Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — النحل 16:1 – النحل 16:128

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. النحل 16:1
  2. النحل 16:2
  3. النحل 16:3
  4. النحل 16:4
  5. النحل 16:5
  6. النحل 16:8
  7. النحل 16:9
  8. النحل 16:10
  9. النحل 16:12
  10. النحل 16:13
  11. النحل 16:14
  12. النحل 16:15
  13. النحل 16:17
  14. النحل 16:18
  15. النحل 16:24
  16. النحل 16:25
  17. النحل 16:26
  18. النحل 16:27
  19. النحل 16:28
  20. النحل 16:29
  21. النحل 16:30
  22. النحل 16:31
  23. النحل 16:32
  24. النحل 16:36
  25. النحل 16:37
  26. النحل 16:38
  27. النحل 16:40
  28. النحل 16:43
  29. النحل 16:44
  30. النحل 16:45
  31. النحل 16:47
  32. النحل 16:51
  33. النحل 16:52
  34. النحل 16:54
  35. النحل 16:55
  36. النحل 16:56
  37. النحل 16:57
  38. النحل 16:61
  39. النحل 16:62
  40. النحل 16:66
  41. النحل 16:67
  42. النحل 16:68
  43. النحل 16:70
  44. النحل 16:71
  45. النحل 16:72
  46. النحل 16:73
  47. النحل 16:77
  48. النحل 16:78
  49. النحل 16:79
  50. النحل 16:81
  51. النحل 16:83
  52. النحل 16:84
  53. النحل 16:85
  54. النحل 16:86
  55. النحل 16:87
  56. النحل 16:88
  57. النحل 16:89
  58. النحل 16:90
  59. النحل 16:91
  60. النحل 16:96
  61. النحل 16:97
  62. النحل 16:98
  63. النحل 16:99
  64. النحل 16:100
  65. النحل 16:101
  66. النحل 16:102
  67. النحل 16:103
  68. النحل 16:112
  69. النحل 16:116
  70. النحل 16:118
  71. النحل 16:120
  72. النحل 16:122
  73. النحل 16:123
  74. النحل 16:125
  75. النحل 16:126
  76. النحل 16:127
  77. النحل 16:128

النحل 16:1

(p-٣٢٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّحْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ . أيْ: قَرُبَ وقْتُ إتْيانِ القِيامَةِ. وَعَبَّرَ بِصِيغَةِ الماضِي؛ تَنْزِيلًا لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ. واقْتِرابُ القِيامَةِ المُشارُ إلَيْهِ هُنا بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ، • كَقَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، • وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، • وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٧٥ - ٥٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والتَّعْبِيرُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِصِيغَةِ الماضِي؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، • كَقَوْلِهِ: ونُفِخَ ﴿فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ . . . الآيَةَ [الأعراف: ٤٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . . الآيَةَ [الزمر: ٦٩ - ٧١] . فَكُلُّ هَذِهِ الأفْعالِ الماضِيَةِ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، نَزَلَ تَحَقُّقُ وُقُوعِها مَنزِلَةَ الوُقُوعِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ اسْتِعْجالِ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الهَوْلِ والعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، والِاسْتِعْجالُ هو طَلَبُهم أنْ يُعَجِّلَ لَهم ما يُوعَدُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ. والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ، • كَقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ " [العنكبوت: ٥٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ الآيَةَ [هود: ٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]، (p-٣٢٧) • وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] في تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ المُوعَدُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] . والثّانِي: أنَّهُ يَعُودُ إلى اللَّهِ؛ أيْ: لا تَطْلُبُوا مِنَ اللَّهِ أنْ يُعَجِّلَ لَكُمُ العَذابَ. قالَ: مَعْناهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]، قالَ الكُفّارُ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدْ قَرُبَتْ ! فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَأمْسَكُوا فانْتَظَرُوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقالُوا: ما نَرى شَيْئًا ! فَنَزَلَتْ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١]، فَأشْفَقُوا وانْتَظَرُوا قُرْبَ السّاعَةِ؛ فامْتَدَّتِ الأيّامُ، فَقالُوا: ما نَرى شَيْئًا، فَنَزَلَتْ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ وخافُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطْمَأنُّوا. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ“، وأشارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبّابَةِ والَّتِي تَلِيها " . اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، أيْ: لا تَظُنُّوهُ واقِعًا الآنَ عَنْ عَجَلٍ، بَلْ هو مُتَأخِّرٌ إلى وقْتِهِ المُحَدَّدِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُ الضَّحّاكِ ومَن وافَقَهُ: إنَّ مَعْنى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾، أيْ: فَرائِضُهُ وحُدُودُهُ، قَوْلٌ مَرْدُودٌ ولا وجْهَ لَهُ، وقَدْ رَدَّهُ الإمامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ قائِلًا: إنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنا أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْجَلَ فَرائِضَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، فَيُقالُ لَهم مِن أجْلِ ذَلِكَ: قَدْ جاءَتْكم فَرائِضُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوها. أمّا مُسْتَعْجِلُو العَذابِ مِنَ المُشْرِكِينَ فَقَدْ كانُوا كَثِيُرًا. اه. والظّاهِرُ المُتَبادِرُ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّها تَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ بِاقْتِرابِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ نَهْيِهِمْ عَنِ اسْتِعْجالِهِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: وأوْلى القَوْلَيْنِ في ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوابِ قَوْلُ مَن قالَ: هو تَهْدِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِأهْلِ الكُفْرِ بِهِ وبِرَسُولِهِ، وإعْلامٌ مِنهُ لَهم قُرْبَ العَذابِ مِنهم والهَلاكِ، وذَلِكَ (p-٣٢٨)أنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١]، فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى تَقْرِيعِهِ المُشْرِكِينَ بِهِ ووَعِيدِهِ لَهم. اه.

النحل 16:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . أظْهَرُ الأقْوالِ في مَعْنى الرُّوحِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُرادَ بِها الوَحْيُ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِهِ حَياةُ الأرْواحِ، كَما أنَّ الغِذاءَ بِهِ حَياةُ الأجْسامِ. ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقَوْلُهُ: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٥، ١٦] . وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرُّوحِ الوَحْيُ؛ إتْيانُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ [النحل: ٢] بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ [النحل: ٢]؛ لِأنَّ الإنْذارَ إنَّما يَكُونُ بِالوَحْيِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٤٥]، وكَذَلِكَ إتْيانُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥]، بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ الآيَةَ [غافر: ١٥]؛ لِأنَّ الإنْذارَ إنَّما يَكُونُ بِالوَحْيِ أيْضًا. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”يَنْزِلُ“ - بِضَمِّ الياءِ وإسْكانِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّايِ - . والباقُونَ بِالضَّمِّ والتَّشْدِيدِ. ولَفْظَةُ: ”مِن“ [النحل: ٢] في الآيَةِ تَبْعِيضِيَّةٌ، أوْ لِبَيانِ الجِنْسِ. وَقَوْلُهُ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الشعراء: ٢]، أيْ: يُنَزِّلُ الوَحْيَ عَلى مَنِ اخْتارَهُ وعَلِمَهُ أهْلًا لِذَلِكَ. كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] . وَهَذِهِ الآياتُ وأمْثالُها رَدٌّ عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ . الأظْهَرُ في ”أنْ“ مِن قَوْلِهِ: أنْ أنْذِرُوا أنَّها هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّ إنْزالَ المَلائِكَةِ بِالرُّوحِ، أيْ: بِالوَحْيِ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ الوَحْيَ الَّذِي أُنْزِلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ مُفَسَّرٌ بِإنْذارِ النّاسِ ”(p-٣٢٩)بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ وأمْرِهِمْ بِتَقْواهُ. وَقَدْ أوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [الشعراء: ٣٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى الإنْذارِ، ومَعْنى التَّقْوى.

النحل 16:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ مَن يَخْلُقُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةَ يَتَنَزَّهُ ويَتَعاظَمُ أنْ يُعْبَدَ مَعَهُ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا. فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن يُبْرِزُ الخَلائِقَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، لا يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ مَعَهُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ ولِهَذا أتْبَعَ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ٣] بِقَوْلِهِ: ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] . وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١]؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ المَعْبُودَ هو الخالِقُ دُونَ غَيْرِهِ، • وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ١ - ٣]، • وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]، • وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، (p-٣٣٠)[الأعراف: ١٩١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ . . . الآيَةَ [الطور: ٣٥ - ٣٦]، • وقَوْلِهِ: والَّذِينَ ﴿يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٠ - ٢١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فَهَذِهِ الآياتُ تُبَيِّنُ أنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ هو مَن يَخْلُقُ الخَلْقَ، ويُبْرِزُهم مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. أمّا غَيْرُهُ فَهو مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، مُحْتاجٌ إلى مَن يَخْلُقُهُ، ويُدَبِّرُ شُئُونَهُ.

النحل 16:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ، وهي مَنِيُّ الرَّجُلِ ومَنِيُّ المَرْأةِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، أيْ: أخْلاطٍ مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ. وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ بَعْدَ ذِكْرِ بَعْضِ الرِّواياتِ في تَفْسِيرِ الأمْشاجِ بِالأخْلاطِ: مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقَ، قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾، قالَ: اخْتِلاطُ ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ إذا وقَعَ في الرَّحِمِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. أمّا سَمِعْتَ أبا ذُؤَيْبٍ وهو يَقُولُ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ مِنهُ خِلالَ النَّصْلِ خالَطَهُ مَشِيجُ وَنَسَبَ في اللِّسانِ هَذا البَيْتَ لِزُهَيْرِ بْنِ حَرامٍ الهُذَلِيِّ، وأنْشَدَهُ هَكَذا: ؎كَأنَّ النَّصْلَ والفُوقَيْنِ مِنها ∗∗∗ خِلالَ الرِّيشِ سِيطَ بِهِ مَشِيجُ قالَ: ورَواهُ المُبَرِّدُ: ؎كَأنَّ المَتْنَ والشَّرْجَيْنِ مِنهُ ∗∗∗ خِلافَ النَّصْلِ سِيطَ بِهِ مَشِيجُ قالَ: ورَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ: ؎كَأنَّ الرِّيشَ والفُوقَيْنِ مِنها ∗∗∗ خِلالَ النَّصْلِ سِيطَ بِهِ المَشِيجُ وَمَعْنى ”سِيطَ بِهِ المَشِيجُ“: خُلِطَ بِهِ الخَلْطَ. إذا عَرَفْتَ مَعْنى ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الماءَ الَّذِي هو النُّطْفَةُ، مِنهُ ما هو خارِجٌ مِنَ الصُّلْبِ، أيْ: وهو ماءُ الرَّجُلِ، ومِنهُ ما هو خارِجٌ مِنَ التَّرائِبِ وهو: ماءُ المَرْأةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] (p-٣٣١)لِأنَّ المُرادَ بِالصُّلْبِ صُلْبُ الرَّجُلِ وهو ظَهْرُهُ، والمُرادَ بِالتَّرائِبِ: تَرائِبُ المَرْأةِ وهي مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ واسْتَشْهَدَ ابْنُ عَبّاسٍ لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ: عَلى أنَّ التَّرائِبَ مَوْضِعُ القِلادَةِ بِقَوْلِ المُخَبَّلِ، أوِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ؎والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرَقًا بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْشاجَ هي الأخْلاطُ المَذْكُورَةُ، وأمْرُ الإنْسانِ بِأنْ يَنْظُرَ مِمَّ خُلِقَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] تَنْبِيهٌ لَهُ عَلى حَقارَةِ ما خُلِقَ مِنهُ؛ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ، ويَتْرُكَ التَّكَبُّرَ والعُتُوَّ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ الآيَةَ [المرسلات: ٢٠] . وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - حَقارَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٨]، والتَّعْبِيرُ عَنِ النُّطْفَةِ بِما المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩]، فِيهِ غايَةُ تَحْقِيرِ ذَلِكَ الأصْلِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ الإنْسانُ. وفي ذَلِكَ أعْظَمُ رَدْعٍ، وأبْلَغُ زَجْرٍ عَنِ التَّكَبُّرِ والتَّعاظُمِ. * * وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، أظْهَرُ القَوْلَيْنِ فِيهِ: أنَّهُ ذَمٌّ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ. والمَعْنى: خَلَقْناهُ لِيَعْبُدَنا ويَخْضَعَ لَنا ويُطِيعَ، فَفاجَأ بِالخُصُومَةِ والتَّكْذِيبِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ: ”إذا“ الفُجائِيَّةُ. ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، مَعَ قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - زِيادَةُ إيضاحٍ لِهَذا المَبْحَثِ في ”سُورَةِ الطّارِقِ“ . (p-٣٣٢)تَنْبِيهٌ. اخْتَلَفَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ في: ”إذا“ الفُجائِيَّةِ؛ فَقالَ بَعْضُهم: هي حَرْفٌ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ الأخْفَشُ. قالَ ابْنُ هِشامٍ في ”المُغْنِي“: ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهم: خَرَجْتُ فَإذا إنَّ زَيْدًا بِالبابِ (بِكَسْرِ إنَّ)؛ لِأنَّ ”إنَّ“ - المَكْسُورَةَ - لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. وقالَ بَعْضُهم: هي ظَرْفُ مَكانٍ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ المُبَرِّدُ. وقالَ بَعْضُهم: هي ظَرْفُ زَمانٍ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ الزَّجّاجُ. والخَصِيمُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، أيْ: شَدِيدُ الخُصُومَةِ. وقِيلَ: الخَصِيمُ المُخاصِمُ. وإتْيانُ الفَعِيلِ بِمَعْنى المُفاعِلِ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، كالقَعِيدِ بِمَعْنى المُقاعِدِ، والجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ، والأكِيلِ بِمَعْنى المُؤاكِلِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ”مُبِينٌ“ [النحل: ٤] الظّاهِرُ أنَّهُ اسْمُ فاعِلِ أبانَ اللّازِمَةِ، بِمَعْنى بانَ وظَهَرَ؛ أيْ بَيِّنَ الخُصُومَةِ. ومِن إطْلاقِ أبانَ بِمَعْنى بانَ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎إذا آباؤُنا وأبُوكَ عَدَوا أبانَ المُقْرِفاتُ مِنَ العِرابِ أيْ: ظَهَرَ. وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ: ؎لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضاحِي جِلْدِها ∗∗∗ لَأبانَ مِن آثارِهِنَّ حُدُورُ يَعْنِي: لَظَهَرَ مِن آثارِهِنَّ ورَمٌ في الجِلْدِ. وقِيلَ: مِن أبانَ المُتَعَدِّيَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مُبِينٌ خُصُومَتَهُ ومُظْهِرٌ لَها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ خَلَقَ الأنْعامَ لِبَنِي آدَمَ يَنْتَفِعُونَ بِها تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ. وقَدْ قَدَّمْنا في ”آلِ عِمْرانَ“: أنَّ القُرْآنَ بَيَّنَ أنَّ الأنْعامَ هي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ الَّتِي هي: الذَّكَرُ والأُنْثى مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، والضَّأْنِ، والمَعْزِ. والمُرادُ بِالدِّفْءِ عَلى أظْهَرِ القَوْلَيْنِ: أنَّهُ اسْمٌ لِما يُدَّفَّأُ بِهِ، كالمَلْءِ اسْمٌ لِما يُمْلَأُ بِهِ، وهو الدِّفاءُ مِنَ اللِّباسِ المَصْنُوعِ مِن أصْوافِ الأنْعامِ وأوْبارِها وأشْعارِها. . وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، وقِيلَ: الدِّفْءُ نَسْلُها. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ والنَّسْلُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ومَنافِعُ [النحل: ٥]، أيْ: مِن نَسْلِها ودَرِّها: ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ . (p-٣٣٣)وَمَنافِعُ الأنْعامِ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - امْتِنانَهُ بِها عَلى خَلْقِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَيَّنَها لَهم أيْضًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١، ٢٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ﴿وَيُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨١]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والأظْهَرُ في إعْرابِ: والأنْعامَ [النحل: ٥]، أنَّ عامِلَهُ وهو: خَلَقَ اشْتَغَلَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ فَنُصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ وُجُوبًا، يُفَسِّرُهُ: ”خَلَقَ“ المَذْكُورُ، عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ: ؎فالسّابِقُ انْصِبْهُ بِفِعْلٍ أُضْمِرا حَتْمًا مُوافِقٍ لِما قَدْ أظْهَرَ وَإنَّما كانَ النَّصْبُ هُنا أرْجَحَ مِنَ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْمُولِ فِعْلٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٤]، فَيَكُونُ عَطْفُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ أوْلى مِن عَطْفِ الِاسْمِيَةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ لَوْ رُفِعَ الِاسْمُ السّابِقُ؛ وإلى هَذا أشارَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما يُخْتارُ فِيهِ النَّصْبُ: ؎وَبَعْدَ عاطِفٍ بِلا فَصْلٍ عَلى ∗∗∗ مَعْمُولِ فِعْلٍ مُسْتَقِرٍّ أوَّلا وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ قَوْلَهُ: والأنْعامَ مَعْطُوفٌ عَلى الإنْسانَ، مِن قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ [النحل: ٤]، والأوَّلُ أظْهَرُ كَما تَرى. وَأظْهَرُ أوْجُهِ الإعْرابِ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] أنَّ قَوْلَهُ: دِفْءٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَكم فِيها، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ؛ اعْتِمادُها عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَها وهو الخَبَرُ كَما هو مَعْرُوفٌ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ: دِفْءٌ فاعِلُ الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي هو (p-٣٣٤)لَكم. وَفِي الآيَةِ أوْجُهٌ أُخْرى ذَكَرَها بَعْضُ العُلَماءِ تَرَكْنا ذِكْرَها؛ لِعَدَمِ اتِّجاهِها عِنْدَنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦]، يَعْنِي: أنَّ اقْتِناءَ هَذِهِ الأنْعامِ ومِلْكِيَّتَها فِيهِ لِمالِكِها عِنْدَ النّاسِ جَمالٌ؛ أيْ: عَظَمَةٌ ورِفْعَةٌ، وسَعادَةٌ في الدُّنْيا لِمُقْتَنِيها. وكَذَلِكَ قالَ في الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، فَعَبَّرَ في الأنْعامِ بِالجَمالِ، وفي غَيْرِها بِالزِّينَةِ. والجَمالُ: مَصْدَرُ جَمُلَ فَهو جَمِيلٌ وهي جَمِيلَةٌ. ويُقالُ أيْضًا: هي جَمْلاءُ. وأنْشَدَ لِذَلِكَ الكِسائِيُّ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎فَهِيَ جَمْلاءُ كَبَدْرٍ طالِعٍ ∗∗∗ بَذَّتِ الخَلْقَ جَمِيعًا بِالجَمالِ والزِّينَةُ: ما يُتَزَيَّنُ بِهِ. وكانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِالخَيْلِ والإبِلِ ونَحْوِ ذَلِكَ كالسِّلاحِ، ولا تَفْتَخِرُ بِالبَقَرِ والغَنَمِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ يَفْتَخِرُ بِمَآثِرَ قَبِيلَتِهِ بَنِي سُلَيْمٍ: ؎واذْكُرْ بَلاءَ سُلَيْمٍ في مَواطِنِها ∗∗∗ فَفي سُلَيْمٍ لِأهْلِ الفَخْرِ مُفْتَخَرُ ؎قَوْمٌ هم نَصَرُوا الرَّحْمَنَ واتَّبَعُوا ∗∗∗ دِينَ الرَّسُولِ وأمْرُ النّاسِ مُشْتَجِرُ ؎لا يَغْرِسُونَ فَسِيلَ النَّخْلِ وسَطَهم ∗∗∗ ولا تَخاوَرُ في مَشْتاهُمُ البَقَرُ ؎إلّا سَوابِحَ كالعِقْبانِ مُقْرَبَةً ∗∗∗ في دارَةٍ حَوْلَها الأخْطارُ والعَكَرُ والسَّوابِحُ: الخَيْلُ. والمُقْرَبَةُ: المُهَيَّأةُ المُعَدَّةُ قَرِيبًا. والأخْطارُ: جَمْعُ خَطْرٍ - بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أوْ كَسْرٍ فَسُكُونٍ - وهو عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ الإبِلِ عَلى اخْتِلافٍ في قَدْرِهِ. والعَكَرُ - بِفَتْحَتَيْنِ -: جَمْعُ عَكَرَةٍ، وهي القَطِيعُ الضَّخْمُ مِنَ الإبِلِ أيْضًا عَلى اخْتِلافٍ في تَحْدِيدِ قَدْرِهِ. وقَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرِي لَقَوْمٌ قَدْ تَرى أمْسِ فِيهِمُ ∗∗∗ مَرابِطَ لِلْأمْهارِ والعَكَرِ الدَّثَرْ ؎أحَبُّ إلَيْنا مِن أُناسٍ بِقِنَّةٍ ∗∗∗ يَرُوحُ عَلى آثارِ شائِهُمُ النَّمِرْ وَقَوْلُهُ: ”العَكَرُ الدَّثَرُ“، أيِ: المالُ الكَثِيرُ مِنَ الإبِلِ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦]؛ لِأنَّها وقْتُ الرَّواحِ أمْلَأُ ضُرُوعًا وبُطُونًا مِنها وقْتَ سَراحِها لِلْمَرْعى. وَأظْهَرُ أوْجُهِ الإعْرابِ في قَوْلِهِ: وزِينَةً [النحل: ٨]، أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ أيْ: لِأجْلِ الرُّكُوبِ والزِّينَةِ.

النحل 16:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ (p-٣٣٥)يَخْلُقُ ما لا يَعْلَمُ المُخاطَبُونَ وقْتَ نُزُولِها، وأبْهَمَ ذَلِكَ الَّذِي يَخْلُقُهُ؛ لِتَعْبِيرِهِ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ، ولَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِشَيْءٍ مِنهُ، ولَكِنْ قَرِينَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ بِالمَرْكُوباتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِنهُ ما هو مِنَ المَرْكُوباتِ، وقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ في إنْعامِ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ بِمَرْكُوباتٍ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ: كالطّائِراتِ، والقِطاراتِ، والسَّيّاراتِ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ إشارَةُ النَّبِيِّ ﷺ إلى ذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ مِيناءَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «واللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عادِلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، ولَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ، ولَيَضَعَنَّ الجِزْيَةَ، ولَتُتْرَكَنَّ القِلاصُ فَلا يُسْعى عَلَيْها، ولَتَذْهَبَنَّ الشَّحْناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ، ولَيَدْعُوَنَّ إلى المالِ فَلا يَقْبَلُهُ أحَدٌ» . اهـ. وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِن هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﷺ: «وَلَتُتْرَكَنَّ القِلاصُ فَلا يُسْعى عَلَيْها»؛ فَإنَّهُ قَسَمٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سَتُتْرَكُ الإبِلُ فَلا يُسْعى عَلَيْها، وهَذا مُشاهَدٌ الآنَ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ رُكُوبِها بِالمَراكِبِ المَذْكُورَةِ. وَفِي هَذا الحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ عُظْمى، تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، وإنْ كانَتْ مُعْجِزاتُهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ - أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصَرَ. وَهَذِهِ الدَّلالَةُ الَّتِي ذَكَرْنا تُسَمّى دَلالَةَ الِاقْتَرانِ، وقَدْ ضَعَّفَها أكْثَرُ أهْلِ الأُصُولِ، كَما أشارَ لَهُ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎أمّا قِرانُ اللَّفْظِ في المَشْهُورِ فَلا يُساوِي في سِوى المَذْكُورِ وَصَحَّحَ الِاحْتِجاجَ بِها بَعْضُ العُلَماءِ، ومَقْصُودُنا مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها هُنا أنَّ ذِكْرَ: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ بِالمَرْكُوباتِ لا يَقِلُّ عَنْ قَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى أنَّ مِنَ المُرادِ بِها بَعْضَ المَرْكُوباتِ، كَما قَدْ ظَهَرَتْ صِحَّةُ ذَلِكَ بِالعِيانِ. وَقَدْ ذُكِرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهُ يَخْلُقُ ما لا يَعْلَمُهُ خَلْقُهُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِالِامْتِنانِ بِالمَرْكُوباتِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] .

النحل 16:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ﴾، اعْلَمْ أوَّلًا: ”أنَّ قَصْدَ السَّبِيلِ“ [النحل: ٩]: هو الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ القاصِدُ، الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهَذا المَعْنى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى المُزَنِيُّ: (p-٣٣٦) ؎صَحا القَلْبُ عَنْ سَلْمى وأقصَرَ باطِلُهُ وعُرِّيَ أفْراسُ الصِّبا ؎وَرَواحِلُهُ وأقْصَرْتُ عَمّا تَعْلَمِينَ وسُدِّدَتْ ∗∗∗ عَلَيَّ سِوى قَصْدِ السَّبِيلِ مَعادِلُهُ وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وَمِنَ الطَرِيقَةِ جائِرٌ وهُدًى ∗∗∗ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنهُ ذُو دَخَلِ فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ لِلْعُلَماءِ، وكُلٌّ مِنهُما لَهُ مِصْداقٌ في كِتابِ اللَّهِ، إلّا أنَّ أحَدَهُما أظْهَرُ عِنْدِي مِنَ الآخَرِ. الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ مَعْنى ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ الَّتِي هي قَصْدُ السَّبِيلِ عَلى اللَّهِ، أيْ: مُوَصِّلَةٌ إلَيْهِ، لَيْسَتْ حائِدَةً، ولا جائِرَةً عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ وإلى مَرْضاتِهِ، ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ أيْ: ومِنَ الطَّرِيقِ جائِرٌ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ، بَلْ هو زائِغٌ وحائِدٌ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ . ويُؤَيِّدُ هَذا التَّفْسِيرَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ عِنْدِي، واسْتَظْهَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، أيْ: عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا أنْ يُبَيِّنَ لَكم طَرِيقَ الحَقِّ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ. ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وعَلى هَذا القَوْلِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾، غَيْرُ واضِحٍ لِأنَّ المَعْنى: ومِنَ الطَّرِيقِ جائِرٌ عَنِ الحَقِّ، وهو الَّذِي نَهاكم اللَّهُ عَنْ سُلُوكِهِ. والجائِرُ: المائِلُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، والوَجْهانِ المَذْكُورانِ في هَذِهِ الآيَةِ جارِيانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ . . . ) الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لَوْ شاءَ هِدايَةَ جَمِيعِ خَلْقِهِ لَهَداهم أجْمَعِينَ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ، • كَقَوْلِهِ: (p-٣٣٧)﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ . . . [السجدة: ١٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ . . . الآيَةَ [يونس: ٩٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ . . . الآيَةَ [هود: ١١٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في ”سُورَةِ يُونُسَ“ .

النحل 16:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ما يُوَضِّحُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في ”سُورَةِ الحِجْرِ“ . * * وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ: إنْباتَهُ بِالماءِ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ، وما تَأْكُلُهُ المَواشِي مِنَ المَرْعى مِن أعْظَمِ نِعَمِهِ عَلى بَنِي آدَمَ، ومِن أوْضَحِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٣، ٥٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٠ - ٣٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ الآيَةَ [ق: ٩ - ١١]، • وقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾ ﴿وَجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ [النبإ: ١٤ - ١٦]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. تَنْبِيهانِ. الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ النَّظَرَ في هَذِهِ الآياتِ واجِبٌ، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: ”أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ تَقْتَضِي الوُجُوبَ إلّا لِدَلِيلٍ يَصْرِفُها عَنِ الوُجُوبِ“ . واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أمَرَ الإنْسانَ أنْ يَنْظُرَ (p-٣٣٨)إلى طَعامِهِ الَّذِي بِهِ حَياتُهُ، ويُفَكِّرَ في الماءِ الَّذِي هو سَبَبُ إنْباتِ حُبِّهِ مَن أنْزَلَهُ ؟ ثُمَّ بَعْدَ إنْزالِ الماءِ ورَيِّ الأرْضِ مَن يَقْدِرُ عَلى شَقِّ الأرْضِ عَنِ النَّباتِ وإخْراجِهِ مِنها ؟ ثُمَّ مِن يَقْدِرُ عَلى إخْراجِ الحَبِّ مِن ذَلِكَ النَّباتِ ؟ ثُمَّ مِن يَقْدِرُ عَلى تَنْمِيَتِهِ حَتّى يَصِيرَ صالِحًا لِلْأكْلِ ! ؟: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ﴾ . . . الآيَةَ [الأنعام: ٩]، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢] . وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ النَّظَرُ في الشَّيْءِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]، وظاهِرُ القُرْآنِ: أنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ واجِبٌ، ولا دَلِيلَ يَصْرِفُ عَنْ ذَلِكَ. التَّنْبِيهُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - أشارَ في هَذِهِ الآياتِ مِن أوَّلِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“ إلى بَراهِينِ البَعْثِ الثَّلاثَةِ، الَّتِي قَدَّمْنا أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ يَكْثُرُ فِيهِ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى البَعْثِ. الأوَّلُ: خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ . . . . الآيَةَ [التغابن: ٣]، والِاسْتِدْلالُ بِذَلِكَ عَلى البَعْثِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، • كَقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٨]، إلى قَوْلِهِ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [الأحقاف: ٣٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ . . . الآيَةَ [غافر: ٥٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ. البُرْهانُ الثّانِي: خَلْقُ الإنْسانِ أوَّلًا المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤]؛ لِأنَّ مَنِ اخْتَرَعَ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ ثانِيًا. وهَذا يَكْثُرُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ أيْضًا عَلى البَعْثِ، • كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ﴾ . . . . الآيَةَ [الروم: ٢٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ (p-٣٣٩)الآياتِ كَما تَقَدَّمَ. البُرْهانُ الثّالِثُ: إحْياءُ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها المَذْكُورُ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ . . . [النحل: ١١]، فَإنَّهُ يَكْثُرُ في القُرْآنِ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى البَعْثِ أيْضًا، • كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فصلت: ٣٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]، أيْ: كَذَلِكَ الأحْياءُ خُرُوجُكم مِن قُبُورِكم أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ، • وقَوْلِهِ: ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]، أيْ: مِن قُبُورِكم أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ، • وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٥، ٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ. فَهَذِهِ البَراهِينُ الثَّلاثَةُ يَكْثُرُ جِدًّا الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى البَعْثِ في كِتابِ اللَّهِ، كَما رَأيْتَ وكَما تَقَدَّمَ. وَهُناكَ بُرْهانٌ رابِعٌ يَكْثُرُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى البَعْثِ أيْضًا ولا ذِكْرَ لَهُ في هَذِهِ الآياتِ، وهو إحْياءُ اللَّهِ بَعْضَ المَوْتى في دارِ الدُّنْيا، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في: ”سُورَةِ البَقَرَةِ“؛ لِأنَّ مَن أحْيا نَفْسًا واحِدَةً بَعْدَ مَوْتِها قادِرٌ عَلى إحْياءِ جَمِيعِ النُّفُوسِ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] . وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - هَذا البُرْهانَ في: ”سُورَةِ البَقَرَةِ“ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: الأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] . الثّانِي قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] . الثّالِثُ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] . الرّابِعُ قَوْلُهُ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] . (p-٣٤٠)الخامِسُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ومِنهُ ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]، أيْ: تَرْعَوْنَ مَواشِيَكُمُ السّائِمَةَ في ذَلِكَ الشَّجَرِ الَّذِي هو المَرْعى. والعَرَبُ تُطْلِقُ اسْمَ الشَّجَرِ عَلى كُلِّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِنَ المَرْعى؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ العُكْلِيِّ: ؎إنّا أتَيْناكَ وقَدْ طالَ السَّفَرْ نَقُودُ خَيْلًا ضُمَّرًا فِيها صَعَرْ ؎نُطْعِمُها اللَّحْمَ ∗∗∗ إذا عَزَّ الشَّجَرْ والعَرَبُ تَقُولُ: سامَتِ المَواشِي؛ إذا رَعَتْ في المَرْعى الَّذِي يُنْبِتُهُ اللَّهُ بِالمَطَرِ. وأسامَها صاحِبُها: أيْ رَعاها فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَثَلُ ابْنِ بَزْعَةَ أوْ كَآخِرَ مِثْلِهِ ∗∗∗ أوْلى لَكَ ابْنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ يَعْنِي يا ابْنَ راعِيَةِ الجِمالِ الَّتِي تُسِيمُها في المَرْعى. وَقَوْلُهُ: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ﴾ [النحل: ١١]، قَرَأهُ شُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ: ”نُنْبِتُ“ بِالنُّونِ، والباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.

النحل 16:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ سَخَّرَ لِخَلْقِهِ خَمْسَةَ أشْياءَ عِظامٍ، فِيها مِن عَظِيمِ نِعْمَتِهِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا هو، وفِيها الدَّلالاتُ الواضِحاتُ لِأهْلِ العُقُولِ: عَلى أنَّهُ الواحِدُ المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدُ وحْدَهُ. والخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ هي: اللَّيْلُ، والنَّهارُ، والشَّمْسُ، والقَمَرُ، والنُّجُومُ. وَكَرَّرَ في القُرْآنِ ذِكْرَ إنْعامِهِ بِتَسْخِيرِ هَذِهِ الأشْياءِ، وأنَّها مِن أعْظَمِ أدِلَّةِ وحْدانِيَّتِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وإغْشاؤُهُ اللَّيْلَ النَّهارَ: هو تَسْخِيرُهُما، وقَوْلُهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ . [يس: ٣٧ - ٣٩]، (p-٣٤١) • وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ الآيَةَ [الملك: ٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثُ قِراءاتٍ سَبْعِيّاتٍ في الأسْماءِ الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ، الَّتِي هي: ”الشَّمْسُ“، و ”القَمَرُ“، و ”النُّجُومُ“، و ”مُسَخَّراتٌ“ [النحل: ١٢]؛ فَقَرَأ بِنَصْبِها كُلِّها نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ شُعْبَةَ. وقَرَأ بِرَفْعِ الأسْماءِ الأرْبَعَةِ ابْنُ عامِرٍ، عَلى أنَّ: والشَّمْسَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ و: مُسَخَّراتٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِنَصْبِ:، والشَّمْسَ والقَمَرَ عَطْفًا عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ، ورَفَعَ:، والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وأظْهَرُ أوْجُهِ الإعْرابِ في قَوْلِهِ: مُسَخَّراتٌ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها. والتَّسْخِيرُ في اللُّغَةِ: التَّذْلِيلُ.

النحل 16:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: وما [النحل: ١٣]، في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾، أيْ: وسَخَّرَ لَكم ما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ، أيْ: ما خَلَقَ لَكم فِيها في حالِ كَوْنِهِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ. ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: امْتِنانَهُ عَلى خَلْقِهِ بِما سَخَّرَ لَهم مِمّا خَلَقَ لَهم في الأرْضِ؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ خَلْقَهُ لِما خَلَقَ لَهم في الأرْضِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ، فِيهِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ لِمَن يَذَّكَّرُ ويَتَّعِظُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِأنْ يُعْبَدُ وحْدَهُ. وكَرَّرَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ١٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٠ - ١٣]، وقَوْله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] . وَأشارَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى أنَّ اخْتِلافَ ألْوانِ ما خَلَقَ في الأرْضِ مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ وغَيْرِهِما، مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ الرَّبُّ وحْدَهُ، المُسْتَحِقُّ (p-٣٤٢)أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ. وَأوْضَحَ هَذا في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ في ”سُورَةِ فاطِرٍ“: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، ولا شَكَّ أنَّ اخْتِلافَ الألْوانِ والمَناظِرِ والمَقادِيرِ والهَيْئاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فِيهِ الدَّلالَةُ القاطِعَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - واحِدٌ، لا شَبِيهَ لَهُ ولا نَظِيرَ ولا شَرِيكَ، وأنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ. وَفِيهِ الدَّلالَةُ القاطِعَةُ عَلى أنَّ كُلَّ تَأْثِيرٍ فَهو بِقُدْرَةِ وإرادَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وأنَّ الطَّبِيعَةَ لا تُؤَثِّرُ في شَيْءٍ إلّا بِمَشِيئَتِهِ - جَلَّ وعَلا - . كَما أوْضَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]، فالأرْضُ الَّتِي تَنْبُتُ فِيها الثِّمارُ واحِدَةٌ؛ لِأنَّ قِطَعَها مُتَجاوِرَةٌ، والماءَ الَّذِي تُسْقى بِهِ ماءٌ واحِدٌ، والثِّمارُ تَخْرُجُ مُتَفاضِلَةً، مُخْتَلِفَةً في الألْوانِ والأشْكالِ والطُّعُومِ، والمَقادِيرِ والمَنافِعِ. فَهَذا أعْظَمُ بُرْهانٍ قاطِعٍ عَلى وُجُودِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، يَفْعَلُ ما يَشاءُ كَيْفَ يَشاءُ، سُبْحانَهُ - جَلَّ وعَلا - عَنِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ. وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ الطَّبِيعَةَ لا تُؤَثِّرُ في شَيْءٍ إلّا بِمَشِيئَتِهِ - جَلَّ وعَلا -: أنَّ النّارَ مَعَ شِدَّةِ طَبِيعَةِ الإحْراقِ فِيها؛ أُلْقِيُ فِيها الحَطَبُ وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ولا شَكَّ أنَّ الحَطَبَ أصْلَبُ وأقْسى وأقْوى مِن جَلْدِ إبْراهِيمَ ولَحْمِهِ، فَأحْرَقَتِ الحَطَبَ بِحَرِّها، وكانَتْ عَلى إبْراهِيمَ بَرْدًا وسَلامًا؛ لَمّا قالَ لَها خالِقُها: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فَسُبْحانَ مَن لا يَقَعُ شَيْءٌ كائِنًا ما كانَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ - جَلَّ وعَلا -، فَعّالٌ لِما يُرِيدُ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يَذَّكَّرُونَ [النحل: ١٣]، أصْلُهُ: يَتَذَكَّرُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ. والِادِّكارُ: الِاعْتِبارُ والِاتِّعاظُ.

النحل 16:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، (p-٣٤٣)ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ سَخَّرَ البَحْرَ، أيْ: ذَلَّلَهُ لِعِبادِهِ حَتّى تَمَكَّنُوا مِن رُكُوبِهِ، والِانْتِفاعِ بِما فِيهِ مِنَ الصَّيْدِ والحِلْيَةِ، وبُلُوغِ الأقْطارِ الَّتِي تَحُولُ دُونَها البِحارُ، لِلْحُصُولِ عَلى أرْباحِ التِّجاراتِ ونَحْوِ ذَلِكَ. فَتَسْخِيرُ البَحْرِ لِلرُّكُوبِ مِن أعْظَمِ آياتِ اللَّهِ كَما بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَ نِعَمٍ مِن نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ بِتَسْخِيرِ البَحْرِ لَهم: الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، وكَرَّرَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ في القُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الآيَةَ [فاطر: ١٢] . الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النحل: ١٤]، وكَرَّرَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ أيْضًا في القُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٢٢، ٢٣]، واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ: هُما الحِلْيَةُ الَّتِي يَسْتَخْرِجُونَها مِنَ البَحْرِ لِلُبْسِها، وقَوْلُهُ: ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢] . الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤]، وكَرَّرَ في القُرْآنِ الِامْتِنانَ بِشَقِّ أمْواجِ البَحْرِ عَلى السُّفُنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ الآيَةَ [يس: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٢] . الرّابِعَةُ: الِابْتِغاءُ مِن فَضْلِهِ بِأرْباحِ التِّجاراتِ بِواسِطَةِ الحَمْلِ عَلى السُّفُنِ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤]، أيْ: كَأرْباحِ التِّجاراتِ. وكَرَّرَ في القُرْآنِ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ أيْضًا. • كَقَوْلِهِ في ”سُورَةِ البَقَرَةِ“: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، • وقَوْلِهِ في ”فاطِرٍ“: ﴿وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢]، • وقَوْلِهِ في ”الجاثِيَةِ“: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. * * (p-٣٤٤)مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: المَسْألَةُ الأُولى: لا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لِقَوْلِهِ: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، فَلا يُقالُ: يُفْهَمُ مِنَ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ طَرِيًّا أنَّ اليابِسَ كالقَدِيدِ مِمّا في البَحْرِ لا يَجُوزُ أكْلُهُ؛ بَلْ يَجُوزُ أكْلُ القَدِيدِ مِمّا في البَحْرِ بِإجْماعِ العُلَماءِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ مِن مَوانِعِ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ كَوْنَ النَّصِّ مَسُوقًا لِلِامْتِنانِ؛ فَإنَّهُ إنَّما قَيَّدَ بِالطَّرِيِّ؛ لِأنَّهُ أحْسَنُ مِن غَيْرِهِ فالِامْتِنانُ بِهِ أتَمُّ. وَقَدْ أشارَ إلى هَذا صاحِبُ مَراقِي السُّعُود، بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى مَوانِعِ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ: أوِ امْتِنانٌ أوْ وِفاقُ الواقِعِ والجَهْلُ والتَّأْكِيدُ عِنْدَ السّامِعِ. وَمَحَلُّ الشّاهِدِ قَوْلُهُ: ”أوِ امْتِنانٌ“، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في ”سُورَةِ المائِدَةِ“ . * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ عُلَماءَ المالِكِيَّةِ قَدْ أخَذُوا مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ لُحُومَ ما في البَحْرِ كُلِّها جِنْسٌ واحِدٌ؛ فَلا يَجُوزُ التَّفاضُلُ بَيْنَها في البَيْعِ، ولا بَيْعُ طَرِيِّها بِيابِسِها؛ لِأنَّها جِنْسٌ واحِدٌ. قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ عَبَّرَ عَنْ جَمِيعِها بِلَفْظٍ واحِدٍ، وهو قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، وهو شامِلٌ لِما في البَحْرِ كُلِّهِ. وَمِن هُنا جَعَلَ عُلَماءُ المالِكِيَّةِ لِللُّحُومِ أرْبَعَةَ أجْناسٍ لا خامِسَ لَها: الأوَّلُ: لَحْمُ ما في البَحْرِ كُلِّهِ جِنْسٌ واحِدٌ، لِما ذَكَرْنا. الثّانِي: لُحُومُ ذَواتِ الأرْبَعِ مِنَ الأنْعامِ والوُحُوشِ كُلِّها عِنْدَهم جِنْسٌ واحِدٌ. قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنَ أسْمائِها في حَياتِها، فَقالَ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، أمّا بَعْدَ ذَبْحِها فَقَدْ عَبَّرَ عَنْها بِاسْمٍ واحِدٍ، فَقالَ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١]، فَجَمَعَها بِلَحْمٍ واحِدٍ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: يَدْخُلُ في بَهِيمَةِ الأنْعامِ الوَحْشُ كالظِّباءِ. الثّالِثُ: لُحُومُ الطَّيْرِ بِجَمِيعِ أنْواعِها جِنْسٌ واحِدٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]، (p-٣٤٥)فَجَمَعَ لُحُومَها بِاسْمٍ واحِدٍ. الرّابِعُ: الجَرادُ هو جِنْسٌ واحِدٌ عِنْدَهم، وقَدْ قَدَّمْنا في ”سُورَةِ البَقَرَةِ“ الإشارَةَ إلى الِاخْتِلافِ في رِبَوِيَّتِهِ عِنْدَهم، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ عَدَمُ رِبَوِيَّتِهِ، بِناءً عَلى أنَّ غَلَبَةَ العَيْشِ بِالمَطْعُومِ مِن أجْزاءِ العِلَّةِ في الرِّبا؛ لِأنَّ عِلَّةَ الرِّبا في الرِّبَوِيّاتِ عِنْدَ مالِكٍ: هي الِاقْتِياتُ والِادِّخارُ. قِيلَ: وغَلَبَةُ العَيْشِ. وقَدْ قَدَّمْنا: أنَّ الِاخْتِلافَ في اشْتِراطِ غَلَبَةِ العَيْشِ تَظْهَرُ فائِدَتُهُ في أرْبَعَةِ أشْياءَ: وهي الجَرادُ، والبَيْضُ، والتِّينُ، والزَّيْتُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْصِيلَ ذَلِكَ في ”سُورَةِ البَقَرَةِ“ . فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فاعْلَمْ أنَّ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَذِهِ الأجْناسِ المَذْكُورَةِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالجِنْسِ الآخَرِ مُتَفاضِلًا يَدًا بِيَدٍ. ويَجُوزُ بَيْعُ طَرِيِّهِ بِيابِسِهِ يَدًا بِيَدٍ أيْضًا في مَذْهَبِ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - . وَمَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنَّ اللُّحُومَ تابِعَةٌ لِأُصُولِها، فَكُلُّ لَحْمٍ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ كَأصْلِهِ: فَلَحْمُ الإبِلِ عِنْدَهُ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، وكَذَلِكَ لَحْمُ الغَنَمِ ولَحْمُ البَقَرِ، وهَكَذا؛ لِأنَّ اللُّحُومَ تابِعَةٌ لِأُصُولِها وهي مُخْتَلِفَةٌ كالأدِقَّةِ والأدْهانِ. أمّا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، في هَذِهِ المَسْألَةِ فَكِلاهُما عَنْهُ فِيها رِوايَتانِ. أمّا الرِّوايَتانِ عَنِ الشّافِعِيِّ، فَإحْداهُما: أنَّ اللُّحُومَ كُلَّها جِنْسٌ واحِدٌ؛ لِاشْتِراكِها في الِاسْمِ الخاصِّ الَّذِي هو اللَّحْمُ. الثّانِيَةُ: أنَّها أجْناسٌ كَأُصُولِها: كَقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ. وَقالَ صاحِبُ المُهَذَّبِ: إنَّ هَذا قَوْلُ المُزَنِيِّ وهو الصَّحِيحُ. وَأمّا الرِّوايَتانِ في مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ؛ فَإحْداهُما: أنَّ اللُّحُومَ كُلَّها جِنْسٌ واحِدٌ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، فَإنَّهُ قالَ: وسائِرُ اللُّحْمانِ جِنْسٌ واحِدٌ. قالَ صاحِبُ المُغْنِي: وذَكَرَهُ أبُو الخَطّابِ وابْنُ عَقِيلٍ رِوايَةً عَنْ أحْمَدَ. ثُمَّ قالَ: وأنْكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى كَوْنَ هَذا رِوايَةً عَنْ أحْمَدَ، وقالَ: الأنْعامُ والوُحُوشُ، والطَّيْرُ، ودَوابُّ الماءِ أجْناسٌ، يَجُوزُ التَّفاضُلُ فِيها رِوايَةً واحِدَةً، وإنَّما في اللَّحْمِ رِوايَتانِ. إحْداهُما: أنَّهُ أرْبَعَةُ أجْناسٍ كَما ذَكَرْنا. الثّانِيَةُ: أنَّهُ أجْناسٌ بِاخْتِلافِ أُصُولِهِ. انْتَهى مِنَ المُغْنِي بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ، بِحَذْفِ ما لا حاجَةَ لَهُ، فَهَذِهِ مَذاهِبُ الأرْبَعَةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: اخْتِلافُ العُلَماءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مِنَ الِاخْتِلافِ في تَحْقِيقِ مَناطٍ مِن نُصُوصِ الشَّرْعِ، وذَلِكَ أنَّهُ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ (p-٣٤٦)عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”فَإذا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأصْنافُ؛ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذا كانَ يَدًا بِيَدٍ“، فَعُلِمَ أنَّ اخْتِلافَ الصِّنْفَيْنِ مَناطُ جَوازِ التَّفاضُلِ. واتِّحادُهُما مَناطُ مَنعِ التَّفاضُلِ، واخْتِلافُ العُلَماءِ في تَحْقِيقِ هَذا المَناطِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: اللَّحْمُ جِنْسٌ واحِدٌ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاسْمٍ واحِدٍ، فَمَناطُ تَحْرِيمِ التَّفاضُلِ مَوْجُودٌ فِيهِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: هي لُحُومٌ مُخْتَلِفَةُ الجِنْسِ؛ لِأنَّها مِن حَيَواناتٍ مُخْتَلِفَةِ الجِنْسِ؛ فَمَناطُ مَنعِ التَّفاضُلِ غَيْرُ مَوْجُودٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالحَيَوانِ الَّذِي يَجُوزُ أكْلُهُ مِن جِنْسِهِ. وَهَذا مَذْهَبُ أكْثَرِ العُلَماءِ: مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالحَيَوانِ؛ لِأنَّ الحَيَوانَ غَيْرُ رِبَوِيٍّ، فَأشْبَهَ بَيْعُهُ بِاللَّحْمِ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالأثْمانِ. واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِما رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوانِ» . وفي ”المُوَطَّأِ“ أيْضًا، عَنْ مالِكٍ، عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ: أنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: مِن مَيْسِرِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ بَيْعُ الحَيَوانِ بِاللَّحْمِ بِالشّاةِ والشّاتَيْنِ. وفي ”المُوَطَّأِ“ أيْضًا، عَنْ مالِكٍ، عَنْ أبِي الزِّنادِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أنَّهُ كانَ يَقُولُ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الحَيَوانِ بِاللَّحْمِ. قالَ أبُو الزِّنادِ: فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أرَأيْتَ رَجُلًا اشْتَرى شارِفًا بِعَشْرِ شِياهٍ ؟، فَقالَ سَعِيدٌ: إنْ كانَ اشْتَراها لِيَنْحَرَها فَلا خَيْرَ في ذَلِكَ. قالَ أبُو الزِّنادِ: وكُلُّ مَن أدْرَكْتُ مِنَ النّاسِ يَنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ الحَيَوانِ بِاللَّحْمِ. قالَ أبُو الزِّنادِ: وكانَ ذَلِكَ يُكْتَبُ في عُهُودِ العُمّالِ في زَمانِ أبانَ بْنِ عُثْمانَ وهِشامِ بْنِ إسْماعِيلَ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ. اهـ، مِنَ المُوَطَّأِ. وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوانٍ مِن جِنْسِهِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، وقَوْلُ فُقَهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ. وحُكِيَ عَنْ مالِكٍ: أنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوانٍ مُعَدٍّ لِللَّحْمِ ويَجُوزُ بِغَيْرِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ باعَ مالَ الرِّبا بِما لا رِبًّا فِيهِ؛ فَأشْبَهَ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالدَّراهِمِ، أوْ بِلَحْمٍ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ. ولَنا ما رُوِيَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”نَهى عَنْ «بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوانِ»“، رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هَذا أحْسَنُ أسانِيدِهِ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ نَهى أنْ يُباعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ» ذَكَرَهُ الإمامُ أحْمَدُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " أنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ فَجاءَ رَجُلٌ بِعَناقٍ، فَقالَ أعْطُونِي جُزْءًا بِهَذِهِ العَناقِ - فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَصْلُحُ (p-٣٤٧)هَذا، قالَ الشّافِعِيُّ: لا أعْلَمُ مُخالِفًا لِأبِي بَكْرٍ في ذَلِكَ. وقالَ أبُو الزِّنادِ: كُلُّ مَن أدْرَكْتُ يَنْهى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوانِ؛ ولِأنَّ اللَّحْمَ نَوْعٌ فِيهِ الرِّبا بِيعَ بِأصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِثْلُهُ فَلَمْ يَجُزْ؛ كَبَيْعِ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ اهـ. وَقالَ صاحِبُ المُهَذَّبِ: ولا يَجُوزُ بَيْعُ حَيَوانٍ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِلَحْمِهِ، لِما رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يُباعُ حَيٌّ بِمَيِّتٍ»، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”أنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ عَلى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَجاءَ رَجُلٌ بِعَناقٍ فَقالَ: أعْطُونِي بِها لَحْمًا فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا يَصْلُحُ هَذا“؛ ولِأنَّهُ جِنْسٌ فِيهِ الرِّبا بِيعَ بِأصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِثْلُهُ؛ فَلَمْ يَجُزْ كَبَيْعِ الشَّيْرَجِ بِالسِّمْسِمِ، اهـ. وَقالَ ابْنُ السُّبْكِيِّ في تَكْمِلَتِهِ لِشَرْحِ المُهَذَّبِ: حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ رَواهُ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، كَما ذَكَرَهُ المُصَنَّفُ، ورَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، والشّافِعِيُّ في المُخْتَصَرِ والأُمِّ، وأبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: ”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوانِ»“، هَذا لَفْظُ الشّافِعِيِّ عَنْ مالِكٍ، وأبِي داوُدَ، عَنِ القَعْنَبِيِّ، عَنْ مالِكٍ، وكَذَلِكَ هو في مُوَطَّأِ ابْنِ وهْبٍ. ورَأيْتُ في مُوَطَّأِ القَعْنَبِيِّ عَنْ «بَيْعِ الحَيَوانِ بِاللَّحْمِ»، والمَعْنى واحِدٌ، وكِلا الحَدِيثَيْنِ - أعْنِي: رِوايَةَ الزُّهْرِيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ - مُرْسَلٌ، ولَمْ يُسْنِدْهُ واحِدٌ عَنْ سَعِيدٍ. وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ أُخَرَ، مِنها عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ: ”أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى أنْ تُباعَ الشّاةُ بِاللَّحْمِ»“، رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، وقالَ: رُواتُهُ عَنْ آخِرِهِمْ أئِمَّةٌ حُفّاظٌ ثِقاتٌ. وقَدِ احْتَجَّ البُخارِيُّ بِالحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، ولَهُ شاهِدٌ مُرْسَلٌ في المُوَطَّأِ، هَذا كَلامُ الحاكِمِ. ورَواهُ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ الكَبِيرِ، وقالَ: هَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ. ومَن أثْبَتَ سَماعَ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَدَّهُ مَوْصُولًا. ومَن لَمْ يُثْبِتْهُ فَهو مُرْسَلٌ جَيِّدٌ انْضَمَّ إلى مُرْسَلِ سَعِيدٍ. ومِنها عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوانِ»، رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، وقالَ: تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ مَرْوانَ، عَنْ مالِكٍ بِهَذا الإسْنادِ ولَمْ يُتابَعْ عَلَيْهِ، وصَوابُهُ في المُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ مُرْسَلًا. وذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ الصَّغِيرِ، وحَكَمَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن غَلَطِ يَزِيدَ بْنِ مَرْوانَ، ويَزِيدُ المَذْكُورُ تَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ. وقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: ولَيْسَ هَذا بِذَلِكَ المَعْرُوفِ. ومِنها عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «نَهى عَنْ بَيْعِ الحَيَوانِ بِاللَّحْمِ»، قالَ عَبْدُ الحَقِّ: أخْرَجَهُ البَزّارُ في مُسْنَدِهِ مِن رِوايَةِ ثابِتِ بْنِ زُهَيْرٍ عَنْ نافِعٍ، وثابِتٌ رَجُلٌ مِن أهْلِ البَصْرَةِ مُنْكَرُ الحَدِيثِ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ. ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ الرّازِيِّ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ صاحِبِ تَكْمِلَةِ المَجْمُوعِ. (p-٣٤٨)قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَخْفى أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْنا يَثْبُتُ بِهِ مَنعُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوانِ. أمّا عَلى مَذْهَبِ مَن يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ: كَمالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ، فَلا إشْكالَ، وأمّا عَلى مُذْهَبِ مَن لا يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ: فَمُرْسَلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ حُجَّةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِمَّنْ لا يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ، ولا سِيَّما أنَّهُ اعْتَضَدَ بِحَدِيثِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ. فَعَلى قَوْلِ مَن يُصَحِّحُ سَماعَ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ؛ فَلا إشْكالَ في ثُبُوتِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ وأمّا عَلى قَوْلِ مَن لا يُثْبِتُ سَماعَ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ - فَأقَلُّ دَرَجاتِهِ أنَّهُ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ، اعْتَضَدَ بِمُرْسَلٍ صَحِيحٍ. ومِثْلُ هَذا يَحْتَجُّ بِهِ مَن يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ ومَن لا يَحْتَجُّ بِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في ”سُورَةِ المائِدَةِ“، كَلامَ العُلَماءِ في سَماعِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، وقَدَّمْنا في ”سُورَةِ الأنْعامِ“ أنَّ مِثْلَ هَذا المُرْسَلِ يَحْتَجُّ بِهِ بِلا خِلافٍ عَنْهُ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ: أنَّ بَيْعَ الحَيَوانِ بِاللَّحْمِ مِن جِنْسِهِ لا يَجُوزُ؛ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ. وأمّا إنْ كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ كَبَيْعِ شاةٍ بِلَحْمِ حُوتٍ، أوْ بَيْعِ طَيْرٍ بِلَحْمِ إبِلٍ فَهو جائِزٌ عِنْدَ مالِكٍ؛ لِأنَّ المُزابَنَةَ تَنْتَفِي بِاخْتِلافِ الجِنْسِ، وحُمِلَ مَعْنى الحَدِيثِ عَلى هَذا وإنْ كانَ ظاهِرُهُ العُمُومَ. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ مَعَ اخْتِلافِ الجِنْسِ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَوازُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوانِ إذا اخْتَلَفَ جِنْسُهُما. والثّانِي: المَنعُ مُطْلَقًا لِعُمُومِ الحَدِيثِ. ومَذْهَبُ أحْمَدَ في المَسْألَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي بِقَوْلِهِ: وأمّا بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوانٍ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ فَظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ والخِرَقِيِّ: أنَّهُ لا يَجُوزُ؛ فَإنَّ أحْمَدَ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الشّاةِ بِاللَّحْمِ، فَقالَ: لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”، «نَهى أنْ يُباعَ حَتّى بِمَيِّتٍ»“، واخْتارَ القاضِي جَوازَهُ، ولِلشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ. واحْتَجَّ مَن مَنَعَهُ بِعُمُومِ الأخْبارِ، وبِأنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ واحِدٌ ومَن أجازَهُ، قالَ: مالُ الرِّبا بِيعَ بِغَيْرِ أصْلِهِ ولا جِنْسِهِ، فَجازَ كَما لَوْ باعَهُ بِالأثْمانِ. وإنْ باعَهُ بِحَيَوانٍ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ جازَ في ظاهِرِ قَوْلِ أصْحابِنا، وهو قَوْلُ عامَّةِ الفُقَهاءِ. انْتَهى كَلامُ صاحِبِ المُغْنِي. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: قَدْ عَرَفْتَ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ قالَ: إنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ واحِدٌ. وبَعْضُهم قالَ: إنَّ اللُّحُومَ أجْناسٌ. فَعَلى أنَّ اللَّحْمَ جِنْسٌ واحِدٌ؛ فَمَنعُ بَيْعِ الحَيَوانِ بِاللَّحْمِ هو الظّاهِرُ. وعَلى أنَّ اللُّحُومَ أجْناسٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ فَبَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوانٍ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ الظّاهِرُ فِيهِ الجَوازُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «فَإذا اخْتَلَفَتِ الأجْناسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ»، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. (p-٣٤٩)تَنْبِيهٌ. اشْتَرَطَ المالِكِيَّةُ في مَنعِ بَيْعِ الحَيَوانِ بِاللَّحْمِ مِن جِنْسِهِ: إلّا يَكُونَ اللَّحْمُ مَطْبُوخًا. فَإنْ كانَ مَطْبُوخًا: جازَ عِنْدَهم بَيْعُهُ بِالحَيَوانِ مِن جِنْسِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ. وفَسَدَ مَنهِيٌّ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ كَحَيَوانٍ بِلَحْمِ جِنْسِهِ إنْ لَمْ يُطْبَخْ. واحْتَجُّوا لِذَلِكَ؛ بِأنَّ الطَّبْخَ يَنْقُلُ اللَّحْمَ عَنْ جِنْسِهِ؛ فَيَجُوزُ التَّفاضُلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّحْمِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ؛ فَبَيْعُهُ بِالحَيَوانِ مِن بابِ أوْلى. هَكَذا يَقُولُونَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ المُكَلَّلَ بِاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - قالَ فِيها في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ العامِّ عَلى خَلْقِهِ عاطِفًا عَلى الأكْلِ: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النحل: ١٤]، وهَذا الخِطابُ خِطابُ الذُّكُورِ كَما هو مَعْرُوفٌ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ فاطِرٍ: ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢]، وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ امْتِنانًا عامًّا بِما يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ، فَلا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنهُ، وإنَّما حَرَّمَ تَعالى عَلى الرِّجالِ الذَّهَبَ والحَرِيرَ. وقالَ صاحِبُ الإنْصافِ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ والمَرْأةِ التَّحَلِّي بِالجَوْهَرِ ونَحْوِهِ، وهو الصَّحِيحُ مِنَ المَذْهَبِ. وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ المُكَلَّلَ بِاللُّؤْلُؤِ مَثَلًا، ولا أعْلَمُ لِلتَّحْرِيمِ مُسْتَنَدًا إلّا عُمُومَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ بِالزَّجْرِ البالِغِ عَنْ تَشَبُّهِ الرِّجالِ بِالنِّساءِ، كالعَكْسِ ! قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: ”بابُ المُتَشَبِّهِينَ بِالنِّساءِ والمُتَشَبِّهاتِ بِالرِّجالِ“: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -، قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ والمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجالِ» . فَهَذا الحَدِيثُ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ تَشَبُّهَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ حَرامٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَلْعَنُ أحَدًا إلّا عَلى ارْتِكابِ حَرامٍ شَدِيدِ الحُرْمَةِ. ولا شَكَّ أنَّ الرَّجُلَ إذْ لَبِسَ اللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ فَقَدْ تَشَبَّهَ بِالنِّساءِ. فَإنْ قِيلَ: يَجِبُ تَقْدِيمُ الآيَةِ عَلى هَذا الحَدِيثِ، وما جَرى مَجْراهُ مِنَ الأحادِيثِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلِ: أنَّ الآيَةَ نَصٌّ مُتَواتِرٌ، والحَدِيثُ المَذْكُورُ خَبَرُ آحادٍ، والمُتَواتِرُ مُقَدَّمٌ عَلى الآحادِ. (p-٣٥٠)الثّانِي: أنَّ الحَدِيثَ عامٌّ في كُلِّ أنْواعِ التَّشَبُّهِ بِالنِّساءِ، والآيَةَ خاصَّةٌ في إباحَةِ الحِلْيَةِ المُسْتَخْرَجَةِ مِنَ البَحْرِ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ ؟ فالجَوابُ: أنّا لَمْ نَرَ مَن تَعَرَّضَ لِهَذا. والَّذِي يَظْهَرُ لَنا - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ وإنْ كانَتْ أقْوى سَنَدًا وأخَصَّ، في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ فَإنَّ الحَدِيثَ أقْوى دَلالَةً عَلى مَحَلِّ النِّزاعِ مِنها؛ وقُوَّةُ الدَّلالَةِ في نَصٍّ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ عَلى مَحَلِّ النِّزاعِ أرْجَحُ مِن قُوَّةِ السَّنَدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النحل: ١٤]، يَحْتَمِلُ مَعْناهُ احْتِمالًا قَوِيًّا: أنَّ وجْهَ الِامْتِنانِ بِهِ أنَّ نِساءَهم يَتَجَمَّلْنَ لَهم بِهِ، فَيَكُونُ تَلَذُّذُهم وتَمَتُّعُهم بِذَلِكَ الجَمالِ والزِّينَةِ النّاشِئِ عَنْ تِلْكَ الحِلْيَةِ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وإسْنادُ اللِّباسِ إلَيْهِمْ لِنَفْعِهِمْ بِهِ، وتَلَذُّذِهِمْ بِلُبْسِ أزْواجِهِمْ لَهُ، بِخِلافِ الحَدِيثِ فَهو نَصٌّ صَرِيحٌ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ في لَعْنِ مَن تَشَبَّهَ بِالنِّساءِ، ولا شَكَّ أنَّ المُتَحَلِّيَ بِاللُّؤْلُؤِ مَثَلًا مُتَشَبِّهٌ بِهِنَّ؛ فالحَدِيثُ يَتَناوَلُهُ بِلا شَكٍّ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي في الكَلامِ عَلى الحَدِيثِ المَذْكُورِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ يَحْرُمُ عَلى الرِّجالِ لُبْسُ الثَّوْبِ المُكَلَّلِ بِاللُّؤْلُؤِ، وهو واضِحٌ، لِوُرُودِ عَلاماتِ التَّحْرِيمِ وهو لَعْنُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ: وأمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ: ولا أكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسَ اللُّؤْلُؤِ، إلّا لِأنَّهُ مِن زِيِّ النِّساءِ، فَلَيْسَ مُخالِفًا لِذَلِكَ؛ لِأنَّ مُرادَهُ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في النَّهْيِ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ شَيْءٌ. * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لا يَخْفى أنَّ الفِضَّةَ والذَّهَبَ يُمْنَعُ الشُّرْبُ في آنِيَتِهِما مُطْلَقًا، ولا يَخْفى أيْضًا أنَّهُ يَجُوزُ لُبْسُ الذَّهَبِ والحَرِيرِ لِلنِّساءِ ويُمْنَعُ لِلرِّجالِ. وهَذا مِمّا لا خِلافَ فِيهِ؛ لِكَثْرَةِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ المُصَرِّحَةِ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ، ومَن شَذَّ فَهو مَحْجُوجٌ بِالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ. وسَنَذْكُرُ طَرَفًا قَلِيلًا مِنَ النُّصُوصِ الكَثِيرَةِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ. أمّا الشُّرْبُ في آنِيَتِهِما: فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، والإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ، عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وَلا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَأْكُلُوا في صِحافِها؛ فَإنَّها لَهم في الدُّنْيا ولَكم في الآخِرَةِ»، ولَفْظَةُ: «وَلا تَأْكُلُوا في صِحافِها» في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «إنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أوْ يَشْرَبُ في إناءِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ»، والأحادِيثُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ. وَأمّا لُبْسُ الحَرِيرِ والدِّيباجِ الَّذِي هو نَوْعٌ مِنَ الحَرِيرِ: فَعَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (p-٣٥١)قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ ولا الدِّيباجَ، ولا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ فَإنَّها لَهم في الدُّنْيا ولَكم في الآخِرَةِ»، أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وباقِي الجَماعَةِ. وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإنَّ مَن لَبِسَهُ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا فَلَنْ يَلْبَسَهُ في الآخِرَةِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا. والأحادِيثُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَأمّا لُبْسُ الذَّهَبِ: فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما مِن حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهاهم عَنْ خاتَمِ الذَّهَبِ»، قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا آدَمُ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنا أشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، قالَ: سَمِعْتُ مُعاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقْرِنٍ، قالَ: سَمِعْتُ البَراءَ بْنَ عازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يَقُولُ: ”نَهانا «النَّبِيُّ ﷺ عَنْ سَبْعٍ: نَهى عَنْ خاتَمِ الذَّهَبِ - أوْ قالَ حَلْقَةِ الذَّهَبِ -، وعَنِ الحَرِيرِ، والإسْتَبْرَقِ، والدِّيباجِ، والمِيثَرَةِ الحَمْراءِ، والقِسِّيِّ، وآنِيَةِ الفِضَّةِ، وأمَرَنا بِسَبْعٍ: بِعِيادَةِ المَرِيضِ، واتِّباعِ الجَنائِزِ، وتَشْمِيتِ العاطِسِ، ورَدِّ السَّلامِ، وإجابَةِ الدّاعِي، وإبْرارِ المُقْسِمِ، ونَصْرِ المَظْلُومِ»“، ولَفْظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ قَرِيبٌ مِنهُ، إلّا أنَّ مُسْلِمًا قَدَّمَ السَّبْعَ المَأْمُورَ بِها عَلى السَّبْعِ المَنهِيِّ عَنْها. وقالَ في حَدِيثِهِ: «وَنَهانا عَنْ خَواتِيمَ، أوْ عَنْ تَخَتُّمٍ بِالذَّهَبِ»، وهَذا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ لُبْسَ الذَّهَبِ لا يَحِلُّ لِلرِّجالِ؛ لِأنَّهُ إذا مَنَعَ الخاتَمَ مِنهُ فَغَيْرُهُ أوْلى، وهو كالمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، والأحادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. وَأمّا جَوازُ لُبْسِ النِّساءِ لِلْحَرِيرِ: فَلَهُ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ، مِنها: حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ حُلَّةً سِيَراءَ، فَبَعَثَ بِها إلَيَّ فَلَبِسْتُها فَعَرَفْتُ الغَضَبَ في وجْهِهِ، فَقالَ: ”إنِّي لَمْ أبْعَثْ بِها إلَيْكَ لِتَلْبَسَها، إنَّما بَعَثْتُ بِها إلَيْكَ لِتَشُقَّها خُمُرًا بَيْنَ نِسائِكَ»“، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ رَأى عَلى أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُرْدَ حُلَّةٍ سِيَراءَ. أخْرَجَهُ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وأبُو داوُدَ، والأحادِيثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وإباحَةُ الحَرِيرِ لِلنِّساءِ كالمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ. ومُخالَفَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في ذَلِكَ لا أثَرَ لَها؛ لِأنَّهُ مَحْجُوجٌ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، واتِّفاقِ عامَّةِ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ. وَأمّا جَوازُ لُبْسِ الذَّهَبِ لِلنِّساءِ: فَقَدْ ورَدَتْ فِيهِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. مِنها: ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحاهُ، والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ والحَرِيرُ لِلْإناثِ مِن أُمَّتِي، وحُرِّمَ عَلى ذُكُورِها»، وفي هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ؛ لِأنَّ راوِيَهُ عَنْ أبِي مُوسى وهو سَعِيدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ، قالَ (p-٣٥٢)بَعْضُ العُلَماءِ: لَمْ يَسْمَعْ مِن أبِي مُوسى. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ فالحَدِيثُ حُجَّةٌ؛ لِأنَّهُ مُرْسَلٌ مُعْتَضِدٌ بِأحادِيثَ كَثِيرَةٍ، مِنها ما هو حَسَنٌ، ومِنها ما إسْنادُهُ مُقارِبٌ، كَما بَيَّنَهُ الحافِظُ في التَّلْخِيصِ وبِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قالَ البَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في سُنَنِهِ الكُبْرى، ”بابُ سِياقِ أخْبارٍ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ“، وساقَ أحادِيثَ في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ”بابُ سِياقِ أخْبارٍ تَدُلُّ عَلى إباحَتِهِ لِلنِّساءِ“، ثُمَّ ساقَ في ذَلِكَ أحادِيثَ، وذَكَرَ مِنها حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِنْدٍ المَذْكُورَ عَنْ أبِي مُوسى، ثُمَّ قالَ: ورُوِّيناهُ مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وذَكَرَ مِنها أيْضًا حَدِيثَ عائِشَةَ قالَتْ: «قَدِمَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ حِلْيَةٌ مِن عِنْدِ النَّجاشِيِّ أهْداها لَهُ، فِيها خاتَمٌ مِن ذَهَبٍ، فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُودٍ مُعْرِضًا عَنْهُ أوْ بِبَعْضِ أصابِعِهِ، ثُمَّ دَعا أُمامَةَ بِنْتَ أبِي العاصِ بِنْتَ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ، فَقالَ: ”تَحَلِّي هَذا يا بُنَيَّةُ»“، وذَكَرَ مِنها أيْضًا حَدِيثَ بِنْتِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّها كانَتْ هي وأُخْتاها في حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ أباهُنَّ أوْصى إلَيْهِ بِهِنَّ، قالَتْ: فَكانَ ﷺ يُحَلِّينا بِالذَّهَبِ واللُّؤْلُؤِ» . وفي رِوايَةٍ: «يُحَلِّينا رِعاثًا مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ»، وفي رِوايَةٍ: «يُحَلِّينا التِّبْرَ واللُّؤْلُؤَ»، ثُمَّ قالَ البَيْهَقِيُّ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: قالَ أبُو عَمْرٍو: وواحِدُ الرِّعاثِ رُعْثَةٌ، ورُعَثَةٌ وهو القُرْطُ. ثُمَّ قالَ البَيْهَقِيُّ: فَهَذِهِ الأخْبارُ وما ورَدَ في مَعْناها تَدُلُّ عَلى إباحَةِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ لِلنِّساءِ، واسْتَدْلَلْنا بِحُصُولِ الإجْماعِ عَلى إباحَتِهِ لَهُنَّ عَلى نَسْخِ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى تَحْرِيمِهِ فِيهِنَّ خاصَّةً. وقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مُوافَقَةَ الإجْماعِ لِخَبَرِ الآحادِ تُصَيِّرُهُ قَطْعِيًّا لِاعْتِضادِهِ بِالقَطْعِيِّ، وهو الإجْماعُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في ”سُورَةِ التَّوْبَةِ“، واللَّهُ أعْلَمُ. فَتَحَصَّلَ أنَّهُ لا شَكَّ في تَحْرِيمِ لُبْسِ الذَّهَبِ والحَرِيرِ عَلى الرِّجالِ، وإباحَتِهِ لِلنِّساءِ. * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أمّا لُبْسُ الرِّجالِ خَواتِمَ الفِضَّةِ فَهو جائِزٌ بِلا شَكٍّ، وأدِلَّتُهُ مَعْرُوفَةٌ في السُّنَّةِ، ومِن أوْضَحِها خاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الفِضَّةِ المَنقُوشُ فِيهِ: ”مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ“، الَّذِي كانَ يَلْبَسُهُ بَعْدَهُ أبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمانُ. حَتّى سَقَطَ في بِئْرِ أرِيسَ كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ. أمّا لُبْسُ الرِّجالِ لِغَيْرِ الخاتَمِ مِنَ الفِضَّةِ فَفِيهِ خِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ، وسَنُوَضِّحُ هَذِهِ المَسْألَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ. اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ الرَّجُلَ إذا لَبِسَ مِنَ الفِضَّةِ مِثْلَ ما يَلْبَسُهُ النِّساءُ مِنَ الحُلِيِّ: كالخَلْخالِ، والسِّوارِ، والقُرْطِ، والقِلادَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في مَنعِهِ؛ لِأنَّهُ تَشَبُّهٌ (p-٣٥٣)بِالنِّساءِ، ومَن تَشَبَّهَ بِهِنَّ مِنَ الرِّجالِ فَهو مَلْعُونٌ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما مَرَّ آنِفًا. وكُلُّ مَن كانَ مَلْعُونًا عَلى لِسانِهِ ﷺ فَهو مَلْعُونٌ في كِتابِ اللَّهِ، كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ كَجَعْلِ الرَّجُلِ الفِضَّةَ في الثَّوْبِ، واسْتِعْمالِ الرَّجُلِ شَيْئًا مُحَلًّى بِأحَدِ النَّقْدَيْنِ؛ فَجَماهِيرُ العُلَماءِ مِنهُمُ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، مَعَ الإجْماعِ عَلى جَوازِ تَخَتُّمِ الرَّجُلِ بِخاتَمِ الفِضَّةِ. والِاخْتِلافُ في أشْياءَ: كالمِنطَقَةِ، وآلَةِ الحَرْبِ ونَحْوِهِ، والمُصْحَفِ. والِاتِّفاقُ عَلى جَعْلِ الأنْفِ مِنَ الذَّهَبِ ورَبْطِ الأسْنانِ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ. وسَنَذْكُرُ بَعْضَ النُّصُوصِ مِن فُرُوعِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ في ذَلِكَ. قالَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في مُخْتَصَرِهِ الَّذِي قالَ في تَرْجَمَتِهِ مُبَيِّنًا لِما بِهِ الفَتْوى ما نَصُّهُ: وحَرُمَ اسْتِعْمالُ ذَكَرٍ مُحَلًّى ولَوْ مِنطَقَةً وآلَةَ حَرْبٍ؛ إلّا السَّيْفَ والأنْفَ، ورَبْطَ سِنٍّ مُطْلَقًا، وخاتَمَ فِضَّةٍ؛ لا ما بَعْضُهُ ذَهَبٌ ولَوْ قَلَّ، وإناءَ نَقْدٍ واقْتِناؤُهُ وإنْ لِامْرَأةٍ. وفي المُغَشّى، والمُمَوَّهِ، والمُضَبَّبِ، وذِي الحَلْقَةِ، وإناءِ الجَوْهَرِ، قَوْلانِ. وجازَ لِلْمَرْأةِ المَلْبُوسُ مُطْلَقًا ولَوْ نَعْلًا لا كَسَرِيرٍ. انْتَهى الغَرَضُ مِن كَلامِ خَلِيلٍ مَعَ اخْتِلافٍ في بَعْضِ المَسائِلِ الَّتِي ذَكَرَها عِنْدَ المالِكِيَّةِ. وقالَ صاحِبُ تَبْيِينِ الحَقائِقِ في مَذْهَبِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ ما نَصُّهُ: ولا يَتَحَلّى الرَّجُلُ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ، إلّا بِالخاتَمِ والمِنطَقَةِ وحِلْيَةِ السَّيْفِ مِنَ الفِضَّةِ. اهـ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ: ”فَصْلٌ فِيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ الحُلِيِّ:“ فالذَّهَبُ أصْلُهُ عَلى التَّحْرِيمِ في حَقِّ الرِّجالِ، وعَلى الإباحَةِ لِلنِّساءِ - إلى أنْ قالَ: وأمّا الفِضَّةُ فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ التَّخَتُّمُ بِها، وهَلْ لَهُ ما سِوى الخاتَمِ مِن حُلِيِّ الفِضَّةِ: كالدُّمْلُجِ، والسِّوارِ، والطَّوْقِ، والتّاجِ؛ فِيهِ وجْهانِ. قَطَعَ الجُمْهُورُ بِالتَّحْرِيمِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ النَّوَوِيِّ. وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُقْنِعِ في مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ: ويُباحُ لِلرِّجالِ مِنَ الفِضَّةِ الخاتَمُ، وفي حِلْيَةِ المِنطَقَةِ رِوايَتانِ، وعَلى قِياسِها الجَوْشَنُ والخُوذَةُ والخُفُّ والرّانُ والحَمائِلُ. ومِنَ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ. ويُباحُ لِلنِّساءِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ كُلُّ ما جَرَتْ عادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ قَلَّ أوْ كَثُرَ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنَ المُقْنِعِ. فَقَدْ ظَهَرَ مِن هَذِهِ النُّقُولِ: أنَّ الأئِمَّةَ الأرْبَعَةَ في الجُمْلَةِ مُتَّفِقُونَ عَلى مَنعِ اسْتِعْمالِ المُحَلّى بِالذَّهَبِ أوِ الفِضَّةِ مِن ثَوْبٍ أوْ آلَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إلّا في أشْياءَ اسْتَثْنَوْها عَلى اخْتِلافٍ بَيْنَهم في بَعْضِها. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يُمْنَعُ لُبْسُ شَيْءٍ مِنَ الفِضَّةِ. واسْتَدَلَّ مَن قالَ بِهَذا بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمْ يَثْبُتْ فِيها تَحْرِيمٌ. قالَ صاحِبُ الإنْصافِ في شَرْحِ قَوْلِ صاحِبِ (p-٣٥٤)المُقْنِعِ: وعَلى قِياسِها الجَوْشَنُ والخُوذَةُ إلَخْ، ما نَصُّهُ: وقالَ صاحِبُ الفُرُوعِ فِيهِ: ولا أعْرِفُ عَلى تَحْرِيمِ الفِضَّةِ نَصًّا عَنْ أحْمَدَ. وكَلامُ شَيْخِنا يَدُلُّ عَلى إباحَةِ لُبْسِها لِلرِّجالِ، إلّا ما دَلَّ الشَّرْعُ عَلى تَحْرِيمِهِ - انْتَهى. وقالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أيْضًا: لُبْسُ الفِضَّةِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظٌ عامٌّ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ أنْ يُحَرِّمَ مِنهُ، إلّا ما قامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلى تَحْرِيمِهِ، فَإذا أباحَتِ السُّنَّةُ خاتَمَ الفِضَّةِ دَلَّ عَلى إباحَةِ ما في مَعْناهُ، وما هو أوْلى مِنهُ بِالإباحَةِ، وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَيَحْتاجُ إلى نَظَرٍ في تَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ، والتَّحْرِيمُ يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ، والأصْلُ عَدَمُهُ. ونَصَرَهُ صاحِبُ الفُرُوعِ، ورَدَّ جَمِيعَ ما اسْتَدَلَّ بِهِ الأصْحابُ. انْتَهى كَلامُ صاحِبِ الإنْصافِ. الأمْرُ الثّانِي: حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. قالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - عَنْ أسِيدِ بْنِ أبِي أسِيدٍ البَرّادِ، عَنْ نافِعِ بْنِ عَيّاشٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن أحَبَّ أنْ يُحَلِّقَ حَبِيبَهُ حَلْقَةً مِن نارٍ فَلْيُحَلِّقْهُ حَلْقَةً مِن ذَهَبٍ، ومَن أحَبَّ أنْ يُطَوِّقَ حَبِيبَهُ طَوْقًا مِن نارٍ فَلْيُطَوِّقْهُ طَوْقًا مِن ذَهَبٍ، ومَن أحَبَّ أنْ يُسَوِّرَ حَبِيبَهُ سِوارًا مِن نارٍ فَلْيُسَوِّرْهُ سِوارًا مِن ذَهَبٍ، ولَكِنْ عَلَيْكم بِالفِضَّةِ فالعَبُوا بِها» هَذا لَفْظُ أبِي داوُدَ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ هَذا الحَدِيثَ لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى إباحَةِ لُبْسِ الفِضَّةِ لِلرِّجالِ. ومَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذا الحَدِيثِ عَلى جَوازِ لُبْسِ الرِّجالِ لِلْفِضَّةِ فَقَدْ غَلِطَ؛ بَلْ مَعْنى الحَدِيثِ: أنَّ الذَّهَبَ كانَ حَرامًا عَلى النِّساءِ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى الرِّجالَ عَنْ تَحْلِيَةِ نِسائِهِمْ بِالذَّهَبِ، وقالَ لَهم: ”العَبُوا بِالفِضَّةِ“، أيْ: حَلُّوا نِساءَكم مِنها بِما شِئْتُمْ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نُسِخَ تَحْرِيمُ الذَّهَبِ عَلى النِّساءِ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا الَّذِي ذَكَرْنا أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّ الحَدِيثَ لَيْسَ في خِطابِ الرِّجالِ بِما يَلْبَسُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ؛ بَلْ بِما يُحَلُّونَ بِهِ أحْبابَهم، والمُرادُ نِساؤُهم؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ فِيهِ: «مَن أحَبَّ أنْ يُحَلِّقَ حَبِيبَهُ»، «أنْ يُطَوِّقَ حَبِيبَهُ»، «أنْ يُسَوِّرَ حَبِيبَهُ»، ولَمْ يَقُلْ: مَن أحَبَّ أنْ يُحَلِّقَ نَفْسَهُ، ولا أنْ يُطَوِّقَ نَفْسَهُ، ولا أنْ يُسَوِّرَ نَفْسَهُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ دَلالَةً واضِحَةً لا لَبْسَ فِيها عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ”فالعَبُوا بِها“، أيْ: حَلُّوا بِها أحْبابَكم كَيْفَ شِئْتُمْ؛ لِارْتِباطِ آخِرِ الكَلامِ بِأوَّلِهِ. الأمْرُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ مِن عادَةِ الرِّجالِ أنْ يَلْبَسُوا حِلَقَ الذَّهَبِ، ولا أنْ يَطَّوَّقُوا بِالذَّهَبِ، ولا يَتَسَوَّرُوا بِهِ في الغالِبِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ مَن شَأْنُهُ لُبْسُ الحَلْقَةِ (p-٣٥٥)والطَّوْقُ والسِّوارُ مِنَ الذَّهَبِ، وهُنَّ النِّساءُ بِلا شَكٍّ. الأمْرُ الثّالِثُ: أنَّ أبا داوُدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قالَ بَعْدَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ مُتَّصِلًا بِهِ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، ثَنا أبُو عَوانَةَ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِراشٍ، عَنِ امْرَأتِهِ، عَنْ أُخْتٍ لِحُذَيْفَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يا مَعْشَرَ النِّساءِ، أما لَكُنَّ في الفِضَّةِ ما تَحَلَّيْنَ بِهِ، أما إنَّهُ لَيْسَ مِنكُنَّ امْرَأةٌ تَحَلّى ذَهَبًا تُظْهِرُهُ إلّا عُذِّبَتْ بِهِ» . حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، ثِنًّا أبانُ بْنُ يَزِيدَ العَطّارُ، ثَنا يَحْيى أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ، حَدَّثَهُ أنَّ أسْماءَ بِنْتَ يَزِيدَ حَدَّثَتْهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أيُّما امْرَأةٍ تَقَلَّدَتْ قِلادَةً مِن ذَهَبٍ قُلِّدَتْ في عُنُقِها مِثْلَهُ مِنَ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأيُّما امْرَأةٍ جَعَلَتْ في أُذُنِها خُرْصًا مِن ذَهَبٍ جُعِلَ في أُذُنِها مِثْلَهُ مِنَ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ» . فَهَذانِ الحَدِيثانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالحَدِيثِ الأوَّلِ: مَنعُ الذَّهَبِ لِلنِّساءِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ”فالعَبُوا بِها“ مَعْناهُ: فَحَلُّوا نِساءَكم مِنَ الفِضَّةِ بِما شِئْتُمْ كَما هو صَرِيحٌ في الحَدِيثَيْنِ الأخِيرَيْنِ. وهَذا واضِحٌ جِدًّا كَما تَرى. وَيَدُلُّ لَهُ أنَّ الحافِظَ البَيْهَقِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ الأحادِيثَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها: ”وَعَلَيْكم بِالفِضَّةِ فالعَبُوا بِها“، في سِياقِ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى تَحْرِيمِ الذَّهَبِ عَلى النِّساءِ أوَّلًا دُونَ الفِضَّةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى النَّسْخِ، ثُمَّ قالَ: واسْتَدْلَلْنا بِحُصُولِ الإجْماعِ عَلى إباحَتِهِ لَهُنَّ عَلى نَسْخِ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى تَحْرِيمِهِ فِيهِنَّ خاصَّةً. واللَّهُ أعْلَمُ انْتَهى. وَمِن جُمْلَةِ تِلْكَ الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ، حَدِيثُ: ”فالعَبُوا بِها“، وهو واضِحٌ جِدًّا فِيما ذَكَرْنا. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ: «يُحَلِّقُ حَبِيبَهُ»، «أنْ يُطَوِّقَ حَبِيبَهُ»، «أنْ يُسَوِّرَ حَبِيبَهُ»، يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ذَكَرٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ الأُنْثى لَقالَ: حَبِيبَتَهُ بِتاءِ الفَرْقِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى. فالجَوابُ: أنَّ إطْلاقَ الحَبِيبِ عَلى الأُنْثى بِاعْتِبارِ إرادَةِ الشَّخْصِ الحَبِيبِ مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ لا إشْكالَ فِيهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ؎مَنَعَ النَّوْمَ بِالعِشاءِ الهُمُومُ وخَيالٌ إذا تَغارُ النُّجُومُ ؎مِن حَبِيبٍ أصابَ قَلْبَكَ مِنهُ سَقَمٌ ∗∗∗ فَهو داخِلٌ مَكْتُومٌ وَمُرادُهُ بِالحَبِيبِ أُنْثى؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: (p-٣٥٦) ؎لَمْ تَفُتْها شَمْسُ النَّهارِ بِشَيْءٍ ∗∗∗ غَيْرِ أنَّ الشَّبابَ لَيْسَ يَدُومُ وَقَوْلُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ: ؎لَئِنْ كانَ بَرْدُ الماءِ هَيْمانَ ∗∗∗ صادِيًا إلَيَّ حَبِيبًا إنَّها لَحَبِيبُ وَمِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، فَلا نُطِيلُ بِهِ الكَلامَ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا الله عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي مِن كِتابِ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ: أنَّ لُبْسَ الفِضَّةِ حَرامٌ عَلى الرِّجالِ، وأنَّ مَن لَبِسَها مِنهم في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْها في الآخِرَةِ. وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ البُخارِيَّ قالَ في صَحِيحِهِ في بابِ: ”لُبْسِ الحَرِيرِ لِلرِّجالِ وقَدْرِ ما يَجُوزُ مِنهُ“: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى، قالَ: «كانَ حُذَيْفَةُ بِالمَدائِنِ فاسْتَسْقى فَأتاهُ دِهْقانٌ بِماءٍ في إناءٍ مِن فِضَّةٍ، فَرَماهُ بِهِ، وقالَ: إنِّي لَمْ أرْمِهِ إلّا أنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”الذَّهَبُ والفِضَّةُ والحَرِيرُ والدِّيباجُ هي لَهم في الدُّنْيا، ولَكم في الآخِرَةِ»“، فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «الذَّهَبُ، والفِضَّةُ، والحَرِيرُ: والدِّيباجُ؛ هي لَهم في الدُّنْيا ولَكم في الآخِرَةِ»، يَدْخُلُ في عُمُومِهِ تَحْرِيمُ لُبْسِ الفِضَّةِ؛ لِأنَّ الثَّلاثَ المَذْكُوراتِ مَعَها يَحْرُمُ لُبْسُها بِلا خِلافٍ. وما شَمِلَهُ عُمُومُ نَصٍّ ظاهِرٍ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلّا بِنَصٍّ صالِحٍ لِلتَّخْصِيصِ؛ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ. فَإنْ قِيلَ: الحَدِيثُ وارِدٌ في الشُّرْبِ في إناءِ الفِضَّةِ لا في لُبْسِ الفِضَّةِ ؟ . فالجَوابُ: أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، لا سِيَّما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ في الحَدِيثِ ما لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ اللُّبْسِ: كالحَرِيرِ، والدِّيباجِ. فَإنْ قِيلَ: جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ ما يُفَسِّرُ هَذا، ويُبَيِّنُ أنَّ المُرادَ بِالفِضَّةِ الشُّرْبُ في آنِيَتِها لا لُبْسُها؛ قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ ”بابُ الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ“، حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى قالَ: «كانَ حُذَيْفَةُ بِالمَدائِنِ فاسْتَسْقى، فَأتاهُ دِهْقانٌ بِقَدَحِ فِضَّةٍ، فَرَماهُ بِهِ، فَقالَ: إنِّي لَمْ أرْمِهِ، إلّا أنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهانا عَنِ الحَرِيرِ والدِّيباجِ، والشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقالَ: ”هُنَّ لَهم في الدُّنْيا ولَكم في الآخِرَةِ»“، ”بابُ آنِيَةِ الفِضَّةِ“، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى، قالَ: خَرَجْنا مَعَ حُذَيْفَةَ وذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ والدِّيباجَ؛ فَإنَّها لَهم في الدُّنْيا (p-٣٥٧)وَلَكم في الآخِرَةِ»، انْتَهى. فَدَلَّ هَذا التَّفْصِيلُ - الَّذِي هو النَّهْيُ عَنِ الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والنَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ والدِّيباجِ -: عَلى أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ بِما في الرِّوايَةِ الأُولى، وإذَنْ فَلا حُجَّةَ في الحَدِيثِ عَلى مَنعِ لُبْسِ الفِضَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعَيَّنَ بِهاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ أنَّ المُرادَ الشُّرْبُ في آنِيَتِها لا لُبْسُها؛ لِأنَّ الحَدِيثَ حَدِيثٌ واحِدٌ. فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الرِّوايَةَ المُتَقَدِّمَةَ عامَّةٌ بِظاهِرِها في الشُّرْبِ واللُّبْسِ مَعًا، والرِّواياتُ المُقْتَصِرَةُ عَلى الشُّرْبِ في آنِيَتِها دُونَ اللُّبْسِ ذاكِرَةٌ بَعْضَ أفْرادِ العامِّ، ساكِتَةٌ عَنْ بَعْضِها. وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: ”أنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ بِحُكْمِ العامِّ لا يُخَصِّصُهُ“، وهو الحَقُّ كَما بَيَّنّاهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. وإلَيْهِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما لا يُخَصَّصُ بِهِ العُمُومُ عَلى الصَّحِيحِ: ؎وَذِكْرُ ما وافَقَهُ مِن مُفْرَدٍ ∗∗∗ ومَذْهَبُ الرّاوِي عَلى المُعْتَمَدِ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ التَّفْصِيلَ المَذْكُورَ لَوْ كانَ هو مُرادَ النَّبِيِّ ﷺ لَكانَ الذَّهَبُ لا يَحْرُمُ لُبْسُهُ، وإنَّما يَحْرُمُ الشُّرْبُ في آنِيَتِهِ فَقَطْ، كَما زَعَمَ مُدَّعِي ذَلِكَ التَّفْصِيلِ في الفِضَّةِ؛ لِأنَّ الرِّواياتِ الَّتِي فِيها التَّفْصِيلُ المَذْكُورُ: «لا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ»، فَظاهِرُها عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. ولُبْسُ الذَّهَبِ حَرامٌ إجْماعًا عَلى الرِّجالِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أقْواها، ولا يَنْبَغِي لِمَن فَهِمَهُ حَقَّ الفَهْمِ أنْ يَعْدِلَ عَنْهُ؛ لِظُهُورِ وجْهِهِ، هو: أنَّ هَذِهِ الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ في هَذا الحَدِيثِ، الَّتِي هي: الذَّهَبُ، والفِضَّةُ، والحَرِيرُ، والدِّيباجُ، صَرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّها لِلْكُفّارِ في الدُّنْيا، ولِلْمُسْلِمِينَ في الآخِرَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَنِ اسْتَمْتَعَ بِها مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَسْتَمْتِعْ بِها في الآخِرَةِ، وقَدْ صَرَّحَ - جَلَّ وعَلا - في كِتابِهِ العَزِيزِ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَمَتَّعُونَ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: الشَّرابُ في آنِيَتِهِما. والثّانِيَةُ: التَّحَلِّي بِهِما. وبَيَّنَ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ بِالحَرِيرِ والدِّيباجِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي لُبْسُها، وحُكْمُ الِاتِّكاءِ عَلَيْهِما داخِلٌ في حُكْمِ لُبْسِهِما. فَتَعَيَّنَ تَحْرِيمُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مِنَ الجِهَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ. وتَحْرِيمُ الحَرِيرِ والدِّيباجِ مِنَ الجِهَةِ الواحِدَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ الثّابِتِ في الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ في الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ: «هِيَ لَهم في الدُّنْيا، ولَكم في (p-٣٥٨)الآخِرَةِ»؛ لِأنَّهُ لَوْ أُبِيحَ التَّمَتُّعُ بِالفِضَّةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لَكانَ ذَلِكَ مُعارِضًا لِقَوْلِهِ ﷺ: «هِيَ لَهم في الدُّنْيا، ولَكم في الآخِرَةِ»، وسَنُوَضِّحُ ذَلِكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِن كِتابِ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - . اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ الدِّيباجَ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ في كِتابِ اللَّهِ بِالسُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ. فالسُّنْدُسُ: رَقِيقُ الدِّيباجِ. والإسْتَبْرَقُ: غَلِيظُهُ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - بَيَّنَ تَنَعُّمَ أهْلِ الجَنَّةِ بِلُبْسِ الذَّهَبِ والدِّيباجِ الَّذِي هو السُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ في ”سُورَةِ الكَهْفِ“، في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٣١]، فَمَن لَبِسَ الذَّهَبَ والدِّيباجَ في الدُّنْيا مُنِعَ مِن هَذا التَّنَعُّمِ بِهِما المَذْكُورِ في ”الكَهْفِ“ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - تَنَعُّمَ أهْلِ الجَنَّةِ بِلُبْسِ الحَرِيرِ والذَّهَبِ في ”سُورَةِ الحَجِّ“، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ . [الحج: ٢٣ - ٢٤] . وَبَيَّنَ أيْضًا تَنَعُّمَهم بِلُبْسِ الذَّهَبِ والحَرِيرِ في ”سُورَةِ فاطِرٍ“، في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ . الآيَةَ [فاطر: ٣٣، ٣٤]، فَمَن لَبِسَ الذَّهَبَ والحَرِيرَ في الدُّنْيا مُنِعَ مِن هَذا التَّنَعُّمِ بِهِما المَذْكُورِ في ”سُورَةِ الحَجِّ وفاطِرٍ“ . وَذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - تَنَعُّمَهم بِلُبْسِ الحَرِيرِ في ”سُورَةِ الإنْسانِ“، في قَوْلِهِ: ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢]، وفي ”الدُّخانِ“ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٥١ - ٥٣]، فَمَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا مُنِعَ مِن هَذا التَّنَعُّمِ بِهِ المَذْكُورِ في ”سُورَةِ الإنْسانِ والدُّخانِ“ . وَذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - تَنَعُّمَهم بِالِاتِّكاءِ عَلى الفُرُشِ الَّتِي بَطائِنُها ”مِن إسْتَبْرَقٍ“ في ”سُورَةِ الرَّحْمَنِ“، بِقَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ . الآيَةَ [الرحمن: ٥٤] . فَمَنِ اتَّكَأ عَلى الدِّيباجِ في الدُّنْيا مُنِعَ هَذا التَّنَعُّمَ المَذْكُورَ في ”سُورَةِ الرَّحْمَنِ“ . وَذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - تَنَعُّمَ أهْلِ الجَنَّةِ بِلُبْسِ الدِّيباجِ، الَّذِي هو السُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ ولُبْسِ (p-٣٥٩)الفِضَّةِ في ”سُورَةِ الإنْسانِ“ أيْضًا، في قَوْلِهِ: ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] . فَمَن لَبِسَ الدِّيباجَ أوِ الفِضَّةَ في الدُّنْيا مُنِعَ مِنَ التَّنَعُّمِ بِلُبْسِهِما المَذْكُورِ في ”سُورَةِ الإنْسانِ“؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «هِيَ لَهم في الدُّنْيا، ولَكم في الآخِرَةِ»، فَلَوْ أُبِيحَ لُبْسُ الفِضَّةِ في الدُّنْيا مَعَ قَوْلِهِ في نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿وَحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]؛ لَكانَ ذَلِكَ مُناقِضًا لِقَوْلِهِ ﷺ: «هِيَ لَهم في الدُّنْيا، ولَكم في الآخِرَةِ» . وَذَكَرَ تَنَعُّمَ أهْلِ الجَنَّةِ بِالشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ في ”سُورَةِ الزُّخْرُفِ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٧١]، فَمَن شَرِبَ في الدُّنْيا في أوانِي الذَّهَبِ مُنِعَ مِن هَذا التَّنَعُّمِ بِها المَذْكُورِ في ”الزُّخْرُفِ“ . وَذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - تَنَعُّمَ أهْلِ الجَنَّةِ بِالشُّرْبِ في آنِيَةِ الفِضَّةِ في ”سُورَةِ الإنْسانِ“، في قَوْلِهِ: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَ قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٨]، فَمَن شَرِبَ في آنِيَةِ الفِضَّةِ في الدُّنْيا مُنِعَ هَذا التَّنَعُّمَ بِها المَذْكُورَ في ”سُورَةِ الإنْسانِ“، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا المُصَنَّفِ دَلالَةُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ عَلى مَنعِ لُبْسِ الفِضَّةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * تبْبِيه. فَإنْ قِيلَ: عُمُومُ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ المَذْكُورِ الَّذِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ، وبَيانُ القُرْآنِ أنَّهُ شامِلٌ لِلُبْسِ الفِضَّةِ والشُّرْبِ فِيها، وقُلْتُمْ: إنَّ كَوْنَهُ وارِدًا في الشُّرْبِ في آنِيَةِ الفِضَّةِ لا يَجْعَلُهُ خاصًّا بِذَلِكَ؛ فَما الدَّلِيلُ في ذَلِكَ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ؟ قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أبِي عُثْمانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا أصابَ مِنِ امْرَأةٍ قُبْلَةً؛ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، قالَ الرَّجُلُ (p-٣٦٠)ألِيَ هَذِهِ ؟ قالَ: ”لِمَن عَمِلَ بِها مِن أُمَّتِي»“ اهـ، هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في التَّفْسِيرِ في ”سُورَةِ هُودٍ“، وفي رِوايَةٍ في الصَّحِيحِ، قالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» اهـ. فَهَذا الَّذِي أصابَ القُبْلَةَ مِنَ المَرْأةِ نَزَلَتْ في خُصُوصِهِ آيَةٌ عامَّةُ اللَّفْظِ، فَقالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألِيَ هَذِهِ ؟ ومَعْنى ذَلِكَ: هَلِ النَّصُّ خاصٌّ بِي لِأنِّي سَبَبُ وُرُودِهِ ؟ أوْ هو عَلى عُمُومِ لَفْظِهِ ؟ وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي» مَعْناهُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ لَفْظِ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾، لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ؟ وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَتَرى الفُلْكَ﴾ [النحل: ١٤]، أيْ: السُّفُنَ، وقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ: ”الفُلْكَ“ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَمْعِ، وأنَّهُ إنْ أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ ذُكِّرَ، وإنْ أُطْلِقَ عَلى الجَمْعِ أُنِّثَ، فَأطْلَقَهُ عَلى المُفْرَدِ مُذَكَّرًا في قَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١، ٤٢]، وأطْلَقَهُ عَلى الجَمْعِ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقَوْلِهِ: مَواخِرَ [النحل: ١٤]، جَمْعُ ماخِرَةٍ، وهو اسْمُ فاعِلٍ، مَخَرَتِ السَّفِينَةُ تَمْخَرُ - بِالفَتْحِ - وتَمْخُرُ - بِالضَّمِّ - مَخْرًا ومُخُورًا: جَرَتْ في البَحْرِ تَشُقُّ الماءَ مَعَ صَوْتٍ. وقِيلَ: اسْتَقْبَلَتِ الرِّيحَ في جَرْيَتِها. والأظْهَرُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤]، أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، ولَعَلَّ هُنا لِلتَّعْلِيلِ كَما تَقَدَّمَ. والشُّكْرُ في الشَّرْعِ: يُطْلَقُ مِنَ العَبْدِ لِرَبِّهِ؛ كَقَوْلِهِ هُنا ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤]، وشُكْرُ العَبْدِ لِرَبِّهِ: هو اسْتِعْمالُهُ نِعَمَهُ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بِها في طاعَتِهِ. وأمّا مَن يَسْتَعِينُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلى مَعْصِيَتِهِ فَلَيْسَ مِنَ الشّاكِرِينَ؛ وإنَّما هو كَنُودٌ كَفُورٌ. وَشُكْرُ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ المَذْكُورِ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقَوْله ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]، هو أنْ يُثِيبَ عَبْدَهُ الثَّوابَ الجَزِيلَ مِنَ العَمَلِ القَلِيلِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أرْبَعَ نِعَمٍ مِن نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ، مُبَيِّنًا لَهم عَظِيمَ مِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ بِها: الأُولى: إلْقاؤُهُ الجِبالَ في الأرْضِ لِتَثْبُتَ ولا تَتَحَرَّكَ، وكَرَّرَ الِامْتِنانَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ في (p-٣٦١)القُرْآنِ • كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦ - ٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٣١]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]، • وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ الآيَةَ [لقمان: ١٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ [النازعات: ٣٢]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَمَعْنى تَمِيدُ: تَمِيلُ وتَضْطَرِبُ. وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ أنْ وجْهانِ مَعْرُوفانِ لِلْعُلَماءِ: أحَدُهُما: كَراهَةُ أنْ تَمِيدَ بِكم. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لِئَلّا تَمِيدَ بِكم؛ وهُما مُتَقارِبانِ. الثّانِيَةُ: إجْراؤُهُ الأنْهارَ في الأرْضِ المَذْكُورُ هُنا في قَوْلِهِ: وأنْهارًا [النحل: ١٥]، وكَرَّرَ تَعالى في القُرْآنِ الِامْتِنانَ بِتَفْجِيرِهِ الماءَ في الأرْضِ لِخَلْقِهِ: • كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ الآيَةَ [يس: ٣٤ - ٣٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. الثّالِثَةُ: جَعْلُهُ في الأرْضِ سُبُلًا يَسْلُكُها النّاسُ، ويَسِيرُونَ فِيها مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ في طَلَبِ حاجاتِهِمُ المَذْكُورِ هُنا في قَوْلِهِ: وسُبُلًا، وهو جَمْعُ سَبِيلٍ بِمَعْنى الطَّرِيقِ. وكَرَّرَ الِامْتِنانَ بِذَلِكَ في القُرْآنِ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١]، • وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ١٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ [طه: ٥٢، ٥٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ الآيَةَ [الملك: ١٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٩ - ١٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. الرّابِعَةُ: جَعْلُهُ العَلاماتِ لِبَنِي آدَمَ؛ لِيَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ المَذْكُورِ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، وقَدْ ذُكِرَ الِامْتِنانُ بِنَحْوِ ذَلِكَ في (p-٣٦٢)القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٧] .

النحل 16:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ بَيانُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعَيْنِ.

النحل 16:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ بَنِي آدَمَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إحْصاءِ نِعَمِ اللَّهِ لِكَثْرَتِها عَلَيْهِمْ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى تَقْصِيرِ بَنِي آدَمَ في شُكْرِ تِلْكَ النِّعَمِ، وأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِمَن تابَ مِنهم، ويَغْفِرُ لِمَن شاءَ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ذَلِكَ التَّقْصِيرَ في شُكْرِ النِّعَمِ. وبَيَّنَ هَذا المَفْهُومَ المُشارَ إلَيْهِ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] . بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ كُلَّ النِّعَمِ عَلى بَنِي آدَمَ مِنهُ - جَلَّ وعَلا -، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٥٣] . وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُفْرَدَ إذا كانَ اسْمَ جِنْسٍ وأُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، أنَّهُ يَعُمُّ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ؛ لِأنَّ: ”نِعْمَةَ اللَّهِ“ [النحل: ١٨] مُفْرَدٌ أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ فَعَمَّ النِّعَمَ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ مَراقِي السُّعُودِ عاطِفًا عَلى صِيَغِ العُمُومِ: أوْ بِإضافَةٍ إلى مُعَرَّفٍ إذا تَحَقَّقَ الخُصُوصُ قَدْ نُفِي.

النحل 16:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ إذا سُئِلُوا عَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وإنَّما هَذا الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، نَقَلَهُ مِن كُتُبِهِمْ. والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْ إسْطارَةٍ، وهي الشَّيْءُ المَسْطُورُ في كُتُبِ الأقْدَمِينَ مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ. أصْلُها مِن سَطَرَ: إذا كَتَبَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأساطِيرُ: التُّرَّهاتُ والأباطِيلُ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ: ماذا، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ذا“ مَوْصُولَةً و ”ما“ مُبْتَدَأً، وجُمْلَةُ ”أُنْزِلَ“ (p-٣٦٣)صِلَةُ المَوْصُولِ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهُما اسْمًا واحِدًا في مَحَلِّ نَصْبٍ، عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”أنْزَلَ“، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَمَثَلُ ماذا بَعْدُ ما اسْتِفْهامٍ أوْ مَن إذا لَمْ تَلْغُ في الكَلامِ وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - كَذِبَ الكُفّارِ في دَعْواهم: أنَّ القُرْآنَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦]، وبِقَوْلِهِ هُنا: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ٢٥] .

النحل 16:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ الَّذِينَ يَصْرِفُونَ النّاسَ عَنِ القُرْآنِ بِدَعْواهم أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، تَحَمَّلُوا أوْزارَهم - أيْ: ذُنُوبَهم - كامِلَةً، وبَعْضَ أوْزارِ أتْباعِهِمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم في الضَّلالِ؛ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّبْعِيضِ الَّذِي هو ”وَمِن“، في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٥] . وَقالَ القُرْطُبِيُّ: ”مَن“ لِبَيانِ الجِنْسِ؛ فَهم يَحْمِلُونَ مِثْلَ أوْزارِ مَن أضَلُّوهم كامِلَةً. وَأوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الزمر: ١٣]، واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِيَحْمِلُوا“ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، أيْ: قَدَّرْنا عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا في القُرْآنِ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ؛ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم. تَنْبِيهٌ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ تَحَمُّلِهِمْ بَعْضَ أوْزارِ غَيْرِهِمُ المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ١٣]، مَعَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨]، ويَقُولُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ويَقُولُ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤، ٢ - ١٤١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. (p-٣٦٤)فالجَوابُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ رُؤَساءَ الضَّلالِ وقادَتَهُ تَحَمَّلُوا وِزْرَيْنِ: أحَدُهُما: وِزْرُ ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ. والثّانِي: وِزْرُ إضْلالِهِمْ غَيْرَهم؛ لِأنَّ مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها، لا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا. وإنَّما أُخِذَ بِعَمَلِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي سَنَّهُ وتَسَبَّبَ فِيهِ، فَعُوقِبَ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ؛ لِأنَّهُ مِن فِعْلِهِ، فَصارَ غَيْرَ مُنافٍ لِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ الآيَةَ [فاطر: ١٨] . وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُوسى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وأبِي الضُّحى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلالٍ العَبْسِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «جاءَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمُ الصُّوفُ، فَرَأى سُوءَ حالِهِمْ، قَدْ أصابَتْهم حاجَةٌ فَحَثَّ النّاسَ عَلى الصَّدَقَةِ، فَأبْطَؤُوا عَنْهُ حَتّى رُؤِيَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، قالَ: ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ جاءَ بِصُرَّةٍ مِن ورَقٍ، ثُمَّ جاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتابَعُوا حَتّى عُرِفَ السُّرُورُ في وجْهِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”مَن سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِها بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ مَن عَمِلَ بِها ولا يَنْقُصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. ومَن سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِها بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَن عَمِلَ بِها ولا يَنْقُصُ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ»“ اه. أخْرَجَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ هَذا الحَدِيثَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وأخْرَجَهُ نَحْوَهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ لا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا " . ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ لا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِن آثامِهِمْ شَيْئًا» اه. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلى رَفْعِ الإشْكالِ بَيْنَ الآياتِ، كَما تَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ حَسَناتِ هَذِهِ الأُمَّةِ في صَحِيفَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَهُ مَثَلُ أُجُورِ جَمِيعِهِمْ؛ لِأنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ - هو الَّذِي سَنَّ لَهُمُ السُّنَنَ الحَسَنَةَ جَمِيعَها في الإسْلامِ، نَرْجُو اللَّهَ لَهُ الوَسِيلَةَ والدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وأنْ يُصَلِّيَ ويُسَلِّمَ عَلَيْهِ أتَمَّ صَلاةٍ وأزْكى سَلامٍ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ غَيْرُ مَعْذُورٍ بَعْدَ إبْلاغِ الرُّسُلِ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ، الَّذِي لا لُبْسَ مَعَهُ في الحَقِّ، ولَوْ كانَ يَظُنُّ أنَّ (p-٣٦٥)كَفْرَهُ هُدًى؛ لِأنَّهُ ما مَنَعَهُ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ مَعَ ظُهُورِهِ إلّا شِدَّةُ التَّعَصُّبِ لِلْكُفْرِ، كَما قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ في ”الأعْرافِ“؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، وحَمْلُهم أوْزارَهم هو اكْتِسابُهُمُ الإثْمَ الَّذِي هو سَبَبُ تَرَدِّيهِمْ في النّارِ، أعاذَنا اللَّهُ والمُسْلِمِينَ مِنها. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى حَمْلِهِمْ أوْزارَهم: أنَّ الواحِدَ مِنهم عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن قَبْرِهِ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْتَقْبِلُهُ شَيْءٌ كَأقْبَحِ صُورَةٍ، وأنْتَنِها رِيحًا؛ فَيَقُولُ: مَن أنْتَ ؟ فَيَقُولُ: أوْ ما تَعْرِفُنِي ! فَيَقُولُ: لا ولِلَّهِ، إلّا أنَّ اللَّهَ قَبَّحَ وجْهَكَ ! أنْتَنَ رِيحَكَ ! فَيَقُولُ أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ، كُنْتَ في الدُّنْيا خَبِيثَ العَمَلِ مُنْتِنَهُ فَطالَما رَكِبْتَنِي في الدُّنْيا ! هَلُمَّ أرْكَبُكَ اليَوْمَ؛ فَيَرْكَبُ عَلى ظَهْرِهِ اه. وَقَوْلُهُ ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، (ساءَ) فِعْلٌ جامِدٌ؛ لِإنْشاءِ الذَّمِّ بِمَعْنى بِئْسَ، و (ما)، فِيها الوَجْهانِ المُشارُ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎وَما مُمَيَّزٌ وقِيلَ فاعِلٌ في نَحْوِ نَعَمْ يَقُولُ الفاضِلُ وَقَوْلُهُ (يَزِرُونَ)، أيْ: يَحْمِلُونَ، وقالَ قَتادَةُ: يَعْمَلُونَ. اه. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّحْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الضّالِّينَ يَحْمِلُونَ أوْزارَهم كامِلَةً، ويَحْمِلُونَ أيْضًا مِن أوْزارِ الأتْباعِ الَّذِينَ أضَلُّوهم. وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْمِلُ أحَدٌ وِزْرَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . والجَوابُ أنَّ هَؤُلاءِ الضّالِّينَ ما حَمَلُوا إلّا أوْزارَ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهم تَحَمَّلُوا وِزْرَ الضَّلالِ ووِزْرَ الإضْلالِ. فَمَنَّ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها، ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا، لِأنَّ تَشْرِيعَهُ لَها لِغَيْرِهِ ذَنْبٌ مِن ذُنُوبِهِ فَأُخِذَ بِهِ. وَبِهَذا يَزُولُ الإشْكالُ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ١٣] .

النحل 16:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ كُفّارِ مَكَّةَ قَدْ مَكَرُوا. وبَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] . وَبَيَّنَ بَعْضَ مَكْرِ كَفّارِ مَكَّةَ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٠] . وَذَكَرَ بَعْضَ مَكْرِ اليَهُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] . وَبَيَّنَ بَعْضَ مَكْرِ قَوْمِ صالِحٍ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٥٠، ٥١] . وَذَكَرَ بَعْضَ مَكْرِ قَوْمِ نُوحٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا وقالُوا لا تَذَرُنَّ (p-٣٦٦)آلِهَتَكُمُ﴾ الآيَةَ [نوح: ٢٢ - ٢٣] . وَبَيَّنَ مَكْرَ رُؤَساءِ الكُفّارِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣٣]، والمَكْرُ: إظْهارُ الطَّيِّبِ وإبْطانُ الخَبِيثِ، وهو الخَدِيعَةُ. وقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ المَكْرَ السَّيِّئَ لا يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إلّا عَلى فاعِلِهِ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِّنَ القَواعِدِ﴾، أيِ: اجْتَثَّهُ مِن أصْلِهِ واقْتَلَعَهُ مِن أساسِهِ؛ فَأبْطَلَ عَمَلَهم وأسْقَطَ بُنْيانَهم. وهَذا الَّذِي فُعِلَ بِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ هم نُمْرُوذٌ وقَوْمُهُ - كَما قَدَّمْنا في ”سُورَةِ الحِجْرِ“ - فَعَلَ مِثْلَهُ أيْضًا بِغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ. فَأبْطَلَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ويُدَبِّرُونَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقَوْلُهُ ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النحل 16:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾، أيْ: يَفْضَحُهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ويُهِينُهم بِإظْهارِ فَضائِحَهم، وما كانَتْ تَجْنِهِ ضَمائِرُهم، فَيَجْعَلُهُ عَلانِيَةً. وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩ - ١٠]، أيْ: أظْهَرَ عَلانِيَةً ما كانَتْ تُكِنُّهُ الصُّدُورُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] . وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مَن أُدْخِلَ النّارَ فَقَدْ نالَهُ هَذا الخِزْيُ المَذْكُورُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”هُودٍ“ إيضاحَ مَعْنى الخِزْيِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يَسْألُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ سُؤالَ تَوْبِيخٍ، فَيَقُولُ لَهم: أيْنَ المَعْبُوداتُ الَّتِي كُنْتُمْ تُخاصِمُونَ رُسُلِي وأتْباعَهم بِسَبَبِها، قائِلِينَ: إنَّكم لا بُدَّ لَكم أنْ تُشْرِكُوها مَعِي في عِبادَتِي ؟ وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢، ٢٨ \ ٧٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (p-٣٦٧)مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ الآيَةَ [غافر: ٧٣ - ٧٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ: شُرَكائِيَ [النحل: ٢٧]، بِالهَمْزَةِ وياءِ المُتَكَلِّمِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن رِوايَةِ البِزِّي أنَّهُ قَرَأ ”شُرَكايَ“، بِياءِ المُتَكَلِّمِ دُونَ هَمْزٍ، ولَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ القِراءَةُ. وَقَرَأ الجُمْهُورُ: تُشاقُّونَ [النحل: ٢٧]، بِنُونِ الرَّفْعِ مَفْتُوحَةً مَعَ حَذْفِ المَفْعُولِ. وَقَرَأ نافِعٌ: ”تُشاقُّونِ“ بِكَسْرِ النُّونِ الخَفِيفَةِ الَّتِي هي نُونُ الوِقايَةِ، والمَفْعُولُ بِهِ ياءُ المُتَكَلِّمِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِالكَسْرَةِ مَعَ حَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ؛ لِجَوازِ حَذْفِها مِن غَيْرِ ناصِبٍ ولا جازِمٍ إذا اجْتَمَعَتْ مَعَ نُونِ الوِقايَةِ، كَما تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ في ”سُورَةِ الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَي﴾ [الحجر: ٥٤] .

النحل 16:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾، أيْ: الِاسْتِسْلامَ والخُضُوعَ. والمَعْنى: أظْهَرُوا كَمالَ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وتَرَكُوا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّقاقِ. وذَلِكَ عِنْدَما يُعايِنُونَ المَوْتَ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ. يَعْنِي: أنَّهم في الدُّنْيا يُشاقُّونَ الرُّسُلَ، أيْ: يُخالِفُونَهم ويُعادُونَهم، فَإذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ ألْقَوُا السَّلَمَ، أيْ: خَضَعُوا واسْتَسْلَمُوا وانْقادُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ. وَمِمّا يَدُلُّ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ المُرادَ بِإلْقاءِ السَّلَمِ: الخُضُوعُ والِاسْتِسَلامُ، قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ بِلا ألِفٍ بَعْدَ اللّامِ. بِمَعْنى الِانْقِيادِ والإذْعانِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩١] . والقَوْلُ بِأنَّ السَّلَمَ في الآيَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ: الصُّلْحُ والمُهادَنَةُ لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ المُصالِحَ مُنْقادٌ مُذْعِنٌ لِما وافَقَ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ السُّوءِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، فَكُلُّهُ بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ. والِانْقِيادُ عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ لا يَنْفَعُ، كَما قَدَّمْنا، وكَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٨]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ الآيَةَ [غافر: ٨٥] (p-٣٦٨)وَقَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ في حالِ كَوْنِهِمْ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ إذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ ألْقَوُا السَّلَمَ، وقالُوا: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، فَقَوْلُهُ ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾، مَعْمُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ بِلا خِلافٍ. والمَعْنى: أنَّهم يُنْكِرُونَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ السُّوءِ، وهو الكُفْرُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ والمَعاصِي. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ كَذِبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨] . وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهم يُنْكِرُونَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما ذَكَرَ هُنا. وبَيَّنَ كَذِبَهم في ذَلِكَ أيْضًا؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٣ - ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ﴾ [غافر: ٧٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]، أيْ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَمَسُّونا بِسُوءٍ؛ لِأنّا لَمْ نَفْعَلْ ما نَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ هُنا: ”بَلى“ [النحل: ٢٨]، تَكْذِيبٌ لَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ . تَنْبِيهٌ. لَفْظَةُ: ”بَلى“ لا تَأْتِي في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ إلّا لِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ، لا ثالِثَ لَهُما: الأوَّلُ: أنْ تَأْتِيَ لِإبْطالِ نَفْيٍ سابِقٍ في الكَلامِ، فَهي نَقِيضَةُ ”لا“؛ لِأنَّ ”لا“ لِنَفْيِ الإثْباتِ، و ”بَلى“، لِنَفْيِ النَّفْيِ؛ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، فَهَذا النَّفْيُ نَفَتْهُ لَفْظَةُ ”بَلى“، أيْ: كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ السُّوءَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وكَقَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ (p-٣٦٩)إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، فَإنَّهُ نَفى هَذا النَّفْيَ بِقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١٢]، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ جَوابًا لِاسْتِفْهامٍ مُقْتَرِنٍ بِنَفْيٍ خاصَّةً؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى﴾ [يس: ٨١]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى﴾ [غافر: ٥٠]، وهَذا أيْضًا كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ. أمّا إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِنَفْيٍ فَجَوابُهُ بِ ”، نَعَمْ“ لا بِـ ”، بَلى“، وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ المُقْتَرِنِ بِنَفْيٍ و ”نَعَمْ“ مَسْمُوعٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ؛ كَقَوْلِهِ: ؎ألَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو وإيّانا فَذاكَ لَنا تَدانِي نَعَمْ ؎وَتَرى الهِلالَ كَما أراهُ ∗∗∗ ويَعْلُوها النَّهارُ كَما عَلانِي فالمَحَلُّ لِـ ”بَلى“ لا لِـ ”نَعَمْ“ في هَذا البَيْتِ. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَكْتُمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، ونَحْوِ ذَلِكَ. مَعَ أنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأنَّهم لا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . فالجَوابُ: هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّهم يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ: ”واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ“؛ فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، فالكَتْمُ بِاعْتِبارِ النُّطْقِ بِالجُحُودِ وبِالألْسِنَةِ، وعَدَمُ الكَتْمِ بِاعْتِبارِ شَهادَةِ أعْضائِهِمْ عَلَيْهِمْ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا عَدَدَ أبْوابِها، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في ”سُورَةِ الحِجْرِ“ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، أرْجُو اللَّهَ أنْ يُعِيذَنا وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها ومِن جَمِيعِ أبْوابِها؛ إنَّهُ رَحِيمٌ كَرِيمٌ.

النحل 16:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُتَّقِينَ إذا سُئِلُوا عَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ، قالُوا: أنْزَلَ عَلَيْهِ خَيْرًا؛ أيْ: رَحْمَةً وهُدًى وبَرَكَةً لِمَنِ اتَّبَعَهُ وآمَنَ بِهِ. ويُفْهَمُ مِن صِفَةِ أهْلِ هَذا الجَوابِ (p-٣٧٠)بِكَوْنِهِمْ مُتَّقِينَ - أنَّ غَيْرَ المُتَّقِينَ يُجِيبُونَ جَوابًا غَيْرَ هَذا. وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِهَذا المَفْهُومِ في قَوْلِهِ عَنْ غَيْرِ المُتَّقِينَ وهُمُ الكُفّارُ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، كَما تَقَدَّمَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن أحْسَنَ عَمَلَهُ في هَذِهِ الدّارِ الَّتِي هي الدُّنْيا كانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الجَزاءُ الحَسَنُ في الآخِرَةِ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾ الآيَةَ [يونس: ٢٦]، والحُسْنى: الجَنَّةُ. والزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ. • وقَوْلِهِ: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١]، • وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ [القصص: ٨٤]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: حَسَنَةٌ، أيْ: مُجازاةٌ حَسَنَةٌ بِالجَنَّةِ ونَعِيمِها. والآياتُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ دارَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن دارِ الدُّنْيا. وكَرَّرَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾، • وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤ - ١٥]، وقَوْلُهُ، خَيْرٌ [النحل: ٣٠]، صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، حُذِفَتْ هَمْزَتُها؛ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ تَخْفِيفًا. وَإلَيْهِ أشارَ ابْنُ مالِكٍ في الكافِيَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَغالِبًا أغْناهُمُ خَيْرٌ وشَرْ عَنْ قَوْلِهِمْ أخْيَرُ مِنهُ وأشَرْ وَإنَّما قِيلَ لِتِلْكَ الدّارِ: الدّارُ الآخِرَةُ؛ لِأنَّها هي آخِرُ المَنازِلِ، فَلا انْتِقالَ عَنْها البَتَّةَ إلى دارٍ أُخْرى. والإنْسانُ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها يَنْتَقِلُ مِن مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ. فَأوَّلُ ابْتِدائِهِ مِنَ التُّرابِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِن أصْلِ التُّرابِ إلى أصْلِ النُّطْفَةِ، ثُمَّ إلى العَلَقَةِ، ثُمَّ إلى المُضْغَةِ، ثُمَّ إلى العِظامِ، ثُمَّ (p-٣٧١)كَسا اللَّهُ العِظامَ لَحْمًا، وأنْشَأها خَلْقًا آخَرَ، وأخْرَجَهُ لِلْعالَمِ في هَذِهِ الدّارِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى القَبْرِ، ثُمَّ إلى المَحْشَرِ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ [الزلزلة: ٦]، فَسالِكٌ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، وسالِكٌ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦] . فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ - فَعِنْدَ ذَلِكَ تُلْقى عَصا التَّسْيارِ، ويُذْبَحُ المَوْتُ، ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويَبْقى ذَلِكَ دائِمًا لا انْقِطاعَ لَهُ، ولا تَحَوُّلَ عَنْهُ إلى مَحَلٍّ آخَرَ. فَهَذا مَعْنى وصْفِها بِالآخِرَةِ؛ كَما أوْضَحَهُ - جَلَّ وعَلا - بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦] . تَنْبِيهٌ. أضافَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الدّارَ إلى الآخِرَةِ، مَعَ أنَّ الدّارَ هي الآخِرَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٠]، بِتَعْرِيفِ الدّارِ ونَعْتِها بِالآخِرَةِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. وعَلى مُقْتَضى قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ: ؎وَلا يُضافُ اسْمٌ لِما بِهِ اتَّحَدْ ∗∗∗ مَعْنًى وأوِّلْ مُوهِمًا إذا ورَدْ فَإنَّ لَفْظَ ”الدّارِ“ يُؤَوَّلُ بِمُسَمّى الآخِرَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في كِتابِنا (دَفْعَ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في ”سُورَةِ فاطِرٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ”وَمَكْرَ السَّيِّئِ“ [فاطر: ٤٣]: أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّ إضافَةَ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ - أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ؛ لِتَنْزِيلِ التَّغايُرِ في اللَّفْظِ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ في المَعْنى. وبَيَّنّا كَثْرَتَهُ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾، مَدَحَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - دارَ المُتَّقِينَ الَّتِي هي الجَنَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ لِأنَّ ”نِعْمَ“، فِعْلٌ جامِدٌ لِإنْشاءِ المَدْحِ. وكَرَّرَ الثَّناءَ عَلَيْها في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ لِأنَّ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. كَما (p-٣٧٢)قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٧]، وقالَ: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

النحل 16:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُتَّقِينَ يَدْخُلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ جَنّاتِ عَدْنٍ. والعَدْنُ في لُغَةِ العَرَبِ: الإقامَةُ. فَمَعْنى ”جَنّاتُ عَدْنٍ“: جَنّاتُ إقامَةٍ في النَّعِيمِ، لا يَرْحَلُونَ عَنْها، ولا يَتَحَوَّلُونَ. وَبَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ: أنَّهم مُقِيمُونَ في الجَنَّةِ عَلى الدَّوامِ، كَما أشارَ لَهُ هُنا بِلَفْظَةِ ”عَدْنٍ“، • كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣٥]، والمُقامَةُ: الإقامَةُ. وقَدْ تَقَرَّرَ في التَّصْرِيفِ: أنَّ الفِعْلَ إذا زادَ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ فالمَصْدَرُ المِيمِيُّ مِنهُ، واسْمُ الزَّمانِ، واسْمُ المَكانِ كُلُّها بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ. • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١]، عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِضَمِّ المِيمِ مِنَ الإقامَةِ. • وقَوْلِهِ: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٢ - ٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [النحل: ٣١] . بَيَّنَ أنْواعَ تِلْكَ الأنْهارِ في قَوْلِهِ: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، إلى قَوْلِهِ ﴿مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ [النحل: ٣١]، أوْضَحَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، • وقَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾، • وقَوْلِهِ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣١ - ٣٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١] . يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْوى اللَّهِ هو السَّبَبُ الَّذِي بِهِ تُنالُ الجَنَّةُ. وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ (p-٣٧٣)[الحجر: ٤٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النحل 16:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُتَّقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَمْتَثِلُونَ أوامِرَ رَبِّهِمْ، ويَجْتَنِبُونَ نَواهِيَهُ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ؛ أيْ: يَقْبِضُونَ أرْواحَهم في حالِ كَوْنِهِمْ طَيِّبِينَ، أيْ: طاهِرِينَ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي - عَلى أصَحِّ التَّفْسِيراتِ - ويُبَشِّرُونَهم بِالجَنَّةِ، ويُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ. وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، والبِشارَةُ عِنْدَ المَوْتِ، وعِنْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ مِن بابٍ واحِدٍ؛ لِأنَّها بِشارَةٌ بِالخَيْرِ بَعْدَ الِانْتِقالِ إلى الآخِرَةِ. ويُفْهَمُ مِن صِفاتٍ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ، ويَقُولُونَ لَهم: سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخَلُوا الجَنَّةَ - أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِالتَّقْوى لَمْ تَتَوَفَّهُمُ المَلائِكَةُ عَلى تِلْكَ الحالِ الكَرِيمَةِ، ولَمْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، ولَمْ تُبَشِّرْهم. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا المَفْهُومَ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾، إلى قَوْلِهِ ﴿وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٥٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلِهِ: ﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]، وقَوْلِهِ: ﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢]، قَرَأهُما عامَّةُ القُرّاءِ غَيْرَ حَمْزَةَ: ”تَتَوَفّاهم“ بِتاءَيْنِ فَوْقِيَّتَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ ”يَتَوَفّاهم“ بِالياءِ في المَوْضِعَيْنِ. تَنْبِيهٌ. أسْنَدَ هُنا - جَلَّ وعَلا - التَّوَفِّيَ لِلْمَلائِكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٢] (p-٣٧٤)وَأسْنَدَهُ في ”السَّجْدَةِ“، لِمَلَكِ المَوْتِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، وأسْنَدَهُ في ”الزُّمَرِ“ إلى نَفْسِهِ - جَلَّ وعَلا - في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ الآيَةَ [الزمر: ٤٢]، وقَدْ بَيَّنّا في كِتابِنا (دَفْعَ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”السَّجْدَةِ“: أنَّهُ لا مُعارَضَةَ بَيْنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ، فَإسْنادُهُ التَّوَفِّي لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَمُوتُ أحَدٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وأسْنَدَهُ لِمَلَكِ المَوْتِ؛ لِأنَّهُ هو المَأْمُورُ بِقَبْضِ الأرْواحِ، وأسْنَدَهُ إلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ لِمَلَكِ المَوْتِ أعْوانًا مِنَ المَلائِكَةِ يَنْزِعُونَ الرُّوحَ مِنَ الجَسَدِ إلى الحُلْقُومِ فَيَأْخُذُها مَلَكُ المَوْتِ، كَما قالَهُ بَعْضُ العُلَماءِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ بَعَثَ في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، واجْتِنابِ عِبادَةِ ما سِواهُ. وَهَذا هو مَعْنى ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“؛ لِأنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن نَفْيٍ وإثْباتٍ، فَنَفْيُها هو خَلْعُ جَمِيعِ المَعْبُوداتِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ، وإثْباتُها هو إفْرادُهُ - جَلَّ وعَلا - بِجَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ بِإخْلاصٍ، عَلى الوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ - . وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى كَثِيرًا في القُرْآنِ عَنْ طَرِيقِ العُمُومِ والخُصُوصِ. فَمِنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ مَعَ عُمُومِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَمِنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ مَعَ الخُصُوصِ في إفْرادِ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. واعْلَمْ أنَّ كُلَّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَهو طاغُوتٌ، ولا تَنْفَعُ عِبادَةُ اللَّهِ إلّا بِشَرْطِ اجْتِنابِ عِبادَةِ ما سِواهُ؛ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ (p-٣٧٥)اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الأُمَمَ الَّتِي بَعَثَ فِيها الرُّسُلُ بِالتَّوْحِيدِ مِنهم سَعِيدٌ، ومِنهم شَقِيٌّ. فالسَّعِيدُ مِنهم: يَهْدِيهِ اللَّهُ إلى اتِّباعِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، والشَّقِيُّ مِنهم: يَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيُكَذِّبُ الرُّسُلَ، ويَكْفُرُ بِما جاءُوا بِهِ. فالدَّعْوَةُ إلى دِينِ الحَقِّ عامَّةٌ، والتَّوْفِيقُ لِلْهُدى خاصٌّ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، فَقَوْلُهُ: فَمِنهم [النحل: ٣٦]، أيْ: مِنَ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، وقَوْلِهِ: ﴿مَن هَدى اللَّهُ﴾، أيْ: وفَّقَهُ لِاتِّباعِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ الَّذِي هو رابِطُ الصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَمِنهم مَن هَداهُ اللَّهُ. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: والحَذْفُ عِنْدَهم كَثِيرٌ مِنجَلِي في عائِدٍ مُتَّصِلٍ إنِ انْتَصَبَ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ كَمَن نَرْجُو يَهَبُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]، أيْ: وجَبَتْ عَلَيْهِ ولَزِمَتْهُ؛ لِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن أنَّهُ يَصِيرُ إلى الشَّقاوَةِ. والمُرادُ بِالضَّلالَةِ: الذَّهابُ عَنْ طَرِيقِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النحل 16:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِّنْ نّاصِرِينَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ حِرْصَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ لا يَهْدِي مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ شَقِيٌّ. وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]، • وقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦] (p-٣٧٦) • وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِّ؛ ومَن ”يَهْدِي“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَوْلُهُ: مَن نائِبِ الفاعِلِ. والمَعْنى: أنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ لا يُهْدى، أيْ: لا هادِيَ لَهُ. وَقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدّالِّ، مَن ”يَهْدِي“، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَوْلُهُ: مَن، مَفْعُولٌ بِهِ لـِ يَهْدِي، والفاعِلُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ. وهي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فِيمَن سَبَقَتْ لَهُمُ الشَّقاوَةُ في عِلْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّ غَيْرَهم قَدْ يَكُونُ ضالًّا ثُمَّ يَهْدِيهِ اللَّهُ كَما هو مَعْرُوفٌ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ ما دامَ في إضْلالِهِ لَهُ؛ فَإنْ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ الضَّلالَةَ هَذِهِ فَلا مانِعَ مِن هُداهُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ حَلَفُوا جَهْدَ أيْمانِهِمْ - أيِ: اجْتَهَدُوا في الحَلِفِ - وغَلَّظُوا الأيْمانَ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ. وكَذَّبَهُمُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، وكَرَّرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ هَذا المَعْنى المَذْكُورَ هُنا مِن إنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ وتَكْذِيبِهِ لَهم في ذَلِكَ، • كَقَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ الآيَةَ [التغابن: ٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَوْلُهُ: بَلى [النحل: ٣٨]، نَفْيٌ لِنَفْيِهِمُ البَعْثَ كَما قَدَّمْنا. وقَوْلُهُ: وعْدًا، مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ ”بَلى“؛ لِأنَّ ”، بَلى“ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ قَوْلِهِمْ: لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ. ونَفْيُ هَذا النَّفْيِ إثْباتٌ، مَعْناهُ: لَتُبْعَثُنَّ. وهَذا البَعْثُ المَدْلُولُ عَلى إثْباتِهِ بِلَفْظَةِ: ”بَلى“ فِيهِ مَعْنى وعْدِ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيَكُونُ. فَقَوْلُهُ: وعْدًا [النحل: ٣٨] مُؤَكِّدٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ: حَقًّا مَصْدَرٌ أيْضًا، أيْ: وعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ وعْدًا، وحَقَّهُ حَقًّا، وهو (p-٣٧٧)مُؤَكِّدٌ أيْضًا لِما دَلَّتْ ”بَلى“، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل: ٣٩]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٩]، تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ”بَلى“، أيْ: يَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم. . إلَخْ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: لَهم عائِدٌ إلى مَن يَمُوتُ؛ لِأنَّهُ شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اللّامُ في المَوْضِعَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٣٦]، أيْ: بَعَثْناهُ لِيُبَيِّنَ لَهم. . إلَخْ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنَّ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لا يَتَعاصى عَلى قُدْرَتِهِ شَيْءٌ، وإذْ يَقُولُ لِلشَّيْءِ: ”كُنْ“، فَيَكُونُ بِلا تَأْخِيرٍ. وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ لَمّا: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، ورَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَذِبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، بَيَّنَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ كُلَّما قالَ لِشَيْءٍ ”كُنْ“ كانَ. وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ في الرَّدِّ عَلى مَن قالَ: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] . وَبَيِّنَ أنَّهُ لا يَحْتاجُ أنْ يُكَرِّرَ قَوْلَهُ: ”كُنْ“، بَلْ إذا قالَ لِلشَّيْءِ ”كُنْ“ مَرَّةً واحِدَةً، كانَ في أسْرَعِ مِن لَمْحِ البَصَرِ، في قَوْلِهِ: ﴿وَما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٥٩]، وقالَ: ﴿خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَعَبَّرَ تَعالى عَنِ المُرادِ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِاسْمِ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ تَحَقُّقَ وُقُوعِهِ كالوُقُوعِ بِالفِعْلِ، فَلا تُنافِي الآيَةُ إطْلاقَ الشَّيْءِ عَلى خُصُوصِ المَوْجُودِ دُونَ المَعْدُومِ؛ لِأنَّهُ لَمّا سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وأنَّهُ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ كانَ تَحَقُّقُ وُقُوعِهِ بِمَنزِلَةِ وُقُوعِهِ؛ أوْ لِأنَّهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الشَّيْءِ بِاعْتِبارِ وجُودِهِ المُتَوَقَّعِ، كَتَسْمِيَةِ العَصِيرِ خَمْرًا في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، نَظَرًا إلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ في ثانِي حالٍ. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ”فَيَكُونُ“ [النحل: ٤٠]، بِفَتْحِ النُّونِ مَنصُوبًا بِالعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: أنْ نَقُولَ. وقِيلَ: (p-٣٧٨)مَنصُوبٌ بِأنَّ المُضْمَرَةَ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ الأمْرِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهو يَكُونُ. ولَقَدْ أجادَ مَن قالَ: ؎إذا ما أرادَ اللَّهُ أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ قَوْلَةً فَيَكُونُ واللّامُ في قَوْلِهِ: ”لِشَيْءٍ“، وقَوْلِهِ: ”لَهُ“ لِلتَّبْلِيغِ. قالَهُ أبُو حَيّانَ.

النحل 16:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُّوحِي إلَيْهِمْ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ قَبْلَهُ ﷺ مِنَ الرُّسُلِ إلّا رِجالًا، أيْ: لا مَلائِكَةً. وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ اسْتَغْرَبُوا جِدًّا بَعْثَ اللَّهِ رُسُلًا مِنَ البَشَرِ، وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يُرْسِلَ بَشَرًا يَأْكُلُ الطَّعامَ، ويَمْشِي في الأسْواقِ؛ فَلَوْ كانَ مُرْسِلًا أحَدًا حَقًّا لَأرْسَلَ مَلائِكَةً كَما بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ [ق: ٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ الآيَةَ [التغابن: ٦]، • وقَوْلِهِ، ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ . . . الآيَةَ [القمر: ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: - ٣٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ كَثِيرَةٍ: أنَّ اللَّهَ ما أرْسَلَ لِبَنِي آدَمَ إلّا رُسُلًا مِنَ البَشَرِ، وهم رِجالٌ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، ويَمْشُونَ في الأسْواقِ، ويَتَزَوَّجُونَ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ البَشَرِ؛ • كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ الآيَةَ [النحل: ٤٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، (p-٣٧٩) • وَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُّوحِي إلَيْهِمْ فاسْئَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧، ٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ . . . الآيَةَ [الأحقاف: ٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ هَذا الحَرْفَ: ”يُوحى إلَيْهِمْ“ بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”نُوحِي إلَيْهِمْ“ [النحل: ٤٣]، بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في آخِرِ سُورَةِ ”يُوسُفَ“: ﴿إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وأوَّلِ ”الأنْبِياءِ:“ ﴿إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ . . ”الآيَةَ [الأنبياء: ٧] . كُلُّ هَذِهِ المَواضِعِ قَرَأ فِيها حَفْصٌ وحْدَهُ بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ. . . والباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الحاءِ أيْضًا. وأمّا الثّانِيَةُ: في“ سُورَةِ الأنْبِياءِ " وهي قَوْلُهُ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٢٥] . فَقَدْ قَرَأهُ بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ. والباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الحاءِ أيْضًا. وحَصْرُ الرُّسُلِ في الرِّجالِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ لا يُنافِي أنَّ مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، وقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ الآيَةَ [فاطر: ١]؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ يُرْسَلُونَ إلى الرُّسُلِ، والرُّسُلُ تُرْسَلُ إلى النّاسِ. والَّذِي أنْكَرَهُ الكُفّارُ هو إرْسالُ الرُّسُلِ إلى النّاسِ، وهو الَّذِي حَصَرَ اللَّهُ فِيهِ الرُّسُلَ في الرِّجالِ مِنَ النّاسِ، فَلا يُنافِي إرْسالُ المَلائِكَةِ لِلرُّسُلِ بِالوَحْيِ، ولِقَبْضِ الأرْواحِ، وتَسْخِيرِ الرِّياحِ والسَّحابِ، وكَتْبِ أعْمالِ بَنِي آدَمَ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥] . تَنْبِيهٌ. يُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلِ امْرَأةً قَطُّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ [النحل: ٤٣]، ويُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] أنَّ مَن جَهِلَ الحُكْمَ: يَجِبُ عَلَيْهِ سُؤالُ العُلَماءِ والعَمَلُ بِما أفْتَوْهُ بِهِ. والمُرادُ بِأهْلِ الذِّكْرِ في الآيَةِ: أهْلُ الكِتابِ، وهَذِهِ الأُمَّةُ أيْضًا يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها أهْلُ الذِّكْرِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ . . . الآيَةَ [الحجر: ٩]، إلّا أنَّ المُرادَ في الآيَةِ أهْلُ الكِتابِ. والباءُ في قَوْلِهِ: (p-٣٨٠)﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤]، قِيلَ: تَتَعَلَّقُ بـِ ”ما أرْسَلْنا“ داخِلًا تَحْتَ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ مَعَ ”رِجالًا“، أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ ضَرَبْتُ زَيْدًا بِالسَّوْطِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ”رِجالًا“ صِفَةً لَهُ، أيْ: رِجالًا مُتَلَبِّسِينَ بِالبَيِّناتِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بـِ ”أرْسَلْنا“ مُضْمَرًا دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلُهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ أُرْسِلُوا ؟ قِيلَ: بِالبَيِّناتِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِ ”نُوحِي“، أيْ: نُوحِي إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ؛ قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾، المُرادُ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ حِكْمَتَيْنِ مِن حِكَمِ إنْزالِ القُرْآنِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: إحْداهُما: أنْ يُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نَزَّلَ إلَيْهِمْ في هَذا الكِتابِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والوَعْدِ والوَعِيدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وقَدْ بَيَّنَ هَذِهِ الحِكْمَةَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أيْضًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، وقَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠٥] . الحِكْمَةُ الثّانِيَةُ: هي التَّفَكُّرُ في آياتِهِ والِاتِّعاظُ بِها؛ كَما قالَ هُنا: ﴿وَلَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقَدْ بَيَّنَ هَذِهِ الحِكْمَةَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أيْضًا؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النحل 16:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ . أنْكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - عَلى الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ومَعَ ذَلِكَ يَأْمَنُونَ عَذابَ اللَّهِ ولا يَخافُونَ أخْذَهُ الألِيمَ، وبَطْشَهُ الشَّدِيدَ، وهو قادِرٌ عَلى أنْ يَخْسِفَ بِهِمُ الأرْضَ، ويُهْلِكَهم بِأنْواعِ العَذابِ. والخَسْفُ: بَلْعُ الأرْضِ المَخْسُوفَ بِهِ وقُعُودُها بِهِ إلى أسْفَلَ؛ كَما فَعَلَ اللَّهُ بِقارُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨١]، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ أمْ أمِنتُمْ مَن في (p-٣٨١)السَّماءِ﴾ الآيَةَ [الملك: ١٦، ١٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن هَذِهِ في أوَّلِ ”سُورَةِ الأعْرافِ“ . واخْتَلَفَ العُلَماءُ في إعْرابِ: ”السَّيِّئاتِ“ [النحل: ٤٥]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مَكَرُوا المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، أيْ: القَبِيحاتِ قُبْحًا شَدِيدًا؛ كَما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٠]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”مَكَرُوا“ عَلى تَضْمِينِ ”مَكَرُوا“ مَعْنى فَعَلُوا. وهَذا أقْرَبُ أوْجُهِ الإعْرابِ عِنْدِي. وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”أمِنَ“، أيْ: أأمِنَ الماكِرُونَ السَّيِّئاتِ، أيِ: العُقُوباتِ الشَّدِيدَةَ الَّتِي تَسُوءُهم عِنْدَ نُزُولِها بِهِمْ. ذَكَرَ الوَجْهَ الأوَّلَ: الزَّمَخْشَرِيُّ، والأخِيرَيْنِ ابْنُ عَطِيَّةَ. وذَكَرَ الجَمِيعَ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ . تَنْبِيهُ. كُلُّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها واوُ العَطْفِ أوْ فاؤُهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]، ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ [سبإ: ٩]، ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١]، إلَخْ، وفِيهِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: أحَدُهُما: أنَّ الفاءَ والواوَ كِلْتاهُما عاطِفَةٌ ما بَعْدَها عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِكَ مَثَلًا: أنُمْهِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ؟ أعَمُوا فَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ؟ ألَمْ تَأْتِكم آياتِي أفَلَمْ تَكُنْ تُتْلى عَلَيْكم ؟ وهَكَذا وإلى هَذا الوَجْهِ أشارَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدا هُنا اسْتُبِحْ وعَطْفُكَ الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ يَصِحْ وَمَحَلُّ الشّاهِدِ في الشَّطْرِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الفاءَ والواوَ كِلْتاهُما عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى ما قَبْلَها؛ إلّا أنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ تَزَحْلَقَتْ عَنْ مَحَلِّها فَتَقَدَّمَتْ عَلى الفاءِ والواوِ؛ وهي مُتَأخِّرَةٌ عَنْهُما في المَعْنى، وإنَّما تَقَدَّمَتْ لَفْظًا عَنْ مَحَلِّها مَعْنًى؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامُ. (p-٣٨٢)فَبِهَذا تَعْلَمُ: أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٤٥]، الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ؛ فَعَلى الأوَّلِ: فالمَعْنى أجَهِلَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ وعِيدَ اللَّهِ بِالعِقابِ ؟ ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾، إلَخْ. وعَلى الثّانِي فالمَعْنى فَأأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ؛ فالفاءُ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِالِاسْتِفْهامِ، والأوَّلُ: هو الأظْهَرُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحِيمٌ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، تَقَدَّمَ بَيانُ هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها مِنَ الآياتِ في ”سُورَةِ الرَّعْدِ“ .

النحل 16:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ . نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جَمِيعَ البَشَرِ عَنْ أنْ يَعْبُدُوا إلَهًا آخَرَ مَعَهُ، وأخْبَرَهم أنَّ المَعْبُودَ المُسْتَحِقَّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ واحِدٌ، ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَرْهَبُوهُ، أيْ: يَخافُونَهُ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ والنَّفْعُ، لا نافِعَ ولا ضارَّ سِواهُ. وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]، • وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق: ٢٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] . وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ: اسْتَحالَةَ تَعَدُّدِ الألِهَةِ عَقْلًا؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١ - ٩٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، والآياتُ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَلا نُطِيلُ بِها الكَلامَ. وقَدَّمَ المَفْعُولَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾، لِلدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ في مَبْحَثِ ”مَفْهُومِ المُخالَفَةِ“، وفي المَعانِي في مَبْحَثِ القَصْرِ ": أنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ مِن صِيَغِ الحَصْرِ. أيْ: خافُونِ وحْدِي ولا تَخافُوا سِوايَ. وهَذا الحَصْرُ المُشارُ إلَيْهِ هُنا بِتَقْدِيمِ المَعْمُولِ بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ (p-٣٨٣)الآيَةَ [الأحزاب: ٣٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النحل 16:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾، الدِّينُ هُنا: الطّاعَةُ. ومِنهُ سُمِّيَتْ أوامِرُ اللَّهِ ونَواهِيهِ دِينًا؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] . والمُرادُ بِالدِّينِ في الآياتِ: طاعَةُ اللَّهِ بِامْتِثالِ جَمِيعِ الأوامِرِ، واجْتِنابِ جَمِيعِ النَّواهِي. ومِنَ الدِّينِ بِمَعْنى الطّاعَةِ: قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎وَأيّامٍ لَنا غُرٍّ كِرامٍ عَصَيْنا المَلْكَ فِيها أنْ نَدِينا أيْ: عَصَيْناهُ وامْتَنَعْنا أنَّ نَدِينَ لَهُ، أيْ: نُطِيعُهُ. وقَوْلُهُ ﴿واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]، أيْ: دائِمًا، أيْ: لَهُ - جَلَّ وعَلا -: الطّاعَةُ والذُّلُّ والخُضُوعُ دائِمًا؛ لِأنَّهُ لا يَضْعُفُ سُلْطانُهُ، ولا يُعْزَلُ عَنْ سُلْطانِهِ، ولا يَمُوتُ ولا يُغْلَبُ، ولا يَتَغَيَّرُ لَهُ حالٌ بِخِلافِ مُلُوكِ الدُّنْيا؛ فَإنَّ الواحِدَ مِنهم يَكُونُ مُطاعًا لَهُ السَّلْطَنَةُ والحُكْمُ، والنّاسُ يَخافُونَهُ ويَطْمَعُونَ فِيما عِنْدَهُ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ، ثُمَّ يُعْزَلُ أوْ يَمُوتُ، أوْ يُذَلُّ بَعْدَ عِزٍّ، ويَتَّضِعُ بَعْدَ رِفْعَةٍ؛ فَيَبْقى لا طاعَةَ لَهُ ولا يَعْبَأُ بِهِ أحَدٌ، فَسُبْحانَ مَن لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ، وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا. وَهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مَفْهُومُ الآيَةِ بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣]؛ لِأنَّها تَرْفَعُ أقْوامًا كانَتْ مَنزِلَتُهم مُنْخَفِضَةً في الدُّنْيا، وتُخْفِضُ أقْوامًا كانُوا مُلُوكًا في الدُّنْيا، لَهُمُ المَكانَةُ الرَّفِيعَةُ، • وقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦] . وَنَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات: ٨ - ٩]، أيْ: دائِمٌ. وقِيلَ: عَذابٌ مُوجِعٌ مُؤْلِمٌ، والعَرَبُ تُطْلِقُ الوَصَبَ عَلى المَرَضِ، وتُطْلِقُ الوُصُوبَ عَلى الدَّوامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ لَمّا سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]، قالَ لَهُ: الواصِبُ: الدّائِمُ، واسْتَشْهَدَ لَهُ بُقُولِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ: (p-٣٨٤) ؎وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا ولَهُ المُلْكُ ∗∗∗ وحَمْدٌ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ وَمِنهُ قَوْلُ الدُّؤَلِيِّ: ؎لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ ∗∗∗ يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْرِ أجْمَعَ واصِبًا وَمِمَّنْ قالَ: بِأنَّ مَعْنى الواصِبِ في هَذِهِ الآيَةِ الدّائِمِ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، والسُّدِّيُّ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وغَيْرُهم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ”واصِبًا“: أيْ: واجِبًا. وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: ”واصِبًا“: أيْ: خالِصًا. وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ هَذا، فالخَبَرُ بِمَعْنى الإنْشاءِ؛ أيْ: ارْهَبُوا أنْ تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، وأخْلِصُوا لِي الطّاعَةَ - وعَلَيْهِ فالآيَةُ • كَقَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، • وقَوْلِهِ: ”واصِبًا“ [النحل: ٥٢]، حالٌ عَمِلَ فِيهِ الظَّرْفُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾، أنْكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى مَن يَتَّقِي غَيْرَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَّقى إلّا مَن بِيَدِهِ النَّفْعُ كُلُّهُ والضُّرُّ كُلُّهُ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْفَعَكَ بِشَيْءٍ لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ لَكَ، ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَضُرَّكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ. وَقَدْ أشارَ تَعالى هُنا إلى أنَّ إنْكارَ اتِّقاءِ غَيْرِ اللَّهِ؛ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُرْجى مِنهُ النَّفْعُ، ويُخْشى مِنهُ الضُّرُّ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ قَوْلَهُ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢]، بِقَوْلِهِ: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، ومَعْنى ”تَجْأرُونَ“: تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِالدُّعاءِ والِاسْتِغاثَةِ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى أوِ النّابِغَةِ يَصِفُ بَقَرَةً: ؎فَطافَتْ ثَلاثًا بَيْنَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ∗∗∗ وكانَ النَّكِيرُ أنْ تُضِيفَ وتَجْأرا وَقَوْلُ الأعْشى: ؎يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِيكِ ∗∗∗ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤ - ٦٥]، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ (p-٣٨٥)قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥١]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجِدِّ مِنكَ الجَدُّ» . وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المَشْهُورِ: «واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلى أنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإنِ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلّا بِشَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ، وجَفَّتِ الصُّحُفُ» .

النحل 16:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِّنْكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ بَنِي آدَمَ إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ وحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛ فَإذا كَشَفَ عَنْهُمُ الضُّرَّ، وأزالَ عَنْهُمُ الشِّدَّةَ: إذا فَرِيقٌ مِنهم وهُمُ الكُفّارُ يَرْجِعُونَ في أسْرَعِ وقْتٍ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. وقَدْ كَرَّرَ - جَلَّ وعَلا - هَذا المَعْنى في القُرْآنِ؛ • كَقَوْلِهِ في ”يُونُسَ“: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣]، • وقَوْلِهِ ”في الإسْراءِ“: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، • وقَوْلِهِ في آخِرِ ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، • وقَوْلِهِ في ”الأنْعامِ“: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا في ”سُورَةِ الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠] .

النحل 16:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، صِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: فَتَمَتَّعُوا [النحل: ٥٥]، لِلتَّهْدِيدِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في ”فَنِّ المَعانِي، في مَبْحَثِ الإنْشاءِ“ وفي ”فَنِّ الأُصُولِ، في مَبْحَثِ الأمْرِ“: أنَّ مِنَ المَعانِي الَّتِي تَأْتِي لَها صِيغَةُ إفْعَلِ التَّهْدِيدِ؛ • كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿فَتَمَتَّعُوا (p-٣٨٦)فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وتَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى آياتٌ أُخَرُ؛ • كَقَوْلِهِ. ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣، ٧٠ \ ٤٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النحل 16:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾، في ضَمِيرِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٦]، وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، أيْ: ويَجْعَلُ الكُفّارُ لِلْأصْنامِ الَّتِي لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِعِبادَتِها، ولا يَعْلَمُونَ أنَّها تَنْفَعُ عابِدَها أوْ تَضُرُّ عاصِيَها - نَصِيبًا إلَخْ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ومَعْنى كَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَها: أنَّهم يُسَمُّونَها آلِهَةً، ويَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وتَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ وحَقِيقَتُها أنَّها جَمادٌ، لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؛ فَهم إذًا جاهِلُونَ بِها. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ واوَ ”يَعْلَمُونَ“ [النحل: ٥٦]، واقِعَةٌ عَلى الأصْنامِ؛ فَهي جَمادٌ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، أيْ: ويَجْعَلُونَ لِلْأصْنامِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا لِكَوْنِهِمْ جَمادًا - نَصِيبًا إلَخْ. وهَذا الوَجْهُ • كَقَوْلِهِ: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٩٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وعَلى هَذا القَوْلِ فالواوُ راجِعَةٌ إلى ”ما“ مَنَّ قَوْلِهِ ”لِما لا يَعْلَمُونَ“، وعَبَّرَ عَنْهم بِـ ”ما“ الَّتِي هي لِغَيْرِ العاقِلِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المَعْبُوداتِ الَّتِي جَعَلُوا لَها مِن رِزْقِ اللَّهِ نَصِيبًا جَمادٌ لا تَعْقِلُ شَيْئًا. وعَبَّرَ بِالواوِ في ”لا يَعْلَمُونَ“ عَلى هَذا القَوْلِ لِتَنْزِيلِ الكُفّارِ لَها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في زَعْمِهِمْ أنَّها تَشْفَعُ، وتَضُرُّ وتَنْفَعُ. وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ: فاعْلَمْ أنَّ هَذا المَعْنى المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَّنَهُ تَعالى في (p-٣٨٧)غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦]، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ كانُوا إذا حَرَثُوا حَرْثًا، أوْ كانَتْ لَهم ثَمَرَةٌ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنها جُزْءًا، ولِلْوَثَنِ جُزْءًا؛ فَما جَعَلُوا مِن نَصِيبِ الأوْثانِ حَفِظُوهُ، وإنِ اخْتَلَطَ بِهِ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ رَدُّوهُ إلى نَصِيبِ الأصْنامِ، وإنْ وقَعَ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الأصْنامِ تَرَكُوهُ فِيهِ، وقالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ والصَّنَمُ فَقِيرٌ. وقَدْ أقْسَمَ - جَلَّ وعَلا -: عَلى أنَّهُ يَسْألُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ هَذا الِافْتِراءِ والكَذِبِ، وهو زَعْمُهم أنْ نَصِيبًا مِمّا خَلَقَ اللَّهُ لِلْأوْثانِ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ في قَوْلِهِ: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦]، وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ.

النحل 16:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾، قَوْلُهُ: ويَجْعَلُونَ، أيْ: يَعْتَقِدُونَ. ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ لِلَّهِ بَناتٍ إناثًا، وذَلِكَ أنَّ خُزاعَةَ وكِنانَةَ كانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ؛ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ الآيَةَ [الزخرف: ١٩]، فَزَعَمُوا لِلَّهِ الأوْلادَ، ومَعَ ذَلِكَ زَعَمُوا لَهُ أخَسَّ الوَلَدَيْنِ وهو الأُنْثى، فالإناثُ الَّتِي جَعَلُوها لِلَّهِ يَكْرَهُونَها لِأنْفُسِهِمْ ويَأْنَفُونَ مِنها؛ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨]، أيْ؛ لِأنَّ شِدَّةَ الحُزْنِ والكَآبَةِ تُسَوِّدُ لَوْنَ الوَجْهِ: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]، أيْ: مُمْتَلِئٌ حُزْنًا وهو ساكِتٌ. وقِيلَ: مُمْتَلِئٌ غَيْظًا عَلى امْرَأتِهِ الَّتِي ولَدَتْ لَهُ الأُنْثى: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: ٥٩]، أيْ: يَخْتَفِي مِن أصْحابِهِ مِن أجْلِ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ لِئَلّا يَرَوْا ما هو فِيهِ مِنَ الحُزْنِ والكَآبَةِ، أوْ لِئَلّا يَشْمَتُوا بِهِ ويُعَيِّرُوهُ. ويُحَدِّثُ نَفْسَهُ ويَنْظُرُ: ﴿أيُمْسِكُهُ﴾، أيْ: ما بُشِّرَ بِهِ وهو الأُنْثى، ﴿عَلى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩]، أيْ: هَوانٍ وذُلٍّ. ﴿أمْ يَدُسُّهُ﴾ [النحل: ٥٩]، في التُّرابِ: أيْ: يَدْفِنُ المَذْكُورَ الَّذِي هو الأُنْثى حَيًّا في التُّرابِ، يَعْنِي: ما كانُوا يَفْعَلُونَ بِالبَناتِ مِنَ الوَأْدِ وهو دَفْنُ البِنْتِ حَيَّةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩] . وَأوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - هَذِهِ المَعانِيَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَبَيَّنَ أنَّ (p-٣٨٨)جَعْلَهُمُ الإناثَ لِلَّهِ، أوِ الذُّكُورَ لِأنْفُسِهِمْ قِسْمَةٌ غَيْرُ عادِلَةٍ، وأنَّها مَن أعْظَمِ الباطِلِ. وَبَيَّنَ أنَّهُ لَوْ كانَ مُتَّخِذًا ولَدًا - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ ذَلِكَ !؛ لاصْطَفى أحْسَنَ النَّصِيبَيْنِ، ووَبَّخَهم عَلى أنْ جَعَلُوا لَهُ أخَسَّ الوَلَدَيْنِ، وبَيَّنَ كَذِبَهم في ذَلِكَ، وشِدَّةَ عِظَمِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ. كُلُّ هَذا ذَكَرَهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١]، • وقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ [الزخرف: ١٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩]، وقالَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، وقالَ: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، وقالَ: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧] . وَبَيَّنَ شِدَّةَ عِظَمِ هَذا الِافْتِراءِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ [النحل: ٥٩] في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى ”البَناتِ“ [النحل: ٥٧]، أيْ: ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ، ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ. أوْرَدَ إعْرابَهُ بِالنَّصْبِ الزَّجّاجُ، وقالَ: العَرَبُ تَسْتَعْمِلُ في مِثْلِ هَذا ويَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ؛ قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وقالَ أبُو حَيّانَ ”في البَحْرِ المُحِيطِ“: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ في ”ما“ في ”ما يَشْتَهُونَ“ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والنَّصْبُ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”البَناتِ“، أيْ: وجَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الذُّكُورِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أجازَهُ مِنَ النَّصْبِ تَبِعَ فِيهِ الفَرّاءَ والحَوْفَيَّ وقالَ أبُو البَقاءِ وقَدْ حَكاهُ: وفِيهِ نَظَرٌ. وذَهَلَ هَؤُلاءِ عَنْ قاعِدَةٍ في النَّحْوِ (p-٣٨٩)وَهِيَ: أنَّ الفِعْلَ الرّافِعَ لِضَمِيرِ الِاسْمِ المُتَّصِلِ لا يَتَعَدّى إلى ضَمِيرِهِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ. ؛ فَلا يَجُوزُ: زَيْدٌ ضَرَبَهُ، أيْ: زَيْدًا. تُرِيدُ ضَرَبَ نَفْسَهُ، إلّا في بابِ ظَنَّ وأخَواتِها مِنَ الأفْعالِ القَلْبِيَّةِ، أوْ فَقْدٍ وعَدَمٍ؛ فَيَجُوزُ: زَيْدٌ ظَنَّهُ قائِمًا، وزَيْدٌ فَقَدَهُ، وزَيْدٌ عَدِمَهُ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالحَرْفِ كالمَنصُوبِ المُتَّصِلِ؛ فَلا يَجُوزُ: زَيْدٌ غَضِبَ عَلَيْهِ، تُرِيدُ غَضِبَ عَلى نَفْسِهِ. فَعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ لا يَجُوزُ النَّصْبُ؛ إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ويَجْعَلُونَ لَهم ما يَشْتَهُونَ. فالواوُ ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ ”وَلَهم“ [النحل: ٥٧] مَجْرُورٌ بِاللّامِ. فَهو نَظِيرُ: زَيْدٌ غَضِبَ عَلَيْهِ. اه. والبِشارَةُ تُطْلَقُ في العَرَبِيَّةِ عَلى الخَبَرِ بِما يَسُرُّ، وبِما يَسُوءُ. ومِن إطْلاقِها عَلى الخَبَرِ بِما يَسُوءُ قَوْلُهُ هُنا: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ الآيَةَ [النحل: ٥٨]، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [النجم: ٢١]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن بُغْضِهِمْ لِلْبَناتِ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ في أشْعارِهِمْ؛ ولَمّا خُطِبَتْ إلى عَقِيلِ بْنِ عِلْفَةَ المُرِّيِّ ابْنَتُهُ الجَرْباءُ قالَ: ؎إنِّي وإنْ سِيقَ إلَيَّ المَهْرُ ألْفٌ وعَبْدانِ وذَوْدُ عُشْرٍ ؎أحَبُّ أصْهارِي إلَيَّ القَبْرُ وَيُرْوى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ قَوْلُهُ: ؎لِكُلِّ أبِي بِنْتٍ يُراعى شُؤُونَها ∗∗∗ ثَلاثَةُ أصْهارٍ إذا حُمِدَ الصِّهْرُ ؎فَبَعْلٌ يُراعِيها وخِدْرٌ يُكِنُّها ∗∗∗ وقَبْرٌ يُوارِيها وخَيْرُهُمُ القَبْرُ وَهُمُ يَزْعُمُونَ أنَّ مُوجِبَ رَغْبَتِهِمْ في مَوْتِهِنَّ، وشَدَّةِ كَراهِيَتِهِمْ لِوِلادَتِهِنَّ: الخَوْفُ مِنَ العارِ، وتَزَوُّجُ غَيْرِ الأكْفاءِ، وأنْ تُهانَ بَناتُهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ في ابْنَةٍ لَهُ تُسَمّى مَوَدَّةً: ؎مَوَدَّةُ تَهْوى عُمْرَ شَيْخٍ يَسُرُّهُ لَها ∗∗∗ المَوْتُ قَبْلَ اللَّيْلِ لَوْ أنَّها تَدْرِي ؎يَخافُ عَلَيْها جَفْوَةَ النّاسِ بَعْدَهُ ∗∗∗ ولا خِتْنَ يُرْجى أوَدُّ مِنَ القَبْرِ

النحل 16:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ مّا تَرَكَ عَلَيْها مِن دَآبَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُّسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لَوْ عاجَلَ الخَلْقَ بِالعُقُوبَةِ لَأهْلَكَ جَمِيعَ مَن في الأرْضِ، ولَكِنَّهُ حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ؛ لِأنَّ العَجَلَةَ مِن شَأْنِ مَن يَخافُ فَواتَ الفُرْصَةِ، ورَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ أرادَهُ. وذَكَرَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ في آخِرِ سُورَةِ ”فاطِرٍ“: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ (p-٣٩٠)اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دَآبَّةٍ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٨]، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: ٦١]، إلى أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ. وبَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] . وَبَيَّنَ هُنا: أنَّ الإنْسانَ إذا جاءَ أجْلُهُ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْهُ، كَما أنَّهُ لا يَتَقَدَّمُ عَنْ وقْتِ أجَلِهِ. وأوْضَحَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ الآيَةَ [نوح: ٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ الآيَةَ [المنافقون: ١١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. واعْلَمْ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، فِيهِ وجْهانِ مِنَ العُلَماءِ: واعْلَمْ أنَّهُ خاصٌّ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ ذَنْبُهم، واللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ومَن قالَ هَذا القَوْلَ قالَ: ”مِن دابَّةٍ“ [النحل: ٦١]، أيْ: كافِرَةٍ، ويُرْوى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ لَوْ أهْلَكَ الأباءَ بِكُفْرِهِمْ لَمْ تَكُنِ الأبْناءُ. وَجُمْهُورُ العُلَماءِ، مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الأحْوَصِ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وقالَ الآخَرُ: ؎تَهْوى حَياتِي وأهْوى مَوْتَها شَفَقًا والمَوْتُ أكْرَمُ نَزّالٍ عَلى الحُرَمِ وَقَدْ ولَدَتِ امْرَأةُ أعْرابِيٍّ أُنْثى، فَهَجَرَها لِشِدَّةِ غَيْظِهِ مِن وِلادَتِها أُنْثى، فَقالَتْ: ؎ما لِأبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينا ؎يَظَلُّ بِالبَيْتِ الَّذِي يَلِينا ∗∗∗ غَضْبانَ إلّا نَلِدُ البَنِينا ؎لَيْسَ لَنا مِن أمْرِنا ما شِينا ∗∗∗ وإنَّما نَأْخُذُ ما أُعْطِينا * * تَنْبِيهٌ. لَفْظَةُ ”جَعَلَ“ تَأْتِي في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لِأرْبَعَةِ مَعانٍ: الأوَّلُ: بِمَعْنى اعْتَقَدَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧]، قالَ (p-٣٩١)فِي الخُلاصَةِ: ؎وَجَعَلَ اللَّذَّ كاعْتَقَدَ الثّانِي: بِمَعْنى صَيَّرَ كَما تَقَدَّمَ في الحِجْرِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، قالَ في الخُلاصَةِ: ؎.... والَّتِي كَصَيَّرا ∗∗∗ وأيْضًا بِها انْصِبْ مُبْتَدًا وخَبَرًا الثّالِثُ: بِمَعْنى خَلَقَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، أيْ: خَلَقَ الظُّلُماتِ والنُّورَ. الرّابِعُ: بِمَعْنى شَرَعَ؛ كَقَوْلِهِ: ؎وَقَدْ جَعَلْتُ إذا ما قُمْتُ يُثْقِلُنِي ∗∗∗ ثَوْبِي فَأنْهَضُ نَهَضَ الشّارِبُ السَّكِرِ قالَ في الخُلاصَةِ: ؎كَأنْشَأ السّائِقُ يَحْدُو وطَفِقَ ∗∗∗ كَذا جَعَلْتُ وأخَذْتُ وعَلِقَ وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: سُبْحانَهُ [النحل: ٥٧]، أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ - جَلَّ وعَلا - عَمّا لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، وهو ما ادَّعَوْا لَهُ مِنَ البَناتِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ! وَغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ؛ حَتّى إنَّ ذُنُوبَ بَنِي آدَمَ لَتُهْلِكَ الجُعْلَ في حِجْرِهِ، والحُبارى في وكْرِها، ونَحْوَ ذَلِكَ؛ لَوْلا أنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ، ولا يُؤاخِذُهم بِظُلْمِهِمْ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ؛ لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن: أنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ إذا زِيدَتْ قَبْلَها لَفْظَةُ ”مَن“ تَكُونُ نَصًّا صَرِيحًا في العُمُومِ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ”مِن دابَّةٍ“ يَشْمَلُ كُلَّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الدّابَّةِ نَصًّا. وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَعُمُّ بِالهَلاكِ مَعَ أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنًا لَيْسَ بِظالِمٍ ؟ قِيلَ: يَجْعَلُ هَلاكَ الظّالِمِ انْتِقامًا وجَزاءً، وهَلاكَ المُؤْمِنِ مُعَوَّضًا بِثَوابِ الآخِرَةِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذابًا أصابَ العَذابُ مَن كانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلى أعْمالِهِمْ»، اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ. والأحادِيثُ بِمِثْلِهِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ. وَإذا ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أنَّ العَذابَ إذا نَزَلَ بِقَوْمٍ عَمَّ الصّالِحَ والطّالِحَ، (p-٣٩٢)فَلا إشْكالَ في شُمُولِ الهَلاكِ لِلْحَيَواناتِ الَّتِي لا تَعْقِلُ. وإذا أرادَ اللَّهُ إهْلاكَ قَوْمٍ أمَرَ نَبِيَّهم ومَن آمَنَ مِنهم أنْ يَخْرُجُوا عَنْهم؛ لِأنَّ الهَلاكَ إذا نَزَلَ عَمَّ. * * تَنْبِيهٌ. قَوْلُهُ: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، الضَّمِيرُ في ”عَلَيْها“، راجِعٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو الأرْضُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: مِن دابَّةٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ: أنَّ الدَّوابَّ إنَّما تَدِبُّ عَلى الأرْضِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، أيْ: الشَّمْسُ ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ؎وَصَهْباءُ مِنها كالسَّفِينَةِ نَضَّجَتْ بِهِ الحَمْلُ حَتّى زادَ شَهْرًا عَدِيدُها فَقَوْلُهُ: ”صَهْباءُ مِنها“، أيْ: مِنَ الإبِلِ، وتَدُلُّ لَهُ قَرِينَةُ ”كالسَّفِينَةِ“ مَعَ أنَّ الإبِلَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ: ؎أماوِيُّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ فَقَوْلُهُ: ”حَشْرَجَتْ وضاقَ بِها“ يَعْنِي النَّفْسَ، ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ؛ كَما تَدُلُّ لَهُ قَرِينَةُ ”وَضاقَ بِها الصَّدْرُ“، ومِنهُ أيْضًالَبِيدٌ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ ∗∗∗ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها فَقَوْلُهُ: ”ألْقَتْ“، أيِ: الشَّمْسُ، ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، ولَكِنْ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها. لِأنَّ قَوْلَهُ: ”ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ“، أيْ: دَخَلَتْ في الظَّلامِ. ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ طُرْفَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎عَلى مِثْلِها أمْضِي إذا قالَ صاحِبِي ∗∗∗ ألا لَيْتَنِي أفْدِيكَ مِنها وأفْتَدِي فَقَوْلُهُ: ”أفْدِيكَ مِنها“، أيْ: الفَلاةِ، ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، ولَكِنَّ قَرِينَةَ سِياقِ الكَلامِ تَدُلُّ عَلَيْها. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يُؤاخِذُ الآيَةَ [النحل: ٦١]، الظّاهِرُ أنَّ المُفاعَلَةَ فِيهِ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ؛ فَمَعْنى آخَذَ النّاسَ يُؤاخِذُهم: أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّ المُفاعَلَةَ (p-٣٩٣)تَقْتَضِي الطَّرَفَيْنِ. ومَجِيئُها بِمَعْنى المُجَرَّدِ مَسْمُوعٌ نَحْوَ: سافَرَ وعافى. وقَوْلُهُ: ”يُؤاخِذُ“ [النحل: ٦١]، إنْ قُلْنا: إنَّ المُضارِعَ فِيهِ بِمَعْنى الماضِي فَلا إشْكالَ. وإنْ قُلْنا: إنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ فَهو عَلى إيلاءِ لَوِ المُسْتَقْبَلِ وهو قَلِيلٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]، وقَوْلُ قَيْسِ بْنِ المُلَوَّحِ: ؎وَلَوْ تَلْتَقِي أصْداؤُنا بَعْدَ مَوْتِنا ∗∗∗ ومَن دُونِ رَمْسَيْنا مِنَ الأرْضِ سَبْسَبُ ؎لَظَلَّ صَدى صَوْتِي وإنْ كُنْتُ رُمَّةً ∗∗∗ لِصَوْتِ صَدى لَيْلى يَهُشُّ ويَطْرَبُ والجَوابُ بِحَمْلِهِ عَلى المُضِيِّ في الآيَةِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ، ولا يُمْكِنُ بَتاتًا في البَيْتَيْنِ، وأمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ. وقَدْ أشارَ لِذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: لَوْ حَرْفُ شَرْطٍ في مُضِيٍّ ويَقِلُّ إيلاؤُها مُسْتَقْبَلًا، لَكِنْ قُبِلْ.

النحل 16:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾، أبْهَمَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هَذا الَّذِي يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ ويَكْرَهُونَهُ؛ لِأنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بـِ ”ما“ المَوْصُولَةِ، وهي اسْمٌ مُبْهَمٌ، وصِلَةُ المَوْصُولِ لَنْ تُبَيَّنَ مِن وصْفِ هَذا المُبْهَمِ إلّا أنَّهم يَكْرَهُونَهُ. ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ البَناتُ والشُّرَكاءُ وجَعْلُ المالِ الَّذِي خَلَقَ لِغَيْرِهِ، قالَ في البَناتِ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧]، ثُمَّ بَيَّنَ كَراهِيَتَها لَها في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ الآيَةَ [النحل: ٦١] . وَقالَ في الشُّرَكاءِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٠٠]، ونَحْوَها مِنَ الآياتِ. وبَيَّنَ كَراهِيَتَهم لِلشُّرَكاءِ في رِزْقِهِمْ بُقُولَهُ: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، أيْ: إذا كانَ الواحِدُ مِنكم لا يَرْضى أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ المَمْلُوكُ شَرِيكًا لَهُ مِثْلَ نَفْسِهِ في جَمِيعِ ما عِنْدَهُ؛ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ الأوْثانَ شُرَكاءَ لِلَّهِ في عِبادَتِهِ الَّتِي هي حَقُّهُ عَلى عِبادِهِ ! وبَيَّنَ جَعْلَهم بَعْضَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ لِلْأوْثانِ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ١٣٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ [النحل: ٥٦]، كَما تَقَدَّمَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمُ الكَذِبَ؛ فَيَزْعُمُونَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، قِيلَ: المُرادُ بِها الذُّكُورُ؛ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ (p-٣٩٤)[النحل: ٥٧]، والحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ: أنَّ المُرادَ بِالحُسْنى: هو زَعْمُهم أنَّهُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا فَسَيَكُونُ لَهم فِيها أحْسَنُ نَصِيبٍ كَما كانَ لَهم في الدُّنْيا. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ الأخِيرِ دَلِيلانِ: أحَدُهُما: كَثْرَةُ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ المُبَيِّنَةِ لِهَذا المَعْنى؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى عَنِ الكافِرِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٥٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والدَّلِيلُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ أتْبَعَ قَوْلَهُ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢]، بِقَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٢]، فَدَلَّ ذَلِكَ دَلالَةً واضِحَةً عَلى ما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنَّ“، وصِلَتُها في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢] في مَحَلِّ نَصْبٍ، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ الكَذِبَ، ومَعْنى وصْفِ ألْسِنَتِهِمُ الكَذِبَ قَوْلُها لِلْكَذِبِ صَرِيحًا لا خَفاءَ بِهِ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، ما نَصَّهُ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى وصْفِ ألْسِنَتِهِمُ الكَذِبَ ؟ قُلْتُ: هو مِن فَصِيحِ الكَلامِ وبَلِيغِهِ، جَعَلَ قَوْلَهم كَأنَّهُ عَيْنُ الكَذِبِ ومَحْضُهُ؛ فَإذا نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَتُهم فَقَدْ حَلَّتِ الكَذِبَ بِحِلْيَتِهِ، وصَوَّرَتْهُ بِصُورَتِهِ. كَقَوْلِهِمْ: وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ، وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ. اه. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾، في هَذا الحَرْفِ قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ، وقِراءَةٌ ثالِثَةٌ غَيْرُ سَبْعِيَّةٍ. قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدى نافِعًا: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، بِسُكُونِ الفاءِ وفَتْحِ الرّاءِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ؛ مِن أفْرَطَهُ. وقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِ الرّاءِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ مِن أفْرَطَ. والقِراءَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِسَبْعِيَّةٍ بِفَتْحِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِن فَرَّطَ المُضَعَّفِ، وتُرْوى هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ. وكُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ لَها مِصْداقٌ في كِتابِ اللَّهِ. أمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، بِصِيغَةِ المَفْعُولِ فَهو اسْمُ مَفْعُولٍ أفْرَطَهُ: إذا (p-٣٩٥)نَسِيَهُ وتَرَكَهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، أيْ: مَتْرُوكُونَ مَنسِيُّونَ في النّارِ. ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ [الأعراف: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٣٤]، فالنِّسْيانُ في هَذِهِ الآياتِ مَعْناهُ: التَّرْكُ في النّارِ. أمّا النِّسْيانُ بِمَعْنى زَوالِ العِلْمِ: فَهو مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وقالَ: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . وَمِمَّنْ قالَ بِأنَّ مَعْنى: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، مَنسِيُّونَ مُتْرَكُونَ في النّارِ: مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ الأعْرابِيِّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ، وغَيْرُهم. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: أيْ: مُقَدَّمُونَ إلى النّارِ مُعَجَّلُونَ؛ مَن أفْرَطْتُ فُلانًا وفَرَطْتُهُ في طَلَبِ الماءِ، إذا قَدَّمْتُهُ، ومِنهُ حَدِيثُ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ»، أيْ: مُتَقَدِّمُكم. ومِنهُ قَوْلُ القُطامِيِّ: فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا كَما تَقَدَّمَ فَرّاطٌ لِرَوّادِ. وَقَوْلُ الشَّنْفَرى: ؎هَمَمْتُ وهَمَّتْ فابْتَدَرْنا وأسْبَلَتْ وشَمَّرَ مِنِّي فارِطٌ مُتَمَهِّلُ أيْ: مُتَقَدِّمٌ إلى الماءِ. وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ فَهو اسْمُ فاعِلٍ أفْرَطَ في الأمْرِ: إذا أسْرَفَ فِيهِ وجاوَزَ الحَدَّ. ويَشْهَدُ لِهَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣]، ونَحْوُها مِنَ الآياتِ. وعَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ، فَهو اسْمُ فاعِلٍ، فَرَّطَ في الأمْرِ: إذا ضَيَّعَهُ وقَصَّرَ فِيهِ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٥٦]، فَقَدْ عَرَفْتَ أوْجُهَ القِراءاتِ في الآيَةِ، وما يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ مِنها. وَقَوْلُهُ: لا جَرَمَ، أيْ: حَقًّا أنَّ لَهُمُ النّارَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: لا رَدَّ لِكَلامِهِمْ وتَمَّ الكَلامُ، أيْ: لَيْسَ كَما تَزْعُمُونَ وجَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ حَقًّا أنَّ لَهُمُ النّارَ ! وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ”لا“ صِلَةَ، و ”جَرَمَ“ بِمَعْنى كَسْبٍ؛ أيْ: كَسْبٌ لَهم عَمَلُهم أنَّ لَهُمُ النّارَ.

النحل 16:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ (p-٣٩٦)الكَرِيمَةِ: أنَّ في الأنْعامِ عَبْرَةً دالَّةً عَلى تَفَرُّدِ مَن خَلَقَها، وأخْلَصَ لَبَنَها مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ؛ بِأنَّهُ هو وحْدَهُ المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ، ويُطاعَ ولا يُعْصى. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١]، • وقَوْلِهِ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ دَلَّتِ الآياتُ المَذْكُورَةُ عَلى أنَّ الأنْعامَ يَصِحُّ تَذْكِيرُها وتَأْنِيثُها؛ لِأنَّهُ ذَكَرَها هُنا في قَوْلِهِ: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]، وأنَّثَها في ”سُورَةِ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“ في قَوْلِهِ: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ [المؤمنون: ٢١]، ومَعْلُومٌ في العَرَبِيَّةِ: أنَّ أسْماءَ الأجْناسِ يَجُوزُ فِيها التَّذْكِيرُ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ، والتَّأْنِيثُ نَظَرًا إلى مَعْنى الجَماعَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ اسْمِ الجِنْسِ. وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ تَذْكِيرُ الأنْعامِ وتَأْنِيثُها كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا. وجاءَ فِيهِ تَذْكِيرُ النَّخْلِ وتَأْنِيثُها؛ فالتَّذْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، والتَّأْنِيثُ في قَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ. وجاءَ في القُرْآنِ تَذْكِيرُ السَّماءِ وتَأْنِيثُها؛ فالتَّذْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، والتَّأْنِيثُ في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٤٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وهَذا مَعْرُوفٌ في العَرَبِيَّةِ، ومِن شَواهِدِهِ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحُصَيْنِ الحارِثِيِّ الأسْدِيِّ وهو صَغِيرٌ في تَذْكِيرِ النِّعَمِ: فِي كُلِّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ يُلَقِّحُهُ قَوْمٌ وتُنْتِجُونَهُ. وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ ”نَسْقِيكم“، بِفَتْحِ النُّونِ. والباقُونَ بِضَمِّها، كَما تَقَدَّمَ بِشَواهِدِهِ ”في سُورَةِ الحِجْرِ“ . * * مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَنْبَطَ القاضِي إسْماعِيلُ مِن تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿مِّمّا في (p-٣٩٧)بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]: أنَّ لَبَنَ الفَحْلِ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ. وقالَ: إنَّما جِيءَ بِهِ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّهُ راجِعٌ إلى ذَكَرِ النَّعَمِ؛ لِأنَّ اللَّبَنَ لِلذَّكَرِ مَحْسُوبٌ، ولِذَلِكَ قَضى النَّبِيُّ ﷺ: «أنَّ لَبَنَ الفَحْلِ يَحْرُمُ»، حَيْثُ أنْكَرَتْهُ عائِشَةُ في حَدِيثِ أفْلَحَ أخِي أبِي القُعَيْسِ، فَلِلْمَرْأةِ السُّقى، ولِلرَّجُلِ اللَّقاحُ؛ فَجَرى الِاشْتِراكُ فِيهِ بَيْنَهُما. اه. بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: أمّا اعْتِبارُ لَبَنِ الفَحْلِ في التَّحْرِيمِ فَلا شَكَّ فِيهِ، ويَدُلُّ لَهُ الحَدِيثُ المَذْكُورُ في قِصَّةِ عائِشَةَ مَعَ أفْلَحَ أخِي أبِي القُعَيْسِ؛ فَإنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَشْهُورٌ. وأمّا اسْتِنْباطُ ذَلِكَ مِن عَوْدِ الضَّمِيرِ في الآيَةِ فَلا يَخْلُو عِنْدِي مِن بُعْدٍ وتَعَسُّفٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَنْبَطَ النِّقاشُ وغَيْرُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المَنِيَّ لَيْسَ بِنَجِسٍ، قالُوا: كَما يَخْرُجُ اللَّبَنُ مِن بَيْنِ الفَرْثِ والدَّمِ سائِغًا خالِصًا، كَذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَخْرُجَ المَنِيُّ مِن مَخْرَجِ البَوْلِ طاهِرًا. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ هَذا لَجَهْلٌ عَظِيمٌ، وأخْذٌ شَنِيعٌ، اللَّبَنُ جاءَ الخَبَرُ عَنْهُ مَجِيءَ النِّعْمَةِ والمِنَّةِ الصّادِرَةِ عَنِ القُدْرَةِ، لِيَكُونَ عِبْرَةً؛ فاقْتَضى ذَلِكَ كُلُّهُ وصْفَ الخُلُوصِ واللَّذَّةِ. ولَيْسَ المَنِيُّ مِن هَذِهِ الحالَةِ حَتّى يَكُونَ مُلْحَقًا بِهِ، أوْ مَقِيسًا عَلَيْهِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بَعْدَ أنْ نَقَلَ الكَلامَ المَذْكُورَ: قُلْتُ: قَدْ يُعارِضُ هَذا بِأنْ يُقالَ: وأيٌّ مِنهُ أعْظَمُ وأرْفَعُ مِن خُرُوجِ المَنِيِّ الَّذِي يَكُونُ عَنْهُ الإنْسانُ المُكَرَّمُ ؟ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧]، وقالَ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]، وهَذا غايَةٌ في الِامْتِنانِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِخُرُوجِهِ في مَجْرى البَوْلِ. قُلْنا: هو ما أرَدْناهُ؛ فالنَّجاسَةُ عارِضَةٌ وأصْلُهُ طاهِرٌ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وأخْذُ حُكْمِ طَهارَةِ المَنِيِّ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لا يَخْلُو عِنْدِي مِن بُعْدٍ. وسَنُبَيِّنُ إنْ - شاءَ اللَّهُ - حُكْمَ المَنِيِّ: هَلْ هو نَجِسٌ أوْ طاهِرٌ، ؟ وأقْوالُ العُلَماءِ في ذَلِكَ، مَعَ مُناقَشَةِ الأدِلَّةِ. اعْلَمْ: أنَّ في مِنِيِّ الإنْسانِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ لِلْعُلَماءِ: الأوَّلُ: أنَّهُ طاهِرٌ، وأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ النُّخامَةِ والمُخاطِ؛ وهَذا هو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأصَحُّ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وأبُو ثَوْرٍ، وداوُدُ، (p-٣٩٨)وابْنُ المُنْذِرِ، وحَكاهُ العَبْدَرِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - . كَما نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ وغَيْرِهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ نَجِسٌ، ولا بُدَّ في طَهارَتِهِ مِنَ الماءِ سَواءً كانَ يابِسًا أوْ رَطْبًا؛ وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ نَجِسٌ، ورَطْبُهُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الماءِ، ويابِسُهُ لا يَحْتاجُ إلى الماءِ بَلْ يُطَهَّرُ بِفَرْكِهِ مِنَ الثَّوْبِ حَتّى يَزُولَ مِنهُ؛ وهَذا هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. واخْتارَ الشَّوْكانِيُّ في (نَيْلِ الأوْطارِ): أنَّهُ نَجِسٌ، وأنَّ إزالَتَهُ لا تَتَوَقَّفُ عَلى الماءِ مُطْلَقًا. أمّا حُجَّةُ مَن قالَ إنَّهُ طاهِرٌ كالمُخَلَّطِ فَهي بِالنَّصِّ والقِياسِ مَعًا، ومَعْلُومٌ في الأُصُولِ: أنَّ القِياسَ المُوافِقَ لِلنَّصِّ لا مانِعَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ دَلِيلٌ آخَرُ عاضِدٌ لِلنَّصِّ، ولا مانِعَ مِن تَعاضُدِ الأدِلَّةِ. أمّا النَّصُّ فَهو ما ثَبَتَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «كُنْتُ أفْرُكُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُصَلِّي فِيهِ»، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةُ والإمامُ أحْمَدُ. قالُوا: فَرْكُها لَهُ يابِسًا، وصَلاتُهُ في الثَّوْبِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ غَسْلٍ دَلِيلٌ عَلى الطَّهارَةِ. وفي رِوايَةٍ عِنْدَ أحْمَدَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْلِتُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِهِ بِعَرَقِ الإذْخِرِ، ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ، ويَحُتُّهُ مِن ثَوْبِهِ يابِسًا ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ. وفي رِوايَةٍ، عَنْ عائِشَةَ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ: «كُنْتُ أفْرُكُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا كانَ يابِسًا، وأغْسِلُهُ إذا كانَ رَطِبًا‌‌»، وعَنْ إسْحاقَ بْنِ يُوسُفَ قالَ: حَدَّثَنا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ؛ فَقالَ: ”إنَّما هو بِمَنزِلَةِ المُخاطِ والبُصاقِ، وإنَّما يَكْفِيكَ أنْ تَمْسَحَهُ بِخِرْقَةٍ أوْ بِإذْخِرَةٍ»“ . قالَ صاحِبُ (مُنْتَقى الأخْبارِ) بَعْدَ أنْ ساقَ هَذا الحَدِيثَ كَما ذَكَرْنا: رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، وقالَ: لَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ إسْحاقَ الأزْرَقِ عَنْ شَرِيكٍ. قُلْتُ: وهَذا لا يَضُرُّ؛ لِأنَّ إسْحاقَ إمامٌ مُخَرَجٌ عَنْهُ في الصَّحِيحَيْنِ، فَيُقْبَلُ رَفْعُهُ وزِيادَتُهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: ما قالَهُ الإمامُ المُجِدُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (في المُنْتَقى) مِن قَبُولِ رَفْعِ العَدْلِ وزِيادَتِهِ، هو الصَّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ وأهْلِ الحَدِيثِ كَما بَيَّناهُ مِرارًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ في فَرْكِ المَنِيِّ وعَدَمِ الأمْرِ بِغَسْلِهِ. وَأمّا القِياسُ العاضِدُ لِلنَّصِّ فَهو مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إلْحاقُ المَنِيِّ بِالبَيْضِ؛ (p-٣٩٩)بِجامِعِ أنْ كُلًّا مِنهُما مائِعٌ يَتَخَلَّقُ مِنهُ حَيَوانٌ حَيٌّ طاهِرٌ، والبَيْضُ طاهِرٌ إجْماعًا؛ فَيَلْزَمُ كَوْنُ المَنِيِّ طاهِرًا أيْضًا. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: هَذا النَّوْعُ مِنَ القِياسِ هو المَعْرُوفُ بِالقِياسِ الصُّورِيِّ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ لا يَقْبَلُونَهُ، ولَمْ يَشْتَهِرْ بِالقَوْلِ بِهِ إلّا إسْماعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ؛ كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وابْنُ عُلَيَّةَ يَرى لِلصُّورِيِّ كالقَيْسِ لِلْخَيْلِ عَلى الحَمِيرِ وَصُوَرُ القِياسِ الصُّورِيِّ المُخْتَلَفُ فِيها كَثِيرَةٌ؛ كَقِياسِ الخَيْلِ عَلى الحَمِيرِ في سُقُوطِ الزَّكاةِ، وحُرْمَةِ الأكْلِ لِلشَّبَهِ الصُّورِيِّ. وكَقِياسِ المَنِيِّ عَلى البَيْضِ لِتَوَلُّدِ الحَيَوانِ الطّاهِرِ مِن كُلٍّ مِنهُما في طَهارَتِهِ. وكَقِياسِ أحَدِ التَّشَهُّدَيْنِ عَلى الآخَرِ في الوُجُوبِ أوِ النَّدْبِ لِتَشابُهِهِما في الصُّورَةِ. وكَقِياسِ الجِلْسَةِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ في الوُجُوبِ لِتَشَبُّهِها بِها في الصُّورَةِ. وكَإلْحاقِ الهِرَّةِ الوَحْشِيَّةِ بِالإنْسِيَّةِ في التَّحْرِيمِ. وكَإلْحاقِ خِنْزِيرِ البَحْرِ وكَلْبِهِ بِخِنْزِيرِ البَرِّ وكَلْبِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صُوَرِهِ الكَثِيرَةِ المَعْرُوفَةِ في الأُصُولِ. واسْتَدَلَّ مَن قالَ بِالقِياسِ الصُّورِيِّ: بِأنَّ النُّصُوصَ دَلَّتْ عَلى اعْتِبارِ المُشابَهَةِ في الصُّورَةِ في الأحْكامِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والمُرادُ المُشابَهَةُ في الصُّورَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وكَبَدَلِ القَرْضِ فَإنَّهُ يُرَدُّ مِثْلُهُ في الصُّورَةِ. وقَدِ اسْتَسْلَفَ ﷺ بَكْرًا ورَدَّ رَباعِيًّا كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ. وكَسَرُوهُ ﷺ بِقَوْلِ القائِفِ المُدْلَجِيِّ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وابْنِهِ أُسامَةَ: ”هَذِهِ الأقْدامُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ“؛ لِأنَّ القِيافَةَ قِياسٌ صُورِيٌّ؛ لِأنَّ اعْتِمادَ القائِفِ عَلى المُشابَهَةِ في الصُّورَةِ. الوَجْهُ الثّانِي مِن وجْهَيِ القِياسِ المَذْكُورِ: إلْحاقُ المَنِيِّ بِالطِّينِ، بِجامِعِ أنَّ كُلًّا مِنهُما مُبْتَدَأُ خَلْقٍ بَشَرٍ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١٢ - ١٣] . فَإنْ قِيلَ: هَذا القِياسُ يَلْزَمُهُ طَهارَةُ العَلَقَةِ، وهي الدَّمُ الجامِدُ؛ لِأنَّها أيْضًا مُبْتَدَأُ خَلْقِ بَشَرٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: ١٤]، والدَّمُ نَجِسٌ بِلا خِلافٍ. فالجَوابُ: أنَّ قِياسَ الدَّمِ عَلى الطِّينِ في الطَّهارَةِ فاسِدُ الِاعْتِبارِ؛ لِوُجُودِ النَّصِّ بِنَجاسَةِ الدَّمِ. أمّا قِياسُ المَنِيِّ عَلى الطِّينِ فَلَيْسَ بِفاسِدِ الِاعْتِبارِ؛ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ بِنَجاسَةِ المَنِيِّ. (p-٤٠٠)وَأمّا حُجَّةُ مَن قالَ بِأنَّ المَنِيَّ نَجِسٌ فَهو بِالنَّصِّ والقِياسِ أيْضًا. أمّا النَّصُّ فَهو ما ثَبَتَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَتْ: «كُنْتُ أغْسِلُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ وأثَرُ الغَسْلِ في ثَوْبِهِ بُقَعُ الماءِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قالُوا: غَسْلُها لَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ نَجِسٌ. وفي رِوايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ بِلَفْظِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَغْسِلُ المَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ في ذَلِكَ الثَّوْبِ وأنا أنْظُرُ إلى أثَرِ الغَسْلِ فِيهِ» . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذِهِ الرِّوايَةُ الثّابِتَةُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ تُقَوِّي حُجَّةَ مَن يَقُولُ بِالنَّجاسَةِ؛ لِأنَّ المُقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ الفِعْلَ المُضارِعَ بَعْدَ لَفْظَةِ ”كانَ“ يَدُلُّ عَلى المُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فَقَوْلُ عائِشَةَ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ هَذِهِ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَغْسِلُ»، تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، ومُداوَمَتِهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُشْعِرُ بِتَحَتُّمِ الغَسْلِ. وفي رِوايَةٍ عَنْ عائِشَةَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا: «أنْ رَجُلًا نَزَلَ بِها فَأصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ. فَقالَتْ عائِشَةُ: إنَّما كانَ يُجْزِئُكَ إنْ رَأيْتَهُ أنْ تَغْسِلَ مَكانَهُ. فَإنْ لَمْ تَرَ نَضَحْتَ حَوْلَهُ. ولَقَدْ رَأيْتُنِي أفْرُكُهُ مِن ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيهِ» . اه. قالُوا: هَذِهِ الرِّوايَةُ الثّابِتَةُ في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ، صَرَّحَتْ فِيها: بِأنَّهُ إنَّما يُجْزِئُهُ غَسْلُ مَكانِهِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ (في مَبْحَثِ دَلِيلِ الخِطابِ) وفي المَعانِي (في مَبْحَثِ القَصْرِ): أنَّ ”إنَّما“ مِن أدَواتِ الحَصْرِ؛ فَعائِشَةُ صَرَّحَتْ بِحَصْرِ الإجْزاءِ في الغَسْلِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الفَرْكَ لا يُجْزِئُ دُونَ الغَسْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى غَسْلِهِ. وَأمّا القِياسُ: فَقِياسُهُمُ المَنِيَّ عَلى البَوْلِ والحَيْضِ، قالُوا: ولِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن مَخْرَجِ البَوْلِ، ولِأنَّ المَذْيَ جُزْءٌ مِنَ المَنِيِّ؛ لِأنَّ الشَّهْوَةَ تُحَلِّلُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما فاشْتَرَكا في النَّجاسَةِ. وَأمّا حُجَّةُ مَن قالَ: إنَّهُ نَجِسٌ، وإنَّ يابِسَهُ يُطَهَّرُ بِالفَرْكِ ولا يَحْتاجُ إلى الغَسْلِ فَهي ظَواهِرُ نُصُوصٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ومِن أوْضَحِها في ذَلِكَ حَدِيثُ عائِشَةَ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ الَّذِي قَدَّمْناهُ آنِفًا: «كُنْتُ أفْرُكُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا كانَ يابِسًا، وأغْسِلُهُ إذا كانَ رَطْبًا» . وَقالَ المُجِدُّ (في مُنْتَقى الأخْبارِ) بَعْدَ أنْ ساقَ هَذِهِ الرِّوايَةَ ما نَصُّهُ: قُلْتُ: فَقَدْ بانَ مِن مَجْمُوعِ النُّصُوصِ جَوازُ الأمْرَيْنِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: إيضاحُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذا الحَدِيثِ لِهَذا القَوْلِ: أنَّ الحِرْصَ (p-٤٠١)عَلى إزالَةِ المَنِيِّ بِالكُلِّيَّةِ دَلِيلٌ عَلى نَجاسَتِهِ، والِاكْتِفاءَ بِالفَرْكِ في يابِسِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى الماءِ. ولا غَرابَةَ في طَهارَةِ مُتَنَجِّسٍ بِغَيْرِ الماءِ؛ فَإنَّ ما يُصِيبُ الخِفافَ والنِّعالَ مِنَ النَّجاساتِ المُجْمَعِ عَلى نَجاسَتِها يُطَهَّرُ بِالدَّلْكِ حَتّى تَزُولَ عَيْنُهُ. ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ الشَّوْكانِيِّ: إنَّهُ يُطَهَّرُ مُطْلَقًا بِالإزالَةِ دُونَ الغَسْلِ، لِما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن سَلْتِ رَطْبِهِ بِإذْخِرَةٍ ونَحْوِها. ورَدَّ مَن قالَ: إنَّ المَنِيَّ طاهِرٌ احْتِجاجَ القائِلِينَ بِنَجاسَتِهِ، بِأنَّ الغَسْلَ لا يَدُلُّ عَلى نَجاسَةِ شَيْءٍ، فَلا مُلازَمَةَ بَيْنَ الغَسْلِ والتَّنْجِيسِ؛ لِجَوازِ غَسْلِ الطّاهِراتِ كالتُّرابِ والطِّينِ ونَحْوِهِ يُصِيبُ البَدَنَ أوِ الثَّوْبَ. قالُوا: ولَمْ يَثْبُتْ نَقْلٌ بِالأمْرِ بِغَسْلِهِ، ومُطْلَقُ الفِعْلِ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ زائِدٍ عَلى الجَوازِ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ (في التَّلْخِيصِ): وقَدْ ورَدَ الأمْرُ بِفَرْكِهِ مِن طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ، رَواهُ ابْنُ الجارُودِ، فَفي (المُنْتَقى)، عَنْ مُحْسِنِ بْنِ يَحْيى، عَنْ أبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنِ إبْراهِيمَ، عَنْ هَمّامِ بْنِ الحارِثِ، قالَ: كانَ عِنْدَ عائِشَةَ ضَيْفٌ فَأجْنَبَ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ ما أصابَهُ؛ فَقالَتْ عائِشَةُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنا بِحَتِّهِ - إلى أنْ قالَ: وأمّا الأمْرُ بِغَسْلِهِ فَلا أصْلَ لَهُ. وَأجابُوا عَنْ قَوْلِ عائِشَةَ: ”إنَّما يُجْزِئُكَ أنْ تَغْسِلَ مَكانَهُ“، لِحَمْلِهِ عَلى الِاسْتِحْبابِ؛ لِأنَّها احْتَجَّتْ بِالفَرْكِ. قالُوا: فَلَوْ وجَبَ الغَسْلُ لَكانَ كَلامُها حُجَّةً عَلَيْها لا لَها، وإنَّما أرادَتِ الإنْكارَ عَلَيْهِ في غَسْلِ كُلِّ الثَّوْبِ؛ فَقالَتْ: ”غَسْلُ كُلِّ الثَّوْبِ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، وإنَّما يُجْزِئُكَ في تَحْصِيلِ الأفْضَلِ والأكْمَلِ أنْ تَغْسِلَ مَكانَهُ. . .“ إلَخْ. وَأجابُوا عَنْ قِياسِ المَنِيِّ عَلى البَوْلِ والدَّمِ؛ بِأنَّ المَنِيَّ أصْلُ الأدَمِيِّ المُكَرَّمِ فَهو بِالطِّينِ أشْبَهُ، بِخِلافِ البَوْلِ والدَّمِ. وَأجابُوا عَنْ خُرُوجِهِ مِن مَخْرَجِ البَوْلِ بِالمَنعِ، قالُوا: بَلْ مَخْرَجُهُما مُخْتَلِفٌ، وقَدْ شُقَّ ذَكَرُ رَجُلٍ بِالرُّومِ، فَوُجِدَ كَذَلِكَ، فَلا نُنَجِّسُهُ بِالشَّكِّ. قالُوا: ولَوْ ثَبَتَ أنَّهُ يَخْرُجُ مِن مَخْرَجِ البَوْلِ لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ النَّجاسَةُ؛ لِأنَّ مُلاقاةَ النَّجاسَةِ في الباطِنِ لا تُؤَثِّرُ، وإنَّما تُؤَثِّرُ مُلاقاتُها في الظّاهِرِ. وَأجابُوا عَنْ دَعْوى أنَّ المَذْيَ جُزْءٌ مِنَ المَنِيِّ بِالمَنعِ أيْضًا، قالُوا: بَلْ هو مُخالِفٌ لَهُ في الِاسْمِ والخِلْقَةِ وكَيْفِيَّةِ الخُرُوجِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ والذَّكَرَ يَفْتُرانِ بِخُرُوجِ المَنِيِّ، وأمّا المَذْيُ فَعَكْسُهُ، ولِهَذا مَن بِهِ سَلَسُ المَذْيِ لا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ المَذْيِ. وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها لِلْعُلَماءِ مُناقَشاتٌ كَثِيرَةٌ، كَثِيرٌ مِنها لا طائِلَ تَحْتَهُ. وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا فِيها هو خُلاصَةُ أقْوالِ (p-٤٠٢)العُلَماءِ وحُجَجُهم. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ ‌‌ -: أظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا في هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: أنَّ المَنِيَّ طاهِرٌ؛ لِما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ إسْحاقَ الأزْرَقِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّما هو بِمَنزِلَةِ المُخاطِ والبُصاقِ، وإنَّما يَكْفِيكَ أنْ تَمْسَحَهُ بِخِرْقَةٍ أوْ بِإذْخِرَةٍ»، وهَذا نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ. وَقَدْ قَدَّمْنا عَنْ صاحِبِ المُنْتَقى أنَّ الدّارَقُطْنِيَّ قالَ: لَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ إسْحاقَ الأزْرَقِ عَنْ شَرِيكٍ، وأنَّهُ هو قالَ: قُلْتُ: وهَذا لا يَضُرُّ؛ لِأنَّ إسْحاقَ إمامٌ مُخَرَّجٌ عَنْهُ في الصَّحِيحَيْنِ، فَيُقْبَلُ رَفْعُهُ وزِيادَتُهُ. انْتَهى. وَقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا: أنَّ هَذا هو الحَقُّ؛ فَلَوْ جاءَ الحَدِيثُ مَوْقُوفًا مِن طَرِيقٍ، وجاءَ مَرْفُوعًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى صَحِيحَةٍ حُكِمَ بِرَفْعِهِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ زِيادَةٌ، وزِياداتُ العُدُولِ مَقْبُولَةٌ، قالَ في مَراقِي السُّعُودِ: ؎والرَّفْعُ والوَصْلُ وزِيدَ اللَّفْظُ ∗∗∗ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إمامِ الحِفْظِ - إلَخْ. وَبِهِ تُعْلَمُ صِحَّةُ الِاحْتِجاجِ بِرِوايَةِ إسْحاقَ المَذْكُورِ المَرْفُوعَةِ، ولا سِيَّما أنَّ لَها شاهِدًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى. قالَ ابْنُ حَجَرٍ (في التَّلْخِيصِ) ما نَصُّهُ: فائِدَةٌ - رَوى الدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ إسْحاقَ الأزْرَقِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ ؟ قالَ: ”إنَّما هو بِمَنزِلَةِ المُخاطِ والبُصاقِ»“، وقالَ: «إنَّما يَكْفِيكَ أنْ تَمْسَحَهُ بِخِرْقَةٍ أوْ إذْخِرَةٍ»، ورَواهُ الطَّحاوِيُّ مِن حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا، ورَواهُ هو والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا، قالَ البَيْهَقِيُّ: المَوْقُوفُ هو الصَّحِيحُ. انْتَهى. فَقَدْ رَأيْتُ الطَّرِيقَ الأُخْرى المَرْفُوعَةَ مِن حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهي مُقَوِّيَةٌ لِطَرِيقِ إسْحاقَ الأزْرَقِ المُتَقَدِّمَةِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ البَيْهَقِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والمَوْقُوفُ هو الصَّحِيحُ ولا يَسْقُطُ بِهِ الِاحْتِجاجُ بِالرِّوايَةِ المَرْفُوعَةِ؛ لِأنَّهُ يَرى أنَّ وقْفَ الحَدِيثِ مِن تِلْكَ الطَّرِيقِ عِلَّةٌ في الطَّرِيقِ المَرْفُوعَةِ. وهَذا قَوْلُ مَعْرُوفٍ لِبَعْضِ العُلَماءِ مِن أهْلِ الحَدِيثِ والأُصُولِ، ولَكِنَّ الحَقَّ: أنَّ الرَّفْعَ (p-٤٠٣)زِيادَةٌ مَقْبُولَةٌ مِنَ العَدْلِ، وبِهِ تُعْلَمُ صِحَّةُ الِاحْتِجاجِ بِالرِّوايَةِ المَرْفُوعَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في طَهارَةِ المَنِيِّ، وهي نَصٌّ صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولَمْ يَثْبُتْ في نُصُوصِ الشَّرْعِ شَيْءٌ يُصَرِّحُ بِنَجاسَةِ المَنِيِّ. فَإنْ قِيلَ: أخْرَجَ البَزّارُ، وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مَسْنَدَيْهِما، وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ، والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ والعُقَيْلِيُّ في الضُّعَفاءِ، وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ مِن حَدِيثِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِعَمّارٍ فَذَكَرَ قِصَّةً، وفِيها: «إنَّما تَغْسِلُ ثَوْبَكَ مِنَ الغائِطِ، والبَوْلِ، والمَنِيِّ، والدَّمِ، والقَيْءِ، يا عَمّارُ، ما نُخامَتُكَ ودُمُوعُ عَيْنَيْكَ والماءُ الَّذِي في رَكْوَتِكَ إلّا سَواءً» . فالجَوابُ: أنَّ في إسْنادِهِ ثابِتَ بْنَ حَمّادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ، وضَعَّفَهُ الجَماعَةُ المَذْكُورُونَ كُلُّهم إلّا أبا يَعْلى بِثابِتِ بْنِ حَمّادٍ، واتَّهَمَهُ بَعْضُهم بِالوَضْعِ. وقالَ اللّالَكائِيُّ: أجْمَعُوا عَلى تَرْكِ حَدِيثِهِ. وقالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ لِثابِتٍ إلّا هَذا الحَدِيثَ. وقالَ الطَّبَرانِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ ثابِتُ بْنُ حَمّادٍ، ولا يُرْوى عَنْ عَمّارٍ إلّا بِهَذا الإسْنادِ. وقالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا حَدِيثٌ باطِلٌ، إنَّما رَواهُ ثابِتُ بْنُ حَمّادٍ وهو مُتَّهَمٌ بِالوَضْعِ؛ قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في (التَّلْخِيصِ)، ثُمَّ قالَ: قُلْتُ ورَواهُ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ بْنِ زَكَرِيّا العِجْلِيِّ، عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، لَكِنَّ إبْراهِيمَ ضَعِيفٌ، وقَدْ غُلِطَ فِيهِ، إنَّما يَرْوِيهِ ثابِتُ بْنُ حَمّادٍ. انْتَهى. وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ عَلى نَجاسَةِ المَنِيِّ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القُرْطُبِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِانْتِفاعِ بِالألْبانِ مِنَ الشُّرْبِ وغَيْرِهِ. فَأمّا لَبَنُ المَيْتَةِ فَلا يَجُوزُ الِانْتِفاعُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مائِعٌ طاهِرٌ حَصَلَ في وِعاءٍ نَجِسٍ. وذَلِكَ أنَّ ضَرْعَ المَيْتَةِ نَجِسٌ، واللَّبَنُ طاهِرٌ؛ فَإذا حُلِبَ صارَ مَأْخُوذًا مِن وِعاءٍ نَجِسٍ. فَأمّا لَبْنُ المَرْأةِ المَيْتَةِ فاخْتَلَفَ أصْحابُنا فِيهِ. فَمَن قالَ: إنَّ الإنْسانَ طاهِرٌ حَيًّا ومَيْتًا فَهو طاهِرٌ. ومَن قالَ: يَنْجُسُ بِالمَوْتِ فَهو نَجِسٌ. وعَلى القَوْلَيْنِ جَمِيعًا تَثْبُتُ الحُرْمَةُ؛ لِأنَّ الصَّبِيَّ قَدْ يَتَغَذّى بِهِ كَما يَتَغَذّى مِنَ الحَيَّةِ. وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الرَّضاعُ ما أنْبَتَ اللَّحْمَ وأنْشَزَ العَظْمَ»، ولَمْ يَخُصَّ. انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.

النحل 16:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧]، جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالسَّكَرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: الخَمْرُ؛ لِأنَّ (p-٤٠٤)العَرَبَ تُطْلِقُ اسْمَ السَّكَرِ عَلى ما يَحْصُلُ بِهِ السُّكْرُ، مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ الِاسْمِ. والعَرَبُ تَقُولُ: سِكْرٌ ”- بِالكَسْرِ -“ سَكَرًا [النحل: ٦٧]، ”بِفَتْحَتَيْنِ وسُكْرًا“ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ " . وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: والسَّكَرُ: الخَمْرُ؛ سُمِّيَتْ بِالمَصْدَرِ مِن سَكَرَ سُكْرًا وسَكَرًا، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا. قالَ: ؎وَجاءُونا بِهِمْ سَكَرٌ عَلَيْنا فَأجْلى اليَوْمَ والسَّكْرانُ صاحِي ا هـ. وَمِن إطْلاقِ السَّكَرِ عَلى الخَمْرِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِئْسَ الصُّحاةُ وبِئْسَ الشُّرْبُ شُرْبُهم ∗∗∗ إذا جَرى فِيهِمُ المُزّاءُ والسَّكَرُ وَمِمَّنْ قالَ: بِأنَّ السَّكَرَ في الآيَةِ الخَمْرُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو رُزَيْنٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والكَلْبِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وغَيْرُهم. وقِيلَ: السَّكَرُ: الخَلُّ. وقِيلَ: الطَّعْمُ، وقِيلَ: العَصِيرُ الحُلْوُ. وَإذا عَرَفْتَ أنَّ الصَّحِيحَ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وأنَّ اللَّهَ امْتَنَّ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ بِالخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِها فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَها آياتٌ مَدَنِيَّةٌ بَيَّنَتْ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، وهي ثَلاثُ آياتٍ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى إباحَةِ الخَمْرِ. الأُولى: آيَةُ البَقَرَةِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها بَعْضُ مَعائِبِها ومَفاسِدِها، ولَمْ يُجْزَمْ فِيها بِالتَّحْرِيمِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩]، وبَعْدَ نُزُولِها تَرَكَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ الَّذِي فِيها، وشَرِبَها آخَرُونَ لِلْمَنافِعِ الَّتِي فِيها. الثّانِيَةُ: آيَةُ النِّساءِ الدّالَّةُ عَلى تَحْرِيمِها في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، دُونَ الأوْقاتِ الَّتِي يَصْحُو فِيها الشّارِبُ قَبْلَ وقْتِ الصَّلاةِ، كَما بَيْنَ صَلاةِ العِشاءِ وصَلاةِ الصُّبْحِ، وما بَيْنَ صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ الظُّهْرِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٣] . الثّالِثَةُ: آيَةُ المائِدَةِ الدّالَّةُ عَلى تَحْرِيمِها تَحْرِيمًا باتًّا، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] . (p-٤٠٥)وَهَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ أتَمَّ دَلالَةٍ وأوْضَحَها؛ لِأنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّها رِجْسٌ، وأنَّها مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، وأمَرَ بِاجْتِنابِها أمْرًا جازِمًا في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾، واجْتِنابُ الشَّيْءِ: هو التَّباعُدُ عَنْهُ، بِأنْ تَكُونَ في غَيْرِ الجانِبِ الَّذِي هو فِيهِ. وعَلَّقَ رَجاءَ الفَلاحِ عَلى اجْتِنابِها في قَوْلِهِ: لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ مَن لَمْ يَجْتَنِبْها لَمْ يُفْلِحْ، وهو كَذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ مَفاسِدِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ [الحجر: ٩١]، ثُمَّ أكَّدَ النَّهْيَ عَنْها بِأنْ أوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، فَهو أبْلَغُ في الزَّجْزِ مِن صِيغَةِ الأمْرِ الَّتِي هي ”انْتَهَوْا“، وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي: أنَّ مِن مَعانِي صِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ، الَّتِي تَرِدُ لَها، الأمْرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢٠]، أيْ: أسْلِمُوا. والجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٧]، يَتَعَلَّقُ بـِ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، وكَرَّرَ لَفْظَ ”مِن“ لِلتَّأْكِيدِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ”مِنهُ“ مُراعاةً لِلْمَذْكُورِ؛ أيْ: تَتَّخِذُونَ مِنهُ، أيْ: مِمّا ذُكِرَ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: ؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ فَقَوْلُهُ: ”كَأنَّهُ“، أيْ: ما ذَكَرَ مِن خُطُوطِ السَّوادِ والبَلْقِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَحْذُوفٍ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، أيْ: ومِن عَصِيرِ ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ، أيْ: عَصِيرِ الثَّمَراتِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]، أيْ: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بـِ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾، [النحل: ٦٦] مَحْذُوفَةٌ دَلَّتْ عَلَيْها الأُولى؛ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ إذا اشْتَرَكا في العامِلِ. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ”الأنْعامِ“ [النحل: ٦٦]، وهو أضْعَفُها عِنْدِي. وَقالَ الطَّبَرِيُّ: التَّقْدِيرُ: ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا؛ فَحَذَفَ ”ما“ . قالَ أبُو حَيّانَ البَحْرُ: وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ثَمَرٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ (p-٤٠٦)وَنَظِيرُ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎ما لَكَ عِنْدِي غَيْرَ سَوْطٍ وحَجَرْ ؎وَغَيْرَ كَبْداءَ شَدِيدَةِ الوَتَرْ ∗∗∗ جادَتْ بِكَفَّيْ كانَ مِن أرَمى البَشَرْ أيْ: بِكَفَّيْ رَجُلٍ كانَ ”إلَخْ“، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو حَيّانَ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: أظْهَرُ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ﴾، يَتَعَلَّقُ بـِ: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، أيْ: تَتَّخِذُونَ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ، وأنَّ ”مِن“، الثّانِيَةَ: تَوْكِيدٌ لِلْأُولى. والضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: مِنهُ، عائِدٌ إلى جِنْسِ الثَّمَرِ المَفْهُومِ مِن ذِكْرِ الثَّمَراتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * تَنْبِيهٌ. اعْلَمْ: أنَّ التَّحْقِيقَ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ [النحل: ٦٧] مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ ”المائِدَةِ“ المَذْكُورَةِ. فَما جَزَمَ بِهِ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ فِيهِ وفي شَرْحِهِ (نَشْرِ البُنُودِ) مِن أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ لَيْسَ نَسْخًا لِإباحَتِها الأُولى؛ بِناءً عَلى أنَّ إباحَتَها الأُولى إباحَةٌ عَقْلِيَّةٌ، والإباحَةُ العَقْلِيَّةُ هي البَراءَةُ الأصْلِيَّةُ، وهي بِعَيْنِها اسْتِصْحابُ العَدَمِ الأصْلِيِّ، وهي لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَرَفَعُها لَيْسَ بِنَسْخٍ. وقَدْ بَيَّنَ في المَراقِي: أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَما مِنَ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ قَدْ أُخِذَتْ فَلَيْسَتِ الشَّرْعِيَّةَ وَقالَ أيْضًا في إباحَةِ الخَمْرِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ: ؎أباحَها في أوَّلِ الإسْلامِ ∗∗∗ بَراءَةٌ لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ كُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، بَلْ غَيْرَ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ إباحَةَ الخَمْرِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ دَلَّتْ عَلَيْها هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةُ، الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٧]، وما دَلَّتْ عَلى إباحَتِهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ إباحَتَهُ عَقْلِيَّةٌ، بَلْ هي إباحَةٌ شَرْعِيَّةٌ مَنصُوصَةٌ في كِتابِ اللَّهِ، فَرَفْعُها نَسْخٌ. نَعَمْ ! عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَعْنى السَّكَّرِ في الآيَةِ: الخَلُّ أوِ الطَّعْمُ أوِ العَصِيرُ؛ فَتَحْرِيمُ الخَمْرِ لَيْسَ نَسْخًا لِإباحَتِها، وإباحَتُها الأُولى: عَقْلِيَّةٌ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا المَبْحَثَ في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ (p-٤٠٧)الكِتابِ) . فَإنْ قِيلَ: الآيَةَ وارِدَةٌ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، والأخْبارُ لا يَدْخُلُها النَّسْخُ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: فالجَوابُ: أنَّ النَّسْخَ وارِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ مِن إباحَةِ الخَمْرِ. الإباحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَسائِرِ الأحْكامِ قابِلٌ لِلنَّسْخِ؛ فَلَيْسَ النَّسْخُ وارِدًا عَلى نَفْسِ الخَبَرِ، بَلْ عَلى الإباحَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الخَبَرِ؛ كَما حَقَّقَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ وغَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، أيِ: التَّمْرَ، والرُّطَبَ، والعِنَبَ، والزَّبِيبَ، والعَصِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ. * * تَنْبِيهٌ آخَرُ. اعْلَمْ: أنَّ النَّبِيذَ الَّذِي يُسْكِرُ مِنهُ الكَثِيرُ لا يَجُوزُ أنْ يُشْرَبَ مِنهُ القَلِيلُ الَّذِي لا يُسْكِرُ لِقِلَّتِهِ. وهَذا مِمّا لا شَكَّ فِيهِ. فَمَن زَعَمَ جَوازَ شُرْبِ القَلِيلِ الَّذِي لا يُسْكِرُ مِنهُ كالحَنَفِيَّةِ وغَيْرِهِمْ، فَقَطْ غَلِطَ غَلَطًا فاحِشًا؛ لِأنَّ ما يُسْكِرُ كَثِيرُهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ أنَّهُ مُسْكِرٌ، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ”كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ“، وقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ خَمْرٍ حَرامٌ»، ولَوْ حاوَلَ الخَصْمُ أنْ يُنازِعَ في مَعْنى هَذِهِ الأحادِيثِ، فَزَعَمَ أنَّ القَلِيلَ الَّذِي لا يُسْكِرُ يَرْتَفِعُ عَنْهُ اسْمُ الإسْكارِ فَلا يَلْزَمُ تَحْرِيمُهُ، قُلْنا: صَرَّحَ ﷺ بِأنَّ «ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ»، وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ لا يُمْكِنُ مَعَهُ كَلامٌ. وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وما أسْكَرَ الفَرَقُ مِنهُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنهُ حَرامٌ»، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ»، رَواهُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ. ولِأبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ، والتِّرْمِذِيِّ مِثْلُهُ سَواءٌ مِن حَدِيثِ جابِرٍ. وكَذا لِأحْمَدَ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. وكَذَلِكَ الدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ الإمامِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وعَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”نَهى عَنْ قَلِيلِ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ»“، رَواهُ النَّسائِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتاهُ قَوْمٌ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَنْبِذُ النَّبِيذَ فَنَشْرَبُهُ عَلى غَدائِنا وعَشائِنا ؟ فَقالَ: ”اشْرَبُوا فَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ“ . فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَكْسِرُهُ بِالماءِ ؟ (p-٤٠٨)فَقالَ: ”حَرامٌ قَلِيلُ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ»“، رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ. اه. بِواسِطَةِ نَقْلِ المُجِدِّ في (مُنْتَقى الأخْبارِ) . فَهَذِهِ الأحادِيثُ لا لَبْسَ مَعَها في تَحْرِيمِ قَلِيلِ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ (في فَتْحِ البارِي) في شَرْحِ قَوْلِهِ ﷺ عِنْدَ البُخارِيِّ: «كُلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فَهو حَرامٌ»، ما نَصُّهُ: فَعِنْدَ أبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ»، ولِلنَّسائِيِّ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مِثْلُهُ، وسَنَدُهُ إلى عَمْرٍو صَحِيحٌ. ولِأبِي داوُدَ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ مَرْفُوعًا: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وما أسْكَرَ مِنهُ الفَرَقُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنهُ حَرامٌ»، ولِابْنِ حِبّانَ والطَّحاوِيِّ مِن حَدِيثِ عامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أنْهاكم عَنْ قَلِيلِ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ»، وقَدِ اعْتَرَفَ الطَّحاوِيُّ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأحادِيثِ - إلى أنْ قالَ: وجاءَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ والطَّبَرانِيِّ، وعَنْ خَوّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ والحاكِمِ والطَّبَرانِيِّ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ. وفي أسانِيدِها مَقالٌ؛ لَكِنَّها تَزِيدُ الأحادِيثَ الَّتِي قَبْلَها قُوَّةً وشُهْرَةً. قالَ أبُو المُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعانِيِّ (وكانَ حَنَفِيًّا فَتَحَوَّلَ شافِعِيًّا): ثَبَتَتِ الأخْبارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَحْرِيمِ المُسْكِرِ. ثُمَّ ساقَ كَثِيرًا مِنها، ثُمَّ قالَ: والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ولا مَساغَ لِأحَدٍ في العُدُولِ عَنْها والقَوْلِ بِخِلافِهِ؛ فَإنَّها حُجَجٌ قَواطِعُ. قالَ: وقَدْ زَلَّ الكُوفِيُّونَ في هَذا البابِ، ورَوَوْا فِيهِ أخْبارًا مَعْلُولَةً، لا تُعارِضُ هَذِهِ الأخْبارَ بِحالٍ. ومَن ظَنَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ مُسْكِرًا فَقَدْ دَخَلَ في أمْرٍ عَظِيمٍ، وباءَ بِإثْمٍ كَبِيرٍ. وإنَّما الَّذِي شَرِبَهُ كانَ حُلْوًا ولَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا. وقَدْ «رَوى ثُمامَةُ بْنُ حَزْنٍ القُشَيْرِيُّ: أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيذِ ؟ فَدَعَتْ جارِيَةً حَبَشِيَّةً فَقالَتْ: سَلْ هَذِهِ، فَإنَّها كانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتِ الحَبَشِيَّةُ: كُنْتُ أنْبِذُ لَهُ في سِقاءٍ مِنَ اللَّيْلِ، وأُوكِثُهُ وأُعَلِّقُهُ فَإذا أصْبَحَ شَرِبَ مِنهُ» . أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَرَوى الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ. ثُمَّ قالَ: فَقِياسُ النَّبِيذِ عَلى الخَمْرِ بِعِلَّةِ الإسْكارِ والِاضْطِرابِ مِن أجَلِّ الأقْيِسَةِ وأوْضَحِها، والمَفاسِدُ الَّتِي تُوجَدُ في الخَمْرِ ‌‌تُوجَدُ في النَّبِيذِ، إلى أنْ قالَ: وعَلى الجُمْلَةِ، فالنُّصُوصُ المُصَرِّحَةُ بِتَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ - قَلَّ أوْ كَثُرَ - مُغْنِيَةٌ عَنِ القِياسِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وَقَدْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: لا يَصِحُّ في حِلِّ النَّبِيذِ الَّذِي يُسْكِرُ كَثِيرُهُ عَنِ الصَّحابَةِ (p-٤٠٩)شَيْءٌ ولا عَنِ التّابِعِينَ؛ إلّا عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن (فَتْحِ البارِي) بِحَذْفِ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: تَحْرِيمُ قَلِيلِ النَّبِيذِ الَّذِي يُسْكِرُ كَثِيرُهُ لا شَكَّ فِيهِ؛ لِما رَأيْتُ مِن تَصْرِيحِ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ: «ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ» . واعْلَمْ: أنَّ قِياسَ النَّبِيذِ المُسْكِرِ كَثِيرُهُ عَلى الخَمْرِ بِجامِعِ الإسْكارِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ بِأنَّ «كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ»، والقِياسُ يُشْتَرَطُ فِيهِ ألّا يَكُونَ حُكْمُ الفَرْعِ مَنصُوصًا عَلَيْهِ كَحُكْمِ الأصْلِ. كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَحَيْثُما يَنْدَرِجُ الحُكْمانِ في النَّصِّ فالأمْرانِ قُلْ سِيّانِ وَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وجاءَ أهْلُ الكُوفَةِ بِأخْبارٍ مَعْلُولَةٍ، وإذا اخْتَلَفَ النّاسُ في الشَّيْءِ وجَبَ رَدُّ ذَلِكَ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ . اه. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنها أنَّ السَّكَرَ المُتَّخَذَ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ لا بَأْسَ بِهِ، لِأنَّ اللَّهَ امْتَنَّ بِهِ عَلى عِبادِهِ في سُورَةِ الِامْتِنانِ الَّتِي هي سُورَةُ ”النَّحْلِ“ . وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى الخَمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠]، لِأنَّهُ وصَّفَها بِأنَّها رِجْسٌ، وأنَّها مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وأمَرَ (p-٣١٩)بِاجْتِنابِها ورَتَّبَ عَلَيْهِ رَجاءَ الفَلاحِ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مَن لَمْ يَجْتَنِبْها لَمْ يُفْلِحْ، وهو كَذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنَ ﷺ أنَّ كُلَّ ما خامَرَ العَقْلَ فَهو خَمْرٌ، وأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وأنَّ ما أسْكَرُ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ. والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ آيَةَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ الآيَةَ، ونَسْخُها لَهُ هو التَّحْقِيقُ خِلافًا لِما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ لَيْسَ نَسْخًا لِإباحَتِها الأُولى، لِأنَّ إباحَتَها الأوْلى إباحَةٌ عَقْلِيَّةٌ وهي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ بِالبَراءَةِ الأُصُولِيَّةِ، وتُسَمّى اسْتِصْحابَ العَدَمِ الأصْلِيِّ. والإباحَةُ العَقْلِيَّةُ لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ حَتّى يَكُونَ رَفْعُها نَسْخًا، ولَوْ كانَ رَفْعُها نَسْخًا لَكانَ كُلُّ تَكْلِيفٍ في الشَّرْعِ ناسِخًا لِلْبَراءَةِ الأصْلِيَّةِ مِنَ التَّكْلِيفِ بِهِ وإلى كَوْنِ الإباحَةِ العَقْلِيَّةِ لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَما مِنَ الإباحَةِ العَقْلِيَّةِ قَدْ أُخِذَتْ فَلَيْسَتِ الشَّرْعِيَّةَ كَما أشارَ إلى أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ لَيْسَ نَسْخًا لِإباحَتِها، لِأنَّها إباحَةٌ عَقْلِيَّةٌ، ولَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ حَتّى يَكُونَ رَفْعُها نَسْخًا بِقَوْلِهِ: ؎أباحَها في أوَّلِ الإسْلامِ ∗∗∗ بَراءَةً لَيْسَتْ مِنَ الأحْكامِ وَإنَّما قُلْنا: إنَّ التَّحْقِيقَ هو كَوْنُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ ناسِخًا لِإباحَتِها، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ يَدُلُّ عَلى إباحَةِ الخَمْرِ شَرْعًا، فَرَفْعُ هَذِهِ الإباحَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالقُرْآنِ رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَهو نَسْخٌ بِلا شَكٍّ ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ إباحَتُها عَقْلِيَّةً إلّا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَما هو ظاهِرٌ. وَمَعْلُومٌ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ الخَمْرَ نَزَلَتْ في شَأْنِها أرْبَعُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ: الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى إباحَتِها. الثّانِيَةُ: الآيَةُ الَّتِي ذُكِرَ فِيها بَعْضُ مَعائِبِها، وأنَّ فِيها مَنافِعَ وصَرَّحَتْ بِأنَّ إثْمَها أكْبَرُ مِن نَفْعِها، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩]، فَشَرِبَها بَعْدَ نُزُولِها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ المَذْكُورَةِ وتَرَكَها آخَرُونَ لِلْإثْمِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِنَ المَنافِعِ. (p-٣٢٠)الثّالِثَةُ: الآيَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِها في أوْقاتِ الصَّلاةِ دُونَ غَيْرِها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٣] . الرّابِعَةُ: الآيَةُ الَّتِي حَرَّمَتْها تَحْرِيمًا باتًّا مُطْلَقًا وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ السَّكَرَ الطَّعْمُ، كَما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو عُبَيْدَةَ أوْ أنَّهُ الخَلُّ، فَلا إشْكالَ في الآيَةِ.

النحل 16:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ الآيَةَ، المُرادُ بِالإيحاءِ هُنا: الإلْهامُ. والعَرَبُ تُطْلِقُ الإيحاءَ عَلى الإعْلامِ بِالشَّيْءِ في خُفْيَةٍ؛ ولِذا تُطْلِقُهُ عَلى الإشارَةِ، وعَلى الكِتابَةِ، وعَلى الإلْهامِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، أيْ: ألْهَمَها. وقالَ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً﴾ الآيَةَ [مريم: ١١]، أيْ: أشارَ إلَيْهِمْ. وسَمّى أمْرَهُ لِلْأرْضِ إيحاءً في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٤، ٥]، ومِن إطْلاقِ الوَحْيِ عَلى الكِتابَةِ قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎فَمَدافِعُ الرَّيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها خَلَقًا كَما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها فَ ”الوُحِيَّ“ في البَيْتِ (بِضَمِّ الواوِ وكَسْرِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ) جَمْعُ وحْيٍ بِمَعْنى الكِتابَةِ. وسَيَأْتِي لِهَذِهِ المَسْألَةِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - زِيادَةُ إيضاحٍ.

النحل 16:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنكم مَّنْ يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَمُوتُ قَبْلَ بُلُوغِ أرْذَلِ العُمُرِ، ومِنهم مَن يُعَمِّرُ حَتّى يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ. وأرْذَلُ العُمُرِ آخِرُهُ الَّذِي تَفْسَدُ فِيهِ الحَواسُّ، ويَخْتَلُّ فِيهِ النُّطْقُ والفِكْرُ، وخُصَّ بِالرَّذِيلَةِ؛ لِأنَّهُ حالٌ لا رَجاءَ بَعْدَها لِإصْلاحِ ما فَسَدَ. بِخِلافِ حالِ الطُّفُولَةِ، فَإنَّها حالَةٌ يُنْتَقَلُ مِنها إلى القُوَّةِ وإدْراكِ الأشْياءِ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿وَمِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، • وقَوْلِهِ في الرُّومِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِّنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن (p-٤١٠)بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ الآيَةَ [الروم: ٥٤]، وأشارَ إلى ذَلِكَ أيْضًا • بِقَوْلِهِ: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١]، • وقَوْلِهِ في سُورَةِ المُؤْمِنِ: ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَّنْ يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُّسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ [غافر: ٦٧] . وَقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: بابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]، حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ مُوسى أبُو عَبْدِ اللَّهِ الأعْوَرُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَدْعُو: ”أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ البُخْلِ والكَسَلِ، وأرْذَلِ العُمُرِ، وعَذابِ القَبْرِ، وفِتْنَةِ الدَّجّالِ، وفِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ»“، اه. وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: أنَّ أرْذَلَ العُمُرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً. وعَنْ قَتادَةَ: تِسْعُونَ سَنَةً. والظّاهِرُ أنَّهُ لا تَحْدِيدَ لَهُ بِالسِّنِينَ، وإنَّما هو بِاعْتِبارِ تَفاوُتِ حالِ الأشْخاصِ؛ فَقَدْ يَكُونُ ابْنُ خَمْسٍ وسَبْعِينَ أضْعَفَ بَدَنًا وعَقْلًا، وأشَدَّ خَرَفًا مِن آخَرَ ابْنِ تِسْعِينَ سَنَةً، وظاهِرُ قَوْلِ زُهَيْرٍ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ ومَن يَعِشْ ثَمانِينَ حَوْلًا لا أبًا لَكَ يَسْأمِ ∗∗∗ أنَّ ابْنَ الثَّمانِينَ بالِغُ أرْذَلِ العُمُرِ ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎إنَّ الثَّمانِينَ وبُلِّغْتُها ∗∗∗ قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تُرْجُمانْ وَقَوْلُهُ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠] (أيْ يُرَدُّ إلى أرْذَلَ العُمُرِ، لِأجْلِ أنْ يَزُولَ ما كانَ يَعْلَمُ مِنَ العِلْمِ أيّامَ الشَّبابَ، ويَبْقى لا يَدْرِي شَيْئًا؛ لِذَهابِ إدْراكِهِ بِسَبَبِ الخَوْفِ. ولِلَّهِ في ذَلِكَ حِكْمَةٌ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ العُلَماءَ العامِلِينَ لا يَنالُهم هَذا الخَرَفُ وضَياعُ العِلْمِ والعَقْلِ مِن شِدَّةِ الكِبَرِ، ويُسْتَرْوَحُ لِهَذا المَعْنى مِن بَعْضِ التَّفْسِيراتِ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الآيَةَ [التين: ٥ - ٦] .

النحل 16:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، أظْهَرُ التَّفْسِيراتِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ ضَرَبَ فِيها مَثَلًا لِلْكُفّارِ، بِأنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ، ومِن ذَلِكَ تَفْضِيلُهُ المالِكِينَ عَلى المَمْلُوكِينَ في الرِّزْقِ، وأنَّ المالِكِينَ لا يَرْضَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَكُونَ المَمْلُوكُونَ شُرَكاءَهم فِيما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ (p-٤١١)الأمْوالِ والنِّساءِ وجَمِيعِ نِعَمِ اللَّهِ. ومَعَ هَذا يَجْعَلُونَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ في حَقِّهِ عَلى خَلْقِهِ، الَّذِي هو إخْلاصُ العِبادَةِ لَهُ وحْدَهُ، أيْ: إذا كُنْتُمْ لا تَرْضَوْنَ بِإشْراكِ عَبِيدِكم مَعَكم في أمْوالِكم ونِسائِكم: فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ عَبِيدِي مَعِي في سُلْطانِيا ؟ ! . وَيَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨]، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١]، نافِيَةٌ، أيْ: لَيْسُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلَيْهِمْ حَتّى يُسَوُّوهم مَعَ أنْفُسِهِمْ. اه. فَإذا كانُوا يَكْرَهُونَ هَذا لِأنْفُسِهِمْ: فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ الأوْثانَ مَعَ اللَّهِ في عِبادَتِها مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها مِلْكُهُ ؟ ! ! كَما كانُوا يَقُولُونَ في تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ نَصٌّ صَرِيحٌ في إبْطالِ مَذْهَبِ الِاشْتِراكِيَّةِ القائِلِ: بِأنَّهُ لا يَكُونُ أحَدٌ أفْضَلَ مِن أحَدٍ في الرِّزْقِ، ولِلَّهِ في تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ حِكْمَةٌ؛ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٢]، وقالَ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقالَ: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلانِ آخَرانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناها أنَّهُ جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ في الرِّزْقِ؛ فَرَزَقَكم أفْضَلَ مِمّا رَزَقَ كَلِمَةً واحِدَةً، وهم بَشَرٌ مِثْلُكم وإخْوانُكم؛ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ تَرُدُّوا فَضْلَ ما رُزِقْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ، حَتّى تَساوَوْا في المَلْبَسِ والمَطْعَمِ؛ كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ أمَرَ مالِكِي العَبِيدِ أنْ يُطْعِمُوهم مِمّا يَطْعَمُونَ، ويَكْسُوهم مِمّا يَلْبَسُونَ "، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١]، لَوْمٌ لَهم، وتَقْرِيعٌ عَلى ذَلِكَ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - هو رازِقُ المالِكِينَ والمَمْلُوكِينَ جَمِيعًا؛ فَهم في رِزْقِهِ سَواءٌ، فَلا يَحْسَبَنَّ المالِكُونَ أنَّهم يَرُدُّونَ عَلى مَمالِيكِهِمْ شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ، فَإنَّما ذَلِكَ رِزْقُ اللَّهِ يُجْرِيهِ لَهم عَلى أيْدِيهِمْ. والقَوْلُ الأوَّلُ: هو الأظْهَرُ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، (p-٤١٢)وَيَدُلُّ لَهُ القُرْآنُ كَما بَيَّنّا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُهُ ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]، إنْكارٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ جُحُودَهم بِنِعْمَتِهِ؛ لِأنَّ الكافِرَ يَسْتَعْمِلُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَيَسْتَعِينُ بِكُلِّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ عَلى مَعْصِيَتِهِ، فَإنَّهُ يَرْزُقُهم ويُعافِيهِمْ، وهم يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وجَحَدَ: تَتَعَدّى بِالباءِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِها﴾ الآيَةَ [النمل: ١٤]، وقَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]، والجُحُودُ بِالنِّعْمَةِ هو كُفْرانُها.

النحل 16:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ امْتَنَّ عَلى بَنِي آدَمَ أعْظَمَ مِنَّةٍ بِأنْ جَعَلَ لَهم مِن أنْفُسِهِمْ أزْواجًا مِن جِنْسِهِمْ وشَكْلِهِمْ، ولَوْ جَعَلَ الأزْواجَ مِن نَوْعٍ آخَرَ ما حَصَلَ الائْتِلافُ والمَوَدَّةُ والرَّحْمَةُ. وَلَكِنْ مِن رَحْمَتِهِ خَلَقَ مِن بَنِي آدَمَ ذُكُورًا وإناثًا، وجَعَلَ الإناثَ أزْواجًا لِلذُّكُورِ، وهَذا مِن أعْظَمِ المِنَنِ، كَما أنَّهُ مِن أعْظَمِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - هو المُسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ. وَأوْضَحَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وأنَّها مِن آياتِهِ - جَلَّ وعَلا -؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]، • وقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٨٩] . واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالحَفَدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الحَفَدَةُ: أوْلادُ الأوْلادِ، أيْ: وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ، ومِنَ البَنِينَ حَفَدَةً. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الحَفَدَةُ الأعْوانُ والخَدَمُ مُطْلَقًا؛ ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ: ؎حَفَدُ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأسْلَمَتْ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأجْمالِ أيْ: أسْرَعَتِ الوَلائِدُ الخِدْمَةَ، والوَلائِدُ الخَدَمُ. الواحِدَةُ ولِيدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎كَلَّفْتُ مَجْهُولَها نُوقًا يَمانِيَةً ∗∗∗ إذا الحُداةُ عَلى أكْسائِها حَفَدُوا أيْ: أسْرَعُوا في الخِدْمَةِ. (p-٤١٣)وَمِنهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الحَفْدِ الَّتِي نُسِخَتْ: وإلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ، أيْ: نُسْرِعُ في طاعَتِكَ. وسُورَةُ الخُلْعِ وسُورَةُ الحَفْدِ اللَّتانِ نُسِخَتا يُسَنُّ عِنْدَ المالِكِيَّةِ القُنُوتُ بِهِما في صَلاةِ الصُّبْحِ، كَما هو مَعْرُوفٌ. وَقِيلَ: الحَفَدَةُ الأخْتانُ، وهم أزْواجُ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ ∗∗∗ لَها حَفْدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ ؎ . ؎وَلَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عَيُوفٌ لِأصْهارِ اللِّئامِ قَذُورُ والقَذُورُ: الَّتِي تَتَنَزَّهُ عَنِ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي، تَباعُدًا عَنِ التَّدَنُّسِ بِقَذَرِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الحَفَدَةُ: جَمْعُ حافِدٍ، اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الحَفْدِ وهو الإسْراعُ في الخِدْمَةِ والعَمَلِ. وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَكُونَ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ قَوْلِ بَعْضِ العُلَماءِ في الآيَةِ. فَنُبَيِّنُ ذَلِكَ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ الحَفَدَةَ أوْلادُ الأوْلادِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]، دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى اشْتِراكِ البَنِينَ والحَفَدَةِ في كَوْنِهِمْ مِن أزْواجِهِمْ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كُلَّهم مِن أوْلادِ أزْواجِهِمْ. ودَعْوى أنَّ قَوْلَهُ: ”وَحَفَدَةً“ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”أزْواجًا“ [النحل: ٧٢]، غَيْرُ ظاهِرَةٍ. كَما أنَّ دَعْوى أنَّهُمُ الأخْتانُ، وأنَّ الأخْتانَ أزْواجُ بَناتِهِمْ، وبَناتُهم مِن أزْواجِهِمْ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ كُلُّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ. وظاهِرُ القُرْآنِ هو ما ذُكِرَ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ والقُرْطُبِيِّ وغَيْرِهِما. ومَعْلُومٌ: أنَّ أوْلادَ الرَّجُلِ، وأوْلادَ أوْلادِهِ: مِن خَدَمِهِ المُسْرِعِينَ في خِدْمَتِهِ عادَةً. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * تَنْبِيهٌ. فِي قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٧٢]، رَدٌّ عَلى العَرَبِ الَّتِي كانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّها كانَتْ تَزَوَّجُ الجِنَّ وتُباضِعُها. حَتّى رُوِيَ أنَّ عَمْرَو بْنَ يُرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مالِكٍ تَزَوَّجَ سَعْلاةً مِنهم، وكانَ يُخَبِّؤُها عَنْ سَنا البَرْقِ لِئَلّا تَراهُ فَتَنْفِرُ. فَلَمّا كانَ في بَعْضِ اللَّيالِي لَمَعَ البَرْقُ وعايَنَتْهُ السَّعْلاةُ، فَقالَتْ: عَمْرُو ! ونَفَرَتْ. فَلَمْ يَرَها أبَدًا؛ ولِذا قالَ عِلْباءُ بْنُ أرْقَمَ يَهْجُو أوْلادَ عَمْرٍو المَذْكُورِ: ؎ألا لَحى اللَّهُ بَنِي السَّعْلاةْ عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ لِئامَ النّاتْ. ؎(p-٤١٤)لَيْسُوا بِأعْفافٍ ولا أكَياتْ وَقَوْلُهُ: ”النّاتُ“، أصْلُهُ ”النّاسُ“ أُبْدِلَتْ فِيهِ السِّينُ تاءً. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ”أكَياتٌ“ أصْلُهُ ”أكْياسٌ“ جَمْعُ كَيِّسٍ، أُبْدِلَتْ فِيهِ السِّينُ تاءً أيْضًا. وقالَ المَعَرِّيُّ يَصِفُ مَراكِبَ إبِلٍ مُتَغَرِّبَةٍ عَنِ الأوْطانِ: إذا رَأتْ لَمَعانَ البَرْقِ تَشْتاقُ إلى أوْطانِها. فَزَعَمَ أنَّهُ يَسْتُرُ عَنْها البَرْقَ لِئَلّا يُشَوِّقُها إلى أوْطانِها، كَما كانَ عَمْرٌو يَسْتُرُهُ عَنْ سَعْلاتِهِ: ؎إذا لاحَ إيماضٌ سَتَرْتُ وُجُوهَها ∗∗∗ كَأنِّي عَمْرٌو والمُطِيُّ سَعالِي والسَّعْلاةُ: عَجُوزُ الجِنِّ. وقَدْ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أحَدُ أبَوَيْ بِلْقِيسَ كانَ جِنِّيًّا» . قالَ صاحِبُ الجامِعِ الصَّغِيرِ: أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في التَّفْسِيرِ، وابْنُ عَساكِرَ: وقالَ شارِحُهُ المَناوِيُّ: في إسْنادِهِ سَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ قالَ في المِيزانِ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: ضَعِيفٌ. وعَنِ ابْنِ مُسْهِرٍ: لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِنا أحْفَظُ مِنهُ، وهو ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الحَدِيثِ، ثُمَّ ساقَ مِن مَناكِيرِهِ هَذا الخَبَرَ اه. وبَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ أوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ في الضُّعَفاءِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يُحْتَجُّ بِهِ. ووَثَّقَهُ النَّسائِيُّ. انْتَهى. وَقالَ المَناوِيُّ في شَرْحِ حَدِيثِ «أحَدُ أبَوَيْ بِلْقِيسَ كانَ جِنِّيًا»، قالَ قَتادَةُ: ولِهَذا كانَ مُؤَخَّرُ قَدَمَيْها كَحافِرِ الدّابَّةِ. وجاءَ في آثارٍ: أنَّ الجِنِّيَّ الأُمُّ، وذَلِكَ أنَّ أباها مَلِكَ اليَمَنِ خَرَجَ لِيَصِيدَ فَعَطِشَ، فَرُفِعَ لَهُ خِباءٌ فِيهِ شَيْخٌ فاسْتَسْقاهُ، فَقالَ: يا حَسَنَةُ، اسْقِي عَمَّكِ؛ فَخَرَجَتْ كَأنَّها شَمْسٌ بِيَدِها كَأْسٌ مِن ياقُوتٍ. فَخَطَبَها مِن أبِيها، فَذَكَرَ أنَّهُ جِنِّيُّ، وزَوَّجَها مِنهُ بِشَرْطِ أنَّهُ إنْ سَألَها عَنْ شَيْءٍ عَمِلَتْهُ فَهو طَلاقُها. فَأتَتْ مِنهُ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ، ولَمْ يُذَكِّرْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَبَحَتْهُ فَكَرَبَ لِذَلِكَ، وخافَ أنْ يَسْألَها فَتَبِينُ مِنهُ. ثُمَّ أتَتْ بِبِلْقِيسَ فَأظْهَرَتِ البِشْرَ؛ فاغْتَمَّ فَلَمْ يَمْلِكْ أنْ سَألَها، فَقالَتْ: هَذا جَزائِي مِنكَ ! باشَرْتُ قَتْلَ ولَدِي مِن أجْلِكَ ! وذَلِكَ أنْ أبِي يَسْتَرِقُ السَّمْعَ فَسَمِعَ المَلائِكَةَ تَقُولُ: إنَّ الوَلَدَ إذا بَلَغَ الحُلُمَ ذَبَحَكَ، ثُمَّ اسْتَرَقَ السَّمْعَ في هَذِهِ فَسَمِعَهم يُعَظِّمُونَ شَأْنَها، ويَصِفُونَ مُلْكَها، وهَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنَكَ؛ فَلَمْ يَرَها بَعْدُ. هَذا مَحْصُولُ ما رَواهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ يَحْيى الغَسّانِيِّ. اه مِن شَرْحِ المَناوِيِّ لِلْجامِعِ الصَّغِيرِ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ ”سُورَةِ النَّحْلِ“: كانَ أبُو بِلْقِيسَ وهو: السَّرْحُ بْنُ الهُداهِدِ بْنِ شُراحِيلَ، مَلِكًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، وكانَ يَقُولُ لِمُلُوكِ الأطْرافِ: لَيْسَ أحَدٌ مِنكم كُفْأً لِي. وأبى (p-٤١٥)أنْ يَتَزَوَّجَ مِنهم؛ فَزَوَّجُوهُ امْرَأةً مِنَ الجِنِّ يُقالُ لَها رَيْحانَةُ بَنَتُ السَّكَنِ؛ فَوَلَدَتْ لَهُ بِلْقِمَةَ وهي بِلْقِيسُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ غَيْرُها. وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كانَ أحَدُ أبَوَيْ بِلْقِيسَ جِنِّيًّا» ‌‌ - إلى أنْ قالَ: ويُقالُ: إنَّ سَبَبَ تَزَوُّجِ أبِيها مِنَ الجِنِّ أنَّهُ كانَ وزِيرًا لِمَلِكٍ عاتٍ‌‌، يَغْتَصِبُ نِساءَ الرَّعِيَّةِ، وكانَ الوَزِيرُ غَيُورًا فَلَمْ يَتَزَوَّجْ. فَصَحِبَ مَرَّةً في الطَّرِيقِ رَجُلًا لا يَعْرِفُهُ، فَقالَ: هَلْ لَكَ مِن زَوْجَةٍ ؟ فَقالَ: لا أتَزَوَّجُ أبَدًا. فَإنَّ مَلِكَ بَلَدِنا يَغْتَصِبُ النِّساءَ مِن أزْواجِهِنَّ. فَقالَ: لَئِنْ تَزَوَّجْتَ ابْنَتِي لا يَغْتَصِبُها أبَدًا. قالَ: بَلْ يَغْتَصِبُها ! قالَ: إنّا قَوْمٌ مِنَ الجِنِّ لا يَقْدِرُ عَلَيْنا. فَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ بِلْقِيسَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّواياتِ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا: ورَوى وُهَيْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حازِمٍ، عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ حاضِرٍ، قالَ: كانَتْ أُمُّ بِلْقِيسَ مِنَ الجِنِّ، يُقالُ لَها: بِلْعِمَةُ بِنْتُ شَيْصانَ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الظّاهِرُ أنَّ الحَدِيثَ الوارِدَ في كَوْنِ «أحَدِ أبَوَيْ بِلْقِيسَ جِنِّيًّا» ضَعِيفٌ. وَكَذَلِكَ الآثارُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ يَثْبُتُ. * * مَسْألَةٌ. اخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ المُناكَحَةِ بَيْنَ بَنِي آدَمَ والجِنِّ. فَمَنَعَها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وأباحَها بَعْضُهم. قالَ المَناوِيُّ (في شَرْحِ الجامِعِ الصَّغِيرِ): فَفي الفَتاوى السِّراجِيَّةِ لِلْحَنَفِيَّةِ: لا تَجُوزُ المُناكَحَةُ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ وإنْسانِ الماءِ؛ لِاخْتِلافِ الجِنْسِ. وفي فَتاوى البارِزِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ: لا يَجُوزُ التَّناكُحُ بَيْنَهُما. ورَجَّحَ ابْنُ العِمادِ جَوازَهُ. اه. وَقالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا مُسْتَنْكَرٌ لِلْعُقُولِ؛ لِتَبايُنِ الجِنْسَيْنِ، واخْتِلافِ الطَّبْعَيْنِ؛ إذِ الآدَمِيُّ جُسْمانِيٌّ، والجِنِّيُّ رُوحانِيٌّ. وهَذا مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ، وذَلِكَ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، والِامْتِزاجُ مَعَ هَذا التَّبايُنِ مَدْفُوعٌ، والتَّناسُلُ مَعَ هَذا الِاخْتِلافِ مَمْنُوعٌ. اه. وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ: نِكاحُهم جائِزٌ عَقْلًا؛ فَإنْ صَحَّ نَقْلًا فَبِها ونِعْمَتْ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: لا أعْلَمُ في كِتابِ اللَّهِ ولا في سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ نَصًّا يَدُلُّ عَلى جَوازِ مُناكَحَةِ الإنْسِ الجِنَّ، بَلِ الَّذِي يُسْتَرْوَحُ مِن ظَواهِرِ الآياتِ عَدَمُ جَوازِهِ. فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٧٢]، مُمْتَنًّا عَلى (p-٤١٦)بَنِي آدَمَ بِأنَّ أزْواجَهم مِن نَوْعِهِمْ وجِنْسِهِمْ، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ما جَعَلَ لَهم أزْواجًا تُبايِنُهم كَمُبايَنَةِ الإنْسِ لِلْجِنِّ، وهو ظاهِرٌ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾، في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما خَلَقَ لَهم أزْواجًا مِن غَيْرِ أنْفُسِهِمْ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن أنَّ: ”النَّكِرَةَ في سِياقِ الِامْتِنانِ تَعُمُّ“، فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]، جَمْعٌ مُنْكَرٌ في سِياقِ الِامْتِنانِ فَهو يَعُمُّ، وإذا عَمَّ دَلَّ ذَلِكَ عَلى حَصْرِ الأزْواجِ المَخْلُوقَةِ لَنا فِيما هو مِن أنْفُسِنا، أيْ: مِن نَوْعِنا وشَكْلِنا. مَعَ أنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ الأُصُولِ زَعَمُوا ”أنَّ الجُمُوعَ المُنْكَرَةَ في سِياقِ الإثْباتِ مِن صِيَغِ العُمُومِ“، والتَّحْقِيقُ أنَّها في سِياقِ الإثْباتِ لا تَعُمُّ، وعَلَيْهِ دَرَجَ في مَراقِي السُّعُودِ؛ حَيْثُ قالَ في تَعْدادِهِ لِلْمَسائِلِ الَّتِي عُدِمَ العُمُومُ فِيها أصَحُّ: ؎مِنهُ مُنْكَرُ الجُمُوعِ عُرْفًا وكانَ والَّذِيَ عَلَيْهِ انْعَطَفا أمّا في سِياقِ الِامْتِنانِ فالنَّكِرَةُ تَعُمُّ. وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ ”أنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ الِامْتِنانِ تَعُمُّ“، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، أيْ: فَكُلُّ ماءٍ نازِلٍ مِنَ السَّماءِ طَهُورٌ. وكَذَلِكَ النَّكِرَةُ في سِياقِ النَّفْيِ أوِ الشَّرْطِ أوِ النَّهْيِ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا﴾ الآيَةَ [الإنسان: ٢٤]، ويَسْتَأْنِسُ لِهَذا • بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]، فَإنَّهُ يَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّ تَرْكَهم ما خَلَقَ اللَّهُ لَهم مِن أزْواجِهِمْ، وتَعَدِّيَهم إلى غَيْرِهِ يَسْتَوْجِبُ المَلامَ، وإنْ كانَ أصْلُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى فاحِشَةِ اللِّواطِ؛ لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦]، فَإنَّهُ وبَّخَهم عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: إتْيانُ الذُّكُورِ. والثّانِي: تَرْكُ ما خَلَقَ لَهم رَبُّهم مِن أزْواجِهِمْ. وَقَدْ دَلَّتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى أنَّ ما خُلِقَ لَهم مِن أزْواجِهِمْ، هو الكائِنُ مِن أنْفُسِهِمْ، أيْ: مِن نَوْعِهِمْ وشَكْلِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]،، وقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ الآيَةَ [الروم: ٢١]، فَيُفِيدُ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهم أزْواجًا مِن غَيْرِ أنْفُسِهِمْ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:73

(p-٤١٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِّنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ بِإنْزالِ المَطَرِ، ولا مِنَ الأرْضِ بِإنْباتِ النَّباتِ. وأكَّدَ عَجْزَ مَعْبُوداتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَرْزُقُوا، والِاسْتِطاعَةُ مَنفِيَّةٌ عَنْهم أصْلًا؛ لِأنَّهم جَمادٌ لَيْسَ فِيهِ قابِلِيَّةُ اسْتِطاعَةِ شَيْءٍ. وَيُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ إلّا مَن يَرْزُقُ الخَلْقَ؛ لِأنَّ أكْلَهم رِزْقَهُ، وعِبادَتَهم غَيْرَهُ كُفْرٌ ظاهِرٌ لِكُلِّ عاقِلٍ. وهَذا المَعْنى المَفْهُومُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ، • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ • وقَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٣١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. * * تَنْبِيهٌ. فِي قَوْلِهِ: شَيْئًا [النحل: ٧٣]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَةُ أوْجَهٍ مِنَ الإعْرابِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: رِزْقًا، مَصْدَرٌ، وأنَّ:، شَيْئًا، مَفْعُولٌ بِهِ لِهَذا المَصْدَرِ؛ أيْ: ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ أنْ يَرْزُقَهم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ. ونَظِيرُ هَذا الإعْرابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ الآيَةَ [البلد: ١٤ - ١٥]، فَقَوْلُهُ: يَتِيمًا مَفْعُولٌ بِهِ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو إطْعامٌ، أيْ: أنْ يُطْعِمَ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ. ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ المَرّارِ بْنِ مُنْقِذٍ التَّمِيمِيِّ: ؎بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ أزَلْنا هامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ فَقَوْلُهُ: ”رُءُوسَ قَوْمٍ“ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْمَصْدَرِ المُنْكَرِ الَّذِي هو قَوْلُهُ ”بِضَرْبٍ“، وإلى هَذا أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: (p-٤١٨) ؎بِفِعْلِهِ المَصْدَرَ الحَقِ في العَمَلِ ∗∗∗ مُضافًا أوْ مُجَرَّدًا أوْ مَعَ ال الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: شَيْئًا، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ رِزْقًا، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالرِّزْقِ هو ما يَرْزُقُهُ اللَّهُ عِبادَهُ؛ لا المَعْنى المَصْدَرِيُّ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: شَيْئًا ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ مِن قَوْلِهِ: يَمْلِكُ، أيْ: لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ المُلْكِ، بِمَعْنى لا يَمْلِكُ مُلْكًا قَلِيلًا أنْ يَرْزُقَهم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ . نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خَلَقَهُ أنْ يَضْرِبُوا لَهُ الأمْثالَ، أيْ: يَجْعَلُوا لَهُ أشْباهًا ونُظَراءَ مِن خَلْقِهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ! . وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ [الشورى: ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النحل 16:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ الآيَةَ، أظْهَرُ الأقْوالِ فِيها: أنَّ المَعْنى أنَّ اللَّهَ إذا أرادَ الإتْيانَ بِها فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِها في أسْرَعِ مِن لَمْحِ البَصَرِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ. ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْنى هي قَرِيبٌ عِنْدَهُ تَعالى كَلَمْحِ البَصَرِ وإنْ كانَتْ بَعِيدًا عِنْدَكم؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦، ٧]، وقالَ: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، واخْتارَ أبُو حَيّانَ في (البَحْرِ المُحِيطِ): أنَّ ”أوْ“ في قَوْلِهِ ”أوْ هو أقْرَبُ“ لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، وتَبِعَ في ذَلِكَ الزَّجّاجَ، قالَ: ونَظِيرُهُ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤] .

النحل 16:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أخْرَجَ بَنِي آدَمَ مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا، وجَعَلَ لَهُمُ الأسْماعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ؛ لِأجْلِ أنْ يَشْكُرُوا لَهُ نِعَمَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا: أنْ ”لَعَلَّ“ لِلتَّعْلِيلِ. ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ شَكَرُوا أوْ لَمْ يَشْكُرُوا؛ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ أكْثَرَهم لَمْ يَشْكُرُوا؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وقالَ: ﴿قُلْ (p-٤١٩)هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا مّا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. تَنْبِيهٌ. لَمْ يَأْتِ السَّمْعُ في القُرْآنِ مَجْمُوعًا، وإنَّما يَأْتِي فِيهِ بِصِيغَةِ الإفْرادِ دائِمًا، مَعَ أنَّهُ يَجْمَعُ ما يُذْكَرُ مَعَهُ كالأفْئِدَةِ والأبْصارِ. وَأظْهَرَ الأقْوالَ في نُكْتَةِ إفْرادِهِ دائِمًا: أنَّ أصْلَهُ مَصْدَرُ سَمِعَ سَمْعًا، والمَصْدَرُ إذا جُعِلَ اسْمًا ذُكِّرَ وأُفْرِدَ؛ كَما قالَ في الخُلاصَةِ: ؎وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا فالتَزَمُوا الإفْرادَ والتَّذْكِيرا

النحل 16:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ تَسْخِيرَهُ الطَّيْرَ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُها إلّا هو، مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] . تَنْبِيهٌ. لَمْ يَذْكُرْ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ الفِعْلَ (بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ) مِن صِيَغِ جُمُوعِ التَّكْسِيرِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنِ اسْتِقْراءِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: أنَّ الفِعْلَ (بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ) جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِفاعِلٍ وصْفًا لِكَثْرَةِ وُرُودِهِ في اللُّغَةِ جَمْعًا لَهُ؛ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ [النحل: ٧٩]، فالطَّيْرُ جَمْعُ طائِرٍ، وكالصَّحْبِ فَإنَّهُ جَمْعُ صاحِبٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلى مَطِيُّهم يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ فَقَوْلُهُ ”صَحْبِي“، أيْ: أصْحابِي. وكالرَّكْبِ فَإنَّهُ جَمْعُ راكِبٍ؛ قالَ تَعالى: ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]، وقالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎أسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عَنْ أشْياعِهِمْ خَبَرا ∗∗∗ أمْ راجَعَ القَلْبَ مَن أطْرابِهِ طَرَبُ فالرَّكْبُ جَمْعُ راكِبٍ. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ضَمِيرَ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: ”عَنْ أشْياعِهِمْ“، (p-٤٢٠)وَكالشُّرْبِ فَإنَّهُ جَمْعُ شارِبٍ. ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ: ؎كَأنَّهُ خارِجًا مِن جَنْبِ صَفْحَتِهِ ∗∗∗ سَفُّودُ شُرْبٍ نَسُوهُ عِنْدَ مُفْتَأدِ فَإنَّهُ رَدَّ عَلى الشُّرْبِ ضَمِيرَ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: ”نَسُوهُ. .“ إلَخْ، وكالسَّفَرِ فَإنَّهُ جَمْعُ سافِرٍ؛ ومِنهُ حَدِيثُ: «أتِمُّوا فَإنّا قَوْمٌ سَفَرٌ»، وقَوْلُ الشَّنْفَرى: ؎كَأنَّ وغاها حَجْرَتَيْهِ وجالَهُ ∗∗∗ أضامِيمُ مِن سَفَرِ القَبائِلِ نُزَّلُ وَكالرَّجُلِ جَمْعُ راجِلٍ؛ ومِنهُ قِراءَةُ الجُمْهُورِ: ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، بِسُكُونِ الجِيمِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الجِيمِ، فالظّاهِرُ أنَّ كَسْرَةَ الجِيمِ إتْباعٌ لِكَسْرَةِ اللّامِ، فَمَعْناهُ مَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ونَحْوُ هَذا كَثِيرٌ جِدًّا في كَلامِ العَرَبِ، فَلا نُطِيلُ بِهِ الكَلامَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:81

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمُ﴾ الآيَةَ، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَّتَهُ عَلى خَلْقِهِ؛ بِأنَّهُ جَعَلَ لَهم سَرابِيلَ تَقِيهِمُ الحَرَّ، أيْ: والبَرْدَ؛ لِأنَّ ما يَقِي الحَرَّ مِنَ اللِّباسِ يَقِي البَرْدَ. والمُرادُ بِهَذِهِ السَّرابِيلِ: القُمْصانُ ونَحْوُها مِن ثِيابِ القُطْنِ والكِتّانِ والصُّوفِ. وقَدْ بَيَّنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الكُبْرى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣١]، أيْ: وتِلْكَ الزِّينَةُ هي ما خَلَقَ اللَّهُ لَهم مِنَ اللِّباسِ الحَسَنِ. وقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، المُرادُ بِها الدُّرُوعُ ونَحْوُها، مِمّا يَقِي لابِسَهُ وقْعَ السِّلاحِ، ويُسَلِّمُهُ مِن بَأْسِهِ. . وَقَدْ بَيَّنَ أيْضًا هَذِهِ النِّعْمَةَ الكُبْرى، واسْتِحْقاقَ مَن أنْعَمَ بِها لِأنْ يُشْكَرَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وإطْلاقُ السَّرابِيلِ عَلى الدُّرُوعِ ونَحْوِها مَعْرُوفٌ. ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ؎شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لَبُوسُهُمُ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ

النحل 16:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ هو الَّذِي يَرْزُقُهم ويُعافِيهِمْ، ويُدَبِّرُ شُؤُونَهم، ثُمَّ يُنْكِرُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ؛ فَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ويُسَوُّونَهُ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يُغْنِي شَيْئًا. وَقَدْ أوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِّنَ (p-٤٢١)السَّماءِ والأرْضِ أمَّنَ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] . فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]، دَلِيلٌ عَلى مَعْرِفَتِهِمْ نِعْمَتَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]، دَلِيلٌ عَلى إنْكارِهِمْ لَها. والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَرُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: «أنَّ أعْرابِيًّا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَسَألَهُ، فَقَرَأ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠]، فَقالَ الأعْرابِيُّ: نَعَمْ ! قالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٨٠]، قالَ الأعْرابِيُّ: نَعَمْ ! ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ الأعْرابِيُّ: نَعَمْ ! حَتّى بَلَغَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]، فَوَلّى الأعْرابِيُّ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣]،» وعَنِ السُّدِّيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، أيْ: نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، أيْ: يُكَذِّبُونَهُ ويُنْكِرُونَ صِدْقَهُ. وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا -: أنَّ بَعْثَةَ نَبِيِّهِ ﷺ فِيهِمْ مِن مِنَنِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦٤]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهم قابَلُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالكُفْرانِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، وقِيلَ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ في الشِّدَّةِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَتِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ أنَّهم كُلَّهم كافِرُونَ. أطْلَقَ الأكْثَرَ وأرادَ الكُلَّ. قالَهُ القُرْطُبِيُّ والشَّوْكانِيُّ. وقالَ الشَّوْكانِيُّ: أوْ أرادَ بِالأكْثَرِ العُقَلاءَ دُونَ الأطْفالِ ونَحْوِهِمْ. أوْ أرادَ كُفْرَ الجُحُودِ، ولَمْ يَكُنْ كُفْرُ كُلِّهِمْ كَذَلِكَ، بَلْ كانَ كُفْرُ بَعْضِهِمْ كُفْرَ جَهْلٍ.

النحل 16:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لَمْ يُبَيِّنْ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُتَعَلِّقَ الإذْنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْذَنُ﴾ [النحل: ٨٤]، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في (المُرْسَلاتِ) أنَّ مُتَعَلِّقَ الإذْنِ الِاعْتِذارُ، أيْ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الِاعْتِذارِ، لِأنَّهم لَيْسَ لَهم عُذْرٌ يَصِحُّ قَبُولُهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦] . (p-٤٢٢)فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ نَفْيِ اعْتِذارِهِمُ المَذْكُورِ هُنا، وبَيْنَ ما جاءَ في القُرْآنِ مِنِ اعْتِذارِهِمْ ؟؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فالجَوابُ مِن أوْجُهٍ: مِنها: أنَّهم يَعْتَذِرُونَ حَتّى إذا قِيلَ لَهم: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، انْقَطَعَ نُطْقُهم ولَمْ يَبْقَ إلّا الزَّفِيرُ والشَّهِيقُ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] . وَمِنها: أنَّ نَفْيَ اعْتِذارِهِمْ يُرادُ بِهِ اعْتِذارٌ فِيهِ فائِدَةٌ. أمّا الِاعْتِذارُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ فَهو كالعَدَمِ، يَصْدُقُ عَلَيْهِ في لُغَةِ العَرَبِ: أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولِذا صَرَّحَ تَعالى بِأنَّ المُنافِقِينَ بُكْمٌ في قَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٧١]، مَعَ قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]، أيْ: لِفَصاحَتِهِمْ وحَلاوَةِ ألْسِنَتِهِمْ. وقالَ عَنْهم أيْضًا: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، فَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - مِن فَصاحَتِهِمْ وحِدَّةِ ألْسِنَتِهِمْ، مَعَ تَصْرِيحِهِ بِأنَّهم بُكُمٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ كَلا شَيْءٍ، كَما هو واضِحٌ. وقالَ هُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ المَخْزُومِيُّ: وَإنَّ كَلامَ المَرْءِ في غَيْرِ كُنْهِهِ لَكالنَّبْلِ تَهْوِي لَيْسَ فِيها نِصالُها. وَقَدْ بَيَّنّا هَذا في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في مَواضِعَ مِنهُ. والتَّرْتِيبُ بـِ ”ثُمَّ“ [النحل: ٨٤] في قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤]، عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤]، لِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ابْتِلاءَهم بِالمَنعِ مِنَ الِاعْتِذارِ المُشْعِرِ بِالإقْناطِ الكُلِّيِّ أشَدُّ مِنِ ابْتِلائِهِمْ بِشَهادَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا هم يَسْتَعْتِبُونَ﴾، اعْلَمْ أوْلًا: أنَّ اسْتَعْتَبَ تُسْتَعْمَلُ في اللُّغَةِ بِمَعْنى طَلَبِ العُتْبى؛ أيْ: الرُّجُوعِ إلى ما يُرْضِي العاتِبِ ويَسُرُّهُ. وتُسْتَعْمَلُ أيْضًا في اللُّغَةِ بِمَعْنى أعْتَبَ: إذا أعْطى العُتْبى، أيْ: رَجَعَ إلى ما يُحِبُّ العاتِبُ ويَرْضى، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ [النحل: ٨٤]، وجْهَيْنِ مِنَ التَّفْسِيرِ مُتَقارِبِي المَعْنى. (p-٤٢٣)قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، أيْ: لا تُطْلَبُ مِنهُمُ العُتْبى، بِمَعْنى لا يُكَلَّفُونَ أنْ يُرْضُوا رَبَّهم؛ لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدارِ تَكْلِيفٍ، فَلا يُرَدُّونَ إلى الدُّنْيا لِيَتُوبُوا. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، أيْ: يُعْتَبُونَ، بِمَعْنى يُزالُ عَنْهُمُ العَتَبُ، ويُعْطَوْنَ العُتْبى وهي الرِّضا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الكافِرِينَ. وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]، أيْ: وإنْ يَطْلُبُوا العُتْبى - وهي الرِّضا عَنْهم لِشِدَّةِ جَزَعِهِمْ - فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ؛ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ: المُعْطَيْنَ العُتْبى وهي الرِّضا عَنْهم؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أعْتِبَهُ إذا رَجَعَ إلى ما يُرْضِيهِ ويَسُرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: ؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ أيْ: لا يُرْجِعُ الدَّهْرُ إلى مَسَرَّةٍ مَن جَزَعَ، ورِضاهُ. وقَوْلُ النّابِغَةِ: ؎فَإنْ كُنْتَ مَظْلُومًا فَعَبْدٌ ظَلَمْتَهُ ∗∗∗ وإنْ كُنْتَ ذا عُتْبى فَمِثْلُكَ يَعْتِبُ وَأمّا قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي خازِمٍ: ؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ تُقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ يَعْنِي: أعْتَبْناهم بِالسَّيْفِ، أيْ: أرْضَيْناهم بِالقَتْلِ؛ فَهو مِن قَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبْ: ؎وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بَخِيلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ لِأنَّ القَتْلَ لَيْسَ بِإرْضاءٍ، والضَّرْبَ الوَجِيعَ لَيْسَ بِتَحِيَّةٍ. وَأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ [فصلت: ٢٤]، بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]، بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فالمَعْنى: أنَّهم لَوْ طُلِبَتْ مِنهُمُ العُتْبى ورُدُّوا إلى الدُّنْيا لِيَعْمَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رُسُلِهِ، ”فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ“ أيِ: الرّاجِعِينَ إلى ما يُرْضِي رَبَّهم، بَلْ يَرْجِعُونَ إلى كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ أوْلًا. وهَذِهِ القِراءَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] .

النحل 16:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ لا يُخَفَّفُ عَنْهم، ولا يُنْظَرُونَ أيْ لا يُمْهَلُونَ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ. وبَيَّنَ أنَّهم يَرَوْنَ النّارَ وأنَّها (p-٤٢٤)تَراهم، وأنَّها تَكادُ تَتَقَطَّعُ مِن شِدَّةِ الغَيْظِ عَلَيْهِمْ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩ - ٤٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٧، ٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النحل 16:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْا مَعْبُوداتِهِمُ الَّتِي كانُوا يُشْرِكُونَها بِاللَّهِ في عِبادَتِهِ قالُوا لِرَبِّهِمْ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦] وأنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تُكَذِّبُهم في ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ لَهم: كَذَبْتُمْ ! ما ﴿كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] . وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص: ٦٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كَذَّبَتْهم آلِهَتُهم ونَفُوا أنَّهم عَبَدُوهم، مَعَ أنَّ الواقِعَ خِلافُ ما قالُوا، وأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم في دارِ الدُّنْيا مِن دُونِ اللَّهِ ! فالجَوابُ: أنَّ تَكْذِيبَهم لَهم مُنْصَبٌّ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّهم آلِهَةٌ، وأنَّ عِبادَتَهم حَقٌّ، وأنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى. ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الكَذِبِ وأشْنَعِ الِافْتِراءِ. ولِذَلِكَ هم صادِقُونَ فِيما ألْقَوْا إلَيْهِمْ مِنَ القَوْلِ، ونَطَقُوا فِيهِ بِأنَّهم كاذِبُونَ. ومُرادُ الكُفّارِ بِقَوْلِهِمْ لِرَبِّهِمْ: ”هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا“، قِيلَ لِيُحَمِّلُوا شُرَكاءَهم تَبِعَةَ ذَنْبِهِمْ. وَقِيلَ: لِيَكُونُوا (p-٤٢٥)شُرَكاءَهم في العَذابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى أنَّهم وما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ في النّارِ جَمِيعًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ . . . الآيَةَ [الأنبياء: ٩٨]، وأخْرَجَ مِن ذَلِكَ المَلائِكَةَ وعِيسى وعُزَيْرًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ . . . الآيَةَ [الأنبياء: ١٠١]؛ لِأنَّهم ما عَبَدُوهم بِرِضاهم. بَلْ لَوْ أطاعُوهم لَأخْلَصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ - جَلَّ وعَلا - .

النحل 16:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم مّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، إلْقاؤُهم إلى اللَّهِ السَّلَّمَ: هو انْقِيادُهم لَهُ، وخُضُوعُهم؛ حَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٨٧]، أيْ: غابَ عَنْهم واضْمَحَلَّ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ. مِن أنَّ شُرَكاءَهم تَشْفَعُ لَهم وتُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . . . الآيَةَ [يونس: ١٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، وضَلالُ ذَلِكَ عَنْهم مَذْكُورٌ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]، وقَوْلِهِ: ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥]، وقَدْ قَدَّمْنا مَعانِيَ الضَّلالِ في القُرْآنِ وفي اللُّغَةِ بِشَواهِدِها.

النحل 16:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾، اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ ”صَدَّ“ تُسْتَعْمَلُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ اسْتِعْمالَيْنِ أحَدُهُما: أنْ تُسْتَعْمَلَ مُتَعَدِّيَةً إلى المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ . . . الآيَةَ [الفتح: ٢٥]، ومُضارِعُ هَذِهِ المُتَعَدِّيَةِ ”يَصُدُّ“ بِالضَّمِّ عَلى القِياسِ، ومَصْدَرُها ”الصَّدِّ“ عَلى القِياسِ أيْضًا. والثّانِي: أنْ تُسْتَعْمَلَ ”صَدَّ“ لازِمَةً غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ إلى المَفْعُولِ، ومَصْدَرُ هَذِهِ ”الصُّدُودُ“ عَلى القِياسِ، وفي مُضارِعِها الكَسْرُ عَلى القِياسِ، والضَّمُّ عَلى السَّماعِ؛ وعَلَيْهِما القِراءَتانِ السَّبْعِيَّتانِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ (p-٤٢٦)[الزخرف: ٥٧]، بِالكَسْرِ والضَّمِّ. فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ: فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٨]، مُحْتَمَلٌ؛ لِأنْ تَكُونَ ”صَدَّ“ مُتَعَدِّيَةً، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ؛ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أجِزْ إنْ لَمْ يَضِرْ كَحَذْفِ ما سِيقَ جَوابًا أوْ حُصِرْ وَمُحْتَمَلٌ لِأنْ تَكُونَ ”صَدَّ“ لازِمَةً غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ إلى المَفْعُولِ، ولَكِنْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثُ قَرائِنَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ”صَدَّ“ مُتَعَدِّيَةٌ، والمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، أيْ: وصَدُّوا النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. الأُولى: أنّا لَوْ قَدَّرْنا ”صَدَّ“ لازِمَةً، وأنَّ مَعْناها: صُدُودُهم في أنْفُسِهِمْ عَنِ الإسْلامِ؛ لَكانَ ذَلِكَ تِكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٨]، بَلْ مَعْنى الآيَةِ: كَفَرُوا في أنْفُسِهِمْ، وصَدُّوا غَيْرَهم عَنِ الدِّينِ فَحَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ أيْضًا. القَرِينَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨]، فَإنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ مِنَ العَذابِ لِأجْلِ إضْلالِهِمْ غَيْرَهم. والعَذابُ المَزِيدُ فَوْقَهُ: هو عَذابُهم عَلى كُفْرِهِمْ في أنْفُسِهِمْ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في المُضِلِّينَ الَّذِينَ أضَلُّوا غَيْرَهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . . . الآيَةَ [النحل: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ . . . الآيَةَ [العنكبوت: ١٣]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. القَرِينَةُ الثّالِثَةُ، قَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُفْسِدُونَ عَلى غَيْرِهِمْ مَعَ ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨]، أيْ: الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِضَلالِهِمْ وكُفْرِهِمْ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ هَذا العَذابَ المَزِيدَ: عَقارِبُ أنْيابُها كالنَّخْلِ الطِّوالِ، وحَيّاتٌ مِثْلُ أعْناقِ الإبِلِ، وأفاعِي كَأنَّها البَخاتِيُّ تَضْرِبُهم. أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما أجابُوا بِهِ رَسُولَهم، وأنَّهُ يَأْتِي بِنَبِيِّنا ﷺ شاهِدًا عَلَيْنا. وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ (p-٤٢٧)الأرْضُ﴾ . . . الآيَةَ [النساء: ٤١، ٤٢]، وكَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اقْرَأْ عَلَيَّ“، قالَ: فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، أأقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ ! قالَ: ”نَعَمْ؛ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي“، فَقَرَأْتُ ”سُورَةَ النِّساءِ“، حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، فَقالَ: ”حَسْبُكَ الآنَ“، فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ» . اه. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ [النحل: ٨٩]، مَنصُوبٌ بـِ ”اذْكُرْ“ مُقَدَّرًا. والشَّهِيدُ في هَذِهِ الآيَةِ فَعِيلَ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: شاهِدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ. وبَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالكِتابِ فِيها القُرْآنُ. أمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. فَلا بَيانَ بِالآيَةِ. وعَلى كُلِّ حالٍ فَلا شَكَّ أنَّ القُرْآنَ فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. والسُّنَّةُ كُلُّها تَدْخُلُ في آيَةٍ واحِدَةٍ مِنهُ؛ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وَقالَ السُّيُوطِيُّ في ”الإكْلِيلِ“ في اسْتِنْباطِ التَّنْزِيلِ، قالَ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقالَ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقالَ ﷺ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ ”، قِيلَ: وما المَخْرَجُ مِنها ؟ قالَ:“ كِتابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ ما قَبْلَكم، وخَبَرُ ما بَعْدَكم، وحُكْمُ ما بَيْنَكم»، أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا خَدِيجُ بْنُ مُعاوِيَةَ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: مَن أرادَ العِلْمَ فَعَلَيْهِ بِالقُرْآنِ؛ فَإنَّ فِيهِ خَبَرَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. قالَ البَيْهَقِيُّ: أرادَ بِهِ أُصُولَ العِلْمِ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أنْزَلَ اللَّهُ مِائَةً وأرْبَعَةَ كُتُبٍ، أوْدَعَ عُلُومَها أرْبَعَةً: التَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، والزَّبُورَ، والفُرْقانَ. ثُمَّ أوْدَعَ عُلُومَ الثَّلاثَةِ الفَرْقانَ، ثُمَّ أوْدَعَ عُلُومَ القُرْآنِ: المُفَصَّلَ، ثُمَّ أوْدَعَ عُلُومَ المُفَصَّلِ: فاتِحَةَ الكِتابِ؛ فَمَن عَلِمَ تَفْسِيرَها كانَ كَمَن عَلِمَ تَفْسِيرَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ. أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ. (p-٤٢٨)وَقالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: جَمِيعُ ما تَقُولُهُ الأُمَّةُ شَرْحٌ لِلسُّنَّةِ، وجَمِيعُ شَرْحِ السُّنَّةِ شَرْحٌ لِلْقُرْآنِ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ما سَمِعْتُ حَدِيثًا إلّا التَمَسْتُ لَهُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ. وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى وجْهِهِ إلّا وجَدْتُ مِصْداقَهُ في كِتابِ اللَّهِ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ. وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا حَدَّثْتُكم بِحَدِيثٍ أنْبَأْتُكم بِتَصْدِيقِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ. وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: أُنْزِلَ في القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ، وبُيِّنَ لَنا فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ، ولَكِنَّ عِلْمَنا يَقْصُرُ عَمّا بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ. أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وَأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَوْ أغْفَلَ شَيْئًا لَأغْفَلَ الذَّرَّةَ والخَرْدَلَةَ والبَعُوضَةَ» . وَقالَ الشّافِعِيُّ أيْضًا: جَمِيعُ ما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهو مِمّا فَهِمَهُ مِنَ القُرْآنِ. قُلْتُ: ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ ﷺ: «إنِّي لا أحِلُّ إلّا ما أحَلَّ اللَّهُ في كِتابِهِ، ولا أُحَرِّمُ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ في كِتابِهِ»، رَواهُ بِهَذا اللَّفْظِ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ. وَقالَ الشّافِعِيُّ أيْضًا: لَيْسَتْ تَنْزِلُ بِأحَدٍ في الدِّينِ نازِلَةٌ إلّا في كِتابِ اللَّهِ الدَّلِيلُ عَلى سَبِيلِ الهُدى فِيها، فَإنْ قِيلَ: مِنَ الأحْكامِ ما ثَبَتَ ابْتِداءً بِالسُّنَّةِ ؟ قُلْنا: ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِن كِتابِ اللَّهِ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ كِتابَ اللَّهِ أوْجَبَ عَلَيْنا اتِّباعَ الرَّسُولِ ﷺ، وفَرَضَ عَلَيْنا الأخْذَ بِقَوْلِهِ. وَقالَ الشّافِعِيُّ مَرَّةً بِمَكَّةَ: سَلُونِي عَمّا شِئْتُمْ، أُخْبِرْكم عَنْهُ مِن كِتابِ اللَّهِ. فَقِيلَ لَهُ: ما تَقَوُلُ في المُحْرِمِ يَقْتُلُ الزُّنْبُورَ ؟ فَقالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وحَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِ بْنِ حِراشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”اقْتَدَوْا بِاللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي: أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ»“، وحَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدامٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: أنَّهُ أمَرَ بِقَتْلِ المُحْرِمِ الزُّنْبُورَ. (p-٤٢٩)وَرَوى البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ، والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّراتِ لِخَلْقِ اللَّهِ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ في ذَلِكَ. فَقالَ: وما لِي لا ألْعَنُ مِن لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو في كِتابِ اللَّهِ. فَقالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ ما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَما وجَدْتُ فِيهِ ما تَقُولُ ؟ ! قالَ: لَئِنْ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وجَدْتِيها ! أما قَرَأْتِ ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ؟ قالَتْ: بَلى. قالَ: فَإنَّهُ قَدْ نَهى عَنْهُ. وَقالَ ابْنُ بُرْجانَ: ما قالَ النَّبِيُّ ﷺ مِن شَيْءٍ فَهو في القُرْآنِ، أوْ فِيهِ أصْلُهُ قَرُبَ أوْ بَعُدَ، فَهِمَهُ مَن فَهِمَ، أوْ عَمِهَ عَنْهُ مَن عَمِهَ، وكَذا كُلُّ ما حَكَمَ أوْ قَضى بِهِ. وَقالَ غَيْرُهُ: ما مِن شَيْءٍ إلّا يُمْكِنُ اسْتِخْراجُهُ مِنَ القُرْآنِ لِمَن فَهَّمَهُ اللَّهُ تَعالى؛ حَتّى إنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَنْبَطَ عُمُرَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثًا وسِتِّينَ مِن قَوْلِهِ ”في سُورَةِ المُنافِقِينَ“: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ [المنافقون: ١١]؛ فَإنَّها رَأْسُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سُورَةٍ، وعَقَّبَها ”بِالتَّغابُنِ“، لِيُظْهِرَ التَّغابُنَ في فَقْدِهِ. وَقالَ المُرْسِيُّ: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، بِحَيْثُ لَمْ يُحِطْ بِها عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، خَلا ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ ورِثَ عَنْهُ مُعْظَمَ ذَلِكَ ساداتُ الصَّحابَةِ وأعْلامُهم؛ مِثْلُ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ، ومِثْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ حَتّى قالَ: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ. ثُمَّ ورِثَ عَنْهُمُ التّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، ثُمَّ تَقاصَرَتِ الهِمَمُ، وفَتَرَتِ العَزائِمُ، وتَضاءَلَ أهْلُ العِلْمِ، وضَعُفُوا عَنْ حَمْلِ ما حَمَلَهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ مِن عُلُومِهِ وسائِرِ فُنُونِهِ؛ فَنَوَّعُوا عُلُومَهُ، وقامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ بِفَنٍّ مِن فُنُونِهِ. فاعْتَنى قَوْمٌ بِضَبْطِ لُغاتِهِ، وتَحْرِيرِ كَلِماتِهِ، ومَعْرِفَةِ مَخارِجِ حُرُوفِهِ وعَدَدِها، وعَدِّ كَلِماتِهِ وآياتِهِ، وسُوَرِهِ وأجْزائِهِ، وأنْصافِهِ وأرْباعِهِ، وعَدَدِ سَجَداتِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن حَصْرِ الكَلِماتِ المُتَشابِهَةِ، والآياتِ المُتَماثِلَةِ. مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَعانِيهِ، ولا تَدَبُّرٍ لِما أُوُدِعَ فِيهِ. فَسُمُّوا القُرّاءَ. واعْتَنى النُّحاةُ بِالمُعْرَبِ مِنهُ والمَبْنِيِّ مِنَ الأسْماءِ والأفْعالِ، والحُرُوفِ العامِلَةِ وغَيْرِها. وأوْسَعُوا الكَلامَ في الأسْماءِ وتَوابِعِها، وضُرُوبِ الأفْعالِ، واللّازِمِ والمُتَعَدِّي، ورُسُومِ خَطَّ الكَلِماتِ، وجَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ حَتّى إنَّ بَعْضَهم أعْرَبَ مُشْكَلَهُ. وبَعْضُهم أعْرَبَهُ كَلِمَةً كَلِمَةً. (p-٤٣٠)واعْتَنى المُفَسِّرُونَ بِألْفاظِهِ، فَوَجَدُوا مِنهُ لَفْظًا يَدُلُّ عَلى مَعْنًى واحِدٍ، ولَفْظًا يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ، ولَفْظًا يَدُلُّ عَلى أكْثَرِ؛ فَأجْرَوْا الأوَّلَ: عَلى حُكْمِهِ، وأوْضَحُوا الخَفِيَّ مِنهُ، وخاضُوا إلى تَرْجِيحِ أحَدِ مُحْتَمالاتِ ذِي المَعْنَيَيْنِ أوِ المَعانِي، وأعْمَلَ كُلٌّ مِنهم فِكْرَهُ، وقالَ بِما اقْتَضاهُ نَظَرُهُ. واعْتَنى الأُصُولِيُّونَ بِما فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ، والشَّواهِدِ الأصْلِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ؛ فاسْتَنْبَطُوا مِنهُ أدِلَّةً عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ ووُجُودِهِ، وبَقائِهِ وقِدَمِهِ، وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ؛ وسَمَّوْا هَذا العِلْمَ بـِ ”، أُصُولِ الدِّينِ“ . وَتَأمَّلَتْ طائِفَةٌ مَعانِيَ خِطابِهِ؛ فَرَأتْ مِنها ما يَقْتَضِي العُمُومَ، ومِنها ما يَقْتَضِي الخُصُوصَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فاسْتَنْبَطُوا مِنهُ أحْكامَ اللُّغَةِ مِنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وتَكَلَّمُوا في التَّخْصِيصِ والإضْمارِ، والنَّصِّ والظّاهِرِ، والمُجْمَلِ والمُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، والأمْرِ والنَّهْيِ والنَّسْخِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الأقْيِسَةِ، واسْتِصْحابِ الحالِ والِاسْتِقَراءِ؛ وسَمَّوْا هَذا الفَنَّ ”أُصُولَ الفِقْهِ“ . وَأحْكَمَتْ طائِفَةٌ صَحِيحَ النَّظَرِ، وصادِقَ الفِكْرِ فِيما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وسائِرِ الأحْكامِ، فَأسَّسُوا أُصُولَهُ وفُرُوعَهُ، وبَسَطُوا القَوْلَ في ذَلِكَ بَسْطًا حَسَنًا؛ وسَمَّوْهُ بِ ”عِلْمِ الفُرُوعِ“ وبِ ”، الفِقْهِ أيْضًا ‌‌“ . وَتَلَمَّحَتْ طائِفَةٌ ما فِيهِ مِن قَصَصِ القُرُونِ السّابِقَةِ، والأُمَمِ الخالِيَةِ، ونَقَلُوا أخْبارَهم، ودَوَّنُوا آثارَهم ووَقائِعَهم. حَتّى ذَكَرُوا بَدْءَ الدُّنْيا، وأوَّلَ الأشْياءِ؛ وسَمَّوْا ذَلِكَ بِ ”التّارِيخِ والقَصَصِ“ . وَتَنَبَّهَ آخَرُونَ لِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والأمْثالِ، والمَواعِظِ الَّتِي تُقَلْقِلُ قُلُوبَ الرِّجالِ، وتَكادُ تُدَكْدِكُ الجِبالَ؛ فاسْتَنْبَطُوا مِمّا فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، والتَّحْذِيرِ والتَّبْشِيرِ، وذِكْرِ المَوْتِ والمَعادِ، والنَّشْرِ والحَشْرِ، والحِسابِ والعِقابِ، والجَنَّةِ والنّارِ، فُصُولًا مِنَ المَواعِظِ، وأُصُولًا مِنَ الزَّواجِرِ. فَسُمُّوا بِذَلِكَ ”الخُطَباءَ والوُعّاظَ“ . واسْتَنْبَطَ قَوْمٌ مِمّا فِيهِ مِن أُصُولِ التَّعْبِيرِ؛ مِثْلَ ما ورَدَ في قِصَّةِ يُوسُفَ: مِنَ البَقَراتِ السِّمانِ، وفي مَنامَيْ صاحِبَيِ السِّجْنِ، وفي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ ساجِداتٍ، وسَمَّوْهُ ”تَعْبِيرَ الرُّؤْيا“؛ واسْتَنْبَطُوا تَفْسِيرَ كُلِّ رُؤْيا مِنَ الكِتابِ، فَإنْ عَزَّ عَلَيْهِمْ إخْراجُها (p-٤٣١)مِنهُ، فَمِنَ السُّنَّةِ الَّتِي هي شارِحَةُ الكِتابِ، فَإنْ عَسُرَ فَمِنَ الحِكَمِ والأمْثالِ. ثُمَّ نَظَرُوا إلى اصْطِلاحِ العَوامِّ في مُخاطَباتِهِمْ، وعُرْفِ عاداتِهِمُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ القُرْآنُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] . وَأخَذَ قَوْمٌ مِمّا في آياتِ المَوارِيثِ مِن ذِكْرِ السِّهامِ وأرْبابِها، وغَيْرِ ذَلِكَ ”عِلْمَ الفَرائِضِ“، واسْتَنْبَطُوا مِنها مِن ذِكْرِ النِّصْفِ والثُّلُثِ، والرُّبْعِ والسُّدُسِ والثُّمُنِ ”حِسابَ الفَرائِضِ“، ومَسائِلَ العَوْلِ؛ واسْتَخْرَجُوا مِنهُ أحْكامَ الوَصايا. وَنَظَرَ قَوْمٌ إلى ما فِيهِ الآياتُ الدّالّاتُ عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، والشَّمْسِ والقَمَرِ ومَنازِلِهِ، والنُّجُومِ والبُرُوجِ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فاسْتَخْرَجُوا ”عِلْمَ المَواقِيتِ“ . وَنَظَرَ الكُتّابُ والشُّعَراءُ إلى ما فِيهِ مِن جَزالَةِ اللَّفْظِ وبَدِيعِ النَّظْمِ، وحُسْنِ السِّياقِ والمَبادِئِ، والمَقاطِيعِ والمَخالِصِ والتَّلْوِينِ في الخِطابِ، والإطْنابِ والإيجازِ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فاسْتَنْبَطُوا مِنهُ ”عِلْمَ المَعانِي والبَيانِ والبَدِيعِ“ . وَنَظَرَ فِيهِ أرْبابُ الإشاراتِ وأصْحابُ الحَقِيقَةِ؛ فَلاحَ لَهم مِن ألْفاظِهِ مَعانٍ ودَقائِقُ، جَعَلُوا لَها أعْلامًا اصْطَلَحُوا عَلَيْها، مِثْلَ الغِناءِ والبَقاءِ، والحُضُورِ والخَوْفِ والهَيْبَةِ، والأُنْسِ والوَحْشَةِ، والقَبْضِ والبَسْطِ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ. هَذِهِ الفُنُونُ الَّتِي أخَذَتْها المِلَّةُ الإسْلامِيَّةُ مِنهُ. وَقَدِ احْتَوى عَلى عُلُومٍ أُخَرَ مِن عُلُومِ الأوائِلِ، مِثْلَ: الطِّبِّ، والجَدَلِ، والهَيْئَةِ، والهَنْدَسَةِ والجَبْرِ، والمُقابَلَةِ والنَّجامَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. أمّا الطِّبُّ: فَمَدارُهُ عَلى حِفْظِ نِظامِ الصِّحَّةِ، واسْتِحْكامِ القُوَّةِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِاعْتِدالِ المِزاجِ تَبَعًا لِلْكَيْفِيّاتِ المُتَضادَّةِ، وقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ في آيَةٍ واحِدَةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿وَكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] . وَعَرَّفَنا فِيهِ بِما يُعِيدُ نِظامَ الصِّحَّةِ بَعْدَ اخْتِلالِهِ، وحُدُوثِ الشِّفاءِ لِلْبَدَنِ بَعْدَ اعْتِلالِهِ في قَوْلِهِ: ﴿شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] . ثُمَّ زادَ عَلى طِبِّ الأجْسادِ بِطِبِّ القُلُوبِ، وشِفاءِ الصُّدُورِ. وَأمّا الهَيْئَةُ: فَفي تَضاعِيفِ سُورَهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي ذَكَرَ فِيها مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَثَّ في العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ مِنَ المَخْلُوقاتِ مِنهُ.(p-٤٣٢) وَأمّا الهَنْدَسَةُ: فَفي قَوْلِهِ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠، ٣١]، فَإنَّ فِيهِ قاعِدَةً هَنْدَسِيَّةً، وهو أنَّ الشَّكْلَ المُثَلَّثَ لا ظِلَّ لَهُ. وَأمّا الجَدَلُ: فَقَدْ حَوَتْ آياتُهُ مِنَ البَراهِينِ والمُقَدِّماتِ والنَّتائِجِ، والقَوْلِ بِالمُوجَبِ، والمُعارَضَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا، ومُناظَرَةُ إبْراهِيمَ أصْلٌ في ذَلِكَ عَظِيمٌ. وَأمّا الجَبْرُ والمُقابَلَةُ: فَقَدْ قِيلَ: إنَّ أوائِلَ السُّورِ ذُكِرَ عَدَدٌ وأعْوامٌ وأيّامٌ لِتَوارِيخِ أُمَمٍ سالِفَةٍ، وإنَّ فِيها تارِيخَ بَقاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وتارِيخَ مُدَّةِ الدُّنْيا، وما مَضى وما بَقِيَ، مَضْرُوبًا بَعْضُها في بَعْضٍ. وَأمّا النَّجامَةُ: فَفي قَوْلِهِ: أوْ أثارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ [الأحقاف: ٤]، فَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِذَلِكَ. وَفِيهِ مِن أُصُولِ الصَّنائِعِ، وأسْماءِ الآلاتِ الَّتِي تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْها، فَمِنَ الصَّنائِعِ الخِياطَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ . . . الآيَةَ [الأعراف: ٢٢، ٢٠ \ ١٢١]، والحِدادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ الآيَةَ [سبإ: ١٠]، والبِناءُ في آياتٍ، والنِّجارَةُ، ﴿أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، والغَزْلُ: ﴿نَقَضَتْ غَزْلَها﴾ [النحل: ٩٢]، والنَّسْجُ: ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، والفِلاحَةُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣]، في آياتٍ أُخَرَ، والصَّيْدُ في آياتٍ، والغَوْصُ:، ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ [ص: ٣٧]، ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ [النحل: ١٤]، والصِّياغَةُ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ . . . الآيَةَ [الأعراف: ١٤٨]، والزُّجاجَةُ: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ [الصافات: ٤٤]، ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، والفِخارَةُ ﴿فَأوْقِدْ لِي ياهامانُ عَلى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨]، والمِلاحَةُ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، والكِتابَةُ ﴿عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤]، في آياتٍ أُخَرَ، والخَبْزُ والطَّحْنُ:، ﴿أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ [يوسف: ٣٦]، والطَّبْخُ، ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]، والغَسْلُ والقِصارَةُ، ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ [آل عمران: ٥٢ ] [ ٥ \ ١١٢ ] [ ٦١ \ ١٤]، وهُمُ القَصّارُونَ، والجِزارَةُ ﴿إلّا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، والبَيْعُ والشِّراءُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، والصَّبْغُ، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ . . . الآيَةَ [البقرة: ١٣٨]، ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ﴾ . . . الآيَةَ [فاطر: ٢٧]، والحِجارَةُ، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩]، والكِيالَةُ (p-٤٣٣)والوَزْنُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، والرَّمْيُ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]، ﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] . وَفِيهِ مِن أسْماءِ الألاتِ، وضُرُوبِ المَأْكُولاتِ والمَشْرُوباتِ والمَنكُوحاتِ، وجَمِيعِ ما وقَعَ ويَقَعُ في الكائِناتِ ما يُحَقِّقُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، انْتَهى كَلامُ المُرْسِيِّ مُلَخَّصًا مَعَ زِياداتٍ. قُلْتُ: قَدِ اشْتَمَلَ كِتابُ اللَّهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. أمّا أنْواعُ العُلُومِ فَلَيْسَ مِنها بابٌ ولا مَسْألَةٌ هي أصْلٌ، إلّا وفي القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْها. وفِيهِ عِلْمُ عَجائِبِ المَخْلُوقاتِ، ومَلَكُوتُ السَّماواتِ والأرْضِ، وما في الأُفُقِ الأعْلى، وما تَحْتَ الثَّرى، وبَدْءُ الخَلْقِ، وأسْماءُ مَشاهِيرِ الرُّسُلِ والمَلائِكَةِ، وعُيُونُ أخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ؛ كَقِصَّةِ آدَمَ مَعَ إبْلِيسَ في إخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ، وفي الوَلَدِ الَّذِي سَمّاهُ عَبْدَ الحارِثِ، ورَفْعُ إدْرِيسَ وإغْراقُ قَوْمِ نُوحٍ، وقِصَّةُ عادٍ الأُولى والثّانِيَةُ، وثَمُودَ، والنّاقَةَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ فَإنَّهُ أُرْسِلَ مَرَّتَيْنِ، وقَوْمِ تُبَّعٍ، ويُونُسَ، وإلْياسَ، وأصْحابِ الرَّسِّ، وقِصَّةِ مُوسى في وِلادَتِهِ وفي إلْقائِهِ في اليَمِّ، وقَتْلِهِ القِبْطِيَّ، ومَسِيرِهِ إلى مَدْيَنَ وتَزَوُّجِهِ ابْنَةَ شُعَيْبٍ، وكَلامِهِ تَعالى بِجانِبِ الطُّورِ، وبَعْثِهِ إلى فِرْعَوْنَ، وخُرُوجِهِ وإغْراقِ عَدُوِّهِ، وقِصَّةُ العَجَلِ، والقَوْمِ الَّذِينَ خَرَجَ بِهِمْ وأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ، وقِصَّةُ القِتالِ وذَبْحِ البَقَرَةِ، وقِصَّتُهُ في قِتالِ الجَبّارِينَ، وقِصَّتُهُ مَعَ الخِضْرِ والقَوْمِ الَّذِينَ سارُوا في سِرْبٍ مِنَ الأرْضِ إلى الصِّينِ، وقِصَّةُ طالُوتَ وداوُدَ مَعَ جالُوتَ وقَتْلِهِ، وقِصَّةُ سُلَيْمانَ وخَبَرِهِ مَعَ مَلِكَةِ سَبَإٍ وفِتْنَتِهِ، وقِصَّةُ القَوْمِ الَّذِينَ خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ فَأماتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياهم، وقِصَّةُ إبْراهِيمَ في مُجادَلَتِهِ قَوْمَهُ، ومُناظَرَتِهِ النُّمْرُوذَ، ووَضْعِهِ إسْماعِيلَ مَعَ أُمِّهِ بِمَكَّةَ، وبِنائِهِ البَيْتَ، وقِصَّةُ الذَّبِيحِ، وقِصَّةُ يُوسُفَ وما أبْسَطَها، وقِصَّةُ مَرْيَمَ ووِلادَتِها عِيسى وإرْسالِهِ ورَفْعِهِ، وقِصَّةُ زَكَرِيّا وابْنِهِ يَحْيى، وأيُّوبَ وذِي الكِفْلِ، وقِصَّةُ ذِي القَرْنَيْنِ ومَسِيرِهِ إلى مَطْلَعِ الشَّمْسِ ومَغْرِبِها وبِنائِهِ السَّدَّ، وقِصَّةُ أصْحابِ الكَهْفِ والرَّقِيمِ، وقِصَّةُ بُخْتُنَصَّرَ، وقِصَّةُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ لِأحَدِهِما الجَنَّةُ، وقِصَّةُ أصْحابِ الجَنَّةِ الَّذِينَ أقْسَمُوا لِيُصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ، وقِصَّةُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وقِصَّةُ أصْحابِ الفِيلِ، وقِصَّةُ الجَبّارِ الَّذِي أرادَ أنْ يَصْعَدَ إلى السَّماءِ. وَفِيهِ مِن شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ بِهِ، وبِشارَةُ عِيسى وبَعْثُهُ وهِجْرَتُهُ. ومِن غَزَواتِهِ: غَزْوَةُ بَدْرٍ في (سُورَةِ الأنْفالِ)، وأُحُدٍ في (آلِ عِمْرانَ)، وبَدْرٍ الصُّغْرى فِيها، والخَنْدَقُ في (الأحْزابِ)، والنَّضِيرِ في (الحَشْرِ)، والحُدَيْبِيَةِ في (الفَتْحِ)، وتَبُوكَ في (p-٤٣٤)(بَراءَةَ)، وحَجَّةُ الوَداعِ في (المائِدَةِ)، ونِكاحُهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وتَحْرِيمُ سِرِّيَّتِهِ، وتَظاهُرُ أزْواجِهِ عَلَيْهِ، وقِصَّةُ الإفْكِ، وقِصَّةُ الإسْراءِ، وانْشِقاقُ القَمَرِ، وسِحْرُ اليَهُودِ إيّاهُ. وَفِيهِ بَدْءُ خَلْقِ الإنْسانِ إلى مَوْتِهِ، وكَيْفِيَّةُ المَوْتِ، وقَبْضُ الرُّوحِ وما يُفْعَلُ بِها بَعْدَ صُعُودِها إلى السَّماءِ، وفَتْحُ البابِ لِلْمُؤْمِنَةِ وإلْقاءُ الكافِرَةِ، وعَذابُ القَبْرِ والسُّؤالُ فِيهِ، ومَقَرُّ الأرْواحِ، وأشْراطُ السّاعَةِ الكُبْرى العَشْرَةُ، وهي: نُزُولُ عِيسى، وخُرُوجُ الدَّجّالِ، ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، والدّابَّةُ، والدُّخانُ، ورَفْعُ القُرْآنِ، وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وإغْلاقُ بابِ التَّوْبَةِ، والخَسْفُ. وَأحْوالُ البَعْثِ: مِن نَفْخَةِ الصُّورِ، والفَزَعِ، والصَّعْقِ، والقِيامِ، والحَشْرِ والنَّشْرِ، وأهْوالِ المَوْقِفِ، وشِدَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ، وظِلِّ العَرْشِ، والصِّراطِ، والمِيزانِ، والحَوْضِ، والحِسابِ لِقَوْمٍ، ونَجاةِ آخَرِينَ مِنهُ، وشَهادَةِ الأعْضاءِ، وإيتاءِ الكُتُبِ بِالأيْمانِ والشَّمائِلِ وخَلْفَ الظُّهُورِ، والشَّفاعَةِ، والجَنَّةِ وأبْوابِها، وما فِيها مِنَ الأشْجارِ والثِّمارِ والأنْهارِ، والحُلِيِّ والألْوانِ، والدَّرَجاتِ، ورُؤْيَتِهِ تَعالى، والنّارِ وما فِيها مِنَ الأوْدِيَةِ، وأنْواعِ العُقابِ، وألْوانِ العَذابِ، والزَّقُّومِ والحَمِيمِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَوْ بُسِطَ جاءَ في مُجَلَّداتٍ. وَفِي القُرْآنِ جَمِيعُ أسْمائِهِ تَعالى الحُسْنى كَما ورَدَ في حَدِيثٍ. وفِيهِ مِن أسْمائِهِ مُطْلَقًا ألْفُ اسْمٍ، وفِيهِ مِن أسْماءِ النَّبِيِّ ﷺ جُمْلَةٌ. وَفِيهِ شُعَبُ الإيمانِ البِضْعُ والسَّبْعُونَ. وَفِيهِ شَرائِعُ الإسْلامِ الثَّلاثُمِائَةِ وخَمْسَ عَشْرَةَ. وَفِيهِ أنْواعُ الكَبائِرِ وكَثِيرٌ مِنَ الصَّغائِرِ. وَفِيهِ تَصْدِيقُ كُلِّ حَدِيثٍ ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ جُمْلَةُ القَوْلِ في ذَلِكَ. اه كَلامُ السُّيُوطِيِّ في (الإكْلِيلِ) . وَإنَّما أوْرَدْناهُ بِرُمَّتِهِ مَعَ طُولِهِ؛ لِما فِيهِ مِن إيضاحِ: أنَّ القُرْآنَ فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ. وإنْ كانَتْ في الكَلامِ المَذْكُورِ أشْياءُ جَدِيرَةٌ بِالِانْتِقادِ تَرَكْنا مُناقَشَتَها خَوْفَ الإطالَةِ المُمِلَّةِ، مَعَ كَثْرَةِ الفائِدَةِ في الكَلامِ المَذْكُورِ في الجُمْلَةِ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وجْهانِ مِنَ الإعْرابِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. والثّانِي: أنَّهُ مَصْدَرٌ مُنْكَرٌ واقِعٌ حالًا؛ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ (p-٤٣٥) ؎وَمَصْدَرٌ مُنْكَرٌ حالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةٍ زَيْدٌ طَلَعْ تَنْبِيهٌ. أظْهَرُ القَوْلَيْنِ: أنَّ التِّبْيانَ مَصْدَرٌ، ولَمْ يُسْمَعْ كَسْرُ تاءِ التِّفْعالِ مَصْدَرًا إلّا في التِّبْيانِ والتِّلْقاءِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: التِّبْيانُ اسْمٌ لا مَصْدَرٌ. قالَ أبُو حَيّانَ في (البَحْرِ): والظّاهِرُ أنَّ ”تِبْيانًا“ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى تِفْعالٍ، وإنْ كانَ بابُ المَصادِرِ يَجِيءُ عَلى تَفْعالٍ (بِالفَتْحِ) كالتَّرْدادِ والتَّطْوافِ. ونَظِيرُ تِبْيانٍ في كَسْرِ تائِهِ: تِلْقاءُ، وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ فَتْحَهُ في غَيْرِ القُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”تِبْيانًا“ اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ؛ وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُّحاةِ. ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ: أنَّهُ مَصْدَرٌ، ولَمْ يَجِئْ عَلى تِفْعالٍ مِنَ المَصادِرِ إلّا ضَرْبانِ: تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ. اه والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ هُدًى ورَحْمَةٌ وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ، ويُفْهَمُ مِن دَلِيلِ خِطابِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - أيْ: مَفْهُومِ مُخالَفَتِها -: أنَّ غَيْرَ المُسْلِمِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ. وهَذا المَفْهُومُ مِن هَذِهِ الآيَةِ صَرَّحَ بِهِ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت: ٤٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، • وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤]، في المَوْضِعَيْنِ.

النحل 16:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يَأْمُرُ خَلْقَهُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، وإيتاءِ ذِي القُرْبى، وأنَّهُ يَنْهاهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ؛ لِأجْلِ أنْ يَتَّعِظُوا بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَيَمْتَثِلُوا أمْرَهُ، ويَجْتَنِبُوا نَهْيَهُ. وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَأْمُرُ“، ”وَيَنْهى“؛ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ. وَمِنَ الآياتِ الَّتِي أمَرَ فِيها بِالعَدْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا (p-٤٣٦)تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] . وَمِنَ الآياتِ الَّتِي أمَرَ فِيها بِالإحْسانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ [القصص: ٧٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] . وَمِنَ الآياتِ الَّتِي أمَرَ فِيها بِإيتاءِ ذِي القُرْبى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقَوْلُهُ: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٧]، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤، ١٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَمِنَ الآياتِ الَّتِي نَهى فِيها عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكِرِ والبَغْيِ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ . . . الآيَةَ [الأنعام: ١٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ . . . الآيَةَ [الأعراف: ٣٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠]، والمُنْكَرُ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ في هَذِهِ الآياتِ، فَهو داخِلٌ فِيها. وَمِنَ الآياتِ الَّتِي جَمَعَ فِيها بَيْنَ الأمْرِ بِالعَدْلِ والتَّفَضُّلِ بِالإحْسانِ، قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، فَهَذا عَدْلٌ، ثُمَّ دَعا إلى الإحْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقَوْلُهُ:، ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، فَهَذا عَدْلٌ ‌‌ . ثُمَّ دَعا إلى الإحْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] . وَقَوْلُهُ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فَهَذا عَدْلٌ. ثُمَّ دَعا إلى الإحْسانِ بِقَوْلِهِ، ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقَوْلُهُ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ ما (p-٤٣٧)عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ . . . الآيَةَ [الشورى: ٤٣]، فَهَذا عَدْلٌ. ثُمَّ دَعا إلى الإحْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وقَوْلُهُ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، فَهَذا عَدْلٌ. ثُمَّ دَعا إلى الإحْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فَإذا عَرَفْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ العَدْلَ في اللُّغَةِ: القِسْطُ والإنْصافُ، وعَدَمُ الجَوْرِ. وأصْلُهُ التَّوَسُّطُ بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ؛ أيْ: الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ. فَمَن جانَبَ الإفْراطَ والتَّفْرِيطَ فَقَدْ عَدَلَ. والإحْسانُ مَصْدَرُ أحْسَنَ، وهي تُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيَةً بِالحَرْفِ نَحْوَ: أحْسِنْ إلى والِدَيْكَ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ يُوسُفَ: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ١٠٠]، وتُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيَةً بِنَفْسِها. كَقَوْلِكَ: أحْسَنَ العامِلُ عَمَلَهُ، أيْ: أجادَهُ وجاءَ بِهِ حَسَنًا. واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَأْمُرُ بِالإحْسانِ بِمَعْنَيَيْهِ المَذْكُورَيْنِ، فَهُما داخِلانِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ لِأنَّ الإحْسانَ إلى عِبادِ اللَّهِ لِوَجْهِ اللَّهِ عَمَلٌ أحْسَنَ فِيهِ صاحِبُهُ. وقَدْ «فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الإحْسانَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ بِقَوْلِهِ: ”أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»“، وقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ ذَلِكَ في (سُورَةِ هُودٍ) . فَإذا عَرَفْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ راجِعَةٌ في الجُمْلَةِ إلى ما ذَكَرْنا؛ كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإحْسانُ: أداءُ الفَرائِضِ؛ لِأنَّ عِبادَةَ الخالِقِ دُونَ المَخْلُوقِ هي عَيْنُ الإنْصافِ والقِسْطِ، وتَجَنُّبُ التَّفْرِيطِ والإفْراطِ. ومَن أدّى فَرائِضَ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ فَقَدْ أحْسَنَ؛ ولِذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الرَّجُلِ الَّذِي حَلَفَ لا يَزِيدُ عَلى الواجِباتِ: «أفْلَحَ إنْ صَدَقَ»، وكَقَوْلِ سُفْيانَ: العَدْلُ: اسْتِواءُ العَلانِيَةِ والسَّرِيرَةِ. والإحْسانُ: أنْ تَكُونَ السَّرِيرَةُ أفْضَلَ مِنَ العَلانِيَةِ. وكَقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: العَدْلُ: الإنْصافُ. والإحْسانُ: التَّفَضُّلُ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالِ السَّلَفِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ، ﴿يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، الوَعْظُ:: الكَلامُ الَّذِي تَلِينُ لَهُ القُلُوبُ. تَنْبِيهٌ. فَإنْ قِيلَ: يَكْثُرُ في القُرْآنِ إطْلاقُ الوَعْظِ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي؛ • كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، مَعَ أنَّهُ ما ذَكَرَ إلّا الأمْرَ والنَّهْيَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ (p-٤٣٨)يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾ . . . الآيَةَ [النحل: ٩٠]، • وكَقَوْلِهِ في (سُورَةِ البَقَرَةِ) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أحْكامَ الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، • وقَوْلِهِ (في الطَّلاقِ) في نَحْوِ ذَلِكَ أيْضًا: ﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، • وقَوْلِهِ في النَّهْيِ عَنْ مِثْلِ قَذْفِ عائِشَةَ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا﴾ . . . الآيَةَ [النور: ١٧]، مَعَ أنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ النّاسِ: أنَّ الوَعْظَ يَكُونُ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ ونَحْوَ ذَلِكَ، لا بِالأمْرِ والنَّهْيِ. فالجَوابُ: أنَّ ضابِطَ الوَعْظِ: هو الكَلامُ الَّذِي تَلِينُ لَهُ القُلُوبُ، وأعْظَمُ ما تَلِينُ لَهُ قُلُوبُ العُقَلاءِ أوامِرُ رَبِّهِمْ ونَواهِيهِ؛ فَإنَّهم إذا سَمِعُوا الأمْرَ خافُوا مِن سُخْطِ اللَّهِ في عَدَمِ امْتِثالِهِ، وطَمِعُوا فِيما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ في امْتِثالِهِ. وإذا سَمِعُوا النَّهْيَ خافُوا مِن سُخْطِ اللَّهِ في عَدَمِ اجْتِنابِهِ، وطَمِعُوا فِيما عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ في اجْتِنابِهِ؛ فَحَداهم حادِي الخَوْفِ والطَّمَعِ إلى الِامْتِثالِ، فَلانَتْ قُلُوبُهم لِلطّاعَةِ خَوْفًا وطَمَعًا. والفَحْشاءُ في لُغَةِ العَرَبِ: الخَصْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ. ومِنهُ قِيلَ لِشَدِيدِ البُخْلِ: فاحِشٌ؛ كَما في قَوْلِ طُرْفَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ والمُنْكَرُ اسْمُ مَفْعُولِ أنْكَرَ؛ وهو في الشَّرْعِ: ما أنْكَرَهُ الشَّرْعُ ونَهى عَنْهُ، وأوْعَدَ فاعِلَهُ العِقابَ. والبَغْيُ: الظُّلْمُ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى: أنَّ الباغِيَ يَرْجِعُ ضَرَرُ بَغْيِهِ عَلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿ذِي القُرْبى﴾ [النحل: ٩٠]، أيْ: صاحِبُ القَرابَةِ مِن جِهَةِ الأبِ أوِ الأُمِّ، أوْ هُما مَعًا؛ لِأنَّ إيتاءَ ذِي القُرْبى صَدَقَةٌ وصِلَةُ رَحِمٍ. والإيتاءُ: الإعْطاءُ. وأحَدُ المَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ: وحُذِفَ الثّانِي. والأصْلُ وإيتاءُ صاحِبِ القَرابَةِ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ . . . الآيَةَ [البقرة: ١٧٧]،

النحل 16:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ أمَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عِبادَهُ أنْ يُوفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدُوا. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ شامِلٌ لِجَمِيعِ العُهُودِ فِيما بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ. وكَرَّرَ هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ (في الأنْعامِ):، ﴿وَبِعَهْدِ (p-٤٣٩)اللَّهِ أوْفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ . . . الآيَةَ [الأنعام: ١٥٢]، وقَوْلِهِ في (الإسْراءِ): ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا (في الأنْعامِ) . وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ مَن نَقَضَ العَهْدَ إنَّما يَضُرُّ بِذَلِكَ نَفْسَهُ، وأنَّ مَن أوْفى بِهِ يُؤْتِيهِ اللَّهُ الأجْرَ العَظِيمَ عَلى ذَلِكَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ نَقْضَ المِيثاقِ يَسْتَوْجِبُ اللَّعْنَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ﴾ . . . الآيَةَ [المائدة: ١٣] .

النحل 16:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ . بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ ما عِنْدَهُ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ باقٍ لا يَفْنى. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٢ - ٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أقْسَمَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ سَيَجْزِي الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم - أيْ: جَزاءَ عَمَلِهِمْ - بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ جَزاءٌ بِلا حِسابٍ؛ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] . تَنْبِيهٌ. اسْتَنْبَطَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ فِعْلَ المُباحِ حَسَنٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، صِيغَةُ تَفْضِيلٍ تَدُلُّ عَلى المُشارَكَةِ، والواجِبُ أحْسَنُ مِنَ المَندُوبِ، والمَندُوبُ أحْسَنُ مِنَ المُباحِ؛ فَيُجازَوْنَ بِالأحْسَنِ الَّذِي هو الواجِبُ والمَندُوبُ، دُونَ مُشارَكَتِهِما في الحَسَنِ وهو المُباحُ؛ وعَلَيْهِ دَرَجَ في مَراقِي السُّعُودِ في قَوْلِهِ: ؎ما رَبُّنا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَسَنٌ وغَيْرُهُ القَبِيحُ والمُسْتَهْجَنُ إلّا أنَّ الحَسَنَ يَنْقَسِمُ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى: ﴿فَخُذْها (p-٤٤٠)بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها. . .﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٥]، فالجَزاءُ المَنصُوصُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، حَسَنٌ. والصَّبْرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، أحْسَنُ؛ وهَكَذا وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِخَلَفٍ عَنْهُ: ”وَلَنَجْزِيَنَّ“ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالياءِ، وهو الطَّرِيقُ الثّانِي لِابْنِ ذَكْوانَ.

النحل 16:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ كُلَّ عامِلٍ سَواءً كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَإنَّهُ - جَلَّ وعَلا - يُقْسِمُ لَيُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً، ولَيَجْزِينَّهُ أجْرَهُ بِأحْسَنِ ما كانَ يَعْمَلُ. اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ دَلَّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ هو ما اسْتَكْمَلَ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: مُوافَقَتُهُ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . الثّانِي: أنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤، ١٥] . الثّالِثُ‌‌: أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى أساسِ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧]، فَقَيَّدَ ذَلِكَ بِالإيمانَ، ومَفْهُومُ مُخالَفَتِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ لَما قُبِلَ مِنهُ ذَلِكَ العَمَلُ الصّالِحُ. وَقَدْ أوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - هَذا المَفْهُومَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ في عَمَلِ غَيْرِ المُؤْمِنِ: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالحَياةِ الطَّيِّبَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. فَقالَ قَوْمٌ: لا تَطِيبُ الحَياةُ إلّا في الجَنَّةِ، فَهَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الحَياةَ (p-٤٤١)الدُّنْيا لا تَخْلُو مِنَ المَصائِبِ والأكْدارِ، والأمْراضِ والألامِ والأحْزانِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، والمُرادُ بِالحَيَوانِ: الحَياةُ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الحَياةُ الطَّيِّبَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في الدُّنْيا، وذَلِكَ بِأنْ يُوَفِّقَ اللَّهُ عَبْدَهُ إلى ما يُرْضِيهِ، ويَرْزُقَهُ العافِيَةَ والرِّزْقَ الحَلالَ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالحَياةِ الطَّيِّبَةِ في الآيَةِ: حَياتُهُ في الدُّنْيا حَياةً طَيِّبَةً؛ وتِلْكَ القَرِينَةُ هي أنَّنا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ المُرادَ بِالحَياةِ الطَّيِّبَةِ: حَياتُهُ في الجَنَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، صارَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، تِكْرارًا مَعَهُ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ هي أجْرُ عَمَلِهِمْ، بِخِلافِ ما لَوْ قَدَّرْنا أنَّها في الحَياةِ الدُّنْيا؛ فَإنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: فَلْنُحْيِيَنَّهُ في الدُّنْيا حَياةً طَيِّبَةً، ولَنُجْزِيَنَّهُ في الآخِرَةِ بِأحْسَنِ ما كانَ يَعْمَلُ، وهو واضِحٌ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ تُؤَيِّدُهُ السُّنَّةُ الثّابِتَةُ عَنْهُ ﷺ . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: والحَياةُ الطَّيِّبَةُ تَشْمَلُ وُجُوهَ الرّاحَةِ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَتْ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: أنَّهم فَسَّرُوها بِالرِّزْقِ الحَلالِ الطَّيِّبِ، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ فَسَّرَها بِالقَناعَةِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ - إلى أنْ قالَ - وقالَ الضَّحّاكُ: هي الرِّزْقُ الحَلالُ، والعِبادَةُ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: هي الرِّزْقُ الحَلالُ، والعِبادَةُ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا هي العَمَلُ بِالطّاعَةِ والِانْشِراحُ بِها. والصَّحِيحُ: أنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ تَشْمَلُ هَذا كُلَّهُ؛ كَما جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ،، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي أيُّوبَ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِّيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «قَدْ أفْلَحَ مَن أسْلَمَ ورُزِقَ كَفافًا، وقَنَعَهُ اللَّهُ بِما أتاهُ» ورَواهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ المَقْرِيِّ بِهِ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هانِئٍ. عَنْ أبِي عَلِيٍّ الجَنْبِيِّ، عَنْ فَضالَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ: أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَدْ أفْلَحَ مِن هُدِيَ إلى الإسْلامِ وكانَ عَيْشُهُ كَفافًا وقَنِعَ بِهِ»، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا يَزِيدُ، حَدَّثَنا هَمّامُ، عَنْ يَحْيى، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ (p-٤٤٢)مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُثابُ عَلَيْها في الآخِرَةِ. وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطى بِها خَيْرًا»، انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ. اه مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وَهَذِهِ الأحادِيثُ ظاهِرَةٌ في تَرْجِيحِ القَوْلِ: بِأنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﷺ: ”أفْلَحَ“ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن نالَ الفَلاحَ نالَ حَياةً طَيِّبَةً. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: ”يُعْطى بِها في الدُّنْيا“، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا. وابْنُ كَثِيرٍ إنَّما ساقَ الأحادِيثَ المَذْكُورَةَ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّها تُرَجِّحُ القَوْلَ المَذْكُورَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّهُ إذا دارَ الكَلامُ بَيْنَ التَّوْكِيدِ والتَّأْسِيسِ رُجِّحَ حَمْلُهُ عَلى التَّأْسِيسِ: وإلَيْهِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ جامِعًا لَهُ مَعَ نَظائِرَ يَجِبُ فِيها تَقْدِيمُ الرّاجِحِ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ بِقَوْلِهِ: ؎كَذاكَ ما قابَلَ ذا اعْتِلالِ مِنَ التَّأصُّلِ والِاسْتِقْلالِ ؎وَمِن تَأسُّسِ عُمُومٍ وبَقا ∗∗∗ الإفْرادُ والإطْلاقُ مِمّا يُنْتَقى ؎كَذاكَ تَرْتِيبٌ لِإيجابِ العَمَلْ ∗∗∗ بِما لَهُ الرُّجْحانُ مِمّا يُحْتَمِلُ وَمَعْنى كَلامِ صاحِبِ المَراقِي: أنَّهُ يُقَدِّمُ مُحْتَمَلَ اللَّفْظِ الرّاجِحِ عَلى المُحْتَمَلِ المَرْجُوحِ، كالتَّأصُّلِ، فَإنَّهُ يُقَدَّمُ عَلى الزِّيادَةِ: نَحْوَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، يُحْتَمَلُ كَوْنُ الكافِ زائِدَةً. وَيُحْتَمَلُ أنَّها غَيْرُ زائِدَةٍ. والمُرادُ بِالمِثْلِ الذّاتُ؛ كَقَوْلِ العَرَبِ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ هَذا، يَعْنُونَ أنْتَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ هَذا، فالمَعْنى: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ. ونَظِيرُهُ مِن إطْلاقِ المِثْلِ وإرادَةِ الذّاتِ: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، أيْ: عَلى نَفْسِ القُرْآنِ لا شَيْءٍ آخَرَ مُماثِلٍ لَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، أيْ: كَمَن هو في الظُّلُماتِ. وكالِاسْتِقْلالِ، فَإنَّهُ يُقَدَّمُ عَلى الإضْمارِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٣]، فَكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ يُضْمِرُونَ قُيُودًا غَيْرَ مَذْكُورَةٍ فَيَقُولُونَ: أنْ يُقْتَلُوا إذا قَتَلُوا، أوْ يُصْلَبُوا إذا قَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إذا أخَذُوا المالَ ولَمْ يَقْتُلُوا. . إلَخْ. فالمالِكِيَّةُ يُرَجِّحُونَ أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ المَذْكُوراتِ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ اسْتِقْلالَ اللَّفْظِ أرْجَحُ مِن إضْمارِ قُيُودٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ؛ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُها حَتّى تَثْبُتَ بِدَلِيلٍ؛ كَما أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا في (المائِدَةِ) وكَذَلِكَ التَّأْسِيسُ يُقَدَّمُ عَلى التَّأْكِيدِ وهو مَحَلُّ الشّاهِدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيَّ (p-٤٤٣)آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٥٩، ٦١، ٦٣، ٦٥، ٦٧، ٦٩، ٧١، ٧٣، ٧٥]، في (سُورَةِ الرَّحْمَنِ)، وقَوْلِهِ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٩، ٢٤، ٢٨، ٣٤، ٣٧، ٤٠، ٤٥، ٤٧، ٤٩]، (في المُرْسَلاتِ) . قِيلَ: تِكْرارُ اللَّفْظِ فِيهِما تَوْكِيدٌ، وكَوْنُهُ تَأْسِيسًا أرْجَحُ لِما ذَكَرْنا. فَتُحْمَلُ الآلاءُ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى ما تَقَدَّمَ. قِيلَ: لَفَظُ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ فَلا يَتَكَرَّرُ مِنها لَفْظٌ. وكَذا يُقالُ في (سُورَةِ المُرْسَلاتِ) فَيُحْمَلُ عَلى المُكَذِّبِينَ بِما ذُكِرَ، قِيلَ كُلُّ لَفْظٍ إلَخَ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ - أنّا إنْ حَمَلْنا الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الآيَةِ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا كانَ ذَلِكَ تَأْسِيسًا. وإنْ حَمَلْناها عَلى حَياةِ الجَنَّةِ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧]؛ لِأنَّ حَياةَ الجَنَّةِ الطَّيِّبَةَ هي أجْرُهُمُ الَّذِي يُجْزَوْنَهُ. وَقالَ أبُو حَيّانَ في (البَحْرِ): والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا؛ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾ [النحل: ٩٧]، يَعْنِي في الآخِرَةِ.

النحل 16:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾، أظْهَرُ القَوْلَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ الإرادَةِ، أيْ: فَإذا أرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآنِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. . الآيَةَ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ إذا قَرَأ القُرْآنَ وفَرَغَ مِن قِراءَتِهِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ كَما يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ، وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ. والدَّلِيلُ عَلى ما ذَكَرْنا تَكَرُّرُ حَذْفِ الإرادَةِ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْها؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦]، أيْ: أرَدْتُمِ القِيامَ إلَيْها كَما هو ظاهِرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ٩]، أيْ: إذْ أرَدْتُمْ أنْ تَتَناجَوْا فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ؛ لِأنَّ النَّهْيَ إنَّما هو عَنْ أمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ يُرادُ فِعْلُهُ، ولا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْ فِعْلٍ مَضى وانْقَضى كَما هو واضِحٌ. وَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الِاسْتِعاذَةَ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ واجِبَةٌ عِنْدَ القِراءَةِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ افْعَلْ لِلْوُجُوبِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. وَقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ الأمْرَ في الآيَةِ لِلنَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وحَكى عَلَيْهِ الإجْماعَ أبُو جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ، وظاهِرُ الآيَةِ أيْضًا: الأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ في الصَّلاةِ لِعُمُومِ الآيَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:99

(p-٤٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الشَّيْطانَ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى المُؤْمِنِينَ المُتَوَكِّلِينَ عَلى اللَّهِ، وأنَّ سُلْطانَهُ إنَّما هو عَلى أتْباعِهِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ. وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢١]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] . واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى السُّلْطانِ في هَذِهِ الآيَةِ. فَقالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ: هو الحُجَّةُ، أيْ: لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. وَقالَ بَعْضُهم: لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَيْهِمْ، أيْ: تَسَلُّطٌ وقُدْرَةٌ عَلى أنْ يُوقِعَهم في ذَنْبٍ لا تَوْبَةَ مِنهُ. وقَدْ قَدَّمْنا هَذا، والمُرادُ: بِ: ﴿الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠]، الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ فَيُوالُونَهُ بِالطّاعَةِ. وَأظْهَرُ الأقْوالِ في قَوْلِهِ: ﴿هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]، أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الشَّيْطانِ لا إلى اللَّهِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ بِهِ هو طاعَتُهم لَهُ في الكُفْرِ والمَعاصِي؛ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠]، وقَوْلُهُ عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ﴾ [مريم: ٤٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وأمّا سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ فَهو ما جَعَلُوهُ لَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الطّاعَةِ والِاتِّباعِ والمُوالاةِ، بِغَيْرِ مُوجِبٍ يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ. فَإنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ لِلشَّيْطانِ سُلْطانًا عَلى أوْلِيائِهِ في آياتٍ؛ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ (p-٤٤٥)عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ. . .﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠٠]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فالِاسْتِثْناءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ سُلْطانًا عَلى مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الغاوِينَ؛ مَعَ أنَّهُ نَفى عَنْهُ السُّلْطانَ عَلَيْهِمْ في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٠ - ٢١] . وَقَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنْهُ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [الناس: ٢٢] . فالجَوابُ هو: أنَّ السُّلْطانَ الَّذِي أثْبَتَهُ لَهُ عَلَيْهِمْ غَيْرُ السُّلْطانِ الَّذِي نَفاهُ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ السُّلْطانَ المُثْبَتَ لَهُ هو سُلْطانُ إضْلالِهِ لَهم بِتَزْيِينِهِ، والسُّلْطانُ المَنفِيُّ هو سُلْطانُ الحُجَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِمْ مِن حُجَّةٍ يَتَسَلَّطُ بِها، غَيْرَ أنَّهُ دَعاهم فَأجابُوهُ بِلا حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ. وإطْلاقُ السُّلْطانِ عَلى البُرْهانِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا ابْتِداءً البَتَّةَ، ولَكِنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَلَّطُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِطاعاتِهِ ودُخُولِهِمْ في حِزْبِهِ، فَلَمْ يَتَسَلَّطْ عَلَيْهِمْ بِقُوَّةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، وإنَّما تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بِإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ. ذَكَرَ هَذا الجَوابَ بِوَجْهَيْهِ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) .

النحل 16:100

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها التَّصْرِيحُ بِأنَّ الشَّيْطانَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى أوْلِيائِهِ، ونَظِيرُها الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . وَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ سُلْطانِهِ عَلَيْهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٠ - ٢١] . وَقَوْلُهُ تَعالى حاكِيًا عَنْهُ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٢٢] . والجَوابُ هو أنَّ السُّلْطانَ الَّذِي أثْبَتَهُ لَهُ عَلَيْهِمْ غَيْرَ السُّلْطانِ الَّذِي نَفاهُ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ السُّلْطانَ المُثْبَتَ لَهُ هو سُلْطانُ إضْلالِهِ لَهم بِتَزْيِينِهِ، والسُّلْطانَ المَنفِيَّ هو سُلْطانُ الحُجَّةِ فَلَمْ يَكُنْ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِمْ مِن حُجَّةٍ يَتَسَلَّطُ بِها غَيْرَ أنَّهُ دَعاهم فَأجابُوهُ بِلا حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وإطْلاقُ السُّلْطانِ عَلى البُرْهانِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا ابْتِداءً البَتَّةَ، ولَكِنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَلَّطُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِطاعَتِهِ ودُخُولِهِمْ في حِزْبِهِ، فَلَمْ يَتَسَلَّطْ عَلَيْهِمْ بِقُوَّةٍ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ (p-٣٢١)الآيَةَ [النساء: ٧٦]، وإنَّما تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بِإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ، ذَكَرَ هَذا الجَوابَ بِوَجْهَيْهِ ابْنُ القَيِّمِ.

النحل 16:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ إذا بَدَّلَ آيَةً مَكانَ آيَةٍ، بِأنْ نَسَخَ آيَةً أوْ أنْساها، وأتى بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها أنَّ الكُفّارَ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلطَّعْنِ في الرَّسُولِ ﷺ؛ بِادِّعاءِ أنَّهُ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ، مُفْتَرٍ عَلَيْهِ. زَعْمًا مِنهم أنَّ نَسْخَ الآيَةِ بِالآيَةِ يَلْزَمُهُ البُداءُ، وهو الرَّأْيُ المُجَدَّدُ، وأنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ. فَيُفْهَمُ عِنْدَهم مِن ذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ، زاعِمِينَ أنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ اللَّهِ لَأقَرَّهُ وأثْبَتَهُ، ولَمْ يَطْرَأْ لَهُ فِيهِ رَأْيٌ مُتَجَدِّدٌ حَتّى يَنْسَخَهُ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، مَعْناهُ: نَسَخْنا آيَةً وأنْسَيْناها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا (p-٤٤٦)تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]، أيْ: أنْ تَنْساهُ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ إنْ نَسَخَ آيَةً أوْ أنْساها، لا بُدَّ أنْ يَأْتِيَ بِبَدَلِ خَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] . وَما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ: مِن أنَّ النَّسْخَ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ البُداءُ، وهو الرَّأْيُ المُتَجَدِّدُ ظاهِرُ السُّقُوطِ، واضِحُ البُطْلانِ لِكُلِّ عاقِلٍ؛ لِأنَّ النَّسْخَ لا يَلْزَمُهُ البُداءُ البَتَّةَ، بَلِ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يُشَرِّعُ الحُكْمَ وهو عالِمٌ بِأنَّ مَصْلَحَتَهُ سَتَنْقَضِي في الوَقْتِ المُعَيَّنِ، وأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ الوَقْتِ يَنْسَخُ ذَلِكَ الحُكْمَ ويُبَدِّلُهُ بِالحُكْمِ الجَدِيدِ الَّذِي فِيهِ المَصْلَحَةُ؛ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ المُعَيَّنُ أنْجَزَ - جَلَّ وعَلا - ما كانَ في عِلْمِهِ السّابِقِ مِن نَسْخِ ذَلِكَ الحُكْمِ، الَّذِي زالَتْ مَصْلَحَتُهُ بِذَلِكَ الحُكْمِ الجَدِيدِ الَّذِي فِيهِ المَصْلَحَةُ. كَما أنَّ حُدُوثَ المَرَضِ بَعْدَ الصِّحَّةِ وعَكْسَهُ، وحُدُوثَ الغِنى بَعْدَ الفَقْرِ وعَكْسَهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ لا يَلْزَمُ فِيهِ البُداءُ؛ لِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِأنَّ حِكْمَتَهُ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ التَّغْيِيرَ في وقْتِهِ المُعَيَّنِ لَهُ، عَلى وفْقِ ما سَبَقَ في العِلْمِ الأزَلِيِّ كَما هو واضِحٌ. وَقَدْ أشارَ - جَلَّ وعَلا - إلى عِلْمِهِ بِزَوالِ المَصْلَحَةِ مِنَ المَنسُوخِ، وتَمَحُّضِها في النّاسِخِ بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١]، • وقَوْلِهِ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٦، ٧]، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧]، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ. فَهو عالِمٌ بِمَصْلَحَةِ الإنْسانِ، ومَصْلَحَةِ تَبْدِيلِ الجَدِيدِ مِنَ الأوَّلِ المَنسِيِّ. * * مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: المَسْألَةُ الأُولى: لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في جَوازِ النَّسْخِ عَقْلًا وشَرْعًا، ولا في وُقُوعِهِ فِعْلًا، ومَن ذُكِرِ عَنْهُ خِلافٌ في ذَلِكَ كَأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ - فَإنَّهُ إنَّما يَعْنِي أنَّ النَّسْخَ تَخْصِيصٌ لِزَمَنِ الحُكْمِ بِالخِطابِ الجَدِيدِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الخَطّابِ الأوَّلِ: اسْتِمْرارُ الحُكْمِ في جَمِيعِ الزَّمَنِ. والخِطابُ الثّانِي دَلَّ عَلى تَخْصِيصِ الحُكْمِ الأوَّلِ بِالزَّمَنِ الَّذِي قَبْلَ النَّسْخِ؛ فَلَيْسَ النَّسْخُ عِنْدَهُ رَفْعًا لِلْحُكْمِ الأوَّلِ، وقَدْ أشارَ إلَيْهِ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ في تَعْرِيفِ النَّسْخِ: (p-٤٤٧) ؎رَفْعٌ لِحُكْمٍ أوْ بَيانُ الزَّمَنِ بِمُحْكَمِ القُرْآنِ أوْ بِالسُّنَنِ وَإنَّما خالَفَ فِيهِ اليَهُودُ وبَعْضُ المُشْرِكِينَ، زاعِمِينَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ البُداءُ كَما بَيَّنّا. ومِن هُنا قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ شَرِيعَةَ مُوسى يَسْتَحِيلُ نَسْخُها. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا يَصِحُّ نَسْخُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ إلّا بِوَحْيٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥]، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ النَّسْخَ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ مَمْنُوعٌ، وكَذَلِكَ لا نَسْخَ بِالإجْماعِ؛ لِأنَّ الإجْماعَ لا يَنْعَقِدُ إلّا بَعْدَ وفاتِهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ ما دامَ حَيًّا فالعِبْرَةُ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ وتَقْرِيرِهِ ﷺ، ولا حُجَّةَ مَعَهُ في قَوْلِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ اتِّباعَهُ فَرْضٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ؛ ولِذا لا بُدَّ في تَعْرِيفِ الإجْماعِ مِنَ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ بَعْدَ وفاتِهِ ﷺ، كَما قالَ صاحِبُ المَراقِي في تَعْرِيفِ الإجْماعِ: وَهُوَ الِاتِّفاقُ مِن مُجْتَهِدِي الأُمَّةِ مِن بَعْدِ وفاةِ أحْمَدِ. وَبَعْدَ وفاتِهِ يَنْقَطِعُ النَّسَخُ؛ لِأنَّهُ تَشْرِيعٌ، ولا تَشْرِيعَ البَتَّةَ بَعْدَ وفاتِهِ ﷺ، وإلى كَوْنِ العَقْلِ والإجْماعِ لا يَصِحُّ النَّسْخُ بِمُجَرَّدِهِما - أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ أيْضًا بِقَوْلِهِ في النَّسْخِ: ؎فَلَمْ يَكُنْ بِالعَقْلِ أوْ مُجَرَّدِ الإجْماعِ بَلْ يُنْمى إلى المُسْتَنَدِ وَقَوْلُهُ: ”بَلْ يُنْمى إلى المُسْتَنَدِ“ يَعْنِي أنَّهُ إذا وُجِدَ في كَلامِ العُلَماءِ أنْ نَصًّا مَنسُوخٌ بِالإجْماعِ، فَإنَّهم إنَّما يَعْنُونَ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِالنَّصِّ الَّذِي هو مُسْتَنَدُ الإجْماعِ، لا بِنَفْسِ الإجْماعِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن مَنعِ النَّسْخِ بِهِ شَرْعًا. وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ نَسْخُ الوَحْيِ بِالقِياسِ عَلى التَّحْقِيقِ، وإلَيْهِ أشارَ في المَراقِي بِقَوْلِهِ: ؎وَمِنهُ نَسْخُ النَّصِّ بِالقِياسِ ∗∗∗ هو الَّذِي ارْتَضاهُ جُلُّ النّاسِ أيْ: وهو الحَقُّ. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ ما يَقُولُهُ بَعْضُ أهْلِ الأُصُولِ مِنَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ وغَيْرِهِمْ: مِن جَوازِ النَّسْخِ بِلا بَدَلٍ، وعَزاهُ غَيْرُ واحِدٍ لِلْجُمْهُورِ، وعَلَيْهِ دَرَجَ في المَراقِي بِقَوْلِهِ: (p-٤٤٨)وَيُنْسَخُ الخُفُّ بِما لَهُ ثِقَلْ وقَدْ يَجِيءُ عارِيًا مِنَ البَدَلْ. أنَّهُ باطِلٌ بِلا شَكٍّ. والعَجَبُ مِمَّنْ قالَ بِهِ العُلَماءُ الأجِلّاءُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، مَعَ أنَّهُ مُخالِفٌ مُخالَفَةً صَرِيحَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ [البقرة: ١٠٦]، فَلا كَلامَ البَتَّةَ لِأحَدٍ بَعْدَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، فَقَدْ رَبَطَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيْنَ النَّسْخِ، وبَيْنَ الإتْيانِ بِبَدَلِ المَنسُوخِ عَلى سَبِيلِ الشَّرْطِ والجَزاءِ. ومَعْلُومٌ أنَّ الصِّدْقَ والكَذِبَ في الشَّرْطِيَّةِ يَتَوارَدانِ عَلى الرَّبْطِ؛ فَيَلْزَمُ أنَّهُ كُلَّما وقَعَ النَّسْخُ وقَعَ الإتْيانُ بِخَيْرٍ مِنَ المَنسُوخِ أوْ مِثْلِهِ كَما هو ظاهِرٌ. وَما زَعَمَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ النَّسْخَ وقَعَ في القُرْآنِ بِلا بَدَلٍ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]، فَإنَّهُ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ١٣]، ولا بَدَلَ لِهَذا المَنسُوخِ. فالجَوابُ: أنَّ لَهُ بَدَلًا، وهو أنَّ وُجُوبَ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ أمامَ المُناجاةِ لَمّا نُسِخَ بَقِيَ اسْتِحْبابُ الصَّدَقَةِ ونَدْبُها، بَدَلًا مِنَ الوُجُوبِ المَنسُوخِ كَما هو ظاهِرٌ. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الأخَفِّ بِالأثْقَلِ، والأثْقَلِ بِالأخَفِّ. فَمِثالُ نَسْخِ الأخَفِّ بِالأثْقَلِ: نَسْخُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الصَّوْمِ والإطْعامِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، بِأثْقَلَ مِنهُ، وهو تَعْيِينُ إيجابِ الصَّوْمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ونُسِخَ حَبْسُ الزَّوانِي في البُيُوتِ المَنصُوصُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥]، بِأثْقَلَ مِنهُ وهو الجَلْدُ والرَّجْمُ المَنصُوصُ عَلى الأوَّلِ مِنهُما في قَوْلِهِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وعَلى الثّانِي مِنهُما بِآيَةِ الرَّجْمِ الَّتِي نُسِخَتْ تِلاوَتُها وبَقِيَ حُكْمُها ثابِتًا، وهي قَوْلُهُ: ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ“، ومِثالُ نَسْخِ الأثْقَلِ بِالأخَفِّ: نَسْخُ وُجُوبِ مُصابَرَةِ المُسْلِمِ عَشَرَةً مِنَ الكَفّارِ المَنصُوصُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٥]، بِأخَفَّ مِنهُ وهو مُصابَرَةُ المُسْلِمِ اثْنَيْنِ مِنهُمُ المَنصُوصُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (p-٤٤٩)الآيَةَ [الأنفال: ٦٦]، وكَنَسْخِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فَإنَّهُ نَسْخٌ لِلْأثْقَلِ بِالأخَفِّ كَما هو ظاهِرٌ. وكَنَسْخِ اعْتِدادِ المُتَوَفّى عَنْها بِحَوْلٍ، المَنصُوصِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٤٠]، بِأخَفَّ مِنهُ وهو الِاعْتِدادُ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرَ، المَنصُوصُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . تَنْبِيهٌ. اعْلَمْ: أنْ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ [البقرة: ١٠٦] إشْكالًا مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى: أنْ يُقالَ: إمّا أنْ يَكُونَ الأثْقَلُ خَيْرًا مِنَ الأخَفِّ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ أجْرًا، أوِ الأخَفُّ خَيْرًا مِنَ الأثْقَلِ؛ لِأنَّهُ أسْهَلُ مِنهُ، وأقْرَبُ إلى القُدْرَةِ عَلى الِامْتِثالِ. وكَوْنُ الأثْقَلِ خَيْرًا يَقْتَضِي مَنعَ نَسْخِهِ بِالأخَفِّ، كَما أنَّ كَوْنَ الأخَفِّ خَيْرًا يَقْتَضِي مَنعَ نَسْخِهِ بِالأثْقَلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأنَّهُ يَأْتِي بِما هو خَيْرٌ مِنَ المَنسُوخِ أوْ مُماثِلٌ لَهُ، لا ما هو دُونَهُ. وقَدْ عَرَفْتَ: أنَّ الواقِعَ جَوازُ نَسْخِ كُلٍّ مِنهُما بِالآخَرِ. الجِهَةُ الثّانِيَةُ: مِن جِهَتَيِ الإشْكالِ في قَوْلِهِ ﴿أوْ مِثْلِها﴾ [البقرة: ١٠٦]؛ لِأنَّهُ يُقالُ: ما الحِكْمَةُ في نَسْخِ المِثْلِ لِيُبْدَلَ مِنهُ مِثْلُهُ ؟ وأيُّ مَزِيَّةٍ لِلْمِثْلِ عَلى المِثْلِ حَتّى يُنْسَخَ ويُبَدَّلَ مِنهُ ؟ . والجَوابُ عَنِ الإشْكالِ الأوَّلِ: هو أنَّ الخَيْرِيَّةَ تارَةً تَكُونُ في الأثْقَلِ لِكَثْرَةِ الأجْرِ، وذَلِكَ فِيما إذا كانَ الأجْرُ كَثِيرًا جِدًّا والِامْتِثالُ غَيْرَ شَدِيدِ الصُّعُوبَةِ، كَنَسْخِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الإطْعامِ والصَّوْمِ بِإيجابِ الصَّوْمِ؛ فَإنَّ في الصَّوْمِ أجْرًا كَثِيرًا كَما في الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ»، والصّائِمُونَ مِن خِيارِ الصّابِرِينَ؛ لِأنَّهم صَبَرُوا لِلَّهِ عَنْ شَهْوَةِ بُطُونِهِمْ وفُرُوجِهِمْ؛ واللَّهُ يَقُولُ: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، ومَشَقَّةُ الصَّوْمِ عادِيَّةٌ لَيْسَ فِيها صُعُوبَةٌ شَدِيدَةٌ تَكُونُ مَظِنَّةً لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الِامْتِثالِ، وإنْ عَرَضَ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ كَمَرَضٍ أوْ سَفَرٍ؛ فالتَّسْهِيلُ بِرُخْصَةِ الإفْطارِ مَنصُوصٌ بِقَوْلِهِ: " ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وتارَةً تَكُونُ الخَيْرِيَّةُ في الأخَفِّ، وذَلِكَ فِيما إذا كانَ الأثْقَلُ المَنسُوخُ شَدِيدَ الصُّعُوبَةِ بِحَيْثُ يَعْسُرُ فِيهِ الِامْتِثالُ؛ فَإنَّ الأخَفَّ يَكُونُ خَيْرًا مِنهُ؛ لِأنَّ مَظِنَّةَ عَدَمِ الِامْتِثالِ تُعَرِّضُ المُكَلَّفَ لِلْوُقُوعِ فِيما (p-٤٥٠)لا يُرْضِي اللَّهَ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فَلَوْ لَمْ تُنْسَخِ المُحاسَبَةُ بِخَطَراتِ القُلُوبِ لَكانَ الِامْتِثالُ صَعْبًا جِدًّا، شاقًّا عَلى النُّفُوسِ، لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنَ الإخْلالِ بِهِ، إلّا مَن سَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى - فَشَكَّ أنَّ نَسْخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، خَيْرٌ لِلْمُكَلَّفِ مِن بَقاءِ ذَلِكَ الحُكْمِ الشّاقِّ، وهَكَذا. والجَوابُ عَنِ الإشْكالِ الثّانِي: هو أنَّ قَوْلَهُ: أوْ مِثْلِها، يُرادُ بِهِ مُماثَلَةُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في حَدِّ ذاتِهِما؛ فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ النّاسِخُ يَسْتَلْزِمُ فَوائِدَ خارِجَةً عَنْ ذاتِهِ يَكُونُ بِها خَيْرًا مِنَ المَنسُوخِ، فَيَكُونُ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ مُماثِلًا لِلْمَنسُوخِ، وبِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الفَوائِدِ الَّتِي لا تُوجَدُ في المَنسُوخِ خَيْرًا مِنَ المَنسُوخِ. وَإيضاحُهُ: أنَّ عامَّةَ المُفَسِّرِينَ يُمَثِّلُونَ لِقَوْلِهِ: أوْ مِثْلِها، بِنَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ؛ فَإنَّ هَذا النّاسِخَ والمَنسُوخَ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِما مُتَماثِلانِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما جِهَةٌ مِنَ الجِهاتِ، وهي في حَقِيقَةِ أنْفُسِها مُتَساوِيَةٌ، فَلا يُنافِي أنْ يَكُونَ النّاسِخُ مُشْتَمِلًا عَلى حِكَمٍ خارِجَةٍ عَنْ ذاتِهِ تُصَيِّرُهُ خَيْرًا مِنَ المَنسُوخِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ. فَإنَّ اسْتِقْبالَ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ تَلْزَمُهُ نَتائِجُ مُتَعَدِّدَةٌ مُشارٌ لَها في القُرْآنِ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً في اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، مِنها: أنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ احْتِجاجُ كُفّارِ مَكَّةَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِمْ: تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ولا تَسْتَقْبِلُ قِبْلَتَها ! وتَسْقُطُ بِهِ حُجَّةُ اليَهُودِ بِقَوْلِهِمْ: تَعِيبُ دِينَنا وتَسْتَقْبِلُ قِبْلَتَنا، وقِبْلَتُنا مِن دِينِنا ! وتَسْقُطُ بِهِ أيْضًا حُجَّةُ عُلَماءِ اليَهُودِ فَإنَّهم عِنْدَهم في التَّوْراةِ: أنَّهُ ﷺ سَوْفَ يُؤْمَرُ بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِالتَّحَوُّلِ عَنْهُ إلى اسْتِقْبالِ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ. فَلَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ لاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِما عِنْدَهم في التَّوْراةِ مِن أنَّهُ سَيُحَوَّلُ إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، والفَرْضُ أنَّهُ لَمْ يُحَوَّلْ. وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذِهِ الحِكَمِ الَّتِي هي إدْحاضُ هَذِهِ الحُجَجِ الباطِلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا﴾ [البقرة: ١٥٠]، ثُمَّ بَيَّنَ الحِكْمَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٠]، وإسْقاطُ هَذِهِ الحُجَجِ مِنَ الدَّواعِي الَّتِي دَعَتْهُ ﷺ إلى حُبِّ التَّحْوِيلِ إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ المُشارِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٤٤] . * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ النَّسْخَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: (p-٤٥١)الأوَّلُ: نَسْخُ التِّلاوَةِ والحُكْمِ مَعًا، ومِثالُهُ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن «حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَتْ: ”كانَ فِيما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ» . .“، الحَدِيثُ. فَآيَةُ عَشْرِ رَضَعاتٍ مَنسُوخَةُ التِّلاوَةِ والحُكْمِ إجْماعًا. الثّانِي: نَسْخُ التِّلاوَةِ وبَقاءُ الحُكْمِ، ومِثالُهُ آيَةُ الرَّجْمِ المَذْكُورَةُ آنِفًا، وآيَةُ خَمْسِ رَضَعاتٍ عَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ وعائِشَةَ ومَن وافَقَهُما. الثّالِثُ: نَسْخُ الحُكْمِ وبَقاءُ التِّلاوَةِ، وهو غالِبٌ ما في القُرْآنِ مِنَ المَنسُوخِ. كَآيَةِ المُصابِرَةِ، والعِدَّةِ، والتَّخْيِيرِ بَيْنَ الصَّوْمِ والإطْعامِ، وحَبْسِ الزَّوانِي. كَما ذَكَرْنا ذَلِكَ كُلَّهُ آنِفًا. * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ في نَسْخِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، ونَسْخِ السُّنَّةِ بِمُتَواتِرِ السُّنَّةِ. واخْتَلَفُوا في نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ كَعَكْسِهِ، وفي نَسْخِ المُتَواتِرِ بِأخْبارِ الآحادِ؛ وخِلافِهِمْ في هَذِهِ المَسائِلِ مَعْرُوفٌ. ومِمَّنْ قالَ: بِأنَّ الكِتابَ لا يُنْسَخُ إلّا بِالكِتابِ، وأنَّ السُّنَّةَ لا تُنْسَخُ إلّا بِالسُّنَّةِ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - هو أنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ كِلاهُما يُنْسَخُ بِالآخَرِ؛ لِأنَّ الجَمِيعَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَمِثالُ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالكِتابِ: نَسْخُ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ؛ فَإنَّ اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ أوَّلًا إنَّما وقَعَ بِالسُّنَّةِ لا بِالقُرْآنِ، وقَدْ نَسَخَهُ اللَّهُ بِالقُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٤٤]، ومِثالُ نَسْخِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ: نَسْخُ آيَةِ عَشْرِ رَضَعاتٍ تِلاوَةً وحُكْمًا بِالسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ. ونَسْخُ سُورَةِ الخَلْعِ وسُورَةِ الحَفْدِ تِلاوَةً وحُكْمًا بِالسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ. وسُورَةِ الخَلْعِ وسُورَةِ الحَفْدِ: هُما القُنُوتُ في الصُّبْحِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ. وقَدْ أوْضَحَ صاحِبُ (الدُّرِّ المَنثُورِ) وغَيْرُهُ تَحْقِيقَ أنَّهُما كانَتا سُورَتَيْنِ مِن كِتابِ اللَّهِ ثُمَّ نُسِخَتا. وَقَدْ قَدَّمْنا في (سُورَةِ الأنْعامِ) أنَّ الَّذِي يُظْهِرُ لَنا أنَّهُ الصَّوابُ: هو أنَّ أخْبارَ الآحادِ الصَّحِيحَةَ يَجُوزُ نَسْخُ المُتَواتِرِ بِها إذا ثَبَتَ تَأخُّرُها عَنْهُ، وأنَّهُ لا مُعارَضَةَ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ المُتَواتِرَ حَقٌّ، والسُّنَّةُ الوارِدَةُ بَعْدَهُ إنَّما بَيَّنَتْ شَيْئًا جَدِيدًا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلُ، فَلا مُعارَضَةَ بَيْنَهُما البَتَّةَ لِاخْتِلافِ زَمَنِهِما. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ (p-٤٥٢)اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ. يَدُلُّ بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ دَلالَةً صَرِيحَةً عَلى إباحَةِ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ؛ لِصَراحَةِ الحَصْرِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ في الآيَةِ في ذَلِكَ. فَإذا صَرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَوْمَ خَيْبَرَ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ: ”بِأنَّ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ غَيْرُ مُباحَةٍ“، فَلا مُعارَضَةَ البَتَّةَ بَيْنَ ذَلِكَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ وبَيْنَ تِلْكَ الآيَةِ النّازِلَةِ قَبْلَهُ بِسِنِينَ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ دَلَّ عَلى تَحْرِيمٍ جَدِيدٍ، والآيَةَ ما نَفَتْ تَجَدُّدَ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ كَما هو واضِحٌ. فالتَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - هو جَوازُ نَسْخِ المُتَواتِرِ بِالآحادِ الصَّحِيحَةِ الثّابِتِ تَأخُّرُها عَنْهُ، وإنْ خالَفَ فِيهِ جُمْهُورُ الأُصُولِيِّينَ، ودَرَجَ عَلى خِلافِهِ وِفاقًا لِلْجُمْهُورِ صاحِبُ المَراقِي بِقَوْلِهِ: والنَّسْخُ بِالآحادِ لِلْكِتابِ لَيْسَ بِواقِعٍ عَلى الصَّوابِ. وَمِن هُنا تَعْلَمُ: أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ مَنسُوخَةٌ بِحَدِيثِ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ هو جَوازُ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَشْرِيعِ الحُكْمِ أوَّلًا إذا كانَ سَيُنْسَخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن فِعْلِهِ ؟ . فالجَوابُ: أنَّ الحِكْمَةَ ابْتِلاءُ المُكَلَّفِينَ بِالعَزْمِ عَلى الِامْتِثالِ. ويُوَضِّحُ هَذا: أنَّ اللَّهَ أمَرَ إبْراهِيمَ أنْ يَذْبَحَ ولَدَهُ، وقَدْ نَسَخَ عَنْهُ هَذا الحُكْمَ بِفِدائِهِ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ قَبْلَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الفِعْلِ. وبَيَّنَ أنَّ الحِكْمَةَ في ذَلِكَ: الِابْتِلاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٦، ١٠٧]، ومِن أمْثِلَةِ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ: نَسْخُ خَمْسٍ وأرْبَعِينَ صَلاةً لَيْلَةَ الإسْراءِ، بَعْدَ أنْ فُرِضَتِ الصَّلاةُ خَمْسِينَ صَلاةً، كَما هو مَعْرُوفٌ. وقَدْ أشارَ إلى هَذِهِ المَسْألَةِ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎والنَّسْخُ مِن قَبْلِ وُقُوعِ الفِعْلِ جاءَ وُقُوعًا في صَحِيحِ النَّقْلِ * * المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ: أنَّهُ ما كُلُّ زِيادَةٍ عَلى النَّصِّ تَكُونُ نَسْخًا، وإنْ خالَفَ في ذَلِكَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، بَلِ الزِّيادَةُ عَلى النَّصِّ قِسْمانِ: قِسْمٌ مُخالِفٌ النَّصَّ المَذْكُورَ قَبْلَهُ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ تَكُونُ نَسْخًا عَلى التَّحْقِيقِ؛ كَزِيادَةِ تَحْرِيمِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وكُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ مَثْلًا، عَلى المُحَرَّماتِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥]؛ لِأنَّ الحُمُرَ الأهْلِيَّةَ ونَحْوَها لَمْ يُسْكَتْ عَنْ حُكْمِهِ في الآيَةِ، بَلْ مُقْتَضى الحَصْرِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ (p-٤٥٣)فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآيَةَ، صَرِيحٌ في إباحَةِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ وما ذُكِرَ مَعَها؛ فَكَوْنُ زِيادَةِ تَحْرِيمِها نَسْخًا أمْرٌ ظاهِرٌ. وَقِسْمٌ لا تَكُونُ الزِّيادَةُ فِيهِ مُخالِفَةً لِلنَّصِّ، بَلْ تَكُونُ زِيادَةَ شَيْءٍ سَكَتَ عَنْهُ النَّصُّ الأوَّلُ، وهَذا لا يَكُونُ نَسْخًا، بَلْ بَيانَ حُكْمِ شَيْءٍ كانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ؛ كَتَغْرِيبِ الزّانِي البِكْرِ، وكالحُكْمِ بِالشّاهِدِ، واليَمِينِ في الأمْوالِ. فَإنَّ القُرْآنَ في الأوَّلِ: أوْجَبَ الجَلْدَ وسَكَتَ عَمّا سِواهُ، فَزادَ النَّبِيُّ حُكْمًا كانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وهو التَّغْرِيبُ. كَما أنَّ القُرْآنَ في الثّانِي فِيهِ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٢]، وسَكَتَ عَنْ حُكْمِ الشّاهِدِ واليَمِينِ، فَزادَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمًا كانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ؛ وإلى هَذا أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَلَيْسَ نَسْخًا كُلُّ ما أفادا فِيما رَسا بِالنَّصِّ إلّا ازْدِيادا وَقَدْ قَدَّمْنا في (الأنْعامِ) في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥] .

النحل 16:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ، أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَقُولَ إنَّ هَذا القُرْآنَ الَّذِي زَعَمُوا أنَّهُ افْتِراءٌ بِسَبَبِ تَبْدِيلِ اللَّهِ آيَةً مَكانَ آيَةٍ؛ أنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَيْهِ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّهِ - جَلَّ وعَلا -؛ فَلَيْسَ مُفْتَرِيًا لَهُ. ورُوحُ القُدُسِ: جِبْرِيلُ، ومَعْناهُ الرُّوحُ المُقَدَّسُ، أيِ: الطّاهِرُ مِن كُلِّ ما لا يَلِيقُ. وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٩٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

النحل 16:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، أقْسَمَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الكُفّارَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ وحْيًا مِنَ اللَّهِ، وإنَّما تَعَلَّمَهُ مَن بَشَرٍ مِنَ النّاسِ. وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]، (p-٤٥٤)أيْ: يَرْوِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَنْ غَيْرِهِ، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٠٥]، كَما تَقَدَّمَ في (الأنْعامِ) . وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِ هَذا البَشَرِ الَّذِي زَعَمُوا أنَّهُ يُعَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، وقَدْ صَرَّحَ القُرْآنُ بِأنَّهُ أعْجَمِيُّ اللِّسانِ؛ فَقِيلَ: هو غُلامُ الفاكِهِ بْنُ المُغِيرَةِ، واسْمُهُ جَبْرٌ، وكانَ نَصْرانِيًّا فَأسْلَمَ. وقِيلَ: اسْمُهُ يَعِيشُ عَبْدٌ لَبَنِي الحَضْرَمِيِّ، وكانَ يَقْرَأُ الكُتُبَ الأعْجَمِيَّةَ. وقِيلَ: غُلامٌ لِبَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. وقِيلَ: هُما غُلامانِ: اسْمُ أحَدِهِما يَسارٌ، واسْمُ الآخَرِ جَبْرٌ، وكانا صَيْقَلِيَّيْنِ يَعْمَلانِ السُّيُوفَ، وكانا يَقْرَآنِ كِتابًا لَهم. وقِيلَ: كانا يَقْرَآنِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ. وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - كَذِبَهم وتَعَنُّتَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، بِقَوْلِهِ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ تَعَلُّمُهُ مِن ذَلِكَ البَشَرِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ البَشَرَ أعْجَمِيُّ اللِّسانِ. وهَذا القُرْآنُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ فَصِيحٌ، لا شائِبَةَ فِيهِ مِنَ العُجْمَةِ؛ فَهَذا غَيْرُ مَعْقُولٍ. وَبَيَّنَ شِدَّةَ تَعَنُّتِهِمْ أيْضًا بِأنَّهُ لَوْ جَعَلَ القُرْآنَ أعْجَمِيًّا لَكَذَّبُوهُ أيْضًا وقالُوا: كَيْفَ يَكُونُ هَذا القُرْآنُ أعْجَمِيًّا مَعَ أنَّ الرَّسُولَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَرَبِيٌّ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]، أيْ: أقُرْآنٌ أعْجَمِيٌّ، ورَسُولٌ عَرَبِيٌّ. فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ أنَّ القُرْآنَ أعْجَمِيٌّ والرَّسُولَ عَرَبِيٌّ، ولا يُنْكِرُونَ أنَّ المُعَلِّمَ المَزْعُومَ أعْجَمِيٌّ، مَعَ أنَّ القُرْآنَ المَزْعُومَ تَعْلِيمُهُ لَهُ عَرَبِيٌّ. كَما بَيَّنَ تَعَنُّتَهم أيْضًا، بِأنَّهُ لَوْ نَزَلَ هَذا القُرْآنُ العَرَبِيُّ المُبِينُ، عَلى أعْجَمِيٍّ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ عَرَبِيًّا لَكَذَّبُوهُ أيْضًا، مَعَ ذَلِكَ الخارِقِ لِلْعادَةِ؛ لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩] . وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يُلْحِدُونَ، أيْ: يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ. والمَعْنى لِسانُ البَشَرِ الَّذِي يُلْحِدُونَ، أيْ: يُمِيلُونَ قَوْلَهم عَنِ الصِّدْقِ والِاسْتِقامَةِ إلَيْهِ؛ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ بَيَّنٍ، وهَذا القُرْآنُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، أيْ: ذُو بَيانٍ وفَصاحَةٍ. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: يَلْحَدُونَ، بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، مِن لَحَدَ الثُّلاثِيِّ. وقَرَأهُ الباقُونَ: يُلْحُدُونَ، بِضَمِّ الياءِ والحاءِ، مِن لَحُدَ الثُّلاثِيِّ. وقَرَأهُ الباقُونَ: يُلْحِدُونَ، بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مَن ألْحَدَ الرُّباعِيِّ، وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى واحِدٌ، أيْ: (p-٤٥٥)يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ. وأمّا يُلْحِدُونَ، الَّتِي في (الأعْرافِ)، والَّتِي في (فُصِلَتْ) فَلَمْ يَقْرَأْهُما بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ إلّا حَمْزَةُ وحْدَهُ دُونَ الكِسائِيِّ. وإنَّما وافَقَهُ الكِسائِيُّ في هَذِهِ الَّتِي في (النَّحْلِ) وأطْلَقَ اللِّسانَ عَلى القُرْآنِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ اللِّسانَ وتُرِيدُ بِهِ الكَلامَ؛ فَتُؤَنِّثُها وتُذَكَّرُها. ومِنهُ قَوْلُ أعْشى باهِلَةَ: ؎إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها مِن عُلُوٍّ لا عَجَبَ فِيها ولا سَخَرَ وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎لِسانُ الشَّرِّ تُهْدِيها إلَيْنا ∗∗∗ وخُنْتَ وما حَسِبْتُكَ أنْ تَخُونا وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎أتَتْنِي لِسانُ بَنِي عامِرِ ∗∗∗ أحادِيثُها بَعْدَ قَوْلٍ نُكُرِ وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، أيْ: ثَناءً حَسَنًا باقِيًا. ومِن إطْلاقِ اللِّسانِ بِمَعْنى الكَلامِ مُذَكَّرًا قَوْلُ الحُطَيْئَةَ: نَدِمْتُ عَلى لِسانٍ فاتَ مِنِّي فَلَيْتَ بِأنَّهُ في جَوْفِ عِكْمِ.

النحل 16:112

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ”إنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأهْلِ مَكَّةَ“، وهو رِوايَةُ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وحَكاهُ مالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ. وَهَذِهِ الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ الَّتِي اتَّصَفَتْ بِها هَذِهِ القَرْيَةُ: تَتَّفِقُ مَعَ صِفاتِ أهْلِ مَكَّةَ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ؛ فَقَوْلُهُ عَنْ هَذِهِ القَرْيَةِ: ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢]، قالَ نَظِيرُهُ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ الآيَةَ [القصص: ٥٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٦٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ [النحل: ١١٢]، قالَ نَظِيرُهُ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ أيْضًا؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ (p-٤٥٦)الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤]، فَإنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ كانَتْ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ كانَتْ إلى الشّامِ، وكانَتْ تَأْتِيهِمْ مِن كِلْتا الرِّحْلَتَيْنِ أمْوالٌ وأرْزاقٌ؛ ولِذا أتْبَعَ الرِّحْلَتَيْنِ بِامْتِنانِهِ عَلَيْهِمْ: بِأنْ أطْعَمَهم مِن جُوعٍ. • وقَوْلِهِ في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]، ذَكَرَ نَظِيرَهُ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] . وَقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ الآيَةَ [النحل: ٨٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، وقَعَ نَظِيرُهُ قَطْعًا لِأهْلِ مَكَّةَ؛ لَمّا لَجُّوا في الكُفْرِ والعِنادِ، ودَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ»، فَأصابَتْهم سَنَةٌ أذْهَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتّى أكَلُوا الجِيفَ والعَلْهَزَ (وهو وبَرُ البَعِيرِ يُخْلَطُ بِدَمِهِ إذا نَحَرُوهُ)، وأصابَهُمُ الخَوْفُ الشَّدِيدُ بَعْدَ الأمْنِ؛ وذَلِكَ الخَوْفُ مِن جُيُوشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وغَزَواتِهِ وبُعُوثِهِ وسَراياهُ. وهَذا الجُوعُ والخَوْفُ أشارَ لَهُما القُرْآنُ عَلى بَعْضِ التَّفْسِيراتِ؛ فَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ آيَةَ (الدُّخانِ) بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، ”فارْتَقِبْ“ [الدخان: ١٠]: فانْتَظِرْ، حَدَّثَنا عَبْدانُ، عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: مَضى خَمْسٌ: الدُّخانُ، والرُّومُ، والقَمَرُ، والبَطْشَةُ، واللِّزامُ. ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١]، حَدَّثَنا يَحْيى، حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ. عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ: ”إنَّما كانَ هَذا؛ لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَوْا عَلى النَّبِيِّ ﷺ دَعا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ؛ فَأصابَهم قَحْطٌ وجَهْدٌ، حَتّى أكَلُوا العِظامَ. فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ فَيَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَها كَهَيْئَةِ الدُّخانِ مِنَ الجَهْدِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا (p-٤٥٧)عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠، ١١]، فَأُتِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ، فَإنَّها قَدْ هَلَكَتْ ! قالَ:“ لِمُضَرَ ! إنَّكَ لِجَرِيءٌ ! "، فاسْتَسْقى فَسُقُوا. فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، فَلَمّا أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ عادُوا إلى حالِهِمْ حِينَ أصابَتْهُمُ الرَّفاهِيَةُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]، يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ» . بابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]، حَدَّثَنا يَحْيى، حَدَّثَنا وكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلْتُ «عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَقالَ: ”إنَّ مِنَ العِلْمِ أنْ تَقُولَ لِما لا تَعْلَمُ: اللَّهُ أعْلَمُ، إنَّ اللَّهَ قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]“، إنَّ قُرَيْشًا لَمّا غَلَبُوا النَّبِيَّ ﷺ واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، قالَ: ”اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ“، فَأخَذَتْهم سَنَةٌ أكَلُوا فِيها العِظامَ والمَيْتَةَ مِنَ الجَهْدِ، حَتّى جَعَلَ أحَدُهم يَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ مِنَ الجُوعِ ‌‌‌، قالُوا: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]، فَقِيلَ لَهُ: إنْ كَشَفْنا عَنْهم عادُوا؛ فَدَعا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهم فَعادُوا، فانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، إلى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾» [الدخان: ١٦]، انْتَهى بِلَفْظِهِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ما يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً أنَّ ما أُذِيقَتْ هَذِهِ القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ في (سُورَةِ النَّحْلِ) مِن لِباسِ الجُوعِ أُذِيقَهُ أهْلُ مَكَّةَ، حَتّى أكَلُوا العِظامَ، وصارَ الرَّجُلُ مِنهم يَتَخَيَّلُ لَهُ مِثْلُ الدُّخّانِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ. وهَذا التَّفْسِيرُ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الحَدِيثِ: مِن أنَّ تَفْسِيرَ الصَّحابِيِّ المُتَعَلِّقَ بِسَبَبِ النُّزُولِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؛ كَما أشارَ لَهُ صاحِبُ طَلْعَةِ الأنْوارِ بِقَوْلِهِ: تَفْسِيرُ صاحِبٍ لَهُ تَعَلُّقُ بِالسَّبَبِ الرَّفْعُ لَهُ مُحَقَّقُ. وَكَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. وَقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ في (سُورَةِ البَقَرَةِ) في الكَلامِ: عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . وَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ الدُّخانَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الدُّخانَيْنِ: الدُّخانِ الَّذِي مَضى، والدُّخانِ المُسْتَقْبَلِ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّفْسِيراتِ المُتَعَدِّدَةَ في الآيَةِ إنْ كانَ يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى جَمِيعِها فَهو أوْلى. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي حَقَّقَهُ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رِسالَتِهِ في عُلُومِ القُرْآنِ، بِأدِلَّتِهِ. (p-٤٥٨)وَأُمّا الخَوْفُ المَذْكُورُ في آيَةِ ”النَّحْلِ“ فَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - مِثْلَهُ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ أيْضًا عَلى بَعْضِ تَفْسِيراتِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي هي: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، فَقَدْ جاءَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ تَفْسِيرُ القارِعَةِ الَّتِي تُصِيبُهم بِسَرِيَّةٍ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ: ﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، قالَ: السَّرايا، وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ: ”﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، قالَ: سَرِيَّةٌ ﴿قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، قالَ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ، قالَ: فَتْحُ مَكَّةَ“، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْلِهِ: ”﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾، قالَ: سَرِيَّةٌ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ تَحُلُّ: يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ“، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ مُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ”القارِعَةُ السَّرايا ﴿أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾، قالَ: الحُدَيْبِيَةُ، ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾، قالَ: فَتْحُ مَكَّةَ“، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في سَرايا النَّبِيِّ ﷺ أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دَراهِمَ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. فَهَذا التَّفْسِيرُ المَذْكُورُ في آيَةِ (الرَّعْدِ) هَذِهِ، والتَّفْسِيرُ المَذْكُورُ قَبْلَهُ في آيَةِ (الدُّخانِ) يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أُبْدِلُوا بَعْدَ سَعَةِ الرِّزْقِ بِالجُوعِ، وبَعْدَ الأمْنِ والطُّمَأْنِينَةِ بِالخَوْفِ؛ كَما قالَ في القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ: ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، وقَوْلُهُ في القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ: ﴿وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ﴾ . . . الآيَةَ [النحل: ١١٣]، لا يَخْفى أنَّهُ قالَ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ قُرَيْشٍ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٨]، وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦٤] . والآياتُ المُصَرِّحَةُ بِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ . . . الآيَةَ [ص: ٥] (p-٤٥٩)وَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٤١ - ٤٢]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. فَمَجْمُوعُ ما ذَكَرْنا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ القَرْيَةِ المَضْرُوبَةِ مَثَلًا في آيَةِ (النَّحْلِ) هَذِهِ: هي مَكَّةُ. ورُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ وغَيْرِها: ”أنَّها المَدِينَةُ، قالَتْ ذَلِكَ لَمّا بَلَغَها قَتْلُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -“، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي قَرْيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، ضَرَبَها اللَّهُ مَثَلًا لِلتَّخْوِيفِ مِن مُقابَلَةِ نِعْمَةِ الأمْنِ والِاطْمِئْنانِ والرِّزْقِ، بِالكُفْرِ والطُّغْيانِ. وقالَ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْكِيرُ القَرْيَةِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٢] . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وعَلى كُلِّ حالٍ، فَيَجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَعْتَبِرَ بِهَذا المَثَلِ، وألّا يُقابِلَ نِعَمَ اللَّهِ بِالكُفْرِ والطُّغْيانِ؛ لِئَلّا يَحِلَّ بِهِ ما حَلَّ بِهَذِهِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ. ولَكِنَّ الأمْثالَ لا يَعْقِلُها عَنِ اللَّهِ إلّا مَن أعْطاهُ اللَّهُ عِلْمًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . وَفِي قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قَرْيَةً، وجْهانِ مِنَ الإعْرابِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَدُلُّ مِن قَوْلِهِ: مَثَلًا، الثّانِي: أنَّ ضَرَبَ مُضَمَّنٌ مَعْنى جَعَلَ، وأنَّ: قَرْيَةً، هي المَفْعُولُ الأوَّلُ، و: مَثَلًا المَفْعُولُ الثّانِي. وإنَّما أُخِّرَتْ قَرْيَةً لِئَلّا يَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَها وبَيْنَ صِفاتِها المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: كانَتْ آمِنَةً. . .، إلَخْ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مُّطْمَئِنَّةً، أيْ: لا يُزْعِجُها خَوْفٌ؛ لِأنَّ الطُّمَأْنِينَةَ مَعَ الأمْنِ، والِانْزِعاجَ والقَلَقَ مَعَ الخَوْفِ. وَقَوْلُهُ: رَغَدًا، أيْ: واسِعًا لَذِيذًا. والأنْعُمُ قِيلَ: جَمْعُ نِعْمَةٍ كَشِدَّةٍ وأشُدَّ. أوْ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ. كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ. أوْ جَمْعُ نُعْمٍ كَبُؤْسٍ وأبْؤُسٍ. كَما تَقَدَّمَ في (سُورَةِ الأنْعامِ) في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ الآيَةَ [ الآيَةَ \ ١٥٢ ] . وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، هو أنْ يُقالَ: كَيْفَ أوْقَعَ الإذاقَةَ عَلى اللِّباسِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٢]، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ الرّاوَنْدِيِّ الزِّنْدِيقَ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ - إمامِ اللُّغَةِ والأدَبِ -: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ ؟ ! يُرِيدُ الطَّعْنَ (p-٤٦٠)فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ لَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لا بَأْسَ أيُّها النَّسْناسُ ! هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما كانَ نَبِيًّا ! أما كانَ عَرَبِيًّا ؟ . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: والجَوابُ عَنْ هَذا السُّؤالِ ظاهِرٌ، وهو أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ اللِّباسِ عَلى ما أصابَهم مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ؛ لِأنَّ آثارَ الجُوعِ والخَوْفِ تَظْهَرُ عَلى أبْدانِهِمْ، وتُحِيطُ بِها كاللِّباسِ. ومِن حَيْثُ وُجْدانِهِمْ ذَلِكَ اللِّباسُ المُعَبَّرُ بِهِ عَنْ آثارِ الجُوعِ والخَوْفِ، أوْقَعَ عَلَيْهِ الإذاقَةَ، فَلا حاجَةَ إلى ما يَذْكُرُهُ البَيانِيُّونَ مِنَ الِاسْتِعاراتِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. وقَدْ أوْضَحْنا في رِسالَتِنا الَّتِي سَمَّيْناها (مَنعَ جَوازِ المَجازِ في المَنزِلِ لِلتَّعَبُّدِ والإعْجازِ): أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ إنَّ في القُرْآنِ مَجازًا، وأوْضَحْنا ذَلِكَ بِأدِلَّتِهِ، وبَيَّنّا أنَّ ما يُسَمِّيهِ البَيانِيُّونَ مَجازًا أنَّهُ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ البَيانِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: فِيها اسْتِعارَةٌ مُجَرَّدَةٌ؛ يَعْنُونَ أنَّها جِيءَ فِيها بِما يُلائِمُ المُسْتَعارَ لَهُ. وذَلِكَ في زَعْمِهِمْ أنَّهُ اسْتَعارَ اللِّباسَ لِما غَشِيَهم مِن بَعْضِ الحَوادِثِ كالجُوعِ والخَوْفِ، بِجامِعِ اشْتِمالِهِ عَلَيْهِمْ كاشْتِمالِ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ الأصْلِيَّةِ التَّحْقِيقِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوَصْفَ الَّذِي هو الإذاقَةُ مُلائِمًا لِلْمُسْتَعارِ لَهُ الَّذِي هو الجُوعُ والخَوْفُ؛ لِأنَّ إطْلاقَ الذَّوْقِ عَلى وُجْدانِ الجُوعِ والخَوْفِ جَرى عِنْدَهم مَجْرى الحَقِيقَةِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. فَيَقُولُونَ: ذاقَ البُؤْسَ والضُّرَّ، وأذاقَهُ غَيْرُهُ إيّاهُما؛ فَكانَتِ الِاسْتِعارَةُ مُجَرَّدَةً لِذِكْرِ ما يُلائِمُ المُسْتَعارَ لَهُ، الَّذِي هو المُشَبَّهُ في الأصْلِ في التَّشْبِيهِ الَّذِي هو أصْلُ الِاسْتِعارَةِ. ولَوْ أُرِيدَ تَرْشِيحُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ في زَعْمِهِمْ لَقِيلَ: فَكَساها؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِما يُلائِمُ المُسْتَعارَ مِنهُ الَّذِي هو المُشَبَّهُ بِهِ في التَّشْبِيهِ الَّذِي هو أصْلُ الِاسْتِعارَةِ يُسَمّى ”تَرْشِيحًا“، والكِسْوَةُ تُلائِمُ اللِّباسَ، فَذِكْرُها تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ. قالُوا: وإنْ كانَتِ الِاسْتِعارَةُ المُرَشَّحَةُ أبْلَغَ مِنَ المُجَرَّدَةِ، فَتَجْرِيدُ الِاسْتِعارَةِ في الآيَةِ أبْلَغُ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ رُوعِيَ المُسْتَعارُ لَهُ الَّذِي هو الخَوْفُ والجُوعُ، وبِذِكْرِ الإذاقَةِ المُناسِبَةِ لِذَلِكَ لِيَزْدادَ الكَلامُ وُضُوحًا. وَقالَ بَعْضُهم: هي اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى اسْتِعارَةٍ؛ فَإنَّهُ أوَّلًا اسْتَعارَ لِما يَظْهَرُ عَلى أبْدانِهِمْ مِنَ الِاصْفِرارِ والذُّبُولِ والنُّحُولِ اسْمَ اللِّباسِ، بِجامِعِ الإحاطَةِ بِالشَّيْءِ والِاشْتِمالِ عَلَيْهِ، فَصارَ اسْمُ اللِّباسِ مُسْتَعارًا لِآثارِ الجُوعِ والخَوْفِ عَلى أبْدانِهِمْ، ثُمَّ اسْتَعارَ اسْمَ الإذاقَةِ لِما يَجِدُونَهُ مِن ألَمِ ذَلِكَ الجُوعِ والخَوْفِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِاللِّباسِ، بِجامِعِ التَّعَرُّفِ والِاخْتِبارِ في كُلٍّ مِنَ الذَّوْقِ بِالفَمِ، ووُجُودِ الألَمِ مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ؛ وعَلَيْهِ فَفي اللِّباسِ (p-٤٦١)اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ كَما ذَكَرْنا. وفي الإذاقَةِ المُسْتَعارَةِ لَمْسُ ألَمِ الجُوعِ والخَوْفِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. وَقَدْ ألْمَمْنا هُنا بِطَرَفٍ قَلِيلٍ مِن كَلامِ البَيانِيِّينَ هُنا لِيَفْهَمَ النّاظِرُ مُرادَهم، مَعَ أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ لا فائِدَةَ فِيهِ، ولا طائِلَ تَحْتَهُ، وأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الإذاقَةَ عَلى الذَّوْقِ وعَلى غَيْرِهِ مِن وُجُودِ الألَمِ واللَّذَّةِ، وأنَّها تُطْلِقُ اللِّباسَ عَلى المَعْرُوفِ، وتُطْلِقُهُ عَلى غَيْرِهِ مِمّا فِيهِ مَعْنى اللِّباسِ مِنَ الِاشْتِمالِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقَوْلِ الأعْشى: ؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى عَطْفَها تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكانَتْ لِباسًا وَكُلُّها أسالِيبُ عَرَبِيَّةٌ. ولا إشْكالَ في أنَّهُ إذا أُطْلِقَ اللِّباسُ عَلى مُؤَثِّرٍ مُؤْلِمٍ يُحِيطُ بِالشَّخْصِ إحاطَةَ اللِّباسِ، فَلا مانِعَ مِن إيقاعِ الإذاقَةِ عَلى ذَلِكَ الألَمِ المُحِيطِ المُعَبَّرِ بِاسْمِ اللِّباسِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النحل 16:116

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾، نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الكُفّارَ عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ مِن رِزْقِهِ، مِمّا شَرَعَ لَهم عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ (لَعَنَهُ اللَّهُ) مِن تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ. وَقَدْ أوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٣٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٣٨]، وقَوْلِهِ حِجْرٌ، أيْ: حَرامٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما تَقَدَّمَ. وَفِي قَوْلِهِ الكَذِبَ [النحل: ١١٦]، أوْجُهٌ مِنَ الإعْرابِ: أحَدُهم: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ: تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم مِن رِزْقِ اللَّهِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ؛ كَما ذُكِرَ في الآياتِ المَذْكُورَةِ آنِفًا مِن غَيْرِ اسْتِنادِ ذَلِكَ الوَصْفِ إلى دَلِيلٍ، واللّامُ مَثَلُها في قَوْلِكَ: لا تَقُولُوا لِما أحَلَّ اللَّهُ: هو حَرامٌ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٤]، وجُمْلَةُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا (p-٤٦٢)حَرامٌ﴾، بَدَلٌ مِنَ: الكَذِبِ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ المَذْكُورَةَ في مَحَلِّ نَصْبٍ: تَصِفُ، بِتَضْمِينِها مَعْنى تَقُولُ، أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم، فَتَقُولَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ. وقِيلَ: الكَذِبَ، مَفْعُولٌ بِهِ لِ تَصِفُ، و ما مَصْدَرِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِ لا تَقُولُوا، أيْ: لا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ؛ أيْ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا لِأجْلِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم، ويَجُولُ في أفْواهِكم؛ لا لِأجْلِ حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ، قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ. وقِيلَ: الكَذِبَ بَدَلٌ مِن هاءِ المَفْعُولِ المَحْذُوفَةِ؛ أيْ: لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ. تَنْبِيهٌ. كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يَتَوَرَّعُونَ عَنْ قَوْلِهِمْ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ؛ خَوْفًا مِن هَذِهِ الآياتِ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قالَ الدّارِمِيُّ: أبُو مُحَمَّدٍ في مُسْنَدِهِ: أخْبَرَنا هارُونُ، عَنْ حَفْصٍ، عَنِ الأعْمَشِ قالَ: ”ما سَمِعْتُ إبْراهِيمَ قَطُّ يَقُولُ: حَلالٌ ولا حَرامٌ، ولَكِنْ كانَ يَقُولُ: كانُوا يَكْرَهُونَ، وكانُوا يَسْتَحِبُّونَ“ . وَقالَ ابْنُ وهْبٍ: قالَ مالِكٌ: لَمْ يَكُنْ مِن فُتْيا النّاسِ أنْ يَقُولُوا: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، ولَكِنْ يَقُولُوا إيّاكم كَذا وكَذا، ولَمْ أكُنْ لِأصْنَعَ هَذا. انْتَهى. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، مِنَ التَّعْلِيلِ الَّذِي لا يَتَضَمَّنُ مَعْنى الفَرْضِ. اه. وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ يَقُولُونَ: هي لامُ العاقِبَةِ. والبَيانِيُّونَ يَزْعُمُونَ أنَّ حَرْفَ التَّعْلِيلِ كاللّامِ إذا لَمْ تُقْصَدْ بِهِ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ الآيَةَ [القصص: ٨]، وقَوْلِهِ هُنا: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، أنَّ في ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً في مَعْنى الحَرْفِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. فَمِن أسالِيبِها: الإتْيانُ بِحَرْفِ التَّعْلِيلِ لِلدَّلالَةِ عَلى العِلَّةِ الغائِيَّةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٥]، ومِن أسالِيبِها الإتْيانُ بِاللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ أمْرٍ عَلى أمْرٍ؛ كَتَرَتُّبِ المَعْلُولِ عَلى عِلَّتِهِ الغائِيَّةِ. وهَذا الأخِيرُ كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ (p-٤٦٣)لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]؛ لِأنَّ العِلَّةَ الغائِيَّةَ الباعِثَةَ لَهم عَلى التِقاطِهِ لَيْسَتْ هي أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا، بَلْ لِيَكُونَ لَهم قُرَّةَ عَيْنٍ؛ كَما قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩]، ولَكِنْ لَمّا كانَ كَوْنُهُ عَدُوًّا لَهم وحَزَنًا يَتَرَتَّبُ عَلى التِقاطِهِمْ لَهُ؛ كَتَرَتُّبِ المَعْلُولِ عَلى عِلَّتِهِ الغائِيَّةِ، عُبِّرَ فِيهِ بِاللّامِ الدّالَّةِ عَلى تَرْتِيبِ المَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ. وهَذا أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ، فَلا حاجَةَ إلى ما يُطِيلُ بِهِ البَيانِيُّونَ في مِثْلِ هَذا المَبْحَثِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ الكَذِبَ - أيْ يَخْتَلِقُونَهُ عَلَيْهِ - كَدَعْواهم أنَّهُ حَرَّمَ هَذا وهو لَمْ يُحَرِّمْهُ، ودَعْواهم لَهُ الشُّرَكاءَ والأوْلادَ - لا يُفْلِحُونَ؛ لِأنَّهم في الدُّنْيا لا يَنالُونَ إلّا مَتاعًا قَلِيلًا لا أهَمِّيَّةَ لَهُ، وفي الآخِرَةِ يُعَذَّبُونَ العَذابَ العَظِيمَ، الشَّدِيدَ المُؤْلِمَ. وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ في يُونُسَ: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ - ٧٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مَتاعُهم في الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنفَعَتُهم في الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ. وقَوْلُهُ لا يُفْلِحُونَ، أيْ: لا يَنالُونَ الفَلاحَ، وهو يُطْلَقُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ الأكْبَرِ، والثّانِي: البَقاءُ السَّرْمَدِيُّ؛ كَما تَقَدَّمَ بِشَواهِدِهِ.

النحل 16:118

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ. هَذا المُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ، المَقْصُوصُ عَلَيْهِ مِن قَبْلِ المُحَلُّ عَلَيْهِ هُنا هو المَذْكُورُ في (سُورَةِ الأنْعامِ)، في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وَجُمْلَةُ المُحَرَّماتِ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ظاهِرَةٌ، وهو كُلُّ ذِي ظُفْرٍ: كالنَّعامَةِ (p-٤٦٤)والبَعِيرُ، والشَّحْمُ الخالِصُ مِنَ البَقَرِ والغَنَمِ - وهو الثُّرُوبُ - وشَحْمُ الكُلى. أمّا الشَّحْمُ الَّذِي عَلى الظَّهْرِ، والَّذِي في الحَوايا وهي الأمْعاءُ، والمُخْتَلِطُ بِعَظْمٍ كَلَحْمِ الذَّنَبِ وغَيْرِهِ مِنَ الشُّحُومِ المُخْتَلِطَةِ بِالعِظامِ؛ فَهو حَلالٌ لَهم؛ كَما هو واضِحٌ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.

النحل 16:120

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أثْنى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ عَلى نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ -: بِأنَّهُ أُمَّةٌ؛ أيْ: إمامٌ مُقْتَدًى بِهِ، يَعْلَمُ النّاسَ الخَيْرَ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، وأنَّهُ قانِتٌ لِلَّهِ، أيْ: مُطِيعٌ لَهُ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ شاكِرٌ لِأنْعُمِ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ اجْتَباهُ، أيِ: اخْتارَهُ واصْطَفاهُ. وأنَّهُ هَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَكَرَّرَ هَذا الثَّناءَ عَلَيْهِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، • وقَوْلِهِ عَنْهُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ في الثَّناءِ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَدَّمْنا مَعانِيَ ”الأُمَّةِ“، في القُرْآنِ.

النحل 16:122

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٢١]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الحَسَنَةُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ في الدُّنْيا: الذُّرِّيَّةُ الطَّيِّبَةُ، والثَّناءُ الحَسَنُ. ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا بِأنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أنَّهُ أعْطاهُ بِسَبَبِ إخْلاصِهِ لِلَّهِ، واعْتِزالِهِ أهْلَ الشِّرْكِ: الذُّرِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ. وأشارَ أيْضًا لِأنَّهُ جَعَلَ لَهُ ثَناءً حَسَنًا باقِيًا في الدُّنْيا؛ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠]، وقالَ: ﴿وَجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] .

النحل 16:123

(p-٤٦٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أوْحى إلى نَبِيِّنا ﷺ الأمْرَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ. وَبَيَّنَ هَذا أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]، • وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ [الحج: ٧٧ - ٧٨] • وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والمِلَّةُ: الشَّرِيعَةُ. والحَنِيفُ: المائِلُ عَنْ كُلِّ دِينٍ باطِلٍ إلى دِينِ الحَقِّ. وأصْلُهُ مِنَ الحَنَفِ: وهو اعْوِجاجُ الرِّجْلَيْنِ؛ يُقالُ: بِرِجْلِهِ حَنَفٌ، أيِ: اعْوِجاجٌ. ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ تُرَقِّصُهُ وهو صَبِيٌّ: واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ ما كانَ في فِتْيانِكم مِن مِثْلِهِ. وَقَوْلُهُ: حَنِيفًا حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ: ما كانَ جُزْءُ ما لَهُ أُضِيفا أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلا تَحِيفا. لِأنَّ المُضافَ هُنا وهو مِلَّةُ، كالجُزْءِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو: إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ لَوْ حُذِفَ لَبَقِيَ المَعْنى تامًّا؛ لِأنَّ قَوْلَنا: أنِ اتَّبِعْ إبْراهِيمَ، كَلامٌ تامُّ المَعْنى كَما هو ظاهِرٌ، وهَذا هو مُرادُهُ بِكَوْنِهِ مِثْلَ جُزْئِهِ.

النحل 16:125

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يُجادِلَ خُصُومَهُ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ: مِن إيضاحِ الحَقِّ بِالرِّفْقِ واللِّينِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، قالَ: أعْرِضْ عَنْ أذاهم. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أيْ: إلّا الَّذِينَ نَصَبُوا لِلْمُؤْمِنِينَ الحَرْبَ فَجادِلْهم بِالسَّيْفِ حَتّى يُؤْمِنُوا، أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وَنَظِيرُ ما ذُكِرَ هُنا مِنَ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ قَوْلُهُ لِمُوسى وهارُونَ في شَأْنِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤]، ومِن ذَلِكَ القَوْلِ اللَّيِّنِ: قَوْلُ مُوسى لَهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨ - ١٩] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، أيْ: زاغَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ (p-٤٦٦)والحَقِّ، إلى طَرِيقِ الكُفْرِ والضَّلالِ. وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ في أوَّلِ (القَلَمِ): ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٧ - ٨]، • وقَوْلِهِ في (الأنْعامِ): ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧]، • وقَوْلِهِ في (النَّجْمِ): ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ [النجم: ٣٠]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. والظّاهِرُ أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ الَّتِي هي: أعْلَمُ، في هَذِهِ الآياتِ يُرادُ بِها مُطْلَقُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في عِلْمِ ما يَصِيرُ إلَيْهِ خَلْقُهُ مِن شَقاوَةٍ وسَعادَةٍ؛ فَهي كَقَوْلِ الشَّنْفَرى: وَإنْ مُدَّتِ الأيْدِيَ إلى الزّادِ لَمْ أكُنْ بِأعْجَلِهِمْ إذْ أجْشَعُ القَوْمِ أعْجَلُ. أيْ: لَمْ أكُنْ بِعَجِلِهِمْ. وقَوْلُ الفَرَزْدَقَ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ. أيْ عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ.

النحل 16:126

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِّلصّابِرِينَ﴾، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةُ مِن (سُورَةِ النَّحْلِ) بِالمَدِينَةِ، في تَمْثِيلِ المُشْرِكِينَ بِحَمْزَةَ ومَن قُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ. فَقالَ المُسْلِمُونَ: لَئِنْ أظْفَرَنا اللَّهُ بِهِمْ لَنُمَثِّلُنَّ بِهِمْ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةَ الكَرِيمَةُ، فَصَبَرُوا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، مَعَ أنَّ (سُورَةَ النَّحْلِ) مَكِّيَّةٌ، إلّا هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ مِن آخِرِها. والآيَةَ فِيها جَوازُ الِانْتِقامِ والإرْشادِ إلى أفْضَلِيَّةِ العَفْوِ. وقَدْ ذَكَرَ تَعالى هَذا المَعْنى في القُرْآنِ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٤٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ - إلى قَوْلِهِ -: ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، كَما قَدَّمْنا. * * (p-٤٦٧)مَسائِلُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. المَسْألَةُ الأُولى: يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ حُكْمُ مَسْألَةِ الظَّفَرِ، وهي أنَّكَ إنْ ظَلَمَكَ إنْسانٌ: بِأنْ أخَذَ شَيْئًا مِن مالِكَ بِغَيْرِ الوَجْهِ الشَّرْعِيِّ ولَمْ يُمْكِنْ لَكَ إثْباتُهُ، وقَدَرْتَ لَهُ عَلى مِثْلِ ما ظَلَمَكَ بِهِ عَلى وجْهٍ تَأْمَنُ مَعَهُ الفَضِيحَةَ والعُقُوبَةَ؛ فَهَلْ لَكَ أنْ تَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّكَ أوْ لا ؟ . أصَحُّ القَوْلَيْنِ، وأجْرَأُهُما عَلى ظَواهِرِ النُّصُوصِ وعَلى القِياسِ: أنَّ لَكَ أنْ تَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّكَ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: ابْنُ سِيرِينَ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وسُفْيانُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم. وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مالِكٌ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ وعَلَيْهِ دَرَجَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ المالِكِيُّ في مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ في الوَدِيعَةِ: ولَيْسَ لَهُ الأخْذُ مِنها لِمَن ظَلَمَهُ بِمِثْلِها. واحْتَجَّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ بِحَدِيثِ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ. ولا تَخُنْ مِن خانَكَ»، اه. وهَذا الحَدِيثُ عَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ لا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ؛ لِأنَّ مَن أخَذَ قَدْرَ حَقِّهِ ولَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لَمْ يَخُنْ مَن خانَهُ، وإنَّما أنْصَفَ نَفْسَهُ مِمَّنْ ظَلَمَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المُماثَلَةَ في القِصاصِ، فَمَن قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِها، ومَن قَتَلَ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ رَضُّهُ ﷺ رَأْسَ يَهُودِيٍّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ؛ قِصاصًا لِجارِيَةٍ فَعَلَ بِها مِثْلَ ذَلِكَ " . وَهَذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ، زاعِمًا أنَّ القَتْلَ بِغَيْرِ المُحَدَّدِ شِبْهُ عَمْدٍ، لا عَمْدٌ صَرِيحٌ حَتّى يَجِبَ فِيهِ القِصاصُ. وسَيَأْتِي لِهَذا - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - زِيادَةُ إيضاحٍ في (سُورَةِ الإسْراءِ) . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أطْلَقَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ اسْمَ العُقُوبَةِ عَلى الجِنايَةِ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، والجِنايَةُ الأُولى لَيْسَتْ عُقُوبَةً؛ لِأنَّ القُرْآنَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. ومِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ المُشاكَلَةُ بَيْنَ الألْفاظِ؛ فَيُؤَدِّي لَفْظٌ بِغَيْرِ مَعْناهُ المَوْضُوعِ لَهُ مُشاكَلَةً لِلَفْظٍ آخَرَ مُقْتَرِنٍ بِهِ في الكَلامِ؛ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قالُوا اقْتَرِحْ شَيْئًا نَجِدْ لَكَ طَبْخَهُ قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصًا (p-٤٦٨)أيْ: خَيِّطُوا لِي. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎هَذِي الأرامِلُ قَدْ قُضِيَتْ حاجَتُها ∗∗∗ فَمَن لِحاجَةِ هَذا الأرْمَلِ الذَّكَرِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ الأرامِلَ لا تُطْلَقُ في اللُّغَةِ إلّا عَلى الإناثِ. وَنَظِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في إطْلاقِ إحْدى العُقُوبَتَيْنِ عَلى ابْتِداءِ الفِعْلِ مُشاكَلَةً لِلَّفْظِ الآخَرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٦٠]، ونَحْوُهُ أيْضًا. قَوْلُهُ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، مَعَ أنَّ القَصّاصَ لَيْسَ بِسَيِّئَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٤]؛ لِأنَّ القِصاصَ مِنَ المُعْتَدِي أيْضًا لَيْسَ بِاعْتِداءٍ كَما هو ظاهِرٌ، وإنَّما أُدِّيَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ لِلْمُشاكَلَةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.

النحل 16:127

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٧] . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ ﷺ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ، وأنَّهُ لا يَمْتَثِلُ ذَلِكَ الأمْرَ بِالصَّبْرِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٧]، وأشارَ لِهَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ﴾ الآيَةَ، مَعْناهُ أنَّ خَصْلَةَ الصَّبْرِ لا يُلَقّاها إلّا مَن كانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الحَظُّ الأكْبَرُ والنَّصِيبُ الأوْفَرُ، بِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وتَيْسِيرِ ذَلِكَ لَهُ.

النحل 16:128

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ مَعَ عِبادِهِ المُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ إيضاحُ مَعْنى التَّقْوى و الإحْسانِ. وَهَذِهِ المَعِيَّةُ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وهي بِالإعانَةِ والنَّصْرِ والتَّوْفِيقِ. وكَرَّرَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَأمّا المَعِيَّةُ العامَّةُ لِجَمِيعِ الخَلْقِ فَهي بِالإحاطَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ، ونُفُوذِ القُدْرَةِ، وكَوْنِ الجَمِيعِ في قَبْضَتِهِ - جَلَّ وعَلا -: فالكائِناتُ في يَدِهِ - جَلَّ وعَلا - أصْغَرُ مِن حَبَّةِ خَرْدَلٍ، وهَذِهِ هي (p-٤٦٩)المَذْكُورَةُ أيْضًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهُمْ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما﴾ الآيَةَ [الحديد: ٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٦١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فَهُوَ - جَلَّ وعَلا - مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ كَما قالَ، عَلى الكَيْفِيَّةِ اللّائِقَةِ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، وهو مُحِيطٌ بِخَلْقِهِ، كُلِّهِمْ في قَبْضَةِ يَدِهِ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ مَعِيَّةَ اللَّهِ خاصَّةٌ بِالمُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ. وَقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومِها وهي قَوْلُهُ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ الآيَةَ [يونس: ٦١] . والجَوابُ أنَّ لِلَّهِ مَعِيَّةً خاصَّةً ومَعِيَّةً عامَّةً، فالمَعِيَّةُ الخاصَّةُ بِالنَّصْرِ والتَّوْفِيقِ والإعانَةِ، وهَذِهِ لِخُصُوصِ المُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٨] . وقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ١٢] . وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] . وَمَعِيَّةٌ عامَّةٌ بِالإحاطَةِ والعِلْمِ، لِأنَّهُ تَعالى أعْظَمُ وأكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَجَمِيعُ الخَلائِقِ في يَدِهِ أصْغَرُ مِن حَبَّةِ خَرْدَلٍ في يَدِ أحَدِنا، ولَهُ المَثَلُ الأعْلى، وسَيَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ في سُورَةِ ”الحَدِيدِ“ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهي عامَّةٌ لِكُلِّ الخَلائِقِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ.