُلْمُهُ وفِسْقُهُ وكُفْرُهُ كُلُّها كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ، ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مُعْتَقِدًا أنَّهُ مُرْتَكِبٌ حَرامًا فاعِلٌ قَبِيحًا فَكُفْرُهُ وظُلْمُهُ وفِسْقُهُ غَيْرُ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأُولى في المُسْلِمِينَ، والثّانِيَةَ في اليَهُودِ، والثّالِثَةَ في النَّصارى، والعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، وتَحْقِيقُ أحْكامِ الكُلِّ هو ما رَأيْتَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، قَدْ قَدَّمْنا احْتِجاجَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، ونَفْسُ الآيَةِ فِيها إشارَةٌ إلى أنَّ الكافِرَ لا يَدْخُلُ في عُمُومِ الآيَةِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ الآيَةَ. وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ الكافِرَ لَيْسَ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ الَّذِينَ تَكُونُ صَدَقَتُهم كَفّارَةٌ لَهم؛ لِأنَّ الكُفْرَ سَيِّئَةٌ لا تَنْفَعُ مَعَها حَسَنَةٌ، نَبَّهَ عَلى هَذا إسْماعِيلُ القاضِي في ”أحْكامِ القُرْآنِ“، كَما نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“، وما ذَكَرَهُ إسْماعِيلُ القاضِي مِن أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ أيْضًا عَلى عَدَمِ دُخُولِ العَبْدِ، بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِجُرْحِهِ؛ لِأنَّ الحَقَّ لِسَيِّدِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأنَّ مِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ: إنَّ الأُمُورَ المُتَعَلِّقَةَ بِبَدَنِ العَبْدِ، كالقِصاصِ لَهُ العَفْوُ فِيها دُونَ سَيِّدِهِ، وعَلَيْهِ فَلا مانِعَ مَن تَصْدُّقِهِ بِجُرْحِهِ، وعَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنْ مَعْنى ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾، أنَّ التَّصَدُّقَ بِالجِنايَةِ كَفّارَةٌ لِلْجانِي، لا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلا مانِعَ أيْضًا مِنَ الِاسْتِدْلالِ المَذْكُورِ بِالآيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَذْكُرُ عَنِ الكافِرِ أنَّهُ مُتَصَدِّقٌ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا صَدَقَةَ لَهُ لِكُفْرِهِ، وما هو باطِلٌ لا فائِدَةَ فِيهِ لا يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعالى، في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ والإثْباتِ، مَعَ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ في مَعْنى الآيَةِ. وَجُمْهُورُ العُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ، فَمَن بَعْدَهم: عَلى أنَّ مَعْناها فَهو كَفّارَةٌ لِلْمُتَصَدِّقِ، وهو أظْهَرُ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ عائِدٌ إلى مَذْكُورٍ، وذَلِكَ في المُؤْمِنِ قَطْعًا دُونَ الكافِرِ، فالِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ ظاهِرٌ جِدًّا. تَنْبِيهٌ احْتَجَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ اثْنانِ بِواحِدٍ؛ لِأنَّهُما لَوْ قُتِلا بِهِ لَخَرَجَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ لِكَوْنِهِما نَفْسَيْنِ بِنَفْسٍ واحِدَةٍ. (p-٤٠٩)وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا مُتَمَسِّكًا بِهَذا الدَّلِيلِ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ، وحَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، وعَبْدُ المَلِكِ، ورَبِيعَةُ، وداوُدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وحَكاهُ ابْنُ أبِي مُوسى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وابْنِ سِيرِينَ، والزُّهْرِيِّ أنَّهُ يُقْتَلُ مِنهم واحِدٌ، ويُؤْخَذُ مِنَ الباقِينَ حِصَصُهم مِنَ الدِّيَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مُكافِئٌ لَهُ، فَلا تُسْتَوْفى أبْدالٌ بِمُبْدَلٍ واحِدٍ، كَما لا تَجِبُ دِياتٌ لِمَقْتُولٍ واحِدٍ، كَما نَقَلَهُ عَمَّنْ ذَكَرْنا ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ . وَقالُوا مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، أنَّهُ لا يُؤْخَذُ بِالنَّفْسِ أكْثَرُ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، قالُوا: ولِأنَّ التَّفاوُتَ في الأوْصافِ يَمْنَعُ القِصاصَ، بِدَلِيلِ عَدَمِ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ، والتَّفاوُتَ في العَدَدِ أوْلى. وَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا حُجَّةَ مَعَ مَن أوْجَبَ قَتَلَ جَماعَةٍ بِواحِدٍ، وعَدَمِ قَتْلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ. والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، ومَذْهَبُ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ: أنَّهُ يُقْتَلُ الجَماعَةُ بِالواحِدِ، وقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَتَلَ سَبْعَةً بِواحِدٍ، وقالَ: لَوْ تَمالَأ عَلَيْهِ أهْلُ صَنْعاءَ لَقَتَلْتُهم بِهِ جَمِيعًا، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ قِتالِ الحَرُورِيَّةِ حَتّى يُحْدِثُوا، فَلَمّا ذَبَحُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبّابٍ، كَما تُذْبَحُ الشّاةُ، وأُخْبِرَ عَلِيٌّ بِذَلِكَ قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ نادُوهم أنْ أخْرِجُوا إلَيْنا قاتِلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِبّابٍ، فَقالُوا: كُلُّنا قَتَلَهُ، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ عَلِيٌّ لِأصْحابِهِ: دُونَكُمُ القَوْمَ، فَما لَبِثَ أنْ قَتَلَهم عَلِيٌّ وأصْحابُهُ، نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الدّارَقُطْنِيِّ في ”سُنَنِهِ“ . وَيَزِيدُ قَتْلَ الجَماعَةِ بِالواحِدِ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ أهْلَ السَّماءِ، وأهْلَ الأرْضِ اشْتَرَكُوا في دَمِ مُؤْمِنٍ لَأكَبَّهُمُ اللَّهُ في النّارِ» . قالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ. وَرَوى البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا، وزادَ: ”إلّا أنْ يَشاءَ“، ورَوى البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَن أعانَ عَلى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ» . وَرُوِيَ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، (p-٤١٠)وَأبُو سَلَمَةَ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: أنَّ الجَماعَةَ تُقْتَلُ بِالواحِدِ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أيْضًا، ولَمْ يُعْلَمْ لَهُما مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، فَصارَ إجْماعًا سُكُوتِيًّا، واعْتَرَضَهُ بَعْضُهم بِأنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ثَبَتَ عَنْهُ عَدَمُ قَتْلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، كَما قالَهُ ابْنُ المُنْذِرِ. وَإذَنْ فالخِلافُ واقِعٌ بَيْنَ الصَّحابَةِ، والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ أنَّ الصَّحابَةَ إذا اخْتَلَفُوا، لَمْ يَجُزِ العَمَلُ بِأحَدِ القَوْلَيْنِ إلّا بِتَرْجِيحٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: ويَتَرَجَّحُ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ الَّذِي هو قَتْلُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، يَعْنِي أنَّ مَن عُلِمَ أنَّهُ يُقْتَلُ إذا قَتَلَ يَكُونُ ذَلِكَ رادِعًا لَهُ وزاجِرًا عَنِ القَتْلِ، ولَوْ كانَ الِاثْنانِ لا يُقْتَصُّ مِنهُما لِلْواحِدِ، لَكانَ كُلُّ مَن أحَبَّ أنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا، أخَذَ واحِدًا مِن أعْوانِهِ فَقَتَلَهُ مَعَهُ، فَلَمْ يَكُنْ هُناكَ رادِعٌ عَنِ القَتْلِ؛ وبِذَلِكَ تَضِيعُ حِكْمَةُ القِصاصِ مِن أصْلِها، مَعَ أنَّ المُتَمالِئِينَ عَلى القَتْلِ يَصْدُقُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم أنَّهُ قاتِلٌ، فَيُقْتَلُ، ويَدُلُّ لَهُ أنَّ الجَماعَةَ لَوْ قَذَفُوا واحِدًا لَوَجَبَ حَدُّ القَذْفِ عَلى جَمِيعِهِمْ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ في الإنْجِيلِ الَّذِي أمَرَ أهْلَ الإنْجِيلِ بِالحُكْمِ بِهِ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ مِن ذَلِكَ البِشارَةَ بِمَبْعَثِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ ووُجُوبِ اتِّباعِهِ، والإيمانِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٥٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. لَطِيفَةٌ لَها مُناسَبَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ نَصْرانِيًّا قالَ لِعالِمٍ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ: ناظِرْنِي في الإسْلامِ والمَسِيحِيَّةِ أيُّهُما أفْضَلُ ؟ فَقالَ العالِمُ لِلنَّصْرانِيِّ: هَلُمَّ إلى المُناظَرَةِ في ذَلِكَ، فَقالَ النَّصْرانِيُّ: المُتَّفَقُ عَلَيْهِ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ أمِ المُخْتَلَفُ فِيهِ ؟ فَقالَ العالِمُ: المُتَّفَقُ عَلَيْهِ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ مِنَ المُخْتَلَفِ فِيهِ، فَقالَ النَّصْرانِيُّ: إذَنْ يَلْزَمُكُمُ اتِّباعُ عِيسى مَعَنا، وتَرْكُ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّنا نَحْنُ وأنْتُمْ نَتَّفِقُ عَلى نُبُوَّةِ عِيسى، ونُخالِفُكم في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ المُسْلِمُ: أنْتُمُ الَّذِينَ تَمْتَنِعُونَ مِن (p-٤١١)اتِّباعِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُتَّفَقَ عَلَيْهِ الَّذِي هو عِيسى قالَ لَكم: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾، فَلَوْ كُنْتُمْ مُتَّبِعِينَ عِيسى حَقًّا لاتَّبَعْتُمْ مُحَمَّدًا ﷺ فَظَهَرَ أنَّكم أنْتُمُ الَّذِينَ لَمْ تَتَّبِعُوا المُتَّفَقَ عَلَيْهِ ولا غَيْرَهُ، فانْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ. وَلا شَكَّ أنَّ النَّصارى لَوْ كانُوا مُتَّبِعِينَ عِيسى، لاتَّبَعُوا مُحَمَّدًا ﷺ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في النَّصارى، والَّتِي قَبْلَها في اليَهُودِ، والَّتِي قَبْلَ تِلْكَ في المُسْلِمِينَ، كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ القُرْآنِ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الكُفْرَ، والظُّلْمَ، والفِسْقَ كُلَّها يُطْلَقُ عَلى المَعْصِيَةِ بِما دُونَ الكُفْرِ، وعَلى الكُفْرِ المُخْرِجِ مِنَ المِلَّةِ نَفْسِهِ، فَمِنَ الكُفْرِ بِمَعْنى المَعْصِيَةِ قَوْلُهُ ﷺ لَمّا سَألَتْهُ المَرْأةُ عَنْ سَبَبِ كَوْنِ النِّساءِ أكْثَرَ أهْلِ النّارِ، ”إنَّ ذَلِكَ واقِعٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِنَّ“، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأنَّهُنَّ يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ومِنَ الكُفْرِ بِمَعْنى المُخْرِجِ عَنِ المِلَّةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ الآيَةَ [الكافرون: ١، ٢]، ومِنَ الظُّلْمِ بِمَعْنى الكُفْرِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ومِنهُ بِمَعْنى المَعْصِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣٢]، ومِنَ الفِسْقِ بِمَعْنى الكُفْرِ قَوْلُهُ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ الآيَةَ [السجدة: ٢٠]، ومِنهُ بِمَعْنى المَعْصِيَةِ قَوْلُهُ في الَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] . وَمَعْلُومٌ أنَّ القَذْفَ لَيْسَ بِمُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ [النور: ١١]، ومِنَ الفِسْقِ بِمَعْنى المَعْصِيَةِ أيْضًا قَوْلُهُ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآيَةَ [الحجرات: ٦] . وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، فَمَن كانَ امْتِناعُهُ مِنَ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، لِقَصْدِ مُعارَضَتِهِ ورَدِّهِ، والِامْتِناعِ مِنِ التِزامِهِ فَهو كافِرٌ ظالِمٌ فاسِقٌ كُلُّها بِمَعْناها المُخْرِجِ مِنَ المِلَّةِ، ومَن كانَ امْتِناعُهُ مِنَ الحُكْمِ لِهَوًى وهو يَعْتَقِدُ قُبْحَ فِعْلِهِ، فَكُفْرُهُ وظُلْمُهُ وفِسْقُهُ غَيْرُ المُخْرِجِ مِنَ المِلَّةِ، إلّا إذا كانَ ما امْتَنَعَ مِنَ الحُكْمِ بِهِ (p-٤١٢)شَرْطًا في صِحَّةِ إيمانِهِ، كالِامْتِناعِ مِنِ اعْتِقادِ ما لا بُدَّ مِنِ اعْتِقادِهِ، هَذا هو الظّاهِرُ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، كَما قَدَّمْنا والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ وِلايَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ زائِفَةٌ لَيْسَتْ خالِصَةً؛ لِأنَّها لا تَسْتَنِدُ عَلى أساسٍ صَحِيحٍ، هو دِينُ الإسْلامِ، فَبَيَّنَ أنَّ العَداوَةَ والبَغْضاءَ بَيْنَ النَّصارى دائِمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]، وبَيَّنَ مِثْلَ ذَلِكَ في اليَهُودِ أيْضًا، حَيْثُ قالَ فِيهِمْ: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤]، والظّاهِرُ أنَّها في اليَهُودِ فِيما بَيْنَهم، كَما هو صَرِيحُ السِّياقِ، خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّها بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وَصَرَّحَ تَعالى بِعَدَمِ اتِّفاقِ اليَهُودِ مُعَلِّلًا لَهُ بِعَدَمِ عُقُولِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤] . تَنْبِيهٌ أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾، أنَّ اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ يَتَوارَثانِ، ورَدَّهُ بَعْضُ العُلَماءِ، بِأنَّ المُرادَ بِالآيَةِ، وِلايَةُ اليَهُودِ لِخُصُوصِ اليَهُودِ، والنَّصارى لِخُصُوصِ النَّصارى، وعَلى هَذا المَعْنى فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ لِتَوارُثِ اليَهُودِ والنَّصارى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ مَن تَوَلّى اليَهُودَ والنَّصارى مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ يَكُونُ مِنهم بِتَوَلِّيهِ إيّاهم، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ تَوَلِّيَهم مُوجِبٌ لِسُخْطِ اللَّهِ، والخُلُودِ في عَذابِهِ، وأنَّ مُتَوَلِّيَهم لَوْ كانَ مُؤْمِنًا ما تَوَلّاهم، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨٠، ٨١] . (p-٤١٣)وَنَهى في مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ تَوَلِّيهِمْ مُبَيِّنًا سَبَبَ التَّنْفِيرِ مِنهُ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣] . وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ، فِيما إذا لَمْ تَكُنِ المُوالاةُ بِسَبَبِ خَوْفٍ، وتَقِيَّةٍ، وإنْ كانَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَصاحِبُها مَعْذُورٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، فَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها بَيانٌ لِكُلِّ الآياتِ القاضِيَةِ بِمَنعِ مُوالاةِ الكُفّارِ مُطْلَقًا وإيضاحٌ؛ لِأنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ في حالَةِ الِاخْتِيارِ، وأمّا عِنْدَ الخَوْفِ والتَّقِيَّةِ، فَيُرَخَّصُ في مُوالاتِهِمْ، بِقَدْرِ المُداراةِ الَّتِي يَكْتَفِي بِها شَرُّهم، ويُشْتَرَطُ في ذَلِكَ سَلامَةُ الباطِنِ مِن تِلْكَ المُوالاةِ: [ الوافِرُ ] ؎وَمَن يَأْتِي الأُمُورَ عَلى اضْطِرارٍ فَلَيْسَ كَمِثْلِ آتِيها اخْتِيارًا وَيُفْهَمُ مِن ظَواهِرِ هَذِهِ الآياتِ أنَّ مَن تَوَلّى الكُفّارَ عَمْدًا اخْتِيارًا، رَغْبَةً فِيهِمْ أنَّهُ كافِرٌ مِثْلَهم.

المائدة 5:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ . ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وهُمُ المُنافِقُونَ، يَعْتَذِرُونَ عَنْ مُوالاةِ الكَفّارِ مِنَ اليَهُودِ بِأنَّهم يَخْشَوْنَ أنْ تَدُورَ عَلَيْهِمُ الدَّوائِرُ، أيْ دُوَلُ الدَّهْرِ الدّائِرَةُ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ: [ الوافِرُ ] ؎إذا ما الدَّهْرُ جَرَّ عَلى أُناسٍ كَلاكِلَهُ أناخَ بِآخَرِينا يَعْنُونَ إمّا بِقَحْطٍ فَلا يَمِيرُونَنا، ولا يَتَفَضَّلُوا عَلَيْنا، وإمّا بِظَفَرِ الكُفّارِ بِالمُسْلِمِينَ، فَلا يَدُومُ الأمْرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، زَعْمًا مِنهم أنَّهم عِنْدَ تَقَلُّبِ الدَّهْرِ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ، يَكُونُ لَهم أصْدِقاءُ كانُوا مُحافِظِينَ عَلى صَداقَتِهِمْ؛ فَيَنالُونَ مِنهم ما يُؤَمِّلُ الصَّدِيقُ مِن صَدِيقِهِ، وأنَّ المُسْلِمِينَ يَتَعَجَّبُونَ مِن كَذِبِهِمْ في إقْسامِهِمْ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ، إنَّهم لَمَعَ المُسْلِمِينَ، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ تِلْكَ الدَّوائِرَ الَّتِي حافَظُوا مِن أجْلِها عَلى صَداقَةِ (p-٤١٤)اليَهُودِ، أنَّها لا تَدُورُ إلّا عَلى اليَهُودِ، والكُفّارِ، ولا تَدُورُ عَلى المُسْلِمِينَ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ الآيَةَ، وعَسى مِنَ اللَّهِ نافِذَةٌ؛ لِأنَّهُ الكَرِيمُ العَظِيمُ الَّذِي لا يُطْمَعُ إلّا فِيما يُعْطِي. والفَتْحُ المَذْكُورُ قِيلَ: هو فَتْحُ المُسْلِمِينَ لِبِلادِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الفَتْحُ الحُكْمُ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وعَلَيْهِ فَهو حُكْمُ اللَّهِ بِقَتْلِ مُقاتِلَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وسَبْيِ ذَرارِيِّهِمْ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وقِيلَ: هو فَتْحُ مَكَّةَ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ. وَبَيَّنَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ سَبَبَ حَلِفِهِمْ بِالكَذِبِ لِلْمُسْلِمِينَ، أنَّهم مِنهم، إنَّما هو الفَرَقُ أيِ الخَوْفُ، وأنَّهم لَوْ وجَدُوا مَحَلًّا يَسْتَتِرُونَ فِيهِ عَنِ المُسْلِمِينَ لَسارَعُوا إلَيْهِ؛ لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٦، ٥٧]، فَفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ سَبَبِ أيْمانِ المُنافِقِينَ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] . وَبَيَّنَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ، أنَّهم يَحْلِفُونَ تِلْكَ الأيْمانَ لِيَرْضى عَنْهُمُ المُؤْمِنُونَ، وأنَّهم إنْ رَضُوا عَنْهم، فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنْهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] . وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهم يُرِيدُونَ بِأيْمانِهِمْ إرْضاءَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ أحَقُّ بِالإرْضاءِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] . وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم لِيَرْضَوْا عَنْهم، بِسَبَبِ أنَّ لَهم عُذْرًا صَحِيحًا، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالإعْراضِ عَنْهم، لا لِأنَّ لَهم عُذْرًا صَحِيحًا، بَلْ مَعَ الإعْلامِ بِأنَّهم رِجْسٌ، ومَأْواهُمُ النّارُ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا مِنَ النِّفاقِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥] . وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ أيْمانَهُمُ الكاذِبَةَ سَبَبٌ لِإهْلاكِهِمْ أنْفُسَهم، وهو قَوْلُهُ: (p-٤١٥)﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٢] . وَهَذِهِ الأسْبابُ لِحَلِفِ المُنافِقِينَ الَّتِي ذُكِرَتْ في هَذِهِ الآياتِ راجِعَةٌ جَمِيعًا إلى السَّبَبِ الأوَّلِ، الَّذِي هو الخَوْفُ؛ لِأنَّ خَوْفَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، هو سَبَبُ رَغْبَتِهِمْ في إرْضائِهِمْ، وإعْراضِهِمْ عَنْهم بِأنْ لا يُؤْذُوهم، ولِذا حَلَفُوا لَهم، لِيُرْضُوهم، ولِيُعْرِضُوا عَنْهم، خَوْفًا مِن أذاهم، كَما هو ظاهِرٌ. تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا﴾ [المائدة: ٥٣] فِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ سَبْعِيّاتٍ. الأُولى: يَقُولُ بِلا واوٍ مَعَ الرَّفْعِ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ. الثّانِيَةُ: ويَقُولُ بِإثْباتِ الواوِ مَعَ رَفْعِ الفِعْلِ أيْضًا، وبِها قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ. الثّالِثَةُ: بِإثْباتِ الواوِ، ونَصْبِ ”يَقُولُ“ عَطْفًا عَلى ﴿أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو.

المائدة 5:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ الآيَةَ. أخْبَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم إنِ ارْتَدَّ بَعْضُهم فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ المُرْتَدِّ بِقَوْمٍ مِن صِفاتِهِمُ الذُّلُّ لِلْمُؤْمِنِينَ، والتَّواضُعُ لَهم، ولِينُ الجانِبِ، والقَسْوَةُ والشِّدَّةُ عَلى الكافِرِينَ، وهَذا مِن كَمالِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ، وبِهَذا أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ فَأمَرَهُ بِلِينِ الجانِبِ لِلْمُؤْمِنِينَ، بِقَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وقَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وأمَرَهُ بِالقَسْوَةِ عَلى غَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]، وأثْنى تَعالى عَلى نَبِيِّهِ بِاللِّينِ لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٥٩]، وصَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ المَذْكُورَ مِنَ اللِّينِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والشِّدَّةِ عَلى الكافِرِينَ، مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، بِقَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] . (p-٤١٦)وَقَدْ قالَ الشّاعِرُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: [ الطَّوِيلُ ] ؎وَما حَمَلَتْ مِن ناقَةٍ فَوْقَ رَحْلِها أبَرَّ وأوْفى ذِمَّةً مِن مُحَمَّدِ ؎وَأعْطى إذا ما طالِبُ العُرْفِ جاءَهُ ∗∗∗ وأمْضى بِحَدِّ المَشْرَفِيِّ المُهَنَّدِ وَقالَ الآخَرُ فِيهِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎وَما حَمَلَتْ مِن ناقَةٍ فَوْقَ ∗∗∗ رَحْلِها أشَدَّ عَلى أعْدائِهِ مِن مُحَمَّدِ وَيُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَلِينَ إلّا في الوَقْتِ المُناسِبِ لِلِّينِ، وألّا يَشْتَدَّ إلّا في الوَقْتِ المُناسِبِ لِلشِّدَّةِ، لِأنَّ اللِّينَ في مَحَلِّ الشِّدَّةِ ضَعْفٌ، وخَوَرٌ، والشِّدَّةَ في مَحَلِّ اللِّينِ حُمْقٌ، وخَرَقٌ، وقَدْ قالَ أبُو الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي: [ الطَّوِيلُ ] ؎إذا قِيلَ حِلْمٌ قُلْ فَلِلْحِلْمِ مَوْضِعٌ ∗∗∗ وحِلْمُ الفَتى في غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَهْلُ

المائدة 5:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَوْ أطاعُوا اللَّهَ، وأقامُوا كِتابَهم بِاتِّباعِهِ، والعَمَلِ بِما فِيهِ، لَيَسَّرَ اللَّهُ لَهُمُ الأرْزاقَ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرَ، وأخْرَجَ لَهم ثَمَراتِ الأرْضِ. وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خاصًّا بِهِمْ، • كَقَوْلِهِ عَنْ نُوحٍ وقَوْمِهِ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١١]، • وقَوْلِهِ عَنْ هُودٍ وقَوْمِهِ: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٢]، • وقَوْلِهِ عَنْ نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقَوْمِهِ ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] . عَلى أحَدِ الأقْوالِ • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٩٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢]، ومَفْهُومُ الآيَةِ أنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعالى، سَبَبٌ لِنَقِيضِ ما (p-٤١٧)يُسْتَجْلَبُ بِطاعَتِهِ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ • بِقَوْلِهِ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٤١]، ونَحْوَها مِنَ الآياتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ أهْلَ الكِتابِ قِسْمانِ: طائِفَةٌ مِنهم مُقْتَصِدَةٌ في عَمَلِها، وكَثِيرٌ مِنهم سَيِّئُ العَمَلِ، وقَسَّمَ هَذِهِ الأُمَّةَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]، ووَعَدَ الجَمِيعَ بِالجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣] . وَذَكَرَ القِسْمَ الرّابِعَ: وهو الكُفّارُ مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣٦] . وَأظْهَرُ الأقْوالِ في المُقْتَصِدِ، والسّابِقِ، والظّالِمِ، أنَّ المُقْتَصِدَ هو مَنِ امْتَثَلَ الأمْرَ، واجْتَنَبَ النَّهْيَ، ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ السّابِقَ بِالخَيْراتِ هو مَن فَعَلَ ذَلِكَ، وزادَ بِالتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِالنَّوافِلِ، والتَّوَرُّعِ عَنْ بَعْضِ الجائِزاتِ، خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِغَيْرِهِ، وأنَّ الظّالِمَ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٠٢]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ. أمَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نَبِيَّهُ ﷺ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، وشَهِدَ لَهُ بِالِامْتِثالِ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [النور: ٥٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]، ولَوْ كانَ يُمْكِنُ أنْ يَكْتُمَ شَيْئًا، لَكَتَمَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فَمَن زَعَمَ أنَّهُ ﷺ كَتَمَ حَرْفًا مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَقَدْ أعْظَمَ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ، وعَلى رَسُولِهِ ﷺ .

المائدة 5:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ الآيَةَ. ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَمُوا وصَمُّوا مَرَّتَيْنِ، تَتَخَلَّلُهُما (p-٤١٨)تَوْبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ تَفْصِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٤]، فَبَيَّنَ جَزاءَ عَماهم، وصَمَمِهِمْ في المَرَّةِ الأوْلى بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥]، وبَيَّنَ جَزاءَ عَماهم وصَمَمِهِمْ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾، وبَيَّنَ التَّوْبَةَ الَّتِي بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنْ عادُوا إلى الإفْسادِ عادَ إلى الِانْتِقامِ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾، فَعادُوا إلى الإفْسادِ بِتَكْذيبِهِ ﷺ وكَتْمِ صِفاتِهِ الَّتِي في التَّوْراةِ، فَعادَ اللَّهُ إلى الِانْتِقامِ مِنهم، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ نَبِيَّهُ ﷺ فَذَبَحَ مُقاتِلَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وسَبى نِساءَهم، وذَرارِيَّهم، وأجْلى بَنِي قَيْنُقاعَ، وبَنِي النَّضِيرِ، كَما ذَكَرَ تَعالى طَرَفًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ الحَشْرِ، وهَذا البَيانُ الَّذِي ذَكَرْنا في هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وكَثِيرٌ مِنهم لَمْ يَذْكُرْهُ، ولَكِنْ ظاهِرُ القُرْآنِ يَقْتَضِيهِ؛ لِأنَّ السِّياقَ في ذِكْرِ أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ الماضِيَةِ، مِن قَتْلِ الرُّسُلِ، وتَكْذِيبِهِمْ، إذْ قَبْلَ الآيَةِ المَذْكُورَةِ: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠] . وَمَعْنى ﴿وَحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، ظَنُّوا ألّا يُصِيبَهم بَلاءٌ وعَذابٌ مِنَ اللَّهِ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، لِزَعْمِهِمُ الباطِلِ، أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾، أحْسَنُ أوْجُهِ الإعْرابِ فِيهِ؛ أنَّهُ بَدَلٌ مِن واوِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿عَمُوا وصَمُّوا﴾، كَقَوْلِكَ: جاءَ القَوْمُ أكْثَرُهم، وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، فَوَجْهُ قِراءَةِ النَّصْبِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ الحُسْبانَ بِمَعْنى الظَّنِّ، ووَجْهُ قِراءَةِ الرَّفْعِ، تَنْزِيلُ اعْتِقادِهِمْ لِذَلِكَ، ولَوْ كانَ باطِلًا، مَنزِلَةَ العِلْمِ، فَتَكُونُ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المائدة 5:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ، إلى أنَّ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، لَوْ تابُوا إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، لَتابَ عَلَيْهِمْ، وغَفَرَ لَهم، لِأنَّهُ اسْتَعْطَفَهم إلى ذَلِكَ أحْسَنَ اسْتِعْطافٍ، وألْطَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ غَفَرَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وصَرَّحَ بِهَذا المَعْنى عامًّا لِجَمِيعِ الكُفّارِ بِقَوْلِهِ: (p-٤١٩)﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٨] .

المائدة 5:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ عِيسى وأُمَّهُ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ، وذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ كانُوا كَذَلِكَ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾، مَعْنى قَوْلِهِ: [ ذ \ ٧٥ ]، يُؤْفَكُونَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، والمُرادُ بِصَرْفِهِمْ عَنْهُ، قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وعَلى مَن يَقُولُ ذَلِكَ لَعائِنُ اللَّهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ هَذا الأمْرَ الَّذِي لَمْ يَقُلْ أحَدٌ أشْنَعَ مِنهُ ولا أعْظَمَ، مَعَ ظُهُورِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ المُبَيِّنَةِ لَهُ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾، عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن أمْرِهِمْ، كَيْفَ يُؤْفَكُونَ إلى هَذا الكُفْرِ مَعَ وُضُوحِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ ؟ !

المائدة 5:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الَّذِينَ لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ، الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، والَّذِينَ لُعِنُوا عَلى لِسانِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ المائِدَةِ، وعَلَيْهِ فَلَعْنُ الأوَّلِينَ مَسْخُهم قِرَدَةً، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]، ولَعْنُ الآخَرِينَ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مَسَخَهم خَنازِيرَ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والباقِرِ، نَقَلَهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وقالَ: واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، ونَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وأبِي مالِكٍ، وذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ . وَقالَ بَعْضُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، «قالَ داوُدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اللَّهُمَّ ألْبِسْهُمُ اللَّعْنَ مِثْلَ الرِّداءِ، ومِثْلَ المِنطَقَةِ عَلى الحَقْوَيْنِ“»، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً، وأصْحابُ المائِدَةِ لَمّا كَفَرُوا، «قالَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (p-٤٢٠)”اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَ ما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ، فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ»“ . وَأنَّ هَذا مَعْنى لَعْنِهِمْ عَلى لِسانِ داوُدَ، وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وفي الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذا تَرَكْنا التَّعَرُّضَ لَها، لِأنَّها لَيْسَتْ مِمّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ.

المائدة 5:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾، قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ المُرادَ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ، هو ما قَصَدْتُمْ عَقْدَ اليَمِينِ فِيهِ، لا ما جَرى عَلى ألْسِنَتِكم مِن غَيْرِ قَصْدٍ نَحْوَ ”لا واللَّهِ“ و ”بَلى واللَّهِ“، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎وَلَسْتَ بِمَأخُوذٍ بِلَغْوٍ تَقُولُهُ إذا لَمْ تَعْمَدْ عاقِداتِ العَزائِمِ وَهَذا العَقْدُ مَعْنَوِيٌّ، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: [ البَسِيطُ ] ؎قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ شَدُّوا ∗∗∗ العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا وَقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ: عَقَدْتُمْ [المائدة: ٨٩]، بِالتَّخْفِيفِ بِلا ألِفٍ، وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: عاقَدْتُمْ بِألِفٍ بِوَزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والتَّضْعِيفُ والمُفاعَلَةُ: مَعْناهُما مُجَرَّدُ الفِعْلِ بِدَلِيلِ قِراءَةِ عَقَدْتُمْ بِلا ألِفٍ، ولا تَضْعِيفٍ، والقِراءاتُ يُبَيِّنُ بَعْضُها بَعْضًا، و ”ما“ في قَوْلِهِ: بِما عَقَّدْتُمْ مَصْدَرِيَّةٌ عَلى التَّحْقِيقِ لا مَوْصُولَةٌ، كَما قالَهُ بَعْضُهم زاعِمًا أنَّ ضَمِيرَ الرّابِطِ مَحْذُوفٌ. وَفِي المُرادِ بِاللَّغْوِ في الآيَةِ أقْوالٌ، أشْهَرُها عِنْدَ العُلَماءِ اثْنانِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّغْوَ ما يَجْرِي عَلى لِسانِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، كَقَوْلِهِ: ”لا واللَّهِ“ و ”بَلى واللَّهِ“ . وَذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ: الشّافِعِيُّ، وعائِشَةُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، والشَّعْبِيِّ، وعِكْرِمَةَ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وأبِي صالِحٍ، والضَّحّاكِ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وأبِي قِلابَةَ، والزُّهْرِيِّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وغَيْرُهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّغْوَ هو أنْ يَحْلِفَ عَلى ما يَعْتَقِدُهُ، فَيَظْهَرَ نَفْيُهُ، وهَذا هو (p-٤٢١)مَذْهَبُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ، وقالَ: إنَّهُ أحْسَنُ ما سَمِعَ في مَعْنى اللَّغْوِ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، والحَسَنِ، وزُرارَةَ بْنِ أوْفى، وأبِي مالِكٍ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وأحَدِ قَوْلَيْ عِكْرِمَةَ، وحَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ، والسُّدِّيِّ، ومَكْحُولٍ، ومُقاتِلٍ، وطاوُسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، ويَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، ورَبِيعَةَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ. والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ، واللَّغْوُ يَشْمَلُهُما؛ لِأنَّهُ في الأوَّلِ لَمْ يَقْصِدْ عَقْدَ اليَمِينِ أصْلًا، وفي الثّانِي لَمْ يَقْصِدْ إلّا الحَقَّ والصَّوابَ، وغَيْرُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مِنَ الأقْوالِ تَرَكْتُهُ لِضَعْفِهِ في نَظَرِي، واللَّغْوُ في اللُّغَةِ: هو الكَلامُ بِما لا خَيْرَ فِيهِ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ، ومِنهُ حَدِيثُ: ”إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ، والإمامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةَ، أنْصِتْ، فَقَدْ لَغَوْتَ أوْ لَغَيْتَ“ . وَقَوْلُ العَجّاجِ: [ الرَّجَزُ ] ؎وَرُبَّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ∗∗∗ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ * * مَسائِلُ مِن أحْكامِ الأيْمانِ اعْلَمْ أنَّ الأيْمانَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: اثْنانِ فِيهِما الكَفّارَةُ بِلا خِلافٍ، واثْنانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِما. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما نَصُّهُ: الأيْمانُ في الشَّرِيعَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: قِسْمانِ فِيهِما الكَفّارَةُ، وقِسْمانِ لا كَفّارَةَ فِيهِما. خَرَّجَ الدّارَقُطْنِيُّ في ”سُنَنِهِ“: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ هِشامٍ، حَدَّثَنا عَبْثَرٌ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ حَمّادٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: الأيْمانُ أرْبَعَةٌ، يَمِينانِ يُكَفَّرانِ، ويَمِينانِ لا يُكَفَّرانِ. فاليَمِينانِ اللَّذانِ يُكَفَّرانِ، فالرَّجُلُ الَّذِي يَحْلِفُ: واللَّهِ لا أفْعَلُ كَذا وكَذا فَيَفْعَلُ، والرَّجُلُ يَقُولُ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا وكَذا، فَلا يَفْعَلُ. واليَمِينانِ اللَّذانِ لا يُكَفَّرانِ، فالرَّجُلُ يَحْلِفُ: واللَّهِ ما فَعَلْتُ كَذا وكَذا، وقَدْ فَعَلَ، والرَّجُلُ يَحْلِفُ: لَقَدْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا ولَمْ يَفْعَلْهُ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وذَكَرَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ في ”جامِعِهِ“، وذَكَرَهُ المَرْوَزِيُّ عَنْهُ أيْضًا، قالَ سُفْيانُ: الأيْمانُ أرْبَعَةٌ، يَمِينانِ يُكَفَّرانِ، وهو أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: ”واللَّهِ لا (p-٤٢٢)أفْعَلُ“ ثُمَّ يَفْعَلُ، أوْ يَقُولَ: ”واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ“ ثُمَّ لا يَفْعَلُ. ويَمِينانِ لا يُكَفَّرانِ، وهو أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: ”واللَّهِ ما فَعَلْتُ“، وقَدْ فَعَلَ، أوْ يَقُولَ: ”واللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ“ وما فَعَلَ. قالَ المَرْوَزِيُّ: أمّا اليَمِينانِ الأُولَيانِ، فَلا اخْتِلافَ فِيهِما بَيْنَ العُلَماءِ عَلى ما قالَ سُفْيانُ، وأمّا اليَمِينانِ الأُخْرَيانِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيهِما فَإنْ كانَ الحالِفُ حَلَفَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَذا وكَذا، أوْ أنَّهُ فَعَلَ كَذا وكَذا عِنْدَ نَفْسِهِ صادِقًا يُرى أنَّهُ عَلى ما حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ في قَوْلِ مالِكٍ، وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ. وَكَذَلِكَ قالَ أحْمَدُ وأبُو عُبَيْدٍ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا إثْمَ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ. قالَ المَرْوَزِيُّ: ولَيْسَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ في هَذا بِالقَوِيِّ، قالَ: وإنْ كانَ الحالِفُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَذا وكَذا، وقَدْ فَعَلَ، مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ فَهو آثِمٌ، ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ في قَوْلِ عامَّةِ العُلَماءِ: مالِكٍ، وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وأبِي ثَوْرٍ، وأبِي عُبَيْدٍ. وَكانَ الشّافِعِيُّ يَقُولُ: يُكَفِّرُ، قالَ: وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ التّابِعِينَ مِثْلُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ، قالَ المَرْوَزِيُّ: أمِيلُ إلى قَوْلِ مالِكٍ وأحْمَدَ، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنَ القُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ، وهو حاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ في حَلِفِ الإنْسانِ ”لَأفْعَلَنَّ“ أوْ ”لا أفْعَلُ“ . وَأمّا حَلِفُهُ عَلى وُقُوعِ أمْرٍ غَيْرِ فِعْلِهِ، أوْ عَدَمِ وُقُوعِهِ، كَأنْ يَقُولَ: واللَّهِ لَقَدْ وقَعَ في الوُجُودِ كَذا، أوْ لَمْ يَقَعْ في الوُجُودِ كَذا، فَإنْ حَلَفَ عَلى ماضٍ أنَّهُ واقِعٌ، وهو يَعْلَمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ مُتَعَمِّدًا الكَذِبَ فَهي يَمِينٌ غَمُوسٌ، وإنْ كانَ يَعْتَقِدُ وُقُوعَهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ فَهي مِن يَمِينِ اللَّغْوِ كَما قَدَّمْنا، وإنْ كانَ شاكًّا فَهو كالغَمُوسِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الغَمُوسِ. وَإنْ حَلَفَ عَلى مُسْتَقْبَلٍ لا يَدْرِي أيَقَعُ أمْ لا ؟ فَهو كَذَلِكَ أيْضًا يَدْخُلُ في يَمِينِ الغَمُوسِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ يَمِينَ الغَمُوسِ لا تُكَفَّرُ؛ لِأنَّها أعْظَمُ إثْمًا مِن أنْ تُكَفِّرَها كَفّارَةُ اليَمِينِ. وَقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ الشّافِعِيِّ بِالكَفّارَةِ فِيها، وفِيها عِنْدَ المالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ، وهو وُجُوبُ الكَفّارَةِ في غَيْرِ المُتَعَلِّقَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، واعْلَمْ أنَّ اليَمِينَ مُنْقَسِمَةٌ أيْضًا إلى يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ عَلى بِرٍّ، ويَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ عَلى حِنْثٍ، فالمُنْعَقِدَةُ عَلى بِرٍّ هي الَّتِي لا يَلْزَمُ حالِفَها تَحْلِيلُ اليَمِينِ كَقَوْلِهِ: ”واللَّهِ لا أفْعَلُ كَذا“، والمُنْعَقِدَةُ عَلى حِنْثٍ، هي الَّتِي يَلْزَمُ صاحِبَها حَلُّ اليَمِينِ بِفِعْلِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، أوْ بِالكَفّارَةِ كَقَوْلِهِ: ”واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا“، ولا يُحْكَمُ بِحِنْثِهِ (p-٤٢٣)فِي المُنْعَقِدَةِ عَلى حِنْثٍ حَتّى يَفُوتَ إمْكانُ فِعْلِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، إلّا إذا كانَتْ مُوَقَّتَةً بِوَقْتٍ فَيَحْنَثُ بِفَواتِهِ، ولَكِنْ إنْ كانَتْ بِطَلاقٍ كَقَوْلِهِ عَلى طَلاقِها: ”لَأفْعَلَنَّ كَذا“، فَإنَّهُ يُمْنَعُ مِن وطْئِها حَتّى يَفْعَلَ ما حَلَفَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا يَدْرِي أيَبَرُّ في يَمِينِهِ أمْ يَحْنَثُ ؟ ولا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى فَرْجٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مالِكٌ وأصْحابُهُ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يُمْنَعُ مِنَ الوَطْءِ، لِأنَّها زَوْجَتُهُ، والطَّلاقُ لَمْ يَقَعْ بِالفِعْلِ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ أحْمَدُ. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ اليَمِينَ لا تَنْعَقِدُ إلّا بِأسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فَلا يَجُوزُ القَسَمُ بِمَخْلُوقٍ لِقَوْلِهِ - ﷺ: «مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أوْ لِيَصْمُتْ»، ولا تَنْعَقِدُ يَمِينٌ بِمَخْلُوقٍ كائِنًا مَن كانَ، كَما أنَّها لا تَجُوزُ بِإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ، وبِالنَّصِّ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ في مَنعِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَوْلُ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ بِانْعِقادِ اليَمِينِ بِهِ ﷺ لِتَوَقُّفِ إسْلامِ المَرْءِ عَلى الإيمانِ بِهِ ظاهِرُ البُطْلانِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُخْرَجُ مِن عُهْدَةِ اليَمِينِ بِواحِدٍ مِن ثَلاثَةِ أشْياءَ: الأوَّلُ: إبْرارُها بِفِعْلِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ. الثّانِي: الكَفّارَةُ، وهي جائِزَةٌ قَبْلَ الحِنْثِ وبَعْدَهُ عَلى التَّحْقِيقِ. الثّالِثُ: الِاسْتِثْناءُ بِنَحْوِ إنْ شاءَ اللَّهُ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ حِلٌّ لِلْيَمِينِ لا بَدَلَ مِنَ الكَفّارَةِ، كَما زَعَمَهُ ابْنُ الماجِشُونِ، ويُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ التَّلَفُّظِ بِهِ، والِاتِّصالُ بِاليَمِينِ، فَلا يُقْبَلُ الفَصْلُ بِغَيْرِ ضَرُورِيٍّ كالسُّعالِ، والعُطاسِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ مِن جَوازِ تَراخِي الِاسْتِثْناءِ. فالتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّ العَبْدَ يَلْزَمُهُ إذا قالَ: ”لَأفْعَلَنَّ كَذا“، أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فَإنْ نَسِيَ الِاسْتِثْناءَ بِـ ”إنْ شاءَ“، وتَذَكَّرَهُ ولَوْ بَعْدَ فَصْلٍ، فَإنَّهُ يَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِن عُهْدَةِ عَدَمِ تَفْوِيضِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ وتَعْلِيقِها بِمَشِيئَتِهِ، لا مِن حَيْثُ إنَّهُ يُحِلُّ اليَمِينَ الَّتِي مَضَتْ وانْعَقَدَتْ. (p-٤٢٤)وَيَدُلُّ لِهَذا أنَّهُ تَعالى قالَ لِأيُّوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، ولَوْ كانَ تَدارُكُ الِاسْتِثْناءِ مُمْكِنًا لَقالَ لَهُ قُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَدُلُّ لَهُ أيْضًا أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما عُلِمَ انْعِقادُ يَمِينٍ لِإمْكانِ أنْ يَلْحَقَها الِاسْتِثْناءُ المُتَأخِّرُ، واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ بِـ ”إنْ شاءَ اللَّهُ“ يُفِيدُ في الحَلِفِ بِاللَّهِ إجْماعًا. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في غَيْرِهِ كالحَلِفِ بِالطَّلاقِ والظِّهارِ والعِتْقِ، كَأنْ يَقُولَ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، أوْ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ شاءَ اللَّهُ، أوْ أنْتِ حُرَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ لا يُفِيدُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أيْمانًا، وإنَّما هي تَعْلِيقاتٌ لِلْعِتْقِ والظِّهارِ والطَّلاقِ، والِاسْتِثْناءُ بِالمَشِيئَةِ إنَّما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ في اليَمِينِ دُونَ التَّعْلِيقِ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والأوْزاعِيُّ، وقَتادَةُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ وغَيْرُهُ. وَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهُ يُفِيدُ في ذَلِكَ كُلِّهِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. وأبُو حَنِيفَةَ، وطاوُسٌ، وحَمّادٌ، وأبُو ثَوْرٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الظِّهارِ، وبَيْنَ العِتْقِ والطَّلاقِ؛ لِأنَّ الظِّهارَ فِيهِ كَفّارَةٌ فَهو يَمِينٌ تَنْحَلُّ بِالِاسْتِثْناءِ، كاليَمِينِ بِاللَّهِ والنَّذْرِ، ونَقَلَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ عَنْ أبِي مُوسى، وجَزَمَ هو بِهِ. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَوْ فَعَلَ المَحْلُوفَ عَنْ فِعْلِهِ ناسِيًا، فَفِيهِ لِلْعُلَماءِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: الأوَّلُ: لا حِنْثَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ مَعْذُورٌ بِالنِّسْيانِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقالَ - ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ”، وهَذا الحَدِيثُ وإنْ أعَلَّهُ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، فَإنَّ العُلَماءَ تَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ويَشْهَدُ لَهُ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأ ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قالَ اللَّهُ نَعَمْ»، ومِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ اللَّهُ“ قَدْ فَعَلْتُ ”وَكَوْنُ مَن فَعَلَ ناسِيًا لا يَحْنَثُ هو قَوْلُ عَطاءٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، وابْنِ أبِي نَجِيحٍ، وإسْحاقَ، ورِوايَةً عَنْ أحْمَدَ، كَما قالَهُ صاحِبُ“ المُغْنِي ”، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ ظاهِرٌ لِلْأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَحْنَثُ مُطْلَقًا، وهو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ورَبِيعَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهم صاحِبُ (p-٤٢٥)" المُغْنِي“، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ أنَّهُ فَعَلَ ما حَلَفَ لا يَفْعَلُهُ عَمْدًا؛ فَلَمّا كانَ عامِدًا لِلْفِعْلِ الَّذِي هو سَبَبُ الحِنْثِ، لَمْ يُعْذَرْ بِنِسْيانِهِ اليَمِينَ، ولا يَخْفى عَدَمُ ظُهُورِهِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إلى الفَرْقِ بَيْنَ الطَّلاقِ والعِتْقِ وبَيْنَ غَيْرِهِما، فَلا يُعْذَرُ بِالنِّسْيانِ في الطَّلاقِ والعِتْقِ، ويُعْذَرُ بِهِ في غَيْرِهِما، وهَذا هو ظاهِرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ، كَما قالَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“، قالَ: واخْتارَهُ الخَلّالُ، وصاحِبُهُ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّ في الطَّلاقِ والعِتْقِ حَقًّا لِلَّهِ وحَقًّا لِلْآدَمِيِّ، والحالِفُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا في نَفْسِ الأمْرِ، ويَدَّعِي النِّسْيانَ؛ لِأنَّ العَمْدَ مِنَ القُصُودِ الكامِنَةِ الَّتِي لا تَظْهَرُ حَقِيقَتُها لِلنّاسِ، فَلَوْ عُذِرَ بِادِّعاءِ النِّسْيانِ لَأمْكَنَ تَأْدِيَةُ ذَلِكَ إلى ضَياعِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا حَلَفَ لا يَفْعَلُ أمْرًا مِنَ المَعْرُوفِ كالإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ ونَحْوِهِ، فَلَيْسَ لَهُ الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ والتَّعَلُّلُ بِاليَمِينِ، بَلْ عَلَيْهِ أنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، ويَأْتِيَ الَّذِي هو خَيْرٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٤]، أيْ لا تَجْعَلُوا أيْمانَكم بِاللَّهِ تَعالى مانِعَةً لَكم مِنَ البِرِّ، وصِلَةِ الرَّحِمِ إذا حَلَفْتُمْ عَلى تَرْكِها، ونَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في حَلِفِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ألّا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ، لِما قالَ في عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ما قالَ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] . وَقَوْلُهُ - ﷺ: «واللَّهِ لَأنْ يَلِجَّ أحَدُكم بِيَمِينِهِ في أهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْ يُعْطِيَ كَفّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. وَقَوْلُهُ - ﷺ: «إنِّي واللَّهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا أتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ وتَحَلَّلْتُها»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى. وَقَوْلُهُ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لا تَسْألِ الإمارَةَ، فَإنَّكَ إنْ أُعْطِيتَها مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها، وإنْ أُعْطِيتَها عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها، وإذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا، والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ. وهَذا هو الحَقُّ في المَسْألَةِ خِلافًا لِمَن قالَ: (p-٤٢٦)كَفّارَتُها تَرْكُها مُتَمَسِّكًا بِأحادِيثَ ورَدَتْ في ذَلِكَ، قالَ أبُو داوُدَ: والأحادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّها: «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»، وهي الصِّحاحُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، لَمْ يُقَيِّدْ هُنا رَقَبَةٍ كَفّارَةَ اليَمِينِ بِالإيمانِ، وقَيَّدَ بِهِ كَفّارَةَ القَتْلِ خَطَأً. وَهَذِهِ مِن مَسائِلِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ في حالَةِ اتِّفاقِ الحُكْمِ، مَعَ اخْتِلافِ السَّبَبِ، وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ يَقُولُونَ فِيهِ بِحَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، فَتَقَيُّدُ رَقَبَةِ اليَمِينِ والظِّهارِ بِالقَيْدِ الَّذِي في رَقَبَةِ القَتْلِ خَطَأً، حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، وخالَفَ في ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ. وَقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا ”دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ“، في سُورَةِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]؛ ولِذَلِكَ لَمْ نُطِلِ الكَلامَ بِها هُنا، والمُرادُ بِالتَّحْرِيرِ الإخْراجُ مِنَ الرِّقِّ، ورُبَّما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في الإخْراجِ مِنَ الأسْرِ، والمَشَقّاتِ، وتَعَبِ الدُّنْيا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ والِدَةِ مَرْيَمَ: إنِّي ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، أيْ مِن تَعَبِ أعْمالِ الدُّنْيا، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ هَمّامِ بْنِ غالِبٍ التَّمِيمِيِّ: [ الكامِلُ ] ؎أبَنِي غُدانَةَ إنَّنِي حَرَّرْتُكم فَوَهَبْتُكم لِعَطِيَّةَ بْنِ جِعالِ يَعْنِي حَرَّرْتُكم مِنَ الهِجاءِ، فَلا أهْجُوكم.

المائدة 5:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ﴾ الآيَةَ. يُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الخَمْرَ نَجِسَةُ العَيْنِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ إنَّها: رِجْسٌ، والرِّجْسُ في كَلامِ العَرَبِ كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ تَعافُّهُ النَّفْسُ. وَقِيلَ: إنَّ أصْلَهُ مِنَ الرَّكْسِ، وهو العُذْرَةُ والنَّتْنُ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ويَدُلُّ لِهَذا مَفْهُومُ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى في شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]؛ لِأنَّ وصْفَهُ لِشَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ بِأنَّهُ طَهُورٌ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ خَمْرَ الدُّنْيا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ كُلَّ الأوْصافِ الَّتِي مَدَحَ بِها تَعالى خَمْرَ الآخِرَةِ مَنفِيَّةٌ عَنْ خَمْرِ الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩]، بِخِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا فَفِيها غَوْلٌ يَغْتالُ العُقُولَ (p-٤٢٧)وَأهْلُها يُصَدَّعُونَ، أيْ يُصِيبُهُمُ الصُّداعُ الَّذِي هو وجَعُ الرَّأْسِ بِسَبَبِها، وقَوْلُهُ: لا يُنْزَفُونَ، عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الزّايِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَمَعْناهُ: أنَّهم لا يَسْكَرُونَ، والنَّزِيفُ السَّكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: [ الطَّوِيلُ ] ؎نَزِيفٌ تَرى رَدْعَ العَبِيرِ يُجِيبُها كَما ضَرَّجَ الضّارِي النَّزِيفَ المُكْلَما يَعْنِي أنَّها في ثِقَلِ حَرَكَتِها كالسَّكْرانِ، وأنَّ حُمْرَةَ العَبِيرِ الَّذِي هو الطِّيبُ في جَيْبِها كَحُمْرَةِ الدَّمِ عَلى الطَّرِيدِ الَّذِي ضَرَّجَهُ الجَوارِحُ بِدَمِهِ، فَأصابَهُ نَزِيفُ الدَّمِ مِن جُرْحِ الجَوارِحِ لَهُ، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: [ المُتَقارِبُ ] ؎وَإذْ هي تَمْشِي كَمَشْيِ النَّزِيفِ ∗∗∗ يَصْرَعُهُ بِالكَثِيبِ البُهُرْ وَقَوْلُهُ أيْضًا: [ الطَّوِيلُ ] ؎نَزِيفٌ إذا قامَتْ لِوَجْهٍ تَمايَلَتْ ∗∗∗ تُراشِي الفُؤادَ الرَّخْصَ ألّا تَخْتَرا وَقَوْلُ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ أوْ جَمِيلٍ: [ الكامِلُ ] ؎فَلَثَمَتْ فاها آخِذًا بِقُرُونِها ∗∗∗ شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وَعَلى قِراءَةِ يَنْزِفُونَ بِكَسْرِ الزّايِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فَفِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَماءِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن أنْزَفَ القَوْمُ إذا حانَ مِنهُمُ النُّزْفُ وهو السُّكْرُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: أحْصَدَ الزَّرْعُ إذا حانَ حَصادُهُ، وأقْطَفَ العِنَبُ إذا حانَ قِطافُهُ، وهَذا القَوْلُ مَعْناهُ راجِعٌ إلى الأوَّلِ. والثّانِي: أنَّهُ مِن أنْزَفَ القَوْمُ إذا فَنِيَتْ خُمُورُهم، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: [ الطَّوِيلُ ] ؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُوا أوْ صَحَوْتُمُوا ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى أنْتُمْ آلٌ أبْجَرا وَجَماهِيرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الخَمْرَ نَجِسَةُ العَيْنِ لِما ذَكَرْنا، وخالَفَ في ذَلِكَ رَبِيعَةُ، واللَّيْثُ، والمُزَنِيُّ صاحِبُ الشّافِعِيِّ، وبَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ البَغْدادِيِّينَ والقَرَوِيِّينَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ . واسْتَدَلُّوا لِطَهارَةِ عَيْنِها بِأنَّ المَذْكُوراتِ مَعَها في الآيَةِ مِن مالِ مَيْسِرٍ، ومالِ قِمارٍ، وأنْصابٍ، وأزْلامٍ لَيْسَتْ نَجِسَةَ العَيْنِ، وإنْ كانَتْ مُحَرَّمَةَ الِاسْتِعْمالِ. (p-٤٢٨)وَأُجِيبَ مِن جِهَةِ الجُمْهُورِ بِأنَّ قَوْلَهُ: رِجْسٌ، يَقْتَضِي نَجاسَةَ العَيْنِ في الكُلِّ، فَما أخْرَجَهُ إجْماعٌ، أوْ نَصٌّ خَرَجَ بِذَلِكَ، وما لَمْ يُخْرِجْهُ نَصٌّ ولا إجْماعٌ لَزِمَ الحُكْمُ بِنَجاسَتِهِ؛ لِأنَّ خُرُوجَ بَعْضِ ما تَناوَلَهُ العامُّ بِمُخَصِّصٍ مِنَ المُخَصِّصاتِ، لا يَسْقُطُ الِاحْتِجاجُ بِهِ في الباقِي، كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ] ؎وَهُوَ حُجَّةٌ لَدى الأكْثَرِ إنْ ∗∗∗ مُخَصِّصٌ لَهُ مُعَيِّنًا يَبِنْ وَعَلى هَذا، فالمُسْكِرُ الَّذِي عَمَّتِ البَلْوى اليَوْمَ بِالتَّطَيُّبِ بِهِ المَعْرُوفُ في اللِّسانِ الدّارِجِيِّ بِالكُولانْيا نَجَسٌ لا تَجُوزُ الصَّلاةُ بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في المُسْكِرِ: فاجْتَنِبُوهُ، يَقْتَضِي الِاجْتِنابَ المُطْلَقَ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ مَعَهُ بِشَيْءٍ مِنَ المُسْكِرِ، وما مَعَهُ في الآيَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لا يَخْفى عَلى مُنْصِفٍ أنَّ التَّضَمُّخَ بِالطِّيبِ المَذْكُورِ، والتَّلَذُّذَ بِرِيحِهِ واسْتَطابَتَهُ، واسْتِحْسانَهُ مَعَ أنَّهُ مُسْكِرٌ، واللَّهُ يُصَرِّحُ في كِتابِهِ بِأنَّ الخَمْرَ رِجْسٌ فِيهِ ما فِيهِ، فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أنْ يَتَطَيَّبَ بِما يَسْمَعُ رَبَّهُ يَقُولُ فِيهِ: إنَّهُ رِجْسٌ، كَما هو واضِحٌ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ ﷺ «أمَرَ بِإراقَةِ الخَمْرِ» فَلَوْ كانَتْ فِيها مَنفَعَةٌ أُخْرى لَبَيَّنَها، كَما بَيَّنَ جَوازَ الِانْتِفاعِ بِجُلُودِ المَيْتَةِ، ولَما أراقَها. واعْلَمْ أنَّ ما اسْتَدَلَّ بِهِ سَعِيدُ بْنُ الحَدّادِ القَرَوِيُّ عَلى طَهارَةِ عَيْنِ الخَمْرِ بِأنَّ الصَّحابَةَ أراقُوها في طُرُقِ المَدِينَةِ؛ ولَوْ كانَتْ نَجِسَةً لَما فَعَلُوا ذَلِكَ؛ ولَنَهاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، كَما نَهاهم عَنِ التَّخَلِّي في الطُّرُقِ، لا دَلِيلَ لَهُ فِيهِ، فَإنَّها لا تَعُمُّ الطُّرُقَ، بَلْ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنها، لِأنَّ المَدِينَةَ كانَتْ واسِعَةً، ولَمْ تَكُنِ الخَمْرُ كَثِيرَةً جِدًّا بِحَيْثُ تَكُونُ نَهَرًا أوْ سَيْلًا في الطُّرُقِ يَعُمُّها كُلَّها، وإنَّما أُرِيقَتْ في مَواضِعَ يَسِيرَةٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنها، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وهو ظاهِرٌ.

المائدة 5:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾، هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِن دَلِيلِ خِطابِها، أيْ مَفْهُومِ مُخالَفَتِها، أنَّهم إنْ حَلُّوا مِن إحْرامِهِمْ جازَ لَهم قَتْلُ الصَّيْدِ، وهَذا المَفْهُومُ مُصَرَّحٌ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، يَعْنِي إنْ شِئْتُمْ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾، الآيَةَ. (p-٤٢٩)ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ لِقَتْلِهِ ذاكِرًا حَرامَهُ، وخالَفَ مُجاهِدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الجُمْهُورَ قائِلًا: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ لِقَتْلِهِ في حالِ كَوْنِهِ ناسِيًا لِإحْرامِهِ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، كَما سَيَأْتِي إيضاحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونُ فِيها قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ قَرِينَةً واضِحَةً دالَّةً عَلى عَدَمِ صِحَّةِ قَوْلِ مُجاهِدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَعَمِّدًا أمْرًا لا يَجُوزُ، أمّا النّاسِي فَهو غَيْرُ آثِمٍ إجْماعًا، فَلا يُناسِبُ أنْ يُقالَ فِيهِ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، كَما تَرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.