Adwa' Al-Bayan — التوبة 9:1 – هود 11:118
المحتويات
- التوبة 9:1
- التوبة 9:2
- التوبة 9:4
- التوبة 9:5
- التوبة 9:13
- التوبة 9:23
- التوبة 9:25
- التوبة 9:30
- التوبة 9:34
- التوبة 9:41
- التوبة 9:60
- التوبة 9:61
- التوبة 9:64
- التوبة 9:74
- التوبة 9:81
- التوبة 9:83
- التوبة 9:86
- التوبة 9:100
- التوبة 9:101
- التوبة 9:114
- التوبة 9:128
- التوبة 9:129
- يونس 10:4
- يونس 10:10
- يونس 10:12
- يونس 10:15
- يونس 10:16
- يونس 10:18
- يونس 10:24
- يونس 10:28
- يونس 10:30
- يونس 10:31
- يونس 10:34
- يونس 10:37
- يونس 10:39
- يونس 10:41
- يونس 10:45
- يونس 10:46
- يونس 10:47
- يونس 10:51
- يونس 10:81
- يونس 10:88
- يونس 10:93
- يونس 10:96
- يونس 10:98
- يونس 10:99
- يونس 10:101
- يونس 10:105
- يونس 10:106
- يونس 10:109
- هود 11:1
- هود 11:2
- هود 11:3
- هود 11:5
- هود 11:7
- هود 11:8
- هود 11:15
- هود 11:17
- هود 11:20
- هود 11:24
- هود 11:27
- هود 11:28
- هود 11:29
- هود 11:40
- هود 11:41
- هود 11:42
- هود 11:45
- هود 11:58
- هود 11:66
- هود 11:69
- هود 11:72
- هود 11:74
- هود 11:76
- هود 11:77
- هود 11:80
- هود 11:81
- هود 11:82
- هود 11:83
- هود 11:88
- هود 11:91
- هود 11:107
- هود 11:118
التوبة 9:1
(p-١١٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّوْبَةِ
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لَمْ يَكْتُبُوا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“، هَذِهِ في المَصاحِفِ العُثْمانِيَّةِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في سَبَبِ سُقُوطِ البَسْمَلَةِ مِنها عَلى أقْوالٍ:
مِنها: أنَّ البَسْمَلَةَ رَحْمَةٌ وأمانٌ و ”بَراءَةٌ“ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، فَلَيْسَ فِيها أمانٌ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
وَمِنها: أنَّ ذَلِكَ عَلى عادَةِ العَرَبِ إذا كَتَبُوا كِتابًا فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ أسْقَطُوا مِنهُ البَسْمَلَةَ، فَلَمّا أرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَقْرَأها عَلَيْهِمْ في المَوْسِمِ، قَرَأها، ولَمْ يُبَسْمِلْ عَلى عادَةِ العَرَبِ في شَأْنِ نَقْضِ العَهْدِ، نَقَلَ هَذا القَوْلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ.
وَمِنها: أنَّ الصَّحابَةَ لَمّا اخْتَلَفُوا: هَلْ ”بَراءَةٌ“ و ”الأنْفالُ“ سُورَةٌ واحِدَةٌ أوْ سُورَتانِ، تَرَكُوا بَيْنَهُما فَرْجَةً لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُما سُورَتانِ، وتَرَكُوا البَسْمَلَةَ لِقَوْلِ مَن قالَ: هُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، فَرَضِيَ الفَرِيقانِ وثَبَتَتْ حُجَّتاهُما في المُصْحَفِ.
وَمِنها: أنَّ سُورَةَ ”بَراءَةٌ“ نُسِخَ أوَّلُها فَسَقَطَتْ مَعَهُ البَسْمَلَةُ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ، وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، عَنْ مالِكٍ، كَما نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ.
وَعَنِ ابْنِ عَجْلانَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّها كانَتْ تَعْدِلُ سُورَةَ ”البَقَرَةِ“ .
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّ البَسْمَلَةَ لَمْ تُكْتَبْ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يَنْزِلْ بِها فِيها. قالَهُ القُشَيْرِيُّ. اهـ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّ سَبَبَ سُقُوطِ البَسْمَلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، هو ما قالَهُ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِابْنِ عَبّاسٍ.
فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وأبُو داوُدَ، والإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ حِبّانَ، في ”صَحِيحِهِ“ والحاكِمُ في ”المُسْتَدْرَكِ“ وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ، ولَمْ يُخْرِجاهُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ: ما حَمَلَكم عَلى أنْ عَمَدْتُمْ إلى الأنْفالِ وهي (p-١١٣)مِنَ المَثانِي وإلى بَراءَةٌ وهي مِنَ المِائِينَ فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُما، ولَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُما سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١] ووَضَعْتُمُوهُما في السَّبْعِ الطُّوَلِ فَما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ ؟
فَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كانَ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَدْعُو بَعْضَ مَن يَكْتُبُ عِنْدَهُ، فَيَقُولُ: ”ضَعُوا هَذا في السُّورَةِ الَّتِي فِيها كَذا وكَذا“، وتَنْزِلُ عَلَيْهِ الآياتُ فَيَقُولُ: ”ضَعُوا هَذِهِ الآياتِ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها كَذا وكَذا“، وكانَتِ ”الأنْفالُ“ مِن أوائِلِ ما أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ، و ”بَراءَةٌ“ مِن آخِرِ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ، وكانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها، وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنَّها مِنها فَظَنَنْتُ أنَّها مِنها، فَمِن ثَمَّ قَرَنْتُ بَيْنَهُما ولَمْ أكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١]، ووَضَعْتُها في السَّبْعِ الطُّوَلِ» . اهـ.
تَنْبِيهانِ
الأوَّلُ: يُؤْخَذُ مِن هَذا الحَدِيثِ أنَّ تَرْتِيبَ آياتِ القُرْآنِ بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وهو كَذَلِكَ بِلا شَكٍّ، كَما يُفْهَمُ مِنهُ أيْضًا: أنَّ تَرْتِيبَ سُوَرِهِ بِتَوْقِيفٍ أيْضًا، فِيما عَدا سُورَةِ ”بَراءَةٌ“، وهو أظْهَرُ الأقْوالِ، ودَلالَةُ الحَدِيثِ عَلَيْهِ ظاهِرَةٌ.
التَّنْبِيهُ الثّانِي: قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: في هَذا الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القِياسَ أصْلٌ في الدِّينِ: ألا تَرى إلى عُثْمانَ وأعْيانِ الصَّحابَةِ كَيْفَ لَجَئُوا إلى قِياسِ الشَّبَهِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، ورَأوْا أنَّ قِصَّةَ ”بَراءَةٌ“ شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ ”الأنْفالِ“ فَألْحَقُوها بِها، فَإذا كانَ القِياسُ يَدْخُلُ في تَأْلِيفِ القُرْآنِ، فَما ظَنُّكَ بِسائِرِ الأحْكامِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ .
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ الكُفّارِ المُعاهَدِينَ، وأنَّهُ بَعْدَ انْقِضاءِ أشْهُرِ الإمْهالِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، لا عَهْدَ لِكافِرٍ.
وَفِي هَذا اخْتِلافٌ كَثِيرٌ بَيْنَ العُلَماءِ، والَّذِي يُبَيِّنُهُ القُرْآنُ، ويَشْهَدُ لَهُ مِن تِلْكَ الأقْوالِ، هو أنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إنَّما هو في أصْحابِ العُهُودِ المُطْلَقَةِ غَيْرِ المُوَقَّتَةِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، أوْ مَن كانَتْ مُدَّةُ عَهْدِهِ المُوَقَّتِ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَتَكْمُلُ لَهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، أمّا أصْحابُ العُهُودِ المُوَقَّتَةِ الباقِي مِن مُدَّتِها أكْثَرُ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإنَّهُ يَجِبُ لَهم إتْمامُ مُدَّتِهِمْ، ودَلِيلُهُ المُبَيِّنُ لَهُ مِنَ القُرْآنِ، هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ (p-١١٤)[التوبة: ٤]، وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وغَيْرِ واحِدٍ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ ويُؤَيِّدُهُ «حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، بَعَثَهُ حِينَ أُنْزِلَتْ ”بَراءَةٌ“ بِأرْبَعٍ: ألّا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ. \ ٥ ولا يَقْرَبَ المَسْجِدَ الحَرامَ مُشْرِكٌ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا.
وَمَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَهو إلى مُدَّتِهِ.
وَلا يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ» .
التوبة 9:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ .
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَ ابْتِداءُ التَّأْجِيلِ بِالأشْهُرِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ مِن شَوّالٍ، وآخِرُهُ سَلْخَ المُحَرَّمِ، وبِهِ قالَ الزُّهْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ولَكِنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ابْتِداءَها مِن يَوْمِ النَّحْرِ عَلى الأصَحِّ مِن أنَّهُ يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، أوْ يَوْمُ عَرَفَةَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ هو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ . وهو صَرِيحٌ في أنَّ ابْتِداءَ الإعْلامِ المَذْكُورِ مِن يَوْمِ الحَجِّ الأكْبَرِ، وهو يَوْمُ النَّحْرِ، ولا يَخْفى انْتِهاؤُها في العَشْرِ مِن رَبِيعٍ الثّانِي.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وقالَ الزُّهْرِيُّ: كانَ ابْتِداءُ التَّأْجِيلِ مِن شَوّالٍ، وآخِرُهُ سَلْخَ المُحَرَّمِ، وهَذا القَوْلُ غَرِيبٌ، وكَيْفَ يُحاسَبُونَ بِمُدَّةٍ لَمْ يَبْلُغْهم حُكْمُها، وإنَّما ظَهَرَ لَهم أمْرُها يَوْمَ النَّحْرِ، حِينَ نادى أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ .
التوبة 9:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾ .
يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المُشْرِكِينَ إذا نَقَضُوا العَهْدَ جازَ قِتالُهم، ونَظِيرُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وهَذا المَفْهُومُ في الآيَتَيْنِ صَرَّحَ بِهِ جَلَّ وعَلا في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢] .
التوبة 9:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالأشْهُرِ الحُرُمِ في هَذِهِ الآيَةِ.
(p-١١٥)فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّها المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى. ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، قالَ أبُو جَعْفَرٍ الباقِرُ.
وَلَكِنْ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: آخِرُ الأشْهُرِ الحُرُمِ في حَقِّهِمُ المُحَرَّمُ، وحَكى نَحْوَ قَوْلِهِ هَذا عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الضَّحّاكُ.
وَلَكِنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِها أشْهُرُ الإمْهالِ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: والَّذِي يَظْهَرُ مِن حَيْثُ السِّياقُ، ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، في رِوايَةِ العَوْفِيِّ عَنْهُ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: أنَّ المُرادَ بِها الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ المَنصُوصُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥]، أيْ: إذا انْقَضَتِ الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ الَّتِي حَرَّمْنا عَلَيْكم قِتالَهم فِيها، وأجَّلْناهم فِيها، فَحَيْثُما وجَدْتُمُوهم فاقْتُلُوهم؛ لِأنَّ عَوْدَ العَهْدِ عَلى مَذْكُورٍ أوْلى مِن مُقَدَّرٍ، مَعَ أنَّ الأشْهُرَ الأرْبَعَةَ المُحَرَّمَةَ سَيَأْتِي بَيانُ حُكْمِها في آيَةٍ أُخْرى اهـ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٢٩٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ بَراءَةٌ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ .
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأشْهُرِ الحُرُمِ أشْهَرُ المُهْلَةِ المَنصُوصِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [ ٩ ]، لا الأشْهُرُ الحُرُمُ الَّتِي هي ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ عَلى الصَّحِيحِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ العَوْفِيِّ عَنْهُ.
وَبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ واسْتَظْهَرَ هَذا القَوْلَ ابْنُ كَثِيرٍ لِدَلالَةِ سِياقِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، ولِأقْوالِ هَؤُلاءِ العُلَماءِ خِلافًا لِابْنِ جَرِيرٍ.
وَعَلَيْهِ فالآيَةُ تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى قِتالِ الكُفّارِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ المَعْرُوفَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ أشْهَرِ الإمْهالِ الأرْبَعَةِ وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى عَدَمِ القِتالِ فِيها وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] .
والجَوابُ أنَّ تَحْرِيمَ الأشْهُرِ الحُرُمِ مَنسُوخٌ بِعُمُومِ آياتِ السَّيْفِ ومَن يَقُولُ بِعَدَمِ النَّسْخِ يَقُولُ: هو مُخَصِّصٌ لَها، والظّاهِرُ أنَّ الصَّحِيحَ كَوْنُها مَنسُوخَةً، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ في حِصارِ ثَقِيفٍ في الشَّهْرِ الحَرامِ، الَّذِي هو ذُو القَعْدَةِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ خَرَجَ إلى هَوازِنَ في شَوّالٍ، فَلَمّا كَسَرَهم واسْتَفاءَ أمْوالَهم ورَجَعَ فَلُّهم لَجَأُوا إلى الطّائِفِ، فَعَمَدَ إلى الطّائِفِ فَحاصَرَهم أرْبَعِينَ يَوْمًا وانْصَرَفَ ولَمْ يَفْتَحْها، فَثَبَتَ أنَّهُ حاصَرَ في الشَّهْرِ الحَرامِ وهَذا القَوْلُ هو المَشْهُورُ عِنْدَ العُلَماءِ وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسِخٌ لِقَوْلِهِ ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾
• وقَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ [ ٥ ]،
• وقَوْلِهِ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٤] .
(p-٢٩٨)
والمَنسُوخُ مِن هَذِهِ ومِن قَوْلِهِ: ﴿أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، هو تَحْرِيمُ الشَّهْرِ في الأُولى والأشْهُرِ في الثّانِيَةِ فَقَطْ دُونَ ما تَضَمَّنَتاهُ مِنَ الخَبَرِ، لِأنَّ الخَبَرَ لا يَجُوزُ نَسْخُهُ شَرْعًا.
التوبة 9:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ، وصَرَّحَ في مَواضِعَ أُخَرَ بِأنَّهم أخْرَجُوهُ بِالفِعْلِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٠]، وذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ: مُحاوَلَتَهم لِإخْراجِهِ قَبْلَ أنْ يُخْرِجُوهُ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]،
وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها﴾ .
التوبة 9:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ الآيَةَ.
نَهى اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ، ولَوْ كانُوا قُرَباءَ، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: بِأنَّ الِاتِّصافَ بِوَصْفِ الإيمانِ مانِعٌ مِن مُوادَّةِ الكُفّارِ ولَوْ كانُوا قُرَباءَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ٢٢] .
التوبة 9:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وُلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ .
(p-١١٦)ذَكَرَ تَعالى ما أصابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وذَكَرَ ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وصَرَّحَ بِأنَّهُ تابَ عَلى مَن تَوَلّى يَوْمَ أُحُدٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وأشارَ هُنا إلى تَوْبَتِهِ عَلى مَن تَوَلّى يَوْمَ حُنَيْنٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٦] كَما أشارَ بَعْضُ العُلَماءِ إلَيْهِ.
التوبة 9:30
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ فِيها التَّنْصِيصُ الصَّرِيحُ عَلى أنَّ كُفّارَ أهْلِ الكِتابِ مُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ وُجُوهَ شِرْكِهِمْ، بِجَعْلِهِمُ الأوْلادَ لِلَّهِ واتِّخاذِهِمُ الأحْبارَ والرُّهْبانَ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، لِإجْماعِ العُلَماءِ أنَّ كُفّارَ أهْلِ الكِتابِ داخِلُونَ فِيها.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسُوا مِنَ المُشْرِكِينَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ الآيَةَ [ ٩٨ ]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ [البينة: ٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٥]،
والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ وجْهَ الجَمْعِ أنَّ الشِّرْكَ الأكْبَرَ المُقْتَضِي لِلْخُرُوجِ مِنَ المِلَّةِ أنْواعٌ، وأهْلُ الكِتابِ مُتَّصِفُونَ بِبَعْضِها وغَيْرُ مُتَّصِفِينَ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنها، أمّا البَعْضُ الَّذِي هم غَيْرُ مُتَّصِفِينَ بِهِ فَهو ما اتَّصَفَ بِهِ كُفّارُ مَكَّةَ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ صَرِيحًا، ولِذا عَطَفَهم عَلَيْهِمْ لِاتِّصافِ كُفّارِ مَكَّةَ بِما لَمْ يَصِفْ بِهِ أهْلَ الكِتابِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، وهَذِهِ المُغايَرَةُ هي الَّتِي سَوَّغَتِ العَطْفَ، فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ أهْلُ الكِتابِ مُشْرِكِينَ بِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ الشِّرْكِ الأكْبَرِ، وهو طاعَةُ الشَّيْطانِ والأحْبارِ والرُّهْبانِ، فَإنَّ مُطِيعَ الشَّيْطانِ إذا كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ صَوابٌ فَهو عابِدُ الشَّيْطانِ مُشْرِكٌ بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ الشِّرْكَ الأكْبَرَ المُخَلِّدَ في النّارِ، كَما بَيَّنَتْهُ النُّصُوصُ القُرْآنِيَّةُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، فَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا﴾ . . . صَحَّ. . . مَعْناهُ وما يَعْبُدُونَ إلّا شَيْطانًا لِأنَّ عِبادَتَهم لِلشَّيْطانِ طاعَتُهُمِ لَهُ فِيما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [يس: ٦٠] .
وَقَوْلُهُ تَعالى عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ (p-٢٩٩)[مريم: ٤٤]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٤١] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٣٧]، فَكُلُّ هَذا الكُفْرِ بِشِرْكِ الطّاعَةِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، «وَلَمّا أوْحى الشَّيْطانُ إلى كُفّارِ مَكَّةَ أنْ يَسْألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الشّاةِ تُصْبِحُ مَيِّتَةً مَن قَتَلَها وأنَّهُ إذا قالَ ﷺ اللَّهُ قَتَلَها أنْ يَقُولُوا: ما قَتَلْتُمُوهُ بِأيْدِيكم حَلالٌ وما قَتَلَهُ اللَّهُ حَرامٌ فَأنْتُمْ إذًا أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ، أنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾» [الأنعام: ١٢١]، فَأقْسَمَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن أطاعَ الشَّيْطانَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ أنَّهُ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ، ولَمّا «سَألَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا﴾ [التوبة: ٣١]، كَيْفَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا ؟ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ألَمْ يُحِلُّوا لَهم ما حَرَّمَ اللَّهُ ويُحَرِّمُوا عَلَيْهِمْ ما أحَلَّ اللَّهُ فاتَّبَعُوهم ؟، قالَ: بَلى، قالَ: بِذَلِكَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا»، فَبانَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ مُشْرِكُونَ مِن هَذا الوَجْهِ الشِّرْكَ الأكْبَرَ، وإنْ كانُوا كُفّارَ مَكَّةَ في صَرِيحِ عِبادَةِ الأوْثانِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
التوبة 9:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أظْهَرُ الأقْوالِ وأقْرَبُها لِلصَّوابِ في مَعْنى: ﴿يَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤] في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ المُرادَ بِكَنْزِهِمُ الذَّهَبَ والفِضَّةَ وعَدَمِ إنْفاقِهِمْ لَها في سَبِيلِ اللَّهِ، أنَّهم لا يُؤَدُّونَ زَكاتَهُما.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأمّا الكَنْزُ ؟ فَقالَ مالِكٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: هو المالُ الَّذِي لا تُؤَدّى زَكاتُهُ.
وَرَوى الثَّوْرِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وإنْ كانَ تَحْتَ سَبْعِ أرْضِينَ، وما كانَ ظاهِرًا لا تُؤَدّى زَكاتُهُ فَهو كَنْزٌ، وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا.
وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ نَحْوَهُ: أيُّما مالٍ أُدِّيَتْ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وإنْ كانَ مَدْفُونًا في الأرْضِ، وأيُّما مالٍ لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ فَهو كَنْزٌ يُكْوى بِهِ صاحِبُهُ، وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الأرْضِ اهـ.
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القَوْلَ أصْوَبُ الأقْوالِ؛ لِأنَّ مَن أدّى الحَقَّ الواجِبَ في المالِ الَّذِي هو الزَّكاةُ لا يُكْوى بِالباقِي إذا أمْسَكَهُ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ تُطَهِّرُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣]، ولِأنَّ المَوارِيثَ ما جُعِلَتْ إلّا في أمْوالٍ تَبْقى بَعْدَ مالِكِيها.
وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ، حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وغَيْرِهِ في «قِصَّةِ الأعْرابِيِّ أخِي بَنِي سَعْدٍ، مِن هَوازِنَ، وهو ضِمامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ لَمّا أخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ: بِأنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِ الزَّكاةَ، وقالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها، فَإنَّ النَّبِيَّ قالَ لَهُ: ”لا، إلّا أنْ تَطَوَّعَ»“: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقَدْ قَدَّمْنا في ”البَقَرَةِ“ تَحْقِيقًا أنَّهُ ما زادَ (p-١١٧)عَلى الحاجَةِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها، وقَوْلُهُ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ» الحَدِيثَ؛ لِأنَّ صَدَقَةً نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهي تَعُمُّ نَفْيَ كُلِّ صَدَقَةٍ.
وَفِي الآيَةِ أقْوالٌ أُخَرُ:
مِنها: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآياتِ الزَّكاةِ كَقَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآيَةَ.
وَذَكَرَ البُخارِيُّ هَذا القَوْلَ بِالنَّسْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا، وبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وعِراكُ بْنُ مالِكٍ. اهـ.
وَعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: أرْبَعَةُ آلافٍ فَما دُونَها نَفَقَةٌ، وما كانَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهو كَنْزٌ، ومَذْهَبُ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْرُوفٌ، وهو أنَّهُ يَحْرُمُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَدَّخِرَ شَيْئًا فاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيالِهِ. اهـ. ولا يَخْفى أنَّ ادِّخارَ ما أُدِّيَتَ حُقُوقُهُ الواجِبَةُ لا بَأْسَ بِهِ، وهو كالضَّرُورِيِّ عِنْدَ عامَّةِ المُسْلِمِينَ.
فَإنْ قِيلَ: ما الجَوابُ عَمّا رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، «عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: ماتَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ، وتَرَكَ دِينارَيْنِ أوْ دِرْهَمَيْنِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَيَّتانِ، صَلُّوا عَلى صاحِبِكم»“ اهـ. وما رَواهُ قَتادَةُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ، قالَ: «ماتَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارٌ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَيَّةٌ“، ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارانِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَيَّتانِ»“، وما رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «تَبًّا لِلذَّهَبِ، تَبًّا لِلْفِضَّةِ ”يَقُولُها ثَلاثًا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالُوا: فَأيَّ مالٍ نَتَّخِذُ ؟ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا أعْلَمُ لَكم ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ أصْحابَكَ قَدْ شُقَّ عَلَيْهِمْ، وقالُوا: فَأيَّ المالِ نَتَّخِذُ ؟ فَقالَ:“ لِسانًا ذاكِرًا وقَلْبًا شاكِرًا وزَوْجَةً تُعِينُ أحَدَكم عَلى دِينِهِ» . ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ.
فالجَوابُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ هَذا التَّغْلِيظَ كانَ أوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِفَرْضِ الزَّكاةِ، كَما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“: قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: ورَدَتْ عَنْ أبِي ذَرٍّ آثارٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ كُلَّ مالٍ مَجْمُوعٍ يَفْضُلُ عَنِ القُوتِ وسَدادِ العَيْشِ، فَهو كَنْزٌ يُذَمُّ فاعِلُهُ، وأنَّ آيَةَ الوَعِيدِ نَزَلَتْ في ذَلِكَ.
وَخالَفَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم، وحَمَلُوا الوَعِيدَ عَلى مانِعِ الزَّكاةِ، إلى أنْ (p-١١٨)قالَ: فَكانَ ذَلِكَ واجِبًا في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ أبُو ذَرٍّ يَسْمَعُ الحَدِيثَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ الشِّدَّةُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلى قَوْمِهِ، ثُمَّ يُرَخِّصُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلا يَسْمَعُ الرُّخْصَةَ، ويَتَعَلَّقُ بِالأمْرِ الأوَّلِ. اهـ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي في خُصُوصِ أهْلِ الكِتابِ، بِدَلِيلِ اقْتِرانِها مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣٤] .
فَإذا عَلِمْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ، وأنَّها في مَن لا يُؤَدِّي الزَّكاةَ، فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِها هو المُشارُ إلَيْهِ في آياتِ الزَّكاةِ، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، أنَّ البَيانَ بِالقُرْآنِ إذا كانَ غَيْرَ وافٍ بِالمَقْصُودِ نُتَمِّمُ البَيانَ مِنَ السُّنَّةِ، مِن حَيْثُ إنَّها بَيانٌ لِلْقُرْآنِ المُبَيَّنِ بِهِ، وآياتُ الزَّكاةِ
• كَقَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآيَةَ،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]،
لا تَفِي بِالبَيانِ فَتُبَيِّنُهُ بِالسُّنَّةِ، وقَدْ قالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادُ المالِكِيُّ، تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ: زَكاةَ العَيْنِ، وهي تَجِبُ بِأرْبَعَةِ شُرُوطٍ، حُرِيَّةٍ، وإسْلامٍ، وحَوْلٍ، ونِصابٍ سَلِيمٍ مِنَ الدَّيْنِ. اهـ وفي بَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ خِلافٌ.
* *
مَسائِلُ مِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
المَسْألَةُ الأُولى: في قَدْرِ نِصابِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وفي القَدْرِ الواجِبِ إخْراجُهُ مِنهُما.
أمّا نِصابُ الفِضَّةِ، فَقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ مِائَتا دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ، ووَزْنُ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيُّ سِتَّةُ دَوانِقَ، وكُلُّ عَشَرَةِ دَراهِمَ شَرْعِيَّةٍ فَهي سَبْعَةُ مَثاقِيلَ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا شَرْعِيًّا.
وَكُلُّ هَذا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ فَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ المَرِيسِيِّ، الَّذِي خَرَقَ بِهِ الإجْماعَ، وهو اعْتِبارُ العَدَدِ في الدَّراهِمِ لا الوَزْنِ، ولا بِما انْفَرَدَ بِهِ السَّرَخْسِيُّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، زاعِمًا أنَّهُ وجْهٌ في المَذْهَبِ، مِن أنَّ الدّارِهِمَ المَغْشُوشَةَ إذا بَلَغَتْ قَدْرًا لَوْ ضُمَّ إلَيْهِ قِيمَةُ الغِشِّ مِن نُحاسٍ مَثَلًا لَبَلَغَ نِصابًا أنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ فِيهِ، كَما نَقَلَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، ولا بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ الأنْدَلُسِيِّ، إنَّ أهْلَ كُلِّ بَلَدٍ يَتَعامَلُونَ بِدَراهِمِهِمْ، ولا بِما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مِنِ اخْتِلافِ الوَزْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى دَراهِمِ الأنْدَلُسِ وغَيْرِها مِن دَراهِمِ البِلادِ؛ لِأنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ (p-١١٩)الصَّرِيحَةَ الَّتِي أجْمَعَ عَلَيْها المُسْلِمُونَ مُبَيِّنَةٌ أنَّ نِصابَ الفِضَّةِ مِائَتا دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ بِالوَزْنِ الَّذِي كانَ مَعْرُوفًا في مَكَّةَ. اهـ.
إلى ص ٤٣٥ وكُلُّ سَبْعَةِ مَثاقِيلَ فَهي عَشَرَةُ دَراهِمَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسِ أواقٍ صَدَقَةٌ»، ورَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، وجُمْهُورُ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ، عَلى أنَّ الأُوقِيَّةَ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وما ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدٍ وغَيْرُهُ - مِن أنَّ الدِّرْهَمَ كانَ مَجْهُولًا قَدْرُهُ حَتّى جاءَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ، فَجَمَعَ العُلَماءَ فَجَعَلُوا كُلَّ عَشَرَةِ دَراهِمَ سَبْعَةَ مَثاقِيلَ - لا يَخْفى سُقُوطَهُ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نِصابُ الزَّكاةِ وقَطْعُ السَّرِقَةِ مَجْهُولًا في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وخُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، حَتّى يُحَقِّقَهُ عَبْدُ المَلِكِ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ما نُقِلَ مِن ذَلِكَ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنها مِن ضَرْبِ الإسْلامِ، وكانَتْ مُخْتَلِفَةَ الوَزْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَدَدِ: فَعَشَرَةٌ مَثَلًا وزْنُ عَشَرَةٍ، وعَشَرَةٌ وزْنُ ثَمانِيَةٍ، فاتَّفَقَ الرَّأْيُ عَلى أنْ تُنْقَشَ بِكِتابَةٍ عَرَبِيَّةٍ ويُصَيِّرُونَها وزْنًا واحِدًا.
وَقَدْ ذَكَرْنا تَحْقِيقَ وزْنِ الدِّرْهَمِ في الأنْعامِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يُغْتَفَرُ في نِصابِ الفِضَّةِ النَّقْصُ اليَسِيرُ الَّذِي تَرُوجُ مَعَهُ الدَّراهِمُ رَواجَ الكامِلَةِ.
وَظاهِرُ النُّصُوصِ أنَّهُ لا زَكاةَ إلّا في نِصابٍ كامِلٍ؛ لِأنَّ النّاقِصَ ولَوْ بِقَلِيلٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ دُونَ خَمْسِ أواقٍ، والنَّبِيُّ ﷺ: ”صَرَّحَ بِأنَّ ما دُونَها لَيْسَ فِيهِ صَدَقَةٌ“ .
فَإذا حَقَّقْتَ النَّصَّ والإجْماعَ: عَلى أنَّ نِصابَ الفِضَّةِ مِائَتا دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ، وهي وزْنُ مِائَةٍ وأرْبَعِينَ مِثْقالًا مِنَ الفِضَّةِ الخالِصَةِ، فاعْلَمْ أنَّ القَدْرَ الواجِبَ إخْراجُهُ مِنها رُبْعُ العُشْرِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”وَفي الرِّقَّةِ رُبُعُ العُشْرِ“ والرِّقَّةُ: الفِضَّةُ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في بابِ ”زَكاةِ الغَنَمِ“: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُثَنّى الأنْصارِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنِي ثُمامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أنَسٍ، أنَّ أنَسًا حَدَّثَهُ، أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَتَبَ لَهُ هَذا الكِتابَ لَمّا وجَّهَهُ إلى البَحْرِينِ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ، الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المُسْلِمِينَ، والَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ“ الحَدِيثَ: وفِيهِ، وفي الرِّقَّةِ: رُبُعُ العُشْرِ، وهو نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ (p-١٢٠)أجْمَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ.
فَتَحَصَّلَ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ في وُجُوبِ الزَّكاةِ في الفِضَّةِ، ولا خِلافَ بَيْنِهِمْ في أنَّ نِصابَها مِائَتا دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ، ولا خِلافَ بَيْنَهم في أنَّ اللّازِمَ فِيها رُبُعُ العُشْرِ.
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ: عَلى أنَّها لا وقْصَ فِيها خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، والشَّعْبِيِّ، ومَكْحُولٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، والزُّهْرِيِّ، القائِلِينَ: بِأنَّهُ لا شَيْءَ في الزِّيادَةِ عَلى المِائَتَيْنِ حَتّى تَبْلُغَ أرْبَعِينَ، فَفِيها دِرْهَمٌ.
وَأمّا الذَّهَبُ: فَجَماهِيرُ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ، عَلى أنَّ نِصابَهُ عِشْرُونَ دِينارًا، والدِّينارُ: هو المِثْقالُ، فَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَن شَذَّ وخالَفَ جَماهِيرَ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: أنَّ نِصابَ الذَّهَبِ أرْبَعُونَ دِينارًا، وكَقَوْلِ طاوُسٍ، إنَّ نِصابَ الذَّهَبِ مُعْتَبَرٌ بِالتَّقْوِيمِ بِالفِضَّةِ، فَما بَلَغَ مِنهُ قِيمَةَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وجَبَتْ فِيهِ الزَّكاةُ، وجَماهِيرُ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ أيْضًا، عَلى أنَّ الواجِبَ فِيهِ رُبُعُ العُشْرِ.
والدَّلِيلُ عَلى ما ذَكَرْنا عَنْ جُمْهُورِ عُلَماءِ الأُمَّةِ، أنَّ نِصابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينارًا، والواجِبُ فِيهِ رُبُعُ العُشْرِ، ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، في سُنَنِهِ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ المَهْرِيُّ، أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ، أخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ، وسُمِّيَ آخَرُ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، والحارِثِ الأعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: «فَإذا كانَتْ لَكَ مِائَتا دِرْهَمٍ وحالَ عَلَيْها الحَوْلُ فَفِيها خَمْسَةُ دَراهِمَ، ولَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ ”يَعْنِي في الذَّهَبِ“ حَتّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينارًا، فَإذا كانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينارًا وحالَ عَلَيْها الحَوْلُ، فَفِيها نِصْفُ دِينارٍ، فَما زادَ فَبِحِسابِ ذَلِكَ»، قالَ: فَلا أدْرِي أعَلِيٌّ يَقُولُ فَبِحِسابٍ ذَلِكَ، أوْ رَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ؟ ولَيْسَ في مالٍ زَكاةٌ حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ، إلّا أنَّ جَرِيرًا قالَ: ابْنُ وهْبٍ، يَزِيدُ في الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَيْسَ في مالِ زَكاةٍ حَتّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ» اهـ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الحَدِيثُ مُضَعَّفٌ بِالحارِثِ الأعْوَرِ، وعاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ؛ لِأنَّهُما ضَعِيفانِ، وبِأنَّ الدّارَقُطْنِيَّ، قالَ: الصَّوابُ وقْفُهُ عَلى عَلِيٍّ، وبِأنَّ ابْنَ المَوّاقِ قالَ: إنَّ فِيهِ عِلَّةً خَفِيَّةً وهي: أنَّ جَرِيرَ بْنَ حازِمٍ، لَمْ يَسْمَعْهُ مِن أبِي إسْحاقَ، فَقَدْ رَواهُ حُفّاظُ أصْحابِ ابْنِ وهْبٍ: سَحْنُونُ، وحَرْمَلَةُ، ويُونُسُ، وبَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، وغَيْرُهم، عَنِ ابْنٍ وهْبٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حازِمٍ، والحارِثُ بْنُ نَبْهانَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُمارَةَ عَنْ أبِي إسْحاقَ، فَذَكَرَهُ، قالَ ابْنُ المَوّاقِ: الحَمْلُ فِيهِ عَلى سُلَيْمانَ، شَيْخِ أبِي داوُدَ، فَإنَّهُ وهِمَ في إسْقاطِ (p-١٢١)رَجُلٍ اهـ.
وَبِأنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الوَرِقِ صَدَقَةً، وأخَذَ المُسْلِمُونَ بَعْدَهُ في الذَّهَبِ صَدَقَةً، إمّا بِخَبَرٍ عَنْهُ لَمْ يَبْلُغْنا، وإمّا قِياسًا، اهـ: وهو صَرِيحٌ عَنِ الشّافِعِيِّ: بِأنَّهُ يَرى أنَّ الذَّهَبَ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ في عِلْمِهِ، وبِأنَّ ابْنَ عَبْدِ البَرِّ، قالَ: لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في زَكاةِ الذَّهَبِ شَيْءٌ مِن جِهَةِ نَقْلِ الآحادِ الثِّقاتِ.
لَكِنْ رَوى الحَسَنُ بْنُ عُمارَةَ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عاصِمٍ، والحارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، فَذَكَرَهُ، وكَذا رَواهُ أبُو حَنِيفَةَ: ولَوْ صَحَّ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأنَّ الحَسَنَ بْنَ عُمارَةَ مَتْرُوكٌ.
وَبِأنَّ ابْنَ حَزْمٍ قالَ: لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في نِصابِ الذَّهَبِ، ولا في القَدْرِ الواجِبِ فِيهِ شَيْءٌ.
وَذَكَرَ: أنَّ الحَدِيثَ المَذْكُورَ، مِن رِوايَةِ الحارِثِ الأعْوَرِ مَرْفُوعٌ، والحارِثُ ضَعِيفٌ لا يُحْتَجُّ بِهِ، وكَذَّبَهُ غَيْرُ واحِدٍ، قالَ: وأمّا رِوايَةُ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، فَهي مَوْقُوفَةٌ عَلى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: وكَذَلِكَ رَواهُ شُعْبَةُ، وسُفْيانُ، ومَعْمَرٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عاصِمٍ، مَوْقُوفًا: وكَذا كُلُّ ثِقَةٍ رَواهُ عَنْ عاصِمٍ.
فالجَوابُ مِن أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ قالَ: إنَّ هَذا الحَدِيثَ ثابِتٌ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: وقَدْ رَوى طَرَفًا مِن هَذا الحَدِيثِ: ورَوى هَذا الحَدِيثَ الأعْمَشُ، وأبُو عَوانَةَ، وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، ورَواهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وابْنُ عُيَيْنَةَ، وغَيْرُ واحِدٍ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ، وسَألْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي البُخارِيَّ - عَنْ هَذا الحَدِيثِ، فَقالَ: كِلاهُما عِنْدِي صَحِيحٌ، اهـ.
فَتَرى التِّرْمِذِيَّ نَقَلَ عَنِ البُخارِيِّ، تَصْحِيحَ هَذا الحَدِيثِ، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: وأمّا حَدِيثُ عاصِمٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَرَواهُ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ بِإسْنادٍ حَسَنٍ، أوْ صَحِيحٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، اهـ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وحَدِيثُ عَلِيٍّ هو مِن حَدِيثِ أبِي إسْحاقَ، عَنِ الحارِثِ الأعْوَرِ، وعاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ البُخارِيَّ قالَ: كِلاهُما عِنْدَهُ صَحِيحٌ، وقَدْ حَسَّنَهُ الحافِظُ، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ الشَّوْكانِيِّ.
(p-١٢٢)الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ يُعْتَضَدُ بِما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، مِن حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ أمَرَ مُعاذًا، حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ، أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ أرْبَعِينَ دِينارًا دِينارًا، الحَدِيثُ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، في ”التَّلْخِيصِ“ وسَكَتَ عَلَيْهِ، وبِما رَواهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: «وَلا في أقَلَّ مِن عِشْرِينَ مِثْقالًا مِنَ الذَّهَبِ شَيْءٌ»، قالَ النَّوَوِيُّ: غَرِيبٌ، اهـ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: المُناقَشَةُ بِحَسَبِ صِناعَةِ عِلْمِ الحَدِيثِ والأُصُولِ، فَنَقُولُ:
سَلَّمْنا أنَّ الحارِثَ الأعْوَرَ ضَعِيفٌ كَما تَقَدَّمَ في المائِدَةِ، وإنْ وثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، فَيَبْقى عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ، الَّذِي رَوى مَعَهُ الحَدِيثَ، فَإنَّ حَدِيثَهُ حُجَّةٌ، وقَدْ وثَّقَهُ ابْنُ المَدِينِيِّ.
وَقالَ: النَّسائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: عاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ السَّلُولِيُّ الكُوفِيُّ، صَدُوقٌ وتَعْتَضِدُ رِوايَتُهُ بِرِوايَةِ الحارِثِ، وإنْ كانَ ضَعِيفًا. وبِما ذَكَرْنا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.
فَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ تَضْعِيفَ الحَدِيثِ بِضَعْفِ سَنَدِهِ مَرْدُودٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنا عَنِ التِّرْمِذِيِّ، أنَّ البُخارِيَّ قالَ: كِلاهُما صَحِيحٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ النَّوَوِيَّ قالَ فِيهِ: حَسَنٌ أوْ صَحِيحٌ.
وَنَقَلَ الشَّوْكانِيُّ، عَنِ ابْنِ حَجَرٍ: أنَّهُ حَسَّنَهُ.
أمّا ما أعَلَّهُ بِهِ ابْنُ المَوّاقِ، مِن أنَّ جَرِيرَ بْنَ حازِمٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِن أبِي إسْحاقَ؛ لِأنَّ بَيْنَهُما الحَسَنَ بْنَ عُمارَةَ وهو مَتْرُوكٌ، فَهو مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ ثابِتٌ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ صَحِيحَةٍ إلى أبِي إسْحاقَ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التِّرْمِذِيَّ قالَ، وذَكَرَ طَرَفًا مِنهُ، هَذا الحَدِيثُ رَواهُ الأعْمَشُ، وأبُو عَوانَةَ وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، ورَواهُ سُفْيانُ، الثَّوْرِيُّ، وابْنُ عُيَيْنَةَ، وغَيْرُ واحِدٍ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ. اهـ.
فَتَرى: أنَّ أبا عَوانَةَ، والأعْمَشَ، والسُّفْيانَيْنِ، وغَيْرَهم، كُلَّهم رَوَوْهُ عَنْ أبِي إسْحاقَ.
وَبِهِ تَعْلَمُ بِأنَّ إعْلالَ ابْنِ المَوّاقِ لَهُ بِأنَّ راوِيَهِ عَنْ أبِي إسْحاقَ الحَسَنُ بْنُ عُمارَةَ، وهو مَتْرُوكٌ - إعْلالٌ ساقِطٌ؛ لِصِحَّةِ الحَدِيثِ إلى أبِي إسْحاقَ، فَإذا حَقَّقْتَ رَدَّ تَضْعِيفِهِ بِأنَّ عاصِمًا صَدُوقٌ، ورَدَّ إعْلالِ ابْنِ المَوّاقِ لَهُ، فاعْلَمْ أنَّ إعْلالَ ابْنِ حَزْمٍ لَهُ بِأنَّ المَرْفُوعَ رِوايَةُ (p-١٢٣)الحارِثِ، وهو ضَعِيفٌ: وأنَّ رِوايَةَ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، مَوْقُوفَةٌ عَلى عَلِيٍّ، مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَدْرَ نِصابِ الزَّكاةِ، وقَدْرَ الواجِبِ فِيهِ، كِلاهُما أمْرٌ تَوْقِيفِيٌّ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ والِاجْتِهادِ، والمَوْقُوفُ إنْ كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، كَما عُلِمَ في عِلْمِ الحَدِيثِ والأُصُولِ.
قالَ العَلَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في ”طَلْعَةِ الأنْوارِ“:
وَما أتى عَنْ صاحِبٍ مِمّا مُنِعْ فِيهِ مَجالُ الرَّأْيِ عِنْدَهم رُفِعْ وقالَ العِراقِيُّ في ألْفِيَّتِهِ: [ الرَّجَزُ ]
وَما أتى عَنْ صاحِبٍ بِحَيْثُ لا يُقالُ رَأْيًا حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلى ما قالَ في المَحْصُولِ نَحْوَ مَن أتى فالحاكِمُ الرَّفْعَ لِهَذا أُثْبِتا الثّانِي: أنَّ سَنَدَ أبِي داوُدَ الَّذِي رَواهُ بِهِ حَسَنٌ، أوْ صَحِيحٌ، كَما قالَهُ النَّوَوِيُّ، وغَيْرُهُ، والرَّفْعُ مِن زِياداتِ العُدُولِ، وهي مَقْبُولَةٌ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]
والرَّفْعُ والوَصْلُ وزَيْدُ اللَّفْظِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إمامِ الحِفْظِ إلَخْ. . .
الوَجْهُ الرّابِعُ: اعْتِضادُ الحَدِيثِ المَذْكُورِ بِإجْماعِ الحُجَّةِ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ إلّا مَن شَذَّ عَنِ السَّوادِ الأعْظَمِ عَلى العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، وإجْماعُ المُسْلِمِينَ إذا وافَقَ خَبَرَ آحادٍ، فَبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: يَصِيرُ بِمُواقَفَةِ الإجْماعِ لَهُ قَطْعِيًّا كالمُتَواتِرِ.
وَأكْثَرُ الأُصُولِيِّينَ يَقُولُونَ: لا يَصِيرُ قَطْعِيًّا بِذَلِكَ.
وَفَرَّقَ قَوْمٌ، فَقالُوا: إنْ صَرَّحُوا بِأنَّ مُعْتَمَدَهم في إجْماعِهِمْ هو ذَلِكَ الخَبَرُ - أفادَ القَطْعَ، وإلّا فَلا، وأشارَ إلى ذَلِكَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
وَلا يُفِيدُ القَطْعَ ما يُوافِقُ الإجْماعَ والبَعْضُ بِقَطْعٍ يَنْطِقُ وبَعْضُهم يُفِيدُ حَيْثُ عُوِّلا عَلَيْهِ. . . . . . إلَخْ وعَلى كُلِّ حالٍ، فَلا يَخْفى أنَّهُ يَعْتَضِدُ بِعَمَلِ المُسْلِمِينَ بِهِ.
الخامِسُ: دَلالَةُ الكِتابِ، والإجْماعِ، عَلى أنَّ الزَّكاةَ واجِبَةٌ في الذَّهَبِ.
أمّا الكِتابُ: فَقَوْلُهُ تَعالى: (p-١٢٤)﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥] .
وَأمّا السُّنَّةُ: فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنها حَقَّها، إلّا إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفائِحُ مِن نارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوى بِها جَنْبُهُ، ووَجْهُهُ، وظَهْرُهُ، كُلَّما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حَتّى يُقْضى بَيْنَ العِبادِ، فَيَرى سَبِيلَهُ إمّا إلى الجَنَّةِ، وإمّا إلى النّارِ»، الحَدِيثَ. هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ، وهو صَرِيحٌ في وُجُوبِ الحَقِّ في الذَّهَبِ، كالفِضَّةِ، وقَدْ أجْمَعَ عَلى ذَلِكَ جَمِيعُ العُلَماءِ، وإذَنْ يَكُونُ الحَدِيثُ المَذْكُورُ بَيانًا لِشَيْءٍ ثابِتٍ قَطْعًا، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ البَيانَ يَجُوزُ بِما هو دُونَ المُبَيَّنِ دَلالَةً وسَنَدًا، كَما أوْضَحْناهُ في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ.
فَتَحَصَّلَ أنَّ نِصابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقالا، وما زادَ فَبِحِسابِهِ، وأنَّ الواجِبَ فِيهِ رُبُعُ العُشْرِ، كالفِضَّةِ، وأنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ لَيْسَ فِيهِما وقْصٌ، بَلْ كُلُّ ما زادَ عَلى النِّصابِ فَبِحِسابِهِ، خِلافًا لِمَن شَذَّ فَخالَفَ في بَعْضِ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
تَنْبِيهٌ يَجِبُ اعْتِبارُ الوَزْنِ في نِصابِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ بِالوَزْنِ الَّذِي كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ، كَما يَجِبُ اعْتِبارُ الكَيْلِ في خَمْسَةِ الأوْسُقِ الَّتِي هي نِصابِ الحُبُوبِ والثِّمارِ بِالكَيْلِ الَّذِي كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ.
قالَ النَّسائِيُّ في ”سُنَنِهِ“ في ”كِتابِ الزَّكاةِ“: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”المِكْيالُ مِكْيالُ أهْلِ المَدِينَةِ، والوَزْنُ وزْنُ أهْلِ مَكَّةَ“ .
وَقالَ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“ في ”كِتابِ البُيُوعِ“: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، ثَنا ابْنُ دُكَيْنٍ عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الوَزْنُ وزْنُ أهْلِ مَكَّةَ»، والمِكْيالُ مِكْيالُ أهْلِ المَدِينَةِ ”، وقالَ النَّوَوِيُّ في“ شَرْحِ المُهَذَّبِ ”: وأمّا حَدِيثُ“ «المِيزانُ مِيزانُ أهْلِ مَكَّةَ» إلى آخِرِهِ فَرَواهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، مِن رِوايَةِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وَقالَ أبُو داوُدَ: رُوِيَ مِن رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، اهـ.
(p-١٢٥)قالَ الخَطابِيُّ: مَعْنى هَذا الحَدِيثِ أنَّ الوَزْنَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الزَّكاةِ وزْنُ أهْلِ مَكَّةَ، وهي دارُ الإسْلامِ، قالَ ابْنُ حَزْمٍ: وبَحَثْتُ عَنْهُ غايَةَ البَحْثِ مِن كُلِّ مَن وثِقْتُ بِتَمْيِيزِهِ: وكُلٌّ اتَّفَقَ لِي عَلى أنَّ دِينارَ الذَّهَبِ بِمَكَّةَ وزْنُهُ اثْنَتانِ وثَمانُونَ حَبَّةً، وثَلاثَةُ أعْشارِ حَبَّةٍ مِن حَبِّ الشَّعِيرِ المُطْلَقِ، والدِّرْهَمُ سَبْعَةُ أعْشارِ المِثْقالِ، فَوَزْنُ الدِّرْهَمِ: سَبْعٌ وخَمْسُونَ وسِتَّةُ أعْشارِ حَبَّةٍ، وعُشْرُ عُشْرِ حَبَّةٍ، فالرَّطْلُ مِائَةٌ وواحِدٌ وثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا بِالدِّرْهَمُ المَذْكُورِ. اهـ.
وَفِي القامُوسِ في مادَّةِ ”مَ كَ كَ“، والمِثْقالُ: دِرْهَمٌ وثَلاثَةُ أسْباعٍ، والدِّرْهَمُ: سِتَّةُ دَوانِقَ، والدّانِقُ: قِيراطانِ، والقِيراطُ: طَسُّوجانِ، والطَّسُّوجُ: حَبَّتانِ، والحَبَّةُ: سُدُسُ ثُمُنِ دِرْهَمٍ، وهو جُزْءٌ مِن ثَمانِيَةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ الدِّرْهَمِ. اهـ.
وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى قَدْرِ خَمْسَةِ الأوْسُقِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ .
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَلْ يُضَمُّ الذَّهَبُ والفِضَّةُ بَعْضُهُما إلى بَعْضٍ في الزَّكاةِ أوْ لا ؟ لَمْ أرَ في ذَلِكَ نَصًّا صَرِيحًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، وقَدْ تَوَقَّفَ الإمامُ أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ ضَمِّ أحَدِهِما إلى الآخَرِ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وجَماعَةٍ، وقَطَعَ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ بِأنَّهُ لا زَكاةَ عَلَيْهِ حَتّى يَبْلُغَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما نِصابًا.
وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ لا يُضَمُّ بَعْضُهُما إلى بَعْضٍ: الشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي لَيْلى، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، وشَرِيكٌ، قالَ ابْنَ قُدامَةَ: في ”المُغْنِي“: واخْتارَهُ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيزِ.
وَمِمَّنْ قالَ: إنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ يُضَمُّ بَعْضُهُما إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصابِ: مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ مِنَ القَوْلَيْنِ أنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ لا يُضَمُّ أحَدُهُما إلى الآخَرِ لِما ثَبَتَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، كَما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ جابِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أواقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ» " الحَدِيثَ.
فَلَوْ كانَ عِنْدَهُ أرْبَعُ أواقٍ مِنَ الوَرِقِ الَّذِي هو: الفِضَّةُ، وما يُكْمِلُ النِّصابَ مِنَ الذَّهَبِ فَإنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ خَمْسُ أواقٍ مِنَ الوَرِقِ.
وَقَدْ صَرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ لا صَدَقَةَ في أقَلَّ مِن خَمْسِ أواقٍ (p-١٢٦)مِنَ الوَرِقِ، وظاهِرُ نَصِّ الحَدِيثِ عَلى اسْمِ الوَرِقِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ: لا زَكاةَ في أقَلَّ مِن خَمْسِ أواقٍ مِنَ الفِضَّةِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ كَثِيرٌ، ولا دَلِيلَ مِنَ النُّصُوصِ يَصْرِفُ عَنْ هَذا الظّاهِرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في زَكاةِ الحُلِيِّ المُباحِ، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لا زَكاةَ فِيهِ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ في أصَحِّ قَوْلَيْهِما، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعائِشَةُ، وأسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّ الحُلِيَّ المُباحَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ: أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وداوُدُ، وحَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ أيْضًا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ سِيرِينَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ، والزُّهْرِيِّ.
وَسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى حُجَجَ الفَرِيقَيْنِ، ومُناقَشَةَ أدِلَّتِهِما عَلى الطُّرُقِ المَعْرُوفَةِ في الأُصُولِ، وعِلْمِ الحَدِيثِ؛ لِيَتَبَيَّنَ لِلنّاظِرِ الرّاجِحُ مِنَ الخِلافِ.
اعْلَمْ أنَّ مَن قالَ بِأنَّ الحُلِيَّ المُباحَ لا زَكاةَ فِيهِ، تَنْحَصِرُ حُجَّتُهُ في أرْبَعَةِ أُمُورٍ:
الأوَّلُ: حَدِيثٌ جاءَ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثّانِي: آثارٌ صَحِيحَةٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ يَعْتَضِدُ بِها الحَدِيثُ المَذْكُورُ.
الثّالِثُ: القِياسُ.
الرّابِعُ: وضْعُ اللُّغَةِ.
أمّا الحَدِيثُ: فَهو ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ في مَعْرِفَةِ السُّنَنِ والآثارِ مِن طَرِيقِ عافِيَةَ بْنِ أيُّوبَ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا زَكاةَ في الحُلِيِّ» .
قالَ البَيْهَقِيُّ: وهَذا الحَدِيثُ لا أصْلَ لَهُ، إنَّما رُوِيَ عَنْ جابِرٍ مِن قَوْلِهِ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، والَّذِي يُرْوى عَنْ عافِيَةَ بْنِ أيُّوبَ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا لا أصْلَ لَهُ، وعافِيَةُ بْنُ أيُّوبَ مَجْهُولٌ: فَمَنِ احْتَجَّ بِهِ مَرْفُوعًا، كانَ مُغَرَّرًا بِدِينِهِ، داخِلًا (p-١٢٧)فِيما نَعِيبُ بِهِ المُخالِفِينَ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِرِوايَةِ الكَذّابِينَ، واللَّهُ يَعْصِمُنا مِن أمْثالِ هَذا.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ما قالَهُ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - مِن أنَّ الحُكْمَ بِرِوايَةِ عافِيَةَ المَذْكُورِ لِهَذا الحَدِيثِ مَرْفُوعًا مِن جِنْسِ الِاحْتِجاجِ بِرِوايَةِ الكَذّابِينَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ عافِيَةَ المَذْكُورَ لَمْ يَقُلْ فِيهِ أحَدٌ إنَّهُ كَذّابٌ، وغايَةُ ما في البابِ أنَّ البَيْهَقِيَّ ظَنَّ أنَّهُ مَجْهُولٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى كَوْنِهِ ثِقَةً، وقَدِ اطَّلَعَ غَيْرُهُ عَلى أنَّهُ ثِقَةٌ فَوَثَّقَهُ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ تَوْثِيقَهُ، عَنْ أبِي زُرْعَةَ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: عافِيَةُ بْنُ أيُّوبَ، قِيلَ: ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: ما نَعْلَمُ فِيهِ جَرْحًا، وقالَ البَيْهَقِيُّ، مَجْهُولٌ، ونَقَلَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ تَوْثِيقَهُ عَنْ أبِي زُرْعَةَ.
وَلا يَخْفى أنَّ مَن قالَ إنَّهُ مَجْهُولٌ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مَن قالَ إنَّهُ ثِقَةٌ؛ لِأنَّهُ اطَّلَعَ عَلى ما لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مُدَّعِي أنَّهُ مَجْهُولٌ، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، والتَّجْرِيحُ لا يُقْبَلُ مَعَ الإجْمالِ، فَعافِيَةُ هَذا وثَّقَهُ أبُو زُرْعَةَ، والتَّعْدِيلُ والتَّجْرِيحُ يَكْفِي فِيهِما واحِدٌ عَلى الصَّحِيحِ في الرِّوايَةِ دُونَ الشَّهادَةِ، قالَ العِراقِيُّ في ألْفِيَّتِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَصَحَّحُوا اكْتِفاءَهم بِالواحِدِ جَرْحًا وتَعْدِيلًا خِلافَ الشّاهِدِ
؎والتَّعْدِيلُ يُقْبَلُ مُجْمَلًا ∗∗∗ بِخِلافِ الجَرْحِ لِلِاخْتِلافِ في أسْبابِهِ
قالَ العِراقِيُّ في ألْفِيَّتِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَصَحَّحُوا قَبُولَ تَعْدِيلٍ بِلا ∗∗∗ ذِكْرٍ لِأسْبابٍ لَهُ أنْ تَثْقُلا
؎وَلَمْ يَرَوْا قَبُولَ جَرْحٍ أُبْهِما ∗∗∗ لِلْخُلْفِ في أسْبابِهِ ورُبَّما اسْتُفْسِرَ
الجَرْحُ فَلَمْ يَقْدَحْ كَما فَسَّرَهُ شُعْبَةُ بِالرَّكْضِ فَما هَذا الَّذِي عَلَيْهِ حُفّاظُ الأثَرْ كَشَيْخَيِ الصَّحِيحِ مَعْ أهْلِ النَّظَرْ إلَخْ. . .
وَهَذا هو الصَّحِيحُ، فَلا شَكَّ أنَّ قَوْلَ البَيْهَقِيِّ في عافِيَةَ: إنَّهُ مَجْهُولٌ أوْلى مِنهُ بِالتَّقْدِيمِ قَوْلُ أبِي زُرْعَةَ: إنَّهُ ثِقَةٌ؛ لِأنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وإذا ثَبَتَ الِاسْتِدْلالُ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ، فَهو نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ.
وَيُؤَيِّدُ ما ذُكِرَ مِن تَوْثِيقِ عافِيَةَ المَذْكُورِ أنَّ ابْنَ الجَوْزِيِّ مَعَ سَعَةِ اطِّلاعِهِ، وشِدَّةِ بَحْثِهِ عَنِ الرِّجالِ، قالَ: إنَّهُ لا يَعْلَمُ فِيهِ جَرْحًا.
وَأمّا الآثارُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ: فَمِنها ما رَواهُ الإمامُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“، عَنْ (p-١٢٨)عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ، عَنْ أبِيهِ: ”أنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كانَتْ تَلِي بَناتِ أخِيها يَتامى في حِجْرِها لَهُنَّ الحُلِيَّ، فَلا تُخْرِجُ مِن حُلِيِّهِنَّ الزَّكاةَ“، وهَذا الإسْنادُ عَنْ عائِشَةَ في غايَةِ الصِّحَّةِ، كَما تَرى.
وَمِنها ما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّأِ“ أيْضًا، عَنْ نافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُحَلِّي بَناتِهِ وجَوارِيَهُ الذَّهَبَ، ثُمَّ لا يُخْرِجُ مِن حُلِيِّهِنَّ الزَّكاةَ، وهَذا الإسْنادُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في غايَةِ الصِّحَّةِ كَما تَرى.
وَما قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ المانِعَ مِنَ الزَّكاةِ في الأوَّلِ أنَّهُ مالُ يَتِيمَةٍ، وأنَّهُ لا تَجِبُ الزَّكاةُ عَلى الصَّبِيِّ، كَما لا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ، مَرْدُودٌ بِأنَّ عائِشَةَ تَرى وُجُوبَ الزَّكاةِ في أمْوالِ اليَتامى، فالمانِعُ مِن إخْراجِها الزَّكاةَ، كَوْنُهُ حُلِيًّا مُباحًا عَلى التَّحْقِيقِ، لا كَوْنُهُ مالَ يَتِيمَةٍ، وكَذَلِكَ دَعْوى أنَّ المانِعَلِابْنِ عُمَرَ مِن زَكاةِ الحُلِيِّ أنَّهُ لِجَوارٍ مَمْلُوكاتٍ، وأنَّ المَمْلُوكَ لا زَكاةَ عَلَيْهِ، مَرْدُودٌ أيْضًا بِأنَّهُ كانَ لا يُزَكِّي حُلِيَّ بَناتِهِ مَعَ أنَّهُ كانَ يُزَوِّجُ البِنْتَ لَهُ عَلى ألْفِ دِينارٍ يُحَلِّيها مِنها بِأرْبَعِمِائَةٍ، ولا يُزَكِّي ذَلِكَ الحُلِيَّ، وتَرْكُهُ لِزَكاتِهِ لِكَوْنِهِ حُلِيًّا مُباحًا عَلى التَّحْقِيقِ.
وَمِنَ الآثارِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ ما رَواهُ الشّافِعِيُّ، أنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْألُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الحُلِيِّ، فَقالَ ”زَكاتُهُ عارِيَتُهُ“، ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“، وابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ وزادَ البَيْهَقِيُّ، فَقالَ: وإنْ كانَ يَبْلُغُ ألْفَ دِينارٍ فَقالَ جابِرٌ: كَثِيرٌ.
وَمِنها ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمٍ قالَ: سَألْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ عَنِ الحُلِيِّ، فَقالَ: لَيْسَ فِيهِ زَكاةٌ.
وَمِنها ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أنَّها كانَتْ تُحَلِّي بَناتِها الذَّهَبَ ولا تُزَكِّيهِ نَحْوًا مِن خَمْسِينَ ألْفًا.
وَأمّا القِياسُ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحُلِيَّ لَمّا كانَ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْمالِ لا لِلتِّجارَةِ والتَّنْمِيَةِ، أُلْحِقَ بِغَيْرِهِ مِنَ الأحْجارِ النَّفِيسَةِ كاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، بِجامِعِ أنَّ كُلًّا مُعَدٌّ لِلِاسْتِعْمالِ لا لِلتَّنْمِيَةِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا الإلْحاقِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”المُوَطَّأِ“ بِقَوْلِهِ: فَأمّا التِّبْرُ والحُلِيُّ المَكْسُورُ الَّذِي يُرِيدُ أهْلَهُ إصْلاحَهُ ولُبْسَهُ، فَإنَّما هو بِمَنزِلَةِ المَتاعِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ أهْلِهِ، (p-١٢٩)فَلَيْسَ عَلى أهْلِهِ فِيهِ زَكاةٌ، قالَ مالِكٌ: لَيْسَ في اللُّؤْلُؤِ، ولا في المِسْكِ، والعَنْبَرِ زَكاةٌ.
الثّانِي مِن وجْهَيِ القِياسِ: هو النَّوْعُ المَعْرُوفُ بِقِياسِ العَكْسِ، وأشارَ لَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ في كِتابِ الِاسْتِدْلالِ: [ الرَّجَزِ ]
؎مِنهُ قِياسُ المَنطِقِيِّ والعَكْسْ ∗∗∗ ومِنهُ فَقْدُ الشَّرْطِ دُونَ لَبْسْ
وَخالَفَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَبُولِ هَذا النَّوْعِ مِنَ القِياسِ، وضابِطُهُ: هو إثْباتُ عَكْسِ حُكْمِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ آخَرَ لِتَعاكُسِهِما في العِلَّةِ، ومِثالُهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ: «أيَأْتِي أحَدُنا شَهْوَتَهُ ولَهُ فِيها أجْرٌ ؟ ! قالَ: ”أرَأيْتُمْ لَوْ وضَعَها في حَرامٍ أكانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ ؟“» الحَدِيثَ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ: أثْبَتَ في الجِماعِ المُباحِ أجْرًا، وهو حُكْمُ عَكْسِ حُكْمِ الجِماعِ الحَرامِ؛ لِأنَّ فِيهِ الوِزْرَ؛ لِتَعاكُسِهِما في العِلَّةِ؛ لِأنَّ عِلَّةَ الأجْرِ في الأوَّلِ إعْفافُ امْرَأتِهِ ونَفْسِهِ، وعِلَّةَ الوِزْرِ في الثّانِي كَوْنُهُ زِنًى.
وَمِن أمْثِلَةِ هَذا النَّوْعِ مِنَ القِياسِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ: احْتِجاجُهم عَلى أنَّ الوُضُوءَ لا يَجِبُ مِن كَثِيرِ القَيْءِ، بِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَجِبْ مِن قَلِيلِهِ لَمْ يَجِبْ مِن كَثِيرِهِ عَكْسَ البَوْلِ لَمّا وجَبَ مِن قَلِيلِهِ وجَبَ مِن كَثِيرِهِ.
وَمِن أمْثِلَتِهِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، قَوْلُهم: لَمّا لَمْ يَجِبِ القِصاصُ مِن صَغِيرِ المُثَقَّلِ، لَمْ يَجِبْ مِن كَبِيرِهِ عَكْسَ المُحَدَّدِ لَمّا وجَبَ مِن صَغِيرِهِ وجَبَ مِن كَبِيرِهِ.
وَوَجْهُ هَذا النَّوْعِ مِنَ القِياسِ في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، هو أنَّ العُرُوضَ لا تَجِبُ في عَيْنِها الزَّكاةُ، فَإذا كانَتْ لِلتِّجارَةِ والنَّماءِ، وجَبَتْ فِيها الزَّكاةُ عَكْسَ العَيْنِ، فَإنَّ الزَّكاةَ واجِبَةٌ في عَيْنِها، فَإذا صِيغَتْ حُلِيًّا مُباحًا لِلِاسْتِعْمالِ، وانْقَطَعَ عَنْها قَصْدُ التَّنْمِيَةِ بِالتِّجارَةِ، صارَتْ لا زَكاةَ فِيها، فَتَعاكَسَتْ أحْكامُها لِتَعاكُسِهِما في العِلَّةِ، ومَنَعَ هَذا النَّوْعَ مِنَ القِياسِ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ، وقالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: إنَّهُ أضْعَفُ مِن قِياسِ الشَّبَهِ، ولا يَخْفى أنَّ القِياسَ يَعْتَضِدُ بِهِ ما سَبَقَ مِنَ الحَدِيثِ المَرْفُوعِ، والآثارِ الثّابِتَةِ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، مِن أنَّ مُوافَقَةَ النَّصِّ لِلْقِياسِ مِنَ المُرَجِّحاتِ، وأمّا وضْعُ اللُّغَةِ، فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ يَقُولُ: الألْفاظُ الوارِدَةُ في الصَّحِيحِ في زَكاةِ العَيْنِ لا تَشْمَلُ الحُلِيَّ في لِسانِ العَرَبِ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الرِّقَّةُ عِنْدَ العَرَبِ: الوَرِقُ المَنقُوشَةُ ذاتُ السَّكَّةِ السّائِرَةِ بَيْنَ النّاسِ، ولا تُطْلِقُها العَرَبُ عَلى المَصُوغِ، وكَذَلِكَ قِيلَ في الأُوقِيَّةِ.
(p-١٣٠)قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ هو المَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ الجَوْهَرِيُّ في ”صِحاحِهِ“: الوَرِقُ الدَّراهِمُ المَضْرُوبَةُ، وكَذَلِكَ الرِّقَّةُ، والهاءُ عِوَضٌ عَنِ الواوِ، وفي ”القامُوسِ“: الوَرِقُ - مُثَلَّثَةٌ - وكَكَتِفٍ: الدَّراهِمُ المَضْرُوبَةُ، وجَمْعُهُ أوْراقٌ ووِراقٌ كالرِّقَّةِ.
هَذا هو حاصِلُ حُجَّةِ مَن قالَ: لا زَكاةَ في الحُلِيِّ.
وَما ادَّعاهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن الِاحْتِجاجِ لِذَلِكَ بِعَمَلِ أهْلِ المَدِينَةِ، فِيهِ أنَّ بَعْضَ أهْلِ المَدِينَةِ مُخالِفٌ في ذَلِكَ، والحُجَّةُ بِعَمَلِ أهْلِ المَدِينَةِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ - مالِكٌ - إنَّما هي في إجْماعِهِمْ عَلى أمْرٍ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، لا إنِ اخْتَلَفُوا، أوْ كانَ مِن مَسائِلِ الِاجْتِهادِ، كَما أشارَ لَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“، بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]
؎وَأوْجَبْنَ حُجَيَّةً لِلْمَدَنِي فِيما ∗∗∗ عَلى التَّوْقِيفِ أمْرُهُ بُنِي
وَقِيلَ: مُطْلَقًا. . إلَخْ.
لِأنَّ مُرادَهُ بِالمَدَنِيِّ: الإجْماعُ المَدَنِيُّ الواقِعُ مِنَ الصَّحابَةِ أوِ التّابِعِينَ، لا ما اخْتَلَفُوا فِيهِ كَهَذِهِ المَسْألَةِ، وقَيَّدَهُ بِما بُنِيَ عَلى التَّوْقِيفِ دُونَ مَسائِلِ الِاجْتِهادِ في القَوْلِ الصَّحِيحِ.
وَأمّا حُجَّةُ القائِلِينَ بِأنَّ الحُلِيَّ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ: فَهي مُنْحَصِرَةٌ في أرْبَعَةِ أُمُورٍ أيْضًا:
الأوَّلُ: أحادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أوْجَبَ الزَّكاةَ في الحُلِيِّ.
الثّانِي: آثارٌ ورَدَتْ بِذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ.
الثّالِثُ: وضْعُ اللُّغَةِ.
الرّابِعُ: القِياسُ.
أمّا الأحادِيثُ الوارِدَةُ بِذَلِكَ، فَمِنها ما رَواهُ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“، حَدَّثَنا أبُو كامِلٍ، وحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ”المَعْنى“ أنَّ خالِدَ بْنَ الحارِثِ حَدَّثَهم: ثَنا حُسَيْنٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ امْرَأةً أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ومَعَها ابْنَةٌ لَها، وفي يَدِ ابْنَتِها مَسَكَتانِ غَلِيظَتانِ مِن ذَهَبٍ، فَقالَ لَها: ”أتُعْطِينَ زَكاةَ هَذا ؟“ قالَتْ: لا، قالَ: ”أيَسُرُّكِ أنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِما يَوْمَ القِيامَةِ سِوارَيْنِ مِن نارٍ ؟ !“ قالَ: فَخَلَعَتْهُما، فَألْقَتْهُما إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: هُما لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولِرَسُولِهِ» .
وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قالَ حَدَّثَنا خالِدٌ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «”أنَّ امْرَأةً مِن أهْلِ اليَمَنِ» أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-١٣١)وَبِنْتٌ لَها، في يَدِ ابْنَتِها مَسَكَتانِ غَلِيظَتانِ مِن ذَهَبٍ فَقالَ:“ أتُؤَدِّينَ زَكاةَ هَذا ؟ ”قالَتْ: لا، قالَ:“ أيَسُرُّكِ أنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِما يَوْمَ القِيامَةِ سِوارَيْنِ مِن نارٍ ؟ ! " قالَ: فَخَلَعَتْهُما، فَألْقَتْهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: هُما لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ .
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى، قالَ: حَدَّثَنا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: سَمِعْتُ حُسَيْنًا، قالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ، ومَعَها بِنْتٌ لَها، وفي يَدِ ابْنَتِها مَسَكَتانِ»، نَحْوَهُ، مُرْسَلٌ. قالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: خالِدٌ أثْبَتُ مِنَ المُعْتَمِرِ. اهـ.
وَهَذا الحَدِيثُ الَّذِي أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ مِن طَرِيقِ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أقَلُّ دَرَجاتِهِ الحُسْنُ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ التِّرْمِذِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَصِحُّ في البابِ شَيْءٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِرِوايَةِ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ لَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، بَلْ جَزَمَ بِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إلّا مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، والمُثَنّى بْنِ الصَّبّاحِ، وقَدْ تابَعَهُما حَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ والجَمِيعُ ضِعافٌ.
وَمِنها ما رَواهُ أبُو داوُدَ أيْضًا، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى، ثَنا عَتّابُ يَعْنِي ابْنَ بَشِيرٍ، عَنْ ثابِتِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ عَطاءٍ، «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قالَتْ: كُنْتُ ألْبَسُ أوْضاحًا مِن ذَهَبٍ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَنْزٌ هو ؟ فَقالَ: ”ما بَلَغَ أنْ تُؤَدِّيَ زَكاتَهُ، فَزَكِّي فَلَيْسَ بِكَنْزٍ“»، وأخْرَجَ نَحْوَهُ الحاكِمُ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ. اهـ.
وَمِنها ما رَواهُ أبُو داوُدَ أيْضًا، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الرّازِيُّ، ثَنا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طارِقٍ، ثَنا يَحْيى بْنُ أيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ: أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَطاءٍ أخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادِ بْنِ الهادِ أنَّهُ قالَ: «دَخَلْنا عَلى عائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأى في يَدِي فَتَخاتٌ مِن ورِقٍ، فَقالَ: ”ما هَذا يا عائِشَةُ ؟ !“، فَقُلْتُ: صَنَعْتُهُنَّ أتَزَيَّنُ لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ”أتُؤَدِّينَ زَكاتَهُنَّ ؟“ قُلْتُ: لا، أوْ ما شاءَ اللَّهُ، قالَ: ”هو حَسْبُكِ مِنَ النّارِ“» .
حَدَّثَنا صَفْوانُ بْنُ صالِحٍ، ثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنا سُفْيانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ يَعْلى، فَذَكَرَ الحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ الخاتَمِ، قِيلَ لِسُفْيانَ: كَيْفَ تُزَكِّيهِ ؟ قالَ: تَضُمُّهُ إلى غَيْرِهِ. اهـ.
وَحَدِيثُ عائِشَةَ هَذا أخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا الحاكِمُ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ. اهـ.
وَأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ عائِشَةَ، مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْها، قالَتْ: لا بَأْسَ بِلُبْسِ الحُلِيِّ إذا أُعْطِيَ زَكاتُهُ. اهـ.
(p-١٣٢)قالَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
وَقَدِ انْضَمَّ إلى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، وحَدِيثُ عائِشَةَ، وساقَهُما.
وَمِنها ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بِلَفْظِ: قالَتْ: «دَخَلْتُ أنا وخالَتِي عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وعَلَيْنا أساوِرُ مِن ذَهَبٍ فَقالَ لَنا: ”أتُعْطِيانِ زَكاتَهُ ؟“، فَقُلْنا: لا، قالَ: " أما تَخافانِ أنْ يُسَوِّرَكُما اللَّهُ بِسِوارٍ مِن نارٍ ؟ ! أدِّيا زَكاتَهُ» . اهـ.
وَرَوى الدّارَقُطْنِيُّ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، وفي سَنَدِهِ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ، وهو مَتْرُوكٌ، اهـ. قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ .
وَأمّا الآثارُ: فَمِنها ما رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ يَسارٍ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلى أبِي مُوسى: أنْ مُرْ مَن قِبَلَكَ مِن نِساءِ المُسْلِمِينَ أنْ يَصَّدَّقْنَ مِن حُلِيِّهِنَّ. اهـ.
قالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا مُرْسَلٌ، شُعَيْبُ بْنُ يَسارٍ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ. اهـ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: وهو مُرْسَلٌ، قالَهُ البُخارِيُّ، وقَدْ أنْكَرَ الحَسَنُ ذَلِكَ فِيما رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ الخُلَفاءِ قالَ: ”في الحُلِيِّ زَكاةٌ“ .
وَمِنها ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ امْرَأتَهُ سَألَتْهُ، عَنْ حُلِيٍّ لَها، فَقالَ: إذا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهِ الزَّكاةُ، قالَتْ: أضَعُها في بَنِي أخٍ لِي في حِجْرِي ؟ قالَ: نَعَمْ.
قالَ البَيْهَقِيُّ: وقَدْ رُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ: قالَ البُخارِيُّ: مُرْسَلٌ، ورَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا، وقالَ: هَذا وهْمٌ والصَّوابُ مَوْقُوفٌ. قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ .
وَمِنها ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أنَّهُ كانَ يَكْتُبُ إلى خازِنِهِ سالِمٍ، أنْ يُخْرِجَ زَكاةَ حُلِيِّ بَناتِهِ كُلَّ سَنَةٍ، وما رُوِيَ مِن ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ الشّافِعِيُّ: لا أدْرِي أيَثْبُتُ عَنْهُ أمْ لا ؟ وحَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وغَيْرِهِما. قالَهُ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا.
وَأمّا القِياسُ: فَإنَّهم قاسُوا الحُلِيَّ عَلى المَسْكُوكِ والمَسْبُوكِ بِجامِعِ أنَّ الجَمِيعَ نَقْدٌ.
وَأمّا وضْعُ اللُّغَةِ: فَزَعَمُوا أنَّ لَفْظَ الرِّقَّةِ، ولَفْظَ الأُوقِيَّةِ الثّابِتَ في الصَّحِيحِ يَشْمَلُ (p-١٣٣)المَصُوغَ كَما يَشْمَلُ المَسْكُوكَ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّحْقِيقَ خِلافُهُ.
فَإذا عَلِمْتَ حُجَجَ الفَرِيقَيْنِ، فَسَنَذْكُرُ لَكَ ما يُمْكِنُ أنْ يَرْجِعَ بِهِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما.
أمّا القَوْلُ بِوُجُوبِ زَكاةِ الحُلِيِّ، فَلَهُ مُرَجِّحاتٌ:
مِنها: أنَّ مَن رَواهُ مِنَ الصَّحابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أكْثَرُ، كَما قَدَّمْنا رِوايَتَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وعائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وأسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
أمّا القَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكاةِ فِيهِ، فَلَمْ يُرْوَ مَرْفُوعًا إلّا مِن حَدِيثِ جابِرٍ، كَما تَقَدَّمَ.
وَكَثْرَةُ الرُّواةِ مِنَ المُرَجِّحاتِ عَلى التَّحْقِيقِ، كَما قَدَّمْنا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى آيَةِ الرِّبا.
وَمِنها: أنَّ أحادِيثَهُ كَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ أقْوى سَنَدًا مِن حَدِيثِ سُقُوطِ الزَّكاةِ الَّذِي رَواهُ عافِيَةُ بْنُ أيُّوبَ.
وَمِنها: أنَّ ما دَلَّ عَلى الوُجُوبِ مُقَدَّمٌ عَلى ما دَلَّ عَلى الإباحَةِ؛ لِلِاحْتِياطِ في الخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ الطَّلَبِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“ في مَبْحَثِ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبارِ المَدْلُولِ: [ الرَّجَزِ ]
؎وَناقِلٌ ومُثْبِتٌ والآمِرُ ∗∗∗ بَعْدَ النَّواهِي ثُمَّ هَذا الآخِرُ
عَلى إباحَةٍ. . . إلَخْ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: "
؎ثُمَّ هَذا الآخِرُ عَلى إباحَةٍ
" أنَّ ما دَلَّ عَلى الأمْرِ مُقَدَّمٌ عَلى ما دَلَّ عَلى الإباحَةِ كَما ذَكَرْنا.
وَمِنها: دَلالَةُ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في أصْلِ الفِضَّةِ، والذَّهَبِ، وهي دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحُلِيَّ مِن نَوْعِ ما وجَبَتِ الزَّكاةُ في عَيْنِهِ، هَذا حاصِلُ ما يُمْكِنُ أنْ يُرَجَّحَ بِهِ هَذا القَوْلُ.
وَأمّا القَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكاةِ في الحُلِيِّ المُباحِ، فَيُرَجَّحُ بِأنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في التَّحْرِيمِ إنَّما كانَتْ في الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ مُحَرَّمًا عَلى النِّساءِ، والحُلِيُّ المُحَرَّمُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ اتِّفاقًا.
وَأمّا أدِلَّةُ عَدَمِ الزَّكاةِ فِيهِ، فَبَعْدَ أنْ صارَ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ مُباحًا.
والتَّحْقِيقُ: أنَّ التَّحَلِّيَ بِالذَّهَبِ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ مُحَرَّمًا عَلى النِّساءِ، ثُمَّ أُبِيحَ، كَما يَدُلُّ لَهُ ما ساقَهُ البَيْهَقِيُّ مِن أدِلَّةِ تَحْرِيمِهِ أوَّلًا وتَحْلِيلِهِ ثانِيًا، وبِهَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ (p-١٣٤)الأدِلَّةِ، والجَمْعُ واجِبٌ إنْ أمْكَنَ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ وعُلُومِ الحَدِيثِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزِ ]
؎والجَمْعُ واجِبٌ مَتى ما ∗∗∗ أمْكَنا إلّا فَلِلْأخِيرِ نَسْخٌ بَيِّنا
وَوَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما، ومَعْلُومٌ أنَّ الجَمْعَ إذا أمْكَنَ أوْلى مِن جَمِيعِ التَّرْجِيحاتِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الجَمْعُ يَقْدَحُ فِيهِ حَدِيثُ عائِشَةَ المُتَقَدِّمُ، فَإنَّ فِيهِ ”فَرَأى في يَدِي فَتَخاتٍ مِن ورِقٍ“ الحَدِيثَ.
والوَرِقُ: الفِضَّةُ، والفِضَّةُ لَمْ يَسْبِقْ لَها تَحْرِيمٌ، فالتَّحَلِّي بِها لَمْ يَمْتَنِعْ يَوْمًا ما.
فالجَوابُ ما قالَهُ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قالَ: مَن قالَ: لا زَكاةَ في الحُلِيِّ، زَعَمَ أنَّ الأحادِيثَ والآثارَ الوارِدَةَ في وُجُوبِ زَكاتِهِ كانَتْ حِينَ كانَ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ حَرامًا عَلى النِّساءِ، فَلَمّا أُبِيحَ لَهُنَّ سَقَطَتْ زَكاتُهُ.
قالَ: وكَيْفَ يَصِحُّ هَذا القَوْلُ مَعَ حَدِيثِ عائِشَةَ، إنْ كانَ ذِكْرُ الوَرِقِ فِيهِ مَحْفُوظًا، غَيْرَ أنَّ رِوايَةَ القاسِمِ، وابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عائِشَةَ في تَرْكِها إخْراجَ زَكاةِ الحُلِيِّ مَعَ ما ثَبَتَ مِن مَذْهَبِها مِن إخْراجِ زَكاةِ أمْوالِ اليَتامى - يُوقِعُ رِيبَةً في هَذِهِ الرِّوايَةِ المَرْفُوعَةِ، فَهي لا تُخالِفُ النَّبِيَّ ﷺ فِيما رَوَتْهُ عَنْهُ، إلّا فِيما عَلِمَتْهُ مَنسُوخًا. اهـ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ الكَلامَ عَلى مُخالَفَةِ الصَّحابِيِّ لِما رُوِيَ في آيَةِ الطَّلاقِ، وبِالجُمْلَةِ فَلا يَخْفى أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ تَعْلَمَ عائِشَةُ أنَّ عَدَمَ زَكاةِ الحُلِيِّ فِيهِ الوَعِيدُ مِنَ النَّبِيِّ لَها بِأنَّهُ حَسْبُها مِنَ النّارِ، ثُمَّ تَتْرُكُ إخْراجَها بَعْدَ ذَلِكَ عَمَّنْ في حِجْرِها، مَعَ أنَّها مَعْرُوفٌ عَنْها القَوْلُ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ في أمْوالِ اليَتامى.
وَمِن أجْوِبَةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ: أنَّ المُرادَ بِزَكاةِ الحُلِيِّ عارِيَتُهُ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيِّ، في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ.
هَذا حاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ.
وَأقْوى الوُجُوهِ بِحَسَبِ المُقَرَّرِ في الأُصُولِ وعِلْمِ الحَدِيثِ: الجَمْعُ إذا أمْكَنَ، وقَدْ أمْكَنَ هُنا.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وإخْراجُ زَكاةِ الحُلِيِّ أحْوَطُ؛ لِأنَّ «مَنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ» - «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ»، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
(p-١٣٥)المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ جَماهِيرَ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في عُرُوضِ التِّجارَةِ، فَتُقَوَّمُ عِنْدَ الحَوْلِ، ويُخْرَجُ رُبْعُ عُشْرِها كَزَكاةِ العَيْنِ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عامَّةُ أهْلِ العِلْمِ عَلى وُجُوبِ زَكاةِ التِّجارَةِ، قالَ: رُوِّيناهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، والفُقَهاءِ السَّبْعَةِ: سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ، وخارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وطاوُسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، ومَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، والنَّخَعِيِّ، ومالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشّافِعِيِّ، والنُّعْمانِ، وأصْحابِهِ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ، وأبِي ثَوْرٍ، وأبِي عُبَيْدٍ، اهـ، بِواسِطَةِ نَقْلِ النَّوَوِيِّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“، وابْنِ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، ولِمالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَفْصِيلٌ في عُرُوضِ التِّجارَةِ؛ لِأنَّ عُرُوضَ التِّجارَةِ عِنْدَهُ تَنْقَسِمُ إلى عَرْضِ تاجِرٍ مُدِيرٍ، وعَرْضِ تاجِرٍ مُحْتَكِرٍ، فالمُدِيرُ هو الَّذِي يَبِيعُ ويَشْتَرِي دائِمًا، والمُحْتَكِرُ هو الَّذِي يَشْتَرِي السِّلَعَ ويَتَرَبَّصُ بِها حَتّى يَرْتَفِعَ سِعْرُها فَيَبِيعَها، وإنْ لَمْ يَرْتَفِعْ سِعْرُها لَمْ يَبِعْها ولَوْ مَكَثَتْ سِنِينَ.
فَعُرُوضُ المُدِيرِ عِنْدَهُ ودُيُونُهُ الَّتِي يُطالِبُ بِها النّاسَ إنْ كانَتْ مَرْجُوَّةً يُزَكِّيها عِنْدَ كُلِّ حَوْلٍ، والدَّيْنُ الحالُّ يُزَكِّيهِ بِالعَدَدِ، والمُؤَجَّلُ بِالقِيمَةِ.
أمّا عَرْضُ المُحْتَكِرِ فَلا يُقَوَّمُ عِنْدَهُ ولا زَكاةَ فِيهِ حَتّى يُباعَ بِعَيْنٍ فَيُزَكِّيَ العَيْنَ عَلى حَوْلِ أصْلِ العَرْضِ، وإلى هَذا أشارَ ابْنُ عاشِرٍ، في ”المُرْشِدِ المُعِينِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]
؎والعَرْضُ ذُو التَّجْرِ ودَيْنُ مَن أدارْ قِيمَتُها كالعَيْنِ ثُمَّ ذُو احْتِكارْ
؎زَكّى لِقَبْضِ ثَمَنٍ أوْ دَيْنِ ∗∗∗ عَيْنًا بِشَرْطِ الحَوَلِ لِلْأصْلَيْنِ
زادَ مالِكٌ في مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ شَرْطًا، وهو أنَّهُ يُشْتَرَطُ في وُجُوبِ تَقْوِيمِ عُرُوضِ المُدِيرِ أنْ يَصِلَ يَدَهُ شَيْءٌ ناضٌّ مِن ذاتِ الذَّهَبِ أوِ الفِضَّةِ، ولَوْ كانَ رُبْعَ دِرْهَمٍ أوْ أقَلَّ، وخالَفَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِن أهْلِ مَذْهَبِهِ، فَوافَقَ الجُمْهُورَ في عَدَمِ اشْتِراطِ ذَلِكَ.
وَلا يَخْفى أنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ هو الظّاهِرُ، ولَمْ نَعْلَمْ بِأحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ خالَفَ في وُجُوبِ زَكاةِ عُرُوضِ التِّجارَةِ، إلّا ما يُرْوى عَنْ داوُدَ الظّاهِرِيِّ، وبَعْضِ أتْباعِهِ.
وَدَلِيلُ الجُمْهُورِ آيَةٌ، وأحادِيثُ، وآثارٌ ورَدَتْ بِذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنهم خالَفَ في ذَلِكَ، فَهو إجْماعٌ سُكُوتِيٌّ.
فَمِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ: ما رَواهُ أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ (p-١٣٦)قالَ: «فِي الإبِلِ صَدَقَتُها، وفي الغَنَمِ صَدَقَتُها، وفي البَزِّ صَدَقَتُهُ» الحَدِيثَ. أخْرَجَهُ الحاكِمُ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: هَذا الحَدِيثُ رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، في ”سُنَنِهِ“، والحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في ”المُسْتَدْرَكِ“، والبَيْهَقِيُّ، بِأسانِيدِهِمْ، ذَكَرَهُ الحاكِمُ بِإسْنادَيْنِ، ثُمَّ قالَ: هَذانِ الإسْنادانِ صَحِيحانِ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ، اهـ.
ثُمَّ قالَ: قَوْلُهُ: «وَفِي البَزِّ صَدَقَتُهُ»، هو بِفَتْحِ الباءِ وبِالزّايِ، هَكَذا رَواهُ جَمِيعُ الرُّواةِ، وصَرَّحَ بِالزّايِ الدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: حَدِيثُ أبِي ذَرٍّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «فِي الإبِلِ صَدَقَتُها وفي البَزِّ صَدَقَتُهُ»، أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أبِي ذَرٍّ مِن طَرِيقَيْنِ، وقالَ في آخِرِهِ: «وَفِي البَزِّ صَدَقَتُهُ»، قالَها بِالزّايِ، وإسْنادُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، مَدارُهُ عَلى مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ، ولَهُ عِنْدَهُ طَرِيقٌ ثالِثٌ مِن رِوايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ أبِي أنَسٍ، عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسٍ، عَنْ أبِي ذَرٍّ وهو مَعْلُولٌ؛ لِأنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، رَواهُ عَنْ عِمْرانَ: أنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ، ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ في العِلَلِ مِن هَذا الوَجْهِ، وقالَ: سَألْتُ البُخارِيَّ عَنْهُ فَقالَ: لَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مِن عِمْرانَ، ولَهُ طَرِيقَةٌ رابِعَةٌ، رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ أيْضًا، والحاكِمُ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ أبِي الحُسامِ، عَنْ عِمْرانَ، ولَفْظُهُ: " «فِي الإبِلِ صَدَقَتُها، وفي الغَنَمِ صَدَقَتُها، وفي البَقَرِ صَدَقَتُها، وفي البَزِّ صَدَقَتُهُ، ومَن رَفَعَ دَراهِمَ أوْ دَنانِيرَ لا يُعِدُّها لِغَرِيمٍ، ولا يُنْفِقُها في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهو كَنْزٌ يُكْوى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ»، وهَذا إسْنادٌ لا بَأْسَ بِهِ، اهـ.
فَتَرى ابْنَ حَجَرٍ قالَ: إنَّ هَذا الإسْنادَ لا بَأْسَ بِهِ مَعَ ما قَدَّمْنا عَنِ الحاكِمِ مِن صِحَّةِ الإسْنادَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وتَصْحِيحِ النَّوَوِيِّ لِذَلِكَ والَّذِي رَأيْتُهُ في سُنَنِ البَيْهَقِيِّ: أنَّ سَعِيدَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ أبِي الحُسامِ يَرْوِي الحَدِيثَ عَنْ مُوسى المَذْكُورِ، عَنْ عِمْرانَ، لا عَنْ عِمْرانَ مُباشَرَةً فانْظُرْهُ.
فَإنْ قِيلَ: قالَ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ: الَّذِي رَأيْتُهُ في نُسْخَةٍ مِنَ ”المُسْتَدْرَكِ“ في هَذا الحَدِيثِ: ”البُرُّ“ بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ وبِالرّاءِ المُهْمَلَةِ، ورِوايَةُ الدّارَقُطْنِيِّ الَّتِي صَرَّحَ فِيها بِالزّايِ في لَفْظَةِ البَزِّ في الحَدِيثِ ضَعِيفَةٌ، وإذَنْ فَلا دَلِيلَ في الحَدِيثِ عَلى تَقْرِيرِ صِحَّتِهِ عَلى وُجُوبِ زَكاةِ عُرُوضِ التِّجارَةِ.
فالجَوابُ هو ما قَدَّمْنا عَنِ النَّوَوِيِّ، مِن أنَّ جَمِيعَ رُواتِهِ رَوَوْهُ بِالزّايِ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ بِالزّايِ البَيْهَقِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، كَما تَقَدَّمَ.
(p-١٣٧)وَمِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في عُرُوضِ التِّجارَةِ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الفَزارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: «أمّا بَعْدُ فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، كانَ يَأْمُرُنا أنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمّا نُعِدُّ لِلْبَيْعِ»، وهَذا الحَدِيثُ سَكَتَ عَلَيْهِ أبُو داوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، ومَعْلُومٌ مِن عادَتِهِ أنَّهُ لا يَسْكُتُ إلّا عَنْ حَدِيثٍ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ عِنْدَهُ. وقَدْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ في هَذا الحَدِيثِ: رَواهُ أبُو داوُدَ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَزّارُ، مِن حَدِيثِ سُلَيْمانَ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ أبِيهِ وفي إسْنادِهِ جَهالَةٌ، اهـ.
قالَ مُقَيِّدُهُ، عَفا اللَّهُ عَنْهُ: في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ عِنْدَ أبِي داوُدَ حَبِيبُ بْنُ سُلَيْمانَ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وهو مَجْهُولٌ، وفِيهِ جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وهو لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وفِيهِ سُلَيْمانُ بْنُ مُوسى الزُّهْرِيُّ أبُو داوُدَ، وفِيهِ لِينٌ، ولَكِنَّهُ يَعْتَضِدُ بِما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ، ويَعْتَضِدُ أيْضًا بِما ثَبَتَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ حِماسٍ، أنَّ أباهُ حِماسًا قالَ: مَرَرْتُ عَلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَلى عُنُقِي أُدُمٌ أحْمِلُها، فَقالَ: ألا تُؤَدِّي زَكاتَكَ يا حِماسُ ؟ فَقالَ: ما لِي غَيْرَ هَذا، وأهَبُ في القَرْظِ قالَ: ذَلِكَ مالٌ فَضَعْ، فَوَضَعَها بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَسَبَها فَوُجِدَتْ قَدْ وجَبَتْ فِيها الزَّكاةُ فَأخَذَ مِنها الزَّكاةَ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ في هَذا الأثَرِ: رَواهُ الشّافِعِيُّ، عَنْ سُفْيانَ، حَدَّثَنا يَحْيى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ حِماسٍ أنَّ أباهُ قالَ: مَرَرْتُ بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَذَكَرَهُ، ورَواهُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ بِهِ، ورَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، مِن حَدِيثِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ حِماسٍ، عَنْ أبِيهِ، نَحْوَهُ، ورَواهُ الشّافِعِيُّ أيْضًا عَنْ سُفْيانَ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ أبِي الزِّنادِ، عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ حِماسٍ، عَنْ أبِيهِ، اهـ.
وَحِماسٌ بِكَسْرِ الحاءِ وتَخْفِيفِ المِيمِ وآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ، فَقَدْ رَأيْتَ ثُبُوتَ أخْذِ الزَّكاةِ مِن عُرُوضِ التِّجارَةِ عَنْ عُمَرَ، ولَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وهَذا النَّوْعُ يُسَمّى إجْماعًا سُكُوتِيًّا، وهو حُجَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " أخْبَرَنا أبُو نَصْرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، مِن كِتابِهِ أنْبَأ أبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ عَبَدَةَ، حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ البُوشَنْجِيُّ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: لَيْسَ في العُرُوضِ زَكاةٌ إلّا ما كانَ لِلتِّجارَةِ. اهـ.
(p-١٣٨)قالَ: وهَذا قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، فالَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُ قالَ: لا زَكاةَ في العَرْضِ، قالَ فِيهِ الشّافِعِيُّ في كِتابِ القَدِيمِ: إسْنادُ الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ضَعِيفٌ، فَكانَ اتِّباعُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِصِحَّتِهِ، والِاحْتِياطُ في الزَّكاةِ أحَبُّ إلَيَّ، واللَّهُ أعْلَمُ، قالَ: وقَدْ حَكى ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عائِشَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَ ما رُوِّينا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ولَمْ يَحْكِ خِلافَهم عَنْ أحَدٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ - إنْ صَحَّ - لا زَكاةَ في العَرْضِ إذا لَمْ يُرِدْ بِهِ التِّجارَةَ ”اهـ مِن سُنَنِ البَيْهَقِيِّ، ويُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ مالِكٌ في“ المُوَطَّإ "، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زُرَيْقِ بْنِ حَيّانَ، وكانَ زُرَيْقٌ عَلى جَوازِ مِصْرَ في زَمانِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، وسُلَيْمانَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، فَذَكَرَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كَتَبَ إلَيْهِ أنِ انْظُرْ مَن يَمُرُّ بِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَخُذْ مِمّا ظَهَرَ مِن أمْوالِهِمْ مِمّا يُدِيرُونَ مِنَ التِّجاراتِ مِن كُلِّ أرْبَعِينَ دِينارًا دِينارًا، فَما نَقَصَ فَبِحِسابِ ذَلِكَ حَتّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ دِينارًا فَإنْ نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينارٍ فَدَعْها، ولا تَأْخُذْ مِنها شَيْئًا.
وَأمّا الآيَةُ: فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، عَلى ما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، قالَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ بابُ: ”زَكاةِ التِّجارَةِ“ قالَ اللَّهُ تَعالى وجَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ الآيَةَ، أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ، وأبُو بَكْرِ بْنُ الحَسَنِ القاضِي، وأبُو سَعِيدِ بْنُ أبِي عَمْرٍو، قالُوا: ثَنا أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفّانَ، ثَنا يَحْيى بْنُ آدَمَ، ثَنا ورْقاءُ، عَنْ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾، قالَ: التِّجارَةُ، ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾، قالَ: النَّخْلُ، وقالَ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“، ”بابُ صَدَقَةِ الكَسْبِ والتِّجارَةِ“ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“: هَكَذا أوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مُقْتَصِرًا عَلى الآيَةِ بِغَيْرِ حَدِيثٍ.
وَكَأنَّهُ أشارَ إلى ما رَواهُ شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مُجاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾، قالَ: مِنَ التِّجارَةِ الحَلالِ، أخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ آدَمَ عَنْهُ، وأخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ شُعْبَةَ، ولَفْظُهُ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ قالَ: مِنَ التِّجارَةِ ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾، قالَ: (p-١٣٩)مِنَ الثِّمارِ.
وَلا شَكَّ أنَّ ما ذَكَرَهُ مُجاهِدٌ داخِلٌ في عُمُومِ الآيَةِ، فَتَحَصَّلَ أنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ مِن طُرُقِ حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ، وحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ المَرْفُوعَيْنِ وما صَحَّ مِن أخْذِ عُمَرَ زَكاةَ الجُلُودِ مِن حِماسٍ، وما رُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وظاهِرِ عُمُومِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وما فَسَّرَها بِهِ مُجاهِدٌ، وإجْماعِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ إلّا مَن شَذَّ عَنِ السَّوادِ الأعْظَمِ - يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في عُرُوضِ التِّجارَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في زَكاةِ الدَّيْنِ، وهَلِ الدَّيْنُ مُسْقِطٌ لِلزَّكاةِ عَنِ المَدِينِ أوْ لا ؟ !
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، ومَذْهَبُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ الدَّيْنَ الَّذِي لِلْإنْسانِ عَلى غَيْرِهِ يَجْرِي مَجْرى عُرُوضِ التِّجارَةِ في الفَرْقِ بَيْنَ المُدِيرِ وبَيْنَ المُحْتَكِرِ، وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في المَسْألَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذا.
وَمَذْهَبُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ الدَّيْنَ مانِعٌ مِنَ الزَّكاةِ في العَيْنِ وعُرُوضِ التِّجارَةِ إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ وفائِهِ قَدْرُ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، قالَ في ”مَوَطَّئِهِ“: الأمْرُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنا أنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وعِنْدَهُ مِنَ العُرُوضِ ما فِيهِ وفاءٌ لِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، ويَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ النّاضِّ سِوى ذَلِكَ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ فَإنَّهُ يُزَكِّي ما بِيَدِهِ مِن ناضٍّ تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ العُرُوضِ والنَّقْدِ إلّا وفاءَ دَيْنِهِ فَلا زَكاةَ عَلَيْهِ، حَتّى يَكُونَ عِنْدَهُ مِنَ النّاضِّ فَضْلٌ عَنْ دَيْنِهِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، فَعَلَيْهِ أنْ يُزَكِّيَهُ.
وَأمّا الماشِيَةُ، والزُّرُوعُ، والثِّمارُ، فَلا يُسْقِطُ الدَّيْنُ وُجُوبَ زَكاتِها عِنْدَهُ. ومَذْهَبُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الدَّيْنَ إذا كانَ حالًّا عَلى مُوسِرٍ مُقِرٍّ، أوْ مُنْكِرٍ وعَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَزَكاتُهُ واجِبَةٌ إنْ كانَ عَيْنًا أوْ عَرَضَ تِجارَةٍ، وهَذا قَوْلُهُ الجَدِيدُ، وأمّا القَدِيمُ: فَهو أنَّ الزَّكاةَ لا تَجِبُ في الدَّيْنِ بِحالٍ.
أمّا إنْ كانَ الغَرِيمُ مُعْسِرًا، أوْ جاحِدًا ولا بَيِّنَةَ، أوْ مُماطِلًا، أوْ غائِبًا، فَهو عِنْدَهُ كالمَغْصُوبِ، وفي وُجُوبِ الزَّكاةِ فِيهِ خِلافٌ، والصَّحِيحُ الوُجُوبُ، ولَكِنْ لا تُؤْخَذُ مِنهُ بِالفِعْلِ إلّا بَعْدَ حُصُولِهِ في اليَدِ.
وَإنْ كانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما لِأبِي إسْحاقَ: أنَّهُ كالدَّيْنِ الحالِّ عَلى فَقِيرٍ أوْ عَلى جاحِدٍ. فَيَكُونُ عَلى الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا.
(p-١٤٠)والثّانِي: لِأبِي عَلِيِّ بْنِ أبِي هُرَيْرَةَ: لا تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، فَإذا قَبَضَهُ اسْتَقْبَلَ بِهِ الحَوْلَ، والأوَّلُ أصَحُّ، قالَهُ صاحِبُ المُهَذَّبِ.
أمّا إذا كانَ الدَّيْنُ ماشِيَةً، كَأرْبَعِينَ مِنَ الغَنَمِ، أوْ غَيْرَ لازِمٍ كَدَيْنِ الكِتابَةِ، فَلا تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ اتِّفاقًا عِنْدَهم، وإنْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ، أوْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ كَمالُ النِّصابِ فَقالَ الشّافِعِيُّ في ”القَدِيمِ“: يُسْقِطُ الدَّيْنُ المُسْتَغْرِقُ، أوِ الَّذِي يَنْقُصُ بِهِ المالُ عَنِ النِّصابِ وُجُوبَ الزَّكاةِ؛ لِأنَّ المِلْكَ فِيهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ؛ لِأنَّهُ رُبَّما أخَذَهُ الحاكِمُ لِحَقِّ الغُرَماءِ، وقالَ في ”الجَدِيدِ“: تَجِبُ الزَّكاةُ ولا يُسْقِطُها الدَّيْنُ لِاخْتِلافِ جِهَتِهِما؛ لِأنَّ الزَّكاةَ تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ المالِ والدَّيْنُ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، وإنْ حُجِرَ عَلَيْهِ فَفِيهِ خِلافٌ كَثِيرٌ.
أصَحُّهُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ: أنَّهُ يَجْرِي عَلى حُكْمِ زَكاةِ المَغْصُوبِ، وقَدْ قَدَّمْنا حُكْمَهُ، ولِلشّافِعِيَّةِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكاةَ في الأمْوالِ الباطِنَةِ وهي الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وعُرُوضِ التِّجارَةِ، ولا يَمْنَعُها في الظّاهِرَةِ وهي الزُّرُوعُ، والثِّمارُ، والمَواشِي، والمَعادِنُ.
والفَرْقُ أنَّ الأمْوالَ الظّاهِرَةَ نامِيَةٌ بِنَفْسِها بِخِلافِ الباطِنَةِ، وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ كَما تَقَدَّمَ، ودَيْنُ الآدَمِيِّ، ودَيْنُ اللَّهِ عِنْدَهم سَواءٌ في مَنعِ وُجُوبِ الزَّكاةِ، ومَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ مَن كانَ لَهُ دَيْنٌ عَلى مَلِيءٍ مُقِرٍّ بِهِ غَيْرِ مُماطِلٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إخْراجُ زَكاتِهِ حَتّى يَقْبِضَهُ، فَإنْ قَبَضَهُ أدّى زَكاتَهُ فِيما مَضى مِنَ السِّنِينَ.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ، وقالَ: عُثْمانُ، وابْنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وطاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ: عَلَيْهِ إخْراجُ زَكاتِهِ في الحالِ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى قَبْضِهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، فَإنْ كانَ الدَّيْنُ عَلى مُعْسِرٍ، أوْ جاحِدٍ، أوْ مُماطِلٍ، فَرِوايَتانِ:
إحْداهُما: لا تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وإسْحاقَ، وأبِي ثَوْرٍ، وأهْلِ العِراقِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلى الِانْتِفاعِ بِهِ.
والثّانِيَةُ: يُزَكِّيهِ إذا قَبَضَهُ لِما مَضى، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأبِي عُبَيْدٍ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، واللَّيْثِ، والأوْزاعِيِّ: يُزَكِّيهِ إذا قَبَضَهُ لِعامٍ واحِدٍ، وهَذا هو قَوْلُ مالِكٍ.
(p-١٤١)وَمَذْهَبُ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكاةَ في الأمْوالِ الباطِنَةِ، الَّتِي هي الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وعُرُوضُ التِّجارَةِ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ عَنْهُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، ومَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، والحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، واللَّيْثِ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسْحاقَ، وأبِي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، وقَدْ قَدَّمْنا نَحْوَهُ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقالَ رَبِيعَةُ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: لا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزَّكاةَ في الأمْوالِ الباطِنَةِ، وقَدْ قَدَّمْناهُ عَنِ الشّافِعِيِّ، في جَدِيدِ قَوْلَيْهِ.
وَأمّا الأمْوالُ الظّاهِرَةُ، وهي السّائِمَةُ، والثِّمارُ، والحُبُوبُ، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيها الرِّوايَةُ، عَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَرُوِيَ عَنْهُ أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكاةَ فِيها أيْضًا كالأمْوالِ الباطِنَةِ، وعَنْهُ في رِوايَةِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ: يَبْتَدِئُ بِالدَّيْنِ فَيَقْضِيهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ ما بَقِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ إخْراجِ النَّفَقَةِ، فَيُزَكِّي ما بَقِيَ.
وَلا يَكُونُ عَلى أحَدٍ دَيْنُهُ أكْثَرُ مِن مالِهِ صَدَقَةٌ في إبِلٍ، أوْ بَقَرٍ، أوْ غَنَمٍ، أوْ زَرْعٍ، ولا زَكاةٌ، وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، والحَسَنُ، وسُلَيْمانُ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، وإسْحاقُ.
وَرُوِيَ أنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ الزَّكاةَ في الأمْوالِ الظّاهِرَةِ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، وقَدْ قَدَّمْناهُ عَنِ الشّافِعِيِّ في ”الجَدِيدِ“ وهو قَوْلُ مالِكٍ.
إذا عَرَفْتَ أقْوالَ العُلَماءِ في زَكاةِ الدَّيْنِ، وهَلْ هو مانِعٌ مِنَ الزَّكاةِ، فاعْلَمْ أنَّ اخْتِلافَهم في الدَّيْنِ، هَلْ يُزَكّى قَبْلَ القَبْضِ، وهَلْ إذا لَمْ يُزَكِّهِ قَبْلَ القَبْضِ يَكْفِي زَكاةُ سَنَةٍ واحِدَةٍ ؟ ! أوْ لا بُدَّ مِن زَكاتِهِ لِما مَضى مِنَ السِّنِينَ ؟ !
الظّاهِرُ فِيهِ أنَّهُ مِن الِاخْتِلافِ في تَحْقِيقِ المَناطِ، هَلِ القُدْرَةُ عَلى التَّحْصِيلِ كالحُصُولِ بِالفِعْلِ، أوْ لا ؟ ! ولا نَعْلَمُ في زَكاةِ الدَّيْنِ نَصًّا مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجْماعٍ، ولا كَوْنَ الدَّيْنِ مانِعًا مِن وُجُوبِ الزَّكاةِ عَلى المَدِينِ إنْ كانَ يَسْتَغْرِقُ، أوْ يُنْقِصُ النِّصابَ، إلّا آثارًا ورَدَتْ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ.
مِنها ما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: أنَّهُ كانَ يَقُولُ: هَذا شَهْرُ زَكاتِكم، فَمَن كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ، حَتّى تَحْصُلَ أمْوالُكم فَتُؤَدُّونَ مِنهُ الزَّكاةَ.
وَمِنها ما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“ أيْضًا عَنْ أيُّوبَ بْنِ أبِي ثَمِيمَةَ السَّخْتِيانِيِّ، عَنْ (p-١٤٢)عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّهُ كَتَبَ في مالٍ قَبَضَهُ بَعْضُ الوُلاةِ ظُلْمًا، يَأْمُرُ بِرَدِّهِ إلى أهْلِهِ، ويُؤْخَذُ زَكاتُهُ لِما مَضى مِنَ السِّنِينَ، ثُمَّ عَقَّبَ بَعْدَ ذَلِكَ بِكِتابٍ ألّا يُؤْخَذَ مِنهُ إلّا زَكاةٌ واحِدَةٌ، فَإنَّهُ كانَ ضِمارًا. اهـ. وهو بِكَسْرِ الضّادِ، أيْ: غائِبًا عَنْ رَبِّهِ لا يَقْدِرُ عَلى أخْذِهِ ولا يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ.
* *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في زَكاةِ المَعادِنِ والرِّكازِ.
اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا عَلى وُجُوبِ إخْراجِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ مِنَ المَعادِنِ في الجُمْلَةِ، لَكِنْ وقَعَ بَيْنَهم الِاخْتِلافُ في بَعْضِ الصُّوَرِ لِذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ: لا يَجِبُ في شَيْءٍ مِنَ المَعادِنِ الزَّكاةُ، إلّا الذَّهَبَ والفِضَّةَ خاصَّةً، فَإذا أخْرَجَ مِنَ المَعْدِنِ عِشْرِينَ مِثْقالًا مِنَ الذَّهَبِ، أوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنَ الفِضَّةِ، وجَبَ عَلَيْهِ إخْراجُ رُبْعِ العُشْرِ مِن ذَلِكَ مِن حِينِ إخْراجِهِ، ولا يَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا.
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، ومَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ كَمَذْهَبِهِما. إلّا أنَّهُ يُوجِبُ الزَّكاةَ في جَمِيعِ المَعادِنِ مِن ذَهَبٍ، وفِضَّةٍ، وزِئْبَقٍ، ورَصاصٍ، وصُفْرٍ، وحَدِيدٍ، وياقُوتٍ، وزَبَرْجَدٍ، ولُؤْلُؤٍ، وعَقِيقٍ، وسَبَجٍ، وكُحْلٍ، وزُجاجٍ، وزِرْنِيخٍ، ومَغْرَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ المَعادِنُ الجارِيَةُ، كالقارِ، والنِّفْطِ، ونَحْوِهِما، ويُقَوَّمُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أوْ عِشْرِينَ مِثْقالًا، ما عَدا الذَّهَبَ والفِضَّةَ، فَجَمِيعُ المَعادِنِ عِنْدَهُ تُزَكّى، واللّازِمُ فِيها رُبْعُ العُشْرِ.
وَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، إلى أنَّ المَعْدِنَ مِن جُمْلَةِ الرِّكازِ، فَفِيهِ عِنْدَهُ الخُمُسُ، وهو عِنْدَهُ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وما يَنْطَبِعُ كالحَدِيدِ والصُّفْرِ والرَّصاصِ في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْنِ، ولا يُشْتَرَطُ عِنْدَهُ النِّصابُ في المَعْدِنِ والرِّكازِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِلُزُومِ العُشْرِ في المَعْدِنِ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وحُجَّةُ مَن قالَ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ في جَمِيعِ المَعادِنِ، عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ .
وَحُجَّةُ مَن قالَ بِوُجُوبِها في مَعْدِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَقَطْ: أنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكاةِ، فَلَمْ تَجِبْ في غَيْرِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ لِلنَّصِّ عَلَيْهِما دُونَ غَيْرِهِما، واحْتَجُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ: «لا زَكاةَ في حَجَرٍ»، وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ، مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ أبِي عُمَرَ الكَلاعِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِهِ، وتابَعَهُ عُثْمانُ الوَقّاصِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ العَرْزَمِيُّ، كِلاهُما عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وهُما مَتْرُوكانِ. اهـ. وعُمَرُ بْنُ أبِي عُمَرَ الكَلاعِيُّ ضَعِيفٌ، مِن (p-١٤٣)شُيُوخِ بَقِيَّةَ المَجْهُولِينَ، قالَهُ في ”التَّقْرِيبِ“ واحْتَجَّ لِوُجُوبِ الزَّكاةِ في المَعْدِنِ بِما رَواهُ مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَطَعَ لِبِلالِ بْنِ الحارِثِ المُزَنِيِّ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ، وهي مِن ناحِيَةِ الفُرْعِ. فَتِلْكَ المَعادِنُ لا يُؤْخَذُ مِنها إلى اليَوْمِ إلّا الزَّكاةُ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: ورَواهُ أبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ مَوْصُولًا، لَيْسَتْ فِيهِ زِيادَةُ: وهي مِن ناحِيَةِ الفُرْعِ، إلَخْ.
وَقالَ الشّافِعِيُّ: بَعْدَ أنْ رَوى حَدِيثَ مالِكٍ: لَيْسَ هَذا ما يُثْبِتُهُ أهْلُ الحَدِيثِ ولَمْ يُثْبِتُوهُ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ رِوايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا إقْطاعُهُ، وأمّا الزَّكاةُ دُونَ الخُمُسِ فَلَيْسَتْ مَرْوِيَّةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقالَ البَيْهَقِيُّ: وهو كَما قالَ الشّافِعِيُّ في رِوايَةِ مالِكٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الدَّراوَرْدِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ، مَوْصُولًا، ثُمَّ أخْرَجَهُ عَنِ الحاكِمِ، والحاكِمُ أخْرَجَهُ في ”المُسْتَدْرَكِ“ وكَذا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مِن رِوايَةِ الدَّراوَرْدِيِّ، قالَ: ورَواهُ أبُو سَبْرَةَ المَدِينِيُّ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قُلْتُ: أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، مِنَ الوَجْهَيْنِ. اهـ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ عَلى الحَدِيثِ المَرْفُوعِ الَّتِي ذَكَرَها مالِكٌ في ”المُوَطَّإ“، فَتِلْكَ المَعادِنُ لا يُؤْخَذُ مِنها إلّا الزَّكاةُ إلى اليَوْمِ - مِن نَوْعِ الِاسْتِدْلالِ بِالِاسْتِصْحابِ المَقْلُوبِ، وهو حُجَّةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مِنَ المالِكِيَّةِ، والشّافِعِيَّةِ.
والِاسْتِصْحابُ المَقْلُوبُ: هو الِاسْتِدْلالُ بِثُبُوتِ الأمْرِ في الزَّمَنِ الحاضِرِ عَلى ثُبُوتِهِ في الزَّمَنِ الماضِي، لِعَدَمِ ما يَصْلُحُ لِلتَّغْيِيرِ مِنَ الأوَّلِ إلى الثّانِي.
قالَ صاحِبُ ”جَمْعِ الجَوامِعِ“: أمّا ثُبُوتُهُ في الأوَّلِ لِثُبُوتِهِ في الثّانِي فَمَقْلُوبٌ، وقَدْ يُقالُ فِيهِ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الثّابِتُ اليَوْمَ ثابِتًا أمْسِ لَكانَ غَيْرَ ثابِتٍ، فَيَقْتَضِي اسْتِصْحابَ أمْسِ أنَّهُ الآنَ غَيْرُ ثابِتٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ.
وَقالَ: في ”نَشْرِ البُنُودِ“: وقَدْ يُقالُ في الِاسْتِصْحابِ المَقْلُوبِ لِيَظْهَرَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الثّابِتُ اليَوْمَ ثابِتًا أمْسِ لَكانَ غَيْرَ ثابِتٍ أمْسِ؛ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الثُّبُوتِ وعَدَمِهِ، فَيَقْتَضِي اسْتِصْحابَ أمْسِ الخالِي عَنِ الثُّبُوتِ فِيهِ، أنَّهُ الآنَ غَيْرُ ثابِتٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ مَفْرُوضُ الثُّبُوتِ الآنَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ أمْسِ أيْضًا، ومَثَّلَ لَهُ بَعْضُ المالِكِيَّةِ بِالوَقْفِ، إذا جُهِلَ مَصْرِفُهُ ووُجِدَ عَلى حالَةٍ فَإنَّهُ يَجْرِي عَلَيْها؛ لِأنَّ وُجُودَهُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ (p-١٤٤)دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ في عَقْدِ الوَقْفِ، ومَثَّلَ لَهُ ”المُحَلّى“، بِأنْ يُقالَ في المِكْيالِ المَوْجُودِ: كانَ عَلى عَهْدِهِ ﷺ، بِاسْتِصْحابِ الحالِ في الماضِي، ووَجْهُهُ في المَسْألَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها؛ أنَّ لَفْظَ: فَتِلْكَ المَعادِنُ لا يُؤْخَذُ مِنها إلّا الزَّكاةُ إلى اليَوْمِ يَدُلُّ بِالِاسْتِصْحابِ المَقْلُوبِ أنَّها كانَتْ كَذَلِكَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَدَمِ ما يَصْلُحُ لِلتَّغْيِيرِ كَما ذَكَرْنا.
وَقَدْ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ إلى مَسْألَةِ الِاسْتِصْحابِ المَذْكُورِ في ”كِتابِ الِاسْتِدْلالِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزِ ]
؎وَرَجَّحَنَّ كَوْنَ الِاسْتِصْحابِ لِلْعَدَمِ الأصْلِيِّ مِن ذا البابِ بَعْدَ قُصارى البَحْثِ
؎عَنْ نَصٍّ فَلَمْ يُلْفَ وهَذا ∗∗∗ البَحْثُ وفْقًا مُنْحَتِمْ
إلى أنْ قالَ، وهو مَحَلُّ الشّاهِدِ: [ الرَّجَزِ ]
؎وَما بِماضٍ مُثْبِتٍ لِلْحالِ ∗∗∗ فَهو مَقْلُوبٌ وعَكْسُ الخالِي
؎كَجَرْيِ ما جُهِلَ فِيهِ المَصْرِفُ ∗∗∗ عَلى الَّذِي الآنَ لِذاكَ يُعْرَفُ
وَأمّا الرِّكازُ: فَفِيهِ الخُمُسُ بِلا نِزاعٍ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ» أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، وأصْحابُ السُّنَنِ، والإمامُ أحْمَدُ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالرِّكازِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورٌ، مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، إلى أنَّ الرِّكازَ هو دَفْنُ الجاهِلِيَّةِ، وأنَّهُ لا يَصْدُقُ عَلى المَعادِنِ اسْمُ الرِّكازِ.
واحْتَجُّوا بِما جاءَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي ذَكَرْنا بَعْضًا مِنهُ آنِفًا؛ فَإنَّ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «والمَعْدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ»، فَفَرَّقَ بَيْنَ المَعْدِنِ والرِّكازِ بِالعَطْفِ المُقْتَضِي لِلْمُغايَرَةِ.
وَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وغَيْرُهُما إلى أنَّ المَعْدِنَ رِكازٌ، واحْتَجُّوا بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وما الرِّكازُ ؟ قالَ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ المَخْلُوقانِ في الأرْضِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ»، ورَدَّهُ الجُمْهُورُ بِأنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: رَواهُ: البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي يُوسُفَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وتابَعَهُ حِبّانُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، (p-١٤٥)وَعَبْدُ اللَّهِ مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وحِبّانُ ضَعِيفٌ.
وَأصْلُ الحَدِيثِ ثابِتٌ في ”الصِّحاحِ“، وغَيْرِها بِدُونِ الزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ. وقالَ الشّافِعِيُّ في ”الجَدِيدِ“: يُشْتَرَطُ في وُجُوبِ الخُمُسِ في الرِّكازِ أنْ يَكُونَ ذَهَبًا، أوْ فِضَّةً دُونَ غَيْرِهِما، وخالَفَهُ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إذا كانَ في تَحْصِيلِ المَعْدِنِ مَشَقَّةٌ فَفِيهِ رُبُعُ العُشْرِ، وإنْ كانَ لا مَشَقَّةَ فِيهِ فالواجِبُ فِيهِ الخُمُسُ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
التوبة 9:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ الآيَةَ.
لا يَخْفى ما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّشْدِيدِ في الخُرُوجِ إلى الجِهادِ عَلى كُلِّ حالٍ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ رَفْعَ هَذا التَّشْدِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٩١]، فَهي ناسِخَةٌ لَها.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى لُزُومِ الخُرُوجِ لِلْجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
والجَوابُ أنَّ آيَةَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ مَنسُوخَةٌ بِآياتٍ العُذْرِ المَذْكُورَةِ، وهَذا المَوْضِعُ مِن أمْثِلَةِ ما نُسِخَ فِيهِ النّاسِخُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ ناسِخٌ لِآياتِ الإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ وهو مَنسُوخٌ بِآياتِ العُذْرِ، كَما ذَكَرْنا آنِفًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
التوبة 9:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ .
قالَ الشّافِعِيُّ، واللَّيْثُ: إنَّ المُرادَ بِالرِّقابِ: المُكاتَبُونَ.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى في المُكاتَبِينَ: ﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّقابُ أعَمُّ مِنَ المُكاتَبِينَ، فَلا بَأْسَ أنْ تُعْتَقَ الرَّقَبَةُ مِنَ الزَّكاةِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ.
التوبة 9:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ مَن يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهُ العَذابُ الألِيمُ.
وَذَكَرَ في ”الأحْزابِ“ أنَّهُ مَلْعُونٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنَّ لَهُ العَذابَ المُهِينَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] .
التوبة 9:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ما تَحْذَرُونَ﴾ .
صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ المُنافِقِينَ يَحْذَرُونَ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ سُورَةً تَفْضَحُهم، وتُبَيِّنُ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمائِرُهم مِنَ الخُبْثِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُخْرِجٌ ما كانُوا يَحْذَرُونَهُ، وذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ فاعِلٌ ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ (p-١٤٦)[محمد: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ شِدَّةَ خَوْفِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] .
التوبة 9:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ .
صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُنافِقِينَ ما وجَدُوا شَيْئًا يَنْقِمُونَهُ، أيْ: يَعِيبُونَهُ ويَنْتَقِدُونَهُ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ فَأغْناهم بِما فَتَحَ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ.
والمَعْنى أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيْءٌ يَحْتَمِلُ أنْ يُعابَ أوْ يُنْقَمَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والآيَةُ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ [الأعراف: ١٢٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] .
وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ: قَوْلُ نابِغَةِ ذِبْيانَ: [ الطَّوِيلِ ]
؎وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
وَقَوْلِ الآخَرِ: [ المُنْسَرِحِ ]
؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَضْرِبُونَ إنْ غَضِبُوا
وَقَوْلِ الآخَرِ: [ الوافِرِ ]
؎فَما يَكُ فِيَّ مِن عَيْبٍ فَإنِّي ∗∗∗ جَبانُ الكَلْبِ مَهْزُولُ الفَصِيلِ
التوبة 9:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ شِدَّةَ حَرِّ نارِ جَهَنَّمَ أعاذَنا اللَّهُ والمُسْلِمِينَ مِنها، وبَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّها لَظى﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ [الأعراف: ١٥، ١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿وَلَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ١٩ - ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
تَنْبِيهٌ
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في وزْنِ جَهَنَّمَ بِالمِيزانِ الصَّرْفِيِّ، فَذَهَبَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ إلى أنَّ (p-١٤٧)وَزْنَهُ ”فَعَنَّلُ“ فالنُّونُ المُضَعَّفَةُ زائِدَةٌ، وأصْلُ المادَّةِ: الجِيمُ والهاءُ والمِيمُ، مِن: تَجَهَّمَ: إذا عَبَسَ وجْهُهُ؛ لِأنَّها تَلْقاهم بِوَجْهٍ مُتَجَهِّمٍ عابِسٍ، وتَتَجَهَّمُ وُجُوهُهم وتَعْبَسُ فِيها لِما يُلاقُونَ مِن ألَمِ العَذابِ.
وَمِنهُ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ الوَلِيدِ الأنْصارِيِّ: [ الطَّوِيلِ ]
؎شَكَوْتُ إلَيْها حُبَّها فَتَبَسَّمَتْ ولَمْ أرَ شَمْسًا قَبْلَها تَتَبَسَّمُ
؎فَقُلْتُ لَها جُودِي فَأبْدَتْ تَجَهُّمًا ∗∗∗ لِتَقْتُلَنِي يا حُسْنَها إذْ تَجَهَّمُ
وَتَقُولُ العَرَبُ: جَهَمَهُ: إذا اسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهٍ كَرِيهٍ مُجْتَمِعٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ الفَضْفاضِ الجُهَنِيِّ: [ الطَّوِيلِ ]
؎وَلا تَجَهَّمِينا أُمَّ عَمْرٍو فَإنَّما ∗∗∗ بِنا داءُ ظَبِيٍ لَمْ تَخُنْهُ عَوامِلُهُ
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: جَهَنَّمُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والأصْلُ ”كَهِنامُ“ وهو بِلِسانِهِمُ ”النّارُ“، فَعَرَّبَتْهُ العَرَبُ وأبْدَلُوا الكافَ جِيمًا.
التوبة 9:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿الخالِفِينَ﴾، عاقَبَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ بِأنَّهم لا يُؤْذَنُ لَهم في الخُرُوجِ مَعَ نَبِيِّهِ، ولا القِتالِ مَعَهُ ﷺ؛ لِأنَّ شُؤْمَ المُخالَفَةِ يُؤَدِّي إلى فَواتِ الخَيْرِ الكَثِيرِ.
وَقَدْ جاءَ مِثْلُ هَذا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح: ١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، والخالِفُ هو الَّذِي يَتَخَلَّفُ عَنِ الرِّجالِ في الغَزْوِ فَيَبْقى مَعَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّنْفَرى: [ الطَّوِيلِ ]
وَلا خالِفٍ دارِيَّةٍ مُتَرَبِّبٍ يَرُوحُ ويَغْدُو داهِنًا يَتَكَحَّلُ
التوبة 9:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ .
ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ إذا أنْزَلَ سُورَةً فِيها الأمْرُ بِالإيمانِ، والجِهادِ مَعَ نَبِيِّهِ ﷺ اسْتَأْذَنَ الأغْنِياءُ مِنَ المُنافِقِينَ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وطَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم مَعَ القاعِدِينَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الغَزْوِ.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ هَذا لَيْسَ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ مِن صِفاتِ الشّاكِّينَ (p-١٤٨)الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٤، ٤٥]، وبَيَّنَ أنَّ السَّبِيلَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٩٣]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ شِدَّةَ جَزَعِهِمْ مِنَ الخُرُوجِ إلى الجِهادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ الآيَةَ [محمد: ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ
التوبة 9:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ .
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِإحْسانٍ، أنَّهم داخِلُونَ مَعَهم في رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، والوَعْدِ بِالخُلُودِ في الجَنّاتِ، والفَوْزِ العَظِيمِ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ، أنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا السّابِقِينَ بِإحْسانٍ يُشارِكُونَهم في الخَيْرِ
• كَقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ الآيَةَ [الجمعة: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا﴾ الآيَةَ [الحشر: ١٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] .
وَلا يَخْفى أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنِ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ، وهو دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ صَرِيحٌ في أنَّ مَن يَسُبُّهم ويُبْغِضُهم، أنَّهُ ضالٌّ مُخالِفٌ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا؛ حَيْثُ أبْغَضَ مَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولا شَكَّ أنَّ بُغْضَ مَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُضادَّةٌ لَهُ جَلَّ وعَلا، وتَمَرُّدٌ وطُغْيانٌ.
التوبة 9:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ الآيَةَ.
صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مِنَ الأعْرابِ، ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقِينَ لا يَعْلَمُهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وذَكَرَ تَعالى نَظِيرَ ذَلِكَ عَنْ نُوحٍ في قَوْلِهِ عَنْهُ: ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١١٢] .
(p-١٤٩)وَذَكَرَ نَظِيرَهُ عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ اهـ.
وَقَدْ أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى بَعْضِ المُنافِقِينَ كَما تَقَدَّمَ في الآياتِ الماضِيَةِ، وقَدْ أخْبَرَ صاحِبَهُ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، كَما هو مَعْلُومٌ.
التوبة 9:114
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذِهِ المَوْعِدَةَ الَّتِي وعَدَها إيّاهُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ .
التوبة 9:128
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْثَ هَذا الرَّسُولِ الَّذِي هو مِن أنْفُسِنا الَّذِي هو مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المُشْعِرَةِ بِغايَةِ الكَمالِ، وغايَةِ شَفَقَتِهِ عَلَيْنا - هو أعْظَمُ مِنَنِ اللَّهِ تَعالى، وأجْزَلُ نِعَمِهِ عَلَيْنا، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
التوبة 9:129
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ .
أمَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا.
وَلا شَكَّ أنَّهُ مُمْتَثِلٌ ذَلِكَ، فَهو سَيِّدُ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَعالى، هو شَأْنُ إخْوانِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وسَلامُهُ.
كَما بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ عَنْ هُودٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٤ - ٥٦] وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ جُمْلَةِ الرُّسُلِ: ﴿وَما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا (p-١٥٠)سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾:
وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ عَلى عِظَمِ تَوَكُّلِ نَبِيِّنا ﷺ عَلى اللَّهِ «قَوْلُهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وهو عَلى بَغْلَةٍ في ذَلِكَ المَوْقِفِ العَظِيمِ:
؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المَطَّلِبْ
»
يونس 10:4
(p-١٥١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ يُونُسَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ الآيَةَ.
ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِشُرْبِ الحَمِيمِ، وبِالعَذابِ الألِيمِ، والحَمِيمُ: الماءُ الحارُّ، وذَكَرَ أوْصافَ هَذا الحَمِيمِ في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩، ٢٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤، ٥٥] .
وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ الماءَ الَّذِي يُسْقَوْنَ صَدِيدٌ، أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٦]:
وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يُسْقَوْنَ مَعَ الحَمِيمِ الغَسّاقَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٧، ٥٨]، وقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ [النبإ: ٢٤، ٢٥]، والغَسّاقُ: صَدِيدُ أهْلِ النّارِ - أعاذَنا اللَّهُ والمُسْلِمِينَ مِنها - وأصْلُهُ مِن غَسَقَتِ العَيْنُ: سالَ دَمْعُها، وقِيلَ: هو لُغَةً: البارِدُ المُنْتِنُ، والحَمِيمُ الآنِي: الماءُ البالِغُ غايَةَ الحَرارَةِ، والمُهْلُ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، أوِ المُذابُ مِنَ النُّحاسِ، والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والآياتُ المُبَيِّنَةُ لِأنْواعِ عَذابِ أهْلِ النّارِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
يونس 10:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ سَلامٌ، أيْ يُسَلِّمُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِذَلِكَ، ويُسَلِّمُونَ عَلى المَلائِكَةِ، وتُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٢٣، ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا﴾ الآيَةَ (p-١٥٢)[مريم: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ الآيَةَ [الطلاق: ٢٥، ٢٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمَعْنى السَّلامِ: الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ.
والتَّحِيَّةُ: مَصْدَرُ حَيّاكَ اللَّهُ، بِمَعْنى أطالَ حَياتَكَ.
يونس 10:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الإنْسانَ في وقْتِ الكَرْبِ يَبْتَهِلُ إلى رَبِّهِ بِالدُّعاءِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ، فَإذا فَرَّجَ اللَّهُ كَرْبَهُ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، ونَسِيَ ما كانَ فِيهِ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَطُّ.
وَبَيَّنَ هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٤٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]
والآياتُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
إلّا أنَّ اللَّهَ اسْتَثْنى مِن هَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [يونس:، ١١]، وقَدْ قالَ ﷺ: «عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ لا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضاءً إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ، إنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ فَصَبَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ فَشَكَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِأحَدٍ إلّا لِلْمُؤْمِنِ» .
يونس 10:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ .
أمَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ ما يَكُونُ لَهُ أنْ يُبَدِّلَ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، ويُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبَدِّلُ مِنهُ ما شاءَ بِما شاءَ.
وَصَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٦، ٧] .
يونس 10:16
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولًا حَتّى لَبِثَ فِيهِمْ عُمُرًا مِنَ الزَّمَنِ، وقَدْرُ ذَلِكَ أرْبَعُونَ سَنَةً، فَعَرَفُوا صِدْقَهُ، وأمانَتَهُ، وعَدْلَهُ، وأنَّهُ بَعِيدٌ كُلَّ البُعْدِ مِن أنْ يَكُونَ كاذِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَهُ الأمِينَ، وقَدْ ألْقَمَهُمُ اللَّهُ حَجَرًا بِهَذِهِ الحُجَّةِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩] ولِذا لَمّا سَألَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ أبا سُفْيانَ، ومَن مَعَهُ عَنْ صِفاتِهِ ﷺ، قالَ هِرَقْلُ لِأبِي سُفْيانَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قالَ ؟ قالَ أبُو سُفْيانَ: فَقُلْتُ: لا، وكانَ أبُو سُفْيانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ زَعِيمَ الكُفّارِ، ورَأْسَ المُشْرِكِينَ ومَعَ ذَلِكَ اعْتَرَفَ بِالحَقِّ، والحَقُّ ما شَهِدَتْ بِهِ الأعْداءُ.
فَقالَ لَهُ هِرَقْلُ: فَقَدْ أعْرِفُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ، ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَكْذِبُ عَلى اللَّهِ. اهـ.
وَلِذَلِكَ وبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] .
يونس 10:18
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٠٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ يُونُسَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم يَرْجُونَ شَفاعَةَ أصْنامِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى إنْكارِهِمْ لِأصْلِ يَوْمِ القِيامَةِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والجَوابُ أنَّهم يَرْجُونَ شَفاعَتَها في الدُّنْيا لِإصْلاحِ مَعاشِهِمْ وفي الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ وجُودِها لِأنَّهم شاكُّونَ فِيها، نَصَّ عَلى هَذا ابْنُ كَثِيرٍ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٤]، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى عَنِ الكافِرِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، لِأنَّ إنَّ الشَّرْطِيَّةَ تَدُلُّ عَلى الشَّكِّ في حُصُولِ الشَّرْطِ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦]، في الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
يونس 10:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَثَلَ لِلدُّنْيا بِالنَّباتِ النّاعِمِ المُخْتَلِطِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وعَمّا قَلِيلٍ يَيْبَسُ، ويَكُونُ حَصِيدًا يابِسًا كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ، وضَرَبَ لَها أيْضًا المَثَلَ المَذْكُورَ في ”الكَهْفِ“ في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ [الكهف: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾، وأشارَ لِهَذا المَثَلِ بِقَوْلِهِ في ”الزُّمَرِ“: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [ ٢١ ]، وقَوْلِهِ في ”الحَدِيدِ“: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ الآيَةَ [ ٢٠ ] .
تَنْبِيهٌ
التَّشْبِيهُ في الآياتِ المَذْكُورَةِ عِنْدَ البَلاغِيِّينَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ؛ لِأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ صُورَةٌ مُنْتَزَعَةٌ مِن أشْياءَ، وهو كَوْنُ كُلٍّ مِنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ يَمْكُثُ ما شاءَ اللَّهُ، وهو في إقْبالٍ وكَمالٍ، ثُمَّ عَمّا قَلِيلٍ يَضْمَحِلُّ ويَزُولُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى:
يونس 10:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الآيَةَ.
ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَجْمَعُ النّاسَ جَمِيعًا، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
(p-١٥٤)وَصَرَّحَ في ”الكَهْفِ“ بِأنَّهُ لا يَتْرُكُ مِنهم أحَدًا، بِقَوْلِهِ: ﴿وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [ ٤٧ ] .
يونس 10:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ الآيَةَ.
صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ يَوْمَ القِيامَةِ تَبْلُو، أيْ: تُخْبَرُ وتَعْلَمُ ما أسْلَفَتْ، أيْ قَدَّمَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٩] .
وَأمّا عَلى قِراءَةِ ”تَتْلُو“ بِتاءَيْنِ فَفي مَعْنى الآيَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّها تَتْلُو بِمَعْنى تَقْرَأُ في كِتابِ أعْمالِها جَمِيعَ ما قَدَّمَتْ، فَيَرْجِعُ إلى الأُولى.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ عَمَلَها، لِقَوْلِهِ ﷺ: «لَتَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُهُ فَيَتْبَعُ مَن كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ» الحَدِيثَ.
يونس 10:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ .
صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بِأنَّ الكَفّارَ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ جَلَّ وعَلا، هو رَبُّهُمُ الرَّزّاقُ المُدَبِّرُ لِلْأُمُورِ المُتَصَرِّفُ في مُلْكِهِ بِما يَشاءُ، وهو صَرِيحٌ في اعْتِرافِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ، ومَعَ هَذا أشْرَكُوا بِهِ جَلَّ وعَلا.
والآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ مُقِرُّونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وعَلا ولَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ لِإشْراكِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ في حُقُوقِهِ جَلَّ وعَلا - كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
والآياتُ المَذْكُورَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الِاعْتِرافَ بِرُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وعَلا لا يَكْفِي في الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ إلّا بِتَحْقِيقِ مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ نَفْيًا وإثْباتًا، وقَدْ أوْضَحْناهُ في سُورَةِ (p-١٥٥)”الفاتِحَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] .
أمّا تَجاهُلُ فِرْعَوْنَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - لِرُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وعَلا، في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] فَإنَّهُ تَجاهُلُ عارِفٍ؛ لِأنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] .
يونس 10:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ .
ألْقَمَ اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ في هَذِهِ الآياتِ حَجَرًا، بِأنَّ الشُّرَكاءَ الَّتِي يَعْبُدُونَها مِن دُونِهِ لا قُدْرَةَ لَها عَلى فِعْلِ شَيْءٍ، وأنَّهُ هو وحْدَهُ جَلَّ وعَلا الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ بِالإحْياءِ مَرَّةً أُخْرى، وأنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ.
وَصَرَّحَ بِمِثْلِ هَذا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٧] .
• وَقَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ الآيَةَ [الملك: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ١٧] .
والآياتُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَسْوِيَةَ ما لا يَضُرُّ، ولا يَنْفَعُ، ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مَعَ مَن بِيَدِهِ الخَيْرُ كُلُّهُ المُتَصَرِّفِ بِكُلِّ ما شاءَ - لا تَصْدُرُ إلّا مِمَّنْ لا عَقْلَ لَهُ، كَما قالَ تَعالى عَنْ أصْحابِ ذَلِكَ: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] .
يونس 10:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ هَذا القُرْآنَ لا يَكُونُ مُفْتَرًى مِن دُونِ اللَّهِ مَكْذُوبًا بِهِ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لا شَكَّ في أنَّهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ جَلَّ وعَلا، (p-١٥٦)وَأشارَ إلى أنَّ تَصْدِيقَهُ لِلْكُتُبِ السَّماوِيَّةِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ، وتَفْصِيلَهُ لِلْعَقائِدِ، والحَلالِ، والحَرامِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا شَكَّ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُفْتَرًى، وأنَّهُ لا رَيْبَ في كَوْنِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وبَيَّنَ هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠، ٢١١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]،
والآياتُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا صَرَّحَ هُنا بِأنَّ هَذا القُرْآنَ ما كانَ أنْ يُفْتَرى عَلى اللَّهِ، أقامَ البُرْهانَ القاطِعَ عَلى أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَتَحَدّى جَمِيعَ الخَلْقِ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِثْلِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَوْ كانَ مِن جِنْسِ كَلامِ الخَلْقِ لَقَدَرَ الخَلْقُ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ كُلُّهم حَصَلَ اليَقِينُ والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، قالَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]، وتَحَدّاهم أيْضًا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِن مِثْلِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣]، وتَحَدّاهم في ”هُودٍ“ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ الآيَةَ [ ١٣ ]، وتَحَدّاهم في ”الطُّورِ“ بِهِ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [ ٣٤ ]، وصَرَّحَ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ بِعَجْزِ جَمِيعِ الخَلائِقِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، كَما قَدَّمْنا، وبَيَّنَ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٤] .
يونس 10:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ .
التَّحْقِيقُ أنَّ تَأْوِيلَهُ هُنا، هو حَقِيقَةُ ما يَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قَدَّمْنا في أوَّلِ ”آلِ عِمْرانَ“، ويَدُلُّ لِصِحَّةِ هَذا قَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ [ ٥٣ ] .
وَنَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ [ص: ٨] .
يونس 10:41
(p-١٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنْ يُظْهِرَ البَراءَةَ مِن أعْمالِ الكُفّارِ القَبِيحَةِ إنْكارًا لَها، وإظْهارًا لِوُجُوبِ التَّباعُدِ عَنْها، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ وأتْباعِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ \ الآيَةَ [الممتحنة: ٤] ٣٠ .
وَبَيَّنَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ اعْتِزالَ الكُفّارِ، والأوْثانِ، والبَراءَةَ مِنهم مِن فَوائِدِهِ تَفَضُّلُ اللَّهِ تَعالى بِالذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ الصّالِحَةِ، وهو قَوْلُهُ في ”مَرْيَمَ“: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ ٤٩ ]، إلى قَوْلِهِ: عَلِيًّا [مريم: ٥٠] .
وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ: إنَّ آيَةَ: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآيَةَ [يونس: ٤١]، مَنسُوخَةٌ بِآياتِ السَّيْفِ.
والظّاهِرُ أنَّ مَعْناها مُحْكَمٌ؛ لِأنَّ البَراءَةَ إلى اللَّهِ مِن عَمَلِ السُّوءِ لا شَكَّ في بَقاءِ مَشْرُوعِيَّتِها.
يونس 10:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ الآيَةَ.
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ الكُفّارَ إذا حُشِرُوا اسْتَقَلُّوا مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، حَتّى كَأنَّها قَدْرُ ساعَةٍ عِنْدَهم، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في آخِرِ ”الأحْقافِ“: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [ ٣٥ ]، وقَوْلِهِ في آخِرِ ”النّازِعاتِ“: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ الآيَةَ [ ٤٦ ]، وقَوْلِهِ في آخِرِ ”الرُّومِ“: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ الآيَةَ [ ٥٥ ] .
وَقَدْ بَيَّنّا بِإيضاحٍ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ المُقْتَضِيَةِ أنَّ الدُّنْيا عِنْدَهم كَساعَةٍ وبَيْنَ الآياتِ المُقْتَضِيَةِ أنَّها عِنْدَهم كَأكْثَرِ مِن ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣]، وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣]، فانْظُرْهُ في سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ .
صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أهْلَ المَحْشَرِ (p-١٥٨)يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَعْرِفُ الآباءُ الأبْناءَ، كالعَكْسِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ هَذِهِ المُعارَفَةَ لا أثَرَ لَها، فَلا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا شَيْئًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠، ١١] وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] .
وَقَدْ بَيَّنّا في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ أيْضًا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، في سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْضًا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ .
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِخُسْرانِ المُكَذِّبِينَ بِلِقائِهِ، وأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا المَفْعُولَ بِهِ لِقَوْلِهِ: ”خَسِرَ“ وذَكَرَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ أسْبابًا مِن أسْبابِ الخُسْرانِ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ المَفْعُولَ المَحْذُوفَ هُنا، فَمِنَ الآياتِ المُماثِلَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في ”الأنْعامِ“: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ الآيَةَ [ ٣١ ]، وقَوْلُهُ تَعالى في ”البَقَرَةِ“: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [ ٢٧ ] وقَوْلُهُ في ”البَقَرَةِ“ أيْضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [ ٢٧ ]، وقَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [ ١٢١ ]، وقَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“ أيْضًا: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [ ١٧٨ ]، وقَوْلُهُ في ”الزُّمَرِ“: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [ ٦٣ ] .
والآياتُ في مِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ، وقَدْ أقْسَمَ تَعالى عَلى أنَّ هَذا الخُسْرانَ لا يَنْجُو مِنهُ إنْسانٌ إلّا بِأرْبَعَةِ أُمُورٍ:
الأوَّلُ: الإيمانُ.
الثّانِي: العَمَلُ الصّالِحُ.
الثّالِثُ: التَّواصِي بِالحَقِّ.
الرّابِعُ: التَّواصِي بِالصَّبْرِ.
وَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ [العصر: ١، ٢] وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ (p-١٥٩)أنَّ المَفْعُولَ المَحْذُوفَ الواقِعَ عَلَيْهِ الخُسْرانُ هو أنْفُسُهم، كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [ ٩ ]، وقَوْلِهِ في ”المُؤْمِنُونَ“: ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [ ١٠٣ ]، وقَوْلِهِ في ”هُودٍ“: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [ ٤٥ ] .
وَزادَ في مَواضِعَ أُخَرَ خُسْرانَ الأهْلِ مَعَ النَّفْسِ، كَقَوْلِهِ في ”الزُّمَرِ“: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [ ١٥ ]، وقَوْلِهِ في ”الشُّورى“: ﴿وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ [ ٤٥ ] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ خُسْرانَ الخاسِرِينَ قَدْ يَشْمَلُ الدُّنْيا والآخِرَةَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الحج: ١١] .
يونس 10:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ الآيَةَ.
بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِنَبِيِّهِ ﷺ أنَّهُ إمّا أنْ يُرِيَهُ في حَياتِهِ بَعْضَ ما يَعِدُ الكُفّارَ مِنَ النَّكالِ والِانْتِقامِ، أوْ يَتَوَفّاهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَرْجِعُهم إلَيْهِ جَلَّ وعَلا لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ بِهِمْ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، ونُفُوذِ مَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا فِيهِمْ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”المُؤْمِنِ“: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [ ٧٧ ]، وقَوْلِهِ في ”الزُّخْرُفِ“: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [فصلت:، ٤٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
تَنْبِيهٌ
لَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ العَظِيمِ فِعْلُ المُضارِعِ بَعْدَ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ المُدْغَمَةِ في ”ما“ المَزِيدَةِ لِتَوْكِيدِ الشَّرْطِ، إلّا مُقْتَرِنًا بِنُونِ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةَ [يونس: ٤٦]، ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٤١]، ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٥٧]، ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٥٨] .
وَلِذَلِكَ زَعَمَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةَ وُجُوبَ اقْتِرانِ المُضارِعِ بِالنُّونِ المَذْكُورَةِ في الحالِ (p-١٦٠)المَذْكُورَةِ، والحَقُّ أنَّ عَدَمَ اقْتِرانِهِ بِها جائِزٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: [ المُتَقارِبِ ]
؎فَإمّا تَرَيِنِّي ولِي لَمَّةٌ فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها
وَقَوْلِ الآخَرِ: [ الكامِلِ ]
؎زَعَمَتْ تُماضِرُ أنَّنِي إمّا أمُتْ ∗∗∗ يُسَدِّدُ أُبَيْنُوها الأصاغِرُ خَلَّتِي
يونس 10:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ .
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا، وبَيَّنَ هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ بَيَّنَ ﷺ أنَّ عَدَدَ الأُمَمِ سَبْعُونَ أُمَّةً في حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ القُشَيْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ»، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآياتِ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ ووَجْهَ الجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ الآيَةَ [ ٦ ]، في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ .
أوْضَحَ اللَّهُ تَعالى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ .
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلًا، وأنَّهُ لا يَسْبِقُ أحَدٌ أجَلَهُ المُحَدَّدَ لَهُ، ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥ - ٢٣ \ ٤٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ الآيَةَ [المنافقون: ١١]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
يونس 10:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ يَطْلُبُونَ في الدُّنْيا تَعْجِيلَ العَذابِ كُفْرًا وعِنادًا، فَإذا عايَنُوا العَذابَ آمَنُوا، وذَلِكَ الإيمانُ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ وحُضُورِهِ لا يُقْبَلُ مِنهم، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ (p-١٦١)تَعالى عَلَيْهِمْ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١]، ونَفى أيْضًا قَبُولَ إيمانِهِمْ في ذَلِكَ الحِينِ بِقَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ .
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠، ٩١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
واسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى قَوْمَ يُونُسَ دُونَ غَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] .
يونس 10:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ الآيَةَ.
ذَكَرَ تَعالى عَنْ مُوسى في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُ سِحْرَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ.
وَصَرَّحَ في مَواضِعَ أُخَرَ بِأنَّ ذَلِكَ الَّذِي قالَ مُوسى إنَّهُ سَيَقَعُ مِن إبْطالِ اللَّهِ لِسِحْرِهِمْ، أنَّهُ وقَعَ بِالفِعْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٨، ١١٩] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ:
يونس 10:88
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ .
نَصَّ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ هَذا دُعاءُ مُوسى ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ أحَدًا ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما﴾ .
والجَوابُ: أنَّ مُوسى لَمّا دَعا أمَّنَ هارُونُ عَلى دُعائِهِ والمُؤَمِّنُ أحَدُ الدّاعِينَ، وهَذا الجَمْعُ مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي العالِيَةِ وأبِي صالِحٍ وعِكْرِمَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وبِهَذِهِ الآيَةِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ عَلى أنَّ قِراءَةَ الإمامِ تَكْفِي المَأْمُومَ إذا أمَّنَ لَهُ عَلى قِراءَتِهِ، لِأنَّ تَأْمِينَهُ بِمَنزِلَةِ قِراءَتِهِ.
يونس 10:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ الآيَةَ.
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ بَوَّأ بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ.
وَبَيَّنَ ذَلِكَ في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الجمعة: ٥٧، ٥٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥، ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨]،
ومَعْنى ﴿بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾: أنْزَلْناهم مَنزِلًا مَرْضِيًّا حَسَنًا.
يونس 10:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ .
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ (p-١٦٢)العَذابِ، وسَبَقَتْ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ الشَّقاوَةُ لا يَنْفَعُهُ وُضُوحُ أدِلَّةِ الحَقِّ، وذَكَرَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
يونس 10:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ .
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إيمانَ قَوْمِ يُونُسَ ما نَفَعَهم إلّا في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ .
وَيُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولَكِنَّهُ تَعالى أطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ الإيمانِ مِن غَيْرِ قَيْدٍ في سُورَةِ ”الصّافّاتِ“، والإيمانُ مُنْقِذٌ مِن عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، كَما أنَّهُ بَيَّنَ في ”الصّافّاتِ“ أيْضًا كَثْرَةَ عَدَدِهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٧، ١٤٨] .
يونس 10:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ الآيَةَ.
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لَوْ شاءَ إيمانَ جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ لَآمَنُوا كُلُّهم جَمِيعًا، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ كُفْرَهم واقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ أيْضًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٠٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ١٠٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يَقْهَرَ قَلْبَهُ عَلى الِانْشِراحِ إلى الإيمانِ إلّا إذا أرادَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ.
وَأوْضَحَ ذَلِكَ المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ الآيَةَ (p-١٦٣)[النحل: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٥٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا كَما تَقَدَّمَ في ”النِّساءِ“ .
والظّاهِرُ أنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وأنَّ مَعْناها أنَّهُ لا يَهْدِي القُلُوبَ ويُوَجِّهُها إلى الخَيْرِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وأظْهَرُ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٠] .
يونس 10:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ.
أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا جَمِيعَ عِبادِهِ أنْ يَنْظُرُوا ماذا خَلَقَ في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ خالِقِها، وكَمالِهِ، وجَلالِهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا.
وَأشارَ لِمِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٥٣]، ووَبَّخَ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ هَذا الأمْرَ، وهَدَّدَهُ بِأنَّهُ قَدْ يُعاجِلُهُ المَوْتُ فَيَنْقَضِي أجَلُهُ قَبْلَ أنْ يَنْظُرَ فِيما أمَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا أنْ يَنْظُرَ فِيهِ؛ لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلى وُجُوبِ المُبادَرَةِ في امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ الآيَةَ [ ١٨٥ ] .
تَنْبِيهٌ
آيَةُ ”الأعْرافِ“ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنا تَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ الأمْرَ يَقْتَضِي الفَوْرَ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُصُولِيِّينَ، خِلافًا لِجَماعَةٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ وغَيْرِهِمْ.
يونس 10:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ .
أوْضَحَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ .
يونس 10:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ .
أوْضَحَ مَعْناهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
يونس 10:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ نَبِيِّهِ وبَيْنَ أعْدائِهِ، وقَدْ بَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّهُ حَكَمَ بِنَصْرِهِ عَلَيْهِمْ، وإظْهارِ دِينِهِ عَلى كُلِّ (p-١٦٤)دِينٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلى آخِرِ السُّورَةِ،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] إلى آخِرِها،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٤١] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
هود 11:1
(p-١٦٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ هُودٍ
﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، واسْتِقْراءُ القُرْآنِ العَظِيمِ يُرَجِّحُ واحِدًا مِن تِلْكَ الأقْوالِ، وسَنَذْكُرُ الخِلافَ المَذْكُورَ وما يُرَجِّحُهُ القُرْآنُ مِنهُ بِالِاسْتِقْراءِ فَنَقُولُ، وبِاللَّهِ جَلَّ وعَلا نَسْتَعِينُ:
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، كَما بَيَّنّا في ”آلِ عِمْرانَ“ ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وعامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، والرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، واخْتارَهُ أبُو حاتِمِ بْنُ حِبّانَ.
وَقِيلَ: هي أسْماءٌ لِلسُّوَرِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، ويُرْوى ما يَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وعَلَيْهِ إطْباقُ الأكْثَرِ. ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ، ويَعْتَضِدُ هَذا القَوْلُ بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ الم [السجدة: ١] السَّجْدَةِ، و هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ [الإنسان: ١]» .
وَيَدُلُّ لَهُ أيْضًا قَوْلُ قاتِلِ مُحَمَّدٍ السَّجّادِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَوْمَ الجَمَلِ، وهو شُرَيْحُ بْنُ أبِي أوْفى العَبْسِيُّ، كَما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في أوَّلِ سُورَةِ المُؤْمِنِ:
؎يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُّمْحُ شاجِرٌ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ
وَحَكى ابْنُ إسْحاقَ أنَّ هَذا البَيْتَ لِلْأشْتَرِ النَّخَعِيِّ قائِلًا: إنَّهُ الَّذِي قَتَلَ مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ المَذْكُورَ، وذَكَرَ أبُو مُخَنِّفٍ أنَّهُ لِمُدْلِجِ بْنِ كَعْبٍ السَّعْدِيِّ، ويُقالُ كَعْبُ بْنُ مُدْلِجٍ، وذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ أنَّ الأكْثَرَ عَلى أنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عِصامُ بْنُ مُقْشَعِرٍّ، قالَ المَرْزُبانِيُّ: وهو الثَّبْتُ، وأنْشَدَ لَهُ البَيْتَ المَذْكُورَ، وقَبْلَهُ:
؎وَأشْعَثُ قَوّامٌ بِآياتِ رَبِّهِ ∗∗∗ قَلِيلُ الأذى فِيما تَرى العَيْنُ مُسْلِمِ
؎ (p-١٦٦)هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ ∗∗∗ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ
؎عَلى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أنْ لَيْسَ تابِعًا ∗∗∗ عَلِيًّا ومَن لا يَتْبَعُ الحَقَّ يَنْدَمِ
يُذَكِّرُنِي حامِيمَ. . . البَيْتَ. اهـ مِن ”فَتْحِ البارِي“ .
فَقَوْلُهُ: ”يُذَكِّرُنِي حامِيمَ“، بِإعْرابِ ”حامِيمَ“ إعْرابَ ما لا يَنْصَرِفُ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ.
وَقِيلَ: هي مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا: سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، والشَّعْبِيُّ، وإسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيُّ الكَبِيرُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وعَنْهُ أيْضًا: أنَّها أقْسامٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِها، وهي مِن أسْمائِهِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وَقِيلَ: هي حُرُوفٌ، كُلُّ واحِدٍ مِنها مِنِ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ جَلَّ وعَلا. فالألِفُ مِن ”الم“ مَثَلًا: مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ، واللّامُ مِفْتاحُ اسْمِهِ لَطِيفٍ، والمِيمُ: مِفْتاحُ اسْمِهِ مَجِيدٍ، وهَكَذا. ويُرْوى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي العالِيَةِ، واسْتُدِلَّ لِهَذا القَوْلِ بِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُطْلِقُ الحَرْفَ الواحِدَ مِنَ الكَلِمَةِ، وتُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ الكَلِمَةِ كَقَوْلِ الرّاجِزِ:
؎قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ لِي قافِ ∗∗∗ لا تَحْسَبِي أنّا نَسِينا الإيجافِ
فَقَوْلُهُ: ”قافِ“ أيْ وقَفْتُ، وقَوْلِ الآخَرِ:
؎بِالخَيْرِ خَيْراتٌ وإنْ شَرًّا فا ∗∗∗ ولا أُرِيدُ الشَّرَّ إلّا أنْ تا
يَعْنِي: وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، ولا أُرِيدُ الشَّرَّ إلّا أنْ تَشاءَ، فاكْتَفى بِالفاءِ والتّاءِ عَنْ بَقِيَّةِ الكَلِمَتَيْنِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وفي الحَدِيثِ «مَن أعانَ عَلى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ» الحَدِيثَ، قالَ سُفْيانُ: هو أنْ يَقُولَ في اقْتُلْ: اقْ، إلى غَيْرِ ما ذَكَرْنا مِنَ الأقْوالِ في فَواتِحِ السُّوَرِ، وهي نَحْوُ ثَلاثِينَ قَوْلًا.
أمّا القَوْلُ الَّذِي يَدُلُّ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ عَلى رُجْحانِهِ فَهو: أنَّ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ ذُكِرَتْ في أوائِلِ السُّوَرِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها بَيانًا لِإعْجازِ القُرْآنِ، وأنَّ الخَلْقَ عاجِزُونَ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِمِثْلِهِ مَعَ أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي يَتَخاطَبُونَ بِها، وحَكى هَذا القَوْلَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ المُبَرِّدِ، وجَمْعٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الفَرّاءِ، وقُطْرُبٍ، ونَصَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ.
(p-١٦٧)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ الإمامُ العَلّامَةُ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَةَ، وشَيْخُنا الحافِظُ المُجْتَهِدُ أبُو الحَجّاجِ المِزِّيُّ، وحَكاهُ لِي عَنِ ابْنِ تَيْمِيَةَ.
وَوَجْهُ شَهادَةِ اسْتِقْراءِ القُرْآنِ لِهَذا القَوْلِ: أنَّ السُّوَرَ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ يُذْكَرُ فِيها دائِمًا عَقِبَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الِانْتِصارُ لِلْقُرْآنِ وبَيانُ إعْجازِهِ، وأنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ.
وَذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَها دائِمًا دَلِيلٌ اسْتِقْرائِيٌّ عَلى أنَّ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ قُصِدَ بِها إظْهارُ إعْجازِ القُرْآنِ، وأنَّهُ حَقٌّ.
قالَ تَعالى في ”البَقَرَةِ“: الم [البقرة: ١]، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾، وقالَ في ”آلِ عِمْرانَ“: الم [آل عمران: ١]، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢، ٣]، وقالَ في ”الأعْرافِ“: المص [الأعراف: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢]، وقالَ في سُورَةِ ”يُونُسَ“: الر [يونس: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، أعْنِي سُورَةَ ”هُودٍ“ الر \ [هود: ١] ٣٠، ثُمَّ قالَ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وقالَ في ”يُوسُفَ“: الر [يوسف: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ١، ٢]، وقالَ في ”الرَّعْدِ“: المر [الرعد: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ [الرعد: ١]، وقالَ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“: الر [إبراهيم: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١]، وقالَ في ”الحِجْرِ“: الر [الحجر: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾، وقالَ في سُورَةِ ”طه“ ﴿طه﴾ [طه: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢]، وقالَ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ٢، ٣]، وقالَ في ”النَّمْلِ“: ﴿طس﴾ [النمل: ٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ١]، وقالَ في ”القَصَصِ“: ﴿طسم﴾ [القصص: ١]، ثُمَّ قالَ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٢، ٣]، وقالَ في ”لُقْمانَ“ الم [لقمان: ٣]، ثُمَّ قالَ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٢، ٣]، وقالَ في (p-١٦٨)”السَّجْدَةِ“: الم [السجدة: ١]، ثُمَّ قالَ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢]، وقالَ في ”يس“: ﴿يس﴾ [يس: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ الآيَةَ [يس: ٢]، وقالَ في ”ص“: ص [ص: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الآيَةَ [ص: ١] وقالَ في ”سُورَةِ المُؤْمِنِ“: حم [غافر: ١]، ثُمَّ قالَ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ الآيَةَ [غافر: ٢] .
وَقالَ في ”فُصِّلَتْ“: حم [فصلت: ٢]، ثُمَّ قالَ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٢، ٣]، وقالَ في ”الشُّورى:“ ﴿حم عسق﴾ [الشورى: ١، ٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٣]، وقالَ في ”الزُّخْرُفِ“: حم [الزخرف: ٣]، ثُمَّ قالَ: ﴿والكِتابِ المُبِينِ إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٢، ٣] وقالَ في ”الدُّخانِ“: حم [الدخان: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿والكِتابِ المُبِينِ إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٢، ٣] وقالَ في ”الجاثِيَةِ“: حم [الجاثية: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٢، ٣]، وقالَ في ”الأحْقافِ“ حم [الأحقاف: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢، ٣]، وقالَ في سُورَةِ ”ق“: ق [ق: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ الآيَةَ [ق: ١] .
وَقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ الأُصُولِيِّينَ في الِاحْتِجاجِ بِالِاسْتِقْراءِ بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وَإنَّما أخَّرْنا الكَلامَ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ مَعَ أنَّهُ مَرَّتْ سُوَرٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ كالبَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، والأعْرافِ، ويُونُسَ؛ لِأنَّ الحُرُوفَ المُقَطَّعَةَ في القُرْآنِ المَكِّيِّ غالِبًا، والبَقَرَةُ وآلُ عِمْرانَ مَدَنِيَّتانِ، والغالِبُ لَهُ الحُكْمُ، واخْتَرْنا لِبَيانِ ذَلِكَ سُورَةَ هُودٍ؛ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى المَعْنى المَقْصُودِ في غايَةِ الظُّهُورِ والإيضاحِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، بَعْدَ قَوْلِهِ: الر [هود: ١] واضِحٌ جِدًّا فِيما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
هود 11:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾، هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ العُظْمى الَّتِي أُنْزِلَ القُرْآنُ مِن أجْلِها: هي أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ، ولا يُشْرَكَ بِهِ في عِبادَتِهِ شَيْءٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ الآيَةَ [هود: ١، ٢] صَرِيحٌ في أنَّ (p-١٦٩)آياتِ هَذا الكِتابِ فُصِّلَتْ مِن عِنْدِ الحَكِيمِ الخَبِيرِ لِأجْلِ أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وحْدَهُ، سَواءٌ قُلْنا إنَّ ”أنْ“ هي المُفَسِّرَةُ، أوْ أنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِنها ومِن صِلَتِها مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ لِأنَّ ضابِطَ ”أنْ“ المُفَسِّرَةَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها مُتَضَمِّنًا مَعْنى القَوْلِ، ولا يَكُونُ فِيهِ حُرُوفُ القَوْلِ.
وَوَجْهُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، فِيهِ مَعْنى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِذَلِكَ الإحْكامِ والتَّفْصِيلِ دُونَ حُرُوفِ القَوْلِ، فَيَكُونُ تَفْسِيرُ ذَلِكَ هو: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ .
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِن ”أنْ“ وصِلَتِها مَفْعُولٌ لَهُ، فالأمْرُ واضِحٌ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ حاصِل تَفْصِيلِ القُرْآنِ هو أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ ولا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، ومَعْلُومٌ أنَّ لَفْظَةَ ”إنَّما“ مِن صِيَغِ الحَصْرِ، فَكَأنَّ جَمِيعَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مُنْحَصِرٌ في مَعْنى ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ أنَّ حَصْرَ الوَحْيِ في آيَةِ الأنْبِياءِ هَذِهِ في تَوْحِيدِ العِبادَةِ حَصْرٌ لَهُ في أصْلِهِ الأعْظَمِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ جَمِيعُ الفُرُوعِ؛ لِأنَّ شَرائِعَ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ داخِلَةٌ في ضِمْنِ مَعْنى ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ لِأنَّ مَعْناها خَلْعُ جَمِيعِ المَعْبُوداتِ غَيْرِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ، وإفْرادِهِ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الأوامِرِ والنَّواهِي القَوْلِيَّةِ، والفِعْلِيَّةِ، والِاعْتِقادِيَّةِ.
والآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ، وإنْزالَ الكُتُبِ لِأجْلِ أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وحْدَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ أشَرْنا إلى هَذا البَحْثِ في ”سُورَةِ الفاتِحَةِ“ وسَنَسْتَقْصِي الكَلامَ عَلَيْهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في ”سُورَةِ النّاسِ“ لِتَكُونَ خاتِمَةَ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ حُسْنى.
هود 11:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الذُّنُوبِ سَبَبٌ لِأنْ يُمَتِّعَ اللَّهُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى؛ لِأنَّهُ رَتَّبَ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ تَرْتِيبَ الجَزاءِ (p-١٧٠)عَلى شَرْطِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَتاعِ الحَسَنِ: سَعَةُ الرِّزْقِ، ورَغَدُ العَيْشِ، والعافِيَةُ في الدُّنْيا، وأنَّ المُرادَ بِالأجَلِ المُسَمّى: المَوْتُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ ”نُوحٍ“: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٩٦]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
هود 11:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
يُبَيِّنُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وأنَّ السِّرَّ كالعَلانِيَةِ عِنْدَهُ، فَهو عالِمٌ بِما تَنْطَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ وما يُعْلَنُ وما يُسَرُّ، والآياتُ المُبَيِّنَةُ لِهَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]،
• وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٦١]،
ولا تَقْلِبُ ورَقَةً مِنَ المُصْحَفِ الكَرِيمِ إلّا وجَدْتَ فِيها آيَةً بِهَذا المَعْنى.
تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى ما أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ واعِظًا أكْبَرَ، ولا زاجِرًا أعْظَمَ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ وأمْثالُها في القُرْآنِ، مِن أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ ما يَعْمَلُهُ خَلْقُهُ، رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، لَيْسَ بِغائِبٍ عَمّا يَفْعَلُونَ، وضَرَبَ العُلَماءُ لِهَذا الواعِظِ الأكْبَرِ، والزّاجِرِ الأعْظَمِ مَثَلًا لِيَصِيرَ بِهِ كالمَحْسُوسِ، فَقالُوا: لَوْ فَرَضْنا أنَّ مَلِكًا قَتّالًا لِلرِّجالِ، (p-١٧١)سَفّاكًا لِلدِّماءِ، شَدِيدَ البَطْشِ والنَّكالِ عَلى مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَهُ ظُلْمًا، وسَيّافُهُ قائِمٌ عَلى رَأْسِهِ، والنَّطْعُ مَبْسُوطٌ لِلْقَتْلِ، والسَّيْفُ يَقْطُرُ دَمًا، وحَوْلَ هَذا المَلِكِ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ جَوارِيهِ وأزْواجُهُ وبَناتُهُ، فَهَلْ تَرى أنَّ أحَدًا مِنَ الحاضِرِينَ يَهِمُّ بِرِيبَةٍ أوْ بِحَرامٍ يَنالُهُ مِن بَناتِ ذَلِكَ المَلِكِ وأزْواجِهِ، وهو يَنْظُرُ إلَيْهِ عالِمٌ بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ ؟ ! لا، وكَلّا ! بَلْ جَمِيعُ الحاضِرِينَ يَكُونُونَ خائِفِينَ، وجِلَةً قُلُوبُهم، خاشِعَةً عُيُونُهم، ساكِنَةً جَوارِحُهم خَوْفًا مِن بَطْشِ ذَلِكَ المَلِكِ.
وَلا شَكَّ ”وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى“ أنَّ رَبَّ السَّمَواتِ والأرْضِ جَلَّ وعَلا أشَدُّ عِلْمًا، وأعْظَمُ مُراقَبَةً، وأشَدُّ بَطْشًا، وأعْظَمُ نَكالًا وعُقُوبَةً مِن ذَلِكَ المَلِكِ، وحِماهُ في أرْضِهِ مَحارِمُهُ، فَإذا لاحَظَ الإنْسانُ الضَّعِيفُ أنَّ رَبَّهُ جَلَّ وعَلا لَيْسَ بِغائِبٍ عَنْهُ، وأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ ما يَقُولُ وما يَفْعَلُ وما يَنْوِي لانَ قَلْبُهُ، وخَشِيَ اللَّهَ تَعالى، وأحْسَنَ عَمَلَهُ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا.
وَمِن أسْرارِ هَذِهِ المَوْعِظَةِ الكُبْرى أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى صَرَّحَ بِأنَّ الحِكْمَةَ الَّتِي خَلَقَ الخَلْقَ مِن أجْلِها هي أنْ يَبْتَلِيَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، ولَمْ يَقُلْ: أيُّهم أكْثَرُ عَمَلًا، فالِابْتِلاءُ في إحْسانِ العَمَلِ، كَما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ الآيَةَ [هود: ٧] .
وَقالَ في المُلْكِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ [الملك: ٢] .
وَلا شَكَّ أنَّ العاقِلَ إذا عَلِمَ أنَّ الحِكْمَةَ الَّتِي خُلِقَ مِن أجْلِها هي أنْ يُبْتَلى - أيْ يُخْتَبَرَ بِإحْسانِ العَمَلِ - فَإنَّهُ يَهْتَمُّ كُلَّ الِاهْتِمامِ بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ لِنَجاحِهِ في هَذا الِاخْتِبارِ، ولِهَذِهِ الحِكْمَةِ الكُبْرى سَألَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذا لِيُعَلِّمَهُ لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”أخْبِرْنِي عَنِ الإحْسانِ“ أيْ وهو الَّذِي خُلِقَ الخَلْقُ لِأجْلِ الِاخْتِبارِ فِيهِ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الطَّرِيقَ إلى ذَلِكَ هي هَذا الواعِظُ، والزّاجِرُ الأكْبَرُ الَّذِي هو مُراقَبَةُ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمُ بِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يَفْعَلُ خَلْقُهُ، فَقالَ لَهُ: ”الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ“ .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥]، وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ [هود: ٥]، وفي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: مِنهُ [هود: ٥] .
(p-١٧٢)فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥] يَزْوَرُّونَ عَنِ الحَقِّ، ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، ومَنِ ازْوَرَّ عَنْهُ وانْحَرَفَ ثَنى عَنْهُ صَدْرَهُ، وطَوى عَنْهُ كَشْحَهُ. بِهَذا فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا المَعْنى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، فَهم يُعَبِّرُونَ بِاعْوِجاجِ الصَّدْرِ عَنِ العُدُولِ عَنِ الشَّيْءِ والمَيْلِ عَنْهُ، ويُعَبِّرُونَ بِإقامَةِ الصَّدْرِ عَنِ القَصْدِ إلى الشَّيْءِ وعَدَمِ المَيْلِ عَنْهُ.
فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ غَيْلانَ بْنِ عُقْبَةَ العَدَوِيِّ عَدِيِّ الرَّبابِ:
؎خَلِيلَيَّ عُوجا بارَكَ اللَّهُ فِيكُما عَلى دارِ مَيٍّ مِن صُدُورِ الرَّكائِبِ
؎تَكُنْ عَوْجَةً يَجْزِيكُما اللَّهُ عِنْدَهُ ∗∗∗ بِها الأجْرَ أوْ تُقْضى ذِمامَةُ صاحِبِ
يَعْنِي: اثْنِيا صُدُورَ الرَّكائِبِ إلى دارِ مَيٍّ.
وَمِنَ الثّانِي قَوْلُ الشَّنْفَرى:
؎أقِيمُوا بَنِي أُمِّي صُدُورَ مَطِيِّكم ∗∗∗ فَإنِّي إلى قَوْمٍ سِواكم لَأمِيلُ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعٍ أقِيمِي ∗∗∗ صُدُورَ العَيْشِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ
وَقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ.
كانَ حُلْوَ المَنطِقِ، يَلْقى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِما يُحِبُّ ويَنْطَوِي لَهُ بِقَلْبِهِ عَلى ما يَسُوءُ.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ، وطَوْطَأ رَأْسَهُ وغَطّى وجْهَهُ لِكَيْلا يَراهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَدْعُوَهُ إلى الإيمانِ، حُكِيَ مَعْناهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُجامِعُوا أوْ يَتَغَوَّطُوا ولَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّماءِ حِجابٌ، يَسْتَحْيُونَ مِنَ اللَّهِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ [هود: ٥]، يُغَطُّونَ رُءُوسَهم لِأجْلِ كَراهَتِهِمُ اسْتِماعَ كَلامِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ الآيَةَ [نوح: ٧] .
وَقِيلَ: كانُوا إذا عَمِلُوا سُوءًا ثَنَوْا صُدُورَهم وغَطَّوْا رُءُوسَهم، يَظُنُّونَ أنَّهم إنْ فَعَلُوا (p-١٧٣)ذَلِكَ أخْفَوْا بِهِ عَمَلَهم عَلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ الآيَةَ [هود: ٥] .
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ: ألا إنَّهم تَثْنَوْنِي صُدُورُهم [هود: ٥]، وتَثْنَوْنِي مُضارِعُ اثْنَوْنى، ووَزْنُهُ افْعَوْعَلَ مِنَ الثَّنْيِ كَما تَقُولُ احْلَوْلى مِنَ الحَلاوَةِ و صُدُورُهم في قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ بِالرَّفْعِ فاعِلُ: تَثْنَوْنِي، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِنهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى في أظْهَرِ القَوْلَيْنِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلَيْهِ ﷺ كَما مَرَّ في الأقْوالِ في الآيَةِ.
هود 11:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِحِكْمَةِ ابْتِلاءِ الخَلْقِ، ولَمْ يَخْلُقْهُما عَبَثًا ولا باطِلًا، ونَزَّهَ نَفْسَهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وصَرَّحَ بِأنَّ مَن ظَنَّ ذَلِكَ فَهو مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهَدَّدَهم بِالنّارِ، قالَ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]، وقالَ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]، وقالَ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
هود 11:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ الآيَةَ، المُرادُ بِالأُمَّةِ هُنا: المُدَّةُ مِنَ الزَّمَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، أيْ: تَذَكَّرَ بَعْدَ مُدَّةٍ.
تَنْبِيهٌ
اسْتُعْمِلَ لَفْظُ ”الأُمَّةِ“ في القُرْآنِ أرْبَعَةَ اسْتِعْمالاتٍ:
الأوَّلُ: هو ما ذَكَرْنا هُنا مِنَ اسْتِعْمالِ الأُمَّةِ في البُرْهَةِ مِنَ الزَّمَنِ.
الثّانِي: اسْتِعْمالُها في الجَماعَةِ مِنَ النّاسِ، وهو الِاسْتِعْمالُ الغالِبُ،
• كَقَوْلِهِ ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ الآيَةَ [يونس: ٤٧]،
• وقَوْلِهِ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٣]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الثّالِثُ: اسْتِعْمالُ ”الأُمَّةِ“ في الرَّجُلِ المُقْتَدى بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ (p-١٧٤)الآيَةَ [النحل: ١٢٠] .
الرّابِعُ: اسْتِعْمالُ ”الأُمَّةِ“ في الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٥٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
هود 11:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ .
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا يُرِيدُ بِهِ الحَياةَ الدُّنْيا أعْطاهُ جَزاءَ عَمَلِهِ في الدُّنْيا، ولَيْسَ لَهُ في الآخِرَةِ إلّا النّارُ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّورى: ﴿وَمَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، ولَكِنَّهُ تَعالى يُبَيِّنُ في ”سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ“ تَعْلِيقَ ذَلِكَ عَلى مَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٨]، وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ غايَةَ الإيضاحِ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ولِذَلِكَ اخْتَصَرْناها هُنا.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٠١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ هُودٍ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها التَّصْرِيحُ بِأنَّ الكافِرَ يُجازى بِحَسَناتِهِ كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وقِرى الضَّيْفِ والتَّنْفِيسِ عَنِ المَكْرُوبِ في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ يَعْنِي الحَياةَ الدُّنْيا؛ ثُمَّ نَصَّ عَلى بُطْلانِها في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ الآيَةَ [هود: ١٦] .
وَنَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ الآيَةَ [الشورى: ٢٠]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٠] .
وَعَلى ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ [النور: ٣٩]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، عَلى أحَدِ الأقْوالِ الماضِيَةِ في سُورَةِ ”الأنْفالِ“ وقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ «أنَّ الكافِرَ يُجازى بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا» مَعَ أنَّهُ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ عَمَلِ الكافِرِ واضْمِحْلالِهِ مِن أصْلِهِ، وفي بَعْضِها التَّصْرِيحُ بِبُطْلانِهِ في الدُّنْيا مَعَ الآخِرَةِ في كُفْرِ الرِّدَّةِ وفي غَيْرِهِ.
أمّا الآياتُ الدّالَّةُ عَلى بُطْلانِهِ مِن أصْلِهِ فَكَقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
وَأمّا الآياتُ الدّالَّةُ عَلى بُطْلانِهِ في الدُّنْيا مَعَ الآخِرَةِ فَكَقَوْلِهِ في كُفْرِ المُرْتَدِّ: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ (p-٣٠٢)[البقرة: ٢١٧]، وكَقَوْلِهِ في كُفْرِ غَيْرِ المُرْتَدِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ - إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٢]، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في آياتٍ أُخَرَ أنَّ الإنْعامَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا لَيْسَ لِلْإكْرامِ بَلْ لِلِاسْتِدْراجِ والإهْلاكِ.
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]،
• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]
• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: - ٥٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [ ١٩ ]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: ويَظْهَرُ لِي صَوابُهُ لِدَلالَةِ ظاهِرِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، أنَّ مِنَ الكُفّارِ مَن يُثِيبُهُ اللَّهُ بِعَمَلِهِ في الدُّنْيا كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ وصَحَّ بِهِ الحَدِيثُ، ومِنهم مَن لا يُثِيبُهُ في الدُّنْيا كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، وهَذا مُشاهَدٌ فِيهِمْ في الدُّنْيا.
فَمِنهم مَن هو في عَيْشٍ رَغْدٍ، ومِنهم مَن هو في بُؤْسٍ وضِيقٍ.
وَوَجْهُ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلى هَذا أنَّهُ تَعالى أشارَ إلَيْهِ بِالتَّخْصِيصِ بِالمَشِيئَةِ في قَوْلِهِ:
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] .
فَهِيَ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ﴾ [هود: ١٥]، وعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ [الشورى: ٢٠] .
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّها مُخَصِّصَةٌ لَهُما الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي في كِتابِ الرِّقاقِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِ البُخارِيِّ: ”بابُ المُكْثِرُونَ هُمُ المُقِلُّونَ“، وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٠٣)﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ الآيَتَيْنِ.
وَيَدُلَّ لِهَذا التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ في بَعْضِ الكُفّارِ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الحج: ١١] .
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى حَمْلِ العامِّ عَلى الخاصِّ والمُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.
الثّانِي: وهو وجِيهٌ أيْضًا، أنَّ الكافِرَ يُثابُ عَنْ عَمَلِهِ بِالصِّحَّةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ والأوْلادِ ونَحْوِ ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ يَعْنِي الدُّنْيا، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ وبِظاهِرِها المُتَبادِرِ مِنها كَما ذَكَرْنا.
فَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ، وعَلى هَذا فَبُطْلانُ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا بِمَعْنى أنَّها لَمْ يُعْتَدَّ بِها شَرْعًا في عِصْمَةِ دَمٍ ولا مِيراثٍ ولا نِكاحٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ، ولا تُفْتَحُ لَها أبْوابُ السَّماءِ، ولا تَصْعَدُ إلى اللَّهِ تَعالى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ولا تُدَّخَرُ لَهم في الأعْمالِ النّافِعَةِ ولا تَكُونُ في كِتابِ الأبْرارِ في عِلِّيِّينَ، وكَفى بِهَذا بُطْلانًا.
أمّا مُطْلَقُ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ بِها فَهو عِنْدُ اللَّهِ كَلا شَيْءٍ، فَلا يُنافِي بُطْلانَها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ - إلى قَوْلِهِ - لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]، والآياتُ في مِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ.
وَمِمّا يُوَضِّحُ هَذا المَعْنى حَدِيثُ: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ» .
ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذا الحَدِيثَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً﴾ الآياتِ.
(p-٣٠٤)ثُمَّ قالَ: أسْنَدَهُ البَغَوِيُّ مِن رِوايَةِ زَكَرِيّا بْنِ مَنظُورٍ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ.
وَرَواهُ الطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ زَمْعَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَوْ عَدَلَتِ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما أعْطى كافِرًا مِنها شَيْئًا» .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لا يَخْفى أنَّ مُرادَ الحافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بِما ذَكَرْناهُ عَنْهُ أنَّ كِلْتا الطَّرِيقَتَيْنِ ضَعِيفَةٌ إلّا أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما تَعْتَضِدُ بِالأُخْرى فَيَصْلُحُ المَجْمُوعُ لِلِاحْتِجاجِ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الحَدِيثِ مِن أنَّ الطُّرُقَ الضَّعِيفَةَ المُعْتَبَرَ بِها يَشُدُّ بَعْضُها بَعْضًا فَتَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ.
؎لا تُخاصِمْ بِواحِدٍ أهْلَ بَيْتٍ فَضَعِيفانِ يَغْلِبانِ قَوِيًّا
لِأنَّ زَكَرِيّا بْنَ مَنظُورِ بْنِ ثَعْلَبَةَ القُرَظِيَّ وزَمَعَةَ بْنَ صالِحٍ الجَنَدِيَّ كِلاهُما ضَعِيفٌ، وإنَّما رَوى مُسْلِمٌ عَنْ زَمْعَةَ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ لا مُسْتَقِلًّا بِالرِّوايَةِ كَما بَيَّنَهُ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ.
الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ نُعْطِيهِمُ الغَرَضَ الَّذِي عَمِلُوا مِن أجْلِهِ في الدُّنْيا، كالَّذِي قاتَلَ لِيُقالَ جَرِيءٌ، والَّذِي قَرَأ لِيُقالَ قارِئٌ، والَّذِي تَصَدَّقَ لِيُقالَ جَوّادٌ، فَقَدْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ، وهو المُرادُ بِتَوْفِيَتِهِمْ أعْمالَهم عَلى هَذا الوَجْهِ.
وَيَدُلُّ لَهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا في المُجاهِدِ والقارِئِ والمُتَصَدِّقِ أنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم: إنَّما عَمِلْتَ لِيُقالَ، فَقَدْ قِيلَ، أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وأصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ ورَواهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ، وقَدِ اسْتَشْهَدَ مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِصِحَّةِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ وهو تَفْسِيرٌ مِنهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِهَذِهِ الآيَةِ بِما يَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ الثّالِثِ.
الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ لِلْجِهادِ لا يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ، وإنَّما يُرِيدُونَ الغَنائِمَ فَإنَّهم يُقْسَمُ لَهم فِيها في الدُّنْيا ولا حَظَّ لَهم مِن جِهادِهِمْ في الآخِرَةِ، والقَسْمُ لَهم مِنها هو تَوْفِيَتُهم أعْمالَهم عَلى هَذا القَوْلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
هود 11:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾، صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ هَذا القُرْآنَ لا يَكْفُرُ بِهِ أحَدٌ كائِنًا مَن كانَ إلّا دَخَلَ النّارَ. وهو صَرِيحٌ في عُمُومِ رِسالَةِ نَبِيِّنا ﷺ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٥٨]
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ، نَهى اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ الشَّكِّ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، وصَرَّحَ أنَّهُ الحَقُّ مِنَ اللَّهِ، والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ: ﴿الم ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١، ٢]، وقَوْلِهِ: ﴿الم تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، والمِرْيَةُ: الشَّكُّ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾، صَرَّحَ تَعالى (p-١٧٥)فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ أيْضًا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]،
• وقَوْلِهِ ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام: ١١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨، ٦٧، ١٠٣، ١٢١]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
هود 11:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ الآيَةَ، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهم يُعَذَّبُونَ عَلى ضَلالِهِمْ، ويُعَذَّبُونَ أيْضًا عَلى إضْلالِهِمْ غَيْرَهم، كَما أوْضَحَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ العَذابَ يُضاعَفُ لِلْأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ، وهو قَوْلُهُ في الأعْرافِ ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٨]، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلْعُلَماءِ أوْجُهٌ، بَعْضُها يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ:
الأوَّلُ وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، ونَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: أنَّ مَعْنى ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ الآيَةَ [هود: ٢٠]: أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَسْمَعُوا الحَقَّ سَماعَ مُنْتَفِعٍ، ولا أنْ يُبْصِرُوهُ إبْصارَ مُهْتَدٍ؛ لِاشْتِغالِهِمْ بِالكُفْرِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ عَنِ اسْتِعْمالِ جَوارِحِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ كانَتْ لَهم أسْماعٌ وأبْصارٌ.
وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٦] .
الثّانِي وهو أظْهَرُها عِنْدِي: أنَّ عَدَمَ الِاسْتِطاعَةِ المَذْكُورَ في الآيَةِ إنَّما هو لِلْخَتْمِ الَّذِي خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وأسْماعِهِمْ، والغِشاوَةِ الَّتِي جَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ.
وَيَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَذَلِكَ الخَتْمُ والأكِنَّةُ عَلى القُلُوبِ جَزاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم عَلى مُبادَرَتِهِمْ إلى الكُفْرِ (p-١٧٦)وَتَكْذِيبِ الرُّسُلِ بِاخْتِيارِهِمْ ومَشِيئَتِهِمْ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ
• كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]،
• وقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]،
• وقَوْلِهِ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٥]،
• وقَوْلِهِ ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٠]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، أيْ: لِشِدَّةِ كَراهِيَتِهِمْ لِكَلامِ الرُّسُلِ، عَلى عادَةِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أسْمَعَ كَذا: إذا كانَ شَدِيدَ الكَراهِيَةِ والبُغْضِ لَهُ، ويَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢]، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٦]، وقَوْلُهُ ﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ .
الرّابِعُ: أنْ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ كَوْنِهِمْ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَسْمَعُوا ويُبْصِرُوا، أيْ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ دائِمًا.
الخامِسُ: أنْ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ والإبْصارَ في دارِ الدُّنْيا، وتَرَكُوا الحَقَّ مَعَ أنَّهم يَسْتَطِيعُونَ إدْراكَهُ بِأسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ النِّساءِ قَوْلَ الأخْفَشِ الأصْغَرِ بِأنَّ النَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ مَقِيسٌ مُطْلَقًا عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ.
السّادِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] مِن صِفَةِ الأصْنامِ الَّتِي اتَّخَذُوها أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ [هود: ٢٠] وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ [هود: ٢٠] اعْتِراضِيَّةً، وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ، أيِ الأصْنامُ الَّتِي اتَّخَذُوها أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ، وما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ولِيًّا لِأحَدٍ.
وَيَشْهَدُ لِمَعْنى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٩٥]، ونَحْوُها مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ قَدْ تَكُونُ فِيها أقْوالٌ، (p-١٧٧)وَكُلُّها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ فَنَذْكُرُ الجَمِيعَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
هود 11:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ الآيَةَ.
ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَثَلَ لِلْكافِرِ بِالأعْمى والأصَمِّ، وضَرَبَ المَثَلَ لِلْمُؤْمِنِ بِالسَّمِيعِ والبَصِيرِ، وبَيَّنَ أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ، ولا يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ، ولا يَسْتَوِي الأصَمُّ والسَّمِيعُ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ:
قَوْلُهُ: ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿وَلا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ ﴿وَلا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ ﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِي﴾ القُبُورِ ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٣] .
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ الآيَةَ [الرعد: ١٩] .
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
هود 11:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المَلَأ مِن قَوْمِ نُوحٍ قالُوا لَهُ: ما نَراكَ اتَّبَعَكَ مِنّا إلّا الأسافِلُ والأراذِلُ، وذَكَرَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنَّ اتِّباعَ الأراذِلِ لَهُ في زَعْمِهِمْ مانِعٌ لَهم مِنَ اتِّباعِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] .
وَبَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ أبى أنْ يَطْرُدَ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٢٩، ٣٠]، وذَكَرَ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ في الشُّعَراءِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ .
هود 11:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ: أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: أرَأيْتُمْ [هود: ٢٨]، أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ [هود: ٢٨]، أيْ: عَلى يَقِينٍ ونُبُوَّةٍ صادِقَةٍ لا شَكَّ فِيها، وأعْطانِي رَحْمَةً مِنهُ مِمّا أوْحى إلَيَّ مِنَ التَّوْحِيدِ والهُدى، فَخَفِيَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَيْكم، ولَمْ تَعْتَقِدُوا أنَّهُ حَقٌّ، أيُمْكِنُنِي أنْ أُلْزِمَكم بِهِ، وأجْبُرَ قُلُوبَكم عَلى الِانْقِيادِ والإذْعانِ لِتِلْكَ البَيِّنَةِ الَّتِي تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيَّ بِها، ورَحِمَنِي بِإيتائِها، والحالُ أنَّكم كارِهُونَ لِذَلِكَ ؟ يَعْنِي لَيْسَ بِيَدِي تَوْفِيقُكم إلى الهُدى وإنْ كانَ واضِحًا جَلِيًّا لا (p-١٧٨)لَبْسَ فِيهِ، إنْ لَمْ يَهْدِكُمُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا إلَيْهِ.
وَهَذا المَعْنى صَرَّحَ بِهِ جَلَّ وعَلا عَنْ نُوحٍ أيْضًا في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٣٤] .
هود 11:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: أنَّهُ أخْبَرَ قَوْمَهُ أنَّهُ لا يَسْألُهم مالًا في مُقابَلَةِ ما جاءَهم بِهِ مِنَ الوَحْيِ والهُدى، بَلْ يَبْذُلُ لَهم ذَلِكَ الخَيْرَ العَظِيمَ مَجّانًا مِن غَيْرِ أخْذِ أُجْرَةٍ في مُقابِلِهِ.
وَبَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّ ذَلِكَ هو شَأْنُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ، كَقَوْلِهِ في ”سَبَإٍ“ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٤٧] .
وَقَوْلِهِ فِيهِ أيْضًا في آخِرِ ”سُورَةِ ص“: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
وَقَوْلِهِ في ”الطُّورِ“، و ”القَلَمِ“: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠ ] [ ٦٨ \ ٤٦] .
وَقَوْلِهِ في ”الفُرْقانِ“: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧] .
وَقَوْلِهِ في ”الأنْعامِ“: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠] .
وَقَوْلِهِ عَنْ هُودٍ في ”سُورَةِ هُودٍ“: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآيَةَ [هود: ٥١] .
وَقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“ عَنْ نُوحٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمْ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] .
وَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ رُسُلِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ في ”يس“: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ الآيَةَ [يس: ٢٠، ٢١] .
وَقَدْ بَيَّنّا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: (p-١٧٩)﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في ”سُورَةِ سَبَإٍ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سبإ: ٤٧] .
وَيُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الواجِبَ عَلى أتْباعِ الرُّسُلِ مِنَ العُلَماءِ وغَيْرِهِمْ أنْ يَبْذُلُوا ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ مَجّانًا مِن غَيْرِ أخْذِ عِوَضٍ عَلى ذَلِكَ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ولا عَلى تَعْلِيمِ العَقائِدِ والحَلالِ والحَرامِ.
وَيَعْتَضِدُ ذَلِكَ بِأحادِيثَ تَدُلُّ عَلى نَحْوِهِ، فَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، والرُّوَيانِيُّ في مُسْنَدِهِ، «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: عَلَّمْتُ رَجُلًا القُرْآنَ، فَأهْدى لِي قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”إنْ أخَذْتَها أخَذْتَ قَوْسًا مِن نارٍ“، فَرَدَدْتُها» .
قالَ البَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في هَذا الحَدِيثِ: هو مُنْقَطِعٌ، أيْ بَيْنَ عَطِيَّةَ الكَلاعِيِّ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وكَذَلِكَ قالَ المِزِّيُّ.
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأنَّ عَطِيَّةَ وُلِدَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَأعَلَّهُ ابْنُ القَطّانِ بِأنَّ راوِيَهُ عَنْ عَطِيَّةَ المَذْكُورِ هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلْمٍ وهو مَجْهُولٌ.
وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: شامِيٌّ مَجْهُولٌ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في نَيْلِ الأوْطارِ: ولَهُ طُرُقٌ عَنْ أُبَيٍّ. قالَ ابْنُ القَطّانِ: لا يَثْبُتُ مِنها شَيْءٌ. قالَ الحافِظُ: وفِيما قالَهُ نَظَرٌ.
وَذَكَرَ المِزِّيُّ في الأطْرافِ لَهُ طُرُقًا، مِنها: أنَّ الَّذِي أقْرَأهُ أُبَيٌّ هو الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ «عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ قالَ: أقْرَأنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ القُرْآنَ، فَأهْدَيْتُ لَهُ قَوْسًا، فَغَدا إلى النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ تَقَلَّدَها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”تَقَلَّدْها مِن جَهَنَّمَ“» الحَدِيثَ، وقالَ الشَّوْكانِيُّ أيْضًا: وفي البابِ عَنْ مُعاذٍ عِنْدَ الحاكِمِ، والبَزّارِ بِنَحْوِ حَدِيثِ أُبَيٍّ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ عِنْدَ الدّارِمِيِّ بِإسْنادٍ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ بِنَحْوِهِ أيْضًا.
وَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: عَلَّمْتُ ناسًا مِن أهْلِ الصُّفَّةِ الكِتابَ والقُرْآنَ، فَأهْدى إلَيَّ رَجُلٌ مِنهم قَوْسًا، فَقُلْتُ لَيْسَتْ بِمالٍ، وأرْمِي عَنْها في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَأسْألَنَّهُ، فَأتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أهْدى إلَيَّ رَجُلٌ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الكِتابَ، والقُرْآنَ، ولَيْسَتْ بِمالٍ، وأرْمِي عَلَيْها في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: ”إنْ كُنْتَ تُحِبُّ أنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِن نارٍ فاقْبَلْها“»، وفي إسْنادِهِ المُغِيرَةُ بْنُ زِيادٍ المَوْصِليُّ، قالَ الشَّوْكانِيُّ: وثَّقَهُ وكِيعٌ، ويَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وتَكَلَّمَ فِيهِ جَماعَةٌ.
(p-١٨٠)وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: ضَعِيفُ الحَدِيثِ، حَدَّثَ بِأحادِيثَ مَناكِيرَ، وكُلُّ حَدِيثٍ رَفَعَهُ فَهو مُنْكَرٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ الرّازِيُّ: لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. اهـ. وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: المُغِيرَةُ بْنُ زِيادٍ البَجَلِيُّ أبُو هِشامٍ - أوْ هاشِمٍ - المَوْصِليُّ صَدُوقٌ لَهُ أوْهامٌ، وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى لَيْسَ فِيها المُغِيرَةُ المَذْكُورُ، حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ، وكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قالا: ثَنا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَشّارٍ، قالَ عَمْرٌو: وحَدَّثَنِي عُبادَةُ بْنُ نُسَيٍّ، عَنْ جُنادَةَ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ نَحْوَ هَذا الخَبَرِ، والأوَّلُ أتَمُّ، فَقُلْتُ: ما تَرى فِيها يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: ”جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَها“، أوْ ”تَعَلَّقْتَها“ اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وفي سَنَدِ هَذِهِ الرِّوايَةِ بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ جَماعَةٌ، ووَثَّقَهُ آخَرُونَ إذا رَوى عَنِ الثِّقاتِ، وهو مِن رِجالِ مُسْلِمٍ، وأخْرَجَ لَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا.
وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ، كَثِيرُ التَّدْلِيسِ عَنِ الضُّعَفاءِ، والظّاهِرُ أنَّ أعْدَلَ الأقْوالِ فِيهِ أنَّهُ إنْ صَرَّحَ بِالسَّماعِ عَنِ الثِّقاتِ فَلا بَأْسَ بِهِ، مَعَ أنَّ حَدِيثَهُ هَذا مُعْتَضِدٌ بِما تَقَدَّمَ وبِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اقْرَءُوا القُرْآنَ واسْألُوا اللَّهَ بِهِ، فَإنَّ مِن بَعْدِكم قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ يَسْألُونَ بِهِ النّاسَ»، قالَ التِّرْمِذِيُّ في هَذا الحَدِيثِ: لَيْسَ إسْنادُهُ بِذَلِكَ.
وَمِنها ما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا وهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أخْبَرَنا خالِدٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الأعْرَجِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ نَقْرَأُ القُرْآنَ، وفِينا الأعْرابِيُّ، والأعْجَمِيُّ: فَقالَ: ”اقْرَءُوا فَكُلٌّ حَسَنٌ، وسَيَجِيءُ أقْوامٌ يُقِيمُونَهُ كَما يُقامُ القَدَحُ يَتَعَجَّلُونَهُ ولا يَتَأجَّلُونَهُ“» حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ، أخْبَرَنِي عَمَرُ، وابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سِوادَةَ، عَنْ وفاءِ بْنِ شُرَيْحٍ الصَّدَفِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ نَقْتَرِي فَقالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ، كِتابُ اللَّهِ واحِدٌ، وفِيكُمُ الأحْمَرُ، وفِيكُمُ الأبْيَضُ، وفِيكُمُ الأسْوَدُ، اقْرَءُوا قَبْلَ أنْ يَقْرَأهُ أقْوامٌ يُقِيمُونَهُ كَما يَقُومُ السَّهْمُ يَتَعَجَّلُ أجْرَهُ ولا يَتَأجَّلَهُ“» اهـ.
وَمِنها ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اقْرَءُوا القُرْآنَ ولا تَغْلُوا فِيهِ ولا تَجْفُوا عَنْهُ ولا تَأْكُلُوا بِهِ ولا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ»، قالَ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ في هَذا الحَدِيثِ: قالَ في مَجْمَعِ الزَّوائِدِ: رِجالُ أحْمَدَ ثِقاتٌ.
وَمِنها ما أخْرَجَهُ الأثْرَمُ في سُنَنِهِ عَنْ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ أخْتَلِفُ إلى رَجُلٍ مُسِنٍّ قَدْ أصابَتْهُ عِلَّةٌ، قَدِ احْتَبَسَ في بَيْتِهِ أُقْرِئُهُ القُرْآنَ، فَيُؤْتى بِطَعامٍ لا آكُلُ مِثْلَهُ بِالمَدِينَةِ، (p-١٨١)فَحاكَ في نَفْسِي شَيْءٌ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”إنْ كانَ ذَلِكَ الطَّعامُ طَعامَهُ وطَعامَ أهْلِهِ فَكُلْ مِنهُ، وإنْ كانَ يُتْحِفُكَ بِهِ فَلا تَأْكُلْهُ“» ا هـ بِواسِطَةِ نَقْلِ ابْنِ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ والشَّوْكانِيِّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ .
فَهَذِهِ الأدِلَّةُ ونَحْوُها تَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيمَ القُرْآنِ والمَسائِلِ الدِّينِيَّةِ لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا: الإمامُ أحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ، وأبُو حَنِيفَةَ، والضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ، وعَطاءٌ.
وَكَرِهَ الزُّهْرِيُّ، وإسْحاقُ تَعْلِيمَ القُرْآنِ بِأجْرٍ.
وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: هَذِهِ الرُّغُفُ الَّتِي يَأْخُذُها المُعَلِّمُونَ مِنَ السُّحْتِ.
وَمِمَّنْ كَرِهَ أُجْرَةَ التَّعْلِيمِ مَعَ الشَّرْطِ: الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وطاوُسٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، قالَهُ في ”المُغْنِي“، وقالَ: إنَّ ظاهِرَ كَلامِ الإمامِ أحْمَدَ جَوازُ أخْذِ المُعَلِّمِ ما أُعْطِيَهُ مِن غَيْرِ شَرْطٍ.
وَذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.
وَمِمَّنْ رَخَّصَ في أُجُورِ المُعَلِّمِينَ: أبُو قِلابَةَ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ.
وَنَقَلَ أبُو طالِبٍ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: التَّعْلِيمُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَتَوَكَّلَ لِهَؤُلاءِ السَّلاطِينِ، ومِن أنْ يَتَوَكَّلَ لِرَجُلٍ مِن عامَّةِ النّاسِ في ضَيْعَةٍ، ومِن أنْ يَسْتَدِينَ ويَتَّجِرَ لَعَلَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الوَفاءِ فَيَلْقى اللَّهَ تَعالى بِأماناتِ النّاسِ، التَّعْلِيمُ أحَبُّ إلَيَّ.
وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَنعَهُ مِنهُ في مَوْضِعِ مَنعِهِ لِلْكَراهَةِ لا لِلتَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ .
واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأدِلَّةٍ، مِنها ما رَواهُ الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جاءَتْهُ امْرَأةٌ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ وهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقامَتْ قِيامًا طَوِيلًا، فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، زَوِّجْنِيها إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِها حاجَةٌ ؟ فَقالَ ﷺ ”هَلْ عِنْدَكَ مِن شَيْءٍ تُصْدِقُها إيّاهُ ؟“، فَقالَ: ما عِنْدِي إلّا إزارِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:
”إنْ أعْطَيْتَها إزارَكَ جَلَسْتَ لا إزارَ لَكَ“، فالتَمِسْ شَيْئًا. فَقالَ: ما أجِدُ شَيْئًا، فَقالَ: ”التَمِسْ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ“، فالتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ ؟“ قالَ نَعَمْ، سُورَةُ كَذا وكَذا يُسَمِّيها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”قَدْ (p-١٨٢)زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ“، وفي رِوايَةٍ ”قَدْ مَلَّكْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ“» فَقالُوا: هَذا الرَّجُلُ أباحَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَجْعَلَ تَعْلِيمَهُ بَعْضَ القُرْآنِ لِهَذِهِ المَرْأةِ عِوَضًا عَنْ صَداقِها، وهو صَرِيحٌ في أنَّ العِوَضَ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ جائِزٌ، وما رَدَّ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا الحَدِيثِ مِن أنَّهُ ﷺ زَوَّجَهُ إيّاها بِغَيْرِ صَداقٍ إكْرامًا لَهُ لِحِفْظِهِ ذَلِكَ المِقْدارَ مِنَ القُرْآنِ، ولَمْ يَجْعَلِ التَّعْلِيمَ صَداقًا لَها - مَرْدُودٌ بِما ثَبَتَ في بَعْضِ الرِّواياتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّهُ ﷺ قالَ: «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَها فَعَلِّمْها مِنَ القُرْآنِ» وفي رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ «عَلِّمْها عِشْرِينَ آيَةً وهي امْرَأتُكَ» .
واحْتَجُّوا أيْضًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ الثّابِتِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «إنَّ أحَقَّ ما أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا كِتابُ اللَّهِ»، قالُوا: الحَدِيثُ وإنْ كانَ وارِدًا في الجُعْلِ عَلى الرُّقْيا بِكِتابِ اللَّهِ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، واحْتِمالُ الفَرْقِ بَيْنَ الجُعْلِ عَلى الرُّقْيَةِ وبَيْنَ الأُجْرَةِ عَلى التَّعْلِيمِ ظاهِرٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ الإنْسانَ إذا لَمْ تَدْعُهُ الحاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ فالأوْلى لَهُ ألّا يَأْخُذَ عِوَضًا عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ، والعَقائِدِ، والحَلالِ، والحَرامِ، لِلْأدِلَّةِ الماضِيَةِ، وإنْ دَعَتْهُ الحاجَةُ أخَذَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ مِن بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المَأْخُوذَ مِن بَيْتِ المالِ مِن قَبِيلِ الإعانَةِ عَلى القِيامِ بِالتَّعْلِيمِ لا مِن قَبِيلِ الأُجْرَةِ.
والأوْلى لِمَن أغْناهُ اللَّهُ أنْ يَتَعَفَّفَ عَنْ أخْذِ شَيْءٍ في مُقابِلِ التَّعْلِيمِ لِلْقُرْآنِ، والعَقائِدِ، والحَلالِ والحَرامِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
هود 11:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: أنْ يَحْمِلَ في سَفِينَتِهِ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وبَيَّنَ في سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ أنَّهُ أمَرَهُ أنْ يَسْلُكَهم - أيْ يُدْخِلَهم - فِيها.
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ فِيها بُيُوتًا يَدْخُلُ فِيها الرّاكِبُونَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ومَعْنى اسْلُكْ أدْخِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، تَقُولُ العَرَبُ: سَلَكْتُ الشَّيْءَ في الشَّيْءِ: أدْخَلْتُهُ فِيهِ، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى وهي: أسْلَكْتُهُ فِيهِ، رُباعِيًّا بِوَزْنِ: أفْعَلَ، والثُّلاثِيَّةُ لُغَةُ القُرْآنِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٣٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ٢٠٠]،
• وقَوْلِهِ: (p-١٨٣)﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ الآيَةَ [الحجر: ١٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ الآيَةَ [المدثر: ٤٢]،
ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَدِّدِ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
وَمِنَ الرُّباعِيَّةِ قَوْلُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ رُبْعٍ الهُذَلِيِّ:
؎حَتّى إذا أسْلَكُوهم في قَتائِدَةٍ ∗∗∗ شَلًّا كَما تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُّرُدا
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ أصْلَ السَّلْكِ الَّذِي هو الخَيْطُ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَذِبْحٍ بِمَعْنى مَذْبُوحٍ، وقِتْلٍ بِمَعْنى مَقْتُولٍ؛ لِأنَّ الخَيْطَ يَسْلُكُ أيْ يَدْخُلُ في الخَرَزِ لِيُنَظِّمَهُ، كَما قالَ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ السُّلَمِيُّ:
؎عَيْنٌ تَأوَّبَها مِن شَجْوِها أرَقٌ ∗∗∗ فالماءُ يَغْمُرُها طَوْرًا ويَنْحَدِرُ
؎كَأنَّهُ نَظْمُ دُرٍّ عِنْدَ ناظِمَةٍ ∗∗∗ تَقَطَّعَ السِّلْكُ مِنهُ فَهو مُنْتَثِرُ
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أمَرَ نُوحًا أنْ يَحْمِلَ في السَّفِينَةِ أهْلَهُ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ، أيْ سَبَقَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ القَوْلُ بِأنَّهُ شَقِىٌّ، وأنَّهُ هالِكٌ مَعَ الكافِرِينَ.
وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ بَعْدَ هَذا أنَّ الَّذِي سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِن أهْلِهِ هو ابْنُهُ وامْرَأتُهُ.
قالَ في ابْنِهِ الَّذِي سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هود: ٤٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]، وقالَ فِيهِ أيْضًا: ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٤٦]، وقالَ في امْرَأتِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ٠١] .
هود 11:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لِغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ نَبِيَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ أصْحابَهُ الَّذِينَ قِيلَ لَهُ احْمِلْهم فِيها أنْ يَرْكَبُوا فِيها قائِلًا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هود: ٤١]، أيْ: بِسْمِ اللَّهِ يَكُونُ جَرْيُها عَلى وجْهِ الماءِ، وبِسْمِ اللَّهِ يَكُونُ مُنْتَهى سَيْرِها وهو رُسُوُّها.
وَبَيَّنَ في ”سُورَةِ الفَلاحِ“: أنَّهُ أمَرَهُ إذا اسْتَوى عَلى السَّفِينَةِ هو ومَن مَعَهُ أنْ يَحْمَدُوا (p-١٨٤)اللَّهَ الَّذِي نَجّاهم مِنَ الكَفَرَةِ الظّالِمِينَ، ويَسْألُوهُ أنْ يُنْزِلَهم مُنْزَلًا مُبارَكًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨، ٢٩] .
وَبَيَّنَ في ”سُورَةِ الزُّخْرُفِ“ ما يَنْبَغِي أنْ يُقالَ عِنْدَ رُكُوبِ السُّفُنِ وغَيْرِها بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]، ومَعْنى قَوْلِهِ مُقْرِنِينَ، أيْ: مُطِيقِينَ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عَقِيلٌ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎رَكِبْتُمْ صَعْبَتَيْ أشَرٍ وجُبْنٍ ∗∗∗ ولَسْتُمْ لِلصِّعابِ بِمُقْرِنِينا
وَقَوْلُ ابْنُ هَرْمَةَ:
؎وَأقْرَنَتْ ما حَمَلَتْنِي ولَقَلَّما يُطاقُ ∗∗∗ احْتِمالُ الصَّدِّ يا دَعْدُ والهَجْرُ
هود 11:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهي تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ الآيَةَ.
ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ السَّفِينَةَ تَجْرِي بِنُوحٍ ومَن مَعَهُ في ماءٍ عَظِيمٍ، أمْواجُهُ كالجِبالِ.
وَبَيَّنَ جَرَيانَها هَذا في ذَلِكَ الماءِ الهائِلِ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١، ١٢]، وقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١١ - ١٥] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ أمْواجَ البَحْرِ الَّذِي أغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ كالجِبالِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٣٦]، والطَّوْدُ: الجَبَلُ العَظِيمُ.
هود 11:45
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ الآيَةَ.
(p-٣٠٥)هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الِابْنَ مِن أهْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ حَيْثُ قالَ: ﴿يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] .
والجَوابُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ أيِ المَوْعُودِ بِنَجاتِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]، لِأنَّهُ كافِرٌ لا مُؤْمِنٌ.
وَقَوْلُ نُوحٍ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ يَظُنُّهُ مُسْلِمًا مِن جُمْلَةِ المُسْلِمِينَ النّاجِينَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦]، وقَدْ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ ابْنُهُ حَيْثُ قالَ: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢]، إلّا أنَّهُ أخْبَرَهُ بِأنَّ هَذا الِابْنَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ لِكُفْرِهِ، فَلَيْسَ مِنَ الأهْلِ المَوْعُودِ بِنَجاتِهِمْ وإنْ كانَ مِن جُمْلَةِ الأهْلِ نَسَبًا.
هود 11:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ الآيَةَ.
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا أمْرَهُ الَّذِي نَجّى مِنهُ هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ الإهْلاكُ المُسْتَأْصِلُ بِالرِّيحِ العَقِيمِ الَّتِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِها فَقَطَعَ دابِرَهم، كَقَوْلِهِ: (p-١٨٥)﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١، ٤٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٦، ٧] .
وَقَوْلِهِ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ١٩، ٢٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٦] .
هود 11:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا﴾ الآيَةَ.
وَبَيَّنَ هَذا الأمْرَ الَّذِي جاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٧، ٦٨]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.
هود 11:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا﴾ الآيَةَ.
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما المُرادُ بِهَذِهِ البُشْرى الَّتِي جاءَتْ بِها رُسُلُ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ ولَكِنَّهُ أشارَ بَعْدَ هَذا إلى أنَّها البِشارَةُ بِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ في قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]؛ لِأنَّ البِشارَةَ بِالذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ شامِلَةٌ لِلْأُمِّ والأبِ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾، وقِيلَ: البُشْرى هي إخْبارُهم لَهُ بِأنَّهم أُرْسِلُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، وعَلَيْهِ فالآياتُ المُبَيِّنَةُ لَها كَقَوْلِهِ هُنا في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٧٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إلّا آلَ لُوطٍ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٥٨، ٥٩] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٢، ٣٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] .
والظّاهِرُ: القَوْلُ الأوَّلُ، وهَذِهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ فِيها التَّصْرِيحَ بِأنَّ إخْبارَهم بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ بِالبُشْرى؛ لِأنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ بِأداةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي ”لَمّا“ كَما (p-١٨٦)تَرى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا سَلَّمَ عَلى رُسُلِ المَلائِكَةِ وكانَ يَظُنُّهم ضُيُوفًا مِنَ الآدَمِيِّينَ أسْرَعَ إلَيْهِمْ بِالإتْيانِ بِالقِرى وهو لَحْمُ عِجْلٍ حَنِيذٍ أيْ مُنْضَجٍ بِالنّارِ، وأنَّهم لَمّا لَمْ يَأْكُلُوا أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً فَقالُوا لا تَخَفْ وأخْبَرُوهُ بِخَبَرِهِمْ.
وَبَيَّنَ في ”الذّارِياتِ“: أنَّهُ راغَ إلى أهْلِهِ، أيْ مالَ إلَيْهِمْ فَجاءَ بِذَلِكَ العِجْلِ وبَيَّنَ أنَّهُ سَمِينٌ، وأنَّهُ قَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، وعَرَضَ عَلَيْهِمُ الأكْلَ بِرِفْقٍ فَقالَ لَهم: ألا تَأْكُلُونَ [الذاريات: ٢٧]، وأنَّهُ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨] .
تَنْبِيهٌ
يُؤْخَذُ مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ ضَيْفِهِ هَؤُلاءِ أشْياءَ مِن آدابِ الضِّيافَةِ: مِنها تَعْجِيلُ القِرى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] .
وَمِنها كَوْنُ القِرى مِن أحْسَنِ ما عِنْدَهُ؛ لِأنَّهم ذَكَرُوا أنَّ الَّذِي عِنْدَهُ البَقَرُ وأطْيَبُهُ لَحْمًا الفَتِيُّ السَّمِينُ المُنْصِحُ.
وَمِنها تَقْرِيبُ الطَّعامِ إلى الضَّيْفِ.
وَمِنها مُلاطَفَتُهُ بِالكَلامِ بِغايَةِ الرِّفْقِ، كَقَوْلِهِ ألا تَأْكُلُونَ [الذاريات: ٢٧] .
وَمَعْنى قَوْلِهِ نَكِرَهم [هود: ٧٠]، أيْ: أنْكَرَهم لِعَدَمِ أكْلِهِمْ، والعَرَبُ تُطْلِقُ نَكِرَ، وأنْكَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُ الأعْشى:
؎وَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا
وَرُوِيَ عَنْ يُونُسَ: أنَّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ حَدَّثَهُ: أنَّهُ صَنَعَ هَذا البَيْتَ وأدْخَلَهُ في شِعْرِ الأعْشى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ رَدَّ السَّلامِ عَلى المَلائِكَةِ، وقَدْ جاءَ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ ما يُوهِمُ أنَّهم لَمّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ أجابَهم بِأنَّهُ وجِلٌ مِنهم مِن غَيْرِ رَدِّ السَّلامِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] .
والجَوابُ ظاهِرٌ وهو أنَّ إبْراهِيمَ أجابَهم بِكِلا الأمْرَيْنِ: رَدِّ السَّلامِ، والإخْبارِ بِوَجَلِهِ مِنهم، فَذُكِرَ أحَدُهُما في ”هُودٍ“ والآخَرُ في ”الحِجْرِ“، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ذِكْرُهُ تَعالى ما يَدُلُّ عَلَيْهِما مَعًا في سُورَةِ ”الذّارِياتِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]، لِأنَّ قَوْلَهُ: مُنْكَرُونَ يَدُلُّ عَلى وجَلِهِ مِنهم، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨]، في ”هُودٍ“ و ”الذّارِياتِ“، مَعَ أنَّ في كُلٍّ مِنهُما قالَ: ”" سَلامٌ“ .
هود 11:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياوَيْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ .
بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما قالَتْهُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ لَمّا بُشِّرَتْ بِالوَلَدِ وهي (p-١٨٧)عَجُوزٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما فَعَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ما فَعَلَتْ في ”الذّارِياتِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾، أيْ: ضَجَّةٍ وصَيْحَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فَصَكَّتْ وجْهَها﴾، أيْ: لَطَمَتْهُ.
هود 11:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما جادَلَ بِهِ إبْراهِيمُ المَلائِكَةَ في قَوْمِ لُوطٍ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلَيْهِ في ”العَنْكَبُوتِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٣١، ٣٢] .
فَحاصِلُ جِدالِهِ لَهم أنَّهُ يَقُولُ: إنْ أهْلَكْتُمُ القَرْيَةَ وفِيها أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أهْلَكْتُمْ ذَلِكَ المُؤْمِنَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، فَأجابُوهُ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٣٢] .
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] .
هود 11:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ .
هَذا العَذابُ الَّذِي صَرَّحَ هُنا بِأنَّهُ آتٍ قَوْمَ لُوطٍ لا مَحالَةَ وأنَّهُ لا مَرَدَّ لَهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢، ٨٣] .
وَقَوْلِهِ في ”الحِجْرِ“: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٤، ٧٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٤٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٢، ١٧٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣، ٣٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
هود 11:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ .
ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمّا جاءَتْهُ رُسُلُ رَبِّهِ مِنَ المَلائِكَةِ حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ مَجِيئِهِمْ مَساءَةٌ عَظِيمَةٌ ضاقَ صَدْرُهُ بِها، وأشارَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ إلى أنَّ سَبَبَ مَساءَتِهِ وكَوْنِهِ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا، وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ: أنَّهُ ظَنَّ أنَّهم ضُيُوفٌ مِن بَنِي آدَمَ، كَما ظَنَّهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وظَنَّ أنَّ قَوْمَهُ يَنْتَهِكُونَ حُرْمَةَ ضُيُوفِهِ فَيَفْعَلُونَ بِهِمْ فاحِشَةَ اللِّواطِ؛ لِأنَّهم إنْ عَلِمُوا بِقُدُومِ (p-١٨٨)ضَيْفٍ فَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا بِهِ لِيَفْعَلُوا بِهِ الفاحِشَةَ المَذْكُورَةَ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٨، ٧٩] .
وَقَوْلُهُ في ”الحِجْرِ“: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٦٧ - ٧٢] .
وَقَوْلُهُ: يُهْرَعُونَ [هود: ٧٨]، أيْ: يُسْرِعُونَ ويُهَرْوِلُونَ مِن فَرَحِهِمْ بِذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ:
؎فَجاءُوا يُهْرَعُونَ وهم أُسارى تَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
وَقَوْلُهُ: ولا تُخْزُونِ، أيْ: لا تُهِينُونِ ولا تُذِلُّونِ بِانْتِهاكِ حُرْمَةِ ضَيْفِي، والِاسْمُ مِنهُ: الخِزْيُ بِكَسْرِ الخاءِ وإسْكانِ الزّايِ. ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي وقّاصٍ:
؎فَأخْزاكَ رَبِّي يا عُتَيْبُ بْنَ مالِكٍ ∗∗∗ ولَقّاكَ قَبْلَ المَوْتِ إحْدى الصَّواعِقِ
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ: ولا تُخْزُونِ [الحجر: ٦٩] مِنَ الخَزايَةِ، وهي الخَجَلُ والِاسْتِحْياءُ مِنَ الفَضِيحَةِ، أيْ لا تَفْعَلُوا بِضَيْفِي ما يَكُونُ سَبَبًا في خَجَلِي واسْتِحْيائِي، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرًا وحْشِيًّا تُطارِدُهُ الكِلابُ في جانِبِ حَبْلٍ مِنَ الرَّمْلِ:
؎حَتّى إذا دَوَّمَتْ في الأرْضِ راجَعَهُ ∗∗∗ كِبْرٌ ولَوْ شاءَ نَجّى نَفْسَهُ الهَرَبُ
؎خَزايَةٌ أدْرَكَتْهُ بَعْدَ جَوْلَتِهِ ∗∗∗ مِن جانِبِ الحَبْلِ مَخْلُوطًا بِها الغَضَبُ
يَعْنِي أنَّ هَذا الثَّوْرَ لَوْ شاءَ نَجا مِنَ الكِلابِ بِالهَرَبِ، ولَكِنَّهُ اسْتَحْيا وأنِفَ مِنَ الهَرَبِ فَكَرَّ راجِعًا إلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُ الآخَرُ:
؎أجاعِلَةٌ أُمَّ الثُّوَيْرِ خَزايَةً عَلى ∗∗∗ فِرارِي أنْ لَقِيتُ بَنِي عَبْسِ
والفِعْلُ مِنهُ: خَزِيَ يَخْزى، كَرَضِيَ يَرْضى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مِنَ البِيضِ لا تَخْزى إذا الرِّيحُ ألْقَعَتْ ∗∗∗ بِها مِرْطَها أوْ زايَلَ الحَلى جِيدُها
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎وَإنِّي لا أخْزى إذا قِيلَ مُمْلِقٌ ∗∗∗ سَخِيٌّ وأخْزى أنْ يُقالَ بَخِيلُ
(p-١٨٩)وَقَوْلُهُ: لَعَمْرُكَ مَعْناهُ: أُقْسِمُ بِحَياتِكَ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا لَهُ أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ، ولَمْ يُقْسِمْ في القُرْآنِ بِحَياةِ أحَدٍ إلّا نَبِيِّنا ﷺ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ ﷺ ما لا يَخْفى.
وَلا يَجُوزُ لِمَخْلُوقٍ أنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أوْ لِيَصْمُتْ» .
وَقَوْلُهُ: لَعَمْرُكَ، مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَعَمْرُكَ قَسَمِي، وسُمِعَ عَنِ العَرَبِ تَقْدِيمُ الرّاءِ عَلى اللّامِ في لَعَمْرُكَ، فَتَقُولُ فِيها: رَعَمْلُكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎رَعَمْلُكَ إنَّ الطّائِرَ الواقِعَ الَّذِي ∗∗∗ تَعَرَّضَ لِي مِن طائِرٍ لَصَدُوقُ
وَقَوْلُهُ: ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢]، أيْ: عَماهم وجَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ، والعَمَهُ: عَمى القَلْبِ، فَمَعْنى يَعْمَهُونَ [الحجر: ٧٢]: يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ لا يَعْرِفُونَ حَقًّا مِن باطِلٍ، ولا نافِعًا مِن ضارٍّ، ولا حَسَنًا مِن قَبِيحٍ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِقَوْلِ لُوطٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ [هود: ٧٨] في المَوْضِعَيْنِ عَلى أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أرادَ المُدافَعَةَ عَنْ ضَيْفِهِ فَقَطْ، ولَمْ يُرِدْ إمْضاءَ ما قالَ، وبِهَذا قالَ عِكْرِمَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بَناتُهُ لِصُلْبِهِ، وأنَّ المَعْنى: دَعُوا فاحِشَةَ اللِّواطِ وأُزَوِّجُكم بَناتِي، وعَلى هَذا فَتَزْوِيجُ الكافِرِ المُسْلِمَةَ كانَ جائِزًا في شَرْعِهِ، كَما كانَتْ بَناتُ نَبِيِّنا ﷺ تَحْتَ الكُفّارِ في أوَّلِ الإسْلامِ كَما هو مَعْرُوفٌ، وقَدْ أرْسَلَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِقْدَها الَّذِي زَفَّتْها بِهِ أُمُّها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها إلى زَوْجِها أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، أرْسَلَتْهُ إلَيْهِ في فِداءِ زَوْجِها أبِي العاصِ المَذْكُورِ لَمّا أسَرَهُ المُسْلِمُونَ كافِرًا يَوْمَ بَدْرٍ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ، وقَدْ عَقَدَها الشَّيْخُ أحْمَدُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في مَغازِيهِ بِقَوْلِهِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ:
وابْنُ الرَّبِيعِ صِهْرُ هادِي المِلَّةِ إذْ في فِداهُ زَيْنَبُ أرْسَلَتْ بِعِقْدِها الَّذِي بِهِ أهْدَتْها لَهُ خَدِيجَةُ وزَفَّفَتْها سَرَّحَهُ بِعَقْدِها وعَهْدًا إلَيْهِ أنْ يَرُدَّها لَهُ غَدا إلَخْ. . . القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالبَناتِ: جَمِيعُ نِساءِ قَوْمِهِ؛ لِأنَّ نَبِيَّ القَوْمِ أبٌ دِينِيٌّ لَهم، (p-١٩٠)كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى في نَبِيِّنا ﷺ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ”وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم“ ورُوِيَ نَحْوُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهَذا القَوْلِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ.
وَهَذا القَوْلُ تُقَرِّبُهُ قَرِينَةٌ وتُبْعِدُهُ أُخْرى، أمّا القَرِينَةُ الَّتِي تُقَرِّبُهُ فَهي: أنَّ بَناتَ لُوطٍ لا تَسَعُ جَمِيعَ رِجالِ قَوْمِهِ كَما هو ظاهِرٌ، فَإذا زَوَّجَهُنَّ لِرِجالٍ بِقَدْرِ عَدَدِهِنَّ بَقِيَ عامَّةُ رِجالِ قَوْمِهِ لا أزْواجَ لَهم، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ المُرادَ عُمُومُ نِساءِ قَوْمِهِ، ويَدُلُّ لِلْعُمُومِ قَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، وقَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ [النمل: ٥٥]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأمّا القَرِينَةُ الَّتِي تُبْعِدُهُ: فَهي أنَّ النَّبِيَّ لَيْسَ أبًا لِلْكافِراتِ، بَلْ أُبُوَّةُ الأنْبِياءِ الدِّينِيَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الكافِرِينَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٦] .
وَقَدْ صَرَّحَ تَعالى في ”الذّارِياتِ“: بِأنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَيْسَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ إلّا أهْلَ بَيْتٍ واحِدٍ وهم أهْلُ بَيْتِ لُوطٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] .
هود 11:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ نَبِيَّهُ لُوطًا وعَظَ قَوْمَهُ ونَهاهم أنْ يَفْضَحُوهُ في ضَيْفِهِ، وعَرَضَ عَلَيْهِمُ النِّساءَ وتَرْكَ الرِّجالِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِ، وتَمادَوْا فِيما هم فِيهِ مِن إرادَةِ الفاحِشَةِ، فَقالَ لُوطٌ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ الآيَةَ [هود: ٨٠]، فَأخْبَرَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّهم رُسُلُ رَبِّهِ، وأنَّ الكُفّارَ الخُبَثاءَ لا يَصِلُونَ إلَيْهِ بِسُوءٍ.
وَبَيَّنَ في القَمَرِ أنَّهُ تَعالى طَمَسَ أعْيُنَهم، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهم فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧] .
هود 11:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ لُوطًا أنْ يَسْرِيَ بِأهْلِهِ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ هو مِن آخِرِ اللَّيْلِ، أوْ وسَطِهِ أوْ أوَّلِهِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في ”القَمَرِ“ أنَّ ذَلِكَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ وقْتَ السَّحَرِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا أنَّهُ أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مِن ورائِهِمْ وهم أمامَهُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في (p-١٩١)”الحِجْرِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ [هود: ٨١]، قَرَأهُ جُمْهُورُ القُرّاءِ إلّا امْرَأتَكَ، بِالنَّصْبِ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ واضِحٌ؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأهْلِ، أيْ أسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ فَلا تُسْرِ بِها، واتْرُكْها في قَوْمِها فَإنَّها هالِكَةٌ مَعَهم.
وَيَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ فِيها في مَواضِعَ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢، ٣٣]، والغابِرُ: الباقِي، أيْ مِنَ الباقِينَ في الهَلاكِ.
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: إلّا امْرَأتُكَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أحَدٍ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: أنَّهُ أمَرَ لُوطًا أنْ يَنْهى جَمِيعَ أهْلِهِ عَنْ الِالتِفاتِ إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنَّها هالِكَةٌ لا مَحالَةَ، ولا فائِدَةَ في نَهْيِها عَنْ الِالتِفاتِ لِكَوْنِها مِن جُمْلَةِ الهالِكِينَ.
وَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهو لَمْ يَسْرِ بِها، وظاهِرُ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ كَثِيرٍ: أنَّهُ أسْرى بِها والتَفَتَتْ فَهَلَكَتْ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ التَفَتَتْ، وقالَتْ: واقَوْماهْ، فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ أنَّ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ أنَّ السِّرَّ في أمْرِ لُوطٍ بِأنْ يَسْرِيَ بِأهْلِهِ هو النَّجاةُ مِنَ العَذابِ الواقِعِ صُبْحًا بِقَوْمِ لُوطٍ، وامْرَأةُ لُوطٍ مُصِيبُها ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي أصابَ قَوْمَها لا مَحالَةَ، فَنَتِيجَةُ إسْراءِ لُوطٍ بِأهْلِهِ لَمْ تَدْخُلْ فِيها امْرَأتُهُ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، وما لا فائِدَةَ فِيهِ كالعَدَمِ، فَيَسْتَوِي مَعْنى أنَّهُ تَرَكَها ولَمْ يُسْرِ بِها أصْلًا، وأنَّهُ أسْرى بِها وهَلَكَتْ مَعَ الهالِكِينَ.
فَمَعْنى القَوْلَيْنِ راجِعٌ إلى أنَّها هالِكَةٌ، ولَيْسَ لَها نَفْعٌ في إسْراءِ لُوطٍ بِأهْلِهِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِها بَقِيَتْ مَعَهم، أوْ خَرَجَتْ وأصابَها ما أصابَهم.
فَإذا كانَ الإسْراءُ مَعَ لُوطٍ لَمْ يُنَجِّها مِنَ العَذابِ، فَهي ومَن لَمْ يُسْرِ مَعَهُ سَواءٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ [هود: ٨١]، قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ: ”فاسْرِ“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ، مِن سَرى يَسْرِي، وقَرَأهُ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ، مِن أسْرى الرُّباعِيِّ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وسَرى وأسْرى: لُغَتانِ وقِراءَتانِ صَحِيحَتانِ سَبْعِيَّتانِ، ومِن سَرى الثُّلاثِيَّةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِي﴾ [الفجر: ٤]، فَإنَّ فَتْحَ ياءِ يَسْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ سَرى (p-١٩٢)الثُّلاثِيَّةِ.
وَجَمَعَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎أسْرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزاءِ سارِيَةٌ تُزْجِي الشَّمالُ عَلَيْها جامِدَ البَرَدِ
فَإنَّهُ قالَ: أسْرَتْ، رُباعِيَّةً في أشْهَرِ رِوايَتَيِ البَيْتِ، وقَوْلُهُ: سارِيَةٌ، اسْمُ فاعِلِ ”سَرى“ الثُّلاثِيَّةِ، وجَمَعَهُما أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ:
؎حَتّى النَّضِيرَةِ رَبَّةِ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ إلَيْكَ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
بِفَتْحِ تاءِ ”تَسْرِي“ واللُّغَتانِ كَثِيرَتانِ جِدًّا في كَلامِ العَرَبِ، ومَصْدَرُ الرُّباعِيَّةِ الإسْراءُ عَلى القِياسِ، ومَصْدَرُ الثُّلاثِيَّةِ السُّرى بِالضَّمِّ عَلى وزْنِ فُعَلٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ:
؎عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى ∗∗∗ وتَنْجَلِي عَنْهم غَياباتُ الكَرى
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَوْعِدَ إهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وقْتُ الصُّبْحِ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وكَذَلِكَ قالَ في ”الحِجْرِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، وزادَ في ”الحِجْرِ“ أنَّ صَبِيحَةَ العَذابِ وقَعَتْ عَلَيْهِمْ وقْتَ الإشْراقِ، وهو وقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ .
هود 11:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِحِجارَةِ السِّجِّيلِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، والظّاهِرُ أنَّها حِجارَةٌ مِن طِينٍ في غايَةِ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالسِّجِّيلِ: الطِّينُ، قَوْلُهُ تَعالى في ”الذّارِياتِ“ في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣، ٣٤]، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ. والدَّلِيلُ عَلى قُوَّتِها وشِدَّتِها: أنَّ اللَّهَ ما عَذَّبَهم بِها في حالَةِ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ إلّا لِأنَّ النَّكالَ بِها بالِغٌ شَدِيدٌ، وأيْضًا فَإنَّ بَعْضَ العُلَماءِ قالُوا: السِّجِّيلُ والسَّجِّينُ: أُخْتانِ، كِلاهُما الشَّدِيدُ مِنَ الحِجارَةِ والضَّرْبِ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎وَرَجْلَةً يَضْرِبُونَ البَيْضَ ضاحِيَةً ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّينا
وَعَلى هَذا، فَمَعْنى ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾،: أيْ مِن طِينٍ شَدِيدِ القُوَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
هود 11:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَماءِ: اثْنانِ مِنها كِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ، وواحِدٌ يَظْهَرُ أنَّهُ ضَعِيفٌ.
أمّا الَّذِي (p-١٩٣)يَظْهَرُ أنَّهُ ضَعِيفٌ فَهو أنَّ المَعْنى: أنَّ تِلْكَ الحِجارَةَ لَيْسَتْ بَعِيدَةً مِن قَوْمِ لُوطٍ، أيْ لَمْ تَكُنْ تُخْطِئُهم.
قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وغَيْرُهُ؛ لِأنَّ هَذا يَكْفِي عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً﴾ [هود: ٨٢] ونَحْوُها مِنَ الآياتِ. أمّا الوَجْهانِ اللَّذانِ يَشْهَدُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما قُرْآنٌ:
فالأوَّلُ مِنهُما: أنَّ دِيارَ قَوْمِ لُوطٍ لَيْسَتْ بِبَعِيدَةٍ مِنَ الكُفّارِ المُكَذِّبِينَ لِنَبِيِّنا، فَكانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْتَبِرُوا بِما وقَعَ لِأهْلِها إذا مَرُّوا عَلَيْها في أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ، ويَخافُوا أنْ يُوقِعَ اللَّهُ بِهِمْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ مِثْلَ ما وقَعَ مِنَ العَذابِ بِأُولَئِكَ، بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لُوطًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٦، ٧٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وعَلى هَذا القَوْلِ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وما هي راجِعٌ إلى دِيارِ قَوْمِ لُوطٍ المَفْهُومَةِ مِنَ المَقامِ.
الوَجْهُ الثّانِي أنَّ المَعْنى: وما تِلْكَ الحِجارَةُ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلى قَوْمِ لُوطٍ بِبَعِيدٍ مِنَ الظّالِمِينَ لِلْفاعِلِينَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ، فَهو تَهْدِيدٌ لِمُشْرِكِي العَرَبِ كالَّذِي قَبْلَهُ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠]، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ ظاهِرٌ جَدًّا في ذَلِكَ، والآياتُ بِنَحْوِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
* *
تَنْبِيهٌ
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في عُقُوبَةِ مَنِ ارْتَكَبَ فاحِشَةَ قَوْمِ لُوطٍ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ أقْوالَ العُلَماءِ في ذَلِكَ وأدِلَّتَهم وما يَظْهَرُ رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ مِن ذَلِكَ فَنَقُولُ وبِاللَّهِ جَلَّ وعَلا نَسْتَعِينُ:
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الحُكْمُ في ذَلِكَ: أنْ يُقْتَلَ الفاعِلُ والمَفْعُولُ بِهِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانا مُحْصَنَيْنِ أوْ بِكْرَيْنِ، أوْ أحَدُهُما مُحْصَنًا والآخَرُ بِكْرًا.
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: مالِكُ بْنُ أنَسٍ، وأصْحابُهُ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ. وحَكى غَيْرُ واحِدٍ إجْماعَ الصَّحابَةِ عَلى هَذا القَوْلِ، إلّا أنَّ القائِلِينَ بِهِ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ قَتْلِ مَن فَعَلَ تِلْكَ الفاحِشَةَ.
(p-١٩٤)قالَ بَعْضُهم: يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ.
وَقالَ بَعْضُهم: يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ.
وَقالَ بَعْضُهم: يُحْرَقُ بِالنّارِ.
وَقالَ بَعْضُهم: يُرْفَعُ عَلى أعْلى بِناءٍ في البَلَدِ فَيُرْمى مِنهُ مُنَكَّسًا ويُتْبَعُ بِالحِجارَةِ.
وَحُجَّةُ مَن قالَ بِقَتْلِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ في اللِّواطِ مُطْلَقًا ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ» .
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: ورِجالُهُ مُوَثَّقُونَ، إلّا أنَّ فِيهِ اخْتِلافًا اهـ.
وَما ذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ مِن أنَّ عَمْرَو بْنَ أبِي عَمْرٍو مَوْلى المُطَّلِبِ يُنْكَرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ عِكْرِمَةَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فِيهِ أنَّ عَمْرًا المَذْكُورَ ثِقَةٌ، أخْرَجَ لَهُ الشَّيْخانِ ومالكٌ كَما قَدَّمْناهُ مُسْتَوْفًى.
وَيَعْتَضِدُ هَذا الحَدِيثُ بِما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في البِكْرِ يُوجَدُ عَلى اللُّوطِيَّةِ: أنَّهُ يُرْجَمُ. أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ.
وَبِما أخْرَجَهُ الحاكِمُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ أحْصَنا أوْ لَمْ يُحْصِنا» قالَ الشَّوْكانِيُّ: وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ.
قالَ ابْنُ الطَّلّاعِ في أحْكامِهِ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ رَجَمَ في اللِّواطِ، ولا أنَّهُ حَكَمَ فِيهِ، وثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «اقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ» رَواهُ عَنْهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ. اهـ.
قالَ الحافِظُ: وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ لا يَصِحُّ، وقَدْ أخْرَجَهُ البَزّارُ مِن طَرِيقِ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ العُمَرِيِّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْهُ، وعاصِمٌ مَتْرُوكٌ. وقَدْ رَواهُ ابْنُ ماجَهْ مِن طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: «فارْجُمُوا الأعْلى والأسْفَلَ» اهـ.
وَأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ رَجَمَ لُوطِيًّا، ثُمَّ قالَ: قالَ الشّافِعِيُّ: وبِهَذا نَأْخُذُ بِرَجْمِ اللُّوطِيِّ مُحْصَنًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ.
وَقالَ: هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ يَقُولُ: السُّنَّةُ أنْ يُرْجَمَ اللُّوطِيُّ أحْصَنَ أوْ لَمْ يُحْصِنْ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا: وأخْبَرَنا أبُو نَصْرِ بْنُ قَتادَةَ، وأبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الفارِسِيُّ، (p-١٩٥)قالا: ثَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، ثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى، أنْبَأ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي حازِمٍ، أنْبَأ داوُدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ أنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ كَتَبَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في خِلافَتِهِ يَذْكُرُ لَهُ: أنَّهُ وجَدَ رَجُلًا في بَعْضِ نَواحِي العَرَبِ يُنْكَحُ كَما تُنْكَحُ المَرْأةُ، وأنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَمَعَ النّاسَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهم عَنْ ذَلِكَ، فَكانَ مِن أشَدِّهِمْ يَوْمَئِذٍ قَوْلًا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ: إنَّ هَذا ذَنْبٌ لَمْ تَعْصِ بِهِ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إلّا أُمَّةٌ واحِدَةٌ صَنَعَ اللَّهُ بِها ما قَدْ عَلِمْتُمْ، نَرى أنْ تَحْرِقَهُ بِالنّارِ، فاجْتَمَعَ رَأْيُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ يَحْرِقَهُ بِالنّارِ، فَكَتَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْمُرُهُ أنْ يَحْرِقَهُ بِالنّارِ. هَذا مُرْسَلٌ.
وَرُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في غَيْرِ هَذِهِ القِصَّةِ قالَ: يُرْجَمُ ويُحْرَقُ بِالنّارِ.
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ رَجُلٍ مِن هَمْدانَ: أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجَمَ رَجُلًا مُحْصَنًا في عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ، هَكَذا ذَكَرَهُ الثَّوْرِيُّ عَنْهُ مُقَيَّدًا بِالإحْصانِ. وهُشَيْمٌ رَواهُ عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى مُطْلَقًا. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
فَهَذِهِ حُجَجُ القائِلِينَ بِقَتْلِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ في اللِّواطِ.
وَحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ القَتْلَ بِالنّارِ هو ما ذَكَرْناهُ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آنِفًا.
وَحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّ قَتْلَهُ بِالسَّيْفِ قَوْلُهُ ﷺ: «فاقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ»، والقَتْلُ إذا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلى القَتْلِ بِالسَّيْفِ.
وَحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّ قَتْلَهُ بِالرَّجْمِ هو ما قَدَّمْنا مِن رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ يُرْجَمُ، وما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ رَجَمَ لُوطِيًّا، ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ رَمى أهْلَ تِلْكَ الفاحِشَةِ بِحِجارَةِ السِّجِّيلِ.
وَحُجَّةُ مَن قالَ: يُرْفَعُ عَلى أعْلى بِناءٍ، أوْ جَبَلٍ ويُلْقى مُنَكَّسًا، ويُتْبَعُ بِالحِجارَةِ: أنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي فَعَلَهُ الحَكِيمُ الخَبِيرُ بِقَوْمِ لُوطٍ، كَما قالَ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا الأخِيرُ غَيْرُ ظاهِرٍ؛ لِأنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمْ يَكُنْ عِقابُهم عَلى اللِّواطِ وحْدَهُ، بَلْ عَلَيْهِ وعَلى الكُفْرِ، وتَكْذِيبِ نَبِيِّهِمْ ﷺ، فَهم قَدْ جَمَعُوا إلى اللِّواطِ (p-١٩٦)ما هو أعْظَمُ مِنَ اللِّواطِ، وهو الكُفْرُ بِاللَّهِ، وإيذاءُ رَسُولِهِ ﷺ .
القَوْلُ الثّانِي: هو أنَّ اللِّواطَ زِنًى فَيُجْلَدُ مُرْتَكِبُهُ مِائَةً إنْ كانَ بِكْرًا ويُغَرَّبُ سَنَةً، ويُرْجَمُ إنْ كانَ مُحْصَنًا. وهَذا القَوْلُ هو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمانَ: أنَّ الشّافِعِيَّ رَجَعَ إلى أنَّ اللِّواطَ زِنًى، فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الزِّنى، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
وَرَواهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَطاءٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وغَيْرِهِمْ.
واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبِي مُوسى، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا أتى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُما زانِيانِ، وإذا أتَتِ المَرْأةُ المَرْأةَ فَهُما زانِيَتانِ» أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ، ثَنا أبُو العَبّاسِ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنا يَحْيى بْنُ أبِي طالِبٍ، ثَنا أبُو بَدْرٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَهُ. قالَ الشَّيْخُ: ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذا لا أعْرِفُهُ، وهو مُنْكَرٌ بِهَذا الإسْنادِ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ في هَذا الحَدِيثِ: وفي إسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَذَّبَهُ أبُو حاتِمٍ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ: لا أعْرِفُهُ، والحَدِيثُ مُنْكَرٌ بِهَذا الإسْنادِ، ورَواهُ أبُو الفَتْحِ الأزْدِيُّ في الضُّعَفاءِ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أبِي مُوسى، وفِيهِ بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ البَجَلِيُّ وهو مَجْهُولٌ.
وَقَدْ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْهُ. اهـ مِنهُ.
واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ أيْضًا بِقِياسِ اللِّواطِ عَلى الزِّنى بِجامِعِ أنَّ الكُلَّ إيلاجُ فَرْجٍ في فَرْجٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا، مُشْتَهًى طَبْعًا.
وَرُدَّ بِأنَّ القِياسَ لا يَكُونُ في الحُدُودِ؛ لِأنَّها تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ. والأكْثَرُونَ عَلى جَوازِ القِياسِ في الحُدُودِ، وعَلَيْهِ دَرَجَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ:
والحَدُّ والكَفّارَةُ التَّقْدِيرُ جَوازُهُ فِيها هو المَشْهُورُ
إلّا أنَّ قِياسَ اللّائِطِ عَلى الزّانِي يُقْدَحُ فِيهِ بِالقادِحِ المُسَمّى: ”فَسادُ الِاعْتِبارِ“؛ لِمُخالَفَتِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ: أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ يُقْتَلانِ مُطْلَقًا، أحْصَنا أوْ لَمْ يُحَصِنا، ولا شَكَّ أنَّ صاحِبَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ لا يَشْتَهِي اللِّواطَ، بَلْ يَنْفِرُ مِنهُ غايَةَ النُّفُورِ (p-١٩٧)بِطَبْعِهِ كَما لا يَخْفى.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ اللّائِطَ لا يُقْتَلُ ولا يَحُدُّ حَدَّ الزِّنى، وإنَّما يُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ والسَّجْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وهَذا قَوْلُأبِي حَنِيفَةَ.
واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الصَّحابَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، واخْتِلافُهم فِيهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ صَحِيحٌ، وأنَّهُ مِن مَسائِلِ الِاجْتِهادِ، والحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ، قالُوا: ولا يَتَناوَلُهُ اسْمُ الزِّنى؛ لِأنَّ لِكُلٍّ مِنهُما اسْمًا خاصًّا بِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن كَفِّ ذاتِ حِرٍّ في زِيِّ ذِي ذَكَرٍ لَها مُحِبّانِ لُوطِيٌّ وزَنّاءُ
قالُوا: ولا يَصِحُّ إلْحاقُهُ بِالزِّنى لِوُجُودِ الفارِقِ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ الدّاعِيَ في الزِّنى مِنَ الجانِبَيْنِ بِخِلافِ اللِّواطِ، ولِأنَّ الزِّنى يُفْضِي إلى الِاشْتِباهِ في النَّسَبِ وإفْسادِ الفِراشِ بِخِلافِ اللِّواطِ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: والفَرْقُ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ قَدَحْ إبْداءٌ مُخْتَصٌّ بِالأصْلِ قَدْ صَلَحْ أوْ مانِعٌ في الفَرْعِ. . . إلَخْ. . . . . . واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦] .
قالُوا: المُرادُ بِذَلِكَ: اللِّواطُ. والمُرادُ بِالإيذاءِ: السَّبُّ أوِ الضَّرْبُ بِالنِّعالِ.
وَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾، قالَ: الرَّجُلانِ الفاعِلانِ.
وَأخْرَجَ آدَمُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: فَآذُوهُما، يَعْنِي سَبًّا، قالَهُ صاحِبُ ”الدُّرِّ المَنثُورِ“ .
هود 11:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ الآيَةَ.
ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، أنَّهُ أخْبَرَ قَوْمَهُ: أنَّهُ إذا نَهاهم عَنْ شَيْءٍ انْتَهى هو عَنْهُ وأنَّ فِعْلَهُ لا يُخالِفُ قَوْلَهُ.
وَيُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الإنْسانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُنْتَهِيًا عَمّا يَنْهى عَنْهُ غَيْرَهُ، مُؤْتَمِرًا بِما يَأْمُرُ بِهِ غَيْرَهُ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٤]، وقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: (p-١٩٨)«يُجاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُلْقى في النّارِ فَتَنْدَلِقُ أقْتابُهُ في النّارِ، فَيَدُورُ بِها كَما يَدُورُ الحِمارُ بِرَحاهُ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أهْلُ النّارِ فَيَقُولُونَ: أيْ فُلانُ، ألَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُنا بِالمَعْرُوفِ وتَنْهانا عَنِ المُنْكَرِ ؟ ! فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكم بِالمَعْرُوفِ ولا آتِيهِ، وأنْهاكم عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ» .
وَمَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «فَتَنْدَلِقُ أقْتابُهُ»، أيْ: تَتَدَلّى أمْعاؤُهُ.
وَأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، وغَيْرُهم، عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجالًا تُقْرَضُ شِفاهُهم بِمَقارِيضَ مِن نارٍ، كُلَّما قُرِضَتْ رَجَعَتْ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ مَن هَؤُلاءِ ؟ قالَ: هَؤُلاءِ خُطَباءُ مِن أُمَّتِكَ، كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ ويَنْسَوْنَ أنْفُسَهم وهم يَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا يَعْقِلُونَ»، قالَهُ صاحِبُ ”الدُّرِّ المَنثُورِ“ . اهـ. وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِي مِثْلَهُ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وَقَدْ أجادَ مَن قالَ:
؎وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النّاسَ بِالتُّقى ∗∗∗ طَبِيبٌ يُداوِي النّاسَ وهو مَرِيضُ
وَمَعْلُومٌ أنَّ عَمَلَ الإنْسانِ بِما يَنْصَحُ بِهِ غَيْرَهُ أدْعى لِقَبُولِ غَيْرِهِ مِنهُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَإنَّكَ إذْ ما تَأْتِ ما أنْتَ آمِرٌ ∗∗∗ بِهِ تَلْفَ مَن إيّاهُ تَأْمُرُ آتِيا
هود 11:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ نَبِيَّهُ شُعَيْبًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنَ الكُفّارِ، وأعَزَّ جانِبَهُ بِسَبَبِ العَواطِفِ العَصَبِيَّةِ، والأواصِرِ النَّسَبِيَّةِ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ هم كُفّارٌ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُتَمَسِّكَ بِدِينِهِ قَدْ يُعِينُهُ اللَّهُ، ويُعِزُّهُ بِنُصْرَةِ قَرِيبِهِ الكافِرِ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في صالِحٍ وقَوْمِهِ: ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ . الآيَةَ [النمل: ٤٩]
فَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى أنْ يَفْعَلُوا السُّوءَ بِصالِحٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا في حالِ الخَفاءِ، وأنَّهم لَوْ فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ خَفاءً وسَرِقَةً لَكانُوا يَحْلِفُونَ لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ هم عَصَبَتُهُ أنَّهم ما فَعَلُوا بِهِ سُوءًا، ولا شَهِدُوا ذَلِكَ ولا حَضَرُوهُ خَوْفًا مِن عَصَبَتِهِ. فَهو عَزِيزُ الجانِبِ بِسَبَبِ عَصَبَتِهِ الكُفّارِ، وقَدْ قالَ تَعالى لِنَبِيِّنا ﷺ: (p-١٩٩)﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦]، أيْ: آواكَ بِأنْ ضَمَّكَ إلى عَمِّكَ أبِي طالِبٍ.
وَذَلِكَ بِسَبَبِ العَواطِفِ العَصَبِيَّةِ، والأواصِرِ النَّسَبِيَّةِ، ولا صِلَةَ لَهُ بِالدِّينِ البَتَّةَ، فَكَوْنُهُ جَلَّ وعَلا يَمْتَنُّ عَلى رَسُولِهِ ﷺ بِإيواءِ أبِي طالِبٍ لَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ قَدْ يُنْعِمُ عَلى المُتَمَسِّكِ بِدِينِهِ بِنُصْرَةِ قَرِيبِهِ الكافِرِ.
وَمِن ثَمَراتِ تِلْكَ العَصَبِيَّةِ النَّسَبِيَّةِ قَوْلُ أبِي طالِبٍ:
؎واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينا
؎فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ أبْشِرْ بِذاكَ وقَرَّ مِنهُ عُيُونا
وَقَوْلُهُ أيْضًا:
؎وَنَمْنَعُهُ حَتّى نُصْرَعَ حَوْلَهُ ∗∗∗ ونُذْهَلَ عَنْ أبْنائِنا والحَلائِلِ
وَلِهَذا لَمّا كانَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ لَهُ عَصَبَةٌ في قَوْمِهِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ظَهَرَ فِيهِ أثَرُ عَدَمِ العَصَبَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] .
وَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ تَنْفَعُهم عَصَبِيَّةُ إخْوانِهِمُ الكافِرِينَ.
وَلَمّا ناصَرَ بَنُو المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ بَنِي هاشِمٍ، ولَمْ يُناصِرْهم بَنُو عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وبَنُو نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ - عَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي المُطَّلِبِ تِلْكَ المُناصَرَةَ الَّتِي هي عَصَبِيَّةٌ نَسَبِيَّةٌ لا صِلَةَ لَها بِالدِّينِ، فَأعْطاهم مِن خُمُسِ الغَنِيمَةِ مَعَ بَنِي هاشِمٍ، وقالَ: «إنّا وبَنِي المُطَّلِبِ لَمْ نَفْتَرِقْ في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ» ومَنَعَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وبَنِي نَوْفَلٍ مِن خُمُسِ الغَنِيمَةِ، مَعَ أنَّ الجَمِيعَ أوْلادُ عَبْدِ مَنافِ بْنِ قُصَيٍّ.
وَقالَ أبُو طالِبٍ في بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وبَنِي نَوْفَلٍ:
؎جَزى اللَّهُ عَنّا عَبْدَ شَمْسٍ ونَوْفَلًا ∗∗∗ عُقُوبَةَ شَرٍّ عاجِلٍ غَيْرَ آجِلِ
؎بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِيسُ شَعِيرَةً ∗∗∗ لَهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ غَيْرُ عائِلِ
؎لَقَدْ سَفَهَتْ أحْلامُ قَوْمٍ تَبَدَّلُوا ∗∗∗ بَنِي خَلْفٍ قَيْضًا بِنا والغَياطِلِ
والغَياطِلُ ”بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ“، ومُرادُ أبِي طالِبٍ بِهِمْ: بَنُو سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ”القَبِيلَةُ المَشْهُورَةُ مِن قَبائِلِ قُرَيْشٍ“، وإنَّما سُمُّوا الغَياطِلَ؛ لِأنَّ قَيْسَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ الَّذِي هو مِن ساداتِ قُرَيْشٍ العِظامِ، وهو الَّذِي يَعْنِيهِ عَبْدُ المُطَّلِبِ بِقَوْلِهِ يُرَقِّصُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ وهو صَغِيرٌ:
؎كَأنَّهُ في العِزِّ قَيْسُ بْنُ عَدِيٍّ ∗∗∗ في دارِ سَعْدٍ يَنْتَدِي أهْلَ النَّدى
(p-٢٠٠)تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن كِنانَةَ تُسَمّى ”الغَيْطَلَةَ“ وهي أُمُّ بَعْضِ أوْلادِهِ. فَسُمِّيَ بَنُو سَهْمِ الغَياطِلَ؛ لِأنَّ قَيْسَ بْنَ عَدِيٍّ المَذْكُورَ سَيِّدُهم.
فَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ قَدْ يُعِينُ المُؤْمِنَ بِالكافِرِ لِتَعَصُّبِهِ لَهُ، ورُبَّما كانَ لِذَلِكَ أثَرٌ حَسَنٌ عَلى الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ، وقَدْ يَكُونُ مِن مِنَنِ اللَّهِ عَلى بَعْضِ أنْبِيائِهِ المُرْسَلِينَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذا الدَّينَ بِالرَّجُلِ الفاجِرِ»، وفي المَثَلِ: ”اجْتَنِ الثِّمارَ وألْقِ الخَشَبَةَ في النّارِ“ .
فَإذا عَرَفْتَ دَلالَةَ القُرْآنِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ قَدْ يَنْتَفِعُ بِرابِطَةِ نَسَبٍ وعَصَبِيَّةٍ مِن كافِرٍ، فاعْلَمْ أنَّ النِّداءَ بِالرَّوابِطِ العَصَبِيَّةِ لا يَجُوزُ. لِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يَجُوزُ لَهُ الدُّعاءُ بِـ ”يا لَبَنِي فُلانٍ“ ونَحْوِها.
وَقَدْ ثَبَتَ في ”صَحِيحِ البُخارِيِّ“ مِن حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في تِلْكَ الدَّعْوَةِ: «دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ»، وقَوْلُهُ ﷺ: ”دَعُوها“ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ تَرْكِها؛ لِأنَّ صِيغَةَ ”افْعَلْ“ لِلْوُجُوبِ إلّا لِدَلِيلٍ صارِفٍ عَنْهُ، ولَيْسَ هُنا دَلِيلٌ صارِفٌ عَنْهُ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ تَعْلِيلُهُ الأمْرَ بِتَرْكِها بِأنَّها مُنْتِنَةٌ، وما صَرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ بِالأمْرِ بِتَرْكِهِ وأنَّهُ مُنْتِنٌ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ تَعاطِيهِ، وإنَّما الواجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ النِّداءُ بِرابِطَةِ الإسْلامِ الَّتِي هي مِن شِدَّةِ قُوَّتِها تَجْعَلُ المُجْتَمَعَ الإسْلامِيَّ كُلَّهُ كَأنَّهُ جَسَدُ إنْسانٍ واحِدٍ، فَهي تَرْبِطُكَ بِأخِيكَ المُسْلِمِ كَرَبْطِ أعْضائِكَ بَعْضِها بِبَعْضٍ، قالَ ﷺ: «إنَّ مَثَلَ المُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ الواحِدِ، إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمّى» .
وَإذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]، تَحَقَّقْتَ أنَّ الرَّوابِطَ النَّسَبِيَّةَ تَتَلاشى مَعَ الرَّوابِطِ الإسْلامِيَّةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .
وَلا يَخْفى أنَّ أسْلافَنا مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ إنَّما فَتَحُوا البِلادَ ومَصَّرُوا الأمْصارَ بِالرّابِطَةِ الإسْلامِيَّةِ، لا بِرَوابِطَ عَصَبِيَّةٍ، ولا بِأواصِرَ نَسَبِيَّةٍ.
هود 11:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ الآيَةَ.
قَيَّدَ تَعالى خُلُودَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ بِالمَشِيئَةِ، فَقالَ في كُلٍّ مِنهُما: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، ثُمَّ بَيَّنَ عَدَمَ الِانْقِطاعِ في كُلٍّ مِنهُما، فَقالَ في خُلُودِ أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (p-٢٠١)[هود: ١٠٨] .
وَقالَ في خُلُودِ أهْلِ النّارِ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ كُلَّما تَقْتَضِي التَّكْرارَ بِتَكَرُّرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها.
وَقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ إيضاحًا تامًّا في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وفي سُورَةِ النَّبَإ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ [النبإ: ٢٣] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ الآيَةَ.
تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الآياتِ الَّتِي يُظَنُّ تَعارُضُها مَعَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [النساء: ٥٧]، في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، وسَيَأْتِي لَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ إيضاحٍ في سُورَةِ ”النَّبَأِ“ .
هود 11:118
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ .
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ”ذَلِكَ“ فَقِيلَ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾، (p-٣٠٦)وَلِلرَّحْمَةِ ”خَلَقَهم“، والتَّحْقِيقُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو اخْتِلافُهم إلى شَقِيٌّ وسَعِيدٍ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ولِذَلِكَ الِاخْتِلافِ خَلَقَهم فَخَلَقَ فَرِيقًا لِلْجَنَّةِ وفَرِيقًا لِلسَّعِيرِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٧٩]، وأخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحِيهِما مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ المَلَكَ فَيُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ: فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وأجَلَهُ وعَمَلَهُ وشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ»، ورَوى مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «يا عائِشَةُ ! إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها أهْلًا، وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها أهْلًا وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقادِيرَ الخَلْقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» .
وَإذا تَقَرَّرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ خَلَقَهم لِسَعادَةِ بَعْضٍ وشَقاوَةِ بَعْضٍ، كَما قالَ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] فَلا يَخْفى ظُهُورُ التَّعارُضِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
والجَوابُ عَنْ هَذا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: ونَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وسُفْيانَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ يَعْبُدُنِي السُّعَداءُ مِنهم ويَعْصِينِي الأشْقِياءُ، فالحِكْمَةُ المَقْصُودَةُ مِن إيجادِ الخَلْقِ الَّتِي هي عِبادَةُ اللَّهِ حاصِلَةٌ بِفِعْلِ السُّعَداءِ مِنهم، كَما أشارَ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] .
وَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّهُ أطْلَقَ المَجْمُوعَ وأرادَ بَعْضَهم، وقَدْ بَيَّنّا أمْثالَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي أُطْلِقَ فِيها المَجْمُوعُ مُرادًا بَعْضُهُ في سُورَةِ ”الأنْفالِ“ .
(p-٣٠٧)الوَجْهُ الثّانِي: هو ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ إلّا لِيُقِرُّوا إلَيَّ بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، لِأنَّ المُؤْمِنَ يُطِيعُ بِاخْتِيارِهِ، والكافِرَ مُذْعِنٌ مُنْقادٌ لِقَضاءِ رَبِّهِ جَبْرًا عَلَيْهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ هو الحَقُّ، لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، أنَّ الإرادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إرادَةٌ كَوْنِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ، والإرادَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إرادَةٌ شَرْعِيَّةٌ دِينِيَّةٌ، فَبَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ أنَّهُ أرادَ بِإرادَتِهِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ صَيْرُورَةَ قَوْمٍ إلى السَّعادَةِ، وآخَرِينَ إلى الشَّقاوَةِ.
وَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أنَّهُ يُرِيدُ العِبادَةَ بِإرادَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، فَيُوَفِّقُ مَن شاءَ بِإرادَتِهِ الكَوْنِيَّةِ فَيَعْبُدُهُ ويَخْذُلُ مَن شاءَ فَيَمْتَنِعُ مِنَ العِبادَةِ.
وَوَجْهُ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلى هَذا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، فَعَمَّمَ الإرادَةَ الشَّرْعِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيُطاعَ﴾ وبَيَّنَ التَّخْصِيصَ في الطّاعَةِ بِالإرادَةِ الكَوْنِيَّةِ، بِقَوْلِهِ: بِإذْنِ اللَّهِ فالدَّعْوَةُ عامَّةٌ والتَّوْفِيقُ خاصٌّ.
وَتَحْقِيقُ النِّسْبَةِ بَيْنَ الإرادَةِ الكَوْنِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ والإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى وُجُودِ المُرادِ وعَدَمِ وُجُودِهِ، فالإرادَةُ الكَوْنِيَّةُ أعَمُّ مُطْلَقًا، لِأنَّ كُلَّ مُرادٍ شَرْعًا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ في الخارِجِ إذا أُرِيدَ كَوْنًا وقَدَرًا، كَإيمانِ أبِي بَكْرٍ، ولَيْسَ يُوجَدُ ما لَمْ يُرَدْ كَوْنًا وقَدَرًا ولَوْ أُرِيدَ شَرْعًا كَإيمانِ أبِي لَهَبٍ، فَكُلُّ مُرادٍ شَرْعِيٍّ حَصَلَ فَبِالإرادَةِ الكَوْنِيَّةِ ولَيْسَ كُلُّ مُرادٍ كَوْنِيٍّ حَصَلَ مُرادًا في الشَّرْعِ.
وَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى تَعَلُّقِ الإرادَتَيْنِ بِعِبادَةِ الإنْسِ والجِنِّ لِلَّهِ تَعالى، فالإرادَةُ الشَّرْعِيَّةُ أعَمُّ مُطْلَقًا والإرادَةُ الكَوْنِيَّةُ أخَصُّ مُطْلَقًا، لِأنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الجِنِّ والإنْسِ أرادَ اللَّهُ مِنهُ العِبادَةَ شَرْعًا ولَمْ يُرِدْها مِن كُلِّهِمْ كَوْنًا وقَدَرًا، فَتَعُمُّ الإرادَةُ الشَّرْعِيَّةُ عِبادَةَ جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ، وتَخْتَصُّ الإرادَةُ الكَوْنِيَّةُ بِعِبادَةِ السُّعَداءِ مِنهم كَما قَدَّمْنا مِن أنَّ الدَّعْوَةَ عامَّةٌ والتَّوْفِيقَ خاصٌّ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، فَصَرَّحَ بِأنَّهُ يَدْعُو الكُلَّ ويَهْدِي مَن شاءَ مِنهم.
وَلَيْسَتْ بِالنِّسْبَةِ بَيْنَ الإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ العُمُومُ والخُصُوصُ مِن وجْهٍ بَلْ هي (p-٣٠٨)العُمُومُ والخُصُوصُ المُطْلَقُ، كَما بَيَّنّا إلّا أنَّ إحْداهُما أعَمُّ مُطْلَقًا مِنَ الأُخْرى بِاعْتِبارٍ، والثّانِيَةَ أعَمُّ مُطْلَقًا بِاعْتِبارٍ آخَرَ، كَما بَيَّنّا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.