Adwa' Al-Bayan — المائدة 5:96 – الأنعام 6:162
المحتويات
- المائدة 5:96
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:115
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:62
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:83
- الأنعام 6:88
- الأنعام 6:92
- الأنعام 6:93
- الأنعام 6:94
- الأنعام 6:96
- الأنعام 6:97
- الأنعام 6:98
- الأنعام 6:99
- الأنعام 6:103
- الأنعام 6:105
- الأنعام 6:106
- الأنعام 6:112
- الأنعام 6:116
- الأنعام 6:119
- الأنعام 6:123
- الأنعام 6:124
- الأنعام 6:125
- الأنعام 6:128
- الأنعام 6:130
- الأنعام 6:131
- الأنعام 6:132
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:157
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:162
المائدة 5:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾، الآيَةَ.
ظاهِرُ عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَشْمَلُ إباحَةَ صَيْدِ البَحْرِ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، وهو كَذَلِكَ، كَما بَيَّنَهُ تَخْصِيصُهُ تَعالى تَحْرِيمَ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ بِصَيْدِ البَرِّ في قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]، فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ صَيْدَ البَحْرِ لا يَحْرُمُ عَلى المُحْرِمِ، كَما هو ظاهِرٌ.
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالِاصْطِيادِ
فِي الإحْرامِ أوْ في الحَرَمِ
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى مَنعِ صَيْدِ البَرِّ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ.
وَهَذا الإجْماعُ في مَأْكُولِ اللَّحْمِ الوَحْشِيِّ كالظَّبْيِ، والغَزالِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَحْرُمُ عَلَيْهِ الإشارَةُ إلى الصَّيْدِ والدَّلالَةُ عَلَيْهِ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن «حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ مَعَ قَوْمٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو حَلالٌ وهم مُحْرِمُونَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمٌ أمامَهم، فَأبْصَرُوا حِمارًا وحْشِيًّا وأبُو قَتادَةَ مَشْغُولٌ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَلَمْ يُؤْذُنُوهُ، وأحَبُّوا لَوْ أنَّهُ أبْصَرَهُ فَأبْصَرَهُ فَأسْرَجَ فَرَسَهُ؛ ثُمَّ رَكِبَ ونَسِيَ سَوْطَهُ ورُمْحَهُ فَقالَ لَهم: ناوِلُونِي السَّوْطَ والرُّمْحَ، فَقالُوا: واللَّهِ لا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَغَضِبَ فَنَزَلَ (p-٤٣٠)فَأخَذَهُما فَرَكِبَ فَشَدَّ عَلى الحِمارِ فَعَقَرَهُ ثُمَّ جاءَ بِهِ وقَدْ ماتَ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثُمَّ إنَّهم شَكُّوا في أكْلِهِمْ إيّاهُ وهم حُرُمٌ، فَأدْرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ فَسَألُوهُ فَقَرَّرَهم عَلى أكْلِهِ، وناوَلَهُ أبُو قَتادَةَ عَضُدَ الحِمارِ الوَحْشِيِّ، فَأكَلَ مِنها ﷺ، ولِمُسْلِمٍ: ”هَلْ أشارَ إلَيْهِ إنْسانٌ أوْ أمَرَهُ بِشَيْءٍ“، قالُوا: لا، قالَ: ”فَكُلُوهُ“» .
وَلِلْبُخارِيِّ: «هَلْ مِنكم أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها ”، أوْ“ أشارَ إلَيْها ”قالُوا: لا، قالَ:“ فَكُلُوا ما بَقِيَ مِن لَحْمِها»، وقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ العُلَماءِ عَلى أنَّ ما صادَهُ مُحْرِمٌ لا يَجُوزُ أكْلُهُ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي صادَهُ، ولا لِمُحْرِمٍ غَيْرِهِ، ولا لِحَلالٍ غَيْرِ مُحْرِمٍ؛ لِأنَّهُ مَيْتَةٌ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أكْلِ المُحْرِمِ مِمّا صادَهُ حَلالٌ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ، قِيلَ: لا يَجُوزُ لَهُ الأكْلُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ ما صادَهُ لِأجْلِهِ، وما صادَهُ لا لِأجْلِهِ فَيُمْنَعُ الأوَّلُ دُونَ الثّانِي.
واحْتَجَّ أهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ بِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّهُ أهْدى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمارًا وحْشِيًّا وهو بِالأبْواءِ أوْ بِوَدّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا رَأى ما في وجْهِهِ قالَ: ”إنّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلّا أنّا حَرامٌ“»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ولِأحْمَدَ ومُسْلِمٍ «لَحْمَ حِمارٍ وحْشِيٍّ» .
واحْتَجُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِن لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ، وقالَ: ”إنّا لا نَأْكُلُهُ إنّا حُرُمٌ»“ أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، واللَّيْثِ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، وعائِشَةَ وغَيْرِهِمْ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: بِجَوازِ أكْلِ المُحْرِمِ ما صادَهُ الحَلالُ مُطْلَقًا؛ بِعُمُومِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ بِجَوازِ أكْلِ المُحْرِمِ مِن صَيْدِ الحَلالِ، كَحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، والإمامِ أحْمَدَ: «أنَّهُ كانَ في قَوْمٍ مُحْرِمُونَ، فَأُهْدِيَ لَهم طَيْرٌ، وطَلْحَةُ راقِدٌ، فَمِنهم مَن أكَلَ ومِنهم مَن تَوَرَّعَ فَلَمْ يَأْكُلْ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وافَقَ مَن أكَلَهُ وقالَ: أكَلْناهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ» .
وَكَحَدِيثِ البَهْزِيِّ واسْمُهُ زَيْدُ بْنُ كَعْبٍ، أنَّهُ «قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ في حِمارٍ وحْشِيٍّ عَقِيرٍ (p-٤٣١)فِي بَعْضِ وادِي الرَّوْحاءِ وهو صاحِبُهُ: شَأْنُكم بِهَذا الحِمارِ، فَأمَرَ ﷺ أبا بَكْرٍ فَقَسَمَهُ في الرِّفاقِ وهم مُحْرِمُونَ»، أخْرَجَهُ الإمامانِ مالِكٌ في ”مُوَطَّئِهِ“، وأحْمَدُ في ”مَسْنَدِهِ“، والنَّسائِيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وغَيْرُهُ، كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ومِمَّنْ قالَ بِإباحَتِهِ مُطْلَقًا أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أظْهَرُ الأقْوالِ وأقْواها دَلِيلًا، هو القَوْلُ المُفَصَّلُ بَيْنَ ما صِيدَ لِأجْلِ المُحْرِمِ؛ فَلا يَحِلُّ لَهُ، وبَيْنَ ما صادَهُ الحَلالُ، لا لِأجْلِ المُحْرِمِ؛ فَإنَّهُ يَحِلُّ لَهُ.
والدَّلِيلُ عَلى هَذا أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأدِلَّةِ واجِبٌ مَتى ما أمْكَنَ؛ لِأنَّ إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما، ولا طَرِيقَ لِلْجَمْعِ إلّا هَذِهِ الطَّرِيقُ، ومَن عَدَلَ عَنْها لا بُدَّ أنْ يُلْغِيَ نُصُوصًا صَحِيحَةً.
الثّانِي: أنَّ جابِرًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «صَيْدُ البَرِّ لَكم حَلالٌ وأنْتُمْ حُرُمٌ، ما لَمْ تَصِيدُوهُ، أوْ يُصَدْ لَكم»، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ.
وَقالَ الشّافِعِيُّ: هَذا أحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ في هَذا البابِ وأقْيَسُ، فَإنْ قِيلَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ، عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو مَوْلى المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ مَوْلاهُ المُطَّلِبِ، عَنْ جابِرٍ، وعَمْرٌو مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قالَ فِيهِ النَّسائِيُّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ في الحَدِيثِ، وإنْ كانَ قَدْ رَوى عَنْهُ مالِكٌ.
وَقالَ التِّرْمِذِيُّ في مَوْلاهُ المُطَّلِبِ أيْضًا: لا يُعْرَفُ لَهُ سَماعٌ مِن جابِرٍ، وقالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا في مَوْضِعٍ آخَرَ، قالَ مُحَمَّدٌ: لا أعْرِفُ لَهُ سَماعًا مِن أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ، إلّا قَوْلَهُ حَدَّثَنِي مَن شَهِدَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ .
فالجَوابُ أنَّ هَذا كُلَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يَقْتَضِي رَدَّ هَذا الحَدِيثِ؛ لِأنَّ عَمْرًا المَذْكُورَ ثِقَةٌ، وهو مِن رِجالِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، ومِمَّنْ رَوى عَنْهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ثِقَةٌ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: ثِقَةٌ رُبَّما وهِمَ، وقالَ فِيهِ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: أمّا تَضْعِيفُ عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو فَغَيْرُ ثابِتٍ؛ لِأنَّ البُخارِيَّ، ومُسْلِمًا رَوَيا لَهُ في صَحِيحَيْهِما، واحْتَجّا بِهِ، وهُما القُدْوَةُ في هَذا البابِ.
(p-٤٣٢)وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مالِكٌ، ورَوى عَنْهُ وهو القُدْوَةُ، وقَدْ عُرِفَ مِن عادَتِهِ أنَّهُ لا يَرْوِي في كِتابِهِ إلّا عَنْ ثِقَةٍ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيهِ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: هو ثِقَةٌ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا بَأْسَ بِهِ.
وَقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لا بَأْسَ بِهِ؛ لِأنَّ مالِكًا رَوى عَنْهُ، ولا يَرْوِي مالِكٌ إلّا عَنْ صَدُوقٍ ثِقَةٍ، قُلْتُ: وقَدْ عُرِفَ أنَّ الجَرْحَ لا يَثْبُتُ إلّا مُفَسَّرًا، ولَمْ يُفَسِّرْهُ ابْنُ مَعِينٍ، والنَّسائِيُّ بِما يُثْبِتُ تَضْعِيفَ عَمْرٍو المَذْكُورِ، وقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ: إنَّ مَوْلاهُ المُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، لا يُعْرَفُ لَهُ سَماعٌ مِن جابِرٍ، وقَوْلُ البُخارِيِّ لِلتِّرْمِذِيِّ: لا أعْرِفُ لَهُ سَماعًا مِن أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ إلّا قَوْلَهُ: حَدَّثَنِي مَن شَهِدَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ما يَقْتَضِي رَدَّ رِوايَتِهِ، لِما قَدَّمْنا في سُورَةِ النِّساءِ مِن أنَّ التَّحْقِيقَ هو الِاكْتِفاءُ بِالمُعاصَرَةِ.
وَلا يَلْزَمُ ثُبُوتَ اللُّقْيِ، وأحْرى ثُبُوتُ السَّماعِ، كَما أوْضَحَهُ الإمامُ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في مُقَدِّمَةِ ”صَحِيحِهِ“، بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ البُخارِيَّ ذَكَرَ في كَلامِهِ هَذا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ، أنَّ المُطَّلِبَ مَوْلى عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو المَذْكُورَ، صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ مِمَّنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَصْرِيحٌ بِالسَّماعِ مِن بَعْضِ الصَّحابَةِ بِلا شَكٍّ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: وأمّا إدْراكُ المُطَّلِبِ لِجابِرٍ، فَقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ورَوى عَنْ جابِرٍ، قالَ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أدْرَكَهُ، هَذا هو كَلامُ ابْنِ أبِي حاتِمٍ، فَحَصَلَ شَكٌّ في إدْراكِهِ، ومَذْهَبُ مُسْلِمِ بْنِ الحَجّاجِ الَّذِي ادَّعى في مُقَدِّمَةِ ”صَحِيحِهِ“ الإجْماعَ فِيهِ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في اتِّصالِ الحَدِيثِ اللِّقاءُ، بَلْ يُكْتَفى بِإمْكانِهِ، والإمْكانُ حاصِلٌ قَطْعًا، ومَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ، والبُخارِيِّ، والأكْثَرِينَ اشْتِراطُ ثُبُوتِ اللِّقاءِ، فَعَلى مَذْهَبِ مُسْلِمٍ الحَدِيثُ مُتَّصِلٌ، وعَلى مَذْهَبِ الأكْثَرِينَ يَكُونُ مُرْسَلًا لِبَعْضِ كِبارِ التّابِعِينَ، وقَدْ سَبَقَ أنَّ مُرْسَلَ التّابِعِيِّ الكَبِيرِ يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَنا إذا اعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحابَةِ؛ أوْ قَوْلِ أكْثَرِ العُلَماءِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا سَبَقَ.
وَقَدِ اعْتَضَدَ هَذا الحَدِيثُ، فَقالَ بِهِ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - مَن سَنَذْكُرُهُ في فَرْعِ مَذاهِبِ العُلَماءِ. اهـ. كَلامُ النَّوَوِيِّ، فَظَهَرَتْ صِحَّةُ الِاحْتِجاجِ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ عَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ، عَلى مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ؛ لِأنَّ الشّافِعِيَّ مِنهم هو الَّذِي لا يَحْتَجُّ (p-٤٣٣)بِالمُرْسَلِ، وقَدْ عَرَفْتَ احْتِجاجَهُ بِهَذا الحَدِيثِ عَلى تَقْدِيرِ إرْسالِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: نَعَمْ، يُشْتَرَطُ في قَبُولِ رِوايَةِ المُدَلِّسِ التَّصْرِيحُ بِالسَّماعِ، والمُطَّلِبُ المَذْكُورُ مُدَلِّسٌ، لَكِنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى - صِحَّةُ الِاحْتِجاجِ بِالمُرْسَلِ، ولاسِيَّما إذا اعْتَضَدَ بِغَيْرِهِ كَما هُنا، وقَدْ عَلِمْتَ مِن كَلامِ النَّوَوِيِّ مُوافَقَةَ الشّافِعِيَّةِ.
واحْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ المُرْسَلَ حُجَّةٌ بِأنَّ العَدْلَ لا يَحْذِفُ الواسِطَةَ مَعَ الجَزْمِ بِنِسْبَةِ الحَدِيثِ لِمَن فَوْقَها، إلّا وهو جازِمٌ بِالعَدالَةِ والثِّقَةِ فِيمَن حَذَفَهُ، حَتّى قالَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ: إنَّ المُرْسَلَ مُقَدَّمٌ عَلى المَسْنَدِ؛ لِأنَّهُ ما حَذَفَ الواسِطَةَ في المُرْسَلِ إلّا وهو مُتَكَفِّلٌ بِالعَدالَةِ والثِّقَةِ فِيما حَذَفَ بِخِلافِ المُسْنَدِ، فَإنَّهُ يُحِيلُ النّاظِرَ عَلَيْهِ، ولا يَتَكَفَّلُ لَهُ بِالعَدالَةِ والثِّقَةِ، وإلى هَذا أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ في مَبْحَثِ المُرْسَلِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَهُوَ حُجَّةٌ ولَكِنْ رُجِّحا عَلَيْهِ مُسْنَدٌ وعَكْسٌ صُحِّحا
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ يَحْتَجُّ بِعَنْعَنَةِ المُدَلِّسِ مِن بابٍ أوْلى، فَظَهَرَتْ صِحَّةُ الِاحْتِجاجِ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ عِنْدَ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ مَعَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَهُ شاهِدٌ عِنْدَ الخَطِيبِ وابْنِ عَدِيٍّ مِن رِوايَةِ عُثْمانَ بْنِ خالِدٍ المَخْزُومِيِّ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، كَما نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ وغَيْرِهِ وهو يُقَوِّيهِ.
وَإنْ كانَ عُثْمانُ المَذْكُورُ ضَعِيفًا؛ لِأنَّ الضَّعِيفَ يُقَوِّي المُرْسَلَ، كَما عُرِفَ في عُلُومِ الحَدِيثِ، فالظّاهِرُ أنَّ حَدِيثَ جابِرٍ هَذا صالِحٌ، وأنَّهُ نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ هَذِهِ الأدِلَّةِ بِعَيْنِ الجَمْعِ الَّذِي ذَكَرْنا أوَّلًا، فاتَّضَحَ بِهَذا أنَّ الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى مَنعِ أكْلِ المُحْرِمِ مِمّا صادَهُ الحَلالُ كُلَّها مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّهُ صادَهُ مِن أجْلِهِ، وأنَّ الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى إباحَةِ الأكْلِ مِنهُ مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَصِدْهُ مِن أجْلِهِ، ولَوْ صادَهُ لِأجْلِ مُحْرِمٍ مُعَيَّنٍ حَرُمَ عَلى جَمِيعِ المُحْرِمِينَ، خِلافًا لِمَن قالَ: لا يَحْرُمُ إلّا عَلى ذَلِكَ المُحْرِمِ المُعَيَّنِ الَّذِي صِيدَ مِن أجْلِهِ.
وَيُرْوى هَذا عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ - ﷺ: «أوْ يُصَدْ لَكم» ”، ويَدُلُّ لِلْأوَّلِ ظاهِرُ قَوْلِهِ في حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ:“ «هَلْ مِنكم أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْها، أوْ أشارَ لَها ؟ ”قالُوا: لا، قالَ:“ فَكُلُوهُ»، فَمَفْهُومُهُ أنَّ إشارَةَ واحِدٍ مِنهم تُحَرِّمُهُ عَلَيْهِمْ كُلِّهم، ويَدُلُّ لَهُ أيْضًا ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ دُعِيَ وهو مُحْرِمٌ إلى (p-٤٣٤)طَعامٍ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَقالَ: ”أطْعِمُوهُ حَلالًا فَإنّا حُرُمٌ“، وهَذا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ عِنْدَ أصْحابِهِ مَعَ اخْتِلافِ قَوْلِهِ في ذَلِكَ.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا تَجُوزُ زَكاةُ المُحْرِمِ لِلصَّيْدِ بِأنْ يَذْبَحَهُ مَثَلًا، فَإنْ ذَبَحَهُ فَهو مَيْتَةٌ لا يَحِلُّ أكْلُهُ لِأحَدٍ كائِنًا مَن كانَ، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ قَتْلِهِ بِالعَقْرِ وقَتْلِهِ بِالذَّبْحِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وبِهَذا قالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والقاسِمُ، وسالِمٌ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وقالَ الحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ: لا بَأْسَ بِأكْلِهِ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: هو بِمَنزِلَةِ ذَبِيحَةِ السّارِقِ.
وَقالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ: يَأْكُلُهُ الحَلالُ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وغَيْرُهُ.
واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ مَن أباحَتْ ذَكاتُهُ غَيْرَ الصَّيْدِ أباحَتِ الصَّيْدَ كالحَلالِ، والظّاهِرُ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ ذَبْحَ المُحْرِمِ لا يُحِلُّ الصَّيْدَ، ولا يُعْتَبَرُ ذَكاةً لَهُ؛ لِأنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ حَرامٌ عَلَيْهِ، ولِأنَّ ذَكاتَهُ لا تُحِلُّ لَهُ هو أكْلَهُ إجْماعًا، وإذا كانَ الذَّبْحُ لا يُفِيدُ الحِلَّ لِلذّابِحِ، فَأوْلى وأحْرى ألّا يُفِيدَ لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الفَرْعَ تَبَعٌ لِلْأصْلِ في أحْكامِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَثْبُتَ ما لا يَثْبُتُ لِأصْلِهِ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وهو ظاهِرٌ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحَيَوانُ البَرِّيُّ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: قِسْمٌ هو صَيْدٌ إجْماعًا، وهو ما كالغَزالِ مِن كُلِّ وحْشِيٍّ حَلالِ الأكْلِ، فَيُمْنَعُ قَتْلُهُ لِلْمُحْرِمِ، وإنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ، وقِسْمٌ لَيْسَ بِصَيْدٍ إجْماعًا، ولا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، وقِسْمٌ اخْتُلِفَ فِيهِ.
أمّا القِسْمُ الَّذِي لا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، ولَيْسَ بِصَيْدٍ إجْماعًا فَهو الغُرابُ، والحِدَأةُ، والعَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ.
وَأمّا القِسْمُ المُخْتَلَفُ فِيهِ: فَكالأسَدِ، والنَّمِرِ، والفَهْدِ، والذِّئْبِ، وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسِ فَواسَقَ في الحِلِّ، والحَرَمِ: الغُرابُ، والحِدَأةُ، والعَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ» .
(p-٤٣٥)وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوابِّ لَيْسَ عَلى المُحْرِمِ في قَتْلِهِنَّ جُناحٌ»، ثُمَّ عَدَّ الخَمْسَ المَذْكُورَةَ آنِفًا، ولا شَكَّ أنَّ الحَيَّةَ أوْلى بِالقَتْلِ مِنَ العَقْرَبِ.
وَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّةٍ بِمِنًى»، وعَنِ ابْنِ عَمْرٍو سُئِلَ: ما يَقْتُلُ الرَّجُلُ مِنَ الدَّوابِّ وهو مُحْرِمٌ ؟ فَقالَ: ”حَدَّثَتْنِي إحْدى نِسْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الكَلْبِ العَقُورِ، والفَأْرَةِ، والعَقْرَبِ، والحِدَأةِ، والغُرابِ، والحَيَّةِ»“ رَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.
والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ، والجارِي عَلى الأُصُولِ تَقْيِيدُ الغُرابِ بِالأبْقَعِ، وهو الَّذِي فِيهِ بَياضٌ، لِما رَوى مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ في عَدِّ الفَواسِقِ الخَمْسِ المَذْكُورَةِ، والغُرابِ الأبْقَعِ. والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، وما أجابَ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ رِواياتِ الغُرابِ بِالإطْلاقِ مُتَّفَقٌ عَلَيْها، فَهي أصَحُّ مِن رِوايَةِ القَيْدِ بِالأبْقَعِ لا يَنْهَضُ، إذْ لا تَعارُضَ بَيْنَ مُقَيَّدٍ ومُطْلَقٍ؛ لِأنَّ القَيْدَ بَيانٌ لِلْمُرادِ مِنَ المُطْلَقِ.
وَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ بِمَنعِ قَتْلِ الغُرابِ لِلْمُحْرِمِ؛ لِأنَّهُ خِلافُ النَّصِّ الصَّرِيحِ الصَّحِيحِ، وقَوْلُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، ولا عِبْرَةَ أيْضًا بِقَوْلِ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ: إنَّ قَتْلَ الفَأْرَةِ جَزاءٌ، لِمُخالَفَتِهِ أيْضًا لِلنَّصِّ وقَوْلِ عامَّةِ العُلَماءِ، كَما لا عِبْرَةَ أيْضًا بِقَوْلِ الحَكَمِ، وحَمّادٍ: ”لا يَقْتُلُ المُحْرِمُ العَقْرَبَ، والحَيَّةَ“، ولا شَكَّ أنَّ السِّباعَ العادِيَّةَ كالأسَدِ، والنَّمِرِ، والفَهْدِ أوْلى بِالقَتْلِ مِنَ الكَلْبِ؛ لِأنَّها أقْوى مِنهُ عَقْرًا، وأشَدُّ مِنهُ فَتْكًا.
واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالكَلْبِ العَقُورِ، فَرَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِإسْنادٍ حَسَنٍ، أنَّهُ الأسَدُ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: وأيُّ كَلْبٍ أعْقَرُ مِنَ الحَيَّةِ.
وَقالَ زُفَرُ: المُرادُ بِهِ هُنا الذِّئْبُ خاصَّةً، وقالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ: كُلُّ ما عَقَرَ النّاسَ، وعَدا عَلَيْهِمْ، وأخافَهم، مِثْلُ الأسَدِ، والنَّمِرِ، والفَهْدِ، والذِّئْبِ فَهو عَقُورٌ، وكَذا نَقَلَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ سُفْيانَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: المُرادُ بِالكَلْبِ هُنا هو الكَلْبُ المُتَعارَفُ خاصَّةً، ولا يُلْحَقُ بِهِ في هَذا الحُكْمِ سِوى الذِّئْبِ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (p-٤٣٦)[المائدة: ٤]، فاشْتَقَّها مِنَ اسْمِ الكَلْبِ، وبِقَوْلِهِ ﷺ في ولَدِ أبِي لَهَبٍ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ، فَقَتَلَهُ الأسَدُ»، رَواهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ بِإسْنادٍ حَسَنٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ أنَّ السِّباعَ العادِيَّةَ لَيْسَتْ مِنَ الصَّيْدِ، فَيَجُوزُ قَتْلُها لِلْمُحْرِمِ وغَيْرِهِ في الحَرَمِ وغَيْرِهِ. لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن أنَّ العِلَّةَ تُعَمِّمُ مَعْلُولَها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ”العَقُورُ“ عِلَّةٌ لِقَتْلِ الكَلْبِ، فَيُعْلَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ طَبْعُهُ العَقْرُ كَذَلِكَ.
وَلِذا لَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في أنَّ قَوْلَهُ ﷺ في حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: ”«لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وهو غَضْبانُ“»، أنَّ هَذِهِ العِلَّةَ الَّتِي هي في ظاهِرِ الحَدِيثِ الغَضَبُ تُعَمِّمُ مَعْلُولَها فَيَمْتَنِعُ الحُكْمُ لِلْقاضِي بِكُلِّ مُشَوِّشٍ لِلْفِكْرِ، مانِعٍ مِنَ اسْتِيفاءِ النَّظَرِ في المَسائِلِ كائِنًا ما كانَ غَضَبًا أوْ غَيْرَهُ، كَجُوعٍ وعَطَشٍ مُفْرِطَيْنِ، وحُزْنٍ وسُرُورٍ مُفْرِطَيْنِ، وحَقْنٍ وحَقَبٍ مُفْرِطَيْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإلى هَذا أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ قَوْلُهُ في مَبْحَثِ العِلَّةِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَقَدْ تُخَصَّصُ وقَدْ تُعَمَّمُ لِأصْلِها لَكِنَّها لا تُخْرَمُ
وَيَدُلُّ لِهَذا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «سُئِلَ عَمّا يَقْتُلُ المُحْرِمُ فَقالَ: ”الحَيَّةُ، والعَقْرَبُ، والفُوَيْسِقَةُ، ويَرْمِي الغُرابَ ولا يَقْتُلُهُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والحِدَأةُ، والسَّبُعُ العادِيُّ»“، وهَذا الحَدِيثُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَضَعَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ رِوايَةَ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ فِيهِ يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ، وهو ضَعِيفٌ، وفِيهِ لَفْظَةٌ مُنْكَرَةٌ وهي قَوْلُهُ: «وَيَرْمِي الغُرابَ ولا يَقْتُلُهُ»، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: إنْ صَحَّ هَذا الخَبَرُ حُمِلَ قَوْلُهُ هَذا عَلى أنَّهُ لا يُتَأكَّدُ نَدْبُ قَتْلِ الغُرابِ كَتَأْكِيدِ قَتْلِ الحَيَّةِ وغَيْرِها.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: تَضْعِيفُ هَذا الحَدِيثِ، ومَنعُ الِاحْتِجاجِ مُتَعَقَّبٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ؛ لِأنَّ يَزِيدَ بْنَ أبِي زِيادٍ مِن رِجالِ صَحِيحِهِ وأخْرَجَ لَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، ومَنعُ الِاحْتِجاجِ بِحَدِيثٍ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ لا يَخْلُو مِن نَظَرٍ، وقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ في مُقَدِّمَةِ ”صَحِيحِهِ“، أنَّ مَن أخْرَجَ حَدِيثَهم في غَيْرِ الشَّواهِدِ والمُتابَعاتِ أقَلُّ أحْوالِهِمْ قَبُولُ الرِّوايَةِ فَيَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَقْبُولُ الرِّوايَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ (p-٤٣٧)العِراقِيُّ في ألْفِيَّتِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎فاحْتاجَ أنْ يَنْزِلَ في الإسْنادِ ∗∗∗ إلى يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادِ
الوَجْهُ الثّانِي: أنّا لَوْ فَرَضْنا ضَعْفَ هَذا الحَدِيثِ، فَإنَّهُ يُقَوِّيهِ ما ثَبَتَ مِنَ الأحادِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْها مِن جَوازِ قَتْلِ الكَلْبِ العَقُورِ في الإحْرامِ وفي الحَرَمِ، والسَّبُعُ العادِيُّ إمّا أنْ يَدْخُلَ في المُرادِ بِهِ، أوْ يُلْحَقَ بِهِ إلْحاقًا صَحِيحًا لا مِراءَ فِيهِ، وما ذَكَرَهُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن أنَّ الكَلْبَ العَقُورَ يُلْحَقُ بِهِ الذِّئْبُ فَقَطْ؛ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِهِ مِن غَيْرِهِ لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لا شَكَّ في أنَّ فَتْكَ الأسَدِ والنَّمِرِ مَثَلًا، أشَدُّ مِن عَقْرِ الكَلْبِ والذِّئْبِ، ولَيْسَ مِنَ الواضِحِ أنْ يُباحَ قَتْلُ ضَعِيفِ الضَّرَرِ، ويُمْنَعَ قَتْلُ قَوِيِّهِ؛ لِأنَّ فِيهِ عِلَّةَ الحُكْمِ وزِيادَةً، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الإلْحاقِ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ الأُصُولِ، لا مِنَ القِياسِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ وقَوْمٍ، كَما قَدَّمْنا في سُورَةِ النِّساءِ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ: قُلْتُ: العَجَبُ مِن أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْمِلُ التُّرابَ عَلى البُرِّ بِعِلَّةِ الكَيْلِ، ولا يَحْمِلُ السِّباعَ العادِيَّةَ عَلى الكَلْبِ بِعِلَّةِ الفِسْقِ والعَقْرِ، كَما فَعَلَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، رَحِمَهُما اللَّهُ.
واعْلَمْ أنَّ الصَّيْدَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ هو مَأْكُولُ اللَّحْمِ فَقَطْ، فَلا شَيْءَ عِنْدَهُ في قَتْلٍ ما لَمْ يُؤْكَلْ لَحْمُهُ، والصِّغارُ مِنهُ والكِبارُ عِنْدَهُ سَواءٌ، إلّا المُتَوَلِّدَ مِن بَيْنِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وغَيْرِ مَأْكُولِهِ، فَلا يَجُوزُ اصْطِيادُهُ عِنْدَهُ، وإنْ كانَ يَحْرُمُ أكْلُهُ، كالسَّمْعِ وهو المُتَوَلِّدُ مِن بَيْنِ الذِّئْبِ والضَّبُعِ، وقالَ: لَيْسَ في الرَّخَمَةِ، والخَنافِسِ، والقِرْدانِ، والحَلَمِ، وما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ الصَّيْدِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فَدَلَّ أنَّ الصَّيْدَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، هو ما كانَ حَلالًا لَهم قَبْلَ الإحْرامِ، وهَذا هو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ.
أمّا مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَذَهَبَ إلى أنَّ كُلَّ ما لا يَعْدُو مِنَ السِّباعِ، كالهِرِّ، والثَّعْلَبِ، والضَّبُعِ وما أشْبَهَها، لا يَجُوزُ قَتْلُهُ. فَإنْ قَتَلَهُ فَداهُ، قالَ: وصِغارُ الذِّئابِ لا أرى أنْ يَقْتُلَها المُحْرِمِ، فَإنْ قَتَلَها فَداها، وهي مِثْلُ فِراخِ الغِرْبانِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أمّا الضَّبُعُ فَلَيْسَتْ مِثْلَ ما ذُكِرَ مَعَها لِوُرُودِ النَّصِّ فِيها، دُونَ غَيْرِها؛ بِأنَّها صَيْدٌ يَلْزَمُ فِيهِ الجَزاءُ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَلَمْ يُجِزْ مالِكٌ لِلْمُحْرِمِ قَتْلَ الزُّنْبُورِ، وكَذَلِكَ النَّمْلُ، والذُّبابُ، والبَراغِيثُ، وقالَ: (p-٤٣٨)إنْ قَتَلَها مُحْرِمٌ يُطْعِمُ شَيْئًا، وثَبَتَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إباحَةُ قَتْلِ الزُّنْبُورِ، وبَعْضُ العُلَماءِ شَبَّهَهُ بِالعَقْرَبِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إذا ابْتَدَأ بِالأذى جازَ قَتْلُهُ، وإلّا فَلا، وأقْيَسُها ما ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ؛ لِأنَّهُ مِمّا طَبِيعَتُهُ أنْ يُؤْذِيَ.
وَقَدْ قَدَّمْنا عَنِ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وغَيْرِهِمْ أنَّهُ لا شَيْءَ في غَيْرِ الصَّيْدِ المَأكُولِ، وهو ظاهِرُ القُرْآنِ العَظِيمِ.
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُحْرِمَ إذا صادَ الصَّيْدَ المُحَرَّمَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ جَزاؤُهُ، كَما هو صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلَكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] .
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾، أنَّهُ مُتَعَمِّدٌ قَتْلَهُ، ذاكِرٌ إحْرامَهُ، كَما هو صَرِيحُ الآيَةِ. وقَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ.
وَما فَسَّرَهُ بِهِ مُجاهِدٌ، مِن أنَّ المُرادَ أنَّهُ مُتَعَمِّدٌ لِقَتْلِهِ ناسٍ لِإحْرامِهِ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾، قالَ: لَوْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ؛ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ لِأوَّلِ مَرَّةٍ، وقالَ: إنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ لِارْتِكابِهِ مَحْظُورَ الإحْرامِ، غَيْرُ صَحِيحٍ، ولا ظاهِرٌ لِمُخالَفَتِهِ ظاهِرَ القُرْآنِ بِلا دَلِيلٍ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَعَمِّدٌ ارْتِكابَ المَحْظُورِ، والنّاسِي لِلْإحْرامِ غَيْرُ مُتَعَمِّدٍ مَحْظُورًا.
إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ قاتِلَ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا، عالِمًا بِإحْرامِهِ، عَلَيْهِ الجَزاءُ المَذْكُورُ في الآيَةِ، بِنَصِّ القُرْآنِ العَظِيمِ، وهو قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ، خِلافًا لِمُجاهِدٍ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حُكْمَ النّاسِي، والمُخْطِئِ.
والفَرْقُ بَيْنَهُما: أنَّ النّاسِيَ هو مَن يَقْصِدُ قَتْلَ الصَّيْدِ ناسِيًا إحْرامَهُ، والمُخْطِئُ هو مَن يَرْمِي غَيْرَ الصَّيْدِ، كَما لَوْ رَمى غَرَضًا فَيَقْتُلُ الصَّيْدَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِقَتْلِهِ.
وَلا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّهُما لا إثْمَ عَلَيْهِما، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥]، ولِما قَدَّمْنا في ”صَحِيحٍ مُسْلِمٍ“: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا (p-٤٣٩)قَرَأ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أنَّ اللَّهَ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ» .
أمّا وُجُوبُ الجَزاءِ عَلَيْهِما فاخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ.
فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مِنهُمُ المالِكِيَّةُ، والحَنَفِيَّةُ، والشّافِعِيَّةُ إلى وُجُوبِ الجَزاءِ في الخَطَإ، والنِّسْيانِ؛ لِدَلالَةِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ غُرْمَ المَتْلَفاتِ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ العامِدِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، وقالُوا: لا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لِقَوْلِهِ مُتَعَمِّدًا؛ لِأنَّهُ جَرْيٌ عَلى الغالِبِ، إذِ الغالِبُ ألّا يَقْتُلَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ إلّا عامِدًا، وجَرى النَّصُّ عَلى الغالِبِ مِن مَوانِعِ اعْتِبارِ دَلِيلِ خِطابِهِ، أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“ في مَوانِعِ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ: [ الرَّجَزُ ]
؎أوْ جَهِلَ الحُكْمَ أوِ النُّطْقُ انْجَلَبْ لِلسُّؤْلِ أوْ جَرى عَلى الَّذِي غَلَبْ
وَلِذا لَمْ يَعْتَبِرْ جُمْهُورُ العُلَماءِ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ لِجَرْيهِ عَلى الغالِبِ، وقالَ بَعْضُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ، كالزُّهْرِيِّ: وجَبَ الجَزاءُ في العَمْدِ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ، وفي الخَطَإ والنِّسْيانِ بِالسُّنَّةِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنْ كانَ يُرِيدُ بِالسُّنَّةِ الآثارَ الَّتِي ورَدَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ فَنِعِمّا هي، وما أحْسَنَها أُسْوَةً.
واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ: بِأنَّهُ ﷺ «سُئِلَ عَنِ الضَّبُعِ، فَقالَ: ”هي صَيْدٌ»“، وجَعَلَ فِيها إذا أصابَها المُحْرِمُ كَبْشًا، ولَمْ يَقُلْ عَمْدًا ولا خَطَأً، فَدَلَّ عَلى العُمُومِ، وقالَ ابْنُ بُكَيْرٍ مِن عُلَماءِ المالِكِيَّةِ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: مُتَعَمِّدًا، لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّجاوُزَ عَنِ الخَطَإ، وذِكْرُ التَّعَمُّدِ لِبَيانِ أنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ كابْنِ آدَمَ الَّذِي لَيْسَ في قَتْلِهِ عَمْدًا كَفّارَةٌ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“: إنَّ هَذا القَوْلَ بِوُجُوبِ الجَزاءِ عَلى المُخْطِئِ، والنّاسِي، والعامِدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وطاوُسٍ، والحَسَنِ، وإبْراهِيمَ، والزُّهْرِيِّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهم.
وَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ النّاسِيَ، والمُخْطِئَ لا جَزاءَ عَلَيْهِما، وبِهِ قالَ الطَّبَرَيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وهو مَذْهَبُ داوُدَ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وطاوُسٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ.
واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأمْرَيْنِ:
(p-٤٤٠)الأوَّلُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ الآيَةَ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ المُتَعَمِّدِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، فَمَنِ ادَّعى شَغْلَها، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا القَوْلُ قَوِيٌّ جِدًّا مِن جِهَةِ النَّظَرِ والدَّلِيلِ.
* *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا صادَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ، فَأكَلَ مِنهُ، فَعَلَيْهِ جَزاءٌ واحِدٌ لِقَتْلِهِ، ولَيْسَ في أكْلِهِ إلّا التَّوْبَةُ والِاسْتِغْفارُ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ بِأنَّ عَلَيْهِ أيْضًا جَزاءَ ما أكَلَ، يَعْنِي قِيمَتَهُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وخالَفَهُ صاحِباهُ في ذَلِكَ، ويُرْوى مِثْلُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَطاءٍ.
* *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِالجَزاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ، في قَوْلِ جُمْهُورِ العُلَماءِ مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وغَيْرُهم، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ تَكْرارَ القَتْلِ يَقْتَضِي تَكْرارَ الجَزاءِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالجَزاءِ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، فَإنْ عادَ لِقَتْلِهِ مَرَّةً ثانِيَةً لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ، وقِيلَ لَهُ: يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ .
وَيُرْوى هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، ومُجاهِدٌ، وشُرَيْحٌ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ يَضْرِبُ حَتّى يَمُوتَ.
* *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: إذا دَلَّ المُحْرِمُ حَلالًا عَلى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ، فَهَلْ يَجِبُ عَلى المُحْرِمِ جَزاءٌ؛ لِتَسَبُّبِهِ في قَتْلِ الحَلالِ لِلصَّيْدِ بِدَلالَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ أوْ لا ؟ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ المُحْرِمَ الدّالَّ يَلْزَمُهُ جَزاؤُهُ كامِلًا، ويُرْوى نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وبَكْرٍ المُزَنِيِّ، وإسْحاقَ، ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ أصْحابَهُ: ”«هَلْ أشارَ أحَدٌ مِنهم إلى أبِي قَتادَةَ عَلى الحِمارِ الوَحْشِيِّ» ؟“ .
فَإنَّ ظاهِرَهُ أنَّهم لَوْ دَلُّوهُ عَلَيْهِ كانَ بِمَثابَةِ ما لَوْ صادُوهُ في تَحْرِيمِ الأكْلِ؛ ويُفْهَمُ مِن (p-٤٤١)ذَلِكَ لُزُومُ الجَزاءِ، والقاعِدَةُ لُزُومُ الضَّمانِ لِلْمُتَسَبِّبِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُ المُباشِرِ، والمُباشِرُ هُنا لا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ الصَّيْدَ؛ لِأنَّهُ حَلالٌ، والدّالُّ مُتَسَبِّبٌ، وهَذا القَوْلُ هو الأظْهَرُ، والَّذِينَ قالُوا بِهِ مِنهم مَن أطْلَقَ الدَّلالَةَ، ومِنهم مَنِ اشْتَرَطَ خَفاءَ الصَّيْدِ بِحَيْثُ لا يَراهُ دُونَ الدَّلالَةِ، كَأبِي حَنِيفَةَ، وقالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ: لا شَيْءَ عَلى الدّالِ.
وَرُوِيَ عَنْ مالِكٍ نَحْوُهُ، قالُوا: لِأنَّ الصَّيْدَ يُضْمَنُ بِقَتْلِهِ، وهو لَمْ يَقْتُلْهُ وإذا عَلِمَ المُحْرِمُ أنَّ الحَلالَ صادَهُ مِن أجْلِهِ فَأكَلَ مِنهُ؛ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ كامِلًا عِنْدَ مالِكٍ، كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في ”مُوَطَّئِهِ“، وأمّا إذا دَلَّ المُحْرِمُ مُحْرِمًا آخَرَ عَلى الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عَلَيْهِما جَزاءٌ واحِدٌ بَيْنَهُما، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما جَزاءٌ كامِلٌ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهم أيْضًا صاحِبُ ”المُغْنِي“ .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الجَزاءُ كُلُّهُ عَلى المُحْرِمِ المُباشِرِ، ولَيْسَ عَلى المُحْرِمِ الدّالِّ شَيْءٌ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، وهو الجارِي عَلى قاعِدَةِ تَقْدِيمِ المُباشِرِ عَلى المُتَسَبِّبِ في الضَّمانِ، والمُباشِرُ هُنا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ؛ لِأنَّهُ مُحْرِمٌ، وهَذا هو الأظْهَرُ، وعَلَيْهِ: فَعَلى الدّالِ الِاسْتِغْفارُ والتَّوْبَةُ، وبِهَذا تَعْرِفُ حُكْمَ ما لَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا، ثُمَّ دَلَّ هَذا الثّانِي مُحْرِمًا ثالِثًا، وهَكَذا، فَقَتَلَهُ الأخِيرُ، إذْ لا يَخْفى مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ أنَّهم عَلى القَوْلِ الأوَّلِ شُرَكاءُ في جَزاءٍ واحِدٍ.
وَعَلى الثّانِي، عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ، وعَلى الثّالِثِ، لا شَيْءَ إلّا عَلى مَن باشَرَ القَتْلَ.
* *
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: إذا اشْتَرَكَ مُحْرِمُونَ في قَتْلِ صَيْدٍ بِأنْ باشَرُوا قَتْلَهُ كُلَّهم، كَما إذا حَذَفُوهُ بِالحِجارَةِ والعِصِيِّ حَتّى ماتَ، فَقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ: عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ كامِلٌ، كَما لَوْ قَتَلَتْ جَماعَةٌ واحِدًا، فَإنَّهم يُقْتَلُونَ بِهِ جَمِيعًا؛ لَأنَّ كُلَّ واحِدٍ قاتِلٌ.
وَكَذَلِكَ هُنا كُلُّ واحِدٍ قاتِلٌ صَيْدًا فَعَلَيْهِ جَزاءٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ ومَن وافَقَهُ: عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ جَزاءٌ واحِدٌ؛ لِقَضاءِ عُمَرَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ورَوى الدّارَقُطْنِيُّ: أنَّ مَوالِيَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ أحْرَمُوا فَمَرَّتْ بِهِمْ ضُبُعٌ فَحَذَفُوها بِعِصِيِّهِمْ فَأصابُوها، (p-٤٤٢)فَوَقَعَ في أنْفُسِهِمْ، فَأتَوُا ابْنَ عُمَرَ، فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: عَلَيْكم كُلُّكم كَبْشٌ، قالُوا: أوَعَلى كُلِّ واحِدٍ مِنّا كَبْشٌ ؟ قالَ: إنَّكم لَمُعَزَّزٌ بِكم عَلَيْكم كُلُّكم كَبْشٌ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: لَمُعَزَّزٌ بِكم أيْ لَمُشَدَّدٌ عَلَيْكم.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْمٍ أصابُوا ضَبُعًا فَقالَ: عَلَيْهِمْ كَبْشٌ يَتَخارَجُونَهُ بَيْنَهم، ودَلِيلُنا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وهَذا خِطابٌ لِكُلِّ قاتِلٍ. وكُلُّ واحِدٍ مِنَ القاتِلِينَ الصَّيْدَ قاتِلٌ نَفْسًا عَلى التَّمامِ والكَمالِ؛ بِدَلِيلِ قَتْلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، ولَوْلا ذَلِكَ ما وجَبَ عَلَيْهِمُ القِصّاصُ، وقَدْ قُلْنا بِوُجُوبِهِ إجْماعًا مِنّا ومِنهم، فَثَبَتَ ما قُلْناهُ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا قَتَلَ جَماعَةٌ صَيْدًا في الحَرَمِ وهم مُحِلُّونَ؛ فَعَلَيْهِمْ جَزاءٌ واحِدٌ، بِخِلافِ ما لَوْ قَتَلَهُ المُحْرِمُونَ في الحِلِّ أوِ الحَرَمِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ.
وَقالَ مالِكٌ: عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ كامِلٌ؛ بِناءً عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُحْرِمًا بِدُخُولِهِ الحَرَمَ، كَما يَكُونُ مُحْرِمًا بِتَلْبِيَتِهِ بِالإحْرامِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ قَدْ أكْسَبَهُ صِفَةً تَعَلَّقَ بِها نَهْيٌ، فَهو هاتِكٌ لَها في الحالَتَيْنِ.
وَحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ ما ذَكَرَهُ القاضِي أبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ، قالَ: السِّرُّ فِيهِ أنَّ الجِنايَةَ في الإحْرامِ عَلى العِبادَةِ، وقَدِ ارْتَكَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَحْظُورَ إحْرامِهِ.
وَإذا قَتَلَ المُحِلُّونَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فَإنَّما أتْلَفُوا دابَّةً مُحْتَرَمَةً، بِمَنزِلَةِ ما لَوْ أتْلَفَ جَماعَةٌ دابَّةً؛ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قاتِلٌ دابَّةً، ويَشْتَرِكُونَ في القِيمَةِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وأبُو حَنِيفَةَ أقْوى مِنّا، وهَذا الدَّلِيلُ يَسْتَهِينُ بِهِ عُلَماؤُنا وهو عَسِيرُ الِانْفِصالِ عَلَيْنا. اهـ. مِنَ القُرْطُبِيِّ.
* *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الصَّيْدَ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ كَبَقَرَةِ الوَحْشِ، وقِسْمٌ لا مِثْلَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ كالعَصافِيرِ.
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ يَعْتَبِرُونَ المِثْلِيَّةَ بِالمُماثَلَةِ في الصُّورَةِ والخِلْقَةِ، وخالَفَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - الجُمْهُورَ، فَقالَ: إنَّ المُماثَلَةَ مَعْنَوِيَّةٌ، وهي القِيمَةُ، أيْ قِيمَةُ الصَّيْدِ في المَكانِ الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ، أوْ أقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَيْهِ إنْ كانَ لا يُباعُ الصَّيْدُ في مَوْضِعِ قَتْلِهِ، فَيَشْتَرِي بِتِلْكَ القِيمَةِ هَدْيًا إنْ شاءَ، أوْ يَشْتَرِي بِها طَعامًا، ويُطْعِمُ المَساكِينَ كُلَّ (p-٤٤٣)مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ، أوْ صاعًا مِن شَعِيرٍ، أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ.
واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأنَّهُ لَوْ كانَ الشَّبَهُ مِن طَرِيقِ الخِلْقَةِ والصُّورَةِ مُعْتَبِرًا في النَّعامَةِ بَدَنَةً، وفي الحِمارِ بَقَرَةً، وفي الظَّبْيِ شاةً؛ لَما أوْقَفَهُ عَلى عَدْلَيْنِ يَحْكُمانِ بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ عُلِمَ فَلا يُحْتاجُ إلى الِارْتِياءِ والنَّظَرِ، وإنَّما يَفْتَقِرُ إلى العَدْلَيْنِ والنَّظَرِ ما تَشَكَّلَ الحالُ فِيهِ، ويَخْتَلِفُ فِيهِ وجْهُ النَّظَرِ.
وَدَلِيلُ الجُمْهُورِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ: المُشابَهَةُ لِلصَّيْدِ في الخِلْقَةِ والصُّورَةِ مِنها، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآيَةَ، فالمِثْلُ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ المِثْلَ الخِلْقِيَّ الصُّورِيَّ دُونَ المَعْنَوِيِّ، ثُمَّ قالَ: مِنَ النَّعَمِ، فَصَرَّحَ بِبَيانِ جِنْسِ المِثْلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، وضَمِيرُ بِهِ راجِعٌ إلى المِثْلِ مِنَ النَّعَمِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِسِواهُ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾، والَّذِي يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ هَدْيًا مِثْلَ المَقْتُولِ مِنَ النَّعَمِ، فَأمّا القِيمَةُ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ تَكُونَ هَدْيًا، ولا جَرى لَها ذِكْرٌ في نَفْسِ الآيَةِ، وادِّعاءُ أنَّ المُرادَ شِراءُ الهَدْيِ بِها يُعِيدُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ، فاتَّضَحَ أنَّ المُرادَ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، وقَوْلُهُ: لَوْ كانَ الشَّبَهُ الخِلْقِيُّ مُعْتَبَرًا لَما أوْقَفَهُ عَلى عَدْلَيْنِ ؟، أُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ اعْتِبارَ العَدْلَيْنِ إنَّما وجَبَ لِلنَّظَرِ في حالِ الصَّيْدِ مِن كِبَرٍ وصِغَرٍ، وما لا جِنْسَ لَهُ مِمّا لَهُ جِنْسٌ، وإلْحاقُ ما لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ نَصٌّ بِما وقَعَ عَلَيْهِ النَّصُّ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: المُرادُ بِالمِثْلِيَّةِ في الآيَةِ التَّقْرِيبُ، وإذًا فَنَوْعُ المُماثَلَةِ قَدْ يَكُونُ خَفِيًّا، لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا أهْلُ المَعْرِفَةِ والفِطْنَةِ التّامَّةِ، كَكَوْنِ الشّاةِ مَثَلًا لِلْحَمامَةِ؛ لِمُشابَهَتِها لَها في عَبِّ الماءِ والهَدِيرِ.
وَإذا عَرَفْتَ التَّحْقِيقَ في الجَزاءِ بِالمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، فاعْلَمْ أنَّ قاتِلَ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ، وبَيْنَ الإطْعامِ، والصِّيامِ، كَما هو صَرِيحُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ لِأنَّ ”أوْ“ حَرْفُ تَخْيِيرٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ.
فَإنِ اخْتارَ جَزاءً بِالمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، وجَبَ ذَبْحُهُ في الحَرَمِ خاصَّةً؛ لِأنَّهُ حَقٌّ لِمَساكِينِ الحَرَمِ، ولا يُجْزِئُ في غَيْرِهِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾، والمُرادُ الحَرَمُ كُلُّهُ، كَقَوْلِهِ: ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ [الحج: ٣٣]، مَعَ أنَّ المَنحَرَ الأكْبَرَ مِنًى، وإنِ اخْتارَ الطَّعامَ، فَقالَ مالِكٌ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ فِيهِ، أنَّهُ يُقَوَّمُ الصَّيْدُ (p-٤٤٤)بِالطَّعامِ، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أوْ يَصُومُ مَكانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وَقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ: إنْ قَوَّمَ الصَّيْدَ بِالدَّراهِمِ، ثُمَّ قَوَّمَ الدَّراهِمَ بِالطَّعامِ، أجْزَأهُ. والصَّوابُ: الأوَّلُ؛ فَإنْ بَقِيَ أقَلُّ مِن مُدٍّ تَصَدَّقَ بِهِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ، وتَمَّمَهُ مُدًّا كامِلًا عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ، أمّا إذا صامَ، فَإنَّهُ يُكْمِلُ اليَوْمَ المُنْكَسِرَ بِلا خِلافٍ.
وَقالَ الشّافِعِيُّ: إذا اخْتارَ الإطْعامَ، أوِ الصِّيامَ، فَلا يُقَوَّمُ الصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ، وإنَّما يُقَوَّمُ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ بِالدَّراهِمِ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الدَّراهِمُ بِالطَّعامِ، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، ويُتَمِّمُ المُنْكَسِرَ.
والتَّحْقِيقُ: أنَّ الخِيارَ لِقاتِلِ الصَّيْدِ الَّذِي هو دافِعُ الجَزاءِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الخِيارُ لِلْعَدْلَيْنِ الحَكَمَيْنِ، وقالَ بَعْضُهم: يَنْبَغِي لِلْمُحَكِّمَيْنِ إذا حَكَما بِالمِثْلِ، أنْ يُخَيِّرا قاتِلَ الصَّيْدِ بَيْنَ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إذا حَكَما بِالمِثْلِ لَزِمَهُ، والقُرْآنُ صَرِيحٌ في أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ المِثْلُ مِنَ النَّعَمِ، إلّا إذا اخْتارَهُ عَلى الإطْعامِ والصَّوْمِ، لِلتَّخْيِيرِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ في الآيَةِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي عَلى التَّرْتِيبِ، فالواجِبُ الهَدْيُ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فالإطْعامُ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فالصَّوْمُ، ويُرْوى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ وغَيْرِهِما، ولا يَخْفى أنَّ في هَذا مُخالَفَةً لِظاهِرِ القُرْآنِ، بِلا دَلِيلٍ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدَّيْنِ يَوْمًا واحِدًا اعْتِبارًا بِفِدْيَةِ الأذى، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ يَصُومُ عَدْلَ الطَّعامِ المَذْكُورِ، ولَوْ زادَ الصِّيامُ عَنْ شَهْرَيْنِ، أوْ ثَلاثَةٍ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَتَجاوَزُ صِيامَ الجَزاءِ شَهْرَيْنِ؛ لِأنَّهُما أعْلى الكَفّاراتِ، واخْتارَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، ولَكِنْ ظاهِرُ الآيَةِ يُخالِفُهُ.
وَقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ مِنَ المالِكِيَّةِ: إنَّما يُقالُ: كَمْ رَجُلًا يَشْبَعُ مِن هَذا الصَّيْدِ ؟؛ فَيَعْرِفُ العَدَدَ، ثُمَّ يُقالُ: كَمْ مِنَ الطَّعامِ يُشْبِهُ هَذا العَدَدَ ؟ فَإنْ شاءَ أخْرَجَ ذَلِكَ الطَّعامَ، وإنْ شاءَ صامَ عَدَدَ أمْدادِهِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ احْتاطَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الصَّيْدِ مِنَ الطَّعامِ قَلِيلَةً، فَبِهَذا النَّظَرِ يَكْثُرُ الإطْعامُ.
(p-٤٤٥)واعْلَمْ أنَّ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ، واحِدٌ مِنها يُشْتَرَطُ لَهُ الحَرَمُ إجْماعًا، وهو الهَدْيُ كَما تَقَدَّمَ، وواحِدٌ لا يُشْتَرَطُ لَهُ الحَرَمُ إجْماعًا، وهو الصَّوْمُ، وواحِدٌ اخْتُلِفَ فِيهِ، وهو الإطْعامُ، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ لا يُطْعِمُ إلّا في الحَرَمِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ يُطْعِمُ في مَوْضِعِ إصابَةِ الصَّيْدِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ يُطْعِمُ حَيْثُ شاءَ، وأظْهَرُها أنَّهُ حَقٌّ لِمَساكِينِ الحَرَمِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الهَدْيِ، أوْ نَظِيرٌ لَهُ، وهو حَقٌّ لَهم إجْماعًا، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾، وأمّا الصَّوْمُ فَهو عِبادَةٌ تَخْتَصُّ بِالصّائِمِ لا حَقَّ فِيها لِمَخْلُوقٍ، فَلَهُ فِعْلُها في أيِّ مَوْضِعٍ شاءَ.
وَأمّا إنْ كانَ الصَّيْدُ لا مِثْلَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ كالعَصافِيرِ؛ فَإنَّهُ يُقَوَّمُ، ثُمَّ يُعْرَفُ قَدْرُ قِيمَتِهِ مِنَ الطَّعامِ، فَيُخْرِجُهُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ، أوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
فَتَحَصَّلَ أنَّ مالَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: هي الهَدْيُ بِمِثْلِهِ، والإطْعامُ، والصِّيامُ، وأنَّ ما لا مِثْلَ لَهُ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَقَطْ: وهُما الإطْعامُ، والصِّيامُ عَلى ما ذَكَرْنا.
واعْلَمْ أنَّ المِثْلَ مِنَ النَّعَمِ لَهُ ثَلاثُ حالاتٍ:
الأُولى: أنْ يَكُونَ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِن - النَّبِيِّ ﷺ .
الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِن عَدْلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ، أوِ التّابِعَيْنِ مَثَلًا.
الثّالِثَةُ: ألّا يَكُونَ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِنهُ ﷺ ولا مِنهم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فالَّذِي حَكَمَ ﷺ فِيهِ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ الحِكَمُ فِيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وذَلِكَ كالضَّبُعِ، فَإنَّهُ ﷺ قَضى فِيها بِكَبْشٍ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ ما نَصُّهُ: حَدِيثُ ”أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَضى في الضَّبُعِ بِكَبْشٍ»“ أخْرَجَهُ أصْحابُ السُّنَنِ، وابْنُ حِبّانَ، وأحْمَدُ، والحاكِمُ في ”المُسْتَدْرَكِ“ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي عَمّارٍ، عَنْ جابِرٍ بِلَفْظِ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الضَّبُعِ فَقالَ: «هو صَيْدٌ، ويُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذا أصابَهُ المُحْرِمُ ”، ولَفْظُ الحاكِمِ:» جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الضَّبُعِ يُصِيبُهُ المُحْرِمُ كَبْشًا“، وجَعْلَهُ مِنَ الصَّيْدِ، وهو عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ نَجْدِيًّا، قالَ التِّرْمِذِيُّ: سَألْتُ عَنْهُ البُخارِيَّ فَصَحَّحَهُ، وكَذا صَحَّحَهُ عَبْدُ الحَقِّ وقَدْ أعْلَّ بِالوَقْفِ، وقالَ البَيْهَقِيُّ: هو حَدِيثٌ جَيِّدٌ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الأجْلَحِ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ، عَنْ عُمَرَ قالَ: «”لا أراهُ إلّا قَدْ رَفَعَهُ أنَّهُ حَكَمَ في الضَّبُعِ بِكَبْشٍ»“ . الحَدِيثَ، ورَواهُ الشّافِعِيُّ، عَنْ مالِكٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ بِهِ مَوْقُوفًا، وصَحَّحَ وقْفَهُ مِن (p-٤٤٦)هَذا البابِ الدّارَقُطْنِيُّ، ورَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ الصّائِغِ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «”الضَّبُعُ صَيْدٌ، فَإذا أصابَهُ المُحْرِمُ فَفِيهِ كَبْشٌ مُسِنٌّ ويُؤْكَلُ»“، وفي البابِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، وقَدْ أعَلَّ بِالإرْسالِ.
وَرَواهُ الشّافِعِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا وقالَ: لا يَثْبُتُ مِثْلُهُ لَوِ انْفَرَدَ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ أبِي عَمّارٍ المُتَقَدِّمِ، وقالَ البَيْهَقِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا أيْضًا.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: قَضاؤُهُ ﷺ بِكَبْشٍ ثابِتٌ كَما رَأيْتَ تَصْحِيحَ البُخارِيِّ وعَبْدِ الحَقِّ لَهُ، وكَذَلِكَ البَيْهَقِيُّ، والشّافِعِيُّ، وغَيْرُهم، والحَدِيثُ إذا ثَبَتَ صَحِيحًا مِن وجْهٍ لا يَقْدَحُ فِيهِ الإرْسالُ ولا الوَقْفُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى، كَما هو الصَّحِيحُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ؛ لِأنَّ الوَصْلَ والرَّفْعَ مِنَ الزِّياداتِ، وزِيادَةُ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ كَما هو مَعْرُوفٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]
؎والرَّفْعُ والوَصْلُ وزَيْدُ اللَّفْظِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إمامِ الحِفْظِ
... إلَخْ ...
وَأمّا إنْ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِن عَدْلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ، أوْ مِمَّنْ بَعْدَهم، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَتَّبِعُ حُكْمَهم ولا حاجَةَ إلى نَظَرِ عَدْلَيْنِ وحُكْمِهِما مِن جَدِيدٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقَدْ حَكَما بِأنَّ هَذا مِثْلٌ لِهَذا.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا بُدَّ مِن حُكْمِ عَدْلَيْنِ مِن جَدِيدٍ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ مالِكٌ، قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَوِ اجْتَزَأ بِحُكْمِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَكانَ حَسَنًا.
وَرُوِيَ عَنْ مالِكٍ أيْضًا أنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الحُكْمَ في كُلِّ صَيْدٍ ما عَدا حَمامَ مَكَّةَ، وحِمارَ الوَحْشِ، والظَّبْيَ، والنَّعامَةَ؛ فَيَكْتَفِي فِيها بِحُكْمِ مَن مَضى مِنَ السَّلَفِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: أنَّهُ حَكَمَ هو وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ في ظَبْيٍ بِعَنْزٍ، أخْرَجَهُ مالِكٌ، والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُما حَكَما في الظَّبْيِ بِتَيْسٍ أعْفَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، ومُعاوِيَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِمْ أنَّهم قالُوا: ”في النَّعامَةِ بَدَنَةٌ“، أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: أنَّ في حِمارِ الوَحْشِ والبَقَرَةِ بَقَرَةً، وأنَّ في الأيِّلِ بَقَرَةً.
(p-٤٤٧)وَعَنْ جابِرٍ: أنَّ عُمَرَ قَضى في الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وفي الغَزالِ بِعَنْزٍ، وفي الأرْنَبِ بِعَناقٍ، وفي اليَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ، أخْرَجَهُ مالِكٌ، والبَيْهَقِيُّ، ورَوى الأجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذا الأثَرَ عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ عَلى عُمَرَ كَما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ، وقالَ البَيْهَقِيُّ: وكَذَلِكَ رَواهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ جابِرٍ، عَنْ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ قَضى في الأرْنَبِ بِعَناقٍ، وقالَ: ”هي تَمْشِي عَلى أرْبَعٍ، والعَناقُ كَذَلِكَ، وهي تَأْكُلُ الشَّجَرَ، والعَناقُ كَذَلِكَ، وهي تَجْتَرُّ، والعَناقُ كَذَلِكَ“ رَواهُ البَيْهَقِيُّ.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ قَضى في اليَرْبُوعِ بِحَفْرٍ أوْ جَفْرَةٍ، رَواهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا، وقالَ البَيْهَقِيُّ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: قالَ أبُو زَيْدٍ: الجَفْرُ مِن أوْلادِ المَعْزِ ما بَلَغَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وفَصَلَ عَنْ أُمِّهِ، وعَنْ شُرَيْحٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ مَعِي حَكَمٌ حَكَمْتُ في الثَّعْلَبِ بِجَدْيٍ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: في الثَّعْلَبِ شاةٌ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وأرْبَدَ - رَضِيَ اللَّهُ - عَنْهُما: أنَّهُما حَكَما في ضَبٍّ قَتَلَهُ أرْبَدُ المَذْكُورُ بِجَدْيٍ قَدْ جَمَعَ الماءَ والشَّجَرَ، رَواهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.
وَعَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ حَكَمَ في أُمِّ حُبَيْنٍ بِجِلّانَ مِنَ الغَنَمِ، والجِلّانُ الجَدْيُ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.
تَنْبِيهٌ
أقَلُّ ما يَكُونُ جَزاءً مِنَ النَّعَمِ عِنْدَ مالِكٍ شاةٌ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً، فَلا جَزاءَ عِنْدِهِ بِجَفْرَةٍ، ولا عَناقٍ، مُسْتَدِلًّا بِأنَّ جَزاءَ الصَّيْدِ كالدِّيَةِ لا فَرْقَ فِيها بَيْنَ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وبِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ يَصِحُّ هَدْيًا، فَفي الضَّبِّ واليَرْبُوعِ عِنْدَهُ قِيمَتُها طَعامًا.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: قَوْلُ الجُمْهُورِ في جَزاءِ الصَّغِيرِ بِالصَّغِيرِ، والكَبِيرِ بِالكَبِيرِ، هو الظّاهِرُ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا صَحِيحٌ، وهو اخْتِيارُ عُلَمائِنا، يَعْنِي مَذْهَبَ الجُمْهُورِ الَّذِي هو اعْتِبارُ الصِّغَرِ، والكِبْرِ، والمَرَضِ، ونَحْوِ ذَلِكَ كَسائِرِ المُتْلَفاتِ.
* *
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: إذا كانَ ما أتْلَفَهُ المُحْرِمُ بَيْضًا، فَقالَ مالِكٌ: في بَيْضِ النَّعامَةِ (p-٤٤٨)عُشْرُ ثَمَنِ البَدَنَةِ، وفي بَيْضِ الحَمامَةِ المَكِّيَّةِ عُشْرُ ثَمَنِ شاةٍ، قالَ ابْنُ القاسِمِ: وسَواءٌ كانَ فِيها فَرْخٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، ما لَمْ يَسْتَهِلَّ الفَرْخُ بَعْدَ الكَسْرِ، فَإنِ اسْتَهَلَّ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ كامِلًا كَجَزاءِ الكَبِيرِ مِن ذَلِكَ الطَّيْرِ، قالَ ابْنُ المَوّارِ بِحُكُومَةِ عَدْلَيْنِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ يَرَوْنَ في بَيْضِ كُلِّ طائِرٍ قِيمَتَهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهو الأظْهَرُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: رَوى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى في بَيْضِ نَعامٍ أصابَهُ مُحْرِمٌ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ»، أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «فِي بَيْضَةِ نَعامٍ صِيامُ يَوْمٍ أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ»، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وإنْ قَتَلَ المُحْرِمُ فِيلًا فَقِيلَ: فِيهِ بَدَنَةٌ مِنَ الهِجانِ العِظامِ الَّتِي لَها سَنامانِ، وإذا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الإبِلِ؛ فَيُنْظَرُ إلى قِيمَتِهِ طَعامًا، فَيَكُونُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: والعَمَلُ فِيهِ أنْ يُجْعَلَ الفِيلُ في مَرْكَبٍ ويُنْظَرَ إلى مُنْتَهى ما يَنْزِلُ المَرْكَبُ في الماءِ، ثُمَّ يَخْرُجُ الفِيلُ، ويُجْعَلُ في المَرْكَبُ طَعامٌ إلى الحَدِّ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ والفِيلُ فِيهِ، وهَذا عَدْلُهُ مِنَ الطَّعامِ وأمّا إنْ نَظَرَ إلى قِيمَتِهِ، فَهو يَكُونُ لَهُ ثَمَنٌ عَظِيمٌ لِأجْلِ عِظامِهِ وأنْيابِهِ؛ فَيَكْثُرُ الطَّعامُ وذَلِكَ ضَرَرٌ اهـ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ في اعْتِبارِ مِثْلِ الفِيلِ طَعامًا فِيهِ أمْرانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِ غالِبًا؛ لِأنَّ نَقْلَ الفِيلِ إلى الماءِ، وتَحْصِيلَ المَرْكَبِ، ورَفْعَ الفِيلِ فِيهِ، ونَزْعَهُ مِنهُ، لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ آحادُ النّاسِ غالِبًا، ولا يَنْبَغِي التَّكْلِيفُ العامُّ إلّا بِما هو مَقْدُورٌ غالِبًا لِكُلِّ أحَدٍ.
والثّانِي: أنَّ كَثْرَةَ القِيمَةِ لا تُعَدُّ ضَرَرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ عَلَيْهِ إلّا قِيمَةُ ما أتْلَفَ في الإحْرامِ، ومَن أتْلَفَ في الإحْرامِ حَيَوانًا عَظِيمًا؛ لَزِمَهُ جَزاءٌ عَظِيمٌ، ولا ضَرَرَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ عِظَمَ الجَزاءِ تابِعٌ لِعِظَمِ الجِنايَةِ كَما هو ظاهِرٌ.
* *
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ صَيْدَ الحَرَمِ المَكِّيِّ مَمْنُوعٌ، وأنَّ قَطْعَ شَجَرِهِ، ونَباتِهِ حَرامٌ، إلّا الإذْخِرَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هَذا البَلَدَ حَرامٌ لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُخْتَلى خَلاهُ، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ، إلّا لِمُعَرِّفٍ ”. فَقالَ (p-٤٤٩)العَبّاسُ: إلّا الإذْخِرَ؛ فَإنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ، فَإنَّهُ لِلْقُيُونِ والبُيُوتِ، فَقالَ:“ إلّا الإذْخِرَ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ قالَ: ”لا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى شَوْكُها، ولا تَحِلُّ ساقِطَتُها إلّا لِمُنْشِدٍ“، فَقالَ العَبّاسُ: إلّا الإذْخِرَ؛ فَإنّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنا وبُيُوتِنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: ”إلّا الإذْخِرَ“»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا، وفي لَفْظٍ ”لا يُعْضَدُ شَجَرُها“، بَدَلَ قَوْلِهِ ”لا يُخْتَلى شَوْكُها“، والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ شَجَرَ الحَرَمِ ونَباتَهُ طَرَفانِ، وواسِطَةُ طَرَفٍ، لا يَجُوزُ قَطْعُهُ إجْماعًا، وهو ما أنْبَتَهُ اللَّهُ في الحَرَمِ مِن غَيْرِ تَسَبُّبِ الآدَمِيِّينَ، وطَرَفٌ يَجُوزُ قَطْعُهُ إجْماعًا، وهو ما زَرَعَهُ الآدَمِيُّونَ مِنَ الزُّرُوعِ، والبُقُولِ، والرَّياحِينِ ونَحْوِها، وطَرَفٌ اخْتُلِفَ فِيهِ، وهو ما غَرَسَهُ الآدَمِيُّونَ مِن غَيْرِ المَأْكُولِ، والمَشْمُومِ، كالأثْلِ، والعَوْسَجِ، فَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ قَطْعِهِ.
وَقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ بِالمَنعِ، وهو أحْوَطُ في الخُرُوجِ مِنَ العُهْدَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنْ نَبَتَ أوَّلًا في الحَلِّ، ثُمَّ نُزِعَ فَغُرِسَ في الحَرَمِ جازَ قَطْعُهُ، وإنْ نَبَتَ أوَّلًا في الحَرَمِ، فَلا يَجُوزُ قَطْعُهُ، ويَحْرُمُ قَطْعُ الشَّوْكِ والعَوْسَجِ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وقالَ القاضِي، وأبُو الخَطّابِ: لا يَحْرِمُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، والشّافِعِيِّ؛ لِأنَّهُ يُؤْذِي بِطَبْعِهِ، فَأشْبَهَ السِّباعَ مِنَ الحَيَوانِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: قِياسُ شَوْكِ الحَرَمِ عَلى سِباعِ الحَيَوانِ مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ السِّباعَ تَتَعَرَّضُ لِأذى النّاسِ، وتَقْصِدُهُ، بِخِلافِ الشَّوْكِ.
الثّانِي: أنَّهُ مُخالِفٌ لِقَوْلِهِ - ﷺ: «لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ»، والقِياسُ المُخالِفُ لِلنَّصِّ فاسِدُ الِاعْتِبارِ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]
والخُلْفُ لِلنَّصِّ أوْ إجْماعٍ دَعا فَسادَ الِاعْتِبارِ كُلُّ مَن وعى
وَفَسادُ الِاعْتِبارِ قادِحٌ مُبْطِلٌ لِلدَّلِيلِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، واخْتُلِفَ في قَطْعِ اليابِسِ مِنَ الشَّجَرِ، والحَشِيشِ، فَأجازَهُ بَعْضُ العُلَماءِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ؛ لِأنَّهُ كالصَّيْدِ المَيِّتِ، لا شَيْءَ عَلى مَن قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ - ﷺ: «وَلا يُخْتَلى خَلاهُ»؛ لِأنَّ الخَلا هو الرَّطْبُ مِنَ النَّباتِ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِقَطْعِ اليابِسِ.
(p-٤٥٠)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَجُوزُ قَطْعُ اليابِسِ مِنهُ، واسْتَدَلُّوا لَهُ بِأنَّ اسْتِثْناءَ الإذْخِرِ إشارَةٌ إلى تَحْرِيمِ اليابِسِ، وبِأنَّ في بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «وَلا يُحْتَشُّ حَشِيشُها»، والحَشِيشُ في اللُّغَةِ: اليابِسُ مِنَ العُشْبِ، ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَهُ أحْوَطُ.
واخْتُلِفَ أيْضًا في جَوازِ تَرْكِ البَهائِمِ تَرْعى فِيهِ، فَمَنَعَهُ أبُو حَنِيفَةَ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مالِكٍ، وفِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ جَوازُهُ، واحْتَجَّ مَن مَنَعَهُ بِأنَّ ما حَرُمَ إتْلافُهُ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِ ما يُتْلِفُهُ كالصَّيْدِ، واحْتَجَّ مَن أجازَهُ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أقْبَلْتُ راكِبًا عَلى أتانٍ، فَوَجَدْتُ - النَّبِيَّ ﷺ - يُصَلِّي بِالنّاسِ بِمِنًى إلى غَيْرِ جِدارٍ، فَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، وأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ومِنًى مِنَ الحَرَمِ.
الثّانِي: أنَّ الهَدْيَ كانَ يَدْخُلُ بِكَثْرَةٍ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وزَمَنِ أصْحابِهِ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ الأمْرُ بِسَدِّ أفْواهِ الهَدْيِ عَنِ الأكْلِ مِن نَباتِ الحَرَمِ، وهَذا القَوْلُ أظْهَرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهِ عَطاءٌ، واخْتُلِفَ في أخْذِ الوَرَقِ، والمُساوِيكِ مِن شَجَرِ الحَرَمِ، إذا كانَ أخْذُ الوَرَقِ بِغَيْرِ ضَرْبٍ يَضُرُّ بِالشَّجَرَةِ، فَمَنَعَهُ بَعْضُ العُلَماءِ؛ لِعُمُومِ الأدِلَّةِ، وأجازَهُ الشّافِعِيُّ؛ لِأنَّهُ لا ضَرَرَ فِيهِ عَلى الشَّجَرَةِ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ: أنَّهُما رَخَّصا في ورَقِ السَّنا لِلِاسْتِمْشاءِ بِدُونِ نَزْعِ أصْلِهِ، والأحْوَطُ تَرْكُ ذَلِكَ كُلِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ مَن أجازَهُ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقِياسِهِ عَلى الإذْخِرِ بِجامِعِ الحاجَةِ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ولا بَأْسَ بِالِانْتِفاعِ بِما انْكَسَرَ مِنَ الأغْصانِ، وانْقَلَعَ مِنَ الشَّجَرِ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ، ولا ما سَقَطَ مِنَ الوَرَقِ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، ولا نَعْلَمُ فِيهِ خِلافًا؛ لِأنَّ الخَبَرَ إنَّما ورَدَ في القَطْعِ، وهَذا لَمْ يَقْطَعْ، فَأمّا إنْ قَطَعَهُ آدَمِيٌّ، فَقالَ أحْمَدُ: لَمْ أسْمَعْ إذا قَطَعَ أنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ، وقالَ في الدَّوْحَةِ تُقْطَعُ مِن شَبَهِهِ بِالصَّيْدِ لَمْ يُنْتَفَعْ بِحَطَبِها؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن إتْلافِهِ لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، فَإذا قَطَعَهُ مَن يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، كالصَّيْدِ يَذْبَحُهُ المُحْرِمُ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يُباحَ لِغَيْرِ القاطِعِ الِانْتِفاعُ بِهِ؛ لِأنَّهُ انْقَطَعَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَأُبِيحَ لَهُ الِانْتِفاعُ بِهِ، كَما لَوْ قَطَعَهُ حَيَوانٌ بَهِيمِيٌّ، ويُفارِقُ الصَّيْدَ الَّذِي ذَبَحَهُ؛ لَأنَّ الذَّكاةَ تُعْتَبَرُ لَها الأهْلِيَّةُ، ولِهَذا لا تَحْصُلُ بِفِعْلِ بَهِيَمَةٍ بِخِلافِ هَذا. اهـ.
(p-٤٥١)وَقالَ في المُغْنِي أيْضًا: ويُباحُ أخْذُ الكُمْأةِ مِنَ الحَرَمِ، وكَذَلِكَ الفَقْعُ؛ لِأنَّهُ لا أصْلَ لَهُ، فَأشْبَهَ الثَّمَرَةَ، ورَوى حَنْبَلٌ قالَ: يُؤْكَلُ مِن شَجَرِ الحَرَمِ الضَّغابِيسُ والعِشْرِقُ، وما سَقَطَ مِنَ الشَّجَرِ، وما أنَبْتَ النّاسُ.
واخْتُلِفَ في عُشْبِ الحَرَمِ المَكِّيِّ، هَلْ يَجُوزُ أخْذُهُ لِعَلَفِ البَهائِمِ ؟ والأصَحُّ المَنعُ لِعُمُومِ الأدِلَّةِ.
فَإذا عَرَفْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ الحَلالَ إذا قَتَلَ صَيْدًا في الحَرَمِ المَكِّيِّ، فَجُمْهُورُ العُلَماءِ مِنهُمُ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ، وعامَّةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّ عَلَيْهِ الجَزاءَ، وهو كَجَزاءِ المُحْرِمِ المُتَقَدِّمِ، إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: لَيْسَ فِيهِ الصَّوْمُ؛ لِأنَّهُ إتْلافٌ مَحْضٌ مِن غَيْرِ مُحَرَّمٍ.
وَخالَفَ في ذَلِكَ داوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظّاهِرِيُّ، مُحْتَجًّا بِأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، ولَمْ يَرِدْ في جَزاءِ صَيْدِ الحَرَمِ نَصٌّ، فَيَبْقى عَلى الأصْلِ الَّذِي هو بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وقَوْلُهُ هَذا قَوِيٌّ جِدًّا.
واحْتَجَّ الجُمْهُورُ: بِأنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - قَضَوْا في حَمامِ الحَرَمِ المَكِّيِّ بِشاةٍ شاةٍ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلافُهم؛ فَيَكُونُ إجْماعًا سُكُوتِيًّا، واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِقِياسِهِ عَلى صَيْدِ المُحْرِمِ، بِجامِعِ أنَّ الكُلَّ صَيْدٌ مَمْنُوعٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا عَنْ جُمْهُورِ العُلَماءِ مِن أنَّ كُلَّ ما يَضْمَنُهُ المُحْرِمُ يَضْمَنُهُ مَن في الحَرَمِ يُسْتَثْنى مِنهُ شَيْئانِ:
الأوَّلُ: مِنهُما القَمْلُ، فَإنَّهُ مُخْتَلَفٌ في قَتْلِهِ في الإحْرامِ، وهو مُباحٌ في الحَرَمِ بِلا خِلافٍ.
والثّانِي: الصَّيْدُ المائِيُّ مُباحٌ في الإحْرامِ بِلا خِلافٍ، واخْتُلِفَ في اصْطِيادِهِ مِن آبارِ الحَرَمِ وعُيُونِهِ، وكَرِهَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يُنَفَّرُ صَيْدُها»؛ فَيَثْبُتُ حُرْمَةُ الصَّيْدِ لِحُرْمَةِ المَكانِ، وظاهِرُ النَّصِّ شُمُولُ كُلِّ صَيْدٍ، ولِأنَّهُ صَيْدٌ غَيْرُ مُؤْذٍ فَأشْبَهَ الظِّباءَ، وأجازَهُ بَعْضُ العُلَماءِ؛ مُحْتَجًّا بِأنَّ الإحْرامَ لَمْ يُحَرِّمْهُ، فَكَذَلِكَ الحَرَمُ، وعَنِ الإمامِ أحْمَدَ رِوايَتانِ في ذَلِكَ بِالمَنعِ والجَوازِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْضًا في شَجَرِ الحَرَمِ المَكِّيِّ وخَلاهُ، هَلْ يَجِبُ عَلى مَن قَطَعَهُما ضَمانٌ ؟ .
(p-٤٥٢)فَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، مِنهم مالِكٌ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدُ: لا ضَمانَ في شَجَرِهِ ونَباتِهِ، وقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا أجِدُ دَلِيلًا أُوجِبُ بِهِ في شَجَرِ الحَرَمِ فَرْضًا مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجْماعٍ، وأقُولُ كَما قالَ مالِكٌ: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى.
والَّذِينَ قالُوا بِضَمانِهِ، مِنهُمُ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو حَنِيفَةَ، إلّا أنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: يَضْمَنُ كُلَّهُ بِالقِيمَةِ، وقالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ: يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ، والصَّغِيرَةَ بِشاةٍ، والخَلا بِقِيمَتِهِ، والغُصْنَ بِما نَقَصَ، فَإنْ نَبْتَ ما قَطَعَ مِنهُ، فَقالَ بَعْضُهم: يَسْقُطُ الضَّمانُ، وقالَ بَعْضُهم بِعَدَمِ سُقُوطِهِ.
واسْتَدَلَّ مَن قالَ: في الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وفي الشَّجَرَةِ الجَزْلَةِ شاةٌ، بِآثارٍ رُوِيَتْ في ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ كَعُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والدَّوْحَةُ: هي الشَّجَرَةُ الكَبِيرَةُ، والجَزْلَةُ: الصَّغِيرَةُ.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: حَرَمُ المَدِينَةِ، اعْلَمْ أنَّ جَماهِيرَ العُلَماءِ عَلى أنَّ المَدِينَةَ حَرَمٌ أيْضًا لا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى خَلاها، وخالَفَ أبُو حَنِيفَةَ الجُمْهُورَ، فَقالَ: إنَّ حَرَمَ المَدِينَةِ لَيْسَ بِحَرَمٍ عَلى الحَقِيقَةِ، ولا تَثْبُتُ لَهُ أحْكامُ الحَرَمِ مِن تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ، وقَطْعِ الشَّجَرِ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ تَرُدُّ هَذا القَوْلَ، وتَقْضِي بِأنَّ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ حَرَمٌ، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا يُخْتَلى خَلاهُ إلّا لِعَلَفٍ، فَمِن ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عاصِمٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَما حَرَمَ إبْراهِيمُ مَكَّةَ»، الحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ، وجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ المَدِينَةِ حِمًى»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا، وكانَ أبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ”لَوْ رَأيْتُ الظِّباءَ تَرْتَعُ في المَدِينَةِ ما ذَعَرْتُها“، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا في المَدِينَةِ، قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّمُ شَجَرَها أنْ يَخْبِطَ أوْ يُعْضَدَ»، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ. وعَنْ أنَسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أشْرَفَ عَلى المَدِينَةِ، فَقالَ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ جَبَلَيْها مِثْلَ ما حَرَّمَ إبْراهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بارِكْ لَهم في مُدِّهِمْ وصاعِهِمْ“»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبُخارِيِّ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «المَدِينَةُ حَرامٌ مِن كَذا إلى كَذا، لا يُقْطَعُ شَجَرُها، ولا يُحْدَثُ فِيها حَدَثٌ، مَن أحْدَثَ فِيها فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ (p-٤٥٣)أجْمَعِينَ»، ولِمُسْلِمٍ، عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ قالَ: «سَألْتُ أنَسًا، أحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ هي حَرامٌ، لا يُخْتَلى خَلاها» "، الحَدِيثَ.
وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ، حَرامٌ ما بَيْنَ مَأْزِمَيْها ألّا يُهْراقَ فِيها دَمٌ، ولا يُحْمَلَ فِيها سِلاحٌ ولا يُخْبَطَ فِيها شَجَرٌ إلّا لِعَلَفٍ»، رَواهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها، لا يُقْطَعُ عِضاهُهُا، ولا يُصادُ صَيْدُها»، رَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «المَدِينَةُ حَرامٌ ما بَيْنَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ»، الحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في المَدِينَةِ «لا يُخْتَلى خَلاها ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُها إلّا لِمَن أشادَ بِها، ولا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أنْ يَحْمِلَ فِيها السِّلاحَ لِقِتالٍ، ولا يَصِحُّ أنْ تُقْطَعَ فِيها شَجَرَةٌ، إلّا أنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ»، رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ.
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ أنْ يُقْطَعَ عِضاهُهُا، أوْ يُقْتَلَ صَيْدُها» .
وَقالَ: «المَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، لا يَخْرُجُ عَنْها أحَدٌ رَغْبَةً إلّا أبْدَلَ اللَّهُ فِيها مَن هو خَيْرٌ مِنهُ، ولا يَثْبُتُ أحَدٌ عَلى لَأْوائِها وجَهْدِها إلّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا، أوْ شَفِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ»، رَواهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ لابَتَيْها» رَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أهْوى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إلى المَدِينَةِ، فَقالَ: ”إنَّها حَرَمٌ آمِنٌ»“، رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ أيْضًا.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنْ أبِيهِ أبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إنِّي حَرَّمْتُ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ، كَما حَرَّمَ إبْراهِيمُ مَكَّةَ» .
قالَ: وكانَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ يَجِدُ في يَدِ أحَدِنا الطَّيْرَ، فَيَأْخُذُهُ فَيَفُكُّهُ مِن يَدِهِ، ثُمَّ (p-٤٥٤)يُرْسِلُهُ، رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ أيْضًا“، «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبادَةَ الزُّرَقِيِّ: أنَّهُ كانَ يَصِيدُ العَصافِيرَ في بِئْرِ إهابٍ، وكانَتْ لَهم، قالَ: فَرَآنِي عُبادَةُ، وقَدْ أخَذْتُ عُصْفُورًا، فانْتَزَعَهُ مِنِّي فَأرْسَلَهُ، وقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: ”حَرَّمَ ما بَيْنَ لابَتَيْها كَما حَرَّمَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَكَّةَ“»، وكانَ عُبادَةُ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ، رَواهُ البَيْهَقِيُّ.
وَعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «اصْطَدْتُ طَيْرًا بِالقُنْبُلَةِ، فَخَرَجْتُ بِهِ في يَدِي، فَلَقِيَنِي أبِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَقالَ: ما هَذا في يَدِكَ ؟، فَقُلْتُ: طَيْرٌ اصْطَدْتُهُ بِالقُنْبُلَةِ، فَعَرَكَ أُذُنِي عَرْكًا شَدِيدًا، وانْتَزَعَهُ مِن يَدِي، فَأرْسَلَهُ، فَقالَ: ”حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَيْدَ ما بَيْنَ لابَتَيْها“»، رَواهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا، والقُنْبُلَةُ: آلَةٌ يُصادُ بِها النُّهَسُ وهو طائِرٌ.
وَعَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ وجَدَ غِلْمانًا قَدْ ألْجَؤُوا ثَعْلَبًا إلى زاوِيَةٍ فَطَرَدَهم عَنْهُ، قالَ مالِكٌ: ولا أعْلَمُ إلّا أنَّهُ قالَ: ”أفِي حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصْنَعُ هَذا“، رَواهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ وجَدَ رَجُلًا بِالأسْوافِ - وهو مَوْضِعٌ بِالمَدِينَةِ - وقَدِ اصْطادَ نُهَسًا، فَأخَذَهُ زَيْدٌ مِن يَدِهِ فَأرْسَلَهُ، ثُمَّ قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ صَيْدَ ما بَيْنَ لابَتَيْها»، رَواهُ البَيْهَقِيُّ، والرَّجُلُ الَّذِي اصْطادَ النُّهَسَ هو شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ، والنُّهَسُ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الهاءِ بَعْدَهُما سِينٌ مُهْمَلَةٌ، طَيْرٌ صَغِيرٌ فَوْقَ العُصْفُورِ شَبِيهٌ بِالقُنْبُرَةِ.
والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، ولا شَكَّ في أنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الَّتِي أوْرَدْنا في حَرَمِ المَدِينَةِ لا شَكَّ مَعَها، ولا لَبْسَ في أنَّها حَرامٌ، لا يُنَفَّرُ صَيْدُها، لا يُقْطَعُ شَجَرُها، ولا يُخْتَلى خَلاها إلّا لِعَلَفٍ، وما احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّها غَيْرُ حَرامٍ مِن قَوْلِهِ - ﷺ: «ما فَعَلَ النُّغَيْرُ يا أبا عُمَيْرٍ ؟»، لا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ مُحْتَمَلٌ لِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ المَدِينَةِ، ومُحْتَمَلٌ لِأنْ يَكُونَ صِيدَ في الحِلِّ، ثُمَّ أُدْخِلَ المَدِينَةَ.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ إمْساكِ الصَّيْدِ الَّذِي صِيدَ في الحِلِّ وإدْخالِهِ المَدِينَةَ، وما كانَ مُحْتَمَلًا لِهَذِهِ الِاحْتِمالاتِ لا تُعارَضُ بِهِ النُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ الصَّحِيحَةُ الكَثِيرَةُ الَّتِي لا لَبْسَ فِيها ولا احْتِمالَ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ القائِلِينَ بِحُرْمَةِ المَدِينَةِ، وهم جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُمَّةِ اخْتَلَفُوا في صَيْدِ حَرَمِ المَدِينَةِ، هَلْ يَضْمَنُهُ قاتِلُهُ أوْ لا ؟ (p-٤٥٥)وَكَذَلِكَ شَجَرُها، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ، وأصْحابُهُما، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إحْرامٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ جَزاءٌ كَصَيْدِ وجٍّ.
واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ - ﷺ: «المَدِينَةُ حَرَمٌ ما بَيْنَ عَيْرٍ وثَوْرٍ، فَمَن أحْدَثَ فِيها حَدَثًا، أوْ آوى فِيها مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا»، فَذِكْرُهُ ﷺ لِهَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ في الآخِرَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ كَفّارَةً في الدُّنْيا، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا كَفّارَةَ تَجِبُ فِيهِ في الدُّنْيا، وهو ظاهِرٌ.
وَقالَ ابْنُ أبِي ذِئْبٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: يَجِبُ في صَيْدِ الحَرَمِ المَدَنِيِّ الجَزاءُ الواجِبُ في صَيْدِ الحَرَمِ المَكِّيِّ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ في القَدِيمِ، واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّهُ ﷺ صَرَّحَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّهُ حَرَّمَ المَدِينَةَ مِثْلَ تَحْرِيمِ إبْراهِيمَ لِمَكَّةَ، ومُماثَلَةُ تَحْرِيمِها تَقْتَضِي اسْتِواءَهُما في جَزاءِ مَنِ انْتَهَكَ الحُرْمَةَ فِيهِما.
قالَ القُرْطُبِيُّ، قالَ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ: وهَذا القَوْلُ أقْيَسُ عِنْدِي عَلى أُصُولِنا؛ لاسِيَّما أنَّ المَدِينَةَ عِنْدَ أصْحابِنا أفْضَلُ مِن مَكَّةَ، وأنَّ الصَّلاةَ فِيها أفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ. اهـ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ في تَفْضِيلِ مَكَّةَ، وكَثْرَةِ مُضاعَفَةِ الصَّلاةِ فِيها زِيادَةً عَلى المَدِينَةِ بِمِائَةِ ضِعْفٍ أظْهَرُ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ مَن قالَ بِوُجُوبِ الجَزاءِ في الحَرَمِ المَدَنِيِّ إلى أنَّ الجَزاءَ فِيهِ هو أخْذُ سَلَبِ قاتِلِ الصَّيْدِ، أوْ قاطِعِ الشَّجَرِ فِيهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ هو أقْوى الأقْوالِ دَلِيلًا؛ لِما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”أنَّهُ رَكِبَ إلى قَصْرِهِ بِالعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمّا رَجَعَ سَعْدٌ جاءَهُ أهْلُ العَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أنْ يَرُدَّ عَلى غُلامِهِمْ أوْ عَلَيْهِمْ ما أخَذَ مِن غُلامِهِمْ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ أرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبى أنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ“»، رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“، وأحْمَدُ.
وَما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن أنَّ هَذا الحُكْمَ خاصٌّ بِسَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُسْتَدِلًّا بِأنَّ قَوْلَهُ: ”نَفَّلَنِيهِ“ أيْ أعْطانِيهِ، ظاهِرٌ في الخُصُوصِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فِيهِ عِنْدِي أمْرانِ:
(p-٤٥٦)الأوَّلُ: أنَّ هَذا لا يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى الخُصُوصِ؛ لِأنَّ الأصْلَ اسْتِواءُ النّاسِ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ إلّا بِدَلِيلٍ، وقَوْلُهُ ”نَفَّلَنِيهِ“ لَيْسَ بِدَلِيلٍ؛ لِاحْتِمالِ أنَّهُ نَفَّلَ كُلَّ مَن وجَدَ قاطِعَ شَجَرٍ، أوْ قاتِلَ صَيْدٍ بِالمَدِينَةِ ثِيابَهُ، كَما نَفَّلَ سَعْدًا، وهَذا هو الظّاهِرُ.
الثّانِي: أنَّ سَعْدًا نَفْسَهُ رُوِيَ عَنْهُ تَعْمِيمُ الحُكْمِ، وشُمُولُهُ لِغَيْرِهِ، فَقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «رَأيْتُ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ أخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ في حَرَمِ المَدِينَةِ الَّذِي حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَبَهُ ثِيابَهُ، فَجاءَ مَوالِيهِ، فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ هَذا الحَرَمَ، وقالَ: ”مَن رَأيْتُمُوهُ يَصِيدُ فِيهِ شَيْئًا فَلَكم سَلَبُهُ“؛ فَلا أرُدُّ عَلَيْكم طُعْمَةً أطْعَمَنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ إنْ شِئْتُمْ أنْ أُعْطِيَكم ثَمَنَهُ أعْطَيْتُكم»، وفي لَفْظٍ: «مَن أخَذَ أحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ ثِيابَهُ»، ورَوى هَذا الحَدِيثَ أيْضًا الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وهو صَرِيحٌ في العُمُومِ وعَدَمِ الخُصُوصِ بِسَعْدٍ كَما تَرى، وفِيهِ تَفْسِيرُ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ”نَفَّلَنِيهِ“ وأنَّهُ عامٌّ لِكُلِّ مَن وجَدَ أحَدًا يَفْعَلُ فِيها ذَلِكَ.
وَتَضْعِيفُ بَعْضِهِمْ لِهَذا الحَدِيثِ بِأنَّ في إسْنادِهِ سُلَيْمانَ بْنَ أبِي عَبْدِ اللَّهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّ سُلَيْمانَ بْنَ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مَقْبُولٌ، قالَ فِيهِ الذَّهَبِيُّ: تابِعِيٌّ مُوَثَّقٌ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: مَقْبُولٌ.
والمَقْبُولُ عِنْدَهُ كَما بَيَّنَهُ في مُقَدِّمَةِ تَقْرِيبِهِ: هو مَن لَيْسَ لَهُ مِنَ الحَدِيثِ إلّا القَلِيلُ، ولَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ما يُتْرَكُ حَدِيثُهُ مِن أجْلِهِ، فَهو مَقْبُولٌ حَيْثُ يُتابَعُ، وإلّا فَلَيِّنُ الحَدِيثِ، وقالَ فِيهِ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، ولَكِنْ يُعْتَبَرُ بِحَدِيثِهِ. اهـ.
وَقَدْ تابَعَ سُلَيْمانُ بْنُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ في هَذا الحَدِيثِ عامِرَ بْنَ سَعْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وأحْمَدَ، ومَوْلًى لِسَعْدٍ، عِنْدَ أبِي داوُدَ، كُلُّهم عَنْ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فاتَّضَحَ رَدُّ تَضْعِيفِهِ مَعَ ما قَدَّمْنا مِن أنَّ الحاكِمَ صَحَّحَهُ، وأنَّ الذَّهَبِيَّ قالَ فِيهِ: تابِعِيٌّ مُوَثَّقٌ.
والمُرادُ بِسَلَبِ قاطِعِ الشَّجَرِ أوْ قاتِلِ الصَّيْدِ في المَدِينَةِ أخَذُ ثِيابِهِ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: حَتّى سَراوِيلَهُ.
والظّاهِرُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن وُجُوبِ تَرْكِ ما يَسْتُرُ العَوْرَةَ المُغَلَّظَةَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: السَّلَبُ هُنا سَلَبُ القاتِلِ، وفي مَصْرِفِ هَذا السَّلَبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
(p-٤٥٧)أصَحُّها: أنَّهُ لِلسّالِبِ كالقَتِيلِ، ودَلِيلُهُ حَدِيثُ سَعْدٍ المَذْكُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ لِفُقَراءِ المَدِينَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لِبَيْتِ المالِ، والحَقُّ الأوَّلُ.
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ حِمى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي تَقَدَّمَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، أنَّ قَدْرَهُ اثْنا عَشَرَ مِيلًا مِن جِهاتِ المَدِينَةِ لا يَجُوزُ قَطْعُ شَجَرِهِ، ولا خَلاهُ، كَما رَواهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لا يُخْبَطُ ولا يُعْضَدُ حِمى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ يُهَشُّ هَشًّا رَفِيقًا» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ، ولَمْ يُضَعِّفْهُ أبُو داوُدَ، والمَعْرُوفُ عَنْ أبِي داوُدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ إنْ سَكَتَ عَنِ الكَلامِ في حَدِيثٍ فَأقَلُّ دَرَجاتِهِ عِنْدَهُ الحُسْنُ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ جابِرٍ المَذْكُورَ: رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ غَيْرِ قَوِيٍّ لَكِنَّهُ لَمْ يُضَعِّفْهُ. اهـ، ويُعْتَضَدُ هَذا الحَدِيثُ بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: ”كانَ جَدِّي مَوْلًى لِعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وكانَ يَلِي أرْضًا لِعُثْمانَ فِيها بَقْلٌ وقِثّاءٌ، قالَ: فَرُبَّما أتانِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نِصْفَ النَّهارِ، واضِعًا ثَوْبَهُ عَلى رَأْسِهِ يَتَعاهَدُ الحِمى، ألّا يُعْضَدَ شَجَرُهُ، ولا يُخْبَطَ، قالَ: فَيَجْلِسُ إلَيَّ فَيُحَدِّثُنِي، وأُطْعِمُهُ مِنَ القِثّاءِ والبَقْلِ، فَقالَ لَهُ يَوْمًا: أراكَ لا تَخْرُجُ مِن هاهُنا، قالَ: قُلْتُ: أجَلْ، قالَ: إنِّي أسْتَعْمِلُكَ عَلى ما هاهُنا فَمَن رَأيْتَ يَعْضَدُ شَجَرًا أوْ يَخْبِطُ فَخُذْ فَأْسَهُ وحَبْلَهُ، قالَ: قُلْتُ: آخُذُ رِداءَهُ، قالَ: لا“ وعامَّةُ العُلَماءِ عَلى أنَّ صَيْدَ الحِمى المَذْكُورَ غَيْرُ حَرامٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِحَرَمٍ، وإنَّما هو حِمًى حَماهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْخَيْلِ وإبِلِ الصَّدَقَةِ والجِزْيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
واخْتُلِفَ في شَجَرِ الحِمى؛ هَلْ يَضْمَنُهُ قاطِعُهُ ؟ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لا ضَمانَ فِيهِ، وأصَحُّ القَوْلَيْنِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ وُجُوبُ الضَّمانِ فِيهِ بِالقِيمَةِ، ولا يُسْلَبُ قاطِعُهُ، وتُصْرَفُ القِيمَةُ في مَصْرِفِ نَعَمِ الزَّكاةِ والجِزْيَةِ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ جَماهِيرَ العُلَماءِ عَلى إباحَةِ صَيْدِ وجٍّ، وقِطَعِ شَجَرِهِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: أكْرَهُ صَيْدَ وجٍّ، وحَمَلَهُ المُحَقِّقُونَ مِن أصْحابِهِ عَلى كَراهَةِ التَّحْرِيمِ.
(p-٤٥٨)واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى القَوْلِ بِحُرْمَتِهِ، هَلْ فِيهِ جَزاءٌ كَحَرَمِ المَدِينَةِ أوْ لا شَيْءَ فِيهِ ؟ ولَكِنْ يُؤَدَّبُ قاتِلُهُ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ الشّافِعِيَّةِ.
وَحُجَّةُ مَن قالَ بِحُرْمَةِ صَيْدِ وجٍّ ما رَواهُ أبُو داوُدَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «صَيْدُ وجٍّ مُحَرَّمٌ» الحَدِيثَ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: سَكَتَ عَلَيْهِ أبُو داوُدَ، وحَسَّنَهُ المُنْذِرِيُّ، وسَكَتَ عَلَيْهِ عَبْدُ الحَقِّ، فَتَعَقَّبَهُ ابْنُ القَطّانِ بِما نَقَلَ عَنِ البُخارِيِّ، أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ، وكَذا قالَ الأزْدِيُّ.
وَذَكَرَ الذَّهَبِيُّ، أنَّ الشّافِعِيَّ صَحَّحَهُ، وذَكَرَ الخَلّالُ أنَّ أحْمَدَ ضَعَّفَهُ، وقالَ ابْنُ حِبّانَ في رِوايَةِ المُنْفَرِدِ بِهِ، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إنْسانٍ الطّائِفِيُّ، كانَ يُخْطِئُ، ومُقْتَضاهُ تَضْعِيفُ الحَدِيثِ فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، فَإنْ كانَ أخْطَأ فِيهِ فَهو ضَعِيفٌ، وقالَ العُقَيْلِيُّ: لا يُتابَعُ إلّا مِن جِهَةٍ تُقارِبُهُ في الضَّعْفِ، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ.
وَذَكَرَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إنْسانٍ: أنَّهُ لا يَصِحُّ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“ في مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إنْسانٍ الثَّقَفِيِّ الطّائِفِيِّ المَذْكُورِ: لَيِّنُ الحَدِيثِ، وكَذَلِكَ أبَوْهُ عَبْدُ اللَّهِ الَّذِي هو شَيْخُهُ في هَذا الحَدِيثِ قالَ فِيهِ أيْضًا: لَيِّنُ الحَدِيثِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ في هَذا الحَدِيثِ في صَيْدِ وجٍّ: ضَعَّفَهُ أحْمَدُ، ذَكَرَهُ الخَلّالُ في كِتابِ ”العِلَلِ“، فَإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ أنَّ حُجَّةَ الجُمْهُورِ في إباحَةِ صَيْدِ وجٍّ وشَجَرِهِ، كَوْنُ الحَدِيثِ لَمْ يَثْبُتْ، والأصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، ووَجٌّ: بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، أرْضٌ بِالطّائِفِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو وادٍ بِصَحْراءِ الطّائِفِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ نَفْسَ بَلْدَةِ الطّائِفِ، وقِيلَ: هو كُلُّ أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِحُصُونِ الطّائِفِ، وقِيلَ: لِواحِدٍ مِنها، ورُبَّما التَبَسَ وجٌّ المَذْكُورُ بِوَحٍّ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وهي ناحِيَةُ نُعْمانَ.
فَإذا عَرَفْتَ حُكْمَ صَيْدِ المُحْرِمِ، وحُكْمَ صَيْدِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ ووَجٍّ مِمّا ذَكَرْنا، فاعْلَمْ أنَّ الصَّيْدَ المُحَرَّمَ، إذا كانَ بَعْضُ قَوائِمِهِ في الحِلِّ وبَعْضُها في الحَرَمِ، أوْ كانَ عَلى غُصْنٍ مُمْتَدٍّ في الحِلِّ، وأصْلُ شَجَرَتِهِ في الحَرَمِ، فاصْطِيادُهُ حَرامٌ عَلى التَّحْقِيقِ تَغْلِيبًا (p-٤٥٩)لِجانِبِ حُرْمَةِ الحَرَمِ فِيهِما.
أمّا إذا كانَ أصْلُ الشَّجَرَةِ في الحِلِّ، وأغْصانُها مُمْتَدَّةً في الحَرَمِ، فاصْطادَ طَيْرًا واقِعًا عَلى الأغْصانِ المُمْتَدَّةِ في الحَرَمِ، فَلا إشْكالَ في أنَّهُ مُصْطادٌ في الحَرَمِ؛ لِكَوْنِ الطَّيْرِ في هَواءِ الحَرَمِ.
واعْلَمْ أنَّ ما ادَّعاهُ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ، مِن أنَّ أحادِيثَ تَحْدِيدِ حَرَمِ المَدِينَةِ مُضْطَرِبَةٌ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ بِاللّابَتَيْنِ، وفي بَعْضِها بِالحَرَّتَيْنِ، وفي بَعْضِها بِالجَبَلَيْنِ، وفي بَعْضِها بِالمَأْزِمَيْنِ، وفي بَعْضِها بِعَيْرٍ وثَوْرٍ، غَيْرُ صَحِيحٍ لِظُهُورِ الجَمْعِ بِكُلِّ وُضُوحٍ؛ لِأنَّ اللّابَتَيْنِ هُما الحَرَّتانِ المَعْرُوفَتانِ، وهُما حِجارَةٌ سُودٌ عَلى جَوانِبِ المَدِينَةِ، والجَبَلانِ هُما المَأزِمانِ، وهُما عَيْرٌ وثَوْرٌ والمَدِينَةُ بَيْنَ الحَرَّتَيْنِ، كَما أنَّها أيْضًا بَيْنَ ثَوْرٍ وعَيْرٍ، كَما يُشاهِدُهُ مَن نَظَرَها، وثَوْرٌ جُبَيْلٌ صَغِيرٌ يَمِيلُ إلى الحُمْرَةِ بِتَدْوِيرٍ خَلْفَ أُحُدٍ مِن جِهَةِ الشَّمالِ.
فَمَنِ ادَّعى مِنَ العُلَماءِ أنَّهُ لَيْسَ في المَدِينَةِ جَبَلٌ يُسَمّى ثَوْرًا، فَغَلَطٌ مِنهُ؛ لِأنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النّاسِ إلى اليَوْمِ، مَعَ أنَّهُ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
واعْلَمْ أنَّهُ عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ: فَجَزاءٌ مِثْلُ الآيَةَ، بِتَنْوِينِ ”جَزاءٌ“ ورَفْعِ مِثَلُ فالأمْرُ واضِحٌ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَجَزاءٌ مِثْلُ بِالإضافَةِ، فَأظْهَرُ الأقْوالِ أنَّ الإضافَةَ بَيانِيَّةٌ، أيْ جَزاءٌ هو مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، فَيَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الأوَّلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المائدة 5:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قَدْ يَتَوَهَّمُ الجاهِلُ مِن ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَدَمَ وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ولَكِنَّ نَفْسَ الآيَةِ فِيها الإشارَةُ إلى أنَّ ذَلِكَ فِيما إذا بَلَغَ جَهْدَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهُ المَأمُورُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ لَمْ يَهْتَدِ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا حُذَيْفَةُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُما الألُوسِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، ونَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وأبِي عُبَيْدٍ القاسِمِ بْنِ سَلّامٍ، ونَقَلَ نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهُمُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ مَسْعُودٍ.
فَمِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾، أيْ: أمَرْتُمْ فَلَمْ يُسْمَعْ مِنكم، ومِنهم مَن قالَ: يَدْخُلُ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ في المُرادِ بِالِاهْتِداءِ في الآيَةِ، وهو ظاهِرٌ جِدًّا ولا يَنْبَغِي (p-٤٦٠)العُدُولُ عَنْهُ لِمُنْصِفٍ.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ تارِكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ غَيْرُ مُهْتَدٍ، أنَّ اللَّهَ تَعالى أقْسَمَ أنَّهُ في خُسْرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١، ٢، ٣]، فالحَقُّ وُجُوبُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وبَعْدَ أداءِ الواجِبِ لا يَضُرُّ الآمِرَ ضَلالُ مَن ضَلَّ، وقَدْ دَلَّتِ الآياتُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، والأحادِيثُ عَلى أنَّ النّاسَ إنْ لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ، ولَمْ يَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ.
فَمِن ذَلِكَ ما خَرَّجَهُ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ «عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ الحَكَمِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا مَرْعُوبًا يَقُولُ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ، وحَلَّقَ بِإصْبَعَيْهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟، قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبْثُ“» .
وَعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَثَلُ القائِمِ في حُدُودِ اللَّهِ، والواقِعِ فِيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلى سَفِينَةٍ، فَصارَ بَعْضُهم أعْلاها، وبَعْضُهم أسْفَلَها، وكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِها إذا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلى مَن فَوْقَهم، فَقالُوا: لَوْ أنّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقًا، ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فَإنْ تَرَكُوهم وما أرادُوا هَلَكُوا، وهَلَكُوا جَمِيعًا، وإنْ أخَذُوا عَلى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، ونَجَوْا جَمِيعًا»، أخْرَجَهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «يا أيُّها النّاسُ إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنْ رَأى النّاسُ الظّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدِهِ، أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ مِنهُ“»، رَواهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ، ودَعْ ما تَصْنَعُ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ وهو عَلى حالِهِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا (p-٤٦١)ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ”، ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٧٩، ٨٠، ٨١]، ثُمَّ قالَ:“ كَلّا واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ، ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا، ولَتَقْصُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ قَصْرًا، أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَّنَكم كَما لَعَنَهم» .
رَواهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ، وهَذا لَفْظُ أبِي داوُدَ، ولَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «لَمّا وقَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في المَعاصِي، نَهَتْهم عُلَماؤُهم فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجالَسُوهم وواكَلُوهم، وشارَبُوهم؛ فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ؛ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ”، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكانَ مُتَّكِئًا، فَقالَ:“ لا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتّى يَأْطُرُوهم عَلى الحَقِّ أطْرًا» .
وَمَعْنى تَأْطُرُوهم أيْ: تَعْطِفُوهم، ومَعْنى تَقْصُرُونَهُ: تَحْبِسُونَهُ، والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وفِيها الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾، ويُؤَيِّدُهُ كَثْرَةُ الآياتِ الدّالَّةُ عَلى وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
• وقَوْلِهِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] .
والتَّحْقِيقُ في مَعْناها: أنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الفِتْنَةِ الَّتِي تَعُمُّ الظّالِمَ وغَيْرَهُ هي أنَّ النّاسَ (p-٤٦٢)إذا رَأوُا المُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ، صالِحُهم وطالِحُهم، وبِهِ فَسَرَّها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ شاهِدَةٌ لِذَلِكَ، كَما قَدَّمْنا طَرَفًا مِنها.
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ كُلًّا مِنَ الآمِرِ والمَأْمُورِ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّباعُ الحَقِّ المَأْمُورِ بِهِ، وقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلى أنَّ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ولا يَفْعَلُهُ، ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ويَفْعَلُهُ، أنَّهُ حِمارٌ مِن حُمُرِ جَهَنَّمَ يَجُرُّ أمْعاءَهُ فِيها.
وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ العَظِيمُ عَلى أنَّ المَأْمُورَ المُعْرِضَ عَنِ التَّذْكِرَةِ حِمارٌ أيْضًا، أمّا السُّنَّةُ المَذْكُورَةُ فَقَوْلُهُ - ﷺ: «يُجاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُلْقى في النّارِ، فَتَنْدَلِقُ أقْتابُهُ، فَيَدُورُ بِها في النّارِ كَما يَدُورُ الحِمارُ بِرَحاهُ، فَيَطِيفُ بِهِ أهْلُ النّارِ فَيَقُولُونَ: أيْ فُلانُ؛ ما أصابَكَ ؟ ألَمْ تَكُنْ تَأْمُرُنا بِالمَعْرُوفِ وتَنْهانا عَنِ المُنْكَرِ ؟، فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكم بِالمَعْرُوفِ ولا آتِيهِ، وأنْهاكم عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ»، أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ مِن حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وَمَعْنى تَنْدَلِقُ أقْتابُهُ: تَتَدَلّى أمْعاؤُهُ، أعاذَنا اللَّهُ والمُسْلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ، وعَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجالًا تُقْرَضُ شِفاهُهم بِمَقارِيضَ مِن نارٍ كُلَّما قُرِضَتْ رَجَعَتْ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَن هَؤُلاءِ ؟ قالَ: هَؤُلاءِ خُطَباءٌ مِن أُمَّتِكَ، كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ ويَنْسَوْنَ أنْفُسَهم، وهم يَتْلُونَ الكِتابَ، أفَلا يَعْقِلُونَ»، أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، وابْنُ حَيّانَ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ الشَّوْكانِيُّ وغَيْرُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”أنَّهُ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ عَبّاسٍ إنِّي أُرِيدُ أنْ آمُرَ بِالمَعْرُوفِ، وأنْهى عَنِ المُنْكَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوَبَلَغْتَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: أرْجُو، قالَ: فَإنْ لَمْ تَخْشَ أنْ تَفْتَضِحَ بِثَلاثَةِ أحْرُفٍ في كِتابِ اللَّهِ فافْعَلْ، قالَ: وما هي ؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٤]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، وقَوْلُهُ تَعالى عَنِ العَبْدِ الصّالِحِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ الآيَةَ (p-٤٦٣)[هود: ٨٨]، أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ "، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهم أيْضًا الشَّوْكانِيُّ وغَيْرُهُ.
واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ هَذا الوَعِيدَ الشَّدِيدَ الَّذِي ذَكَرْنا مِنَ انْدِلاقِ الأمْعاءِ في النّارِ، وقَرْضِ الشِّفاهِ بِمَقارِيضِ النّارِ، لَيْسَ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وإنَّما هو عَلى ارْتِكابِهِ المُنْكَرَ عالِمًا بِذَلِكَ، يَنْصَحُ النّاسَ عَنْهُ، فالحَقُّ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ غَيْرُ ساقِطٍ عَنْ صالِحٍ ولا طالِحٍ، والوَعِيدُ عَلى المَعْصِيَةِ لا عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ لِأنَّهُ في حَدِّ ذاتِهِ لَيْسَ فِيهِ إلّا الخَيْرُ، ولَقَدْ أجادَ مَن قالَ: [ الكامِلُ ]
؎لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وَقالَ الآخَرُ: [ الطَّوِيلُ ]
؎وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النّاسَ بِالتُّقى ∗∗∗ طَبِيبٌ يُداوِي النّاسَ وهو مَرِيضُ
وَقالَ الآخَرُ: [ الطَّوِيلُ ]
؎فَإنَّكَ إذْ ما تَأْتِ ما أنْتَ آمِرٌ ∗∗∗ بِهِ تَلْفَ مَن إيّاهُ تَأْمُرُ آتِيا
وَأمّا الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المُعْرِضَ عَنِ التَّذْكِيرِ كالحِمارِ أيْضًا، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩، ٥٠، ٥١]، والعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، فَيَجِبُ عَلى المُذَكِّرِ بِالكَسْرِ، والمُذَكَّرِ بِالفَتْحِ أنْ يَعْمَلا بِمُقْتَضى التَّذْكِرَةِ، وأنْ يَتَحَفَّظا مِن عَدَمِ المُبالاةِ بِها، لِئَلّا يَكُونا حِمارَيْنِ مِن حُمُرِ جَهَنَّمَ.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ في الآمِرِ بِالمَعْرُوفِ أنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ، يَعْلَمُ بِهِ أنَّ ما يَأْمُرُ بِهِ مَعْرُوفٌ، وأنَّ ما يَنْهى عَنْهُ مُنْكَرٌ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ جاهِلًا بِذَلِكَ فَقَدْ يَأْمُرُ بِما لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، ويَنْهى عَمّا لَيْسَ بِمُنْكَرٍ، ولاسِيَّما في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي عَمَّ فِيهِ الجَهْلُ وصارَ فِيهِ الحَقُّ مُنْكَرًا، والمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ الآيَةَ [يوسف: ١٠٨]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الدّاعِيَ إلى اللَّهِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ، وهي الدَّلِيلُ الواضِحُ الَّذِي لا لَبْسَ في الحَقِّ مَعَهُ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ دَعْوَتُهُ إلى اللَّهِ بِالحِكْمَةِ، وحُسْنِ الأُسْلُوبِ، واللَّطافَةِ مَعَ إيضاحِ الحَقِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٦٤)﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٥]، فَإنْ كانَتْ دَعْوَتُهُ إلى اللَّهِ بِقَسْوَةٍ وعُنْفٍ وخَرْقٍ، فَإنَّها تَضُرُّ أكْثَرَ مِمّا تَنْفَعُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُسْنَدَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ إسْنادًا مُطْلَقًا، إلّا لِمَن جَمَعَ بَيْنَ العِلْمِ، والحِكْمَةِ، والصَّبْرِ عَلى أذى النّاسِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ وظِيفَةُ الرُّسُلِ، وأتْباعِهِمْ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْأذى مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّهم مَجْبُولُونَ بِالطَّبْعِ عَلى مُعاداةِ مَن يَتَعَرَّضُ لَهم في أهْوائِهِمُ الفاسِدَةِ، وأغْراضِهِمُ الباطِلَةِ، ولِذا قالَ العَبْدُ الصّالِحُ لُقْمانُ الحَكِيمُ لِوَلَدِهِ، فِيما قَصَّ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ الآيَةَ [لقمان: ١٧]، «وَلَمّا قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: ”أوَمُخْرِجِيَّ هم ؟“، يَعْنِي قُرَيْشًا، أخْبَرَهُ ورَقَةُ: أنَّ هَذا الدِّينَ الَّذِي جاءَ بِهِ لَمْ يَأْتِ بِهِ أحَدٌ إلّا عُودِيَ»، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ”ما تَرَكَ الحَقُّ لِعُمَرَ صَدِيقًا“، واعْلَمْ أنَّهُ لا يُحْكَمُ عَلى الأمْرِ بِأنَّهُ مُنْكَرٌ، إلّا إذا قامَ عَلى ذَلِكَ دَلِيلٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، أوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ أوْ إجْماعِ المُسْلِمِينَ.
وَأمّا إنْ كانَ مِن مَسائِلِ الِاجْتِهادِ فِيما لا نَصَّ، فَلا يُحْكَمُ عَلى أحَدِ المُجْتَهِدِينَ المُخْتَلِفِينَ بِأنَّهُ مُرْتَكِبٌ مُنْكَرًا، فالمُصِيبُ مِنهم مَأْجُورٌ بِإصابَتِهِ، والمُخْطِئُ مِنهم مَعْذُورٌ كَما هو مَعْرُوفٌ في مَحَلِّهِ.
واعْلَمْ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ بِطَرِيقَيْنِ: طَرِيقِ لِينٍ، وطَرِيقِ قَسْوَةٍ، أمّا طَرِيقُ اللِّينِ فَهي الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وإيضاحُ الأدِلَّةِ في أحْسَنِ أُسْلُوبٍ وألْطَفِهِ، فَإنْ نَجَحَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ فَبِها ونِعْمَتْ، وهو المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ تَنْجَحْ تَعَيَّنَتْ طَرِيقُ القَسْوَةِ بِالسَّيْفِ حَتّى يُعْبَدَ اللَّهُ وحْدَهُ، وتُقامَ حُدُودُهُ، وتُمْتَثَلَ أوامِرُهُ، وتُجْتَنَبَ نَواهِيهِ، وإلى هَذِهِ الإشارَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٥] .
فَفِيهِ الإشارَةُ إلى أعْمالِ السَّيْفِ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ، فَإنْ لَمْ تَنْفَعِ الكُتُبُ تَعَيَّنَتِ الكَتائِبُ، واللَّهُ تَعالى قَدْ يَزَعُ بِالسُّلْطانِ ما لا يَزَعُ بِالقُرْآنِ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُشْتَرَطُ في جَوازِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ ألّا يُؤَدِّيَ إلى مَفْسَدَةٍ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ المُنْكَرِ؛ لِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى ارْتِكابِ أخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]
(p-٤٦٥)وارْتَكِبِ الأخَفَّ مِن ضُرَّيْنِ وخَيِّرَنْ لَدى اسْتِوا هَذَيْنِ
وَيُشْتَرَطُ في وُجُوبِهِ مَظِنَّةُ النَّفْعِ بِهِ، فَإنْ جَزَمَ بِعَدَمِ الفائِدَةِ فِيهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، كَما يَدُلُّ لَهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩]، وقَوْلِهِ - ﷺ: «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، ودُنْيا مُؤْثَرَةً، وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخاصَّةِ نَفْسِكَ، ودَعْ عَنْكَ أمْرَ العَوامِّ، فَإنَّ مِن ورائِكم أيّامًا، الصّابِرُ فِيهِنَّ كالقابِضِ عَلى الجَمْرِ، لِلْعامِلِ فِيهِنَّ أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكم ”، وفي لَفْظٍ:“ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنّا، أوْ مِنهم ؟ قالَ: بَلْ أجْرُ خَمْسِينَ مِنكم»، أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحاهُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ مِن حَدِيثِ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقالَ الرّاوِي: هَذا الحَدِيثُ «عَنْهُ أبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبانِيُّ، وقَدْ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾، واللَّهِ لَقَدْ سَألْتُ عَنْها خَبِيرًا، سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”بَلِ ائْتَمِرْ“» إلى آخِرِ الحَدِيثِ.
وَهَذِهِ الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ في الحَدِيثِ مِنَ الشُّحِّ المُطاعِ، والهَوى المُتَّبَعِ. . . إلَخْ، مَظِنَّةٌ لِعَدَمِ نَفْعِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ فَدَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّهُ إنْ عُدِمَتْ فائِدَتُهُ سَقَطَ وُجُوبُهُ.
تَنْبِيهٌ
الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ لَهُ ثَلاثُ حِكَمٍ:
الأُولى: إقامَةُ حُجَّةِ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
الثّانِيَةُ: خُرُوجُ الآمِرِ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، كَما قالَ تَعالى في صالِحِي القَوْمِ الَّذِينَ اعْتَدى بَعْضُهم في السَّبْتِ: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٦٤]، وقالَ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ العُهْدَةِ، لَكانَ مَلُومًا.
الثّالِثَةُ: رَجاءُ النَّفْعِ لِلْمَأْمُورِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ (p-٤٦٦)وَقالَ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا البَحْثَ في كِتابِنا ”دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في سُورَةِ الأعْلى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩]، ويَجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَأْمُرَ أهْلَهُ بِالمَعْرُوفِ كَزَوْجَتِهِ، وأوْلادِهِ، ونَحْوِهِمْ، ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ الآيَةَ [التحريم: ٦]، وقَوْلِهِ - ﷺ: «كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، الحَدِيثَ.
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ، وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ»، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ وقَدْ وضَعَ رِجْلَهُ في الغَرْزِ: أيُّ الجِهادِ أفْضَلُ ؟ قالَ: كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ»، رَواهُ النَّسائِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ.
كَما قالَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: واعْلَمْ أنَّ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ قَدْ بَيَّنَ أنَّ أحْوالَ الرَّعِيَّةِ مَعَ ارْتِكابِ السُّلْطانِ ما لا يَنْبَغِي ثَلاثٌ:
الأُولى: أنْ يَقْدِرَ عَلى نُصْحِهِ وأمْرِهِ بِالمَعْرُوفِ، ونَهْيِهِ عَنِ المُنْكَرِ، مِن غَيْرِ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ ضَرَرٌ أكْبَرُ مِنَ الأوَّلِ، فَآمِرُهُ في هَذِهِ الحالَةِ مُجاهِدٌ سالِمٌ مِنَ الإثْمِ ولَوْ لَمْ يَنْفَعْ نُصْحُهُ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ نُصْحُهُ لَهُ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ مَعَ اللُّطْفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو مَظِنَّةُ الفائِدَةِ.
الثّانِيَةُ: ألّا يَقْدِرَ عَلى نُصْحِهِ لِبَطْشِهِ بِمَن يَأْمُرُهُ، وتَأْدِيَةِ نُصْحِهِ لِمُنْكَرٍ أعْظَمَ، وفي هَذِهِ الحالَةِ يَكُونُ الإنْكارُ عَلَيْهِ بِالقُلُوبِ، وكَراهَةِ مُنْكَرِهِ، والسَّخَطِ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحالَةُ هي أضْعَفُ الإيمانِ.
الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونَ راضِيًا بِالمُنْكَرِ الَّذِي يَعْمَلُهُ السُّلْطانُ، مُتابِعًا لَهُ عَلَيْهِ، فَهَذا شَرِيكُهُ في الإثْمِ، والحَدِيثُ المَذْكُورُ هو ما قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ هِنْدٍ بِنْتِ أبِي أُمَيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكم أُمَراءُ فَتَعْرِفُونَ وتُنْكِرُونَ، فَمَن كَرِهَ فَقَدَ بَرِئَ، ومَن أنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، ولَكِنْ مَن رَضِيَ وتابَعَ ”، قالُوا: (p-٤٦٧)يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نُقاتِلُهم ؟ قالَ:“ لا ما أقامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ»، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ .
فَقَوْلُهُ - ﷺ: ”فَمَن كَرِهَ“ يَعْنِي بِقَلْبِهِ، ولَمْ يَسْتَطِعْ إنْكارًا بِيَدٍ ولا لِسانٍ ”فَقَدَ بَرِئَ“ مِنَ الإثْمِ، وأدّى وظِيفَتَهُ، ”وَمَن أنْكَرَ“ بِحَسْبِ طاقَتِهِ ”فَقَدْ سَلِمَ“ مِن هَذِهِ المَعْصِيَةِ، ”وَمَن رَضِيَ“ بِها ”وَتابَعَ“ عَلَيْها، فَهو عاصٍ كَفاعِلِها.
وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ مُسْلِمٍ: قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ» وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾، صِيغَةُ إغْراءٍ، يَعْنِي: الزَمُوا حِفْظَها، كَما أشارَ لَهُ في ”الخُلاصَةِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
والفِعْلُ مِن أسْمائِهِ عَلَيْكا وهَكَذا دُونَكَ مَعْ إلَيْكا
المائدة 5:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كاتِمَ الشَّهادَةِ آثِمٌ، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ هَذا الإثْمَ مِنَ الآثامِ القَلْبِيَّةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ومَعْلُومٌ أنَّ مَنشَأ الآثامِ والطّاعاتِ جَمِيعًا مِنَ القَلْبِ؛ لِأنَّهُ إذا صَلَحَ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى قَبُولِ شَهادَةِ الكُفّارِ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، أيْ فالكافِرُونَ أحْرى بِرَدِّ شَهادَتِهِمْ.
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٢] .
والجَوابُ عَنْ هَذا عَلى قَوْلِ مَن لا يَقْبَلُ شَهادَةَ الكافِرِينَ عَلى الإيصاءِ في السَّفَرِ أنَّهُ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾، مَنسُوخٌ بِآياتِ اشْتِراطِ العَدالَةِ، والَّذِي يَقُولُ بِقَبُولِ شَهادَتِهِما يَقُولُ هي مُحْكَمَةٌ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ غَيْرِها، وهَذا الخِلافُ مَعْرُوفٌ ووَجْهُ الجَوابِ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ ظاهِرٌ.
وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، أيْ مِن قَبِيلَةِ المُوصِي، وقَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ مِن غَيْرِ قَبِيلَةِ المُوصِي مِن سائِرِ المُسْلِمِينَ، فَلا إشْكالَ في الآيَةِ.
وَلَكِنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، وأنَّ قَوْلَهُ: مِنكم أيْ مِنَ المُسْلِمِينَ. وعَلَيْهِ فالجَوابُ ما تَقَدَّمَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
المائدة 5:109
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾
(p-٢٧٥)هَذِهِ الآيَةُ يُفْهَمُ مِنها أنَّ الرُّسُلَ لا يَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، عَلى أُمَمِهِمْ.
وَقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَشْهَدُونَ عَلى أُمَمِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] .
والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وقالَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ: لا شَكَّ أنَّهُ حَسَنٌ، أنَّ المَعْنى: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ إلّا عِلْمَ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا، فَلا عِلْمَ لَنا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِكَ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَنَحْنُ وإنْ عَرَفْنا مَن أجابَنا فَإنَّما نَعْرِفُ الظَّواهِرَ ولا عِلْمَ لَنا بِالبَواطِنِ، وأنْتَ المُطَّلِعُ عَلى السَّرائِرِ وما تُخْفِي الضَّمائِرُ فَعِلْمُنا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِكَ كَلا عِلْمٍ.
الثّانِي: وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ والحَسَنُ البَصْرِيُّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ أنَّهم قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ لِما اعْتَراهم مِن شِدَّةِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ زالَ ذَلِكَ عَنْهم فَشَهِدُوا عَلى أُمَمِهِمْ.
والثّالِثُ: وهو أضْعَفُها، أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾، ماذا عَمِلُوا بَعْدَكم ؟ وما أحْدَثُوا بَعْدَكم ؟ ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ . ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ هَذا القَوْلَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ عَنْ ظاهِرِ القُرْآنِ.
المائدة 5:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾، مَعْناهُ إخْراجُهم مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، كَما أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآيَةَ، لَمْ يَذْكُرْ هُنا كَيْفِيَّةَ كَفِّهِ إيّاهم عَنْهُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
المائدة 5:111
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المُرادُ بِالإيحاءِ إلى الحَوارِيِّينَ الإلْهامُ، ويَدُلُّ لَهُ وُرُودُ الإيحاءِ في القُرْآنِ بِمَعْنى الإلْهامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٨]، يَعْنِي ألْهَمَها، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: (p-٤٦٨)وَمِنهُ ﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ مَعْناهُ: أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ إيحاءً حَقِيقِيًّا بِواسِطَةِ عِيسى - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.
المائدة 5:115
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ.
وَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآياتِ ما يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
والجَوابُ: أنَّ آيَةَ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ وآيَةَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ﴾ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما، لِأنَّ كُلًّا مِن آلِ فِرْعَوْنَ والمُنافِقِينَ في أسْفَلِ دَرَكاتِ النّارِ في أشَدِّ العَذابِ، ولَيْسَ (p-٢٧٦)فِي الآيَتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَهم أشَدُّ عَذابًا مِنَ الآخَرِ.
وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ الآيَةَ، فَيُجابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو ما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ: أنَّ المُرادَ بِـ: ﴿العالَمِينَ﴾ عالَمُو زَمانِهِمْ وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، كَما تَقَدَّمَ.
الثّانِي: ما قالَهُ البَعْضُ مِن أنَّ المُرادَ بِهِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ الَّذِي هو - مَسْخُهم خَنازِيرَ، ولَكِنْ يَدُلُّ لِأنَّهُ عَذابُ الآخِرَةِ ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ”أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: المُنافِقُونَ ومَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ وآلُ فِرْعَوْنَ“ .
وَهَذا الإشْكالُ في أصْحابِ المائِدَةِ لا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى القَوْلِ بِنُزُولِ المائِدَةِ، وأنَّ بَعْضَهم كَفَرَ بَعْدَ نُزُولِها، أمّا عَلى قَوْلِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهم خافُوا مِنَ الوَعِيدِ فَقالُوا: لا حاجَةَ لَنا في نُزُولِها فَلَمْ تَنْزِلْ فَلا إشْكالَ.
وَلَكِنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ [المائدة: ١٥] يُخالِفُ ذَلِكَ، وعَلى القَوْلِ بِنُزُولِها لا يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ إلّا إذا ثَبَتَ كُفْرُ بَعْضِهِمْ كَما لا يَخْفى.
الأنعام 6:1
(p-٤٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأنْعامِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وجْهانِ لِلْعُلَماءِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ العُدُولِ عَنِ الشَّيْءِ بِمَعْنى الِانْحِرافِ، والمَيْلِ عَنْهُ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: بِرَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: كَفَرُوا، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَمِيلُونَ ويَنْحَرِفُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ، وقِيلَ عَلى هَذا الوَجْهِ: إنَّ ”الباءَ“ بِمَعْنى ”عَنْ“ أيْ: يَعْدِلُونَ عَنْ رَبِّهِمْ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ بِطاعَةٍ، ولا إيمانٍ.
والثّانِي: أنْ ”الباءَ“ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَعْدِلُونَ، ومَعْنى يَعْدِلُونَ يَجْعَلُونَ لَهُ نَظِيرًا في العِبادَةِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: عَدَلْتُ فُلانًا بِفُلانٍ إذا جَعَلْتُهُ لَهُ نَظِيرًا وعَدِيلًا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: [ الوافِرُ ]
؎أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أمْ رِياحًا عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا
يَعْنِي أجَعَلْتَ طُهَيَّةَ والخِشابَ نُظَراءَ وأمْثالًا لِبَنِي ثَعْلَبَةَ وبَنِي رِياحٍ، وهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ يَدُلُّ لَهُ القُرْآنُ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى، عَنِ الكُفّارِ الَّذِينَ عَدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وأشارَ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ إلى أنَّ الكُفّارَ ساوَوْا بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعالى،
• كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وعِدْلُ الشَّيْءِ في اللُّغَةِ مِثْلُهُ ونَظِيرُهُ، قالَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: إذا كانَ مِن جِنْسِهِ، فَهو عِدْلٌ بِكَسْرِ العَيْنِ، وإذا كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، فَهو عَدْلٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ: [ الوافِرُ ](p-٤٧٠)
؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا بَرَزَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ
؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا اضْطَرَبَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ
؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ بَلابِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ
يَعْنِي أنَّ القَتْلى الَّذِينَ قَتَلَهم مِن بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِأخِيهِ كُلَيْبٍ الَّذِي قَتَلَهُ جَسّاسُ بْنُ مُرَّةَ البَكْرِيِّ لا يُكافِئُونَهُ، ولا يُعادِلُونَهُ في الشَّرَفِ.
وَمِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥]؛ لِأنَّ المُرادَ نَظِيرُ الإطْعامِ مِنَ الصِّيامِ، ولَيْسَ مِن جِنْسِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، والعَدْلُ: الفِداءُ، لِأنَّهُ كَأنَّهُ قِيمَةٌ مُعادَلَةٌ لِلْفِدى تُؤْخَذُ بَدَلَهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ لِلْعُلَماءِ مِنَ التَّفْسِيرِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها لَهُ مِصْداقٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾، أيْ: وهو الإلَهُ المَعْبُودُ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا هو المَعْبُودُ وحْدَهُ بِحَقٍّ في الأرْضِ والسَّماءِ، وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ يَعْلَمُ حالٌ، أوْ خَبَرٌ، وهَذا المَعْنى يُبَيِّنُهُ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، أيْ: وهو المَعْبُودُ في السَّماءِ والأرْضِ بِحَقٍّ، ولا عِبْرَةَ بِعِبادَةِ الكافِرِينَ غَيْرَهُ؛ لِأنَّها وبالٌ عَلَيْهِمْ يَخْلُدُونَ بِها في النّارِ الخُلُودَ الأبَدِيَّ، ومَعْبُوداتُهم لَيْسَتْ شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] .
وَهَذا القَوْلُ في الآيَةِ أظْهَرُ الأقْوالِ، واخْتارَهُ القُرْطُبِيُّ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾، أيْ: وهو اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكم في السَّماواتِ وفي الأرْضِ؛ ويُبَيِّنُ هَذا القَوْلَ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦] .
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في الآيَةِ، نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ.
(p-٤٧١)الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، أنَّ الوَقْفَ تامٌّ عَلى قَوْلِهِ في: السَّماواتِ، وقَوْلُهُ: وفي الأرْضِ يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَهُ، أيْ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في الأرْضِ، ومَعْنى هَذا القَوْلِ: أنَّهُ جَلَّ وعَلا مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّ أهْلِ الأرْضِ وجَهْرَهم، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وَيُبَيِّنُ هَذا القَوْلَ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ الآيَةَ [الملك: ١٦، ١٧]، وقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَحْقِيقُ هَذا المَقامِ بِإيضاحٍ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، واعْلَمْ أنَّ ما يَزْعُمُهُ الجَهْمِيَّةُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى في كُلِّ مَكانٍ، مُسْتَدِلِّينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ في الأرْضِ، ضَلالٌ مُبِينٌ، وجَهْلٌ بِاللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ جَمِيعَ الأمْكِنَةِ المَوْجُودَةِ أحْقَرُ وأصْغَرُ مِن أنْ يَحِلَّ في شَيْءٍ مِنها رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، الَّذِي هو أعْظَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأعْلى مِن كُلِّ شَيْءٍ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ، فالسَّماواتُ والأرْضُ في يَدِهِ - جَلَّ وعَلا - أصْغَرُ مِن حَبَّةِ خَرْدَلٍ في يَدِ أحَدِنا، ولَهُ المَثَلُ الأعْلى، فَلَوْ كانَتْ حَبَّةُ خَرْدَلٍ في يَدِ رَجُلٍ فَهَلْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حالٌ فِيها، أوْ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزائِها، لا وكَلّا، هي أصْغَرُ وأحْقَرُ مِن ذَلِكَ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأعْظَمُ مَن كُلِّ شَيْءٍ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ، ولا يَكُونُ فَوْقَهُ شَيْءٌ:﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٣]، سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا لا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ، هو كَما أثْنى عَلى نَفْسِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] .
الأنعام 6:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ لَوْ نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ، أيْ صَحِيفَةٍ، إجابَةً لِما اقْتَرَحُوهُ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩٣]، فَعايَنُوا ذَلِكَ الكِتابَ المُنَزَّلَ، ولَمَسَتْهُ أيْدِيهِمْ، لَعانَدُوا، وادَّعَوْا أنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِ أنَّهُ سَحَرَهم، وهَذا العِنادُ واللَّجاجُ العَظِيمُ والمُكابِرَةُ الَّذِي هو شَأْنُ الكُفّارِ بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: (p-٤٧٢)﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥] .
• وَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٦، ٩٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأعراف: ١٤٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وذَكَرَ تَعالى نَحْوَ هَذا العِنادِ واللَّجاجِ عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢] .
الأنعام 6:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ماذا يُرِيدُونَ بِإنْزالِ المَلَكِ المُقْتَرَحِ، ولَكِنَّهُ بَيِّنٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يُرِيدُونَ بِإنْزالِ المَلَكِ أنْ يَكُونَ نَذِيرًا آخَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾، يَعْنِي: أنَّهُ لَوْ نَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، لَجاءَهم مِنَ اللَّهِ العَذابُ، مِن غَيْرِ إمْهالٍ ولا إنْظارٍ، لِأنَّهُ حَكَمَ بِأنَّ المَلائِكَةَ لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ إلّا بِذَلِكَ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨]، وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٢] .
الأنعام 6:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾، أيْ: لَوْ بَعَثْنا إلى البَشَرِ رَسُولًا مَلَكِيًّا، لَكانَ عَلى هَيْئَةِ الرَّجُلِ؛ لِتُمْكِنَهم مُخاطَبَتُهُ، والِانْتِفاعُ بِالأخْذِ عَنْهُ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ مِن شِدَّةِ النُّورِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لالتَبَسَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ كَما هم يَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في قَبُولِ رِسالَةِ الرَّسُولِ البَشَرِيِّ.
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن نَوْعِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، كَما أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] .
الأنعام 6:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (p-٤٧٣)ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ اسْتَهْزَءُوا بِرُسُلٍ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ وأنَّهم حاقَ بِهِمُ العَذابُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَمْ يُفَصِّلْ هُنا كَيْفِيَّةَ اسْتِهْزائِهِمْ، ولا كَيْفِيَّةَ العَذابِ الَّذِي أُهْلِكُوا بِهِ، ولَكِنَّهُ فَصَّلَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ مِن مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، في ذِكْرِ نُوحٍ وقَوْمِهِ، وهُودٍ وقَوْمِهِ، وصالِحٍ وقَوْمِهِ، ولُوطٍ وقَوْمِهِ، وشُعَيْبٍ وقَوْمِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
فَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِنُوحٍ قَوْلُهم لَهُ: ”بَعْدَ أنْ كُنْتَ نَبِيًّا صِرْتَ نَجّارًا“، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١٤]، وأمْثالَها مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِهُودٍ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، وقَوْلِهِ عَنْهم أيْضًا: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٣]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٤١]، وأمْثالَها مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِصالِحٍ قَوْلُهم فِيما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم: ﴿ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وقَوْلُهم: ﴿ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ [هود: ٦٢]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِلُوطٍ قَوْلُهم فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهم: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ الآيَةَ [النمل: ٥٦]، وقَوْلُهم لَهُ أيْضًا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِشُعَيْبٍ قَوْلُهم فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهم: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.
الأنعام 6:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾، يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَرْزُقُ الخَلائِقَ، وهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ فَلَيْسَ بِمُحْتاجٍ إلى رِزْقٍ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٤٧٤)﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧، ٥٨]، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ مِنَ الإطْعامِ، والأوَّلُ مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ، والثّانِي مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، كَما بَيَّنّاهُ، وأوْضَحَتْهُ الآيَةُ الأُخْرى، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ الفِعْلَ الأوَّلَ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، والثّانِي بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ، مُضارِعُ طَعِمَ الثُّلاثِيِّ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي، أيْ أنَّهُ يَرْزُقُ عِبادَهُ ويُطْعِمُهم، وهو جَلَّ وعَلا لا يَأْكُلُ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المَخْلُوقُ مِنَ الغَداءِ؛ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا الغَنِيُّ لِذاتِهِ، الغَنِيُّ المُطْلَقُ، سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا، ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] .
والقِراءَةُ الَّتِي ذَكَرْنا عَنْ سَعِيدٍ، ومُجاهِدٍ، والأعْمَشِ مُوافِقَةٌ لِأحَدِ الأقْوالِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الصَّمَدُ السَّيِّدُ، الَّذِي يُلْجَأُ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ والحَوائِجِ، وقالَ بَعْضُهم: هو السَّيِّدُ الَّذِي تَكامَلَ سُؤْدُدُهُ، وشَرَفُهُ، وعَظَمَتُهُ، وعِلْمُهُ، وحِكْمَتُهُ، وقالَ بَعْضُهم: الصَّمَدُ هو الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ؛ وعَلَيْهِ، فَما بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لَهُ، وقالَ بَعْضُهم: هو الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، وقالَ بَعْضُهم: الصَّمَدُ هو الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، ولا يَأْكُلُ الطَّعامَ، وهو مَحِلُّ الشّاهِدِ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: مِنَ المَعْرُوفِ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ الصَّمَدِ عَلى السَّيِّدِ العَظِيمِ، وعَلى الشَّيْءِ المُصْمَتِ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الزِّبْرِقانِ: [ البَسِيطُ ]
؎سِيرُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ واعْتَمِدُوا ولا رَهِينَةَ إلّا سَيِّدٌ صَمَدُ
وَقَوْلُ الآخَرِ: [ البَسِيطُ ]
؎عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها حُذَيْفُ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ
وَقَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎ألا بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أسَدِ ∗∗∗ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ
وَمِنَ الثّانِي قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ](p-٤٧٥)
؎شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ ∗∗∗ عَوابِسَ يَعْلِكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا
فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاللَّهُ تَعالى هو السَّيِّدُ الَّذِي هو وحْدَهُ المَلْجَأُ عِنْدَ الشَّدائِدِ والحاجاتِ، وهو الَّذِي تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ وتَعالى عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، كَأكْلِ الطَّعامِ ونَحْوِهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أُرْسِلْتُ إلَيْها، ولَيْسَ المُرادُ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن جَمِيعِ النّاسِ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِآياتٍ كَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلى وُجُودِ المُسْلِمِينَ قَبْلَ وُجُودِهِ ﷺ ووُجُودِ أُمَّتِهِ،
• كَقَوْلِهِ عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]،
• وقَوْلِهِ عَنْ يُوسُفَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ عَنْ لُوطٍ وأهْلِهِ: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأنعام 6:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾، إلى أنَّ فَضْلَهُ وعَطاءَهُ الجَزِيلَ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ، عَمَّنْ أرادَهُ لَهُ تَعالى، كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٧] .
الأنعام 6:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّهُ ﷺ مُنْذِرٌ لِكُلِّ مَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ كائِنًا مَن كانَ، ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الإنْذارَ بِهِ عامٌّ لِكُلِّ مَن بَلَغَهُ، وأنَّ كُلَّ مَن بَلَغَهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ فَهو في النّارِ، وهو كَذَلِكَ.
أمّا عُمُومُ إنْذارِهِ لِكُلِّ مَن بَلَغَهُ، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ أيْضًا
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبإ: ٢٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .
وَأمّا دُخُولُ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ النّارَ، فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] .
(p-٤٧٦)وَأمّا مِن لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ فَلَهُ حُكْمُ أهْلِ الفَتْرَةِ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأنعام 6:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ ومَعْدُومٍ، يَعْلَمُ المَعْدُومَ الَّذِي سَبَقَ في الأزَلِ أنَّهُ لا يَكُونُ لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُونُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ رَدَّ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الدُّنْيا مَرَّةً أُخْرى لا يَكُونُ، ويَعْلَمُ هَذا الرَّدَّ الَّذِي لا يَكُونُ لَوْ وقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وهَذا المَعْنى جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في آياتٍ أُخَرَ.
فَمِن ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، لا يَخْرُجُونَ إلَيْها مَعَهُ ﷺ واللَّهُ ثَبَّطَهم عَنْها لِحِكْمَةٍ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٦]، وهو يَعْلَمُ هَذا الخُرُوجَ الَّذِي لا يَكُونُ لَوْ وقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٧]، ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأنعام 6:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ الآيَةَ، صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ رَسُولَهُ ﷺ يَحْزُنُهُ ما يَقُولُهُ الكُفّارُ مِن تَكْذِيبِهِ ﷺ وقَدْ نَهاهُ تَعالى عَنْ هَذا الحُزْنِ المُفْرِطِ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]،
والباخِعُ: هو المُهْلِكُ نَفْسَهُ، ومِنهُ قَوْلُ غَيْلانَ بْنِ عُقْبَةَ: [ الطَّوِيلُ ]
؎ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ
وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ﴾، في الآيَتَيْنِ يُرادُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]، أيْ لا تُهْلِكْ نَفْسَكَ حَزَنًا عَلَيْهِمْ في الأوَّلِ، ولا تَتْرُكْ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ في الثّانِي.
الأنعام 6:36
(p-٤٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
قالَ جُمْهُورُ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ: المُرادُ بِالمَوْتى في هَذِهِ الآيَةِ: الكُفّارُ، وتَدُلُّ لِذَلِكَ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأنعام 6:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنَّ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ قادِرٌ عَلى تَنْزِيلِ الآيَةِ الَّتِي اقْتَرَحَها الكُفّارُ عَلى رَسُولِهِ، وأشارَ لِحِكْمَةِ عَدَمِ إنْزالِها بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ حِكْمَةَ عَدَمِ إنْزالِها: أنَّها لَوْ أُنْزِلَتْ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِها لَنَزَلَ بِهِمُ العَذابُ العاجِلُ، كَما وقَعَ بِقَوْمِ صالِحٍ لَمّا اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ إخْراجَ ناقَةٍ عُشَراءَ، وبْراءَ، جَوْفاءَ، مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، فَأخْرَجَها اللَّهُ لَهم مِنها بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَعَقَرُوها ﴿وَقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧]، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ دُفْعَةً واحِدَةً بِعَذابِ اسْتِئْصالٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ لا داعِيَ إلى ما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً أعْظَمَ مِن جَمِيعِ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها وغَيْرِها، وتِلْكَ الآيَةُ هي هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، فَإنْكارُهُ جَلَّ وعَلا عَلَيْهِمْ عَدَمَ الِاكْتِفاءِ بِهَذا الكِتابِ عَنِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ وأفْخَمُ مِن كُلِّ آيَةٍ، وهو كَذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّهُ آيَةٌ واضِحَةٌ، ومُعْجِزَةٌ باهِرَةٌ، أعْجَزَتْ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، وهي باقِيَةٌ تَتَرَدَّدُ في آذانِ الخَلْقِ غَضَّةً طَرِيَّةً حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، بِخِلافِ غَيْرِهِ مِن مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وسَلامُهُ - فَإنَّها كُلَّها مَضَتْ وانْقَضَتْ.
الأنعام 6:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ إذا أتاهم عَذابٌ مِنَ اللَّهِ، أوْ أتَتْهُمُ السّاعَةُ أخْلَصُوا الدُّعاءَ الَّذِي هو مُخُّ العِبادَةِ لِلَّهِ وحْدَهُ، ونَسُوا ما كانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ؛ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الكُرُوبَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا.
وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنا نَوْعَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى الإخْلاصِ لِلَّهِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا أيْضًا إذا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ هَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى إخْلاصِهِمْ، أوْ يَرْجِعُونَ إلى كَفْرِهِمْ (p-٤٧٨)وَشِرْكِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ.
فَبَيَّنَ أنَّ العَذابَ الدُّنْيَوِيَّ الَّذِي يَحْمِلُهم عَلى الإخْلاصِ، هو نُزُولُ الكُرُوبِ الَّتِي يَخافُ مَن نَزَلَتْ بِهِ الهَلاكَ، كَأنْ يَهِيجَ البَحْرُ عَلَيْهِمْ وتَلْتَطِمَ أمْواجُهُ، ويَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهم سَيَغْرَقُونَ فِيهِ إنْ لَمْ يُخْلِصُوا الدُّعاءَ لِلَّهِ وحْدَهُ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ الآيَةَ [يونس: ٢٢، ٢٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَبَيَّنَ أنَّهم إذا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ الكَرْبَ، رَجَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤]،
وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَبَيَّنَ تَعالى أنَّ رُجُوعَهم لِلشِّرْكِ، بَعْدَ أنْ نَجّاهُمُ اللَّهُ مِنَ الغَرَقِ، مِن شِدَّةِ جَهْلِهِمْ وعَماهم؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُهْلِكَهم في البَرِّ، كَقُدْرَتِهِ عَلى إهْلاكِهِمْ في البَحْرِ، وقادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهم في البَحْرِ مَرَّةً أُخْرى، ويُهْلِكَهم فِيهِ بِالغَرَقِ، فَجُرْأتُهم عَلَيْهِ إذا وصَلُوا البَرَّ لا وجْهَ لَها؛ لِأنَّها مِن جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٨، ٦٩] .
الأنعام 6:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾، نَهى اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ طَرْدِ ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ وفُقَرائِهِمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ، وأمَرَهُ في آيَةٍ أُخْرى أنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَهم، وأنْ لا تَعْدُوَ عَيْناهُ عَنْهم إلى أهْلِ الجاهِ والمَنزِلَةِ في الدُّنْيا، ونَهاهُ عَنْ إطاعَةِ الكَفَرَةِ في ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ:
(p-٤٧٩)﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، كَما أمَرَهُ هُنا بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ، وبِشارَتِهِمْ بِرَحْمَةِ رَبِّهِمْ جَلَّ وعَلا في قَوْلِهِ:
﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٤]، وبَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ طَرْدَ ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ الَّذِي طَلَبَهُ كُفّارُ العَرَبِ مِن نَبِيِّنا ﷺ فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، طَلَبَهُ أيْضًا قَوْمُ نُوحٍ مِن نُوحٍ، فَأبى
• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [هود: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٣٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٤]، وهَذا مِن تَشابُهِ قُلُوبِ الكُفّارِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١٨] .
الأنعام 6:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾، أجْرى اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ بِأنَّ أكْثَرَ أتْباعِ الرُّسُلِ ضُعَفاءُ النّاسِ، ولِذَلِكَ لَمّا سَألَ هِرَقْلُ مِلْكُ الرُّومِ أبا سُفْيانَ عَنْ نَبِيِّنا - ﷺ: ”أأشْرافُ النّاسِ يَتَّبِعُونَهُ، أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، قالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ“ .
فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى أنَّ مِن حِكْمَةِ ذَلِكَ فِتْنَةَ بَعْضِ النّاسِ بِبَعْضٍ، فَإنَّ أهْلَ المَكانَةِ والشَّرَفِ والجاهِ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ في هَذا الدِّينِ خَيْرٌ لَما سَبَقَنا إلَيْهِ هَؤُلاءِ؛ لِأنّا أحَقُّ مِنهم بِكُلِّ خَيْرٍ كَما قالَ هُنا: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٣]، إنْكارًا مِنهم أنْ يُمُنَّ اللَّهُ عَلى هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ دُونَهم، زَعْمًا مِنهم أنَّهم أحَقُّ بِالخَيْرِ مِنهم، وقَدْ رَدَّ اللَّهُ قَوْلَهم هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ .
وَقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] .
والمَعْنى: أنَّهم لَمّا رَأوْا أنْفُسَهم أحْسَنَ مَنازِلَ ومَتاعًا مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ اعْتَقَدُوا أنَّهم أوْلى مِنهم بِكُلِّ خَيْرٍ، وأنَّ اتِّباعَ الرَّسُولِ ﷺ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُوهم إلَيْهِ، ورَدَّ اللَّهُ افْتِراءَهم هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ (p-٤٨٠)[مريم: ٧٤]، وقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأنعام 6:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ، أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يُخْبِرَ الكُفّارَ، أنَّ تَعْجِيلَ العَذابِ عَلَيْهِمُ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ مِنهُ ﷺ لَيْسَ عِنْدَهُ، وإنَّما هو عِنْدَ اللَّهِ، إنْ شاءَ عَجَّلَهُ، وإنْ شاءَ أخَّرَهُ عَنْهم، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لَوْ كانَ عِنْدَهُ لِعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٨] .
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهم ما حَمَلَهم عَلى اسْتِعْجالِ العَذابِ إلّا الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ، وأنَّهم إنْ عايَنُوا ذَلِكَ العَذابَ عَلِمُوا أنَّهُ عَظِيمٌ هائِلٌ، لا يَسْتَعْجِلُ بِهِ إلّا جاهِلٌ مِثْلُهم،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ الآيَةَ [الشورى: ٥٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ حَدَّدَ لَهم أجَلًا لا يَأْتِيهِمُ العَذابُ قَبْلَهُ لَعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُهُ:﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٥٣] .
تَنْبِيهٌ
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ الآيَةَ، صَرِيحٌ في أنَّهُ ﷺ لَوْ كانَ بِيَدِهِ تَعْجِيلُ العَذابِ عَلَيْهِمْ لَعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ، مَعَ أنَّهُ ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكَ الجِبالِ، وقالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأخْشَبَيْنِ، وهُما جَبَلا مَكَّةَ اللَّذانِ يَكْتَنِفانِها، فَقالَ - ﷺ: ”بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرَجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا“» .
والظّاهِرُ في الجَوابِ: هو ما أجابَ بِهِ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، (p-٤٨١)وَهُوَ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ إلَيْهِ وُقُوعُ العَذابِ الَّذِي يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَهُ في وقْتِ طَلَبِهِمْ، لَعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ، وأمّا الحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ أنَّهم طَلَبُوا تَعْجِيلَ العَذابِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِ المَلَكُ إهْلاكَهم فاخْتارَ عَدَمَ إهْلاكِهِمْ، ولا يَخْفى الفَرْقُ بَيْنَ المُتَعَنِّتِ الطّالِبِ تَعْجِيلَ العَذابِ وبَيْنَ غَيْرِهِ.
الأنعام 6:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يُعْلِمُها إلّا هُوَ﴾ الآيَةَ، بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِمَفاتِحِ الغَيْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، وأحْمَدُ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: أنَّ المُرادَ بِمَفاتِحِ الغَيْبِ الخَمْسِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، والمَفاتِحُ الخَزائِنُ، جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ بِمَعْنى المَخْزَنِ، وقِيلَ: هي المَفاتِيحُ، جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وهو المِفْتاحُ، وتَدُلُّ لَهُ قِراءَةُ ابْنِ السُّمَيْقِعِ.
”مَفاتِيحُ“ بِياءٍ بَعْدَ التّاءِ جَمْعُ مِفْتاحٍ، وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما عَلَّمَهم خالِقُهم جَلَّ وعَلا.
وَعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: ”مَن زَعَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُ بِما يَكُونُ في غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ“، واللَّهُ يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، واللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أمَرَهُ ﷺ أنْ يُعْلِنَ لِلنّاسِ أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وَلِذا لَمّا رُمِيَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بِالإفْكِ، لَمْ يَعْلَمْ، أهِيَ بَرِيئَةٌ أمْ لا، حَتّى أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] .
وَقَدْ ذَبَحَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِجْلَهُ لِلْمَلائِكَةِ، ولا عِلْمَ لَهُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ حَتّى أخْبَرُوهُ، وقالُوا لَهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠]، ولَمّا جاءُوا لُوطًا لَمْ يَعْلَمْ أيْضًا أنَّهم مَلائِكَةٌ، ولِذا ﴿سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]، يَخافُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ قَوْمُهُ فاحِشَتَهُمُ المَعْرُوفَةَ، حَتّى قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، ولَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهم حَتّى قالُوا لَهُ: ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ الآياتِ [هود: ٨١] .
(p-٤٨٢)وَيَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ عَلى يُوسُفَ، وهو في مِصْرَ لا يَدْرِي خَبَرَهُ حَتّى أظْهَرَ اللَّهُ خَبَرَ يُوسُفَ.
وَسُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَهُ الشَّياطِينَ والرِّيحَ، ما كانَ يَدْرِي عَنْ أهْلِ مَأْرِبَ قَوْمِ بِلْقِيسَ حَتّى جاءَهُ الهُدْهُدُ، وقالَ لَهُ: ﴿أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ الآياتِ [النمل: ٢٢] .
وَنُوحٌ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما كانَ يَدْرِي أنَّ ابْنَهُ الَّذِي غَرِقَ لَيْسَ مِن أهْلِهِ المَوْعُودِ بِنَجاتِهِمْ، حَتّى قالَ: ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ الآيَةَ [هود: ٤٥]، ولَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ الأمْرِ حَتّى أخْبَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] .
وَقَدْ قالَ تَعالى عَنْ نُوحٍ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٠]، والمَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا قالَ لَهم: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣١، ٣٢] .
فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ أعْلَمَ المَخْلُوقاتِ وهُمُ الرُّسُلُ، والمَلائِكَةُ لا يَعْلَمُونَ مِنَ الغَيْبِ إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وهو تَعالى يُعَلِّمُ رُسُلَهُ مِن غَيْبِهِ ما شاءَ، كَما أشارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وقَوْلِهِ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ الآيَةَ [الجن: ٢٦، ٢٧] .
تَنْبِيهٌ
لَمّا جاءَ القُرْآنُ العَظِيمُ بِأنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، كانَ جَمِيعُ الطُّرُقِ الَّتِي يُرادُ بِها التَّوَصُّلُ إلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ غَيْرِ الوَحْيِ مِنَ الضَّلالِ المُبِينِ، وبَعْضٌ مِنها يَكُونُ كُفْرًا.
وَلِذا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أتى عَرّافًا فَسَألَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ يَوْمًا»، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ في مَنعِ العِيافَةِ، والكِهانَةِ، والعَرافَةِ، والطَّرْقِ، والزَّجْرِ، والنُّجُومِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ في الكِهانَةِ؛ لِأنَّها تَشْمَلُ جَمِيعَ أنْواعِ ادِّعاءِ الِاطِّلاعِ عَلى عِلْمِ الغَيْبِ.
وَقَدْ «سُئِلَ ﷺ عَنِ الكُهّانِ، فَقالَ: ”لَيْسُوا بِشَيْءٍ“» .
(p-٤٨٣)وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ: فَمَن قالَ إنَّهُ يَنْزِلُ الغَيْثُ غَدًا وجَزَمَ بِهِ، فَهو كافِرٌ، أخْبَرَ عَنْهُ بِأمارَةٍ ادَّعاها أمْ لا، وكَذَلِكَ مَن قالَ إنَّهُ يَعْلَمُ ما في الرَّحِمِ فَإنَّهُ كافِرٌ، فَإنْ لَمْ يَجْزِمْ، وقالَ: إنَّ النَّوْءَ يَنْزِلُ بِهِ الماءُ عادَةً، وإنَّهُ سَبَبُ الماءِ عادَةً، وإنَّهُ سَبَبُ الماءِ عَلى ما قَدَّرَهُ وسَبَقَ في عِلْمِهِ، لَمْ يَكْفُرْ، إلّا أنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ألّا يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَإنَّ فِيهِ تَشْبِيهًا بِكَلِمَةِ أهْلِ الكُفْرِ، وجَهْلًا بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَنْزِلُ مَتى شاءَ مَرَّةً بِنَوْءِ كَذا، ومَرَّةً دُونَ النَّوْءِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: «أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ بِالكَواكِبِ»، عَلى ما يَأْتِي بَيانُهُ في الواقِعَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وكَذَلِكَ قَوْلُ الطَّبِيبِ إذا كانَ الثَّدْيُ الأيْمَنُ مُسْوَدَّ الحَلَمَةِ، فَهو ذَكَرٌ، وإنْ كانَ في الثَّدْيِ الأيْسَرِ فَهو أُنْثى، وإنْ كانَتِ المَرْأةُ تَجِدُ الجَنْبَ الأيْمَنَ أثْقَلَ فالوَلَدُ أُنْثى، وادَّعى ذَلِكَ عادَةً لا واجِبًا في الخِلْقَةِ لَمْ يَكْفُرْ، ولَمْ يَفْسُقْ.
وَأمّا مَنِ ادَّعى الكَسْبَ في مُسْتَقْبَلِ العُمْرِ فَهو كافِرٌ، أوْ أخْبَرَ عَنِ الكَوائِنِ المُجْمَلَةِ، أوِ المُفَصَّلَةِ، في أنْ تَكُونَ قَبْلَ أنْ تَكُونَ فَلا رِيبَةَ في كُفْرِهِ أيْضًا، فَأمّا مَن أخْبَرَ عَنْ كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَقَدْ قالَ عُلَماؤُنا: يُؤَدَّبُ ولا يُسْجَنُ، أمّا عَدَمُ كُفْرِهِ فَلِأنَّ جَماعَةً قالُوا: إنَّهُ أمْرٌ يُدْرَكُ بِالحِسابِ وتَقْدِيرِ المَنازِلِ، حَسْبَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩] .
وَأمّا أدَبُهم، فَلِأنَّهم يُدْخِلُونَ الشَّكَّ عَلى العامَّةِ، إذْ لا يَدْرُونَ الفَرْقَ بَيْنَ هَذا وغَيْرِهِ، فَيُشَوِّشُونَ عَقائِدَهم، ويَتْرُكُونَ قَواعِدَهم في اليَقِينِ، فَأُدِّبُوا حَتّى يَسْتُرُوا ذَلِكَ إذا عَرَفُوهُ ولا يُعْلِنُوا بِهِ.
قُلْتُ: ومِن هَذا البابِ ما جاءَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ عَنْ بَعْضِ أزْواجِ النَّبِيِّ - ﷺ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن أتى عَرّافًا فَسَألَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً»، والعَرّافُ: هو الحازِي والمُنَجِّمُ الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الغَيْبِ، وهي العَرافَةُ، وصاحِبُها عَرّافٌ، وهو الَّذِي يَسْتَدِلُّ عَلى الأُمُورِ بِأسْبابٍ ومُقَدِّماتٍ يَدَّعِي مَعْرِفَتَها، وقَدْ يَعْتَضِدُ بَعْضُ أهْلِ هَذا الفَنِّ في ذَلِكَ بِالزَّجْرِ، والطَّرْقِ، والنُّجُومِ، وأسْبابٍ مُعْتادَةٍ في ذَلِكَ، وهَذا الفَنُّ هو العِيافَةُ بِالياءِ، وكُلُّها يَنْطَلِقُ عَلَيْها اسْمُ الكِهانَةِ، قالَهُ القاضِي عِياضٌ.
والكِهانَةُ: ادِّعاءُ عِلْمِ الغَيْبِ.
قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في ”الكافِي“: مِنَ المَكاسِبِ المُجْتَمَعِ عَلى تَحْرِيمِها (p-٤٨٤)الرِّبا، ومُهُورُ البَغايا، والسُّحْتُ، والرِّشا، وأخَذُ الأُجْرَةِ عَلى النِّياحَةِ والغِناءِ، وعَلى الكِهانَةِ، وادِّعاءِ الغَيْبِ، وأخْبارِ السَّماءِ، وعَلى الزَّمْرِ واللَّعِبِ، والباطِلُ كُلُّهُ. اهـ مِنَ القُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ، وقَدْ رَأيْتُ تَعْرِيفَهُ لِلْعَرّافِ والكاهِنِ.
وَقالَ البَغَوِيُّ: العَرّافُ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّماتٍ يَسْتَدِلُّ بِها عَلى المَسْرُوقِ، ومَكانِ الضّالَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: العَرّافُ: اسْمٌ لِلْكاهِنِ والمُنَجِّمِ والرَّمّالِ، ونَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ في مَعْرِفَةِ الأُمُورِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ.
والمُرادُ بِالطَّرْقِ: قِيلَ الخَطُّ الَّذِي يَدَّعِي بِهِ الِاطِّلاعَ عَلى الغَيْبِ، وقِيلَ إنَّهُ الضَّرْبُ بِالحَصى الَّذِي يَفْعَلُهُ النِّساءُ، والزَّجْرُ هو العِيافَةُ، وهي التَّشاؤُمُ والتَّيامُنُ بِالطَّيْرِ، وادِّعاءُ مَعْرِفَةِ الأُمُورِ مِن كَيْفِيَّةِ طَيَرانِها، ومَواقِعِها، وأسْمائِها، وألْوانِها، وجِهاتِها الَّتِي تَطِيرُ إلَيْها.
وَمِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ التَّمِيمِيِّ: [ البَسِيطُ ]
؎وَمَن تَعَرَّضَ لِلْغِرْبانِ يَزْجُرُها عَلى سَلامَتِهِ لا بُدَّ مَشْئُومُ
وَكانَ أشَدَّ العَرَبِ عِيافَةً بَنُو لَهَبٍ، حَتّى قالَ فِيهِمُ الشّاعِرُ: [ الطَّوِيلُ ]
؎خَبِيرٌ بَنُو لَهَبٍ فَلا تَكُ مُلْغِيًا ∗∗∗ مَقالَةَ لَهَبِي إذا الطَّيْرُ مَرَّتِ
وَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ ناظِمِ عَمُودِ النَّسَبِ: [ الرَّجَزُ ]
فِي مَدْلَجِ بْنِ بَكْرٍ القِيافَةُ كَما لِلَهَبٍ كانَتِ العِيافَةُ
وَلَقَدْ صَدَقَ مَن قالَ: [ الطَّوِيلُ ]
؎لَعَمْرُكَ ما تَدْرِي الضَّوارِبُ بِالحَصى ∗∗∗ ولا زاجِراتُ الطَّيْرِ ما اللَّهُ صانِعُ
وَوَجْهُ تَكْفِيرِ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ لِمَن يَدَّعِي الِاطِّلاعَ عَلى الغَيْبِ، أنَّهُ ادَّعى لِنَفْسِهِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وكَذَّبَ القُرْآنَ الوارِدَ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَعَنِ الشَّيْخِ أبِي عِمْرانَ مِن عُلَماءِ المالِكِيَّةِ: أنَّ حُلْوانَ الكاهِنِ لا يَحِلُّ لَهُ، ولا يُرَدُّ لِمَن أعْطاهُ لَهُ، بَلْ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ في نَظائِرَ نَظَمَها بَعْضُ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَأيُّ مالٍ حَرَّمُوا أنْ يَنْتَفِعْ ∗∗∗ مَوْهُوبُهُ بِهِ ورَدُّهُ مُنِعْ
؎(p-٤٨٥)حُلْوانُ كاهِنٌ وأُجْرَةُ الغِنا ∗∗∗ ونائِحٌ ورِشْوَةٌ مَهْرُ الزِّنا
هَكَذا قِيلَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأنعام 6:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِّ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ النَّوْمَ وفاةٌ، وأشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى أنَّهُ وفاةٌ صُغْرى، وأنَّ صاحِبَها لَمْ يَمُتْ حَقِيقَةً، وأنَّهُ تَعالى يُرْسِلُ رُوحَهُ إلى بَدَنِهِ حَتّى يَنْقَضِيَ أجْلُهُ، وأنَّ وفاةَ المَوْتِ الَّتِي هي الكُبْرى قَدْ ماتَ صاحِبُها، ولِذا يُمْسِكُ رُوحَهُ عِنْدَهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] .
الأنعام 6:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ماذا يَحْفَظُونَ، وبَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَذَكَرَ أنَّ مِمّا يَحْفَظُونَهُ بَدَنَ الإنْسانِ، بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، وذَكَرَ أنَّ مِمّا يَحْفَظُونَهُ جَمِيعَ أعْمالِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٠، ١١، ١٢]، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨]، وقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ .
الأنعام 6:62
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٢٧٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأنْعامِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ مَوْلى الكافِرِينَ ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [ ١٠ ] .
وَقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] .
والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ مَوْلى الكافِرِينَ أنَّهُ مالِكُهُمُ المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِما شاءَ، ومَعْنى كَوْنِهِ مَوْلى المُؤْمِنِينَ دُونَ الكافِرِينَ، أيْ وِلايَةُ المَحَبَّةِ والتَّوْفِيقِ والنَّصْرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: رُدُّوا وقَوْلِهِ: ﴿مَوْلاهُمُ﴾ عائِدٌ إلى المَلائِكَةِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ أصْلًا، ولَكِنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ.
الأنعام 6:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، نَهى اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ مُجالَسَةِ الخائِضِينَ في آياتِهِ، ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ خَوْضِهِمْ فِيها، الَّتِي هي سَبَبُ مَنعِ مُجالَسَتِهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مُجالَسَتِهِمْ هُنا، وبَيَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ، فَبَيَّنَ أنَّ خَوْضَهم فِيها بِالكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٤٠] .
وَبَيَّنَ أنَّ مَن جالَسَهم في وقْتِ خَوْضِهِمْ فِيها مِثْلُهم في الإثْمِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾، وبَيَّنَ حُكْمَ مَن جالَسَهم ناسِيًا، ثُمَّ تَذَكَّرَ بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ.
الأنعام 6:69
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنها أنَّهُ لا إثْمَ عَلى مَن جالَسَ الخائِضِينَ في آياتِ اللَّهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ.
وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن جالَسَهم كانَ مِثْلَهم في الإثْمِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [ ٦ ]، وجْهَيْنِ لِلْعُلَماءِ:
(p-٢٧٨)الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مُجالَسَةُ الكُفّارِ عِنْدَ خَوْضِهِمْ في آياتِ اللَّهِ مِن حِسابِ الكُفّارِ مِن شَيْءٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ أصْلًا.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ما يَقَعُ مِنَ الكُفّارِ مِنَ الخَوْضِ في آياتِ اللَّهِ في مُجالَسَتِهِمْ لَهم مِن شَيْءٍ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فَهَذا التَّرْخِيصُ في مُجالَسَةِ الكُفّارِ لِلْمُتَّقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ لِلضَّرُورَةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ .
وَمِمَّنْ قالَ بِالنَّسْخِ فِيهِ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، فَظَهَرَ أنْ لا إشْكالَ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [ ٦ ]، عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهم إذا اجْتَنَبُوا مَجالِسَهم سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ، ولَكِنَّ الأمْرَ بِاتِّقاءِ مُجالَسَتِهِمْ عِنْدَ الخَوْضِ في الآياتِ لا يُسْقِطُ وُجُوبَ تَذْكِيرِهِمْ ووَعْظِهِمْ وأمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ اللَّهَ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي فالمَعْنى أنَّ التَّرْخِيصَ في المُجالَسَةِ لا يُسْقِطُ التَّذْكِيرَ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ الخَوْضَ في آياتِ اللَّهِ بِالباطِلِ إذا وقَعَتْ مِنكُمُ الذِّكْرى لَهم، وأمّا جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْمُتَّقِينَ فَلا يَخْفى بَعْدَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيَلُّ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾، الآياتِ، قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مُحْتَمَلٌ لِأنَّهُ كانَ يَظُنُّ ذَلِكَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، (p-٤٨٦)وَمُحْتَمَلٌ، لِأنَّهُ جازِمٌ بِعَدَمِ رُبُوبِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، ومُرادُهُ هَذا رَبِّي في زَعْمِكُمُ الباطِلِ، أوْ أنَّهُ حَذَفَ أداةَ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ، والقُرْآنُ يُبَيِّنُ بُطْلانَ الأوَّلِ، وصِحَّةَ الثّانِي.
أمّا بُطْلانُ الأوَّلِ: فاللَّهُ تَعالى نَفى كَوْنَ الشِّرْكِ الماضِي عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، في عِدَّةِ آياتٍ، ونَفْيُ الكَوْنِ الماضِي يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الزَّمَنِ الماضِي، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ شِرْكٌ يَوْمًا ما.
وَأمّا كَوْنُهُ جازِمًا مُوقِنًا بِعَدَمِ رُبُوبِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾، إلى آخِرِهِ، ”بِالفاءِ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ قالَ ذَلِكَ مُوقِنًا مُناظِرًا ومُحاجًّا لَهم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨٣]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ الآيَةَ، المُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا الشِّرْكُ، كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ”صَحِيحِ البُخارِيِّ“ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقَوْلُهُ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٥٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] .
الأنعام 6:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨١]، وقَدْ صَدَّقَهُ اللَّهُ، وحَكَمَ لَهُ بِالأمْنِ والهِدايَةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] .
والظّاهِرُ شُمُولُها لِجَمِيعِ احْتِجاجاتِهِ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٧٦]؛ لِأنَّ الأُفُولَ الواقِعَ في الكَوْكَبِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، أكْبَرُ دَلِيلٍ وأوْضَحُ حُجَّةٍ عَلى انْتِفاءِ الرُّبُوبِيَّةِ عَنْها، وقَدِ اسْتَدَلَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالأُفُولِ عَلى انْتِفاءِ الرُّبُوبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾، فَعَدَمُ إدْخالِ هَذِهِ الحُجَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا﴾، غَيْرُ ظاهِرٍ، وبِما ذَكَرْنا مِن شُمُولِ الحُجَّةِ لِجَمِيعِ احْتِجاجاتِهِ المَذْكُورَةِ صَدَّرَ (p-٤٨٧)القُرْطُبِيُّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ذَكَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ لَوْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ لَحَبِطَ جَمِيعُ أعْمالِهِمْ.
وَصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِأنَّهُ أُوحِيَ هَذا إلى نَبِيِّنا والأنْبِياءِ قَبْلَهُ - عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ - وهو قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٥]، وهَذا شَرْطٌ، والشَّرْطُ لا يَقْتَضِي جَوازَ الوُقُوعِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٨١]، عَلى القَوْلِ بِأنَّ ”إنْ“ شَرْطِيَّةٌ،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ الآيَةَ [الزمر: ٤١] .
الأنعام 6:92
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ .
يَتَوَهَّمُ مِنهُ الجاهِلُ أنَّ إنْذارَهُ ﷺ مَخْصُوصٌ بِأُمِّ القُرى وما يَقْرُبُ مِنها دُونَ الأقْطارِ النّائِيَةِ عَنْها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الشُّورى“ ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧] .
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تُصَرِّحُ بِعُمُومِ إنْذارِهِ ﷺ لِجَمِيعِ النّاسِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [ ٢٥ ]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]،
• وقَوْلِهِ: (p-٢٧٩)﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٨] .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأرْضِ كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ لا يَتَناوَلُ إلّا القَرِيبَ مِن مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ حَرَّمَها اللَّهُ كَجَزِيرَةِ العَرَبِ مَثَلًا، فَإنَّ الآياتِ الأُخَرَ نَصَّتْ عَلى العُمُومِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ .
وَذِكْرُ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ بِحُكْمِ العامِّ لا يُخَصِّصُهُ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ ولَمْ يُخالِفْ فِيهِ إلّا أبُو ثَوْرٍ، وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ واضِحًا بِأدِلَّتِهِ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ .
فالآيَةُ عَلى هَذا القَوْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ إنْذارِ غَيْرِهِمْ، كَما هو واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ قالَ: أُنْزِلَ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١]، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَذِبَهم في افْتِرائِهِمْ هَذا حَيْثُ تَحَدّى جَمِيعَ العَرَبِ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِنهُ، كَما ذَكَرَهُ تَعالى في البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي يُونُسَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٣٨]، وتَحَدّاهم في هُودٍ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾، وتَحَدّاهم بِهِ كُلِّهِ في الطُّورِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ .
ثُمَّ صَرَّحَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ بِعَجْزِ جَمِيعِ الخَلائِقِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فاتَّضَحَ بُطْلانُ دَعْواهُمُ الكاذِبَةِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِالشَّيْءِ الَّذِي بَسَطُوا إلَيْهِ الأيْدِيَ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ التَّعْذِيبُ بِقَوْلِهِ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٣]، وصَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ يُرادُ بِبَسْطِ اليَدِ التَّناوُلُ بِالسُّوءِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾ [الممتحنة: ٢]، وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآيَةَ [المائدة: ٢٨] .
الأنعام 6:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكم وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾، (p-٤٨٨)ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ يَأْتُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِمُفْرَدِهِ لَيْسَ مَعَهم شُرَكاؤُهم، وصَرَّحَ تَعالى بِأنْ كُلَّ واحِدٍ يَأْتِي فَرْدًا في قَوْلِهِ: ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]، وقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، أيْ مُنْفَرِدِينَ لا مالَ، ولا أثاثَ، ولا رَقِيقَ، ولا خَوَلَ عِنْدَكم، حُفاةً، عُراةً، غُرْلًا، أيْ: غَيْرَ مَخْتُونِينَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٤]، وقَدْ عَرَفْتَ مِنَ الآيَةِ أنَّ واحِدَ الفُرادى فَرْدٌ، ويُقالُ فِيهِ أيْضًا: فَرَدٌ بِالتَّحْرِيكِ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ: [ البَسِيطُ ]
؎مِن وحْشٍ وجَرَّةٍ مَوْشِيٍّ أكارِعُهُ طاوِي المُصَيْرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرَدِ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الأنْدادَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها في الدُّنْيا تَضِلُّ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ، ويَنْقَطِعُ ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَها مِنَ الصِّلاتِ في الدُّنْيا، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣]،
• وقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] .
الأنعام 6:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيَلَ سَكَنًا﴾، أيْ: مُظْلِمًا ساجِيًا لِيَسْكُنَ فِيهِ الخَلْقُ؛ فَيَسْتَرِيحُوا مِن تَعَبِ الكَدِّ بِالنَّهارِ، كَما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧١، ٧٢، ٧٣]، وقَوْلُهُ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ يَعْنِي: اللَّيْلَ، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي: بِالنَّهارِ، ﴿وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٣٧] .
الأنعام 6:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ (p-٤٨٩)الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ حِكْمَةَ خَلْقِ النُّجُومِ هي الِاهْتِداءُ بِها فَقَطْ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ لَها حِكْمَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ غَيْرَ الِاهْتِداءِ بِها؛ وهُما تَزْيِينُ السَّماءِ الدُّنْيا، ورَجْمُ الشَّياطِينِ بِها،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ الآيَةَ [الملك: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] .
الأنعام 6:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ إنْشائِهِمْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ كَيْفِيَّتَهُ أنَّهُ خَلَقَ مِن تِلْكَ الواحِدَةِ الَّتِي هي آدَمُ زَوْجُها حَوّاءَ، وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٨٩] .
الأنعام 6:99
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ .
وَقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]، أثْبَتَ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ التَّشابُهَ لِلزَّيْتُونِ والرُّمّانِ ونَفاهُ عَنْهُما.
والجَوابُ ما قالَهُ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن أنَّ المَعْنى مُتَشابِهًا ورَقُها مُخْتَلِفًا طَعْمُها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأنعام 6:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ الآيَةَ، أشارَ في مَواضِعَ أُخَرَ إلى أنَّ نَفْيَ الإدْراكِ المَذْكُورِ هُنا لا يَقْتَضِي نَفْيَ مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، والحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ،
• وقَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]،
يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مَحْجُوبِينَ عَنْهُ، وهو كَذَلِكَ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تُوهِمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرى بِالأبْصارِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُرى بِالأبْصارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى في الكُفّارِ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (p-٢٨٠)[المطففين: ١٥]، يُفْهَمُ مِن دَلِيلِ خِطابِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مَحْجُوبِينَ عَنْ رَبِّهِمْ.
والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ أيْ في الدُّنْيا فَلا يُنافِي الرُّؤْيَةَ في الآخِرَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِرُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ لَهُ في الآخِرَةِ، وهَذا قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الأوَّلِ.
الثّالِثُ: وهو الحَقُّ، أنَّ المَنفِيَّ في هَذِهِ الآيَةِ الإدْراكُ المُشْعِرُ بِالإحاطَةِ بِالكُنْهِ، أمّا مُطْلَقُ الرُّؤْيَةِ فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى نَفْيِهِ بَلْ هو ثابِتٌ بِهَذِهِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ واتِّفاقِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ عَلى ذَلِكَ.
وَحاصِلٌ هَذا الجَوابِ: أنَّ الإدْراكَ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ لِأنَّ الإدْراكَ المُرادُ بِهِ الإحاطَةُ، والعَرَبُ تَقُولُ: رَأيْتُ الشَّيْءَ وما أدْرَكْتُهُ، فَمَعْنى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ لا تُحِيطُ بِهِ، كَما أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ الخَلْقُ ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا.
وَقَدِ اتَّفَقَ العُقَلاءُ عَلى أنَّ نَفْيَ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ، فانْتِفاءُ الإدْراكِ لا يَلْزَمُ مِنهُ انْتِفاءُ مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُدْرِكُ كُنْهَهُ عَلى الحَقِيقَةِ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ.
والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا الوَجْهِ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى مَرْفُوعًا: «حِجابُهُ النُّورُ أوِ النّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ» .
فالحَدِيثُ صَرِيحٌ في عَدَمِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا، ويُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ إمْكانِ الإحاطَةِ مُطْلَقًا.
والحاصِلُ: أنَّ رُؤْيَتَهُ تَعالى بِالأبْصارِ جائِزَةٌ عَقْلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجُوزُ أنْ يُرى عَقْلًا، ويَدُلَّ لِجَوازِها عَقْلًا قَوْلُ مُوسى: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، لِأنَّهُ لا يَجْهَلُ الجائِزَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى عَقْلًا.
وَأمّا في الشَّرْعِ فَهي جائِزَةٌ وواقِعَةٌ في الآخِرَةِ مُمْتَنِعَةٌ في الدُّنْيا ومِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ ما رَواهُ مُسْلِمٌ وابْنُ خُزَيْمَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّكم لَنْ تَرَوْا رَبَّكم حَتّى تَمُوتُوا» والأحادِيثُ بِرُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَواتِرَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي لِيَزْعُمُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما تَعَلَّمَ هَذا القُرْآنَ بِالدَّرْسِ والتَّعْلِيمِ مِن غَيْرِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَما زَعَمَ كُفّارُ مَكَّةَ أنَّهُ ﷺ تَعَلَّمَ هَذا القُرْآنَ مِن جَبْرٍ ويَسارٍ، وكانا غُلامَيْنِ نَصْرانِيَّيْنِ بِمَكَّةَ، وقَدْ أوْضَحَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ افْتِرائِهِمْ هَذا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٤، ٢٥، ٢٦]، ومَعْنى يُؤْثَرُ: يَرْوِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَنْ غَيْرِهِ في زَعْمِهِمُ الباطِلِ،
• وقَوْلِهِ: (p-٤٩٠)﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٤، ٥، ٦]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَفِي قَوْلِهِ: دَرَسْتَ [الأنعام: ١٠٥]، ثَلاثُ قِراءاتٍ سَبْعِيّاتٍ:
قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ دارَسْتَ بِألِفٍ بَعْدِ الدّالِ مَعَ إسْكانِ السِّينِ وفَتْحِ التّاءِ مِنَ المُفاعَلَةِ بِمَعْنى: دارَسْتَ أهْلَ الكِتابِ ودارَسُوكَ حَتّى حَصَّلْتَ هَذا العِلْمَ.
وَقَرَأهُ بَقِيَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ: دَرَسْتَ بِإسْقاطِ الألِفِ، مَعَ إسْكانِ السِّينِ وفَتْحِ التّاءِ أيْضًا، بِمَعْنى دَرَسْتَ هَذا عَلى أهْلِ الكِتابِ حَتّى تَعَلَّمْتَهُ مِنهم.
وَقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: دَرَسْتَ بِفَتْحِ الدّالِ والرّاءِ والسِّينِ وإسْكانِ التّاءِ عَلى أنَّها تاءُ التَّأْنِيثِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ١٠٥] .
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ أنَّ المَعْنى: ولِئَلّا يَقُولُوا انْقَطَعَتْ وانْمَحَتْ، ولَيْسَ يَأْتِي مُحَمَّدٌ ﷺ بِغَيْرِها. اهـ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾، الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُضْمَرٍ، أيْ: نُصَرِّفُ الآياتِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾، وقِيلَ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ صَرَفْناها.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ومَعْناهُما آيِلٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، ويَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّهُ يُبَيِّنُ الحَقَّ واضِحًا في هَذِهِ الكِتابِ، لِيَهْدِيَ بِهِ قَوْمًا، ويَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلى آخَرِينَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١]،
كَما قالَ هُنا: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، فالأشْقِياءُ يَقُولُونَ: تَعَلَّمْتَهُ مِنَ البَشَرِ بِالدِّراسَةِ، وأهْلُ العِلْمِ والسُّعَداءُ يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ.
الأنعام 6:106
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ.
(p-٢٨١)لا يُعارِضُ آياتِ السَّيْفِ لِأنَّها ناسِخَةٌ لَهُ.
الأنعام 6:112
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلَنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في (p-٤٩١)هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا، وبَيَّنَ هُنا أنَّ أعْداءَ الأنْبِياءِ هم شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ أعْداءَ الأنْبِياءِ مِنَ المُجْرِمِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٤]، وقَدْ جاءَ الخَبَرُ بِذَلِكَ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مُتَمَرِّدٍ شَيْطانًا، سَواءٌ كانَ مِنَ الجِنِّ أوْ مِنَ الإنْسِ كَما ذَكَرْنا، أوْ مِن غَيْرِهِما، وفي الحَدِيثِ: «الكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطانٌ»، وقَوْلُهُ: شَياطِينُ، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: عَدُوًّا، أوْ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ ”جَعَلْنا“، والثّانِي: ”عَدُوًّا“، أيْ: جَعَلْنا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ عَدُوًّا.
الأنعام 6:116
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إطاعَةَ أكْثَرِ أهْلِ الأرْضِ ضَلالٌ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ أكْثَرَ أهْلِ الأرْضِ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، وأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ في الأُمَمِ الماضِيَةِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأنعام 6:119
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ، التَّحْقِيقُ أنَّهُ فَصَّلَهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥]، ومَعْنى الآيَةِ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكم أنْ تَأْكُلُوا ما ذَكَّيْتُمْ، وذَكَرْتُمْ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ ؟، والحالُ أنَّ اللَّهَ فَصَّلَ لَكُمُ المُحَرَّمَ أكْلُهُ عَلَيْكم في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥]، ولَيْسَ هَذا مِنهُ.
وَما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ فَصَّلَهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣]، فَهو غَلَطٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ مِن سُورَةِ المائِدَةِ، وهي مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِالمَدِينَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [ ١١٩ ]، مِن سُورَةِ الأنْعامِ، وهي مَكِّيَّةٌ، فالحَقُّ هو ما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:123
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ جَعَلَ في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ المُجْرِمِينَ مِنها لِيَمْكُرُوا فِيها، (p-٤٩٢)وَلَمْ يُبَيِّنِ المُرادَ بِالأكابِرِ هُنا، ولا كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ، وبَيَّنَ جَمِيعَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ: فَبَيَّنَ أنَّ مُجْرِمِيها الأكابِرَ هم أهْلُ التَّرَفِ، والنِّعْمَةِ في الدُّنْيا، بِقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [سبإ: ٣٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَبَيَّنَ أنَّ مَكْرَ الأكابِرِ المَذْكُورَ: هو أمْرُهم بِالكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى، وجَعْلِ الأنْدادِ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ [سبإ: ٣٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآيَةَ [نوح: ٢٢، ٢٣] .
وَأظْهَرُ أوْجُهِ الإعْرابِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ عِنْدِي اثْنانِ:
أحَدُهُما: أنَّ أكابِرَ مُضافٌ إلى مُجْرِمِيها، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلَ الَّتِي بِمَعْنى صَيَّرَ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو الجارُّ والمَجْرُورُ، أعْنِي في كُلِّ قَرْيَةٍ.
والثّانِي: أنَّ مُجْرِمِيها مَفْعُولٌ أوَّلُ، و أكابِرَ مَفْعُولٌ ثانٍ، أيْ: جَعَلْنا مُجْرِمِيها أكابِرَها، والأكابِرُ جَمْعُ الأكْبَرِ.
الأنعام 6:124
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾، يَعْنُونَ أنَّهم لَنْ يُؤْمِنُوا حَتّى يَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالرِّسالَةِ، كَما أتَتِ الرُّسُلَ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢١]، وقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأنعام 6:125
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ الآيَةَ.
جاءَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقِيلَ: كَيْفَ يُشْرَحُ صَدْرُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ﷺ قالَ: ”نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ، فَيَنْشَرِحُ لَهُ، ويَنْفَسِحُ“، قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها ؟ قالَ: ”الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ“»، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] .
الأنعام 6:128
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنها كَوْنُ عَذابِ أهْلِ النّارِ غَيْرَ باقٍ بَقاءً لا انْقِطاعَ لَهُ أبَدًا ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ [النبإ: ٢٣] .
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ عَذابَهم لا انْقِطاعَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] .
والجَوابُ عَنْ هَذا مِن أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مَعْناهُ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ عَدَمَ خُلُودِهِ فِيها مِن أهْلِ الكَبائِرِ مِنَ المُوَحِّدِينَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فى الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ بَعْضَ أهْلِ النّارِ يَخْرُجُونَ مِنها وهم أهْلُ الكَبائِرِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، ونَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا القَوْلَ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ وأبِي سِنانٍ وخالِدِ بْنِ مَعْدانَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغايَةُ ”ما“ في هَذا القَوْلِ إطْلاقُ ”ما“ وإرادَةُ مَن ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]
الثّانِي: أنَّ المُدَّةَ الَّتِي اسْتَثْناها اللَّهُ هي المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ بَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ واسْتِقْرارِهِمْ في مَصِيرِهِمْ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ إجْمالٌ وقَدْ جاءَتِ الآياتُ والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُصَرِّحَةً بِأنَّهم خالِدُونَ فِيها أبَدًا، وظاهِرُها أنَّهُ خُلُودٌ لا انْقِطاعَ لَهُ، والظُّهُورُ مِنَ المُرَجِّحاتِ فالظّاهِرُ مُقَدَّمٌ عَلى المُجْمَلِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.
وَمِنها أنْ ”إلّا“ في سُورَةِ ”هُودٍ“ بِمَعْنى: سِوى ما شاءَ اللَّهُ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مُدَّةِ دَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ عَلى ظاهِرِهِ وأنَّهُ يَأْتِي عَلى النّارِ زَمانٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ.
(p-٢٨٢)وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيَأْتِيَنَّ عَلى جَهَنَّمَ زَمانٌ تَخْفِقُ أبْوابُها لَيْسَ فِيها أحَدٌ، وذَلِكَ بَعْدَما يَلْبَثُونَ أحْقابًا.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها تَأْكُلُهم بِأمْرِ اللَّهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ هَذِهِ النّارَ الَّتِي لا يَبْقى فِيها أحَدٌ يَتَعَيَّنُ حَمْلُها عَلى الطَّبَقَةِ الَّتِي كانَ فِيها عُصاةُ المُسْلِمِينَ، كَما جَزَمَ بِهِ البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ، لِأنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الجَمْعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ، وإعْمالُ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما.
وَقَدْ أطْبَقَ العُلَماءُ عَلى وُجُوبِ الجَمْعِ إذا أمْكَنَ، أمّا ما يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ، ومَن بَعْدَهم مِن أنَّ النّارَ تَفْنى ويَنْقَطِعُ العَذابُ عَنْ أهْلِها، فالآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّتِهِ، وإيضاحُهُ أنَّ المَقامَ لا يَخْلُو مِن إحْدى خَمْسِ حالاتٍ بِالتَّقْسِيمِ الصَّحِيحِ، وغَيْرُها راجِعٌ إلَيْها.
الأُولى: أنْ يُقالَ بِفَناءِ النّارِ، وأنَّ اسْتِراحَتَهم مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ فَنائِها.
الثّانِيَةُ: أنْ يُقالَ إنَّهم ماتُوا وهي باقِيَةٌ.
الثّالِثَةُ: أنْ يُقالَ إنَّهم أُخْرِجُوا مِنها وهي باقِيَةٌ.
الرّابِعَةُ: أنْ يُقالَ إنَّهم باقُونَ فِيها إلّا أنَّ العَذابَ يَخِفُّ عَلَيْهِمْ.
وَذَهابُ العَذابِ رَأْسًا واسْتِحالَتُهُ لِذا لَمْ نَذْكُرْهُما مِنَ الأقْسامِ، لِأنّا نُقِيمُ البُرْهانَ عَلى نَفْيِ تَخْفِيفِ العَذابِ، ونَفْيُ تَخْفِيفِهِ يَلْزَمُهُ نَفْيُ ذَهابِهِ واسْتِحالَتُهُ لِذا فاكْتَفَيْنا بِهِ لِدَلالَةِ نَفْيِهِ عَلى نَفْيِهِما، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ يَدُلُّ القُرْآنُ عَلى بُطْلانِهِ.
أمّا فَناؤُها فَقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] .
وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، في خُلُودِ أهْلِ الجَنَّةِ وخُلُودِ أهْلِ النّارِ وبَيَّنَ عَدَمَ الِانْقِطاعِ في خُلُودِ أهْلِ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، وبِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤]، وقَوْلِهِ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] .
(p-٢٨٣)وَبَيَّنَ عَدَمَ الِانْقِطاعِ في خُلُودِ أهْلِ النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ .
فَمَن يَقُولُ إنَّ لِلنّارِ خَبْوَةً لَيْسَ بَعْدَها زِيادَةُ سَعِيرٍ، رُدَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّما تَقْتَضِي التَّكْرارَ بِتَكْرارِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ الآيَةَ [النساء: ٥٦] .
وَأمّا مَوْتُهم فَقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [ ٢٠ ]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]،
وقَدْ بَيَّنَ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ المَوْتَ يُجاءُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَجٍ فَيُذْبَحُ، وإذا ذُبِحَ المَوْتُ حَصَلَ اليَقِينُ بِأنَّهُ لا مَوْتَ، كَما قالَ ﷺ: «وَيُقالُ يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ بِلا مَوْتٍ» .
وَأمّا إخْراجُهم مِنها فَنَصَّ تَعالى عَلى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، وبِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠]، وبِقَوْلِهِ: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] .
وَأمّا تَخْفِيفُ العَذابِ عَنْهم فَنَصَّ تَعالى عَلى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ [ ٧٨ ]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [ ٤٣ ]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [النحل: ٨٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ وقَوْلَهُ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ كِلاهُما فِعْلٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَحَرْفُ النَّفْيِ بِنَفْيِ المَصْدَرِ الكامِنِ في الفِعْلِ فَهو في مَعْنى لا تَخْفِيفَ لِلْعَذابِ عَنْهم، ولا تَفْتِيرَ لَهُ، والقَوْلُ بِفَنائِها يَلْزَمُهُ تَخْفِيفُ العَذابَ وتَفْتِيرُهُ المَنفِيّانِ في هَذِهِ الآياتِ بَلْ يَلْزَمُهُ ذَهابُهُما رَأْسًا، كَما أنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفْيُ مُلازَمَةِ العَذابِ المَنصُوصِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ وإقامَتِهِ المَنصُوصِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
(p-٢٨٤)فَظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ عَدَمُ فَناءِ النّارِ المُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ وما احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّهُ لَوْ فُرِضَ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِعَدَمِ فَنائِها أنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ فَناءَها لِأنَّهُ وعِيدٌ، وإخْلافُ الوَعِيدِ مِنَ الحَسَنِ لا مِنَ القَبِيحِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعِيدَهُ، وأنَّ الشّاعِرَ قالَ:
؎وَإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي
فالظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّتِهِ لِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَلْزَمُهُ جَوازُ ألّا يَدْخُلَ النّارَ كافِرٌ، لِأنَّ الخَبَرَ بِذَلِكَ وعِيدٌ، وإخْلافُهُ عَلى هَذا القَوْلِ لا بَأْسَ بِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِحَقِّ وعِيدِهِ عَلى مَن كَذَّبَ رُسُلَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] .
وَقَدْ تَقَرَّرَ في مَسْلَكِ النَّصِّ مِن مَسالِكِ العِلَّةِ أنَّ الفاءَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِمْ: سَها فَسَجَدَ، أيْ سَجَدَ لِعِلَّةِ سَهْوِهِ، وسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ أيْ لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ وُقُوعُ الوَعِيدِ عَلَيْهِمْ لِعِلَّةِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] .
وَمِنَ الأدِلَّةِ الصَّرِيحَةِ في ذَلِكَ تَصْرِيحُهُ تَعالى بِأنَّ قَوْلَهُ لا يُبَدَّلُ فِيما أوْعَدَ بِهِ أهْلَ النّارِ حَيْثُ قالَ \ ٤٧ ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٨ - ٢٩] .
وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، فالظّاهِرُ أنَّ الوَعِيدَ الَّذِي يَجُوزُ إخْلافُهُ وعِيدُ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
فَإذا تَبَيَّنَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ بُطْلانُ جَمِيعِ هَذِهِ الأقْسامِ تَعَيَّنَ القِسْمُ الخامِسُ الَّذِي هو خُلُودُهم فِيها أبَدًا بِلا انْقِطاعٍ ولا تَخْفِيفٍ بِالتَّقْسِيمِ والسَّبْرِ الصَّحِيحِ.
وَلا غَرابَةَ في ذَلِكَ لِأنَّهُ خُبْثُهُمُ الطَّبِيعِيُّ دائِمٌ لا يَزُولُ، فَكانَ جَزاؤُهم دائِمًا لا يَزُولُ (p-٢٨٥)والدَّلِيلُ عَلى أنَّ خُبْثَهم لا يَزُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢٣] .
فَقَوْلُهُ: خَيْرًا نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ فَهي تَعُمُّ، فَلَوْ كانَ فِيهِمْ خَيْرٌ ما في وقْتٍ ما لَعَلِمَهُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وُعَوْدُهم بَعْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، لا يُسْتَغْرَبُ بَعْدَهُ عَوْدُهم بَعْدَ مُباشَرَةِ العَذابِ لِأنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ عِيانًا كالوُقُوعِ فِيهِ لا سِيَّما وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقالَ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآيَةَ [مريم: ٣٨] .
وَعَذابُ الكُفّارِ لِلْإهانَةِ والِانْتِقامِ لا لِلتَّطْهِيرِ والتَّمْحِيصِ، كَما أشارَ لَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤]، وبِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:130
(p-٤٩٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالرُّسُلِ مِنَ الجِنِّ نُذُرُهُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلامَ الرُّسُلِ، فَيُبَلِّغُونَهُ إلى قَوْمِهِمْ؛ ويَشْهَدُ لِهَذا أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أنَّهم مُنْذِرُونَ لِقَوْمِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] أيْ: مِن مَجْمُوعِكُمُ الصّادِقِ بِخُصُوصِ الإنْسِ؛ لِأنَّهُ لا رُسُلَ مِنَ الجِنِّ، ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا القَوْلِ بِأنَّ القُرْآنَ رُبَّما أُطْلِقَ فِيهِ المَجْمُوعُ مُرادًا بَعْضُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]، مَعَ أنَّ العاقِرَ واحِدٌ مِنهم، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] . واعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وغَيْرُهُ مِن أجِلّاءِ العُلَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] يُرادُ بِهِ البَحْرُ المِلْحُ خاصَّةً دُونَ العَذْبِ غَلَطٌ كَبِيرٌ، لا يَجُوزُ القَوْلُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ مُخالَفَةً صَرِيحَةً لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ ذَكَرَ البَحْرَيْنِ المِلْحَ والعَذْبَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]، ثُمَّ صَرَّحَ بِاسْتِخْراجِ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ مِنها جَمِيعًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾، والحِلْيَةُ المَذْكُورَةُ هي اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، فَقَصْرُهُ عَلى المِلْحِ مُناقِضٌ لِلْآيَةِ صَرِيحًا، كَما تَرى.
الأنعام 6:131
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾، النَّفْيُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُنْصَبٌّ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، والمَعْنى أنَّهُ لا يُهْلِكُ قَوْمًا في حالِ غَفْلَتِهِمْ، أيْ عَدَمِ إنْذارِهِمْ، بَلْ لا يُهْلِكُ أحَدًا إلّا بَعْدَ الإعْذارِ والإنْذارِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ - كَما بَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأنعام 6:132
(p-٤٩٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾، بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنْ تَفاضُلَ دَرَجاتِ العامِلِينَ في الآخِرَةِ أكْبَرُ، وأنَّ تَفْضِيلَها أعْظَمُ مِن دَرَجاتِ أهْلِ الدُّنْيا، وهو قَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ولَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] .
الأنعام 6:141
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِهَذا الحَقِّ المَذْكُورِ هُنا، وهَلْ هو مَنسُوخٌ أوْ لا ؟ فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: هَذا الحَقُّ هو الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، ومالِكٌ، ونَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ، نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ أنَسٍ وسَعِيدٍ، وغَيْرِهِما، ونَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٌ، والحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ، وطاوُسٌ، ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
وَقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ المُرادُ بِهِ الزَّكاةَ، وإنَّما المُرادُ بِهِ أنَّهُ يُعْطِي مَن حَضَرَ مِنَ المَساكِينِ يَوْمَ الحَصادِ القَبْضَةَ، والضِّغْثَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الوُجُوبِ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى النَّدْبِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وعَطاءٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: هو حَقٌّ في المالِ سِوى الزَّكاةِ، أمَرَ اللَّهُ بِهِ نَدْبًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، ورَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْهُ ﷺ قالَ مُجاهِدٌ: إذا حَصَدْتَ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم مِنَ السُّنْبُلِ، وإذا جَذَذْتَ فَألْقِ لَهم مِنَ الشَّمارِيخِ، وإذا دَرَسْتَهُ وذَرَيْتَهُ فاطْرَحْ لَهم مِنهُ، وإذا عَرَفْتَ كَيْلَهُ فَأخْرِجْ مِنهُ زَكاتَهُ.
وَقالَ قَوْمٌ: هو حَقٌّ واجِبٌ غَيْرُ الزَّكاةِ، وهو غَيْرُ مُحَدَّدٍ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ عَطاءٌ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقالَ قَوْمٌ: هي مَنسُوخَةٌ بِالزَّكاةِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وعَزاهُ الشَّوْكانِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ لِجُمْهُورِ العُلَماءِ، وأيَّدَهُ بِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وآيَةُ الزَّكاةِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في القَوْلِ بِالنَّسْخِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ شَيْئًا واجِبًا في الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ فَصَّلَ بَيانَهُ، وبَيَّنَ مِقْدارَ المُخْرَجِ وكَمِّيَّتَهُ، قالُوا: وكانَ هَذا في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَمُرادُهُ أنَّ شَرْعَ الزَّكاةِ بَيانٌ لِهَذا الحَقِّ لا نَسْخٌ لَهُ، ومِمَّنْ رَوى عَنْهُ القَوْلَ بِالنُّسَخِ ابْنُ (p-٤٩٥)عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وطاوُسٌ، وأبُو الشَّعْثاءِ، وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ الشَّوْكانِيُّ، والقُرْطُبِيُّ أيْضًا ونَقَلَهُ عَنِ السُّدِّيِّ وعَطِيَّةَ، ونَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الحَنَفِيَّةِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمَ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وعَطِيَّةَ، واسْتَدَلَّ ابْنُ جَرِيرٍ لِلنَّسْخِ بِالإجْماعِ عَلى أنَّ زَكاةَ الحَرْثِ لا تُؤْخَذُ إلّا بَعْدَ التَّذْرِيَةِ والتَّنْقِيَةِ، وزَكاةَ التَّمْرِ لا تُؤْخَذُ إلّا بَعْدَ الجِذاذِ، فَدَلَّ عَلى عَدَمِ الأخْذِ يَوْمَ الحَصادِ، فَعُلِمَ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، أوْ أنَّها عَلى سَبِيلِ النَّدْبِ، فالأمْرُ واضِحٌ.
وَعَلى أنَّ المُرادَ بِها الزَّكاةُ، فَقَدْ أُشِيرَ إلى أنَّ هَذا الحَقَّ المَذْكُورَ هو جُزْءُ المالِ الواجِبُ في النِّصابِ في آياتِ الزَّكاةِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٦٧]، وبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّهُ يُحْتاجُ هُنا إلى بَيانِ ثَلاثَةِ أشْياءَ:
الأوَّلُ: تَعْيِينُ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ مِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ.
الثّانِي: تَعْيِينُ القَدْرِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ مِنهُ.
الثّالِثُ: تَعْيِينُ القَدْرِ الواجِبِ فِيهِ وسَنُبَيِّنُها إنْ شاءَ اللَّهُ مُفَصَّلَةً.
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ في وُجُوبِ الزَّكاةِ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ.
واخْتُلِفَ فِيما سِواها مِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ، فَقالَ قَوْمٌ: لا زَكاةَ في غَيْرِها مِن جَمِيعِ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِالحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ.
وَقالَ بِهِ مِنَ الكُوفِيِّينَ ابْنُ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، وابْنُ المُبارَكِ، ويَحْيى بْنُ آدَمَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهو مَذْهَبُ أبِي مُوسى، فَإنَّهُ كانَ لا يَأْخُذُ الزَّكاةَ إلّا مِنَ الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، ذَكَرَهُ وكِيعٌ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيى، عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِيهِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ.
واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّهُ قالَ: إنَّما سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكاةَ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «والعُشْرُ في التَّمْرِ (p-٤٩٦)والزَّبِيبِ والحِنْطَةِ والشَّعِيرِ»، وعَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكاةَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ: الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ» .
وَعَنْ أبِي بُرْدَةَ، «عَنْ أبِي مُوسى، ومُعاذٍ: ”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ يُعَلِّمانِ النّاسَ أمْرَ دِينِهِمْ، فَأمَرَهم ألّا يَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إلّا مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ، الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ“»، رَواها كُلَّها الدّارَقُطْنِيُّ، قالَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أمّا ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مِن أنَّهُ ﷺ إنَّما سَنَّ الزَّكاةَ في الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، فَإسْنادُهُ واهٍ؛ لِأنَّهُ مِن رِوايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ العَزْرَمِيِّ، وهو مَتْرُوكٌ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“، وما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عُمَرَ أنَّهُ ﷺ إنَّما سَنَّ الزَّكاةَ في الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، قالَ فِيهِ أبُو زُرْعَةَ: مُوسى عَنْ عُمَرَ مُرْسَلٌ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا، وما عَزاهُ لِلدّارَقُطْنِيِّ عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أبِي مُوسى، ومُعاذٍ، رَواهُ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي بُرْدَةَ، عَنْهُما.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ: رُواتُهُ ثِقاتٌ، وهو مُتَّصِلٌ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا، وقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ: تَجِبُ الزَّكاةُ في كُلِّ مُقْتاتٍ مُدَّخَرٍ، وذَلِكَ عِنْدَهُ في ثِمارِ الأشْجارِ، إنَّما هو التَّمْرُ والزَّبِيبُ فَقَطْ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِهِ وُجُوبُ الزَّكاةِ في الزَّيْتُونِ، إذا بَلَغَ حَبُّهُ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، ولَكِنَّها تُخْرَجُ مِن زَيْتِهِ بَعْدَ العَصْرِ، فَيُخْرَجُ عُشْرُهُ أوْ نِصْفُ عُشْرِهِ عَلى ما سَيَأْتِي، فَإنْ لَمْ يَبْلُغْ حَبُّهُ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، فَلا زَكاةَ عِنْدَهُ في زَيْتِهِ، وحُكْمُ السِّمْسِمِ، وبَزْرِ الفُجْلِ الأحْمَرِ، والقُرْطُمِ حُكْمُ الزَّيْتُونِ في مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ، يُخْرَجُ مِن زَيْتِها إنْ بَلَغَ حَبُّها النِّصابَ.
وَقالَ اللَّخْمِيُّ: لا يُضَمُّ زَيْتُ بَعْضِها إلى بَعْضٍ لِاخْتِلافِ أجْناسِها، ومَشْهُورُ مَذْهَبِهِ عَدَمُ وُجُوبِها في التِّينِ، وأوْجَبَها فِيهِ جَماعَةٌ مِن أصْحابِهِ بِمُقْتَضى أُصُولِهِ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أظُنُّ مالِكًا ما كانَ يَعْلَمُ أنَّ التِّينَ يَيْبَسُ، ويُقْتاتُ، ويُدَّخَرُ، ولَوْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَجَعَلَهُ كالزَّبِيبِ، ولَما عَدَّهُ مَعَ الفَواكِهِ الَّتِي لا تَيْبَسُ، ولا تُدَّخَرُ كالرُّمّانِ، والفِرْسِكِ، والَّذِي تَجِبُ فِيهِ مِنَ الحُبُوبِ عِنْدَهُ هو ما يُقْتاتُ ويُدَّخَرُ، وذَلِكَ الحِنْطَةُ، والشَّعِيرُ، والسُّلْتُ والعَلَسُ، والدُّخْنُ، والذُّرَةُ، والأرُزُّ، والعَدَسُ، والجُلُبّانُ، واللُّوبِيا، والجُلْجُلانِ، والتُّرْمُسُ، والفُولُ، والحِمَّصُ، والبَسِيلَةُ.
وَمَشْهُورُ مَذْهَبِهِ أنَّ الكِرْسِنَّةَ لا زَكاةَ فِيها؛ لِأنَّها عَلَفٌ، وعَنْ أشْهَبَ وُجُوبُ الزَّكاةِ فِيها، وهي مِنَ القَطانِيِّ عَلى مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ في بابِ الرِّبا، دُونَ بابِ الزَّكاةِ.
(p-٤٩٧)وَقِيلَ هي البَسِيلَةُ، وجَمِيعُ أنْواعِ القَطانِيِّ عِنْدَ مالِكٍ جِنْسٌ واحِدٌ في الزَّكاةِ، فَلَوْ حَصَدَ وسْقًا مِن فُولٍ، ووَسْقًا مِن حِمَّصٍ، وآخَرَ مِن عَدَسٍ، وآخَرَ مِن جُلُبّانٍ، وآخَرَ مَن لُوبِيا، وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَضُمَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، ويُخْرِجَ الزَّكاةَ مِنها كُلُّ واحِدٍ بِحَسَبِهِ، وكَذَلِكَ يُضَمُّ عِنْدَهُ القَمْحُ، والشَّعِيرُ، والسُّلْتُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، كالصِّنْفِ الواحِدِ، وتُخْرَجُ الزَّكاةُ مِنها كُلٌّ بِحَسَبِهِ، ولا يُضَمُّ عِنْدَهُ تَمْرٌ إلى زَبِيبٍ، ولا حِنْطَةٌ إلى قُطْنِيَّةٍ، ولا تَمْرٍ إلى حِنْطَةٍ، ولا أيُّ جِنْسٍ إلى جِنْسٍ آخَرَ، غَيْرَ ما ذَكَرْنا عَنْهُ ضَمَّهُ لِتَقارُبِ المَنفَعَةِ فِيهِ عِنْدَهُ، والنَّوْعُ الواحِدُ، كالتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، والحِنْطَةِ يُضَمُّ بَعْضُ أنْواعِهِ إلى بَعْضٍ كَصَيْحانِيٍّ، وبَرْنِيٍّ، وسَمْراءَ، ومَحْمُولَةٍ، وزَبِيبٍ أسْوَدَ، وزَبِيبٍ أحْمَرَ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَلا زَكاةَ عِنْدَ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في شَيْءٍ مِنَ الفَواكِهِ غَيْرَ ما ذَكَرْنا، كالرُّمّانِ - والتُّفّاحِ - والخَوْخِ والإجّاصِ، والكُمَّثْرى، واللَّوْزِ، والجَوْزِ، والجِلَّوْزِ، ونَحْوِ ذَلِكَ كَما لا زَكاةَ عِنْدَهُ في شَيْءٍ مِنَ الخُضْراواتِ، قالَ في ”المُوَطَّإ“: السُّنَّةُ الَّتِي لا اخْتِلافَ فِيها عِنْدَنا، والَّذِي سَمِعْتُ مِن أهْلِ العِلْمِ: أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الفَواكِهِ كُلِّها صَدَقَةٌ، الرُّمّانُ، والفِرْسِكُ، والتِّينُ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وما لَمْ يُشْبِهْهُ إذا كانَ مِنَ الفَواكِهِ.
قالَ: ولا في القَضْبِ، ولا في البُقُولِ كُلِّها صَدَقَةٌ، ولا في أثْمانِها إذا بِيعَتْ صَدَقَةٌ، حَتّى يَحُولَ عَلى أثْمانِها الحَوْلُ مِن يَوْمِ بَيْعِها، ويَقْبِضُ صاحِبُها ثَمَنَها وهو نِصابٌ. اهـ.
والفِرْسِكُ: بِكَسْرِ الفاءِ والسِّينِ بَيْنَها راءٌ ساكِنَةٌ آخِرُهُ كافٌ - الخَوْخُ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَةٌ، وقِيلَ: نَوْعٌ مِثْلُهُ في القَدْرِ، وهو أجْرَدُ أمْلَسُ أحْمَرُ وأصْفَرُ جَيِّدٌ، وقِيلَ: ما لَيْسَ يَنْفَلِقُ عَنْ نَواةٍ مِنَ الخَوْخِ. وإذا كانَ الزَّرْعُ أوِ الثَّمَرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأكْثَرَ، فَقَدْ قالَ فِيهِ مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“: في النَّخِيلِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَجُذّانِ مِنهُ ثَمانِيَةَ أوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ أنَّهُ لا صَدَقَةَ عَلَيْهِما فِيها، وأنَّهُ إنْ كانَ لِأحَدِهِما مِنها ما يَجُذُّ مِنهُ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، ولِلْآخَرِ ما يَجُذُّ أرْبَعَةَ أوْسُقٍ، أوْ أقَلَّ مِن ذَلِكَ في أرْضٍ واحِدَةٍ، كانَتِ الصَّدَقَةُ عَلى صاحِبِ الخَمْسَةِ الأوْسُقِ، ولَيْسَ عَلى الَّذِي جَذَّ أرْبَعَةَ أوْسُقٍ أوْ أقَلَّ مِنها صَدَقَةٌ، وكَذَلِكَ العَمَلُ في الشُّرَكاءِ كُلِّهِمْ في كُلِّ زَرْعٍ مِنَ الحُبُوبِ كُلِّها يُحْصَدُ، أوِ النَّخْلِ يُجَذُّ، أوِ الكَرْمِ يُقْطَفُ، فَإنَّهُ إذا كانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم يَجُذُّ مِنَ التَّمْرِ، أوْ يَقْطِفُ مِنَ الزَّبِيبِ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، أوْ يَحْصُدُ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، فَعَلَيْهِ الزَّكاةُ، ومَن كانَ حَقُّهُ أقَلَّ مِن خَمْسَةِ أوْسُقٍ، فَلا صَدَقَةَ عَلَيْهِ.
وَإنَّما تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلى مَن بَلَغَ جِذاذَهُ، أوْ قِطافَهُ، أوْ حَصادَهُ خَمْسَةَ أوْسُقٍ، انْتَهى مِن (p-٤٩٨)”مُوَطَّإ“ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَإذا أمْسَكَ ذَلِكَ الحَبَّ أوِ التَّمْرَ الَّذِي أخْرَجَ زَكاتَهُ سِنِينَ، ثُمَّ باعَهُ - فَحُكْمُهُ عِنْدَ مالِكٍ ما ذَكَرَهُ في ”مُوَطَّئِهِ“ حَيْثُ قالَ: السُّنَّةُ عِنْدَنا أنَّ كُلَّ ما أُخْرِجَتْ زَكاتُهُ مِن هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها الحِنْطَةِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، والحُبُوبِ كُلِّها، ثُمَّ أمْسَكَهُ صاحِبُهُ بَعْدَ أنْ أدّى صَدَقَتَهُ سِنِينَ، ثُمَّ باعَهُ، أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ في ثَمَنِهِ زَكاةٌ، حَتّى يَحُولَ عَلى ثَمَنِهِ الحَوْلُ مِن يَوْمِ باعَهُ، إذا كانَ أصْلُ تِلْكَ الأصْنافِ مِن فائِدَةٍ أوْ غَيْرِها، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجارَةِ.
وَإنَّما ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الطَّعامِ، والحُبُوبِ، والعُرُوضِ يُفِيدُها الرَّجُلُ، ثُمَّ يُمْسِكُها سِنِينَ، ثُمَّ يَبِيعُها بِذَهَبٍ أوْ ورِقٍ، فَلا يَكُونُ عَلَيْهِ في ثَمَنِها زَكاةٌ حَتّى يَحُولَ عَلَيْها الحَوْلُ مِن يَوْمِ باعَها، فَإنْ كانَ أصْلُ تِلْكَ العُرُوضِ لِلتِّجارَةِ؛ فَعَلى صاحِبِها فِيها الزَّكاةُ حِينَ يَبِيعُها، إذا كانَ حَبَسَها سَنَةً مِن يَوْمِ زَكّى المالَ الَّذِي ابْتاعَها بِهِ، انْتَهى في ”المُوَطَّإ“، وهَذا في المُحْتَكِرِ، أمّا المُدِيرُ فَإنَّهُ يُقَوِّمُها بَعْدَ حَوْلٍ مِن زَكاتِهِ، كَما في ”المُدَوَّنَةِ“ عَنِ ابْنِ القاسِمِ.
هَذا هو حاصِلُ مَذْهَبِ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ مِنَ الثِّمارِ والحُبُوبِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ لا تَجِبُ الزَّكاةُ في شَيْءٍ مِن ثِمارِ الأشْجارِ أيْضًا، إلّا فِيما كانَ قُوتًا يُدَّخَرُ، وذَلِكَ عِنْدَهُ التَّمْرُ والزَّبِيبُ فَقَطْ، كَما تَقَدَّمَ عَنْ مالِكٍ، ولا تَجِبُ عِنْدَهُ في سِواهُما مِنَ الثِّمارِ كالتِّينِ، والتُّفّاحِ، والسَّفَرْجَلِ، والرُّمّانِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأقْواتِ ولا مِنَ الأمْوالِ المُدَّخَرَةِ، ولا تَجِبُ عِنْدَهُ في طَلْعِ الفُحّالِ؛ لِأنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الثِّمارُ.
واخْتَلَفَ قَوْلُهُ في الزَّيْتُونِ، فَقالَ في القَدِيمِ، تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ؛ لِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ جَعَلَ في الزَّيْتِ العُشْرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: في الزَّيْتُونِ الزَّكاةُ، وقالَ في الجَدِيدِ: لا زَكاةَ في الزَّيْتُونِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقُوتٍ فَهو كالخُضْراواتِ.
* *
واخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أيْضًا في الوَرْسِ، فَقالَ في القَدِيمِ: تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، لِما رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ إلى بَنِي خُفّاشٍ، أنْ أدُّوا زَكاةَ الذُّرَةِ والوَرْسِ، وقالَ في الجَدِيدِ: لا زَكاةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ نَبْتٌ لا يُقْتاتُ، فَأشْبَهَ الخُضْراواتِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَن قالَ: لا عُشْرَ في الوَرْسِ لَمْ يُوجِبْ في الزَّعْفَرانِ، ومَن قالَ: يَجِبُ في الوَرْسِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُوجِبَ في الزَّعْفَرانِ؛ لِأنَّهُما (p-٤٩٩)طَيِّبانِ، ويُحْتَمَلُ ألّا يُوجِبَ في الزَّعْفَرانِ، ويُفَرِّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الوَرْسَ شَجَرٌ لَهُ ساقٌ، والزَّعْفَرانَ نَباتٌ، واخْتَلَفَ قَوْلُهُ أيْضًا في العَسَلِ فَقالَ في القَدِيمِ: يَحْتَمِلُ أنْ تَجِبَ فِيهِ، ووَجْهُهُ ما رُوِيَ أنَّ بَنِي شَبابَةَ ”بَطْنٌ مِن فَهْمٍ“ كانُوا يُؤَدُّونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن نَحْلٍ كانَ عِنْدَهُمُ العُشْرَ، مِن عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً، وقالَ في الجَدِيدِ: لا تَجِبُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقُوتٍ فَلا يَجُبْ فِيهِ العُشْرُ كالبَيْضِ.
واخْتَلَفَ قَوْلُهُ أيْضًا في القُرْطُمِ، وهو حَبُّ العُصْفُرِ، فَقالَ في القَدِيمِ: تَجِبُ إنْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثُ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقالَ في الجَدِيدِ: لا تَجِبُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقُوتٍ، فَأشْبَهَ الخُضْراواتِ، قالَهُ كُلَّهُ صاحِبُ ”المُهَذَّبِ“، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: الأثَرُ المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ: ”أنَّهُ جَعَلَ في الزَّيْتِ العُشْرَ“، ضَعِيفٌ، رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ: إسْنادُهُ مُنْقَطِعٌ، وراوِيهِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، قالَ: وأصَحُّ ما رُوِيَ في الزَّيْتُونِ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: مَضَتِ السُّنَّةُ في زَكاةِ الزَّيْتُونِ، أنْ يُؤْخَذَ مِمَّنْ عَصَرَ زَيْتُونَهُ حِينَ يَعْصِرُهُ، فِيما سَقَتِ السَّماءُ أوْ كانَ بَعْلًا العُشْرُ، وفِيما سُقِيَ بِرَشِّ النّاضِحِ نِصْفُ العُشْرِ، وهَذا مَوْقُوفٌ لا يُعْلَمُ اشْتِهارُهُ، ولا يُحْتَجُّ بِهِ عَلى الصَّحِيحِ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ: وحَدِيثُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أعْلى، وأوْلى أنْ يُؤْخَذَ بِهِ، يَعْنِي رِوايَتَهُما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُما، لَمّا بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ: «لا تَأْخُذا في الصَّدَقَةِ إلّا مِن هَذِهِ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ، والحِنْطَةِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ» .
وَأمّا الأثَرُ المَذْكُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَضَعِيفٌ أيْضًا، والأثَرُ المَذْكُورُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ضَعِيفٌ أيْضًا، ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ وضَعَّفَهُ هو وغَيْرُهُ، واتَّفَقَ الحُفّاظُ عَلى ضَعْفِهِ، واتَّفَقَ أصْحابُنا في كُتُبِ المَذْهَبِ عَلى ضَعْفِهِ، قالَ البَيْهَقِيُّ: ولَمْ يَثْبُتْ في هَذا إسْنادٌ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، قالَ: والأصْلُ عَدَمُ الوُجُوبِ فَلا زَكاةَ فِيما لَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أوْ كانَ في مَعْنى ما ورَدَ بِهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وأمّا حَدِيثُ بَنِي شَبابَةَ في العَسَلِ فَرَواهُ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُما مِن رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ، قالَ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ: لا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا كَبِيرُ شَيْءٍ، قالَ البَيْهَقِيُّ: قالَ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ ”العِلَلِ“: قالَ البُخارِيُّ: لَيْسَ في زَكاةِ العَسَلِ شَيْءٌ يَصِحُّ.
فالحاصِلُ أنَّ جَمِيعَ الآثارِ، والأحادِيثِ الَّتِي في هَذا الفَصْلِ ضَعِيفَةٌ، انْتَهى كَلامُ (p-٥٠٠)النَّوَوِيِّ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ في أثَرِ عُمَرَ المَذْكُورِ في الزَّيْتُونِ: رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ مُنْقَطِعٍ، والرّاوِي لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ ضَعِيفٌ، قالَ: وأصَحُّ ما في البابِ قَوْلُ ابْنِ شِهابٍ: ”مَضَتِ السُّنَّةُ في زَكاةِ الزَّيْتُونِ“ إلَخْ.
وَقالَ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا، في أثَرِ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورِ في الزَّيْتُونِ: ذَكَرَهُ ”صاحِبُ المُهَذَّبِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ، وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وفي إسْنادِهِ لَيْثُ بْنُ أبِي سُلَيْمٍ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا: رَوى الحاكِمُ في تارِيخِ ”نَيْسابُورَ“ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا: «الزَّكاةُ في خَمْسٍ: في البُرِّ، والشَّعِيرِ، والأعْنابِ، والنَّخِيلِ، والزَّيْتُونِ»، وفي إسْنادِهِ عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وهو الوَقّاصِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الأثَرِ المَذْكُورِ عَنْ أبِي بَكْرٍ: أنَّهُ كانَ يَأْخُذُ الزَّكاةَ مِن حَبِّ العُصْفُرِ، وهو القُرْطُمُ، لَمْ أجِدْ لَهُ أصْلًا، وقالَ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا في خَبَرِ أخْذِهِ ﷺ زَكاةَ العَسَلِ: أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «في العَسَلِ في كُلِّ عَشْرَةِ أزْقاقٍ زِقٌّ»، وقالَ في إسْنادِهِ مَقالٌ، ولا يَصِحُّ، وفي إسْنادِهِ صَدَقَةُ السَّمِينُ، وهو ضَعِيفُ الحِفْظِ.
وَقَدْ خُولِفَ، وقالَ النَّسائِيُّ: هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ: تَفَرَّدَ بِهِ صَدَقَةُ، وهو ضَعِيفٌ، وقَدْ تابَعَهُ طَلْحَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُوسى بْنِ يَسارٍ، ذَكَرَهُ المَرْوَزِيُّ، ونُقِلَ عَنْ أحْمَدَ تَضْعِيفُهُ، وذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أنَّهُ سَألَ البُخارِيَّ عَنْهُ، فَقالَ: هو عَنْ نافِعٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلٌ، ونَقَلَ الحاكِمُ في تارِيخِ ”نَيْسابُورَ“، عَنْ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: حَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى الذُّهْلِيُّ بِحَدِيثٍ كادَ أنْ يَهْلِكَ، حَدَّثَ عَنْ عارِمٍ، عَنِ ابْنِ المُبارَكِ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أُخِذَ مِنَ العَسَلِ العُشْرُ» .
قالَ أبُو حاتِمٍ: وإنَّما هو عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ كَذَلِكَ: حَدَّثَناهُ عارِمٌ، وغَيْرُهُ قالَ: ولَعَلَّهُ سَقَطَ مِن كِتابِهِ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، فَدَخَلَهُ هَذا الوَهْمُ.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: وفي البابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قُلْتُ: رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ مِن (p-٥٠١)رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ المِصْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «”جاءَ هِلالٌ“ أحَدُ بَنِي مُتْعانَ ”إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وسَألَهُ أنْ يَحْمِيَ وادِيًا لَهُ يُقالُ لَهُ“ سَلَبَةُ " فَحَماهُ لَهُ، فَلَمّا ولّى عُمَرُ كَتَبَ إلى سُفْيانَ بْنِ وهْبٍ، إنْ أدّى إلَيْكَ ما كانَ يُؤَدِّي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن عُشُورِ نَحْلِهِ فاحْمِ لَهُ سَلَبَةَ، وإلّا فَإنَّما هو ذُبابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَن يَشاءُ» .
قالَ الدّارَقُطْنِيُّ: يُرْوى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ، وابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مُسْنَدًا، ورَواهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصارِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مُرْسَلًا، عَنْ عُمَرَ مُرْسَلًا، قُلْتُ: فَهَذِهِ عِلَّتُهُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وابْنُ لَهِيعَةَ لَيْسا مِن أهْلِ الإتْقانِ، ولَكِنْ تابَعَهُما عَمْرُو بْنُ الحارِثِ أحَدُ الثِّقاتِ، وتابَعَهُما أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ، وغَيْرِهِ كَما مَضى.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: وفِيهِ عَنْ أبِي سَيّارَةَ، قُلْتُ: هو المُتَعِيُّ، قالَ: «”قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِي نَحْلًا، قالَ:“ أدِّ العُشُورَ "، قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ احْمِ لِي جَبَلَها»، رَواهُ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ مِن رِوايَةِ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى، عَنْ أبِي سَيّارَةَ، وهو مُنْقَطِعٌ.
قالَ البُخارِيُّ: لَمْ يُدْرِكْ سُلَيْمانُ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ، ولَيْسَ في زَكاةِ العَسَلِ شَيْءٌ يَصِحُّ، وقالَ أبُو عُمَرَ: لا تَقُومُ بِهَذا حُجَّةٌ، قالَ: وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وفي إسْنادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، وهو مَتْرُوكٌ، ورَواهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي ذُبابٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلى قَوْمِهِ، وأنَّهُ قالَ لَهم: ”أدُّوا العُشْرَ في العَسَلِ»، وأتى بِهِ عُمَرُ، فَقَبَضَهُ، فَباعَهُ، ثُمَّ جَعَلَهُ في صَدَقاتِ المُسْلِمِينَ“، وفي إسْنادِهِ مُنِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ضَعَّفَهُ البُخارِيُّ، والأزْدِيُّ، وغَيْرُهُما.
قالَ الشّافِعِيُّ: وسَعْدُ بْنُ أبِي ذُبابٍ، يَحْكِي ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، وأنَّهُ شَيْءٌ رَآهُ هو فَتَطَوَّعَ لَهُ بِهِ قَوْمُهُ، وقالَ الزَّعْفَرانِيُّ، عَنِ الشّافِعِيِّ: الحَدِيثُ في أنَّ في العَسَلِ العُشْرَ ضَعِيفٌ، واخْتِيارِي أنَّهُ لا يُؤْخَذُ مِنهُ، وقالَ البُخارِيُّ: لا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ.
وَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ثابِتٌ، وفي ”المُوَطَّأِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ قالَ: ”جاءَ كِتابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إلى أبِي، وهو بِمِنًى: ألّا تَأْخُذْ مِنَ الخَيْلِ، ولا مِنَ العَسَلِ صَدَقَةً“، انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ بِلَفْظِهِ.
(p-٥٠٢)وَقالَ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا: إنَّ حَدِيثَ مُعاذٍ: أنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ زَكاةَ العَسَلِ، وأنَّهُ قالَ: ”لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ“، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في ”المَراسِيلِ“، والحُمَيْدِيُّ في ”مَسْنَدِهِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ طاوُسٍ عَنْهُ، وفِيهِ انْقِطاعٌ بَيْنَ طاوُسٍ ومُعاذٍ، لَكِنْ قالَ البَيْهَقِيُّ: هو قَوِيٌّ؛ لِأنَّ طاوُسًا كانَ عارِفًا بِقَضايا مُعاذٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ولا شَكَّ أنَّ إخْراجَ زَكاتِهِ أحْوَطُ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ونَقَلَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“ عَنْ مَكْحُولٍ، والزُّهْرِيِّ، وسُلَيْمانَ بْنِ مُوسى، والأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ.
وَحُجَّتُهُمُ الأحادِيثُ الَّتِي رَأيْتَ، ولا شَيْءَ فِيهِ عِنْدَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ في الجَدِيدِ، وابْنِ أبِي لَيْلى، والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، وغَيْرِهِمْ.
وَحُجَّتُهم عَدَمُ صِحَّةِ ما ورَدَ فِيهِ، وأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وأنَّهُ مائِعٌ خارِجٌ مِن حَيَوانٍ فَأشْبَهَ اللَّبَنَ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنْ كانَ في أرْضٍ لِلْعُشْرِ فَفِيهِ الزَّكاةُ، وإلّا فَلا زَكاةَ فِيهِ، ونِصابُ العَسَلِ، قِيلَ: خَمْسَةُ أفْراقٍ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ: خَمْسَةُ أوْسُقٍ، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ في قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ، والفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا بِالعِراقِيِّ، وقِيلَ: سِتُّونَ رِطْلًا، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ رِطْلًا، وقِيلَ: ثَلاثَةُ آصُعٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. قالَهُ في ”المُغْنِي“ .
وَأمّا الحُبُوبُ: فَلا تَجِبُ الزَّكاةُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ إلّا فِيما يُقْتاتُ ويُدَّخَرُ مِنها، ولا زَكاةَ عِنْدَهُ في شَيْءٍ مِنَ الفَواكِهِ الَّتِي لا تُقْتاتُ ولا تُدَّخَرُ، ولا في شَيْءٍ مِنَ الخُضْراواتِ، فَمَذْهَبُهُ يُوافِقُ مَذْهَبَ مالِكٍ، كَما قَدَّمْنا، إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ لا يَضُمُّ بَعْضَ الأنْواعِ إلى بَعْضٍ، ومالِكٌ يَضُمُّ القَطانِيَّ بَعْضَها إلى بَعْضٍ في الزَّكاةِ، وكَذَلِكَ القَمْحُ، والشَّعِيرُ، والسُّلْتُ، كَما تَقَدَّمَ.
* *
وَأمّا مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَهو وُجُوبُ الزَّكاةِ فِيما تُنْبِتُهُ الأرْضُ، مِمّا يَيْبَسُ، ويَبْقى، مِمّا يُكالُ. فَأوْصافُ المُزَكِّي عِنْدَهُ مِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ ثَلاثَةٌ: وهي الكَيْلُ، والبَقاءُ، واليُبْسُ، فَما كانَ كَذَلِكَ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ وجَبَتْ فِيهِ عِنْدَهُ، سَواءٌ كانَ قُوتًا أمْ لا، وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تَجِبْ فِيهِ؛ فَتَجِبُ عِنْدَهُ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والسُّلْتِ، (p-٥٠٣)والأرُزِّ، والذُّرَةِ، والدُّخْنِ، والقَطانِيِّ كالباقِلّا، والعَدَسِ، والحِمَّصِ، والأبازِيرِ كالكَمُّونِ، والكَراوْيا، والبَزْرِ كَبَزْرِ الكَتّانِ، والقِثّاءِ، والخِيارِ، وحَبِّ البُقُولِ كالرَّشادِ، وحَبِّ الفُجْلِ، والقُرْطُمِ، والسِّمْسِمِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن سائِرِ الحُبُوبِ، كَما تَجِبُ عِنْدَهُ أيْضًا فِيما جَمَعَ الأوْصافَ المَذْكُورَةَ مِنَ الثِّمارِ، كالتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، واللَّوْزِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ. ولا زَكاةَ عِنْدَهُ في شَيْءٍ مِنَ الفَواكِهِ: كالخَوْخِ، والإجّاصِ، والكُمَّثْرى، والتُّفّاحِ، والتِّينِ، والجَوْزِ، ولا في شَيْءٍ مِنَ الخُضَرِ: كالقِثّاءِ، والخِيارِ، والباذِنْجانِ، واللِّفْتِ، والجَزَرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَيُرْوى نَحْوُ ما ذَكَرْنا عَنْ أحْمَدَ في الحُبُوبِ، عَنْ عَطاءٍ، وأبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ: لا شَيْءَ في الأبازِيرِ، ولا البَزْرِ، ولا حَبِّ البُقُولِ.
قالَ صاحِبُ ”المُغْنِي“: ولَعَلَّهُ لا يُوجِبُ الزَّكاةَ إلّا فِيما كانَ قُوتًا، أوْ أدَمًا؛ لِأنَّ ما عَداهُ لا نَصَّ فِيهِ، ولا هو في مَعْنى المَنصُوصِ؛ فَيَبْقى عَلى النَّفْيِ الأصْلِيِّ. ولا زَكاةَ في مَشْهُورِ مَذْهَبِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيما يَنْبُتُ مِنَ المُباحِ الَّذِي لا يُمْلَكُ، إلّا بِأخْذِهِ: كالبُطْمِ، وشَعِيرِ الجَبَلِ، وبِزْرِ قُطُونا، وبِزْرِ البَقْلَةِ، وحَبِّ النَّمامِ، وبِزْرِ الأُشْنانِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وعَنِ القاضِي: أنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، إذا نَبَتَ بِأرْضِهِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، فَإنْ تَساقَطَ في أرْضِهِ حَبٌّ كَحِنْطَةٍ مَثَلًا فَنَبَتَ، فَفِيهِ الزَّكاةُ؛ لِأنَّهُ يَمْلِكُهُ. ولا تَجِبُ الزَّكاةُ فِيما لَيْسَ بِحَبٍّ، ولا ثَمَرٍ، سَواءٌ وُجِدَ فِيهِ الكَيْلُ والِادِّخارُ أوْ لَمْ يُوجَدْ، فَلا تَجِبُ في ورَقٍ مِثْلِ ورَقِ السِّدْرِ، والخِطْمِيِّ، والأُشْنانِ، والصَّعْتَرِ، والآسِ، ونَحْوِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَنصُوصٍ عَلَيْهِ، ولا في مَعْنى المَنصُوصِ، ولا زَكاةَ عِنْدَهُ في الأزْهارِ: كالزَّعْفَرانِ، والعُصْفُرِ، والقُطْنِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِحَبٍّ، ولا ثَمَرٍ، ولا هي بِمَكِيلٍ؛ فَلَمْ تَجِبْ فِيها زَكاةٌ كالخُضْراواتِ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ: لَيْسَ في القُطْنِ شَيْءٌ، وقالَ: لَيْسَ في الزَّعْفَرانِ زَكاةٌ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ، قالَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ .
واخْتَلَفَتْ عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الرِّوايَةُ في الزَّيْتُونِ: فَرَوى عَنْهُ ابْنُهُ صالِحٌ: أنَّ فِيهِ الزَّكاةَ، ورُوِيَ عَنْهُ: أنَّهُ لا زَكاةَ فِيهِ، وهو اخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ، وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِيهِ، قالَهُ أيْضًا صاحِبُ المُغْنِي، وأمّا أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإنَّهُ قائِلٌ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ في كُلِّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ، طَعامًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وقالَ أبُو يُوسُفَ عَنْهُ: إلّا الحَطَبُ، والحَشِيشُ، والقَصَبُ، والتِّبْنُ، والسَّعَفُ، وقَصَبُ الذَّرِيرَةِ، وقَصَبُ السُّكَّرِ. اهـ. والذَّرِيرَةُ: قَصَبٌ (p-٥٠٤)يُجاءُ بِهِ مِنَ الهِنْدِ، كَقَصَبِ النِّشابِ، أحْمَرُ يُتَداوى بِهِ، ومِمَّنْ قالَ مِثْلَ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ النَّخَعِيُّ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وهو قَوْلُ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ شَيْخِ أبِي حَنِيفَةَ، ونَصَرَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ في أحْكامِهِ، قالَ: وأمّا أبُو حَنِيفَةَ فَجَعَلَ الآيَةَ مِرْآتَهُ فَأبْصَرَ الحَقَّ. هَذا هو حاصِلُ مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في تَعْيِينِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ مِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ، وسَنُشِيرُ إنْ شاءَ اللَّهُ إلى دَلِيلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ.
أمّا أبُو حَنِيفَةَ: فَقَدِ احْتَجَّ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في كُلِّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِن قَلِيلٍ وكَثِيرٍ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ فِيها: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] الآيَةَ، وبِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٦٧]، وبِعُمُومِ قَوْلِهِ - ﷺ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ»، الحَدِيثَ، ولَمْ يَقْبَلْ تَخْصِيصَهُ بِحَدِيثِ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ»؛ لِأنَّ القاعِدَةَ المُقَرَّرَةَ في أُصُولِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ العامَ قَطْعِيُّ الشُّمُولِ، والتَّناوُلُ لِجَمِيعِ أفْرادِهِ كَما أشارَ لَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَهُوَ عَلى فَرْدٍ يَدُلُّ حَتْما وفَهْمُ الِاسْتِغْراقِ لَيْسَ جَزْما
؎بَلْ هو عِنْدَ الجِلِّ بِالرُّجْحانِ ∗∗∗ والقَطْعُ فِيهِ مَذْهَبُ النُّعْمانِ
فَما كانَ أقَلُّ مِن خَمْسَةِ أوْسُقٍ يَدْخُلُ عِنْدَهُ دُخُولًا مَجْزُومًا بِهِ في عُمُومِ الآياتِ المَذْكُورَةِ والحَدِيثِ، فَلا يَلْزَمُ عِنْدَهُ تَخْصِيصُ العامِّ بِالخاصِّ، بَلْ يَتَعارَضانِ، وتَقْدِيمُ ما دَلَّ عَلى الوُجُوبِ أوْلى مِن تَقْدِيمِ ما دَلَّ عَلى غَيْرِهِ لِلِاحْتِياطِ في الخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ الطَّلَبِ.
وَأمّا مالِكٌ والشّافِعِيُّ - رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى - فَحَجَّتُهُما في قَوْلِهِما: إنَّهُ لا زَكاةَ غَيْرُ النَّخْلِ والعِنَبِ مِنَ الأشْجارِ، ولا في شَيْءٍ مِنَ الحُبُوبِ إلّا فِيما يُقْتاتُ ويُدَّخَرُ، ولا زَكاةَ في الفَواكِهِ ولا الخُضْراواتِ؛ لِأنَّ النَّصَّ والإجْماعَ دَلّا عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والزَّبِيبِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها مُقْتاتٌ مُدَّخَرٌ، فَألْحَقُوا بِها كُلَّ ما كانَ في مَعْناها لِكَوْنِهِ مُقْتاتًا ومُدَّخَرًا، ولَمْ يَرَيا أنَّ في الأشْجارِ مُقْتاتًا ولا مُدَّخَرًا غَيْرَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ؛ فَلَمْ يُشارِكْهُما في العِلَّةِ غَيْرُهُما مِنَ الثِّمارِ، ولِذا قالَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِ مالِكٍ بِوُجُوبِها في التِّينِ (p-٥٠٥)عَلى أُصُولِ مَذْهَبِ مالِكٍ؛ لِأنَّهُ كالزَّبِيبِ في الِاقْتِياتِ والِادِّخارِ.
وَقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: الظّاهِرُ أنَّ مالِكًا ما كانَ يَعْلَمُ أنَّ التِّينَ كَذَلِكَ، وأمّا الحُبُوبُ فَيُوجَدُ فِيها الِاقْتِياتُ والِادِّخارُ، فَألْحَقا بِالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ كُلَّ ما كانَ مُقْتاتًا مُدَّخَرًا، كالأرُزِّ، والذُّرةِ، والدُّخْنِ، والقَطانِيِّ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهو إلْحاقٌ مِنهُما - رَحِمَهُما اللَّهُ - لِلْمَسْكُوتِ بِالمَنطُوقِ؛ بِجامِعِ العِلَّةِ الَّتِي هي عِنْدَهُما الِاقْتِياتُ والِادِّخارُ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مُقْتاتًا مُدَّخَرًا مُناسِبٌ لِوُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِيهِ؛ لِاحْتِياجِ المَساكِينِ إلى قُوتٍ يَأْكُلُونَ مِنهُ ويَدَّخِرُونَ.
وَأمّا أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَحُجَّتُهُ في قَوْلِهِ: إنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ فِيما يَبْقى ويَيْبَسُ ويُكالُ، أمّا ما لا يَيْبَسُ ولا يَبْقى، كالفَواكِهِ، والخُضْراواتِ، لَمْ تَكُنْ تُؤْخَذُ مِنهُ الزَّكاةُ في زَمَنِهِ ﷺ ولا زَمَنِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ.
وَدَلِيلُهُ في اشْتِراطِهِ الكَيْلَ قَوْلُهُ - ﷺ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ»، قالَ: فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ مَحَلَّ الواجِبِ في الوَسْقِ، وهو خاصٌّ بِالمَكِيلِ، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
أمّا دَلِيلُ الجُمْهُورِ مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عَلى أنَّ الفَواكِهَ والخُضْراواتِ لا زَكاةَ فِيها فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ الخُضْراواتِ كانَتْ كَثِيرَةً بِالمَدِينَةِ جِدًّا، والفَواكِهَ كانَتْ كَثِيرَةً بِالطّائِفِ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ ولا عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِهِ أنَّهُ أخَذَ الزَّكاةَ مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وقَدْ كانَ بِالطّائِفِ الرُّمّانُ، والفِرْسِكُ، والأُتْرُجُّ، فَما اعْتَرَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا ذَكَرَهُ، ولا أحَدٌ مِن خُلَفائِهِ، قُلْتُ: وهَذا وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ في الأحْكامِ هو الصَّحِيحُ في المَسْألَةِ، وأنَّ الخُضْراواتِ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ، وأمّا الآيَةُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيها: هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ، أوْ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّدْبِ ؟ ولا قاطِعَ يُبَيِّنُ أحَدَ مَحامِلِها، بَلِ القاطِعُ المَعْلُومُ ما ذَكَرَهُ ابْنُ بُكَيْرٍ في أحْكامِهِ: أنَّ الكُوفَةَ افْتُتِحَتْ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ وبَعْدَ اسْتِقْرارِ الأحْكامِ بِالمَدِينَةِ، أفَيَجُوزُ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ، أوْ مَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ أنْ تَكُونَ شَرِيعَةٌ مِثْلُ هَذِهِ عُطِّلَتْ فَلَمْ يُعْمَلْ بِها في دارِ الهِجْرَةِ ومُسْتَقِرِّ الوَحْيِ، ولا خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ حَتّى عَمِلَ بِذَلِكَ الكُوفِيُّونَ ؟ إنَّ هَذِهِ لَمُصِيبَةٌ فِيمَن ظَنَّ هَذا، أوْ قالَ بِهِ.
قُلْتُ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا مِن مَعْنى التَّنْزِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، أتُراهُ يَكْتُمُ شَيْئًا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ (p-٥٠٦)أوْ بَيانِهِ ؟ حاشاهُ مِن ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ومِن كَمالِ الدِّينِ كَوْنُهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الخُضْراواتِ شَيْئًا، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فِيما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ: إنَّ المَقاثِئَ كانَتْ تَكُونُ عِنْدَنا تَخْرُجُ عَشَرَةَ آلافٍ فَلا يَكُونُ فِيها شَيْءٌ. وقالَ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ: تُزَكّى أثْمانُ الخُضَرِ إذا أيْنَعَتْ وبَلَغَ الثَّمَنُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وقالَهُ الأوْزاعِيُّ في ثَمَنِ الفَواكِهِ، ولا حُجَّةَ في قَوْلِهِما لِما ذَكَرْنا.
وَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ «عَنْ مُعاذٍ: أنَّهُ كَتَبَ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَسْألُهُ عَنِ الخُضْراواتِ، وهي البُقُولُ، فَقالَ: ”لَيْسَ فِيها شَيْءٌ“»، وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ جابِرٍ، وأنَسٍ، وعَلِيٍّ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وأبِي مُوسى، وعائِشَةَ، ذَكَرَ أحادِيثَهُمُ الدّارَقُطْنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وقالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ يَصِحُّ في هَذا البابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ، واحْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِحَدِيثِ صالِحِ بْنِ مُوسى عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «فِيما أنْبَتَتِ الأرْضُ مِنَ الخُضَرِ زَكاةٌ»، قالَ أبُو عُمَرَ: وهَذا حَدِيثٌ لَمْ يَرْوِهِ مِن ثِقاتِ أصْحابِ مَنصُورٍ أحَدٌ هَكَذا، وإنَّما هو مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ.
قُلْتُ وإذا سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ لِضَعْفِ أسانِيدِها، لَمْ يَبْقَ إلّا ما ذَكَرْناهُ مِن تَخْصِيصِ عُمُومِ الآيَةِ، وعُمُومِ قَوْلِهِ - ﷺ: «فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ»، بِما ذَكَرْنا. اهـ. كَلامُ القُرْطُبِيِّ.
وَحُجَّةُ مَن قالَ: بِأنَّهُ لا زَكاةَ في غَيْرِ الأرْبَعَةِ المُجْمَعِ عَلَيْها الَّتِي هي: الحِنْطَةُ، والشَّعِيرُ، والتَّمْرُ، والزَّبِيبُ، هي الأحادِيثُ الَّتِي قَدَّمْنا في أوَّلِ هَذا المَبْحَثِ، وفِيها حَدِيثُ مُعاذٍ وأبِي مُوسى الَّذِي تَقَدَّمَ عَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّهُ قَوِيٌّ مُتَّصِلٌ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الخُضَرِ زَكاةٌ إلّا ما كانَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ باقِيَةٌ، سِوى الزَّعْفَرانِ ونَحْوِهِ مِمّا يُوزَنُ فَفِيهِ الزَّكاةُ، وكانَ مُحَمَّدٌ يَعْتَبِرُ في العُصْفُرِ، والكَتّانِ، والبِزْرِ، فَإذا بَلَغَ بِزْرُهُما مِنَ القُرْطُمِ والكَتّانِ خَمْسَةَ أوْسُقٍ؛ كانَ العُصْفُرُ والكَتّانُ تَبَعًا لِلْبِزْرِ، وأُخِذَ مِنهُ العُشْرُ أوْ نِصْفُ العُشْرِ، وأمّا القُطْنُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أحْمالٍ شَيْءٌ، والحِمْلُ ثَلاثُمِائَةِ مِن بِالعِراقِيِّ، والوَرْسُ والزَّعْفَرانُ لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أمْنانٍ مِنهُما شَيْءٌ، فَإذا بَلَغَ أحَدُهُما خَمْسَةَ أمْنانٍ كانَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: وكَذَلِكَ قَصَبُ السُّكَّرِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ السُّكَّرُ، ويَكُونُ في أرْضِ العُشْرِ دُونَ أرْضِ الخَراجِ فِيهِ ما في الزَّعْفَرانِ، وأوْجَبَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ الزَّكاةَ في أُصُولِ الثِّمارِ دُونَ البُقُولِ، وهو مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ أهْلُ مَذْهَبِهِ مالِكٌ وأصْحابُهُ. قالَهُ القُرْطُبِيُّ.
* *
(p-٥٠٧)تَنْبِيهٌ
مَن قالَ: لا زَكاةَ في الرُّمّانِ، وهم جُمْهُورُ العُلَماءِ، ومَن قالَ: لا زَكاةَ في الزَّيْتُونِ، يَلْزَمُ عَلى قَوْلِ كُلٍّ مِنهم أنْ تَكُونَ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾، مَنسُوخَةً أوْ مُرادًا بِها غَيْرُ الزَّكاةِ؛ لِأنَّها عَلى تَقْدِيرِ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّها في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، لا يُمْكِنُ مَعَها القَوْلُ بِعَدَمِ زَكاةِ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ؛ لِأنَّها عَلى ذَلِكَ صَرِيحَةٌ فِيها؛ لِأنَّ المَذْكُوراتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾، يَرْجِعُ إلى كُلِّها الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾، كَما هو واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ. فَيَدْخُلُ فِيهِ الزَّيْتُونُ والرُّمّانُ دُخُولًا أوَّلِيًّا لا شَكَّ فِيهِ، فَقَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ بِعَدَمِ الزَّكاةِ في الرُّمّانِ يُقَوِّي القَوْلَ بِنَسْخِ الآيَةِ، أوْ أنَّها في غَيْرِ الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وعَنْأبِي يُوسُفَ: أنَّهُ أوْجَبَ الزَّكاةَ في الحِنّاءِ، واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ داوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظّاهِرِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَوِيٌّ جِدًّا مِن جِهَةِ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ما أنْبَتَتْهُ الأرْضُ ضَرْبانِ: مُوسَقٌ، وغَيْرُ مُوسَقٍ، فَما كانَ مُوسَقًا وجَبَتِ الزَّكاةُ فِيما بَلَغَ مِنهُ خَمْسَةَ أوْسُقٍ؛ لِقَوْلِهِ - ﷺ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ ولا زَكاةَ فِيما دُونَها مِنهُ»، وما كانَ غَيْرَ مُوسَقٍ فَفي قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ الزَّكاةُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - ﷺ: ”فِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ“، ولا يُخَصَّصُ بِحَدِيثِ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ»؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوسَقٍ أصْلًا.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ هو أسْعَدُ الأقْوالِ بِظاهِرِ النُّصُوصِ وفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَها، إلّا أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا مِن أنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْخُضْراواتِ مَعَ كَثْرَتِها في المَدِينَةِ، ولا الفَواكِهِ مَعَ كَثْرَتِها بِالطّائِفِ، ولَوْ كانَ العُمُومُ شامِلًا لِذَلِكَ لَبَيَّنَهُ ﷺ وإذا عَرَفْتَ كَلامَ العُلَماءِ في تَعْيِينِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، وأدِلَّةَ أقْوالِهِمْ مِمّا ذَكَرْنا.
فاعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ قالُوا: لا تَجِبُ الزَّكاةُ إلّا في خَمْسَةِ أوْسُقٍ فَصاعِدًا؛ لِقَوْلِهِ - ﷺ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» الحَدِيثَ. أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وأصْحابُهم، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وأبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، ومَكْحُولٍ، والحَكَمِ، والنَّخَعِيِّ، وأهْلِ المَدِينَةِ، والثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ، وابْنِ أبِي (p-٥٠٨)لَيْلى، وأبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ، وسائِرِ أهْلِ العِلْمِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ وغَيْرُهُ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: لا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فِيهِ إلّا أبا حَنِيفَةَ، ومَن تابَعَهُ، ومُجاهِدًا، وقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الوَسْقَ سِتُّونَ صاعًا، وهو بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِها والفَتْحُ أشْهَرُ وأفْصَحُ، وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ اسْمٌ وبِالفَتْحِ مَصْدَرٌ، ويُجْمَعُ عَلى أوْسُقٍ في القِلَّةِ وأوْساقٍ، وعَلى وُسُوقٍ في الكَثْرَةِ. واعْلَمْ أنَّ الصّاعَ أرْبَعَةُ أمْدادٍ بِمُدِّهِ ﷺ والمُدُّ بِالتَّقْرِيبِ: مِلْءُ اليَدَيْنِ المُتَوَسِّطَتَيْنِ، لا مَقْبُوضَتَيْنِ ولا مَبْسُوطَتَيْنِ، وتَحْدِيدُهُ بِالضَّبْطِ وزْنُ رِطْلٍ وثُلُثٍ بِالبَغْدادِيِّ، فَمَبْلَغُ الخَمْسَةِ الأوْسُقِ مِنَ الأمْدادِ ألْفُ مُدٍّ ومِائَتا مُدٍّ، ومِنَ الصِّيعانِ ثَلاثُمِائَةٍ، وهي بِالوَزْنِ ألْفُ رِطْلٍ وسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ، والرِّطْلُ: وزْنُ مِائَةٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا مَكِّيًّا، وزادَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أرْبَعَةَ أسْباعِ دِرْهَمٍ، كُلُّ دِرْهَمٍ وزْنُ خَمْسِينَ وخُمُسَيْ حَبَّةٍ مِن مُطْلَقِ الشَّعِيرِ، كَما حَرَّرَهُ عُلَماءُ المالِكِيَّةِ، ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن أدْرى النّاسِ بِحَقِيقَةِ المُدِّ والصّاعِ كَما هو مَعْلُومٌ، وقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.
وَأمّا الحُكْمُ الثّالِثُ مِن أحْكامِ هَذِهِ المَسْألَةِ الثّالِثَةِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذا المَبْحَثِ، وهو تَعْيِينُ القَدْرِ الواجِبِ إخْراجُهُ، فَلا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَماءِ وهو العُشْرُ فِيما لَيْسَ في سَقْيِهِ مَشَقَّةٌ، كالَّذِي يَسْقِيهِ المَطَرُ، أوِ النَّهَرُ، أوْ عُرُوقُهُ في الأرْضِ، وأمّا ما يُسْقى بِالآلَةِ كالَّذِي يُسْقى بِالنَّواضِحِ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ، وهَذا ثابِتٌ عَنْهُ ﷺ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وابْنِ عُمَرَ، فَإنْ سَقى تارَةً بِمَطَرِ السَّماءِ مَثَلًا، وتارَةً بِالسّانِيَةِ فَإنِ اسْتَوَيا فَثَلاثَةُ أرْباعِ العُشْرٍ، بِلا خِلافٍ بَيْنَ العُلَماءِ، وإنْ كانَ أحَدُ الأمْرَيْنِ أغْلَبَ فَقِيلَ: يُغَلَّبُ الأكْثَرُ ويَكُونُ الأقَلُّ تَبَعًا لَهُ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، وأبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وعَطاءٌ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وقِيلَ: يُؤْخَذُ بِالتَّقْسِيطِ، وهَذانِ القَوْلانِ كُلٌّ مِنهُما شَهَرَهُ بَعْضُ المالِكِيَّةِ، وحَكى بَعْضُهم رِوايَةً عَنْ مالِكٍ: أنَّ المُعْتَبَرَ ما حَيِيَ بِهِ الزَّرْعُ وتَمَّ، ومِمَّنْ قالَ بِالتَّقْسِيطِ مِنَ الحَنابِلَةِ: ابْنُ حامِدٍ، فَإنْ جَهِلَ المِقْدارَ وجَبَ العُشْرُ احْتِياطًا، كَما نَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رِوايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَهُ في ”المُغْنِي“؛ وعَلَّلَهُ بِأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ العُشْرِ وإنَّما يَسْقُطُ نِصْفُهُ بِتَحَقُّقِ الكُلْفَةِ، وإذا لَمْ يَتَحَقَّقِ المُسْقِطِ وجَبَ البَقاءُ عَلى الأصْلِ وهو ظاهِرٌ جِدًّا. وإنِ اخْتَلَفَ السّاعِي ورَبُّ المالِ في أيِّهِما سَقى بِهِ أكْثَرُ ؟ فالقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ المالِ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأنَّ النّاسَ لا يُسْتَحْلَفُونَ عَلى صَدَقاتِهِمْ، ولا وقْصَ في الحُبُوبِ والثِّمارِ، بَلْ كُلُّ ما زادَ عَلى النِّصابِ أُخْرِجَ مِنهُ بِحَسَبِهِ.
* *
(p-٥٠٩)مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ
المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ قَدَّمْنا إجْماعَ العُلَماءِ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في التَّمْرِ والزَّبِيبِ، وجُمْهُورِهِمْ عَلى أنَّهُما يُخْرَصانِ إذا بَدا صَلاحُهُما؛ لِأنَّ المالِكِينَ يَحْتاجُونَ إلى أكْلِ الرُّطَبِ والعِنَبِ؛ فَبِسَبَبِ ذَلِكَ شُرِعَ خَرْصُ التَّمْرِ والعِنَبِ، ويُخْرَصُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَجَرَةً شَجَرَةً، حَتّى يُعْلَمَ قَدْرُ ما في الجَمِيعِ الآنَ مِنَ الأوْساقِ، ثُمَّ يَسْقُطُ مِنهُ قَدْرُ ما يَنْقُصُهُ الجَفافُ، فَلَوْ كانَ فِيهِ خَمْسَةُ أوْسُقٍ مِنَ العِنَبِ أوِ الرُّطَبِ، وإذا جَفَّ كانَتْ أرْبَعَةَ أوْسُقٍ مَثَلًا، فَلا زَكاةَ فِيهِ؛ لِأنَّ النِّصابَ مُعْتَبَرٌ مِنَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ اليابِسَيْنِ، لا مِنَ الرُّطَبِ والعِنَبِ، وإذا خَرَصَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا خَلّى بَيْنَ مالِكِيهِ وبَيْنَهُ، وبَعْدَ الجِذاذِ يَأْتُونَ بِقَدْرِ الزَّكاةِ عَلى الخَرْصِ المَذْكُورِ تَمْرًا أوْ زَبِيبًا، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الِاحْتِياطِ لِلْفُقَراءِ، والرِّفْقِ بِأرْبابِ الثِّمارِ، فَإنْ أصابَتْهُ بَعْدَ الخَرْصِ جائِحَةٌ، اعْتُبِرَتْ، وسَقَطَتْ زَكاةُ ما اجْتاحَتْهُ الجائِحَةُ، فَإنْ بَقِيَ بَعْدَها خَمْسَةُ أوْسُقٍ فَصاعِدًا أخْرَجَ الزَّكاةَ، وإلّا فَلا. ولا خِلافَ في اعْتِبارِ الجائِحَةِ بَعْدَ الخَرْصِ بَيْنَ العُلَماءِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِخَرْصِ النَّخِيلِ والأعْنابِ: الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى - وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وسَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ، ومَرْوانُ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وعَبْدُ الكَرِيمِ بْنِ أبِي المُخارِقِ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّ الخَرْصَ بِدْعَةٌ، ومَنَعَهُ الثَّوْرِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: الخَرْصُ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ لا يَلْزَمُ بِهِ حُكْمٌ، وإنَّما كانَ الخَرْصُ تَخْوِيفًا لِلْقائِمِينَ عَلى الثِّمارِ؛ لِئَلّا يَخُونُوا، فَأمّا أنْ يَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ فَلا.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لا يَخْفى أنَّ هَذا القَوْلَ تُبْطِلُهُ نُصُوصُ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ مِن حَدِيثِ أبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ ”تَبُوكَ“ فَأتَيْنا وادِيَ القُرى عَلى حَدِيقَةٍ لِامْرَأةٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: ”اخْرِصُوها“، فَخَرَصْناها، وخَرَصَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَةَ أوْسُقٍ، وقالَ: ”أحْصِيها حَتّى نَرْجِعَ إلَيْكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ“، وانْطَلَقْنا حَتّى قَدِمْنا تَبُوكَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
قالَ: ”ثُمَّ أقْبَلْنا حَتّى قَدِمْنا وادِيَ القُرى، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَرْأةَ عَنْ حَدِيقَتِها (p-٥١٠)كَمْ بَلَغَ ثَمَرُها ؟ قالَتْ: بَلَغَ عَشْرَةَ أوْسُقٍ“»، فَهَذا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الخَرْصِ، كَما تَرى.
وَعَنْ عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَبْعَثُ عَلى النّاسِ مَن يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهم وثِمارَهم» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ.
وَعَنْ عَتّابٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيْضًا قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُخْرَصَ العِنَبُ، كَما يُخْرَصُ النَّخْلُ، فَتُؤْخَذُ زَكاتُهُ زَبِيبًا كَما تُؤْخَذُ صَدَقَةُ النَّخْلِ تَمْرًا»، أخْرَجَهُ أيْضًا أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ.
والتَّحْقِيقُ في حَدِيثِ عَتّابٍ هَذا: أنَّهُ مِن مَراسِيلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ عَتّابًا؛ لِأنَّ مَوْلِدَ سَعِيدٍ في خِلافَةِ عُمَرَ، وعَتّابٌ ماتَ يَوْمَ ماتَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وقَدْ أثْبَتَ الحُجَّةَ بِمَراسِيلِ سَعِيدٍ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَقُولُونَ بِعَدَمِ الِاحْتِجاجِ بِالمُرْسَلِ، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: إنَّ مِن أصْحابِنا: مَن قالَ يُحْتَجُّ بِمَراسِيلِ ابْنِ المُسَيَّبِ مُطْلَقًا، والأصَحُّ أنَّهُ إنَّما يُحْتَجُّ بِمَراسِيلِهِ إذا اعْتَضَدَتْ بِأحَدِ أرْبَعَةِ أُمُورٍ: أنْ يُسْنِدَ، أوْ يُرْسِلَ مِن جِهَةٍ أُخْرى، أوْ يَقُولَ بِهِ بَعْضُ الصَّحابَةِ، أوْ أكْثَرُ العُلَماءِ، وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ هُنا؛ فَقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ مِنَ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينِ، ومَن بَعْدَهم عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في التَّمْرِ، والزَّبِيبِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وبِما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ تَعْلَمُ اتِّفاقَ الشّافِعِيَّةِ عَلى الِاحْتِجاجِ بِهَذا المُرْسَلِ، والأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ يَحْتَجُّونَ بِالمُرْسَلِ مُطْلَقًا، فَظَهَرَ إجْماعُ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ عَلى الِاحْتِجاجِ بِمِثْلِ هَذا المُرْسَلِ، ورَوى هَذا الحَدِيثَ الدّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ الواقِدِيُّ مُتَّصِلًا، فَقالَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ.
وَعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ، فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أنْ يُؤْكَلَ مِنهُ، ثُمَّ يُخَيِّرُ يَهُودَ يَأْخُذُونَهُ بِذَلِكَ الخَرْصِ، أوْ يَدْفَعُونَهُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ الخَرْصِ؛ لِكَيْ يُحْصِيَ الزَّكاةَ قَبْلَ أنْ تُؤَكِّلَ الثِّمارُ وتُفَرِّقَ»، أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وقَدْ أُعِلَّ بِأنَّ فِيهِ واسِطَةً بَيْنَ ابْنِ جُرَيْجٍ والزُّهْرِيِّ، ولَمْ يُعْرَفْ، وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ والدّارَقُطْنِيُّ بِدُونِ الواسِطَةِ المَذْكُورَةِ، وابْنُ جُرَيْجٍ مُدَلِّسٌ؛ فَلَعَلَّهُ تَرَكَها تَدْلِيسًا، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وقالَ ذَكَرَ الدّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلافَ فِيهِ قالَ: فَرَواهُ صالِحُ بْنُ أبِي الأخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأرْسَلَهُ مَعْمَرٌ، ومالِكٌ، وعَقِيلٌ: فَلَمْ يَذْكُرُوا أبا (p-٥١١)هُرَيْرَةَ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أخْبَرَنِي أبُو الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ جابِرًا يَقُولُ: خَرَصَها ابْنُ رَواحَةَ أرْبَعِينَ ألْفَ وسَقٍ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا: رَوى أحْمَدُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّهُ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ إلى خَيْبَرَ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ»، الحَدِيثَ.
وَرَوى أبُو داوُدَ والدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ: «لَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ خَيْبَرَ أقَرَّهم، وجَعَلَها بَيْنَهُ وبَيْنَهم، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ فَخَرَصَها عَلَيْهِمْ»، الحَدِيثَ، ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَرَوى الدّارَقُطْنِيُّ «عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ: ”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أباهُ خارِصًا، فَجاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبا حَثْمَةَ قَدْ زادَ عَلَيَّ»“ الحَدِيثَ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ حَدِيثَ عَتّابٍ، وحَدِيثَ عائِشَةَ اللَّذَيْنِ قَدَّمْناهُما، ثُمَّ قالَ وفي الصَّحابَةِ، لِأبِي نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ الصَّلْتِ بْنِ زُبَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَهُ عَلى الخَرْصِ، فَقالَ: ”أثْبِتْ لَنا النِّصْفَ، وأبْقِ لَهُمُ النِّصْفَ، فَإنَّهم يَسْرِقُونَ، ولا نَصِلُ إلَيْهِمْ“» .
فَبِهَذا الَّذِي ذَكَرْنا كُلِّهِ تَعْلَمُ أنَّ الخَرْصَ حَكَمٌ ثابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا ظَنٌّ وتَخْمِينٌ باطِلٌ، بَلْ هو اجْتِهادٌ ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ في مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ، وإدْراكُهُ بِالخَرْصِ الَّذِي هو نَوْعٌ مِنَ المَقادِيرِ والمَعايِيرِ، فَهو كَتَقْوِيمِ المَتْلَفاتِ، ووَقْتُ الخَرْصِ حِينَ يَبْدُوَ صَلاحُ الثَّمَرِ، كَما قَدَّمْنا لِما قَدَّمْنا مِنَ الرِّوايَةِ: «بِأنَّهُ ﷺ كانَ يَبْعَثُ الخارِصَ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أنْ يُؤْكَلَ»، ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ العُلَماءِ.
والجُمْهُورُ القائِلُونَ بِالخَرْصِ اخْتَلَفُوا في حُكْمِهِ، فَقِيلَ: هو سُنَّةٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَأْمُرُ بِهِ، وقِيلَ: واجِبٌ؛ لِما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ عَتّابٍ مِن قَوْلِهِ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُخْرَصَ العِنَبُ»، الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ، قالُوا: الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، ولِأنَّهُ إنْ تَرَكَ الخَرْصَ قَدْ يَضِيعُ شَيْءٌ مِن حَقِّ الفُقَراءِ، والأظْهَرُ عَدَمُ الوُجُوبِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ بِأنَّ هَذا الأمْرَ واجِبٌ يَسْتَوْجِبُ تَرْكُهُ العِقابَ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ ظاهِرٍ قَوِيٍّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ القائِلُونَ بِالخَرْصِ، هَلْ عَلى الخارِصِ أنْ يَتْرُكَ شَيْئًا ؟، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عَلَيْهِ أنْ يَتْرُكَ الثُّلُثَ أوِ الرُّبْعَ، لِما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ إلّا ابْنَ ماجَهْ، وابْنَ حِبّانَ، والحاكِمَ، وصَحَّحاهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ (p-٥١٢)رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إذا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا، ودَعُوا الثُّلُثَ، فَإنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبْعَ»، فَإنْ قِيلَ في إسْنادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ نِيارٍ الرّاوِي، عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ، وقَدْ قالَ البَزّارُ: إنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ، وقالَ ابْنُ القَطّانِ: لا يُعْرَفُ حالُهُ، فالجَوابُ: أنَّ لَهُ شاهِدًا بِإسْنادٍ مُتَّفَقٍ عَلى صِحَّتِهِ: " أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أمَرَ بِهِ، قالَهُ الحاكِمُ، ومِن شَواهِدِهِ: ما رَواهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا: «خَفِّفُوا في الخَرْصِ»، الحَدِيثَ، وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ الإمامُ أحْمَدُ، وإسْحاقُ، واللَّيْثُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وغَيْرُهم، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ، والصَّحِيحُ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ: أنَّ الخارِصَ لا يَتْرُكُ شَيْئًا.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والقَوْلُ بِأنَّهُ يَتْرُكُ الثُّلُثَ أوِ الرُّبْعَ هو الصَّوابُ؛ لِثُبُوتِ الحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَثْبُتْ ما يُعارِضُهُ؛ ولِأنَّ النّاسَ يَحْتاجُونَ إلى أنْ يَأْكُلُوا ويُطْعِمُوا جِيرانَهم، وضُيُوفَهم، وأصْدِقاءَهم، وسُؤّالَهم؛ ولِأنَّ بَعْضَ الثَّمَرِ يَتَساقَطُ، وتَنْتابُهُ الطَّيْرُ، وتَأْكُلُ مِنهُ المارَّةُ، فَإنْ لَمْ يَتْرُكْ لَهُمُ الخارِصُ شَيْئًا، فالظّاهِرُ أنَّ لَهُمُ الأكْلَ بِقَدْرِ ما كانَ يَلْزَمُ إسْقاطُهُ، ولا يَحْسَبُ عَلَيْهِمْ.
وَهَذا مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو مُقْتَضى ما دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ المَذْكُورُ، فَإنْ زادَ الثَّمَرُ أوْ نَقَصَ عَمّا خَرَصَهُ بِهِ الخارِصُ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا زَكاةَ عَلَيْهِ فِيما زادَ، وتَلْزَمُهُ فِيما نَقَصَ؛ لِأنَّهُ حُكْمٌ مَضى.
وَقالَ بَعْضُهم: يُنْدَبُ الإخْراجُ في الزّائِدِ، ولا تَسْقُطُ عَنْهُ زَكاةُ ما نَقَصَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ، أمّا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ، فَلا شَكَّ أنَّهُ لا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكاةُ شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ، وأمّا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ، فَإنَّها قَدْ تَجِبُ عَلَيْهِ، قالَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في ”مُخْتَصَرِهِ“: وإنْ زادَتْ عَلى تَخْرِيصِ عارِفٍ فالأحَبُّ الإخْراجُ، وهَلْ عَلى ظاهِرِهِ أوِ الوُجُوبِ ؟ تَأْوِيلانِ.
قالَ شارِحُهُ المَوّاقُ مِنَ المُدَوِّنَةِ: قالَ مالِكٌ: مَن خَرَصَ عَلَيْهِ أرْبَعَةَ أوْسُقٍ فَرَفَعَ خَمْسَةَ أوْسُقٍ أحْبَبْتُ لَهُ أنْ يُزَكِّيَ ابْنُ يُونُسَ، قالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: لَفْظَةُ أحْبَبْتُ ها هُنا عَلى الإيجابِ، وهو صَوابٌ كالحاكِمِ يَحْكُمُ بِحُكْمٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ أنَّهُ خَطَأٌ صُراحٌ. ابْنُ عَرَفَةَ، عَلى هَذا حَمَلَها الأكْثَرُ، وحَمَلَها ابْنُ رَشِيدٍ، وعِياضٌ عَلى الِاسْتِحْبابِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ووُجُوبُ الزَّكاةِ في الزّائِدِ هو الأظْهَرُ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المالِكِيَّةِ، وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وأمّا النَّقْصُ: فَإذا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أنَّها نَقَصَتْ عَمّا خُرِصَتْ بِهِ، (p-٥١٣)فالظّاهِرُ أنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ زَكاةُ ما نَقَصَتْ بِهِ، وإنِ ادَّعى غَلَطَ الخارِصِ.
فَقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَمْ تُقْبَلْ دَعْواهُ لِأنَّ الخارِصَ أمِينٌ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تُقْبَلُ دَعْواهُ غَلَطَ الخارِصِ، إذا كانَتْ مُشَبَّهَةً، أمّا إذا كانَتْ بَعِيدَةً، كَدَعْواهُ زِيادَةَ النِّصْفِ أوِ الثُّلُثَيْنِ، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ في الجَمِيعِ، وهَذا التَّفْصِيلُ هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، إلّا أنَّ بَعْضَ الشّافِعِيَّةِ قالَ: يَسْقُطُ عَنْهُ مِنَ الكَثِيرِ الَّذِي ادَّعى قَدْرَ النَّقْصِ الَّذِي تُقْبَلُ دَعْواهُ فِيهِ، وأمّا إنِ ادَّعى أنَّ الخارِصَ جارَ عَلَيْهِ عَمْدًا، فَلا تُقْبَلُ دَعْواهُ عَلَيْهِ بِلا خِلافٍ، كَما لَوِ ادَّعى جَوْرَ الحاكِمِ، أوْ كَذِبَ الشّاهِدِ، وكَذا إذا ادَّعى أنَّهُ غَلِطَ في الخَرْصِ، ولَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ ما زادَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، نَصَّ عَلَيْهِ عُلَماءُ الشّافِعِيَّةِ، وإنِ ادَّعى رَبُّ الثَّمَرِ: أنَّهُ أصابَتْهُ جائِحَةٌ أذْهَبَتْ بَعْضَهُ، فالظّاهِرُ تَصْدِيقُهُ فِيما يُشْبِهُ قَوْلُهُ، كَما لَوِ ادَّعى أنَّ بَعْضَهُ سُرِقَ بِاللَّيْلِ مَثَلًا قِيلَ بِيَمِينٍ.
وَقِيلَ: لا، وإنْ أضافَ هَلاكَ الثَّمَرَةِ إلى سَبَبٍ يُكَذِّبُهُ الحِسُّ، كَأنْ يَقُولَ: هَلَكَتْ بِحَرِيقٍ، وقَعَ في الجَرِينِ في وقْتِ كَذا، وعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَحْتَرِقْ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلى كَلامِهِ، فَإنْ عُلِمَ وُقُوعُ السَّبَبِ الَّذِي ذُكِرَ، وعُمُومُ أثَرِهِ صُدِّقَ بِلا يَمِينٍ، وإنِ اتُّهِمَ حَلَفَ، قِيلَ: وُجُوبًا، وقِيلَ: اسْتِحْبابًا، وإنْ لَمْ يُعْرَفْ عَدَمُ السَّبَبِ المَذْكُورِ ولا وُجُودُهُ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ يُكَلَّفُ بِالبَيِّنَةِ عَلى وُجُودِ أصْلِ السَّبَبِ، ثُمَّ القَوْلُ قَوْلُهُ في الهَلاكِ بِهِ، وهَذا التَّفْصِيلُ الأخِيرُ لِلشّافِعِيَّةِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا يُخْرَصُ غَيْرُ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ، فَلا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، والزَّرْعُ، ولا غَيْرُهُما، وأجازَهُ بَعْضُ العُلَماءِ في الزَّيْتُونِ، وأجازَهُ بَعْضُهم في سائِرِ الحُبُوبِ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في التَّمْرِ، والعِنَبِ لِثَلاثَةِ أُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى الخَرْصِ لَمْ يَرِدْ إلّا فِيهِما كَما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ، وغَيْرِهِ مِنَ الأحادِيثِ.
الثّانِي: أنَّ غَيْرَهُما لَيْسَ في مَعْناهُما؛ لِأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو غالِبًا إلى أكْلِ الرُّطَبِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ تَمْرًا، والعِنَبِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ زَبِيبًا، ولَيْسَ غَيْرُهُما كَذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ ظاهِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ في عُذُوقِها، والعِنَبُ ظاهِرٌ أيْضًا مُجْتَمِعٌ في عَناقِيدِهِ، فَحَرْزُهُما مُمْكِنٌ، بِخِلافِ غَيْرِهِما مِنَ الحُبُوبِ، فَإنَّهُ مُتَفَرِّقٌ في شَجَرِهِ، والزَّرْعُ مُسْتَتِرٌ في سُنْبُلِهِ.
(p-٥١٤)والظّاهِرُ أنَّ ما جَرَتِ العادَةُ بِالحاجَةِ إلى أكْلِهِ لا يُحْسَبُ؛ لِما قَدَّمْنا، وقالَ المالِكِيَّةُ: يُحْسَبُ عَلَيْهِمْ كُلَّما أكَلُوهُ مِنَ الحَبِّ، ولا يُحْسَبُ ما تَأْكُلُهُ الدَّوابُّ في دَرْسِها.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا يَجُوزُ إخْراجُ زَكاةِ الثِّمارِ إلّا مِنَ التَّمْرِ اليابِسِ والزَّبِيبِ اليابِسِ، وكَذَلِكَ زَكاةُ الحُبُوبِ لا يَجُوزُ إخْراجُها إلّا مِنَ الحَبِّ اليابِسِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَماءِ، وأُجْرَةُ القِيامِ عَلى الثِّمارِ والحُبُوبِ حَتّى تَيْبَسَ وتُصَفّى مِن خالِصِ مالِ رَبِّ الثَّمَرَةِ والزَّرْعِ، فَإنْ دَفَعَ زَكاةَ التَّمْرِ بُسْرًا أوْ رَطْبًا، أوْ دَفَعَ زَكاةَ الزَّبِيبِ عِنَبًا، لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ دَفَعَ غَيْرَ الواجِبِ؛ لِأنَّ الواجِبَ تَمْرٌ وزَبِيبٌ يابِسانِ إجْماعًا.
وَقَدْ قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: فَإنْ كانَ المُخْرِجُ لِلرَّطْبِ رَبَّ المالِ لَمْ يُجْزِهِ، ولَزِمَهُ إخْراجُ الفَضْلِ بَعْدَ التَّجْفِيفِ؛ لِأنَّهُ أخْرَجَ غَيْرَ الفَرْضِ فَلَمْ يُجْزِهِ، كَما لَوْ أخْرَجَ الصَّغِيرَ عَنِ الماشِيَةِ الكِبارِ، وهو نَصٌّ صَرِيحٌ مِنهُ في أنَّ الرُّطَبَ غَيْرُ الواجِبِ، وأنَّ مَنزِلَتَهُ مِنَ التَّمْرِ الَّذِي هو الواجِبُ كَمَنزِلَةِ صِغارِ الماشِيَةِ مِنَ الكِبارِ الَّتِي هي الواجِبَةُ في زَكاةِ الماشِيَةِ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ ما نَصُّهُ: فَلَوْ أخْرَجَ الرُّطَبَ والعِنَبَ في الحالِ لَمْ يُجْزِئْهُ بِلا خِلافٍ، ولَوْ أخَذَهُ السّاعِي غَرِمَهُ بِلا خِلافٍ؛ لِأنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وكَيْفَ يَغْرَمُهُ فِيهِ وجْهانِ مَشْهُورانِ ذَكَرَهُما المُصَنِّفُ في آخِرِ البابِ.
الصَّحِيحُ: الَّذِي قَطَعَ بِهِ الجُمْهُورُ، ونَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ.
والثّانِي: يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ وهُما مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ الرُّطَبَ والعِنَبَ مِثْلِيّانِ أمْ لا، والصَّحِيحُ المَشْهُورُ أنَّهُما لَيْسا مِثْلِيَّيْنِ، ولَوْ جَفَّ عِنْدَ السّاعِي، فَإنْ كانَ قَدْرَ الزَّكاةِ أجْزَأ، وإلّا رَدَّ التَّفاوُتَ، أوْ أخَذَهُ، كَذا قالَهُ العِراقِيُّونَ وغَيْرُهم، وحَكى ابْنُ كَجٍّ وجْها أنَّهُ لا يُجْزِئُ بِحالٍ لِفَسادِ القَبْضِ، قالَ الرّافِعِيُّ: وهَذا الوَجْهُ أوْلى والمُخْتارُ ما سَبَقَ. انْتَهى كَلامُ النَّوَوِيِّ بِلَفْظِهِ، وهو صَرِيحٌ في عَدَمِ إجْزاءِ الرُّطَبِ والعِنَبِ بِلا خِلافٍ عِنْدِ الشّافِعِيَّةِ.
وَقالَ صاحِبُ ”المُهَذَّبِ“ ما نَصُّهُ: فَإنْ أخَذَ الرُّطَبَ وجَبَ رَدُّهُ، وإنْ فاتَ وجَبَ رَدُّ قِيمَتِهِ، ومِن أصْحابِنا مَن قالَ: يَجِبُ رَدُّ مِثْلِهِ، والمَذْهَبُ الأوَّلُ لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ؛ لِأنَّهُ يَتَفاوَتُ، ولِهَذا لا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ. اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ، وهو صَرِيحٌ في عَدَمِ إجْزاءِ (p-٥١٥)الرُّطَبِ في زَكاةِ التَّمْرِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا عَنْ عامَّةِ العُلَماءِ مِن أنَّ الزَّكاةَ لا تُؤْخَذُ إلّا مِنَ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ اليابِسَيْنِ، هو مَذْهَبُ مالِكٍ وعامَّةِ أصْحابِهِ وفي المُوَطَّإ ما نَصُّهُ:
قالَ مالِكٌ: الأمْرُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنا أنَّ النَّخْلَ تُخْرَصُ عَلى أهْلِها وثَمَرُها في رُؤُوسِها إذا طابَ وحَلَّ بَيْعُهُ، ويُؤْخَذُ مِنهُ صَدَقَتُهُ تَمْرًا عِنْدَ الجِذاذِ، إلى أنْ قالَ: وكَذَلِكَ العَمَلُ في الكَرْمِ. انْتَهى مَحَلُّ الفَرْضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وفِيهِ تَصْرِيحُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأنَّ الأمْرَ المُجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِن عُلَماءِ زَمَنِهِ، أنَّ الزَّكاةَ تُخْرَجُ تَمْرًا، وهو يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى جَوازَ إخْراجِها مِنَ الرُّطَبِ أوِ البُسْرِ، فَدَعَواهُ مُخالِفَةٌ لِلْأمْرِ المُجْتَمَعِ عَلَيْهِ عِنْدَ مالِكٍ وعُلَماءِ زَمَنِهِ.
وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ: أنَّ البَلَحَ الَّذِي لا يَتَتَمَّرُ والعِنَبَ الَّذِي لا يَتَزَبَّبُ كَبَلَحِ مِصْرَ وعِنَبِها، لا يَجُوزُ الإخْراجُ مِنهُ مَعَ تَعَذُّرِ الواجِبِ الَّذِي هو التَّمْرُ والزَّبِيبُ اليابِسانِ، بَلْ تُدْفَعُ الزَّكاةُ مِن ثَمَنِهِ أوْ قِيمَتِهِ عِنْدَ مالِكٍ وأصْحابِهِ، فَلَمْ يَجْعَلُوا العِنَبَ والرُّطَبَ أصْلًا، ولَمْ يَقْبَلُوهُما بَدَلًا عَنِ الأصْلِ، وقالُوا: بِوُجُوبِ الثَّمَنِ إنْ بِيعَ، والقِيمَةِ إنْ أُكِلَ.
قالَ خَلِيلٌ في مُخْتَصَرِهِ: وثَمَنُ غَيْرِ ذِي الزَّيْتِ وما لا يَجِفُّ، ومُرادُهُ بِقَوْلِهِ: وما لا يَجِفُّ، أنَّ الرُّطَبَ والعِنَبَ اللَّذَيْنِ لا يَيْبَسانِ يَجِبُ الإخْراجُ مِن ثَمَنِهِما لا مِن نَفْسِ الرُّطَبِ والعِنَبِ، وفي المَوّاقِ في شَرْحِ قَوْلِ خَلِيلٍ، وإنْ لَمْ يَجِفَّ ما نَصُّهُ:
قالَ مالِكٌ: إنَّ كانَ رُطَبُ هَذا النَّخْلِ لا يَكُونُ تَمْرًا، ولا هَذا العِنَبُ زَبِيبًا، فَلْيُخْرَصْ أنْ لَوْ كانَ ذَلِكَ فِيهِ مُمْكِنًا، فَإنْ صَحَّ في التَّقْدِيرِ خَمْسَةُ أوْسُقٍ أُخِذَ مِن ثَمَنِهِ. انْتَهى مَحَلُّ الفَرْضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وهو نَصٌّ صَرِيحٌ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا يَرى إخْراجَ الرُّطَبِ، والعِنَبِ في الزَّكاةِ؛ لِعُدُولِهِ عَنْهُما إلى الثَّمَنِ في حالِ تَعَذُّرِ التَّمْرِ والزَّبِيبِ اليابِسَيْنِ، فَكَيْفَ بِالحالَةِ الَّتِي لَمْ يَتَعَذَّرا فِيها.
والحاصِلُ أنَّ إخْراجَ الرُّطَبِ والعِنَبِ عَمّا يَبِسَ مِن رُطَبٍ وعِنَبٍ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ، ولا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا قِياسٍ، وأمّا الَّذِي لا يَيْبَسُ كَبَلَحِ مِصْرَ وعِنَبِها، فَفِيهِ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ بِإجْزاءِ الرُّطَبِ والعِنَبِ، ونُقِلَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ، وسَتَرى - إنْ شاءَ اللَّهُ - في آخِرِ هَذا المَبْحَثِ كَلامَ الشّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يُجْزِئُ إلّا التَّمْرُ والزَّبِيبُ اليابِسانِ دُونَ الرُّطَبِ والعِنَبِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ دَلَّتْ عَلَيْهِ عِدَّةُ أدِلَّةٍ:
(p-٥١٦)الأوَّلُ: هو ما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُخْرَصَ العِنَبُ كَما يُخْرَصُ النَّخْلُ؛ فَتُؤْخَذُ زَكاتُهُ زَبِيبًا كَما تُؤْخَذُ صَدَقَةُ النَّخْلِ تَمْرًا»، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا الحَدِيثَ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ مِن مَراسِيلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وقَدَّمْنا أيْضًا أنَّ الِاحْتِجاجَ بِمِثْلِ هَذا المُرْسَلِ مِن مَراسِيلِ سَعِيدٍ صَحِيحٌ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، فَإذا عَلِمْتَ صِحَّةَ الِاحْتِجاجِ بِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ هَذا، فاعْلَمْ أنَّهُ نَصٌّ صَرِيحٌ في: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِخَرْصِ العِنَبِ والنَّخْلِ، وأنْ تُؤْخَذَ زَكاةُ العِنَبِ زَبِيبًا، وصَدَقَةُ النَّخِيلِ تَمْرًا»، فَمَنِ ادَّعى جَوازَ أخْذِ زَكاةِ النَّخْلِ رُطَبًا أوْ بُسْرًا، فَدَعْواهُ مُخالِفَةٌ لِما أمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ أمَرَ بِأخْذِها في حالِ كَوْنِها تَمْرًا في النَّخْلِ وزَبِيبًا في العِنَبِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الحالَ وصْفٌ لِصاحِبِها، قَيْدٌ لِعامِلِها، فَكَوْنُ زَكاةِ النَّخْلِ تَمْرًا وصْفٌ لَها أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإخْراجِها في حالِ كَوْنِها مُتَّصِفَةً بِهِ، وكَذَلِكَ كَوْنُها تَمْرًا قَيْدٌ لِأخْذِها، فَهو تَقْيِيدٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأخْذِها بِأنْ يَكُونَ في حالِ كَوْنِها تَمْرًا، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّها لا تُؤْخَذُ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الحالِ، كَكَوْنِها رُطَبًا مَثَلًا، وإذا اتَّضَحَ لَكَ أنَّ أخْذَها رُطَبًا - مَثَلًا - مُخالِفٌ لِما أمَرَ بِهِ ﷺ فاعْلَمْ أنَّهُ قالَ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: " «مَن أحْدَثَ في أمْرِنا هَذا ما لَيْسَ مِنهُ، فَهو رَدٌّ»، وفي رِوايَةٍ في الصَّحِيحِ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»، وفي الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ الآيَةَ [النور: ٦٣] .
وَمِمّا يُوَضِّحُ لَكَ أنَّ إخْراجَ الرُّطَبِ مَثَلًا في الزَّكاةِ مُخالِفٌ لِما سَنَّهُ وشَرَعَهُ ﷺ مِن أخْذِها تَمْرًا، وزَبِيبًا يابِسَيْنِ ما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ في بابِ ”كَيْفَ تُؤْخَذُ زَكاةُ النَّخْلِ والعِنَبِ“، فَإنَّهُ قالَ فِيهِ: وأخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ بْنُ أبِي المَعْرُوفِ الفَقِيهُ المِهْرَجانِيُّ، أنْبَأ بِشْرُ بْنُ أحْمَدَ، أنْبَأ أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ نَصْرٍ الحَذّاءُ، ثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إسْحاقَ، أخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ: «أمَرَ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ أنْ يَخْرُصَ العِنَبَ كَما يَخْرُصُ النَّخْلَ، ثُمَّ تُؤَدّى زَكاتُهُ زَبِيبًا كَما تُؤَدّى زَكاةُ النَّخْلِ تَمْرًا»، قالَ: فَتِلْكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في النَّخْلِ والعِنَبِ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ: إخْراجَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ هو سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمُخْرِجُ الرُّطَبِ والعِنَبِ مُخالِفٌ لِسُنَّتِهِ ﷺ كَما تَرى.
الدَّلِيلُ الثّانِي: إجْماعُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ زَكاةَ الثِّمارِ والحُبُوبِ مِن نَوْعِ ما تَجِبُ الزَّكاةُ في عَيْنِهِ، والعَيْنُ الواجِبَةُ فِيها الزَّكاةُ هي: التَّمْرُ والزَّبِيبُ اليابِسانِ، لا الرُّطَبُ (p-٥١٧)والعِنَبُ بِدَلِيلِ إجْماعِ القائِلِينَ بِالنِّصابِ في الثِّمارِ، عَلى أنَّ خَمْسَةَ الأوْسُقِ الَّتِي هي النِّصابُ لا تُعْتَبَرُ مِنَ الرُّطَبِ، ولا مِنَ العِنَبِ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ خَمْسَةُ أوْسُقٍ مِنَ الرُّطَبِ أوِ العِنَبِ، ولَكِنَّها إذا جَفَّتْ نَقَصَتْ عَنْ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، فَلا زَكاةَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ النِّصابَ مُعْتَبَرٌ مِنَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ اليابِسَيْنِ، فَلَوْ أخْرَجَ الزَّكاةَ مِنَ الرُّطَبِ أوِ العِنَبِ لَكانَ مُخْرِجًا مِن غَيْرِ ما تَجِبُ في عَيْنِهِ الزَّكاةُ كَما تَرى، ويَدُلُّ لَهُ ما ذَكَرَهُ الزُّرْقانِيُّ في ”شَرْحِ المُوَطَّإ“، فَإنَّهُ قالَ فِيهِ في شَرْحِ قَوْلِ مالِكٍ: ثُمَّ يُؤَدُّونَ الزَّكاةَ عَلى ما خَرَصَ عَلَيْهِمْ، ما نَصُّهُ: ومَبْنى التَّخْرِيصِ أنْ يَحْزِرَ ما في النَّخْلِ، أوِ العِنَبِ مِنَ التَّمْرِ اليابِسِ إذا جَذَّ، عَلى حَسَبِ جِنْسِهِ، وما عَلِمَ مِن حالِهِ أنَّهُ يَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ الإتْمارِ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تُؤْخَذُ مِنهُ تَمْرًا. انْتَهى مَحَلُّ الفَرْضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ أنَّ لَفْظَةَ إنَّما لِلْحَصْرِ وهو الحَقُّ، فَقَوْلُ الزُّرْقانِيِّ: لِأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تُؤْخَذُ مِنهُ تَمْرًا، مَعْناهُ: حَصْرُ أخْذِ زَكاةِ النَّخْلِ في خُصُوصِ التَّمْرِ دُونَ غَيْرِهِ مِن رُطَبٍ ونَحْوِهِ؛ مُعَلِّلًا بِذَلِكَ اعْتِبارَ النِّصابِ مِنَ التَّمْرِ اليابِسِ؛ لِأنَّ الإخْراجَ مِمّا تَجِبُ في عَيْنِهِ الزَّكاةُ مِنَ الثِّمارِ والحُبُوبِ وهو واضِحٌ، ولا يَرُدُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ وقْتَ وُجُوبِ الزَّكاةِ هو وقْتُ طِيبِ الثَّمَرِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ يابِسًا؛ لِإجْماعِ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ إخْراجُها بِالفِعْلِ إلّا بَعْدَ أنْ يَصِيرَ تَمْرًا يابِسًا؛ ولِإجْماعِهِمْ أيْضًا عَلى أنَّهُ إنْ أصابَتْهُ جائِحَةٌ اعْتُبِرَتْ، فَتَسْقُطُ زَكاةُ ما أُجِيحَ، كَما تَسْقُطُ زَكاةُ الكُلِّ إنْ لَمْ يَبْقَ مِنهُ نِصابٌ، وسَيَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ.
الدَّلِيلُ الثّالِثُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَأْخُذُها تَمْرًا بَعْدَ الجِذاذِ»، لا بَلَحًا، ولا رُطَبًا، واللَّهُ جَلَّ وعَلا يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٢١]، ويَقُولُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٧]، ويَقُولُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨٠]، ويَقُولُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٣١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“، بابُ ”أخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرامِ النَّخْلِ“: وهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ الصَّدَقَةَ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الأسَدِيُّ، حَدَّثَنا أبِي، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرامِ النَّخْلِ، فَيَجِيءُ هَذا بِتَمْرِهِ، وهَذا مِن تَمْرِهِ، حَتّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِن تَمْرٍ، فَجَعَلَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يَلْعَبانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأخَذَ أحَدُهُما تَمْرَةً فَجَعَلَها في فِيهِ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخْرَجَها مِن فِيهِ، فَقالَ: " أما (p-٥١٨)عَلِمْتَ أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ» . اهـ.
فَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّهُ ﷺ كانَ يَأْخُذُ صَدَقَةَ النَّخْلِ تَمْرًا بَعْدَ الجِذاذِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ بَعْدَ لَفْظَةِ كانَ في نَحْوِ: كانَ يَفْعَلُ كَذا، تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ التَّكْرارِ والمُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فَقَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ في هَذا الحَدِيثِ المَرْفُوعِ الصَّحِيحِ: «كانَ ﷺ ”يُؤْتى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرامِ النَّخْلِ»“ .
الحَدِيثُ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ إخْراجَ التَّمْرِ عِنْدَ الجِذاذِ هو الَّذِي كانَ يَفْعَلُ دائِمًا في زَمَنِهِ ﷺ وهو الَّذِي يَأْخُذُ في الزَّكاةِ ذَلِكَ التَّمْرَ اليابِسَ، فَمَنِ ادَّعى جَوازَ إخْراجِ زَكاةِ النَّخْلِ رُطَبًا أوْ بَلَحًا، فَهو مُخالِفٌ لِما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في شَرْحِ هَذا الحَدِيثِ المَذْكُورِ آنِفًا ما نَصُّهُ: ”قالَ الإسْماعِيلِيُّ: قَوْلُهُ عِنْدَ صِرامِ النَّخْلِ، أيْ: بَعْدَ أنْ يَصِيرَ تَمْرًا؛ لِأنَّ النَّخْلَ قَدْ يُصْرَمُ وهو رُطَبٌ، فَيُتْمَرُ في المِرْبَدِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَتَطاوَلُ، فَحَسُنَ أنْ يُنْسَبَ إلى الصِّرامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾، فَإنَّ المُرادَ بَعْدَ أنْ يُداسَ ويُنَقّى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ“، اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ وهو واضِحٌ فِيما ذَكَرْنا.
وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ ما يَدَّعِيهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ مِن جَوازِ إخْراجِ زَكاةِ النَّخْلِ رُطَبًا وبُسْرًا غَيْرُ صَحِيحٍ، ولا وجْهَ لَهُ، ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وأمّا إنْ كانَ التَّمْرُ لا يَيْبَسُ، كَبَلَحِ مِصْرَ، وعِنَبِها، فَقَدْ قَدَّمْنا عَنْ مالِكٍ وأصْحابِهِ: أنَّ الزَّكاةَ تُخْرَجُ مِن ثَمَنِهِ إنْ بِيعَ، أوْ قِيمَتِهِ إنْ أُكِلَ، لا مِن نَفْسِ الرُّطَبِ أوِ العِنَبِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ رُشْدٍ قَوْلًا مَرْجُوحًا بِإجْزاءِ الرُّطَبِ والعِنَبِ في خُصُوصِ ما لا يَيْبَسُ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في زَكاةِ ما لا يَيْبَسُ: أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ القِسْمَةَ تَمْيِيزُ حَقٍّ لا بَيْعٌ، فَيَجُوزُ القَسْمُ، ويُجْعَلُ العُشْرُ أوْ نِصْفُهُ مُتَمَيِّزًا في نَخْلاتٍ، ثُمَّ يَنْظُرُ المُصَّدِّقُ، فَإنْ رَأى أنْ يُفَرِّقَ عَلَيْهِمْ فَعَلَ، وإنْ رَأى البَيْعَ وقِسْمَةَ الثَّمَنِ فَعَلَ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ القِسْمَةَ بَيْعٌ فَلا تَجُوزُ في الرُّطَبِ والعِنَبِ، ويَقْبِضُ المُصَّدِّقُ عُشْرَها مَشاعًا بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، ويَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ مِلْكُ المَساكِينِ، ثُمَّ يَبِيعُهُ ويَأْخُذُ ثَمَنَهُ ويُفَرِّقُهُ عَلَيْهِمْ، وهَكَذا الحُكْمُ عِنْدَهُ فِيما إذا احْتِيجَ إلى قَطْعِ الثَّمَرَةِ رُطَبًا، خَوْفًا عَلَيْها مِنَ العَطَشِ ونَحْوِهِ.
وَحُكْمُ هَذِهِ المَسْألَةِ في المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يُخَيِّرُ السّاعِي بَيْنَ أنْ يُقاسِمَ رَبَّ المالِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ الجِذاذِ بِالخَرْصِ، (p-٥١٩)وَيَأْخُذَ نَصِيبَهم نَخْلَةً مُفْرِدَةً، ويَأْخُذَ ثَمَرَتَها، وبَيْنَ أنْ يَجُذَّها ويُقاسِمَهُ إيّاها بِالكَيْلِ، ويَقْسِمَ الثَّمَرَةَ في الفُقَراءِ، وبَيْنَ أنْ يَبِيعَها مِن رَبِّ المالِ أوْ غَيْرِهِ، قَبْلَ الجِذاذِ أوْ بَعْدَهُ، ويَقْسِمَ ثَمَنَها في الفُقَراءِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ عَلَيْهِ الزَّكاةَ مِن تَمْرٍ وزَبِيبٍ يابِسَيْنِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ، وذَكَرَ أنَّ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ، قالَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو حاصِلُ مَذْهَبِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في المَسْألَتَيْنِ، أعْنِي الثَّمَرَ الَّذِي لا يَيْبَسُ، والَّذِي احْتِيجَ لِقَطْعِهِ قَبْلَ اليُبْسِ.
الأنعام 6:145
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتُلِفَ في وقْتِ وُجُوبِ الزَّكاةِ فِيما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِن ثَمَرٍ وحَبٍّ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: تَجِبُ في الحَبِّ إذا اشْتَدَّ، وفي الثَّمَرِ إذا بَدا صَلاحُهُ، فَتَعَلَّقَ الوُجُوبُ عِنْدَ طِيبِ التَّمْرِ، ووُجُوبُ الإخْراجِ بَعْدَ الجِذاذِ.
وَفائِدَةُ الخِلافِ أنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ في الثَّمَرِ والحَبِّ قَبْلَ الوُجُوبِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإنْ تَصَرَّفَ في ذَلِكَ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكاةِ لَمْ تُسْقَطِ الزَّكاةُ عَنْهُ.
وَمِن فَوائِدِهِ أيْضًا: أنَّهُ إذا ماتَ بَعْدَ وقْتِ الوُجُوبِ زُكِّيَتْ عَلى مِلْكِهِ، وإنْ ماتَ قَبْلَ الوُجُوبِ زُكِّيَتْ عَلى مِلْكِ الوَرَثَةِ، وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ في وقْتِ الوُجُوبِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ وقْتُ الجِذاذِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ .
الثّانِي: يَوْمَ الطِّيبِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الطِّيبِ يَكُونُ عَلَفًا، لا قُوتًا ولا طَعامًا، فَإذا طابَ وحانَ الأكْلُ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ، وجَبَ الحَقُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، إذْ بِتَمامِ النِّعْمَةِ يَجِبُ شُكْرُ النِّعْمَةِ، ويَكُونُ الإيتاءُ وقْتَ الحَصادِ لِما قَدْ وجَبَ يَوْمَ الطِّيبِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ تَمامِ الخَرْصِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الواجِبُ فِيهِ مِنَ الزَّكاةِ، فَيَكُونُ شَرْطًا لِوُجُوبِها، كَمَجِيءِ السّاعِي في الغَنَمِ، وبِهِ قالَ المُغِيرَةُ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِنَصِّ التَّنْزِيلِ، والمَشْهُورِ في المَذْهَبِ الثّانِي، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. اهـ مِنهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: بِأنَّ كُلَّ ما أكَلَهُ المالِكُ أوْ تَصَدَّقَ بِهِ يَحْسَبُ عَلَيْهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ يُخالِفُونَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ذَلِكَ، واحْتَجُّوا لِأنَّ ما يَأْكُلُهُ لا يُحْسَبُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ . وبِالحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ: أنَّ عَلى الخارِصِ أنْ يَدَعَ الثُّلُثَ أوِ الرُّبْعَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾، قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ بِفَتْحِ الحاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ (p-٥٢٠)كالصَّرّامِ والصِّرّامِ، والجَذاذِ والجِذاذِ، والقَطافِ والقِطافِ.
فائِدَةٌ: يَنْبَغِي لِصاحِبِ الحائِطِ إذا أرادَ الجِذاذَ ألّا يَمْنَعَ المَساكِينَ مِنَ الدُّخُولِ، وأنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في ذَمِّ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ القَلَمِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ الآياتِ [ \ ١٧ ]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥] . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ مِنَ المَطْعُوماتِ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ فِيها، الَّتِي هي: المَيْتَةُ، والدَّمُ، ولَحْمُ الخِنْزِيرِ، وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في بَعْضِ المَواضِعِ تَحْرِيمَ غَيْرِ المَذْكُوراتِ، كَتَصْرِيحِهِ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ لا يَحْرُمُ مَطْعُومٌ إلّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ، وهو قَوْلٌ يُرْوى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، قالَ القُرْطُبِيُّ: ويُرْوى عَنْهم أيْضًا خِلافُهُ، وقالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، قالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: «يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ ”نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ“، فَقالَ: " قَدْ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحُكْمَ ابْنُ عَمْرٍو الغِفارِيُّ عِنْدَنا بِالبَصْرَةِ، ولَكِنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَرَأ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ .» اهـ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ مِنَ المالِكِيَّةِ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَحْلِيلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، إلّا ما اسْتُثْنِيَ في الآيَةِ مِنَ المَيْتَةِ، والدَّمِ، ولَحْمِ الخِنْزِيرِ.
وَلِهَذا قُلْنا: إنَّ لُحُومَ السِّباعِ وسائِرِ الحَيَوانِ ما سِوى الإنْسانِ، والخِنْزِيرِ مُباحَةٌ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ إباحَةُ أكْلِ لُحُومِ السِّباعِ، والحُمُرِ، والبِغالِ، وذَكَرَ حَدِيثَ البُخارِيِّ الَّذِي قَدَّمْنا آنِفًا.
ثُمَّ قالَ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ لُحُومِ السِّباعِ، فَقالَ: لا بَأْسَ بِها، فَقِيلَ لَهُ حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، فَقالَ: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا لِحَدِيثِ أعْرابِيٍّ يَبُولُ عَلى ساقَيْهِ.
وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ لَحْمِ الفِيلِ، والأسَدِ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وَقالَ القاسِمُ: كانَتْ عائِشَةُ تَقُولُ - لَمّا سَمِعَتِ النّاسَ يَقُولُونَ: حُرِّمَ كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ - ذَلِكَ حَلالٌ، وتَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ.
(p-٥٢١)قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: اعْلَمْ أنّا نُرِيدُ في هَذا المَبْحَثِ أنْ نُبَيِّنَ حُجَّةَ مَن قالَ بِعَدَمِ تَحْرِيمِ لُحُومِ السِّباعِ، والحَمِيرِ، ونَحْوِها، وحُجَّةَ مَن قالَ بِمَنعِها، ثُمَّ نَذْكُرَ الرّاجِحَ بِدَلِيلِهِ.
واعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ دَعْوى أنَّهُ لا يَحْرُمُ مَطْعُومٌ غَيْرُ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ باطِلَةٌ، بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ؛ لِإجْماعِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ؛ ودَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ، فَهو دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى تَحْرِيمِ غَيْرِ الأرْبَعَةِ.
وَمَن زَعَمَ أنَّ الخَمْرَ حَلالٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، فَهو كافِرٌ بِلا نِزاعٍ بَيْنَ العُلَماءِ، وإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى عَدَمِ تَحْرِيمِ ما ذُكِرَ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ حَصَرَ المُحَرَّماتِ فِيها في الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، وحَصَرَها أيْضًا في النَّحْلِ فِيها في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ لِأنَّ إنَّما أداةُ حَصْرٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، والنَّحْلُ بَعْدَ الأنْعامِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في النَّحْلِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٨]، والمَقْصُوصُ المُحالُ عَلَيْهِ هو المَذْكُورُ في الأنْعامِ، في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٦]؛ ولِأنَّهُ تَعالى قالَ في الأنْعامِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٨]، ثُمَّ صَرَّحَ في النَّحْلِ بِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِالفِعْلِ، في قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٣٥]؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النَّحْلَ بَعْدَ الأنْعامِ، وحَصَرَ التَّحْرِيمَ أيْضًا في الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، فَقالُوا: هَذا الحَصْرُ السَّماوِيُّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ في مَكَّةَ في الأنْعامِ، والنَّحْلِ، وفي المَدِينَةِ عِنْدَ تَشْرِيعِ الأحْكامِ في البَقَرَةِ لا يُمْكِنُنا مُعارَضَتُهُ، ولا إخْراجُ شَيْءٍ مِنهُ إلّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيِّ المَتْنِ، مُتَواتِرٍ كَتَواتُرِ القُرْآنِ العَظِيمِ.
فالخَمْرُ مَثَلًا دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّها مُحَرَّمَةٌ فَحَرَّمْناها؛ لِأنَّ دَلِيلَها قَطْعِيٌّ، أمّا غَيْرُها كالسِّباعِ، والحُمُرِ، والبِغالِ: فَأدِلَّةُ تَحْرِيمِها أخْبارُ آحادٍ يُقَدَّمُ عَلَيْها القاطِعُ، وهى الآياتُ المَذْكُورَةُ آنِفًا.
* *
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ زِيادَةَ تَحْرِيمِ السِّباعِ والحُمُرِ مَثَلًا بِالسُّنَّةِ عَلى (p-٥٢٢)الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ، كَزِيادَةِ التَّغْرِيبِ بِالسُّنَّةِ عَلى جَلْدِ الزّانِي مِائَةً الثّابِتِ بِالقُرْآنِ، أوْ زِيادَةِ الحُكْمِ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ في الأمْوالِ الثّابِتِ بِالسُّنَّةِ عَلى الشّاهِدَيْنِ، أوِ الشّاهِدِ والمَرْأتَيْنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٢]، غَيْرُ ظاهِرٍ عِنْدِي؛ لِوُضُوحِ الفَرْقِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ زِيادَةَ التَّغْرِيبِ والحُكْمِ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ عَلى آيَةِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ الآيَةَ [النور: ٢]، في الأوَّلِ، وآيَةِ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ الآيَةَ، في الثّانِي زِيادَةُ شَيْءٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ القُرْآنُ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ، ومِثْلُ هَذِهِ الزِّيادَةِ لا مانِعَ مِنهُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ لَيْسَتْ نَسْخًا لَهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَبِناءً عَلى ذَلِكَ مَنَعَ التَّغْرِيبَ والحُكْمَ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ عِنْدَهُ نَسْخٌ، والقُرْآنُ لا يُنْسَخُ بِأخْبارِ الآحادِ؛ لِأنَّهُ قَطْعِيُّ المَتْنِ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، أمّا زِيادَةُ مُحَرَّمٍ آخَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ، فَلَيْسَتْ زِيادَةَ شَيْءٍ سَكَتَ عَنْهُ القُرْآنُ كالأوَّلِ، وإنَّما هي زِيادَةُ شَيْءٍ نَفاهُ القُرْآنُ؛ لِدَلالَةِ الحَصْرِ القُرْآنِيِّ عَلى نَفْيِ التَّحْرِيمِ عَنْ غَيْرِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، وبَيْنَ الأمْرَيْنِ فَرْقٌ واضِحٌ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ مالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَيْسَ مِمَّنْ يَقُولُ: بِأنَّ الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ نَسْخٌ، اللَّهُمَّ إلّا إذا كانَتِ الزِّيادَةُ أثْبَتَتْ ما كانَ مَنفِيًّا بِالنَّصِّ قَبْلَها، فَكَوْنُها إذَنْ ناسِخَةً واضِحٌ، وهُناكَ نَظَرٌ آخَرُ، قالَ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ: وهو أنَّ إباحَةَ غَيْرِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ الإباحَةِ العَقْلِيَّةِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ بِالبَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، وهي اسْتِصْحابُ العَدَمِ الأصْلِيِّ؛ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ تَحْرِيمِ شَيْءٍ إلّا بِدَلِيلٍ، كَما قالَهُ جَمْعٌ مِن أهْلِ الأُصُولِ.
وَإذا كانَتْ إباحَتُهُ عَقْلِيَّةً: فَرَفْعُها لَيْسَ بِنَسْخٍ حَتّى يُشْتَرَطَ في ناسِخِها التَّواتُرُ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في ”تَفْسِيرِهِ“ هَذا القَوْلَ بِعَدَمِ النَّسْخِ لِلْأكْثَرِينَ مِنَ المُتَأخِّرِينَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وكَوْنُهُ نَسْخًا أظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأنَّ الحَصْرَ في الآيَةِ يُفْهَمُ مِنهُ إباحَةُ ما سِوى الأرْبَعَةِ شَرْعًا، فَتَكُونُ إباحَةً شَرْعِيَّةً؛ لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلَيْها، ورَفْعُ الإباحَةِ الشَّرْعِيَّةِ نَسْخٌ بِلا خِلافٍ، وأشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ إلى أنَّ الزِّيادَةَ الَّتِي لا تُناقِضُ الحُكْمَ الأوَّلَ لَيْسَتْ نَسْخًا بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
وَلَيْسَ نَسْخًا كُلُّ ما أفادا فِيما رَسا بِالنَّصِّ الِازْدِيادا
وَهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، ووَجَّهُوهُ بِعَدَمِ مُنافاةِ الزِّيادَةِ لِلْمَزِيدِ، وما لا يُنافِي لا يَكُونُ (p-٥٢٣)ناسِخًا، وهو ظاهِرٌ.
واعْلَمْ أنَّ مالِكَ بْنَ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اخْتَلَفَتْ عَنْهُ الرِّوايَةُ في لُحُومِ السِّباعِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أنَّها حَرامٌ، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ في ”المُوَطَّأِ“؛ لِأنَّهُ تَرْجَمَ فِيهِ بِتَحْرِيمِ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِإسْنادِهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: «أنَّهُ نَهى عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ»، ثُمَّ ساقَ بِإسْنادِهِ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أكْلُ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ حَرامٌ»، ثُمَّ قالَ: وهو الأمْرُ عِنْدَنا، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ تَحْرِيمُها، وجَزَمَ القُرْطُبِيُّ بِأنَّ هَذا هو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِهِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّها مَكْرُوهَةٌ، وهو ظاهِرُ ”المُدَوَّنَةِ“، وهو المَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ مَذْهَبِهِ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ هو الآياتُ الَّتِي ذَكَرْنا، ومِن جُمْلَتِها الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها.
وَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ مِن إباحَتِها، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ: مِن أنَّ كُلَّ ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِطَرِيقٍ صَحِيحَةٍ مِن كِتابٍ أوْ سُّنَّةٍ فَهو حَرامٌ، ويُزادُ عَلى الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ، ولا يَكُونُ في ذَلِكَ أيُّ مُناقَضَةٍ لِلْقُرْآنِ؛ لِأنَّ المُحَرَّماتِ المَزِيدَةَ عَلَيْها حُرِّمَتْ بَعْدَها.
وَقَدْ قَرَّرَ العُلَماءُ: أنَّهُ لا تَناقُضَ يَثْبُتُ بَيْنَ القَضِيَّتَيْنِ إذا اخْتَلَفَ زَمَنُهُما؛ لِاحْتِمالِ صِدْقِ كُلٍّ مِنهُما في وقْتِها، وقَدِ اشْتَرَطَ عامَّةُ النُّظّارِ في التَّناقُضِ اتِّحادَ الزَّمانِ؛ لِأنَّهُ إنِ اخْتَلَفَ جازَ صِدْقُ كُلٍّ مِنهُما في وقْتِها، كَما لَوْ قُلْتَ: لَمْ يُسْتَقْبَلْ بَيْتُ المَقْدِسِ، قَدِ اسْتُقْبِلَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وعَنَيْتَ بِالأُولى ما بَعْدَ النَّسْخِ، وبِالثّانِيَةِ ما قَبْلَهُ، فَكِلْتاهُما تَكُونُ صادِقَةً، وقَدْ أشَرْتُ في أُرْجُوزَتِي في فَنِّ المَنطِقِ إلى أنَّهُ: يُشْتَرَطُ في تَناقُضِ القَضِيَّتَيْنِ اتِّحادُهُما فِيما سِوى الكَيْفِ، أعْنِي الإيجابَ والسَّلْبَ، مِن زَمانٍ، ومَكانٍ، وشَرْطٍ، وإضافَةٍ، وقُوَّةٍ، وفِعْلٍ، وتَحْصِيلٍ، وعُدُولٍ، ومَوْضُوعٍ، ومَحْمُولٍ، وجُزْءٍ، وكُلٍّ، بِقَوْلِي: [ الرَّجَزُ ]
والِاتِّحادُ لازِمٌ بَيْنَهُما فِيما سِوى الكَيْفِ كَشَرْطٍ عُلِما والجُزْءِ والكُلِّ مَعَ المَكانِ والفِعْلِ والقُوَّةِ والزَّمانِ إضافَةُ تَحْصِيلٍ أوْ عُدُولِ ووَحْدَةِ المَوْضُوعِ والمَحْمُولِ
فَوَقْتُ نُزُولِ الآياتِ المَذْكُورَةِ لَمْ يَكُنْ حَرامًا غَيْرَ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، فَحَصْرُها صادِقٌ قَبْلَ تَحْرِيمِ غَيْرِها بِلا شَكٍّ، فَإذا طَرَأ تَحْرِيمُ شَيْءٍ آخَرَ بِأمْرٍ جَدِيدٍ، فَذَلِكَ لا يُنافِي الحَصْرَ (p-٥٢٤)الأوَّلَ لِتَجَدُّدِهِ بَعْدَهُ، وهَذا هو التَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وبِهِ يَتَّضِحُ أنَّ الحَقَّ جَوازُ نَسْخِ المُتَواتِرِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الثّابِتِ تَأخُّرُها عَنْهُ، وإنْ مَنَعَهُ أكْثَرُ أهْلِ الأُصُولِ.
وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ: فَسَنُفَصِّلُ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المُحَرَّماتِ الَّتِي حُرِّمَتْ بَعْدَ هَذا، وأقْوالَ العُلَماءِ فِيها.
فَمِن ذَلِكَ كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، فالتَّحْقِيقُ تَحْرِيمُهُ لِما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ مِنَ النَّهْيِ عَنْها، وتَحْرِيمِها، أمّا حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وأمّا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ: «كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، فَأكْلُهُ حَرامٌ» .
والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ التَّحْقِيقَ: هو تَحْرِيمُ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ أكْلَ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، ولا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَن قالَ مِنَ المالِكِيَّةِ وغَيْرِهِمْ: أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ النَّهْيُ عَنْهُ ﷺ لِما ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ - ﷺ: «نَهى عَنْ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» . اهـ.
فَقَرَنَ في الصَّحِيحِ بِما صَرَّحَ بِأنَّهُ حَرامٌ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما ذُو عَداءٍ وافْتِراسٍ، فَدَلَّ كُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ.
والأصْلُ في النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وبِتَحْرِيمِ ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ، وذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ، قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ وداوُدُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ الصَّحِيحُ عَنْ مالِكٍ في السِّباعِ، وأنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِهِ الكَراهَةُ، وعَنْهُ قَوْلٌ بِالجَوازِ وهو أضْعَفُها، والحَقُّ التَّحْرِيمُ لِما ذَكَرْنا.
وَمِن ذَلِكَ الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ، فالتَّحْقِيقُ أيْضًا أنَّها حَرامٌ، وتَحْرِيمُها لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ مُنْصِفٌ؛ لِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الوارِدَةِ بِتَحْرِيمِها، وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ تَحْرِيمَها مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى، وأنَسٍ، وأبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وأحادِيثُهم دالَّةٌ دَلالَةً صَرِيحَةً عَلى التَّحْرِيمِ، فَلَفْظُ حَدِيثِ أبِي ثَعْلَبَةَ عِنْدَ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ»، وهَذا صَرِيحٌ صَراحَةً (p-٥٢٥)تامَّةً في التَّحْرِيمِ، ولَفْظُ حَدِيثِ أنَسٍ عِنْدَهُما أيْضًا: «إنِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَنْهَيانِكم عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ فَإنَّها رِجْسٌ»، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «فَإنَّها رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ»، وفي رِوايَةٍ لَهُ أيْضًا: ”فَإنَّها رِجْسٌ“ أوْ ”نَجَسٌ“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: حَدِيثُ أنَسٍ هَذا المُتَّفَقُ عَلَيْهِ الَّذِي صَرَّحَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنَّ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ رِجْسٌ، صَرِيحٌ في تَحْرِيمِ أكْلِها، ونَجاسَةِ لَحْمِها، وأنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِها لَيْسَتْ لِأنَّها لَمْ يُخْرَجْ خُمُسُها، ولا أنَّها حَمُولَةٌ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَلا تُعارِضُ هَذِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُتَّفَقُ عَلَيْها بِما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ غالِبِ بْنِ أبْجَرَ المُزَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أصابَتْنا السَّنَةُ، ولَمْ يَكُنْ في مالِي ما أُطْعِمُ أهْلِي إلّا سِمانُ حُمُرٍ، وإنَّكَ حَرَّمْتَ الحُمُرَ الأهْلِيَّةَ، فَقالَ: أطْعِمْ أهْلَكَ مِن سَمِينِ حُمُرِكَ، فَإنَّما حَرَّمْتُها مِن أجْلِ جَوّالِ القَرْيَةِ» . اهـ.
والجَوّالُ: جُمَعُ جالَّةٍ، وهي الَّتِي تَأْكُلُ الجِلَّةَ، وهي في الأصْلِ البَعْرُ، والمُرادُ بِهِ هُنا أكْلُ النَّجاساتِ كالعَذِرَةِ.
قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: اتَّفَقَ الحُفّاظُ عَلى تَضْعِيفِ هَذا الحَدِيثِ.
قالَ الخَطّابِيُّ، والبَيْهَقِيُّ: هو حَدِيثٌ يُخْتَلَفُ في إسْنادِهِ، يَعْنُونَ مُضْطَرِبًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا تُعارَضُ بِهِ الأحادِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْها.
وَأمّا البِغالُ فَلا يَجُوزُ أكْلُها أيْضًا؛ لِما رَواهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، قالَ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، لُحُومَ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ، ولُحُومَ البِغالِ، وكُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، وكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ»، أصْلُ حَدِيثِ جابِرٍ هَذا في ”الصَّحِيحَيْنِ“ كَما تَقَدَّمَ، وهو بِهَذا اللَّفْظِ، بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ. قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ والشَّوْكانِيُّ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ ”في تَفْسِيرِهِ“: ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ بِإسْنادَيْنِ كُلٌّ مِنهُما عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «ذَبَحْنا يَوْمَ خَيْبَرَ الخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ، فَنَهانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِغالِ والحُمُرِ، ولَمْ يَنْهَنا عَنِ الخَيْلِ»، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى تَحْرِيمِ البِغالِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّها مُتَوَلَّدَةٌ عَنِ الحَمِيرِ وهي حَرامٌ قَطْعًا؛ لِصِحَّةِ النُّصُوصِ بِتَحْرِيمِها.
* *
وَأمّا الخَيْلُ فَقَدِ اخْتَلَفَ في جَوازِ أكْلِها العُلَماءُ:
(p-٥٢٦)فَمَنَعَها مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أحَدِ القَوْلَيْنِ، وعَنْهُ أنَّها مَكْرُوهَةٌ، وكُلٌّ مِنَ القَوْلَيْنِ صَحَّحَهُ بَعْضُ المالِكِيَّةِ، والتَّحْرِيمُ أشْهَرُ عِنْدَهم.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ: أكْرَهُ لَحْمَ الخَيْلِ، وحَمَلَهُ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى التَّنْزِيهِ، وقالَ: لَمْ يُطْلِقْ أبُو حَنِيفَةَ فِيها التَّحْرِيمَ، ولَيْسَتْ عِنْدَهُ كالحِمارِ الأهْلِيِّ.
وَصَحَّحَ عَنْهُ صاحِبُ ”المُحِيطِ“، وصاحِبُ ”الهِدايَةِ“، وصاحِبُ ”الذَّخِيرَةِ“ التَّحْرِيمَ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ الحَنَفِيَّةِ.
وَمِمَّنْ رَوَيْتُ عَنْهُ كَراهَةَ لُحُومِ الخَيْلِ: الأوْزاعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وخالِدُ بْنُ الوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وابْنُ عَبّاسٍ، والحَكَمُ.
وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ - رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى - جَوازُ أكْلِ الخَيْلِ، وبِهِ قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وفَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ، وسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وعَلْقَمَةُ، والأسْودُ، وعَطاءٌ، وشُرَيْحٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وإسْحاقُ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وداوُدُ، وغَيْرُهم.
كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ النَّوَوِيُّ، في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“، وسَنُبَيِّنُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - حُجَجَ الجَمِيعِ، وما يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ.
اعْلَمْ أنَّ مَن مَنَعَ أكْلَ لَحْمِ الخَيْلِ احْتَجَّ بِآيَةٍ وحَدِيثٍ:
أمّا الآيَةُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٨]، فَقالَ: قَدْ قالَ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، فَهَذِهِ لِلْأكْلِ، وقالَ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾، فَهَذِهِ لِلرُّكُوبِ لا لِلْأكْلِ، وهَذا تَفْصِيلُ مَن خَلَقَها وامْتَنَّ بِها، وأكَّدَ ذَلِكَ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ خَلَقَها لَكم لِعِلَّةِ الرُّكُوبِ والزِّينَةِ، لِأنَّ العِلَّةَ المَنصُوصَةَ تُفِيدُ الحَصْرَ، فَإباحَةُ أكْلِها تَقْتَضِي خِلافَ ظاهِرِ الآيَةِ.
ثانِيها: عَطَفَ البِغالَ والحَمِيرَ عَلَيْها، فَدَلَّ عَلى اشْتِراكِها مَعَهُما في حُكْمِ التَّحْرِيمِ.
ثالِثُها: أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ سِيقَتْ لِلِامْتِنانِ، وسُورَةُ النَّحْلِ تُسَمّى سُورَةَ الِامْتِنانِ.
(p-٥٢٧)والحَكِيمُ لا يَمْتَنُّ بِأدْنى النِّعَمِ، ويَتْرُكُ أعْلاها، لا سِيَّما وقَدْ وقَعَ الِامْتِنانُ بِالأكْلِ في المَذْكُوراتِ قَبْلَها.
رابِعُها: لَوْ أُبِيحَ أكْلُها لَفاتَتِ المَنفَعَةُ بِها فِيما وقَعَ بِهِ الِامْتِنانُ مِنَ الرُّكُوبِ والزِّينَةِ.
وَأمّا الحَدِيثُ: فَهو ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ» .
وَرَدَّ الجُمْهُورُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ، بِأنَّ آيَةَ النَّحْلِ نَزَلَتْ في مَكَّةَ اتِّفاقًا، والإذْنُ في أكْلِ الخَيْلِ يَوْمَ خَيْبَرَ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ بِأكْثَرَ مِن سِتِّ سِنِينَ، فَلَوْ فَهِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَنعَ مِنَ الآيَةِ لَما أذِنَ في الأكْلِ، وأيْضًا آيَةُ النَّحْلِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في مَنعِ أكْلِ الخَيْلِ، بَلْ فُهِمَ مِنَ التَّعْلِيلِ، وحَدِيثِ جابِرٍ، وحَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِما، كِلاهُما صَرِيحٌ في جَوازِ أكْلِ الخَيْلِ، والمَنطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.
وَأيْضًا فالآيَةُ عَلى تَسْلِيمِ صِحَّةِ دَلالَتِها المَذْكُورَةِ، فَهي إنَّما تَدُلُّ عَلى تَرْكِ الأكْلِ، والتَّرْكُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ لِلتَّحْرِيمِ أوْ لِلتَّنْزِيهِ، أوْ خِلافِ الأوْلى، وإذا لَمْ يَتَعَيَّنْ واحِدٌ مِنها بَقِيَ التَّمَسُّكُ بِالأدِلَّةِ المُصَرِّحَةِ بِالجَوازِ.
وَأيْضًا فَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ، لَمْ نُسَلِّمْ إفادَةَ الحَصْرِ في الرُّكُوبِ والزِّينَةِ. فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالخَيْلِ في غَيْرِهِما، وفي غَيْرِ الأكْلِ اتِّفاقًا، وإنَّما ذَكَرَ الرُّكُوبَ والزِّينَةَ؛ لِكَوْنِهِما أغْلَبَ ما تُطْلَبُ لَهُ الخَيْلُ.
وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ البَقَرَةِ المَذْكُورُ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ حِينَ خاطَبَتْ راكِبَها فَقالَتْ: ”إنّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذا، إنّا خُلِقْنا لِلْحَرْثِ“، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أصْرَحَ في الحَصْرِ، لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إلّا الأغْلَبُ، وإلّا فَهي تُؤْكَلُ ويُنْتَفَعُ بِها في أشْياءَ غَيْرِ الحَرْثِ اتِّفاقًا.
وَأيْضًا فَلَوْ سُلِّمَ الِاسْتِدْلالُ المَذْكُورُ لَلَزِمَ مَنعُ حَمْلِ الأثْقالِ عَلى الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ لِلْحَصْرِ المَزْعُومِ في الرُّكُوبِ والزِّينَةِ، ولا قائِلَ بِذَلِكَ.
وَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِعَطْفِ الحَمِيرِ والبِغالِ عَلَيْها، فَهو اسْتِدْلالٌ بِدَلالَةِ الِاقْتِرانِ، وقَدْ ضَعَّفَها أكْثَرُ العُلَماءِ مِن أهْلِ الأُصُولِ، كَما أشارَ لَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
أمّا قِرانُ اللَّفْظِ في المَشْهُورِ فَلا يُساوِي في سِوى المَذْكُورِ
(p-٥٢٨)وَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِأنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ سِيقَتْ لِلِامْتِنانِ: فَيُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ قَصَدَ بِهِ ما كانَ الِانْتِفاعُ بِهِ أغْلَبَ عِنْدَ العَرَبِ، فَخُوطِبُوا بِما عَرَفُوا وألِفُوا، ولَمْ يَكُونُوا يَأْلَفُونَ أكْلَ الخَيْلِ لِعِزَّتِها في بِلادِهِمْ، وشَدَّةِ الحاجَةِ إلَيْها في القِتالِ، بِخِلافِ الأنْعامِ: فَأكْثَرُ انْتِفاعِهِمْ بِها كانَ لِحَمْلِ الأثْقالِ، ولِلْأكْلِ؛ فاقْتُصِرَ في كُلٍّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ عَلى الِامْتِنانِ بِأغْلَبِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ.
فَلَوْ لَزِمَ مِن ذَلِكَ الحَصْرُ في هَذا الشِّقِّ لَلَزِمَ مِثْلُهُ في الشِّقِّ الآخَرِ كَما قَدَّمْنا.
وَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِأنَّ الإذْنَ في أكْلِها، سَبَبٌ لِفَنائِها وانْقِراضِها:
فَيُجابُ عَنْهُ: بِأنَّهُ أذِنَ في أكْلِ الأنْعامِ ولَمْ تَنْقَرِضْ، ولَوْ كانَ الخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ عِلَّةً لِمَنعٍ في الأنْعامِ لِئَلّا تَنْقَرِضَ، فَيَتَعَطَّلُ الِانْتِفاعُ بِها في غَيْرِ الأكْلِ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِحَدِيثِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَهو مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ضَعَّفَهُ عُلَماءُ الحَدِيثِ، فَقَدْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في بابِ ”لُحُومِ الخَيْلِ“ ما نَصُّهُ: " وقَدْ ضَعَّفَ حَدِيثَ خالِدٍ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُوسى بْنُ هارُونَ، والدّارَقُطْنِيُّ، والخَطّابِيُّ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وعَبْدُ الحَقِّ، وآخَرُونَ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: واتَّفَقَ العُلَماءُ مِن أئِمَّةِ الحَدِيثِ وغَيْرِهِمْ، عَلى أنَّ حَدِيثَ خالِدٍ المَذْكُورَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وذَكَرَ أسانِيدَ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ، وحَدِيثُ خالِدٍ المَذْكُورُ مَعَ أنَّهُ مُضْطَرِبٌ، في إسْنادِهِ صالِحُ بْنُ يَحْيى بْنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، ضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: لَيِّنٌ، وفِيهِ أيْضًا: والِدُهُ يَحْيى المَذْكُورُ، الَّذِي هو شَيْخُهُ في هَذا الحَدِيثِ، قالَ فِيهِ في ”التَّقْرِيبِ“: مَسْتُورٌ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا عَدَمَ ضَعْفِ حَدِيثِ خالِدٍ، فَإنَّهُ مُعارَضٌ بِما هو أقْوى مِنهُ، كَحَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ، ورَخَّصَ في لُحُومِ الخَيْلِ»، وفي لَفْظٍ في ”الصَّحِيحِ“: ”وَأذِنَ في لُحُومِ الخَيْلِ“، وكَحَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «نَحَرْنا فَرَسًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأكَلْناهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما.
وَلا شَكَّ في أنَّهُما أقْوى مِن حَدِيثِ خالِدٍ، وبِهَذا كُلِّهِ تَعْلَمُ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلَ الصَّرِيحَ رُجْحانُهُ إباحَةُ أكْلِ لَحْمِ الخَيْلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ الخُرُوجَ مِنَ الخِلافِ أحْوَطُ، كَما قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: [ الرَّجَزُ ]
(p-٥٢٩)وَإنَّ الأوْرَعَ الَّذِي يَخْرُجُ مِن خِلافِهِمْ ولَوْ ضَعِيفًا فاسْتَبِنْ
وَمِن ذَلِكَ الكَلْبُ: فَإنَّ أكْلَهُ حَرامٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ، وعَنْ مالِكٍ قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا بِالكَراهَةِ.
وَلِتَحْرِيمِهِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ، مِنها: ما تَقَدَّمَ في ذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ؛ لِأنَّ الكَلْبَ سَبُعٌ ذُو نابٍ، ومِنها أنَّهُ لَوْ جازَ أكْلُهُ لَجازَ بَيْعُهُ، وقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِهِ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ، مَقْرُونًا بِحُلْوانِ الكاهِنِ، ومَهْرِ البَغِيِّ، وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي جُحَيْفَةَ، وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِلَفْظِ: «ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ»، الحَدِيثَ، وذَلِكَ نَصٌّ في التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٥٧] .
فَإنْ قِيلَ: ما كَلُّ خَبِيثٍ يُحَرَّمُ؛ لِما ورَدَ في الثُّومِ أنَّهُ خَبِيثٌ، وفي كَسْبِ الحَجّامِ أنَّهُ خَبِيثٌ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ واحِدٌ مِنهُما.
فالجَوابُ: أنَّ ما ثَبَتَ بِنَصٍّ أنَّهُ خَبِيثٌ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى تَحْرِيمِهِ، وما أخْرَجَهُ دَلِيلٌ يُخْرِجُ، ويَبْقى النَّصُّ حُجَّةً فِيما لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى إخْراجِهِ، كَما هو الحُكْمُ في جُلِّ عُمُوماتِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، يَخْرُجُ مِنها بَعْضُ الأفْرادِ بِمُخَصِّصٍ، وتَبْقى حُجَّةً في الباقِي، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وإلَيْهِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
وَهْوَ حُجَّةٌ لَدى الأكْثَرِ إنْ مُخَصِّصٌ لَهُ مُعَيِّنًا يَبِنْ
فَإنْ قِيلَ: تَحْرِيمُ الخَبائِثِ لِعِلَّةِ الخُبْثِ، وإذا وُجِدَ خَبِيثٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ كانَ ذَلِكَ نَقْضًا في العِلَّةِ لا تَخْصِيصًا لَها.
فالجَوابُ: أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ عَلى أنَّ النَّقْضَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ، لا إبْطالٌ لَها، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]
مِنها وُجُودُ الوَصْفِ دُونَ الحُكْمِ سَمّاهُ بِالنَّقْضِ وُعاةُ العِلْمِ والأكْثَرُونَ عِنْدَهم لا يَقْدَحُ بَلْ هو تَخْصِيصٌ وذا مُصَحَّحُ
إلَخْ. . . . كَما حَرَّرْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى تَحْرِيمِ الكَلْبِ: ما ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِنَ الأحادِيثِ الصَّرِيحَةِ في تَحْرِيمِ اقْتِنائِهِ، وأنَّ اقْتِناءَهُ يَنْقُصُ أجْرَ مُقْتَنِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَلَوْ كانَ أكْلُهُ مُباحًا، لَكانَ اقْتِناؤُهُ (p-٥٣٠)مُباحًا.
وَإنَّما رَخَّصَ ﷺ في كَلْبِ الصَّيْدِ، والزَّرْعِ، والماشِيَةِ؛ لِلضَّرُورَةِ، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إلّا كَلْبَ صَيْدٍ، أوْ زَرْعٍ، أوْ ماشِيَةٍ انْتَقَصَ مِن أجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيراطٌ»، ومِنهُ أيْضًا ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ مِن حَدِيثِ سُفْيانَ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ الشَّنائِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنى كَلْبًا لا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، ولا ضَرْعًا نَقَصَ مِن عَمِلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيراطٌ»، ورَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِثَلاثِ طُرُقٍ بِلَفْظِ: «نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِن عَمَلِهِ قِيراطانِ»، وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن طُرُقٍ في بَعْضِها قِيراطٌ، وفي بَعْضِها قِيراطانِ.
والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ، وهَذا أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الكَلْبَ لا يَجُوزُ أكْلُهُ، إذْ لَوْ جازَ أكْلُهُ لَجازَ اقْتِناؤُهُ لِلْأكْلِ، وهو ظاهِرٌ، ومِن ذَلِكَ ما ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغَفَّلِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: مِن أنَّهُ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ الكِلابِ، ولَوْ كانَتْ مُباحَةَ الأكْلِ لَما أمَرَ بِقَتْلِها، ولَمْ يُرَخِّصْ ﷺ فِيها إلّا لِضَرُورَةِ الصَّيْدِ، أوِ الزَّرْعِ، أوِ الماشِيَةِ.
وَإذا عَرَفْتَ أنَّ في كَلْبِ الصَّيْدِ، وما ذُكِرَ مَعَهُ، بَعْضَ المَنافِعِ المُباحَةِ، كالِانْتِفاعِ بِصَيْدِهِ، أوْ حِراسَتِهِ الماشِيَةَ، أوِ الزَّرْعِ، فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في بَيْعِهِ.
فَمِنهم مَن قالَ: بَيْعُهُ تابِعٌ لِلَحْمِهِ، ولَحْمُهُ حَرامٌ؛ فَبَيْعُهُ حَرامٌ، وهَذا هو أظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا؛ لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ ثَمَنَ الكَلْبِ خَبِيثٌ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْهُ، مَقْرُونًا بِحُلْوانِ الكاهِنِ، ومَهْرِ البَغِيِّ، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في مَنعِ بَيْعِهِ.
وَيُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مَرْفُوعًا، قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ ”، وقالَ:“ إنْ جاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الكَلْبِ، فامْلَأْ كَفَّهُ تُرابًا» .
قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“، وابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“: إسْنادُهُ صَحِيحٌ، ورَوى أبُو داوُدَ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لا يَحِلُّ ثَمَنُ الكَلْبِ، ولا حُلْوانُ الكاهِنِ، ولا مَهْرُ البَغِيِّ»، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“: إسْنادُهُ حَسَنٌ، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: إسْنادُهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(p-٥٣١)وَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِمَنعِ بَيْعِ الكَلْبِ الَّذِي ذَكَرْنا أنَّهُ هو الحَقُّ، عامٌّ في المَأْذُونِ في اتِّخاذِهِ وغَيْرِهِ؛ لِعُمُومِ الأدِلَّةِ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ورَبِيعَةُ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وداوُدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهم، وهو المَشْهُورُ الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ، خِلافًا لِما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ في ”المُفْهِمِ“: مِن أنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِهِ الكَراهَةُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أيْضًا جَوازُ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ ونَحْوِهِ، دُونَ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنُ في اتِّخاذِهِ، وهو قَوْلُ سَحْنُونٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: أبِيعُ كَلْبَ الصَّيْدِ وأحُجُّ بِثَمَنِهِ.
وَأجازَ بَيْعَهُ أبُو حَنِيفَةَ مُطْلَقًا إنْ كانَتْ فِيهِ مَنفَعَةٌ مِن صَيْدٍ، أوْ حِراسَةٍ لِماشِيَةٍ مَثَلًا، وحَكى نَحْوَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جابِرٍ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، قالَهُ النَّوَوِيُّ.
وَإنْ قُتِلَ الكَلْبُ الماذُونُ فِيهِ كَكَلْبِ الصَّيْدِ، فَفِيهِ القِيمَةُ عِنْدَ مالِكٍ، ولا شَيْءَ فِيهِ عِنْدَ أحْمَدَ، والشّافِعِيِّ، وأوْجَبَها فِيهِ أبُو حَنِيفَةَ مُطْلَقًا إنْ كانَتْ فِيهِ مَنفَعَةٌ.
وَحُجَّةُ مَن قالَ: لا قِيمَةَ فِيهِ، أنَّ القِيمَةَ ثَمَنٌ، والنَّصُّ الصَّحِيحُ نَهى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وجاءَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ طالِبَهُ تُمْلَأُ كَفُّهُ تُرابًا، وذَلِكَ أبْلَغُ عِبارَةٍ في المَنعِ مِنهُ.
واحْتَجَّ مَن أوْجَبَها بِأنَّهُ فَوَّتَ مَنفَعَةً جائِزَةً فَعَلَيْهِ غُرْمُها.
واحْتَجَّ مَن أجازَ بَيْعَ الكَلْبِ، وألْزَمَ قِيمَتَهُ إنْ قُتِلَ، بِما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ: «نَهى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ إلّا كَلْبَ صَيْدٍ»، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ غَرَّمَ رَجُلًا عَنْ كَلْبٍ قَتَلَهُ عِشْرِينَ بَعِيرًا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: أنَّهُ قَضى في كَلْبِ صَيْدٍ قَتَلَهُ رَجُلٌ بِأرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وقَضى في كَلْبِ ماشِيَةٍ بِكَبْشٍ.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ الكَلْبَ المَأْذُونَ فِيهِ تَجُوزُ الوَصِيَّةُ بِهِ، والِانْتِفاعُ بِهِ، فَأشْبَهَ الحِمارَ.
وَأجابَ الجُمْهُورُ بِأنَّ الأحادِيثَ والآثارَ المَرْوِيَّةَ في جَوازِ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ ولُزُومِ قِيمَتِهِ كُلُّها ضَعِيفَةٌ.
قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ ما نَصُّهُ: ”وَأمّا الجَوابُ عَمّا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الأحادِيثِ والآثارِ فَكُلُّها ضَعِيفَةٌ بِاتِّفاقِ المُحَدِّثِينَ“، وهَكَذا أوْضَحَ التِّرْمِذِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ ضَعْفَها، والِاحْتِجاجُ بِجَوازِ الوَصِيَّةِ بِهِ وشَبَهِهِ بِالحِمارِ مَرْدُودٌ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، المُصَرِّحَةِ بِعَدَمِ حِلْيَةِ ثَمَنِهِ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ عاصِمٍ المالِكِيُّ في ”تُحْفَتِهِ“ مِن قَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
واتَّفَقُوا أنَّ كِلابَ البادِيَهْ يَجُوزُ بَيْعُها كَكَلْبِ الماشِيَهْ
(p-٥٣٢)فَقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عُلَماءُ المالِكِيَّةِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ قَوْلُ سَحْنُونٍ.
واعْلَمْ أنَّ ما رُوِيَ عَنْ جابِرٍ، وابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مِمّا يَدُلُّ عَلى جَوازِ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ كُلُّهُ ضَعِيفٌ، كَما بَيَّنَ تَضْعِيفَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في بابِ ”ثَمَنِ الكَلْبِ“ .
قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدْ زَعَمَ ناسٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في العَرَبِ مَن يَأْكُلُ لَحْمَ الكَلْبِ إلّا قَوْمٌ مِن فَقْعَسَ.
* *
وَمِن ذَلِكَ القِرْدُ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أكْلُهُ، قالَ القُرْطُبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“: قالَ أبُو عُمَرَ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ البَرِّ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أكْلُ القِرْدِ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِهِ، ولا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأنَّهُ لا مَنفَعَةَ فِيهِ.
قالَ: وما عَلِمْتُ أحَدًا رَخَّصَ في أكْلِهِ إلّا ما ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أيُّوبَ: سُئِلَ مُجاهِدٌ عَنْ أكْلِ القِرْدِ، فَقالَ: لَيْسَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، قُلْتُ: ذَكَرَ ابْنُ المُنْذِرِ أنَّهُ قالَ: رُوِّينا عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ القِرْدِ يُقْتَلُ في الحَرَمِ، قالَ: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ، قالَ: فَعَلى مَذْهَبِ عَطاءٍ يَجُوزُ أكْلُ لَحْمِهِ؛ لِأنَّ الجَزاءَ لا يَجِبُ عَلى مَن قَتَلَ غَيْرَ الصَّيْدِ، وفي ”بَحْرِ المَذْهَبِ“ لِلرُّويانِيِّ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ.
وَقالَ الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ بَيْعُ القِرْدِ؛ لِأنَّهُ يُعَلَّمُ ويُنْتَفَعُ بِهِ لِحِفْظِ المَتاعِ. اهـ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: القِرْدُ حَرامٌ عِنْدِنا، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، ومَكْحُولٌ، والحَسَنُ، وابْنُ حَبِيبٍ المالِكِيُّ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ بَيْنَ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ خِلافًا أنَّ القِرْدَ لا يُؤْكَلُ، ولا يَجُوزُ بَيْعُهُ، ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «نَهى عَنْ لَحْمِ القِرْدِ»، ولِأنَّهُ سَبُعٌ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ الخَبَرِ، ولِأنَّهُ مَسْخٌ أيْضًا فَيَكُونُ مِنَ الخَبائِثِ المُحَرَّمَةِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا جَزْمَ ابْنِ حَبِيبٍ، وابْنِ عَبْدِ البَرِّ مِنَ المالِكِيَّةِ: بِأنَّهُ حَرامٌ، وقالَ الباجِيُّ: الأظْهَرُ عِنْدِي مِن مَذْهَبِ مالِكٍ وأصْحابِهِ: أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ.
وَمِن ذَلِكَ الفِيلُ: فالظّاهِرُ فِيهِ أنَّهُ مِن ذَواتِ النّابِ مِنَ السِّباعِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّحْقِيقَ فِيها التَّحْرِيمُ؛ لِثُبُوتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ.
وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ مِنَ المالِكِيَّةِ: ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، والقُرْطُبِيُّ.
(p-٥٣٣)وَقالَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ كَراهَتُهُ أخَفُّ مِن كَراهَةِ السَّبُعِ، وأباحَهُ أشْهَبُ، وعَنْ مالِكٍ في ”المُدَوَّنَةِ“: كَراهَةُ الِانْتِفاعِ بِالعاجِ، وهو سِنُّ الفِيلِ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: والفِيلُ مُحَرَّمٌ، قالَ أحْمَدُ: لَيْسَ هو مِن أطْعِمَةِ المُسْلِمِينَ، وقالَ الحَسَنُ: هو مَسْخٌ، وكَرِهَهُ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، ورَخَّصَ في أكْلِهِ الشَّعْبِيُّ، ولَنا نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، وهو مِن أعْظَمِها نابًا؛ ولِأنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ فَيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيَةِ المُحَرِّمَةِ لِلْخَبائِثِ. اهـ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: الفِيلُ حَرامٌ عِنْدِنا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، والكُوفِيِّينَ، والحَسَنِ، وأباحَهُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ شِهابٍ، ومالِكٌ في رِوايَةٍ.
وَحُجَّةُ الأوَّلِينَ أنَّهُ ذُو نابٍ. اهـ.
وَمِن ذَلِكَ الهِرُّ، والثَّعْلَبُ، والدُّبُّ: فَهي عِنْدَ مالِكٍ مِن ذَواتِ النّابِ مِنَ السِّباعِ، وعَنْهُ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّها مَكْرُوهَةٌ كَراهَةَ تَنْزِيهٍ، ولا تَحْرِيمَ فِيها قَوْلًا واحِدًا، والهِرُّ الأهْلِيُّ والوَحْشِيُّ عِنْدَهُ سَواءٌ.
وَفَرَّقَ بَيْنَهُما غَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ كالشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ: فَمَنَعُوا الأهْلِيَّ.
قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: فَأمّا الأهْلِيُّ فَمُحَرَّمٌ في قَوْلِ إمامِنا ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: أنَّهُ «نَهى عَنْ أكْلِ الهِرِّ»، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ أيْضًا: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الثَّعْلَبِ، فَأكْثَرُ الرِّواياتِ عَنْ أحْمَدَ تَحْرِيمُهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ؛ لِأنَّهُ سَبُعٌ؛ فَيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّهْيِ، ونُقِلَ عَنْ أحْمَدَ إباحَتُهُ، واخْتارَهُ الشَّرِيفُ أبُو جَعْفَرٍ، ورَخَّصَ فِيهِ عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وقَتادَةُ، واللَّيْثُ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والشّافِعِيُّ؛ لِأنَّهُ يُفْدى في الإحْرامِ والحَرَمِ، إلى أنْ قالَ: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ أحْمَدَ في سِنَّوْرِ البَرِّ، والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في الثَّعْلَبِ.
وَحَكى النَّوَوِيُّ اتِّفاقَ الشّافِعِيَّةِ عَلى إباحَةِ الثَّعْلَبِ، وقالَ صاحِبُ ”المُهَذَّبِ“: وفي سِنَّوْرِ الوَحْشِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا يَحِلُّ؛ لِأنَّهُ يُصْطادُ بِنابِهِ فَلَمْ يَحِلَّ، كالأسَدِ والفَهْدِ.
والثّانِي: يَحِلُّ؛ لِأنَّهُ حَيَوانٌ يَتَنَوَّعُ إلى حَيَوانٍ وحْشِيٍّ وأهْلِيٍّ، فَيَحْرُمُ الأهْلِيُّ مِنهُ، (p-٥٣٤)وَيَحِلُّ الوَحْشِيُّ كالحِمارِ.
وَأمّا الدُّبُّ: فَهو سَبُعٌ ذُو نابٍ عِنْدَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ أحْمَدُ: إنْ كانَ الدُّبُّ ذا نابٍ مُنِعَ أكْلُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذا نابٍ فَلا بَأْسَ بِأكْلِهِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ أكْلِ الضَّبُعِ: وهو عِنْدَ مالِكٍ كالثَّعْلَبِ، وقَدْ قَدَّمْنا عَنْهُ أنَّهُ سَبُعٌ في رِوايَةٍ، وفي أُخْرى أنَّهُ مَكْرُوهٌ، ولا قَوْلَ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ، والأحادِيثُ الَّتِي قَدَّمْناها في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ بِأنَّ الضَّبُعَ صَيْدٌ تَدُلُّ عَلى إباحَةِ أكْلِها، ورُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الضِّباعَ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، ورَخَّصَ في أكْلِها الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ، وقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: قالَ الشّافِعِيُّ: وما يُباعُ لَحْمُ الضِّباعِ بِمَكَّةَ إلّا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ.
وَحُجَّةُ مالِكٍ في مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ: أنَّ الضَّبُعَ مِن جُمْلَةِ السِّباعِ؛ فَيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ولَمْ يَخُصَّ سَبُعًا مِنها عَنْ سَبُعٍ، قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَيْسَ حَدِيثُ الضَّبُعِ الَّذِي خَرَّجَهُ النَّسائِيُّ في إباحَةِ أكْلِها مِمّا يُعارَضُ بِهِ حَدِيثُ النَّهْيِ؛ لِأنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي عَمّارٍ، ولَيْسَ مَشْهُورًا بِنَقْلِ العِلْمِ، ولا مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ إذا خالَفَهُ مَن هو أثْبَتُ مِنهُ، قالَ أبُو عُمَرَ: وقَدْ رُوِيَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ، رَوى ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ الثِّقاتِ الأثْباتِ، ومُحالٌ أنْ يُعارِضُوا بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أبِي عَمّارٍ. اهـ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ أحادِيثُ النَّهْيِ عامَّةٌ في كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ودَلِيلُ إباحَةِ الضَّبُعِ خاصٌّ، ولا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ؛ لِأنَّ الخاصَّ يَقْضِي عَلى العامِ، فَيُخَصَّصُ عُمُومُهُ بِهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ.
وَمِن ذَلِكَ القُنْفُذُ: فَقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِتَحْرِيمِهِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأجازَ أكْلَهُ الجُمْهُورُ، مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، واللَّيْثُ، وأبُو ثَوْرٍ، وغَيْرُهم.
واحْتَجَّ مَن مَنَعَهُ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: «ذُكِرَ القُنْفُذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”هو خَبِيثٌ مِنَ الخَبائِثِ»“ .
واحْتَجَّ مَن أباحَهُ، وهُمُ الجُمْهُورُ، بِأنَّ الحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ، ولا تَحْرِيمَ إلّا بِدَلِيلٍ. قالَ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى، بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةِ المَذْكُورَ في خَبَثِ القُنْفُذِ: هَذا حَدِيثٌ لَمْ يُرْوَ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وهو إسْنادٌ فِيهِ ضَعْفٌ.
وَمِمَّنْ كَرِهَ أكْلَ القُنْفُذِ: أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ. قالَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ.
* *
(p-٥٣٥)وَمِن ذَلِكَ حَشَراتُ الأرْضِ: كالفَأْرَةِ، والحَيّاتِ، والأفاعِي، والعَقارِبِ، والخُنْفُساءِ، والعَظايَةِ، والضَّفادِعِ، والجِرْذانِ، والوَزَغِ، والصَّراصِيرِ، والعَناكِبِ، وِسامِّ أبْرَصَ، والجِعْلانِ، وبَناتِ ورْدانِ، والدِّيدانِ، وحِمارِ قَبّانَ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى تَحْرِيمِ أكْلِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ لِأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ طَبْعًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ .
وَمِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ شِهابٍ، وعُرْوَةُ، وغَيْرُهم - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
وَرَخَّصَ في أكْلِ ذَلِكَ: مالِكٌ، واشْتَرَطَ في جَوازِ أكْلِ الحَيّاتِ أنْ يُؤْمَنَ سُمُّها.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّرْخِيصُ في أكْلِ الحَشَراتِ: الأوْزاعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، واحْتَجُّوا بِما رَواهُ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ، مِن حَدِيثِ مِلْقامِ بْنِ تَلِبٍّ، عَنْ أبِيهِ تَلِبِّ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ التَّمِيمِيِّ العَنْبَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أسْمَعْ لِحَشَرَةِ الأرْضِ تَحْرِيمًا.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ أشْياءَ، وأباحَ أشْياءَ، فَما حَرَّمَ فَهو حَرامٌ، وما أباحَ فَهو مُباحٌ، وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو عَفْوٌ.
وَقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - في الفَأْرَةِ: ما هي بِحَرامٍ، وقَرَأتْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ.
وَيُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ مِلْقامَ بْنَ تَلِبٍّ مَسْتُورٌ لا يُعْرَفُ حالُهُ، وبِأنَّ قَوْلَ أبِيهِ تَلِبِّ بْنِ ثَعْلَبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ أسْمَعْ لِحَشَرَةِ الأرْضِ تَحْرِيمًا لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَحْرِيمِها، كَما قالَهُ الخَطّابِيُّ، والبَيْهَقِيُّ؛ لِأنَّ عَدَمَ سَماعِ صَحابِيٍّ لِشَيْءٍ لا يَقْتَضِي انْتِفاءَهُ كَما هو مَعْلُومٌ، وبِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَسْكُتْ عَنْ هَذا؛ لِأنَّهُ حَرَّمَ الخَبائِثَ، وهَذِهِ خَبائِثُ، لا يَكادُ طَبْعٌ سَلِيمٌ يَسْتَسِيغُها، فَضْلًا عَنْ أنَّ يَسْتَطِيبَها، والَّذِينَ يَأْكُلُونَ مِثْلَ هَذِهِ الحَشَراتِ مِنَ العَرَبِ، إنَّما يَدْعُوهم لِذَلِكَ شِدَّةُ الجُوعِ، كَما قالَ أحَدُ شُعَرائِهِمْ: [ الطَّوِيلُ ]
؎أكَلْنا الرُّبى يا أُمَّ عَمْرٍو ومَن يَكُنْ غَرِيبًا لَدَيْكم يَأْكُلُ الحَشَراتِ
والرُّبى جُمَعُ رُبْيَةَ، وهي الفَأْرَةُ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وفي ”اللِّسانِ“ أنَّها دُوَيْبَّةٌ بَيْنَ الفَأْرَةِ وأُمِّ حُبَيْنٍ، ولِتِلْكَ الحاجَةِ الشَّدِيدَةِ لَمّا سُئِلَ بَعْضُ العَرَبِ عَمّا يَأْكُلُونَ، قالَ: كُلُّ ما دَبَّ (p-٥٣٦)وَدَرَجَ، إلّا أُمَّ حُبَيْنٍ، فَقالَ: لِتَهْنِ أمَّ حُبَيْنٍ العافِيَةُ.
وَقَدْ ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أباحَ قَتْلَ الفَأْرَةِ، وما ذُكِرَ مَعَها مِنَ الفَواسِقِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ إباحَتِها.
واعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، كالشّافِعِيِّ، مِن أنَّ كُلَّ ما يَسْتَخْبِثُهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ حالِ ضَرُورَةِ الجُوعِ حَرامٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ الآيَةَ، اسْتِدْلالٌ ظاهِرٌ، لا وجْهَ لِما رَدَّهُ بِهِ أهْلُ الظّاهِرِ مِن أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يُمْكِنُ أنْ يُناطَ بِهِ حُكْمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَنْضَبِطُ؛ لِأنَّ مَعْنى الخُبْثِ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم، فَما اتَّصَفَ بِهِ فَهو حَرامٌ، لِلْآيَةِ.
وَلا يَقْدَحُ في ذَلِكَ النَّصُّ عَلى إباحَةِ بَعْضِ المُسْتَخْبَثاتِ، كالثُّومِ؛ لِأنَّ ما أخْرَجَهُ الدَّلِيلُ يُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ النَّصِّ، ويَبْقى حُجَّةً فِيما لَمْ يُخْرِجْهُ دَلِيلٌ، كَما قَدَّمْنا.
وَيَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا كُلُّ ما نَصَّ الشَّرْعُ عَلى أنَّهُ خَبِيثٌ، إلّا لِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى إباحَتِهِ، مَعَ إطْلاقِ اسْمِ الخُبْثِ عَلَيْهِ.
واسْتَثْنى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن حَشَراتِ الأرْضِ الوَزَغَ، فَقَدِ ادَّعى بَعْضُهُمُ الإجْماعَ عَلى تَحْرِيمِهِ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ عَنِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ويَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أُمِّ شَرِيكٍ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ: أنَّهُ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ الأوْزاغِ، وكَذَلِكَ رَوى الشَّيْخانِ أيْضًا عَنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَوْصُولًا عِنْدَ مُسْلِمٍ، ومُحْتَمَلًا لِلْإرْسالِ عِنْدَ البُخارِيِّ، فَإنَّ قَوْلَهُ: وزَعَمَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ أنَّهُ أمَرَ بِقَتْلِهِ، مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ عائِشَةَ، ومُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ عُرْوَةَ؛ وعَلَيْهِما فالحَدِيثُ مُتَّصِلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الزُّهْرِيِّ؛ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا، واخْتارَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“، وقالَ: كَأنَّ الزُّهْرِيَّ وصَلَهُ لِمَعْمَرٍ، وأرْسَلَهُ لِيُونُسَ. اهـ، ومِن طَرِيقِ يُونُسَ رَواهُ البُخارِيُّ، ومِن طَرِيقِ مَعْمَرٍ رَواهُ مُسْلِمٌ، ورَوى مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: التَّرْغِيبُ في قَتْلِ الوَزَغِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِهِ.
* *
واخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْضًا في ابْنِ آوى، وابْنِ عُرْسٍ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِتَحْرِيمِ أكْلِهِما، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى - قالَ في ”المُغْنِي“: سُئِلَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ آوى، وابْنِ عُرْسٍ، فَقالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَنْهَشُ بِأنْيابِهِ مِنَ السِّباعِ، وبِهَذا قالَ (p-٥٣٧)أبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ. اهـ.
وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الفَرْقُ بَيْنَهُما، فابْنُ عُرْسٍ حَلالٌ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ بِلا خِلافٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ نابٌ قَوِيٌّ، فَهو كالضَّبِّ، واخْتَلَفَ الشّافِعِيَّةُ في ابْنِ آوى.
فَقالَ بَعْضُهم: يَحِلُّ أكْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَتَقَوّى بِنابِهِ فَهو كالأرْنَبِ.
والثّانِي: لا يَحِلُّ؛ لِأنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ كَرِيهُ الرّائِحَةِ، ولِأنَّهُ مِن جِنْسِ الكِلابِ، قالَهُ النَّوَوِيُّ، والظّاهِرُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ كَراهَتُهُما.
وَأمّا الوَبَرُ، واليَرْبُوعُ، فَأكْلُهُما جائِزٌ عِنْدَ مالِكٍ وأصْحابِهِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وعَلَيْهِ عامَّةُ أصْحابِهِ، إلّا أنَّ في الوَبَرِ وجْهًا عِنْدَهم بِالتَّحْرِيمِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ عُمَرَ أوْجَبَ في اليَرْبُوعِ جَفْرَةً، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ صَيْدٌ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ أيْضًا جَوازُ أكْلِ اليَرْبُوعِ، والوَبَرِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِإباحَةِ الوَبَرِ: عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو يُوسُفَ.
وَمِمَّنْ قالَ بِإباحَةِ اليَرْبُوعِ أيْضًا: عُرْوَةُ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهم صاحِبُ ”المُغْنِي“ .
وَقالَ القاضِي مِنَ الحَنابِلَةِ بِتَحْرِيمِ الوَبَرِ، قالَ في ”المُغْنِي“: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، إلّا أبا يُوسُفَ، وقالَ أيْضًا: إنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ في اليَرْبُوعِ أيْضًا: هو حَرامٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ أيْضًا، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الفَأْرَ، ونَقَلَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ عَنْ صاحِبِ ”البَيانِ“ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ تَحْرِيمَ الوَبَرِ، واليَرْبُوعِ، والضَّبِّ، والقُنْفُذِ، وابْنِ عُرْسٍ.
وَمِمَّنْ قالَ بِإباحَةِ الخُلْدِ والضُّرْبُوبِ: مالِكٌ وأصْحابُهُ.
وَأمّا الأرْنَبُ: فالتَّحْقِيقُ أنَّ أكْلَها مُباحٌ؛ لِما ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ - ﷺ: ”أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِن أرْنَبٍ فَقَبِلَهُ“، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ”فَأكَلَ مِنهُ“، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: أكَلَ الأرْنَبَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ورَخَّصَ فِيها أبُو سَعِيدٍ، وعَطاءٌ، وابْنُ المُسَيَّبِ، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا قائِلًا بِتَحْرِيمِها، إلّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ. اهـ.
(p-٥٣٨)وَأمّا الضَّبُّ: فالتَّحْقِيقُ أيْضًا جَوازُ أكْلِهِ؛ لِما ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ ﷺ قالَ: «كُلُوا أوْ أطْعِمُوا فَإنَّهُ حَلالٌ»، وقالَ: «لا بَأْسَ بِهِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن طَعامِي»، يَعْنِي الضَّبَّ، ولِما ثَبَتَ أيْضًا في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ خالِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّهُ أكَلَ ضَبًّا في بَيْتِ مَيْمُونَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إلَيْهِ»، وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ صاحِبِ ”البَيانِ“ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ بِتَحْرِيمِ الضَّبِّ.
وَنُقِلَ في ”المُغْنِي“ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أيْضًا، والثَّوْرِيِّ تَحْرِيمَ الضَّبِّ، ونُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ النَّهْيُ عَنْهُ، ولَمْ نَعْلَمْ لِتَحْرِيمِهِ مُسْتَنَدًا، إلّا ما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”الصَّحِيحِ“ مِن حَدِيثِ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ: «أُتِيَ بِضَبٍّ، فَأبى أنْ يَأْكُلَهُ» قالَ: «إنِّي لا أدْرِي لَعَلَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُولى الَّتِي مُسِخَتْ»، وأخْرَجَ مُسْلِمٌ نَحْوَهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا، فَكَأنَّهُ في هَذا الحَدِيثِ عَلَّلَ الِامْتِناعَ مِنهُ بِاحْتِمالِ المَسْخِ، أوْ لِأنَّهُ يُنْهَشُ، فَأشْبَهَ ابْنَ عُرْسٍ، ولَكِنَّ هَذا لا يُعارِضُ الأدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الَّتِي قَدَّمْناها بِإباحَةِ أكْلِهِ، وكانَ بَعْضُ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ الضَّبَّ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي مُسِخَتْ، كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: [ الرَّجَزُ ]
؎قالَتْ وكُنْتُ رَجُلًا فَطِينا هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ إسْرائِينا
فَإنَّ هَذِهِ المَرْأةَ العَرَبِيَّةَ أقْسَمَتْ عَلى أنَّ الضَّبَّ إسْرائِيلِيٌّ مُسِخَ.
* *
وَأمّا الجَرادُ: فَلا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ في جَوازِ أكْلِهِ، وقَدْ ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى، أنَّهُ قالَ: «غَزْونا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ نَأْكُلُ الجَرادَ» . اهـ.
وَمَيْتَةُ الجَرادِ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ حَلّالٌ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ؛ لِحَدِيثِ «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ» الحَدِيثَ.
وَخالَفَ مالِكٌ الجُمْهُورَ، فاشْتَرَطَ في جَوازِ أكْلِهِ ذَكاتَهُ، وذَكاتُهُ عِنْدَهُ ما يَمُوتُ بِهِ بِقَصْدِ الذَّكاةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ خَلِيلِ بْنِ إسْحاقَ المالِكِيِّ في ”مُخْتَصَرِهِ“: وافْتَقَرَ نَحْوُ الجَرادِ لَها بِما يَمُوتُ بِهِ، ولَوْ لَمْ يُعَجَّلْ كَقَطْعِ جَناحٍ.
واحْتَجَّ لَهُ المالِكِيَّةُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المَذْكُورِ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ»، الحَدِيثَ؛ لِأنَّ طُرُقَهُ لا تَخْلُو مِن ضَعْفٍ في الإسْنادِ، أوْ وقْفٍ، والأصْلُ الِاحْتِياجُ إلى الذَّكاةِ؛ لِعُمُومِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المائِدَةِ ما نَصُّهُ: " وقَدْ قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشّافِعِيُّ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ (p-٥٣٩)أسْلَمَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «أُحِلَّ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، فَأمّا المَيْتَتانِ: فالسَّمَكُ والجَرادُ، وأمّا الدَّمانِ: فالكَبِدُ والطُّحالُ»، وكَذا رَواهُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وهو ضَعِيفٌ.
قالَ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ: ورَواهُ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي إدْرِيسَ عَنْ أُسامَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، قُلْتُ: وثَلاثَتُهم كُلُّهم ضُعَفاءُ، ولَكِنَّ بَعْضَهم أصْلَحُ مِن بَعْضٍ، وقَدْ رَواهُ سُلَيْمانُ بْنُ بِلالٍ أحَدُ الأثْباتِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَوَقَفَهُ بَعْضُهم عَلَيْهِ. قالَ الحافِظُ أبُو زُرْعَةَ الرّازِيُّ: وهو أصَحُّ. اهـ مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وهو دَلِيلٌ لِما قالَهُ المالِكِيَّةُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لَكِنْ لِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ: إنَّ الرِّوايَةَ المَوْقُوفَةَ عَلى ابْنِ عُمَرَ مِن طَرِيقِ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْهُ صَحِيحَةٌ، ولَها حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لِأنَّ قَوْلَ الصَّحابِيِّ: أُحِلَّ لَنا، أوْ حُرِّمَ عَلَيْنا، لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لا يَحِلُّ لَهم، ولا يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ، إلّا النَّبِيُّ ﷺ كَما تَقَرَّرَ في عُلُومِ الحَدِيثِ، وأشارَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ إلى أنَّ الرِّوايَةَ الصَّحِيحَةَ المَوْقُوفَةَ عَلى ابْنِ عُمَرَ لَها حُكْمُ الرَّفْعِ، كَما ذَكَرْنا وهو واضِحٌ، وهو دَلِيلٌ لا لَبْسَ فِيهِ عَلى إباحَةِ مَيْتَةِ الجَرادِ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ.
والمالِكِيَّةُ قالُوا: لَمْ يَصِحَّ الحَدِيثُ مَرْفُوعًا، ومَيْتَةُ الجَرادِ داخِلَةٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣]، وافْتِقارُ الجَرادِ إلى الذَّكاةِ بِما يَمُوتُ بِهِ، كَقَطْعِ رَأْسِهِ بِنِيَّةِ الذَّكاةِ، أوْ صَلْقِهِ، أوْ قَلْيِهِ.
كَذَلِكَ رِوايَةٌ أيْضًا عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، نَقَلَها عَنْهُ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“ و ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
وَأمّا الطَّيْرُ: فَجَمِيعُ أنْواعِهِ مُباحَةُ الأكْلِ إلّا أشْياءَ مِنها، اخْتَلَفَ فِيها العُلَماءُ.
فَمِن ذَلِكَ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ يَتَقَوّى بِهِ ويَصْطادُ: كالصَّقْرِ، والشّاهِينِ، والبازِي، والعُقابِ، والباشِقِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ كَما قَدَّمْنا، ودَلِيلُهم ثُبُوتُ النَّهْيِ عَنْهُ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“، وغَيْرِهِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ.
وَمَذْهَبُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ: إباحَةُ أكْلِ ذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٤٠)﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ الآيَةَ؛ ولِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ نَصٌّ صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ.
وَمِمَّنْ قالَ كَقَوْلِ مالِكٍ: اللَّيْثُ، والأوْزاعِيُّ، ويَحْيى بْنُ سَعِيدٍ، وقالَ مالِكٌ: لَمْ أرَ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ يَكْرَهُ سِباعَ الطَّيْرِ، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لَمْ يَكْرَهْ مالِكٌ أكْلَ شَيْءٍ مِنَ الطَّيْرِ كُلِّهِ؛ الرَّخَمِ، والعِقْبانِ، والنُّسُورِ، والحِدَأةِ، والغِرْبانِ، وجَمِيعِ سِباعِ الطَّيْرِ، وغَيْرِ سِباعِها، ما أكَلَ الجِيَفَ مِنها، وما لَمْ يَأْكُلْها.
وَلا بَأْسَ بِأكْلِ الهُدْهُدِ، والخُطّافِ، ورُوِيَ عَلى كَراهَةِ أكْلِ الخُطّافِ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِقِلَّةِ لَحْمِها مَعَ تَحَرُّمِها بِمَن عَشَّشَتْ عِنْدَهُ، انْتَهى مِن ”المَوّاقِ“ في شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ في ”مُخْتَصَرِهِ“ وطَيْرٌ، ولَوْ جَلّالَةٌ.
وَمِن ذَلِكَ الحِدَأةُ، والغُرابُ الأبْقَعُ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُما مِنَ الفَواسِقِ الَّتِي يَحِلُّ قَتْلُها في الحِلِّ والحَرَمِ؛ وإباحَةُ قَتْلِها دَلِيلٌ عَلى مَنعِ أكْلِها، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ خِلافًا لِمالِكٍ، ومَن وافَقَهُ، كَما ذَكَرْنا آنِفًا.
وَقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «إنِّي لَأعْجَبُ مِمَّنْ يَأْكُلُ الغُرابَ، وقَدْ أذِنَ ﷺ في قَتْلِهِ»، وقالَ صاحِبُ ”المُهَذَّبِ“، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ تَحْرِيمَ أكْلِ الغُرابِ الأبْقَعِ: ويَحْرُمُ الغُرابُ الأسْوَدُ الكَبِيرُ؛ لِأنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ يَأْكُلُ الجِيَفَ فَهو كالأبْقَعِ.
وَفِي الغُدافِ، وغُرابِ الزَّرْعِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لا يَحِلُّ؛ لِلْخَبَرِ.
والثّانِي: يَحِلُّ؛ لِأنَّهُ مُسْتَطابٌ يَلْقُطُ الحَبَّ، فَهو كالحَمامِ، والدَّجاجِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ ويَحْرُمُ مِنها ما يَأْكُلُ الجِيَفَ، كالنُّسُورِ، والرَّخَمِ، وغُرابِ البَيْنِ وهو أكْبَرُ الغِرْبانِ، والأبْقَعِ. قالَ عُرْوَةُ: «وَمَن يَأْكُلُ الغُرابَ، وقَدْ سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ فاسِقًا ؟ واللَّهِ ما هو مِنَ الطَّيِّباتِ» . اهـ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ المُتَبادَرُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ أذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَتْلِهِ بِغَيْرِ الذَّكاةِ الشَّرْعِيَّةِ أنَّهُ مُحَرَّمُ الأكْلِ؛ إذْ لَوْ كانَ الِانْتِفاعُ بِأكْلِهِ جائِزًا لَما أذِنَ ﷺ في إتْلافِهِ كَما هو واضِحٌ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ: الغُرابُ الأبْقَعُ حَرامٌ بِلا خِلافٍ؛ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، والأسْوَدُ الكَبِيرُ فِيهِ طَرِيقانِ:
(p-٥٤١)إحْداهُما: أنَّهُ حَرامٌ.
والأُخْرى: أنَّ فِيهِ وجْهَيْنِ، أصَحُّهُما التَّحْرِيمُ.
وَغُرابُ الزَّرْعِ: فِيهِ وجْهانِ مَشْهُورانِ: أصَحُّهُما أنَّهُ حَلالٌ، وهو الزّاغُ، وهو أسْوَدُ صَغِيرٌ، وقَدْ يَكُونُ مُحْمَرَّ المِنقارِ والرِّجْلَيْنِ. اهـ، مِنهُ بِالمَعْنى في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ .
وَمِن ذَلِكَ الصَّرَدُ، والهُدْهُدُ، والخُطّافُ، والخُفّاشُ وهو الوَطْواطُ.
وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ: تَحْرِيمُ أكْلِ الهُدْهُدِ والخُطّافِ.
قالَ صاحِبُ ”المُهَذَّبِ“: ويَحْرُمُ أكْلُ الهُدْهُدِ والخُطّافِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ قَتْلِهِما، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ: أمّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الهُدْهُدِ، فَرَواهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ قَتْلِ أرْبَعٍ مِنَ الدَّوابِّ:“ النَّمْلَةِ، والنَّحْلَةِ، والهُدْهُدِ، والصَّرَدِ» "، رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ ذَكَرَهُ في آخِرِ كِتابِهِ، ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ في كِتابِ الصَّيْدِ بِإسْنادٍ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، وأمّا النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الخُطّافِ فَهو ضَعِيفٌ ومُرْسَلٌ، رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي الحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعاوِيَةَ، وهو مِن تابِعِيِّ التّابِعِينَ، أوْ مِنَ التّابِعِينَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: «أنَّهُ نَهى عَنْ قَتْلِ الخَطاطِيفِ»، ثُمَّ قالَ: قالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا مُنْقَطِعٌ، قالَ: ورَوى حَمْزَةُ النَّصِيبِيُّ فِيهِ حَدِيثًا مُسْنَدًا إلّا أنَّهُ كانَ يُرْمى بِالوَضْعِ. اهـ
وَمِمّا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ: تَعْلَمُ أنَّ الصَّرَدَ، والهُدْهُدَ لا يَجُوزُ أكْلُهُما في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ؛ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهِما، وقالَ النَّوَوِيُّ أيْضًا: وصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، أنَّهُ قالَ: " لا تَقْتُلُوا الضَّفادِعَ؛ فَإنَّ نَقِيقَها تَسْبِيحٌ، ولا تَقْتُلُوا الخُفّاشَ؛ فَإنَّهُ لَمّا خُرِّبَ بَيْتُ المَقْدِسِ قالَ: يا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلى البَحْرِ حَتّى أُغْرِقَهم، قالَ البَيْهَقِيُّ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والظّاهِرُ في مِثْلِ هَذا الَّذِي صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، مِنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الخُفّاشِ، والضُّفْدَعِ أنَّهُ في حُكْمِ المَرْفُوعِ؛ لِأنَّهُ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ؛ لِأنَّ عِلْمَ تَسْبِيحِ الضُّفْدَعِ، وما قالَهُ الخُفّاشُ لا يَكُونُ بِالرَّأْيِ، وعَلَيْهِ فَهو يَدُلُّ عَلى مَنعِ أكْلِ الخُفّاشِ والضُّفْدَعِ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ويَحْرُمُ الخُطّافُ، والخُشّافُ، أوِ الخُفّاشُ وهو الوَطْواطُ، وقالَ الشّاعِرُ: [ الكامِلُ ](p-٥٤٢)
؎مِثْلُ النَّهارِ يَزِيدُ أبْصارَ الوَرْي نُورًا ويُعْمِي أعْيُنَ الخُفّاشِ
قالَ أحْمَدُ: ومَن يَأْكُلُ الخُشّافَ ؟، وسُئِلَ عَنِ الخُطّافِ، فَقالَ: لا أدْرِي، وقالَ النَّخَعِيُّ: أكْلُ الطَّيْرِ حَلالٌ إلّا الخُفّاشَ، وإنَّما حُرِّمَتْ هَذِهِ لِأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ لا تَأْكُلُها العَرَبُ. اهـ، مِن ”المُغْنِي“ . والخُشّافُ هو الخُفّاشُ، وقَدْ قَدَّمْنا عَنْ مالِكٍ وأصْحابِهِ جَوازَ أكْلِ جَمِيعِ أنْواعِ الطَّيْرِ، واسْتَثْنى بَعْضُهم مِن ذَلِكَ الوَطْواطَ.
وَفِي البَبَّغا، والطّاوُسِ وجْهانِ لِلشّافِعِيَّةِ: قالَ البَغَوِيِّ وغَيْرُهُ: وأصَحُّهُما التَّحْرِيمُ.
وَفِي العَنْدَلِيبِ، والحُمْرَةِ لَهم أيْضًا وجْهانِ: والصَّحِيحُ إباحَتُهُما، وقالَ أبُو عاصِمٍ العَبّادِيُّ: يَحْرُمُ مُلاعِبُ ظِلِّهِ، وهو طائِرٌ يَسْبَحُ في الجَوِّ مِرارًا كَأنَّهُ يَنْصَبُّ عَلى طائِرٍ، وقالَ أبُو عاصِمٍ أيْضًا: والبُومُ حَرامٌ كالرَّخَمِ، قالَ: والضُّوَعُ، بِضَمِّ الضّادِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الواوِ وبِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، حَرامٌ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ، قالَ الرّافِعِيُّ: هَذا يَقْتَضِي أنَّ الضُّوَعَ غَيْرُ البُومِ، قالَ: لَكِنْ في ”صِحاحِ الجَوْهَرِيِّ“ أنَّ الضُّوَعَ طائِرٌ مِن طَيْرِ اللَّيْلِ مِن جِنْسِ الهامِّ، وقالَ المُفَضَّلُ: هو ذَكَرُ البُومِ، قالَ الرّافِعِيُّ: فَعَلى هَذا إنْ كانَ في الضُّوَعِ قَوْلٌ لَزِمَ إجْراؤُهُ في البُومِ؛ لِأنَّ الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ الجِنْسِ الواحِدِ لا يَفْتَرِقانِ، قالَهُ النَّوَوِيُّ: ثُمَّ قالَ: قُلْتُ: الأشْهَرُ أنَّ الضُّوَعَ مِن جِنْسِ الهامِّ؛ فَلا يَلْزَمُ اشْتِراكُهُما في الحُكْمِ.
وَأمّا حَشَراتُ الطَّيْرِ، كالنَّحْلِ، والزَّنابِيرِ، والذُّبابِ، والبَعُوضِ، ونَحْوِ ذَلِكَ: فَأكْلُها حَرامٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وأكْثَرِ العُلَماءِ؛ لِأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ طَبْعًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ .
وَمِن ذَلِكَ الجَلّالَةُ: وهي الَّتِي تَأْكُلُ النَّجِسَ، وأصْلُها الَّتِي تَلْتَقِطُ الجِلَّةَ بِتَثْلِيثِ الجِيمِ: وهي البَعْرُ، والمُرادُ بِها عِنْدَ العُلَماءِ: الَّتِي تَأْكُلُ النَّجاساتِ مِنَ الطَّيْرِ والدَّوابِّ.
وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الإمامِ مالِكٍ: جَوازُ أكْلِ لَحْمِ الجَلّالَةِ مُطْلَقًا، أمّا لَبَنُها وبَوْلُها فَنَجِسانِ في مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ، ما دامَ النَّجِسُ باقِيًا في جَوْفِها، ويَطْهُرُ لَبَنُها وبَوْلُها عِنْدَهُ إنْ أمْسَكَتْ عَنْ أكْلِ النَّجِسِ، وعُلِفَتْ عَلَفًا طاهِرًا مُدَّةً يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ فِيها عَدَمُ بَقاءِ شَيْءٍ في جَوْفِها مِنَ الفَضَلاتِ النَّجِسَةِ، وكَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ لَحْمَ الجَلّالَةِ ولَبَنَها، وحُجَّتُهم حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ ألْبانِ الجَلّالَةِ»، قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ صَحِيحٌ، رَواهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. اهـ.
(p-٥٤٣)وَقالَ النَّوَوِيُّ في حَدِّ الجَلّالَةِ: والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ لا اعْتِبارَ بِالكَثْرَةِ، وإنَّما الِاعْتِبارُ بِالرّائِحَةِ والنَّتْنِ، فَإنْ وُجِدَ في عَرَقِها وغَيْرِهِ رِيحُ النَّجاسَةِ فَجَلّالَةٌ، وإلّا فَلا. وأكْلُ لَحْمِ الجَلّالَةِ وشُرْبُ لَبَنِها مَكْرُوهٌ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، والصَّحِيحُ عِنْدَهم أنَّها كَراهَةُ تَنْزِيهٍ، وقِيلَ: كَراهَةُ تَحْرِيمٍ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: قالَ أحْمَدُ: أكْرَهُ لُحُومَ الجَلّالَةِ وألْبانَها، قالَ القاضِي في المُجَرَّدِ: هي الَّتِي تَأْكُلُ القَذَرَ، فَإذا كانَ أكْثَرُ عَلَفِها النَّجاسَةَ حُرِّمَ لَحْمُها ولَبَنُها.
وَفِي بَيْضِها رِوايَتانِ: وإنْ كانَ أكْثَرُ عَلَفِها الطّاهِرَ لَمْ يَحْرُمْ أكْلُها ولا لَبَنُها، وتَحْدِيدُ الجَلّالَةِ يَكُونُ أكْثَرُ عَلَفِها النَّجاسَةَ لَمْ نَسْمَعْهُ عَنْ أحْمَدَ، ولا هو ظاهِرُ كَلامِهِ، لَكِنْ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ بِما يَكُونُ كَثِيرًا في مَأْكُولِها ويُعْفى عَنِ اليَسِيرِ، وقالَ اللَّيْثُ: إنَّما كانُوا يَكْرَهُونَ الجَلّالَةَ الَّتِي لا طَعامَ لَها إلّا الرَّجِيعَ وما أشْبَهَهُ، وقالَ ابْنُ أبِي مُوسى في الجَلّالَةِ رِوايَتانِ:
إحْداهُما: أنَّها مُحَرَّمَةٌ.
والثّانِيَةُ: أنَّها مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وكَرِهَ أبُو حَنِيفَةَ لُحُومَها، والعَمَلُ عَلَيْها حَتّى تُحْبَسَ، ورَخَّصَ الحَسَنُ في لُحُومِها وألْبانِها؛ لِأنَّ الحَيَواناتِ لا تَتَنَجَّسُ بِأكْلِ النَّجاساتِ؛ بِدَلِيلِ أنَّ شارِبَ الخَمْرِ لا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ أعْضائِهِ، والكافِرُ الَّذِي يَأْكُلُ الخِنْزِيرَ والمُحَرَّماتِ لا يَكُونُ ظاهِرُهُ نَجِسًا، ولَوْ نَجِسَ لَما طَهُرَ بِالإسْلامِ، ولا الِاغْتِسالِ، ولَوْ نَجِسَتِ الجَلّالَةُ لَما طَهُرَتْ بِالحَبْسِ. اهـ.
والظّاهِرُ كَراهَةُ رُكُوبِ الجَلّالَةِ، وهو مَكْرُوهٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وعُمَرَ، وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا كَراهَةُ رُكُوبِ الجَلّالَةِ، أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.
والسَّخْلَةُ المُرَبّاةُ بِلَبَنِ الكَلْبَةِ حُكْمُها حُكْمُ الجَلّالَةِ فِيما يَظْهَرُ، فَيَجْرِي فِيها ما جَرى فِيها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَمِن ذَلِكَ الزُّرُوعُ والثِّمارُ الَّتِي سُقِيَتْ بِالنَّجاساتِ، أوْ سُمِّدَتْ بِها، فَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّها طاهِرَةٌ، وأنَّ ذَلِكَ لا يُنَجِّسُها، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأصْحابُهُما، خِلافًا لِلْإمامِ أحْمَدَ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وتَحْرُمُ الزُّرُوعُ والثِّمارُ الَّتِي سُقِيَتْ بِالنَّجاساتِ، أوْ سُمِّدَتْ بِها، وقالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يُكْرَهَ ذَلِكَ ولا يَحْرُمَ، ولا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِها؛ لِأنَّ النَّجاسَةَ تَسْتَحِيلُ في باطِنِها فَتَطْهُرُ بِالِاسْتِحالَةِ، كالدَّمِ يَسْتَحِيلُ في أعْضاءِ (p-٥٤٤)الحَيَوانِ لَحْمًا، ويَصِيرُ لَبَنًا، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ، مِنهم أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وكانَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ يَدْمُلُ أرْضَهُ بِالعَرَّةِ ويَقُولُ: مِكْتَلُ عَرَّةٍ مِكْتَلُ بُرٍّ، والعَرَّةُ: عَذِرَةُ النّاسِ، ولَنا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كُنّا نُكْرِي أراضِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ ألّا يَدْمُلُوها بِعَذِرَةِ النّاسِ، ولِأنَّها تَتَغَذّى بِالنَّجاساتِ، وتَتَرَقّى فِيها أجْزاؤُها، والِاسْتِحالَةُ لا تُطَهِّرُ، فَعَلى هَذا تُطَهَّرُ إذا سُقِيَتِ الطّاهِراتِ، كالجَلّالَةِ إذا حُبِسَتْ وأُطْعِمَتِ الطّاهِراتِ. اهـ، مِنَ المُغْنِي بِلَفْظِهِ.
الأنعام 6:148
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم سَيَقُولُونَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا، وذَكَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِالفِعْلِ، كَقَوْلِهِ في النَّحْلِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ﴾ الآيَةَ [ \ ٣٥ ] وقَوْلِهِ في الزُّخْرُفِ: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ الآيَةَ [ \ ٢٠ ] .
وَمُرادُهم: أنَّ اللَّهَ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى مَنعِهِمْ مِنَ الإشْراكِ، ولَمْ يَمْنَعْهم مِنهُ، أنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ بِشِرْكِهِمْ، ولِذَلِكَ كَذَّبَهم هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وكَذَّبَهم في الزُّخْرُفِ، بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [ \ ٢٠ ]، وقالَ في الزُّمَرِ: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ الآيَةَ [ \ ٧ ] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ.
هَذا الكَلامُ الَّذِي قالُوهُ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ كَلامُ صِدْقٍ لا شَكَّ فِيهِ لِأنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ولَمْ يُحَرِّمُوا شَيْئًا مِمّا لَمْ يُحَرِّمْهُ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ.
وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] وقالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، وقالَ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]، وإذا كانَ هَذا الكَلامُ الَّذِي قالَهُ الكُفّارُ حَقًّا فَما وجْهُ تَكْذِيبِهِ تَعالى لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ونَظِيرُ هَذا الإشْكالِ بِعَيْنِهِ في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] .
والجَوابُ أنَّ هَذا الكَلامَ الَّذِي قالَهُ الكُفّارُ كَلامُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهِ باطِلٌ فَتَكْذِيبُ اللَّهِ لَهم واقِعٌ عَلى باطِلِهِمُ الَّذِي قَصَدُوهُ بِهَذا الكَلامِ الحَقِّ وإيضاحُهُ: أنَّ مُرادَهم أنَّهم لَمّا كانَ كُفْرُهم وعِصْيانُهم بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وأنَّهُ لَوْ شاءَ لَمَنَعَهم مِن ذَلِكَ فَعَدَمُ مَنعِهِ لَهم دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ بِفِعْلِهِمْ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ مُبَيِّنًا أنَّهُ لا يَرْضى بِكُفْرِهِمْ كَما نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ (p-٢٨٦)[الزمر: ٧]، فالكُفّارُ زَعَمُوا أنَّ الإرادَةَ الكَوْنِيَّةَ يَلْزَمُها الرِّضا، وهو زَعْمٌ باطِلٌ بَلِ اللَّهُ يُرِيدُ بِإرادَتِهِ الكَوْنِيَّةِ ما لا يَرْضاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ والَّذِي يُلازِمُ الرِّضى حَقًّا إنَّما هو الإرادَةُ الشَّرْعِيَّةُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأنعام 6:151
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
الآيَةَ، الظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم أنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى ما وصّاكم بِهِ فِعْلًا، أوْ تَرْكًا؛ لِأنَّ كُلًّا مِن تَرْكِ الواجِبِ، وفِعْلِ الحَرامِ حَرامٌ، فالمَعْنى وصّاكم ﴿ألّا تُشْرِكُوا﴾، وأنْ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٨٥] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ الآيَةَ، نَهى اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ مِن أجْلِ الفَقْرِ الواقِعِ بِالفِعْلِ؛ ونَهى في سُورَةِ الإسْراءِ عَنْ قَتْلِهِمْ خَشْيَةَ الفَقْرِ المُتَرَقَّبِ المَخُوفِ مِنهُ، مَعَ أنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ في الحالِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، وقَدْ أوْضَحَ ﷺ مَعْناهُ حِينَ سَألَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”«أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ فَقالَ:“ أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ ”قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ:“ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ”قالَ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ:“ أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ " ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾» الآيَةَ [الفرقان: ٦٨] .
(p-٥٤٥)وَأخَذَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنعَ العَزْلِ؛ لِأنَّهُ وأْدٌ خَفِيٌّ، وحَدِيثُ جابِرٍ: «كُنّا نَعْزِلُ والوَحْيُ يَنْزِلُ» يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، لَكِنْ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ عَنِ الحُرَّةِ إلّا بِإذْنِها، ويَجُوزُ عَنِ الأمَةِ بِغَيْرِ إذْنِها. والإمْلاقُ: الفَقْرُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الإمْلاقُ الجُوعُ.
وَحَكاهُ النَّقّاشُ عَنْ مُؤَرِّجٍ، وقِيلَ: الإمْلاقُ الإنْفاقُ، يُقالُ: أمْلَقَ مالَهُ بِمَعْنى أنْفَقَهُ، وذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا قالَ لِامْرَأتِهِ: أمْلِقِي ما شِئْتِ مِن مالِكِ.
وَحُكِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ، ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، وغَيْرُهُ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ حَرَّمَهُ رَبُّهم عَلَيْهِمْ، فَيُوهِمُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، أنَّ الإحْسانَ بِالوالِدَيْنِ وعَدَمَ الشِّرْكِ حَرامٌ، والواقِعُ خِلافُ ذَلِكَ، كَما هو ضَرُورِيٌّ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَلامٌ كَثِيرٌ لِلْعُلَماءِ، وبُحُوثٌ ومُناقَشاتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَّسِعُ هَذِهِ العُجالَةُ لِاسْتِيعابِها، مِنها أنَّها صِلَةٌ كَما يَأْتِي، ومِنها أنَّها بِمَعْنى أُبَيِّنُهُ لَكم لِئَلّا تُشْرِكُوا.
وَمَن أطاعَ الشَّيْطانَ مُسْتَحِلًّا فَهو مُشْرِكٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
وَمِنها أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا﴾: اسْمُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَهُ عَلى أنَّ مَعْمُولَهُ مِنها غَيْرُ ذَلِكَ، وأقْرَبُ تِلْكَ الوُجُوهِ عِنْدَنا هو ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ لِأنَّ خَيْرَ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ، وذَلِكَ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾، مُضَمَّنٌ مَعْنى ما وصّاكم رَبُّكم بِهِ تَرْكًا وفِعْلًا، وإنَّما قُلْنا إنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى هَذا لِأنَّ اللَّهَ رَفَعَ هَذا الإشْكالَ وبَيَّنَ مُرادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فَيَكُونُ المَعْنى: وصّاكم ألّا تُشْرِكُوا، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎حَجَّ وأوْصى بِسُلَيْمى عَبْدًا أنْ لا تَرى ولا تُكَلِّمُ أحَدًا
وَمِن أقْرَبِ الوُجُوهِ بَعْدَ هَذا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: يُبَيِّنُهُ لَكم لِئَلّا تُشْرِكُوا.
والثّانِي: أنَّ ”أنْ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُشْرِكُوا﴾ مُفَسِّرَةٌ لِلتَّحْرِيمِ، والقَدْحُ فِيهِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣]، مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وعَطْفُهُ عَلَيْهِ يُنافِي (p-٢٨٧)التَّفْسِيرَ مَدْفُوعٌ بِعَدَمِ تَعْيِينِ العَطْفِ لِاحْتِمالِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ فَيَكُونُ المَعْنى: ولِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم، ولَكِنَّ القَوْلَ الأوَّلَ هو الصَّحِيحُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ أصْلًا.
الأنعام 6:152
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ الآيَةَ، قَدْ يَتَوَهَّمُ غَيْرُ العارِفِ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أعْنِي مَفْهُومَ الغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] أنَّهُ إذا بَلَغَ أشُدَّهُ، فَلا مانِعَ مِن قُرْبانِ مالِهِ بِغَيْرِ الَّتِي هي أحْسَنُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مُرادًا بِالآيَةِ، بَلِ الغايَةُ بِبُلُوغِ الأشَدِّ يُرادُ بِها: أنَّهُ إنْ بَلَغَ أشُدَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ، إنْ أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦] .
والتَّحْقِيقُ أنَّ المُرادَ بِالأشُدِّ في هَذِهِ الآيَةِ البُلُوغُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ الآيَةَ.
والبُلُوغُ يَكُونُ بِعَلاماتٍ كَثِيرَةٍ، كالإنْباتِ، واحْتِلامِ الغُلامِ، وحَيْضِ الجارِيَةِ، وحَمْلِها، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ سِنَّ البُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: إذا بَلَغَتْ قامَتُهُ خَمْسَةَ أشْبارٍ فَقَدْ بَلَغَ، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ، وبِهِ أخَذَ الفَرَزْدَقُ في قَوْلِهِ يَرْثِي يَزِيدَ بْنَ المُهَلَّبِ: [ الكامِلُ ]
؎ما زالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ فَسَما فَأدْرَكَ خَمْسَةَ الأشْبارِ ∗∗∗ يُدْنِي خَوافِقَ مِن خَوافِقَ تَلْتَقِي ∗∗∗ في ظِلِّ مُعْتَبَطِ الغُبارِ مُثارِ
والأشُدُّ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ كالآنُكِ، وهو الرَّصاصُ، وقِيلَ: واحِدُهُ شَدٌّ، كَفَلْسٍ وأفْلُسٍ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ جَمْعُ شِدَّةٍ، ومَعْناهُ حَسَنٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: بَلَغَ الغُلامُ شِدَّتَهُ، إلّا أنَّ جَمْعَ الفِعْلَةِ فِيهِ عَلى أفْعُلَ غَيْرُ مَعْهُودٍ، (p-٥٤٦)كَما قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وأمّا أنْعُمُ، فَلَيْسَ جَمْعَ نِعْمَةٍ، وإنَّما هو جَمْعُ نِعْمَ مِن قَوْلِهِمْ بِئْسَ ونِعْمَ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وقالَ أيْضًا: وأصْلُ الأشُدِّ مِن شَدِّ النَّهارِ إذا ارْتَفَعَ، يُقالُ: أتَيْتُهُ شَدَّ النَّهارِ، وكانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ يُنْشِدُ بَيْتَ عَنْتَرَةَ: [ الكامِلُ ]
؎عَهْدِي بِهِ شَدُّ النَّهارِ كَأنَّما ∗∗∗ خَضَبَ اللَّبانَ ورَأْسَهُ بِالعَظْلَمِ
وَقالَ الآخَرُ: [ الطَّوِيلُ ]
؎تُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهارِ ظَعِينَةٌ ∗∗∗ طَوِيلَةُ أنْقاءُ اليَدَيْنِ سَحُوقُ
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: [ البَسِيطُ ]
؎شَدَّ النَّهارِ ذِراعا عَيْطَلٍ نَصَفٍ ∗∗∗ قامَتْ فَجاوَبَها نُكْدٌ مَثاكِيلُ
فَقَوْلُهُ: ”شَدَّ النَّهارِ“ يَعْنِي وقْتَ ارْتِفاعِهِ، وهو بَدَلٌ مِنَ اليَوْمِ، في قَوْلِهِ قَبْلَهُ:
؎يَوْمًا يَظَلُّ بِهِ الحَرْباءَ مُصْطَخِدًا ∗∗∗ كَأنَّ ضاحِيَهُ بِالشَّمْسِ مَحْلُولُ
فَشَدُّ النَّهارِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ يَوْمًا، بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ”يَوْمًا“ بَدَلٌ مِن إذا في قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: [ البَسِيطُ ]
؎كَأنَّ أوْبَ ذِراعَيْها إذا عَرِقَتْ ∗∗∗ وقَدْ تَلَفَّعَ بِالقُورِ العَساقِيلُ
لِأنَّ الزَّمَنَ المُعَبَّرَ عَنْهُ ”بِإذا“ هو بِعَيْنِهِ اليَوْمُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ”يَوْمًا يَظَلُّ“ البَيْتَ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ [النازعات: ٣٤، ٣٥]، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ﴾ الآيَةَ [عبس: ٣٣، ٣٤]، وإعْرابُ أبْياتِ كَعْبٍ هَذِهِ يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَداخُلِ البَدَلِ، وقَوْلُهُ: ”ذِراعًا عَيْطَلٍ“ خَبَرُ كَأنَّ في قَوْلِهِ: ”كَأنَّ أوْبَ ذِراعَيْها“ البَيْتَ.
وَقالَ السُّدِّيُّ: الأشُدُّ ثَلاثُونَ سَنَةً، وقِيلَ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ بَعِيدَةٌ عَنِ المُرادِ بِالآيَةِ كَما بَيَّنّا، وإنْ جازَتْ لُغَةً، كَما قالَ سُحَيْمُ بْنُ وثِيلٍ: [ الوافِرُ ]
؎أخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ ونَجَّذَنِي مُداوَرَةُ الشُّئُونِ
* *
(p-٥٤٧)تَنْبِيهٌ
قالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ: إنَّ الرُّشْدَ الَّذِي يُدْفَعُ بِهِ المالُ إلى مَن بَلَغَ النِّكاحَ، هو حِفْظُ المالِ، وحُسْنُ النَّظَرِ في التَّصَرُّفِ فِيهِ، وإنْ كانَ فاسِقًا شَرِّيبًا، كَما أنَّ الصّالِحَ التَّقِيَّ إذا كانَ لا يُحْسِنُ النَّظَرَ في المالِ لا يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ، قالَ ابْنُ عاصِمٍ المالِكِيُّ في ”تُحْفَتِهِ“: [ الرَّجَزُ ]
؎وَشارِبُ الخَمْرِ إذا ما ثَمَرا لِما يَلِي مِن مالِهِ لَنْ يَحْجُرا ∗∗∗ وَصالِحٌ لَيْسَ يُجِيدُ النَّظَرا في المالِ ∗∗∗ إنْ خِيفَ الضَّياعُ حُجِرا
وَقالَ الشّافِعِيُّ ومَن وافَقَهُ: لا يَكُونُ الفاسِقُ العاصِي رَشِيدًا؛ لِأنَّهُ لا سَفَهَ أعْظَمُ مِن تَعْرِيضِهِ نَفْسَهُ لِسَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ بِارْتِكابِ المَعاصِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾، أمَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ بِالعَدْلِ، وذَكَرَ أنَّ مَن أخَلَّ بِإيفائِهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنهُ لِذَلِكَ، لا حَرَجَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ قَصْدِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ هُنا عِقابًا لِمَن تَعَمَّدَ ذَلِكَ، ولَكِنْ تَوَعَّدَهُ بِالوَيْلِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، ووَبَّخَهُ بِأنَّهُ لا يَظُنُّ البَعْثَ لِيَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦] .
وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ إيفاءَ الكَيْلِ والمِيزانِ خَيْرٌ لِفاعِلِهِ، وأحْسَنُ عاقِبَةً، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾، أمَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالعَدْلِ في القَوْلِ، ولَوْ كانَ عَلى ذِي قَرابَةٍ، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِالأمْرِ بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ عَلى نَفْسِهِ أوْ والِدَيْهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٣٥] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ الآيَةَ، أمَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالإيفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ عَهْدَ اللَّهِ سَيُسْألُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ، بِقَوْلِهِ: (p-٥٤٨)﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، أيْ: عَنْهُ.
الأنعام 6:157
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مِن حُكْمِ إنْزالِ القُرْآنِ العَظِيمِ قَطْعَ عُذْرِ كُفّارِ مَكَّةَ؛ لِئَلّا يَقُولُوا: لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْنا كِتابٌ لَعَمِلْنا بِهِ، ولَكُنّا أهْدى مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِكُتُبِهِمْ، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم أقْسَمُوا عَلى ذَلِكَ، وأنَّهُ لَمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، ما زادَهم نُزُولُهُ إلّا نُفُورًا وبُعْدًا عَنِ الحَقِّ؛ لِاسْتِكْبارِهِمْ ومَكْرِهِمُ السَّيِّئِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٢] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ الآيَةَ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ هَذا الفِعْلَ أعْنِي ”صَدَفَ“ في هَذِهِ الآيَةِ لازِمٌ، ومَعْناهُ أعْرَضَ عَنْها، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
وَقالَ السُّدِّيُّ: ”صَدَفَ“ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَدِّيَةٌ لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: أنَّهُ صَدَّ غَيْرَهُ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ، والقُرْآنُ يَدُلُّ لِقَوْلِ السُّدِّيِّ؛ لِأنَّ إعْراضَ هَذا الَّذِي لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ عَنْ آياتِ اللَّهِ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، إذا لا إعْراضَ أعْظَمُ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَصَدَفَ عَنْها﴾، أنَّهُ صَدَّ غَيْرَهُ عَنْها، فَصارَ جامِعًا بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ.
وَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَمَعْنى ”صَدَفَ“ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ”كَذَّبَ“ ونَظِيرُ الآيَةِ عَلى القَوْلِ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
* *
=قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٨٨] .
وَقَدْ يُوَجَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ بِأنَّ المُرادَ بِتَكْذِيبِهِ، وإعْراضِهِ: أنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِها قَلْبُهُ، ولَمْ تَعْمَلْ بِها جَوارِحُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢]، ونَحْوُها مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى اشْتِمالِ الكافِرِ عَلى التَّكْذِيبِ بِقَلْبِهِ، وتَرْكِ العَمَلِ بِجَوارِحِهِ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في ”تَفْسِيرِهِ“ بَعْدَ أنْ أشارَ إلى هَذا: (p-٥٤٩)وَلَكِنَّ كَلامَ السُّدِّيِّ أقْوى وأظْهَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ. اهـ.
وَإطْلاقُ ”صَدَفَ“ بِمَعْنى أعْرَضَ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎عَجِبْتُ لِحُكْمِ اللَّهِ فِينا وقَدْ بَدا لَهُ صَدْفُنا عَنْ كُلِّ حَقٍّ مُنَزَّلِ
وَرُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أنْشَدَ بَيْتَ أبِي سُفْيانَ هَذا لِهَذا المَعْنى، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ ابْنِ الرِّقاعِ: [ البَسِيطُ ]
؎إذا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أحْسَنَهُ ∗∗∗ وهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقى صَدَفُ
أيْ: مُعْرِضاتٌ.
الأنعام 6:158
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنَّ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إتْيانَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا ومَلائِكَتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَكَرَ ذَلِكَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وزادَ فِيهِ أنَّ المَلائِكَةَ يَجِيئُونَ صُفُوفًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وذَكَرَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وزادَ فِيهِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا يَأْتِي في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٠]، ومِثْلُ هَذا مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي وصَفَ بِها نَفْسَهُ يَمُرُّ كَما جاءَ ويُؤْمِنُ بِها، ويَعْتَقِدُ أنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِن صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، فَسُبْحانَ مَن أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ٢١٠] .
الأنعام 6:162
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾ الآيَةَ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالنُّسُكِ هُنا النَّحْرُ، لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يَتَقَرَّبُونَ لِأصْنامِهِمْ بِعِبادَةٍ مِن أعْظَمِ العِباداتِ: هي النَّحْرُ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ إنَّ صَلاتَهُ ونَحْرَهُ كِلاهُما خالِصٌ لِلَّهِ تَعالى، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: النُّسُكُ جَمِيعُ العِباداتِ، ويَدْخُلُ فِيهِ النَّحْرُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: وانْحَرْ وضْعُ اليَدِ اليُمْنى عَلى اليُسْرى تَحْتَ النَّحْرِ في الصَّلاةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.