Adwa' Al-Bayan — الإسراء 17:1 – الإسراء 17:111
المحتويات
- الإسراء 17:1
- الإسراء 17:2
- الإسراء 17:3
- الإسراء 17:4
- الإسراء 17:7
- الإسراء 17:8
- الإسراء 17:9
- الإسراء 17:11
- الإسراء 17:12
- الإسراء 17:13
- الإسراء 17:15
- الإسراء 17:16
- الإسراء 17:17
- الإسراء 17:19
- الإسراء 17:22
- الإسراء 17:23
- الإسراء 17:28
- الإسراء 17:33
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:37
- الإسراء 17:40
- الإسراء 17:42
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:46
- الإسراء 17:56
- الإسراء 17:58
- الإسراء 17:59
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:61
- الإسراء 17:62
- الإسراء 17:63
- الإسراء 17:64
- الإسراء 17:65
- الإسراء 17:67
- الإسراء 17:70
- الإسراء 17:71
- الإسراء 17:72
- الإسراء 17:73
- الإسراء 17:74
- الإسراء 17:78
- الإسراء 17:81
- الإسراء 17:82
- الإسراء 17:83
- الإسراء 17:85
- الإسراء 17:87
- الإسراء 17:90
- الإسراء 17:94
- الإسراء 17:95
- الإسراء 17:97
- الإسراء 17:99
- الإسراء 17:100
- الإسراء 17:101
- الإسراء 17:102
- الإسراء 17:105
- الإسراء 17:106
- الإسراء 17:110
- الإسراء 17:111
الإسراء 17:1
(p-٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ .
الآيَةَ، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونَ في الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ، فَإنّا نُبَيِّنُ ذَلِكَ.
فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ هَذا الإسْراءَ بِهِ ﷺ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ بِرُوحِهِ ﷺ دُونَ جَسَدِهِ، زاعِمًا أنَّهُ في المَنامِ لا اليَقَظَةِ؛ لِأنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ.
وَزَعَمَ بَعْضُهم: أنَّ الإسْراءَ بِالجَسَدِ، والمِعْراجَ بِالرُّوحِ دُونَ الجَسَدِ، ولَكِنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِرُوحِهِ وجَسَدِهِ ﷺ يَقَظَةً لا مَنامًا، لِأنَّهُ قالَ ﴿بِعَبْدِهِ﴾ والعَبْدُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الرُّوحِ والجَسَدِ، ولِأنَّهُ قالَ: سُبْحانَ والتَّسْبِيحُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ الأُمُورِ العِظامِ، فَلَوْ كانَ مَنامًا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَبِيرُ شَأْنٍ حَتّى يَتَعَجَّبَ مِنهُ. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ [النجم: ١٧] لِأنَّ البَصَرَ مِن آلاتِ الذّاتِ لا الرُّوحِ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ [الإسراء: ١].
وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾، [الإسراء: ٦٠] فَإنَّها رُؤْيا عَيْنٍ يَقَظَةٍ، لا رُؤْيا مَنامٍ، كَما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
وَمِنَ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ عَلى ذَلِكَ: أنَّها لَوْ كانَتْ رُؤْيا مَنامٍ لَما كانَتْ فِتْنَةً، ولا سَبَبًا لِتَكْذِيبِ قُرَيْشٍ؛ لَأنَّ رُؤْيا المَنامِ لَيْسَتْ مَحَلَّ إنْكارٍ؛ لِأنَّ المَنامَ قَدْ يُرى فِيهِ ما لا يَصِحُّ. فالَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ فِتْنَةً هو ما رَآهُ بِعَيْنِهِ مِنَ الغَرائِبِ والعَجائِبِ.
فَزَعَمَ المُشْرِكُونَ أنَّ مَنِ ادَّعى رُؤْيَةَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَهو كاذِبٌ لا مَحالَةَ، فَصارَ فِتْنَةً لَهم. وكَوْنُ الشَّجَرَةِ المُعَلْوَنَةِ الَّتِي هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ عَلى التَّحْقِيقِ فِتْنَةً لَهم: ”أنَّ اللَّهَ لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ: (p-٤)﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ قالُوا [الصافات: ٦٤]، ظَهَرَ كَذِبُهُ؛ لِأنَّ الشَّجَرَ لا يَنْبُتُ بِالأرْضِ اليابِسَةِ، فَكَيْفَ يَنْبُتُ في أصْلِ النّارِ !“ كَما تَقَدَّمَ في ”البَقَرَةِ“ .
وَيُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا مِن كَوْنِها رُؤْيا عَيْنٍ يَقَظَةٍ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١]، وقَوْلُهُ ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٧ - ١٨].
وَما زَعَمَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ الرُّؤْيا لا تُطْلَقُ بِهَذا اللَّفْظِ لُغَةً إلّا عَلى رُؤْيا المَنامِ مَرْدُودٌ. بَلِ التَّحْقِيقُ: أنَّ لَفْظَ الرُّؤْيا يُطْلَقُ في لُغَةِ العَرَبِ عَلى رُؤْيَةِ العَيْنِ يَقَظَةً أيْضًا. ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ:
؎فَكَبَّرَ لِلرُّؤْيا وهَشَّ فُؤادُهُ وبَشَّرَ نَفْسًا كانَ قَبْلُ يَلُومُها
فَإنَّهُ يَعْنِي رُؤْيَةَ صائِدٍ بِعَيْنِهِ. ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ:
؎وَرُؤْياكَ أحْلى في العُيُونِ مِنَ الغَمْضِ
قالَهُ صاحِبُ اللِّسانِ.
وَزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ المُرادَ بِالرُّؤْيا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] رُؤْيا مَنامٍ، وأنَّها هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ، [الفتح: ٢٧] والحَقُّ الأوَّلُ.
وَرُكُوبُهُ ﷺ عَلى البُراقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإسْراءَ بِجِسْمِهِ؛ لِأنَّ الرُّوحَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الرُّكُوبُ عَلى الدَّوابِّ كَما هو مَعْرُوفٌ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ تَواتَرَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ: «”أنَّهُ أُسَرِيَ بِهِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، وأنَّهُ عُرِجَ بِهِ مِنَ المَسْجِدِ الأقْصى حَتّى جاوَزَ السَّماواتِ السَّبْعِ»“ .
وَقَدْ دَلَّتِ الأحادِيثُ المَذْكُورَةُ عَلى أنَّ الإسْراءَ والمِعْراجَ كِلَيْهِما بِجِسْمِهِ ورُوحِهِ يَقَظَةً لا مَنامًا، كَما دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ أيْضًا الآياتُ الَّتِي ذَكَرْنا.
وَعَلى ذَلِكَ مِن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فَلا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ المُلْحِدِينَ. وما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ الإسْراءَ (p-٥)المَذْكُورَ وقَعَ مَنامًا لا يُنافِي ما ذَكَرْنا مِمّا عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ. لِإمْكانِ أنْ يَكُونَ رَأى الإسْراءَ المَذْكُورَ نَوْمًا، ثُمَّ جاءَتْ تِلْكَ الرُّؤْيا كَفَلَقِ الصُّبْحِ فَأُسَرِيَ بِهِ يَقَظَةً تَصْدِيقًا لِتِلْكَ الرُّؤْيا المَنامِيَّةِ. كَما رَأى في النَّوْمِ أنَّهم دَخَلُوا المَسْجِدَ الحَرامَ، فَجاءَتْ تِلْكَ الرُّؤْيا كَفَلَقِ الصُّبْحِ، فَدَخَلُوا المَسْجِدَ الحَرامَ في عُمْرَةِ القَضاءِ عامَ سَبْعٍ يَقَظَةً لا مَنامًا، تَصْدِيقًا لِتِلْكَ الرُّؤْيا. كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآيَةَ [الفتح: ٢٧]، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ عائِشَةَ الصَّحِيحُ: «”فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ»“ مَعَ أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ العِلْمِ قالُوا: إنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي نَمِرٍ ساءَ حِفْظُهُ في تِلْكَ الرِّوايَةِ المَذْكُورَةِ عَنْ أنَسٍ، وزادَ فِيها ونَقَصَ، وقَدَّمَ وأخَّرَ. ورَواها عَنْ أنَسٍ غَيْرُهُ مِنَ الحُفّاظِ عَلى الصَّوابِ، فَلَمْ يَذْكُرُوا المَنامَ الَّذِي ذَكَرَهُ شَرِيكٌ المَذْكُورُ. وانْظُرْ رِواياتِهِمْ بِأسانِيدِها ومُتُونِها في تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَقَدْ جَمَعَ طُرُقَ حَدِيثِ الإسْراءِ جَمْعًا حَسَنًا بِإتْقانٍ. ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: " والحَقُّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُسَرِيَ بِهِ يَقَظَةً لا مَنامًا مِن مَكَّةَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ راكِبًا البُراقَ، فَلَمّا انْتَهى إلى بابِ المَسْجِدِ رَبَطَ الدّابَّةَ عِنْدَ البابِ ودَخَلَهُ فَصَلّى في قِبْلَتِهِ تَحِيَّةَ المَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أُتِيَ بِالمِعْراجِ وهو كالسُّلَّمِ ذُو دَرَجٍ يَرْقى فِيها، فَصَعِدَ فِيهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ إلى بَقِيَّةِ السَّماواتِ السَّبْعِ، فَتَلَقّاهُ مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبُوها، وسَلَّمَ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ في السَّماواتِ بِحَسْبِ مَنازِلِهِمْ ودَرَجاتِهِمْ، حَتّى مَرَّ بِمُوسى الكَلِيمِ في السّادِسَةِ، وإبْراهِيمَ الخَلِيلِ في السّابِعَةِ، ثُمَّ جاوَزَ مَنزِلَيْهِما ﷺ وعَلَيْهِما وعَلى سائِرِ الأنْبِياءِ، حَتّى انْتَهى إلى مُسْتَوًى يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأقْلامِ - أيْ: أقْلامِ القَدَرِ - بِما هو كائِنٌ، ورَأى سِدْرَةَ المُنْتَهى، وغَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى عَظَمَةٌ عَظِيمَةٌ مِن فَراشٍ مَن ذَهَبٍ وألْوانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وغَشِيَتْها المَلائِكَةُ، ورَأى هُناكَ جِبْرِيلَ عَلى صُورَتِهِ ولَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، ورَأى رَفْرَفًا أخْضَرَ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، ورَأى البَيْتَ المَعْمُورَ، وإبْراهِيمَ الخَلِيلَ بانِيَ الكَعْبَةِ الأرْضِيَّةِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَيْهِ. لِأنَّهُ الكَعْبَةُ السَّماوِيَّةُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ، يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ ثُمَّ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورَأى الجَنَّةَ والنّارَ. وفَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ هُنالِكَ الصَّلَواتِ خَمْسِينَ، ثُمَّ خَفَّفَها إلى خَمْسٍ؛ رَحْمَةً مِنهُ ولُطْفًا بِعِبادِهِ.
وَفِي هَذا اعْتِناءٌ بِشَرَفِ الصَّلاةِ وعَظَمَتِها. ثُمَّ هَبَطَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَبَطَ مَعَهُ الأنْبِياءُ. فَصَلّى بِهِمْ فِيهِ لَمّا حانَتِ الصَّلاةُ، ويُحْتَمَلُ أنَّها الصُّبْحُ مِن يَوْمَئِذٍ. ومِنَ النّاسِ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ أمَّهم في السَّماءِ، والَّذِي تَظاهَرَتْ بِهِ الرِّواياتُ أنَّهُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، ولَكِنْ (p-٦)فِي بَعْضِها أنَّهُ كانَ أوَّلَ دُخُولِهِ إلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَيْهِ، لِأنَّهُ لَمّا مَرَّ بِهِمْ في مَنازِلِهِمْ جَعَلَ يَسْألُ عَنْهم جِبْرِيلَ واحِدًا واحِدًا وهو يُخْبِرُهُ بِهِمْ، وهَذا هو اللّائِقُ. لِأنَّهُ كانَ أوَّلًا مَطْلُوبًا إلى الجَنابِ العُلْوِيِّ لِيَفْرِضَ عَلَيْهِ وعَلى أُمَّتِهِ ما يَشاءُ اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ اجْتَمَعَ بِهِ هو وإخْوانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ أظْهَرَ شَرَفَهُ وفَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بِتَقْدِيمِهِ في الإمامَةِ، وذَلِكَ عَنْ إشارَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَرَكِبَ البُراقَ وعادَ إلى مَكَّةَ بِغَلَسٍ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. انْتَهى بِلَفْظِهِ مِن تَفْسِيرِ الحافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ثَبَتَ الإسْراءُ في جَمِيعِ مُصَنَّفاتِ الحَدِيثِ، ورُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ في كُلِّ أقْطارِ الإسْلامِ، فَهو مُتَواتِرٌ بِهَذا الوَجْهِ. وذَكَرَ النَّقّاشُ مِمَّنْ رَواهُ عِشْرِينَ صَحابِيًّا، ثُمَّ شَرَعَ يَذْكَرُ بَعْضَ طُرُقِهِ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَسْطُ قِصَّةِ الإسْراءِ، تَرَكْناهُ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَ العامَّةِ، وتَواتُرِهِ في الأحادِيثِ.
وَذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ كَلامِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فائِدَتَيْنِ، قالَ في أُولاهُما: ”فائِدَةٌ حَسَنَةٌ جَلِيلَةٌ. ورَوى الحافِظَ أبُو نُعَيْمٍ الأصْبَهانِيُّ في كِتابِ (دَلائِلِ النُّبُوَّةِ) مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الواقِدِيِّ: حَدَّثَنِي مالِكُ بْنُ أبِي الرِّجالِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «“ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ إلى قَيْصَرَ. . .» " . فَذَكَرَ وُرُودَهُ عَلَيْهِ وقُدُومَهُ إلَيْهِ، وفي السِّياقِ دَلالَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى وُفُورِ عَقْلِ هِرَقْلَ، ثُمَّ اسْتَدْعى مَن بِالشّامِ مِنَ التُّجّارِ فَجِيءَ بِأبِي سُفْيانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ وأصْحابِهِ، فَسَألَهم عَنْ تِلْكَ المَسائِلِ المَشْهُورَةِ الَّتِي رَواها البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وَجَعَلَ أبُو سُفْيانَ يَجْتَهِدُ أنَّ يُحَقِّرَ أمْرَهُ ويُصَغِّرَ عِنْدَهُ، قالَ في هَذا السِّياقِ عَنْ أبِي سُفْيانَ: " واللَّهِ ما مَنَعَنِي مِن أنْ أقُولَ عَلَيْهِ قَوْلًا أُسْقِطُهُ بِهِ مِن عَيْنِهِ إلّا أنِّي أكْرَهُ أنْ أكْذِبَ عِنْدَهُ كِذْبَةً يَأْخُذُها عَلَيَّ ولا يُصَدِّقُنِي في شَيْءٍ. قالَ: حَتّى ذَكَرْتُ قَوْلَهُ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، قالَ: فَقُلْتُ: أيُّها المَلِكُ، ألا أُخْبِرُكَ خَبَرًا تَعْرِفُ بِهِ أنَّهُ قَدْ كَذَبَ. قالَ: وما هو ؟ قالَ: قُلْتُ إنَّهُ يَزْعُمُ لَنا أنَّهُ خَرَجَ مِن أرْضِنا أرْضِ الحَرَمِ في لَيْلَةٍ، فَجاءَ مَسْجِدَكم هَذا مَسْجِدَ إيلِياءَ، ورَجَعَ إلَيْنا تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَبْلَ الصَّباحِ. قالَ: وبِطْرِيقُ إيلِياءَ عِنْدَ رَأْسِ قَيْصَرَ، فَقالَ بِطْرِيقُ إيلِياءَ: قَدْ عَلِمْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
قالَ: فَنَظَرَ إلَيْهِ قَيْصَرُ. وقالَ: وما عِلْمُكَ بِهَذا ؟ قالَ: إنِّي كُنْتُ لا أنامُ لَيْلَةً حَتّى أُغْلِقَ أبْوابَ المَسْجِدِ. فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ أغْلَقْتُ الأبْوابَ كُلَّها غَيْرَ بابٍ واحِدٍ (p-٧)غَلَبَنِي، فاسْتَعَنْتُ عَلَيْهِ بِعُمّالِي ومَن يَحْضُرُنِي كُلُّهم فَغَلَبَنا، فَلَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نُحَرِّكَهُ كَأنَّما نُزاوِلُ بِهِ جَبَلًا، فَدَعَوْتُ إلَيْهِ النَّجاجِرَةَ فَنَظَرُوا إلَيْهِ فَقالُوا: إنَّ هَذا البابَ سَقَطَ عَلَيْهِ النِّجافُ والبُنْيانُ ولا نَسْتَطِيعُ أنْ نُحَرِّكَهُ، حَتّى نُصْبِحَ فَنَنْظُرَ مِن أيْنَ أتى. قالَ: فَرَجَعْتُ وتَرَكْتُ البابَيْنِ مَفْتُوحَيْنِ. فَلَمّا أصْبَحَتْ غَدَوْتُ عَلَيْهِما فَإذا المَجَرُّ الَّذِي في زاوِيَةِ المَسْجِدِ مَثْقُوبٌ. وإذا فِيهِ أثَرُ مَرْبِطِ الدّابَّةِ. قالَ: فَقُلْتُ لِأصْحابِي: ما حُبِسَ هَذا البابُ اللَّيْلَةَ إلّا عَلى نَبِيٍّ وقَدْ صَلّى اللَّيْلَةَ في مَسْجِدِنا اهـ.
ثُمَّ قالَ في الأُخْرى: ”فائِدَةٌ: قالَ الحافِظُ أبُو الخَطّابِ عُمَرُ بْنُ دِحْيَةَ في كِتابِهِ (التَّنْوِيرِ في مَوْلِدِ السِّراجِ المُنِيرِ) وقَدْ ذَكَرَ حَدِيثَ الإسْراءِ مِن طَرِيقِ أنَسٍ، وتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فَأجادَ وأفادَ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ تَواتَرَتِ الرِّواياتُ في حَدِيثِ الإسْراءِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي ذَرٍّ، ومالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وشَدّادِ بْنِ أوْسٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ، وأبِي حَبَّةَ، وأبِي لَيْلى الأنْصارِيَّيْنِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وجابِرٍ، وحُذَيْفَةَ، وبُرَيْدَةَ، وأبِي أيُّوبَ، وأبِي أُمامَةَ، وسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وأبِي الحَمْراءِ، وصُهَيْبٍ الرُّومِيِّ، وأُمِّ هانِئٍ، وعائِشَةَ، وأسْماءَ ابْنَتَيْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ. مِنهم مَن ساقَهُ بِطُولِهِ، ومِنهم مَنِ اخْتَصَرَهُ عَلى ما وقَعَ في المَسانِيدِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ رِوايَةُ بَعْضِهِمْ عَلى شَرْطِ الصِّحَّةِ“ فَحَدِيثُ الإسْراءِ أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ، وأعْرَضَ عَنْهُ الزَّنادِقَةُ والمُلْحِدُونَ؛ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ اهـ مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أحْسَنَ أوْجُهِ الإعْرابِ في سُبْحانَ [الإسراء: ١] أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أُسَبِّحُ اللَّهَ سُبْحانًا؛ أيْ تَسْبِيحًا. والتَّسْبِيحُ: الإبْعادُ عَنِ السُّوءِ. ومَعْناهُ في الشَّرْعِ: التَّنْزِيهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ وكَمالِهِ، كَما قَدَّمْنا. وزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ لَفْظَةَ سُبْحانَ عَلَمٌ لِلتَّنْزِيهِ. وعَلَيْهِ فَهو عَلَمُ جِنْسٍ لِمَعْنى التَّنْزِيهِ عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ، مُشِيرًا إلى أنَّ عَلَمَ الجِنْسِ يَكُونُ لِلْمَعْنى كَما يَكُونُ لِلذّاتِ: ومِثْلُهُ بَرَّةُ لِلْمَبَرَّةِ كَذا فُجّارِ عَلَمٌ لِلْفَجَرَةِ
وَعَلى أنَّهُ عَلَمٌ: فَهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّهُ غَيْرُ عَلَمٍ، وأنَّ مَعْنى سُبْحانَ تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ. ولَفْظَةُ سُبْحانَ مِنَ الكَلِماتِ المُلازِمَةِ لِلْإضافَةِ، ووُرُودُها غَيْرُ مُضافَةٍ قَلِيلٌ. كَقَوْلِ (p-٨)الأعْشى:
؎فَقُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ
وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ غَيْرُ عَلَمٍ مُلازَمَتُهُ لِلْإضافَةِ والأعْلامُ تَقِلُّ إضافَتُها، وقَدْ سَمِعْتُ لَفْظَةَ سُبْحانَ غَيْرَ مُضافَةٍ مَعَ التَّنْوِينِ والتَّعْرِيفِ. فَمِثالُهُ مَعَ التَّنْوِينِ قَوْلُهُ: سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ بِهِ وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ
وَمِثالُهُ مُعَرَّفًا قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ذا السُّبْحانِ
والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ العَبْدِ في هَذا المَقامِ العَظِيمِ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ مَقامَ العُبُودِيَّةِ هو أشْرَفُ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ وأعْظَمُها وأجَلُّها. إذْ لَوْ كانَ هُناكَ وصْفٌ أعْظَمُ مِنهُ لَعَبَّرَ بِهِ في هَذا المَقامِ العَظِيمِ، الَّذِي اخْتَرَقَ العَبْدُ فِيهِ السَّبْعَ الطِّباقَ، ورَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى. وقَدْ قالَ الشّاعِرُ في مَحْبُوبٍ مَخْلُوقٍ، ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى:
؎يا قَوْمُ قَلْبِي عِنْدَ زَهْراءَ ∗∗∗ يَعْرِفُهُ السّامِعُ والرّائِي
؎لا تَدْعُنِي إلّا بِيا عَبْدَها ∗∗∗ فَإنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في النُّكْتَةِ البَلاغِيَّةِ الَّتِي نَكَّرَ مِن أجْلِها لَيْلًا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في [ الكَشّافِ ]: أرادَ بِقَوْلِهِ: لَيْلًا [الإسراء: ١] بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ تَقْلِيلَ مُدَّةِ الإسْراءِ، وأنَّهُ أُسَرِيَ بِهِ في بَعْضِ اللَّيْلِ مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً. وذَلِكَ أنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ قَدْ دَلَّ عَلى مَعْنى البَعْضِيَّةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وحُذَيْفَةَ: مِنَ اللَّيْلِ؛ أيْ بَعْضُ اللَّيْلِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً﴾ [الإسراء: ٧٩] يَعْنِي بِالقِيامِ في بَعْضِ اللَّيْلِ اه. واعْتَرَضَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ هَذا.
وَذَكَرَ بَعْضُهم: أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: لَيْلًا لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: لَيْلًا أيَّ لَيْلٍ، دَنا فِيهِ المُحِبُّ إلى المَحْبُوبِ، وقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا: أنْ أسْرى وسَرى لُغَتانِ. كَسَقى وأسْقى، وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎حَيِّ النَّضِيرَةَ رَبَّةَ الخِدْرِ ∗∗∗ أسْرَتْ إلَيْكَ ولَمْ تَكُنْ تَسْرِي
بِفَتْحِ التّاءِ مَن ”تَسْرِي“ والباءُ في اللُّغَتَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ، كالباءِ في ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (p-٩)[البقرة: ١٧] وقَدْ تَقَدَّمَتْ شَواهِدُ هَذا في ”سُورَةِ هُودٍ“ ) .
* *
تَنْبِيهٌ
اخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ بِعَيْنِ رَأْسِهِ أوْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: ”رَآهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ“ وقالَتْ عائِشَةُ وغَيْرُها: ”لَمْ يَرَهُ“ . وهو خِلافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ مَعْرُوفٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّرْعِ: أنَّهُ ﷺ لَمْ يَرَهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ. وما جاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِن أنَّهُ رَآهُ. فالمُرادُ بِهِ الرُّؤْيَةُ بِالقَلْبِ. كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ”أنَّهُ رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ“ لا بِعَيْنِ الرَّأْسِ.
وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ أنَّ أبا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (وهو هو في صِدْقِ اللَّهْجَةِ) سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَيْنِها. فَأفْتاهُ بِما مُقْتَضاهُ: أنَّهُ لَمْ يَرَهُ. قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا وكِيعٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ قالَ: ”نُورٌ، أنّى أراهُ»“ ؟ .
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ هِشامٍ، حَدَّثَنا أبِي. (ح) وحَدَّثَنِي حَجّاجُ بْنُ الشّاعِرِ، حَدَّثْنا عَفّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنا هَمّامٌ، كِلاهُما عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: " قُلْتُ لِأبِي ذَرٍّ: لَوْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَسَألْتُهُ. فَقالَ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْألُهُ ؟ قالَ: كُنْتُ أسْألُهُ: هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ ؟ قالَ أبُو ذَرٍّ: قَدْ سَألْتُ فَقالَ: «رَأيْتُ نُورًا» هَذا لَفَظَ مُسْلِمٍ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ: أمّا قَوْلُهُ ﷺ: «نُورًا أنّى أراهُ» ا ! فَهو بِتَنْوِينِ ”نُورٍ“ وفَتْحِ الهَمْزَةِ في ”أنّى“ وتَشْدِيدِ النُّونِ وفَتْحِها. و ”أراهُ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، هَكَذا رَواهُ جَمِيعُ الرُّواةِ في جَمِيعِ الأُصُولِ والرِّواياتِ. ومَعْناهُ: حِجابُهُ نُورٍ، فَكَيْفَ أراهُ ! .
قالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الضَّمِيرُ في ”أراهُ“ عائِدٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَعْناهُ: أنَّ النُّورَ مَنَعَنِي مِنَ الرُّؤْيَةِ. كَما جَرَتِ العادَةُ بِإغْشاءِ الأنْوارِ الأبْصارَ، ومَنعِها مِن إدْراكِ ما حالَتْ بَيْنَ الرّائِي وبَيْنَهُ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: «رَأيْتُ نُورًا» مَعْناهُ: رَأيْتُ النُّورَ فَحَسْبُ، ولَمْ أرَ غَيْرَهُ. قالَ: ورُوِيَ ”نُورانِيٌّ“ بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ راجِعًا إلى ما قُلْناهُ. (p-١٠)أيْ خالِقُ النُّورِ المانِعِ مِن رُؤْيَتِهِ، فَيَكُونُ مِن صِفاتِ الأفْعالِ.
قالَ القاضِي عِياضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ الرِّوايَةُ لَمْ تَقَعْ إلَيْنا ولا رَأيْناها في شَيْءٍ مِنَ الأُصُولِ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ النَّوَوِيِّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ هو: أنَّ مَعْنى الحَدِيثِ هو ما ذُكِرَ؛ مِن كَوْنِهِ لا يَتَمَكَّنُ أحَدٌ مِن رُؤْيَتِهِ لِقُوَّةِ النُّورِ الَّذِي هو حِجابُهُ. ومَن أصْرَحِ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ أبِي مُوسى المُتَّفَقُ عَلَيْهِ ”حِجابُهُ النُّورُ أوِ النّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ“ وهَذا هو مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «”نُورٌ، أنّى أراهُ»“ ؟ . أيْ كَيْفَ أراهُ وحِجابُهُ نُورٌ، مِن صِفَتِهِ أنَّهُ لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرَهُ مِن خَلْقِهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا: أنَّ تَحْقِيقَ المَقامِ في رُؤْيَةِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا بِالأبْصارِ أنَّها جائِزَةٌ عَقْلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ مُوسى: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ لِأنَّهُ لا يَجْهَلُ المُسْتَحِيلَ في حَقِّهِ جَلَّ وعَلا. وأنَّها جائِزَةٌ شَرْعًا وواقِعَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، مُمْتَنِعَةٌ شَرْعًا في الدُّنْيا قالَ: ﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ حَدِيثُ: «إنَّكم لَنْ تَرَوْا رَبَّكم حَتّى تَمُوتُوا» في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ كَما تَقَدَّمَ.
وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٨ - ٩] فَذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلى التَّحْقِيقِ، لا اللَّهُ جَلَّ وعَلا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ .
أظْهَرُ التَّفْسِيراتِ فِيهِ: أنَّ مَعْنى ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] أكْثَرْنا حَوْلَهُ الخَيْرَ والبَرَكَةَ بِالأشْجارِ والثِّمارِ والأنْهارِ. وقَدْ ورَدَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى هَذا؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]؛ فَإنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الأرْضِ: الشّامُ. والمُرادُ بِأنَّهُ بارَكَ فِيها: أنَّهُ أكْثَرَ فِيها البَرْكَةَ والخَيْرَ بِالخَصْبِ والأشْجارِ والثِّمارِ والمِياهِ. كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِأنَّهُ بارَكَ فِيها أنَّهُ بَعَثَ الأنْبِياءَ مِنها. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. (p-١١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ .
الظّاهِرُ إنَّما أراهُ اللَّهَ مِن آياتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أراهُ إيّاهُ رُؤْيَةَ عَيْنٍ. فَهَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ داخِلَةٌ عَلى رَأى البَصَرِيَّةِ؛ كَقَوْلِكَ: أرَأيْتَ زَيْدًا دارَ عَمْرٍو. أيْ جَعَلْتَهُ يَراها بِعَيْنِهِ. ومِن في الآيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، والمَعْنى: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾: أيْ بَعْضَ آياتِنا فَنَجْعَلُهُ يَراها بِعَيْنِهِ. وذَلِكَ ما رَآهُ ﷺ بِعَيْنِهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ مِنَ الغَرائِبِ والعَجائِبِ. كَما جاءَ مُبَيَّنًا في الأحادِيثِ الكَثِيرَةِ.
وَيَدُلُّ لِما ذَكَرْنا في الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٧ - ١٨] .
الإسراء 17:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾
؛ لِما بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عِظَمَ شَأْنِ نَبِيهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ذَكَرَ عِظَمَ شَأْنِ مُوسى بِالكِتابِ العَظِيمِ، الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْهِ، وهو التَّوْراةُ. مُبَيِّنًا أنَّهُ جَعَلَهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ. وكَرَّرَ جَلَّ وعَلا هَذا المَعْنى في القُرْآنِ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٣ - ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٤٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا الحَرْفَ قَرَأهُ جُمْهُورُ القُرّاءِ ألا تَتَّخِذُونَ بِالتّاءِ عَلى وجْهِ الخِطابِ، وعَلى هَذا فَ ”أنْ“ هي المُفَسِّرَةُ. فَجَعَلَ التَّوْراةَ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ مُفَسِّرٌ بِنَهْيِهِمْ عَنِ اتِّخاذِ وكَيْلٍ مِن دُونِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ كُلَّهُ في عِبادَتِهِ هو ثَمَرَةُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وسَلامُهُ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَ ”لا“ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَتَّخِذُوا﴾ [الإسراء: ٢] ناهِيَةٌ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو مِنَ السَّبْعَةِ ﴿ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنَّ“ وصِلَتِها مَجْرُورٌ بِحَرْفِ التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ. أيْ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ لِأجْلِ ألّا يَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا. لِأنَّ اتِّخاذَ الوَكِيلِ الَّذِي تُسْنَدُ إلَيْهِ الأُمُورُ، وتُفَوَّضُ مِن دُونِ اللَّهِ لَيْسَ مِنَ الهُدى. فَمَرْجِعُ القِراءَتَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّ التَّوَكُّلَ إنَّما يَكُونُ عَلى اللَّهِ وحْدَهُ لا عَلى غَيْرِهِ.
(p-١٢)وَكَرَّرَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ﴾ [المزمل: ٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك: ٢٩] .
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ﴾ [التوبة: ١٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١١ - ١٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ﴾ [هود: ٥٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآيَةَ [يونس: ٧١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٥٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جَدًّا.
والوَكِيلُ: فَعِيلٌ مِنَ التَّوَكُّلِ؛ أيْ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ، تُفَوِّضُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم. فَيُوصِلُ إلَيْكُمُ النَّفْعَ، ويَكُفُّ عَنْكُمُ الضُّرَّ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكِيلًا [الإسراء: ٢]؛ أيْ رِبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم.
وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَفِيظًا لَكم سِوايَ.
وَقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: قِيلَ لِلرَّبِّ وكِيلٌ لِكِفايَتِهِ وقِيامِهِ بِشُئُونِ عِبادِهِ، لا عَلى مَعْنى ارْتِفاعِ مَنزِلَةِ المُوَكِّلِ وانْحِطاطِ أمْرِ الوَكِيلِ اه. قالَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: وكِيلًا؛ أيْ شَرِيكًا، عَنْ مُجاهِدٍ. وقِيلَ: كَفِيلًا بِأُمُورِهِمْ. حَكاهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: رَبًّا يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ في أُمُورِهِمْ. قالَهُ الكَلْبِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: كافِيًا اه والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ، ومَرْجِعُها إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّ الوَكِيلَ: مَن يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ. فَتُفَوَّضُ الأُمُورُ إلَيْهِ، لِيَأْتِيَ بِالخَيْرِ، ويَدْفَعَ الشَّرَّ. وهَذا لا يَصِحُّ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا. ولِهَذا حَذَّرَ مِنَ اتِّخاذِ وكِيلٍ دُونَهُ. لِأنَّهُ لا نافِعَ ولا ضارَّ، ولا كافِيَ إلّا هو وحْدَهُ جَلَّ وعَلا. . عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا، وهو حَسَبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ.
الإسراء 17:3
(p-١٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَن حَمَلَهم مَعَ نُوحٍ، تَنْبِيهًا عَلى النِّعْمَةِ الَّتِي نَجّاهم بِها مِنَ الغَرَقِ، لِيَكُونَ في ذَلِكَ تَهْيِيجٌ لِذُرِّيّاتِهِمْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ؛ أيْ: يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ، فَنَجَّيْناهم مِنَ الغَرَقِ، تَشَبَّهُوا بِأبِيكم، فاشْكُرُوا نِعَمِنا. وأشارَ إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ الآيَةَ [مريم: ٥٨] .
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ الَّذِينَ حَمَلَهم مَعَ نُوحٍ مِن هم، وبَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي حَمَلَهم فِيهِ، وبَيَّنَ مَن بَقِيَ لَهُ نَسْلٌ، وعَقِبٌ مِنهم، ومَنِ انْقَطَعَ ولَمْ يَبْقَ لَهُ نَسْلٌ ولا عَقِبٌ.
فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ حَمَلَهم مَعَ نُوحٍ: هم أهْلُهُ ومَن آمَنَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠]، وبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مَن قَوْمِهِ قَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] .
وَبَيَّنَ أنَّ مِمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِن أهْلِهِ بِالشَّقاءِ امْرَأتَهُ وابْنَهُ. قالَ في امْرَأتِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ﴾ [التحريم: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] . وقالَ في ابْنِهِ: ﴿وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]، وقالَ فِيهِ أيْضًا: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ الآيَةَ. [هود: ٤٦]، وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أيِ: المَوْعُودُ بِنَجاتِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ﴾ الآيَةَ، ونَحْوَها مِنَ الآياتِ.
وَبَيَّنَ أنَّ الَّذِي حَمَلَهم فِيهِ هو السَّفِينَةُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ الآيَةَ [هود: ٤٠]؛ أيِ السَّفِينَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٢٧] . أيْ أدْخِلْ فِيها - أيِ السَّفِينَةِ: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] .
وَبَيَّنَ أنَّ ذُرِّيَّةَ مَن حُمِلَ مَعَ نُوحٍ لَمْ يَبْقَ مِنها إلّا ذُرِّيَّةُ نُوحٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، وكانَ نُوحٌ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلى طَعامِهِ وشَرابِهِ، ولِباسِهِ وشَأْنِهِ كُلِّهِ. فَسَمّاهُ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا.
(p-١٤)وَأظْهَرُ أوْجُهِ الإعْرابِ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٣]، أنَّهُ مُنادى بِحَرْفٍ مَحْذُوفٍ.
الإسراء 17:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ، أظْهَرُ الأقْوالِ فِيهِ: أنَّهُ بِمَعْنى أخْبَرْناهم وأعْلَمْناهم.
وَمِن مَعانِي القَضاءِ: الإخْبارُ والإعْلامُ. ونَظِيرُ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، والظّاهِرُ أنَّ تَعْدِيَتَهُ بِـ ”إلى“ لِأنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإيحاءِ. وقِيلَ: مُضَمَّنٌ مَعْنى: تَقَدَّمْنا إلَيْهِمْ فَأخْبَرْناهم، قالَ مَعْناهُ ابْنُ كَثِيرٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾.
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن أحْسَنَ - أيْ بِالإيمانِ والطّاعَةِ - فَإنَّهُ إنَّما يُحْسِنُ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ خاصَّةً. وأنَّ مَن أساءَ - أيْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي - فَإنَّهُ إنَّما يُسِيءُ عَلى نَفْسِهِ. لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عائِدٌ إلى نَفْسِهِ خاصَّةً.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٦ و٤٥ \ ١٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] بِمَعْنى عَلى، أيْ فَعَلَيْها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦، ٤٥ \ ١٥] . ومِن إتْيانِ اللّامِ بِمَعْنى عَلى، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠٩]؛ أيْ عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ الآيَةَ [الواقعة: ٩١] .
أيْ سَلامٌ عَلَيْكَ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ العُلَماءِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ: قَوْلُ جابِرٍ التَّغْلِبِيِّ، أوْ شُرَيْحٍ العَبْسِيِّ، أوْ زُهَيْرٍ المُزْنِيِّ أوْ غَيْرِهِمْ:
؎تَناوَلَهُ بِالرُّمْحِ ثُمَّ انْثَنى لَهُ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ
أيْ عَلى اليَدَيْنِ وعَلى الفَمِ. والتَّعْبِيرُ بِهَذِهِ اللّامِ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْمُشاكَلَةِ. كَما قَدَّمْنا في نَحْوِ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٤٠]، ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا (p-١٥)عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾
الآيَةَ. جَوابُ إذا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَحْذُوفٌ، وهو الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسُوءُوا﴾ [الإسراء: ٧] وتَقْدِيرُهُ: فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ بَعَثْناهم لِيَسُؤُوا وُجُوهَكم. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في الأُولى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥]، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في مُشْكَلِ القُرْآنِ: ونَظِيرُهُ في حَذْفِ العامِلِ قَوْلُ حُمَيْدٍ بْنِ ثَوْرٍ:
؎رَأتْنِي بِحَبَلَيْها فَصَدَّتْ مَخافَةً ∗∗∗ وفي الحَبْلِ رَوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ
أيْ: رَأتْنِي أقْبَلَتْ، أوْ مُقْبِلًا. وفي هَذا الحَرْفِ ثَلاثُ قِراءاتٍ سَبْعِيّاتٍ: قَرَأهُ عَلى الكِسائِيِّ ”لِنَسُوءَ وُجُوهَكم“ بِنُونِ العَظَمَةِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ أيْ لِنَسُوءَها بِتَسْلِيطِنا إيّاهم عَلَيْكم يَقْتُلُونَكم ويُعَذِّبُونَكم. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ ”لِيَسُوءَ وُجُوهُكم“ بِالياءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ. أيْ لِيَسُوءَ هو - أيِ: اللَّهُ - وُجُوهَكم بِتَسْلِيطِهِ إيّاهم عَلَيْكم.
وَقَرَأهُ الباقُونَ: [الإسراء: ٧] ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ بِالياءِ وضَمِّ الهَمْزَةِ بَعْدَها واوُ الجَمْعِ الَّتِي هي فاعِلُ الفِعْلِ، ونَصَبَهُ فَحَذَفَ النُّونَ، وضَمِيرُ الفاعِلِ الَّذِي هو الواوُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِيَسْؤُوا وُجُوهَهم بِأنْواعِ العَذابِ والقَتْلِ.
الإسراء 17:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ .
لَمّا بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَضى إلَيْهِمْ في الكِتابِ أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ، وأنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ الأُولى مِنهُما: بَعَثَ عَلَيْهِمْ عِبادًا لَهُ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، فاحْتَلُّوا بِلادَهم وعَذَّبُوهم. وأنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ المَرَّةِ الآخِرَةِ: بَعَثَ عَلَيْهِمْ قَوْمًا لِيَسُوءُوا وُجُوهَهم، ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا.
وَبَيَّنَ أيْضًا: أنَّهم إنْ عادُوا لِلْإفْسادِ المَرَّةَ الثّالِثَةَ فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا يَعُودُ لِلِانْتِقامِ مِنهم بِتَسْلِيطِ أعْدائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا: هَلْ عادُوا لِلْإفْسادِ المَرَّةَ الثّالِثَةَ أوْ لا ؟
وَلَكِنَّهُ أشارَ في آياتٍ أُخَرَ إلى أنَّهم عادُوا لِلْإفْسادِ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ، وكَتْمِ صِفاتِهِ ونَقْضِ عُهُودِهِ، ومُظاهَرَةِ عَدُّوهُ عَلَيْهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ. فَعادَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا لِلِانْتِقامِ مِنهم تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨] فَسَلِّطَ عَلَيْهِمْ نَبِيَّهُ ﷺ والمُسْلِمِينَ، فَجَرى عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وبَنِي قَيْنُقاعَ (p-١٦)وَخَيْبَرَ ما جَرى مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ والإجْلاءِ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى مَن بَقِيَ مِنهم، وضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ.
فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم عادُوا لِلْإفْسادِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٨٩، ٩٠]، وقَوْلُهُ: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٣]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى عادَ لِلِانْتِقامِ مِنهم، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الحشر: ٢ - ٣، ٤٦]، وتَعالى: ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٢٦، ٢٧]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَتَرَكْنا بَسْطَ قِصَّةِ الَّذِينَ سُلِّطُوا عَلَيْهِمْ في المَرَّتَيْنِ، لِأنَّها أخْبارٌ إسْرائِيلِيَّةٌ، وهي مَشْهُورَةٌ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ والتّارِيخِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾.
في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ، كُلٌّ مِنهُما يَشْهَدُ لِمَعْناهُ قُرْآنٌ. وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ الآيَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها وجْهانِ أوْ أوْجُهٌ، وكُلُّها صَحِيحٌ ويَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ؛ فَنُورِدُ جَمِيعَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَصِيرَ: المَحْبَسُ والسِّجْنُ؛ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ حَصَرَهُ يَحْصُرُهُ حَصْرًا: ضَيَّقَ عَلَيْهِ، وأحاطَ بِهِ. وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ (p-١٧)تَعالى: ﴿وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿حَصِيرًا﴾؛ أيْ: فِراشًا ومِهادًا، مِنَ الحَصِيرِ الَّذِي يُفْرَشُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البِساطَ الصَّغِيرَ حَصِيرًا. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ. ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٤١]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والمِهادُ: الفِراشُ.
الإسراء 17:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾
الآيَةَ، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ الَّذِي هو أعْظَمُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وأجْمَعُها لِجَمِيعِ العُلُومِ، وآخِرُها عَهْدًا بِرَبِّ العالَمِينَ جَلَّ وعَلا، يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ؛ أيِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي هي أسَدُّ وأعْدَلُ وأصْوَبُ. فَ الَّتِي نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:
؎وَما مِنَ المَنعُوتِ والنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وفي النَّعْتِ يَقِلْ
وَقالَ الزَّجّاجُ والكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: لِلْحالِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ، وهي تَوْحِيدُ اللَّهِ والإيمانُ بِرُسُلِهِ.
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أجْمَلَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا فِيها جَمِيعَ ما في القُرْآنِ مِنَ الهُدى إلى خَيْرِ الطَّرْقِ وأعْدَلِها وأصْوَبِها، فَلَوْ تَتَبَّعْنا تَفْصِيلَها عَلى وجْهِ الكَمالِ لَأتَيْنا عَلى جَمِيعِ القُرْآنِ العَظِيمِ لِشُمُولِها لِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الهُدى إلى خَيْرِي الدُّنْيا والآخِرَةِ. ولَكِنَّنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى سَنَذْكُرُ جُمَلًا وافِرَةً في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِن هُدى القُرْآنِ لِلطَّرِيقِ الَّتِي هي أقْوَمُ بَيانًا لِبَعْضِ ما أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، تَنْبِيهًا بِبَعْضِهِ عَلى كُلِّهِ مِنَ المَسائِلِ العِظامِ، والمَسائِلِ الَّتِي أنْكَرَها المُلْحِدُونَ مِنَ الكُفّارِ، وطَعَنُوا بِسَبَبِها في دِينِ الإسْلامِ، لِقُصُورِ إدْراكِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ حِكَمِها البالِغَةِ.
فَمِن ذَلِكَ تَوْحِيدُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، فَقَدْ هَدى القُرْآنُ فِيهِ لِلطَّرِيقِ الَّتِي هي أقْوَمُ الطُّرُقِ وأعْدَلُها، وهي تَوْحِيدُهُ جَلَّ وعَلا في رُبُوبِيَّتِهِ، وفي عِبادَتِهِ، وفي أسْمائِهِ وصِفاتِهِ. وقَدْ دَلَّ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ العَظِيمِ عَلى أنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
الأوَّلُ: تَوْحِيدُهُ في رُبُوبِيَّتِهِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ التَّوْحِيدِ جُبِلَتْ عَلَيْهِ فِطْرُ العُقَلاءِ، قالَ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٨٧]، وقالَ: ﴿قُلْ مَن (p-١٨)يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنَ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]، وإنْكارُ فِرْعَوْنَ لِهَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] تَجاهُلٌ عَنْ عارِفٍ أنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وهَذا النَّوْعُ مِنَ التَّوْحِيدِ لا يَنْفَعُ إلّا بِإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جَدًّا.
الثّانِي: تَوْحِيدُهُ جَلَّ وعَلا في عِبادَتِهِ، وضابِطُ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ هو تَحْقِيقُ مَعْنى ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ وهي مُتَرَكِّبَةٌ مِن نَفْيٍ وإثْباتٍ، فَمَعْنى النَّفْيِ مِنها: خَلْعُ جَمِيعِ أنْواعِ المَعْبُوداتِ غَيْرَ اللَّهِ كائِنَةً ما كانَتْ في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ كائِنَةً ما كانَتْ. ومَعْنى الإثْباتِ مِنها: إفْرادُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ بِإخْلاصٍ، عَلى الوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وأكْثَرُ آياتِ القُرْآنِ في هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وهو الَّذِي فِيهِ المَعارِكُ بَيْنَ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] .
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ الآيَةَ [محمد: ١٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقَوْلُهُ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، فَقَدْ أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ: إنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ مَحْصُورٌ في هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ، لِشُمُولِ كَلِمَةِ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ لِجَمِيعِ ما جاءَ في الكُتُبِ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي طاعَةَ اللَّهِ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ. فَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيعَ العَقائِدِ والأوامِرِ والنَّواهِي، وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، والآياتُ في هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ كَثِيرَةٌ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: تَوْحِيدُهُ جَلَّ وعَلا في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ. وهَذا النَّوْعُ مِنَ التَّوْحِيدِ (p-١٩)يَنْبَنِي عَلى أصْلَيْنِ:
الأوَّلُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ في صِفاتِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
والثّانِي: الإيمانُ بِما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، أوْ وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، كَما قالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ مَعَ قَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ إدْراكِ كَيْفِيَّةِ الِاتِّصافِ، قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا المَبْحَثَ مُسْتَوْفًى مُوَضَّحًا بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ ”في سُورَةِ الأعْرافِ“ .
وَيَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ الِاسْتِدْلالُ عَلى الكُفّارِ بِاعْتِرافِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى وُجُوبِ تَوْحِيدٍ في عِبادَتِهِ؛ ولِذَلِكَ يُخاطِبُهم في تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ بِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، فَإذا أقَرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ احْتَجَّ بِها عَلَيْهِمْ عَلى أنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، ووَبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِهِ غَيْرَهُ، مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ هو الرَّبُّ وحْدَهُ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِأنَّهُ هو الرَّبُّ وحْدَهُ لَزِمَهُ الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ هو المُسْتَحَقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ.
وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [يونس: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] . فَلَّما أقَرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِهِ غَيْرَهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] .
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، فَلَمّا اعْتَرَفُوا وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥]، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧]، فَلَمّا أقَرُّوا وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٧]، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨، ٨٩]، فَلَمّا أقَرُّوا وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] .
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦]، فَلَمّا صَحَّ الِاعْتِرافُ وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ [الرعد: ١٦] .
(p-٢٠)وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فَلَمّا صَحَّ إقْرارُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]، فَلَمّا صَحَّ اعْتِرافُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣]، فَلَمّا صَحَّ إقْرارُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ شِرْكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فَلَمّا صَحَّ اعْتِرافُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٠]، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ الَّذِي لا جَوابَ لَهُمُ البَتَّةَ غَيْرُهُ: هو أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما ذَكَرَ مَعَها، خَيْرٌ مِن جَمادٍ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ. فَلَمّا تَعَيَّنَ اعْتِرافُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ [النمل: ٦١] ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ الَّذِي لا جَوابَ غَيْرُهُ كَما قَبْلَهُ، فَلَمّا تَعَيَّنَ اعْتِرافُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١]، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ كَما قَبْلَهُ. فَلَمّا تَعَيَّنَ إقْرارُهم بِذَلِكَ وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [النمل: ٦٣]، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ كَما قَبِلَهُ، فَلَمّا تَعَيَّنَ إقْرارُهم بِذَلِكَ وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [النمل: ٦٤]، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ كَما قَبْلَهُ، فَلَمّا تَعَيَّنَ الِاعْتِرافُ وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ (p-٢١)الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ الَّذِي لا جَوابَ لَهم غَيْرُهُ هو: لا، أيْ: لَيْسَ مِن شُرَكائِنا مَن يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والإماتَةِ والإحْياءِ، فَلَمّا تَعَيَّنَ اعْتِرافُهم وبَّخَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠] .
والآياتُ بِنَحْوِ هَذا كَثِيرَةٌ جَدًّا، ولِأجْلِ ذَلِكَ ذَكَرْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ كُلَّ الأسْئِلَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ اسْتِفْهاماتُ تَقْرِيرٍ، يُرادُ مِنها أنَّهم إذا أقَرُّوا رَتَّبَ لَهُمُ التَّوْبِيخَ والإنْكارَ عَلى ذَلِكَ الإقْرارِ؛ لِأنَّ المُقِرَّ بِالرُّبُوبِيَّةِ يَلْزَمُهُ الإقْرارُ بِالأُلُوهِيَّةِ ضَرُورَةً؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وإنَّ زَعَمَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ لِأنَّ اسْتِقْراءَ القُرْآنِ دَلَّ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ المُتَعَلِّقَ بِالرُّبُوبِيَّةِ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولَيْسَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ، لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ الرُّبُوبِيَّةَ، كَما رَأيْتَ كَثْرَةَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.
والكَلامُ عَلى أقْسامِ التَّوْحِيدِ سَتَجِدُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، بِحَسْبَ المُناسَباتِ في الآياتِ الَّتِي نَتَكَلَّمُ عَلى بَيانِها بِآياتٍ أُخَرَ.
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ جَعْلُهُ الطَّلاقَ بِيَدِ الرَّجُلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ١]، ونَحْوَها مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّ النِّساءَ مَزارِعُ وحُقُولٌ، تُبْذَرُ فِيها النُّطَفُ كَما يُبْذَرُ الحَبُّ في الأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] .
وَلا شَكَّ أنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي هي أقْوَمُ الطُّرُقِ: أنَّ الزّارِعَ لا يُرْغَمُ عَلى الِازْدِراعِ في حَقْلٍ لا يَرْغَبُ الزِّراعَةَ فِيهِ لِأنَّهُ يَراهُ غَيْرَ صالِحٍ لَهُ، والدَّلِيلُ الحِسِّيُّ القاطِعُ عَلى ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِن أنَّ الرَّجُلَ زارِعٌ، والمَرْأةَ مَزْرَعَةٌ، أنَّ آلَةَ الِازْدِراعِ مَعَ الرَّجُلِ، فَلَوْ أرادَتِ المَرْأةُ أنْ تُجامِعَ الرَّجُلَ وهو كارِهٌ لَها، لا رَغْبَةَ لَهُ فِيها لَمْ يَنْتَشِرْ، ولَمْ يَقُمْ ذَكَرُهُ إلَيْها فَلا تَقْدِرُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ، بِخِلافِ الرَّجُلِ فَإنَّهُ قَدْ يُرْغِمُها وهي كارِهَةٌ فَتَحْمِلُ وتَلِدُ، كَما قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ: ∗∗∗ مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وهُنَّ عَواقُدٌ حُبُكَ النِّطاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلِ
فَدَلَّتِ الطَّبِيعَةُ والخِلْقَةُ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ وأنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، ولِذا أجْمَعَ العُقَلاءُ عَلى نِسْبَةِ (p-٢٢)الوَلَدِ لَهُ لا لَها.
وَتَسْوِيَةُ المَرْأةِ بِالرَّجُلِ في ذَلِكَ مُكابَرَةً في المَحْسُوسِ، كَما لا يَخْفى.
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ إباحَتُهُ تَعَدُّدَ الزَّوْجاتِ إلى أرْبَعٍ، وأنَّ الرَّجُلَ إذا خافَ عَدَمَ العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، لَزِمَهُ الِاقْتِصارُ عَلى واحِدَةٍ، أوْ مِلْكِ يَمِينِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، ولا شَكَّ أنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي هي أقْوَمُ الطُّرُقِ وأعْدَلُها، هي إباحَةُ تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ لِأُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ يَعْرِفُها كُلُّ العُقَلاءِ.
مِنها: أنَّ المَرْأةَ الواحِدَةَ تَحِيضُ وتَمْرَضُ، وتَنْفَسُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَوائِقِ المانِعَةِ مِن قِيامِها بِأخَصِّ لَوازِمِ الزَّوْجِيَّةِ، والرَّجُلُ مُسْتَعِدٌّ لِلتَّسَبُّبِ في زِيادَةِ الأُمَّةِ، فَلَوْ حُبِسَ عَلَيْها في أحْوالِ أعْذارِها لَعُطِّلَتْ مَنافِعُهُ باطِلًا في غَيْرِ ذَنْبٍ.
وَمِنها: أنَّ اللَّهَ أجْرى العادَةَ بِأنَّ الرِّجالَ أقَلُّ عَدَدًا مِنَ النِّساءِ في أقْطارِ الدُّنْيا، وأكْثَرُ تَعَرُّضًا لِأسْبابِ المَوْتِ مِنهُنَّ في جَمِيعِ مَيادِينِ الحَياةِ، فَلَوْ قَصَرَ الرَّجُلُ عَلى واحِدَةٍ، لَبَقِيَ عَدَدٌ ضَخْمٌ مِنَ النِّساءِ مَحْرُومًا مِنَ الزَّواجِ، فَيَضْطَرُّونَ إلى رُكُوبِ الفاحِشَةِ فالعُدُولُ عَنْ هَدْيِ القُرْآنِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مِن أعْظَمِ أسْبابِ ضَياعِ الأخْلاقِ، والِانْحِطاطِ إلى دَرَجَةِ البَهائِمِ في عَدَمِ الصِّيانَةِ، والمُحافَظَةِ عَلى الشَّرَفِ والمُرُوءَةِ والأخْلاقِ، فَسُبْحانَ الحَكِيمِ الخَبِيرِ، ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .
وَمِنها: أنَّ الإناثَ كُلَّهُنَّ مُسْتَعِدّاتٌ لِلزَّواجِ، وكَثِيرٌ مِنَ الرِّجالِ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى القِيامِ بِلَوازِمِ الزَّواجِ لِفَقْرِهِمْ، فالمُسْتَعِدُّونَ لِلزَّواجِ مِنَ الرِّجالِ أقَلُّ مِنَ المُسْتَعِدّاتِ لَهُ مِنَ النِّساءِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ لا عائِقَ لَها، والرَّجُلُ يَعُوقُهُ الفَقْرُ وعَدَمُ القُدْرَةِ عَلى لَوازِمَ النِّكاحِ، فَلَوْ قَصَرَ الواحِدُ عَلى الواحِدَةِ، لَضاعَ كَثِيرٌ مِنَ المُسْتَعِدّاتِ لِلزَّواجِ أيْضًا بِعَدَمِ وُجُودِ أزْواجٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِضَياعِ الفَضِيلَةِ وتَفَشِّي الرَّذِيلَةِ، والِانْحِطاطِ الخُلُقِيِّ، وضَياعِ القِيَمِ الإنْسانِيَّةِ، كَما هو واضِحٌ، فَإنْ خافَ الرَّجُلُ ألّا يَعْدِلَ بَيْنَهُنَّ وجَبَ عَلَيْهِ الِاقْتِصارُ عَلى واحِدَةٍ، أوْ مِلْكِ يَمِينِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٠]، والمَيْلُ بِالتَّفْضِيلِ في الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ بَيْنَهُنَّ لا يَجُوزُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، أمّا المَيْلُ الطَّبِيعِيُّ بِمَحَبَّةِ بَعْضِهِنَّ أكْثَرَ مِن بَعْضٍ، فَهو غَيْرُ مُسْتَطاعٍ دَفْعُهُ لِلْبَشَرِ، لِأنَّهُ انْفِعالٌ وتَأثُّرٌ نَفْسانِيٌّ لا فِعْلٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: (p-٢٣)﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٩]، كَما أوْضَحْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وما يَزْعُمُهُ بَعْضُ المَلاحِدَةِ مِن أعْداءِ دِينِ الإسْلامِ، مِن أنَّ تَعَدُّدَ الزَّوْجاتِ يُلْزِمُهُ الخِصامَ والشَّغَبَ الدّائِمَ المُفْضِي إلى نَكَدِ الحَياةِ، لِأنَّهُ كُلَّما أرْضى إحْدى الضَّرَّتَيْنِ سَخِطَتِ الأُخْرى، فَهو بَيْنُ سَخْطَتَيْنِ دائِمًا، وأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ، فَهو كَلامٌ ساقِطٌ، يَظْهَرُ سُقُوطُهُ لِكُلِّ عاقِلٍ؛ لِأنَّ الخِصامَ والمُشاغَبَةَ بَيْنَ أفْرادِ أهْلِ البَيْتِ لا انْفِكاكَ عَنْهُ ألْبَتَّةَ، فَيَقَعُ بَيْنَ الرَّجُلِ وأُمِّهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ أوْلادِهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ الواحِدَةِ. فَهو أمْرٌ عادِيٌّ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ شَأْنٍ، وهو في جَنْبِ المَصالِحِ العَظِيمَةِ الَّتِي ذَكَرْنا في تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ مِن صِيانَةِ النِّساءِ وتَيْسِيرِ التَّزْوِيجِ لِجَمِيعِهِنَّ، وكَثْرَةِ عَدَدِ الأُمَّةِ لِتَقُومَ بِعَدَدِها الكَثِيرِ في وجْهِ أعْداءِ الإسْلامِ كَلا شَيْءٍ؛ لِأنَّ المَصْلَحَةَ العُظْمى يُقَدَّمُ جَلْبُها عَلى دَفْعِ المَفْسَدَةِ الصُّغْرى.
فَلَوْ فَرَضْنا أنَّ المُشاغَبَةَ المَزْعُومَةَ في تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ مَفْسَدَةٌ، أوْ أنَّ إيلامَ قَلْبِ الزَّوْجَةِ الأوْلى بِالضَّرَّةِ مَفْسَدَةٌ، لَقُدِّمَتْ عَلَيْها تِلْكَ المَصالِحُ الرّاجِحَةُ الَّتِي ذَكَرْنا، كَما هو مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ، قالَ في مَراقِي السُّعُودِ عاطِفًا عَلى ما تُلْفِي فِيهِ المَفْسَدَةَ المَرْجُوحَةَ في جَنْبِ المُصْلِحَةِ الرّاجِحَةِ:
؎أوْ رَجَّحَ الإصْلاحَ كالأسارى تُفْدى بِما يَنْفَعُ لِلنَّصارى
؎وانْظُرْ تَدَلِّي دَوالِي العِنَبِ ∗∗∗ في كُلِّ مَشْرِقِ وكُلِّ مَغْرِبٍ
فَفِداءُ الأُسارى مَصْلَحَةٌ راجِحَةٌ، ودَفْعُ فَدائِهِمُ النّافِعِ لِلْعَدُوِّ مَفْسَدَةٌ مَرْجُوحَةٌ، فَتُقَدَّمُ عَلَيْها المَصْلَحَةُ الرّاجِحَةُ، أمّا إذا تَساوَتِ المَصْلَحَةُ والمُفْسَدَةُ، أوْ كانَتِ المَفْسَدَةُ أرْجَحَ كَفِداءِ الأُسارى بِسِلاحٍ يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِهِ العَدُوُّ مِن قَتْلِ قَدْرِ الأُسارى أوْ أكْثَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ المَصْلَحَةَ تُلْغى لِكَوْنِها غَيْرَ راجِحَةٍ، كَما قالَ في المَراقِي:
؎اخْرُمْ مُناسِبًا بِمُفْسِدٍ لَزِمْ ∗∗∗ لِلْحُكْمِ وهو غَيْرُ مَرْجُوحٍ عُلِمْ
وَكَذَلِكَ العِنَبُ تُعْصَرُ مِنهُ الخَمْرَ وهي أُمُّ الخَبائِثِ، إلّا أنَّ مَصْلَحَةَ وُجُودِ العِنَبِ والزَّبِيبِ والِانْتِفاعِ بِهِما في أقْطارِ الدُّنْيا مَصْلَحَةٌ راجِحَةٌ عَلى مَفْسَدَةِ عَصْرِ الخَمْرِ مِنها أُلْغِيَتْ لَها تِلْكَ المَفْسَدَةُ المَرْجُوحَةُ، واجْتِماعُ الرِّجالِ والنِّساءِ في البَلَدِ الواحِدِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ الزِّنى إلّا أنَّ التَّعاوُنَ بَيْنَ المُجْتَمَعِ مِن ذُكُورٍ وإناثٍ مَصْلَحَةٌ أرْجَحُ مِن تِلْكَ المَفْسَدَةِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ إنَّهُ يَجِبُ عَزْلُ النِّساءِ في مَحَلٍّ مُسْتَقِلٍّ عَنِ الرِّجالِ، وأنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِنَّ حِصْنٌ قَوِيٌّ لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْهِنَّ مَعَهُ، وتُجْعَلُ المَفاتِيحُ بِيَدِ أمِينٍ (p-٢٤)مَعْرُوفٌ بِالتُّقى والدِّيانَةِ، كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ.
فالقُرْآنُ أباحَ تَعَدُّدَ الزَّوْجاتِ لِمَصْلَحَةِ المَرْأةِ في عَدَمِ حِرْمانِها مِنَ الزَّواجِ، ولِمَصْلَحَةِ الرَّجُلِ بِعَدَمِ تَعَطُّلِ مَنافِعِهِ في حالِ قِيامِ العُذْرِ بِالمَرْأةِ الواحِدَةِ، ولِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ لِيَكْثُرَ عَدَدُها فَيُمْكِنُها مُقاوَمَةُ عَدُوِّها لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، فَهو تَشْرِيعُ حَكِيمٍ خَبِيرٍ لا يَطْعَنُ فِيهِ إلّا مَن أعْمى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ بِظُلُماتِ الكُفْرِ. وتَحْدِيدُ الزَّوْجاتِ بِأرْبَعٍ؛ تَحْدِيدٌ مِن حَكِيمٍ خَبِيرٍ، وهو أمْرٌ وسَطٌ بَيْنَ القِلَّةِ المُفْضِيَةِ إلى تَعَطُّلِ بَعْضِ مَنافِعِ الرَّجُلِ، وبَيْنَ الكَثْرَةِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى القِيامِ بِلَوازِمَ الزَّوْجِيَّةِ لِلْجَمِيعِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ: تَفْضِيلُهُ الذَّكَرَ عَلى الأُنْثى في المِيراثِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالًا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] .
وَقَدْ صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يُبَيِّنُ لِخَلْقِهِ هَذا البَيانَ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ تَفْضِيلُ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في المِيراثِ لِئَلّا يَضِلُّوا، فَمِن سَوّى بَيْنِهِما فِيهِ فَهو ضالٌّ قَطْعًا.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ أعْلَمُ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ وبِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] .
وَلا شَكَّ أنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي هي أقْوَمُ الطُّرُقِ وأعْدَلُها: تَفْضِيلُ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في المِيراثِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى. كَما أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ﴾؛ أيْ وهو الرِّجالُ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]، أيْ وهو النِّساءُ، وقَوْلِهِ: ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وذَلِكَ لِأنَّ الذُّكُورَةَ في كَمالٍ خِلْقِيٍّ، وقُوَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ، وشَرَفٍ وجَمالٍ، والأُنُوثَةُ نَقْصٌ خِلْقِيٌّ، وضَعْفٌ طَبِيعِيٌّ، كَما هو مَحْسُوسٌ مُشاهَدٌ لِجَمِيعِ العُقَلاءِ، لا يَكادُ يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ في المَحْسُوسِ.
وَقَدْ أشارَ جَلَّ وعَلا إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]؛ لِأنَّ اللَّهَ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم نَسَبُوا لَهُ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الوَلَدِ، ومَعَ ذَلِكَ نَسَبُوا لَهُ أخَسَّ الوَلَدَيْنِ وأنْقَصَهُما وأضْعَفَهُما، ولِذَلِكَ يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ؛ أيِ: الزِّينَةِ مِن أنْواعِ الحُلِيِّ والحُلَلِ لِيَجْبُرَ نَقْصَهُ الخِلْقِيَّ (p-٢٥)الطَّبِيعِيَّ بِالتَّجْمِيلِ بِالحُلِيِّ والحُلَلِ وهو الأُنْثى. بِخِلافِ الرَّجُلِ، فَإنَّ كَمالَ ذُكُورَتِهِ وقُوَّتَها وجَمالَها يَكْفِيهِ عَلى الحُلِيِّ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وَما الحُلِيُّ إلّا زِينَةً مِن نَقِيصَةٍ يُتَمِّمُ مِن حُسْنٍ إذا الحُسْنُ قَصَّرا
؎وَأمّا إذا كانَ الجَمالُ مُوَفَّرًا ∗∗∗ كَحُسْنِكِ لَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يُزَوَّرا
وَقالَ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢]، وإنَّما كانَتْ هَذِهِ القِسْمَةُ ضِيزى - أيْ غَيْرُ عادِلَةٍ - لِأنَّ الأُنْثى أنْقَصُ مِنَ الذَّكَرِ خِلْقَةً وطَبِيعَةً، فَجَعَلُوا هَذا النَّصِيبَ النّاقِصَ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلْوًا كَبِيرًا ! وجَعَلُوا الكامِلَ لِأنْفُسِهِمْ كَما قالَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، أيْ وهو البَناتُ. وقالَ: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨، ٥٩]، وقالَ: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ - أيْ وهو الأُنْثى - ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧] .
وَكُلُّ هَذِهِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأُنْثى ناقِصَةٌ بِمُقْتَضى الخِلْقَةِ والطَّبِيعَةِ، وأنَّ الذَّكَرَ أفْضَلُ وأكْمَلُ مِنها: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٣ - ١٥٤]، ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٤٠]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى تَفْضِيلِهِ عَلَيْها كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَمَعْلُومٌ عِنْدَ عامَّةِ العُقَلاءِ: أنَّ الأُنْثى مَتاعٌ لا بُدَّ لَهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِشُئُونِها ويُحافِظُ عَلَيْهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَّمَتُّعِ بِالزَّوْجَةِ: هَلْ هو قُوتٌ ؟ أوْ تَفَكُّهٌ ؟ وأجْرى عُلَماءُ المالِكِيَّةِ عَلى هَذا الخِلافِ حُكْمَ إلْزامِ الِابْنِ بِتَزْوِيجِ أبِيهِ الفَقِيرِ، قالُوا: فَعَلى أنَّ النِّكاحَ قُوتٌ فَعَلَيْهِ تَزْوِيجُهُ ؟ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ القُوتِ الواجِبِ لَهُ عَلَيْهِ. وعَلى أنَّهُ تَفَكُّهٌ لا يَجِبُ عَلَيْهِ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، فانْظُرْ شِبْهَ النِّساءِ بِالطَّعامِ والفاكِهَةِ عِنْدَ العُلَماءِ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيانِ في الجِهادِ، لِأنَّهُما مِن جُمْلَةِ مالِ المُسْلِمِينَ الغانِمِينَ، بِخِلافِ الرِّجالِ فَإنَّهم يُقْتَلُونَ.
وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى أفْضَلِيَّةِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى: أنَّ المَرْأةَ الأُولى خُلِقَتْ مِن ضِلْعِ الرَّجُلِ الأوَّلِ. فَأصْلُها جُزْءٌ مِنهُ. فَإذا عَرَفَتْ مِن هَذِهِ الأدِلَّةِ: أنَّ الأُنُوثَةَ نَقْصٌ خِلْقِيٌّ، وضَعْفٌ طَبِيعِيٌّ، فاعْلَمْ أنَّ العَقْلَ الصَّحِيحَ الَّذِي يُدْرِكُ الحِكَمَ والأسْرارَ، يَقْضِي بِأنَّ النّاقِصَ الضَّعِيفَ بِخِلْقَتِهِ وطَبِيعَتِهِ، يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ تَحْتَ نَظَرِ الكامِلِ في خِلْقَتِهِ، القَوِيِّ بِطَبِيعَتِهِ؛ (p-٢٦)لِيَجْلِبَ لَهُ ما لا يَقْدِرُ عَلى جَلْبِهِ مِنَ النَّفْعِ، ويَدْفَعَ عَنْهُ ما لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ مِنَ الضُّرِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] .
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَتِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الضَّعِيفُ النّاقِصُ مُقَوَّمًا عَلَيْهِ مِن قِبَلِ القَوِيِّ الكامِلِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُلْزَمًا بِالإنْفاقِ عَلى نِسائِهِ، والقِيامِ بِجَمِيعِ لَوازِمِهِنَّ في الحَياةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، ومالُ المِيراثِ ما مَسَحا في تَحْصِيلِهِ عَرَقًا، ولا تَسَبَّبا فِيهِ البَتَّةَ، وإنَّما هو تَمْلِيكٌ مِنَ اللَّهِ مَلَّكَهُما إيّاهُ تَمْلِيكًا جَبْرِيًّا، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الحَكِيمِ الخَبِيرِ أنْ يُؤْثِرَ الرَّجُلَ عَلى المَرْأةِ في المِيراثِ وإنْ أدْلَيا بِسَبَبٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ مُتَرَقِّبٌ لِلنَّقْصِ دائِمًا بِالإنْفاقِ عَلى نِسائِهِ، وبِذْلِ المُهُورِ لَهُنَّ، والبَذْلِ في نَوائِبِ الدَّهْرِ، والمَرْأةُ مُتَرَقِّبَةٌ لِلزِّيادَةِ بِدَفْعِ الرَّجُلِ لَها المَهْرَ، وإنْفاقِهِ عَلَيْها وقِيامِهِ بِشُئُونِها، وإيثارُ مُتَرَقِّبُ النَّقْصِ دائِمًا عَلى مُتَرَقِّبِ الزِّيادَةِ دائِمًا لِجَبْرِ بَعْضِ نَقْصِهِ المُتَرَقِّبِ، حِكْمَتُهُ ظاهِرَةٌ واضِحَةٌ، لا يُنْكِرُها إلّا مَن أعْمى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ولِأجْلِ هَذِهِ الحِكَمِ الَّتِي بَيِّنا بِها فَضْلَ نَوْعِ الذَّكَرِ عَلى نَوْعِ الأُنْثى في أصْلِ الخِلْقَةِ والطَّبِيعَةِ، جَعَلَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ الرَّجُلَ هو المَسْئُولَ عَنِ المَرْأةِ في جَمِيعِ أحْوالِها. وخَصَّهُ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والخِلافَةِ دُونَها، ومَلَّكَهُ الطَّلاقَ دُونَها، وجَعَلَهَ الوَلِيَّ في النِّكاحِ دُونَها، وجَعَلَ انْتِسابَ الأوْلادِ إلَيْهِ لا إلَيْها، وجَعَلَ شَهادَتَهُ في الأمْوالِ بِشَهادَةِ امْرَأتَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وجَعَلَ شَهادَتَهُ تُقْبَلُ في الحُدُودِ والقَصاصِ دُونَها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَوارِقِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ بَيْنَهُما.
ألا تَرى أنَّ الضَّعْفَ الخِلْقِيَّ والعَجْزَ عَنِ الإبانَةِ في الخِصامِ عَيْبٌ ناقِصٌ في الرِّجالِ، مَعَ أنَّهُ يُعَدُّ مِن جُمْلَةِ مَحاسِنِ النِّساءِ الَّتِي تَجْذِبُ إلَيْها القُلُوبَ، قالَ جَرِيرٌ:
؎إنَّ العُيُونَ الَّتِي في طَرَفِها حَوَرٌ ∗∗∗ قَتَلْنَنا ثُمَّ لَمَّ يُحْيِينَ قَتْلانا
؎يَصْرَعْنَ ذا اللُّبِّ حَتّى لا حَراكَ ∗∗∗ بِهِ وهُنَّ أضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ أرْكانًا
وَقالَ ابْنُ الدُّمَيْنَةِ:
؎بِنَفْسِي وأهْلِي مَن إذا عَرَضُوا ∗∗∗ لَهُ بِبَعْضِ الأذى لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُجِيبُ
؎فَلَمْ يَعْتَذِرْ عُذْرَ البَرِيءِ ∗∗∗ ولَمْ تَزَلْ بِهِ سَكْتَةٌ حَتّى يُقالَ مُرِيبُ
(p-٢٧)فالأوَّلُ: تَشَبَّبَ بِهِنَّ بِضَعْفِ أرْكانِهِنَّ، والثّانِي: بِعَجْزِهِنَّ عَنِ الإبانَةِ في الخِصامِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، ولِهَذا التَّبايُنِ في الكَمالِ والقُوَّةِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّعْنَ عَلى مَن تَشَبَّهَ مِنهُما بِالآخَرِ. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثْنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: ”«لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ، والمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجالِ“»، هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في صَحِيحِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهو مَلْعُونٌ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ:﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٧]، كَما ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ.
فَلْتَعْلَمْنَ أيَّتُها النِّساءُ اللّاتِي تُحاوِلْنَ أنْ تَكُنَّ كالرِّجالِ في جَمِيعِ الشُّئُونِ أنَّكُنَّ مُتَرَجِّلاتٌ مُتَشَبِّهاتٌ بِالرِّجالِ، وأنَّكُنَّ مَلْعُوناتٌ في كِتابِ اللَّهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، وكَذَلِكَ المُخَنَّثُونَ المُتَشَبِّهُونَ بِالنِّساءِ، فَهم أيْضًا مَلْعُونُونَ في كِتابِ اللَّهِ عَلى لِسانِهِ ﷺ، ولَقَدْ صَدَقَ مَن قالَ فِيهِمْ:
؎وَما عَجَبِي أنَّ النِّساءَ تَرَجَّلَتْ ∗∗∗ ولَكِنَّ تَأْنِيثَ الرِّجالِ عُجابُ
واعْلَمْ وفَّقَنِي اللَّهُ وإيّاكَ لِمّا يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ: أنَّ هَذِهِ الفِكْرَةَ الكافِرَةَ، الخاطِئَةَ الخاسِئَةَ، المُخالِفَةَ لِلْحِسِّ والعَقْلَ، ولِلْوَحْيِ السَّماوِيِّ وتَشْرِيعِ الخالِقِ البارِئِ مِن تَسْوِيَةِ الأُنْثى بِالذِّكْرِ في جَمِيعِ الأحْكامِ والمَيادِينِ، فِيها مِنَ الفَسادِ والإخْلالِ بِنِظامِ المُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ ما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ إلّا مَن أعْمى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ. وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا جَعَلَ الأُنْثى بِصِفاتِها الخاصَّةِ بِها صالِحَةٌ لِأنْواعٍ مِنَ المُشارَكَةِ في بِناءِ المُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ، صَلاحًا لا يُصْلِحُهُ لَها غَيْرُها، كالحَمْلِ والوَضْعِ، والإرْضاعِ وتَرْبِيَةِ الأوْلادِ، وخِدْمَةِ البَيْتِ، والقِيامِ عَلى شُئُونِهِ. مِن طَبْخٍ وعَجْنٍ وكَنْسٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وهَذِهِ الخِدْماتُ الَّتِي تَقُومُ بِها لِلْمُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ داخِلَ بَيْتِها في سَتْرٍ وصِيانَةٍ، وعَفافٍ ومُحافِظَةٍ عَلى الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ والقِيَمِ الإنْسانِيَّةِ، لا تَقِلُّ عَنْ خِدْمَةِ الرَّجُلِ بِالِاكْتِسابِ، فَزَعَمَ أُولَئِكَ السَّفَلَةُ الجَهَلَةُ مِنَ الكُفّارِ وأتْباعِهِمْ: أنَّ المَرْأةَ لَها مِنَ الحُقُوقِ في الخِدْمَةِ خارِجَ بَيْتِها مِثْلُ ما لِلرَّجُلِ، مَعَ أنَّها في زَمَنِ حَمْلِها ورِضاعِها ونِفاسِها، لا تَقْدِرُ عَلى مُزاوَلَةِ أيِّ عَمَلٍ فِيهِ أيُّ مَشَقَّةٍ كَما هو مُشاهَدٌ، فَإذا خَرَجَتْ هي وزَوْجُها بَقِيَتْ خِدْماتُ البَيْتِ كُلُّها ضائِعَةً: مِن حِفْظِ الأوْلادِ الصِّغارِ، وإرْضاعِ مَن هو في زَمَنِ الرَّضاعُ مِنهم، وتَهْيِئَةِ الأكْلِ والشُّرْبِ لِلرَّجُلِ إذا جاءَ مِن عَمَلِهِ، فَلَوْ أجْرَوْا إنْسانًا يَقُومُ مَقامَها، لِتُعَطِّلَ ذَلِكَ الإنْسانَ في ذَلِكَ البَيْتِ التَّعَطُّلَ الَّذِي خَرَجَتِ (p-٢٨)المَرْأةُ فِرارًا مِنهُ؛ فَعادَتِ النَّتِيجَةُ في حافِرَتِها عَلى أنَّ خُرُوجَ المَرْأةِ وابْتِذالَها فِيهِ ضَياعُ المُرُوءَةِ والدِّينِ؛ لِأنَّ المَرْأةَ مَتاعٌ، هو خَيْرُ مَتاعٍ الدُّنْيا، وهو أشَدُّ أمْتِعَةِ الدُّنْيا تَعَرُّضًا لِلْخِيانَةِ.
لِأنَّ العَيْنَ الخائِنَةَ إذا نَظَرَتْ إلى شَيْءٍ مِن مَحاسِنِها فَقَدِ اسْتَغَلَّتْ بَعْضَ مَنافِعِ ذَلِكَ الجَمالِ خِيانَةً ومَكْرًا. فَتَعْرِيضُها لِأنْ تَكُونَ مائِدَةً لِلْخَوَنَةِ فِيهِ ما لا يَخْفى عَلى أدْنى عاقِلٍ، وكَذَلِكَ إذا لَمَسَ شَيْئًا مِن بَدَنِها بَدَنُ خائِنٍ سَرَتْ لَذَّةُ ذَلِكَ اللَّمْسِ في دَمِهِ ولَحْمِهِ بِطَبِيعَةِ الغَرِيزَةِ الإنْسانِيَّةِ، ولا سِيَّما إذا كانَ القَلْبُ فارِغًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فاسْتَغَلَّ نِعْمَةَ ذَلِكَ البَدَنِ خِيانَةً وغَدْرًا، وتَحْرِيكُ الغَرائِزِ بِمِثْلِ ذَلِكَ النَّظَرِ واللَّمْسِ يَكُونُ غالِبًا سَبَبًا لِما هو شَرُّ مِنهُ. كَما هو مُشاهَدٌ بِكَثْرَةٍ في البِلادِ الَّتِي تَخَلَّتْ عَنْ تَعالِيمِ الإسْلامِ، وتَرَكَتِ الصِّيانَةَ. فَصارَتْ نِساؤُها يَخْرُجْنَ مُتَبَرِّجاتٍ عارِياتِ الأجْسامِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. لِأنَّ اللَّهَ نَزَعَ مِن رِجالِها صِفَةَ الرُّجُولَةِ والغِيرَةِ عَلى حَرِيمِهِمْ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مَن مَسْخِ الضَّمِيرِ والذَّوْقِ، ومِن كُلِّ سُوءٍ، ودَعْوى الجَهَلَةِ السَّفَلَةِ: أنَّ دَوامَ خُرُوجِ النِّساءِ بادِيَةَ الرُّءُوسِ والأعْناقِ والمَعاصِمِ، والأذْرُعِ والسُّوقِ، ونَحْوَ ذَلِكَ يُذْهِبُ إثارَةَ غَرائِزِ الرِّجالِ؛ لِأنَّ كَثْرَةَ الإمْساسِ تُذْهِبُ الإحْساسَ؛ كَلامٌ في غايَةِ السُّقُوطِ والخِسَّةِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: إشْباعُ الرَّغْبَةِ مِمّا لا يَجُوزُ، حَتّى يَزُولَ الأرَبُ مِنهُ بِكَثْرَةِ مُزاوَلَتِهِ، وهَذا كَما تَرى. ولِأنَّ الدَّوامَ لا يُذْهِبُ إثارَةَ الغَرِيزَةِ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يَمْكُثُ مَعَ امْرَأتِهِ سِنِينَ كَثِيرَةً حَتّى تَلِدَ أوْلادَهُما، ولا تَزالُ مُلامَسَتُهُ لَها، ورُؤْيَتُهُ لِبَعْضِ جِسْمِها تُثِيرُ غَرِيزَتَهُ. كَما هو مُشاهَدٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ:
؎لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ∗∗∗ ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي
وَقَدْ أمَرَ رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ، خالِقُ هَذا الكَوْنِ ومُدَبِّرُ شُئُونِهِ، العالِمُ بِخَفايا أُمُورِهِ وبِكُلِّ ما كانَ وما سَيَكُونُ بِغَضِّ البَصَرِ عَمّا لا يَحِلُّ؛ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ . . . الآيَةَ [النور: ٣٠، ٣١] .
وَنَهى المَرْأةَ أنْ تَضْرِبَ بِرِجْلِها لِتُسْمِعَ الرِّجالَ صَوْتَ خَلْخالِها في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، ونَهاهُنَّ عَنْ لِينِ الكَلامِ، لِئَلّا يَطْمَعَ أهْلُ الخَنى فِيهِنَّ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ (p-٢٩)وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [السجدة: ٣٣]، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقَ المَقامِ في مَسْألَةِ الحِجابِ في (سُورَةِ الأحْزابِ)، كَما قَدَّمْنا الوَعْدَ بِذَلِكَ في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ: مِلْكُ الرَّقِيقِ المُعَبَّرِ عَنْهُ في القُرْآنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] في ”سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ، وسَألَ سائِلٌ“،
• وقَوْلِهِ: ﴿والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٠]، وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فالمُرادُ بِمِلْكِ اليَمِينِ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها: مِلْكُ الرَّقِيقِ بِالرِّقِّ، ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى مَلِكِ الرَّقِيقِ قَوْلُهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٧٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢١]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَسَبَبُ المِلْكِ بِالرِّقِّ: هو الكُفْرُ، ومُحارَبَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا أقْدَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ المُجاهِدِينَ الباذِلِينَ مُهَجَهم وأمْوالَهم، وجَمِيعَ قُواهم، وما أعْطاهُمُ اللَّهُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا عَلى الكُفّارِ، جَعَلَهم مِلْكًا لَهم بِالسَّبْيِ؛ إلّا إذا اخْتارَ الإمامُ المَنَّ أوِ الفِداءَ، لِما في ذَلِكَ مِنَ المَصْلَحَةِ عَلى المُسْلِمِينَ.
(p-٣٠)وَهَذا الحُكْمُ مِن أعْدَلِ الأحْكامِ وأوْضَحِها وأظْهَرِها حِكْمَةً، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا خَلَقَ الخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ ويُوَحِّدُوهُ، ويَمْتَثِلُوا أوامَرَهُ ويَجْتَنِبُوا نَواهِيَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧] . وأسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً.
كَما قالَ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وفي الآيَةِ الأُخْرى في ”سُورَةِ النَّحْلِ“: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]، وجَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لِيَشْكُرُوهُ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] فَتَمَرَّدَ الكُفّارُ عَلى رَبِّهِمْ وطَغَوْا وعَتَوْا، وأعْلَنُوا الحَرْبَ عَلى رُسُلِهِ لِئَلّا تَكُونَ كَلِمَتُهُ هي العُلْيا، واسْتَعْمَلُوا جَمِيعَ المَواهِبِ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِها في مُحارَبَتِهِ، وارْتِكابِ ما يُسْخِطُهُ، ومُعاداتِهِ ومُعاداةِ أوْلِيائِهِ القائِمِينَ بِأمْرِهِ، وهَذا أكْبَرُ جَرِيمَةٍ يَتَصَوَّرُها الإنْسانُ.
فَعاقَبَهُمُ الحَكَمُ العَدْلُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ جَلَّ وعَلا عُقُوبَةً شَدِيدَةً تُناسِبُ جَرِيمَتَهم. فَسَلَبَهُمُ التَّصَرُّفَ، ووَضَعَهم مِن مَقامِ الإنْسانِيَّةِ إلى مَقامٍ أسْفَلَ مِنهُ كَمَقامِ الحَيَواناتِ، فَأجازَ بَيْعَهم وشِراءَهم، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْلُبْهم حُقُوقَ الإنْسانِيَّةِ سَلْبًا كُلِّيًّا. فَأوْجَبَ عَلى مالِكِيهِمُ الرِّفْقَ والإحْسانَ إلَيْهِمْ، وأنْ يُطْعِمُوهم مِمّا يُطْعِمُونَ، ويُكْسُوهم مِمّا يَلْبَسُونَ، ولا يُكَلِّفُوهم مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُونَ، وإنْ كَلَّفُوهم أعانُوهم؛ كَما هو مَعْرُوفٌ في السُّنَّةِ الوارِدَةِ عَنْهُ ﷺ مَعَ الإيصاءِ عَلَيْهِمْ في القُرْآنِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] كَما تَقَدَّمَ.
وَتَشَوَّفَ الشّارِعُ تَشَوُّفًا شَدِيدًا لِلْحُرِّيَّةِ والإخْراجِ مِنَ الرِّقِّ، فَأكْثَرَ أسْبابَ ذَلِكَ، كَما أوْجَبَهُ في الكَفّاراتِ مِن قَتْلٍ خَطَأٍ وظِهارٍ ويَمِينٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأوْجَبَ سَرايَةَ العِتْقِ، وأمَرَ بِالكِتابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، ورَغَّبَ في الإعْتاقِ تَرْغِيبًا شَدِيدًا، ولَوْ فَرَضْنا - ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى - أنَّ حُكُومَةً مِن هَذِهِ الحُكُوماتِ الَّتِي تُنْكِرُ المِلْكَ بِالرِّقِّ، وتُشَنِّعُ في ذَلِكَ عَلى دِينِ الإسْلامِ قامَ عَلَيْها رَجُلٌ مِن رَعاياها كانَتْ تُغْدِقُ عَلَيْهِ النِّعَمَ، وتُسْدِي إلَيْهِ جَمِيعَ أنْواعِ الإحْسانِ، ودَبَّرَ عَلَيْها ثَوْرَةً (p-٣١)شَدِيدَةً يُرِيدُ بِها إسْقاطَ حُكْمَها، وعَدَمَ نُفُوذِ كَلِمَتِها، والحَيْلُولَةَ بَيْنَها وبَيْنَ ما تُرِيدُهُ مِن تَنْفِيذِ أنْظِمَتِها، الَّتِي يَظْهَرُ لَها أنَّ بِهِما صَلاحَ المُجْتَمَعِ، ثُمَّ قَدَرَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ مُقاوَمَةٍ شَدِيدَةٍ فَإنَّها تَقْتُلُهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ القَتْلَ يَسْلُبُهُ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِهِ وجَمِيعَ مَنافِعِهِ، فَهو أشَدُّ سَلْبًا لِتَصَرُّفاتِ الإنْسانِ ومَنافِعِهِ مِنَ الرِّقِّ بِمَراحِلَ، والكافِرُ قامَ بِبَذْلِ كُلِّ ما في وُسْعِهِ لِيَحُولَ دُونَ إقامَةِ نِظامِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِيَسِيرَ عَلَيْهِ خَلْقُهُ، فَيُنْشَرُ بِسَبَبِهِ في الأرْضِ الأمْنُ والطُّمَأْنِينَةُ، والرَّخاءُ والعَدالَةُ، والمُساواةُ في الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَنْتَظِمُ بِهِ الحَياةُ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأعْدَلِها وأسْماها: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] فَعاقَبَهُ اللَّهُ هَذِهِ المُعاقَبَةَ بِمَنعِهِ التَّصَرُّفَ، ووَضْعُ دَرَجَتِهِ وجَرِيمَتِهِ تَجْعَلُهُ يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ بِذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الرَّقِيقُ مُسْلِمًا فَما وجْهُ مِلْكِهِ بِالرِّقِّ ؟ مَعَ أنَّ سَبَبَ الرِّقِّ الَّذِي هو الكُفْرُ ومُحارَبَةُ اللَّهِ ورُسُلِهِ قَدْ زالَ ؟
فالجَوابُ: أنَّ القاعِدَةَ المَعْرُوفَةَ عِنْدَ العُلَماءِ وكافَّةِ العُقَلاءِ: أنَّ الحَقَّ السّابِقَ لا يَرْفَعُهُ الحَقُّ اللّاحِقُ، والأحَقِّيَّةُ بِالأسْبَقِيَّةِ ظاهِرَةٌ لا خَفاءَ بِها، فالمُسْلِمُونَ عِنْدَما غَنِمُوا الكُفّارَ بِالسَّبْيِ ثَبَتَ لَهم حَقُّ المِلْكِيَّةِ بِتَشْرِيعِ خالِقِ الجَمِيعِ، وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ، فَإذا اسْتَقَرَّ هَذا الحَقُّ وثَبَتَ، ثُمَّ أسْلَمَ الرَّقِيقُ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ حَقُّهُ في الخُرُوجِ مِنَ الرِّقِّ بِالإسْلامِ مَسْبُوقًا بِحَقِّ المُجاهِدِ الَّذِي سَبَقَتْ لَهُ المِلْكِيَّةُ قَبْلَ الإسْلامِ، ولَيْسَ مِنَ العَدْلِ والإنْصافِ رَفْعُ الحَقِّ السّابِقِ بِالحَقِّ المُتَأخِّرِ عَنْهُ، كَما هو مَعْلُومٌ عِنْدَ العُقَلاءِ، نَعَمْ، يَحْسُنُ بِالمالِكِ ويَجْمُلُ بِهِ أنْ يُعْتِقَهُ إذا أسْلَمَ، وقَدْ أمَرَ الشّارِعُ بِذَلِكَ ورَغَّبَ فِيهِ، وفَتَحَ لَهُ الأبْوابَ الكَثِيرَةَ كَما قَدَّمْنا، فَسُبْحانَ الحَكِيمِ الخَبِيرِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، فَقَوْلُهُ صِدْقًا أيْ في الإخْبارِ، وقَوْلُهُ: وعَدْلًا؛ أيْ في الأحْكامِ. ولا شَكَّ أنَّ مِن ذَلِكَ العَدْلِ: المِلْكَ بِالرِّقِّ وغَيْرَهُ مِن أحْكامِ القُرْآنِ:
؎وَكَمْ مِن عائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ: القِصاصُ؛ فَإنَّ الإنْسانَ إذا غَضِبَ وهَمَّ بِأنْ يَقْتُلَ إنْسانًا آخَرَ فَتَذَكَّرَ أنَّهُ إنْ قَتَلَهُ قُتِلَ بِهِ، خافَ العاقِبَةَ فَتَرَكَ القَتْلَ، فَحَيِيَ ذَلِكَ الَّذِي كانَ يُرِيدُ (p-٣٢)قَتْلَهُ، وحَيِيَ هو، لِأنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ فَيُقْتَلُ قِصاصًا، فَقَتْلُ القاتِلِ يَحْيا بِهِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ كَثْرَةً كَما ذَكَرْنا، قالَ تَعالى ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْدَلِ الطُّرُقِ وأقْوَمِها، ولِذَلِكَ يُشاهِدُ في أقْطارِ الدُّنْيا قَدِيمًا وحَدِيثًا قِلَّةُ وُقُوعِ القَتْلِ في البِلادِ الَّتِي تَحْكُمُ بِكِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ القِصاصَ رادِعٌ عَنْ جَرِيمَةِ القَتْلِ. كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا. وما يَزْعُمُهُ أعْداءُ الإسْلامِ مِن أنَّ القِصاصَ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْحِكْمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ إقْلالَ عَدَدِ المُجْتَمَعِ بِقَتْلِ إنْسانٍ ثانٍ بَعْدِ أنْ ماتَ الأوَّلُ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُعاقَبَ بِغَيْرِ القَتْلِ فَيُحْبَسُ، وقَدْ يُولَدُ لَهُ في الحَبْسِ فَيَزِيدُ المُجْتَمَعُ. كُلُّهُ كَلامٌ ساقِطٌ، عارٍ مِنَ الحِكْمَةِ؛ لِأنَّ الحَبْسَ لا يَرْدَعُ النّاسَ عَنِ القَتْلِ، فَإذا لَمْ تَكُنِ العُقُوبَةُ رادِعَةً فَإنَّ السُّفَهاءَ يَكْثُرُ مِنهُمُ القَتْلُ، فَيَتَضاعَفُ نَقْصُ المُجْتَمَعِ بِكَثْرَةِ القَتْلِ.
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ: قَطْعُ يَدِ السّارِقِ المَنصُوصُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، «وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لَوْ سَرَقَتْ فاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَها“» .
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ القَطْعَ مِنَ الكُوعِ، وأنَّها اليُمْنى. وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ يَقْرَءُونَ ”فاقْطَعُوا أيْمانَهُما“ .
والجُمْهُورُ أنَّهُ إنْ سَرَقَ ثانِيًا قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرى، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَيَدُهُ اليُسْرى، ثُمَّ إنَّ سَرَقَ فَرِجْلُهُ اليُمْنى، ثُمَّ يُعَزَّرُ. وقِيلَ: يُقْتَلُ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «وَلا قَطْعَ إلّا في رُبْعِ دِينارٍ أوْ قِيمَتِهِ أوْ ثَلاثَةِ دَراهِمَ» كَما هو مَعْرُوفٌ في الأحادِيثِ.
وَلَيْسَ قَصْدُنا هُنا تَفْصِيلَ أحْكامِ السَّرِقَةِ وشُرُوطِ القَطْعِ، كالنِّصابِ والإخْراجِ مِن حِرْزٍ، ولَكِنَّ مُرادَنا أنْ نُبَيِّنَ أنَّ قَطْعَ يَدِ السّارِقِ مِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ. وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ اليَدَ الخَبِيثَةَ الخائِنَةَ، الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لِتَبْطِشَ وتَكْتَسِبَ في كُلِّ ما يُرْضِيهِ مِنَ امْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُشارَكَةِ في بِناءِ المُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ، فَمَدَّتْ أصابِعَها الخائِنَةَ إلى مالِ الغَيْرِ لِتَأْخُذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، واسْتَعْمَلَتْ قُوَّةَ البَطْشِ المُودَعَةَ فِيها في الخِيانَةِ والغَدْرِ، وأخْذِ أمْوالِ النّاسِ عَلى هَذا الوَجْهِ القَبِيحِ، يَدٌ نَجِسَةٌ قَذِرَةٌ، ساعِيَةٌ في الإخْلالِ بِنِظامِ المُجْتَمَعِ، إذْ لا نِظامَ لَهُ بِغَيْرِ المالِ، فَعاقَبَها خالِقُها بِالقَطْعِ والإزالَةِ؛ كالعُضْوِ الفاسِدِ الَّذِي يَجُرُّ الدّاءَ لِسائِرِ البَدَنِ، فَإنَّهُ يُزالُ بِالكُلِّيَّةِ إبْقاءً عَلى البَدَنِ وتَطْهِيرًا لَهُ مِنَ المَرَضِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ قَطْعَ اليَدِ يُطَهِّرُ السّارِقَ مِن دَنَسِ ذَنْبِ ارْتِكابِ مَعْصِيَةِ السَّرِقَةِ، مَعَ الرَّدْعِ البالِغِ (p-٣٣)بِالقِطَعِ عَنِ السَّرِقَةِ؛ قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: ”بابُ الحُدُودِ كَفّارَةٌ“، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ، «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ في مَجْلِسٍ، فَقالَ: ”بايِعُونِي عَلى أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا“ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّها ”فَمَن وفّى مِنكم فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ، ومَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهو كَفّارَتُهُ، ومَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، إنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ»“ . اه هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في صَحِيحِهِ، وقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ”فَهو كَفّارَتُهُ“ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ الحُدُودَ تُطَهِّرُ المُرْتَكِبِينَ لَها مِنَ الذَّنْبِ.
والتَّحْقِيقُ في ذَلِكَ ما حَقَّقَهُ بَعْضُ العُلَماءِ: مِن أنَّ حُقُوقَ اللَّهِ يُطَهَّرُ مِنها بِإقامَةِ الحَدِّ، وحَقُّ المَخْلُوقِ يَبْقى، فارْتِكابُ جَرِيمَةِ السَّرِقَةِ مَثَلًا يُطَهَّرُ مِنهُ بِالحَدِّ، والمُؤاخَذَةُ بِالمالِ تَبْقى؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ مُوجِبَةُ حُكْمَيْنِ: وهُما القَطْعُ والغُرْمُ. قالَ في مَراقِي السُّعُودِ:
؎وَذاكَ في الحُكْمِ الكَثِيرِ أُطْلِقُهُ كالقَطْعِ مَعَ غُرْمِ نِصابِ السَّرِقَةِ
مَعَ أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ العِلْمِ قالُوا: لا يَلْزَمُهُ الغُرْمُ مَعَ القَطْعِ؛ لِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنَّها نَصَّتْ عَلى القَطْعِ ولَمْ تَذْكُرْ غُرْمًا.
وَقالَ جَماعَةٌ: يُغَرَّمُ المَسْرُوقَ مُطْلَقًا، فاتَ أوْ لَمْ يَفُتْ، مُعْسِرًا كانَ أوْ مُوسِرًا، ويُتْبَعُ بِهِ دَيْنًا إنْ كانَ مُعْسِرًا.
وَقالَ جَماعَةٌ: يَرُدُّ المَسْرُوقُ إنْ كانَ قائِمًا. وإنْ لَمْ يَكُنْ قائِمًا رَدَّ قِيمَتَهُ إنْ كانَ مُوسِرًا، فَإنْ كانَ مُعْسِرًا فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، ولا يُتْبَعُ بِهِ دَيْنًا.
والأوَّلُ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. والثّانِي مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ. والثّالِثُ مَذْهَبُ مالِكٍ. وقَطْعُ السّارِقِ كانَ مَعْرُوفًا في الجاهِلِيَّةِ فَأقَرَّهُ الإسْلامُ.
وَعَقَدَ ابْنُ الكَلْبِي بابًا لِمَن قُطِعَ في الجاهِلِيَّةِ بِسَبَبِ السَّرِقَةِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِينَ سَرَقُوا غَزالَ الكَعْبَةِ فَقُطِعُوا في عَهْدِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وذَكَرَ مِمَّنْ قُطِعَ في السَّرِقَةِ عَوْفَ بْنَ عَبْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، ومَقِيسَ بْنَ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَهْمٍ وغَيْرِهِما، وأنَّ عَوْفًا السّابِقَ لِذَلِكَ، انْتَهى.
وَكانَ مِن هَدايا الكَعْبَةِ صُورَةُ غَزالَيْنِ مِن ذَهَبٍ، أهْدَتْهُما الفُرْسُ لِبَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، كَما عَقَدَهُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في نَظْمِ عَمُودِ النَّسَبِ بِقَوْلِهِ:
؎وَمِن خَباياهُ غَزالًا ذَهَبْ ∗∗∗ أهْدَتْهُما الفُرْسُ لِبَيْتِ العَرَبْ
(p-٣٤)وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وقَدْ قُطِعَ السّارِقُ في الجاهِلِيَّةِ، وأوَّلُ مَن حَكَمَ بِقَطْعِهِ في الجاهِلِيَّةِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ بِقَطْعِهِ في الإسْلامِ، فَكانَ أوَّلُ سارِقٍ قَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الإسْلامِ مِنَ الرِّجالِ الخِيارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مُنافٍ، ومِنَ النِّساءِ مُرَّةَ بِنْتَ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ مَن بَنِي مَخْزُومٍ، وقَطَعَ أبُو بَكْرٍ يَدَ اليَمَنِيِّ الَّذِي سَرَقَ العَقْدَ. وقَطَعَ عُمَرُ يَدَ ابْنِ سَمُرَةَ أخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ اه.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن أنَّ المَخْزُومِيَّةَ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَها أوَّلًا هي مُرَّةُ بِنْتُ سُفْيانَ خِلافَ التَّحْقِيقِ، والتَّحْقِيقُ أنَّها فاطِمَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وهي بِنْتُ أخِي أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ، الَّذِي كانَ زَوْجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ، قُتِلَ أبُوها كافِرًا يَوْمَ بَدْرٍ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَطْعُ النَّبِيِّ ﷺ يَدَها وقَعَ في غَزْوَةِ الفَتْحِ، وأمّا سَرِقَةُ أُمِّ عَمْرِو بِنْتِ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ ابْنَةِ عَمِّ المَذْكُورَةِ، وقَطْعُ النَّبِيِّ ﷺ يَدَها فَفي حَجَّةِ الوَداعِ، بَعْدَ قِصَّةِ الأوْلى بِأكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما، وأصْحابُ السُّنَنِ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَراهِمَ»، وفي لَفْظِ بَعْضِهِمْ قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَراهِمَ. وأخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما، وأصْحابُ السُّنَنِ غَيْرَ ابْنِ ماجَهْ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ ”كانَ يَقْطَعُ يَدَ السّارِقِ في رُبْعِ دِينارِ فَصاعِدًا»“ والأحادِيثُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، مَعَ أنَّهُ عُرِفَ مِنَ الشَّرْعِ أنَّ اليَدَ فِيها نِصْفُ الدِّيَةِ، وِدِيَةُ الذَّهَبِ ألْفُ دِينارٍ. فَتَكُونُ دِيَةُ اليَدِ خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ، فَكَيْفَ تُؤْخَذُ في مُقابَلَةِ رُبْعِ دِينارٍ ؟ وما وجْهُ العَدالَةِ والإنْصافِ في ذَلِكَ.
فالجَوابُ: أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنِ اعْتِراضاتِ المُلْحِدِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، هو الَّذِي نَظَمَهُ المِعَرِّيُّ بِقَوْلِهِ:
؎يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ∗∗∗ ما بالُها قُطِعَتْ في رُبْعِ دِينارِ
وَلِلْعُلَماءِ عَنْهُ أجْوِبَةٌ كَثِيرَةٌ نَظْمًا ونَثْرًا؛ مِنها قَوْلُ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ مُجِيبًا لَهُ في بَحْرِهِ ورَوِيِّهِ:
؎عِزُّ الأمانَةِ أغْلاها وأرْخَصَها ∗∗∗ ذُلُّ الخِيانَةِ فافْهَمْ حِكْمَةَ البارِي
وَقالَ بَعْضُهم: لَمّا خانَتْ هانَتْ. ومِنَ الواضِحِ: أنَّ تِلْكَ اليَدَ الخَسِيسَةَ الخائِنَةَ لَمّا (p-٣٥)تَحَمَّلَتْ رَذِيلَةَ السَّرِقَةِ وإطْلاقَ اسْمِ السَّرِقَةِ عَلَيْها في شَيْءٍ حَقِيرٍ كَثَمَنِ المِجَنِّ والأُتْرُجَّةِ، كانَ مِنَ المُناسِبِ المَعْقُولِ أنْ تُؤْخَذَ في ذَلِكَ الشَّيْءِ القَلِيلِ، الَّذِي تَحَمَّلَتْ فِيهِ هَذِهِ الرَّذِيلَةَ الكُبْرى.
وَقالَ الفَخْرُ الرّازِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ثُمَّ إنّا أجَبْنا عَنْ هَذا الطَّعْنِ، بِأنَّ الشَّرْعَ إنَّما قَطَعَ يَدَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ تَحَمَّلَ الدَّناءَةَ والخَساسَةَ في سَرِقَةِ ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ. فَلا يَبْعُدُ أنَّ يُعاقِبَهُ الشَّرْعُ بِسَبَبِ تِلْكَ الدَّناءَةِ هَذِهِ العُقُوبَةَ العَظِيمَةَ اه.
فانْظُرْ ما يَدْعُو إلَيْهِ القُرْآنُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، والتَّنَزُّهِ عَمّا لا يَلِيقُ، وقَطْعُ يَدِ السّارِقِ في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّشْرِيعَ السَّماوِيَّ يَضَعُ دَرَجَةَ الخائِنِ مِن خَمْسِمِائَةِ دَرَجَةٍ إلى رُبْعِ دَرَجَةٍ، فانْظُرْ هَذا الحَطَّ العَظِيمَ لِدَرَجَتِهِ بِسَبَبِ ارْتِكابِ الرَّذائِلِ.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ النّاسِ قَطَعَ يَدِ السّارِقِ في السَّرِقَةِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِها مِنَ الجِناياتِ عَلى الأمْوالِ، كالغَصْبِ، والِانْتِهابِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
قالَ المازِرِيُّ ومَن تَبِعَهُ: صانَ اللَّهُ الأمْوالَ بِإيجابِ قَطْعِ سارِقِها، وخَصَّ السَّرِقَةَ لِقِلَّةِ ما عَداها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، مِنَ الِانْتِهابِ والغَصْبِ، ولِسُهُولَةِ إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى ما عَدا السَّرِقَةَ بِخِلافِها، وشَدَّدَ العُقُوبَةَ فِيها لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ، ولَمْ يَجْعَلْ دِيَةَ الجِنايَةِ عَلى العُضْوِ المَقْطُوعِ مِنها بِقَدْرِ ما يَقْطَعُ فِيهِ حِمايَةً لِلْيَدِ، ثُمَّ لَمّا خانَتْ هانَتْ، وفي ذَلِكَ إثارَةٌ إلى الشُّبْهَةِ الَّتِي نُسِبَتْ إلى أبِي العَلاءِ المَعَرِّيِّ في قَوْلِهِ:
؎يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ∗∗∗ ما بالُها قُطِعَتْ في رُبْعِ دِينارِ
فَأجابَهُ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ المالِكِيُّ بِقَوْلِهِ:
؎صِيانَةُ العُضْوِ أغْلاها وأرْخَصَها ∗∗∗ حِمايَةُ المالِ فافْهَمْ حِكْمَةَ البارِي
وَشَرْحُ ذَلِكَ: أنَّ الدِّيَةَ لَوْ كانَتْ رُبْعَ دِينارٍ لَكَثُرَتِ الجِناياتُ عَلى الأيْدِي، ولَوْ كانَ نِصابُ القَطْعِ خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ لَكَثُرَتِ الجِناياتُ عَلى الأمْوالِ، فَظَهَرَتِ الحِكْمَةُ في الجانِبَيْنِ، وكانَ في ذَلِكَ صِيانَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
وَقَدْ عَسَرَ فَهْمُ المَعْنى المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ في الفَرْقِ بَيْنَ السَّرِقَةِ وبَيْنَ النَّهْبِ ونَحْوِهِ عَلى بَعْضِ مُنْكِرِي القِياسِ، فَقالَ: القَطْعُ في السَّرِقَةِ دُونَ الغَصْبِ وغَيْرِهِ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنى؛ فَإنَّ الغَصْبَ أكْثَرُ هَتْكًا لِلْحُرْمَةِ مِنَ السَّرِقَةِ، فَدَلَّ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ القِياسِ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ في الأعْلى فَلا يُعْمَلُ بِهِ في المُساوِي.
(p-٣٦)وَجَوابُهُ: أنَّ الأدِلَّةَ عَلى العَمَلِ بِالقِياسِ أشْهَرُ مِن أنْ يُتَكَلَّفَ لِإيرادِها، وسَتَأْتِي الإشارَةُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في كِتابِ الأحْكامِ. اه بِواسِطَةِ نَقْلِ ابْنِ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الفَرْقُ بَيْنَ السَّرِقَةِ وبَيْنَ الغَصْبِ ونَحْوِهِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ المازِرِيُّ ظاهِرٌ، وهو أنَّ النَّهْبَ والغَصْبَ ونَحْوَهُما قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّرِقَةِ، ولِأنَّ الأمْرَ الظّاهِرَ غالِبًا تُوجَدُ البَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِخِلافِ السَّرِقَةِ، فَإنَّ السّارِقَ إنَّما يَسْرِقُ خِفْيَةً بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ، فَيَعْسُرُ الإنْصافُ مِنهُ، فَغَلُظَتْ عَلَيْهِ الجِنايَةُ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ: رَجْمُ الزّانِي المُحْصَنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، وجَلْدُ الزّانِي البِكْرِ مِائَةَ جَلْدَةٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى.
أما الرَّجْمُ: فَهو مَنصُوصٌ بِآيَةٍ مَنسُوخَةِ التِّلاوَةِ باقِيَةُ الحِكَمِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ“ .
وَقَدْ قَدَّمْنا ذَمَّ القُرْآنِ لِلْمُعْرِضِ عَمّا في التَّوْراةِ مِن حُكْمِ الرَّجْمِ، فَدَلَّ القُرْآنُ في آياتٍ مُحْكَمَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤١]، وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢٣] عَلى ثُبُوتِ حُكْمِ الرَّجْمِ في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ لِذَمِّهِ في كِتابِنا لِلْمُعْرِضِ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ.
وَما ذَكَرْنا مِن أنَّ حُكْمَ الرَّجْمِ ثابِتٌ بِالقُرْآنِ لا يُنافِي «قَوْلَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ رَجَمَ امْرَأةً يَوْمَ الجُمْعَةِ: ”رَجَمْتُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»“؛ لِأنَّ السُّنَّةَ هي الَّتِي بَيَّنَتْ أنَّ حُكْمَ آيَةِ الرَّجْمِ باقٍ بَعْدِ نَسْخِ تِلاوَتِها.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في حَدِيثِهِ الصَّحِيحِ المَشْهُورِ: ”«فَكانَ مِمّا أُنْزِلُ إلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْناها وعَقَلْناها ووَعَيْناها، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا بَعْدَهُ» . . .“ الحَدِيثَ.
والمُلْحِدُونَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّجْمَ قَتْلٌ وحْشِيٌّ لا يُناسِبُ الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في الأنْظِمَةِ الَّتِي يُعامَلُ بِها الإنْسانُ، لِقُصُورِ إدْراكِهِمْ عَنْ فَهْمِ حِكَمِ اللَّهِ البالِغَةِ في تَشْرِيعِهِ.
والحاصِلُ: أنَّ الرَّجْمَ عُقُوبَةٌ سَماوِيَّةٌ مَعْقُولَةُ المَعْنى؛ لِأنَّ الزّانِيَ لَمّا أدْخَلَ فَرَّجَهُ (p-٣٧)فِي فَرْجِ امْرَأةٍ عَلى وجْهِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، فَإنَّهُ ارْتَكَبَ أخَسَّ جَرِيمَةٍ عَرَفَها الإنْسانُ بِهَتْكِ الأعْراضِ، وتَقْذِيرِ الحُرُماتِ، والسَّعْيِ في ضَياعِ أنْسابِ المُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ، والمَرْأةُ الَّتِي تُطاوِعُهُ في ذَلِكَ مِثْلُهُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو نَجِسٌ قَذِرٌ لا يَصْلُحُ لِلْمُصاحَبَةِ، فَعاقَبَهُ خالِقُهُ الحَكِيمُ الخَبِيرُ بِالقَتْلِ لِيَدْفَعَ شَرَّهُ البالِغَ غايَةَ الخُبْثِ والخِسَّةِ، وشَرَّ أمْثالِهِ عَنِ المُجْتَمَعِ، ويُطَهِّرُهُ هو مِنَ التَّنْجِيسِ بِتِلْكَ القاذُورَةِ الَّتِي ارْتَكَبَ، وجَعَلَ قِتْلَتَهُ أفْظَعَ قِتْلَةٍ؛ لِأنَّ جَرِيمَتَهُ أفْظَعُ جَرِيمَةٍ، والجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ.
وَقَدْ دَلَّ الشَّرْعُ المُطَهَّرُ عَلى أنَّ إدْخالَ الفَرْجِ في الفَرْجِ المَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا يُوجِبُ الغُسْلَ، والمَنعَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما حَتّى يَغْتَسِلَ بِالماءِ، فَدَلَّ ذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يَتَطَلَّبُ طَهارَةً في الأصْلِ، وطَهارَتُهُ المَعْنَوِيَّةُ إنْ كانَ حَرامًا قَتْلُ صاحِبِهِ المُحْصَنِ، لِأنَّهُ إنْ رُجِمَ كَفَّرَ ذَلِكَ عَنْهُ ذَنْبَ الزِّنى، ويَبْقى عَلَيْهِ حَقُّ الآدَمِيِّ؛ كالزَّوْجِ إنْ زَنى بِمُتَزَوِّجَةٍ، وحَقُّ الأوْلِياءِ في إلْحاقِ العارِ بِهِمْ كَما أشَرْنا لَهُ سابِقًا.
وَشِدَّةُ قُبْحِ الزِّنى أمْرٌ مَرْكُوزٌ في الطَّبائِعِ، وقَدْ قالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ وهي كافِرَةٌ: ما أقْبَحَ ذَلِكَ الفِعْلَ حَلالًا ! فَكَيْفَ بِهِ وهو حَرامٌ. وغَلَّظَ جَلَّ وعَلا عُقُوبَةَ المُحْصَنِ بِالرَّجْمِ تَغْلِيظًا أشَدَّ مِن تَغْلِيظِ عُقُوبَةِ البِكْرِ بِمِائَةِ جَلْدَةٍ؛ لِأنَّ المُحْصَنَ قَدْ ذاقَ عُسَيْلَةَ النِّساءِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ يَعْسُرُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ عَنْهُنَّ، فَلَمّا كانَ الدّاعِي إلى الزِّنى أعْظَمَ، كانَ الرّادِعُ عَنْهُ أعْظَمَ وهو الرَّجْمُ.
وَأمّا جَلْدُ الزّانِي البِكْرِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى مِائَةَ جَلْدَةٍ فَهَذا مَنصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ الآيَةَ [النور: ٢]؛ لِأنَّ هَذِهِ العُقُوبَةَ تَرْدَعُهُ وأمْثالَهُ عَنِ الزِّنى، وتُطَهِّرُهُ مِن ذَنْبِ الزِّنى كَما تَقَدَّمَ. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُ ما يَلْزَمُ الزُّناةَ مِن ذُكُورٍ وإناثٍ، وعَبِيدٍ وأحْرارٍ ”في سُورَةِ النُّورِ“ .
وَتَشْرِيعُ الحَكِيمِ الخَبِيرِ جَلَّ وعَلا مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ الحِكَمِ مِن دَرْءِ المَفاسِدِ وجَلْبِ المَصالِحِ، والجَرْيِ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، ومَحاسِنِ العاداتِ، ولا شَكَّ أنَّ مِن أقْوَمِ الطُّرُقِ مُعاقَبَةُ فَظِيعِ الجِنايَةِ بِعَظِيمِ العِقابِ جَزاءً وِفاقًا.
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ: هَدْيُهُ إلى أنَّ التَّقَدُّمَ لا يُنافِي التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ، فَما خَيَّلَهُ أعْداءُ الدِّينِ لِضِعافِ العُقُولِ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلى الإسْلامِ: مِن أنَّ التَّقَدُّمَ لا يُمْكِنُ إلّا بِالِانْسِلاخِ مِن دِينِ الإسْلامِ، باطِلٌ لا أساسَ لَهُ، والقُرْآنُ الكَرِيمُ يَدْعُو إلى التَّقَدُّمِ في جَمِيعِ المَيادِينِ الَّتِي لَها أهَمِّيَّةٌ في دُنْيا أوْ دِينٍ، ولَكِنَّ ذَلِكَ التَّقَدُّمَ في حُدُودِ الدِّينِ، والتَّحَلِّي بِآدابِهِ الكَرِيمَةِ، وتَعالِيمِهِ السَّماوِيَّةِ؛ قالَ تَعالى: ﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ الآيَةَ (p-٣٨)[الأنفال: ٦٠]، وقالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ الآيَةَ [سبإ: ١٠، ١١] . فَقَوْلُهُ: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِعْدادِ لِمُكافَحَةِ العَدُوِّ، وقَوْلِهِ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادَ لِمُكافَحَةِ العَدُوِّ في حُدُودِ الدِّينِ الحَنِيفِ، وداوُدُ مِن أنْبِياءِ ”سُورَةِ الأنْعامِ“ المَذْكُورِينَ فِيها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨٤]، وقَدْ قالَ تَعالى مُخاطِبًا لِنَبِيِّنا ﷺ وعَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ ذَكَرَهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] .
وَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن أيْنَ أخَذْتَ السَّجْدَةَ ”في ص“ فَقالَ: أوَما تَقْرَأُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠]، فَسَجَدَها داوُدُ، فَسَجَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» .
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنا مُخاطَبُونَ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِمّا أُمِرَ بِهِ داوُدُ، فَعَلَيْنا أنْ نَسْتَعِدَّ لِكِفاحِ العَدُوِّ مَعَ التَّمَسُّكِ بِدِينِنا، وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾، فَهو أمْرٌ جازِمٌ بِإعْدادِ كُلِّ ما في الِاسْتِطاعَةِ مِن قُوَّةٍ ولَوْ بَلَغَتِ القُوَّةُ مِنَ التَّطَوُّرِ ما بَلَغَتْ، فَهو أمْرٌ جازِمٌ بِمُسايَرَةِ التَّطَوُّرِ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَدَمِ الجُمُودِ عَلى الحالاتِ الأُوَلِ إذا طَرَأ تَطَوُّرٌ جَدِيدٌ، ولَكِنْ كُلُّ ذَلِكَ مَعَ التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ.
وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠٢]؛ فَصَلاةُ الخَوْفِ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَدُلُّ عَلى لُزُومِ الجَمْعِ بَيْنَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ، وبَيْنَ القِيامِ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا مِن دِينِهِ، فَأمْرُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ في وقْتِ التِحامِ الكِفاحِ المُسَلَّحِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دَلالَةً في غايَةِ الوُضُوحِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]، فَأمْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِذِكْرِ اللَّهِ كَثِيرًا عِنْدَ التِحامِ القِتالِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا دَلالَةً واضِحَةً، فالكُفّارُ خَيَّلُوا لِضِعافِ العُقُولِ أنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ التَّقَدُّمِ والتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ، والسِّماتِ الحَسَنَةِ والأخْلاقِ الكَرِيمَةِ، تَبايَنُ مُقابَلَةٍ كَتَبايُنِ النَّقِيضَيْنِ كالعَدَمِ والوُجُودِ، والنَّفْيِ والإثْباتِ، أوِ الضِّدَّيْنِ (p-٣٩)كالسَّوادِ والبَياضِ، والحَرَكَةِ والسُّكُونِ، أوِ المُتَضائِفَيْنِ كالأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ، والفَوْقِ والتَّحْتِ، أوِ العَدَمِ والمَلَكَةِ كالبَصَرِ والعَمى.
فَإنَّ الوُجُودَ والعَدَمَ لا يَجْتَمِعانِ في شَيْءٍ واحِدٍ في وقْتٍ واحِدٍ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، وكَذَلِكَ الحَرَكَةُ والسُّكُونُ مَثَلًا، وكَذَلِكَ الأُبُوَّةُ والبُنُوَّةُ، فَكُلُّ ذاتٍ ثَبَتَتْ لَها الأُبُوَّةُ لَذاتٍ اسْتَحالَتْ عَلَيْها النُّبُوَّةُ لَها، بِحَيْثُ يَكُونُ شَخْصٌ أبًا وابْنًا لِشَخْصٍ واحِدٍ، كاسْتِحالَةِ اجْتِماعِ السَّوادِ والبَياضِ في نُقْطَةٍ بَسِيطَةٍ، أوِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ في جُرْمٍ، وكَذَلِكَ البَصَرُ والعَمى لا يَجْتَمِعانِ.
فَخَيَّلُوا لَهم أنَّ التَّقَدُّمَ والتَّمَسُّكَ بِالدِّينِ مُتَبايِنانِ تَبايُنَ مُقابَلَةٍ، بِحَيْثُ يَسْتَحِيلُ اجْتِماعُهُما، فَكانَ مِن نَتائِجِ ذَلِكَ انْحِلالُهم مِنَ الدِّينِ رَغْبَةً في التَّقَدُّمِ، فَخَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ التَّقَدُّمِ والتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ بِالنَّظَرِ إلى العَقْلِ وحْدَهُ، وقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ نُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ إنَّما هي تَبايُنُ المُخالَفَةِ، وضابِطُ المُتَبايِنَيْنِ تَبايُنَ المُخالَفَةِ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةُ كُلٍّ مِنهُما في حَدِّ ذاتِها تُبايِنُ حَقِيقَةَ الآخَرِ، ولَكِنَّهُما يُمْكِنُ اجْتِماعُهُما عَقْلًا في ذاتٍ أُخْرى؛ كالبَياضِ والبُرُودَةِ، والكَلامِ والقُعُودِ، والسَّوادِ والحَلاوَةِ.
فَحَقِيقَةُ البَياضِ في حَدِّ ذاتِها تُبايِنُ حَقِيقَةَ البُرُودَةِ، ولَكِنَّ البَياضَ والبُرُودَةَ يُمْكِنُ اجْتِماعُها في ذاتٍ واحِدَةٍ كالثَّلْجِ، وكَذَلِكَ الكَلامُ والقُعُودُ فَإنَّ حَقِيقَةَ الكَلامِ تُبايِنُ حَقِيقَةَ القُعُودِ، مَعَ إمْكانِ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الواحِدُ قاعِدًا مُتَكَلِّمًا في وقْتٍ واحِدٍ. وهَكَذا فالنِّسْبَةُ بَيْنَ التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ والتَّقَدُّمِ بِالنَّظَرِ إلى حُكْمِ العَقْلِ مِن هَذا القَبِيلِ، فَكَما أنَّ الجِرْمَ الأبْيَضَ يَجُوزُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ بارِدًا كالثَّلْجِ، والإنْسانَ القاعِدَ يَجُوزُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا، فَكَذَلِكَ المُتَمَسُّكُ بِالدِّينِ يَجُوزُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا، إذْ لا مانِعَ في حُكْمِ العَقْلِ مِن كَوْنِ المُحافِظِ عَلى امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ، مُشْتَغِلًا في جَمِيعِ المَيادِينِ التَّقَدُّمِيَّةِ كَما لا يَخْفى، وكَما عَرَفَهُ التّارِيخُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ ومَن تَبِعَهم بِإحْسانٍ.
أمّا بِالنَّظَرِ إلى نُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤٠]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ إنَّهم ﴿لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ (p-٤٠)[الصافات: ١٧١ - ١٧٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]
• وقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [غافر: ٥١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤]،
ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وما في مَعْناها مِنَ الأحادِيثِ.
فَإنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ والتَّقَدُّمِ، كالنِّسْبَةِ بَيْنَ المَلْزُومِ ولازِمِهِ؛ لِأنَّ التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ مَلْزُومٌ لِلتَّقَدُّمِ، بِمَعْنى أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّقَدُّمُ، كَما صَرَّحَتْ بِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ، ومَعْلُومٌ أنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ المَلْزُومِ ولازِمِهِ لا تَعْدُو أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ تَكُونَ المُساواةَ أوِ الخُصُوصَ المُطْلَقَ؛ لِأنَّ المَلْزُومَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أعَمَّ مَن لازِمِهِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لَهُ أوْ أخَصَّ مِنهُ، ولا يَتَعَدّى ذَلِكَ، ومِثالُ ذَلِكَ: الإنْسانُ مَثَلًا، فَإنَّهُ مَلْزُومٌ لِلْبَشَرِيَّةِ الحَيَوانِيَّةِ، بِمَعْنى أنَّ الإنْسانَ يَلْزَمُ عَلى كَوْنِهِ إنْسانًا أنْ يَكُونَ بَشَرًا وأنْ يَكُونَ حَيَوانًا، وأحَدُ هَذَيْنِ اللّازِمَيْنِ مُساوٍ لَهُ في الماصَدَقِ وهو البَشَرُ. والثّانِي أعَمُّ مِنهُ ما صِدْقًا وهو الحَيَوانُ، فالإنْسانُ أخَصُّ مِنهُ خُصُوصًا مُطْلَقًا كَما هو مَعْرُوفٌ.
فانْظُرْ كَيْفَ خَيَّلُوا لَهم أنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ المَلْزُومِ ولازِمِهِ كالتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ والضِّدَّيْنِ، وأطاعُوهم في ذَلِكَ لِسَذاجَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ وعَمى بَصائِرِهِمْ، فَهم ما تَقَوَّلُوا عَلى الدِّينِ الإسْلامِيِّ ورَمَوْهُ بِما هو مِنهُ بَرِيءٌ إلّا لِيُنَفِّرُوا مِنهُ ضِعافَ العُقُولِ مِمَّنْ يَنْتَمِي لِلْإسْلامِ لِيُمْكِنَهُمُ الِاسْتِيلاءُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم لَوْ عَرَفُوا الدِّينَ حَقًّا واتَّبَعُوهُ لَفَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلَ أسْلافُهم بِأسْلافِهِمْ، فالدِّينُ هو هو، وصِلَتُهُ بِاللَّهِ هي هي، ولَكِنَّ المُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ في جُلِّ أقْطارِ الدُّنْيا تَنَكَّرُوا لَهُ، ونَظَرُوا إلَيْهِ بِعَيْنِ المَقْتِ والِازْدِراءِ، فَجَعَلَهُمُ اللَّهُ أرِقّاءَ لِلْكَفَرَةِ الفَجَرَةِ، ولَوْ راجَعُوا دِينَهم لَرَجَعَ لَهم عِزُّهم ومَجْدُهم، وقادُوا جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، وهَذا مِمّا لا شَكَّ فِيهِ: ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] .
* *
وَمِن هَدْيِ القُرْآنِ لِلَّتِي هي أقْوَمُ بَيانُهُ أنَّهُ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعًا غَيْرَ التَّشْرِيعِ الَّذِي جاءَ بِهِ سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، فاتِّباعُهُ لِذَلِكَ التَّشْرِيعِ المُخالِفِ كُفْرٌ بَواحٌ، مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، ولَمّا قالَ الكُفّارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: الشّاةُ تُصْبِحُ مَيِّتَةً مَن قَتَلَها ؟ فَقالَ لَهم: ”اللَّهُ قَتَلَها“ فَقالُوا لَهُ: ما ذَبَحْتُمْ بِأيْدِيهِمْ حَلالٌ، وما ذَبَحَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ الكَرِيمَةِ تَقُولُونَ إنَّهُ حَرامٌ ! فَأنْتُمْ إذَنْ أحْسَنُ مِنَ (p-٤١)اللَّهِ ؟ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وحَذْفُ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى قَسَمٍ مَحْذُوفٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎واحْذِفْ لَدى اجْتِماعِ شَرْطٍ وقَسَمٍ جَوابَ ما أخَّرْتَ فَهو مُلْتَزَمْ
إذْ لَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ جَوابًا لِلشَّرْطِ لاقْتَرَنَتْ بِالفاءِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ أيْضًا:
؎واقْرِنْ بِفا حَتْمًا جَوابًا لَوْ جَعَلْ ∗∗∗ شَرْطًا لَأنَّ أوْ غَيْرَها لَمْ يَنْجَعِلْ
فَهُوَ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا أقْسَمَ بِهِ عَلى أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الشَّيْطانَ في تَحْلِيلِ المَيْتَةِ أنَّهُ مُشْرِكٌ، وهَذا الشِّرْكُ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وسَيُوَبِّخُ اللَّهُ مُرْتَكِبَهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠] لِأنَّ طاعَتَهُ في تَشْرِيعِهِ المُخالِفِ لِلْوَحْيِ هي عِبادَتُهُ، وقالَ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، أيْ ما يَعْبُدُونَ إلّا شَيْطانًا، وذَلِكَ بِاتِّباعِهِمْ تَشْرِيعَهُ. وقالَ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٣٧]، فَسَمّاهم شُرَكاءَ لِأنَّهم أطاعُوهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ عَنْ خَلِيلِهِ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٤]، أيْ بِطاعَتِهِ في الكُفْرِ والمَعاصِي، ولَمّا سَألَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣١]، بَيَّنَ لَهُ أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهم أطاعُوهم في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ.
والعَجَبُ مِمَّنْ يُحَكِّمُ غَيْرَ تَشْرِيعِ اللَّهِ ثُمَّ يَدَّعِي الإسْلامَ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، وقالَ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقالَ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] .
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الإسراء 17:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَماءِ، وأحَدُهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ.
وَهُوَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ [الإسراء: ١١]، كَأنْ يَدْعُوَ عَلى نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ بِالهَلاكِ عِنْدَ الضَّجَرِ مِن أمْرٍ، فَيَقُولُ اللَّهُمَّ أهْلِكْنِي، أوْ أهْلِكْ ولَدِي، فَيَدْعُو بِالشَّرِّ دُعاءً لا يُحِبُّ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ، وقَوْلُهُ ﴿دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ أيْ يَدْعُو بِالشَّرِّ كَما يَدْعُو بِالخَيْرِ فَيَقُولُ عِنْدَ الضَّجَرِ: اللَّهُمَّ أهْلِكْ ولَدِي، كَما يَقُولُ في غَيْرِ وقْتِ الضَّجَرِ: اللَّهُمَّ عافِهِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الدُّعاءِ.
وَلَوِ اسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ بِالشَّرِّ لَهَلَكَ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] أيْ: لَوْ عَجَّلَ لَهُمُ الإجابَةَ بِالشَّرِّ كَما يُعَجِّلُ لَهُمُ الإجابَةَ بِالخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾؛ أيْ لَهَلَكُوا (p-٥٥)وَماتُوا، فالِاسْتِعْجالُ بِمَعْنى التَّعْجِيلِ.
وَيَدْخُلُ في دُعاءِ الإنْسانِ بِالشَّرِّ قَوْلُ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ العَبْدَرِيِّ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] .
وَمِمَّنْ فَسَّرَ الآيَةَ الكَرِيمَةَ بِما ذَكَرْنا: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وهو أصَحُّ التَّفْسِيرَيْنِ لِدَلالَةِ آيَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنَّ الإنْسانَ كَما يَدْعُو بِالخَيْرِ فَيَسْألُ اللَّهَ الجَنَّةَ، والسَّلامَةَ مِنَ النّارِ، ومِن عَذابِ القَبْرِ، كَذَلِكَ قَدْ يَدْعُو بِالشَّرِّ فَيَسْألُ اللَّهَ أنْ يُيَسِّرَ لَهُ الزِّنى بِمَفْسُوقَتِهِ، أوْ قَتْلَ مُسْلِمٍ هو عَدُوٌّ لَهُ ونَحْوَ ذَلِكَ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ ابْنُ جامِعٍ:
؎أطُوفُ بِالبَيْتِ فِيمَن يَطُوفُ وأرْفَعُ مِن مِئْزَرِي المُسْبَلِ
؎وَأسْجُدُ بِاللَّيْلِ حَتّى الصَّباحَ ∗∗∗ وأتْلُو مِنَ المُحْكَمِ المُنَزَّلِ
؎عَسى فارِجُ الهَمَّ عَنْ يُوسُفَ ∗∗∗ يُسَخِّرُ لِي رَبَّةَ المَحْمَلِ
الإسراء 17:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ، أيْ عَلامَتَيْنِ دالَّتَيْنِ عَلى أنَّهُ الرَّبُّ المُسْتَحِقُّ أنَّ يُعْبَدَ وحْدَهُ، ولا يُشْرَكُ مَعَهُ غَيْرُهُ، وكَرَّرَ تَعالى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ [فصلت: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأحزاب: ٨٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ﴾ [الزمر: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا (p-٥٦)والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها والقَمَرِ إذا تَلاها والنَّهارِ إذا جَلّاها واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ الآيَةَ [الشمس: ١ - ٤]،
• وقَوْلِهِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ الآيَةَ [الليل: ١، ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ الآيَةَ [الضحى: ١ - ٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [الإسراء: ١٢] يَعْنِي أنَّهُ جَعَلَ اللَّيْلَ مُظْلِمًا مُناسِبًا لِلْهُدُوءِ والرّاحَةِ، والنَّهارَ مُضِيئًا مُناسِبًا لِلْحَرَكَةِ والِاشْتِغالِ بِالمَعاشِ في الدُّنْيا، فَيَسْعَوْنَ في مَعاشِهِمْ في النَّهارِ، ويَسْتَرِيحُونَ مِن تَعَبِ العَمَلِ بِاللَّيْلِ، ولَوْ كانَ الزَّمَنُ كُلُّهُ لَيْلًا لَصَعُبَ عَلَيْهِمُ العَمَلُ في مَعاشِهِمْ، ولَوْ كانَ كُلُّهُ نَهارًا لَأهْلَكَهُمُ التَّعَبُ مِن دَوامِ العَمَلِ.
فَكَما أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتانِ مِن آياتِهِ جَلَّ وعَلا، فَهُما أيْضًا نِعْمَتانِ مَن نِعَمِهِ جَلَّ وعَلا.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى المُشارَ إلَيْهِ هُنا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣] .
فَقَوْلُهُ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾، أيْ في اللَّيْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]، أيْ في النَّهارِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ الآيَةَ [النبإ: ٩ - ١١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [الإسراء: ١٢]، بَيَّنَ فِيهِ نِعْمَةً أُخْرى عَلى خُلُقِهِ، وهي مَعْرِفَتُهم عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابِ، لِأنَّهم بِاخْتِلافِ (p-٥٧)اللَّيْلِ والنَّهارِ يَعْلَمُونَ عَدَدَ الأيّامِ والشُّهُورِ والأعْوامِ، ويَعْرِفُونَ بِذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِيُصَلُّوا فِيهِ صَلاةَ الجُمُعَةِ، ويَعْرِفُونَ شَهْرَ الصَّوْمِ، وأشْهُرَ الحَجِّ، ويَعْلَمُونَ مُضِيَّ أشْهُرِ العِدَّةِ لِمَن تَعْتَدُّ بِالأشْهُرِ المُشارِ إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] . ويَعْرِفُونَ مُضِيِّ الآجالِ المَضْرُوبَةِ لِلدُّيُونِ والإجاراتِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَبَيَّنَ جَلَّ وعَلا هَذِهِ الحِكْمَةَ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] . وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَماءِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ آيَتَيْنِ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ، فَآيَةُ اللَّيْلِ هي القَمَرُ، وآيَةُ النَّهارِ هي الشَّمْسُ، والمَحْوُ: الطَّمْسُ. وعَلى هَذا القَوْلِ: فَمَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ قِيلَ مَعْناهُ السَّوادُ الَّذِي في القَمَرِ، وبِهَذا قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومُجاهِدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وَقِيلَ: مَعْنى ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ١٢]، أيْ لَمْ نَجْعَلْ في القَمَرِ شُعاعًا كَشُعاعِ الشَّمْسِ تَرى بِهِ الأشْياءَ رُؤْيَةً بَيِّنَةً، فَنَقُصُّ نُورَ القَمَرِ عَنْ نُورِ الشَّمْسِ هو مَعْنى الطَّمْسِ عَلى هَذا القَوْلِ.
وَهَذا أظْهَرُ عِنْدِي لِمُقابَلَتِهِ تَعالى لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، والقَوْلُ بِأنَّ مَعْنى مَحْوِ آيَةِ اللَّيْلِ: السَّوادُ الَّذِي في القَمَرِ لَيْسَ بِظاهِرٍ عِنْدِي وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ الصَّحابَةِ الكِرامِ، وبَعْضُ أجِلّاءِ أهْلِ العِلْمِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ المَذْكُورِ؛ أيِ الشَّمْسَ مُبْصِرَةً، أيْ: ذاتَ شُعاعٍ يُبْصَرُ في ضَوْئِها كُلُّ شَيْءٍ عَلى حَقِيقَتِهِ.
قالَ الكِسائِيُّ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: أبْصَرَ النَّهارَ: إذا أضاءَ وصارَ بِحالَةٍ يُبْصَرُ (p-٥٨)بِها، نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا التَّفْسِيرُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ، ولَيْلُهُ قائِمٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎لَقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غَيْلانَ في السُّرى ونِمْتِ وما لَيْلُ المُحِبِّ بِنائِمِ
وَغايَةُ ما في الوَجْهِ المَذْكُورِ مِنَ التَّفْسِيرِ: حَذْفُ مُضافٍ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ إنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ، قالَ في الخُلاصَةِ: وما يَلِي المُضافَ يَأْتِي خَلَفًا عَنْهُ في الإعْرابِ إذا ما حُذِفا
والقَرِينَةُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ الدّالَّةُ عَلى المُضافِ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، فَإضافَةُ الآيَةِ إلى اللَّيْلِ والنَّهارِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ لَهُما لا هُما أنْفَسَهُما، وحَذْفُ المُضافِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]، وقَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ أيْ نِكاحُها، وقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أيْ أكْلُها، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَعَلى القَوْلِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، وأنَّ المُرادَ بِالآيَتَيْنِ الشَّمْسُ والقَمَرُ، فالآياتُ المُوَضِّحَةُ لِكَوْنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ آيَتَيْنِ تَقَدَّمَتْ مُوَضَّحَةً في سُورَةِ النَّحْلِ.
الوَجْهُ الثّانِي مِنَ التَّفْسِيرِ: أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ لَيْسَ فِيها مُضافٌ مَحْذُوفٌ، وأنَّ المُرادَ بِالآيَتَيْنِ نَفْسُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لا الشَّمْسُ والقَمَرُ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فَإضافَةُ الآيَةِ إلى اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ، تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ اللَّفْظِ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ في المَعْنى، وإضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، فَمِنهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥]، ورَمَضانُ هو نَفْسُ الشَّهْرِ بِعَيْنِهِ عَلى التَّحْقِيقِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ١٠٩]، والدّارُ هي الآخِرَةُ بِعَيْنِها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَلَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ [الأنعام: ٣٢] بِالتَّعْرِيفِ، والآخِرَةُ نَعْتٌ لِلدّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، والحَبْلُ هو الوَرِيدُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤٣]، والمَكْرُ هو السَّيْءُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] (p-٥٩)
وَمِن أمْثِلَتِهِ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البَياضِ بِصُفْرَةٍ ∗∗∗ غَذّاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ
لِأنَّ المُقاناةَ هي البِكْرُ بِعَيْنِها، وقَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎وَمِشَكٍّ سابِغَةٍ هَتَكْتُ فُرُوجَها ∗∗∗ بِالسَّيْفِ عَنْ حامِي الحَقِيقَةِ مُعْلِمِ
لِأنَّ مُرادَهُ بِالمِشَكِّ: السّابِغَةُ بِعَيْنِها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: هَتَكْتُ فُرُوجَها؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى السّابِغَةِ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالمِشَكِّ.
وَقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا (دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ فاطِرٍ، وبَيَّنّا أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا: أنَّ إضافَةَ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ لَفْظِ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ؛ لِأنَّ تَغايُرَ اللَّفْظَيْنِ رُبَّما نُزِّلَ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ المَعْنَوِيِّ لِكَثْرَةِ الإضافَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، وجَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ في بَعْضِ مَواضِعِهِ في القُرْآنِ، وعَلَيْهِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎وَلا يُضافُ اسْمٌ لِما بِهِ اتَّحَدَ ∗∗∗ مَعْنًى وأوَّلْ مُوَهَّمًا إذا ورَدَ
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ قَوْلُهُ:
؎وَإنْ يَكُونا مُفْرَدَيْنِ فَأضِفْ ∗∗∗ حَتْمًا وإلّا أتْبَعَ الَّذِي رَدَفَ
لِأنَّ إيجابَ إضافَةِ العَلَمِ إلى اللَّقَبِ مَعَ اتِّحادِهِما في المَعْنى إنْ كانا مُفْرَدَيْنِ المُسْتَلْزِمُ لِلتَّأْوِيلِ، ومَنعُ الإتْباعِ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ دَلِيلٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن أسالِيبِها لَوَجَبَ تَقْدِيمُ ما لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ عَلى المُحْتاجِ إلى تَأْوِيلٍ كَما تَرى. وعَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّفْسِيرِ فالمَعْنى: فَمَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ، وجَعَلَنا الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ مُبْصِرَةً، أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مَمْحُوَّ الضَّوْءِ مَطْمُوسَهُ، مُظْلِمًا لا تُسْتَبانُ فِيهِ الأشْياءُ كَما لا يُسْتَبانُ ما في اللَّوْحِ المَمْحُوِّ، وجَعَلْنا النَّهارَ مُبْصِرًا، أيْ تُبْصَرُ فِيهِ الأشْياءُ وتُسْتَبانُ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] تَقَدَّمَ إيضاحَهُ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنا (p-٦٠)عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٨٩] .
الإسراء 17:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ .
فِي قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ [الإسراء: ١٣]، وجْهانِ مَعْرُوفانِ مِنَ التَّفْسِيرِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالطّائِرِ: العَمَلُ، مِن قَوْلِهِمْ: طارَ لَهُ سَهْمٌ إذا خَرَجَ لَهُ، أيْ: ألْزَمْناهُ ما طارَ لَهُ مِن عَمَلِهِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالطّائِرِ ما سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ مِن شَقاوَةٍ أوْ سَعادَةٍ، والقَوْلانِ مُتَلازِمانِ؛ لِأنَّ ما يَطِيرُ لَهُ مِنَ العَمَلِ هو سَبَبُ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ الشَّقاوَةِ أوِ السَّعادَةِ.
فَإذا عَرَفْتَ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فاعْلَمْ: أنّا قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها لِلْعُلَماءِ قَوْلانِ أوْ أقْوالٌ، وكُلُّها حَقٌّ، ويَشْهَدُ لَهُ قُرْآنُ، فَنَذْكُرُ جَمِيعَ الأقْوالِ وأدِلَّتَها مِنَ القُرْآنِ، لِأنَّها كُلَّها حَقٌّ، والوَجْهانِ المَذْكُورانِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ.
أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ المُرادَ بِطائِرِهِ عَمَلُهُ، فالآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ عَمَلَ الإنْسانِ لازِمٌ لَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِطائِرِهِ نَصِيبُهُ الَّذِي طارَ لَهُ في الأزَلِ مِنَ الشَّقاوَةِ أوِ السَّعادَةِ، فالآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا كَثِيرَةٌ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: في عُنُقِهِ [الإسراء: ١٣]؛ أيْ: جَعَلْنا عَمَلَهُ، أوْ ما سَبَقَ لَهُ مِن شَقاوَةٍ في عُنُقِهِ، أيْ: لازِمًا لَهُ لُزُومَ القِلادَةِ أوِ الغِلِّ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: تَقَلَّدَها طَوْقَ الحَمامَةِ، وقَوْلُهم: المَوْتُ في الرِّقابِ، وهَذا الأمْرُ رِبْقَةٌ في رَقَبَتِهِ، (p-٦١)وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎اذْهَبْ بِها اذْهَبْ بِها طَوَّقْتَها طَوْقَ الحَمامَةِ
فالمَعْنى في ذَلِكَ كُلِّهِ: اللُّزُومُ وعَدَمُ الِانْفِكاكِ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ الَّذِي ألْزَمَ الإنْسانَ إيّاهُ يُخْرِجُهُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في كِتابٍ يَلْقاهُ مَنشُورًا، أيْ مَفْتُوحًا يَقْرَؤُهُ هو وغَيْرُهُ.
وَبَيَّنَ أشْياءَ مِن صِفاتِ هَذا الكِتابِ الَّذِي يَلْقاهُ مَنشُورًا في آياتٍ أُخَرَ، فَبَيَّنَ أنَّ مِن صِفاتِهِ: أنَّ المُجْرِمِينَ مُشْفِقُونَ؛ أيْ خائِفُونَ مِمّا فِيهِ، وأنَّهُ لا يَتْرُكُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وأنَّهم يَجِدُونَ فِيهِ جَمِيعَ ما عَمِلُوا حاضِرًا لَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ غائِبًا، وأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا لا يَظْلِمُهم في الجَزاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ بَعْضَ النّاسِ يُؤْتى هَذا الكُتّابُ بِيَمِينِهِ - جَعَلَنا اللَّهُ وإخْوانِنا المُسْلِمِينَ مِنهم - وأنَّ مَن أُوتِيَهُ بِيَمِينِهِ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا، ويَرْجِعُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا، وأنَّهُ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ، في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، قُطُوفُها دانِيَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٧ - ٩]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٣] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مَن أُوتِيَهُ بِشَمالِهِ يَتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يُؤْتَهُ، وأنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ فَيَصْلى الجَحِيمَ، ويُسْلَكُ في سِلْسِلَةٍ مِن سَلاسِلِ النّارِ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ ﴿يالَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٣٢] (p-٦٢)أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنَ النّارِ، ومِمّا قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ يَصْلى السَّعِيرَ، ويَدْعُو الثُّبُورَ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٠ - ١٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، يَعْنِي أنَّ نَفْسَهُ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَظْلِمْ، ولَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ إلّا ما عَمِلَ؛ لِأنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَتَذَكَّرُ كُلَّ ما عَمِلَ في الدُّنْيا مِن أوَّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ إنْ أنْكَرَ شَيْئًا مِن عَمَلِهِ شَهِدَتْ عَلَيْهِ جَوارِحُهُ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]،
• وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥]،
وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ لِهَذا زِيادَةُ إيضاحٍ في سُورَةِ القِيامَةِ.
* *
تَنْبِيهٌ
لَفْظَةُ ”كَفى“ تُسْتَعْمَلُ في القُرْآنِ واللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ اسْتِعْمالَيْنِ:
تُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيَةً، وهي تَتَعَدّى غالِبًا إلى مَفْعُولَيْنِ، وفاعِلُ هَذِهِ المُتَعَدِّيَةِ لا يَجُرُّ بِالباءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَتَسْتَعْمِلُ لازِمَةً، ويَطَّرِدُ جَرُّ فاعِلِها بِالباءِ المَزِيدَةِ لِتَوْكِيدِ الكِفايَةِ كَقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَيَكْثُرُ إتْيانُ التَّمْيِيزِ بَعْدَ فاعِلِها المَجْرُورِ بِالباءِ، وزَعَمَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: أنَّ (p-٦٣)جَرَّ فاعِلِها بِالباءِ لازِمٌ، والحَقُّ أنَّهُ يَجُوزُ عَدَمُ جَرِّهِ بِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَمِيرَةُ ودَّعَ إنْ تَجَهَّزْتَ غادِيًا كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎وَيُخْبِرُنِي عَنْ غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرًا
وَعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: يَلْقاهُ؛ بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ القافِ مَبْنِيًا لِلْمَفْعُولِ، فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُلْقِيهِ ذَلِكَ الكِتابَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَذَفَ الفاعِلَ فَبَنِي الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ.
وَقِراءَةُ مِن قَرَأ: يَخْرُجُ - بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ مُضارِعٌ خَرَجَ مَبْنِيًا لِلْفاعِلِ، فالفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الطّائِرِ بِمَعْنى العَمَلِ، وقَوْلُهُ كِتابًا حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ، أيْ ويَوْمَ القِيامَةِ يَخْرُجُ هو، أيِ العَمَلُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالطّائِرِ في حالِ كَوْنِهِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا. وكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ يُخْرَجُ - بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ - فالضَمِيرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ راجِعٌ أيْضًا إلى الطّائِرِ الَّذِي هو العَمَلُ، أيْ يَخْرُجُ لَهُ هو، أيْ طائِرُهُ بِمَعْنى عَمَلِهِ، في حالِ كَوْنِهِ كِتابًا.
وَعَلى قِراءَةِ ”يَخْرِجُ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فالفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ كِتابًا مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: ويَوْمَ القِيامَةِ يُخْرِجُ هو، أيِ اللَّهُ لَهُ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا.
وَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مِنهُمُ السَّبْعَةُ: فالنُّونُ في نُخْرِجُ نُونُ العَظَمَةِ لِمُطابَقَةِ قَوْلِهِ: ألْزَمْناهُ و كِتابًا مَفْعُولٌ بِهِ لِنَخْرُجَ كَما هو واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:15
قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَنِ اهْتَدى فَعَمِلَ بِما يُرْضِي اللَّهَ جَلَّ وعَلا، أنَّ اهْتِداءَهُ ذَلِكَ إنَّما هو لِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ هو الَّذِي تَرْجِعُ إلَيْهِ فائِدَةُ ذَلِكَ الِاهْتِداءِ، وثَمَرَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنَّ مَن ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ فَعَمِلَ بِما يُسْخِطُ رَبَّهُ جَلَّ وعَلا، أنَّ ضَلالَهُ ذَلِكَ إنَّما هو عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَجْنِي ثَمَرَةَ عَواقِبَهُ السَّيِّئَةَ الوَخِيمَةَ، فَيَخْلُدُ بِهِ في النّارِ.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨]، (p-٦٤)
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِنها في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ ذَنْبَ أُخْرى، بَلْ لا تَحْمَلُ نَفْسٌ إلّا ذَنْبَها.
فَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزِرُ﴾ [الإسراء: ١٥]، أيْ لا تَحْمِلُ، مِن وزَرَ يَزِرُ إذا حَمَلَ، ومِنهُ سُمِّيَ وزِيرُ السُّلْطانِ، لِأنَّهُ يَحْمِلُ أعْباءَ تَدْبِيرِ شُئُونِ الدَّوْلَةِ، والوِزْرُ: الإثْمُ، يُقالُ: وزَرَ يَزِرُ وِزْرًا، إذا أثِمَ. والوِزْرُ أيْضًا: الثُّقْلُ المُثْقَلُ، أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ وازِرَةٌ، أيْ: آثِمَةٌ وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى. أيْ إثْمَها، أوْ حِمْلَها الثَّقِيلِ، بَلْ لا تَحْمِلُ إلّا وِزْرَ نَفْسِها.
وَهَذا المَعْنى جاءَ في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٦٤]، وقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ بِإيضاحٍ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ لا يُعارِضُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ١٣]، ولا قَوْلُهُ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٥]؛ لِأنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّهم حَمَلُوا أوْزارَ ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وأوْزارَ إضْلالِهِمْ غَيْرَهم؛ لِأنَّ مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا، كَما تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى.
* *
تَنْبِيهٌ
يَرُدُّ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن «أنَّ المَيِّتَ يُعَذِّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ» فَيُقالُ: ما وجْهُ تَعْذِيبِهِ بِبُكاءِ غَيْرِهِ، إذْ مُؤاخَذَتُهُ بِبُكاءِ غَيْرِهِ قَدْ يَظُنُّ مَن لا يَعْلَمُ أنَّها مِن أخْذِ الإنْسانِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ؟
السُّؤالُ الثّانِي: إيجابُ دِيِّ الخَطَأِ عَلى العاقِلَةِ، فَيُقالُ: ما وجْهُ إلْزامِ العاقِلَةِ الدِّيَةَ (p-٦٥)بِجِنايَةِ إنْسانٍ آخَرَ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: هو أنَّ العُلَماءَ حَمَلُوهُ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَيِّتُ أوْصى بِالنَّوْحِ عَلَيْهِ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎إذا مِتُّ فانْعِينِي بِما أنا أهْلُهُ وشُقِّي عَلَيَّ الجَيْبَ يابِنَّةَ مَعْبَدِ
لِأنَّهُ إذا كانَ أوْصى بِأنْ يُناحَ عَلَيْهِ: فَتَعْذِيبُهُ بِسَبَبِ إيصائِهِ بِالمُنْكَرِ، وذَلِكَ مِن فِعْلِهِ لا فِعْلِ غَيْرِهِ.
الثّانِي: أنْ يَهْمِلَ نَهْيَهم عَنِ النَّوْحِ عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهم سَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ إهْمالَهُ نَهْيَهم تَفْرِيطٌ مِنهُ، ومُخالَفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] فَتَعْذِيبُهُ إذًا بِسَبَبِ تَفْرِيطِهِ، وتَرْكِهِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، وهَذا ظاهِرٌ كَما تَرى.
وَعَنِ الثّانِي: بِأنَّ إيجابَ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ لَيْسَ مِن تَحْمِيلِهِمْ وِزْرَ القاتِلِ، ولَكِنَّها مُواساةٌ مَحْضَةٌ أوْجَبَها اللَّهُ عَلى عاقِلَةِ الجانِي؛ لِأنَّ الجانِيَ لَمْ يَقْصِدْ سُوءًا، ولا إثْمَ عَلَيْهِ البَتَّةَ فَأوْجَبَ اللَّهُ في جِنايَتِهِ خَطَأً الدِّيَةَ بِخِطابِ الوَضْعِ، وأوْجَبَ المُواساةَ فِيها عَلى العاقِلَةِ، ولا إشْكالَ في إيجابِ اللَّهِ عَلى بَعْضِ خَلْقِهِ مُواساةَ بَعْضِ خَلْقِهِ، كَما أوْجَبَ أخْذَ الزَّكاةِ مِن مالِ الأغْنِياءِ ورَدِّها إلى الفُقَراءِ، واعْتَقَدَ مَن أوْجَبَ الدِّيَةَ عَلى أهْلِ دِيوانِ القاتِلِ خَطَأً كَأبِي حَنِيفَةَ وغَيْرِهِ أنَّها بِاعْتِبارِ النُّصْرَةِ فَأوْجَبَها عَلى أهْلِ الدِّيوانِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، قالَ: " وأجْمَعَ أهْلُ السِّيَرِ والعِلْمِ: أنَّ الدِّيَةَ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ تَحْمِلُها العاقِلَةُ، فَأقَرَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الإسْلامِ، وكانُوا يَتَعاقَلُونَ بِالنُّصْرَةِ ثُمَّ جاءَ الإسْلامُ فَجَرى الأمْرُ عَلى ذَلِكَ. حَتّى جَعَلَ عُمَرُ الدِّيوانَ.
واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى رِوايَةِ ذَلِكَ والقَوْلُ بِهِ، وأجْمَعُوا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا زَمَنِ أبِي بَكْرٍ دِيوانٌ، وأنَّ عُمَرَ جَعَلَ الدِّيوانَ، وجَمَعَ بَيْنَ النّاسِ، وجَعَلَ أهْلَ كُلِّ ناحِيَةٍ يَدًا، وجَعَلَ عَلَيْهِمْ قِتالَ مَن يَلِيهِمْ مِنَ العَدُوِّ. انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا لا يُعَذِّبُ أحَدًا مِن خَلْقِهِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِ رَسُولًا يُنْذِرُهُ ويُحَذِّرُهُ، فَيُعْصى ذَلِكَ الرَّسُولُ، ويُسْتَمَرُّ عَلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ بَعْدَ الإنْذارِ والإعْذارِ.
وَقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: رُسُلًا ﴿مُبَشِّرِينَ (p-٦٦)وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فَصَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنْ لا بُدَّ أنْ يَقْطَعَ حُجَّةَ كُلِّ أحَدٍ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، مُبَشِّرِينَ مَن أطاعَهم بِالجَنَّةِ، ومُنْذِرِينَ مَن عَصاهُمُ النّارَ.
وَهَذِهِ الحُجَّةُ الَّتِي أوْضَحَ هُنا قَطَعَها بِإرْسالِ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، بَيَّنَها في آخِرِ سُورَةِ طه بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] .
وَأشارَ لَها في سُورَةِ القَصَصِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]،
• وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٩]،
• وكَقَوْلِهِ: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَيُوَضِّحُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ وأمْثالُها في القُرْآنِ العَظِيمِ مِن أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ الإنْذارِ والإعْذارِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، تَصْرِيحُهُ جَلَّ وعَلا في آياتٍ كَثِيرَةٍ: " بِأنْ لَمْ يْدْخِلْ أحَدًا النّارَ إلّا بَعْدَ الإعْذارِ والإنْذارِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الملك: ٨، ٩] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الأفْواجِ المُلْقِينَ في النّارِ.
قالَ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها ما نَصُّهُ: ”وَكُلَّما“ تَدُلُّ عَلى عُمُومِ أزْمانِ الإلْقاءِ فَتَعُمُّ المُلْقِينَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا (p-٦٧)بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ لِجَمِيعِ الكُفّارِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ المُوصُولاتِ كالَّذِي والَّتِي وفُرُوعِهِما مِن صِيَغِ العُمُومِ، لِعُمُومِها في كُلِّ ما تَشْمَلُهُ صِلاتُها، وعَقَدَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ في صِيَغِ العُمُومِ:
؎صِيغَةُ كُلٍّ أوِ الجَمِيعِ وقَدْ تَلا الَّذِي الَّتِي الفُرُوعَ
وَمُرادُهُ بِالبَيْتِ: أنَّ لَفْظَةَ ”كُلٍّ، وجَمِيعٍ، والَّذِي، والَّتِي“ وفُرُوعِهِما كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الصِّيَغِ العُمُومِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ - إلى قَوْلِهِ - قالُوا بَلى [الزمر: ٧١] عامٌّ في جَمِيعِ الكُفّارِ، وهو ظاهِرٌ في أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ قَدْ أنْذَرَتْهُمُ الرُّسُلُ في دارِ الدُّنْيا، فَعَصَوُا أمْرَ رَبِّهِمْ كَما هو واضِحٌ.
وَنَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٦]، فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، عامٌّ أيْضًا في جَمِيعِ أهْلِ النّارِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ قَرِيبًا.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ أنْذَرَتْهُمُ الرُّسُلُ في دارِ الدُّنْيا.
وَهَذِهِ الآياتُ الَّتِي ذَكَرْنا وأمْثالُها في القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى عُذْرِ أهْلِ الفَتْرَةِ بِأنَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ ولَوْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، وبِهَذا قالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ أُخْرى مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ كُلَّ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ فَهو في النّارِ ولَوْ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ، واسْتَدَلُّوا بِظَواهِرِ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، وبِأحادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمِنَ الآياتِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، وقَوْلُهُ: إنَّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن (p-٦٨)أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَظاهِرُ جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ العُمُومُ، لِأنَّها لَمْ تُخَصَّصْ كافِرًا دُونَ كافِرٍ، بَلْ ظاهِرُها شُمُولُ جَمِيعِ الكُفّارِ.
وَمِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يُعْذَرُونَ في كُفْرِهِمْ بِالفَتْرَةِ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أنَسٍ: «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ أبِي ؟ قالَ: ”في النّارِ“ فَلَمّا قَفّى دَعاهُ فَقالَ: ”إنَّ أبِي وأباكَ في النّارِ“» اه. وقالَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ أيْضًا: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أيُّوبَ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبّادٍ - واللَّفْظُ لِيَحْيى - قالا: حَدَّثَنا مَرْوانُ بْنُ مُعاوِيَةَ، عَنْ يَزِيدَ - يَعْنِي ابْنَ كِيسانَ - عَنْ أبِي حازِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، واسْتَأْذَنْتُهُ أنْ أزُورَ قَبْرَها فَأذِنَ لِي»، حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قالا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كِيسانَ، عَنْ أبِي حازِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «زارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكى وأبْكى مَن حَوْلَهُ. فَقالَ: ”اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في أنْ أسْتَغْفِرَ لَها فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، واسْتَأْذَنْتُهُ في أنْ أزُورَ قَبْرَها فَأذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّرُ المَوْتَ»“ اه، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ عُذْرِ المُشْرِكِينَ بِالفَتْرَةِ.
وَهَذا الخِلافُ مَشْهُورٌ بَيْنَ أهْلِ الأُصُولِ: هَلِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ ماتُوا في الفَتْرَةِ وهم يَعْبُدُونَ الأوْثانَ في النّارِ لِكُفْرِهِمْ، أوْ مَعْذُورُونَ بِالفَتْرَةِ ؟ وعَقَدَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ:
؎ذُو فَتْرَةٍ بِالفَرْعِ لا يُراعُ ∗∗∗ وفي الأُصُولِ بَيْنَهم نِزاعٌ
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ في النّارِ: النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ، وحَكى عَلَيْهِ القَرافِيُّ في شَرْحِ التَّنْقِيحِ الإجْماعَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ صاحِبُ ”نَشْرِ البُنُودِ“ .
وَأجابَ أهْلُ هَذا القَوْلِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّعْذِيبَ المَنفِيِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآيَةَ، وأمْثالِها مِنَ (p-٦٩)الآياتِ، إنَّما هو التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ، كَما وقَعَ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ بِقَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ صالِحٍ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ، وقَوْمِ مُوسى وأمْثالِهِمْ، وإذًا فَلا يُنافِي ذَلِكَ التَّعْذِيبَ في الآخِرَةِ.
وَنَسَبَ هَذا القَوْلَ القُرْطُبِيُّ، وأبُو حَيّانَ، والشَّوْكانِيُّ وغَيْرُهم في تَفاسِيرِهِمْ إلى الجُمْهُورِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ العُذْرِ بِالفَتْرَةِ المَنصُوصَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآيَةَ، وأمْثالِها في غَيْرِ الواضِحِ الَّذِي لا يُخْفى عَلى أدْنى عاقِلٍ، أمّا الواضِحُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى مَن عِنْدَهُ عَقْلٌ كَعِبادَةِ الأوْثانِ فَلا يُعْذَرُ فِيهِ أحَدٌ؛ لِأنَّ الكُفّارَ يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم، الخالِقُ الرّازِقُ، النّافِعُ، الضّارُّ، ويَتَحَقَّقُونَ كُلَّ التَّحَقُّقِ أنَّ الأوْثانَ لا تَقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ ولا عَلى دَفْعِ ضُرٍّ، كَما قالَ عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، وكَما جاءَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ بِكَثْرَةٍ بِأنَّهم وقْتَ الشَّدائِدِ يُخْلِصُونَ الدُّعاءَ لِلَّهِ وحْدَهُ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ غَيْرَهُ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآيَةَ [لقمان: ٣٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٦٧]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ولَكِنَّ الكُفّارَ غالَطُوا أنْفُسَهم لِشِدَّةِ تَعَصُّبِهِمْ لِأوْثانِهِمْ، فَزَعَمُوا أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى، وأنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ؛ مَعَ أنَّ العَقْلَ يَقْطَعُ بِنَفْيِ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ عِنْدَهم بَقِيَّةَ إنْذارٍ مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ؛ كَإبْراهِيمَ وغَيْرِهِ، وأنَّ الحُجَّةَ قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وجَزَمَ بِهَذا النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ، ومالَ إلَيْهِ العِبادِي في (الآياتِ البَيِّناتِ) .
الوَجْهُ الرّابِعُ: ما جاءَ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، الدّالَّةِ عَلى أنَّ بَعْضَ أهْلِ الفَتْرَةِ في النّارِ، كَما قَدَّمْنا بَعْضَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ بِذَلِكَ في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ.
وَأجابَ القائِلُونَ بِعُذْرِهِمْ بِالفَتْرَةِ عَنْ هَذِهِ الأوْجُهِ الأرْبَعَةِ، فَأجابُوا عَنِ الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو كَوْنُ التَّعْذِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، إنَّما هو التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ دُونَ الأُخْرَوِيِّ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ خِلافَ ظاهِرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ انْتِفاءُ التَّعْذِيبِ مُطْلَقًا، فَهو أعَمُّ (p-٧٠)مِن كَوْنِهِ في الدُّنْيا، وصَرْفُ القُرْآنَ عَنْ ظاهِرِهِ مَمْنُوعٌ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ دَلَّ في آياتٍ كَثِيرَةٍ عَنْ شُمُولِ التَّعْذِيبِ المَنفِيِ في الآيَةِ لِلتَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٨، ٩]، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ أفْواجِ أهْلِ النّارِ ما عُذِّبُوا في الآخِرَةِ إلّا بَعْدَ إنْذارِ الرُّسُلِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ.
وَأجابُوا عَنِ الوَجْهِ الثّانِي: وهو أنَّ مَحَلَّ العُذْرِ بِالفَتْرَةِ في غَيْرِ الواضِحِ الَّذِي لا يُخْفى عَلى أحَدٍ بِنَفْسِ الجَوابَيْنِ المَذْكُورِينَ آنِفًا؛ لِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الواضِحِ وغَيْرِهِ مُخالِفٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، ولِأنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلى أنَّ أهْلَ النّارِ ما عُذِّبُوا بِها حَتّى كَذَّبُوا الرُّسُلَ في دارِ الدُّنْيا، بَعْدَ إنْذارِهِمْ مِن ذَلِكَ الكُفْرِ الواضِحِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَأجابُوا عَنِ الوَجْهِ الثّالِثِ الَّذِي جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ، ومالَ إلَيْهِ العَبّادِيُّ وهو قِيامُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإنْذارِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا قَبْلَهُ ﷺ بِأنَّهُ قَوْلٌ باطِلٌ بِلا شَكٍّ، لِكَثْرَةِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ المُصَرِّحَةِ بِبُطْلانِهِ؛ لِأنَّ مُقْتَضاهُ أنَّهم أُنْذِرُوا عَلى ألْسِنَةِ بَعْضِ الرُّسُلِ والقُرْآنُ يَنْفِي هَذا نَفْيًا باتًّا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ في ”يس“: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ [يس: ٦] و ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] نافِيَةٌ عَلى التَّحْقِيقِ، لا مَوْصُولَةٌ، وتَدُلُّ لِذَلِكَ الفاءُ في قَوْلِهِ: فَهم غافِلُونَ، وكَقَوْلِهِ في ”القَصَصِ“: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٤٦]، وكَقَوْلِهِ في ”سَبَأٍ“ وما ﴿آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ [سبإ: ٤٤]، وكَقَوْلِهِ في ”الم السَّجْدَةِ“: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ [السجدة: ٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأجابُوا عَنِ الوَجْهِ الرّابِعِ: بِأنَّ تِلْكَ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ أخْبارُ آحادٍ يُقَدَّمُ عَلَيْها القاطِعُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٨ - ٩]، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأجابَ القائِلُونَ بِالعُذْرِ بِالفَتْرَةِ أيْضًا عَنِ الآياتِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها مُخالِفُوهم كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٨]، إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ (p-٧١)مِنَ الآياتِ، بِأنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِيما إذا أُرْسِلَتْ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ فَكَذَّبُوهم، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . وأجابَ القائِلُونَ بِتَعْذِيبِ عَبَدَةِ الأوْثانِ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ عَنْ قَوْلِ مُخالِفِيهِمْ: إنَّ القاطِعَ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى:﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلى أخْبارِ الآحادِ الدّالَّةِ عَلى تَعْذِيبِ بَعْضِ أهْلِ الفَتْرَةِ، كَحَدِيثَيْ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ المُتَقَدِّمِينَ بِأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ، والحَدِيثَيْنِ كِلاهُما خاصٌّ في شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، والمَعْرُوفُ في الأُصُولِ أنَّهُ لا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ؛ لِأنَّ الخاصَّ يَقْضِي عَلى العامِّ كَما هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَما بَيَّناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
فَمًا أخْرَجَهُ دَلِيلٌ خاصٌّ خَرَجَ مِنَ العُمُومِ، وما لَمْ يُخْرِجْهُ دَلِيلٌ خاصٌّ بَقِيَ داخِلًا في العُمُومِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.
وَأجابَ المانِعُونَ بِأنَّ هَذا التَّخْصِيصَ يُبْطِلُ حِكْمَةَ العامِّ؛ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا تَمَدَّحُ بِكَمالِ الإنْصافِ، وأنَّهُ لا يُعَذِّبُ حَتّى يَقْطَعَ حُجَّةَ المُعَذَّبِ بِإنْذارِ الرُّسُلِ في دارِ الدُّنْيا، وأشارَ لِأنَّ ذَلِكَ الإنْصافَ الكامِلَ، والإعْذارَ الَّذِي هو قَطْعُ العُذْرِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ، فَلَوْ عَذَّبَ إنْسانًا واحِدًا مِن غَيْرِ إنْذارٍ لاخْتَلَّتْ تِلْكَ الحِكْمَةُ الَّتِي تَمَدَّحَ اللَّهُ بِها، ولَثَبَتَتْ لِذَلِكَ الإنْسانِ الحُجَّةُ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ لِقَطْعِها، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَأجابَ المُخالِفُونَ عَنْ هَذا: بِأنَّهُ لَوْ سَلَّمَ أنَّ عَدَمَ الإنْذارِ في دارِ الدُّنْيا عِلَّةٌ لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ، وحَصَلَتْ عِلَّةُ الحُكْمِ الَّتِي هي عَدَمُ الإنْذارِ في الدُّنْيا، مَعَ فَقْدِ الحُكْمِ الَّذِي هو عَدَمُ التَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ لِلنَّصِّ في الأحادِيثِ عَلى التَّعْذِيبِ فِيها، فَإنَّ وُجُودَ عِلَّةِ الحُكْمِ مَعَ فَقْدِ الحُكْمِ المُسَمّى في اصْطِلاحِ أهْلِ الأُصُولِ. بِـ ”النَّقْضِ“ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ، بِمَعْنى أنَّهُ قَصَرَ لَها عَلى بَعْضِ أفْرادِ مَعْلُولِها بِدَلِيلٍ خارِجٍ كَتَخْصِيصِ العامِّ؛ أيْ قَصْرُهُ عَلى بَعْضِ أفْرادِهِ بِدَلِيلٍ، والخِلافُ في النَّقْضِ هَلْ هو إبْطالٌ لِلْعِلَّةِ، أوْ تَخْصِيصٌ لَها مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ، وعَقَدَ الأقْوالَ في ذَلِكَ صاحِبُ ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ في مَبْحَثِ القَوادِحِ:
؎مِنها وُجُودُ الوَصْفِ دُونَ الحُكْمِ ∗∗∗ سَمّاهُ بِالنَّقْضِ وُعاةُ العِلْمِ
؎(p-٧٢)والأكْثَرُونَ عِنْدَهم لا يَقْدَحُ ∗∗∗ بَلْ هو تَخْصِيصٌ وذا مُصَحِّحٌ
؎وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مالِكٍ تَخْصِيصٌ ∗∗∗ إنْ يَكُ الِاسْتِنْباطُ لا التَّنْصِيصُ
؎وَعَكْسُ هَذا قَدْ رَآهُ البَعْضُ ∗∗∗ ومُنْتَقى ذِي الِاخْتِصارِ النَّقْضُ
؎إنْ لَمْ تَكُنْ مَنصُوصَةً بِظاهِرٍ ∗∗∗ ولَيْسَ فِيما اسْتُنْبِطَتْ بِضائِرِ
؎إنْ جا لِفَقْدِ الشَّرْطِ أوْ لِما مَنَعَ ∗∗∗ والوَفْقُ في مِثْلِ العَرايا قَدْ وقَعَ
فَقَدْ أشارَ في الأبْياتِ إلى خَمْسَةِ أقْوالٍ في النَّقْضِ: هَلْ هو تَخْصِيصٌ، أوْ إبْطالٌ لِلْعِلَّةِ، مَعَ التَّفاصِيلِ الَّتِي ذَكَرَها في الأقْوالِ المَذْكُورَةِ.
واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ الأُصُولِ: أنَّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ عَنِ الوَصْفِ إنْ كانَ لِأجْلِ مانِعٍ مَنَعَ مِن تَأْثِيرِ العِلَّةِ، أوْ لِفَقْدِ شَرْطِ تَأْثِيرِها فَهو تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ، وإلّا فَهو نَقْضٌ وإبْطالٌ لَها، فالقَتْلُ العَمْدُ العَدُوّانُ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ القِصاصِ إجْماعًا.
فَإذا وُجِدَ هَذا الوَصْفُ المُرَكَّبَ الَّذِي هو القَتْلُ العَمْدُ العُدْوانُ، ولَمْ يُوجَدِ الحُكْمُ الَّذِي هو القِصاصُ في قَتْلِ الوالِدِ ولَدَهُ لِكَوْنِ الأُبُوَّةِ مانِعًا مِن تَأْثِيرِ العِلَّةِ في الحُكْمِ، فَلا يُقالُ هَذِهِ العِلَّةُ مَنقُوضَةٌ، لِتَخَلُّفِ الحُكْمِ عَنْها في هَذِهِ الصُّورَةِ، بَلْ هي عِلَّةُ مَنَعَ مِن تَأْثِيرِها مانِعٌ، فَيُخَصَّصُ تَأْثِيرُها بِما لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مانِعٌ.
وَكَذَلِكَ مَن زَوَّجَ أمَتَهُ مِن رَجُلٍ، وغَرَّهُ فَزَعَمَ لَهُ أنَّها حُرَّةٌ فَوَلَدَ مِنها، فَإنَّ الوَلَدَ يَكُونُ حُرًّا، مَعَ أنَّ رِقَّ الأُمِّ عِلَّةٌ لِرِقِّ الوَلَدِ إجْماعًا؛ لِأنَّ كُلَّ ذاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُها بِمَنزِلَتِها؛ لِأنَّ الغُرُورَ مانِعٌ مَنَعَ مِن تَأْثِيرِ العِلَّةِ الَّتِي هي رِقُّ الأُمِّ في الحُكْمِ الَّذِي هو رِقُّ الوَلَدِ.
وَكَذَلِكَ الزِّنى؛ فَإنَّهُ عَلِمَ لِلرَّجْمِ إجْماعًا.
فَإذا تَخَلَّفَ شَرْطُ تَأْثِيرِ هَذِهِ العِلَّةِ الَّتِي هي الزِّنى في هَذا الحُكْمِ الَّذِي هي الرَّجْمُ، ونَعْنِي بِذَلِكَ الشَّرْطِ الإحْصانَ، فَلا يُقالُ إنَّها عِلَّةٌ مَنقُوضَةٌ، بَلْ هي عِلَّةٌ تَخَلَّفَ شَرْطُ تَأْثِيرِها، وأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، هَكَذا قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ: أنَّ آيَةَ ”الحَشْرِ“ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَّقْضَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ مُطْلَقًا، واللَّهَ تَعالى أعْلَمُ، ونَعْنِي بِآيَةِ ”الحَشْرِ“ قَوْلَهُ تَعالى في بَنِي النَّضِيرِ: ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ [الحشر: ٣] .
(p-٧٣)ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا عِلَّةَ هَذا العِقابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٤]، وقَدْ يُوجَدُ بَعْضُ مَن شاقَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ولَمْ يُعَذِّبْ بِمِثْلِ العَذابِ الَّذِي عَذَّبَ بِهِ بَنُو النَّضِيرِ، مَعَ الِاشْتِراكِ في العِلَّةِ الَّتِي هي مُشاقَّةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ عَنِ العِلَّةِ في بَعْضِ الصُّوَرِ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ لا نَقْضٌ لَها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
أمّا مَثَلُ بَيْعِ التَّمْرِ اليابِسِ بِالرَّطْبِ في مَسْألَةِ بَيْعِ العَرايا، فَهو تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ إجْماعًا لا نَقْضَ لَها، كَما أشارَ لَهُ في الأبْياتِ بِقَوْلِهِ:
والوَفْقُ في مِثْلِ العَرايا قَدْ وقَعَ
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الظّاهِرُ أنَّ التَّحْقِيقَ في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي: هَلْ يَعْذُرُ المُشْرِكُونَ بِالفَتْرَةِ أوْ لا ؟ هو أنَّهم مَعْذُورُونَ بِالفَتْرَةِ في الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ يَمْتَحِنُهم بِنارٍ يَأْمُرُهم بِاقْتِحامِها، فَمَنِ اقْتَحَمَها دَخْلَ الجَنَّةَ وهو الَّذِي كانَ يُصَدِّقُ الرُّسُلَ لَوْ جاءَتْهُ في الدُّنْيا، ومَنِ امْتَنَعَ دَخَلَ النّارَ وعُذِّبَ فِيها، وهو الَّذِي كانَ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ لَوْ جاءَتْهُ في الدُّنْيا؛ لَأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما كانُوا عامِلِينَ لَوْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ.
وَإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا هو التَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ لِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وثُبُوتُهُ عَنْهُ نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ فَلا وجْهَ لِلنِّزاعِ ألْبَتَّةَ مَعَ ذَلِكَ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، بَعْدَ أنْ ساقَ الأحادِيثَ الكَثِيرَةَ الدّالَّةَ عَلى عُذْرِهِمْ بِالفَتْرَةِ وامْتِحانِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، رادًّا عَلى ابْنِ عَبْدِ البَرِّ تَضْعِيفَ أحادِيثِ عُذْرِهِمْ وامْتِحانِهِمْ، بِأنَّ الآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ لا عَمَلٍ، وأنَّ التَّكْلِيفَ بِدُخُولِ النّارِ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ وهو لا يُمْكِنُ ما نَصَّهُ:
والجَوابُ عَمّا قالَ: أنَّ أحادِيثَ هَذا البابِ مِنها ما هو صَحِيحٌ كَما قَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ العُلَماءِ، ومِنها ما هو حَسَنٌ، ومِنها ما هو ضَيْفٌ يَتَقَوّى بِالصَّحِيحِ والحَسَنِ، وإذا كانَتْ أحادِيثُ البابِ الواحِدِ مُتَّصِلَةً مُتَعاضِدَةً عَلى هَذا النَّمَطِ، أفادَتِ الحُجَّةَ عِنْدَ النّاظِرِ فِيها، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ الدّارَ الآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ، فَلا شَكَّ أنَّها دارُ جَزاءٍ، ولا يُنافِي التَّكْلِيفَ في عَرَصاتِها قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ أوِ النّارِ، كَما حَكاهُ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ مِنَ امْتِحانِ الأطْفالِ، وقَدْ قالَ تَعالى: يَوْمَ ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ (p-٧٤)وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] .
وَقَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ وغَيْرِها: «أنَّ المُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّ المُنافِقَ لا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، ويَعُودُ ظَهْرُهُ كالصَّفِيحَةِ الواحِدَةِ طَبَقًا واحِدًا، كُلَّما أرادَ السُّجُودَ خَرَّ لِقَفاهُ»، وفي الصَّحِيحَيْنِ في الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ آخِرَ أهْلِ النّارِ خُرُوجًا مِنها: «أنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ عُهُودَهُ ومَواثِيقَهُ ألّا يَسْألَ غَيْرَ ما هو فِيهِ، ويَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنهُ، ويَقُولُ اللَّهُ تَعالى: يابْنَ آدَمَ، ما أعْذَرَكَ ! ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ» وأمّا قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمُ اللَّهُ دُخُولَ النّارِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في وُسْعِهِمْ ؟ فَلَيْسَ هَذا بِمانِعٍ مِن صِحَّةِ الحَدِيثِ. «فَإنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ العِبادَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالجَوازِ عَلى الصِّراطِ، وهو جِسْرٌ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ أحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وأدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، ويَمُرُّ المُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ بِحَسْبِ أعْمالِهِمْ، كالبَرْقِ، وكالرِّيحِ، وكَأجاوِيدِ الخَيْلِ والرِّكابِ. ومِنهُمُ السّاعِي، ومِنهُمُ الماشِي، ومِنهم مَن يَحْبُو حَبْوًا، ومِنهُمُ المَكْدُوسُ عَلى وجْهِهِ في النّارِ» ولَيْسَ ما ورَدَ في أُولَئِكَ بِأعْظَمَ مِن هَذا، بَلْ هَذا أُطْمٌ وأعْظَما
وَأيْضًا: فَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِأنَّ الدَّجّالَ يَكُونُ مَعَهُ جَنَّةٌ ونارٌ، وقَدْ أمَرَ الشّارِعُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُدْرِكُونَهُ أنْ يَشْرَبَ أحَدُهم مِنَ الَّذِي يَرى أنَّهُ نارٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، فَهَذا نَظِيرُ ذَلِكَ.
وَأيْضًا: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى قَتَلُوا فِيما قِيلَ في غَداةٍ واحِدَةٍ سَبْعِينَ ألْفًا، يَقْتُلُ الرَّجُلُ أباهُ وأخاهُ، وهم في عَمايَةِ غَمامَةٍ أرْسَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وهَذا أيْضًا شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ جِدًّا لا يَتَقاصَرُ عَمّا ورَدَ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أيْضًا قَبْلَ هَذا الكَلامِ بِقَلِيلٍ ما نَصُّهُ:
وَمِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّهم يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ في عَرَصاتِ المَحْشَرِ، فَمَن أطاعَ دَخَلَ الجَنَّةَ، وانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِ بِسابِقِ السَّعادَةِ، ومَن عَصى دَخَلَ النّارَ داخِرًا، وانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِ بِسابِقِ الشَّقاوَةِ.
وَهَذا القَوْلُ يَجْمَعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ كُلِّها، وقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الأحادِيثُ المُتَقَدِّمَةُ المُتَعاضِدَةُ، الشّاهِدُ بَعْضُها لِبَعْضٍ.
وَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي حَكاهُ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إسْماعِيلَ الأشْعَرِيُّ عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، وهو الَّذِي نَصَرَهُ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ (الِاعْتِقادِ) وكَذَلِكَ غَيْرُهُ (p-٧٥)مِن مُحَقِّقِي العُلَماءِ والحُفّاظِ والنُّقّادِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وهو واضِحٌ جِدًّا فِيما ذَكَرْنا.
الأمْرُ الثّانِي: أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأدِلَّةِ واجِبٌ مَتى ما أمْكَنَ بِلا خِلافٍ؛ لِأنَّ إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما، ولا وجْهَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ إلّا هَذا القَوْلُ بِالعُذْرِ والِامْتِحانِ، فَمَن دَخَلَ النّارَ فَهو الَّذِي لَمْ يَمْتَثِلْ ما أمَرَ بِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الِامْتِحانِ، ويَتَّفِقُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الأدِلَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَلا يَخْفى أنَّ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ الآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ لا دارُ عَمَلٍ لا يَصِحُّ أنْ تَرِدَ بِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الثّابِتَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كَما أوْضَحْناهُ في كِتابِنا (دَفَعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٢٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها التَّصْرِيحُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا حَتّى يُنْذِرَهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَنَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ الآيَةَ [طه: ١٣٤] .
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُ تَعالى بِأنَّ كُلَّ أفْواجِ أهْلِ النّارِ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ في دارِ الدُّنْيا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا﴾ الآيَةَ [الملك: ٨ - ٩] .
وَمَعْلُومٌ أنْ ”كُلَّما“ صِيغَةُ عُمُومٍ ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] .
فَقَوْلُهُ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، مِن أنَّ المَوْصُولاتِ مِن صِيَغِ العُمُومِ لِعُمُومِها كُلَّما تَشْمَلُهُ صِلاتُها، كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:(p-٣٢٣)
؎صِيغَةُ كُلٍّ أوِ الجَمِيعِ وقَدْ تَلا الَّذِي الَّتِي الفُرُوعُ
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ”وَقَدْ تَلا الَّذِي إلخ. . .“ أنَّ الَّذِي والَّتِي وفُرُوعَها صِيَغُ عُمُومٍ كَكُلٍّ وجَمِيعٍ.
وَنَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، فَإنَّهُ عامٌّ أيْضًا لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦] .
وَأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ مَعَ إنَّهُ جاءَ في بَعْضِ الآياتِ ما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ في النّارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾، [التوبة: ١١٣] فَإنَّ عُمُومَها يَدُلُّ عَلى دُخُولِ مَن لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ ﷺ، وكَذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٨] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٩١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ مَن لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ في دارِ الدُّنْيا وكانَ كافِرًا حَتّى ماتَ، اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ، هَلْ هو مِن أهْلِ النّارِ لِكُفْرِهِ، أوْ هو مَعْذُورٌ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ ؟ كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
؎ذُو فَتْرَةٍ بِالفَرْعِ لا يُراعُ ∗∗∗ وفي الأُصُولِ بَيْنَهم نِزاعُ
وَسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ جَوابَ أهْلِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ، ونَذْكُرُ ما يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ:
قَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ الكافِرَ في النّارِ، ولَوْ ماتَ في زَمَنِ الفَتْرَةِ، ومِمَّنْ جَزَمَ بِهَذا القَوْلِ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ لِدَلالَةِ الأحادِيثِ عَلى تَعْذِيبِ بَعْضِ أهْلِ الفَتْرَةِ.
(p-٣٢٤)وَحَكى القَرافِيُّ في شَرْحِ التفيح الإجْماعَ عَلى أنَّ مَوْتى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في النّارِ لِكُفْرِهِمْ، كَما حَكاهُ عَنْهُ صاحِبُ نَشْرِ البُنُودِ.
وَأجابَ أهْلُ هَذا القَوْلِ عَنْ آيَةِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ وأمْثالِها مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّعْذِيبَ المَنفِيَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ وأمْثالِها هو التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ، فَلا يُنافِي ثُبُوتَ التَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ.
وَذَكَرَ الشَّوْكانِيُّ في تَفْسِيرِهِ: أنَّ اخْتِصاصَ هَذا التَّعْذِيبِ المَنفِيِّ بِالدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ، ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ واسْتَظْهَرَ هو خِلافَهُ، ورَدَّ التَّخْصِيصَ بِعَذابِ الدُّنْيا بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ الآياتِ، وبِأنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ الدّالَّةَ عَلى اعْتِرافِ أهْلِ النّارِ جَمِيعًا، بِأنَّ الرُّسُلَ أنْذَرُوهم في دارِ الدُّنْيا صَرِيحٌ في نَفْيِهِ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّ العُذْرِ بِالفَتْرَةِ المَنصُوصِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآيَةَ، وأمْثالِها في غَيْرِ الواضِحِ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ عَلى عاقِلٍ.
أمّا الواضِحُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى مَن عِنْدَهُ عَقْلٌ كَعِبادَةِ الأوْثانِ فَلا يُعْذَرُ فِيهِ أحَدٌ، لِأنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم وهو خالِقُهم ورازِقُهم، ويَتَحَقَّقُونَ أنَّ الأوْثانَ لا تَقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ ولا عَلى دَفْعِ ضُرٍّ، لَكِنَّهم غالَطُوا أنْفُسَهم، فَزَعَمُوا أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى، وأنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، مَعَ أنَّ العَقْلَ يَقْطَعُ بِنَفْيِ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنَّ عِنْدَهم بَقِيَّةَ إنْذارٍ مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا قَبْلَهُ ﷺ تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِها الحُجَّةُ، ومالَ إلَيْهِ بَعْضُ المَيْلِ ابْنُ قاسِمٍ في الآياتِ البَيِّناتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ أنَّ هَذا القَوْلَ يَرُدُّهُ القُرْءانُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مُصَرِّحَةٍ بِنَفْيِ أصْلِ النَّذِيرِ عَنْهم، كَقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] .
(p-٣٢٥)وَقَوْلِهِ: ﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ [سبإ: ٤٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأجابَ القائِلُونَ: بِأنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ مَعْذُورُونَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] .
مِنَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّهم لا يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّهم مِن أصْحابِ الجَحِيمِ ولا يُحْكَمُ لَهم بِالنّارِ ولَوْ ماتُوا كُفّارًا إلّا بَعْدَ إنْذارِهِمْ وامْتِناعِهِمْ مِنَ الإيمانِ، كَأبِي طالِبٍ، وحَمَلُوا الآياتِ المَذْكُورَةَ عَلى هَذا المَعْنى.
واعْتُرِضَ هَذا الجَوابُ بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن دُخُولِ بَعْضِ أهْلِ الفَتْرَةِ النّارَ، كَحَدِيثِ: «إنَّ أبِي وأباكَ في النّارِ» الثّابِتِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وأمْثالِهِ مِنَ الأحادِيثِ، واعْتُرِضَ هَذا الِاعْتِراضُ بِأنَّ الأحادِيثَ وإنْ صَحَّتْ فَهي أخْبارُ آحادٍ، يُقَدَّمُ عَلَيْها القاطِعُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ .
واعْتُرِضَ هَذا الِاعْتِراضُ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ، فَما أخْرَجَهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ خَرَجَ مِنَ العُمُومِ، وما لَمْ يُخْرِجْهُ نَصٌّ صَحِيحٌ بَقِيَ داخِلًا في العُمُومِ.
واعْتُرِضَ هَذا الِاعْتِراضُ أيْضًا بِأنَّ هَذا التَّخْصِيصَ يُبْطِلُ عِلَّةَ العامِّ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَمَدَّحَ بِكَمالِ الإنْصافِ وصَرَّحَ بِأنَّهُ لا يُعَذِّبُ حَتّى يَقْطَعَ حُجَّةَ المُعَذَّبِ بِإنْذارِ الرُّسُلِ في دارِ الدُّنْيا، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الإنْصافَ التّامَّ عِلَّةٌ لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ، فَلَوْ عَذَّبَ إنْسانًا واحِدًا مِن غَيْرِ إنْذارٍ لاخْتَلَّتْ تِلْكَ الحِكْمَةُ، ولَثَبَتَتْ لِذَلِكَ المُعَذَّبِ الحُجَّةُ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ لِقَطْعِها، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
وَهَذِهِ الحُجَّةُ بَيْنَهُما في سُورَةِ ”طه“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤] .
وَأشارَ لَها في سُورَةِ ”القَصَصِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧] .
وَهَذا الِاعْتِراضُ الأخِيرُ يَجْرِي عَلى الخِلافِ في النَّقْضِ هَلْ هو قادِحٌ في العِلَّةِ أوْ (p-٣٢٦)تَخْصِيصٌ لَها ؟ وهو اخْتِلافٌ كَثِيرٌ مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ عَقَدَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ في تَعْدادِ القَوادِحِ في الدَّلِيلِ:
؎مِنها وُجُودُ الوَصْفِ دُونَ الحُكْمِ ∗∗∗ سَمّاهُ بِالنَّقْضِ رُعاةُ العِلْمِ
؎والأكْثَرُونَ عِنْدَهم لا يَقْدَحُ ∗∗∗ بَلْ هو تَخْصِيصٌ وذا مُصَحَّحُ
؎وَقَدْ رُوِي عَنْ مالِكٍ تَخْصِيصٌ ∗∗∗ إنْ يَكُ الِاسْتِنْباطُ لا التَّنْصِيصُ
؎وَعَكْسُ هَذا قَدْ رَآهُ البَعْضُ ∗∗∗ ومُنْتَقى ذِي الِاخْتِصارِ النَّقْضُ
؎إنْ لَمْ يَكُنْ مَنصُوصُهُ بِظاهِرٍ ∗∗∗ ولَيْسَ فِيما اسْتَنْبَطَتْ بِضائِرٍ
؎إنْ جاءَ لِفَقْدِ الشَّرْطِ أوْ لِما مَنَعْ ∗∗∗ والوَفْقُ في مِثْلِ العَرايا قَدْ وقَعْ
والمُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ الأُصُولِ عَلى أنَّ عَدَمَ تَأْثِيرِ العِلَّةِ، إنْ كانَ لِوُجُودِ مانِعٍ مِنَ التَّأْثِيرِ أوِ انْتِفاءِ شَرْطِ التَّأْثِيرِ، فَوُجُودُها مِن تَخَلُّفِ الحُكْمِ لا يَنْقُضُها، ولا يَقْدَحُ فِيها، وخُرُوجُ بَعْضِ أفْرادِ الحُكْمِ حِينَئِذٍ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ لا نَقْضٌ لَها، كالقَتْلِ عَمْدًا عُدْوانًا، فَإنَّهُ عِلَّةُ القِصاصِ إجْماعًا، ولا يَقْدَحُ في هَذِهِ العِلَّةِ تَخَلُّفُ الحُكْمِ عَنْها في قَتْلِ الوالِدِ لِوَلَدِهِ، لِأنَّ تَأْثِيرَها مَنَعَ مِنهُ مانِعٌ هو الأُبُوَّةُ، وأمّا إنْ كانَ عَدَمُ تَأْثِيرِها لا لِوُجُودِ مانِعٍ أوِ انْتِفاءِ شَرْطٍ فَإنَّهُ يَكُونُ نَقْضًا لَها وقَدْحًا فِيها، ولَكِنْ يَرُدُّ عَلى هَذا التَّحْقِيقِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ﴾، [الأنفال: ١٣]، عِلَّةٌ مَنصُوصَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٣] .
مَعَ أنَّ هَذِهِ العِلَّةَ قَدْ تُوجَدُ ولا يُوجَدُ ما عُذِّبَ بِهِ بَنُو النَّضِيرِ مِن جَلاءٍ أوْ تَعْذِيبٍ دُنْيَوِيٍّ، وهو يُؤَيِّدُ كَوْنَ النَّقْضِ تَخْصِيصًا مُطْلَقًا لا قَدْحًا.
وَيُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ بَعْضَ المُحَقِّقِينَ مِنَ الأُصُولِيِّينَ قالَ: إنَّ التَّحْقِيقَ المَذْكُورَ مَحَلُّهُ في العِلَّةِ المُسْتَنْبَطَةِ دُونَ المَنصُوصَةِ وهَذِهِ مَنصُوصَةٌ، كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ في أبْياتِ مَراقِي السُّعُودِ في قَوْلِهِ:
؎. . . . . . ولَيْسَ فِيما اسْتَنْبَطَتْ بِضائِرٍ ∗∗∗ إنْ جاءَ لِفَقْدِ الشَّرْطِ أوْ لِما مَنَعْ. . . . .
هَذا مُلَخَّصُ كَلامِ العُلَماءِ وحُجَجِهِمْ في المَسْألَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ هو الجَمْعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ لِأنَّ الجَمْعَ واجِبٌ إذا أمْكَنَ بِلا خِلافٍ، كَما أشارَ لَهُ في المَراقِي بِقَوْلِهِ:(p-٣٢٧)
؎والجَمْعُ واجِبٌ إذا ما أمْكَنا
إلخ.
وَوَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الأدِلَّةِ هو عُذْرُهم بِالفَتْرَةِ وامْتِحانُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِالأمْرِ بِاقْتِحامِ نارٍ فَمَنِ اقْتَحَمَها دَخَلَ الجَنَّةَ، وهو الَّذِي كانَ يُصَدِّقُ الرُّسُلَ لَوْ جاءَتْهُ في الدُّنْيا، ومَنِ امْتَنَعَ عُذِّبَ بِالنّارِ، وهو الَّذِي كانَ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ لَوْ جاءَتْهُ في الدُّنْيا، لَأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما كانُوا عامِلِينَ لَوْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ.
وَبِهَذا الجَمْعِ تَتَّفِقُ الأدِلَّةُ فَيَكُونُ أهْلُ الفَتْرَةِ مَعْذُورِينَ، وقَوْمٌ مِنهم مِن أهْلِ النّارِ بَعْدَ الِامْتِحانِ، وقَوْمٌ مِنهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَهُ أيْضًا، ويُحْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ عَلى بَعْضٍ مِنهم عَلِمَ اللَّهُ مَصِيرَهم، وأعْلَمَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ فَيَزُولُ التَّعارُضُ.
والدَّلِيلُ عَلى هَذا الجَمْعِ وُرُودُ الأخْبارِ بِهِ عَنْهُ ﷺ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ بَعْدَ أنْ ساقَ الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى عُذْرِهِمْ وامْتِحانِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ رادًّا عَلى ابْنِ عَبْدِ البَرِّ تَضْعِيفَ أحادِيثِ عُذْرِهِمْ وامْتِحانِهِمْ ما نَصُّهُ:
والجَوابُ عَمّا قالَ: إنَّ أحادِيثَ هَذا البابِ مِنها ما هو صَحِيحٌ، كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ العُلَماءِ، ومِنها ما هو حَسَنٌ، ومِنها ما هو ضَعِيفٌ يَتَقَوّى بِالصَّحِيحِ والحَسَنِ، وإذا كانَتْ أحادِيثُ البابِ الواحِدِ مُتَّصِلَةً مُتَعاضِدَةً عُلِمَ هَذا النَّمَطُ، أفادَتِ الحُجَّةَ عِنْدَ النّاظِرِ فِيها، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ بِلَفْظِهِ.
ثُمَّ قالَ: إنَّ هَذا قالَ بِهِ جَماعَةٌ مِن مُحَقِّقِي العُلَماءِ والحُفّاظِ والنُّقّادِ وما احْتَجَّ بِهِ البَعْضُ لِرَدِّ هَذِهِ الأحادِيثِ مِن أنَّ الآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ لا دارُ عَمَلٍ وابْتِلاءٍ، فَهو مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ لا تَرِدُ بِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ ﷺ، ولَوْ سَلَّمْنا عُمُومَ مَن قالَ: مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ عَمَلٍ، لَكانَتِ الأحادِيثُ المَذْكُورَةُ مُخَصِّصَةً لِذَلِكَ العُمُومِ.
الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ انْتِفاءَ الِامْتِحانِ في عَرَصاتِ المَحْشَرِ، بَلْ نَقُولُ: دَلَّ القاطِعُ عَلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ في سُورَةِ ”القَلَمِ“ بِأنَّهم يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ الآيَةَ [القلم: ٤٢] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ أمْرَهم بِالسُّجُودِ تَكْلِيفٌ في عَرَصاتِ المَحْشَرِ، وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ (p-٣٢٨)المُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّ المُنافِقَ لا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، ويَعُودُ ظَهْرُهُ كالصَّفِيحَةِ الواحِدَةِ، طَبَقًا واحِدًا كُلَّما أرادَ السُّجُودَ خَرَّ قَفاهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ في الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ آخِرَ أهْلِ النّارِ خُرُوجًا مِنها، أنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ عُهُودَهُ ومَواثِيقَهُ أنْ لا يَسْألَ غَيْرَ ما هو فِيهِ ويَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِرارًا ويَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «يا ابْنَ آدَمَ ما أغْدَرَكَ» ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ تِلْكَ العُهُودَ والمَواثِيقَ تَكْلِيفٌ في عَرَصاتِ المَحْشَرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾، في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ [الإسراء: ١٦]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ:
الأوَّلُ: وهو الصَّوابُ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: أمَرْنا هو الأمْرُ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهْيِ، وأنَّ مُتَعَلِّقَ الأمْرِ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، والمَعْنى: أمَرْنا مُتْرَفِيها بِطاعَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ واتِّباعِهِمْ فِيما جاءُوا بِهِ: ﴿فَفَسَقُوا﴾، أيْ: خَرَجُوا عَنْ طاعَةِ أمْرِ رَبِّهِمْ، وعَصَوْهُ وكَذَّبُوا رُسُلَهُ ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾، أيْ وجَبَ عَلَيْها الوَعِيدُ ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾، أيْ أهْلَكْناها إهْلاكًا مُسْتَأْصِلًا، وأكَّدَ فِعْلَ التَّدْمِيرِ بِمَصْدَرِهِ لِلْمُبالَغَةِ في شِدَّةِ الهَلاكِ الواقِعِ بِهِمْ.
وَهَذا القَوْلُ الَّذِي هو الحَقُّ في هَذِهِ الآيَةِ تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢٨] . فَتَصْرِيحُهُ جَلَّ وعَلا بِأنَّهُ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا﴾ [الإسراء: ١٦]، أيْ: أمَرْناهم بِالطّاعَةِ فَعَصَوْا، ولَيْسَ المَعْنى أمَرْناهم بِالفِسْقِ فَفَسَقُوا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٤، ٣٥] .
فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾ الآيَةَ (p-٧٦)[الزخرف: ٢٣]، لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ المُتْرَفِينَ مِن جَمِيعِ القُرى أنَّ الرُّسُلَ أمَرَتْهم بِطاعَةِ اللَّهِ فَقالُوا لَهم: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾، وتَبَجَّحُوا بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَبِهَذا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ: أنَّ ما زَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ مِن أنَّ مَعْنى أمَرْنا مُتْرَفِيها؛ أيْ أمَرْناهم بِالفِسْقِ فَفَسَقُوا، وأنَّ هَذا مَجازٌ تَنْزِيلًا لِإسْباغِ النِّعَمِ عَلَيْهِمُ المُوجِبِ لِبَطَرِهِمْ وكُفْرِهِمْ مَنزِلَةَ الأمْرِ بِذَلِكَ، كَلامٌ كُلُّهُ ظاهِرُ السُّقُوطِ والبُطْلانِ، وقَدْ أوْضَحَ إبْطالَهُ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ“، والرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ، مَعَ أنَّهُ لا يَشُكُّ مُنْصِفٌ عارِفٌ في بُطْلانِهِ.
وَهَذا القَوْلُ الصَّحِيحُ في الآيَةِ جارٍ عَلى الأُسْلُوبِ العَرَبِيِّ المَأْلُوفِ، مِن قَوْلِهِمْ: أمَرْتُهُ فَعَصانِي، أيْ أمَرْتُهُ بِالطّاعَةِ فَعَصى. ولَيْسَ المَعْنى: أمَرْتُهُ بِالعِصْيانِ كَما لا يَخْفى.
القَوْلُ الثّانِي في الآيَةِ: هو أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ أمْرًا كَوْنِيًّا قَدَرِيًّا، أيْ قَدَّرْنا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وسَخَّرْناهم لَهُ؛ لِأنَّ كَلًّا مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ. والأمْرُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
القَوْلُ الثّالِثُ في الآيَةِ: أنَّ ”أمَرْنا“ بِمَعْنى أكْثَرْنا، أيْ أكْثَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمَرْنا بِمَعْنى أكْثَرْنا، لُغَةٌ فَصِيحَةٌ كَآمَرْنا بِالمَدِّ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «خَيْرُ مالِ امْرِئٍ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ، أوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ الإمامُ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ (الغَرِيبِ): المَأْمُورَةُ: كَثِيرَةُ النَّسْلِ. والسِّكَّةُ: الطَّرِيقَةُ المُصْطَفَّةُ مِنَ النَّخْلِ. والمَأْبُورَةُ: مِنَ التَّأْبِيرِ، وهو تَعْلِيقُ الذَّكَرِ عَلى النَّخْلَةِ لِئَلّا يُسْقَطَ ثَمَرَها. ومَعْلُومٌ أنَّ إتْيانَ المَأْمُورَةِ عَلى وزْنِ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ بِفَتْحِ المِيمِ مُجَرَّدًا عَنِ الزَّوائِدِ، مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إلى المَفْعُولِ، فَيَتَّضِحُ كَوْنُ أمْرِهِ بِمَعْنى أكْثَرَ، وأنْكَرَ غَيْرُ واحِدٍ تَعَدِّي أمْرِ الثُّلاثِيِّ بِمَعْنى الإكْثارِ إلى المَفْعُولِ، وقالُوا: حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ المَذْكُورُ مِن قَبِيلِ الِازْدِواجِ، كَقَوْلِهِمْ: الغَدايا والعَشايا، وكَحَدِيثِ «ارْجِعْنَ مَأْزُوراتٍ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ»؛ لِأنَّ الغَدايا لا يَجُوزُ، وإنَّما ساغَ (p-٧٧)لِلِازْدِواجِ مَعَ العَشايا، وكَذَلِكَ مَأْزُوراتٌ بِالهَمْزِ فَهو عَلى غَيْرِ الأصْلِ؛ لِأنَّ المادَّةَ مِنَ الوِزْرِ بِالواوِ، إلّا أنَّ الهَمْزَ في قَوْلِهِ: ”مَأْزُوراتٍ“ لِلِازْدِواجِ مَعَ ”مَأْجُوراتٍ“، والِازْدِواجُ يَجُوزُ فِيهِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ كَما هو مَعْلُومٌ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ”مَأْمُورَةٌ“ إتْباعٌ لِقَوْلِهِ: ”مَأْبُورَةٌ“ وإنْ كانَ مَذْكُورًا قَبْلَهُ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.
وَقالَ الشَّيْخُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: أمْرُنا [الإسراء: ١٦]، قَرَأ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ: ”أمَّرْنا“ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أيْ سَلَّطْنا شَرارَها فَعَصَوْا فِيها، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ أهْلَكْناهم.
وَقالَ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ ”أمَّرْنا“ بِتَشْدِيدِ المِيمِ: جَعَلْناهم أُمَراءَ مُسَلَّطِينَ.
وَقالَهُ ابْنُ عَزِيزٍ: وتَأمَّرَ عَلَيْهِمْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ الشّامِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما: ”آمَرْنا“ بِالمَدِّ والتَّخْفِيفِ؛ أيْ أكْثَرْنا جَبابِرَتَها وأُمَراءَها، قالَهُ الكِسائِيُّ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " آمَرْتُهُ - بِالمَدِّ - وأمَرْتُهُ لُغَتانِ بِمَعْنى أكْثَرْتُهُ.
وَمِنهُ الحَدِيثُ «خَيْرُ المالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ»؛ أيْ كَثِيرَةُ النِّتاجِ والنَّسْلِ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَزِيزٍ: آمَرْنا وأمَرْنا بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ أكْثَرْنا. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا، ويَحْيى بْنِ يَعْمَرَ: أمَرْنا - بِالقَصْرِ وكَسْرِ المِيمِ - عَلى فِعْلِنا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: المَعْنى أكْثَرْنا، وحَكى نَحْوَهُ أبُو زَيْدٍ وأبُو عُبَيْدٍ، وأنْكَرَهُ الكِسائِيُّ وقالَ: لا يُقالُ مِنَ الكَثْرَةِ إلّا آمَرْنا بِالمَدِّ، وأصْلُها أأمَرْنا فَخَفَّفَ؛ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ.
وَفِي الصِّحاحِ: قالَ أبُو الحَسَنِ: أمِرَ مالُهُ - بِالكَسْرِ - أيْ كَثُرَ. وأمِرَ القَوْمُ: أيْ كَثُرُوا، قالَ الشّاعِرُ وهو الأعْشى:
؎طَرِفُونَ ولادُّونَ كُلَّ مُبارَكٍ أمِرُونَ لا يَرِثُونَ سَهْمَ القُعْدُدِ
وَآمَرَ اللَّهُ مالَهُ؛ بِالمَدِّ. الثَّعْلَبِيُّ: ويُقالُ لِلشَّيْءِ الكَثِيرِ أمْرٌ، والفِعْلُ مِنهُ أمَرَ القَوْمُ يَأْمُرُونَ أمْرًا: إذا كَثُرُوا.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنّا نَقُولُ في الجاهِلِيَّةِ لِلْحَيِّ إذا كَثُرُوا: أمَرَ أمْرٍ بَنِي فُلانٍ؛ قالَ (p-٧٨)لَبِيدٌ:
؎كُلُّ بَنِي حُرَّةَ مَصِيرُهم ∗∗∗ قُلْ وإنْ أكْثَرَتْ مِنَ العَدَدِ
؎إنْ يَغْبِطُوا يَهْبِطُوا وإنْ أمَرُوا ∗∗∗ يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْهَلَكِ والنَّكَدِ
قُلْتُ: وفي حَدِيثِ هِرَقْلَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَقَدْ أمَرَ أمْرَ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ لِيَخافَهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ»؛ أيْ كَثُرَ، وكُلُّها غَيْرُ مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ أنْكَرَهُ الكِسائِيُّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ المَهْدَوِيُّ: ومَن قَرَأ أمَرَ فَهي لُغَةٌ، ووَجْهُ تَعْدِيَةِ أمْرٍ أنَّهُ شَبَّهَهُ بِـ (عَمَرَ) مِن حَيْثُ كانَتِ الكَثْرَةُ أقْرَبُ شَيْءٍ إلى العِمارَةِ، فَعَدّى كَما عَدّى عَمَرَ، إلى أنْ قالَ: وقِيلَ أمَرْناهم جَعَلْناهم أُمَراءَ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أمِيرٌ غَيْرُ مَأْمُورٍ، أيْ غَيْرُ مُؤَمِّرٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: بَعَثْنا مُسْتَكْبَرِيها. قالَ هارُونُ: وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ: بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَفَسَقُوا فِيها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وَحَكى النَّحّاسُ: وقالَ هارُونُ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً بَعَثْنا فِيها أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أمَرْنا مُتْرَفِيها بِالطّاعَةِ فَعَصَوْا أمْرَنا، فَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ فَأهْلَكْناهم كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
* *
تَنْبِيهٌ
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ أسْنَدَ الفِسْقَ فِيها لِخُصُوصِ المُتْرَفِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ [الإسراء: ١٦] مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ عُمُومَ الهَلاكِ لِجَمِيعِ المُتْرَفِينَ وغَيْرِهِمْ، في قَوْلِهِ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] يَعْنِي القَرْيَةَ، ولَمْ يَسْتَثْنِ مِنها غَيْرَ المُتْرَفِينَ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ غَيْرَ المُتْرَفِينَ تَبَعٌ لَهم، وإنَّما خَصَّ بِالذِّكْرِ المُتْرَفِينَ الَّذِينَ هم سادَتُهم وكُبَراؤُهم؛ لِأنَّ غَيْرَهم تَبَعٌ لَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧]،
• وكَقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٦٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٧٩)﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ بَعْضَهم إنْ عَصى اللَّهَ وبَغى وطَغى ولَمْ يَنْهَهُمُ الآخَرُونَ فَإنَّ الهَلاكَ يَعُمُّ الجَمِيعَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّها لَمّا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرِبْ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلَ هَذِهِ ”- وحَلَّقَ بِإصْبَعِهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها - قالَتْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ:“ نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ» وقَدْ قَدَّمْنا هَذا المَبْحَثَ مُوَضِّحًا في سُورَةِ المائِدَةِ.
الإسراء 17:17
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ كَمْ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا﴾ [الإسراء: ١٧] خَبَرِيَّةٌ، مَعْناها الإخْبارُ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، وأنَّهُ جَلَّ وعَلا خَبِيرٌ بَصِيرٌ بِذُنُوبِ عِبادِهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٧] .
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أوْضَحَتْهُ آياتٌ أُخَرُ مِن أرْبَعِ جِهاتٍ:
الأُولى: أنَّ في الآيَةِ تَهْدِيدًا لِكُفّارِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها؛ أيْ أهْلَكْنا قُرُونًا كَثِيرَةً مِن بَعْدِ نُوحٍ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَلا تُكَذِّبُوا رَسُولَنا لِئَلّا نَفْعَلَ بِكم مِثْلَ ما فَعَلْنا بِهِمْ.
والآياتُ الَّتِي أوْضَحَتْ هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ؛
• كَقَوْلِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]،
• وكَقَوْلِهِ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٥، ٧٦]،
• وقَوْلِهِ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥]،
• وقَوْلِهِ: أفَلَمْ ﴿يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠]،
• وقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ جَلَّ وعَلا إهْلاكَهُ لِقَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ (p-٨٠)صالِحٍ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: إنَّ ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]،
• وقَوْلِهِ في قَوْمِ مُوسى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهُمْ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٣٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ الدّالَّةِ عَلَّ تَخْوِيفِهِمْ بِما وقَعَ لِمَن قَبْلَهم.
الجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذِهِ القُرُونَ تَعَرَّضَتْ لِبَيانِها آياتٌ أُخَرَ؛ فَبَيَّنَتْ كَيْفِيَّةَ إهْلاكِ قَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ صالِحٍ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ، وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن قَوْمِ مُوسى، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مَعْلُومَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وبَيْنَ أنَّ تِلْكَ القُرُونَ كَثِيرَةٌ في قَوْلِهِ: وعادًا وثَمُودًا وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفرقان: ٣٨] وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مِنها ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ جَلَّ وعَلا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٩] . وبَيَّنَ في مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ أنَّ رُسُلَهم مِنهم مَن قَصَّ خَبَرَهُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ، ومِنهم مَن لَمْ يَقْصُصْهُ عَلَيْهِ، وهَما قَوْلُهُ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقَوْلُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِ: ولَقَدْ ﴿أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [غافر: ٧٨] .
الجِهَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرُونَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ أنَّها عَلى الإسْلامِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهم عَلى الإسْلامِ. نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وَهَذا المَعْنى تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ الآيَةَ [يونس: ١٩]؛ لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ أنَّهم كانُوا عَلى طَرِيقِ الإسْلامِ، حَتّى وقَعَ ما وقَعَ مِن قَوْمِ نُوحٍ مِنَ الكُفْرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ الكُفْرِ، مُبَشِّرِينَ مَن أطاعَهم بِالجَنَّةِ، ومُنْذِرِينَ مَن عَصاهم بِالنّارِ، وأوَّلُهم في ذَلِكَ نُوحٌ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.
(p-٨١)وَيَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٣] . وفي أحادِيثِ الشَّفاعَةِ الثّابِتَةِ في الصِّحاحِ وغَيْرِها أنَّهم يَقُولُونَ لِنُوحٍ: إنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ بَعْثَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الجِهَةُ الرّابِعَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧] فِيهِ أعْظَمُ زَجْرٍ عَنِ ارْتِكابِ ما لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى.
والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا المَبْحَثَ مُوَضَّحًا في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ. ولَفْظَةُ ”كَمْ“ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ بِهِ لِـ ”أهْلَكْنا“ و مِن في قَوْلِهِ: مِنَ القُرُونِ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: كَمْ وتَمْيِيزٌ لَهُ كَما يُمَيَّزُ العَدَدُ بِالجِنْسِ. وأمّا لَفْظُهُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾، فالظّاهِرُ أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ“، وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ ”مِن“ الثّانِيَةِ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، ورَدَّهُ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿مَدْحُورًا ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩] أيْ عَمِلَ لَها عَمَلَها الَّذِي تَنالُ بِهِ، وهو امْتِثالُ أمْرِ اللَّهِ، واجْتنابُ نَهْيِهِ بِإخْلاصٍ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ: وهو مُؤْمِنٌ [الإسراء: ١٩] أيْ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا، غَيْرُ مُشْرِكٍ بِهِ ولا كافِرٍ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَشْكُرُ سَعْيَهُ، بِأنْ يُثِيبَهُ الثَّوابَ الجَزِيلَ عَنْ عَمَلِهِ القَلِيلِ.
وَفِي الآيَةِ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لا تَنْفَعُ إلّا مَعَ الإيمانِ بِاللَّهِ.
لِأنَّ الكُفْرَ سَيِّئَةٌ لا تَنْفَعُ مَعَها حَسَنَةٌ، لِأنَّهُ شَرَطَ في ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] .
وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتَ مِن (p-٨٢)ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، وقَوْلُهُ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقَوْلُهُ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمَفْهُومُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ إذا أطاعَ اللَّهَ بِإخْلاصٍ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؛ لِفَقْدِ شَرْطِ القَبُولِ الَّذِي هو الإيمانُ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا.
وَقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا هَذا المَفْهُومَ في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ في أعْمالِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ: وقَدِمْنا ﴿إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [النور: ٣٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ عَمَلَ الكافِرِ الَّذِي يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ يُجازى بِهِ في الدُّنْيا، ولا حَظَّ لَهُ مِنهُ في الآخِرَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .
وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوُ ما جاءَتْ بِهِ هَذِهِ الآياتُ: مِنَ انْتِفاعِ الكافِرِ بِعَمَلِهِ في الدُّنْيا مِن حَدِيثِ أنَسٍ، قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - واللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قالا: حَدَّثْنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، أخْبَرَنا هَمّامُ بْنُ يَحْيى، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُجْزى بِها الآخِرَةَ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ ما عَمِلَ بِها لِلَّهِ في الدُّنْيا، حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزى بِها» .
حَدَّثَنا عاصِمُ بْنُ النَّضِرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ قالَ: سَمِعْتُ أبِي، حَدَّثَنا قَتادَةُ (p-٨٣)عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: أنَّهُ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الكافِرَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمُ بِها طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيا، وأمّا المُؤْمِنُ فَإنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَناتِهِ في الآخِرَةِ، ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدُّنْيا عَلى طاعَتِهِ» .
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ، أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ عَطاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِهِما.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَّرَنا أدِلَّتَهُ مِنَ الكِتابِ والسَّنَةِ مِن أنَّ الكافِرَ يَنْتَفِعُ بِعَمَلِهِ الصّالِحِ في الدُّنْيا:
كَبِرِّ الوالِدَيْنِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، وإكْرامِ الضَّيْفِ والجارِ، والتَّنْفِيسِ عَنِ المَكْرُوبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، كُلِّهِ مُقَيَّدٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٨] .
فَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مُقَيِّدَةٌ لِما ورَدَ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ المُقَيَّدَ يَقْضِي عَلى المُطْلَقِ، ولا سِيَّما إذا اتَّحَدَ الحُكْمُ والسَّبَبُ كَما هُنا، وأشارَ لَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ:
؎وَحَمْلُ مُطْلَقٍ عَلى ذاكَ وجَبْ إنْ فِيهِما اتَّحَدَ حُكْمٌ والسَّبَبْ
الإسراء 17:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾
الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ، لِيَشْرَعَ لِأُمَّتِهِ عَلى لِسانِهِ إخْلاصَ التَّوْحِيدِ في العِبادَةِ لَهُ جَلَّ وعَلا، لِأنَّهُ ﷺ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَجْعَلُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وأنَّهُ لا يَقْعُدُ مَذْمُومًا مَخْذُولًا.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهُ ﷺ يُوَجَّهُ إلَيْهِ الخِطابُ، والمُرادُ بِذَلِكَ التَّشْرِيعُ لِأُمَّتِهِ لا نَفْسُ خِطابِهِ هو ﷺ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٣]، أيْ إنْ يَبْلُغْ عِنْدَكَ والِداكَ أوْ أحَدُهُما الكِبَرَ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّ والِدَيْهِ قَدْ ماتا قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، فَلا وجْهَ لِاشْتِراطِ بُلُوغِهِما أوْ أحَدِهِما الكِبَرَ بَعْدَ أنْ ماتا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، إلّا أنَّ المُرادَ التَّشْرِيعُ لِغَيْرِهِ ﷺ، ومِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ خِطابُهم إنْسانًا والمُرادُ بِالخِطابِ غَيْرُهُ، ومِنَ الأمْثِلَةِ السّائِرَةِ في ذَلِكَ قَوْلُ الرّاجِزِ، وهو سَهْلُ بْنُ مالِكٍ الفَزارِيُّ:
؎إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَهْ
(p-٨٤)وَسَبَبُ هَذا المَثَلِ: أنَّهُ زارَ حارِثَةَ بْنَ لَأْمٍ الطّائِيَّ فَوَجَدَهُ غائِبًا، فَأنْزَلَتْهُ أُخْتُهُ وأكْرَمَتْهُ، وكانَتْ جَمِيلَةً، فَأعْجَبَهُ جَمالُها، فَقالَ مُخاطِبًا لِأُخْرى غَيْرَها لِيَسْمِعَها هي:
؎يا أُخْتَ خَيْرِ البَدْوِ والحَضارَهْ ∗∗∗ كَيْفَ تَرَيْنَ في فَتى فَزارَهْ
؎أصْبَحَ يَهْوى حُرَّةً مِعْطارَهْ ∗∗∗ إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَهْ
فَفَهِمَتِ المَرْأةُ مُرادَهُ، وأجابَتْهُ بِقَوْلِها:
؎إنِّي أقُولُ يا فَتى فَزارَهْ ∗∗∗ لا أبْتَغِي الزَّوْجَ ولا الدَّعارَهْ
؎وَلا فِراقَ أهْلِ هَذِي الحارَهْ ∗∗∗ فارْحَلْ إلى أهْلِكَ بِاسْتِحارَهْ
والظّاهِرِ أنَّ قَوْلَها ”بِاسْتِحارَهْ“ أنَّ أصْلَهُ اسْتِفْعالٌ مِنَ المُحاوَرَةِ بِمَعْنى رَجْعِ الكَلامِ بَيْنَهُما، أيِ ارْحَلْ إلى أهْلِكَ بِالمُحاوَرَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنِي وبَيْنَكَ، وهي كَلامُكَ وجَوابِي لَهُ، ولا تَحْصُلُ مِنِّي عَلى غَيْرِ ذَلِكَ ! والهاءُ في ”الِاسْتِحارَةِ“ عِوَضٌ مِنَ العَيْنِ السّاقِطَةِ بِالإعْلالِ، كَما هو مَعْرُوفٌ في فَنِّ الصَّرْفِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ مُتَوَجِّهٌ إلى المُكَلَّفِ، ومِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: إفْرادُ الخِطابِ مَعَ قَصْدِ التَّعْمِيمِ؛ كَقَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ بِالأخْبارِ مَن لَمْ تُزَوِّدْ
وَقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: فَتَقْعُدَ [الإسراء: ٢٢] أيْ: تَصِيرُ. وجَعَلَ الفَرّاءُ مِنهُ قَوْلَ الرّاجِزِ:
؎لا يُقْنِعُ الجارِيَةَ الخِضابُ ∗∗∗ ولا الوِشاحانِ ولا الجِلْبابُ
؎مِن دُونِ أنْ تَلْتَقِيَ الأرْكابُ ∗∗∗ ويَقْعُدَ الأيْرُ لَهُ لُعابُ
أيْ يَصِيرُ لَهُ لُعابٌ.
وَحَكى الكِسائِيُّ: قَعَدَ لا يُسْألُ حاجَةً إلّا قَضاها. بِمَعْنى صارَ. قالَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ.
ثُمَّ قالَ أيْضًا: والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ المُكْثِ، أيْ فَتَمْكُثُ في النّاسِ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، كَما تَقُولُ لِمَن سَألَ عَنْ حالِ شَخْصٍ: هو قاعِدٌ في أسْوَأِ حالٍ؛ ومَعْناهُ ماكِثٌ ومُقِيمٌ. سَواءٌ كانَ قائِمًا أمْ جالِسًا. وقَدْ يُرادُ القُعُودُ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ المَذْمُومِ (p-٨٥)المَخْذُولِ أنْ يَقْعُدَ حائِرًا مُتَفَكِّرًا، وعَبَّرَ بِغالِبِ حالِهِ وهو القُعُودُ، وقِيلَ: مَعْنى فَتَقْعُدَ [الإسراء: ٢٢] فَتَعْجَزُ. والعَرَبُ تَقُولُ: ما أقْعَدَكَ عَنِ المَكارِمِ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ أبِي حَيّانَ.
والمَذْمُومُ هُنا: هو مَن يَلْحَقُهُ الذَّمُّ مِنَ اللَّهِ ومِنَ العُقَلاءِ مِنَ النّاسِ؛ حَيْثُ أشْرَكَ بِاللَّهِ ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ.
والمَخْذُولُ: هو الَّذِي لا يَنْصُرُهُ مَن كانَ يُؤَمِّلُ مِنهُ النَّصْرَ. ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎إنَّ المَرْءَ مَيِّتًا بِانْقِضاءِ حَياتِهِ ∗∗∗ ولَكِنْ بِأنْ يَبْغى عَلَيْهِ فَيُخْذُلا
الإسراء 17:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾
، أمَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ وحْدَهُ، وقَرَنَ بِذَلِكَ الأمْرِ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ.
وَجَعْلُهُ بِرَّ الوالِدَيْنِ مَقْرُونًا بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا المَذْكُورُ هُنا ذَكَرَهُ في آياتٍ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”النِّساءِ“: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٦]،
• وقَوْلِهِ في البَقَرَةِ: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٨٣]،
• وقَوْلِهِ في سُورَةِ لُقْمانَ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ بِرَّهُما لازِمٌ ولَوْ كانا مُشْرِكَيْنِ داعِيَيْنِ إلى شِرْكِهِما؛
• كَقَوْلِهِ في ”لُقْمانَ“: ﴿وَإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]،
• وقَوْلِهِ في ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٨] .
وَذِكْرُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ بِرِّ الوالِدَيْنِ مَقْرُونًا بِتَوْحِيدِهِ جَلَّ وعَلا في عِبادَتِهِ، يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ تَأكُّدِ وُجُوبِ بِرِّ الوالِدَيْنِ. وجاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ أحادِيثَ كَثِيرَةٍ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في الآياتِ المَذْكُورَةِ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]؛ لِأنَّ هَذا مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِما المَذْكُورِ في الآياتِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إيضاحُ مَعْنى خَفْضِ الجَناحِ، وإضافَتِهِ إلى الذُّلِّ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“، وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ غايَةَ الإيضاحِ في رِسالَتِنا المُسَمّاةِ ”مَنعَ جَوازِ المَجازِ في المَنزِلِ لِلتَّعَبُّدِ والإعْجازِ“ .
(p-٨٦)وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] مَعْناهُ: أمَرَ وألْزَمَ، وأوْجَبَ ووَصّى ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أيْ أمَرَ أمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ أنَّ إعْرابَ قَوْلِهِ: إحْسانًا أنَّهُ مَصْدَرٌ نائِبٌ عَنْ فِعْلِهِ، فَهو بِمَعْنى الأمْرِ، وعَطْفُ الأمْرِ المَعْنَوِيِّ أوِ الصَّرِيحِ عَلى النَّهْيِ مَعْرُوفٌ؛ كَقَوْلِهِ:
؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلى مَطِيِّهِمْ يَقُولُونَ لا تَهْلَكْ أسًى وتَجَمَّلِ
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، أوْ بِأنْ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا.
الإسراء 17:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْهُمُ﴾ [الإسراء: ٢٨]، راجِعٌ إلى المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٦] . ومَعْنى الآيَةِ: إنْ تُعْرِضْ عَنْ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ فَلَمْ تُعْطَهم شَيْئًا لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَكَ، وإعْراضُكَ المَذْكُورُ عَنْهم ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ [الإسراء: ٢٨]، أيْ رِزْقٍ حَلالٍ؛ كالفَيْءِ يَرْزُقُكَهُ اللَّهُ فَتُعْطِيهِمْ مِنهُ فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا، أيْ لَيِّنًا لَطِيفًا طَيِّبًا، كالدُّعاءِ لَهم بِالغِنى وسَعَةِ الرِّزْقِ، ووَعْدِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ إذا يَسَّرَ مِن فَضْلِهِ رِزْقًا أنَّكَ تُعْطِيهِمْ مِنهُ.
وَهَذا تَعْلِيمٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ، وأنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإعْطاءِ الجَمِيلِ فَلْيَتَجَمَّلْ في عَدَمِ الإعْطاءِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ الجَمِيلَ خَيْرٌ مِنَ الإعْطاءِ القَبِيحِ.
وَهَذا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، صَرَّحَ بِهِ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٦٣]، ولَقَدْ أجادَ مَن قالَ:
؎إلّا تَكَنْ ورِقٌ يَوْمًا أجْوَدُ بِها لِلسّائِلِينَ فَإنِّي لَيِّنُ العُودِ
؎لا يَعْدَمُ السّائِلُونَ الخَيْرَ مِن خُلُقِي ∗∗∗ إمّا نَوالِي وإمّا حُسْنُ مَرْدُودِي
والآيَةُ الكَرِيمَةُ تُشِيرُ إلى أنَّهُ ﷺ لا يُعْرِضُ عَنِ الإعْطاءِ إلّا عِنْدَ عَدَمِ ما يُعْطى مِنهُ، وأنَّ الرِّزْقَ المُنْتَظَرَ إذا يَسَّرَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ يُعْطِيهِمْ مِنهُ، ولا يُعْرِضُ عَنْهم. وهَذا هو غايَةُ الجُودِ وكَرَمِ الأخْلاقِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قَوْلًا مَيْسُورًا مَفْعُولٌ بِمَعْنى الفاعِلِ مِن لَفْظِ اليُسْرِ (p-٨٧)كالمَيْمُونِ.
وَقَدْ عَلِمَتْ مِمّا قَرَّرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٨] مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الشَّرْطِ الَّذِي هو تُعْرِضَنَّ لا بِجَزاءِ الشَّرْطِ.
وَأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ تَعَلُّقَهُ بِالجَزاءِ وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ. ومَعْنى ذَلِكَ: فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ، أيْ يَسِّرْ عَلَيْهِمْ والطُفْ بِهِمْ، لِابْتِغائِكَ بِذَلِكَ رَحْمَةَ اللَّهِ، ورَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ بِأنَّ ما بَعْدَ فاءِ الجَوابِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبِلَهُ. قالَ: لا يَجُوزُ في قَوْلِكَ إنْ يَقُمْ فاضْرِبْ خالِدًا أنْ تَقُولَ: إنْ يَقُمْ خالِدًا فاضْرِبْ، وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ، انْتَهى.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ [الإسراء: ٢٨] راجِعٌ لِلْكُفّارِ؛ أيْ إنْ تُعْرِضَ عَنِ الكُفّارِ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ، أيْ نَصْرٍ لَكَ عَلَيْهِمْ، أوْ هِدايَةٍ مِنَ اللَّهِ لَهم، وعَلى هَذا فالقَوْلُ المَيْسُورُ: المُداراةُ بِاللِّسانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانُ الدِّمَشْقِيُّ، انْتَهى مِنَ البَحْرِ. ويَسَرَ بِالتَّخْفِيفِ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، ومَيْسُورٌ مِنَ المُتَعَدِّي، تَقُولُ: يَسَّرْتُ لَكَ كَذا إذا أعْدَدْتُهُ؛ قالَهُ أبُو حَيّانَ أيْضًا.
الإسراء 17:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا، ونَهاهُ عَنِ الإسْرافِ في القَتْلِ، ووَعَدَهُ بِأنَّهُ مَنصُورٌ.
والنَّهْيُ عَنِ الإسْرافِ في القَتْلِ هَنا شامِلٌ ثَلاثَ صُوَرٍ:
الأُولى: أنْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ بِواحِدٍ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ في الجاهِلِيَّةِ، كَقَوْلِ مُهَلْهِلِ بْنِ رَبِيعَةَ لَمّا قَتَلَ بُجَيْرَ بْنَ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ في حَرْبِ البَسُوسِ المَشْهُورَةِ: بُؤْ بِشَسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ؛ فَغَضِبَ الحارِثُ بْنُ عَبّادٍ، وقالَ قَصِيدَتَهُ المَشْهُورَةَ:
؎قَرِّبا مَرْبَطَ النَّعامَةِ مِنِّي لَقِحَتْ حَرْبُ وائِلٍ عَنْ حِيالِ
؎قَرِّبا مَرْبَطَ النَّعامَةِ مِنِّي ∗∗∗ إنَّ بَيْعَ الكِرامِ بِالشَّسْعِ غالِي
، إلَخْ
وَقالَ مُهَلْهِلٌ أيْضًا:
؎كُلُّ قَتِيلٍ في كُلَيْبٍ غَرَّهُ ∗∗∗ حَتّى يَنالَ القَتْلَ آلُ مُرَّهْ
وَمَعْلُومٌ أنَّ قَتْلَ جَماعَةٍ بِواحِدٍ لَمْ يَشْتَرِكُوا في قَتْلِهِ: إسْرافٌ في القَتْلِ داخِلٌ في النَّهْيِ المَذْكُورِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
(p-٨٨)الثّانِيَةُ أنْ يَقْتُلَ بِالقَتِيلِ واحِدًا فَقَطْ ولَكِنَّهُ غَيْرُ القاتِلِ؛ لِأنَّ قَتْلَ البَرِيءِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ إسْرافٌ في القَتْلِ، مَنهِيٌّ عَنْهُ في الآيَةِ أيْضًا.
الثّالِثَةُ: أنْ يَقْتُلَ نَفْسَ القاتِلِ ويُمَثِّلَ بِهِ، فَإنَّ زِيادَةَ المُثْلَةِ إسْرافٌ في القَتْلِ أيْضًا.
وَهَذا هو التَّحْقِيقُ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، ومالَ إلَيْهِ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ بَعْضَ المَيْلِ، مِن أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَلا يُسْرِفُ الظّالِمُ الجانِي في القَتْلِ؛ تَخْوِيفًا لَهُ مِنَ السُّلْطانِ، والنَّصْرِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ، لا يَخْفى ضَعْفُهُ، وأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] .
وَهَذا السُّلْطانُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ لَمْ يُبَيِّنْهُ هُنا بَيانًا مُفَصَّلًا، ولَكِنَّهُ أشارَ في مَوْضِعَيْنِ إلى أنَّ هَذا السُّلْطانَ هو ما جَعَلَهُ اللَّهُ مِنَ السُّلْطَةِ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ عَلى القاتِلِ، مِن تَمْكِينِهِ مِن قَتْلِهِ إنْ أحَبَّ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهُ إنْ شاءَ عَفا عَلى الدِّيَةِ أوْ مَجّانًا.
الأوَّلُ: قَوْلُهُ هُنا: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] بَعْدَ ذِكْرِ السُّلْطانِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الإسْرافِ في القَتْلِ مُقْتَرِنًا بِذِكْرِ السُّلْطانِ المَذْكُورِ يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّلْطانَ المَذْكُورَ هو ذَلِكَ القَتْلُ المَنهِيُّ عَنِ الإسْرافِ فِيهِ.
المَوْضِعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ ياأُولِي الألْبابِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٨ - ١٧٩]، فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّلْطانَ المَذْكُورَ هو ما تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ القِصاصِ هَذِهِ، وخَيْرُ ما يُبَيَّنُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
المَسْألَةُ الأُولى: يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: مَظْلُومًا أنَّ مَن قَتَلَ غَيْرَ مَظْلُومٍ لَيْسَ لِوَلِيِّهِ سُلْطانٌ عَلى قاتِلِهِ، وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن قُتِلَ بِحَقٍّ فَدَمَهُ حَلالٌ، ولا سُلْطانَ لِوَلِيِّهِ في قَتْلِهِ، كَما قَدَّمْنا بِذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَّفِقِ عَلَيْهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَحُلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزّانِي، والنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، والتّارِكِ لِدِينِهِ المُفارِقِ لِلْجَماعَةِ» كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ .
وَبَيَّنا هَذا المَفْهُومَ في قَوْلِهِ: مَظْلُومًا يَظْهَرُ بِهِ بَيانُ المَفْهُومِ في قَوْلِهِ أيْضًا (p-٨٩)﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] .
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأدِلَّةِ أسْبابٌ أُخَرُ لِإباحَةِ قَتْلِ المُسْلِمِ غَيْرَ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ، عَلى اخْتِلافٍ في ذَلِكَ بَيْنَ العُلَماءِ. مِن ذَلِكَ: المُحارِبُونَ إذا لَمَّ يَقْتُلُوا أحَدًا. عِنْدَ مَن يَقُولُ بِأنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٣]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ .
وَمِن ذَلِكَ: قَتْلُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ في فاحِشَةِ اللِّواطِ، وقَدْ قَدَّمَنا الأقْوالَ في ذَلِكَ وأدِلَّتَها بِإيضاحٍ في سُورَةِ ”هُودٍ“ .
وَأمّا قَتْلُ السّاحِرِ فَلا يَبْعُدُ دُخُولُهُ في قَتْلِ الكافِرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: «التّارِكِ لِدِينِهِ المُفارِقِ لِلْجَماعَةِ» لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلى كُفْرِ السّاحِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وَأمّا قَتْلُ مانِعِ الزَّكاةِ فَإنَّهُ إنْ أنْكَرَ وُجُوبَها فَهو كافِرٌ مُرْتَدٌّ داخِلٌ في «التّارِكِ لِدِينِهِ المُفارِقِ لِلْجَماعَةِ»، وأمّا إنْ مَنَعَها وهو مُقِرٌّ بِوُجُوبِها فالَّذِي يَجُوزُ فِيهِ: القِتالُ لا القَتْلُ، وبَيْنَ القِتالِ والقَتْلِ فَرْقٌ واضِحٌ مَعْرُوفٌ.
وَأمّا ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ مَن أتى بَهِيمَةً يُقْتَلُ هو وتُقْتَلُ البَهِيمَةُ مَعَهُ لِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن وقَعَ عَلى بَهِيمَةٍ فاقْتُلُوهُ واقْتُلُوها مَعَهُ» . قالَ الهَيْثَمِيُّ في ”مَجْمَعِ الزَّوائِدِ“: رَواهُ أبُو يَعْلى، وفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، وحَدِيثُهُ حَسَنٌ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ، ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ مِن طَرِيقِ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.
وَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ؛ لِأنَّ حَصْرَ ما يُباحُ بِهِ دَمُ المُسْلِمِ في الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ في حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَّفِقِ عَلَيْهِ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ مِن هَذا الحَدِيثِ، مَعَ التَّشْدِيدِ العَظِيمِ في الكِتابِ والسَّنَةِ في قَتْلِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَسائِلِ المَذْكُورَةِ في الفُرُوعِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الحَصْرُ في الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ في حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (p-٩٠)الثّابِتِ في الصَّحِيحِ لا يَنْبَغِي أنْ يُزادَ عَلَيْهِ، إلّا ما ثَبَتَ بِوَحْيٍ ثُبُوتًا لا مَطْعَنَ فِيهِ، لِقُوَّتِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ خَطَأً لا يَدْخُلُ في هَذا الحُكْمِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٦]، لِما ثَبَتَ في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأها، قالَ اللَّهُ نَعَمْ قَدْ فَعَلْتَ» .
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] ثُمَّ بَيَّنَ ما يَلْزَمُ القاتِلَ خَطَأً
• بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٢]،
وقَدْ بَيَّنَ ﷺ الدِّيَةَ قَدْرًا وجِنْسًا كَما هو مَعْلُومٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والفِقْهِ كَما سَيَأْتِي إيضاحُهُ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُفْهَمُ مِن إطْلاقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] أنَّ حُكْمَ الآيَةِ يَسْتَوِي فِيهِ القَتْلُ بِمُحَدَّدٍ كالسِّلاحِ، وبِغَيْرِ مُحَدَّدٍ كَرَضْخِ الرَّأْسِ بِحَجَرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجَمِيعَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ القَتْلِ ظُلْمًا فَيَجِبُ القِصاصُ.
وَهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“: هو مَذْهَبُ جَماهِيرِ العُلَماءِ.
وَخالَفَ في هَذِهِ المَسْألَةِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: لا يَجِبُ القِصاصُ إلّا في القَتْلِ بِالمُحَدَّدِ خاصَّةً، سَواءٌ كانَ مِن حَدِيدٍ، أوْ حَجَرٍ، أوْ خَشَبٍ، أوْ فِيما كانَ مَعْرُوفًا بِقَتْلِ النّاسِ كالمَنجَنِيقِ، والإلْقاءِ في النّارِ.
واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ القاتِلَ عَمْدًا بِغَيْرِ المُحَدَّدِ يُقْتَصُّ مِنهُ بِأدِلَّةٍ:
الأوَّلُ ما ذَكَرْنا مِن إطْلاقِ النُّصُوصِ في ذَلِكَ. الثّانِي: حَدِيثُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ المَشْهُورُ الَّذِي أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، وباقِي الجَماعَةِ: «أنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جارِيَةً عَلى أوَضاحٍ لَها، فَرَضَخَ رَأْسَها بِالحِجارَةِ، فاعْتَرَفَ بِذَلِكَ فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، رَضَّ رَأْسَهُ بِهِما» .
وَهَذا الحَدِيثُ المُتَّفِقُ عَلَيْهِ نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، ولا سِيَّما عَلى قَوْلِهِ: بِاسْتِواءِ دَمِ المُسْلِمِ والكافِرِ المَعْصُومِ الدَّمُ كالذِّمِّيِّ.
(p-٩١)الثّالِثُ: ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُما، عَنْ حَمَلِ بْنِ مالِكٍ مِنَ القِصاصِ في القَتْلِ بِالمِسْطَحِ. قالَ النَّسائِيُّ: أخْبَرَنا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: أنَّهُ سَمِعَ طاوُسًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّهُ نَشَدَ قَضاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَقامَ حَمَلُ بْنُ مالِكٍ فَقالَ: كُنْتُ بَيْنَ حُجْرَتِي امْرَأتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلَتْها وجَنِينَها، فَقَضى النَّبِيُّ ﷺ في جَنِينِها بِغُرَّةٍ»، وأنْ تُقْتَلَ بِها. وقالَ أبُو داوُدَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ المِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنا أبُو عاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: أنَّهُ سَمِعَ طاوُسًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عُمَرَ: أنَّهُ سَألَ في قَضِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ فَقامَ حَمَلُ بْنُ مالِكِ بْنِ النّابِغَةِ فَقالَ: «كُنْتُ بَيْنَ امْرَأتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلَتْها وجَنِينَها، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في جَنِينِها بِغُرَّةٍ»، وأنْ تُقْتَلَ. قالَ أبُو داوُدَ: قالَ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المِسْطَحُ هو الصَّوْلَجُ. قالَ أبُو داوُدَ: وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المِسْطَحُ عُودٌ مِن أعْوادِ الخِباءِ. وقالَ ابْنُ ماجَهْ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ، ثَنا أبُو عاصِمٍ، أخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: أنَّهُ سَمِعَ طاوُسًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ نَشَدَ النّاسَ قَضاءَ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ (يَعْنِي في الجَنِينِ) فَقامَ حَمَلُ بْنُ مالِكِ بْنِ النّابِغَةَ فَقالَ: «كُنْتُ بَيْنَ امْرَأتَيْنِ لِي، فَضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلَتْها وقَتَلَتْ جَنِينَها، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ، وأنْ تُقْتَلَ بِها» . انْتَهى مِنَ السُّنَنِ الثَّلاثِ بِألْفاظِها.
وَلا يَخْفى أنَّ هَذا الإسْنادَ صَحِيحٌ، فَرِوايَةُ أبِي داوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ المِصِّيصِيِّ وهو ابْنُ مَسْعُودِ بْنِ يُوسُفَ النَّيْسابُورِيُّ، ويُقالُ لَهُ: المِصِّيصِيُّ أبُو جَعْفَرٍ العَجَمِيُّ نَزِيلُ طَرْسُوسَ والمِصِّيصَةِ، وهو ثِقَةٌ عارِفٌ. ورِوايَةُ ابْنِ ماجَهْ عَنْ أحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الدّارِمِيِّ، وهو ابْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدّارِمِيُّ أبُو جَعْفَرٍ، وهو ثِقَةٌ حافِظٌ، وكِلاهُما (أعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ مَسْعُودٍ المَذْكُورَ عِنْدَ أبِي داوُدَ، وأحْمَدَ بْنَ سَعِيدٍ المَذْكُورَ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ) رَوى هَذا الحَدِيثَ عَنْ أبِي عاصِمٍ وهو الضَّحّاكُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُسْلِمٍ الشَّيْبانِيُّ، وهو أبُو عاصِمٍ النَّبِيلُ، وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ. والضَّحّاكُ رَواهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وهو عَبْدُ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، وهو ثِقَةٌ فَقِيهٌ فاضِلٌ، وكانَ يُدَلِّسُ ويُرْسِلُ، إلّا أنَّ هَذا الحَدِيثَ صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ والإخْبارِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ، عَنْ طاوُسٍ وهو ثِقَةٌ فَقِيهٌ فاضِلٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ حَمْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-٩٢)وَأمّا رِوايَةُ النَّسائِيِّ فَهي عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعِيدٍ، وهو ابْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ المِصِّيصِيُّ ثِقَةٌ حافِظٌ، عَنْ حَجّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وهو ابْنُ مُحَمَّدٍ المِصِّيصِيُّ الأعْوَرُ أبُو مُحَمَّدٍ التِّرْمِذِيُّ الأصْلِ نُزِيلُ بَغْدادَ ثُمَّ المِصِّيصَةِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ، لَكِنَّهُ اخْتَلَطَ في آخِرِ عُمْرِهِ لَمّا قَدِمَ بَغْدادَ قَبْلَ مَوْتِهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، إلى آخَرَ السَّنَدِ المَذْكُورِ عِنْدَ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ. وهَذا الحَدِيثُ لَمْ يَخْلِطْ فِيهِ حَجّاجٌ المَذْكُورُ في رِوايَتِهِ لَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ بِدَلِيلِ رِوايَةِ أبِي عاصِمٍ لَهُ عِنْدَ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَرِوايَةِ حَجّاجٍ المَذْكُورِ عِنْدَ النَّسائِيِّ، وأبُو عاصِمٍ ثِقَ ثَبْتٌ.
رَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وجَزَمَ بِصِحَّةِ هَذا الإسْنادِ ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ في تَرْجَمَةِ حَمَلٍ المَذْكُورِ. وقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ في هَذا الحَدِيثِ: وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ، وفِيما ذَكَرَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ ”العِلَلِ“ قالَ: سَألْتُ مُحَمَّدًا (يَعْنِي البُخارِيَّ) عَنْ هَذا الحَدِيثِ فَقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ حافِظٌ اه.
فَهَذا الحَدِيثُ نَصٌّ قَوِيٌّ في القِصاصِ في القَتْلِ بِغَيْرِ المُحَدَّدِ؛ لِأنَّ المِسْطَحُ عَمُودٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: والمِسْطَحُ أيْضًا عَمُودُ الخِباءِ. قالَ الشّاعِرُ وهو مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ:
؎تَعَرَّضُ ضَيْطارُو خُزاعَةَ دُونَنا وما خَيْرُ ضَيْطارٍ يَقْلِبُ مِسْطَحا
يَقُولُ: تَعَرَّضَ لَنا هَؤُلاءِ القَوْمُ لِيُقاتِلُونا ولَيْسُوا بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهم لا سِلاحَ مَعَهم سِوى المِسْطَحِ والضَّيْطارُ، هو الرَّجُلُ الضَّخْمُ الَّذِي لا غِناءَ عِنْدَهُ.
الرّابِعُ: ظَواهِرُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلى القِصاصِ في القَتْلِ بِغَيْرِ المُحَدَّدِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٦٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٤١ - ٤٢] .
وَفِي المُوَطَّأِ ما نَصُّهُ: وحَدَّثَنِي يَحْيى عَنْ مالِكٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ مَوْلى عائِشَةَ بِنْتِ قُدامَةَ: أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ أقادَ ولِيَّ رَجُلٍ مِن رَجُلٍ قَتَلَهُ بِعَصًا. فَقَتَلَهُ ولَيُّهُ (p-٩٣)بِعَصًا.
قالَ مالِكٌ: والأمْرُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لا اخْتِلافَ فِيهِ عِنْدَنا: أنَّ الرَّجُلَ إذا ضَرَبَ الرَّجُلَ بِعَصًا أوْ رَماهُ بِحَجَرٍ، أوْ ضَرَبَهُ عَمْدًا فَماتَ مِن ذَلِكَ؛ فَإنَّ هَذا هو العَمْدُ وفِيهِ القِصاصُ.
قالَ مالِكٌ: فَقَتْلُ العَمْدِ عِنْدَنا أنْ يَعْمِدَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ فَيَضْرِبُهُ حَتّى تَفِيضَ نَفْسُهُ اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا القَوْلَ بِالقِصاصِ في القَتْلِ بِالمُثْقَلِ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ، وحَمّادٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وإسْحاقُ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنَ قُدامَةَ في المُغْنِي.
وَخالَفَ في ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَقالُوا: لا قِصاصَ في القَتْلِ بِالمُثْقَلِ، واحْتَجَّ لَهم بِأدِلَّةٍ:
مِنها أنَّ القِصاصَ يُشْتَرَطُ لَهُ العَمْدُ، والعَمْدُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، ولا يُعْلَمُ إلّا بِالقَرائِنِ الجازِمَةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ القَتْلُ بِآلَةِ القَتْلِ كالمُحَدَّدِ، عُلِمَ أنَّهُ عامِدُ قَتْلِهِ، وإنْ كانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ عُمَدُهُ لِلْقَتْلِ؛ لِاحْتِمالِ قَصْدِهِ أنْ يَشُجَّهُ أوْ يُؤْلِمَهُ مِن غَيْرِ قَصْدِ قَتْلِهِ فَيُئَوَّلُ إلى شِبْهِ العَمْدِ.
وَمِنها ما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في جَنِينِ امْرَأةٍ مَن بَنِي لَحْيانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةِ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ. ثُمَّ إنَّ المَرْأةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْها بِالغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنَّ مِيراثَها لِبَنِيها وزَوْجِها، وأنَّ العَقْلَ عَلى عَصَبَتِها» .
وَفِي رِوايَةٍ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأتانِ مِن هُذَيْلٍ؛ فَرَمَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْها وما في بَطْنِها؛ فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى أنَّ دِيَةَ جَنِينِها غُرَّةُ عَبْدٍ أوْ ولِيدَةٍ، وقَضى بِدِيَةِ المَرْأةِ عَلى عاقِلَتِها» .
قالُوا: فَهَذا حَدِيثٌ مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ، يَدُلُّ عَلى عَدَمِ القِصاصِ في القَتْلِ بِغَيْرِ المُحَدَّدِ؛ لِأنَّ رِواياتِ هَذا الحَدِيثِ تَدُلُّ عَلى القَتْلِ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ؛ لِأنَّ في بَعْضِها أنَّها قَتَلَتْها بِعَمُودٍ، وفي بَعْضِها أنَّها قَتَلَتْها بِحَجَرٍ.
وَمِنها ما رُوِيَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وعَلِيٍّ، وأبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مَرْفُوعًا: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا قَوْدَ إلّا بِحَدِيدَةٍ» . وفي بَعْضِ رِواياتِهِ: ”كُلُّ شَيْءٍ (p-٩٤)خَطَأٌ إلّا السَّيْفَ، ولِكُلِّ خَطَأٍ أرْشٌ“ .
وَقَدْ حاوَلَ بَعْضُ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ مِنَ الحَنَفِيَّةِ رَدَّ حُجَجِ مُخالِفِيهِمْ، فَزَعَمَ أنَّ رَضَّ النَّبِيِّ ﷺ رَأْسَ اليَهُودِيِّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ إنَّما وقَعَ بِمُجَرَّدِ دَعْوى الجارِيَةِ الَّتِي قَتَلَها. وأنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا بِالإفْسادِ في الأرْضِ؛ ولِذَلِكَ فَعَلَ بِهِ ﷺ ما فَعَلَ.
وَرَدُّ رِوايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّها مُخالَفَةٌ لِلرِّواياتِ الثّابِتَةِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى بِالدِّيَةِ عَلى عاقِلَةِ المَرْأةِ لا بِالقِصاصِ» .
قالَ البَيْهَقِيُّ في (السُّنَنِ الكُبْرى) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ صِحَّةَ إسْنادِ الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِالقِصاصِ مِنَ المَرْأةِ الَّتِي قَتَلَتِ الأُخْرى بِمِسْطَحٍ كَما تَقَدَّمَ ما نَصُّهُ: إلّا أنَّ في لَفْظِ الحَدِيثِ زِيادَةً لَمْ أرَها في شَيْءٍ مِن طُرُقِ هَذا الحَدِيثِ، وهي قَتْلُ المَرْأةِ بِالمَرْأةِ، وفي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْصُولًا، وحَدِيثِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ مُرْسَلًا، وحَدِيثِ جابِرٍ وأبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولًا ثابِتًا أنَّهُ قَضى بِدِيَتِها عَلى العاقِلَةِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ البَيْهَقِيِّ بِلَفْظِهِ.
وَذَكَرَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا: أنَّ عَمْرَو بْنَ دِينارٍ رُوجِعَ في هَذا الحَدِيثِ بِأنَّ ابْنَ طاوُسٍ رَواهُ عَنْ أبِيهِ عَلى خِلافِ رِوايَةِ عَمْرٍو، فَقالَ لِلَّذِي راجِعْهُ: شَكَّكْتَنِي.
وَأُجِيبَ مِن قِبَلِ الجُمْهُورِ عَنْ هَذِهِ الِاحْتِجاجاتِ: بِأنَّ رَضَّهُ رَأْسَ اليَهُودِيِّ قِصاصٌ؛ فَفي رِوايَةٍ ثابِتَةٍ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَقْتُلْهُ حَتّى اعْتَرَفَ بِأنَّهُ قَتَلَ الجارِيَةَ؛ فَهو قَتْلُ قِصاصٍ بِاعْتِرافِ القاتِلِ، وهو نَصٌّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولا سِيَّما عِنْدَ مَن يَقُولُ بِاسْتِواءِ دَمِ المُسْلِمِ والكافِرِ كالذِّمِّيِّ؛ كَأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَأجابُوا عَنْ كَوْنِ العَمْدِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، وأنَّهُ لا يُعْلَمُ كَوْنُهُ عامِدًا إلّا إذا ضَرَبَ بِالآلَةِ المَعْهُودَةِ لِلْقَتْلِ بِأنَّ المُثْقَلَ كالعَمُودِ والصَّخْرَةِ الكَبِيرَةِ مِن آلاتِ القَتْلِ كالسَّيْفِ؛ لِأنَّ المَشْدُوخَ رَأْسُهُ بِعَمُودٍ أوْ صَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ يَمُوتُ مِن ذَلِكَ حالًا عادَةً كَما يَمُوتُ المَضْرُوبُ بِالسَّيْفِ، وذَلِكَ يَكْفِي مِنَ القَرِينَةِ عَلى قَصْدِ القَتْلِ.
وَأجابُوا عَمّا ثَبَتَ مِن قَضاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى عاقِلَةِ المَرْأةِ القاتِلَةِ بِعَمُودٍ أوْ حَجَرٍ بِالدِّيَةِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِالرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي قَدَّمْناها عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ، وابْنِ (p-٩٥)ماجَهْ مِن حَدِيثِ حَمَلِ بْنِ مالِكٍ وهو كَصاحِبِ القِصَّةِ. لِأنَّ القاتِلَةَ والمَقْتُولَةَ زَوْجَتاهُ مِن كَوْنِهِ ﷺ قَضى فِيها بِالقِصاصِ لا بِالدِّيَةِ.
الثّانِي: ما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، قالَ: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى حَجَرٍ صَغِيرٍ وعَمُودٍ صَغِيرٍ لا يُقْصَدُ بِهِ القَتْلُ غالِبًا، فَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلى العاقِلَةِ، ولا يَجُبْ فِيهِ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ عَلى الجانِي، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ والجَماهِيرِ اه كَلامُ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا الجَوابُ غَيْرُ وجِيهٍ عِنْدِي؛ لِأنَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحِ: أنَّها قُتِلَتْ بِعَمُودِ فُسْطاطٍ، وحِمْلُهُ عَلى الصَّغِيرِ الَّذِي لا يَقْتُلُ غالِبًا بَعِيدٌ.
الثّالِثُ: هو ما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ مِن أنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَرْأةِ لا تَقْصِدُ غالِبًا قَتْلَ الأُخْرى، قالَ ما نَصُّهُ:
وَأجابَ مَن قالَ بِهِ - يَعْنِي القِصاصَ في القَتْلِ بِالمُثْقَلِ - بِأنَّ عَمُودَ الفُسْطاطِ يَخْتَلِفُ بِالكِبَرِ والصِّغَرِ، بِحَيْثُ يَقْتُلُ بَعْضُهُ غالِبًا ولا يَقْتُلُ بَعْضُهُ غالِبًا، وطَرْدُ المُماثِلَةِ في القِصاصِ إنَّما يُشْرَعُ فِيما إذا وقَعَتِ الجِنايَةُ بِما يَقْتُلُ غالِبًا.
وَفِي هَذا الجَوابِ نَظَرٌ، فَإنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَجِبْ فِيهِ القَوْدُ لِأنَّها لَمْ يَقْصِدْ مِثْلُها وشَرْطُ القَوْدِ العَمْدُ، وهَذا إنَّما هو شِبْهُ العَمْدِ، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِلْقَتْلِ بِالمُثْقَلِ ولا عَكْسِهِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ بِلَفْظِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ قَتْلَ هَذِهِ المَرْأةِ لِضَرَّتِها خَطَأٌ في القَتْلِ شِبْهُ عَمْدٍ؛ لِقَصْدِ الضَّرْبِ دُونَ القَتْلِ بِما لا يَقْتُلُ غالِبًا، تَصْرِيحُ الرِّواياتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بِأنَّهُ ﷺ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلى العاقِلَةِ، والعاقِلَةُ لا تَحْمِلُ العَمْدَ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ.
وَأجابُوا عَنْ حَدِيثِ: «لا قَوْدَ إلّا بِحَدِيدَةٍ» بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ.
قالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ بَعْدَ أنْ ساقَ طُرُقَهُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، وأبِي بَكْرَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ما نَصُّهُ:
وَهَذا الحَدِيثُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ إسْنادٌ فَعَلِيُّ بْنُ هِلالٍ الطَّحّانُ مَتْرُوكٌ، وسُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ ضَعِيفٌ، ومُبارَكُ بْنُ فَضالَةَ لا يُحْتَجُّ بِهِ، وجابِرُ بْنُ يَزِيدَ الجُعْفِيُّ مَطْعُونٌ فِيهِ اه.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ ”في فَتْحِ البارِي في بابِ إذا قُتِلَ بِحَجَرٍ أوْ عَصا“ ما نَصُّهُ:
(p-٩٦)وَخالَفَ الكُوفِيُّونَ فاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ «لا قَوْدَ إلّا بِالسَّيْفِ» وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ عَدِيٍّ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ، وذَكَرَ البَزّارُ الِاخْتِلافَ فِيهِ مَعَ ضَعْفِ إسْنادِهِ: وقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: طُرُقُهُ كُلُّها ضَعِيفَةٌ، وعَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَإنَّهُ عَلى خِلافِ قاعِدَتِهِمْ في: أنَّ السُّنَّةَ لا تَنْسَخُ الكِتابَ ولا تُخَصِّصُهُ.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِالنَّهْيِ عَنِ المُثْلَةِ، وهو صَحِيحٌ ولَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ عَلى غَيْرِ المُثْلَةِ في القِصاصِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ. انْتَهى الغَرَضُ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ ما نَصُّهُ:
وَذَهَبَتِ العِتْرَةُ والكُوفِيُّونَ، ومِنهم أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ إلى أنَّ الِاقْتِصاصَ لا يَكُونُ إلّا بِالسَّيْفِ، واسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ، والبَزّارِ، والطَّحاوِيِّ، والطَّبَرانِيِّ، والبَيْهَقِيِّ، بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنها «لا قَوْدَ إلّا بِالسَّيْفِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ أيْضًا، والبَزّارُ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ، وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ مُرْسَلًا.
وَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّها لا تَخْلُو واحِدَةٌ مِنها مِن ضَعِيفٍ أوْ مَتْرُوكٍ، حَتّى قالَ أبُو حاتِمٍ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وقالَ عَبْدُ الحَقِّ وابْنُ الجَوْزِيِّ: طُرُقُهُ كُلُّها ضَعِيفَةٌ. وقالَ البَيْهَقِيُّ: لَمْ يَثْبُتْ لَهُ إسْنادٌ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ الشَّوْكانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
وَلا شَكَّ في ضَعْفِ هَذا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ. وقَدْ حاوَلَ الشَّيْخُ ابْنُ التُّرْكُمانِيِّ تَقْوِيَتَهُ في ”حاشِيَتِهِ عَلى سُنَنِ البَيْهَقِيِّ“ بِدَعْوى تَقْوِيَةِ جابِرِ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفِيِّ، ومُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ، مَعَ أنَّ جابِرًا ضَعِيفٌ رافِضِيٌّ، ومُبارَكٌ يُدَلِّسُ تَدْلِيسَ التَّسْوِيَةِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ عِنْدِي: هو القِصاصُ مُطْلَقًا في القَتْلِ عَمْدًا بِمُثْقَلٍ كانَ أوْ بِمُحَدَّدٍ، لِما ذَكَرْنا مِنَ الأدِلَّةِ، ولِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٩]؛ لِأنَّ القاتِلَ بِعَمُودٍ أوْ صَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُقْتَصُّ مِنهُ جَرَّأهُ ذَلِكَ عَلى القَتْلِ، فَتَنْتَفِي بِذَلِكَ الحِكْمَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ الآيَةَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ السُّلْطانَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ ظُلْمًا يَسْتَلْزِمُ الخِيارَ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: وهي القِصاصُ، والعَفْوُ عَلى الدِّيَةِ جَبْرًا عَلى (p-٩٧)الجانِي، والعَفْوُ مَجّانًا في غَيْرِ مُقابِلٍ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ.
قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ سِيرِينَ وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، وعَزاهُ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ إلى الجُمْهُورِ.
وَخالَفَ في ذَلِكَ مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَقالُوا: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إلّا القِصاصُ، أوِ العَفْوُ مَجّانًا، فَلَوْ عَفا عَلى الدِّيَةِ، وقالَ الجانِي: لا أرْضى إلّا القَتْلَ، أوِ العَفْوَ مَجّانًا، ولا أرْضى الدِّيَةَ، فَلَيْسَ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ إلْزامُهُ الدِّيَةَ جَبْرًا.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الخِيارَ لِلْوَلِيِّ بَيْنَ القِصاصِ والدِّيَةِ اخْتَلَفُوا في عَيْنِ ما يُوجِبُهُ القَتْلُ عَمْدًا إلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القَوْدُ فَقَطْ؛ وعَلَيْهِ فالدِّيَةُ بَدَلٌ مِنهُ. والثّانِي: أنَّهُ أحَدُ شَيْئَيْنِ: هُما القِصاصُ والدِّيَةُ.
وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ هَذا الخِلافِ فِيما لَوْ عَفا عَنِ الجانِي عَفْوًا مُطْلَقًا، لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِإرادَةِ الدِّيَةِ ولا العَفْوِ عَنْها. فَعَلى أنَّ الواجِبَ عَيْنًا القِصاصُ فَإنَّ الدِّيَةَ تَسْقُطُ بِالعَفْوِ المُطْلَقِ، وعَلى أنَّ الواجِبَ أحَدُ الأمْرَيْنِ فَإنَّ الدِّيَةَ تَلْزَمُ مَعَ العَفْوِ المُطْلَقِ. أمّا لَوْ عَفا عَلى الدِّيَةِ فَهي لازِمَةٌ، ولَوْ لَمْ يَرْضَ الجانِي عِنْدَ أهْلِ هَذا القَوْلِ، والخِلافُ المَذْكُورُ رِوايَتانِ عَنِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ رَحِمَهُما اللَّهُ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّ الخِيارَ بَيْنَ القِصاصِ والدِّيَةِ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إمّا أنْ يُفْدى، وإمّا أنْ يَقْتُلَ» أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، والإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لَكِنَّ لَفْظَ التِّرْمِذِيِّ: «إمّا أنْ يَقْتُلَ وإمّا أنْ يَعْفُوَ» . ومَعْنى ”يُفْدى“ في بَعْضِ الرِّواياتِ، ”وَيُودى“ في بَعْضِها: يَأْخُذُ الفِداءَ بِمَعْنى الدِّيَةِ. وقَوْلُهُ ”يَقْتُلُ“ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ يَقْتُلُ قاتِلَ ولَيِّهِ.
قالُوا: فَهَذا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ، مُصَرِّحٌ بِأنْ ولِيَّ المَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القِصاصِ وأخْذِ الدِّيَةِ، وأنَّ لَهُ إجْبارَ الجانِي عَلى أيِّ الأمْرَيْنِ شاءَ، وهَذا الدَّلِيلُ قَوِيٌّ دَلالَةً ومَتْنًا كَما تَرى.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، قالُوا: إنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا رَتَّبَ الِاتِّباعَ بِالدِّيَةِ بِالفاءِ عَلى العَفْوِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّهُ بِمُجَرَّدِ العَفْوِ تَلْزَمُ الدِّيَةُ، وهو دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ قَوِيٌّ أيْضًا.
(p-٩٨)واحْتَجَّ بَعْضُ العُلَماءِ لِلْمُخالِفِينَ في هَذا؛ كَمالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللَّهُ بِأدِلَّةٍ، مِنها ما قالَهُ الطَّحاوِيُّ: وهو أنَّ الحُجَّةَ لَهم حَدِيثُ أنَسٍ في قِصَّةِ الرَّبِيعِ عَمَّتِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كِتابُ اللَّهِ القِصاصُ»، فَإنَّهُ حَكَمَ بِالقِصاصِ ولَمْ يُخَيِّرْ، ولَوْ كانَ الخِيارُ لِلْوَلِيِّ لِأعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ إذْ لا يَجُوزُ لِلْحاكِمِ أنْ يَتَحَكَّمَ لِمَن ثَبَتَ لَهُ أحَدُ شَيْئَيْنِ بِأحَدِهِما مِن قَبْلِ أنْ يُعْلِمَهُ بِأنَّ الحَقَّ لَهُ في أحَدِهِما، فَلَمّا حَكَمَ بِالقِصاصِ وجَبَ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»، أيْ ولِيُّ المَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بِشَرْطِ أنْ يَرْضى الجانِي أنْ يُغَرَّمَ الدِّيَةَ اه.
وَتَعَقَّبَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ احْتِجاجَ الطَّحاوِيِّ هَذا بِما نَصُّهُ: وتَعَقَّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «كِتابُ اللَّهِ القِصاصُ» إنَّما وقَعَ عِنْدَ طَلَبِ أوْلِياءِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ في العَمْدِ القَوْدَ، فاعْلَمْ أنَّ الكِتابَ اللَّهِ نَزَلَ عَلى أنَّ المَجْنِيَّ إذا طَلَبَ القَوْدَ أُجِيبَ إلَيْهِ؛ ولَيْسَ فِيما ادَّعاهُ مِن تَأْخِيرِ البَيانِ.
الثّانِي: ما ذَكَرَهُ الطَّحاوِيُّ أيْضًا: مِن أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ الوَلِيَّ لَوْ قالَ لِلْقاتِلِ: رَضِيتُ أنْ تُعْطِيَنِي كَذا عَلى ألّا أقْتُلَكَ. أنَّ القاتِلَ لا يُجْبَرُ عَلى ذَلِكَ، ولا يُؤْخَذُ مِنهُ كَرْهًا، وإنْ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَحْقِنَ دَمَ نَفْسِهِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ ﷺ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ ”«فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» . .“ الحَدِيثُ جارٍ مَجْرى الغالِبِ فَلا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ النَّصَّ إذا جَرى عَلى الغالِبِ لا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ لَهُ، لِاحْتِمالِ قَصْدِ نَفْسِ الأغْلَبِيَّةِ دُونَ قَصْدِ إخْراجِ المَفْهُومِ عَنْ حُكْمِ المَنطُوقِ. ولِذا لَمْ يَعْتَبِرْ جُمْهُورُ العُلَماءِ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٣]؛ لِجَرْيِهِ عَلى الغالِبِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ مِرارًا.
وَإيضاحُ ذَلِكَ في الحَدِيثِ أنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: «فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» أنَّ الجانِيَ لَوِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِ الدِّيَةِ وقَدَّمَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ مُمْتَنِعًا مِن إعْطاءِ الدِّيَةِ، أنَّهُ يُجْبَرُ عَلى إعْطائِها؛ لِأنَّ هَذا أحَدُ النَّظَرَيْنِ اللَّذَيْنِ خَيَّرَ الشّارِعُ ولِيَّ المَقْتُولِ بَيْنَهُما، والغالِبُ أنَّ الإنْسانَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ عَلى مالِهِ فَيَفْتَدِي بِمالِهِ مِنَ القَتْلِ. وجَرَيانُ الحَدِيثِ عَلى هَذا الأمْرِ الغالِبِ يَمْنَعُ مِنَ اعْتِبارِ مَفْهُومِ مُخالَفَتِهِ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ الأُصُولِ، وعَقَدَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ في مَوانِعِ اعْتِبارِ دَلِيلِ الخِطابِ، أعْنِي مَفْهُومَ المُخالَفَةِ:(p-٩٩)
؎أوْ جَهْلُ الحُكْمِ أوِ النُّطْقِ انْجَلَبَ لِلسُّؤْلِ أوْ جَرى عَلى الَّذِي غَلَبَ
وَمَحَلُّ الشّاهِدِ قَوْلُهُ: ”أوْ جَرى عَلى الَّذِي غَلَبَ“ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي احْتَجُّوا بِها.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنْ ولِيَّ المَقْتُولِ هو المُخَيَّرُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَلَوْ أرادَ الدِّيَةَ وامْتَنَعَ الجانِي فَلَهُ إجْبارُهُ عَلى دَفْعِها؛ لِدَلالَةِ الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَلى ذَلِكَ، ودَلالَةِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٩]، ويَقُولُ: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
وَمِنَ الأمْرِ الواضِحِ أنَّهُ إذا أرادَ إهْلاكَ نَفْسِهِ صَوْنًا لِمالِهِ لِلْوارِثِ: أنَّ الشّارِعَ يَمْنَعُهُ مِن هَذا التَّصَرُّفِ الزّائِغِ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، ويُجْبِرُهُ عَلى صَوْنِ دَمِهِ بِمالِهِ.
وَما احْتَجَّ بِهِ الطَّحاوِيُّ مِنَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَوْ قالَ لَهُ: أعْطِنِي كَذا عَلى ألّا أقْتُلَكَ لا يُجْبَرُ عَلى ذَلِكَ، يُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَوْ قالَ: أعْطِنِي الدِّيَةَ المُقَرَّرَةَ في قَتْلِ العَمْدِ فَإنَّهُ يُجْبَرُ عَلى ذَلِكَ؛ لِنَصِّ الحَدِيثِ والآيَةِ المَذْكُورَيْنِ.
وَلَوْ قالَ لَهُ: أعْطِنِي كَذا غَيْرَ الدِّيَةِ لَمْ يُجْبَرْ، لِأنَّهُ طَلَبٌ غَيْرُ الشَّيْءِ الَّذِي أوْجَبَهُ الشّارِعُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ القَتْلَ لَهُ ثَلاثُ حالاتٍ:
الأُولى: العَمْدُ، وهو الَّذِي فِيهِ السُّلْطانُ المَذْكُورُ في الآيَةِ كَما قَدَّمْنا.
والثّانِيَةُ: شِبْهُ العَمْدِ. والثّالِثَةُ: الخَطَأُ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: أبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. ونَقَلَهُ في المُغْنِي عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ وحَمّادٍ، وأهْلِ العِراقِ والثَّوْرِيِّ، وغَيْرِهِمْ.
وَخالَفَ الجُمْهُورَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقالَ: القَتْلُ لَهُ حالَتانِ فَقَطْ. الأُولى: العَمْدُ، والثّانِيَةُ الخَطَأُ. وما يُسَمِّيهِ غَيْرُهُ شِبْهُ العَمْدِ جَعَلَهُ مِنَ العَمْدِ. واسْتَدَلَّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ في كِتابِهِ العَزِيزِ واسِطَةً بَيْنَ العَمْدِ والخَطَأِ، بَلْ (p-١٠٠)ظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٢]، ثُمَّ قالَ في العَمْدِ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٣]، فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الخَطَأِ والعَمْدِ واسِطَةً، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥]، فَلَمْ يَجْعَلْ فِيها بَيْنَ الخَطَأِ والعَمْدِ واسِطَةً وإنْ كانَتْ في غَيْرِ القَتْلِ.
واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ هُناكَ واسِطَةً بَيْنَ الخَطَأِ المَحْضِ، والعَمْدِ المَحْضِ، تُسَمّى خَطَأ شِبْهِ عَمْدٍ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ أنَّ هَذا هو عَيْنُ الواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ؛ لِأنَّ مَن ضَرَبَ بِعَصًا صَغِيرَةٍ أوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ لا يَحْصُلُ بِهِ القَتْلُ غالِبًا، وهو قاصِدٌ لِلضَّرْبِ مُعْتَقِدًا أنَّ المَضْرُوبَ لا يَقْتُلُهُ ذَلِكَ الضَّرْبُ، فَفِعْلُهُ هَذا شِبْهُ العَمْدِ مِن جِهَةِ قَصْدِهِ أصْلَ الضَّرْبِ وهو خَطَأٌ في القَتْلِ، لِأنَّهُ ما كانَ يَقْصِدُ القَتْلَ، بَلْ وقَعَ القَتْلُ مِن غَيْرِ قَصْدِهِ إيّاهُ.
والثّانِي: حَدِيثٌ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، وهو ما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ ومُسَدَّدٌ - المَعْنى - قالا: حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ خالِدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ مُسَدَّدٌ: «خَطَبَ يَوْمَ الفَتْحِ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ (إلى ها هُنا حَفِظْتُهُ عَنْ مُسَدَّدٍ، ثُمَّ اتَّفَقا): ألا إنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ تُذْكَرُ وتُدْعى مِن دَمٍ أوْ مالٍ تَحْتَ قَدَمَيَّ، إلّا ما كانَ مِن سِقايَةِ الحاجِّ أوْ سَدانَةِ البَيْتِ - ثُمَّ قالَ - ألا إنَّ دِيَةِ الخَطَأِ شِبْهَ العَمْدِ ما كانَ بِالسَّوْطِ والعَصا مِائَةً مِنَ الإبِلِ، مِنها أرْبَعُونَ في بُطُونِها أوْلادُها»، وحَدِيثُ مُسَدَّدٍ أتَمُّ.
حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، ثَنا وُهَيْبٌ، عَنْ خالِدٍ بِهَذا الإسْنادِ نَحْوَ مَعْناهُ.
حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، ثَنا عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْناهُ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ - أوْ فَتْحِ مَكَّةَ - عَلى دَرَجَةِ البَيْتِ أوِ الكَعْبَةِ» .
قالَ أبُو داوُدَ: كَذا رَواهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ أيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-١٠١)وَرَواهُ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ، عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، ومِثْلُ حَدِيثِ خالِدٍ رَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ يَعْقُوبَ السَّدُوسِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِن سُنَنِ أبِي داوُدَ.
وَأخْرَجَ النَّسائِيُّ نَحْوَهُ، وذَكَرَ الِاخْتِلافَ عَلى أيُّوبَ في حَدِيثِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ فِيهِ، وذَكَرَ الِاخْتِلافَ عَلى خالِدٍ الحَذّاءِ فِيهِ وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ، وقَدْ تَرَكْنا لَفْظَ كَلامِهِ لِطُولِهِ.
وَقالَ ابْنُ ماجَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قالا: حَدَّثْنا شُعْبَةُ، عَنْ أيُّوبَ: سَمِعْتُ القاسِمَ بْنَ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «قَتِيلُ الخَطَأِ شِبْهِ العَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصا مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ: أرْبَعُونَ مِنها خِلْفَةٌ في بُطُونِها أوْلادُها» .
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، ثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، ثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُدْعانَ، سَمِعَهُ مِنَ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وهو عَلى دَرَجِ الكَعْبَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، فَقالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، ألا إنَّ قَتِيلَ الخَطَأِ قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصا فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ: مِنها أرْبَعُونَ خِلْفَةً في بُطُونِها أوْلادُها»“ . اه.
وَساقَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ طُرُقَ هَذا الحَدِيثِ، وقالَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الرِّوايَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الَّتِي في إسْنادِها عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ السُّكَّرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ المُزَنِيَّ يَوْمًا، وسَألَهُ سائِلٌ مِنَ العِراقِيِّينَ عَنْ شِبْهِ العَمْدِ، فَقالَ السّائِلُ: إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى وصَفَ القَتْلَ في كِتابِهِ صِفَتَيْنِ: عَمْدًا وخَطَأً، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ ؟ ولِمَ قُلْتُمْ شِبْهَ العَمْدِ ؟
فاحْتَجَّ المُزَنِيُّ بِهَذا الحَدِيثِ فَقالَ لَهُ مُناظِرُهُ: أتَحْتَجُّ بِعَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ ؟ فَسَكَتَ المُزَنِيُّ فَقُلْتُ لِمُناظِرِهِ: قَدْ رَوى هَذا الخَبَرَ غَيْرُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ. فَقالَ: ومَن رَواهُ غَيْرُ عَلِيٍّ ؟ قُلْتُ: رَواهُ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ وخالِدٌ الحَذّاءُ. قالَ لِي: فَمَن عُقْبَةُ بْنُ أوْسٍ ؟ فَقُلْتُ: عُقْبَةُ بْنُ أوْسٍ رَجُلٌ مِن أهْلِ البَصْرَةِ، وقَدْ رَواهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ مَعَ جَلالَتِهِ. فَقالَ (p-١٠٢)لِلْمُزَنِيِّ: أنْتَ تُناظِرُ أوْ هَذا ؟ فَقالَ: إذا جاءَ الحَدِيثُ فَهو يُناظِرُ. لِأنَّهُ أعْلَمُ بِالحَدِيثِ مِنِّي، ثُمَّ أتَكَلَّمُ أنا، اه. ثُمَّ شَرَعَ البَيْهَقِيُّ يَسُوقُ طُرُقَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِالأسانِيدِ أنَّ الحَدِيثَ ثابِتٌ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وأنَّ الرِّوايَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وهْمٌ، وآفَتُها مِن عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ، لِأنَّهُ ضَعِيفٌ.
والمَعْرُوفُ في عُلُومِ الحَدِيثِ: أنَّ الحَدِيثَ إذا جاءَ صَحِيحًا مَن وجْهٍ لا يُعَلُّ بِإتْيانِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ صَحِيحٍ، والقِصَّةُ الَّتِي ذَكَرَها البَيْهَقِيُّ في مُناظَرَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ لِلْعِراقِيِّ الَّذِي ناظَرَ المُزَنِيَّ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الِاحْتِجاجِ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: إذا عَرَفْتَ الِاخْتِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ في حالاتِ القَتْلِ: هَلْ هي ثَلاثٌ، أوِ اثْنَتانِ ؟ وعَرَفْتَ حُجَجَ الفَرِيقَيْنِ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن أنَّها ثَلاثُ حالاتٍ: عَمْدٌ مَحْضٌ، وخَطَأٌ مَحْضٌ، وشِبْهُ عَمْدٍ، لِدَلالَةِ الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنا عَلى ذَلِكَ، ولِأنَّهُ ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ. والحَدِيثُ إنَّما أثْبَتَ شَيْئًا سَكَتَ عَنْهُ القُرْآنُ، فَغايَةُ ما في البابِ زِيادَةُ أمْرٍ سَكَتَ عَنْهُ القُرْآنُ بِالسُّنَّةِ، وذَلِكَ لا إشْكالَ فِيهِ عَلى الجارِي عَلى أُصُولِ الأئِمَّةِ إلّا أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ المُقَرَّرَ في أُصُولِهِ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ نَسْخٌ، وأنَّ المُتَواتِرَ لا يُنْسَخُ بِالآحادِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ . ولَكِنَّ الإمامَ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وافَقَ الجُمْهُورَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، خِلافًا لِمالِكٍ كَما تَقَدَّمَ.
فَإذا تَقَرَّرَ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ حالاتِ القَتْلِ ثَلاثٌ، فاعْلَمْ أنَّ العَمْدَ المَحْضَ فِيهِ القِصاصُ. وقَدْ قَدَّمْنا حُكْمَ العَفْوِ فِيهِ. والخَطَأُ شِبْهُ العَمْدِ. والخَطَأُ المَحْضُ فِيهِما الدِّيَةُ عَلى العاقِلَةِ.
* *
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أسْنانِ الدِّيَةِ فِيهِما، وسَنُبَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَقادِيرَ الدِّيَةِ في العَمْدِ المَحْضِ إذا وقَعَ العَفْوُ عَلى الدِّيَةِ، وفي شِبْهِ العَمْدِ، وفي الخَطَأِ المَحْضِ.
اعْلَمْ أنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ الدِّيَةَ في العَمْدِ المَحْضِ وشِبْهِ العَمْدِ سَواءٌ، واخْتَلَفُوا في أسْنانِها فِيهِما، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها تَكُونُ أرْباعًا: خَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ حِقَّةً، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ جَذَعَةً.
(p-١٠٣)وَهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ، والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ عَنْ أحْمَدَ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، ورَبِيعَةَ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي.
وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ أُخْرى إلى أنَّها ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وأرْبَعُونَ في بُطُونِها أوْلادُها.
وَهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وزَيْدٍ، وأبِي مُوسى، والمُغِيرَةِ. ورَواهُ جَماعَةٌ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ. لِما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ، وابْنِ ماجَهْ: مِن أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مِنها أرْبَعُونَ خِلْفَةً في بُطُونِها أوْلادُها»، وبَعْضُ طُرُقِهِ صَحِيحٌ كَما تَقَدَّمَ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ في بَيانِ السِّتِّينَ الَّتِي لَمَّ يَتَعَرَّضُ لَها هَذا الحَدِيثُ: (بابُ صِفَةِ السِّتِّينَ الَّتِي مَعَ الأرْبَعِينَ) ثُمَّ ساقَ أسانِيدَهُ عَنْ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وعَلِيٍّ في إحْدى رِوايَتَيْهِ عَنْهُ أنَّها ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي مُسْتَدِلًّا لِهَذا القَوْلِ: ودَلِيلُهُ هو ما رَواهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن قَتَلَ مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إلى أوْلِياءِ المَقْتُولِ، فَإنَّ شاءُوا قَتَلُوهُ، وإنَّ شاءُوا أخَذُوا الدِّيَةَ وهي ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وأرْبَعُونَ خِلْفَةً، وما صُولِحُوا فَهو لَهم»، وذَلِكَ لِتَشْدِيدِ القَتْلِ. رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ الَّذِي قَدَّمْنا.
ثُمَّ قالَ مُسْتَدِلًّا لِلْقَوْلِ الأوَّلِ: ووَجْهُ الأوَّلِ ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: «كانَتِ الدِّيَةُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أرْباعًا: خَمْسًا وعِشْرِينَ جَذَعَةً، وخَمْسًا وعِشْرِينَ حِقَّةً، وخَمْسًا وعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وخَمْسًا وعِشْرِينَ بِنْتَ مَخاضٍ» وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ اه مِنهُ.
وَفِي المُوَطَّأِ عَنْ مالِكٍ: أنَّ ابْنَ شِهابٍ كانَ يَقُولُ في دِيَةِ العَمْدِ إذا قُبِلَتْ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ حِقَّةً، وخَمْسٌ (p-١٠٤)وَعِشْرُونَ جَذَعَةً. وقَدْ قَدَّمْنا: أنَّ دِيَةَ العَمْدِ، وِديَةَ شِبْهِ العَمْدِ سَواءٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
وَفِي دِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ لِلْعُلَماءِ أقْوالٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا، مِنها ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وأبُو داوُدَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في شِبْهِ العَمْدِ أثْلاثٌ: ثَلاثٌ وثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثٌ وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ ثَنْيَةً إلى بازِلِ عامِها، وكُلُّها خِلْفَةٌ.
وَمِنها ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: أنَّها أرْباعٌ: رُبْعٌ بَناتُ لَبُونٍ، ورُبْعٌ حِقاقٌ ورُبْعٌ جِذاعٌ " ورُبْعٌ ثَنْيَةٌ إلى بازِلِ عامِها، هَذا حاصِلُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في دِيَةِ العَمْدِ وشِبْهِ العَمْدِ.
وَأوْلى الأقْوالِ وأرْجَحُها: ما دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، وهو ما قَدَّمْنا مِن كَوْنِها ثَلاثَةً حِقَّةً، وثَلاثِينَ جَذَعَةً، وأرْبَعِينَ خِلْفَةً في بُطُونِها أوْلادُها.
وَقَدْ قالَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في السُّنَنِ الكُبْرى بَعْدَ أنْ ساقَ الأقْوالَ المَذْكُورَةَ ما نَصُّهُ: قَدِ اخْتَلَفُوا هَذا الِاخْتِلافَ، وقَوْلُ مَن يُوافِقُ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ المَذْكُورَةَ في البابِ قَبْلَهُ أوْلى بِالِاتِّباعِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ الدِّيَةَ في العَمْدِ المَحْضِ إذا عَفا أوْلِياءُ المَقْتُولِ: إنَّما هي في مالِ الجانِي، ولا تَحْمِلُها العاقِلَةُ إجْماعًا، وأظْهَرُ القَوْلَيْنِ: أنَّها حالَةٌ غَيْرُ مُنَجَّمَةٍ في سِنِينَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ، وقِيلَ: بِتَنْجِيمِها.
وَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ العَمْدَ لَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ مُقَرَّرَةٌ أصْلًا، بَلِ الواجِبُ فِيهِ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الجانِي وأوْلِياءُ المَقْتُولِ، قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وهو حالٌ عِنْدَهُ.
أمّا الدِّيَةُ في شِبْهِ العَمْدِ فَهي مُنَجَّمَةٌ في ثَلاثِ سِنِينَ، يُدْفَعُ ثُلُثُها في آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الثَّلاثِ، ويُعْتَبَرُ ابْتِداءُ السَّنَةَ مِن حِينِ وُجُوبِ الدِّيَةِ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ابْتِداؤُها مِن حِينِ حَكَمَ الحاكِمُ بِالدِّيَةِ، وهي عَلى العاقِلَةِ لِما قَدَّمْناهُ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِن كَوْنِها عَلى العاقِلَةِ، وهو مَذْهَبُ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ: أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهم صاحِبُ المُغْنِي وهَذا القَوْلُ هو الحَقُّ.
(p-١٠٥)وَذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ الدِّيَةَ في شِبْهِ العَمْدِ في مالِ الجانِي لا عَلى العاقِلَةِ؛ لِقَصْدِهِ الضَّرْبَ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ القَتْلَ. وبِهَذا قالَ ابْنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، وابْنُ شُبْرُمَةَ، وقَتادَةُ، وأبُو ثَوْرٍ، واخْتارَهُ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيزِ، اه مِن ”المُغْنِي“ لِابْنِ قُدامَةَ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الصَّوابَ خِلافُهُ، لِدَلالَةِ الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَلى ذَلِكَ.
أمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلا يَقُولُ بِشِبْهِ العَمْدِ أصْلًا، فَهو عِنْدَهُ عَمْدٌ مَحْضٌ كَما تَقَدَّمَ.
وَأمّا الدِّيَةُ في الخَطَأِ المَحْضِ فَهو أخْماسٌ في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
واتَّفَقَ أكْثَرُهم عَلى السِّنِّ والصِّنْفِ في أرْبَعٍ مِنها، واخْتَلَفُوا في الخامِسِ، أمّا الأرْبَعُ الَّتِي هي مَحَلُّ اتِّفاقِ الأكْثَرِ فَهي عِشْرُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ. وأمّا الخامِسُ الَّذِي هو مَحَلُّ الخِلافِ فَبَعْضُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: هو عِشْرُونَ ابْنَ مَخاضٍ ذَكَرًا، وهو مَذْهَبُ أحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الوارِدِ بِذَلِكَ.
قالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ، ثَنا الحَجّاجُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ خِشْفِ بْنِ مالِكٍ الطّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي دِيَةِ الخَطَأِ عِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ ابْنَ مَخاضٍ ذَكَرًا»، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا بْنِ أبِي زائِدَةَ، عَنْ حَجّاجٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ خِشْفِ بْنِ مالِكٍ الطّائِيِّ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الخَطَأِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرِينَ ابْنَ مَخاضٍ ذُكُورًا، وعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرِينَ جَذَعَةً، وعِشْرِينَ حِقَّةً» .
وَقالَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ عاصِمٍ، ثَنا الصَّبّاحُ بْنُ مُحارِبٍ، ثَنا حَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ، ثَنا زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ خِشْفِ بْنِ مالِكٍ الطّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (p-١٠٦)مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي دِيَةِ الخَطَأِ عِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ بَنِي مَخاضٍ ذُكُورًا» ونَحْوُ هَذا أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ، إلّا أنْ فِيهِ: وعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ بَدَلَ بَنِي مَخاضٍ.
وَقالَ الحافِظُ في ”بُلُوغِ المَرامِ“: إنَّ إسْنادَهُ أقْوى مِن إسْنادِ الأرْبَعَةِ. قالَ: وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن وجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وهو أصَحُّ مِنَ المَرْفُوعِ.
وَأمّا القَوْلُ الثّانِي في هَذا الخامِسِ المُخْتَلَفِ فِيهِ، فَهو أنَّهُ عِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا، مَعَ عِشْرِينَ جَذَعَةً، وعِشْرِينَ حَقَّةً، وعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرِينَ بِنْتَ مَخاضٍ. وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، وبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والزُّهْرِيُّ، واللَّيْثُ، ورَبِيعَةُ. كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وقالَ: هَكَذا رَواهُ سَعِيدٌ في سُنَنِهِ عَنِ النَّخَعِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقالَ الخَطّابِيُّ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”وَدى الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ بِمِائَةٍ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ»“ ولَيْسَ في أسْنانِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخاضٍ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى: وأخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الرَّفّاءُ البَغْدادِيُّ، أنْبَأ أبُو عَمْرٍو عُثْمانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، ثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ القاضِي، ثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي أُوَيْسٍ وعِيسى بْنُ مِينا، قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي الزِّنادِ، أنَّ أباهُ قالَ: كانَ مَن أدْرَكْتُ مِن فُقَهائِنا الَّذِي يُنْتَهى إلى قَوْلِهِمْ؛ ومِنهم سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وخارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، في مَشْيَخَةٍ جُلَّةٍ سِواهم مِن نُظَرائِهِمْ، ورُبَّما اخْتَلَفُوا في الشَّيْءِ فَأخَذْنا بِقَوْلِ أكْثَرِهِمْ وأفْضَلِهِمْ رَأْيًا، وكانُوا يَقُولُونَ: العَقْلُ في الخَطَأِ خَمْسَةُ أخْماسٍ: فَخُمْسٌ جِذاعٌ، وخُمْسٌ حِقاقٌ، وخُمْسٌ بَناتُ لَبُونٍ، وخُمْسٌ بَناتُ مَخاضٍ، وخُمْسٌ بَنُو لَبُونٍ ذُكُورٍ، والسِّنُّ في كُلِّ جُرْحٍ قَلَّ أوْ كَثُرَ خَمْسَةُ أخْماسٍ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ. انْتَهى كَلامُ البَيْهَقِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: جَعَلَ بَعْضُهم أقْرَبَ القَوْلَيْنِ دَلِيلًا قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الصِّنْفَ الخامِسَ مِن أبْناءِ المَخاضِ الذُّكُورِ لا مِن أبْناءِ اللَّبُونِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (p-١٠٧)مَسْعُودٍ المَرْفُوعِ المُصَرِّحِ بِقَضاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ. قالَ: والحَدِيثُ المَذْكُورُ وإنْ كانَ فِيهِ ما فِيهِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِغَيْرِهِ مِنَ الرَّأْيِ.
وَسَنَدُ أبِي داوُدَ والنَّسائِيُّ رِجالُهُ كُلُّهم صالِحُونَ لِلِاحْتِجاجِ، إلّا الحَجّاجَ بْنَ أرْطاةَ فَإنَّ فِيهِ كَلامًا كَثِيرًا واخْتِلافًا بَيْنَ العُلَماءِ؛ فَمِنهم مَن يُوَثِّقُهُ، ومِنهم مَن يُضَعِّفُهُ، وقَدْ قَدَّمْنا في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ تَضْعِيفُ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ لَهُ.
وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: صَدُوقٌ كَثِيرُ الخَطَأِ والتَّدْلِيسِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: حَجّاجٌ المَذْكُورُ مِن رِجالِ مُسْلِمٍ، وأعَلَّ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما الحَدِيثَ بِالوَقْفِ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ، قالُوا: رَفْعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ خَطَأٌ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ قَرِيبًا.
أمّا وجْهُ صَلاحِيَّةِ بَقِيَّةِ رِجالِ السُّنَنِ، فالطَّبَقَةُ الأُولى مِن سَنَدِهِ عِنْدَ أبِي داوُدَ مُسَدَّدٌ وهو ثِقَةٌ حافِظٌ، وعِنْدَ النَّسائِيِّ سَعِيدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ الكِنْدِيُّ الكُوفِيُّ وهو صَدُوقٌ.
والطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ عِنْدَ أبِي داوُدَ عَبْدِ الواحِدِ وهو ابْنُ زِيادٍ العَبْدِيُّ مَوْلاهُمُ البَصْرِيُّ ثِقَةٌ، في حَدِيثِهِ عَنِ الأعْمَشِ وحْدَهُ مَقالٌ. وعِنْدَ النَّسائِيِّ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا بْنِ أبِي زائِدَةَ، وهو ثِقَةٌ مُتْقِنٌ.
والطَّبَقَةُ الثّالِثَةُ عِنْدَهُما حَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ المَذْكُورُ.
والطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ عِنْدَهُما زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ وهو ثِقَةٌ.
والطَّبَقَةُ الخامِسَةُ عِنْدَهُما خَشْفُ بْنُ مالِكٍ الطّائِيُّ، وثَّقَهُ النَّسائِيُّ.
والطَّبَقَةُ السّادِسَةُ عِنْدَهُما عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
والطَّبَقَةُ الأُولى عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ عَبْدُ السَّلامِ بْنُ عاصِمٍ الجُعْفِيُّ الهِسِنْجانِيُّ الرّازِيُّ، وهو مَقْبُولٌ.
والطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ عِنْدَهُ الصَّبّاحُ بْنُ مُحارِبٍ التَّيْمِيُّ الكُوفِيُّ نَزِيلُ الرَّيِّ وهو صَدُوقٌ، رُبَّما خالَفَ.
والطَّبَقَةُ الثّالِثَةُ عِنْدَهُ حَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ إلى آخِرِ السَّنَدِ المَذْكُورِ.
والحاصِلُ: أنَّ الحَدِيثَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ مِن جِهَتَيْنِ: الأوْلى مِن قِبَلِ حَجّاجِ بْنِ (p-١٠٨)أرْطاةَ، وقَدْ ضَعَّفَهُ الأكْثَرُ، ووَثَّقَهُ بَعْضُهم، وهو مِن رِجالِ مُسْلِمٍ، والثّانِيَةُ إعْلالُهُ بِالوَقْفِ، وما احْتَجَّ بِهِ الخَطّابِيُّ مِن «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”وَدى الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ»“ ولَيْسَ في أسْنانِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخاضٍ يُقالُ فِيهِ: إنَّ الَّذِي قُتِلَ في خَيْبَرَ قُتِلَ عَمْدًا، وكَلامُنا في الخَطَأِ. وحُجَّةُ مَن قالَ يَجْعَلُ أبْناءَ اللَّبُونِ بَدَلَ أبْناءِ المَخاضِ رِوايَةَ الدّارَقُطْنِيِّ المَرْفُوعَةَ الَّتِي قالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ سَنَدَها أصَحُّ مِن رِوايَةِ أبْناءِ المَخاضِ، وكَثْرَةِ مَن قالَ بِذَلِكَ مِنَ العُلَماءِ.
وَفِي دِيَةِ الخَطَأِ لِلْعُلَماءِ أقْوالٌ أُخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا، واسْتَدَلُّوا لَها بِأحادِيثَ أُخْرى انْظُرْها في ”سُنَنِ النَّسائِيِّ، وأبِي داوُدَ، والبَيْهَقِيِّ“ وغَيْرِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ الدِّيَةَ عَلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفُ دِينارٍ، وعَلى أهْلِ الوَرِقِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: عَشَرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، وعَلى أهْلِ البَقَرِ مِائَتا بَقَرَةٍ، وعَلى أهْلِ الشّاءِ ألْفا شاةٍ، وعَلى أهْلِ الحُلَلِ مِائَتا حُلَّةٍ.
قالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمانَ، ثَنا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «كانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمانِمِائَةِ دِينارٍ، أوْ ثَمانِيَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، ودِيَةُ أهْلِ الكِتابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِن دِيَةِ المُسْلِمِينَ.
قالَ: فَكانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، حَتّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَقامَ خَطِيبًا فَقالَ: ألا إنَّ الإبِلَ قَدْ غَلَتْ، قالَ: فَفَرَضَها عَلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ، وعَلى أهْلِ الوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وعَلى أهْلِ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وعَلى أهْلِ الشّاءِ ألْفَيْ شاةٍ، وعَلى أهْلِ الحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ، وتَرَكَ دِيَةَ أهْلِ الكِتابِ لَمْ يَرْفَعْها فِيما رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ» .
حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَضى في الدِّيَةِ عَلى أهْلِ الإبِلِ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وعَلى أهْلِ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وعَلى أهْلِ الشّاءِ ألْفَيْ شاةٍ، وعَلى أهْلِ الحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ، وعَلى أهْلِ القَمْحِ شَيْئًا لَمْ يَحْفَظْهُ مُحَمَّدٌ» .
قالَ أبُو داوُدَ: قَرَأْتُ عَلى سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الطّالَقانِيِّ قالَ: ثِنا أبُو تُمَيْلَةَ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: ذَكَرَ عَطاءٌ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: فَرَضَ (p-١٠٩)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ مُوسى، وقالَ: وعَلى أهْلِ الطَّعامِ شَيْئًا لَمْ أحْفَظْهُ. وقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ سُلَيْمانَ قالَ: حَدَّثْنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، قالَ: أنْبَأنا مُحَمَّدُ بْنُ راشِدٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مِن قُتِلَ خَطَأً فَدَيْتُهُ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ: ثَلاثُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وثَلاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وثَلاثُونَ حَقَّةً، وعَشَرَةٌ بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ» .
قالَ: وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَوِّمُها عَلى أهْلِ القُرى أرْبَعَمِائَةِ دِينارٍ، أوْ عَدْلَها مِنَ الوَرِقِ، ويُقَوِّمُها عَلى أهْلِ الإبِلِ إذا غَلَتْ رَفَعَ قِيمَتَها، وإذا هانَتْ نَقَصَ مِن قِيمَتِها عَلى نَحْوِ الزَّمانِ ما كانَ. فَبَلَغَ قِيمَتُها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما بَيْنَ الأرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ، إلى ثَمانِمِائَةِ دِينارٍ أوْ عَدْلِها مِنَ الوَرَقِ.
قالَ: «وَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ مَن كانَ عَقْلُهُ في البَقَرِ: عَلى أهْلِ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، ومَن كانَ عَقْلُهُ في الشّاءِ: ألْفَيْ شاةٍ، وقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”أنَّ العَقْلَ مِيراثٌ بَيْنَ ورَثَةِ القَتِيلِ عَلى فَرائِضِهِمْ، فَما فَضَلَ فَلِلْعَصَبَةِ» «وَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ“ أنْ يَعْقِلَ عَلى المَرْأةِ عَصَبَتُها مَن كانُوا، ولا يَرِثُونَ مِنهُ إلّا ما فَضَلَ عَنْ ورَثَتِها، وإنْ قُتِلَتْ فَعَقْلُها بَيْنَ ورَثَتِها وهم يَقْتُلُونَ قاتِلَها» . وقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، عَنْ مُعاذِ بْنِ هانِئٍ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ (ح)، وأخْبَرَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ هانِئٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا وذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾» [التوبة: ٧٤] في أخْذِهِمُ الدِّيَةَ واللَّفْظُ لِأبِي داوُدَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ:
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”قَضى بِاثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا“ - يَعْنِي في الدِّيَةِ - انْتَهى كَلامُ النَّسائِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ أيْضًا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ الأنْبارِيُّ، ثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ. فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا»، قالَ أبُو داوُدَ: رَواهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبّاسٍ.
وَقالَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا العَبّاسُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ، ثَنا (p-١١٠)مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا»“ قالَ: وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] قالَ: بِأخْذِهِمُ الدِّيَةَ.
وَفِي المُوَطَّأِ عَنْ مالِكٍ: أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَوَّمَ الدِّيَةَ عَلى أهْلِ القُرى فَجَعَلَها عَلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ، وعَلى أهْلِ الوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، قالَ مالِكٌ: فَأهْلُ الذَّهَبِ أهْلُ الشّامِ وأهْلُ مِصْرَ، وأهْلُ الوَرِقِ أهْلُ العِراقِ.
وَعَنْ مالِكٍ في المُوَطَّأِ أيْضًا: أنَّهُ سَمِعَ أنَّ الدِّيَةَ تَقْطَعُ في ثَلاثِ سِنِينَ أوْ أرْبَعِ سِنِينَ، قالَ مالِكٌ: والثَّلاثُ أحَبُّ ما سَمِعْتُ إلى في ذَلِكَ.
قالَ مالِكٌ: الأمْرُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنا أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِن أهْلِ القُرى في الدِّيَةِ الإبِلُ، ولا مِن أهْلِ العَمُودِ الذَّهَبُ ولا الوَرِقُ، ولا مِن أهْلِ الذَّهَبِ الوَرِقُ، ولا مِن أهْلِ الوَرِقِ الذَّهَبُ.
* *
فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ.
الأوَّلُ: جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الدِّيَةَ في الخَطَأِ وشِبْهِ العَمْدِ مُؤَجَّلَةٌ في ثَلاثِ سِنِينَ، يَدْفَعُ ثُلْثَها في كُلِّ واحِدٍ مِنَ السِّنِينَ الثَّلاثِ.
قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ولا خِلافَ بَيْنِهِمْ في أنَّها مُؤَجَّلَةٌ في ثَلاثِ سِنِينَ؛ فَإنَّ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما جَعَلا دِيَةَ الخَطَأِ عَلى العاقِلَةِ في ثَلاثِ سِنِينَ، ولا نَعْرِفُ لَهُما في الصَّحابَةِ مُخالِفًا، فاتَّبَعَهم عَلى ذَلِكَ أهْلُ العِلْمِ اه.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ومِثْلُ هَذا يُسَمّى إجْماعًا سُكُوتِيًّا، وهو حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ الأُصُولِ، وأشارَ إلى ذَلِكَ صاحِبُ ”مَراقِي السُّعُودِ“ مَعَ بَيانِ شَرْطِ الِاحْتِجاجِ بِهِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
؎وَجَعْلُ مَن سَكَتَ مِثْلَ مَن أقَرْ فِيهِ خِلافٌ بَيْنِهِمْ قَدِ اشْتُهِرْ
؎فالِاحْتِجاجُ بِالسُّكُوتِي نَمّا ∗∗∗ تَفْرِيعَهُ عَلَيْهِ مَن تَقَدَّما
؎وَهُوَ بِفَقْدِ السُّخْطِ والضِّدِّ حَرِي ∗∗∗ مَعَ مُضِيِّ مُهْلَةٍ لِلنَّظَرِ
وَتَأْجِيلُها في ثَلاثِ سِنِينَ هو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
* *
الفَرْعُ الثّانِي: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في نَفْسِ الجانِي؛ هَلْ يَلْزَمُهُ قِسْطٌ مِن دِيَةِ الخَطَأِ كَواحِدٍ مِنَ العاقِلَةِ، أوْ لا.
(p-١١١)فَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ: أنَّ الجانِيَ يَلْزَمُهُ قِسْطٌ مِنَ الدِّيَةِ كَواحِدٍ مِنَ العاقِلَةِ.
وَذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ: إلى أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ مِنَ الدِّيَةِ شَيْءٌ، لِظاهِرِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”قَضى بِالدِّيَةِ عَلى عاقِلَةِ المَرْأةِ»“ وظاهِرُهُ قَضاؤُهُ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ، وحُجَّةُ القَوْلِ الآخَرِ: أنْ أصْلَ الجِنايَةِ عَلَيْهِ وهم مُعِينُونَ لَهُ، فَيَتَحَمَّلُ عَنْ نَفْسِهِ مِثْلَ ما يَتَحَمَّلُ رَجُلٌ مِن عاقِلَتِهِ.
* *
الفَرْعُ الثّالِثُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِ العاقِلَةِ الَّتِي تَحْمِلُ عَنِ الجانِي دِيَةَ الخَطَأِ.
فَمَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ العاقِلَةَ هم أهْلُ دِيوانِ القاتِلِ إنْ كانَ القاتِلُ مِن أهْلِ دِيوانٍ، وأهْلُ الدِّيوانِ أهْلُ الرّاياتِ، وهُمُ الجَيْشُ الَّذِينَ كَتَبَتْ أسْماؤُهم في الدِّيوانِ لِمُناصَرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، تُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِن عَطاياهم في ثَلاثِ سِنِينَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ دِيوانٍ فَعاقِلَتُهُ قَبِيلَتُهُ، وتُقْسَمُ عَلَيْهِمْ في ثَلاثِ سِنِينَ، فَإنْ لَمْ تَتَّسِعِ القَبِيلَةُ لِذَلِكَ ضُمَّ إلَيْهِمْ أقْرَبُ القَبائِلِ نَسَبًا عَلى تَرْتِيبِ العَصِباتِ.
وَمَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: البُداءَةُ بِأهْلِ الدِّيوانِ أيْضًا، فَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِن عَطاياهم في ثَلاثِ سِنِينَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَطاؤُهم قائِمًا فَعاقِلَتُهُ عَصَبَتُهُ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ، ولا يَحْمِلُ النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ شَيْئًا مِنَ العَقْلِ.
وَلَيْسَ لِأمْوالِ العاقِلَةِ حَدٌّ إذا بَلَغَتْهُ عَقَلُوا، ولا لِما يُؤْخَذُ مِنهم حَدٌّ، ولا يُكَلَّفُ أغْنِياؤُهُمُ الأداءَ عَنْ فُقَرائِهِمْ.
وَمِن لَمْ تَكُنْ لَهُ عَصَبَةً فَعَقْلُهُ في بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ.
والمَوالِي بِمَنزِلَةِ العَصَبَةِ مِنَ القَرابَةِ، ويَدْخُلُ في القَرابَةِ الِابْنُ والأبُ.
قالَ سَحْنُونٌ: إنْ كانَتِ العاقِلَةُ ألْفًا فَهم قَلِيلٌ، يُضَمُّ إلَيْهِمْ أقْرَبُ القَبائِلِ إلَيْهِمْ.
وَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ لا يُؤْخَذُ مِن واحِدٍ مِن أفْرادِ العَصَبَةِ مِنَ الدِّيَةِ أكْثَرُ مِن دِرْهَمٍ وثُلُثٍ في كُلِّ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الثَّلاثِ، فالمَجْمُوعُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ.
وَمَذْهَبُ أحْمَدَ والشّافِعِيُّ: أنَّ أهْلَ الدِّيوانِ لا مَدْخَلَ لَهم في العَقْلِ إلّا إذا كانُوا عَصَبَةً، ومَذْهَبُهُما رَحِمَهُما اللَّهُ: أنَّ العاقِلَةَ هي العَصَبَةُ، إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَدْخُلُ في ذَلِكَ الأبْناءُ والآباءُ ؟ فَعَنْ أحْمَدَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: أنَّهم داخِلُونَ في العَصَبَةِ؛ لِأنَّهم أقْرَبُ العَصَبَةِ، وعَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ أُخْرى والشّافِعِيُّ: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ في العاقِلَةِ؛ لِظاهِرِ حَدِيثِ (p-١١٢)أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ: «أنَّ مِيراثَ المَرْأةِ لِوَلَدِها، والدِّيَةَ عَلى عاقِلَتِها»، وظاهِرُهُ عَدَمُ دُخُولِ أوْلادِها، فَقِيسَ الآباءُ عَلى الأوْلادِ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيما يَحْمِلُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم.
فَقالَ أحْمَدُ: يَحْمِلُونَ عَلى قَدْرِ ما يُطِيقُونَ. هَذا لا يَتَقَدَّرُ شَرْعًا، وإنَّما يَرْجِعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ، فَيَفْرِضُ عَلى كُلِّ واحِدٍ قَدْرًا يَسْهُلُ ولا يُؤْذِي، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ لا يَثْبُتُ إلّا بِتَوْقِيفٍ، ولا يَثْبُتُ بِالرَّأْيِ والتَّحَكُّمِ، ولا نَصَّ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيها إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ كَمَقادِيرِ النَّفَقاتِ.
وَعَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ أُخْرى: أنَّهُ يَفْرِضُ عَلى المُوسِرِ نِصْفَ مِثْقالٍ؛ لِأنَّهُ أقَلُّ مالٍ يَتَقَدَّرُ في الزَّكاةِ فَكانَ مُعَبَّرًا بِها، ويَجِبُ عَلى المُتَوَسِّطِ رُبُعُ مِثْقالٍ؛ لِأنَّ ما دُونَ ذَلِكَ تافِهٌ لِكَوْنِ اليَدِ لا تُقْطَعُ فِيهِ، وقَدْ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: لا تُقْطَعُ اليَدُ في الشَّيْءِ التّافِهِ، وما دُونَ رُبُعِ دِينارٍ لا تُقْطَعُ فِيهِ. وهَذا اخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: أكْثَرُ ما يُحْمَلُ عَلى الواحِدِ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، ولَيْسَ لِأقَلِّهِ حَدٌّ. اه كَلامُ صاحِبِ ”المُغْنِي“ .
* *
الفَرْعُ الرّابِعُ: لا تَحْمِلُ العاقِلَةُ شَيْئًا مِنَ الكَفّارَةِ المَنصُوصُ عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، بَلْ هي في مالِ الجانِي إجْماعًا، وشَذَّ مَن قالَ: هي في بَيْتِ المالِ.
والكَفّارَةُ في قَتْلِ الخَطَأِ واجِبَةٌ إجْماعًا بِنَصِّ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الصَّرِيحَةِ في ذَلِكَ.
واخْتَلَفُوا في العَمْدِ، واخْتِلافُهم فِيهِ مَشْهُورٌ، وأجْرى القَوْلَيْنِ عَلى القِياسِ عِنْدِي قَوْلُ مَن قالَ: لا كَفّارَةَ في العَمْدِ؛ لِأنَّ العُمَدَ في القَتْلِ أعْظَمُ مِن أنْ يُكَفِّرَهُ العِتْقُ، لِقَوْلِهِ تَعالى في القاتِلِ عَمْدًا: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، فَهَذا الأمْرُ أعْلى وأفْخَمُ مِن أنْ يُكَّفَرَ بِعِتْقِ رَقَبَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
والدِّيَةُ لا تَحْمِلُها العاقِلَةُ إنْ كانَ القَتْلُ خَطَّأً ثابِتًا بِإقْرارِ الجانِي ولَمْ يُصَدِّقُوهُ، بَلْ إنَّما تَحْمِلُها إنْ ثَبَتَ القَتْلُ بِبَيِّنَةٍ، كَما ذَهَبَ إلى هَذا عامَّةُ أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وسُلَيْمانُ بْنُ مُوسى، والثَّوْرِيُّ، (p-١١٣)والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ. وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، ومالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهم. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
الفَرْعُ الخامِسُ: جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ دِيَةَ المَرْأةِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ الحُرِّ المُسْلِمِ عَلى ما بَيَّنّا.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ دِيَةَ المَرْأةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وحَكى غَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ والأصَمِّ، أنَّهُما قالا: دِيَتُها كَدِيَةِ الرَّجُلِ. وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ، مُخالِفٌ لِإجْماعِ الصَّحابَةِ، كَما قالَهُ صاحِبُ المُغْنِي.
وَجِراحُ المَرْأةِ تُساوِي جِراحَ الرَّجُلِ إلى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فَإنْ بَلَغَتِ الثُّلُثَ فَعَلى النِّصْفِ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ورُوِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وهو قَوْلُ فُقَهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ، وجُمْهُورِ أهْلِ المَدِينَةِ، وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ في القَدِيمِ.
وَقالَ الحَسَنُ: يَسْتَوِيانِ إلى النِّصْفِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّها عَلى النِّصْفِ فِيما قَلَّ أوْ كَثُرَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ شُبْرُمَةَ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ. وأبُو ثَوْرٍ، والشّافِعِيُّ في ظاهِرِ مَذْهَبِهِ، واخْتارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ؛ لِأنَّهُما شَخْصانِ تَخْتَلِفُ دِيَةُ نَفْسِهِما فاخْتَلَفَ أرْشُ جِراحِهُما. اه وهَذا القَوْلُ أقِيسُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: كَلامُ ابْنِ قُدامَةَ والخِرَقِيِّ صَرِيحٌ في أنَّ ما بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ يَسْتَوِيانِ فِيهِ، وأنَّ تَفْضِيلَهُ عَلَيْها بِنِصْفِ الدِّيَةِ إنَّما هو فِيما زادَ عَلى الثُّلُثِ، فَمُقْتَضى كَلامِهِما أنَّ دِيَةَ جائِفَةِ المَرْأةِ ومَأْمُومَتِها كَدِيَةِ جائِفَةِ الرَّجُلِ ومَأْمُومَتِهِ؛ لِأنَّ في كُلٍّ مِنَ الجائِفَةِ والمَأْمُومَةِ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وأنَّ عَقْلَها لا يَكُونُ عَلى النِّصْفِ مِن عَقْلِهِ إلّا فِيما زادَ عَلى الثُّلُثِ، كَدِيَةِ أرْبَعَةِ أصابِعَ مِنَ اليَدِ، فَإنَّ فِيها أرْبَعِينَ مِنَ الإبِلِ، إذْ في كُلِّ إصْبَعٍ عَشْرٌ، والأرْبَعُونَ أكْثَرُ مِن ثُلْثِ المِائَةِ. وكَلامُ مالِكٍ في المُوَطَّأِ وغَيْرِهِ صَرِيحٌ في أنَّ ما بَلَغَ الثُّلُثُ كالجائِفَةِ والمَأْمُومَةِ تَكُونُ دِيَةُ المَرْأةِ فِيهِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ، وأنَّ مَحَلَّ اسْتِوائِها (p-١١٤)إنَّما هو فِيما دُونَ الثُّلْثِ خاصَّةً كالمُوَضَّحَةِ والمُنَقِّلَةِ، والإصْبَعِ والإصْبَعَيْنِ والثَّلاثَةِ، وهُما قَوْلانِ مَعْرُوفانِ لِأهْلِ العِلْمِ، وأصَحَّهُما هو ما ذَكَرْناهُ عَنْ مالِكٍ، ورَجَّحَهُ ابْنُ قُدامَةَ في آخِرِ كَلامِهِ بِالحَدِيثِ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ مُشْكِلٌ جِدًّا لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ المَرْأةَ إنَّ قَطَعَتْ مِن يَدِها ثَلاثَةَ أصابِعَ كانَتْ دِيَتُها ثَلاثِينَ مِنَ الإبِلِ كَأصابِعِ الرَّجُلِ، لِأنَّها دُونَ الثُّلْثِ، وإنْ قَطَعَتْ مِن يَدِها أرْبَعَةَ أصابِعَ كانَتْ دِيَتُها عِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ، لِأنَّها زادَتْ عَلى الثُّلُثِ فَصارَتْ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ، وكَوْنُ دِيَةِ الأصابِعِ الثَّلاثَةِ ثَلاثِينَ مِنَ الإبِلِ، وِدِيَةِ الأصابِعِ الأرْبَعَةِ عِشْرِينَ في غايَةِ الإشْكالِ كَما تَرى.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذا رَبِيعَةُ بْنُ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلى سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، فَأجابَهُ بِأنَّ هَذا هو السُّنَّةُ، فَفي مُوَطَّأِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ مالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ كَمْ في إصْبَعِ المَرْأةِ ؟ قالَ: عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ في إصْبَعَيْنِ ؟ قالَ: عِشْرُونَ مِنَ الإبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ في ثَلاثٍ ؟ فَقالَ: ثَلاثُونَ مِنَ الإبِلِ. فَقُلْتُ: كَمْ في أرْبَعٍ ؟ قالَ: عِشْرُونَ مِنَ الإبِلِ. فَقُلْتُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُها، واشْتَدَّتْ مُصِيبَتُها نَقَصَ عَقْلُها ؟ فَقالَ سَعِيدٌ: أعِراقِيٌّ أنْتَ ؟ فَقُلْتُ. بَلْ عالِمٌ مُتَثَبِّتٌ، أوْ جاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ. فَقالَ سَعِيدٌ: هي السُّنَّةُ يابْنَ أخِي.
وَظاهِرُ كَلامِ سَعِيدٍ هَذا: أنَّ هَذا مِن سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ . ولَوْ قُلْنا: إنَّ هَذا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ فَإنَّهُ مُرْسَلٌ؛ لِأنَّ سَعِيدًا لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ، ومَراسِيلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْها مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ مَعَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ قالَ: إنَّ مُرادَهُ بِالسُّنَّةِ هُنا سُنَّةُ أهْلِ المَدِينَةِ.
وَقالَ النَّسائِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا عِيسى بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنا حَمْزَةُ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَيّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَقْلُ المَرْأةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِن دِيَتِها» اه وهَذا يُعَضِّدُ قَوْلَ سَعِيدٍ: إنَّ هَذا هو السُّنَّةُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: إسْنادُ النَّسائِيِّ هَذا ضَعِيفٌ فِيما يَظْهَرُ مِن جِهَتَيْنِ.
إحْداهُما: أنَّ إسْماعِيلَ بْنَ عَيّاشٍ رَواهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ورِوايَةُ إسْماعِيلَ المَذْكُورِ عَنْ غَيْرِ الشّامِيِّينَ ضَعِيفَةٌ كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ، وابْنُ جُرَيْجٍ لَيْسَ بِشامِيٍّ، بَلْ هو حِجازِيٌّ مَكِّيٌّ.
(p-١١٥)الثّانِيَةُ: أنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ عَنْعَنَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مُدَلِّسٌ، وعَنْعَنَةُ المُدَلِّسُ لا يُحْتَجُّ بِها ما لَمْ يَثْبُتِ السَّماعُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى كَما تَقَرَّرَ في عُلُومِ الحَدِيثِ، ويُؤَيِّدُ هَذا الإعْلالَ ما قالَهُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِن أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ - يَعْنِي البُخارِيَّ - قالَ: إنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْ مِن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ“ في تَرْجَمَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ المَذْكُورِ.
وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ تَصْحِيحَ ابْنِ خُزَيْمَةَ لِهَذا الحَدِيثِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وإنْ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”بُلُوغِ المَرامِ“ وسَكَتَ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وهَذا مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الحَدِيثُ يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ في ثَلاثَةِ أصابِعَ مِن أصابِعِ المَرْأةِ ثَلاثُونَ، وفي أرْبَعَةِ أصابِعَ عِشْرُونَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما عَهِدَ مِن حِكْمَةِ هَذا الشَّرْعِ الكَرِيمِ كَما تَرى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنْ جَعَلَ المَرْأةَ عَلى النِّصْفِ مِنَ الرَّجُلِ فِيما بَلَغَ الثّالِثَ فَصاعِدًا أنَّهُ في الزّائِدِ فَقَطْ، فَيَكُونُ في أرْبَعَةِ أصابِعَ مِن أصابِعِها خَمْسٌ وثَلاثُونَ، فَيَكُونُ النَّقْصُ في العَشْرَةِ الرّابِعَةُ فَقَطْ، وهَذا مَعْقُولٌ وظاهِرٌ، والحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ دِيَةَ المَرْأةِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ: ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى مِن وجْهَيْنِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنِ ابْنِ غَنَمٍ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دِيَةُ المَرْأةِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ»، ثُمَّ قالَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ورُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ وفِيهِ ضَعْفٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ عُبادَةَ بْنَ نُسَيٍّ ثِقَةٌ فاضِلٌ، فالضَّعْفُ الَّذِي يَعْنِيهِ البَيْهَقِيُّ مِن غَيْرِهِ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «دِيَةُ المَرْأةِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ في الكُلِّ» . وهو مِن رِوايَةِ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْهُ وفِيهِ انْقِطاعٌ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ، وأخْرَجَهُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ وعَنْ عُمَرَ، قالَهُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
* *
الفَرْعُ السّادِسُ: اعْلَمْ أنَّ أصَحَّ الأقْوالِ وأظْهَرُها دَلِيلًا: أنَّ دِيَةَ الكافِرِ الذِّمِّيِّ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِ، كَما قَدَّمْنا عَنْ أبِي داوُدَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ دِيَةَ أهْلِ الكِتابِ كانَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِينَ»، وأنَّ عُمَرَ لَمْ يَرْفَعْها فِيما رَفَعَ عِنْدَ تَقْوِيمِهِ الدِّيَةَ لَمّا غَلَتِ الإبِلُ.
وَقالَ أبُو داوُدَ أيْضًا في سُنَنِهِ: حَدَّثْنا يَزِيدُ بْنُ خالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ، ثَنا عِيسى بْنُ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «دِيَةُ المُعاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ» . قالَ أبُو داوُدَ: ورَواهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ، (p-١١٦)وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الحارِثِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مِثْلَهُ اه.
وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ راشِدٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى. . - وذَكَرَ كَلِمَةً مَعْناها - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَقْلُ أهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى» أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قالَ: أنْبَأنا ابْنُ وهْبٍ، قالَ: أخْبَرَنِي أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «عَقْلُ الكافِرِ نِصْفُ عَقْلِ المُؤْمِنِ» .
وَقالَ ابْنُ ماجَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ في سُنَنِهِ: حَدَّثْنا هِشامُ بْنُ عَمّارٍ، ثَنا حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَضى أنَّ عَقْلَ أهْلِ الكِتابَيْنِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى» . وأخْرَجَ نَحْوَهُ الإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.
قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هَذا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ الجارُودِ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِن قَوْلِ مَن قالَ: دِيَةُ أهْلِ الذِّمَّةِ كَدِيَةِ المُسْلِمِينَ؛ كَأبِي حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ. ومَن قالَ: إنَّها قَدْرُ ثُلْثِ دِيَةِ المُسْلِمِ. كالشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ الرِّواياتِ الَّتِي جاءَتْ بِأنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ والمُعاهِدِ كَدِيَةِ المُسْلِمِ ضَعِيفَةٌ لا يُحْتَجُّ بِها، وقَدْ بَيَّنَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ضَعْفَها في ”السُّنَنِ الكُبْرى“، وقَدْ حاوَلَ ابْنُ التُّرْكُمانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في حاشِيَتِهِ عَلى سُنَنِ البَيْهَقِيِّ أنْ يَجْعَلَ تِلْكَ الرِّواياتِ صالِحَةً لِلِاحْتِجاجِ، وهي لَيْسَ فِيها شَيْءٌ صَحِيحٌ.
أمّا الِاسْتِدْلالُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، فَيُقالُ فِيهِ: هَذِهِ دَلالَةُ اقْتِرانٍ، وهي غَيْرُ مُعْتَبِرَةٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وغايَةُ ما في البابِ: أنَّ الآيَةَ لَمْ تُبَيِّنْ قَدْرَ دِيَةِ المُسْلِمِ ولا الكافِرِ، والسُّنَّةُ بَيَّنَتْ أنَّ دِيَةَ الكافِرِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِ، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ.
أمّا اسْتِواؤُهُما في قَدْرِ الكَفّارَةِ فَلا دَلِيلَ فِيهِ عَلى الدِّيَةِ، لِأنَّها مَسْألَةٌ أُخْرى.
والأدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْنا دَلالَتَها أنَّها عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِ أقْوى، ويُؤَيِّدُها: أنَّ في الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «وَفِي النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ» فَمَفْهُومُ (p-١١٧)قَوْلِهِ ”المُؤْمِنَةِ“ أنَّ النَّفْسَ الكافِرَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، عَلى أنَّ المُخالِفَ في هَذِهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، والمُقَرَّرُ في أُصُولِهِ: أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ دَلِيلُ الخِطابِ أعْنِي مَفْهُومَ المُخالَفَةِ كَما هو مَعْلُومٌ عَنْهُ. ولا يَقُولُ بِحَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيِّدِ، فَيَسْتَدِلُّ بِإطْلاقِ النَّفْسِ عَنْ قَيْدِ الإيمانِ في الأدِلَّةِ الأُخْرى عَلى شُمُولِها لِلْكافِرِ، والقَوْلِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الكافِرِ المَقْتُولِ عَمْدًا فَتَكُونُ دِيَتُهُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، وبَيْنَ المَقْتُولِ خَطَأً فَتَكُونُ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِ، لا نَعْلَمُ لَهُ مُسْتَنَدًا مِن كِتابٍ ولا سَنَةٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَأمّا دِيَةُ المَجُوسِيِّ: فَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّها ثُلْثُ خُمْسِ دِيَةِ المُسْلِمِ؛ فَهي ثَمانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، ونِساؤُهم عَلى النِّصْفِ مِن ذَلِكَ.
وَهَذا قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ؛ مِنهم عُمَرُ وعُثْمانُ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وإسْحاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّهُ قالَ: دِيَتُهُ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ كَدِيَةِ الكِتابِيِّ.
وَقالَ النَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ: دِيَتُهُ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، وهَذا هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
والِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّ دِيَةَ المَجُوسِيِّ كَدِيَةِ الكِتابِيِّ بِحَدِيثِ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» لا يَتَّجِهُ، لِأنّا لَوْ فَرَضْنا صَلاحِيَةَ الحَدِيثِ لِلِاحْتِجاجِ، فالمُرادُ بِهِ أخْذُ الجِزْيَةَ مِنهم فَقَطْ، بِدَلِيلِ أنَّ نِساءَهم لا تَحِلُّ، وذَبائِحُهم لا تُؤْكَلُ اه.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: إنَّ قَوْلَ مَن ذَكَرْنا مِنَ الصَّحابَةِ: إنَّ دِيَةَ المَجُوسِيِّ ثُلُثُ خُمْسِ دِيَةِ المُسْلِمِ، لَمْ يُخالِفْهم فِيهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ فَصارَ إجْماعًا سُكُوتِيًّا. وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ حُجَّةٌ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: دِيَةُ المُرْتَدِّ إنْ قُتِلَ قَبْلَ الِاسْتِتابَةِ كَدِيَةِ المَجُوسِيِّ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ. وأمّا الحَرُبِيُّونَ فَلا دِيَةَ لَهم مُطْلَقًا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
الإسراء 17:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
نَهى جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ اتِّباعِ الإنْسانِ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، ويَشْمَلُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: رَأيْتُ، ولَمْ يَرَ. وسَمِعْتُ، ولَمْ يَسْمَعْ، وعَلِمْتُ، ولَمْ يَعْلَمْ. ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ قَوْلٍ بِلا عِلْمٍ، وأنْ يَعْمَلَ الإنْسانُ بِما لا يَعْلَمُ، وقَدْ أشارَ جَلَّ وعَلا إلى هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (p-١٤٦)[البقرة: ١٦٩]، وقَوْلِهِ:
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ الآيَةَ [الحجرات: ١٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]،
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا في ذَمِّ اتِّباعِ غَيْرِ العِلْمِ المَنهِيِّ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - كَثِيرَةٌ جِدًّا، وفي الحَدِيثِ: «إيّاكم والظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» .
* *
تَنْبِيهٌ
أخَذَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَنعَ التَّقْلِيدِ، قالُوا: لِأنَّهُ اتِّباعُ غَيْرِ العِلْمِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لا شَكَّ أنَّ التَّقْلِيدَ الأعْمى الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ في آياتٍ مِن كِتابِهِ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ وغَيْرُها مِنَ الآياتِ عَلى مَنعِهِ، وكُفْرِ مُتَّبِعِهِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٠]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
أمّا اسْتِدْلالُ بَعْضِ الظّاهِرِيَّةِ كابْنِ حَزْمٍ ومَن تَبِعَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها وأمْثالِها مِنَ الآياتِ عَلى مَنعِ الِاجْتِهادِ في الشَّرْعِ مُطْلَقًا، وتَضْلِيلِ القائِلِ بِهِ، ومَنعِ التَّقْلِيدِ مِن أصْلِهِ - فَهو مِن وضْعِ القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وتَفْسِيرِهِ بِغَيْرِ مَعْناهُ، كَما هو كَثِيرٌ في (p-١٤٧)الظّاهِرِيَّةِ؛ لِأنَّ مَشْرُوعِيَّةَ سُؤالِ الجاهِلِ لِلْعالِمِ وعَمَلِهِ بِفُتْياهُ أمْرٌ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كانَ العامِّيُّ يَسْألُ بَعْضَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُفْتِيهِ فَيَعْمَلُ بِفُتْياهُ، ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ كَما أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَسْألَةَ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِيها نَصٌّ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فاجْتِهادُ العالِمِ حِينَئِذٍ بِقَدْرِ طاقَتِهِ في تَفَهُّمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ لِيَعْرِفَ حُكْمَ المَسْكُوتِ عَنْهُ مِنَ المَنطُوقِ بِهِ - لا وجْهَ لِمَنعِهِ، وكانَ جارِيًا بَيْنَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ. وسَنُوضِّحُ غايَةَ الإيضاحِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ”في سُورَةِ الأنْبِياءِ والحَشْرِ“ مَسْألَةَ الِاجْتِهادِ في الشَّرْعِ، واسْتِنْباطِ حُكْمِ المَسْكُوتِ عَنْهُ مِنَ المَنطُوقِ بِهِ بِإلْحاقِهِ بِهِ، قِياسًا كانَ الإلْحاقُ أوْ غَيْرُهُ، ونُبَيِّنُ أدِلَّةَ ذَلِكَ، ونُوَضِّحُ رَدَّ شُبَهِ المُخالِفِينَ كالظّاهِرِيَّةِ والنَّظّامِ، ومَن قالَ بِقَوْلِهِمْ في احْتِجاجِهِمْ بِأحادِيثَ وآياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ عَلى دَعْواهم، وبِشُبَهٍ عَقْلِيَّةٍ حَتّى يَتَّضِحَ بُطْلانُ جَمِيعِ ذَلِكَ.
* *
وَسَنَذْكُرُ هُنا طَرَفًا قَلِيلًا مِن ذَلِكَ يُعْرَفُ بِهِ صِحَّةُ القَوْلِ بِالِاجْتِهادِ والقِياسِ فِيما لا نَصَّ فِيهِ، وأنَّ إلْحاقَ النَّظِيرِ بِنَظِيرِهِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُخالِفٍ لِلشَّرْعِ الكَرِيمِ.
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ إلْحاقَ المَسْكُوتِ عَنْهُ بِالمَنطُوقِ بِهِ بِنَفْيِ الفارِقِ بَيْنَهُما لا يَكادُ يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وهو نَوْعٌ مِنَ القِياسِ الجَلِيِّ، ويُسَمِّيهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ”القِياسُ في مَعْنى الأصْلِ“ وأكْثَرُ أهْلِ الأُصُولِ لا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ اسْمَ القِياسِ، مَعَ أنَّهُ إلْحاقُ مَسْكُوتٍ عَنْهُ بِمَنطُوقٍ بِهِ لِعَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَهُما؛ أعْنِي الفَرْقَ المُؤَثِّرَ في الحُكْمِ.
وَمِن أمْثِلَةِ هَذا النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فَإنَّهُ لا يَشُكُّ عاقِلٌ في أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّأفُّفِ المَنطُوقِ بِهِ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنِ الضَّرْبِ المَسْكُوتِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] فَإنَّهُ لا شَكَّ أيْضًا في أنَّ التَّصْرِيحَ بِالمُؤاخَذَةِ بِمِثالِ الذَّرَّةِ والإثابَةِ عَلَيْهِ المَنطُوقُ بِهِ يَدُلُّ عَلى المُؤاخَذَةِ، والإثابَةِ بِمِثْقالِ الجَبَلِ المَسْكُوتِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ٢]، لا شَكَّ في أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ شَهادَةَ أرْبَعَةٍ عُدُولٍ مَقْبُولَةٌ، وإنْ كانَتْ شَهادَةُ الأرْبَعَةِ مَسْكُوتًا عَنْها.
وَنَهْيُهُ ﷺ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالعَوْراءِ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالعَمْياءِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠]، لا شَكَّ في أنَّهُ (p-١٤٨)يَدُلُّ عَلى مَنعِ إحْراقِ مالِ اليَتِيمِ وإغْراقِهِ؛ لِأنَّ الجَمِيعَ إتْلافٌ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: «مَن أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ فَكانَ لَهُ مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأُعْطِيَ شُرَكاؤُهُ حِصَصَهم وعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وإلّا فَقَدَ عَتَقَ مِنهُ ما عَتَقَ» يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في أمَةٍ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ، لِما عُرِفَ مِنَ اسْتِقْراءِ الشَّرْعِ أنَّ الذُّكُورَةَ والأُنُوثَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى العِتْقِ وصْفانِ طَرْدِيّانِ لا تَأْثِيرَ لَهُما في أحْكامِ العِتْقِ وإنْ كانا غَيْرَ طَرْدِيَّيْنِ في غَيْرِ العِتْقِ كالشَّهادَةِ والمِيراثِ وغَيْرِهِما.
وَقَوْلُهُ ﷺ: «لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وهو غَضْبانُ»، لا شَكَّ في أنَّهُ يَدُلُّ عَلى مَنعِ قَضاءِ الحَكَمِ في كُلِّ حالٍ يَحْصُلُ بِها التَّشْوِيشُ المانِعُ مِنَ اسْتِيفاءِ النَّظَرِ؛ كالجُوعِ والعَطَشِ المُفْرِطَيْنِ، والسُّرُورِ والحُزْنِ المُفْرِطَيْنِ، والحَقْنِ والحَقْبِ المُفْرِطَيْنِ.
وَنَهْيُهُ ﷺ عَنِ البَوْلِ في الماءِ الرّاكِدِ، لا شَكَّ في أنَّهُ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنِ البَوْلِ في قارُورَةٍ مَثَلًا، وصَبِّ البَوْلِ مِنَ القارُورَةِ في الماءِ الرّاكِدِ؛ إذْ لا فَرْقَ يُؤَثِّرُ في الحُكْمِ بَيْنَ البَوْلِ فِيهِ مُباشَرَةً وصَبِّهِ فِيهِ مِن قارُورَةٍ ونَحْوِها، وأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، ولا يُمْكِنُ أنْ يُخالِفَ فِيها إلّا مُكابِرٌ. ولا شَكَّ أنَّ في ذَلِكَ كُلِّهِ اسْتِدْلالًا بِمَنطُوقٍ بِهِ عَلى مَسْكُوتٍ عَنْهُ. وكَذَلِكَ نَوْعُ الِاجْتِهادِ المَعْرُوفُ في اصْطِلاحِ أهْلِ الأُصُولِ ”بِتَحْقِيقِ المَناطِ“ لا يُمْكِنُ أنْ يُنْكِرَهُ إلّا مُكابِرٌ، ومَسائِلُهُ الَّتِي لا يُمْكِنُ الخِلافُ فِيها مِن غَيْرِ مُكابِرٍ لا يُحِيطُ بِها الحَصْرُ، وسَنَذْكُرُ أمْثِلَةً مِنها؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] فَكَوْنُ الصَّيْدِ المَقْتُولِ يُماثِلُهُ النَّوْعُ المُعَيَّنُ مِنَ النَّعَمِ اجْتِهادٌ في تَحْقِيقِ مَناطِ هَذا الحُكْمِ، نَصَّ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا في مُحْكَمِ كِتابِهِ، وهو دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَجْعَلُ الِاجْتِهادَ في الشَّرْعِ مُسْتَحِيلًا مِن أصْلِهِ، والإنْفاقُ عَلى الزَّوْجاتِ واجِبٌ، وتَحْدِيدُ القَدْرِ اللّازِمِ لا بُدَّ فِيهِ مِن نَوْعٍ مِنَ الِاجْتِهادِ في تَحْقِيقِ مَناطِ ذَلِكَ الحُكْمِ، وقِيَمُ المُتْلَفاتِ واجِبَةٌ عَلى مَن أتْلَفَ، وتَحْدِيدُ القَدْرِ الواجِبِ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ اجْتِهادٍ، والزَّكاةُ لا تُصْرَفُ إلّا في مَصْرِفِها، كالفَقِيرِ ولا يُعْلِمُ فَقْرُهُ إلّا بِأماراتٍ ظَنِّيَّةٍ يُجْتَهَدُ في الدَّلالَةِ عَلَيْها بِالقَرائِنِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الباطِنِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ، ولا يُحْكَمُ إلّا بِقَوْلِ العَدْلِ، وعَدالَتُهُ إنَّما تُعْلَمُ بِأماراتٍ ظَنِّيَّةٍ يُجْتَهَدُ في مَعْرِفَتِها بِقَرائِنِ الأخْذِ والإعْطاءِ وطُولِ المُعاشَرَةِ. وكَذَلِكَ الِاجْتِهادُ مِنَ المُسافِرِينَ في جِهَةِ القِبْلَةِ بِالأماراتِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى.
وَمِنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الِاجْتِهادِ في مَسائِلِ الشَّرْعِ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ، قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ (p-١٤٩)يَحْيى التَّمِيمِيُّ، أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسامَةَ بْنِ الهادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي قَيْسٍ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ: أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ» .
وَحَدَّثَنِي إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، ومُحَمَّدُ بْنُ أبِي عُمَرَ كِلاهُما عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِهَذا الإسْنادِ مِثْلَهُ، وزادَ في عَقِبِ الحَدِيثِ: قالَ يَزِيدُ: فَحَدَّثْتُ هَذا الحَدِيثَ أبا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقالَ: هَكَذا حَدَّثَنِي أبُو سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدّارِمِيُّ: أخْبَرَنا مَرْوانُ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ - حَدَّثَنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسامَةَ بْنِ الهادِ اللَّيْثِيُّ بِهَذا الحَدِيثِ، مِثْلَ رِوايَةِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالإسْنادَيْنِ جَمِيعًا. انْتَهى.
فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، صَرِيحٌ في جَوازِ الِاجْتِهادِ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وحُصُولِ الأجْرِ عَلى ذَلِكَ وإنْ كانَ المُجْتَهِدُ مُخْطِئًا في اجْتِهادِهِ، وهَذا يَقْطَعُ دَعْوى الظّاهِرِيَّةِ مَنعَ الِاجْتِهادِ مِن أصْلِهِ، وتَضْلِيلَ فاعِلِهِ والقائِلِ بِهِ قَطْعًا باتًّا كَما تَرى.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ هَذا الحَدِيثِ: قالَ العُلَماءُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ هَذا الحَدِيثَ في حاكِمٍ عالِمٍ أهْلٍ لِلْحُكْمِ؛ فَإنْ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ: أجْرٌ بِاجْتِهادِهِ، وأجْرٌ بِإصابَتِهِ، وإنْ أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ بِاجْتِهادِهِ. وفي الحَدِيثِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إذا أرادَ الحاكِمُ أنْ يَحْكُمَ فاجْتَهَدَ. قالُوا: فَأمّا مَن لَيْسَ بِأهْلٍ لِلْحُكْمِ فَلا يَحِلُّ لَهُ الحُكْمُ، فَإنْ حَكَمَ فَلا أجْرَ لَهُ بَلْ هو آثِمٌ، ولا يَنْعَقِدُ حُكْمُهُ سَواءٌ وافَقَ الحَقَّ أمْ لا؛ لِأنَّ إصابَتَهُ اتِّفاقِيَّةٌ لَيْسَتْ صادِرَةً عَنْ أصْلٍ شَرْعِيٍّ، فَهو عاصٍ في جَمِيعِ أحْكامِهِ سَواءٌ وافَقَ الصَّوابَ أمْ لا، وهي مَرْدُودَةٌ كُلُّها، ولا يُعْذَرُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ في السُّنَنِ: «القُضاةُ ثَلاثَةٌ: قاضٍ في الجَنَّةِ، واثْنانِ في النّارِ. قاضٍ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضى بِهِ فَهو في الجَنَّةِ، وقاضٍ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضى بِخِلافِهِ فَهو في النّارِ، وقاضٍ قَضى عَلى جَهْلٍ فَهو في النّارِ» انْتَهى الغَرَضُ مِن كَلامِ النَّوَوِيِّ.
فَإنْ قِيلَ: الِاجْتِهادُ المَذْكُورُ في الحَدِيثِ هو الِاجْتِهادُ في تَحْقِيقِ المَناطِ دُونَ غَيْرِهِ مِن أنْواعِ الِاجْتِهادِ.
فالجَوابُ أنَّ هَذا صَرْفٌ لِكَلامِهِ ﷺ عَنْ ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
(p-١٥٠)وَقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ أجْرِ الحاكِمِ إذا اجْتَهَدَ فَأصابَ أوْ أخْطَأ. حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنا حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الهادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ الحارِثِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي قَيْسٍ - مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ - عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ: أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ»، قالَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذا الحَدِيثِ أبا بَكْرِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقالَ: هَكَذا حَدَّثَنِي أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ المُطَّلِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. اهـ. فَهَذا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن مَنَعَ الِاجْتِهادَ مِن أصْلِهِ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ. ومُحاوَلَةُ ابْنِ حَزْمٍ تَضْعِيفَ هَذا الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، الَّذِي رَأيْتَ أنَّهُ في أعْلى دَرَجاتِ الصَّحِيحِ لِاتِّفاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَيْهِ - لا تَحْتاجُ إلى إبْطالِها لِظُهُورِ سُقُوطِها كَما تَرى؛ لِأنَّهُ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَرْوِيٌّ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ صَحابِيَّيْنِ جَلِيلَيْنِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَمِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ قالَ لَهُ: ”فَبِمَ تَحْكُمُ“ ؟ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ. قالَ: ”فَإنْ لَمْ تَجِدْ“ ؟ قالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ: ”فَإنْ لَمْ تَجِدْ“ ؟ قالَ: أجْتَهِدُ رَأْيِي. قالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في صَدْرِهِ وقالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِما يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ»“ .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ ما نَصُّهُ: وهَذا الحَدِيثُ في المُسْنَدِ والسُّنَنِ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَوْضِعِهِ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ (في رَوْضَةِ النّاظِرِ) بَعْدَ أنْ ساقَ هَذا الحَدِيثَ: قالُوا هَذا الحَدِيثُ يَرْوِيهِ الحارِثُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ رِجالٍ مِن أهْلِ حِمْصَ، والحارِثُ والرِّجالُ مَجْهُولُونَ؛ قالَهُ التِّرْمِذِيُّ. قُلْنا: قَدْ رَواهُ عُبادَةُ بْنُ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهى.
وَمُرادُ ابْنِ قُدامَةَ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ رَدَّ الظّاهِرِيَّةِ لِهَذا الحَدِيثِ بِجَهالَةِ مَن رَواهُ عَنْ مُعاذٍ مَرْدُودٌ بِأنَّهُ رَواهُ عُبادَةُ بْنُ نُسَيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْهُ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ لَيْسَتْ هي مُرادَ ابْنِ كَثِيرٍ بِقَوْلِهِ: هَذا الحَدِيثُ في المُسْنَدِ والسُّنَنِ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ في المُسْنَدِ ولا في (p-١٥١)السُّنَنِ، ولَعَلَّ مُرادَهُ بِجَوْدَةِ هَذا الإسْنادِ أنَّ الحارِثَ ابْنَ أخِي المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وثَّقَهُ ابْنُ حِبّانَ، وأنَّ أصْحابَ مُعاذٍ يَراهم عُدُولًا لَيْسَ فِيهِمْ مَجْرُوحٌ ولا مُتَّهَمٌ، وسَيَأْتِي اسْتِقْصاءُ البَحْثِ في طُرُقِ هَذا الحَدِيثِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومَعْلُومٌ أنَّ عُبادَةَ بْنَ نُسَيٍّ ثِقَةٌ فاضِلٌ كَما قَدَّمْنا. وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ قِيلَ صَحابِيٌّ، وذَكَرُهُ العِجْلِيُّ في كِبارِ ثِقاتِ التّابِعِينَ، قالَهُ في التَّقْرِيبِ، وحَدِيثُ مُعاذٍ هَذا تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِالقَبُولِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ ”في سُورَةِ الأنْبِياءِ“، و ”سُورَةِ الحَشْرِ“ ما اسْتَدَلَّ بِهِ أهْلُ العِلْمِ عَلى هَذا مِن آياتِ القُرْآنِ العَظِيمِ.
وَمِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ إلْحاقَ النَّظِيرِ بِنَظِيرِهِ في الشَّرْعِ جائِزٌ: ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعَلَيْها صَوْمُ نُذْرٍ، أفَأصُومُ عَنْها ؟ قالَ: ”أفَرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أكانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْها“ ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قالَ: ”فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ»“ وفي رِوايَةٍ لَهُما عَنْهُ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعَلَيْها صَوْمُ شَهْرٍ، أفَأقْضِيهِ عَنْها ؟ قالَ: ”لَوْ كانَ عَلى أُمِّكَ دَيْنٌ، أكُنْتَ قاضِيَهِ عَنْها“ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: ”فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقْضى»“ . انْتَهى.
واخْتِلافُ الرِّوايَةِ في هَذا الحَدِيثِ لا يُعَدُّ اضْطِرابًا، لِأنَّها وقائِعُ مُتَعَدِّدَةٌ: سَألَتْهُ امْرَأةٌ فَأفْتاها، وسَألَهُ رَجُلٌ فَأفْتاهُ بِمِثْلِ ما أفْتى بِهِ المَرْأةَ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ.
وَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، صَرِيحٌ في مَشْرُوعِيَّةِ إلْحاقِ النَّظِيرِ بِنَظِيرِهِ المُشارِكِ لَهُ في عِلَّةِ الحُكْمِ؛ لِأنَّهُ ﷺ بَيَّنَ إلْحاقَ دَيْنِ اللَّهِ تَعالى بِدَيْنِ الآدَمِيِّ، بِجامِعِ أنَّ الكُلَّ حَقٌّ مُطالَبٌ بِهِ تَسْقُطُ المُطالَبَةُ بِهِ بِأدائِهِ إلى مُسْتَحَقِّهِ، وهو واضِحٌ في الدَّلالَةِ عَلى القِياسِ كَما تَرى.
وَمِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا: ما رَواهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِن بَنِي فَزارَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّ امْرَأتِي ولَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”هَلْ لَكَ إبِلٌ“ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: ”فَما ألْوانُها“ ؟ قالَ: حُمْرٌ. قالَ: ”فَهَلْ يَكُونُ فِيها مِن أوْرَقَ“ ؟ قالَ: إنَّ فِيها لَوُرْقًا. قالَ: ”فَأنّى أتاها ذَلِكَ“ ؟ قالَ: عَسى أنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قالَ: ”وَهَذا عَسى أنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ»“ . اهـ.
فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ صَرِيحٌ في قِياسِ النَّظِيرِ عَلى نَظِيرِهِ، وقَدْ تَرَتَّبَ عَلى هَذا القِياسِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وهو كَوْنُ سَوادِ الوَلَدِ مَعَ بَياضِ أبِيهِ وأُمِّهِ، لَيْسَ مُوجِبًا لِلِّعانِ؛ (p-١٥٢)فَلَمْ يَجْعَلْ سَوادَهُ قَرِينَةً عَلى أنَّها زَنَتْ بِإنْسانٍ أسْوَدَ، لِإمْكانِ أنْ يَكُونَ في أجْدادِهِ مَن هو أسْوَدُ فَنَزَعَهُ إلى السَّوادِ سَوادُ ذَلِكَ الجَدِّ؛ كَما أنَّ تِلْكَ الإبِلَ الحُمْرَ فِيها جِمالٌ وُرْقٌ يُمْكِنُ أنَّ لَها أجْدادًا وُرْقًا نَزَعَتْ ألْوانُها إلى الوُرْقَةِ، وبِهَذا اقْتَنَعَ السّائِلُ.
وَمِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى إلْحاقِ النَّظِيرِ بِنَظِيرِهِ: ما رَواهُ أبُو داوُدَ، والإمامُ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «هَشَشْتُ يَوْمًا فَقَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ. فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: صَنَعْتُ اليَوْمَ أمْرًا عَظِيمًا ! قَبَّلْتُ وأنا صائِمٌ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِماءٍ وأنْتَ صائِمٌ“ ؟ فَقُلْتُ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ. فَقالَ ﷺ ”فَمَهْ»“ . اهـ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الحَدِيثُ قالَ فِيهِ النَّسائِيُّ: مُنْكَرٌ.
قُلْنا: صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ. قالَهُ الشَّوْكانِيُّ في نَيْلِ الأوْطارِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ وإسْنادُهُ صَحِيحٌ. قالَ: أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ثَنا اللَّيْثُ (ح) وثَنا عِيسى بْنُ حَمّادٍ، أخْبَرَنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ. . إلى آخَرِ الحَدِيثِ بِلَفْظِهِ المَذْكُورِ آنِفًا. ولا يَخْفى أنَّ هَذا الإسْنادَ صَحِيحٌ، فَإنَّ طَبَقَتَهُ الأُولى أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وعِيسى بْنُ حَمّادٍ، أمّا أحْمَدُ فَهو ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الكُوفِيُّ التَّمِيمِيُّ اليَرْبُوعِيُّ ثِقَةٌ حافِظٌ، وعِيسى بْنُ حَمّادٍ التَّجِيبِيُّ أبُو مُوسى الأنْصارِيُّ المُلَقَّبُ زُغْبَةَ، ثِقَةٌ. وطَبَقَتُهُ الثّانِيَةُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفَهْمِيُّ أبُو الحارِثِ المِصْرِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ، فَقِيهٌ إمامٌ مَشْهُورٌ. وطَبَقَتُهُ الثّالِثَةُ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأشَجِّ مَوْلى بَنِي مَخْزُومٍ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، أوْ أبُو يُوسُفَ المَدَنِيُّ، نَزِيلُ مِصْرَ؛ ثِقَةٌ. وطَبَقَتُهُ الرّابِعَةُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سُوِيدٍ الأنْصارِيُّ المَدَنِيُّ ثِقَةٌ. وطَبَقَتُهُ الخامِسَةُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ رِجالُهُ ثِقاتٌ كَما تَرى. فَهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في أنَّهُ ﷺ قاسَ القُبْلَةَ عَلى المَضْمَضَةِ؛ لِأنَّ المَضْمَضَةَ مُقَدِّمَةُ الشُّرْبِ، والقُبْلَةَ مُقَدِّمَةُ الجِماعِ، فالجامِعُ بَيْنَهُما أنْ كُلًّا مِنهُما مُقَدِّمَةُ الفِطْرِ، وهي لا تُفْطِرُ بِالنَّظَرِ لِذاتِها.
فَهَذِهِ الأدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْنا - فِيها الدَّلِيلُ الواضِحُ عَلى أنَّ إلْحاقَ النَّظِيرِ بِنَظِيرِهِ مِنَ الشَّرْعِ لا مُخالِفَ لَهُ؛ لِأنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ، واللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وهو ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا لِيُنَبِّهَ النّاسَ لَهُ.
(p-١٥٣)فَإنْ قِيلَ: إنَّما فَعَلَهُ ﷺ لِأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ ذَلِكَ.
قُلْنا: فِعْلُهُ حُجَّةٌ في فِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلَ، ولَوْ كانَ فَعَلَهُ بِوَحْيٍ كَسائِرِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وتَقْرِيراتِهِ، فَكُلُّها تَثْبُتُ بِها الحُجَّةُ، وإنْ كانَ هو ﷺ فَعَلَ ما فَعَلَ مِن ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* *
مَسْألَةٌ
قالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ مِن عُلَماءِ المالِكِيَّةِ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الحُكْمَ بِالقافَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] دَلَّ عَلى جَوازِ ما لَنا بِهِ عِلْمٌ، فَكُلُّ ما عَلِمَهُ الإنْسانُ أوْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ جازَ أنْ يَحْكُمَ بِهِ. وبِهَذا احْتَجَجْنا عَلى إثْباتِ القُرْعَةِ والخَرْصِ؛ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِن غَلَبَةِ الظَّنِّ، وقَدْ يُسَمّى عِلْمًا اتِّساعًا، فالقائِفُ يُلْحِقُ الوَلَدَ بِأبِيهِ مِن طَرِيقِ الشَّبَهِ بَيْنَهُما، كَما يُلْحِقُ الفَقِيهُ الفَرْعَ بِالأصْلِ عَنْ طَرِيقِ الشَّبَهِ. وفي الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أسارِيرُ وجْهِهِ، فَقالَ: ”ألَمْ تَرَيْ أنْ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ نَظَرَ آنِفًا إلى زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَلَيْهِما قَطِيفَةٌ، قَدْ غَطَّيا رُءُوسَهُما وبَدَتْ أقْدامُهُما فَقالَ: إنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأقْدامِ لَمِن بَعْضٍ»“ وفي حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ: وكانَ مُجَزِّزٌ قائِفًا. اهـ بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ في تَفْسِيرِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في اعْتِبارِ أقْوالِ القافَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى عَدَمِ اعْتِبارِها، واحْتَجَّ مَن قالَ بِعَدَمِ اعْتِبارِها بِقِصَّةِ الأنْصارِيَّةِ الَّتِي لاعَنَتْ زَوْجَها وجاءَتْ بِوَلَدٍ شَبِيهٍ جِدًّا بِمَن رُمِيَتْ بِهِ ولَمْ يَعْتَبِرْ هَذا الشَّبَهَ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمْ يَحْكم بِأنَّ الوَلَدَ مِن زِنًى ولَمْ يَجْلِدِ المَرْأةَ.
قالُوا: فَلَوْ كانَ الشَّبَهُ تَثْبُتُ بِهِ الأنْسابُ لَأثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ أنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ، فَيَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ إقامَةُ الحَدَّ عَلَيْها، والحُكْمُ بِأنَّ الوَلَدَ ابْنُ زِنًى، ولَمْ يَفْعَلِ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا مِن ذَلِكَ كَما يَأْتِي إيضاحُهُ (في سُورَةِ النُّورِ) إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَهَذا القَوْلُ بِعَدَمِ اعْتِبارِ أقْوالِ القافَةِ مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وإسْحاقَ والثَّوْرِيِّ وأصْحابِهِمْ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ إلى اعْتِبارِ أقْوالِ القافَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ في الوَلَدِ، مُحْتَجِّينَ بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُرَّ بِقَوْلِ مُجَزِّزِ بْنِ الأعْوَرِ المُدْلِجِيِّ: إنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأقْدامِ مِن بَعْضٍ، حَتّى بَرَقَتْ أسارِيرُ وجْهِهِ مِنَ السُّرُورِ» .
(p-١٥٤)قالُوا: وما كانَ ﷺ لِيُسَرَّ بِالباطِلِ ولا يُعْجِبَهُ، بَلْ سُرُورُهُ بِقَوْلِ القائِفِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الحَقِّ لا مِنَ الباطِلِ؛ لِأنَّ تَقْرِيرَهُ وحْدَهُ كافٍ في مَشْرُوعِيَّةِ ما قَرَّرَ عَلَيْهِ، وأحْرى مِن ذَلِكَ ما لَوْ زادَ السُّرُورُ بِالأمْرِ عَلى التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ، وهو واضِحٌ كَما تَرى.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا بِاعْتِبارِ أقْوالِ القافَةِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: لا يُقْبَلُ ذَلِكَ إلّا في أوْلادِ الإماءِ دُونَ أوْلادِ الحَرائِرِ. ومِنهم مَن قالَ: يُقْبَلُ ذَلِكَ في الجَمِيعِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ في أوْلادِ الحَرائِرِ والإماءِ؛ لِأنَّ سُرُورَ النَّبِيِّ ﷺ وقَعَ في ولَدِ حُرَّةٍ، وصُورَةُ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الحَقُّ، خِلافًا لِلْإمامِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قائِلًا: إنَّ صُورَةَ السَّبَبِ ظَنِّيَّةُ الدُّخُولِ، وعَقَدَهُ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
؎واجْزِمْ بِإدْخالِ ذَواتِ السَّبَبِ وارْوِ عَنِ الإمامِ ظَنًّا تُصِبِ
* *
تَنْبِيهانِ
الأوَّلُ: لا تُعْتَبَرُ أقْوالُ القافَةِ في شَبَهِ مَوْلُودٍ بِرَجُلٍ إنْ كانَتْ أُمُّهُ فِراشًا لِرَجُلٍ آخَرَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى شِدَّةَ شَبَهِ الوَلَدِ الَّذِي اخْتَصَمَ فِيهِ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ بِعُتْبَةَ بْنِ أبِي وقّاصٍ، ولَمْ يُؤَثِّرْ عِنْدَهُ هَذا الشَّبَهُ في النَّسَبِ لِكَوْنِ أُمِّ الوَلَدِ فِراشًا لِزَمْعَةَ؛ فَقالَ ﷺ «الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ» ولَكِنَّهُ ﷺ اعْتَبَرَ هَذا الشَّبَهَ مِن جِهَةٍ أُخْرى غَيْرِ النَّسَبِ، فَقالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”احْتَجِبِي عَنْهُ“ مَعَ أنَّهُ ألْحَقَهُ بِأبِيها، فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ، وهَذِهِ المَسْألَةُ أصْلٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ في مُراعاةِ الخِلافِ كَما هو مَعْلُومٌ عِنْدَهم.
* *
التَّنْبِيهُ الثّانِي
قالَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: أصْلُ القَفْوِ البُهْتُ والقَذْفُ بِالباطِلِ، ومِنهُ الحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ لا نَقْفُو أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وساقَ طُرُقَ هَذا الحَدِيثِ ابْنُ كَثِيرٍ في تارِيخِهِ، وقَوْلُهُ «لا نَقْفُو أُمَّنا» أيْ لا نَقْذِفُ أُمَّنا ونَسُبُّها، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ:
؎فَلا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ولا أقْفُو الحَواصِنَ إنْ قُفِينا
وَقَوْلُ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ:(p-١٥٥)
؎وَمِثْلُ الدُّمى شُمُّ العَرانِينِ ساكِنٌ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَياءُ لا يُشِعْنَ التَّقافِيا
والَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّ أصْلَ القَفْوِ في لُغَةِ العَرَبِ: الِاتِّباعُ كَما هو مَعْلُومٌ مِنَ اللُّغَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ اتِّباعُ المَساوِي كَما ذَكَرَهُ مَن قالَ: إنَّ أصْلَهُ القَذْفُ والبُهْتُ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ يُسْألُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ أفْعالِ جَوارِحِهِ، فَيُقالُ لَهُ: لِمَ سَمِعْتَ ما لا يَحِلُّ لَكَ سَماعُهُ ؟ ولِمَ نَظَرْتَ إلى ما لا يَحِلُّ لَكَ النَّظَرُ إلَيْهِ ؟ ولِمَ عَزَمْتَ عَلى ما لَمْ يَحِلَّ لَكَ العَزْمُ عَلَيْهِ ؟
وَيَدُلُّ لِهَذا المَعْنى آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣]، وقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الجَوارِحَ هي الَّتِي تُسْألُ عَنْ أفْعالِ صاحِبِها، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِ جَوارِحُهُ بِما فَعَلَ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وهَذا المَعْنى أبْلَغُ في الحُجَّةِ؛ فَإنَّهُ يَقَعُ تَكْذِيبُهُ مِن جَوارِحِهِ، وتِلْكَ غايَةُ الخِزْيِ، كَما قالَ: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، وقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠] .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ عِنْدِي، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَفِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ نُكْتَةٌ نَبَّهَ عَلَيْها في مَواضِعَ أُخَرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، يُفِيدُ تَعْلِيلَ النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] بِالسُّؤالِ عَنِ الجَوارِحِ المَذْكُورَةِ، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ في مَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ: أنَّ ”إنَّ“ المَكْسُورَةَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ. وإيضاحُهُ: أنَّ المَعْنى: انْتَهِ عَمّا لا يَحِلُّ لَكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْكَ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ والعَقْلِ لِتَشْكُرَهُ، وهو مُخْتَبِرُكَ بِذَلِكَ وسائِلُكَ عَنْهُ، فَلا تَسْتَعْمِلْ نِعَمَهُ في مَعْصِيَةٍ.
وَيَدُلُّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ (p-١٥٦)[النحل: ٧٨]، ونَحْوُها مِنَ الآياتِ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ راجِعَةٌ إلى ﴿السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾، وهو دَلِيلٌ عَلى الإشارَةِ ”أُولَئِكَ“ لِغَيْرِ العُقَلاءِ وهو الصَّحِيحُ، ومِن شَواهِدِهِ في العَرَبِيَّةِ قَوْلُ الشّاعِرِ وهو العَرْجِيُّ:
؎يا ما أُمَيْلَحَ غِزْلانًا شَدَنَّ لَنا مِن هاؤُلَيّائِكُنَّ الضّالِ والسَّمُرِ
وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ
خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ بَيْتَ جَرِيرٍ لا شاهِدَ فِيهِ، وأنَّ الرِّوايَةَ فِيهِ ”بَعْدَ أُولَئِكَ الأقْوامِ“ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾
نَهى اللَّهُ جَلَّ وعَلا النّاسَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ التَّجَبُّرِ والتَّبَخْتُرِ في المِشْيَةِ. وقَوْلُهُ: مَرَحًا [الإسراء: ٣٧] مَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ، وهو حالٌ عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:
؎وَمَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ حالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ
وَقُرِئَ: ”مَرِحًا“ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ الوَصْفُ مِن مَرِحَ (بِالكَسْرِ) يَمْرَحُ (بِالفَتْحِ) أيْ: لا تَمْشِ في الأرْضِ في حالِ كَوْنِكَ مُتَبَخْتِرًا مُتَمايِلًا مَشْيَ الجَبّارِينَ.
وَقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ عَنْ لُقْمانَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ الآيَةَ [لقمان: ١٨، ١٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأصْلُ المَرَحِ في اللُّغَةِ: شِدَّةُ الفَرَحِ والنَّشاطِ، وإطْلاقُهُ عَلى مَشْيِ الإنْسانِ مُتَبَخْتِرًا مَشْيَ المُتَكَبِّرِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ شِدَّةِ الفَرَحِ والنَّشاطِ عادَةً.
وَأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧] أنَّ مَعْناهُ لَنْ تَجْعَلَ فِيها خَرْقًا بِدَوْسِكَ لَها وشِدَّةِ وطْئِكَ عَلَيْها، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] أيْ: أنْتَ أيُّها المُتَكَبِّرُ المُخْتالُ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ عاجِزٌ مَحْصُورٌ بَيْنَ جَمادَيْنِ، أنْتَ عاجِزٌ عَنِ التَّأْثِيرِ فِيهِما، فالأرْضُ الَّتِي تَحْتَكَ لا تَقْدِرُ أنْ (p-١٥٧)تُؤَثِّرَ فِيها فَتَخْرِقَها بِشِدَّةِ وطْئِكَ عَلَيْها، والجِبالُ الشّامِخَةُ فَوْقَكَ لا يَبْلُغُ طُولُكَ طُولَها؛ فاعْرِفْ قَدْرَكَ، ولا تَتَكَبَّرْ، ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا.
القَوْلُ الثّانِي أنَّ مَعْنى ﴿لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧] لَنْ تَقْطَعَها بِمَشْيِكَ. قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎وَقاتِمِ الأعْماقِ خاوِي المُخْتَرَقْ ∗∗∗ مُشْتَبَهِ الأعْلامِ لَمّاعِ الخَفَقْ
لِأنَّ مُرادَهُ بِالمُخْتَرَقِ: مَكانُ الِاخْتِراقِ. أيِ المَشْيِ والمُرُورِ فِيهِ. وأجْوَدُ الأعارِيبِ في قَوْلِهِ: طُولًا أنَّهُ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، أيْ لَنْ يَبْلُغَ طُولُكَ الجِبالَ، خِلافًا لِمَن أعْرَبَهُ حالًا ومَن أعْرَبَهُ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وقَدْ أجادَ مَن قالَ:
؎وَلا تَمْشِ فَوْقَ الأرْضِ إلّا تَواضُعًا ∗∗∗ فَكَمْ تَحْتَها قَوْمٌ هم مِنكَ أرْفَعُ ∗∗∗ وَإنْ كُنْتَ في عِزٍّ وحِرْزٍ ومَنَعَةٍ ∗∗∗ فَكَمْ ماتَ مِن قَوْمٍ هم مِنكَ أمْنَعُ
واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] عَلى مَنعِ الرَّقْصِ وتَعاطِيهِ؛ لِأنَّ فاعِلَهُ مِمَّنْ يَمْشِي مَرَحًا.
الإسراء 17:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾
الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] لِلْإنْكارِ، ومَعْنى الآيَةِ: أفَخَصَّكم رَبُّكم عَلى وجْهِ الخُصُوصِ والصَّفاءِ بِأفْضَلِ الأوْلادِ وهُمُ البَنُونَ، لَمْ يَجْعَلْ فِيهِمْ نَصِيبًا لِنَفْسِهِ، واتَّخَذَ لِنَفْسِهِ أدْوَنَهم وهي البَناتُ ! وهَذا خِلافُ المَعْقُولِ والعادَةِ، فَإنَّ السّادَةَ لا يُؤْثِرُونَ عَبِيدَهم بِأجْوَدِ الأشْياءِ وأصْفاها مِنَ الشَّوْبِ، ويَتَّخِذُونَ لِأنْفُسِهِمْ أرْدَأها وأدْوَنَها، فَلَوْ كانَ جَلَّ وعَلا مُتَّخِذًا ولَدًا - سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - لاتَّخَذَ أجْوَدَ النَّصِيبَيْنِ ولَمْ يَتَّخِذْ أرْدَأهُما، ولَمْ يَصْطَفِكم دُونَ نَفْسِهِ بِأفْضَلِهِما.
وَهَذا الإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَقَدْ جَعَلُوا لَهُ الأوْلادَ ! ومَعَ ذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ أضْعَفَها وأرْدَأها وهو الإناثُ، وهم لا يَرْضَوْنَها لِأنْفُسِهِمْ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزمر: ٤]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ بِإيضاحٍ في ”سُورَةِ النَّحْلِ“، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: (p-١٥٨)﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠] بَيَّنَ فِيهِ أنَّ ادِّعاءَ الأوْلادِ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - أمْرٌ عَظِيمٌ جِدًّا، وقَدْ بَيَّنَ شِدَّةَ عِظَمِهِ
• بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥]، فالمُشْرِكُونَ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - جَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا، ثُمَّ ادَّعَوْا أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَبَدُوهم؛ فاقْتَرَفُوا الجَرِيمَةَ العُظْمى في المَقاماتِ الثَّلاثِ، والهَمْزَةُ والفاءُ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكُمْ﴾ [الإسراء: ٤٠]
قَدْ بَيَّنّا حُكْمَها بِإيضاحٍ في ”سُورَةِ النَّحْلِ“ أيْضًا.
الإسراء 17:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ .
قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ ”كَما تَقُولُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿كَما يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٤٢] بِياءِ الغَيْبَةِ. وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ، كِلاهُما حَقٌّ ويَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ. وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ الآيَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها وجْهانِ كِلاهُما حَقٌّ، وكِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، فَنَذْكُرُ الجَمِيعَ لِأنَّهُ كُلُّهُ حَقٌّ.
الأوَّلُ مِنَ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: لَوْ كانَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ أُخْرى كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ لابْتَغَوْا (أيِ الآلِهَةُ المَزْعُومَةُ) أيْ لَطَلَبُوا إلى ذِي العَرْشِ (أيْ إلى اللَّهِ) سَبِيلًا؛ أيْ إلى مُغالَبَتِهِ وإزالَةِ مُلْكِهِ، لِأنَّهم إذًا يَكُونُونَ شُرَكاءَهُ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ. سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا !
وَهَذا القَوْلُ في مَعْنى الآيَةِ هو الظّاهِرُ عِنْدِي، وهو المُتَبادِرُ مِن مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ومِنَ الآياتِ الشّاهِدَةِ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١، ٩٢]، وقَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢] وهَذا المَعْنى في الآيَةِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، والنَّقّاشِ، وأبِي مَنصُورٍ، وغَيْرِهِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ.
الوَجْهُ الثّانِي في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المَعْنى ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ (p-١٥٩)أيْ: طَرِيقًا ووَسِيلَةً تُقَرِّبُهم إلَيْهِ لِاعْتِرافِهِمْ بِفَضْلِهِ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٧]، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ قَتادَةَ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.
وَلا شَكَّ أنَّ المَعْنى الظّاهِرَ المُتَبادِرَ مِنَ الآيَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ هو القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ فَرْضَ المُحالِ، والمُحالُ المَفْرُوضُ الَّذِي هو وُجُودُ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ مُشارِكَةٍ لَهُ، لا يَظْهَرُ مَعَهُ أنَّها تَتَقَرَّبُ إلَيْهِ، بَلْ تُنازِعُهُ لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً، ولَكِنَّها مَعْدُومَةٌ مُسْتَحِيلَةُ الوُجُودِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا﴾؛ أيْ حائِلًا وساتِرًا يَمْنَعُهم مِن تَفَهُّمِ القُرْآنِ وإدْراكِهِ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ فَيَنْتَفِعُوا بِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالحِجابُ المَسْتُورُ هو ما حَجَبَ اللَّهُ بِهِ قُلُوبَهم عَنِ الِانْتِفاعِ بِكِتابِهِ، والآياتُ الشّاهِدَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٧]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ في مَعْنى الآيَةِ: قَتادَةُ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما.
الوَجْهُ الثّانِي في الآيَةِ: أنَّ المُرادَ بِالحِجابِ المَسْتُورِ أنَّ اللَّهَ يَسْتُرُهُ عَنْ أعْيُنِ الكُفّارِ فَلا يَرَوْنَهُ، قالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: أخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] أقْبَلَتِ العَوْراءُ أُمُّ جَمِيلٍ ولَها ولْوَلَةٌ وفي يَدِها فِهْرٌ وهي تَقُولُ:
مُذَمَّمًا أبَيْنا. . ودِينَهُ قَلَيْنا. . وأمْرَهُ عَصَيْنا
وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى جَنْبِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ وأنا أخافُ أنْ تَراكَ ؟ فَقالَ: ”إنَّها لَنْ تَرانِي“ وقَرَأ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ (p-١٦٠)[الإسراء: ٤٥]، فَجاءَتْ حَتّى قامَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي. فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ ما هَجاكِ، فانْصَرَفَتْ وهي تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها»، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّواياتِ بِهَذا المَعْنى.
وَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، بَعْدَ أنْ ساقَ بَعْضَ الرِّواياتِ نَحْوَ ما ذَكَرْنا في هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ ما نَصُّهُ: ولَقَدِ اتَّفَقَ لِي بِبِلادِنا - الأنْدَلُسِ - بِحِصْنِ مَنثُورٍ مِن أعْمالِ قُرْطُبَةَ مِثْلُ هَذا، وذَلِكَ أنِّي هَرَبْتُ أمامَ العَدُوِّ وانْحَزْتُ إلى ناحِيَةٍ عَنْهُ، فَلَمْ ألْبَثْ أنْ خَرَجَ في طَلَبِي فارِسانِ وأنا في فَضاءٍ مِنَ الأرْضِ قاعِدٌ لَيْسَ يَسْتُرُنِي عَنْهُما شَيْءٌ، وأنا أقْرَأُ أوَّلَ سُورَةِ يس وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ، فَعَبَرا عَلَيَّ ثُمَّ رَجَعا مِن حَيْثُ جاءا، وأحَدُهُما يَقُولُ لِلْآخَرِ: هَذا دُيْبَلَةٌ (يَعْنُونَ شَيْطانًا) وأعْمى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أبْصارَهم فَلَمْ يَرَوْنِي. اهـ، وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ هَذا الوَجْهَ في مَعْنى الآيَةِ هو الأظْهَرُ.
والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو مِن إطْلاقِ اسْمِ المَفْعُولِ وإرادَةِ اسْمِ الفاعِلِ؛ أيْ حِجابًا ساتِرًا، وقَدْ يَقَعُ عَكْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ مَدْفُوقٍ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ مَرْضِيَّةٍ. فَإطْلاقُ كُلٍّ مِنِ اسْمِ الفاعِلِ واسْمِ المَفْعُولِ وإرادَةُ الآخَرِ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والبَيانِيُّونَ يُسَمُّونَ مِثْلَ ذَلِكَ الإطْلاقِ ”مَجازًا عَقْلِيًّا“ ومِن أمْثِلَةِ إطْلاقِ المَفْعُولِ وإرادَةِ الفاعِلِ كالقَوْلِ في الآيَةِ؛ قَوْلُهم: مَيْمُونٌ ومَشْئُومٌ، بِمَعْنى يامِنٍ وشائِمٍ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: قَوْلُهُ: ﴿مَسْتُورًا﴾ عَلى مَعْناهُ الظّاهِرِ مِن كَوْنِهِ اسْمَ مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الحِجابَ مَسْتُورٌ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ فَلا يَرَوْنَهُ، أوْ مَسْتُورًا بِهِ القارِئُ فَلا يَراهُ غَيْرُهُ، واخْتارَ هَذا أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ جَعَلَ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ أكِنَّةً (جَمْعُ كِنانٍ) وهو ما يَسْتُرُ الشَّيْءَ ويُغَطِّيهِ ويُكِنُّهُ، لِئَلّا يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ لِحَيْلُولَةِ تِلْكَ الأكِنَّةِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وبَيْنَ فِقْهِ القُرْآنِ؛ أيْ فَهْمِ مَعانِيهِ فَهْمًا يَنْتَفِعُ بِهِ صاحِبُهُ، وأنَّهُ جَعَلَ في آذانِهِمْ وقْرًا؛ أيْ صَمَمًا وثِقَلًا لِئَلّا يَسْمَعُوهُ سَماعَ قَبُولٍ وانْتِفاعٍ.
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ سَبَبَ الحَيْلُولَةِ بَيْنَ القُلُوبِ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، وأنَّهُ هو كُفْرُهم، (p-١٦١)فَجازاهُمُ اللَّهُ عَلى كُفْرِهِمْ بِطَمْسِ البَصائِرِ وإزاغَةِ القُلُوبِ والطَّبْعِ والخَتْمِ والأكِنَّةِ المانِعَةِ مِن وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْها،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ الآيَةَ [الصف: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
تَنْبِيهٌ
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الرَّدُّ الواضِحُ عَلى القَدَرِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الشَّرَّ لا يَقَعُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، بَلْ بِمَشِيئَةِ العَبْدِ؛ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا عَنْ أنْ يَقَعَ في مُلْكِهِ شَيْءٌ لَيْسَ بِمَشِيئَتِهِ ؟ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٣]، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ ﷺ إذا ذَكَرَ رَبَّهُ وحْدَهُ في القُرْآنِ بِأنْ قالَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ ولّى الكافِرُونَ عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا، بُغْضًا مِنهم لِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ومَحَبَّةً لِلْإشْراكِ بِهِ جَلَّ وعَلا.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، مُبَيِّنًا أنَّ نُفُورَهم مِن ذِكْرِهِ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا سَبَبُ خُلُودِهِمْ في النّارِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الشورى: ١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٧٢] .
(p-١٦٢)
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: نُفُورًا [الإسراء: ٤٦] جَمْعُ نافِرٍ؛ فَهو حالٌ. أيْ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ في حالِ كَوْنِهِمْ نافِرِينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ وحْدَهُ مِن دُونِ إشْراكٍ، والفاعِلُ يُجْمَعُ عَلى فُعُولٍ كَساجِدٍ وسُجُودٍ، وراكِعٍ ورُكُوعٍ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ”نُفُورًا“ مَصْدَرٌ، وعَلَيْهِ فَهو ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ مِن قَوْلِهِ: ولَّوْا؛ لِأنَّ التَّوْلِيَةَ عَنْ ذِكْرِهِ وحْدَهُ بِمَعْنى النُّفُورِ مِنهُ.
الإسراء 17:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾
؛ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المَعْبُودِينَ مِن دُونِ اللَّهِ الَّذِينَ زَعَمَ الكُفّارُ أنَّهم يُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ زُلْفى، ويَشْفَعُونَ لَهم عِنْدَهُ لا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْ عابِدِيهِمْ؛ أيْ إزالَةَ المَكْرُوهِ عَنْهم، ولا تَحْوِيلًا، أيْ تَحْوِيلَهُ مِن إنْسانٍ إلى آخَرَ، أوْ تَحْوِيلَ المَرَضِ إلى الصِّحَّةِ، والفَقْرِ إلى الغِنى، والقَحْطِ إلى الجَدْبِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. ثُمَّ بَيَّنَ فِيها أيْضًا أنَّ المَعْبُودِينَ الَّذِينَ عَبَدَهُمُ الكَفّارُ مَن دُونِ اللَّهِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ بِطاعَتِهِ، ويَبْتَغُونَ الوَسِيلَةَ إلَيْهِ، أيِ الطَّرِيقَ إلى رِضاهُ ونَيْلَ ما عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ بِطاعَتِهِ فَكانَ الواجِبُ عَلَيْكم أنْ تَكُونُوا مِثْلَهم.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ مِن خُزاعَةَ - أوْ غَيْرِهِمْ - كانُوا يَعْبُدُونَ رِجالًا مِنَ الجِنِّ، فَأسْلَمَ الجِنِّيُّونَ وبَقِيَ الكُفّارُ يَعْبُدُونَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٧]، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ عُزَيْرًا والمَسِيحَ وأُمَّهُ، وعَنْهُ أيْضًا، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ زَيْدٍ، والحَسَنِ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبَدَةِ المَلائِكَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبَدَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ وعُزَيْرٍ والمَسِيحِ وأُمِّهِ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي بَيَّنَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن أنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَنْفَعُ عابِدَهُ، وأنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ مِن دُونِهِ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ ومُحْتاجٌ لَهُ جَلَّ وعَلا، بَيَّنَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ ”في سَبَأٍ“: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٢ - ٢٣]، وقَوْلِهِ ”في الزُّمَرِ“: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ (p-١٦٣)[الزمر: ٣٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ قَدَّمْنا ”في سُورَةِ المائِدَةِ“ أنَّ المُرادَ بِالوَسِيلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ”وَفي آيَةِ المائِدَةِ“: هو التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ؛ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎أرى النّاسَ لا يَدْرُونَ ما قَدْرُ أمْرِهِمْ بَلى كُلُّ ذِي لُبٍّ إلى اللَّهِ واسِلُ
وَقَدْ قَدَّمْنا ”في المائِدَةِ“ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ قَوْلَ عَنْتَرَةَ:
؎إنَّ الرِّجالَ لَهم إلَيْكِ وسِيلَةٌ ∗∗∗ إنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي
مِن هَذا المَعْنى، كَما قَدَّمْنا أنَّها تُجْمَعُ عَلى وسائِلَ، كَقَوْلِهِ:
؎إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا ∗∗∗ وعادَ التَّصافِي بَيْنَنا والوَسائِلُ
وَأصَحُّ الأعارِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، أنَّهُ بَدَلٌ مِن واوِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: يَبْتَغُونَ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا ”في سُورَةِ المائِدَةِ“ بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ .
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَذْفُ الصِّفَةِ، أيْ: وإنْ مِن قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها. وهَذا النَّعْتُ المَحْذُوفُ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]، أيْ بَلْ لا بُدَّ أنْ تُنْذِرَهُمُ الرُّسُلُ فَيَكْفُرُوا بِهِمْ وبِرَبِّهِمْ،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٨، ٩]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَغايَةُ ما في هَذا القَوْلِ حَذْفُ النَّعْتِ مَعَ وُجُودِ أدِلَّةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ؛ بِدَلِيلِ أنَّ خَرْقَ الخَضِرِ لِلسَّفِينَةِ الَّتِي رَكِبَ فِيها هو ومُوسى يُرِيدُ بِهِ سَلامَتَها مِن أخْذِ المَلِكِ لَها؛ لِأنَّهُ لا يَأْخُذُ المَعِيبَةَ الَّتِي فِيها الخَرْقُ وإنَّما يَأْخُذُ الصَّحِيحَةَ، ومِن حَذْفِ النَّعْتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]؛ أيْ بِالحَقِّ الواضِحِ الَّذِي لا لَبْسَ مَعَهُ في صِفاتِ البَقَرَةِ المَطْلُوبَةِ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ، وهو المُرَقَّشُ الأكْبَرُ:
؎(p-١٦٤)وَرُبَّ أسِيلَةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ مُهَفْهَفَةٍ لَها فَرْعٌ وجِيدُ
أيْ فَرْعٌ فاحِمٌ وجِيدٌ طَوِيلٌ.
وَقَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:
؎مَن قَوْلُهُ قَوْلٌ ومَن فِعْلُهُ ∗∗∗ فِعْلٌ ومَن نائِلُهُ نائِلُ
أيْ قَوْلُهُ قَوْلٌ فَصْلٌ، وفِعْلُهُ فِعْلٌ جَمِيلٌ، ونائِلُهُ نائِلٌ جَزِيلٌ، وإلى هَذا أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَما مِنَ المَنعُوتِ والنَّعْتِ عُقِلْ ∗∗∗ يَجُوزُ حَذْفُهُ وفي النَّعْتِ يَقِلْ
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الآيَةُ عامَّةٌ، فالقَرْيَةُ الصّالِحَةُ إهْلاكُها بِالمَوْتِ، والقَرْيَةُ الطّالِحَةُ إهْلاكُها بِالعَذابِ، ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ، والمُرادُ بِالكِتابِ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والمَسْطُورُ: المَكْتُوبُ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎مَن شاءَ بايَعْتُهُ مالِي وخُلْعَتَهُ ما ∗∗∗ تُكْمِلُ التَيْمُ في دِيوانِها سَطَرا
وَما يَرْوِيهِ مُقاتِلٌ عَنْ كِتابِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: مِن أنَّ مَكَّةَ تُخَرِّبُها الحَبَشَةُ، وتَهْلِكُ المَدِينَةُ بِالجُوعِ، والبَصْرَةُ بِالغَرَقِ، والكُوفَةُ بِالتُّرْكِ، والجِبالُ بِالصَّواعِقِ والرَّواجِفِ، وأمّا خُراسانُ فَهَلاكُها ضُرُوبٌ، ثُمَّ ذَكَرَ بَلَدًا بَلَدًا - لا يَكادُ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا أساسَ لَهُ مِنَ الصِّحَّةِ، وكَذَلِكَ ما يُرْوى عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أنَّ الجَزِيرَةَ آمِنَةٌ مِنَ الخَرابِ حَتّى تُخَرَّبَ أرْمِينِيَةُ، وأرْمِينِيَةُ آمِنَةٌ حَتّى تُخَرَّبَ مِصْرُ، ومِصْرُ آمِنَةٌ حَتّى تُخَرَّبَ الكُوفَةُ، ولا تَكُونُ المَلْحَمَةُ الكُبْرى حَتّى تُخَرَّبَ الكُوفَةُ، فَإذا كانَتِ المَلْحَمَةُ الكُبْرى فُتِحَتْ قُسْطَنْطِينَةُ عَلى يَدِ رَجُلٍ مِن بَنِي هاشِمٍ، وخَرابُ الأنْدَلُسِ مِن قِبَلِ الزِّنْجِ، وخَرابُ إفْرِيقِيَّةَ مِن قِبَلِ الأنْدَلُسِ، وخَرابُ مِصْرَ مِنَ انْقِطاعِ النِّيْلِ واخْتِلافِ الجُيُوشِ فِيها، وخَرابُ العِراقِ مِنَ الجُوعِ، وخَرابُ الكُوفَةِ مِن قِبَلِ عَدُوٍّ يَحْصُرُهم ويَمْنَعُهُمُ الشَّرابَ مِنَ الفُراتِ، وخَرابُ البَصْرَةِ مِن قَبِيلِ الغَرَقِ، وخَرابُ الأُبُلَّةِ مِن عَدُوٍّ يَحْصُرُهم بَرًّا وبَحْرًا، وخَرابُ الرَّيِّ مِنَ الدَّيْلَمِ، وخَرابُ خُراسانَ مِن قِبَلِ التِّبِتِ، وخَرابُ التِّبِتِ مِن قِبَلِ الصِّينِ، وخَرابُ الهِنْدِ واليَمَنِ مِن قِبَلِ الجَرادِ والسُّلْطانِ، وخَرابُ مَكَّةَ مِنَ الحَبَشَةِ، وخَرابُ المَدِينَةِ مِنَ الجُوعِ. اهـ.
كُلُّ ذَلِكَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ الإسْرائِيلِيّاتِ.
الإسراء 17:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾
الآيَةَ، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ آتى ثَمُودَ النّاقَةَ في حالِ كَوْنِها آيَةً مُبْصِرَةً، أيْ بَيِّنَةً تَجْعَلُهم يُبْصِرُونَ الحَقَّ واضِحًا لا لَبْسَ فِيهِ فَظَلَمُوا بِها، ولَمْ يُبَيِّنْ ظُلْمَهم بِها هاهُنا، ولَكِنَّهُ أوْضَحَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، (p-١٦٥)
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٧٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ الآيَةَ [الشمس: ١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الإسراء 17:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾
الآيَةَ [الإسراء: ٦٠]، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أخْبَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّهُ أحاطَ بِالنّاسِ؛ أيْ فَهم في قَبْضَتِهِ يَفْعَلُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ فَيُسَلِّطُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِمْ ويَحْفَظُهُ مِنهم.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ومِنَ الآياتِ الَّتِي فَصَّلَتْ بَعْضَ التَّفْصِيلِ في هَذِهِ الإحاطَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وفي هَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وبَعْضُ الآياتِ المَذْكُورَةِ مَدَنِيٌّ. أمّا آيَةُ القَمَرِ وهي قَوْلُهُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥]، الآتِيَةُ فَلا إشْكالَ في البَيانِ بِها لِأنَّها مَكِّيَّةٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ .
التَّحْقِيقُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا جَعَلَ ما أراهُ نَبِيَّهُ ﷺ مِنَ الغَرائِبِ والعَجائِبِ لَيْلَةَ الإسْراءِ والمِعْراجِ فِتْنَةً لِلنّاسِ؛ لِأنَّ عُقُولَ بَعْضِهِمْ ضاقَتْ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ، مُعْتَقِدَةً أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حَقًّا، قالُوا: كَيْفَ يُصَلِّي بِبَيْتِ المَقْدِسِ، ويَخْتَرِقُ السَّبْعَ الطِّباقَ، ويَرى ما رَأى في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، ويُصْبِحُ في مَحِلِّهِ بِمَكَّةَ ؟ هَذا مُحالٌ، فَكانَ هَذا الأمْرُ فِتْنَةً لَهم لِعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ بِهِ، واعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ، وأنَّهُ جَلَّ وعَلا جَعَلَ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ الَّتِي هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلنّاسِ، لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوهُ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٦٤]، قالُوا: ظَهَرَ كَذِبُهُ؛ لِأنَّ الشَّجَرَ لا يَنْبُتُ في الأرْضِ اليابِسَةِ، فَكَيْفَ يَنْبُتُ في أصْلِ النّارِ ؟ فَصارَ ذَلِكَ فِتْنَةً. وبَيَّنَ أنَّ هَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِ الشَّجَرَةِ المَذْكُورَةِ فِتْنَةً لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٦٢ - ٦٤] وهو واضِحٌ كَما تَرى. وأشارَ في مَوْضِعٍ آخَرَ إلى الرُّؤْيا الَّتِي جَعَلَها فِتْنَةً لَهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٢ - ١٨]، وقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ. وبِهَذا التَّحْقِيقِ الَّذِي ذَكَرْنا تَعْلَمُ (p-١٦٦)أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الرُّؤْيا الَّتِي أراهُ اللَّهُ إيّاها هي رُؤْياهُ في المَنامِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى مِنبَرِهِ، وإنَّ المُرادَ بِالشَّجَرَةِ المَلْعُونَةِ في القُرْآنِ بَنُو أُمَيَّةَ - لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ إذْ لا أساسَ لَهُ مِنَ الصِّحَّةِ، والحَدِيثُ الوارِدُ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وإنَّما وصَفَ الشَّجَرَةَ بِاللَّعْنِ لِأنَّها في أصْلِ النّارِ، وأصْلُ النّارِ بَعِيدٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، واللَّعْنُ: الإبْعادُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ لِخُبْثِ صِفاتِها الَّتِي وُصِفَتْ بِها في القُرْآنِ، أوْ لِلَعْنِ الَّذِينَ يَطْعَمُونَها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لَآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، يَدُلُّ فِيهِ إنْكارُ إبْلِيسَ لِلسُّجُودِ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ عَلى إبائِهِ واسْتِكْبارِهِ عَنِ السُّجُودِ لِمَخْلُوقٍ مِن طِينٍ، وصَرَّحَ بِهَذا الإباءِ والِاسْتِكْبارِ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَصَرَّحَ بِهِما مَعًا ”في البَقَرَةِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وصَرَّحَ بِإبائِهِ ”في الحِجْرِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، وبِاسْتِكْبارِهِ في ”ص“ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤]، وبَيَّنَ سَبَبَ اسْتِكْبارِهِ بِقَوْلِهِ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [يوسف:، ١٨ \ ٧٦]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ ”في البَقَرَةِ“، وقَوْلُهُ: ﴿طِينًا﴾ حالٌ؛ أيْ لِمَن خَلَقْتَهُ في حالِ كَوْنِهِ طِينًا. وتَجْوِيزُ الزَّمَخْشَرِيِّ كَوْنَهُ حالًا مِن نَفْسِ المَوْصُولِ، غَيْرُ ظاهِرٍ عِنْدِي. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ مِن طِينٍ. وقِيلَ: تَمْيِيزٌ، وهو أضْعَفُها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ إبْلِيسَ اللَّعِينَ قالَ لَهُ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾ [الإسراء: ٦٢]، أيْ أخْبِرْنِي: هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ فَأمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ لَهُ وهو آدَمُ؛ أيْ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وأنا خَيْرٌ مِنهَ. والكافُ في ﴿أرَأيْتَكَ﴾ حَرْفُ خِطابٍ، و ”هَذا“ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”أرَأيْتَ“ .
والمَعْنى: أخْبِرْنِي. وقِيلَ: إنَّ الكافَ مَفْعُولٌ بِهِ، و ”هَذا“ مُبْتَدَأٌ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ، وقالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَأحْتَوِيَنَّهم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَأُضِلَّنَّهم. قالَ القُرْطُبِيُّ: والمَعْنى مُتَقارِبٌ. أيْ لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ والإضْلالِ، ولَأجْتاحَنَّهم.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾، أيْ لَأقُودَنَّهم إلى ما أشاءُ؛ مِن قَوْلِ العَرَبِ: احْتَنَكْتُ الفَرَسَ: إذا جَعَلْتَ الرَّسَنَ (p-١٦٧)فِي حَنَكِهِ لِتَقُودَهُ حَيْثُ شِئْتَ. تَقُولُ العَرَبُ: حَنَكْتُ الفَرَسَ أحْنُكُهُ (مِن بابِ ضَرَبَ ونَصَرَ) واحْتَنَكْتُهُ: إذا جَعَلْتَ فِيهِ الرَّسَنَ؛ لِأنَّ الرَّسَنَ يَكُونُ عَلى حَنَكِهِ. وقَوْلُ العَرَبِ: احْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ: أيْ أكَلَ ما عَلَيْها. مِن هَذا القَبِيلِ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ بِأفْواهِهِ، والحَنَكُ حَوْلَ الفَمِ. هَذا هو أصْلُ الِاسْتِعْمالِ في الظّاهِرِ، فالِاشْتِقاقُ في المادَّةِ مِنَ الحَنَكِ، وإنْ كانَ يُسْتَعْمَلُ في الإهْلاكِ مُطْلَقًا والِاسْتِئْصالِ؛ كَقَوْلِ الرّاجِزِ:
؎أشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا وأضْعَفَتْ ∗∗∗ واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا واجْتَلَفَتْ
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَ جَلَّ وعَلا عَنْ إبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٦٢]، بَيَّنَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِهِ؛ كَقَوْلِهِ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦، ١٧]، وقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ ”في سُورَةِ النِّساءِ“ وغَيْرِها.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: إلّا قَلِيلًا [الإسراء: ٦٢] بَيَّنَ المُرادَ بِهَذا القَلِيلِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، وقَوْلِهِ: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَقَوْلُ إبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٦٢]، قالَهُ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ سَيَقَعُ وقَدْ تَحَقَّقَ لَهُ هَذا الظَّنُّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] .
الإسراء 17:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ .
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قالَ اذْهَبْ﴾ [الإسراء: ٦٣]، هَذا أمْرُ إهانَةٍ؛ أيِ اجْهَدْ جَهْدَكَ، فَقَدْ أنَظَرْناكَ ﴿فَمَن تَبِعَكَ﴾، أيْ: أطاعَكَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] أيْ وافِرًا. عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو حَيّانَ: اذْهَبْ لَيْسَ مِنَ الذَّهابِ الَّذِي هو نَقِيضُ المَجِيءِ، وإنَّما مَعْناهُ: امْضِ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ. وعَقَّبَهُ بِذِكْرِ ما جَرَّهُ سُوءُ اخْتِيارِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] .
(p-١٦٨)وَهَذا الوَعِيدُ الَّذِي أُوعِدَ بِهِ إبْلِيسُ ومَن تَبِعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَيَّنَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥]، وقَوْلِهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ ﴿وَجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: جَزاءً مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنصُوبٌ بِالمَصْدَرِ قَبْلَهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ:
؎بِمِثْلِهِ أوْ فِعْلٍ اوْ وصْفٍ نُصِبْ وكَوْنُهُ أصْلًا لِهَذَيْنِ انْتُخِبْ
والَّذِي يَظْهَرُ لِي: أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ ”مَوْفُورًا“ بِمَعْنى ”وافِرٍ“ لا داعِيَ لَهُ. بَلْ ”مَوْفُورًا“ اسْمُ مَفْعُولٍ عَلى بابِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: وفَرَ الشَّيْءَ يَفِرُهُ، فالفاعِلُ وافِرٌ، والمَفْعُولُ مَوْفُورٌ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وَمَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ ∗∗∗ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
وَعَلَيْهِ: فالمَعْنى: جَزاءً مُكَمَّلًا مُتَمَّمًا. وتُسْتَعْمَلُ هَذِهِ المادَّةُ لازِمَةً أيْضًا تَقُولُ: وفَرَ مالُهُ فَهو وافِرٌ؛ أيْ كَثِيرٌ. وقَوْلُهُ: ”مَوْفُورًا“ نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ قَبْلَهُ كَما هو واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: هَذا أمْرٌ قَدَرِيٌّ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ [مريم: ٨٣]؛ أيْ تُزْعِجُهم إلى المَعاصِي إزْعاجًا، وتَسُوقُهم إلَيْها سَوْقًا. انْتَهى.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ صِيَغَ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأجْلِبْ﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَشارِكْهُمْ﴾، إنَّما هي لِلتَّهْدِيدِ، أيِ افْعَلْ ذَلِكَ فَسَتَرى عاقِبَتَهُ الوَخِيمَةَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]،
وبِهَذا جَزَمَ أبُو حَيّانَ ”في البَحْرِ“، وهو واضِحٌ كَما تَرى. وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْزِزْ﴾، أيِ اسْتَخِفَّ مَنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَسْتَفِزَّهُ مِنهم، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، والِاسْتِفْزازُ: الِاسْتِخْفافُ. ورَجُلٌ فَزٌّ: أيْ خَفِيفٌ، ومِنهُ قِيلَ لِوَلَدِ البَقَرَةِ: فَزٌّ. لِخِفَّةِ حَرَكَتِهِ. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:(p-١٦٩)
؎كَما اسْتَغاثَ بِسَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ خافَ العُيُونَ ولَمْ يَنْظُرْ بِهِ الحَشِكُ
”والسَّيْءُ“ في بَيْتِ زُهَيْرٍ بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةً بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وآخِرُهُ هَمْزٌ: اللَّبَنُ الَّذِي يَكُونُ في أطْرافِ الأخْلافِ قَبْلَ نُزُولِ الدِّرَّةِ، والحَشَكُ أصْلُهُ السُّكُونُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرُ حَشَكَتِ الدِّرَّةُ: إذا امْتَلَأتْ، وإنَّما حَرَّكَهُ زُهَيْرٌ لِلْوَزْنِ. والغَيْطَلَةُ هُنا: بَقَرَةُ الوَحْشِ ذاتُ اللَّبَنِ. وقَوْلُهُ؛ ﴿بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، قالَ مُجاهِدٌ: هو اللَّهْوُ والغِناءُ والمَزامِيرُ؛ أيِ اسْتَخِفَّ مَنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَسْتَخِفَّهُ مِنهم بِاللَّهْوِ والغِناءِ والمَزامِيرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَوْتُهُ يَشْمَلُ كُلَّ داعٍ دَعا إلى مَعْصِيَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما وقَعَ طاعَةً لَهُ. وقِيلَ: ﴿بِصَوْتِكَ﴾: أيْ وسْوَسَتِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأجْلِبْ﴾ أصْلُ الإجْلابِ: السَّوْقُ بِجَلَبَةٍ مِنَ السّائِقِ. والجَلَبَةُ: الأصْواتُ. تَقُولُ العَرَبُ: أجْلَبَ عَلى فَرَسِهِ، وجَلَبَ عَلَيْهِ: إذا صاحَ بِهِ مِن خَلْفٍ واسْتَحَثَّهُ لِلسَّبْقِ. والخَيْلُ تُطْلَقُ عَلى نَفْسِ الأفْراسِ، وعَلى الفَوارِسِ الرّاكِبِينَ عَلَيْها، وهو المُرادُ في الآيَةِ. والرَّجْلُ: جَمْعُ راجِلٍ، كَما قَدَّمْنا أنَّ التَّحْقِيقَ: جَمْعُ ”الفاعِلِ“ وصْفًا عَلى ”فَعْلٍ“ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وأوْضَحْنا أمْثِلَتَهُ بِكَثْرَةٍ، واخْتَرْنا أنَّهُ جَمْعٌ مَوْجُودٌ أغْفَلَهُ الصَّرْفِيُّونَ؛ إذْ لَيْسَتْ فَعْلٌ - بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ - عِنْدَهم مِن صِيَغِ الجُمُوعِ، فَيَقُولُونَ فِيما ورَدَ مِن ذَلِكَ كَراجِلٍ ورَجْلٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وراكِبٍ ورَكْبٍ، وشارِبٍ وشَرْبٍ: إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعٌ، وهو خِلافُ التَّحْقِيقِ.
وَقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] بِكَسْرِ الجِيمِ - لُغَةٌ في الرَّجْلِ جَمْعِ راجِلٍ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ ”فَعِلًا“ بِمَعْنى ”فاعِلٍ“ نَحْوَ تَعِبٍ وتاعِبٍ ومَعْناهُ: ”وَجَمْعِكَ الرَّجِلِ“ . اهـ؛ أيْ: الماشِينَ عَلى أرْجُلِهِمْ.
﴿وَشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ﴾ [الإسراء: ٦٤]، أمّا مُشارَكَتُهُ لَهم في الأمْوالِ فَعَلى أصْنافٍ: (مِنها) ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِن أمْوالِهِمْ طاعَةً لَهُ؛ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وما يَأْمُرُهم بِهِ مِن إنْفاقِ الأمْوالِ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وما يَأْمُرُهم بِهِ مِنِ اكْتِسابِ الأمْوالِ بِالطُّرُقِ المُحَرَّمَةِ شَرْعًا كالرِّبا والغَصْبِ وأنْواعِ الخِياناتِ؛ لِأنَّهم إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ طاعَةً لَهُ.
وَأمّا مُشارَكَتُهُ لَهم في الأوْلادِ فَعَلى أصْنافٍ أيْضًا:
مِنها قَتْلُهم بَعْضَ أوْلادِهِمْ طاعَةً لَهُ.
(p-١٧٠)وَمِنها أنَّهم يُمَجِّسُونَ أوْلادَهم ويُهَوِّدُونَهم ويُنَصِّرُونَهم طاعَةً لَهُ ومُوالاةً.
وَمِنها تَسْمِيَتُهم أوْلادَهم عَبْدَ الحارِثِ وعَبْدَ شَمْسٍ وعَبْدَ العُزّى ونَحْوَ ذَلِكَ، لِأنَّهم بِذَلِكَ سَمَّوْا أوْلادَهم عَبِيدًا لِغَيْرِ اللَّهِ؛ طاعَةً لَهُ، ومِن ذَلِكَ أوْلادُ الزِّنى؛ لِأنَّهم إنَّما تَسَبَّبُوا في وُجُودِهِمْ بِارْتِكابِ الفاحِشَةِ؛ طاعَةً لَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
فَإذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ في آياتٍ مِن كِتابِهِ بَعْضَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن مُشارَكَةِ الشَّيْطانِ لَهم في الأمْوالِ والأوْلادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠] فَقَتْلُهم أوْلادَهُمُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ طاعَةً لِلشَّيْطانِ مُشارَكَةٌ مِنهُ لَهم في أوْلادِهِمْ حَيْثُ قَتَلُوهم في طاعَتِهِ. وكَذَلِكَ تَحْرِيمُ بَعْضِ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ المَذْكُورُ في الآيَةِ طاعَةً لَهُ مُشارَكَةٌ مِنهُ لَهم في أمْوالِهِمْ أيْضًا؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٣٦]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٨]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ الأحادِيثِ المُبَيِّنَةِ بَعْضَ مُشارَكَتِهِ لَهم فِيما ذُكِرَ، ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم»، وما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم إذا أرادَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ فَقالَ بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنا الشَّيْطانَ، وجَنِّبِ الشَّيْطانَ ما رَزَقْتَنا، فَإنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُما ولَدٌ في ذَلِكَ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْطانٌ» انْتَهى.
فاجْتِيالُ الشَّياطِينِ لَهم عَنْ دِينِهِمْ، وتَحْرِيمُها عَلَيْهِمْ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم (في الحَدِيثِ الأوَّلِ) وضُرُّها لَهم لَوْ تَرَكُوا التَّسْمِيَةَ (في الحَدِيثِ الثّانِي) كُلُّ ذَلِكَ مِن أنْواعِ مُشارَكَتِهِمْ فِيهِمْ. وقَوْلُهُ: ”فاجْتالَتْهم“ أصْلُهُ افْتَعَلَ مِنَ الجَوَلانِ؛ أيِ اسْتَخَفَّتْهُمُ الشَّياطِينُ فَجالُوا مَعَهم في الضَّلالِ. يُقالُ: جالَ واجْتالَ: إذا ذَهَبَ وجاءَ، ومِنهُ الجَوَلانُ في الحَرْبِ، واجْتالَ الشَّيْءَ: إذا ذَهَبَ بِهِ وساقَهُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والأمْرُ في قَوْلِهِ: وعِدْهم؛ (p-١٧١)كالأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَأجْلِبْ﴾، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ لِلتَّهْدِيدِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] بَيَّنَ فِيهِ أنَّ مَواعِيدَ الشَّيْطانِ كُلَّها غُرُورٌ وباطِلٌ؛ كَوَعْدِهِ لَهم بِأنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم وتُقَرِّبُهم عِنْدَ اللَّهِ زُلْفى، وأنَّ اللَّهَ لَمّا جَعَلَ لَهُمُ المالَ والوَلَدَ في الدُّنْيا سَيَجْعَلُ لَهم مِثْلَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواعِيدِ الكاذِبَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الإسراء 17:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾
الآيَةَ [الإسراء: ٦٥]، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ لا سُلْطانَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ، فالظّاهِرُ أنَّ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَذْفُ الصِّفَةِ كَما قَدَّرْنا، ويَدُلُّ عَلى الصِّفَةِ المَحْذُوفَةِ إضافَتُهُ العِبادَ إلَيْهِ إضافَةَ تَشْرِيفٍ، وتَدُلُّ لِهَذِهِ الصِّفَةِ المُقَدَّرَةِ أيْضًا آياتٌ أُخَرُ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ؛ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
الإسراء 17:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ؛ أيِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ فَغَشِيَتْهم أمْواجُ البَحْرِ كَأنَّها الجِبالُ، وظَنُّوا أنَّهم لا خَلاصَ لَهم مِن ذَلِكَ - ضَلَّ عَنْهم؛ أيْ غابَ عَنْ أذْهانِهِمْ وخَواطِرِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ كُلُّ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، فَلا يَدْعُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا اللَّهَ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُنْقِذُ مِن ذَلِكَ الكَرْبِ وغَيْرِهِ مِنَ الكُرُوبِ إلّا هو وحْدَهُ جَلَّ وعَلا، (p-١٧٢)فَأخْلَصُوا العِبادَةَ والدُّعاءَ لَهُ وحْدَهُ في ذَلِكَ الحِينِ الَّذِي أحاطَ بِهِمْ فِيهِ هَوْلُ البَحْرِ، فَإذا نَجّاهُمُ اللَّهُ وفَرَّجَ عَنْهم، ووَصَلُوا البَرَّ رَجَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] .
وَهَذا المَعْنى المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أوْضَحَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ ”في سُورَةِ الأنْعامِ“ وغَيْرِها.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ سَخافَةَ عُقُولِ الكُفّارِ، وأنَّهم إذا وصَلُوا إلى البَرِّ ونَجَوْا مِن هَوْلِ البَحْرِ رَجَعُوا إلى كُفْرِهِمْ آمِنِينَ عَذابَ اللَّهِ، مَعَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إهْلاكِهِمْ بَعْدَ وُصُولِهِمْ إلى البِرِّ، بِأنْ يَخْسِفَ بِهِمْ جانِبَ البَرِّ الَّذِي يَلِي البَحْرَ فَتَبْتَلِعَهُمُ الأرْضُ، أوْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَتُهْلِكَهم، أوْ يُعِيدَهم مَرَّةً أُخْرى في البَحْرِ فَتُغْرِقَهم أمْواجُهُ المُتَلاطِمَةُ، كَما قالَ هُنا مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ أمْنَهم وكُفْرَهم بَعْدَ وُصُولِ البَرِّ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨] وهو المَطَرُ أوِ الرِّيحُ اللَّذَيْنِ فِيهِما الحِجارَةُ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٩]؛ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم، فالباءُ سَبَبِيَّةٌ، و ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ. والقاصِفُ: رِيحُ البِحارِ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَكْسِرُ المَراكِبَ وغَيْرَها. ومِنهُ قَوْلُ أبِي تَمامٍ:
؎إنَّ الرِّياحَ إذا ما أعْصَفَتْ قَصَفَتْ عِيدانَ نَجْدٍ ولا يَعْبَأْنَ بِالرَّتَمِ
يَعْنِي: إذا ما هَبَّتْ بِشِدَّةٍ كَسَرَتْ عِيدانَ شَجَرِ نَجْدٍ؛ رَتَمًا كانَ أوْ غَيْرَهُ.
(p-١٧٣)وَهَذا المَعْنى الَّذِي بَيَّنَهُ جَلَّ وعَلا هُنا مِن قُدْرَتِهِ عَلى إهْلاكِهِمْ في غَيْرِ البَحْرِ بِخَسْفٍ أوْ عَذابٍ مِنَ السَّماءِ - أوْضَحَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]،
• وقَوْلِهِ ”في قَوْمِ لُوطٍ“: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والحاصِبُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ قِيلَ: إنَّها السَّحابَةُ أوِ الرِّيحُ، وكِلا القَوْلَيْنِ صَحِيحٌ؛ لِأنَّ كُلَّ رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَرْمِي بِالحَصْباءِ تُسَمّى حاصِبًا وحَصْبَةً، وكُلُّ سَحابَةٍ تَرْمِي بِالبَرَدِ تُسَمّى حاصِبًا أيْضًا؛ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ:
؎مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشّامِ يَضْرِبُنا ∗∗∗ بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ
وَقَوْلُ لَبِيدٍ:
؎جَرَّتْ عَلَيْها أنْ خَوَتْ مِن أهْلِها ∗∗∗ أذْيالَها كُلُّ عُصُوفٍ حَصِبَهْ
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٩٦]، ”فَعِيلٌ“ بِمَعْنى ”فاعِلٍ“ . أيْ تابِعًا يَتْبَعُنا بِالمُطالَبَةِ بِثَأْرِكم؛ كَقَوْلِهِ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٤، ١٥]، أيْ لا يَخافُ عاقِبَةَ تَبِعَةٍ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ. وكُلُّ مُطالِبٍ بَدِينٍ أوْ ثَأْرٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ تُسَمِّيهِ العَرَبُ تَبِيعًا، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ يَصِفُ عُقابًا:
؎تَلُوذُ ثَعالِبُ الشَّرَفَيْنِ مِنها ∗∗∗ كَما لاذَ الغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ
أيْ: كَعِياذِ المَدِينِ مِن صاحِبِ الدَّيْنِ الَّذِي يُطالِبُهُ بِغُرْمِهِ مِنهُ.
وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎غَدَوْا وغَدَتْ غِزْلانُهم وكَأنَّها ∗∗∗ ضَوامِنُ غُرْمٍ لَهُنَّ تَبِيعُ
أيْ خَصْمُهُنَّ مُطالَبٌ بَدِينٍ.
وَمِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٨]، وقَوْلُهُ ﷺ: «إذا أُتْبِعَ أحَدُكم عَلى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» وهَذا هو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: ”تَبِيعًا“ أيْ نَصِيرًا، وقَوْلِ مُجاهِدٍ: نَصِيرًا ثائِرًا.
* *
(p-١٧٤)تَنْبِيهٌ
لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ ذَمَّ الكُفّارَ وعاتَبَهم بِأنَّهم في وقْتِ الشَّدائِدِ والأهْوالِ خاصَّةً يُخْلِصُونَ العِبادَةَ لَهُ وحْدَهُ، ولا يَصْرِفُونَ شَيْئًا مِن حَقِّهِ لِمَخْلُوقٍ، وفي وقْتِ الأمْنِ والعافِيَةِ يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ في حُقُوقِهِ الواجِبَةِ لَهُ وحْدَهُ، الَّتِي هي عِبادَتُهُ وحْدَهُ في جَمِيعِ أنْواعِ العِبادَةِ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ جَهَلَةِ المُتَسَمِّينَ بِاسْمِ الإسْلامِ أسْوَأُ حالًا مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ، فَإنَّهم إذا دَهَمَتْهُمُ الشَّدائِدُ، وغَشِيَتْهُمُ الأهْوالُ والكُرُوبُ التَجَئُوا إلى غَيْرِ اللَّهِ مِمَّنْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الصَّلاحَ، في الوَقْتِ الَّذِي يُخْلِصُ فِيهِ الكُفّارُ العِبادَةَ لِلَّهِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا أوْضَحَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ إجابَةَ المُضْطَرِّ وإنْجاءَهُ مِنَ الكَرْبِ مِن حُقُوقِهِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ.
وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ”في سُورَةِ النَّمْلِ“: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ أمْ ما ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الآياتِ [الصافات: ٢٧] ٥٩ - ٦٢، فَتَراهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيماتِ جَعَلَ إجابَةَ المُضْطَرِّ إذا دَعا وكَشْفَ السُّوءِ عَنْهُ مِن حَقِّهِ الخالِصِ الَّذِي لا يُشارِكُهُ فِيهِ أحَدٌ؛ كَخَلْقِهِ السَّمَواتِ والأرْضَ، وإنْزالِهِ الماءَ مِنَ السَّماءِ، وإنْباتِهِ بِهِ الشَّجَرَ، وجَعْلِهِ الأرْضَ قَرارًا، وجَعْلِهِ خِلالَها أنْهارًا، وجَعْلِهِ لَها رَواسِيَ، وجَعْلِهِ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا، إلى آخَرِ ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ مِن غَرائِبِ صُنْعِهِ وعَجائِبِهِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ؛ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيماتِ: كانَ سَبَبَ إسْلامِ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ؛ فَإنَّهُ لِما فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ ذَهَبَ فارًّا مِنهُ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ، فَرَكِبَ في البَحْرِ مُتَوَجِّهًا إلى الحَبَشَةِ، فَجاءَتْهم رِيحٌ عاصِفٌ فَقالَ القَوْمُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّهُ لا يُغْنِي عَنْكم إلّا أنْ تَدْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ، فَقالَ عِكْرِمَةُ في نَفْسِهِ: واللَّهِ إنْ كانَ لا يَنْفَعُ في البَحْرِ غَيْرُهُ فَإنَّهُ لا يَنْفَعُ في البَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، لَئِنْ أخْرَجْتَنِي مِنهُ لَأذْهَبَنَّ فَلَأضَعَنَّ يَدِيَ في يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَأجِدَنَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا. فَخَرَجُوا مِنَ البَحْرِ، فَخَرَجَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. اهـ.
(p-١٧٥)والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] راجِعٌ إلى الإهْلاكِ بِالإغْراقِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٩]، أيْ لا تَجِدُونَ تَبِيعًا يَتْبَعُنا بِثَأْرِكم بِسَبَبِ ذَلِكَ الإغْراقِ.
وَقالَ صاحِبُ رُوحِ المَعانِي: وضَمِيرُ ”بِهِ“ قِيلَ لِلْإرْسالِ، وقِيلَ لِلْإغْراقِ، وقِيلَ لَهُما بِاعْتِبارِ ما وقَعَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ .
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مِن تَكْرِيمِهِ لِبَنِي آدَمَ خَلْقُهُ لَهم عَلى أكْمَلِ الهَيْئاتِ وأحْسَنِها، فَإنَّ الإنْسانَ يَمْشِي قائِمًا مُنْتَصِبًا عَلى رِجْلَيْهِ، ويَأْكُلُ بِيَدَيْهِ، وغَيْرُهُ مِنَ الحَيَواناتِ يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ، ويَأْكُلُ بِفَمِهِ.
وَمِمّا يَدُلُّ لِهَذا مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وفي الآيَةِ كَلامٌ غَيْرُ هَذا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾
الآيَةَ، أيْ في البِرِّ عَلى الأنْعامِ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ.
والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا مُسْتَوْفًى بِإيضاحٍ ”في سُورَةِ النَّحْلِ“ .
الإسراء 17:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ .
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ ”بِإمامِهِمْ“ هُنا كِتابُ أعْمالِهِمْ.
وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، واخْتارَ هَذا القَوْلَ ابْنُ كَثِيرٍ؛ لِدَلالَةِ آيَةِ ”يس“ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِ. وهَذا القَوْلُ رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَها ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، وعَزاهُ ابْنُ كَثِيرٍ لِابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ والحَسَنِ، وعَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ: أنَّ المُرادَ بِـ ﴿بِإمامِهِمْ﴾ نَبِيُّهم.
(p-١٧٦)وَيَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧]، وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ الآيَةَ [النساء: ٤١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٨٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٩] .
قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: وفي هَذا أكْبَرُ شَرَفٍ لِأصْحابِ الحَدِيثِ؛ لِأنَّ إمامَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ .
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿بِإمامِهِمْ﴾؛ أيْ بِكِتابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى نَبِيِّهِمْ مِنَ التَّشْرِيعِ؛ ومِمَّنْ قالَ بِهِ: ابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، أيْ نَدْعُو كُلَّ قَوْمٍ بِمَن يَأْتَمُّونَ بِهِ، فَأهْلُ الإيمانِ أئِمَّتُهُمُ الأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وأهْلُ الكُفْرِ أئِمَّتُهم سادَتُهم وكُبَراؤُهم مِن رُؤَساءِ الكَفَرَةِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٤١]، وهَذا الأخِيرُ أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
فَقَدْ رَأيْتَ أقْوالَ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ وما يَشْهَدُ لَها مِن قُرْآنٍ، وقَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإسراء: ٧١]، مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى تَرْجِيحِ ما اخْتارَهُ ابْنُ كَثِيرٍ مِن أنَّ الإمامَ في هَذِهِ الآيَةِ كِتابُ الأعْمالِ.
وَذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ كِتابَهم بِأيْمانِهِمْ يَقْرَءُونَهُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.
وَقَدْ أوْضَحَ هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا مُسْتَوْفًى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.
وَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِـ ﴿بِإمامِهِمْ﴾ كَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ”أُمَّهاتُهم“ أيْ يُقالُ: يا فُلانُ ابْنَ فُلانَةٍ - قَوْلٌ باطِلٌ بِلا شَكٍّ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يُرْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ فَيُقالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانِ ابْنِ فُلانٍ» .
الإسراء 17:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
المُرادُ بِالعَمى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: عَمى القَلْبِ لا عَمى العَيْنِ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٧٧)﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]؛ لِأنَّ عَمى العَيْنِ مَعَ إبْصارِ القَلْبِ لا يَضُرُّ، بِخِلافِ العَكْسِ؛ فَإنَّ أعْمى العَيْنِ يَتَذَكَّرُ فَتَنْفَعُهُ الذِّكْرى بِبَصِيرَةِ قَلْبِهِ، قالَ تَعالى: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ١ - ٤] .
؎إذا بَصُرَ القَلْبُ المُرُوءَةَ والتُّقى فَإنَّ عَمى العَيْنَيْنِ لَيْسَ يَضِيرُ
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمّا عَمِيَ في آخِرِ عُمْرِهِ كَما رُوِيَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُ:
؎إنْ يَأْخُذِ اللَّهُ مِن عَيْنِي نُورَهُما ∗∗∗ فَفي لِسانِي وقَلْبِي مِنهُما نُورُ ∗∗∗ قَلْبِي ذَكِيٌّ وعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ ∗∗∗ وفي فَمِي صارِمٌ كالسَّيْفِ مَأْثُورُ
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَيْسَتِ الصِّيغَةُ صِيغَةَ تَفْضِيلٍ، بَلِ المَعْنى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى كَذَلِكَ لا يَهْتَدِي إلى نَفْعٍ، وبِهَذا جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ لَفْظَةَ ”أعْمى“ الثّانِيَةَ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ؛ أيْ هو أشَدُّ عَمًى في الآخِرَةِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَأضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ فَإنَّها صِيغَةُ تَفْضِيلٍ بِلا نِزاعٍ. والمُقَرَّرُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ: أنَّ صِيغَتَيِ التَّعَجُّبِ وصِيغَةَ التَّفْضِيلِ لا يَأْتِيانِ مِن فِعْلٍ، الوَصْفُ مِنهُ عَلى ”أفْعَلَ“ الَّذِي أُنْثاهُ فَعْلاءُ؛ كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَغَيْرِ ذِي وصْفٍ يُضاهِي أشْهَلا
والظّاهِرُ أنَّ ما وُجِدَ في كَلامِ العَرَبِ مَصُوغًا مِن صِيغَةِ تَفْضِيلٍ أوْ تَعَجُّبٍ غَيْرَ مُسْتَوْفٍ لِلشُّرُوطِ، أنَّهُ يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ؛ كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَبِالنُّدُورِ احْكم لِغَيْرِ ما ذُكِرْ ∗∗∗ ولا تَقِسْ عَلى الَّذِي مِنهُ أُثِرْ
وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
؎ما في المَعالِي لَكم ظِلٌّ ولا ثَمَرُ ∗∗∗ وفي المَخازِي لَكم أشْباحُ أشْياخِ ∗∗∗ أمّا المُلُوكُ فَأنْتَ اليَوْمَ ألْأمُهم ∗∗∗ لُؤْمًا وأبْيَضُهم سِرْبالَ طَبّاخِ
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ قَوْلَهُ في هَذا البَيْتِ ”وَأبْيَضُهم سِرْبالَ طَبّاخِ“ لَيْسَ صِيغَةَ (p-١٧٨)تَفْضِيلٍ، بَلِ المَعْنى أنْتَ وحْدَكَ الأبْيَضُ سِرْبالَ طَبّاخٍ مِن بَيْنِهِمْ.
الإسراء 17:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ .
رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ، قالُوا لَهُ ﷺ: لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حَتّى تُلِمَّ بِآلِهَتِنا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: أنَّها نَزَلَتْ في وفْدِ ثَقِيفٍ، أتَوُا النَّبِيَّ فَسَألُوهُ شَطَطًا، قالُوا: مَتِّعْنا بِآلِهَتِنا سَنَةً حَتّى نَأْخُذَ ما يُهْدى لَها، وحَرِّمْ وادِيَنا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ في سَبَبِ نُزُولِها، وعَلى كُلِّ حالٍ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ.
وَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ كادُوا يَفْتِنُونَهُ، أيْ قارَبُوا ذَلِكَ. ومَعْنى يَفْتِنُونَكَ: يُزِلُّونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ مِمّا لَمْ نُوحِهِ إلَيْكَ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: قارَبُوا ذَلِكَ في ظَنِّهِمْ لا فِيما في نَفْسِ الأمْرِ، وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ خَطَرَ في قَلْبِهِ ﷺ أنْ يُوافِقَهم في بَعْضِ ما أحَبُّوا لِيَجُرَّهم إلى الإسْلامِ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى إسْلامِهِمْ.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ الإتْيانَ بِغَيْرِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وأنَّهُ امْتَنَعَ أشَدَّ الِامْتِناعِ، وقالَ لَهم: إنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ بَلْ يَتَّبِعُ ما أوْحى إلَيْهِ رَبُّهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإنْ كادُوا﴾ [الإسراء: ٧٣]، هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وهي هُنا مُهْمَلَةٌ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ إنِ النّافِيَةِ، كَما قالَ في الخُلاصَةِ:
؎وَخُفِّفَتْ إنَّ فَقَلَّ العَمَلُ وتَلْزَمُ اللّامُ إذا ما تُهْمَلُ
والغالِبُ أنَّها لا تَكُونُ كَذَلِكَ مَعَ فِعْلٍ إلّا إنْ كانَ ناسِخًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ في الخُلاصَةِ:
؎والفِعْلُ إنْ لَمْ يَكُ ناسِخًا فَلا ∗∗∗ تُلْفِيهِ غالِبًا بِإنْ ذِي مُوصَلا
كَما هو مَعْرُوفٌ في النَّحْوِ.
الإسراء 17:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَثْبِيتَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ، وعِصْمَتَهُ لَهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى الكُفّارِ، وأنَّهُ لَوْ رَكَنَ إلَيْهِمْ لَأذاقَهُ ضِعْفَ الحَياةِ (p-١٧٩)وَضِعْفَ المَماتِ؛ أيْ: مِثْلَيْ عَذابِ الحَياةِ في الدُّنْيا ومِثْلَيْ عَذابِ المَماتِ في الآخِرَةِ، وبِهَذا جَزَمَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ. وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِضِعْفِ عَذابِ المَماتِ: العَذابُ المُضاعَفُ في القَبْرِ. والمُرادُ بِضِعْفِ الحَياةِ: العَذابُ المُضاعَفُ في الآخِرَةِ بَعْدَ حَياةِ البَعْثِ، وبِهَذا جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. والآيَةُ تَشْمَلُ الجَمِيعَ.
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِن شِدَّةِ الجَزاءِ لِنَبِيِّهِ - لَوْ خالَفَ - بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] .
وَهَذا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن أنَّهُ إذا كانَتِ الدَّرَجَةُ أعْلى كانَ الجَزاءُ عِنْدَ المُخالَفَةِ أعْظَمَ - بَيَّنَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٠] .، ولَقَدْ أجادَ مَن قالَ:
؎وَكَبائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِيرِ صَغائِرُ وصَغائِرُ الرَّجُلِ الكَبِيرِ كَبائِرُ
تَنْبِيهٌ
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أوْضَحَتْ غايَةَ الإيضاحِ بَراءَةَ نَبِيِّنا ﷺ مِن مُقارَبَةِ الرُّكُونِ إلى الكُفّارِ، فَضْلًا عَنْ نَفْسِ الرُّكُونِ؛ لِأنَّ لَوْلا [الإسراء: ٧٤] حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ؛ فَمُقارَبَةُ الرُّكُونِ مَنَعَتْها لَوْلا الِامْتِناعِيَّةُ لِوُجُودِ التَّثْبِيتِ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا لِأكْرَمِ خَلْقِهِ ﷺ، فَصَحَّ يَقِينًا انْتِفاءُ مُقارَبَةِ الرُّكُونِ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ نَفْسِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ ما قَبْلَها، وأنَّهُ لَمْ يُقارِبِ الرُّكُونَ إلَيْهِمُ البَتَّةَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، أيْ قارَبْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ - هو عَيْنُ المَمْنُوعِ بِـ لَوْلا الِامْتَناعِيَّةِ كَما تَرى، ومَعْنى ﴿تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾: تَمِيلُ إلَيْهِمْ.
الإسراء 17:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾
الآيَةَ، قَدْ بَيَّنّا ”في سُورَةِ النِّساءِ“: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مِنَ الآياتِ الَّتِي أشارَتْ لِأوْقاتِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ لِزَوالِها عَلى التَّحْقِيقِ، فَيَتَناوَلُ وقْتَ الظُّهْرِ والعَصْرِ؛ بِدَلِيلِ الغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؛ أيْ ظَلامِهِ، وذَلِكَ يَشْمَلُ وقْتَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾، أيْ صَلاةَ الصُّبْحِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ وأشَرْنا لِلْآياتِ المُشِيرَةِ لِأوْقاتِ الصَّلَواتِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآيَةَ [هود: ١١٤]، وقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الآيَةَ [الروم: ١٧] . وأقَمْنا بَيانَ ذَلِكَ (p-١٨٠)مِنَ السُّنَّةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، فَراجِعْهُ هُناكَ إنْ شِئْتَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾، الحَقُّ في لُغَةِ العَرَبِ: الثّابِتُ الَّذِي لَيْسَ بِزائِلٍ ولا مُضْمَحِلٍّ، والباطِلُ: هو الذّاهِبُ المُضْمَحِلُّ. والمُرادُ بِالحَقِّ في هَذِهِ الآيَةِ: هو ما في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ والسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مِن دِينِ الإسْلامِ، والمُرادُ بِالباطِلِ فِيها: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والمَعاصِي المُخالِفَةُ لِدِينِ الإسْلامِ.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الإسْلامَ جاءَ ثابِتًا راسِخًا، وأنَّ الشِّرْكَ بِاللَّهِ زَهَقَ؛ أيْ ذَهَبَ واضْمَحَلَّ وزالَ. تَقُولُ العَرَبُ: زَهَقَتْ نَفْسُهُ: إذا خَرَجَتْ وزالَتْ مِن جَسَدِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا، أيْ مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ في كُلِّ وقْتٍ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وذَكَرَ أنَّ الحَقَّ يُزِيلُ الباطِلَ ويُذْهِبُهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ [سبإ: ٤٨، ٤٩]، وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ .
وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، وحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وثَلاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾» [الإسراء: ٨١]، ﴿جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ [سبإ: ٤٩] .
وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو يَعْلى وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «دَخَلْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَأمَرَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُكِبَّتْ لِوَجْهِها، وقالَ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾» [الإسراء: ٨١] .
وَأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، وعَلى الكَعْبَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَشَدَّ لَهم إبْلِيسُ أقْدامَها بِالرَّصاصِ؛ فَجاءَ ومَعَهُ قَضِيبٌ فَجَعَلَ يَهْوِي إلى كُلِّ صَنَمٍ مِنها فَيَخِرُّ لِوَجْهِهِ فَيَقُولُ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، (p-١٨١)حَتّى مَرَّ عَلَيْها كُلِّها» .
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى كَسْرِ نُصُبِ المُشْرِكِينَ وجَمِيعِ الأوْثانِ إذا غُلِبَ عَلَيْهِمْ، ويَدْخُلُ بِالمَعْنى كَسْرُ آلَةِ الباطِلِ كُلِّهِ وما لا يَصْلُحُ إلّا لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ كالطَّنابِيرِ والعِيدانِ والمَزامِيرِ الَّتِي لا مَعْنى لَها إلّا اللَّهْوُ بِها عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وفي مَعْنى الأصْنامِ: الصُّوَرُ المُتَّخَذَةُ مِنَ المَدَرِ والخَشَبِ وشِبْهِها، وكُلُّ ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ مِمّا لا مَنفَعَةَ فِيهِ إلّا اللَّهْوُ المَنهِيُّ عَنْهُ، ولا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنهُ إلّا الأصْنامَ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ والرَّصاصِ إذا غُيِّرَتْ عَمّا هي عَلَيْهِ وصارَتْ نِقَرًا أوْ قِطَعًا فَيَجُوزُ بَيْعُها والشِّراءُ بِها. قالَ المُهَلَّبُ: وما كُسِرَ مِن آلاتِ الباطِلِ وكانَ في حَبْسِها بَعْدَ كَسْرِها مَنفَعَةٌ فَصاحِبُها أوْلى بِها مَكْسُورَةً، إلّا أنْ يَرى الإمامُ حَرْقَها بِالنّارِ عَلى مَعْنى التَّشْدِيدِ والعُقُوبَةِ في المالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ حَرْقُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقَدْ هَمَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَحْرِيقِ دُورِ مَن تَخَلَّفَ عَنْ صَلاةِ الجَماعَةِ، وهَذا أصْلٌ في العُقُوبَةِ في المالِ، مَعَ «قَوْلِهِ ﷺ في النّاقَةِ الَّتِي لَعَنَتْها صاحِبَتُها ”دَعُوها فَإنَّها مَلْعُونَةٌ“»، فَأزالَ مِلْكَها عَنْها تَأْدِيبًا لِصاحِبَتِها، وعُقُوبَةً لَها فِيما دَعَتْ عَلَيْهِ بِما دَعَتْ بِهِ، وقَدْ أراقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَبَنًا شِيبَ بِماءٍ عَلى صاحِبِهِ. اهـ الغَرَضُ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. .
وَقَوْلُهُ ﷺ: «واللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، ولَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ» الحَدِيثَ، مِن قَبِيلِ ما ذَكَرْنا دَلالَةَ الآيَةِ عَلَيْهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا في أوَّلِ ”سُورَةِ البَقَرَةِ“ الآياتِ المُبَيِّنَةَ لِهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ما هو شِفاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] يَشْمَلُ كَوْنَهُ شِفاءً لِلْقَلْبِ مِن أمْراضِهِ؛ كالشَّكِّ والنِّفاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَوْنَهُ شِفاءً لِلْأجْسامِ إذا رُقِيَ عَلَيْها بِهِ، كَما تَدُلُّ لَهُ قِصَّةُ الَّذِي رَقى الرَّجُلَ اللَّدِيغَ بِالفاتِحَةِ، وهي صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونُنْزِلُ بِإسْكانِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّايِ، والباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الزّايِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:83
(p-١٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾
؛ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ إذا أنْعَمَ عَلى الإنْسانِ بِالصِّحَّةِ والعافِيَةِ والرِّزْقِ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، ونَأى بِجانِبِهِ، أيْ تَباعَدَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ، فَلَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَهُ، ولَمْ يَجْتَنِبْ نَهْيَهُ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، مُسْتَبِدٌّ بِنَفْسِهِ ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] تَأْكِيدٌ لِلْإعْراضِ؛ لِأنَّ الإعْراضَ عَنِ الشَّيْءِ أنْ يُوَلِّيَهُ عُرْضَ وجْهِهِ. والنَّأْيُ بِالجانِبِ: أنْ يَلْوِيَ عَنْهُ عِطْفَهُ، ويُوَلِّيَهُ ظَهْرَهُ، وأرادَ الِاسْتِكْبارَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن عادَةِ المُسْتَكْبِرِينَ. واليَئُوسُ: شَدِيدُ اليَأْسِ، أيِ القَنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.
وَقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ،
• كَقَوْلِهِ ”في سُورَةِ هُودٍ“ ﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ٩ - ١٠]
• وقَوْلِهِ في ”آخَرَ فُصِّلَتْ“: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٤٩ - ٥١]،
• وقَوْلِهِ: ”في سُورَةِ الرُّومِ“: ﴿وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣]،
• وقَوْلِهِ فِيها أيْضًا: ﴿وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]،
• وقَوْلِهِ ”في سُورَةِ يُونُسَ“: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٢]،
• وقَوْلِهِ ”في سُورَةِ الزُّمَرِ“: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٢]،
• وقَوْلِهِ فِيها أيْضًا: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدِ اسْتَثْنى اللَّهُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ ”في سُورَةِ هُودٍ“: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ١١] كَما تَقَدَّمَ (p-١٨٣)إيضاحُهُ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ ”وَناءَ“ كَجاءَ، وهو بِمَعْنى نَأى؛ كَقَوْلِهِمْ: راءَ، في: رَأى.
الإسراء 17:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ ما أعْطى خَلْقَهُ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ جَلَّ وعَلا؛ لِأنَّ ما أُعْطِيَهُ الخَلْقُ مِنَ العِلْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ الخالِقِ قَلِيلٌ جِدًّا.
وَمِنَ الآياتِ الَّتِي فِيها الإشارَةُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] .
الإسراء 17:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾
، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ فَضْلَهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ كَبِيرٌ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ١ - ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَبَيَّنَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ فَضْلَهُ كَبِيرٌ عَلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]، وبَيَّنَ المُرادَ بِالفَضْلِ الكَبِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] .
الإسراء 17:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾، بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ شِدَّةَ عِنادِ الكُفّارِ وتَعَنُّتِهِمْ، وكَثْرَةَ اقْتِراحاتِهِمْ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ لا لِطَلَبِ الحَقِّ؛ فَذَكَرَ أنَّهم قالُوا لَهُ ﷺ: إنَّهم لَنْ يُؤْمِنُوا لَهُ - أيْ: لَنْ يُصَدِّقُوهُ - حَتّى يَفْجُرَ لَهم مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا، وهو يَفْعُولٌ مِن: نَبَعَ، أيْ: ماءٌ غَزِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ (p-١٨٤)[الزمر: ٢١]، ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾ [الإسراء: ٩١] أيْ بُسْتانٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ، فَيُفَجِّرَ خِلالَها - أيْ وسَطَها - أنْهارًا مِنَ الماءِ، أوْ يُسْقِطَ السَّماءَ عَلَيْهِمْ كِسَفًا: أيْ قِطَعًا كَما زَعَمَ، أيْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٩]، أوْ يَأْتِيَهِمْ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا: أيْ مُعايَنَةً. قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ " كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَبِيلًا: أيْ كَفِيلًا؛ مِن تَقَبَّلَهُ بِكَذا: إذا كَفَلَهُ بِهِ. والقَبِيلُ والكَفِيلُ والزَّعِيمُ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَبِيلًا بِما تَقُولُ: شاهِدًا بِصِحَّتِهِ، وكَوْنُ القَبِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الكَفِيلِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ. وقالَ مُقاتِلٌ: قَبِيلًا شَهِيدًا. وقالَ مُجاهِدٌ: هو جَمْعُ قَبِيلَةٍ؛ أيْ تَأْتِي بِأصْنافِ المَلائِكَةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَهو حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ. أوْ يَكُونَ لَهُ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ: أيْ مِن ذَهَبٍ. ومِنهُ قَوْلُهُ ”في الزُّخْرُفِ“: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]، أيْ ذَهَبًا. أوْ يَرْقى في السَّماءِ: أيْ يَصْعَدَ فِيهِ، وإنَّهم لَنْ يُؤْمِنُوا لِرُقِيِّهِ، أيْ مِن أجْلِ صُعُودِهِ، حَتّى يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا يَقْرَءُونَهُ. وهَذا التَّعَنُّتُ والعِنادُ العَظِيمُ الَّذِي ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا عَنِ الكُفّارِ هُنا بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، وبَيَّنَ أنَّهم لَوْ فَعَلَ اللَّهُ ما اقْتَرَحُوا ما آمَنُوا. لِأنَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ لا يُؤْمِنُ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]،
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾، أيْ كِتابًا مِنَ اللَّهِ إلى كُلِّ رَجُلٍ مِنّا.
وَيُوَضِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى ”في المُدَّثِّرِ“: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ (p-١٨٥)[ الآيَةُ ٥٢ ] كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٤] . وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، أيْ تَنْزِيهًا لِرَبِّي جَلَّ وعَلا عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ تَنْزِيهُهُ عَنِ العَجْزِ عَنْ فِعْلِ ما اقْتَرَحْتُمْ، فَهو قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وأنا بَشَرٌ أتَّبِعُ ما يُوحِيهِ إلَيَّ رَبِّي.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٦]؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ جَمِيعِ الرُّسُلِ: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَرَأ تَفْجُرَ، الأُولى عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ الجِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الفاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ مَكْسُورَةً، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى هَذا في الثّانِيَةِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ كِسَفًا بِفَتْحِ السِّينِ والباقُونَ بِإسْكانِها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: تُنْزِلَ بِإسْكانِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّايِ، والباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ.
الإسراء 17:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ .
هَذا المانِعُ المَذْكُورُ هُنا عادِيٌّ؛ لِأنَّهُ جَرَتْ عادَةُ جَمِيعِ الأُمَمِ بِاسْتِغْرابِهِمْ بَعْثَ اللَّهِ رُسُلًا مِنَ البَشَرِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٤٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ الآيَةَ [التغابن: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المانِعَ في هَذِهِ الآيَةِ عادِيٌّ: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِمانِعٍ آخَرَ غَيْرِ هَذا ”في سُورَةِ الكَهْفِ“ وهو قَوْلُهُ: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥]، فَهَذا المانِعُ المَذْكُورُ ”في الكَهْفِ“ مانِعٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأنَّ مَن أرادَ اللَّهَ بِهِ سُنَّةَ الأوَّلِينَ مِنَ الإهْلاكِ، أوْ أنْ يَأْتِيَهُ (p-١٨٦)العَذابُ قُبُلًا فَإرادَتُهُ بِهِ ذَلِكَ مانِعَةٌ مِن خِلافِ المُرادِ؛ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَقَعَ خِلافُ مُرادِهِ جَلَّ وعَلا، بِخِلافِ المانِعِ ”في آيَةِ بَنِي إسْرائِيلَ“ هَذِهِ، فَهو مانِعٌ عادِيٌّ يَصِحُّ تَخَلُّفُهُ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ يَظْهَرُ تَعارُضُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ [الكهف: ٥٥] ووَجْهُ الجَمْعِ أنَّ الحَصْرَ في آيَةِ ”الإسْراءِ“، حَصْرٌ في المانِعِ العادِيِّ.
والحَصْرُ في آيَةِ ”الكَهْفِ“ في المانِعِ الحَقِيقِيِّ، وإيضاحُهُ هو ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ مِن أنَّ مَعْنى آيةِ ”الكَهْفِ“: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ إلّا أنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ مِن أنْواعِ الهَلاكِ في الدُّنْيا أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا في الآخِرَةِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ أرادَ أنْ يُصِيبَهم أحَدُ الأمْرَيْنِ، ولا شَكَّ أنَّ إرادَةَ اللَّهِ مانِعَةٌ مِن وُقُوعِ ما يُنافِي مُرادَهُ، فَهَذا حَصْرٌ في المانِعِ الحَقِيقِيِّ، لِأنَّ اللَّهَ هو المانِعُ في الحَقِيقَةِ.
وَمَعْنى آيَةِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١]، أنَّهُ ما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ إلّا اسْتِغْرابُهم أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، واسْتِغْرابُهم لِذَلِكَ لَيْسَ مانِعًا حَقِيقِيًّا بَلْ عادِيًّا يَجُوزُ تَخَلُّفُهُ فَيُوجَدُ الإيمانُ مَعَهُ بِخِلافِ الأوَّلِ فَهو حَقِيقِيٌّ لا يُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ، ولا وُجُودُ الإيمانِ مَعَهُ، ذَكَرَ هَذا الجَمْعَ صاحِبُ الإتْقانِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الرَّسُولَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَلَوْ كانَ مُرْسِلًا رَسُولًا إلى المَلائِكَةِ لَنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مَلَكًا مِثْلَهم، أيْ وإذا أرْسَلَ إلى البَشَرِ أرْسَلَ لَهم بَشَرًا مِثْلَهم.
وَقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨ - ٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]
كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
الإسراء 17:97
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى أنَّ الكُفّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨] (p-٣٢٩)وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ [الكهف: ٥٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] . والجَوابُ عَنْ هَذا مِن أوْجُهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: هو ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ مِن كَوْنِ المُرادِ مِمّا ذُكِرَ حَقِيقَتُهُ ويَكُونُ ذَلِكَ في مُبْدَأِ الأمْرِ ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ أبْصارَهم ونُطْقَهم وسَمْعَهم فَيَرَوْنَ النّارَ ويَسْمَعُونَ زَفِيرَها ويَنْطِقُونَ بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهم، ولا يَسْمَعُونَ كَذَلِكَ ولا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، كَما أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا لا يَسْتَبْصِرُونَ ولا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ ولا يَسْمَعُونَهُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ كَما ذَكَرَهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، فَنَزَلَ ما يَقُولُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ ويُبْصِرُونَهُ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِعَدَمٍ الِانْتِفاعِ بِهِ، كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ إذا قالَ لَهم: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقَعَ بِهِمْ ذاكَ العَمى والصُّمُّ والبَكَمُ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ واليَأْسِ مِنَ الفَرَجِ، قالَ تَعالى: ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ مُقَدَّرَةً.
الإسراء 17:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ مَعَ عِظَمِهِما قادِرٌ عَلى بَعْثِ الإنْسانِ بِلا شَكٍّ؛ لِأنَّ مَن خَلَقَ الأعْظَمَ الأكْبَرَ فَهو عَلى خَلْقِ الأصْغَرِ قادِرٌ بِلا شَكٍّ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ الآيَةَ [غافر: ٥٧]، أيْ ومَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ الأكْبَرِ فَهو قادِرٌ عَلى خَلْقِ الأصْغَرِ،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى﴾ [يس: ٨١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى﴾ [الأحقاف: ٣٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ ﴿وَأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣] .
الإسراء 17:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ بَنِي آدَمَ لَوْ كانُوا يَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَتِهِ - أيْ خَزائِنَ الأرْزاقِ والنِّعَمِ - لَبَخِلُوا بِالرِّزْقِ عَلى غَيْرِهِمْ، ولَأمْسَكُوا عَنِ الإعْطاءِ، خَوْفًا مِنَ الإنْفاقِ لِشِدَّةِ بُخْلِهِمْ.
(p-١٨٧)وَبَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ قَتُورٌ، أيْ بَخِيلٌ مُضَيِّقٌ؛ مِن قَوْلِهِمْ: قَتَّرَ عَلى عِيالِهِ، أيْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ الآيَةَ [المعارج: ١٩ - ٢٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والمُقَرَّرُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ ”لَوْ“ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الأفْعالِ، فَيُقَدَّرُ لَها في الآيَةِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ بَعْدَ ”لَوْ“ أصْلُهُ فاعِلُ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ فُصِلَ الضَّمِيرُ. والأصْلُ قُلْ لَوْ تَمْلِكُونَ، فَحُذِفَ الفِعْلُ فَبَقِيَتِ الواوُ فَجُعِلَتْ ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا، هو: أنْتُمْ. هَكَذا قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الإسراء 17:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾
الآيَةَ. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هَذِهِ الآياتُ التِّسْعُ، هي: العَصا، واليَدُ، والسُّنُونَ، والبَحْرُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا هَذِهِ الآياتِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٧ - ١٠٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِما ذَكَرْنا، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الجَبَلَ بَدَلَ ”السِّنِينَ“ وعَلَيْهِ فَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١١٧]،
ونَحْوُها مِنَ الآياتِ.
الإسراء 17:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾
الآيَةَ، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ فِرْعَوْنَ عالِمٌ بِأنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ ما أنْزَلَها إلّا رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ بَصائِرَ، أيْ حُجَجًا واضِحَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ [طه: ٤٩]، وقَوْلَهُ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] كُلُّ ذَلِكَ مِنهُ تَجاهُلُ عارِفٍ.
(p-١٨٨)وَقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا هَذا المَعْنى مُبَيِّنًا سَبَبَ جُحُودِهِ لِما عَلِمَهُ ”في سُورَةِ النَّمْلِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ الآيَةَ [النمل: ١٢ - ١٤] .
الإسراء 17:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ بِالحَقِّ: أيْ مُتَلَبِّسًا بِهِ مُتَضَمِّنًا لَهُ؛ فَكُلُّ ما فِيهِ حَقٌّ فَأخْبارُهُ صِدْقٌ، وأحْكامُهُ عَدْلٌ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] وكَيْفَ لا وقَدْ أنْزَلَهُ جَلَّ وعَلا بِعِلْمِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٦] . وقَوْلُهُ: ﴿وَبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ تَغْيِيرٌ ولا تَبْدِيلٌ في طَرِيقِ إنْزالِهِ.
لِأنَّ الرَّسُولَ المُؤْتَمَنَ عَلى إنْزالِهِ قَوِيٌّ لا يُغْلَبُ عَلَيْهِ حَتّى يُغَيَّرَ فِيهِ، أمِينٌ لا يُغَيِّرُ ولا يُبَدِّلُ، كَما أشارَ إلى هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ الآيَةَ [التكوير: ١٩ - ٢١]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾، أيْ لَتَبْلِيغُهُ عَنْ رَبِّهِ، بِدَلالَةِ لَفْظِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُرْسَلٌ بِهِ.
الإسراء 17:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ ”فَرَقْناهُ“ بِالتَّخْفِيفِ، أيْ بَيَّنّاهُ وأوْضَحْناهُ، وفَصَّلْناهُ وفَرَّقْنا بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقَرَأ بَعْضُ الصَّحابَةِ فَرَّقْناهُ بِالتَّشْدِيدِ، أيْ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا بِحَسَبِ الوَقائِعِ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. ومِن إطْلاقِ فَرَقَ بِمَعْنى بَيَّنَ وفَصَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ . الآيَةَ [الدخان: ٤]
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ بَيَّنَ هَذا القُرْآنَ لِنَبِيِّهِ لِيَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ، أيْ مَهَلٍ وتُؤَدَةٍ وتَثَبُّتٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ إلّا كَذَلِكَ، وقَدْ أمَرَ تَعالى بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: وقُرْآنًا [الإسراء: ١٠٦] مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
(p-١٨٩)فالسّابِقَ انْصِبْهُ بِفِعْلٍ أُضْمِرا حَتْمًا مُوافِقٍ لِما قَدْ أُظْهِرا
الإسراء 17:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُو فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ .
أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا عِبادَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَدْعُوهُ بِما شاءُوا مِن أسْمائِهِ، إنْ شاءُوا قالُوا: يا أللَّهُ، وإنْ شاءُوا قالُوا: يا رَحْمَنُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أسْمائِهِ جَلَّ وعَلا.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢، ٢٣] .
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّهم تَجاهَلُوا اسْمَ الرَّحْمَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٠]، وبَيَّنَ لَهم بَعْضَ أفْعالِ الرَّحْمَنِ جَلَّ وعَلا في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤]، ولِذا قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٠]، وسَيَأْتِي لِهَذا إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ إيضاحٍ ”في سُورَةِ الفُرْقانِ“ .
الإسراء 17:111
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ .
أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ النّاسَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ (لِأنَّ أمْرَ القُدْوَةِ أمْرٌ لِأتْباعِهِ كَما قَدَّمْنا) أنْ يَقُولُوا: ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ أيْ: كُلُّ ثَناءٍ جَمِيلٍ لائِقٍ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، ثابِتٌ لَهُ، مُبَيِّنًا أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ والعِزَّةِ بِالأوْلِياءِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عُلُوًّا كَبِيرًا.
فَبَيَّنَ تَنَزُّهَهُ عَنِ الوَلَدِ والصّاحِبَةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إلى آخَرِ السُّورَةِ،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ [الجن: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ (p-١٩٠)الآيَةَ [مريم: ٨٨ - ٩٢]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في مُلْكِهِ، أيْ ولا في عِبادَتِهِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ [سبإ: ٢٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢٦]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١]، يَعْنِي أنَّهُ لا يُذَلُّ فَيَحْتاجُ إلى ولِيٍّ يَعِزُّ بِهِ؛ لِأنَّهُ هو العَزِيزُ القَهّارُ، الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، كَما بَيَّنَهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] والعَزِيزُ: الغالِبُ،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] أيْ عَظِّمْهُ تَعْظِيمًا شَدِيدًا، ويَظْهَرُ تَعْظِيمُ اللَّهِ في شِدَّةِ المُحافَظَةِ عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ، والمُسارَعَةِ إلى كُلِّ ما يُرْضِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَرَوى ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ عَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُعَلِّمُ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ مِن أهْلِهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾» الآيَةَ [الإسراء: ١١١]، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قُلْتُ: وقَدْ جاءَ في حَدِيثٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمّى هَذِهِ الآيَةَ آيَةَ العِزِّ، وفي بَعْضِ الآثارِ: إنَّها ما قُرِئَتْ في بَيْتٍ في لَيْلَةٍ فَيُصِيبُهُ سَرَقٌ أوْ آفَةٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ أبِي يَعْلى مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مُقْتَضاهُ: أنَّ قِراءَةَ هَذِهِ الآيَةِ تُذْهِبُ السَّقَمَ والضُّرَّ، ثُمَّ قالَ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي مَتْنِهِ نَكارَةٌ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَصَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَهَذا آخِرُ الجُزْءِ الثّالِثِ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الرّابِعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وأوَّلُهُ سُورَةُ الكَهْفِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.