Adwa' Al-Bayan — الأعراف 7:2 – الأنفال 8:75
المحتويات
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:4
- الأعراف 7:5
- الأعراف 7:6
- الأعراف 7:7
- الأعراف 7:8
- الأعراف 7:10
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:13
- الأعراف 7:14
- الأعراف 7:17
- الأعراف 7:18
- الأعراف 7:27
- الأعراف 7:28
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:30
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:38
- الأعراف 7:43
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:48
- الأعراف 7:51
- الأعراف 7:53
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:56
- الأعراف 7:57
- الأعراف 7:63
- الأعراف 7:64
- الأعراف 7:71
- الأعراف 7:72
- الأعراف 7:77
- الأعراف 7:78
- الأعراف 7:79
- الأعراف 7:80
- الأعراف 7:83
- الأعراف 7:86
- الأعراف 7:87
- الأعراف 7:93
- الأعراف 7:101
- الأعراف 7:103
- الأعراف 7:107
- الأعراف 7:108
- الأعراف 7:109
- الأعراف 7:116
- الأعراف 7:124
- الأعراف 7:131
- الأعراف 7:137
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:202
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:53
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:75
الأعراف 7:2
(p-٣)﷽
سُورَةُ الأعْرافِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الآيَةَ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: ﴿حَرَجٌ﴾ أيْ شَكٌّ، أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِكَ شَكٌّ في كَوْنِ هَذا القُرْآنِ حَقًّا، وعَلى هَذا القَوْلِ فالآيَةُ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٤٩] .
والمُمْتَرِي: هو الشّاكُّ؛ لِأنَّهُ مُفْتَعِلٌ مِنَ المِرْيَةِ وهي الشَّكُّ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
والمُرادُ نَهْيُ غَيْرِهِ عَنِ الشَّكِّ في القُرْآنِ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ: [ الرَّجَزُ ]
؎إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ
وَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٠ و١٤٥] و [الرعد: ١٣٧] .
وَمَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُخاطِبُهُ لِيُوَجِّهَ الخِطابَ إلى غَيْرِهِ في ضِمْنِ خِطابِهِ ﷺ .
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ: عَلى أنَّ المُرادَ بِالحَرَجِ في الآيَةِ الضِّيقُ. أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِكَ ضِيقٌ عَنْ تَبْلِيغِ ما أُمِرْتَ بِهِ لِشِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ لَكَ، لِأنَّ تَحَمُّلَ عَداوَةِ الكُفّارِ، والتَّعَرُّضَ لِبَطْشِهِمْ مِمّا يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ، وكَذَلِكَ تَكْذِيبُهم لَهُ ﷺ مَعَ وُضُوحِ صِدْقِهِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِراتِ مِمّا يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ. وقَدْ قالَ ﷺ: «إذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً»، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. والثَّلْغُ: الشَّدْخُ، وقِيلَ ضَرْبُ الرَّطْبِ بِاليابِسِ حَتّى يَنْشَدِخَ، وهَذا البَطْشُ مِمّا (p-٤)يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ.
وَيَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ الأخِيرِ في الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] .
وَيُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأخِيرَ في الآيَةِ أنَّ الحَرَجَ في لُغَةِ العَرَبِ: الضِّيقُ. وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقَوْلُهُ: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، أيْ: شَدِيدَ الضِّيقِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، أوْ جَمِيلٍ: [ الكامِلُ ]
؎فَخَرَجْتُ خَوْفَ يَمِينِها فَتَبَسَّمَتْ ∗∗∗ فَعَلِمْتُ أنَّ يَمِينَها لَمْ تُحْرَجِ
وَقَوْلُ العَرْجِيِّ [ السَّرِيعُ ]:
؎عُوجِي عَلَيْنا رَبَّةَ الهَوْدَجِ ∗∗∗ إنَّكِ إلّا تَفْعَلِي تَحْرُجِي
والمُرادُ بِالإحْراجِ في البَيْتَيْنِ:
الإدْخالُ في الحَرَجِ. بِمَعْنى الضِّيقِ كَما ذَكَرْنا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا المَفْعُولَ بِهِ لِقَوْلِهِ لِتُنْذِرَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. كَما أنَّهُ بَيَّنَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْإنْذارِ في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ الآيَةَ [النبإ: ٤٠]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ جَمَعَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيْنَ الإنْذارِ والذِّكْرى في قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] فالإنْذارُ لِلْكُفّارِ، والذِّكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقَوْلُهُ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] .
(p-٥)وَلا يُنافِي ما ذَكَرْنا - مِن أنَّ الإنْذارَ لِلْكُفّارِ، والذِّكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ - أنَّهُ قَصَرَ الإنْذارَ عَلى المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١]؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الِانْتِفاعُ بِالإنْذارِ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ، صارَ الإنْذارُ كَأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ما لا نَفْعَ فِيهِ فَهو كالعَدَمِ.
وَمِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: التَّعْبِيرُ عَنْ قَلِيلِ النَّفْعِ بِأنَّهُ لا شَيْءَ.
وَحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ في هَذا المَبْحَثِ: أنَّ الإنْذارَ يُطْلَقُ في القُرْآنِ إطْلاقَيْنِ:
أحَدُهُما: عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]، وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .
وَهَذا الإنْذارُ العامُّ: هو الَّذِي قُصِرَ عَلى المُؤْمِنِينَ قَصْرًا إضافِيًّا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
والثّانِي: إنْذارٌ خاصٌّ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّهم هُمُ الواقِعُونَ فِيما أُنْذِرُوا بِهِ مِنَ النَّكالِ والعَذابِ، وهو الَّذِي يُذْكَرُ في القُرْآنِ مُبَيَّنًا أنَّهُ خاصٌّ بِالكُفّارِ دُونَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾، وقَوْلِهِ هُنا: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ اهـ.
والإنْذارُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: الإعْلامُ المُقْتَرِنُ بِتَهْدِيدٍ، فَكُلُّ إنْذارٍ إعْلامٌ، ولَيْسَ كُلُّ إعْلامٍ إنْذارًا.
الأعراف 7:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾، خَوَّفَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الكُفّارَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ ﷺ، بِأنَّهُ أهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ القُرى بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَمِنهم مَن أهْلَكَها ﴿بَياتًا﴾، أيْ: لَيْلًا، ومِنهم مَن أهْلَكَها وهم قائِلُونَ، أيْ في حالِ قَيْلُولَتِهِمْ، والقَيْلُولَةُ: الِاسْتِراحَةُ وسَطَ النَّهارِ. يَعْنِي: فاحْذَرُوا تَكْذِيبَ رَسُولِي ﷺ لِئَلّا أُنْزِلَ بِكم مِثْلَ ما أنْزَلْتُ بِهِمْ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]،
وقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ (p-٦)يُرِيدُ تَهْدِيدَهم بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ هَدَّدَ تَعالى أهْلَ القُرى بِأنْ يَأْتِيَهم عَذابُهُ لَيْلًا في حالَةِ النَّوْمِ، أوْ ضُحًى في حالَةِ اللَّعِبِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧، ٩٨]، وهَدَّدَ أمْثالَهم مِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥، ٤٦، ٤٧] .
الأعراف 7:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ تِلْكَ القُرى الكَثِيرَةَ الَّتِي أهْلَكَها في حالِ البَياتِ، أوْ في حالِ القَيْلُولَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهم مِنَ الدَّعْوى إلّا اعْتِرافُهم بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١١ - ١٥] .
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: في هَذِهِ الآيَةِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى صِحَّةِ ما جاءَتْ بِهِ الرِّوايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذِرُوا مِن أنْفُسِهِمْ» . حَدَّثَنا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ عَنْ أبِي سِنانٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ الزَّرّادِ قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذِرُوا مِن أنْفُسِهِمْ» قالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ قالَ: فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥] .
الأعراف 7:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ المُرْسَلُونَ، ولا الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ.
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ يَسْألُ المُرْسَلِينَ عَمّا أجابَتْهم بِهِ أُمَمُهم، ويَسْألُ الأُمَمَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم.
قالَ في الأوَّلِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] .
(p-٧)وَقالَ في الثّانِي: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ يَسْألُ جَمِيعَ الخَلْقِ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] .
وَهُنا إشْكالٌ مَعْرُوفٌ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ هُنا: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وقالَ أيْضًا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقالَ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، وهَذا صَرِيحٌ في إثْباتِ سُؤالِ الجَمِيعِ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعَ أنَّهُ قالَ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، وقالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] .
وَقَدْ بَيَّنّا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) وسَنَزِيدُهُ إيضاحًا هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ السُّؤالَ المَنفِيَّ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، أخَصُّ مِنَ السُّؤالِ المُثْبَتِ فِيها؛ لِأنَّ السُّؤالَ المَنفِيَّ فِيها مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ سُؤالًا عَنْ ذُنُوبٍ خاصَّةٍ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] فَخَصَّهُ بِكَوْنِهِ عَنِ الذُّنُوبِ، وقالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ فَخَصَّهُ بِذَلِكَ أيْضًا، فَيَتَّضِحُ مِن ذَلِكَ أنَّ سُؤالَ الرُّسُلِ والمَوْءُودَةِ مَثَلًا لَيْسَ عَنْ ذَنْبٍ فَعَلُوهُ فَلا مانِعَ مِن وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ المَنفِيَّ خُصُوصُ السُّؤالِ عَنْ ذَنْبٍ، ويَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١١٩]، وقَوْلُهُ بَعْدَ سُؤالِهِ لِعِيسى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٨]، ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٨]، والسُّؤالُ عَنِ الذُّنُوبِ المَنفِيُّ في الآياتِ: المُرادُ بِهِ سُؤالُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِعْلامِ؛ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يُنافِي نَفْيُ هَذا النَّوْعِ مِنَ السُّؤالِ ثُبُوتَ نَوْعٍ آخَرَ مِنهُ هو سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ العَذابِ، ويَدُلُّ لِهَذا أنَّ سُؤالَ اللَّهِ لِلْكُفّارِ في القُرْآنِ كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وباقِي أوْجُهِ الجَمْعِ مُبَيَّنٌ في كِتابِنا المَذْكُورِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٢٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْرافِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ يَسْألُ جَمِيعَ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] .
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] .
والجَوابُ عَنْ هَذا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو أوْجَهُها لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ هو أنَّ السُّؤالَ قِسْمانِ:
سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وأداتُهُ غالِبًا: لِمَ، وسُؤالُ اسْتِخْبارٍ واسْتِعْلامٍ وأداتُهُ غالِبًا: هَلْ، فالمُثْبَتُ هو سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والمَنفِيُّ هو سُؤالُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِعْلامِ، وجْهُ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلى هَذا أنَّ سُؤالَهُ لَهُمُ المَنصُوصُ في كُلِّهِ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٥]، وقَوْلِهِ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]، ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١]، وكَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَسُؤالُ اللَّهِ لِلرُّسُلِ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] لِتَوْبِيخِ الَّذِينَ كَذَّبُوهم كَسُؤالِ المَوْءُودَةِ: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩] لِتَوْبِيخِ قاتِلِها.
(p-٢٨٩)الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ في القِيامَةِ مَواقِفَ مُتَعَدِّدَةً، فَفي بَعْضِها يَسْألُونَ، وفي بَعْضِها لا يَسْألُونَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: هو ما ذَكَرَهُ الحَلِيمِيُّ مِن أنَّ إثْباتَ السُّؤالِ مَحْمُولٌ عَلى السُّؤالِ عَنِ التَّوْحِيدِ وتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وعَدَمَ السُّؤالِ مَحْمُولٌ عَلى ما يَسْتَلْزِمُهُ الإقْرارُ بِالنُّبُوّاتِ مِن شَرائِعِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ (p-٨)الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَقُصُّ عَلى عِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا، وأخْبَرَهم بِأنَّهُ جَلَّ وعَلا لَمْ يَكُنْ غائِبًا عَمّا فَعَلُوهُ أيّامَ فِعْلِهِمْ لَهُ في دارِ الدُّنْيا، بَلْ هو الرَّقِيبُ الشَّهِيدُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ، المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ ما فَعَلُوهُ مِن صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، وجَلِيلٍ وحَقِيرٍ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] .
تَنْبِيهٌ
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الرَّدُّ الصَّرِيحُ عَلى المُعْتَزِلَةِ النّافِينَ صِفاتِ المَعانِي، القائِلِينَ: إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذاتِهِ، لا بِصِفَةٍ قامَتْ بِذاتِهِ، هي العِلْمُ، وهَكَذا في قَوْلِهِمْ: قادِرٌ مُرِيدٌ، حَيٌّ سَمِيعٌ، بَصِيرٌ مُتَكَلِّمٌ، فَإنَّهُ هُنا أثْبَتَ لِنَفْسِهِ صِفَةَ العِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ \ [الأعراف: ٧] ٣٠ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٦] . وهي أدِلَّةٌ قُرْآنِيَّةٌ صَرِيحَةٌ في بُطْلانِ مَذْهَبِهِمُ الَّذِي لا يَشُكُّ عاقِلٌ في بُطْلانِهِ وتَناقُضِهِ.
الأعراف 7:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ وزْنَهُ لِلْأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ حَقٌّ أيْ لا جَوْرَ فِيهِ، ولا ظُلْمَ، فَلا يُزادُ في سَيِّئاتِ مُسِيءٍ، ولا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِ مُحْسِنٍ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحَرْفُ المُنِيرُ \ سِحْرُ \ أضْواءِ البَيانِ \ ج ٢ \ مِن ص ٢٩٢ - إلى ص. . . . . . . . . ٣٠٢
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ .
(p-٩)بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهم أفْلَحُوا، ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهم خَسِرُوا بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، ولَمْ يُفَصِّلِ الفَلاحَ والخُسْرانَ هُنا.
وَقَدْ جاءَ في بَعْضِ المَواضِعِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَلاحِ هُنا كَوْنُهُ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ في الجَنَّةِ، وأنَّ المُرادَ بِالخُسْرانِ هُنا كَوْنُهُ في الهاوِيَةِ مِنَ النّارِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: وقَدْ جاءَ في بَعْضِ المَواضِعِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَلاحِ هُنا كَوْنُهُ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ في الجَنَّةِ، وأنَّ المُرادَ بِالخُسْرانِ هُنا كَوْنُهُ في الهاوِيَةِ مِنَ النّارِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] .
وَبَيَّنَ أيْضًا خُسْرانَ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣، ١٠٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأعراف 7:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ هَذِهِ المَعايِشِ الَّتِي جَعَلَ لَنا في الأرْضِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٣، ٥٤] .
وَذَكَرَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ النَّحْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [ \ ٥ ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأعراف 7:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ .
الَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ، و ”لا“ صِلَةٌ، ويَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: في سُورَةِ ”ص“ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآيَةَ [ \ ٧٥ ]، وقَدْ أوْضَحْنا زِيادَةَ لَفْظَةِ ”لا“ وشَواهِدَ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ، ومِن كَلامِ العَرَبِ في سُورَةِ البَلَدِ، في كِتابِنا ”دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
(p-١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ خُلِقَ مِن نارٍ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ إبْلِيسَ هو الجانُّ الَّذِي هو أبُو الجِنِّ، فَقَدْ زادَ في مَواضِعَ أُخَرَ أوْصافًا لِلنّارِ الَّتِي خَلَقَهُ مِنها. مِن ذَلِكَ أنَّها نارُ السَّمُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]، ومِن ذَلِكَ أنَّها خُصُوصُ المارِجِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، والمارِجُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ النّارِ لِأنَّهُ اللَّهَبُ الَّذِي لا دُخانَ فِيهِ.
وَسُمِّيَتْ نارَ السَّمُومِ؛ لِأنَّها تَنْفُذُ في مَسامِّ البَدَنِ لِشِدَّةِ حَرِّها. وفي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَرْفُوعًا: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وُصِفَ لَكم» . ورَواهُ عَنْها أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ إشْكالٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: مَنَعَكَ مَعَ لا النّافِيَةِ لِأنَّ المُناسِبَ في الظّاهِرِ لِقَوْلِهِ: مَنَعَكَ بِحَسَبِ ما يَسْبِقُ إلى ذِهْنِ السّامِعِ لا ما في نَفْسِ الأمْرِ، هو حَذْفُ لا فَيَقُولُ: ﴿ما مَنَعَكَ﴾ أنَّ تَسْجُدَ دُونَ ﴿ألّا تَسْجُدَ﴾، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأجْوِبَةٍ: مِن أقْرَبِها هو ما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، وهو أنَّ بِالكَلامِ حَذْفًا دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ فالمَعْنى: ﴿ما مَنَعَكَ﴾ مِنَ السُّجُودِ، فَأحْوَجَكَ ﴿ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾، وهَذا الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّهُ حَسَنٌ قَوِيٌّ.
وَمِن أجْوِبَتِهِمْ أنَّ ”لا“ صِلَةٌ ويَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”ص“ ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ﴾ الآيَةَ [ ٣٨ ]، وقَدْ وعَدْنا فِيما مَضى أنّا إنْ شاءَ اللَّهُ نُبَيِّنُ القَوْلَ بِزِيادَةِ ”لا“ مَعَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [ ٩٠ ]، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] .
الأعراف 7:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ عامَلَ إبْلِيسَ اللَّعِينَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ حَيْثُ كانَ قَصْدُهُ التَّعاظُمَ والتَّكَبُّرَ، فَأخْرَجَهُ اللَّهُ صاغِرًا حَقِيرًا ذَلِيلًا، مُتَّصِفًا بِنَقِيضِ ما كانَ يُحاوِلُهُ مِنَ العُلُوِّ والعَظَمَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]، والصَّغارُ: أشَدُّ الذُّلِّ والهَوانِ،
• وقَوْلِهِ: ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ المُتَكَبِّرَ لا يَنالُ ما أرادَ مِنَ العَظَمَةِ والرِّفْعَةِ، وإنَّما يَحْصُلُ لَهُ نَقِيضُ ذَلِكَ. وصَرَّحَ تَعالى بِهَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] . وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَثِيرًا مِنَ العَواقِبِ السَّيِّئَةِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنِ الكِبْرِ، أعاذَنا اللَّهُ والمُسْلِمِينَ مِنهُ، فَمِن ذَلِكَ أنَّهُ سَبَبٌ لِصَرْفِ صاحِبِهِ عَنْ فَهْمِ آياتِ اللَّهِ، والِاهْتِداءِ بِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٦] . ومِن ذَلِكَ أنَّهُ مِن أسْبابِ الثَّواءِ في النّارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]، ومِن ذَلِكَ أنَّ صاحِبَهُ لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى كَما في قَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣]، ومِن ذَلِكَ أنَّ مُوسى اسْتَعاذَ مِنَ المُتَّصِفِ بِهِ ولا يُسْتَعاذُ إلّا مِمّا هو شَرٌّ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [غافر: ٢٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن (p-١١)نَتائِجِهِ السَّيِّئَةِ، وعَواقِبِهِ الوَخِيمَةِ، ويُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ المُخالَفَةِ في الآيَةِ: أنَّ المُتَواضِعَ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا يَرْفَعُهُ اللَّهُ.
وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى مَكانَةِ المُتَواضِعِينَ لَهُ عِنْدَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] وقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”إنَّهُ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ تَواضَعُوا حَتّى لا يَفْخَرَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ، ولا يَبْغِيَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ“، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: [ الطَّوِيلُ ]
؎تَواضَعْ تَكُنْ كالبَدْرِ تُبْصِرُ وجْهَهُ عَلى صَفَحاتِ الماءِ وهو رَفِيعُ
؎وَلا تَكُ كالدُّخّانِ يَعْلُو بِنَفْسِهِ ∗∗∗ إلى صَفَحاتِ الجَوِّ وهو وضِيعُ
وَقالَ أبُو الطِّيبِ المُتَنَبِّي: [ الوافِرُ ]
؎وَلَوْ لَمْ يَعْلُ إلّا ذُو مَحَلٍّ ∗∗∗ تَعالَ الجَيْشُ وانْحَطَّ القَتامُ
الأعراف 7:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المَنظَرِينَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا في سُورَةِ الأعْرافِ الغايَةَ الَّتِي أنْظَرَهُ إلَيْها، وقَدْ ذَكَرَها في ”الحِجْرِ“ و ”ص“ مُبَيِّنًا أنَّ غايَةَ ذَلِكَ الإنْظارِ هو يَوْمُ الوَقْتِ المَعْلُومِ.
لِقَوْلِهِ: في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ و ”ص“ ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ \ ٨٠ ] فَقَدْ طَلَبَ الشَّيْطانُ الإنْظارَ إلى يَوْمِ البَعْثِ، وقَدْ أعْطاهُ اللَّهُ الإنْظارَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ.
وَأكْثَرُ العُلَماءِ يَقُولُونَ: المُرادُ بِهِ وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾، هَذا الَّذِي ذَكَرَ إبْلِيسُ أنَّهُ سَيُوقِعُ بَنِي آدَمَ فِيهِ قالَهُ ظَنًّا مِنهُ أنَّهم سَيُطِيعُونَهُ فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ حَتّى يُهْلِكَهم، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في سُورَةِ ”سَبَأٍ“ أنَّ ظَنَّهُ هَذا صَدَقَ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ﴾ الآيَةَ [ \ ٢٠ ]، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.
الأعراف 7:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤، ٨٥] .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ قالَ لِإبْلِيسَ: اخْرُجْ مِنها في حالِ كَوْنِكِ مَذْءُومًا مَدْحُورًا. والمَذْءُومُ: المَعِيبُ أوِ المَمْقُوتُ، والمَدْحُورُ: المُبْعَدُ عَنِ الرَّحْمَةِ، المَطْرُودُ، وأنَّهُ أوْعَدَهُ بِمَلْءِ جَهَنَّمَ مِنهُ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ (p-١٢)أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤، ٨٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣، ٦٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ ﴿وَجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤، ٩٥]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأعراف 7:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ .
حَذَّرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَنِي آدَمَ أنْ يَفْتِنَهُمُ الشَّيْطانُ كَما فَتَنَ أبَوَيْهِمْ، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهُ حَذَّرَ آدَمَ مِن مَكْرِ إبْلِيسَ قَبْلَ أنْ يَقَعَ فِيما وقَعَ فِيهِ، ولَمْ يُنْجِهِ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ مِن عَدُوِّهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] .
الأعراف 7:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ الآيَةَ.
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً، اسْتَدَلُّوا عَلى أنَّها حَقٌّ وصَوابٌ، بِأنَّهم وجَدُوا آباءَهم يَفْعَلُونَها، وأنَّهم ما فَعَلُوها، إلّا لِأنَّها صَوابٌ ورُشْدٌ.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ هَذا واقِعٌ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] .
وَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا التَّقْلِيدَ الأعْمى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٩، ٧٠]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُتَوَهَّمُ خِلافُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن ظاهِرِ آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٦] .
والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو أظْهَرُها أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ أيْ بِطاعَةِ اللَّهِ وتَصْدِيقِ الرُّسُلِ ﴿فَفَسَقُوا﴾، أيْ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ ومَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلا إشْكالَ في الآيَةِ أصْلًا.
(p-٢٩٠)الثّانِي: أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ أمْرٌ كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ لا أمْرٌ شَرْعِيٌّ، أيْ قَدَرْنا عَلَيْهِمُ الفِسْقَ بِمَشِيئَتِنا، والأمْرُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، والأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ أمْرٌ شَرْعِيٌّ دِينِيٌّ فَظَهَرَ أنَّ الأمْرَ المَنفِيَّ غَيْرَ الأمْرِ المُثْبَتِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾: أيْ كَثَّرْناهم حَتّى بَطِرُوا النِّعْمَةَ ﴿فَفَسَقُوا﴾، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى الحَدِيثُ الَّذِي أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «خَيْرُ مالِ امْرِئٍ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ» فَقَوْلُهُ: ”مَأْمُورَةٌ“ أيْ كَثِيرَةُ النَّسْلِ، وهي مَحَلُّ الشّاهِدِ.
الأعراف 7:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلْعُلَماءِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ أيْ كَما سَبَقَ لَكم في عِلْمِ اللَّهِ مِن سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ، فَإنَّكم تَصِيرُونَ إلَيْهِ، فَمَن سَبَقَ لَهُ العِلْمُ بِأنَّهُ سَعِيدٌ صارَ إلى السَّعادَةِ، ومَن (p-١٣)سَبَقَ لَهُ العِلْمُ بِأنَّهُ شَقِيٌّ صارَ إلى الشَّقاوَةِ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وهو ظاهِرٌ كَما تَرى، ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ١١٩]، أيْ ولِذَلِكَ الِاخْتِلافِ إلى شَقِيٍّ، وسَعِيدٍ خَلَقَهم.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، أيْ كَما خَلَقَكم أوَّلًا، ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، فَإنَّهُ يُعِيدُكم مَرَّةً أُخْرى، ويَبْعَثُكم مِن قُبُورِكم أحْياءً بَعْدَ أنْ مِتُّمْ وصِرْتُمْ عِظامًا رَمِيمًا، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا الوَجْهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا،
• كَقَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٠٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [يس: ٧٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ في الآيَةِ وجْهانِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما حَقٌّ، ويَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ، فَنَذْكُرُ الجَمِيعَ؛ لِأنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ .
وَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ الكُفّارَ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ، ومِن تِلْكَ المُوالاةِ طاعَتُهم لَهم فِيما يُخالِفُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ يَظُنُّونَ أنْفُسَهم عَلى هُدًى.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَهو أخْسَرُ النّاسِ عَمَلًا، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] .
تَنْبِيهٌ
هَذِهِ النُّصُوصُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ لا يَنْفَعُهُ ظَنُّهُ أنَّهُ عَلى هُدًى؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ الَّتِي جاءَتْ بِها الرُّسُلُ لَمْ تَتْرُكْ في الحَقِّ لَبْسًا ولا شُبْهَةً، ولَكِنَّ الكافِرَ لِشِدَّةِ تَعَصُّبِهِ لِلْكُفْرِ لا يَكادُ يُفَكِّرُ في الأدِلَّةِ الَّتِي هي كالشَّمْسِ في رابِعَةِ النَّهارِ لَجاجًا في الباطِلِ، وعِنادًا (p-١٤)فَلِذَلِكَ كانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ .
مَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَسْألَ سُؤالَ إنْكارٍ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ، كاللِّباسِ في الطَّوافِ، والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ كالأنْعامِ، والحَرْثِ الَّتِي حَرَّمَها الكُفّارُ، وكاللَّحْمِ والوَدَكِ الَّذِي حَرَّمَهُ بَعْضُ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ في الحَجِّ.
وَصَرَّحَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ مَن قالَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ فَهو مُفْتَرٍ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، وطَلَبُهم في مَوْضِعٍ آخَرَ طَلَبُ إعْجازٍ أنْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَهم أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا، ونَهى نَبِيَّهُ ﷺ إنْ شَهِدَ لَهم شُهُودُ زُورٍ أنْ يَشْهَدَ مَعَهم، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ \ [الأنعام: ١٥٠] ٣٠
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأعراف 7:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا السَّبَبَ الَّذِي مَكَّنَهم مِن إضْلالِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ السَّبَبَ الَّذِي مَكَّنَهم مِن ذَلِكَ هو كَوْنُهم سادَتَهم وكُبَراءَهم، ومَعْلُومٌ أنَّ الأتْباعَ يُطِيعُونَ السّادَةَ الكُبَراءَ فِيما يَأْمُرُونَهم بِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٦٧، ٦٨]، وبَسَطَ ذَلِكَ في سُورَةِ ”سَبَأٍ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ [ \ ٣١ - ٣٣ ] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ .
وَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وأمْثالِها مِنَ الآياتِ: أنَّ الأتْباعَ يَسْألُونَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُضاعِفَ العَذابَ لِلْمَتْبُوعِينَ، (p-١٥)وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ مُضاعَفَةَ العَذابِ لِلْمَتْبُوعِينَ لا تَنْفَعُ الأتْباعَ، ولا تُخَفِّفُ عَنْهم مِنَ العَذابِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]،
• وقَوْلِهِ هُنا: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأعراف 7:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ جَلَّ وعَلا، يَنْزِعُ ما في صُدُورِ أهْلِ الجَنَّةِ مِنَ الحِقْدِ، والحَسَدِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا، وأنَّهم تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارَ في الجَنَّةِ، وذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ نَزْعَ الغِلِّ مِن صُدُورِهِمْ يَقَعُ في حالِ كَوْنِهِمْ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ آمِنِينَ مِنَ النَّصَبِ، والخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى في ”الحِجْرِ“: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [ \ ٤٧، ٤٨ ] .
الأعراف 7:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ حِجابًا يَوْمَ القِيامَةِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هَذا الحِجابَ هُنا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في سُورَةِ الحَدِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ الآيَةَ [الحديد: ١٣] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ، يَعْرِفُونَ كُلًّا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ بِسِيماهم، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا سِيما أهْلِ الجَنَّةِ، ولا أهْلِ النّارِ، ولَكِنَّهُ أشارَ لِذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] .
فَبَياضُ الوُجُوهِ وحُسْنُها سِيما أهْلِ الجَنَّةِ، وسَوادُها وقُبْحُها وزُرْقَةُ العُيُونِ سِيما أهْلِ النّارِ، كَما قالَ أيْضًا في سِيما أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ الآيَةَ [القيامة: ٢٢]، وقالَ في سِيما أهْلِ النّارِ: ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ الآيَةَ [يونس: ٢٧]، وقالَ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ الآيَةَ [عبس: ٤٠]، وقالَ: ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] .
الأعراف 7:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ (p-١٦)الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ قالُوا لِرِجالٍ مِن أهْلِ النّارِ: يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم لَمْ يَنْفَعْكم ما كُنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ المالِ، ولا كَثْرَةُ جَماعَتِكم وأنْصارِكم، ولا اسْتِكْبارُكم في الدُّنْيا.
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ وجْهَ ذَلِكَ: وهو أنَّ الإنْسانَ يَوْمَ القِيامَةِ، يُحْشَرُ فَرْدًا، لا مالَ مَعَهُ، ولا ناصِرَ، ولا خادِمَ، ولا خَوَلَ. وأنَّ اسْتِكْبارَهُ في الدُّنْيا يُجْزى بِهِ عَذابَ الهَوْنِ في الآخِرَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾، وقَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ الآيَةَ [ ٤٦ \ ٢٠
الأعراف 7:51
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ﴾ الآيَةَ.
وَأمْثالُها مِنَ الآياتِ
• كَقَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكُمْ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٣٤]، لا يُعارِضُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢]، وقَوْلَهُ: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]؛
لِأنَّ مَعْنى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ ونَحْوُهُ، أيْ نَتْرُكُهم في العَذابِ مَحْرُومِينَ مِن كُلِّ خَيْرٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأعراف 7:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكَفّارَ، إذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ يَوْمَ القِيامَةِ يُقِرُّونَ بِأنَّ الرُّسُلَ جاءَتْ بِالحَقِّ، ويَتَمَنَّوْنَ أحَدَ أمْرَيْنِ: أنْ يَشْفَعَ لَهم شُفَعاءُ فَيُنْقِذُوهم، أوْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا لِيُصَدِّقُوا الرُّسُلَ، ويَعْمَلُوا بِما يُرْضِي اللَّهَ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ يَشْفَعُ لَهم أحَدٌ ؟ وهَلْ يُرَدُّونَ ؟ وماذا يَفْعَلُونَ لَوْ رُدُّوا ؟ وهَلِ اعْتِرافُهم ذَلِكَ بِصِدْقِ الرُّسُلِ يَنْفَعُهم ؟ ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَبَيَّنَ: أنَّهم لا يَشْفَعُ لَهم أحَدٌ بُقُولِهِ: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٠٠]، وقَوْلِهِ: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ \ [التوبة: ٩٦] ٣٠، وبَيَّنَ أنَّهم لا يُرَدُّونَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٢، ١٣]
فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ النّارَ وجَبَتْ لَهم، فَلا يُرَدُّونَ، ولا يُعْذَرُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] .
فَصَرَّحَ بِأنَّهُ قَطَعَ عُذْرَهم في الدُّنْيا؛ بِالإمْهالِ مُدَّةً يَتَذَكَّرُونَ فِيها؛ وإنْذارِ الرُّسُلِ، (p-١٧)وَهُوَ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ رَدِّهِمْ إلى الدُّنْيا مَرَّةً أُخْرى، وأشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، جَوابًا
• لِقَوْلِهِمْ: أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢]، بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٤٥]، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ هُنا ﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٣]،
بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ﴾ الآيَةَ.
فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا، وعَلى وُجُوبِ العَذابِ، وأنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنْهُ.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَعادُوا إلى الكُفْرِ والطُّغْيانِ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٢٨]، وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ المَعْدُومَ المُمْكِنَ الَّذِي سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ لا يُوجَدُ كَيْفَ يَكُونُ لَوْ وُجِدَ، فَهو تَعالى يَعْلَمُ أنَّهم لا يُرَدُّونَ إلى الدُّنْيا مَرَّةً أُخْرى، ويَعْلَمُ هَذا الرَّدَّ الَّذِي لا يَكُونُ لَوْ وقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، ويَعْلَمُ أنَّ المُتَخَلِّفِينَ مِنَ المُنافِقِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ لا يَحْضُرُونَها؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي ثَبَّطَهم عَنْها لِحِكْمَةٍ كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٦]، وهو يَعْلَمُ هَذا الخُرُوجَ الَّذِي لا يَكُونُ لَوْ وقَعَ كَيْفَ يَكُونُ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زا دُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٧]، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ اعْتِرافَهم هَذا بِقَوْلِهِمْ: ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ لا يَنْفَعُهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. \ ٥
الأعراف 7:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ .
لَمْ يُفَصِّلْ هُنا ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ فَصَّلَهُ في سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ (p-١٨)﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [التوبة: ١٢] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وأمْثالُها مِن آياتِ الصِّفاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ونَحْوَ ذَلِكَ؛ أشْكَلَتْ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ إشْكالًا ضَلَّ بِسَبَبِهِ خَلْقٌ لا يُحْصى كَثْرَةً، فَصارَ قَوْمٌ إلى التَّعْطِيلِ وقَوْمٌ إلى التَّشْبِيهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ واللَّهُ جَلَّ وعَلا أوْضَحَ هَذا غايَةَ الإيضاحِ، ولَمْ يَتْرُكْ فِيهِ أيَّ لَبْسٍ ولا إشْكالٍ، وحاصِلُ تَحْرِيرِ ذَلِكَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ أنَّ الحَقَّ في آياتِ الصِّفاتِ مُتَرَكِّبٌ مِن أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: تَنْزِيهُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا عَنْ مُشابَهَةِ الحَوادِثِ في صِفاتِهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
والثّانِي: الإيمانُ بِكُلِّ ما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ في كِتابِهِ، أوْ وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ؛ لِأنَّهُ لا يَصِفُ اللَّهَ أعْلَمُ بِاللَّهِ مِنَ اللَّهِ: ﴿أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، ولا يَصِفُ اللَّهَ بَعْدَ اللَّهِ أعْلَمُ بِاللَّهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، الَّذِي قالَ فِيهِ: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٣، ٤] فَمِن نَفى عَنِ اللَّهِ وصْفًا أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ، أوْ أثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ زاعِمًا أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ يَلْزَمُهُ ما لا يَلِيقُ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا، فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ أعْلَمَ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِما يَلِيقُ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا. سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.
وَمَنِ اعْتَقَدَ أنَّ وصْفَ اللَّهِ يُشابِهُ صِفاتِ الخَلْقِ، فَهو مُشَبِّهٌ مُلْحِدٌ ضالٌّ، ومَن أثْبَتَ لِلَّهِ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ أوْ أثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ مَعَ تَنْزِيهِهِ جَلَّ وعَلا عَنْ مُشابَهَةِ الخَلْقِ، فَهو مُؤْمِنٌ جامِعٌ بَيْنَ الإيمانِ بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، والتَّنْزِيهِ عَنْ مُشابَهَةِ الخَلْقِ، سالِمٌ مِن ورْطَةِ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ، والآيَةُ الَّتِي أوْضَحَ اللَّهُ بِها هَذا. هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فَنَفى عَنْ نَفْسِهِ جَلَّ وعَلا مُماثَلَةَ الحَوادِثِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وأثْبَتَ لِنَفْسِهِ صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فَصَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِنَفْيِ المُماثَلَةِ مَعَ الإتِّصافِ بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ.
والظّاهِرُ أنَّ السِّرَّ في تَعْبِيرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ مَثَلًا: (p-١٩)وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ الجامِعَةِ؛ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ يَتَّصِفُ بِهِما جَمِيعُ الحَيَواناتِ، فَبَيْنَ أنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِهِما، ولَكِنَّ وصْفَهُ بِهِما عَلى أساسِ نَفْيِ المُماثَلَةِ بَيْنَ وصْفِهِ تَعالى، وبَيْنَ صِفاتِ خَلْقِهِ، ولِذا جاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ بُعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إيضاحٌ لِلْحَقِّ في آياتِ الصِّفاتِ لا لَبْسَ مَعَهُ ولا شُبْهَةَ البَتَّةَ، وسَنُوضِّحُ إنْ شاءَ اللَّهُ هَذِهِ المَسْألَةَ إيضاحًا تامًّا بِحَسْبِ طاقَتِنا، وبِاللَّهِ جَلَّ وعَلا التَّوْفِيقُ.
* *
اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ المُتَكَلِّمِينَ قَسَّمُوا صِفاتِهِ جَلَّ وعَلا إلى سِتَّةِ أقْسامٍ:
صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ، وصِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ، وصِفَةُ مَعْنًى، وصِفَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وصِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وصِفَةٌ جامِعَةٌ، والصِّفَةُ الإضافِيَّةُ تَتَداخَلُ مَعَ الفِعْلِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ صِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ مِن مادَّةٍ مُتَعَدِّيَةٍ إلى المَفْعُولِ كالخَلْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ، فَهي صِفَةٌ إضافِيَّةٌ، ولَيْسَتْ كُلُّ صِفَةٍ إضافِيَّةٍ فِعْلِيَّةً فَبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ، يَجْتَمِعانِ في نَحْوِ الخَلْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ، وتَتَفَرَّدِ الفِعْلِيَّةُ في نَحْوِ الِاسْتِواءِ، وتَتَفَرَّدُ الإضافِيَّةُ في نَحْوِ كَوْنِهِ تَعالى كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ القَبْلِيَّةَ والفَوْقِيَّةَ مِنَ الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ، ولَيْسَتا مِن صِفاتِ الأفْعالِ، ولا يَخْفى عَلى عالِمٍ بِالقَوانِينِ الكَلامِيَّةِ والمَنطِقِيَّةِ أنَّ إطْلاقَ النَّفْسِيَّةِ عَلى شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ جَلَّ وعَلا أنَّهُ لا يَجُوزُ، وأنَّ فِيهِ مِنَ الجَراءَةِ عَلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا ما اللَّهُ عالِمٌ بِهِ، وإنْ كانَ قَصْدُهم بِالنَّفْسِيَّةِ في حَقِّ اللَّهِ الوُجُودَ فَقَطْ وهو صَحِيحٌ؛ لِأنَّ الإطْلاقَ المُوهِمَ لِلْمَحْذُورِ في حَقِّهِ تَعالى لا يَجُوزُ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِهِ صَحِيحًا؛ لِأنَّ الصِّفَةَ النَّفْسِيَّةَ في الِاصْطِلاحِ لا تَكُونُ إلّا جِنْسًا أوْ فَصْلًا، فالجِنْسُ كالحَيَوانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ، والفَصْلُ كالنُّطْقِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ، ولا يَخْفى أنَّ الجِنْسَ في الِاصْطِلاحِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أفْرادٍ مُخْتَلِفَةِ الحَقائِقِ كالحَيَوانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ والفَرَسِ والحِمارِ، وأنَّ الفَصْلَ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ لِبَعْضِ أفْرادِ الجِنْسِ يَنْفَصِلُ بِها عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأفْرادِ المُشارِكَةِ لَهُ في الجِنْسِ كالنُّطْقِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ، فَإنَّهُ صِفَتُهُ النَّفْسِيَّةُ الَّتِي تَفْصِلُهُ عَنِ الفَرَسِ مَثَلًا المُشارِكِ لَهُ في الجَوْهَرِيَّةِ والجِسْمِيَّةِ والنَّمائِيَّةِ والحَساسِيَّةِ، ووَصْفُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا بِشَيْءٍ يُرادُ بِهِ اصْطِلاحًا ما بَيِّنًا لَكَ؛ مِن أعْظَمِ الجَراءَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما تَرى؛ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا واحِدٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ اشْتِراكٌ في شَيْءٍ مِن ذاتِهِ، ولا مِن صِفاتِهِ، حَتّى يُطْلَقَ عَلَيْهِ ما يُطْلَقُ عَلى الجِنْسِ والفَصْلِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا لِأنَّ الجِنْسَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ حَقائِقَ مُخْتَلِفَةٍ.
(p-٢٠)والفَصْلَ: هو الَّذِي يَفْصِلُ بَعْضَ تِلْكَ الحَقائِقِ المُشْتَرِكَةِ في الجِنْسِ عَنْ بَعْضٍ، سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَسَنُبَيِّنُ لَكَ أنَّ جَمِيعَ الصِّفاتِ عَلى تَقْسِيمِهِمْ لَها جاءَ في القُرْآنِ وصْفُ الخالِقِ والمَخْلُوقِ بِها، وهم في بَعْضِ ذَلِكَ يُقِرُّونَ بِأنَّ الخالِقَ مَوْصُوفٌ بِها، وأنَّها جاءَ في القُرْآنِ أيْضًا وصْفُ المَخْلُوقِ بِها، ولَكِنَّ وصْفَ الخالِقِ مُنافٍ لِوَصْفِ المَخْلُوقِ، كَمُنافاةِ ذاتِ الخالِقِ لِذاتِ المَخْلُوقِ، ويَلْزَمُهم ضَرُورَةٌ فِيما أنْكَرُوا مِثْلَ ما أقَرُّوا بِهِ؛ لِأنَّ الكُلَّ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ جَمِيعَ صِفاتِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا مِن بابٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ المُتَّصِفَ بِها لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنَ الحَوادِثِ.
فَمِن ذَلِكَ: الصِّفاتُ السَّبْعُ، المَعْرُوفَةُ عِنْدَهم بِصِفاتِ المَعانِي وهي: القُدْرَةُ، والإرادَةُ، والعِلْمُ، والحَياةُ، والسَّمْعُ، والبَصَرُ، والكَلامُ.
فَقَدْ قالَ تَعالى في وصْفِ نَفْسِهِ بِالقُدْرَةِ:
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] و [آل عمران: ٢٩] و [آل عمران: ١٨٩] و [المائدة: ١٩] و [المائدة: ٤٠] و [الأنفال: ٤١] .
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِها: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] فَأثْبَتَ لِنَفْسِهِ قُدْرَةً حَقِيقِيَّةً لائِقَةً بِجَلالِهِ وكَمالِهِ، وأثْبَتَ لِبَعْضِ الحَوادِثِ قُدْرَةً مُناسِبَةً لِحالِهِمْ مِنَ الضَّعْفِ والِافْتِقارِ والحُدُوثِ الفَناءِ، وبَيْنَ قُدْرَتِهِ، وقُدْرَةِ مَخْلُوقِهِ مِنَ المُنافاةِ ما بَيْنَ ذاتِهِ وذاتِ مَخْلُوقِهِ.
وَقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ بِالإرادَةِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] و [البروج: ١٦]، ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ في وصْفِ المَخْلُوقِ بِها: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٧]، ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فَلَهُ جَلَّ وعَلا إرادَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لائِقَةٌ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، ولِلْمَخْلُوقِ إرادَةٌ أيْضًا مُناسِبَةٌ لِحالِهِ، وبَيْنَ إرادَةِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ مِنَ المُنافاةِ ما بَيْنَ ذاتِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ.
وَقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ بِالعِلْمِ: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٦] (p-٢١)﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧] .
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِهِ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وقالَ: ﴿وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ [يوسف: ٦٨]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فَلَهُ جَلَّ وعَلا عِلْمٌ حَقِيقِيٌّ لائِقٌ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، ولِلْمَخْلُوقِ عِلْمٌ مُناسِبٌ لِحالِهِ، وبَيْنَ عِلْمِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ مِنَ المُنافاةِ ما بَيْنَ ذاتِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ.
وَقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ بِالحَياةِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٥٥]، ﴿هُوَ الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ الآيَةَ [غافر: ٦٥]، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٥٨]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ في وصْفِ المَخْلُوقِ بِها: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]، ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ﴾ [الروم: ١٩] .
فَلَهُ جَلَّ وعَلا حَياةٌ حَقِيقِيَّةٌ تَلِيقُ بِجَلالِهِ وكَمالِهِ، ولِلْمَخْلُوقِ أيْضًا حَياةٌ مُناسِبَةٌ لِحالِهِ؛ وبَيْنَ حَياةِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ مِنَ المُنافاةِ ما بَيْنَ ذاتِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ.
وَقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] و [لقمان: ٢٨]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِهِما: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢]، ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآيَةَ [مريم: ٣٨] ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فَلَهُ جَلَّ وعَلا سَمْعٌ وبَصَرٌ حَقِيقِيّانِ يَلِيقانِ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، ولِلْمَخْلُوقِ سَمْعٌ وبَصَرٌ مُناسِبانِ لِحالِهِ، وبَيْنَ سَمْعِ الخالِقِ وبَصَرِهِ، وسَمْعِ المَخْلُوقِ وبَصَرِهِ مِنَ المُنافاةِ ما بَيْنَ ذاتِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ.
وَقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ بِالكَلامِ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ﴿فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٢٢)وَقالَ في وصْفِ المَخْلُوقِ بِهِ: ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]، ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ [يس: ٦٥]، ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فَلَهُ جَلَّ وعَلا كَلامٌ حَقِيقِيٌّ يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ؛ ولِلْمَخْلُوقِ كَلامٌ أيْضًا مُناسِبٌ لِحالِهِ. وبَيْنَ كَلامِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ مِنَ المُنافاةِ ما بَيْنَ ذاتِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ.
وَهَذِهِ الصِّفاتُ السَّبْعُ المَذْكُورَةُ يُثْبِتُها كَثِيرٌ مِمَّنْ يَقُولُ بِنَفْيِ غَيْرِها مِن صِفاتِ المَعانِي.
والمُعْتَزِلَةُ يَنْفُونَها ويُثْبِتُونَ أحْكامَها فَيَقُولُونَ: هو تَعالى حَيٌّ قادِرٌ، مُرِيدٌ عَلِيمٌ، سَمِيعٌ بَصِيرٌ، مُتَكَلِّمٌ بِذاتِهِ لا بِقُدْرَةٍ قائِمَةٍ بِذاتِهِ، ولا إرادَةٍ قائِمَةٍ بِذاتِهِ، هَكَذا فِرارًا مِنهم مِن تَعَدُّدِ القَدِيمِ ! !
وَمَذْهَبُهُمُ الباطِلُ لا يَخْفى بُطْلانُهُ وتَناقُضُهُ عَلى أدْنى عاقِلٍ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الوَصْفَ الَّذِي مِنهُ الِاشْتِقاقُ إذا عُدِمَ فالِاشْتِقاقُ مِنهُ مُسْتَحِيلٌ فَإذا عُدِمَ السَّوادُ عَنْ جِرْمٍ مَثَلًا اسْتَحالَ أنْ تَقُولَ هو أسْوَدُ، إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أسْوَدَ ولَمْ يَقُمْ بِهِ سَوادٌ، وكَذَلِكَ إذا لَمْ يَقُمِ العِلْمُ والقُدْرَةُ بِذاتٍ، اسْتَحالَ أنْ تَقُولَ: هي عالِمَةٌ قادِرَةٌ لِاسْتِحالَةِ اتِّصافِها بِذَلِكَ، ولَمْ يَقُمْ بِها عِلْمٌ ولا قُدْرَةٌ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]
؎وَعِنْدَ فَقْدِ الوَصْفِ لا يُشْتَقُّ وأعْوَزَ المُعْتَزِلِيَّ الحَقُّ
وَأمّا الصِّفاتُ المَعْنَوِيَّةُ عِنْدَهم: فَهي الأوْصافُ المُشْتَقَّةُ مِن صِفاتِ المَعانِي السَّبْعِ المَذْكُورَةِ، وهي كَوْنُهُ تَعالى: قادِرًا، مُرِيدًا، عالِمًا حَيًّا، سَمِيعًا بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا.
والتَّحْقِيقُ أنَّها عِبارَةٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاتِّصافِ بِالمَعانِي، وعَدُّ المُتَكَلِّمِينَ لَها صِفاتٍ زائِدَةً عَلى صِفاتِ المَعانِي مَبْنِيٌّ عَلى ما يُسَمُّونَهُ الحالَ المَعْنَوِيَّةَ، زاعِمِينَ أنَّها أمْرٌ ثُبُوتِيٌّ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، ولا مَعْدُومٍ؛ والتَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّ هَذا الَّذِي يُسَمُّونَهُ الحالَ المَعْنَوِيَّةَ لا أصْلَ لَهُ، وإنَّما هو مُطْلَقُ تَخْيِيلاتٍ يَتَخَيَّلُونَها؛ لِأنَّ العَقْلَ الصَّحِيحَ حاكِمٌ حُكْمًا لا يَتَطَرَّقُهُ شَكٌّ بِأنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ البَتَّةَ، فالعُقَلاءُ كافَّةٌ مُطْبِقُونَ عَلى أنَّ النَّقِيضَيْنِ لا يَجْتَمِعانِ، ولا يَرْتَفِعانِ، ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما البَتَّةَ، فَكُلُّ ما هو غَيْرُ مَوْجُودٍ، فَإنَّهُ مَعْدُومٌ قَطْعًا، وكُلُّ ما هو غَيْرُ مَعْدُومٍ، فَإنَّهُ مَوْجُودٌ قَطْعًا، وهَذا مِمّا لا شَكَّ فِيهِ كَما تَرى.
(p-٢٣)وَقَدْ بَيَّنّا في اتِّصافِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ بِالمَعانِي المَذْكُورَةِ مُنافاةَ صِفَةِ الخالِقِ لِلْمَخْلُوقِ، وبِهِ تَعْلَمُ مِثْلَهُ في الِاتِّصافِ بِالمَعْنَوِيَّةِ المَذْكُورَةِ لَوْ فَرَضْنا أنَّها صِفاتٌ زائِدَةٌ عَلى صِفاتِ المَعانِي، مَعَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّها عِبارَةٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاتِّصافِ بِها.
وَأمّا الصِّفاتُ السَّلْبِيَّةُ عِنْدَهم: فَهي خَمْسٌ، وهي عِنْدُهُمُ: القِدَمُ، والبَقاءُ، والوَحْدانِيَّةُ، والمُخالَفَةُ لِلْخَلْقِ، والغِنى المُطْلَقُ، المَعْرُوفُ عِنْدَهم بِالقِيامِ بِالنَّفْسِ.
وَضابِطُ الصِّفَةِ السَّلْبِيَّةِ عِنْدَهم: هي الَّتِي لا تَدُلُّ بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ عَلى مَعْنًى وُجُودِيٍّ أصْلًا، وإنَّما تَدُلُّ عَلى سَلْبِ ما لا يَلِيقُ بِاللَّهِ عَنِ اللَّهِ.
أمّا الصِّفَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَعْنًى وُجُودِيٍّ: فَهي المَعْرُوفَةُ عِنْدَهم بِصِفَةِ المَعْنى، فالقِدَمُ مَثَلًا عِنْدَهم لا مَعْنى لَهُ بِالمُطابَقَةِ، إلّا سَلْبَ العَدَمِ السّابِقِ، فَإنْ قِيلَ: القُدْرَةُ مَثَلًا تَدُلُّ عَلى سَلْبِ العَجْزِ، والعِلْمُ يَدُلُّ عَلى سَلْبِ الجَهْلِ، والحَياةُ تَدُلُّ عَلى سَلْبِ المَوْتِ، فَلِمَ لا يُسَمُّونَ هَذِهِ المَعانِيَ سَلْبِيَّةً أيْضًا ؟
فالجَوابُ: أنَّ القُدْرَةَ مَثَلًا تَدُلُّ بِالمُطابَقَةِ عَلى مَعْنًى وُجُودِيٍّ قائِمٍ بِالذّاتِ، وهو الصِّفَةُ الَّتِي يَتَأتّى بِها إيجادُ المُمْكِناتِ وإعْدامُها عَلى وِفْقِ الإرادَةِ، وإنَّما سَلَبَتِ العَجْزَ بِواسِطَةِ مُقَدِّمَةٍ عَقْلِيَّةٍ، وهي أنَّ العَقْلَ يَحْكُمُ بِأنَّ قِيامَ المَعْنى الوُجُودِيِّ بِالذّاتِ يَلْزَمُهُ نَفْيُ ضِدِّهِ عَنْها لِاسْتِحالَةِ اجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ عَقْلًا، وهَكَذا في باقِي المَعانِي.
أمّا القِدَمُ عِنْدَهم مَثَلًا: فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ زائِدٍ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الوُجُودُ، إلّا سَلْبُ العَدَمِ السّابِقِ، وهَكَذا في باقِي السَّلْبِيّاتِ، فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ القِدَمَ، والبَقاءَ اللَّذَيْنِ يَصِفُ المُتَكَلِّمُونَ بِهِما اللَّهَ تَعالى زاعِمِينَ، أنَّهُ وصَفَ بِهِما نَفْسَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٣] - جاءَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ وصْفُ الحادِثِ بِهِما أيْضًا، قالَ في وصْفِ الحادِثِ بِالقِدَمِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، وقالَ: ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]، وقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ [الشعراء: ٧٥، ٧٦]، وقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِالبَقاءِ: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، وقالَ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وكَذَلِكَ وصَفَ الحادِثَ بِالأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ المَذْكُورَتَيْنِ في الآيَةِ، قالَ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [الملك: ١٦، ١٧]، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ واحِدٌ، قالَ: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِذَلِكَ: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ (p-٢٤)وَقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ بِالغِنى: ﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، ﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]، وقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِالغِنى: ﴿وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦]، ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٢]، فَهو جَلَّ وعَلا مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفاتِ حَقِيقَةً عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، والحادِثُ مَوْصُوفٌ بِها أيْضًا عَلى الوَجْهِ المُناسِبِ لِحُدُوثِهِ وفَنائِهِ، وعَجْزِهِ وافْتِقارِهِ، وبَيْنَ صِفاتِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ مِنَ المُنافاةِ ما بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ، كَما بَيَّنّاهُ في صِفاتِ المَعانِي.
وَأمّا الصِّفَةُ النَّفْسِيَّةُ عِنْدَهم، فَهي واحِدَةٌ، وهي: الوُجُودُ، وقَدْ عَلِمْتَ ما في إطْلاقِها عَلى اللَّهِ، ومِنهم مَن جَعَلَ الوُجُودَ عَيْنَ الذّاتِ فَلَمْ يَعُدَّهُ صِفَةً، كَأبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ، وعَلى كُلِّ حالٍ، فَلا يَخْفى أنَّ الخالِقَ مَوْجُودٌ، والمَخْلُوقَ مَوْجُودٌ، ووُجُودُ الخالِقِ يُنافِي وُجُودَ المَخْلُوقِ، كَما بَيَّنّا.
وَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّ القِدَمَ والبَقاءَ صِفَتانِ نَفْسِيَّتانِ، زاعِمًا أنَّهُما طَرَفا الوُجُودِ الَّذِي هو صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ في زَعْمِهِمْ.
وَأمّا الصِّفاتُ الفِعْلِيَّةُ، فَإنَّ وصْفَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ بِها كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فِعْلَ الخالِقِ مُنافٍ لِفِعْلِ المَخْلُوقِ كَمُنافاةِ ذاتِهِ لِذاتِهِ، فَمِن ذَلِكَ وصْفُهُ جَلَّ وعَلا نَفْسَهُ بِأنَّهُ يَرْزُقُ خَلْقَهُ، قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٥٨]، ﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [سبإ: ٣٩]، وقالَ: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ الآيَةَ [هود: ٦]، وقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِذَلِكَ: ﴿وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨]، وقالَ: ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٣]، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالعَمَلِ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ الآيَةَ [يس: ٧١]، وقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِهِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧] ووَصَفَ نَفْسَهُ بِتَعْلِيمِ خَلْقِهِ فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤] .
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ الآيَةَ [الجمعة: ٢] .
وَجَمَعَ المِثالَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، ووَصَفَ (p-٢٥)نَفْسَهُ بِأنَّهُ يُنَبِّئُ، ووَصَفَ المَخْلُوقَ بِذَلِكَ، وجَمَعَ المِثالَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالإيتاءِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقالَ: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وقالَ: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]، وقالَ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ [الحديد: ٢١] .
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِذَلِكَ: ﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ [النساء: ٢٠]، ﴿وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]، ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا في القُرْآنِ العَظِيمِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ ما وُصِفَ بِهِ اللَّهُ مِن هَذِهِ الأفْعالِ فَهو ثابِتٌ لَهُ حَقِيقَةً عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ؛ وما وُصِفَ بِهِ المَخْلُوقُ مِنها فَهو ثابِتٌ لَهُ أيْضًا، عَلى الوَجْهِ المُناسِبِ لِحالِهِ، وبَيْنَ وصْفِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ مِنَ المُنافاةِ ما بَيْنَ ذاتِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ.
وَأمّا الصِّفاتُ الجامِعَةُ، كالعِظَمِ والكِبَرِ والعُلُوِّ، والمُلْكِ والتَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. فَإنَّها أيْضًا يَكْثُرُ جَدًّا وصْفُ الخالِقِ والمَخْلُوقِ بِها في القُرْآنِ الكَرِيمِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ ما وُصِفَ بِهِ الخالِقُ مِنها مُنافٍ لِما وُصِفَ بِهِ المَخْلُوقُ، كَمُنافاةِ ذاتِ الخالِقِ لِذاتِ المَخْلُوقِ. قالَ في وصْفِ نَفْسِهِ جَلَّ وعَلا بِالعُلُوِّ والعِظَمِ والكِبَرِ: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]، ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] .
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِالعِظَمِ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]، ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِالكِبَرِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢]، وقالَ: ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]، وقالَ: ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وقالَ: ﴿وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقالَ: ﴿وَإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] .
(p-٢٦)وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِالعُلُوِّ: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، ﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ بِالمُلْكِ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٢٣]، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٢٣]، وقالَ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِهِ: ﴿وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٤٣]، ﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠]، ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ بِالعِزَّةِ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩]، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]، ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ [ص: ٩] .
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِالعِزَّةِ: ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٥١]، ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] .
وَقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ جَلَّ وعَلا بِأنَّهُ جَبّارٌ مُتَكَبِّرٌ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] .
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِهِما: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]، ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]، ﴿وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ بِالقُوَّةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] .
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِها: ﴿الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٥]، ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٢]، ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ الآيَةَ [الروم: ٥٤] (p-٢٧)إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأمْثالُ هَذا مِنَ الصِّفاتِ الجامِعَةِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ جَلَّ وعَلا مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ حَقِيقَةً عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِكَمالِهِ، وجَلالِهِ. وإنَّ ما وُصِفَ بِهِ المَخْلُوقُ مِنها مُخالِفٌ لِما وُصِفَ بِهِ الخالِقُ، كَمُخالَفَةِ ذاتِ الخالِقِ جَلَّ وعَلا لِذَواتِ الحَوادِثِ، ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ الصِّفاتُ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيها المُتَكَلِّمُونَ؛ هَلْ هي مِن صِفاتِ المَعانِي أوْ مِن صِفاتِ الأفْعالِ، وإنْ كانَ الحَقُّ الَّذِي لا يَخْفى عَلى مَن أنارَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ أنَّها صِفاتُ مَعانٍ أثْبَتَها اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - لِنَفْسِهِ، كالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.
قالَ في وصْفِهِ - جَلَّ وعَلا - بِهِما:
﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧]، وقالَ في وصْفِ نَبِيِّنا ﷺ بِهِما: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ بِالحِلْمِ: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] .
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِهِ: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] .
وَقالَ في وصْفِ نَفْسِهِ بِالمَغْفِرَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢] و [المائدة: ٣٤] و [المائدة: ٣٩] و [المائدة: ٩٨] و [الأنفال: ٦٩] و [التوبة: ٥] و [التوبة: ٩٩] و [التوبة: ١٠٢] و [النور: ٦٢] و [العنكبوت: ١٤] و [الممتحنة: ١٢] و [المزمل: ٢٠] . ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِها: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ١٤]، ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَوَصَفَ نَفْسَهُ جَلَّ وعَلا بِالرِّضى ووَصَفَ الحادِثَ بِهِ أيْضًا فَقالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، ووَصَفَ نَفْسَهُ جَلَّ وعَلا بِالمَحَبَّةِ، ووَصَفَ الحادِثَ بِها، فَقالَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] .
(p-٢٨)وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ يَغْضَبُ إنِ انْتُهِكَتْ حُرُماتُهُ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦٠]، ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٣] .
وَقالَ في وصْفِ الحادِثِ بِالغَضَبِ ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ وأمْثالُ هَذا كَثِيرٌ جِدًّا.
والمَقْصُودُ عِنْدَنا ذِكْرُ أمْثِلَةٍ كَثِيرَةٍ مِن ذَلِكَ، مَعَ إيضاحِ أنَّ كُلَّ ما اتَّصَفَ بِهِ جَلَّ وعَلا مِن تِلْكَ الصِّفاتِ بالِغٌ مِن غاياتِ الكَمالِ والعُلُوِّ والشَّرَفِ ما يَقْطَعُ عَلائِقَ جَمِيعِ أوْهامِ المُشابَهَةِ بَيْنَ صِفاتِهِ جَلَّ وعَلا، وبَيْنَ صِفاتِ خَلْقِهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
* *
فَإذا حَقَّقْتَ كُلَّ ذَلِكَ عَلِمْتَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا وصَفَ نَفْسَهُ بِالِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ، ووَصَفَ غَيْرَهُ بِالِاسْتِواءِ عَلى بَعْضِ المَخْلُوقاتِ، فَتَمَدَّحَ جَلَّ وعَلا في سَبْعِ آياتٍ مِن كِتابِهِ بِاسْتِوائِهِ عَلى عَرْشِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ صِفَةَ الِاسْتِواءِ إلّا مَقْرُونَةً بِغَيْرِها مِن صِفاتِ الكَمالِ، والجَلالِ؛ القاضِيَةِ بِعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ جَلَّ وعَلا، وأنَّهُ الرَّبُّ وحْدَهُ، المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ.
المَوْضِعُ الأوَّلُ: بِحَسَبِ تَرْتِيبِ المُصْحَفِ الكَرِيمِ. قَوْلُهُ هُنا في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [ ٥٤ ] .
المَوْضِعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآيَةَ [ \ ٣، ٤ ] .
المَوْضِعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ (p-٢٩)يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:، ٣، ٤] .
المَوْضِعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ طه: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ [البقرة: - ٦] .
المَوْضِعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [المجادلة:، ٥٩] .
المَوْضِعُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ السَّجْدَةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ الآيَةَ [النساء:، ٥] .
المَوْضِعُ السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [ ٤ ] .
وَقالَ جَلَّ وعَلا في وصْفِ الحادِثِ بِالِاسْتِواءِ عَلى بَعْضِ المَخْلُوقاتِ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ١٣]، ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٢٨]، ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ الآيَةَ [هود: ٤٤]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ لا إشْكالَ في ذَلِكَ، وأنَّ لِلْخالِقِ جَلَّ وعَلا اسْتِواءً لائِقًا بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، ولِلْمَخْلُوقِ أيْضًا اسْتِواءً مُناسِبًا لِحالِهِ، وبَيْنَ اسْتِواءِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ مِنَ المُنافاةِ ما بَيْنَ ذاتِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ؛ عَلى نَحْوِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَيَنْبَغِي لِلنّاظِرِ في هَذِهِ المَسْألَةِ التَّأمُّلُ في أُمُورٍ:
الأمْرُ الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ الصِّفاتِ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ المَوْصُوفَ بِها واحِدٌ، ولا (p-٣٠)يَجُوزُ في حَقِّهِ مُشابَهَةُ الحَوادِثِ في شَيْءٍ مِن صِفاتِهِمْ، فَمَن أثْبَتَ مَثَلًا أنَّهُ: سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وسَمْعُهُ وبَصَرُهُ مُخالِفانِ لِأسْماعِ الحَوادِثِ وأبْصارِهِمْ، لَزِمَهُ مِثْلُ ذَلِكَ في جَمِيعِ الصِّفاتِ؛ كالِاسْتِواءِ، واليَدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ جَلَّ وعَلا، ولا يُمْكِنُ الفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ بِحالٍ.
الأمْرُ الثّانِي: أنَّ الذّاتَ والصِّفاتِ مِن بابٍ واحِدٍ أيْضًا، فَكَما أنَّهُ جَلَّ وعَلا، لَهُ ذاتٌ مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ ذَواتِ الخَلْقِ، فَلَهُ تَعالى صِفاتٌ مُخالِفَةٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الخَلْقِ.
الأمْرُ الثّالِثُ: في تَحْقِيقِ المَقامِ في الظّاهِرِ المُتَبادِرِ السّابِقِ إلى الفَهْمِ مِن آياتِ الصِّفاتِ؛ كالِاسْتِواءِ واليَدِ مَثَلًا.
اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّهُ غَلِطَ في هَذا خَلْقٌ لا يُحْصى كَثْرَةً مِنَ المُتَأخِّرِينَ، فَزَعَمُوا أنَّ الظّاهِرَ المُتَبادِرَ السّابِقَ إلى الفَهْمِ مِن مَعْنى الِاسْتِواءِ واليَدِ مَثَلًا في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ - هو مُشابَهَةُ صِفاتِ الحَوادِثِ، وقالُوا: يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَصْرِفَهُ عَنْ ظاهِرِهِ إجْماعًا؛ لِأنَّ اعْتِقادَ ظاهِرِهِ كُفْرٌ؛ لِأنَّ مَن شَبَّهَ الخالِقَ بِالمَخْلُوقِ فَهو كافِرٌ، ولا يَخْفى عَلى أدْنى عاقِلٍ أنَّ حَقِيقَةَ مَعْنى هَذا القَوْلِ: أنَّ اللَّهَ وصَفَ نَفْسَهُ في كِتابِهِ بِما ظاهِرُهُ المُتَبادِرُ مِنهُ السّابِقُ إلى الفَهْمِ الكُفْرُ بِاللَّهِ والقَوْلُ فِيهِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ جَلَّ وعَلا.
والنَّبِيُّ ﷺ الَّذِي قِيلَ لَهُ: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، لَمْ يُبَيِّنْ حَرْفًا واحِدًا مِن ذَلِكَ مَعَ إجْماعِ مَن يَعْتَدُّ بِهِ مِنَ العُلَماءِ، عَلى أنَّهُ ﷺ: لا يَجُوزُ في حَقِّهِ تَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأحْرى في العَقائِدِ ولا سِيَّما ما ظاهِرُهُ المُتَبادِرُ مِنهُ الكُفْرُ والضَّلالُ المُبِينُ، حَتّى جاءَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، فَزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ أطْلَقَ عَلى نَفْسِهِ الوَصْفَ بِما ظاهِرُهُ المُتَبادِرُ مِنهُ لا يَلِيقُ، والنَّبِيُّ ﷺ كَتَمَ أنَّ ذَلِكَ الظّاهِرَ المُتَبادِرَ كُفْرٌ وضَلالٌ يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْهُ، وكُلُّ هَذا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ عَلى كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ.
وَلا يَخْفى أنَّ هَذا القَوْلَ مِن أكْبَرِ الضَّلالِ ومِن أعْظَمِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا ورَسُولِهِ ﷺ، والحَقُّ الَّذِي لا يَشُكُّ فِيهِ أدْنى عاقِلٍ أنَّ كُلَّ وصْفٍ وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، أوْ وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ، فَظاهِرُهُ المُتَبادِرُ مِنهُ السّابِقُ إلى فَهْمِ مَن في قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الإيمانِ، هو التَّنْزِيهُ التّامُّ عَنْ مُشابَهَةِ شَيْءٍ مِن صِفاتِ الحَوادِثِ.
(p-٣١)الفَهُمُ المُتَبادِرُ لِكُلِّ عاقِلٍ: هو مُنافاةُ الخالِقِ لِلْمَخْلُوقِ في ذاتِهِ، وجَمِيعِ صِفاتِهِ، لا واللَّهِ لا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا مُكابِرٌ .
والجاهِلُ المُفْتَرِي الَّذِي يَزْعُمُ أنَّ ظاهِرَ آياتِ الصِّفاتِ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ لِأنَّهُ كُفْرٌ وتَشْبِيهٌ - إنَّما جَرَّ إلَيْهِ ذَلِكَ تَنْجِيسُ قَلْبِهِ، بِقَدْرِ التَّشْبِيهِ بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ، فَأدّاهُ شُؤْمُ التَّشْبِيهِ إلى نَفْيِ صِفاتِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، وعَدَمِ الإيمانِ بِها، مَعَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا، هو الَّذِي وصَفَ بِها نَفْسَهُ، فَكانَ هَذا الجاهِلُ مُشَبِّهًا أوَّلًا، ومُعَطِّلًا ثانِيًا، فارْتَكَبَ ما لا يَلِيقُ بِاللَّهِ ابْتِداءً وانْتِهاءً، ولَوْ كانَ قَلْبُهُ عارِفًا بِاللَّهِ كَما يَنْبَغِي، مُعَظِّمًا لِلَّهِ كَما يَنْبَغِي، طاهِرًا مِن أقْذارِ التَّشْبِيهِ - لَكانَ المُتَبادِرُ عِنْدَهُ السّابِقُ إلى فَهْمِهِ: أنَّ وصْفَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، بالِغٌ مِنَ الكَمالِ، والجَلالِ ما يَقْطَعُ أوْهامَ عَلائِقِ المُشابَهَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، فَيَكُونُ قَلْبُهُ مُسْتَعِدًّا لِلْإيمانِ بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ الثّابِتَةِ لِلَّهِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، مَعَ التَّنْزِيهِ التّامِّ عَنْ مُشابَهَةِ صِفاتِ الخَلْقِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فَلَوْ قالَ مُتَنَطِّعٌ: بَيِّنُوا لَنا كَيْفِيَّةَ الِاتِّصافِ بِصِفَةِ الِاسْتِواءِ واليَدِ، ونَحْوَ ذَلِكَ لِنَعْقِلَها، قُلْنا: أعَرَفْتَ كَيْفِيَّةَ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ المُتَّصِفَةِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ؟
فَلا بُدَّ أنْ يَقُولَ: لا، فَنَقُولُ: مَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ الِاتِّصافِ بِالصِّفاتِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الذّاتِ، فَسُبْحانَ مَن لا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ أنْ يُحْصِيَ الثَّناءَ عَلَيْهِ هو، كَما أثْنى عَلى نَفْسِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] .
فَتَحَصَّلَ مِن جَمِيعِ هَذا البَحْثِ أنَّ الصِّفاتِ مِن بابٍ واحِدٍ، وأنَّ الحَقَّ فِيها مُتَرَكِّبٌ مِن أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا عَنْ مُشابَهَةِ الخَلْقِ.
والثّانِي: الإيمانُ بِكُلِّ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أوْ وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ إثْباتًا، أوْ نَفْيًا؛ وهَذا هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، والسَّلَفُ الصّالِحُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ما كانُوا يَشُكُّونَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا كانَ يَشْكُلُ عَلَيْهِمْ، ألا تَرى إلى (p-٣٢)قَوْلِ الفَرَزْدَقِ وهو شاعِرٌ فَقَطْ، وأمّا مِن جِهَةِ العِلْمِ، فَهو عامِّيٌّ [ الطَّوِيلُ ]:
؎وَكَيْفَ أخافُ النّاسَ واللَّهُ قابِضٌ عَلى النّاسِ والسَّبْعَيْنِ في راحَةِ اليَدِ
وَمُرادُهُ بِالسَّبْعَيْنِ: سَبْعُ سَماواتٍ، وسَبْعُ أرْضِينَ. فَمَن عَلِمَ مِثْلَ هَذا مِن كَوْنِ السَّماواتِ والأرْضِينَ في يَدِهِ جَلَّ وعَلا أصْغَرَ مِن حَبَّةِ خَرْدَلٍ، فَإنَّهُ عالِمٌ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ لا يَسْبِقُ إلى ذِهْنِهِ مُشابَهَةُ صِفاتِهِ لِصِفاتِ الخَلْقِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ زالَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الإشْكالاتِ الَّتِي أشْكَلَتْ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والإيمانِ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أوْ وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ، هو مَعْنى قَوْلِ الإمامِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: الِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.
وَيُرْوى نَحْوُ قَوْلِ مالِكٍ هَذا عَنْ شَيْخِهِ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ .
ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ رَحْمَتَهُ جَلَّ وعَلا قَرِيبٌ مِن عِبادِهِ المُحْسِنِينَ، وأوْضَحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ صِفاتِ عَبِيدِهِ الَّذِينَ سَيَكْتُبُها لَهم في قَوْلِهِ: ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٥٦] .
وَوَجْهُ تَذْكِيرِ وصْفِ الرَّحْمَةِ مَعَ أنَّها مُؤَنَّثَةٌ في قَوْلِهِ: قَرِيبٌ [الأعراف: ٥٦] ولَمْ يَقُلْ قَرِيبَةٌ، فِيهِ لِلْعُلَماءِ أقْوالٌ تَزِيدُ عَلى العَشْرَةِ. نَذْكُرُ مِنها إنْ شاءَ اللَّهُ بَعْضًا، ونَتْرُكُ ما يَظْهَرُ لَنا ضَعْفُهُ أوْ بُعْدُهُ عَنِ الظّاهِرِ.
مِنها: أنَّ الرَّحْمَةَ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَّحِمِ، فالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
وَمِنها: أنَّ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّ القَرابَةَ إذا كانَتْ قَرابَةَ نَسَبٍ تَعَيَّنَ التَّأْنِيثُ فِيها في الأُنْثى فَتَقُولُ: هَذِهِ المَرْأةُ قَرِيبَتِي أيْ في النَّسَبِ، ولا تَقُولُ: قَرِيبٌ مِنِّي. وإنْ كانَتْ قَرابَةَ مَسافَةٍ جازَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ، فَتَقُولُ: دارُهُ قَرِيبٌ وقَرِيبَةٌ مِنِّي، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎لَهُ الوَيْلُ إنْ أمْسى ولا أُمُّ هاشِمٍ قَرِيبٌ ولا البَسْباسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرا
وَمِنها: أنَّ وجْهَ ذَلِكَ إضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا.
وَمِنها: أنَّ قَوْلَهُ: قَرِيبٌ صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ شَيْءٌ قَرِيبٌ مِن (p-٣٣)المُحْسِنِينَ.
وَمِنها: أنَّها شُبِّهَتْ بِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ والأُنْثى.
وَمِنها: أنَّ الأسْماءَ الَّتِي عَلى فَعِيلٍ رُبَّما شُبِّهَتْ بِالمَصْدَرِ الآتِي عَلى فَعِيلٍ، فَأُفْرِدَتْ لِذَلِكَ؛ قالَ بَعْضُهم: ولِذَلِكَ أفْرَدَ الصَّدِيقَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وقَوْلِ الشّاعِرِ: [ المُتَقارِبُ ]
؎وَهُنَّ صَدِيقٌ لِمَن لَمْ يَشِبْ
ا اهـ والظَّهِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْجُهِ.
الأعراف 7:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ .
قِراءَةُ عاصِمٍ بُشْرًا بِضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ، وإسْكانِ الشِّينِ: جَمْعُ بَشِيرٍ، لِأنَّها تَنْتَشِرُ أمامَ المَطَرِ مُبَشِّرَةً بِهِ، وهَذا المَعْنى يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ الآيَةَ [الروم: ٤٦]، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، يَعْنِي بِرَحْمَتِهِ المَطَرَ كَما جاءَ مُبَيَّنًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٢٨]، وقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٢٨] .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَحْمِلُ السَّحابَ عَلى الرِّيحِ، ثُمَّ يَسُوقُهُ إلى حَيْثُ يَشاءُ مِن بِقاعِ الأرْضِ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٩]، وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأعراف 7:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ الآيَةَ، أنْكَرَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ عَجَبَهم مِن إرْسالِ رَجُلٍ؛ وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ عَجِبُوا مِن ذَلِكَ. قالَ في عَجَبِ قَوْمِ نَبِيِّنا ﷺ مِن ذَلِكَ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢]، وقالَ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ [ق: ٢]، وقالَ عَنِ الأُمَمِ السّابِقَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ (p-٣٤)رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، وقالَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ الآيَةَ [القمر: ٢٣، ٢٤]، وقالَ: ﴿وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤]، وصَرَّحَ بِأنَّ هَذا العَجَبَ مِن إرْسالِ بَشَرٍ مانِعٍ لِلنّاسِ مِنَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] .
وَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأعراف 7:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ إغْراقِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ الآيَةَ [القمر: ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] .
الأعراف 7:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا مِن هَذا الجِدالِ الواقِعِ بَيْنَ هُودٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيْنَ عادٍ. ولَكِنَّهُ أشارَ إلَيْهِ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
الأعراف 7:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةَ.
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ قَطْعِهِ دابِرَ عادٍ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٤١]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأعراف 7:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ الآيَةَ.
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ عَقْرَها باشَرَتْهُ جَماعَةٌ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في سُورَةِ القَمَرِ: أنَّ المُرادَ أنَّهم نادَوْا واحِدًا مِنهم، فَباشَرَ (p-٣٥)عَقْرَها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [ ٢٩ ] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ الآيَةَ.
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي يَعِدُهم بِهِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ العَذابُ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]،
• وقَوْلِهِ هُنا ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]،
ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأعراف 7:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ هُنا سَبَبَ رَجْفَةِ الأرْضِ بِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ صَيْحَةُ المَلَكِ بِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ الآيَةَ [هود: ٦٧]، والظّاهِرُ أنَّ المَلَكَ لَمّا صاحَ بِهِمْ رَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ مِن شِدَّةِ الصَّيْحَةِ، وفارَقَتْ أرْواحُهم أبْدانَهم، واللَّهُ جَلَّ وعَلا أعْلَمُ.
الأعراف 7:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي﴾ .
وَبَيَّنَ تَعالى هَذِهِ الرِّسالَةَ الَّتِي أبْلَغَها نَبِيُّهُ صالِحٌ إلى قَوْمِهِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
الأعراف 7:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الفاحِشَةِ اللِّواطُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٨١]، وبَيَّنَ ذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] .
الأعراف 7:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ .
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لَمْ يَنْجُ مَعَ لُوطٍ إلّا خُصُوصُ أهْلِهِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في ”الذّارِياتِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، وقَوْلِهِ هُنا: ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣]، أوْضَحَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ: فَبَيَّنَ أنَّها خائِنَةٌ، وأنَّها مِن أهْلِ النّارِ، وأنَّها واقِعَةٌ فِيما أصابَ قَوْمَها مِنَ الهَلاكِ، قالَ فِيها هي وامْرَأةِ نُوحٍ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]، وقالَ فِيها وحْدَها: أعْنِي امْرَأةَ لُوطٍ ﴿إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٨١] (p-٣٦)وَقَوْلُهُ هُنا في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٤] .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا المَطَرَ ما هو، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ مَطَرُ حِجارَةٍ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِها كَقَوْلِهِ: ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]، وأشارَ إلى أنَّ السِّجِّيلَ الطِّينُ بِقَوْلِهِ في ”الذّارِياتِ“: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]،، وبَيَّنَ أنَّ هَذا المَطَرَ مَطَرُ سُوءٍ لا رَحْمَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]، وقَوْلِهِ تَعالى في ”الشُّعَراءِ“: ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [ ١٧٣ ] .
الأعراف 7:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وتَبْغُونَها راجِعٌ إلى السَّبِيلِ وهو نَصٌّ قُرْآنِيٌّ عَلى أنَّ السَّبِيلَ مُؤَنَّثَةٌ، ولَكِنَّهُ جاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَذْكِيرِ السَّبِيلِ أيْضًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] .
الأعراف 7:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى حُكْمَهُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ بَيْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٨٩]،
فَإنْ قِيلَ: الهَلاكُ الَّذِي أصابَ قَوْمَ شُعَيْبٍ ذَكَرَ تَعالى في الأعْرافِ أنَّهُ رَجْفَةٌ، وذَكَرَ في هُودٍ أنَّهُ صَيْحَةٌ، وذَكَرَ في الشُّعَراءِ أنَّهُ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
فالجَوابُ: ما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِهِ قالَ: وقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ كُلُّهُ أصابَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وهي سَحابَةٌ أظَلَّتْهم فِيها شَرَرٌ مِن نارٍ ولَهَبٍ ووَهَجٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ جاءَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ، ورَجْفَةٌ مِنَ الأرْضِ شَدِيدَةٌ مِن أسْفَلَ مِنهم، فَزَهَقَتِ الأرْواحُ، وفاضَتِ النُّفُوسُ، وخَمَدَتِ الأجْسامُ. اهـ مِنهُ.
الأعراف 7:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا الرِّسالاتِ الَّتِي أبْلَغَها رَسُولُهُ شُعَيْبٌ إلى قَوْمِهِ (p-٣٧)فِي آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ الآيَةَ [هود: ٨٤]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وبَيَّنَ نُصْحَهُ لَهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٨٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣]، أنْكَرَ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ الأسى، أيِ: الحُزْنَ عَلى الكُفّارِ إذا أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ إبْلاغِهِمْ، وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مَعَ تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ لَجاجًا وعِنادًا، وإنْكارُهُ لِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ فَنَهى نَبِيَّنا ﷺ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]، ومَعْنى لا تَأْسَ: لا تَحْزَنْ،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٧] .
الأعراف 7:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ .
ذَكَرَ أنْباءَهم مُفَصَّلَةً في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كالآياتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها خَبَرُ نُوحٍ وهُودٍ، وصالِحٍ ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ وغَيْرِهِمْ، مَعَ أُمَمِهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلْعُلَماءِ أوْجَهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ: بَعْضُها يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ.
مِنها: أنَّ المَعْنى فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ يَوْمَ أخَذَ المِيثاقَ أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِهِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، لِاسْتِحالَةِ التَّغَيُّرِ فِيما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ الأزَلِيُّ، ويُرْوى هَذا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وأنَسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمِنها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهم أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ، فَآمَنُوا كَرْهًا، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ ذَلِكَ طَوْعًا. ويُرْوى هَذا عَنِ السُّدِّيِّ وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى الأوَّلِ.
وَمِنها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا مَرَّةً لَكَفَرُوا أيْضًا، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا في الرَّدِّ إلى الدُّنْيا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ؛ أيْ في المَرَّةِ الأُولى، ويُرْوى هَذا عَنْ مُجاهِدٍ. ويَدُلُّ لِمَعْنى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٢٨] لَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِن ظاهِرِ الآيَةِ.
(p-٣٨)وَمِنها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالحَقِّ أوَّلَ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ، وهَذا القَوْلُ حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، واسْتَحْسَنَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وهو مِن أقْرَبِ الأقْوالِ لِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. ووَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ شُؤْمَ المُبادَرَةِ إلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ سَبَبٌ لِلطَّبْعِ عَلى القُلُوبِ والإبْعادِ عَنِ الهُدى، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ قَدْ تَكُونُ فِيها أوْجَهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ كُلُّها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، وكُلُّها حَقٌّ. فَنَذْكُرُ جَمِيعَها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها﴾ الآيَةَ.
بَيَّنَ تَعالى هُنا أنَّ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ ظَلَمُوا بِالآياتِ الَّتِي جاءَهم بِها مُوسى، وصَرَّحَ في النَّمْلِ بِأنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ جاحِدِينَ لَها، مَعَ أنَّهم مُسْتَيْقِنُونَ أنَّها حَقٌّ لِأجْلِ ظُلْمِهِمْ وعُلُوِّهِمْ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [الرعد:، ١٤] .
الأعراف 7:107
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى شَبَهِ العَصا بِالثُّعْبانِ وهو لا يُطْلَقُ إلّا عَلى الكَبِيرِ مِنَ الحَيّاتِ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ الآيَةَ [النمل: ١٠]، لِأنَّ الجانَّ هو الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ.
والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّهُ شَبَّهَها بِالثُّعْبانِ في عِظَمِ خِلْقَتِها، وبِالجانِّ في اهْتِزازِها وخِفَّتِها وسُرْعَةِ حَرَكَتِها، فَهي جامِعَةٌ بَيْنَ العِظَمِ، وخِفَّةِ الحَرَكَةِ عَلى خِلافِ العادَةِ.
الأعراف 7:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى هُنا أنَّ مُوسى نَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّ ذَلِكَ البَياضَ خالٍ مِنَ البَرَصِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“ و ”القَصَصِ“ في قَوْلِهِ فِيهِما: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٣٢]، أيْ مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
الأعراف 7:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ .
بَيَّنَ هُنا أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ بِآيَةِ العَصا واليَدِ قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّهُ ساحِرٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ ماذا قالَ فِرْعَوْنُ: ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في ”الشُّعَراءِ“ أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ مِثْلَ ما قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤] .
الأعراف 7:116
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا السِّحْرَ العَظِيمَ ما هو ؟ ولِمَ يُبَيِّنْ هَلْ أوْجَسَ مُوسى في نَفْسِهِ الخَوْفَ مِنهُ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ ذَلِكَ في ”طَهَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى وألْقِ ما في (p-٣٩)يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [التحريم: - ٩٦]، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا أنَّهم تَواعَدُوا مَعَ مُوسى مَوْعِدًا لِوَقْتِ مُغالَبَتِهِ مَعَ السَّحَرَةِ، وأوْضَحَ ذَلِكَ في سُورَةِ ”طَهَ“ في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ الآيَةَ [المجادلة: - ٥٩] .
الأعراف 7:124
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَأصُلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا الشَّيْءَ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِأنَّهم يَصْلُبُهم فِيهِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ في ”طَهَ“ ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ الآيَةَ [ ٧١ ] .
الأعراف 7:131
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إنْ أصابَتْهم سَيِّئَةٌ أيْ قَحْطٌ وجَدْبٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، تَطَيَّرُوا بِمُوسى وقَوْمِهِ فَقالُوا: ما جاءَنا هَذا الجَدْبُ والقَحْطُ إلّا مِن شُؤْمِكم، وذُكِرَ مِثْلُ هَذا عَنْ بَعْضِ الكُفّارِ مَعَ نَبِيِّنا ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٧٨]، وذُكِرَ نَحْوُهُ أيْضًا عَنْ قَوْمِ صالِحٍ مَعَ صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٤٧]، وذُكِرَ نَحْوُ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي جاءَها المُرْسَلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الآيَةَ [يس: ١٨]، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ شُؤْمَهم مِن قِبَلِ كُفْرِهِمْ، ومَعاصِيهِمْ، لا مِن قِبَلِ الرُّسُلِ؛ قالَ في ”الأعْرافِ“: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [ ١٣١ ]، وقالَ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“ في قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]، وقالَ في ”يس“: ﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ الآيَةَ [ ١٩ ] .
الأعراف 7:137
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ الآيَةَ.
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مَن هَؤُلاءِ القَوْمُ، ولَكِنَّهُ صَرَّحَ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“: بِأنَّ المُرادَ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ في القِصَّةِ بِعَيْنِها ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ [ ٥٩ ]، وأشارَ إلى ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣٧] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ.
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذِهِ الكَلِمَةَ الحُسْنى الَّتِي تَمَّتْ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في القَصَصِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿وَنُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥، ٦] .
الأعراف 7:143
(p-٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي﴾ الآيَةَ.
اسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ النّافُونَ لِرُؤْيَةِ اللَّهِ بِالأبْصارِ يَوْمَ القِيامَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِهِمُ الباطِلِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ المَذْكُورَ، إنَّما هو في الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ جَلَّ وعَلا بِأبْصارِهِمْ، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، وقَوْلِهِ في الكُفّارِ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَتِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مَحْجُوبِينَ عَنْهُ جَلَّ وعَلا.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] الحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، وذَلِكَ هو أحَدُ القَوْلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، وقَدْ تَواتَرَتِ الأحادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ بِأبْصارِهِمْ، وتَحْقِيقُ المَقامِ في المَسْألَةِ: أنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا بِالأبْصارِ: جائِزَةٌ عَقْلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى جَوازِها عَقْلًا في دارِ الدُّنْيا: قَوْلُ مُوسى ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ لِأنَّ مُوسى لا يَخْفى عَلَيْهِ الجائِزُ والمُسْتَحِيلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وأمّا شَرْعًا فَهي جائِزَةٌ وواقِعَةٌ في الآخِرَةِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ، وتَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصِّحاحُ، وأمّا في الدُّنْيا فَمَمْنُوعَةٌ شَرْعًا كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةُ ”الأعْرافِ“ هَذِهِ، وحَدِيثُ ”إنَّكم لَنْ تَرَوْا رَبَّكم حَتّى تَمُوتُوا“، كَما أوْضَحْناهُ في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) .
الأعراف 7:148
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سَخافَةَ عُقُولِ عَبَدَةِ العِجْلِ، ووَبَّخَهم عَلى أنَّهم يَعْبُدُونَ ما لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا، وأوْضَحَ هَذا في ”طَهَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ الآيَةَ [ ٨٩ ]، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ أنَّ جَمِيعَ آياتِ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ إلَهًا حُذِفَ فِيها المَفْعُولُ الثّانِي في جَمِيعِ القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ هُنا: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٨]، أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النُّكْتَةَ في حَذْفِهِ دائِمًا التَّنْبِيهُ: عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي التَّلَفُّظُ بِأنَّ عِجْلًا مُصْطَنَعًا مِن جَمادٍ إلَهٌ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا المَفْعُولِ المَحْذُوفِ دائِمًا في ”طَهَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] .
الأعراف 7:149
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لِنَكُونُنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ .
(p-٤١)بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ عَبَدَةَ العِجْلِ اعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ، ونَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا، وصَرَّحَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ بِتَوْبَتِهِمْ ورِضاهم بِالقَتْلِ وتَوْبَةِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [ ٥٤ ] .
الأعراف 7:150
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ.
أوْضَحَ اللَّهُ ما ذَكَرَهُ هُنا بِقَوْلِهِ في ”طَهَ“ ﴿قالَ ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ الآيَةَ [الطارق:، ٨٧] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ الآيَةَ.
أشارَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى ما اعْتَذَرَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ هارُونَ لِأخِيهِ مُوسى عَمّا وجَّهَهُ إلَيْهِ مِنَ اللَّوْمِ، وأوْضَحَهُ في ”طَهَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [ ٩٤ ]، وصَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِبَراءَتِهِ بِقَوْلِهِ:
﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [طه: ٩٠] .
الأعراف 7:158
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ ﷺ رَسُولٌ إلى جَمِيعِ النّاسِ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبإ: ٢٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]، وقَيَّدَ في مَوْضِعٍ آخَرَ عُمُومَ رِسالَتِهِ بِبُلُوغِ هَذا القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وصَرَّحَ بِشُمُولِ رِسالَتِهِ لِأهْلِ الكِتابِ مَعَ العَرَبِ
• بِقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ الآيَةَ.
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَثْرَةَ كَلِماتِهِ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: (p-٤٢)﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقَوْلِهِ: ﴿الحَمِيدُ ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
الأعراف 7:169
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ الآيَةَ.
هَذا المِيثاقُ المَذْكُورُ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .
الأعراف 7:172
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى أخْذِهِ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ: هو إيجادُ قَرْنٍ مِنهم بَعْدَ قَرْنٍ، وإنْشاءُ قَوْمٍ بَعْدَ آخَرِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩]، وقالَ: ﴿وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ﴾ [النمل: ٦٢]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أنَّ إشْهادَهم عَلى أنْفُسِهِمْ إنَّما هو بِما نُصِبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ بِأنَّهُ رَبُّهُمُ المُسْتَحِقُّ مِنهم لِأنْ يَعْبُدُوهُ وحْدَهُ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى ﴿قالُوا بَلى﴾، أيْ: قالُوا ذَلِكَ بِلِسانِ حالِهِمْ لِظُهُورِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ مِن إطْلاقِ الشَّهادَةِ عَلى شَهادَةِ لِسانِ الحالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، أيْ بِلِسانِ حالِهِمْ عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وإنَّهُ ﴿عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٦، ٧] أيْ: بِلِسانِ حالِهِ أيْضًا عَلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ في الآيَةِ أيْضًا.
واحْتَجَّ مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا جَعَلَ هَذا الإشْهادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في الإشْراكِ بِهِ جَلَّ وعَلا في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]، قالُوا: فَلَوْ كانَ الإشْهادُ المَذْكُورُ الإشْهادَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ المِيثاقِ، وهم في صُورَةِ الذَّرِّ لَما كانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ (p-٤٣)لِأنَّهُ لا يَذْكُرُهُ مِنهم أحَدٌ عِنْدَ وُجُودِهِ في الدُّنْيا، وما لا عِلْمَ لِلْإنْسانِ بِهِ لا يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: إخْبارُ الرُّسُلِ بِالمِيثاقِ المَذْكُورِ كافٍ في ثُبُوتِهِ، قُلْنا:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: " الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِجَمِيعِ ما جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ مِن هَذا وغَيْرِهِ، وهَذا جُعِلَ حُجَّةً مُسْتَقِلَّةً عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ الفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْها مِنَ التَّوْحِيدِ، ولِهَذا قالَ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ الآيَةَ اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
فَإذا عَلِمْتَ هَذا الوَجْهَ الَّذِي ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وما اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ قائِلُهُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ، فاعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الآخَرَ في مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ أخْرَجَ جَمِيعَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظُهُورِ الآباءِ في صُورَةِ الذَّرِّ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِلِسانِ المَقالِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾، ثُمَّ أرْسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّسُلَ مُذَكِّرَةً بِذَلِكَ المِيثاقِ الَّذِي نَسِيَهُ الكُلُّ ولَمْ يُولَدْ أحَدٌ مِنهم وهو ذاكِرٌ لَهُ وإخْبارُ الرُّسُلِ بِهِ يَحْصُلُ بِهِ اليَقِينُ بِوُجُودِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الوَجْهُ الأخِيرُ يَدُلُّ لَهُ الكِتابُ والسُّنَّةُ.
أمّا وجْهُ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، فَهو أنَّ مُقْتَضى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ ما أقامَ اللَّهُ لَهم مِنَ البَراهِينِ القَطْعِيَّةِ كَخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما فِيهِما مِن غَرائِبِ صُنْعِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ الرَّبُّ المَعْبُودُ وحْدَهُ، وما رَكَّزَ فِيهِمْ مِنَ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهم عَلَيْها - تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، ولَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ، والآياتُ القُرْآنِيَّةُ مُصَرِّحَةٌ - بِكَثْرَةٍ - بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا حَتّى يُقِيمَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ بِإنْذارِ الفِطْرَةِ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، فَإنَّهُ قالَ فِيها: حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا، ولَمْ يَقُلْ حَتّى نَخْلُقَ عُقُولًا، ونَنْصُبَ أدِلَّةً، ونُرَكِّزَ فِطْرَةً.
وَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [الإسراء: ١٥]، فَصَرَّحَ بِأنَّ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى النّاسِ، ويَنْقَطِعُ بِهِ عُذْرُهم: هو إنْذارُ الرُّسُلِ لا نَصْبَ الأدِلَّةِ والخَلْقِ عَلى الفِطْرَةِ.
وَهَذِهِ الحُجَّةُ الَّتِي بُعِثَ الرُّسُلُ لِقَطْعِها بَيَّنَها في ”طَهَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [ ١٣٤ ]، وأشارَ لَها في ”القَصَصِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [ ٤٧ ]، ومِن ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ قُطِعَ عُذْرُهم في الدُّنْيا بِإنْذارِ الرُّسُلِ، ولَمْ يَكْتَفِ في ذَلِكَ (p-٤٤)بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨، ٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، ومَعْلُومٌ أنَّ لَفْظَةَ: كُلَّما، في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾، صِيغَةُ عُمُومٍ، وأنَّ لَفْظَةَ: الَّذِينَ، في قَوْلِهِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، صِيغَةُ عُمُومٍ أيْضًا؛ لِأنَّ المَوْصُولَ يَعُمُّ كُلَّ ما تَشْمَلُهُ صِلَتُهُ.
وَأمّا السُّنَّةُ: فَإنَّهُ قَدْ دَلَّتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ في صُورَةِ الذَّرِّ فَأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ كَما ذَكَرَ هُنا، وبَعْضُها صَحِيحٌ قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قالَ أبُو عُمَرَ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ البَرِّ، لَكِنَّ مَعْنى هَذا الحَدِيثِ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ ثابِتَةٍ كَثِيرَةٍ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ وغَيْرِهِمُ اهـ. مَحَلُّ الحاجَةِ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وهَذا الخِلافُ الَّذِي ذَكَرْنا هَلْ يُكْتَفى في الإلْزامِ بِالتَّوْحِيدِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، أوْ لا بُدَّ مِن بَعْثِ الرُّسُلِ لِيُنْذِرُوا ؟ هو مَبْنى الخِلافِ المَشْهُورِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ في أهْلِ الفَتْرَةِ، هَلْ يَدْخُلُونَ النّارَ بِكُفْرِهِمْ ؟ وحَكى القَرافِيُّ عَلَيْهِ الإجْماعَ وجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“، أوْ يُعْذَرُونَ بِالفَتْرَةِ وهو ظاهِرُ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْناها، وإلى هَذا الخِلافِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ:
ذُو فَتْرَةٍ بِالفَرْعِ لا يُراعُ وفي الأُصُولِ بَيْنَهم نِزاعُ وقَدْ حَقَّقْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مَعَ مُناقَشَةِ أدِلَّةِ الفَرِيقَيْنِ في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولِذَلِكَ اخْتَصَرْناها هُنا.
الأعراف 7:176
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ الآيَةَ.
ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى المَثَلَ لِهَذا الخَسِيسِ الَّذِي آتاهُ آياتِهِ فانْسَلَخَ مِنها - بِالكَلْبِ، ولَمْ تَكُنْ حَقارَةُ الكَلْبِ مانِعَةً مِن ضَرْبِهِ تَعالى المَثَلَ بِهِ، وكَذَلِكَ ضَرَبَ المَثَلَ بِالذُّبابِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]، وكَذَلِكَ ضَرَبَ المَثَلَ بِبَيْتِ (p-٤٥)العَنْكَبُوتِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١]، وكَذَلِكَ ضَرَبَ المَثَلَ بِالحِمارِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]، وهَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَسْتَحِي مِن بَيانِ العُلُومِ النَّفِيسَةِ عَنْ طَرِيقِ ضَرْبِ الأمْثالِ بِالأشْياءِ الحَقِيرَةِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَدْلُولِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ .
الأعراف 7:180
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
هَدَّدَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ بِتَهْدِيدَيْنِ:
الأوَّلُ: صِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: وذَرُوا فَإنَّها لِلتَّهْدِيدِ.
والثّانِي: في قَوْلِهِ: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهَدَّدَ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِهِ في سُورَةِ حم ”السَّجْدَةِ“ بِأنَّهم لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [ ٤٠ ]، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ﴾ الآيَةَ، وأصْلُ الإلْحادِ في اللُّغَةِ: المَيْلُ، ومِنهُ اللَّحْدُ في القَبْرِ، ومَعْنى إلْحادِهِمْ في أسْمائِهِ هو ما كاشْتِقاقِهِمُ اسْمَ اللّاتِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، واسْمَ العُزّى مِنِ اسْمِ العَزِيزِ، واسْمَ مَناةَ مِنَ المَنّانِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. والعَرَبُ تَقُولُ لَحَدَ وألْحَدَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وعَلَيْهِما القِراءَتانِ يُلْحِدُونَ بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ مِنَ الأوَّلِ، وبِضَمِّها وكَسْرِ الحاءِ مِنَ الثّانِي.
الأعراف 7:187
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ وقْتَ قِيامِ السّاعَةِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ جَلَّ وعَلا، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ [النازعات: ٤٢، ٤٣، ٤٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّها الخَمْسُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ [لقمان: ٣٤] .
الأعراف 7:188
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ .
وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنَ الغَيْبِ إلّا ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، وقَدْ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ إنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ في قَوْلِهِ في ”الأنْعامِ“: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ (p-٤٦)[ ٥٠ ]، وقالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ الآيَةَ [الجمعة: ٢٦، ٢٧]، وقالَ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ الآيَةَ [النمل: ٦٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والمُرادُ بِالخَيْرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قِيلَ: المالُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَثْرَةُ وُرُودِ الخَيْرِ بِمَعْنى المالِ في القُرْآنِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِالخَيْرِ فِيها العَمَلُ الصّالِحُ كَما قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ لِأنَّهُ ﷺ مُسْتَكْثِرٌ جِدًّا مِنَ الخَيْرِ الَّذِي هو العَمَلُ الصّالِحُ؛ لِأنَّ عَمَلَهُ ﷺ كانَ دِيمَةً، وفي رِوايَةٍ كانَ إذا عَمِلَ عَمَلًا أثْبَتَهُ.
الأعراف 7:189
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ الآيَةَ.
ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ خَلَقَ حَوّاءَ مِن آدَمَ لِيَسْكُنَ إلَيْها، أيْ: لِيَأْلَفَها ويَطْمَئِنَّ بِها، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ جَعَلَ أزْواجَ ذُرِّيَّتِهِ كَذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
الأعراف 7:190
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ، والقُرْآنُ يَشْهَدُ لِأحَدِهِما:
الأوَّلُ: أنَّ حَوّاءَ كانَتْ لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَحَمَلَتْ، فَجاءَها الشَّيْطانُ، فَقالَ لَها سَمِّي هَذا الوَلَدَ عَبْدَ الحارِثِ فَإنَّهُ يَعِيشُ، والحارِثُ مِن أسْماءِ الشَّيْطانِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحارِثِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا﴾ [الأعراف: ١٩٠] أيْ ولَدًا إنْسانًا ذَكَرًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ بِتَسْمِيَتِهِ عَبْدَ الحارِثِ، وقَدْ جاءَ بِنَحْوِ هَذا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وهو مَعْلُولٌ كَما أوْضَحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لَمّا آتى آدَمَ وحَوّاءَ صالَحًا كَفَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن ذُرِّيَّتِهِما، وأسْنَدَ فِعْلَ الذُّرِّيَّةِ إلى آدَمَ وحَوّاءَ؛ لِأنَّهُما أصْلٌ لِذُرِّيَّتِهِما كَما قالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، أيْ بِتَصْوِيرِنا لِأبِيكم آدَمَ لِأنَّهُ أصْلُهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ الأخِيرِ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: (p-٤٧)﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠، ١٩١]، وهَذا نَصٌّ قُرْآنِيٌّ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ المُشْرِكُونَ مِن بَنِي آدَمَ، لا آدَمُ وحَوّاءُ، واخْتارَ هَذا الوَجْهَ غَيْرُ واحِدٍ لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:199
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما يَنْبَغِي أنْ يُعامَلَ بِهِ الجَهَلَةُ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ. فَبَيَّنَ أنَّ شَيْطانَ الإنْسِ يُعامَلُ بِاللِّينِ، وأخْذِ العَفْوِ، والإعْراضِ عَنْ جَهْلِهِ وإساءَتِهِ. وأنَّ شَيْطانَ الجِنِّ لا مَنجى مِنهُ إلّا بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ مِنهُ، قالَ في الأوَّلِ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقالَ في الثّانِي: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، وبَيَّنَ هَذا الَّذِي ذَكَرْنا في مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ.
أحَدُهُما: في سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [السجدة: ١]، قالَ فِيهِ في شَيْطانِ الإنْسِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ [ ٩٦ ]، وقالَ في الآخَرِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [النازعات:، ٩٨] .
والثّانِي: في حم ”السَّجْدَةِ“ قالَ فِيهِ في شَيْطانِ الإنْسِ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، وزادَ هُنا أنَّ ذَلِكَ لا يُعْطاهُ كُلُّ النّاسِ، بَلْ لا يُعْطِيهِ اللَّهُ إلّا لِذِي الحَظِّ الكَبِيرِ والبَخْتِ العَظِيمِ عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿وَما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، ثُمَّ قالَ في شَيْطانِ الجِنِّ: ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] .
الأعراف 7:202
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ .
ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إخْوانَ الإنْسِ مِنَ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَ الإنْسَ في الغَيِّ، ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ [مريم: ٨٣]، وقَوْلِهِ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ بَعْضَ الإنْسِ إخْوانٌ لِلشَّياطِينِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٧] .
الأنفال 8:1
(p-٤٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأنْفالِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالأنْفالِ هُنا عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِها خُصُوصُ ما شَذَّ عَنِ الكافِرِينَ إلى المُؤْمِنِينَ، وأُخِذَ بِغَيْرِ حَرْبٍ كالفَرَسِ والبَعِيرِ يَذْهَبُ مِنَ الكافِرِينَ إلى المُسْلِمِينَ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالمُرادُ بِالأنْفالِ هو المُسَمّى عِنْدَ الفُقَهاءِ فَيْئًا، وهو الآتِي بَيانُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ [الحشر: ٦]، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِها الخُمُسُ وهو قَوْلُ مالِكٍ.
الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِها خُمُسُ الخُمُسِ.
الرّابِعُ: أنَّها الغَنِيمَةُ كُلُّها، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وغَيْرُ واحِدٍ قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
الخامِسُ: أنَّ المُرادَ بِها أنْفالُ السَّرايا خاصَّةً، ومِمَّنْ قالَ بِهِ الشَّعْبِيُّ، ونَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صالِحِ بْنِ حَيٍّ، والمُرادُ بِهَذا القَوْلِ: ما يُنَفِّلُهُ الإمامُ لِبَعْضِ السَّرايا زِيادَةً عَلى قِسْمِهِمْ مَعَ بَقِيَّةِ الجَيْشِ، واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ المُرادَ بِها الزِّيادَةُ عَلى القَسْمِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما ورَدَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وهو ما رَواهُ أحْمَدُ حَيْثُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ، حَدَّثَنا أبُو إسْحاقَ الشَّيْبانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وقُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ قَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِ، وأخَذْتُ سَيْفَهُ وكانَ يُسَمّى ذا الكَتِيفَةِ، فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ”اذْهَبْ فاطْرَحْهُ في القَبْضِ“ قالَ: فَرَجَعْتُ وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي، قالَ: فَما جاوَزْتُ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْفالِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اذْهَبْ فَخُذْ سَلَبَكَ»“، وقالَ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا: (p-٤٩)حَدَّثَنا أسْوَدُ بْنُ عامِرٍ، أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، «عَنْ سَعْدِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شَفانِيَ اللَّهُ اليَوْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَهَبْ لِي هَذا السَّيْفَ، فَقالَ: ”إنَّ هَذا السَّيْفَ لا لَكَ ولا لِي ضَعْهُ“ قالَ: فَوَضَعْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَقُلْتُ: عَسى أنْ يُعْطى هَذا السَّيْفُ مَن لا يُبْلِي بَلائِي، قالَ: فَإذا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِن ورائِي قالَ: قُلْتُ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ شَيْئًا، قالَ: كُنْتَ سَألْتَنِي السَّيْفَ، ولَيْسَ هو لِي وإنَّهُ قَدْ وُهِبَ لِيَ فَهو لَكَ، قالَ: وأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾» [الأنفال: ١]، ورَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن طُرُقٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وهَكَذا رَواهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ: أخْبَرَنا شُعْبَةُ، أخْبَرَنا سِماكُ بْنُ حَرْبٍ قالَ: «سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أرْبَعُ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ: أصَبْتُ سَيْفًا يَوْمَ بَدْرٍ فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: نَفِّلْنِيهِ، فَقالَ: ”ضَعْهُ مِن حَيْثُ أخَذْتَهُ“ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ عاوَدْتُهُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ضَعْهُ مِن حَيْثُ أخَذْتَهُ“ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾» الآيَةَ، وتَمامُ الحَدِيثِ في نُزُولِ ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠]، وآيَةِ الوَصِيَّةِ، وقَدْ رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ، عَنْ بَعْضِ بَنِي ساعِدَةَ، قالَ: «سَمِعْتُ أبا أُسَيْدٍ مالِكَ بْنَ رَبِيعَةَ يَقُولُ: أصَبْتُ سَيْفَ ابْنِ عائِذٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانَ السَّيْفُ يُدْعى بِالمَرْزُبانِ، فَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ أنْ يَرُدُّوا ما في أيْدِيهِمْ مِنَ النَّفْلِ أقْبَلْتُ بِهِ فَألْقَيْتُهُ في النَّفْلِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَمْنَعُ شَيْئًا يُسْألُهُ، فَرَآهُ الأرْقَمُ بْنُ أبِي الأرْقَمِ المَخْزُومِيُّ فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأعْطاهُ إيّاهُ»، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ، اهـ كَلامُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَنائِمِ بَدْرٍ لَمّا اخْتَلَفَ الصَّحابَةُ فِيها، فَقالَ بَعْضُهم: نَحْنُ هُمُ الَّذِينَ حُزْنا الغَنائِمَ، وحَوَيْناها فَلَيْسَ لِغَيْرِنا فِيها نَصِيبٌ، وقالَتِ المَشْيَخَةُ: إنّا كُنّا لَكم رِدْءًا، ولَوْ هُزِمْتُمْ لَلَجَأْتُمْ إلَيْنا فاخْتَصَمُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ . وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ: أنَّها نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، ورَواهُ ابْنُ حِبّانَ في ”صَحِيحِهِ“، والحاكِمُ في ”المُسْتَدْرَكِ“، وقالَ، صَحِيحُ الإسْنادِ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولَمْ يُخَرِّجاهُ؛ ورَوى نَحْوَ ذَلِكَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَلى هَذا القَوْلِ الَّذِي هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، فالآيَةُ (p-٥٠)مُشْكِلَةٌ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٤١] .
وَأظْهَرُ الأقْوالِ الَّتِي يَزُولُ بِها الإشْكالُ في الآيَةِ، هو ما ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدٍ ونَسَبُهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ لِجُمْهُورِ العُلَماءِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةَ، ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾، إلّا أنَّ قَوْلَ أبِي عُبَيْدٍ: إنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ لَمْ تُخَمَّسْ لِأنَّ آيَةَ الخُمُسِ لَمْ تَنْزِلْ إلّا بَعْدَ قَسْمِ غَنائِمِ بَدْرٍ - غَيْرُ صَحِيحٍ، ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «كانَ لِي شارِفٌ مِن نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعْطانِي شارِفًا مِنَ الخُمُسِ يَوْمَئِذٍ» الحَدِيثَ. فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ في تَخْمِيسِ غَنائِمِ بَدْرٍ؛ لِأنَّ قَوْلَ عَلَيٍّ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَوْمَئِذٍ صَرِيحٌ في أنَّهُ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ كَما تَرى.
فالحاصِلُ أنَّ آيَةَ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةَ، بَيَّنَتْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ قَصْرَ الغَنائِمِ عَلى الرَّسُولِ المَذْكُورِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وأنَّها تُعْطى أرْبَعَةُ أخْماسٍ مِنها لَلْغانِمِينَ، وقَدْ ذَكَرْنا آنِفًا أنَّ أبا عُبَيْدٍ قالَ: إنَّها ناسِخَةٌ لَها، ونَسَبَهُ القُرْطُبِيُّ لِلْجُمْهُورِ، وسَيَأْتِي لِهَذا المَبْحَثِ زِيادَةُ إيضاحٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةَ.
الأنفال 8:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ الآيَةَ. في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ التَّصْرِيحُ بِزِيادَةِ الإيمانِ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ الآيَةَ [الفتح: ٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ الآيَةَ [المدثر: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ الآيَةَ [محمد: ١٧] .
وَتَدُلُّ هَذِهِ الآياتُ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ عَلى أنَّهُ يَنْقُصُ أيْضًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما يَزِيدُ يَنْقُصُ، وجاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في أحادِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحَةِ كَقَوْلِهِ: «يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وفي قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ»، ونَحْوِ ذَلِكَ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٢٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأنْفالِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ وجَلَ القُلُوبِ عِنْدَ سَماعِ ذِكْرِ اللَّهِ مِن عَلاماتِ المُؤْمِنِينَ.
وَقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى خِلافَ ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] .
فالمُنافاةُ بَيْنَ الطُّمَأْنِينَةِ ووَجَلِ القُلُوبِ ظاهِرَةٌ.
والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ الطُّمَأْنِينَةَ تَكُونُ بِانْشِراحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، والوَجَلُ يَكُونُ عِنْدَ خَوْفِ الزَّيْغِ والذَّهابِ عَنِ الهُدى، كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ الآيَةَ [الرعد: ٨] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] .
الأنفال 8:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ألْقى النُّعاسَ عَلى المُؤْمِنِينَ لِيَجْعَلَ قُلُوبَهم آمِنَةً غَيْرَ خائِفَةٍ مِن عَدُوِّها؛ لِأنَّ الخائِفَ الفَزِعَ لا يَغْشاهُ النُّعاسُ، وظاهِرُ سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا النُّعاسَ أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ (p-٥١)هُنا في وقْعَةِ بَدْرٍ، كَما لا يَخْفى.
وَذَكَرَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ أنَّ النُّعاسَ غَشِيَهم أيْضًا يَوْمَ أُحُدٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في وقْعَةِ أُحُدٍ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ الآيَةَ [ ١٥٤ ] .
الأنفال 8:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ .
المُرادُ بِالفَتْحِ هُنا في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ: الحُكْمُ وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا أرادُوا الخُرُوجَ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وزَعَمُوا أنَّهم قُطّانُ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، وأنَّهم يَسْقُونَ الحَجِيجَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ فَرَّقَ الجَماعَةَ، وقَطَعَ الرَّحِمَ، وسَفَّهَ الآباءَ، وعابَ الدِّينَ، ثُمَّ سَألُوا اللَّهَ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم، وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ، بِأنْ يُهْلِكَ الظّالِمَ مِنهم، ويَنْصُرَ المُحِقَّ، فَحَكَمَ اللَّهُ بِذَلِكَ وأهْلَكَهم، ونَصَرَهُ، وأنْزَلَ الآيَةَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَتْحِ هُنا الحُكْمُ أنَّهُ تَعالى أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال: ١٩]، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ إطْلاقُ الفَتْحِ بِمَعْنى الحُكْمِ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ عَنْ شُعَيْبٍ وقَوْمِهِ: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: عَنْ شُعَيْبٍ في نَفْسِ القِصَّةِ ﴿وَإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، وهَذِهِ لُغَةُ حِمْيَرَ؛ لِأنَّهم يُسَمُّونَ القاضِيَ فَتّاحًا والحُكُومَةَ فَتّاحَةً.
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الوافِرُ ]
؎ألا أبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولًا بِأنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيٌّ
أيْ عَنْ حُكُومَتِكم وقَضائِكم، أمّا ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: تَطْلُبُوا الفَتْحَ والنَّصْرَ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِلْكافِرِينَ، فَهو غَيْرُ ظاهِرٍ، كَما تَرى.
الأنفال 8:24
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الِاسْتِجابَةَ لِلرَّسُولِ الَّتِي هي طاعَتُهُ لا تَجِبُ إلّا إذا دَعانا لِما يُحْيِينا، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] .
وَقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِهِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ قَيْدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقَوْلُهُ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (p-٢٩٢)الآيَةَ [آل عمران: ٣١] . وقَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] .
والظّاهِرُ أنَّ وجْهَ الجَمْعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّ آياتِ الإطْلاقِ مُبَيِّنَةٌ أنَّهُ ﷺ لا يَدْعُونا إلّا لِما يُحْيِينا مِن خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فالشَّرْطُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾، مُتَوَفِّرٌ في دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَكانِ عِصْمَتِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤] .
والحاصِلُ أنَّ آيَةَ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾، مُبَيِّنَةٌ أنَّهُ لا طاعَةَ إلّا لِمَن يَدْعُو إلى ما يُرْضِي اللَّهَ، وأنَّ الآياتِ الأُخَرَ بَيَّنَتْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَدْعُو أبَدًا إلّا إلى ذَلِكَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.
الأنفال 8:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
أمَرَ تَعالى النّاسَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَعْلَمُوا: أنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم فِتْنَةٌ يُخْتَبَرُونَ بِها، هَلْ يَكُونُ المالُ والوَلَدُ سَبَبًا لِلْوُقُوعِ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ ؟ وزادَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ الأزْواجَ فِتْنَةٌ أيْضًا، كالمالِ والوَلَدِ، فَأمَرَ الإنْسانَ بِالحَذَرِ مِنهم أنْ يُوقِعُوهُ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ، ثُمَّ أمَرَهُ إنِ اطَّلَعَ عَلى ما يَكْرَهُ مِن أُولَئِكَ الأعْداءِ الَّذِينَ هم أقْرَبُ النّاسِ لَهُ وأخَصُّهم بِهِ وهُمُ الأوْلادُ والأزْواجُ - أنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَصْفَحَ ولا يُؤاخِذَهم فَيَحَذَرَ مِنهم أوَّلًا ويَصْفَحَ (p-٥٢)عَنْهم إنْ وقَعَ مِنهم بَعْضُ الشَّيْءِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ في ”التَّغابُنِ“: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤، ١٥] .
وَصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِنَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ تُلْهِيَهُمُ الأمْوالُ والأوْلادُ عَنْ ذِكْرِهِ جَلَّ وعَلا، وأنَّ مَن وقَعَ في ذَلِكَ فَهو الخاسِرُ المَغْبُونُ في حُظُوظِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]، والمُرادُ بِالفِتْنَةِ في الآياتِ: الِاخْتِبارُ والِابْتِلاءُ، وهو أحَدُ مَعانِي الفِتْنَةِ في القُرْآنِ.
الأنفال 8:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحاكُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ، وغَيْرُ واحِدٍ: فُرْقانًا: مَخْرَجًا، زادَ مُجاهِدٌ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فُرْقانًا: نَجاةً، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: نَصْرًا. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: فُرْقانًا أيْ: فَصْلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: قَوْلُ الجَماعَةِ المَذْكُورَةِ: إنَّ المُرادَ بِالفُرْقانِ: المَخْرَجُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الآيَةَ [الطلاق: ٢]، والقَوْلُ بِأنَّهُ النَّجاةُ أوِ النَّصْرُ، راجِعٌ في المَعْنى إلى هَذا؛ لِأنَّ مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا أنْجاهُ ونَصَرَهُ، لَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ القُرْآنُ واللُّغَةُ عَلى صِحَّتِهِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ هو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ؛ لِأنَّ الفُرْقانَ مَصْدَرٌ زِيدَتْ فِيهِ الألِفُ والنُّونُ، وأُرِيدَ بِهِ الوَصْفُ أيِ الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وذَلِكَ هو مَعْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ [الفرقان: ١]، أيِ الكِتابَ الفارِقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ﴾ [البقرة: ٥٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفُرْقانِ هُنا: العِلْمُ الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قَوْلُهُ تَعالى في الحَدِيدِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٨] .
لِأنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿وَيَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، يَعْنِي: عِلْمًا وهُدًى تُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ هُنا الهُدى، ومَعْرِفَةُ الحَقِّ قَوْلُهُ تَعالى فِيمَن كانَ (p-٥٣)كافِرًا فَهَداهُ اللَّهُ: ﴿لَمُشْرِكُونَ﴾ ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٢]، فَجَعَلَ النُّورَ المَذْكُورَ في الحَدِيدِ: هو مَعْنى الفُرْقانِ المَذْكُورِ في الأنْفالِ كَما تَرى، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، والغُفْرانَ المُرَتَّبَ عَلى تَقْوى اللَّهِ في آيَةِ الأنْفالِ، كَذَلِكَ جاءَ مُرَتَّبًا أيْضًا عَلَيْها في آيَةِ الحَدِيدِ، وهو بَيانٌ واضِحٌ كَما تَرى.
الأنفال 8:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ الآيَةَ.
قَدْ بَيَّنّا قَبْلُ هَذِهِ الآياتِ المُصَرِّحَةَ بِكَذِبِهِمْ، وتَعْجِيزِ اللَّهِ لَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، فَلا حاجَةَ إلى إعادَتِها هُنا، وقَوْلُهُ هُنا في هَذِهِ الآيَةِ عَنْهم: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١]، رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَذِبَهم وافْتِراءَهم هَذا في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٥، ٦]، وما أنْزَلَهُ عالِمُ السِّرِّ في السَّمَواتِ والأرْضِ فَهو بَعِيدٌ جِدًّا مِن أنْ يَكُونَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ:
الأنفال 8:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
ذَكَرَ هُنا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ في غايَةِ الجَهْلِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٢]، ولَمْ يَقُولُوا فاهْدِنا إلَيْهِ، وجاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا
• كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨]، وذَكَرَ عَنْ بَعْضِ الأُمَمِ السّالِفَةِ شِبْهَ ذَلِكَ
• كَقَوْلِهِ في قَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]،
• وقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وسَيَأْتِي لِهَذا إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ إيضاحٍ في سُورَةِ ”سَألَ سائِلٌ“ [المعارج: ١]
الأنفال 8:33
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُفّارِ مَكَّةَ أمانَيْنَ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُمُ العَذابَ بِسَبَبِهِما:
أحَدُهُما: كَوْنُهُ ﷺ فِيهِمْ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ أُمَّةً ونَبِيُّهم فِيهِمْ.
والثّانِي: اسْتِغْفارُهُمُ اللَّهَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [ ٨ ]، يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
والجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ نَقَلَهُ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ أنَّ الأمانَيْنَ مُنْتَفِيانِ، فالنَّبِيُّ ﷺ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ مُهاجِرًا واسْتِغْفارُهم مَعْدُومٌ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
فَجُمْلَةُ الحالِ أُرِيدَ بِها أنَّ العَذابَ لا يَنْزِلُ بِهِمْ في حالَةِ اسْتِغْفارِهِمْ لَوِ اسْتَغْفَرُوا ولا في حالَةِ وُجُودِ نَبِيِّهِمْ فِيهِمْ، لَكِنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، ولَمْ يَسْتَغْفِرُوا لِكُفْرِهِمْ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ الحالَ قَيْدٌ لِعامِلِها وصْفٌ لِصاحِبِها، فالِاسْتِغْفارُ مَثَلًا قَيْدٌ في نَفْيِ العَذابِ، لَكِنَّهم لَمْ يَأْتُوا بِالقَيْدِ، فَتَقْرِيرُ المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ لَوِ اسْتَغْفَرُوا، وبَعْدَ انْتِفاءِ الأمْرَيْنِ عَذَّبَهم بِالقَتْلِ والأسْرِ، يَوْمَ بَدْرٍ كَما يُشِيرُ (p-٢٩٣)إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ اسْتِغْفارُ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى أنَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ ﷺ كانَ اسْتِغْفارُ المُؤْمِنِينَ سَبَبًا لِرَفْعِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ عَنِ الكُفّارِ المُسْتَعْجِلِينَ لِلْعَذابِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ [ ٨ ] .
وَعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدْ أسْنَدَ الِاسْتِغْفارَ إلى مَجْمُوعِ أهْلِ مَكَّةَ الصّادِقِ بِخُصُوصِ المُؤْمِنِينَ مِنهم، ونَظِيرُ الآيَةِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، ومَعَ أنَّ العاقِرَ واحِدٌ مِنهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦]، أيْ جَعَلَ القَمَرَ في مَجْمُوعِهِنَّ الصّادِقِ بِخُصُوصِ السَّماءِ الَّتِي فِيها القَمَرُ، لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ في كُلِّ سَماءٍ قَمَرًا،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]،
أيْ مِن مَجْمُوعِكُمُ الصّادِقِ بِخُصُوصِ الإنْسِ عَلى الأصَحِّ، إذْ لَيْسَ مِنَ الجِنِّ رُسُلٌ.
وَأمّا تَمْثِيلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ لِإطْلاقِ المَجْمُوعِ مُرادًا بَعْضُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، زاعِمِينَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ”مِنهُما“ أيْ مِن مَجْمُوعِهِما الصّادِقِ بِخُصُوصِ البَحْرِ المِلْحِ، لِأنَّ العَذْبَ لا يَخْرُجُ مِنهُ لُؤْلُؤٌ ولا مَرْجانٌ، فَهو قَوْلٌ باطِلٌ بِنَصِّ القُرْآنِ العَظِيمِ.
فَقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِاسْتِخْراجِ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ مِنَ البَحْرَيْنِ كِلَيْهِما حَيْثُ قالَ: ﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢] .
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن كُلٍّ﴾، نَصٌّ صَرِيحٌ في إرادَةِ العَذْبِ والمِلْحِ مَعًا، وقَوْلُهُ: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ هي اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالعَذابُ الدُّنْيَوِيُّ يَدْفَعُهُ اللَّهُ عَنْهم بِاسْتِغْفارِ المُؤْمِنِينَ الكائِنِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [ ٨ ] . أيْ بَعْدَ خُرُوجِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَ اسْتِغْفارُهم سَبَبًا لِدَفْعِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، فَبَعْدَ خُرُوجِهِمْ عَذَّبَ اللَّهُ أهْلَ (p-٢٩٤)مَكَّةَ في الدُّنْيا بِأنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ ﷺ حَتّى فَتَحَ مَكَّةَ، ويَدُلُّ لِكَوْنِهِ تَعالى يَدْفَعُ العَذابَ الدُّنْيَوِيَّ عَنِ الكُفّارِ بِسَبَبِ وُجُودِ المُسْلِمِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ ما وقَعَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] .
فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أيْ لَوْ تَزَيَّلَ الكُفّارُ مِنَ المُسْلِمِينَ لَعَذَّبْنا الكُفّارَ بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، ولَكِنّا رَفَعْنا عَنِ الكُفّارِ هَذا العَذابَ الدُّنْيَوِيَّ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ الآيَةَ.
وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وأبِي مالِكٍ وابْنِ أبْزى، وحاصِلُ هَذا القَوْلِ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ لَمّا قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ الآيَةَ [ ٨ ] . أنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾، ثُمَّ لَمّا هاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَقِيَتْ طائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فَلَمّا خَرَجَتْ بَقِيَّةُ المُسْلِمِينَ مِن مَكَّةَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [ ٨ ]، أيْ: أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَهم يَدْفَعُ عَنْهُمُ اللَّهُ، وقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فالآيَةُ عَلى هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] .
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ كُفّارُ مَكَّةَ، وعَلَيْهِ فَوَجْهُ الجَمِيعِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَرُدُّ عَنْهُمُ العَذابَ الدُّنْيَوِيَّ بِسَبَبِ اسْتِغْفارِهِمْ، أمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَهو واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ فَقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، أيْ في الدُّنْيا في حالَةِ اسْتِغْفارِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ في الآخِرَةِ، وقَدْ كانُوا كُفّارًا في الدُّنْيا. ونَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فَعَمَلُ الكافِرُ يَنْفَعُهُ في الدُّنْيا، كَما فَسَّرَ بِهِ جَماعَةٌ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ [النور: ٣٩]، أيْ أثابَهُ مِن عَمَلِهِ الطَّيِّبِ في الدُّنْيا، وهو صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ الآيَةَ [هود: ١٥]، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [ ٩ ]، (p-٢٩٥)وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ عَمَلِ الكافِرِ مِن أصْلِهِ، كَما أوْضَحَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فَجَعَلَ كِلْتا الدّارَيْنِ ظَرْفًا لِبُطْلانِ أعْمالِهِمْ واضْمِحْلالِها، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَحْقِيقُ هَذا المَقامِ في سُورَةِ ”هُودٍ“ .
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ يُسْلِمُونَ، أيْ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم، وقَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ مِنهم مَن يُسْلِمُ ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِن كُفْرِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿وَما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾، في الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقاوَةُ كَأبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ الَّذِينَ عُذِّبُوا بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ مَعْنى هَذا القَوْلِ عَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ، وأمّا ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَبُطْلانُهُ ظاهِرٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ الآيَةَ، خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ بِعَدَمِ تَعْذِيبِهِ لَهم في حالَةِ اسْتِغْفارِهِمْ، والخَبَرُ لا يَجُوزُ نَسْخُهُ شَرْعًا بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وأظْهَرُ هَذِهِ الأقْوالِ الأوَّلانِ.
مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٥] .
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الواحِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ مُصابَرَةُ عَشَرَةٍ مِنَ الكُفّارِ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٦] .
والجَوابُ عَنْ هَذا، أنَّ الأوَّلَ مَنسُوخٌ بِالثّانِي، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٦]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأنفال 8:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ .
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِنَفْيِ وِلايَةِ الكُفّارِ عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، وأثْبَتَها لِخُصُوصِ المُتَّقِينَ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ (p-٥٤)أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧، ١٨] .
الأنفال 8:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ .
المُكاءُ: الصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: والمَقْصُودُ عِنْدَهم بِالصَّفِيرِ والتَّصْفِيقِ التَّخْلِيطُ حَتّى لا يَسْمَعَ النّاسُ القُرْآنَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
الأنفال 8:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ .
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَواهُ المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ الكُفّارِ فَإنَّهُ يُخَمَّسُ حَسْبَما نُصَّ عَلَيْهِ في الآيَةِ، سَواءً أوْجَفُوا عَلَيْهِ الخَيْلَ والرِّكابَ أوْ لا، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في سُورَةِ ”الحَشْرِ“ أنَّ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن غَيْرِ إيجافِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِ الخَيْلَ والرِّكابَ، أنَّهُ لا يُخَمَّسُ ومَصارِفُهُ الَّتِي بَيَّنَ أنَّهُ يُصْرَفُ فِيها كَمَصارِفِ خُمُسِ الغَنِيمَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: في فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ الآيَةَ [ ٦ ]، ثُمَّ بَيَّنَ شُمُولَ الحُكْمِ لِكُلِّ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن جَمِيعِ القُرى بِقَوْلِهِ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ الآيَةَ [ ٧ ] .
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ: فَرَّقُوا بَيْنَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ فَقالُوا: الفَيْءُ: هو ما يَسَّرَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِن أمْوالِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ انْتِزاعِهِ مِنهم بِالقَهْرِ، كَفَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ الَّذِينَ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ، ومَكَّنُوهُ مِن أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَفْعَلُ فِيها ما يَشاءُ لِشِدَّةِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ، ورَضِيَ لَهم ﷺ أنْ يَرْتَحِلُوا بِما يَحْمِلُونَ عَلى الإبِلِ غَيْرَ السِّلاحِ، وأمّا الغَنِيمَةُ: فَهي ما انْتَزَعَهُ المُسْلِمُونَ مِنَ الكَفّارِ بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ، وهَذا التَّفْرِيقُ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةَ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، ظاهِرٌ في أنَّهُ يُرادُ بِهِ بَيانُ الفَرْقِ بَيْنَ ما أوْجَفُوا عَلَيْهِ وما لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ كَما تَرى، والفَرْقُ المَذْكُورُ بَيْنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ عَقَدَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ لِلْمَغازِي بِقَوْلِهِ في غَزْوَةِ بَنِيَ النَّضِيرِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَفَيْئُهم والفَيْءُ في الأنْفالِ ما لَمْ يَكُنْ أُخِذَ عَنْ قِتالِ
؎(p-٥٥)أمّا الغَنِيمَةُ فَعَنْ زِحافٍ ∗∗∗ والأخْذُ عَنْوَةً لَدى الزِّحافِ
لِخَيْرِ مُرْسَلٍ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: وفَيْئُهم مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لِخَيْرِ مُرْسَلٍ، وقَوْلُهُ: والفَيْءُ في الأنْفالِ. . . إلَخْ، كَلامٌ اعْتِراضِيٌّ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بَيَّنَ بِهِ الفَرْقَ بَيْنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَلا إشْكالَ في الآياتِ؛ لِأنَّ آيَةَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾، ذُكِرَ فِيها حُكْمُ الغَنِيمَةِ، وآيَةَ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ ذُكِرَ فِيها حُكْمُ الفَيْءِ وأُشِيرَ لِوَجْهِ الفَرْقِ بَيْنَ المَسْألَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ أيْ فَكَيْفَ يَكُونُ غَنِيمَةً لَكم، وأنْتُمْ لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ ولَمْ تَنْتَزِعُوهُ بِالقُوَّةِ مِن مالِكِيهِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الغَنِيمَةَ والفَيْءَ واحِدٌ، فَجَمِيعُ ما أُخِذَ مِنَ الكُفّارِ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ غَنِيمَةً وفَيْئًا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وهو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، فالعَرَبُ تُطْلِقُ اسْمَ الفَيْءِ عَلى الغَنِيمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهِلِ بْنِ رَبِيعَةَ التَّغْلِبِيِّ: [ الوافِرُ ]
؎فَلا وأبِي جَلِيلَةَ ما أفَأْنا ∗∗∗ مِنَ النَّعَمِ المُؤَبَّلِ مِن بَعِيرِ
؎وَلَكِنّا نَهَكْنا القَوْمَ ضَرْبًا ∗∗∗ عَلى الأثْباجِ مِنهم والنُّحُورِ
يَعْنِي أنَّهم لَمْ يَشْتَغِلُوا بِسَوْقِ الغَنائِمِ ولَكِنْ بِقَتْلِ الرِّجالِ فَقَوْلُهُ:
أفَأْنا: يَعْنِي غَنِمْنا، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]؛ لِأنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ شُمُولُ ذَلِكَ لِجَمِيعِ المَسْبِيّاتِ ولَوْ كُنَّ مُنْتَزَعاتٍ قَهْرًا، ولَكِنَّ الِاصْطِلاحَ المَشْهُورَ عِنْدَ العُلَماءِ هو ما قَدَّمْنا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما، وتَدُلُّ لَهُ آيَةُ الحَشْرِ المُتَقَدِّمَةُ، وعَلى قَوْلِ قَتادَةَ فَآيَةُ الحَشْرِ مُشْكِلَةٌ مَعَ آيَةِ الأنْفالِ هَذِهِ، ولِأجْلِ ذَلِكَ الإشْكالِ قالَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: إنَّ آيَةَ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةَ، ناسِخَةٌ لِآيَةِ ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ الآيَةَ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ باطِلٌ بِلا شَكٍّ، ولَمْ يُلْجِئْ قَتادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى هَذا القَوْلِ إلّا دَعْواهُ اتِّحادَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ، فَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُما كَما فَعَلَ غَيْرُهُ لَعُلِمَ أنَّ آيَةَ الأنْفالِ في الغَنِيمَةِ، وآيَةَ الحَشْرِ في الفَيْءِ، ولا إشْكالَ. ووَجْهُ بُطْلانِ القَوْلِ المَذْكُورِ: أنَّ آيَةَ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، قَبْلَ قَسْمِ غَنِيمَةِ بَدْرٍ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَلِيٍّ الثّابِتِ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“، الدّالِّ عَلى أنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ خُمِّسَتْ، وآيَةُ التَّخْمِيسِ الَّتِي شَرَعَهُ اللَّهُ بِها هي هَذِهِ، وأمّا آيَةُ الحَشْرِ فَهي نازِلَةٌ في غَزْوَةِ بَنِيَ النَّضِيرِ بِإطْباقِ العُلَماءِ، وغَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ بِإجْماعِ (p-٥٦)المُسْلِمِينَ، ولا مُنازَعَةَ فِيهِ البَتَّةَ، فَظَهَرَ مِن هَذا عَدَمُ صِحَّةِ قَوْلِ قَتادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ ظَهَرَ لَكَ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ لا إشْكالَ في الآياتِ، وكَذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن يَرى أمْرَ الغَنائِمِ والفَيْءِ راجِعًا إلى نَظَرِ الإمامِ، فَلا مُنافاةَ عَلى قَوْلِهِ بَيْنَ آيَةِ ”الحَشْرِ“، وآيَةِ التَّخْمِيسِ إذا رَآهُ الإمامُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
مَسائِلُ مِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ جَماهِيرَ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ لِلْغُزاةِ الَّذِينَ غَنِمُوها، ولَيْسَ لِلْإمامِ أنْ يَجْعَلَ تِلْكَ الغَنِيمَةَ لِغَيْرِهِمْ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: غَنِمْتُمْ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّها غَنِيمَةٌ لَهم فَلَمّا قالَ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، عَلِمْنا أنَّ الأخْماسَ الأرْبَعَةَ الباقِيَةَ لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، أيْ: ولِأبِيهِ الثُّلْثانِ الباقِيانِ إجْماعًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، أيْ: ولِلْغانِمِينَ ما بَقِيَ، وهَذا القَوْلُ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وحَكى الإجْماعَ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ ومِمَّنْ حَكى إجْماعَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، والدّاوُدِيُّ، والمازِرِيُّ، والقاضِي عِياضٌ، وابْنُ العَرَبِيِّ، والأخْبارُ بِهَذا المَعْنى مُتَظاهِرَةٌ، وخالَفَ في ذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المالِكِيَّةِ، ونَقَلَهُ عَنْهُمُ المازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أيْضًا، قالُوا: لِلْإمامِ أنْ يَصْرِفَ الغَنِيمَةَ فِيما يَشاءُ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ، ويَمْنَعَ مِنها الغُزاةَ الغانِمِينَ.
واحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِأدِلَّةٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١] قالُوا: الأنْفالُ: الغَنائِمُ كُلُّها، والآيَةُ مُحْكَمَةٌ لا مَنسُوخَةٌ، واحْتَجُّوا لِذَلِكَ أيْضًا بِما وقَعَ في فَتْحِ مَكَّةَ، وقِصَّةِ حُنَيْنٍ قالُوا: إنَّهُ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً بِعَشَرَةِ آلافِ مُقاتِلٍ، ومَنَّ عَلى أهْلِها فَرَدَّها عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَجْعَلْها غَنِيمَةً ولَمْ يُقَسِّمْها عَلى الجَيْشِ، فَلَوْ كانَ قَسْمُ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ عَلى الجَيْشِ واجِبًا لَفَعْلَهُ ﷺ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ، قالُوا: وكَذَلِكَ غَنائِمُ هَوازِنَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، أعْطى مِنها عَطايا عَظِيمَةً جِدًّا، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنها مَعَ أنَّهم مِن خِيارِ المُجاهِدِينَ الغازِينَ مَعَهُ ﷺ، وقَدْ أشارَ لِعَطاياهُ مِن غَنائِمِ هَوازِنَ في وقْعَةِ حُنَيْنٍ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ لِلْمَغازِي في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ](p-٥٧)
؎أعْطى عَطايا شَهِدَتْ بِالكَرَمِ يَوْمَئِذٍ لَهُ ولَمْ تُجَمْجَمِ
؎أعْطى عَطايا أخْجَلَتْ دَلْحَ الدِّيَمْ ∗∗∗ إذْ مَلَأتْ رَحْبَ الغَضا مِنَ النَّعَمْ
؎زُهاءَ ألْفَيْ ناقَةٍ مِنها وما ∗∗∗ مَلَأ بَيْنَ جَبَلَيْنِ غَنَما
؎لِرَجُلٍ وبَلِهٍ ما لِحَلْقِهِ ∗∗∗ مِنها ومِن رَقِيقِهِ ووَرْقِهِ
إلَخْ. . .
قالُوا: لَوْ كانَ يَجِبُ قَسْمُ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ عَلى الجَيْشِ الَّذِي غَنِمَها، لَما أعْطى ﷺ ألْفَيْ ناقَةٍ مِن غَنائِمِ هَوازِنَ لِغَيْرِ الغُزاةِ، ولَما أعْطى ما مَلَأ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنَ الغَنَمِ لِصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ أعْطى الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ التَّمِيمِيَّ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وكَذَلِكَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ، حَتّى غارَ مِن ذَلِكَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ السُّلَمِيُّ، وقالَ في ذَلِكَ شِعْرَهُ المَشْهُورَ: [ المُتَقارِبُ ]
؎أتَجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيدِ ∗∗∗ بَيْنَ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ
؎فَما كانَ حِصْنٌ ولا حابِسٌ ∗∗∗ يَفُوقانِ مِرْداسَ في مَجْمَعِ
؎وَما كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنهُما ∗∗∗ ومَن تَضَعِ اليَوْمَ لا يُرْفَعِ
؎وَقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَإٍ ∗∗∗ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ
؎إلّا أباعِيرَ أُعْطِيتُها ∗∗∗ عَدِيدَ قَوائِمِهِ الأرْبَعِ
؎وَكانَتْ نِهابًا تَلافَيْتُها ∗∗∗ بِكَرِّي عَلى المُهْرِ في الأجْرَعِ
؎وَإيقاظِيَ القَوْمَ إنْ يَرْقُدُوا ∗∗∗ إذا هَجَعَ النّاسُ لَمْ أهْجَعِ
قالُوا: فَلَوْ كانَ قَسْمُ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ عَلى الجَيْشِ الغانِمِينَ واجِبًا، لَما فُضِّلَ الأقْرَعُ وعُيَيْنَةُ في العَطاءِ مِنَ الغَنِيمَةِ عَلى العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ في أوَّلِ الأمْرِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ شِعْرَهُ المَذْكُورَ، وأُجِيبَ مِن جِهَةِ الجُمْهُورِ عَنْ هَذِهِ الِاحْتِجاجاتِ: فالجَوابُ عَنْ آيَةِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٤١]، ونَسَبَهُ القُرْطُبِيُّ لِجُمْهُورِ العُلَماءِ، والجَوابُ عَمّا وقَعَ في فَتْحِ مَكَّةَ مِن أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ زَعَمُوا أنَّ مَكَّةَ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً، ولَكِنَّ أهْلَها أخَذُوا الأمانَ مِنهُ ﷺ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
واسْتَدَلَّ قائِلُوا هَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ»، وهو (p-٥٨)ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، وهَذا الخِلافُ في مَكَّةَ هَلْ أخَذَها النَّبِيُّ ﷺ عَنْوَةً ؟ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أوْ أخَذَ لَها الأمانَ؛ والأمانُ شِبْهُ الصُّلْحِ، عَقَدَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في مَغازِيهِ بِقَوْلِهِ: في غَزْوَةِ الفَتْحِ يَعْنِي مَكَّةَ: [ الرَّجَزُ ]
واخْتَلَفُوا فِيها فَقِيلَ أمِنَتْ وقِيلَ عَنْوَةً وكَرْهًا أُخِذَتْ والحَقُّ أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً كَما سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومِن أظْهَرِ الأجْوِبَةِ عَمّا وقَعَ في فَتْحِ مَكَّةَ، أنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ كَغَيْرِها مِنَ البِلادِ؛ لِأنَّها حَرامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ مِن يَوْمِ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّما أُحِلَّتْ لَهُ ﷺ ساعَةً مِن نَهارٍ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، وما كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ، فَلَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ البِلادِ الَّتِي لَيْسَتْ لَها هَذِهِ الحُرْمَةُ العَظِيمَةُ.
وَأمّا ما وقَعَ في قِصَّةِ حُنَيْنٍ فالجَوابُ عَنْهُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَطابَ نُفُوسَ الغُزاةِ عَنِ الغَنِيمَةِ؛ لِيُؤَلِّفَ بِها قُلُوبَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِ المَصْلَحَةِ العامَّةِ لِلْإسْلامِ والمُسْلِمِينَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ ﷺ لَمّا سَمِعَ أنَّ بَعْضَ الأنْصارِ قالَ: يَمْنَعُنا ويُعْطِي قُرَيْشًا، وسُيُوفُنا تَقْطُرُ مِن دِمائِهِمْ، جَمَعَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وكَلَّمَهم كَلامَهُ المَشْهُورَ البالِغَ في الحُسْنِ، ومِن جُمْلَتِهِ أنَّهُ قالَ لَهم: «ألا تَرْضَوْنَ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ أنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاءِ والبَعِيرِ وتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى رِحالِكم»، إلى آخِرِ كَلامِهِ، فَرَضِيَ القَوْمُ، وطابَتْ نُفُوسُهم، وقالُوا: رَضِينا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِسْمًا وحَظًّا، وهَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، ونَوَّهَ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في مَغازِيهِ بِحُسْنِ هَذا الكَلامِ الَّذِي خاطَبَهم بِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَوَكَّلَ الأنْصارَ خَيْرَ العالَمِينَ ∗∗∗ لِدِينِهِمْ إذْ ألَّفَ المُؤَلَّفِينَ
؎فَوَجَدُوا عَلَيْهِ أنْ مَنَعَهم ∗∗∗ فَأرْسَلَ النَّبِيُّ مَن جَمَعَهُمْ
؎وَقالَ قَوْلًا كالفَرِيدِ المُؤْنَقِ ∗∗∗ عَنْ نَظْمِهِ ضَعُفَ سِلْكُ مَنطِقِي
فالحاصِلُ أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ الَّتِي أوْجَفَ الجَيْشُ عَلَيْها الخَيْلَ والرِّكابَ لِلْغُزاةِ الغانِمِينَ عَلى التَّحْقِيقِ، الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَقَدْ عَلِمْتَ الجَوابَ عَنْ حُجَجِ المُخالِفِينَ في ذَلِكَ؛ ومِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ: لا يَجُوزُ لِلْإمامِ أنْ يُنْفِّلَ أحَدًا شَيْئًا مِن هَذِهِ الأخْماسِ الأرْبَعَةِ؛ لِأنَّها مِلْكٌ لِلْغانِمِينَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.
(p-٥٩)وَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ لِلْإمامِ أنْ يُنْفِّلَ مِنها بَعْضَ الشَّيْءِ بِاجْتِهادِهِ، وهو أظْهَرُ دَلِيلًا، وسَيَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هي تَحْقِيقُ المَقامِ في مَصارِفِ الخُمُسِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ القِسْمَةِ؛ فَظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُجْعَلُ سِتَّةَ أنْصِباءَ: نُصِيبٍ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا، ونَصِيبٍ لِلرَّسُولِ ﷺ، ونَصِيبٍ لِذِي القُرْبى، ونَصِيبٍ لِلْيَتامى، ونَصِيبٍ لِلْمَساكِينِ، ونَصِيبٍ لِابْنِ السَّبِيلِ.
وَبِهَذا قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: قالَ أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ، قالَ: " «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْتى بِالغَنِيمَةِ فَيُخَمِّسُها عَلى خَمْسَةٍ تَكُونُ أرْبَعَةُ أخْماسٍ مِنها لِمَن شَهِدَها، ثُمَّ يُؤْخَذُ الخُمُسُ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فِيهِ، فَيَأْخُذُ الَّذِي قَبَضَ كَفَّهُ، فَيَجْعَلُهُ لِلْكَعْبَةِ وهو سَهْمُ اللَّهِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، فَيَكُونُ سَهْمٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وسَهْمٌ لِذِي القُرْبى، وسَهْمٌ لِلْيَتامى، وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ، وسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ» .
وَعَلى هَذا القَوْلِ فَنَصِيبُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا يُجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ، ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذا القَوْلِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
وَقالَ بَعْضُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ: إنَّ نَصِيبَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا يُرَدُّ عَلى ذَوِي الحاجَةِ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ نَصِيبَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، ونَصِيبَ الرَّسُولِ ﷺ واحِدٌ، وذِكْرُ اسْمِهِ جَلَّ وعَلا اسْتِفْتاحُ كَلامٍ لِلتَّعْظِيمِ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ عَبّاسٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الضَّحّاكُ. وهو قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، والحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، والشَّعْبِيِّ، وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وقَتادَةَ، ومُغِيرَةَ وغَيْرِ واحِدٍ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ.
والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ رَجُلٍ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو بِوادِي القُرى، وهو يَعْرِضُ فَرَسًا، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما تَقُولُ في الغَنِيمَةِ ؟ فَقالَ: ”لِلَّهِ خُمُسُها، وأرْبَعَةُ أخْماسِها لِلْجَيْشِ“، قُلْتُ: فَما أحَدٌ أوْلى بِهِ مِن أحَدٍ ؟ قالَ: ”لا ولا السَّهْمُ تَسْتَخْرِجُهُ مِن جَيْبِكَ لَسْتَ أحَقَّ بِهِ مِن أخِيكَ المُسْلِمِ»“، وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى ما ذَكَرْنا.
وَيُؤَيِّدُهُ أيْضًا ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الكِنْدِيِّ، أنَّهُ جَلَسَ مَعَ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وأبِي الدَّرْداءِ، والحارِثِ بْنِ مُعاوِيَةَ الكِنْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، فَتَذاكَرُوا (p-٦٠)حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ أبُو الدَّرْداءِ لِعُبادَةَ: يا عُبادَةُ: «يا عُبادَةُ كَلِماتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ كَذا وكَذا في شَأْنِ الأخْماسِ، فَقالَ عُبادَةُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمْ في غَزْوَةٍ إلى بَعِيرٍ مِنَ المَغْنَمِ؛ فَلَمّا سَلَّمَ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَتَناوَلَ وبَرَةً بَيْنَ أُنْمُلَتَيْهِ، فَقالَ: ”إنَّ هَذِي مِن غَنائِمِكم، وإنَّهُ لَيْسَ لِي فِيها إلّا نَصِيبِي مَعَكُمُ الخُمُسُ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم، فَأدُّوا الخَيْطَ والمَخِيطَ وأكْبَرَ مِن ذَلِكَ وأصْغَرَ، ولا تَغُلُّوا فَإنَّ الغُلُولَ عارٌ ونارٌ عَلى أصْحابِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجاهِدُوا النّاسَ في اللَّهِ القَرِيبَ والبَعِيدَ، ولا تُبالُوا في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ في السَّفَرِ والحَضَرِ، وجاهِدُوا في اللَّهِ، فَإنَّ الجِهادَ بابٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ عَظِيمٌ يُنْجِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهَمِّ والغَمِّ»“ .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ أحْمَدَ هَذا عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَظِيمٌ، ولَمْ أرَهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ السِّتَّةِ مِن هَذا الوَجْهِ، ولَكِنْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَهُ في قِصَّةِ الخُمُسِ، والنَّهْيِ عَنِ الغُلُولِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِهِمْ إلى بَعِيرٍ مِنَ المَغْنَمِ، فَلَمّا سَلَّمَ أخَذَ وبَرَةً مِن هَذا البَعِيرِ، ثُمَّ قالَ: ”وَلا يَحِلُّ لِي مِن غَنائِمِكم مِثْلُ هَذِهِ إلّا الخُمُسُ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم»“ رَواهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ.
فَإذا عَرَفْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الخُمُسَ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ، يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أسْهُمٍ؛ لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ ذُكِرَ لِلتَّعْظِيمِ وافْتِتاحِ الكَلامِ بِهِ، مَعَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَمْلُوكٌ لَهُ جَلَّ وعَلا، فاعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَصْرِفُ نَصِيبَهُ، الَّذِي هو خُمُسُ الخُمُسِ، في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في الأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا: «والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم»، وهو الحَقُّ.
وَيَدُلُّ لَهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ: مِن أنَّهُ كانَ يَأْخُذُ قُوتَ سَنَتِهِ مِن فَيْءِ بَنِيَ النَّضِيرِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَأمّا بَعْدَ وفاتِهِ، وانْتِقالِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ يَقُولُ بِسُقُوطِ نَصِيبِهِ بِوَفاتِهِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَزادَ أبُو حَنِيفَةَ سُقُوطَ سَهْمِ ذَوِي القُرْبى أيْضًا بِوَفاتِهِ ﷺ .
والصَّحِيحُ أنَّ نَصِيبَهُ ﷺ باقٍ، وأنَّ إمامَ المُسْلِمِينَ يَصْرِفُهُ فِيما كانَ يَصْرِفُهُ فِيهِ (p-٦١)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ يَكُونُ نَصِيبُهُ ﷺ لِمَن يَلِي الأمْرَ بَعْدَهُ، ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ، وعَلِيٍّ، وقَتادَةَ، وجَماعَةٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وجاءَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ راجِعٌ في المَعْنى إلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ الصَّحِيحُ، وأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ لِمَن يَلِي الأمْرَ بَعْدَهُ، أنَّهُ يَصْرِفُهُ فِيما كانَ يَصْرِفُهُ فِيهِ ﷺ، والنَّبِيُّ قالَ: «الخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم» وهو واضِحٌ كَما تَرى.
وَلا يَخْفى أنَّ كُلَّ الأقْوالِ في نَصِيبِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وفاتِهِ راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ وهو صَرْفُهُ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ.
وَقَدْ كانَ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يَصْرِفُونَهُ فِيما كانَ يَصْرِفُهُ فِيهِ ﷺ .
وَكانَ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَصْرِفانِهِ في الكُراعِ والسِّلاحِ.
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ نَصِيبَ ذَوِي القُرْبى باقٍ، ولَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ ﷺ .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ:
الأُولى: هَلْ يَسْقُطُ بِوَفاتِهِ أوْ لا ؟
وَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ السُّقُوطِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.
الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِذِي القُرْبى.
الثّالِثَةُ: هَلْ يُفَضَّلُ ذَكَرُهم عَلى أُنْثاهم أوْ لا ؟
أمّا ذَوُو القُرْبى: فَهم بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ؛ عَلى أظْهَرِ الأقْوالِ دَلِيلًا، وإلَيْهِ ذَهَبُ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وأبُو ثَوْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُسْلِمُ بْنُ خالِدٍ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، في كِتابِ ”فَرْضِ الخُمُسِ“ .
حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قالَ: «مَشَيْتُ أنا وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ أعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ وتَرَكْتَنا، ونَحْنُ وهَمَ مِنكَ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، فَقالَ (p-٦٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّما بَنُو المُطَّلِبِ، وبَنُو هاشِمٍ شَيْءٌ واحِدٌ»“ .
قالَ اللَّيْثَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ وزادَ قالَ جُبَيْرٌ: ولَمْ يُقَسِّمِ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، ولا لِبَنِي نَوْفَلٍ. اهـ.
وَقالَ البُخارِيُّ أيْضًا في المَغازِي: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أخْبَرَهُ، قالَ: «مَشَيْتُ أنا وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلْنا: أعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ مِن خُمُسِ خَيْبَرَ، وتَرَكْتَنا، ونَحْنُ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ مِنكَ، فَقالَ: ”إنَّما بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ واحِدٌ“، قالَ جُبَيْرٌ: لَمْ يُقَسِّمِ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا» اهـ.
وَإيضاحُ كَوْنِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ: أنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وعُثْمانَ بْنَ عَفّانَ بْنِ أبِي العاصِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ.
فَأوْلادُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ قُصَيٍّ أرْبَعَةٌ:
هاشِمٌ، والمُطَّلِبُ، وعَبْدُ شَمْسٍ.
وَهم: أشِقّاءُ أُمِّهِمْ: عاتِكَةَ، بِنْتِ مُرَّةَ بْنِ هِلالٍ السُّلَمِيَّةَ، إحْدى عَواتِكِ سُلَيْمٍ؛ اللّاتِي هُنَّ جَدّاتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهُنَّ ثَلاثٌ:
هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنا.
والثّانِيَةُ: عَمَّتُها؛ وهي: عاتِكَةُ بِنْتُ هِلالٍ الَّتِي هي أُمُّ عَبْدِ مَنافٍ.
والثّالِثَةُ: بِنْتُ أخِي الأُولى؛ وهي عاتِكَةُ بِنْتُ الأوْقَصِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هِلالٍ، وهي أُمُّ وهْبٍ، والِدِ آمِنَةَ، أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ .
وَرابِعُ أوْلادِ عَبْدِ مَنافٍ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وأُمُّهُ: واقِدَةُ بِنْتُ أبِي عَدِيٍّ، واسْمُهُ نَوْفَلُ بْنُ عُبادَةَ بْنِ مازِنِ بْنِ صَعْصَعَةَ.
قالَ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ عَمُودِ النَّسَبِ: [ الرَّجَزُ ]
؎عَبْدُ مَنافٍ قَمَرُ البَطْحاءِ ∗∗∗ أرْبَعَةٌ بَنُوهُ هَؤُلاءِ ∗∗∗ مُطَّلِبٌ، وهاشِمٌ، ونَوْفَلُ ∗∗∗ وَعَبْدُ شَمْسٍ، هاشِمٌ لا يُجْهَلُ
وَقالَ في بَيانِ عَواتِكِ سُلَيْمٍ اللّاتِي هُنَّ جَدّاتٌ لَهُ ﷺ: [ الرَّجَزُ ]
؎عَواتِكُ النَّبِيِّ: أُمُّ وهْبِ ∗∗∗ وَأُمُّ هاشِمٍ، وأُمُّ النَّدْبِ ∗∗∗ عَبْدِ مَنافٍ، وذِهِ الأخِيرِهْ ∗∗∗ عَمَّةُ عَمَّةِ الأُولى الصَّغِيرَهْ(p-٦٣)
؎وَهُنَّ بِالتَّرْتِيبِ ذا لِذِي الرِّجالِ ∗∗∗ الأوْقَصِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هِلالِ
فَبِهَذا الَّذِي بَيَّنّا يَتَّضِحُ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ المُرادَ بِذِي القُرْبى في الآيَةِ: بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وبَنِي نَوْفَلٍ.
وَوَجْهُهُ أنَّ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وبَنِي نَوْفَلٍ عادَوُا الهاشِمِيِّينَ، وظاهَرُوا عَلَيْهِمْ قُرَيْشًا، فَصارُوا كالأباعِدِ مِنهم؛ لِلْعَداوَةِ، وعَدَمِ النُّصْرَةِ.
وَلِذا قالَ فِيهِمْ أبُو طالِبٍ؛ في لامِيَّتِهِ المَشْهُورَةِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎جَزى اللَّهُ عَنّا عَبَدَ شَمْسٍ، ونَوْفَلًا ∗∗∗ عُقُوبَةَ شَرٍّ، عاجِلٍ، غَيْرِ آجِلِ ∗∗∗ بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِيسُ شَعِيرَةً ∗∗∗ لَهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ، غَيْرُ عائِلِ ∗∗∗ لَقَدْ سَفِهَتْ أحْلامُ قَوْمٍ تَبَدَّلُوا ∗∗∗ بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنا، والغَياطِلِ ∗∗∗ وَنَحْنُ الصَّمِيمُ مِن ذُؤابَةِ هاشِمٍ ∗∗∗ وَآلِ قُصَيٍّ في الخُطُوبِ الأوائِلِ
بِهَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرْنا: يَتَّضِحُ عَدَمُ صِحَّةِ قَوْلِ مَن قالَ: بِأنَّهم بَنُو هاشِمٍ فَقَطْ، وقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهم قُرَيْشٌ كُلُّهم.
وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّهم بَنُو هاشِمٍ فَقَطْ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وزَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والأوْزاعِيُّ، وغَيْرُهم.
وَقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نَجْدَةَ الحَرُورِيَّ كَتَبَ إلَيْهِ: يَسْألُهُ عَنْ ذَوِي القُرْبى الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنّا كُنّا نَرى أنّا هم، فَأبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا، وقالُوا: قُرَيْشٌ كُلُّها ذَوُو قُرْبى.
وَزِيادَةُ قَوْلِهِ: وقالُوا: ”قُرَيْشٌ كُلُّها“ تَفَرَّدَ بِها أبُو مَعْشَرٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ.
وَما قَدَّمْنا مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وفِعْلِهِ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ: يُعَيِّنُ أنَّهم بَنُو هاشِمٍ، والمُطَّلِبِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
فَإذا عَرَفْتَ أنَّهُ ﷺ قَضى بِخُمُسِ الخُمُسِ مِن غَنائِمِ خَيْبَرَ لِبَنِي هاشِمٍ والمُطَّلِبِ، وأنَّهم هم ذَوُو القُرْبى المَذْكُورُونَ في الآيَةِ.
فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُفَضَّلُ ذَكَرُهم عَلى أُنْثاهم، أوْ يُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ ؟
فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ كالمِيراثِ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ؛ وهَذا هو مَذْهَبُ (p-٦٤)أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ.
قالَ صاحِبُ ”الإنْصافِ“: هَذا المَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ الخِرَقِيُّ، وصاحِبُ ”الهِدايَةِ“، و ”المُذْهَبِ“، و ”مَسْبُوكِ الذَّهَبِ“، و ”العُمْدَةِ“، و ”الوَجِيزِ“، وغَيْرِهِمْ؛ وقَدَّمَهُ في ”الرِّعايَتَيْنِ“، و ”الحاوِيَيْنِ“، وغَيْرِهِمْ، وصَحَّحَهُ في ”البُلْغَةِ“، و ”النَّظْمِ“، وغَيْرِهِما.
وَعَنْهُ: الذَّكَرُ والأُنْثى؛ سَواءٌ. قَدَّمَهُ ابْنُ رُزَيْنٍ في شَرْحِهِ؛ وأطْلَقَهُما في ”المُغْنِي“، و ”الشَّرْحِ“، و ”المُحَرَّرِ“، و ”الفُرُوعِ“، اهـ مِن ”الإنْصافِ“ .
وَتَفْضِيلُ ذَكَرِهِمْ عَلى أُنْثاهُمُ الَّذِي هو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ: هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أيْضًا.
وَحُجَّةُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ: أنَّهُ سَهْمٌ اسْتُحِقَّ بِقَرابَةِ الأبِ شَرْعًا؛ بِدَلِيلِ أنَّ أوْلادَ عَمّاتِهِ ﷺ، كالزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ لَمْ يَقْسِمْ لَهم في خُمُسِ الخُمُسِ، وكَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا بِقَرابَةِ الأبِ خاصَّةً يَجْعَلُهُ كالمِيراثِ؛ فَيُفَضَّلُ فِيهِ الذَّكَرُ عَلى الأُنْثى.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ذَكَرُهم وأُنْثاهم سَواءٌ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهِ المُزَنِيُّ: وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ أظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأنَّ تَفْضِيلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ دَلِيلٌ، ولَمْ يَنْقُلْ أحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ فَضَّلَ ذَكَرَهم عَلى أُنْثاهم في خُمُسِ الخُمُسِ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كالمِيراثِ: أنَّ الِابْنَ مِنهم يَأْخُذُ نَصِيبَهُ مَعَ وُجُودِ أبِيهِ، وجَدِّهِ اهـ.
وَصَغِيرُهم، وكَبِيرُهم سَواءٌ؛ وجُمْهُورُ العُلَماءِ القائِلِينَ بِنَصِيبِ القَرابَةِ عَلى أنَّهُ يُقَسَّمُ عَلى جَمِيعِهِمْ؛ ولَمْ يُتْرَكْ مِنهم أحَدٌ خِلافًا لِقَوْمٍ.
والظّاهِرُ شُمُولُ غَنِيِّهِمْ، خِلافًا لِمَن خَصَّصَ بِهِ فُقَراءَهم؛ لِأنَّهُ ﷺ لَمْ يُخَصِّصْ بِهِ فُقَراءَهم، بِخِلافِ نَصِيبِ اليَتامى، والمَساكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ.
فالظّاهِرُ أنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ فُقَراؤُهم، ولا شَيْءَ لِأغْنِيائِهِمْ، فَقَدْ بانَ لَكَ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ رَحِمَهُما اللَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّ سَهْمَ اللَّهِ، وسَهْمَ رَسُولِهِ ﷺ واحِدٌ؛ وأنَّهُ بَعْدَ وفاتِهِ يُصْرَفُ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ؛ وأنَّ سَهْمَ القَرابَةِ لِبَنِي (p-٦٥)هاشِمٍ، وبَنِي المُطَّلِبِ؛ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وأنَّهُ لِجَمِيعِهِمْ: غَنِيِّهِمْ وفَقِيرِهِمْ، قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا، وأنَّ لِلذَّكَرِ مِنهم مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وأنَّ الأنْصِباءَ الثَّلاثَةَ الباقِيَةَ لِخُصُوصِ الفُقَراءِ مِنَ اليَتامى، والمَساكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ.
وَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ: سُقُوطُ سَهْمِ الرَّسُولِ ﷺ، وسَهْمِ قَرابَتِهِ بِمَوْتِهِ، وأنَّ الخُمُسَ يُقَسَّمُ عَلى الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ: الَّتِي هي اليَتامى، والمَساكِينُ، وابْنُ السَّبِيلِ.
قالَ: ويَبْدَأُ مِنَ الخُمُسِ بِإصْلاحِ القَناطِرِ، وبِناءِ المَساجِدِ، وأرْزاقِ القُضاةِ، والجُنْدِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ الشّافِعِيِّ أيْضًا.
وَمَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ أمْرَ خُمُسِ الغَنِيمَةِ مَوْكُولٌ إلى نَظَرِ الإمامِ واجْتِهادِهِ؛ فِيما يَراهُ مَصْلَحَةً، فَيَأْخُذُ مِنهُ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، ويُعْطِي القَرابَةَ بِاجْتِهادِهِ، ويَصْرِفُ الباقِي في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: وبِقَوْلِ مالِكٍ هَذا: قالَ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، وبِهِ عَمِلُوا، وعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ ﷺ: «مالِي مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم إلّا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكم»، فَإنَّهُ لَمْ يُقَسِّمْهُ أخْماسًا، ولا أثْلاثًا، وإنَّما ذَكَرَ في الآيَةِ مَن ذَكَرَ عَلى وجْهِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مِن أهَمِّ مَن يُدْفَعُ إلَيْهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مُحْتَجًّا لِمالِكٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] .
وَلِلرَّجُلِ جائِزٌ بِإجْماعِ العُلَماءِ أنَّ يُنْفِقَ في غَيْرِ هَذِهِ الأصْنافِ، إذا رَأى ذَلِكَ، وذَكَرَ النَّسائِيُّ عَنْ عَطاءٍ، قالَ: «خُمُسُ اللَّهِ، وخُمُسُ رَسُولِهِ واحِدٌ، كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُ مِنهُ، ويُعْطِي مِنهُ، ويَضَعُهُ حَيْثُ شاءَ» اهـ مِنَ القُرْطُبِيِّ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما نَصُّهُ: " وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الخُمُسَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ الإمامُ بِالمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، كَما يَتَصَرَّفُ في مالِ الفَيْءِ.
وَقالَ شَيْخُنا العَلّامَةُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: رَحِمَهُ اللَّهُ وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، وأكْثَرُ السَّلَفِ، وهو أصَحُّ الأقْوالِ اهـ مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وَهَذا القَوْلُ هو رَأْيُ البُخارِيِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾، يَعْنِي لِلرَّسُولِ قَسْمُ ذَلِكَ.
(p-٦٦)وَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّما أنا قاسِمٌ، وخازِنٌ، واللَّهُ يُعْطِي»، ثُمَّ ساقَ البُخارِيُّ أحادِيثَ البابِ، في كَوْنِهِ ﷺ قاسِمًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ قَوِيٌّ، وسَتَأْتِي لَهُ أدِلَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ في المَسْألَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذا، ولَكِنَّ أقْرَبَ الأقْوالِ لِلسَّلامَةِ هو العَمَلُ بِظاهِرِ الآيَةِ، كَما قالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ رَحِمَهُما اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ خُمُسَ ما غَنِمْنا لِهَذِهِ المَصارِفِ المَذْكُورَةِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾، وهو واضِحٌ جِدًّا، كَما تَرى.
وَأمّا قَوْلُ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بِأنَّ الخُمُسَ كُلَّهُ لَهم دُونَ غَيْرِهِمْ، وأنَّ المُرادَ بِاليَتامى، والمَساكِينِ: يَتاماهم، ومَساكِينُهم، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، يَكُونُ لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ الَّذِي يُوَلِّيهِ المُسْلِمُونَ، فَلا يَخْفى ضَعْفُهُما، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الذَّهَبَ، والفِضَّةَ، وسائِرَ الأمْتِعَةِ؛ كُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في حُكْمِ الآيَةِ: يُخَمَّسُ، ويُقْسَّمُ الباقِي عَلى الغانِمِينَ، كَما ذَكَرْنا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا أرْضُهُمُ المَأْخُوذَةُ عَنْوَةً، فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيها، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يُخَيَّرُ الإمامُ بَيْنَ قِسْمَتِها، كَما يُفْعَلُ بِالذَّهَبِ، والفِضَّةِ، ولا خَراجَ عَلَيْها، بَلْ هي أرْضُ عُشْرٍ مَمْلُوكَةٌ لِلْغانِمِينَ، وبَيْنَ وقْفِها لِلْمُسْلِمِينَ بِصِيغَةٍ.
وَقِيلَ: بِغَيْرِ صِيغَةٍ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ تَرْكُها لِلْمُسْلِمِينَ بِخَراجٍ مُسْتَمِرٍّ يُؤْخَذُ مِمَّنْ تَقَرُّ بِيَدِهِ، وهَذا التَّخْيِيرُ هو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ: إذا قَسَّمَها الإمامُ، فَقِيلَ: تُخَمَّسُ، وهو أظْهَرُ، وقِيلَ: لا، واخْتارَهُ بَعْضُ أجِلّاءِ العُلَماءِ قائِلًا: إنَّ أرْضَ خَيْبَرَ لَمْ يُخَمَّسْ ما قُسِّمَ مِنها.
والظّاهِرُ أنَّ أرْضَ خَيْبَرَ خُمِّسَتْ، كَما جَزَمَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ، ورَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَهَذا التَّخْيِيرُ بَيْنَ القَسْمِ، وإبْقائِها لِلْمُسْلِمِينَ، الَّذِي ذَكَرْنا أنَّهُ مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ - هو أيْضًا مَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيِّ.
وَأمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَذَهَبَ إلى أنَّها تَصِيرُ وقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ، بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْها.
وَأمّا الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَذَهَبَ إلى أنَّها غَنِيمَةٌ يَجِبُ قَسْمُها عَلى المُجاهِدِينَ، بَعْدَ (p-٦٧)إخْراجِ الخُمُسِ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ حُجَجَ الجَمِيعِ، وما يَظْهَرُ لَنا رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ.
أمّا حُجَّةُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهي بِكِتابٍ وسُنَّةٍ.
أمّا الكِتابُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، فَهو يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ شُمُولَ الأرْضِ المَغْنُومَةِ.
وَأمّا السُّنَّةُ: فَما ثَبَتَ أنَّهُ ﷺ، قَسَّمَ أرْضَ قُرَيْظَةَ، بَعْدَ أنْ خَمَّسَها، وبَنِي النَّضِيرِ، ونَصَّفَ أرْضَ خَيْبَرَ بَيْنَ الغانِمِينَ.
قالَ: فَلَوْ جازَ أنْ يَدَّعِيَ إخْراجَ الأرْضِ، جازَ أنْ يَدَّعِيَ إخْراجَ غَيْرِها، فَيَبْطُلُ حُكْمُ الآيَةِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ، الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ: ظاهِرٌ، وبِالسُّنَّةِ غَيْرُ ظاهِرٍ؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ عَلى مَن يَقُولُ بِالتَّخْيِيرِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: كانَ مُخَيَّرًا فاخْتارَ القَسْمَ، فَلَيْسَ القَسْمُ واجِبًا، وهو واضِحٌ كَما تَرى.
وَحُجَّةُ مَن قالَ بِالتَّخْيِيرِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَسَمَ نِصْفَ أرْضِ خَيْبَرَ، وتَرَكَ نِصْفَها، وقَسَمَ أرْضَ قُرَيْظَةَ، وتَرَكَ قَسْمَ مَكَّةَ، فَدَلَّ قَسَمُهُ تارَةً، وتَرْكُهُ القَسْمَ أُخْرى، عَلى التَّخْيِيرِ.
فَفِي ”السُّنَنِ“ و ”المُسْتَدْرَكِ“: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمّا ظَهَرَ عَلى خَيْبَرَ قَسَمَها عَلى سِتَّةٍ وثَلاثِينَ سَهْمًا، جَمْعُ كُلِّ سَهْمٍ مِائَةُ سَهْمٍ، فَكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِن ذَلِكَ، وعَزَلَ النِّصْفَ الباقِيَ لِمَن يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الوُفُودِ، والأُمُورِ، ونَوائِبِ النّاسِ»، هَذا لَفْظُ أبِي داوُدَ.
وَفِي لَفْظٍ: «عَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وهو الشَّطْرُ لِنَوائِبِهِ، وما يَنْزِلُ بِهِ مِن أمْرِ المُسْلِمِينَ، فَكانَ ذَلِكَ: الوَطِيحَ، والكُتَيْبَةَ، والسُّلالِمَ، وتَوابِعَها» .
وَفِي لَفْظٍ أيْضًا: «عَزَلَ نِصْفَها لِنَوائِبِهِ، وما يَنْزِلُ بِهِ؛ الوَطِيحَةَ، والكُتَيْبَةَ، وما أُحِيزَ مَعَهُما، وعَزَلَ النِّصْفَ الآخَرَ: فَقَسَّمَهُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، الشَّقَّ، والنَّطاةَ، وما أُحِيزَ مَعَهُما، وكانَ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما أُحِيزَ مَعَهُما» .
وَرَدَّ المُخالِفُ هَذا الِاحْتِجاجَ، بِأنَّ النِّصْفَ المَقْسُومَ مِن خَيْبَرَ: مَأْخُوذٌ عَنْوَةً، والنِّصْفَ الَّذِي لَمْ يُقَسَّمْ مِنها: مَأْخُوذٌ صُلْحًا، وجَزَمَ بِهَذا ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِيِّ“ .
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِ أنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وأصَبْناها (p-٦٨)عَنْوَةً، ما نَصُّهُ قالَ القاضِي: قالَ المازِرِيُّ: ظاهِرُ هَذا أنَّها كُلَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً، وقَدْ رَوى مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، أنَّ بَعْضَها فُتِحَ عَنْوَةً، وبَعْضُها صُلْحًا، قالَ: وقَدْ يَشْكُلُ ما رُوِيَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ، أنَّهُ قَسَمَها نِصْفَيْنِ: نِصْفًا لِنَوائِبِهِ، وحاجَتِهِ، ونِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ، قالَ: وجَوابُهُ، ما قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ كانَ حَوْلَها ضِياعٌ وقُرًى أُجْلِيَ عَنْها أهْلُها، فَكانَتْ خالِصَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وما سِواها لِلْغانِمِينَ، فَكانَ قَدْرُ الَّذِي جَلَوْا عَنْهُ النِّصْفَ، فَلِهَذا قُسِمَ نِصْفَيْنِ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ العِجْلِيُّ، ثَنا يَحْيى - يَعْنِي ابْنَ آدَمَ - ثَنا ابْنُ أبِي زائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وبَعْضِ ولَدِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، قالُوا: «بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِن أهْلِ خَيْبَرَ تَحَصَّنُوا، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أنْ يَحْقِنَ دِماءَهم، ويُسَيِّرَهم، فَفَعَلَ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ أهْلُ فَدَكَ، فَنَزَلُوا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً؛ لِأنَّها لَمْ يُوجَفْ عَلَيْها بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ» .
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ فارِسٍ، ثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ أخْبَرَهُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، افْتَتَحَ بَعْضَ خَيْبَرَ عَنْوَةً» .
قالَ أبُو داوُدَ: وقُرِئَ عَلى الحارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، وأنا شاهِدٌ، أخْبَرَهُمُ ابْنُ وهْبٍ، قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ: أنَّ خَيْبَرَ كانَ بَعْضُها عَنْوَةً، وبَعْضُها صُلْحًا، والكُتَيْبَةُ أكْثَرُها عَنْوَةً، وفِيها صُلْحٌ؛ قُلْتُ لِمالِكٍ: وما الكُتَيْبَةُ ؟ قالَ: أرْضُ خَيْبَرَ، وهي أرْبَعُونَ ألْفَ عَذْقٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا: يَقْدَحُ في الِاحْتِجاجِ لِتَخْيِيرِ الإمامِ في القَسْمِ، والوَقْفِيَّةُ بِقَضِيَّةِ خَيْبَرَ كَما تَرى وحُجَّةُ قَوْلِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن وافَقَهُ في أنَّ أرْضَ العَدُوِّ المَفْتُوحَةَ عَنْوَةً تَكُونُ وقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ، بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْها - أُمُورٌ:
مِنها: قَوْلُهُ ﷺ الثّابِتُ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مُنِعَتِ العِراقُ دِرْهَمَها وقَفِيزَها، ومُنِعَتِ الشّامُ مُدْيَها ودِينارَها، ومُنِعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّها ودِينارَها، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وعُدْتُمْ مِن حَيْثُ بَدَأْتُمْ، شَهِدَ عَلى ذَلِكَ، لَحْمُ أبِي هُرَيْرَةَ ودَمُهُ» .
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عِنْدَهم بِالحَدِيثِ: أنَّ: ”مُنِعَتِ العِراقُ. . . إلَخْ“ بِمَعْنى (p-٦٩)سَتُمْنَعُ؛ وعَبَّرَ بِالماضِي إيذانًا بِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٩٩] و [يس: ٥١] و [الزمر:، ٦٨ ] [ ٥٠ \ ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١] .
قالُوا: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها لا تَكُونُ لِلْغانِمِينَ؛ لِأنَّ ما مَلَكَهُ الغانِمُونَ لا يَكُونُ فِيهِ قَفِيزٌ ولا دِرْهَمٌ، ولِحَدِيثِ مُسْلِمٍ هَذا شاهِدٌ مِن حَدِيثِ جابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أيْضًا، ومِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا عِنْدَ البُخارِيِّ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِيِّ“ في كِتابِ ”فَرْضِ الخُمُسِ“ ما نَصُّهُ: وذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ: أنَّ بَعْضَ المالِكِيَّةِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: ”مُنِعَتِ العِراقُ دِرْهَمَها“ الحَدِيثَ عَلى أنَّ الأرْضَ المَغْنُومَةَ: لا تُباعُ، ولا تُقَسَّمُ، وأنَّ المُرادَ بِالمَنعِ: مَنعُ الخَراجِ، ورَدُّهُ بِأنَّ الحَدِيثَ ورَدَ في الإنْذارِ بِما يَكُونُ مِن سُوءِ العاقِبَةِ، وأنَّ المُسْلِمِينَ سَيُمْنَعُونَ حُقُوقَهم في آخِرِ الأمْرِ، وكَذَلِكَ وقَعَ.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”لَوْلا آخِرُ المُسْلِمِينَ ما فُتِحَتْ قَرْيَةٌ إلّا قَسَمْتُها بَيْنَ أهْلِها، كَما قَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ“ .
وَفِي لَفْظٍ في الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ: ”أما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا أنْ أتْرُكَ آخِرَ النّاسِ بَبّانًا لَيْسَ لَهم شَيْءٌ ما فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إلّا قَسَمْتُها، كَما قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ، ولَكِنِّي أتْرُكُها خِزانَةً لَهم يَقْتَسِمُونَها“ .
واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ أيْضًا: بِأنَّ الأرْضَ المَغْنُومَةَ لَوْ كانَتْ تُقَسَّمُ، لَمْ يَبْقَ لِمَن جاءَ بَعْدَ الغانِمِينَ شَيْءٌ، واللَّهُ أثْبَتَ لِمَن جاءَ بَعْدَهم شَرِكَةً بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ الآيَةَ [الحشر: ١٠]، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ [الحشر: ٨]، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ [الحشر: ٩]، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾، مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: يَقُولُونَ، غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّ كُلَّ مَن يَأْتِي بَعْدَهم يَقُولُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا﴾ الآيَةَ.
والواقِعُ خِلافُهُ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم يَسُبُّونَ الصَّحابَةَ ويَلْعَنُونَهم، والحَقُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا﴾، مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وجُمْلَةَ يَقُولُونَ، حالٌ كَما تَقَدَّمَ في ”آلِ عِمْرانَ“، وهي قَيْدٌ لِعامِلِها وصْفٌ لِصاحِبِها.
(p-٧٠)قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ الأدِلَّةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها المالِكِيَّةُ، لا تَنْهَضُ فِيما يَظْهَرُ؛ لِأنَّ الأحادِيثَ المَذْكُورَةَ لا يَتَعَيَّنُ وجْهُ الدَّلالَةِ فِيها؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإمامُ مُخَيَّرًا، فاخْتارَ إبْقاءَها لِلْمُسْلِمِينَ، ولَمْ يَكُنْ واجِبًا في أوَّلِ الأمْرِ، كَما قَدَّمْنا.
والِاسْتِدْلالُ بِآيَةِ الحَشْرِ المَذْكُورَةِ واضِحُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّها في الفَيْءِ، والكَلامُ في الغَنِيمَةِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مَعْلُومٌ كَما قَدَّمْنا.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ عُمَرَ في الأثَرِ المارِّ آنِفًا، وبِهِ تَنْتَظِمُ الأدِلَّةُ، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَها تَعارُضٌ، والجَمْعُ واجِبٌ مَتى ما أمْكَنَ.
وَغايَةُ ما في البابِ: أنْ تَكُونَ السُّنَّةُ دَلَّتْ عَلى تَخْصِيصٍ واقِعٍ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ.
وَتَخْصِيصُ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ كَثِيرٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ القَوْلَ بِالتَّخْيِيرِ، ما نَصُّهُ: " قالَ شَيْخُنا أبُو العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وكَأنَّ هَذا جَمْعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، ووَسَطٌ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ، وهو الَّذِي فَهِمَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَطْعًا.
وَلِذَلِكَ قالَ: ”لَوْلا آخِرُ النّاسِ“، فَلَمْ يُخْبِرْ بِنَسْخِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ولا بِتَخْصِيصِهِ بِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: لا تَعارُضَ بَيْنَ الأدِلَّةِ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ ما وقَعَ فِيهِ القَسْمُ مِن خَيْبَرَ مَأْخُوذٌ عَنْوَةً، وما لَمْ يُقَسَّمْ مِنها مَأْخُوذٌ صُلْحًا، والنَّضِيرُ فَيْءٌ، وقُرَيْظَةُ قُسِّمَتْ.
وَلَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّها فَيْءٌ أيْضًا؛ لِنُزُولِهِمْ عَلى حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ، قَبْلَ أنْ يُحَكِّمَ فِيهِمْ سَعْدًا، لَكانَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ولَكِنْ يَرُدُّهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَمَّسَها، كَما قالَهُ مالِكٌ، وغَيْرُهُ.
وَمَكَّةُ مَأْخُوذَةٌ صُلْحًا؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ: «مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، ومَن ألْقى السِّلاحَ فَهو آمِنٌ، ومَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ» .
هَذا ثابِتٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
فالجَوابُ: أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، ولِذَلِكَ أدِلَّةٌ واضِحَةٌ.
مِنها: أنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أحَدٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صالَحَ أهْلَها زَمَنَ الفَتْحِ، ولا جاءَهُ أحَدٌ مِنهم فَصالَحَهُ عَلى البَلَدِ، وإنَّما جاءَهُ أبُو سُفْيانَ فَأعْطاهُ الأمانَ لِمَن دَخَلَ دارَهُ، أوْ أغْلَقَ بابَهُ، (p-٧١)أوْ دَخَلَ المَسْجِدَ، أوْ ألْقى سِلاحَهُ.
وَلَوْ كانَتْ قَدْ فُتِحَتْ صُلْحًا لَمْ يَقُلْ: «مَن دَخَلَ دارَهُ، أوْ أغْلَقَ بابَهُ، أوْ دَخَلَ المَسْجِدَ - فَهو آمِنٌ»، فَإنَّ الصُّلْحَ يَقْتَضِي الأمانَ العامَّ.
وَمِنها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْها رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وإنَّهُ أذِنَ لِي فِيها ساعَةً مِن نَهارٍ» .
وَفِي لَفْظِ: «إنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، ولا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» .
وَفِي لَفْظٍ: «فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِهِ، ولَمْ يَأْذَنْ لَكم، وإنَّما أذِنَ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ، وقَدْ عادَتْ حُرْمَتُها اليَوْمَ كَحُرْمَتِها بِالأمْسِ»، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّها فُتِحْتَ عَنْوَةً.
وَمِنها: أنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ، «أنَّهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ جَعَلَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ عَلى المُجَنِّبَةِ اليُمْنى، وجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلى المُجَنِّبَةِ اليُسْرى، وجَعَلَ أبا عُبَيْدَةَ عَلى الحُسَّرِ، فَأخَذُوا بَطْنَ الوادِي، ثُمَّ قالَ: ”يا أبا هُرَيْرَةَ اهْتِفْ لِي بِالأنْصارِ“، فَجاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقالَ: ”يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، هَلْ تَرَوْنَ إلى أوْباشِ قُرَيْشٍ ؟“ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ”انْظُرُوا إذا لَقِيتُوهم غَدًا أنْ تَحْصِدُوهم حَصْدًا“، وأخْفى بِيَدِهِ، ووَضَعَ يَمِينَهُ عَلى شِمالِهِ، وقالَ: ”مَوْعِدُكُمُ الصَّفا“، وجاءَتِ الأنْصارُ، فَأطافُوا بِالصَّفا، قالَ: فَما أشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهم أحَدٌ إلّا أنامُوهُ، وصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفا، وجاءَتِ الأنْصارُ، فَأطافُوا بِالصَّفا، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْراءُ قُرَيْشٍ، لا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، ومَن ألْقى السِّلاحَ فَهو آمِنٌ، ومَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ» .
أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وَذَكَرَ أهْلُ المَغازِي تَفْصِيلَ ما أُجْمِلَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ هَذا، فَبَيَّنُوا أنَّهُ قُتِلَ مِنَ الكُفّارِ اثْنا عَشَرَ، وقِيلَ: قُتِلَ مِن قُرَيْشٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، ومِن هُذَيْلٍ أرْبَعَةٌ، وقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ، وهم سَلَمَةُ بْنُ المُيَلاءِ الجُهَنِيُّ، وكُرْزُ بْنُ جابِرٍ المُحارِبِيُّ نِسْبَةً إلى مُحارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وخُنَيْسُ بْنُ خالِدٍ الخُزاعِيُّ، أخُو أُمِّ مَعْبَدٍ، وقالَ كُرْزٌ قَبْلَ أنْ يُقْتَلَ في دِفاعِهِ عَنْ خُنَيْسٍ: [ الرَّجَزُ ](p-٧٢)
؎قَدْ عَلِمَتْ بَيْضاءُ مِن بَنِي فِهْرِ ∗∗∗ نَقِيَّةُ اللَّوْنِ نَقِيَّةُ الصَّدْرِ ∗∗∗ لَأضْرِبَنَّ اليَوْمَ عَنْ أبِي صَخْرِ
وَفِيهِ نَقْلُ الحَرَكَةِ في الوَقْفِ، ورَجَزُ حَماسِ بْنِ قَيْسٍ المَشْهُورِ يَدُلُّ عَلى القِتالِ يَوْمَ الفَتْحِ، وذَكَرَهُ الشِّنْقِيطِيُّ في مَغازِيهِ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَزَعَمَ ابْنُ قَيْسٍ أنْ سَيَحْفِدا ∗∗∗ نِساءَهم خِلْتَهُ وأنْشَدا ∗∗∗ إنْ يُقْبِلُوا اليَوْمَ فَمالِيَ عِلَّهْ ∗∗∗ هَذا سِلاحٌ كامِلٌ وألَّهْ ∗∗∗ وَذُو غِرارَيْنِ سَرِيعُ السَّلَّهْ ∗∗∗ وَشَهِدَ المَأْزَقَ فِيهِ حُطَما ∗∗∗ مُرَبَّبٌ مِن قَوْمِهِ فانْهَزَما ∗∗∗ وَجاءَ فاسْتَغْلَقَ بابَها البَتُولْ ∗∗∗ فاسْتَفْهَمَتْهُ أيْنَما كُنْتَ تَقُولْ ∗∗∗ فَقالَ والفَزَعُ زَعْفَرَ دَمَهْ ∗∗∗ إنَّكَ لَوْ شَهِدْتَ يَوْمَ الخَنْدَمَهْ ∗∗∗ إذْ فَرَّ صَفْوانُ وفَرَّ عِكْرِمَهْ ∗∗∗ وَبُو يَزِيدَ قائِمٌ كالمُؤْتَمَهْ ∗∗∗ واسْتَقْبَلَتْنا بِالسُّيُوفِ المُسْلِمَهْ ∗∗∗ لَهم نَهِيتٌ خَلْفَنا وهَمْهَمَهْ ∗∗∗ يَقْطَعْنَ كُلَّ ساعِدٍ وجُمْجُمَهْ ∗∗∗ ضَرْبًا فَلا تَسْمَعُ إلّا غَمْغَمَهْ ∗∗∗ لَمْ تَنْطِقِي بِاللَّوْمِ أدْنى كَلِمَهْ
وَهَذا الرَّجَزُ صَرِيحٌ في وُقُوعِ القِتالِ والقَتْلِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، ومِصْداقُهُ في الصَّحِيحِ كَما تَقَدَّمَ.
وَمِنها أيْضًا: أنَّ أُمَّ هانِئٍ، بِنْتَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أجارَتْ رَجُلًا، فَأرادَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَتْلَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ أجَرْنا مَن أجَرْتِ يا أُمَّ هانِئٍ»، وفي لَفْظٍ عَنْها: «لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، أجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِن أحْمائِي، فَأدْخَلْتُهُما بَيْتًا، وأغْلَقْتُ عَلَيْهِما بابًا، فَجاءَ ابْنُ أُمِّي عَلَيَّ، فَتَفَلْتُ عَلَيْهِما بِالسَّيْفِ» فَذَكَرْتُ حَدِيثَ الأمانِ وقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «قَدْ أجَرْنا مَن أجَرْتِ يا أُمَّ هانِئٍ»، وذَلِكَ ضُحًى بِبَطْنِ مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وقِصَّتُها ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ.
فَإجارَتُها لَهُ، وإرادَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَتْلَهُ، وإمْضاءُ النَّبِيِّ ﷺ إجارَتَها - صَرِيحٌ في أنَّها فُتِحْتَ عَنْوَةً.
وَمِنها: أنَّهُ ﷺ، أمَرَ بِقَتْلِ مِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ، وابْنِ خَطَلٍ، وجارِيَتَيْنِ.
وَلَوْ كانَتْ فُتِحَتْ صُلْحًا، لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِ أحَدٍ مِن أهْلِها، ولَكانَ ذِكْرُ هَؤُلاءِ مُسْتَثْنًى مِن (p-٧٣)عَقْدِ الصُّلْحِ.
وَأمْرُهُ ﷺ بِقَتْلِ مَن ذَكَرَ، ثابِتٌ عَنْهُ ﷺ . \ ٥ وفي السُّنَنِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، قالَ: أمِّنُوا النّاسَ إلّا امْرَأتَيْنِ وأرْبَعَةَ نَفَرٍ؛ اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ»، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ.
فَهَذِهِ أدِلَّةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ مَكَّةَ - حَرَسَها اللَّهُ - فُتِحَتْ عَنْوَةً.
وَكَوْنُها فُتِحَتْ عَنْوَةً: يَقْدَحُ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ مِن وُجُوبِ قَسْمِ الأرْضِ المَغْنُومَةِ عَنْوَةً.
فالَّذِي يَتَّفِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الأدِلَّةِ، ولا يَكُونُ بَيْنَها أيُّ تَعارُضٍ: هو ما قَدَّمْنا مِنَ القَوْلِ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ قَسْمِ الأرْضِ، وإبْقائِها لِلْمُسْلِمِينَ، مَعَ ما قَدَّمْنا مِنَ الحُجَجِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَإذا عَرَفْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في رِباعِ مَكَّةَ: هَلْ يَجُوزُ تَمَلُّكُها، وبَيْعُها، وإيجارُها ؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَجُوزُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وإبْراهِيمُ، والحَسَنُ، وإسْحاقُ. وغَيْرُهم.
وَكَرِهَهُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَأجازَ جَمِيعَ ذَلِكَ الشّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ.
وَبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم.
وَتَوَسَّطَ الإمامُ أحْمَدُ، فَقالَ: تُمَلَّكُ، وتُوَرَّثُ، ولا تُؤَجَّرُ، ولا تُباعُ، عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ، جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ، والرِّوايَةُ الثّانِيَةِ كَمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ.
* *
وَهَذِهِ المَسْألَةُ: تَناظَرَ فِيها الإمامُ الشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مَسْجِدِ الخَيْفِ، والإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حاضِرٌ، فَأسْكَتَ الشّافِعِيُّ إسْحاقَ بِالأدِلَّةِ، بَعْدَ أنْ قالَ لَهُ: ما أحْوَجَنِي أنْ يَكُونَ غَيْرُكَ في مَوْضِعِكَ، فَكُنْتُ آمُرُ بِفَرْكِ أُذُنَيْهِ، أنا أقُولُ لَكَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأنْتَ تَقُولُ: قالَ طاوُسٌ، والحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، وهَلْ لِأحَدٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ ؟ في كَلامٍ طَوِيلٍ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ أدِلَّةَ الجَمِيعِ، وما يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ مِنها.
(p-٧٤)فَحُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن وافَقَهُ بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: حَدِيثُ أُسامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمّا سَألَهُ: «أيْنَ تَنْزِلُ غَدًا ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مِن رِباعٍ أوْ دُورٍ ؟»“، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ”مِن مَنزِلٍ“، وفي بَعْضِها ”مَنزِلًا“، أخْرَجَ هَذا الحَدِيثَ البُخارِيُّ في كِتابِ ”الحَجِّ“ في بابِ ”تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ، وشِرائِها“ إلَخْ، وفي كِتابِ ”المَغازِي“ في غَزْوَةِ الفَتْحِ في رَمَضانَ في بابِ: ”أيْنَ رَكَزَ النَّبِيُّ ﷺ الرّايَةَ يَوْمَ الفَتْحِ“، وفي كِتابِ ”الجِهادِ“ في بابِ: ”إذا أسْلَمَ قَوْمٌ في دارِ الحَرْبِ، ولَهم مالٌ وأرْضُونَ فَهي لَهم“، وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في كِتابِ ”الحَجِّ“ في بابِ: ”النُّزُولِ بِمَكَّةَ لِلْحاجِّ وتَوْرِيثِ دُورِها“، بِثَلاثِ رِواياتٍ هي مِثْلُ رِواياتِ البُخارِيِّ.
فَقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مِن رِباعٍ»، صَرِيحٌ في إمْضائِهِ ﷺ بَيْعَ عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تِلْكَ الرِّباعَ.
وَلَوْ كانَ بَيْعُها، وتَمَلُّكُها لا يَصِحُّ لَما أقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأنَّهُ لا يُقِرُّ عَلى باطِلٍ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى أضافَ لِلْمُهاجِرِينَ مِن مَكَّةَ دِيارَهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها مِلْكُهم في قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] .
قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَكُونُ الإضافَةُ لِلْيَدِ والسُّكْنى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
فالجَوابُ: أنَّ حَقِيقَةَ الإضافَةِ تَقْتَضِي المِلْكَ، ولِذَلِكَ لَوْ قالَ: هَذِهِ الدّارُ لِزَيْدٍ حَكَمَ بِمِلْكِها لِزَيْدٍ، ولَوْ قالَ: أرَدْتُ بِهِ السُّكْنى واليَدَ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَنَظِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ما احْتُجَّ بِهِ أيْضًا مِنَ الإضافَةِ في قَوْلِهِ: «مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ» الحَدِيثَ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ .
الثّالِثُ: الأثَرُ المَشْهُورُ في سُنَنِ البَيْهَقِيِّ وغَيْرِهِ: ”أنَّ نافِعَ بْنَ الحارِثِ، اشْتَرى مِن صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، دارَ السِّجْنِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِأرْبَعِمِائَةٍ“، وفي رِوايَةٍ: ”بِأرْبَعَةِ آلافٍ“، ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ.
وَرَوى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ والبَيْهَقِيُّ: أنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، باعَ دارَ النَّدْوَةِ بِمَكَّةَ مِن مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ بِمِائَةِ ألْفٍ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: يا أبا خالِدٍ بِعْتَ مَأْثَرَةَ (p-٧٥)قُرَيْشٍ وكَرِيمَتَها، فَقالَ: هَيْهاتَ ذَهَبَتِ المَكارِمُ فَلا مَكْرُمَةَ اليَوْمَ إلّا الإسْلامُ، فَقالَ: اشْهَدُوا أنَّها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى؛ يَعْنِي الدَّراهِمَ الَّتِي باعَها بِها.
وَعَقَدَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِهِ عَمُودِ النَّسَبِ بِقَوْلِهِ يَعْنِي قُصَيًّا: [ الرَّجَزُ ]
؎واتَّخَذَ النَّدْوَةَ لا يُخْتَرَعُ ∗∗∗ فِي غَيْرِها أمْرٌ ولا تُدَّرَعُ ∗∗∗ جارِيَةٌ أوْ يُعْذَرُ الغُلامُ ∗∗∗ إلّا بِأمْرِهِ بِها يُرامُ ∗∗∗ وَباعَها بَعْدُ حَكِيمُ بْنُ حِزامْ ∗∗∗ وَأنَّبُوهُ وتَصَدَّقَ الهُمامْ ∗∗∗ سَيِّدُ نادِيهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ ∗∗∗ إذِ العُلى بِالدِّينِ لا بِالدِّمَنِ
الرّابِعُ: أنَّها فُتِحَتْ صُلْحًا، فَبَقِيَتْ عَلى مِلْكِ أهْلِها، وقَدْ قَدَّمْنا ضَعْفَ هَذا الوَجْهِ.
الخامِسُ: القِياسُ؛ لِأنَّ أرْضَ مَكَّةَ أرْضٌ حَيَّةٌ لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً، فَيَجُوزُ بَيْعُها قِياسًا عَلى غَيْرِها مِنَ الأرْضِ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّ رِباعَ مَكَّةَ لا تُمَلَّكُ ولا تُباعُ بِأدِلَّةٍ:
مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ [الحج: ٢٥]، قالُوا: والمُرادُ بِالمَسْجِدِ: جَمِيعُ الحَرَمِ كُلِّهِ لِكَثْرَةِ إطْلاقِهِ عَلَيْهِ في النُّصُوصِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]،
مَعَ أنَّ المَنحَرَ الأكْبَرَ مِنَ الحَرَمِ ”مِنًى“ .
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١] قالُوا: والمُحَرَّمُ لا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَمِنها: ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ مُهاجِرٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَكَّةُ مُناخٌ لا تُباعُ رِباعُها، ولا تُؤاجَرُ بُيُوتُها» .
وَمِنها: ما رَواهُ أبُو حَنِيفَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي زِيادٍ، عَنْ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَكَّةُ حَرامٌ، وحَرامٌ بَيْعُ رِباعِها، وحَرامٌ أجْرُ بُيُوتِها» .
(p-٧٦)وَمِنها ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَبْنِي لَكَ بَيْتًا أوْ بِناءً يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ ؟ قالَ: ”لا، إنَّما هو مُناخُ مَن سَبَقَ إلَيْهِ»“، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.
وَمِنها: ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ الكِنانِيِّ، قالَ: «كانَتْ بُيُوتُ مَكَّةَ تُدْعى السَّوائِبَ، لَمْ تُبَعْ رِباعُها في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا أبِي بَكْرٍ، ولا عُمَرَ، مَنِ احْتاجَ سَكَنَ، ومَنِ اسْتَغْنى أسْكَنَ» .
وَمِنها: ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: «مِنًى مُناخٌ لِمَن سَبَقَ» .
قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ في الجَنائِزِ، في ”بابِ الدَّفْنِ“ في هَذا الحَدِيثِ، رَواهُ أبُو مُحَمَّدٍ الدّارِمِيُّ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وغَيْرُهم، بِأسانِيدَ جَيِّدَةٍ مِن رِوايَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَذَكَرَ في البُيُوعِ، في الكَلامِ عَلى بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ، وغَيْرِها مِن أرْضِ الحَرَمِ: أنَّ هَذا الحَدِيثَ صَحِيحٌ.
وَمِنها: ما رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ بْنُ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: كانَ عَطاءٌ يَنْهى عَنِ الكِراءِ في الحَرَمِ، وأخْبَرَنِي أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، كانَ يَنْهى عَنْ تَبْوِيبِ دُورِ مَكَّةَ لِأنْ يَنْزِلَ الحاجُّ في عَرَصاتِها، فَكانَ أوَّلَ مَن بَوَّبَ دارَهُ، سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في ذَلِكَ، فَقالَ: أنْظِرْنِي يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنِّي كُنْتُ امْرَءًا تاجِرًا، فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ بابَيْنِ يَحْبِسانِ لِي ظَهْرِي، فَقالَ: ذَلِكَ لَكَ إذَنْ.
وَقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ لا تَتَّخِذُوا لِدُورِكم أبْوابًا، لِيَنْزِلِ البادِي حَيْثُ يَشاءُ. اهـ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ: إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أقْوى الأقْوالِ دَلِيلًا فِيما يَظْهَرُ قَوْلُ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ، لِحَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، كَما قَدَّمْنا، ولِلْأدِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنا غَيْرُهُ، ولِأنَّ جَمِيعَ أهْلِ مَكَّةَ بَقِيَتْ لَهم دِيارُهم بَعْدَ الفَتْحِ يَفْعَلُونَ بِها ما شاءُوا مِن بَيْعٍ، وإجارَةٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأجابَ أهْلُ هَذا القَوْلِ الصَّحِيحِ عَنْ أدِلَّةِ المُخالِفِينَ؛ فَأجابُوا عَنْ قَوْلِهِ: (p-٧٧)﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ [الحج: ٢٥]، بِأنَّ المُرادَ خُصُوصُ المَسْجِدِ دُونَ غَيْرِهِ مِن أرْضِ الحَرَمِ، بِدَلِيلِ التَّصْرِيحِ بِنَفْسِ المَسْجِدِ في قَوْلِهِ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٥]، وعَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ [النمل: ٩١]، بِأنَّ المُرادَ: حَرَّمَ صَيْدَها، وشَجَرَها، وخَلاها، والقِتالَ فِيها، كَما بَيَّنَهُ ﷺ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ في شَيْءٍ مِنها مَعَ كَثْرَتِها النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ دُورِها، وعَنْ حَدِيثِ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ مُهاجِرٍ عَنْ أبِيهِ: بِأنَّهُ ضَعِيفٌ، قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: هو ضَعِيفٌ بِاتِّفاقِ المُحَدِّثِينَ، واتَّفَقُوا عَلى تَضْعِيفِ إسْماعِيلَ، وأبِيهِ إبْراهِيمَ. اهـ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى: إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُهاجِرٍ ضَعِيفٌ، وأبُوهُ غَيْرُ قَوِيٍّ، واخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَرُوِيَ عَنْهُ هَكَذا، ورُوِيَ عَنْهُ عَنْ أبِيهِ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا بِبَعْضِ مَعْناهُ، وعَنْ حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَواتِ مِنَ الحَرَمِ.
قالَ النَّوَوِيُّ: وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ.
وَعَنْ حَدِيثِ أبِي حَنِيفَةَ: بِأنَّهُ ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: تَضْعِيفُ إسْنادِهِ بِابْنِ أبِي زِيادٍ المَذْكُورِ فِيهِ.
والثّانِي: أنَّ الصَّوابَ فِيهِ عِنْدَ الحُفّاظِ أنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وقالُوا: رَفْعُهُ وهْمٌ، قالَهُ: الدّارَقُطْنِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والبَيْهَقِيُّ.
وَعَنْ حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ بِجَوابَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مُنْقَطِعٌ، كَما قالَهُ البَيْهَقِيُّ.
الثّانِي: ما قالَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا، وجَماعَةٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وغَيْرُهم: أنَّ المُرادَ في الحَدِيثِ: الإخْبارُ عَنْ عادَتِهِمُ الكَرِيمَةِ في إسْكانِهِمْ ما اسْتَغْنَوْا عَنْهُ مِن بُيُوتِهِمْ بِالإعارَةِ تَبَرُّعًا، وجُودًا.
وَقَدْ أخْبَرَ مَن كانَ أعْلَمَ بِشَأْنِ مَكَّةَ مِنهُ عَنْ جَرَيانِ الإرْثِ، والبَيْعِ فِيها.
وَعَنْ حَدِيثِ «مِنًى مُناخُ مَن سَبَقَ»، بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى مَواتِها، ومَواضِعِ نُزُولِ الحَجِيجِ مِنها، قالَهُ النَّوَوِيُّ اهـ.
واعْلَمْ أنَّ تَضْعِيفَ البَيْهَقِيِّ لِحَدِيثِ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ مُهاجِرٍ، وحَدِيثِ (p-٧٨)عُثْمانَ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ تَعَقَّبَهُ عَلَيْهِ مُحَشِّيهِ صاحِبُ ”الجَوْهَرِ النَّقِيِّ“، بِما نَصُّهُ: ”ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثًا في سَنَدِهِ إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُهاجِرٍ، فَضَعَّفَ إسْماعِيلَ، وقالَ عَنْ أبِيهِ غَيْرُ قَوِيٍّ، ثُمَّ أسْنَدَهُ مِن وجْهٍ آخَرَ، ثُمَّ قالَ: رَفْعُهُ وهْمٌ، والصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ، قُلْتُ: أخْرَجَ الحاكِمُ في“ المُسْتَدْرَكِ " هَذا الحَدِيثَ مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما البَيْهَقِيُّ، ثُمَّ صَحَّحَ الأوَّلَ، وجَعَلَ الثّانِيَ شاهِدًا عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ في آخِرِهِ حَدِيثًا عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ، ثُمَّ قالَ: هَذا مُنْقَطِعٌ.
قُلْتُ: هَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ بِسَنَدٍ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهُ، وعَلْقَمَةُ هَذا صَحابِيٌّ، كَذا ذَكَرَهُ عُلَماءُ هَذا الشَّأْنِ، وإذا قالَ الصَّحابِيُّ مِثْلَ هَذا الكَلامِ، كانَ مَرْفُوعًا عَلى ما عُرِفَ بِهِ، وفِيهِ تَصْرِيحُ عُثْمانَ بِالسَّماعِ عَنْ عَلْقَمَةَ، فَمِن أيْنَ الِانْقِطاعُ ؟ اهـ كَلامُ صاحِبِ ”الجَوْهَرِ النَّقِيِّ“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لا يَخْفى سُقُوطُ اعْتِراضِ ابْنِ التُّرْكُمانِيِّ هَذا عَلى الحافِظِ البَيْهَقِيِّ، في تَضْعِيفِهِ الحَدِيثَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.
أمّا في الأوَّلِ: فَلِأنَّ تَصْحِيحَ الحاكِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ لِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ لا يُصَيِّرُهُ صَحِيحًا.
وَكَمْ مِن حَدِيثٍ ضَعِيفٍ صَحَّحَهُ الحاكِمُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وتَساهُلُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في التَّصْحِيحِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَماءِ الحَدِيثِ، وإبْراهِيمُ بْنُ مُهاجِرِ بْنِ جابِرٍ البَجَلِيُّ قَدْ يَكُونُ لِلْمُناقَشَةِ في تَضْعِيفِ الحَدِيثِ بِهِ وجْهٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ العُلَماءِ بِالرِّجالِ وثَّقَهُ وهو مِن رِجالِ مُسْلِمٍ.
وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ، في ”التَّقْرِيبِ“: ”صَدُوقٌ لَيِّنُ الحِفْظِ“، أمّا ابْنُهُ إسْماعِيلُ فَلَمْ يُخْتَلَفْ في أنَّهُ ضَعِيفٌ، وتَضْعِيفُ الحَدِيثِ بِهِ ظاهِرٌ لا مَطْعَنَ فِيهِ.
وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: ضَعِيفٌ، فَتَصْحِيحُ هَذا الحَدِيثِ لا وجْهَ لَهُ.
وَأمّا قَوْلُهُ في اعْتِراضِهِ تَضْعِيفَ البَيْهَقِيِّ لِحَدِيثِ الثّانِي، فَمِن أيْنَ الِانْقِطاعُ - فَجَوابُهُ: أنَّ الِانْقِطاعَ مِن حَيْثُ إنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ نَضْلَةَ تابِعِيٌّ صَغِيرٌ، وزَعْمُ الشَّيْخِ ابْنِ التُّرْكُمانِيِّ، أنَّهُ صَحابِيٌّ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَدْ قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: عَلْقَمَةُ بْنُ نَضْلَةَ - بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ المُعْجَمَةِ - المَكِّيُّ كِنانِيٌّ.
وَقِيلَ: كِنْدِيٌّ تابِعِيٌّ صَغِيرٌ مَقْبُولٌ، أخْطَأ مَن عَدَّهُ في الصَّحابَةِ، وإذَنْ فَوَجْهُ انْقِطاعِهِ ظاهِرٌ، فَظَهَرَ أنَّ الصَّوابَ مَعَ الحافِظِ البَيْهَقِيِّ، والنَّوَوِيِّ وغَيْرِهِما في تَضْعِيفِ (p-٧٩)الحَدِيثَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.
وَلا شَكَّ أنَّ مَن تَوَرَّعَ عَنْ بَيْعِ رِباعِ مَكَّةَ، وإيجارِها خُرُوجًا مِنَ الخِلافِ، أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّقى الشُّبَهاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ.
* *
تَنْبِيهٌ
أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ مَواضِعَ النُّسُكِ مِنَ الحَرَمِ كَمَوْضِعِ السَّعْيِ، ومَوْضِعِ رَمْيِ الجِمارِ حُكْمُها حُكْمُ المَساجِدِ، والمُسْلِمُونَ كُلُّهم سَواءٌ فِيها.
والظّاهِرُ أنَّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الحَجِيجُ مِن مِنًى، ومُزْدَلِفَةَ كَذَلِكَ، فَلا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُضَيِّقَهُما بِالبِناءِ المَمْلُوكِ حَتّى تَضِيقا بِالحَجِيجِ، ويَبْقى بَعْضُهم لَمْ يَجِدْ مَنزِلًا؛ لِأنَّ المَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وبِمِنًى لَيالِيَ أيّامِ التَّشْرِيقِ، مِن مَناسِكِ الحَجِّ.
فَلا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُضَيِّقَ مَحَلِّ المَناسِكِ عَلى المُسْلِمِينَ، حَتّى لا يَبْقى ما يَسَعُ الحَجِيجَ كُلَّهُ، ويَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ: «مِنًى مُناخٌ لِمَن سَبَقَ» كَما تَقَدَّمَ.
* *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في تَحْقِيقِ المَقامِ فِيما لِلْإمامِ أنْ يَنْفُلَهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، وسَنَذْكُرُ أقْوالَ العُلَماءِ في ذَلِكَ، وأدِلَّتَهم، وما يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ.
اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ، كَما أشَرْنا لَهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، ووَعَدْنا بِإيضاحِهِ هُنا، فَذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أنَّ الإمامَ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يُنَفِّلَ أحَدًا شَيْئًا إلّا مِنَ الخُمُسِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ؛ لِأنَّ الأخْماسَ الأرْبَعَةَ مِلْكٌ لِلْغانِمِينَ المُوجِفِينَ عَلَيْها بِالخَيْلِ والرِّكابِ، هَذا مَشْهُورُ مَذْهَبِهِ، وعَنْهُ قَوْلٌ آخَرُ: أنَّها مِن خُمُسِ الخُمُسِ.
وَوَجْهُ هَذا القَوْلِ: أنَّ أخْماسَ الخُمُسِ الأرْبَعَةِ، غَيْرُ خُمُسِ الرَّسُولِ ﷺ لِمَصارِفَ مُعَيَّنَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾، وأرْبَعَةَ الأخْماسِ الباقِيَةِ مِلْكٌ لِلْغانِمِينَ.
وَأصَحُّ الأقْوالِ عَنِ الشّافِعِيِّ: أنَّ الإمامَ لا يُنَفِّلُ إلّا مِن خُمُسِ الخُمُسِ، ودَلِيلُهُ: ما ذَكَرْنا آنِفًا.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أنَّهُ قالَ: لا نَفْلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ولَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ (p-٨٠)
وَذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ في طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ: إلى أنَّ لِلْإمامِ أنْ يُنَفِّلَ الرُّبُعَ بَعْدَ الخُمُسِ في بَدْأتِهِ، والثُّلُثَ بَعْدَ الخُمُسِ في رَجْعَتِهِ.
وَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. أنَّ لِلْإمامِ قَبْلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ أنْ يُنَفِّلَ الرُّبُعَ، أوِ الثُّلُثَ، أوْ أكْثَرَ، أوْ أقَلَّ بَعْدَ الخُمُسِ، وبَعْدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ لا يَجُوزُ لَهُ التَّنْفِيلُ إلّا مِنَ الخُمُسِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا جُمْلَةَ الخِلافِ في هَذِهِ المَسْألَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، ونَحْنُ الآنُ نَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ ما يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ.
اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ التَّنْفِيلَ الَّذِي اقْتَضى الدَّلِيلُ جَوازَهُ أقْسامٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَقُولَ الإمامُ لِطائِفَةٍ مِنَ الجَيْشِ: إنْ غَنِمْتُمْ مِنَ الكُفّارِ شَيْئًا، فَلَكم مِنهُ كَذا بَعْدَ إخْراجِ خُمُسِهِ، فَهَذا جائِزٌ، ولَهُ أنْ يُنَفِّلَهم في حالَةِ إقْبالِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ إلى الكُفّارِ الرُّبُعَ، وفي حالَةِ رُجُوعِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ إلى أوْطانِهِمُ الثُّلُثَ بَعْدَ إخْراجِ الخُمُسِ.
وَمالِكٌ وأصْحابُهُ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ في إفْسادِ نِيّاتِ المُجاهِدِينَ؛ لِأنَّهم يَصِيرُونَ مُقاتِلِينَ مِن أجْلِ المالِ الَّذِي وعَدَهُمُ الإمامُ تَنْفِيلَهُ.
والدَّلِيلُ عَلى جَوازٍ ذَلِكَ: ما رَواهُ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ مالِكٍ القُرَشِيُّ الفِهْرِيُّ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ بَعْدَ الخُمُسِ في بَدْأتِهِ، ونَفَّلَ الثُّلُثَ بَعْدَ الخُمُسِ في رَجْعَتِهِ»، أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، وابْنُ الجارُودِ.
واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ في حَبِيبٍ المَذْكُورِ: أنَّهُ صَحابِيٌّ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: مُخْتَلَفٌ في صُحْبَتِهِ، والرّاجِحُ ثُبُوتُها لَكِنَّهُ كانَ صَغِيرًا، ولَهُ ذِكْرٌ في ”الصَّحِيحِ“، في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَعَ مُعاوِيَةَ اهـ.
وَقَدْ رَوى عَنْهُ أبُو داوُدَ هَذا الحَدِيثَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
مِنها: عَنْ مَكْحُولِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشّامِيِّ، قالَ: كُنْتُ عَبْدًا بِمِصْرَ لِامْرَأةٍ مِن بَنِي هُذَيْلٍ، فَأعْتَقَتْنِي فَما خَرَجْتُ مِن مِصْرَ وبِها عِلْمٌ إلّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ، فِيما أرى، ثُمَّ أتَيْتُ الحِجازَ، فَما خَرَجْتُ مِنها وبِها عِلْمٌ إلّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيما أرى، ثُمَّ أتَيْتُ العِراقَ فَما خَرَجْتُ مِنها وبِها عِلْمٌ إلّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيما أرى، ثُمَّ أتَيْتُ الشّامَ فَغَرْبَلْتُها، كُلُّ ذَلِكَ: أسْألُ عَنِ النَّفْلِ فَلَمْ أجِدْ أحَدًا يُخْبِرُنِي فِيهِ بِشَيْءٍ، حَتّى لَقِيتُ شَيْخًا يُقالُ لَهُ: زِيادُ بْنُ (p-٨١)جارِيَةَ التَّمِيمِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ في النَّفْلِ شَيْئًا ؟ قالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الفِهْرِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ في البَدْأةِ، والثُّلُثَ في الرَّجْعَةِ اهـ.
وَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ صَحابِيٌّ، وقَدْ صَرَّحَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ بِأنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ إلى آخِرِ الحَدِيثِ.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا: ما رَواهُ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُنَفِّلُ في البَدْأةِ الرُّبُعَ، وفي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ» " أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ.
وَفِي رِوايَةٍ عِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ: «كانَ إذا غابَ في أرْضِ العَدُوِّ نَفَّلَ الرُّبُعَ، وإذا أقْبَلَ راجِعًا وكُلَّ النّاسِ نَفَّلَ الثُّلُثَ، وكانَ يَكْرَهُ الأنْفالَ، ويَقُولُ: لِيَرُدَّ قَوِيُّ المُؤْمِنِينَ عَلى ضَعِيفِهِمْ» .
وَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ التَّنْفِيلِ مِن غَيْرِ الخُمُسِ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا: ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا نَفْلَ إلّا بَعْدَ الخُمُسِ»، قالَ الشَّوْكانِيُّ: في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: هَذا الحَدِيثُ صَحَّحَهُ الطَّحاوِيُّ اهـ.
والفَرْقُ بَيْنَ البَدْأةِ والرَّجْعَةِ: أنَّ المُسْلِمِينَ في البَدْأةِ: مُتَوَجِّهُونَ إلى بِلادِ العَدُوِّ، والعَدُوُّ في غَفْلَةٍ، وأمّا في الرَّجْعَةِ: فالمُسْلِمُونَ راجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ مِن أرْضِ العَدُوِّ، والعَدُوُّ في حَذَرٍ ويَقَظَةٍ، وبَيْنَ الأمْرَيْنِ فَرْقٌ ظاهِرٌ.
والأحادِيثُ المَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّرِيَّةَ مِنَ العَسْكَرِ إذا خَرَجَتْ، فَغَنِمَتْ، أنَّ سائِرَ الجَيْشِ شُرَكاؤُهم، ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ العُلَماءِ، كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ.
الثّانِي: مِنَ الأقْسامِ الَّتِي اقْتَضى الدَّلِيلُ جَوازَها: تَنْفِيلُ بَعْضِ الجَيْشِ، لِشِدَّةِ بَأْسِهِ، وعَنائِهِ، وتَحَمُّلِهِ ما لَمْ يَتَحَمَّلْهُ غَيْرُهُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ ما ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“، ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في قِصَّةِ إغارَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفَزارِيِّ، عَلى سَرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، واسْتِنْقاذِهِ مِنهُ، قالَ سَلَمَةُ: «فَلَمّا أصْبَحْنا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”خَيْرُ فُرْسانِنا اليَوْمَ، أبُو قَتادَةَ، وخَيْرُ رَجّالَتِنا سَلَمَةُ“، قالَ: ثُمَّ أعْطانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الفارِسِ، وسَهْمَ الرّاجِلِ فَجَمَعَهُما لِيَ (p-٨٢)جَمِيعًا»، الحَدِيثَ. هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذِهِ غَزْوَةُ ”ذِي قَرَدٍ“ في سُورَةِ ”النِّساءِ“، ويَدُلُّ لِهَذا أيْضًا: حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ المُتَقَدِّمُ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَإنَّ فِيهِ: أنَّ سَعْدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَعَلَّهُ يُعْطِي هَذا السَّيْفَ لِرَجُلٍ لَمْ يُبْلِ بَلائِي، ثُمَّ أعْطاهُ النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِحُسْنِ بَلائِهِ وقَتْلِهِ صاحِبَ السَّيْفِ كَما تَقَدَّمَ.
الثّالِثُ: مِن أقْسامِ التَّنْفِيلِ الَّتِي اقْتَضى الدَّلِيلُ جَوازَها: أنْ يَقُولَ الإمامُ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» .
وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ: ما رَواهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما، عَنْ أبِي قَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”«خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَمّا التَقَيْنا كانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، قالَ: فَرَأيْتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ قَدْ عَلا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فاسْتَدَرْتُ إلَيْهِ حَتّى أتَيْتُهُ مِن ورائِهِ فَضَرَبْتُهُ عَلى حَبْلِ عاتِقِهِ، وأقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجَدْتُ مِنها رِيحَ المَوْتِ، ثُمَّ أدْرَكَهُ المَوْتُ فَأرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقالَ: ما لِلنّاسِ ؟ فَقُلْتُ: أمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ رَجَعُوا، وجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ:“ مَن قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ”، قالَ: فَقُمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: مَن يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَن يَشْهَدُ لِي ؟، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قالَ ذَلِكَ الثّالِثَةَ، فَقُمْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ ما لَكَ يا أبا قَتادَةَ ؟ ”فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، صَدَقَ يا رَسُولَ اللَّهِ سَلَبُ ذَلِكَ القَتِيلِ عِنْدِي؛ فَأرْضِهِ مِن حَقِّهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا ها اللَّهِ إذَنْ لا يَعْمِدُ إلى أسَدٍ مِن أُسُدِ اللَّهِ يُقاتِلُ عَنِ اللَّهِ وعَنْ رَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ صَدَقَ فَأعْطِهِ إيّاهُ "، فَأعْطانِي، قالَ: فَبِعْتُ الدِّرْعَ فابْتَعْتُ بِها مَخْرَفًا في بَنِي سَلِمَةَ، فَإنَّهُ لَأوَّلُ مالٍ تَأثَّلْتُهُ في الإسْلامِ» . والأحادِيثُ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَرَوى أبُو داوُدَ، وأحْمَدُ، عَنْ أنَسٍ: أنَّ أبا طَلْحَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَتَلَ عِشْرِينَ رَجُلًا، وأخَذَ أسَلابَهم، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ عِنْدَ أحْمَدَ، أحَدًا وعِشْرِينَ، وذَكَرَ أصْحابُ المَغازِي: أنَّ أبا طَلْحَةَ قالَ في قَتْلِهِ مَن ذَكَرَ: [ الرَّجَزُ ]
؎أنا أبُو طَلْحَةَ واسْمِي زَيْدُ ∗∗∗ وَكُلُّ يَوْمٍ في سِلاحِيَ صَيْدُ
والحَقُّ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ في مُبارَزَةٍ، ولا أنْ يَكُونَ الكافِرُ المَقْتُولُ (p-٨٣)مُقْبِلًا.
أمّا الدَّلِيلُ عَلى عَدَمِ اشْتِراطِ المُبارَزَةِ: فَحَدِيثُ أبِي قَتادَةَ هَذا المُتَّفَقُ عَلَيْهِ.
وَأمّا الدَّلِيلُ عَلى عَدَمِ اشْتِراطِ كَوْنِهِ قَتَلَهُ مُقْبِلًا إلَيْهِ: فَحَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، قالَ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَوازِنَ، فَبَيْنا نَحْنُ نَتَضَحّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذْ جاءَ رَجُلٌ عَلى جَمَلٍ أحْمَرَ فَأناخَهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِن حَقْوِهِ فَقَيَّدَ بِهِ الجَمَلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدّى مَعَ القَوْمِ، وجَعَلَ يَنْظُرُ، وفِينا ضَعَفَةٌ ورِقَّةٌ في الظَّهْرِ، وبَعْضُنا مُشاةٌ إذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ فَأتى جَمَلَهُ، فَأطْلَقَ قَيْدَهُ ثُمَّ أناخَهُ، وقَعَدَ عَلَيْهِ فَأثارَهُ فاشْتَدَّ بِهِ الجَمَلُ، فاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلى ناقَةٍ ورْقاءَ، قالَ سَلَمَةُ: وخَرَجْتُ أشْتَدُّ فَكُنْتُ عِنْدَ ورِكِ النّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتّى كُنْتُ عِنْدَ ورِكِ الجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمَتْ حَتّى أخَذْتُ بِخِطامِ الجَمَلِ فَأنَخْتُهُ، فَلَمّا وضَعَ رُكْبَتَهُ في الأرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي، فَضَرَبْتُ بِهِ رَأْسَ الرَّجُلِ فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئْتُ بِالجَمَلِ أقُودُهُ وعَلَيْهِ رَحْلُهُ وسِلاحُهُ، فاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، والنّاسُ مَعَهُ، فَقالَ: ”مَن قَتَلَ الرَّجُلَ ؟“، قالُوا: ابْنُ الأكْوَعِ، قالَ: ”لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ“»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ المَذْكُورُ لِمُسْلِمٍ في ”كِتابِ الجِهادِ والسِّيَرِ“ في بابِ: ”اسْتِحْقاقِ القاتِلِ سَلَبَ القَتِيلِ“، وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ بِمَعْناهُ ”في كِتابِ الجِهادِ“ في بابِ: ”الحَرْبِيِّ إذا دَخَلَ دارَ الإسْلامِ بِغَيْرِ أمانٍ“ وهو صَرِيحٌ في عَدَمِ اشْتِراطِ المُبارَزَةِ، وعَدَمِ اشْتِراطِ قَتْلِهِ مُقْبِلًا لا مُدْبِرًا كَما تَرى.
وَلا يَسْتَحِقُّ القاتِلُ سَلَبَ المَقْتُولِ، إلّا أنْ يَكُونَ المَقْتُولُ مِنَ المُقاتِلَةِ الَّذِينَ يَجُوزُ قِتالُهم.
فَأمّا إنْ قَتَلَ امْرَأةً، أوْ صَبِيًّا، أوْ شَيْخًا فانِيًا، أوْ ضَعِيفًا مَهِينًا، أوْ مُثْخَنًا بِالجِراحِ لَمْ تَبْقَ فِيهِ مَنفَعَةٌ، فَلَيْسَ لَهُ سَلَبُهُ.
وَلا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ: في أنَّ مَن قَتَلَ صَبِيًّا، أوِ امْرَأةً، أوْ شَيْخًا فانِيًا، لا يَسْتَحِقُّ سَلَبَهم، إلّا قَوْلًا ضَعِيفًا جِدًّا يُرْوى عَنْ أبِي ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ: في اسْتِحْقاقِ سَلَبِ المَرْأةِ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ مَن قَتَلَ مُثْخَنًا بِالجِراحِ لا يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ، أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، هو الَّذِي ذَفَّفَ عَلى أبِي جَهْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وحَزَّ رَأْسَهُ، وقَدْ قَضى النَّبِيُّ ﷺ بِسَلَبِهِ لِمُعاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ الَّذِي أثْبَتَهُ، ولَمْ يُعْطِ ابْنَ مَسْعُودٍ شَيْئًا.
وَهَذا هو الحَقُّ الَّذِي جاءَ بِهِ الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ، فَلا يُعارَضُ بِما رَواهُ الإمامُ (p-٨٤)أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَّلَهُ سَيْفَ أبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ“»؛ لِأنَّهُ مِن رِوايَةِ ابْنِهِ أبِي عُبَيْدَةَ، ولَمْ يَسْمَعْ مِنهُ، وكَذَلِكَ المُقْدِمُ لِلْقَتْلِ صَبْرًا لا يَسْتَحِقُّ قاتِلُهُ سَلَبَهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ، أمَرَ بِقَتْلِ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ العَبْدَرِيِّ، وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مَعِيطٍ الأُمَوِيِّ صَبْرًا يَوْمَ بَدْرٍ ولَمْ يُعْطِ مَن قَتَلَهُما شَيْئًا مِن سَلَبِهِما.
واخْتَلَفُوا فِيمَن أسَرَ أسِيرًا: هَلْ يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ إلْحاقًا لِلْأسْرِ بِالقَتْلِ أوْ لا ؟ والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّهُ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، فَيَجِبُ اسْتِصْحابُ عُمُومِ ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآيَةَ، حَتّى يَرِدَ مُخَصِّصٌ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وقَدْ أسَرَ النَّبِيُّ ﷺ والمُسْلِمُونَ، أُسارى بَدْرٍ، وقُتِلَ بَعْضُهم صَبْرًا كَما ذَكَرْنا، ولَمْ يُعْطِ أحَدًا مِنَ الَّذِينَ أسَرُوهم شَيْئًا مِن أسْلابِهِمْ، ولا مِن فِدائِهِمْ بَلْ جَعَلَ فَداءَهم غَنِيمَةً.
أمّا إذا قاتَلَتِ المَرْأةُ أوِ الصَّبِيُّ المُسْلِمِينَ: فالظّاهِرُ أنَّ لِمَن قَتَلَ أحَدَهُما سَلَبَهُ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ مِمَّنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ ”مَن قَتَلَ قَتِيلًا“ الحَدِيثَ، وبِهَذا جَزَمَ غَيْرُ واحِدٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في اسْتِحْقاقِ القاتِلِ السَّلَبَ، هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَوْلُ الإمامِ: ”مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ“ أوْ يَسْتَحِقُّهُ مُطْلَقًا، قالَ الإمامُ ذَلِكَ أوْ لَمْ يَقُلْهُ ؟
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا الأخِيرِ: الإمامُ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، والطَّبَرِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِالأوَّلِ: الَّذِي هو أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّهُ إلّا بِقَوْلِ الإمامِ: ”مَن قَتَلَ قَتِيلًا“ إلَخْ، الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ، ومالُكٌ، والثَّوْرِيُّ.
وَقَدْ قَدَّمْنا عَنْ مالِكٍ وأصْحابِهِ: أنَّ قَوْلَ الإمامِ ذَلِكَ: لا يَجُوزُ قَبْلَ القِتالِ، لِئَلّا يُؤَدِّيَ إلى فَسادِ النِّيَّةِ، ولَكِنْ بَعْدَ وُقُوعِ الواقِعِ، يَقُولُ الإمامُ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا. . . إلَخْ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: بِاسْتِحْقاقِ القاتِلِ سَلَبَ المَقْتُولِ مُطْلَقًا بِعُمُومِ الأدِلَّةِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ بِأنَّ مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، ولَمْ يُخَصَّصْ بِشَيْءٍ، والعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، كَما عُلِمَ في الأُصُولِ.
واحْتَجَّ مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومَن وافَقَهُما بِأدِلَّةٍ:
مِنها: قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، المُتَّفَقِ عَلَيْهِ السّابِقِ ذِكْرُهُ، لَهُ سَلَبُهُ (p-٨٥)أجْمَعُ، قالُوا: فَلَوْ كانَ السَّلَبُ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِمُجَرَّدِ قَتْلِهِ لَما احْتاجَ إلى تَكْرِيرِ هَذا القَوْلِ.
وَمِنها: حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، المُتَّفَقُ عَلَيْهِ في قِصَّةِ قَتْلِ مُعاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ، ومُعاذِ بْنِ عَفْراءَ الأنْصارِيَّيْنِ لِأبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإنَّ فِيهِ: ”«ثُمَّ انْصَرَفا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَراهُ، فَقالَ:“ أيُّكُما قَتَلَهُ ؟ ! ”، فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما: أنا قَتَلْتُهُ، فَقالَ:“ هَلْ مَسَحْتُما سَيْفَيْكُما ؟ ”قالا: لا، فَنَظَرَ في السَّيْفَيْنِ، فَقالَ:“ كِلاكُما قَتَلَهُ "، وقَضى بِسَلَبِهِ لِمُعاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ» اهـ.
قالُوا: فَتَصْرِيحُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ، المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، بِأنَّ كِلَيْهِما قَتَلَهُ، ثُمَّ تَخْصِيصُ أحَدِهِما بِسَلَبِهِ، دُونَ الآخَرِ، صَرِيحٌ في أنَّ القاتِلَ لا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ، إلّا بِقَوْلِ الإمامِ: إنَّهُ لَهُ، إذْ لَوْ كانَ اسْتِحْقاقُهُ لَهُ بِمُجَرَّدِ القَتْلِ لَما كانَ لِمَنعِ مُعاذِ بْنِ عَفْراءَ وجْهٌ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ بِأنَّهُ قَتَلَهُ مَعَ مُعاذِ بْنِ عَمْرٍو، ولَجَعَلَهُ بَيْنَهُما.
وَمِنها: ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قَتَلَ رَجُلٌ مِن حِمْيَرَ، رَجُلًا مِنَ العَدُوِّ، فَأرادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وكانَ والِيًا عَلَيْهِمْ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، عَوْفُ بْنُ مالِكٍ فَأخْبَرَهُ. فَقالَ لِخالِدٍ: ”ما مَنَعَكَ أنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ ؟“، قالَ: اسْتَكْثَرْتُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ”ادْفَعْهُ إلَيْهِ“، فَمَرَّ خالِدٌ بِعَوْفٍ فَجَرَّ بِرِدائِهِ، ثُمَّ قالَ: هَلْ أنْجَزْتَ ما ذَكَرْتُ لَكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فاسْتُغْضِبَ، فَقالَ: لا تُعْطِهِ يا خالِدُ، لا تُعْطِهِ يا خالِدُ، هَلْ أنْتُمْ تارِكُونَ لِي أُمَرائِي، إنَّما مَثَلُكم ومَثَلُهم، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَرْعى إبِلًا، أوْ غَنَمًا فَرَعاها، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَها فَأوْرَدَها حَوْضًا فَشَرَعَتْ فِيهِ، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وتَرَكَتْ كَدَرَهُ، فَصَفْوُهُ لَكم وكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ» .
وَفِي رِوايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أيْضًا: عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، قالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَن خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، ورافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنَ اليَمَنِ، وساقَ الحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أنَّهُ قالَ في الحَدِيثِ: قالَ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: فَقُلْتُ: «يا خالِدُ، أما عَلِمْتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى بِالسَّلَبِ لِلْقاتِلِ، قالَ بَلى، ولَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ»، هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ.
وَفِي رِوايَةٍ عَنْ عَوْفٍ أيْضًا، عِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ قالَ «خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، ورافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِن أهْلِ اليَمَنِ»، ومَضَيْنا فَلَقِينا جُمُوعَ الرُّومِ، وفِيهِمْ رَجُلٌ عَلى فَرَسٍ لَهُ، أشْقَرَ، عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ، وسِلاحٌ مُذَهَّبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَفْرِي في (p-٨٦)المُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ لَهُ المَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ، فَخَرَّ وعَلاهُ فَقَتَلَهُ. وحازَ فَرَسَهُ وسِلاحَهُ، فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إلَيْهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَأخَذَ السَّلَبَ، قالَ عَوْفٌ: فَأتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يا خالِدُ، أما عَلِمْتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضى بِالسَّلَبِ لِلْقاتِلِ، قالَ: بَلى، ولَكِنِ اسْتَكْثَرْتُهُ، قُلْتُ: لَتَرُدَّنَّهُ إلَيْهِ، أوْ لَأُعَرِّفَنَّكَها عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأبى أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، قالَ عَوْفٌ: فاجْتَمَعْنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ المَدَدِيِّ، وما فَعَلَ خالِدٌ، وذَكَرَ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَ اهـ.
فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لا تُعْطِهِ يا خالِدُ» دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ بِمُجَرَّدِ القَتْلِ، إذْ لَوِ اسْتَحَقَّهُ بِهِ، لَما مَنَعَهُ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ .
وَمِنها: ما ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ، عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ، قالَ: بارَزْتُ رَجُلًا يَوْمَ القادِسِيَّةِ، فَقَتَلْتُهُ، وأخَذْتُ سَلَبَهُ، فَأتَيْتُ سَعْدًا، فَخَطَبَ سَعْدٌ أصْحابَهُ، ثُمَّ قالَ: هَذا سَلَبُ بِشْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ فَهو خَيْرٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، وإنّا قَدْ نَفَّلَناهُ إيّاهُ.
فَلَوْ كانَ السَّلَبُ لِلْقاتِلِ قَضاءً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، لَما أضافَ الأُمَراءُ ذَلِكَ التَّنْفِيلَ إلى أنْفُسِهِمْ بِاجْتِهادِهِمْ، ولَأخَذَهُ القاتِلُ دُونَ أمْرِهِمْ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي دَلِيلًا، أنَّ القاتِلَ لا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إلّا بِإعْطاءِ الإمامِ؛ لِهَذِهِ الأدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ، الَّتِي ذَكَرْنا فَإنْ قِيلَ: هي شاهِدَةٌ لِقَوْلِ إسْحاقَ: إنْ كانَ السَّلَبُ يَسِيرًا فَهو لِلْقاتِلِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا خُمِّسَ.
فالجَوابُ: أنَّ ظاهِرَها العُمُومُ مَعَ أنَّ سَلَبَ أبِي جَهْلٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَثْرَةٌ زائِدَةٌ، وقَدْ مَنَعَ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ مُعاذَ بْنَ عَفْراءَ.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الأنفال 8:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالثَّباتِ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، وذِكْرِ اللَّهِ كَثِيرًا مُشِيرًا إلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلْفَلاحِ، والأمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، أوْ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، كَما عُلِمَ في الأُصُولِ، فَتَدُلُّ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى النَّهْيِ عَنْ عَدَمِ الثَّباتِ (p-١٠٢)أمامَ الكَفّارِ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِهَذا المَدْلُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦]، وفي الأمْرِ بِالإكْثارِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في أضْيَقِ الأوْقاتِ وهو وقْتُ التِحامِ القِتالِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المُسْلِمَ يَنْبَغِي لَهُ الإكْثارُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، ولا سِيَّما في وقْتِ الضِّيقِ، والمُحِبُّ الصّادِقُ في حُبِّهِ لا يَنْسى مَحْبُوبَهُ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ.
قالَ عَنْتَرَةُ في مُعَلَّقَتِهِ: [ الكامِلُ ]
؎وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ مِنِّي وبِيضُ الهِنْدِ تَقْطُرُ مِن دَمِي
وَقالَ الآخَرُ:
؎ذَكَرْتُكِ والخَطِيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا ∗∗∗ وقَدْ نَهَلَتْ فِينا المُثَقَّفَةُ السُّمْرُ تَنْبِيهٌ
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كُلُّ ”لَعَلَّ“ في القُرْآنِ فَهي لِلتَّعْلِيلِ إلّا الَّتِي في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [ ١٢٩ ]، فَهي بِمَعْنى ”كَأنَّكم تَخْلُدُونَ“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لَفْظَةُ ”لَعَلَّ“ قَدْ تَرِدُ في كَلامِ العَرَبِ مُرادًا بِها التَّعْلِيلُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: [ الطَّوِيلُ ]
فَقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا نَكُفُّ ووَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مُوثَقِ فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكم كَشِبْهِ سَرابٍ بِالمَلا مُتَألِّقِ فَقَوْلُهُ ”لَعَلَّنا نَكُفُّ“ يَعْنِي: ”لِأجْلِ أنْ نَكُفَّ“، وكَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ لا يُنافِي ”مَعْنى التَّرَجِّي“؛ لِأنَّ وُجُودَ المَعْلُولِ يُرْجى عِنْدَ وُجُودِ عِلَّتِهِ.
الأنفال 8:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ الآيَةَ.
نَهى اللَّهُ جَلَّ وعَلا المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ التَّنازُعِ، مُبَيِّنًا أنَّهُ سَبَبُ الفَشَلِ، وذَهابُ القُوَّةِ، ونَهى عَنِ الفُرْقَةِ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، أيْ: قَوَّتُكم.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نَصْرُكم، كَما تَقُولُ العَرَبُ: الرِّيحُ لِفُلانٍ؛ إذا كانَ غالِبًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: [ الوافِرُ ](p-١٠٣)
؎إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فاغْتَنِمْها فَإنَّ لِكُلِّ عاصِفَةِ سُكُونُ
واسْمُ ”إنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
وَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الرِّيحُ: الدَّوْلَةُ، شُبِّهَتْ في نُفُوذِ أمْرِها، وتَمَشِّيهِ بِالرِّيحِ في هُبُوبِها، فَقِيلَ: هَبَّتْ رِياحُ فُلانٍ، إذا دالَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ، ونَفَذَ أمْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: [ البَسِيطُ ]
؎يا صاحِبَيَّ ألا لا حَيَّ بِالوادِي ∗∗∗ إلّا عَبِيدٌ قُعُودٌ بَيْنَ أذْوادِي
؎أتَنْظُرانِ قَلِيلًا رَيْثَ غَفْلَتِهِمْ ∗∗∗ أمْ تَعْدُوانِ فَإنَّ الرِّيحَ لِلْعادِي
الأنفال 8:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الشَّيْطانَ غَرَّ الكُفّارَ، وخَدَعَهم، وقالَ لَهم: لا غالِبَ لَكم وأنا جارٌ لَكم.
وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّهُ تَمَثَّلَ لَهم في صُورَةِ ”سُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ“ سَيِّدِ بَنِي مُدْلِجِ بْنِ بَكْرِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ لَهم ما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ، وأنَّهُ مُجِيرُهم مِن بَنِي كِنانَةَ، وكانَتْ بَيْنَهم عَداوَةٌ، ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، عِنْدَما رَأى المَلائِكَةَ وقالَ لَهم: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ﴾، فَكانَ حاصِلُ أمْرِهِ أنَّهُ غَرَّهم، وخَدَعَهم حَتّى أوْرَدَهُمُ الهَلاكَ، ثُمَّ تَبَرَّأ مِنهم.
وَهَذِهِ هي عادَةُ الشَّيْطانِ مَعَ الإنْسانِ كَما بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ الآيَةَ [الحشر: ١٦] . وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ . وكَقَوْلِهِ: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، وقَدْ قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: [ البَسِيطُ ]
سِرْنا وسارُوا إلى بَدْرٍ لِحِينِهِمُ لَوْ يَعْلَمُونَ يَقِينَ الأمْرِ ما سارُوا دَلّاهُمُ بِغُرُورٍ ثُمَّ أسْلَمَهم إنَّ الخَبِيثَ لِمَن ولّاهُ غَرّارُ
الأنفال 8:53
(p-١٠٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا يُغَيِّرُ نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى أحَدٍ إلّا بِسَبَبِ ذَنْبٍ ارْتَكَبَهُ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الأنفال 8:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ حَسْبُكَ اللَّهُ، وحَسْبُكَ أيْضًا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا: الحَسَنُ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، كَما نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو في مَحَلِّ خَفْضٍ بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي هو الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿حَسْبَكَ﴾، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: ﴿حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: كافِيكَ وكافِي مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وبِهَذا قالَ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما، وصَدَّرَ بِهِ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، والآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ الوَجْهِ الأخِيرِ، وأنَّ المَعْنى كافِيكَ اللَّهُ، وكافِي مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِدَلالَةِ الِاسْتِقْراءِ في القُرْآنِ عَلى أنَّ الحَسْبَ والكِفايَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]، فَجَعَلَ الإيتاءَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، كَما قالَ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وجَعَلَ الحَسْبَ لَهُ وحْدَهُ، فَلَمْ يَقُلْ: وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، بَلْ جَعَلَ الحَسْبَ مُخْتَصًّا بِهِ وقالَ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] ؟ فَخَصَّ الكِفايَةَ الَّتِي هي الحَسْبُ بِهِ وحْدَهُ، وتَمَدَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وقالَ تَعالى: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، فَفَرَّقَ بَيْنَ الحَسْبِ والتَّأْيِيدِ، فَجَعَلَ الحَسْبَ لَهُ وحْدَهُ، وجَعَلَ التَّأْيِيدَ لَهُ بِنَصْرِهِ وبِعِبادِهِ.
وَقَدْ أثْنى سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أهْلِ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ مِن عِبادِهِ حَيْثُ أفْرَدُوهُ (p-١٠٥)بِالحَسْبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، فِيهِ أنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ المَخْفُوضِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الخافِضِ، ضَعَّفَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، قالَ ابْنُ مالِكٍ في ”الخُلاصَةِ“: [ الرَّجَزُ ]
وَعَوْدُ خافِضٍ لَدى عَطْفٍ عَلى ضَمِيرِ خَفْضٍ لازِمًا قَدْ جُعِلا فالجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةً مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ صَحَّحُوا جَوازَ العَطْفِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الخافِضِ، قالَ ابْنُ مالِكٍ في ”الخُلاصَةِ“: [ الرَّجَزُ ]
؎وَلَيْسَ عِنْدِي لازِمًا إذْ قَدْ أتى في النَّظْمِ والنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتا
وَقَدْ قَدَّمْنا في ”سُورَةِ النِّساءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ [ ١٢٧ ] شَواهِدَهُ العَرَبِيَّةَ، ودَلالَةَ قِراءَةِ حَمْزَةَ عَلَيْهِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١] .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مِنَ العَطْفِ عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّ الكافِ مَخْفُوضٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ إذْ مَعْنى ﴿حَسْبَكَ﴾: يَكْفِيكَ، قالَ في ”الخُلاصَةِ“: [ الرَّجَزُ ]
؎وَجَرُّ ما يَتْبَعُ ما جُرَّ ومَن ∗∗∗ راعى في الِاتْباعِ المَحَلَّ فَحَسَنْ
الوَجْهُ الثّالِثُ: نَصْبُهُ بِكَوْنِهِ مَفْعُولًا مَعَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ضَعْفِ وجْهِ العَطْفِ، كَما قالَ في ”الخُلاصَةِ“: [ الرَّجَزُ ]
والعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلا ضَعْفٍ أحَقْ والنَّصْبُ مُخْتارٌ لَدى ضَعْفِ النَّسَقْ الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ومَن مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، فَحَسْبُهُمُ اللَّهُ أيْضًا، فَيَكُونَ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأنفال 8:72
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يُهاجِرْ لا ولايَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ حَتّى يُهاجِرَ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى يُفْهَمُ مِنها خِلافُ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى (p-٢٩٦)﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] . فَإنَّها تَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوَلايَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وظاهِرُها العُمُومُ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ هي ولايَةُ المِيراثِ، أيْ ما لَكم شَيْءٌ مِن مِيراثِهِمْ حَتّى يُهاجِرُوا لِأنَّ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالمُؤاخاةِ الَّتِي جَعَلَها النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهم، فَمَن ماتَ مِنَ المُهاجِرِينَ ورِثَهُ أخُوهُ الأنْصارِيُّ دُونَ أخِيهِ المُؤْمِنِ، الَّذِي لَمْ يُهاجِرْ، حَتّى نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [ ٨ ] .
وَهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهم أبُو حَيّانَ وابْنُ جَرِيرٍ، والوَلايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾، ولايَةُ النَّصْرِ والمُؤازَرَةِ والتَّعاوُنِ والتَّعاضُدِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وكالجَسَدِ الواحِدِ إذا أُصِيبَ مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمّى.
وَهَذِهِ الوَلايَةُ لَمْ تُقْصَدْ بِالنَّفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ بِدَلِيلِ تَصْرِيحِهِ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ يَلِيهِ: ﴿وَإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ الآيَةَ [ ٨ ]، فَأثْبَتَ ولايَةَ النَّصْرِ بَيْنَهم بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ غَيْرُ ولايَةِ النَّصْرِ، فَظَهَرَ أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ غَيْرَ المُثْبَتَةِ، فارْتَفَعَ الإشْكالُ.
الثّانِي: هو ما اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِحَدِيثٍ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ يَعْنِي لا نَصِيبَ لَكم في المَغانِمِ ولا في خُمُسِها إلّا فِيما حَضَرْتُمْ فِيهِ القِتالَ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ، ولا مانِعَ مِن تَناوُلِ الآيَةِ لِلْجَمِيعِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِها نَفْيَ المِيراثِ بَيْنَهم، ونَفْيَ القَسْمِ لَهم في الغَنائِمِ والخُمُسِ.
الأنفال 8:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
لَمْ يُعَيِّنْ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ (p-١٠٦)الكَرِيمَةِ المُرادَ بِأُولِي الأرْحامِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ، هَلْ جاءَ في القُرْآنِ ما يُبَيِّنُ المُرادَ مِنها أوْ لا، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها بَيَّنَتْها آياتُ المَوارِيثِ، كَما قَدَّمْنا نَظِيرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] .
قالُوا: فَلا إرْثَ لِأحَدٍ مِن أُولِي الأرْحامِ غَيْرُ مَن عُيِّنَتْ لَهم حُقُوقُهم في آياتِ المَوارِيثِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدُ، وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم، وقالُوا: الباقِي عَنْ نَصِيبِ الوَرَثَةِ المَنصُوصِ عَلى إرْثِهِمْ لِبَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَرَواهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ حَجَرٍ، ولا يَضْعُفُ بِأنَّ في إسْنادِهِ إسْماعِيلَ بْنَ عَيّاشٍ، لِما قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ رِوايَتَهُ عَنِ الشّامِيِّينَ قَوِيَّةٌ، وشَيْخُهُ في حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ هَذا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، وهو شامِيٌّ ثِقَةٌ، وقَدْ صَرَّحَ في رِوايَتِهِ بِالتَّحْدِيثِ.
وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ فِيهِ لِينٌ، فَقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، مِن رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ، وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حَجَرٍ مِن رِوايَةِ أبِي أُمامَةَ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ» يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في التَّرِكَةِ حَقٌّ لِغَيْرِ مَن عُيِّنَتْ لَهم أنْصِباؤُهم في آياتِ المَوارِيثِ.
وَقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ هَذا القَوْلِ: المُرادُ بِذَوِي الأرْحامِ العُصْبَةُ خاصَّةً، قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: وصَلَتْكَ رَحِمٌ، يَعْنُونَ قَرابَةَ الأبِ دُونَ قَرابَةِ الأُمِّ، ومِنهُ قَوْلُ قَتِيلَةَ بْنِ الحارِثِ، أوْ بِنْتِ النَّضْرِ بِنْتِ الحارِثِ: [ الكامِلُ ]
؎ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أبِيهِ تَنُوشُهُ لِلَّهِ أرْحامٌ هُناكَ تَشَقَّقُ
فَأطْلَقَتِ الأرْحامَ عَلى قَرابَةِ بَنِي أبِيهِ، والأظْهَرُ عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ التَّوْرِيثِ، أنَّ المُرادَ بِذَوِي الأرْحامِ القُرَباءُ، الَّذِينَ بُيِّنَتْ حُقُوقُهم بِالنَّصِّ مُطْلَقًا. واحْتَجَّ أيْضًا مَن قالَ: لا يَرِثُ ذَوُو الأرْحامِ، بِما رُوِيَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ إلى قُباءَ يَسْتَخِيرُ في مِيراثِ العَمَّةِ والخالَةِ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ”لا مِيراثَ لَهُما“»، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، في المَراسِيلِ والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءٍ، مُرْسَلًا، وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ في (p-١٠٧)”سُنَنِهِ“، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، مِن مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ عَطاءٍ، ورَدَّ المُخالِفُ هَذا بِأنَّهُ مُرْسَلٌ.
وَأُجِيبُ بِأنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ: الِاحْتِجاجُ بِالمُرْسَلِ، وبِأنَّهُ رَواهُ البَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ، والطَّبَرانِيُّ، مَوْصُولًا مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ، وما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ مِن وصْلِهِ مِن طَرِيقَيْنِ.
إحْداهُما: مِن رِوايَةِ ضِرارِ بْنِ صُرَدٍ أبِي نُعَيْمٍ.
والثّانِيَةُ: مِن رِوايَةِ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرٍ، عَنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدٍ، مَرْفُوعًا.
وَقالَ مُحَشِّيهِ، صاحِبُ ”الجَوْهَرِ النَّقِيِّ“ في ضِرارٍ المَذْكُورِ: إنَّهُ مَتْرُوكٌ، وعَزا ذَلِكَ لِلنَّسائِيِّ، وعَزا تَكْذِيبَهُ لِيَحْيى بْنِ مَعِينٍ.
وَقالَ في ابْنِ أبِي نَمِرٍ: فِيهِ كَلامٌ يَسِيرٌ، وفي الحارِثِ بْنِ عَبْدٍ: إنَّهُ لا يَعْرِفُهُ، ولا ذِكْرَ لَهُ إلّا عِنْدَ الحاكِمِ في ”المُسْتَدْرَكِ“ في هَذا الحَدِيثِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ ضِرارَ بْنَ صُرَدٍ مَتْرُوكٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ صَدُوقٌ لَهُ بَعْضُ أوْهامٍ لا تُوجِبُ تَرْكَهُ.
وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ لَهُ أوْهامٌ وخَطَأٌ، ورُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ، وكانَ عارِفًا بِالفَرائِضِ.
وَأمّا ابْنُ أبِي نَمِرٍ: فَهو مِن رِجالِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ.
وَأمّا إسْنادُ الحاكِمِ: فَقالَ فِيهِ الشَّوْكانِيُّ، في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: إنَّهُ ضَعِيفٌ وقالَ في إسْنادِ الطَّبَرانِيِّ: فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الحارِثِ المَخْزُومِيُّ، قُلْتُ: قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: مَقْبُولٌ، وقالَ الشَّوْكانِيُّ أيْضًا، قالُوا: وصَلَهُ أيْضًا الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.
وَيُجابُ: بِأنَّهُ ضَعَّفَهُ بِمَسْعَدَةَ بْنِ اليَسَعِ الباهِلِيِّ.
قالُوا: وصَلَهُ الحاكِمُ أيْضًا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وصَحَّحَهُ.
وَيُجابُ: بِأنَّ في إسْنادِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ المَدَنِيَّ، وهو ضَعِيفٌ.
قالُوا: رَوى لَهُ الحاكِمُ شاهِدًا مِن حَدِيثِ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي نَمِرٍ، عَنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدٍ، مَرْفُوعًا.
(p-١٠٨)وَيُجابُ: بِأنَّ في إسْنادِهِ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ الشّاذَكُونِيَّ، وهو مَتْرُوكٌ.
قالُوا: أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ شَرِيكٍ.
وَيُجابُ: بِأنَّهُ مُرْسَلٌ. اهـ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذِهِ الطُّرُقُ المَوْصُولَةُ والمُرْسَلَةُ يَشُدُّ بَعْضُها بَعْضًا، فَيَصْلُحُ مَجْمُوعُها لِلِاحْتِجاجِ، ولا سِيَّما أنَّ مِنها ما صَحَّحَهُ بَعْضُ العُلَماءِ، كالطَّرِيقِ الَّتِي صَحَّحَها الحاكِمُ، وتَضْعِيفُها بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ المَدَنِيِّ: فِيهِ أنَّهُ مِن رِجالِ مُسْلِمٍ، وأخْرَجَ لَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. اهـ.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيِّ: أنَّهُ أخْبَرَهُ عَنْ مَوْلى لِقُرَيْشٍ كانَ قَدِيمًا يُقالُ لَهُ ابْنُ مُوسى، أنَّهُ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَلَمّا صَلّى الظَّهْرَ، قالَ: ”يا يَرْفَأُ“، هَلُمَّ ذَلِكَ الكِتابَ - لِكِتابٍ كَتَبَهُ في شَأْنِ العَمَّةِ - فَنَسْألَ عَنْها، ونَسْتَخْبِرَ عَنْها، فَأتاهُ بِهِ ”يَرْفَأُ“ فَدَعا بِتَوْرٍ أوْ قَدَحٍ فِيهِ ماءٌ، فَمَحا ذَلِكَ الكِتابَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: لَوْ رَضِيَكَ اللَّهُ أقَرَّكَ، لَوْ رَضِيَكَ اللَّهُ أقَرَّكَ.
وَقالَ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: أنَّهُ سَمِعَ أباهُ: كَثِيرًا يَقُولُ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ: عَجَبًا لِلْعَمَّةِ تَرِثُ ولا تُورَثُ، والجَمِيعُ فِيهِ مَقالٌ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا بَيانَ لِلْآيَةِ مِنَ القُرْآنِ، بَلْ هي باقِيَةٌ عَلى عُمُومِها، فَأوْجِبُوا المِيراثَ لِذَوِي الأرْحامِ.
وَضابِطُهم: أنَّهُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ لا فَرْضَ لَهم ولا تَعْصِيبَ.
وَهم أحَدَ عَشَرَ حَيِّزًا:
١ - أوْلادُ البَناتِ.
٢ - وأوْلادُ الأخَواتِ.
٣ - وبَناتُ الإخْوَةِ.
٤ - وأوْلادُ الإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ.
٥ - والعَمّاتُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ.
٦ - والعَمُّ مِنَ الأُمِّ.
(p-١٠٩)٧ - والأخْوالُ.
٨ - والخالاتُ.
٩ - وبَناتُ الأعْمامِ.
١٠ - والجَدُّ أبُو الأُمِّ.
١١ - وكُلُّ جَدَّةٍ أدْلَتْ بِأبٍ بَيْنَ أُمَّيْنِ، أوْ بِأبٍ أعْلى مِنَ الجَدِّ.
فَهَؤُلاءِ، ومَن أدْلى لَهم يُسَمَّوْنَ ذَوِي الأرْحامِ، ومِمَّنْ قالَ بِتَوْرِيثِهِمْ إذا لَمْ يُوجَدْ وارِثٌ بِفَرْضٍ أوْ تَعْصِيبٍ إلّا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ الإمامُ أحْمَدُ.
وَيُرْوى هَذا القَوْلُ، عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وأبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وبِهِ قالَ شُرَيْحٌ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وعَلْقَمَةُ، ومَسْرُوقٌ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وغَيْرُهم.
نَقَلَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، واحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ الآيَةَ، ومِنَ السُّنَّةِ بِحَدِيثِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «مَن تَرَكَ مالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وأنا وارِثُ مَن لا وارِثَ لَهُ، أعْقِلُ عَنْهُ، وأرِثُهُ، والخالُ وارِثُ مَن لا وارِثَ لَهُ، يَعْقِلُ عَنْهُ ويَرِثُهُ» أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحاهُ، وحَسَّنَهُ أبُو زُرْعَةَ الرّازِيُّ، وأعَلَّهُ البَيْهَقِيُّ بِالِاضْطِرابِ، ونُقِلَ عَنْ يَحْيى بْنِ مَعِينٍ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ قَوِيٌّ، قالَهُ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ .
واحْتَجُّوا أيْضًا بِما رَواهُ أبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلٍ، أنَّ رَجُلًا رَمى رَجُلًا بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، ولَيْسَ لَهُ وارِثٌ إلّا خالٌ، فَكَتَبَ في ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ إلى عُمَرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”اللَّهُ ورَسُولُهُ مَوْلى مَن لا مَوْلى لَهُ، والخالُ وارِثُ مَن لا وارِثَ لَهُ»“ رَواهُ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، ورَوى التِّرْمِذِيُّ المَرْفُوعَ مِنهُ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
قالَ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي البابِ عَنْ عائِشَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ، والدّارَقُطْنِيِّ، مِن رِوايَةِ طاوُسٍ، عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الخالُ وارْثُ مَن لا وارِثَ لَهُ»، قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وأعَلَّهُ النَّسائِيُّ بِالِاضْطِرابِ، ورَجَّحَ الدّارَقُطْنِيُّ، (p-١١٠)والبَيْهَقِيُّ وقْفَهُ.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: وقَدْ أرْسَلَهُ بَعْضُهم ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عائِشَةَ.
وَقالَ البَزّارُ: أحْسَنُ إسْنادٍ فِيهِ حَدِيثُ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلٍ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، والعُقَيْلِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، كُلُّها مَرْفُوعَةٌ. اهـ.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: وإلى هَذا الحَدِيثِ ذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ في تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِما رَواهُ أبُو داوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ جَعَلَ مِيراثَ ابْنِ المُلاعَنَةِ لِأُمِّهِ ولِوَرَثَتِها مِن بَعْدِها»: وفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا عِنْدِي، أنَّ الخالَ يَرِثُ مَن لا وارِثَ لَهُ، دُونَ غَيْرِهِ مِن ذَوِي الأرْحامِ؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالحَدِيثَيْنِ المَذْكُورَيْنِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المِيراثَ لا يَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ، وعُمُومُ الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ لا يَنْهَضُ دَلِيلًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ» كَما تَقَدَّمَ.
فَإذا عَلِمْتَ أقْوالَ العُلَماءِ، وحُجَجَهم في إرْثِ ذَوِي الأرْحامِ وعَدَمِهِ، فاعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِالتَّوْرِيثِ: اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّتِهِ، فَذَهَبَ المَعْرُوفُونَ مِنهم بِأهْلِ التَّنْزِيلِ إلى تَنْزِيلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَنزِلَةَ مَن يُدْلِي بِهِ مِنَ الوَرَثَةِ، فَيُجْعَلُ لَهُ نَصِيبُهُ، فَإنْ بَعُدُوا نَزَلُوا دَرَجَةً دَرَجَةً، إلى أنْ يَصِلُوا مَن يُدْلُونَ بِهِ، فَيَأْخُذُونَ مِيراثَهُ، فَإنْ كانَ واحِدًا أخَذَ المالَ كُلَّهُ، وإنْ كانُوا جَماعَةً، قُسِّمَ المالُ بَيْنَ مَن يُدْلُونَ بِهِ، فَما حَصَلَ لِكُلِّ وارِثٍ جُعِلَ لِمَن يُدْلِي بِهِ، فَإنْ بَقِيَ مِن سِهامِ المَسْألَةِ شَيْءٌ، رُدَّ عَلَيْهِمْ عَلى قَدْرِ سِهامِهِمْ.
وَهَذا هو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وهو قَوْلُ عَلْقَمَةَ، ومَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وحَمّادٍ، ونُعَيْمٍ، وشَرِيكٍ، وابْنِ أبِي لَيْلى، والثَّوْرِيِّ، وغَيْرِهِمْ؛ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ .
وَقالَ أيْضًا: قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُما نَزَّلا بِنْتَ البِنْتِ مَنزِلَةَ البِنْتِ، وبِنْتَ الأخِ مَنزِلَةَ الأخِ، وبِنْتَ الأُخْتِ مَنزِلَةَ الأُخْتِ، والعَمَّةَ مَنزِلَةَ الأبِ، والخالَةَ مَنزِلَةَ الأُمِّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في العَمَّةِ، والخالَةِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: أنَّهُ نَزَّلَ العَمَّةَ مَنزِلَةَ العَمِّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلْقَمَةَ، ومَسْرُوقٍ، وهي الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنْ أحْمَدَ، وعَنِ الثَّوْرِيِّ وأبِي عُبَيْدٍ: أنَّهُما نَزَّلاها مَنزِلَةَ الجَدِّ مَعَ ولَدِ (p-١١١)الإخْوَةِ والأخَواتِ، ونَزَّلَها آخَرُونَ مَنزِلَةَ الجَدَّةِ.
وَإنَّما صارَ هَذا الخِلافُ في العَمَّةِ؛ لِأنَّها أدْلَتْ بِأرْبَعِ جِهاتٍ وارِثاتٍ: فالأبُ والعَمُّ أخَواها، والجَدُّ والجَدَّةُ أبَواها، ونَزَّلَ قَوْمَ الخالَةِ مَنزِلَةَ جَدَّةٍ؛ لِأنَّ الجَدَّةَ أُمُّها، والصَّحِيحُ مِن ذَلِكَ تَنْزِيلُ العَمَّةِ أبًا، والخالَةِ أُمًّا. اهـ. مِنَ ”المُغْنِي“ .
وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ أُخْرى مِمَّنْ قالَ بِالتَّوْرِيثِ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ إلى أنَّهم يُوَرَّثُونَ عَلى تَرْتِيبِ العَصَباتِ، فَقالُوا: يُقَدَّمُ أوْلادُ المَيِّتِ وإنْ سَفَلُوا، ثُمَّ أوْلادُ أبَوَيْهِ أوْ أحَدُهُما وإنْ سَفَلُوا، ثُمَّ أوْلادُ أبَوَيْ أبَوَيْهِ وإنْ سَفَلُوا، وهَكَذا أبَدًا لا يَرِثُ بَنُو أبٍ أعْلى وهُناكَ بَنُو أبٍ أقْرَبُ مِنهُ، وإنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهم.
وَعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّهُ جَعَلَ أبا الأُمِّ، وإنْ عَلا أوْلى مِن ولَدِ البَناتِ، ويُسَمّى مَذْهَبُ هَؤُلاءِ: مَذْهَبَ أهْلِ القَرابَةِ.
وَ العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى