Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — الكهف 18:1 – الكهف 18:101

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. الكهف 18:1
  2. الكهف 18:6
  3. الكهف 18:7
  4. الكهف 18:9
  5. الكهف 18:10
  6. الكهف 18:11
  7. الكهف 18:12
  8. الكهف 18:13
  9. الكهف 18:14
  10. الكهف 18:15
  11. الكهف 18:16
  12. الكهف 18:17
  13. الكهف 18:18
  14. الكهف 18:19
  15. الكهف 18:20
  16. الكهف 18:21
  17. الكهف 18:22
  18. الكهف 18:23
  19. الكهف 18:24
  20. الكهف 18:26
  21. الكهف 18:27
  22. الكهف 18:28
  23. الكهف 18:29
  24. الكهف 18:30
  25. الكهف 18:31
  26. الكهف 18:35
  27. الكهف 18:37
  28. الكهف 18:41
  29. الكهف 18:43
  30. الكهف 18:46
  31. الكهف 18:47
  32. الكهف 18:48
  33. الكهف 18:49
  34. الكهف 18:50
  35. الكهف 18:51
  36. الكهف 18:52
  37. الكهف 18:53
  38. الكهف 18:54
  39. الكهف 18:55
  40. الكهف 18:56
  41. الكهف 18:57
  42. الكهف 18:58
  43. الكهف 18:61
  44. الكهف 18:65
  45. الكهف 18:77
  46. الكهف 18:79
  47. الكهف 18:86
  48. الكهف 18:98
  49. الكهف 18:100
  50. الكهف 18:101

الكهف 18:1

(p-١٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الكَهْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ . عَلَّمَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا عِبادَهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَحْمَدُوهُ عَلى أعْظَمِ نِعْمَةٍ أنْعَمَها عَلَيْهِمْ؛ وهي إنْزالُهُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ، الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، بَلْ هو في كَمالِ الِاسْتِقامَةِ، أخْرَجَهم بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ. وبَيَّنَ لَهم فِيهِ العَقائِدَ، والحَلالَ والحَرامَ، وأسْبابَ دُخُولِ الجَنَّةِ والنّارِ، وحَذَّرَهم فِيهِ مِن كُلِّ ما يَضُرُّهم، وحَضَّهم فِيهِ عَلى كُلِّ ما يَنْفَعُهم، فَهو النِّعْمَةُ العُظْمى عَلى الخَلْقِ، ولِذا عَلَّمَهم رَبُّهم كَيْفَ يَحْمَدُونَهُ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ الكُبْرى بِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١] . وَما أشارَ لَهُ هُنا مِن عَظِيمِ الإنْعامِ والِامْتِنانِ عَلى خَلْقِهِ بِإنْزالِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، مُنْذِرًا مَن لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، ومُبَشِّرًا مَن عَمِلَ بِهِ، ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٧٦ - ٧٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦ - ١٠٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨٦]، (p-١٩٢) • وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] . وَهُوَ تَصْرِيحٌ مِنهُ جَلَّ وعَلا بِأنَّ إيراثَ هَذا الكِتابِ فَضْلٌ كَبِيرٌ، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١]، أيْ لَمْ يَجْعَلْ في القُرْآنِ عِوَجًا؛ أيْ لا اعْوِجاجَ فِيهِ ألْبَتَّةَ، لا مِن جِهَةِ الألْفاظِ، ولا مِن جِهَةِ المَعانِي، أخْبارُهُ كُلُّها صِدْقٌ، وأحْكامُهُ عَدْلٌ، سالِمٌ مِن جَمِيعِ العُيُوبِ في ألْفاظِهِ ومَعانِيهِ، وأخْبارِهِ وأحْكامِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”عِوَجًا“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَهي تَعُمُّ نَفْيَ جَمِيعِ أنْواعِ العِوَجِ. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا هُنا مِن أنَّهُ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧ - ٢٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] . فَقَوْلُهُ ”صِدْقًا“ أيْ في الأخْبارِ، وقَوْلُهُ: ”عَدْلًا“ أيْ في الأحْكامِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قَيِّمًا أيْ مُسْتَقِيمًا لا مَيْلَ فِيهِ ولا زَيْغَ، وما ذَكَرَهُ هُنا مِن كَوْنِهِ قَيِّمًا لا مَيْلَ فِيهِ ولا زَيْغَ، بَيَّنَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، • كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، • وقَوْلِهِ ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. (p-١٩٣)وَهَذا الَّذِي فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: قَيِّمًا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ وهو الظّاهِرُ. وعَلَيْهِ فَهو تَأْكِيدٌ في المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١]؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُسْتَقِيمًا في الظّاهِرِ وهو لا يَخْلُو مِنَ اعْوِجاجٍ في حَقِيقَةِ الأمْرِ، ولِذا جَمَعَ تَعالى بَيْنَ نَفْيِ العِوَجِ وإثْباتِ الِاسْتِقامَةِ. وفي قَوْلِهِ: ”قَيِّمًا“ وجْهانِ آخَرانِ مِنَ التَّفْسِيرِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ ”قَيِّمًا“ أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، أيْ مُهَيْمِنٌ عَلَيْها، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٥] . وَلِأجْلِ هَيْمَنَتِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٧٦]، وقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، وقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٥] . الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ ”قَيِّمًا“: أنَّهُ قَيِّمٌ بِمَصالِحِ الخَلْقِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. وهَذا الوَجْهُ في الحَقِيقَةِ يَسْتَلْزِمُهُ الوَجْهُ الأوَّلُ. واعْلَمْ أنَّ عُلَماءَ العَرَبِيَّةِ اخْتَلَفُوا في إعْرابِ قَوْلِهِ: ”قَيِّمًا“ فَذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الكِتابِ، وأنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْرِيرُهُ عَلى هَذا: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ في حالِ كَوْنِهِ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، ومَنَعَ هَذا الوَجْهَ مِنَ الإعْرابِ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ قائِلًا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١]، مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ الَّتِي هي جُمْلَةُ: ﴿أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾، والمَعْطُوفُ عَلى الصِّلَةِ داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، فَجَعْلُ ”قَيِّمًا“ حالًا مِنَ ”الكِتابِ“ يُؤَدِّي إلى الفَصْلِ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها بِبَعْضِ الصِّلَةِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وذَهَبَ جَماعَةٌ آخَرُونَ إلى أنَّ ”قَيِّمًا“ حالٌ مِنَ ”الكِتابِ“، وأنَّ المَحْذُورَ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُنْتَفٍ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّ جُمْلَةَ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى الصِّلَةِ، وإنَّما هي جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. وقَوْلُهُ ”قَيِّمًا“ حالٌ بَعْدَ حالٍ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ المَعْنى: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ في حالِ كَوْنِهِ غَيْرَ جاعِلٍ فِيهِ عِوَجًا، وفي حالِ كَوْنِهِ قَيِّمًا. وتَعَدُّدُ الحالِ لا إشْكالَ فِيهِ، والجُمْهُورُ عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الحالِ مَعَ اتِّحادِ عامِلِ الحالِ وصاحِبِها، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: والحالُ قَدْ يَجِيءُ ذا تَعَدُّدِ لِمُفْرَدٍ فاعْلَمْ وغَيْرَ مُفْرَدِ (p-١٩٤)وَسَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِعَطْفٍ أوْ بِدُونِ عَطْفٍ، فَمِثالُهُ مَعَ العَطْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، ومِثالُهُ بِدُونِ عَطْفٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٥٠] . وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلَيَّ إذا ما جِئْتِ لَيْلى بِخُفْيَةٍ زِيارَةُ بَيْتِ اللَّهِ رَجْلانَ حافِيا وَنُقِلَ عَنْ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ مَنعُ تَعَدُّدِ الحالِ ما لَمْ يَكُنِ العامِلُ فِيهِ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: هَذا بُسْرًا أطْيَبُ مِنهُ رُطَبًا. ونُقِلَ مَنعُ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الفارِسِيِّ وجَماعَةٍ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ تَعَدُّدَ الحالِ يَقُولُونَ: إنَّ الحالَ الثّانِيَةَ إنَّما هي حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ في الحالِ الأُولى، والأُولى عِنْدَهم هي العامِلُ في الثّانِيَةِ، فَهي عِنْدَهم أحْوالٌ مُتَداخِلَةٌ، أوْ يَجْعَلُونَ الثّانِيَةَ نَعْتًا لِلْأُولى، ومِمَّنِ اخْتارَ أنَّ جُمْلَةَ ولَمْ يَجْعَلْ حالِيَّةٌ، وأنَّ قَيِّمًا حالٌ بَعْدَ حالٍ - الأصْفَهانِيُّ. وَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ قَوْلَهُ: قَيِّمًا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾؛ لِأنَّ انْتِفاءَ العِوَجِ عَنْهُ هو مَعْنى كَوْنِهِ قَيِّمًا. وَعَزا هَذا القَوْلَ الرّازِيُّ وأبُو حَيّانَ لِصاحِبِ حَلِّ العُقَدِ، وعَلَيْهِ فَهو بَدَلٌ مُفْرَدٌ مِن جُمْلَةٍ. كَما قالُوا في: عَرَفْتُ زَيْدًا أبُو مَن، أنَّهُ بَدَلُ جُمْلَةٍ مِن مُفْرَدٍ، وفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ. وَزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ قَيِّمًا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ قَيِّمًا مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وتَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا وجَعَلَهُ قَيِّمًا، وحَذْفُ ناصِبِ الفَضْلَةِ إذا دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ جائِزٌ، كَما قالَ في الخُلاصَةِ: وَيُحْذَفُ النّاصِبُها إنْ عُلِما وقَدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَما وَأقْرَبُ أوْجُهِ الإعْرابِ في قَوْلِهِ: ”قَيِّمًا“ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ، أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ ”الكِتابِ“ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] اللّامُ فِيهِ مُتَعَلِّقَةٌ (p-١٩٥)بِـ أنْزَلَ، وقالَ الحَوْفِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: قَيِّمًا، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ. والإنْذارُ: الإعْلامُ المُقْتَرِنُ بِتَخْوِيفٍ وتَهْدِيدٍ، فَكُلُّ إنْذارٍ إعْلامٌ، ولَيْسَ كُلُّ إعْلامٍ إنْذارًا، والإنْذارُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ الآيَةَ [ص: ٤٠] . وَفِي أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ كَرَّرَ تَعالى الإنْذارَ، فَحَذَفَ في المَوْضِعِ الأوَّلِ مَفْعُولَ الإنْذارِ الأوَّلَ، وحَذَفَ في الثّانِي المَفْعُولَ الثّانِيَ، فَصارَ المَذْكُورُ دَلِيلًا عَلى المَحْذُوفِ في المَوْضِعَيْنِ. وتَقْدِيرُ المَفْعُولِ الأوَّلِ المَحْذُوفِ في المَوْضِعِ الأوَّلِ: لِيُنْذِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ، وتَقْدِيرُ المَفْعُولِ الثّانِي المَحْذُوفِ في المَوْضِعِ الثّانِي: ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ. وَقَدْ أشارَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى أنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ تَخْوِيفٌ وتَهْدِيدٌ لِلْكافِرِينَ، وبِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ؛ إذْ قالَ في تَخْوِيفِ الكَفَرَةِ بِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢]، وقالَ: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤]، وقالَ في بِشارَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢] . وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِن كَوْنِهِ إنْذارًا لِهَؤُلاءِ وبِشارَةً لِهَؤُلاءِ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقَوْلِهِ: ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١ - ٢] . وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا المَبْحَثَ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“، وأوْضَحْنا هُنالِكَ المَعانِيَ الَّتِي ورَدَ بِها الإنْذارُ في القُرْآنِ. والبَأْسُ الشَّدِيدُ الَّذِي أنْذَرَهم إيّاهُ: هو العَذابُ الألِيمُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. والبِشارَةُ: الخَيْرُ بِما يَسُرُّ. وَقَدْ تُطْلِقُ العَرَبُ البِشارَةَ عَلى الإخْبارِ بِما يَسُوءُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الجاثية: ٨] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وَبَشَّرْتَنِي يا سَعْدُ أنَّ أحِبَّتِي جَفَوْنِي ∗∗∗ وقالُوا الوُدُّ مَوْعِدُهُ الحَشْرُ وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎(p-١٩٦)يُبَشِّرُنِي الغُرابُ بِبَيْنِ أهْلِي ∗∗∗ فَقُلْتُ لَهُ ثُكِلْتُكَ مِن بَشِيرِ والتَّحْقِيقُ: أنَّ إطْلاقَ البِشارَةِ عَلى الإخْبارِ بِما يَسُوءُ، أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ عُلَماءَ البَلاغَةِ يَجْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ مَجازًا، ويُسَمُّونَهُ اسْتِعارَةً عِنادِيَّةً، ويُقَسِّمُونَها إلى تَهَكُّمِيَّةٍ وتَلْمِيحِيَّةٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في مَحِلِّهِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ [الكهف: ٢] بَيَّنَتِ المُرادَ بِهِ آياتٌ أُخَرُ، فَدَلَّتْ عَلى أنَّ العَمَلَ لا يَكُونُ صالِحًا إلّا بِثَلاثَةِ أُمُورٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَكُلُّ عَمَلٍ مُخالِفٍ لِما جاءَ بِهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصالِحٍ، بَلْ هو باطِلٌ، قالَ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٧]، وقالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠]، وقالَ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٣١]، وقالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٢١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ العامِلُ مُخْلِصًا في عَمَلِهِ لِلَّهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآيَةَ [البينة: ٥]، وقالَ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وَأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١١ - ١٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ العَمَلُ مَبْنِيًّا عَلى أساسِ الإيمانِ والعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ؛ لِأنَّ العَمَلَ كالسَّقْفِ، والعَقِيدَةَ كالأساسِ، قالَ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧]، فَجَعَلَ الإيمانَ قَيْدًا في ذَلِكَ. وَبَيَّنَ مَفْهُومَ هَذا القَيْدِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ في أعْمالِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. والتَّحْقِيقُ: أنَّ مُفْرَدَ الصّالِحاتِ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾، وقَوْلِهِ: (p-١٩٧)﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]، ونَحْوِ ذَلِكَ - أنَّهُ: صالِحَةٌ، وأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ لَفْظَةَ الصّالِحَةِ عَلى الفِعْلَةِ الطَّيِّبَةِ؛ كَإطْلاقِ اسْمِ الجِنْسِ لِتَناسِي الوَصْفِيَّةِ، كَما شاعَ ذَلِكَ الإطْلاقُ في الحَسَنَةِ مُرادًا بِها الفِعْلَةُ الطَّيِّبَةُ. وَمِن إطْلاقِ العَرَبِ لَفْظَ الصّالِحَةِ عَلى ذَلِكَ، قَوْلُ أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ في زَوْجِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ؎بِنْتَ الأمِينِ جَزاكِ اللَّهُ صالِحَةً ∗∗∗ وكُلُّ بَعْلٍ سَيُثْنِي بِالَّذِي عَلِما وَقَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎كَيْفَ الهِجاءُ ولا تَنْفَكُّ صالِحَةٌ ∗∗∗ مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي وَسُئِلَ أعْرابِيٌّ عَنِ الحُبِّ فَقالَ: ؎الحُبُّ مَشْغَلَةٌ عَنْ كُلِّ صالِحَةٍ ∗∗∗ وسَكْرَةُ الحُبِّ تَنْفِي سَكْرَةَ الوَسَنِ وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾، أيْ ولِيُبَشِّرَهم بِأنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا. الأجْرُ: جَزاءُ العَمَلِ، وجَزاءُ عَمَلِهِمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ هُنا بِالأجْرِ: هو الجَنَّةُ. ولِذا قالَ: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ [الكهف: ٣]، وذَكَّرَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: فِيهِ؛ لِأنَّهُ راجِعٌ إلى الأجْرِ وهو مُذَكَّرٌ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالأجْرِ الجَنَّةَ. ووَصَفَ أجْرَهم هُنا بِأنَّهُ حَسَنٌ، وبَيَّنَ أوْجُهَ حُسْنِهِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٦]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ الآيَةَ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَعْلُومَةٌ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾، أيْ خالِدِينَ فِيهِ بِلا انْقِطاعٍ. وَقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤]، أيْ ما لَهُ مِنِ انْقِطاعٍ وانْتِهاءٍ، • وقَوْلِهِ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤]، (p-١٩٨)أيْ يُنْذِرَهم بَأْسًا شَدِيدًا، مِن لَدُنْهُ أيْ مِن عِنْدِهِ كَما تَقَدَّمَ. وهَذا مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ شامِلٌ لِلَّذِينِ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا، ولِغَيْرِهِمْ مِن سائِرِ الكُفّارِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي: أنَّ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ إذا كانَ الخاصُّ يَمْتازُ عَنْ سائِرِ أفْرادِ العامِّ بِصِفاتٍ حَسَنَةٍ أوْ قَبِيحَةٍ مِنَ الإطْنابِ المَقْبُولِ، تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ في الصِّفاتِ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ في الذَّواتِ. وَمِثالُهُ في المُمْتازِ عَنْ سائِرِ أفْرادِ العامِّ بِصِفاتٍ حَسَنَةٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٩٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] . وَمِثالُهُ في المُمْتازِ بِصِفاتٍ قَبِيحَةٍ الآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، فَإنَّ ﴿الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ امْتازُوا عَنْ غَيْرِهِمْ بِفِرْيَةٍ شَنْعاءَ، ولِذا ساغَ عَطْفُهم عَلى اللَّفْظِ الشّامِلِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى شِدَّةِ عِظَمِ فِرْيَتِهِمْ كَثِيرَةٌ جِدًّا. كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] الآيَةَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٢]، وقَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ القُرْآنَ بَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ نَسَبُوا الوَلَدَ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - ثَلاثَةُ أصْنافٍ مِنَ النّاسِ: اليَهُودُ، والنَّصارى، قالَ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣٠]، والصِّنْفُ الثّالِثُ مُشْرِكُو العَرَبِ؛ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، والآياتُ بِنَحْوِها كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ﴾ [الكهف: ٥]، يَعْنِي أنَّ ما نَسَبُوهُ لَهُ جَلَّ وعَلا مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ لا عِلْمَ لَهم بِهِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ. والآيَةُ تَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ نَفْيَ الفِعْلِ لا يَدُلُّ عَلى إمْكانِهِ؛ ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]؛ لِأنَّ ظُلْمَهم (p-١٩٩)لِرَبِّنا وحُصُولَ العِلْمِ لَهم بِاتِّخاذِهِ الوَلَدَ كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا. فَنَفْيُهُ لا يَدُلُّ عَلى إمْكانِهِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ المَنطِقِيِّينَ: السّالِبَةُ لا تَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ، كَما بَيَّناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. وَما نَفاهُ عَنْهم وعَنْ آبائِهِمْ مِنَ العِلْمِ بِاتِّخاذِهِ الوَلَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وقَوْلِهِ في آبائِهِمْ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] يَعْنِي أنَّ ما قالُوهُ بِأفْواهِهِمْ مِن أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا أمْرٌ كَبِيرٌ عَظِيمٌ؛ كَما بَيَّنّا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى عِظَمِهِ آنِفًا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]، وقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ الآيَةَ [مريم: ٩٠]، وكَفى بِهَذا كِبَرًا وعِظَمًا. وَقالَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ، فَهو بِمَعْنى ما أكْبَرَها كَلِمَةً، أوْ أكْبِرْ بِها كَلِمَةً. والمُقَرَّرُ في عِلْمِ النَّحْوِ: أنَّ ”فَعُلَ“ بِالضَّمِّ تُصاغُ لِإنْشاءِ الذَّمِّ والمَدْحِ، فَتَكُونُ مِن بابِ نِعْمَ وبِئْسَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ الآيَةَ. وإلى هَذا أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎واجْعَلْ كَبِئْسَ ساءَ واجْعَلْ ∗∗∗ فَعُلا مِن ذِي ثَلاثَةٍ كَنِعْمَ مُسَجَّلا وَقَوْلُهُ ”كَنِعْمَ“ أيِ اجْعَلْهُ مِن بابِ ”نِعْمَ“ فَيَشْمَلُ بِئْسَ، وإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَفاعِلُ ”كَبُرَ“ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ و كَلِمَةً نَكِرَةٌ مُمَيِّزَةٌ لِلضَّمِيرِ المَحْذُوفِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ. ويَرْفَعانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ مُمَيِّزٌ كَنِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهْ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَبُرَتْ هي كَلِمَةً خارِجَةً مِن أفْواهِهِمْ تِلْكَ المَقالَةُ الَّتِي فاهُوا بِها، وهي قَوْلُهم: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا، وأعْرَبَ بَعْضُهم كَلِمَةً بِأنَّها حالٌ، أيْ كَبُرَتْ فِرْيَتُهم في حالِ كَوْنِها كَلِمَةً خارِجَةً مِن أفْواهِهِمْ. ولَيْسَ بِشَيْءٍ. (p-٢٠٠)وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾، أيْ لَيْسَ لَها مُسْتَنَدٌ سِوى قَوْلِهِمْ ولا دَلِيلَ لَهم عَلَيْها إلّا كَذِبُهم وافْتِراؤُهم، ولِذا قالَ: ﴿إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] . وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ لَهُ شَواهِدُ في القُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والكَذِبُ: مُخالَفَةُ الخَبَرِ لِلْواقِعِ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ. لَفْظَةُ ”كَبُرَ“ إذا أُرِيدَ بِها غَيْرُ الكِبَرِ في السِّنِّ فَهي مَضْمُومَةُ الباءِ في الماضِي والمُضارِعِ، • كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ الآيَةَ، • وقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] ونَحْوِ ذَلِكَ. وَإنْ كانَ المُرادُ بِها الكِبَرُ في السِّنِّ فَهي مَكْسُورَةُ الباءِ في الماضِي، مَفْتُوحَتُها في المُضارِعِ عَلى القِياسِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] . وَقَوْلُ المَجْنُونِ: ؎تَعَشَّقْتُ لَيْلى وهْيَ ذاتُ ذَوائِبَ ∗∗∗ ولَمْ يَبْدُ لِلْعَيْنَيْنِ مِن ثَدْيِها حَجْمُ ؎صَغِيرَيْنِ نَرْعى البُهْمَ يا لَيْتَ أنَّنا ∗∗∗ إلى اليَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ ولَمْ تَكْبَرِ البُهْمُ وَقَوْلُهُ في هَذا البَيْتِ: ”صَغِيرَيْنِ“ شاهَدٌ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ في إتْيانِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ يَعْنِي بِالكَلِمَةِ: الكَلامَ الَّذِي هو قَوْلُهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] . وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ اللَّهَ يُطْلِقُ اسْمَ الكَلِمَةِ عَلى الكَلامِ، أوْضَحَتْهُ آياتٌ أُخَرُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١٠٠]، والمُرادُ بِها قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، وما جاءَ لَفْظُ الكَلِمَةِ في القُرْآنِ إلّا مُرادًا بِهِ الكَلامُ المُفِيدُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: عِوَجا هو بِكَسْرِ العَيْنِ في المَعانِي كَما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وبِفَتْحِها فِيما كانَ مُنْتَصِبًا كالحائِطِ. (p-٢٠١)قالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وكُلُّ ما كانَ يَنْتَصِبُ كالحائِطِ والعُودِ قِيلَ فِيهِ ”عَوَجٌ“ بِالفَتْحِ، والعِوَجُ - بِالكَسْرِ - ما كانَ في أرْضٍ أوْ دِينٍ أوْ مَعاشٍ، يُقالُ: في دِينِهِ عِوَجٌ. اهـ. وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في الوَصْلِ عِوَجًا بِالسَّكْتِ عَلى الألِفِ المُبْدَلَةِ مِنَ التَّنْوِينِ سَكْتَةً يَسِيرَةً مِن غَيْرِ تَنَفُّسٍ، إشْعارًا بِأنَّ قَيِّمًا لَيْسَ مُتَّصِلًا بِـ عِوَجًا في المَعْنى، بَلْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ جَعَلَهُ قَيِّمًا كَما قَدَّمْنا. وَقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ مِن لَدُنْهُ بِإسْكانِ الدّالِ مَعَ إشْمامِها الضَّمَّ، وكَسْرِ النُّونِ والهاءِ ووَصْلِها بِياءٍ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ﴾ [الكهف: ٢]، قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَبْشُرَ“ بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الشِّينِ.

الكهف 18:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ . اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ لَفْظَةَ ”لَعَلَّ“ تَكُونُ لِلتَّرَجِّي في المَحْبُوبِ، ولِلْإشْفاقِ في المَحْذُورِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ أنَّ ”لَعَلَّ“ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ لِلْإشْفاقِ عَلَيْهِ ﷺ أنْ يَبْخَعَ نَفْسَهُ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ. وَقالَ بَعْضُهم: إنَّ ”لَعَلَّ“ في الآيَةِ لِلنَّهْيِ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ العَسْكَرِيُّ، وهو مَعْنى كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ كَما نَقَلَهُ عَنْهُما صاحِبُ البَحْرِ المُحِيطِ. وَعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى: لا تَبْخَعْ نَفْسَكَ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ. وقِيلَ: هي في الآيَةِ لِلِاسْتِفْهامِ المُضَمَّنِ مَعْنى الإنْكارِ. وإتْيانُ ”لَعَلَّ“ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ مَعْرُوفٌ. وَأظْهَرُ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدِي في مَعْنى ”لَعَلَّ“ أنَّ المُرادَ بِها في الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ. وَإطْلاقُ ”لَعَلَّ“ مُضَمَّنَةً مَعْنى النَّهْيِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ. وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِها النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ كَثْرَةُ وُرُودِ النَّهْيِ صَرِيحًا عَنْ ذَلِكَ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ (p-٢٠٢)[النحل: ١٢٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ. والباخِعُ: المُهْلِكُ؛ أيْ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ مِن شِدَّةِ الأسَفِ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ألا أيُهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ كَما تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾، قالَ القُرْطُبِيُّ: ”آثارِهم“ جَمْعُ أثَرٍ، ويُقالُ إثْرٌ. والمَعْنى: عَلى أثَرِ تَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْكَ. وَقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: ومَعْنى ”عَلى آثارِهِمْ“: مِن بَعْدِهِمْ، أيْ بَعْدَ يَأْسِكَ مِن إيمانِهِمْ، أوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، يُقالُ: ماتَ فُلانٌ عَلى أثَرِ فُلانٍ؛ أيْ بَعْدَهُ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَهُ وإيّاهم حِينَ تَوَلَّوْا عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وما داخَلَهُ مِنَ الوَجْدِ والأسَفِ عَلى تَوَلِّيهِمْ - بِرَجُلٍ فارَقَتْهُ أحِبَّتُهُ وأعِزَّتُهُ فَهو يَتَساقَطُ حَسَراتٍ عَلى آثارِهِمْ ويَبْخَعُ نَفْسَهُ وجْدًا عَلَيْهِمْ، وتَلَهُّفًا عَلى فِراقِهِمْ. والأسَفُ هُنا: شِدَّةُ الحُزْنِ. وقَدْ يُطْلَقُ الأسَفُ عَلى الغَضَبِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] . فَإذا حَقَّقْتَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فاعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرَهُ فِيها جَلَّ وعَلا مِن شِدَّةِ حُزْنِ نَبِيِّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، ومِن نَهْيِهِ لَهُ عَنْ ذَلِكَ مُبَيَّنٌ في آياتٍ أُخَرَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] كَما قَدَّمْناهُ مُوَضَّحًا. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أسَفًا مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ مِن أجْلِ الأسَفِ. ويَجُوزُ إعْرابُهُ حالًا؛ أيْ في حالِ كَوْنِكَ آسِفًا عَلَيْهِمْ. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: وَمَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ حالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زِيدٌ طَلَعْ

الكهف 18:7

(p-٢٠٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ”ما عَلَيْها“ يَعْنِي ما عَلى الأرْضِ مِمّا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زِينَةً لَها ولِأهْلِها مِن زَخارِفِ الدُّنْيا وما يُسْتَحْسَنُ مِنها. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كُلُّ ما عَلى الأرْضِ زِينَةٌ لَها مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَوَجْهُ كُلِّ الحَيّاتِ وغَيْرِها مِمّا يُؤْذِي زِينَةٌ لِلْأرْضِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ خالِقِهِ، واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، ووُجُودُ ما يَحْصُلُ بِهِ هَذا العِلْمُ في شَيْءٍ زِينَةٌ لَهُ. وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ المَذْكُورَةَ فِيهِ أنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ عامٌّ ثُمَّ يُصَرَّحَ في بَعْضِ المَواضِعِ بِدُخُولِ بَعْضِ أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] الآيَةَ، مَعَ تَصْرِيحِهِ بِأنَّ البُدْنَ داخِلَةٌ في هَذا العُمُومِ بِقَوْلِهِ: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٣٦] . وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ [الكهف: ٧] قَدْ صَرَّحَ في مَواضِعَ أُخَرَ بِبَعْضِ الأفْرادِ الدّاخِلَةِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٦]، وقَوْلِهِ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، أيْ أرْضًا بَيْضاءَ لا نَباتَ بِها، وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى ”الصَّعِيدِ“ بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ . والجُرُزُ: الأرْضُ الَّتِي لا نَباتَ بِها كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧] ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎طَوى النَّحْزُ والأجْرازُ ما في غُرُوضِها وما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ لِأنَّ مُرادَهُ ”بِالأجْرازِ“ الفَيافِي الَّتِي لا نَباتَ فِيها، والأجْرازُ: جَمْعُ جُرَزَةٍ، والجُرَزَةُ: جَمْعُ جُرْزٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ لِلْجُرْزِ، كَما قالَهُ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها﴾ [الكهف: ٨] مِن هَذِهِ الزِّينَةِ صَعِيدًا جُرُزًا، أيْ مِثْلَ أرْضٍ بَيْضاءَ لا نَباتَ فِيها بَعْدَ أنْ كانَتْ خَضْراءَ مُعْشِبَةً، في إزالَةِ بَهْجَتِهِ وإماطَةِ حُسْنِهِ، وإبْطالِ ما بِهِ كانَ زِينَةً مِن إماتَةِ الحَيَوانِ، وتَجْفِيفِ (p-٢٠٤)النَّباتِ والأشْجارِ. اهـ. وَهَذا المَعْنى المُشارُ إلَيْهِ هُنا جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٥] أيْ لِنَخْتَبِرَهم عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِنا. وَهَذِهِ الحِكْمَةُ الَّتِي ذَكَرَها هُنا لِجَعْلِ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها (وهي الِابْتِلاءُ في إحْسانِ العَمَلِ) بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّها هي الحِكْمَةُ في خَلْقِ المَوْتِ والحَياةِ والسَّمَواتِ والأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ [الملك: ١ - ٢]، وقالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] . وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ الإحْسانَ بِقَوْلِهِ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» كَما تَقَدَّمَ. وَهَذا الَّذِي أوْضَحْنا مِن أنَّهُ جَلَّ وعَلا جَعَلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَبْتَلِيَ خَلْقَهُ، ثُمَّ يُهْلِكَ ما عَلَيْها ويَجْعَلَهُ صَعِيدًا جُرُزًا - فِيهِ أكْبَرُ واعِظٍ لِلنّاسِ، وأعْظَمُ زاجِرٍ عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وإيثارِ الفانِي عَلى الباقِي، ولِذا قالَ ﷺ: «إنِ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ ماذا تَعْمَلُونَ، فاتَّقُوا الدُّنْيا، واتَّقُوا النِّساءَ، فَإنَّ أوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ في النِّساءِ» .

الكهف 18:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ . أمْ [الكهف: ٩]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هي المُنْقَطِعَةُ عَنِ التَّحْقِيقِ، ومَعْناها عِنْدَ الجُمْهُورِ ”بَلْ والهَمْزَةِ“ وعِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ بِمَعْنى ”بَلْ“ فَقَطْ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ فالمَعْنى: بَلْ (p-٢٠٥)أحَسِبْتَ، وعَلى الثّانِي فالمَعْنى: بَلْ حَسِبْتَ، فَهي عَلى القَوْلِ الأوَّلِ جامِعَةٌ بَيْنَ الإضْرابِ والإنْكارِ، وعَلى الثّانِي فَهي لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ فَقَطْ. وَأظْهَرُ الأقْوالِ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: إنَّ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ وإنِ اسْتَعْظَمَها النّاسُ وعَجِبُوا مِنها، فَلَيْسَتْ شَيْئًا عَجَبًا بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِنا وعَظِيمِ صُنْعِنا، فَإنَّ خَلْقَنا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ، وجَعْلَنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها، وجَعْلَنا إيّاها بَعْدَ ذَلِكَ صَعِيدًا جُرُزًا، أعْظَمُ وأعْجَبُ مِمّا فَعَلْنا بِأصْحابِ الكَهْفِ، ومِن كَوْنِنا أنَمْناهم هَذا الزَّمَنَ الطَّوِيلَ، ثُمَّ بَعَثْناهم، ويَدُلُّ لِهَذا الَّذِي ذَكَرْنا آياتٌ كَثِيرَةٌ: مِنها أنَّهُ قالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧ - ٨]، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٩]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ قِصَّتَهم لا عَجَبَ فِيها بِالنِّسْبَةِ إلى ما خَلَقْنا مِمّا هو أعْظَمُ مِنها. وَمِنها أنَّهُ يَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ تَنْبِيهُ النّاسِ عَلى أنَّ خَلْقَ السَّمَواتِ والأرْضِ أعْظَمُ مِن خَلْقِ النّاسِ، ومَن خَلَقَ الأعْظَمَ فَهو قادِرٌ عَلى الأصْغَرِ بِلا شَكٍّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ الآيَةَ [غافر: ٥٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣] كَما قَدَّمْناهُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”البَقَرَةِ والنَّحْلِ“ . وَمَن خَلَقَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ العِظامَ: كالسَّماءِ والأرْضِ وما فِيهِما فَلا عَجَبَ في إقامَتِهِ أهْلَ الكَهْفِ هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، ثُمَّ بَعْثِهِ إيّاهم، كَما هو واضِحٌ. والكَهْفُ: النَّقْبُ المُتَّسِعُ في الجَبَلِ، فَإنْ لَمْ يَكُ واسِعًا فَهو غارٌ. وقِيلَ: كُلُّ غارٍ في جَبَلٍ: كَهْفٌ. وما يُرْوى عَنْ أنَسٍ مِن أنَّ الكَهْفَ نَفْسُ الجَبَلِ، غَرِيبٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في اللُّغَةِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِـ الرَّقِيمِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ، قِيلَ: الرَّقِيمُ اسْمُ كَلْبِهِمْ، وهو اعْتِقادُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ حَيْثُ يَقُولُ: ؎وَلَيْسَ بِها إلّا الرَّقِيمُ مُجاوِرًا وصَيْدُهم والقَوْمُ في الكَهْفِ هُمَّدُ وَعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ الرَّقِيمَ: بَلْدَةٌ بِالرُّومِ، وقِيلَ: اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الكَهْفُ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْوادِي الَّذِي فِيهِ الكَهْفُ، والأقْوالُ فِيهِ كَثِيرَةٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لا (p-٢٠٦)أدْرِي ما الرَّقِيمُ أكِتابٌ أمْ بُنْيانٌ ؟ . وَأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي بِحَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وبَعْضِ آياتِ القُرْآنِ، أنَّ الرَّقِيمَ مَعْناهُ: المَرْقُومُ، فَهو ”فَعِيلٌ“ بِمَعْنى ”مَفْعُولٍ“ مِن: رَقَمْتُ الكِتابَ: إذا كَتَبْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ الآيَةَ [المطففين: ٩، و٨٣ \ ٢٠] . سَواءٌ قُلْنا: إنَّ الرَّقِيمَ كِتابٌ كانَ عِنْدَهم فِيهِ شَرْعُهُمُ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ، أوْ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ كُتِبَتْ فِيهِ أسْماؤُهم وأنْسابُهم وقِصَّتُهم وسَبَبُ خُرُوجِهِمْ، أوْ صَخْرَةٌ نُقِشَتْ فِيها أسْماؤُهم، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ: طائِفَةٌ واحِدَةٌ أُضِيفَتْ إلى شَيْئَيْنِ أحَدُهُما مَعْطُوفٌ عَلى الآخَرِ، خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّ أصْحابَ الكَهْفِ طائِفَةٌ، وأصْحابَ الرَّقِيمِ طائِفَةٌ أُخْرى، وأنَّ اللَّهَ قَصَّ عَلى نَبِيِّهِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ ولَمْ يَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا عَنْ أصْحابِ الرَّقِيمِ، وخِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ هُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ سَقَطَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ بابَ الكَهْفِ الَّذِي هم فِيهِ، فَدَعَوُا اللَّهَ بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، وهُمُ البارُّ بِوالِدَيْهِ، والعَفِيفُ، والمُسْتَأْجِرُ، وقِصَّتُهم مَشْهُورَةٌ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ، إلّا أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِأنَّهم هُمُ المُرادُ، بَعِيدٌ كَما تَرى. واعْلَمْ أنَّ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ وأسْماءَهم، وفي أيِّ مَحِلٍّ مِنَ الأرْضِ كانُوا، كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ إسْرائِيلِيَّةٌ أعْرَضْنا عَنْ ذِكْرِها لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِها. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: عَجَبًا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ شَيْئًا عَجَبًا. أوْ آيَةً عَجَبًا. وَقَوْلُهُ: مِن آياتِنا في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ النَّحْوِ أنَّ نَعْتَ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَ عَلَيْها صارَ حالًا، وأصْلُ المَعْنى: كانُوا عَجَبًا كائِنًا مِن آياتِنا، فَلَمّا قُدِّمَ النَّعْتُ صارَ حالًا.

الكهف 18:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن صِفَةِ أصْحابِ الكَهْفِ أنَّهم فِتْيَةٌ، وأنَّهم أوَوْا إلى الكَهْفِ، وأنَّهم دَعَوْا رَبَّهم هَذا الدُّعاءَ العَظِيمَ الشّامِلَ لِكُلِّ خَيْرٍ، وهو قَوْلُهُ عَنْهم: ﴿رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] . وَبَيِّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أشْياءَ أُخْرى مِن صِفاتِهِمْ وأقْوالِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: (p-٢٠٧)﴿إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرفَقًا﴾ [الكهف: ١٣ - ١٦] و إذْ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ﴾ [الكهف: ١٠] مَنصُوبَةٌ بِـ اذْكُرْ مُقَدَّرًا، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: عَجَبًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠]، أيْ جَعَلُوا الكَهْفَ مَأْوًى لَهم ومَكانَ اعْتِصامٍ. وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، أيْ أعْطِنا رَحْمَةً مِن عِنْدِكَ، والرَّحْمَةُ هُنا تَشْمَلُ الرِّزْقَ والهُدى والحِفْظَ مِمّا هَرَبُوا خائِفِينَ مِنهُ مِن أذى قَوْمِهِمْ، والمَغْفِرَةَ. والفِتْيَةُ: جَمْعُ فَتًى جَمْعُ تَكْسِيرٍ، وهو مِن جُمُوعِ القِلَّةِ، ويَدُلُّ لَفْظُ الفِتْيَةِ عَلى قِلَّتِهِمْ، وأنَّهم شَبابٌ لا شِيبَ، خِلافًا لِما زَعَمَهُ ابْنُ السَّرّاجِ مِن: أنَّ الفِتْيَةَ اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعَ تَكْسِيرٍ، وإلى كَوْنِ مِثْلِ الفِتْيَةِ جَمْعَ تَكْسِيرٍ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ، أشارَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎أفْعِلَةٌ أفْعُلٌ ثُمَّ فِعْلَهْ كَذاكَ أفْعالٌ جُمُوعِ قِلَّةْ والتَّهْيِئَةُ: التَّقْرِيبُ والتَّيْسِيرُ، أيْ يَسِّرْ لَنا وقَرِّبْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا، والرَّشَدُ: الِاهْتِداءُ والدَّيْمُومَةُ عَلَيْهِ. و مِن في قَوْلِهِ: مِن أمْرِنا فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّها هُنا لِلتَّجْرِيدِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: اجْعَلْ لَنا أمْرَنا رَشَدًا كُلَّهُ، كَما تَقُولُ: لَقِيتُ مِن زَيْدٍ أسَدًا. ومِن عَمْرٍو بَحْرًا. والثّانِي أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: واجْعَلْ لَنا بَعْضَ أمْرِنا؛ أيْ وهو البَعْضُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِن مُفارَقَةِ الكَفّارِ، رَشَدًا، حَتّى نَكُونَ بِسَبَبِهِ راشِدِينَ مُهْتَدِينَ.

الكهف 18:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ضَرَبَ عَلى آذانِ أصْحابِ الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا، ولَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ هَذا العَدَدِ هُنا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] . وَضَرْبُهُ جَلَّ وعَلا عَلى آذانِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ أنامَهم، ومَفْعُولُ ”ضَرَبْنا“ مَحْذُوفٌ، أيْ ضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ حِجابًا مانِعًا مِنَ السَّماعِ فَلا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يُوقِظُهم، والمَعْنى: أنَمْناهم إنامَةً ثَقِيلَةً لا تُنَبِّهُهم فِيها الأصْواتُ. وَقَوْلُهُ: ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ذاتَ عَدَدٍ، أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ سِنِينَ مَعْدُودَةً، وقَدْ ذَكَرْنا الآيَةَ المُبَيِّنَةَ لِقَدْرِ عَدَدِها بِالسَّنَةِ القَمَرِيَّةِ (p-٢٠٨)والشَّمْسِيَّةِ، كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] . وَقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] عَبَّرَ بِالضَّرْبِ لِيَدُلَّ عَلى قُوَّةِ المُباشَرَةِ واللُّصُوقِ واللُّزُومِ، ومِنهُ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١]، وضَرَبَ الجِزْيَةَ وضَرَبَ البَعْثَ، وقالَ الفَرَزْدَقُ: ضَرَبَ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِها وقَضى عَلَيْكَ بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ وَقالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: ؎وَمِنَ الحَوادِثِ لا أبا لَكَ أنَّنِي ∗∗∗ ضُرِبَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِالأسْدادِ وَقالَ آخَرُ: ؎إنَّ المُرُوءَةَ والسَّماحَةَ والنَّدى ∗∗∗ في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ وَذَكَرَ الجارِحَةَ الَّتِي هي الآذانُ (إذْ هي يَكُونُ مِنها السَّمْعُ) لِأنَّهُ لا يَسْتَحْكِمُ نَوْمٌ إلّا مَعَ تَعَطُّلِ السَّمْعِ، وفي الحَدِيثِ: «ذَلِكَ رَجُلٌ بالَ الشَّيْطانُ في أُذُنِهِ»؛ أيِ اسْتَثْقَلَ نَوْمَهُ جِدًّا حَتّى لا يَقُومَ بِاللَّيْلِ. اهـ كَلامُ أبِي حَيّانَ.

الكهف 18:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن حِكَمِ بَعْثِهِ لِأصْحابِ الكَهْفِ بَعْدَ هَذِهِ النَّوْمَةِ الطَّوِيلَةِ أنْ يُبَيِّنَ لِلنّاسِ أيُّ الحِزْبَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ أحْصى لِذَلِكَ وأضْبَطُ لَهُ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا عَنِ الحِزْبَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ أحَدَ الحِزْبَيْنِ هم أصْحابُ الكَهْفِ، والحِزْبَ الثّانِي هم أهْلُ المَدِينَةِ الَّذِينَ بُعِثَ الفِتْيَةُ عَلى عَهْدِهِمْ حِينَ كانَ عِنْدَهُمُ التّارِيخُ بِأمْرِ الفِتْيَةِ، وقِيلَ: هُما حِزْبانِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ المَذْكُورَةِ، كانَ مِنهم مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ، وقِيلَ: هُما حِزْبانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في زَمَنِ أصْحابِ الكَهْفِ. اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُلُوكُ الَّذِينَ تَداوَلُوا مُلْكَ المَدِينَةِ حِزْبٌ، وأصْحابُ الكَهْفِ حِزْبٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ: أنَّ الحِزْبَيْنِ كِلَيْهِما مِن أصْحابِ الكَهْفِ، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، وكَأنَّ الَّذِينَ (p-٢٠٩)قالُوا: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا أنَّ لُبْثَهم قَدْ تَطاوَلَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ عَنْهم: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يُحْصُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقَدْ يُجابُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ رَدَّ العِلْمِ إلى اللَّهِ لا يُنافِي العِلْمَ، بِدَلِيلِ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢٥]، ثُمَّ أمَرَهُ بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٦] . وَقَوْلُهُ: ﴿بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ مِن نَوْمَتِهِمُ الطَّوِيلَةِ، والبَعْثُ: التَّحْرِيكُ مِن سُكُونٍ، فَيَشْمَلُ بَعْثَ النّائِمِ والمَيِّتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنّا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَذْكُرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا حِكْمَةً لِشَيْءٍ في مَوْضِعٍ، ويَكُونَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ حِكَمٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ في مَواضِعَ أُخْرى، فَإنّا نُبَيِّنُها، ومَثَّلْنا لِذَلِكَ، وذَكَرْنا مِنهُ أشْياءَ مُتَعَدِّدَةً في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ. وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى هُنا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَّنَ مِن حِكَمِ بَعْثِهِمْ إظْهارَهُ لِلنّاسِ: أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا، وقَدْ بَيَّنَ لِذَلِكَ حِكَمًا أُخَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. مِنها أنْ يَتَساءَلُوا عَنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٩] . وَمِنها إعْلامُ النّاسِ أنَّ البَعْثَ حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لِدَلالَةِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢١] . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ﴾ الآيَةَ، لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِذَلِكَ قَبْلَ بَعْثِهِمْ، وإنَّما عَلِمَ بَعْدَ بَعْثِهِمْ، كَما زَعَمَهُ بَعْضُ الكَفَرَةِ المَلاحِدَةِ، بَلْ هو جَلَّ وعَلا عالِمٌ بِكُلِّ ما سَيَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ لا تُحْصى كَثْرَةً. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ جَلَّ وعَلا لا يَسْتَفِيدُ بِالِاخْتِبارِ والِابْتِلاءِ عِلْمًا جَدِيدًا سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فَقَوْلُهُ: (p-٢١٠)﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ دَلِيلٌ واضِحٌ في ذَلِكَ. وَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فَمَعْنى ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ أيْ نَعْلَمَ ذَلِكَ عِلْمًا يُظْهِرُ الحَقِيقَةَ لِلنّاسِ، فَلا يُنافِي أنَّهُ كانَ عالِمًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ دُونَ خَلْقِهِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: أحْصى فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ و ”أمَدًا“ مَفْعُولُهُ، و ”ما“ في قَوْلِهِ: ”لِما لَبِثُوا“ مَصْدَرِيَّةٌ، وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلى هَذا: لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ ضَبَطَ أمَدًا لِلُبْثِهِمْ في الكَهْفِ. وَمِمَّنِ اخْتارَ أنَّ أحْصى فِعْلٌ ماضٍ: الفارِسِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهم. وَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ أحْصى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، و ”أمَدًا“ تَمْيِيزٌ، ومِمَّنِ اخْتارَهُ الزَّجّاجُ والتِّبْرِيزِيُّ، وغَيْرُهُما. وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ. والَّذِينَ قالُوا: إنَّ أحْصى فِعْلٌ ماضٍ، قالُوا: لا يَصِحُّ فِيهِ أنْ يَكُونَ صِيغَةَ تَفْضِيلٍ، لِأنَّها لا يَصِحُّ بِناؤُها هي ولا صِيغَةُ فِعْلِ التَّعَجُّبِ قِياسًا إلّا مِنَ الثُّلاثِيِّ، و ”أحْصى“ رُباعِيٌّ فَلا تُصاغُ مِنهُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ ولا التَّعَجُّبِ قِياسًا، قالُوا: وقَوْلُهم: ما أعْطاهُ وما أوْلاهُ لِلْمَعْرُوفِ، وأعْدى مِنَ الجَرَبِ، وأفْلَسَ مِنَ ابْنِ المُذَلَّقِ - شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، فَلا يَجُوزُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ. واحْتَجَّ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ أيْضًا لِأنَّ أحْصى لَيْسَتْ صِيغَةَ تَفْضِيلٍ بِأنَّ أمَدًا لا يَخْلُو: إمّا أنْ يَنْتَصِبَ بِـ ”أفْعَلَ“ فَـ ”أفْعَلُ“ لا يَعْمَلُ، وإمّا أنْ يَنْتَصِبَ بِـ لَبِثُوا فَلا يَسُدُّ عَلَيْهِ المَعْنى أنْ لا يَكُونَ سَدِيدًا عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، وقالَ: فَإنْ زَعَمْتَ نَصْبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أحْصى كَما أُضْمِرُ في قَوْلِهِ: ؎وَأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا أيْ نَضْرِبُ القَوانِسَ - فَقَدْ أبْعَدْتَ المُتَناوَلَ وهو قَرِيبٌ؛ حَيْثُ أبَيْتَ أنْ يَكُونَ أحْصى فِعْلًا، ثُمَّ رَجَعْتَ مُضْطَرًّا إلى تَقْدِيرِهِ وإضْمارِهِ. انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وَأُجِيبُ مِن جِهَةِ المُخالِفِينَ عَنْ هَذا كُلِّهِ، قالُوا: لا نُسَلِّمُ أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ لا تُصاغُ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ، ولا نُسَلِّمُ أيْضًا لِأنَّها لا تَعْمَلُ. وَحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ في ذَلِكَ أنَّ في كَوْنِ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ تُصاغُ مِن ”أفْعَلَ“ كَما (p-٢١١)هُنا، أوْ لا تُصاغُ مِنهُ - ثَلاثَةَ مَذاهِبَ لِعُلَماءِ النَّحْوِ: الأوَّلُ: جَوازُ بِنائِها مِن ”أفْعَلَ“ مُطْلَقًا، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، وهو مَذْهَبُ أبِي إسْحاقَ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ. والثّانِي: لا يُبْنى مِنهُ مُطْلَقًا، وما سُمِعَ مِنهُ فَهو شاذٌّ يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ، وهو الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَبِالنُّدُورِ احْكم لِغَيْرِ ما ذُكِرْ ∗∗∗ ولا تَقِسْ عَلى الَّذِي مِنهُ أُثِرْ كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢] . الثّالِثُ: تُصاغُ مِن ”أفْعَلَ“ إذا كانَتْ هَمْزَتُها لِغَيْرِ النَّقْلِ خاصَّةً؛ كَـ ”أظْلَمَ اللَّيْلُ“ و: ”أشْكَلَ الأمْرُ“ لا إنْ كانَتِ الهَمْزَةُ لِلنَّقْلِ فَلا تُصاغُ مِنها، وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ، وهَذِهِ المَذاهِبُ مَذْكُورَةٌ بِأدِلَّتِها في كُتُبِ النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَأفْعَلُ لا يَعْمَلُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ تَعْمَلُ في التَّمْيِيزِ بِلا خِلافٍ، وعَلَيْهِ دَرَجَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎والفاعِلَ المَعْنى انْصِبَنْ بِأفْعَلا ∗∗∗ مُفَضِّلًا كَأنْتَ أعْلى مَنزِلا وَ أمَدًا تَمْيِيزٌ كَما تَقَدَّمَ؛ فَنَصْبُهُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لا إشْكالَ فِيهِ. وَذَهَبَ الطَّبَرَيُّ إلى أنَّ: أمَدًا مَنصُوبٌ بِـ لَبِثُوا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَّجِهٍ. وَقالَ أبُو حَيّانَ: قَدْ يَتَّجِهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأمَدَ هو الغايَةُ، ويَكُونُ عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ مِن حَيْثُ إنَّ المُدَّةَ غايَةٌ. و ما بِمَعْنى الَّذِي، و ﴿أمَدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ؛ أيْ لِما لَبِثُوا مِن أمَدٍ، أيْ مُدَّةٍ، ويَصِيرُ ”مِن أمَدٍ“ تَفْسِيرًا لِما انْبَهَمَ في لَفْظِ ما لَبِثُوا كَقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، ولَمّا سَقَطَ الحَرْفُ وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: إطْلاقُ الأمَدِ عَلى الغايَةِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ: ؎إلّا لِمِثْلِكَ أوْ مَن أنْتَ سابِقُهُ ∗∗∗ سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ (p-٢١٢)وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النِّساءِ“ أنَّ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ الأخْفَشَ الصَّغِيرَ أجازَ النَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ مُطْلَقًا، ولَكِنْ نَصْبُ قَوْلِهِ: أمَدًا بِقَوْلِهِ: لَبِثُوا غَيْرُ سَدِيدٍ كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وكَما لا يَخْفى. اهـ. وَأجازَ الكُوفِيُّونَ نَصْبَ المَفْعُولِ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ، وأعْرَبُوا قَوْلَ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ: ؎فَلَمْ أرَ مِثْلَ الحَيِّ حَيًّا مُصَبِّحًا ∗∗∗ ولا مِثْلَنا يَوْمَ التَقَيْنا فَوارِسا ؎أكَرَّ وأحْمى لِلْحَقِيقَةِ مِنهُمُ ∗∗∗ وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا بِأنَّ ”القَوانِسَ“ مَفْعُولٌ بِهِ لِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ الَّتِي هي ”أضْرَبَ“ قالُوا: ولا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ مَن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧]، مَنصُوبٌ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ قَبْلَهُ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ هَذا أجْرى عِنْدِي عَلى المَعْنى المَعْقُولِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ فِيها مَعْنى المَصْدَرِ الكامِنِ فِيها، فَلا مانِعَ مِن عَمَلِها عَمَلَهُ؛ ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا، مَعْناهُ: يَزِيدُ ضَرْبُنا بِالسُّيُوفِ القَوانِسِ عَلى ضَرْبِ غَيْرِنا، كَما هو واضِحٌ. وعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْنا فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ أمَدًا مَنصُوبٌ بِـ أحْصى نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ عَلى أنَّهُ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، وإنْ كانَ القائِلُونَ بِأنَّ أحْصى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ أعْرَبُوا أمَدًا بِأنَّهُ تَمْيِيزٌ. تَنْبِيهٌ فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ رَفْعِ أيُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى﴾ الآيَةَ، مَعَ أنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ؟ فالجَوابُ أنَّ لِلْعُلَماءَ في ذَلِكَ أجْوِبَةٌ، مِنها، أنَّ أيُّ فِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، والِاسْتِفْهامُ يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنْ مَفْعُولَيْهِ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ عاطِفًا عَلى ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ القَلْبِيَّ عَنْ مَفْعُولَيْهِ: ؎وَإنْ ولا لامُ ابْتِداءٍ أوْ قَسَمْ ∗∗∗ كَذا والِاسْتِفْهامُ ذا لَهُ انْحَتَمْ وَمِنها ما ذَكَرَهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ: مِن أنَّ الجُمْلَةَ بِمَجْمُوعِها مُتَعَلَّقُ العِلْمِ، ولِذَلِكَ السَّبَبِ لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُ قَوْلِهِ: لِنَعْلَمَ في لَفْظَةِ أيُّ بَلْ بَقِيَتْ عَلى ارْتِفاعِها، ولا يَخْفى عَدَمُ اتِّجاهِ هَذا القَوْلِ كَما تَرى. (p-٢١٣)قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ أوْجُهِ الأعارِيبِ عِنْدِي في الآيَةِ: أنَّ لَفْظَةَ أيُّ مَوْصُولَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ. و أيُّ مَبْنِيَّةٌ لِأنَّها مُضافَةٌ، وصَدْرُ صِلَتِها مَحْذُوفٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎أيُّ كَما وأُعْرِبَتْ ما لَمْ تُضَفْ ∗∗∗ وصَدْرُ وصْلِها ضَمِيرٌ انْحَذَفْ وَلِبِنائِها لَمْ يَظْهَرْ نَصْبُها، وتَقْدِيرُ المَعْنى عَلى هَذا: لِنَعْلَمَ الحِزْبَ الَّذِي هو أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا ونُمَيِّزَهُ عَنْ غَيْرِهِ، و أحْصى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ كَما قَدَّمْنا تَوْجِيهَهُ؛ نَعَمْ، لِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ: إنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ تَقْتَضِي بِدَلالَةِ مُطابَقَتِها الِاشْتِراكَ بَيْنَ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ في أصْلِ الفِعْلِ، وأحَدُ الحِزْبَيْنِ لَمْ يُشارِكِ الآخَرَ في أصْلِ الإحْصاءِ لِجَهْلِهِ بِالمُدَّةِ مِن أصْلِها، وهَذا مِمّا يُقَوِّي قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ أحْصى فِعْلٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: أيُّ فائِدَةٍ مُهِمَّةٍ في مَعْرِفَةِ النّاسِ لِلْحِزْبِ المُحْصِي أمَدَ اللُّبْثِ مِن غَيْرِهِ، حَتّى يَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ﴾ الآيَةَ، وأيُّ فائِدَةٍ مُهِمَّةٍ في مُساءَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، حَتّى يَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً لِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ؟ . فالجَوابُ أنّا لَمْ نَرَ مَن تَعَرَّضَ لِهَذا، والَّذِي يَظْهَرُ لَنا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ ما ذُكِرَ مِن إعْلامِ النّاسِ بِالحِزْبِ الَّذِي هو أحْصى أمَدًا لِما لَبِثُوا، ومُساءَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ ذَلِكَ، يَلْزَمُهُ أنْ يَظْهَرَ لِلنّاسِ حَقِيقَةُ أمْرِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ، وأنَّ اللَّهَ ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا، ثُمَّ بَعَثَهم أحْياءَ طَرِيَّةً أبْدانُهم، لَمْ يَتَغَيَّرْ لَهم حالٌ، وهَذا مِن غَرِيبِ صُنْعِهِ جَلَّ وعَلا الدّالِّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وعَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ولِاعْتِبارِ هَذا اللّازِمِ جَعَلَ ما ذَكَرْنا عِلَّةً غائِيَّةً، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الكهف 18:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِنَبِيِّهِ ﷺ أنَّهُ يَقُصُّ عَلَيْهِ نَبَأ أصْحابِ الكَهْفِ بِالحَقِّ، ثُمَّ أخْبَرَهُ مُؤَكِّدًا لَهُ أنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا زادَهم هُدًى. وَيُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن آمَنَ بِرَبِّهِ وأطاعَهُ زادَهُ رَبُّهُ هُدًى؛ لِأنَّ الطّاعَةَ سَبَبٌ لِلْمَزِيدِ مِنَ الهُدى والإيمانِ. وَهَذا المَفْهُومُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا (p-٢١٤)لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٦٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ الآيَةَ [الفتح: ٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَهَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ في أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ، مَفْهُومٌ مِنها أنَّهُ يَنْقُصُ أيْضًا، كَما اسْتَدَلَّ بِها البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، وهي تَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً صَرِيحَةً لا شَكَّ فِيها، فَلا وجْهَ مَعَها لِلِاخْتِلافِ في زِيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِهِ كَما تَرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا﴾ . أيْ ثَبَّتْنا قُلُوبَهم وقَوَّيْناها عَلى الصَّبْرِ، حَتّى لا يَجْزَعُوا ولا يَخافُوا مِن أنْ يَصْدَعُوا بِالحَقِّ، ويَصْبِرُوا عَلى فِراقِ الأهْلِ والنَّعِيمِ، والفِرارِ بِالدِّينِ في غارٍ في جَبَلٍ لا أنِيسَ بِهِ، ولا ماءَ ولا طَعامَ. وَيُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن كانَ في طاعَةِ رَبِّهِ جَلَّ وعَلا أنَّهُ تَعالى يُقَوِّي قَلْبَهُ، ويُثَبِّتُهُ عَلى تَحَمُّلِ الشَّدائِدِ، والصَّبْرِ الجَمِيلِ. وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى وقائِعَ مِن هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في أهْلِ بَدْرٍ مُخاطِبًا نَبِيَّهُ ﷺ وأصْحابَهُ: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [الأنفال: ١١ - ١٢]، وكَقَوْلِهِ في أُمِّ مُوسى: ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] . وَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: إذْ قامُوا أيْ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ بِلادِهِمْ، وهو مَلِكٌ جَبّارٌ يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأوْثانِ، يَزْعُمُونَ أنَّ اسْمَهُ: دِقْيانُوسُ. وَقِصَّتُهم مَذْكُورَةٌ في جَمِيعِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، أعْرَضْنا عَنْها لِأنَّها إسْرائِيلِيّاتٌ. وفي قِيامِهِمُ المَذْكُورِ هُنا أقْوالٌ أُخَرُ كَثِيرَةٌ، والعامِلُ في قَوْلِهِ: ”إذْ“ هو ”رَبَطْنا“ عَلى قُلُوبِهِمْ حِينَ قامُوا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ (p-٢١٥)ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ: أنَّ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ فَزادَهم رَبُّهم هُدًى، قالُوا: إنَّ رَبَّهم هو رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ، وأنَّهم لَنْ يَدْعُوا مِن دُونِهِ إلَهًا، وأنَّهم لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا شَطَطًا، أيْ قَوْلًا ذا شَطَطٍ، أوْ هو مِنَ النَّعْتِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَأنَّ قَوْلَهم هو نَفْسُ الشَّطَطِ، والشَّطَطُ: البُعْدُ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ. وإلَيْهِ تَرْجِعُ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ؛ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ ”شَطَطًا“: جَوْرًا، تَعَدِّيًا، كَذِبًا، خَطَأً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ. وَأصْلُ مادَّةِ الشَّطَطِ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ أشَطَّ في السَّوْمِ: إذا جاوَزَ الحَدَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ الآيَةَ [ص: ٢٢]، أوِ البُعْدُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ؎تَشِطُّ غَدًا دارُ جِيرانِنا ولَلدّارُ بَعْدَ غَدٍ أبْعَدُ وَيَكْثُرُ اسْتِعْمالُ الشَّطَطِ في الجَوْرِ والتَّعَدِّي، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎أتَنْتَهُونَ وإنْ يَنْهى ذَوِي الشَّطَطِ ∗∗∗ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفُتُلُ وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ مَن أشْرَكَ مَعَ خالِقِ السَّمَواتِ والأرْضِ مَعْبُودًا آخَرَ، فَقَدْ جاءَ بِأمْرٍ شَطَطٍ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ في غايَةِ الجَوْرِ والتَّعَدِّي؛ لِأنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ هو الَّذِي يُبْرِزُ الخَلائِقَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ؛ لِأنَّ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ غَيْرِهِ مَخْلُوقٌ يَحْتاجُ إلى خالِقٍ يَخْلُقُهُ ويَرْزُقُهُ ويُدَبِّرُ شُئُونَهُ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦]، أيِ الواحِدُ القَهّارُ الَّذِي هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا، • وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾، أيْ إذا دَعَوْنا مِن (p-٢١٦)دُونِهِ إلَهًا، فَقَدْ قُلْنا شَطَطًا.

الكهف 18:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ . ”لَوْلا“ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلتَّحْضِيضِ، وهو الطَّلَبُ بِحَثٍّ وشِدَّةٍ، والمُرادُ بِهَذا الطَّلَبِ التَّعْجِيزُ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ عَلى جَوازِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، والمُرادُ بِالسُّلْطانِ البَيِّنِ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن تَعْجِيزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِحُجَّةٍ عَلى شِرْكِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وإبْطالِ حُجَّةِ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِمْ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١]، • وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَةٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ لا مُسْتَنَدَ لَهم في شِرْكِهِمْ إلّا تَقْلِيدَ آبائِهِمِ الضّالِّينَ، كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ”هَؤُلاءِ“ مُبْتَدَأٌ، و ”قَوْمًا“ قِيلَ عَطْفُ بَيانٍ، والخَبَرُ جُمْلَةُ ”اتَّخَذُوا“، وقِيلَ ”قَوْمُنا“ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وجُمْلَةُ " اتَّخَذُوا في مَحَلِّ حالٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِادِّعاءِ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، كَما افْتَراهُ عَلَيْهِ قَوْمُ أصْحابِ الكَهْفِ، كَما قالَ عَنْهم أصْحابُ الكَهْفِ: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٥] . وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّ افْتِراءَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ بِجَعْلِ الشُّرَكاءِ لَهُ هو أعْظَمُ الظُّلْمِ - جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣٢]، وقَوْلِهِ: (p-٢١٧)﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

الكهف 18:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾ . ”إذْ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، عَلى التَّحْقِيقِ، كَما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: ولِأجْلِ اعْتِزالِكم قَوْمَكُمُ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، فاتَّخِذُوا الكَهْفَ مَأْوًى ومَكانَ اعْتِصامٍ، يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اعْتِزالَ المُؤْمِنِ قَوْمَهُ الكُفّارَ ومَعْبُودِيهِمْ مِن أسْبابِ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ ورَحْمَتِهِ. وَهَذا المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وَأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأدْعُو رَبِّي عَسى ألّا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٨ - ٥٠] واعْتِزالُهم إيّاهم هو مُجانَبَتُهم لَهم، وفِرارُهم مِنهم بِدِينِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾، اسْمُ مَوْصُولٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ، مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ: اعْتَزَلْتُمُوهم، أيْ واعْتَزَلْتُمْ مَعْبُودِيهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيِ اعْتَزَلْتُمُوهم واعْتَزَلْتُمْ عِبادَتَهم غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، والأوَّلُ أظْهَرُ. وَقَوْلُهُ: إلّا اللَّهَ، قِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، بِناءً عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ والأصْنامَ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّهم كانُوا لا يَعْبُدُونَ إلّا الأصْنامَ، ولا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ولا يَعْبُدُونَهُ. وَقَوْلُهُ: مِرفَقًا أيْ ما تَرْتَفِقُونَ بِهِ، أيْ تَنْتَفِعُونَ بِهِ، وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ مَعَ تَفْخِيمِ الرّاءِ، وقَرَأهُ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ وتَرْقِيقِ الرّاءِ، وهُما قِراءَتانِ ولُغَتانِ في ما يُرْتَفَقُ بِهِ، وفي عُضْوِ الإنْسانِ المَعْرُوفِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ في ”المِرْفَقِ“ بِمَعْنى عُضْوِ الإنْسانِ فَتْحَ المِيمِ وكَسْرَ الفاءِ، وقالَ: هو بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ولا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ. وَزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكُمْ﴾ بِمَعْنى البَدَلِيَّةِ، أيْ يُهَيِّئْ لَكم بَدَلًا مِن ”أمْرِكم“ الصَّعْبِ مِرْفَقًا: وعَلى هَذا الَّذِي زَعَمَ غايَةٌ؛ كَقَوْلِهِ (p-٢١٨)تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أيْ بَدَلًا مِنها وعِوَضًا عَنْها، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَمَعْنى: ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ﴾: يَبْسُطُ لَكم: كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٢٨] . وَقَوْلُهُ: ويُهَيِّئْ؛ أيْ يُيَسِّرْ ويُقَرِّبْ ويُسَهِّلْ.

الكهف 18:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ . اعْلَمْ أوَّلًا أنّا قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونَ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ القَوْلِ، وذَكَرْنا مِن ذَلِكَ أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً. وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ وفي نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ أحَدِهِما وعَدَمِ صِحَّةِ الآخَرِ. أمّا القَوْلُ الَّذِي تَدُلُّ القَرِينَةُ في الآيَةِ عَلى خِلافِهِ، فَهو أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ كانُوا في زاوِيَةٍ مِنَ الكَهْفِ، وبَيْنَهم وبَيْنَ الشَّمْسِ حَواجِزُ طَبِيعِيَّةٌ مِن نَفْسِ الكَهْفِ، تَقِيهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِها وغُرُوبِها، عَلى ما سَنَذْكُرُ تَفْصِيلَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَأمّا القَوْلُ الَّذِي تَدُلُّ القَرِينَةُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّتِهِ، فَهو أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ كانُوا في فَجْوَةٍ مِنَ الكَهْفِ عَلى سَمْتٍ تُصِيبُهُ الشَّمْسُ وتُقابِلُهُ، إلّا أنَّ اللَّهَ مَنَعَ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهِمْ عَلى وجْهِ خَرْقِ العادَةِ، كَرامَةً لِهَؤُلاءِ القَوْمِ الصّالِحِينَ، الَّذِينَ فَرُّوا بِدِينِهِمْ طاعَةً لِرَبِّهِمْ جَلَّ وعَلا. والقَرِينَةُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ [الكهف: ١٧]، إذْ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ أصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ لَكانَ ذَلِكَ أمْرًا مُعْتادًا مَأْلُوفًا، ولَيْسَ فِيهِ غَرابَةٌ حَتّى يُقالَ فِيهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ . وعَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَشْهَدُ لَهُ القَرِينَةُ المَذْكُورَةُ؛ فَمَعْنى تَزاوُرِ الشَّمْسِ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ عِنْدَ طُلُوعِها، وقَرْضِها إيّاهم ذاتَ الشِّمالِ عِنْدَ غُرُوبِها هو أنَّ اللَّهَ يُقَلِّصُ ضَوْءَها عَنْهم، ويُبْعِدُهُ إلى جِهَةِ اليَمِينِ عِنْدَ الطُّلُوعِ، وإلى جِهَةِ الشِّمالِ عِنْدَ الغُرُوبِ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فَإذا عَلِمْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ أصْحابَ القَوْلِ الأوَّلِ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ وضْعِ الكَهْفِ، وجَزَمَ (p-٢١٩)ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ بابَ الكَهْفِ كانَ مِن نَحْوِ الشِّمالِ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّ الشَّمْسَ إذا دَخَلَتْهُ عِنْدَ طُلُوعِها تَزاوَرُ عَنْهُ ذاتَ اليَمِينِ، أيْ يَتَقَلَّصُ الفَيْءُ يَمْنَةً. كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ: تَزاوَرُ، أيْ تَمِيلُ، وذَلِكَ أنَّها كُلَّما ارْتَفَعَتْ في الأُفُقِ تَقَلَّصَ شُعاعُها بِارْتِفاعِها حَتّى لا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ عِنْدَ الزَّوالِ في ذَلِكَ المَكانِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ [الكهف: ١٧]، أيْ تَدْخُلُ إلى غارِهِمْ مِن شِمالِ بابِهِ وهو مِن ناحِيَةِ الشَّرْقِ، فَدَلَّ عَلى صِحَّةِ ما قُلْناهُ، وهَذا بَيِّنٌ لِمَن تَأمَّلَهُ وكانَ لَهُ عِلْمٌ بِمَعْرِفَةِ الهَيْئَةِ وسَيْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ. وَبَيانُهُ أنَّهُ لَوْ كانَ بابُ الغارِ مِن ناحِيَةِ الشَّرْقِ لَما دَخَلَ إلَيْهِ مِنها شَيْءٌ عِنْدَ الغُرُوبِ، ولَوْ كانَ مِن ناحِيَةِ القِبْلَةِ لَما دَخَلَ إلَيْهِ مِنها شَيْءٌ عِنْدَ الطُّلُوعِ ولا عِنْدَ الغُرُوبِ، ولا تَزاوَرَ الفَيْءُ يَمِينًا وشِمالًا، ولَوْ كانَ مِن جِهَةِ الغَرْبِ لَما دَخَلَتْهُ وقْتَ الطُّلُوعِ، بَلْ بَعْدَ الزَّوالِ ولَمْ تَزَلْ فِيهِ إلى الغُرُوبِ، فَتَعَيَّنَ ما ذَكَرْناهُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: أصْحابُ هَذا القَوْلِ قالُوا إنَّ بابَ الكَهْفِ كانَ مَفْتُوحًا إلى جانِبِ الشِّمالِ، فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ كانَتْ عَلى يَمِينِ الكَهْفِ، وإذا غَرَبَتْ كانَتْ عَلى شِمالِهِ، فَضَوْءُ الشَّمْسِ ما كانَ يَصِلُ إلى داخِلِ الكَهْفِ، وكانَ الهَواءُ الطَّيِّبُ والنَّسِيمُ المُوافِقُ يَصِلُ إلَيْهِ، انْتَهى كَلامُ الرّازِيُّ. وقالَ أبُو حَيّانَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مَعَ الشَّمْسِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ لَهم حاجِبٌ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، وحاجِبٌ مِن جِهَةِ الدَّبُورِ وهم في زاوِيَةٍ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ: كانَ بابُ الكَهْفِ يَنْظُرُ إلى بَناتِ نَعْشٍ، وعَلى هَذا كانَ أعْلى الكَهْفِ مَسْتُورًا مِنَ المَطَرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانَ كَهْفُهم مُسْتَقْبِلَ بَناتِ نَعْشٍ لا تَدْخُلُهُ الشَّمْسُ عِنْدَ الطُّلُوعِ ولا عِنْدَ الغُرُوبِ، اخْتارَ اللَّهُ لَهم مَضْجَعًا مُتَّسِعًا في مَقْنَأةٍ لا تَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ فَتُؤْذِيهِمْ، انْتَهى الغَرَضُ مِن كَلامِ أبِي حَيّانَ. والمَقْنَأةُ: المَكانُ الَّذِي لا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالِ العُلَماءِ. والقَوْلُ الأوَّلُ أنْسَبُ لِلْقَرِينَةِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا. وَمِمَّنِ اعْتَمَدَ القَوْلَ الأوَّلَ لِأجْلِ القَرِينَةِ المَذْكُورَةِ الزَّجّاجُ، ومالَ إلَيْهِ بَعْضَ المَيْلِ الفَخْرُ الرّازِيُّ والشَّوْكانِيُّ في تَفْسِيرَيْهِما، لِتَوْجِيهِهِما قَوْلَ الزَّجّاجِ المَذْكُورَ بِقَرِينَةِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ. (p-٢٢٠)وَقالَ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِهِ: ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾، فَإنَّ صَرْفَ الشَّمْسِ عَنْهم مَعَ تَوَجُّهِ الفَجْوَةِ إلى مَكانٍ تَصِلُ إلَيْهِ عادَةً، أنْسَبُ بِمَعْنى كَوْنِها آيَةً، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا إطْلاقُ الفَجْوَةِ وعَدَمُ تَقْيِيدِها بِكَوْنِها إلى جِهَةِ كَذا، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَجْوَةَ المَكانُ الواسِعُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألْبَسْتَ قَوْمَكَ مَخْزاةً ومَنقَصَةً حَتّى أُبِيحُوا وحَلُّوا فَجْوَةَ الدّارِ انْتَهى كَلامُ الشَّوْكانِيِّ. وَمَعْلُومٌ أنَّ الفَجْوَةَ: هي المُتَّسَعُ. وهو مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ ومِنهُ البَيْتُ المَذْكُورُ، وقَوْلُ الآخَرِ: ؎وَنَحْنُ مَلَأْنا كُلَّ وادٍ وفَجْوَةٍ ∗∗∗ رِجالًا وخَيْلًا غَيْرَ مِيلٍ ولا عُزْلِ وَمِنهُ الحَدِيثُ: «فَإذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ﴾، أيْ تَرى أيُّها المُخاطَبُ الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِها تَمِيلُ عَلى كَهْفِهِمْ، والمَعْنى: أنَّكَ لَوْ رَأيْتَهم لَرَأيْتَهم كَذَلِكَ، لا أنَّ المُخاطَبَ رَآهم بِالفِعْلِ، كَما يَدُلُّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٨]، والخِطابُ بِمِثْلِ هَذا مَشْهُورٌ في لُغَةِ العَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِها هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ، وأصْلُ مادَّةِ التَّزاوُرِ: المَيْلُ، فَمَعْنى ”تَزاوَرُ“: تَمِيلُ. والزُّورُ: المَيْلُ، ومِنهُ شَهادَةُ الزُّورِ، لِأنَّها مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ. ومِنهُ الزِّيارَةُ؛ لِأنَّ الزّائِرَ يَمِيلُ إلى المَزُورِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎فازْوَرَّ مِن وقْعَ القَنا بِلَبانِهِ ∗∗∗ وشَكا إلَيَّ بِعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ؎وَخُفِّضَ عَنِّي الصَّوْتُ أقْبَلْتُ مِشْيَةَ ال ∗∗∗ حُبابِ وشَخْصِي خَشْيَةَ الحَيِّ أزْوَرُ وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ أيْ جِهَةَ اليَمِينِ، وحَقِيقَتُها الجِهَةُ المُسَمّاةُ بِاليَمِينِ. وقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: وذاتُ اليَمِينِ: جِهَةُ يَمِينِ الكَهْفِ، وحَقِيقَتُها الجِهَةُ المُسَمّاةُ بِاليَمِينِ، يَعْنِي يَمِينَ الدّاخِلِ إلى الكَهْفِ، أوْ يَمِينَ الفِتْيَةِ. اهـ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾، مِنَ القَرْضِ بِمَعْنى القَطِيعَةِ والصَّرْمِ؛ أيْ (p-٢٢١)تَقْطَعُهم وتَتَجافى عَنْهم ولا تَقْرَبُهم، وهَذا المَعْنى مَعْرُوفٌ مِن كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ غَيْلانَ ذِي الرُّمَّةِ: ؎نَظَرْتُ بِجَرْعاءِ السَّبِيَّةِ نَظْرَةً ∗∗∗ ضُحًى وسَوادُ العَيْنِ في الماءِ شامِسُ ؎إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أقْوازَ مُشْرِفٍ ∗∗∗ شِمالًا وعَنْ أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ فَقَوْلُهُ: ”يَقْرِضْنَ أقْوازَ مُشْرِفٍ“، أيْ يَقْطَعْنَها ويُبْعِدْنَها ناحِيَةَ الشِّمالِ، وعَنْ أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ، وهو مَوْضِعٌ أوْ رِمالُ الدَّهْناءِ، والأقْوازُ: جَمْعُ قَوْزٍ - بِالفَتْحِ - وهو العالِي مِنَ الرَّمْلِ كَأنَّهُ جَبَلٌ، ويُرْوى ”أجْوازَ مُشْرِفٍ“ جَمْعُ جَوْزٍ، مِنَ المَجازِ بِمَعْنى الطَّرِيقِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو الصَّوابُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: تَقْرِضُهم خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ مَعْنى تَقْرِضُهم: تُقْطِعُهم مِن ضَوْئِها شَيْئًا ثُمَّ يَزُولُ سَرِيعًا كالقَرْضِ يُسْتَرَدُّ، ومُرادُ قائِلِ هَذا القَوْلِ أنَّ الشَّمْسَ تَمِيلُ عَنْهم بِالغَداةِ، وتُصِيبُهم بِالعَشِيِّ إصابَةً خَفِيفَةً، بِقَدْرِ ما يَطِيبُ لَهم هَواءُ المَكانِ ولا يَتَعَفَّنُ. قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: ولَوْ كانَ مِنَ القَرْضِ الَّذِي يُعْطى ثُمَّ يُسْتَرَدُّ لَكانَ الفِعْلُ رُباعِيًّا، فَتَكُونُ التّاءُ في قَوْلِهِ: ”تَقْرِضُهم“ مَضْمُومَةً، لَكِنْ دَلَّ فَتْحُ التّاءِ مِن قَوْلِهِ ”تَقْرِضُهم“ عَلى أنَّهُ مِنَ القَرْضِ بِمَعْنى القَطْعِ، أيْ تَقْطَعُ لَهم مِن ضَوْئِها شَيْئًا، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الصَّوابَ القَوْلُ الأوَّلُ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الفَجْوَةَ: المُتَّسَعُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾، فِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ سَبْعِيّاتٍ: قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ الشّامِيُّ ”تَزْوَرُّ“ بِإسْكانِ الزّايِ وإسْقاطِ الألِفِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ، عَلى وزْنِ تَحْمَرُّ، وهو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِنَ الِازْوِرارِ بِمَعْنى المَيْلِ؛ كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ المُتَقَدِّمِ: ؎فازْوَرَّ مِن وقْعِ القَنا. . . ∗∗∗ . . . . . . . . البَيْتَ. وقَرَأهُ الكُوفِيُّونَ وهم عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالزّايِ المُخَفَّفَةِ بَعْدَها ألِفٌ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَأصْلُهُ ”تَتَزاوَرُ“ فَحُذِفَتْ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎وَما بِتاءَيْنِ ابْتَدى قَدْ يُقْتَصَرُ ∗∗∗ فِيهِ عَلى تا كَتَبَيَّنَ العِبَرُ وَقَرَأهُ نافِعٌ المَدَنِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ المَكِّيُّ وأبُو عَمْرٍو البَصْرِيُّ: ”تَزّاوَرُ“ بِتَشْدِيدِ الزّايِ بَعْدَها ألِفٌ، وأصْلُهُ ”تَتَزاوَرُ“ أُدْغِمَتْ فِيهِ التّاءُ في الزّايِ، وعَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ (أعْنِي قِراءَةَ حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقِراءَةَ إدْغامِها في الزّايِ) فَهو مِنَ التَّزاوُرِ بِمَعْنى المَيْلِ أيْضًا (p-٢٢٢)وَقَدْ يَأْتِي التَّفاعُلُ بِمَعْنى مُجَرَّدِ الفِعْلِ كَما هُنا، وكَقَوْلِهِمْ: سافَرَ وعاقَبَ وعافى. وَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ في الكَهْفِ حَواجِزَ طَبِيعِيَّةً تَمْنَعُ مِن دُخُولِ الشَّمْسِ بِحَسَبِ وضْعِ الكَهْفِ، فالإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾، راجِعَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِهِمْ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِن هِدايَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ وإخْراجِهِمْ مِن بَيْنِ عَبَدَةِ الأوْثانِ، وإيوائِهِمْ إلى ذَلِكَ الكَهْفِ، وحِمايَتِهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ إلى آخَرِ حَدِيثِهِمْ - مِن آياتِ اللَّهِ. وأصْلُ الآيَةِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ ”أيَيَةٍ“ بِثَلاثِ فَتَحاتٍ، أُبْدِلَتْ فِيهِ الياءُ الأُولى ألِفًا، والغالِبُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ مُوجِبا إعْلالٍ كانَ الإعْلالُ في الأخِيرِ؛ لِأنَّ التَّغَيُّرَ عادَةً أكْثَرُ في الأواخِرِ، كَما في طَوى ونَوى، ونَحْوِ ذَلِكَ. وهُنا أُعِلَّ الأوَّلُ عَلى خِلافِ الأغْلَبِ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَإنْ لِحَرْفَيْنِ ذا الِاعْلالُ اسْتُحِقْ ∗∗∗ صُحِّحَ أوَّلٌ وعَكْسٌ قَدْ يَحِقْ والآيَةُ تُطْلَقُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ إطْلاقَيْنِ، وتُطْلَقُ في القُرْآنِ العَظِيمِ إطْلاقَيْنِ أيْضًا، أمّا إطْلاقاها في اللُّغَةِ فالأوَّلُ مِنهُما: أنَّها تُطْلَقُ بِمَعْنى العَلامَةِ، وهو الإطْلاقُ المَشْهُورُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٤٨]، وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ؎بِآيَةِ ما قالَتْ غَداةَ لَقِيتُها ∗∗∗ بِمِدْفَعِ أكْنانٍ أهَذا المُشَهَّرُ يَعْنِي أنَّ قَوْلَها ذَلِكَ هو العَلامَةُ بَيْنَها وبَيْنَ رَسُولِهِ إلَيْها المَذْكُورِ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ؎ألِكْنِي إلَيْها بِالسَّلامِ فَإنَّهُ ∗∗∗ يُشَهَّرُ إلْمامِي بِها ويُنَكَّرُ وَقَدْ جاءَ في شِعْرِ نابِغَةِ ذُبْيانَ وهو جاهِلِيٌّ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِالعَلامَةِ في قَوْلِهِ: ؎تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ∗∗∗ لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مُرادَهُ بِالآياتِ عَلاماتُ الدّارِ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ؎رَمادٌ كَكُحْلِ العَيْنِ لَأْيًا أُبِينُهُ ∗∗∗ ونُؤْيٌ كَجَذْمِ الحَوْضِ أثْلَمُ خاشِعُ وَأمّا الثّانِي مِنهُما: فَهو إطْلاقُ الآيَةِ بِمَعْنى الجَماعَةِ، يَقُولُونَ: جاءَ القَوْمُ بِآيَتِهِمْ، أيْ بِجَماعَتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ بُرْجِ بْنِ مُسْهِرٍ أوْ غَيْرِهِ: ؎خَرَجْنا مِنَ النَّقْبَيْنِ لا حَيَّ مِثْلَنا ∗∗∗ بِآياتِنا نُزْجِي اللِّقاحَ المَطافِلا فَقَوْلُهُ: ”بِآياتِنا“ أيْ بِجَماعَتِنا. (p-٢٢٣)وَأمّا إطْلاقُها في القُرْآنِ فالأوَّلُ مِنهُما إطْلاقُها عَلى الآيَةِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، أيْ عَلاماتٍ كَوْنِيَّةً قَدَرِيَّةً، يَعْرِفُ بِها أصْحابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ أنَّ خالِقَها هو الرَّبُّ المَعْبُودُ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا، والآيَةُ الكَوْنِيَّةُ القَدَرِيَّةُ في القُرْآنِ مِنَ الآيَةِ بِمَعْنى العَلامَةِ لُغَةً. وَأمّا إطْلاقُها الثّانِي في القُرْآنِ فَهو إطْلاقُها عَلى الآيَةِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ١١] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ. والآيَةُ الشَّرْعِيَّةُ الدِّينِيَّةُ قِيلَ: هي مِنَ الآيَةِ بِمَعْنى العَلامَةِ لُغَةً، لِأنَّها عَلاماتٌ عَلى صِدْقِ مَن جاءَ بِها، أوْ أنَّ فِيها عَلاماتٍ عَلى ابْتِدائِها وانْتِهائِها. وَقِيلَ: مِنَ الآيَةِ، بِمَعْنى الجَماعَةِ، لِاشْتِمالِ الآيَةِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ عَلى طائِفَةٍ وجَماعَةٍ مِن كَلِماتِ القُرْآنِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الهُدى والإضْلالَ بِيَدِهِ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا، فَمَن هَداهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن أضَلَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ. وَقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ الآيَةَ [القصص: ٥٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤١]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَيُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآياتِ وأمْثالِها في القُرْآنِ: بُطْلانُ مَذْهَبِ القَدَرِيَّةِ، أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِعَمَلِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ بَلْ بِمَشِيئَةِ العَبْدِ، سُبْحانَهُ جَلَّ وعَلا عَنْ أنْ يَقَعَ في مُلْكِهِ شَيْءٌ بِدُونِ مَشِيئَتِهِ ! وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ! وسَيَأْتِي بَسْطُ (p-٢٢٤)هَذا المَبْحَثِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَقَدْ أوْضَحْنا أيْضًا في كِتابِنا (دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”الشَّمْسِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، أيْ لَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ سَبَبٌ لِلْمُوالاةِ يُرْشِدُهُ إلى الصَّوابِ والهُدى، أيْ لَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ، وقَوْلُهُ: فَهو المُهْتَدِ قَرَأهُ بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وبَقِيَّةُ السَّبْعَةِ قَرَءُوهُ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.

الكهف 18:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾ . الحُسْبانُ بِمَعْنى الظَّنِّ، والأيْقاظُ: جَمْعُ يَقِظٍ - بِكَسْرِ القافِ وضَمِّها - ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ؎فَلَمّا رَأتْ مَن قَدْ تَنَبَّهَ مِنهُمُ وأيْقاظَهم قالَتْ أشِرْ كَيْفَ تَأْمُرُ والرُّقُودُ: جَمْعُ راقِدٍ وهو النّائِمُ، أيْ تَظُنُّهم أيُّها المُخاطَبُ لَوْ رَأيْتَهم أيْقاظًا والحالُ أنَّهم رُقُودٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى في نَظِيرِهِ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٨]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: سَبَبُ ظَنِّ الرّائِي أنَّهم أيْقاظٌ هو أنَّهم نِيامٌ وعُيُونُهم مُفَتَّحَةٌ، وقِيلَ: لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ، وهَذا القَوْلُ يُشِيرُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿وَنُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ [الكهف: ١٨]، وكَلامُ المُفَسِّرِينَ هُنا في عَدَدِ تَقَلُّبِهِمْ مِن كَثْرَةٍ وقِلَّةٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ولِذا أعْرَضْنا عَنْ ذِكْرِ الأقْوالِ فِيهِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: وتَحْسَبُهم، قَرَأهُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى القِياسِ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ، وقَرَأهُ بِكَسْرِ السِّينِ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ، وهُما قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ، ولُغَتانِ مَشْهُورَتانِ، والفَتْحُ أقْيَسُ والكَسْرُ أفْصَحُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ ، اخْتَلَفَتْ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِـ ”الوَصِيدِ“، فَقِيلَ: هو فِناءٌ لِلْبَيْتِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ الوَصِيدُ: البابُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقِيلَ: الوَصِيدُ العَتَبَةُ، وقِيلَ الصَّعِيدُ، والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ أنَّ الوَصِيدَ هو البابُ، ويُقالُ لَهُ ”أصِيدٌ“ أيْضًا؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨]، أيْ مُغْلَقَةٌ مُطَبَّقَةٌ، وذَلِكَ بِإغْلاقِ كُلِّ وصِيدٍ أوْ أصِيدٍ، وهو البابُ مِن أبْوابِها، ونَظِيرُ الآيَةِ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَحِنُّ إلى أجْبالِ مَكَّةَ ناقَتِي ومِن دُونِها أبْوابُ صَنْعاءَ مُؤْصَدَةْ (p-٢٢٥)وَقَوْلُ ابْنِ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ: ؎إنَّ في القَصْرِ لَوْ دَخَلْنا غَزالًا ∗∗∗ مُصَفَّقًا مُؤْصَدًا عَلَيْهِ الحِجابُ فالمُرادُ بِالإيصادِ في جَمِيعِ ذَلِكَ: الإطْباقُ والإغْلاقُ؛ لِأنَّ العادَةَ فِيهِ أنْ يَكُونَ بِالوَصِيدِ وهو البابُ، ويُقالُ فِيهِ أصِيدٌ، وعَلى اللُّغَتَيْنِ القِراءَتانِ في قَوْلِهِ: ”مُؤْصَدَةٌ“ مَهْمُوزًا مِنَ الأصِيدِ. وغَيْرَ مَهْمُوزٍ مِنَ الوَصِيدِ. وَمِن إطْلاقِ العَرَبِ الوَصِيدَ عَلى البابِ قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ وهْبٍ العَبْسِيِّ، وقِيلَ زُهَيْرٌ: ؎بِأرْضٍ فَضاءٍ لا يُسَدَّ وصَيْدُها ∗∗∗ عَلَيَّ ومَعْرُوفِي بِها غَيْرُ مُنْكَرِ أيْ لا يُسَدَّ بابُها عَلَيَّ، يَعْنِي لَيْسَتْ فِيها أبْوابٌ حَتّى تُسَدَّ عَلَيَّ؛ كَقَوْلِ الآخَرِ: ؎وَلا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الوَصِيدُ هو البابَ في الآيَةِ، والكَهْفُ غارٌ في جَبَلٍ لا بابَ لَهُ ؟ فالجَوابُ: أنَّ البابَ يُطْلَقُ عَلى المَدْخَلِ الَّذِي يُدْخَلُ لِلشَّيْءِ مِنهُ؛ فَلا مانِعَ مِن تَسْمِيَةِ المَدْخَلِ إلى الكَهْفِ بابًا، ومَن قالَ: الوَصِيدُ: الفِناءُ، لا يُخالِفُ ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ فِناءَ الكَهْفِ هو بابُهُ، وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها هَذا الكِتابُ المُبارَكُ: أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا وتَكُونَ في الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى خِلافِهِ. وَقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إنَّ المُرادَ بِالكَلْبِ في هَذِهِ الآيَةِ رَجُلٌ مِنهم لا كَلْبٌ حَقِيقِيٌّ، واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِبَعْضِ القِراءاتِ الشّاذَّةِ، كَقِراءَةِ ”وَكالِبُهُمِ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ“، وقِراءَةِ ”وَكالِئُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ“ . وَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ قَرِينَةٌ عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ القَوْلِ؛ لِأنَّ بَسْطَ الذِّراعَيْنِ مَعْرُوفٌ مِن صِفاتِ الكَلْبِ الحَقِيقِيِّ، ومِنهُ حَدِيثُ أنَسٍ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ ولا يَبْسُطْ أحَدُكم ذِراعَيْهِ انْبِساطَ الكَلْبِ»، وهَذا المَعْنى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، فَهو قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ كَلْبٌ حَقِيقِيٌّ، وقِراءَةُ ”وَكالِئُهم“ بِالهَمْزَةِ لا تُنافِي كَوْنَهُ كَلْبًا؛ لِأنَّ الكَلْبَ يَحْفَظُ أهْلَهُ ويَحْرُسُهم، والكَلاءَةُ: الحِفْظُ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو ”باسِطٌ“ في مَفْعُولِهِ الَّذِي هو ”ذِراعَيْهِ“ والمُقَرَّرُ في النَّحْوِ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا لَمْ يَكُنْ صِلَةَ ”ال“ لا يَعْمَلُ إلّا إذا كانَ واقِعًا في الحالِ أوِ المُسْتَقْبَلِ ؟ (p-٢٢٦)فالجَوابُ أنَّ الآيَةَ هُنا حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] . واعْلَمْ أنَّ ذِكْرَهُ جَلَّ وعَلا في كِتابِهِ هَذا الكَلْبَ، وكَوْنَهُ باسِطًا ذِراعَيْهِ بِوَصِيدِ كَهْفِهِمْ في مَعْرِضِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ، يَدُلُّ عَلى أنَّ صُحْبَةَ الأخْيارِ عَظِيمَةُ الفائِدَةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وشَمَلَتْ كَلْبَهم بَرَكَتُهم، فَأصابَهُ ما أصابَهم مِنَ النَّوْمِ عَلى تِلْكَ الحالِ، وهَذا فائِدَةُ صُحْبَةِ الأخْيارِ، فَإنَّهُ صارَ لِهَذا الكَلْبِ ذِكْرٌ وخَبَرٌ وشَأْنٌ. اهـ. وَيَدُلُّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ ﷺ لِمَن قالَ: إنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ: «أنْتَ مَعَ مَن أحْبَبْتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ. وَيُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ صُحْبَةَ الأشْرارِ فِيها ضَرَرٌ عَظِيمٌ، كَما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ ”الصّافّاتِ“ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] - إلى قَوْلِهِ - ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٥٦ \ ٥٧] . وَما يَذْكُرُهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأقْوالِ في اسْمِ كَلْبِهِمْ، فَيَقُولُ بَعْضُهم: اسْمُهُ قِطْمِيرٌ، ويَقُولُ بَعْضُهم: اسْمُهُ حُمْرانُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ نُطِلْ بِهِ الكَلامَ لِعَدَمِ فائِدَتِهِ. فَفِي القُرْآنِ العَظِيمِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ لَمْ يُبَيِّنْها اللَّهُ لَنا ولا رَسُولُهُ، ولَمْ يَثْبُتْ في بَيانِها شَيْءٌ، والبَحْثُ عَنْها لا طائِلَ تَحْتَهُ ولا فائِدَةَ فِيهِ. وَكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يُطْنِبُونَ في ذِكْرِ الأقْوالِ فِيها بِدُونِ عِلْمٍ ولا جَدْوى، ونَحْنُ نُعْرِضُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ دائِمًا، كَلَوْنِ كَلْبِ أصْحابِ الكَهْفِ، واسْمِهِ، وكالبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ القَتِيلُ مِن بَقَرَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكاسْمِ الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ مُوسى قَتْلَهُ، وكَخَشَبِ سَفِينَةِ نُوحٍ مِن أيِّ شَجَرٍ هو، وكَمْ طُولُ السَّفِينَةِ وعَرْضُها، وكَمْ فِيها مِنَ الطَّبَقاتِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في البَحْثِ عَنْهُ، ولا دَلِيلَ عَلى التَّحْقِيقِ فِيهِ. وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥] حُكْمَ أكْلِ لَحْمِ الكَلْبِ وبَيْعِهِ، وأخْذِ قِيمَتِهِ إنْ قُتِلَ، وما يَجُوزُ اقْتِناؤُهُ مِنها وما لا يَجُوزُ، وأوْضَحْنا الأدِلَّةَ في ذَلِكَ وأقْوالَ العُلَماءِ فِيهِ.

الكهف 18:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ ، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ بَعَثَ (p-٢٢٧)أصْحابَ الكَهْفِ مِن نَوْمَتِهِمُ الطَّوِيلَةِ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم، أيْ لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ في الكَهْفِ في تِلْكَ النَّوْمَةِ، وأنَّ بَعْضَهم قالَ إنَّهم لَبِثُوا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وبَعْضَهم رَدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا. وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنا قَدْرَ المُدَّةِ الَّتِي تَساءَلُوا عَنْها في نَفْسِ الأمْرِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّها ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ بِحِسابِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعُ سِنِينَ بِحِسابِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] كَما تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ﴾ . فِي قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ ”أزْكى“ قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ. أحَدُهُما أنَّ المُرادَ بِكَوْنِهِ ”أزْكى“ أطْيَبُ لِكَوْنِهِ حَلالًا لَيْسَ مِمّا فِيهِ حَرامٌ ولا شُبْهَةٌ. والثّانِي أنَّ المُرادَ بِكَوْنِهِ أزْكى أنَّهُ أكْثَرُ، كَقَوْلِهِمْ: زَكا الزَّرْعُ: إذا كَثُرَ، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎قَبائِلُنا سَبْعٌ وأنْتُمْ ثَلاثَةٌ ولَلسَّبْعُ أزْكى مِن ثَلاثٍ وأطْيَبُ أيْ أكْثَرُ مِن ثَلاثَةٍ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي يَدُلُّ لَهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّ أكْلَ الحَلالِ والعَمَلَ الصّالِحِ أمَرَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ كَما أمَرَ المُرْسَلِينَ، قالَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٥١]، وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ويَكْثُرُ في القُرْآنِ إطْلاقُ مادَّةِ الزَّكاةِ عَلى الطَّهارَةِ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ الآيَةَ [الشمس: ٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ [النور: ٢١]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١]، • وقَوْلِهِ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٧٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فالزَّكاةُ في هَذِهِ الآياتِ ونَحْوِها: يُرادُ بِها الطَّهارَةُ مِن أدْناسِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، فاللّائِقُ بِحالِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ الأخْيارِ المُتَّقِينَ أنْ يَكُونَ مَطْلَبُهم في مَأْكَلِهِمُ الحَلْبَةَ والطَّهارَةَ، لا الكَثْرَةَ. وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ عَهْدَهم بِالمَدِينَةِ فِيها مُؤْمِنُونَ يُخْفُونَ إيمانَهم، (p-٢٢٨)وَكافِرُونَ، وأنَّهم يُرِيدُونَ الشِّراءَ مِن طَعامِ المُؤْمِنِينَ دُونَ الكافِرِينَ، وأنَّ ذَلِكَ هو مُرادُهم بِالزَّكاةِ في قَوْلِهِ: ﴿أزْكى طَعامًا﴾، وقِيلَ: كانَ فِيها أهْلُ كِتابٍ ومَجُوسٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والوَرِقُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: ١٩] الفِضَّةُ، وأخَذَ عُلَماءُ المالِكِيَّةِ وغَيْرُهم مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَسائِلَ مِن مَسائِلِ الفِقْهِ: المَسْألَةُ الأُولى: جَوازُ الوَكالَةِ وصِحَّتُها؛ لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكُمْ﴾ الآيَةَ، يَدُلُّ عَلى تَوْكِيلِهِمْ لِهَذا المَبْعُوثِ لِشِراءِ الطَّعامِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى جَوازِ التَّوْكِيلِ مُطْلَقًا بَلْ مَعَ التَّقِيَّةِ والخَوْفِ، لِأنَّهم لَوْ خَرَجُوا كُلُّهم لِشِراءِ حاجَتِهِمْ لَعَلِمَ بِهِمْ أعْداؤُهم في ظَنِّهِمْ فَهم مَعْذُورُونَ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى تَوْكِيلِ المَعْذُورِ دُونَ غَيْرِهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، وهو قَوْلُ سَحْنُونٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ في التَّوْكِيلِ عَلى الخِصامِ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وكَأنَّ سَحْنُونًا تَلَقّاهُ مِن أسَدِ بْنِ الفُراتِ، فَحَكَمَ بِهِ أيّامَ قَضائِهِ، ولَعَلَّهُ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأهْلِ الظُّلْمِ والجَبَرُوتِ إنْصافًا مِنهم وإذْلالًا لَهم، وهو الحَقُّ، فَإنَّ الوَكالَةَ مَعُونَةٌ ولا تَكُونُ لِأهْلِ الباطِلِ. اهـ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ: كَلامُ ابْنِ العَرَبِيِّ هَذا حَسَنٌ، فَأمّا أهْلُ الدِّينِ والفَضْلِ فَلَهم أنْ يُوَكِّلُوا وإنْ كانُوا حاضِرِينَ أصِحّاءَ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ جَوازِ الوَكالَةِ لِلشّاهِدِ الصَّحِيحِ، ما أخْرَجَهُ الصَّحِيحانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ لِرَجُلٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الإبِلِ، فَجاءَ يَتَقاضاهُ، فَقالَ: ”أعْطُوهُ“ فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا إلّا سِنًّا فَوْقَها، فَقالَ ”أعْطُوهُ“ فَقالَ: أوْفَيْتَنِي أوْفى اللَّهُ لَكَ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّ خَيْرَكم أحْسَنُكم قَضاءً“» لَفْظُ البُخارِيِّ. فَدَلَّ هَذا الحَدِيثُ مَعَ صِحَّتِهِ عَلى جَوازِ تَوْكِيلِ الحاضِرِ الصَّحِيحِ البَدَنِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أمَرَ أصْحابَهُ أنْ يُعْطُوا عَنْهُ السِّنَّ الَّتِي عَلَيْهِ وذَلِكَ تَوْكِيلٌ مِنهُ لَهم عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ مَرِيضًا ولا مُسافِرًا، وهَذا يَرُدُّ قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ وسَحْنُونٍ في قَوْلِهِما: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الحاضِرِ الصَّحِيحِ إلّا بِرِضا خَصْمِهِ "، وهَذا الحَدِيثُ خِلافُ قَوْلِهِما. اهـ كَلامُ القُرْطُبِيِّ. وَلا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ أبا حَنِيفَةَ وسَحْنُونًا إنَّما خالَفا في الوَكالَةِ عَلى المُخاصَمَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الخَصْمِ فَقَطْ، ولَمْ يُخالِفا في الوَكالَةِ في دَفْعِ الحَقِّ. (p-٢٢٩)وَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ سَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ الأدِلَّةَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى صِحَّةِ الوَكالَةِ وجَوازِها، وبَعْضَ المَسائِلِ المُحْتاجِ إلَيْها مِن ذَلِكَ، تَنْبِيهًا بِها عَلى غَيْرِها. اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ والإجْماعَ كُلَّها دَلَّ عَلى جَوازِ الوَكالَةِ وصِحَّتِها في الجُمْلَةِ، فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ [التوبة: ٦٠]، فَإنَّ عَمَلَهم عَلَيْها تَوْكِيلٌ لَهم عَلى أخْذِها. واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بَعْضُ العُلَماءِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي﴾ الآيَةَ [يوسف: ٩٣]، فَإنَّهُ تَوْكِيلٌ لَهم مِن يُوسُفَ عَلى إلْقائِهِمْ قَمِيصَهُ عَلى وجْهِ أبِيهِ لِيَرْتَدَّ بَصِيرًا. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى عَنْ يُوسُفَ: ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٥٥]، فَإنَّهُ تَوْكِيلٌ عَلى ما في خَزائِنِ الأرْضِ. وَأمّا السُّنَّةُ فَقَدْ دَلَّتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ عَلى جَوازِ الوَكالَةِ وصِحَّتِها، مِن ذَلِكَ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَقَدِّمِ في كَلامِ القُرْطُبِيِّ، الدّالِّ عَلى التَّوْكِيلِ في قَضاءِ الدَّيْنِ، وهو حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وأخْرَجَ الجَماعَةُ إلّا البُخارِيَّ مِن حَدِيثِ أبِي رافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَمِنها حَدِيثُ «عُرْوَةَ بْنِ أبِي الجَعْدِ البارِقِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطاهُ دِينارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ لَهُ شاةً، فاشْتَرى لَهُ بِهِ شاتَيْنِ: فَباعَ إحْداهُما بِدِينارٍ وجاءَهُ بِدِينارٍ وشاةٍ، فَدَعا لَهُ بِالبَرَكَةِ في بَيْعِهِ»، فَكانَ لَوِ اشْتَرى التُّرابَ لَرَبِحَ فِيهِ، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ، وفِيهِ التَّوْكِيلُ عَلى الشِّراءِ. وَمِنها حَدِيثُ «جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خَيْبَرَ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خَيْبَرَ. فَقالَ: ”إذا أتَيْتَ وكِيلِي فَخُذْ مِنهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وسْقًا، فَإنِ ابْتَغى مِنكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلى تَرْقُوَتِهِ“» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والدّارَقُطْنِيُّ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ مِنهُ ﷺ بِأنَّ لَهُ وكِيلًا. وَمِنها قَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «واغْدُ يا أُنَيْسُ إلى امْرَأةِ هَذا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها»، وهو صَرِيحٌ في التَّوْكِيلِ في إقامَةِ الحُدُودِ. وَمِنها حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أقُومَ عَلى بُدْنِهِ وأنْ أتَصَدَّقَ بِلُحُومِها وجُلُودِها وأجِلَّتِها، وألّا أُعْطِيَ الجازِرَ مِنها شَيْئًا، وقالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِن (p-٢٣٠)عِنْدِنا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفِيهِ التَّوْكِيلُ عَلى القِيامِ عَلى البُدْنِ والتَّصَدُّقِ بِلُحُومِها وجُلُودِها وأجِلَّتِها، وعَدَمِ إعْطاءِ الجازِرِ شَيْئًا مِنها. وَمِنها حَدِيثُ «عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطاهُ غَنَمًا يُقَسِّمُها عَلى أصْحابِهِ فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ ”ضَحِّ أنْتَ بِهِ“» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا. وفِيهِ الوَكالَةُ في تَقْسِيمِ الضَّحايا، والأحادِيثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما طَرَفًا كافِيًا مِنها، ذَكَرْنا بَعْضَهُ هُنا. وَقَدْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي في كِتابِ الوَكالَةِ ما نَصُّهُ: اشْتَمَلَ كِتابُ الوَكالَةِ - يَعْنِي مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ - عَلى سِتَّةٍ وعِشْرِينَ حَدِيثًا، المُعَلَّقُ مِنها سِتَّةٌ، والبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، المُكَرَّرُ مِنها فِيهِ وفِيما مَضى اثْنا عَشَرَ حَدِيثًا، والبَقِيَّةُ خالِصَةٌ، وافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلى تَخْرِيجِها سِوى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في قَتْلِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في الشّاةِ المَذْبُوحَةِ، وحَدِيثِ وفْدِ هَوازِنَ مِن طَرِيقَيْهِ، وحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في حِفْظِ زَكاةِ رَمَضانَ، وحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الحارِثِ في قِصَّةِ النُّعَيْمانِ، وفِيهِ مِنَ الآثارِ عَنِ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ سِتَّةُ آثارٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى مِن فَتْحِ البارِي. وكُلُّ تِلْكَ الأحادِيثِ دالَّةٌ عَلى جَوازِ الوَكالَةِ وصِحَّتِها. وَأمّا الإجْماعُ فَقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى جَوازِ الوَكالَةِ وصِحَّتِها في الجُمْلَةِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى جَوازِ الوَكالَةِ في الجُمْلَةِ، ولِأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ كُلَّ أحَدٍ فِعْلُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، فَدَعَتِ الحاجَةُ إلَيْها، انْتَهى مِنهُ. وهَذا مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ. فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِمَسْألَةِ الوَكالَةِ الفَرْعُ الأوَّلُ: لا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ إلّا في شَيْءٍ تَصِحُّ النِّيابَةُ فِيهِ، فَلا تَصِحُّ في فِعْلِ مُحَرَّمٍ؛ لِأنَّ التَّوْكِيلَ مِنَ التَّعاوُنِ، واللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٢] . وَلا تَصِحُّ في عِبادَةٍ مَحْضَةٍ كالصَّلاةِ والصَّوْمِ ونَحْوِهِما؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ مِن كُلِّ أحَدٍ بِعَيْنِهِ، فَلا يَنُوبُ فِيهِ أحَدٌ مِن أحَدٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٥٦] . أمّا الحَجُّ عَنِ المَيِّتِ والمَعْضُوبِ، والصَّوْمُ عَنِ المَيِّتِ فَقَدْ دَلَّتْ أدِلَّةٌ أُخَرُ عَلى (p-٢٣١)النِّيابَةِ في ذَلِكَ، وإنْ خالَفَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ في الصَّوْمِ عَنِ المَيِّتِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالدَّلِيلِ الصَّحِيحِ مِنَ الوَحْيِ لا بِآراءِ العُلَماءِ، إلّا عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ مِنَ الوَحْيِ. الفَرْعُ الثّانِي: ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في المُطالَبَةِ بِالحُقُوقِ وإثْباتِها والمُحاكَمَةِ فِيها، سَواءٌ كانَ المُوَكِّلُ حاضِرًا أوْ غائِبًا، صَحِيحًا أوْ مَرِيضًا. وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وغَيْرُهم. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لِلْخَصْمِ أنْ يَمْتَنِعَ مِن مُحاكَمَةِ الوَكِيلِ إذا كانَ المُوَكِّلُ حاضِرًا غَيْرَ مَعْذُورٍ؛ لِأنَّ حُضُورَهُ مَجْلِسَ الحُكْمِ ومُخاصَمَتَهُ حَقٌّ لِخَصْمِهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْلُهُ إلى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضا خَصْمِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في كَلامِ القُرْطُبِيِّ أنَّ هَذا قَوْلُ سَحْنُونٍ أيْضًا مِن أصْحابِ مالِكٍ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِظَواهِرِ النُّصُوصِ؛ لِأنَّ الخُصُومَةَ أمْرٌ لا مانِعَ مِنَ الِاسْتِنابَةِ فِيهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ في مَسْألَةِ التَّوْكِيلِ عَلى الخِصامِ والمُحاكَمَةِ: أنَّ الصَّوابَ فِيها التَّفْصِيلُ. فَإنْ كانَ المُوَكِّلُ مِمَّنْ عُرِفَ بِالظُّلْمِ والجَبَرُوتِ والِادِّعاءِ بِالباطِلِ فَلا يُقْبَلُ مِنهُ التَّوْكِيلُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] . وإنْ كانَ مَعْرُوفًا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلا مانِعَ مِن تَوْكِيلِهِ عَلى الخُصُومَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. الفَرْعُ الثّالِثُ: ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجُعْلٍ وبِدُونِ جُعْلٍ، والدَّلِيلُ عَلى التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ جُعْلٍ أنَّهُ ﷺ وكَّلَ أُنَيْسًا في إقامَةِ الحَدِّ عَلى المَرْأةِ، وعُرْوَةَ البارِقِيَّ في شِراءِ الشّاةِ مِن غَيْرِ جُعْلٍ. ومِثالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنا وغَيْرِها. والدَّلِيلُ عَلى التَّوْكِيلِ بِجُعْلٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعامِلِينَ عَلَيْها﴾ [التوبة: ٦٠] فَإنَّهُ تَوْكِيلٌ عَلى جِبايَةِ الزَّكاةِ وتَفْرِيقِها بِجُعْلٍ مِنها كَما تَرى. الفَرْعُ الرّابِعُ: إذا عَزَلَ المُوَكِّلُ وكِيَلَهُ في غَيْبَتِهِ وتَصَرَّفَ الوَكِيلُ بَعْدَ العَزْلِ وقَبْلَ العِلْمِ بِهِ، أوْ ماتَ مُوَكِّلُهُ وتَصَرَّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ وقَبْلَ العِلْمِ بِهِ، فَهَلْ يَمْضِي تَصَرُّفُهُ نَظَرًا لِاعْتِقادِهِ، أوْ لا يَمْضِي نَظَرًا لِلْواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ، في ذَلِكَ خِلافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ مَبْنِيٌّ عَلى قاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ، وهي: هَلْ يَسْتَقِلُّ الحُكْمُ بِمُطْلَقِ وُرُودِهِ وإنْ لَمْ يَبْلُغِ المُكَلَّفَ، أوْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ بُلُوغِهِ لِلْمُكَلَّفِ. ويُبْنى عَلى الخِلافِ في هَذِهِ القاعِدَةِ الِاخْتِلافُ في خَمْسٍ وأرْبَعِينَ صَلاةً الَّتِي نُسِخَتْ مِنَ الخَمْسِينَ بَعْدَ فَرْضِها لَيْلَةَ الإسْراءِ، هَلْ يُسَمّى ذَلِكَ نَسْخًا في حَقِّ الأُمَّةِ (p-٢٣٢)لِوُرُودِهِ، أوْ لا يُسَمّى نَسْخًا في حَقِّهِمْ؛ لِأنَّهُ وقَعَ قَبْلَ بُلُوغِ التَّكْلِيفِ بِالمَنسُوخِ لَهم، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎هَلْ يَسْتَقِلُّ الحُكْمُ بِالوُرُودِ ∗∗∗ أوْ بِبُلُوغِهِ إلى المَوْجُودِ ؎فالعَزْلُ بِالمَوْتِ أوِ العَزْلُ عَرَضْ ∗∗∗ كَذا قَضاءُ جاهِلٍ لِلْمُفْتَرَضْ وَمَسائِلُ الوَكالَةِ مَعْرُوفَةٌ مُفَصَّلَةٌ في كُتُبِ فُرُوعِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ، ومَقْصُودُنا ذِكْرُ أدِلَّةِ ثُبُوتِها بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ، وذِكْرُ أمْثِلَةٍ مِن فُرُوعِها تَنْبِيهًا بِها عَلى غَيْرِها؛ لِأنَّها بابٌ كَبِيرٌ مِن أبْوابِ الفِقْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أخَذَ بَعْضُ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جَوازَ الشَّرِكَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُشْتَرِكِينَ في الوَرِقِ الَّتِي أرْسَلُوها لِيَشْتَرِيَ لَهم طَعامًا بِها. وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ: لا دَلِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الشَّرِكَةِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أرْسَلَ مَعَهُ نَصِيبَهُ مُنْفَرِدًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ طَعامَهُ مُنْفَرِدًا، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ مُتَّجَهٌ كَما تَرى، وقَدْ دَلَّتْ أدِلَّةٌ أُخْرى عَلى جَوازِ الشَّرِكَةِ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ أدِلَّةَ ذَلِكَ، وبَعْضَ مَسائِلِهِ المُحْتاجِ إلَيْها، وأقْوالَ العُلَماءِ في ذَلِكَ. اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ الشَّرِكَةَ جائِزَةٌ في الجُمْلَةِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ المُسْلِمِينَ. أمّا الكِتابُ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ مِنهُ آياتٌ في الجُمْلَةِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]، عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ الخُلَطاءَ: الشُّرَكاءُ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٤١]، وهي تَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ مِن جِهَتَيْنِ. وَأمّا السُّنَّةُ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى جَوازِ الشَّرِكَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ سَنَذْكُرُ هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ طَرَفًا مِنها، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: «مَن أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، وكانَ لَهُ مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوِّمَ العَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأعْطى شُرَكاءَهُ حِصَصَهم، وإلّا فَقَدَ عَتَقَ عَلَيْهِ ما عَتَقَ» . وقَدْ ثَبَتَ نَحْوُهُ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ مِنهُ ﷺ بِالِاشْتِراكِ في الرَّقِيقِ، وقَدْ تَرْجَمَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ المَذْكُورَيْنِ بِقَوْلِهِ: (بابُ الشَّرِكَةِ في الرَّقِيقِ)، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ رَحِمَهُما اللَّهُ «عَنْ أبِي المِنهالِ، قالَ: اشْتَرَيْتُ أنا (p-٢٣٣)وَشَرِيكٌ لِي شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ ونَسِيئَةً، فَجاءَنا البَراءُ بْنُ عازِبٍ فَسَألْناهُ فَقالَ: فَعَلْتُ أنا وشَرِيكِي زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: ”ما كانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ، وما كانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ“» . وفِيهِ إقْرارُهُ ﷺ البَراءَ وزَيْدًا المَذْكُورَيْنَ عَلى ذَلِكَ الِاشْتِراكِ، وتَرْجَمَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذا الحَدِيثِ في كِتابِ الشَّرِكَةِ بِقَوْلِهِ: (بابُ الِاشْتِراكِ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ وما يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ)، ومِن ذَلِكَ إعْطاؤُهُ ﷺ أرْضَ خَيْبَرَ لِلْيَهُودِ لِيَعْمَلُوا فِيها ويَزْرَعُوها، عَلى أنَّ لَهم شَطْرَ ما يَخْرُجُ مِن ذَلِكَ، وهو اشْتِراكٌ في الغَلَّةِ الخارِجَةِ مِنها، وقَدْ تَرْجَمالبُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذا الحَدِيثِ في كِتابِ الشَّرِكَةِ بِقَوْلِهِ (بابُ مُشارَكَةِ الذِّمِّيِّينَ والمُشْرِكِينَ في المُزارَعَةِ) ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى بِالشُّفْعَةِ في كُلِّ ما لَمْ يُقَسَّمْ، فَإذا وقَعَتِ الحُدُودُ وصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ» . وتَرْجَمَ البُخارِيُّ لِهَذا الحَدِيثِ في كِتابِ الشَّرِكَةِ بِقَوْلِهِ: (بابُ الشَّرِكَةِ في الأرَضِينَ وغَيْرِها) ثُمَّ ساقَ الحَدِيثَ بِسَنَدٍ آخَرَ، وتَرْجَمَ لَهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ (بابُ إذا قَسَّمَ الشُّرَكاءُ الدُّورَ وغَيْرَها، فَلَيْسَ لَهم رُجُوعٌ ولا شُفْعَةٌ) ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ”أنا ثالِثُ الشَّرِيكَيْنِ ما لَمْ يَخُنْ أحَدُهُما صاحِبَهُ، فَإذا خانَهُ خَرَجْتُ مِن بَيْنِهِما“» قالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في نَيْلِ الأوْطارِ في هَذا الحَدِيثِ: صَحَّحَهُ الحاكِمُ وأعَلَّهُ ابْنُ القَطّانِ بِالجَهْلِ بِحالِ سَعِيدِ بْنِ حَيّانَ. وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبّانَ في الثِّقاتِ، وأعَلَّهُ أيْضًا ابْنُ القَطّانِ بِالإرْسالِ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أبا هُرَيْرَةَ وقالَ إنَّهُ الصَّوابُ. ولَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ أبِي هَمّامٍ مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقانِ وسَكَتَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَلى هَذا الحَدِيثِ، وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو القاسِمِ الأصْبَهانِيُّ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ. انْتَهى مِنهُ. ومِنَ المَعْرُوفِ عَنْ أبِي داوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يَسْكُتُ عَنِ الكَلامِ في حَدِيثٍ إلّا وهو يَعْتَقِدُ صَلاحِيَّتَهُ لِلِاحْتِجاجِ. والسَّنَدُ الَّذِي أخْرَجَهُ بِهِ أبُو داوُدَ الظّاهِرُ مِنهُ أنَّهُ صالِحٌ لِلِاحْتِجاجِ، فَإنَّهُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ المِصِّيصِيُّ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقانِ عَنْ أبِي حَيّانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَفَعَهُ، قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ”أنا ثالِثُ الشَّرِيكَيْنِ“ .» إلى آخَرِ الحَدِيثِ. فالطَّبَقَةُ الأُولى مِن هَذا الإسْنادِ هي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ، وهو أبُو جَعْفَرٍ العَلّافُ الكُوفِيُّ، ثُمَّ المِصِّيصِيُّ لَقَبُهُ ”لُوَيْنٌ“ بِالتَّصْغِيرِ، وهو ثِقَةٌ. والطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ مِنهُ: مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقانِ أبُو هَمّامٍ الأهْوازِيُّ، وهو مِن رِجالِ (p-٢٣٤)الصَّحِيحَيْنِ، وقالَ في التَّقْرِيبِ: صَدُوقٌ، رُبَّما وهِمَ. والطَّبَقَةُ الثّالِثَةُ مِنهُ هي أبُو حَيّانَ التَّيْمِيُّ، وهو يَحْيى بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَيّانَ الكُوفِيُّ، وهو ثِقَةٌ. والطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ مِنهُ هي أبُوهُ سَعِيدُ بْنُ حَيّانَ المَذْكُورُ الَّذِي قَدَّمْنا في كَلامِ الشَّوْكانِيِّ: أنَّ ابْنَ القَطّانِ أعَلَّ هَذا الحَدِيثَ بِأنَّهُ مَجْهُولٌ، ورَدَّ ذَلِكَ بِأنَّ ابْنَ حِبّانَ قَدْ ذَكَرَهُ في الثِّقاتِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ (في التَّقْرِيبِ): إنَّهُ وثَّقَهُ العِجْلِيُّ أيْضًا. والطَّبَقَةُ الخامِسَةُ مِنهُ أبُو هُرَيْرَةَ، رَفَعَهُ. فَهَذا إسْنادٌ صالِحٌ كَما تَرى، وإعْلالُ الحَدِيثِ بِأنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا مِن جِهَةٍ أُخْرى، يُقالُ فِيهِ: إنَّ الرَّفْعَ زِيادَةٌ، وزِيادَةُ العُدُولِ مَقْبُولَةٌ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ وعُلُومِ الحَدِيثِ، ويُؤَيِّدُهُ كَوْنُهُ جاءَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ كَما ذَكَرْناهُ في كَلامِ الشَّوْكانِيِّ آنِفًا. وَمِن ذَلِكَ حَدِيثُ السّائِبِ بْنِ أبِي السّائِبِ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كُنْتَ شَرِيكِي في الجاهِلِيَّةِ فَكُنْتَ خَيْرَ شَرِيكٍ، لا تُدارِينِي ولا تُمارِينِي، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، ولَفْظُهُ: «كُنْتَ شَرِيكِي ونِعْمَ الشَّرِيكُ، كُنْتَ لا تُدارِي ولا تُمارِي»، وأخْرَجَهُ أيْضًا النَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وفِيهِ إقْرارُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَلى كَوْنِهِ كانَ شَرِيكًا لَهُ، والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى الشَّرِكَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَدْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي في آخِرِ كِتابِ الشَّرِكَةِ ما نَصُّهُ: اشْتَمَلَ كِتابُ الشَّرِكَةِ (يَعْنِي مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ) مِنَ الأحادِيثِ المَرْفُوعَةِ عَلى سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ حَدِيثًا، المُعَلَّقُ مِنها واحِدٌ، والبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، المُكَرَّرُ مِنها فِيهِ وفِيما مَضى ثَلاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، والخالِصُ أرْبَعَةَ عَشَرَ، وافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلى تَخْرِيجِها سِوى حَدِيثِ النُّعْمانِ: «مَثَلُ القائِمِ عَلى حُدُودِ اللَّهِ»، وحَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشامٍ، وحَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قِصَّتِهِ، وحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ الأخِيرِ، وفِيهِ مِنَ الآثارِ أثَرٌ واحِدٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ، وبِهَذا تَعْلَمُ كَثْرَةَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى الشَّرِكَةِ في الجُمْلَةِ. وَأمّا الإجْماعُ فَقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ عَلى جَوازِ أنْواعٍ مِن أنْواعِ الشَّرِكاتِ، وإنَّما الخِلافُ بَيْنَهم في بَعْضِ أنْواعِها. اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ الشَّرِكَةَ قِسْمانِ: شَرِكَةُ أمْلاكٍ، وشَرِكَةُ عُقُودٍ. فَشَرِكَةُ الأمْلاكِ أنْ يَمْلِكَ عَيْنًا اثْنانِ أوْ أكْثَرُ بِإرْثٍ أوْ شِراءٍ أوْ هِبَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ المالِكِيَّةِ بِالشَّرِكَةِ الأعَمِّيَّةِ. (p-٢٣٥)وَشَرِكَةُ العُقُودِ تَنْقَسِمُ إلى شَرِكَةِ مُفاوَضَةٍ، وشَرِكَةِ عِنانٍ، وشَرِكَةِ وُجُوهٍ، وشَرِكَةِ أبْدانٍ، وشَرِكَةِ مُضارَبَةٍ، وقَدْ تَتَداخَلُ هَذِهِ الأنْواعُ فَيَجْتَمِعُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ. أمّا شَرِكَةُ الأمْلاكِ فَقَدْ جاءَ القُرْآنُ الكَرِيمُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، ولا خِلافَ فِيها بَيْنَ العُلَماءِ. وَأمّا أنْواعُ شَرِكَةِ العُقُودِ فَسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ هُنا مَعانِيَها وكَلامَ العُلَماءِ فِيها، وأمْثِلَةً لِلْجائِزِ مِنها تَنْبِيهًا بِها عَلى غَيْرِها، وما ورَدَ مِنَ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ. اعْلَمْ أنَّ شَرِكَةَ المُفاوَضَةِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّفْوِيضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُفَوِّضُ أمْرَ التَّصَرُّفِ في مالِ الشَّرِكَةِ إلى الآخَرِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [غافر: ٤٤] . وَقِيلَ: أصْلُها مِنَ المُساواةِ، لِاسْتِواءِ الشَّرِيكَيْنِ فِيها في التَّصَرُّفِ والضَّمانِ، وعَلى هَذا فَهي مِنَ الفَوْضى بِمَعْنى التَّساوِي، ومِنهُ قَوْلُ الأفْوَهِ الأوْدِيِّ: ؎لا يَصْلُحُ النّاسُ فَوْضى لا سَراةَ لَهم ∗∗∗ ولا سَراةَ إذا جُهّالُهم سادُوا ؎إذا تَوَلّى سَراةُ النّاسِ أمْرَهُمُ ∗∗∗ نَما عَلى ذاكَ أمْرُ القَوْمِ وازْدادُوا فَقَوْلُهُ: ”لا يَصْلُحُ النّاسُ فَوْضى“ أيْ لا تَصْلُحُ أُمُورُهم في حالِ كَوْنِهِمْ فَوْضى، أيْ مُتَساوِينَ لا أشْرافَ لَهم يَأْمُرُونَهم ويَنْهَوْنَهم، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّوابُ، هَذا هو أصْلُها في اللُّغَةِ. وَأمّا شَرِكَةُ العِنانِ فَقَدِ اخْتُلِفَ في أصْلِ اشْتِقاقِها اللُّغَوِيِّ، فَقِيلَ: أصْلُها مِن عَنَّ الأمْرُ يَعِنُّ - بِالكَسْرِ والضَّمِّ - عَنًّا وعُنُونًا: إذا عَرَضَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَعَنَّ لَنا سِرْبٌ كَأنَّ نِعاجَهُ ∗∗∗ عَذارى دَوارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ قالَ ابْنُ مَنظُورٍ في اللِّسانِ: وشِرْكُ العِنانِ وشَرِكَةُ العِنانِ: شَرِكَةٌ في شَيْءٍ خاصٍّ دُونَ سائِرِ أمْوالِهِما، كَأنَّهُ عَنَّ لَهُما شَيْءٌ فاشْتَرَياهُ واشْتَرَكا فِيهِ، واسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ: ؎فَشارَكْنا قُرَيْشًا في تُقاها ∗∗∗ وفي أحْسابِها شِرْكَ العِنانِ ؎بِما ولَدَتْ نِساءُ بَنِي هِلالٍ ∗∗∗ وما ولَدَتْ نِساءُ بَنِي أبانِ وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ شَرِكَةَ العِنانِ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، وأنَّ قَوْلَ ابْنِ القاسِمِ مِن (p-٤٣٦)أصْحابِ مالِكٍ: إنَّهُ لا يَعْرِفُ شَرِكَةَ العِنانِ عَنْ مالِكٍ، وأنَّهُ لَمْ يَرَ أحَدًا مِن أهْلِ الحِجازِ يَعْرِفُها، وإنَّما يُرْوى عَنْ مالِكٍ والشّافِعِيِّ مِن أنَّهُما لَمْ يُطْلِقا هَذا الِاسْمَ عَلى هَذِهِ الشَّرِكَةِ، وأنَّهُما قالا: هِيَ كَلِمَةٌ تَطَرَّقَ بِها أهْلُ الكُوفَةِ لِيُمْكِنَهُمُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الشَّرِكَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في كَلامِ العَرَبِ - كُلُّ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ لِما عَرَفْتَ أنْ كانَ ثابِتًا عَنْهم. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: اعْلَمْ أنَّ مُرادَ النّابِغَةِ في بَيْتَيْهِ المَذْكُورَيْنِ: بِما ولَدَتْ نِساءُ بَنِي هِلالٍ ابْنُ عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وأنَّ مِنهم لُبابَةَ الكُبْرى، ولُبابَةَ الصُّغْرى، وهُما أُخْتانِ، ابْنَتا الحارِثِ بْنِ حَزْنِ بْنِ بُجَيْرِ بْنِ الهَزْمِ بْنِ رُوَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلالٍ، وهُما أُخْتا مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ . أمّا لُبابَةُ الكُبْرى فَهي زَوْجُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المَطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهي أُمُّ أبْنائِهِ: عَبْدِ اللَّهِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ، والفَضْلِ وبِهِ كانَتْ تُكَنّى، وفِيها يَقُولُ الرّاجِزُ: ؎ما ولَدَتْ نَجِيبَةٌ مِن فَحْلِ ∗∗∗ كَسِتَّةٍ مِن بَطْنِ أُمِّ الفَضْلِ وَأمّا لُبابَةُ الصُّغْرى فَهي أُمُّ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَمَّتُهُما صَفِيَّةُ بِنْتُ حَزْنٍ هي أُمُّ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وهَذا مُرادُهُ: ؎بِما ولَدَتْ نِساءُ بَنِي هِلالِ وَأمّا نِساءُ بَنِي أبانٍ فَإنَّهُ يَعْنِي أنَّ أبا العاصِ، والعاصَ، وأبا العِيصِ، والعِيصَ أبْناءَ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أُمُّهم آمِنَةُ بِنْتُ أبانِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَهَذِهِ الأرْحامُ المُخْتَلِطَةُ بَيْنَ العامِرِيِّينَ وبَيْنَ قُرَيْشٍ هي مُرادُ النّابِغَةِ بِمُشارَكَتِهِمْ لَهم في الحَسَبِ والتُّقى شِرْكَ العِنانِ. وَقِيلَ: إنَّ شَرِكَةَ العِنانِ أصْلُها مِن عِنانِ الفَرَسِ، كَما يَأْتِي إيضاحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهو المَشْهُورُ عِنْدَ العُلَماءِ. وَقِيلَ هي مِنَ المُعاناةِ بِمَعْنى المُعارَضَةِ، يُقالُ: عانَنْتُهُ: إذا عارَضْتُهُ بِمِثْلِ مالِهِ أوْ فِعالِهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ يُعارِضُ الآخَرَ بِمالِهِ وفِعالِهِ. وَهِيَ بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى الصَّحِيحِ خِلافًا لِمَن زَعَمَ فَتْحَها، ويُرْوى عَنْ عِياضٍ وغَيْرِهِ، وادِّعاءُ أنَّ أصْلَها مِن عَنانِ السَّماءِ بَعِيدٌ جِدًّا كَما تَرى. (p-٣٣٧)وَأمّا شَرِكَةُ الوُجُوهِ فَأصْلُها مِنَ الوَجاهَةِ، لِأنَّ الوَجِيهَ تُتْبَعُ ذِمَّتُهُ بِالدَّيْنِ، وإذا باعَ شَيْئًا باعَهُ بِأكْثَرَ مِمّا يَبِيعُ بِهِ الخامِلُ. وَأمّا شَرِكَةُ الأبْدانِ فَأصْلُها اللُّغَوِيُّ واضِحٌ؛ لِأنَّهُما يَشْتَرِكانِ بِعَمَلِ أبْدانِهِما، ولِذا تُسَمّى شَرِكَةَ العَمَلِ، إذْ لَيْسَ الِاشْتِراكُ فِيها بِالمالِ، وإنَّما هو بِعَمَلِ البَدَنِ. وَأمّا شَرِكَةُ المُضارَبَةِ وهي القِراضُ فَأصْلُها مِنَ الضَّرْبِ في الأرْضِ؛ لِأنَّ التّاجِرَ يُسافِرُ في طَلَبِ الرِّبْحِ، والسَّفَرُ يُكَنّى عَنْهُ بِالضَّرْبِ في الأرْضِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [المزمل: ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠١] . فَإذا عَرَفْتَ مَعانِيَ أنْواعِ الشَّرِكَةِ في اللُّغَةِ، فَسَنَذْكُرُ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هُنا مَعانِيَها المُرادَةَ بِها في الِاصْطِلاحِ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ وأصْحابِهِمْ، وأحْكامَها؛ لِأنَّهم مُخْتَلِفُونَ في المُرادِ بِها اصْطِلاحًا، وفي بَعْضِ أحْكامِها. أمّا مَذْهَبُ مالِكٍ في أنْواعِ الشَّرِكَةِ وأحْكامِها فَهَذا تَفْصِيلُهُ: اعْلَمْ أنَّ شَرِكَةَ المُفاوَضَةِ جائِزَةٌ عِنْدَ مالِكٍ وأصْحابِهِ، والمُرادُ بِشَرِكَةِ المُفاوَضَةِ عِنْدَهم هو أنْ يُطْلِقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما التَّصَرُّفَ لِصاحِبِهِ في المالِ الَّذِي اشْتَرَكا فِيهِ غَيْبَةً وحُضُورًا، وبَيْعًا وشِراءً، وضَمانًا وتَوْكِيلًا، وكَفالَةً وقِراضًا، فَما فَعَلَ أحَدُهُما مِن ذَلِكَ لَزِمَ صاحِبَهُ إذا كانَ عائِدًا عَلى شَرِكَتِهِما. وَلا يَكُونانِ شَرِيكَيْنِ إلّا فِيما يَعْقِدانِ عَلَيْهِ الشَّرِكَةَ مِن أمْوالِهِما، دُونَ ما يَنْفَرِدُ بِهِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِن مالِهِ، وسَواءٌ اشْتَرَكا في كُلِّ ما يَمْلِكانِهِ أوْ في بَعْضِ أمْوالِهِما، وتَكُونُ يَدُ كُلٍّ مِنهُما كَيَدِ صاحِبِهِ، وتَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِهِ ما لَمْ يَتَبَرَّعْ بِشَيْءٍ لَيْسَ في مَصْلَحَةِ الشَّرِكَةِ. وَسَواءٌ كانَتِ المُفاوَضَةُ بَيْنَهُما في جَمِيعِ أنْواعِ المَتاجِرِ أوْ في نَوْعٍ واحِدٍ مِنها، كَرَقِيقٍ يَتَفاوَضانِ في التِّجارَةِ فِيهِ فَقَطْ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ ويَشْتَرِيَ فِيهِ ويَلْزَمُ ذَلِكَ صاحِبَهُ وهَذا هو الصَّوابُ، خِلافًا لِخَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ في الشِّراءِ بِالدَّيْنِ. وَقَدْ أشارَ خَلِيلٌ في مُخْتَصَرِهِ إلى جَوازِ شَرِكَةِ المُفاوَضَةِ في مَذْهَبِ مالِكٍ مَعَ تَعْرِيفِها، وما يَسْتَلْزِمُهُ عَقْدُها مِنَ الأحْكامِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّرِيكَيْنِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ إنْ أطْلَقا التَّصَرُّفَ وإنْ بِنَوْعٍ فَمُفاوَضَةٌ، ولا يُفْسِدُها انْفِرادُ أحَدِهِما بِشَيْءٍ ولَهُ أنْ يَتَبَرَّعَ إنِ اسْتَأْلَفَ بِهِ أوْخَفَّ كَإعارَةِ آلَةٍ ودَفْعِ كِسْرَةٍ ويَبْضِعُ ويُقارِدُ ويُودِعُ لِعُذْرٍ وإلّا ضَمِنَ، ويُشارِكُ في مُعَيَّنٍ ويَقْبَلُ ويُوَلِّي ويَقْبَلُ (p-٣٣٨)المَعِيبَ وإنْ أبى الآخَرُ، ويُقِرُّ بِدَيْنٍ لِمَن لا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، ويَبِيعُ بِالدَّيْنِ لا الشِّراءُ بِهِ، كَكِتابَةٍ وعِتْقٍ عَلى مالٍ، وإذْنٍ لِعَبْدٍ في تِجارَةٍ ومُفاوَضَةٍ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الشِّراءَ بِالدَّيْنِ كالبَيْعِ بِهِ، فَلِلشَّرِيكِ فِعْلُهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ عَلى الصَّحِيحِ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ خِلافًا لِخَلِيلٍ. وأمّا الكِتابَةُ والعِتْقُ عَلى المالِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَلا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنهُ إلّا بِإذْنِ الشَّرِيكِ. واعْلَمْ أنَّ شَرِكَةَ المُفاوَضَةِ هَذِهِ في مَذْهَبِ مالِكٍ لا تَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِن أنْواعِ الغَرَرِ الَّتِي حُرِّمَتْ مِن أجْلِها شَرِكَةُ المُفاوَضَةِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ ومَن وافَقَهم؛ لِأنَّ ما اسْتَفادَهُ أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ المُتَفاوِضَيْنِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى كالهِبَةِ والإرْثِ، واكْتِسابِ مُباحٍ كاصْطِيادٍ واحْتِطابٍ ونَحْوِ ذَلِكَ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنهُ لِشَرِيكِهِ، كَما أنَّ ما لَزِمَهُ غُرْمُهُ خارِجًا عَنِ الشَّرِكَةِ كَأرْشِ جِنايَةٍ، وثَمَنِ مَغْصُوبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، لا شَيْءَ مِنهُ عَلى شَرِيكِهِ، بَلْ يَقْتَصِرُ كُلُّ ما بَيْنَهُما عَلى ما كانَ مُتَعَلِّقًا بِمالِ الشَّرِكَةِ، فَكُلٌّ مِنهُما وكِيلٌ عَنْ صاحِبِهِ، وكَفِيلٌ عَلَيْهِ في جَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِمالِ الشَّرِكَةِ، وهَكَذا اقْتَضاهُ العَقْدُ الَّذِي تَعاقَدا عَلَيْهِ، فَلا مُوجِبَ لِلْمَنعِ ولا غَرَرَ في هَذِهِ الشَّرِكَةِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ؛ لِأنَّهم لا يَجْعَلُونَ المُتَفاوِضَيْنِ شَرِيكَيْنِ في كُلِّ ما اكْتَسَبا جَمِيعًا حَتّى يَحْصُلَ الغَرَرُ بِذَلِكَ، ولا مُتَضامِنَيْنِ في كُلِّ ما جَنَيا حَتّى يَحْصُلَ الغَرَرُ بِذَلِكَ، بَلْ هو عَقْدٌ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما نائِبٌ عَنِ الآخَرِ في كُلِّ التَّصَرُّفاتِ في مالِ الشَّرِكَةِ، وضامِنٌ عَلَيْهِ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالشَّرِكَةِ، وهَذا لا مانِعَ مِنهُ كَما تَرى، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ اخْتِلافَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ في شَرِكَةِ المُفاوَضَةِ خِلافٌ في حالٍ، لا في حَقِيقَةٍ. وَأمّا شَرِكَةُ العِنانِ فَهي جائِزَةٌ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، مَعَ اخْتِلافِهِمْ في تَفْسِيرِها، وفي مَعْناها في مَذْهَبِ مالِكٍ قَوْلانِ، وهي جائِزَةٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ: الأوَّلُ وهو المَشْهُورُ أنَّها هي الشَّرِكَةُ الَّتِي يَشْتَرِطُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ فِيها عَلى صاحِبِهِ ألّا يَتَصَرَّفَ في مالِ الشَّرِكَةِ إلّا بِحَضْرَتِهِ ومُوافَقَتِهِ، وعَلى هَذا دَرَجَ خَلِيلٌ في مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ: وإنِ اشْتَرَطا نَفْيَ الِاسْتِبْدادِ فَعِنانٌ، وهي عَلى هَذا القَوْلِ مِن عِنانِ الفَرَسِ؛ لِأنَّ عِنانَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ بِيَدِ الآخَرِ فَلا يَسْتَطِيعُ الِاسْتِقْلالَ دُونَهُ بِعَمَلٍ، كالفَرَسِ الَّتِي يَأْخُذُ راكِبُها بِعِنانِها فَإنَّها لا تَسْتَطِيعُ الذَّهابَ إلى جِهَةٍ بِغَيْرِ رِضاهُ. والقَوْلُ الثّانِي عِنْدَ المالِكِيَّةِ: أنَّ شَرِكَةَ العِنانِ هي الِاشْتِراكُ في شَيْءٍ خاصٍّ، وبِهَذا جَزَمَ ابْنُ رُشْدٍ ونَقْلُهُ عَنْدَ المَوّاقُ في شَرْحِ قَوْلِ خَلِيلٍ: وإنِ اشْتَرَطا نَفْيَ الِاسْتِبْدادِ إلَخْ، وهَذا المَعْنى الأخِيرُ أقْرَبُ لِلْمَعْرُوفِ في اللُّغَةِ كَما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ مَنظُورٍ في اللِّسانِ. وَأمّا شَرِكَةُ الوُجُوهِ فَلَها عِنْدَ العُلَماءِ مَعانٍ: (p-٢٣٩)الأوَّلُ مِنها هو أنْ يَشْتَرِكَ الوَجِيهانِ عِنْدَ النّاسِ بِلا مالٍ ولا صَنْعَةٍ، بَلْ لِيَشْتَرِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمُؤَجَّلٍ في ذِمَّتِهِ لَهُما مَعًا، فَإذا باعا كانَ الرِّبْحُ الفاضِلُ عَنِ الأثْمانِ بَيْنَهُما. وَهَذا النَّوْعُ مِن شَرِكَةِ الوُجُوهِ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المالِكِيَّةِ بِشَرِكَةِ الذِّمَمِ، وهو فاسِدٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ والحَنابِلَةِ، ووَجْهُ فَسادِهِ ظاهِرٌ، لِما فِيهِ مِنَ الغَرَرِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَخْسَرَ هَذا ويَرْبَحَ هَذا كالعَكْسِ، وإلى فَسادِ هَذا النَّوْعِ مِنَ الشَّرِكَةِ أشارَ ابْنُ عاصِمٍ المالِكِيُّ في تُحْفَتِهِ بِقَوْلِهِ: ؎وَفَسْخُها إنْ وقَعَتْ عَلى الذِّمَمْ ∗∗∗ ويُقَسِّمانِ الرِّبْحَ حُكْمٌ مُلْتَزَمْ المَعْنى الثّانِي مِن مَعانِيها أنْ يَبِيعَ وجِيهٌ مالَ خامِلٍ بِزِيادَةِ رِبْحٍ، عَلى أنْ يَكُونَ لَهُ بَعْضُ الرِّبْحِ الَّذِي حَصَلَ في المَبِيعِ بِسَبَبِ وجاهَتِهِ؛ لِأنَّ الخامِلَ لَوْ كانَ هو البائِعَ لَما حَصَّلَ ذَلِكَ الرِّبْحَ، وهَذا النَّوْعُ أيْضًا فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ عِوَضُ جاهٍ، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ. والمَعْنى الثّالِثُ أنْ يَتَّفِقَ وجِيهٌ وخامِلٌ عَلى أنْ يَشْتَرِيَ الوَجِيهُ في الذِّمَّةِ ويَبِيعَ الخامِلُ ويَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُما، وهَذا النَّوْعُ أيْضًا فاسِدٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ، لِما ذَكَرْنا مِنَ الغَرَرِ سابِقًا. وَأمّا شَرِكَةُ الأبْدانِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ فَهي جائِزَةٌ بِشُرُوطٍ، وهي أنْ يَكُونَ عَمَلُ الشَّرِيكَيْنِ مُتَّحِدًا كَخَيّاطَيْنِ، أوْ مُتَلازِمًا كَأنْ يَغْزِلَ أحَدُهُما ويَنْسِجَ الآخَرُ؛ لِأنَّ النَّسْجَ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الغَزْلِ، وأنْ يَتَساوَيا في العَمَلِ جَوْدَةً ورَداءَةً وبُطْأً وسُرْعَةً، أوْ يَتَقارَبا في ذَلِكَ، وأنْ يَحْصُلَ التَّعاوُنُ بَيْنَهُما، وإلى جَوازِ هَذا النَّوْعِ مِنَ الشَّرِكَةِ بِشُرُوطِهِ أشارَ خَلِيلٌ في مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ: وَجازَتْ بِالعَمَلِ إنِ اتَّحَدَ أوْ تَلازَمَ وتَساوَيا فِيهِ، أوْ تَقارَبا وحَصَلَ التَّعاوُنُ، وإنْ بِمَكانَيْنِ، وفي جَوازِ إخْراجِ كُلِّ آلَةٍ واسْتِئْجارِهِ مِنَ الآخَرِ، أوْ لا بُدَّ مِن مِلْكٍ أوْ كِراءٍ - تَأْوِيلانِ، كَطَبِيبَيْنِ اشْتَرَكا في الدَّواءِ، وصائِدَيْنِ في البازَيْنِ، [ وهَلْ وإنِ افْتَرَقا رُوِيَتْ عَلَيْهِما وحافِرَيْنِ بِكَرِكازٍ ومَعْدِنٍ، ولَمْ يَسْتَحِقَّ وارِثُهُ بَقِيَّتَهُ وأقْطَعَهُ الإمامُ، وقَيَّدَ بِما لَمْ يَبْدُ، ولَزِمَهُ ما يَقْبَلُهُ صاحِبُهُ وإنْ تَفاصَلا وأُلْغِيَ مَرَضٌ كَيَوْمَيْنِ إلَخْ ] وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ شَرِكَةَ الأبْدانِ جائِزَةٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ في جَمِيعِ أنْواعِ العَمَلِ: مِن صِناعاتٍ بِأنْواعِها، وطِبٍّ واكْتِسابٍ مُباحٍ، كالِاصْطِيادِ والِاحْتِشاشِ والِاحْتِطابِ، وغَيْرِ ذَلِكَ بِالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ، وقالَ ابْنُ عاصِمٍ في تُحْفَتِهِ: ؎شَرِكَةٌ بِمالٍ أوْ بِعَمَلٍ ∗∗∗ أوْ بِهِما تَجُوزُ لا لِأجَلٍ (p-٢٤٠)وَبَقِيَ نَوْعٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ مِن أنْواعِ الشَّرِكَةِ يُسَمّى في الِاصْطِلاحِ بِـ ”شَرِكَةِ الجَبْرِ“ وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ يُخالِفُهم في هَذا النَّوْعِ الَّذِي هو ”شَرِكَةُ الجَبْرِ“ . وَشَرِكَةُ الجَبْرِ: هي أنْ يَشْتَرِيَ شَخْصٌ سِلْعَةً بِسُوقِها المَعْهُودِ لَها، لِيَتَّجِرَ بِها بِحَضْرَةِ بَعْضِ تُجّارِ جِنْسِ تِلْكَ السِّلْعَةِ الَّذِينَ يَتَّجِرُونَ فِيها، ولَمْ يَتَكَلَّمْ أُولَئِكَ التُّجّارُ الحاضِرُونَ، فَإنَّ لَهم إنْ أرادُوا الِاشْتِراكَ في تِلْكَ السِّلْعَةِ مَعَ ذَلِكَ المُشْتَرِي أنْ يُجْبِرُوهُ عَلى ذَلِكَ، ويَكُونُونَ شُرَكاءَهُ في تِلْكَ السِّلْعَةِ شاءَ أوْ أبى. وَشَرِكَتُهم هَذِهِ مَعَهُ جَبْرًا عَلَيْهِ هي ”شَرِكَةُ الجَبْرِ“ المَذْكُورَةُ، فَإنْ كانَ اشْتَراها لِيَقْتَنِيَها لا لِيَتَّجِرَ بِها، أوِ اشْتَراها لِيُسافِرَ بِها إلى مَحِلٍّ آخَرَ ولَوْ لِلتِّجارَةِ بِها فِيهِ - فَلا جَبْرَ لَهم عَلَيْهِ، وأشارَ خَلِيلٌ في مُخْتَصَرِهِ إلى ”شَرِكَةِ الجَبْرِ“ بِقَوْلِهِ: وأُجْبِرَ عَلَيْها إنِ اشْتَرى شَيْئًا بِسُوقِهِ لا لِكُفْرٍ أوْ قِنْيَةٍ، وغَيْرُهُ حاضِرٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ مِن تُجّارِهِ، وهَلْ في الزُّقاقِ لا كَبَيْتِهِ قَوْلانِ، وأمّا شَرِكَةُ المُضارَبَةِ فَهي القِراضُ، وهو أنْ يَدْفَعَ شَخْصٌ إلى آخَرَ مالًا لِيَتَّجِرَ بِهِ عَلى جُزْءٍ مِن رِبْحِهِ يَتَّفِقانِ عَلَيْهِ، وهَذا النَّوْعُ جائِزٌ بِالإجْماعِ إذا اسْتَوْفى الشُّرُوطَ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ دَلِيلُهُ. وَأمّا أنْواعُ الشَّرِكَةِ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهي أرْبَعَةٌ: ثَلاثَةٌ مِنها باطِلَةٌ في مَذْهَبِهِ، والرّابِعُ صَحِيحٌ. وَأمّا الثَّلاثَةُ الباطِلَةُ فالأوَّلُ مِنها ”شَرِكَةُ الأبْدانِ“ كَشَرِكَةِ الحَمّالِينَ، وسائِرِ المُحْتَرِفِينَ: كالخَيّاطِينَ، والنَّجّارِينَ، والدَّلّالِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، لِيَكُونَ بَيْنَهُما كَسْبُهُما مُتَساوِيًا أوْ مُتَفاوِتًا مَعَ اتِّفاقِ الصَّنْعَةِ أوِ اخْتِلافِها. فاتِّفاقُ الصَّنْعَةِ كَشَرِكَةِ خَيّاطَيْنِ، واخْتِلافُها كَشَرِكَةِ خَيّاطٍ ونَجّارٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، ولا تَصِحُّ عِنْدَهُ الشَّرِكَةُ إلّا بِالمالِ فَقَطْ لا بِالعَمَلِ. وَوَجْهُ بُطْلانِ شَرِكَةِ الأبْدانِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ هو أنَّها شَرِكَةٌ لا مالَ فِيها، وأنَّ فِيها غَرَرًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي أيَكْتَسِبُ صاحِبُهُ شَيْئًا أمْ لا، ولِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُتَمَيِّزٌ بِبَدَنِهِ ومَنافِعِهِ فَيَخْتَصُّ بِفَوائِدِهِ، كَما لَوِ اشْتَرَكا في ماشِيَتِهِما وهي مُتَمَيِّزَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ النَّسْلُ والدَّرُّ بَيْنَهُما، وقِيامًا عَلى الِاحْتِطابِ والِاصْطِيادِ، هَكَذا تَوْجِيهُ الشّافِعِيَّةِ لِلْمَنعِ في هَذا النَّوْعِ مِنَ الشَّرِكَةِ. وَقَدْ عَلِمْتَ فِيما مَرَّ شُرُوطَ جَوازِ هَذا النَّوْعِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ، إذْ بِتَوَفُّرِ الشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ (p-٢٤١)يَنْتَفِي الغَرَرُ. والثّانِي مِنَ الأنْواعِ الباطِلَةِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ هو شَرِكَةُ المُفاوَضَةِ، وهي عِنْدَهم أنْ يَشْتَرِكا عَلى أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما جَمِيعُ كَسْبِهِما بِأمْوالِهِما وأبْدانِهِما، وعَلَيْهِما جَمِيعُ ما يَعْرِضُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَن غُرْمٍ، سَواءٌ كانَ بِغَصْبٍ أوْ إتْلافٍ أوْ بَيْعٍ فاسِدٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا النَّوْعَ مُشْتَمِلٌ عَلى أنْواعٍ مِنَ الغَرَرِ فَبُطْلانُهُ واضِحٌ، وهو مَمْنُوعٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ، ولا يُجِيزُونَ هَذا ولا يَعْنُونَهُ بِـ ”شَرِكَةِ المُفاوَضَةِ“ كَما قَدَّمْنا. وَقَدْ قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في هَذا النَّوْعِ: إنْ لَمْ تَكُنْ شَرِكَةُ المُفاوَضَةِ باطِلَةً، فَلا باطِلَ أعْرِفُهُ في الدُّنْيا. يُشِيرُ إلى كَثْرَةِ الغَرَرِ والجَهالاتِ فِيها، لِاحْتِمالِ أنْ يَكْسِبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما كَسْبًا دُونَ الآخَرِ، وأنْ تَلْزَمَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما غَراماتٌ دُونَ الآخَرِ، فالغَرَرُ ظاهِرٌ في هَذا النَّوْعِ جِدًّا. والثّالِثُ مِنَ الأنْواعِ الباطِلَةِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ: هو ”شَرِكَةُ الوُجُوهِ“ وهي عِنْدَهم أنْ يَشْتَرِيَ الوَجِيهانِ لِيَبْتاعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمُؤَجَّلٍ في ذِمَّتِهِ لَهُما مَعًا، فَإذا باعا كانَ الفاضِلُ مِنَ الأثْمانِ بَيْنَهُما، وهَذا النَّوْعُ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ المالِكِيَّةِ بِـ ”شَرِكَةِ الذِّمَمِ“، ووَجْهُ فَسادِهِ ظاهِرٌ، لِما فِيهِ مِنَ الغَرَرِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَشْتَرِي في ذِمَّتِهِ ويَجْعَلُ كُلٌّ مِنهُما لِلْآخَرِ نَصِيبًا مِن رِبْحِ ما اشْتَرى في ذِمَّتِهِ، مُقابِلَ نَصِيبٍ مِن رِبْحِ ما اشْتَرى الآخَرُ في ذِمَّتِهِ، والغَرَرُ في مِثْلِ هَذا ظاهِرٌ جِدًّا، وبَقِيَّةُ أنْواعِ ”شَرِكَةِ الوُجُوهِ“ ذَكَرْناهُ في الكَلامِ عَلَيْها في مَذْهَبِ مالِكٍ، وكُلُّها مَمْنُوعَةٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ ومَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، ولِذا اكْتَفَيْنا بِما قَدَّمْنا عَنِ الكَلامِ عَلى بَقِيَّةِ أنْواعِها في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ. أمّا النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أنْواعِ الشَّرِكَةِ الَّذِي هو صَحِيحٌ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ فَهو ”شَرِكَةُ العِنانِ“ وهي: أنْ يَشْتَرِكا في مالٍ لَهُما لِيَتَّجِرا فِيهِ، ويُشْتَرَطُ فِيها عِنْدَهم صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلى الإذْنِ في التَّصَرُّفِ في مالِ الشَّرِكَةِ، فَلَوِ اقْتَصَرا عَلى لَفْظِ ”اشْتَرَكْنا“ لَمْ يَكْفِ عَلى الأصَحِّ عِنْدَهم. وَيُشْتَرَطُ في الشَّرِيكَيْنِ أهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ والتَّوَكُّلِ، وهَذا الشَّرْطُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وتَصِحُّ ”شَرِكَةُ العِنانِ“ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ في المِثْلِيّاتِ مُطْلَقًا دُونَ المُقَوَّماتِ وقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالنَّقْدِ المَضْرُوبِ. وَيُشْتَرَطُ عِنْدَهم فِيها خَلْطُ المالَيْنِ، بِحَيْثُ لا يَتَمَيَّزُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، والحِيلَةُ عِنْدَهم في الشَّرِكَةِ في العُرُوضِ هي أنْ يَبِيعَ كُلُّ واحِدٍ بَعْضَ عَرَضِهِ بِبَعْضِ عَرَضِ الآخَرِ (p-٢٤١)وَيَأْذَنَ لَهُ في التَّصَرُّفِ، ولا يُشْتَرَطُ عِنْدَهم تَساوِي المالَيْنِ، والرِّبْحُ والخُسْرانُ عَلى قَدْرِ المالَيْنِ، سَواءٌ تَساوَيا في العَمَلِ أوْ تَفاوَتا، وإنْ شَرَطا خِلافَ ذَلِكَ فَسَدَ العَقْدُ، ويَرْجِعُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى الآخَرِ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ في مالِهِ. عَقْدُ الشَّرِكَةِ المَذْكُورَةِ يُسَلِّطُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى التَّصَرُّفِ في مالِ الشَّرِكَةِ بِلا ضَرَرٍ، فَلا يَبِيعُ بِنَسِيئَةٍ، ولا بِغَبَنٍ فاحِشٍ، ولا يَبْضَعُهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، ولِكُلٍّ مِنهُما فَسْخُها مَتى شاءَ. وَأمّا تَفْصِيلُ أنْواعِ الشَّرِكَةِ في مَذْهَبِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهو أنَّ الشَّرِكَةَ تَنْقَسِمُ إلى ضَرْبَيْنِ: شَرِكَةِ مِلْكٍ، وشَرِكَةِ عَقْدٍ. فَشَرِكَةُ المِلْكِ واضِحَةٌ، كَأنْ يَمْلِكا شَيْئًا بِإرْثٍ أوْ هِبَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ، وشَرِكَةُ العَقْدِ عِنْدَهم تَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: شَرِكَةٍ بِالمالِ، وشَرِكَةٍ بِالأعْمالِ، وشَرِكَةٍ بِالوُجُوهِ، وكُلُّ قِسْمٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ عِنْدَهم يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: مُفاوَضَةٌ، وعِنانٌ، فالمَجْمُوعُ سِتَّةُ أقْسامٍ. أمّا شَرِكَةُ المُفاوَضَةِ عِنْدَهم فَهي جائِزَةٌ إنْ تَوَفَّرَتْ شُرُوطُها، وهي عِنْدَهُمُ الشَّرِكَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ وكالَةَ كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ، وكَفالَةَ كُلٍّ مِنهُما الآخَرَ، ولابُدَّ فِيها مِن مُساواةِ الشَّرِيكَيْنِ في المالِ والدِّينِ والتَّصَرُّفِ. فَبِتَضَمُّنِها الوَكالَةَ يَصِحُّ تَصَرُّفُ كُلٍّ مِنهُما في نَصِيبِ الآخَرِ. وَبِتَضَمُّنِها الكَفالَةَ يَطْلُبُ كُلٌّ مِنهُما بِما لَزِمَ الآخَرَ. وَبِمُساواتِهِما في المالِ يَمْتَنِعُ أنْ يَسْتَبِدَّ أحَدُهُما بِشَيْءٍ تَصِحُّ الشَّرِكَةُ فِيهِ دُونَ الآخَرِ، ولِذا لَوْ ورِثَ بَعْدَ العَقْدِ شَيْئًا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ فِيهِ كالنَّقْدِ بَطَلَتِ المُفاوَضَةُ، ورَجَعَتِ الشَّرِكَةُ شَرِكَةَ عِنانٍ. وَبِتَضَمُّنِها المُساواةَ في الدِّينِ تَمْتَنِعُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وكافِرٍ. وَبِتَضَمُّنِها المُساواةَ في التَّصَرُّفِ تَمْتَنِعُ بَيْنَ بالِغٍ وصَبِيٍّ، وبَيْنَ حُرٍّ وعَبْدٍ، وكُلُّ ما اشْتَراهُ واحِدٌ مِن شَرِيكَيِ المُفاوَضَةِ فَهو بَيْنَهُما، إلّا طَعامَ أهْلِهِ وكُسْوَتَهم، وكُلُّ دَيْنٍ لَزِمَ أحَدُهُما بِتِجارَةٍ وغَصْبٍ وكَفالَةٍ لَزِمَ الآخَرَ. (p-٢٤٣)وَلا تَصِحُّ عِنْدَهم شَرِكَةُ مُفاوَضَةٍ أوْ عِنانٍ بِغَيْرِ النَّقْدَيْنِ والتِّبْرِ والفُلُوسِ النّافِقَةِ، والحِيلَةُ في الشَّرِكَةِ في العُرُوضِ عِنْدَهم هي ما قَدَّمْناهُ عَنِ الشّافِعِيَّةِ، فَهم مُتَّفِقُونَ في ذَلِكَ. وَأمّا شَرِكَةُ العِنانِ فَهي جائِزَةٌ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، وقَدْ قَدَّمْنا الإجْماعَ عَلى جَوازِها عَلى كُلِّ المَعانِي الَّتِي تُرادُ بِها عِنْدَ العُلَماءِ. وَشَرِكَةُ العِنانِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ هي الشَّرِكَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الوَكالَةَ وحْدَها، ولَمْ تَتَضَمَّنِ الكَفالَةَ، وهي: أنْ يَشْتَرِكا في نَوْعِ بَزٍّ أوْ طَعامٍ أوْ في عُمُومِ التِّجارَةِ. ولَمْ يَذْكُرِ الكَفالَةَ. وَيُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ كُلَّ ما اشْتَراهُ أحَدُهُما كانَ بَيْنَهُما، ولا يَلْزَمُ أحَدَهُما ما لَزِمَ الآخَرَ مِنَ الغَراماتِ، وتَصِحُّ عِنْدَهم شَرِكَةُ العِنانِ المَذْكُورَةُ مَعَ التَّساوِي في المالِ دُونَ الرِّبْحِ وعَكْسِهِ، إذا كانَتْ زِيادَةُ الرِّبْحِ لِأكْثَرِهِما عَمَلًا؛ لِأنَّ زِيادَةَ الرِّبْحِ في مُقابَلَةِ زِيادَةِ العَمَلِ وِفاقًا لِلْحَنابِلَةِ، وعِنْدَ غَيْرِهِمْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بِحَسَبِ المالِ، ولَوِ اشْتَرى أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ”شَرِكَةَ العِنانِ“ بِثَمَنٍ فَلَيْسَ لِمَن باعَهُ مُطالَبَةُ شَرِيكِهِ الآخَرِ؛ لِأنَّها لا تَتَضَمَّنُ الكَفالَةَ بَلْ يُطالِبُ الشَّرِيكَ الَّذِي اشْتَرى مِنهُ فَقَطْ، ولَكِنَّ الشَّرِيكَ يَرْجِعُ عَلى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ، ولا يُشْتَرَطُ في هَذِهِ الشَّرِكَةِ عِنْدَهم خَلْطُ المالَيْنِ، فَلَوِ اشْتَرى أحَدُهُما بِمالِهِ وهَلَكَ مالُ الآخَرِ كانَ المُشْتَرى بَيْنَهُما، ويَرْجِعُ عَلى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ مِنهُ. وَتَبْطُلُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ عِنْدَهم بِهَلاكِ المالَيْنِ أوْ أحَدِهِما قَبْلَ الشِّراءِ، وتَفْسُدُ عِنْدَهم بِاشْتِراطِ دَراهِمَ مُسَمّاةٍ مِنَ الرِّبْحِ لِأحَدِهِما، ويَجُوزُ عِنْدَهم لِكُلٍّ مِن شَرِيكَيِ المُفاوَضَةِ والعِنانِ أنْ يَبْضَعَ ويَسْتَأْجِرَ، ويُودِعَ ويُضارِبَ ويُوَكِّلَ، ويَدُ كُلٍّ مِنهُما في مالِ الشَّرِكَةِ يَدُ أمانَةٍ، كالوَدِيعَةِ والعارِيَةِ. وَأمّا شَرِكَةُ الأعْمالِ فَفِيها تَفْصِيلٌ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، فَإنْ كانَ العَمَلُ مِنَ الصِّناعاتِ ونَحْوِها جازَتْ عِنْدَهم شَرِكَةُ الأعْمالِ، ولا يَشْتَرِطُونَ اتِّحادَ العَمَلِ أوْ تَلازُمَهُ خِلافًا لِلْمالِكِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ فَيَجُوزُ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ: أنْ يَشْتَرِكَ خَيّاطانِ مَثَلًا، أوْ خَيّاطٌ وصَبّاغٌ عَلى أنْ يَتَقَبَّلا الأعْمالَ، ويَكُونَ الكَسْبُ بَيْنَهُما، وكُلُّ عَمَلٍ يَتَقَبَّلُهُ أحَدُهُما يَلْزَمُهُما. وإذا عَمِلَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ فَما حَصَّلَ مِن عَمَلِهِ فَهو بَيْنَهُما، وإنَّما اسْتَحَقَّ فِيهِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ لِأنَّهُ ضَمِنَهُ بِتَقَبُّلِ صاحِبِهِ لَهُ، فاسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ مِنهُ بِالضَّمانِ. وَهَذا النَّوْعُ الَّذِي أجازَهُ الحَنَفِيَّةُ لا يَخْفى أنَّهُ لا يَخْلُو مِن غَرَرٍ في الجُمْلَةِ عِنْدَ اخْتِلافِ صَنْعَةِ الشَّرِيكَيْنِ، لِاحْتِمالِ أنْ يُحَصِّلَ أحَدُهُما أكْثَرَ مِمّا حَصَّلَهُ الآخَرُ، فالشُّرُوطُ الَّتِي أجازَ بِها المالِكِيَّةُ ”شَرِكَةَ الأعْمالِ“ أحْوَطُ وأبْعَدُ مِنَ الغَرَرِ كَما تَرى. (p-٢٤٤)وَأمّا إنْ كانَتِ الأعْمالُ مِن جِنْسِ اكْتِسابِ المُباحاتِ فَلا تَصِحُّ فِيها الشَّرِكَةُ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، كالِاحْتِطابِ والِاحْتِشاشِ، والِاصْطِيادِ واجْتِناءِ الثِّمارِ مِنَ الجِبالِ والبَرارِي، خِلافًا لِلْمالِكِيَّةِ والحَنابِلَةِ. وَوَجْهُ مَنعِهِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ أنَّ مَنِ اكْتَسَبَ مُباحًا كَحَطَبٍ أوْ حَشِيشٍ أوْ صَيْدٍ مَلَكَهُ مِلْكًا مُسْتَقِلًّا، فَلا وجْهَ لِكَوْنِ جُزْءٍ مِنهُ لِشَرِيكٍ آخَرَ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهِ، ومَن أجازَهُ قالَ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما جَعَلَ لِلْآخَرِ نَصِيبًا مِن ذَلِكَ المُباحِ الَّذِي يَكْتَسِبُهُ في مُقابِلِ النَّصِيبِ الَّذِي يَكْتَسِبُهُ الآخَرُ، والمالِكِيَّةُ القائِلُونَ بِجَوازِ هَذا يَشْتَرِطُونَ اتِّحادَ العَمَلِ أوْ تَقارُبَهُ، فَلا غَرَرَ في ذَلِكَ، ولا مُوجِبَ لِلْمَنعِ، وفي اشْتِراطِ ذَلِكَ عِنْدَ الحَنابِلَةِ خِلافٌ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. وَأمّا ”شَرِكَةُ الوُجُوهِ“ الَّتِي قَدَّمْنا أنَّها هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ المالِكِيَّةِ ”بِشَرِكَةِ الذِّمَمِ“ وقَدَّمْنا مَنعَها عِنْدَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ فَهي جائِزَةٌ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، سَواءٌ كانَتْ مُفاوَضَةً أوْ عِنانًا، وقَدْ عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّ المُفاوَضَةَ عِنْدَهم تَتَضَمَّنُ الوَكالَةَ والكَفالَةَ. وَأنَّ العِنانَ تَتَضَمَّنُ الوَكالَةَ فَقَطْ، وإنِ اشْتَرَطَ الشَّرِيكانِ في ”شَرِكَةِ الوُجُوهِ“ مُناصَفَةَ المُشْتَرِي أوْ مُثالَثَتَهُ فالرِّبْحُ كَذَلِكَ عِنْدَهم وبَطَلَ عِنْدَهم شَرْطُ الفَضْلِ؛ لِأنَّ الرِّبْحَ عِنْدَهم لا يُسْتَحَقُّ إلّا بِالعَمَلِ، كالمُضارِبِ، أوْ بِالمالِ كَرَبِّ المالِ، أوْ بِالضَّمانِ كالأُسْتاذِ الَّذِي يَتَقَبَّلُ العَمَلَ مِنَ النّاسِ ويُلْقِيهِ عَلى التِّلْمِيذِ بِأقَلَّ مِمّا أخَذَ، فَيَطِيبُ لَهُ الفَضْلُ بِالضَّمانِ، هَكَذا يَقُولُونَهُ، ولا يَخْفى ما في ”شَرِكَةِ الوُجُوهِ“ مِنَ الغَرَرِ. واعْلَمْ أنَّ الرِّبْحَ في الشَّرِكَةِ الفاسِدَةِ عَلى حَسَبِ المالِ إنْ كانَتْ شَرِكَةَ مالٍ، وعَلى حَسَبِ العَمَلِ إنْ كانَتْ شَرِكَةَ عَمَلٍ، وهَذا واضِحٌ، وتَبْطُلُ الشَّرِكَةُ بِمَوْتِ أحَدِهِما. وَأمّا تَفْصِيلُ أنْواعِ الشَّرِكَةِ في مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهي أيْضًا قِسْمانِ: شَرِكَةُ أمْلاكٍ، وشَرِكَةُ عُقُودٍ. وَشَرِكَةُ العُقُودِ عِنْدَ الحَنابِلَةِ خَمْسَةُ أنْواعٍ: شَرِكَةُ العِنانِ، والأبْدانِ، والوُجُوهِ، والمُضارَبَةِ، والمُفاوَضَةِ. أمّا شَرِكَةُ الأبْدانِ فَهي جائِزَةٌ عِنْدَهم، سَواءٌ كانَ العَمَلُ مِنَ الصِّناعاتِ أوِ اكْتِسابِ المُباحاتِ، أمّا مَعَ اتِّحادِ العَمَلِ فَهي جائِزَةٌ عِنْدَهم بِلا خِلافٍ، وأمّا مَعَ اخْتِلافِ العَمَلِ فَقالَ أبُو الخَطّابِ: لا تَجُوزُ وِفاقًا لِلْمالِكِيَّةِ، وقالَ القاضِي: تَجُوزُ وِفاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ (p-٢٤٥)فِي الصِّناعاتِ دُونَ اكْتِسابِ المُباحاتِ. وَإنِ اشْتَرَكا عَلى أنْ يَتَقَبَّلَ أحَدُهُما لِلْعَمَلِ ويَعْمَلَهُ الثّانِي والأُجْرَةُ بَيْنَهُما صَحَّتِ الشَّرِكَةُ عِنْدَ الحَنابِلَةِ والحَنَفِيَّةِ خِلافًا لِزُفَرَ، والرِّبْحُ في شَرِكَةِ الأبْدانِ عَلى ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ عِنْدَ الحَنابِلَةِ. وَأمّا شَرِكَةُ الوُجُوهِ الَّتِي قَدَّمْنا أنَّها هي المَعْرُوفَةُ بِشَرِكَةِ الذِّمَمِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ فَهي جائِزَةٌ أيْضًا في مَذْهَبِالإمامِ أحْمَدَ وِفاقًا لِأبِي حَنِيفَةَ، وخِلافًا لِمالِكٍ والشّافِعِيِّ، وأمّا شَرِكَةُ العِنانِ فَهي جائِزَةٌ أيْضًا عِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ، وقَدْ قَدَّمْنا الإجْماعَ عَلى جَوازِها، وهي عِنْدَهم: أنْ يَشْتَرِكَ رَجُلانِ بِمالَيْهِما عَلى أنْ يَعْمَلا فِيهِما بِأبْدانِهِما والرِّبْحُ بَيْنَهُما، وهَذِهِ الشَّرِكَةُ إنَّما تَجُوزُ عِنْدَهم بِالدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، ولا تَجُوزُ بِالعُرُوضِ. وَأمّا شَرِكَةُ المُفاوَضَةِ فَهي عِنْدَ الحَنابِلَةِ قِسْمانِ: أحَدُهُما جائِزٌ، والآخَرُ مَمْنُوعٌ. وَأمّا الجائِزُ مِنهُما فَهو أنْ يَشْتَرِكا في جَمِيعِ أنْواعِ الشَّرِكَةِ، كَأنْ يَجْمَعا بَيْنَ شَرِكَةِ العِنانِ والوُجُوهِ والأبْدانِ فَيَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنها يَصِحُّ عَلى انْفِرادِهِ فَصَحَّ مَعَ غَيْرِهِ. وَأمّا النَّوْعُ المَمْنُوعُ عِنْدَهم مِنها فَهو أنْ يُدْخِلا بَيْنَهُما في الشَّرِكَةِ الِاشْتِراكَ فِيما يَحْصُلُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن مِيراثٍ أوْ يَجِدُهُ مِن رِكازٍ أوْ لُقَطَةٍ، ويَلْزَمُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما ما لَزِمَ الآخَرَ مِن أرْشِ جِنايَةٍ وضَمانِ غَصْبٍ، وقِيمَةِ مُتْلَفٍ، وغَرامَةِ ضَمانٍ، وكَفالَةٍ، وفَسادُ هَذا النَّوْعِ ظاهِرٌ لِما فِيهِ مِنَ الغَرَرِ كَما تَرى. وَأمّا شَرِكَةُ المُضارَبَةِ وهي القِراضُ فَهي جائِزَةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ وقَدْ قَدَّمْنا أنَّها هي: أنْ يَدْفَعَ شَخْصٌ لِآخَرَ مالًا يَتَّجِرُ فِيهِ عَلى أنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُما بِنِسْبَةٍ يَتَّفِقانِ عَلَيْها، وكَوْنُ الرِّبْحِ في المُضارَبَةِ بِحَسَبِ ما اتَّفَقا عَلَيْهِ لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَماءِ، سَواءٌ كانَ النِّصْفَ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ لِرَبِّ المالِ أوْ لِلْعامِلِ. وَأمّا شَرِكَةُ العِنانِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ والحَنَفِيَّةِ والمالِكِيَّةِ، وشَرِكَةُ المُفاوَضَةِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ فاخْتُلِفَ في نِسْبَةِ الرِّبْحِ، فَذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِ الرِّبْحِ والخُسْرانِ بِحَسَبِ المالَيْنِ، وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ إلى أنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُما عَلى ما اتَّفَقا عَلَيْهِ، فَلَهُما أنْ يَتَساوَيا في الرِّبْحِ مَعَ تُفاضِلِ المالَيْنِ. وَحُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ الرِّبْحَ تَبَعٌ لِلْمالِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِحَسَبِهِ، وحُجَّةُ القَوْلِ الأخِيرِ أنَّ العَمَلَ مِمّا يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحَ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما أبْصَرَ بِالتِّجارَةِ وأقْوى عَلى (p-٣٤٦)العَمَلِ مِنَ الآخَرِ، فَتُزادُ حِصَّتُهُ لِزِيادَةِ عَمَلِهِ. هَذا خُلاصَةُ مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ في أنْواعِ الشَّرِكَةِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى جَوازِ شَرِكَةِ العِنانِ، وشَرِكَةِ المُضارَبَةِ، وشَرِكَةِ الأمْلاكِ، واخْتَلَفُوا فِيما سِوى ذَلِكَ، فَأجازَ الحَنَفِيَّةُ والحَنابِلَةُ شَرِكَةَ الوُجُوهِ، ومَنَعَها المالِكِيَّةُ والشّافِعِيَّةُ. وَأجازَ المالِكِيَّةُ والحَنَفِيَّةُ والحَنابِلَةُ شَرِكَةَ الأبْدانِ إلّا في اكْتِسابِ المُباحاتِ فَقَطْ فَلَمْ يُجِزْهُ الحَنَفِيَّةُ، ومَنَعَ الشّافِعِيَّةُ شَرِكَةَ الأبْدانِ مُطْلَقًا. وَأجازَ المالِكِيَّةُ شَرِكَةَ المُفاوَضَةِ، وصَوَّرُوها بِغَيْرِ ما صَوَّرَها بِهِ المالِكِيَّةُ، وأجازَ الحَنابِلَةُ نَوْعًا مِن أنْواعِ المُفاوَضَةِ وصَوَّرُوهُ بِصُورَةٍ مُخالِفَةٍ لِتَصْوِيرِ غَيْرِهِمْ لَها، ومَنَعَ الشّافِعِيَّةُ المُفاوَضَةَ كَما مَنَعُوا شَرِكَةَ الأبْدانِ والوُجُوهِ، وصَوَّرُوا المُفاوَضَةَ بِصُورَةٍ أُخْرى كَما تَقَدَّمَ. والشّافِعِيَّةُ إنَّما يُجِيزُونَ الشَّرِكَةَ بِالمِثْلِيِّ مُطْلَقًا نَقْدًا أوْ غَيْرَهُ، لا بِالمُقَوَّماتِ. والحَنَفِيَّةُ لا يُجِيزُونَها إلّا بِالنَّقْدَيْنِ والتِّبْرِ والفُلُوسِ النّافِقَةِ، والحَنابِلَةُ لا يُجِيزُونَها إلّا بِالدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ كَما تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنّا كَيْفِيَّةَ الحِيلَةِ في الِاشْتِراكِ بِالعُرُوضِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ، وعِنْدَ المالِكِيَّةِ تَجُوزُ بِدَنانِيرَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وبِدَراهِمَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وبِدَنانِيرَ ودَراهِمَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وبِنَقْدٍ مِن أحَدِهِما وعَرَضٍ مِنَ الآخَرِ، وبِعَرَضٍ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَواءٌ اتَّفَقا أوِ اخْتَلَفا، وقِيلَ: إنِ اتَّفَقا، لا إنِ اخْتَلَفا، إلّا أنَّ العُرُوضَ تُقَوَّمُ، وأمّا خَلْطُ المالَيْنِ فَلا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَتّى لا يَتَمَيَّزَ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ كَما تَقَدَّمَ، ويَكْفِي في مَذْهَبِ مالِكٍ أنْ يَكُونَ المالانِ في حَوْزِ واحِدٍ، ولَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المالَيْنِ في صُرَّتِهِ لَمْ يَخْتَلِطْ بِالآخَرِ، ولا يُشْتَرَطُ خَلْطُ المالَيْنِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ لا يُشْتَرَطُ خَلْطُ المالَيْنِ عِنْدَ الحَنابِلَةِ. فَتَحَصَّلَ أنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ خَلْطَ المالَيْنِ إلّا الشّافِعِيَّةُ، وأنَّ المالِكِيَّةَ إنَّما يَشْتَرِطُونَ كَوْنَ المالَيْنِ في مَحِلٍّ واحِدٍ، كَحانُوتٍ أوْ صُنْدُوقٍ، وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُتَمَيِّزًا عَنِ الآخَرِ. فَإذا عَرَفْتَ مُلَخَّصَ كَلامِ العُلَماءِ في أنْواعِ الشَّرِكَةِ، فَسَنَذْكُرُ ما تَيَسَّرَ مِن أدِلَّتِها، أمّا النَّوْعُ الَّذِي تُسَمِّيهِ المالِكِيَّةُ ”مُفاوَضَةً“ ويُعَبِّرُ عَنْهُ الشّافِعِيَّةُ والحَنابِلَةُ بِشَرِكَةِ العِنانِ، فَقَدْ (p-٢٤٧)يُسْتَدَلُّ لَهُ بِحَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ الَّذِي قَدَّمْناهُ عَنِ البُخارِيِّ والإمامِ أحْمَدَ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ في التِّجارَةِ والبَيْعِ والشِّراءِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالِاشْتِراكِ التَّعاوُنُ عَلى العَمَلِ المَذْكُورِ فَيَنُوبُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عَنِ الآخَرِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ، قالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ ”أنا ثالِثُ الشَّرِيكَيْنِ. . .“ الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ، وقَدْ بَيَّنّا كَلامَ العُلَماءِ فِيهِ، وبَيَّنّا أنَّهُ صالِحٌ لِلِاحْتِجاجِ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُما يَعْمَلانِ مَعًا في مالِ الشَّرِكَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ”ما لَمْ يَخُنْ أحَدُهُما صاحِبَهُ. . .“ الحَدِيثَ. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ السّائِبِ بْنِ أبِي السّائِبِ المُتَقَدِّمُ في أنَّهُ كانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ ﷺ كَما تَقَدَّمَ، وهو اشْتِراكٌ في التِّجارَةِ والبَيْعِ والشِّراءِ. وَأمّا شَرِكَةُ الأبْدانِ فَيُحْتَجُّ لَها بِما رَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: اشْتَرَكْتُ أنا وعَمّارٌ وسَعْدٌ فِيما نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ: فَجاءَ سَعْدٌ بِأسِيرَيْنِ ولَمْ أجِئْ أنا وعَمّارٌ بِشَيْءٍ. رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وقالَ المَجْدُ في ”مُنْتَقى الأخْبارِ“ بَعْدَ أنْ ساقَهُ: وهو حُجَّةٌ في شَرِكَةِ الأبْدانِ وتَمَلُّكِ المُباحاتِ، وأُعِلَّ هَذا الحَدِيثُ بِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِن أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ المَذْكُورِ فالحَدِيثُ مُرْسَلٌ، وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ الأئِمَّةَ الثَّلاثَةَ يَحْتَجُّونَ بِالمُرْسَلِ خِلافًا لِلْمُحَدِّثِينَ. وَأمّا المُضارَبَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيها حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ، ولَكِنَّ الصَّحابَةَ أجْمَعُوا عَلَيْها لِشُيُوعِها وانْتِشارِها فِيهِمْ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وقَدْ مَضى عَلى ذَلِكَ عَمَلُ المُسْلِمِينَ مِن لَدُنِ الصَّحابَةِ إلى الآنَ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، قالَ ابْنُ حَزْمٍ في مَراتِبِ الإجْماعِ: كُلُّ أبْوابِ الفِقْهِ لَها أصْلٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، حاشا القِراضَ فَما وجَدْنا لَهُ أصْلًا فِيهِما البَتَّةَ، ولَكِنَّهُ إجْماعٌ صَحِيحٌ مُجَرَّدٌ، والَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أنَّهُ كانَ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَعَلِمَ بِهِ وأقَرَّهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَ. اهـ مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ الشَّوْكانِيِّ في نَيْلِ الأوْطارِ. واعْلَمْ أنَّ اخْتِلافَ الأئِمَّةِ الَّذِي قَدَّمْنا في أنْواعِ الشَّرِكَةِ المَذْكُورَةِ راجِعٌ إلى الِاخْتِلافِ في تَحْقِيقِ المَناطِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هَذِهِ الصُّورَةُ يُوجَدُ فِيها الغَرَرُ وهو مَناطُ المَنعِ فَهي مَمْنُوعَةٌ، فَيَقُولُ الآخَرُ: لا غَرَرَ في هَذِهِ الصُّورَةِ يُوجِبُ المَنعَ فَمَناطُ المَنعِ لَيْسَ مَوْجُودًا فِيها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أخَذَ بَعْضُ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ وغَيْرُهم مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها أيْضًا: جَوازُ خَلْطِ الرُّفَقاءِ طَعامَهم وأكْلِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وإنْ كانَ بَعْضُهم أكْثَرَ أكْلًا مِنَ الآخَرِ؛ لِأنَّ أصْحابَ الكَهْفِ بَعَثُوا ورِقَهم لِيُشْتَرى لَهم بِها طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ جَمِيعًا، (p-٢٤٨)وَقَدْ قَدَّمْنا في كَلامِ ابْنِ العَرَبِيِّ أنَّهُ تَحْتَمِلُ انْفِرادَ ورِقِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم وطَعامِهِ؛ فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى خَلْطِهِمْ طَعامَهم، كَما قَدَّمْنا عَنْهُ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ لِلِاحْتِمالِ المَذْكُورِ، ولَهُ وجْهٌ كَما تَرى. وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ولا مُعَوَّلَ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلّا عَلى حَدِيثَيْنِ، أحَدُهُما: «أنَّ ابْنَ عُمَرَ مَرَّ بِقَوْمٍ يَأْكُلُونَ تَمْرًا فَقالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الِاقْتِرانِ إلّا أنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أخاهُ»، والثّانِي: حَدِيثُ أبِي عُبَيْدَةَ في جَيْشِ الخَبَطِ، وهَذا دُونَ الأوَّلِ في الظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِيهِمْ كَفافًا مِن ذَلِكَ القُوتِ ولا يَجْمَعُهم. اهـ كَلامُ ابْنِ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا النَّوْعُ مِنَ الِاشْتِراكِ وهو خَلْطُ الرُّفْقَةِ طَعامَهم واشْتِراكُهم في الأكْلِ فِيهِ هو المَعْرُوفُ بِـ ”النِّهْدِ“ بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِها، ولِجَوازِهِ أدِلَّةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، أمّا دَلِيلُ ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى خَلْطِ طَعامِ اليَتِيمِ مَعَ طَعامِ وصِيِّهِ وأكْلِهِما جَمِيعًا، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ [النور: ٦١]، ومِن صُوَرِ أكْلِهِمْ جَمِيعًا أنْ يَكُونَ الطَّعامُ بَيْنَهم فَيَأْكُلُونَ جَمِيعًا، وأمّا السُّنَّةُ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ، مِنها حَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا إلى السّاحِلِ، فَأمَّرَ عَلَيْهِمْ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ، وهم ثَلاثُمِائَةِ نَفَرٍ، وأنا فِيهِمْ، فَخَرَجْنا حَتّى إذا كُنّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزّادُ، فَأمَرَ أبُو عُبَيْدَةَ بِأزْوادِ ذَلِكَ الجَيْشِ، فَجَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَكانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ فَكانَ يَقُوتُنا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا حَتّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنا إلّا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَقُلْتُ: وما تُغْنِي تَمْرَةٌ ؟ فَقالَ: لَقَدْ وجَدْنا فَقْدَها حِينَ فَنِيَتْ، ثُمَّ انْتَهَيْنا إلى البَحْرِ فَإذا حُوتٌ. .» الحَدِيثَ، وهَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، واللَّفْظُ الَّذِي سُقْناهُ بِهِ لَفْظُ البُخارِيِّ في كِتابِ ”الشَّرِكَةِ“ وفِيهِ جَمْعُ أبِي عُبَيْدَةَ بَقِيَّةَ أزْوادِ القَوْمِ وخَلْطُها في مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ﷺ بَعْدَ قُدُومِهِمْ إلَيْهِ. وَمِنها حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَفَّتْ أزْوادُ القَوْمِ وأمْلَقُوا، فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ في نَحْرِ إبِلِهِمْ، فَأذِنَ لَهم فَلَقِيَهم عُمَرُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: ما بَقاؤُكم بَعْدَ إبِلِكم، فَدَخَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما بَقاؤُهم بَعْدَ إبِلِهِمْ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”نادِ في النّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ أزْوادِهِمْ“ فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطْعٌ وجَعَلُوهُ عَلى النِّطْعِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعا وبَرَّكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعاهم بِأوْعِيَتِهِمْ فاحْتَثى النّاسُ حَتّى فَرَغُوا، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٢٤٩)”أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ“» هَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، واللَّفْظُ الَّذِي سُقْناهُ بِهِ لِلْبُخارِيِّ أيْضًا في كِتابِ ”الشَّرِكَةِ“ وفِيهِ: خَلَطَ طَعامَهم بَعْضَهُ مَعَ بَعْضٍ. وَمِنها حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتّى يَسْتَأْذِنَ أصْحابَهُ»، في رِوايَةٍ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنِ الإقْرانِ إلّا أنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنكم أخاهُ.» كُلُّ هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِ ”الشَّرِكَةِ“، وإذْنُ صاحِبِهِ لَهُ يَدُلُّ عَلى اشْتِراكِهِما في التَّمْرِ كَما تَرى، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا جَوازَهُ مِن خَلْطِ الرُّفَقاءِ طَعامَهم وأكْلِهِمْ مِنهُ جَمِيعًا هو مُرادُ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِلَفْظِ النِّهْدِ في قَوْلِهِ في كِتابِ الشَّرِكَةِ: الشَّرِكَةُ في الطَّعامِ والنِّهْدِ. إلى قَوْلِهِ: لَمْ يَرَ المُسْلِمُونَ في النِّهْدِ بَأْسًا أنْ يَأْكُلَ هَذا بَعْضًا وهَذا بَعْضًا وهَذا بَعْضًا إلَخْ. فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِمَسْألَةِ الشَّرِكَةِ الأوَّلُ: إنْ دَفَعَ شَخْصٌ دابَّتَهُ لِآخَرَ لِيَعْمَلَ عَلَيْها وما يَرْزُقُ اللَّهُ بَيْنَهُما نِصْفَيْنِ أوْ أثْلاثًا أوْ كَيْفَما شَرَطا - فَفي صِحَّةِ ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنِ العُلَماءِ، فَقالَ بَعْضُهم: يَصِحُّ ذَلِكَ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، ونُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ الأوْزاعِيِّ، وقالَ بَعْضُهم: لا يَصِحُّ ذَلِكَ، وما حَصَلَ فَهو لِلْعامِلِ وعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الدّابَّةِ، وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ: قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ وكَرِهَ ذَلِكَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ، وقالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْيِ: لا يَصِحُّ، والرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الدّابَّةِ، ولِلْعامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، هَذا حاصِلُ كَلامِ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وَأقْوى الأقْوالِ دَلِيلًا عِنْدِي فِيها مَذْهَبُ مَن أجازَ ذَلِكَ، كالإمامِ أحْمَدَ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ «رُوَيْفِعِ بْنِ ثابِتٍ، قالَ: إنْ كانَ أحَدُنا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيَأْخُذُ نِضْوَ أخِيهِ عَلى أنَّ لَهُ النِّصْفَ مِمّا يَغْنَمُ ولَنا النِّصْفُ، وإنْ كانَ أحَدُنا لَيَطِيرُ لَهُ النَّصْلُ والرِّيشُ ولِلْآخَرِ القِدْحُ»، هَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: إسْنادُ أبِي داوُدَ فِيهِ شَيْبانُ بْنُ أُمَيَّةَ القِتْبانِيُّ وهو مَجْهُولٌ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ، وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ مِن غَيْرِ طَرِيقِ هَذا المَجْهُولِ بِإسْنادٍ رِجالُهُ كُلُّهم ثِقاتٌ، والحَدِيثُ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلى جَوازِ دَفْعِ الرَّجُلِ إلى الآخَرِ راحِلَتَهُ في الجِهادِ عَلى أنْ تَكُونَ الغَنِيمَةُ بَيْنَهُما، وهو عَمَلٌ عَلى الدّابَّةِ عَلى أنَّ ما يَرْزُقُهُ اللَّهُ بَيْنَهُما كَما تَرى، والتَّفْرِيقُ بَيْنَ العَمَلِ في الجِهادِ وبَيْنَ غَيْرِهِ لا يَظْهَرُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. (p-٢٥٠)الفَرْعُ الثّانِي أنْ يَشْتَرِكَ ثَلاثَةٌ: مِن أحَدِهِمْ دابَّةٌ، ومِن آخَرَ رِوايَةٌ، ومِنَ الثّالِثِ العَمَلُ، عَلى أنَّ ما رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو بَيْنَهم، فَهَلْ يَجُوزُ هَذا ؟ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ، فَمِنَ العُلَماءِ مَن قالَ لا يَجُوزُ هَذا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ. ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: القاضِي مِنَ الحَنابِلَةِ، وأجازَهُ بَعْضُ الحَنابِلَةِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: إنَّهُ صَحِيحٌ في قِياسِ قَوْلِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ. الفَرْعُ الثّالِثُ أنْ يَشْتَرِكَ أرْبَعَةٌ: مِن أحَدِهِمْ دُكّانٌ، ومِن آخَرَ رَحًى، ومِن آخَرَ بَغْلٌ، ومِنَ الرّابِعِ العَمَلُ، عَلى أنْ يَطْحَنُوا بِذَلِكَ، فَما رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو بَيْنَهم، فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أوْ لا ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: يَصِحُّ ذَلِكَ وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وخالَفَ فِيهِ القاضِي مِنَ الحَنابِلَةِ وِفاقًا لِلْقائِلِينَ بِمَنعِ ذَلِكَ كالمالِكِيَّةِ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ: ومَنعُهُ هو ظاهِرُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشارَكَةً ولا مُضارَبَةَ، فَلَوْ كانَ صاحِبُ الرَّحى وصاحِبُ الدّابَّةِ وصاحِبُ الحانُوتِ اتَّفَقُوا عَلى أنْ يَعْمَلُوا جَمِيعًا وكانَ كِراءُ الحانُوتِ والرَّحى والدّابَّةِ مُتَساوِيًا، وعَمَلُ أرْبابِها مُتَساوِيًا - فَهو جائِزٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ هي الَّتِي أشارَ إلَيْها خَلِيلٌ في مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما لا يَجُوزُ: وذِي رَحًا، وذِي بَيْتٍ، وذِي دابَّةٍ لِيَعْلَمُوا إنْ لَمْ يَتَساوَ الكِراءُ وتَساوَوْا في الغَلَّةِ وتَرادُّوا الأكْرِيَةَ، وإنِ اشْتُرِطَ عَمَلُ رَبِّ الدّابَّةِ فالغَلَّةُ لَهُ وعَلَيْهِ كِراؤُهُما. وَلا يَخْفى أنَّ ”الشَّرِكَةَ“ بابٌ كَبِيرٌ مِن أبْوابِ الفِقْهِ، وأنَّ مَسائِلَها مُبَيَّنَةٌ بِاسْتِقْصاءٍ في كُتُبِ فُرُوعِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقَصْدُنا هُنا أنْ نُبَيِّنَ جَوازَها بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ، ونَذْكُرَ أقْسامَها ومَعانِيَها اللُّغَوِيَّةَ والِاصْطِلاحِيَّةَ، واخْتِلافَ العُلَماءِ فِيها، وبَيانَ أقْوالِهِمْ، وذِكْرَ بَعْضِ فُرُوعِها تَنْبِيهًا بِها عَلى غَيْرِها، وقَدْ أتَيْنا عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

الكهف 18:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ أنَّهم قالُوا إنَّ قَوْمَهُمُ الكُفّارَ الَّذِينَ فَرُّوا مِنهم بِدِينِهِمْ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ، أيْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِمْ ويَعْرِفُوا مَكانَهم، يَرْجُمُوهم بِالحِجارَةِ، وذَلِكَ مِن أشْنَعِ أنْواعِ القَتْلِ، وقِيلَ: يَرْجُمُوهم بِالشَّتْمِ والقَذْفِ، أوْ يُعِيدُوهم في مِلَّتِهِمْ، أيْ: يَرُدُّوهم إلى مِلَّةِ الكُفْرِ. وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِن فِعْلِ الكُفّارِ مَعَ المُسْلِمِينَ مِنَ الأذى أوِ الرَّدِّ إلى الكُفْرِ ذَكَرَهُ (p-٢٥١)فِي مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ هو فِعْلُ الكُفّارِ مَعَ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ؛ • كَقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [إبراهيم: ١٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٨٨ - ٨٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. * * مَسْألَةٌ أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ العُذْرَ بِالإكْراهِ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٠]، ظاهِرٌ في إكْراهِهِمْ عَلى ذَلِكَ وعَدَمِ طَواعِيَتِهِمْ، ومَعَ هَذا قالَ عَنْهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الإكْراهَ لَيْسَ بِعُذْرٍ. ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى حَدِيثُ طارِقِ بْنِ شِهابٍ في الَّذِي دَخَلَ النّارَ في ذُبابٍ قَرَّبَهُ مَعَ الإكْراهِ بِالخَوْفِ مِنَ القَتْلِ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ الَّذِي امْتَنَعَ أنْ يُقَرِّبَ ولَوْ ذُبابًا قَتَلُوهُ. وَيَشْهَدُ لَهُ أيْضًا دَلِيلُ الخِطابِ، أيْ: مَفْهُومُ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»؛ فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ”تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي“ أنَّ غَيْرَ أُمَّتِهِ مِنَ الأُمَمِ لَمْ يَتَجاوَزْ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وهَذا الحَدِيثُ وإنْ أعَلَّهُ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ فَقَدْ تَلَقّاهُ العُلَماءُ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِالقَبُولِ، ولَهُ شَواهِدُ ثابِتَةٌ في القُرْآنِ العَظِيمِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا ) دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ ( في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٠]؛ ولِذَلِكَ اخْتَصَرْناها هُنا، أمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِعُذْرِهِمْ بِالإكْراهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٣٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الكَهْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ . هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ لا يُفْلِحُ أبَدًا. وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ مَعْذُورٌ إذا كانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] . والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ رَفْعَ المُؤاخَذَةِ مَعَ الإكْراهِ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَهو داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فَهو يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى خُصُوصِهِ بِأُمَّتِهِ ﷺ . وَلَيْسَ مَفْهُومَ لَقَبٍ لِأنَّ مَناطَ التَّخْصِيصِ هو اتِّصافُهُ بِالأفْضَلِيَّةِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، واتِّصافُ أُمَّتِهِ بِها عَلى مَن قَبْلَها مِنَ الأُمَمِ، والحَدِيثُ وإنْ أعَلَّهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ فَقَدْ تَلَقّاهُ العُلَماءُ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِالقَبُولِ، ومِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في أنَّ مَن قَبْلَنا لَيْسَ لَهم عُذْرٌ بِالإكْراهِ حَدِيثُ طارِقِ بْنِ شِهابٍ في الَّذِي دَخَلَ النّارَ في ذُبابٍ قَرَّبَهُ لِصَنَمٍ، مَعَ أُنَّهُ قَرَّبَهُ لِيَتَخَلَّصَ مِن شَرِّ عَبَدَةِ الصَّنَمِ، وصاحِبُهُ الَّذِي امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ قَتَلُوهُ فَعَلِمَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَقَتَلُوهُ كَما قَتَلُوا صاحِبَهُ، ولا إكْراهَ أكْبَرُ مِن خَوْفِ القَتْلِ، ومَعَ هَذا دَخَلَ النّارَ ولَمْ يَنْفَعْهُ الإكْراهُ، وظَواهِرُ الآياتِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا. ظاهِرٌ في عَدَمِ فَلاحِهِمْ مَعَ الإكْراهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾، صَرِيحٌ في (p-٣٣١)الإكْراهِ، وقَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ”قَدْ فَعَلْتُ“، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّ التَّكْلِيفَ بِذَلِكَ كانَ مَعْهُودًا قَبْلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١]، فَأسْنَدَ إلَيْهِ النِّسْيانَ والعِصْيانَ مَعًا، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالنِّسْيانِ التَّرْكُ، فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا بِما ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الكَلْبِيِّ مِن أنَّ المُؤاخَذَةَ بِالنِّسْيانِ كانَتْ مِنَ الإصْرِ عَلى مَن قَبْلَنا، وكانَ عِقابُها يُعَجَّلُ لَهم في الدُّنْيا فَيُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الإكْراهَ عُذْرٌ لِمَن قَبْلَنا، وعَلَيْهِ فالجَوابُ هو: الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الإكْراهَ عَلى الكُفْرِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِاسْتِدْراجِ الشَّيْطانِ إلى اسْتِحْسانِهِ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، كَما يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وإلى هَذا الوَجْهِ جَنَحَ صاحِبُ رَوْحِ المَعانِي، والأوَّلُ أظْهَرُ عِنْدِي وأوْضَحُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الكهف 18:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ . لَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ هُنا مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ، هَلْ هم مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ مِنَ الكُفّارِ ؟ وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهم كُفّارٌ، والثّانِي أنَّهم مُسْلِمُونَ؛ (p-٢٥٢)وَهِيَ قَوْلُهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]؛ لِأنَّ اتِّخاذَ المَساجِدِ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ لا مِن صِفاتِ الكُفّارِ، هَكَذا قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: اتِّخاذُ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ مِن فِعْلِ المَلْعُونِينَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لا مِن فِعْلِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ مُسْتَوْفًى بِأدِلَّتِهِ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٨٠] .

الكهف 18:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ . أخْبَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ اخْتِلافِ النّاسِ في عِدَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أقْوالٍ عَلى أنَّهُ لا قائِلَ بِرابِعٍ، وجاءَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ الثّالِثَ هو الصَّحِيحُ والأوَّلانِ باطِلانِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٢]، أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾، أيْ: قَوْلًا بِلا عِلْمٍ، كَمَن يَرْمِي إلى مَكانٍ لا يَعْرِفُهُ فَإنَّهُ لا يَكادُ يُصِيبُ، وإنْ أصابَ بِلا قَصْدٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبإ: ٥٣] . وَقالَ القُرْطُبِيُّ: الرَّجْمُ القَوْلُ بِالظَّنِّ، يُقالُ لِكُلِّ ما يُخْرَصُ رُجِمَ فِيهِ ومَرْجُومٌ ومُرَجَّمٌ كَما قالَ زُهَيْرٌ: ؎وَما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ ثُمَّ حَكى القَوْلَ الثّالِثَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ فَأقَرَّهُ، ولَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ أنَّ ذَلِكَ رَجْمٌ بِالغَيْبِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ الصَّحِيحُ، وقَوْلُـهُ: ﴿ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ الَّذِي يَعْلَمُهم، كانُوا سَبْعَةً. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فِيهِ تَعْلِيمٌ لِلنّاسِ أنْ يَرُدُّوا عِلْمَ الأشْياءِ إلى خالِقِها جَلَّ وعَلا وإنْ عَلِمُوا بِها، كَما أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ بِمُدَّةٍ لُبْثِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، ثُمَّ أمَرَهُ مَعَ ذَلِكَ بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٦]، وما قَدَّمْنا مِن أنَّهُ لا قائِلَ بِرابِعٍ قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ أخْذًا مِن ظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. مَعَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ وابْنَ جُرَيْجٍ قالا: كانُوا ثَمانِيَةً، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ . نَهى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ سَيَفْعَلُ شَيْئًا في المُسْتَقْبَلِ إلّا مُعَلِّقًا ذَلِكَ عَلى مَشِيئَةِ (p-٢٥٣)اللَّهِ الَّذِي لا يَقَعُ شَيْءٌ في العالَمِ كائِنًا ما كانَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا، فَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣]، أيْ: لا تَقُولَنَّ لِأجْلِ شَيْءٍ تَعْزِمُ عَلى فِعْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ الشَّيْءَ غَدًا. والمُرادُ بِالغَدِ: ما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ لا خُصُوصُ الغَدِ. ومِن أسالِيبِ العَرَبِيَّةِ إطْلاقُ الغَدِ عَلى المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ؛ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎وَأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمُ يَعْنِي أنَّهُ لا يَعْلَمُ ما يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ، إذْ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ الغَدِ المُعَيَّنِ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤]، إلّا قائِلًا في ذَلِكَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، أيْ: مُعَلِّقًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، أوْ لا تَقُولَنَّهُ إلّا بِإنْ شاءَ اللَّهُ، أيْ: إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، يَعْنِي إلّا مُتَلَبِّسًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ قائِلًا إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِقُرَيْشٍ: سَلُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَنِ الرُّوحِ، وعَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ في الأرْضِ، ) يَعْنُونَ ذا القَرْنَيْنِ (، وعَنْ فِتْيَةٍ لَهم قِصَّةٌ عَجِيبَةٌ في الزَّمانِ الماضِي، يَعْنُونَ أصْحابَ الكَهْفِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”سَأُخْبِرُكم غَدًا عَمّا سَألْتُمْ عَنْهُ“، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَبِثَ عَنْهُ الوَحْيُ مُدَّةً، قِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. فَأحْزَنَهُ تَأخُّرُ الوَحْيِ عَنْهُ، ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ الجَوابَ عَنِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ، قالَ في الرُّوحِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨٥]، وقالَ في الفِتْيَةِ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ الآياتِ [الكهف: ١٣] إلى آخِرِ قِصَّتِهِمْ، وقالَ في الرَّجُلِ الطَّوّافِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾» [الكهف: ٨٣] الآياتِ إلى آخِرِ قِصَّتِهِ. فَإذا عَرَفْتَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وسَبَبَ نُزُولِها، وأنَّ اللَّهَ عاتَبَ نَبِيَّهُ فِيها عَلى عَدَمِ قَوْلِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ، لَمّا قالَ لَهم ”سَأُخْبِرُكم غَدًا“، فاعْلَمْ أنَّهُ دَلَّتْ آيَةٌ أُخْرى بِضَمِيمَةِ بَيانِ السُّنَّةِ لَها عَلى أنَّ اللَّهَ عاتَبَ نَبِيَّهُ سُلَيْمانَ عَلى عَدَمِ قَوْلِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ، كَما عاتَبَ نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، بَلْ فِتْنَةُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ كانَتْ أشَدَّ؛ فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «قالَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةً - وفي رِوايَةٍ تِسْعِينَ امْرَأةً، وفي رِوايَةٍ مِائَةِ امْرَأةٍ - تَلِدُ كُلُّ امْرَأةٍ مِنهُنَّ غُلامًا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ”، فَقِيلَ لَهُ - وفي رِوايَةٍ قالَ لَهُ المَلِكُ:“ قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ ”فَلَمْ يَقُلْ، فَطافَ بِهِنَّ فَلَمْ تَلِدْ مِنهُنَّ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ نِصْفَ (p-٢٥٤)إنْسانٍ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قالَ إنْ شاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ وكانَ دَرْكًا لِحاجَتِهِ»، وفي رِوايَةٍ: ”وَلَقاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسانًا أجْمَعُونَ“ ا هـ. فَإذا عَلِمْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدِيثَ الصَّحِيحَ بَيَّنَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ الآيَةَ [ص: ٣٤]، وأنَّ فِتْنَةَ سُلَيْمانَ كانَتْ بِسَبَبِ تَرْكِهِ قَوْلَهُ ”إنْ شاءَ اللَّهُ“، وأنَّهُ لَمْ يَلِدْ مِن تِلْكَ النِّساءِ إلّا واحِدَةً نِصْفَ إنْسانٍ، وأنَّ ذَلِكَ الجَسَدَ الَّذِي هو نِصْفُ إنْسانٍ هو الَّذِي أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ الآيَةَ، فَما يَذْكُرُهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ الآيَةَ، مِن قِصَّةِ الشَّيْطانِ الَّذِي أخَذَ الخاتَمَ وجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، وطَرَدَ سُلَيْمانَ عَنْ مُلْكِهِ؛ حَتّى وجَدَ الخاتَمَ في بَطْنِ السَّمَكَةِ الَّتِي أعْطاها لَهُ مَن كانَ يَعْمَلُ عِنْدَهُ بِأجْرٍ مَطْرُودًا عَنْ مُلْكِهِ، إلى آخِرِ القِصَّةِ، لا يَخْفى أنَّهُ باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ، وأنَّهُ لا يَلِيقُ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ. فَهي مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ الَّتِي لا يَخْفى أنَّها باطِلَةٌ. والظّاهِرُ في مَعْنى الآيَةِ هو ما ذَكَرْنا، وقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلَيْهِ في الجُلَّةِ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ . فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ لِعُلَماءِ التَّفْسِيرِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، والمَعْنى: أنَّكَ إنْ قُلْتَ سَأفْعَلُ غَدًا كَذا ونَسِيتَ أنْ تَقُولَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَذَكَّرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ أيِ: اذْكُرْ رَبَّكَ مُعَلِّقًا عَلى مَشِيئَتِهِ ما تَقُولُ أنَّكَ سَتَفْعَلُهُ غَدًا إذا تَذَكَّرْتَ بَعْدَ النِّسْيانِ، وهَذا القَوْلُ هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَهُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وأبُو العالِيَةِ وغَيْرُهم. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها، أنَّ المَعْنى: إذا وقَعَ مِنكَ النِّسْيانُ لِشَيْءٍ فاذْكُرِ اللَّهَ؛ لِأنَّ النِّسْيانَ مِنَ الشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى عَنْ فَتى مُوسى: ﴿وَما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩]، وقالَ تَعالى: ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى يَطْرُدُ الشَّيْطانَ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٥٥)﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ مَلِكِ النّاسِ إلَهِ النّاسِ مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الآيَةَ [الناس: ١ - ٤]؛ أيِ: الوَسْواسِ عِنْدَ الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، الخَنّاسِ: الَّذِي يَخْنِسُ ويَتَأخَّرُ صاغِرًا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإذا ذَهَبَ الشَّيْطانُ النِّسْيانَ. وقالَ بَعْضُهم: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، أيْ: صَلِّ الصَّلاةَ الَّتِي كُنْتَ ناسِيًا لَها عِنْدَ ذِكْرِكَ لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقَوْلُ مَن قالَ ﴿إذا نَسِيتَ﴾، أيْ: إذا غَضِبْتَ - ظاهِرُ السُّقُوطِ. * * مَسْألَةٌ اشْتُهِرَ عَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَصِحُّ تَأْخِيرُهُ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ زَمَنًا طَوِيلًا، قالَ بَعْضُهم: إلى شَهْرٍ، وقالَ بَعْضُهم: إلى سَنَةٍ، وقالَ بَعْضُهم عَنْهُ: لَهُ الِاسْتِثْناءُ أبَدًا. ووَجَّهَ أخْذَهُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ سَيَفْعَلُ شَيْئًا في المُسْتَقْبَلِ إلّا مِنَ الِاسْتِثْناءِ بِإنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾؛ أيْ: إنْ نَسِيتَ تَسْتَثْنِي بِإنْ شاءَ اللَّهُ فاسْتَثْنِ إذا تَذَكَّرْتَ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاتِّصالٍ ولا قُرْبٍ. والتَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَصِحُّ إلّا مُقْتَرِنًا بِالمُسْتَثْنى مِنهُ، وأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَأخِّرَ لا أثَرَ لَهُ ولا تُحَلُّ بِهِ اليَمِينُ، ولَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ المُتَأخِّرُ يَصِحُّ لَما عُلِمَ في الدُّنْيا أنَّهُ تَقَرَّرَ عَقْدٌ ولا يَمِينٌ ولا غَيْرُ ذَلِكَ، لِاحْتِمالِ طُرُوِّ الِاسْتِثْناءِ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا في غايَةِ البُطْلانِ كَما تَرى. ويُحْكى عَنِ المَنصُورِ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُخالِفُ مَذْهَبَ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورَ؛ فاسْتَحْضَرَهُ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ لِلْمَنصُورِ: هَذا يَرْجِعُ عَلَيْكَ ! إنَّك تَأْخُذُ البَيْعَةَ بِالأيْمانِ، أفَتَرْضى أنْ يَخْرُجُوا مِن عِنْدِكَ فَيَسْتَثْنَوْا فَيَخْرُجُوا عَلَيْكَ ! ؟ فاسْتَحْسَنَ كَلامَهُ ورَضِيَ عَنْهُ. * * فائِدَةٌ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ: سَمِعْتُ فَتاةً بِبَغْدادَ تَقُولُ لِجارَتِها: لَوْ كانَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ صَحِيحًا في الِاسْتِثْناءِ ما قالَ اللَّهُ تَعالى لِأيُّوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، بَلْ يَقُولُ اسْتَثْنِ بِإنْ شاءَ اللَّهُ انْتَهى مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ صاحِبِ نَشْرِ البُنُودِ في شَرْحٍ، وقَوْلِهِ في مَراقِي السُّعُودِ:(p-٢٥٦) ؎بِشَرِكَةٍ وبِالتَّوَطِّي قالا بَعْضٌ وأوْجَبَ فِيهِ الِاتِّصالا ؎وَفِي البَواقِي دُونَ ما اضْطِرارِ ∗∗∗ وأبْطَلَنْ بِالصَّمْتِ لِلتِّذْكارِ فَإنْ قِيلَ: فَما الجَوابُ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيما نُسِبَ إلَيْهِ مِنَ القَوْلِ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ المُتَأخِّرِ. فالجَوابُ أنَّ مُرادَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ عاتَبَ نَبِيَّهُ عَلى قَوْلِهِ إنَّهُ سَيَفْعَلُ كَذا غَدًا، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، وبَيَّنَ لَهُ أنَّ التَّعْلِيقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَقَعُ شَيْءٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، فَإذا نَسِيَ التَّعْلِيقَ بِالمَشِيئَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ ولَوْ بَعْدَ طُولٍ فَإنَّهُ يَقُولُ إنْ شاءَ اللَّهُ، لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِن عُهْدَةِ عَدَمِ التَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ، ويَكُونَ قَدْ فَوَّضَ الأمْرَ إلى مَن لا يَقَعُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، فَنَتِيجَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ: هي الخُرُوجُ مِن عُهْدَةِ تَرِكَةِ المُوجِبِ لِلْعِتابِ السّابِقِ، لا أنَّهُ يُحِلُّ اليَمِينَ لِأنَّ تَدارُكَها قَدْ فاتَ بِالِانْفِصالِ، هَذا هو مُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ كَما جَزَمَ بِهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ، وهَذا لا مَحْذُورَ فِيهِ ولا إشْكالَ. وَأجابَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِجَوابٍ آخَرَ وهو: أنَّهُ نَوى الِاسْتِثْناءَ بِقَلْبِهِ ونَسِيَ النُّطْقَ بِهِ بِلِسانِهِ، فَأظْهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَواهُ وقْتَ اليَمِينِ، هَكَذا قالَهُ بَعْضُهم، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ في السَّماواتِ والأرْضِ، وذَكَرَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٧٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ الآيَةَ [هود: ١٢٣]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٣]، وقَوْلِـهِ (p-٢٥٧)تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ يُطْلِعُ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ عَلى ما شاءَ مِن وحْيِهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ الآيَةَ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ • بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ . أيْ: ما أبْصَرَهُ وما أسْمَعَهُ جَلَّ وعَلا، وما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنِ اتِّصافِهِ جَلَّ وعَلا بِالسَّمْعِ والبَصَرِ ذَكَرَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقَوْلِـهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]، والآياتُ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ لَيْسَ لَهم ولِيٌّ مِن دُونِهِ جَلَّ وعَلا، بَلْ هو ولِيُّهم جَلَّ وعَلا، وهَذا المَعْنى مَذْكُورٌ في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، فَبَيَّنَ أنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ أوْلِياؤُهُ، والوَلِيُّ: هو مَنِ انْعَقَدَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ سَبَبٌ يُوالِيكَ وتُوالِيهِ بِهِ، فالإيمانُ سَبَبٌ يُوالِي بِهِ المُؤْمِنِينَ رَبَّهم بِالطّاعَةِ، ويُوالِيهِمْ بِهِ الثَّوابَ والنَّصْرَ والإعانَةَ. وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ المُؤْمِنِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٦٧١]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ نَبِيَّنا ﷺ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] . وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ تَعالى مَوْلى المُؤْمِنِينَ دُونَ الكافِرِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، وهَذِهِ الوِلايَةُ المُخْتَصَّةُ بِالمُؤْمِنِينَ هي وِلايَةُ الثَّوابِ والنَّصْرِ والتَّوْفِيقِ والإعانَةِ، فَلا تُنافِي أنَّهُ مَوْلى (p-٢٥٨)الكافِرِينَ وِلايَةَ مُلْكٍ وقَهْرٍ ونُفُوذٍ ومَشِيئَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ راجِعٌ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ المَفْهُومَيْنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”ما لَهم“ راجِعٌ لِمُعاصِرِي النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الكُفّارِ، ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ دَلَّتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ أنَّ وِلايَةَ الجَمِيعِ لِخالِقِهِمْ جَلَّ وعَلا، وأنَّ مِنها وِلايَةَ ثَوابٍ وتَوْفِيقٍ وإعانَةٍ، ووِلايَةَ مُلْكٍ وقَهْرٍ ونُفُوذٍ ومَشِيئَةٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدا ابْنَ عامِرٍ ”وَلا يُشْرِكُ“ بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وضَمِّ الكافِ عَلى الخَبَرِ، ولا نافِيَةٌ والمَعْنى: ولا يُشْرِكُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا أحَدًا في حُكْمِهِ، بَلِ الحُكْمُ لَهُ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ ألْبَتَّةَ، فالحَلالُ ما أحَلَّهُ تَعالى، والحَرامُ ما حَرَّمَهُ، والدِّينُ ما شَرَعَهُ، والقَضاءُ ما قَضاهُ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ؛ ”وَلا تُشْرِكْ“ بِضَمِّ التّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ بِصِيغَةِ النَّهْيِ، أيْ: لا تُشْرِكْ يا نَبِيَّ اللَّهِ، أوْ لا تُشْرِكْ أيُّها المُخاطَبُ أحَدًا في حُكْمِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، بَلْ أخْلِصِ الحُكْمَ لِلَّهِ مِن شَوائِبِ شِرْكِ غَيْرِهِ في الحُكْمِ، وحُكْمُهُ جَلَّ وعَلا المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ شامِلٌ لِكُلِّ ما يَقْضِيهِ جَلَّ وعَلا، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ التَّشْرِيعُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الحُكْمِ لِلَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٦٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، وقَوْلِـهِ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. (p-٢٥٩)وَيُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآياتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، أنَّ مُتَّبِعِي أحْكامِ المُشَرِّعِينَ غَيْرِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ أنَّهم مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا المَفْهُومُ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ فِيمَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعَ الشَّيْطانِ في إباحَةِ المَيْتَةِ بِدَعْوى أنَّها ذَبِيحَةُ اللَّهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فَصَرَّحَ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ بِطاعَتِهِمْ، وهَذا الإشْراكُ في الطّاعَةِ، واتِّباعِ التَّشْرِيعِ المُخالِفِ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى هو المُرادُ بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠، ٦١]، وقَوْلِـهِ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، أيْ: ما يَعْبُدُونَ إلّا شَيْطانًا، أيْ: وذَلِكَ بِاتِّباعِ تَشْرِيعِهِ، ولِذا سَمّى اللَّهُ تَعالى الَّذِينَ يُطاعُونَ فِيما زَيَّنُوا مِنَ المَعاصِي شُرَكاءَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٣٧]، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهم أحَلُّوا لَهم ما حَرَّمَ اللَّهُ، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ ما أحَلَّ اللَّهُ فاتَّبَعُوهم في ذَلِكَ، وأنَّ ذَلِكَ هو اتِّخاذُهم إيّاهم أرْبابًا. وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في هَذا: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا في ”سُورَةِ النِّساءِ“ بَيَّنَ أنَّ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى غَيْرِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ يَتَعَجَّبُ مِن زَعْمِهِمْ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّ دَعْواهُمُ الإيمانَ مَعَ إرادَةِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ بالِغَةٌ مِنَ الكَذِبِ ما يَحْصُلُ مِنهُ العَجَبُ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] . وَبِهَذِهِ النُّصُوصِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا يَظْهَرُ غايَةَ الظُّهُورِ: أنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ القَوانِينَ الوَضْعِيَّةَ الَّتِي شَرَعَها الشَّيْطانُ عَلى ألْسِنَةِ أوْلِيائِهِ مُخالَفَةً لِما شَرَعَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، أنَّهُ لا يَشُكُّ في كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ إلّا مَن طَمَسَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ، وأعْماهُ عَنْ نُورِ الوَحْيِ مِثْلَهم. * * (p-٢٦٠)تَنْبِيهٌ اعْلَمْ، أنَّهُ يَجِبُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ النِّظامِ الوَضْعِيِّ الَّذِي يَقْتَضِي تَحْكِيمُهُ الكُفْرَ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وبَيْنَ النِّظامِ الَّذِي لا يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ النِّظامَ قِسْمانِ: إدارِيٌّ، وشَرْعِيٌّ، أمّا الإدارِيُّ: الَّذِي يُرادُ بِهِ ضَبْطُ الأُمُورِ وإتْقانُها عَلى وجْهٍ غَيْرِ مُخالِفٍ لِلشَّرْعِ، فَهَذا لا مانِعَ مِنهُ، ولا مُخالِفَ فِيهِ مِنَ الصَّحابَةِ، فَمَن بَعْدَهم، وقَدْ عَمِلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن ذَلِكَ أشْياءَ كَثِيرَةً ما كانَتْ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كَكَتْبِهِ أسْماءَ الجُنْدِ في دِيوانٍ لِأجْلِ الضَّبْطِ، ومَعْرِفَةِ مَن غابَ ومَن حَضَرَ كَما قَدَّمْنا إيضاحَ المَقْصُودِ مِنهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى العاقِلَةِ الَّتِي تَحْمِلُ دِيَةَ الخَطَأِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، ولَمْ يَعْلَمْ بِتَخَلُّفِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ إلّا بَعْدَ أنْ وصَلَ تَبُوكَ ﷺ، وكاشْتِرائِهِ - أعْنِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دارَ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ وجَعْلِهِ إيّاها سِجْنًا في مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، مَعَ أنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَّخِذْ سِجْنًا هو ولا أبُو بَكْرٍ، فَمِثْلُ هَذا مِنَ الأُمُورِ الإدارِيَّةِ الَّتِي تُفْعَلُ لِإتْقانِ الأُمُورِ مِمّا لا يُخالِفُ الشَّرْعَ لا بَأْسَ بِهِ، كَتَنْظِيمِ شُئُونِ المُوَظَّفِينَ، وتَنْظِيمِ إدارَةِ الأعْمالِ عَلى وجْهٍ لا يُخالِفُ الشَّرْعَ، فَهَذا النَّوْعُ مِنَ الأنْظِمَةِ الوَضْعِيَّةِ لا بَأْسَ بِهِ، ولا يَخْرُجُ عَنْ قَواعِدِ الشَّرْعِ مِن مُراعاةِ المَصالِحِ العامَّةِ. وَأمّا النِّظامُ الشَّرْعِيُّ المُخالِفُ لِتَشْرِيعِ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَتَحْكِيمُهُ كُفْرٌ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، كَدَعْوى أنَّ تَفْضِيلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في المِيراثِ لَيْسَ بِإنْصافٍ، وأنَّهُما يَلْزَمُ اسْتِواؤُهُما في المِيراثِ. وكَدَعْوى أنَّ تَعَدُّدَ الزَّوْجاتِ ظُلْمٌ، وأنَّ الطَّلاقَ ظُلْمٌ لِلْمَرْأةِ، وأنَّ الرَّجْمَ والقَطْعَ ونَحْوَهُما أعْمالٌ وحْشِيَّةٌ لا يَسُوغُ فِعْلُها بِالإنْسانِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. فَتَحْكِيمُ هَذا النَّوْعِ مِنَ النِّظامِ في أنْفُسِ المُجْتَمَعِ وأمْوالِهِمْ وأعْراضِهِمْ وأنْسابِهِمْ وعُقُولِهِمْ وأدْيانِهِمْ كُفْرٌ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وتَمَرُّدٌ عَلى نِظامِ السَّماءِ الَّذِي وضَعَهُ مَن خَلَقَ الخَلائِقَ كُلَّها وهو أعْلَمُ بِمَصالِحِها سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ أنْ يَكُونَ مَعَهُ مُشَرِّعٌ آخَرُ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]، وقَدْ قَدَّمْنا جُمْلَةً وافِيَةً مِن هَذا النَّوْعِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩] .

الكهف 18:27

(p-٢٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ . أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَتْلُوَ هَذا القُرْآنَ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْهِ رَبُّهُ. والأمْرُ في قَوْلِهِ ”واتْلُ“ [الكهف: ٢٧]، شامِلٌ لِلتِّلاوَةِ بِمَعْنى القِراءَةِ، والتِّلْوِ: بِمَعْنى الِاتِّباعِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أمْرِهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ واتِّباعِهِ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٤٥]، وكَقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ ”النَّمْلِ“: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٩١، ٩٢]، ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الأمْرِ بِتِلاوَتِهِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى عَلى الأمْرِ بِاتِّباعِهِ: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الأمْرِ بِاتِّباعِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ. وَقَدْ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ بَعْضَ النَّتائِجِ الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبِ تِلاوَةِ القُرْآنِ واتِّباعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١]، والعِبْرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ؛ أيْ: لِأنَّ أخْبارَها صِدْقٌ وأحْكامَها عَدْلٌ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُبَدِّلَ صِدْقَها كَذِبًا، ولا أنْ يُبَدِّلَ عَدْلَها جَوْرًا، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، فَقَوْلُهُ: ”صِدْقًا“ يَعْنِي في الإخْبارِ، وقَوْلُهُ ”عَدْلًا“ أيْ: في الأحْكامِ. وكَقَوْلِهِ: (p-٢٦٢)﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ، أنَّهُ هو يُبَدِّلُ ما شاءَ مِنَ الآياتِ مَكانَ ما شاءَ مِنها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠١]، وقَوْلِـهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ [الكهف: ٢٧] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ . أصْلُ المُلْتَحَدِ: مَكانُ الِالتِحادِ وهو الِافْتِعالُ: مِنَ اللَّحْدِ بِمَعْنى المَيْلِ، ومِنهُ اللَّحْدُ في القَبْرِ؛ لِأنَّهُ مَيْلٌ في الحَفْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠]، وقَوْلُـهُ: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٨٠]، فَمَعْنى اللَّحْدِ والإلْحادِ في ذَلِكَ: المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، والمُلْحِدُ المائِلُ عَنْ دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ الصَّرْفِ أنَّ الفِعْلَ إنْ زادَ ماضِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ فَمَصْدَرُهُ المِيمِيُّ واسْمُ مَكانِهِ واسْمُ زَمانِهِ كُلُّها بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ كَما هُنا، فالمُلْتَحَدُ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ مَكانُ الِالتِحادِ، أيِ: المَكانُ الَّذِي يَمِيلُ فِيهِ إلى مَلْجَأٍ أوْ مَنجًى يُنْجِيهِ مِمّا يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَفْعَلَهُ بِهِ. وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّ نَبِيَّهُ ﷺ لا يَجِدُ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا؛ أيْ: مَكانًا يَمِيلُ إلَيْهِ ويَلْجَأُ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُبَلِّغْ رِسالَةَ رَبِّهِ ويُطِعْهُ، جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ [الجن: ٢١ - ٢٢]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] . وَكَوْنُهُ لَيْسَ لَهُ مُلْتَحَدٌ، أيْ: مَكانٌ يَلْجَأُ إلَيْهِ تَكَرَّرَ نَظِيرُهُ في القُرْآنِ بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، كالمَناصِ، والمَحِيصِ، والمَلْجَأِ، والمَوْئِلِ، والمَفَرِّ، والوَزَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص: ٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١]، وقَوْلِـهِ: ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، (p-٢٦٣)وَقَوْلِـهِ: ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١٠ - ١١]، فَكُلُّ ذَلِكَ راجِعٌ في المَعْنى إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو انْتِفاءُ مَكانٍ يَلْجَئُونَ إلَيْهِ ويَعْتَصِمُونَ بِهِ.

الكهف 18:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ . أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ، أيْ: يَحْبِسَها مَعَ المُؤْمِنِينَ الَّذِي يَدْعُونَ رَبَّهم أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ، لا يُرِيدُونَ بِدُعائِهِمْ إلّا رِضاهُ جَلَّ وعَلا. وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في فُقَراءِ المُهاجِرِينَ كَعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وبِلالٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ ونَحْوِهِمْ، لَمّا أرادَ صَنادِيدُ الكُفّارِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَطْرُدَهم عَنْهُ، ويُجالِسَهم بِدُونِ حُضُورِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ أنَّ اللَّهَ كَما أمَرَهُ هُنا بِأنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَهم أمْرَهُ بِألّا يَطْرُدَهم، وأنَّهُ إذا رَآهم يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢ - ٥٤]، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى أنْ جاءَهُ الأعْمى وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أمّا مَنِ اسْتَغْنى فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى وهو يَخْشى فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى كَلّا﴾ [عبس: ١ - ١١]، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ ما طَلَبَهُ الكُفّارُ مِن نَبِيِّنا ﷺ مِن طَرْدِهِ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ وضُعَفاءَهم تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ وازْدِراءً بِهِمْ، طَلَبَهُ أيْضًا قَوْمُ نُوحٍ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ امْتَنَعَ مِن طَرْدِهِمْ أيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وقَوْلُـهُ عَنْهم أيْضًا: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]، وقالَ عَنْ نُوحٍ في امْتِناعِهِ مِن طَرْدِهِمْ: ﴿وَما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ١١٤]، وكَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٩ - ٣٠] . وَقَوْلُـهُ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨]، فِيهِ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ مادَّةَ الصَّبْرِ تَتَعَدّى بِنَفْسِها لِلْمَفْعُولِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ أوْ عَنْتَرَةَ: ؎فَصَبَرَتْ عارِفَةً بِذَلِكَ حُرَّةً تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ والغَداةُ: أوَّلُ النَّهارِ، والعَشِيُّ: آخِرُهُ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: (p-٢٦٤)﴿يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾، أيْ: يُصَلُّونَ صَلاةَ الصُّبْحِ والعَصْرِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الآيَةَ تَشْمَلُ أعَمَّ مِن مُطْلَقِ الصَّلاةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . نَهى اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ تَعْدُوَ عَيْناهُ عَنْ ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ وفُقَرائِهِمْ، طُمُوحًا إلى الأغْنِياءِ وما لَدَيْهِمْ مِن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، ومَعْنى ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾ [الكهف: ٢٨]، أيْ: لا تَتَجاوَزُهم عَيْناكَ وتَنْبُو عَنْ رَثاثَةِ زِيِّهِمْ، مُحْتَقِرًا لَهم طامِحًا إلى أهْلِ الغِنى والجاهِ والشَّرَفِ بَدَلًا مِنهم، وعَدا يَعْدُو: تَتَعَدّى بِنَفْسِها إلى المَفْعُولِ وتَلْزَمُ، والجُمْلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ في مَحَلِّ حالٍ والرّابِطُ الضَّمِيرُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎وَذاتُ بَدْءٍ بِمُضارِعِ ثَبَتْ حَوَتْ ضَمِيرًا ومِنَ الواوِ خَلَتْ وَصاحِبُ الحالِ المَذْكُورَةِ هو الضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ”عَيْناكَ“، وإنَّما ساغَ ذَلِكَ لِأنَّ المُضافَ هُنا جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: وَلا تُجِزْ حالًا مِنَ المُضافِ لَهْ إلّا إذا اقْتَضى المُضافُ عَمَلَهُ أوْ كانَ جُزْءَ ما لَهُ أُضِيفا أوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلا تَحِيفا وما نَهى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن طُمُوحِ العَيْنِ إلى زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، مَعَ الِاتِّصافِ بِما يُرْضِيهِ جَلَّ وعَلا مِنَ الثَّباتِ عَلى الحَقِّ، كَمُجالَسَةِ فَقُراءِ المُؤْمِنِينَ، أشارَ لَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه: ١٣٠ - ١٣١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٨٧] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ . نَهى اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ طاعَةِ مَن أغْفَلَ اللَّهُ قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِهِ واتَّبَعَ هَواهُ، وكانَ أمْرُهُ فُرُطا، وقَدْ كَرَّرَ في القُرْآنِ نَهْيَ نَبِيِّهِ ﷺ عَنِ اتِّباعِ مِثْلِ هَذا الغافِلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ المُتَّبَعِ هَواهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٤٨]، (p-٢٦٥)وَقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ٨ - ١٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ أمَرَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِالإعْراضِ عَنِ المُتَوَلِّينَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والَّذِينَ لا يُرِيدُونَ غَيْرَ الحَياةِ الدُّنْيا، وبَيَّنَ لَهُ أنَّ ذَلِكَ هو مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ . وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، يَدُلُّ عَلى أنَّ ما يَعْرِضُ لِلْعَبْدِ مِن غَفْلَةٍ ومَعْصِيَةٍ، إنَّما هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، إذْ لا يَقَعُ شَيْءٌ البَتَّةَ كائِنًا ما كانَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ، جَلَّ وعَلا، ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الإنسان: ٣٠]، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]، ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٧]، ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، لا يَقَعُ إلّا بِمَشِيئَةِ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ. فَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ، ويُحاوِلُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ دائِمًا تَأْوِيلَ آياتِ القُرْآنِ عَلى نَحْوِ ما يُطابِقُهُ مِنِ اسْتِقْلالِ قُدْرَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ فَأفْعالُهُ دُونَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، لا يَخْفى بُطْلانُهُ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ آنِفًا، وأمْثالُها في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ. وَمَعْنى اتِّباعِهِ هَواهُ: أنَّهُ يَتْبَعُ ما تَمِيلُ إلَيْهِ نَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وتَهْواهُ مِنَ الشَّرِّ، كالكُفْرِ والمَعاصِي. وَقَوْلُـهُ: ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾، قِيلَ: هو مِنَ التَّفْرِيطِ الَّذِي هو التَّقْصِيرُ، وتَقْدِيمُ العَجْزِ بِتَرْكِ الإيمانِ، وعَلى هَذا فَمَعْنى ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾، أيْ: كانَتْ أعْمالُهُ سَفَهًا وضَياعًا وتَفْرِيطًا، وقِيلَ: مِنَ الإفْراطِ الَّذِي هو مُجاوَزَةُ الحَدِّ، كَقَوْلِ الكُفّارِ المُحْتَقِرِينَ لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ: نَحْنُ أشْرافُ مُضَرَ وساداتُها ! إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَكَ جَمِيعُ النّاسِ، وهَذا مِنَ التَّكَبُّرِ والإفْراطِ في القَوْلِ، وقِيلَ ”فُرُطًا“ أيْ: قِدَمًا في الشَّرِّ. مِن قَوْلِهِمْ: فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ، أيْ: سَبَقَ. وأظْهَرُ الأقْوالِ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ عِنْدِي بِحَسَبَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ”فُرُطًا“: أيْ: مُتَقَدِّمًا لِلْحَقِّ والصَّوابِ، نابِذًا لَهُ وراءَ (p-٢٦٦)ظَهْرِهِ. مِن قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ فُرُطٌ، أيْ: مُتَقَدِّمٌ لِلْخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎وَلَقَدْ حَمَيْتُ الخَيْلَ تَحْمِلُ شَكَّتِي فُرُطٌ وِشاحِي إذْ غَدَوْتُ لِجامَها وَإلى ما ذَكَرْنا في مَعْنى الآيَةِ تَرْجِعُ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ كُلُّها، كَقَوْلِ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ ”فُرُطًا“ أيْ: ضَياعًا. وكَقَوْلِ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ”فُرُطًا“ أيْ: سَرَفا، كَقَوْلِ الفَرّاءِ ”فُرُطًا“ أيْ: مَتْرُوكًا. وكَقَوْلِ الأخْفَشِ ”فُرُطًا“ أيْ: مُجاوِزًا لِلْحَدِّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ.

الكهف 18:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ . أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ: الحَقُّ مِن رَبِّكم، وفي إعْرابِهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّ ”الحَقَّ“ مُبْتَدَأٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُهُ، أيِ: الحَقُّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، المُتَضَمِّنُ لِدِينِ الإسْلامِ كائِنٌ مَبْدَؤُهُ مِن رَبِّكم جَلَّ وعَلا، فَلَيْسَ مِن وحْيِ الشَّيْطانِ، ولا مِنِ افْتِراءِ الكَهَنَةِ، ولا مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، ولا غَيْرَ ذَلِكَ. بَلْ هو مِن خالِقِكم جَلَّ وعَلا، الَّذِي تَلْزَمُكم طاعَتُهُ وتَوْحِيدُهُ، ولا يَأْتِي مِن لَدُنْهُ إلّا الحَقُّ الشّامِلُ لِلصِّدْقِ في الأخْبارِ، والعَدْلُ في الأحْكامِ، فَلا حَقَّ إلّا مِنهُ جَلَّ وعَلا. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا الَّذِي جِئْتُكم بِهِ الحَقُّ. وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرُهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، وقَوْلِـهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِحَسَبَ الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ ولَكِنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَيْسَ هو التَّخْيِيرُ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ. والتَّهْدِيدُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي ظاهِرُها التَّخْيِيرُ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ عَلى أنَّ المُرادَ في الآيَةِ التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ أنَّهُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، وهَذا أصْرَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ المُرادَ التَّهْدِيدُ والتَّخْوِيفُ، إذْ لَوْ كانَ التَّخْيِيرُ عَلى بابِهِ لَما تَوَعَّدَ فاعِلَ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ المُخَيَّرَ بَيْنَهُما بِهَذا العَذابِ الألِيمِ، وهَذا واضِحٌ كَما تَرى. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أعْتَدْنا [الكهف: ٢٩]، أصْلُهُ مِنَ الِاعْتادِ، والتّاءُ فِيهِ (p-٢٦٧)أصْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ مُبْدَلَةً مِن دالٍ عَلى الأصَحِّ؛ ومِنهُ العَتادُ بِمَعْنى العُدَّةِ لِلشَّيْءِ، ومَعْنى ”أعْتَدْنا“: أرْصَدْنا وأعْدَدْنا، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ هُنا: الكُفّارُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿وَمَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وقَدْ قَدَّمَنا كَثْرَةَ إطْلاقِ الظُّلْمِ عَلى الكُفْرِ في القُرْآنِ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الظُّلْمَ في لُغَةِ العَرَبِ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، ومِن أعْظَمِ ذَلِكَ وضْعُ العِبادَةِ في مَخْلُوقٍ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ إطْلاقُ الظُّلْمِ عَلى النَّقْصِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، وأصْلُ مَعْنى مادَّةِ الظُّلْمِ هو ما ذَكَرْنا مِن وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولِأجَلِ ذَلِكَ قِيلَ الَّذِي يَضْرِبُ اللَّبَنَ قَبْلَ أنْ يَرُوبَ: ظالِمٌ لِوَضْعِهِ ضَرْبَ لَبَنِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ لِأنَّ ضَرْبَهُ قَبْلَ أنْ يَرُوبَ يُضِيعُ زُبْدَهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وَقائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكم سِقائِي وهَلْ يَخْفى عَلى العَكِدِ الظَّلِيمُ فَقَوْلُهُ ”ظَلَمْتُ لَكم سِقائِي“، أيْ: ضَرَبْتُهُ لَكم قَبْلَ أنْ يَرُوبَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ في سِقاءٍ لَهُ ظَلَمَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ: ؎وَصاحِبُ صِدْقٍ لَمْ تَرِبْنِي شِكاتُهُ ∗∗∗ ظَلَمْتُ وفي ظُلْمِي لَهُ عامِدًا أجْرُ وَفِي لُغْزِ الحَرِيرِيِّ في مَقاماتِهِ في الَّذِي يَضْرِبُ لَبَنَهُ قَبْلَ أنْ يَرُوبَ، قالَ: أيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحاكِمُ ظالِمًا ؟ قالَ: نَعَمْ، إذا كانَ عالِمًا. ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهم لِلْأرْضِ الَّتِي حُفِرَ فِيها ولَيْسَتْ مَحَلَّ حَفْرٍ في السّابِقِ: أرْضٌ مَظْلُومَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ: ؎إلّا الأوارِي لَأْيًا ما أُبَيِّنُها ∗∗∗ والنُّؤَيُ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ وَما زَعَمَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ ”المَظْلُومَةَ“ في البَيْتِ هي الَّتِي ظَلَمَها المَطَرُ بِتَخَلُّفِهِ عَنْها وقْتَ إبّانِهِ المُعْتادَ غَيْرُ صَوابٍ. والصَّوابُ: هو ما ذَكَرْنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولِأجْلِ ما ذَكَرْنا قالُوا لِلتُّرابِ المُخْرَجِ مِنَ القَبْرِ عِنْدَ حَفْرِهِ ظَلِيمٌ بِمَعْنى مَظْلُومٌ؛ لِأنَّهُ حَفْرٌ في غَيْرِ مَحَلِّ الحَفْرِ المُعْتادِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ يَصِفُ رَجُلًا ماتَ ودُفِنَ: ؎فَأصْبَحَ في غَبْراءَ بَعْدَ إشاحَةٍ ∗∗∗ عَلى العَيْشِ مِرْوَدٌ عَلَيْها ظَلِيمُها وَقَوْلُـهُ: ﴿أحاطَ بِهِمْ﴾ أيْ: أحْدَقَ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، وقَوْلُـهُ: سُرادِقُها [الكهف: ٢٩]، أصْلُ السُّرادِقِ واحِدُ السُّرادِقاتِ الَّتِي تُمَدُّ فَوْقَ صَحْنِ الدّارِ، وكُلُّ بَيْتٍ مِن (p-٢٦٨)كُرْسُفٍ فَهو سُرادِقٌ. والكُرْسُفُ: القُطْنُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ أوِ الكَذّابِ الحِرْمازِيِّ: ؎يا حَكَمُ بْنُ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ ∗∗∗ سُرادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودِ وَبَيْتٌ مُسَرْدَقٌ: أيْ مَجْعُولٌ لَهُ سُرادِقٌ، ومِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ يَذْكُرُ أبريويز وقَتْلَهُ لِلنُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ تَحْتَ أرْجُلِ الفِيَلَةِ: ؎هُوَ المُدْخِلُ النُّعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ∗∗∗ صُدُورُ الفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقِ هَذا هو أصْلُ مَعْنى السُّرادِقِ في اللُّغَةِ. ويُطْلِقُ أيْضًا في اللُّغَةِ عَلى الحُجْرَةِ الَّتِي حَوْلَ الفُسْطاطِ. وَأمّا المُرادُ بِالسُّرادِقِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَفِيهِ لِلْعُلَماءِ أقْوالٌ مَرْجِعُها إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو إحْداقُ النّارِ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَمِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ ”سُرادِقُها“: أيْ: سُورُها، قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ وغَيْرُهُ. ومِنهم مَن يَقُولُ ”سُرادِقُها“: سُورٌ مِن نارٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ. ومِنهم مَن يَقُولُ ”سُرادِقُها“: عُنُقٌ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِالكُفّارِ كالحَظِيرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: ومِنهم مَن يَقُولُ: هو دُخانٌ يُحِيطُ بِهِمْ. وهو المَذْكُورُ في ”المُرْسَلاتِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣١]، و ”الواقِعَةِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣ - ٤٤] . وَمِنهم مَن يَقُولُ: هو البَحْرُ المُحِيطُ بِالدُّنْيا. ورَوى يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «البَحْرُ هو جَهَنَّمُ ثُمَّ تَلا ﴿نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ ثُمَّ قالَ واللَّهِ لا أدْخُلُها أبَدًا ما دُمْتُ حَيًّا ولا تُصِيبُنِي مِنها قَطْرَةٌ ”» ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. ورَوى ابْنُ المُبارَكِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“ «لِسُرادِقِ النّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كِثَفُ كُلِّ جِدارٍ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً» وأخْرَجَهُ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ وقالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. انْتَهى مِنَ القُرْطُبِيِّ. وهَذا الحَدِيثُ رَواهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا. قالَهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ وتَبِعَهُ الشَّوْكانِيُّ. وحَدِيثُ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ رَواهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ. قالَ الشَّوْكانِيُّ: ورَواهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، ورَواهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورُ عَنِ البُخارِيِّ في تارِيخِهِ، وأحْمَدُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ. وعَلى كُلِّ حالٍ، فَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ النّارَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن كُلِّ (p-٢٦٩)جانِبٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، وقالَ: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وقالَ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا﴾، يَعْنِي إنْ يَطْلُبُوا الغَوْثَ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الكَرْبِ يُغاثُوا، يُؤْتَوْا بِغَوْثٍ هو ماءٌ كالمُهْلِ. والمُهْلُ في اللُّغَةِ: يُطْلَقُ عَلى ما أُذِيبَ مِن جَواهِرِ الأرْضِ، كَذائِبِ الحَدِيدِ والنُّحاسِ، والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وَيُطْلَقُ أيْضًا عَلى دُرْدِيِّ الزَّيْتِ وهو عَكَرُهُ. والمُرادُ بِالمُهْلِ في الآيَةِ: ما أُذِيبُ مِن جَواهِرِ الأرْضِ. وقِيلَ: دُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وقِيلَ: هو نَوْعٌ مِنَ القَطِرانِ. وقِيلَ السُّمُّ. فَإنْ قِيلَ: أيُّ إغاثَةٍ في ماءٍ كالمُهْلِ مَعَ أنَّهُ مِن أشَدِّ العَذابِ، وكَيْفَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] . فالجَوابُ أنَّ هَذا مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ. ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ تَقَتَّلَ عامِرٌ ∗∗∗ يَوْمَ النِّسارِ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ فَمَعْنى قَوْلِهِ ”أُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ“: أيْ: أُرْضُوا بِالسَّيْفِ. يَعْنِي لَيْسَ لَهم مِنّا إرْضاءً إلّا بِالسَّيْفِ. وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: ؎وَخَيْلٌ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ يَعْنِي لا تَحِيَّةَ لَهم إلّا الضَّرْبُ الوَجِيعُ. وإذا كانُوا لا يُغاثُونَ إلّا بِماءٍ كالمُهْلِ عُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهم لا إغاثَةَ لَهُمُ البَتَّةَ. والياءُ في قَوْلِهِ ”يَسْتَغِيثُوا“ والألِفُ في قَوْلِهِ ”يُغاثُوا“ كِلْتاهُما مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ؛ لِأنَّ مادَّةَ الِاسْتِغاثَةِ مِنَ الأجْوَفِ الواوِيِّ العَيْنِ، ولَكِنَّ العَيْنَ أُعِلَّتْ لِلسّاكِنِ الصَّحِيحِ قَبْلَها، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: لِساكِنٍ صَحَّ انْقُلِ التَّحْرِيكَ مِن ذِي لِينٍ آتِ عَيْنَ فِعْلٍ كَأبِنْ وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾، أيْ: يَحْرِقُها حَتّى تَسْقُطَ فَرْوَةُ الوَجْهِ، أعاذَنا اللَّهُ والمُسْلِمِينَ مِنها وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ قالَ: «﴿كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾، هو كَعَكَرِ الزَّيْتِ فَإذا قَرُبَ إلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ»، قالَ (p-٢٧٠)ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في ) الكافِي الشّافِ، في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ (: أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ، عَنْ دَرّاجٍ، عَنْ أبِي الهَيْثَمِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، واسْتَغْرَبَهُ وقالَ: لا يُعْرَفُ إلّا مِن حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وتُعُقِّبَ قَوْلُهُ بِأنَّ أحْمَدَ وأبا يَعْلى أخْرَجاهُ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرّاجٍ، وبِأنَّ ابْنَ حِبّانَ والحاكِمَ أخْرَجاهُ مِن طَرِيقِ وهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ فِيهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: بِئْسَ الشَّرابُ ذَلِكَ الماءُ الَّذِي يُغاثُونَ بِهِ. والضَّمِيرُ الفاعِلُ في قَوْلِهِ ”ساءَتْ“ عائِدٌ إلى النّارِ. والمُرْتَفَقُ: مَكانُ الِارْتِفاقِ. وأصْلُهُ أنْ يَتَّكِئَ الإنْسانُ مُعْتَمِدًا عَلى مِرْفَقِهِ، ولِلْعُلَماءِ في المُرادِ بِالمُرْتَفَقِ في الآيَةِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى. قِيلَ مُرْتَفَقًا. أيْ: مَنزِلًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ. وقِيلَ مَقَرًّا، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ. وقِيلَ مَجْلِسًا وهو مَرْوِيٌّ عَنِ العُتْبِيِّ. وقالَ مُجاهِدٌ: مُرْتَفَقًا أيْ: مُجْتَمَعًا. فَهو عِنْدَهُ مَكانُ الِارْتِفاقِ بِمَعْنى مُرافَقَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في النّارِ. وَحاصِلُ مَعْنى الأقْوالِ أنَّ النّارَ بِئْسَ المُسْتَقَرُّ هي، وبِئْسَ المَقامُ هي. ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]، وكَوْنُ أصْلِ الِارْتِفاقِ هو الِاتِّكاءُ عَلى المِرْفَقِ، مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: ؎نامَ الخَلِيُّ وبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقًا ∗∗∗ كَأنَّ عَيْنِيَ فِيها الصّابُ مَذْبُوحُ وَيُرْوى ”وَبِتُّ اللَّيْلَ مُشْتَجِرًا“ وعَلَيْهِ فَلا شاهِدَ في البَيْتِ، ومِنهُ قَوْلُ أعْشى باهِلَةَ: ؎قَدْ بِتُّ مُرْتَفِقًا لِلنَّجْمِ أرْقُبُهُ ∗∗∗ حَيْرانَ ذا حَذَرٍ لَوْ يَنْفَعُ الحَذَرُ وَقَوْلُ الرّاجِزِ: ؎قالَتْ لَهُ وارْتَفَقَتْ ألا فَتًى ∗∗∗ يَسُوقُ بِالقَوْمِ غَزالاتِ الضُّحا وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن صِفاتِ هَذا الشَّرابِ، الَّذِي يُسْقى بِهِ أهْلُ النّارِ، جاءَ نَحْوُهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، والحَمِيمُ الآنِي: مِنَ الماءِ المُتَناهِي في الحَرارَةِ. (p-٢٧١)وَقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٦ - ١٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤، ٥٥] . وَقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ الآيَةَ [النبإ: ٢٤ - ٢٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٧ - ٥٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ قَدَّمْنا طُرُقًا مِن هَذا في سُورَةِ ”يُونُسَ“ .

الكهف 18:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن عَمِلَ صالِحًا وأحْسَنَ في عَمَلِهِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا لا يُضِيعُ أجْرَهُ، أيْ: جَزاءَ عَمَلِهِ: بَلْ يُجازى بِعَمَلِهِ الحَسَنِ الجَزاءَ الأوْفى. وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١]، وقَوْلِـهِ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ جِدًّا. وفي هَذا المَعْنى سُؤالانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ أيْنَ خَبَرُ ”إنَّ“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] ؟ فَإذا قِيلَ: خَبَرُها جُمْلَةُ ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] تُوَجِّهُ السُّؤالُ. الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: أيْنَ رابِطُ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ بِالمُبْتَدَأِ الَّذِي هو اسْمُ ”إنَّ“ ؟ . اعْلَمْ أنَّ خَبَرَ ”إنَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قِيلَ: هو جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ. وعَلى هَذا فالرّابِطُ مَوْجُودٌ ولا إشْكالَ فِيهِ. وقِيلَ: ”إنَّ“ الثّانِيَةَ واسْمَها وخَبَرَها، كُلُّ ذَلِكَ خَبَرُ ”إنَّ“ الأُولى. ونَظِيرُ الآيَةِ مِنَ القُرْآنِ في الإخْبارِ عَنْ ”إنَّ“ بِـ ”إنَّ“ وخَبَرِها واسْمِها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الحَجِّ“: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٧]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ ألْبَسَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ عَلى أظْهَرِ الوَجْهَيْنِ في خَبَرِ ”إنَّ“ الأُولى في البَيْتِ، وعَلى هَذا فالجَوابُ عَنِ السُّؤالِ (p-٢٧٢)الثّانِي مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ الرّابِطَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ مِنهم عَمَلًا؛ كَقَوْلِهِمْ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ: مَنَوانِ مِنهُ بِدِرْهَمٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٤]، أيْ: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهم. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ﴿مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾، هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وإذا كانَ الَّذِينَ آمَنُوا، ومَن أحْسَنَ عَمَلًا يُنَظِّمُها مَعْنًى واحِدٌ قامَ ذَلِكَ مَقامَ الرَّبْطِ بِالضَّمِيرِ، وهَذا هو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ الرَّبْطَ حاصِلٌ بِالِاتِّحادِ في المَعْنى.

الكهف 18:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا، فَذَكَرَ أنَّهُ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فِيها الأنْهارُ، ويُحَلَّوْنَ فِيها أساوِرَ الذَّهَبِ، ويَلْبَسُونَ فِيها الثِّيابَ الخُضْرَ مِنَ السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ، في حالِ كَوْنِهِمْ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ وهي السُّرُرُ في الحِجالِ، والحِجالُ: جَمْعُ حَجْلَةٍ وهو بَيْتٌ يُزَيَّنُ لِلْعَرُوسِ بِجَمِيعِ أنْواعِ الزِّينَةِ، ثُمَّ أثْنى عَلى ثَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]، وهَذا الَّذِي بَيَّنَهُ هُنا مِن صِفاتِ جَزاءِ المُحْسِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”الإنْسانِ“: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٢٢]، وكَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”الواقِعَةِ“، ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [ الآيَةَ ٣٨ ]، وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ: وَقَدْ بَيَّنَ في سُورَةِ ”السَّجْدَةِ“ أنَّ ما أخَفاهُ اللَّهُ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو جَلَّ وعَلا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٧] . وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أيْ: إقامَةٌ لا رَحِيلَ بَعْدَها ولا تَحَوُّلَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨] أصْلُهُ مِن عَدَنَ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ مَعْنى السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، والأساوِرُ: جَمْعُ سِوارٍ، وقالَ بَعْضُهم: جَمْعُ أسْوِرَةٍ، والثَّوابُ: الجَزاءُ مُطْلَقًا عَلى (p-٢٧٣)التَّحْقِيقِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لِكُلِّ أخِي مَدْحٌ ثَوابٌ عَلِمْتُهُ ولَيْسَ لِمَدْحِ الباهِلِيِّ ثَوابُ وَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الثَّوابَ في اللُّغَةِ يَخْتَصُّ بِجَزاءِ الخَيْرِ بِالخَيْرِ غَيْرُ صَوابٍ، بَلْ يُطْلَقُ الثَّوابُ أيْضًا عَلى جَزاءِ الشَّرِّ بِالشَّرِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦]، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦٠] . وَقَوْلُـهُ: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾، الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”حَسُنَتْ“ راجِعٌ إلى ”جَنّاتِ عَدْنٍ“ . والمُرْتَفَقُ قَدْ قَدَّمْنا أقْوالَ العُلَماءِ فِيهِ. وقَوْلُهُ هُنا في الجَنَّةِ ”وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا“ يُبَيِّنُ مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٧٥ - ٧٦] .

الكهف 18:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ هَذا الرَّجُلِ الكافِرِ الظّالِمِ لِنَفْسِهِ، الَّذِي ضَرَبَهُ مَثَلًا مَعَ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ في هَذِهِ الآياتِ لِرُؤَساءِ الكُفّارِ، الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِالمالِ والجاهِ عَلى ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ الفُقَراءِ كَما تَقَدَّمَ أنَّهُ دَخَلَ جَنَّتَهُ في حالِ كَوْنِهِ ظالِمًا لِنَفْسِهِ، وقالَ: إنَّهُ ما يَظُنُّ أنْ تَهْلِكَ جَنَّتُهُ ولا تَفْنى: لِما رَأى مِن حُسْنِها ونَضارَتِها ؟ وقالَ: إنَّهُ لا يَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً، وإنَّهُ إنْ قُدِّرَ أنَّهُ يُبْعَثُ ويُرَدُّ إلى رَبِّهِ لَيَجِدَنَّ عِنْدَهُ خَيْرًا مِنَ الجَنَّةِ الَّتِي أعْطاهُ في الدُّنْيا. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ: مِن جَهْلِ الكُفّارِ واغْتِرارِهِمْ بِمَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وظَنِّهِمْ أنَّ الآخِرَةَ كالدُّنْيا يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ فِيها أيْضًا بِالمالِ والوَلَدِ، كَما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في ”فُصِّلَتْ“: ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]، وقَوْلِـهِ في ”مَرْيَمَ“: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، وقَوْلِـهِ في ”سَبَأٍ“: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]، وقَوْلِـهِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] . وَبَيَّنَ جَلَّ وعَلا كَذِبَهم واغْتِرارَهم فِيما ادَّعَوْهُ: مِن أنَّهم يَجِدُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ في الآخِرَةِ (p-٢٧٤)كَما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِها في الدُّنْيا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤ - ٤٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُـهُ: مُنْقَلَبًا، أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَوْلُـهُ: ﴿لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها﴾، قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ”مِنهُما“ بِصِيغَةِ تَثْنِيَةِ الضَّمِيرِ، وقَرَأهُ الباقُونَ ”مِنها“ بِصِيغَةِ إفْرادِ هاءِ الغائِبَةِ، فالضَّمِيرُ عَلى قِراءَةِ تَثْنِيَتِهِ راجِعٌ إلى الجَنَّتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢]، وقَوْلِـهِ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ﴾، وعَلى قِراءَةِ الإفْرادِ راجِعٌ إلى الجَنَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ . . الآيَةَ [الكهف: ٣٥] . فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ إفْرادِ الجَنَّةِ مَعَ أنَّهُما جَنَّتانِ ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ قالَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ دَخَلَ إحْداهُما، إذْ لا يُمْكِنُ دُخُولُهُ فِيهِما مَعًا في وقْتٍ واحِدٍ، وما أجابَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ هَذا السُّؤالِ ظاهِرُ السُّقُوطِ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانِ في البَحْرِ.

الكهف 18:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ المُؤْمِنَ المَضْرُوبَ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ أُولُو المالِ والجاهِ مِنَ الكُفّارِ، قالَ لِصاحِبِهِ الآخَرِ الكافِرِ المَضْرُوبِ مَثَلًا لِذَوِي المالِ والجاهِ مِنَ الكُفّارِ، مُنْكِرًا عَلَيْهِ كُفْرَهُ: أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلُقَكَ مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا ؟ لِأنَّ خَلْقَهُ إيّاهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ تَسْوِيَتَهُ إيّاهُ رَجُلًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إيمانَهُ بِخالِقِهِ الَّذِي أبْرَزَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وجَعَلَهُ بَشَرًا سَوِيًّا، ويَجْعَلُهُ يَسْتَبْعِدُ مِنهُ كُلَّ البُعْدِ الكُفْرَ بِخالِقِهِ الَّذِي أبْرَزَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وهَذا المَعْنى المُبَيَّنُ هُنا بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]، وقَوْلِـهِ تَعالى: (p-٢٧٥)﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ . . الآيَةَ [الشعراء: ٧٦ - ٧٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ ضابِطَ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ أنْ يَكُونَ هو الَّذِي يَخْلُقُ المَخْلُوقاتِ، ويُظْهِرُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ [الكهف: ٣٨]، مَعْنى خَلْقُهُ إيّاهُ مِن تُرابٍ: أيْ: خَلْقُ آدَمَ الَّذِي هو أصْلُهُ مِنَ التُّرابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٥٩]، ونَظِيرُ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥] . وَقَوْلُـهُ: ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾، أيْ: بَعْدَ أنْ خَلَقَ آدَمَ مِنَ التُّرابِ، وخَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِهِ، وجَعَلَها زَوْجًا لَهُ كانَتْ طَرِيقُ إيجادِ الإنْسانِ بِالتَّناسُلِ، فَبَعْدَ طَوْرِ التُّرابِ طَوْرُ النُّطْفَةِ، ثُمَّ طَوْرُ العَلَقَةِ إلى آخِرِ أطْوارِهِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقَدْ أوْضَحَها تَعالى إيضاحًا تامًّا في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣] . وَمِمّا يُبَيِّنُ خَلْقَ الإنْسانِ مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، قَوْلُهُ تَعالى في ”السَّجْدَةِ“: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٦ - ٩]، وقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٨]، كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧]، أيْ: بَعْدَ أنْ كانَ نُطْفَةً سارَ إنْسانًا خَصِيمًا شَدِيدَ الخُصُومَةِ في تَوْحِيدِ رَبِّهِ، (p-٢٧٦)وَقَوْلُـهُ: سَوّاكَ، أيْ: خَلَقَكَ مُسْتَوِيَ الأجْزاءِ، مُعْتَدِلَ القامَةِ والخَلْقِ، صَحِيحَ الأعْضاءِ في أكْمَلِ صُورَةٍ، وأحْسَنِ تَقْوِيمٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الإنفطار: ٦]، وقَوْلِـهِ ”رَجُلًا“ أيْ: ذَكَرًا بالِغًا مَبْلَغَ الرِّجالِ، ورُبَّما قالَتِ العَرَبُ لِلْمَرْأةِ: رَجُلَةً، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كُلُّ جارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطًـا غَيْرَ جِيرانِ بَنِي جَبَلَهْ ؎مَزَّقُوا ثَوْبَ فَتاتِــهِمْ ∗∗∗ لَمْ يُراعُوا حُرْمَةَ الرَّجُلَهْ وانْتِصابُ ”رَجُلًا“ عَلى الحالِ، وقِيلَ مَفْعُولٌ ثانٍ لِسَوّى عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى جَعَلَكَ أوْ صَيَّرَكَ رَجُلًا. وقِيلَ: هو تَمْيِيزٌ، ولَيْسَ بِظاهِرٍ عِنْدِي، والظّاهِرُ أنَّ الإنْكارَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ في قَوْلِهِ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ [الكهف: ٣٧]، مُضَمَّنٌ مَعْنى الِاسْتِبْعادِ؛ لِأنَّهُ يُسْتَبْعَدُ جِدًّا كُفْرُ المَخْلُوقِ بِخالِقِهِ، الَّذِي أبْرَزَهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ويُسْتَبْعَدُ إنْكارُ البَعْثِ مِمَّنْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ سَوّاهُ رَجُلًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ . . الآيَةَ [الحج: ٥]، ونَظِيرُ الآيَةِ في الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِبْعادِ لِوُجُودِ مُوجِبِهِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وَلا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ ∗∗∗ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها لِأنَّ مَن عايَنَ غَمَراتِ المَوْتِ يُسْتَبْعَدُ مِنهُ اقْتِحامُها. وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ [الكهف: ٣٨]، بَيَّنَ فِيهِ أنَّ هَذا الرَّجُلَ المُؤْمِنَ قالَ لِصاحِبِهِ الكافِرِ: أنْتَ كافِرٌ ؟ ! لَكِنْ أنا لَسْتُ بِكافِرٍ ! بَلْ مُخْلِصٌ عِبادَتِيَ لِرَبِّيَ الَّذِي خَلَقَنِي؛ أيْ: لِأنَّهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ مِنِّي أنْ أعْبُدَهُ؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ مُحْتاجٌ مِثْلِي إلى خالِقٍ يَخْلُقُهُ، تَلْزَمُهُ عِبادَةُ خالِقِهِ كَما تَلْزَمُنِي. وَنَظِيرُ قَوْلِ هَذا المُؤْمِنِ ما قَدَّمْنا عَنِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ المَذْكُورِ في ”يس“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢]، أيْ: أبْدَعِنِي وخَلَقَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وما قَدَّمْنا عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ . . الآيَةَ [الشعراء: ٧٧ - ٧٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] . (p-٢٧٧)وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّكَّ في البَعْثِ كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ ”الرَّعْدِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥] . وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: لَكِنّا أصْلُهُ ”لَكِنْ أنا“ فَحُذِفَتْ هَمْزَةُ ”أنا“ وأُدْغِمَتْ نُونُ ”لَكِنْ“ في نُونِ ”أنا“ بَعْدَ حَذْفِ الهَمْزَةِ، وقالَ بَعْضُهم: نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى نُونِ ”لَكِنْ“ فَسَقَطَتِ الهَمْزَةُ بِنَقْلِ حَرَكَتِها، ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُّونُ في النُّونِ ! ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وَتَرْمِينَنِي بِالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذْنِبٌ ∗∗∗ وتَقْلِينَنِي لَكِنّا إيّاكِ لَمْ أقِلِ أيْ لَكِنْ أنا إيّاكِ لَمْ أقِلِ، وقالَ بَعْضُهم: لا يَتَعَيَّنُ في البَيْتِ ما ذَكَرَ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ لَكِنَّنِي فَحَذَفَ اسْمَ ”لَكِنَّ“ كَقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ∗∗∗ ولَكِنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافِرِ أيْ: لَكِنَّكَ زَنْجِيٌّ في رِوايَةِ مَن رَوى زَنْجِيٌّ بِالرَّفْعِ، وأنْشَدَ الكِسائِيُّ لِنَحْوِ هَذا الحَذْفِ مِن ”لَكِنَّ أنا“ قَوْلُ الآخَرِ: ؎لَهِنَّكِ مِن عَبْسِيَّةٍ لَوَسِيمَةٌ ∗∗∗ عَلى هَنَواتٍ كاذِبٍ مَن يَقُولُها قالَ: أرادَ بِقَوْلِهِ ”لَهِنَّكَ“ لِلَّهِ إنَّكَ، فَحَذَفَ إحْدى اللّامَيْنِ مِن ”لِلَّهِ“، وحَذَفَ الهَمْزَةَ مِن ”إنَّكَ“ نَقْلَهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ. وَقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾، قَرَأهُ جَماهِيرُ القُرّاءِ في الوَصْلِ ”لَكِنْ“، بِغَيْرِ ألْفٍ بَعْدَ النُّونِ المُشَدَّدَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ ”لَكِنّا“ بِالألِفِ في الوَصْلِ، ويُرْوى ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ، ورَواهُ المُسَيَّبِيُّ عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى إثْباتِ الألِفِ في الوَقْفِ. ومَدِّ نُونِ ”أنا“ لُغَةُ تَمِيمٍ إنْ كانَ بَعْدَها هَمْزَةٌ. وقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: إنَّ إثْباتَ ألِفِ ”أنا“ مُطْلَقًا في الوَصْلِ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وغَيْرُها يُثْبِتُونَها عَلى الِاضْطِرارِ، قالَ: فَجاءَتْ قِراءَةُ ”لَكِنّا“ بِإثْباتِ الألِفِ في الوَصْلِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، ومِن شَواهِدِ مَدِّ ”أنا“ قَبْلَ غَيْرِ الهَمْزَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٢٧٨) ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي ∗∗∗ حَمِيدًا قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما وَقَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وانْتِحالُ القَوافِي ∗∗∗ بَعْدَ المَشِيبِ كَفى ذاكَ عارًا وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمُحاوَرَةُ: المُراجَعَةُ في الكَلامِ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ [المجادلة: ١]، وقَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎لَوْ كانَ يَدْرِي ما المُحاوَرَةُ اشْتَكى ∗∗∗ ولَكانَ لَوْ عَلِمَ الجَوابَ مُكَلِّمِي وَكَلامُ المُفَسِّرِينَ في الرَّجُلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ هُنا في قِصَّتِهِما كَبَيانِ أسْمائِهِما، ومِن أيِّ النّاسِ هُما أعْرَضْنا عَنْهُ لِما ذَكَرْنا سابِقًا مِن عَدَمِ الفائِدَةِ فِيهِ، وعَدَمِ الدَّلِيلِ المُقْنِعِ عَلَيْهِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ . مَعْنى قَوْلِهِ: ”غَوْرًا“ أيْ: غائِرًا؛ فَهو مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ؛ كَما قالَ في الخُلاصَةِ: وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا فالتَزَمُوا الإفْرادَ والتَّذْكِيرا والغائِرُ: ضِدُّ النّابِعِ، وقَوْلُـهُ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٤١]؛ لِأنَّ اللَّهَ إذا أعْدَمَ ماءَها بَعْدَ وُجُودِهِ، لا تَجِدُ مَن يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَكَ بِهِ غَيْرَهُ جَلَّ وعَلا. وأشارَ إلى نَحْوِ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ الصَّحِيحَ: لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَنا بِهِ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ؛ كَما قالَ هُنا: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٤١] .

الكهف 18:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبا﴾ . اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قِراءاتٌ سَبْعِيَّةٌ، وأقْوالًا لِعُلَماءِ التَّفْسِيرِ، بَعْضُها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ قَدْ تَكُونُ فِيها مَذاهِبُ العُلَماءِ، يَشْهَدُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها قُرْآنٌ، فَنَذْكُرُ الجَمِيعَ وأدِلَّتَهُ في القُرْآنِ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ [الكهف: ٤٣]، قَرَأهُ السَّبْعَةُ ما عَدا حَمْزَةَ والكِسائِيَّ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِئَةٌ“ بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وقَوْلَـهُ: ﴿الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ [الكهف: ٤٤]، قَرَأهُ السَّبْعَةُ (p-٢٧٩)ما عَدا حَمْزَةَ والكِسائِيَّ أيْضًا ”الوَلايَةُ“ بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الواوِ، وقَوْلَهُ ”الحَقِّ“ قَرَأهُ السَّبْعَةُ ما عَدا أبا عَمْرٍو والكِسائِيَّ بِالخَفْضِ نَعْتا ”لِلَّهِ“، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، فَعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ”الوَلايَةُ لِلَّهِ“ بِفَتْحِ الواوِ فَإنَّ مَعْناها: المُوالاةُ والصِّلَةُ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَفي مَعْنى الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾، أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ، وتِلْكَ الحالِ تَكُونُ الوَلايَةُ مِن كُلِّ أحَدٍ لِلَّهِ؛ لِأنَّ الكافِرَ إذا رَأى العَذابَ رَجَعَ إلى اللَّهِ، وعَلى هَذا المَعْنى فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤]، وقَوْلِـهِ في فِرْعَوْنَ: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الوَلايَةَ في مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ وتِلْكَ الحالِ لِلَّهِ وحْدَهُ، فَيُوالِي فِيهِ المُسْلِمِينَ ولايَةَ رَحْمَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٥٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، ولَهُ عَلى الكافِرِينَ ولايَةُ المُلْكِ والقَهْرِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ فالوِلايَةُ بِالكَسْرِ بِمَعْنى المُلْكِ والسُّلْطانِ، والآيَةُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦]، وعَلى قِراءَةِ ”الحَقِّ“ بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ، فالآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ الآيَةَ [يونس: ٣٢]، وقَوْلِـهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وعَلى قِراءَةِ ”الحَقُّ“ بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، عَلى أنَّ الوَلايَةَ بِمَعْنى المُلْكِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ . وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا عَنْ هَذا الكافِرِ: مِن أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مَن دُونِ اللَّهِ ذَكَرَ نَحْوَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ، كَقَوْلِهِ في قارُونَ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١]، (p-٢٨٠)وَقَوْلِـهِ: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وقَوْلُهُ: هُنالِكَ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والوَقْفُ تامٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾، وقالَ بَعْضُهم: هو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ فالظَّرْفُ الَّذِي هو ”هُنالِكَ“ عامِلُهُ ما بَعْدَهُ، أيِ: الوَلايَةُ كائِنَةٌ لِلَّهِ هُنالِكَ. وعَلى الثّانِي فالعامِلُ في الظَّرْفِ اسْمُ الفاعِلِ الَّذِي هو ”مُنْتَصِرًا“ أيْ: لَمْ يَكُنِ انْتِصارُهُ واقِعًا هُنالِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾، أيْ: جَزاءً كَما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ ”عُقْبًا“ أيْ: عاقِبَةً ومَآلًا، وقَرَأهُ السَّبْعَةُ ما عَدا عاصِمًا وحَمْزَةَ ”عُقُبًا“ بِضَمَّتَيْنِ. وقِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ ”عُقْبًا“ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ والمَعْنى واحِدٌ. وقَوْلُهُ ”ثَوابًا“ وقَوْلُهُ ”عُقْبًا“ كِلاهُما مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ بَعْدَ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ الَّتِي هي ”خَيْرٌ“ كَما قالَ في الخُلاصَةِ: ؎والفاعِلَ المَعْنى انْصِبَنْ بِأفْعَلا مُفَضِّلًا كَأنْتَ أعْلى مَنزِلًا وَلَفْظَةُ خَيْرٍ وشَرٍّ كِلْتاهُما تَأْتِي صِيغَةَ تَفْضِيلٍ حُذِفَتْ مِنها الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، قالَ ابْنُ مالِكٍ في الكافِيَةِ: ؎وَغالِبًا أغْناهم خَيْرٌ وشَرٌّ ∗∗∗ عَنْ قَوْلِهِمْ أُخَرُ مِنهُ وأشَّرُ * * تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فِئَةٌ مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفٌ بِلا خِلافٍ، إلّا أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في الحَرْفِ المَحْذُوفِ. هَلْ هو ياءٌ أوْ واوٌ، وهَلْ هو العَيْنُ أوِ اللّامُ ؟ قالَ بَعْضُهم: المَحْذُوفُ العَيْنُ، وأصْلُهُ ياءٌ. وأصْلُ المادَّةِ ف ي أ، مِن فاءَ يَفِيءُ: إذا رَجَعَ؛ لِأنَّ فِئَةَ الرَّجُلِ طائِفَتُهُ الَّتِي يَرْجِعُ إلَيْها في أُمُورِهِ، وعَلى هَذا فالتّاءُ عِوَضٌ عَنِ العَيْنِ المَحْذُوفَةِ، ووَزْنُهُ بِالمِيزانِ الصَّرْفِيِّ ”فِلَةٌ“ وقالَ بَعْضُهم: المَحْذُوفُ اللّامِ، وأصْلُهُ واوٌ، مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ: إذا شَقَقْتَهُ نِصْفَيْنِ، وعَلَيْهِ فالفِئَةُ الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ. وعَلى هَذا فَوَزْنُهُ بِالمِيزانِ الصَّرْفِيِّ ”فِعَةٌ“ والتّاءُ عِوَضٌ عَنِ اللّامِ، وكِلا القَوْلَيْنِ نَصَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المالَ والبَنِينَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا، وأنَّ الباقِياتِ الصّالِحاتِ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا. والمُرادُ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَنْبِيهُ النّاسِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ؛ لِئَلّا يَشْتَغِلُوا بِزِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا (p-٢٨١)مِنَ المالِ والبَنِينَ عَمّا يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الأعْمالِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ، وهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ لَهُ هُنا جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤ - ١٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]، وقَوْلِـهِ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْبَغِي لَهُ الِاشْتِغالُ بِزِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا عَمّا يَنْفَعُهُ في آخِرَتِهِ، وأقْوالُ العُلَماءِ في الباقِياتِ الصّالِحاتِ كُلُّها راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو الأعْمالُ الَّتِي تُرْضِي اللَّهَ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، كَما هو مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ: مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ، وعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ، أوْ أنَّها: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وعَلى هَذا القَوْلِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وجاءَتْ دالَّةٌ عَلَيْهِ أحادِيثُ مَرْفُوعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وأبِي الدَّرْداءِ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والنُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ أنَّ ”الباقِياتِ الصّالِحاتِ“ لَفْظٌ عامٌّ، يَشْمَلُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، والكَلِماتِ الخَمْسَ المَذْكُورَةَ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تُرْضِي اللَّهَ تَعالى: لِأنَّها باقِيَةٌ لِصاحِبِها غَيْرُ زائِلَةٍ. ولا فانِيَةٍ كَزِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، ولِأنَّها أيْضًا صالِحَةٌ لِوُقُوعِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي يُرْضِي اللَّهَ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ ثَوابًا﴾ تَقَدَّمَ مَعْناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وَخَيْرٌ أمَلًا﴾ أيِ: الَّذِي يُؤَمِّلُ مِن عَواقِبِ الباقِياتِ الصّالِحاتِ، خَيْرٌ مِمّا يُؤَمِّلُهُ أهْلُ الدُّنْيا مِن زِينَةِ حَياتِهِمُ الدُّنْيا وأصْلُ الأمَلِ: طَمَعُ الإنْسانِ بِحُصُولِ ما يَرْجُوهُ في المُسْتَقْبَلِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُهُ تَعالى في ”مَرْيَمَ“: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦]، والمَرَدُّ: المَرْجِعُ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ”مَرَدًّا“ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: (p-٢٨٢)وَخَيْرٌ رَدًّا لِلثَّوابِ عَلى فاعِلِها، فَلَيْسَتْ كَأعْمالِ الكُفّارِ الَّتِي لا تَرُدُّ ثَوابًا عَلى صاحِبِها.

الكهف 18:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ . قَوْلُهُ: ويَوْمَ [الكهف: ٤٧]، مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا. أوْ بِفِعْلِ القَوْلِ المَحْذُوفِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ [الأنعام: ٩٤]، أيْ: قُلْنا لَهم يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ: لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى، وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ العامِلَ فِيهِ ”خَيْرٌ“ يَعْنِي والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ بَعِيدٌ جِدًّا كَما تَرى. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَخْتَلُّ فِيهِ نِظامُ هَذا العامِ الدُّنْيَوِيِّ، فَتُسَيَّرُ جِبالُهُ، وتَبْقى أرْضُهُ بارِزَةً لا حَجَرَ فِيها ولا شَجَرَ، ولا بِناءَ ولا وادِيَ ولا عَلَمَ، ذَكَرَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ، فَذَكَرَ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُ الأرْضَ والجِبالَ مِن أماكِنِهِما، ويَدُكُّهُما دَكَّةً واحِدَةً، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ . . الآيَةَ [الحاقة: ١٣ - ١٥] . وَما ذَكَرَهُ مِن تَسْيِيرِ الجِبالِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩ - ١٠]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٨] . ثُمَّ ذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا يُفَتِّتُها حَتّى تَذْهَبَ صَلابَتُها الحَجَرِيَّةُ وتَلِينَ، فَتَكُونَ في عَدَمِ صَلابَتِها ولِينِها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، وكالرَّمْلِ المُتَهايِلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المعارج: ٨ - ٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٤ - ٥]، والعِهْنُ: الصُّوفُ، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]، أيْ: فُتِّتَتْ حَتّى صارَتْ كالبَسِيسَةِ، وهي دَقِيقٌ مَلْتُوتٌ بِسَمْنٍ، عَلى أشْهَرِ التَّفْسِيراتِ. ثُمَّ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ يَجْعَلُها هَباءً وسَرابًا. قالَ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥، ٦]، وقالَ: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠] . وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ السَّرابَ عِبارَةٌ عَنْ لا شَيْءَ؛ وهو قَوْلُهُ: (p-٢٨٣)﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] . وَقَوْلُـهُ: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾، قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”تُسَيَّرُ الجِبالُ“ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةُ وفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ مِن قَوْلِهِ: ”تُسَيَّرُ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، و الجِبالُ بِالرَّفْعِ نائِبُ فاعِلِ تُسَيَّرُ والفاعِلُ المَحْذُوفُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا، وقَرَأهُ باقِي السَّبْعَةِ ”نُسَيِّرُ“ بِالنُّونِ وكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، و ”الجِبالَ“ مَنصُوبٌ مَفْعُولٌ بِهِ، والنُّونُ في قَوْلِهِ ”نُسَيِّرُ“ لِلتَّعْظِيمِ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾، البُرُوزُ: الظُّهُورُ، أيْ: تَرى الأرْضَ ظاهِرَةً مُنْكَشِفَةً لِذَهابِ الجِبالِ والظِّرابِ والآكامِ، والشَّجَرِ والعِماراتِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها. وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا بَيَّنَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٦]، وأقْوالُ العُلَماءِ في مَعْنى ذَلِكَ راجِعَةٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّها أرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ لا نَباتَ فِيها، ولا بِناءَ ولا ارْتِفاعَ ولا انْحِدارَ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى ﴿وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾، أيْ: بارِزًا ما كانَ في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ والكُنُوزِ بَعِيدٌ جِدًّا كَما تَرى، وبُرُوزُ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ والكُنُوزِ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣ - ٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ﴿وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] . وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وحَشَرْناهم، أيْ: جَمَعْناهم لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وهَذا الجَمْعُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالحَشْرِ هُنا جاءَ مَذْكُورًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [النساء: ٨٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٢٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ هَذا الحَشْرَ المَذْكُورَ شامِلٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ مِن أجْناسِ المَخْلُوقاتِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٨٤)﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] . وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]، أيْ: لَمْ نَتْرُكْ، والمُغادَرَةُ: التَّرْكُ، ومِنهُ الغَدْرُ؛ لِأنَّهُ تَرْكُ الوَفاءِ والأمانَةِ، وسُمِّيَ الغَدِيرُ مِنَ الماءِ غَدِيرًا؛ لِأنَّ السَّيْلَ ذَهَبَ وتَرَكَهُ، ومِنَ المُغادَرَةِ بِمَعْنى التَّرْكِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ في مَطْلَعِ مُعَلَّقَتِهِ: ؎هَلْ غادَرَ الشُّعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ أمْ هَلْ عَرَفْتِ الدّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ وَقَوْلُهُ أيْضًا: ؎غادَرْتُهُ مُتَعَفِّرًا أوْصالُهُ ∗∗∗ والقَوْمُ بَيْنَ مُجَرَّحٍ ومُجَدَّلِ وَما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ حَشَرَهم ولَمْ يَتْرُكْ مِنهم أحَدًا جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٢٢]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّ حَشْرَهم جَمِيعًا هو مَعْنى أنَّهُ لَمْ يُغادِرْ مِنهم أحَدًا.

الكهف 18:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ صَفًّا، أيْ: في حالِ كَوْنِهِمْ مُصْطَفِّينَ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ، وقالَ بَعْضُهم: صَفًّا واحِدًا وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ ”صَفًّا“ أيْ: جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤]، عَلى القَوْلِ فِيهِ بِذَلِكَ، وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وخَرَّجَ الحافِظُ أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِندَهْ في كِتابِ التَّوْحِيدِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى يُنادِي يَوْمَ القِيامَةِ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ غَيْرِ فَظِيعٍ: يا عِبادِي، أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وأحْكَمُ الحاكِمِينَ وأسْرَعُ الحاسِبِينَ، يا عِبادِي، لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ، أحْضِرُوا حُجَّتَكم ويَسِّرُوا جَوابًا فَإنَّكم مَسْئُولُونَ مُحاسَبُونَ. يا مَلائِكَتِي، أقِيمُوا عِبادِي صُفُوفًا عَلى أطْرافِ أنامِلِ أقْدامِهِمْ لِلْحِسابِ»، قُلْتُ: هَذا الحَدِيثُ غايَةٌ في البَيانِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ كَتَبْناهُ في كِتابِ التَّذْكِرَةِ ومِنهُ نَقَلْناهُ، والحَمْدُ لِلَّهِ. انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ، والحَدِيثُ المَذْكُورُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ”صَفًّا“ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ صُفُوفًا، كَقَوْلِهِ في المَلائِكَةِ: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، ونَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُهُ في المَلائِكَةِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨ - ٣٩] . فَإذا عَلِمْتَ أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حالًا مِن أحْوالِ عَرْضِ (p-٢٨٥)الخَلائِقِ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ فاعْلَمْ أنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أشْياءَ أُخَرَ مِن أحْوالِ عَرْضِهِمْ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ ما يُلاقِيهِ الكُفّارُ، وما يُقالُ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ العَرْضِ عَلى رَبِّهِمْ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [هود: ١٨ - ١٩] . وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: صَفًّا أصْلُهُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ المُنْكَرُ قَدْ يَكُونُ حالًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎وَمَصْدَرٌ مُنْكَرٌ حالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زِيدٌ طَلَعْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ . هَذا الكَلامُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وحَذْفُ القَوْلِ مُطَّرِدٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ العَظِيمِ. والمَعْنى: يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ لَقَدْ جِئْتُمُونا، أيْ: واللَّهِ لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ، أيْ: حُفاةً عُراةً غُرْلًا، أيْ: غَيْرَ مَخْتُونِينَ، كُلُّ واحِدٍ مِنكم فَرْدٌ لا مالَ مَعَهُ ولا ولَدَ، ولا خَدَمَ ولا حَشَمَ. وَقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكم وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٤ - ٩٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٠٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] تَقَدَّمُ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها ومِن صِلَتِها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وإيضاحُ تَقْرِيرِهِ: ولَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم، أيْ: مَجِيئًا مِثْلَ مَجِيءِ خَلْقِكم، أيْ: حُفاةً عُراةً غُرْلًا كَما جاءَ في الحَدِيثِ، وخالِينَ مِنَ المالِ والوَلَدِ، وهَذا الإعْرابُ هو مُقْتَضى كَلامِ أبِي حَيّانَ في البَحْرِ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ يَجُوزُ إعْرابُهُ أيْضًا حالًا، أيْ: جِئْتُمُونا في حالِ كَوْنِكم مُشابِهِينَ لَكم في حالَتِكُمُ الأُولى؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ يُؤَوَّلُ بِمَعْنى الوَصْفِ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:(p-٢٨٦) ؎وَيَكْثُرُ الجُمُودُ في سِعْرٍ ∗∗∗ وفي مُبْدِي تَأوُّلٍ بِلا تَكَلُّفْ ∗∗∗ كَبِعْهُ مُدًّا بِكَذا يَدًا بِيَدْ ∗∗∗ وكَرَّ زَيْدٌ أسَدًا أيْ كَأسَدْ فَقَوْلُهُ ”وَكَرَّ زَيْدٌ أسَدًا: أيْ: كَأسَدٍ“ مِثالٌ لِمُبْدِي التَّأوُّلِ؛ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ كَرَّ في حالِ كَوْنِهِ مُشابِهًا لِلْأسَدِ كَما ذَكَرْنا، واعْلَمْ أنَّ حَذْفَ القَوْلِ وإثْباتَ مَقُولِهِ مُطَّرِدٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وكَثِيرٌ في القُرْآنِ العَظِيمِ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا، لَكِنْ عَكْسُهُ وهو إثْباتُ القَوْلِ وحَذْفُ مِقْوَلِهِ قَلِيلٌ جِدًّا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَنَحْنُ الأُلى قُلْتُمْ فَأنّى مُلِئْتُمْ ∗∗∗ بِرُؤْيَتِنا قَبْلَ اهْتِمامٍ بِكم رُعْبًا لِأنَّ المُرادَ لَنَحْنُ الأُلى قُلْتُمْ نُقاتِلُهم، فَحَذَفَ جُمْلَةَ نُقاتِلُهُمُ الَّتِي هي مَقُولُ القَوْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا﴾، عَبَّرَ فِيهِ بِالماضِي وأرادَ المُسْتَقْبَلَ؛ لِأنَّ تَحْقِيقَ وُقُوعِ ذَلِكَ يُنْزِلُهُ مَنزِلَةَ الواقِعِ بِالفِعْلِ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ لِما ذَكَرْنا كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ العَظِيمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا: وحَشَرْناهم [الكهف: ٤٧]، وقَوْلُـهُ: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٤٨]، وقَوْلُـهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾، وقَوْلُـهُ: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، وقَوْلُـهُ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الزمر: ٧١]، وقَوْلُـهُ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، ونَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ لِما ذَكَرْنا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ لَنْ يَجْعَلَ لَهم مَوْعِدًا، والمَوْعِدُ يَشْمَلُ زَمانَ الوَعْدِ ومَكانَهُ، والمَعْنى: أنَّهم زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ وقْتًا ولا مَكانًا لِإنْجازِ ما وعَدَهم عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ والحِسابِ. وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الآيَةَ [التغابن: ٧]، وقَوْلِـهِ عَنْهم: ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَذِبَهم في إنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ الآيَةَ [التغابن: ٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَدْ قَدَّمْنا في (p-٢٨٧)سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ وسُورَةِ ”النَّحْلِ“ البَراهِينَ الَّتِي يَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى البَعْثِ، وقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ مِن خَبَرٍ إلى خَبَرٍ آخَرَ، لا إبْطالِيٌّ كَما هو واضِحٌ. وأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ألَّنْ نَجْعَلَ﴾، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وجُمْلَةُ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها خَبَرُها، والِاسْمُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎وَإنْ تُخَفِّفْ أنْ. . . البَيْتَ. والفِعْلُ المَذْكُورُ مُتَصَرِّفٌ ولَيْسَ بِدُعاءٍ، فَفَصَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَها بِالنَّفْيِ. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎وَإنْ يَكُنْ فِعْلًا ولَمْ يَكُنْ دُعا البَيْتَيْنِ.

الكهف 18:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكِتابَ يُوضَعُ يَوْمَ القِيامَةِ. والمُرادُ بِالكِتابِ: جِنْسُ الكِتابِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الصُّحُفِ الَّتِي كُتِبَتْ فِيها أعْمالُ المُكَلَّفِينَ في دارِ الدُّنْيا. وأنَّ المُجْرِمِينَ يُشْفِقُونَ مِمّا فِيهِ. أيْ: يَخافُونَ مِنهُ، وأنَّهم يَقُولُونَ ﴿ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ﴾ [الكهف: ٤٩]، أيْ: لا يَتْرُكُ ﴿صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ مِنَ المَعاصِي الَّتِي عَمِلْنا ﴿إلّا أحْصاها﴾ أيْ: ضَبَطَها وحَصَرَها. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]، وبَيَّنَ أنَّ بَعْضَهم يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ. وبَعْضُهم يُؤْتاهُ بِشِمالِهِ. وبَعْضُهم يُؤْتاهُ وراءَ ظَهْرِهِ. قالَ: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٣ - ١٢] وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ . وما ذَكَرَهُ مِن وضْعِ الكِتابِ هُنا ذَكَرَهُ في ”الزُّمَرِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] . وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ﴾، تَقَدَّمَ مَعْنًى مِثْلُهُ في الكَلامِ عَلى (p-٢٨٨)قَوْلِهِ: ﴿وَتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٩]، والمُجْرِمُونَ: جَمْعُ المُجْرِمِ، وهو اسْمُ فاعِلِ الإجْرامِ. والإجْرامُ: ارْتِكابُ الجَرِيمَةِ، وهي الذَّنْبُ العَظِيمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ عَلَيْهِ النَّكالَ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ ”مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ“: أنَّهم خائِفُونَ مِمّا في ذَلِكَ الكِتابِ مِن كَشْفِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ، وفَضِيحَتِهِمْ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وقَوْلُهم ياوَيْلَتَنا الوَيْلَةُ: الهَلَكَةُ، وقَدْ نادَوْا هَلَكَتَهُمُ الَّتِي هَلَكُوها خاصَّةً مِن بَيْنِ الهَلَكاتِ فَقالُوا: يا ويْلَتَنا ! أيْ: يا هَلَكَتَنا احْضُرِي فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ ! وقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: المُرادُ مَن بِحَضْرَتِهِمْ: كَأنَّهم قالُوا: يا مَن بِحَضْرَتِنا انْظُرُوا هَلَكَتَنا. وكَذا ما جاءَ مِن نِداءِ ما لا يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أسَفا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، ﴿يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢]، وقَوْلِـهِ: يا عَجَبًا لِهَذِهِ الفُلَيْقَةِ، فَيا عَجَبًا مِن رَحْلِها المُتَحَمِّلِ، إنَّما يُرادُ بِهِ تَنْبِيهُ مَن يَعْقِلُ بِالتَّعَجُّبِ مِمّا حَلَّ بِالمُنادى انْتَهى كَلامُ أبِي حَيّانَ. وحاصِلُ ما ذَكَرَهُ: أنَّ أداةَ النِّداءِ في قَوْلِهِ ”يا ويْلَتَنا“ يُنادى بِها مَحْذُوفٌ، وأنَّ ما بَعْدَها مَفْعُولُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ كَما ذَكَرَهُ: يا مَن بِحَضْرَتِنا انْظُرُوا هَلَكَتَنا، ومَعْلُومٌ أنَّ حَذْفَ المُنادى مَعَ إثْباتِ أداةِ النِّداءِ، ودَلالَةِ القَرِينَةِ عَلى المُنادى المَحْذُوفِ مَسْمُوعٌ في كَلامِ العَرَبِ. ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎يا شاةَ ما قَنَصٍ لِمَن حَلَّتْ لَهُ حَرُمَتْ عَلىَّ ولَيْتَها لَمْ تَحْرُمِ يَعْنِي: يا قَوْمُ انْظُرُوا شاةَ قَنَصٍ، وقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيٍّ عَلى البِلا ∗∗∗ ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ يَعْنِي: يا هَذِهِ اسْلَمِي. وَقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ﴾ [الكهف: ٤٩] أيْ: أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لِهَذا الكِتابِ ﴿لا يُغادِرُ﴾ أيْ: لا يَتْرُكُ ﴿صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ أيْ: مِنَ المَعاصِي، وقَوْلُ مَن قالَ: الصَّغِيرَةُ القُبْلَةُ، والكَبِيرَةُ الزِّنا، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لا عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، ولِلْعُلَماءِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ في تَعْرِيفِ الكَبِيرَةِ مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ. وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِأنَّ المَنهِيّاتِ مِنها كَبائِرُ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ مِنها صَغائِرُ، وبَيَّنَ أنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يَكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ الصَّغائِرَ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١]، ويُرْوى عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ (p-٢٨٩)قالَ: ضَجُّوا مِنَ الصَّغائِرِ قَبْلَ الكَبائِرِ، وجُمْلَةُ ”لا يُغادِرُ“ حالٌ مِن ”الكِتابِ“ . تَنْبِيهٌ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنها أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهم وجَدُوا في كِتابِ أعْمالِهِمْ صَغائِرَ ذُنُوبِهِمْ مُحْصاةً عَلَيْهِمْ، فَلَوْ كانُوا غَيْرَ مُخاطَبِينَ بِها لَما سُجِّلَتْ عَلَيْهِمْ في كِتابِ أعْمالِهِمْ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم في يَوْمِ القِيامَةِ يَجِدُونَ أعْمالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا حاضِرَةً مُحْصاةً عَلَيْهِمْ. وأوْضَحَ هَذا أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ الآيَةَ [يونس: ٣٠]، وقَوْلِـهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، فَلا يَنْقُصُ مِن حَسَناتِ مُحْسِنٍ، ولا يَزِيدُ مِن سَيِّئاتِ مُسِيءٍ، ولا يُعاقِبُ عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ. وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وقَوْلِـهِ: ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

الكهف 18:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ . قَدَّمْنا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ أمَرَهم بِذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِ آدَمَ أمْرًا مُعَلَّقًا عَلى وُجُودِهِ. ومُحْتَمِلٌ لِأنَّهُ أمَرَهم بِذَلِكَ تَنْجِيزًا بَعْدَ وُجُودِ آدَمَ. وأنَّهُ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ وسُورَةِ ”ص“ أنَّ أصْلَ (p-٢٩٠)الأمْرِ بِالسُّجُودِ مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ آدَمَ مُعَلَّقٌ عَلَيْهِ، قالَ في ”الحِجْرِ“: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٨ - ٢٩] وقالَ في ”ص“: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧١ - ٧٢]، ولا يُنافِي هَذا أنَّهُ بَعْدَ وُجُودِ آدَمَ جَدَّدَ لَهُمُ الأمْرَ بِالسُّجُودِ لَهُ تَنْجِيزًا. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَسَجَدُوا مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونُوا سَجَدُوا كُلُّهم أوْ بَعْضُهم، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهم سَجَدُوا كُلُّهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحجر:، ٧٣ و٣٨] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، ظاهِرٌ في أنَّ سَبَبَ فِسْقِهِ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ كَوْنُهُ مِنَ الجِنِّ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ في ”مَسْلَكِ النَّصِّ“ وفي ”مَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ“: أنَّ الفاءَ مِنَ الحُرُوفِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْلِيلِ، كَقَوْلِهِمْ: سَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، أيْ: لِأجْلِ سَرِقَتِهِ. وسَها فَسَجَدَ، أيْ: لِأجْلِ سَهْوِهِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] أيْ: لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِما. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ﴾ [الكهف: ٥٠] أيْ: لِعِلَّةِ كَيْنُونَتِهِ مِنَ الجِنِّ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُمُ امْتَثَلُوا الأمْرَ وعَصا هو؛ ولِأجْلِ ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ في الأصْلِ بَلْ مِنَ الجِنِّ، وأنَّهُ كانَ يَتَعَبَّدُ مَعَهم، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِمُ اسْمُهم لِأنَّهُ تَبَعٌ لَهم، كالحَلِيفِ في القَبِيلَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُها. والخِلافُ في إبْلِيسَ هَلْ هو مَلَكٌ في الأصْلِ وقَدْ مَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطانًا، أوْ لَيْسَ في الأصْلِ بِمَلَكٍ، وإنَّما شَمَلَهُ لَفْظُ المَلائِكَةِ لِدُخُولِهِ فِيهِمْ وتَعَبُّدُهُ مَعَهم مَشْهُورٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. وحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّ أصْلَهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْرانِ: أحَدُهُما عَصْمَةُ المَلائِكَةِ مِنِ ارْتِكابِ الكُفْرِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ إبْلِيسُ. كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقالَ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]، والثّانِي: أنَّ اللَّهَ صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّهُ مِنَ الجِنِّ، والجِنُّ غَيْرُ المَلائِكَةِ. قالُوا: وهو نَصٌّ قُرْآنِيٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ. واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ مَلَكٌ في الأصْلِ بِما تَكَرَّرَ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ إلّا إبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١]، قالُوا: فَإخْراجُهُ بِالِاسْتِثْناءِ مِن لَفْظِ المَلائِكَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِنهم. وقالَ (p-٢٩١)بَعْضُهم: والظَّواهِرُ إذا كَثُرَتْ صارَتْ بِمَنزِلَةِ النَّصِّ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأصْلَ في الِاسْتِثْناءِ الِاتِّصالُ لا الِانْقِطاعُ، قالُوا: ولا حُجَّةَ لِمَن خالَفَنا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]؛ لِأنَّ الجِنَّ قَبِيلَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، خُلِقُوا مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ مِن نارِ السَّمُومِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ، والعَرَبُ تَعْرِفُ في لُغَتِها إطْلاقَ الجِنِّ عَلى المَلائِكَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى في سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ: ؎وَسُخِّرَ مِن جِنِّ المَلائِكِ تِسْعَةٌ قِيامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أجْرِ قالُوا: ومِن إطْلاقِ الجِنِّ عَلى المَلائِكَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]، عِنْدَ مَن يَقُولُ: بِأنَّ المُرادَ بِذَلِكَ قَوْلُهم: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا ! ومِمَّنْ جَزَمَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ في الأصْلِ لِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وقَصَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: إنَّ كَوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ هو قَوْلُ الجُمْهُورِ: ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وقَتادَةَ وغَيْرِهِمْ. وهو اخْتِيارُ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ ”إلّا إبْلِيسَ“ اهـ. وما يَذْكُرُهُ المُفَسِّرُونَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ كابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: مِن أنَّهُ كانَ مِن أشْرافِ المَلائِكَةِ، ومِن خُزّانِ الجَنَّةِ، وأنَّهُ كانَ يُدَبِّرُ أمْرَ السَّماءِ الدُّنْيا، وأنَّهُ كانَ اسْمُهُ عَزازِيلُ كُلُّهُ مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ الَّتِي لا مُعَوَّلَ عَلَيْها. وَأظْهَرُ الحُجَجِ في المَسْألَةِ حُجَّةُ مَن قالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَلَكٍ. لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٠]، وهو أظْهَرُ شَيْءٍ في المَوْضُوعِ مِن نُصُوصِ الوَحْيِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾، أيْ: خَرَجَ عَنْ طاعَةِ أمْرِ رَبِّهِ، والفِسْقُ في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ؛ ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: ؎يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غائِرًا ∗∗∗ فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا وَهَذا المَعْنى ظاهِرٌ لا إشْكالَ فِيهِ، فَلا حاجَةَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ ”عَنْ“ سَبَبِيَّةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، أيْ: بِسَبَبِهِ وأنَّ المَعْنى: فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، أيْ: بِسَبَبِ أمْرِهِ حَيْثُ لَمْ يَمْتَثِلُهُ، ولا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾، (p-٢٩٢)الهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَعْنى الِاسْتِبْعادِ كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ مِرارًا. أيْ: أبْعَدُ ما ظَهَرَ مِنهُ مِنَ الفِسْقِ والعِصْيانِ، وشِدَّةِ العَداوَةِ لَكم ولِأبَوَيْكم آدَمَ وحَوّاءَ تَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِ خالِقِكم جَلَّ وعَلا بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا مِنَ اللَّهِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ وقالَ لِلظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُمُ اعْتاضُوا الباطِلَ مِنَ الحَقِّ، وجَعَلُوا مَكانَ ولايَتِهِمْ لِلَّهِ ولايَتَهم لِإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، وهَذا مِن أشْنَعِ الظُّلْمِ الَّذِي هو في اللُّغَةِ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. كَما تَقَدَّمَ مِرارًا، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ في الآيَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، وتَقْدِيرُهُ: بِئْسَ البَدَلُ مِنَ اللَّهِ إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ. وفاعِلُ ”بِئْسَ“ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ يُفَسِّرُهُ التَّمْيِيزُ الَّذِي هو ”بَدَلًا“ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ لَهُ في الخُلاصَةِ: ؎وَيَرْفَعانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ ∗∗∗ مُمَيَّزٌ كَنِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهْ والبَدَلُ: العِوَضُ مِنَ الشَّيْءِ، وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِبَنِي آدَمَ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، وكَذَلِكَ الأبَوانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] . وَقَدْ بَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ بَدَلًا مِن ولايَةِ اللَّهِ يَحْسَبُونَ أنَّهم في ذَلِكَ عَلى حَقٍّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ الكُفّارَ أوْلِياءُ الشَّيْطانِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء: ٧٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وذُرِّيَّتَهُ [الكهف: ٥٠]، دَلِيلٌ عَلى أنَّ لِلشَّيْطانِ ذُرِّيَّةً. فادِّعاءُ أنَّهُ لا ذُرِّيَّةَ لَهُ مُناقِضٌ لِهَذِهِ الآيَةِ مُناقَضَةً صَرِيحَةً كَما تَرى. وكُلُّ ما ناقَضَ صَرِيحَ القُرْآنِ فَهو باطِلٌ بِلا شَكٍّ ! ولَكِنْ طَرِيقَةُ وُجُودِ نَسْلِهِ هَلْ هي عَنْ تَزْوِيجٍ أوْ غَيْرِهِ، لا دَلِيلَ عَلَيْها مِن نَصٍّ صَرِيحٍ، والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ فِيها. وقالَ الشَّعْبِيُّ: سَألَنِي الرَّجُلُ: هَلْ لِإبْلِيسَ زَوْجَةٌ ؟ فَقُلْتُ: إنَّ ذَلِكَ عُرْسٌ لَمْ أشْهَدْهُ ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠]، (p-٢٩٣)فَعَلِمْتُ أنَّهُ لا تَكُونُ ذُرِّيَّةٌ إلّا مِن زَوْجَةٍ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وما فَهِمَهُ الشَّعْبِيُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّ الذَّرِّيَّةَ تَسْتَلْزِمُ الزَّوْجَةَ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ كَيْفِيَّةَ وُجُودِ النَّسْلِ مِنهُ أنَّهُ أدْخَلَ فَرْجَهُ في فَرْجِ نَفْسِهِ فَباضَ خَمْسَ بَيْضاتٍ: قالَ: فَهَذا أصْلُ ذُرِّيَّتِهِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَهُ في فَخْذِهِ اليُمْنى ذَكَرًا، وفي اليُسْرى فَرْجًا، فَهو يَنْكِحُ هَذا بِهَذا فَيَخْرُجُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ بَيْضاتٍ، يَخْرُجُ مِن كُلِّ بَيْضَةٍ سَبْعُونَ شَيْطانًا وشَيْطانَةً، ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ ونَحْوَها لا مُعَوَّلَ عَلَيْها لِعَدَمِ اعْتِضادِها بِدَلِيلٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةَ. فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى أنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً. أمّا كَيْفِيَّةُ وِلادَةِ تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَقْلٌ صَحِيحٌ، ومِثْلُهُ لا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قُلْتُ: الَّذِي ثَبَتَ في هَذا البابِ مِنَ الصَّحِيحِ ما ذَكَرَهُ الحِمْيَرِيُ في الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الإمامِ أبِي بَكْرٍ البَرْقانِيِّ: أنَّهُ خَرَّجَ في كِتابِهِ مُسْنَدًا عَنْ أبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الحافِظِ، مِن رِوايَةِ عاصِمٍ، عَنْ أبِي عُثْمانَ، عَنْ سَلْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَكُنْ أوَّلَ مَن يَدْخُلُ السُّوقَ ولا آخِرَ مَن يَخْرُجُ مِنها، فِيها باضَ الشَّيْطانُ وفَرَّخَ» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلشَّيْطانِ ذُرِّيَّةً مِن صُلْبِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الحَدِيثُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَبِيضُ ويُفَرِّخُ، ولَكِنْ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ذَلِكَ. هَلْ هي مِن أُنْثى هي زَوْجَةٌ لَهُ، أوْ مِن غَيْرِ ذَلِكَ. مَعَ أنَّ دَلالَةَ الحَدِيثِ عَلى ما ذَكَرْنا لا تَخْلُو مِنِ احْتِمالٍ؛ لِأنَّهُ يَكْثُرُ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ باضَ وفَرَّخَ عَلى سَبِيلِ المَثَلِ، فَيَحْتَمِلُ مَعْنى باضَ وفَرَّخَ أنَّهُ فَعَلَ بِها ما شاءَ مِن إضْلالٍ وإغْواءٍ ووَسْوَسَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَثَلِ؛ لِأنَّ الأمْثالَ لا تُغَيَّرُ ألْفاظُها، وما يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرُهم مِن تَعْيِينِ أسْماءِ أوْلادِهِ ووَظائِفِهِمُ الَّتِي قَلَّدَهم إيّاها؛ كَقَوْلِهِ: زَلَنْبُورُ صاحِبُ الأسْواقِ، وتِبْرٌ صاحِبُ المَصائِبِ يَأْمُرُ بِضَرْبِ الوُجُوهِ وشَقِّ الجُيُوبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والأعْوَرُ صاحِبُ أبْوابِ الزِّنا. ومِسْوَطٌ صاحِبُ الأخْبارِ يُلْقِيها في أفْواهِ النّاسِ فَلا يَجِدُونَ لَها أصْلًا. وداسِمٌ هو الشَّيْطانُ الَّذِي إذا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ بَصَرَهُ ما لَمْ يَرْفَعْ مِنَ المَتاعِ وما لَمْ يُحْسِنْ مَوْضِعَهُ يُثِيرُ شَرَّهُ عَلى أهْلِهِ، وإذا أكَلَ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ أكَلَ مَعَهُ. والوَلْهانُ صاحِبُ المَزامِيرِ وبِهِ كانَ يُكَنّى إبْلِيسُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَعْيِينِ أسْمائِهِمْ ووَظائِفِهِمْ كُلُّهُ لا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ؛ إلّا ما ثَبَتَ مِنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ومِمّا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِن تَعْيِينِ وظِيفَةِ الشَّيْطانِ واسْمِهِ ما رَواهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ خَلَفٍ (p-٢٩٤)الباهِلِيُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ الأعْلى عَنْ سَعِيدٍ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أبِي العَلاءِ: «أنَّ عُثْمانَ بْنَ أبِي العاصِ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ حالَ بَيْنِي وبَيْنَ صَلاتِي وقِراءَتِي يَلْبِسُها عَلَيَّ ! ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”ذاكَ شَيْطانٌ يُقالُ لَهُ خِنْزَبُ. فَإذا أحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنهُ، واتْفُلْ عَنْ يَسارِكَ ثَلاثًا“ قالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي» . وَتَحْرِيشُ الشَّيْطانِ بَيْنَ النّاسِ وكَوْنُ إبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلى البَحْرِ، ويَبْعَثُ سَرايا فَيَفْتِنُونَ النّاسَ فَأعْظَمُهم عِنْدَهُ أعْظَمُهم فِتْنَةً كُلُّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾، التَّحْقِيقُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ما أشْهَدْتُ إبْلِيسَ وجُنُودَهُ؛ أيْ: ما أحْضَرْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَأسْتَعِينُ بِهِمْ عَلى خَلْقِها ولا خَلْقِ أنْفُسِهِمْ، أيْ: ولا أشْهَدْتُهم خَلْقَ أنْفُسِهِمْ، أيْ: ما أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضِهِمْ فَأسْتَعِينُ بِهِ عَلى خَلْقِهِ، بَلْ تَفَرَّدْتُ بِخَلْقِ جَمِيعِ ذَلِكَ بِغَيْرِ مُعِينٍ ولا ظَهِيرٍ ! فَكَيْفَ تَصْرِفُونَ لَهم حَقِّي وتَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ مِن دُونِي وأنا خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَتْ لَهُ الآيَةُ مِن أنَّ الخالِقَ هو المَعْبُودُ وحْدَهُ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا مِنها في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ [فاطر: ٤٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ [الأحقاف: ٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ ﴿وَلا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ أنْفُسِهِمْ؛ بَلْ خَلَقْتُهم عَلى ما أرَدْتُ وكَيْفَ شِئْتُ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]، فِيهِ الإظْهارُ في مَحَلِّ الإضْمارِ؛ لِأنَّ الأصْلَ الظّاهِرَ. وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم عَضُدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ والنُّكْتَةُ البَلاغِيَّةُ في الإظْهارِ في مَحَلِّ الإضْمارِ هي ذَمُّهُ تَعالى لَهم بِلَفْظِ (p-٢٩٥)الإضْلالِ. وقَوْلُهُ ”عَضُدًا“ أيْ: أعْوانًا. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ لا تَنْبَغِي الِاسْتِعانَةُ بِهِمْ، والعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ. والمَعْنى المَذْكُورُ أُشِيرَ لَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]، والظَّهِيرُ: المُعِينُ، والمُضِلُّونَ: الَّذِينَ يُضِلُّونَ أتْباعَهم عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى الضَّلالِ وإطْلاقاتِهِ في القُرْآنِ بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ.

الكهف 18:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ . أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يُشْرِكُونَ مَعَهُ الآلِهَةَ والأنْدادَ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مِنَ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ تَوْبِيخًا لَهم وتَقْرِيعًا: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ مَعِي، فالمَفْعُولانِ مَحْذُوفانِ: أيْ: زَعَمْتُمُوهم شُرَكاءَ لِي كَذِبًا وافْتِراءً. أيِ: ادْعُوهم واسْتَغِيثُوا بِهِمْ لِيَنْصُرُوكم ويَمْنَعُوكم مِن عَذابِي، فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم، أيْ: فاسْتَغاثُوا بِهِمْ فَلَمْ يُغِيثُوهم. وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن عَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ لَهم إذا دَعَوْهم يَوْمَ القِيامَةِ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”القَصَصِ“: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٢ - ٦٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكم وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]، والآياتُ في تَبَرُّئِهِمْ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ، وعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ لَهم كَثِيرَةٌ جِدًّا. وخُطْبَةُ الشَّيْطانِ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“ في (p-٢٩٦)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، مِن قَبِيلِ ذَلِكَ المَعْنى المَذْكُورِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الأُولى: في المُرادِ بِالظَّرْفِ الَّذِي هو ”بَيْنَ“، والثّانِيَةُ: في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ. والثّالِثَةُ: في المُرادِ بِالمَوْبِقِ، وسَنَذْكُرُ هُنا أقْوالَهم، وما يَظْهَرُ لَنا رُجْحانُهُ مِنها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. أمّا المَوْبِقُ: فَقِيلَ: المُهْلِكُ. وقِيلَ وادٍ في جَهَنَّمَ. وقِيلَ المَوْعِدُ. قالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ يَقُولُ: مُهْلِكًا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ”مَوْبِقًا“ يَقُولُ: مُهْلِكًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ”مَوْبِقًا“ قالَ. وادٍ في جَهَنَّمَ. وَأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ قالَ: هو وادٍ عَمِيقٌ في النّارِ، فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى والضَّلالَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرٍو البِكالِيِّ قالَ: المَوْبِقُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: وادٍ في النّارِ، بَعِيدُ القَعْرِ، يُفَرِّقُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ وبَيْنَ مَن سِواهم مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى مَوْبِقًا، قالَ: هو نَهْرٌ يَسِيلُ نارًا عَلى حافَتَيْهِ حَيّاتٌ أمْثالَ البِغالِ الدَّهْمِ، فَإذا ثارَتْ إلَيْهِمْ لِتَأْخُذَهُمُ اسْتَغاثُوا بِالِاقْتِحامِ في النّارِ مِنها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنَّ في النّارِ أرْبَعَةَ أوْدِيَةٍ يُعَذِّبُ اللَّهُ بِها أهْلَها: غَلِيظٌ، ومَوْبِقٌ، وأثّامٌ، وغَيٌّ. انْتَهى كَلامُ صاحِبِ الدُّرِّ المَنثُورِ. ونَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ بِكَلامِ العَرَبِ مِن أهْلِ البَصْرَةِ: أنَّ المَوْبِقَ: المَوْعِدُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وَجادَ شَرَوْرى والسِّتّارُ فَلَمْ يَدَعْ تِعارًا لَهُ والوادِيَيْنِ بِمَوْبِقٍ يَعْنِي: بِمَوْعِدٍ، والتَّحْقِيقُ: أنَّ المَوْبِقَ المُهْلِكَ، مِن قَوْلِهِمْ وبَقَ يَبِقُ، كَوَعَدَ يَعِدُ، (p-٢٩٧)إذا هَلَكَ. وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى وهي: وبَقَ يَوْبَقُ كَوَجِلَ يَوْجَلُ، ولُغَةٌ ثالِثَةٌ أيْضًا وهي: وبَقَ يَبِقُ كَوَرِثَ يَرِثُ. ومَعْنى كُلِّ ذَلِكَ: الهَلاكُ. والمَصْدَرُ مِن وبَقَ بِالفَتْحِ الوُبُوقُ عَلى القِياسِ، والوَبْقُ. ومِن وبَقَ بِالكَسْرِ الوَبَقُ بِفَتْحَتَيْنِ عَلى القِياسِ. وأوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ: أهْلَكَتْهُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤]، أيْ: يُهْلِكْهُنَّ، ومِنهُ الحَدِيثُ، «فَمُوبِقٌ نَفْسَهُ أوْ بائِعُها فَمُعْتِقُها» وحَدِيثُ «السَّبْعِ المُوبِقاتِ» أيِ: المُهْلِكاتِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎وَمَن يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّناءِ بِمالِهِ ∗∗∗ يَصُنْ عِرْضَهُ عَنْ كُلِّ شَنْعاءَ مُوبِقِ وَقَوْلُ مَن قالَ، إنَّ المَوْبِقَ العَداوَةُ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ المَجْلِسُ كِلاهُما ظاهِرُ السُّقُوطِ. والتَّحْقِيقُ فِيهِ هو ما قَدَّمْنا. وأمّا أقْوالُ العُلَماءِ في المُرادِ بِلَفْظِهِ ”بَيْنَ“ فَعَلى قَوْلِ الحَسَنِ ومَن وافَقَهُ: أنَّ المَوْبِقَ العَداوَةُ فالمَعْنى واضِحٌ؛ أيْ: وجَعَلْنا بَيْنَهم عَداوَةً؛ كَقَوْلِهِ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. ولَكِنَّ تَفْسِيرَ المَوْبِقِ بِالعَداوَةِ بَعِيدٌ كَما قَدَّمْنا. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالبَيْنِ في الآيَةِ: الوَصْلُ؛ أيْ: وجَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا مِلْكًا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، أيِ: المُواصَلاتُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا. وكَما قالَ: ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]، وكَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾: جَعَلْنا الهَلاكَ بَيْنَهم؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهم مُعِينٌ عَلى هَلاكِ الآخَرِ لِتَعاوُنِهِمْ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي فَهم شُرَكاءُ في العَذابِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، وقَوْلُـهُ: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]، ومَعْنى هَذا القَوْلِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾: أيْ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مَوْبِقًا، أيْ: مُهْلِكًا يَفْصِلُ بَيْنَهم، فالدّاخِلُ فِيهِ، في هَلاكٍ، والخارِجُ عَنْهُ في عافِيَةٍ. وأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي وأجْراها عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ، أنَّ المَعْنى: وجَعَلْنا بَيْنَ الكُفّارِ وبَيْنَ مَن كانُوا يَعْبُدُونَهم ويُشْرِكُونَهم مَعَ اللَّهِ مَوْبِقًا أيْ: مُهْلِكًا، (p-٢٩٨)لِأنَّ الجَمِيعَ يُحِيطُ بِهِمُ الهَلاكُ مِن كُلِّ جانِبٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، وقَوْلِـهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٩٨]، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ شَيْءٍ حاجِزٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُسَمّى مَوْبِقًا، نَقْلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ، وبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ”بَيْنَهم“ قِيلَ راجِعٌ إلى أهْلِ النّارِ. وقِيلَ راجِعٌ إلى أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ مَعًا. وقِيلَ راجِعٌ لِلْمُشْرِكِينَ وما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ. وهَذا هو أظْهَرُها لِدَلالَةِ ظاهِرِ السِّياقِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف: ٥٢]، ثُمَّ قالَ مُخْبِرًا عَنِ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]، أيْ: مُهْلِكًا يَفْصِلُ بَيْنَهم ويُحِيطُ بِهِمْ، وهَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ [يونس: ٢٨]، أيْ: فَرَّقْنا بَيْنَهم. وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ويَوْمَ يَقُولُ قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدا حَمْزَةَ بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ ”نَقُولُ“ بِنُونِ العَظَمَةِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ، أيْ: يَقُولُ هو أيِ: اللَّهُ.

الكهف 18:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُجْرِمِينَ يَرَوْنَ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَظُنُّونَ أنَّهم مُواقِعُوها، أيْ: مُخالِطُوها وواقِعُونَ فِيها. والظَّنُّ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى اليَقِينِ؛ لِأنَّهم أبْصَرُوا الحَقائِقَ وشاهَدُوا الواقِعَ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهم مُوقِنُونَ بِالواقِعِ؛ كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآيَةَ [مريم: ٣٨]، ومِن إطْلاقِ الظَّنِّ عَلى اليَقِينِ [ قَوْلُـهُ ] تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]، أيْ: يُوقِنُونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠]، (p-٢٩٩)فالظَّنُّ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها بِمَعْنى اليَقِينِ، والعَرَبُ تُطْلِقُ الظَّنَّ عَلى اليَقِينِ وعَلى الشَّكِّ، ومِن إطْلاقِهِ عَلى اليَقِينِ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: ؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سَراتُهم في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ وَقَوْلُ عَمِيرَةَ بْنِ طارِقٍ: ؎بِأنْ تَغْتَزُوا قَوْمِي وأقْعُدُ فِيكُمُ ∗∗∗ وأجْعَلُ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّما وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُجْرِمِينَ يَرَوْنَ النّارَ، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّها هي تَراهم أيْضًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١١ - ١٢]، وما جَرى عَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ مِن أنَّ الظَّنَّ جُلُّ الِاعْتِقادِ اصْطِلاحٌ لِلْأُصُولِيِّينَ والفُقَهاءِ، ولا مُشاحَّةَ في الِاصْطِلاحِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾، المَصْرِفُ: المَعْدِلُ، أيْ: ولَمْ يَجِدُوا عَنِ النّارِ مَكانًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ ويَعْدِلُونَ إلَيْهِ، لِيَتَّخِذُوهُ مَلْجَأً ومُعْتَصَمًا يَنْجُونَ فِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ومِن إطْلاقِ المَصْرِفِ عَلى المَعْدِلِ بِمَعْنى مَكانِ الِانْصِرافِ لِلِاعْتِصامِ بِذَلِكَ المَكانِ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ: ؎أزُهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةَ مِن مَصْرِفِ ∗∗∗ أمْ لا خُلُودَ لِباذِلٍ مُتَكَلِّفِ وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾، مِن رَأى البَصَرِيَّةِ، فَهي تَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ نَظَرًا لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، فَكانَ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كالواقِعِ بِالفِعْلِ، كَما تَقَدَّمَ مِرارًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ [الكهف: ٥٤]، أيْ: رَدَّدْنا وكَثَّرْنا تَصْرِيفَ الأمْثالِ بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأسالِيبَ مُتَنَوِّعَةٍ في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ. لِيَهْتَدُوا إلى الحَقِّ، ويَتَّعِظُوا. فَعارَضُوا بِالجَدَلِ والخُصُومَةِ، والمَثَلُ: هو القَوْلُ الغَرِيبُ السّائِرُ في الآفاقِ، وضَرْبُ الأمْثالِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ جِدًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ [البقرة: ٢٦]، ومِن أمْثِلَةِ ضَرْبِ المَثَلِ فِيهِ ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآيَةَ [الحج: ٧٣]، وقَوْلُـهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] (p-٣٠٠)وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٧٦ - ١٧٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الجمعة: ٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وفي هَذِهِ الأمْثالِ وأشْباهِها في القُرْآنِ عِبَرٌ ومَواعِظُ وزَواجِرُ عَظِيمَةٌ جِدًّا، لا لَبْسَ في الحَقِّ مَعَها، إلّا أنَّها لا يَعْقِلُ مَعانِيَها إلّا أهْلُ العِلْمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾، ومِن حِكَمِ ضَرْبِ المَثَلِ: أنْ يَتَذَكَّرَ النّاسُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ الأمْثالَ مَعَ إيضاحِها لِلْحَقِّ يَهْدِي بِها اللَّهُ قَوْمًا، ويُضِلُّ بِها قَوْمًا آخَرِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، وأشارَ إلى هَذا المَعْنى في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“؛ لِأنَّهُ لَمّا ضَرَبَ المَثَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ [الرعد: ١٧]، أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [الرعد: ١٨]، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ (p-٣٠١)اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ هُمُ العُقَلاءُ الَّذِينَ عَقَلُوا مَعْنى الأمْثالِ، وانْتَفَعُوا بِما تَضَمَّنَتْ مِن بَيانِ الحَقِّ، وأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْقِلُوها، ولَمْ يَعْرِفُوا ما أوْضَحَتْهُ مِنَ الحَقائِقِ، فالفَرِيقُ الأوَّلُ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، والفَرِيقُ الثّانِي هُمُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ وقالَ فِيهِمْ ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ . وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَفْعُولُ ”صَرَّفْنا“ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: البَيِّناتُ والعِبَرُ، وعَلى هَذا فَـ ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: ولَقَدْ صَرَّفْنا الآياتِ والعِبَرَ مِن أنْواعِ ضَرْبِ المَثَلِ لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا، فَقابَلُوا ذَلِكَ بِالجِدالِ والخِصامِ، ولِذا قالَ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٤٥]، وهَذا هو الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، ثُمَّ قالَ: وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ زائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ، فالتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ صَرَّفْنا كُلَّ مَثَلٍ، فَيَكُونُ مَفْعُولُ ”صَرَّفْنا“: ”كُلُّ مَثَلٍ“ وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ، لا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، انْتَهى الغَرَضُ مِن كَلامِ صاحِبِ البَحْرِ المُحِيطِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”مِن كُلِّ مَثَلٍ“ مِن كُلِّ مَعْنًى هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ وحُسْنِهِ ا هـ، وضابِطُ ضَرْبِ المَثَلِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ كُلُّ مَعانِيهِ الَّتِي يُفَسَّرُ بِها: هو إيضاحُ مَعْنى النَّظِيرِ بِذِكْرِ نَظِيرِهِ؛ لِأنَّ النَّظِيرَ يُعْرَفُ بِنَظِيرِهِ، وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءَ مَذْكُورًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في ”الإسْراءِ“: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤١]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧ - ٢٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ أنْتُمْ إلّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم: ٥٨]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] أيْ: أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي مِن شَأْنِها الخُصُومَةُ إنْ فَصَلْتَها واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ ”جَدَلًا“ أيْ: خُصُومَةً ومُماراةً بِالباطِلِ لِقَصْدِ إدْحاضِ الحَقِّ. وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى خُصُومَةِ الإنْسانِ بِالباطِلِ لِإدْحاضِ الحَقِّ قَوْلُهُ هُنا ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦]، (p-٣٠٢)وَقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ [الشورى: ١٦] وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ مِن أنَّ مَعْناهُ كَثْرَةُ خُصُومَةِ الكُفّارِ ومُماراتِهِمْ بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ هو السِّياقُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩]، أيْ: لِيَذَّكَّرُوا ويَتَّعِظُوا ويُنِيبُوا إلى رَبِّهِمْ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١] وقَوْلِـهِ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، فَلَمّا أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، عَلِمْنا مِن سِياقِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ أكْثَرُوا الجَدَلَ والخُصُومَةَ والمِراءَ لِإدْحاضِ الحَقِّ الَّذِي أوْضَحَهُ اللَّهُ بِما ضَرَبَهُ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ، ولَكِنْ كَوْنُ هَذا هو ظاهِرُ القُرْآنِ وسَبَبُ النُّزُولِ لا يُنافِي تَفْسِيرَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِظاهِرِ عُمُومِها؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما بَيَّناهُ بِأدِلَّتِهِ فِيما مَضى، ولِأجْلِ هَذا لَمّا «طَرَقَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَيْلَةً فَقالَ: ”ألّا تُصَلِّيانِ“ ؟ وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ، فَإذا شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا، انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ راجِعًا وهو يَضْرِبُ فَخِذَهُ ويَقُولُ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾»، والحَدِيثُ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإيرادُهُ ﷺ الآيَةَ عَلى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ، فَإذا شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا“ دَلِيلٌ عَلى عُمُومِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وشُمُولِها لِكُلِّ خِصامٍ وجَدَلٍ، لَكِنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ مِنَ الجَدَلِ ما هو مَحْمُودٌ مَأْمُورٌ بِهِ لِإظْهارِ الحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقَوْلُـهُ ”جَدَلًا“ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎والفاعِلَ المَعْنى انْصِبَنْ بِأفْعَلا مُفَضِّلًا كَأنْتَ أعْلى مَنزِلًا وَقَوْلُـهُ: ﴿أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ أيْ: أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجَدَلُ جَدَلًا كَما تَقَدَّمَ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَتْ إلى نَكِرَةٍ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، أوْ جُرِّدَتْ مِنَ الإضافَةِ والتَّعْرِيفِ بِالألِفِ واللّامِ لَزِمَ إفْرادُها وتَذْكِيرُها كَما عَقَدَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:(p-٣٠٣) ؎وَإنْ لِمَنكُورٍ يُضَفْ أوْ جُرِّدا ∗∗∗ ألْزِمْ تَذْكِيرًا وأنْ يُوَحَّدا وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُبَيِّنًا بَعْضَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ لِلْمُرادِ بِجَدَلِ الإنْسانِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَعْدَ أنْ ساقَ سَنَدَهُ إلى ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، قالَ: الجَدَلُ الخُصُومَةُ خُصُومَةُ القَوْمِ لِأنْبِيائِهِمْ ورَدُّهم عَلَيْهِمْ ما جاءُوا بِهِ، وقَرَأ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وقَرَأ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، وقَرَأ حَتّى تَوَفّى الآيَةَ ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧]، وقَرَأ: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤] انْتَهى مِن تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها مُفَسِّرَةٌ لِجَدَلِ الإنْسانِ المَذْكُورِ في الآيَةِ أنَّها كَذَلِكَ، كَما قَدَّمْنا أنَّ ذَلِكَ هو ظاهِرُ السِّياقِ وسَبَبُ النُّزُولِ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ العَظِيمِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ . فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، وكِلاهُما تَدُلُّ عَلى مُقْتَضاهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ أظْهَرُ عِنْدِي مِنَ الآخَرِ. الأوَّلُ مِنهُما أنَّ مَعْنى الآيَةِ: وما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِالبَيِّناتِ الواضِحاتِ، إلّا ما سَبَقَ في عِلْمِنا: مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ حَتّى تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ مِنَ الكُفّارِ، وإتْيانُ العَذابِ إيّاهم يَوْمَ القِيامَةِ قُبُلًا، وعَلى هَذا القَوْلِ فالآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] وقَوْلِـهِ: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧] (p-٣٠٤)وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]، والآياتُ في مِثْلِ هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُضافًا مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: وما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ إلّا طَلَبُهم أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ، أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى طَلَبِهِمُ الهَلاكَ والعَذابَ عِنادًا وتَعَنُّتًا كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]، وكَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ هُودٍ: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢]، وكَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿وَقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وكَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، وكَقَوْلِهِ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿قالُوا يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] . فَهَذِهِ الآياتُ وأمْثالُها في القُرْآنِ ذَكَرَ اللَّهُ فِيها شَيْئًا مِن سُنَّةِ الأوَّلِينَ: أنَّهم يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَ العَذابِ عِنادًا وتَعَنُّتًا، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَ جَمِيعَهم بِعَذابٍ مُسْتَأْصِلٍ، كَإهْلاكِ قَوْمِ نُوحٍ بِالطُّوفانِ، وقَوْمِ صالِحٍ بِالصَّيْحَةِ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَوْمِ هُودٍ بِالرِّيحِ العَقِيمِ، وقَوْمِ لُوطٍ بِجَعْلِ عالِي قُراهم سافِلَها، وإرْسالِ حِجارَةِ السِّجِّيلِ عَلَيْهِمْ، كَما هو مُفَصَّلٌ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ. وَبَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ: أنَّ كُفّارَ هَذِهِ الأُمَّةِ كَمُشْرِكِي قُرَيْشٍ سَألُوا العَذابَ كَما سَألَهُ مَن قَبْلَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]، وأصْلُ القِطِّ: كِتابُ المَلِكِ الَّذِي فِيهِ الجائِزَةُ، وصارَ يُطْلَقُ عَلى النَّصِيبِ: فَمَعْنى ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أيْ: نَصِيبَنا المُقَدَّرَ لَنا مِنَ العَذابِ الَّذِي تَزْعُمُ وُقُوعَهُ بِنا إنْ لَمْ نُصَدِّقْكَ ونُؤْمِن بِكَ، كالنَّصِيبِ الَّذِي يُقَدِّرُهُ المَلِكُ في القِطِّ الَّذِي هو كِتابُ الجائِزَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎وَلا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفَقُ وَقَوْلِهِ ”يَأْفَقُ“ أيْ: يُفَضِّلُ بَعْضًا عَلى بَعْضٍ في العَطاءِ، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأنَّ ما لا تَقْدِيرَ فِيهِ أوْلى مِمّا فِيهِ تَقْدِيرٌ إلّا بِحُجَّةِ (p-٣٠٥)الرُّجُوعِ إلَيْها تُثْبِتُ المَحْذُوفَ المُقَدَّرَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا ) دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ ( وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٥]، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، بِما حاصِلُهُ بِاخْتِصارٍ: أنَّ المانِعَ المَذْكُورَ في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ مانِعٌ عادِيٌّ يَجُوزُ تَخَلُّفُهُ؛ لِأنَّ اسْتِغْرابَهم بَعْثَ رَسُولٍ مِنَ البَشَرِ مانِعٌ عادِيٌّ يَجُوزُ تَخَلُّفُهُ لِإمْكانِ أنْ يَسْتَغْرِبَ الكافِرُ بَعْثَ رَسُولٍ مِنَ البَشَرِ ثُمَّ يُؤْمِنَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ الِاسْتِغْرابِ، فالحَصْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، حَصْرٌ في المانِعِ العادِيِّ، وأمّا الحَصْرُ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥]، فَهو حَصْرٌ في المانِعِ الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ إرادَتَهُ جَلَّ وعَلا عَدَمُ إيمانِهِمْ، وحُكْمُهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وقَضاءُهُ بِهِ مانِعٌ حَقِيقِيٌّ مِن وُقُوعِ غَيْرِهِ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾، قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ: وهم عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قُبُلًا“ بِضَمِّ القافِ والباءِ، وقَرَأهُ الأرْبَعَةُ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: وهم نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ ”قِبَلًا“ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أمّا عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ فَقَوْلُهُ ”قُبُلًا“ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ قَبِيلٍ، والفَعِيلُ إذا كانَ اسْمًا يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ كَسَرِيرٍ وسُرُرٍ، وطَرِيقٍ وطُرُقٍ، وحَصِيرٍ وحُصُرٍ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَفِعْلٌ لِاسْمٍ رُباعِيٍّ بِمَدْ ∗∗∗ قَدْ زِيدَ قَبْلَ لامِ إعْلالًا فَقَدْ ما لَمْ يُضاعَفْ في الأعَمِّ ذُو الألِفْ.، إلَخْ. وَعَلى هَذا، فَمَعْنى الآيَةِ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ أيْ: أنْواعًا مُخْتَلِفَةً، يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَءُوا ”قِبَلًا“ كَعِنَبٍ، فَمَعْناهُ عِيانًا، أيْ: أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ عِيانًا، وقالَ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ”قُبُلًا“ أيْ: فَجْأةً، والتَّحْقِيقُ: أنَّ مَعْناها عِيانًا، وأصْلُهُ مِنَ المُقابَلَةِ؛ لِأنَّ المُتَقابِلَيْنِ يُعايِنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ، وذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ: أنَّ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، وأنَّ مَعْناهُما عِيانًا، وأصْلُهُ مِنَ المُقابَلَةِ، وانْتِصابُ ”قُبُلًا“ عَلى الحالِ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ، وهو عَلى القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في مَعْنى ”قُبُلًا“ إنْ قَدَّرْنا أنَّهُ بِمَعْنى عِيانًا، فَهو مَصْدَرُ مُنَكَّرٌ حالٌ كَما قَدَّمْنا مِرارًا، وعَلى أنَّهُ جَمْعُ قَبِيلٍ: فَهو اسْمٌ جامِدٌ (p-٣٠٦)مُؤَوَّلٌ بِمُشْتَقٍّ؛ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ: أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ في حالِ كَوْنِهِ أنْواعًا وضُرُوبًا مُخْتَلِفَةً، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنْ“ وصِلَتِها في قَوْلِهِ: أنْ يُؤْمِنُوا في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ ”مَنَعَ“ الثّانِي، والمُنْسَبِكُ في ”أنْ“ وصِلَتِها في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ؛ لِأنَّهُ فاعِلُ ”مَنَعَ“ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفْرَغٌ، وما قَبْلَ ”إلّا“ عامِلٌ فِيما بَعْدَها، فَصارَ التَّقْدِيرُ: مَنَعَ النّاسَ الإيمانَ إتْيانُ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎وَإنْ يُفَرَّغْ سابِقُ إلّا لِما ∗∗∗ بَعْدُ يَكُنْ كَما لَوْ إلّا عُدِما والِاسْتِغْفارُ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ هو طَلَبُ المَغْفِرَةِ مِنهُ جَلَّ وعَلا لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ السّالِفَةِ بِالإنابَةِ إلَيْهِ، والنَّدَمِ عَلى ما فاتَ، والعَزْمِ المُصَمِّمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلى الذَّنْبِ.

الكهف 18:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ ما يُرْسِلُ الرُّسُلَ إلّا مُبَشِّرِينَ مَن أطاعَهم بِالجَنَّةِ، ومُنْذِرِينَ مَن عَصاهم بِالنّارِ، وكَرَّرَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨]، وقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى البِشارَةِ والإنْذارِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢]، وانْتِصابُ قَوْلِهِ ”مُبَشِّرِينَ“ عَلى الحالِ، أيْ: ما نُرْسِلُهم إلّا في حالِ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُجادِلُونَ بِالباطِلِ، أيْ: يُخاصِمُونَ الرُّسُلَ بِالباطِلِ، كَقَوْلِهِمْ في الرَّسُولِ: ساحِرٌ، شاعِرٌ، كاهِنٌ، وكَقَوْلِهِمْ في القُرْآنِ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، سِحْرٌ، شِعْرٌ، كِهانَةٌ، وكَسُؤالِهِمْ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ، وسُؤالِهِمْ عَنِ الرُّوحِ عِنادًا وتَعَنُّتًا، لِيُبْطِلُوا الحَقَّ بِجِدالِهِمْ وخِصامِهِمْ بِالباطِلِ، فالجِدالُ: المُخاصَمَةُ، ومَفْعُولُ ”يُجادِلُ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ يُجادِلُهُمُ الكُفّارُ بِالباطِلِ هُمُ المُرْسَلُونَ المَذْكُورُونَ آنِفًا، وحَذْفُ الفَضْلَةِ إذا دَلَّ المَقامُ عَلَيْها جائِزٌ، وواقِعٌ كَثِيرًا في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ: كَما عَقَدَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَحَذْفُ فَضْلَةٍ أجِزْ إنْ لَمْ يَضُرْ كَحَذْفِ ما سِيقَ جَوابًا أوْ حُصِرْ (p-٣٠٧)والباطِلُ: ضِدُّ الحَقِّ وكُلُّ شَيْءٍ زائِلٌ مُضْمَحِلٌّ تُسَمِّيهِ العَرَبُ: باطِلًا، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ ∗∗∗ وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ وَيُجْمَعُ الباطِلُ كَثِيرًا عَلى أباطِيلَ عَلى غَيْرِ القِياسِ، فَيَدْخُلُ في قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ: ؎وَحائِدٌ عَنِ القِياسِ كُلُّ ما خالَفَ ∗∗∗ في البابَيْنِ حُكْمًا رَسْما وَمِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ؎كانَتْ مَواعِيدُ عُرْقُوبٍ لَها مَثَلًا ∗∗∗ وما مَواعِيدُهُ إلّا الأباطِيلُ وَيُجْمَعُ أيْضًا عَلى البَواطِلِ قِياسًا، والحَقُّ: ضِدُّ الباطِلِ، وكُلُّ شَيْءٍ ثابِتٌ غَيْرُ زائِلٍ ولا مُضْمَحِلٍّ تُسَمِّيهِ العَرَبُ حَقًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦]، أيْ: لِيُبْطِلُوهُ ويُزِيلُوهُ بِهِ وأصْلُهُ مِن إدْحاضِ القَدَمِ، وهو إزْلاقُها وإزالَتُها عَنْ مَوْضِعِها، تَقُولُ العَرَبُ، دَحَضَتْ رِجْلُهُ: إذا زَلِقَتْ، وأدْحَضَها اللَّهُ أزْلَقَها، ودَحَضَتْ حُجَّتُهُ إذا بَطَلَتْ، وأدْحَضَها اللَّهُ أبْطَلَها، والمَكانُ الدَّحْضُ: هو الَّذِي تَزِلُّ فِيهِ الأقْدامُ ؟ ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ ∗∗∗ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِن مُجادَلَةِ الكُفّارِ لِلْمُرْسَلِ بِالباطِلِ أُوَضَحَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ: كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]، وقَوْلِـهِ جَلَّ وعَلا: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]، وإرادَتُهم إطْفاءَ نُورِ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ، إنَّما هي بِخِصامِهِمْ وجِدالِهِمْ بِالباطِلِ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ، أنَّ ما أرادَهُ الكُفّارُ مِن إدْحاضِ الحَقِّ بِالباطِلِ لا يَكُونُ، وأنَّهم لا يَصِلُونَ إلى ما أرادُوا، بَلِ الَّذِي سَيَكُونُ هو عَكْسُ ما أرادُوهُ فَيُحِقُّ [ الحَقَّ ] ويُبْطِلُ الباطِلَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَيَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، (p-٣٠٨)وَقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ [الرعد: ١٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الحَقَّ سَيَظْهَرُ ويَعْلُو، وأنَّ الباطِلَ سَيَضْمَحِلُّ ويَزْهَقُ ويَذْهَبُ جُفاءً، وذَلِكَ هو نَقِيضُ ما كانَ يُرِيدُهُ الكُفّارُ مِن إبْطالِ الحَقِّ وإدْحاضِهِ بِالباطِلِ عَنْ طَرِيقِ الخِصامِ والجِدالِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ اتَّخَذُوا آياتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى رَسُولِهِ، وإنْذارِهِ لَهم هُزُؤًا، أيْ: سُخْرِيَةً واسْتِخْفافًا، والمَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ: اتَّخَذُوها مَهْزُوءًا بِها مُسْتَخَفًّا بِها: كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] . وَهَذا المَعْنى المَذْكُورُ هُنا جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٩]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، و ”ما“ في قَوْلِهِ ”ما أُنْذِرُوا“ مَصْدَرِيَّةٌ، كَما قَرَّرْنا، وعَلَيْهِ فَلا ضَمِيرَ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ هي مَوْصُولَةٌ والعائِدٌ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ”وَما أُنْذِرُوا بِهِ هُزُوًا“، وحَذْفُ العائِدِ المَجْرُورِ بِحَرْفٍ إنَّما يَطَّرِدُ بِالشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرَها في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎كَذَلِكَ الَّذِي جُرَّ بِما المَوْصُولِ جَرْ ∗∗∗ كَمَرَّ بِالَّذِي مَرَرْتُ فَهْوَ بَرْ وَفِي قَوْلِهِ ”هُزُوًا“ ثَلاثُ قِراءاتٍ سَبْعِيَّةٌ قَرَأهُ حَمْزَةُ بِإسْكانِ الزّايِ في الوَصْلِ، وبَقِيَّةُ السَّبْعَةِ بِضَمِّ الزّايِ وتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ فَإنَّهُ يُبْدِلُ الهَمْزَةَ واوًا، وذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ حَمْزَةَ في الوَقْفِ.

الكهف 18:57

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾، ذَكَرَ جَلَّ (p-٣٠٩)وَعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ، أيْ: أكْثَرُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ مِمَّنْ ذُكِّرَ، أيْ: وُعِظَ بِآياتِ رَبِّهِ، وهي هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ ﴿فَأعْرَضَ عَنْها﴾ [الكهف: ٥٧]، أيْ: تَوَلّى وصَدَّ عَنْها. وَإنَّما قُلْنا: إنَّ المُرادَ بِالآياتِ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ لِقَرِينَةِ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى الآياتِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾، أيِ: القُرْآنَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالآياتِ، ويُحْتَمَلُ شُمُولُ الآياتِ لِلْقُرْآنِ وغَيْرِهِ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: ما ذُكِّرَ مِنَ الآياتِ، كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ ونَظِيرُ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الفارِضِ والبِكْرِ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى: ؎إنَّ لِلْخَيْرِ ولِلشَّرِّ مَدًى وكِلا ذَلِكَ وجْهٌ وقُبُلْ أيْ : كِلا ذَلِكَ المَذْكُورِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [الكهف: ٥٧]، أيْ: مِنَ المَعاصِي والكُفْرِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْسَهُ بَلْ هو مُحْصِيهِ عَلَيْهِ ومُجازِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]، وقالَ تَعالى: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وقالَ تَعالى: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أيْ: تَرَكَهُ عَمْدًا ولَمْ يَتُبْ مِنهُ، وبِهِ صَدَّرَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ الإعْراضَ عَنِ التَّذْكِرَةِ بِآياتِ اللَّهِ مِن أعْظَمِ الظُّلْمِ، قَدْ زادَ عَلَيْهِ في مَواضِعَ أُخَرَ بَيانَ أشْياءَ مِنَ النَّتائِجِ السَّيِّئَةِ، والعَواقِبِ الوَخِيمَةِ النّاشِئَةِ مِنَ الإعْراضِ عَنِ التَّذْكِرَةِ، فَمِن نَتائِجِهِ السَّيِّئَةِ: ما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّ صاحِبَهُ مِن أعْظَمِ النّاسِ ظُلْمًا، ومِن نَتائِجِهِ السَّيِّئَةِ جَعْلُ الأكِنَّةِ عَلى القُلُوبِ حَتّى لا تَفْقَهَ الحَقَّ، وعَدَمُ الِاهْتِداءِ أبَدًا كَما قالَ هُنا مُبَيِّنًا بَعْضَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ العَواقِبِ السَّيِّئَةِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧]، ومِنها انْتِقامُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا مِنَ المُعْرِضِ عَنِ التَّذْكِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، ومِنها (p-٣١٠)كَوْنُ المُعْرِضِ كالحِمارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ الآيَةَ [المدثر: ٤٩ - ٥٠]، ومِنها الإنْذارُ بِصاعِقَةٍ مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٣]، ومِنها المَعِيشَةُ الضَّنْكُ والعَمى، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٤]، ومِنها سَلْكُهُ العَذابَ الصَّعَدَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، ومِنها تَقْيِيضُ القُرَناءِ مِنَ الشَّياطِينِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّتائِجِ السَّيِّئَةِ، والعَواقِبِ الوَخِيمَةِ النّاشِئَةِ عَنِ الإعْراضِ عَنِ التَّذْكِيرِ بِآياتِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، وقَدْ أمَرَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ بِالإعْراضِ عَنِ المُتَوَلِّي عَنْ ذِكْرِهِ، القاصِرِ نَظَرُهُ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ هو مَبْلَغَهُ مِنَ العِلْمِ، فَلا عِلْمَ عِنْدَهُ بِما يَنْفَعُهُ في مَعادِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩ - ٣٠]، وقَدْ نَهى جَلَّ وعَلا عَنْ طاعَةِ مِثْلِ ذَلِكَ المُتَوَلِّي عَنِ الذِّكْرِ الغافِلِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أيْ: ما قَدَّمَ مِن أعْمالِ الكُفْرِ، ونِسْبَةُ التَّقْدِيمِ إلى خُصُوصِ اليَدِ؛ لِأنَّ اليَدَ أكْثَرُ مُزاوَلَةً لِلْأعْمالِ مِن غَيْرِها مِنَ الأعْضاءِ، فَنُسِبَتِ الأعْمالُ إلَيْها عَلى عادَةِ العَرَبِ في كَلامِهِمْ، وإنْ كانَتِ الأعْمالُ الَّتِي قَدَّمَها مِنها ما لَيْسَ بِاليَدِ كالكُفْرِ بِاللِّسانِ والقَلْبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي لا تُزاوَلُ بِاليَدِ كالزِّنا، وقَدْ بَيَّنّا في كِتابِنا ) دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ ( وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [هود: ١٨]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَأشْهُرُ أوْجُهِ الجَمْعِ في ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ كُلَّ مَن قالَ اللَّهُ فِيهِ: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ فَعَلَ كَذا، لا أحَدَ أظْلَمُ مِن واحِدٍ مِنهم، وإذًا فَهم مُتَساوُونَ في الظُّلْمِ لا يَفُوقُ بَعْضُهم فِيهِ بَعْضًا، فَلا إشْكالَ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، والثّانِي أنَّ صِلَةَ المَوْصُولِ تُعَيِّنُ كُلَّ واحِدٍ في مَحَلِّهِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ [الكهف: ٥٧]، لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ فَأعْرَضَ أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ (p-٣١١)فَأعْرَضَ عَنْها، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [هود: ١٨] لا أحَدَ مِنَ المُفْتَرِينَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهَكَذا الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ جارٍ عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ ولا إشْكالَ فِيهِ، ومِمَّنِ اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ جَعَلَ عَلى قُلُوبِ الظّالِمِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ آياتِ اللَّهِ إذا ذُكِّرُوا بِها أكِنَّةً، أيْ: أغْطِيَةً تُغَطِّي قُلُوبَهم فَتَمْنَعُها مِن إدْراكِ ما يَنْفَعُهم مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ، وواحِدُ الأكِنَّةِ كِنانٌ، وهو الغِطاءُ، وأنَّهُ جَعَلَ في آذانِهِمْ وقْرًا، أيْ: ثِقَلًا يَمْنَعُها مِن سَماعِ ما يَنْفَعُهم مِنَ الآياتِ الَّتِي ذُكِّرُوا بِها، وهَذا المَعْنى أوْضَحَهُ اللَّهُ تَعالى في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٢٣]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. فَإنْ قِيلَ: إذا كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَفْقَهُونَ؛ لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأكِنَّةَ المانِعَةَ مِنَ الفَهْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والوَقْرَ الَّذِي هو الثِّقَلُ المانِعُ مِنَ السَّمْعِ في آذانِهِمْ فَهم مَجْبُورُونَ، فَما وجْهُ تَعْذِيبِهِمْ عَلى شَيْءٍ لا يَسْتَطِيعُونَ العُدُولَ عَنْهُ والِانْصِرافَ إلى غَيْرِهِ ؟ ! فالجَوابُ: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ العَظِيمِ: أنَّ تِلْكَ المَوانِعَ الَّتِي يَجْعَلُها عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ، كالخَتْمِ والطَّبْعِ والغِشاوَةِ والأكِنَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ إنَّما جَعَلَها عَلَيْهِمْ جَزاءً وِفاقًا لِما بادَرُوا إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ بِاخْتِيارِهِمْ، فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِالطَّبْعِ والأكِنَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وهو نَصٌّ قُرْآنِيٌّ صَرِيحٌ في أنَّ كُفْرَهُمُ السّابِقَ هو سَبَبُ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] . (p-٣١٢)وَهُوَ دَلِيلٌ أيْضًا واضِحٌ عَلى أنَّ سَبَبَ إزاغَةِ اللَّهِ قُلُوبَهم هو زَيْغُهُمُ السّابِقُ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣]، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠]، وقَوْلُـهُ: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الطَّبْعَ عَلى القُلُوبِ ومَنعَها مِن فَهْمِ ما يَنْفَعُ عِقابٌ مِنَ اللَّهِ عَلى الكُفْرِ السّابِقِ عَلى ذَلِكَ. وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو وجْهُ رَدِّ شُبْهَةِ الجَبْرِيَّةِ الَّتِي يَتَمَسَّكُونَ بِها في هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةِ وأمْثالِها في القُرْآنِ العَظِيمِ، وبِهَذا الَّذِي قَرَّرْنا يَحْصُلُ الجَوابُ أيْضًا عَنْ سُؤالٍ يَظْهَرُ لِطالِبِ العِلْمِ فِيما قَرَّرْنا: وهو أنْ يَقُولَ: قَدْ بَيَّنْتُمْ في الكَلامِ عَلى الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنَّ جَعْلَ الأكِنَّةِ عَلى القُلُوبِ مِن نَتائِجِ الإعْراضِ عَنْ آياتِ اللَّهِ عِنْدَ التَّذْكِيرِ بِها، مَعَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَكْسَ ذَلِكَ مِن أنَّ الإعْراضَ المَذْكُورَ سَبَبُهُ هو جَعْلُ الأكِنَّةِ عَلى القُلُوبِ؛ لِأنَّ ”إنَّ“ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ في مَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ، كَقَوْلِكَ: اقْطَعْهُ إنَّهُ سارِقٌ، وعاقِبْهُ إنَّهُ ظالِمٌ، فالمَعْنى: اقْطَعْهُ لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِ، وعاقِبْهُ لِعِلَّةِ ظُلْمِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ [الكهف: ٥٧]، أيْ: أعْرَضَ عَنْها لِعِلَّةِ جَعْلِ الأكِنَّةِ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّ الآياتِ الماضِيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الطَّبْعَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ تارَةً بِالطَّبْعِ، وتارَةً بِالخَتْمِ، وتارَةً بِالأكِنَّةِ، ونَحْوَ ذَلِكَ سَبَبُهُ الأوَّلُ الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ والكُفْرُ بِها كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالانِ مَعْرُوفانِ، الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: ما مُفَسِّرُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ الآياتُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٧]، بِتَضْمِينِ الآياتِ مَعْنى القُرْآنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾، أيِ: القُرْآنُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ قَرِيبًا. السُّؤالُ الثّانِي أنْ يُقالَ: ما وجْهُ إفْرادِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ذُكِّرَ﴾، وقَوْلِـهِ: ﴿أعْرَضَ عَنْها﴾، وقَوْلِـهِ: ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾، مَعَ الإتْيانِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾، مَعَ أنَّ مُفَسِّرَ جَمِيعِ الضَّمائِرِ المَذْكُورَةِ واحِدٌ، وهو الِاسْمُ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ. (p-٢١٣)والجَوابُ: هو أنَّ الإفْرادَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ”مَن“، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ العَظِيمِ، والتَّحْقِيقُ في مِثْلِ ذَلِكَ جَوازُ مُراعاةِ اللَّفْظِ تارَةً، ومُراعاةِ المَعْنى تارَةً أُخْرى مُطْلَقًا، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ مُراعاةَ اللَّفْظِ بَعْدَ مُراعاةِ المَعْنى لا تَصِحُّ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، فَإنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ راعى لَفْظَ ”مَن“ أوَّلًا فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: يُؤْمِن، وقَوْلِـهِ ”وَيَعْمَلْ“، وقَوْلِـهِ ”يُدْخِلْهُ“ وراعى المَعْنى في قَوْلِهِ: خالِدِينَ فَأتى فِيهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، ثُمَّ راعى اللَّفْظَ بَعْدَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾، فِيهِ وفي كُلِّ ما يُشابِهُهُ مِنَ الألْفاظِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ لِعُلَماءِ التَّفْسِيرِ: أحَدُهُما أنَّ المَعْنى جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، وعَلَيْهِ فَلا النّافِيَةُ مَحْذُوفَةٌ دَلَّ المَقامُ عَلَيْها، وعَلى هَذا القَوْلِ هُنا اقْتَصَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، والثّانِي: أنَّ المَعْنى جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، وعَلى هَذا فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وأمْثالُ هَذِهِ الآيَةِ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، ولِلْعُلَماءِ في كُلِّها الوَجْهانِ المَذْكُورانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أيْ: لِئَلّا تَضِلُّوا، أوْ كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا، وقَوْلِـهِ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦]، أيْ: لِئَلّا تُصِيبُوا، أوْ كَراهَةَ أنْ تُصِيبُوا، وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ العَظِيمِ. وَقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾، أيْ: يَفْهَمُوهُ، فالفِقْهُ: الفَهْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، أيْ: يَفْهَمُونَهُ، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، أيْ: ما نَفْهَمُهُ، والوَقْرُ: الثِّقَلُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: الوَقْرُ بِالفَتْحِ، الثِّقَلُ في الأُذُنِ، والوِقْرُ بِالكَسْرِ: الحِمْلُ، يُقالُ جاءَ يَحْمِلُ وِقْرَهُ، وأوْقَرَ بِعِيرَهُ وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الوِقْرُ في حِمْلِ البَغْلِ والحِمارِ ا هـ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ جاءَ بِهِ القُرْآنُ، قالَ في ثِقَلِ الأُذُنِ: ﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقالَ في الحِمْلِ: ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ . بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً تَمْنَعُهم أنْ يَفْقَهُوا ما يَنْفَعُهم مِن آياتِ القُرْآنِ الَّتِي ذُكِّرُوا بِها لا يَهْتَدُونَ أبَدًا، فَلا يَنْفَعُ فِيهِمْ دُعاؤُكَ إيّاهم إلى الهُدى، وهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ (p-٣١٤)لَهُ هُنا مِن أنَّ مَن أشْقاهُمُ اللَّهُ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ التَّذْكِيرُ جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧]، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها في القُرْآنِ فِيها وجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ. أحَدُهُما: أنَّها في الَّذِينَ سَبَقَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم أشْقِياءُ، عِياذًا بِاللَّهِ تَعالى. والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهم كَذَلِكَ ما دامُوا مُتَلَبِّسِينَ بِالكُفْرِ، فَإنْ هَداهُمُ اللَّهُ إلى الإيمانِ وأنابُوا زالَ ذَلِكَ المانِعُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾ [الكهف: ٥٧]؛ لِأنَّ الفِعْلَ الَّذِي بَعْدَ ”لَنْ“ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ شَرْطًا لِـ ”إنْ“ ونَحْوِها، والجَزاءُ إذا لَمْ يَكُنْ صالِحًا لِأنْ يَكُونَ شَرْطًا لِـ ”إنْ“ ونَحْوِها لَزِمَ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ، كَما عَقَدَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎واقْرِنْ بِفا حَتْمًا جَوابًا لَوْ جُعِلْ شَرْطًا لِإنْ أوْ غَيْرِها لَمْ يَنْجَعِلْ وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ”إذًا“ جَزاءٌ وجَوابٌ، فَدَلَّ عَلى انْتِفاءِ اهْتِدائِهِمْ لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، بِمَعْنى أنَّهم جَعَلُوا ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلِاهْتِداءِ سَبَبًا لِانْتِفائِهِ؛ لِأنَّ المَعْنى: فَلَنْ يَهْتَدُوا إذا دَعَوْتَهم، ذَكَرَ هَذا المَعْنى الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، وهَذا المَعْنى قَدْ غَلِطا فِيهِ، وغَلِطَ فِيهِ خَلْقٌ لا يُحْصى كَثْرَةً مِنَ البَلاغِيِّينَ وغَيْرِهِمْ. وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ هُنا وأبا حَيّانَ ظَنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وأنَّ الجَزاءَ مُرَتَّبٌ عَلى الشَّرْطِ كَتَرْتِيبِ الجَزاءِ عَلى ما هو شَرْطٌ فِيهِ؛ ولِذا ظَنّا أنَّ الجَزاءَ الَّذِي هو عَدَمُ الِاهْتِداءِ المُعَبَّرِ عَنْهُ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾ مُرَتَّبٌ عَلى الشَّرْطِ الَّذِي هو دُعاؤُهُ إيّاهُمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى﴾، المُشارُ إلَيْهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ ”إذًا“ فَصارَ دُعاؤُهُ إيّاهم سَبَبَ انْتِفاءِ اهْتِدائِهِمْ وهَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَيْسَتْ شَرْطِيَّةً لُزُومِيَّةً، حَتّى يَكُونَ بَيْنَ شَرْطِها وجَزائِها ارْتِباطٌ، بَلْ هي شَرْطِيَّةٌ اتِّفاقِيَّةٌ، والشَّرْطِيَّةُ الِاتِّفاقِيَّةُ (p-٣١٥)لا ارْتِباطَ أصْلًا بَيْنَ طَرَفَيْها، فَلَيْسَ أحَدُهُما سَبَبًا في الآخَرِ، ولا مَلْزُومًا لَهُ، كَما لَوْ قُلْتَ: إنْ كانَ الإنْسانُ ناطِقًا فالفَرَسُ صاهِلٌ فَلا رَبْطَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأنَّ الجَزاءَ في الِاتِّفاقِيَّةِ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، كَقَوْلِكَ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ؛ لِأنَّ سَبَبَ انْتِفاءِ العِصْيانِ لَيْسَ هو عَدَمُ الخَوْفِ الَّذِي هو الشَّرْطُ، بَلْ هو شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، وهو تَعْظِيمُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، ومَحَبَّتُهُ المانِعَةُ مِن مَعْصِيَتِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾، سَبَبُهُ الحَقِيقِيُّ غَيْرُ مَذْكُورٍ مَعَهُ فَلَيْسَ هو قَوْلُهُ ﴿وَإنْ تَدْعُهُمْ﴾ كَما ظَنَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو حَيّانَ وغَيْرُهُما، بَلْ سَبَبُهُ هو إرادَةُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا انْتِفاءَ اهْتِدائِهِمْ عَلى وفْقِ ما سَبَقَ في عِلْمِهِ أزَلًا. وَنَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في عَدَمِ الِارْتِباطِ بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّرْطِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]؛ لِأنَّ سَبَبَ بُرُوزِهِمْ إلى مَضاجِعِهِمْ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، وهو ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ مِن أنَّ بُرُوزَهم إلَيْها لا مَحالَةَ واقِعٌ، ولَيْسَ سَبَبُهُ كَيْنُونَتُهم في بُيُوتِهِمُ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ﴾ [الكهف: ١٠٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ أوْضَحْتُ الفَرْقَ بَيْنَ الشَّرْطِيَّةِ اللُّزُومِيَّةِ والشَّرْطِيَّةِ الِاتِّفاقِيَّةِ في أُرْجُوزَتِي في المَنطِقِ وشَرْحِي لَها في قَوْلِي: ؎مُقَدِّمُ الشَّرْطِيَّةِ المُتَّصِلَهْ ∗∗∗ مَهْما تَكُنْ صُحْبَةُ ذاكَ التّالِ لَهْ ؎لِمُوجَبٍ قَدِ اقْتَضاها كَسَبَبْ ∗∗∗ فَهْيَ اللُّزُومِيَّةُ ثُمَّ إنْ ذَهَبْ ؎مُوجَبُ الِاصْطِحابِ ذا بَيْنَهُما ∗∗∗ فالِاتِّفاقِيَّةُ عِنْدَ العُلَما وَمِثالُ الشَّرْطِيَّةِ المُتَّصِلَةِ اللُّزُومِيَّةِ قَوْلُكَ: كُلَّما كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً كانَ النَّهارُ مَوْجُودًا، لِظُهُورِ التَّلازُمِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ حُصُولُ مُطْلَقِ اللّازِمِيَّةِ دُونَ التَّلازُمِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، كَقَوْلِكَ: كُلَّما كانَ الشَّيْءُ إنْسانًا كانَ حَيَوانًا، إذْ لا يَصْدُقُ عَكْسُهُ. فَلَوْ قُلْتَ: كُلَّما كانَ الشَّيْءُ حَيَوانًا كانَ إنْسانًا لَمْ يَصْدُقْ؛ لِأنَّ اللُّزُومَ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ لا يَقْتَضِي المُلازَمَةَ في كِلَيْهِما، ومُطْلَقُ اللُّزُومِ تَكُونُ بِهِ الشَّرْطِيَّةُ لُزُومِيَّةً، أمّا إذا عُدِمَ اللُّزُومُ مِن أصْلِهِ بَيْنَ طَرَفَيْها فَهي اتِّفاقِيَّةٌ، ومِثالُها: كَلِمَةُ كانَ الإنْسانُ ناطِقًا كانَ الحِمارُ ناهِقًا، وبِسَبَبِ عَدَمِ التَّنَبُّهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرْطِيَّةِ اللُّزُومِيَّةِ، والشَّرْطِيَّةِ الِاتِّفاقِيَّةِ ارْتَبَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ والبَلاغِيِّينَ في الكَلامِ عَلى مَعْنى ”لَوْ“ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَجْمَعُوا في (p-٣١٦)المَعْنى بَيْنَ قَوْلِكَ: لَوْ كانَتِ الشَّمْسُ طالِعَةً لَكانَ النَّهارُ مَوْجُودًا، وبَيْنَ قَوْلِكَ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، مَعَ أنَّ الشَّرْطَ سَبَبٌ في الجَزاءِ في الأوَّلِ؛ لِأنَّها شَرْطِيَّةٌ لُزُومِيَّةٌ، ولا رَبْطَ بَيْنَهُما في الثّانِي لِأنَّها شَرْطِيَّةٌ اتِّفاقِيَّةٌ، ولا شَكَّ أنَّ مَن أرادَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ المُفْتَرِقِينَ ارْتَبَكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ غَفُورٌ، أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، وأنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ يَرْحَمُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَرْحَمُ الخَلائِقَ في الدُّنْيا. وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ شامِلَةٌ لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا إلّا الشِّرْكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] . وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ رَحْمَتَهُ واسِعَةٌ، وأنَّهُ سَيَكْتُبُها لِلْمُتَّقِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ سِعَةَ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ: كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]، وقَوْلِـهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ مَعَ سِعَةِ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ شَدِيدُ العِقابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ [الرعد: ٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ [غافر: ٣]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لَوْ يُؤاخِذُ النّاسَ بِما كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ كالكُفْرِ والمَعاصِي لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ لِشَناعَةِ ما يَرْتَكِبُونَهُ، ولَكِنَّهُ حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ، فَهو يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ. وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ مُسْتَوْفًى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ وإنْ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ العَذابَ في الحالِ فَلَيْسَ غافِلًا عَنْهم ولا تارِكًا (p-٣١٧)عَذابَهم، بَلْ هو تَعالى جاعِلٌ لَهم مَوْعِدًا يُعَذِّبُهم فِيهِ، لا يَتَأخَّرُ العَذابُ عَنْهُ ولا يَتَقَدَّمُ. وَبَيَّنَ هَذا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في ”النَّحْلِ“: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]، وقَوْلِـهِ في آخِرِ سُورَةِ ”فاطِرٍ“: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] . وَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُؤَخِّرُ شَيْئًا عَنْ وقْتِهِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ ولا يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ [المنافقون: ١١]، وقَوْلِـهِ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ الآيَةَ [نوح: ٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٧]، أيْ: مَلْجَأً يَلْجَئُونَ إلَيْهِ فَيَعْتَصِمُونَ بِهِ مِن ذَلِكَ العَذابِ المَجْعُولِ لَهُ المَوْعِدُ المَذْكُورُ، وهو اسْمُ مَكانٍ، مِن وألَ يَئِلُ وأْلًا ووُءُولًا بِمَعْنى لَجَأ، ومَعْلُومٌ في فَنِّ الصَّرْفِ أنَّ واوِيَّ الفاءِ مِنَ الثُّلاثِيِّ يَنْقاسُ مَصْدَرُهُ المِيمِيُّ واسْمُ مَكانِهِ وزَمانِهِ عَلى المَفْعِلِ بِكَسْرِ العَيْنِ كَما هُنا، ما لَمْ يَكُنْ مُعْتَلَّ اللّامِ فالقِياسُ فِيهِ الفَتْحُ كالمَوْلى، والعَرَبُ تَقُولُ: لا وألَتْ نَفْسُهُ، أيْ: لا وجَدَتْ مَنجًى تَنْجُو بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا وألَتْ نَفْسُكَ خَلَّيْتَها لِلْعامِرِيَّيْنِ ولَمْ تُكْلَمِ وَقالَ الأعْشى: ؎وَقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثُمَّ ما يَئِلُ أيْ ما يَنْجُو. وَأقْوالُ المُفَسِّرِينَ في ”المَوْئِلِ“ راجِعَةٌ إلى ما ذَكَرْنا، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: مَوْئِلًا مَحِيصًا، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ مَنجًى، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ مُحْرِزًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ بِمَعْنى ما ذَكَرْنا. (p-٣١٨)وَقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ القُرى الماضِيَةَ لَمّا ظَلَمَتْ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ والعِنادِ واللَّجاجِ في الكُفْرِ والمَعاصِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ. وَهَذا الإجْمالُ في تَعْيِينِ هَذِهِ القُرى وأسْبابِ هَلاكِها، وأنْواعِ الهَلاكِ الَّتِي وقَعَتْ بِها جاءَ مُفَصَّلًا في آياتٍ أُخَرَ كَثِيرَةٍ، كَما جاءَ في القُرْآنِ مِن قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ صالِحٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ، وقَوْمِ مُوسى، كَما تَقَدَّمَ بَعْضُ تَفاصِيلِهِ، والقُرى: جَمْعُ قَرْيَةٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ عَلى ”فُعَلٍ“ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ لا يَنْقاسُ إلّا في جَمْعِ ”فُعْلَةٍ“ بِالضَّمِّ اسْمًا كَغُرْفَةٍ وقِرْبَةٍ، أوْ ”فُعْلى“ إذا كانَتْ أُنْثى الأفْعَلِ خاصَّةً، كالكُبْرى والكُبَرِ، كَما أشارَ لِذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: وَفُعَلٌ جَمْعًا لِفِعْلَةٍ عُرِفْ ونَحْوُ كُبْرى. . . إلَخْ أيْ: وأمّا في غَيْرِ ذَلِكَ فَسَماعٌ يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ، وزادَ في التَّسْهِيلِ نَوْعًا ثالِثًا يَنْقاسُ فِيهِ ”فُعَلٌ“ بِضَمٍّ فَفَتَحَ، وهو الفُعُلَةُ بِضَمَّتَيْنِ إنْ كانَ اسْمًا كَجُمُعَةٍ وجُمَعٍ، واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ القُرى﴾ [الكهف: ٥٩]، إنَّما أُشِيرُ بِهِ لَهم لِأنَّهم يَمُرُّونَ عَلَيْها في أسْفارِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُـهُ ”وَتِلْكَ“ مُبْتَدَأٌ و ”القُرى“ صِفَةٌ لَهُ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وقَوْلُـهُ: ”أهْلَكْناهم“ هو الخَبَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ هو ”القُرى“ وجُمْلَةُ ”أهْلَكْناهم“ في مَحَلِّ حالٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”وَتِلْكَ“ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ العامِلُ المُشْتَغِلُ بِالضَّمِيرِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎إنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سابِقٍ فِعْلًا شَغَلْ ∗∗∗ عَنْهُ بِنَصْبِ لَفْظِهِ أوِ المَحَلْ ؎فالسّابِقَ انْصِبْهُ بِفِعْلٍ أُضْمِرا ∗∗∗ حَتْمًا مُوافِقٌ لِما قَدْ أُظْهِرا وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩]، قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدا عاصِمًا بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، وهو مُحْتَمَلٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا، أيْ: جَعَلْنا لِإهْلاكِهِمْ مَوْعِدًا، وأنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ، أيْ: (p-٣١٩)وَجَعَلْنا لِوَقْتِ إهْلاكِهِمْ مَوْعِدًا، وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ الصَّرْفِ أنَّ كُلَّ فِعْلٍ زادَ ماضِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ مُطْلَقًا فالقِياسُ في مَصْدَرِهِ المِيمِيِّ واسْمِ مَكانِهِ واسْمِ زَمانِهِ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، والمُهْلِكُ بِضَمِّ المِيمِ مَن أهْلَكَهُ الرُّباعِيُّ، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”لِمَهْلِكِهِمْ“ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وقَرَأهُ شُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ ”لِمَهْلَكِهِمْ“ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ مَعًا، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ اسْمُ زَمانٍ، أيْ: وجَعَلْنا لِوَقْتِ هَلاكِهِمْ مَوْعِدًا؛ لِأنَّهُ مِن هَلَكَ يَهْلِكُ بِالكَسْرِ، وما كانَ ماضِيهِ عَلى ”فَعَلَ“ بِالفَتْحِ ومُضارِعُهُ ”يَفْعِلُ“ بِالكَسْرِ كَهَلَكَ يَهْلِكُ، وضَرَبَ يَضْرِبُ، ونَزَلَ يَنْزِلُ فالقِياسُ في اسْمِ مَكانِهِ وزَمانِهِ ”المَفْعِلُ“ بِالكَسْرِ، وفي مَصْدَرِهِ المِيمِيِّ المَفْعَلُ بِالفَتْحِ، تَقُولُ هَذا مَنزِلُهُ بِالكَسْرِ أيْ: مَكانُ نُزُولِهِ أوْ وقْتُ نُزُولِهِ، وهَذا ”مَنزَلُهُ“ بِفَتْحِ الزّايِ، أيْ: نُزُولُهُ، وهَكَذا، مِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أإنْ ذَكَّرَتْكَ الدّارُ مَنزَلَها جُمْلُ ∗∗∗ بَكَيْتَ فَدَمْعُ العَيْنِ مُنْحَدِرٌ سَجْلُ فَقَوْلُهُ: ”مَنزَلَها جُمْلُ“ بِالفَتْحِ، أيْ: نُزُولٌ جُمْلُ إيّاها وبِهِ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلى قِراءَةِ شُعْبَةَ ”لِمَهْلَكِهِمْ“ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: وجَعَلْنا لِهَلاكِهِمْ مَوْعِدًا، والمَوْعِدُ: الوَقْتُ المُحَدَّدُ لِوُقُوعِ ذَلِكَ فِيهِ. * * تَنْبِيهٌ لَفْظَةُ ”لَمّا“ تَرِدُ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ: الأوَّلُ: لَمّا النّافِيَةُ الجازِمَةُ لِلْمُضارِعِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤٢]، وهَذِهِ حَرْفٌ بِلا خِلافٍ، وهي مُخْتَصَّةٌ بِالمُضارِعِ، والفَوارِقُ المَعْنَوِيَّةُ بَيْنَها وبَيْنَ لَمِ النّافِيَةِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، ومِمَّنْ أوْضَحَها ابْنُ هِشامٍ وغَيْرُهُ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ حَرْفَ اسْتِثْناءٍ بِمَعْنى إلّا، فَتَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، في قِراءَةِ مَن شَدَّدَ ”لَمّا“ أيْ: ما كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، ومِن هَذا النَّوْعِ قَوْلُ العَرَبِ: أنْشُدُكَ اللَّهَ لَمّا فَعَلْتَ؛ أيْ: ما أسْألُكَ إلّا فِعْلَكَ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎قالَتْ لَهُ بِاللَّهِ يا ذا البُرْدَيْنِ لَمّا غَنِثْتَ نَفَسًا أوْ نَفَسَيْنِ (p-٣٢٠)فَقَوْلُها ”غَنِثْتَ“ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ونُونٍ مَكْسُورَةٍ وثاءٍ مُثَلَّثَةٍ مُسْنَدًا لِتاءِ المُخاطَبِ، والمُرادُ بِقَوْلِها ”غَنِثْتَ“ تَنَفَّسْتَ في الشُّرْبِ، كَنَتَ بِذَلِكَ عَنِ الجِماعِ، تُرِيدُ عَدَمَ مُتابَعَتِهِ لِذَلِكَ، وأنْ يَتَنَفَّسَ بَيْنَ ذَلِكَ، وهَذا النَّوْعُ حَرْفٌ أيْضًا بِلا خِلافٍ، وبَعْضُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: إنَّهُ لُغَةُ هُذَيْلٍ. الثّالِثُ مِن أنْواعِ ”لَمّا“ هو النَّوْعُ المُخْتَصُّ بِالماضِي المُقْتَضِي جُمْلَتَيْنِ، تُوجَدُ ثانِيَتُهُما عِنْدَ وُجُودِ أُولاهُما، كَقَوْلِهِ: ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾، أيْ: لَمّا ظَلَمُوا أهْلَكْناهم، فَما قَبْلَها دَلِيلٌ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، وهَذا النَّوْعُ هو الغالِبُ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ”وَلَمّا“ هَذِهِ الَّتِي تَقْتَضِي رَبْطَ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةٍ اخْتَلَفَ فِيها النَّحْوِيُّونَ: هَلْ هي حِرَفٌ، أوِ اسْمٌ، وخِلافُهم فِيها مَشْهُورٌ، ومِمَّنِ انْتَصَرَ لِأنَّها حَرْفٌ ابْنُ خَرُوفٍ وغَيْرُهُ، ومِمَّنِ انْتَصَرَ لِأنَّها اسْمٌ ابْنُ السَّرّاجِ والفارِسِيُّ وابْنُ جِنِّيٍّ وغَيْرُهم، وجَوابُ ”لَمّا“ هَذِهِ يَكُونُ فِعْلًا ماضِيًا بِلا خِلافٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٦٧]، ويَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مَقْرُونَةً بِـ ”إذا“ الفُجائِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، أوْ مَقْرُونَةً بِالفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ الآيَةَ [لقمان: ٣٢]، ويَكُونُ جَوابُها فِعْلًا مُضارِعًا كَما قالَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٧٤]، وبَعْضُ ما ذَكَرْنا لا يَخْلُو مِن مُناقَشَةٍ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، ولَكِنَّهُ هو الظّاهِرُ. هَذِهِ الأنْواعُ الثَّلاثَةُ، هي الَّتِي تَأْتِي لَها ”لَمّا“ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ. أمّا ”لَمّا“ المُتَرَكِّبَةُ مِن كَلِماتٍ أوْ كَلِمَتَيْنِ فَلَيْسَتْ مِن ”لَمّا“ الَّتِي كَلامُنا فِيها؛ لِأنَّها غَيْرُها، فالمُرَكَّبَةُ مِن كَلِماتٍ كَقَوْلِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ﴾ [هود: ١١١]، في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَشْدِيدِ نُونِ ”إنَّ“ ومِيمِ ”لَمّا“ عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ الأصْلَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: لَمِن ما بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ، وما بِمَعْنى مِن، أيْ: وإنَّ كُلًّا لَمِن جُمْلَةِ ما يُوَفِّيهِمْ رَبُّكَ أعْمالَهم، فَأُبْدِلَتْ نُونُ ”مِن“ مِيمًا وأُدْغِمَتْ في ما، فَلَمّا كَثُرَتِ المِيماتُ حُذِفَتِ الأُولى فَصارَ لَمًّا، وعَلى هَذا القَوْلِ: فَـ ”لَمّا“ مُرَكَّبَةٌ مِن ثَلاثِ كَلِماتٍ: الأوْلى الحَرْفُ الَّذِي هو اللّامُ، والثّانِيَةُ مِن، والثّالِثَةُ ما، وهَذا القَوْلُ وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ لا يَخْفى ضَعْفُهُ وبُعْدُهُ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَصْدُنا مُطْلَقُ التَّمْثِيلِ لِـ ”لَمّا“ المُرَكَّبَةِ مِن كَلِماتٍ عَلى (p-٣٢١)قَوْلِ مَن قالَ بِذَلِكَ، وأمّا المُرَكَّبَةُ مِن كَلِمَتَيْنِ فَكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَمّا رَأيْتُ أبا يَزِيدَ مُقاتِلًا ∗∗∗ أدَعُ القِتالَ وأشْهَدُ الهَيْجاءَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”لَمّا“ في هَذا البَيْتِ، مُرَكَّبَةٌ مِن ”لَنِ“ النّافِيَةِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ و ”ما“ المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: لَنْ أدَعَ القِتالَ ما رَأيْتُ أبا يَزِيدَ مُقاتِلًا، أيْ: مُدَّةَ رُؤْيَتِي لَهُ مُقاتِلًا.

الكهف 18:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مُوسى وفَتاهُ نَصَبا حُوتَهُما لَمّا بَلَغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، ولَكِنَّهُ تَعالى أوْضَحَ أنَّ النِّسْيانَ واقِعٌ مِن فَتى مُوسى؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي كانَ تَحْتَ يَدِهِ الحُوتُ، وهو الَّذِي نَسِيَهُ، وإنَّما أسْنَدَ النِّسْيانَ إلَيْهِما؛ لِأنَّ إطْلاقَ المَجْمُوعِ مُرادًا بَعْضُهُ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ أوْضَحْنا أنَّ مَن أظْهَرِ أدِلَّتِهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: ﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، مِنَ القَتْلِ في الفِعْلَيْنِ لا مِنَ القِتالِ، أيْ: فَإنْ قَتَلُوا بَعْضَكم فَلْيَقْتُلْهم بَعْضُكُمُ الآخَرُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ النِّسْيانَ إنَّما وقَعَ مِن فَتى مُوسى دُونَ مُوسى قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُما: ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٦٢]؛ لِأنَّ قَوْلَ مُوسى: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾ يَعْنِي بِهِ الحُوتَ فَهو يَظُنُّ أنَّ فَتاهُ لَمْ يَنْسَهُ، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقَدْ صَرَّحَ فَتاهُ: بِأنَّهُ نَسِيَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ الآيَةَ. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾، دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّسْيانَ مِنَ الشَّيْطانِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ١٩] . وَفَتى مُوسى هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ [الكهف: ٦١]، عائِدٌ إلى ”البَحْرَيْنِ“ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . الآيَةَ [الكهف: ٦٠]، والمَجْمَعُ: اسْمُ مَكانٍ عَلى القِياسِ، أيْ: مَكانَ اجْتِماعِهِما. والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ في تَعْيِينِ ”البَحْرَيْنِ“ المَذْكُورَيْنِ، فَذَهَبَ أكْثَرُهم إلى أنَّهُما بَحْرُ (p-٣٢٢)فارِسَ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وبَحْرُ الرُّومِ مِمّا يَلِي المَغْرِبَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ عِنْدَ طَنْجَةَ في أقْصى بِلادِ المَغْرِبِ ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: هُما الكَرُّ والرَّأْسُ حَيْثُ يَصُبّانِ في البَحْرِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ ذِراعٌ في أرْضِ فارِسَ مِن جِهَةِ أذْرَبِيجانَ، يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ مِن شَمالِهِ إلى جَنُوبِهِ، وطَرَفَيْهِ مِمّا يَلِي بَرَّ الشّامِ، وقِيلَ: هُما بَحْرُ الأُرْدُنِ والقُلْزُمِ، وعَنِ ابْنِ المُبارَكِ قالَ: قالَ بَعْضُهم بَحْرُ أرْمِينِيَّةَ، وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: بِإفْرِيقِيَّةَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَعْيِينَ ”البَحْرَيْنِ“ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي قَدَّمْنا أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولَيْسَ في مَعْرِفَتِهِ فائِدَةٌ، فالبَحْثُ عَنْهُ تَعَبٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ، ولَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وزَعَمَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ: أنَّ مُوسى لَمْ يُسافِرْ إلى مَجْمَعِ بَحْرَيْنِ، بِدَعْوى أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ في تارِيخِهِ، زَعْمٌ في غايَةِ الكَذِبِ والبُطْلانِ، ويَكْفِي في القَطْعِ بِذَلِكَ أنَّهُ مُناقِضٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ الآيَةَ [الكهف: ٦١]، مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّهُ سَفَرٌ فِيهِ مَشَقَّةٌ وتَعَبٌ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في بَعِيدِ السَّفَرِ، ولِذا قالَ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، ومَعْلُومٌ أنَّ ما ناقَضَ القُرْآنَ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ نَقِيضَ الحَقِّ باطِلٌ بِإجْماعِ العُقَلاءِ لِاسْتِحالَةِ صِدْقِ النَّقِيضَيْنِ مَعًا. وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾، قَرَأهُ عامَّةُ القُرّاءِ ما عَدا حَفْصًا ”أنْسانِيهِ“ بِكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”أنْسانِيهُ“ بِضَمِّ الهاءِ.

الكهف 18:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾، هَذا العَبْدُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هو الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإجْماعِ العُلَماءِ، ودَلالَةُ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ عَلى ذَلِكَ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذِهِ الرَّحْمَةُ والعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ اللَّذانِ ذَكَرَ اللَّهُ امْتِنانَهُ عَلَيْهِ بِهِما لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ هُما رَحْمَةُ النُّبُوَّةِ وعِلْمُها، أوْ رَحْمَةُ الوَلايَةِ وعِلْمُها، والعُلَماءُ مُخْتَلِفُونَ في الخَضِرِ: هَلْ هو نَبِيٌّ، أوْ رَسُولٌ، أوْ ولِيٌّ، كَما قالَ الرّاجِزُ: ؎واخْتَلَفَتْ في خَضِرٍ أهْلُ العُقُولِ قِيلَ نَبِيٌّ أوْ ولِيٌّ أوْ رَسُولُ وَقِيلَ مَلَكٌ، ولَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الآياتِ أنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ المَذْكُورَةَ هُنا رَحْمَةُ نُبُوَّةٍ، وأنَّ هَذا العِلْمَ اللَّدُنِّيَّ عِلْمُ وحْيٍ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ في الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى ذَلِكَ مُناقَشاتٍ مَعْرُوفَةً عِنْدَ العُلَماءِ. اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ الرَّحْمَةَ تَكَرَّرَ إطْلاقُها عَلى النُّبُوَّةِ في القُرْآنِ، وكَذَلِكَ العِلْمُ المُؤْتى (p-٣٢٣)مِنَ اللَّهِ تَكَرَّرَ إطْلاقُهُ فِيهِ عَلى عِلْمِ الوَحْيِ، فَمِن إطْلاقِ الرَّحْمَةِ عَلى النُّبُوَّةِ قَوْلُهُ تَعالى في ”الزُّخْرُفِ“: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣١]، أيْ: نُبُوَّتَهُ حَتّى يَتَحَكَّمُوا في إنْزالِ القُرْآنِ عَلى رَجُلٍ عَظِيمٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ، وقَوْلُـهُ تَعالى في سُورَةِ ”الدُّخانِ“: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٤ - ٥]، وقَوْلُـهُ تَعالى في آخِرِ ”القَصَصِ“: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨٦]، ومِن إطْلاقِ إيتاءِ العِلْمِ عَلى النُّبُوَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٦٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَمَعْلُومٌ أنَّ الرَّحْمَةَ وإيتاءَ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ أعَمُّ مِن كَوْنِ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ النُّبُوَّةِ وغَيْرِها، والِاسْتِدْلالُ بِالأعَمِّ عَلى الأخَصِّ فِيهِ أنَّ وُجُودَ الأعَمِّ لا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الأخَصِّ كَما هو مَعْرُوفٌ، ومِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ في أنَّ الرَّحْمَةَ والعِلْمَ اللَّدُنِّيَّ اللَّذَيْنِ امْتَنَّ اللَّهُ بِهِما عَلى عَبْدِهِ الخَضِرِ عَنْ طَرِيقِ النُّبُوَّةِ والوَحْيِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، أيْ: وإنَّما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، وأمْرُ اللَّهِ إنَّما يَتَحَقَّقُ عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ، إذْ لا طَرِيقَ تُعْرَفُ بِها أوامِرُ اللَّهِ ونَواهِيهِ إلّا الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، ولا سِيَّما قَتْلُ الأنْفُسِ البَرِيئَةِ في ظاهِرِ الأمْرِ، وتَعْيِيبُ سُفُنِ النّاسِ بِخَرْقِها؛ لِأنَّ العُدْوانَ عَلى أنْفُسِ النّاسِ وأمْوالِهِمْ لا يَصِحُّ إلّا عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ حَصَرَ تَعالى طُرُقَ الإنْذارِ في الوَحْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]، و ”إنَّما“ صِيغَةُ حَصْرٍ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الإلْهامِ ؟ فالجَوابُ أنَّ المُقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الإلْهامَ مِنَ الأوْلِياءِ لا يَجُوزُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى شَيْءٍ، لِعَدَمِ العِصْمَةِ، وعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِهِ، بَلْ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ جَوازِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ، وما يَزْعُمُهُ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ مِن جَوازِ العَمَلِ بِالإلْهامِ في حَقِّ المُلْهَمِ دُونَ غَيْرِهِ، وما يَزْعُمُهُ بَعْضُ الجَبْرِيَّةِ أيْضًا مِنَ الِاحْتِجاجِ بِالإلْهامِ في حَقِّ المُلْهَمِ وغَيْرِهِ جاعِلِينَ الإلْهامَ كالوَحْيِ المَسْمُوعِ مُسْتَدِلِّينَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وبِخَبَرِ «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» كُلُّهُ باطِلٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ اعْتِضادِهِ بِدَلِيلٍ، وغَيْرُ المَعْصُومِ لا ثِقَةَ بِخَواطِرِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَأْمَنُ دَسِيسَةَ الشَّيْطانِ، وقَدْ ضُمِنَتِ الهِدايَةُ في اتِّباعِ الشَّرْعِ، ولَمْ تُضْمَن في اتِّباعِ الخَواطِرِ والإلْهاماتِ، والإلْهامُ في الِاصْطِلاحِ: إيقاعُ شَيْءٍ (p-٣٢٤)فِي القَلْبِ يُثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ مِن غَيْرِ اسْتِدْلالٍ بِوَحْيٍ ولا نَظَرٍ في حُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ، يَخْتَصُّ اللَّهُ بِهِ مَن يَشاءُ مَن خَلْقِهِ، أمّا ما يُلْهَمُهُ الأنْبِياءُ مِمّا يُلْقِيهِ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ فَلَيْسَ كَإلْهامِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهم مَعْصُومُونَ بِخِلافِ غَيْرِهِمْ، قالَ في مَراقِي السُّعُودِ في كِتابِ الِاسْتِدْلالِ: وَيُنْبَذُ الإلْهامُ بِالعَراءِ أعْنِي بِهِ إلْهامَ الأوْلِياءِ وقَدْ رَآهُ بَعْضُ مَن تَصَوَّفا وعِصْمَةُ النَّبِيِّ تُوجِبُ اقْتَفا وبِالجُمْلَةِ، فَلا يَخْفى عَلى مَن لَهُ إلْمامٌ بِمَعْرِفَةِ دِينِ الإسْلامِ أنَّهُ لا طَرِيقَ تُعْرَفُ بِها أوامِرُ اللَّهِ ونَواهِيهِ، وما يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِهِ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ إلّا عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ، فَمَنِ ادَّعى أنَّهُ غَنِيٌّ في الوُصُولِ إلى ما يُرْضِي رَبَّهُ عَنِ الرُّسُلِ، وما جاءُوا بِهِ ولَوْ في مَسْألَةٍ واحِدَةٍ فَلا شَكَّ في زَنْدَقَتِهِ، والآياتُ والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى هَذا لا تُحْصى، قالَ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولَمْ يَقُلْ حَتّى نُلْقِيَ في القُلُوبِ إلْهامًا، وقالَ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقالَ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ الآيَةَ [طه: ١٣٤]، والآياتُ والأحادِيثُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ بَيَّنّا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ ما يَدَّعِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ المُدَّعِينَ التَّصَوُّفَ مِن أنَّ لَهم ولِأشْياخِهِمْ طَرِيقًا باطِنَةً تُوافِقُ الحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ ولَوْ كانَتْ مُخالِفَةً لِظاهِرِ الشَّرْعِ، كَمُخالَفَةِ ما فَعَلَهُ الخَضِرِ لِظاهِرِ العِلْمِ الَّذِي عِنْدَ مُوسى، زَنْدَقَةٌ، وذَرِيعَةٌ إلى الِانْحِلالِ بِالكُلِّيَّةِ مِن دِينِ الإسْلامِ، بِدَعْوى أنَّ الحَقَّ في أُمُورٍ باطِنَةٍ تُخالِفُ ظاهِرَهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِهِ ما نَصُّهُ: قالَ شَيْخُنا الإمامُ أبُو العَبّاسِ: ذَهَبَ قَوْمٌ مِن زَنادِقَةِ الباطِنِيَّةِ إلى سُلُوكِ طَرِيقٍ لا تَلْزَمُ مِنهُ هَذِهِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ فَقالُوا: هَذِهِ الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ العامَّةُ إنَّما يُحْكَمُ بِها عَلى الأنْبِياءِ والعامَّةِ، وأمّا الأوْلِياءُ وأهْلُ الخُصُوصِ فَلا يَحْتاجُونَ إلى تِلْكَ النُّصُوصِ، بَلْ إنَّما يُرادُ مِنهم ما يَقَعُ في قُلُوبِهِمْ، ويُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِما يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ مِن خَواطِرِهِمْ، وقالُوا: وذَلِكَ لِصَفاءِ قُلُوبِهِمْ عَنِ الأكْدارِ، وخُلُوِّها عَنِ الأغْيارِ، فَتَتَجَلّى لَهُمُ العُلُومُ الإلَهِيَّةُ، والحَقائِقُ الرَّبّانِيَّةُ، فَيَقِفُونَ عَلى أسْرارِ الكائِناتِ، ويَعْلَمُونَ أحْكامَ الجُزْئِيّاتِ، فَيَسْتَغْنُونَ بِها عَنْ أحْكامِ الشَّرائِعِ الكُلِّيّاتِ، كَما اتَّفَقَ لِلْخَضِرِ فَإنَّهُ اسْتَغْنى بِما تَجَلّى لَهُ مِنَ العُلُومِ عَمّا كانَ عِنْدَ مُوسى مِن تِلْكَ الفُهُومِ، وقَدْ جاءَ فِيما (p-٣٢٥)يَنْقُلُونَ ”اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وإنْ أفْتاكَ المُفْتُونَ“، قالَ شَيْخُنا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ زَنْدَقَةٌ وكُفْرٌ، يُقْتَلُ قائِلُهُ ولا يُسْتَتابُ؛ لِأنَّهُ إنْكارُ ما عُلِمَ مِنَ الشَّرائِعِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أجْرى سُنَّتَهُ، وأنْفَذَ حِكْمَتَهُ بِأنَّ أحْكامَهُ لا تُعْلَمُ إلّا بِواسِطَةِ رُسُلِهِ السُّفَراءِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ، وهُمُ المُبَلِّغُونَ عَنْهُ رِسالَتَهُ وكَلامَهُ، المُبَيِّنُونَ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ، اخْتارَهم لِذَلِكَ وخَصَّهم بِما هُنالِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]، وقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقالَ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَعَلى الجُمْلَةِ، فَقَدْ حَصَلَ العِلْمُ القَطْعِيُّ واليَقِينُ الضَّرُورِيُّ، واجْتِماعُ السَّلَفِ والخَلَفِ عَلى أنْ لا طَرِيقَ لِمَعْرِفَةِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي راجِعَةٌ إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ولا يُعْرَفُ شَيْءٌ مِنها إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ، فَمَن قالَ إنَّ هُناكَ طَرِيقًا أُخْرى يُعْرَفُ بِها أمْرُهُ ونَهْيُهُ غَيْرَ الرُّسُلِ حَيْثُ يَسْتَغْنِي عَنِ الرُّسُلِ فَهو كافِرٌ يُقْتَلُ ولا يُسْتَتابُ، ولا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى سُؤالٍ وجَوابٍ، ثُمَّ هو قَوْلٌ بِإثْباتِ أنْبِياءَ بَعْدَ نَبِيِّنا ﷺ، الَّذِي قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ خاتَمَ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، فَلا نَبِيَّ بَعْدَهُ ولا رَسُولَ. وَبَيانُ ذَلِكَ أنَّ مَن قالَ: يَأْخُذُ عَنْ قَلْبِهِ، وأنَّ ما يَقَعُ فِيهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ يَعْمَلُ بِمُقْتَضاهُ، وأنَّهُ ولا يَحْتاجُ مَعَ ذَلِكَ إلى كِتابٍ ولا سُنَّةٍ فَقَدْ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ خاصَّةَ النُّبُوَّةِ، فَإنَّ هَذا نَحْوُ ما قالَهُ ﷺ: ”«إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي» .“ الحَدِيثَ، انْتَهى مِن تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ. وَما ذَكَرَهُ في كَلامِ شَيْخِهِ المَذْكُورِ مِن أنَّ الزِّنْدِيقَ لا يُسْتَتابُ هو مَذْهَبُ مالِكٍ ومَن وافَقَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أقْوالَ العُلَماءِ في ذَلِكَ وأدِلَّتَهم، وما يُرَجِّحُهُ الدَّلِيلُ في كِتابِنا ) دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ (في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“، وما يَسْتَدِلُّ بِهِ بَعْضُ الجَهَلَةِ مِمَّنْ يَدَّعِي التَّصَوُّفَ عَلى اعْتِبارِ الإلْهامِ مِن ظَواهِرِ بَعْضِ النُّصُوصِ كَحَدِيثِ «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ» لا دَلِيلَ فِيهِ البَتَّةَ عَلى اعْتِبارِ الإلْهامِ: لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ أنَّ المُفْتِيَ الَّذِي تُتَلَقّى الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ مِن قِبَلِهِ القَلْبُ، بَلْ مِنَ الحَدِيثِ: التَّحْذِيرُ مِنَ الشُّبَهِ؛ لِأنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ والحَلالَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ لا يَعْلَمُها كُلُّ النّاسِ. فَقَدْ يُفْتِيكَ المُفْتِي بِحِلِّيَّةِ شَيْءٍ وأنْتَ تَعْلَمُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَرامًا، وذَلِكَ بِاسْتِنادٍ إلى الشَّرْعِ، فَإنَّ قَلْبَ المُؤْمِنِ لا يَطْمَئِنُّ لِما فِيهِ الشُّبْهَةُ، والحَدِيثُ، كَقَوْلِهِ «دَعْ ما (p-٣٢٦)يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» وقَوْلِـهِ ﷺ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ ما حاكَ في نَفْسِكَ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ» رَواهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «وَحَدِيثِ وابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المُشارِ إلَيْهِ قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”جِئْتَ تَسْألُ عَنِ البِرِّ“ ؟ قُلْتُ نَعَمْ: قالَ: ”اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، البِرُّ ما اطْمَأنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ واطْمَأنَّ إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ»“ قالَ النَّوَوِيُّ في) رِياضِ الصّالِحِينَ (: حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَواهُ أحْمَدُ والدّارِمِيُّ في مُسْنَدَيْهِما، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِهَذا الحَدِيثِ ونَحْوِهِ الحَثُّ عَلى الوَرَعِ وتَرْكِ الشُّبُهاتِ، فَلَوِ التَبَسَتْ مَثَلًا مَيِّتَةٌ بِمُذَكّاةٍ، أوِ امْرَأةٌ مَحْرَمٌ بِأجْنَبِيَّةٍ، وأفْتاكَ بَعْضُ المُفْتِينَ بِحِلِّيَّةِ إحْداهُما لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ هي المُذَكّاةُ في الأوَّلِ، والأجْنَبِيَّةُ في الثّانِي، فَإنَّكَ إذا اسْتَفْتَيْتَ قَلْبَكَ عَلِمْتَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي المَيِّتَةُ أوِ الأُخْتُ، وأنَّ تَرْكَ الحَرامِ والِاسْتِبْراءَ لِلدِّينِ والعِرْضِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِتَجَنُّبِ الجَمِيعِ؛ لِأنَّ ما لا يَتِمُّ تَرْكُ الحَرامِ إلّا بِتَرْكِهِ فَتَرْكُهُ واجِبٌ، فَهَذا يَحِيكُ في النَّفْسِ ولا تَنْشَرِحُ لَهُ، لِاحْتِمالِ الوُقُوعِ في الحَرامِ فِيهِ كَما تَرى، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ لِنُصُوصِ الشَّرْعِ لا لِلْإلْهامِ. وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِن كَلامِ أهْلِ الصُّوفِيَّةِ المَشْهُودِ لَهم بِالخَيْرِ والدِّينِ والصَّلاحِ قَوْلُ الشَّيْخِ أبِي القاسِمِ الجُنَيْدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الجُنَيْدِ الخَزّازِ القَوارِيرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (مَذْهَبُنا هَذا مُقَيَّدٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ)، نَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُ واحِدٍ مِمَّنْ تَرْجَمَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ، كابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ خِلِّكانَ وغَيْرِهِما، ولا شَكَّ أنَّ كَلامَهُ المَذْكُورَ هو الحَقُّ، فَلا أمْرَ ولا نَهْيَ إلّا عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِهَذا كُلُّهُ تَعْلَمُ أنَّ قَتْلَ الخَضِرِ لِلْغُلامِ، وخَرْقَهُ لِلسَّفِينَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾، دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى نُبُوَّتِهِ. وعَزا الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ القَوْلَ بِنُبُوَّتِهِ لِلْأكْثَرِينَ، ومِمّا يَسْتَأْنِسُ بِهِ لِلْقَوْلِ بِنُبُوَّتِهِ تَواضُعُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، مَعَ قَوْلِ الخَضِرِ لَهُ ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، [الكهف: ٦٨] . * * مَسْألَةٌ اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في الخَضِرِ: هَلْ هو حَيٌّ إلى الآنِ، أوْ هو غَيْرُ حَيٍّ، بَلْ مِمَّنْ ماتَ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ ؟ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ حَيٌّ، وأنَّهُ شَرِبَ مِن (p-٣٢٧)عَيْنٍ تُسَمّى عَيْنَ الحَياةِ، ومِمَّنْ نَصَرَ القَوْلَ بِحَياتِهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، والنَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، وابْنُ الصَّلاحِ، والنَّقّاشُ وغَيْرُهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأطْنَبَ النَّقّاشُ لَهُ هَذا المَعْنى، يَعْنِي حَياةَ الخَضِرِ وبَقاءَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذِكَرَ في كِتابِهِ أشْياءَ كَثِيرَةً عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وكُلُّها لا تَقُومُ عَلى ساقٍ انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ في تَفْسِيرِهِ. وَحِكاياتُ الصّالِحِينَ عَنِ الخَضِرِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصَرَ، ودَعْواهم أنَّهُ يَحُجُّ هو وإلْياسُ كُلَّ سَنَةٍ، ويَرْوُونَ عَنْهُما بَعْضَ الأدْعِيَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، ومُسْتَنَدُ القائِلِينَ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ غالِبَهُ حِكاياتٌ عَنْ بَعْضِ مَن يُظَنُّ بِهِ الصَّلاحُ، ومَناماتٌ وأحادِيثُ مَرْفُوعَةٌ عَنْ أنَسٍ وغَيْرِهِ، وكُلُّها ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. وَمِن أقْواهُ عِنْدَ القائِلِينَ بِهِ آثارُ التَّعْزِيَةِ حِينَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في تَمْهِيدِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا تُوَفِّي النَّبِيُّ ﷺ وسُجِّيَ بِثَوْبٍ هَتَفَ هاتِفٌ مِن ناحِيَةِ البَيْتِ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ ولا يَرَوْنَ شَخْصَهُ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٥]، إنَّ في اللَّهِ خَلَفًا مِن كُلِّ هالِكٍ، وعِوَضًا مِن كُلِّ تالِفٍ، وعَزاءً مِن كُلِّ مُصِيبَةٍ فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وإيّاهُ فارْجُوا، فَإنَّ المُصابَ مَن حُرِمَ الثَّوابَ، فَكانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ، يَعْنِي أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ، انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ في تَفْسِيرِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والِاسْتِدْلالُ عَلى حَياةِ الخَضِرِ بِآثارِ التَّعْزِيَةِ كَهَذا الأثَرِ الَّذِي ذَكَرْنا آنِفًا مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: وحَكى النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ في بَقاءِ الخَضِرِ إلى الآنِ، ثُمَّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَوْلَيْنِ، ومالَ هو وابْنُ الصَّلاحِ إلى بَقائِهِ، وذَكَرُوا في ذَلِكَ حِكاياتٍ عَنِ السَّلَفِ وغَيْرِهِمْ، وجاءَ ذِكْرُهُ في بَعْضِ الأحادِيثِ، ولا يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وأشْهَرُها حَدِيثُ التَّعْزِيَةِ وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ ا هـ، مِنهُ. الثّانِي: أنَّهُ عَلى فَرْضِ أنَّ حَدِيثَ التَّعْزِيَةِ صَحِيحٌ لا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عَقْلًا ولا شَرْعًا ولا عِرْفانًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُعَزِّي هو الخَضِرُ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ الخَضِرِ مِن مُؤْمِنِي الجِنِّ؛ لِأنَّ الجِنَّ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، ودَعْوى أنَّ ذَلِكَ المُعَزِّيَ هو الخَضِرُ تَحَكُّمٌ بِلا دَلِيلٍ، وقَوْلُـهم: كانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ الخَضِرُ لَيْسَ حُجَّةً يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْها؛ لِاحْتِمالِ أنْ يُخْطِئُوا في ظَنِّهِمْ، ولا يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى (p-٣٢٨)إجْماعٍ شَرْعِيٍّ مَعْصُومٍ، ولا مُتَمَسَّكَ لَهم في دَعْواهم أنَّهُ الخَضِرُ كَما تَرى. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ الخَضِرَ لَيْسَ بِحَيٍّ بَلْ تُوُفِّيَ، وذَلِكَ لِعِدَّةِ أدِلَّةٍ: الأوَّلُ: ظاهِرُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، فَقَوْلُهُ ”لِبَشَرٍ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهي تَعُمُّ كُلَّ بَشَرٍ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ الخُلْدِ عَنْ كُلِّ بَشَرٍ مِن قَبْلِهِ، والخَضِرُ بَشَرٌ مِن قَبْلِهِ، فَلَوْ كانَ شَرِبَ مِن عَيْنِ الحَياةِ وصارَ حَيًّا خالِدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَكانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ لِذَلِكَ البَشَرِ الَّذِي هو الخَضِرُ مِن قَبْلِهِ الخُلْدَ. الثّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ» فَقَدْ قالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمّارٍ، حَدَّثَنِي سِماكٌ الحَنَفِيُّ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ) ح (وحَدَّثَنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ واللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ، حَدَّثَنِي أبُو زُمَيْلٍ هو زَمِيلٌ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفٌ وأصْحابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فاسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ القِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: ”اللَّهُمَّ أنْجِزَ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ“ فَما زالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ عَنْ مَنكِبَيْهِ، فَأتاهُ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ رِداءَهُ فَألْقاهُ عَلى مَنكِبَيْهِ ثُمَّ التَزَمَهُ مِن ورائِهِ وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ كَفاكَ مُناشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، فَأمَدَّهُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ» . .، الحَدِيثَ، ومَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «لا تُعْبَدُ في الأرْضِ» فِعْلٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهو بِمَعْنى: لا تَقَعُ عِبادَةٌ لَكَ في الأرْضِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَنْحَلُّ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمَنٍ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، وعَنْ مَصْدَرٍ ونِسْبَةٍ وزَمَنٍ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ البَلاغِيِّينَ، فالمَصْدَرُ كامِنٌ في مَفْهُومِهِ إجْماعًا، فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ النَّفْيُ فَيُؤَوَّلُ إلى النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ وإلى كَوْنِ الفِعْلِ في سِياقِ النَّفْيِ والشَّرْطِ مِن صِيَغِ العُمُومِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما يُفِيدُ العُمُومَ:(p-٣٢٩) ؎وَنَحْوُ لا شَرِبْتُ أوْ إنْ شَرِبا واتَّفَقُوا إنْ مَصْدَرٌ قَدْ جَلَبا فَإذا عَلِمْتَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ» أيْ: لا تَقَعُ عِبادَةٌ لَكَ في الأرْضِ. فاعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ النَّفْيَ يَشْمَلُ بِعُمُومِهِ وُجُودَ الخَضِرِ حَيًّا في الأرْضِ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ وجُودِهِ حَيًّا في الأرْضِ فَإنَّ اللَّهَ يُعْبَدُ في الأرْضِ، ولَوْ عَلى فَرْضِ هَلاكِ تِلْكَ العِصابَةِ مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ الخَضِرَ ما دامَ حَيًّا فَهو يَعْبُدُ اللَّهَ في الأرْضِ، وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ، حَدَّثَنا خالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: ”اللَّهُمَّ أنْشُدُكَ عَهْدَكَ ووَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ“ فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقالَ: حَسْبُكَ ! فَخَرَجَ وهو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾» [القمر: ٤٥]، فَقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ» أيْ: إنْ شِئْتَ إهْلاكَ هَذِهِ الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الإسْلامِ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ، فَيَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الرِّوايَةِ الَّتِي ذَكَرْنا عَنْ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِالحَدِيثِ عَنْ وفاةِ الخَضِرِ. الثّالِثُ: إخْبارُهُ ﷺ بِأنَّهُ عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيها بِالحَدِيثِ لَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِ الأرْضِ أحَدٌ مِمَّنْ هو عَلَيْها تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا في الأرْضِ لَما تَأخَّرَ بَعْدَ المِائَةِ المَذْكُورَةِ، قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ رافِعٍ: حَدَّثَنا، وقالَ عَبْدٌ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخْبَرَنِي سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمانَ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ صَلاةَ العِشاءِ في آخِرِ حَياتِهِ، فَلَمّا سَلَّمَ قامَ فَقالَ: ”أرَأيْتُكم لَيْلَتَكم هَذِهِ، فَإنَّ عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنها لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِها أحَدٌ“ . قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ النّاسُ في مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ فِيما يَتَحَدَّثُونَ مِن هَذِهِ الأحادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وإنَّما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ“، يُرِيدُ بِذَلِكَ أنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ القَرْنُ»، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدّارِمِيِّ، أخْبَرَنا أبُو اليَمانِ أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، ورَواهُ اللَّيْثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خالِدِ بْنِ مُسافِرٍ، كِلاهُما عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإسْنادِ مَعْمَرٍ كَمِثْلِ حَدِيثِهِ، حَدَّثَنِي هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وحَجّاجُ بْنُ الشّاعِرِ قالا: حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أخْبَرَنِي أبُو الزُّبَيْرِ أنَّهُ «سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: ”تَسْألُونِي (p-٣٣٠)عَنِ السّاعَةِ وإنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ، وأقْسَمَ اللَّهُ ما عَلى الأرْضِ مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْها مِائَةُ سَنَةٍ»“ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حاتِمٍ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذا الإسْنادِ ولَمْ يَذْكُرْ ”قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ“ . حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ حَبِيبٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى، كِلاهُما عَنِ المُعْتَمِرِ قالَ ابْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: سَمِعْتُ أبِي، حَدَّثَنا أبُو نَضْرَةَ «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ: ”ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ اليَوْمَ تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وهي حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ“»، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صاحِبِ السِّقايَةِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وفَسَّرَها عَبْدُ الرَّحْمَنِ قالَ: نَقَصُ العُمُرِ، حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، أخْبَرَنا سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ بِالإسْنادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَهُ. حَدَّثَنا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا أبُو خالِدٍ عَنْ داوُدَ واللَّفْظُ لَهُ) ح (وحَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَيّانَ عَنْ داوُدَ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِن تَبُوكَ سَألُوهُ عَنِ السّاعَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تَأْتِي مِائَةٌ وعَلى الأرْضِ نَفْسٌ مَنفُوسَةٌ اليَوْمَ»“ حَدَّثَنِي إسْحاقُ بْنُ مَنصُورٍ، أخْبَرَنا أبُو الوَلِيدِ، أخْبَرَنا أبُو عَوانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سالِمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ تَبْلُغُ مِائَةَ سَنَةٍ“ فَقالَ سالِمٌ: تَذاكَرْنا ذَلِكَ عِنْدَهُ: إنَّما هي كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ يَوْمَئِذٍ» ا هـ مِنهُ بِلَفْظِهِ. فَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وأبُو سَعِيدٍ فِيهِ تَصْرِيحُ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ لا تَبْقى نَفْسٌ مَنفُوسَةٌ حَيَّةً عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، فَقَوْلُهُ ”نَفْسٌ مَنفُوسَةٌ“ ونَحْوُها مِنَ الألْفاظِ في رِواياتِ الحَدِيثِ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهي تَعُمُّ كُلَّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ عَلى الأرْضِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ العُمُومَ بِمُقْتَضى اللَّفْظِ يَشْمَلُ الخَضِرَ؛ لِأنَّهُ نَفْسٌ مَنفُوسَةٌ عَلى الأرْضِ، وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وأبُو بَكْرِ بْنُ أبِي حَثْمَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاةَ العِشاءِ في آخِرِ حَياتِهِ، فَلَمّا سَلَّمَ قامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: ”أرَأيْتُكم لَيْلَتَكم هَذِهِ، فَإنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ“ فَوَهَلَ النّاسُ في مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى ما يَتَحَدَّثُونَ مِن هَذِهِ الأحادِيثِ عَنْ مِائَةٍ سَنَةٍ: وإنَّما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ“ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ» انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ دَلالَتِهِ عَلى المُرادِ قَرِيبًا. (p-٣٣١)الرّابِعُ: أنَّ الخَضِرَ لَوْ كانَ حَيًّا إلى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَكانَ مِن أتْباعِهِ، ولَنَصَرَهُ وقاتَلَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى عُمُومِ رِسالَتِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبإ: ٢٨]، ويُوَضِّحُ هَذا أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“: أنَّهُ أخَذَ عَلى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ المِيثاقَ المُؤَكَّدَ أنَّهم إنْ جاءَهم نَبِيُّنا ﷺ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ ويَنْصُرُونَهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١ - ٨٢] . وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ فِيها نَبِيُّنا ﷺ، كَما قالَهُ ابْنُ العَبّاسِ وغَيْرُهُ فالأمْرُ واضِحٌ، وعَلى أنَّها عامَّةٌ فَهو ﷺ يَدْخُلُ في عُمُومِها دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَلَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا في زَمَنِهِ لَجاءَهُ ونَصَرَهُ وقاتَلَ تَحْتَ رايَتِهِ، ومِمّا يُوَضِّحُ أنَّهُ لا يُدْرِكُهُ نَبِيٌّ إلّا اتَّبَعَهُ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَزّارُ مِن حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتابٍ أصابَهُ مِن بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ فَقَرَأهُ عَلَيْهِ فَغَضِبَ وقالَ: ”لَقَدْ جِئْتُكم بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً لا تَسْألُوهم عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكم بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أوْ باطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ مُوسى كانَ حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا أنْ يَتَّبِعَنِي»“ ا هـ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: ورِجالُهُ مُوَثَّقُونَ، إلّا أنَّ في مُجالِدٍ ضَعْفًا، وقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تارِيخِهِ بَعْدَ أنْ ساقَ آيَةَ ”آلِ عِمْرانَ“ المَذْكُورَةِ آنِفًا مُسْتَدِلًّا بِها عَلى أنَّ الخَضِرَ لَوْ كانَ حَيًّا لَجاءَ النَّبِيَّ ﷺ ونَصَرَهُ ما نَصُّهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّنا إلّا أُخِذَ عَلَيْهِ المِيثاقُ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولِيَنْصُرُنَّهُ، وأمَرُهُ أنْ يَأْخُذَ عَلى أُمَّتِهِ المِيثاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهم أحْياءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ويَنْصُرُونَهُ، ذَكَرَهُ البُخارِيُّ عَنْهُ. فالخَضِرُ إنْ كانَ نَبِيًّا أوْ ولِيًّا فَقَدْ دَخَلَ في هَذا المِيثاقِ، فَلَوْ كانَ حَيًّا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكانَ أشْرَفَ أحْوالِهِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، يُؤْمِنُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ويَنْصُرُهُ أنْ يَصِلَ أحَدٌ مِنَ الأعْداءِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ ولِيًّا فالصَّدِيقُ أفْضَلُ مِنهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا فَمُوسى أفْضَلُ مِنهُ. (p-٣٣٢)وَقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمانِ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ أنْبَأنا مُجالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ مُوسى كانَ حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا أنْ يَتْبَعَنِي»، وهَذا الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ ويُعْلَمُ مِنَ الدِّينِ عِلْمَ الضَّرُورَةِ. وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ: أنَّ الأنْبِياءَ كُلَّهم لَوْ فُرِضَ أنَّهم أحْياءٌ مُكَلَّفُونَ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكانُوا كُلُّهم أتْباعًا لَهُ وتَحْتَ أوامِرِهِ، وفي عُمُومِ شَرْعِهِ، كَما أنَّ صَلَواتِ اللَّهِ وسَلامَهُ عَلَيْهِ لَمّا اجْتَمَعَ بِهِمُ الإسْراءُ رُفِعَ فَوْقَهم كُلِّهِمْ، ولَمّا هَبَطُوا مَعَهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وحانَتِ الصَّلاةُ أمَرَهُ جِبْرِيلُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ أنْ يَؤُمَّهم، فَصَلّى بِهِمْ في مَحَلِّ ولايَتِهِمْ ودارِ إقامَتِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ الإمامُ الأعْظَمُ، والرَّسُولُ الخاتَمُ المُبَجَّلُ المُقَدَّمُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. فَإذا عُلِمَ هَذا، وهو مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، عُلِمَ أنَّهُ لَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا لَكانَ مِن جُمْلَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومِمَّنْ يَقْتَدِي بِشَرْعِهِ لا يَسَعُهُ إلّا ذَلِكَ، هَذا عِيسى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا نَزَلَ في آخِرِ الزَّمانِ يَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ، لا يَخْرُجُ مِنها ولا يَحِيدُ عَنْها، وهو أحَدُ أُولِي العَزْمِ الخَمْسَةِ المُرْسَلِينَ، وخاتَمُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، والمَعْلُومُ أنَّ الخَضِرَ لَمْ يَنْقُلْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ولا حَسَنٍ تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ أنَّهُ اجْتَمَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ قِتالًا في مَشْهَدٍ مِنَ المَشاهِدِ، وهَذا يَوْمُ بَدْرٍ يَقُولُ الصّادِقُ المَصْدُوقُ فِيما دَعا بِهِ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ واسْتَنْصَرَهُ واسْتَفْتَحَهُ عَلى مَن كَفَرَهُ: «اللَّهُمَّ إنَّ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةَ لا تُعْبَدُ بَعْدَها في الأرْضِ» وتِلْكَ العِصابَةُ كانَ تَحْتَها سادَةُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، وسادَةُ المَلائِكَةِ حَتّى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ في قَصِيدَةٍ لَهُ في بَيْتٍ يُقالُ بِأنَّهُ أفْخَرُ بَيْتٍ قالَتْهُ العَرَبُ: ؎وَبِبِئْرِ بَدْرٍ إذْ يَرُدُّ ؎وُجُوهَهم جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوائِنا ∗∗∗ ومُحَمَّدُ فَلَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا لَكانَ وُقُوفُهُ تَحْتَ هَذِهِ الرّايَةِ أشْرَفَ مَقاماتِهِ، وأعْظَمَ غَزَواتِهِ، قالَ القاضِي أبُو يَعْلى مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَرّاءِ الحَنْبَلِيُّ: سُئِلَ بَعْضُ أصْحابِنا عَنِ الخَضِرِ هَلْ ماتَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، قالَ: وبَلَغَنِي مِثْلُ هَذا عَنْ أبِي طاهِرِ بْنِ العَبّادِيِّ قالَ: وكانَ يَحْتَجُّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ حَيًّا لَجاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نَقَلَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في العُجالَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يُقالُ إنَّهُ كانَ حاضِرًا في هَذِهِ المَواطِنِ كُلِّها ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَراهُ ؟ فالجَوابُ: أنَّ الأصْلَ عَدَمُ هَذا الِاحْتِمالِ البَعِيدِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ تَخْصِيصُ العُمُوماتِ بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّماتِ، ثُمَّ (p-٣٣٣)ما الحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الِاخْتِفاءِ ؟ وظُهُورُهُ أعْظَمُ لِأجْرِهِ، وأعْلى في مَرْتَبَتِهِ، وأظْهَرُ لِمُعْجِزَتِهِ، ثُمَّ لَوْ كانَ باقِيًا بَعْدَهُ لَكانَ تَبْلِيغُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الأحادِيثَ النَّبَوِيَّةَ، والآياتِ القُرْآنِيَّةَ، وإنْكارَهُ لِما وقَعَ مِنَ الأحادِيثِ المَكْذُوبَةِ، والرِّواياتِ المَقْلُوبَةِ، والآراءِ البِدْعِيَّةِ، والأهْواءِ العَصَبِيَّةِ، وقِتالُهُ مَعَ المُسْلِمِينَ في غَزَواتِهِمْ، وشُهُودُهُ جَمْعَهم وجَماعاتِهِمْ، ونَفْعُهُ إيّاهم، ودَفْعُهُ الضَّرَرَ عَنْهم مِمّا سِواهم، وتَسْدِيدُهُ العُلَماءَ والحُكّامَ، وتَقْرِيرُهُ الأدِلَّةَ والأحْكامَ أفْضَلَ مِمّا يُقالُ مِن كَوْنِهِ في الأمْصارِ، وجَوْبِهِ الفَيافِيَ والأقْطارَ، واجْتِماعِهِ بِعِبادٍ لا تُعْرَفُ أحْوالُ كَثِيرٍ مِنهم، وجَعْلِهِ كالنَّقِيبِ المُتَرْجِمِ عَنْهُمْ وَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لا يَتَوَقَّفُ أحَدٌ فِيهِ بَعْدَ التَّفَهُّمِ، واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، انْتَهى مِنَ البِدايَةِ والنِّهايَةِ لِابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. فَتَحَصَّلَ أنَّ الأحادِيثَ المَرْفُوعَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الخَضِرِ حَيًّا باقِيًا لَمْ يَثْبُتْ مِنها شَيْءٌ، وأنَّهُ قَدْ دَلَّتِ الأدِلَّةُ المَذْكُورَةُ عَلى وفاتِهِ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ. وَمِمَّنْ بَيَّنَ ضَعْفَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى حَياةِ الخَضِرِ وبَقائِهِ ابْنُ كَثِيرٍ في تارِيخِهِ وتَفْسِيرِهِ، وبَيَّنَ كَثِيرًا مِن أوْجُهِ ضَعْفِها ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في البِدايَةِ والنِّهايَةِ بَعْدَ أنْ ساقَ الأحادِيثَ والحِكاياتِ الوارِدَةَ في حَياةِ الخَضِرِ: وهَذِهِ الرِّواياتُ والحِكاياتُ هي عُمْدَةُ مَن ذَهَبَ إلى حَياتِهِ إلى اليَوْمِ، وكُلٌّ مِنَ الأحادِيثِ المَرْفُوعَةِ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، لا تَقُومُ بِمِثْلِها حُجَّةٌ في الدِّينِ. والحِكاياتُ لا يَخْلُو أكْثَرُها مَن ضَعْفٍ في الإسْنادِ، وقُصاراها أنَّها صَحِيحَةٌ إلى مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ مِن صَحابِيٍّ أوْ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الخَطَأُ) واللَّهُ أعْلَمُ (، إلى أنْ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ تَصَدّى الشَّيْخُ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ ) عَجَلَةِ المُنْتَظِرِ في شَرْحِ حالَةِ الخَضِرِ ( لِلْأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ مِنَ المَرْفُوعاتِ فَبَيَّنَ أنَّها مَوْضُوعاتٌ، ومِنَ الآثارِ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَمَن بَعْدَهم، فَبَيَّنَ ضَعْفَ أسانِيدِها بِبَيانِ أحْوالِها، وجَهالَةِ رِجالِها، وقَدْ أجادَ في ذَلِكَ وأحْسَنَ الِانْتِقادَ ا هـ مِنهُ. واعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ العِلْمِ ناقَشُوا الأدِلَّةَ الَّتِي ذَكَرْنا أنَّها تَدُلُّ عَلى وفاتِهِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَشْمَلُهُ عُمُومُ ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، ولا عُمُومُ حَدِيثِ: «أرَأيْتُكم لَيْلَتَكم هَذِهِ فَإنَّهُ عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يَبْقَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ مِمَّنْ هو عَلَيْها اليَوْمَ» كَما تَقَدَّمَ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ولا حُجَّةَ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ يَعْنِي الحَدِيثَ المَذْكُورَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الخَضِرَ (p-٣٣٤)حَيٌّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ”ما مِن نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ.“؛ لِأنَّ العُمُومَ وإنْ كانَ مُؤَكَّدَ الِاسْتِغْراقِ لَيْسَ نَصًّا فِيهِ، بَلْ هو قابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ، فَكَما لَمْ يَتَناوَلْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لَمْ يَمُتْ ولَمْ يُقْتَلْ، بَلْ هو حَيٌّ بِنَصِّ القُرْآنِ ومَعْناهُ، ولا يَتَناوَلُ الدَّجّالَ مَعَ أنَّهُ حَيٌّ بِدَلِيلِ حَدِيثٍ الجَسّاسَةِ: فَكَذَلِكَ لَمْ يَتَناوَلِ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ مُشاهَدًا لِلنّاسِ، ولا مِمَّنْ يُخالِطُهم حَتّى يَخْطُرَ بِبالِهِمْ حالَةَ مُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَمِثْلُ هَذا العُمُومِ لا يَتَناوَلُهُ، وقِيلَ: إنَّ أصْحابَ الكَهْفِ أحْياءٌ، ويَحُجُّونَ مَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ فَتى مُوسى في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ كَما ذَكَرْنا ا هـ مِنهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: كَلامُ القُرْطُبِيِّ هَذا ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ إلْمامٌ بِعُلُومِ الشَّرْعِ، فَإنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ عامٌّ في كُلِّ نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ عُمُومًا مُؤَكَّدًا؛ لِأنَّ زِيادَةَ ”مِن“ قَبْلَ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ تَجْعَلُها نَصًّا صَرِيحًا في العُمُومِ لا ظاهِرًا فِيهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ، وقَدْ أوْضَحْناهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ . وَلَوْ فَرَضْنا صِحَّةَ ما قالَهُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أنَّهُ ظاهِرٌ في العُمُومِ لا نَصَّ فِيهِ، وقَرَّرْنا أنَّهُ قابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ كَما هو الحَقُّ في كُلِّ عامٍّ، فَإنَّ العُلَماءَ مُجْمِعُونَ عَلى وُجُوبِ اسْتِصْحابِ عُمُومِ العامِّ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ سَنَدًا ومَتْنًا، فالدَّعْوى المُجَرَّدَةُ عَنْ دَلِيلٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ لا يَجُوزُ أنْ يُخَصَّصَ بِها نَصٌّ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ إجْماعًا. وَقَوْلُـهُ: ”إنَّ عِيسى لَمْ يَتَناوَلْهُ عُمُومُ الحَدِيثِ“ فِيهِ أنَّ لَفْظَ الحَدِيثِ مِن أصْلِهِ لَمْ يَتَناوَلْهُ عِيسى؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ فِيهِ: «لَمْ يَبْقَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مِمَّنْ هو بِها اليَوْمَ أحَدٌ»، فَخَصَّصَ ذَلِكَ بِظَهْرِ الأرْضِ فَلَمْ يَتَناوَلِ اللَّفْظُ مَن في السَّماءِ، وعِيسى قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ مِنَ الأرْضِ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وهَذا واضِحٌ جِدًّا كَما تَرى. وَدَعْوى حَياةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وفَتى مُوسى ظاهِرَةُ السُّقُوطِ ولَوْ فَرَضْنا حَياتَهم فَإنَّ الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى مَوْتِهِمْ عِنْدَ المِائَةِ كَما تَقَدَّمَ، ولَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ يُعارِضُهُ. وَقَوْلُـهُ ”إنَّ الخَضِرَ لَيْسَ مُشاهَدًا لِلنّاسِ، ولا مِمَّنْ يُخالِطُهم حَتّى يَخْطُرَ بِبالِهِمْ حالَةَ مُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا“ يُقالُ فِيهِ: إنَّ الِاعْتِراضَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى: أنَّ دَعْوى كَوْنِ الخَضِرِ مَحْجُوبًا عَنْ أعْيُنِ النّاسِ كالجِنِّ والمَلائِكَةِ (p-٣٣٥)دَعْوى لا دَلِيلَ عَلَيْها والأصْلُ خِلافُها؛ لِأنَّ الأصْلَ أنَّ بَنِي آدَمَ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا لِاتِّفاقِهِمْ في الصِّفاتِ النَّفْسِيَّةِ، ومُشابِهَتِهِمْ فِيما بَيْنَهم. الثّانِيَةُ: أنّا لَوْ فَرَضْنا أنَّهُ لا يَراهُ بَنُو آدَمَ، فاللَّهُ الَّذِي أعْلَمَ النَّبِيَّ بِالغَيْبِ الَّذِي هو ”هَلاكُ كُلِّ نَفْسٍ مَنفُوسَةٍ في تِلْكَ المِائَةِ“ عالِمٌ بِالخَضِرِ، وبِأنَّهُ نَفْسٌ مَنفُوسَةٌ، ولَوْ سَلَّمْنا جَدَلِيًّا أنَّ الخَضِرَ فَرْدٌ نادِرٌ لا تَراهُ العُيُونُ، وأنَّ مِثْلَهُ لَمْ يُقْصَدْ بِالشُّمُولِيِّ في العُمُومِ فَأصَحُّ القَوْلَيْنِ عِنْدَ عُلَماءِ الأُصُولِ شُمُولُ العامِّ والمُطْلَقِ لِلْفَرْدِ النّادِرِ والفَرْدِ غَيْرِ المَقْصُودِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ الفَرْدَ النّادِرَ وغَيْرَ المَقْصُودِ لا يَشْمَلُهُما العامُّ ولا المُطْلَقُ. قالَ صاحِبُ جَمْعِ الجَوامِعِ في ”مَبْحَثِ العامِّ“ ما نَصُّهُ: والصَّحِيحُ دُخُولُ النّادِرَةِ وغَيْرِ المَقْصُودَةِ تَحْتَهُ، فَقَوْلُهُ: ”النّادِرَةُ وغَيْرُ المَقْصُودَةِ“، يَعْنِي الصُّورَةَ النّادِرَةَ وغَيْرَ المَقْصُودَةِ، وقَوْلُـهُ: ”تَحْتَهُ“ يَعْنِي العامَّ، والحَقُّ أنَّ الصُّورَةَ النّادِرَةَ، وغَيْرَ المَقْصُودَةِ صُورَتانِ واحِدَةٌ، وبَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ عَلى التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّ الصُّورَةَ النّادِرَةَ قَدْ تَكُونُ مَقْصُودَةً وغَيْرَ مَقْصُودَةٍ، والصُّورَةُ غَيْرُ المَقْصُودَةِ قَدْ تَكُونُ نادِرَةً وغَيْرَ نادِرَةٍ، ومِنَ الفُرُوعِ الَّتِي تُبْنى عَلى دُخُولِ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في العامِّ والمُطْلَقِ وعَدَمِ دُخُولِها فِيهِما اخْتِلافُ العُلَماءِ في جَوازِ دَفْعِ السَّبَقِ - بِفَتْحَتَيْنِ - في المُسابَقَةِ عَلى الفِيلِ، وإيضاحُهُ أنَّهُ جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أصْحابُ السُّنَنِ والإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا سَبَقَ إلّا في خُفٍّ أوْ نَصْلٍ أوْ حافِرٍ» ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنُ ماجَهْ ”أوْ نَصْلٍ“ والفِيلُ ذُو خُفٍّ، وهو صُورَةٌ نادِرَةٌ، فَعَلى القَوْلِ بِدُخُولِ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في العامِّ يَجُوزُ دَفْعُ السَّبَقِ - بِفَتْحَتَيْنِ - في المُسابَقَةِ عَلى الفِيَلَةِ، والسَّبَقُ المَذْكُورُ هو المالُ المَجْعُولُ لِلسّابِقِ، وهَذا الحَدِيثُ جَعَلَهُ بَعْضُ عُلَماءِ الأُصُولِ مِثالًا لِدُخُولِ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في المُطْلَقِ لا العامِّ، قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ”إلّا في خُفٍّ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ ”إلّا“ مُثْبَتٌ، والنَّكِرَةُ في سِياقِ الإثْباتِ إطْلاقٌ لا عُمُومٌ، وجَعَلَهُ بَعْضُ أهْلِ الأُصُولِ مِثالًا لِدُخُولِ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في العامِّ. قالَ الشَّيْخُ زَكَرِيّا: وجْهُ عُمُومِهِ مَعَ أنَّهُ نَكِرَةٌ في الإثْباتِ أنَّهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ مَعْنًى، إذِ التَّقْدِيرُ: إلّا إذا كانَ في خُفٍّ، والنَّكِرَةُ في سِياقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ، وضابِطُ الصُّورَةِ النّادِرَةِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ هي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفَرْدُ لا يَخْطُرُ غالِبًا بِبالِ المُتَكَلِّمِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِ، ومِن أمْثِلَةِ الِاخْتِلافِ في الصُّورَةِ النّادِرَةِ: هَلْ تَدْخُلُ في العامِّ والمُطْلَقِ أوْ لا ؟ ! اخْتِلافُ العُلَماءِ في وُجُوبِ الغُسْلِ مِن خُرُوجِ المَنِيِّ الخارِجِ بِغَيْرِ لَذَّةٍ، كَمَن تَلْدَغُهُ عَقْرَبٌ في ذَكَرِهِ فَيَنْزِلُ مِنهُ (p-٣٣٦)المَنِيُّ، وكَذَلِكَ الخارِجُ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ كالَّذِي يَنْزِلُ في ماءٍ حارٍّ أوْ تَهُزُّهُ دابَّةٌ فَيَنْزِلُ مِنهُ المَنِيُّ، فَنُزُولُ المَنِيِّ بِغَيْرِ لَذَّةٍ، أوْ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ صُورَةٌ نادِرَةٌ، ووُجُوبُ الغُسْلِ مِنهُ يَجْرِي عَلى الخِلافِ المَدْخُولِ في دُخُولِ الصُّوَرِ النّادِرَةِ في العامِّ والمُطْلَقِ وعَدَمِ دُخُولِها فِيهِما، فَعَلى دُخُولِ تِلْكَ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في عُمُومِ «إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ» فالغُسْلُ واجِبٌ، وعَلى العَكْسِ فَلا، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في المُطْلَقِ ما لَوْ أوْصى رَجُلٌ بِرَأْسٍ مِن رَقِيقِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُ الخُنْثى أوْ لا ؟ فَعَلى دُخُولِ الصُّورَةِ النّادِرَةِ في المُطْلَقِ يَجُوزُ دَفْعُ الخُنْثى، وعَلى العَكْسِ فَلا، ومِن أمْثِلَةِ الِاخْتِلافِ في دُخُولِ الصُّورَةِ غَيْرِ المَقْصُودَةِ في الإطْلاقِ، ما لَوْ وكَّلَ رَجُلٌ آخَرَ عَلى أنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا لِيَخْدِمَهُ، فاشْتَرى الوَكِيلُ عَبْدًا يُعْتَقُ عَلى المُوَكِّلِ، فالمُوَكِّلُ لَمْ يَقْصِدْ مَن يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وإنَّما أرادَ خادِمًا يَخْدِمُهُ، فَعَلى دُخُولِ الصُّورَةِ غَيْرِ المَقْصُودَةِ في المُطْلَقِ يَمْضِي البَيْعُ ويُعْتَقُ العَبْدُ، وعَلى العَكْسِ فَلا، وإلى هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ أشارَ في المَراقِي بِقَوْلِهِ: ؎هَلْ نادِرٌ في ذِي العُمُومِ يَدْخُلْ ∗∗∗ ومُطْلَقٌ أوْ لا خِلافَ يُنْقَلْ ؎فَما لِغَيْرِ لَذَّةٍ والفِيلْ ∗∗∗ ومُشَبَّهٌ فِيهِ تَنافِي القِيلْ ؎وَما مِنَ القَصْدِ خَلا فِيهِ اخْتُلِفْ ∗∗∗ وقَدْ يَجِيءُ بِالمَجازِ مُتَّصِفْ وَمِمَّنْ مالَ إلى عَدَمِ دُخُولِ الصُّوَرِ النّادِرَةِ وغَيْرِ المَقْصُودَةِ في العامِّ والمُطْلَقِ أبُو إسْحاقَ الشّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحانُهُ بِحَسَبِ المُقَرَّرِ في الأُصُولِ شُمُولُ العامِّ والمُطْلَقِ لِلصُّوَرِ النّادِرَةِ؛ لِأنَّ العامَّ ظاهِرٌ في عُمُومِهِ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، وإذا تَقَرَّرَ أنَّ العامَّ ظاهِرٌ في عُمُومِهِ وشُمُولِهِ لِجَمِيعِ الأفْرادِ فَحُكْمُ الظّاهِرِ أنَّهُ لا يَعْدِلُ عَنْهُ، بَلْ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ إلّا بِدَلِيلٍ يَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ، وقَدْ كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم يَعْمَلُونَ بِشُمُولِ العُمُوماتِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ في ذَلِكَ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ دُخُولَ الخَضِرِ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٣٤]، وعُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ: «أرَأيْتُكم لَيْلَتَكم هَذِهِ فَإنَّهُ عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ مِمَّنْ هو عَلَيْها اليَوْمَ أحَدٌ» هو الصَّحِيحُ، ولا يُمْكِنُ خُرُوجُهُ مِن تِلْكَ العُمُوماتِ إلّا بِمُخَصِّصٍ صالِحٍ لِلتَّخْصِيصِ. وَمِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أنَّ الخُنْثى صُورَةٌ نادِرَةٌ جِدًّا، مَعَ أنَّهُ داخِلٌ في عُمُومِ آياتِ المَوارِيثِ والقِصاصِ والعِتْقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عُمُوماتِ أدِلَّةِ الشَّرْعِ، وما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ مِن (p-٣٣٧)خُرُوجِ الدَّجّالِ مِن تِلْكَ العُمُوماتِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الجَسّاسَةِ لا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأنَّ الدَّجّالَ أخْرَجَهُ دَلِيلٌ صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ، وهو الحَدِيثُ الَّذِي أشارَ لَهُ القُرْطُبِيُّ، وهو حَدِيثٌ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، وأنَّهُ أعْجَبَهُ حَدِيثُ تَمِيمٍ المَذْكُورُ؛ لِأنَّهُ وافَقَ ما كانَ يُحَدِّثُ بِهِ أصْحابَهُ مِن خَبَرِ الدَّجّالِ، قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوارِثِ، وحَجّاجُ بْنُ الشّاعِرِ كِلاهُما عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ واللَّفْظُ لِعَبْدِ الوارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنا أبِي عَنْ جَدِّي عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوانَ، حَدَّثَنا ابْنُ بُرَيْدَةَ حَدَّثَنِي عامِرُ بْنُ شَراحِيلَ الشَّعْبِيُّ شَعْبُ هَمْدانَ، أنَّهُ سَألَ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وكانَتْ مِنَ المُهاجِراتِ الأُوَلِ فَقالَ: حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا تُسْنِدِيهِ إلى أحَدٍ غَيْرِهِ، فَقالَتْ لَئِنْ شِئْتَ لَأفْعَلَنَّ ؟ فَقالَ لَها: أجَلْ ؟ حَدِّثِينِي، فَقالَتْ: . . . ثُمَّ ساقَ الحَدِيثَ وفِيهِ طُولٌ، ومَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ «قَوْلُ تَمِيمٍ الدّارِيِّ: فانْطَلَقْنا سِراعًا حَتّى دَخَلْنا الدَّيْرَ فَإذا فِيهِ أعْظَمُ إنْسانٍ رَأيْناهُ قَطُّ خَلْقًا، وأشَدُّهُ وثاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَداهُ إلى عُنُقِهِ ما بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إلى كَعْبَيْهِ بِالحَدِيدِ، قُلْنا: ويْلَكَ ! ما لَكَ ؟ ! الحَدِيثُ بِطُولِهِ إلى قَوْلِهِ وإنِّي مُخْبِرُكم عَنِّي، إنِّي أنا المَسِيحُ، وإنِّي أُوشِكُ أنْ يُؤْذَنَ لِي في الخُرُوجِ فَأخْرُجَ فَأسِيرَ في الأرْضِ، فَلا أدَعُ قَرْيَةً إلّا هَبَطْتُها في أرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وطِيبَةَ، فَهُما مُحَرَّمَتانِ عَلى كِلْتاهُما»، الحَدِيثَ. فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في أنَّ الدَّجّالَ حَيٌّ مَوْجُودٌ في تِلْكَ الجَزِيرَةِ البَحْرِيَّةِ المَذْكُورَةِ في حَدِيثِ تَمِيمٍ الدّارِيِّ المَذْكُورِ، وإنَّهُ باقٍ وهو حَيٌّ حَتّى يَخْرُجَ في آخِرِ الزَّمانِ، وهَذا نَصٌّ صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ يُخْرِجُ الدَّجّالَ مِن عُمُومِ حَدِيثِ مَوْتِ كُلِّ نَفْسٍ في تِلْكَ المِائَةِ، والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ في الأُصُولِ: أنَّ العُمُومَ يَجِبُ إبْقاؤُهُ عَلى عُمُومِهِ، فَما أخْرَجَهُ نَصٌّ مُخَصِّصٌ خَرَجَ مِنَ العُمُومِ وبَقِيَ العامُّ حُجَّةً في بَقِيَّةِ الأفْرادِ الَّتِي لَمْ يَدُلَّ عَلى إخْراجِها دَلِيلٌ، كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا وهو الحَقُّ ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وهو غالِبُ ما في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِنَ العُمُوماتِ يَخْرُجُ مِنها بَعْضُ الأفْرادِ بِنَصٍّ مُخَصِّصٍ، ويَبْقى العامُّ حُجَّةً في الباقِي، وإلى ذَلِكَ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ في مَبْحَثِ التَّخْصِيصِ بِقَوْلِهِ: ؎وَهُوَ حُجَّةٌ لَدى الأكْثَرِ إنْ ∗∗∗ مُخَصِّصٌ لَهُ مُعَيَّنًا يَبِنْ وَبِهَذا كُلِّهِ يَتَبَيَّنُ أنَّ النُّصُوصَ الدّالَّةَ عَلى مَوْتِ كُلِّ إنْسانٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ في ظَرْفِ تِلْكَ المِائَةِ، ونَفْيِ الخُلْدِ عَنْ كُلِّ بَشَرٍ قَبْلَهُ تَتَناوَلُ بِظَواهِرِها الخَضِرَ، ولَمْ يَخْرُجْ مِنها نَصٌّ (p-٣٣٨)صالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ كَما رَأيْتَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا اخْتِلافًا كَثِيرًا في نَسَبِ الخَضِرِ، فَقِيلَ: هو ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ: وهَذا قَوْلٌ رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ مِن طَرِيقِ رَوّادِ بْنِ الجَرّاحِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوّادٌ ضَعِيفٌ، ومُقاتِلٌ مَتْرُوكٌ، والضَّحّاكُ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْنُ قابِيلَ بْنِ آدَمَ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ السِّجِسْتانِيُّ في كِتابِ المُعَمَّرِينَ، ثُمَّ ساقَ سَنَدَهُ وقالَ: هو مُعْضَلٌ وحَكى صاحِبُ هَذا القَوْلِ: أنَّهُ اسْمُهُ خَضِرُونَ وهو الخَضِرُ، وقِيلَ: اسْمُهُ عامِرٌ، ذَكَرَهُ أبُو الخَطّابِ بْنُ دِحْيَةَ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ البَغْدادِيِّ، وقِيلَ: إنَّ اسْمَهُ بِلْيامُ بْنُ مَلْكانِ بْنُ فالِغِ بْنِ شالَخِ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ذَكَرَ هَذا القَوْلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في المَعارِفِ عَنْ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ اسْمَهُ المُعَمِّرَ بْنُ مالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الأزْدِ، وهَذا قَوْلُ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي أُوَيْسٍ، نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُما. وَقِيلَ: خَضْرُونُ بْنُ عَمائِيلَ مِن ذُرِّيَّةِ العِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ: وهَذا القَوْلُ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْضًا ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن سِبْطِ هارُونَ أخِي مُوسى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا ثُمَّ قالَ: وهو بَعِيدٌ، وأعْجَبُ مِنهُ قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ: إنَّهُ أرْمَيا بُنُ حَلْقِيا، وقَدْ رَدَّ ذَلِكَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ ابْنُ بِنْتِ فِرْعَوْنَ، حَكاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أيُّوبَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ. وَقِيلَ: ابْنُ فِرْعَوْنَ لِصُلْبِهِ، حَكاهُ النَّقّاشُ، وقِيلَ: إنَّهُ اليَسَعُ، حُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ بَعِيدٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن ولَدِ فارِسٍ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ: جاءَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، أخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِن رِوايَةِ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مَن ولَدِ بَعْضِ مَن كانَ آمَنَ بِإبْراهِيمَ وهاجَرَ مَعَهُ مِن أرْضِ بابِلَ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تارِيخِهِ، وقِيلَ: كانَ أبُوهُ فارِسِيًّا، وأُمُّهُ رُومِيَّةً، وقِيلَ عَكْسُ ذَلِكَ ا هـ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الواقِعِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءَ»، والفَرْوَةُ البَيْضاءُ: ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الحَشِيشِ الأبْيَضِ وشِبْهِهِ مِنَ الهَشِيمِ، وقِيلَ، الفَرْوَةُ: الأرْضُ البَيْضاءُ الَّتِي لا نَباتَ فِيها، وقِيلَ: هي الهَشِيمُ اليابِسُ. وَمِن ذَلِكَ القَبِيلِ تَسْمِيَةُ جِلْدَةِ الرَّأْسِ فَرْوَةً، كَما قَدَّمْنا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في قَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٣٩) ؎دَنِسُ الثِّيابِ كَأنَّ فَرْوَةَ رَأْسِهِ ∗∗∗ غُرِسَتْ فَأنْبَتْ جانِباها فُلْفُلًا

الكهف 18:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ﴾ ، هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أكْبَرِ الأدِلَّةِ الَّتِي يَسْتَدِلُّ بِها القائِلُونَ: بِأنَّ المَجازَ في القُرْآنِ زاعِمِينَ أنَّ إرادَةَ الجِدارِ الِانْقِضاضَ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً، وإنَّما هي مَجازٌ، وقَدْ دَلَّتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِن كَوْنِ إرادَةِ الجِدارِ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ لِلْجَماداتِ إراداتٍ وأفْعالًا وأقْوالًا لا يُدْرِكُها الخَلْقُ كَما صَرَّحَ تَعالى بِأنَّهُ يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ ما لا يَعْلَمُهُ خَلْقُهُ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، فَصَرَّحَ بِأنَّنا لا نَفْقَهُ تَسْبِيحَهم، وتَسْبِيحُهم واقِعٌ عَنْ إرادَةٍ لَهم يَعْلَمُها هو جَلَّ وعَلا ونَحْنُ لا نَعْلَمُها، وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ. فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٧٤]، فَتَصْرِيحُهُ تَعالى بِأنَّ بَعْضَ الحِجارَةِ يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ دَلِيلٌ واضِحٌ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ تِلْكَ الخَشْيَةَ بِإدْراكٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ونَحْنُ لا نَعْلَمُهُ، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٧٢]، فَتَصْرِيحُهُ جَلَّ وعَلا بِأنَّ السَّماءَ والأرْضَ والجِبالَ أبَتْ وأشْفَقَتْ، أيْ: خافَتْ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ بِإرادَةٍ وإدْراكٍ يَعْلَمُهُ هو جَلَّ وعَلا ونَحْنُ لا نَعْلَمُهُ. وَمِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنِّي لَأعْرِفُ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ بِمَكَّةَ» وما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَنِينِ الجِذْعِ الَّذِي كانَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ ﷺ جَزَعًا لِفِراقِهِ، فَتَسْلِيمُ ذَلِكَ الحَجَرِ، وحَنِينُ ذَلِكَ الجِذْعِ كِلاهُما بِإرادَةٍ وإدْراكٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ونَحْنُ لا نَعْلَمُهُ، كَما صَرَّحَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وزَعْمُ مَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ لا حَقِيقَةَ لَها، وإنَّما هي ضَرْبُ أمْثالٍ، زَعْمٌ باطِلٌ؛ لِأنَّ نُصُوصَ الكِتابِ والسُّنَّةِ لا يَجُوزُ صَرْفُها عَنْ مَعْناها الواضِحِ المُتَبادَرِ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن إبْقاءِ إرادَةِ الجِدارِ عَلى حَقِيقَتِها لِإمْكانِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلِمَ مِنهُ إرادَةَ الِانْقِضاضِ، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ خَلْقُهُ تِلْكَ الإرادَةَ، وهَذا واضِحٌ جِدًّا كَما تَرى، مَعَ أنَّهُ مِنَ الأسالِيبِ العَرَبِيَّةِ إطْلاقُ الإرادَةِ عَلى المُقارَبَةِ والمَيْلِ إلى الشَّيْءِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٤٠) ؎فِي مَهْمَهٍ قَلِقَتْ بِهِ هامَتُها قَلَقَ الفُئُوسِ إذا أرَدْنَ نُضُولا فَقَوْلُهُ: إذا أرَدْنَ نُضُولًا، أيْ قارَبْنَهُ. وقَوْلِ الآخَرِ: ؎يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَعْدِلُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ أيْ: يَمِيلُ إلى صَدْرِ أبِي بَراءٍ، وكَقَوْلِ راعِي نُمَيْرٍ: ؎إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمْلٍ ∗∗∗ لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ فَقَوْلُهُ " لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ فِيهِ، وقَدْ بَيَّنّا في رِسالَتِنا المُسَمّاةُ ) مَنعُ جَوازِ المَجازِ في المَنزِلِ لِلتَّعَبُّدِ والإعْجازِ ( أنَّ جَمِيعَ الآياتِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّها مَجازٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَعَيَّنُ في شَيْءٍ مِنها، وبَيَّنّا أدِلَّةَ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ ذَلِكَ المَلِكَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ، صَحِيحَةً كانَتْ أوْ مَعِيبَةً، ولَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِن آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ لا يَأْخُذُ المَعِيبَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ: لِئَلّا يَأْخُذَها، وذَلِكَ هو الحِكْمَةُ في خَرْقِهِ لَها المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ [الكهف: ٧١]، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ قَصْدَهُ بِخَرْقِها سَلامَتُها لِأهْلِها مِن أخْذَ ذَلِكَ المَلِكِ الغاصِبِ؛ لِأنَّ عَيْبَها يُزَهِّدُهُ فِيها؛ ولِأجْلِ ما ذَكَرْنا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِثالًا عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ لِحَذْفِ النَّعْتِ، أيْ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ مَعِيبَةٍ بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنا. وَقَدْ قَدَّمْنا الشَّواهِدَ العَرَبِيَّةَ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٨]، واسْمُ ذَلِكَ المَلِكِ: هُدَدُ بْنُ بَدْرٍ: وقَوْلُهُ ﴿وَراءَهُمْ﴾ أيْ: أمامَهم كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“ . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ . هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ عَيْبَها يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ المَلِكِ الغاصِبِ لَها، ولِذَلِكَ خَرَقَها الخَضِرُ، وعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] يَقْتَضِي أخْذَ المَلِكِ لِلْمَعِيبَةِ والصَّحِيحَةِ مَعًا. والجَوابُ أنَّ في الكَلامِ حَذْفَ الصِّفَةِ، وتَقْدِيرُهُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ صَحِيحَةٍ، وحَذْفُ النَّعْتِ إذا دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ جائِزٌ، كَما أشارَ لَهُ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَما مِنَ المَنعُوتِ والنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وفي النَّعْتِ يَقِلْ وَمِن شَواهِدِ حَذْفِ الصِّفَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وَرُبَّ أسِيلَةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ ∗∗∗ مُهَفْهَفَةٍ لَها فَرْعٌ وجِيدٌ أيْ لَها فَرْعٌ فاحِمٌ وجِيدٌ طَوِيلٌ. (p-٣٣٢)وَقَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ الأُسَيِّدِيِّ: ؎مِن قَوْلِهِ قَوْلٌ ومِن فِعْلِهِ ∗∗∗ فِعْلٌ ومِن نائِلِهِ نائِلٌ يَعْنِي مِن قَوْلِهِ قَوْلٌ فَصْلٌ، وفِعْلِهِ فِعْلٌ جَمِيلٌ، ونائِلُهُ نائِلٌ جَزْلٌ.

الكهف 18:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”حَمِئَةٍ“ بِلا ألِفٍ بَعْدِ الحاءِ، وبِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ المِيمِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةٍ والكِسائِيٍّ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ ”حامِيَةٍ“ بِألِفٍ بَعْدِ الحاءِ، وياءٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ المِيمِ المَكْسُورَةِ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَمَعْنى ”حَمِئَةٍ“: ذاتُ حَمْأةٍ وهي الطِّينُ الأسْوَدُ، ويَدُلُّ لِهَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، (p-٣٤١)والحَمَأُ: الطِّينُ كَما تَقَدَّمَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ تُبَّعٍ الحِمْيَرِيِّ فِيما يُؤْثَرُ عَنْهُ يَمْدَحُ ذا القَرْنَيْنِ: ؎بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي أسْبابَ أمْرٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ ؎فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنِ ذِي خَلَبٍ وثَأْطٍ حَرْمَدِ والخَلَبُ - في لُغَةِ حِمْيَرَ -: الطِّينُ، والثَّأْطُ: الحَمْأةُ، والحَرْمَدُ: الأسْوَدُ، وعَلى قِراءَةِ ”حامِيَةٍ“ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فالمَعْنى: أنَّها حارَّةٌ، وذَلِكَ لِمُجاوَرَتِها وهَجَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها، ومُلاقاتِها الشُّعاعَ بِلا حائِلٍ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ وكِلْتاهُما حَقٌّ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِهِ: ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، أيْ: رَأى الشَّمْسَ في مَنظَرِهِ تَغْرُبُ في البَحْرِ المُحِيطِ، وهَذا شَأْنُ كُلِّ مَنِ انْتَهى إلى ساحِلِهِ يَراها كَأنَّها تَغْرُبُ فِيهِ إلى آخِرِ كَلامِهِ، ومُقْتَضى كَلامِهِ أنَّ المُرادَ بِالعَيْنِ في الآيَةِ البَحْرُ المُحِيطُ، وهو ذُو طِينٍ أسْوَدَ، والعَيْنُ تُطْلَقُ في اللُّغَةِ عَلى يَنْبُوعِ الماءِ، واليَنْبُوعُ: الماءُ الكَثِيرُ، فاسْمُ العَيْنِ يَصْدُقُ عَلى البَحْرِ لُغَةً، وكَوْنُ مَن عَلى شاطِئِ المُحِيطِ الغَرْبِيِّ يَرى الشَّمْسَ في نَظَرِ عَيْنِهِ تَسْقُطُ في البَحْرِ أمْرٌ مَعْرُوفٌ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الكهف 18:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ اعْلَمْ أوَّلًا أنّا قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّهُ إنْ كانَ لِبَعْضِ الآياتِ بَيانٌ مِنَ القُرْآنِ لا يَفِي بِإيضاحِ المَقْصُودِ وقَدْ بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَإنّا نُتَمِّمُ بَيانَهُ بِذِكْرِ السُّنَّةِ المُبَيِّنَةِ لَهُ، وقَدْ قَدَّمَنا أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً لِذَلِكَ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لَهُما بَيانٌ مِن كِتابٍ أوْضَحَتْهُ السُّنَّةُ، فَصارَ بِضَمِيمَةِ السُّنَّةِ إلى القُرْآنِ بَيانًا وافِيًا بِالمَقْصُودِ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا قالَ في كِتابِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، وآيَةَ الأنْبِياءِ قَدْ دَلَّتا في الجُمْلَةِ عَلى أنَّ السَّدَّ الَّذِي بَناهُ ذُو القَرْنَيْنِ دُونَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ إنَّما يَجْعَلُهُ اللَّهُ دَكًّا عِنْدَ مَجِيءِ الوَقْتِ المَوْعُودِ بِذَلِكَ فِيهِ، وقَدْ دَلَّتا عَلى أنَّهُ بِقُرْبِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ هُنا: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٩٨ - ٩٩]، وأظْهَرُ الأقْوالِ في الجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ (p-٣٤٢)الَّتِي عَوَّضَ عَنْها تَنْوِينُ ”يَوْمَئِذٍ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾، أنَّهُ يَوْمَ إذْ جاءَ وعْدُ رَبِّي بِخُرُوجِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في الأرْضِ، ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْ هَذا القَوْلِ لِمُوافَقَتِهِ لِظاهِرِ سِياقٍ القُرْآنِ العَظِيمِ، وإذا تَقَرَّرَ أنَّ مَعْنى ”يَوْمَئِذٍ“ يَوْمَ إذْ جاءَ الوَعْدُ بِخُرُوجِهِمْ وانْتِشارِهِمْ فاعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ فالمُرادُ يَوْمُ القِيامَةِ، وإذًا فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى اقْتِرانِهِ بِالخُرُوجِ إذا دَكَّ السَّدَّ، وقَرَّبَهُ مِنهُ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ يَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهُ قَرِيبٌ مِنهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾، هو إشارَةٌ إلى السَّدِّ، أيْ: هَذا السَّدُّ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ عَلى عِبادِهِ، أوْ هَذا الإقْدارٌ والتَّمْكِينٌ مِن تَسْوِيَتِهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ يَعْنِي فَإذا دَنا مَجِيءُ يَوْمِ القِيامَةِ، وشارَفَ أنْ يَأْتِيَ جَعَلَ السَّدَّ دَكًّا، أيْ: مَدْكُوكًا مَبْسُوطًا مُسَوًّى بِالأرْضِ، وكُلُّ ما انْبَسَطَ مِن بَعْدِ ارْتِفاعٍ فَقَدِ انْدَكَّ، ومِنهُ الجَمَلُ الأدَكُّ المُنْبَسِطُ السَّنامِ ا هـ. وَآيَةُ الأنْبِياءِ المُشارُ إلَيْها هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ وإتْباعَهُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى ما ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ آيَةِ الكَهْفِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهم رُوسِيَّةٌ، وأنَّ السَّدَّ فُتِحَ مُنْذُ زَمانٍ طَوِيلٍ، فَإذا قِيلَ: إنَّما تَدُلُّ الآياتُ المَذْكُورَةُ في ”الكَهْفِ“ و ”الأنْبِياءِ“ عَلى مُطْلَقِ اقْتِرابِ يَوْمِ القِيامَةِ مِن دَكِّ السَّدِّ واقْتِرابِهِ مِن يَوْمِ القِيامَةِ لا يُنافِي كَوْنَهُ قَدْ وقَعَ بِالفِعْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١]، وقالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«وَيْلٌ لِلْعَرَبِ، مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلَ هَذِهِ وحَلَّقَ بِأُصْبَعَيْهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها» .“ الحَدِيثَ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”المائِدَةِ“، فَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ والسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلى أنَّ اقْتِرابَ ما ذَكَرَ لا يَسْتَلْزِمُ اقْتِرانُهُ بِهِ، بَلْ يَصِحُّ اقْتِرابُهُ مَعَ مُهْلَةٍ، وإذًا فَلا يُنافِي دَكُّ السَّدِّ الماضِي المَزْعُومِ الِاقْتِرابَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا يَكُونُ في الآياتِ المَذْكُورَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُدَكُّ السَّدُّ إلى الآنِ. (p-٣٤٣)فالجَوابُ: هو ما قَدَّمْنا أنَّ هَذا البَيانَ بِهَذِهِ الآياتِ لَيْسَ وافِيًا بِتَمامِ الإيضاحِ إلّا بِضَمِيمَةِ السُّنَّةِ لَهُ، ولِذَلِكَ ذَكَرْنا أنَّنا نُتَمِّمُ مِثْلَهُ مِنَ السُّنَّةِ؛ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ لِلْقُرْآنِ، قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ جابِرٍ الطّائِيُّ قاضِي حِمْصَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الحَضْرَمِيِّ: أنَّهُ سَمِعَ النَّوّاسَ بْنَ سَمْعانَ الكِلابِيَّ ) ح (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرانَ الرّازِيُّ) واللَّفْظُ لَهُ (، حَدَّثَنِي الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ عَنْ يَحْيى بْنِ جابِرٍ الطّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجّالَ ذاتَ غَداةٍ فَخَفَضَ فِيهِ ورَفَعَ حَتّى ظَنَنّاهُ في طائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمّا رُحْنا إلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينا فَقالَ: ”ما شَأْنُكم“ ؟ قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجّالَ غَداةً فَخَفَضْتَ فِيهِ ورَفَعْتَ، حَتّى ظَنَنّاهُ في طائِفَةِ النَّخْلِ ؟ فَقالَ: ”غَيْرُ الدَّجّالِ أخْوَفَنِي عَلَيْكم ! إنْ يَخْرُجْ وأنا فِيكم فَأنا حَجِيجُهُ دُونَكم، وإنْ يَخْرُجْ ولَسْتُ فِيكم فامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، واللَّهُ خَلِيفَتِي عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، إنَّهُ شابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طافِئَةٌ، كَأنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ العُزّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَن أدْرَكَهُ مِنكم فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَواتِحَ سُورَةِ“ الكَهْفِ ”إنَّهُ خارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشّامِ والعِراقِ، فَعاثَ يَمِينًا وعاثَ شِمالًا،“ يا عِبادَ اللَّهِ فاثْبُتُوا ”قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما لُبْثُهُ في الأرْضِ ؟ قالَ:“ أرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمُ كَسَنَةٍ، ويَوْمٌ كَشَهْرٍ، ويَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وسائِرُ أيّامِهِ كَأيّامِكم ”قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أتَكْفِينا فِيهِ صَلاةُ يَوْمٍ ؟ قالَ:“ لا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ ”قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما إسْراعُهُ في الأرْضِ ؟ قالَ:“ كالغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ ”، فَيَأْتِي عَلى القَوْمِ فَيَدْعُوهم فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَجِيبُونَ لَهُ: فَيَأْمُرُ السَّماءَ فَتُمْطِرُ، والأرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سارِحَتُهم أطْوَلَ ما كانَتْ ذَرًّا وأسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وأمَدَّهُ خَواصِرَ ثُمَّ يَأْتِي القَوْمَ فَيَدْعُوهم فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: فَيَنْصَرِفُ عَنْهم فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِن أمْوالِهِمْ، ويَمُرُّ بِالخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَها أخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتُتْبِعُهُ كُنُوزَها كَيَعاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُونَ فَيُقْبِلُ ويَتَهَلَّلُ وجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ بَعَثَ اللَّهُ المَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنارَةِ البَيْضاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، واضِعًا كَفَّيْهِ عَلى أجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنهُ جُمانٌ كاللُّؤْلُؤِ، فَلا يَحِلُّ لِكافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلّا ماتَ، ونَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتّى يُدْرِكَهُ بِبابِ لُدِّهِ فَيَقْتُلَهُ، ثُمَّ يَأْتِيَ عِيسى ابْنُ (p-٣٤٤)مَرْيَمَ» قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ، ويُحَدِّثُهم بِدَرَجاتِهِمْ في الجَنَّةِ فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ أوْحى اللَّهُ إلى عِيسى: إنِّي قَدْ أخْرَجْتُ عِبادًا لِي لا يَدانِ لِأحَدٍ بِقِتالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبادِي إلى الطُّورِ، ويَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أوائِلُهم عَلى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ ما فِيها، ويَمُرُّ آخِرُهم فَيَقُولُونَ لَقَدْ كانَ بِهَذِهِ مَرَّةً ماءٌ، ويَحْصُرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى وأصْحابُهُ حَتّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأحَدِهِمْ خَيْرًا مِن مِائَةِ دِينارٍ لِأحَدِكُمُ اليَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى وأصْحابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ في رِقابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسى كَمَوْتِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى وأصْحابُهُ إلى الأرْضِ فَلا يَجِدُونَ في الأرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إلّا مَلَأهُ زَهَمُهم ونَتَنُهم، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى وأصْحابُهُ إلى اللَّهِ فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأعْناقِ البُخْتِ فَتَحْمِلُهم فَتَطْرَحُهم حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لا يُكَنُّ مِنهُ بَيْتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ فَيَغْسِلُ الأرْضَ حَتّى يَتْرُكَها كالزُّلْفَةِ ثُمَّ يُقالُ لِلْأرْضِ: أنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، ورُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العِصابَةُ مِنَ الرُّمّانَةِ، ويَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِها، يُبارَكُ في الرُّسُلِ حَتّى إنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإبِلِ لَتَكْفِي الفِئامَ مِنَ النّاسِ، واللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكْفِي القَبِيلَةَ مِنَ النّاسِ، واللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكْفِي الفَخِذَ مِنَ النّاسِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهم تَحْتَ آباطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وكُلِّ مُسْلِمٍ، ويَبْقى شِرارُ النّاسِ يَتَهارَجُونَ فِيها تَهارُجَ الحُمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السّاعَةُ“ انْتَهى بِلَفْظِهِ مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ قَدْ رَأيْتَ فِيهِ تَصْرِيحَ النَّبِيِّ ﷺ: بِأنَّ اللَّهَ يُوحِي إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ خُرُوجَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بَعْدَ قَتْلِهِ الدَّجّالَ، فَمَن يَدَّعِي أنَّهم رُوسِيَّةٌ، وأنَّ السَّدَّ قَدِ انْدَكَّ مُنْذُ زَمانٍ فَهو مُخالِفٌ لِما أخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُخالَفَةً صَرِيحَةً لا وجْهَ لَها، ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ خَبَرٍ ناقِضٍ خَبَرَ الصّادِقِ المَصْدُوقِ ﷺ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ نَقِيضَ الخَبَرِ الصّادِقِ كاذِبٌ ضَرُورَةً كَما هو مَعْلُومٌ، ولَمْ يَثْبُتْ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ شَيْءٌ يُعارِضُ هَذا الحَدِيثَ الَّذِي رَأيْتَ صِحَّةَ سَنَدِهِ، ووُضُوحَ دَلالَتِهِ عَلى المَقْصُودِ. والعُمْدَةُ في الحَقِيقَةِ لِمَنِ ادَّعى أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ هم رُوسِيَّةٌ، ومَنِ ادَّعى مِنَ المُلْحِدِينَ أنَّهم لا وُجُودَ لَهم أصْلًا هي حُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ في زَعْمِ صاحِبِها، وهي بِحَسَبِ المُقَرَّرِ في الجَدَلِ قِياسٌ اسْتِثْنائِيٌّ مُرَكَّبٌ مِن شَرْطِيَّةٍ مُتَّصِلَةٍ لُزُومِيَّةٍ في زَعْمِ المُسْتَدِلِّ بِهِ يُسْتَثْنى فِيهِ نَقِيضُ التّالِي، فَيَنْتُجُ نَقِيضُ المُقَدَّمِ، وصُورَةُ نَظْمِهِ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وراءَ السَّدِّ إلى الآنِ، لاطَّلَعَ عَلَيْهِمُ النّاسُ لِتَطَوُّرِ طُرُقُ المُواصَلاتِ، لَكِنَّهم لَمْ (p-٣٤٥)يَطَّلِعْ عَلَيْهِمْ أحَدٌ يُنْتِجُ فَهم لَيْسُوا وراءَ السَّدِّ إلى الآنِ؛ لِأنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ التّالِي يُنْتِجُ نَقِيضَ المُقَدَّمِ كَما هو مَعْلُومٌ، وبِعِبارَةٍ أوْضَحَ لِغَيْرِ المَنطِقِيِّ؛ لِأنَّ نَفْيَ اللّازِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ المَلْزُومِ هَذا هو عُمْدَةُ حُجَّةِ المُنْكِرِينَ وجُودَهم إلى الآنِ وراءَ السَّدِّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ القِياسَ الِاسْتِثْنائِيَّ المَعْرُوفَ بِالشَّرْطِيِّ، إذا كانَ مُرَكَّبًا مِن شَرْطِيَّةٍ مُتَّصِلَةٍ واسْتِثْنائِيَّةٍ، فَإنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ القَدَحُ مِن ثَلاثِ وِجْهاتٍ: الأُولى: أنْ يَقْدَحَ فِيهِ مِن جِهَةِ شَرْطِيَّتِهِ، لِكَوْنِ الرَّبْطِ بَيْنَ المُقَدَّمِ والتّالِي لَيْسَ صَحِيحًا. الثّانِيَةُ: أنْ يَقْدَحَ فِيهِ مِن جِهَةِ اسْتِثْنائِيَّتِهِ. الثّالِثَةُ: أنْ يَقْدَحَ فِيهِ مِن جِهَتِهِما مَعًا، وهَذا القِياسُ المَزْعُومُ يَقْدَحُ فِيهِ مِن جِهَةِ شَرْطِيَّتِهِ فَيَقُولُ لِلْمُعْتَرِضِ: الرَّبْطُ فِيهِ بَيْنَ المُقَدَّمِ والتّالِي غَيْرُ صَحِيحٍ، فَقَوْلُكم: لَوْ كانُوا مَوْجُودِينَ وراءَ السَّدِّ إلى الآنِ لاطَّلَعَ عَلَيْهِمُ النّاسُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِإمْكانِ أنْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ واللَّهُ يُخْفِي مَكانَهم عَلى عامَّةِ النّاسِ حَتّى يَأْتِيَ الوَقْتُ المُحَدَّدُ لِإخْراجِهِمْ عَلى النّاسِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ إمْكانَ هَذا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ مِن أنَّهُ جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٢٦]، وهم في فَراسِخَ قَلِيلَةٍ مِنَ الأرْضِ، يَمْشُونَ لَيْلَهم ونَهارَهم ولَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِمُ النّاسُ حَتّى انْتَهى أمَدُ التِّيهِ، لِأنَّهم لَوِ اجْتَمَعُوا بِالنّاسِ لَبَيَّنُوا لَهُمُ الطَّرِيقَ، وعَلى كُلِّ حالٍ، فَرَبُّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، وأخْبارُ رَسُولِهِ ﷺ الثّابِتَةُ عَنْهُ صادِقَةٌ، وما يُوجَدُ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ مِمّا يُخالِفُ ما ذَكَرْنا ونَحْوَهُ مِنَ القِصَصِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ والسَّنَةِ الصَّحِيحَةِ، زاعِمِينَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ في التَّوْراةِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ باطِلٌ يَقِينًا لا يُعَوَّلُ عَلَيْنا؛ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا صَرَّحَ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ بِأنَّهم بَدَّلُوا وحَرَّفُوا وغَيَّرُوا في كُتُبِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، وقَوْلِـهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]، (p-٣٤٦)إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ بِخِلافِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، فَقَدْ تَوَلّى اللَّهُ جَلَّ وعَلا حِفْظَهُ بِنَفْسِهِ، ولَمْ يُكَلِّمْهُ أحَدٌ حَتّى يُغَيِّرَ فِيهِ أوْ يُبَدِّلَ أوْ يُحَرِّفَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقالَ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]، وقالَ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، وقالَ في النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أذِنَ لِأُمَّتِهِ أنْ تُحَدِّثَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، ونَهاهم عَنْ تَصْدِيقِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، خَوْفَ أنْ يُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، أوْ يُكَذِّبُوا بِحَقٍّ. وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ ما يُرْوى عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأخْبارِ المَعْرُوفَةِ بِالإسْرائِيلِيّاتِ لَهُ ثَلاثُ حالاتٍ: في واحِدَةٍ مِنها يَجِبُ تَصْدِيقُهُ، وهي ما إذا دَلَّ الكِتابُ أوِ السُّنَّةُ الثّابِتَةُ عَلى صِدْقِهِ، وفي واحِدَةٍ يَجِبُ تَكْذِيبُهُ، وهي ما إذا دَلَّ القُرْآنُ أوِ السُّنَّةُ أيْضًا عَلى كَذِبِهِ، وفي الثّالِثَةِ لا يَجُوزُ التَّكْذِيبُ ولا التَّصْدِيقُ، كَما في الحَدِيثِ المُشارِ إلَيْهِ آنِفًا: وهي ما إذا لَمْ يَثْبُتْ في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ صِدْقُهُ ولا كَذِبُهُ، وبِهَذا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ أنَّ القِصَصَ المُخالِفَةَ لِلْقُرْآنِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُوَجَّهُ بِأيْدِي بَعْضِهِمْ، زاعِمِينَ أنَّها في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ يَجِبُ تَكْذِيبُهم فِيها لِمُخالَفَتِها نُصُوصَ الوَحْيِ الصَّحِيحِ، الَّتِي لَمْ تُحَرَّفْ ولَمْ تُبَدَّلْ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾، قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ”دَكًّا“ بِالتَّنْوِينِ مَصْدَرُ دَكَّهُ، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾، بِألِفِ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةِ تَأْنِيثُ الأدَكِّ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ.

الكهف 18:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وَعَرَضْنا﴾ أيْ: أبْرَزْنا وأظْهَرْنا جَهَنَّمَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، أيْ: يَوْمَ إذْ جَمَعْناهم جَمْعًا، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اللّامُ في قَوْلِهِ ”لِلْكافِرِينَ“ بِمَعْنى عَلى، أيْ: عَرَضْنا جَهَنَّمَ عَلى الكافِرِينَ، وهَذا يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ لِأنَّ العَرْضَ في القُرْآنِ يَتَعَدّى بِعَلى لا بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وقَوْلِـهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، (p-٣٤٧)وَنَظِيرُهُ في كَلامِ العَرَبِ مِن إتْيانِ اللّامِ بِمَعْنى ”عَلى“ البَيْتُ الَّذِي قَدَّمْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“، وقَدَّمْنا الِاخْتِلافَ في قائِلِهِ، وهو قَوْلُهُ: ؎هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ أيْ خَرَّ صَرِيعًا عَلى اليَدَيْنِ. وَقَدْ عُلِمَ مِن هَذِهِ الآياتِ: أنَّ النّارَ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ ويُعْرَضُونَ عَلَيْها؛ لِأنَّها تُقَرَّبُ إلَيْهِمْ ويُقَرَّبُونَ إلَيْها، كَما قالَ تَعالى في عَرْضِها عَلَيْهِمْ هُنا: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠]، وقالَ في عَرْضِهِمْ عَلَيْها: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٣٤]، ونَحْوَها مِنَ الآياتِ، وقَدْ بَيَّنّا شَيْئًا مِن صِفاتِ عَرْضِهِمْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ مِن كِتابِ اللَّهِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٠٠] فِيهِ قَلْبٌ، وأنَّ المَعْنى: وعَرَضْنا الكافِرِينَ لِجَهَنَّمَ أيْ: عَلَيْها بِعِيدٌ كَما أوْضَحَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الكهف 18:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ . التَّحْقِيقُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهُمْ﴾، أنَّهُ في مَحَلِّ خَفْصٍ نَعْتًا لِلْكافِرِينَ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن صِفاتِ الكافِرِينَ الَّذِينَ تُعْرَضُ لَهم جَهَنَّمُ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهم كانَتْ أعْيُنُهم في دارِ الدُّنْيا في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى، وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا، وقَدْ بَيَّنَ هَذا مِن صِفاتِهِمْ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ في تَغْطِيَةِ أعْيُنِهِمْ: ﴿وَعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٢٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ الآيَةَ [فاطر: ١٩]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقالَ في عَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣]، وقالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧]، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى كَوْنِهِمْ لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وقَدْ بَيَّنّا أيْضًا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧]، (p-٣٤٨)وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ الغِطاءَ المَذْكُورَ الَّذِي يَعْشُو بِسَبَبِهِ البَصَرُ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى يُقَيِّضُ اللَّهُ لِصاحِبِهِ شَيْطانًا فَيَجْعَلُهُ لَهُ قَرِينًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٦] .