Adwa' Al-Bayan — يوسف 12:4 – الحجر 15:99
المحتويات
- يوسف 12:4
- يوسف 12:6
- يوسف 12:8
- يوسف 12:15
- يوسف 12:24
- يوسف 12:26
- يوسف 12:28
- يوسف 12:31
- يوسف 12:100
- يوسف 12:102
- يوسف 12:106
- يوسف 12:111
- الرعد 13:2
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:27
- الرعد 13:31
- الرعد 13:36
- الرعد 13:38
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:9
- إبراهيم 14:13
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:16
- إبراهيم 14:17
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:21
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:30
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:41
- إبراهيم 14:42
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:48
- إبراهيم 14:49
- إبراهيم 14:50
- إبراهيم 14:52
- الحجر 15:2
- الحجر 15:3
- الحجر 15:6
- الحجر 15:7
- الحجر 15:8
- الحجر 15:9
- الحجر 15:16
- الحجر 15:17
- الحجر 15:22
- الحجر 15:23
- الحجر 15:26
- الحجر 15:31
- الحجر 15:32
- الحجر 15:33
- الحجر 15:34
- الحجر 15:35
- الحجر 15:39
- الحجر 15:40
- الحجر 15:45
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:51
- الحجر 15:52
- الحجر 15:53
- الحجر 15:54
- الحجر 15:56
- الحجر 15:58
- الحجر 15:61
- الحجر 15:67
- الحجر 15:75
- الحجر 15:76
- الحجر 15:78
- الحجر 15:80
- الحجر 15:81
- الحجر 15:82
- الحجر 15:85
- الحجر 15:86
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:90
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:97
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
يوسف 12:4
(p-٢٠٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ يُوسُفَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا تَأْوِيلَ هَذِهِ الرُّؤْيا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ الآيَةَ [يوسف: ٩٩، ١٠٠] .
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ.
يوسف 12:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ .
بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا أنَّهُ عَلَّمَ نَبِيَّهُ يُوسُفَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يوسف: ٢١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١] .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ.
فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيا، فالأحادِيثُ عَلى هَذا القَوْلِ هي الرُّؤْيا، قالُوا: لِأنَّها إمّا حَدِيثُ نَفْسٍ، أوْ مَلَكٍ، أوْ شَيْطانٍ.
وَكانَ يُوسُفُ أعْبَرَ النّاسِ لِلرُّؤْيا، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى خِبْرَتِهِ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، كَقَوْلِهِ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١]، وقَوْلِهِ:
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ [يوسف: ٤٧] إلى قَوْلِهِ: يَعْصِرُونَ [يوسف: ٤٩] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ مَعْرِفَةُ مَعانِي كُتُبِ اللَّهِ وسُنَنِ الأنْبِياءِ، وما غَمُضَ وما اشْتَبَهَ عَلى النّاسِ مِن أغْراضِها ومَقاصِدِها، يُفَسِّرُها لَهم ويَشْرَحُها، ويَدُلُّهم عَلى مُودَعاتِ حِكَمِها.
وَسُمِّيَتْ أحادِيثَ؛ لِأنَّها يُحَدَّثُ بِها عَنِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، فَيُقالُ: قالَ اللَّهُ كَذا، وقالَ رَسُولُهُ كَذا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] .
وَقَوْلِهِ: (p-٢٠٣)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٢٣]، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [القصص: ١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ الآيَةَ [يوسف: ٣٧] .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ أنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ تَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وعُلُومِ كُتُبِ اللَّهِ وسُنَنِ الأنْبِياءِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
يوسف 12:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ مُرادَ أوْلادِ يَعْقُوبَ بِهَذا الضَّلالِ الَّذِي وصَفُوا بِهِ أباهم - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إنَّما هو الذَّهابُ عَنْ عِلْمِ حَقِيقَةِ الأمْرِ كَما يَنْبَغِي.
وَيَدُلُّ لِهَذا وُرُودُ الضَّلالِ بِهَذا المَعْنى في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ. فَمِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم مُخاطِبِينَ أباهم: ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]، وقَوْلُهُ تَعالى في نَبِيِّنا ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]، أيْ لَسْتَ عالِمًا بِهَذِهِ العُلُومِ الَّتِي لا تُعْرَفُ إلّا بِالوَحْيِ، فَهَداكَ إلَيْها وعَلَّمَكَها بِما أوْحى إلَيْكَ مِن هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَتَظُنُّ سَلْمى أنَّنِي أبْغِي بِها بَدَلًا أراها في الضَّلالِ تَهِيمُ
يَعْنِي أنَّها غَيْرُ عالِمَةٍ بِالحَقِيقَةِ في ظَنِّها أنَّهُ يَبْغِي بِها بَدَلًا وهو لا يَبْغِي بِها بَدَلًا.
وَلَيْسَ مُرادُ أوْلادِ يَعْقُوبَ الضَّلالَ في الدَّيْنِ؛ إذْ لَوْ أرادُوا ذَلِكَ لَكانُوا كُفّارًا، وإنَّما مُرادُهم أنَّ أباهم في زَعْمِهِمْ في ذَهابٍ عَنْ إدْراكِ الحَقِيقَةِ، وإنْزالِ الأمْرِ مَنزِلَتَهُ اللّائِقَةَ بِهِ، حَيْثُ آثَرَ اثْنَيْنِ عَلى عَشَرَةٍ، مَعَ أنَّ العَشَرَةَ أكْثَرُ نَفْعًا لَهُ، وأقْدَرُ عَلى القِيامِ بِشُئُونِهِ وتَدْبِيرِ أُمُورِهِ.
واعْلَمْ أنَّ الضَّلالَ أُطْلِقَ في القُرْآنِ إطْلاقَيْنِ آخَرَيْنِ:
أحَدُهُما الضَّلالُ في الدِّينِ، أيِ الذَّهابُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الَّتِي جاءَتْ بِها الرُّسُلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وسَلامُهُ، وهَذا أشْهَرُ مَعانِيهِ في القُرْآنِ، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الثّانِي إطْلاقُ الضَّلالِ بِمَعْنى الهَلاكِ، والغَيْبَةِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: ضَلَّ السَّمْنُ في (p-٢٠٤)الطَّعامِ، إذا غابَ فِيهِ وهَلَكَ فِيهِ، ولِذَلِكَ تُسَمِّي العَرَبُ الدَّفْنَ إضْلالًا؛ لِأنَّهُ تَغْيِيبٌ في الأرْضِ يَئُولُ إلى اسْتِهْلاكِ عِظامِ المَيِّتِ فِيها؛ لِأنَّها تَصِيرُ رَمِيمًا وتَمْتَزِجُ بِالأرْضِ، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٠] .
وَمِن إطْلاقِ الضَّلالِ عَلى الغَيْبَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٣]، أيْ: غابَ واضْمَحَلَّ.
وَمِن إطْلاقِ الضَّلالِ عَلى الدَّفْنِ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
فَقَوْلُهُ: مُضِلُّوهُ، يَعْنِي دافِنِيهِ، وقَوْلُهُ: بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ، أيْ: بِخَبَرٍ يَقِينٍ، والجَوْلانُ: جَبَلٌ دُفِنَ عِنْدَهُ المَذْكُورُ.
وَمِنَ الضَّلالِ بِمَعْنى الغَيْبَةِ والِاضْمِحْلالِ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎كُنْتُ القَذى في مَوْجٍ أكْدَرَ ∗∗∗ مُزْبِدٍ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرْكَ الدِّيارُ ∗∗∗ عَنِ الحَيِّ المُضَلَّلِ أيْنَ سارُوا
يوسف 12:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أوْحى إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ سَيُنْبِئُ إخْوَتَهُ بِهَذا الأمْرِ الَّذِي فَعَلُوا بِهِ في حالِ كَوْنِهِمْ لا يَشْعُرُونَ.
ثُمَّ صَرَّحَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّهُ جَلَّ وعَلا أنْجَزَ ذَلِكَ الوَعْدَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] .
وَصَرَّحَ بِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِأنَّهُ يُوسُفُ في قَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨] .
وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا أنَّ العامِلَ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ هو قَوْلُهُ: لَتُنَبِّئَنَّهم [يوسف: ١٥]، أى: لَتُخْبِرَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا في حالِ كَوْنِهِمْ لا يَشْعُرُونَ بِأنَّكَ يُوسُفُ، هو الظّاهِرُ.
وَقِيلَ: إنَّ عامِلَ الحالِ هو قَوْلُهُ: ﴿وَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ [يوسف: ١٥]، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الإيحاءَ وقَعَ في حالِ كَوْنِهِمْ لا يَشْعُرُونَ بِأنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ.
وَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿غَيابَةِ الجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥] بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ ”غَياباتِ الجُبِّ“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وكُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهو غَيابَةٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ (p-٢٠٥)غَيابَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ
والجَمْعُ في قِراءَةِ نافِعٍ نَظَرًا إلى تَعَدُّدِ أجْزاءِ قَعْرِ الجُبِّ الَّتِي تُغَيِّبُ الدّاخِلَ فِيها عَنِ العِيانِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوابِ ”لَمّا“ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ أمُثْبَتٌ هو أمْ مَحْذُوفٌ ؟
فَقِيلَ: هو مُثْبَتٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ الآيَةَ [يوسف: ١٧]، أيْ: لَمّا كانَ كَذا وكَذا ﴿قالُوا ياأبانا﴾ واسْتَحْسَنَ هَذا الوَجْهَ أبُو حَيّانَ.
وَقِيلَ: جَوابُ ”لَمّا“ هو قَوْلُهُ: أوْحَيْنا [يوسف: ١٥] والواوُ صِلَةٌ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، تُزادُ عِنْدَهُمُ الواوُ في جَوابِ ”لَمّا، وحَتّى، وإذا“، وعَلى ذَلِكَ خَرَّجُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ونادَيْناهُ﴾ الآيَةَ [الصافات: ١٠٣، ١٠٤]، وقَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ الآيَةَ [الزمر: ٧٣]، وقَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ حُقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَنْقَلِ
أيْ: لَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ انْتَحى.
وَقِيلَ: جَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفٌ، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، واخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ، فَقِيلَ: إنَّ تَقْدِيرَهُ فَعَلُوا بِهِ ما فَعَلُوا مِنَ الأذى.
وَقَدَّرَهُ بَعْضُهم: فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ عَظُمَتْ فِتْنَتُهم.
وَقَدَّرَهُ بَعْضُهم: فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ جَعَلُوهُ فِيها.
واسْتَظْهَرَ هَذا الأخِيرَ أبُو حَيّانَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ [يوسف: ١٥] يَدُلُّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
يوسف 12:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ .
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ هَمَّ بِأنْ يَفْعَلَ مَعَ تِلْكَ المَرْأةِ مِثْلَ ما هَمَّتْ هي بِهِ مِنهُ، ولَكِنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ بَيَّنَ بَراءَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي حَيْثُ بَيَّنَ شَهادَةَ كُلِّ مَن لَهُ تَعَلُّقٌ بِالمَسْألَةِ بِبَراءَتِهِ، وشَهادَةَ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ واعْتِرافَ إبْلِيسَ بِهِ.
أمّا الَّذِينَ لَهم تَعَلُّقٌ بِتِلْكَ الواقِعَةِ فَهم: يُوسُفُ، والمَرْأةُ، وزَوْجُها، والنِّسْوَةُ، (p-٢٠٦)والشُّهُودُ.
أمّا جَزْمُ يُوسُفَ بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِن تِلْكَ المَعْصِيَةِ فَذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ .
وَأمّا اعْتِرافُ المَرْأةِ بِذَلِكَ فَفي قَوْلِها لِلنِّسْوَةِ: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢]، وقَوْلِها: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] .
وَأمّا اعْتِرافُ زَوْجِ المَرْأةِ فَفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٨، ٢٩] .
وَأمّا اعْتِرافُ الشُّهُودِ بِذَلِكَ فَفي قَوْلِهِ: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٢٦] .
وَأمّا شَهادَةُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا بِبَراءَتِهِ فَفي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] .
قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“: قَدْ شَهِدَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى طَهارَتِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ:
أوَّلُها: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾، واللّامُ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ.
والثّانِي قَوْلُهُ: والفَحْشاءَ، أيْ: وكَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ الفَحْشاءَ.
والثّالِثُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا﴾، مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] .
والرّابِعُ قَوْلُهُ: المُخْلَصِينَ، وفِيهِ قِراءَتانِ: قِراءَةٌ بِاسْمِ الفاعِلِ، وأُخْرى بِاسْمِ المَفْعُولِ.
فَوُرُودُهُ بِاسْمِ الفاعِلِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ آتِيًا بِالطّاعاتِ والقُرُباتِ مَعَ صِفَةِ الإخْلاصِ.
وَوُرُودُهُ بِاسْمِ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ، واصْطَفاهُ لِحَضْرَتِهِ.
وَعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: فَإنَّهُ مِن أدَلِّ الألْفاظِ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَمّا أضافُوهُ إلَيْهِ. اهـ مِن تَفْسِيرِ الرّازِيِّ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣] .
(p-٢٠٧)وَأمّا إقْرارُ إبْلِيسَ بِطَهارَةِ يُوسُفَ ونَزاهَتِهِ فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، فَأقَرَّ بِأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ إغْواءُ المُخْلَصِينَ، ولا شَكَّ أنَّ يُوسُفَ مِنَ المُخْلَصِينَ، كَما صَرَّحَ تَعالى بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾، فَظَهَرَتْ دَلالَةُ القُرْآنِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلى بَراءَتِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي.
وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ: وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: هَؤُلاءِ الجُهّالُ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الفَضِيحَةَ، إنْ كانُوا مِن أتْباعِ دِينِ اللَّهِ تَعالى فَلْيَقْبَلُوا شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى طَهارَتِهِ، وإنْ كانُوا مِن أتْباعِ إبْلِيسَ وجُنُودِهِ فَلْيَقْبَلُوا شَهادَةَ إبْلِيسَ عَلى طَهارَتِهِ، ولَعَلَّهم يَقُولُونَ: كُنّا في أوَّلِ الأمْرِ تَلامِذَةَ إبْلِيسَ، إلى أنْ تَخَرَّجْنا عَلَيْهِ فَزِدْنا في السَّفاهَةِ عَلَيْهِ، كَما قالَ الخَوارِزْمِيُّ:
؎وَكُنْتُ امْرَأً مِن جُنْدِ إبْلِيسَ فارْتَقى بِي الدَّهْرُ حَتّى صارَ إبْلِيسُ مِن جُنْدِي
؎فَلَوْ ماتَ قَبْلِي كُنْتُ أُحْسِنُ بَعْدَهُ ∗∗∗ طَرائِقَ فِسْقٍ لَيْسَ يُحْسِنُها بَعْدِي
فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَرِيءٌ مِمّا يَقُولُ هَؤُلاءِ الجُهّالُ. ا هـ كَلامُ الرّازِيِّ.
وَلا يَخْفى ما فِيهِ مِن قِلَّةِ الأدَبِ مَعَ مَن قالَ تِلْكَ المَقالَةَ مِنَ الصَّحابَةِ وعُلَماءِ السَّلَفِ الصّالِحِ، وعُذْرُ الرّازِيِّ في ذَلِكَ هو اعْتِقادُهُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ.
وَسَتَرى في آخِرِ هَذا المَبْحَثِ أقْوالَ العُلَماءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: قَدْ بَيَّنْتُمْ دَلالَةَ القُرْآنِ عَلى بَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَنْبَغِي في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، ولَكِنْ ماذا تَقُولُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَمَّ بِها﴾ ؟ [يوسف: ٢٤]
فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّل: إنَّ المُرادَ بِهَمِّ يُوسُفَ بِها خاطِرٌ قَلْبِيٌّ صَرَفَ عَنْهُ وازِعَ التَّقْوى، وقالَ بَعْضُهم: هو المَيْلُ الطَّبِيعِيُّ والشَّهْوَةُ الغَرِيزِيَّةُ المَزْمُومَةُ بِالتَّقْوى، وهَذا لا مَعْصِيَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ، كَما في الحَدِيثِ «عَنْهُ ﷺ: أنَّهُ كانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ ثُمَّ يَقُولُ: ”اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما لا أمْلِكُ“»، يَعْنِي مَيْلَ القَلْبِ الطَّبِيعِيِّ.
وَمِثالُ هَذا مَيْلُ الصّائِمِ بِطَبْعِهِ إلى الماءِ البارِدِ، مَعَ أنَّ تَقْواهُ تَمْنَعُهُ مِنَ الشُّرْبِ وهو صائِمٌ، وقَدْ قالَ ﷺ: «وَمَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ كامِلَةٌ»؛ لِأنَّهُ تَرَكَ ما تَمِيلُ (p-٢٠٨)إلَيْهِ نَفْسُهُ بِالطَّبْعِ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١] .
وَهَمُّ بَنِي حارِثَةَ وبَنِي سَلَمَةَ بِالفِرارِ يَوْمَ أُحُدٍ، كَهَمِّ يُوسُفَ هَذا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ [آل عمران: ١٢٢]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الهَمَّ لَيْسَ مَعْصِيَةً؛ لِأنَّ إتْباعَ المَعْصِيَةِ بِوَلايَةِ اللَّهِ لِذَلِكَ العاصِي إغْراءٌ عَلى المَعْصِيَةِ.
والعَرَبُ تُطْلِقُ الهَمَّ وتُرِيدُ بِهِ المَحَبَّةَ والشَّهْوَةَ، فَيَقُولُ الإنْسانُ فِيما لا يُحِبُّهُ ولا يَشْتَهِيهِ: هَذا ما يُهِمُّنِي، ويَقُولُ فِيما يُحِبُّهُ ويَشْتَهِيهِ: هَذا أهَمُّ الأشْياءِ إلَيَّ. بِخِلافِ هَمِّ امْرَأةِ العَزِيزِ، فَإنَّهُ هَمُّ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ، بِدَلِيلِ أنَّها شَقَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وهو هارِبٌ عَنْها، ولَمْ يَمْنَعْها مِنَ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي إلّا عَجْزُها عَنْهُ.
وَمِثْلُ هَذا التَّصْمِيمِ عَلى المَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ يُؤاخَذُ بِها صاحِبُها، بِدَلِيلِ الحَدِيثِ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ ”قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنا القاتِلَ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ:“ إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ»، فَصَرَّحَ ﷺ بِأنَّ تَصْمِيمَ عَزْمِهِ عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ مَعْصِيَةٌ أدْخَلَهُ اللَّهُ بِسَبَبِها النّارَ.
وَأمّا تَأْوِيلُهم هَمَّ يُوسُفَ بِأنَّهُ قارَبَ الهَمَّ ولَمْ يَهِمَّ بِالفِعْلِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: قَتَلْتُهُ لَوْ لَمْ أخَفِ اللَّهَ، أيْ قارَبْتُ أنْ أقْتُلَهُ، كَما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَتَأْوِيلُ الهَمِّ بِأنَّهُ هَمَّ بِضَرْبِها، أوْ هَمَّ بِدَفْعِها عَنْ نَفْسِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ ظاهِرٍ، بَلْ بَعِيدٌ مِنَ الظّاهِرِ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
والجَوابُ الثّانِي وهو اخْتِيارُ أبِي حَيّانَ: أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَقَعْ مِنهُ هَمٌّ أصْلًا، بَلْ هو مَنفِيٌّ عَنْهُ لِوُجُودِ البُرْهانِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الوَجْهُ الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ هو أجْرى الأقْوالِ عَلى قَواعِدِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ؛ لِأنَّ الغالِبَ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ: أنَّ الجَوابَ المَحْذُوفَ يُذْكَرُ قَبْلَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، فالأوَّلُ: دَلِيلُ الجَوابِ المَحْذُوفِ لا نَفْسُ الجَوابِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشُّرُوطِ وجَوابَ لَوْلا لا يَتَقَدَّمُ، ولَكِنْ يَكُونُ المَذْكُورُ قَبْلَهُ دَلِيلًا عَلَيْهِ كالآيَةِ (p-٢٠٩)المَذْكُورَةِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَهاتُوا بُرْهانَكم.
وَعَلى هَذا القَوْلِ: فَمَعْنى الآيَةِ، وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، أيْ لَوْلا أنْ رَآهُ هَمَّ بِها، فَما قَبْلَ لَوْلا هو دَلِيلُ الجَوابِ المَحْذُوفِ، كَما هو الغالِبُ في القُرْآنِ واللُّغَةِ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ [القصص: ١٠]، فَما قَبْلَ لَوْلا دَلِيلُ الجَوابِ، أيْ: لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ أجازُوا تَقْدِيمَ جَوابِ لَوْلا [يوسف: ٢٤]، وتَقْدِيمَ الجَوابِ في سائِرِ الشُّرُوطِ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ جَوابُ لَوْلا في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، هو ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَهَمَّ بِها﴾ [يوسف: ٢٤] .
وَإلى جَوازِ التَّقْدِيمِ المَذْكُورِ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ، ومِن أعْلامِ البَصْرِيِّينَ: أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، وأبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ.
وَقالَ الشَّيْخُ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ ما نَصُّهُ: والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ هَمٌّ بِها البَتَّةَ، بَلْ هو مَنفِيٌّ لِوُجُودِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ، كَما تَقُولُ: لَقَدْ قارَفْتَ لَوْلا أنْ عَصَمَكَ اللَّهُ، ولا نَقُولُ: إنَّ جَوابَ لَوْلا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْها، وإنْ كانَ لا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ، بَلْ صَرِيحُ أدَواتِ الشُّرُوطِ العامِلَةِ مُخْتَلَفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِ أجْوِبَتِها عَلَيْها، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، ومِن أعْلامِ البَصْرِيِّينَ: أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، وأبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ.
بَلْ نَقُولُ: إنَّ جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، كَما يَقُولُ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ في قَوْلِ العَرَبِ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ. فَيُقَدِّرُونَهُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ، ولا يَدُلُّ قَوْلُهُ أنْتَ ظالِمٌ عَلى ثُبُوتِ الظُّلْمِ، بَلْ هو مُثْبَتٌ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الفِعْلِ، وكَذَلِكَ هُنا التَّقْدِيرُ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، فَكانَ وُجُودُ الهَمِّ عَلى تَقْدِيرِ انْتِفاءِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ، لَكِنَّهُ وجَدَ رُؤْيَةَ البُرْهانِ فانْتَفى الهَمُّ، ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ الزَّجّاجِ. ولَوْ كانَ الكَلامُ: ولَهَمَّ بِها، كانَ بَعِيدًا، فَكَيْفَ مَعَ سُقُوطِ اللّامِ ؟ لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَهَمَّ بِها﴾ هو جَوابُ لَوْلا ونَحْنُ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ، وإنَّما هو دَلِيلُ الجَوابِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ نَفْسُ الجَوابِ فاللّامُ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ، لِجَوازِ أنْ يَأْتِيَ جَوابُ لَوْلا إذا كانَ بِصِيغَةِ الماضِي (p-٢١٠)بِاللّامِ، وبِغَيْرِ لامٍ، تَقُولُ: لَوْلا زَيْدٌ لَأكْرَمْتُكَ، ولَوْلا زَيْدٌ أكْرَمْتُكَ، فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: هَمَّ بِها نَفْسُ الجَوابِ لَمْ يَبْعُدْ، ولا التِفاتَ لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ وإنَّ جَوابَ لَوْلا في قَوْلِهِ: ﴿وَهَمَّ بِها﴾ وإنَّ المَعْنى: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، فَلَمْ يَهِمَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قالَ: وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ وأقْوالُ السَّلَفِ اهـ.
أمّا قَوْلُهُ: يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ فَلَيْسَ كَما ذَكَرَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ إلى جَوازِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ في لِسانِ العَرَبِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ \ [القصص: ١٠] ٣٠ فَقَوْلُهُ: إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ إمّا أنْ يَتَخَرَّجَ عَلى أنَّ الجَوابَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ القائِلُ، وإمّا أنْ يَتَخَرَّجَ عَلى ما ذَهَبْنا إلَيْهِ مِن أنَّهُ دَلِيلُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ.
وَأمّا أقْوالُ السَّلَفِ: فَنَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ أحَدٍ مِنهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّها أقْوالٌ مُتَكاذِبَةٌ يُناقِضُ بَعْضُها بَعْضًا، مَعَ كَوْنِها قادِحَةً في بَعْضِ فُسّاقِ المُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنِ المَقْطُوعِ لَهم بِالعِصْمَةِ.
والَّذِي رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ كَلامُ العَرَبِ؛ لِأنَّهم قَدَّرُوا جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفًا ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقَدِّرُوا الهَمَّ بِها ولا يَدُلُ كَلامُ العَرَبِ إلّا عَلى أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مِن مَعْنى ما قَبْلَ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الشَّرْطِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ اهـ. مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ أبِي حَيّانَ بِلَفْظِهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا القَوْلَ هو أجْرى الأقْوالِ عَلى لُغَةِ العَرَبِ، وإنْ زَعَمَ بَعْضُ العُلَماءِ خِلافَ ذَلِكَ.
فَبِهَذَيْنِ الجَوابَيْنِ تَعْلَمُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ بَرِيءٌ مِنَ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي، وأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ لَمْ يَقَعْ مِنهُ أصْلًا بِناءً عَلى أنَّ الهَمَّ مُعَلَّقٌ بِأداةِ الِامْتِناعِ الَّتِي هي لَوْلا عَلى انْتِفاءِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ، وقَدْ رَأى البُرْهانَ فانْتَفى المُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وبِانْتِفائِهِ يَنْتَفِي المُعَلَّقُ الَّذِي هو هَمُّهُ بِها كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في كَلامِ أبِي حَيّانَ.
وَإمّا أنْ يَكُونَ هَمُّهُ خاطِرًا قَلْبِيًّا صَرَفَ عَنْهُ وازِعَ التَّقْوى، أوْ هو الشَّهْوَةُ والمَيْلُ الغَرِيزِيُّ المَزْمُومُ بِالتَّقْوى كَما أوْضَحْناهُ، فَبِهَذا يَتَّضِحُ لَكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَهَمَّ بِها﴾ لا يُعارِضُ ما قَدَّمْنا مِنَ الآياتِ عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ مِنَ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي.
(p-٢١١)فَإذا عَلِمْتَ مِمّا بَيَّنّا دَلالَةَ القُرْآنِ العَظِيمِ عَلى بَراءَتِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي، فَسَنَذْكُرُ لَكَ أقْوالَ العُلَماءِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ وقَعَ مِنهُ بَعْضُ ما لا يَنْبَغِي، وأقْوالَهم في المُرادِ بِالبُرْهانِ فَنَقُولُ:
قالَ صاحِبُ ”الدُّرِّ المَنثُورِ في التَّفْسِيرِ بِالمَأْثُورِ“: أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: لَمّا هَمَّتْ بِهِ تَزَيَّنَتْ، ثُمَّ اسْتَلْقَتْ عَلى فِراشِها، وهَمَّ بِها جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْها يَحُلُّ تَبّانَهُ نُودِيَ مِنَ السَّماءِ ”يا ابْنَ يَعْقُوبَ، لا تَكُنْ كَطائِرٍ يُنْتَفُ رِيشُهُ فَيَبْقى لا رِيشَ لَهُ“ فَلَمْ يَتَّعِظْ عَلى النِّداءِ شَيْئًا، حَتّى رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ: جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ يَعْقُوبَ عاضًّا عَلى أُصْبُعَيْهِ، فَفَزِعَ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِن أنامِلِهِ، فَوَثَبَ إلى البابِ فَوَجَدَهُ مُغْلَقًا، فَرَفَعَ يُوسُفُ رِجْلَهُ فَضَرَبَ بِها البابَ الأدْنى فانْفَرَجَ لَهُ، واتَّبَعَتْهُ فَأدْرَكَتْهُ، فَوَضَعَتْ يَدَيْها في قَمِيصِهِ فَشَقَّتْهُ حَتّى بَلَغَتْ عَضَلَةَ ساقِهِ، فَألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما بَلَغَ ؟ قالَ: حَلَّ الهِمْيانَ - يَعْنِي السَّراوِيلَ - وجَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الخاتِنِ، فَصِيحَ بِهِ، يا يُوسُفُ لا تَكُنْ كالطَّيْرِ لَهُ رِيشٌ، فَإذا زَنى قَعَدَ لَيْسَ لَهُ رِيشٌ !
وَأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ [يوسف: ٢٤]، قالَ: طَمِعَتْ فِيهِ وطَمِعَ فِيها، وكانَ مِنَ الطَّمَعِ أنْ هَمَّ بِحَلِّ التِّكَّةِ، فَقامَتْ إلى صَنَمٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ واليَواقِيتِ في ناحِيَةِ البَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ أبْيَضَ بَيْنَها وبَيْنَهُ، فَقالَ: أيُّ شَيْءٍ تَصْنَعِينَ ؟ فَقالَتْ: اسْتَحِي مِن إلَهِي أنْ يَرانِي عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: تَسْتَحِينَ مِن صَنَمٍ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، ولا أسْتَحِي أنا مِن إلَهِي الَّذِي هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، ثُمَّ قالَ: لا تَنالِينَها مِنِّي أبَدًا. وهو البُرْهانُ الَّذِي رَأى.
وَأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: وهَمَّ بِها [يوسف: ٢٤]، قالَ: حَلَّ سَراوِيلَهُ حَتّى بَلَغَ ثُنَّتَهُ، وجَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأتِهِ، فَمُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى صَدْرِهِ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِن أنامِلِهِ.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٢١٢)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قالَ: رَأى صُورَةَ أبِيهِ يَعْقُوبَ في وسَطِ البَيْتِ عاضًّا عَلى إبْهامِهِ، فَأدْبَرَ هارِبًا وقالَ: ”وَحَقِّكَ يا أبَتِ لا أعُودُ أبَدًا“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، قالا: حَلَّ السَّراوِيلَ، وجَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الخاتِنِ، فَرَأى صُورَةً فِيها وجْهُ يَعْقُوبَ عاضًّا عَلى أصابِعِهِ، فَدَفَعَ صَدْرَهُ فَخَرَجَتِ الشَّهْوَةُ مِن أنامِلِهِ، فَكُلُّ ولَدِ يَعْقُوبَ قَدْ وُلِدَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا إلّا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ نَقَصَ بِتِلْكَ الشَّهْوَةِ ولَدًا فَلَمْ يُولَدْ لَهُ غَيْرُ أحَدَ عَشَرَ ولَدًا.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، قالَ: تَمَثَّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضَرَبَ في صَدْرِ يُوسُفَ فَطارَتْ شَهْوَتُهُ مِن أطْرافِ أنامِلِهِ، فَوُلِدَ لِكُلِّ ولَدِ يَعْقُوبَ اثْنا عَشَرَ ذَكَرًا غَيْرَ يُوسُفَ لَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا غُلامانِ.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في قَوْلِهِ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، قالَ: رَأى يَعْقُوبَ عاضًّا عَلى أصابِعِهِ يَقُولُ: ”يُوسُفُ ! يُوسُفُ !“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الآيَةِ، قالَ: رَأى آيَةً مِن آياتِ رَبِّهِ حَجَزَهُ اللَّهُ بِها عَنْ مَعْصِيَتِهِ، ذُكِرَ لَنا أنَّهُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عاضًّا عَلى أُصْبُعَيْهِ، وهو يَقُولُ لَهُ: يا يُوسُفُ ! أتَهِمُّ بِعَمَلِ السُّفَهاءِ، وأنْتَ مَكْتُوبٌ في الأنْبِياءِ ؟ ! فَذَلِكَ البُرْهانُ. فانْتَزَعَ اللَّهُ كُلَّ شَهْوَةٍ كانَتْ في مَفاصِلِهِ.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في قَوْلِهِ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، قالَ: مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عاضًّا عَلى إصْبُعَيْهِ يَقُولُ: ”يُوسُفُ بْنَ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، اسْمُكَ مَكْتُوبٌ في الأنْبِياءِ، وتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهاءِ !“ .
وَأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: رَأى صُورَةَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجِدارِ.
وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: زَعَمُوا أنَّ سَقْفَ البَيْتِ انْفَرَجَ، فَرَأى يَعْقُوبَ عاضًّا عَلى إصْبُعَيْهِ.
(p-٢١٣)وَأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في ”زَوائِدِ الزُّهْدِ“، عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في قَوْلِهِ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ. قالَ: إنَّهُ لَمّا هَمَّ قِيلَ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ يا يُوسُفُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإذا هو بِصُورَةٍ في سَقْفِ البَيْتِ تَقُولُ: يا يُوسُفُ ! يا يُوسُفُ ! أنْتَ مَكْتُوبٌ في الأنْبِياءِ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
وَأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: رَأى صُورَةَ يَعْقُوبَ في سَقْفِ البَيْتِ تَقُولُ: ”يُوسُفُ ! يُوسُفُ !“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، أنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أخْبَرَهُ أنَّ البُرْهانَ الَّذِي رَأى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو يَعْقُوبُ.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ، نُودِيَ: ”يا ابْنَ يَعْقُوبَ، لا تَكُونَنَّ كالطَّيْرِ لَهُ رِيشٌ، فَإذا زَنى قَعَدَ لَيْسَ لَهُ رِيشٌ“، فَلَمْ يَعْرِضْ لِلنِّداءِ وقَعَدَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَرَأى وجْهَ يَعْقُوبَ عاضًّا عَلى إصْبُعِهِ، فَقامَ مَرْعُوبًا اسْتِحْياءً مِن أبِيهِ.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، قالَ: كانَ يُولَدُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهُمُ اثْنا عَشَرَ إلّا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وُلِدَ لَهُ أحَدَ عَشَرَ مِن أجْلِ ما خَرَجَ مِن شَهْوَتِهِ.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، قالَ: نَظَرَ يُوسُفُ إلى صُورَةِ يَعْقُوبَ عاضًّا عَلى إصْبُعِهِ يَقُولُ: يا يُوسُفُ، فَذاكَ حِينَ كَفَّ وقامَ.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّهُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَحْيا مِنهُ.
وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ، قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، يَقُولُ في قَوْلِهِ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، قالَ: رَأى آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ فَنَهَتْهُ، مُثِّلَتْ لَهُ في جِدارِ الحائِطِ.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: البُرْهانُ الَّذِي رَأى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٠، ١١]، وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]، وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] .
(p-٢١٤)وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: رَأى في البَيْتِ في ناحِيَةِ الحائِطِ مَكْتُوبًا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: لَمّا خَلا يُوسُفُ وامْرَأةُ العَزِيزِ خَرَجَتْ كَفٌّ بِلا جَسَدٍ بَيْنَهُما، مَكْتُوبٌ عَلَيْها بِالعِبْرانِيَّةِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الكَفُّ، وقاما مَقامَهُما، ثُمَّ رَجَعَتِ الكَفُّ مَكْتُوبًا عَلَيْها بِالعِبْرانِيَّةِ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٠، ١٢]، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الكَفُّ، وقاما مَقامَهُما، فَعادَتِ الكَفُّ الثّالِثَةُ مَكْتُوبًا عَلَيْها: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وانْصَرَفْتِ الكَفُّ، وقاما مَقامَهُما، فَعادَتِ الكَفُّ الرّابِعَةُ مَكْتُوبًا عَلَيْها بِالعِبْرانِيَّةِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]، فَوَلّى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هارِبًا.
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، قالَ: آياتِ رَبِّهِ، أُرِيَ تِمْثالَ المَلِكِ.
وَأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: لَمّا دَخَلَ يُوسُفُ مَعَها البَيْتَ وفي البَيْتِ صَنَمٌ مِن ذَهَبٍ قالَتْ: كَما أنْتَ، حَتّى أُغَطِّيَ الصَّنَمَ، فَإنِّي أسْتَحِي مِنهُ، فَقالَ يُوسُفُ: هَذِهِ تَسْتَحْيِي مِنَ الصَّنَمِ، أنا أحَقُّ أنْ أسْتَحِييَ مِنَ اللَّهِ ؟ فَكَفَّ عَنْها وتَرَكَها. اهـ مِن ”الدُّرِّ المَنثُورِ في التَّفْسِيرِ بِالمَأْثُورِ“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ الأقْوالُ الَّتِي رَأيْتَ نِسْبَتُها إلى هَؤُلاءِ العُلَماءِ مُنْقَسِمَةٌ إلى قِسْمَيْنِ:
قِسْمٌ لَمْ يَثْبُتْ نَقْلُهُ عَمَّنْ نَقَلَهُ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وهَذا لا إشْكالَ في سُقُوطِهِ.
وَقِسْمٌ ثَبَتَ عَنْ بَعْضِ مَن ذُكِرَ، ومَن ثَبَتَ عَنْهُ مِنهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فالظّاهِرُ الغالِبُ عَلى الظَّنِّ المُزاحِمُ لِلْيَقِينِ: أنَّهُ إنَّما تَلَقّاهُ عَنِ الإسْرائِيلِيّاتِ؛ لِأنَّهُ لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، ولَمْ يُرْفَعْ مِنهُ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ إلَيْهِ ﷺ .
وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي التَّجَرُّؤُ عَلى القَوْلِ في نَبِيِّ اللَّهِ يُوسُفَ بِأنَّهُ جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْ كافِرَةٍ أجْنَبِيَّةٍ، يُرِيدُ أنْ يَزْنِيَ بِها، اعْتِمادًا عَلى مِثْلِ هَذِهِ الرِّواياتِ، مَعَ أنَّ في الرِّواياتِ (p-٢١٥)المَذْكُورَةِ ما تَلُوحُ عَلَيْهِ لَوائِحُ الكَذِبِ، كَقِصَّةِ الكَفِّ الَّتِي خَرَجَتْ لَهُ أرْبَعَ مَرّاتٍ، وفي ثَلاثٍ مِنهُنَّ لا يُبالِي بِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ عَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ فِيهِ أكْبَرُ زاجِرٍ لِعَوامِّ الفُسّاقِ، فَما ظَنُّكَ بِخِيارِ الأنْبِياءِ ؟ مَعَ أنّا قَدَّمْنا دَلالَةَ القُرْآنِ عَلى بَراءَتِهِ مِن جِهاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وأوْضَحْنا أنَّ الحَقِيقَةَ لا تَتَعَدّى أحَدَ أمْرَيْنِ:
إمّا أنْ يَكُونَ لَمْ يَقَعْ مِنهُ هَمٌّ بِها أصْلًا، بِناءً عَلى تَعْلِيقِ هَمِّهِ عَلى عَدَمِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ، وقَدْ رَأى البُرْهانَ، وإمّا أنْ يَكُونَ هَمُّهُ المَيْلَ الطَّبِيعِيَّ المَزْمُومَ بِالتَّقْوى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ، اللَّذَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ صَرَفَهُما عَنْ نَبِيِّهِ يُوسُفَ.
فَرَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في قَوْلِهِ: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ [يوسف: ٢٤]، قالَ: الزِّنى، والثَّناءُ القَبِيحُ اهـ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: السُّوءُ: مُقَدِّماتُ الفاحِشَةِ، كالقُبْلَةِ، والفاحِشَةُ: الزِّنى.
وَقِيلَ: السُّوءُ: جِنايَةُ اليَدِ، والفاحِشَةُ: الزِّنى. وأظْهَرُ الأقْوالِ في تَقْدِيرِ مُتَعَلَّقِ الكافِ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ، أيْ: فَعَلْنا لَهُ ذَلِكَ مِن إراءَةِ البُرْهانِ، كَذَلِكَ الفِعْلُ لِنَصْرِفَ واللّامُ لامُ كَيْ.
وَقَوْلُهُ: المُخْلَصِينَ [يوسف: ٢٤] قَرَأهُ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، بِفَتْحِ اللّامِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، بِكَسْرِ اللّامِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى اهـ.
يوسف 12:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ .
يُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ لُزُومُ الحُكْمِ بِالقَرِينَةِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أحَدِ الخَصْمَيْنِ وكَذِبِ الآخَرِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِهَذِهِ القِصَّةِ في مَعْرِضِ تَسْلِيمِ الِاسْتِدْلالِ بِتِلْكَ القَرِينَةِ عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ حَقٌّ وصَوابٌ؛ لِأنَّ كَوْنَ القَمِيصِ مَشْقُوقًا مِن جِهَةِ دُبُرِهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّهُ هارِبٌ عَنْها، وهي تَنُوشُهُ مِن خَلْفِهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مَحَلَّ العَمَلِ بِالقَرِينَةِ ما لَمْ تُعارِضْها (p-٢١٦)قَرِينَةٌ أقْوى مِنها، فَإنْ عارَضَتْها قَرِينَةٌ أقْوى مِنها أبْطَلَتْها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]؛ لِأنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ لَمّا جَعَلُوا يُوسُفَ في غَيابَةِ الجُبِّ، جَعَلُوا عَلى قَمِيصِهِ دَمَ سَخْلَةٍ؛ لِيَكُونَ وُجُودُ الدَّمِ عَلى قَمِيصِهِ قَرِينَةً عَلى صِدْقِهِمْ في دَعْواهم أنَّهُ أكَلَهُ الذِّئْبُ. ولا شَكَّ أنَّ الدَّمَ قَرِينَةٌ عَلى افْتِراسِ الذِّئْبِ لَهُ، ولَكِنَّ يَعْقُوبَ أبْطَلَ قَرِينَتَهم هَذِهِ بِقَرِينَةٍ أقْوى مِنها، وهي عَدَمُ شَقِّ القَمِيصِ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! مَتى كانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا كَيِّسًا يَقْتُلُ يُوسُفَ ولا يَشُقُّ قَمِيصَهُ؛ ولِذا صَرَّحَ بِتَكْذِيبِهِ لَهم في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] .
وَهَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ أصْلٌ في الحُكْمِ بِالقَرائِنِ.
وَمِن أمْثِلَةِ الحُكْمِ بِالقَرِينَةِ: الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ مِن غَيْرِ أنْ يَراها سابِقًا، فَتَزُفُّها إلَيْهِ ولائِدُ لا يَثْبُتُ بِشَهادَتِهِنَّ أنَّ هَذِهِ هي فُلانَةٌ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها العَقْدُ، فَيَجُوزُ لَهُ جِماعُها مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلى عَيْنِها أنَّها هي الَّتِي وقَعَ العَقْدُ عَلَيْها، اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ النِّكاحِ.
وَكالرَّجُلِ يَنْزِلُ ضَيْفًا عِنْدَ قَوْمٍ، فَتَأْتِيهِ الوَلِيدَةُ أوِ الغُلامُ بِالطَّعامِ، فَيَجُوزُ لَهُ الأكْلُ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى ما يُثْبِتُ إذْنَ مالِكِ الطَّعامِ لَهُ في الأكْلِ، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ.
وَكَقَوْلِ مالِكٍ ومَن وافَقَهُ: إنَّ مَن شُمَّ في فِيهِ رِيحُ الخَمْرِ يُحَدُّ حَدَّ الشّارِبِ، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ؛ لِأنَّ وُجُودَ رِيحِها في فِيهِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ شَرِبَها، وكَمَسائِلَ اللَّوْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ المائِدَةِ صِحَّةَ الِاحْتِجاجِ بِمِثْلِ هَذِهِ القَرائِنِ، وأوْضَحْنا بِالأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ، أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا الثّابِتَ بِشَرْعِنا شَرْعٌ لَنا، إلّا بِدَلِيلٍ عَلى النَّسْخِ غايَةَ الإيضاحِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ . [يوسف: ١٨]
اسْتَدَلَّ الفُقَهاءُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إعْمالِ الأماراتِ في مَسائِلَ مِنَ الفِقْهِ، كالقَسامَةِ وغَيْرِها، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَدَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ القَمِيصِ.
وَهَكَذا يَجِبُ عَلى النّاظِرِ أنْ يَلْحَظَ الأماراتِ والعَلاماتِ إذا تَعارَضَتْ، فَما تَرَجَّحَ مِنها قَضى بِجانِبِ التَّرْجِيحِ، وهي قُوَّةُ التُّهْمَةِ، ولا خِلافَ في الحُكْمِ بِها، قالَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. اهـ كَلامُ القُرْطُبِيِّ.
(p-٢١٧)واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الشّاهِدِ في قَوْلِهِ: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ [يوسف: ٢٦] .
فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو صَبِيٌّ في المَهْدِ، ومِمَّنْ قالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ رَجُلٌ ذُو لِحْيَةٍ، ونَحْوَهُ عَنِ الحَسَنِ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ ابْنُ عَمٍّ لَها كانَ حَكِيمًا، ونَحْوَهُ عَنْ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ.
وَعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ لَيْسَ بِإنْسِيٍّ، ولا جانٍّ، هو خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: قَوْلُ مُجاهِدٍ هَذا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: مِن أهْلِها [يوسف: ٢٦]؛ لِأنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ إنْسِيٌّ مِن أهْلِ المَرْأةِ. وأظْهَرُ الأقْوالِ: أنَّهُ صَبِيٌّ، لِما رَواهُ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ وهم صِغارٌ: ابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ» اهـ.
يوسف 12:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ إذا ضُمَّتْ لَها آيَةٌ أُخْرى حَصَلَ بِذَلِكَ بَيانُ أنَّ كَيْدَ النِّساءِ أعْظَمُ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ، والآيَةُ المَذْكُورَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ في النِّساءِ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، وقَوْلَهُ في الشَّيْطانِ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، يَدُلُّ عَلى أنَّ كَيْدَهُنَّ أعْظَمُ مِن كَيْدِهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ مُقاتِلٌ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ كَيْدَ النِّساءِ أعْظَمُ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ»؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾، وقالَ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ا هـ.
وَقالَ الأدِيبُ الحَسَنُ بْنُ آيَةٍ الحَسَنِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ:
؎ما اسْتَعْظَمَ الإلَهُ كَيْدَهُنَّهْ إلّا لِأنَّهُنَّ هُنَّ هُنَّهْ
يوسف 12:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ .
بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَناءَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةِ عَلى يُوسُفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ فِيما بَيْنَهُنَّ، ثُمَّ بَيَّنَ اعْتِرافَهُنَّ بِذَلِكَ عِنْدَ سُؤالِ المَلِكِ لَهُنَّ أمامَ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٥١] .
يوسف 12:100
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٠٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ يُوسُفَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى أنَّ بَعْضَ الأنْبِياءِ رُبَّما بُعِثَ مِنَ البادِيَةِ، وقَدْ جاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] .
وَأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأجْوِبَةٍ: مِنها أنَّ يَعْقُوبَ نُبِّئَ مِنَ الحَضَرِ، ثُمَّ انْتَقَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى البادِيَةِ.
وَمِنها أنَّ المُرادَ بِالبَدْوِ نُزُولُ مَوْضِعٍ اسْمُهُ بَدا، هو المَذْكُورُ في قَوْلِ جَمِيلٍ أوْ كُثَيِّرٍ:
؎وَأنْتَ الَّذِي حَبَّبْتَ شَغْبًا إلى بَدا إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما
؎حَلَلْتُ بِهَذا مَرَّةً ثُمَّ مَرَّةً ∗∗∗ بِهَذا فَطابَ الوادِيانِ كِلاهُما
وَهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا يَخْفى بَعْدَ هَذا القَوْلِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
وَمِنها أنَّ البَدْوَ الَّذِي جاءُوا مِنهُ مُسْتَنِدٌ لِلْحَضَرِ، فَهو في حُكْمِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
يوسف 12:102
(p-٢١٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمَرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي أجْمَعُوا أمْرَهم عَلَيْهِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا أيْضًا المُرادَ بِمَكْرِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِي أجْمَعُوا أمْرَهم عَلَيْهِ هو جَعْلُهُ في غَيابَةِ الجُبِّ، وأنَّ مَكْرَهم هو ما فَعَلُوهُ بِأبِيهِمْ يَعْقُوبَ وأخِيهِمْ يُوسُفَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] .
وَقَدْ أشارَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا ﷺ؛ لِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنَ، وفَصَّلَ لَهُ هَذِهِ القِصَّةَ، مَعَ أنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا لَدى أوْلادِ يَعْقُوبَ حِينَ أجْمَعُوا أمَرَهم عَلى المَكْرِ بِهِ، وجَعْلِهِ في غَيابَةِ الجُبِّ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ ذَلِكَ ما عَرَفَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
والآياتُ المُشِيرَةُ لِإثْباتِ رِسالَتِهِ، بِدَلِيلِ إخْبارِهِ بِالقِصَصِ الماضِيَةِ الَّتِي لا يُمْكِنُهُ عِلْمُ حَقائِقِها إلّا عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٤] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٤٤] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٤٥] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٤٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلَإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص: ٦٩، ٧٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ الآيَةَ [هود: ٤٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فَهَذِهِ الآياتُ مِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ ﷺ رَسُولٌ كَرِيمٌ، وإنْ كانَتِ المُعْجِزاتُ الباهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ أكْثَرَ مِنَ الحَصْرِ.
يوسف 12:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ، وهُمُ الكُفّارُ ما كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بِتَوْحِيدِهِمْ لَهُ في رُبُوبِيَّتِهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ.
فالمُرادُ بِإيمانِهِمُ اعْتِرافُهم بِأنَّهُ رَبُّهُمُ الَّذِي هو خالِقُهم، ومُدَبِّرُ شُئُونِهِمْ، والمُرادُ بِشِرْكِهِمْ عِبادَتُهم غَيْرَهُ مَعَهُ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ جِدًّا،
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ (p-٢١٩)[يونس: ٣١]،
• وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٨]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمَعَ هَذا فَإنَّهم قالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] .
وَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ لا يُنْقِذُ مِنَ الكُفْرِ إلّا إذا كانَ مَعَهُ تَوْحِيدُ العِبادَةِ، أيْ عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إشْكالٌ: وهو أنَّ المُقَرَّرَ في عِلْمِ البَلاغَةِ أنَّ الحالَ قَيْدٌ لِعامِلِها وصْفٌ لِصاحِبِها، وعَلَيْهِ فَإنَّ عامِلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ الَّذِي هو ”يُؤْمِنُ“ مُقَيَّدٌ بِها، فَيَصِيرُ المَعْنى تَقْيِيدُ إيمانِهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ، وهو مُشْكِلٌ لِما بَيْنَ الإيمانِ والشِّرْكِ مِنَ المُنافاةِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ أرَ مَن شَفى الغَلِيلَ في هَذا الإشْكالِ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ هَذا الإيمانَ المُقَيَّدَ بِحالِ الشِّرْكِ إنَّما هو إيمانٌ لُغَوِيٌّ لا شَرْعِيٌّ؛ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الإيمانِ البَتَّةَ شَرْعًا.
أمّا الإيمانُ اللُّغَوِيُّ فَهو يَشْمَلُ كُلَّ تَصْدِيقٍ، فَتَصْدِيقُ الكافِرِ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ الرّازِقُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الإيمانِ لُغَةً مَعَ كُفْرِهِ بِاللَّهِ، ولا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الإيمانِ شَرْعًا.
وَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ أنَّ الإيمانَ اللُّغَوِيَّ يُجامِعُ الشِّرْكَ فَلا إشْكالَ في تَقْيِيدِهِ بِهِ، وكَذَلِكَ الإسْلامُ المَوْجُودُ دُونَ الإيمانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، فَهو الإسْلامُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّ الإسْلامَ الشَّرْعِيَّ لا يُوجَدُ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلِ الإيمانُ في قَلْبِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
(p-٢٢٠)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: " نَزَلَتْ آيَةُ ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، في قَوْلِ الكُفّارِ في تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وهو راجِعٌ إلى ما ذَكَرْنا.
يوسف 12:111
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ .
ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ في أخْبارِ المُرْسَلِينَ مَعَ أُمَمِهِمْ، وكَيْفَ نَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وأهْلَكَ الكافِرِينَ - عِبْرَةً لِأُولِي الألْبابِ، أيْ عِظَةً لِأهْلِ العُقُولِ.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧]، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مِرارًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الرعد 13:2
(p-٢٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرَّعْدِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ .
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ السَّماءَ مَرْفُوعَةٌ عَلى عَمَدٍ، ولَكِنَّنا لا نَراها، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ أيْضًا في أوَّلِ سُورَةِ ”لُقْمانَ“: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠] .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: تَرَوْنَها عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما أنَّ لَها عَمَدًا ولَكِنَّنا لا نَراها، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُ واحِدٍ، كَما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وَرُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا أنَّ المَعْنى أنَّها مَرْفُوعَةٌ بِلا عَمَدٍ أصْلًا، وهو قَوْلُ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ، وهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَصْرِيحُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الحَجِّ“ أنَّهُ هو الَّذِي يُمْسِكُها أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: تَرَوْنَها تَأْكِيدًا لِنَفْيِ ذَلِكَ، أيْ هي مَرْفُوعَةٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ كَما تَرَوْنَها كَذَلِكَ، وهَذا هو الأكْمَلُ في القُدْرَةِ اهـ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ مِن قَبِيلِ السّالِبَةِ لا تَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ، والمُرادُ أنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ اتِّصافِ المَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالمَحْكُومِ بِهِ، وذَلِكَ صادِقٌ بِصُورَتَيْنِ:
الأُولى: أنْ يَكُونَ المَحْكُومُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا، ولَكِنَّ المَحْكُومَ بِهِ مُنْتَفٍ عَنْهُ، كَقَوْلِكَ لَيْسَ الإنْسانُ بِحَجَرٍ، فالإنْسانُ مَوْجُودٌ والحَجَرِيَّةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ.
الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ المَحْكُومُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَوْجُودٍ فَيُعْلَمَ مِنهُ انْتِفاءُ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الأمْرِ المَوْجُودِيِّ، وهَذا النَّوْعُ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، كَما أوْضَحْناهُ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، ومِثالُهُ في اللُّغَةِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ إذا سافَهُ العَوْدُ النُّباطِيُّ جَرْجَرا
(p-٢٢٢)أيْ لا مَنارَ لَهُ أصْلًا حَتّى يَهْتَدِيَ بِهِ، وقَوْلُهُ:
؎لا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُها ∗∗∗ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
يَعْنِي: لا أرانِبَ فِيها ولا ضِبابَ.
وَعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾، أيْ: لا عَمَدَ لَها حَتّى تَرَوْها، والعَمَدُ: جَمْعُ عَمُودٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ:
؎وَخَيِّسِ الجِنِّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ
والصُّفّاحُ بِالضَّمِّ والتَّشْدِيدِ: الحَجَرُ العَرِيضُ.
الرعد 13:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ الآيَةَ.
المُرادُ بِالسَّيِّئَةِ هُنا: العُقُوبَةُ وإنْزالُ العَذابِ ﴿قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيْ: قَبْلَ العافِيَةِ، وقَبْلَ الإيمانِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ يَطْلُبُونَ مِنهُ ﷺ أنَّ يُعَجِّلَ لَهُمُ العَذابَ الَّذِي يُخَوِّفُهم بِهِ إنْ تَمادَوْا عَلى الكُفْرِ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧]،
• وكَقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣]،
• وكَقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ١، ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَسَبَبُ طَلَبِهِمْ لِتَعْجِيلِ العَذابِ هو العِنادُ، وزَعْمُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كاذِبٌ فِيما يُخَوِّفُهم بِهِ مِن بَأْسِ اللَّهِ وعِقابِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢]، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى هَذا.
والمَثُلاثُ: العُقُوباتُ، واحِدَتُها مَثُلَةٌ.
(p-٢٢٣)والمَعْنى: أنَّهم يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَ العَذابِ تَمَرُّدًا وطُغْيانًا، ولَمْ يَتَّعِظُوا بِما أوْقَعَ اللَّهُ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِنَ المَثُلاثِ - أيِ العُقُوباتِ - كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ صالِحٍ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ، وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، وأنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ، فَجَمَعَ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ لِيَعْظُمَ رَجاءُ النّاسِ في فَضْلِهِ، ويَشْتَدَّ خَوْفُهم مِن عِقابِهِ وعَذابِهِ الشَّدِيدِ؛ لِأنَّ مَطامِعَ العُقَلاءِ مَحْصُورَةٌ في جَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ، فاجْتِماعُ الخَوْفِ والطَّمَعِ أدْعى لِلطّاعَةِ وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ ٦ \ ١٥٦ و ٧ \ ١٦٧ ]،
• وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]،
وقَوْلِهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الرعد 13:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾، أيْ: إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ والإنْذارُ، أمّا هُداهم وتَوْفِيقُهم فَهو بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، كَما أنَّ حِسابَهم عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا.
وَقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ .
أظْهَرُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ الأُمَّةُ، والمُرادَ بِالهادِي الرَّسُولُ، كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ الآيَةَ [يونس: ٤٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٦]، وقَدْ أوْضَحْنا أقْوالَ العُلَماءِ وأدِلَّتَها في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرَّعْدِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها التَّصْرِيحُ بِأنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ هادِيًا، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الأقْوامِ لَمْ يَكُنْ لَهم هادٍ، سَواءٌ فَسَّرْنا الهُدى بِمَعْناهُ الخاصِّ أوْ بِمَعْناهُ العامِّ، فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ لَمْ يَكُنْ لَهم هادٍ بِالمَعْنى الخاصِّ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام: ١١٦]، فَهَؤُلاءِ المُضِلُّونَ لَمْ يَهْدِهِمْ هادٍ الهُدى الخاصَّ، الَّذِي هو التَّوْفِيقُ، لِما يُرْضِي اللَّهَ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأقْوامِ لَمْ يَكُنْ لَهم هادٍ بِالمَعْنى العامِّ، الَّذِي هو إبانَةُ الطَّرِيقِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]، بِناءً عَلى التَّحْقِيقِ مِن أنَّ ”ما“ نافِيَةٌ لا مَوْصُولَةٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٩] .
فالَّذِينَ ماتُوا في هَذا الفَتْرَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهم هادٍ بِالمَعْنى الأعَمِّ أيْضًا.
والجَوابُ عَنْ هَذا مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أيْ داعٍ يَدْعُوهم ويُرْشِدُهم إمّا إلى خَيْرٍ كالأنْبِياءِ، وإمّا إلى شَرٍّ كالشَّياطِينِ، أيْ وأنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ مُنْذِرٌ هادٍ إلى كُلِّ خَيْرٍ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ اسْتِعْمالُ الهُدى في الإرْشادِ إلى الشَّرِّ أيْضًا
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (p-٣١١)[الحج: ٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨]، كَما جاءَ في القُرْآنِ أيْضًا إطْلاقُ الإمامِ عَلى الدّاعِي إلى الشَّرِّ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٤١] .
الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ، أنْتَ يا مُحَمَّدُ ﷺ مُنْذِرٌ، وأنا هادِي كُلِّ قَوْمٍ، ويُرْوى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ وعَنْ مُحَمَّدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ وغَيْرِ واحِدٍ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ جَلَّ وعَلا، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، يَعْنِي نَفْسَهُ، كَما قالَهُ قَتادَةُ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ قَتادَةَ بْنِ سَلَمَةَ الحَنَفِيِّ:
؎وَلَئِنْ بَقِيتُ لَأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ تَحْوِي الغَنائِمَ أوْ يَمُوتُ كَرِيمُ
يَعْنِي نَفْسَهُ.
وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ هَذا المَبْحَثِ إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ ”القارِعَةِ“، وتَحْرِيرُ المَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ مُنْذِرٌ وأنا هادِي كُلِّ قَوْمٍ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ والهُدى في عِلْمِي، لِدَلالَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ عَلى أنَّهُ تَعالى هَدى قَوْمًا وأضَلَّ آخَرِينَ، عَلى وفْقِ ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ الأزَلِيُّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] .
الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أيْ قائِدٌ، والقائِدُ الإمامُ، والإمامُ العَمَلُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى: ولِكُلِّ قَوْمٍ عَمَلٌ يَهْدِيهِمْ إلى ما هم صائِرُونَ إلَيْهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، ويَدُلُّ لِمَعْنى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠]، عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأها بِتائَيْنِ بِمَعْنى تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَعْنى: ”تَتْلُو“، تَقْرَأُ في كِتابِ عَمَلِها ما قَدَّمَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ (p-٣١٢)فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ. ويَدُلُّ لَهُ أيْضًا حَدِيثُ: «لِتَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَتْ تَعْبُدُ، فَيَتْبَعُ مَن كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، ويَتْبَعُ مَن كانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، ويَتْبَعُ مَن كانَ يَعْبُدُ الطَّواغِيتَ الطَّواغِيتَ» الحَدِيثَ.
الرّابِعُ: وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: إنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ الأُمَّةُ والمُرادَ بِالهادِي النَّبِيُّ، فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أيْ ولِكُلِّ أُمَّةٍ نَبِيٌّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧] .
وَكَثِيرًا ما يُطْلَقُ في القُرْآنِ اسْمُ القَوْمِ عَلى الأُمَّةِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ﴾ [الأعراف: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ ياقَوْمِ﴾ [الأعراف: ٧٣]،
ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالمُرادُ بِالقَوْمِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أعَمُّ مِن مُطْلَقِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ القَوْمِ لُغَةً، ومِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ حَدِيثُ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ القُشَيْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في السُّنَنِ والمَسانِيدِ: «أنْتُمْ تُوَفُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً» الحَدِيثَ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ القَوْمِ لُغَةً أكْثَرُ مِن سَبْعِينَ بِأضْعافٍ، وحاصِلُ هَذا الوَجْهِ الرّابِعِ أنَّ الآيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ لِحَصْرِ الأُمَمِ في سَبْعِينَ، كَما بَيَّنَ في الحَدِيثِ، فَآباءُ القَوْمِ الَّذِينَ لَمْ يُنْذَرُوا مَثَلًا المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]، لَيْسُوا أُمَّةً مُسْتَقِلَّةً حَتّى يَرِدَ الإشْكالُ في عَدَمِ إنْذارِهِمْ، مَعَ قَوْلِهِ: «وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ» بَلْ هم بَعْضُ أُمَّةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ لا يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١]، لِأنَّ المَعْنى أرْسَلْنا إلى جَمِيعِ القُرى، بَلْ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ رَسُولًا واحِدًا، هو مُحَمَّدٌ ﷺ، مَعَ أنّا لَوْ شِئْنا أرْسَلْنا إلى كُلِّ قَرْيَةٍ بِانْفِرادِها رَسُولًا، ولَكِنْ لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ لِيَكُونَ الإرْسالُ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ فِيهِ الإظْهارُ لِفَضْلِهِ ﷺ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، بِإعْطائِهِ ما لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
كَما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ في الصَّحِيحِ مِن أنَّ عُمُومَ رِسالَتِهِ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ، مِمّا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ.
(p-٣١٣)وَأقْرَبُ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ عِنْدَنا، هو ما يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ العَظِيمُ وهو الوَجْهُ الرّابِعُ، وهو أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾، أيْ لِكُلِّ أُمَّةِ نَبِيٌّ، فَلَسْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ.
وَوَجْهُ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلى هَذا كَثْرَةُ إتْيانِ مِثْلِهِ في الآياتِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ وعَلَيْهِ فالحِكْمَةُ في الإخْبارِ بِأنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ نَبِيًّا أنَّ المُشْرِكِينَ عَجِبُوا مِن إرْسالِهِ ﷺ إلَيْهِمْ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى
• بِقَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ فَأخْبَرَهم أنَّ إنْذارَهُ لَهم لَيْسَ بِعَجَبٍ ولا غَرِيبٍ لِأنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مُنْذِرًا، فالآيَةُ
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]،
والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الرعد 13:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ .
لَفْظَةُ ”ما“ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَعْلَمُ الَّذِي تَحْمِلُهُ كُلُّ أُنْثى. وعَلى هَذا فالمَعْنى: يَعْلَمُ ما تَحْمِلُهُ مِنَ الوَلَدِ عَلى أيِّ حالٍ هو مِن ذُكُورَةٍ، وأُنُوثَةٍ، وخِداجٍ، وحُسْنٍ، وقُبْحٍ، (p-٢٢٤)وَطُولٍ، وقِصَرٍ، وسَعادَةٍ، وشَقاوَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ.
وَقَدْ دَلَّتْ عَلى هَذا المَعْنى آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ [لقمان: ٣٤]؛ لِأنَّ ”ما“ فِيهِ مَوْصُولَةٌ بِلا نِزاعٍ، وكَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٦] .
وَيُحْتَمَلُ أيْضًا: أنْ تَكُونَ لَفْظَةَ ”ما“ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَصْدَرِيَّةً، أيْ يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أُنْثى بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ تَدُلُّ أيْضًا عَلى هَذا المَعْنى، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٧] .
وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ قَدْ يَكُونُ لَها وجْهانِ كِلاهُما حَقٌّ، وكِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، فَنَذْكُرُ الجَمِيعَ.
وَأمّا احْتِمالُ كَوْنِ لَفْظَةِ ”ما“ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِفْهامِيَّةً، فَهو بَعِيدٌ فِيما يَظْهَرُ لِي، وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلى أنَّ عِلْمَ ما في الأرْحامِ المَنصُوصَ عَلَيْهِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وذَلِكَ هو ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن أنَّ المُرادَ بِمَفاتِحِ الغَيْبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] الخَمْسُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، والِاحْتِمالانِ المَذْكُورانِ في لَفْظَةِ ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٨] جارِيانِ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ [الرعد: ٨] فَعَلى كَوْنِها مَوْصُولَةً فِيهِما، فالمَعْنى يَعْلَمُ الَّذِي تَنْقُصُهُ وتَزِيدُهُ، وعَلى كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً، فالمَعْنى يَعْلَمُ نَقْصَها وزِيادَتَها.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ [الرعد: ٨]، وهَذِهِ أقْوالُهم في الآيَةِ بِواسِطَةِ نَقْلِ ”صاحِبِ الدُّرِّ المَنثُورِ في التَّفْسِيرِ بِالمَأْثُورِ“: أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾، قالَ: ”هي المَرْأةُ تَرى الدَّمَ في حَمْلِها“ .
(p-٢٢٥)وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾، قالَ: ”خُرُوجُ الدَّمِ“ وما تَزْدادُ، قالَ: ”اسْتِمْساكُهُ“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾، قالَ: ”أنْ تَرى الدَّمَ في حَمْلِها“ وما تَزْدادُ، قالَ: ”في التِّسْعَةِ الأشْهُرِ“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾، قالَ: ”ما تَزْدادُ عَلى التِّسْعَةِ وما تَنْقُصُ مِنَ التِّسْعَةِ“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾، قالَ: ”ما دُونَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ وما تَزْدادُ فَوْقَ التِّسْعَةِ“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾، يَعْنِي: ”السِّقْطَ“، وما تَزْدادُ، يَقُولُ: ”ما زادَتْ في الحَمْلِ عَلى ما غاضَتْ حَتّى ولَدَتْهُ تَمامًا، وذَلِكَ أنَّ مِنَ النِّساءِ مَن تَحْمِلُ عَشَرَةَ أشْهُرٍ، ومِنهُنَّ مَن تَحْمِلُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ، ومِنهُنَّ مَن تَزِيدُ في الحَمْلِ، ومِنهُنَّ مَن تَنْقُصُ، فَذَلِكَ الغَيْضُ، والزِّيادَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى، وكُلُّ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ تَعالى“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: ”ما دُونَ التِّسْعَةِ أشْهُرٍ فَهو غَيْضٌ وما فَوْقَها فَهو زِيادَةٌ“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ”ما غاضَ الرَّحِمُ بِالدَّمِ يَوْمًا إلّا زادَ في الحَمْلِ يَوْمًا حَتّى تُكْمِلَ تِسْعَةَ أشْهُرٍ طاهِرًا“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾، قالَ: ”السِّقْطُ“ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في الآيَةِ، قالَ: ”إذا رَأتِ الدَّمَ هَشَّ الوَلَدُ وإذا لَمْ تَرَ الدَّمَ عَظُمَ الوَلَدُ“ اهـ. مِن ”الدُّرِّ المَنثُورِ في التَّفْسِيرِ بِالمَأْثُورِ“ .
(p-٢٢٦)وَقِيلَ: الغَيْضُ والزِّيادَةُ يَرْجِعانِ إلى الوَلَدِ، كَنُقْصانِ إصْبُعٍ وغَيْرِها، وزِيادَةِ إصْبُعٍ وغَيْرِها.
وَقِيلَ: الغَيْضُ: انْقِطاعُ دَمِ الحَيْضِ، وما تَزْدادُ: بِدَمِ النِّفاسِ بَعْدَ الوَضْعِ.
ذَكَرَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ القُرْطُبِيُّ.
وَقِيلَ: تَغِيضُ: تَشْتَمِلُ عَلى واحِدٍ، وتَزْدادُ: تَشْتَمِلُ عَلى تَوْأمَيْنِ فَأكْثَرَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: مَرْجِعُ هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما تَنْقُصُهُ الأرْحامُ وما تَزِيدُهُ؛ لِأنَّ مَعْنى تَغِيضُ: تَنْقُصُ، وتَزْدادُ، أيْ: تَأْخُذُهُ زائِدًا، فَيَشْمَلُ النَّقْصَ المَذْكُورَ: نَقْصَ العَدَدِ، ونَقْصَ العُضْوِ مِنَ الجَنِينِ، ونَقْصَ جِسْمِهِ إذا حاضَتْ عَلَيْهِ فَتَقَلَّصَ، ونَقْصَ مُدَّةِ الحَمْلِ بِأنْ تُسْقِطَهُ قَبْلَ أمَدِ حَمْلِهِ المُعْتادِ، كَما أنَّ الِازْدِيادَ يَشْمَلُ: زِيادَةَ العُضْوِ، وزِيادَةَ العَدَدِ، وزِيادَةَ جِسْمِ الجَنِينِ إنْ لَمْ تَحِضْ وهي حامِلٌ، وزِيادَةَ أمَدِ الحَمْلِ عَنِ القَدْرِ المُعْتادِ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ والآيَةُ تَشْمَلُهُ كُلَّهُ.
* *
تَنْبِيهٌ
أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أقَلَّ أمَدِ الحَمْلِ وأكْثَرَهُ، وأقَلَّ أمَدِ الحَيْضِ وأكْثَرَهُ، مَأْخُوذٌ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّ اللَّهَ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ الآيَةَ.
وَلا يَجُوزُ أنْ يُحْكَمَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا بِقَدْرِ ما أظْهَرَهُ اللَّهُ لَنا ووُجِدَ ظاهِرًا في النِّساءِ نادِرًا، أوْ مُعْتادًا، وسَنَذْكُرُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أقْوالَ العُلَماءِ في أقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِهِ، وأقَلِّ الحَيْضِ وأكْثَرِهِ، ونُرَجِّحُ ما يَظْهَرُ رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ.
فَنَقُولُ وبِاللَّهِ تَعالى نَسْتَعِينُ:
اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ أقَلَّ أمَدِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وسَيَأْتِي بَيانُ أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، إنْ ضَمَمْتَ إلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، بَقِيَ عَنْ مُدَّةِ الفِصال مِنَ الثَّلاثِينَ شَهْرًا لِمُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها أمَدٌ لِلْحَمْلِ يُولَدُ فِيهِ الجَنِينُ كامِلًا كَما يَأْتِي إيضاحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَقَدْ وُلِدَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، وهَذِهِ الأشْهُرُ السِّتَّةُ بِالأهِلَّةِ، كَسائِرِ أشْهُرِ الشَّرِيعَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٩] .
قالَ القُرْطُبِيُّ: ”وَلِذَلِكَ قَدْ رُوِيَ في المَذْهَبِ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ وأظُنُّهُ في كِتابِ (p-٢٢٧)ابْنِ حارِثٍ أنَّهُ إنْ نَقَصَ عَنِ الأشْهُرِ السِّتَّةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَإنَّ الوَلَدَ يُلْحَقُ لِعِلَّةِ نَقْصِ الأشْهُرِ وزِيادَتِها. حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. اهـ“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى اعْلَمْ أنَّ الشَّهْرَ المَعْدُودَ مِن أوَّلِهِ يُعْتَبَرُ عَلى حالِهِ مِن كَمالٍ أوْ نُقْصانٍ، وأنَّ المُنْكَسِرَ يُتَمَّمُ ثَلاثِينَ، أمّا أكْثَرُ أمَدِ الحَمْلِ فَلَمْ يَرِدْ في تَحْدِيدِهِ شَيْءٌ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ، والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، وكُلُّهم يَقُولُ بِحَسَبِ ما ظَهَرَ لَهُ مِن أحْوالِ النِّساءِ.
فَذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ إلى أنَّ أقْصى أمَدِ الحَمْلِ: أرْبَعُ سِنِينَ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ المَشْهُورَتَيْنِ عَنْ مالِكٍ، والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ الأُخْرى عَنْ مالِكٍ: خَمْسُ سِنِينَ، وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ أقْصاهُ: سَنَتانِ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، وهو مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وبِهِ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وعَنِ اللَّيْثِ: ثَلاثُ سِنِينَ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ: سِتٌّ، وسَبْعٌ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَكَمِ: سَنَةٌ لا أكْثَرَ، وعَنْ داوُدَ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ.
وَقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هَذِهِ مَسْألَةٌ لا أصْلَ لَها إلّا الِاجْتِهادُ والرَّدُّ إلى ما عُرِفَ مِن أمْرِ النِّساءِ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: ”رَوى الدّارَقُطْنِيُّ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قالَ: قُلْتُ لِمالِكِ بْنِ أنَسٍ: إنِّي حُدِّثْتُ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: لا تَزِيدُ المَرْأةُ في حَمْلِها عَلى سَنَتَيْنِ قَدْرَ ظِلِّ المِغْزَلِ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ مَن يَقُولُ هَذا ؟ ! هَذِهِ جارَتُنا امْرَأةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ تَحْمِلُ وتَضَعُ في أرْبَعِ سِنِينَ، وكانَتْ تُسَمّى حامِلَةَ الفِيلِ“ .
وَرُوِيَ أيْضًا: بَيْنَما مالِكُ بْنُ دِينارٍ يَوْمًا جالِسٌ إذْ جاءَهُ رَجُلٌ، فَقالَ: ”يا أبا يَحْيى، ادْعُ لِامْرَأتِي حُبْلى مُنْذُ أرْبَعِ سِنِينَ ! قَدْ أصْبَحَتْ في كَرْبٍ شَدِيدٍ“، فَغَضِبَ مالِكٌ وأطْبَقَ المُصْحَفَ، ثُمَّ قالَ:
”ما يَرى هَؤُلاءِ القَوْمُ إلّا أنّا أنْبِياءُ“، ثُمَّ قَرَأ، ثُمَّ دَعا، ثُمَّ قالَ: ”اللَّهُمَّ هَذِهِ المَرْأةُ إنْ كانَ في بَطْنِها رِيحٌ فَأخْرِجْهُ عَنْها، وإنْ كانَ في بَطْنِها جارِيَةٌ فَأبْدِلْها غُلامًا، فَإنَّكَ تَمْحُو وتُثْبِتُ وعِنْدَكَ أُمُّ الكِتابِ“، ورَفَعَ مالِكٌ يَدَهُ، ورَفَعَ النّاسُ أيْدِيَهم، وجاءَ الرَّسُولُ إلى الرَّجُلِ، فَقالَ: أدْرِكِ امْرَأتَكَ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَما حَطَّ مالِكٌ يَدَهُ حَتّى طَلَعَ الرَّجُلُ مِن بابِ المَسْجِدِ عَلى رَقَبَتِهِ غُلامٌ جَعْدٌ قَطَطٌ ابْنُ أرْبَعِ سِنِينَ قَدِ اسْتَوَتْ أسْنانُهُ ما قُطِعَتْ سِرارُهُ.
وَرُوِيَ أيْضًا: أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: ”يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنِّي غِبْتُ عَنِ امْرَأتِي سَنَتَيْنِ فَجِئْتُ وهي حُبْلى“، فَشاوَرَ عُمَرُ النّاسَ في رَجْمِها، فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنْ كانَ لَكَ عَلَيْها سَبِيلٌ فَلَيْسَ لَكَ (p-٢٢٨)عَلى ما في بَطْنِها سَبِيلٌ فاتْرُكْها حَتّى تَضَعَ“، فَتَرَكَها فَوَضَعَتْ غُلامًا قَدْ خَرَجَتْ ثَنِيَّتاهُ فَعَرَفَ الرَّجُلُ الشَّبَهَ، فَقالَ: ”ابْنِي ورَبِّ الكَعْبَةِ“، فَقالَ عُمَرُ: ”عَجَزَتِ النِّساءُ أنْ يَلِدْنَ مِثْلَ مُعاذٍ، لَوْلا مُعاذُ لَهَلَكَ عُمَرُ“ .
وَقالَ الضَّحّاكُ: ”وَضَعَتْنِي أُمِّي وقَدْ حَمَلَتْ بِي في بَطْنِها سَنَتَيْنِ، فَوَلَدَتْنِي وقَدْ خَرَجَتْ سِنِّي“ .
وَيُذْكَرُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ حُمِلَ بِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ سَنَتَيْنِ وقِيلَ: ثَلاثَ سِنِينَ، ويُقالُ: إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلانَ مَكَثَ في بَطْنِ أُمِّهِ ثَلاثَ سِنِينَ، فَماتَتْ بِهِ وهو يَضْطَرِبُ اضْطِرابًا شَدِيدًا، فَشُقَّ بَطْنُها وأُخْرِجَ وقَدْ نَبَتَتْ أسْنانُهُ، وقالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: إنَّما سُمِّيَ هَرِمُ بْنُ حَيّانَ هَرِمًا؛ لِأنَّهُ بَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعَ سِنِينَ.
وَذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ أنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ وقَدْ طَلَعَتْ سِنُّهُ؛ فَسُمِّيَ ضَحّاكًا.
وَعَنْ عَبّادِ بْنِ العَوّامِ، قالَ: ”وَلَدَتْ جارَةٌ لَنا لِأرْبَعِ سِنِينَ غُلامًا شَعْرُهُ إلى مَنكِبَيْهِ، فَمَرَّ بِهِ طَيْرٌ فَقالَ لَهُ: كَشَّ“ . اهـ كَلامُ القُرْطُبِيِّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا أنَّهُ لا حَدَّ لِأكْثَرِ أمَدِ الحَمْلِ، وهو الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ عَنْ مالِكٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ؛ لِأنَّ كُلَّ تَحْدِيدٍ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ لا أصْلَ لَهُ ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وتَحْدِيدُ زَمَنٍ بِلا مُسْتَنَدٍ صَحِيحٍ لا يَخْفى سُقُوطُهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَأمّا أقَلُّ الحَيْضِ وأكْثَرُهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ أيْضًا، فَذَهَبَ مالِكٌ إلى أنَّ أقَلَّ الحَيْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادَةِ كالصَّوْمِ ووُجُوبِ الغُسْلِ لا حَدَّ لَهُ، بَلْ لَوْ نَزَلَتْ مِنَ المَرْأةِ قَطْرَةُ دَمٍ واحِدَةٌ لَكانَتْ حَيْضَةً بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادَةِ، أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِبْراءِ والعِدَّةِ، فَقِيلَ كَذَلِكَ أيْضًا، والمَشْهُورُ أنَّهُ يُرْجَعُ في قَدْرِ ذَلِكَ لِلنِّساءِ العارِفاتِ بِالقَدْرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ مِنَ الحَيْضِ، قالَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ في مُخْتَصَرِهِ الَّذِي قالَ فِيهِ مُبَيِّنًا لِما بِهِ الفَتْوى: ورُجِعَ في قَدْرِ الحَيْضِ هُنا، هَلْ هو يَوْمٌ أوْ بَعْضُهُ إلى قَوْلِهِ لِلنِّساءِ، أيْ: رُجِعَ في ذَلِكَ كُلِّهِ لِلنِّساءِ. اهـ.
والظّاهِرُ أنَّهُ عِنْدَ مالِكٍ مِن قَبِيلِ تَحْقِيقِ المَناطِ، والنِّساءُ أدْرى بِالمَناطِ في ذَلِكَ.
أمّا أكْثَرُ الحَيْضِ عِنْدَ مالِكٍ فَهو بِالنِّسْبَةِ إلى الحَيْضَةِ الأُولى الَّتِي لَمْ تَحِضْ قَبْلَها: نِصْفُ شَهْرٍ، ثُمَّ إنْ تَمادى عَلَيْها الدَّمُ بَعْدَ نِصْفِ الشَّهْرِ فَهي مُسْتَحاضَةٌ، وأمّا المَرْأةُ الَّتِي اعْتادَتِ الحَيْضَ فَأكْثَرُ مُدَّةِ حَيْضِها عِنْدَهُ هو زِيادَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ اسْتِظْهارًا عَلى أكْثَرِ أزْمِنَةِ عادَتِها إنْ تَفاوَتَ زَمَنُ حَيْضِها، فَإنْ حاضَتْ مَرَّةً سِتًّا ومَرَّةً خَمْسًا ومَرَّةً سَبْعًا اسْتَظْهَرَتْ بِالثَّلاثَةِ عَلى (p-٢٢٩)السَّبْعَةِ؛ لِأنَّها أكْثَرُ عادَتِها، ومَحَلُّ هَذا إذا لَمْ يَزِدْ ذَلِكَ عَلى نِصْفِ الشَّهْرِ، فَإنْ زادَ عَلى نِصْفِ الشَّهْرِ فَهي طاهِرٌ عِنْدَ مُضِيِّ نِصْفِ الشَّهْرِ، وكُلُّ هَذا في غَيْرِ الحامِلِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ في هَذا المَبْحَثِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - عَلى الدَّمِ الَّذِي تَراهُ الحامِلُ.
هَذا حاصِلُ مَذْهَبِ مالِكٍ في أقَلِّ الحَيْضِ وأكْثَرِهِ، وأمّا أكْثَرُ الطُّهْرِ فَلا حَدَّ لَهُ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ العُلَماءِ، وأقَلُّ الطُّهْرِ في مَذْهَبِ مالِكٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ مالِكٌ، بَلْ قالَ: يُسْألُ النِّساءُ عَنْ عَدَدِ أيّامِ الطُّهْرِ.
وَقالَ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدٍ في رِسالَتِهِ: إنَّهُ نَحْوُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، أوْ عَشَرَةِ أيّامٍ. وقالَ ابْنُ سِراجٍ: ”يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الفَتْوى بِذَلِكَ“؛ لِأنَّ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ اسْتَقْرَأ ذَلِكَ مِنَ ”المُدَوَّنَةِ“، وهو قَوْلُ سَحْنُونٍ، وقالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: ”أقَلُّ الطُّهْرِ في مَذْهَبِ مالِكٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا“، واعْتَمَدَهُ صاحِبُ ”التَّلْقِينِ“، وجَعَلَهُ ابْنُ شاسٍ المَشْهُورَ، وعَلَيْهِ دَرَجَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ في مُخْتَصَرِهِ؛ حَيْثُ قالَ: وأكْثَرُهُ لِمُبْتَدَئِهِ نِصْفُ شَهْرٍ كَأقَلِّ الطُّهْرِ.
وَذَهَبَ الإمامُ الشّافِعِيُّ، والإمامُ أحْمَدُ - رَحِمَهُما اللَّهُ - في المَشْهُورِ الصَّحِيحِ عَنْهُما: أنَّ أقَلَّ الحَيْضِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، وأكْثَرَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وأبِي ثَوْرٍ، وأقَلُّ الطُّهْرِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ بِاتِّفاقِ أصْحابِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ونَقَلَ الماوَرْدِيُّ عَنْ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ أقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقالَ الثَّوْرِيُّ أقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
قالَ أبُو ثَوْرٍ: وذَلِكَ مِمّا لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فِيما نَعْلَمُ.
وَذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ إلى أنَّ أقَلَّ الطُّهْرِ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ورَوى عَنْهُ ذَلِكَ الأثْرَمُ، وأبُو طالِبٍ، وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ أكْثَرَ الطُّهْرِ لا حَدَّ لَهُ إجْماعًا، قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: ودَلِيلُ الإجْماعِ الِاسْتِقْراءُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ مُشاهَدٌ، ومِن أظْرَفِهِ ما نَقَلَهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ، قالَ: ”أخْبَرَتْنِي امْرَأةٌ عَنْ أُخْتِها أنَّها تَحِيضُ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا ولَيْلَةً وهي صَحِيحَةٌ تَحْبَلُ وتَلِدُ ونِفاسُها أرْبَعُونَ يَوْمًا“ .
وَذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أنَّ أقَلَّ الحَيْضِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وأكْثَرَهُ عَشَرَةٌ. وعَنْ أبِي يُوسُفَ: أقَلُّهُ يَوْمانِ وأكْثَرُ الثّالِثِ. وأقَلُّ الطُّهْرِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ولا حَدَّ لِأكْثَرِهِ عِنْدَهُ، كَما قَدَّمْنا حِكايَةَ الإجْماعِ عَلَيْهِ مِرارًا، ويُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ مُراعاةُ المُعْتادَةِ المُسْتَحاضَةِ لِزَمَنِ طُهْرِها وحَيْضِها.
وَعَنْ يَحْيى بْنِ أكْثَمَ: أقَلُّ الطُّهْرِ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنْ مالِكٍ ثَلاثَ (p-٢٣٠)رِواياتٍ في أكْثَرِ الحَيْضِ، إحْداها: خَمْسَةَ عَشَرَ، والثّانِيَةَ: سَبْعَةَ عَشَرَ، والثّالِثَةَ: غَيْرُ مَحْدُودَةٍ.
وَعَنْ مَكْحُولٍ: أكْثَرُ الحَيْضِ سَبْعَةُ أيّامٍ، وعَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ الماجِشُونِ: أقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةُ أيّامٍ، ويُحْكى عَنْ نِساءِ الماجِشُونِ أنَّهُنَّ كُنْ يَحِضْنَ سَبْعَ عَشْرَةَ، قالَ أحْمَدُ: ”وَأكْثَرُ ما سَمِعْنا سَبْعَ عَشْرَةَ“ .
هَذا حاصِلُ أقْوالِ العُلَماءِ في أقَلِّ الحَيْضِ وأكْثَرِهِ، وهَذِهِ أدِلَّتُهم. أمّا أبُو حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ، فاحْتَجُّوا لِمَذْهَبِهِمْ أنَّ أقَلَّ الحَيْضِ ثَلاثَةٌ وأكْثَرَهُ عَشَرَةٌ بِحَدِيثِ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أقَلُّ الحَيْضِ ثَلاثَةُ أيّامٍ وأكْثَرُهُ عَشَرَةُ أيّامٍ» .
وَبِما رُوِيَ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: «لا يَكُونُ الحَيْضُ أكْثَرَ مِن عَشَرَةِ أيّامٍ ولا أقَلَّ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ» وبِما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «الحَيْضُ ثَلاثٌ، أرْبَعٌ، خَمْسٌ، سِتٌّ، سَبْعٌ، ثَمانٍ، تِسْعٌ، عَشْرٌ»، قالُوا: وأنَسٌ لا يَقُولُ هَذا إلّا تَوْقِيفًا، قالُوا: ولِأنَّ هَذا تَقْدِيرٌ، والتَّقْدِيرُ لا يَصِحُّ إلّا بِتَوْقِيفٍ، أوِ اتِّفاقٍ، وإنَّما حَصَلَ الِاتِّفاقُ عَلى ثَلاثَةٍ، ورَدَّ الجُمْهُورُ الِاسْتِدْلالَ بِالأحادِيثِ المَذْكُورَةِ بِأنَّها ضَعِيفَةٌ لا تَثْبُتُ بِمِثْلِها حُجَّةٌ.
قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ ما نَصُّهُ: ”وَأمّا حَدِيثُ واثِلَةَ، وأبِي أُمامَةَ، وأنَسٍ، فَكُلُّها ضَعِيفَةٌ مُتَّفَقٌ عَلى ضَعْفِها عِنْدَ المُحَدِّثِينَ، وقَدْ أوْضَحَ ضَعْفَها الدّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ“ الخِلافِيّاتِ ”ثُمَّ“ السُّنَنِ الكَبِيرِ " اهـ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: حَدِيثُ واثِلَةَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ الشّامِيُّ وهو ضَعِيفٌ، عَنْ حَمّادِ بْنِ المِنهالِ، وهو مَجْهُولٌ، وحَدِيثُ أنَسٍ يَرْوِيهِ الجَلْدُ بْنُ أيُّوبَ، وهو ضَعِيفٌ، قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هو حَدِيثٌ لا أصْلَ لَهُ، وقالَ أحْمَدُ في حَدِيثِ أنَسٍ: لَيْسَ هو شَيْئًا هَذا مِن قِبَلِ الجَلْدِ بْنِ أيُّوبَ، قِيلَ: إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحاقَ رَواهُ، قالَ ما أُراهُ سَمِعَهُ إلّا مِنَ الحَسَنِ بْنِ دِينارٍ، وضَعَّفَهُ جِدًّا، وقالَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ذاكَ: أبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَحْتَجَّ إلّا بِالجَلْدِ بْنِ أيُّوبَ، وحَدِيثُ الجَلْدِ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما يُعارِضُهُ، فَإنَّهُ قالَ: ما زادَ عَلى خَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحاضَةٌ، وأقَلُّ الحَيْضِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، وقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: فَهَذا حَدِيثٌ يُعْرَفُ بِالجَلْدِ بْنِ أيُّوبَ، وقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقالَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا: قالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: الجَلْدُ أعْرابِيٌّ لا يَعْرِفُ الحَدِيثَ، وقالَ أيْضًا: قالَ الشّافِعِيُّ: نَحْنُ وأنْتَ لا نُثْبِتُ مِثْلَ حَدِيثِ (p-٢٣١)الجَلْدِ، ونَسْتَدِلُّ عَلى غَلَطِ مَن هو أحْفَظُ مِنهُ بِأقَلَّ مِن هَذا.
وَقالَ أيْضًا: قالَ سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ: كانَ حَمّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - يُضَعِّفُ الجَلْدَ، ويَقُولُ لَمْ يَكُنْ يَعْقِلُ الحَدِيثَ.
وَرَوى البَيْهَقِيُّ أيْضًا بِإسْنادِهِ عَنْ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ: ذَهَبْتُ أنا وجَرِيرُ بْنُ حازِمٍ إلى الجَلْدِ بْنِ أيُّوبَ، فَحَدَّثَنا بِحَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أنَسٍ في الحائِضِ، فَذَهَبْنا نُوقِفُهُ، فَإذا هو لا يَفْصِلُ بَيْنَ الحائِضِ، والمُسْتَحاضَةِ. ورَوى أيْضًا بِإسْنادِهِ عَنْ أحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الدّارِمِيِّ، قالَ: سَألْتُ أبا عاصِمٍ، عَنِ الجَلْدِ بْنِ أيُّوبَ فَضَعَّفَهُ جِدًّا، وقالَ: كانَ شَيْخًا مِن مَشايِخِ العَرَبِ تَساهَلَ أصْحابُنا في الرِّوايَةِ عَنْهُ.
وَرَوى البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ أنَّ أهْلَ البَصْرَةِ كانُوا يُنْكِرُونَ حَدِيثَ الجَلْدِ بْنِ أيُّوبَ، ويَقُولُونَ: شَيْخٌ مِن شُيُوخِ العَرَبِ لَيْسَ بِصاحِبِ حَدِيثٍ، قالَ ابْنُ المُبارَكِ: وأهْلُ مِصْرِهِ أعْلَمُ بِهِ مِن غَيْرِهِمْ. قالَ يَعْقُوبُ: وسَمِعْتُ سُلَيْمانَ بْنَ حَرْبٍ، وصَدَقَةَ بْنَ الفَضْلِ، وإسْحاقَ بْنَ إبْراهِيمَ، وبَلَغَنِي عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّهم كانُوا يُضَعِّفُونَ الجَلْدَ بْنَ أيُّوبَ، ولا يَرَوْنَهُ في مَوْضِعِ الحُجَّةِ، ورَوى بِإسْنادِهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما جَلْدٌ ؟ ومَن جَلْدٌ ؟ ومَن كانَ جَلْدٌ ؟ ورَوى بِإسْنادِهِ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: سَمِعْتُ أبِي ذَكَرَ الجَلْدَ بْنَ أيُّوبَ، فَقالَ: لَيْسَ يَسْوى حَدِيثُهُ شَيْئًا، ضَعِيفُ الحَدِيثِ. اهـ. وإنَّما أطَلْنا الكَلامَ في تَضْعِيفِ هَذا الأثَرِ؛ لِأنَّهُ أقْوى ما جاءَ في البابِ عَلى ضَعْفِهِ كَما تَرى. وقَدْ قالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: رُوِيَ في أقَلِّ الحَيْضِ وأكْثَرِهِ أحادِيثُ ضِعافٌ قَدْ بَيَّنْتُ ضَعْفَها في ”الخِلافِيّاتِ“ .
وَأمّا حُجَّةُ مَن قالَ: إنَّ أقَلَّ الحَيْضِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ وأكْثَرَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، كالشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، ومَن وافَقَهُما، فَهي أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ تَحْدِيدٌ مِنَ الشَّرْعِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى المُشاهَدِ في الوُجُودِ، والمُشاهَدُ أنَّ الحَيْضَ لا يَقِلُّ عَنْ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ولا يَزِيدُ عَلى نِصْفِ شَهْرٍ، قالُوا: وثَبَتَ مُسْتَفِيضًا عَنِ السَّلَفِ مِنَ التّابِعِينَ فَمَن بَعْدَهم وُجُودُ ذَلِكَ عِيانًا، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنْ عَطاءٍ، والحَسَنِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ويَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، ورَبِيعَةَ، وشَرِيكٍ، والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
قالَ النَّوَوِيُّ: " فَإنْ قِيلَ: رَوى إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ امْرَأةً مِن نِساءِ الماجِشُونِ حاضَتْ عِشْرِينَ يَوْمًا، وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كانَتْ تَحْتَهُ وكانَتْ تَحِيضُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرَيْنِ، فَجَوابُهُ بِما أجابَ بِهِ المُصَنِّفُ في كِتابِهِ النُّكَتِ أنَّ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ ضَعِيفانِ.
(p-٢٣٢)فالأوَّلُ: عَنْ بَعْضِهِمْ وهو مَجْهُولٌ، وقَدْ أنْكَرَهُ بَعْضُهم، وقَدْ أنْكَرَهُ الإمامُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ، وغَيْرُهُ مِن عُلَماءِ المَدِينَةِ.
والثّانِي: رَواهُ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مَيْمُونٍ، والرَّجُلُ مَجْهُولٌ. واللَّهُ أعْلَمُ " اهـ.
وَأمّا حُجَّةُ مالِكٍ في أكْثَرِ الحَيْضِ لِلْمُبْتَدِئَةِ، فَكَحُجَّةِ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وحُجَّتُهُ في أكْثَرِهِ لِلْمُعْتادَةِ ما رَواهُ الإمامُ مالِكٌ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها «اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في امْرَأةٍ تَهْراقُ الدَّمَ فَقالَ: ”لِتَنْظُرْ قَدْرَ اللَّيالِي والأيّامِ الَّتِي كانَتْ تَحِيضُهُنَّ وقَدْرَهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ فَتَدَعَ الصَّلاةَ، ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ، ولْتَسْتَثْفِرْ، ثُمَّ تُصَلِّي“» اهـ.
وَهَذا الحَدِيثُ نَصٌّ في الرُّجُوعِ إلى عادَةِ الحائِضِ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ في هَذا الحَدِيثِ: قالَ النَّوَوِيُّ إسْنادُهُ عَلى شَرْطِهِما، وقالَ البَيْهَقِيُّ: هو حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، إلّا أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ يَسارٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِن أُمِّ سَلَمَةَ، وفي رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ، عَنْ سُلَيْمانَ أنَّ رَجُلًا أخْبَرَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وقالَ المُنْذِرِيُّ: لَمْ يَسْمَعْهُ سُلَيْمانُ مِنها، وقَدْ رَواهُ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نافِعٍ، عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ مَرْجانَةَ، عَنْها، وساقَهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن طَرِيقِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرَةَ، عَنْ نافِعٍ، عَنْ سُلَيْمانَ أنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ عَنْها. اهـ.
وَلِلْحَدِيثِ شَواهِدُ مُتَعَدِّدَةٌ تُقَوِّي رُجُوعَ النِّساءِ إلى عادَتِهِنَّ في الحَيْضِ، كَحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وحَدِيثِ عائِشَةَ في قِصَّةِ فاطِمَةَ بِنْتِ أبِي حُبَيْشٍ، وأمّا زِيادَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَهي لِأجْلِ الِاسْتِظْهارِ والتَّحَرِّي في انْقِضاءِ الحَيْضَةِ، ولا أعْلَمُ لَها مُسْتَنَدًا مِن نُصُوصِ الوَحْيِ الثّابِتَةِ، وأمّا حُجَّةُ مالِكٍ في أقَلِّ الحَيْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى العِباداتِ فَهي التَّمَسُّكُ بِظاهِرِ إطْلاقِ النُّصُوصِ، ولَمْ يَرِدْ نَصٌّ صَحِيحٌ في التَّحْدِيدِ.
وَأمّا أقَلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى العِدَّةِ والِاسْتِبْراءِ فَحُجَّتُهُ فِيهِ أنَّهُ مِن قَبِيلِ تَحْقِيقِ المَناطِ؛ لِأنَّ الحَيْضَ دَلِيلٌ عادِيٌّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ فَلا بُدَّ فِيما طُلِبَتْ فِيهِ بِالحَيْضِ الدَّلالَةُ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ مِن حَيْضٍ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِحَسَبِ العادَةِ المُطَّرِدَةِ، ولِذا جُعِلَ الرُّجُوعُ في ذَلِكَ إلى النِّساءِ العارِفاتِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ تَحْقِيقَ المَناطِ يُرْجَعُ فِيهِ لِمَن هو أعْرَفُ بِهِ وإنْ كانَ لا حَظَّ لَهُ مِن عُلُومِ الوَحْيِ، وحُجَّةُ يَحْيى بْنِ أكْثَمَ في قَوْلِهِ: ”إنَّ أقَلَّ الطُّهْرِ تِسْعَةَ عَشَرَ“، هي أنَّهُ يَرى أنَّ أكْثَرَ الحَيْضِ عَشَرَةَ أيّامٍ، وأنَّ الشَّهْرَ يَشْتَمِلُ عَلى طُهْرٍ وحَيْضٍ، فَعَشَرَةٌ مِنهُ لِلْحَيْضِ والباقِي (p-٢٣٣)طُهْرٌ، وقَدْ يَكُونُ الشَّهْرُ تِسْعًا وعِشْرِينَ فالباقِي بَعْدَ عَشَرَةِ الحَيْضِ تِسْعَةَ عَشَرَ. وهَذا هو حاصِلُ أدِلَّتِهِمْ ولَيْسَ عَلى شَيْءٍ مِنها دَلِيلٌ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ. وأقْرَبُ المَذاهِبِ في ذَلِكَ هو أكْثَرُها مُوافَقَةً لِلْمُشاهَدِ كَكَوْنِ الحَيْضِ لا يَقِلُّ عَنْ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ولا يَكْثُرُ عَنْ نِصْفِ شَهْرٍ، وكَوْنُ أقَلِّ الطُّهْرِ نِصْفُ شَهْرٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
مَسْألَةٌ
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الدَّمِ الَّذِي تَراهُ الحامِلُ هَلْ هو حَيْضٌ، أوْ دَمُ فَسادٍ ؟ فَذَهَبَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ في أصَحِّ قَوْلَيْهِ إلى أنَّهُ حَيْضٌ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ واللَّيْثُ، ورُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وإسْحاقَ وهو الصَّحِيحُ عَنْ عائِشَةَ. وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ، والإمامُ أحْمَدُ إلى أنَّهُ دَمُ فَسادٍ، وعِلَّةٍ، وأنَّ الحامِلَ لا تَحِيضُ، وبِهِ قالَ جُمْهُورُ التّابِعِينَ مِنهم سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، والشَّعْبِيُّ، ومَكْحُولٌ، وحَمّادٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّ الدَّمَ الَّذِي تَراهُ الحامِلُ حَيْضٌ بِأنَّهُ دَمٌ بِصِفاتِ الحَيْضِ في زَمَنِ إمْكانِهِ، وبِأنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَوْنِهِ فَسادًا لِعِلَّةٍ أوْ حَيْضًا، والأصْلُ السَّلامَةُ مِنَ العِلَّةِ، فَيَجِبُ اسْتِصْحابُ الأصْلِ.
واحْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّهُ دَمُ فَسادٍ بِأدِلَّةٍ، مِنها: ما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ في طَلاقِهِ امْرَأتَهُ في الحَيْضِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لْيُطَلِّقْها طاهِرًا، أوْ حامِلًا»، وهَذِهِ الرِّوايَةُ أخْرَجَها أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ، قالُوا: قَدْ جَعَلَ ﷺ الحَمْلَ عَلامَةً عَلى عَدَمِ الحَيْضِ، كَما جَعَلَ الطُّهْرَ عَلامَةً لِذَلِكَ.
وَمِنها: حَدِيثُ: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ، ولا حائِلٌ حَتّى تُسْتَبْرَأ بِحَيْضَةٍ»، رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والحاكِمُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ ولَهُ شَواهِدُ، قالُوا: فَجَعَلَ ﷺ الحَيْضَ عَلامَةً عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الحَمْلِ.
وَمِنها: أنَّهُ دَمٌ في زَمَنٍ لا يُعْتادُ فِيهِ الحَيْضُ غالِبًا فَكانَ غَيْرَ حَيْضٍ قِياسًا عَلى ما تَراهُ اليائِسَةُ بِجامِعِ غَلَبَةِ عَدَمِ الحَيْضِ في كُلٍّ مِنهُما.
وَقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ”إنَّما يَعْرِفُ النِّساءُ الحَمْلَ بِانْقِطاعِ الدَّمِ“ .
وَمِنها: أنَّهُ لَوْ كانَ دَمَ حَيْضٍ ما انْتَفَتْ عَنْهُ لَوازِمُ الحَيْضِ، فَلَمّا انْتَفَتْ عَنْهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ غَيْرُ حَيْضٍ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ اللّازِمِ يُوجِبُ انْتِفاءَ المَلْزُومِ، فَمِن لازِمِ الحَيْضِ حُرْمَةُ (p-٢٣٤)الطَّلاقِ، ودَمُ الحامِلِ لا يَمْنَعُ طَلاقَها، لِلْحَدِيثِ المَذْكُورِ آنِفًا الدّالِّ عَلى إباحَةِ طَلاقِ الحامِلِ والطّاهِرِ، ومِن لازِمِ الحَيْضِ أيْضًا انْقِضاءُ العِدَّةِ بِهِ، ودَمُ الحامِلِ لا أثَرَ لَهُ في انْقِضاءِ عِدَّتِها لِأنَّها تَعْتَدُّ بِوَضْعِ حَمْلِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وفي هَذِهِ الأدِلَّةِ مُناقَشاتٌ ذَكَرَ بَعْضَها النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ.
واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ مالِكٍ التَّفْصِيلُ في أكْثَرِ حَيْضِ الحامِلِ، فَإنْ رَأتْهُ في شَهْرِها الثّالِثِ إلى انْتِهاءِ الخامِسِ تَرَكَتِ الصَّلاةَ نِصْفَ شَهْرٍ ونَحْوَهُ - وفَسَّرُوا نَحْوَهُ بِزِيادَةِ خَمْسَةِ أيّامٍ - فَتَجْلِسُ عِشْرِينَ يَوْمًا، فَإنْ حاضَتْ في شَهْرِها السّادِسِ فَما بَعْدَهُ تَرَكَتِ الصَّلاةَ عِشْرِينَ يَوْمًا ونَحْوَها - وفَسَّرُوا نَحْوَها بِزِيادَةِ خَمْسَةِ أيّامٍ - فَتَجْلِسُ خَمْسًا وعِشْرِينَ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِزِيادَةِ عَشَرَةٍ، فَتَجْلِسُ شَهْرًا، فَإنْ حاضَتِ الحامِلُ قَبْلَ الدُّخُولِ في الشَّهْرِ الثّالِثِ، فَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الحَيْضِ في الثّالِثِ وقَدْ تَقَدَّمَ.
وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ حَيْضِ غَيْرِ الحامِلِ، فَتَجْلِسُ قَدْرَ عادَتِها وثَلاثَةَ أيّامٍ اسْتِظْهارًا.
وَإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ: ولِحامِلٍ بَعْدَ ثَلاثَةِ أشْهُرٍ النِّصْفُ، ونَحْوُهُ، وفي سِتَّةٍ فَأكْثَرَ عِشْرُونَ يَوْمًا ونَحْوُها، وهَلْ ما قَبْلَ الثَّلاثَةِ كَما بَعْدَها أوْ كالمُعْتادِ ؟ قَوْلانِ.
هَذا هو حاصِلُ كَلامِ العُلَماءِ في أقَلِّ الحَيْضِ وأكْثَرِهِ، وأقَلِّ الطُّهْرِ وأكْثَرِهِ، وأدِلَّتُهم في ذَلِكَ، ومَسائِلُ الحَيْضِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ بَسَطَ العُلَماءُ الكَلامَ عَلَيْها في كُتُبِ الفُرُوعِ.
* *
مَسْألَةٌ
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في أقَلِّ النِّفاسِ وأكْثَرِهِ أيْضًا، فَذَهَبَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ إلى أنَّ أكْثَرَهُ سِتُّونَ يَوْمًا، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والأوْزاعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ، والحَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدُ، وعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ قالَ: أدْرَكْتُ النّاسَ يَقُولُونَ: أكْثَرُ النِّفاسِ سِتُّونَ يَوْمًا، وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ إلى أنَّ أكْثَرَهُ أرْبَعُونَ يَوْمًا وعَلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ، قالَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ومَن بَعْدَهم عَلى أنَّ النُّفَساءَ تَدَعُ الصَّلاةَ أرْبَعِينَ يَوْمًا إلّا أنْ تَرى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَغْتَسِلُ وتُصَلِّي اهـ.
قالَ الخَطّابِيُّ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: وعَلى هَذا جَماعَةُ النّاسِ، وحَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وعُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ، وعائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وأُمِّ سَلَمَةَ، وابْنِ (p-٢٣٥)المُبارَكِ، وإسْحاقَ، وأبِي عُبَيْدٍ. اهـ.
وَحَكى التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهم، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ خَمْسُونَ، ورُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ أنَّهُ قالَ: قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّهُ سَبْعُونَ يَوْمًا، وذَكَرَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الأوْزاعِيِّ، عَنْ أهْلِ دِمَشْقَ: أنَّ أكْثَرَ النِّفاسِ مِنَ الغُلامِ ثَلاثُونَ يَوْمًا، ومِنَ الجارِيَةِ أرْبَعُونَ، وعَنِ الضَّحّاكِ: أكْثَرُهُ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، قالَهُ النَّوَوِيُّ.
وَأمّا أقَلُّ النِّفاسِ فَهو عِنْدَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ في أصَحِّ الرِّواياتِ عَنْهُ لا حَدَّ لَهُ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: أقَلُّهُ أحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وعَنْهُ أيْضًا: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ، وحَكى الماوَرْدِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ: أقَلُّهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ، وقالَ المُزَنِيُّ: أقَلُّهُ أرْبَعَةُ أيّامٍ، وأمّا أدِلَّةُ العُلَماءِ في أكْثَرِ النِّفاسِ وأقَلِّهِ، فَإنَّ حُجَّةَ كُلِّ مَن حَدَّدَ أكْثَرَهُ بِغَيْرِ الأرْبَعِينَ هي الِاعْتِمادُ عَلى المُشاهَدِ في الخارِجِ، وأكْثَرُ ما شاهَدُوهُ في الخارِجِ سِتُّونَ يَوْمًا، وكَذَلِكَ حُجَجُهم في أقَلِّهِ فَهي أيْضًا الِاعْتِمادُ عَلى المُشاهَدِ في الخارِجِ، وقَدْ يُشاهَدُ الوَلَدُ يَخْرُجُ ولا دَمَ مَعَهُ، ولِذا كانَ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ أقَلَّهُ لا حَدَّ لَهُ، وأمّا حُجَّةُ مَن حَدَّدَهُ بِأرْبَعِينَ، فَهي ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالَتْ: «كانَتِ النُّفَساءُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَجْلِسُ أرْبَعِينَ يَوْمًا» الحَدِيثَ، رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الأعْلى، عَنْ أبِي سَهْلٍ، واسْمُهُ كَثِيرُ بْنُ زِيادٍ، عَنْ مَسَّةَ الأزْدِيَّةِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الأعْلى ثِقَةٌ، وأبُو سَهْلٍ وثَّقَهُ البُخارِيُّ وضَعَّفَهُ ابْنُ حِبّانَ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَمْ يُصِبْ في تَضْعِيفِهِ، وقالَ في التَّقْرِيبِ في أبِي سَهْلٍ المَذْكُورِ: ثِقَةٌ، وقالَ في ”التَّقْرِيبِ“ في مَسَّةَ المَذْكُورَةِ: مَقْبُولَةٌ، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ في حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ هَذا: حَدِيثٌ حَسَنٌ رَواهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُما.
قالَ الخَطّابِيُّ: أثْنى البُخارِيُّ عَلى هَذا الحَدِيثِ، ويَعْتَضِدُ هَذا الحَدِيثُ بِأحادِيثَ بِمَعْناهُ مِن رِوايَةِ أبِي الدَّرْداءِ، وأنَسٍ، ومُعاذٍ، وعُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ، وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقالَ النَّوَوِيُّ أيْضًا بَعْدَ هَذا الكَلامِ: ”واعْتَمَدَ أكْثَرُ أصْحابِنا جَوابًا آخَرَ وهو تَضْعِيفُ الحَدِيثِ، وهَذا الجَوابُ مَرْدُودٌ، بَلِ الحَدِيثُ جَيِّدٌ كَما سَبَقَ“ .
وَأجابَ القائِلُونَ بِأنَّ أكْثَرَ النِّفاسِ سِتُّونَ عَنْ هَذا الحَدِيثِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ أرْبَعُونَ بِأجْوِبَةٍ، أوْجَهُها عِنْدِي أنَّ الحَدِيثَ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّها تَجْلِسُ أرْبَعِينَ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ الدَّمَ إنْ تَمادى بِها لَمْ تَجْلِسْ أكْثَرَ مِنَ الأرْبَعِينَ، فَمِنَ المُمْكِنِ أنْ تَكُونَ النِّساءُ المَذْكُورَةُ في الحَدِيثِ لَمْ يَتَمادَ الحَيْضُ بِها إلّا أرْبَعِينَ فَنَصَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّها تَجْلِسُ الأرْبَعِينَ، ولا (p-٢٣٦)يُنافِي أنَّ الدَّمَ لَوْ تَمادى عَلَيْها أكْثَرَ مِنَ الأرْبَعِينَ لَجَلَسَتْ أكْثَرَ مِنَ الأرْبَعِينَ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الأوْزاعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: ”عِنْدَنا امْرَأةٌ تَرى النِّفاسَ شَهْرَيْنِ“، وذَلِكَ مُشاهَدٌ كَثِيرًا في النِّساءِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الرعد 13:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ السِّرَّ والجَهْرَ عِنْدَهُ سَواءٌ، وأنَّ الِاخْتِفاءَ والظُّهُورَ عِنْدَهُ أيْضًا سَواءٌ؛ لِأنَّهُ يَسْمَعُ السِّرَّ كَما يَسْمَعُ الجَهْرَ، ويَعْلَمُ الخَفِيَّ كَما يَعْلَمُ الظّاهِرَ، وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأظْهَرُ القَوْلَيْنِ في المُسْتَخْفِي بِاللَّيْلِ والسّارِبِ بِالنَّهارِ: أنَّ المُسْتَخْفِيَ هو المُخْتَفِي المُسْتَتِرُ عَنِ الأعْيُنِ، والسّارِبَ هو الظّاهِرُ البارِزُ الذّاهِبُ حَيْثُ يَشاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْنَسِ بْنِ شِهابٍ التَّغْلِبِيِّ:
؎وَكُلُّ أُناسٍ قارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ونَحْنُ خَلَعْنا قَيْدَهُ فَهو سارِبُ
أيْ: ذاهِبٌ حَيْثُ يَشاءُ ظاهِرٌ غَيْرُ خافٍ.
وَقَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎أنِّي سَرَبْتُ وكُنْتُ غَيْرَ سَرُوبِ ∗∗∗ وتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ
وَقِيلَ: السّارِبُ: الدّاخِلُ في السِّرْبِ لِيَتَوارى فِيهِ، والمُسْتَخْفِي: الظّاهِرُ، مِن: خَفاهُ يَخْفِيهِ: إذا أظْهَرَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما ∗∗∗ خَفاهُنَّ ودْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلَّبِ
الرعد 13:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ مِنَ النِّعْمَةِ والعافِيَةِ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِن طاعَةِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا.
والمَعْنى: أنَّهُ لا يَسْلُبُ قَوْمًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلَيْهِمْ حَتّى يُغَيِّرُوا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ (p-٢٣٧)مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٥٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] .
وَقَدْ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا: أنَّهُ إذا أرادَ قَوْمًا بِسُوءٍ فَلا مَرَدَّ لَهُ، وبَيَّنَ ذَلِكَ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٧]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾، يَصْدُقُ بِأنْ يَكُونَ التَّغْيِيرُ مِن بَعْضِهِمْ كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ بِتَغْيِيرِ الرُّماةِ ما بِأنْفُسِهِمْ فَعَمَّتِ البَلِيَّةُ الجَمِيعَ، وقَدْ سُئِلَ ﷺ: «أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ» . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الرعد 13:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ الآيَةَ.
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو الَّذِي يُرِي خَلْقَهُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا، قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ يَخافُ أذاهُ ومَشَقَّتَهُ، وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ يَرْجُو بَرَكَتَهُ ومَنفَعَتَهُ ويَطْمَعُ في رِزْقِ اللَّهِ، وعَنِ الحَسَنِ: الخَوْفُ لِأهْلِ البَحْرِ، والطَّمَعُ لِأهْلِ البَرِّ، وعَنِ الضَّحّاكِ: الخَوْفُ مِنَ الصَّواعِقِ، والطَّمَعُ في الغَيْثِ.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ إراءَتَهُ خَلْقَهُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ جَلَّ وعَلا الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٤] .
الرعد 13:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَسْجُدُ لَهُ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وتَسْجُدُ لَهُ ظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ، وذَكَرَ أيْضًا سُجُودَ الظِّلالِ وسُجُودَ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨، ٤٩] إلى قَوْلِهِ يُؤْمَرُونَ [النحل: ٥٠]، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِسُجُودِ الظِّلِّ وسُجُودِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: سُجُودُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، فالمُؤْمِنُونَ والمَلائِكَةُ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ سُجُودًا حَقِيقِيًّا، وهو وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَوْعًا، والكُفّارُ يَسْجُدُونَ كَرْهًا، أعْنِي المُنافِقِينَ لِأنَّهم كُفّارٌ في الباطِنِ ولا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ إلّا كَرْهًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٤٢]، وقالَ تَعالى: ﴿وَما (p-٢٣٨)مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سُجُودَ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، قَوْلُهُ تَعالى في ”سُورَةِ الحَجِّ“: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨]، فَقَوْلُهُ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ١٨] دَلِيلٌ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ غَيْرُ داخِلٍ في السُّجُودِ المَذْكُورِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وغَيْرِهِما، وذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ الآيَةُ عامَّةٌ. والمُرادُ بِسُجُودِ المُسْلِمِينَ طَوْعًا انْقِيادُهم لِما يُرِيدُ اللَّهُ مِنهم طَوْعًا، والمُرادُ بِسُجُودِ الكافِرِينَ كَرْهًا انْقِيادُهم لِما يُرِيدُ اللَّهُ مِنهم كَرْهًا؛ لِأنَّ إرادَتَهُ نافِذَةٌ فِيهِمْ وهم مُنْقادُونَ خاضِعُونَ لِصُنْعِهِ فِيهِمْ ونُفُوذِ مَشِيئَتِهِ فِيهِمْ، وأصْلُ السُّجُودِ في لُغَةِ العَرَبِ: الذُّلُّ والخُضُوعُ، ومِنهُ قَوْلُ زِيدِ الخَيْلِ:
؎بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حُجُراتِهِ تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
وَمِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: أسْجُدُ: إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ وانْحَنى، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:
؎فَلَمّا لَوَيْنَ عَلى مِعْصَمٍ ∗∗∗ وكَفٍّ خَضِيبٍ وأسْوارِها
؎فُضُولَ أزِمَّتِها أسْجَدَتْ ∗∗∗ سُجُودَ النَّصارى لِأحْبارِها
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالسُّجُودُ لُغَوِيٌّ لا شَرْعِيٌّ، وهَذا الخِلافُ المَذْكُورُ جارٍ أيْضًا في سُجُودِ الظِّلالِ، فَقِيلَ: سُجُودُها حَقِيقِيٌّ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ لَها إدْراكًا تُدْرِكُ بِهِ وتَسْجُدُ لِلَّهِ سُجُودًا حَقِيقِيًّا، وقِيلَ: سُجُودُها مَيْلُها بِقُدْرَةِ اللَّهِ أوَّلَ النَّهارِ إلى جِهَةِ المَغْرِبِ، وآخِرَهُ إلى جِهَةِ المَشْرِقِ، وادَّعى مَن قالَ هَذا أنَّ الظِّلَّ لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ لِأنَّهُ خَيالٌ فَلا يُمْكِنُ مِنهُ الإدْراكُ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ لِلظِّلِّ إدْراكًا يَسْجُدُ بِهِ لِلَّهِ تَعالى سُجُودًا حَقِيقِيًّا، والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ عِنْدَ عُلَماءِ الأُصُولِ هي: حَمْلُ نُصُوصِ الوَحْيِ عَلى ظَواهِرِها إلّا بِدَلِيلٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، ولا يَخْفى أنَّ حاصِلَ القَوْلَيْنِ:
أنَّ أحَدَهُما: أنَّ السُّجُودَ شَرْعِيٌّ وعَلَيْهِ فَهو في أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ.
والثّانِي: أنَّ السُّجُودَ لُغَوِيٌّ بِمَعْنى الِانْقِيادِ والذُّلِّ والخُضُوعِ، وعَلَيْهِ فَهو باقٍ عَلى عُمُومِهِ، والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ والحَنابِلَةِ وجَماعَةٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ النَّصَّ إنْ دارَ (p-٢٣٩)بَيْنَ الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ والحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ حُمِلَ عَلى الشَّرْعِيَّةِ، وهو التَّحْقِيقُ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ في تَقْدِيمِ اللُّغَوِيَّةِ، ولِمَن قالَ يَصِيرُ اللَّفْظُ مُجْمَلًا لِاحْتِمالِ هَذا وذاكَ، وعَقَدَ هَذِهِ المَسْألَةَ صاحِبُ ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ:
؎واللَّفْظُ مَحْمُولٌ عَلى الشَّرْعِيِّ ∗∗∗ إنْ لَمْ يَكُنْ فَمُطْلَقُ العُرْفِيِّ
فاللُّغَوِيُّ عَلى الجَلِيِّ ولَمْ يَجِبْ بَحْثٌ عَنِ المَجازِ في الَّذِي انْتُخِبْ وقِيلَ: المُرادُ بِسُجُودِ الكُفّارِ كَرْهًا سُجُودُ ظِلالِهِمْ كَرْهًا، وقِيلَ: الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ فَبَعْضُهم يَسْجُدُ طَوْعًا؛ لِخِفَّةِ امْتِثالِ أوامِرِ الشَّرْعِ عَلَيْهِ، وبَعْضُهم يَسْجُدُ كَرْهًا؛ لِثِقَلِ مَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ إيمانَهُ يَحْمِلُهُ عَلى تَكَلُّفِ ذَلِكَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى:
وَقَوْلُهُ تَعالى: بِالغُدُوِّ [الرعد: ١٥] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أوْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غَداةٍ، والآصالُ جَمْعُ أُصُلٍ بِضَمَّتَيْنِ وهو جَمْعُ أصِيلٍ، وهو ما بَيْنَ العَصْرِ والغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أهْلَهُ ∗∗∗ وأقْعُدُ في أفْيائِهِ بِالأصائِلِ
الرعد 13:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ .
أشارَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى أنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ هو الخالِقُ ولا يَسْتَحِقُّ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَعْبُدُوهُ إلّا مَن خَلَقَهم وأبْرَزَهم مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد: ١٦] إنْكارُ ذَلِكَ وأنَّهُ هو الخالِقُ وحْدَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] أيْ: وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ هو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، ويُبَيِّنُ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ مُحْتاجٌ إلى خالِقِهِ فَهو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ مِثْلَكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَعْبُدَ مَن خَلَقَهُ وحْدَهُ، كَما يَجِبُ عَلَيْكَ ذَلِكَ، فَأنْتُما سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى وُجُوبِ عِبادَةِ الخالِقِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
الرعد 13:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ﷺ الإتْيانَ بِآيَةٍ يُنَزِّلُها عَلَيْهِ رَبُّهُ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في (p-٢٤٠)مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وبَيَّنَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ في القُرْآنِ العَظِيمِ كِفايَةً عَنْ جَمِيعِ الآياتِ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ حِكْمَةَ عَدَمِ إنْزالِ آيَةٍ كَناقَةِ صالِحٍ ونَحْوِها، بِقَوْلِهِ ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٩]، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.
الرعد 13:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ الآيَةَ.
جَوابُ ”لَوْ“ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ تَقْدِيرُهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ، وقالَ بَعْضُهم تَقْدِيرُهُ: لَكَفَرْتُمْ بِالرَّحْمَنِ، ويَدُلُّ لِهَذا الأخِيرِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: ﴿وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقَدْ قَدَّمْنا شَواهِدَ حَذْفِ جَوابِ ”لَوْ“ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”يُوسُفَ“ أنَّ الغالِبَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ المَحْذُوفُ مِن جِنْسِ المَذْكُورِ قَبْلَ الشَّرْطِ لِيَكُونَ ما قَبْلَ الشَّرْطِ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ المَحْذُوفِ.
الرعد 13:36
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى إيمانِ أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّ الفَرَحَ بِما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ دَلِيلُ الإيمانِ.
وَنَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠٧] .
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ - إلى أنْ قالَ - ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة: ١ - ٦]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ الكافِرِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ أكْثَرُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
والجَوابُ أنَّ الآيَةَ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، فَهي في خُصُوصِ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ وكالثَّمانِينَ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنَ النَّصارى (p-٣١٤)المَشْهُورِينَ، كَما قالَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ، وهو ظاهِرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ التَّبْعِيضُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٩٩] .
الرعد 13:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ الآيَةَ.
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ ﷺ مِن جِنْسِ البَشَرِ، يَتَزَوَّجُونَ، ويَلِدُونَ، ولَيْسُوا مَلائِكَةً، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ اسْتَغْرَبُوا بَعْثَ آدَمِيٍّ مِنَ البَشَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، فَأخْبَرَ أنَّهُ يُرْسِلُ البَشَرَ الَّذِينَ يَتَزَوَّجُونَ ويَأْكُلُونَ، كَقَوْلِهِ ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وقَوْلِهِ ﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.
الرعد 13:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ عَطْفٌ عَلى لَفْظِ الجَلالَةِ وأنَّ المُرادَ بِهِ أهْلُ العِلْمِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ [النحل: ٤٣]، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ الآيَةَ [النحل: ٤٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
إبراهيم 14:1
(p-٢٤١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ إبْراهِيمَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ.
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ لِيُخْرِجَ بِهِ النّاسَ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والضَّلالِ إلى نُورِ الإيمانِ والهُدى، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٧٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى هُنا أنَّهُ لا يُخْرِجُ أحَدًا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلّا بِإذْنِهِ جَلَّ وعَلا في قَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١]، وأوْضَحَ ذَلِكَ في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٠]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
إبراهيم 14:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ .
بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا إلّا بِلُغَةِ قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا إلّا إلى قَوْمِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ نَبِيَّنا ﷺ أُرْسِلَ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ دُونَ اخْتِصاصٍ بِقَوْمِهِ ولا بِغَيْرِهِمْ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عُمُومِ رِسالَتِهِ لِأهْلِ كُلِّ لِسانٍ، فَهو ﷺ يَجِبُ عَلَيْهِ إبْلاغُ أهْلِ كُلِّ لِسانٍ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”إنَّ اللَّهَ فَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى الأنْبِياءِ وعَلى أهْلِ السَّماءِ، فَقالُوا: بِمَ يا ابْنَ عَبّاسٍ فَضَّلَهُ عَلى أهْلِ السَّماءِ ؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ (p-٢٤٢)[الفتح: ١، ٢] قالُوا: فَما فَضْلُهُ عَلى الأنْبِياءِ ؟ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٤]، وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبإ: ٢٨]،
فَأرْسَلَهُ إلى الجِنِّ والإنْسِ“، ذَكَرَهُ أبُو مُحَمَّدٍ الدّارِمِيُّ في ”مُسْنَدِهِ“ كَما تَقَدَّمَ وهو تَفْسِيرٌ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِلْآيَةِ بِما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
إبراهيم 14:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ مَعْناها أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ جَعَلُوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِهِمْ؛ لِيَعَضُّوا عَلَيْها غَيْظًا وحَنَقًا لِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ؛ إذْ كانَ فِيهِ تَسْفِيهُ أحْلامِهِمْ، وشَتْمُ أصْنامِهِمْ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١١٩]، وهَذا المَعْنى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَرُدُّونَ في فِيهِ غِشَّ الحَسُودِ حَتّى يَعَضَّ عَلى الأكُفِّ
يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ وكَفَّيْهِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ أيْضًا:
؎قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا
أيْ أفْنى أنامِلَهُ عَضًّا، وقالَ الرّاجِزُ:
؎لَوْ أنَّ سَلْمى أبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ∗∗∗ ودِقَّةً بِعَظْمِ ساقِي ويَدِي
؎وَبُعْدَ أهْلِي وجَفاءَ عُودِي ∗∗∗ عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بِأطْرافِ اليَدِ
وَفِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذا، مِنها: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ عَجِبُوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ مِنَ العَجَبِ. ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومِنها: أنَّهم كانُوا إذا قالَ لَهم نَبِيُّهم: أنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِهِمْ أنِ اسْكُتْ تَكْذِيبًا لَهُ ورَدًّا لِقَوْلِهِ. ويُرْوى هَذا عَنْ أبِي صالِحٍ، ومِنها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهم رَدُّوا عَلى الرُّسُلِ قَوْلَهم وكَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، فالضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلرُّسُلِ والثّانِي لِلْكُفّارِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَـ ”في“ بِمَعْنى الباءِ. ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وتَوْجِيهُهُ أنَّ ”في“ هُنا بِمَعْنى الباءِ، قالَ: وقَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يَعْنُونَ: في الجَنَّةِ، وقالَ الشّاعِرُ:(p-٢٤٣)
؎وَأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سُنْبُسٍ لَسْتُ أرْغَبُ
يُرِيدُ وأرْغَبُ بِها: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِتَمامِ الكَلامِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩] .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ عِنْدِي خِلافُ ما اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ العَطْفَ بِالواوِ يَقْتَضِي مُغايَرَةَ ما بَعْدَهُ لِما قَبْلَهُ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ﴾ الآيَةَ غَيْرُ التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ بِالأفْواهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: المَعْنى أنَّ الكُفّارَ جَعَلُوا أيْدِيَهم في أفْواهِ الرُّسُلِ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ، وعَلَيْهِ فالضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثّانِي لِلرُّسُلِ، ويُرْوى هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: جَعَلَ الكُفّارُ أيْدِيَ الرُّسُلِ عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ لِيُسْكِتُوهم ويَقْطَعُوا كَلامَهم، ويُرْوى هَذا عَنْ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: رَدَّ الرُّسُلُ أيْدِيَ الكُفّارِ في أفْواهِهِمْ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَدْ رَأيْتَ الأقْوالَ وما يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ مِنها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
تَنْبِيهٌ
جَمْعُ الفَمِ مُكَسَّرًا عَلى أفْواهٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَهُ فُوهٌ، فَحُذِفَتِ الفاءُ والواوُ وعُوِّضَتْ عَنْهُما المِيمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٌ﴾ .
صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ صَرَّحُوا لِلرُّسُلِ بِأنَّهم كافِرُونَ بِهِمْ، وأنَّهم شاكُّونَ فِيما جاءُوهم بِهِ مِنَ الوَحْيِ، وقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى بَعْضِهِمْ بِالتَّعْيِينِ أنَّهم صَرَّحُوا بِالكُفْرِ بِهِ، وأنَّهم شاكُّونَ فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، كَقَوْلِ قَوْمِ صالِحٍ لَهُ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢]، وصَرَّحُوا بِالكُفْرِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَذْكُرَ عُمُومًا في آيَةٍ، ثُمَّ يُصَرِّحُ في آيَةٍ أُخْرى بِدُخُولِ بَعْضِ أفْرادِ ذَلِكَ العُمُومِ فِيهِ كَما هُنا، وكَما (p-٢٤٤)تَقَدَّمَ المِثالُ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٣٦] .
إبراهيم 14:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ تَوَعَّدُوا الرُّسُلَ بِالإخْراجِ مِن أرْضِهِمْ، والنَّفْيِ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ إنْ لَمْ يَتْرُكُوا ما جاءُوا بِهِ مِنَ الوَحْيِ، وقَدْ نَصَّ في آياتٍ أُخَرَ أيْضًا عَلى بَعْضِ ذَلِكَ مُفَصَّلًا،
• كَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٨٨، ٨٩]،
• وقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]،
• وقَوْلِهِ عَنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أوْحى إلى رُسُلِهِ أنَّ العاقِبَةَ والنَّصْرَ لَهم عَلى أعْدائِهِمْ، وأنَّهُ يُسْكِنُهُمُ الأرْضَ بَعْدَ إهْلاكِ أعْدائِهِمْ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [غافر: ٥١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
إبراهيم 14:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ خَيْبَةِ الجَبّارِ العَنِيدِ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى مَعْنى خَيْبَتِهِ وبَعْضِ صِفاتِهِ القَبِيحَةِ في قَوْلِهِ في سُورَةِ ”ق“: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ (p-٢٤٥)[ق: ٢٤ - ٢٥]، والجَبّارُ: المُتَجَبِّرُ في نَفْسِهِ، والعَنِيدُ: المُعانِدُ لِلْحَقِّ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
إبراهيم 14:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ الآيَةَ.
”وَراءَ“ هُنا بِمَعْنى ”أمامَ“ كَما هو ظاهِرٌ، ويَدُلُّ لَهُ إطْلاقُ ”وَراءَ“ بِمَعْنى ”أمامَ“ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، فَمِنهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ: أمامَهم مَلِكٌ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها: وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، ومِن إطْلاقِ ”وَراءَ“ بِمَعْنى ”أمامَ“ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎أتَرْجُو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتِي ∗∗∗ وقَوْمِي تَمِيمٌ والفَلاةُ ورائِيا
وَقَوْلُهُ الآخَرُ:
؎وَمِن ورائِكَ يَوْمٌ أنْتَ بالِغُهُ ∗∗∗ لا حاضِرَ مُعْجِزٌ عَنْهُ ولا بادِ
فَـ ”وَراءَ“ بِمَعْنى ”أمامَ“ في الأبْياتِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ مَعْنى ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ هَلاكِهِ جَهَنَّمُ، وعَلَيْهِ فَـ ”وَراءَ“ في الآيَةِ بِمَعْنى بَعْدَ، ومِن إطْلاقِ ”وَراءَ“ بِمَعْنى ”بَعْدَ“ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ
أيْ: لَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وهو الحَقُّ.
إبراهيم 14:17
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣١٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ إبْراهِيمَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ الآيَةَ.
يُفْهَمُ مِن ظاهِرِهِ مَوْتُ الكافِرِ في النّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، يُصَرِّحُ بِنَفْيِ ذَلِكَ.
والجَوابُ أنَّ مَعْنى: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ﴾ أيْ أسْبابُهُ المُقْتَضِيَةُ لَهُ عادَةً، إلّا أنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ رُوحَهُ في بَدَنِهِ مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِي مَوْتَهُ عادَةً، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِمَّنْ لا حُجَّةَ في قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ:
؎لَقَدْ قَتَلْتُكَ بِالهِجاءِ فَلَمْ تَمُتْ إنَّ الكِلابَ طَوِيلَةُ الأعْمارِ
إبراهيم 14:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ الآيَةَ.
ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى لِأعْمالِ الكُفّارِ مَثَلًا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّياحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ، أيْ شَدِيدِ الرِّيحِ، فَإنَّ تِلْكَ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ العاصِفَةَ تُطَيِّرُ ذَلِكَ الرَّمادَ ولَمْ تُبْقِ لَهُ أثَرًا، فَكَذَلِكَ أعْمالُ الكُفّارِ كَصِلاتِ الأرْحامِ، وقِرى الضَّيْفِ، والتَّنْفِيسِ عَنِ المَكْرُوبِ، وبِرِّ الوالِدَيْنِ، ونَحْوِ ذَلِكَ يُبْطِلُها الكُفْرُ ويُذْهِبُها، كَما تُطَيِّرُ تِلْكَ الرِّيحُ ذَلِكَ الرَّمادَ. وضَرَبَ أمْثالًا أُخَرَ في آياتٍ أُخَرَ لِأعْمالِ الكُفّارِ بِهَذا المَعْنى،
• كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا (p-٢٤٦)أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١١٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ الحِكْمَةَ في ضَرْبِهِ لِلْأمْثالِ أنْ يَتَفَكَّرَ النّاسُ فِيها فَيَفْهَمُوا الشَّيْءَ بِنَظْرَةٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ الأمْثالَ لا يَعْقِلُها إلّا أهْلُ العِلْمِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ المَثَلَ المَضْرُوبَ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبَ هِدايَةٍ لِقَوْمٍ فَهِمُوهُ، وسَبَبَ ضَلالٍ لِقَوْمٍ لَمْ يَفْهَمُوا حِكْمَتَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ تَعالى لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما ولَوْ كانَ المَثَلُ المَضْرُوبُ بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، قِيلَ: فَما هو أصْغَرُ مِنها؛ لِأنَّهُ يَفُوقُها في الصِّغَرِ، وقِيلَ: فَما فَوْقَها أيْ فَما هو أكْبَرُ مِنها، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ [البقرة: ٢٦]، ولِذَلِكَ ضَرَبَ المَثَلَ بِالعَنْكَبُوتِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١]، وضَرَبَهُ بِالحِمارِ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ الآيَةَ [الجمعة: ٥]، وضَرَبَهُ بِالكَلْبِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
إبراهيم 14:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينِ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ .
هَذِهِ المُحاجَّةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ هُنا عَنِ الكُفّارِ بَيَّنَها في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٧، ٤٨]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
إبراهيم 14:22
(p-٢٤٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعَدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ وعَدَهم وعْدَ الحَقِّ، وأنَّ الشَّيْطانَ وعَدَهم فَأخْلَفَهم ما وعَدَهم، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ في وعْدِ اللَّهِ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: ١٢٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [الرعد: ٣١]،
• وقَوْلِهِ في وعْدِ الشَّيْطانِ: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ سَلامٌ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ المَلائِكَةَ تُحَيِّيهِمْ بِذَلِكَ، وأنَّ بَعْضَهم يُحَيِّي بَعْضًا بِذَلِكَ، فَقالَ في تَحِيَّةِ المَلائِكَةِ لَهم: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، وقالَ: ﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٧٣]، وقالَ: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]، وقالَ في تَحِيَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
إبراهيم 14:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ .
هَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ تَعالى لَهم بِأنَّ مَصِيرَهم إلى النّارِ، وذَلِكَ المَتاعُ القَلِيلُ في الدُّنْيا لا يُجْدِي مِن مَصِيرِهِ إلى النّارِ وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧]،
إلى ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
إبراهيم 14:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ .
أمَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالمُبادَرَةِ إلى الطّاعاتِ، كالصَّلَواتِ والصَّدَقاتِ مِن قَبْلِ إتْيانِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي هو اليَوْمُ الَّذِي لا بَيْعٌ فِيهِ ولا مُخالَّةٌ بَيْنَ خَلِيلَيْنِ، فَيَنْتَفِعُ أحَدُهُما بِخُلَّةِ الآخَرِ، فَلا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ تُباعَ لَهُ نَفْسُهُ فَيَفْدِيَها، ولا خَلِيلَ يَنْفَعُ خَلِيلَهُ يَوْمَئِذٍ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٥٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥]
• وقَوْلِهِ: (p-٢٤٨)﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٨]،
ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والخِلالُ في هَذِهِ الآيَةِ، قِيلَ: جَمْعُ خُلَّةٍ كَقُلَّةٍ وقِلالٍ، والخُلَّةُ: المُصادَقَةُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرُ خالَّهُ عَلى وزْنِ فاعَلَ مُخالَّةً وخِلالًا، ومَعْلُومٌ أنَّ فاعَلَ يَنْقاسُ مَصْدَرُها عَلى المُفاعَلَةِ والفِعالِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎صَرَفْتُ الهَوى عَنْهُنَّ مِن خَشْيَةِ الرَّدى ولَسْتُ بِمُقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ
أيْ: لَسْتُ بِمَكْرُوهِ المُخالَّةِ.
إبراهيم 14:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ الآيَةَ.
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ أجابَ دُعاءَ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ هَذا ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ أجابَهُ في بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ دُونَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٢٨] .
إبراهيم 14:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآيَةَ.
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ قالَ: إنَّ مَن تَبِعَهُ فَإنَّهُ مِنهُ، وأنَّهُ رَدَّ أمْرَ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، إنْ شاءَ اللَّهُ غَفَرَ لَهُ؛ لِأنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وذَكَرَ نَحْوَ هَذا عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وذَكَرَ عَنْ نُوحٍ ومُوسى التَّشْدِيدَ في الدُّعاءِ عَلى قَوْمِهِما فَقالَ عَنْ نُوحٍ إنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧]، وقالَ عَنْ مُوسى إنَّهُ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] والظّاهِرُ أنَّ نُوحًا ومُوسى عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ ما دَعَوْا ذَلِكَ الدُّعاءَ عَلى قَوْمِهِما إلّا بَعْدَ أنْ عَلِما مِنَ اللَّهِ أنَّهم أشْقِياءُ في عِلْمِ اللَّهِ لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، أمّا نُوحٌ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ:
﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وأمّا مُوسى فَقَدْ فَهِمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢]، فَإنَّهم قالُوا هَذا القَوْلَ بَعْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الآياتِ العَظِيمَةِ المَذْكُورَةِ في الأعْرافِ وغَيْرِها.
إبراهيم 14:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الآيَةَ.
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعا لِذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ (p-٢٤٩)أسْكَنَهم بِمَكَّةَ المُكَرَّمَةِ أنْ يَرْزُقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الثَّمَراتِ، وبَيَّنَ في ”سُورَةِ البَقَرَةِ“ أنَّ إبْراهِيمَ خَصَّ بِهَذا الدُّعاءِ المُؤْمِنِينَ مِنهم، وأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهُ أنَّهُ رازِقُهم جَمِيعًا مُؤْمِنَهم وكافِرَهم، ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُعَذِّبُ الكافِرَ، وذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٦] قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: سَبَبُ تَخْصِيصِ إبْراهِيمَ المُؤْمِنِينَ في هَذا الدُّعاءِ بِالرِّزْقِ، أنَّهُ دَعا لِذُرِّيَّتِهِ أوَّلًا أنْ يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ أئِمَّةً، ولَمْ يُخَصِّصْ بِالمُؤْمِنِينَ فَأخْبَرَهُ اللَّهُ أنَّ الظّالِمِينَ مِن ذُرِّيَّتِهِ لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، فَلَمّا أرادَ أنْ يَدْعُوَ لَهم بِالرِّزْقِ خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَقالَ: وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ كالإمامَةِ فاللَّهُ يَرْزُقُ الكافِرَ مِنَ الدُّنْيا ولا يَجْعَلُهُ إمامًا؛ ولِذا قالَ لَهُ في طَلَبِ الإمامَةِ: لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ، ولَمّا خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ الرِّزْقِ قالَ لَهُ: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٦] .
إبراهيم 14:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ الآيَةَ.
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إبْراهِيمَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ لِوالِدَيْهِ، وبَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ طَلَبَهُ الغُفْرانَ لِأبِيهِ إنَّما كانَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ فَلَمّا عَلِمَ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
إبراهيم 14:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُؤَخِّرُ عِقابَ الكُفّارِ إلى يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، وأوْضَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٩٧]، ومَعْنى شُخُوصِ الأبْصارِ أنَّها تَبْقى مُنْفَتِحَةً لا تُغْمَضُ مِنَ الهَوْلِ وشِدَّةِ الخَوْفِ.
إبراهيم 14:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ .
الإهْطاعُ في اللُّغَةِ: الإسْراعُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يَأْتُونَ مُهْطِعِينَ، أيْ: مُسْرِعِينَ إذا دُعُوا لِلْحِسابِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الآيَةَ [القمر: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٢٥٠)وَمِن إطْلاقِ الإهْطاعِ في اللُّغَةِ بِمَعْنى الإسْراعِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِدِجْلَةَ دارُهم ولَقَدْ أراهم بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ
أيْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ.
إبراهيم 14:48
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها التَّصْرِيحُ بِتَبْدِيلِ الأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ أنَّها تَبْقى ولا تَتَغَيَّرُ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧ - ٨]، فَإنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ صَرَّحَ بِأنَّهُ جَعَلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِابْتِلاءِ الخَلْقِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يَجْعَلُ ما عَلى الأرْضِ صَعِيدًا جُرُزًا، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ يُغَيِّرُ نَفْسَ الأرْضِ، فَيُتَوَهَّمُ مِنهُ أنَّ التَّغْيِيرَ حاصِلٌ في ما عَلَيْها دُونَ نَفْسِها.
والجَوابُ هو أنَّ حِكْمَةَ ذِكْرِ ما عَلَيْها دُونَها، لِأنَّ ما عَلى الأرْضِ مِنَ الزِّينَةِ والزَّخارِفِ ومَتاعِ الدُّنْيا، هو سَبَبُ الفِتْنَةِ والطُّغْيانِ، ومَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى.
فالإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ فانٍ زائِلٌ فِيهِ أكْبَرُ واعِظٍ وأعْظَمُ زاجِرٍ، عَنِ الِافْتِتانِ بِهِ، ولِهَذِهِ الحِكْمَةِ خُصَّ بِالذِّكْرِ، فَلا يُنافِي تَبْدِيلَ الأرْضِ المُصَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، كَما هو (p-٣١٦)ظاهِرٌ، مَعَ أنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: ﴿ما عَلَيْها﴾ مَفْهُومُ لَقَبٍ لِأنَّ المَوْصُولَ الَّذِي هو واقِعٌ عَلى جَمِيعِ الأجْناسِ الكائِنَةِ عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها، ومَفْهُومُ اللَّقَبِ لا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وإذا كانَ لا اعْتِبارَ بِهِ لَمْ تَظْهَرْ مُنافاةٌ أصْلًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
إبراهيم 14:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُجْرِمِينَ وهُمُ الكُفّارُ يَوْمَ القِيامَةِ يُقَرَّنُونَ في الأصْفادِ، وبَيَّنَ تَعالى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والأصْفادُ: هي الأغْلالُ والقُيُودُ، واحِدُها: صَفْدٌ بِالسُّكُونِ، وصَفَدٌ بِالتَّحْرِيكِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
؎فَآبُوا بِالنِّهابِ وبِالسَّبايا وأُبْنا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدِينا
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ [ص: ٣٧، ٣٨] .
إبراهيم 14:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ تَغْشى وجُوهَ الكُفّارِ فَتُحْرِقُها، وأوْضَحَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٣٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
إبراهيم 14:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ هَذا القُرْآنَ بَلاغٌ لِجَمِيعِ النّاسِ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وبَيَّنَ أنَّ مَن بَلَغَهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ فَهو في النّارِ كائِنًا مَن كانَ، في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ الآيَةَ [هود: ١٧] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مِن حِكَمِ إنْزالِ القُرْآنِ العَظِيمِ العِلْمَ بِأنَّهُ تَعالى إلَهٌ واحِدٌ، وأنَّ مِن حِكَمِهِ أنْ يَتَّعِظَ أصْحابُ العُقُولِ، وبَيَّنَ هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ فَذَكَرَ الحِكْمَةَ الأُولى في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ١، ٢] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، وذَكَرَ الحِكْمَةَ الثّانِيَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩] (p-٢٥١)وَهم أصْحابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ مِن شَوائِبِ الِاخْتِلالِ، واحِدُ الألْبابِ لُبٌّ بِالضَّمِّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الحجر 15:2
(p-٢٥٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحِجْرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ .
ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ إذا عَرَفُوا حَقِيقَةَ الأمْرِ تَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا في دارِ الدُّنْيا مُسْلِمِينَ، ونَدِمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وأقْوالُ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ مَن يَقُولُ: إنَّ الكافِرَ إذا احْتُضِرَ وعايَنَ الحَقِيقَةَ تَمَنّى أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ومَن يَقُولُ: إنَّهُ إذا عايَنَ النّارَ ووَقَفَ عَلَيْها تَمَنّى أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ومَن يَقُولُ: إنَّهم إذا عايَنُوا إخْراجَ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ تَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ، كُلُّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى أنَّ الكُفّارَ إذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ نَدِمُوا عَلى الكُفْرِ وتَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ.
وَقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ رُبَما بِتَخْفِيفِ الباءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها، والتَّخْفِيفُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّثْقِيلُ لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ ورَبِيعَةَ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ الرَّعْلاءِ الغَسّانِيِّ:
؎رُبَما ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيلٍ بَيْنَ بُصْرى وطَعْنَةٍ نَجْلاءِ
والثّانِي: كَثِيرٌ جِدًّا، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ألّا رُبَّما أهْدَتْ لَكِ العَيْنُ نَظْرَةً ∗∗∗ قَصاراكِ مِنها أنَّها عَنْكِ لا تُجْدِي
وَرُبَّ في هَذا المَوْضِعِ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ لِلتَّكْثِيرِ، أيْ: يَوَدُّ الكُفّارُ في أوْقاتٍ كَثِيرَةٍ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ. ونَقَلَ القُرْطُبِيُّ هَذا القَوْلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ قالَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألّا رُبَّما أهْدَتْ لَكِ العَيْنُ ∗∗∗ . . . . . . . . .
البَيْتَ (p-٢٥٣)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي هُنا لِلتَّقْلِيلِ؛ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ في بَعْضِ المَواضِعِ لا في كُلِّها لِشُغْلِهِمْ بِالعَذابِ. فَإنْ قِيلَ: رُبَّما لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الماضِي، فَما وجْهُ دُخُولِها عَلى المُضارِعِ في هَذا المَوْضِعِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ صارَ ذَلِكَ الوَعْدُ لِلْجَزْمِ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، كالواقِعِ بِالفِعْلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١] ونَحْوَها مِنَ الآياتِ، فَعَبَّرَ بِالماضِي تَنْزِيلًا لِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ بِالفِعْلِ.
الحجر 15:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
هَدَّدَ اللَّهُ تَعالى الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأمْرِهِ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَتْرُكَهم يَأْكُلُونَ ويَتَمَتَّعُونَ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ مِن شِدَّةِ تَعْذِيبِهِمْ وإهانَتِهِمْ. وهَدَّدَهم هَذا النَّوْعَ مِنَ التَّهْدِيدِ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [ ١٤ ]
• وقَوْلِهِ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣ ]، [ ٧٠ \ ٤٢]
• وقَوْلِهِ ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي وفي مَبْحَثِ الأمْرِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ أنَّ مِنَ المَعانِي الَّتِي تَأْتِي لَها صِيغَةُ افْعَلِ التَّهْدِيدَ، كَما في الآيَةِ المَذْكُورَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَرْهم يَعْنِي اتْرُكْهم، وهَذا الفِعْلُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ إلّا الأمْرُ والمُضارِعُ، فَماضِيهِ تَرَكَ، ومَصْدَرُهُ التَّرْكُ، واسْمُ الفاعِلِ مِنهُ تارِكٌ، واسْمُ المَفْعُولِ مِنهُ مَتْرُوكٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ السَّيْفِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. قالَ القُرْطُبِيُّ: ”والأمَلُ الحِرْصُ عَلى الدُّنْيا والِانْكِبابُ عَلَيْها، والحُبُّ لَها والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ“ وعَنِ الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ قالَ: ”ما أطالَ عَبْدٌ الأمَلَ إلّا أساءَ العَمَلَ“ وقَدْ قَدَّمْنا عِلاجَ طُولِ الأمَلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الحجر 15:6
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ قَدْ يُقالُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: كَيْفَ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ أُنْزِلَ إلَيْهِ الذِّكْرُ ويَنْسُبُونَهُ لِلْجُنُونِ مَعَ ذَلِكَ ؟ والجَوابُ أنَّ قَوْلَهم: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ يَعْنُونَ في زَعْمِهِ تَهَكُّمًا مِنهم بِهِ، ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى وُرُودُ مِثْلِهِ مِنَ الكُفّارِ مُتَهَكِّمِينَ بِالرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ - في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى قالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] (p-٢٥٤)وَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ . [ ١١ \ ٨٧
الحجر 15:7
قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ . لَوْ ما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلتَّحْضِيضِ، وهو طَلَبُ الفِعْلِ طَلَبًا حَثِيثًا. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الكُفّارَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ طَلَبَ تَخْصِيصٍ أنْ يَأْتِيَهم بِالمَلائِكَةِ لِيَكُونَ إتْيانُ المَلائِكَةِ مَعَهُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبَيَّنَ طَلَبَ الكُفّارِ هَذا في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ عَنْ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
واعْلَمْ أنَّ لَوْ تُرَكَّبُ مَعَ لا وما لِمَعْنَيَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما التَّحْضِيضُ، ومِثالُهُ في لَوْ ما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ومِثالُهُ في لَوْلا قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضُوطْرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا
يَعْنِي: فَهَلّا تَعُدُّونَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَ، المَعْنى الثّانِي هو امْتِناعُ شَيْءٍ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، وهو في لَوْلا كَثِيرٌ جِدًّا كَقَوْلِ عامِرِ بْنِ الأكْوَعِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
؎تاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ ما اهْتَدَيْنا ∗∗∗ ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا
وَمِثالُهُ في (لَوْ ما) قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎لَوْ ما الحَياءُ ولَوْ ما الدِّينُ عِبْتُكُما ∗∗∗ بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي
وَأمّا هَلْ فَلَمْ تُرَكَّبْ إلّا مَعَ لا وحْدَها لِلتَّحْضِيضِ.
تَنْبِيهٌ
قَدْ تَرِدُ أدَواتُ التَّحْضِيضِ لِلتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ، فَتَخْتَصُّ بِالماضِي أوْ ما في تَأْوِيلِهِ نَحْوَ ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ الآيَةَ [النور: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٨]، وجَعَلَ بَعْضُهم مِنهُ قَوْلَ جَرِيرٍ: (p-٢٥٥)تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ البَيْتَ المُتَقَدِّمَ آنِفًا
قائِلًا: إنَّ مُرادَهُ تَوْبِيخُهم عَلى تَرْكِ عَدِّ الكَمِيِّ المُقَنَّعِ في الماضِي.
الحجر 15:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ .
بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ما يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ، أيْ بِالوَحْيِ، وقِيلَ بِالعَذابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”إلّا تَنْزِيلًا مُتَلَبِّسًا بِالحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، ولا حِكْمَةَ في أنْ تَأْتِيَكُمُ المَلائِكَةُ عَيانًا، تُشاهِدُونَهم ويَشْهَدُونَ لَكم بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّكم حِينَئِذٍ مُصَدِّقُونَ عَنِ اضْطِرارٍ“، قالَ: " ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] وبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم لَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، ما كانُوا مُنْظَرِينَ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] لِأنَّ التَّنْوِينَ في قَوْلِهِ (إذًا) عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ، فَفِيهِ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وتَقْرِيرُ المَعْنى: ولَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ما كانُوا مُنْظَرِينَ، أيْ مُمْهَلِينَ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ﴾ [الحجر: ٨] قَرَأهُ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (نُنَزِّلُ) بِنُونَيْنِ الأُولى مَضْمُومَةٌ والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مَعَ كَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ، و (المَلائِكَةَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ بِهِ لِنُنَزِّلُ. وقَرَأ شُعْبَةُ: (تُنَزَّلُ) بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ ونُونٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ تَشْدِيدِ الزّايِ مَفْتُوحَةً بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و (المَلائِكَةَ) بِالرَّفْعِ نائِبُ فاعِلِ تُنَزَّلُ. وقَرَأ الباقُونَ (تَنَزَّلُ) بِفَتْحِ التّاءِ والنُّونِ والزّايِ المُشَدَّدَةِ، أصْلُهُ تَتَنَزَّلُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، و (المَلائِكَةُ) بِالرَّفْعِ فاعِلُ تَنَزَّلُ كَقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ الآيَةَ [القدر: ٤] .
الحجر 15:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو الَّذِي نَزَّلَ القُرْآنَ العَظِيمَ، وأنَّهُ حافِظٌ لَهُ مِن أنْ يُزادَ فِيهِ أوْ يُنْقَصَ أوْ يَتَغَيَّرَ مِنهُ شَيْءٌ أوْ يُبَدَّلَ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وهَذا هو الصَّحِيحُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (p-٢٥٦)راجِعٌ إلى الذِّكْرِ الَّذِي هو القُرْآنُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] والأوَّلُ هو الحَقُّ كَما يَتَبادَرُ مِن ظاهِرِ السِّياقِ.
الحجر 15:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا، وذَكَرَ هَذا أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ الآيَةَ [البروج: ١]، والبُرُوجُ: جَمْعُ بُرْجٍ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالبُرُوجِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: البُرُوجُ: الكَواكِبُ، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ. وعَنْ أبِي صالِحٍ: أنَّها الكَواكِبُ العِظامُ، وقِيلَ: هي قُصُورٌ في السَّماءِ عَلَيْها الحَرَسُ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ عَطِيَّةُ، وقِيلَ: هي مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ والثَّوْرُ والجَوْزاءُ والسَّرَطانُ والأسَدُ والسُّنْبُلَةُ والمِيزانُ والعَقْرَبُ والقَوْسُ والجَدْيُ والدَّلْوُ والحُوتُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: أطْلَقَ تَعالى في (( سُورَةِ النِّساءِ) ) البُرُوجَ عَلى القُصُورِ الحَصِينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] ومَرْجِعُ الأقْوالِ كُلِّها إلى شَيْءٍ واحِدٍ. لِأنَّ أصْلَ البُرُوجِ في اللُّغَةِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها، فالكَواكِبُ ظاهِرَةٌ، والقُصُورُ ظاهِرَةٌ، ومَنازِلُ القَمَرِ والشَّمْسِ كالقُصُورِ، بِجامِعِ أنَّ الكُلَّ مَحَلٌّ يُنْزَلُ فِيهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ . صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ زَيَّنَ السَّماءَ لِلنّاظِرِينَ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ زَيَّنَها بِالنُّجُومِ، وأنَّها السَّماءُ الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ الآيَةَ [الملك: ٥]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦] .
الحجر 15:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ . صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ حَفِظَ السَّماءَ مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]
• وقَوْلِهِ: (p-٢٥٧)﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والِاسْتِثْناءُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وجَزَمَ بِهِ الفَخْرُ الرّازِيُّ، أيْ لَكِنْ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ أيِ الخَطْفَةَ اليَسِيرَةَ، فَإنَّهُ يَتْبَعُهُ شِهابٌ فَيَحْرِقُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ٨ - ١٠] وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، أيْ حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ، إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، فَإنّا لَمْ نَحْفَظْها مِن أنْ تَسَّمَّعَ لِخَبَرٍ مِن أخْبارِ السَّماءِ سِوى الوَحْيِ، فَأمّا الوَحْيُ فَلا تَسْمَعُ مِنهُ شَيْئًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] قالَهُ القُرْطُبِيُّ، ونَظِيرُهُ ﴿إلّا مَن خَطِفَ﴾ الآيَةَ [الصافات: ١٠] فَإنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الواوِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٨] .
* *
[ أصْحابُ الأقْمارِ الصِّناعِيَّةِ
* *
تَنْبِيهٌ
يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا أنَّ كُلَّ ما يَتَشَدَّقُ بِهِ أصْحابُ الأقْمارِ الصِّناعِيَّةِ، مِن أنَّهم سَيَصِلُونَ إلى السَّماءِ ويَبْنُونَ عَلى القَمَرِ، كُلُّهُ كَذِبٌ وشَقْشَقَةٌ لا طائِلَ تَحْتَها، ومِنَ اليَقِينِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّهم سَيَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّهِمْ، ويَرْجِعُونَ خاسِئِينَ أذِلّاءَ عاجِزِينَ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] ووَجْهُ دَلالَةِ الآياتِ المَذْكُورَةِ عَلى ذَلِكَ أنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ، يُطْلِقُ اسْمَ الشَّيْطانِ عَلى كُلِّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والدَّوابِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «الكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطانٌ» وقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أيّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطانَ مِن غَزَلِي وكُنَّ يَهْوَيْنَنِي إذْ كُنْتُ شَيْطانًا
وَلا شَكَّ أنَّ أصْحابَ الأقْمارِ الصِّناعِيَّةِ يَدْخُلُونَ في اسْمِ الشَّياطِينِ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ لِعُتُوِّهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. وإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِحِفْظِ السَّماءِ مَن كُلِّ شَيْطانٍ، كائِنًا مَن كانَ في عِدَّةِ آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] (p-٢٥٨)وَقَوْلُهُ: ﴿وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَصَرَّحَ بِأنَّ مَن أرادَ اسْتِراقَ السَّمْعِ أتْبَعَهُ شِهابٌ راصِدٌ لَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ٩] وقالَ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] وقالَ: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] وهو تَعْجِيزٌ دالٌّ عَلى عَجْزِ البَشَرِ عَنْ ذَلِكَ عَجْزًا مُطْلَقًا، وقالَ: ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١٠ - ١١] فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾، أيْ فَلْيَصْعَدُوا في أسْبابِ السَّماواتِ الَّتِي تُوَصِّلُ إلَيْها. وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ لِلتَّعْجِيزِ، وإيرادُها لِلتَّعْجِيزِ دَلِيلٌ عَلى عَجْزِ البَشَرِ عَنْ ذَلِكَ عَجْزًا مُطْلَقًا. وقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا - بَعْدَ ذَلِكَ التَّعْجِيزِ: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ تَنَطَّعَ جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ لِلِارْتِقاءِ في أسْبابِ السَّماءِ، أنَّهُ يَرْجِعُ مَهْزُومًا صاغِرًا داخِرًا ذَلِيلًا، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ يُشارُ فِيها إلى شَيْءٍ ما كانَ يَظُنُّهُ النّاسُ وقْتَ نُزُولِها إبْهامُهُ - جَلَّ وعَلا - لِذَلِكَ الجُنْدِ بِلَفْظَةِ (ما) في قَوْلِهِ: جُنْدٌ ما [ص: ١١] وإشارَتُهُ إلى مَكانِ ذَلِكَ الجُنْدِ أوْ مَكانِ انْهِزامِهِ إشارَةُ البَعِيدِ في قَوْلِهِ: هُنالِكَ [ص: ١١]
ولَمْ يَتَقَدَّمْ في الآيَةِ ما يُظْهِرُ رُجُوعَ الإشارَةِ إلَيْهِ، إلّا الِارْتِقاءُ في أسْبابِ السَّماواتِ.
فالآيَةُ الكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنها ما ذَكَرْنا، ومَعْلُومٌ أنَّها لَمْ يُفَسِّرْها بِذَلِكَ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ، بَلْ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ تَدُورُ عَلى أنَّ الجُنْدَ المَذْكُورَ الكُفّارُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ ﷺ، وأنَّهُ ﷺ سَوْفَ يَهْزِمُهم، وأنَّ ذَلِكَ تَحَقَّقَ يَوْمَ بَدْرٍ أوْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، ولَكِنْ كِتابُ اللَّهِ لا تَزالُ تَظْهَرُ غَرائِبُهُ وعَجائِبُهُ مُتَجَدِّدَةً عَلى مَرِّ اللَّيالِي والأيّامِ، فَفي كُلِّ حِينٍ تُفْهَمُ مِنهُ أشْياءُ لَمْ تَكُنْ مَفْهُومَةً مِن قَبْلُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ أبِي جُحَيْفَةَ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ أنَّهُ لَمّا سَألَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَلْ خَصَّهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ ؟ قالَ لَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا في كِتابِ اللَّهِ، وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. الحَدِيثَ. فَقَوْلُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إلّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا في كِتابِ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ فَهْمَ كِتابِ اللَّهِ (p-٢٥٩)تَتَجَدَّدُ بِهِ العُلُومُ والمَعارِفُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ عِنْدَ عامَّةِ النّاسِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما حَمَلَها عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.
وَما ذَكَرْنا أيْضًا أنَّهُ يُفْهَمُ مِنها لِما تَقَرَّرَ عِنْدَ العُلَماءِ مِن أنَّ الآيَةَ إنْ كانَتْ تَحْتَمِلُ مَعانِيَ كُلُّها صَحِيحَةٌ، تَعَيَّنَ حَمْلُها عَلى الجَمِيعِ، كَما حَقَّقَهُ بِأدِلَّتِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَةَ في رِسالَتِهِ في عُلُومِ القُرْآنِ.
وَصَرَّحَ تَعالى بِأنَّ القَمَرَ في السَّبْعِ الطِّباقِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦] فَعُلِمَ مِنَ الآياتِ أنَّ القَمَرَ في السَّبْعِ الطِّباقِ، وأنَّ اللَّهَ حَفِظَها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، فَلَمْ يَبْقَ شَكٌّ ولا لَبْسٌ في أنَّ الشَّياطِينَ أصْحابَ الأقْمارِ الصِّناعِيَّةِ سَيَرْجِعُونَ داخِرِينَ صاغِرِينَ، عاجِزِينَ عَنِ الوُصُولِ إلى القَمَرِ والوُصُولِ إلى السَّماءِ، ولَمْ يَبْقَ لَبْسٌ في أنَّ السَّماءَ الَّتِي فِيها القَمَرُ لَيْسَ يُرادُ بِها مُطْلَقَ ما عَلاكَ، وإنْ كانَ لَفْظُ السَّماءِ قَدْ يُطْلَقُ لُغَةً عَلى كُلِّ ما عَلاكَ، كَسَقْفِ البَيْتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٥] . وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
؎وَقَدْ يُسَمّى سَماءً كُلُّ مُرْتَفِعٍ ∗∗∗ وإنَّما الفَضْلُ حَيْثُ الشَّمْسُ والقَمَرُ
لِتَصْرِيحِهِ تَعالى بِأنَّ القَمَرَ في السَّبْعِ الطِّباقِ. لِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ﴾ [نوح: ١٦] راجِعٌ إلى السَّبْعِ الطِّباقِ، وإطْلاقُ المَجْمُوعِ مُرادًا بَعْضُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ.
وَمِن أصْرَحِ أدِلَّتِهِ: قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] مِنَ القَتْلِ في الفِعْلَيْنِ. لِأنَّ مَن قُتِلَ - بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ - لا يُمْكِنُ أنْ يُؤْمَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأنْ يَقْتُلَ قاتِلَهُ، ولَكِنَّ المُرادَ: فَإنْ قَتَلُوا بَعْضَكم فَلْيَقْتُلْهم بَعْضُكُمُ الآخَرُ، كَما هو ظاهِرٌ. وقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] . وصَحَّ كَوْنُ السَّماواتِ ظَرْفًا لِلْقَمَرِ. لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الظَّرْفِ أنْ يَمْلَأهُ المَظْرُوفُ. تَقُولُ: زَيْدٌ في المَدِينَةِ، وهو في جُزْءٍ مِنها.
واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ صَرِيحٌ في أنَّ نَفْسَ القَمَرِ في السَّبْعِ الطِّباقِ. لِأنَّ لَفْظَةَ جَعَلَ [نوح: ١٥] في الآيَةِ هي الَّتِي بِمَعْنى صَيَّرَ، وهي تَنْصِبُ المُبْتَدَأ والخَبَرَ، والمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمُبْتَدَأِ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالخَبَرِ بِعَيْنِهِ لا شَيْءٍ آخَرَ، فَقَوْلُكَ: جَعَلْتُ الطِّينَ خَزَفًا، والحَدِيدَ خاتَمًا، لا يَخْفى فِيهِ أنَّ الطِّينَ هو الخَزَفُ بِعَيْنِهِ، والحَدِيدَ هو الخاتَمُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] .
(p-٢٦٠)فالنُّورُ المَجْعُولُ فِيهِنَّ هو القَمَرُ بِعَيْنِهِ، فَلا يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ بِحَسَبِ الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ احْتِمالُ خُرُوجِ نَفْسِ القَمَرِ عَنِ السَّبْعِ الطِّباقِ، وكَوْنُ المَجْعُولِ فِيها مُطْلَقَ نُورِهِ. لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ: وجَعَلَ نُورَ القَمَرِ فِيهِنَّ أمّا قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ فَهو صَرِيحٌ في أنَّ النُّورَ المَجْعُولَ فِيهِنَّ هو عَيْنُ القَمَرِ، ولا يَجُوزُ صَرْفُ القُرْآنِ عَنْ مَعْناهُ المُتَبادِرِ بِلا دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في سُورَةِ الفُرْقانِ بِأنَّ القَمَرَ في خُصُوصِ السَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ بِقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] وصَرَّحَ في سُورَةِ الحِجْرِ بِأنَّ ذاتَ البُرُوجِ المَنصُوصَ عَلى أنَّ القَمَرَ فِيها هي بِعَيْنِها المَحْفُوظَةُ مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٦] وما يَزْعُمُهُ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - أشارَ إلى الِاتِّصالِ بَيْنَ أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] يُقالُ فِيهِ: إنَّ المُرادَ جَمْعُهم يَوْمَ القِيامَةِ في المَحْشَرِ، كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ. ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ تَسْمِيَةُ يَوْمِ القِيامَةِ يَوْمَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ الآيَةَ [التغابن: ٩] . وكَثْرَةُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ جَمْعَ جَمِيعِ الخَلائِقِ كائِنٌ يَوْمَ القِيامَةِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]
• وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]
• وقَوْلِهِ ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]
• وقَوْلِهِ ﴿وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] .
وَمَعَ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ قالَ: المُرادُ ما بَثَّ مِنَ الدَّوابِّ في الأرْضِ فَقَطْ، فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ المَجْمُوعِ مُرادًا بَعْضُهُ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي لِسانِ العَرَبِ، وبَعْضُهم قالَ: المُرادُ بِدَوابِّ السَّماءِ المَلائِكَةُ، زاعِمًا أنَّ الدَّبِيبَ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ حَرَكَةٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: ظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ اللَّهَ بَثَّ في السَّماءِ دَوابَّ كَما بَثَّ في (p-٢٦١)الأرْضِ دَوابَّ. ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى جَمْعِ أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ، ولَكِنَّ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ الَّتِي ذَكَرْنا بَيَّنَتْ أنَّ المُرادَ بِجَمْعِهِمْ حَشْرُهم جَمِيعًا يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أطْبَقَ عَلى ذَلِكَ المُفَسِّرُونَ، ولَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّها تَدُلُّ عَلى جَمْعِهِمْ في الدُّنْيا، فَلا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ بُلُوغُ أهْلِ الأرْضِ إلى أهْلِ السَّماءِ، بَلْ يَجُوزُ عَقْلًا أنْ يَنْحَدِرَ مَن في السَّماءِ إلى مَن في الأرْضِ؛ لِأنَّ الهُبُوطَ أهْوَنُ مِنَ الصُّعُودِ وما يَزْعُمُهُ مَن لا عِلْمَ عِنْدَهُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى مِن أنَّ قَوْلَهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] يُشِيرُ إلى الوُصُولِ إلى السَّماءِ بِدَعْوى أنَّ المُرادَ بِالسُّلْطانِ في الآيَةِ هو هَذا العِلْمُ الحادِثُ الَّذِي مِن نَتائِجِهِ الصَّوارِيخُ والأقْمارُ الصِّناعِيَّةُ. وإذًا فَإنَّ الآيَةَ قَدْ تَكُونُ فِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّهم يَنْفُذُونَ بِذَلِكَ العِلْمِ مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ مَرْدُودٌ مِن أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ هو إعْلامُ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - خَلْقَهُ أنَّهم لا مَحِيصَ لَهم ولا مَفَرَّ عَنْ قَضائِهِ ونُفُوذِ مَشِيئَتِهِ فِيهِمْ، وذَلِكَ عِنْدَما تَحُفُّ بِهِمْ صُفُوفُ المَلائِكَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَكُلَّما فَرُّوا إلى جِهَةٍ وجَدُوا صُفُوفَ المَلائِكَةِ أمامَهم، ويُقالُ لَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣] والسُّلْطانُ: قِيلَ الحُجَّةُ والبَيِّنَةُ، وقِيلَ المُلْكُ والسَّلْطَنَةُ، وكُلُّ ذَلِكَ مَعْدُومٌ عِنْدَهم يَوْمَ القِيامَةِ فَلا نُفُوذَ لَهم كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وقالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢ - ٣٣] .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الجِنَّ أعْطاهُمُ اللَّهُ القُدْرَةَ عَلى الطَّيَرانِ والنُّفُوذِ في أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ، وكانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ السَّماءِ كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ . الآيَةَ [الجن: ٩] وإنَّما مُنِعُوا مِن ذَلِكَ حِينَ بُعِثَ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] فالجِنُّ كانُوا قادِرِينَ عَلى بُلُوغِ السَّماءِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى صارُوخٍ ولا قَمَرٍ صِناعِيٍّ، فَلَوْ كانَ مَعْنى الآيَةِ هو ما يَزْعُمُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ لا عِلْمَ لَهم بِكِتابِ اللَّهِ لَمْ يَقُلْ - جَلَّ وعَلا - يا مَعْشَرَ الجِنِّ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْفُذُونَ إلى السَّماءِ قَبْلَ حُدُوثِ السُّلْطانِ المَزْعُومِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ العِلْمَ المَذْكُورَ الَّذِي لا يُجاوِزُ صِناعَةً يَدَوِيَّةً أهْوَنُ عَلى اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - مِن أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ السُّلْطانِ؛ لِأنَّهُ لا يُجاوِزُ أغْراضَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ولا نَظَرَ فِيهِ (p-٢٦٢)ألْبَتَّةَ لِما بَعْدَ المَوْتِ. ولِأنَّ الدُّنْيا كُلَّها لا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ.
وَقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى كَمالِ حَقارَتِها عِنْدَهُ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥] وعَلِمَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ نَفْيَ اللَّهِ عَنْهُ اسْمَ العِلْمِ الحَقِيقِيِّ، وأثْبَتَ لَهُ أنَّهُ عِلْمٌ ظاهِرٌ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ﴿وَهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧] فَحِذْقُ الكُفّارِ في الصِّناعاتِ اليَدَوِيَّةِ كَحِذْقِ بَعْضِ الحَيَواناتِ في صِناعَتِها، بِإلْهامِ اللَّهِ لَها ذَلِكَ، فالنَّحْلُ تَبْنِي بَيْتَ عَسَلِها عَلى صُورَةِ شَكْلٍ مُسَدَّسٍ، يَحارُ فِيهِ حُذّاقُ المُهَنْدِسِينَ. ولَمّا أرادُوا أنْ يَتَعَلَّمُوا مِنها كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ البِناءِ، وجَعَلُوها في أجْباحِ زُجاجٍ لِيَنْظُرُوا إلى كَيْفِيَّةِ بِنائِها، أبَتْ أنْ تُعَلِّمَهم، فَطَلَتِ الزُّجاجَ بِالعَسَلِ قَبْلَ البِناءِ، كَيْلا يَرَوْا كَيْفِيَّةَ بِنائِها، كَما أخْبَرَتْنا الثِّقَةُ بِذَلِكَ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّ ذَلِكَ المَعْنى المَزْعُومَ كَذِبًا هو مَعْنى الآيَةِ، فَإنَّ اللَّهَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ﴾ الآيَةَ [الرحمن: ٣٥] فَهو يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ عَلى أنَّهم لَوْ أرادُوا النُّفُوذَ في أقْطارِها حَرَقَهم ذَلِكَ الشُّواظُ والنُّحاسُ، والشُّواظُ اللَّهَبُ الخالِصُ، والنُّحاسُ الدُّخانُ ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎يُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَّلِيطِ ∗∗∗ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحاسًا
وَكَذَلِكَ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِمَعْنى كِتابِ اللَّهِ مِن أنَّ اللَّهَ أشارَ إلى اتِّصالِ أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٤] بِصِيغَةِ الأمْرِ في لَفْظَةِ قُلْ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وبِصِيغَةِ الماضِي قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الآيَةَ. في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لا بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ ولا التَّضَمُّنِ ولا الِالتِزامِ؛ لِأنَّ غايَةَ ما تُفِيدُهُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ إنَّ رَبَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ ما يَقُولُهُ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وعَلى قِراءَةِ الأخَوَيْنِ وحَفْصٍ، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهُ ﷺ أخْبَرَ قائِلًا إنَّ رَبَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَعْلَمُ كُلَّ ما يُقالُ في السَّماءِ والأرْضِ، وهَذا واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - عالِمٌ بِكُلِّ أسْرارِ أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ وعَلانِياتِهِمْ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماءِ ولا في الأرْضِ، ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ.
وَكَذَلِكَ ما يَزْعُمُهُ مَن لا عِلْمَ عِنْدَهُ بِمَعْنى كِتابِ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - مِن أنَّهُ تَعالى أشارَ (p-٢٦٣)إلى أنَّ أهْلَ الأرْضِ سَيَصْعَدُونَ إلى السَّماواتِ واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى بِقَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] زاعِمًا أنَّ مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَتَرْكَبُنَّ أيُّها النّاسُ طَبَقًا أيْ سَماءً عَنْ طَبَقٍ أيْ بَعْدَ سَماءٍ حَتّى تَصْعَدُوا فَوْقَ السَّماواتِ، فَهو أيْضًا جَهْلٌ بِكِتابِ اللَّهِ وحَمْلٌ لَهُ عَلى غَيْرِ ما يُرادُ بِهِ.
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ في هَذا الحَرْفِ قِراءَتَيْنِ سَبْعِيَّتَيْنِ مَشْهُورَتَيْنِ، إحْداهُما: لَتَرْكَبَنَّ بِفَتْحِ الباءِ وبِها قَرَأ مِنَ السَّبْعَةِ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَفي فاعِلِ لَتَرْكَبَنَّ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ العُلَماءِ الأوَّلُ وهو أشْهَرُها أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ الخِطابِ الواقِعِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أيْ: لَتَرْكَبَنَّ أنْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ أيْ بَعْدَ طَبَقٍ أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ أيْ فَتَتَرَقّى في الدَّرَجاتِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، والطَّبَقُ في لُغَةِ العَرَبِ الحالُ ومِنهُ قَوْلُ الأقْرَعِ بْنُ حابِسٍ التَّمِيمِيُّ:
؎إنِّي امْرُؤٌ قَدْ حَلَبَتِ الدَّهْرُ أشْطُرَهُ ∗∗∗ وساقَنِي طَبَقٌ مِنها إلى طَبَقٍ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎كَذَلِكَ المَرْءُ إنْ يُنْسَأْ لَهُ أجَلٌ ∗∗∗ يَرْكَبْ عَلى طَبَقٍ مِن بَعْدِهِ طَبَقُ
أيْ: حالٌ بَعْدَ حالٍ في البَيْتَيْنِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ ومُجاهِدٌ وابْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ والكَلْبِيُّ وغَيْرُهم ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] أيْ لَتَصْعَدَنَّ يا مُحَمَّدُ سَماءً بَعْدَ سَماءٍ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ.
والثّانِي أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ السَّماءِ أيْ لَتَرْكَبَنَّ هي أيِ السَّماءُ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ، أيْ لَتَنْتَقِلَنَّ السَّماءُ مِن حالٍ إلى حالٍ، أيْ تَصِيرُ تارَةً كالدِّهانِ وتارَةً كالمُهْلِ وتارَةً تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ وتارَةً تُطْوى كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ.
والثّالِثُ أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنْسانُ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن صِغَرٍ إلى كِبَرٍ ومِن صِحَّةٍ إلى سَقَمٍ كالعَكْسِ، ومِن غِنًى إلى فَقْرٍ كالعَكْسِ، ومِن مَوْتٍ إلى حَياةٍ كالعَكْسِ، ومَن هَوْلٍ مِن أهْوالِ القِيامَةِ إلى آخَرَ وهَكَذا، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ وبِها قَرَأ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ (لَتَرْكَبُنَّ) بِضَمِّ الباءِ وهو خِطابٌ عامٌّ لِلنّاسِ (p-٢٦٤)المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧ - ١٠] ومَعْنى الآيَةِ لَتَرْكَبُنَّ أيُّها النّاسُ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَتَنْتَقِلُونَ في دارِ الدُّنْيا مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، وفي الآخِرَةِ مِن هَوْلٍ إلى هَوْلٍ، فَإنْ قِيلَ يَجُوزُ بِحَسَبِ وضْعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ عَلى قِراءَةِ ضَمِّ الباءِ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَتَرْكَبُنَّ أيُّها النّاسُ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ أيْ سَماءً بَعْدَ سَماءٍ حَتّى تَصْعَدُوا فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قِراءَةِ فَتْحِ الباءِ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وإذا كانَ هَذا جائِزًا في لُغَةِ القُرْآنِ فَما المانِعُ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلَيْهِ ؟ فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطَّبَقِ الحالُ المُنْتَقِلُ إلَيْها مِن مَوْتٍ ونَحْوِهِ وهَوْلِ القِيامَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ مُرَتِّبًا لَهُ عَلَيْهِ بِالفاءِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠ - ٢١] فَهو قَرِينَةٌ ظاهِرَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ إذا كانُوا يَنْتَقِلُونَ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومَن هَوْلٍ إلى هَوْلٍ، فَما المانِعُ لَهم مِن أنْ يُؤْمِنُوا ويَسْتَعِدُّوا لِتِلْكَ الشَّدائِدِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الدَّواهِيَ بَناتِ طَبَقٍ، كَما هو مَعْرُوفٌ في لُغَتِهِمْ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - هُمُ المُخاطَبُونَ الأوَّلُونَ بِهَذا الخِطابِ، وهم أوْلى النّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهِ بِحَسَبِ الوَضْعِ العَرَبِيِّ، ولَمْ يَرْكَبْ أحَدٌ مِنهم سَماءً بَعْدَ سَماءٍ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَعْنى الآيَةِ ولَوْ كانَ هو مَعْناها لَما خَرَجَ مِنهُ المُخاطَبُونَ الأوَّلُونَ بِلا قَرِينَةٍ عَلى ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: هو ما قَدَّمْنا مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ المُصَرِّحَةِ بِحِفْظِ السَّماءِ وحِراسَتِها مَن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ كائِنًا مَن كانَ، فَبِهَذا يَتَّضِحُ أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ لَيْسَ فِيها دَلِيلٌ عَلى صُعُودِ أصْحابِ الأقْمارِ الصِّناعِيَّةِ فَوْقَ السَّبْعِ الطِّباقِ. والواقِعُ المُسْتَقْبَلُ سَيَكْشِفُ حَقِيقَةَ تِلْكَ الأكاذِيبِ والمَزاعِمِ الباطِلَةِ، وكَذَلِكَ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ مَن لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِمَعْنى كِتابِ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى أشارَ إلى بُلُوغِ أهْلِ الأرْضِ إلى السَّماواتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ١٣] فَقالُوا: تَسْخِيرُهُ - جَلَّ وعَلا - ما في السَّماواتِ لِأهْلِ الأرْضِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم سَيَبْلُغُونَ السَّماواتِ، والآيَةُ الكَرِيمَةُ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الَّذِي زَعَمُوا أنَّها تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ بَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَيْفِيَّةَ تَسْخِيرِ ما في السَّماءِ لِأهْلِ الأرْضِ، فَبَيَّنَ أنَّ تَسْخِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِمَنافِعِهِمْ، وانْتِشارَ الضَّوْءِ عَلَيْهِمْ، ولِكَيْ يَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٣] (p-٢٦٥)وَمَنافِعُ الشَّمْسِ والقَمَرِ اللَّذَيْنِ سَخَّرَهُما اللَّهُ لِأهْلِ الأرْضِ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ كَما هو مَعْرُوفٌ وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [الإسراء: ١٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِذَلِكَ التَّسْخِيرِ لِأهْلِ الأرْضِ. وكَذَلِكَ سَخَّرَ لِأهْلِ الأرْضِ النُّجُومَ لِيَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢] وقالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٧] وقالَ: ﴿وَعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فَهَذا هو تَسْخِيرُ ما في السَّماءِ لِأهْلِ الأرْضِ وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ. ومِمّا يُوَضِّحُ ما ذَكَرْنا أنَّ المُخاطَبِينَ الأوَّلِينَ
• بِقَوْلِهِ ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ١٣] وهُمُ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَمْ يُسَخَّرْ لَهم شَيْءٌ مِمّا في السَّماواتِ إلّا هَذا التَّسْخِيرَ الَّذِي ذَكَرْنا، الَّذِي بَيَّنَهُ القُرْآنُ العَظِيمُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ. فَلَوْ كانَ يُرادُ بِهِ التَّسْخِيرُ المَزْعُومُ عَنْ طَرِيقِ الصَّوارِيخِ والأقْمارِ الصِّناعِيَّةِ لَدَخَلَ فِيهِ المُخاطَبُونَ الأوَّلُونَ كَما هو ظاهِرٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]، فَإنَّ مَعْنى مُرُورِهِمْ عَلى ما في السَّماواتِ مِنَ الآياتِ نَظَرُهم إلَيْها كَما بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٨٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠١]
• وقَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
واعْلَمْ - وفَّقَنِي اللَّهُ وإيّاكَ - أنَّ التَّلاعُبَ بِكِتابِ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - وتَفْسِيرَهُ بِغَيْرِ مَعْناهُ لِمُحاوَلَةِ تَوْفِيقِهِ مَعَ آراءِ كَفَرَةِ الإفْرِنْجِ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ مِن مَصْلَحَةِ الدُّنْيا ولا الآخِرَةِ، وإنَّما فِيهِ فَسادُ الدّارَيْنِ، ونَحْنُ إذْ نَمْنَعُ التَّلاعُبَ بِكِتابِ اللَّهِ وتَفْسِيرِهِ بِغَيْرِ مَعْناهُ، نَحُضُّ جَمِيعَ المُسْلِمِينَ عَلى بَذْلِ الوُسْعِ في تَعْلِيمِ ما يَنْفَعُهم مِن هَذِهِ العُلُومِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَعَ تَمَسُّكِهِمْ بِدِينِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] كَما سَتَرى بَسْطَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ.
فَإنْ قِيلَ. هَذِهِ الآياتُ الَّتِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِها عَلى حِفْظِ السَّماءِ مِنَ الشَّياطِينِ وارِدَةٌ في (p-٢٦٦)حِفْظِها مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ مِن شَياطِينِ الجِنِّ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى اخْتِصاصِ الآياتِ المَذْكُورَةِ بِشَياطِينِ الجِنِّ ؟ فالجَوابُ: أنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ تَشْمَلُ بِدَلالَتِها اللُّغَوِيَّةِ شَياطِينَ الإنْسِ مِنَ الكُفّارِ. قالَ في لِسانِ العَرَبِ: والشَّيْطانُ مَعْرُوفٌ، وكُلُّ عاتٍ مُتَمَرِّدٌ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والدَّوابِّ شَيْطانٌ. وقالَ في القامُوسِ: والشَّيْطانُ مَعْرُوفٌ، وكُلُّ عاتٍ مُتَمَرِّدٌ مِن إنْسٍ أوْ جِنٍّ أوْ دابَّةٍ اه.
وَلا شَكَّ أنَّ مِن أشَدِّ الكُفّارِ تَمَرُّدًا وعُتُوًّا الَّذِينَ يُحاوِلُونَ بُلُوغَ السَّماءِ، فَدُخُولُهم في اسْمِ الشَّيْطانِ لُغَةً لا شَكَّ فِيهِ، وإذا كانَ لَفْظُ الشَّيْطانِ يَعُمُّ كُلَّ مُتَمَرِّدٍ عاتٍ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] صَرِيحٌ في حِفْظِ السَّماءِ مِن كُلِّ مُتَمَرِّدٍ عاتٍ كائِنًا مَن كانَ، وحَمْلُ نُصُوصِ الوَحْيِ عَلى مَدْلُولاتِها اللُّغَوِيَّةِ واجِبٌ، إلّا لِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِها أوْ صَرْفِها عَنْ ظاهِرِها المُتَبادِرِ مِنها كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ. وحِفْظُ السَّماءِ مِنَ الشَّياطِينِ مَعْناهُ حِراسَتُها مِنهم، قالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: حَفِظْتُ الشَّيْءَ حِفْظًا أيْ حَرَسْتُهُ اه. وقالَ صاحِبُ لِسانِ العَرَبِ: وحَفِظْتُ الشَّيْءَ حِفْظًا أيْ حَرَسْتُهُ اه. وهَذا مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، فَيَكُونُ مَدْلُولُ هَذِهِ الآيَةِ بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] أيْ وحَرَسْناها أيِ السَّماءَ مِن كُلِّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ.
وَلا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لِقَوْلِهِ رَجِيمٍ [الحجر: ١٧] وقَوْلِهِ مارِدٍ [الصافات: ٧] لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ الكاشِفَةِ فَكُلَّ شَيْطانٍ يُوصَفُ بِأنَّهُ رَجِيمٌ وبِأنَّهُ مارِدٌ، وإنْ كانَ بَعْضُهم أقْوى تَمَرُّدًا مِن بَعْضٍ، وما حَرَسَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - مِن كُلِّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ، لا شَكَّ أنَّهُ لا يَصِلُ إلَيْهِ عاتٍ مُتَمَرِّدٌ كائِنًا مَن كانَ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. اه
الحجر 15:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ . اللَّواقِحُ جَمْعُ لاقِحٍ، وأصْلُ اللّاقِحِ الَّتِي قَبِلَتِ اللِّقاحَ فَحَمَلَتِ الجَنِينَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎إذا قُلْتُ عاجٍ أوْ تَفَتَّيْتُ أبْرَقَتْ بِمِثْلِ الخَوافِي لاقِحًا أوْ تَلَقَّحُ
وَأصْلُ تَلَقَّحُ: تَتَلَقَّحُ، حُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، أيْ تَوَهَّمَ أنَّها لاقِحٌ ولَيْسَ كَذَلِكَ، ووَصْفُ الرِّياحِ بِكَوْنِها لَواقِحَ؛ لِأنَّها حَوامِلُ تَحْمِلُ المَطَرَ كَما قالَ تَعالى ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧] (p-٢٦٧)أيْ حَمَلَتْ سَحابًا ثِقالًا، فاللَّواقِحُ مِنَ الإبِلِ حَوامِلُ الأجِنَّةِ، واللَّواقِحُ مِنَ الرِّيحِ حَوامِلُ المَطَرِ، فالجَمِيعُ يَأْتِي بِخَيْرٍ، ولِذا كانَتِ النّاقَةُ الَّتِي لا تَلِدُ يُقالُ لَها عَقِيمٌ، كَما أنَّ الرِّيحَ الَّتِي لا خَيْرَ فِيها يُقالُ لَها عَقِيمٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٤١] وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اللَّواقِحُ بِمَعْنى المَلاقِحِ، أيْ الَّتِي تُلَقِّحُ غَيْرَها مِنَ السَّحابِ والشَّجَرِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ النِّسْبَةُ، فَقَوْلُهُ: لَواقِحُ، أيْ ذَواتُ لَقاحٍ كَما يُقالُ: سائِفٌ ورامِحٌ، أيْ ذُو سَيْفٍ ورُمْحٍ ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: وغَرَرْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكِ لابِنٌ في الحَيِّ تامِرُ أيْ ذُو لَبَنٍ وتَمْرٍ، وعَلى هَذا فَمَعْنى لَواقِحَ أيْ ذَواتِ لَقاحٍ، لِأنَّها تُلَقِّحُ السَّحابَ والشَّجَرَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ لَواقِحَ بِمَعْنى مَلاقِحَ جَمْعُ مُلْقَحَةٍ، ومُلْقِحٌ اسْمُ فاعِلٍ ألْقَحَتِ السَّحابَ والشَّجَرَ كَما يَلْقَحُ الفَحْلُ الأُنْثى، وغايَةُ ما في هَذا القَوْلِ إطْلاقُ لِواقِحَ وإرادَةُ مَلاقِحَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ ضِرارِ بْنِ نَهْشَلٍ يَرْثِي أخاهُ يَزِيدَ أوْ غَيْرَهُ:
؎لِيَبْكِ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
فَإنَّ الرِّوايَةَ تُطِيحُ بِضَمِّ التّاءِ مِن أطاحَ الرُّباعِيِّ، والمُناسِبُ لِذَلِكَ المُطِيحاتُ لا الطَّوائِحُ، ولَكِنَّ الشّاعِرَ أطْلَقَ الطَّوائِحَ وأرادَ المُطِيحاتِ، كَما قِيلَ هُنا بِإطْلاقِ اللَّواقِحِ وإرادَةِ المَلاقِحِ أيِ المُلْقِحاتِ بِاسْمِ الفاعِلِ، ومَعْنى إلْقاحِ الرِّياحِ السَّحابَ والشَّجَرَ، أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُها لَهُما كَما يَجْعَلُ الذَّكَرَ لِلْأُنْثى، فَكَما أنَّ الأُنْثى تَحْمِلُ بِسَبَبِ ضِرابِ الفَحْلِ، فَكَذَلِكَ السَّحابُ يَمْتَلِئُ ماءً بِسَبَبِ مَرْيِ الرِّياحِ لَهُ، والشَّجَرُ يَنْفَتِقُ عَنْ أكْمامِهِ وأوْراقِهِ بِسَبَبِ إلْقاحِ الرِّيحِ لَهُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] أيْ تَلْقَحُ السَّحابَ فَتُدِرُّ ماءً، وتَلْقَحُ الشَّجَرَ فَتَنْفَتِحُ عَنْ أوْراقِها وأكْمامِها، وقالَ السَّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ: ”وَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْلِهِ ﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتَلْقَحُ بِهِ السَّحابَ فَيُدِرُّ كَما تُدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ يُمْطِرُ“ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخَ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ، فَتَحْمِلُ الماءَ مِنَ السَّحابِ، فَتَمْرِي بِهِ السَّحابَ، فَيُدِرُّ كَما تُدِرُّ (p-٢٦٨)اللِّقْحَةُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾، قالَ: تَلْقَحُ الشَّجَرَةَ وتَمْرِي السَّحابَ: وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي رَجاءٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ قُلْتُ لِلْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: لَواقِحُ لِلشَّجَرِ، قُلْتُ: أوِ السَّحابِ، قالَ: ولِلسَّحابِ تَمُرُّ بِهِ حَتّى يُمْطِرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: تَلْقَحُ الماءَ في السَّحابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: الرِّيحُ يَبْعَثُها اللَّهُ عَلى السَّحابِ، فَتَلْقَحُهُ فَيَمْتَلِئُ ماءً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ السَّحابِ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ» وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ وفِيها مَنافِعُ لِلنّاسِ، والشَّمالُ مِنَ النّارِ تَخْرُجُ فَتَمُرُّ بِالجَنَّةِ، فَيُصِيبُها نَفْخَةٌ مِنها فَبَرْدُها هَذا مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ قَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ، والجَنُوبُ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ» .
هَذا حاصِلُ مَعْنى كَلامِ العُلَماءِ في الرِّياحِ اللَّواقِحِ، وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ اللَّواقِحَ هي حَوامِلُ المَطَرِ، وأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧] أيْ حَمَلَتْها، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها، أنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ أوْصافٌ، فَيُذْكَرُ بَعْضُها في مَوْضِعٍ، فَإنّا نُبَيِّنُ بَقِيَّةَ تِلْكَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ في مَواضِعَ أُخَرَ، ومَثَّلْنا لِذَلِكَ بِظِلِّ أهْلِ الجَنَّةِ فَإنَّهُ تَعالى وصَفَهُ في سُورَةِ النِّساءِ بِأنَّهُ ظَلِيلٌ في قَوْلِهِ: ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] وقَدْ وصَفَهُ بِأوْصافٍ أُخَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ، وقَدْ بَيَّنّا صِفاتِ ظِلِّ أهْلِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ في غَيْرِ ذَلِكَ المَوْضِعِ
• كَقَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ [الرعد: ٣٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [ ٥٦ ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أوْصافِهِ، وإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ الرِّياحَ في هَذِهِ الآيَةِ بِكَوْنِها لَواقِحَ، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ذَلِكَ آنِفًا، ووَصَفَها في مَواضِعَ أُخَرَ بِأوْصافٍ أُخَرَ، مِن ذَلِكَ وصْفُهُ لَها بِأنَّها تُبَشِّرُ بِالسَّحابِ في قَوْلِهِ:﴿وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأها بِالباءِ، ومِن ذَلِكَ وصْفُهُ لَها بِإثارَةِ السَّحابِ
• كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٤٨] (p-٢٦٩)
وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ ”يَبْعَثُ اللَّهُ المُثِيرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا، ثُمَّ يَبْعَثُ المُبَشِّرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ، فَيَجْعَلُهُ كِسَفًا، ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتَلْقَحُهُ فَيُمْطِرُ“
وَأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: ”الأرْواحُ أرْبَعَةٌ: رِيحٌ تَقُمُّ، ورِيحٌ تُثِيرُ تَجْعَلُهُ كِسَفًا، ورِيحٌ تَجْعَلُهُ رُكامًا، ورِيحٌ تُمْطِرُ“ اه.
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَسْألَةُ الأُولى: أخَذَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ لَقاحَ القَمْحِ أنْ يُحَبِّبَ ويُسَنْبِلَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: رَوى ابْنُ وهْبٍ وابْنُ القاسِمِ وأشْهَبُ وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ عَنْ مالِكٍ واللَّفْظُ لِأشْهَبَ.
قالَ مالِكٌ: قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] فَلَقاحُ القَمْحِ عِنْدِي أنْ يُحَبِّبَ ويُسَنْبِلَ، ولا أدْرِي ما يَيْبَسُ في أكْمامِهِ ولَكِنْ يُحَبِّبُ حَتّى يَكُونَ لَوْ يَبِسَ لَمْ يَكُنْ فَسادًا لا خَيْرَ فِيهِ، ولَقاحُ الشَّجَرِ كُلِّها أنْ تُثْمِرَ، ثُمَّ يَسْقُطُ مِنها ما يَسْقُطُ ويَثْبُتُ مِنها ما يَثْبُتُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِأنْ تُوَرَّدَ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّما عَوَّلَ مالِكٌ في هَذا التَّفْسِيرِ عَلى تَشْبِيهِ لَقاحِ الشَّجَرِ بِلَقاحِ الحَمْلِ، وأنَّ الوَلَدَ إذا عُقِدَ وخُلِقَ ونُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ كانَ بِمَنزِلَةِ تَحَبُّبِ الثَّمَرِ وتَسَنْبِلُهُ؛ لِأنَّهُ سُمِّيَ بِاسْمٍ تَشْتَرِكُ فِيهِ كُلُّ حامِلَةٍ، وعَلَيْهِ جاءَ الحَدِيثُ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الحِبِّ حَتّى يَشْتَدَّ» اه مِنَ القُرْطُبِيِّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: اسْتِنْباطُ الإمامِ مالِكٍ المَذْكُورُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ لَقاحَ القَمْحِ أنْ يُحَبِّبَ ويُسَنْبِلَ، واسْتِدْلالُ ابْنِ العَرَبِيِّ لَهُ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ لَيْسَ بِظاهِرٍ عِنْدِي كُلَّ الظُّهُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ تَلْقِيحَ الثِّمارِ هو إبارُها، وهو أنْ يُؤْخَذَ شَيْءٌ مِن طَلْعِ ذُكُورِ النَّخْلِ فَيُدْخَلُ بَيْنَ ظَهْرانَيْ طَلْعِ الإناثِ، ومَعْنى ذَلِكَ في سائِرِ الثِّمارِ طُلُوعُ الثِّمارِ مِنَ التِّينِ وغَيْرِهِ، حَتّى تَكُونَ الثَّمَرَةُ مَرْئِيَّةً مَنظُورًا إلَيْها. والمُعْتَبَرُ عِنْدَ مالِكٍ وأصْحابِهِ فِيما يُذَكَّرُ مِنَ الثِّمارِ التَّذْكِيرُ، وفِيما لا يُذَكَّرُ أنْ يَثْبُتَ مِن نَوّارِهِ ما يَثْبُتُ ويَسْقُطَ ما يَسْقُطُ، وحَدُّ ذَلِكَ في الزَّرْعِ ظُهُورُهُ مِنَ الأرْضِ، قالَهُ مالِكٌ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّ إبارَهُ أنْ يُحَبِّبَ اه، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وقالَ أيْضًا: لَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ أنَّ الحائِطَ إذا انْشَقَّ طَلْعُ إناثِهِ، فَأُخِّرَ إبارُهُ، وقَدْ أُبِّرَ غَيْرُهُ مِمّا حالُهُ مِثْلُ حالِهِ، أنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ ما أُبِّرَ، فَإنْ أُبِّرَ بَعْضُ الحائِطِ كانَ ما لَمْ يُؤَبَّرْ تَبَعًا لَهُ، كَما أنَّ (p-٢٧٠)الحائِطَ إذا بَدا صَلاحُ بَعْضِهِ كانَ سائِرُ الحائِطِ تَبَعًا لِذَلِكَ الصَّلاحِ في جَوازِ بَيْعِهِ اه. وسَيَأْتِي لِهَذا إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ إيضاحٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا بِيعَ حائِطُ نَخْلٍ بَعْدَ أنْ أُبِّرَ فَثَمَرَتُهُ لِلْبائِعِ إلّا أنْ يَشْتَرِطَها المُبْتاعُ، فَإنِ اشْتَرَطَها المُبْتاعُ فَهي لَهُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنِ ابْتاعَ نَخْلًا بَعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُها لِلْبائِعِ الَّذِي باعَها إلّا أنْ يَشْتَرِطَها المُبْتاعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - . فَإنْ بِيعَتِ النَّخْلُ قَبْلَ التَّأْبِيرِ فالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي، واخْتُلِفَ في اسْتِثْناءِ البائِعِ لَها، فَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّها كالجَنِينِ لا يَجُوزُ لِلْبائِعِ اشْتِراطُها ولا اسْتِثْناؤُها بِناءً عَلى أنَّ المُسْتَثْنى مُشْتَرًى، خِلافًا لِتَصْحِيحِ اللَّخْمِيِّ جَوازَ اسْتِثْناءِ البائِعِ لَها بِناءً عَلى أنَّ المُسْتَثْنى مُبْقًى، وجَوازُ اسْتِثْنائِها هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وهو أظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأنَّ كَوْنَ المُسْتَثْنى مُبْقًى أظْهَرُ مِن كَوْنِهِ مُشْتَرًى لِأنَّهُ كانَ مَمْلُوكًا لِلْبائِعِ، ولَمْ يَزَلْ عَلى مِلْكِهِ؛ لِأنَّ البَيْعَ لَمْ يَتَناوَلْهُ لِاسْتِثْنائِهِ مِن جُمْلَةِ المَبِيعِ كَما تَرى. وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا في هَذِهِ المَسْألَةِ هو الحَقُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَما أُبِّرَ فَهو لِلْبائِعِ إلّا بِشَرْطٍ، وما لَمْ يُؤَبَّرْ فَهو لِلْمُشْتَرِي إلّا بِشَرْطٍ، خِلافًا لِابْنِ أبِي لَيْلى القائِلِ: هي لِلْمُشْتَرِي في الحالَيْنِ؛ لِأنَّها مُتَّصِلَةٌ بِالأصْلِ اتِّصالَ خِلْقَةٍ فَكانَتْ تابِعَةً لَهُ كالأغْصانِ. وهَذا الِاسْتِدْلالُ فاسِدُ الِاعْتِبارِ؛ لِمُخالَفَتِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المُتَّفِقِ عَلَيْهِ المَذْكُورِ آنِفًا، فَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّ البَيْعَ إنْ كانَ وقَعَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ فالثَّمَرَةُ لِلْبائِعِ، وخِلافًا لِلْإمامِ أبِي حَنِيفَةَ والأوْزاعِيِّ - رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى - في قَوْلِهِما: إنَّها لِلْبائِعِ في الحالَيْنِ. والحَدِيثُ المَذْكُورُ يَرُدُّ عَلَيْهِما، بِدَلِيلِ خِطابِهِ أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﷺ «مَنِ ابْتاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ» الحَدِيثَ. يُفْهَمُ مِنهُ أنَّها إنْ كانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ فَلَيْسَ الحُكْمُ كَذَلِكَ، وإلّا كانَ قَوْلُهُ ”قَدْ أُبِّرَتْ“ وقَوْلُهُ ”بَعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ“ في بَعْضِ الرِّواياتِ لَغْوًا لا فائِدَةَ فِيهِ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ ذِكْرَ وصْفِ التَّأْبِيرِ لِيُحْتَرَزَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الإمامَ أبا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَقُولُ بِحُجَّتِهِ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ، فالجارِي عَلى أُصُولِهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ نَصَّ عَلى حُكْمِ الثَّمَرَةِ المُؤَبَّرَةِ، وسَكَتَ عَنْ غَيْرِ المُؤَبَّرَةِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَها أصْلًا. وإنْ أُبِّرَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ الَّتِي بِيعَتْ أُصُولُها، وبَعْضُها الآخَرُ لَمْ يُؤَبَّرْ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ أنَّهُ إنْ كانَ أحَدُهُما أكْثَرَ فالأقَلُّ تابِعٌ لَهُ، وإنِ اسْتَوَيا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، فالمُؤَبَّرُ لِلْبائِعِ وغَيْرُهُ لِلْمُشْتَرِي. ومَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤَبَّرِ وغَيْرِهِ حُكْمَهُ، وأبُو حَنِيفَةَ لا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ المُؤَبَّرِ وغَيْرِهِ، فالجَمِيعُ عِنْدَهُ لِلْبائِعِ إلّا إذا اشْتَرَطَهُ المُبْتاعُ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الصَّحِيحُ مِنَ الخِلافِ، أنَّ ما لَمْ يُؤَبَّرْ تَبَعٌ لِلْمُؤَبَّرِ (p-٢٧١)فَيَبْقى الجَمِيعُ لِلْبائِعِ دَفْعًا لِضَرَرِ اخْتِلافِ الأيْدِي. واعْلَمْ أنَّ اسْتِثْناءَ بَعْضِ الثَّمَرَةِ دُونَ بَعْضٍ يَجُوزُ في قَوْلِ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وِفاقًا لِأشْهَبَ مِن أصْحابِ مالِكٍ وخالَفَ ابْنُ القاسِمِ فَقالَ: لا يَجُوزُ اسْتِثْناءُ بَعْضِ المُؤَبَّرَةِ. وحُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّ ما جازَ اسْتِثْناءُ جَمِيعِهِ جازَ اسْتِثْناءُ بَعْضِهِ، وحُجَّةُ ابْنِ القاسِمِ أنَّ النَّصَّ إنَّما ورَدَ في اشْتِراطِ الجَمِيعِ.
واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ عَلى أنَّ الثَّمَرَةَ المُؤَبَّرَةَ الَّتِي هي لِلْبائِعِ إنْ لَمْ يَسْتَثْنِها المُشْتَرِي، فَإنَّها تَبْقى إلى وقْتِ الِانْتِفاعِ المُعْتادِ بِها، ولا يُكَلِّفُهُ المُشْتَرِي بِقَطْعِها في الحالِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ. وخالَفَ في ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ قائِلًا: يَلْزَمُ قَطْعُها في الحالِ وتَفْرِيغُ النَّخْلِ مِنها؛ لِأنَّهُ مَبِيعٌ مَشْغُولٌ بِمِلْكِ البائِعِ، فَلَزِمَ نَقْلُهُ وتَفْرِيغُهُ مِنهُ، كَما لَوْ باعَ دارًا فِيها طَعامٌ أوْ قُماشٌ لَهُ. واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِأنَّ النَّقْلَ والتَّفْرِيغَ لِلْمَبِيعِ عَلى حَسَبِ العُرْفِ والعادَةِ، كَما لَوْ باعَ دارًا فِيها طَعامٌ لَمْ يَجِبْ نَقْلُهُ عَلى حَسَبِ العادَةِ في ذَلِكَ، وهو أنْ يَنْقُلَهُ نَهارًا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ولا يَلْزَمُهُ النَّقْلُ لَيْلًا، ولا جَمْعَ دَوابِّ البَلَدِ لِنَقْلِهِ، كَذَلِكَ هاهُنا يُفَرَّغُ النَّخْلُ مِنَ الثَّمَرَةِ في أوانٍ وهو وقْتُ الجِذاذِ، قالَهُ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَوِ اشْتُرِيَتِ النَّخْلُ وبَقِيَتِ الثَّمَرَةُ لِلْبائِعِ، فَهَلْ لِمُشْتَرِي الأصْلِ أنْ يَشْتَرِيَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِها ؟ أوَّلًا: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ جَوازُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ لَها عِنْدَهُ حُكْمَ التَّبَعِيَّةِ وإنْ أُفْرِدَتْ بِالعَقْدِ، وعَنْهُ في رِوايَةٍ أُخْرى: لا يَجُوزُ ذَلِكَ. ولِلشّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ وجْهانِ بِالمَنعِ والجَوازِ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: ونَسَبَ القُرْطُبِيُّ لِلشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ والثَّوْرِيِّ وأهْلِ الظّاهِرِ وفُقَهاءِ الحَدِيثِ القَوْلَ بِمَنعِ ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: وهو الأظْهَرُ مِن أحادِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِها.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا اشْتُرِيَتِ الثَّمَرَةُ وحْدَها دُونَ الأصْلِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِها فَلَها ثَلاثُ حالاتٍ: الأُولى: أنَّ يَبِيعَها بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إلى وقْتِ الجِذاذِ، وفي هَذِهِ الحالَةِ لا يَصِحُّ البَيْعُ إجْماعًا. الثّانِيَةُ: أنْ يَبِيعَها بِشَرْطِ قَطْعِها في الحالِ، وفي هَذِهِ الحالَةِ يَصِحُّ البَيْعُ إجْماعًا. الثّالِثَةُ: أنْ يَبِيعَها مِن غَيْرِ شَرْطِ تَبْقِيَةٍ ولا قَطْعٍ، بَلْ سَكَتا عَنْ ذَلِكَ، وعَقَدا البَيْعَ مُطْلَقًا دُونَ شَرْطٍ، وفي هَذِهِ الحالَةِ لا يَصِحُّ البَيْعُ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، مِنهم: مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى - وأجازَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - البَيْعَ في هَذِهِ الحالَةِ، وأوْجَبَ قَطْعَ الثَّمَرَةِ حالًا، قالَ: لِأنَّ إطْلاقَ العَقْدِ يَقْتَضِي القَطْعَ، فَهو كَما لَوِ اشْتَرَطَهُ، وحُجَّةُ الجُمْهُورِ إطْلاقُ النُّصُوصِ الوارِدَةِ بِذَلِكَ عَنْهُ ﷺ مِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ (p-٢٧٢)والإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمارِ حَتّى يَبْدُوَ صَلاحُها»، نَهى البائِعَ والمُبْتاعَ، وفي لَفْظٍ: «نَهى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتّى تَزْهُوَ، وعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتّى يَبْيَضَّ ويَأْمَنَ العاهَةَ» . رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأصْحابُ السُّنَنِ إلّا ابْنُ ماجَهْ. ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمارِ حَتّى تُزْهِيَ، قِيلَ وما زَهْوَتُها ؟ قالَ تَحْمارُّ وتَصْفارُّ» . ومِن ذَلِكَ أيْضًا ما رَواهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَبايَعُوا الثِّمارَ حَتّى يَبْدُوَ صَلاحُها» ”. ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْ بَيْعِ العِنَبِ حَتّى يَسْوَدَّ، وعَنْ بَيْعِ الحَبِّ حَتّى يَشْتَدَّ»“ .
فَإطْلاقاتُ هَذِهِ النُّصُوصِ ونَحْوِها تَدُلُّ عَلى مَنعِ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِها في حالَةِ الإطْلاقِ وعَدَمِ الِاشْتِراطِ كَما تَقَدَّمَ.
وَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ جَماهِيرُ القُرّاءِ ﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ وقَرَأها حَمْزَةُ وأرْسَلْنا الرِّيحَ بِالإفْرادِ، والألِفُ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ لِلْجِنْسِ، ولِذَلِكَ صَحَّ الجَمْعُ في قَوْلِهِ لَواقِحَ قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ: ومَن قَرَأ بِإفْرادِ الرِّيحِ فَعَلى تَأْوِيلِ الجِنْسِ، كَما قالُوا أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصُّفْرُ والدِّرْهَمُ البِيضُ اه والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ . بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَظِيمَ مِنَّتِهِ بِإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وجَعْلِهِ إيّاهُ عَذْبًا صالِحًا لِلسُّقْيا، وبَيَّنَ ذَلِكَ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]
• وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [النحل: ١٠ - ١١]
• وقَوْلِهِ وأنْزَلْنا ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٤٩]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ أسْقى وسَقى لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ كَأسْرى وسَرى، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ (p-٢٧٣)القِراءَتانِ السَّبْعِيَّتانِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] فَإنَّهُ قَرَأهُ بَعْضُ السَّبْعَةِ بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى الرُّباعِيِّ، وقَرَأهُ بَعْضُهم بِفَتْحِها مِن سَقى الثُّلاثِيِّ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ .
فِيهِ لِلْعُلَماءِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ كِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنُ الأوَّلِ: أنَّ مَعْنى ﴿وَما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم بَلْ نَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، نُنَزِّلُهُ مَتى شِئْنا، وهَذا الوَجْهُ تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ كَقَوْلِهِ ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [المنافقون: ٧] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿وَما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والعُيُونِ والغُدْرانِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها، لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [ ٦٧ ] وقَوْلُهُ: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٢١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحجر 15:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِ ونُمِيتُ﴾ .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ، وأوْضَحَ ذَلِكَ مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وإلَيْنا المَصِيرُ﴾ [ق: ٤٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]
• وقَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٨] وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ أحْياهم مَرَّتَيْنِ وأماتَهم مَرَّتَيْنِ
• كَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]
• وقَوْلِهِ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨]
والإماتَةُ الأُولى هي كَوْنُهم نُطَفًا وعَلَقًا ومُضَغًا، والإماتَةُ الثّانِيَةُ هي مَوْتُهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ في الدُّنْيا، والإحْياءَةُ الأُولى نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِمْ وإخْراجُهم أحْياءً مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، والإحْياءَةُ الثّانِيَةُ بَعْثُهم مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً يَوْمَ القِيامَةِ، وسَيَأْتِي لَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى زِيادَةُ إيضاحٍ.
* *
(p-٢٧٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْنُ الوارِثُونَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ الوارِثُ، ولَمْ يُبَيِّنِ الشَّيْءَ الَّذِي يَرِثُهُ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ يَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] وقَوْلِهِ: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] ومَعْنى ما يَقُولُ: أيْ نَرِثُهُ الَّذِي يَقُولُ إنَّهُ يُؤْتاهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المالِ والوَلَدِ، كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] ومَعْنى كَوْنِهِ يَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها أنَّهُ يَبْقى بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ كَيْفَ يَشاءُ.
الحجر 15:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ خَلَقَ أبانا آدَمَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ، والصَّلْصالُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي يَصِلُ أيْ يُصَوِّتُ مِن يُبْسِهِ إذا ضَرَبَهُ شَيْءٌ ما دامَ لَمْ تَمَسَّهُ النّارُ، فَإذا مَسَّتْهُ النّارُ فَهو حِينَئِذٍ فَخّارٌ، وأصْلُ الصَّلِيلِ والصَّلْصَلَةِ واحِدٌ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّكَ إذا تَوَهَّمْتَ في الصَّوْتِ مَدًّا فَهو صَلِيلٌ، وإذا تَوَهَّمْتَ فِيهِ تَرْجِيعًا فَهو صَلْصَلَةٌ، والحَمَأُ: الطِّينُ الأسْوَدُ المُتَغَيِّرُ، والمَسْنُونُ قِيلَ: المُصَوَّرُ مِن سَنَّةِ الوَجْهِ وهي صُورَتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎تُرِيكَ سَنَّةَ وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ لَمّا سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ مَعْنى المَسْنُونِ وأجابَهُ بِأنَّ مَعْناهُ المُصَوَّرُ قالَ لَهُ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:
؎أغَرٌّ كَأنَّ البَدْرَ سَنَّةُ وجْهِهِ ∗∗∗ جَلا الغَيْمُ عَنْهُ ضَوْءَهُ فَتَبَدَّدا
وَقِيلَ المَسْنُونُ المَصْبُوبُ المُفْرَغُ أيْ أُفْرِغَ صُورَةَ إنْسانٍ كَما تُفْرَغُ الصُّوَرُ مِنَ الجَواهِرِ المُذَوَّبَةِ في أمْثِلَتِها، وقِيلَ: المَسْنُونُ المُنْتِنُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَسْنُونُ الأمْلَسُ، قالَ: ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ: ثُمَّ خاصِرَتُها إلى القُبَّةِ الخَضْراءِ تَمْشِي في مَرْمَرٍ مَسْنُونٍ أيْ أمْلَسَ صَقِيلٍ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّلْصالُ هو المُنْتِنُ، وما قَدَّمْنا هو الحَقُّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] إذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - أوْضَحَ في كِتابِهِ أطْوارَ هَذا الطِّينِ الَّذِي خَلَقَ مِنهُ آدَمَ، فَبَيَّنَ أنَّهُ (p-٢٧٥)أوَّلًا تُرابٌ
• بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآيَةَ [غافر: ٦٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ التُّرابَ بُلَّ فَصارَ طِينًا يَعْلَقُ بِالأيْدِي في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]
• وقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الطِّينَ أسْوَدُ، وأنَّهُ مُتَغَيِّرٌ
• بِقَوْلِهِ هُنا ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ وبَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ يَبِسَ حَتّى صارَ صَلْصالًا، أيْ تَسْمَعُ لَهُ صَلْصَلَةً مِن يُبْسِهِ
• بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٢٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ الآيَةَ [الرحمن: ١٤]
والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣١٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحِجْرِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ .
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ آدَمَ خُلِقَ مِن صَلْصالٍ، أيْ طِينٍ يابِسٍ.
وَقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] وكَقَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] .
والجَوابُ أنَّهُ ذَكَرَ أطْوارَ ذَلِكَ التُّرابِ، فَذَكَرَ طَوْرَهُ الأوَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تُرابٍ﴾، ثُمَّ بُلَّ فَصارَ طِينًا لازِبًا، ثُمَّ خُمِّرَ فَصارَ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ يَبِسَ فَصارَ صَلْصالًا كالفَخّارِ.
وَهَذا واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الحجر 15:31
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ . بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إبْلِيسَ أبى أنْ يَسْجُدَ لِآدَمَ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ تَكَبَّرَ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ رَبِّهِ، كَقَوْلِهِ في البَقَرَةِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٣٤] وقَوْلِهِ في ص ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤] وأشارَ إلى ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] . كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.
الحجر 15:32
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ . بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ سَألَ إبْلِيسَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ عَنِ المُوجِبِ لِامْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ الَّذِي أمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ - جَلَّ وعَلا - وبَيَّنَ أيْضًا في الأعْرافِ وص أنَّهُ وبَّخَهُ أيْضًا بِهَذا السُّؤالِ قالَ في الأعْرافِ ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وقالَ في ص: ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآيَةَ [ص: ٧٥] وناداهُ بِاسْمِهِ إبْلِيسَ في الحِجْرِ وص، ولَمْ يُنادِهِ بِهِ في الأعْرافِ.
الحجر 15:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ .
هَذا القَوْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ إبْلِيسَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَسْجُدَ لِبَشَرٍ مَخْلُوقٍ مِنَ الطِّينِ، مَقْصُودُهُ بِهِ أنَّهُ خَيْرٌ مِن آدَمَ؛ لِأنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنَ الطِّينِ وهو خُلِقَ مِنَ النّارِ، كَما يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] .
الحجر 15:34
(p-٢٧٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أمَرَ إبْلِيسَ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، مُؤَكِّدًا أنَّهُ رَجِيمٌ، وبَيَّنَ في الأعْرافِ أنَّهُ خُرُوجُ هُبُوطٍ، وأنَّهُ يَخْرُجُ مُتَّصِفًا بِالصَّغارِ والذُّلِّ والهَوانِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] .
الحجر 15:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ اللَّعْنَةَ عَلى إبْلِيسَ إلى يَوْمِ الدِّينِ، وصَرَّحَ في ص بِأنَّ لَعْنَتَهُ - جَلَّ وعَلا - عَلى إبْلِيسَ إلى يَوْمِ الدِّينِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨] وقَدْ قَدَّمْنا في الفاتِحَةِ بَيانَ يَوْمِ الدِّينِ.
الحجر 15:39
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ الآيَةَ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذا قَسَمٌ مِن إبْلِيسَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ عَلى أنَّهُ يُغْوِي بَنِي آدَمَ إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، ويَدُلُّ لَهُ أنَّهُ أقْسَمَ بِعِزَّتِهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ الآيَةَ [ص: ٨٢] وقِيلَ: الباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] سَبَبِيَّةٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إبْلِيسَ أخْبَرَ أنَّهُ سَيَبْذُلُ جُهْدَهُ في إضْلالِ بَنِي آدَمَ حَتّى يُضِلَّ أكْثَرَهم، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] وهَذا قالَهُ إبْلِيسُ قَبْلَ أنْ يَقَعَ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِن إضْلالِ أكْثَرِ بَنِي آدَمَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ صَدَقَ ظَنُّهُ هَذا
• بِقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] وكُلُّ آيَةٍ فِيها ذِكْرُ إضْلالِ إبْلِيسَ لِبَنِي آدَمَ بَيَّنَ فِيها أنَّ إبْلِيسَ وجَمِيعَ مَن تَبِعَهُ كُلُّهم في النّارِ، كَما قالَ هُنا ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ الآية [الحجر: ٤٣ - ٤٤]، وقالَ في الأعْرافِ: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] وقالَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] وقالَ في ص: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥] .
الحجر 15:40
(p-٢٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الشَّيْطانَ لَمّا أوْعَدَ بِأنَّهُ سَيُضِلُّ أكْثَرَ بَنِي آدَمَ، اسْتَثْنى مِن ذَلِكَ عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، مُعْتَرِفًا بِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى إضْلالِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في ص أيْضًا قالَ ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] وعِبادُ اللَّهِ المُخْلَصُونَ هُمُ المُرادُونَ بِالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ في بَنِي إسْرائِيلَ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] وقَوْلُهُ في سَبَأٍ ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] وهُمُ الَّذِينَ احْتَرَزَ مِنهم
• بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] وبَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ الشَّيْطانَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى أُولَئِكَ المُخْلَصِينَ
• كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٤٢]
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]
• وقَوْلِهِ ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢١] .
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]
• وقَوْلِهِ: المُخْلَصِينَ [الحجر: ٤٠]
قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ اللّامِ اسْمُ فاعِلٍ، وقَرَأهُ نافِعٌ والكُوفِيُّونَ بِفَتْحِ اللّامِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ.
الحجر 15:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُتَّقِينَ يَوْمَ القِيامَةِ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، ويُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ صِفاتِ ثَوابِهِمْ، ورُبَّما بَيَّنَ بَعْضَ تَقْواهُمُ الَّتِي نالُوا بِها هَذا الثَّوابَ الجَزِيلَ
• كَقَوْلِهِ في الذّارِياتِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهم إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ ﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ﴿وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]
• وقَوْلِهِ في الدُّخانِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٧]
• وقَوْلِهِ في الطُّورِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ١٧ - ٢٠] .
(p-٢٧٨)
وَقَوْلِهِ في القَمَرِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥] وقَوْلِهِ في المُرْسَلاتِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ بَيَّنّا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَهُ أوْصافٌ مُتَعَدِّدَةٌ في القُرْآنِ نُبَيِّنُ أوْصافَهُ عِنْدَ ذِكْرِ بَعْضِها، كَما تَقَدَّمَ مِثالُهُ مِرارًا وكَما هُنا.
والمُتَّقِي اسْمُ فاعِلِ الِاتِّقاءِ، وأصْلُ مادَّةِ الِاتِّقاءِ (وق ي) لَفِيفٌ مَفْرُوقٌ فاؤُهُ واوٌ وعَيْنُهُ قافٌ ولامُهُ ياءٌ، فَدَخَلَهُ تاءُ الِافْتِعالِ فَصارَتْ وقِيَ أوْ تَقِيَ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ تاءً لِلْقاعِدَةِ المُقَرَّرَةِ في التَّصْرِيفِ: أنَّ كُلَّ واوٍ هي فاءُ الكَلِمَةِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْها تاءُ الِافْتِعالِ يَجِبُ إبْدالُها - أعْنِي الواوَ - تاءً وإدْغامُها في تاءِ الِافْتِعالِ نَحْوَ اتَّصَلَ مِنَ الوَصْلِ واتَّزَنَ مِنَ الوَزْنِ واتَّحَدَ مِنَ الوَحْدَةِ واتَّقى مِنَ الوِقايَةِ وعَقَدَ هَذِهِ القاعِدَةَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎ذُو اللِّينِ فاتا في افْتِعالٍ أُبْدِلا وشَذَّ في ذِي الهَمْزِ نَحْوَ ائْتَكَلا
والِاتِّقاءُ في اللُّغَةِ: اتِّخاذُ الوِقايَةِ دُونَ المَكْرُوهِ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ ∗∗∗ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
يَعْنِي اسْتَقْبَلَتْنا بِيَدِها جاعِلَةً إيّاها وِقايَةً تَقِيها مِن أنْ نَنْظُرَ إلى وجْهِها لِأنَّها تَسْتُرُهُ بِها، وقَوْلُ الآخَرِ: فَألْقَتْ قِناعًا دُونَهُ الشَّمْسُ واتَّقَتْ بِأحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفٍّ ومِعْصَمٍ والتَّقْوى في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ: هي اتِّخاذُ الوِقايَةِ دُونَ عَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن أمْرَيْنِ هُما: امْتِثالُ أمْرِ اللَّهِ، واجْتِنابُ نَهْيِهِ.
الحجر 15:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ نَزَعَ ما في صُدُورِ أهْلِ الجَنَّةِ مِنَ الغِلِّ، في حالِ كَوْنِهِمْ إخْوانًا، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في الأعْرافِ، وزادَ أنَّهم تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في نَعِيمِ الجَنَّةِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] .
* *
(p-٢٧٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُتَّقِينَ الَّذِينَ هم أهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُونَ عَلى سُرُرٍ، وأنَّهم مُتَقابِلُونَ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، ووَصَفَ سُرُرَهم بِصِفاتٍ جَمِيلَةٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، مِنها أنَّها مَنسُوجَةٌ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ وهي المَوْضُوعَةُ قالَ في الواقِعَةِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٦] وقِيلَ: المَوْضُونَةُ المَصْفُوفَةُ
• كَقَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ الآيَةَ [الطور: ٢٠] ومِنها أنَّها مَرْفُوعَةٌ
• كَقَوْلِهِ في الغاشِيَةِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ الآيَةَ [الغاشية: ١٣]
• وقَوْلِهِ في الواقِعَةِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحجر 15:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وهو التَّعَبُ والإعْياءُ، وقَوْلُهُ (نَصَبٌ) نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ كُلَّ نَصَبٍ، فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى سَلامَةِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ التَّعَبِ والمَشَقَّةِ، وأكَّدَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٥] لِأنَّ اللُّغُوبَ هو التَّعَبُ والإعْياءُ أيْضًا، وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُبَشِّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ في الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ ولا نَصَبَ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَخْرُجُونَ مِنها، وأكَّدَ نَفْيَ إخْراجِهِمْ مِنها بِالباءِ في قَوْلِهِ بِمُخْرَجِينَ فَهم دائِمُونَ في نَعِيمِها أبَدًا بِلا انْقِطاعٍ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٢ - ٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحجر 15:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ .
بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ ضَيْفَ إبْراهِيمَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم مَلائِكَةٌ، كَقَوْلِهِ في هُودٍ: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] كَما تَقَدَّمَ وقَوْلِهِ: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣١ - ٣٢] (p-٢٨٠)إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحجر 15:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هَلْ رَدَّ إبْراهِيمُ السَّلامَ عَلى المَلائِكَةِ أوْ لا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هُنا رَدَّهُ السَّلامَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما قالَ عَنْهُ إنَّهُ قالَ لَهم ﴿إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾، وبَيَّنَ في هُودٍ والذّارِياتِ أنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمُ السَّلامَ بِقَوْلِهِ في هُودٍ ﴿قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [ الآيَةَ ٦٩ ]
• وقَوْلِهِ في الذّارِياتِ: ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٥ - ٢٦] وبَيَّنَ أنَّ الوَجَلَ المَذْكُورَ هُنا هو الخَوْفُ؛
• لِقَوْلِهِ في القِصَّةِ بِعَيْنِها في هُودٍ: ﴿وَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ﴾ [الذاريات: ٧٠]
• وقَوْلِهِ في الذّارِياتِ: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ﴾ [هود: ٢٨] . وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ في هَذا الكِتابِ بَيانَ اللَّفْظِ بِمُرادِفٍ لَهُ أشْهَرَ مِنهُ كَما هُنا، لِأنَّ الخَوْفَ يُرادِفُ الوَجَلَ وهو أشْهَرُ مِنهُ، وبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ خَوْفِهِ هو عَدَمُ أكْلِهِمْ
• بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] .
الحجر 15:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أُولَئِكَ الضَّيْفَ الكِرامَ الَّذِينَ هم مَلائِكَةٌ بَشَّرُوا إبْراهِيمَ بِغُلامٍ مَوْصُوفٍ بِالعِلْمِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى أيْضًا في الذّارِياتِ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وهَذا الغُلامُ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هو إسْحاقُ كَما يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ في الذّارِياتِ ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٨ - ٣٠] لِأنَّ كَوْنَها أقْبَلَتْ في صَرَّةٍ أيْ صَيْحَةٍ وضَجَّةٍ، وصَكَّتْ وجْهَها أيْ لَطَمَتْهُ قائِلَةً إنَّها عَجُوزٌ عَقِيمٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَلَدَ المَذْكُورَ هي أُمُّهُ كَما لا يَخْفى، ويَزِيدُهُ إيضاحًا تَصْرِيحُهُ تَعالى بِبِشارَتِها هي بِأنَّها تَلِدُهُ مُصَرِّحًا بِاسْمِهِ واسْمِ ولَدِهِ يَعْقُوبَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في هُودٍ في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧١ - ٧٢] وأمّا الغُلامُ الَّذِي بُشِّرَ بِهِ إبْراهِيمُ المَوْصُوفُ بِالحِلْمِ المَذْكُورِ في الصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٩٩ - ١٠٢] فَهو إسْماعِيلُ وسَتَرى إنْ شاءَ (p-٢٨١)اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الصّافّاتِ دَلالَةَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ عَلى أنَّ الذَّبِيحَ إسْماعِيلُ لا إسْحاقُ عَلى وجْهٍ قاطِعٍ لِلنِّزاعِ، والغُلامُ يُطْلَقُ في لُغَةِ العَرَبِ عَلى العَبْدِ وعَلى الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ وعَلى الرَّجُلِ البالِغِ، ومِن إطْلاقِهِ عَلى البالِغِ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَوْمَ النَّهْرَوانِ
؎: أنا الغُلامُ القُرَشِيُّ المُؤْتَمَنُ أبُو حُسَيْنٍ فاعْلَمَن والحَسَنِ
وَقَوْلُ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ السُّلَمِيِّ لِحَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -:
؎تَلَقَّ ذُبابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإنَّنِي ∗∗∗ غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشاعِرِ
وَقَوْلُ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ تَمْدَحُ الحَجّاجَ بْنَ يُوسُفَ:
؎إذا نَزَلَ الحَجّاجُ أرْضًا مَرِيضَةً ∗∗∗ تَتَبَّعَ أقْصى دائِها فَشَفاها
؎شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ∗∗∗ غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وَرُبَّما قالُوا لِلْأُنْثى غُلامَةً، ومِنهُ قَوْلُ أوْسِ بْنِ غَلْفاءَ الهُجَيْمِيِّ يَصِفُ فَرَسًا:
؎وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٌّ أبُوها ∗∗∗ يُهانُ لَها الغُلامَةُ والغُلامُ
الحجر 15:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ قالَ: إنَّهُ وقْتَ البُشْرى بِإسْحاقَ مَسَّهُ الكِبَرُ. وصَرَّحَ في هُودٍ بِأنَّ امْرَأتَهُ أيْضًا قالَتْ إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ في قَوْلِهِ عَنْها: ﴿وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] كَما صَرَّحَ عَنْها هي أنَّها وقْتَ البُشْرى عَجُوزٌ كَبِيرَةُ السِّنِّ وذَلِكَ كَقَوْلِهِ في هُودٍ: ﴿ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ الآيَةَ [هود: ٧٢]، وقَوْلِهِ في الذّارِياتِ: ﴿فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] . وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ أنَّهُ وقْتَ هِبَةِ اللَّهِ لَهُ ولَدَهُ إسْماعِيلَ أنَّهُ كَبِيرُ السِّنِّ أيْضًا، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ اسْتِفْهامَ نَبِيِّ اللَّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِلْمَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ ما وقَعَ لَهُ وقَعَ نَظِيرُهُ لِامْرَأتِهِ حَيْثُ قالَتْ ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامَ لِعَجَبِها مِن ذَلِكَ الأمْرِ الخارِقِ لِلْعادَةِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [هود: ٧٣] ويَدُلُّ لَهُ أيْضًا وُقُوعُ مِثْلِهِ مِن نَبِيِّ اللَّهِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] .
(p-٢٨٢)وَقَوْلُهُ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ [آل عمران: ٣٩] عَجِبَ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٠] وقَوْلُهُ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً وهي نُونُ الرَّفْعِ، وقَرَأهُ نافِعٌ بِكَسْرِ النُّونِ مُخَفَّفَةً وهي نُونُ الوِقايَةِ مَعَ حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلَيْها، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ المَكْسُورَةِ المُشَدَّدَةِ مَعَ المَدِّ، فَعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ لَمْ يَحْذِفْ نُونَ الرَّفْعِ ولا المَفْعُولَ بِهِ، بَلْ نُونُ الرَّفْعِ مُدْغَمَةٌ في نُونِ الوِقايَةِ وياءُ المُتَكَلِّمِ هي المَفْعُولُ بِهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَنُونُ الرَّفْعِ ثابِتَةٌ والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ.
؎وَحَذْفُ فَضْلَةٍ أجِزْ إنْ لَمْ يَضُرَّ كَحَذْفِ ما سِيقَ جَوابًا أوْ حُصِرَ
وَعَلى قِراءَةِ نافِعٍ فَنُونُ الرَّفْعِ مَحْذُوفَةٌ لِاسْتِثْقالِ اجْتِماعِها مَعَ نُونِ الوِقايَةِ.
تَنْبِيهٌ
حَذْفُ نُونِ الرَّفْعِ لَهُ خَمْسُ حالاتٍ ثَلاثٌ مِنها يَجِبُ فِيها حَذْفُها، وواحِدَةٌ يَجُوزُ فِيها حَذْفُها وإثْباتُها، وواحِدَةٌ يُقْصَرُ فِيها حَذْفُها عَلى السَّماعِ، أمّا الثَّلاثُ الَّتِي يَجِبُ فِيها الحَذْفُ: فالأُولى مِنها إذا دَخَلَ عَلى الفِعْلِ عامِلُ جَزْمٍ، والثّانِيَةُ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ عامِلُ نَصْبٍ، والثّالِثَةُ إذا أُكِّدَ الفِعْلُ بِنُونِ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ نَحْوَ لَتُبْلَوُنَّ، وأمّا الحالَةُ الَّتِي يَجُوزُ فِيها الإثْباتُ والحَذْفُ فَهي ما إذا اجْتَمَعَتْ مَعَ نُونِ الرَّفْعِ نُونُ الوِقايَةِ، لِكَوْنِ المَفْعُولِ ياءَ المُتَكَلِّمِ فَيَجُوزُ الحَذْفُ والإثْباتُ، ومِنَ الحَذْفِ قِراءَةُ نافِعٍ في هَذِهِ الآيَةِ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ بِالكَسْرِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧] بِكَسْرِ النُّونِ مَعَ التَّخْفِيفِ في الجَمْعِ أيْضًا وقَوْلُهُ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٤] بِالكَسْرِ مَعَ التَّخْفِيفِ أيْضًا، وكُلُّها قَرَأها بَعْضُ القُرّاءِ بِالتَّشْدِيدِ لِإثْباتِ نُونِ الرَّفْعِ وإدْغامِها في نُونِ الوِقايَةِ، وأمّا الحالَةُ الخامِسَةُ المَقْصُورَةُ عَلى السَّماعِ فَهو حَذْفُها لِغَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأسْبابِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ:
؎أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتُ تُدَلِّكِي ∗∗∗ وجْهَكِ بِالعَنْبَرِ والمِسْكِ الذَّكِيِّ
أمّا بَقاءُ نُونِ الرَّفْعِ مَعَ الجازِمِ في قَوْلِهِ: (p-٢٨٣)
؎لَوْلا فَوارِسُ مِن نُعْمٍ وأُسْرَتِهِمْ ∗∗∗ يَوْمَ الصُّلَيْفاءِ لَمْ يُوفُونَ بِالجارِ
فَهُوَ نادِرٌ حَمْلًا لِلَمْ عَلى أُخْتِها لا النّافِيَةِ أوْ ما النّافِيَةِ، وقِيلَ هو لُغَةُ قَوْمٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في التَّسْهِيلِ، وكَذَلِكَ بَقاءُ النُّونِ مَعَ حَرْفِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ:
؎أنْ تَقْرَآنِ عَلى أسْماءَ ويْحَكُما ∗∗∗ مِنِّي السَّلامَ وألّا تُشْعِرا
أحَدًا فَهو لُغَةُ قَوْمٍ حَمَلُوا أنِ المَصْدَرِيَّةَ عَلى أُخْتِها ما المَصْدَرِيَّةِ في عَدَمِ النَّصْبِ بِها، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَبَعْضُهم أهْمَلَ أنْ حَمْلًا عَلى ∗∗∗ ما أُخْتِها حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلًا
وَلا يُنافِي كَوْنُ اسْتِفْهامِ إبْراهِيمَ لِلتَّعَجُّبِ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ قَوْلَ المَلائِكَةِ لَهُ فِيما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم: ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] . لِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اسْتِفْهامَهُ لَيْسَ اسْتِفْهامَ مُنْكِرٍ ولا قانِطٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الحجر 15:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ قالَ لِلْمَلائِكَةِ إنَّهُ لا يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - إلّا الضّالُّونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ وبَيِّنٌ أنَّ هَذا المَعْنى قالَهُ أيْضًا يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ لِبَنِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. ورَوْحُ اللَّهِ رَحْمَتُهُ وفَرَجُهُ وتَنْفِيسُهُ.
الحجر 15:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ .
أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى أنَّ المُرادَ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ قَوْمُ لُوطٍ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُ، ووَجْهُ إشارَتِهِ تَعالى لِذَلِكَ اسْتِثْناءُ لُوطٍ وأهْلِهِ غَيْرَ امْرَأتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ إلا امْرَأتَهُ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٥٩ - ٦٠] وصَرَّحَ بِأنَّهم قَوْمُ لُوطٍ
• بِقَوْلِهِ في هُودٍ في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٧٠] وصَرَّحَ في الذّارِياتِ بِأنَّهم أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ لِيُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٢ - ٣٣] وصَرَّحَ في العَنْكَبُوتِ أنَّهم قالُوا إنَّهم مُهْلِكُوهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، ومُنْزِلُونَ عَلَيْهِمْ (p-٢٨٤)رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٣١ - ٣٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٣ - ٣٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ اسْتَثْنى آلَ لُوطٍ مِن ذَلِكَ العَذابِ النّازِلِ بِقَوْمِهِ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ﴾ الآيَةَ [هود: ٨١]
• وقَوْلِهِ في العَنْكَبُوتِ: ﴿وَقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٣٣]
• وقَوْلِهِ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٧٠ - ١٧١]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَما ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنِ اسْتِثْناءِ امْرَأتِهِ مِن أهْلِهِ النّاجِينَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ أوْضَحَهُ في هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا آنِفًا ونَحْوَها مِنَ الآياتِ، وبَيَّنَ في الذّارِياتِ أنَّهُ أنْجى مَن كانَ في قَوْمِ لُوطٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ إلّا بَيْتٌ واحِدٌ وهم آلُ لُوطٍ وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٥ - ٣٦] .
تَنْبِيهٌ
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلِيلٌ واضِحٌ لِما حَقَّقَهُ عُلَماءُ الأُصُولِ مِن جَوازِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى آلَ لُوطٍ مِن إهْلاكِ المُجْرِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ثُمَّ اسْتَثْنى مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ امْرَأةَ لُوطٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:
؎وَحُكْمُها في القَصْدِ حُكْمُ الأوَّلِ
لَيْسَ صَحِيحًا عَلى إطْلاقِهِ. وأوْضَحَ مَسْألَةَ تَعَدُّدِ الِاسْتِثْناءِ بِأقْسامِها صاحِبُ مَراقِي (p-٢٨٥)السُّعُودِ في مَبْحَثِ المُخَصَّصِ المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ:
؎وَذا تَعَدُّدٍ بِعَطْفٍ حَصَلَ ∗∗∗ بِالِاتِّفاقِ مُسْجَلًا لِلْأوَّلْ
؎إلّا فَكُلٌّ لِلَّذِي بِهِ اتَّصَلْ ∗∗∗ وكُلُّها مَعَ التَّساوِي قَدْ بَطَلْ
؎إنْ كانَ غَيْرُ الأوَّلِ المُسْتَغْرَقا ∗∗∗ فالكُلُّ لِلْمُخْرَجِ مِنهُ حُقِّقا
؎وَحَيْثُما اسْتَغْرَقَ الاوَّلَ فَقَطْ ∗∗∗ فَألْغِ واعْتَبِرْ بِخُلْفٍ في النَّمَطْ
الحجر 15:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ لُوطًا - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا جاءَهُ المَلائِكَةُ المُرْسَلُونَ لِإهْلاكِ قَوْمِهِ قالَ لَهم: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ . وصَرَّحَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ مَساءَةٌ بِمَجِيئِهِمْ، وأنَّهُ ضاقَ ذَرْعًا بِذَلِكَ،
• كَقَوْلِهِ في هُودٍ: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]
• وقَوْلِهِ في العَنْكَبُوتِ: ﴿وَلَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: ٣٣]، وذَكَرَ تَعالى في الذّارِياتِ أنَّ نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ قالَ لَهم أيْضًا: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، كَما ذَكَرَ عَنْ لُوطٍ هُنا وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]
• وقَوْلِهِ ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ أنَّهم غَيْرُ مَعْرُوفِينَ، والنَّكِرَةُ ضِدُّ المَعْرِفَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَآهم في صِفَةِ شَبابٍ حِسانِ الوُجُوهِ، فَخافَ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ قَوْمُهُ فاحِشَةَ اللِّواطِ فَقالَ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: مُنْكَرُونَ أيْ تُنْكِرُكم نَفْسِي وتَفِرُّ مِنكم، فَأخافُ أنْ تَطْرُقُونِي بِشَرٍّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وَأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٦٣ - ٦٤] ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ أنَّهُ بَيَّنَ في هُودٍ أنَّ سَبَبَ إنْكارِ إبْراهِيمَ لَهم عَدَمُ أكْلِهِمْ مِن لَحْمِ العِجْلِ الَّذِي قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] لِأنَّ مَنِ اسْتَضافَ وامْتَنَعَ مِنَ الأكْلِ خِيفَ مِنهُ الشَّرُّ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾ [الحجر: ٥٩] قَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإسْكانِ النُّونِ بَعْدَ المِيمِ المَضْمُومَةِ مُخَفَّفًا اسْمُ فاعِلِ أنْجى عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وقَرَأهُ غَيْرُهُما مِنَ القُرّاءِ بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ اسْمُ فاعِلِ نُجِّيَ عَلى وزْنِ فُعِّلَ بِالتَّضْعِيفِ، والإنْجاءِ والتَّنْجِيَةِ مَعْناهُما واحِدٌ وقَوْلُهُ: ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] قَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وقَرَأهُ غَيْرُهُ بِتَشْدِيدِها وهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿جاءَ آلَ لُوطٍ﴾ [الحجر: ٦١]
قَرَأهُ قالُونُ والبَزِّيُّ وأبُو عَمْرٍو بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ الأُولى وتَحْقِيقِ الثّانِيَةِ مَعَ (p-٢٨٦)القَصْرِ والمَدِّ، وقَرَأهُ ورْشٌ بِتَحْقِيقِ الأُولى وإبْدالِ الثّانِيَةِ ألِفًا مَعَ القَصْرِ والمَدِّ، وعَنْ ورْشٍ أيْضًا تَحْقِيقُ الأُولى وتَسْهِيلُ الثّانِيَةِ مَعَ القَصْرِ والتَّوَسُّطِ والمَدِّ، وقَرَأهُ قُنْبُلٌ مِثْلَ قِراءَةِ ورْشٍ إلّا أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَعَ التَّسْهِيلِ إلّا القَصْرُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ وكُلٌّ عَلى أصْلِهِ مِنَ المَدِّ، وما ذُكِرَ مِن قِراءَةِ ورْشٍ وقُنْبُلٍ هو التَّحْقِيقُ عَنْهُما وإنْ قِيلَ غَيْرُهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الحجر 15:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ .
سَبَبُ اسْتِبْشارِ قَوْمِ لُوطٍ أنَّهم ظَنُّوا المَلائِكَةَ شَبابًا مِن بَنِي آدَمَ، فَحَدَّثَتْهم أنْفُسُهم بِأنْ يَفْعَلُوا بِهِمْ فاحِشَةَ اللِّواطِ، كَما يُشِيرُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ [الحجر: ٦٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ الآيَةَ [القمر: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ٧٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحجر 15:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ فِيما أوْقَعَ مِنَ النَّكالِ بِقَوْمِ لُوطٍ آياتٍ لِلْمُتَأمِّلِينَ في ذَلِكَ، تَحْصُلُ لَهم بِها المَوْعِظَةُ والِاعْتِبارُ والخَوْفُ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ العَذابِ الَّذِي أنْزَلَ بِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا عَصَوْهُ وكَذَّبُوا رَسُولَهُ. وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ في العَنْكَبُوتِ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥]
• وقَوْلِهِ في الذّارِياتِ: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧]
• وقَوْلِهِ هُنا: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]
• وقَوْلِهِ في الشُّعَراءِ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٧٤]،
كَما صَرَّحَ بِمِثْلِ ذَلِكَ في إهْلاكِ قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ هُودٍ وقَوْمِ صالِحٍ وقَوْمِ شُعَيْبٍ في الشُّعَراءِ وقَوْلُهُ: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أصْلُ التَّوَسُّمِ تَفَعُّلٌ مِنَ الوَسْمِ، وهو العَلامَةُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى مَطْلُوبِ غَيْرِها. يُقالُ: تَوَسَّمْتُ فِيهِ الخَيْرَ إذا رَأيْتُ مِيْسَمَهُ فِيهِ، أيْ عَلامَتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في النَّبِيِّ ﷺ:
؎إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ أعْرِفُهُ واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي ثابِتُ النَّظَرِ
وَقالَ الآخَرُ:
؎تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ
هَذا أصْلُ التَّوَسُّمِ، ولِلْعُلَماءِ فِيهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ يَرْجِعُ مَعْناها كُلُّها إلى شَيْءٍ واحِدٍ. (p-٢٨٧)فَعَنْ قَتادَةَ: لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيِ المُعْتَبِرِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيِ المُتَفَرِّسِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيْ لِلنّاظِرِينَ، وعَنْ مالِكٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِ المَدِينَةِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيْ لِلْمُتَأمِّلِينَ.
وَلا يَخْفى أنَّ الِاعْتِبارَ والنَّظَرَ والتَّفَرُّسَ والتَّأمُّلَ مَعْناها واحِدٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ ومُقاتِلٍ: لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ، وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أيْ لِلْمُتَبَصِّرِينَ، فَمَآلُ جَمِيعِ الأقْوالِ راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ وهو أنَّ ما وقَعَ لِقَوْمِ لُوطٍ فِيهِ مَوْعِظَةٌ وعِبْرَةٌ لِمَن نَظَرَ في ذَلِكَ وتَأمَّلَ فِيهِ حَقَّ التَّأمُّلِ، وإطْلاقُ التَّوَسُّمِ عَلى التَّأمُّلِ والنَّظَرِ والِاعْتِبارِ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ::
؎وَفِيهِنَّ مَلْهى لِلصَّدِيقِ ومَنظَرٌ ∗∗∗ أنِيقٌ لَعِينِ النّاظِرِ المُتَوَسِّمِ
أيِ المُتَأمِّلِ في ذَلِكَ الحُسْنِ، وقَوْلُ طَرِيفِ بْنِ تَمِيمٍ العَنْبَرِيِّ:
؎أوْ كُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ
أيْ يَنْظُرُ ويَتَأمَّلُ. وقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قالَ: لِلنّاظِرِينَ.
وَأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: قالَ لِلْمُعْتَبِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: هُمُ المُتَفَرِّسُونَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ ﴿لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: هُمُ المُتَفَرِّسُونَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ مَعًا في الطِّبِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ“ ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: ”لِلْمُتَفَرِّسِينَ»“ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْذَرُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ويَنْطِقُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والبَزّارُ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ عِبادًا يَعْرِفُونَ النّاسَ بِالتَّوَسُّمِ» . اهـ.
الحجر 15:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ دِيارَ قَوْمِ (p-٢٨٨)لُوطٍ، وآثارَ تَدْمِيرِ اللَّهِ لَها بِسَبِيلٍ مُقِيمٍ أيْ بِطَرِيقٍ ثابِتٍ يَسْلُكُهُ النّاسُ لَمْ يَنْدَرِسْ بَعْدُ، يَمُرُّ بِها أهْلُ الحِجازِ في ذَهابِهِمْ إلى الشّامِ، والمُرادُ أنَّ آثارَ تَدْمِيرِ اللَّهِ لَهُمُ الَّتِي تُشاهِدُونَ في أسْفارِكم فِيها لَكم عِبْرَةٌ ومُزْدَجَرٌ يُوجِبُ عَلَيْكُمُ الحَذَرَ مِن أنْ تَفْعَلُوا كَفِعْلِهِمْ، لِئَلّا يُنْزِلَ اللَّهُ بِكم مِثْلَ ما أنْزَلَ بِهِمْ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] .
• وقَوْلِهِ فِيها وفي دِيارِ أصْحابِ الأيْكَةِ: ﴿وَإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحجر 15:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا ظالِمِينَ وأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - انْتَقَمَ مِنهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وأوْضَحَ هَذِهِ القِصَّةَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ في الشُّعَراءِ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وَما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٩٠] فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ظُلْمَهم هو تَكْذِيبُ رَسُولِهِمْ وتَطْفِيفُهم في الكَيْلِ، وبَخْسُهُمُ النّاسَ أشْياءَهم، وأنَّ انْتِقامَهُ مِنهم بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ، والظُّلَّةُ سَحابَةٌ أظَلَّتْهم فَأضْرَمَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ”لَيْكَةِ“ . في ”الشُّعَراءِ“ و ”ص“ بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ أوَّلَ الكَلِمَةِ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ آخِرَها مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا تَعْرِيفٍ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”الأيْكَةِ“ بِالتَّعْرِيفِ والهَمْزِ وكَسْرِ التّاءِ، وقَرَأ كَذَلِكَ جَمِيعُ القُرّاءِ في ”ق“ و ”الحِجْرِ“ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَيْكَةُ والأيْكَةُ اسْمُ مَدِينَتِهِمْ كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، والأيْكَةُ في لُغَةِ العَرَبِ الغَيْضَةُ وهي جَماعَةُ الشَّجَرِ، والجَمْعُ الأيْكُ، وإنَّما سُمُّوا أصْحابَ الأيْكَةِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ غِياضٍ (p-٢٨٩)وَرِياضٍ، ويُرْوى أنَّ شَجَرَهم كانَ دَوْمًا وهو المُقْلِ، ومِن إطْلاقِ الأيْكَةِ عَلى الغَيْضَةِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎تَجْلُو بِقادِمَتَيْ حَمامَةِ أيْكَةٍ بَرَدًا أُسِفَّ لِثاتُهُ بِالإثْمَدِ
وَقالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: ومَن قَرَأ أصْحابَ الأيْكَةِ فَهي الغَيْضَةُ، ومَن قَرَأ لَيْكَةِ فَهي اسْمُ القَرْيَةِ، ويُقالُ: هُما مِثْلُ بَكَّةَ ومَكَّةَ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأيْكَةُ الشَّجَرَةُ، والأيْكُ هو الشَّجَرُ المُلْتَفُّ.
الحجر 15:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ .
الحِجْرُ: مَنازِلُ ثَمُودَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ عِنْدَ وادِي القُرى. فَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى تَكْذِيبَ ثَمُودَ لِنَبِيِّهِ صالِحٍ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مَواضِعَ أُخَرَ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ الآياتِ [الشعراء: ١٤١]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٣ - ٢٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَإنَّما قالَ إنَّهم كَذَّبُوا المُرْسَلِينَ مَعَ أنَّ الَّذِي كَذَّبُوهُ هو صالِحٌ وحْدَهُ، لِأنَّ دَعْوَةَ جَمِيعِ الرُّسُلِ واحِدَةٌ، وهي تَحْقِيقُ مَعْنى ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِأدِلَّةٍ عُمُومِيَّةٍ وخُصُوصِيَّةٍ. قالَ مُعَمِّمًا لِجَمِيعِهِمْ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٢٥] . وقالَ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ في تَخْصِيصِ الرُّسُلِ بِأسْمائِهِمْ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣] وقالَ: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠] وقالَ: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فَإذا حَقَّقْتَ أنَّ دَعْوَةَ الرُّسُلِ واحِدَةٌ عَرَفْتَ أنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنهم فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَهم. ولِذا صَرَّحَ تَعالى بِأنَّ مَن كَفَرَ بِبَعْضِهِمْ فَهو كافِرٌ حَقًّا. قالَ: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]، (p-٣٩٠)وَبَيَّنَ أنَّهُ لا تَصِحُّ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [ ٢ \ ١٣٦ و ٣ \ ٨٤ ]، وقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ووَعَدَ الأجْرَ عَلى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهم في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ . الآيَةَ [النساء: ١٥٢]، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ .
* *
تَنْبِيهٌ.
اعْلَمْ أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِالحِجْرِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ في طَرِيقِهِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «لَمّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالحِجْرِ، قالَ: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم، إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ“، ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وأسْرَعَ السَّيْرَ حَتّى أجازَ الوادِيَ» ”، هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في كِتابِ أحادِيثِ الأنْبِياءِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أمَرَهم ألّا يَشْرَبُوا مِن بِئْرِها ولا يَسْتَقُوا مِنها، فَقالُوا: قَدْ عَجَنّا مِنها واسْتَقَيْنا، فَأمَرَهم أنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ العَجِينَ، ويُهْرِقُوا ذَلِكَ الماءَ»“ . ثُمَّ قالَ البُخارِيُّ: ويُرْوى عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ وأبِي الشُّمُوسِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِإلْقاءِ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ: وقالَ أبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنِ اعْتَجَنَ بِمائِهِ» .
ثُمَّ ساقَ بِسَنَدِهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ أخْبَرَهُ: «أنَّ النّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أرْضَ ثَمُودَ الحِجْرَ واسْتَقَوْا مِن بِئْرِها، واعْتَجَنُوا بِهِ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُهْرِقُوا ما اسْتَقَوْا مِن بِيارِهِمْ، وأنْ يَعْلِفُوا الإبِلَ العَجِينَ، وأمَرَهم أنْ يَسْتَسْقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي تَرِدُها النّاقَةُ» " .
ثُمَّ قالَ: تابَعَهُ أُسامَةُ، عَنْ نافِعٍ، ثُمَّ ساقَ بِسَنَدِهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا مَرَّ بِالحِجْرِ قالَ: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم“، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِرِدائِهِ وهو عَلى الرَّحْلِ» .
ثُمَّ ساقَ أيْضًا بِسَنَدِهِ، عَنْ سالِمٍ: أنَّ ابْنَ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم، إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم»“، هَذا كُلُّهُ لَفْظُ البُخارِيِّ في صَحِيحِهِ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: أمّا حَدِيثُ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ فَوَصَلَهُ أحْمَدُ (p-٢٩١)والطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ سَبْرَةَ - وهو بِفَتْحِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الباءِ المُوَحَّدَةِ - الجُهَنِيُّ، قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ حِينَ راحَ مِنَ الحِجْرِ: ”مَن كانَ عَجَنَ مِنكم مِن هَذا الماءِ عَجِينَةً أوْ حاسَ حَيْسًا؛ فَلْيُلْقِهِ»“، ولَيْسَ لِسَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ في البُخارِيِّ إلّا هَذا المَوْضِعُ. وأمّا حَدِيثُ أبِي الشُّمُوسِ - وهو بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ -، وهو بِكْرِيٌّ لا يُعْرَفُ اسْمُهُ - فَوَصَلَهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مِندَهْ مِن طَرِيقِ سُلَيْمِ بْنِ مُطَيْرٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْهُ، قالَ: ”كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . . . . . . فَذَكَرَ الحَدِيثَ وفِيهِ: فَألْقى ذُو العَجِينِ عَجِينَهُ، وذُو الحَيْسِ حَيْسَهُ“ . ورَواهُ ابْنُ أبِي عاصِمٍ مِن هَذا الوَجْهِ، وزادَ: «فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَدْ حِسْتُ حَيْسَةً فَأُلْقِمُها راحِلَتِي ؟ قالَ: نَعَمْ» .
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا: قَوْلُهُ: وقالَ أبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”مَنِ اعْتَجَنَ بِمائِهِ“ وصَلَهُ البَزّارُ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُدامَةَ عَنْهُ: «أنَّهم كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَآتَوْا عَلى وادٍ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ”إنَّكم بِوادٍ مَلْعُونٍ فَأسْرِعُوا“ وقالَ: ”مَنِ اعْتَجَنَ عَجِينَةً، أوْ طَبَخَ قِدْرًا؛ فَلْيَكُبَّها» . الحَدِيثَ. قالَ: لا أعْلَمُهُ إلّا بِهَذا الإسْنادِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠]، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِ الحِجْرِ:“ لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ القَوْمِ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ؛ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهم» ”وَأخْرَجَ البُخارِيُّ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في كِتابِ الصَّلاةِ، في بابِ الصَّلاةِ في مَواضِعِ الخَسْفِ والعَذابِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ:“ لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ، إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ؛ لا يُصِيبُكم ما أصابَهم» . وبَعْضُ هَذِهِ الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْناها عَنِ البُخارِيِّ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا في صَحِيحِهِ، فَقَدِ اتَّفَقا عَلى النَّهْيِ عَنْ دُخُولِ دِيارِهِمْ إلّا في حالِ البُكاءِ، وعَلى إسْراعِهِ ﷺ حَتّى جاوَزَ دِيارَهم. وفي هَذِهِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ النَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ إلى مَواضِعِ الخَسْفِ والعَذابِ إلّا في حالَةِ البُكاءِ، وفِيها الإسْراعُ بِمُجاوَزَتِها، وعَدَمُ الِاسْتِسْقاءِ مِن مِياهِها، وعَدَمُ أكْلِ الطَّعامِ الَّذِي عُجِنَ بِها، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِمائِها، ولا تَصِحُّ الصَّلاةُ فِيها؛ لِأنَّ ماءَها لَمّا لَمْ يَصْلُحْ لِلْأكْلِ والشُّرْبِ، عُلِمَ أنَّهُ غَيْرُ صالِحٍ لِلطَّهارَةِ الَّتِي هي تَقَرُّبٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ الصَّلاةِ في مَواضِعِ الخَسْفِ والعَذابِ: ”وَيُذْكَرُ أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَرِهَ الصَّلاةَ بِخَسْفِ بابِلَ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: هَذا الأثَرُ رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن (p-٢٩٢)طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي المُحِلِّ - وهو بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ المُهْمَلَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ -، قالَ“ كُنّا مَعَ عَلِيٍّ فَمَرَرْنا عَلى الخَسْفِ الَّذِي بِبابِلَ، فَلَمْ يُصَلِّ حَتّى أجازَهُ - أيْ: تَعَدّاهُ - ”وَمِن طَرِيقٍ أُخْرى، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ:“ ما كُنْتُ لِأُصَلِّيَ بِأرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِها ثَلاثَ مِرارٍ ”. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ثَلاثَ مِرارٍ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالخَسْفِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها إلّا خَسْفٌ واحِدٌ. وإنَّما أرادَ أنَّ عَلِيًّا قالَ ذَلِكَ ثَلاثًا. ورَواهُ أبُو داوُدَ مَرْفُوعًا مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ ولَفْظُهُ:“ نَهانِي حَبِيبِي ﷺ أنْ أُصَلِّيَ في أرْضِ بابِلَ؛ فَإنَّها مَلْعُونَةٌ ”في إسْنادِهِ ضَعْفٌ، واللّائِقُ بِتَعْلِيقِ المُصَنِّفِ ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِالخَسْفِ هُنا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٦]، ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ والأخْبارِ: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّ النُّمْرُوذَ بْنَ كَنْعانَ بَنى بِبابِلَ بُنْيانًا عَظِيمًا، يُقالُ: إنَّ ارْتِفاعَهُ كانَ خَمْسَةَ آلافِ ذِراعٍ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِمْ. قالَ الخَطّابِيُّ:“ لا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ حَرَّمَ الصَّلاةَ في أرْضِ بابِلَ " انْتَهى. مَحَلُّ الغَرَضِ مِن فَتْحِ البارِي.
وَقَوْلُ الخَطّابِيِّ يُعارِضُهُ ما رَأيْتُهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ عُمُومُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وَجُعِلَتْ لَنا الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا»، وحَدِيثُ أبِي داوُدَ المَرْفُوعُ، عَنْ عَلِيٍّ الَّذِي أشارَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ: أنَّ فِيهِ ضَعْفًا هو قَوْلُهُ: ”حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ، أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ، قالَ حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، ويَحْيى بْنُ أزْهَرَ، عَنْ عَمّارِ بْنِ سَعْدٍ المُرادِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ الغِفارِيِّ: «أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّ بِبابِلَ وهو يَسِيرُ، فَجاءَهُ المُؤَذِّنُ يُؤْذِنُهُ بِصَلاةِ العَصْرِ. فَلَمّا بَرَزَ مِنها أمَرَ المُؤَذِّنَ فَأقامَ الصَّلاةَ، فَلَمّا فَرَغَ مِنها قالَ:“ إنَّ حَبِيبِي ﷺ نَهانِي أنْ أُصَلِّيَ في المَقْبَرَةِ، ونَهانِي أنْ أُصَلِّيَ في أرْضِ بابِلَ؛ فَإنَّها مَلْعُونَةٌ» " .
حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، ثَنا ابْنُ وهْبٍ، أخْبَرَنِي يَحْيى بْنُ أزْهَرَ، وابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الحَجّاجِ بْنِ شَدّادٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ الغِفارِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ بِمَعْنى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، قالَ: " فَلَمّا خَرَجَ - مَكانَ فَلَمّا بَرَزَ - اهـ.
وَقَدْ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِ في إسْنادَيْ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ، ولَكِنْ فِيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ نَبَّهَ عَلَيْها ابْنُ يُونُسَ، أمّا كَوْنُهُ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ؛ فَلِأنَّ طَرِيقَتَهُ الأُولى أوَّلُ طَبَقاتِها: سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ ولا خِلافَ في كَوْنِهِ ثِقَةً، وفي الثّانِيَةِ: أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ مَكانَ سُلَيْمانَ المَذْكُورِ، وأحْمَدُ بْنُ صالِحٍ ثِقَةٌ حافِظٌ. وكَلامُ النَّسائِيِّ فِيهِ غَلَطٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، كَما قالَ العِراقِيُّ في ألْفِيَّتِهِ:
؎وَرُبَّما رُدَّ كَلامُ الجارِحِ كالنَّسائِيِّ في أحْمَدَ بْنِ صالِحٍ
وَسَبَبُ غَلَطِهِ في ذَلِكَ أنَّ ابْنَ مَعِينٍ كَذَّبَ أحْمَدَ بْنَ صالِحٍ الشُّمُونِيُّ. فَظَنَّ النَّسائِيُّ أنَّ (p-٢٩٣)مُرادَ ابْنِ مَعِينٍ أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ هَذا الَّذِي هو أبُو جَعْفَرِ بْنُ الطَّبَرِيِّ المِصْرِيُّ، ولَيْسَ كَذَلِكَ كَما جَزَمَ بِهِ ابْنُ حِبّانَ.
والطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ في كِلا الإسْنادَيْنِ:
ابْنُ وهْبٍ وهو: عَبْدَ اللَّهِ بْنُ وهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ القُرَشِيُّ، مَوْلاهم أبُو مُحَمَّدٍ المِصْرِيُّ ثِقَةٌ حافِظٌ عابِدٌ مَشْهُورٌ.
والطَّبَقَةُ الثّالِثَةُ مِنَ الإسْنادَيْنِ: يَحْيى بْنُ أزْهَرَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، ويَحْيى بْنُ أزْهَرَ البَصْرِيُّ مَوْلى قُرَيْشٍ صَدُوقٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ صَدُوقٌ خَلَطَ بَعْدَ احْتِراقِ كُتُبِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اعْتِضادَ أحَدِهِما بِالآخَرِ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الحُسْنِ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ راوِيَ الحَدِيثِ ابْنُ وهْبٍ ومَعْلُومٌ أنَّ رِوايَةَ ابْنِ وهْبٍ، وابْنِ المُبارَكِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، أعْدَلُ مِن رِوايَةِ غَيْرِهِما عَنْهُ.
والطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ في الإسْنادِ الأوَّلِ: عَمّارُ بْنُ سَعْدٍ المُرادِيُّ. وفي الإسْنادِ الثّانِي: الحَجّاجُ بْنُ شَدّادٍ، وعَمّارُ بْنُ سَعْدٍ المُرادِيُّ، ثُمَّ السَّلْهَمِيُّ، والحَجّاجُ بْنُ شَدّادٍ الصَّنْعانِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، كِلاهُما مَقْبُولٌ كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ، واعْتِضادُ أحَدِهِما بِالآخَرِ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الحُسْنِ.
والطَّبَقَةُ الخامِسَةُ في كِلا الإسْنادَيْنِ: أبُو صالِحٍ الغِفارِيُّ وهو سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِدادُهُ في أهْلِ مِصْرَ، وهو ثِقَةٌ.
والطَّبَقَةُ السّادِسَةُ في كِلَيْهِما: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فالَّذِي يَظْهَرُ صَلاحِيَةُ الحَدِيثِ لِلِاحْتِجاجِ، ولَكِنَّهُ فِيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ ذَكَرَها ابْنُ يُونُسَ، وهي: أنَّ رِوايَةَ أبِي صالِحٍ الغِفارِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ مُرْسَلَةٌ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ. وقالَ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى: ”بابُ مِن كَرِهَ الصَّلاةَ في مَوْضِعِ الخَسْفِ والعَذابِ،“ أنْبَأ أبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أنْبَأ أبُو بَكْرِ بْنُ داسَةَ، ثَنا أبُو داوُدَ، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ أبِي داوُدَ المَذْكُورِ آنِفًا بِلَفْظِهِ في المَتْنِ والإسْنادَيْنِ. ثُمَّ قالَ: ورُوِّينا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُحِلٍّ العُمَرِيِّ، قالَ: كُنّا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَمَرَّ بِنا عَلى الخَسْفِ الَّذِي بِبابِلَ فَلَمْ يُصَلِّ حَتّى أجازَهُ. وعَنْ حُجْرٍ الحَضْرَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ”ما كُنْتُ لِأُصَلِّيَ بِأرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِها ثَلاثَ مَرّاتٍ“ . ثُمَّ قالَ البَيْهَقِيُّ: وهَذا النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ فِيها إنْ ثَبَتَ مَرْفُوعًا لَيْسَ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلى الصَّلاةِ؛ فَلَوْ صَلّى فِيها لَمْ يُعِدْ، ثُمَّ ساقَ البَيْهَقِيُّ بَعْضَ رِواياتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، ثُمَّ قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أحَبَّ الخُرُوجَ مِن تِلْكَ المَساكِنِ، وكَرِهَ المُقامَ فِيها إلّا باكِيًا، فَدَخَلَ في ذَلِكَ المُقامُ لِلصَّلاةِ وغَيْرِها. اهـ.
(p-٢٩٤)وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو حاصِلُ ما جاءَ في الصَّلاةِ في مَواضِعِ الخَسْفِ والتَّطَهُّرِ بِمِياهِها، فَذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ الصَّلاةَ بِها صَحِيحَةٌ والتَّطَهُّرَ بِمائِها مُجْزِئٌ، واسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ ﷺ: ”وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدًا“ الحَدِيثَ. وكَعُمُومِ الأدِلَّةِ عَلى رَفْعِ الحَدَثِ، وحُكْمِ الخَبَثِ بِالماءِ المُطْلَقِ. وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها لا تَجُوزُ الصَّلاةُ فِيها، ولا تَصِحُّ الطَّهارَةُ بِمائِها، واسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ المَرْفُوعِ: أنَّ حَبِيبَهُ ﷺ نَهاهُ عَنِ الصَّلاةِ في خَسْفِ بابِلَ؛ لِأنَّها أرْضٌ مَلْعُونَةٌ. قالُوا: والنَّهْيُ يَقْتَضِي الفَسادَ؛ لِأنَّ ما نَهى عَنْهُ ﷺ لَيْسَ مِن أمْرِنا، «وَمَن أحْدَثَ في أمْرِنا ما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ» كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ. واحْتَجُّوا لِعَدَمِ الطَّهارَةِ بِمائِها بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَعَ مِنِ اسْتِعْمالِهِ في الأكْلِ والشُّرْبِ وهُما لَيْسا بِقُرْبَةٍ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَنعِ الطَّهارَةِ بِهِ مِن بابِ أوْلى.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لَنا رُجْحانُهُ؛ أنَّ مَن مَرَّ عَلَيْها يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُسْرِعَ في سَيْرِهِ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ، كَفِعْلِهِ ﷺ وفِعْلِ صِهْرِهِ، وابْنِ عَمِّهِ، وأبِي سِبْطَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - جَمِيعًا، وأنَّهُ لا يَدْخُلُ إلّا باكِيًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. فَلَوْ نَزَلَ فِيها وصَلّى فالظّاهِرُ صِحَّةُ صَلاتِهِ إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ صَحِيحٌ بِدَلالَةٍ واضِحَةٍ عَلى بُطْلانِها، والحُكْمُ بِبُطْلانِ العِبادَةِ يَحْتاجُ إلى نَصٍّ قَوِيِّ المَتْنِ والدَّلالَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
مَسائِلُ لَها تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الحِجْرَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٨٠]: هو دِيارُ ثَمُودَ، وأنَّهُ ورَدَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ في مَواضِعِ الخَسْفِ؛ فَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ نَذْكُرُ الأماكِنَ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيها ونُبَيِّنُ ما صَحَّ فِيهِ النَّهْيُ وما لَمْ يَصِحَّ.
والمَواضِعُ الَّتِي ورَدَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ فِيها تِسْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا سَتَأْتِي كُلُّها.
عَنْ زَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ، عَنْ داوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ نافِعٍ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”نَهى أنْ يُصَلّى في سَبْعَةِ مَواطِنَ: في المَزْبَلَةِ، والمَجْزَرَةِ، والمَقْبَرَةِ، وقارِعَةِ الطَّرِيقِ، وفي الحَمّامِ وفي أعْطانِ الإبِلِ، وفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ»“ . رَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ في إسْنادِهِ: لَيْسَ بِذاكَ. وقَدْ رَوى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ هَذا الحَدِيثَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ العُمَرِيِّ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. والحَدِيثُ ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ؛ لِأنَّ الإسْنادَ الأوَّلَ فِيهِ زَيْدُ بْنُ جَبِيرَةَ وهو مَتْرُوكٌ، قالَ فِيهِ ابْنَ حَجَرٍ في (p-٢٩٥)التَّقْرِيبِ: مَتْرُوكٌ. وقالَ في تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ: قالَ ابْنُ مَعِينٍ: هو لا شَيْءَ. وقالَ البُخارِيُّ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. وقالَ النَّسائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: ضَعِيفُ الحَدِيثِ، مُنْكَرُ الحَدِيثِ جِدًّا، مَتْرُوكُ الحَدِيثِ لا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. وقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عامَّةٌ ما يَرْوِيهِ لا يُتابِعُهُ عَلَيْهِ أحَدٌ. قُلْتَ: وقالَ السّاجِيُّ: حَدَّثَ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ بِحَدِيثٍ مُنْكَرٍ جِدًّا، يَعْنِي حَدِيثَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في سَبْعِ مَواطِنَ. وقالَ الفَسَوِيُّ: ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الحَدِيثِ. وقالَ الأزْدِيُّ: مَتْرُوكٌ. وقالَ ابْنُ حِبّانَ: يَرْوِي المَناكِيرَ عَنِ المَشاهِيرِ؛ فاسْتَحَقَّ التَّنَكُّبَ عَنْ رِوايَتِهِ. وقالَ الحاكِمُ: رَوى عَنْ أبِيهِ وداوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ وغَيْرِهِما المَناكِيرَ. وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ ضَعِيفٌ اهـ كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ. وأحَدُ إسْنادَيِ ابْنِ ماجَهْ فِيهِ أبُو صالِحٍ كاتِبُ اللَّيْثِ، وهو كَثِيرُ الغَلَطِ، وفِيهِ ابْنُ عُمَرَ العُمَرِيُّ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ وأخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ. وقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في العِلَلِ: هُما جَمِيعًا - يَعْنِي الحَدِيثَيْنِ - واهِيانِ. وصَحَّحَ الحَدِيثَ المَذْكُورَ ابْنُ السَّكَنِ وإمامُ الحَرَمَيْنِ.
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ المَواضِعَ الَّتِي ورَدَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ فِيها، هي السَّبْعَةُ المَذْكُورَةُ، والصَّلاةُ إلى المَقْبَرَةِ وإلى جِدارِ مِرْحاضٍ عَلَيْهِ نَجاسَةٌ، والكَنِيسَةِ والبَيْعَةِ، وإلى التَّماثِيلِ، وفي دارِ العَذابِ، وفي المَكانِ المَغْصُوبِ، والصَّلاةُ إلى النّائِمِ، والمُتَحَدِّثِ، وفي بَطْنِ الوادِي، وفي مَسْجِدِ الضِّرارِ، والصَّلاةُ إلى التَّنُّورِ، فالمَجْمُوعُ تِسْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا. وسَنُبَيِّنُ أدِلَّةَ النَّهْيِ عَنْها مُفَصَّلَةً - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - أمّا في مَواضِعِ الخَسْفِ والعَذابِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ ذَلِكَ قَرِيبًا.
وَأمّا الصَّلاةُ في المَقْبَرَةِ والصَّلاةُ إلى القَبْرِ: فَكِلاهُما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيُ عَنْهُ. أمّا الصَّلاةُ في المَقابِرِ: فَقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في النَّهْيِ عَنْها، مِنها ما رَواهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قالَ في مَرَضِ مَوْتِهِ: ”لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ»“، يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا، ولَوْلا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ ﷺ غَيْرَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وفي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا نَحْوُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وفي بَعْضِ الرِّواياتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى»، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ الِاقْتِصارُ عَلى اليَهُودِ. والنَّبِيُّ ﷺ لا يَلْعَنُ إلّا عَلى فِعْلٍ حَرامٍ شَدِيدِ الحُرْمَةِ. وعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وهو (p-٢٩٦)يَقُولُ: ”إنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ أنْ يَكُونَ لِي مِنكم خَلِيلٌ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ولَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِن أُمَّتِي خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا. ألا وإنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ وصالِحِيهِمْ مَساجِدَ. إلّا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَساجِدَ إنِّي أنْهاكم عَنْ ذَلِكَ»“ . أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِهَذا اللَّفْظِ، رَواهُ النَّسائِيُّ أيْضًا.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلُوا مِن صَلاتِكم في بُيُوتِكم، ولا تَتَّخِذُوها قُبُورًا» أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، والإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ، إلّا ابْنَ ماجَهْ، وقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ: ”وَلا تَتَّخِذُوها قُبُورًا“ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القُبُورَ لَيْسَتْ مَحَلَّ صَلاةٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الحَدِيثِ: صَلُّوا ولا تَكُونُوا كالأمْواتِ في قُبُورِهِمْ؛ فَإنَّهم لا يُصَلُّونَ. وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا: «إنَّ مِن شَرارِ النّاسِ مَن تُدْرِكُهُمُ السّاعَةُ وهم أحْياءٌ، والَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَساجِدَ» . ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا.
والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ لا مَطْعَنَ فِيها، وهي تَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى تَحْرِيمِ الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ صُلِّيَ فِيهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ المَسْجِدِ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ في اللُّغَةِ مَكانُ السُّجُودِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا» . الحَدِيثَ. أيْ: كُلُّ مَكانٍ مِنها تَجُوزُ الصَّلاةُ فِيهِ. وظاهِرُ النُّصُوصِ المَذْكُورَةِ العُمُومُ، سَواءٌ نُبِشَتِ المَقْبَرَةُ واخْتَلَطَ تُرابُها بِصَدِيدِ الأمْواتِ أوْ لَمْ تُنْبَشْ؛ لِأنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ لَيْسَتْ بِنَجاسَةِ المَقابِرِ كَما يَقُولُهُ الشّافِعِيَّةُ؛ بِدَلِيلِ اللَّعْنِ الوارِدِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى مَنِ اتَّخَذَ قُبُورَ الأنْبِياءِ مَساجِدَ. ومَعْلُومٌ أنَّ قُبُورَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَتْ نَجِسَةً، فالعِلَّةُ لِلنَّهْيِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهم إذا عَبَدُوا اللَّهَ عِنْدَ القُبُورِ آلَ بِهِمُ الأمْرُ إلى عِبادَةِ القُبُورِ.
فالظّاهِرُ مِنَ النُّصُوصِ المَذْكُورَةِ: مَنعُ الصَّلاةِ عِنْدَ المَقابِرِ مُطْلَقًا، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وفي صِحَّتِها عِنْدَهُ رِوايَتانِ وإنْ تَحَقَّقَتْ طَهارَتُها. وذَهَبَ مالِكٌ: إلى أنَّ الصَّلاةَ فِيها مَكْرُوهَةٌ. وذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ: إلى أنَّها إذا كانَتْ نَجِسَةً لِاخْتِلاطِ أرْضِها بِصَدِيدِ الأمْواتِ لِأجْلِ النَّبْشِ؛ فالصَّلاةُ فِيها باطِلَةٌ، وإنْ كانَتْ لَمْ تُنْبَشْ؛ فالصَّلاةُ فِيها مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهم. وذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنِ ابْنِ المُنْذِرِ: أنَّهُ قالَ: رُوِّينا عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، أنَّهم كَرِهُوا الصَّلاةَ في المَقْبَرَةِ. قالَ: ولَمْ يَكْرَهْها أبُو هُرَيْرَةَ، وواثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ونَقَلَ صاحِبُ الحاوِي عَنْ داوُدَ: أنَّهُ قالَ: تَصِحُّ الصَّلاةُ وإنْ تَحَقَّقَ نَبْشُها. وذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ عَنْ خَمْسَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ وهم: عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأنَسٌ (p-٢٩٧)وابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ: ما نَعْلَمُ لَهم مُخالِفًا، وحَكاهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ: إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، ونافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وطاوُسٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، وخَيْثَمَةَ، وغَيْرِهِمْ. وقَدْ حَكى الخَطّابِيُّ ”في مَعالِمِ السُّنَنِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أنَّهُ رَخَّصَ في الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ. وحُكِيَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ صَلّى في المَقْبَرَةِ.
وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: قُلْتُ لِنافِعٍ: أكانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أنْ يُصَلّى وسْطَ القُبُورِ ؟ قالَ: لَقَدْ صَلَّيْنا عَلى عائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وسْطَ البَقِيعِ والإمامُ يَوْمَ صَلَّيْنا عَلى عائِشَةَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وحَضَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. رَواهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ. ومِمَّنْ كَرِهَ الصَّلاةَ في المَقْبَرَةِ: أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ. واحْتَجَّ مَن قالَ بِجَوازِ الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ: بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى عَلى المِسْكِينَةِ السَّوْداءِ بِالمَقْبَرَةِ. وسَيَأْتِي قَرِيبًا - إنْ شاءَ اللَّهُ - حُكْمُ الصَّلاةِ إلى جِهَةِ القَبْرِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: أظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا في هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدِي قَوْلُ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -؛ لِأنَّ النُّصُوصَ صَرِيحَةٌ في النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في المَقابِرِ، ولَعْنِ مَنِ اتَّخَذَ المَساجِدَ عَلَيْها، وهي ظاهِرَةٌ جِدًّا في التَّحْرِيمِ. أمّا البُطْلانُ فَمُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الفَسادَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن أحْدَثَ مِن أمْرِنا هَذا ما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ» . والصَّلاةُ في المَقابِرِ مَنهِيٌّ عَنْها، فَلَيْسَتْ مِن أمْرِنا فَهي رَدٌّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: الصَّلاةُ مِن أمْرِنا فَلَيْسَتْ رَدًّا، وكَوْنُها في المَكانِ المَنهِيِّ عَنْهُ هو الَّذِي لَيْسَ مِن أمْرِنا.
كَما عُلِمَ الخِلافُ بَيْنَ العُلَماءِ في كُلِّ مَنهِيٍّ عَنْهُ لَهُ جِهَتانِ: إحْداهُما مَأْمُورٌ بِهِ مِنها: كَكَوْنِهِ صَلاةً، والأُخْرى مَنهِيٌّ عَنْهُ مِنها: كَكَوْنِهِ في مَوْضِعِ نَهْيٍ، أوْ وقْتِ نَهْيٍ، أوْ أرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، أوْ بِحَرِيرٍ، أوْ ذَهَبٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنِ انْفَكَّتْ جِهَةُ الأمْرِ عَنْ جِهَةِ النَّهْيِ لَمْ يَقْتَضِ النَّهْيُ الفَسادَ، وإنْ لَمْ تَنْفَكَّ عَنْها اقْتَضاهُ. ولَكِنَّهم عِنْدَ التَّطْبِيقِ يَخْتَلِفُونَ، فَيَقُولُ أحَدُهم: الجِهَةُ هُنا مُنْفَكَّةٌ. ويَقُولُ الآخَرُ: لَيْسَتْ مُنْفَكَّةً كالعَكْسِ، فَيَقُولُ الحَنْبَلِيُّ مَثَلًا: الصَّلاةُ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ لا يُمْكِنُ أنْ تَنْفَكَّ فِيها جِهَةُ الأمْرِ عَنْ جِهَةِ النَّهْيِ؛ لِكَوْنِ حَرَكَةِ أرْكانِ الصَّلاةِ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقِيامِ كُلُّها يَشْغَلُ المُصَلِّي بِهِ حَيِّزًا مِنَ الفَراغِ لَيْسَ مَمْلُوكًا لَهُ، فَنَفْسُ شَغْلِهِ لَهُ بِبَدَنِهِ أثْناءَ الصَّلاةِ حَرامٌ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قُرْبَةً بِحالٍ. فَيَقُولُ المُعْتَرِضُ كالمالِكِيِّ والشّافِعِيِّ: الجِهَةُ مُنْفَكَّةٌ هُنا؛ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ صَلاةً قُرْبَةٌ، ومِن حَيْثُ كَوْنِهِ غَصْبًا حَرامٌ، فَلَهُ صَلاتُهُ وعَلَيْهِ غَصْبُهُ كالصَّلاةِ بِالحَرِيرِ. وإلى هَذا المَسْألَةِ وأقْوالِ العُلَماءِ فِيها أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
؎دُخُولُ ذِي كَراهَةٍ فِيما أُمِرَ بِهِ بِلا قَيْدٍ وفَصْلٍ قَدْ حُظِرْ
؎(p-٢٩٨)فَنَفْيُ صِحَّةٍ ونَفْيُ الأجْرِ ∗∗∗ في وقْتِ كُرْهٍ لِلصَّلاةِ يَجْرِي
؎وَإنْ يَكُ النَّهْيُ عَنِ الأمْرِ انْفَصَلْ ∗∗∗ فالفِعْلُ بِالصِّحَّةِ لا الأجْرُ اتَّصَلْ
؎وَذا إلى الجُمْهُورِ ذُو انْتِسابِ ∗∗∗ وقِيلَ بِالأجْرِ مَعَ العِقابِ
؎وَقَدْ رُوِي البُطْلانُ والقَضاءُ ∗∗∗ وقِيلَ ذا فَقَطْ لَهُ انْتِفاءُ
؎مِثْلَ الصَّلاةِ بِالحَرِيرِ والذَّهَبِ ∗∗∗ أوْ في مَكانِ الغَصْبِ والوُضُو انْقَلَبْ
؎وَمَعْطَنٍ ومَنهَجٍ ومَقْبَرَهْ ∗∗∗ كَنِيسَةٍ وذِي حَمِيمٍ مَجْزَرَهْ
وَأمّا الصَّلاةُ إلى القُبُورِ فَإنَّها لا تَجُوزُ أيْضًا، بِدَلِيلِ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، والإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تُصَلُّوا إلى القُبُورِ ولا تَجْلِسُوا عَلَيْها»“ . هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وفي لَفْظٍ لَهُ أيْضًا: «لا تَجْلِسُوا عَلى القُبُورِ ولا تُصَلُّوا إلَيْها» . والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ في الأُصُولِ: أنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. فَأظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا مَنعُ الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ وإلى القَبْرِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ النَّهْيِ المُتَجَرِّدَةَ مِنَ القَرائِنِ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. أمّا اقْتِضاءُ النَّهْيِ الفَسادَ إذا كانَ لِلْفِعْلِ جِهَةُ أمْرٍ وجِهَةُ نَهْيٍ، فَفِيهِ الخِلافُ الَّذِي قَدَّمْناهُ آنِفًا، وإنْ كانَتْ جِهَتُهُ واحِدَةً اقْتَضى الفَسادَ. وقالَ صاحِبُ المَراقِي في اقْتِضاءِ النَّهْيِ الفَسادَ:
؎وَجاءَ في الصَّحِيحِ لِلْفَسادِ ∗∗∗ إنْ لَمْ يَجِي الدَّلِيلُ لِلسَّدادِ
وَقَدْ نَهى ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ الصَّلاةِ إلى القُبُورِ، وقَدْ قالَ: «وَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ»، وقالَ تَعالى: ﴿وَما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ لَعْنَهُ ﷺ مَنِ اتَّخَذَ القُبُورَ مَساجِدَ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى التَّحْرِيمِ. واحْتَجَّ مَن قالَ بِصِحَّةِ الصَّلاةِ في المَقابِرِ وإلى القُبُورِ بِأدِلَّةٍ مِنها: عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا» الحَدِيثَ. قالُوا: عُمُومُهُ يَشْمَلُ المَقابِرَ، ويُجابُ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ أحادِيثَ النَّهْيِ مِنهُ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ وإلى القَبْرِ خاصَّةً، وحَدِيثُ «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا» عامٌّ، والخاصُّ يُقْضى بِهِ عَلى العامِّ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَثْنى مِن عُمُومِ كَوْنِ الأرْضِ مَسْجِدًا المَقْبَرَةَ والحَمّامَ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، وصَحَّحاهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ (p-٢٩٩)إلّا المَقْبَرَةَ والحَمّامَ»، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِ البُخارِيِّ بابُ ”كَراهِيَةِ الصَّلاةِ في المَقابِرِ“ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ هَذا: رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، ورِجالُهُ ثِقاتٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ في وصْلِهِ وإرْسالِهِ، وحَكَمَ مَعَ ذَلِكَ بِصِحَّتِهِ الحاكِمُ وابْنُ حِبّانَ. وقالَ الشَّوْكانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: صَحَّحَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، وابْنُ حَزْمٍ الظّاهِرِيُّ، وأشارَ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ إلى صِحَّتِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: التَّحْقِيقُ أنَّ الحَدِيثَ إذا اخْتُلِفَ في وصْلِهِ وإرْسالِهِ، وثَبَتَ مَوْصُولًا مِن طَرِيقٍ صَحِيحِةٍ حُكِمَ بِوَصْلِهِ، ولا يَكُونُ الإرْسالُ في الرِّوايَةِ الأُخْرى عِلَّةً فِيهِ؛ لِأنَّ الوَصْلَ زِيادَةٌ وزِياداتُ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“:
؎والرَّفْعُ والوَصْلُ وزِيدَ اللَّفْظُ ∗∗∗ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إمامِ الحِفْظِ
مِن أدِلَّةِ مَن قالَ: تَصِحُّ الصَّلاةُ في القُبُورِ - ما رَواهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ امْرَأةً سَوْداءَ كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ أوْ شابًا، فَقَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عَنْها أوْ عَنْهُ، فَقالُوا: ماتَ قالَ: ”أفَلا آذَنْتُمُونِي“، قالَ: فَكَأنَّهم صَغَّرُوا أمْرَها أوْ أمْرَهُ. فَقالَ: ”دَلُّونِي عَلى قَبْرِهِ“ فَدَلُّوهُ فَصَلّى عَلَيْها. ثُمَّ قالَ: ”هَذِهِ القُبُورُ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلى أهْلِها، وإنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُها لَهم بِصَلاتِي عَلَيْهِمْ»“ . ولَيْسَ لِلْبُخارِيِّ: ”إنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً“ إلى آخِرِ الخَبَرِ، قالُوا: فَهَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ إلى القَبْرِ.
وَمِن أدِلَّتِهِمْ أيْضًا ما رَواهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قالَ: «انْتَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَلّى عَلَيْهِ، وصَفُّوا خَلْفَهُ، وكَبَّرَ أرْبَعًا» .
وَمِن أدِلَّتِهِمْ أيْضًا ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى عَلى قَبْرٍ» .
وَمِن أدِلَّتِهِمْ ما قَدَّمْنا مِنَ الصَّلاةِ عَلى عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وسْطَ البَقِيعِ، وهَذِهِ الأدِلَّةُ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى جَوازِ الصَّلاةِ إلى القُبُورِ وصِحَّتِها؛ لا مُطْلَقِ صِحَّتِها دُونَ الجَوازِ.
وَمِن أدِلَّتِهِمْ ما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِلَفْظِ: ”وَرَأى عُمَرُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ. فَقالَ: القَبْرَ، القَبْرَ، ولَمْ يَأْمُرْهُ بِالإعادَةِ“ اهـ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: أُورِدَ أثَرُ عُمَرَ الدّالُّ عَلى أنَّ النَّهْيَ في ذَلِكَ لا يَقْتَضِي فَسادَ الصَّلاةِ. والأثَرُ المَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رُوِّيناهُ مَوْصُولًا في كِتابِ الصَّلاةِ لِأبِي (p-٣٠٠)نُعَيْمٍ شَيْخِ البُخارِيِّ. ولَفْظُهُ: ”بَيْنَما أنَسٌ يُصَلِّي إلى قَبْرٍ ناداهُ عُمَرُ: القَبْرَ، القَبْرَ؛ فَظَنَّ أنَّهُ يَعْنِي القَمَرَ. فَلَمّا رَأى أنَّهُ يَعْنِي القَبْرَ، جاوَزَ القَبْرَ وصَلّى“ ولَهُ طُرُقٌ أُخْرى بَيَّنْتُها في تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ. مِنها: مِن طَرِيقِ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ، زادَ فِيهِ: فَقالَ بَعْضُ مَن يَلِينِي: إنَّما يَعْنِي القَبْرَ فَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ. وقَوْلُهُ: القَبْرَ القَبْرَ، بِالنَّصْبِ فِيهِما عَلى التَّحْذِيرِ. وقَوْلُهُ: ولَمْ يَأْمُرْهُ بِالإعادَةِ اسْتَنْبَطَهُ مِن تَمادِي أنَسٍ عَلى الصَّلاةِ. ولَوْ كانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي فَسادَها لَقَطَعَها واسْتَأْنَفَ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: هَذِهِ الأدِلَّةُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِ أنَّها مُتَعارِضَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ الجَمْعَ واجِبٌ إذا أمْكَنَ، وإنْ لَمْ يُمْكِنْ وجَبَ التَّرْجِيحُ، وفي هَذِهِ المَسْألَةِ يَجِبُ الجَمْعُ والتَّرْجِيحُ مَعًا. أمّا وجْهُ الجَمْعِ: فَإنَّ جَمِيعَ الأدِلَّةِ المَذْكُورَةِ في الصَّلاةِ إلى القُبُورِ كُلُّها في الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ، ولَيْسَ فِيها رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ، وإنَّما هي دُعاءٌ لِلْمَيِّتِ: فَهي مِن جِنْسِ الدُّعاءِ لِلْأمْواتِ عِنْدَ المُرُورِ بِالقُبُورِ.
وَلا يُفِيدُ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأدِلَّةِ جَوازَ صَلاةِ الفَرِيضَةِ أوِ النّافِلَةِ الَّتِي هي صَلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ. ويُؤَيِّدُهُ تَحْذِيرُ عُمَرَ لِأنَسٍ مِنَ الصَّلاةِ عِنْدَ القَبْرِ. نَعَمْ تَتَعارَضُ تِلْكَ الأدِلَّةُ مَعَ ظاهِرِ عُمُومِ: «لا تَجْلِسُوا عَلى القُبُورِ، ولا تُصَلُّوا إلَيْها»؛ فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلاةِ، فَيَشْمَلُ الصَّلاةَ عَلى المَيِّتِ، فَيَتَحَصَّلُ أنَّ الصَّلاةَ ذاتَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلى جَوازِها إلى القَبْرِ أوْ عِنْدَهُ، بَلِ العَكْسُ. أمّا الصَّلاةُ عَلى المَيِّتِ: فَهي الَّتِي تَعارَضَتْ فِيها الأدِلَّةُ. والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ: أنَّ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى النَّهْيِ مُقَدَّمٌ عَلى الدَّلِيلِ عَلى الجَوازِ، ولِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ: لا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ. فَحَدِيثُ: «لا تُصَلُّوا إلى القُبُورِ» عامٌّ في ذاتِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ. والأحادِيثُ الثّابِتَةُ في الصَّلاةِ عَلى قَبْرِ المَيِّتِ خاصَّةٌ، والخاصُّ يُقْضى بِهِ عَلى العامِّ.
فَأظْهَرُ الأقْوالِ بِحَسَبِ الصِّناعَةِ الأُصُولِيَّةِ: مَنعُ الصَّلاةِ ذاتِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ عِنْدَ القَبْرِ وإلَيْهِ مُطْلَقًا؛ لِلَعْنِهِ ﷺ لِمُتَّخِذِي القُبُورِ مَساجِدَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ، وأنَّ الصَّلاةَ عَلى قَبْرِ المَيِّتِ - الَّتِي هي لِلدُّعاءِ لَهُ الخالِيَةَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ - تَصِحُّ؛ لِفِعْلِهِ ﷺ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ويُومِئُ لِهَذا الجَمْعِ حَدِيثُ لَعْنِ مُتَّخِذِي القُبُورِ مَساجِدَ؛ لِأنَّها أماكِنُ السُّجُودِ. وصَلاةُ الجِنازَةِ لا سُجُودَ فِيها؛ فَمَوْضِعُها لَيْسَ بِمَسْجِدٍ لُغَةً؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ سُجُودٍ.
* *
تَنْبِيهٌ.
(p-٣٠١)اعْلَمْ أنَّ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ مَن لا عِلْمَ عِنْدَهُ: مِن أنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ دَلّا عَلى اتِّخاذِ القُبُورِ مَساجِدَ، يَعْنِي بِالكِتابِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]، ويَعْنِي بِالسُّنَّةِ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن أنْ: مَوْضِعَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ فِيهِ قُبُورُ المُشْرِكِينَ، في غايَةِ السُّقُوطِ، وقائِلُهُ مِن أجْهَلِ خَلْقِ اللَّهِ.
أمّا الجَوابُ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ فَهو أنْ تَقُولَ: مَن هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ؟ أهم مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ ؟ أمْ هم كَفَرَةٌ لا يَجُوزُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ ؟، وقَدْ قالَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في هَؤُلاءِ القَوْمِ [الكهف: ٢١]، ما نَصُّهُ: " وقَدِ اخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، أهُمُ الرَّهْطُ المُسْلِمُونَ أمْ هُمُ الكُفّارُ ؟ فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهم عَلى القَوْلِ بِأنَّهم كُفّارٌ فَلا إشْكالَ في أنَّ فِعْلَهم لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِالِاحْتِجاجِ بِأفْعالِ الكُفّارِ كَما هو ضَرُورِيٌّ. وعَلى القَوْلِ: بِأنَّهم مُسْلِمُونَ كَما يَدُلُّ لَهُ ذِكْرُ المَسْجِدِ؛ لِأنَّ اتِّخاذَ المَساجِدِ مِن صِفاتِ المُسْلِمِينَ، فَلا يَخْفى عَلى أدْنى عاقِلٍ أنَّ قَوْلَ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ في القُرُونِ الماضِيَةِ: إنَّهم سَيَفْعَلُونَ كَذا، لا يُعارِضُ بِهِ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا مَن طَمَسَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ فَقابَلَ قَوْلَهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] بِقَوْلِهِ ﷺ في مَرَضِ مَوْتِهِ قَبْلَ انْتِقالِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى بِخَمْسٍ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ» . الحَدِيثَ. يَظْهَرُ لَكَ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ هَؤُلاءِ القَوْمَ في اتِّخاذِهِمُ المَسْجِدَ عَلى القُبُورِ، مَلْعُونٌ عَلى لِسانِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ ﷺ كَما هو واضِحٌ، ومَن كانَ مَلْعُونًا عَلى لِسانِهِ ﷺ، فَهو مَلْعُونٌ في كِتابِ اللَّهِ كَما صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]؛ ولِهَذا صَرَّحَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بِأنَّ الواصِلَةَ والواشِمَةَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُما في الحَدِيثِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مَلْعُونَةٌ في كِتابِ اللَّهِ. وقالَ لِلْمَرْأةِ الَّتِي قالَتْ لَهُ: قَرَأْتُ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ فَلَمْ أجِدْ، إنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ فَقَدْ وجَدْتِيهِ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ الكَرِيمَةَ، وحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبِهِ تُعْلَمُ أنَّ مَنِ اتَّخَذَ المَساجِدَ عَلى القُبُورِ مَلْعُونٌ في كِتابِ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ وأنَّهُ لا دَلِيلَ في آيَةِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] .
وَأمّا الِاسْتِدْلالُ: بِأنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ مَقابِرِ المُشْرِكِينَ فَسُقُوطُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُمِرَ بِها فَنُبِشَتْ وأُزِيلَ ما فِيها. فَفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ (p-٣٠٢)اللَّهُ عَنْهُ -: ”«فَكانَ فِيهِ ما أقُولُ لَكم: قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وفِيهِ خَرِبٌ، وفِيهِ نَخْلٌ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وجَعَلُوا عِضادَتَيْهِ الحِجارَةَ» . . . . .“ . الحَدِيثَ. هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ. ولَفْظُ مُسْلِمٍ قَرِيبٌ مِنهُ بِمَعْناهُ. فَقُبُورُ المُشْرِكِينَ لا حُرْمَةَ لَها؛ ولِذَلِكَ أمَرَ ﷺ بِنَبْشِها وإزالَةِ ما فِيها. فَصارَ المَوْضِعُ كَأنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَبْرٌ أصْلًا لِإزالَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ. وهو واضِحٌ كَما تَرى ا هـ.
والتَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ: أنَّهُ لا يَجُوزُ البِناءُ عَلى القُبُورِ ولا تَجْصِيصُها. كَما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وغَيْرُهُ عَنْ أبِي الهَيّاجِ الأسَدِيِّ: «أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ لَهُ: ألا أبْعَثُكَ عَلى ما بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ألّا تَدَعَ تِمْثالًا إلّا طَمَسْتَهُ، ولا قَبْرًا مُشْرِفًا إلّا سَوَّيْتَهُ» " .
وَلِما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ أيْضًا عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وأنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وأنْ يُبْنى عَلَيْهِ» .
فَهَذا النَّهْيُ ثابِتٌ عَنْهُ ﷺ، وقَدْ قالَ: «وَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ» . وقالَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ .
وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمّا ذَكَرْنا حُكْمَ الصَّلاةِ في مَواضِعِ الخَسْفِ، وفي المَقْبَرَةِ، وإلى القَبْرِ، وفي الحَمّامِ.
وَأمّا أعْطانُ الإبِلِ: فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أيْضًا النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ فِيها، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أأتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الغَنَمِ ؟ قالَ: ”إنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وإنْ شِئْتَ فَلا تَوَضَّأُ“، قالَ: أتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الإبِلِ ؟ قالَ: ”نَعَمْ؛ تَوَضَّأْ مِن لُحُومِ الإبِلِ“ . قالَ: أُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“، قالَ: أُصَلِّي في ”مَبارَكِ الإبِلِ“: قالَ ”لا“» . هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ.
وَأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”صَلُّوا في مَرابِضِ الغَنَمِ، ولا تُصَلُّوا في أعْطانِ الإبِلِ»“ .
وَأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ الصَّلاةِ في أعْطانِ الإبِلِ» .
وَقالَ النَّوَوِيُّ في (شَرْحِ المُهَذَّبِ): إنَّ الإسْنادَ الَّذِي أخْرَجَهُ بِهِ البَيْهَقِيُّ حَسَنٌ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ في (بابِ الوُضُوءِ مِن لُحُومِ الإبِلِ)، وفي (بابِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في مَبارَكِ (p-٣٠٣)الإبِلِ)، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ في مَبارَكِ الإبِلِ، فَقالَ: ”لا تُصَلُّوا في مَبارَكِ الإبِلِ؛ فَإنَّها مِنَ الشَّياطِينِ“، وسُئِلَ عَنِ الصَّلاةِ في مَرابِضِ الغَنَمِ، فَقالَ: ”صَلُّوا فِيها؛ فَإنَّها بَرَكَةٌ»“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «صَلُّوا في مُراحِ الغَنَمِ؛ ولا تُصَلُّوا في مَعاطِنِ الإبِلِ» .
وَأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يُصَلّى في أعْطانِ الإبِلِ، ويُصَلّى في مُراحِ الغَنَمِ» .
وَتَرْجَمَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ لِهَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ: (بابُ الصَّلاةِ في مَواضِعِ الإبِلِ)، ثُمَّ قالَ: حَدَّثَنا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، قالَ: أخْبَرَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَيّانَ، قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ، قالَ: «رَأيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي إلى بَعِيرِهِ، وقالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ» .
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، الَّتِي لَمْ يَأْتِ البُخارِيُّ بِحَدِيثٍ يُطابِقُها ما نَصُّهُ: كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الإبِلِ والغَنَمِ لَيْسَتْ عَلى شَرْطِهِ، ولَكِنْ لَها طُرُقٌ قَوِيَّةٌ، مِنها حَدِيثُ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وحَدِيثُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عِنْدَ أبِي داوُدَ، وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ النَّسائِيِّ، وحَدِيثُ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ، وفي مُعْظَمِها التَّعْبِيرُ بِمَعاطِنِ الإبِلِ. ووَقَعَ في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ والبَراءِ: ”مَبارَكِ الإبِلِ“، ومِثْلُهُ في حَدِيثِ سُلَيْكٍ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ، وفي حَدِيثِ سَبْرَةَ، وكَذا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: ”أعْطانِ الإبِلِ“ . وفي حَدِيثِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ: ”مَناخِ الإبِلِ“، وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عِنْدَ أحْمَدَ: ”مَرابِدِ الإبِلِ“ فَعَبَّرَ المُصَنِّفُ بِالمَواضِعِ لِأنَّها أشْمَلُ، والمَعاطِنُ أخَصُّ مِنَ المَواضِعِ؛ لِأنَّ المَعاطِنَ مَواضِعُ إقامَتِها عِنْدَ الماءِ خاصَّةً.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ النَّهْيَ خاصٌّ بِالمَعاطِنِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الأماكِنِ الَّتِي تَكُونُ فِيها الإبِلُ. وقِيلَ مَأْواها مُطْلَقًا، نَقَلَهُ صاحِبُ المُغْنِي عَنْ أحْمَدَ. ا هـ كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ.
وَقالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّ أحادِيثَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في أعْطانِ الإبِلِ مُتَواتِرَةٌ بِنَقْلِ تَواتُرٍ يُوجِبُ العِلْمَ.
فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في صِحَّةِ الصَّلاةِ في أعْطانِ الإبِلِ.
فَذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها لا تَصِحُّ فِيها، وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ، وعَلَيْهِ جُلُّ أصْحابِهِ.
(p-٣٠٤)قالَ صاحِبُ (الإنْصافِ): هَذا المَذْهَبُ وعَلَيْهِ الأصْحابُ. وفي الفُرُوعِ هو أشْهَرُ وأصَحُّ في المَذْهَبِ. وقالَ المُصَنَّفُ وغَيْرُهُ: هَذا ظاهِرُ المَذْهَبِ وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ (ابْنُ حَزْمٍ) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ النَّهْيَ لِلْكَراهَةِ، وأنَّهُ لَوْ صَلّى فِيها لَصَحَّتْ صَلاتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ أهْلِ الأُصُولِ في مِثْلِ هَذِهِ المَسْألَةِ.
واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في أعْطانِ الإبِلِ.
فَقِيلَ: لِأنَّها خُلِقَتْ مِنَ الشَّياطِينِ، كَما تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا هو الصَّحِيحُ في التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُصَلُّوا في مَبارَكِ الإبِلِ؛ فَإنَّها خُلِقَتْ مِنَ الشَّياطِينِ»، وتَرْتِيبُهُ كَوْنُها خُلِقَتْ مِنَ الشَّياطِينِ بِالفاءِ عَلى النَّهْيِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو عِلَّتُهُ كَما تَقَرَّرَ في مَبْحَثِ مَسْلَكِ النَّصِّ، ومَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ.
وَقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى كَوْنِها: ”خُلِقَتْ مِنَ الشَّياطِينِ“، أنَّها رُبَّما نَفَرَتْ وهو في الصَّلاةِ فَتُؤَدِّي إلى قَطْعِ صَلاتِهِ، أوْ أذاهُ، أوْ تَشْوِيشِ خاطِرِهِ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ كُلَّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ تُسَمِّيهِ العَرَبُ شَيْطانًا. والإبِلُ إذا نَفَرَتْ فَهي عاتِيَةٌ مُتَمَرِّدَةٌ، فَتَسْمِيَتُها بِاسْمِ الشَّياطِينِ مُطابِقٌ لِلُغَةِ العَرَبِ.
والعَرَبُ تَقُولُ: خُلِقَ مِن كَذا لِلْمُبالَغَةِ، كَما يَقُولُونَ: خُلِقَ هَذا مِنَ الكَرَمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، عَلى أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ.
وَعَلى هَذا فَيُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِ الإبِلِ في مَعاطِنِها، وبَيْنَ غَيْبَتِها عَنْها؛ إذْ يُؤْمَنُ نُفُورُها حِينَئِذٍ.
قالَ الشَّوْكانِيُّ في (نَيْلِ الأوْطارِ): ويُرْشِدُ إلى صِحَّةِ هَذا حَدِيثُ ابْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ أحْمَدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ: «لا تُصَلُّوا في أعْطانِ الإبِلِ؛ فَإنَّها خُلِقَتْ مِنَ الجِنِّ، ألا تَرَوْنَ إلى عُيُونِها وهَيْئاتِها إذا نَفَرَتْ» .
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ عِلَّةَ النَّهْيِ أنْ يُجاءَ بِها إلى مَعاطِنِها بَعْدَ شُرُوعِهِ في الصَّلاةِ فَيَقْطَعُها، أوْ يَسْتَمِرُّ فِيها مَعَ شَغْلِ خاطِرِهِ، ا هــ كَلامُ الشَّوْكانِيِّ.
وَمِن هَذا التَّعْلِيلِ المَنصُوصِ؛ فَهِمَ العُلَماءُ القائِلُونَ بِعَدَمِ بُطْلانِها أنَّهُ: لَمّا كانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ ما ذُكِرَ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الصَّلاةَ إذا فَعَلَها تامَّةً أنَّها غَيْرُ باطِلَةٍ.
(p-٣٠٥)وَقِيلَ: العِلَّةُ أنَّ أصْحابَ الإبِلِ يَتَغَوَّطُونَ في مَبارِكِها بِخِلافِ أهْلِ الغَنَمِ.
وَقِيلَ: العِلَّةُ أنَّ النّاقَةَ تَحِيضُ، والجَمَلَ يَمْنِي.
وَكُلُّها تَعْلِيلاتٌ لا مُعَوِّلَ عَلَيْها. والصَّحِيحُ التَّعْلِيلُ المَنصُوصُ عَنْهُ ﷺ بِأنَّها خُلِقَتْ مِنَ الشَّياطِينِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
تَنْبِيهٌ.
فَإنْ قِيلَ: ما حُكْمُ الصَّلاةِ في مَبارَكِ البَقَرِ ؟ .
فالجَوابُ أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ يَقُولُونَ: إنَّها كَمَرابِضِ الغَنَمِ. ولَوْ قِيلَ: إنَّها كَمَرابِضِ الإبِلِ؛ لَكانَ لِذَلِكَ وجْهٌ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ (في فَتْحِ البارِي): وقَعَ في مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ، ولا يُصَلِّي في مَرابِضِ الإبِلِ والبَقَرِ»، اهـ. قالَ: وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. فَلَوْ ثَبَتَ لَأفادَ أنَّ حُكْمَ البَقَرِ حُكْمُ الإبِلِ. بِخِلافِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ: أنَّ البَقَرَ في ذَلِكَ كالغَنَمِ. اهـ كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ.
وَما يَقُولُهُ أبُو داوُدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مِن أنَّ العَمَلَ بِالحَدِيثِ الضَّعِيفِ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ بِالرَّأْيِ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَأمّا الصَّلاةُ في المَزْبَلَةِ، والمَجْزَرَةِ، وقارِعَةِ الطَّرِيقِ، وفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، فَدَلِيلُ النَّهْيِ عَنْها هو ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ، عَنْ داوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْهُ ﷺ، وقَدْ قَدَّمْنا ما في إسْنادِهِ مِنَ الكَلامِ.
وَأمّا الصَّلاةُ إلى جِدارِ مِرْحاضٍ عَلَيْهِ نَجاسَةٌ، فَلِما رُوِيَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - .
قالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في (نَيْلِ الأوْطارِ): وأمّا الصَّلاةُ إلى جِدارِ مِرْحاضٍ؛ فَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِلَفْظِ: «نَهى عَنِ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ تُجاهَهُ حُشٌّ»، أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ. قالَ العِراقِيُّ ولَمْ يَصِحَّ إسْنادُهُ.
وَرَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قالَ: لا يُصَلّى إلى الحُشِّ.
وَعَنْ عَلِيٍّ قالَ: لا يُصَلّى تُجاهَ حُشٍّ.
(p-٣٠٦)وَعَنْ إبْراهِيمَ: كانُوا يَكْرَهُونَ ثَلاثَةَ أشْياءَ. . فَذَكَرَ مِنها الحُشَّ.
وَفِي كَراهَةِ اسْتِقْبالِهِ خِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ. اهـ كَلامُ الشَّوْكانِيِّ.
والمُرادُ بِالحُشِّ - بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِها - بَيْتُ الخَلاءِ.
وَأمّا الصَّلاةُ في الكَنِيسَةِ والبَيْعَةِ - والمُرادُ بِهِما مُتَعَبَّداتُ اليَهُودِ والنَّصارى -، فَقَدْ كَرِهَها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.
قالَ النَّوَوِيُّ في (شَرْحِ المَذْهَبِ): حَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - .
قالَ الشَّوْكانِيُّ: وقَدْ رُويَتِ الكَراهَةُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الظّاهِرُ أنَّ ما رُوِيَ مِن ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، وإنَّما هو في الكَنائِسِ والبِيَعِ الَّتِي فِيها الصُّوَرُ خاصَّةً. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ، قالَ: (بابُ الصَّلاةِ في البِيعَةِ)، وقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”إنّا لا نَدْخُلُ كَنائِسَكم مِن أجْلِ التَّماثِيلِ الَّتِي فِيها الصُّوَرُ“ . وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُصَلِّي في البِيعَةِ إلّا بِيعَةً فِيها تَماثِيلُ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): إنَّ الأثَرَ الَّذِي عَلَّقَهُ البُخارِيُّ عَنْ عُمَرَ، وصَلَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ مِن طَرِيقِ أسْلَمَ - مَوْلى عُمَرَ - . والأثَرُ الَّذِي عُلِّقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وصَلَهُ البَغَوِيُّ في الجَعْدِيّاتِ. اهـ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ البُخارِيَّ لا يُعَلِّقُ بِصِيغَةِ الجَزْمِ إلّا ما هو ثابِتٌ عِنْدَهُ.
وَرَخَّصَ في الصَّلاةِ في الكَنِيسَةِ والبِيعَةِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، مِنهم: أبُو مُوسى، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والشَّعْبِيُّ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وغَيْرُهم.
قالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ولَعَلَّ وجْهَ الكَراهَةِ هو ما تَقَدَّمَ مِنِ اتِّخاذِ قُبُورِ أنْبِيائِهِمْ وصُلَحائِهِمْ مَساجِدَ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ جَمِيعُ البِيَعِ والكَنائِسِ مَظِنَّةً لِذَلِكَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ العِلَّةُ أنَّ الكَنِيسَةَ والبِيعَةَ: مَوْضِعٌ يُعْصى اللَّهُ فِيهِ ويُكْفَرُ بِهِ فِيهِ، فَهي بُقْعَةُ سُخْطٍ وغَضَبٍ. وأمّا النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ إلى التَّماثِيلِ: فَدَلِيلُهُ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ.
(p-٣٠٧)فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (في كِتابِ الصَّلاةِ)، قالَ: (بابُ إنْ صَلّى في ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ، أوْ تَصاوِيرَ: هَلْ يُفْسِدُ صَلاتَهُ ؟ وما يُنْهى عَنْ ذَلِكَ، حَدَّثَنا أبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أنَسٍ: «كانَ قِرامٌ لِعائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جانِبَ بَيْتِها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”أمِيطِي عَنّا قِرامَكِ هَذا؛ إنَّهُ لا تَزالُ تَصاوِيرُهُ تَعْرِضُ في صَلاتِي»“ .
وَقالَ البُخارِيُّ أيْضًا ( في كِتابِ اللِّباسِ، بابُ كَراهِيَةِ اللِّباسِ في التَّصاوِيرِ): حَدَّثَنا عِمْرانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قالَ: «كانَ قِرامٌ لِعائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جانِبَ بَيْتِها، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: ”أمِيطِي عَنِّي؛ فَإنَّهُ لا تَزالُ تَصاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي في صَلاتِي»“ .
وَقالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ، قالَ: «سَمِعْتُ القاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عائِشَةَ: أنَّهُ كانَ لَها ثَوْبٌ فِيهِ تَصاوِيرُ مَمْدُودٌ إلى سَهْوَةٍ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إلَيْهِ، فَقالَ: ”أخِّرِيهِ عَنِّي“، قالَتْ: فَأخَّرْتُهُ فَجَعَلْتُهُ وسائِدَ» .
والثَّوْبُ في هَذِهِ الرِّوايَةِ هو القِرامُ المَذْكُورُ، والقِرامُ - بِالكَسْرِ -: سِتْرٌ فِيهِ رَقْمٌ ونُقُوشٌ، أوِ السِّتْرُ الرَّقِيقُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ يَصِفُ الهَوْدَجَ:
؎مِن كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وقِرامُها
وَقَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ دارًا:
؎عَلى ظَهْرِ جَرْعاءِ العَجُوزِ كَأنَّها ∗∗∗ دَوائِرُ رَقْمٍ في سَراةِ قِرامِ
والكِلَّةُ في بَيْتِ لَبِيدٍ: هي القِرامُ إذا خِيطَ فَصارَ كالبَيْتِ.
فَهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ الصَّلاةُ إلى التَّماثِيلِ. ومِمّا يَدُلُّ لِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتا كَنِيسَةً رَأيْنَها بِالحَبَشَةِ، فِيها تَصاوِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ أُولَئِكَ إذا كانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ فَماتَ، بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ»“ . اهـ. هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ، ولَفْظُ البُخارِيِّ قَرِيبٌ مِنهُ. اهـ.
أمّا بُطْلانُ صَلاةِ مَن صَلّى إلى التَّماثِيلِ، فَفِيهِ اخْتِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ، وقَدْ أشارَ لَهُ (p-٣٠٨)البُخارِيُّ بِقَوْلِهِ الَّذِي قَدَّمْنا عَنْهُ (بابُ إنْ صَلّى في ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ، أوْ تَصاوِيرَ: هَلْ تَفْسُدُ صَلاتَهُ ؟) الخَ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مَنشَأ الخِلافِ في البُطْلانِ هو الِاخْتِلافُ في انْفِكاكِ جِهَةِ النَّهْيِ عَنْ جِهَةِ الأمْرِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَأمّا مَنعُ تَصْوِيرِ الحَيَوانِ، وتَعْذِيبُ فاعِلِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ أشَدَّ العَذابِ، وأمْرُهم بِإحْياءِ ما صَوَّرُوا، وكَوْنُ المَلائِكَةِ لا تَدْخُلُ مَحَلًّا فِيهِ صُورَةٌ أوْ كَلْبٌ، فَكُلُّهُ مَعْرُوفٌ ثابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَأمّا الصَّلاةُ في المَكانِ المَغْصُوبِ: فَإنَّها لا تَجُوزُ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ اللُّبْثَ فِيها حَرامٌ في غَيْرِ الصَّلاةِ، فَلَأنْ يَحْرُمَ في الصَّلاةِ أوْلى.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: إلى أنَّهُ لَوْ صَلّى في أرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَصَلاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِانْفِكاكِ الجِهَةِ أنَّهُ آثِمٌ بِغَصْبِهِ، مُطِيعٌ بِصَلاتِهِ: كالمُصَلِّي بِحَرِيرٍ.
وَذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ في أصَحِّ الرِّواياتِ عَنْهُ، والجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: إلى أنَّها باطِلَةٌ؛ لِعَدَمِ انْفِكاكِ جِهَةِ الأمْرِ عَنْ جِهَةِ النَّهْيِ كَما قَدَّمْنا، وقَدْ قَدَّمْنا أقْوالَ عامَّةِ العُلَماءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ في أبْياتِ مَراقِي السُّعُودِ الَّتِي اسْتَشْهَدْنا بِها. وأمّا النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ إلى النّائِمِ والمُتَحَدِّثِ: فَدَلِيلُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ، قالَ: (بابُ الصَّلاةِ إلى المُتَحَدِّثِينَ والنِّيامِ)، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أيْمَنَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قالَ: قُلْتُ لَهُ - يَعْنِي لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ -: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُصَلُّوا خَلْفَ النّائِمِ ولا المُتَحَدِّثُ» . اهـ.
وَهَذا الحَدِيثُ لا يَخْفى ضَعْفُهُ؛ لِأنَّ الرّاوِيَ في هَذا الإسْنادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ لا يُدْرى مَن هو كَما تَرى.
وَقالَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ، ثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، حَدَّثَنِي أبُو المِقْدامِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُصَلّى خَلْفَ المُتَحَدِّثِ، أوِ النّائِمِ» . وإسْنادُ ابْنِ ماجَهْ هَذا لا يُحْتَجُّ بِهِ أيْضًا؛ لِأنَّ الرّاوِيَ فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أبُو المِقْدامِ وهو هِشامُ بْنُ زِيادِ بْنِ أبِي يَزِيدَ، وهو هِشامُ بْنُ أبِي هِشامٍ، ويُقالُ لَهُ أيْضًا: هِشامُ بْنُ أبِي الوَلِيدِ المَدَنِيُّ، وهو لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: (p-٣٠٩)مَتْرُوكٌ. وقالَ في تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، وأبُو زُرْعَةَ: ضَعِيفُ الحَدِيثِ. وقالَ الدُّورِيُّ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ضَعِيفٌ، لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ البُخارِيُّ: يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ. وقالَ أبُو داوُدَ: غَيْرُ ثِقَةٍ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: يُضَعَّفُ. وقالَ النَّسائِيُّ وعَلِيُّ بْنُ الجُنَيْدِ الأزْدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. وقالَ النَّسائِيُّ أيْضًا: ضَعِيفٌ. وقالَ النَّسائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، ومَرَّةً: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: ضَعِيفُ الحَدِيثِ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وكانَ جارًا لِأبِي الوَلِيدِ، فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ، وكانَ لا يَرْضاهُ. ويُقالُ: إنَّهُ أخَذَ كِتابَ حَفْصٍ المِنقَرِيِّ، عَنِ الحَسَنِ فَرَوى عَنِ الحَسَنِ. وعِنْدَهُ عَنِ الحَسَنِ أحادِيثُ مُنْكَرَةٌ.
قُلْتُ: وقالَ ابْنُ حِبّانَ: يَرْوِي المَوْضُوعاتِ عَنِ الثِّقاتِ: لا يَجُوزُ الِاحْتِجاجُ بِهِ. وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ، وتَرَكَ ابْنُ المُبارَكِ حَدِيثَهُ. وقالَ ابْنُ سَعْدٍ: كانَ ضَعِيفًا في الحَدِيثِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ: لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. وقالَ العِجْلِيُّ: ضَعِيفٌ. وقالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيانَ: ضَعِيفٌ لا يُفْرَحُ بِحَدِيثِهِ. اهـ كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ الصَّلاةَ إلى النّائِمِ والمُتَحَدِّثِ لَمْ يَثْبُتِ النَّهْيُ عَنْها مِن طَرِيقٍ صَحِيحٍ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ إلى النّائِمِ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ فَعَلَها. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (بابُ الصَّلاةِ خَلْفَ النّائِمِ): حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا هِشامٌ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنا راقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلى فِراشِهِ، فَإذا أرادَ أنْ يُوتِرَ أيْقَظَنِي فَأوْتَرْتُ» .
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: أوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عائِشَةَ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظٍ آخَرَ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ قَدْ يُفَرِّقُ مُفَرِّقٌ بَيْنَ كَوْنِها نائِمَةً أوْ يَقْظى. وكَأنَّهُ أشارَ أيْضًا إلى تَضْعِيفِ الحَدِيثِ الوارِدِ في النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ إلى النّائِمِ، فَقَدْ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. اهـ. وقالَ أبُو داوُدَ: طُرُقُهُ كُلُّها واهِيَةٌ - يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ - اهـ.
وَفِي البابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وهُما واهِيانِ أيْضًا. وكَرِهَ مُجاهِدٌ وطاوُسٌ ومالِكٌ الصَّلاةَ إلى النّائِمِ؛ خَشْيَةَ أنْ يَبْدُوَ مِنهُ ما يُلْهِي المُصَلِّي عَنْ صَلاتِهِ، وظاهِرُ تَصَرُّفِ المُصَنِّفِ: أنَّ عَدَمَ الكَراهَةِ حَيْثُ يَحْصُلُ الأمْنُ مِن ذَلِكَ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي) .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَصٌّ خاصٌّ في (p-٣١٠)النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ إلى النّائِمِ والمُتَحَدِّثِ، ولَكِنْ ذَلِكَ لا يُنافِي أخْذَ الكَراهَةِ مِن عُمُومِ نُصُوصٍ أُخَرَ، كَتَعْلِيلِ كَراهَةِ الصَّلاةِ إلى النّائِمِ بِما ذُكِرَ مِن خَشْيَةِ أنْ يَبْدُوَ مِنهُ ما يُلْهِي المُصَلِّي عَنْ صَلاتِهِ؛ لِأنَّ النّائِمَ لا يَدْرِي عَنْ نَفْسِهِ.
وَكَتَعْلِيلِ كَراهَةِ الصَّلاةِ إلى المُتَحَدِّثِ؛ بِأنَّ الحَدِيثَ يُشَوِّشُ عَلى المُصَلِّي في صَلاتِهِ، - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .
وَأمّا كَراهَةُ الصَّلاةِ في بَطْنِ الوادِي؛ فَيُسْتَدَلُّ لَها بِما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ المُتَقَدِّمِ في المَواضِعِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيها ”وَبَطْنِ الوادِي“ بَدَلَ ”المَقْبَرَةِ“، قالَ الشَّوْكانِيُّ قالَ الحافِظُ: وهي زِيادَةٌ باطِلَةٌ لا تُعْرَفُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كَراهَةُ الصَّلاةِ في بَطْنِ الوادِي مُخْتَصَّةٌ بِالوادِي الَّذِي حَضَرَ فِيهِ الشَّيْطانُ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ، فَنامُوا عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
وَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ يَتَأخَّرُوا عَنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي حَضَرَهم فِيهِ الشَّيْطانُ.
وَيُجابُ عَنْ هَذا: بِأنَّ الشَّيْطانَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَهَبَ عَنِ الوادِي. - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .
وَأمّا النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ الضِّرارِ؛ فَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٠٧] . وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٠٩ - ١١٠] . فَهَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى التَّباعُدِ عَنْ مَوْضِعِ ذَلِكَ المَسْجِدِ، وعَدَمِ القِيامِ فِيهِ كَما هو ظاهِرٌ.
وَأمّا كَراهَةُ الصَّلاةِ إلى التَّنُّورِ؛ فَلِما رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أنَّهُ كَرِهَ الصَّلاةَ إلى التَّنُّورِ، وقالَ: هو بَيْتُ نارٍ.
وَظاهِرُ صَنِيعِ البُخارِيِّ: أنَّ الصَّلاةَ إلى التَّنُّورِ عِنْدَهُ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ، وأنَّ عَرْضَ النّارِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في صَلاتِهِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الكَراهَةِ. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (بابُ مَن صَلّى وقُدّامُهُ تَنُّورٌ أوْ نارٌ، أوْ شَيْءٌ مِمّا يُعْبَدُ فَأرادَ بِهِ اللَّهَ)، وقالَ الزُّهْرِيُّ: أخْبَرَنِي أنَسٌ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ النّارُ وأنا أُصَلِّي»، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلّى (p-٣١١)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قالَ: " رَأيْتُ النّارَ فَلَمْ أرَ مَنظَرًا كاليَوْمِ قَطُّ أفْظَعَ» . اهـ.
وَعَرْضُ النّارِ عَلَيْهِ ﷺ وهو في صَلاتِهِ، دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الكَراهَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ.
وَقَدْ دَلَّ بَعْضُ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحِ عَلى أنَّ النّارَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ، لا مِن جِهَةِ اليَمِينِ ولا الشِّمالِ، فَفي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ: أنَّهم قالُوا لَهُ بَعْدَ أنِ انْصَرَفَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَأيْناكَ تَناوَلْتَ شَيْئًا في مَقامِكَ، ثُمَّ رَأيْناكَ تَكَعْكَعْتَ - أيْ: تَأخَّرْتَ - إلى خَلْفٍ ؟ وفي جَوابِهِ: أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ ”أُرِيَ النّارَ. .“ إلَخْ.
فَهَذا هو حاصِلُ كَلامِ العُلَماءِ في الأماكِنِ الَّتِي ورَدَ نَهْيٌ عَنِ الصَّلاةِ فِيها، الَّتِي لَها مُناسَبَةٌ بِآيَةِ الحِجْرِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الحجر 15:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ آتى أصْحابَ الحِجْرِ - وهم ثَمُودُ - آياتِهِ فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والإعْراضُ: الصُّدُودُ عَنِ الشَّيْءِ وعَدَمُ الِالتِفاتُ إلَيْهِ. كَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العُرْضِ - بِالضَّمِّ - وهو الجانِبُ؛ لِأنَّ المُعْرِضَ لا يُوَلِّي وجْهَهُ، بَلْ يَثْنِي عِطْفَهُ مُلْتَفِتًا صادًّا.
وَلَمْ يُبَيِّنْ - جَلَّ وعَلا - هُنا شَيْئًا مِن تِلْكَ الآياتِ الَّتِي آتاهم، ولا كَيْفِيَّةَ إعْراضِهِمْ عَنْها، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ. فَبَيَّنَ أنَّ مِن أعْظَمِ الآياتِ الَّتِي آتاهم: تِلْكَ النّاقَةَ الَّتِي أخْرَجَها اللَّهُ لَهم. بَلْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ في النّاقَةِ المَذْكُورَةِ آياتٍ جَمَّةً: كَخُرُوجِها عُشَراءَ، وبْراءَ، جَوْفاءَ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، وسُرْعَةِ وِلادَتِها عِنْدَ خُرُوجِها، وعِظَمِها حَتّى لَمْ تُشْبِهْها ناقَةٌ، وكَثْرَةِ لَبَنِها حَتّى يَكْفِيَهم جَمِيعًا، وكَثْرَةِ شِرْبِها؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، وقالَ: ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] .
فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فاعْلَمْ أنَّ مِمّا يُبَيِّنُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا﴾ [الحجر: ٨١]، قَوْلُهُ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٤ - ١٥٥]، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٧٣] . وقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] . وقَوْلُهُ: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٣١٢)وَبَيَّنَ إعْراضَ قَوْمِ صالِحٍ عَنْ تِلْكَ الآياتِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ . . . الآيَةَ [هود: ٦٥] .
• وقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ . . . . [الشمس: ١١ - ١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] .
• وقَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ [الإسراء: ٥٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٨٥ - ١٨٦] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحجر 15:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أصْحابَ الحِجْرِ - وهم ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ - كانُوا آمِنِينَ في أوْطانِهِمْ، وكانُوا يَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٧ - ١٤٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٧٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ [الفجر: ٩]،
أيْ: قَطَعُوا الصَّخْرَ بِنَحْتِهِ بُيُوتًا.
الحجر 15:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ؛ أيْ: لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، وأنَّهُ يُكَلِّفُ الخَلْقَ ويُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ.
فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ عَبَثًا ولا لَعِبًا ولا باطِلًا. وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾، (p-٣١٣)[المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ الَّذِي هو ”إنَّ“، وبِلامِ الِابْتِداءِ الَّتِي تُزَحْلِقُها إنَّ المَكْسُورَةُ عَنِ المُبْتَدَأِ إلى الخَبَرِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إتْيانُ السّاعَةِ لا مَحالَةَ.
والثّانِي: أنَّ إتْيانَها أنْكَرَهُ الكُفّارُ؛ لِأنَّ تَعَدُّدَ التَّوْكِيدِ يَدُلُّ عَلى إنْكارِ الخَبَرِ، كَما تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي.
وَأوْضَحَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في آياتٍ أُخَرَ. فَبَيَّنَ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا مَحالَةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ . . . . الآيَةَ [الحج: ١ - ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٣٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٧٨]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - إنْكارَ الكُفّارِ لَها في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٤ - ٣٥]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَصْفَحَ عَمَّنْ أساءَ الصَّفْحَ الجَمِيلَ؛ أيْ: بِالحِلْمِ والإغْضاءِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: الصَّفْحُ الجَمِيلُ: الرِّضا بِغَيْرِ عِتابٍ. وأمْرُهُ ﷺ يَشْمَلُ حِكْمَةَ الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ قُدْوَتُهم والمُشَرِّعُ لَهم.
وَبَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]، (p-٣١٤)
• وَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ . . . . الآيَةَ [البقرة: ١٠٩] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا الأمْرُ بِالصَّفْحِ مَنسُوخٌ بِآياتِ السَّيْفِ. وقِيلَ: هو غَيْرُ مَنسُوخٍ. والمُرادُ بِهِ حُسْنُ المُخالَفَةِ، وهي: المُعامَلَةُ بِحُسْنِ الخُلُقِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: والخُلُقُ: السَّجِيَّةُ، يُقالُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقَ الفاجِرَ.
الحجر 15:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ الخَلّاقُ العَلِيمُ. والخَلّاقُ والعَلِيمُ: كِلاهُما صِيغَةُ مُبالَغَةٍ.
والآيَةُ تُشِيرُ إلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ الخَلّاقُ بِكَوْنِهِ خَلّاقًا إلّا وهو عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، إذِ الجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَخْلُقَهُ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى مُجِيبًا لِلْكُفّارِ لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ وقالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]، مُبَيِّنًا أنَّ العالِمَ بِما تَمَزَّقَ في الأرْضِ مِن أجْسادِهِمْ قادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحجر 15:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أتى نَبِيَّهُ ﷺ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا المُرادَ بِذَلِكَ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ إنْ كانَ لَها بَيانٌ في كِتابِ اللَّهِ غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ، أنَّنا نُتَمِّمُ ذَلِكَ البَيانَ مِنَ السُّنَّةِ، فَنُبَيِّنُ الكِتابَ بِالسُّنَّةِ مِن حَيْثُ إنَّها بَيانٌ لِلْقُرْآنِ المُبِينِ بِاسْمِ الفاعِلِ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فاعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: هو فاتِحَةُ الكِتابِ. فَفاتِحَةُ الكِتابِ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرادِ بِالسَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ، وإنَّما بَيَّنْتُ ذَلِكَ (p-٣١٥)بِإيضاحِ النَّبِيِّ ﷺ لِذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ، «عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى، قالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وأنا أُصَلِّي، فَدَعانِي فَلَمْ آتِهِ حَتّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أتَيْتُ فَقالَ: ”ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟“ فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي. فَقالَ: ”ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ثُمَّ قالَ: ألا أُعَلِّمُكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ أخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ، فَذَكَّرْتُهُ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، هي السَّبْعُ المَثانِي، والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ“» . حَدَّثَنا آدَمُ، حَدَّثَنا ابْنُ أبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أُمُّ القُرْآنِ هي السَّبْعُ المَثانِي، والقُرْآنُ العَظِيمُ“ .»
فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ: فاتِحَةُ الكِتابِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّها السَّبْعُ الطِّوالُ، غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ لا كَلامَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﷺ ومِمّا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ: أنَّ آيَةَ الحِجْرِ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وأنَّ السَّبْعَ الطِّوالَ ما أُنْزِلَتْ إلّا بِالمَدِينَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقِيلَ لَها: ”مَثانِي“؛ لِأنَّها تُثَنّى قِراءَتُها في الصَّلاةِ.
وَقِيلَ لَها: ”سَبْعٌ“؛ لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ.
وَقِيلَ لَها: ”القُرْآنُ العَظِيمُ“؛ لِأنَّها هي أعْظَمُ سُورَةٍ؛ كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَذْكُورِ آنِفًا.
وَإنَّما عَطَفَ القُرْآنَ العَظِيمَ عَلى السَّبْعِ المَثانِي، مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما واحِدٌ وهو الفاتِحَةُ؛ لِما عُلِمَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: مِن أنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ إذا ذُكِرَ بِصِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ جازَ عَطْفُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، تَنْزِيلًا لِتَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إلى المَلِكِ القِرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ.
الحجر 15:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ آتى النَّبِيَّ ﷺ السَّبْعَ المَثانِيَ والقُرْآنَ العَظِيمَ، وذَلِكَ أكْبَرُ نَصِيبٍ، وأعْظَمُ حَظٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، (p-٣١٦)نَهاهُ أنْ يَمُدَّ عَيْنَيْهِ إلى مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّذِي مَتَّعَ بِهِ الكُفّارَ؛ لِأنَّ مَن أعْطاهُ رَبُّهُ - جَلَّ وعَلا - النَّصِيبَ الأكْبَرَ والحَظَّ الأوْفَرَ، لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى النَّصِيبِ الأحْقَرِ الأخَسِّ، ولا سِيَّما إذا كانَ صاحِبُهُ إنَّما أُعْطِيهِ لِأجْلِ الفِتْنَةِ والِاخْتِبارِ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ في (طه): ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ ﴿وَمِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٠ - ١٣٢]، والمُرادُ بِالأزْواجِ هُنا: الأصْنافُ مِنَ الَّذِينَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِالدُّنْيا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ .
الصَّحِيحُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ نَهى نَبِيَّهُ ﷺ عَنِ الحُزْنِ عَلى الكُفّارِ إذا امْتَنَعُوا مِن قَبُولِ الإسْلامِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ كَثْرَةُ وُرُودِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ العَظِيمِ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والمَعْنى: قَدْ بَلَّغْتَ ولَسْتَ مَسْئُولًا عَنْ شَقاوَتِهِمْ إذا امْتَنَعُوا مِنَ الإيمانِ، فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ، فَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إذا كانُوا أشْقِياءَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ. وخَفْضُ الجَناحِ كِنايَةٌ عَنْ لِينِ الجانِبِ والتَّواضُعِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَأنْتَ الشَّهِيرُ بِخَفْضِ الجَناحِ فَلا تَكُ في رَفْعِهِ أجْدَلا
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٣١٧)وَيُفْهَمُ مِن دَلِيلِ خِطابِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِها - أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ لا يُخْفَضُ لَهُمُ الجَناحُ، بَلْ يُعامَلُونَ بِالشِّدَّةِ والغِلْظَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا المَفْهُومَ في مَواضِعَ أُخَرَ.
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [ ٩ \ ٧٣ و ٦٦ \ ٩ ]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]،
كَما قَدَّمْناهُ في ”المائِدَةِ“ .
الحجر 15:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ .
فِي المُرادِ بِالمُقْتَسِمِينَ أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ مَعْرُوفَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، إلّا أنَّ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةً تُضَعِّفُ بَعْضَ تِلْكَ الأقْوالِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: الَّذِينَ يَحْلِفُونَ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ ومُخالَفَتِهِمْ، وعَلى هَذا القَوْلِ؛ فالِاقْتِسامُ افْتِعالٌ مِنَ القَسَمِ بِمَعْنى اليَمِينِ، وهو بِمَعْنى التَّقاسُمِ.
وَمِنَ الآياتِ الَّتِي تُرْشِدُ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ الآيَةَ [النمل: ٤٩]، أيْ: نَقْتُلُهم لَيْلًا، وقَوْلُهُ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، وقَوْلُهُ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فَكَأنَّهم كانُوا لا يُكَذِّبُونَ بِشَيْءٍ إلّا أقْسَمُوا عَلَيْهِ؛ فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: اليَهُودُ والنَّصارى. وإنَّما وُصِفُوا بِأنَّهم مُقْتَسِمُونَ؛ لِأنَّهُمُ اقْتَسَمُوا كُتُبَهم فَآمَنُوا بِبَعْضِها وكَفَرُوا بِبَعْضِها.
وَيَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٨٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٠] .
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: جَماعَةٌ مِن كُفّارِ مَكَّةَ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ بِأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ؛ فَقالَ بَعْضُهم: هو شِعْرٌ. وقالَ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ. وقالَ بَعْضُهم: كَهانَةٌ. وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقالَ بَعْضُهم: اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ، ﷺ .
وَهَذا القَوْلُ تَدُلُّ لَهُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهم قالُوا في القُرْآنِ تِلْكَ الأقْوالَ المُفْتَراةَ (p-٣١٨)الكاذِبَةَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والقَرِينَةُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ تُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ الثّالِثَ، ولا تُنافِي الثّانِيَ بِخِلافِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]
أظْهَرُ في القَوْلِ الثّالِثِ؛ لِجَعْلِهِمْ لَهُ أعْضاءَ مُتَفَرِّقَةً بِحَسَبِ اخْتِلافِ أقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرٌ، سِحْرٌ، كَهانَةٌ، إلَخْ.
وَعَلى أنَّهم أهْلُ الكِتابِ: فالمُرادُ بِالقُرْآنِ كُتُبُهُمُ الَّتِي جَزَّؤُوها، فَآمَنُوا بِبَعْضِها وكَفَرُوا بِبَعْضِها، أوِ القُرْآنُ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِما وافَقَ هَواهُهم مِنهُ وكَفَرُوا بِغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ ﴿عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] جَمْعُ عِضَةٍ، وهي العُضْوُ مِنَ الشَّيْءِ، أيْ: جَعَلُوهُ أعْضاءَ مُتَفَرِّقَةً. واللّامُ المَحْذُوفَةُ أصْلُها واوٌ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اللّامُ المَحْذُوفَةُ أصْلُها هاءٌ، وعَلَيْهِ فَأصْلُ العِضَةِ عِضْهَةٌ. والعَضَهُ: السِّحْرُ؛ فَعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى: جَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ [القصص: ٤٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والعَرَبُ تُسَمِّي السّاحِرَ عاضِهًا، والسّاحِرَةَ عاضِهَةً. والسِّحْرَ عِضَهًا. ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لُغَةُ قُرَيْشٍ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أعُوذُ بِرَبِّي مِنَ النّافِثا تِ في عُقَدِ العاضِهِ المُعْضِهِ.
تَنْبِيهٌ.
فَإنْ قِيلَ: بِمَ تَتَعَلَّقُ الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ؟ [الحجر: ٩٠] .
فالجَوابُ: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿كَما أنْزَلْنا﴾ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ﴾ [الحجر: ٨٧]، أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْكَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ، حَيْثُ قالُوا بِعِنادِهِمْ وعُدْوانِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، فاقْتَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ وعَضُّوهُ. وقِيلَ: كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فَيَقُولُ (p-٣١٩)بَعْضُهم: ”سُورَةُ البَقَرَةِ“ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: ”سُورَةُ آلِ عِمْرانَ“ لِي، إلى أنْ قالَ: الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩]، أيْ: وأنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْناهُ مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ (يَعْنِي اليَهُودَ)، وهو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. جَعَلَ المُتَوَقَّعَ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ وهو مِنَ الإعْجازِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ وقَدْ كانَ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ.
وَنَقَلَ كَلامَهُ بِتَمامِهِ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ ثُمَّ قالَ أبُو حَيّانَ:
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ وهو تَعَلُّقُ: كَما [الحجر: ٩٠] بِ: أتَيْناكَ [الحجر: ٨٧]، فَذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ عَلى تَقْدِيرِ، وهو أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي إيتاءً كَما أنْزَلْنا، أوْ إنْزالًا كَما أنْزَلْنا؛ لِأنَّ ”آتَيْناكَ“ بِمَعْنى: أنْزَلْنا عَلَيْكَ.
الحجر 15:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ .
أيْ: فاجْهَرْ بِهِ وأظْهِرُهُ مِن قَوْلِهِمْ: صَدَعَ بِالحُجَّةِ؛ إذا تَكَلَّمَ بِها جِهارًا، كَقَوْلِكَ: صَرَّحَ بِها.
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أمَرَ اللَّهُ فِيها نَبِيَّهُ ﷺ بِتَبْلِيغِ ما أُمِرَ بِهِ عَلَنًا في غَيْرِ خَفاءٍ ولا مُوارَبَةٍ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] .
وَقَدْ شَهِدَ لَهُ تَعالى بِأنَّهُ امْتَثَلَ ذَلِكَ الأمْرَ فَبَلَّغَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
تَنْبِيهٌ.
قَوْلُهُ: فاصْدَعْ [الحجر: ٩٤]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أصْلُهُ مِنَ الصَّدْعِ بِمَعْنى الإظْهارِ، ومِنهُ قَوْلُهم: انْصَدَعَ الصُّبْحُ: انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ. والصَّدِيعُ: الفَجْرُ لِانْصِداعِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎تَرى السَّرْحانَ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ كَأنَّ بَياضَ لَبَّتِهِ صَدِيعُ
أيْ: فَجْرٌ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: أظْهِرْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، وبَلِّغْهُ عَلَنًا عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وتَقُولُ العَرَبُ: صَدَعْتُ الشَّيْءَ: أظْهَرْتُهُ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:(p-٣٢٠)
؎وَكَأنَّهُنَّ رَبابَةٌ وكَأنَّهُ يَسَرٌ ∗∗∗ يَفِيضُ عَلى القِداحِ ويَصْدَعُ
قالَهُ صاحِبُ اللِّسانِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أصْلُهُ مِنَ الصَّدْعِ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ والشَّقِّ في الشَّيْءِ الصُّلْبِ: كالزُّجاجِ والحائِطِ. ومِنهُ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]، أيْ: يَتَفَرَّقُونَ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] ومِنهُ قَوْلُ غَيْلانَ ذِي الرُّمَّةِ: عَشِيَّةَ قَلْبِي في المُقِيمِ صَدِيعُهُ وراحَ جَنابَ الظّاعِنِينَ صَدِيعُ
يَعْنِي: أنَّ قَلْبَهُ افْتَرَقَ إلى جُزْءَيْنِ: جُزْءٍ في المُقِيمِ، وجُزْءٍ في الظّاعِنِينَ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ: فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤]، أيْ: فَرِّقْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِما أمَرَكَ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ. وقَوْلُهُ: بِما تُؤْمَرُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، بِناءً عَلى جَوازِ سَبْكِ المَصْدَرِ مِن أنْ والفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، ومَنَعَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ. قالَ أبُو حَيّانَ في (البَحْرِ): والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ لِلْعُلَماءِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾، أيْ: لا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ولا يَصْعُبُ عَلَيْكَ ذَلِكَ. فاللَّهُ حافِظُكَ مِنهم.
والآيَةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَعْناها: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ أيْ: بَلِّغْ رِسالَةَ رَبِّكَ، ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾، أيْ: لا تُبالِ بِهِمْ ولا تَخْشَهم. وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
الوَجْهُ الثّانِي وهو الظّاهِرُ في مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ مَأْمُورًا بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِآياتِ السَّيْفِ. ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦]، وقَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠]، وقَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] (p-٣٢١)إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحجر 15:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ كَفى نَبِيَّهُ ﷺ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وهم قَوْمٌ مِن قُرَيْشٍ. وذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ كَفاهُ غَيْرَهم. كَقَوْلِهِ في أهْلِ الكِتابِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ . . . . الآيَةَ [الزمر: ٣٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والمُسْتَهْزِئُونَ المَذْكُورُونَ هم: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والحارِثُ بْنُ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ.
والآفاتُ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ هَلاكِهِمْ مَشْهُورَةٌ في التّارِيخِ.
الحجر 15:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ نَبِيَّهُ ﷺ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِما يَقُولُ الكُفّارُ فِيهِ مِنَ: الطَّعْنِ، والتَّكْذِيبِ، والطَّعْنِ في القُرْآنِ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ مِنَ ”الأنْعامِ“ .
الحجر 15:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ .
أمَرَ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]، والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] .
وَقَدْ كَرَّرَ تَعالى في كِتابِهِ الأمْرَ بِالشَّيْئَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ،
• كَقَوْلِهِ في الأوَّلِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَأصْلُ التَّسْبِيحِ في اللُّغَةِ: الإبْعادُ عَنِ السُّوءِ. ومَعْناهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ (p-٣٢٢)- جَلَّ وعَلا - عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ وكَمالِهِ. ومَعْنى: ”سَبِّحْ“: نَزِّهْ رَبَّكَ - جَلَّ وعَلا - عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ. وقَوْلُهُ ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، أيْ في حالِ كَوْنِكَ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِ رَبِّكَ، أيْ: بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ ما هو أهْلُهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ فَتَعُمُّ جَمِيعَ المَحامِدِ مِن كُلِّ وصْفِ كَمالٍ وجَلالٍ ثابِتٍ لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا - . فَتَسْتَغْرِقُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ الثَّناءَ بِكُلِّ كَمالٍ؛ لِأنَّ الكَمالَ يَكُونُ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: التَّخَلِّي عَنِ الرَّذائِلِ، والتَّنَزُّهُ عَمّا لا يَلِيقُ، وهَذا مَعْنى التَّسْبِيحِ.
والثّانِي التَّحَلِّي بِالفَضائِلِ والِاتِّصافُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وهَذا مَعْنى الحَمْدِ، فَتَمَّ الثَّناءُ بِكُلِّ كَمالٍ.
وَلِأجْلِ هَذا المَعْنى ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: (( «كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ عَلى اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ، حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ») )،
• وكَقَوْلِهِ في الثّانِي وهو السُّجُودُ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]،
ويَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ إطْلاقُ التَّسْبِيحِ عَلى الصَّلاةِ.
وَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]، أيْ: صِلِّ لَهُ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾، مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والصَّلاةُ تَتَضَمَّنُ غايَةَ التَّنْزِيهِ ومُنْتَهى التَّقْدِيسِ. وعَلى كُلِّ حالٍ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾، أيْ: مِنَ المُصَلِّينَ، سَواءٌ قُلْنا إنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ، أوْ أعَمُّ مِنها مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ؛ ولِأجْلِ كَوْنِ المُرادِ بِالسُّجُودِ الصَّلاةَ لَمْ يَكُنْ هَذا المَوْضِعُ مَحَلَّ سَجْدَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ مَوْضِعُ سُجُودٍ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ المُرادَ بِالأمْرِ هُنا السُّجُودُ نَفْسُهُ، فَرَأى هَذا المَوْضِعَ مَحَلَّ سُجُودٍ في القُرْآنِ، وقَدْ شاهَدْتُ الإمامَ بِمِحْرابِ زَكَرِيّا مِنَ البَيْتِ المُقَدَّسِ - طَهَّرَهُ اللَّهُ - يَسْجُدُ في هَذا المَوْضِعِ، وسَجَدْتُ مَعَهُ فِيهِ، ولَمْ يَرَهُ جَماهِيرُ العُلَماءِ.
قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: أنَّ هاهُنا سَجْدَةً عِنْدَ أبِي حُذَيْفَةَ ويَمانِ بْنِ رِئابٍ، ورَأى أنَّها واجِبَةٌ. انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى السُّجُودِ في سُورَةِ (( الرَّعْدِ) )، وعَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ؛ فالمُسَوِّغُ لِهَذا الإطْنابِ الَّذِي هو عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ هو أهَمِّيَّةُ السُّجُودِ؛ لِأنَّ أقْرَبَ (p-٣٢٣)ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ في حالِ كَوْنِهِ في السُّجُودِ.
قالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: وحَدَّثَنا هارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وعَمْرُو بْنُ سَوّادٍ، قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلى أبِي بَكْرٍ، أنَّهُ سَمِعَ أبا صالِحٍ ذَكْوانَ يُحَدِّثُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ؛ فَأكْثِرُوا الدُّعاءَ» .
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ تَرْتِيبَهُ - جَلَّ وعَلا - الأمْرَ بِالتَّسْبِيحِ والسُّجُودِ عَلى ضِيقِ صَدْرِهِ ﷺ بِسَبَبِ ما يَقُولُونَ لَهُ مِنَ السُّوءِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ والتَّسْبِيحَ سَبَبٌ لِزَوالِ ذَلِكَ المَكْرُوهِ؛ ولِذا كانَ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ بادَرَ إلى الصَّلاةِ. وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٥] .
وَيُؤَيِّدُ هَذا ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، مِن حَدِيثِ نُعَيْمُ بْنُ هَمّارٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”قالَ اللَّهُ تَعالى: «يا ابْنَ آدَمَ، لا تَعْجِزْ عَنْ أرْبَعِ رَكَعاتٍ مِن أوَّلِ النَّهارِ أكْفِكَ آخِرَهُ“»، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ إذا أصابَهُ مَكْرُوهٌ؛ أنْ يَفْزَعَ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنْواعِ الطّاعاتِ مِن صَلاةٍ وغَيْرِها.
الحجر 15:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾.
أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ، أيْ: يَتَقَرَّبَ لَهُ عَلى وجْهِ الذُّلِّ والخُضُوعِ والمَحَبَّةِ، بِما أُمِرَ أنْ يَتَقَرَّبَ لَهُ بِهِ مِن جَمِيعِ الطّاعاتِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ. وجُلُّ القُرْآنِ في تَحْقِيقِ هَذا الأمْرِ الَّذِي هو حَظُّ الإثْباتِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، مَعَ حَظِّ النَّفْيِ مِنها. وقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ أنَّ هَذا لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ تَحْقِيقِ الجُزْءِ الثّانِي مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، الَّذِي هو حَظُّ النَّفْيِ مِنها، وهو خَلْعُ جَمِيعِ المَعْبُوداتِ سِوى اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ؛ قالَ تَعالى: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقالَ ﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]، وقالَ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقالَ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقالَ: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، والآياتُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ .
قالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، مِنهم سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وغَيْرُهم: (p-٣٢٤)اليَقِينُ: المَوْتُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ولَمْ ﴿نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٧]، وهو: المَوْتُ.
وَيُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ أُمِّ العَلاءِ (امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ): «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَخَلَ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وقَدْ ماتَ، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أبا السّائِبِ ! فَشَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”وَما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أكْرَمَهُ“ ؟ فَقالَتْ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَن يُكْرِمُهُ اللَّهُ ؟ فَقالَ: ”أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ، وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ. .“» الحَدِيثَ. وهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَقِينَ المَوْتُ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِاليَقِينِ انْكِشافُ الحَقِيقَةِ، وتَيَقُّنُ الواقِعِ لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا جاءَهُ المَوْتُ ظَهَرَتْ لَهُ الحَقِيقَةُ يَقِينًا. ولَقَدْ أجادَ التُّهامِيُّ في قَوْلِهِ:
؎والعَيْشُ نَوْمٌ والمَنِيَّةُ يَقَظَةٌ والمَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سارِي
وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ في التّارِيخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «" ما أُوحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ المالَ وأكُونَ مِنَ التّاجِرِينَ، ولَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾» [الحجر: ٩٨ - ٩٩] .
وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «" ما أُوحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ المالَ وأكُونَ مِنَ التّاجِرِينَ، ولَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾» .
وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «" ما أُوحِيَ إلَيَّ أنْ أكُونَ تاجِرًا ولا أجْمَعُ المالَ مُتَكاثِرًا، ولَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾» .
تَنْبِيهانِ
الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ ما دامَ حَيًّا ولَهُ عَقْلٌ ثابِتٌ يُمَيِّزُ بِهِ، فالعِبادَةُ واجِبَةٌ عَلَيْهِ بِحَسَبِ طاقَتِهِ. فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّلاةَ قائِمًا فَلْيُصَلِّ قاعِدًا، فَإنْ لَمْ (p-٣٢٥)يَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ، وهَكَذا قالَ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ عِيسى - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]، وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ ”بابُ إذا لَمْ يُطِقْ قاعَدًا صَلّى عَلى جَنْبٍ“، وقالَ عَطاءٌ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَتَحَوَّلَ إلى القِبْلَةِ، صَلّى حَيْثُ كانَ وجْهُهُ، حَدَّثَنا عَبْدانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ طَهْمانَ، قالَ: حَدَّثَنِي الحُسَيْنُ المُكْتِبُ، عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -، قالَ: «كانَتْ بِي بَواسِيرُ، فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ، فَقالَ: ”صَلِّ قائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ“ .» اه.
وَنَحْوُ هَذا مَعْلُومٌ؛ قالَ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقالَ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ ﷺ: «إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ. . .» الحَدِيثَ.
التَّنْبِيهُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّ ما يُفَسِّرُ بِهِ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ بَعْضُ الزَّنادِقَةِ الكَفَرَةِ المُدَّعِينَ لِلتَّصَوُّفِ، مِن أنَّ مَعْنى اليَقِينِ المَعْرِفَةَ بِاللَّهِ - جَلَّ وعَلا -، وأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا وصَلَ مِنَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ إلى تِلْكَ الدَّرَجَةِ المُعَبَّرَ عَنْها بِاليَقِينِ، أنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ العِباداتُ والتَّكالِيفُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اليَقِينَ هو غايَةُ الأمْرِ بِالعِبادَةِ.
إنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا كُفْرٌ بِاللَّهِ وزَنْدَقَةٌ، وخُرُوجٌ عَنْ مِلَّةِ الإسْلامِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ. وهَذا النَّوْعُ لا يُسَمّى في الِاصْطِلاحِ تَأْوِيلًا، بَلْ يُسَمّى لَعِبًا كَما قَدَّمْنا في ”آلِ عِمْرانَ“ . ومَعْلُومٌ أنَّ الأنْبِياءَ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ هم وأصْحابُهُ - هم أعْلَمُ النّاسِ بِاللَّهِ، وأعْرُفُهم بِحُقُوقِهِ وصِفاتِهِ وما يَسْتَحِقُّ مِنَ التَّعْظِيمِ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ أكْثَرَ النّاسِ عِبادَةً لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا -، وأشَدَّهم خَوْفًا مِنهُ وطَمَعًا في رَحْمَتِهِ. وقَدْ قالَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] . والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.