Adwa' Al-Bayan — الكهف 18:102 – مريم 19:77
المحتويات
- الكهف 18:102
- الكهف 18:103
- الكهف 18:107
- الكهف 18:108
- الكهف 18:109
- الكهف 18:110
- مريم 19:1
- مريم 19:5
- مريم 19:7
- مريم 19:8
- مريم 19:9
- مريم 19:10
- مريم 19:11
- مريم 19:12
- مريم 19:15
- مريم 19:16
- مريم 19:17
- مريم 19:19
- مريم 19:20
- مريم 19:21
- مريم 19:22
- مريم 19:24
- مريم 19:25
- مريم 19:26
- مريم 19:27
- مريم 19:29
- مريم 19:30
- مريم 19:34
- مريم 19:35
- مريم 19:37
- مريم 19:38
- مريم 19:39
- مريم 19:40
- مريم 19:41
- مريم 19:46
- مريم 19:51
- مريم 19:52
- مريم 19:53
- مريم 19:54
- مريم 19:58
- مريم 19:59
- مريم 19:61
- مريم 19:62
- مريم 19:63
- مريم 19:66
- مريم 19:68
- مريم 19:69
- مريم 19:71
- مريم 19:73
- مريم 19:75
- مريم 19:76
- مريم 19:77
الكهف 18:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ .
الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحَسِبَ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، وفي الآيَةِ حَذْفٌ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ هو: أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ، ولا أُعاقِبُهُمُ العِقابَ الشَّدِيدَ ! كَلّا ! بَلْ سَأُعاقِبُهم عَلى ذَلِكَ العِقابَ الشَّدِيدَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَقْدِيرُهُ: أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ وأنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهم، كَلّا لا يَنْفَعُهم بَلْ يَضُرُّهم، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، وقَوْلُـهُ عَنْهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بُطْلانَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، وما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ هُنا مِن ظَنِّهِمْ أنَّهم يَتَّخِذُونَ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ مِن عِبادِهِ ولا يُعاقِبُهم، أوْ أنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهم جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ، كَقَوْلِهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ [الأعراف: ٣]، فَقَدْ نَهاهم عَنِ اتِّباعِ الأوْلِياءِ مِن دُونِهِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم، وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لا ولِيَّ مِن دُونِ اللَّهِ لِأحَدٍ، وإنَّما المُوالاةُ في اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٤٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥١]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وسَيَأْتِي لَهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى زِيادَةُ إيضاحٍ وأمْثِلَةٍ.
والأظْهَرُ المُتَبادَرُ مِنَ الإضافَةِ في قَوْلِهِ: ”عِبادِي“ أنَّ المُرادَ بِهِمْ نَحْوُ المَلائِكَةِ (p-٣٤٩)وَعِيسى وعُزَيْرٍ، لا الشَّياطِينُ ونَحْوُهم؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الإضافَةِ لِلتَّشْرِيفِ غالِبًا، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى: أنَّهم لا يَكُونُونَ أوْلِياءَ لَهم في قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٤٠ - ٤١]، وقَوْلِـهِ: ﴿إنّا أعْتَدْنا﴾ [الكهف: ١٠٢]، قَدْ أوْضَحْنا مَعْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٩]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وفي قَوْلِهِ: نُزُلًا أوْجُهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَماءِ، أظْهَرُها: أنْ ”النُّزُلَ“ هو ما يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ عِنْدَ نُزُولِهِ، والقادِمُ عِنْدَ قُدُومِهِ، والمَعْنى: أنَّ الَّذِي يُهَيَّأُ لَهم مِنَ الإكْرامِ عِنْدَ قُدُومِهِمْ إلى رَبِّهِمْ هو جَهَنَّمُ المُعَدَّةُ لَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَدْ قَدَّمْنا شَواهِدَهُ العَرَبِيَّةَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى، ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ الماءَ الَّذِي يَشْوِي الوُجُوهَ لَيْسَ فِيهِ إغاثَةٌ، كَما أنَّ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ نُزُلَ إكْرامِ الضَّيْفِ أوْ قادِمٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ”نُزُلًا“ بِمَعْنى المَنزِلِ، أيْ: أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ مَنزِلًا، أيْ: مَكانَ نُزُولٍ، لا مَنزِلَ لَهم غَيْرُها، وأضْعَفُ الأوْجُهِ ما زَعَمَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ ”النُّزُلَ“ جَمْعُ نازِلٍ، كَجَمْعِ الشّارِفِ عَلى شُرُفٍ بِضَمَّتَيْنِ، والَّذِي يَظْهَرُ في إعْرابِ ”نُزُلًا“ أنَّهُ حالٌ مُؤَوَّلَةٌ بِمَعْنى المُشْتَقِّ، أوْ مَفْعُولٌ لِـ ”أعْتَدْنا“ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى صَيَّرْنا أوْ جَعَلْنا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الكهف 18:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ .
المَعْنى: قُلْ لَهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: هَلْ نُنَبِّئُكم، أيْ: نُخْبِرُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا، أيْ: بِالَّذِينَ هم أخْسَرُ النّاسِ أعْمالًا وأضْيَعُها، فالأخْسَرُ صِيَغَةُ تَفْضِيلٍ مِنَ الخُسْرانِ وأصْلُهُ نَقْصُ مالِ التّاجِرِ، والمُرادُ بِهِ في القُرْآنِ غَبْنُهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ في حُظُوظِهِمْ مِمّا عِنْدَ اللَّهِ لَوْ أطاعُوهُ، وقَوْلُـهُ: ﴿أعْمالًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ:
فَإنْ قِيلَ: نَبِّئْنا بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا مَن هم ؟
كانَ الجَوابُ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ”الَّذِينَ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٤]، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ جَوابًا لِلسُّؤالِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ، وجَرُّهُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأخْسَرِينَ، أوْ نَعْتٌ لَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾، أيْ: بَطَلَ عَمَلُهم وحَبِطَ، فَصارَ كالهَباءِ وكالسَّرابِ وكالرَّمادِ ! كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، (p-٣٥٠)وَقَوْلِـهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٩]، وقَوْلِـهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، ومَعَ هَذا فَهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ عَمَلَهم حَسَنٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ.
والتَّحْقِيقُ: أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ كُفْرَهم صَوابٌ وحَقٌّ، وأنَّ فِيهِ رِضا رَبِّهِمْ، كَما قالَ عَنْ عَبَدَةِ الأوْثانِ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، وقالَ عَنْهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وقالَ عَنِ الرُّهْبانِ الَّذِينَ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ عَلى غَيْرِ شَرْعٍ صَحِيحٍ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ الآيَةَ [الغاشية: ٢ - ٤]، عَلى القَوْلِ فِيها بِذَلِكَ، وقَوْلُـهُ تَعالى في الكُفّارِ: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وقَوْلُـهُ: ﴿وَإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧]، والدَّلِيلُ عَلى نُزُولِها في الكُفّارِ تَصْرِيحُهُ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ يَلِيهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٠٥]، فَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُمُ الكُفّارُ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهم أهْلُ الكِتابِ الكافِرُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ كُلُّ ذَلِكَ تَشْمَلُهُ هَذِهِ الآيَةُ، وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَألَهُ ابْنُهُ مُصْعَبٌ عَنِ ”الأخْسَرِينَ أعْمالًا“ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هُمُ الحَرُورِيَّةُ ؟ فَقالَ لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ، وقالُوا لا طَعامَ فِيها، ولا شَرابَ، والحَرُورِيَّةُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ، وكانَ سَعِيدٌ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ، ا هـ مِنَ البُخارِيِّ، وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن أنَّهم أهْلُ حَرُوراءَ المَعْرُوفُونَ بِالحَرُورِيِّينَ مَعْناهُ أنَّهم يَكُونُ فِيهِمْ مِن مَعْنى الآيَةِ بِقَدْرِ ما فَعَلُوا؛ لِأنَّهم يَرْتَكِبُونَ أُمُورًا شَنِيعَةً مِنَ الضَّلالِ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّها هي مَعْنى الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَقَدْ ضَلَّ سَعْيُهم وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا، وإنْ كانُوا في ذَلِكَ أقَلَّ مِنَ الكُفّارِ المُجاهِرِينَ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ كَما قَدْ قَدَّمَنا إيضاحَهُ وأدِلَّتَهُ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٤]، أيْ: بَطَلَ واضْمَحَلَّ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الضَّلالَ يُطْلَقُ في القُرْآنِ واللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ثَلاثَةَ إطْلاقاتٍ:
الأوَّلُ: الضَّلالُ بِمَعْنى الذَّهابِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ إلى طَرِيقِ الباطِلِ، كالذَّهابِ عَنْ (p-٣٥١)الإسْلامِ إلى الكُفْرِ، وهَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالاتِهِ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقَوْلُـهُ: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ ٥ [المائدة: ٧٧] .
الثّانِي: الضَّلالُ بِمَعْنى الهَلاكِ والغَيْبَةِ والِاضْمِحْلالِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: ضَلَّ السَّمْنُ في الطَّعامِ إذا اسْتَهْلَكَ فِيهِ وغابَ فِيهِ، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤]، أيْ: غابَ واضْمَحَلَّ، وقَوْلُـهُ هُنا: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٤]، أيْ: بَطَلَ واضْمَحَلَّ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرْكَ الدِّيارُ عَنِ الحَيِّ المُضَلَّلِ أيْنَ سارُوا
أيْ: عَنِ الحَيِّ الَّذِي غابَ واضْمَحَلَّ، ومِن هُنا سُمِّيَ الدَّفْنُ إضْلالًا؛ لِأنَّ مَآلَ المَيِّتِ المَدْفُونِ إلى أنْ تَخْتَلِطَ عِظامُهُ بِالأرْضِ، فَيَضِلَّ فِيها كَما يَضِلُّ السَّمْنُ في الطَّعامِ، ومِن إطْلاقِ الضَّلالِ عَلى الدَّفْنِ قَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ:
؎فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوَلانِ حَزْمٍ ونائِلِ
فَقَوْلُهُ ”مُضِلُّوهُ“ يَعْنِي دافِنِيهِ في قَبْرِهِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٠]، فَمَعْنى ﴿ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أنَّهُمُ اخْتَلَطَتْ عِظامُهُمُ الرَّمِيمُ بِها فَغابَتْ واسْتَهْلَكَتْ فِيها.
الثّالِثُ: الضَّلالُ بِمَعْنى الذَّهابِ عَنْ عِلْمِ حَقِيقَةِ الأمْرِ المُطابِقَةِ لِلْواقِعِ، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]، أيْ: ذاهِبًا عَمّا تَعْلَمُهُ الآنَ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي لا تُعْرَفُ إلّا بِالوَحْيِ فَهَداكَ إلى تِلْكَ العُلُومِ والمَعارِفِ بِالوَحْيِ، وحَدَّدَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى عَنْ أوْلادِ يَعْقُوبَ: ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]، أيْ: ذَهابُكَ عَنِ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ أمْرِ يُوسُفَ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ تَطْمَعُ في رُجُوعِهِ إلَيْكَ؛ وذَلِكَ لا طَمَعَ فِيهِ عَلى أظْهَرِ التَّفْسِيراتِ، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أيْ: تَذْهَبُ عَنْ حَقِيقَةِ عِلْمِ المَشْهُودِ بِهِ بِنِسْيانٍ أوْ نَحْوِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢]، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٥٢)
؎وَتَظُنُّ سَلْمى أنَّنِي أبْغِي بِها ∗∗∗ بَدَلًا أُراها في الضَّلالِ تَهِيمُ
فَقَوْلُهُ ”أُراها في الضَّلالِ“: أيْ: الذَّهابِ عَنْ عَلَمِ حَقِيقَةِ الأمْرِ حَيْثُ تَظُنُّنِي أبْغِي بِها بَدَلًا، والواقِعُ بِخِلافِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَهم يَحْسَبُونَ﴾، أيْ: يَظُنُّونَ، وقَرَأهُ بَعْضُ السَّبْعَةِ بِكَسْرِ السِّينِ، وبَعْضُهم بِفَتْحِها كَما قَدَّمْنا مِرارًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، ومَفْعُولا ”حَسِبَ“ هُما المُبْتَدَأُ والخَبَرُ اللَّذانِ عَمِلَتْ فِيهِما ”أنَّ“ والأصْلُ ويَحْسَبُونَ أنْفُسَهم مُحْسِنِينَ صُنْعَهم، وقَوْلُـهُ ”صُنْعًا“ أيْ: عَمَلًا وبَيْنَ قَوْلِهِ ”يَحْسَبُونَ، ويُحْسِنُونَ“ الجِناسُ المُسَمّى عِنْدَ أهْلِ البَدِيعِ ”تَجْنِيسَ التَّصْحِيفِ“ وهو أنْ يَكُونَ النَّقْطُ فَرْقًا بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ، كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ:
؎وَلَمْ يَكُنِ المُغْتَرُّ بِاللَّهِ إذْ سَرى ∗∗∗ لِيُعْجِزَ والمُعْتَزُّ بِاللَّهِ طالِبُهُ
فَبَيْنَ ”المُغْتَرِّ والمُعْتَزِّ“ الجِناسُ المَذْكُورُ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٠٥]، نَصٌّ في أنَّ الكُفْرَ بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ يُحْبِطُ العَمَلَ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”العَنْكَبُوتِ“ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وسَيَأْتِي بَعْضُ أمْثِلَةٍ لِذَلِكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، فِيهِ لِلْعُلَماءِ أوْجُهٌ:
أحَدُها: أنَّ المَعْنى أنَّهم لَيْسَ لَهم حَسَناتٌ تُوزَنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى في مُقابَلَةِ سَيِّئاتِهِمْ، بَلْ لَمْ يَكُنْ إلّا السَّيِّئاتُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو في النّارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾، [المؤمنون: ١٠٣ - ١٠٤]، وقالَ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٨ - ٩]، وقالَ: وأمّا مَن ﴿خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٨ - ١٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى (p-٣٥٣)﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾: أنَّهم لا قَدْرَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ لِحَقارَتِهِمْ، وهو أنَّهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، أيْ: صاغِرِينَ أذِلّاءَ حَقِيرِينَ، وقَوْلِـهِ: ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨]، وقَوْلِـهِ: ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى هَوانِهِمْ وصَغارِهِمْ وحَقارَتِهِمْ.
وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ يَدْخُلُ فِيهِ الكافِرُ السَّمِينُ العَظِيمُ البَدَنِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، أخْبَرَنا المُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أبُو الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ وقالَ اقْرَءُوا ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» وعَنْ يَحْيى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِي الزِّنادِ مِثْلُهُ ا هـ، مِنَ البُخارِيِّ.
وَهَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ أيْضًا مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ نَفْسَ الكافِرِ العَظِيمِ السَّمِينِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى وزْنِ الأشْخاصِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ أنْ أشارَ إلى حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المَذْكُورِ ما نَصُّهُ: وفي هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ ذَمُّ السِّمَنِ لِمَن تَكَلَّفَهُ، لِما في ذَلِكَ مِن تَكَلُّفِ المَطاعِمِ والِاشْتِغالِ بِها عَنِ المَكارِمِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ الأكْلِ الزّائِدِ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ، المُبْتَغى بِهِ التَّرَفُّهُ والسِّمَنُ، وقَدْ قالَ ﷺ: «إنَّ أبْغَضَ الرِّجالِ إلى اللَّهِ تَعالى الحَبْرُ السَّمِينُ» ومِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «خَيْرُكم قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» قالَ عِمْرانُ، فَلا أدْرِي أذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أوْ ثَلاثَةً «ثُمَّ إنَّ مِن بَعْدِكم قَوْمًا يَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، ويَنْذُرُونَ ولا يُوفُونَ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» وهَذا ذَمٌّ، وسَبَبُ ذَلِكَ: أنَّ السِّمَنَ المُكْتَسَبَ إنَّما هو مِن كَثْرَةِ الأكْلِ والشَّرَهِ والدَّعَةِ والرّاحَةِ والأمْنِ، والِاسْتِرْسالِ مَعَ النَّفْسِ عَلى شَهَواتِها، فَهو عَبْدُ نَفْسِهِ لا عَبْدُ رَبِّهِ، ومَن كانَ هَذا حالُهُ وقَعَ لا مَحالَةَ في الحَرامِ، وكُلُّ لَحْمٍ تَوَلَّدَ مِن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعالى الكُفّارَ بِكَثْرَةِ الأكْلِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]، فَإذا كانَ المُؤْمِنُ يَتَشَبَّهُ بِهِمْ، ويَتَنَعَّمُ تَنَعُّمَهم في كُلِّ أحْوالِهِ وأزْمانِهِ، فَأيْنَ حَقِيقَةُ الإيمانِ والقِيامِ بِوَظائِفِ الإسْلامِ، ومَن كَثُرَ أكْلُهُ وشُرْبُهُ كَثُرَ نَهَمُهُ وحِرْصُهُ، وزادَ (p-٣٥٤)بِاللَّيْلِ كَسَلُهُ ونَوْمُهُ، فَكانَ نَهارَهُ هائِمًا، ولَيْلَهُ نائِمًا ا هـ، مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ، وما تَضَمَّنَهُ كَلامُهُ مِنَ الجَزْمِ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ» فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا، وقَدْ حَسَّنَهُ البَيْهَقِيُّ مِن كَلامِ كَعْبٍ، وما ذُكِرَ مِن ذَمِّ كَثْرَةِ الأكْلِ والشُّرْبِ والسِّمَنِ المُكْتَسَبِ ظاهِرٌ وأدِلَّتُهُ كَثِيرَةٌ ”وَحَسْبُ المُؤْمِنِ لُقَيْماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ“ .
الكهف 18:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾
، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ والإيمانَ سَبَبٌ في نَيْلِ جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ، والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِكَوْنِ العَمَلِ الصّالِحِ سَبَبًا في دُخُولِ الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٢ - ٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، أيْ: بِسَبَبِهِ، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ الآيَةَ [مريم: ٦٠ - ٦١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
تَنْبِيهٌ
فَإنْ قِيلَ هَذِهِ الِآياتُ فِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ سَبَبٌ في دُخُولِ الجَنَّةِ، وقَوْلُهُ ﷺ: «لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكم عَمَلُهُ الجَنَّةَ ”قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ»، يَرِدُ بِسَبَبِهِ إشْكالٌ عَلى ذَلِكَ.
فالجَوابُ: أنَّ العَمَلَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ إلّا إذا تَقَبَّلَهُ اللَّهُ تَعالى، وتَقَبُّلُهُ لَهُ فَضْلٌ مِنهُ، فالفِعْلُ الَّذِي هو سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ هو الَّذِي تَقَبَّلَهُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ، وغَيْرُهُ مِنَ الأعْمالِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ، ولِلْجَمْعِ بَيْنَ الحَدِيثِ والآياتِ المَذْكُورَةِ أوْجُهٌ أُخَرُ، هَذا أظْهَرُها عِنْدِي، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنْ ”النُّزُلَ“، هو ما يُهَيَّأُ مِنَ الإكْرامِ لِلضَّيْفِ أوِ القادِمِ.
الكهف 18:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ .
أيْ: خالِدِينَ في جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا، أيْ: تَحَوُّلًا إلى مَنزِلٍ آخَرَ؛ لِأنَّها لا يُوجَدُ مَنزِلٌ أحْسَنُ مِنها يُرْغَبُ في التَّحَوُّلِ إلَيْهِ عَنْها، بَلْ هم خالِدُونَ فِيها (p-٣٥٥)دائِمًا مِن غَيْرِ تَحَوُّلٍ ولا انْتِقالٍ، وهَذا المَعْنى المَذْكُورُ هُنا جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾ [فاطر: ٣٥]، أيِ: الإقامَةِ أبَدًا، وقَوْلِـهِ: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾، [الكهف: ٢ - ٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِهِمْ فِيها، ودَوامِ نَعِيمِها لَهم، والحِوَلُ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى التَّحَوُّلِ.
الكهف 18:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ .
أمَرَ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَقُولَ ﴿لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، أيْ: لَوْ كانَ ماءُ البَحْرِ مِدادًا لِلْأقْلامِ الَّتِي تَكْتُبُ بِها كَلِماتُ اللَّهِ ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ﴾ أيْ: فَرَغَ وانْتَهى قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، أيْ: بِبَحْرٍ آخَرَ مِثْلِهِ مَدَدًا، أيْ: زِيادَةً عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ ”مَدَدًا“ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ويَصِحُّ إعْرابُهُ حالًا، وقَدْ زادَ هَذا المَعْنى إيضاحًا في سُورَةِ ”لُقْمانَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ كَلِماتِهِ تَعالى لا نَفادَ لَها سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.
الكهف 18:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾
، أمَرَ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، أيْ: لا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ولا غَيْرُ بِشَرٍ، بَلْ أنا بَشَرٌ مِثْلُكم، أيْ: بَشَرٌ مِن جِنْسِ البَشَرِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَنِي وخَصَّنِي بِما أوْحى إلَيَّ مِن تَوْحِيدِهِ وشَرْعِهِ، وقَوْلُهُ هُنا ﴿يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، أيْ: فَوَحِّدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ غَيْرَهُ، وهَذا الَّذِي بَيَّنَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، أوْضَحَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في أوَّلِ ”فُصِّلَتْ“: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧ - ٨]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٠]، (p-٣٥٦)وَهَذا الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّهُ يَقُولُ لِلنّاسِ أنَّهُ بَشَرٌ، ولَكِنَّ اللَّهَ فَضَّلَهُ عَلى غَيْرِهِ بِما أوْحى إلَيْهِ مِن وحْيِهِ جاءَ مِثْلُهُ عَنِ الرُّسُلِ غَيْرِهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١١]، فَكَوْنُ الرُّسُلِ مِثْلَ البَشَرِ مِن حَيْثُ إنَّ أصْلَ الجَمِيعِ وعُنْصُرَهم واحِدٌ، وأنَّهم تَجْرِي عَلى جَمِيعِهِمُ الأعْراضُ البَشَرِيَّةُ لا يُنافِي تَفْضِيلَهم عَلى سائِرِ البَشَرِ بِما خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن وحْيِهِ واصْطِفائِهِ وتَفْضِيلِهِ كَما هو ضَرُورِيٌّ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، فَمَن زَعَمَ مِنكم أنِّي كاذِبٌ فَلْيَأْتِ بِمِثْلِ ما جِئْتُ بِهِ، فَإنَّنِي لا أعْلَمَ الغَيْبَ فِيما أخْبَرْتُكم بِهِ عَمّا سَألْتُمْ عَنْهُ مِن أخْبارِ الماضِينَ كَقِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وخَبَرِ ذِي القَرْنَيْنِ، وهَذا لَهُ اتِّجاهٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ .
قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]، يَشْمَلُ كَوْنَهُ يَأْمُلُ ثَوابَهُ، ورُؤْيَةَ وجْهِهِ الكَرِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ، وكَوْنَهُ يَخْشى عِقابَهُ، أيْ: فَمَن كانَ راجِيًا مِن رَبِّهِ يَوْمَ يَلْقاهُ الثَّوابَ الجَزِيلَ والسَّلامَةَ مِنَ الشَّرِّ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا.
وَقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ العَمَلِ الصّالِحِ وغَيْرِ الصّالِحِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وغَيْرِها، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وَقَوْلُـهُ: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، أيْ: لا يُرائِي النّاسَ في عَمَلِهِ؛ لِأنَّ العَمَلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ لِأجْلِ رِياءِ النّاسِ مِن نَوْعِ الشِّرْكِ، كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ الرِّياءَ مِن أنْواعِ الشِّرْكِ، وقَدْ جاءَتْ في ذَلِكَ أحادِيثُ مَرْفُوعَةٌ، وقَدْ ساقَ طَرَفَها ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، أعَمُّ مِنَ الرِّياءِ وغَيْرِهِ، أيْ: لا يَعْبُدُ رَبَّهُ رِياءً وسُمْعَةً، ولا يَصْرِفُ شَيْئًا مِن حُقُوقِ خالِقِهِ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٨]، في المَوْضِعَيْنِ، ويَقُولُ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَيُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِي يُشْرِكُ أحَدًا بِعِبادَةِ رَبِّهِ، ولا يَعْمَلُ صالِحًا أنَّهُ لا يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ، والَّذِي لا يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ لا خَيْرَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَهَذا المَفْهُومُ جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى فِيما مَضى قَرِيبًا: (p-٣٥٧)﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٠٥ - ١٠٦]؛ لِأنَّ مَن كَفَرَ بِلِقاءِ اللَّهِ لا يَرْجُو لِقاءَهُ، وقَوْلِهِ في ”العَنْكَبُوتِ“ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣]، وقَوْلِـهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٧]، وقَوْلِـهِ في ”الأنْعامِ“: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١]، وقَوْلِـهِ تَعالى في ”يُونُسَ“: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥]، وقَوْلِـهِ في ”الفُرْقانِ“: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]، وقَوْلِـهِ في ”الرُّومِ“: ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ الرَّجاءَ كَقَوْلِهِ هُنا ﴿يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]، يُسْتَعْمَلُ في رَجاءِ الخَيْرِ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَوْفِ أيْضًا، واسْتِعْمالُهُ في رَجاءِ الخَيْرِ مَشْهُورٌ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الرَّجاءِ في الخَوْفِ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يُرْجَ لَسْعُها وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَواسِلُ
فَقَوْلُهُ ”لَمْ يُرْجَ لَسْعُها“ أيْ: لَمْ يُخَفْ لَسْعُها، ويُرْوى حالَفَها بِالحاءِ والخاءِ، ويُرْوى عَواسِلُ بِالسِّينِ، وعَوامِلُ بِالمِيمِ.
فَإذا عَلِمْتَ أنَّ الرَّجاءَ يُطْلَقُ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فاعْلَمْ أنَّهُما مُتَلازِمانِ، فَمَن كانَ يَرْجُو ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الخَيْرِ فَهو يَخافُ ما لَدَيْهِ مِنَ الشَّرِّ كالعَكْسِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ١١٠]، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في جُنْدُبِ بْنِ زُهَيْرٍ الأزْدِيِّ الغامِدِيِّ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّنِي أعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ تَعالى وأُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهُ إذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ ولا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ، ولا يَقْبَلُ ما شُورِكَ فِيهِ» فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ: أنَّهُ مِن رِوايَةِ ابْنِ الكَلْبِيِّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وضَعْفُ هَذا السَّنَدِ مَشْهُورٌ، (p-٣٥٨)وَعَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي أُحِبُّ الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وأُحِبُّ أنْ يُرى مَكانِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أتَصَدَّقُ وأصِلُ الرَّحِمَ، ولا أصْنَعُ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، فَيُذْكَرُ ذَلِكَ مِنِّي، وأُحْمَدُ عَلَيْهِ فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ، وأُعْجَبُ بِهِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾» [الكهف: ١١٠]، انْتَهى مِن تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ مَن قَصَدَ بِعَمَلِهِ وجْهَ اللَّهِ فَعَلَهُ لِلَّهِ ولَوْ سَرَّهُ اطِّلاعُ النّاسِ عَلى ذَلِكَ، ولا سِيَّما إنْ كانَ سُرُورُهُ بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَقْتَدُوا بِهِ فِيهِ، ومَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ في المُؤْمِنِينَ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الإخْلاصِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ عَنْ طاوُسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي أقِفُ مَواقِفَ أبْتَغِي وجْهَ اللَّهِ، وأُحِبُّ أنَّ يُرى مَوْطِنِي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾»، وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ مَوْصُولًا عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ مَن يُقاتِلُ وهو يُحِبُّ أنْ يُرى مَكانُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾، وأخْرَجَ ابْنُ مِندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في الصَّحابَةِ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ الصَّغِيرِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ جُنْدُبُ بْنُ زُهَيْرٍ إذا صَلّى أوْ صامَ أوْ تَصَدَّقَ فَذُكِرَ بِخَيْرٍ ارْتاحَ لَهُ، فَزادَ في ذَلِكَ لِمَقالَةِ النّاسِ فَلامَهُ اللَّهُ، فَنَزَلَ في ذَلِكَ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾، وأخْرَجَ هَنّادٌ في الزُّهْدِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتَصَدَّقُ بِالصَّدَقَةِ وألْتَمِسُ بِها ما عِنْدَ اللَّهِ، وأُحِبُّ أنْ يُقالَ لِي خَيْرٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾» ا هـ، مِنَ ”الدُّرِّ المَنثُورِ في التَّفْسِيرِ بِالمَأْثُورِ“ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:1
(p-٣٥٩)﷽
سُورَةُ مَرْيَمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كهيعص﴾ ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]، في سُورَةِ ”هُودٍ“ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢]، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكِرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿كهيعص﴾ ظاهِرُ السُّقُوطِ لِعَدَمِ رَبْطٍ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ لَفْظَةُ ”ذِكْرُ“ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، ولَفْظَةُ ”رَحْمَةٍ“ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ وهو ”رَبِّكَ“، وقَوْلُـهُ: عَبْدَهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو ”رَحْمَةِ“ المُضافُ إلى فاعِلِهِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ كَمِّلْ بِنَصْبٍ أوْ بِرَفْعٍ عَمَلَهْ وقَوْلُهُ: ”زَكَرِيّا“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ”عَبْدَهُ“ أوْ عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ هَذا الَّذِي يُتْلى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ هو ذِكْرُ اللَّهِ رَحْمَتَهُ الَّتِي رَحِمَ بِها عَبْدَهُ زَكَرِيّا حِينَ ناداهُ نِداءً خَفِيًّا أيْ: دَعاهُ في سِرٍّ وخُفْيَةٍ، وثَناؤُهُ جَلَّ وعَلا عَلَيْهِ بِكَوْنِ دُعائِهِ خَفِيًّا يَدُلُّ عَلى أنَّ إخْفاءَ الدُّعاءِ أفْضَلُ مِن إظْهارِهِ وإعْلانِهِ، وهَذا المَعْنى المَفْهُومُ مِن هَذِهِ الآيَةِ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٦٣]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وإنَّما كانَ الإخْفاءُ أفْضَلَ مِنَ الإظْهارِ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الإخْلاصِ، وأبْعَدُ مِنَ الرِّياءِ، فَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ سَبَبَ إخْفائِهِ دُعاءَهُ أنَّهُ خَوَّفَهُ مِن قَوْمِهِ أنْ يَلُومُوهُ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ، في حالَةٍ لا يُمْكِنُ فِيها الوَلَدُ عادَةً لِكِبَرِ (p-٣٦٠)سِنِّهِ وسِنِّ امْرَأتِهِ، وكَوْنِها عاقِرًا، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ أخْفاهُ؛ لِأنَّهُ طَلَبُ أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَإنْ أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فِيهِ نالَ ما كانَ يُرِيدُ، وإنْ لَمْ يُجِبْهُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ أحَدٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، كُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالأظْهَرِ، والأظْهَرُ أنَّ السِّرَّ في إخْفائِهِ هو ما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ الإخْفاءِ أفْضَلَ مِنَ الإعْلانِ في الدُّعاءِ، ودُعاءُ زَكَرِيّا هَذا لَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ في هَذا المَوْضِعِ مَكانَهُ ولا وقْتَهُ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٧ - ٣٨]، فَقَوْلُهُ ”هُنالِكَ“ أيْ: في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي وجَدَ فِيهِ ذَلِكَ الرِّزْقَ عِنْدَ مَرْيَمَ.
وَقالَ بَعْضُهم: ”هُنالِكَ“ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، بِناءً عَلى أنَّ هُنا رُبَّما أُشِيرَ بِها إلى الزَّمانِ، وقَوْلُهُ في دُعائِهِ هَذا:﴿رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، أيْ: ضَعُفَ، والوَهْنُ: الضَّعْفُ، وإنَّما ذَكَرَ ضَعْفَ العَظْمِ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ فَإذا وهَنَ دَلَّ عَلى ضَعْفِ جَمِيعِ البَدَنِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ ما فِيهِ وأصْلَبُهُ، فَوَهْنُهُ يَسْتَلْزِمُ وهْنَ غَيْرِهِ مِنَ البَدَنِ.
الحَرْفُ المُنِيرُ \ سِحْرٌ \ أضْواءُ البَيانِ ج ٤ \ مِن ص ٢٠٤ - إلى ص ٢١٢ وقَوْلُـهُ: ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، الألِفُ واللّامُ في ”الرَّأْسِ“ قاما مَقامَ المُضافِ إلَيْهِ، إذِ المُرادُ: واشْتَعَلَ رَأْسِي شَيْبًا، والمُرادُ بِاشْتِعالِ الرَّأْسِ شَيْبًا: انْتِشارُ بَياضِ الشَّيْبِ فِيهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ: شَبَّهَ الشَّيْبَ بِشُواظِ النّارِ في بَياضِهِ وإنارَتِهِ وانْتِشارِهِ في الشِّعْرِ وفُشُوِّهِ فِيهِ، وأخْذِهِ مِنهُ كُلَّ مَأْخَذٍ بِاشْتِعالِ النّارِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، ثُمَّ أسْنَدَ الِاشْتِعالَ إلى مَكانِ الشَّعْرِ ومَنبَتِهِ وهو الرَّأْسُ، وأخْرَجَ الشَّيْبَ مُمَيِّزًا، ولَمْ يُضِفِ الرَّأْسَ اكْتِفاءً بِعِلْمِ المُخاطَبِ أنَّهُ رَأْسُ زَكَرِيّا، فَمِن ثَمَّ فَصُحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ وشُهِدَ لَها بِالبَلاغَةِ انْتَهى مِنهُ، والظّاهِرُ عِنْدَنا كَما بَيَّنّا مِرارًا: أنَّ مِثْلَ هَذا مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ انْتِشارِ بَياضِ الشَّيْبِ في الرَّأْسِ، بِاشْتِعالِ الرَّأْسِ شَيْبًا أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفُصْحى جاءَ القُرْآنُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ضَيَّعْتُ حَزْمِي في إبْعادِي الأمَلا وما ارْعَوَيْتُ وشَيْبًا رَأْسِيَ اشْتَعَلا
وَمِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ في مَقْصُورَتِهِ.
؎واشْتَعَلَ المِبْيَضُ في مُوَسَّدِهِ ∗∗∗ مِثْلَ اشْتِعالِ النّارِ في جَزْلِ الغَضا
(p-٣٦١)وَقَوْلُهُ ”شَيْبًا“ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ في أظْهَرِ الأعارِيبِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ مِن قَوْلِهِ ”واشْتَعَلَ“ لِأنَّهُ اشْتَعَلَ بِمَعْنى شابَ، فَيَكُونُ ”شَيْبًا“ مَصْدَرًا مِنهُ في المَعْنى ومَن زَعَمَ أيْضًا أنَّهُ مَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ هُنا عَنْ زَكَرِيّا في دُعائِهِ مِن إظْهارِ الضَّعْفِ والكِبَرِ جاءَ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، وقَوْلِـهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٠]، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِن إظْهارِ الضَّعْفِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلدّاعِي إظْهارُ الضَّعْفِ والخَشْيَةِ والخُشُوعِ في دُعائِهِ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]، أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ شَقِيًّا، أيْ: لَمْ تَكُنْ تُخَيِّبُ دُعائِي إذا دَعَوْتُكَ، يَعْنِي أنَّكَ عَوَّدْتَنِي الإجابَةَ فِيما مَضى، والعَرَبُ تَقُولُ: شَقِيَ بِذَلِكَ إذا تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ، ورُبَّما أطْلَقْتَ الشَّقاءَ عَلى التَّعَبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧]، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في ضِدِّ السَّعادَةِ، ولا شَكَّ أنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ مِنَ السَّعادَةِ، فَيَكُونُ عَدَمُ إجابَتِهِ مِنَ الشَّقاءِ.
مريم 19:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾، ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ .
مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ [مريم: ٥]، أيْ: خِفْتُ أقارِبِي وبَنِي عَمِّي وعُصْبَتِي: أنْ يُضَيِّعُوا الدِّينَ بَعْدِي، ولا يَقُومُوا لِلَّهِ بِدِينِهِ حَقَّ القِيامِ، فارْزُقْنِي ولَدًا يَقُومُ بَعْدِي بِالدِّينِ حَقَّ القِيامِ، وبِهَذا التَّفْسِيرِ تَعْلَمُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿يَرِثُنِي﴾ أنَّهُ إرْثُ عِلْمٍ ونُبُوَّةٍ، ودَعْوَةٍ إلى اللَّهِ والقِيامِ بِدِينِهِ، لا إرْثَ مالٍ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أمْرانِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥]، ومَعْلُومٌ أنَّ آلَ يَعْقُوبَ انْقَرَضُوا مِن زَمانٍ، فَلا يُورَثُ عَنْهم إلّا العِلْمُ والنُّبُوَّةُ والدِّينُ.
والأمْرُ الثّانِي: ما جاءَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ لا يُورَثُ عَنْهُمُ المالُ، وإنَّما يُورَثُ عَنْهُمُ العِلْمُ والدِّينُ، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، ومِن ذَلِكَ أيْضًا ما رَواهُ الشَّيْخانِ أيْضًا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِعُثْمانَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، والزُّبَيْرِ وسَعْدٍ، وعَلِيٍّ، والعَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ (p-٣٦٢)الَّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّماءُ والأرْضُ، أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، قالُوا: نَعَمْ، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوَفِّي أرَدْنَ أنْ يَبْعَثْنَ عُثْمانَ إلى أبِي بَكْرٍ يَسْألْنَهُ مِيراثَهُنَّ، فَقالَتْ عائِشَةُ: ألَيْسَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ الشَّيْخانِ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَقْتَسِمُ ورَثَتِي دِينارًا، ما تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسائِي ومَئُونَةِ عامِلِي فَهو صَدَقَةٌ» وفي لَفْظٍ عِنْدَ أحْمَدَ: «لا تَقْتَسِمُ ورَثَتِي دِينارًا ولا دِرْهَمًا»، ومِن ذَلِكَ أيْضًا ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن يَرِثُكَ إذا مِتَّ ؟ قالَ: ولَدِي وأهْلِي، قالَتْ: فَما لَنا لا نَرِثُ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ النَّبِيَّ لا يُورَثُ»، ولَكِنْ أعُولُ مَن كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُولُهُ، وأُنْفِقُ عَلى مَن كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ.
فَهَذِهِ الأحادِيثُ وأمْثالُها ظاهِرَةٌ في أنَّ الأنْبِياءَ لا يُورَثُ عَنْهُمُ المالُ بَلِ العِلْمُ والدِّينُ، فَإنْ قِيلَ: هَذا مُخْتَصٌّ بِهِ ﷺ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ «لا نُورَثُ» يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ، كَما قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المُشارِ إلَيْهِ عَنْهُ آنِفًا: أنْشُدُكم بِاللَّهِ الَّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّماءُ والأرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”لا «نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»“ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ، فَقالَ الرَّهْطُ: قَدْ قالَ ذَلِكَ الحَدِيثَ، فَفي هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ عُمَرَ قالَ: إنَّ مُرادَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ «لا نُورَثُ» نَفْسُهُ، وصَدَّقَهُ الجَماعَةُ المَذْكُورُونَ في ذَلِكَ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى الخُصُوصِ فَلا مانِعَ إذَنْ مِن كَوْنِ المَوْرُوثِ عَنْ زَكَرِيّا في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها هو المالُ ؟ فالجَوابُ مِن أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ صِيغَةِ الجَمْعِ شُمُولُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَلا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْ هَذا الظّاهِرِ إلّا بِدَلِيلٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، وقَوْلُ عُمَرَ لا يَصِحُّ تَخْصِيصُ نَصٍّ مِنَ السُّنَّةِ بِهِ؛ لِأنَّ النُّصُوصَ لا يَصِحُّ تَخْصِيصُها بِأقْوالِ الصَّحابَةِ عَلى التَّحْقِيقِ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَ عُمَرَ ”يُرِيدُ ﷺ نَفْسَهُ“ لا يُنافِي شُمُولَ الحُكْمِ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ قَصْدُهُ يُرِيدُ أنَّهُ هو ﷺ يَعْنِي نَفْسَهُ فَإنَّهُ لا يُورَثُ، ولَمْ يَقُلْ عُمَرُ إنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَشْمَلْ غَيْرَهُ، وكَوْنُهُ يَعْنِي نَفْسَهُ لا يُنافِي أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ لا يُورَثُ أيْضًا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: ما جاءَ مِنَ الأحادِيثِ صَرِيحًا في عُمُومِ عَدَمِ الإرْثِ المالِيِّ في جَمِيعِ الأنْبِياءِ، وسَنَذْكُرُ طَرَفًا مِن ذَلِكَ هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي ما نَصُّهُ: وأمّا ما اشْتُهِرَ في كُتُبِ أهْلِ الأُصُولِ (p-٣٦٣)وَغَيْرِهِمْ بِلَفْظِ «نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» فَقَدْ أنْكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ، وهو كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِخُصُوصِ لَفْظِ ”نَحْنُ“ لَكِنْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أبِي الزِّنادِ بِلَفْظِ «إنّا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» . ”الحَدِيثَ، وأخْرَجَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ، وهو كَذَلِكَ في مُسْنَدِ الحُمَيْدِيِّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وهو مِن أتْقَنِ أصْحابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ، وأوْرَدَهُ الهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ في مُسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ بِاللَّفْظِ المَذْكُورِ، وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِنَحْوِ اللَّفْظِ المَذْكُورِ، وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ في العِلَلِ مِن رِوايَةِ أمِّ هانِئٍ عَنْ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ بِلَفْظِ“ «إنَّ الأنْبِياءَ لا يُورَثُونَ» انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ، وقَدْ رَأيْتُ فِيهِ هَذِهِ الطُّرُقَ الَّتِي فِيها التَّصْرِيحُ بِعُمُومِ الأنْبِياءِ، وقَدْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ إنْكارَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ إلّا بِالنِّسْبَةِ لِخُصُوصِ لَفْظِ ”نَحْنُ“ وهَذِهِ الرِّواياتُ الَّتِي أشارَ لَها يَشُدُّ بَعْضُها، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ البَيانَ يَصِحُّ بِكُلِّ ما يُزِيلُ الإشْكالَ ولَوْ قَرِينَةٌ أوْ غَيْرُها كَما قَدَّمْناهُ مُوَضَّحًا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، وعَلَيْهِ فَهَذِهِ الأحادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنا تُبَيِّنُ أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ ”لا نُورَثُ“ أنَّهُ يَعْنِي نَفْسَهُ، كَما قالَ عُمَرُ وجَمِيعُ الأنْبِياءِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّواياتُ المَذْكُورَةُ، والبَيانُ إرْشادٌ ودَلالَةٌ يَصِحُّ بِكُلِّ شَيْءٍ يُزِيلُ اللَّبْسَ عَنِ النَّصِّ مِن نَصٍّ أوْ فِعْلٍ أوْ قَرِينَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، قالَ في مَراقِي السُّعُودِ في تَعْرِيفِ البَيانِ وما بِهِ البَيانُ: .
تَصْيِيرُ مُشْكَلٍ مِنَ الجَلِيِّ وهو واجِبٌ عَلى النَّبِيِّ إذا أُرِيدَ فَهْمُهُ وهْوَ بِما مِنَ الدَّلِيلِ مُطْلَقًا يَجْلُو العَما وبِهَذا الَّذِي قَرَّرْنا تَعْلَمُ: أنَّ قَوْلَهُ هُنا ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾، يَعْنِي وِراثَةَ العِلْمِ والدِّينِ لا المالِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ الآيَةَ [النمل: ١٦]، فَتِلْكَ الوِراثَةُ أيْضًا وِراثَةُ عِلْمٍ ودِينٍ، والوِراثَةُ قَدْ تُطْلَقُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى وِراثَةِ العِلْمِ والدِّينِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣٢]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤]، وقَوْلِـهِ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٦٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ السُّنَّةِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ ما رَواهُ أبُو الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»، وهو في المُسْنَدِ والسُّنَنِ، قالَ صاحِبُ ) تَمْيِيزُ الطَّيِّبِ مِنَ (p-٣٦٤)الخَبِيثِ، فِيما يَدُورُ عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ مِنَ الحَدِيثِ (: رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وآخَرُونَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا بِزِيادَةِ «إنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهَمًا، وإنَّما ورَّثُوا العِلْمَ» وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وغَيْرُهُما انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ، وقالَ صاحِبُ ) كَشْفُ الخَفاءِ ومُزِيلُ الإلْباسِ عَمّا اشْتُهِرَ مِنَ الأحادِيثِ عَلى ألْسِنَةِ الناسِ (: «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ» رَواهُ أحْمَدُ والأرْبَعَةُ وآخَرُونَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا بِزِيادَةِ ”«إنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهَمًا وإنَّما ورَّثُوا العِلْمَ» .“ الحَدِيثَ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وغَيْرُهُما، وحَسَّنَهُ حَمْزَةُ الكِنانِيُّ وضَعَّفَهُ غَيْرُهم لِاضْطِرابِ سَنَدِهِ لَكِنْ لَهُ شَواهِدُ، ولِذا قالَ الحافِظُ: لَهُ طُرُقٌ يُعْرَفُ بِها أنَّ لِلْحَدِيثِ أصْلًا، ورَواهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ، والظّاهِرُ صَلاحِيَةُ هَذا الحَدِيثِ لِلِاحْتِجاجِ لِاعْتِضادِ بَعْضِ طُرُقِهِ بِبَعْضٍ، فَإذا عَلِمْتَ ما ذَكَرْنا مِن دَلالَةِ هَذِهِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ الوِراثَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ وِراثَةُ عِلْمٍ ودِينٍ لا وِراثَةَ مالٍ فاعْلَمْ أنَّ لِلْعُلَماءِ في ذَلِكَ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: الأوَّلُ: هو ما ذَكَرْنا، والثّانِي: أنَّها وِراثَةُ مالٍ، والثّالِثُ: أنَّها وبِالنِّسْبَةِ لِآلِ يَعْقُوبَ في قَوْلِهِ ﴿وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ وِراثَةُ عِلْمٍ ودِينٍ.
وَهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وقَدْ ذَكَرَ مَن قالَ: إنَّ وِراثَتَهُ لِزَكَرِيّا وِراثَةَ مالٍ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ أنَّهُ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ زَكَرِيّا ما كانَ عَلَيْهِ مِن ورَثَتِهِ» أيْ: ما يَضُرُّهُ إرْثُ ورَثَتِهِ لِمالِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، والأرْجَحُ فِيما يَظْهَرُ لَنا هو ما ذَكَرْنا مِن أنَّها وِراثَةُ عِلْمٍ ودِينٍ؛ لِلْأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا وغَيْرِها مِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ هُنا ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مِن أوْجُهٍ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ [مريم: ٥]، وجْهُ خَوْفِهِ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَتَصَرَّفُوا مِن بَعْدِهِ في النّاسِ تَصَرُّفًا سَيِّئًا فَسَألَ اللَّهَ ولَدًا يَكُونُ نَبِيًّا مِن بَعْدِهِ؛ لِيَسُوسَهم بِنُبُوَّتِهِ بِما يُوحى إلَيْهِ فَأُجِيبَ في ذَلِكَ؛ لا أنَّهُ خَشِيَ مِن وِراثَتِهِمْ لَهُ مالَهُ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ أعْظَمُ مَنزِلَةً، وأجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ يُشْفِقَ عَلى مالِهِ إلى ما هَذا حَدُّهُ، وأنْ يَأْنَفَ مِن وِراثَةِ عَصَباتِهِ لَهُ، ويَسْألَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لِيَحُوزَ مِيراثَهُ دُونَهم وهَذا وجْهٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ كانَ ذا مالٍ؛ بَلْ كانَ نَجّارًا يَأْكُلُ مِن كَسْبِ يَدَيْهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَجْمَعُ مالًا، ولا سِيَّما الأنْبِياءُ، فَإنَّهم كانُوا أزْهَدَ شَيْءٍ في الدُّنْيا.
الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن غَيْرِ وجْهٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ» وفي رِوايَةٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ «نَحْنُ مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» وعَلى هَذا فَتَعَيَّنَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦]، (p-٣٦٥)عَلى مِيراثِ النُّبُوَّةِ، ولِهَذا قالَ ﴿وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦]، أيْ: في النُّبُوَّةِ، إذْ لَوْ كانَ في المالِ لَما خَصَّهُ مِن بَيْنِ إخْوَتِهِ بِذَلِكَ، ولَما كانَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ كَبِيرُ فائِدَةٍ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ المُسْتَقِرِّ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والمِلَلِ: أنَّ الوَلَدَ يَرِثُ أباهُ، فَلَوْلا أنَّها وِراثَةٌ خاصَّةٌ لَما أخْبَرَ بِها، وكُلُّ هَذا يُقَرِّرُهُ ويُثْبِتُهُ ما صَحَّ في الحَدِيثِ: «نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا فَهو صَدَقَةٌ» ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ، ثُمَّ ساقَ بَعْدَ هَذا طُرُقَ الحَدِيثِ الَّذِي أشَرْنا لَهُ «يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّا وما كانَ عَلَيْهِ مِن ورَثَةِ مالِهِ» الحَدِيثَ، ثُمَّ قالَ في أسانِيدِهِ: وهَذِهِ مُرْسَلاتٌ لا تُعارِضُ الصِّحاحَ.
واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ «نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ» ولَفْظَ «إنّا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ» مُؤَدّاهُما واحِدٌ، إلّا أنَّ ”إنَّ“ دَخَلَتْ عَلى ”نَحْنُ“ فَأبْدَلَتْ لَفْظَةَ ”نَحْنُ“ الَّتِي هي المُبْتَدَأُ بِلَفْظَةِ ”نا“ الصّالِحَةِ لِلنَّصْبِ، والجُمْلَةُ هي هي إلّا أنَّها في أحَدِ اللَّفْظَيْنِ أُكِّدَتْ بِـ ”إنَّ“ كَما لا يَخْفى، وقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾، يَعْنِي بِهَذا الوَلِيِّ الوَلَدَ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأوْلِياءِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في القِصَّةِ نَفْسِها ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٣٨]، وأشارَ إلى أنَّهُ الوَلَدُ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]، فَقَوْلُهُ «لا تَذَرْنِي فَرَدًا»، أيْ: واحِدًا بِلا ولَدٍ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، عَنْ زَكَرِيّا: ﴿وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾، أيْ: مِن بَعْدِي إذا مِتُّ أنْ يُغَيِّرُوا في الدِّينِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ المَوالِيَ الأقارِبُ والعَصَباتُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٣]، والمَوْلى في لُغَةِ العَرَبِ: يُطْلَقُ عَلى كُلِّ مَنِ انْعَقَدَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ سَبَبٌ يُوالِيكَ وتَوالِيهِ بِهِ، وكَثِيرًا ما يُطْلَقُ في اللُّغَةِ عَلى ابْنِ العَمِّ؛ لِأنَّ ابْنَ العَمِّ يُوالِي ابْنَ عَمِّهِ بِالقَرابَةِ العَصَبِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
؎واعْلَمْ عِلْمًا لَيْسَ بِالظَّنِّ أنَّهُ إذا ذَلَّ مَوْلى المَرْءِ فَهو ذَلِيلٌ
يَعْنِي إذا ذَلَّتْ بَنُو عَمِّهِ فَهو ذَلِيلٌ، وقَوْلُ الفَضْلِ بْنِ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ:
؎مَهْلًا ابْنَ عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْبُشُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾، ظاهِرٌ في أنَّها كانَتْ عاقِرًا في زَمَنِ شَبابِها، والعاقِرُ: هي العَقِيمُ الَّتِي لا تَلِدُ وهو يُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى؛ (p-٣٦٦)فَمِن إطْلاقِهِ عَلى الأُنْثى هَذِهِ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ زَكَرِيّا أيْضًا: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، ومِن إطْلاقِهِ عَلى الذَّكَرِ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ:
؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كَنْتُ أعْوَرَ عاقِرًا ∗∗∗ جَبانًا فَما عُذْرِي لَدى كُلِّ مَحْضَرِ
وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى أنَّهُ أزالَ عَنْها العُقْمَ، وأصْلَحَها، فَجَعَلَها ولُودًا بَعْدَ أنْ كانَتْ عاقِرًا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فَهَذا الإصْلاحُ هو كَوْنُها صارَتْ تَلِدُ بَعْدَ أنْ كانَتْ عَقِيمًا، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ إصْلاحَها المَذْكُورَ هو جَعْلُها حَسَنَةَ الخُلُقِ بَعْدَ أنْ كانَتْ سَيِّئَةَ الخُلُقِ لا يُنافِي ما ذُكِرَ لِجَوازِ أنْ يَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فِيها، مَعَ أنَّ كَوْنَ الإصْلاحِ هو جَعْلُها ولُودًا بَعْدَ العُقْمِ هو ظاهِرُ السِّياقِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِمْ، والقَوْلُ الثّانِي يُرْوى عَنْ عَطاءٍ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ زَكَرِيّا ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٦]، أيْ: مَرْضِيًّا عِنْدَكَ وعِنْدَ خَلْقِكَ في أخْلاقِهِ وأقْوالِهِ وأفْعالِهِ ودِينِهِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾، أيْ: مِن عِنْدِكَ، وقَوْلُـهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦]، قَرَأهُ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِإسْكانِ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ مِنَ الفِعْلَيْنِ، أعْنِي ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ وهُما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَجْزُومانِ لِأجْلِ جَوابِ الطَّلَبِ الَّذِي هو ”هَبْ لِي“ والمُقَرَّرُ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، أنَّ المُضارِعَ المَجْزُومَ في جَوابِ الطَّلَبِ مَجْزُومٌ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ الطَّلَبِ، وتَقْدِيرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، إنْ تَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾، يَرْفَعُ الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ نَعْتٌ لِقَوْلِهِ ”وَلِيًّا“ أيْ: ولِيًّا وارِثًا لِي، ووارِثًا مِن آلِ يَعْقُوبَ، كَما قالَ في الخُلاصَةِ:
وَنَعَتُوا بِجُمْلَةٍ مُنَكَّرًا فَأُعْطِيَتْ ما أُعْطِيَتْهُ خَبَرًا وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ أوْضَحُ مَعْنى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الياءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي﴾، والباقُونَ بِإسْكانِها، وقَرَأ ”زَكَرِيّا“ بِلا هَمْزَةٍ بَعْدَ الألِفِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والباقُونَ قَرَءُوا ”زَكَرِيّاءَ“ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الألِفِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ المَدَّ في قَوْلِهِ: ”وَزَكَرِيّاءُ إذْ نادى“، مُنْفَصِلٌ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ، ومُتَّصِلٌ (p-٣٦٧)عَلى قِراءَةِ الباقِينَ، والهَمْزَةُ الثّانِيَةُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ الَّتِي هي هَمْزَةُ ”إذا“ مُسَهَّلَةٌ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو، ومُحَقَّقَةٌ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وشُعْبَةَ عَنْ عاصِمٍ، وقِراءَةُ ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ والفاءِ المُشَدَّدَةِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي بِمَعْنى أنَّ مَوالِيَهُ خَفُّوا أيْ: قَلُّوا شاذَّةٌ لا تَجُوزُ القِراءَةُ بِها وإنْ رُوِيَتْ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وامْرَأةُ زَكَرِيّا المَذْكُورَةُ قالَ القُرْطُبِيُّ: هي إيشاعُ بِنْتُ فاقُوذَ بْنِ قَبِيلٍ، وهي أُخْتُ حِنَّةَ بِنْتِ فاقُوذا، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، وحِنَّةُ: هي أُمُّ مَرْيَمَ، وقالَ القُتَبِيُّ: امْرَأةُ زَكَرِيّا هي إيشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ خالَةِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى الحَقِيقَةِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ ابْنَ خالَةِ أُمِّهِ، وفي حَدِيثِ الإسْراءِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”فَلَقِيتُ ابْنَيِ الخالَةِ يَحْيى وعِيسى“ شاهِدًا لِلْقَوْلِ الأوَّلِ ا هـ، مِنهُ، والظّاهِرُ شَهادَةُ الحَدِيثِ لِلْقَوْلِ الثّانِي لا لِلْأوَّلِ، خِلافًا لِما ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَذْفٌ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فَنُودِيَ: ﴿يازَكَرِيّا﴾ الآيَةَ [مريم: ٧]، وقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا في مَوْضِعٍ آخَرَ هَذا الَّذِي أجْمَلَهُ هُنا، فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِي ناداهُ بَعْضُ المَلائِكَةِ، وأنَّ النِّداءَ المَذْكُورَ وقَعَ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أطْلَقَ المَلائِكَةَ وأرادَ جِبْرِيلَ، ومَثَّلَ بِهِ بَعْضُ عُلَماءِ الأُصُولِ العامَّ المُرادَ بِهِ الخُصُوصُ قائِلًا: إنَّهُ أرادَ بِعُمُومِ المَلائِكَةِ خُصُوصَ جِبْرِيلَ، وإسْنادُ الفِعْلِ لِلْمَجْمُوعِ مُرادًا بَعْضُهُ قَدْ بَيَّنّا فِيما مَضى مِرارًا.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿اسْمُهُ يَحْيى﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي سَمّاهُ، ولَمْ يَكِلْ تَسْمِيَتَهُ إلى أبِيهِ، وفي هَذا مَنقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِيَحْيى.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾، اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ السَّمِيَّ يُطْلَقُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ إطْلاقَيْنِ: الأوَّلُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَمِيُّ فَلانٍ أيْ: مُسَمًّى بِاسْمِهِ، فَمَن كانَ اسْمُهُما واحِدًا فَكِلاهُما سَمِيُّ الآخَرِ، أيْ: مُسَمًّى بِاسْمِهِ.
والثّانِي: إطْلاقُ السَّمِيِّ يَعْنِي المُسامِيَّ، أيِ: المُماثِلَ في السُّمُوِّ والرِّفْعَةِ (p-٣٦٨)والشَّرَفِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ مِنَ السُّمُوِّ بِمَعْنى العُلُوِّ والرِّفْعَةِ، ويَكْثُرُ في اللُّغَةِ إتْيانُ الفَعِيلِ بِمَعْنى المُفاعِلِ، كالقَعِيدِ والجَلِيسِ بِمَعْنى المُقاعِدِ والمُجالِسِ، والأكِيلِ والشَّرِيبِ بِمَعْنى المُؤاكِلِ والمُشارِبِ، وكَذَلِكَ السَّمِيُّ بِمَعْنى المُسامِيِّ، أيِ: المُماثِلِ في السُّمُوِّ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ هُنا: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]، أيْ: لَمْ نَجْعَلْ مِن قَبْلِهِ أحَدًا يَتَسَمّى بِاسْمِهِ، فَهو أوَّلُ مَن كانَ اسْمُهُ يَحْيى، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ مَعْناهُ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ سَمِيًّا، أيْ: نَظِيرًا في السُّمُوِّ والرِّفْعَةِ غَيْرُ صَوابٍ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأفْضَلَ مِن إبْراهِيمَ ومُوسى ونُوحٍ، فالقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّوابُ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ أسْلَمَ وغَيْرُهم، ويُرْوى القَوْلُ الثّانِي عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وإذا عَلِمْتَ أنَّ الصَّوابَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾، أيْ: لَمْ نُسَمِّ أحَدًا بِاسْمِهِ قَبْلَهُ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ ولا مُماثِلٌ يُسامِيهِ في العُلُوِّ والعَظَمَةِ والكَمالِ عَلى التَّحْقِيقِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا يُسَمّى بِاسْمِهِ الرَّحْمَنِ جَلَّ وعَلا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ زَكَرِيّا لَمّا بُشِّرَ بِيَحْيى قالَ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، وهَذا الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ قالَهُ هُنا ذَكَرُهُ أيْضًا في ”آلِ عِمْرانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، قَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”عِتِيًّا“ بِكَسْرِ العَيْنِ اتِّباعًا لِلْكَسْرَةِ الَّتِي بَعْدَها، ومُجانَسَةً لِلْياءِ وقَرَأهُ الباقُونَ ”عُتِيًّا“ بِضَمِّها عَلى الأصْلِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾، أنَّهُ بَلَغَ غايَةَ الكِبَرِ في السِّنِّ، حَتّى نُحِلَّ عَظْمُهُ ويَبِسَ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَقُولُ وقَدْ عَتَوْتُ مِنَ الكِبَرِ فَصِرْتُ نَحِيلَ العِظامِ يابِسَها، يُقالُ مِنهُ لِلْعُودِ اليابِسِ: عُودٌ عاتٍ وِعاسٍ، وقَدْ عَتا يَعْتُو عُتُوًّا وعِتِيًّا، وعَسا يَعْسُو عِسِيًّا وعُسُوًّا، وكُلُّ مُتَناهٍ إلى غايَةٍ في كِبَرٍ أوْ فَسادٍ أوْ كُفْرٍ فَهو عاتٍ وعاسٍ.
* *
(p-٣٦٩)تَنْبِيهٌ
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ اسْتِفْهامِ زَكَرِيّا في قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾، مَعَ عِلْمِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ قَدْ ذَكَرْناها في كِتابِنا ( دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عِنْدَ آياتِ الكِتابِ ( في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ وواحِدٌ مِنها فِيهِ بُعْدٌ وإنْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِما.
الأوَّلُ: أنَّ اسْتِفْهامَ زَكَرِيّا اسْتِفْهامُ اسْتِخْبارٍ واسْتِعْلامٍ؛ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ هَلِ اللَّهُ يَأْتِيهِ بِالوَلَدِ مِن زَوْجَةِ العَجُوزِ عَلى كِبَرِ سِنِّهِما عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ، أوْ يَأْمُرُهُ بِأنْ يَتَزَوَّجَ شابَّةً، أوْ يَرُدُّهُما شابَّيْنِ ؟ فاسْتَفْهَمَ عَنِ الحَقِيقَةِ لِيَعْلَمَها، ولا إشْكالَ في هَذا، وهو أظْهَرُها.
الثّانِي: أنَّ اسْتِفْهامَهُ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: وهو الَّذِي ذَكَرْنا أنَّ فِيهِ بُعْدًا هو ما ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ: مِن أنَّ زَكَرِيّا لَمّا نادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى، قالَ لَهُ الشَّيْطانُ: لَيْسَ هَذا نِداءُ المَلائِكَةِ، وإنَّما هو نِداءُ الشَّيْطانِ، فَداخَلَ زَكَرِيّا الشَّكُّ في أنَّ النِّداءَ مِنَ الشَّيْطانِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ الشَّكِّ النّاشِئِ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ قَبْلَ أنْ يَتَيَقَّنَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٨]، ولِذا طَلَبَ الآيَةَ مِنَ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ الآيَةَ [مريم: ١٠]، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا القَوْلَ فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ عَلى زَكَرِيّا نِداءُ المَلائِكَةِ بِنِداءِ الشَّيْطانِ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿عِتِيًّا﴾ أصْلُهُ عُتُوًّا، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، ومِن إطْلاقِ العِتِيِّ الكِبَرِ المُتَناهِي قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيًّا
وَقِراءَةُ ”عِسِيًّا“ بِالسِّينِ شاذَّةٌ لا تَجُوزُ القِراءَةُ بِها، وقالَ القُرْطُبِيُّ: وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وهي كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ.
مريم 19:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ .
هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرُهُ أيْضًا في ”آلِ عِمْرانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقَوْلِـهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ”كَذَلِكَ“ لِلْعُلَماءِ في إعْرابِهِ أوْجُهٌ:
(p-٣٧٠)الأوَّلُ: أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وتَقْدِيرُهُ، الأمْرُ كَذَلِكَ، ولا مَحالَةَ أنْ تَلِدَ الغُلامَ المَذْكُورَ، وقِيلَ، الأمْرُ كَذَلِكَ أنْتَ كَبِيرٌ في السِّنِّ، وامْرَأتُكَ عاقِرٌ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ [مريم: ٩]، ابْتِداءُ كَلامٍ:
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ”كَذَلِكَ“ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ”قالَ“ وعَلَيْهِ فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”ذَلِكَ“ إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، ونَظِيرُهُ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، وغَيْرُ هَذَيْنِ مِن أوْجُهِ إعْرابِهِ تَرَكْناهُ لِعَدَمِ وُضُوحِهِ عِنْدَنا، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، أيْ: يَسِيرٌ سَهْلٌ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أيْ: ومَن خَلَقَكَ ولَمْ تَكُ شَيْئًا فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُرْزُقَكَ الوَلَدَ المَذْكُورَ كَما لا يَخْفى، وهَذا الَّذِي قالَهُ هُنا لِزَكَرِيّا: مِن أنَّهُ خَلَقَهُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا أشارَ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] .
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾، دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وهَذا هو الصَّوابُ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ: إنَّ المَعْدُومَ المُمْكِنَ وُجُودُهُ شَيْءٌ، مُسْتَدِلِّينَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، قالُوا: قَدْ سَمّاهُ اللَّهُ شَيْئًا قَبْلَ أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ شَيْءٌ قَبْلَ وُجُودِهِ، ولِأجْلِ هَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: لِأنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أوْ لَيْسَ شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ، كَقَوْلِهِمْ: عَجِبْتُ مِن لا شَيْءَ، وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وَضاقَتِ الأرْضُ حَتّى كانَ هارِبُهم إذا رَأى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلًا
لِأنَّ مُرادَهُ بِقَوْلِهِ: غَيْرَ شَيْءٍ، أيْ: إذا رَأى شَيْئًا تافِهًا لا يُعْتَدُّ بِهِ كَأنَّهُ لا شَيْءَ لِحَقارَتِهِ ظَنَّهُ رَجُلًا؛ لِأنَّ غَيْرَ شَيْءٍ بِالكُلِّيَّةِ لا يَصِحُّ وُقُوعُ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ، والتَّحْقِيقُ هو ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها في القُرْآنِ: مِن أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ؟ والجَوابُ عَنِ اسْتِدْلالِهِمْ بِالآيَةِ: أنَّ ذَلِكَ المَعْدُومَ لَمّا تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ بِإيجادِهِ، صارَ تَحَقُّقُ وُقُوعِهِ كَوُقُوعِهِ بِالفِعْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٩]، (p-٣٧١)وَقَوْلِـهِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ [الزمر: ٧٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾، وأمْثالِ ذَلِكَ، كُلُّ هَذِهِ الأفْعالِ الماضِيَةِ الدّالَّةِ عَلى الوُقُوعِ بِالفِعْلِ فِيما مَضى أُطْلِقَتْ مُرادًا بِها المُسْتَقْبَلُ؛ لِأنَّ تَحَقُّقَ وُقُوعِ ما ذُكِرَ صَيَّرَهُ كالواقِعِ بِالفِعْلِ، وكَذَلِكَ تَسْمِيَتُهُ شَيْئًا قَبْلَ وُجُودِهِ لِتَحَقُّقِ وجُودِهِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾، قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدا حَمْزَةَ والكِسائِيَّ ”خَلَقْتُكَ“ بِتاءِ الفاعِلِ المَضْمُومَةِ الَّتِي هي تاءُ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وَقَدْ خَلَقْناكَ“ بَنُونٍ بَعْدَها ألِفٌ، وصِيغَةُ الجَمْعِ فِيها لِلتَّعْظِيمِ.
مريم 19:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ .
المُرادُ بِالآيَةِ هُنا العَلامَةُ، أيِ: اجْعَلْ لِي عَلامَةً أعْلَمُ بِها وُقُوعَ ما بُشِّرْتُ بِهِ مِنَ الوَلَدِ، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: طَلَبَ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ لِتَتِمَّ طُمَأْنِينَتُهُ بِوُقُوعِ ما بُشِّرَ بِهِ، ونَظِيرُهُ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقِيلَ: أرادَ بِالعَلّامَةِ أنْ يَعْرِفَ ابْتِداءَ حَمْلِ امْرَأتِهِ؛ لِأنَّ الحَمْلَ في أوَّلِ زَمَنِهِ يَخْفى.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ أيْ: عَلامَتُكَ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ، أيْ: أنْ تُمْنَعَ الكَلامَ فَلا تُطِيقُهُ ثَلاثَ لَيالٍ بِأيّامِهِنَّ في حالِ كَوْنِكَ سَوِيًّا، أيْ: سَوِيَّ الخَلْقِ، سَلِيمَ الجَوارِحِ، ما بِكَ خَرَسٌ ولا بُكْمٌ ولَكِنَّكَ مَمْنُوعٌ مِنَ الكَلامِ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ، كَما قَدَّمْنا في ”آلِ عِمْرانَ“، أمّا ذِكْرُ اللَّهِ فَلَيْسَ مَمْنُوعًا مِنهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى، ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾، أيْ: ثَلاثَ لَيالٍ مُتَتابِعاتٍ غَيْرُ صَوابٍ، بَلْ مَعْناهُ هو ما قَدَّمْنا مِن كَوْنِ اعْتِقالِ لِسانِهِ عَنْ كَلامِ قَوْمِهِ لَيْسَ لِعِلَّةٍ ولا مَرَضٍ حَدَثَ بِهِ، ولَكِنْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ قالَ تَعالى هُنا ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ مَعَها أيّامَها، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ الأيّامَ في ”آلِ عِمْرانَ“، في قَوْلِهِ: ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [آل عمران: ٤١]، فَدَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّها ثَلاثُ لَيالِي بِأيّامِهِنَّ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾، يَعْنِي إلّا بِالإشارَةِ أوِ الكِتابَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُنا: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقَوْلُـهُ في ”آلِ (p-٣٧٢)عِمْرانَ“: ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [آل عمران: ٤١]؛ لِأنَّ الرَّمْزَ: الإشارَةُ والإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ والحاجِبِ، والإيحاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو الإشارَةُ وهو الأظْهَرُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ الوَحْيَ في الآيَةِ الإشارَةُ: قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ مُنَبِّهٍ، والعُتْبِيُّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾، أيْ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: كَتَبَ لَهم في كِتابٍ، والوَحْيُ في لُغَةِ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ إلْقاءٍ في سُرْعَةٍ وخَفاءٍ، ولِذَلِكَ أطْلَقَ عَلى الإلْهامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٨]، وعَلى الإشارَةِ كَما هو الظّاهِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ الآيَةَ [مريم: ١١]، ويُطْلَقُ عَلى الكِتابَةِ كَما هو القَوْلُ الآخَرُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وإطْلاقُ الوَحْيِ عَلى الكِتابَةِ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎فَمَدافِعُ الرَّيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها خَلَقًا كَما ضَمِنَ الوُحِيُّ سِلامُها
فَقَوْلُهُ ”الوُحِيُّ“ بِضَمِّ الواوِ وكَسْرِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ، جَمْعُ وحَيٍ بِمَعْنى الكِتابَةِ.
وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طِمْطِمِي
وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةٌ وُحِيٍّ في ونِّ الصَّحائِفِ
وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎كَأنَّ أخا الكِتابِ يَخُطُّ وحَيًا ∗∗∗ بِكافٍ في مَنازِلِها ولامِ
مريم 19:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ زَكَرِيّا خَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأشارَ إلَيْهِمْ، أوْ كَتَبَ لَهم: أنْ سَبِّحُوا اللَّهَ أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَهُ، فالبُكْرَةُ أوَّلُ النَّهارِ، والعَشِيُّ آخِرُهُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في ”آلِ عِمْرانَ“ أنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ بِهِ زَكَرِيّا قَوْمَهُ بِالإشارَةِ أوِ الكِتابَةِ مِنَ التَّسْبِيحِ بُكْرَةً وعَشِيًّا أنَّ اللَّهَ أمَرَ زَكَرِيّاءَ بِهِ أيْضًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، والظّاهِرُ أنَّ هَذا المِحْرابَ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ عَلى قَوْمِهِ هو المِحْرابُ الَّذِي بُشِّرَ بِالوَلَدِ وهو قائِمٌ يُصَلِّي فِيهِ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٧٣)﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: والمِحْرابُ: أرْفَعُ المَواضِعِ، وأشْرَفُ المَجالِسِ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ المَحارِيبَ فِيما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ ا هـ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: قالَ الفَرّاءُ: المَحارِيبُ: صُدُورُ المَجالِسِ، ومِنهُ سُمِّي مِحْرابُ المَسْجِدِ، والمِحْرابُ: الغُرْفَةُ، قالَ وضّاحُ اليَمَنِ:
؎رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها لَمْ ألْقَها أوْ أرْتَقِي سُلَّمًا
وَمِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٣٧] .
* *
تَنْبِيهٌ
أخَذَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مَشْرُوعِيَّةَ ارْتِفاعِ الإمامِ عَلى المَأْمُومِينَ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّ المِحْرابَ مَوْضِعُ صَلاةِ زَكَرِيّا، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]، والمِحْرابُ أرْفَعُ مِن غَيْرِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى ما ذُكِرَ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ارْتِفاعَ إمامِهِمْ عَلى المَأْمُومِينَ كانَ مَشْرُوعًا عِنْدَهم، وقَدِ اخْتَلَفَ في هَذِهِ المَسْألَةِ فُقَهاءُ الأمْصارِ، فَأجازَ ذَلِكَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ، مُتَمَسِّكًا بِقِصَّةِ المِنبَرِ، ومَنَعَ مالِكٌ ذَلِكَ في الِارْتِفاعِ الكَثِيرِ دُونَ اليَسِيرِ، وعَلَّلَ أصْحابُهُ المَنعَ بِخَوْفِ الكِبْرِ عَلى الإمامِ.
قُلْتُ: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ، وأحْسَنُ ما فِيهِ ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ هَمّامٍ: أنَّ حُذَيْفَةَ أمَّ النّاسَ بِالمَدائِنِ عَلى دُكّانٍ، فَأخَذَ أبُو مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ فَجَبَذَهُ، فَلَمّا فَرَغَ مِن صِلاتِهِ قالَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهم كانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ هَذا، أوْ يُنْهى عَنْ ذَلِكَ ؟ قالَ بَلى، ذَكَرْتُ ذَلِكَ حِينَ مَدَدْتَنِي، ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عَدَيِّ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ أنَّهُ كانَ مَعَ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ بِالمَدائِنِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَتَقَدَّمَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وقامَ عَلى دُكّانٍ يُصَلِّي والنّاسُ أسْفَلَ مِنهُ فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأخَذَ عَلى يَدَيْهِ فاتَّبَعَهُ عَمّارُ حَتّى أنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فَلَمّا فَرَغَ عَمّارٌ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: ألَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”إذا أمَّ الرَّجُلُ القَوْمَ فَلا يَقُمْ في مَكانٍ أرْفَعَ مِن مَقامِهِمْ»“ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ عَمّارٌ: لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أخَذْتَ عَلى يَدَيَّ.
قُلْتُ: فَهَؤُلاءِ ثَلاثَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ قَدْ أخْبَرُوا بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، ولَمْ يَحْتَجَّ أحَدٌ مِنهم عَلى صاحِبِهِ بِحَدِيثِ المِنبَرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مَنسُوخٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى نَسْخِهِ: أنَّ فِيهِ عَمَلًا زائِدًا في الصَّلاةِ وهو النُّزُولُ والصُّعُودُ، فَنُسِخَ كَما نُسِخَ الكَلامُ والسَّلامُ، وهَذا أوْلى مِمّا (p-٣٧٤)اعْتَذَرَ بِهِ أصْحابُنا مِن أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ مَعْصُومًا مِنَ الكِبْرِ»؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الأئِمَّةِ يُوجَدُونَ لا كِبْرَ عِنْدِهِمْ، ومِنهم مَن عَلَّلَهُ بِأنَّ ارْتِفاعَ المِنبَرِ كانَ يَسِيرًا، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: سَنَتَكَلَّمُ هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَلى الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ، ونُبَيِّنُ أقْوالَ العُلَماءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وأدِلَّتَهم وما يَظْهَرُ رَجَّحْناهُ بِالدَّلِيلِ.
أمّا الحَدِيثانِ اللَّذانِ ذَكَرَهُما القُرْطُبِيُّ عَنْ أبِي داوُدَ فَقَدْ ساقَهُما أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سِنانٍ وأحْمَدُ بْنُ الفُراتِ أبُو مَسْعُودٍ الرّازِيُّ المَعْنى قالَ: ثَنا يَعْلى، ثَنا الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ هَمّامٍ: أنَّ حُذَيْفَةَ أمَّ النّاسَ بِالمَدائِنِ عَلى دُكّانٍ، فَأخَذَ أبُو مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ فَجَبَذَهُ إلى آخِرِ الحَدِيثِ، ثُمَّ قالَ أبُو داوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ ثَنا حَجّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أخْبَرَنِي أبُو خالِدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ أنَّهُ كانَ مَعَ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ بِالمَدائِنِ، إلى آخِرِ الحَدِيثِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الحَدِيثَ الأخِيرَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الرّاوِيَ فِيهِ عَنْ عَمّارٍ رَجُلٌ لا يُدْرى مَن هو كَما تَرى، وأمّا الأثَرُ الأوَّلُ فَقَدْ صَحَّحَهُ غَيْرُ واحِدٍ، ورُوِيَ مَرْفُوعًا صَرِيحًا، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ) التَّلْخِيصِ (في الكَلامِ عَلى الأثَرِ والحَدِيثِ المَذْكُورَيْنِ: ويُعارِضُهُ ما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ هَمّامٍ: أنَّ حُذَيْفَةَ أمَّ النّاسَ بِالمَدائِنِ عَلى دُكّانٍ فَأخَذَ أبُو مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ فَجَبَذَهُ، فَلَمّا فَرَغَ مِن صِلاتِهِ قالَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهم كانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ ؟ قالَ بَلى، وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ، وفي رِوايَةٍ لِلْحاكِمِ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِهِ، ورَواهُ أبُو داوُدَ مِن وجْهٍ آخَرَ، وفِيهِ أنَّ الإمامَ كانَ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، والَّذِي جَبَذَهُ حُذَيْفَةُ، وهو مَرْفُوعٌ لَكِنَّ فِيهِ مَجْهُولٌ، والأوَّلُ أقْوى، ويُقَوِّيهِ ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ هَمّامٍ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقُومَ الإمامُ فَوْقَ شَيْءٍ والنّاسُ خَلْفَهُ أسْفَلَ مِنهُ»، ا هـ مِنَ التَّلْخِيصِ، وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ، في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ صَلاةِ حُذَيْفَةَ عَلى الدُّكّانِ وجَبْذِ أبِي مَسْعُودٍ لَهُ المَذْكُورِ: رَواهُ الشّافِعِيُّ وأبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ، ومَن لا يُحْصى مِن كِبارِ المُحَدِّثِينَ ومُصَنِّفِيهِمْ، وإسْنادُهُ صَحِيحٌ، ويُقالُ جَذَبَ وجَبَذَ، لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ ا هـ مِنهُ، وأمّا قِصَّةُ المِنبَرِ الَّتِي أشارَ لَها القُرْطُبِيُّ، وقالَ: إنَّها حُجَّةُ مَن يُجِيزُ ارْتِفاعَ الإمامِ عَلى المَأْمُومِ، فَهي حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ عَلى المِنبَرِ في أوَّلِ يَوْمٍ وُضِعَ، فَكَبَّرَ وهو عَلَيْهِ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرى فَسَجَدَ وسَجَدَ النّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ عادَ حَتّى فَرَغَ، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ: ”أيُّها النّاسُ، إنَّما فَعَلْتُ هَذا لِتَأْتَمُّوا بِي، ولِتَعْلَمُوا صَلاتِي»“ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أمّا أقْوالُ الأئِمَّةِ في هَذِهِ (p-٣٧٥)المَسْألَةِ: فَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ فِيها هو كَراهَةَ عُلُوِّ الإمامِ عَلى المَأْمُومِ، وكَذَلِكَ عَكْسُهُ إلّا إذا كانَ ذَلِكَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، كارْتِفاعِ الإمامِ لِيُعَلِّمَ الجاهِلِينَ الصَّلاةَ كَما فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ في صِلاتِهِ عَلى المِنبَرِ، وبَيَّنَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّعْلِيمِ، وكارْتِفاعِ المَأْمُومِ لِيُبَلِّغَ غَيْرَهُ مِنَ المَأْمُومِينَ تَكْبِيراتِ الإمامِ فَإنْ كانَ ارْتِفاعُ أحَدِهِما لِنَحْوِ هَذا الغَرَضِ اسْتُحِبَّ لَهُ الِارْتِفاعَ لِتَحْصِيلِ الغَرَضِ المَذْكُورِ.
قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: هَذا مَذْهَبُنا، وهو رِوايَةٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، وعَنْهُ رِوايَةٌ، أنَّهُ يَكْرَهُ الِارْتِفاعَ مُطْلَقًا، وبِهِ قالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ، وحَكى الشَّيْخُ أبُو حامِدٍ عَنِ الأوْزاعِيِّ: أنَّهُ قالَ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلاةُ.
وَأمّا مَذْهَبُ مالِكٍ في المَسْألَةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ عُلُوِّ الإمامِ عَلى المَأْمُومِ وعَكْسِهِ، فَعُلُوُّ المَأْمُومِ جائِزٌ عِنْدَهُ، وقَدْ رَجَعَ إلى كَراهَتِهِ، وبَقِيَ بَعْضُ أصْحابِهِ عَلى قَوْلِهِ بِجَوازِهِ، وعُلُوُّ الإمامِ لا يُعْجِبُهُ، وفي المُدَوَّنَةِ قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ في غَيْرِ الجُمُعَةِ أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِصَلاةِ الإمامِ عَلى ظَهْرِ المَسْجِدِ والإمامُ في داخِلِ المَسْجِدِ، ثُمَّ كَرِهَهُ، وأخَذَ ابْنُ القاسِمِ بِقَوْلِهِ الأوَّلِ، انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ المَوّاقِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِ خَلِيلِ بْنِ إسْحاقَ في مُخْتَصَرِهِ عاطِفًا عَلى ما يَجُوزُ، وعُلُوُّ مَأْمُومٍ ولَوْ بِسَطْحٍ، وفي المُدَوَّنَةِ أيْضًا قالَ مالِكٌ: إذا صَلّى الإمامُ بِقَوْمٍ عَلى ظَهْرِ المَسْجِدِ والنّاسُ خَلْفَهُ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ فَلا يُعْجِبُنِي، انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ المَوّاقِ أيْضًا، وقَوْلِهِ ”يُعْجِبُنِي“ ظاهِرٌ في الكَراهَةِ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى المَنعِ، وفي وُجُوبِ إعادَةِ الصَّلاةِ قَوْلانِ.
وَمَحَلُّ الخِلافِ ما لَمْ يَقْصِدِ المُرْتَفِعُ بِارْتِفاعِهِ التَّكَبُّرَ عَلى النّاسِ، فَإنْ قَصَدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلاتُهُ عِنْدَهم إمامًا كانَ أوْ مَأْمُومًا، وهَذِهِ المَسْألَةُ ذَكَرَها خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ في مُخْتَصَرِهِ في قَوْلِهِ: وعُلُوُّ مَأْمُومٍ ولَوْ بِسَطْحٍ لا عَكْسُهُ، وبِطَلَبٍ بِقَصْدِ إمامٍ ومَأْمُومٍ بِهِ الكِبْرَ إلّا بِكَشِبْرٍ ا هـ، وقَوْلُـهُ ”إلّا بِكَشِبْرٍ“ يَعْنِي إلّا أنْ يَكُونَ الِارْتِفاعُ بِكَشِبْرٍ، ونَحْوُ الشِّبْرِ عَظْمُ الذِّراعِ عِنْدَهم، ومَحَلُّ جَوازِ الِارْتِفاعِ اليَسِيرِ المَذْكُورِ ما لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الكِبْرُ، فَقَوْلُهُ ”إلّا بِكَشِبْرٍ“ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ ”لا عَكْسُهُ“ لا مِن مَسْألَةِ قَصْدِهِ الكِبْرَ فالصَّلاةُ فِيها باطِلَةٌ عِنْدَهم مُطْلَقًا: قالَ المَوّاقُ في شَرْحِهِ لِكَلامِ خَلِيلٍ المَذْكُورِ مِنَ المُدَوَّنَةِ: كَرِهَ مالِكٌ وغَيْرُهُ أنْ يُصَلِّيَ الإمامُ عَلى شَيْءٍ أرْفَعَ مِمّا يُصَلِّي عَلَيْهِ مَن خَلْفَهُ، مِثْلَ الدُّكّانِ يَكُونُ في المِحْرابِ ونَحْوِهِ، قالَ ابْنُ القاسِمِ: فَإنْ فَعَلَ أعادُوا أبَدًا، لِأنَّهم يَعْبَثُونَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ دُكّانًا يَسِيرَ الِارْتِفاعِ مِثْلَ ما كانَ عِنْدَنا بِمِصْرَ فَتُجْزِئُهُمُ الصَّلاةُ، قالَ أبُو مُحَمَّدٍ: مِثْلَ الشِّبْرِ وعَظْمِ الذِّراعِ إلى أنْ قالَ: وانْظُرْ إذا صَلّى المُقْتَدِي كَذَلِكَ أعْنِي عَلى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ قَصْدًا (p-٣٧٦)إلى التَّكَبُّرِ عَنْ مُساواةِ الإمامِ، قالَ ابْنُ بَشِيرٍ: صَلاتُهُ أيْضًا باطِلَةٌ، ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ، وقَوْلُ ابْنِ القاسِمِ ”لِأنَّهم يَعْبَثُونَ“ يَعْنِي بِرَفْعِ ذَلِكَ البُنْيانِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ الإمامُ، كَما قالَ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ مُخاطِبًا لِقَوْمِهِ عادٍ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩]، وإذا ارْتَفَعَتْ مَعَ الإمامِ طائِفَةٌ مِنَ المُصَلِّينَ سائِرَ النّاسِ، أعْنِي لَيْسَتْ مِن أشْرافِ النّاسِ وأعْيانِهِمْ، فَفي نَفْيِ الكَراهَةِ بِذَلِكَ خِلافٌ عِنْدَهم وإلَيْهِ أشارَ خَلِيلٌ في مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ: وهَلْ يَجُوزُ إنْ كانَ مَعَ الإمامِ طائِفَةٌ كَغَيْرِهِمْ تُرَدِّدُ، هَذا هو حاصِلُ مَذْهَبِ مالِكٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ.
وَأمّا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ في هَذِهِ المَسْألَةِ: فَهو أنَّ ارْتِفاعَ كُلٍّ مِنَ الإمامِ والمَأْمُومِ عَلى الآخَرِ مَكْرُوهٌ، وقالَ الطَّحاوِيُّ: لا يُكْرَهُ عُلُوُّ المَأْمُومِ عَلى الإمامِ، ومَحَلُّ الكَراهَةِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ في الِارْتِفاعِ غَيْرِ اليَسِيرِ، ولا كَراهَةَ عِنْدَهم في اليَسِيرِ: وقَدْرُ الِارْتِفاعِ المُوجِبِ لِلْكَراهَةِ عِنْدَهم قَدْرُ قامَةٍ، ولا بَأْسَ بِما دُونَها، ذَكَرَهُ الطَّحاوِيُّ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي يُوسُفَ: وقِيلَ هو مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِامْتِيازُ، وقِيلَ: مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ ذِراعٍ اعْتِبارًا بِالسُّتْرَةِ، قالَ صاحِبُ تَبْيِينِ الحَقائِقِ، وعَلَيْهِ الِاعْتِمادُ، وإنْ كانَ مَعَ الإمامِ جَماعَةٌ في مَكانِهِ المُرْتَفِعِ، وبَقِيَّةُ المَأْمُومِينَ أسْفَلَ مِنهم فَلا يُكْرَهُ ذَلِكَ عَلى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمُ انْتَهى بِمَعْناهُ) تَبْيِينُ الحَقائِقِ شَرْحُ كَنْزِ الدَّقائِقِ ( .
وَأمّا مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ في هَذِهِ المَسْألَةِ: فَهو التَّفْصِيلُ بَيْنَ عُلُوِّ الإمامِ عَلى المَأْمُومِ، فَيُكْرَهُ عَلى المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ أحْمَدَ، وبَيْنَ عُلُوِّ المَأْمُومِ الإمامَ فَيَجُوزُ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: المَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّهُ يُكْرَهُ أنْ يَكُونَ الإمامُ أعْلى مِنَ المَأْمُومِينَ، سَواءٌ أرادَ تَعْلِيمَهُمُ الصَّلاةَ، أوْ لَمْ يُرِدْ، وهو قَوْلُ مالِكٍ والأوْزاعِيِّ وأصْحابِ الرَّأْيِ، ورُوِيَ عَنْ أحْمَدَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُكْرَهُ ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ، وقالَ في المُغْنِي أيْضًا: فَإنْ صَلّى الإمامُ في مَكانٍ أعْلى مِنَ المَأْمُومِينَ فَقالَ ابْنُ حامِدٍ: لا تَصِحُّ صَلاتُهم، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسادَ المَنهِيِّ عَنْهُ، وقالَ القاضِي: لا تَبْطُلُ، وهو قَوْلُ أصْحابِ الرَّأْيِ ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
فَإذا عَرَفْتَ مَذاهِبَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ فاعْلَمْ أنَّ حُجَّةَ مَن كَرِهَ عُلُوَّ الإمامِ عَلى المَأْمُومِ أوْ مَنَعَهُ هي ما قَدَّمْنا في قِصَّةِ جَبْذِ أبِي مَسْعُودٍ لِحُذَيْفَةَ لَمّا أمَّ النّاسَ، وقامَ يُصَلِّي عَلى دُكّانٍ، الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ، وقَدْ بَيَّنّا أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ. وحُجَّةُ مَن أجازَ ذَلِكَ لِلتَّعْلِيمِ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ في قِصَّةِ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ (p-٣٧٧)عَلى المِنبَرِ، وجَوابُ المُخالِفِينَ عَنْ صِلاتِهِ عَلى المِنبَرِ، بِأنَّهُ ارْتِفاعٌ يَسِيرٌ، وذَلِكَ لا بَأْسَ بِهِ، أوْ بِأنَّهُ مَنسُوخٌ كَما تَقَدَّمَ في كَلامِ القُرْطُبِيِّ، وحُجَّةُ مَن أجازَ عَلى المَأْمُومِ عَلى الإمامِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهُ صَلّى بِصَلاةِ الإمامِ وهو عَلى سَطْحِ المَسْجِدِ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ ”في التَّلْخِيصِ“: رَواهُ الشّافِعِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ حَدَّثَنِي صالِحٌ مَوْلى التَّوْءَمَةِ أنَّهُ رَأى أبا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي فَوْقَ ظَهْرِ المَسْجِدِ بِصَلاةِ الإمامِ في المَسْجِدِ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ القَعْنَبِيِّ عَنِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ عَنْ صالِحٍ، ورَواهُ سَعْدُ بْنُ مَنصُورٍ، وذَكَرَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِهِ، فَقَدْ رَأيْتَ مَذاهِبَ العُلَماءِ في المَسْألَةِ وأدِلَّتَهم.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وُجُوبُ الجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ المَذْكُورَةِ، وأنَّ عُلُوَّ الإمامِ مَكْرُوهٌ لِما تَقَدَّمَ، ويُجْمَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قِصَّةِ الصَّلاةِ عَلى المِنبَرِ بِجَوازِهِ لِلتَّعْلِيمِ دُونَ غَيْرِهِ، ويَدُلُّ لِهَذا إخْبارُهُ ﷺ أنَّهُ إذا ارْتَفَعَ رَأوْهُ وإذا نَزَلَ لَمْ يَرَهُ إلّا مَن يَلِيهِ، وجَمْعُ بَعْضِهِمْ بِأنَّ ارْتِفاعَهُ عَلى المِنبَرِ ارْتِفاعٌ يَسِيرٌ وهو مُغْتَفَرٌ، أمّا عُلُوُّ المَأْمُومِ فَقَدْ تَعارَضَ فِيهِ القِياسُ مَعَ فِعْلِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ لِأنَّ القِياسَ يَقْتَضِي كَراهَةَ ارْتِفاعِ المَأْمُومِ قِياسًا عَلى ارْتِفاعِ الإمامِ وهو قِياسٌ جَلِيٌّ، وإذا تَعارَضَ القِياسُ مَعَ قَوْلِ الصَّحابِيِّ فَمِنَ الأُصُولِيِّينَ مَن يَقُولُ بِتَقْدِيمِ القِياسِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٍ، ومِنهم مَن يَقُولُ بِتَقْدِيمِ قَوْلِ الصَّحابِيِّ، ولا شَكَّ أنَّ الأحْوَطَ تَجَنُّبُ عُلُوِّ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الإمامِ والمَأْمُومِ عَلى الآخَرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم: ١١]، هي المُفَسِّرَةُ، والمَعْنى أنَّ ما بَعْدَها يُفَسِّرُ الإيحاءَ المَذْكُورَ قَبْلَها، فَهَذا الَّذِي أشارَ لَهم بِهِ هو الأمْرُ بِالتَّسْبِيحِ بُكْرَةً وعَشِيًّا، وهَذا هو الصَّوابُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً بِناءً عَلى أنَّ ”أنِ“ المَصْدَرِيَّةَ تَأْتِي مَعَ الأفْعالِ الطَّلَبِيَّةِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: أوْحى إلَيْهِمْ أيْ: أشارَ إلَيْهِمْ بِأنْ سَبِّحُوا، أيْ: بِالتَّسْبِيحِ أوْ كَتَبَ لَهم ذَلِكَ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ الكِتابَةُ، وكَوْنُها مُفَسِّرَةً هو الصَّوابُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وَحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ .
(p-٣٧٨)اعْلَمْ أوَّلًا: أنّا قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مَعَ بَعْضِ صِفاتِهِ ولَهُ صِفاتٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإنّا نُبَيِّنُها، وقَدْ مَرَّ فِيهِ أمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِن ذَلِكَ، وأكْثَرُها في المَوْصُوفاتِ مِن أسْماءِ الأجْناسِ لا الأعْلامِ، ورُبَّما ذَكَرْنا ذَلِكَ في صِفاتِ الأعْلامِ كَما هُنا فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْضَ صِفاتِ يَحْيى، وقَدْ ذَكَرَ شَيْئًا مِن صِفاتِهِ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وسَنُبَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ المُرادَ بِالمَذْكُورِ مِنها هُنا، والمَذْكُورِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
اعْلَمْ أنَّهُ هُنا وصَفَهُ بِأنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وقُلْنا لَهُ ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾، والكِتابُ: التَّوْراةُ، أيْ: خُذِ التَّوْراةَ بِقُوَّةٍ، أيْ: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، وذَلِكَ بِتَفَهُّمِ المَعْنى أوَّلًا حَتّى يَفْهَمَهُ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ، ثُمَّ يَعْمَلَ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، فَيَعْتَقِدَ عَقائِدَهُ، ويُحِلَّ حَلالَهُ، ويُحَرِّمَ حَرامَهُ، ويَتَأدَّبَ بِآدابِهِ، ويَتَّعِظَ بِمَواعِظِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن جِهاتِ العَمَلِ بِهِ، وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هُنا: التَّوْراةُ، وحَكى غَيْرُ واحِدٍ عَلَيْهِ الإجْماعَ، وقِيلَ: هو كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى يَحْيى، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الكُتُبَ المُقَدَّمَةَ، وقِيلَ: هو صُحُفُ إبْراهِيمَ، والأظْهَرُ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّهُ التَّوْراةُ كَما قَدَّمْنا.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ﴾، أيْ: أعْطَيْناهُ الحُكْمَ، ولِلْعُلَماءِ في المُرادِ بِالحُكْمِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، مَرْجِعُها إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّ اللَّهَ أعْطاهُ الفَهْمَ في الكِتابِ، أيْ: إدْراكَ ما فِيهِ والعَمَلَ بِهِ في حالِ كَوْنِهِ صَبِيًّا، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾، أيِ: الفَهْمَ والعِلْمَ والجِدَّ والعَزْمَ، والإقْبالَ عَلى الخَيْرِ والإكْبابَ عَلَيْهِ، والِاجْتِهادَ فِيهِ وهو صَغِيرٌ حَدَثٌ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ قالَ مَعْمَرٌ: قالَ الصِّبْيانُ لِيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا: اذْهَبْ بِنا نَلْعَبُ، فَقالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا فَلِهَذا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾، يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ: وأعْطَيْناهُ الفَهْمَ بِكِتابِ اللَّهِ في حالِ صِباهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ أسْنانَ الرِّجالِ، وقَدْ حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قالَ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ قالَ: أخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ولَمْ يَذْكُرْهُ عَنْ أحَدٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾، قالَ بَلَغَنِي أنَّ الصِّبْيانَ قالُوا لِيَحْيى: اذْهَبْ بِنا نَلْعَبُ، فَقالَ: (p-٣٧٩)ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ﴾، أيِ: الحِكْمَةَ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ:
؎واحْكم كَحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ إلى حَمامٍ سِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ
وَقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: والحُكْمُ النُّبُوَّةُ، أوْ حُكْمُ الكِتابِ، أوِ الحِكْمَةُ، أوِ العِلْمُ بِالأحْكامِ، أوِ اللُّبُّ وهو العَقْلُ، أوْ آدابُ الخِدْمَةِ، أوِ الفِراسَةُ الصّادِقَةُ، أقْوالٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي هو أنَّ الحُكْمَ يُعْلَمُ النّافِعُ والعَمَلُ بِهِ، وذَلِكَ بِفَهْمِ الكِتابِ السَّماوِيِّ فَهْمًا صَحِيحًا، والعَمَلِ بِهِ حَقًّا، فَإنَّ هَذا يَشْمَلُ جَمِيعَ أقْوالِ العُلَماءِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وأصْلُ مَعْنى ”الحِكَمِ“ المَنعُ، والعِلْمُ النّافِعُ، والعَمَلُ بِهِ يَمْنَعُ الأقْوالَ والأفْعالَ مِنَ الخَلَلِ والفَسادِ والنُّقْصانِ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿صَبِيًّا﴾، أيْ: لَمْ يَبْلُغْ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: صَبِيًّا، أيْ: شابًّا لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ الكُهُولَةِ ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، قِيلَ ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ، وقِيلَ ابْنُ سَبْعٍ، وقِيلَ ابْنُ سَنَتَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَحَنانًا﴾، مَعْطُوفٌ عَلى الحُكْمَ، أيْ: وآتَيْناهُ حَنانًا مِن لَدُنّا، والحَنانُ: هو ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، والعَطْفِ والشَّفَقَةِ، وإطْلاقُ الحَنانِ عَلى الرَّحْمَةِ والعَطْفِ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُهم: حَنانَكَ وحَنانَيْكَ يا رَبِّ، بِمَعْنى رَحْمَتَكَ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎أبِنْتَ الحارِثِ المَلِكِ بْنِ عَمْرٍو ∗∗∗ لَهُ مُلْكُ العِراقِ إلى عُمانِ
؎وَيَمْنَحُها بَنُو شَمَجى بْنِ جَرْمٍ ∗∗∗ مَعِيزَهُمُ حَنانَكَ ذا الحَنانِ
يَعْنِي: رَحْمَتَكَ يا رَحْمَنُ، وقَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا حَنانَيْكَ ∗∗∗ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ
وَقَوْلُ مُنْذِرِ بْنِ دِرْهَمٍ الكَلْبِيِّ:
؎وَأحْدَثُ عَهْدٍ مِن أمِينَةَ نَظْرَةٌ ∗∗∗ عَلى جانِبِ العَلْياءِ إذْ أنا واقِفُ
؎فَقالَتْ حَنانٌ ما أتى بِكَ هاهُنا ∗∗∗ أذُو نَسَبٍ أمْ أنْتَ بِالحَيِّ
عارِفُ فَقَوْلُهُ ”حَنانٌ“ أيْ: أمْرِي حَنانٌ، أيْ رَحْمَةٌ لَكَ، وعَطْفٌ وشَفَقَةٌ عَلَيْكَ (p-٣٨٠)وَقَوْلُ الحُطَيْئَةِ أوْ غَيْرِهِ:
تَحَنَّنْ عَلَيَّ هَداكَ المَلِيكُ فَإنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالا وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿مِن لَدُنّا﴾، أيْ: مِن عِنْدِنا، وأصَحُّ التَّفْسِيراتِ في قَوْلِهِ ”وَزَكاةً“ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: أوْ أعْطَيْناهُ زَكاةً، أيْ: طَهارَةً مِن أدْرانِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي بِالطّاعَةِ، والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِما يُرْضِيهِ: وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى إطْلاقِ الزَّكاةِ في القُرْآنِ بِمَعْنى الطَّهارَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ”وَزَكاةً“ الزَّكاةُ: التَّطْهِيرُ والبَرَكَةُ والتَّنْمِيَةُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، أيْ: جَعَلْناهُ مُبارَكًا لِلنّاسِ يَهْدِيهِمْ، وقِيلَ المَعْنى: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ كَما يُزَكِّي الشُّهُودُ إنْسانًا، وقِيلَ ”زَكاةً“ صَدَقَةً عَلى أبَوَيْهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ، وهو خِلافُ التَّحْقِيقِ في مَعْنى الآيَةِ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا، مِن أنَّ المَعْنى: وأعْطَيْناهُ زَكاةً، أيْ: طَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي بِتَوْفِيقِنا إيّاهُ لِلْعَمَلِ بِما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، وقَوْلُ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ: بِأنَّ المُرادَ بِالزَّكاةِ في الآيَةِ العَمَلُ الصّالِحُ، راجِعٌ إلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ هو الَّذِي بِهِ الطَّهارَةُ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكانَ تَقِيًّا﴾، أيْ: مُمْتَثِلًا لِأوامِرِ رَبِّهِ مُجْتَنِبًا كُلَّ ما نَهى عَنْهُ، ولِذا لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ، ولَمْ يُلِمَّ بِها، قالَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ وغَيْرِهِ، وفي نَحْوِ ذَلِكَ أحادِيثُ مَرْفُوعَةٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مَرْفُوعًا، إمّا بِانْقِطاعٍ، وإمّا بِعَنْعَنَةِ مُدَلِّسٍ: وإمّا بِضَعْفِ واوٍ، كَما أشارَ لَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ، وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى ”التَّقْوى“ مِرارًا وأصْلُ مادَّتِها في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ [مريم: ١٤]، البَرُّ بِالفَتْحِ هو فاعِلُ البِرِّ بِالكَسْرِ كَثِيرًا أيْ: وجَعَلْناهُ كَثِيرَ البِرِّ بِوالِدَيْهِ، أيْ: مُحْسِنًا إلَيْهِما، لَطِيفًا بِهِما، لَيِّنَ الجانِبِ لَهُما، وقَوْلُـهُ ”وَبَرًّا“ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ”تَقِيًّا“، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾، أيْ: لَمْ يَكُنْ مُسْتَكْبِرًا عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ وطاعَةِ والِدَيْهِ، ولَكِنَّهُ كانَ مُطِيعًا لِلَّهِ، مُتَواضِعًا لِوالِدَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والجَبّارُ: هو كَثِيرُ الجَبْرِ، أيِ: القَهْرِ لِلنّاسِ، والظُّلْمِ لَهم، وكُلُّ مُتَكَبِّرٍ عَلى النّاسِ يَظْلِمُهم: فَهو جَبّارٌ، وقَدْ أُطْلِقَ في القُرْآنِ عَلى شَدِيدِ البَطْشِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠]، وعَلى مَن يَتَكَرَّرُ مِنهُ القَتْلُ في (p-٣٨١)قَوْلِهِ: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [القصص: ١٩]، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ”عَصِيًّا“ فَعُولٌ قُلِبَتْ فِيهِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ المَشْهُورَةِ: الَّتِي عَقَدَها ابْنُ مالِكِ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎إنْ يَسْكُنِ السّابِقُ مِن واوٍ ويا ∗∗∗ واتَّصَلا ومِن عُرُوضٍ عَرِيا
؎فَياءُ الواوِ اقْلِبَنَّ مُدْغِما ∗∗∗ وشَذَّ مُعْطًى غَيْرُ ما قَدْ رُسِما
فَأصْلُ ”عَصِيًّا“ عَلى هَذا ”عَصُويًا“ كَصَبُورٍ، أيْ: كَثِيرَ العِصْيانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ فَعِيلًا وهي مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ أيْضًا، قالَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وسَلامٌ عَلَيْهِ، أيْ: أمانٌ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّها التَّحِيَّةُ المُتَعارَفَةُ، فَهي أشْرَفُ مِنَ الأمانِ؛ لِأنَّ الأمانَ مُتَحَصَّلٌ لَهُ بِنَفْيِ العِصْيانِ عَنْهُ وهو أقَلُّ دَرَجاتِهِ، وإنَّما الشَّرَفُ في أنْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وحَيّاهُ في المَواطِنِ الَّتِي الإنْسانُ فِيها في غايَةِ الضَّعْفِ والحاجَةِ، وقِلَّةِ الحِيلَةِ والفَقْرِ إلى اللَّهِ تَعالى عَظِيمِ الحَوْلِ.
انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ومَرْجِعُ القَوْلَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ مَعْنى سَلامٌ، التَّحِيَّةُ، الأمانُ، والسَّلامَةُ مِمّا يَكْرَهُ، وقَوْلُ مَن قالَ: هو الأمانُ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ الأمانَ مِنَ اللَّهِ، والتَّحِيَّةُ مِنَ اللَّهِ مَعْناها الأمانُ والسَّلامَةُ مِمّا يَكْرَهُ، والظّاهِرُ المُتَبادَرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾، تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لِيَحْيى ومَعْناها الأمانُ والسَّلامَةُ، وقَوْلَـهُ: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ مُبْتَدَأٌ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ وهو نَكِرَةٌ أنَّهُ في مَعْنى الدُّعاءِ، وإنَّما خَصَّ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةَ بِالسَّلامِ الَّتِي هي وقْتُ وِلادَتِهِ، ووَقْتُ مَوْتِهِ، ووَقْتُ بَعْثِهِ، في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّها أوْحَشُ مِن غَيْرِها، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أوْحَشُ ما يَكُونُ المَرْءُ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ: يَوْمَ يُولَدُ فَيَرى نَفْسَهُ خارِجًا مِمّا كانَ فِيهِ ويَوْمَ يَمُوتُ فَيَرى قَوْمًا لَمْ يَكُنْ عايَنَهم، ويَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرى نَفْسَهُ في مَحْشَرٍ عَظِيمٍ، قالَ: فَأكْرَمَ اللَّهُ فِيها يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا فَخَصَّهُ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ فِيها، رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِإسْنادِهِ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: إنْ عِيسى ويَحْيى التَقَيا فَقالَ لَهُ عِيسى: اسْتَغْفِرْ لِي، أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقالَ الآخَرُ: اسْتَغْفِرْ لِي، أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقالَ عِيسى: أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، سَلَّمْتُ عَلى نَفْسِي وسَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وقَدْ نَقَلَ القُرْطُبِيُّ هَذا الكَلامَ الَّذِي رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ قالَ: انْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ في التَّسْلِيمِ فَضْلَ عِيسى بِأنْ قالَ إدْلالُهُ (p-٣٨٢)فِي التَّسْلِيمِ عَلى نَفْسِهِ ومَكانَتُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي اقْتَضَتْ ذَلِكَ حِينَ قُرِّرَ وحُكِيَ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ أعْظَمُ في المَنزِلَةِ مِن أنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولِكُلٍّ وجْهٌ، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ، والظّاهِرُ أنَّ سَلامَ اللَّهِ عَلى يَحْيى في قَوْلِهِ: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ الآيَةَ [مريم: ١٥]، أعْظَمُ مِن سَلامِ عِيسى عَلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣]، كَما هو ظاهِرٌ.
مريم 19:15
تَنْبِيهٌ
الفَتْحَةُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥]، يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في الظُّرُوفِ الثَّلاثَةِ فَتْحَةُ إعْرابٍ نَصْبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ فَتْحَةَ بِناءٍ لِجَوازِ البِناءِ في نَحْوِ ذَلِكَ، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ فَتْحَةُ ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ فَتْحَةَ بِناءٍ، وفَتْحَةُ ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ﴾ فَتْحَةَ نَصْبٍ؛ لِأنَّ بِناءَ ما قَبْلَ الفِعْلِ الماضِي أجْوَدُ مِن إعْرابِهِ وإعْرابِ ما قَبْلَ المُضارِعِ والجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ أجْوَدُ مِن بِنائِهِ، كَما عَقَدَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وابْنِ أوْ أعْرِبْ ما كَإذْ قَدْ أُجْرِيا واخْتَرْ بِنا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيا
؎وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أوْ مُبْتَدا ∗∗∗ أعْرِبْ ومَن بَنى فَلَنْ يُفَنَّدا
والأحْوالُ في مِثْلِ هَذا أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ أنْ يُضافَ الظَّرْفُ المَذْكُورُ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ فِعْلُها مَبْنِيٌّ بِناءً أصْلِيًّا وهو الماضِي؛ كَقَوْلِ نابِغَةَ ذُبْيانَ:
؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ فَقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ
فَبِناءُ الظَّرْفِ في مِثْلِ ذَلِكَ أجْوَدُ، وإعْرابُهُ جائِزٌ.
الثّانِي: أنْ يُضافَ الظَّرْفُ المَذْكُورُ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ فِعْلُها مَبْنِيٌّ بِناءً عارِضًا، كالمُضارِعِ المَبْنِيِّ لِاتِّصالِهِ بِنُونِ النِّسْوَةِ، كَقَوْلِ الآخَرِ:
؎لَأجْتَذِبَنَّ مِنهُنَّ قَلْبِي تَحَلُّمًا ∗∗∗ عَلى حِينَ يَسْتَصْبِينَ كُلَّ حَلِيمِ
وَحُكْمُ هَذا كَما قَبْلَهُ.
الثّالِثُ: أنْ يُضافَ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ فِعْلُها مُعْرَبٌ، كَقَوْلِ أبِي صَخْرٍ الهُذَلِيِّ:
؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يَهِيجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ يَطَّلِعُ الفَجْرُ
فَإعْرابُ مِثْلِ هَذا أجْوَدُ، وبِناؤُهُ جائِزٌ.
الرّابِعُ: أنْ يُضافَ الظَّرْفُ المَذْكُورُ إلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٨٣)
؎ألَمْ تَعْلَمِي يا عَمْرَكِ اللَّهَ أنَّنِي ∗∗∗ كَرِيمٌ عَلى حِينِ الكِرامِ قَلِيلُ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎تَذَكَّرَ ما تَذَكَّرَ مِن سُلَيْمى ∗∗∗ عَلى حِينِ التَّواصُلُ غَيْرُ دانِ
وَحُكْمُ هَذا كَما قَبْلَهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ إنَّما هي في الظَّرْفِ المُبْهَمِ الماضِي، وأمّا إنْ كانَ الظَّرْفُ المُبْهَمُ مُسْتَقْبَلَ المَعْنى، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ﴾، فَإنَّهُ لا يُضافُ إلّا إلى الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ دُونَ الِاسْمِيَّةِ، فَتَكُونُ فِيهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ دُونَ الرّابِعِ، وأجازَ ابْنُ مالِكٍ إضافَتَهُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِقِلَّةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]، وقَوْلِ سَوادِ بْنِ قارِبٍ:
؎وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لا ذُو شَفاعَةٍ ∗∗∗ بِمُغْنٍ فَتِيلًا عَنْ سَوادِ بْنِ قارِبٍ
لِأنَّ الظَّرْفَ في الآيَةِ والبَيْتِ المَذْكُورَيْنِ مُسْتَقْبَلٌ لا ماضٍ، وقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، قالَ أبُو حَيّانَ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ مِنَ الشُّهَداءِ، لِقَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وجْهُ هَذا الِاسْتِنْباطِ أنَّ الحالَ قَيْدٌ لِعامِلِها، وصْفٌ لِصاحِبِها، وعَلَيْهِ فَبَعْثُهُ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ حَيًّا، وتِلْكَ حَياةُ الشُّهَداءِ، ولَيْسَ بِظاهِرٍ كُلَّ الظُّهُورِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
هَذا هو حاصِلُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن صِفاتِ يَحْيى، وذَكَرَ بَعْضَ صِفاتِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، ومَعْنى كَوْنِهِ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أنَّهُ مُصَدِّقٌ بِعِيسى، وإنَّما قِيلَ لِعِيسى كَلِمَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ أوْجَدَهُ بِكَلِمَةٍ هي قَوْلُهُ ”كُنْ“ فَكانَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٧١]، وقالَ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٥]، وهَذا هو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وقِيلَ: المُرادُ بِكَلِمَةٍ: الكِتابُ، أيْ: مُصَدِّقًا بِكِتابِ اللَّهِ، والكَلِمَةُ في القُرْآنِ تُطْلَقُ عَلى الكَلامِ المُفِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، (p-٣٨٤)وَقَوْلِـهِ: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَباقِيَ الأقْوالِ تَرَكْناهُ لِظُهُورِ ضَعْفِهِ، والصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا، وقَوْلُهُ ﴿وَسَيِّدًا﴾ وزْنُ السَّيِّدِ بِالمِيزانِ الصَّرْفِيِّ فَيْعِلٌ وأصْلُ مادَّتِهِ ) س ود ( سَكَنَتْ ياءُ الفَعِيلِ الزّائِدَةِ قَبْلَ الواوِ الَّتِي هي في مَوْضِعِ العَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً عَنِ القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ المُشارِ لَها بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎إنْ يَسْكُنِ السّابِقُ مِن واوٍ ويا
البَيْتَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ آنِفًا، وأصْلُهُ مِنَ السَّوادِ وهو الخَلْقُ الكَثِيرُ، فالسَّيِّدُ مَن يُطِيعُهُ، ويَتَّبِعُهُ سَوادٌ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ عَيْنَ المادَّةِ واوٌ أنَّكَ تَقُولُ فِيهِ: سادَ يَسُودُ بِالواوِ، وتَقُولُ سَوَّدُوهُ إذا جَعَلُوهُ سَيِّدًا، والتَّضْعِيفُ يَرُدُّ العَيْنَ إلى أصْلِها، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ العامِرِيِّ:
؎وَإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ سَيِّدِ عامِرٍ ∗∗∗ وفارِسَها المَشْهُورَ في كُلِّ مَوْكِبِ
؎فَما سَوَّدَتْنِي عامِرٌ عَنْ وِراثَةٍ ∗∗∗ أبى اللَّهُ أنْ أسَمْوَ بِأُمٍّ ولا أبِ
وَقالَ الآخَرُ:
؎وَإنَّ بِقَوْمٍ سَوَّدُوكَ لِحاجَةٍ ∗∗∗ إلى سَيِّدٍ لَوْ يَظْفَرُونَ بِسَيِّدِ
وَشُهْرَةُ مِثْلِ ذَلِكَ تَكْفِي عَنْ بَيانِهِ، والآيَةُ فِيها دَلِيلٌ عَلى إطْلاقِ السَّيِّدِ عَلى مَن سادَ مِنَ النّاسِ، وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ» الحَدِيثَ، وأنَّهُ ﷺ: لَمّا جاءَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْحُكْمِ في بَنِي قُرَيْظَةَ قالَ ﷺ: «قُومُوا لِسَيِّدِكم» والتَّحْقِيقُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، أنَّهُ الَّذِي حَصَرَ نَفْسَهُ عَنِ النِّساءِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى إتْيانِهِنَّ تَبَتُّلًا مِنهُ، وانْقِطاعًا لِعِبادَةِ اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرْعِهِ، وأمّا سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فَهي التَّزْوِيجُ وعَدَمُ التَّبَتُّلِ، أمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الحَصُورَ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وأنَّهُ مَحْصُورٌ عَنِ النِّساءِ؛ لِأنَّهُ عِنِّينٌ لا يَقْدِرُ عَلى إتْيانِهِنَّ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ العُنَّةَ عَيْبٌ ونَقْصٌ في الرِّجالِ، ولَيْسَتْ مِن فِعْلِهِ حَتّى يُثْنى عَلَيْهِ بِها، فالصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا، واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الحَصُورَ هو الَّذِي لا يَدْخُلُ مَعَ القَوْمِ في المَيْسِرِ كَما قالَ الأخْطَلُ:
؎وَشارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَوّارِ
قَوْلٌ لَيْسَ بِالصَّوابِ في مَعْنى الآيَةِ، بَلْ مَعْناها هو ما ذَكَرْنا وإنْ كانَ إطْلاقُ الحَصُورِ (p-٣٨٥)عَلى ذَلِكَ صَحِيحًا لُغَةً، وقَوْلُهُ: ”وَنَبِيئًا“ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ بِالهَمْزَةِ مَعْناهُ واضِحٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، مِنَ النَّبَأِ وهو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ؛ لِأنَّ الوَحْيَ خَبَرٌ لَهُ شَأْنٌ يُخْبِرُهُ اللَّهُ بِهِ، وعَلى قِراءَةٍ: بِالياءِ المُشَدَّدَةِ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ كَمَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ، إلّا أنَّ الهَمْزَةَ أُبْدِلَتْ ياءً وأُدْغِمَتْ فِيها، لِلْياءِ الَّتِي قَبْلَها، وعَلى هَذا فَهو كالقِراءَتَيْنِ السَّبْعِيَّتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، بِالهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مِنَ النَّبْوَةِ بِمَعْنى الِارْتِفاعِ لِرِفْعَةِ النَّبِيِّ وشَرَفِهِ. والصّالِحُونَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَحَتْ عَقائِدُهم، وأعْمالُهم، وأقْوالُهم، ونِيّاتُهم، والصَّلاحُ ضِدُّ الفَسادِ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى يَحْيى بِالصَّلاحِ مَعَ مَن وصَفَ بِذَلِكَ مِنَ الأنْبِياءِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥] .
مريم 19:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا﴾ .
أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَذْكُرَ في الكِتابِ وهو القُرْآنُ ”مَرْيَمَ“ حِينَ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، وقَوْلُهُ ﴿انْتَبَذَتْ﴾ أيْ: تَنَحَّتْ عَنْهم واعْتَزَلَتْهم مُنْفَرِدَةً عَنْهم، وقَوْلُهُ: ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾، أيْ: مِمّا يَلِي شَرْقِيَّ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ”إذِ“ ”مَرْيَمَ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ الأحْيانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها اشْتِمالَ الظَّرْفِ عَلى مَظْرُوفِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ واعْتَرَضَهُ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ وأبُو حَيّانَ. والظّاهِرُ سُقُوطُ اعْتِراضِهِما، وأنَّ الصَّوابَ مَعَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَلَمْ يَذْكُرْ هُنا شَيْئًا عَنْ نَسَبِ ”مَرْيَمَ“ ولا عَنْ قِصَّةِ وِلادَتِها، وبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّها ابْنَةُ عِمْرانَ، وأنَّ أُمَّها نَذَرَتْ ما في بَطْنِها مُحَرَّرًا، تَعْنِي لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، تَظُنُّ أنَّها سَتَلِدُ ذَكَرًا ”فَوَلَدَتْ مَرْيَمَ“، قالَ في بَيانِ كَوْنِها ابْنَةَ عِمْرانَ: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ الآيَةَ [التحريم: ١٢]، وذَكَرَ قِصَّةَ وِلادَتِها في ”آلِ عِمْرانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٥ - ٣٦]
وَقَوْلُهُ ”مَكانًا“ مَنصُوبٌ لِأنَّهُ ظَرْفٌ.
مريم 19:17
(p-٣٨٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾، أظْهَرُ الأقْوالِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ”رُوحَنا“ جِبْرِيلُ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٩٣] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠٢]، وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ وتَكْرِيمٍ.
] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ .
تَمَثُّلُهُ لَها بَشَرًا سَوِيًّا المَذْكُورُ في الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَلَكٌ ولَيْسَ بِآدَمِيٍّ، وهَذا المَدْلُولُ صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٥]، وهَذا الَّذِي بَشَّرَها بِهِ هو الَّذِي قالَ لَها هُنا ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]، وقَوْلُهُ: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾، حالانِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ ”تَمَثَّلَ لَها“ .
مريم 19:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ ذَلِكَ الرُّوحَ الَّذِي هو جِبْرِيلُ قالَ لَها إنَّهُ رَسُولُ رَبِّها لِيَهَبَ لَها، أيْ: لِيُعْطِيَها غُلامًا، أيْ: ولَدًا ”زَكِيًّا“ أيْ: طاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، كَثِيرَ البَرَكاتِ، وبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَثِيرًا مِن صِفاتِ هَذا الغُلامِ المَوْهُوبِ لَها، وهو عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٨ - ٤٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى صِفاتِ هَذا الغُلامِ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وقالُونُ عَنْهُ أيْضًا بِخُلْفٍ عَنْهُ ”لِيَهَبَ“ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ بَعْدَ اللّامِ أيْ: لِيَهَبَ لَكِ هو، أيْ رَبُّكِ ”غُلامًا زَكِيًّا“ وقَرَأ الباقُونَ ”لِأهَبَ“ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ أيْ: لِأهَبَ لَكِ أنا أيُّها الرَّسُولُ مِن رَبِّكِ غُلامًا زَكِيًّا، وفي مَعْنى إسْنادِهِ الهِبَةَ إلى نَفْسِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ خِلافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ العُلَماءِ، وأظْهَرُ الأقْوالِ في ذَلِكَ عِنْدِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِ جِبْرِيلَ لَها ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، أيْ: لِأكُونَ سَبَبًا في هِبَةِ الغُلامِ (p-٣٨٧)بِالنَّفْخِ في الدِّرْعِ الَّذِي وصَلَ إلى الفَرْجِ، فَصارَ بِسَبَبِهِ حَمْلُها عِيسى، وبَيَّنَ تَعالى في سُورَةِ ”التَّحْرِيمِ“ أنَّ هَذا النَّفْخَ في فَرْجِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ الآيَةَ [التحريم: ١٢]، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”فِيهِ“ راجِعٌ إلى فَرْجِها ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى في ”الأنْبِياءِ“: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١]؛ لِأنَّ النَّفْخَ وصَلَ إلى الفَرْجِ فَكانَ مِنهُ حَمْلُ عِيسى، وبِهَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ الآيَةَ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُ جِبْرِيلَ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا﴾، حِكايَةٌ مِنهُ لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكَ، وقَدْ قالَ لِي أرْسَلْتُكَ لِأهَبَ غُلامًا. والأوَّلُ أظْهَرُ، وفي الثّانِي بُعْدٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لَمّا كانَ الإعْلامُ بِها مِن قِبَلِهِ، وبِهَذا صَدَّرَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وأظْهَرُها الأوَّلُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَرْيَمَ لَمّا بَشَّرَها جِبْرِيلُ بِالغُلامِ الزَّكِيِّ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَتْ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٢٠]، أيْ: كَيْفَ ألِدُ غُلامًا والحالُ أنِّي لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، تَعْنِي: لَمْ يُجامِعْنِي زَوْجٌ بِنِكاحٍ، ﴿وَلَمْ أكُ بَغِيًّا﴾، أيْ: لَمْ أكُ زانِيَةً، وإذا انْتَفى عَنْها مَسِيسُ الرِّجالِ حَلالًا وحَرامًا فَكَيْفَ تَحْمِلُ، والظّاهِرُ أنَّ اسْتِفْهامَها اسْتِخْبارٌ واسْتِعْلامٌ عَنِ الكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ فِيها حَمْلُ الغُلامِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّها مَعَ عَدَمِ مَسِيسِ الرِّجالِ لَمْ تَتَّضِحْ لَها الكَيْفِيَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامُها تَعَجُّبٌ مِن كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا عَنْها أنَّها قالَتْهُ هُنا ذَكَرَهُ عَنْها أيْضًا في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]، ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] واقْتِصارُها في آيَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ عَلى قَوْلِها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ مَسِيسَ البَشَرِ المَنفِيَّ عَنْها شامِلٌ لِلْمَسِيسِ بِنِكاحٍ والمَسِيسِ بِزِنًى، كَما هو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُها في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠]، يَظْهَرُ فِيهِ أنَّ قَوْلَها ﴿وَلَمْ أكُ بَغِيًّا﴾: تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ؛ لِأنَّ مَسِيسَ البَشَرِ يَشْمَلُ الحَلالَ (p-٣٨٨)والحَرامَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾: جَعَلَ المَسَّ عِبارَةً عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣]، والزِّنى لَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما يُقالُ فِيهِ: فَجَرَ بِها، وخَبُثَ بِها وما أشْبَهَ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِقَمِنٍ أنْ تُراعى فِيهِ الكِناياتُ والآدابُ. اهـ.
والأظْهَرُ الأوَّلُ، وآيَةُ آلِ عِمْرانَ تَدُلُّ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ لَفْظَةَ ”بَشَرٌ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَهي تَعُمُّ كُلَّ بَشَرٍ، فَيَنْتَفِي مَسِيسُ كُلِّ بَشَرٍ كائِنًا مَن كانَ. والبَغِيُّ: المُجاهِرَةُ المُشْتَهِرَةُ بِالزِّنى، ووَزْنُهُ فَعُولٌ عِنْدَ المُبَرِّدِ، اجْتَمَعَتْ فِيهِ واوٌ وياءٌ سُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَ ما قَبْلَها لِأجْلِ الياءِ كَما كُسِرَتْ في عِصِيٍّ ودِلِيٍّ جَمْعُ عَصًا ودَلْوٍ، كَما قَدَّمْنا هَذا مِرارًا، والقائِلُ بِأنَّ أصْلَ ”البَغِيِّ“ فَعُولٌ، يَقُولُ: لَوْ كانَ أصْلُهُ ”فَعِيلًا“ لَلَحِقَتْهُ هاءُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّها لازِمَةٌ في ”فَعِيلٍ“ بِمَعْنى ”فاعِلٍ“ وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ في كِتابِ التَّمامِ: أصْلُ البَغِيِّ عَلى وزْنِ ”فَعِيلٍ“ ولَوْ كانَ ”فَعُولًا“ لَقِيلَ: بَغُوٌّ، كَما قِيلَ: فُلانٌ نَهُوٌّ عَنِ المُنْكَرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدْ يُجابُ عَنْ عَدَمِ لُحُوقِ تاءِ التَّأْنِيثِ، بِأنَّ البَغِيَّ وصْفٌ مُخْتَصٌّ بِالإناثِ، والرَّجُلُ يُقالُ فِيهِ باغٍ لا بَغِيٌّ، كَما قالَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، والأوْصافُ المُخْتَصَّةُ بِالإناثِ لا تَحْتاجُ إلى تاءِ الفَرْقِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى كَحائِضٍ، كَما عَقَدَهُ ابْنُ مالِكٍ في الكافِيَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَما مِنَ الصِّفاتِ بِالأُنْثى يُخَصّ عَنْ تاءٍ اسْتَغْنى لِأنَّ اللَّفْظَ نَصّ
مريم 19:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في قِصَّةِ زَكَرِيّا، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وَقَوْلُ جِبْرِيلَ لِمَرْيَمَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٢١]، أيْ: وسَتَلِدِينَ ذَلِكَ الغُلامَ المُبَشَّرَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَمَسَّكِ بَشَرٌ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن حِكَمِ خَلْقِهِ عِيسى مِنِ امْرَأةٍ بِغَيْرِ زَوْجٍ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِلنّاسِ، أيْ عَلامَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ ما يَشاءُ كَيْفَ (p-٣٨٩)يَشاءُ: إنْ شاءَ خَلَقَهُ مِن أُنْثى بِدُونِ ذَكَرٍ كَما فَعَلَ بِعِيسى، وإنْ شاءَ خَلَقَهُ مِن ذَكَرٍ بِدُونِ أُنْثى كَما فَعَلَ بِحَوّاءَ، كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١]، أيْ: خَلَقَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ الَّتِي هي آدَمُ زَوْجَها حَوّاءَ، وإنْ شاءَ خَلَقَهُ بِدُونِ الذَّكَرِ والأُنْثى مَعًا كَما فَعَلَ بِآدَمَ، وإنْ شاءَ خَلَقَهُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى كَما فَعَلَ بِسائِرِ بَنِي آدَمَ، فَسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وما ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن كَوْنِهِ جَعَلَ عِيسى آيَةً حَيْثُ ولَدَتْهُ أُمُّهُ مِن غَيْرِ زَوْجٍ، أشارَ لَهُ أيْضًا في ”الأنْبِياءِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١]، وفي ”الفَلاحِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما﴾ الآيَةَ [ ٢٣
] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، فِيهِ حَذْفٌ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ تَعْلِيلٌ مُعَلَّلُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ فَعَلْنا ذَلِكَ، أوْ هو مَعْطُوفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: لِنُبَيِّنَ بِهِ قُدْرَتَنا ولِنَجْعَلَهُ آيَةً، ونَحْوُهُ: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ﴾ [يوسف: ٢١] اهـ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾، أيْ: لِمَن آمَنَ بِهِ، ومَن كَفَرَ بِهِ فَلَمْ يَبْتَغِ الرَّحْمَةَ لِنَفْسِهِ، كَما قالَ تَعالى في نَبِيِّنا ﷺ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١]، أيْ: وكانَ وُجُودُ ذَلِكَ الغُلامِ مِنكِ أمْرًا مَقْضِيًّا، أيْ: مُقَدَّرًا في الأزَلِ، مَسْطُورًا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.
مريم 19:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾، ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتْ عِيسى، فَقَوْلُهُ: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾، أيْ: عِيسى ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾، أيْ: تَنَحَّتْ بِهِ وبَعُدَتْ مُعْتَزِلَةً عَنْ قَوْمِها ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾، أيْ: في مَكانٍ بَعِيدٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المَكانَ المَذْكُورَ بَيْتُ لَحْمٍ، وفِيهِ أقْوالٌ أُخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾، أيْ: ألْجَأها الطَّلْقُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ، أيْ: جِذْعِ نَخْلَةٍ في ذَلِكَ المَكانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: جاءَ فُلانٌ، و: أجاءَهُ غَيْرُهُ: إذا حَمَلَهُ عَلى المَجِيءِ، (p-٣٩٠)وَمِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وَجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْنا أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ
وَقَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎إذْ شَدَدْنا شَدَّةً صادِقَةً فاجَأْناكم ∗∗∗ إلى سَفْحِ الجَبَلِ والمَخاضُ
: الطَّلْقُ، وهو وجَعُ الوِلادَةِ، وسُمِّيَ مَخاضًا مِنَ المَخْضِ، وهو الحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ لِشِدَّةِ تَحَرُّكِ الجَنِينِ في بَطْنِها إذا أرادَ الخُرُوجَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]، تَمَنَّتْ أنْ تَكُونَ قَدْ ماتَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ولَمْ تَكُنْ شَيْئًا يُذْكَرُ، فَإذا عَرَفْتَ مَعْنى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ فاعْلَمْ أنَّهُ هُنا لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ حَمْلِها بِهِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هَلْ هَذا الَّذِي تَنَحَّتْ عَنْهم مِن أجْلِهِ، وتَمَنَّتْ مِن أجْلِهِ أنْ تَكُونَ ماتَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وكانَتْ نَسْيًا مَنسِيًّا، وهو خَوْفُها مِن أنْ يَتَّهِمُوها بِالزِّنى، وأنَّها جاءَتْ بِذَلِكَ الغُلامِ مِن زِنًى - وقَعَتْ فِيهِ أوْ سَلِمَتْ مِنهُ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كُلَّ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَأشارَ إلى أنَّ كَيْفِيَّةَ حَمْلِها أنَّهُ نَفَحَ فِيها فَوَصَلَ النَّفْخُ إلى فَرْجِها فَوَقَعَ الحَمْلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢]، وقالَ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٩١]، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنَ العُلَماءِ: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ النَّفْخِ نَفْخُ جِبْرِيلَ فِيها بِإذْنِ اللَّهِ فَحَمَلَتْ، كَما تَدُلُّ لِذَلِكَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، كَما تَقَدَّمَ، ولا يُنافِي ذَلِكَ إسْنادُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا النَّفْخَ المَذْكُورَ لِنَفَسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا﴾ لِأنَّ جِبْرِيلَ إنَّما أوْقَعَهُ بِإذْنِهِ وأمْرِهِ ومَشِيئَتِهِ، وهو تَعالى الَّذِي خَلَقَ الحَمْلَ مِن ذَلِكَ النَّفْخِ، فَجِبْرِيلُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى أنْ يَخْلُقَ الحَمْلَ مِن ذَلِكَ النَّفْخِ ومِن أجْلِ كَوْنِهِ بِإذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ وأمْرِهِ تَعالى، ولا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ النَّفْخُ المَذْكُورُ ولا وُجُودُ الحَمْلِ مِنهُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا - أسْنَدَهُ إلى نَفْسِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ فَرْجَها الَّذِي نَفَخَ فِيهِ المَلَكُ هو جَيْبُ دِرْعِها ظاهِرُ السُّقُوطِ، بَلِ النَّفْخُ الواقِعُ في جَيْبِ الدِّرْعِ وصَلَ إلى الفَرْجِ المَعْرُوفِ فَوَقَعَ الحَمْلُ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ، أنَّ ذَلِكَ الَّذِي خافَتْ مِنهُ وهو قَذْفُهم لَها بِالفاحِشَةِ قَدْ وقَعَتْ فِيهِ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَرَّأها، وذَلِكَ
• كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿قالُوا يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، يَعْنُونَ الفاحِشَةَ،
• وقَوْلِهِ عَنْهم، ﴿ياأُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، (p-٣٩١)يَعْنُونَ فَكَيْفَ فَجَرْتِ أنْتِ وجِئْتِ بِهَذا الوَلَدِ ؟
• وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَبِكُفْرِهِمْ
• وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] .
وَقَوْلُهُ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾، القَصِيُّ: البَعِيدُ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ القَصِيِّ ∗∗∗ مِنِّيَ ذِي القاذُورَةِ المَقْلِيِّ
؎أوْ تَحْلِفِي بِرَبِّكِ العَلِيِّ ∗∗∗ أنِّي أبُو ذَيّالِكَ الصَّبِيِّ
وَهَذا المَكانُ القَصِيُّ قَدْ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [ ٢٣
]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾، أيْ: انْتَبَذَتْ وهو في بَطْنِها، والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”هَذا“ إلى الحَمْلِ والمَخاضِ الَّذِي أصابَها لِلْوَضْعِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْها: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾، النِّسْيُ والنَّسْيُ بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ: هو ما مِن حَقِّهِ أنْ يُطْرَحَ ويُنْسى لِحَقارَتِهِ، كَخِرَقِ الحَيْضِ، وكالوَتَدِ والعَصا، ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِن كَلامِ العَرَبِ إذا ارْتَحَلُوا عَنِ الدّارِ قَوْلُهم: انْظُرُوا أنَساءَكم. جَمْعُ نَسْيٍ أيِ الأشْياءُ الحَقِيرَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُتْرَكَ وتُنْسى كالعَصا والوَتَدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَوْلُها ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ أيْ شَيْئًا تافِهًا حَقِيرًا مِن حَقِّهِ أنْ يُتْرَكَ ويُنْسى عادَةً، وقَوْلُها ﴿مَنسِيًّا﴾ تَعْنِي أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ التّافِهَ الَّذِي مِن عادَتِهِ أنْ يُتْرَكَ ويُنْسى قَدْ نُسِيَ وطُرِحَ بِالفِعْلِ فَوُجِدَ فِيهِ النِّسْيانُ الَّذِي هو حَقُّهُ، وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ في الآيَةِ راجِعَةٌ إلى ما ذَكَرْنا، ومِن إطْلاقِ النَّسْيِ عَلى ما ذَكَرْنا قَوْلُ الكُمَيْتِ:
؎أتَجْعَلُنا جِسْرًا لِكَلْبِ قُضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْتُ بِنَسْيٍ في مُعَدٍّ ولا دَخَلْ
فَقَوْلُهُ ”بِنَسْيٍ“ أيْ: شَيْءٌ تافِهٌ مَنسِيٌّ، وقَوْلُ الشَّنْفَرى:
؎كَأنَّ لَها في الأرْضِ نَسْيًا تَقُصُّهُ ∗∗∗ عَلى أمِّها وإنْ تُحَدِّثْكَ تَبْلَتِ
فَقَوْلُهُ ”نَسْيًا“ أيْ: شَيْءٌ تَرَكَتْهُ ونَسِيَتْهُ، وقَوْلُهُ ”تَبْلَتِ“ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وفَتْحِ اللّامِ بَعْدَها تاءُ التَّأْنِيثِ، أيْ: تَقْطَعُ كَلامَها مِنَ الحَياءِ، والبَلْتُ في اللُّغَةِ: القَطْعُ.
وَقَرَأ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ﴿يالَيْتَنِي مِتُّ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ ”مُتُّ“ بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ ”وَكُنْتُ نَسْيًا“ بِفَتْحِ النُّونِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، وقِراءَتانِ صَحِيحَتانِ.
* *
(p-٣٩٢)تَنْبِيهٌ
قِراءَةُ ”مِتُّ“ بِكَسْرِ المِيمِ كَثِيرًا ما يَخْفى عَلى طَلَبَةِ العِلْمِ وجْهُها؛ لِأنَّ لُغَةَ ”ماتَ يَمُوتُ“ لا يَصِحُّ مِنها ”مِتُّ“ بِكَسْرِ المِيمِ، ووَجْهُ القِراءَةِ بِكَسْرِ المِيمِ أنَّهُ مِن ماتَ يَماتُ، كَخافَ يَخافُ، لا مِن ماتَ يَمُوتُ، كَقالَ يَقُولُ. فَلَفْظُ ”ماتَ“ فِيها لُغَتانِ عَرَبِيَّتانِ فَصِيحَتانِ، الأُولى مِنهُما مَوَتَ بِفَتْحِ الواوِ فَأُبْدِلَتِ الواوُ ألِفًا عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ المُشارِ لَها بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎مِن ياءٍ أوْ واوٍ بِتَحْرِيكٍ أصِلْ ألِفًا ابْدِلْ بَعْدَ فَتْحٍ مُتَّصِلْ
إنْ حُرِّكَ الثّانِي. . . إلَخْ،وَمُضارِعُ هَذِهِ المَفْتُوحَةِ ”يَمُوتُ“ بِالضَّمِّ عَلى القِياسِ وفي هَذِهِ ونَحْوِها إنْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى تاءِ الفاعِلِ أوْ نُونِهِ سَقَطَتِ العَيْنُ بِالِاعْتِلالِ وحُرِّكَتِ الفاءُ بِحَرَكَةٍ تُناسِبُ العَيْنَ، والحَرَكَةُ المُناسِبَةُ لِلْواوِ هي الضَّمَّةُ، فَتَقُولُ ”مُتُّ“ بِضَمِّ المِيمِ، ولا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ.
الثّانِيَةُ أنَّها ”مَوِتَ“ بِكَسْرِ الواوِ، أُبْدِلَتِ الواوُ ألِفًا لِلْقاعِدَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا، ومُضارِعُ هَذِهِ ”يَماتُ“ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ ”فَعِلَ“ بِكَسْرِ العَيْنِ يَنْقاسُ في مُضارِعِها بِـ ”فَعَلَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في اللّامِيَّةِ:
؎وافْتَحْ مَوْضِعَ الكَسْرِ في المَبْنِيِّ مِن فَعَلا
وَيُسْتَثْنى مِن هَذِهِ القاعِدَةِ كَلِماتٌ مَعْرُوفَةٌ سَماعِيَّةٌ تُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْها، والمُقَرَّرُ في فَنِّ الصَّرْفِ أنَّ كُلَّ فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ أجْوَفَ - أعْنِي مُعْتَلَّ العَيْنِ - إذا كانَ عَلى وزْنِ فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، أوْ فَعُلَ بِضَمِّها، فَإنَّهُ إذا أُسْنِدَ إلى تاءِ الفاعِلِ أوْ نُونِهِ تَسْقُطُ عَيْنُهُ بِالِاعْتِلالِ وتُنْقَلُ حَرَكَةُ عَيْنِهِ السّاقِطَةِ بِالِاعْتِلالِ إلى الفاءِ فَتُكْسَرُ فاؤُهُ إنْ كانَ مِن فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، وتُضَمُّ إنْ كانَ مِن فَعُلَ بِضَمِّها، مِثالُ الأوَّلِ ”مِتُّ“ مِن ماتَ يَماتُ؛ لِأنَّ أصْلَها ”مَوِتَ“ بِالكَسْرِ وكَذَلِكَ خافَ يَخافُ، ونامَ يَنامُ، فَإنَّكَ تَقُولُ فِيها ”مِتُّ“ بِكَسْرِ المِيمِ، و ”نِمْتُ“ بِكَسْرِ النُّونِ، ”وَخِفْتُ“ بِكَسْرِ الخاءِ؛ لِأنَّ حَرَكَةَ العَيْنِ نُقِلَتْ إلى الفاءِ وهي الكَسْرَةُ، ومِثالُهُ في الضَّمِّ ”طالَ“ فَأصْلُها ”طَوُلَ“ بِضَمِّ الواوِ فَتَقُولُ فِيها ”طُلْتُ“ بِالضَّمِّ لِنَقْلِ حَرَكَةِ العَيْنِ إلى الفاءِ، أمّا إذا كانَ الثُّلاثِيُّ مِن فَعَلَ بِفَتْحِ العَيْنِ كَماتَ يَمُوتُ، وقالَ يَقُولُ، فَإنَّ العَيْنَ تَسْقُطُ بِالِاعْتِلالِ وتُحَرَّكُ الفاءُ بِحَرَكَةٍ مُناسِبَةٍ لِلْعَيْنِ السّاقِطَةِ فَتُضَمُّ الفاءُ إنْ كانَتِ العَيْنُ السّاقِطَةُ واوًا كَماتَ يَمُوتُ، وقالَ يَقُولُ، فَتَقُولُ مُتُّ وقُلْتُ، بِالضَّمِّ. وتُكْسَرُ الفاءُ إنْ (p-٣٩٣)كانَتِ العَيْنُ السّاقِطَةُ ياءً، كَباعَ وسارَ، فَتَقُولُ: بِعْتُ وسِرْتُ بِالكَسْرِ فِيهِما، وإلى هَذا أشارَ ابْنُ مالِكٍ في اللّامِيَّةِ بِقَوْلِهِ:
؎وانْقُلْ لِفاءِ الثُّلاثِيِّ
؎فِي شَكْلِ عَيْنٍ إذا اعْتَلَّتْ ∗∗∗ وكانَ بِـ ”نا“ الإضْمارِ
؎مُتَّصِلا أوْ نَوِّنْهُ وإذا فُتِحا يَكُونُ مِنهُ ∗∗∗ اعْتَضَّ مُجانِسَ تِلْكَ العَيْنِ مُنْتَقِلا
واعْلَمْ أنَّ ماتَ يَماتُ، مِن فَعِلَ بِالكَسْرِ يَفْعَلُ بِالفَتْحِ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ، ومِنها قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎بُنَيَّتِي سَيِّدَةَ البَناتِ ∗∗∗ عِيشِي ولا نَأْمَنُ أنْ تَماتِ
وَأمّا ماتَ يَمِيتُ فَهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وقَدْ أشارَ إلى اللُّغاتِ الثَّلاثِ - الفَصِيحَتَيْنِ والرَّدِيَّةِ - بَعْضُ أُدَباءِ قُطْرِ شِنْقِيطَ في بَيْتِ رَجَزٍ هو قَوْلُهُ:
؎مَن مَنَعَتْ زَوْجَتُهُ مِنهُ المَبِيتَ ∗∗∗ ماتَ يَمُوتُ ويَماتُ ويَمِيتُ
وَأقْوالُ العُلَماءِ في قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي حَمَلَتْ فِيها مَرْيَمُ بِعِيسى قَبْلَ الوَضْعِ لَمْ نَذْكُرْها؛ لِعَدَمِ دَلِيلٍ عَلى شَيْءٍ مِنها، وأظْهَرُها أنَّهُ حَمْلٌ كَعادَةِ حَمْلِ النِّساءِ وإنْ كانَ مَنشَؤُهُ خارِقًا لِلْعادَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
مريم 19:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها ألّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ في هَذا الحَرْفِ قِراءَتَيْنِ سَبْعِيَّتَيْنِ: قَرَأهُ نافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ [مريم: ٢٤]، بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّ ”مِن“ حَرْفُ جَرٍّ، وخَفْضِ تاءِ ”تَحْتِها“ لِأنَّ الظَّرْفَ مَجْرُورٌ بِـ ”مِن“ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ ”فَناداها مَن تَحْتَها“ بِفَتْحِ مِيمِ ”مَن“ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مَوْصُولٌ هو فاعِلُ ”نادى“ أيْ ناداها الَّذِي تَحْتَها، وفَتْحِ ”تَحْتَها“ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى فَفاعِلُ النِّداءِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ، وعَلى الثّانِيَةِ فالفاعِلُ الِاسْمُ المَوْصُولُ الَّذِي هو ”مَن“ .
وَإذا عَرَفْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ مُخْتَلِفُونَ في هَذا المُنادِي الَّذِي ناداها المُعَبَّرُ عَنْهُ في إحْدى القِراءَتَيْنِ بِالضَّمِيرِ، وفي الثّانِيَةِ بِالِاسْمِ المَوْصُولِ مَن هو ؟ فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو عِيسى، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو جِبْرِيلُ، ومِمَّنْ قالَ: ”إنَّ الَّذِي نادى مَرْيَمَ هو جِبْرِيلُ“ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأوْدِيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وأهْلُ هَذا القَوْلِ قالُوا: لَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها.
(p-٣٩٤)وَمِمَّنْ قالَ إنَّ الَّذِي ناداها هو عِيسى عِنْدَما وضَعَتْهُ أُبَيٌّ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في الرِّوايَةِ الأُخْرى عَنْهُ وابْنُ زَيْدٍ.
فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ مَن قالَ إنَّهُ المَلَكُ يَقُولُ: فَناداها جِبْرِيلُ مِن مَكانٍ تَحْتَها؛ لِأنَّها عَلى رَبْوَةٍ مُرْتَفِعَةٍ، وقَدْ ناداها مِن مَكانٍ مُنْخَفِضٍ عَنْها، وبَعْضُ أهْلِ هَذا القَوْلِ يَقُولُ: كانَ جِبْرِيلُ تَحْتَها يَقْبَلُ الوَلَدَ كَما تَقْبَلُهُ القابِلَةُ، والظّاهِرُ الأوَّلُ عَلى هَذا القَوْلِ، وعَلى قِراءَةِ ”فَناداها مَن تَحْتَها“ بِفَتْحِ المِيمِ وتاءِ ”تَحْتَها“ عِنْدَ أهْلِ هَذا القَوْلِ، فالمَعْنى فَناداها الَّذِي هو تَحْتَها، أيْ: في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِها، أوْ تَحْتَها يَقْبَلُ الوَلَدَ كَما تَقْبَلُ القابِلَةُ، مَعَ ضَعْفِ الِاحْتِمالِ الأخِيرِ كَما قَدَّمْنا، أيْ: وهو جِبْرِيلُ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا القَوْلِ ”فَناداها“ هو، أيْ: جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ ”فَناداها مِن تَحْتِها“ أيْ: الَّذِي تَحْتَها وهو جِبْرِيلُ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُنادِي هو عِيسى، فالمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: فَناداها هو، أيْ: المَوْلُودُ الَّذِي وضَعَتْهُ مِن تَحْتِها؛ لِأنَّهُ كانَ تَحْتَها عِنْدَ الوَضْعِ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: ”فَناداها مَن تَحْتَها“ أيْ: الَّذِي تَحْتَها وهو المَوْلُودُ المَذْكُورُ الكائِنُ تَحْتَها عِنْدَ الوَضْعِ، ومِمَّنِ اخْتارَ أنَّ الَّذِي ناداها هو عِيسى: ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ، واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، واسْتَظْهَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ جِبْرِيلُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي أنَّ الَّذِي ناداها هو ابْنُها عِيسى، وتَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَرِينَتانِ: الأُولى أنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ إلّا بِدَلِيلٍ صارِفٍ عَنْ ذَلِكَ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وأقْرَبُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ هو عِيسى لا جِبْرِيلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾، يَعْنِي عِيسى ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾، أيْ بِعِيسى.
ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَناداها﴾ فالَّذِي يَظْهَرُ ويَتَبادَرُ مِنَ السِّياقِ أنَّهُ عِيسى.
والقَرِينَةُ الثّانِيَةُ أنَّها لَمّا جاءَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ، وقالُوا لَها ما قالُوا أشارَتْ إلى عِيسى لِيُكَلِّمُوهُ، كَما قالَ تَعالى عَنْها: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، وإشارَتُها إلَيْهِ لِيُكَلِّمُوهُ قَرِينَةٌ عَلى أنَّها عَرَفَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ لِنِدائِهِ لَها عِنْدَما وضَعَتْهُ، وبِهَذِهِ القَرِينَةِ الأخِيرَةِ اسْتَدَلَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ عَلى أنَّهُ عِيسى، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ غَيْرُ واحِدٍ، و ”أنْ“ في قَوْلِهِ ”ألّا تَحْزَنِي“ هي المُفَسِّرَةُ، فَهي بِمَعْنى أيْ، وضابِطُ ”أنْ“ المُفَسِّرَةِ أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ كَما هُنا، فالنِّداءُ فِيهِ بِمَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ ومَعْنى كَوْنِها مُفَسِّرَةً: أنَّ الكَلامَ الَّذِي بَعْدَها هو مَعْنى ما (p-٣٩٥)قَبْلَها، فالنِّداءُ المَذْكُورُ قَبْلَها هو: ﴿لا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكَ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالسَّرِيِّ هُنا، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو الجَدْوَلُ وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ؛ لِأنَّ اللَّهَ أجْرى لَها تَحْتَها نَهْرًا، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلِي﴾ أيْ: مِنَ الرُّطَبِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، ﴿واشْرَبِي﴾ [مريم: ٢٦]، أيْ: مِنَ النَّهْرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، وإطْلاقُ السَّرِيِّ عَلى الجَدْوَلِ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا مَسْجُورَةً مُتَجاوِرًا قُلّامُها
وَقَوْلُ لَبِيَدٍ أيْضًا يَصِفُ نَخْلًا نابِتًا عَلى ماءِ النَّهْرِ:
؎سُحُقٌ يُمَتِّعُها الصَّفا وسَرِيُّهُ ∗∗∗ عُمٌّ نَواعِمُ بَيْنَهُنَّ كُرُومُ
وَقَوْلُ الآخَرِ: .
؎سَهْلُ الخَلِيقَةِ ماجِدٌ ذُو نائِلٍ ∗∗∗ مِثْلُ السَّرِيِّ تَمُدُّهُ الأنْهارُ
فَقَوْلُهُ ”سَرِيًّا“، وقَوْلُهُما ”السَّرِيُّ“ بِمَعْنى الجَدْوَلِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎سَلْمٌ تَرى الدّالِيَ مِنهُ أزْوَرا ∗∗∗ إذا يَعُبُّ في السَّرِيِّ هَرْهَرا
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: السَّرِيُّ هو عِيسى، والسَّرِيُّ هو الرَّجُلُ الَّذِي لَهُ شَرَفٌ ومُرُوءَةٌ، يُقالُ في فِعْلِهِ سَرُوَ ”بِالضَّمِّ“ وسَرا ”بِالفَتْحِ“ يَسْرُو سَرْوًا، فِيهِما، وسَرِيَ ”بِالكَسْرِ“ يَسْرِي سِرًى وسِراءً وسَرْوًا: إذا شَرُفَ، ويُجْمَعُ السَّرِيُّ هَذا عَلى أسْرِياءَ عَلى القِياسِ، وسُرَواءَ وسَراةٍ بِالفَتْحِ، وعَنْ سِيبَوَيْهَ أنَّ السَّراةَ بِالفَتْحِ اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأفْوَهِ الأوْدِيِّ:
؎لا يَصْلُحُ النّاسُ فَوْضى لا سَراةَ لَهم ∗∗∗ ولا سَراةَ إذا جُهّالُهم سادُوا
وَيُجْمَعُ السَّراةُ عَلى سَرَواتٍ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الحَطِيمِ:
؎وَعَمْرَةُ مِن سَرَواتِ النِّساءِ ∗∗∗ تَنْفَحُ بِالمِسْكِ أرْدانُها
وَمِن إطْلاقِ السَّرِيِّ بِمَعْنى الشَّرِيفِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَلْقى السَّرِيَّ مِنَ الرِّجالِ بِنَفْسِهِ ∗∗∗ وابْنُ السَّرِيِّ إذا سَرا أسْراهُما
وَقَوْلُهُ ”أسْراهُما“، أيْ: أشْرَفُهُما، قالَهُ في اللِّسانِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي أنَّ السَّرِيَّ في الآيَةِ النَّهْرُ (p-٣٩٦)الصَّغِيرُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أمْرانِ:
أحَدُهُما: القَرِينَةُ مِنَ القُرْآنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلِي واشْرَبِي﴾، قَرِينَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ هو ما تَقَدَّمَ الِامْتِنانُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، وقَوْلُهُ: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥]؛ لِأنَّ المَعِينَ الماءُ الجارِي، والظّاهِرُ أنَّهُ الجَدْوَلُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسَّرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الأمْرُ الثّانِي: حَدِيثٌ جاءَ بِذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وقَدْ جاءَ بِذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، قالَ الطَّبَرانِيُّ: حَدَّثَنا أبُو شُعَيْبٍ الحَرّانِيُّ، حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البابِلِيُّ، حَدَّثَنا أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ، سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ السَّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِن هَذا الوَجْهِ، وأيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ هَذا هو الحُبُلِيُّ، قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ الأزْدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في ”الكافِي الشّافْ في تَخْرِيجِ أحادِيثَ الكَشّافْ“ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ: أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ، وابْنُ عَدِيٍّ مِن رِوايَةِ أبِي سِنانٍ سَعِيدِ بْنِ سِنانٍ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، قالَ: «”السَّرِيُّ: النَّهْرُ»“، قالَ الطَّبَرانِيُّ: لَمْ يَرْفَعْهُ عَنْ أبِي إسْحاقَ إلّا أبُو سِنانٍ، رَواهُ عَنْهُ يَحْيى بْنُ مُعاوِيَةَ وهو ضَعِيفٌ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنِ البَراءِ مَوْقُوفًا، وكَذا ذَكَرَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ وكِيعٍ، عَنْ إسْرائِيلَ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ آدَمَ، عَنْ إسْرائِيلَ كَذَلِكَ وأخْرَجَهُ الحاكِمُ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أبِي إسْحاقَ مَوْقُوفًا، وفي البابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: ”إنَّ السَّرِيَّ الَّذِي قالَهُ لِمَرْيَمَ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لِتَشْرَبَ مِنهُ“، أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ في تَرْجَمَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وراوِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ ضَعَّفَهُ أبُو حاتِمٍ وأبُو زُرْعَةَ، انْتَهى.
فَهَذا الحَدِيثُ المَرْفُوعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْ كانَتْ طُرُقُهُ لا يَخْلُو شَيْءٌ مِنها مِن ضَعْفٍ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ مِن دَعْوى أنَّ السَّرِيَّ عِيسى بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، ومِمَّنِ اخْتارَ أنَّ السَّرِيَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ النَّهْرُ: ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، وبِهِ قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، (p-٣٩٧)والضَّحّاكُ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وغَيْرُهم، ومِمَّنْ قالَ إنَّهُ عِيسى: الحَسَنُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ قَتادَةَ، وقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ.
مريم 19:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾، لَمْ يُصَرِّحْ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِبَيانِ الشَّيْءِ الَّذِي أمَرَها أنْ تَأْكُلَ مِنهُ، والشَّيْءِ الَّذِي أمَرَها أنْ تَشْرَبَ مِنهُ، ولَكِنَّهُ أشارَ إلى أنَّ الَّذِي أمَرَها أنْ تَأْكُلَ مِنهُ هو: ”الرُّطَبُ الجَنِيُّ“ المَذْكُورُ، والَّذِي أمَرَها أنْ تَشْرَبَ مِنهُ هو النَّهْرُ المَذْكُورُ المُعَبَّرُ عَنْهُ ”بِالسَّرِيِّ“ كَما تَقَدَّمَ، هَذا هو الظّاهِرُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ جِذْعَ النَّخْلَةِ الَّذِي أمَرَها أنْ تَهُزَّ بِهِ كانَ جِذْعًا يابِسًا؛ فَلَمّا هَزَّتْهُ جَعَلَهُ اللَّهُ نَخْلَةً ذاتَ رُطَبٍ جَنِيٍّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَ الجِذْعُ جِذْعَ نَخْلَةٍ نابِتَةٍ إلّا أنَّها غَيْرُ مُثْمِرَةٍ، فَلَمّا هَزَّتْهُ أنْبَتَ اللَّهُ فِيهِ الثَّمَرَ وجَعَلَهُ رُطَبًا جَنِيًّا، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَتِ النَّخْلَةُ مُثْمِرَةً، وقَدْ أمَرَها اللَّهُ بِهَزِّها لِيَتَساقَطَ لَها الرُّطَبُ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا، والَّذِي يُفْهَمُ مِن سِياقِ القُرْآنِ: أنَّ اللَّهَ أنْبَتَ لَها ذَلِكَ الرُّطَبَ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ، وأجْرى لَها ذَلِكَ النَّهْرَ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ، ولَمْ يَكُنِ الرُّطَبُ والنَّهْرُ مَوْجُودَيْنِ قَبْلَ ذَلِكَ، سَواءٌ قُلْنا إنَّ الجِذْعَ كانَ يابِسًا أوْ نَخْلَةً غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، إلّا أنَّ اللَّهَ أنَبَتَ فِيهِ الثَّمَرَ وجَعَلَهُ رُطَبًا جَنِيًّا، ووَجْهُ دَلالَةِ السِّياقِ عَلى ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ عَيْنَها إنَّما تَقَرُّ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِالأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ؛ لِأنَّها هي الَّتِي تُبَيِّنُ بَراءَتَها مِمّا اتَّهَمُوها بِهِ، فَوُجُودُ هَذِهِ الخَوارِقِ مِن تَفْجِيرِ النَّهْرِ، وإنْباتِ الرُّطَبِ، وكَلامِ المَوْلُودِ - تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ نَفْسُها وتَزُولُ بِهِ عَنْها الرِّيبَةُ، وبِذَلِكَ يَكُونُ قُرَّةَ عَيْنٍ لَها؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ الأكْلِ والشُّرْبِ مَعَ بَقاءِ التُّهْمَةِ الَّتِي تَمَنَّتْ بِسَبَبِها أنْ تَكُونَ قَدْ ماتَتْ مِن قَبْلُ وكانَتْ نَسْيًا مَنسِيًّا، لَمْ يَكُنْ قُرَّةً لِعَيْنِها في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما هو ظاهِرٌ، وخَرْقُ اللَّهِ لَها العادَةَ بِتَفْجِيرِ الماءِ، وإنْباتِ الرُّطَبِ، وكَلامِ المَوْلُودِ لا غَرابَةَ فِيهِ، وقَدْ نَصَّ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في ”آلِ عِمْرانَ“ عَلى خَرْقِهِ لَها العادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، قالَ العُلَماءُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وإجْراءُ النَّهْرِ وإنْباتُ الرُّطَبِ لَيْسَ أغْرَبَ مِن هَذا المَذْكُورِ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ .
* *
(p-٣٩٨)مَسْألَةٌ
أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآيَةَ، أنَّ السَّعْيَ والتَّسَبُّبَ في تَحْصِيلِ الرِّزْقِ أمْرٌ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا وأنَّهُ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ جَلَّ وعَلا، وهَذا أمْرٌ كالمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الأخْذَ بِالأسْبابِ في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ في الدُّنْيا أمْرٌ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا لا يُنافِي التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ بِحالٍ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ يَتَعاطى السَّبَبَ امْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ مَعَ عِلْمِهِ ويَقِينِهِ أنَّهُ لا يَقَعُ إلّا ما يَشاءُ اللَّهُ وُقُوعَهُ، فَهو مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ، عالِمٌ أنَّهُ لا يُصِيبُهُ إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَخَلُّفَ تَأْثِيرِ الأسْبابِ عَنْ مُسَبَّباتِها لَتَخَلَّفَ.
وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٦٩]، فَطَبِيعَةُ الإحْراقِ في النّارِ مَعْنًى واحِدٌ لا يَتَجَزَّأُ إلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومَعَ هَذا أحْرَقَتِ الحَطَبَ فَصارَ رَمادًا مِن حَرِّها في الوَقْتِ الَّذِي هي كائِنَةٌ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ، فَدَلَّ ذَلِكَ دَلالَةً قاطِعَةً عَلى أنَّ التَّأْثِيرَ حَقِيقَةً إنَّما هو بِمَشِيئَةِ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ يُسَبِّبُ ما شاءَ مِنَ المُسَبَّباتِ عَلى ما شاءَ مِنَ الأسْبابِ، وأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا.
وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ: أنَّهُ رُبَّما جَعَلَ الشَّيْءَ سَبَبًا لِشَيْءٍ آخَرَ مَعَ أنَّهُ مُنافٍ لَهُ، كَجَعْلِهِ ضَرْبَ مَيِّتِ بَنِي إسْرائِيلَ بِبَعْضٍ مِن بَقَرَةٍ مَذْبُوحَةٍ سَبَبًا لِحَياتِهِ، وضَرْبُهُ بِقِطْعَةٍ مَيْتَةٍ مِن بَقَرَةٍ مَيْتَةٍ مُنافٍ لِحَياتِهِ؛ إذْ لا تُكْسَبُ الحَياةُ مِن ضَرْبٍ بِمَيْتٍ، وذَلِكَ يُوَضِّحُ أنَّهُ جَلَّ وعَلا يُسَبِّبُ ما شاءَ مِنَ المُسَبَّباتِ عَلى ما شاءَ مِنَ الأسْبابِ، ولا يَقَعُ تَأْثِيرٌ ألْبَتَّةَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا.
وَمِمّا يُوَضِّحُ أنَّ تَعاطِيَ الأسْبابِ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ يَعْقُوبَ: ﴿وَقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧]، أمَرَهم في هَذا الكَلامِ بِتَعاطِي السَّبَبِ، وتَسَبَّبَ في ذَلِكَ بِالأمْرِ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَخافُ عَلَيْهِمْ أنْ تُصِيبَهُمُ النّاسُ بِالعَيْنِ لِأنَّهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا أبْناءُ رَجُلٍ واحِدٍ، وهم أهْلُ جَمالٍ وكَمالٍ وبَسْطَةٍ في الأجْسامِ، فَدُخُولُهم مِن بابٍ واحِدٍ مَظِنَّةٌ لِأنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ والدُّخُولِ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ تَعاطِيًا لِلسَّبَبِ في السَّلامَةِ مِن إصابَةِ العَيْنِ؛ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ السَّلَفِ، ومَعَ هَذا التَّسَبُّبِ فَقَدْ قالَ اللَّهُ عَنْهُ: (p-٣٩٩)﴿وَقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]، فانْظُرْ كَيْفَ جَمَعَ بَيْنَ التَّسَبُّبِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾، وبَيْنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾، وهَذا أمْرٌ مَعْلُومٌ لا يَخْفى إلّا عَلى مَن طَمَسَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا قادِرٌ عَلى أنْ يُسْقِطَ لَها الرُّطَبَ مِن غَيْرِ هَزِّ الجِذْعِ، ولَكِنَّهُ أمَرَها بِالتَّسَبُّبِ في إسْقاطِهِ بِهَزِّ الجِذْعِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم في ذَلِكَ:
؎ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ لِمَرْيَمَ وهُزِّي إلَيْكَ الجِذْعَ يَسّاقَطِ الرُّطَبُ
؎وَلَوْ شاءَ أنْ تَجْنِيَهُ مِن غَيْرِ هَزِّهِ ∗∗∗ جَنَتْهُ ولَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ
وَقَدْ أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ خَيْرَ ما تَطْعَمُهُ النُّفَساءُ الرُّطَبُ، قالُوا: لَوْ كانَ شَيْءٌ أحْسَنَ لِلنُّفَساءِ مِنَ الرُّطَبِ لَأطْعَمَهُ اللَّهُ مَرْيَمَ وقْتَ نِفاسِها بِعِيسى، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ وغَيْرُهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]، مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ فِعْلَ الهَزِّ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وزِيادَةُ حَرْفِ الباءِ لِلتَّوْكِيدِ قَبْلَ مَفْعُولِ الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، فَمِنهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ هُنا ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾؛ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ اللُّغَةِ أنَّ الأصْلَ: وهَزِّي إلَيْكِ جِذْعَ النَّخْلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ الآيَةَ [القلم: ٥ - ٦]، وقَوْلُهُ: ”تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ“، عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ مُضارِعُ ”أنْبَتَ“ الرُّباعِيِّ؛ لِأنَّ الرُّباعِيَّ الَّذِي هو ”أنْبَتَ يُنْبِتُ“ بِضَمِّ الياءِ المُثَنّاةِ وكَسْرِ الباءِ المُوَحَّدَةِ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ دُونَ الحَرْفِ، فالباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كَما رَأيْتَ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ:
؎إذْ يَسَفُّونَ بِالدَّقِيقِ وكانُوا ∗∗∗ قَبْلُ لا يَأْكُلُونَ خُبْزًا فَطِيرا
لِأنَّ الأصْلَ: يَسَفُّونَ الدَّقِيقَ، فَزِيدَتِ الباءُ لِلتَّوْكِيدِ.
وَقَوْلُ الرّاعِي:
؎هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أخْمِرَةٍ ∗∗∗ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
فالأصْلُ: لا يَقْرَأْنَ السُّوَرَ، فَزِيدَتِ الباءُ لِما ذُكِرَ.
وَقَوْلُ يَعْلى الأحْوَلِ اليَشْكُرِيِّ أوْ غَيْرِهِ:(p-٤٠٠)
؎بِوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ السِّدْرَ صَدْرُهُ ∗∗∗ وأسْفَلُهُ بِالمَرْخِ والشَّبُهانِ
فالأصْلُ: وأسْفَلُهُ المَرْخَ؛ أيْ: ويُنْبِتُ أسْفَلُهُ المَرْخَ، فَزِيدَتِ الباءُ لِما ذُكِرَ.
وَقَوْلُ الأعْشى:
؎ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيالِنا أرْماحُنا مِلْءَ ∗∗∗ المَراجِلِ والصَّرِيحَ الأجْرَدا
فالأصْلُ: ضَمِنَتْ رِزْقَ عِيالِنا.
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجْ ∗∗∗ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ
أيْ: نَرْجُو الفَرَجَ.
وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا تَنازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ ∗∗∗ هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَمارِيخَ مَيّالِ
فالأصْلُ: هَصَرْتُ غُصْنًا؛ لِأنَّ هَصَرَ تَتَعَدّى بِنَفْسِها.
وَأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ في كَلامِ العَرَبِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ”تَسّاقَطْ“ تِسْعُ قِراءاتٍ، ثَلاثٌ مِنها سَبْعِيَّةٌ، وسِتٌّ شاذَّةٌ، أمّا الثَّلاثُ السَّبْعِيَّةُ فَقَدْ قَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ مِنَ السَّبْعَةِ ”تَساقَطْ“ بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ وفَتْحِ القافِ، وأصْلُهُ: تَتَساقَطْ؛ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَقَوْلُهُ ”رُطَبًا“ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، وقَرَأهُ حَفْصٌ وحْدَهُ عَنْ عاصِمٍ ”تُساقِطْ“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ القافِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، مُضارِعُ ساقَطَتْ تُساقِطُ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَقَوْلُهُ ”رُطَبًا“ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْفِعْلِ الَّذِي هو: تُساقِطْ هي، أيِ النَّخْلَةُ، رُطَبًا، وقَرَأهُ بَقِيَّةُ السَّبْعَةِ ”تَسّاقَطْ“ بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، أصْلُهُ: تَتَساقَطْ؛ فَأُدْغِمَتْ إحْدى التّاءَيْنِ في السِّينِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هَذِهِ فَقَوْلُهُ ”رُطَبًا“ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ كَإعْرابِهِ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ.
وَغَيْرُ هَذا مِنَ القِراءاتِ شاذٌّ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ الجَنِيُّ: هو ما طابَ وصَلَحَ لِأنْ يُجْنى فَيُؤْكَلَ، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: أنَّ الجَنِيَّ هو الَّذِي لَمْ يَجِفَّ ولَمْ يَيْبَسْ، ولَمْ يَبْعُدْ عَنْ يَدَيْ مُتَناوِلِهِ.
مريم 19:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾، قائِلُ هَذا الكَلامِ لِمَرْيَمَ: هو الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها ألّا تَحْزَنِي، وقَدْ قَدَّمْنا الخِلافَ فِيهِ؛ هَلْ هو عِيسى أوْ جِبْرِيلُ، وما يَظْهَرُ رُجْحانُهُ عِنْدَنا مِن ذَلِكَ.
(p-٤٠١)وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢١]، قِيلَ أُمِرَتْ أنْ تَقُولَ ذَلِكَ بِاللَّفْظِ، وقِيلَ أُمِرَتْ أنْ تَقُولَهُ بِالإشارَةِ، وكَوْنُها أُمِرَتْ أنْ تَقُولَهُ بِاللَّفْظِ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ؛ كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ وأبُو حَيّانَ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ القَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ﴾ الآيَةَ، أنَّهُ قَوْلٌ بِاللِّسانِ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ: إنَّها أُمِرَتْ أنْ تَقُولَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ بِأنَّها لَوْ قالَتْهُ بِاللَّفْظِ أفْسَدَتْ نَذْرَها الَّذِي نَذَرَتْهُ ألّا تُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا، فَإذا قالَتْ لِإنْسِيٍّ بِلِسانِها: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا، فَقَدْ كَلَّمَتْ ذَلِكَ الإنْسِيَّ فَأفْسَدَتْ نَذْرَها، واخْتارَ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ لِدَلالَةِ الآيَةِ عَلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾، المُرادُ بِهَذا القَوْلِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِذَلِكَ لا أنَّ المُرادَ القَوْلُ اللَّفْظِيُّ لِئَلّا يُنافِيَ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾، وأجابَ المُخالِفُونَ عَنْ هَذا بِأنَّ المَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ بَعْدَ قَوْلِي: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ فَقَدْ رَأيْتَ كَلامَ العُلَماءِ في الآيَةِ، وأنَّ القَوْلَ الأوَّلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ السِّياقِ، وأنَّ الثّانِيَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الكَلامِ لِلْإنْسِيِّ مُطْلَقًا، قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: وقَوْلُهُ ”إنْسِيًّا“ لِأنَّها كانَتْ تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ، ومَعْنى كَلامِهِ أنَّ قَوْلَهُ ”إنْسِيًّا“ لَهُ مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ، أيْ: بِخِلافِ غَيْرِ الإنْسِيِّ كالمَلائِكَةِ فَإنِّي أُكَلِّمُهُ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ لَمْ يُرِدْ في الكَلامِ إخْراجَ المَفْهُومِ عَنْ حُكْمِ المَنطُوقِ، وإنَّما المُرادُ شُمُولُ نَفْيِ الكَلامِ لِكُلِّ إنْسانٍ كائِنًا مَن كانَ.
* *
مَسْألَةٌ.
اعْلَمْ أنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾، أيْ: قُولِي ذَلِكَ بِالإشارَةِ - يَدُلُّ عَلى أنَّ الإشارَةَ تَنْزِلُ مَنزِلَةَ الكَلامِ؛ لِأنَّها في هَذِهِ الآيَةِ سُمِّيَتْ قَوْلًا عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّفْسِيرِ، وسُمِعَ في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرًا إطْلاقُ الكَلامِ عَلى الإشارَةِ، كَقَوْلِهِ:
؎إذا كَلَّمَتْنِي بِالعُيُونِ الفَواتِرِ رَدَدْتُ عَلَيْها بِالدُّمُوعِ البَوادِرِ
وَسَنَذْكُرُ هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَدُلُّ مِنَ النُّصُوصِ عَلى أنَّ الإشارَةَ المُفْهِمَةَ تَنْزِلُ مَنزِلَةَ الكَلامِ، وما يَدُلُّ مِنَ النُّصُوصِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ كالكَلامِ، وأقْوالَ العُلَماءِ في ذَلِكَ.
اعْلَمْ أنَّهُ دَلَّتْ أدِلَّةٌ عَلى قِيامِ الإشارَةِ المُفْهِمَةِ مَقامَ الكَلامِ، وجاءَتْ أدِلَّةٌ أُخْرى يُفْهَمُ (p-٤٠٢)مِنها خِلافُ ذَلِكَ، فَمِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى قِيامِ الإشارَةِ مَقامَ الكَلامِ قِصَّةُ الأمَةِ السَّوْداءِ الَّتِي قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أيْنَ اللَّهُ ”؟ فَأشارَتْ إلى السَّماءِ، فَقالَ ﷺ:“ أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» فَجَعَلَ إشارَتَها كَنُطْقِها في الإيمانِ الَّذِي هو أصْلُ الدِّياناتِ، وهو الَّذِي يُعْصَمُ بِهِ الدَّمُ والمالُ، وتُسْتَحَقُّ بِهِ الجَنَّةُ، ويُنَجّى بِهِ مِنَ النّارِ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهم أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةُ بْنُ الحَكَمِ السُّلَمِيُّ، والشَّرِيدُ بْنُ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وفي بَعْضِ رِواياتِهِمْ أنَّها أشارَتْ إلى السَّماءِ، قالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجُوزَجانِيُّ، ثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، قالَ أخْبَرَنِي المَسْعُودِيُّ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ بِجارِيَةٍ سَوْداءَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً. فَقالَ لَها: ”أيْنَ اللَّهُ فَأشارَتْ إلى السَّماءِ بِإصْبَعِها فَقالَ لَها:“ فَمَن أنا ”؟ فَأشارَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإلى السَّماءِ، يَعْنِي أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ:“ أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ ”»، والظّاهِرُ حَمْلُ الرِّواياتِ الَّتِي فِيها أنَّهُ لَمّا قالَ لَها أيْنَ اللَّهُ قالَتْ في السَّماءِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الإشارَةِ، عَلى أنَّها قالَتْ ذَلِكَ بِالإشارَةِ؛ لِأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، والرِّواياتُ يُفَسِّرُ بَعْضُها بَعْضًا. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ“ آلِ عِمْرانَ ”في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، ما نَصُّهُ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإشارَةَ تَنْزِلُ مَنزِلَةَ الكَلامِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ السُّنَّةِ، وآكَدُ الإشاراتِ ما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِن «أمْرِ السَّوْداءِ حِينَ قالَ لَها:“ أيْنَ اللَّهُ ”؟ فَأشارَتْ بِرَأْسِها إلى السَّماءِ، فَقالَ:“ أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» " فَأجازَ الإسْلامَ بِالإشارَةِ الَّذِي هو أصْلُ الدِّينِ الَّذِي يُحْرَزُ بِهِ الدَّمُ والمالُ، وتُسْتَحَقُّ بِهِ الجَنَّةُ ويُنَجّى بِهِ مِنَ النّارِ، وحَكَمَ بِإيمانِها كَما يَحْكُمُ بِنُطْقِ مَن يَقُولُ ذَلِكَ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ عامِلَةً في سائِرِ الدِّيانَةِ، وهو قَوْلُ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
وَرَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: أنَّ الأخْرَسَ إذا أشارَ بِالطَّلاقِ أنَّهُ يَلْزَمُهُ، وقالَ الشّافِعِيُّ في الرَّجُلِ يَمْرَضُ فَيَخْتَلُّ لِسانُهُ: فَهو كالأخْرَسِ في الرَّجْعَةِ والطَّلاقِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ذَلِكَ جائِزٌ إذا كانَتْ إشارَتُهُ تَعْرَفُ، وإنْ شُكَّ فِيها فَهَذا باطِلٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِقِياسٍ، وإنَّما هو اسْتِحْسانٌ، والقِياسُ في هَذا كُلِّهِ أنَّهُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ ولا تُعْقَلُ إشارَتُهُ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ جاءَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ تَدُلُّ عَلى قِيامِ الإشارَةِ مَقامَ الكَلامِ في أشْياءَ مُتَعَدِّدَةٍ، فَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، «أنَّ (p-٤٠٣)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ رَمَضانَ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقالَ: ”الشَّهْرُ هَكَذا وهَكَذا وهَكَذا - ثُمَّ عَقَدَ إبْهامَهُ في الثّالِثَةِ - فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ أُغْمِيَ عَلَيْكم فاقْدُرُوا لَهُ ثَلاثِينَ“» هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ ﷺ نَزَّلَ إشارَتَهُ بِأصابِعِهِ إلى أنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقَدْ يَكُونُ ثَلاثِينَ مَنزِلَةَ نُطْقِهِ بِذَلِكَ، وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ في الكَلامِ عَلى هَذا الحَدِيثِ: وفي هَذا الحَدِيثِ جَوازُ اعْتِمادِ الإشارَةِ المُفْهِمَةِ في مِثْلِ هَذا، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذا أوْرَدَهُ البُخارِيُّ في بابٍ ) اللِّعانِ (مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلى أنَّ الإشارَةَ كاللَّفْظِ، وقَدْ ذَكَرَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ أحادِيثَ كَثِيرَةً تَدُلُّ عَلى جَعْلِ الإشارَةِ كالنُّطْقِ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:) بابُ الإشارَةِ في الطَّلاقِ والأُمُورِ (وقالَ ابْنُ عُمَرَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ، «لا يُعَذِّبُ اللَّهُ بِدَمْعِ العَيْنِ ولَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذا ”فَأشارَ إلى لِسانِهِ»، «وَقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيَّ، أيْ: خُذِ النِّصْفَ»، «وَقالَتْ أسْماءُ: صَلّى النَّبِيُّ ﷺ في الكُسُوفِ، فَقُلْتُ لِعائِشَةَ: ما شَأْنُ النّاسِ ؟ وهي تُصَلِّي، فَأوْمَأتْ بِرَأْسِها إلى الشَّمْسِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ ؟ فَأوْمَأتْ بِرَأْسِها أنْ نَعَمْ»، وقالَ أنَسٌ: «أوْمَأ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إلى أبِي بَكْرٍ أنْ يَتَقَدَّمَ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «أوْمَأ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ لا حَرَجَ»، وقالَ أبُو قَتادَةَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ:“ أحَدُكم أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها أوْ أشارَ إلَيْها ؟ ”قالُوا لا، قالَ:“ فَكُلُوا» حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا أبُو عامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «طافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بَعِيرٍ، وكانَ كُلَّما أتى عَلى الرُّكْنِ أشارَ إلَيْهِ وكَبَّرَ»، وقالَتْ زَيْنَبُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”فُتِحَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وهَذِهِ“ وعَقَدَ تِسْعِينَ.»
حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ أبُو القاسِمِ ﷺ: «في الجُمُعَةِ ساعَةٌ لا يُوافِقُها مُسْلِمٌ قائِمٌ يُصَلِّي يَسْألُ اللَّهَ خَيْرًا إلّا أعْطاهُ ”وَقالَ بِيَدِهِ، ووَضَعَ أُنْمُلَتَهُ عَلى بَطْنِ الوُسْطى والخِنْصَرِ، قُلْنا: يُزَهِّدُها.» وقالَ الأُوَيْسِيُّ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الحَجّاجِ عَنْ هِشامِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «عَدا يَهُودِيٌّ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى جارِيَةٍ فَأخَذَ أوْضاحًا كانَتْ عَلَيْها، ورَضَخَ رَأْسَها، فَأتى بِهِ أهْلُها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهي في آخِرِ رَمَقٍ وقَدْ أُصْمِتَتْ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ مَن قَتَلَكِ، فُلانٌ ؟ ”لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَها، فَأشارَتْ بِرَأْسِها أنْ لا، قالَ: فَقالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي قَتَلَها، فَأشارَتْ أنْ لا، فَقالَ:“ فُلانٌ ؟ ”لِقاتِلِها، فَأشارَتْ أنْ نَعَمْ، فَأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ»، حَدَّثَنا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (p-٤٠٤)دِينارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «“ الفِتْنَةُ مِن هُنا ”وَأشارَ إلى المَشْرِقِ»، حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ أبِي إسْحاقَ الشَّيْبانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «كُنّا في سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ“ فَلَمّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قالَ لِرَجُلٍ: ”انْزِلْ فاجْدَحْ لِي“ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أمْسَيْتَ. ثُمَّ قالَ: انْزِلْ فاجْدَحْ ”قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، لَوْ أمْسَيْتَ إنَّ عَلَيْكَ نَهارًا، ثُمَّ قالَ:“ انْزِلْ فاجْدَحْ ”فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ في الثّالِثَةِ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أوْمَأ بِيَدِهِ إلى المَشْرِقِ فَقالَ:“ إذا رَأيْتُمْ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِن هاهُنا فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ»، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثْنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِي عُثْمانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”لا يَمْنَعَنَّ أحَدًا مِنكم نِداءُ بِلالٍ - أوْ قالَ: أذانُهُ مِن سُحُورِهِ - فَإنَّما يُنادِي - أوْ قالَ: يُؤَذِّنُ - لِيَرْجِعَ قائِمُكم ولَيْسَ أنْ يَقُولَ. كَأنَّهُ يَعْنِي الصُّبْحَ أوِ الفَجْرَ. وأظْهَرَ يَزِيدُ يَدَيْهِ ثُمَّ مَدَّ إحْداهُما مِنَ الأُخْرى»، وقالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ، سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ مَثَلُ البَخِيلِ والمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِما جُبَّتانِ مِن حَدِيدٍ مِن لَدُنْ ثَدْيَيْهِما إلى تَراقِيهِما، فَأمّا المُنْفِقُ فَلا يُنْفِقُ شَيْئًا إلّا مادَتْ عَلى جِلْدِهِ حَتّى تَجُنَّ بَنانَهُ وتَعْفُوَ أثَرَهُ، وأمّا البَخِيلُ فَلا يُرِيدُ يُنْفِقُ إلّا لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَها، فَهو يُوَسِّعُها فَلا تَتَّسِعُ "، ويُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إلى حَلْقِهِ»، انْتَهى مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.
فَهَذِهِ أحادِيثُ دالَّةٌ عَلى قِيامِ الإشارَةِ مَقامَ النُّطْقِ في أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ في هَذا البابِ: ذَكَرَ فِيهِ عِدَّةَ أحادِيثَ مُعَلَّقَةٍ ومَوْصُولَةٍ أوَّلُها قَوْلُهُ: وقالَ ابْنُ عُمَرَ. هو طَرَفٌ مِن حَدِيثِ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا في الجَنائِزِ، وفِيهِ قِصَّةٌ لِسَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، وفِيها: «”وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ بِهَذا“ وأشارَ إلى لِسانِهِ» .
ثانِيها: وقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ. هو أيْضًا طَرَفٌ مِن حَدِيثِ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا في المُلازَمَةِ. وفِيها وأشارَ إلَيَ أنْ خُذِ النِّصْفَ. ثالِثُها: وقالَتْ أسْماءُ هي بِنْتُ أبِي بَكْرٍ: صَلّى النَّبِيُّ ﷺ في الكُسُوفِ، الحَدِيثُ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا في كِتابِ الإيمانِ بِلَفْظِ: فَأشارَتْ إلى السَّماءِ، وفِيهِ: فَأشارَتْ بِرَأْسِها، أيْ: نَعَمْ، وفي صَلاةِ الكُسُوفِ بِمَعْناهُ، وفي صَلاةِ السَّهْوِ بِاخْتِصارٍ. إلى آخِرِ كَلامِهِ، وبِالجُمْلَةِ فَجَمِيعُ الأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرَها البُخارِيُّ في البابِ المَذْكُورِ كُلُّها ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ مَوْصُولَةٌ، أمّا ما جاءَ مِنها مَوْصُولًا في البابِ المَذْكُورِ فَأمْرُهُ واضِحٌ، وأمّا ما جاءَ مِنها مُعَلَّقًا في البابِ المَذْكُورِ فَقَدْ جاءَ مَوْصُولًا في مَحِلٍّ آخَرَ مِن (p-٤٠٥)البُخارِيِّ.
والحَدِيثُ الأوَّلُ دَلَّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ إشارَتَهُ إلى اللِّسانِ أنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ بِهِ كَنُطْقِهِ بِذَلِكَ.
والحَدِيثُ الثّانِي جَعَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ إشارَتَهُ إلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنْ يُسْقِطَ نِصْفَ دِيَتِهِ عَنِ ابْنِ أبِي حَدْرَدٍ ويَأْخُذَ النِّصْفَ الباقِيَ مِنهُ كَنُطْقِهِ بِذَلِكَ.
والحَدِيثُ الثّالِثُ جَعَلَتْ فِيهِ عائِشَةُ إشارَتَها لِأُخْتِها أنَّ الكُسُوفَ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ هي السَّبَبُ في صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ، كَنُطْقِها بِذَلِكَ.
والحَدِيثُ الرّابِعُ: جَعَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ إشارَتَهُ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَتَقَدَّمَ كَنُطْقِهِ لَهُ بِذَلِكَ، وإيضاحُ ذَلِكَ هو ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ في بابِ) أهْلُ العِلْمِ والفَضْلِ أحَقُّ بِالإمامَةِ ) .
قالَ أنَسٌ: «لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ ﷺ ثَلاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَذَهَبَ أبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِالحِجابِ فَرَفَعَهُ فَلَمّا وضَحَ وجْهُ النَّبِيِّ ﷺ ما نَظَرْنا مَنظَرًا كانَ أعْجَبَ إلَيْنا مِن وجْهِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وضَحَ لَنا، فَأوْمَأ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إلى أبِي بَكْرٍ أنْ يَتَقَدَّمَ، وأرْخى النَّبِيُّ ﷺ الحِجابَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتّى ماتَ» . اهـ. هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ.
وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ في مَرَضِ مَوْتِهِ وقَبْلَ وفاتِهِ ﷺ بِقَلِيلٍ إشارَتَهُ إلى أبِي بَكْرٍ أنْ يَتَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ بِالنّاسِ كَنُطْقِهِ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا رَأى النَّبِيَّ ﷺ كَشَفَ الحِجابِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وظَنَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خارِجٌ إلى الصَّلاةِ كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في البابِ المَذْكُورِ آنِفًا مِن حَدِيثِ أنَسٍ، فَأشارَ إلَيْهِ أنْ يَتَقَدَّمَ، وقامَتِ الإشارَةُ مَقامَ النُّطْقِ.
والحَدِيثُ الخامِسُ جَعَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ الفُتْيا بِإشارَةِ اليَدِ كالفُتْيا بِالنُّطْقِ، وإيضاحُهُ هو ما رَواهُ البُخارِيُّ في كِتابِ العِلْمِ ) في بابِ مَن أجابَ الفُتْيا بِإشارَةِ اليَدِ والرَّأْسِ (حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، قالَ حَدَّثَنا وُهَيْبٌ، قالَ حَدَّثَنا أيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ في حَجَّتِهِ فَقالَ: ”ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ فَأوْمَأ بِيَدِهِ قالَ: ولا حَرَجَ، قالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ، فَأوْمَأ بِيَدِهِ ولا حَرَجَ“»، ومِن أمْثِلَةِ الفُتْيا بِإشارَةِ اليَدِ ما رَواهُ البُخارِيُّ في هَذا البابِ المَذْكُورِ آنِفًا مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”يُقْبَضُ العِلْمُ ويَظْهَرُ الجَهْلُ والفِتَنُ، ويَكْثُرُ الهَرْجُ“ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما الهَرْجُ ! فَقالَ هَكَذا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَها كَأنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ» . اهـ.
فَجَعَلَ ﷺ إشارَتَهُ بِيَدِهِ كَنُطْقِهِ، بِأنَّ (p-٤٠٦)المُرادَ بِالهَرْجِ القَتْلُ.
والحَدِيثُ السّادِسُ جَعَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ إشارَةَ المُحْرِمِ إلى الصَّيْدِ لِيُنَبِّهَ إلَيْهِ المُحِلَّ كَأمْرِهِ لَهُ بِاصْطِيادِهِ بِالنُّطْقِ، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا الحَدِيثَ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ .
والحَدِيثُ السّابِعُ جَعَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ الإشارَةَ إلى الرُّكْنِ في طَوافِهِ كاسْتِلامِهِ وتَقْبِيلِهِ بِالفِعْلِ.
والحَدِيثُ الثّامِنُ جَعَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ إشارَتَهُ بِأصابِعِهِ كَعَقْدِ التِّسْعِينَ لِبَيانِ القَدْرِ الَّذِي فُتِحَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ كالنُّطْقِ بِذَلِكَ.
والحَدِيثُ التّاسِعُ فِيهِ أنَّهُ جَعَلَ وضْعَ أُنْمُلَتِهِ عَلى بَطْنِ الوُسْطى والخِنْصَرِ، مُشِيرًا بِذَلِكَ لِقِلَّةِ زَمَنِ السّاعَةِ الَّتِي يُجابُ فِيها الدُّعاءُ بِالخَيْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، أوْ مُشِيرًا بِذَلِكَ لِوَقْتِها عِنْدَ مَن قالَ: إنَّ وضْعَ الأُنْمُلَةِ في وسَطِ الكَفِّ يُرادُ بِهِ الإشارَةُ إلى أنَّ ساعَةَ الجُمُعَةِ في وسَطِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، ووَضْعَها عَلى الخِنْصَرِ يُرادُ بِهِ أنَّها في آخِرِ النَّهارِ؛ لِأنَّ الخِنْصَرَ آخِرُ أصابِعِ الكَفِّ كالنُّطْقِ بِذَلِكَ، وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ هَذِهِ الإشارَةَ بِاليَدِ لِساعَةِ الجُمْعَةِ مِن فِعْلِ بِشْرِ بْنِ المُفَضَّلِ راوِي الحَدِيثِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ كَما تَقَدَّمَ في إسْنادِ الحَدِيثِ، وعَلَيْهِ فَفي سِياقِ هَذا الحَدِيثِ عِنْدَ البُخارِيِّ إدْراجٌ.
والحَدِيثُ العاشِرُ جَعَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ إشارَةَ الجارِيَةِ الَّتِي قَتَلَها اليَهُودِيُّ كَنُطْقِها بِأنَّ اليَهُودِيَّ قَتَلَها، وأنَّ مَن سُمِّيَ لَها غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ هو الَّذِي قَتَلَها، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا الحَدِيثَ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ وبَيَّنّا هُنالِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وإنْ كانَ جَعَلَ إشارَةَ الجارِيَةِ كَنُطْقِها لَمْ يَقْتُلِ اليَهُودِيَّ بِإشارَةِ الجارِيَةِ القائِمَةِ مَقامَ نُطْقِها بِمَن قَتَلَها، ولَكِنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّهُ قَتَلَها فَثَبَتَ عَلَيْهِ القَتْلُ بِاعْتِرافِهِ واقْتَصَّ لَها مِنهُ بِذَلِكَ.
والحَدِيثُ الحادِيَ عَشَرَ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”الفِتْنَةُ مِن هُنا“ وأشارَ إلى المَشْرِقِ»، فَجَعَلَ إشارَتَهُ إلى المَشْرِقِ كَنُطْقِهِ بِذَلِكَ.
والحَدِيثُ الثّانِيَ عَشَرَ فِيهِ «أنَّهُ ﷺ أوْمَأ بِيَدِهِ إلى المَشْرِقِ فَقالَ: ”إذا رَأيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِن هاهُنا فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ“» فَجَعَلَ إشارَتَهُ بِيَدِهِ إلى المَشْرِقِ كَنُطْقِهِ بِلَفْظِ المَشْرِقِ.
والحَدِيثُ الثّالِثَ عَشَرَ جَعَلَ فِيهِ الإشارَةَ بِاليَدِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ الفَجْرِ الكاذِبِ والفَجْرِ الصّادِقِ بِذَلِكَ.
والحَدِيثُ الرّابِعَ عَشَرَ: قالَ فِيهِ ﷺ: «فَهو يُوَسِّعُها ولا تَتَّسِعُ»، ويُشِيرُ بِإصْبَعِهِ إلى (p-٤٠٧)حَلْقِهِ، فَجَعَلَ إشارَتَهُ إلى أنَّ دِرْعَ الحَدِيدِ المَضْرُوبَ بِها المَثَلُ لِلْبَخِيلِ ثابِتَةٌ عَلى حَلْقِهِ لا تَنْزِلُ عَنْهُ ولا تَسْتُرُ عَوْرَتَهُ ولا بَدَنَهُ كالنُّطْقِ بِذَلِكَ.
فَهَذِهِ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا أوْرَدَها البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في البابِ المَذْكُورِ، وسُقْناها هُنا، وبَيَّنّا وجْهَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإشارَةَ كالنُّطْقِ في كُلٍّ واحِدٍ مِنها، مَعَ ما قَدَّمْنا مِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ زِيادَةً عَلى ما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ هُنا.
وَقَدْ ذَكَرَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في أوَّلِ بابِ) اللِّعانِ (خَمْسَةَ أحادِيثَ أيْضًا كُلُّ واحِدٍ مِنها فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الإشارَةَ كالنُّطْقِ ولَمْ نَذْكُرْها هُنا لِأنَّ فِيما ذَكَرْنا كِفايَةً.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في) الفَتْحِ (في آخِرِ كَلامِهِ عَلى أحادِيثِ البابِ المَذْكُورَةِ: قالَ ابْنُ بَطّالٍ: ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الإشارَةَ المُفْهِمَةَ تَنْزِلُ مَنزِلَةَ النُّطْقِ، وخالَفَهُ الحَنَفِيَّةُ في بَعْضِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ البُخارِيَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأحادِيثِ الَّتِي جَعَلَ فِيها النَّبِيُّ ﷺ الإشارَةَ قائِمَةً مَقامَ النُّطْقِ، وإذا جازَتِ الإشارَةُ في أحْكامٍ مُخْتَلِفَةٍ في الدِّيانَةِ فَهي لِمَن لا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ أجْوَزُ.
وَقالَ ابْنُ المُنَيِّرِ: أرادَ البُخارِيُّ أنَّ الإشارَةَ بِالطَّلاقِ وغَيْرِهِ مِنَ الأخْرَسِ وغَيْرِهِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنها الأصْلُ والعَدَدُ نافِذَةٌ كاللَّفْظِ. اهـ.
وَيَظْهَرُ لِي أنَّ البُخارِيَّ أوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ وأحادِيثَها تَوْطِئَةً لِما يَذْكُرُهُ مِنَ البَحْثِ في البابِ الَّذِي يَلِيهِ، مَعَ مَن فَرَّقَ بَيْنَ لِعانِ الأخْرَسِ، وطَلاقِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فَهَذِهِ الأحادِيثُ وأمْثالُها هي حُجَّةُ مَن قالَ: إنَّ الإشارَةَ المُفْهِمَةَ تَقُومُ مَقامَ اللَّفْظِ، واحْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ الإشارَةَ لَيْسَتْ كاللَّفْظِ بِأنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، فَإنَّ في هَذِهِ الآيَةِ التَّصْرِيحَ بِنَذْرِها الإمْساكَ عَنْ كَلامِ كُلِّ إنْسِيٍّ، مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]، أيْ: أشارَتْ لَهم إلَيْهِ أنْ كَلِّمُوهُ يُخْبِرْكم بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، فَهَذِهِ إشارَةٌ مُفْهِمَةٌ، وقَدْ فَهِمَها قَوْمُها فَأجابُوها جَوابًا مُطابِقًا لِفَهْمِهِمْ ما أشارَتْ بِهِ: ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، وهَذِهِ الإشارَةُ المُفْهِمَةُ لَوْ كانَتْ كالنُّطْقِ لَأفْسَدَتْ نَذْرَ مَرْيَمَ ألّا تُكَلِّمَ إنْسِيًّا، فالآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الكَلامَ بِاللَّفْظِ يُخِلُّ بِنَذْرِها، وأنَّ الإشارَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَقَدْ جاءَ الفَرْقُ صَرِيحًا في القُرْآنِ بَيْنَ اللَّفْظِ والإشارَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُ آيَةً عَلى ما بُشِّرَ بِهِ وهي مَنعُهُ مِنَ الكَلامِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الإشارَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (p-٤٠٨)﴿إلّا رَمْزًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ الآيَةَ [مريم: ١١]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإشارَةَ لَيْسَتْ كالكَلامِ، والآيَةَ الأُولى أصْرَحُ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإشارَةَ لَيْسَتْ كاللَّفْظِ؛ لِأنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِكَوْنِ الإشارَةِ كالكَلامِ؛ لِأنَّ اسْتِثْناءَهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿إلّا رَمْزًا﴾، مِن قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الرَّمْزَ الَّذِي هو الإشارَةُ نَوْعٌ مِن جِنْسِ الكَلامِ اسْتُثْنِيَ مِنهُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الِاسْتِثْناءِ الِاتِّصالُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
فَإذا عَلِمْتَ أدِلَّةَ الفَرِيقَيْنِ في الإشارَةِ، هَلْ هي كاللَّفْظِ أوْ لا ؟ فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ مُخْتَلِفُونَ في الإشارَةِ المُفْهِمَةِ، هَلْ تَنْزِلُ مَنزِلَةَ اللَّفْظِ أوْ لا، وسَنَذْكُرُ هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى جُمَلًا مِن أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ، وما يَظْهَرُ رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في) فَتْحِ البارِي (في آخِرِ بابِ الإشارَةِ في الطَّلاقِ والأُمُورِ، ما نَصُّهُ: وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الإشارَةِ المُفْهِمَةِ، فَأمّا في حُقُوقِ اللَّهِ فَقالُوا: تَكْفِي ولَوْ مِنَ القادِرِ عَلى النُّطْقِ، وأمّا في حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ كالعُقُودِ والإقْرارِ والوَصِيَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فاخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَنِ اعْتُقِلَ لِسانُهُ، ثالِثُها عَنْ أبِي حَنِيفَةَ إنْ كانَ مَيْئُوسًا مِن نُطْقِهِ، وعَنْ بَعْضِ الحَنابِلَةِ إنِ اتَّصَلَ بِالمَوْتِ، ورَجَّحَهُ الطَّحاوِيُّ، وعَنِ الأوْزاعِيِّ إنْ سَبَقَهُ كَلامٌ، ونُقِلَ عَنْ مَكْحُولٍ، إنْ قالَ: فُلانٌ حُرٌّ، ثُمَّ أُصْمِتَ فَقِيلَ لَهُ: وفُلانٌ ؟ فَأوْمَأ صَحَّ، وأمّا القادِرُ عَلى النُّطْقِ فَلا تَقُومُ إشارَتُهُ مَقامَ نُطْقِهِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ واخْتُلِفَ هَلْ يَقُومُ مِنهُ مَقامَ النِّيَّةِ، كَما لَوْ طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَقِيلَ لَهُ: كَمْ طَلْقَةٌ ؟ فَأشارَ بِأُصْبُعِهِ. انْتَهى مِنهُ.
وَقالَ البُخارِيُّ في أوَّلِ بابِ اللِّعانِ، ما نَصُّهُ: فَإذا قَذَفَ الأخْرَسُ امْرَأتَهُ بِكِتابَةٍ أوْ إشارَةٍ أوْ إيماءٍ مَعْرُوفٍ فَهو كالمُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أجازَ الإشارَةَ في الفَرائِضِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ أهْلِ الحِجازِ وأهْلِ العِلْمِ، وقالَ تَعالى: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾، وقالَ الضَّحّاكُ: ﴿إلّا رَمْزًا﴾ إشارَةً، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: لا حَدَّ ولا لِعانَ، ثُمَّ زَعَمَ أنَّهُ إنْ طَلَّقَ بِكِتابٍ أوْ إشارَةٍ أوْ إيماءٍ جائِزٌ ولَيْسَ بَيْنَ الطَّلاقِ والقَذْفِ فَرْقٌ، فَإنْ قالَ: القَذْفُ لا يَكُونُ إلّا بِكَلامٍ قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ الطَّلاقُ لا يَجُوزُ إلّا بِكَلامٍ وإلّا بَطَلَ الطَّلاقُ والقَذْفُ وكَذَلِكَ العِتْقُ، وكَذَلِكَ الأصَمُّ يُلاعِنُ، وقالَ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: إذا قالَ أنْتِ طالِقٌ فَأشارَ بِأصابِعِهِ تَبَيَّنَ مِنهُ بِإشارَتِهِ، وقالَ إبْراهِيمُ: الأخْرَسُ إذا كَتَبَ الطَّلاقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ، وقالَ حَمّادٌ: الأخْرَسُ والأصَمُّ إنْ قالَ بِرَأْسِهِ جازَ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
(p-٤٠٩)وَمَذاهِبُ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ مُتَقارِبَةٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وبَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في بَعْضِ فُرُوعِها.
فَمَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ الإشارَةَ المُفْهِمَةَ تَقُومُ مَقامَ النُّطْقِ، قالَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ في مُخْتَصَرِهِ الَّذِي قالَ في تَرْجَمَتِهِ مُبَيِّنًا لِما بِهِ الفَتْوى، يَعْنِي في مَذْهَبِ مالِكٍ: الكَلامُ عَلى الصِّيغَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الطَّلاقُ: ولَزِمَ بِالإشارَةِ المُفْهِمَةِ. يَعْنِي أنَّ الطَّلاقَ يَلْزَمُ بِالإشارَةِ المُفْهِمَةِ مُطْلَقًا مِنَ الأخْرَسِ والنّاطِقِ وقالَ شارِحُهُ المَوّاقُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ المُدَوَّنَةِ: ما عُلِمَ مِنَ الأخْرَسِ بِإشارَةٍ أوْ بِكِتابٍ مِن طَلاقٍ أوْ خُلْعٍ أوْ عِتْقٍ أوْ نِكاحٍ، أوْ بَيْعٍ أوْ شِراءٍ أوْ قَذْفٍ - لَزِمَهُ حُكْمُ المُتَكَلِّمِ، ورَوى الباجِيُّ: إشارَةُ السَّلِيمِ بِالطَّلاقِ بِرَأْسِهِ أوْ بِيَدِهِ كَلَفْظِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] انْتَهى مِنهُ، ورِوايَةُ الباجِيِّ هَذِهِ عَلَيْها أهْلُ المَذْهَبِ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ إشارَةَ الأخْرَسِ تَقُومُ مَقامَ كَلامِ النّاطِقِ في تَصَرُّفاتِهِ، كَإعْتاقِهِ وطَلاقِهِ، وبَيْعِهِ وشِرائِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، أمّا السَّلِيمُ فَلا تُقْبَلُ عِنْدَهُ إشارَتُهُ لِقُدْرَتِهِ عَلى النُّطْقِ، وإشارَةُ الأخْرَسِ بِقَذْفِ زَوْجَتِهِ لا يَلْزَمُ عِنْدَهُ فِيها حَدٌّ ولا لِعانٌ؛ لِأنَّ الحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ شُبْهَةٌ عِنْدَهُ؛ لِأنَّ الإشارَةَ قَدْ تُفْهِمُ ما لا يَقْصِدُ المُشِيرُ، ولِأنَّ أيْمانَ اللِّعانِ لَها صِيَغٌ لا بُدَّ مِنها ولا تَحْصُلُ بِالإشارَةِ وكَذَلِكَ عِنْدَهُ إذا كانَتِ الزَّوْجَةُ المَقْذُوفَةُ خَرْساءَ فَلا حَدَّ ولا لِعانَ عِنْدَهُ، لِاحْتِمالِ أنَّها لَوْ نَطَقَتْ لَصَدَّقَتْهُ، ولِأنَّها لا يُمْكِنُها الإتْيانُ بِألْفاظِ الأيْمانِ المَنصُوصَةِ في آيَةِ اللِّعانِ، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ القَذْفُ لا يَصِحُّ مِنَ الأخْرَسِ؛ لِأنَّ الحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ مِنَ الحَنَفِيَّةِ: إنَّ القِياسَ مَنَعَ اعْتِبارَ إشارَةِ الأخْرَسِ؛ لِأنَّها لا تُفْهَمُ كالنُّطْقِ في الجَمِيعِ، وأنَّهم أجازُوا العَمَلَ بِإشارَةِ الأخْرَسِ في غَيْرِ اللِّعانِ والقَذْفِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْسانِ، والقِياسُ المَنعُ مُطْلَقًا، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ اعْتِبارُ إشارَةِ الأخْرَسِ في اللِّعانِ وغَيْرِهِ، وعَدَمُ اعْتِبارِ إشارَةِ السَّلِيمِ.
وَأمّا مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ فَظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا لِعانَ إنْ كانَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ أخْرَسَ، كَما قَدَّمْنا تَوْجِيهَهُ في مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ القاضِي أبُو الخَطّابِ: إنْ فُهِمَتْ إشارَةُ الأخْرَسِ فَهو كالنّاطِقِ في قَذْفِهِ ولِعانِهِ، وأمّا طَلاقُ الأخْرَسِ ونِكاحُهُ وشِبْهُ ذَلِكَ فالإشارَةُ كالنُّطْقِ في مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ، وأمّا السَّلِيمُ فَلا تُقْبَلُ عِنْدَهُ إشارَتُهُ بِالطَّلاقِ ونَحْوِهِ.
هَذا حاصِلُ كَلامِ الأئِمَّةِ وغَيْرِهِمْ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وقَدْ رَأيْتَ ما جاءَ فِيها مِن أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
(p-٤١٠)قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ في المَسْألَةِ: أنَّ الإشارَةَ إنْ دَلَّتْ عَلى المَعْنى دَلالَةً واضِحَةً لا شَكَّ في المَقْصُودِ مَعَها أنَّها تَقُومُ مَقامَ النُّطْقِ مُطْلَقًا، ما لَمْ تَكُنْ في خُصُوصِ اللَّفْظِ أهَمِّيَّةٌ مَقْصُودَةٌ مِن قِبَلِ الشّارِعِ، فَإنْ كانَتْ فِيهِ فَلا تَقُومُ الإشارَةُ مَقامَهُ كَأيْمانِ اللِّعانِ، فَإنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلَيْها بِصُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فالظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ لا تَقُومُ مَقامَها وكَجَمِيعِ الألْفاظِ المُتَعَبَّدِ بِها فَلا تَكْفِي فِيها الإشارَةُ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾، أيْ: إمْساكًا عَنِ الكَلامِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، والصَّوْمُ في اللُّغَةِ: الإمْساكُ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ:
؎خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُما
فَقَوْلُهُ: ”خَيْلٌ صِيامٌ“ أيْ: مُمْسِكَةٌ عَنِ الجَرْيِ، وقِيلَ عَنِ العَلَفِ ”وَخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ“ أيْ: غَيْرُ مُمْسِكَةٍ عَمّا ذُكِرَ.
وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎كَأنَّ الثُّرَيّا عُلِّقَتْ في مَصامِها ∗∗∗ بِأمْراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ
فَقَوْلُهُ: ”في مَصامِها“ أيْ: مَكانَ صَوْمِها، يَعْنِي إمْساكَها عَنِ الحَرَكَةِ، وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ في مَعْنى الآيَةِ، أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ الإمْساكُ عَنِ الكَلامِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ) في الفَتْحِ في بابِ اللِّعانِ (وقَدْ ثَبَتَ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ: صَمْتًا، أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ. اهـ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالصَّوْمِ في الآيَةِ: هو الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ المَعْرُوفُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وعَلَيْهِ فالمُرادُ أنَّهم كانُوا إذا صامُوا في شَرِيعَتِهِمْ حَرُمَ عَلَيْهِمُ الكَلامُ كَما يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الطَّعامُ، والصَّوابُ في مَعْنى الآيَةِ الأوَّلُ، وعَلَيْهِ فَهَذا النَّذْرُ الَّذِي نَذَرَتْهُ ألّا تُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا كانَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِمْ، أمّا في الشَّرِيعَةِ الَّتِي جاءَنا بِها نَبِيُّنا ﷺ فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ النَّذْرُ ولا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنا أيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ يَخْطُبُ إذا هو بَرَجُلٍ قائِمٍ فَسَألَ عَنْهُ فَقالُوا: أبُو إسْرائِيلَ نَذَرَ أنْ يَقُومَ ولا يَقْعُدُ ولا يَسْتَظِلُّ ولا يَتَكَلَّمُ ويَصُومُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ، ”مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، ولْيَسْتَظِلَّ ولْيَقْعُدْ ولْيُتِمَّ صَوْمَهُ“» قالَ عَبْدُ الوَهّابِ: حَدَّثَنا أيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ (p-٤١١)النَّبِيِّ ﷺ . اهـ.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ ”في الفَتْحِ“ في الكَلامِ عَلى هَذا الحَدِيثِ وفي حَدِيثِهِ أنَّ السُّكُوتَ عَنِ المُباحِ لَيْسَ مِن طاعَةِ اللَّهِ، وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ «وَلا صَمْتَ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ» وتَقَدَّمَ في السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إنَّ هَذا - يَعْنِي الصَّمْتَ - مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، وفِيهِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَأذّى بِهِ الإنْسانُ ولَوْ مَآلًا مِمّا لَمْ يَرِدْ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ كِتابٌ أوْ سُنَّةٌ، كالمَشْيِ حافِيًا، والجُلُوسِ في الشَّمْسِ لَيْسَ هو مِن طاعَةِ اللَّهِ، فَلا يَنْعَقِدُ بِهِ النَّذْرُ، فَإنَّهُ ﷺ أمَرَ أبا إسْرائِيلَ بِإتْمامِ الصَّوْمِ دُونَ غَيْرِهِ، وهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يَقْعُدَ ويَتَكَلَّمَ ويَسْتَظِلَّ، قالَ القُرْطُبِيُّ: في قِصَّةِ أبِي إسْرائِيلَ: هَذِهِ أوْضَحُ الحُجَجِ لِلْجُمْهُورِ في عَدَمِ وُجُوبِ الكَفّارَةِ عَلى مَن نَذَرَ مَعْصِيَةً، أوْ ما لا طاعَةَ فِيهِ، قالَ مالِكٌ لَمّا ذَكَرَهُ: ولَمْ أسْمَعْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، انْتَهى كَلامُ صاحِبِ) فَتْحِ البارِي (وقَدْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: وقَدْ نَهى ﷺ عَنْ صَوْمِ الصَّمْتِ، فَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في) الكافِي الشّافْ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافْ (: لَمْ أرَهُ هَكَذا، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ بِلَفْظِ «لا صَمْتَ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ» وفِيهِ حِزامُ بْنُ عُثْمانَ وهو ضَعِيفٌ، ولِأبِي داوُدَ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ مِثْلُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”النِّساءِ“ .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ﴾، مَعْناهُ فَإنْ تَرَيْ مِنَ البَشَرِ أحَدًا، فَلَفَظَةُ ”إمّا“ مُرَكَّبَةٌ مِن ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ و ”ما“ المَزِيدَةِ لِتَوْكِيدِ الشَّرْطِ، والأصْلُ تَرْأيَيْنَ عَلى وزْنِ تَفْعَلَيْنَ، تَحَرَّكَتِ الياءُ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها وجَبَ قَلْبُها ألِفًا فَصارَتْ تَرْآيْنَ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةَ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الرّاءِ؛ لِأنَّ اللُّغَةَ الفُصْحى الَّتِي هي الأغْلَبُ في كَلامِ العَرَبِ حَذْفُ هَمْزَةِ رَأى في المُضارِعِ والأمْرِ، ونَقْلُ حَرَكَتِها إلى الرّاءِ فَصارَتْ تَرايْنَ، فالتَقى السّاكِنانِ فَحُذِفَ الأوَّلُ وهو الألِفُ، فَصارَ تَرَيْنَ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ نُونُ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةُ فَحُذِفَتْ نُونُ الرَّفْعِ مِن أجْلِها هي، والجازِمُ الَّذِي هو ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِانْفِرادِهِ يُوجِبُ حَذْفَ نُونِ الرَّفْعِ، فَصارَ تَرَيْنَ، فالتَقى ساكِنانِ هُما الياءُ السّاكِنَةُ والنُّونُ الأُولى السّاكِنَةُ مِن نُونِ التَّوْكِيدِ المُثَقَّلَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ حَرْفٍ مُشَدَّدٍ فَهو حَرْفانِ، فَحُرِّكَتِ الياءُ بِحَرَكَةٍ تُناسِبُها وهي الكَسْرَةُ فَصارَتْ تَرَيْنَ، كَما أشارَ إلى هَذا ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎واحْذِفْهُ مِن رافِعِ هاتَيْنِ وفي ∗∗∗ واوٍ ويا شَكْلٌ مُجانِسٌ قُفِي
؎نَحْوِ اخْشَيْنَ يا هِنْدُ بِالكَسْرِ ويا ∗∗∗ قَوْمِ اخْشَوُنْ واضْمُمْ وقِسْ مُسْوِيا
(p-٤١٢)وَما ذَكَرْنا مِن أنَّ هَمْزَةَ ”رَأى“ تُحْذَفُ في المُضارِعِ والأمْرِ هو القِياسُ المُطَّرِدُ في كَلامِ العَرَبِ وبَقاؤُها عَلى الأصْلِ مَسْمُوعٌ، ومِنهُ قَوْلُ سُراقَةَ بْنِ مِرْداسٍ البارِقِيِّ الأصْغَرِ:
؎أُرِي عَيْنَيَّ ما لَمْ تَرْأياهُ ∗∗∗ كِلانا عالِمٌ بِالتُّرَّهاتِ
وَقَوْلُ الأعْلَمِ بْنِ جَرادَةَ السَّعْدِيِّ، أوْ شاعِرٍ مِن تَيْمِ الرَّبابِ:
؎ألَمْ تَرْأ ما لاقَيْتُ والدَّهْرُ أعْصُرُ، ∗∗∗ ومَن يَتَمَلَّ الدَّهْرَ يَرْأ ويَسْمَعِ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎أحِنُّ إذا رَأيْتُ جِبالَ نَجْدٍ ∗∗∗ ولا أرْأى إلى نَجْدٍ سَبِيلا
وَنُونُ التَّوْكِيدِ في العَمَلِ المُضارِعِ بَعْدَ ”إمّا“ لازِمَةٌ عِنْدَ بَعْضِ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، ومِمَّنْ قالَ بِلُزُومِها بَعْدَ ”إمّا“ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾،: المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والفارِسِيِّ وجَماعَةٍ أنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ في الفِعْلِ المُضارِعِ بَعْدَ ”إمّا“ غَيْرُ لازِمَةٍ، ويَدُلُّ لَهُ كَثْرَةُ وُرُودِهِ في شِعْرِ العَرَبِ، كَقَوْلِ الأعْشى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ:
؎فَإمّا تَرَيْنِي ولِي لِمَّةٌ ∗∗∗ فَإنَّ الحَوادِثَ أرْدى بِها
وَقَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ:
؎فَإمّا تَرَيْنِي اليَوْمَ أصْبَحْتُ سالِمًا ∗∗∗ فَلَسْتُ بِأحْيا مِن كِلابٍ وجَعْفَرِ
وَقَوْلِ الشَّنْفَرى:
؎فَإمّا تَرَيْنِي كابْنَةِ الرَّمْلِ ضاحِيًا ∗∗∗ عَلى رِقَّةٍ أُحْفِي ولا أتَنَعَّلُ
وَقَوْلِ الأفْوَهِ الأوْدِيِّ:
؎إمّا تَرَيْ رَأْسِي أزْرى بِهِ ∗∗∗ مَأْسَرُ زَمانٍ ذِي انْتِكاسٍ مَئُوسِ
وَقَوْلِ الآخَرِ:
؎زَعَمَتْ تُماضِرُ أنَّنِي إمّا أمُتْ ∗∗∗ يُسَدِّدْ بُنَيُّوها الأصاغِرُ خَلَّتِي
وَقَوْلِ الآخَرِ:
؎يا صاحِ إمّا تَجِدُنِي غَيْرَ ذِي جَدَّةٍ ∗∗∗ فَما التَّخَلِّي عَنِ الخُلّانِ مِن شِيَمِي
وَأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ في شِعْرِ العَرَبِ.
والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ يَقُولانِ: إنَّ حَذْفَ النُّونِ في الأبْياتِ المَذْكُورَةِ ونَحْوِها إنَّما هو لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ومَن خالَفَهم كَسِيبَوَيْهَ والفارِسِيِّ (p-٤١٣)يَمْنَعُونَ كَوْنَهُ لِلضَّرُورَةِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ جائِزٌ مُطْلَقًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ بِسَبَبِ ما رَأتْ مِنَ الآياتِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها آنِفًا أتَتْ بِهِ ) أيْ بِعِيسى (قَوْمَها تَحْمِلُهُ غَيْرَ مُحْتَشِمَةٍ ولا مُكْتَرِثَةٍ بِما يَقُولُونَ، فَقالُوا لَها: ﴿يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ: ”فَرِيًّا“، أيْ: عَظِيمًا، وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: ”فَرِيًّا“ أيْ: مُخْتَلَقًا مُفْتَعَلًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: ”فَرِيًّا“ أيْ: عَجِيبًا نادِرًا.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يُفْهَمُ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ مُرادَهم بِقَوْلِهِمْ ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾، أيْ: مُنْكَرًا عَظِيمًا؛ لِأنَّ ”الفَرِيَّ“ فَعِيلٌ مِنَ الفِرْيَةِ، يَعْنُونَ بِهِ الزِّنى؛ لِأنَّ ولَدَ الزِّنى كالشَّيْءِ المُفْتَرى المُخْتَلَقِ؛ لِأنَّ الزّانِيَةَ تَدَّعِي إلْحاقَهُ بِمَن لَيْسَ أباهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادَهم بِقَوْلِهِمْ ”فَرِيًّا“ الزِّنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦]، لِأنَّ ذَلِكَ البُهْتانَ العَظِيمَ الَّذِي هو ادِّعاؤُهم أنَّها زَنَتْ، وجاءَتْ بِعِيسى مِن ذَلِكَ الزِّنى) حاشاها وحاشاهُ مِن ذَلِكَ (هو المُرادُ بِقَوْلِهِمْ لَها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ياأُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، والبَغِيُّ الزّانِيَةُ كَما تَقَدَّمَ، يَعْنُونَ كانَ أبَواكِ عَفِيفَيْنِ لا يَفْعَلانِ الفاحِشَةَ، فَما لَكِ أنْتِ تَرْتَكِبِينَها ! ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ ولَدَ الزِّنى كالشَّيْءِ المُفْتَرى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾، أيْ: ولا يَأْتِينَ بِوَلَدِ زِنًى يَقْصِدْنَ إلْحاقَهُ بِرَجُلٍ لَيْسَ أباهُ، هَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ في مَعْنى الآيَةِ، وكُلُّ عَمَلٍ أجادَهُ عامِلُهُ فَقَدْ فَراهُ لُغَةً، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ وهو زُرارَةُ بْنُ صَعْبِ بْنِ دَهْرٍ: ∗∗∗ وَقَدْ أطْعَمْتِنِي دَقْلًا حَوْلِيّا مُسَوَّسًا مُدَوَّدًا حَجَرِيّا
؎قَدْ كُنْتِ تَفْرِينَ بِهِ الفَرِيّا
يَعْنِي: تَعْمَلِينَ بِهِ العَمَلَ العَظِيمَ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَقْصِدُ أنَّها تُؤَكِّلُهُ أكْلًا لَمًّا عَظِيمًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾، لَيْسَ المُرادُ بِهِ هارُونَ بْنَ (p-٤١٤)عِمْرانَ أخا مُوسى، كَما يَظُنُّهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ، وإنَّما هو رَجُلٌ آخَرُ صالِحٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُسَمّى هارُونَ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ هارُونَ أخا مُوسى ما رَواهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وأبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى العَنْزِيُّ - واللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ - قالُوا: حَدَّثَنا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ أبِيهِ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وائِلٍ، «عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: لَمّا قَدِمْتُ نَجْرانَ سَألُونِي فَقالُوا: إنَّكم تَقْرَءُونَ: ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾، ومُوسى قَبْلُ عِيسى بِكَذا وكَذا، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ”إنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِأنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ قَبْلَهم“» اهـ، هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في الصَّحِيحِ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ غَيْرُ هارُونَ أخِي مُوسى، ومَعْلُومٌ أنَّ هارُونَ أخا مُوسى قَبْلَ مَرْيَمَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في) الكافِي الشّافْ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافْ ( في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّما عَنَوْا هارُونَ النَّبِيَّ، ما نَصُّهُ: لَمْ أجِدْهُ هَكَذا إلّا عِنْدَ الثَّعْلَبِيِّ بِغَيْرِ سَنَدٍ، ورَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ والنَّسائِيِّ والتِّرْمِذِيِّ «عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إلى نَجْرانَ فَقالُوا لِي: أرَأيْتُمْ شَيْئًا تَقْرَءُونَهُ ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ وبَيْنَ مُوسى وعِيسى ما شاءَ اللَّهُ مِنَ السِّنِينَ، فَلَمْ أدْرِ ما أُجِيبُهم. فَقالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: ”هَلّا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِأسْماءِ أنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ مِن قَبْلِهِمْ“» ورَوى الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ: نُبِّئْتُ أنَّ كَعْبًا قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾، لَيْسَ بِهارُونَ أخِي مُوسى، فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ: كَذَبْتَ. فَقالَ لَها: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ فَهو أعْلَمُ، وإلّا فَإنِّي أجِدُ بَيْنَهُما سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ.
وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾: أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى نَجْرانَ» . . .، إلى آخِرِ الحَدِيثِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وبِهَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَأيْتَ إخْراجَ هَؤُلاءِ الجَماعَةِ لَهُ، وقَدْ قَدَّمْناهُ بِلَفْظِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ هارُونُ أخُو مُوسى، باطِلٌ سَواءٌ قِيلَ إنَّها أُخْتُهُ، أوْ أنَّ المُرادَ بِأنَّها أُخْتُهُ أنَّها مِن ذُرِّيَّتِهِ، كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: يا أخا تَمِيمٍ، والمُرادُ يا أخا بَنِي تَمِيمٍ؛ لِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ تَمِيمٍ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ﴾ [الأحقاف: ٢١]؛ لِأنَّ هُودًا إنَّما قِيلَ لَهُ أخُو عادٍ لِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فَهو أخُو بَنِي عادٍ، وهُمُ المُرادُ بِعادٍ في الآيَةِ؛ لِأنَّ (p-٤١٥)المُرادَ بِها القَبِيلَةُ لا الجِدُّ، وإذا حَقَّقْتَ أنَّ المُرادَ بِهارُونَ في الآيَةِ غَيْرُ هارُونَ أخِي مُوسى، فاعْلَمْ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ، قالَ: إنَّ لَها أخًا اسْمُهُ هارُونَ، وبَعْضَهم يَقُولُ: إنَّ هارُونَ المَذْكُورَ رَجُلٌ مِن قَوْمِها مَشْهُورٌ بِالصَّلاحِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِكَوْنِها أُخْتَهُ أنَّها تُشْبِهُهُ في العِبادَةِ والتَّقْوى، وإطْلاقُ اسْمِ الأخِ عَلى النَّظِيرِ المُشابِهِ مَعْرُوفٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، فَمِنهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٤٨]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]، ومِنهُ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُهُ:
؎وَكُلُّ أخٍ يُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
فَجَعَلَ الفَرْقَدَيْنِ أخَوَيْنِ.
وَكَثِيرًا ما تُطْلِقُ العَرَبُ اسْمَ الأخِ عَلى الصَّدِيقِ والصّاحِبِ، ومِن إطْلاقِهِ عَلى الصّاحِبِ قَوْلُ القُلاخِ بْنِ حَزْنٍ:
؎أخا الحَرْبِ لَبّاسًا إلَيْها جِلالَها ∗∗∗ ولَيْسَ بِوَلّاجِ الخَوالِفِ أعْقَلا
فَقَوْلُهُ: ”أخا الحَرْبِ“ يَعْنِي صاحِبَها.
وَمِنهُ قَوْلُ الرّاعِي، وقِيلَ لِأبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عَشِيَّةَ سُعْدى لَوْ تَراءَتْ لِراهِبٍ ∗∗∗ بِدَوْمَةٍ تَجْرٌ دُونَهُ وحَجِيجُ
؎قَلى دِينَهُ واهْتاجَ لِلشَّوْقِ إنَّها ∗∗∗ عَلى النَّأْيِ إخْوانُ العَزاءِ هَيُوجُ
فَقَوْلُهُ ”إخْوانُ العَزاءِ“ يَعْنِي أصْحابَ الصَّبْرِ.
مريم 19:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ .
مَعْنى إشارَتِها إلَيْهِ: أنَّهم يُكَلِّمُونَهُ فَيُخْبِرُهم بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو مُرادُها بِإشارَتِها إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، فالفِعْلُ الماضِي الَّذِي هو ”كانَ“ بِمَعْنى الفِعْلِ المُضارِعِ المُقْتَرِنِ بِالحالِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:30
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ .
(p-٤١٦)ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أوَّلَ كَلِمَةٍ نَطَقَ لَهم بِها عِيسى وهو صَبِيٌّ في مَهْدِهِ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ زَجْرٍ لِلنَّصارى عَنْ دَعْواهم أنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُهُ أوْ إلَهٌ مَعَهُ وهَذِهِ الكَلِمَةُ الَّتِي نَطَقَ بِها عِيسى في أوَّلِ خِطابِهِ لَهم ذَكَرَها اللَّهُ جَلَّ وعَلا عَنْهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]،
• وقَوْلِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]،
• وقَوْلِهِ في ”الزُّخْرُفِ“ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦٢ - ٦٤]،
• وقَوْلِهِ هُنا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“: ﴿وَإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٩]،
وقَوْلِهِ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، التَّحْقِيقُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ: أنَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي عَمّا سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ تَنْزِيلًا لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ، ونَظائِرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الزمر: ٦٨ - ٧١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] .
فَهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ المَذْكُورَةُ في الآياتِ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، تَنْزِيلًا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ بِالفِعْلِ، ونَظائِرُها كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا مِن أنَّ الأفْعالَ الماضِيَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ . . . إلَخْ، بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ هو الصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّهُ نُبِّئَ وأُوتِيَ الكِتابَ في حالِ صِباهُ لِظاهِرِ اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾، أيْ: كَثِيرَ البَرَكاتِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ الخَيْرَ ويَدْعُو إلى اللَّهِ، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: نَفّاعًا حَيْثُ كُنْتُ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ) الكافِي الشّافِي (: أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ ) في الحِلْيَةِ (في تَرْجَمَةِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِهَذا وأتَمَّ، وقالَ: تَفَرَّدَ بِهِ هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ، وعَنْهُ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الكُوفِيُّ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن هَذا الوَجْهِ. اهـ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ قالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: هو (p-٤١٧)مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾، وقالَ أبُو حَيّانَ) في البَحْرِ (: وفِيهِ بُعْدٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي ”أوْصانِي“ ومُتَعَلِّقِها، والأوْلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: وجَعَلَنِي بَرًّا بِوالِدَتِي، ولَمّا قالَ بِوالِدَتِي ولَمْ يَقُلْ بِوالِدَيَّ عُلِمَ أنَّهُ أمْرٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ، كَما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقَدْ قَدَّمَنا مَعْنى ”الجَبّارِ والشَّقِيِّ“ وقالَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ”شَقِيًّا“ أيْ: خائِبًا مِنَ الخَيْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عاقًّا، وقِيلَ عاصِيًا لِرَبِّهِ، وقِيلَ: لَمْ يَجْعَلْنِي تارِكًا لِأمْرِهِ فَأشْقى كَما شَقِيَ إبْلِيسُ. انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.
* *
تَنْبِيهٌ
احْتَجَّ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَدَرِيَّةِ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ما أشَدَّها عَلى أهْلِ القَدَرِ ! أخْبَرَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما قُضِيَ مِن أمْرِهِ وبِما هو كائِنٌ إلى أنْ يَمُوتَ. اهـ.
مريم 19:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾، اعْلَمْ أنَّ هَذا الحَرْفَ فِيهِ قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ: قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قَوْلُ الحَقِّ“ [مريم: ٣٤] بِضَمِّ اللّامِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”ذَلِكَ“ راجِعَةٌ إلى المَوْلُودِ المَذْكُورِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ هَذا، وقَوْلُهُ ”ذَلِكَ“ مُبْتَدَأٌ، ”وَعِيسى“ خَبَرُهُ، و ”ابْنُ مَرْيَمَ“ نَعْتٌ لِـ ”عِيسى“ وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ، وقِيلَ: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وإلى نَحْوِهِ أشارَ ابْنُ مالِكٍ بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎والثّانِي كابْنِي أنْتَ حَقًّا صِرْفا
وَقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ فَـ ”قَوْلُ الحَقِّ“ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ - أيْ: هو - أيْ: نِسْبَتُهُ إلى أُمِّهِ فَقَطْ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ أبُو حَيّانَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ بَدَلٌ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: اعْلَمْ أنَّ لَفْظَةَ ”الحَقِّ“ في قَوْلِهِ هُنا ”قَوْلَ الحَقِّ“ فِيها لِلْعُلَماءِ وجْهانِ:
(p-٤١٨)الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ ضِدُّ الباطِلِ بِمَعْنى الصِّدْقِ والثُّبُوتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾، وعَلى هَذا القَوْلِ فَإعْرابُ قَوْلِهِ ”قَوْلَ الحَقِّ“ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ كَما تَقَدَّمَ، وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَما تَقَدَّمَ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى في ”آلِ عِمْرانَ“ في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ في الآيَةِ اللَّهُ جَلَّ وعَلا؛ لِأنَّ مِن أسْمائِهِ ”الحَقَّ“
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ الآيَةَ [الحج: ٦٢]، وعَلى هَذا القَوْلِ فَإعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَهو بَدَلٌ مِن ”عِيسى“ أوْ خَبَرٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَـ ”قَوْلَ الحَقِّ“، هو ”عِيسى“ كَما سَمّاهُ اللَّهُ كَلِمَةً في قَوْلِهِ: ﴿وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٤٥]، وإنَّما سُمِّيَ ”عِيسى“ كَلِمَةً لِأنَّ اللَّهَ أوْجَدَهُ بِكَلِمَتِهِ الَّتِي هي ”كُنْ“ فَكانَ، كَما قالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩]،
والقَوْلُ والكَلِمَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّفْسِيرِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ: يَشُكُّونَ، فالِامْتِراءُ افْتِعالٌ مِنَ المِرْيَةِ وهي الشَّكُّ، وهَذا الشَّكُّ الَّذِي وقَعَ لِلْكُفّارِ نَهى اللَّهُ عَنْهُ المُسْلِمِينَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠]، وهَذا القَوْلُ الحَقُّ الَّذِي أوْضَحَ اللَّهُ بِهِ حَقِيقَةَ الأمْرِ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ نُزُولِهِ عَلى نَبِيِّنا ﷺ أمَرَهُ رَبُّهُ أنْ يَدْعُوَ مَن حاجَّهُ في شَأْنِ عِيسى إلى المُباهَلَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهُ أنَّ ما قَصَّ عَلَيْهِ مِن خَبَرِ عِيسى هو القَصَصُ الحَقُّ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٦١ - ٦٢]، ولَمّا نَزَلَتْ ودَعا النَّبِيُّ ﷺ وفْدَ نَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ خافُوا الهَلاكَ وأدَّوُا [ الجِزْيَةَ ] كَما هو مَشْهُورٌ.
مريم 19:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
(p-٤١٩)اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ لَفْظَ ”ما كانَ“ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ، فَتارَةً يَدُلُّ ذَلِكَ النَّفْيُ مِن جِهَةِ المَعْنى عَلى الزَّجْرِ والرَّدْعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٠]، وتارَةً يَدُلُّ عَلى التَّعْجِيزِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ الآيَةَ [النمل: ٥٩ - ٦٠] .
وَتارَةً يَدُلُّ عَلى التَّنْزِيهِ، كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾، وقَدْ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ وكُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، فَقَوْلُهُ: ما كانَ لِلَّهِ بِمَعْنى: ما يَصِحُّ ولا يَتَأتّى ولا يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ جَلَّ وعَلا أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ البالِغُ عَلى النَّصارى الَّذِينَ زَعَمُوا المُحالَ في قَوْلِهِمْ ”عِيسى ابْنُ اللَّهِ“ وما نَزَّهَ عَنْهُ جَلَّ وعَلا نَفْسَهُ هُنا مِنَ الوَلَدِ المَزْعُومِ كَذِبًا - كَعِيسى - نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٧١]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ [مريم: ٣٥] أيْ: أرادَ قَضاءَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وحَذْفُ فِعْلِ الإرادَةِ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ومِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦] أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، أيْ: إذا أرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى.
وَقَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ زِيدَتْ فِيهِ لَفْظَةُ ”مِن“ قَبْلَ المَفْعُولِ بِهِ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ (p-٤٢٠)إذا زِيدَتْ قَبْلَها لَفْظَةُ ”مِن“ لِتَوْكِيدِ العُمُومِ كانَتْ نَصًّا صَرِيحًا في العُمُومِ، وتَطَّرِدُ زِيادَتُها لِلتَّوْكِيدِ المَذْكُورِ قَبْلَ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ: قَبْلَ الفاعِلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ [القصص: ٤٦]، وقَبْلَ المَفْعُولِ، كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٢٥]، وقَبْلَ المُبْتَدَأِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ .
مريم 19:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، أظْهَرُ الأقْوالِ في ”الأحْزابِ“ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم فِرَقُ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في شَأْنِ عِيسى، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هو ابْنُ زِنًى، وقالَتْ طائِفَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: هو إلَهٌ مَعَ اللَّهِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم بِالوَيْلِ لَهم مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَشْمَلُ مَن كَفَرَ بِالتَّفْرِيطِ في عِيسى كالَّذِي قالَ إنَّهُ ابْنُ زِنًى، ومَن كَفَرَ بِالإفْراطِ فِيهِ كالَّذِينَ قالُوا إنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُهُ، وقَوْلُهُ ”وَيْلٌ“ كَلِمَةُ عَذابٍ، فَهو مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ وهو نَكِرَةٌ كَوْنُهُ في مَعْنى الدُّعاءِ، والظّاهِرُ أنَّ المَشْهَدَ في الآيَةِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أيْ: فَوَيْلٌ لَهم مِن شُهُودِ ذَلِكَ اليَوْمِ - أيْ حُضُورِهِ - لِما سَيُلاقُونَهُ فِيهِ مِنَ العَذابِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ المَشْهَدَ في الآيَةِ اسْمُ مَكانٍ، أيْ: فَوَيْلٌ لَهم مِن ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي يَشْهَدُونَ فِيهِ تِلْكَ الأهْوالَ والعَذابَ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وهو الصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا ذَكَرَهُ أيْضًا في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٣ - ٦٤]، وما أشارَ إلَيْهِ في الآيَتَيْنِ مِن أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالإفْراطِ أوِ التَّفْرِيطِ في عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، أنَّهُ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعَذابِ، وأنَّهُ يُؤَخِّرُ عَذابَهم إلى الوَقْتِ المُحَدَّدِ لِذَلِكَ - أشارَ لَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] .
وَبِالجُمْلَةِ فاللَّهُ تَعالى يُمْهِلُ الظّالِمَ إلى وقْتِ عَذابِهِ، ولَكِنَّهُ لا يُهْمِلُهُ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ (p-٤٢١)عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ“ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]، وقالَ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨] .»
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧]، قالَ أبُو حَيّانَ في ) البَحْرِ (: ومَعْنى قَوْلِهِ ”مِن بَيْنِهِمْ“ أنَّ الِاخْتِلافَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهم بَلْ كانُوا هُمُ المُخْتَلِفِينَ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
مريم 19:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، قَوْلُهُ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ صِيغَتا تَعَجُّبٍ، ومَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ الحَقائِقَ الَّتِي أخْبَرَتْهم بِها الرُّسُلُ سَمْعًا وإبْصارًا عَجِيبَيْنِ، وأنَّهم في دارِ الدُّنْيا في ضَلالٍ وغَفْلَةٍ لا يَسْمَعُونَ الحَقَّ ولا يُبْصِرُونَهُ، وهَذا الَّذِي بَيَّنَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ في سَمْعِهِمْ وإبْصارِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]،
• وكَقَوْلِهِ في غَفْلَتِهِمْ في الدُّنْيا وعَدَمِ إبْصارِهِمْ وسَمْعِهِمْ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ الآيَةَ [هود: ٢٤]،
والمُرادُ بِالأعْمى والأصَمِّ: الكُفّارُ، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ، واعْلَمْ أنَّ صِيغَةَ التَّعَجُّبِ إذا كانَتْ عَلى وزْنِ ”أفْعِلْ بِهِ“ فَهي فِعْلٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وأكْثَرُهم يَقُولُونَ إنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ جاءَ عَلى صُورَةِ الأمْرِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّهُ فِعْلُ أمْرٍ لِإنْشاءِ التَّعَجُّبِ، وهو الظّاهِرُ مِنَ الصِّيغَةِ، ويُؤَيِّدُهُ دُخُولُ نُونِ التَّوْكِيدِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وَمُسْتَبْدِلٍ مِن بَعْدِ غَضْيا صُرَيْمَةً فَأحْرِ بِهِ لِطُولِ فَقْرٍ وأحْرِيا
لِأنَّ الألِفَ في قَوْلِهِ: ”وَأحْرِيا“ مُبْدَلَةٌ مِن نُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎وَأبْدِلْنَها بَعْدَ فَتْحٍ ألِفًا ∗∗∗ وقْفا كَما تَقُولُ في قِفَنْ قِفا
(p-٤٢٢)والجُمْهُورُ أيْضًا عَلى أنَّ صِيغَةَ التَّعَجُّبِ الأُخْرى الَّتِي هي: ”ما أفْعَلَهُ“ فِعْلٌ ماضٍ، خِلافًا لِجَماعَةٍ مِنَ الكُوفِيِّينَ في قَوْلِهِمْ: إنَّها اسْمٌ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِها في قَوْلِ العَرَجِيِّ:
؎يا ما أُمَيْلِحَ غِزْلانًا شَدَنَّ لَنا ∗∗∗ مِن هَؤُلَيّاءِ بَيْنَ الضّالِ والسَّمُرِ
قالُوا: والتَّصْغِيرُ لا يَكُونُ إلّا في الأسْماءِ، وأجابَ مَن خالَفَهم بِأنَّ تَصْغِيرَها في البَيْتِ المَذْكُورِ شاذٌّ يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ.
مريم 19:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، الحَسْرَةُ: أشَدُّ النَّدَمِ والتَّلَفِ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي فاتَ ولا يُمْكِنُ تَدارَكُهُ، والإنْذارُ: الإعْلامُ المُقْتَرِنُ بِتَهْدِيدٍ، أيْ: أنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ لَهُ: يَوْمُ الحَسْرَةِ؛ لِشِدَّةِ نَدَمِ الكُفّارِ فِيهِ عَلى التَّفْرِيطِ، وقَدْ يَنْدَمُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ عَلى ما كانَ مِنهم مِنَ التَّقْصِيرِ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ الآيَةَ [غافر: ١٨]، وقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] .
وَأشارَ إلى ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الحَسْرَةِ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٥٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَهم في غَفْلَةٍ﴾، أيْ: في غَفْلَةِ الدُّنْيا مُعْرِضُونَ عَنِ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ”وَهم في غَفْلَةٍ“ حالِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها ”أنْذِرْهم“ أيْ: أنْذِرْهم في حالِ غَفْلَتِهِمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّ العامِلَ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ قَوْلُهُ قَبْلَ هَذا ”في ضَلالٍ مُبِينٍ“، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ هُنا ”إذْ قُضِيَ الأمْرُ“ أيْ: ذُبِحَ المَوْتُ.
قالَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: ) بابُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾، حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِياثٍ، حَدَّثَنا أبِي، حَدَّثَنا الأعْمَشُ، حَدَّثَنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”يُؤْتى بِالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيُنادِي مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادى: يا أهْلَ النّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ (p-٤٢٣)تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ“، ثُمَّ قَرَأ ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ﴾» [مريم: ٣٩]، وهَؤُلاءِ في غَفْلَةِ الدُّنْيا وهم لا يُؤْمِنُونَ " انْتَهى مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.
والحَدِيثُ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وقِراءَةُ النَّبِيِّ ﷺ الآيَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ ذَبْحَ المَوْتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: ذُبِحَ المَوْتُ، وفي مَعْناهُ أقْوالٌ أُخَرَ غَيْرُ هَذا تَرَكْناها لِدَلالَةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْنا.
مريم 19:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾، مَعْنى قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها: أنَّهُ يُمِيتُ جَمِيعَ الخَلائِقِ السّاكِنِينَ بِالأرْضِ، ويَبْقى هو جَلَّ وعَلا لِأنَّهُ الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
مريم 19:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾، أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ”مُحَمَّدًا“ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَذْكُرَ في الكِتابِ الَّذِي هو القُرْآنُ العَظِيمُ المُنَزَّلُ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ”إبْراهِيمَ“ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَتْلُو عَلى النّاسِ في القُرْآنِ نَبَأهُ مَعَ قَوْمِهِ ودَعْوَتَهُ لَهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وكَرَّرَ هَذا المَعْنى المَذْكُورَ في هَذِهِ الآياتِ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِهِ جَلَّ وعَلا، فَهَذا الَّذِي أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ هُنا مِن ذِكْرِهِ في الكِتابِ إبْراهِيمَ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٢]، أوْضَحَهُ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٧٠] .
فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾، هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾، وزادَ في ”الشُّعَراءِ“ أنَّ هَذا الَّذِي قالَهُ لِأبِيهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ قالَهُ أيْضًا لِسائِرِ قَوْمِهِ، وكَرَّرَ (p-٤٢٤)تَعالى الإخْبارَ عَنْهُ بِهَذا النَّهْيِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٠ - ٧٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ ﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ٤٠]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾، الظَّرْفُ الَّذِي هو ”إذْ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ”إبْراهِيمَ“ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ﴾، كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ﴾ الآيَةَ [مريم: ١٦]، وقَدْ قَدَّمَنا هُناكَ إنْكارَ بَعْضِهِمْ لِهَذا الإعْرابِ، وجُمْلَةُ: ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]، مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ عَلى الإعْرابِ المَذْكُورِ، والصِّدِّيقُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الصِّدْقِ، لِشِدَّةِ صِدْقِ إبْراهِيمَ في مُعامَلَتِهِ مَعَ رَبِّهِ وصِدْقِ لَهْجَتِهِ، كَما شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِصِدْقِ مُعامَلَتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] .
وَمِن صِدْقِهِ في مُعامَلَتِهِ رَبَّهُ: رِضاهُ بِأنْ يَذْبَحَ ولَدَهُ، وشُرُوعُهُ بِالفِعْلِ في ذَلِكَ طاعَةً لِرَبِّهِ، مَعَ أنَّ الوَلَدَ فِلْذَةٌ مِنَ الكَبِدِ.(p-٤٢٥)
؎لَكِنَّما أوْلادُنا بَيْنَنا أكْبادُنا تَمْشِي عَلى الأرْضِ
قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ ﴿وَنادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ الآيَةَ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٥] .
وَمِن صِدْقِهِ في مُعامَلَتِهِ مَعَ رَبِّهِ: صَبْرُهُ عَلى الإلْقاءِ في النّارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، وقالَ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٢٤] .
وَذَكَرَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ في قِصَّتِهِ أنَّهم لَمّا رَمَوْهُ إلى النّارِ لَقِيَهُ جِبْرِيلُ فَسَألَهُ: هَلْ لَكَ حاجَةٌ ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، وأمّا إلى اللَّهِ فَنَعَمْ، فَقالَ لَهُ: لِمَ لا تَسْألُهُ ؟ فَقالَ: عِلْمُهُ بِحالِي كافٍ عَنْ سُؤالِي.
وَمِن صِدْقِهِ في مُعامَلَتِهِ رَبَّهُ: صَبْرُهُ عَلى مُفارَقَةِ الأهْلِ والوَطَنِ فِرارًا بِدِينِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقَدْ هاجَرَ مِن سَوادِ العِراقِ إلى دِمَشْقَ: وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ وبَيانِ أنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، بَلْ زادَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ كَسَرَها وجَعَلَها جُذاذًا وتَرَكَ الكَبِيرَ مِنَ الأصْنامِ، ولَمّا سَألُوهُ هَلْ هو الَّذِي كَسَرَها قالَ لَهم: إنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ كَبِيرُ الأصْنامِ، وأمَرَهم بِسُؤالِ الأصْنامِ إنْ كانَتْ تَنْطِقُ، كَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾ ﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٧ - ٦٧]، وقالَ تَعالى: ﴿فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾ ﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٢]، فَقَوْلُهُ: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾، أيْ: مالَ إلى الأصْنامِ يَضْرِبُها ضَرْبًا بِيَمِينِهِ حَتّى جَعَلَها جُذاذًا، أيْ: قِطَعًا مُتَكَسِّرَةً مِن قَوْلِهِمْ: جَذَّهُ: إذا قَطَعَهُ وكَسَرَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا، أيْ: كَثِيرُ الصِّدْقِ، يُعْرَفُ (p-٤٢٦)مِنهُ أنَّ الكَذِباتِ الثَّلاثَ المَذْكُورَةَ في الحَدِيثِ عَنْ إبْراهِيمَ كُلَّها في اللَّهِ تَعالى، وأنَّها في الحَقِيقَةِ مِنَ الصِّدْقِ لا مِنَ الكَذِبِ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ إيضاحٍ لِهَذا في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ .
وَقَوْلُهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: يا أبَتِ، التّاءُ فِيهِ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فالأصْلُ: يا أبِي كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَفِي النِّدا ”أبَتِ أُمَّتِ“ عَرِّضْ ∗∗∗ واكْسِرْ أوِ افْتَحْ ومِنَ الياءِ التّا عِوَضْ
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: لِمَ تَعْبُدُ أصْلُهُ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةُ، فَدَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ الجَرِّ الَّذِي هو ”اللّامُ“ فَحُذِفَ ألِفُها عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎وَما في الِاسْتِفْهامِ إنْ جُرَّتْ حُذِفْ ∗∗∗ ألِفُها وأوْلِها الها إنْ تَقِفْ
وَمَعْلُومٌ أنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ لا تَجُوزُ بِالقِياسِ، ولِذا يُوقَفُ عَلى ”لِمَ“ بِسُكُونِ المِيمِ لا بِهاءِ السَّكْتِ كَما في البَيْتِ، ومَعْنى عِبادَتِهِ لِلشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ طاعَتُهُ لِلشَّيْطانِ في الكُفْرِ والمَعاصِي، فَذَلِكَ الشِّرْكُ شِرْكُ طاعَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وَأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]، كَما تَقَدَّمَ هَذا المَبْحَثُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ وغَيْرِها.
والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ المُعَذَّبِينَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْلِياءُ الشَّيْطانِ، لِقَوْلِهِ هُنا: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ أوْلِياءُ الشَّيْطانِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ الكَهْفِ وغَيْرِها،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٧٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٧٥]، أيْ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ، وكُلُّ مَن كانَ الشَّيْطانُ يُزَيِّنُ لَهُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ فَيَتَّبِعُهُ في ذَلِكَ في الدُّنْيا فَلا ولِيَّ لَهُ في الآخِرَةِ إلّا الشَّيْطانُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣]،
ومَن كانَ لا ولِيَّ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا الشَّيْطانُ، تَحَقَّقَ أنَّهُ لا ولِيَّ لَهُ يَنْفَعُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣]، (p-٤٢٧)يَعْنِي ما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الوَحْيِ وما ألْهَمَهُ وهو صَغِيرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، ومُحاجَّةُ إبْراهِيمَ لِقَوْمِهِ كَما ذَكَرْنا بَعْضَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْها أثْنى اللَّهُ بِها عَلى إبْراهِيمَ، وبَيَّنَ أنَّها حُجَّةُ اللَّهِ آتاها نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨٣]، وقالَ تَعالى: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨٠]، وكَوْنُ الآياتِ المَذْكُورَةِ وارِدَةً في مُحاجَّتِهِ لَهُمُ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ أصْلَ المُحاجَّةِ في شَيْءٍ واحِدٍ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا وإقامَةُ الحُجَّةِ القاطِعَةِ عَلى أنَّهُ لا مَعْبُودَ إلّا هو وحْدَهُ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ وفي غَيْرِها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾
بَيِّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ: أنَّ إبْراهِيمَ لِمّا نَصَحَ أباهُ النَّصِيحَةَ المَذْكُورَةَ مَعَ ما فِيها مِنَ الرِّفْقِ واللِّينِ، وإيضاحِ الحَقِّ والتَّحْذِيرِ مِن عِبادَةِ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، ومِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى ووِلايَةِ الشَّيْطانِ - خاطَبَهُ هَذا الخِطابَ العَنِيفَ، وسَمّاهُ بِاسْمِهِ ولَمْ يَقُلْ لَهُ ”يا بُنَيَّ“ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ لَهُ ”يا أبَتِ“ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أنَّهُ راغِبٌ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، أيْ: مُعْرِضٌ عَنْها لا يُرِيدُها؛ لِأنَّهُ لا يَعْبُدُ إلّا ال لَّهَ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا، وهَدَّدَهُ بِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمّا يَقُولُهُ لَهُ لَيَرْجُمَنَّهُ ) قِيَلَ بِالحِجارَةِ وقِيلَ بِاللِّسانِ شَتْمًا ( والأوَّلُ أظْهَرُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِهَجْرِهِ مَلِيًّا أيْ: زَمانًا طَوِيلًا، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ إبْراهِيمَ قابَلَ أيْضًا جَوابَهُ العَنِيفَ بِغايَةِ الرِّفْقِ واللِّينِ في قَوْلِهِ: قالَ ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٧]، وخِطابُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ الجاهِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ قَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ خِطابُ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ لِلْجُهّالِ إذا خاطَبُوهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقالَ تَعالى: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]، وما ذَكَرَهُ تَعالى هُنا مِن أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أقْنَعَ أباهُ بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، قابَلَهُ أبُوهُ بِالعُنْفِ والشِّدَّةِ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ هو عادَةُ الكُفّارِ المُتَعَصِّبِينَ لِأصْنامِهِمْ، كُلَّما أُفْحِمُوا بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ لَجَئُوا إلى اسْتِعْمالِ القُوَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ لَمّا قالَ لَهُ الكُفّارُ عَنْ أصْنامِهِمْ: (p-٤٢٨)﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، قالَ: ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧]، فَلَمّا أفْحَمَهم بِهَذِهِ الحُجَّةِ لَجَئُوا إلى القُوَّةِ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٢٤]، وقَوْلُهُ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ لَمّا أفْحَمَهم بِالحُجَّةِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ الآيَةَ [النمل: ٥٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾، يَعْنِي: لا يَنالُكَ مِنِّي أذًى ولا مَكْرُوهٌ، بَلْ سَتَسْلَمُ مِنِّي فَلا أُوذِيكَ، وقَوْلُهُ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، وعْدٌ مِن إبْراهِيمَ لِأبِيهِ بِاسْتِغْفارِهِ لَهُ، وقَدْ وفّى بِذَلِكَ الوَعْدِ، كَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [مريم: ٤٧]، وكَما قالَ تَعالى عَنْهُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] .
وَلَكِنَّ اللَّهَ لَمّا بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، ولَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، والمَوْعِدَةُ المَذْكُورَةُ هي قَوْلُهُ هُنا: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٧]، ولَمّا اقْتَدى المُؤْمِنُونَ بِإبْراهِيمَ فاسْتَغْفَرُوا لِمَوْتاهُمُ المُشْرِكِينَ، واسْتَغْفَرَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١١٤]، وبَيَّنَ في سُورَةِ ”المُمْتَحِنَةِ“ أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْمُشْرِكِينَ مُسْتَثْنًى مِنَ الأُسْوَةِ بِإبْراهِيمَ، والأُسْوَةُ الِاقْتِداءُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، أيْ: فَلا أُسْوَةَ لَكم في إبْراهِيمَ في ذَلِكَ، ولَمّا نَدِمَ المُسْلِمُونَ عَلى اسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ حِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١١٣]، بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَعْذُورُونَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لَهم مَنعَ ذَلِكَ قَبْلَ فِعْلِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] .
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾، يَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ ”راغِبٌ“ خَبَرًا (p-٤٢٩)مُقَدَّمًا، و ”أنْتَ“ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا، وأنْ يَكُونَ ”أراغِبٌ“ مُبْتَدَأً، و ”أنْتَ“ فاعِلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ، ويَتَرَجَّحُ هَذا الإعْرابُ الأخِيرُ عَلى الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهُ لا يَكُونُ فِيهِ تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ، والأصْلُ في الخَبَرِ التَّأْخِيرُ كَما هو مَعْلُومٌ، الوَجْهُ الثّانِي هو ألّا يَكُونَ فُصِلَ بَيْنَ العامِلِ الَّذِي هو ”أراغِبٌ“، وبَيْنَ مَعْمُولِهِ الَّذِي هو ”عَنْ آلِهَتِي“ بِما لَيْسَ بِمَعْمُولٍ لِلْعامِلِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ لَيْسَ هو عامِلًا في المُبْتَدَأِ، بِخِلافِ كَوْنِ ”أنْتَ“ فاعِلًا، فَإنَّهُ مَعْمُولُ ”أراغِبٌ“ فَلَمْ يُفْصَلْ بَيْنَ ”أراغِبٌ“ وبَيْنَ ”عَنْ آلِهَتِي“ بِأجْنَبِيٍّ، وإنَّما فُصِلَ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو فاعِلُهُ السّادُّ مَسَدَّ خَبَرِهِ، والرَّغْبَةُ عَنِ الشَّيْءِ: تَرْكُهُ عَمْدًا لِلزُّهْدِ فِيهِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النِّساءِ“ الفَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ: رَغِبَ عَنْهُ، وقَوْلِهِمْ: رَغِبَ فِيهِ. في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٧]، والتَّحْقِيقُ في قَوْلِهِ ”مَلِيًّا“ أنَّ المُرادَ بِهِ الزَّمَنُ الطَّوِيلُ ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ:
؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيًّا
وَأصْلُهُ واوِيُّ اللّامِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المِلاوَةِ وهي مُدَّةُ العَيْشِ، ومِن ذَلِكَ قِيلَ اللَّيْلُ والنَّهارُ المَلَوانِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎ألا يا دِيارَ الحَيِّ بِالسَّبُعانِ ∗∗∗ أمَلَّ عَلَيْها بِالبِلى المَلَوانِ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎نَهارٌ ولَيْلٌ دائِمٌ مَلَواهُما ∗∗∗ عَلى كُلِّ حالِ المَرْءِ يَخْتَلِفانِ
وَقِيلَ: المَلَوانِ في بَيْتِ ابْنِ مُقْبِلٍ: طَرَفا النَّهارِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾، أيْ: لَطِيفًا بِي، كَثِيرَ الإحْسانِ إلَيَّ، وجُمْلَةُ: ﴿واهْجُرْنِي﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ عَطْفِ الجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وَإنَّ شِفائِي عَبْرَةٌ إنْ سَفَحْتُها ∗∗∗ فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ
فَجُمْلَةُ ”وَإنَّ شِفائِي“ خَبَرِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ”وَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ“ . . . إلَخْ إنْشائِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها.
وَقَوْلُ الآخَرِ أيْضًا:
؎تُناغِي غَزالًا عِنْدَ بابِ ابْنِ عامِرٍ ∗∗∗ وكَحِّلْ مَآقِيَكَ الحِسانَ بِإثْمِدِ
وَهَذا هو الظّاهِرُ كَما قالَهُ أبُو حَيّانَ عَنْ سِيبَوَيْهَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: فَإنْ (p-٤٣٠)قُلْتَ: عَلامَ عَطَفَ واهْجُرْنِي ؟ قُلْتُ عَلى مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”لَأرْجُمَنَّكَ“ أيْ: فاحْذَرْنِي واهْجُرْنِي؛ لِأنَّ لَأرْجُمَنَّكَ تَهْدِيدٌ وتَقْرِيعٌ. اهـ.
مريم 19:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وكانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾، اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ ”مُخْلَصًا“ قِراءَتَيْنِ سَبْعِيَّتَيْنِ: قَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ اللّامِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَهُ واصْطَفاهُ: ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يامُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٤]، ومِمّا يُماثِلُ هَذِهِ القِراءَةَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ [ص: ٤٦]، فالَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ هُمُ المُخْلَصُونَ بِفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ”مُخْلِصًا“ بِكَسْرِ اللّامِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ الآيَةَ [الزمر: ١٤] .
مريم 19:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يَقُولُ تَعالى ذِكْرُهُ: ونادَيْنا مُوسى مِن ناحِيَةِ الجَبَلِ، ويَعْنِي بِالأيْمَنِ يَمِينَ مُوسى؛ لِأنَّ الجَبَلَ لا يَمِينَ لَهُ ولا شِمالَ، وإنَّما ذَلِكَ كَما يُقالُ: قامَ عَنْ يَمِينِ القِبْلَةِ وعَنْ شِمالِها، وهَذِهِ القِصَّةُ جاءَتْ مُبَيَّنَةً في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ مُوسى لَمّا قَضى الأجَلَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ صِهْرِهِ، وسارَ بِأهْلِهِ راجِعًا مِن مَدْيَنَ إلى مِصْرَ آنَسَ مِن جانِبٍ الطُّورِ نارًا، فَذَهَبَ إلى تِلْكَ النّارِ لِيَجِدَ عِنْدَها مَن يَدُلُّهُ عَلى الطَّرِيقِ، ولِيَأْتِيَ بِجَذْوَةٍ مِنها لِيُوقِدَ بِها النّارَ لِأهْلِهِ لِيَصْطَلُوا بِها، فَناداهُ اللَّهُ وأرْسَلَهُ إلى فِرْعَوْنَ، وشَفَّعَهُ في أخِيهِ هارُونَ فَأرْسَلَهُ مَعَهُ، وأراهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُعْجِزَةَ العَصا واليَدِ لِيَسْتَأْنِسَ بِذَلِكَ قَبْلَ حُضُورِهِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ لَمّا رَأى العَصا في المَرَّةِ الأُولى صارَتْ ثُعْبانًا ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَما انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا لَمّا طالَبَهُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ بِآيَةٍ، لَكانَ ذَلِكَ غَيْرَ لائِقٍ، ولِأجْلِ هَذا مُرِّنَ عَلَيْها في أوَّلِ مَرَّةٍ لِيَكُونَ مُسْتَأْنِسًا غَيْرَ خائِفٍ مِنها حِينَ تَصِيرُ ثُعْبانًا مُبِينًا قالَ تَعالى في سُورَةِ ”طه“: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ٨ - ١٣]، (p-٤٣١)وَقَوْلُهُ: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، هو مَعْنى قَوْلِهِ في ”طه“: ﴿فَلَمّا أتاها﴾ ﴿نُودِيَ يامُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿بِقَبَسٍ﴾، أيْ: شِهابٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في ”النَّمْلِ“: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [طه: ٧]، وذَلِكَ هو المُرادُ بِالجَذْوَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ﴾ [القصص: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]، أيْ: مَن يَهْدِينِي إلى الطَّرِيقِ ويَدُلُّنِي عَلَيْها، لِأنَّهم كانُوا ضَلُّوا الطَّرِيقَ، والزَّمَنُ زَمَنُ بَرْدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿آنَسْتُ نارًا﴾ [طه: ١٠]، أيْ: أبْصَرْتُها، وقَوْلُهُ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لِأنَّهُما كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ غَيْرِ ذَكِيٍّ، ويُرْوى هَذا عَنْ كَعْبٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ والحَسَنِ والزُّهْرِيِّ كَما رَواهُ عَنْهم صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ، ونَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ وأبِي أيُّوبَ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ غَيْرِ مَن ذُكِرَ، وجاءَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ ولا يَصِحُّ، وفِيهِ أقْوالٌ أُخَرُ لِلْعُلَماءِ غَيْرُ ذَلِكَ، وأظْهَرُها عِنْدِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ - أيْ نَزْعِهِما مِن قَدَمَيْهِ - لِيُعَلِّمَهُ التَّواضُعَ لِرَبِّهِ حِينَ ناداهُ، فَإنَّ نِداءَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ، يَسْتَوْجِبُ مِنَ العَبْدِ كَمالَ التَّواضُعِ والخُضُوعِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما احْتِرامًا لِلْبُقْعَةِ، يَدُلُّ لَهُ أنَّهُ أتْبَعَ أمْرَهُ بِخَلْعِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]، وقَدْ تَقَرَّرَ في ) مِسْكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ (: أنَّ ”إنَّ“ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، وأظْهَرُ الأقْوالِ في قَوْلِهِ ”طُوًى“: أنَّهُ اسْمٌ لِلْوادِي، فَهو بَدَلٌ مِنَ الوادِي أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وفِيهِ أقْوالٌ أُخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾، أيْ: اصْطَفَيْتُكَ بِرِسالَتِي، كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى النّارِ﴾، أنَّ المُصْطَلِينَ بِالنّارِ يَسْتَعْلُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِنها، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الأعْشى:
تُشَبُّ لِمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيانِها وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
قالَ تَعالى في سُورَةِ ”النَّمْلِ“: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿يامُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النمل: ٦ - ٩]، فَقَوْلُهُ في ”النَّمْلِ“: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ﴾ [النمل: ٨]، (p-٤٣٢)هُوَ مَعْنى قَوْلِهِ في ”مَرْيَمَ“: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، وقَوْلِهِ في ”طه“: ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يامُوسى﴾ [طه: ١١]، وقَوْلُهُ: ﴿سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ [النمل: ٧]، هو مَعْنى قَوْلِهِ في ”طه“: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]، أيْ: مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ فَيُخْبِرُنِي عَنْها فَآتِيكم بِخَبَرِهِ عَنْها، وقالَ تَعالى في سُورَةِ ”القَصَصِ“: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٢٩ - ٣٠] .
فالنِّداءُ في هَذِهِ الآيَةِ هو المَذْكُورُ في ”مَرْيَمَ“، وطه، والنَّمْلِ " وقَدْ بَيَّنَ هُنا أنَّهُ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَدَلَّتِ الآياتُ عَلى أنَّ الشَّجَرَةَ الَّتِي رَأى فِيها النّارَ عَنْ يَمِينِ الجَبَلِ الَّذِي هو الطُّورُ، وفي يَمِينِ الوادِي المُقَدَّسِ الَّذِي هو طُوًى عَلى القَوْلِ بِأنَّ طُوًى اسْمٌ لَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ ابْنِ جَرِيرٍ: أنَّ المُرادَ يَمِينُ مُوسى؛ لِأنَّ الجَبَلَ ومِثْلَهُ الوادِيَ لا يَمِينَ لَهُ ولا شِمالَ، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠]، أيْ: مِن جانِبِ الوادِي مِمّا يَلِي الجَبَلَ عَنْ يَمِينِهِ مِن ناحِيَةِ الغَرْبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]، فَهَذا مِمّا يُرْشِدُ إلى أنَّ مُوسى قَصَدَ النّارَ إلى جِهَةِ القِبْلَةِ والجَبَلُ الغَرْبِيُّ عَنْ يَمِينِهِ. انْتَهى مِنهُ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ الآيَةَ [مريم: ٥٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ الآيَةَ [القصص: ٤٦] .
والنِّداءُ المَذْكُورُ في جَمِيعِ الآياتِ المَذْكُورَةِ نِداءُ اللَّهِ لَهُ، فَهو كَلامُ اللَّهِ أسْمَعَهُ نَبِيَّهُ مُوسى، ولا يُعْقَلُ أنَّهُ كَلامٌ مَخْلُوقٌ، ولا كَلامٌ خَلَقَهُ اللَّهُ في مَخْلُوقٍ كَما يَزْعُمُ ذَلِكَ بَعْضُ الجَهَلَةِ المَلاحِدَةِ، إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ غَيْرُ اللَّهِ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩]، ولا أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، ولَوْ فُرِضَ أنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ قالَهُ مَخْلُوقٌ افْتِراءً عَلى اللَّهِ، كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، عَلى سَبِيلِ فَرْضِ المُحالِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ في مَعْرِضِ أنَّهُ حَقٌّ وصَوابٌ.
فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩]، صَرِيحٌ في أنَّ اللَّهَ هو المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ صَراحَةً لا تَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، كَما هو مَعْلُومٌ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِدِينِ الإسْلامِ.
(p-٤٣٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ”مِن“ الأُولى والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: أتاهُ النِّداءُ مِن شاطِئِ الوادِي مِن قِبَلِ الشَّجَرَةِ، و ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن شاطِئِ الوادِي﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] .
وَقالَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ﴾ الآيَةَ،: قالَ المَهْدَوِيُّ: وكَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ، وأسْمَعَهُ كَلامَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ عَلى ما شاءَ. انْتَهى مِنهُ، وشاطِئُ الوادِي جانِبُهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى ”الأيْمَنِ“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ؛ لِأنَّ تِلْكَ البِلادَ بارَكَ اللَّهُ فِيها، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ النّارَ الَّتِي رَآها مُوسى ”نُورٌ“ وهو يَظُنُّها نارًا، وفي قِصَّتِهِ أنَّهُ رَأى النّارَ تَشْتَعِلُ فِيها وهي لا تَزْدادُ إلّا خُضْرَةً وحُسْنًا، قِيلَ هي شَجَرَةُ عَوْسَجٍ، وقِيلَ شَجَرَةُ عَلِيقٍ، وقِيلَ شَجَرَةُ عُنّابٍ، وقِيلَ سَمُرَةٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”النَّمْلِ“: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ [النمل: ٨]، اخْتَلَفَتْ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِـ ﴿مَن في النّارِ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“ فَقالَ بَعْضُهم: هو اللَّهُ جَلَّ وعَلا، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ: ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ قالُوا: ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ أيْ: تَقَدَّسَ اللَّهُ وتَعالى، وقالُوا: كانَ نُورُ رَبِّ العالَمِينَ في الشَّجَرَةِ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ بِحَدِيثِ أبِي مُوسى الثّابِتِ في الصَّحِيحِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجابُهُ النُّورُ - أوِ النّارُ - لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ» .
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ بَعِيدٌ مِن ظاهِرِ القُرْآنِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ عَلى اللَّهِ أنَّهُ في النّارِ الَّتِي في الشَّجَرَةِ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّها نارٌ أوْ نُورٌ، سُبْحانَهُ جَلَّ وعَلا عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ وتَأْوِيلُ ذَلِكَ بِـ ﴿مَن في النّارِ﴾ سُلْطانُهُ وقُدْرَتُهُ، لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ صَرْفَ كِتابِ اللَّهِ عَنْ ظاهِرِهِ المُتَبادِرِ مِنهُ لا يَجُوزُ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ (p-٤٣٤)إلَيْهِ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ . وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ أبِي حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وغَيْرُهم: أرادَ بِمَن في النّارِ: ذاتَهُ، وعَبَّرَ بَعْضُهم بِعِباراتٍ شَنِيعَةٍ مَرْدُودَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى.
وَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن ذُكِرَ أُوِّلَ عَلى حَذْفٍ، أيْ: بُورِكَ مَن قُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ في النّارِ. انْتَهى، أنَّهُ أصابَ في تَنْزِيهِهِ لِلَّهِ عَنْ تِلْكَ العِباراتِ، ولَمْ يُصِبْ فِيما ذَكَرَ مِنَ التَّأْوِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقالَ بَعْضُهم: إنَّ مَعْنى ﴿بُورِكَ مَن في النّارِ﴾، أيْ: بُورِكَتِ النّارُ لِأنَّها نُورٌ، وبُعْدُهُ عَنْ ظاهِرِ القُرْآنِ واضِحٌ كَما تَرى، وقالَ بَعْضُهم: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ أيْ: بُورِكَتِ الشَّجَرَةُ الَّتِي تَتَّقِدُ فِيها النّارُ، وبُعْدُهُ عَنْ ظاهِرِ القُرْآنِ أيْضًا واضِحٌ كَما تَرى، وإطْلاقُ لَفْظَةِ ”مَن“ عَلى الشَّجَرَةِ وعَلى ما في النّارِ مِن أمْرِ اللَّهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ في لُغَةِ العَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ العَظِيمُ كَما تَرى.
١ تَتِمَّةُ القُرْطُبِيِّ ١٣ \ ٢٨٢: ولا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعالى بِالِانْتِقالِ والزَّوالِ، وما يُشْبِهُ ذَلِكَ مِن صِفَةِ المَخْلُوقِينَ
وَأقْرَبُ الأقْوالِ في مَعْنى الآيَةِ إلى ظاهِرِ القُرْآنِ العَظِيمِ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ في النّارِ الَّتِي هي نُورٌ مَلائِكَةً وحَوْلَها مَلائِكَةٌ ومُوسى، وأنَّ مَعْنى: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾، أيْ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم في ذَلِكَ النُّورِ، ومَن حَوْلَها، أيْ: وبُورِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حَوْلَها، وبُورِكَ مُوسى لِأنَّهُ حَوْلَها مَعَهم، ومِمَّنْ يُرْوى عَنْهُ هَذا: السُّدِّيُّ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ) في الكَشّافِ (: ومَعْنى ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾، بُورِكَ مَن في مَكانِ النّارِ ومَن حَوْلَ مَكانِها، ومَكانُها البُقْعَةُ الَّتِي حَصَلَتْ فِيها، وهي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِي الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠]، وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ ”أنْ تَبارَكَتِ النّارُ ومَن حَوْلَها“، وعَنْهُ ”بُورِكَتِ النّارُ“ .
وَقالَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾، وهَذا تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لِمُوسى، وتَكْرِمَةٌ لَهُ كَما حَيّا إبْراهِيمَ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا إلَيْهِ قالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن في النّارِ﴾ نائِبُ فاعِلِ ”بُورِكَ“ والعَرَبُ تَقُولُ: بارَكَكَ اللَّهُ، وبارَكَ فِيكَ، وبارَكَ عَلَيْكَ، وبارَكَ لَكَ، فَهي أرْبَعُ لُغاتٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَبُورِكْتَ مَوْلُودًا وبُورِكْتَ ناشِئًا وبُورِكْتَ عِنْدَ الشَّيْبِ إذْ أنْتَ أشْيَبُ
وَقالَ أبُو طالِبِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَرْثِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: (p-٤٣٥)
؎لَيْتَ شِعْرِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْ ∗∗∗ رٍو ولَيْتَ يَقُولُها المَحْزُونُ
؎بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما ∗∗∗ بُو رِكَ نَضْرُ الرَّيْحانِ والزَّيْتُونُ
وَقالَ آخَرُ:
؎فَبُورِكَ في بَنِيكَ وفي بَنِيهِمْ ∗∗∗ إذا ذُكِرُوا ونَحْنُ لَكَ الفِداءُ
والآياتُ في هَذِهِ القِصَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ أراهُ آيَةَ اليَدِ والعَصا لِيَتَمَرَّنَ عَلى ذَلِكَ قَبْلَ حُضُورِهِ عِنْدَ فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وأنَّهُ ولّى مُدْبِرًا خَوْفًا مِنها في المَرَّةِ الأُولى لَمّا صارَتْ ثُعْبانًا جاءَتْ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”طه“: ﴿قالَ ألْقِها يامُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ [طه: ١٩ - ٢٢]، فَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَخَفْ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَزِعَ مِنها لَمّا صارَتْ ثُعْبانًا مُبِينًا، كَما جاءَ مُبَيَّنًا في ”النَّمْلِ والقَصَصِ“ .
وَقَوْلُهُ في آيَةِ ”طه“ هَذِهِ ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢]، أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، وفِيهِ ما يُسَمِّيهِ البَلاغِيُّونَ احْتِراسًا، وكَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”النَّمْلِ“: ﴿يامُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وَألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ٩ - ١٢]، وقَوْلِهِ في ”القَصَصِ“: ﴿وَأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣١ - ٣٢]، والبُرْهانانِ المُشارُ إلَيْهِما بِقَوْلِهِ: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ﴾، هُما اليَدُ والعَصا، فَلَمّا تَمَرَّنَ مُوسى عَلى البُرْهانَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وبَلَّغَ الرِّسالَةَ هو وأخُوهُ إلى فِرْعَوْنِ ومَلَئِهِ طالَبُوهُ بِآيَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فَجاءَهم بِالبُرْهانَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، ولَمْ يَخَفْ مِنَ الثُّعْبانِ الَّذِي صارَتِ العَصا إيّاهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٠ - ٣٣]، ونَحْوَها مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ في ”النَّمْلِ، والقَصَصِ“: ولَمْ يُعَقِّبْ، أيْ: لَمْ يَرْجِعْ مِن فِرارِهِ مِنها، يُقالُ: عَقَّبَ الفارِسُ إذا كَرَّ بَعْدَ الفِرارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:(p-٤٣٦)
؎فَما عَقَّبُوا إذْ قِيلَ هَلْ مِن مُعَقِّبٍ ∗∗∗ ولا نَزَلُوا يَوْمَ الكَرِيهَةِ مَنزِلا
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، أيْ: قَرَّبَ اللَّهُ مُوسى في حالِ كَوْنِهِ نَجِيًّا، أيْ: مُناجِيًا لِرَبِّهِ، وإتْيانُ الفَعِيلِ بِمَعْنى الفاعِلِ كَثِيرٌ كالقَعِيدِ والجَلِيسِ، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنا ابْنُ بَشّارٍ حَدَّثَنا يَحْيى هو القَطّانُ، حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾، قالَ: أُدْنِيَ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ.
وَهَكَذا قالَ مُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ وغَيْرُهم، يَعْنُونَ صَرِيفَ القَلَمِ بِكِتابَةِ التَّوْراةِ، وقالَ السُّدِّيُّ ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾، قالَ: أُدْخِلَ في السَّماءِ فَكُلِّمَ، وعَنْ مُجاهِدٍ نَحْوُهُ، وقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾، قالَ نَجِيًّا بِصِدْقِهِ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى في طه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١]، أيْ: قَوِّنِي بِهِ، والأزْرُ: القُوَّةُ، وآزَرَهُ، أيْ: قَوّاهُ، وقَوْلُهُ في القَصَصِ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥]، أيْ: سَنُقَوِّيكَ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَضُدَ هو قِوامُ اليَدِ، وبِشِدَّتِها تَشْتَدُّ اليَدُ، قالَ طَرْفَةُ:
أبَنِي لُبَيْنى لَسْتُمُ بِيَدٍ إلّا يَدًا لَيْسَتْ لَها عَضُدُ وقَوْلُهُ: رِدْءًا، أيْ: مُعِينًا؛ لِأنَّ الرِّدْءَ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُعانُ بِهِ، ويُقالُ رَدَأْتُهُ، أيْ: أعَنْتُهُ.
مريم 19:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾، مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ وهَبَ لِمُوسى نُبُوَّةَ هارُونَ، والمَعْنى أنَّهُ سَألَهُ ذَلِكَ فَآتاهُ سُؤْلَهُ، وهَذا المَعْنى أوْضَحَهُ تَعالى في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”طه“ عَنْهُ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ [طه: ٢٩ - ٣٦]،
• وقَوْلِهِ في ”القَصَصِ“: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ ﴿وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٣ - ٣٥]،
• وقَوْلِهِ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“: (p-٤٣٧)﴿وَإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ ﴿وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ ﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠ - ١٦]،
فَهَذِهِ الآياتِ تُبَيِّنُ أنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ أخاهُ، فَأجابَ رَبُّهُ جَلَّ وعَلا سُؤالَهُ في ذَلِكَ، وذَلِكَ يُبَيِّنُ أنَّ الهِبَةَ في قَوْلِهِ: ووَهَبْنا، هي في الحَقِيقَةِ واقِعَةٌ عَلى رِسالَتِهِ لا عَلى نَفْسِ هارُونَ؛ لِأنَّ هارُونَ أكْبَرُ مِن مُوسى، كَما قالَهُ أهْلُ التّارِيخِ.
مريم 19:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾، أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَذْكُرَ في الكِتابِ وهو هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ ) جَدَّهُ إسْماعِيلَ (، وأثْنى عَلَيْهِ - أعْنِي إسْماعِيلَ - بِأنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولًا نَبِيًّا، ومِمّا يُبَيِّنُ مِنَ القُرْآنِ شِدَّةَ صِدْقِهِ في وعْدِهِ: أنَّهُ وعَدَ أباهُ بِصَبْرِهِ لَهُ عَلى ذَبْحِهِ ثُمَّ وفّى بِهَذا الوَعْدِ، ومَن وفّى بِوَعْدِهِ في تَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلذَّبْحِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى عَظِيمِ صِدْقِهِ في وعْدِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يابُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ ياأبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ فَهَذا وعْدُهُ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى وفاءَهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ الآيَةَ [الصافات: ١٠٣]، والتَّحْقِيقُ أنَّ الذَّبِيحَ هو إسْماعِيلُ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آيَتانِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى دَلالَةً واضِحَةً لا لَبْسَ فِيها، وسَنُوَضِّحُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ غايَةَ الإيضاحِ في سُورَةِ ”الصّافّاتِ“، وثَناؤُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى نَبِيِّهِ إسْماعِيلَ بِصِدْقِ الوَعْدِ يُفْهَمُ مِن دَلِيلِ خِطابِهِ أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِهِ أنَّ إخْلافَ الوَعْدِ مَذْمُومٌ، وهَذا المَفْهُومُ قَدْ جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وفي الحَدِيثِ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ» .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٥٥]، قَدْ بُيِّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ نَبِيَّنا ﷺ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِي أثْنى اللَّهُ بِهِ عَلى جَدِّهِ إسْماعِيلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ الآيَةَ [طه: ١٣٢]، ومَعْلُومٌ أنَّهُ امْتَثَلَ (p-٤٣٨)هَذا الأمْرَ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ الآيَةَ [التحريم: ٦]، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أمْرُهم أهْلِيهِمْ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
مَسْألَةٌ
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في لُزُومِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، فَقالَ بَعْضُهم: يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ مُطْلَقًا، وقالَ بَعْضُهم: لا يَلْزَمُ مُطْلَقًا، وقالَ بَعْضُهم: إنْ أدْخَلَهُ بِالوَعْدِ في ورْطَةٍ لَزِمَ الوَفاءُ بِهِ، وإلّا فَلا، ومِثالُهُ ما لَوْ قالَ لَهُ: تَزَوَّجْ، فَقالَ لَهُ: لَيْسَ عِنْدِي ما أصْدُقُ بِهِ الزَّوْجَةَ، فَقالَ: تَزَوَّجْ والتَزِمْ لَها الصَّداقَ وأنا أدْفَعُهُ عَنْكَ، فَتَزَوَّجَ عَلى هَذا الأساسِ، فَإنَّهُ قَدْ أدْخَلَهُ بِوَعْدِهِ في ورْطَةِ التِزامِ الصَّداقِ، واحْتَجَّ مَن قالَ يَلْزَمُهُ، بِأدِلَّةٍ مِنها آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ دَلَّتْ بِظَواهِرِ عُمُومِها عَلى ذَلِكَ وبِأحادِيثَ، فالآياتُ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ الآيَةَ [النحل: ٩١]،
• وقَوْلِهِ هُنا: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ الآيَةَ [مريم: ٥٤]،
ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والأحادِيثُ كَحَدِيثِ ”العِدَةُ دَيْنٌ“ فَجَعْلُها دَيْنًا دَلِيلٌ عَلى لُزُومِها، قالَ صاحِبُ كَشْفِ الخَفاءِ ومُزِيلِ الإلْباسِ عَمّا اشْتُهِرَ مِنَ الأحادِيثِ عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ: «العِدَةُ دَيْنٌ»، رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والقُضاعِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظٍ: قالَ: لا يَعِدْ أحَدُكم صَبِيَّهُ ثُمَّ لا يُنْجِزْ لَهُ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«العِدَةُ دَيْنٌ» ورَواهُ أبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: إذا وعَدَ أحَدُكم صَبِيَّهُ فَلْيُنْجِزْ لَهُ: فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وذَكَرَهُ بِلَفْظِ“ عَطِيَّةً ”وَرَواهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ مَوْقُوفًا، ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «العِدَةُ دَيْنٌ، ويْلٌ لِمَن وعَدَ ثُمَّ أخْلَفَ، ويْلٌ لَهُ» .“ ثَلاثًا، ورَواهُ القُضاعِيُّ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ فَقَطْ، والدَّيْلَمِيُّ أيْضًا بِلَفْظِ: «الواعِدُ بِالعِدَةِ مِثْلُ الدَّيْنِ أوْ أشَدُّ» أيْ: وعْدُ الواعِدِ، وفي لَفْظٍ لَهُ «عِدَةُ المُؤْمِنِ دَيْنٌ، وعِدَةُ المُؤْمِنِ كالأخْذِ بِاليَدِ»، ولِلطَّبَرانِيِّ في الأوْسَطِ عَنْ قُباثِ بْنِ أشْيَمَ اللَّيْثِيِّ مَرْفُوعًا: «العِدَةُ عَطِيَّةٌ» .
وَلِلْخَرائِطِيِّ في المَكارِمِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ مُرْسَلًا: «أنَّ امْرَأةً سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ، فَقالَتْ: عِدْنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ العِدَةَ عَطِيَّةٌ»“، وهو في مَراسِيلِ أبِي داوُدَ، وكَذا في الصَّمْتِ لِابْنِ أبِي الدُّنْيا عَنِ الحَسَنِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «العِدَةُ عَطِيَّةٌ»، وفي رِوايَةٍ لَهُما عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: «سَألَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ شَيْئًا، فَقالَ: ”ما عِنْدِي ما أُعْطِيكَ“» قالَ: في المَقاصِدِ بَعْدَ ذِكْرِ الحَدِيثِ وطُرُقِهِ: وقَدْ أفْرَدْتُهُ مَعَ (p-٤٣٩)ما يُلائِمُهُ بِجُزْءٍ. انْتَهى مِنهُ، وقَدْ عَلَّمَ في الجامِعِ الصَّغِيرِ عَلى هَذا الحَدِيثِ مِن رِوايَةِ عَلِيٍّ عِنْدَ الدَّيْلَمِيِّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ بِالضَّعْفِ.
وَقالَ شارِحُهُ المُناوِيُّ: وفِيهِ دارِمُ بْنُ قَبِيصَةَ، قالَ الذَّهَبِيُّ: لا يُعْرَفُ. اهـ. ولَكِنْ قَدْ مَرَّ لَكَ أنَّ طُرُقَهُ مُتَعَدِّدَةٌ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ مِنَ الصَّحابَةِ كَما قَدَّمْنا رِوايَتَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقُباثِ بْنِ أشْيَمَ الكِنانِيِّ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وسَيَأْتِي في هَذا المَبْحَثِ إنْ شاءَ اللَّهُ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ، دالَّةٌ عَلى الوَفاءِ بِالوَعْدِ.
واحْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ الوَعْدَ لا يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ بِالإجْماعِ عَلى أنَّ مَن وعَدَ رَجُلًا بِمالٍ إذا أفْلَسَ الواعِدُ لا يُضْرَبُ لِلْمَوْعُودِ بِالوَعْدِ مَعَ الغُرَماءِ، ولا يَكُونُ مِثْلَ دُيُونِهِمُ اللّازِمَةِ بِغَيْرِ الوَعْدِ، حَكى الإجْماعَ عَلى هَذا ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وفِيهِ مُناقَشَةٌ، وحُجَّةُ مَن فَرَّقَ بَيْنَ إدْخالِهِ إيّاهُ في ورْطَةٍ بِالوَعْدِ فَيَلْزَمُ، وبَيْنَ عَدَمِ إدْخالِهِ إيّاهُ فِيها فَلا يَلْزَمُ، أنَّهُ إذا أدْخَلَهُ في ورْطَةٍ بِالوَعْدِ ثُمَّ رَجَعَ في الوَعْدِ وتَرَكَهُ في الوَرْطَةِ الَّتِي أدْخَلَهُ فِيها، فَقَدْ أضَرَّ بِهِ، ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أنْ يَضُرَّ بِأخِيهِ، لِلْحَدِيثِ «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» .
وَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قالَ مالِكٌ: إذا سَألَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أنْ يَهَبَ لَهُ الهِبَةَ، فَيَقُولُ لَهُ نَعَمْ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ ألّا يَفْعَلَ، فَما أرى يَلْزَمُهُ، قالَ مالِكٌ: ولَوْ كانَ ذَلِكَ في قَضاءِ دَيْنٍ فَسَألَهُ أنْ يَقْضِيَهُ عَنْهُ فَقالَ نَعَمْ، وثَمَّ رِجالٌ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ فَما أحَراهُ أنْ يَلْزَمَهُ إذا شَهِدَ عَلَيْهِ اثْنانِ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ وسائِرُ الفُقَهاءِ: إنَّ العِدَةَ لا يَلْزَمُ مِنها شَيْءٌ؛ لِأنَّها مَنافِعُ لَمْ يَقْبِضْها في العارِيَةِ لِأنَّها طارِئَةٌ، وفي غَيْرِ العارِيَةِ هي أشْخاصٌ وأعْيانٌ مَوْهُوبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ فَلِصاحِبِها الرُّجُوعُ فِيها، وفي البُخارِيِّ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]، وقَضى ابْنُ أشْوَعَ بِالوَعْدِ، وذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قالَ البُخارِيُّ: ورَأيْتُ إسْحاقَ بْنَ إبْراهِيمَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أشْوَعَ. انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ، وكَلامُ البُخارِيِّ الَّذِي ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ بَعْضَهُ، هو قَوْلُهُ في آخِرِ كِتابِ ”الشَّهاداتِ“: بابُ مَن أمَرَ بِإنْجازِ الوَعْدِ، وفَعَلَهُ الحَسَنُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾، وقَضى ابْنُ أشْوَعَ بِالوَعْدِ، وذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ سُمْرَةَ وقالَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وذَكَرَ صِهْرًا لَهُ، قالَ وعَدَنِي فَوَفّى لِي، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: ورَأيْتُ إسْحاقَ بْنَ إبْراهِيمَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أشْوَعَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنا (p-٤٤٠)إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أخْبَرَهُ قالَ أخْبَرَنِي أبُو سُفْيانَ أنَّ هِرَقْلَ قالَ لَهُ: سَألْتُكَ ماذا يَأْمُرُكم، فَزَعَمْتَ أنَّهُ أمَرَكم بِالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعَفافِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ وأداءِ الأمانَةِ، قالَ: وهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ.
حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أبِي سُهَيْلٍ نافِعِ بْنِ مالِكِ بْنِ أبِي عامِرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ»، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مُوسى، أخْبَرَنا هِشامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قالَ: لَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ جاءَ أبا بَكْرٍ مالٌ مِن قِبَلِ العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: مَن كانَ لَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ، أوْ كانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنا، قالَ جابِرٌ: فَقَلْتُ وعَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعْطِيَنِي هَكَذا وهَكَذا وهَكَذا، فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ جابِرٌ: فَعَدَّ في يَدِي خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ خَمْسَمِائَةٍ.
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمانَ، حَدَّثَنا مَرْوانُ بْنُ شُجاعٍ عَنْ سالِمٍ الأفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قالَ: سَألَنِي يَهُودِيٌّ مِن أهْلِ الحِيرَةِ: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قُلْتُ: لا أدْرِي حَتّى أقْدَمَ عَلى حَبْرِ العَرَبِ فَأسْألَهُ، فَقَدِمْتُ فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، قالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. انْتَهى مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ، وقَوْلُهُ في تَرْجَمَةِ البابِ المَذْكُورِ ”وَفَعَلَهُ الحَسَنُ“ يَعْنِي الأمْرَ بِإنْجازِ الوَعْدِ، ووَجْهُ احْتِجاجِهِ بِآيَةِ: ﴿إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾، أنَّ الثَّناءَ عَلَيْهِ بِصِدْقِ الوَعْدِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ إخْلافَهُ مَذْمُومٌ فاعِلُهُ، فَلا يَجُوزُ، وابْنُ الأشْوَعِ المَذْكُورُ هو سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أشَوْعَ الهَمْدانِيُّ الكُوفِيُّ، كانَ قاضِيَ الكُوفَةِ في زَمانِ إمارَةِ خالِدٍ القَسْرِيِّ عَلى العِراقِ، وقَدْ وقَعَ بَيانُ رِوايَتِهِ المَذْكُورَةِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ في تَفْسِيرِ إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ، وهو إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ الَّذِي ذَكَرَ البُخارِيُّ أنَّهُ رَآهُ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أشْوَعَ، كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“، والمُرادُ أنَّهُ كانَ يَحْتَجُّ بِهِ في القَوْلِ بِوُجُوبِ إنْجازِ الوَعْدِ، وصِهْرُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أثْنى عَلَيْهِ بِوَفائِهِ لَهُ بِالوَعْدِ هو أبُو العاصِ بْنُ الرَّبِيعِ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ أسَرَهُ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ كافِرًا، وقَدْ وعَدَهُ بِرَدِّ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ إلَيْهِ، ورَدَّها إلَيْهِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ الصِّهْرَ المَذْكُورَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرَ البُخارِيُّ في البابِ المَذْكُورِ أرْبَعَةَ أحادِيثَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها دَلِيلٌ عَلى الوَفاءِ بِإنْجازِ الوَعْدِ.
الأوَّلُ: حَدِيثُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ في قِصَّةِ هِرَقْلَ وهو طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ صَحِيحٍ (p-٤٤١)مَشْهُورٍ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ مِنهُ في قَوْلِهِ: «فَزَعَمْتَ أنَّهُ أمَرَكم بِالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعَفافِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ وأداءِ الأمانَةِ» فَإنَّ جَمِيعَ المَذْكُوراتِ في هَذا الحَدِيثِ مَعَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ كُلُّها واجِبَةٌ، وهي الصَّلاةُ والصِّدْقُ والعَفافُ وأداءُ الأمانَةِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ صِفَةُ نَبِيٍّ والِاقْتِداءُ بِالأنْبِياءِ واجِبٌ.
الثّانِي: حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ في آيَةِ المُنافِقِ، ومَحِلُّ الدَّلِيلِ مِنهُ قَوْلُهُ «وَإذا وعَدَ أخْلَفَ» فَكَوْنُ إخْلافِ الوَعْدِ مِن عَلاماتِ المُنافِقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَّسِمَ بِسِماتِ المُنافِقِينَ.
الثّالِثُ: حَدِيثُ جابِرٍ في قِصَّتِهِ مَعَ أبِي بَكْرٍ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ مِنهُ أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: مَن كانَ لَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ أوْ كانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ. . . الحَدِيثَ، فَجَعَلَ العِدَةَ كالدَّيْنِ، وأنْجَزَ لِجابِرٍ ما وعَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المالِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى الوُجُوبِ.
الرّابِعُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ في أيِّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، ووَجْهُ الدَّلالَةِ مِنهُ أنَّهُ قَضى أطْيَبَهُما وأكْثَرَهُما، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا قالَ فَعَلَ، فَعَلى المُؤْمِنِينَ الِاقْتِداءُ بِالرُّسُلِ، وأنْ يَفْعَلُوا إذا قالُوا، وفي الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأحادِيثِ مُناقَشاتٌ مِنَ المُخالِفِينَ.
وَمِن أقْوى الأدِلَّةِ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]؛ لِأنَّ المَقْتَ الكَبِيرَ مِنَ اللَّهِ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِالقَوْلِ يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ الشَّدِيدِ في عَدَمِ الوَفاءِ بِهِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“ في الكَلامِ عَلى تَرْجَمَةِ البابِ المَذْكُورَةِ: قالَ المُهَلَّبُ: إنْجازُ الوَعْدِ مَأْمُورٌ بِهِ مَندُوبٌ إلَيْهِ عِنْدَ الجَمِيعِ ولَيْسَ بِفَرْضٍ؛ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ المَوْعُودَ لا يُضارَبُ بِما وُعِدَ بِهِ مَعَ الغُرَماءِ. اهـ.
وَنَقْلُ الإجْماعِ في ذَلِكَ مَرْدُودٌ، فَإنَّ الخِلافَ مَشْهُورٌ لَكِنَّ القائِلَ بِهِ قَلِيلٌ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وابْنُ العَرَبِيِّ: أجَلُّ مَن قالَ بِهِ عُمَرُ بْنُ العَزِيزِ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ الحافِظِ في الفَتْحِ، وقالَ أيْضًا: وخَرَّجَ بَعْضُهُمُ الخِلافَ في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى الخِلافِ في الهِبَةِ، هَلْ تُمْلَكُ بِالقَبْضِ أوْ قَبْلَهُ.
فَإذا عَلِمْتَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وما اسْتَدَلَّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم فاعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لِي في هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ إخْلافَ الوَعْدِ لا يَجُوزُ، لِكَوْنِهِ مِن عَلاماتِ المُنافِقِينَ، ولِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾، وظاهِرُ عُمُومِهِ يَشْمَلُ إخْلافَ الوَعْدِ، ولَكِنَّ الواعِدَ إذا امْتَنَعَ مِن إنْجازِ الوَعْدِ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ ولا يُلْزَمُ بِهِ جَبْرًا، بَلْ يُؤْمَرُ بِهِ ولا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ عُلَماءِ الأُمَّةِ عَلى أنَّهُ لا يُجْبَرُ عَلى الوَفاءِ بِهِ؛ لِأنَّهُ وعْدٌ بِمَعْرُوفٍ مَحْضٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:58
(p-٤٤٢)] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾، الإشارَةُ في قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، راجِعَةٌ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ هُنا أنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ واجْتَباهم وهَداهم، وزادَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”النِّساءِ“ بَيانَ جَمِيعِ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وبَيَّنَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ: أنَّ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ غَيْرُ صِراطِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: فالَّذِي عَنى بِهِ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ: ”إدْرِيسُ“، والَّذِي عَنى بِهِ مِن ذُرِّيَّةِ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ: ”إبْراهِيمُ“، والَّذِي عَنى بِهِ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ: ”إسْحاقُ ويَعْقُوبُ وإسْماعِيلُ“، والَّذِي عَنى بِهِ مِن ذُرِّيَّةِ إسْرائِيلَ: ”مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ“، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولِذَلِكَ فَرَّقَ أنْسابَهم وإنْ كانَ يَجْمَعُ جَمِيعَهم آدَمُ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن لَيْسَ مِن ولَدِ مَن كانَ مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ وهو إدْرِيسُ فَإنَّهُ جَدُّ نُوحٍ.
قُلْتُ: هَذا هو الأظْهَرُ أنَّ إدْرِيسَ في عَمُودِ نَسَبِ نُوحٍ عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ أخْذًا مِن حَدِيثِ الإسْراءِ حَيْثُ قالَ في سَلامِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصّالِحِ، والأخِ الصّالِحِ، ولَمْ يَقُلْ: والوَلَدِ الصّالِحِ، كَما قالَ آدَمُ وإبْراهِيمُ عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ. انْتَهى الغَرَضُ مِن كَلامِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يَقُولُ تَعالى: هَؤُلاءِ النَّبِيُّونَ، ولَيْسَ المُرادُ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ فَقَطْ، بَلْ جِنْسَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، اسْتَطْرَدَ مِن ذِكْرِ الأشْخاصِ إلى الجِنْسِ، إلى أنْ قالَ في آخِرِ كَلامِهِ: ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ جِنْسُ الأنْبِياءِ أنَّها كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”الأنْعامِ“: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٩٠]، اهـ، (p-٤٤٣)وَقَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في ”الأنْعامِ“: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧]، كَما قالَ في صِفَةِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا﴾ [مريم: ٥٨] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾، بَيَّنَ فِيهِ أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ رَبِّهِمْ بَكَوْا وسَجَدُوا، وأشارَ إلى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ لا خُصُوصِ الأنْبِياءِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]،
فَكُلُّ هَذِهِ الآياتِ فِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّهم إذا سَمِعُوا آياتِ رَبِّهِمْ تُتْلى تَأثَّرُوا تَأثُّرًا عَظِيمًا، يَحْصُلُ مِنهُ لِبَعْضِهِمُ البُكاءُ والسُّجُودُ، ولِبَعْضِهِمْ قُشَعْرِيرَةُ الجِلْدِ ولِينُ القُلُوبِ والجُلُودِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وبُكِيًّا، جَمْعُ باكٍ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ مِن سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ فَسَجَدَ وقالَ: هَذا السُّجُودُ، فَأيْنَ البُكِيُّ ؟ يُرِيدُ البُكاءَ، وهَذا المَوْضِعُ مِن عَزائِمَ السُّجُودِ بِلا خِلافٍ بَيْنِ العُلَماءِ في ذَلِكَ.
مريم 19:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”مِن بَعْدِهِمْ“ راجِعٌ إلى النَّبِيِّينَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ الآيَةَ [مريم: ٥٨]، أيْ: فَخَلَفَ مِن بَعْدِ أُولَئِكَ النَّبِيِّينَ خَلْفٌ، أيْ: أوْلادُ سُوءٍ، قالَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“ قالَ أبُو حاتِمٍ: الخَلْفُ بِسُكُونِ اللّامِ: الأوْلادُ، الواحِدُ والجَمْعُ فِيهِ سَواءٌ، والخَلَفُ بِفَتْحِ اللّامِ: البَدَلُ، ولَدًا كانَ أوْ غَرِيبًا، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الخَلَفُ بِالفَتْحِ: الصّالِحُ، وبِالسُّكُونِ: الطّالِحُ، قالَ لَبِيدٌ:(p-٤٤٤)
؎ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ
وَمِنهُ قِيلَ لِلرَّدِيءِ مِنَ الكَلامِ: خَلْفٌ، ومِنهُ المَثَلُ السّائِرُ ”سَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا“، فَخَلْفٌ في الذَّمِّ بِالإسْكانِ، وخَلَفٌ بِالفَتْحِ في المَدْحِ، هَذا هو المُسْتَعْمَلُ المَشْهُورُ، قالَ ﷺ: «يَحْمِلُ هَذا العِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفِ عُدُولُهُ» وقَدْ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ
وَقالَ آخَرُ:
؎إنّا وجَدْنا خَلَفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ أغْلَقَ عَنّا بابَهُ ثُمَّ حَلَفْ
؎لا يُدْخِلُ البَوّابُ إلّا مَن عَرَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحِمْلِ وقَفْ
وَيُرْوى: خَضَفْ، أيْ: رَدَمَ. انْتَهى مِنهُ، و الرُّدامُ: الضُّراطُ.
وَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ هَذا الخَلْفَ السَّيِّئَ الَّذِي خَلَفَ مِن بَعْدِ أُولَئِكَ النَّبِيِّينَ الكِرامِ كانَ مِن صِفاتِهِمُ القَبِيحَةِ: أنَّهم أضاعُوا الصَّلاةَ، واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المُرادِ بِإضاعَتِهِمُ الصَّلاةَ، فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِإضاعَتِها تَأْخِيرُها عَنْ وقْتِها، ومِمَّنْ يُرْوى عَنْهُ هَذا القَوْلُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، والقاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ، ومُجاهِدٌ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وغَيْرُهم، وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ هَذا القَوْلَ هو الصَّحِيحُ، وقالَ بَعْضُهم: إضاعَتُها الإخْلالُ بِشُرُوطِها، ومِمَّنِ اخْتارَ هَذا القَوْلَ الزَّجّاجُ، وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِإضاعَتِها جَحْدُ وُجُوبِها، ويُرْوى هَذا القَوْلُ وما قَبْلَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وقِيلَ: إضاعَتُها: إقامَتُها في غَيْرِ الجَماعاتِ، وقِيلَ: إضاعَتُها: تَعْطِيلُ المَساجِدِ والِاشْتِغالُ بِالصَّنائِعِ والأسْبابِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ تَدْخُلُ في الآيَةِ؛ لِأنَّ تَأْخِيرَها عَنْ وقْتِها، وعَدَمَ إقامَتِها في الجَماعَةِ، والإخْلالَ بِشُرُوطِها، وجَحْدَ وُجُوبِها، وتَعْطِيلَ المَساجِدِ مِنها كُلُّ ذَلِكَ إضاعَةٌ لَها، وإنْ كانَتْ أنْواعُ الإضاعَةِ تَتَفاوَتُ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْضًا في الخَلْفِ المَذْكُورِينَ مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ، وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، ويُرْوى عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَأْتُونَ عِنْدَ ذَهابِ الصّالِحِينَ مِنها، يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا في الأزِقَّةِ زِنًى، ويُرْوى عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وقَتادَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وقِيلَ: إنَّهم أهْلُ الغَرْبِ، وفِيهِمْ (p-٤٤٥)أقْوالٌ أُخَرُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وكَوْنُهم مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [مريم: ٥٩]، صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ في الزَّمَنِ الماضِي، ولا يُمْكِنُ صَرْفُها إلى المُسْتَقْبَلِ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ كَما تَرى، والظّاهِرُ أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ خَلَفُوا أنْبِياءَهم وصالِحِيهِمْ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، فَأضاعُوا الصَّلاةَ، واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَكُلُّ خَلْفٍ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ يَدْخُلُونَ في الذَّمِّ والوَعِيدِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ، واتِّباعُ الشَّهَواتِ المَذْكُورُ في الآيَةِ عامٌّ في اتِّباعِ كُلِّ مُشْتَهًى يَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن بَنى المُشَيَّدَ، ورَكِبَ المَنظُورَ، ولَبِسَ المَشْهُورَ فَهو مِمَّنِ اتَّبَعَ الشَّهَواتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الغَيَّ عَلى كُلِّ شَرٍّ، والرَّشادَ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، قالَ المُرَقَّشُ الأصْغَرُ:
؎فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما
فَقَوْلُهُ: ”وَمَن يَغْوِ“ يَعْنِي ومَن يَقَعْ في شَرٍّ، والإطْلاقُ المَشْهُورُ هو أنَّ الغَيَّ الضَّلالُ، وفي المُرادِ بِقَوْلِهِ ”غَيًّا“ في الآيَةِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، مِنها أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ جَزاءَ غَيٍّ، ولا شَكَّ أنَّهم سَيَلْقَوْنَ جَزاءَ ضَلالِهِمْ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: الزَّجّاجُ، ونَظِيرُ هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ مَعْناهُ يَلْقَ مُجازاةَ آثامِهِ في الدُّنْيا، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠]، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤]، فَأطْلَقَ النّارَ عَلى ما أكَلُوا في بُطُونِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ المالِ الحَرامِ لِأنَّها جَزاؤُهُ، كَما أطْلَقَ الغَيَّ والأثامَ عَلى العَذابِ لِأنَّهُ جَزاؤُهُما، ومِنها أنَّ الغَيَّ في الآيَةِ الخُسْرانُ والحُصُولُ في الوَرَطاتِ، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أيْضًا ”غَيًّا“ أيْ: شَرًّا أوْ ضَلالًا أوْ خَيْبَةً، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ”غَيًّا“ في الآيَةِ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ؛ لِأنَّهُ يَسِيلُ فِيهِ قَيْحُ أهْلِ النّارِ وصَدِيدُهم، وهو بَعِيدُ القَعْرِ خَبِيثُ الطَّعْمِ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا ابْنُ مَسْعُودٍ، والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ، وشَفِيِّ بْنِ ماتِعٍ.
(p-٤٤٦)وَجاءَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ بِمُقْتَضى هَذا القَوْلِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ وابْنِ عَبّاسٍ، فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ غَيًّا وادٍ في جِنِّهِمْ» كَما في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ: أنَّ غَيًّا، وأثامًا: نَهْرانِ في أسْفَلِ جَهَنَّمَ، يَسِيلُ فِيهِما صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ في ذَلِكَ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثَ أبِي أُمامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلانَ الباهِلِيِّ الَّذِي أشَرْنا لَهُ آنِفًا، ثُمَّ قالَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ورَفْعُهُ مُنْكَرٌ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، أيْ: ضَلالًا في الآخِرَةِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ أقْوالٌ أُخَرُ، ومَدارُ جَمِيعِ الأقْوالِ في ذَلِكَ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو: أنَّ أُولَئِكَ الخَلْفُ الَّذِينَ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ سَوْفَ يَلْقَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابًا عَظِيمًا.
فَإذا عَرَفْتَ كَلامَ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَعَّدَ فِيها مَن أضاعَ الصَّلاةَ واتَّبَعَ الشَّهَواتِ بِالغَيِّ الَّذِي هو الشَّرُّ العَظِيمُ والعَذابُ الألِيمُ، فاعْلَمْ أنَّهُ أشارَ إلى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ في ذَمِّ الَّذِينَ يُضَيِّعُونَ الصَّلاةَ ولا يُحافِظُونَ عَلَيْها وتَهْدِيدِهِمْ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧]،
• وقَوْلِهِ في ذَمِّ المُنافِقِينَ: ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]،
• وقَوْلِهِ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿وَما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]، وأشارَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ إلى ذَمِّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ وتَهْدِيدِهِمْ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٦ - ٤٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ويُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الخَلَفَ الطَّيِّبِينَ لا يُضَيِّعُونَ الصَّلاةَ، ولا يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ،
• وكَقَوْلِهِ: (p-٤٤٧)﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ الجاحِدَ لِوُجُوبِها، كافِرٌ، وأنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا ما لَمْ يَتُبْ، والظّاهِرُ أنَّ تَرْكَ ما لا تَصِحُّ الصَّلاةُ بِدُونِهِ كالوُضُوءِ وغُسْلِ الجَنابَةِ كَتَرْكِها، وجَحْدَ وجُوبِهِ كَجَحْدِ وجُوبِها.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تارِكِ صَلاةٍ عَمْدًا تَهاوُنًا وتَكاسُلًا مَعَ اعْتِرافِهِ بِوُجُوبِها، هَلْ هو كافِرٌ أوْ مُسْلِمٌ، وهَلْ يُقْتَلُ كُفْرًا أوْ حَدًّا أوْ لا يُقْتَلُ ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ كافِرٌ مُرْتَدٌّ يُسْتَتابُ، فَإنْ تابَ فَذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ كُفْرًا، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا: الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وبِهِ قالَ ابْنُ المُبارَكِ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، ومَنصُورٌ الفَقِيهُ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، ويُرْوى أيْضًا عَنْ أبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وهو رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ مالِكٍ، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأدِلَّةٍ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١١]، ويُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ الآيَةِ: أنَّهم إنْ لَمْ يُقِيمُوا الصَّلاةَ لَمْ يَكُونُوا مِن إخْوانِ المُؤْمِنِينَ، ومَنِ انْتَفَتْ عَنْهم أُخُوَّةُ المُؤْمِنِينَ فَهم مِنَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ الآيَةَ [الحجرات: ١٠]، ومِنها حَدِيثُ جابِرٍ الثّابِتُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقَيْنِ، لَفْظُ المَتْنِ في الأُولى مِنهُما: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاةِ»، ولَفْظُ المَتْنِ في الأُخْرى: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ» انْتَهى مِنهُ، وهو واضِحٌ في أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ كافِرٌ؛ لِأنَّ عَطْفَ الشِّرْكِ عَلى الكُفْرِ فِيهِ تَأْكِيدٌ قَوِيٌّ لِكَوْنِهِ كافِرًا، ومِنها حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، وحَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الآتِيَيْنِ الدّالَّيْنِ عَلى قِتالِ الأُمَراءِ إذا لَمْ يُصَلُّوا، وهُما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَعَ حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، قالَ: «بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في مَنشَطِنا ومَكْرَهِنا وعُسْرِنا ويُسْرِنا وأثَرَةٍ عَلَيْنا، وألّا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، قالَ: ”إلّا أنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا عِنْدَكم فِيهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهانٌ»“، فَدَلَّ مَجْمُوعُ الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ أنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ كُفْرٌ بِواحٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ بُرْهانٌ، وقَدْ قَدَّمْنا هَذِهِ الأحادِيثَ المَذْكُورَةَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، وهَذا مِن أقْوى أدِلَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ، ومِنها حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الحَصِيبِ الأسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «العَهْدُ الَّذِي (p-٤٤٨)بَيْنَنا وبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَن تَرَكَها فَقَدْ كَفَرَ» أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ، وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ، وقالَ الشَّوْكانِيُّ في ) نَيْلِ الأوْطارِ (في هَذا الحَدِيثِ: صَحَّحَهُ النَّسائِيُّ، والعِراقِيُّ، وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ) المُهَذَّبِ (: رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقالَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بَعْدَ أنْ ساقَ هَذا الحَدِيثَ بِإسْنادِهِ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، لا تُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَقَدِ احْتَجّا جَمِيعًا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ، واحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِالحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ بِهَذا اللَّفْظِ، ولِهَذا الحَدِيثِ شاهِدٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِهِما جَمِيعًا، أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الفَقِيهُ بِبُخارى، حَدَّثَنا قَيْسُ بْنُ أُنَيْفٍ، حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاةِ، وأقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ عَلى تَصْحِيحِهِ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ المَذْكُورِ، وقالَ في أثَرِ ابْنِ شَقِيقٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ المَذْكُورِ: لَمْ يُتَكَلَّمْ عَلَيْهِ وإسْنادُهُ صالِحٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ الحافِظِ الذَّهَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ”لَمْ يُتَكَلَّمْ عَلَيْهِ“ سَهْوٌ مِنهُ؛ لِأنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ في كَلامِهِ عَلى حَدِيثِ بُرَيْدَةَ المَذْكُورِ آنِفًا، حَيْثُ قالَ: ولِهَذا الحَدِيثِ شاهِدٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِهِما جَمِيعًا، يَعْنِي أثَرَ ابْنِ شَقِيقٍ المَذْكُورِ كَما تَرى، وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ العُقَيْلِيِّ التّابِعِيِّ المُتَّفَقِ عَلى جَلالَتِهِ: كانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاةِ، رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ الإيمانِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ. انْتَهى مِنهُ، وقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كَلامِهِ هَذا الِاتِّفاقَ عَلى جَلالَةِ ابْنِ شَقِيقٍ المَذْكُورِ مَعَ أنَّ فِيهِ نَصْبًا، وقالَ المَجْدُ في المُنْتَقى: وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ العُقَيْلِيِّ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . . إلى آخِرِهِ، ثُمَّ قالَ: رَواهُ التِّرْمِذِيُّ. اهـ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ رِوايَةَ الحاكِمِ فِيها أبُو هُرَيْرَةَ ورِوايَةَ التِّرْمِذِيِّ لَيْسَ فِيها أبُو هُرَيْرَةَ، وحَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الحَصِيبِ، وأثَرُ ابْنِ شَقِيقٍ المَذْكُورانِ فِيهِما الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ عَمْدًا تَهاوُنًا كُفْرٌ، ولَوْ أقَرَّ تارِكُها بِوُجُوبِها، وبِذَلِكَ يَعْتَضِدُ حَدِيثُ جابِرٍ المَذْكُورُ عِنْدَ مُسْلِمٍ.
وَمِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ كُفْرٌ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والأوْسَطِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ ذَكَرَ الصَّلاةَ يَوْمًا فَقالَ: «مَن حافَظَ عَلَيْها كانَتْ لَهُ نُورًا وبُرْهانًا ونَجاةً يَوْمَ القِيامَةِ، ومَن لَمْ يُحافِظْ عَلَيْها لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ ولا بُرْهانٌ ولا نَجاةٌ، وكانَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ قارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ وأُبَيِّ بْنِ (p-٤٤٩)خَلَفٍ» اهـ، وهَذا الحَدِيثُ أوْضَحُ دَلالَةٍ عَلى كُفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ النُّورِ والبُرْهانِ والنَّجاةِ، والكَيْنُونَةَ مَعَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَ القِيامَةِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى الكُفْرِ كَما تَرى، وقالَ الهَيْثَمِيُّ في ) مَجْمَعِ الزَّوائِدِ (في هَذا الحَدِيثِ: رَواهُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والأوْسَطِ، ورِجالُ أحْمَدَ ثِقاتٌ. اهـ. وفي البابِ أحادِيثُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا، مِنها ما هو ضَعِيفٌ ومِنها ما هو صالِحٌ لِلِاحْتِجاجِ، وذَكَرَ طَرَفًا مِنها الهَيْثَمِيُّ في مَجْمَعِ الزَّوائِدِ، وفِيما ذَكَرْناهُ كِفايَةٌ.
وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ عَمْدًا تَهاوُنًا وتَكاسُلًا إذا كانَ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِها غَيْرُ كافِرٍ، وأنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا - كالزّانِي المُحْصَنِ - لا كُفْرًا، وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وجُمْهُورِ أصْحابِهِ، وعَزاهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ لِلْأكْثَرِينَ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وقالَ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: ذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى والجَماهِيرُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا يُكَفَّرُ بَلْ يُفَسَّقُ ويُسْتَتابُ، فَإنْ تابَ وإلّا قَتَلْناهُ حَدًّا كالزّانِي المُحْصَنِ، ولَكِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ. اهـ.
واعْلَمْ: أنَّ هَذا القَوْلَ يَحْتاجُ إلى الدَّلِيلِ مِن جِهَتَيْنِ، وهُما عَدَمُ كُفْرِهِ، وأنَّهُ يُقْتَلُ، وهَذِهِ أدِلَّتُهم عَلى الأمْرَيْنِ مَعًا، أمّا أدِلَّتُهم عَلى أنَّهُ يُقْتَلُ:
فَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ اشْتَرَطَ في تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ إقامَتَهُمُ الصَّلاةَ، ويُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ الشَّرْطِ أنَّهم إنْ لَمْ يُقِيمُوها لَمْ يُخَلَّ سَبِيلُهم وهو كَذَلِكَ.
) وِمِنها ( ما رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» اهـ.
فَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا تُعْصَمُ دِماؤُهم ولا أمْوالُهم إلّا بِإقامَةِ الصَّلاةِ كَما تَرى.
وَمِنها: ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بَعَثَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو بِاليَمَنِ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِذَهَبِيَّةٍ فَقَسَّمَها بَيْنَ أرْبَعَةٍ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ، فَقالَ: ”وَيْلَكَ أوَلَسْتُ أحَقَّ أهْلِ الأرْضِ أنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ“ ؟ ثُمَّ ولّى الرَّجُلُ، فَقالَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا أضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ فَقالَ: ”لا، لَعَلَّهُ أنْ (p-٤٥٠)يَكُونَ يُصَلِّي“ فَقالَ خالِدٌ: وكَمْ مِن مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسانِهِ ما لَيْسَ في قَلْبِهِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنِّي لَمْ أُومَرْ أنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النّاسِ، ولا أشُقَّ بُطُونَهم»“ مُخْتَصَرٌ مِن حَدِيثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ”لا“ يَعْنِي لا تَقْتُلْهُ، وتَعْلِيلُهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ”لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ يُصَلِّي“ فِيهِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ المُصَلِّينَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ إنْ لَمْ يُصَلِّ يُقْتَلْ، وهو كَذَلِكَ.
وَمِنها ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكم أُمَراءُ فَتَعْرِفُونَ وتُنْكِرُونَ، فَمَن كَرِهَ فَقَدَ بَرِئَ، ومَن أنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، ولَكِنْ مَن رَضِيَ وتابَعَ ”قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا نُقاتِلُهم ؟ قالَ:“ لا ما صَلَّوْا» هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ، و ”ما“ في قَوْلِهِ ”ما صَلَّوْا“ مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: لا تُقاتِلُوهم مُدَّةَ كَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم إنْ لَمْ يُصَلُّوا قُوتِلُوا، وهو كَذَلِكَ، مَعَ أنَّهُ ﷺ قالَ في حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «إلّا أنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا عِنْدَكم مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهانٌ»، فَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ هَذا ونَحْوُ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الآتِي يَدُلُّ عَلى قَتْلِ مَن لَمْ يُصَلِّ، وبِضَمِيمَةِ حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ إلى ذَلِكَ يَظْهَرُ الدَّلِيلُ عَلى الكُفْرِ بِتَرْكِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ قالَ في حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ: ”«إلّا أنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا» .“ الحَدِيثَ، وأشارَ في حَدِيثٍ أُمِّ سَلَمَةَ وعَوْفِ بْنِ مالِكٍ: إلى أنَّهم إنْ تَرَكُوا الصَّلاةَ قُوتِلُوا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَرْكَها مِنَ الكُفْرِ البَواحِ، وهَذا مِن أقْوى أدِلَّةِ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ، وحَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ المَذْكُورُ هو ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَفْظِ: قالَ: ”«خِيارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهم ويُحِبُّونَكم ويُصَلُّونَ عَلَيْكم وتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وشِرارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهم ويُبْغِضُونَكم وتَلْعَنُونَهم ويَلْعَنُونَكم“ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا نُنابِذُهم بِالسَّيْفِ ؟ قالَ: ”لا، ما أقامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ» .“ الحَدِيثَ، وفِيهِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى قِتالِهِمْ إذا لَمْ يُقِيمُوا الصَّلاةَ كَما تَرى.
وَمِن أدِلَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ عَلى قَتْلِ تارِكِ الصَّلاةِ، ما رَواهُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: مالِكٌ في مُوَطَّئِهِ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ في مُسْنَدَيْهِما، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ: «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ حَدَّثَهُ أنَّهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو في مَجْلِسٍ يُسارُّهُ يَسْتَأْذِنُهُ في قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ، فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”ألَيْسَ يَشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ ؟ قالَ الأنْصارِيُّ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، ولا شَهادَةَ لَهُ، قالَ: ”ألَيْسَ يَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ“ ؟ قالَ: بَلى ولا شَهادَةَ لَهُ، قالَ: ”ألَيْسَ يُصَلِّي“ ؟ قالَ: بَلى ولا صَلاةَ لَهُ، قالَ: ”أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهانِي (p-٤٥١)اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ»“ اهـ. وفي رِوايَةٍ: عَنْهم.
هَذا هو خُلاصَةُ أدِلَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ عَلى قَتْلِ تارِكِ الصَّلاةِ، واعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ مَن قالَ بِقَتْلِهِ يَقُولُونَ إنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، وقالَ بَعْضُهم: يُضْرَبُ بِالخَشَبِ حَتّى يَمُوتَ، وقالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ أوْ يُضْرَبُ بِخَشَبَةٍ، ويُقالُ لَهُ: صَلِّ وإلّا قَتَلْناكَ، ولا يَزالُ يُكَرَّرُ عَلَيْهِ حَتّى يُصَلِّيَ أوْ يَمُوتَ.
واخْتَلَفُوا في اسْتِتابَتِهِ، فَقالَ بَعْضُهم: يُسْتَتابُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ، وقالَ بَعْضُهم: لا يُسْتَتابُ؛ لِأنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا والحُدُودُ لا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وقالَ بَعْضُهم: إنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الضَّرُورِيِّ إلّا قَدْرُ رَكْعَةٍ ولَمْ يُصَلِّ قُتِلَ، وبَعْضُهم يَقُولُ: لا يُقْتَلُ حَتّى يَخْرُجَ وقْتُها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِ صَلاةٍ واحِدَةٍ، وهو ظاهِرُ الأدِلَّةِ، وقِيلَ: لا يُقْتَلُ حَتّى يَتْرُكَ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ، وعَنِ الإمامِ أحْمَدَ رِوايَتانِ: إحْداهُما أنَّهُ لا يُقْتَلُ حَتّى يَضِيقَ وقْتُ الصَّلاةِ الثّانِيَةِ المَتْرُوكَةِ مَعَ الأُولى، والأُخْرى: لا يُقْتَلُ حَتّى يَضِيقَ وقْتُ الرّابِعَةِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي أنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ، وأنَّهُ يُسْتَتابُ، لِلْإجْماعِ عَلى قَبُولِ تَوْبَتِهِ إذا تابَ، والأظْهَرُ أنَّهُ يُسْتَتابُ في الحالِ، ولا يُمْهَلُ ثَلاثَةَ أيّامٍ وهو يَمْتَنِعُ مِنَ الصَّلاةِ لِظَواهِرِ النُّصُوصِ المَذْكُورَةِ، وأنَّهُ لا يُقْتَلُ حَتّى لا يَبْقى مِنَ الوَقْتِ الضَّرُورِيِّ ما يَسَعُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَأمّا أدِلَّةُ أهْلِ هَذا القَوْلِ عَلى عَدَمِ كُفْرِهِ، فَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، ومِنها حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ: أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي كِنانَةَ يُدْعى المُخَدَّجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشّامِ يُكَنّى أبا مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إنَّ الوِتْرَ واجِبٌ، فَقالَ المُخَدَّجِيُّ: فَرُحْتُ إلى عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ فاعْتَرَضْتُ لَهُ وهو رائِحٌ إلى المَسْجِدِ فَأخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قالَ أبُو مُحَمَّدٍ، فَقالَ عُبادَةُ: كَذَبَ أبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى العِبادِ فَمَن جاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفافًا بِحَقِّهِنَّ كانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، ومَن لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ» . انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ، وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حِبّانَ، إلى آخِرِ الإسْنادِ، والمَتْنُ كَلَفْظِ المُوَطَّأِ الَّذِي ذَكَرْنا، وفي سُنَنِ النَّسائِيِّ: أخْبَرَنا قُتَيْبَةُ عَنْ مالِكٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ، إلى آخِرِ الإسْنادِ والمَتْنُ كاللَّفْظِ المَذْكُورِ، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، ثَنا ابْنُ أبِي عَدِيٍّ عَنْ (p-٤٥٢)شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنِ المُخَدَّجِيِّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«خَمْسُ صَلَواتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ» . . .“ إلى آخِرِ الحَدِيثِ المَذْكُورِ بِمَعْناهُ قَرِيبًا مِن لَفْظِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ رِجالَ هَذِهِ الأسانِيدِ ثِقاتٌ مَعْرُوفُونَ إلّا المُخَدَّجِيَّ المَذْكُورَ وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبّانَ في الثِّقاتِ، وبِتَوْثِيقِهِ تَعْلَمُ صِحَّةَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ، ولَهُ شَواهِدُ يَعْتَضِدُ بِها أيْضًا، قالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الواسِطِيُّ، ثَنا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ هارُونَ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنابِحِيِّ قالَ: زَعَمَ أبُو مُحَمَّدٍ: أنَّ الوِتْرَ واجِبٌ، فَقالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ كَذَبَ أبُو مُحَمَّدٍ، أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«خَمْسُ صَلَواتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ» .“ إلى آخِرِ الحَدِيثِ بِمَعْناهُ، وعَبْدُ اللَّهِ الصُّنابِحِيُّ المَذْكُورُ قِيلَ إنَّهُ صَحابِيٌّ مَدَنِيٌّ، وقِيلَ: هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ المُرادِيُّ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنابِحِيُّ، وهو ثِقَةٌ مِن كِبارِ التّابِعِينَ، قَدِمَ المَدِينَةَ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِخَمْسَةِ أيّامٍ، ماتَ في خِلافَةِ عَبْدِ المَلِكِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَرِوايَةُ الصُّنابِحِيِّ المَذْكُورِ إمّا رِوايَةُ صَحابِيٍّ أوْ تابِعِيٍّ ثِقَةٍ، وبِها تَعْتَضِدُ رِوايَةُ المُخَدَّجِيِّ المَذْكُورِ، ورِجالُ سَنَدِ أبِي داوُدَ هَذا غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنابِحِيِّ ثِقاتٌ، مَعْرُوفُونَ لا مَطْعَنَ فِيهِمْ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ صِحَّةَ حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ المَذْكُورِ.
وَقالَ الزُّرْقانِيُّ) في شَرْحِ المُوَطَّأِ (: وفِيهِ يَعْنِي حَدِيثَ عُبادَةَ المَذْكُورَ أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ لا يَكْفُرُ ولا يَتَحَتَّمُ عَذابُهُ، بَلْ هو تَحْتَ المَشِيئَةِ بِنَصِّ الحَدِيثِ، وقَدْ أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، مِن طَرِيقِ مالِكٍ، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وجاءَ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبادَةَ بِنَحْوِهِ في أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ، والبَيْهَقِيِّ، ولَهُ شاهِدٌ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ. انْتَهى مِنهُ.
وَقالَ العَلامَةُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ) نَيْلِ الأوْطارِ (: ولِهَذا الحَدِيثِ شاهِدٌ مِن حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ، ومِن حَدِيثٍ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عِنْدَ أحْمَدَ، ورَواهُ أبُو داوُدَ عَنِ الصُّنابِحِيِّ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ ) في شَرْحِ المُهَذَّبِ (بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتَ المَذْكُورَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَواهُ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هو حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ، لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مالِكٍ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مَعَ أنَّهُ قالَ: إنَّ المُخَدَّجِيَّ المَذْكُورَ في سَنَدِهِ مَجْهُولٌ ؟ فالجَوابُ عَنْ هَذا مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى: أنَّ (p-٤٥٣)صِحَّتَهُ مِن قَبِيلِ الشَّواهِدِ الَّتِي ذَكَرْنا، فَإنَّها تُصَيِّرُهُ صَحِيحًا، والثّانِيَةُ هي ما قَدَّمْنا مِن تَوْثِيقِ ابْنِ حِبّانَ المُخَدَّجِيَّ المَذْكُورَ، وحَدِيثُ عُبادَةَ المَذْكُورُ فِيهِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ لَيْسَ بِكُفْرٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ تَحْتَ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ فِيهِ، دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الكُفْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦] .
وَمِن أدِلَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ المُقِرَّ بِوُجُوبِها غَيْرُ كافِرٍ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأصْحابُ السُّنَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما يُحاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، فَإنْ أتَمَّها وإلّا قِيلَ انْظُرُوا هَلْ لَهُ مِن تَطَوُّعٍ، فَإنْ كانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتِ الفَرِيضَةُ مِن تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِسائِرِ الأعْمالِ المَفْرُوضَةِ مِثْلُ ذَلِكَ» اهـ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في) نَيْلِ الأوْطارِ (: الحَدِيثُ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ مِن ثَلاثِ طُرُقٍ: طَرِيقَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ بِأبِي هُرَيْرَةَ، والطَّرِيقَةُ الثّالِثَةُ مُتَّصِلَةٌ بِتَمِيمٍ الدّارِيِّ، وكُلُّها لا مَطْعَنَ فِيها، ولَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ هو ولا المُنْذِرِيُّ بِما يُوجِبُ ضَعْفَهُ، وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ مِن طَرِيقٍ إسْنادُها جَيِّدٌ ورِجالُها رِجالُ الصَّحِيحِ كَما قالَ العِراقِيُّ وصَحَّحَها ابْنُ القَطّانِ، وأخْرَجَ الحَدِيثَ الحاكِمُ ) في المُسْتَدْرَكِ (وقالَ: هَذا صَحِيحُ الإسْنادِ ولَمْ يُخَرِّجاهُ، وفي البابِ عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ عِنْدَ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ بِنَحْوِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ العِراقِيُّ: وإسْنادُهُ صَحِيحٌ، وأخْرَجَهُ الحاكِمُ) في المُسْتَدْرَكِ (وقالَ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ عَلى عَدَمِ كُفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ أنَّ نُقْصانَ الصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ وإتْمامَها مِنَ النَّوافِلِ يَتَناوَلُ بِعُمُومِهِ تَرْكَ بَعْضِها عَمْدًا، كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ عُمُومِ اللَّفْظِ كَما تَرى.
وَقالَ المَجْدُ) في المُنْتَقى (بَعْدَ أنْ ساقَ الأدِلَّةَ الَّتِي ذَكَرْنا عَلى عَدَمِ كُفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ المُقِرِّ بِوُجُوبِها، ما نَصُّهُ: ويُعَضِّدُ هَذا المَذْهَبَ عُمُوماتٌ، ومِنها ما رُوِيَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن شَهِدَ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وأنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، والجَنَّةَ والنّارَ حَقٌّ أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلى ما كانَ مِنَ العَمَلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ومُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلى الرَّحْلِ: ”يا مُعاذُ“، قالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: ”ما مِن عَبْدٍ يَشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ (p-٤٥٤)إلّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى النّارِ“، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا أُخْبِرُ بِها النّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا ؟ قالَ: ”إذًا يَتَّكِلُوا“ فَأخْبَرَ بِها مُعاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأثُّمًا»، أيْ: خَوْفًا مِنَ الإثْمِ بِتَرْكِ الخَبَرِ بِهِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وإنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَهي نائِلَةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ مَن ماتَ مِن أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» رَواهُ مُسْلِمٌ، وعَنْهُ أيْضًا: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: «أسْعَدُ النّاسِ بِشَفاعَتِي مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ خالِصًا مِن قَلْبِهِ» رَواهُ البُخارِيُّ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وأصْحابُهُ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ الكُوفَةِ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، والمُزَنِيُّ صاحِبُ الشّافِعِيِّ: إنَّ تارِكَ الصَّلاةِ عَمْدًا تَكاسُلًا وتَهاوُنًا مَعَ إقْرارِهِ بِوُجُوبِها لا يُقْتَلُ ولا يُكَفَّرُ، بَلْ يُعَزَّرُ ويُحْبَسُ حَتّى يُصَلِّيَ واحْتَجُّوا عَلى عَدَمِ كُفْرِهِ بِالأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا آنِفًا لِأهْلِ القَوْلِ الثّانِي، واحْتَجُّوا لِعَدَمِ قَتْلِهِ بِأدِلَّةٍ، مِنها حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ وغَيْرِها: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزّانِي، والنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، والتّارِكِ لِدِينِهِ المُفارِقِ لِلْجَماعَةِ»، قالُوا: هَذا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، صَرَّحَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ لا يَحِلُّ دَمُ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ، ولَمْ يَذْكُرْ مِنها تَرْكَ الصَّلاةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَتْلِ، قالُوا: والأدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ عَلى قَتْلِهِ إنَّما دَلَّتْ عَلَيْهِ بِمَفاهِيمِها أعْنِي مَفاهِيمَ المُخالَفَةِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، وحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ دَلَّ عَلى ما ذَكَرْنا بِمَنطُوقِهِ والمَنطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ، مَعَ أنَّ المُقَرَّرَ في أُصُولِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ لا يَعْتَبِرُ المَفْهُومَ المَعْرُوفَ بِدَلِيلِ الخِطابِ الَّذِي هو مَفْهُومُ المُخالَفَةِ، وعَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يَعْتَرِفُ بِدَلالَةِ الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ عَلى قَتْلِهِ؛ لِأنَّها إنَّما دَلَّتْ عَلَيْهِ بِمَفْهُومِ مُخالَفَتِها، وحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِمَنطُوقِهِ، ومِنها قِياسُهم تَرْكَ الصَّلاةِ عَلى تَرْكِ الصَّوْمِ والحَجِّ مَثَلًا، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِن دَعائِمِ الإسْلامِ ولَمْ يُقْتَلْ تارِكُها، فَكَذَلِكَ الصَّلاةُ.
أمّا الَّذِينَ قالُوا بِأنَّهُ كافِرٌ وأنَّهُ يُقْتَلُ، فَقَدْ أجابُوا عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأنَّهُ عامٌّ يُخَصَّصُ بِالأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى قَتْلِ تارِكِ الصَّلاةِ، وعَنْ قِياسِهِ عَلى تارِكِ الحَجِّ والصَّوْمِ بِأنَّهُ فاسِدُ الِاعْتِبارِ لِمُخالَفَتِهِ لِلْأحادِيثِ المَذْكُورَةِ الدّالَّةِ عَلى قَتْلِهِ، وعَنِ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ الكُفْرِ بِأنَّ مِنها ما هو عامٌّ يُخَصَّصُ بِالأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى كُفْرِهِ، ومِنها ما هو لَيْسَ كَذَلِكَ كَحَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ تَحْتَ المَشِيئَةِ، فالأحادِيثُ الدّالَّةُ (p-٤٥٥)عَلى كُفْرِهِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّها أصَحُّ مِنهُ؛ لِأنَّ بَعْضَها في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِكُفْرِهِ وشِرْكِهِ، ومِنها حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ، مَعَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وعَوْفِ بْنِ مالِكٍ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَرَدَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ غَيْرُ كافِرٍ أدِلَّةَ مُخالِفِيهِمْ بِأنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ في الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، ولَيْسَ المُرادُ الكُفْرَ المُخْرِجَ عَنْ مِلَّةِ الإسْلامِ، واحْتَجُّوا لِهَذا بِأحادِيثَ كَثِيرَةٍ يُصَرِّحُ فِيها النَّبِيُّ ﷺ بِالكُفْرِ، ولَيْسَ مُرادُهُ الخُرُوجَ عَنْ مِلَّةِ الإسْلامِ، قالَ المَجْدُ) في المُنْتَقى (: وقَدْ حَمَلُوا أحادِيثَ التَّكْفِيرِ عَلى كُفْرِ النِّعْمَةِ، أوْ عَلى مَعْنًى قَدْ قارَبَ الكُفْرَ وقَدْ جاءَتْ أحادِيثُ في غَيْرِ الصَّلاةِ أُرِيدَ بِها ذَلِكَ، فَرَوى ابْنُ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتالُهُ كُفْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وعَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ مِن رَجُلٍ ادَّعى لِغَيْرِ أبِيهِ وهو يَعْلَمُهُ إلّا كَفَرَ، ومَنِ ادَّعى ما لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنّا ولْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اثْنَتانِ في النّاسِ هُما بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، والنِّياحَةُ عَلى المَيِّتِ» رَواهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كانَ عُمَرُ يَحْلِفُ: ”وَأبِي“ فَنَهاهُ النَّبِيُّ ﷺ وقالَ: ”مَن حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ»“ رَواهُ أحْمَدُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُدْمِنُ الخَمْرِ إنْ ماتَ لَقِيَ اللَّهَ كَعابِدِ وثَنٍ» انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ، وأمْثالُهُ في السُّنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، ومِن ذَلِكَ القَبِيلِ تَسْمِيَةُ الرِّياءِ شِرْكًا، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «رَأيْتُ النّارَ فَلَمْ أرَ مَنظَرًا كاليَوْمِ أفْظَعَ، ورَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِها النِّساءَ ”قالُوا: بِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ بِكُفْرِهِنَّ ”قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قالَ:“ يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحْسانَ، لَوْ أحْسَنْتَ إلى إحْداهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأتْ مِنكَ شَيْئًا، قالَتْ: ما رَأيْتُ مِنكَ خَيْرًا قَطُّ» هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في بَعْضِ المَواضِعِ الَّتِي أخْرَجَ فِيها الحَدِيثَ المَذْكُورَ، وقَدْ أطْلَقَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ الكُفْرِ عَلَيْهِنَّ، فَلَمّا اسْتَفْسَرُوهُ عَنْ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ مُرادَهُ غَيْرُ الكُفْرِ المُخْرِجِ عَنْ مِلَّةِ الإسْلامِ.
هَذا هو حاصِلُ كَلامِ العُلَماءِ وأدِلَّتِهِمْ في مَسْألَةِ تَرْكِ الصَّلاةِ عَمْدًا مَعَ الِاعْتِرافِ بِوُجُوبِها، وأظْهَرُ الأقْوالِ أدِلَّةً عِنْدِي: قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ كافِرٌ، وأجْرى الأقْوالَ عَلى مُقْتَضى الصِّناعَةِ الأُصُولِيَّةِ وعُلُومِ الحَدِيثِ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّهُ كُفْرٌ غَيْرُ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ لِوُجُوبِ الجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ إذا أمْكَنَ، وإذا حُمِلَ الكُفْرُ والشِّرْكُ المَذْكُورانِ في الأحادِيثِ عَلى الكُفْرِ الَّذِي لا يُخْرِجُ عَنِ المِلَّةِ حَصَلَ بِذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ والجَمْعُ واجِبٌ إذا أمْكَنَ؛ لِأنَّ (p-٤٥٦)إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما كَما هو مَعْلُومٌ في الأُصُولِ وعِلْمِ الحَدِيثِ، وقالَ النَّوَوِيُّ ) في شَرْحِ المُهَذَّبِ (بَعْدَ أنْ ساقَ أدِلَّةَ مَن قالُوا إنَّهُ غَيْرُ كافِرٍ، ما نَصُّهُ: ولَمْ يَزَلِ المُسْلِمُونَ يُوَرِّثُونَ تارِكَ الصَّلاةِ ويُوَرَّثُونَ عَنْهُ ولَوْ كانَ كافِرًا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ ولَمْ يَرِثْ ولَمْ يُورَثْ.
وَأمّا الجَوابُ عَمّا احْتَجَّ بِهِ مَن كَفَّرَهُ مِن حَدِيثِ جابِرٍ وبُرَيْدَةَ، ورِوايَةِ ابْنِ شَقِيقٍ فَهو أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ شارَكَ الكافِرَ في بَعْضِ أحْكامِهِ وهو القَتْلُ، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَعَيِّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ نُصُوصِ الشَّرْعِ وقَواعِدِهِ الَّتِي ذَكَرْناها. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ
أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ مَن نَسِيَ الصَّلاةَ أوْ نامَ عَنْها حَتّى خَرَجَ وقْتُها يَجِبُ عَلَيْهِ قَضاؤُها، وقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ أدِلَّةٌ صَحِيحَةٌ:
) مِنها ( ما رَواهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها لا كَفّارَةَ لَها إلّا ذَلِكَ» .
) وِمِنها ( ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ أيْضًا مَرْفُوعًا: " «إذا رَقَدَ أحَدُكم عَنِ الصَّلاةِ أوْ غَفَلَ عَنْها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾» [طه: ١٤] .
وَمِنها: ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: " «مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾» [طه: ١٤] .
وَمِنها: ما رَواهُ النَّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي قَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ نَوْمَهم عَنِ الصَّلاةِ، فَقالَ: «إنَّهُ لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّما التَّفْرِيطُ في اليَقَظَةِ، فَإذا نَسِيَ أحَدُكم صَلاةً أوْ نامَ عَنْها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها» .
وَمِنها: ما رَواهُ مُسْلِمٌ، والإمامُ أحْمَدُ، عَنْ أبِي قَتادَةَ في قِصَّةِ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلاةِ الفَجْرَ، قالَ: «ثُمَّ أذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلّى الغَداةَ فَصَنَعَ كَما كانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ» .
وَمِنها ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحَيْهِما، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «سَرَيْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا كانَ في آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسْنا فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتّى أيْقَظَنا حَرُّ الشَّمْسِ، فَجَعَلَ (p-٤٥٧)الرَّجُلُ مِنّا يَقُومُ دَهِشًا إلى طَهُورِهِ، ثُمَّ أمَرَ بِلالًا فَأذَّنَ، ثُمَّ صَلّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ أقامَ فَصَلَّيْنا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا نُعِيدُها في وقْتِها مِنَ الغَدِ ؟ فَقالَ: ”أيَنْهاكم رَبُّكم تَعالى عَنِ الرِّبا ويَقْبَلُهُ مِنكم»“ ؟ اهـ، وأصْلُ حَدِيثِ عِمْرانَ هَذا في الصَّحِيحَيْنِ، ولَيْسَ فِيهِما ذِكْرُ الأذانِ والإقامَةِ، ولا قَوْلُهُ: فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نُعِيدُها إلى آخِرِهِ.
والحاصِلُ أنَّ قَضاءَ النّائِمِ والنّاسِي لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَماءِ، وقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنا وأمْثالُها مِمّا لَمْ نَذْكُرْهُ.
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ
اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ الصَّلَواتِ الفَوائِتِ عَلى الصَّلاةِ الحاضِرَةِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَ ما غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفّارَ قُرَيْشٍ، قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ، ما كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”واللَّهِ ما صَلَّيْتُها“ فَقُمْنا إلى بُطْحانَ فَتَوَضَّأ لِلصَّلاةِ وتَوَضَّأْنا لَها، فَصَلّى العَصْرَ بَعْدَ ما غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلّى بَعْدَها المَغْرِبَ» . اهـ.
فَهَذا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى العَصْرَ قَضاءً بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وقَدَّمَها عَلى المَغْرِبِ، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في تَقْدِيمِ الفائِتَةِ عَلى الحاضِرَةِ، والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ: أنَّ أفْعالَ النَّبِيِّ ﷺ المُجَرَّدَةَ مِن قَرِينَةِ الوُجُوبِ وغَيْرِهِ تُحْمَلُ عَلى الوُجُوبِ، لِعُمُومِ النُّصُوصِ الوارِدَةِ بِالتَّأسِّي بِهِ ﷺ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، ولِلِاحْتِياطِ في الخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ.
وَمِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا خَلَعَ نَعْلَهُ في الصَّلاةِ فَخَلَعَ أصْحابُهُ نِعالَهم تَأسِّيًا بِهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَهُ أنَّ بِباطِنِها أذًى، وسَألَهم ﷺ لِمَ خَلَعُوا نِعالَهم ؟ وأجابُوا بِأنَّهم رَأوْهُ خَلَعَ نَعْلَهُ - وهو فِعْلٌ مُجَرَّدٌ مِن قَرائِنِ الوُجُوبِ وغَيْرِهِ - أقَرَّهم عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى لُزُومِ التَّأسِّي بِهِ في أفْعالِهِ المُجَرَّدَةِ مِنَ القَرائِنِ، والحَدِيثُ وإنْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهم بِالإرْسالِ فَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُهم وصْلَهُ.
والأدِلَّةُ الكَثِيرَةُ الدّالَّةُ عَلى وُجُوبِ التَّأسِّي بِهِ ﷺ في الكِتابِ والسُّنَّةِ شاهِدَةٌ لَهُ، وإلى كَوْنِ أفْعالِهِ ﷺ المُجَرَّدَةِ مِنَ القَرائِنِ تُحْمَلُ عَلى الوُجُوبِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ في كِتابِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَكُلُّ ما الصِّفَةُ فِيهِ تُجْهَلْ فَلِلْوُجُوبِ في الأصَحِّ يُجْعَلْ
(p-٤٥٨)وَفِي حَمْلِهِ عَلى الوُجُوبِ مُناقَشاتٌ مَعْرُوفَةٌ في الأُصُولِ، انْظُرْها في) نَشْرِ البُنُودِ (وغَيْرِهِ.
وَيُعْتَضَدُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ فِعْلَهُ المُجَرَّدَ الَّذِي هو تَقْدِيمُ العَصْرِ الفائِتَةِ عَلى المَغْرِبِ الحاضِرَةِ يَقْتَضِي الوُجُوبَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقالَ الحافِظُ في) فَتْحِ البارِي (في اسْتِدْلالِ البُخارِيِّ عَلى تَقْدِيمِ الأُولى مِنَ الفَوائِتِ فالأُولى بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ المَذْكُورِ ما نَصُّهُ: ولا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ لِمَن يَقُولُ بِتَرْتِيبِ الفَوائِتِ، إلّا إذا قُلْنا: إنَّ أفْعالَ النَّبِيِّ ﷺ المُجَرَّدَةَ لِلْوُجُوبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقَدِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ الشّافِعِيَّةُ في أشْياءَ غَيْرِ هَذا. انْتَهى مِنهُ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: الأظْهَرُ أنَّ الأفْعالَ المُجَرَّدَةَ تَقْتَضِي الوُجُوبَ كَما جَزَمَ بِهِ صاحِبُ المَراقِي في البَيْتِ المَذْكُورِ، وكَذَلِكَ عُمُومُ حَدِيثِ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» يَقْتَضِي ذَلِكَ أيْضًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ تَذَكَّرَ فائِتَةً في وقْتِ حاضِرَةٍ ضَيِّقٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ يُقَدِّمُ الفائِتَةَ وإنْ خَرَجَ وقْتُ الحاضِرَةِ أوْ لا ؟ إلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُقَدِّمُ الفائِتَةَ وإنْ خَرَجَ وقْتُ الحاضِرَةِ، هو مَذْهَبُ مالِكٍ وجُلِّ أصْحابِهِ.
الثّانِي: أنْ يَبْدَأ بِالحاضِرَةِ مُحافَظَةً عَلى الوَقْتِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ وأكْثَرِ أصْحابِ الحَدِيثِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يُخَيَّرُ في تَقْدِيمِ ما شاءَ مِنهُما، وهو قَوْلُ أشْهَبَ مِن أصْحابِ مالِكٍ، قالَ عِياضٌ: ومَحِلُّ الخِلافِ إذا لَمْ تَكْثُرِ الصَّلَواتُ الفَوائِتُ، فَأمّا إذا كَثُرَتْ فَلا خِلافَ أنَّهُ يَبْدَأُ بِالحاضِرَةِ، واخْتَلَفُوا في حَدِّ القَلِيلِ في ذَلِكَ، فَقِيلَ صَلاةُ يَوْمٍ، وقِيلَ أرْبَعُ صَلَواتٍ.
* *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ
أمّا تَرْتِيبُ الفَوائِتِ في أنْفُسِها فَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى وُجُوبِهِ مَعَ الذِّكْرِ لا مَعَ النِّسْيانِ، وهو الأظْهَرُ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيها بَلْ يُنْدَبُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ طاوُسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ وأبِي ثَوْرٍ وداوُدَ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: التَّرْتِيبُ واجِبٌ مُطْلَقًا، قَلَّتِ الفَوائِتُ أمْ كَثُرَتْ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ وزُفَرُ، وعَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ نَسِيَ الفَوائِتَ صَحَّتِ الصَّلَواتُ الَّتِي صَلّى بَعْدَها، وقالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: لَوْ (p-٤٥٩)ذَكَرَ فائِتَةً وهو في حاضِرَةٍ تَمَّمَ الَّتِي هو فِيها ثُمَّ قَضى الفائِتَةَ، ثُمَّ يَجِبُ إعادَةُ الحاضِرَةِ، واحْتَجَّ لَهم بِحَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن نَسِيَ صَلاةً فَلَمْ يَذْكُرْها إلّا وهو مَعَ الإمامِ فَإذا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ فَلْيُعِدِ الصَّلاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدَ الصَّلاةَ الَّتِي صَلّاها مَعَ الإمامِ»، قالَ النَّوَوِيُّ في) شَرْحِ المُهَذَّبِ (وهَذا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ مُوسى بْنُ هارُونَ الحَمّالُ) بِالحاءِ (الحافِظُ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ الرّازِيُّ، ثُمَّ البَيْهَقِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والأظْهَرُ عِنْدِي وُجُوبُ تَرْتِيبِ الفَوائِتِ في أنْفُسِها الأُولى فالأُولى، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي ذِئْبٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «شَغَلَنا المُشْرِكُونَ يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنْ صَلاةِ الظُّهْرِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ في القِتالِ ما نَزَلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالًا فَأقامَ لِصَلاةِ الظُّهْرِ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّيها لِوَقْتِها، ثُمَّ أقامَ العَصْرَ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّيها في وقْتِها، ثُمَّ أذَّنَ لِلْمَغْرِبِ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّيها في وقْتِها» . اهـ.
فَهَذا الإسْنادُ صَحِيحٌ كَما تَرى، ورِجالُهُ ثِقاتٌ مَعْرُوفُونَ، فَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ هو أبُو حَفْصٍ الفَلّاسُ وهو ثِقَةٌ حافِظٌ، ويَحْيى هو القَطّانُ وجَلالَتُهُ مَعْرُوفَةٌ، وكَذَلِكَ ابْنُ أبِي ذِئْبٍ جَلالَتُهُ مَعْرُوفَةٌ، وسَعِيدُ بْنُ سَعِيدٍ هو المَقْبُرِيُّ وهو ثِقَةٌ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ثِقَةٌ، فَهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ كَما تَرى، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَتَّبَ الفَوائِتَ في القَضاءِ: الأُولى فالأُولى.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أفْعالَهُ المُجَرَّدَةَ عَنِ القَرائِنِ تَقْتَضِي الوُجُوبَ عَلى الأصَحِّ، وأنَّ ذَلِكَ يَعْتَضِدُ بِحَدِيثِ مالِكِ بْنِ الحُوَيَرْثِ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» وحَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ هَذا أخْرَجَهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ، قالَ الشَّوْكانِيُّ في) نَيْلِ الأوْطارِ (: ورِجالُ إسْنادِهِ رِجالُ الصَّحِيحِ، وقالَ الشَّوْكانِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ سَيِّدِ النّاسِ اليَعْمُرِيِّ: إنَّ حَدِيثَ أبِي سَعِيدٍ رَواهُ الطَّحاوِيُّ عَنِ المُزَنِيِّ عَنِ الشّافِعِيِّ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِيهِ، قالَ. وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ جَلِيلٌ. اهـ.
وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا هَنّادٌ عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: «إنَّ المُشْرِكِينَ شَغَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أرْبَعِ صَلَواتٍ يَوْمَ (p-٤٦٠)الخَنْدَقِ، فَأمَرَ بِلالًا فَأذَّنَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى العَصْرَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى العِشاءَ» . اهـ.
أخْبَرَنا القاسِمُ بْنُ زَكَرِيّا بْنِ دِينارٍ قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زائِدَةَ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ قالَ: حَدَّثَنا هِشامٌ: أنَّ أبا الزُّبَيْرِ المَكِّيَّ حَدَّثَهم عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدَّثَهم أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا في غَزْوَةٍ فَحَبَسَنا المُشْرِكُونَ عَنْ صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ، فَلَمّا انْصَرَفَ المُشْرِكُونَ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنادِيًا فَأقامَ لِصَلاةِ الظُّهْرِ فَصَلَّيْنا، وأقامَ لِصَلاةِ العَصْرِ فَصَلَّيْنا، وأقامَ لِصَلاةِ المَغْرِبِ فَصَلَّيْنا، وأقامَ لِصَلاةِ العِشاءِ فَصَلَّيْنا، ثُمَّ طافَ عَلَيْنا فَقالَ: ”ما عَلى الأرْضِ عِصابَةٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُكم»“ اهـ، وحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذا أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا، قالَ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ) نَيْلِ الأوْطارِ (: إنَّ إسْنادَهُ لا بَأْسَ بِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والظّاهِرُ أنَّ إسْنادَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذا لا يَخْلُو مِن ضَعْفٍ؛ لِأنَّ راوِيَهِ عَنْهُ ابْنُهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ورِوايَتُهُ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ لِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ، ولَكِنَّ هَذا المُرْسَلَ يَعْتَضِدُ بِحَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الَّذِي قَدَّمْنا آنِفًا أنَّهُ صَحِيحٌ، ومَن يَحْتَجُّ مِنَ العُلَماءِ بِالمُرْسَلِ يَحْتَجُّ بِهِ ولَوْ لَمْ يَعْتَضِدْ بِغَيْرِهِ.
واعْلَمْ أنَّ حَدِيثَ أبِي سَعِيدٍ وابْنِ مَسْعُودٍ المَذْكُورَيْنِ لا يُعارِضُهُما ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن كَوْنِهِمْ شَغَلُوهم عَنِ العَصْرِ وحْدَها؛ لِأنَّ ما فِيهِما زِيادَةٌ، وزِيادَةُ العُدُولِ مَقْبُولَةٌ ) ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ (وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ مِن تَقْدِيمِ ما في الصَّحِيحَيْنِ عَلى الزِّيادَةِ الَّتِي في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ وابْنِ مَسْعُودٍ خِلافُ التَّحْقِيقِ.
* *
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ الأئِمَّةَ الأرْبَعَةَ وأصْحابَهم وجَماهِيرَ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّ مَن نَسِيَ صَلاةً أوْ نامَ عَنْها قَضاها وحْدَها ولا تَلْزَمُهُ زِيادَةُ صَلاةٍ أُخْرى، قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ:) بابُ مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إذا ذَكَرَها ولا يُعِيدُ إلّا تِلْكَ الصَّلاةَ (وقالَ إبْراهِيمُ: مَن تَرَكَ صَلاةً واحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إلّا تِلْكَ الصَّلاةَ الواحِدَةَ، حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ، ومُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالا: حَدَّثَنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إذا ذَكَرَها لا كَفّارَةَ لَها إلّا ذَلِكَ»، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، قالَ مُوسى: قالَ هَمّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدَ ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقالَ هَمّامٌ، حَدَّثَنا قَتادَةُ، (p-٤٦١)حَدَّثَنا أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ اهـ.
وَقالَ في) فَتْحِ البارِي (في الكَلامِ عَلى هَذا الحَدِيثِ وتَرْجَمَتِهِ: قالَ عَلِيُّ بْنُ المُنَيِّرِ: صَرَّحَ البُخارِيُّ بِإثْباتِ هَذا الحُكْمِ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا اخْتُلِفَ فِيهِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، ولَكِنَّهُ عَلى وفْقِ القِياسِ، إذِ الواجِبُ خَمْسُ صَلَواتٍ لا أكْثَرُ، فَمَن قَضى الفائِتَةَ كَمَّلَ العَدَدَ المَأْمُورَ بِهِ، ولِكَوْنِهِ عَلى مُقْتَضى ظاهِرِ الخِطابِ، لِقَوْلِ الشّارِعِ ”فَلْيُصَلِّها“ ولَمْ يَذْكُرْ زِيادَةً، وقالَ أيْضًا: ”لا كَفّارَةَ لَها إلّا ذَلِكَ“ فاسْتُفِيدَ مِن هَذا الحَصْرِ أنْ لا يَجِبَ غَيْرُ إعادَتِها، وذَهَبَ مالِكٌ إلى أنَّ مَن ذَكَرَ بَعْدَ أنْ صَلّى صَلاةً أنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الَّتِي قَبْلَها فَإنَّهُ يُصَلِّي الَّتِي ذَكَرَ، ثُمَّ يُصَلِّي الَّتِي كانَ صَلّاها مُراعاةً لِلتَّرْتِيبِ. انْتَهى مِنهُ، فَإنْ قِيلَ: جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ في بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ في قِصَّةِ نَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ ما نَصُّهُ: ثُمَّ قالَ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ: «أما إنَّهُ لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّما التَّفْرِيطُ عَلى مَن لَمْ يُصَلِّ الصَّلاةَ حَتّى يَجِيءَ وقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرى، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّها حِينَ يَنْتَبِهُ لَها، فَإذا كانَ الغَدُ فَلْيُصَلِّها عِنْدَ وقْتِها» اهـ.
فَقَوْلُهُ في هَذا الحَدِيثِ: فَإذا كانَ الغَدُ. . . إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَقْضِي الفائِتَةَ مَرَّتَيْنِ: الأُولى عِنْدَ ذِكْرِها، والثّانِيَةَ: عِنْدَ دُخُولِ وقْتِها مِنَ الغَدِ ؟ فالجَوابُ ما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ المَذْكُورِ قالَ: وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: «فَإذا كانَ الغَدُ فَلْيُصَلِّها عِنْدَ وقْتِها» فَمَعْناهُ أنَّهُ إذا فاتَتْهُ صَلاةٌ فَقَضاها لا يَتَغَيَّرُ وقْتُها ويَتَحَوَّلُ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى كَما كانَ، فَإذا كانَ الغَدُ صَلّى صَلاةَ الغَدِ في وقْتِها المُعْتادِ ولا يَتَحَوَّلُ، ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ يَقْضِي الفائِتَةَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً في الحالِ، ومَرَّةً في الغَدِ، وإنَّما مَعْناهُ ما قَدَّمْناهُ، فَهَذا هو الصَّوابُ في مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُ العُلَماءِ فِيهِ، واخْتارَ المُحَقِّقُونَ ما ذَكَرْتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى مِنهُ، وهَذا الَّذِي فَسَّرَ بِهِ هَذِهِ الرِّوايَةَ هو الَّذِي يَظْهَرُ لَنا صَوابُهُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَلَكِنْ جاءَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ في بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ في قِصَّةِ النُّوَّمِ عَنِ الصَّلاةِ المَذْكُورَةِ ما نَصُّهُ: «فَمَن أدْرَكَ مِنكم صَلاةَ الغَدِ مِن غَدٍ صالِحًا فَلْيَقْضِ مَعَها مِثْلَها» اهـ، وهَذا اللَّفْظُ صَرِيحٌ في أنَّهُ يَقْضِي الفائِتَةَ مَرَّتَيْنِ، ولا يَحْتَمِلُ المَعْنى الَّذِي فَسَّرَ بِهِ النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ لَفْظَ رِوايَةِ مُسْلِمٍ.
وَلِلْعُلَماءِ عَنْ هَذِهِ الرِّوايَةِ أجْوِبَةٌ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ( فَتْحِ البارِي) بَعْدَ أنْ أشارَ إلى رِوايَةِ أبِي داوُدَ المَذْكُورَةِ ما نَصُّهُ: قالَ الخَطّابِيُّ: لا أعْلَمَ أحَدًا قالَ بِظاهِرِهِ وُجُوبًا، قالَ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ فِيهِ لِلِاسْتِحْبابِ لِيَحُوزَ فَضِيلَةَ الوَقْتِ في القَضاءِ. انْتَهى، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ بِاسْتِحْبابِ ذَلِكَ أيْضًا، بَلْ عَدُّوا الحَدِيثَ غَلَطًا مِن راوِيهِ، حَكى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البُخارِيِّ، ويُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ (p-٤٦٢)النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهم قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا نَقْضِيها لِوَقْتِها مِنَ الغَدِ ؟ فَقالَ ﷺ: ”لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الرِّبا ويَأْخُذُهُ مِنكم»“ . انْتَهى كَلامُ صاحِبِ الفَتْحِ، وحَدِيثُ عِمْرانَ المَذْكُورُ قَدْ قَدَّمْناهُ وذَكَرْنا مَن أخْرَجَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ
اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في مَن تَرَكَ الصَّلاةَ عَمْدًا تَكاسُلًا حَتّى خَرَجَ وقْتُها وهو مُعْتَرِفٌ بِوُجُوبِها، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضاؤُها أوْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَدَّمْنا خِلافَ العُلَماءِ في كُفْرِهِ، فَعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ كافِرٌ مُرْتَدٌّ يَجْرِي عَلى الخِلافِ في المُرْتَدِّ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضاءُ ما فاتَهُ في زَمَنِ رِدَّتِهِ أوْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ الكافِرَ تارَةً يَكُونُ كافِرًا أصْلِيًّا لَمْ يَسْبِقْ عَلَيْهِ إسْلامٌ، وتارَةً يَكُونُ كافِرًا بِالرِّدَّةِ عَنْ دِينِ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ كانَ مُسْلِمًا.
أمّا الكافِرُ الأصْلِيُّ فَلا يَلْزَمُهُ قَضاءُ ما تَرَكَهُ مِنَ العِباداتِ في حالِ كُفْرِهِ وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقَدْ أسْلَمَ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَلَمْ يَأْمُرْ أحَدًا مِنهم بِقَضاءِ شَيْءٍ فائِتٍ في كُفْرِهِ.
وَأمّا المُرْتَدُّ فَفِيهِ خِلافٌ بَيْنِ العُلَماءِ مَعْرُوفٌ، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَلْزَمُهُ قَضاءُ ما تَرَكَهُ في زَمَنِ رِدَّتِهِ، ولا في زَمَنِ إسْلامِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ؛ لِأنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ جَمِيعَ عَمَلِهِ وتَجْعَلُهُ كالكافِرِ الأصْلِيِّ عِياذًا بِاللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الإسْلامِ أبْطَلَتْها رِدَّتُهُ عَلى هَذا القَوْلِ، فَعَلَيْهِ إعادَتُها إذا رَجَعَ إلى الإسْلامِ، وتَمَسَّكَ مَن قالَ بِهَذا بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: يَلْزَمُهُ قَضاءُ ما تَرَكَهُ مِنَ العِباداتِ في زَمَنِ رِدَّتِهِ وزَمَنِ إسْلامِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ، ولا تَجِبُ عَلَيْهِ إعادَةُ حَجَّةِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ الرِّدَّةَ لَمْ تُبْطِلْها، واحْتَجَّ مَن قالَ بِهَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٧]، فَجَعَلَ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ شَرْطًا في حُبُوطِ العَمَلِ، وبِالأوَّلِ قالَ مالِكٌ ومَن وافَقَهُ، وبِالثّانِي قالَ الشّافِعِيُّ ومَن وافَقَهُ، وهُما رِوايَتانِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، وقَدْ ذَكَرْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ قَوْلَ الشّافِعِيِّ ومَن وافَقَهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أجْرى عَلى الأُصُولِ، لِوُجُوبِ (p-٤٦٣)حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، ولا سِيَّما إذا اتَّحَدَ الحُكْمُ والسَّبَبُ كَما هُنا.
وَأمّا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ بِأنَّهُ غَيْرُ كافِرٍ فَقَدِ اخْتَلَفُوا أيْضًا في وُجُوبِ القَضاءِ عَلَيْهِ.
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ اخْتَلَفُوا في الأمْرِ بِالعِبادَةِ المُؤَقَّتَةِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، هَلْ هو يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِقَضائِها بَعْدَ خُرُوجِ وقْتِها مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى أمْرٍ جَدِيدٍ بِالقَضاءِ أوْ لا يَسْتَلْزِمُ القَضاءَ بَعْدَ خُرُوجِ الوَقْتِ، ولا بُدَّ لِلْقَضاءِ مِن أمْرٍ جَدِيدٍ، فَذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ مِنَ الحَنَفِيَّةِ وِفاقًا لِجُمْهُورِ الحَنَفِيَّةِ إلى أنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ المُوَقَّتَةِ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِقَضائِها بَعْدَ خُرُوجِ الوَقْتِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى أمْرٍ جَدِيدٍ، واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقاعِدَةٍ هي قَوْلُهم: الأمْرُ بِالمُرَكَّبِ أمْرٌ بِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ، فَإذا تَعَذَّرَ بَعْضُ الأجْزاءِ لَزِمَ فِعْلُ بَعْضِها الَّذِي لَمْ يَتَعَذَّرْ، فالأمْرُ بِالعِبادَةِ المُوَقَّتَةِ كالصَّلَواتِ الخَمْسِ أمْرٌ بِمُرَكَّبٍ مِن شَيْئَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما: فِعْلُ العِبادَةِ، والثّانِي: كَوْنُها مُقْتَرِنَةً بِالوَقْتِ المُعَيَّنِ لَها، فَإذا خَرَجَ الوَقْتُ تَعَذَّرَ أحَدُهُما وهو الِاقْتِرانُ بِالوَقْتِ المُعَيَّنِ، وبَقِيَ الآخَرُ غَيْرَ مُتَعَذِّرٍ وهو فِعْلُ العِبادَةِ، فَيَلْزَمُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ فِعْلُ الجُزْءِ المَقْدُورِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالمُرَكَّبِ أمْرٌ بِأجْزائِهِ.
وَهَذا القَوْلُ صَدَّرَ بِهِ ابْنُ قَدامَةَ في ) رَوْضَةِ النّاظِرِ (وعَزاهُ هو والغَزالِيُّ في) المُسْتَصْفى (إلى بَعْضِ الفُقَهاءِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ الأُصُولِ إلى أنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ المُؤَقَّتَةِ لا يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِقَضائِها بَعْدَ خُرُوجِ الوَقْتِ واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقاعِدَةٍ، وهي) أنَّ تَخْصِيصَ العِبادَةِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأوْقاتِ لا يَكُونُ إلّا لِمَصْلَحَةٍ تَخْتَصُّ بِذَلِكَ الوَقْتِ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ لَوْ كانَتِ المَصْلَحَةُ في غَيْرِهِ مِنَ الأوْقاتِ لَما كانَ لِتَخْصِيصِهِ دُونَها فائِدَةٌ (، قالُوا: فَتَخْصِيصُهُ الصَّلَواتِ بِأوْقاتِها المُعَيَّنَةِ، والصَّوْمَ بِرَمَضانَ مَثَلُهُ كَتَخْصِيصِ الحَجِّ بِعَرَفاتٍ، والزَّكاةِ بِالمَساكِينِ والصَّلاةِ بِالقِبْلَةِ، والقَتْلِ بِالكافِرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الأمْرَ لا يَسْتَلْزِمُ القَضاءَ - وهُمُ الجُمْهُورُ - اخْتَلَفُوا في إعادَةِ الصَّلاةِ المَتْرُوكَةِ عَمْدًا عَلى قَوْلِهِمْ: إنَّ تارِكَها غَيْرُ كافِرٍ، فَذَهَبَ جُمْهُورُهم إلى وُجُوبِ إعادَتِها، قالُوا: نَحْنُ نَقُولُ: إنَّ القَضاءَ لا بُدَّ لَهُ مِن أمْرٍ جَدِيدٍ، ولَكِنَّ الصَّلاةَ المَتْرُوكَةَ عَمْدًا جاءَتْ عَلى قَضائِها أدِلَّةٌ، مِنها: قِياسُ العامِدِ عَلى النّاسِي والنّائِمِ المَنصُوصِ عَلى وُجُوبِ القَضاءِ عَلَيْهِما، قالُوا: فَإذا وجَبَ القَضاءُ عَلى النّائِمِ والنّاسِي فَهو واجِبٌ عَلى العامِدِ مِن بابٍ أوْلى، وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: ومِمّا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ القَضاءِ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ المُجامِعَ في نَهارِ (p-٤٦٤)رَمَضانَ أنْ يَصُومَ يَوْمًا مَعَ الكَفّارَةِ»، أيْ: بَدَلَ اليَوْمِ الَّذِي أفْسَدَهُ بِالجِماعِ عَمْدًا، رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ، ورَوى أبُو داوُدَ نَحْوَهُ. انْتَهى كَلامُ النَّوَوِيِّ.
وَمِن أقْوى الأدِلَّةِ عَلى وُجُوبِ القَضاءِ عَلى التّارِكِ عَمْدًا عُمُومُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقْضى»، فَقَوْلُهُ: ”دَيْنُ اللَّهِ“ اسْمُ جِنْسٍ مُضافٌ إلى مَعْرِفَةٍ فَهو عامٌّ في كُلِّ دَيْنٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٤]، فَهو عامٌّ في كُلِّ نِعْمَةٍ، ولا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ المَتْرُوكَةَ عَمْدًا دَيْنُ اللَّهِ في ذِمَّةِ تارِكِها، فَدَلَّ عُمُومُ الحَدِيثِ عَلى أنَّها حَقِيقَةٌ جَدِيرَةٌ بِأنْ تُقْضى، ولا مُعارِضَ لِهَذا العُمُومِ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ عَلى التّارِكِ لِلصَّلاةِ عَمْدًا قَضاءٌ؛ لِأنَّ القَضاءَ يَحْتاجُ إلى أمْرٍ جَدِيدٍ ولَمْ يَأْتِ أمْرٌ جَدِيدٌ بِقَضاءِ التّارِكِ عَمْدًا، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا ابْنُ حَزْمٍ واخْتارَهُ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
والأمْرُ لا يَسْتَلْزِمُ القَضاءْ بَلْ هو بِالأمْرِ الجَدِيدِ جاءْ لِأنَّهُ في زَمَنٍ مُعَيَّنِ يَجِي لِما عَلَيْهِ مِن نَفْعٍ بُنِي وخالَفَ الرّازِيُّ إذِ المُرَكَّبْ لِكُلِّ جُزْءٍ حُكْمُهُ يَنْسَحِبْ
* *
تَنْبِيهٌ
سَبَبُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّها تَجاذَبَها أصْلانِ مُخْتَلِفانِ، فَنَظَرَتْ كُلُّ طائِفَةٍ إلى أحَدِ الأصْلَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ:
أحَدُهُما: الأمْرُ بِالمُرَكَّبِ أمْرٌ بِأجْزائِهِ، وإلَيْهِ نَظَرَ الحَنَفِيَّةُ ومَن وافَقَهم.
والثّانِي: الأمْرُ بِالعِبادَةِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ لا يَكُونُ إلّا لِمَصْلَحَةٍ تَخْتَصُّ بِالوَقْتِ المَذْكُورِ، وإلَيْهِ نَظَرَ الجُمْهُورُ، ومِثْلُ هَذا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِلِاخْتِلافِ في المَسْألَةِ كَما أشارَ لَهُ الشَّيْخُ مَيّارَةُ في التَّكْمِيلِ، بِقَوْلِهِ:
وَإنْ يَكُنْ في الفَرْعِ تَقْرِيرانِ بِالمَنعِ والجَوازِ فالقَوْلانِ
مريم 19:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾، بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ وعَدَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ جَنّاتِ عَدْنٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ مَأْتِيٌّ، بِمَعْنى أنَّهم يَأْتُونَهُ ويَنالُونَ ما وُعِدُوا بِهِ؛ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا لا يُخْلِفُ (p-٤٦٥)المِيعادَ، وأشارَ لِهَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ الآيَةَ [الروم: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [الرعد: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٧ - ١٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٥ - ١٦]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلِهِ: مَأْتِيًّا، اسْمُ مَفْعُولِ ”أتاهُ“: إذا جاءَهُ، والمَعْنى: أنَّهم لا بُدَّ أنْ يَأْتُونَ ما وُعِدُوا بِهِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ مَأْتِيًّا، صِيغَةُ مَفْعُولٍ أُرِيدَ بِها الفاعِلُ، أيْ: كانَ وعْدُهُ آتِيًا، إذْ لا داعِيَ لِهَذا مَعَ وُضُوحِ ظاهِرِ الآيَةِ.
* *
تَنْبِيهٌ
مَثَّلَ بَعْضُ عُلَماءِ البَلاغَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِنَوْعٍ مِن أنْواعِ البَدَلِ، وهو بَدَلُ الكُلِّ مِنَ البَعْضِ، قالُوا: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [مريم: ٦١]، بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [مريم: ٦٠]، بَدَلُ كُلٍّ مِن بَعْضٍ.
قالُوا: ومِن أمْثِلَةِ بَدَلِ الكُلِّ مِنَ البَعْضِ قَوْلُهُ:
؎رَحِمَ اللَّهُ أعْظُمًا دَفَنُوها بِسِجِسْتانَ طَلْحَةَ الطَّلَحاتِ
فَـ ”طَلْحَةُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ”أعْظُمًا“ بَدَلُ كُلٍّ مِن بَعْضٍ، وعَلَيْهِ فَأقْسامُ البَدَلِ سِتَّةٌ: بَدَلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وبَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، وبَدَلُ الكُلِّ مِنَ البَعْضِ، وبَدَلُ الِاشْتِمالِ، وبَدَلُ البَداءِ، وبَدَلُ الغَلَطِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ولا يَتَعَيَّنُ عِنْدِي في الآيَةِ والبَيْتِ كَوْنُ البَدَلِ بَدَلَ كُلٍّ مِن بَعْضٍ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ في قَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لِلْجِنْسِ، وإذا كانَ لِلْجِنْسِ جازَ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ الجَنّاتِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾، بَدَلًا مِنَ الجَنَّةَ بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ المُرادَ (p-٤٦٦)بِالأوَّلِ الجَمْعُ كَما تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ، والأعْظُمُ في البَيْتِ كِنايَةٌ عَنِ الشَّخْصِ، ”فَطَلْحَةُ“ بَدَلٌ مِنهُ، بَدَلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، لِأنَّهم لَمْ يَدْفِنُوا الأعْظُمَ وحْدَها، بَلْ دَفَنُوا الشَّخْصَ المَذْكُورَ جَمِيعَهُ، أعْظُمَهُ وغَيْرَها مِن بَدَنِهِ، وعَبَّرَ هو عَنْهُ بِالأعْظُمِ.
مريم 19:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُؤْمِنِينَ إذا أدْخَلَهم رَبُّهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَهم ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾ [مريم: ٦٢]، أيْ: في الجَنّاتِ المَذْكُورَةِ لَغْوًا، أيْ: كَلامًا تافِهًا ساقِطًا كَما يُسْمَعُ في الدُّنْيا، واللَّغْوُ: هو فُضُولُ الكَلامِ، وما لا طائِلَ تَحْتَهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ فُحْشُ الكَلامِ وباطِلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ، وقِيلَ العَجّاجِ:
؎وَرَبِّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ
كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ .
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إلّا سَلامًا، اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ يَسْمَعُونَ فِيها سَلامًا، لِأنَّهم يُسَلِّمُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وتُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، كَما تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ لَهُ هُنا جاءَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أيْضًا
• كَقَوْلِهِ في ”الواقِعَةِ“: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦]، وقَدْ جاءَ الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٧]:
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦]،
• وكَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٩]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَكُلُّ الِاسْتِثْناءاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ مُنْقَطِعَةٌ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ قَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ:
؎وَقَفْتُ فِيها أُصَيْلانًا أُسائِلُها ∗∗∗ عَيَّتْ جَوابًا وما بِالرَّبْعِ مِن أحَدِ
؎إلّا الأوارِيَّ لَأْيًا ما أُبَيِّنُها ∗∗∗ والنُّؤْيَ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ
فالأوارِيُّ الَّتِي هي مَرابِطُ الخَيْلِ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ ”الأحَدِ“ .
وَقَوْلُ الفَرَزْدَقِ:(p-٤٦٧)
؎وَبِنْتِ كَرِيمٍ قَدْ نَكَحْنا ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَها خاطِبٌ إلّا السِّنانَ وعامِلَهْ
وَقَوْلُ جِرانِ العَوْدِ:
؎وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
”فالسِّنانُ“ لَيْسَ مِن جِنْسِ ”الخاطِبِ“ و ”اليَعافِيرُ والعِيسُ“ لَيْسَ واحِدٌ مِنهُما مِن جِنْسِ ”الأنِيسِ“ .
وَقَوْلُ ضِرارِ بْنِ الأزْوَرِ:
؎أُجاهِدُ إذْ كانَ الجِهادُ غَنِيمَةً ∗∗∗ ولَلَّهُ بِالعَبْدِ المُجاهِدِ أعْلَمْ
؎عَشِيَّةً لا تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ∗∗∗ ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرِقِيَّ المُصَمِّمْ
وَبِهَذا الَّذِي ذَكَرْنا تَعَلْمُ صِحَّةَ وُقُوعِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ كَما عَلَيْهِ جَماهِيرُ الأُصُولِيِّينَ خِلافًا لِلْإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وبَعْضِ الشّافِعِيَّةِ القائِلِينَ: بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ إخْراجُ ما دَخَلَ في اللَّفْظِ، وغَيْرُ جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ لَمْ يَدْخُلْ في اللَّفْظِ أصْلًا حَتّى يَخْرُجَ بِالِاسْتِثْناءِ.
* *
تَنْبِيهاتٌ
الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ الفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ والمُنْقَطِعِ يَحْصُلُ بِأمْرَيْنِ يَتَحَقَّقُ بِوُجُودِهِما أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وإنِ اخْتَلَّ واحِدٌ مِنهُما فَهو مُنْقَطِعٌ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، نَحْوُ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، فَإنْ كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ فَهو مُنْقَطِعٌ، نَحْوُ: جاءَ القَوْمُ إلّا حِمارًا، والثّانِي: أنْ يَكُونَ الحُكْمُ عَلى المُسْتَثْنى بِنَقِيضِ الحُكْمِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ نَقِيضَ الإثْباتِ النَّفْيُ كالعَكْسِ، ومِن هُنا كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتًا، ومِنَ الإثْباتِ نَفْيًا، فَإنْ كانَ الحُكْمُ عَلى المُسْتَثْنى لَيْسَ نَقِيضَ الحُكْمِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ فَهو مُنْقَطِعٌ ولَوْ كانَ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦]، اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عَلى التَّحْقِيقِ، مَعَ أنَّ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وإنَّما كانَ مُنْقَطِعًا في الآيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَحْكم عَلى المُسْتَثْنى بِنَقِيضِ الحُكْمِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ، فَنَقِيضُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا﴾، هو: يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ، وهَذا النَّقِيضُ الَّذِي هو ذَوْقُ المَوْتِ في الآخِرَةِ لَمْ يُحْكَمْ بِهِ عَلى المُسْتَثْنى بَلْ حُكِمَ بِالذَّوْقِ في الدُّنْيا، ونَقِيضُ (p-٤٦٨)﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ كُلُوها بِالباطِلِ ولَمْ يَحْكم بِهِ في المُسْتَثْنى.
فَتَحَصَّلَ أنَّ انْقِطاعَ الِاسْتِثْناءِ قِسْمانِ: أحَدُهُما بِالحُكْمِ عَلى غَيْرِ جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ أخَوَيْكَ إلّا ثَوْبًا، الثّانِي: بِالحُكْمِ بِغَيْرِ النَّقِيضِ، نَحْوُ: رَأيْتُ أخَوَيْكَ إلّا زَيْدًا لَمْ يُسافِرْ.
* *
التَّنْبِيهُ الثّانِي
اعْلَمْ أنَّهُ يُبْنى عَلى الخِلافِ في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بَعْضُ الفُرُوعِ الفِقْهِيَّةِ، فَلَوْ أقَرَّ رَجُلٌ لِآخَرَ فَقالَ لَهُ: عَلَيَّ ألْفُ دِينارٍ إلّا ثَوْبًا، فَعَلى القَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ يَكُونُ قَوْلُهُ ”إلّا ثَوْبًا“ لَغْوًا وتَلْزَمُهُ الألْفُ كامِلَةً، وعَلى القَوْلِ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ لا يُلْغى قَوْلُهُ ”إلّا ثَوْبًا“ وتَسْقُطُ قِيمَةُ الثَّوْبِ مِنَ الألْفِ، والَّذِينَ قالُوا تَسْقُطُ قِيمَتُهُ اخْتَلَفُوا في تَوْجِيهِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَجازٌ، وأنَّهُ أطْلَقَ الثَّوْبَ وأرادَ قِيمَتَهُ، والثّانِي: أنَّ فِيهِ إضْمارًا، أيْ: حَذْفَ مُضافٍ، يَعْنِي: إلّا قِيمَةَ ثَوْبٍ، فَمَن قالَ يُقَدَّمُ المَجازُ عَلى الإضْمارِ قالَ ”إلّا ثَوْبًا“ مَجازٌ، أطْلَقَ الثَّوْبَ وأرادَ القِيمَةَ، كَإطْلاقِ الدَّمِ عَلى الدِّيَةِ، ومَن قالَ يُقَدَّمُ الإضْمارُ عَلى المَجازِ قالَ ”إلّا ثَوْبًا“، أيْ: إلّا قِيمَةَ ثَوْبٍ، واعْتَمَدَ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ تَقْدِيمَ المَجازِ عَلى الإضْمارِ في قَوْلِهِ:
؎وَبَعْدَ تَخْصِيصٍ مَجازٌ يَلِي الإضْمارُ فالنَّقْلُ عَلى المُعَوَّلِ
وَمَعْنى البَيْتِ: أنَّ المُقَدَّمَ عِنْدَهُمُ التَّخْصِيصُ، ثُمَّ المَجازُ، ثُمَّ الإضْمارُ، ثُمَّ النَّقْلُ، مِثالُ تَقْدِيمِ التَّخْصِيصِ عَلى المَجازِ إذا احْتَمَلَ اللَّفْظُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ؛ لِأنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ كالذِّمِّيِّينَ والمُعاهِدِينَ أخْرَجَهم دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ المُشْرِكِينَ، ويَحْتَمِلُ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَجازِ أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ، أطْلَقَ فِيهِ الكُلَّ وأرادَ البَعْضَ، فَيُقَدَّمُ التَّخْصِيصُ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ اللَّفْظَ يَبْقى حَقِيقَةً في ما لَمْ يُخْرِجْهُ المُخَصِّصُ، والحَقِيقَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى المَجازِ.
الثّانِي أنَّ اللَّفْظَ يَبْقى مُسْتَصْحَبًا في الأفْرادِ الباقِيَةِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى قَرِينَةٍ، ومِثالُ تَقْدِيمِ المَجازِ عَلى الإضْمارِ عِنْدَ احْتِمالِ اللَّفْظِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، قَوْلُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِنهُ سِنًّا: أنْتَ أبِي، يَحْتَمِلُ أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ، مِن إطْلاقِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ، أيْ: أنْتَ عَتِيقٌ؛ لِأنَّ الأُبُوَّةَ يَلْزَمُها العِتْقُ، ويَحْتَمِلُ الإضْمارَ، أيْ: أنْتَ مِثْلُ أبِي في الشَّفَقَةِ والتَّعْظِيمِ، فَعَلى الأوَّلِ يُعْتَقُ، وعَلى الثّانِي: لا يُعْتَقُ، ومِن أمْثِلَتِهِ المَسْألَةُ الَّتِي (p-٤٦٩)نَحْنُ بِصَدَدِها، ومِثالُ تَقْدِيمِ الإضْمارِ عَلى النَّقْلِ عِنْدَ احْتِمالِ اللَّفْظِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، يَحْتَمِلُ الإضْمارَ، أيْ: أخْذُ الرِّبا وهو الزِّيادَةُ في بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ مَثَلًا، وعَلى هَذا لَوْ حُذِفَ الدِّرْهَمُ الزّائِدُ لَصَحَّ البَيْعُ في الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ، ويَحْتَمِلُ نَقْلَ الرِّبا إلى مَعْنى العَقْدِ، فَيَمْتَنِعُ عَقْدُ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ، ولَوْ حُذِفَ الزّائِدُ فَلا بُدَّ مِن عَقْدٍ جَدِيدٍ مُطْلَقًا.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرُوهُما في: ”لَهُ عَلَيَّ ألْفُ دِينارٍ إلّا ثَوْبًا“، وهُما الإضْمارُ والنَّقْلُ يَرْجِعُ الِاسْتِثْناءُ إلى كَوْنِهِ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ قِيمَةَ الثَّوْبِ مِن جِنْسِ الألْفِ الَّتِي أقَرَّ بِها، سَواءٌ قُلْنا إنَّ القِيمَةَ مُضْمَرَةٌ، أوْ قُلْنا إنَّها مُعَبَّرٌ عَنْها بِلَفْظِ الثَّوْبِ.
* *
التَّنْبِيهُ الثّالِثُ
اعْلَمْ أنَّ الخِلافَ في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ هو في الحَقِيقَةِ خِلافٌ لَفْظِيٌّ؛ لِأنَّ الَّذِينَ مَنَعُوهُ لَمْ يَمْنَعُوهُ بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما قالُوا: إنَّهُ لَيْسَ مِن الِاسْتِثْناءِ الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ أداةَ الِاسْتِثْناءِ فِيهِ بِمَعْنى ”لَكِنْ“ فَهو إلى الِاسْتِدْراكِ أقْرَبُ مِنهُ إلى الِاسْتِثْناءِ، وبَعْضُ القائِلِينَ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ يَقُولُ: إنَّ الثَّوْبَ في المِثالِ المُتَقَدِّمِ لَغْوٌ، ويُعَدُّ نَدَمًا مِنَ المُقِرِّ بِالألْفِ، والنِّسْبَةُ بَيْنَ الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ والمُنْقَطِعِ عِنْدَ القائِلِينَ بِهِ، قِيلَ إنَّها نِسْبَةُ تَواطُؤٍ، وقِيلَ: إنَّها مِن قَبِيلِ الِاشْتِراكِ، وإلى مَسْألَةِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ والفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُتَّصِلِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ، بِقَوْلِهِ:
؎والحُكْمُ بِالنَّقِيضِ لِلْحُكْمِ حَصَلْ لِما عَلَيْهِ الحُكْمُ قَبْلُ مُتَّصِلْ
؎وَغَيْرُهُ مُنْقَطِعٌ ورَجَّحا ∗∗∗ جَوازَهُ وهو مَجازٌ أوْضَحا
؎فَلْتُنْمِ ثَوابًا بَعْدَ ألْفِ دِرْهَمِ ∗∗∗ لِلْحَذْفِ والمَجازِ أوْ لِلنَّدَمِ
؎وَقِيلَ بِالحَذْفِ لَدى الإقْرارِ ∗∗∗ والعَقْدُ مَعْنى الواوِ فِيهِ جارِ
؎بِشَرِكَةٍ وبِالتَّواطِي قالَ ∗∗∗ بَعْضٌ وأوْجَبَ فِيهِ الِاتِّصالا
وَما ذَكَرْنا مِن أنَّ الِاسْتِثْناءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢]، مُنْقَطِعٌ، هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ تَأْكِيدِ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، كَقَوْلِ نابِغَةَ ذُبْيانَ:
؎وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
(p-٤٧٠)وَقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَمًا يَكُ فِيَّ مِن عَيْبٍ فَإنِّي ∗∗∗ جَبانُ الكَلْبِ مَهْزُولُ الفَصِيلِ
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”بَراءَةَ“ .
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾، فِيهِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: ما وجْهُ ذِكْرِ البُكْرَةِ والعَشِيِّ، مَعَ أنَّ الجَنَّةَ ضِياءٌ دائِمٌ ولا لَيْلَ فِيها، ولِلْعُلَماءِ عَنْ هَذا السُّؤالِ أجْوِبَةٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالبُكْرَةِ والعَشِيِّ قَدْرُ ذَلِكَ مِنَ الزَّمَنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبإ: ١٢]، أيْ: قَدْرُ شَهْرٍ، ورُوِيَ مَعْنى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِما.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّ العَرَبَ كانَتْ في زَمَنِها تَرى أنَّ مَن وجَدَ غَداءً وعَشاءً فَذَلِكَ النّاعِمُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُرَغِّبَةً لَهم وإنْ كانَ في الجَنَّةِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ويُرْوى هَذا عَنْ قَتادَةَ، والحَسَنِ، ويَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ.
الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ الدَّوامِ بِالبُكْرَةِ والعَشِيِّ، والمَساءِ والصَّباحِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: أنا عِنْدَ فُلانٍ صَباحًا ومَساءً، وبُكْرَةً وعَشِيًّا، يُرِيدُ الدَّيْمُومَةَ ولا يَقْصِدُ الوَقْتَيْنِ المَعْلُومَيْنِ.
الجَوابُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ البُكْرَةُ هي الوَقْتَ الَّذِي قَبْلَ اشْتِغالِهِمْ بِلَذّاتِهِمْ، والعَشِيُّ: هو الوَقْتُ الَّذِي بَعْدَ فَراغِهِمْ مِن لَذّاتِهِمْ؛ لِأنَّهُ يَتَخَلَّلُها فَتَراتُ انْتِقالٍ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهَذا يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الجَوابِ الأوَّلِ.
الجَوابُ الخامِسُ: هو ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ الحَكِيمُ في ) نَوادِرِ الأُصُولِ (مِن حَدِيثِ أبانٍ عَنِ الحَسَنِ وأبِي قِلابَةَ، قالا: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ في الجَنَّةِ مِن لَيْلٍ ؟ قالَ: ”وَما يُهَيِّجُكَ عَلى هَذا“ ؟ قالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ: ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾، فَقُلْتُ: اللَّيْلُ بَيْنَ البُكْرَةِ والعَشِيِّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَيْسَ هُناكَ لَيْلٌ، إنَّما هو ضَوْءٌ ونُورٌ، يَرِدُ الغُدُوُّ عَلى الرَّواحِ والرَّواحُ عَلى الغُدُوِّ، تَأْتِيهِمْ طُرَفُ الهَدايا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمَواقِيتِ الصَّلاةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ فِيها في الدُّنْيا، وتُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ»“ . انْتَهى (p-٤٧١)بِواسِطَةِ نَقْلِ صاحِبِ الدُّرِّ المَنثُورِ والقُرْطُبِيِّ في تَفْسِيرِهِ، وقالَ القُرْطُبِيُّ بَعْدَ أنْ نَقَلَ هَذا: وهَذا في غايَةِ البَيانِ لِمَعْنى الآيَةِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في كِتابِ) التَّذْكِرَةِ (، ثُمَّ قالَ: وقالَ العُلَماءُ لَيْسَ في الجَنَّةِ لَيْلٌ ولا نَهارٌ، وإنَّما هم في نُورٍ أبَدًا، إنَّما يَعْرِفُونَ مِقْدارَ اللَّيْلِ مِنَ النَّهارِ بِإرْخاءِ الحُجُبِ، وإغْلاقِ الأبْوابِ، ويَعْرِفُونَ مِقْدارَ النَّهارِ بِرَفْعِ الحُجُبِ، وفَتْحِ الأبْوابِ، ذَكَرَهُ أبُو الفَرَجِ الجَوْزِيُّ والمَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُما. انْتَهى مِنهُ، وهَذا الجَوابُ الأخِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الحَسَنِ وأبِي قِلابَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ راجِعٌ إلى الجَوابِ الأوَّلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. \ ٥٠
مريم 19:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾، الإشارَةُ في قَوْلِهِ: تِلْكَ [مريم: ٦٣]، إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ الآيَةَ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُورِثُ المُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ جَنَّتَهُ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الآياتِ [آل عمران: ١٣٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ الآيَةَ [الزمر: ٧١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمَعْنى إيراثِهِمُ الجَنَّةَ: الإنْعامُ عَلَيْهِمْ بِالخُلُودِ فِيها في أكْمَلِ نَعِيمٍ وسُرُورٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ) الكَشّافِ (: نُورِثُ أيْ: نُبْقِي عَلَيْهِ الجَنَّةَ كَما نُبْقِي عَلى الوارِثِ مالَ المَوْرُوثِ، ولِأنَّ الأتْقِياءَ يَلْقَوْنَ رَبَّهم يَوْمَ القِيامَةِ قَدِ انْقَضَتْ أعْمالُهم، وثَمَرَتُها باقِيَةٌ وهي الجَنَّةُ، فَإذا أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ فَقَدْ أوْرَثَهم مِن تَقْواهم كَما يُورِثُ الوارِثُ المالَ مِنَ المُتَوَفّى، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى إيراثِهِمُ الجَنَّةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِكُلِّ نَفْسٍ مَنزِلًا في الجَنَّةِ، ومَنزِلًا في النّارِ، فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ؛ أراهم مَنازِلَهم في النّارِ لَوْ كَفَرُوا وعَصَوُا اللَّهَ لِيَزْدادَ سُرُورُهم وغِبْطَتُهم؛ وعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٤٣]، وكَذَلِكَ يَرى أهْلُ النّارِ مَنازِلَهم في الجَنَّةِ لَوْ آمَنُوا واتَّقَوُا اللَّهَ لِتَزْدادَ نَدامَتُهم وحَسْرَتُهم، وعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الواحِدُ مِنهم: (p-٤٧٢)﴿لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ مَنازِلَ أهْلِ الجَنَّةِ في النّارِ لِأهْلِ النّارِ، ومَنازِلَ أهْلِ النّارِ في الجَنَّةِ لِأهْلِ الجَنَّةِ فَيَرِثُونَ مَنازِلَ أهْلِ النّارِ في الجَنَّةِ، وهَذا هو مَعْنى الإيراثِ المَذْكُورِ عَلى هَذا القَوْلِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: قَدْ جاءَ حَدِيثٌ يَدُلُّ لِما ذُكِرَ مِن أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مَنزِلًا في الجَنَّةِ ومَنزِلًا في النّارِ، إلّا أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ صَوابٍ؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَرِثُونَ مِنَ الجَنَّةِ مَنازِلَهُمُ المُعَدَّةَ لَهم بِأعْمالِهِمْ وتَقْواهم، كَما قَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، ولَوْ فَرَضْنا أنَّهم يَرِثُونَ مَنازِلَ أهْلِ النّارِ فَحَمْلُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ يُوهِمُ أنَّهم لَيْسَ لَهم في الجَنَّةِ إلّا ما أُورِثُوا مِن مَنازِلِ أهْلِ النّارِ والواقِعُ بِخِلافِ ذَلِكَ كَما تَرى، والحَدِيثُ المَذْكُورُ هو ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ، والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «كُلُّ أهْلِ الجَنَّةِ يَرى مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ فَيَقُولُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ، هَدانِي فَيَكُونُ لَهُ أشْكْرَ، وكُلُّ أهْلِ النّارِ يَرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ فَيَقُولُ: لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي، فَيَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةً» اهـ، وعَلَّمَ في الجامِعِ الصَّغِيرِ عَلى هَذا الحَدِيثِ عَلامَةَ الصِّحَّةِ، وقالَ شارِحُهُ المُناوِيُّ: قالَ الحاكِمُ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِهِما وأقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وقالَ الهَيْثَمِيُّ رِجالُ أحْمَدَ رِجالُ الصَّحِيحِ. اهـ.
مريم 19:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ .
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وجَدَ عِظامًا بالِيَةً فَفَتَّتَها بِيَدِهِ وقالَ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ ؟ قالَهُ الكَلْبِيُّ، وذَكَرَهُ الواحِدِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأصْحابِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وعَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ فَقَدْ أسْنَدَ تَعالى هَذا القَوْلَ لِجِنْسِ الإنْسانِ وهو صادِرٌ مِن بَعْضِ أفْرادِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ مِن أسالِيبِ العَرَبِيَّةِ إسْنادَ الفِعْلِ إلى المَجْمُوعِ، مَعَ أنَّ فاعِلَهُ بَعْضُهم لا جَمِيعُهم، ومِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ في ذَلِكَ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: فَإنْ قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم [البقرة: ١٩١]، مِنَ القَتْلِ في الفِعْلَيْنِ، أيْ: فَإنْ قَتَلُوا بَعْضَكم فَلْيَقْتُلْهم بَعْضُكُمُ الآخَرُ، كَما تَقَدَّمَ مِرارًا، ومِن أظْهَرِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وقَدْ ضَرَبُوا بِهِ نَبا بِيَدَيْ ورْقاءَ عَنْ رَأْسِ خالِدِ
(p-٤٧٣)فَقَدْ أسْنَدَ الضَّرْبَ إلى بَنِي عَبْسٍ، مَعَ أنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّ الضّارِبَ الَّذِي بِيَدِهِ السَّيْفُ هو ورْقاءُ وهو ابْنُ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ العَبْسِيُّ، وخالِدٌ هو ابْنُ جَعْفَرٍ الكِلابِيُّ، وقِصَّةُ قَتْلِهِ لِزُهَيْرٍ المَذْكُورِ مَشْهُورَةٌ.
وَقَدْ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ هَذا الإنْسانَ الكافِرَ يَقُولُ مُنْكِرًا البَعْثَ: ﴿أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ زَعْمًا مِنهُ أنَّهُ إذا ماتَ لا يُمْكِنُ أنْ يَحْيا بَعْدَ المَوْتِ، وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مَقالَتَهُ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾، يَعْنِي: أيَقُولُ الإنْسانُ مَقالَتَهُ هَذِهِ في إنْكارِ البَعْثِ، ولا يَذْكُرُ أنّا أوْجَدْناهُ الإيجادَ الأوَّلَ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، بَلْ كانَ عَدَمًا فَأوْجَدْناهُ، وإيجادُنا لَهُ المَرَّةَ الأُولى دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى قُدْرَتِنا عَلى إيجادِهِ بِالبَعْثِ مَرَّةً أُخْرى.
وَهَذا البُرْهانُ الَّذِي أشارَ لَهُ هُنا قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ والنَّحْلِ وغَيْرِهِما،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَرْوِيهِ ﷺ عَنْ رَبِّهِ: ”«يَقُولُ اللَّهُ تَعالى كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يُكَذِّبَنِي، وآذانِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يُؤْذِيَنِي، أمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَما بَدَأنِي؛ ولَيْسَ أوَّلُ الخَلْقِ أهْوَنَ عَلَيَّ مِن آخِرِهِ، وأمّا أذاهُ إيّايَ، فَقَوْلُهُ إنَّ لِي ولَدًا، وأنا الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ“»، فَإنْ قِيلَ: أيْنَ العامِلُ في الظَّرْفِ الَّذِي هو إذا، فالجَوابُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ جَزاءُ الشَّرْطِ؛ وتَقْدِيرُهُ: أأُخْرَجُ حَيًّا إذا ما مِتُّ ؟ أيْ: حِينَ يَتَمَكَّنُ فِيَّ المَوْتُ والهَلاكُ أُخْرَجُ حَيًّا، يَعْنِي لا يُمْكِنُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا تَقُولُ بِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ أُخْرَجُ، المَذْكُورِ في (p-٤٧٤)قَوْلِهِ: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾، عَلى العادَةِ المَعْرُوفَةِ، مِن أنَّ العامِلَ في ”إذا“ هو جَزاؤُها ؟ فالجَوابُ: أنَّ لامَ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾، مانِعَةٌ مِن عَمَلِ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها كَما هو مَعْلُومٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: اليَوْمَ لَزَيْدٌ قائِمٌ؛ تَعْنِي لَزَيْدٌ قائِمٌ اليَوْمَ، وما زَعَمَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ حَرْفَ التَّنْفِيسِ الَّذِي هو سَوْفَ مانِعٌ مِن عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ أيْضًا، حَتّى إنَّهُ عَلى قِراءَةِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ: ”أئِذا ما مِتُّ سَأُخْرَجُ حَيًّا“ بِدُونِ اللّامِ يَمْتَنِعُ نَصْبُ ”إذا“ بِـ ”أُخْرَجُ“ المَذْكُورَةِ؛ فَهو خِلافُ التَّحْقِيقِ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ حَرْفَ التَّنْفِيسِ لا يَمْنَعُ مِن عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، ودَلِيلُهُ وُجُودُهُ في كَلامِ العَرَبِ؛ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَلَمّا رَأتْهُ أُمُّنا هانَ وجْدُها ∗∗∗ وقالَتْ أبُونا هَكَذا سَوْفَ يَفْعَلُ
فَقَوْلُهُ ”هَكَذا“ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ ”يَفْعَلُ“ كَما أوْضَحَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، وعَلَيْهِ فَعَلى قِراءَةِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ فَقَوْلُهُ: ”إذا“ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”أُخْرَجُ“ لِعَدَمِ وُجُودِ اللّامِ فِيها وعَدَمِ مَنعِ حَرْفِ التَّنْفِيسِ مِن عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ.
* *
تَنْبِيهٌ
فَإنْ قُلْتَ: لامُ الِابْتِداءِ الدّاخِلَةُ عَلى المُضارِعِ تُعْطِي مَعْنى الحالِ، فَكَيْفَ جامَعَتْ حَرْفَ التَّنْفِيسِ الدّالَّ عَلى الِاسْتِقْبالِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ اللّامَ هُنا جُرِّدَتْ مِن مَعْنى الحالِ، وأُخْلِصَتْ لِمَعْنى التَّوْكِيدِ فَقَطْ، ولِذَلِكَ جامَعَتْ حَرْفَ الِاسْتِقْبالِ كَما بَيَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ بِأنَّ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ مَن يَمْنَعُ أنَّ اللّامَ المَذْكُورَةَ تُعْطِي مَعْنى الحالِ، وعَلى قَوْلِهِ يَسْقُطُ الإشْكالُ مِن أصْلِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾، لَمّا أقامَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا البُرْهانَ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧]، أقْسَمَ جَلَّ وعَلا بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ يَحْشُرُهم - أيِ: الكافِرِينَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ - وغَيْرَهم مِنَ النّاسِ، ويَحْشُرُ مَعَهُمُ الشَّياطِينُ الَّذِينَ كانُوا يُضِلُّونَهم في الدُّنْيا، وأنَّهُ يُحْضِرُهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، وهَذانِ الأمْرانِ اللَّذانِ ذَكَرَهُما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أشارَ إلَيْهِما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، أمّا حَشْرُهُ لَهم ولِشَياطِينِهِمْ فَقَدْ أشارَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]، (p-٤٧٥)عَلى أحَدِ التَّفْسِيراتِ، وقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [الزخرف: ٣٨] .
وَأمّا إحْضارُهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، فَقَدْ أشارَ لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: جِثِيًّا، جَمْعُ جاثٍ، والجاثِي: اسْمُ فاعِلِ: جَثا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثى يَجْثِي جِثِيًّا: إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتَيْهِ أوْ قامَ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ، والعادَةُ عِنْدَ العَرَبِ: أنَّهم إذا كانُوا في مَوْقِفِ ضَنْكٍ وأمْرٍ شَدِيدٍ، جَثَوْا عَلى رُكَبِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
فَمَن لِلْحُماةِ ومَن لِلْكُماةِ إذا ما الكُماةُ جَثَوْا لِلرُّكَبْ إذا قِيلَ ماتَ أبُو مالِكٍ فَتى المُكْرَماتِ قَرِيعُ العَرَبْ وكَوْنُ مَعْنى قَوْلِهِ: جِثِيًّا في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٢٨]، أنَّهُ جِثِيُّهم عَلى رُكَبِهِمْ هو الظّاهِرُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِ، وهو الإطْلاقُ المَشْهُورُ في اللُّغَةِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ:
؎هم تَرَكُوا سَراتَهم جِثِيًّا وهم دُونَ السَّراةِ مُقَرَّنِينا
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: جِثِيًّا، أنَّ مَعْناهُ: جَماعاتٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ جِثِيًّا، أيْ: جَمْعًا جَمْعًا، وهو عَلى هَذا القَوْلِ جَمْعُ ”جُثْوَةٍ“ مُثَلَّثَةُ الجِيمِ، وهي الحِجارَةُ المَجْمُوعَةُ والتُّرابُ المَجْمُوعُ، فَأهْلُ الخَمْرِ يَحْضُرُونَ حَوْلَ جَهَنَّمَ عَلى حِدَةٍ، وأهْلُ الزِّنى عَلى حِدَةٍ؛ وأهْلُ السَّرِقَةِ عَلى حِدَةٍ.؛ وهَكَذا، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما ∗∗∗ صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ
هَكَذا قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، ولَكِنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ ”فُعْلَةً“ كَجُثْوَةٍ، لَمْ يُعْهَدْ جَمْعُها عَلى فُعُولٍ كَجُثِيٍّ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ جِثِيًّا بِكَسْرِ الجِيمِ إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ بَعْدَهُ وقَرَأ الباقُونَ: ”جُثِيًّا“ بِضَمِّ الجِيمِ عَلى الأصْلِ.
مريم 19:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ .
قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: لَنَنْزِعَنَّ [مريم: ٦٩]، أيْ: لَنَسْتَخْرِجَنَّ (p-٤٧٦)﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾، أيْ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ أهْلِ دِينٍ واحِدٍ، وأصْلُ الشِّيعَةِ فِعْلَةٌ كَفِرْقَةٍ، وهي الطّائِفَةُ الَّتِي شاعَتْ غَيْرَها، أيْ: تَبِعَتْهُ في هُدًى أوْ ضَلالٍ؛ تَقُولُ العَرَبُ: شاعَهُ شِياعًا: إذا تَبِعَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، أيْ: لَنَسْتَخْرِجَنَّ ولَنُمَيِّزَنَّ مِن كُلِّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الغَيِّ والفَسادِ أعَصاهم فَأعْصاهم، وأعْتاهم فَأعْتاهم، فَيُبْدَأُ بِتَعْذِيبِهِ وإدْخالِهِ النّارَ عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمْ في الكُفْرِ، والإضْلالِ والضَّلالِ، وهَذا هو الظّاهِرُ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الرُّؤَساءَ القادَةَ في الكُفْرِ يُعَذَّبُونَ قَبْلَ غَيْرِهِمْ ويُشَدَّدُ عَلَيْهِمُ العَذابُ لِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَدُلُّ عَلى هَذا،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، ولِأجْلِ هَذا كانَ في أُمَمِ النّارِ أُولى وأُخْرى، فالأُولى: الَّتِي يُبْدَأُ بِعَذابِها وبِدُخُولِها النّارَ، والأُخْرى الَّتِي تَدْخُلُ بَعْدَها عَلى حَسَبِ تَفاوُتِهِمْ في أنْواعِ الكُفْرِ والضَّلالِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨ - ٣٩] .
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠]، يَعْنِي: أنَّهُ جَلَّ وعَلا أعْلَمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ مِنهم أنْ يَصْلى النّارَ، ومَن هو أوْلى بِذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنَ أنَّ الرُّؤَساءَ والمَرْءُوسِينَ كُلَّهم مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ الآيَةَ، والصِّلِيُّ: مَصْدَرُ صَلِيَ النّارَ - كَرَضِيَ - يَصْلاها صِلِيًّا ) بِالضَّمِّ والكَسْرِ ( إذا قاسى ألَمَها، وباشَرَ حَرَّها.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في وجْهِ رَفْعِ ”أيُّ“ مَعَ أنَّهُ مَنصُوبٌ؛ لِأنَّهُ مَفْعُولُ لَنَنْزِعَنَّ، فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ ومَن تَبِعَهُ إلى أنَّ لَفْظَةَ ”أيُّ“ مَوْصُولَةٌ، وأنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ إذا كانَتْ مُضافَةً وصَدْرُ صِلَتِها ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ كَما هُنا، وعَقَدَهُ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:(p-٤٧٧)
؎أيٌّ كَما وأُعْرِبَتْ ما لَمْ تُضَفْ وصَدْرُ وصْلِها ضَمِيرٌ انْحَذَفْ
؎وَبَعْضُهم أعْرَبَ مُطْلَقًا. . . ∗∗∗ . . . . . . .
إلَخْ.
وَيَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ سِيبَوَيْهَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُ غَسّانَ بْنِ وعْلَةَ:
؎إذا ما لَقِيتَ بَنِي مالِكٍ ∗∗∗ فَسَلِّمْ عَلى أيُّهم أفْضَلُ
والرِّوايَةِ بِضَمِّ ”أيُّهم“، وخالَفَ الخَلِيلُ ويُونُسُ وغَيْرُهُما سِيبَوَيْهِ في ”أيُّ“ المَذْكُورَةِ، فَقالَ الخَلِيلُ: إنَّها في الآيَةِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ الَّذِي يُقالُ فِيهِ أيُّهم أشَدُّ؛ وأنْشَدَ الخَلِيلُ لِهَذا المَعْنى الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وَلَقَدْ أبِيتُ مِنَ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ ∗∗∗ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ
أيْ: فَأبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ.
وَأمّا يُونُسُ فَذَهَبَ إلى أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ أيْضًا؛ لَكِنَّهُ حَكَمَ بِتَعْلِيقِ الفِعْلِ قَبْلَها بِالِاسْتِفْهامِ لِأنَّ التَّعْلِيقَ عِنْدَهُ لا يَخْتَصُّ بِأفْعالِ القُلُوبِ، واحْتَجَّ لِسِيبَوَيْهَ عَلى الخَلِيلِ ويُونُسَ ومَن تَبِعَهُما بِبَيْتِ غَسّانَ بْنِ وعْلَةَ المَذْكُورِ آنِفًا؛ لِأنَّ الرِّوايَةَ فِيهِ بِضَمِّ ”أيُّهم“، مَعَ أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ، لا يُضْمَرُ بَيْنَها وبَيْنَ مَعْمُولِها قَوْلٌ ولا تَعَلُّقٌ عَلى الأصْوَبِ، وإنْ خالَفَ فِيهِ بَعْضُهم بِبَعْضِ التَّأْوِيلاتِ، ومِمّا ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ جَمِيعَ النَّحْوِيِّينَ غَلَّطُوا سِيبَوَيْهَ في قَوْلِهِ هَذا في ”أيُّ“ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خِلافُ التَّحْقِيقِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، و صِلِيًّا بِكَسْرِ الصّادِ لِلْإتْباعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ فِيهِما عَلى الأصْلِ.
مريم 19:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ .
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِوُرُودِ النّارِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ الدُّخُولُ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُ أذاها عَنْ عِبادِهِ المُتَّقِينَ عِنْدَ ذَلِكَ الدُّخُولِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِوُرُودِ النّارِ المَذْكُورِ: الجَوازُ عَلى الصِّراطِ؛ لِأنَّهُ جِسْرٌ مَنصُوبٌ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ.
(p-٤٧٨)الثّالِثُ: أنَّ الوُرُودَ المَذْكُورَ هو الإشْرافُ عَلَيْها والقُرْبُ مِنها.
الرّابِعُ: أنَّ حَظَّ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ الوُرُودِ هو حُرُّ الحُمّى في دارِ الدُّنْيا، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها الِاسْتِدْلالُ عَلى أحَدِ المَعانِي الدّاخِلَةِ في مَعْنى الآيَةِ بِكَوْنِهِ هو الغالِبَ في القُرْآنِ، فَغَلَبَتُهُ فِيهِ دَلِيلٌ اسْتِقْرائِيٌّ عَلى عَدَمِ خُرُوجِهِ مِن مَعْنى الآيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا أمْثِلَةً لِذَلِكَ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما اسْتَدَلَّ عَلى المُرادِ بِوُرُودِ النّارِ في الآيَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْنا أنَّهُ مِن أنْواعِ البَيانِ في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
وَإيضاحُهُ أنَّ وُرُودَ النّارِ جاءَ في القُرْآنِ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، والمُرادُ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها الدُّخُولُ، فاسْتَدَلَّ بِذَلِكابْنُ عَبّاسٍ عَلى أنَّ ”الوُرُودَ في الآيَةِ الَّتِي فِيها النِّزاعُ هو الدُّخُولُ“؛ لِدَلالَةِ الآياتِ الأُخْرى عَلى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]، قالَ: فَهَذا وُرُودُ دُخُولٍ، وكَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٩]، فَهو وُرُودُ دُخُولٍ أيْضًا، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، وبِهَذا اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ في ”أنَّ الوُرُودَ الدُّخُولُ“ .
واحْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ الوُرُودَ: الإشْرافُ والمُقارَبَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٢٣]، قالَ: فَهَذا وُرُودُ مُقارَبَةٍ وإشْرافٍ عَلَيْهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ الآيَةَ [يوسف: ١١]، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى في مُعَلَّقَتِهِ:
؎فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ
قالُوا: والعَرَبُ تَقُولُ: ورَدَتِ القافِلَةُ البَلَدَ، وإنْ لَمْ تَدْخُلْهُ ولَكِنْ قَرُبَتْ مِنهُ، واحْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ الوُرُودَ في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها لَيْسَ نَفْسَ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢]، قالُوا: إبْعادُهم عَنْها المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ دُخُولِهِمْ فِيها؛ فالوُرُودُ غَيْرُ الدُّخُولِ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّ وُرُودَ النّارِ في الآيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ: حَرُّ الحُمّى في دارِ (p-٤٧٩)الدُّنْيا بِحَدِيثِ «الحُمّى مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأبْرِدُوها بِالماءِ»، وهو حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ وأسْماءَ ابْنَتَيْ أبِي بَكْرٍ، وابْنِ عُمَرَ ورافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، ورَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ الوُرُودَ في الآيَةِ مَعْناهُ الدُّخُولُ أدِلَّةٌ، الأوَّلُ: هو ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن أنَّ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ مِن وُرُودِ النّارِ مَعْناهُ دُخُولُها غَيْرَ مَحِلِّ النِّزاعِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَحِلَّ النِّزاعِ كَذَلِكَ، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: هو أنَّ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةً دالَّةً عَلى ذَلِكَ، وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ جَمِيعَ النّاسِ بِأنَّهم سَيَرِدُونَ النّارَ بَرُّهم وفاجِرُهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧٠ - ٧١]، بَيَّنَ مَصِيرَهم ومَآلَهم بَعْدَ ذَلِكَ الوُرُودِ المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها﴾ [مريم: ٧٢]، أيْ: نَتْرُكُ الظّالِمِينَ فِيها، دَلِيلٌ عَلى أنَّ وُرُودَهم لَها دُخُولُهم فِيها، إذْ لَوْ لَمْ يَدْخُلُوها لَمْ يَقُلْ: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها﴾ بَلْ يَقُولُ: ونُدْخِلُ الظّالِمِينَ، وهَذا واضِحٌ كَما تَرى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، دَلِيلٌ عَلى أنَّهم وقَعُوا فِيما مِن شَأْنِهِ أنَّهُ هَلَكَةٌ، ولِذا عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ .
الدَّلِيلُ الثّالِثُ: ما رُوِيَ مِن ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ، عَنْ أبِي سُمَيَّةَ قالَ: اخْتَلَفْنا في الوُرُودِ فَقالَ بَعْضُنا: لا يَدْخُلُها مُؤْمِنٌ، وقالَ بَعْضُهم: يَدْخُلُونَها جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا، فَلَقِيتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقالَ وأهْوى بِأُصْبُعَيْهِ إلى أُذُنَيْهِ: صُمَّتا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِينَ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ، ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ويَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» اهـ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ) الكافِي الشّافْ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافْ (في هَذا الحَدِيثِ: رَواهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قالُوا: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، وأخْرَجَهُ أبُو يَعْلى والنَّسائِيُّ في الكُنى، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ في بابِ النّارِ، والحَكِيمُ في النَّوادِرِ، كُلُّهم مِن طَرِيقِ سُلَيْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو صالِحٍ غالِبُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيادٍ عَنْ أبِي سُمَيَّةَ قالَ: اخْتَلَفْنا في الوُرُودِ فَسَألْنا جابِرًا فَذَكَرَ الحَدِيثَ أتَمَّ مِنَ اللَّفْظِ (p-٤٨٠)الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وخالَفَهم كُلَّهُمُ الحاكِمُ فَرَواهُ مِن طَرِيقِ سُلَيْمانَ بِهَذا الإسْنادِ فَقالَ: عَنْ سُمَيَّةَ الأزْدِيَّةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَيْبَةَ. بَدَلَ أبِي سُمَيَّةَ عَنْ جابِرٍ. اهـ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنا غالِبُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيادٍ البُرْسانِيِّ، عَنْ أبِي سُمَيَّةَ، قالَ: اخْتَلَفْنا في الوُرُودِ فَقالَ بَعْضُنا: لا يَدْخُلُها مُؤْمِنٌ، وقالَ بَعْضُهم: يَدْخُلُونَها جَمِيعًا ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا، فَلَقِيتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: إنّا اخْتَلَفْنا في الوُرُودِ فَقالَ: يَدْخُلُونَها جَمِيعًا، ثُمَّ ذَكَرَ الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ، ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: غَرِيبٌ ولَمْ يُخْرِجُوهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الظّاهِرُ أنَّ الإسْنادَ المَذْكُورَ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الحُسْنِ لِأنَّ طَبَقَتَهُ الأُولى: سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، وهو ثِقَةٌ إمامٌ حافِظٌ مَشْهُورٌ، وطَبَقَتَهُ الثّانِيَةَ: أبُو صالِحٍ أوْ أبُو سَلَمَةَ غالِبُ بْنُ سُلَيْمانَ العَتَكِيُّ الجَهْضَمِيُّ الخُراسانِيُّ أصْلُهُ مِنَ البَصْرَةِ، وهو ثِقَةٌ، وطَبَقَتَهُ الثّالِثَةَ: كَثِيرُ بْنُ زِيادٍ أبُو سَهْلٍ البُرْسانِيُّ بَصْرِيٌّ نَزَلَ بَلْخَ، وهو ثِقَةٌ، وطَبَقَتَهُ الرّابِعَةَ: أبُو سُمَيَّةَ وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبّانَ في الثِّقاتِ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ. وبِتَوْثِيقِ أبِي سُمَيَّةَ المَذْكُورِ تَتَّضِحُ صِحَّةُ الحَدِيثِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِن رِجالِ هَذا الإسْنادِ ثِقاتٌ مَعْرُوفُونَ، مَعَ أنَّ حَدِيثَ جابِرٍ المَذْكُورَ يَعْتَضِدُ بِظاهِرِ القُرْآنِ وبِالآياتِ الأُخْرى الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ وآثارٍ جاءَتْ عَنْ عُلَماءِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كَما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَكَرَهُ هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، وذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، كُلُّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ وُرُودُ دُخُولٍ، وأجابَ مَن قالَ بِأنَّ الوُرُودَ في الآيَةِ الدُّخُولُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، بِأنَّهم مُبْعَدُونَ عَنْ عَذابِها وألَمِها، فَلا يُنافِي ذَلِكَ ورُودَهم إيّاها مِن غَيْرِ شُعُورِهِمْ بِألَمٍ ولا حَرٍّ مِنها، كَما أوْضَحْناهُ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
وَأجابُوا عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِحَدِيثِ «الحُمّى مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ»، بِالقَوْلِ بِمُوجِبِهِ، قالُوا: الحَدِيثُ حَقٌّ صَحِيحٌ ولَكِنَّهُ لا دَلِيلَ فِيهِ لِمَحِلِّ النِّزاعِ؛ لِأنَّ السِّياقَ صَرِيحٌ في أنَّ الكَلامَ في النّارِ في الآخِرَةِ ولَيْسَ في حَرارَةٍ مِنها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ إلى أنْ قالَ ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٦٨ - ٧٠]، فَدَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ لا في الدُّنْيا كَما تَرى.
والقِراءَةُ في قَوْلِهِ: جِثِيًّا، كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ: (p-٤٨١)﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ .
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ نُنَجِّي، قِراءَةُ الكِسائِيِّ بِإسْكانِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا) دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ (أنَّ جَماعَةً رَوَوْا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ وُرُودَ النّارِ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو المُرُورُ عَلَيْها؛ لِأنَّ النّاسَ تَمُرُّ عَلى الصِّراطِ وهو جِسْرٌ مَنصُوبٌ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وأنَّ الحَسَنَ وقَتادَةَ رُوِيَ عَنْهُما نَحْوُ ذَلِكَ أيْضًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا مَرْفُوعًا: «أنَّهم يَرِدُونَها جَمِيعًا ويَصْدُرُونَ عَنْها بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ»، وعَنْهُ أيْضًا تَفْسِيرُ الوُرُودِ بِالوُقُوفِ عَلَيْها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، يَعْنِي أنَّ وُرُودَهُمُ النّارَ المَذْكُورَ كانَ حَتْمًا عَلى رَبِّكَ مَقْضِيًّا، أيْ: أمْرًا واجِبًا مَفْعُولًا لا مَحالَةَ، والحَتْمُ: الواجِبُ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ:
؎عِبادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ
فَقَوْلُهُ: ”والحُتُومُ“: جَمْعُ حَتْمٍ، يَعْنِي الأُمُورَ الواجِبَةَ الَّتِي لا بُدَّ مِن وُقُوعِها، وما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ قَسَمًا واجِبًا، كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِمْ - لا يَظْهَرُ كُلَّ الظُّهُورِ.
واسْتَدَلَّ مَن قالَ: إنَّ في الآيَةِ قَسَمًا، بِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ، قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا عَلِيٌّ، حَدَّثَنا سُفْيانُ قالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَلِجَ النّارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ اهـ. وقالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى قالَ: قَرَأْتُ عَلى مالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يَمُوتُ لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النّارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ»، حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَمْرٌو النّاقِدُ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قالُوا، حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) ح ( وحَدَّثَنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ رافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ، أخْبَرَنا مَعْمَرٌ كِلاهُما عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإسْنادِ مالِكٍ، وبِمَعْنى حَدِيثِهِ إلّا أنَّ في حَدِيثِ سُفْيانَ «فَيَلِجَ النّارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» اهـ.
قالُوا: المُرادُ بِالقَسَمِ المَذْكُورِ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، وهو مَعْنى ما ذَكَرْنا عَنِ البُخارِيِّ في قَوْلِهِ: قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾، (p-٤٨٢)والَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ عَلى أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ قَسَمٌ اخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ القَسَمِ مِنَ الآيَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: هو مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ المَذْكُورُ، أيْ: واللَّهِ إنْ مِنكم إلّا وارِدُها، وقالَ بَعْضُهم: هو مَعْطُوفٌ عَلى القَسَمِ قَبْلَهُ، والمَعْطُوفُ عَلى القَسَمِ قَسَمٌ، والمَعْنى: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ورَبِّكَ إنْ مِنكم إلّا وارِدُها، وقالَ بَعْضُهم: القَسَمُ المَذْكُورُ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: قَسَمًا واجِبًا كَما قَدَّمْناهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وقالَ بَعْضُهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالقَسَمِ ما دَلَّ عَلى القَطْعِ والبَتِّ مِنَ السِّياقِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، تَذْيِيلٌ وتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾، وهَذا بِمَنزِلَةِ القَسَمِ في تَأْكِيدِ الإخْبارِ، بَلْ هَذا أبْلَغُ لِلْحَصْرِ في الآيَةِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لَيْسَ يَتَعَيَّنُ فِيها قَسَمٌ؛ لِأنَّها لَمْ تَقْتَرِنْ بِأداةٍ مِن أدَواتِ القَسَمِ، ولا قَرِينَةٍ واضِحَةٍ دالَّةٍ عَلى القَسَمِ، ولَمْ يَتَعَيَّنْ عَطْفُها عَلى القَسَمِ، والحُكْمُ بِتَقْدِيرِ قَسَمٍ في كِتابِ اللَّهِ دُونَ قَرِينَةٍ ظاهِرَةٍ فِيهِ، زِيادَةٌ عَلى مَعْنى كَلامِ اللَّهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ المَذْكُورُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ لا يَتَعَيَّنُ مِنهُ أنَّ في الآيَةَ قَسَمًا؛ لِأنَّ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ التَّعْبِيرَ بِتَحِلَّةِ القَسَمِ عَنِ القِلَّةِ الشَّدِيدَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَسَمٌ أصْلًا، يَقُولُونَ: ما فَعَلْتُ كَذا إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، يَعْنُونَ إلّا فِعْلًا قَلِيلًا جِدًّا قَدْرَ ما يُحَلِّلُ بِهِ الحالِفُ قَسَمَهُ، وهَذا أُسْلُوبٌ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ في وصْفِ ناقَتِهِ:
؎تَخْدِي عَلى يَسَراتٍ وهْيَ لاصِقَةٌ ∗∗∗ ذَوابِلٌ مَسُّهُنَّ الأرْضَ تَحْلِيلُ
يَعْنِي: أنَّ قَوائِمَ ناقَتِهِ لا تَمَسُّ الأرْضَ لِشِدَّةِ خِفَّتِها إلّا قَدْرَ تَحْلِيلِ القَسَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَمِينَ مِن ناقَتِهِ أنَّها تَمَسُّ الأرْضَ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ المَسُّ تَحْلِيلًا لَها كَما تَرى، وعَلى هَذا المَعْنى المَعْرُوفِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ ﷺ ”إلّا تَحِلَّةَ“، أيْ: لا يَلِجُ النّارَ إلّا وُلُوجًا قَلِيلًا جِدًّا لا ألَمَ فِيهِ ولا حَرَّ، كَما قَدَّمْنا في حَدِيثِ جابِرٍ المَرْفُوعِ، وأقْرَبُ أقْوالِ مَن قالُوا: إنَّ في الآيَةِ قَسَمًا، قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾؛ لِأنَّ الجُمَلَ المَذْكُورَةَ بَعْدَهُ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ﴾ لِدَلالَةِ قَرِينَةِ لامِ القَسَمِ في الجُمَلِ المَذْكُورَةِ عَلى ذَلِكَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾، فَهو مُحْتَمِلٌ لِلْعَطْفِ أيْضًا، ومُحْتَمِلٌ لِلِاسْتِئْنافِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٣٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ مَرْيَمَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ النّاسِ لا بُدَّ لَهم مِن وُرُودِ النّارِ، وأُكِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ مُبْعَدٌ عَنْها لا يَسْمَعُ لَها حِسًّا، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢] .
والجَوابُ هو ما ذَكَرَهُ الألُوسِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ”مُبْعَدُونَ“ أيْ عَنْ عَذابِ النّارِ وألَمِها، وقِيلَ: المُرادُ إبْعادُهم عَنْها بَعْدَ أنْ يَكُونُوا قَرِيبًا مِنها، ويَدُلُّ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سُمَيَّةَ قالَ: اخْتَلَفْنا هاهُنا في الوُرُودِ فَقالَ بَعْضُنا: لا يَدْخُلُها مُؤْمِنٌ، وقالَ آخَرُونَ: يَدْخُلُونَها جَمِيعًا ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا، فَلَقِيتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ وأهْوى بِإصْبَعَيْهِ إلى أُذُنَيْهِ: صَمْتًا، إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الوُرُودُ الدُّخُولُ لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِينَ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى إنَّ لِلنّارِ ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ويَذْرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» .
وَرَوى جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ وُرُودَ النّارِ هو المُرُورُ عَلَيْها، لِأنَّ النّاسَ تَمُرُّ عَلى الصِّراطِ، وهو جِسْرٌ مَنصُوبٌ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ.
وَأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ: الوُرُودُ المُرُورُ عَلَيْها مِن غَيْرِ دُخُولٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ، قالَهُ الألُوسِيُّ.
واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِأنَّ الوُرُودَ نَفْسُ الدُّخُولِ كابْنِ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨]، (p-٣٣٤)وَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ [الأنبياء: ٩٩]، وقَوْلِهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فالوُرُودُ في ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَعْنى الدُّخُولِ، واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِأنَّ الوُرُودَ القُرْبُ مِنها مِن غَيْرِ دُخُولٍ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] .
وَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ
مريم 19:73
(p-٤٨٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿خَيْرٌ مَقامًا﴾ [مريم: ٧٣]، قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، وقَوْلُهُ: ورِئْيًا، قَرَأهُ قالُونُ وابْنُ ذَكْوانَ ”وَرِيًّا“ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الرّاءِ وبَعْدَها ياءٌ مُخَفَّفَةٌ.
وَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا إذا يَتْلُو عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ آياتِ هَذا القُرْآنِ في حالِ كَوْنِها بَيِّناتٍ، أيْ مُرَتَّلاتِ الألْفاظِ، واضِحاتِ المَعانِي بَيِّناتِ المَقاصِدِ، إمّا مُحْكَماتٌ جاءَتْ واضِحَةً، أوْ مُتَشابِهاتٌ قَدْ تَبِعَها البَيانُ بِالمُحْكَماتِ، أوْ تَبْيِينِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، أوْ ظاهِراتُ الإعْجازِ تُحُدِّيَ بِها فَلَمْ يُقْدَرْ عَلى مُعارَضَتِها، أوْ حُجَجًا وبَراهِينَ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: بَيِّناتٍ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ آياتِ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطر: ٣١]، أيْ: إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ اللَّهِ في حالِ كَوْنِها مُتَّصِفَةً بِما ذَكَرْنا عارَضُوها واحْتَجُّوا عَلى بُطْلانِها، وأنَّ الحَقَّ مَعَهم لا مَعَ مَن يَتْلُوها بِشُبْهَةٍ ساقِطَةٍ لا يَحْتَجُّ بِها إلّا مَن لا عَقْلَ لَهُ، ومَضْمُونُ شُبْهَتِهِمُ المَذْكُورَةِ: أنَّهم يَقُولُونَ لَهم: نَحْنُ أوْفَرُ مِنكم حَظًّا في الدُّنْيا، فَنَحْنُ أحْسَنُ مِنكم مَنازِلَ، وأحْسَنُ مِنكم مَتاعًا، وأحْسَنُ مِنكم مَنظَرًا، فَلَوْلا أنَّنا أفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنكم لَما آثَرَنا عَلَيْكم في الحَياةِ الدُّنْيا، وأعْطانا مِن نَعِيمِها وزِينَتِها ما لَمْ يُعْطِكم.
فَقَوْلُهُ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ [مريم: ٧٣]، أيْ: نَحْنُ وأنْتُمْ أيُّنا خَيْرٌ مَقامًا، والمُقامُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ مَحِلُّ الإقامَةِ، وهو المَنازِلُ والأمْكِنَةُ الَّتِي يَسْكُنُونَها، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالمَقامُ - بِفَتْحِ المِيمِ - مَكانُ القِيامِ وهو مَوْضِعُ قِيامِهِمْ وهو مَساكِنُهم ومَنازِلُهم، وقِيلَ: هو مَوْضِعُ القِيامِ بِالأُمُورِ الجَلِيلَةِ، والأوَّلُ هو الصَّوابُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأحْسَنُ نَدِيًّا﴾، أيْ: مَجْلِسًا ومُجْتَمَعًا، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، لِيَحْمِلُوا بِهِ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم في تَقَشُّفٍ ورَثاثَةِ هَيْئَةٍ عَلى أنْ يَقُولُوا أنْتُمْ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا مِنّا، وعَلى كُلِّ حالٍ فَلا خِلافَ أنَّ (p-٤٨٤)مَقْصُودَهم بِالِاسْتِفْهامِ المَذْكُورِ أنَّهم - أيْ كُفّارُ قُرَيْشٍ - خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ ذَلِكَ هو دَلِيلُهم عَلى أنَّهم عَلى الحَقِّ، وأنَّهم أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وما في التَّلْخِيصِ وشُرُوحِهِ مِن أنَّ السُّؤالَ بِـ ”أيُّ“ في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها سُؤالٌ بِها عَمّا يُمَيِّزُ أحَدَ المُشْتَرِكِينَ في أمْرٍ يَعُمُّهُما كالعادَةِ في أيِّ غَلَطٍ مِنهم؛ لِأنَّهم فَسَّرُوا الآيَةَ الكَرِيمَةَ بِغَيْرِ مَعْناها الصَّحِيحِ، والصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واسْتِدْلالُهم هَذا بِحَظِّهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا عَلى حَظِّهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّ اللَّهَ ما أعْطاهم في الدُّنْيا إلّا لِمَكانَتِهِمْ عِنْدَهُ، واسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ - لِسَخافَةِ عُقُولِهِمْ، ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَكُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّهم لِجَهْلِهِمْ يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِهِمْ نَصِيبًا مِنَ الدُّنْيا إلّا لِرِضاهُ عَنْهم، ومَكانَتِهِمْ عِنْدَهُ، وأنَّ الأمْرَ في الآخِرَةِ سَيَكُونُ كَذَلِكَ.
وَقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى دَعْواهم هَذِهِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، والمَعْنى: أهْلَكْنا قُرُونًا كَثِيرَةً، أيْ أُمَمًا كانَتْ قَبْلَهم وهم أكْثَرُ نَصِيبًا في الدُّنْيا مِنهم، فَما مَنَعَهم ما كانَ عِنْدَهم مِن زِينَةِ الدُّنْيا ومَتاعِها مِن إهْلاكِ اللَّهِ إيّاهم لَمّا عَصَوْا وكَذَّبُوا رُسُلَهُ، فَلَوْ كانَ الحَظُّ والنَّصِيبُ في الدُّنْيا يَدُلُّ عَلى رِضا اللَّهِ والمَكانَةِ عِنْدَهُ لَما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، الَّذِينَ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا مِنكم.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وكَمْ هي الخَبَرِيَّةُ، ومَعْناها الإخْبارُ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، وهي في مَحِلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ ”أهْلَكْنا“ أيْ: أهْلَكْنا كَثِيرًا، و مِن مُبَيِّنَةٌ (p-٤٨٥)لِـ وكَمْ وكُلُّ أهْلِ عَصْرٍ قَرْنٌ لِمَن بَعْدَهم لِأنَّهم يَتَقَدَّمُونَهم، قِيلَ: سُمُّوا قَرْنًا لِاقْتِرانِهِمْ في الوُجُودِ، والأثاثُ: مَتاعُ البَيْتِ، وقِيلَ هو الجَدِيدُ مِنَ الفُرُشِ، وغَيْرُ الجَدِيدِ مِنها يُسَمّى ”الخُرْثِيَّ“ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الرّاءِ والثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَعْدَها ياءٌ مُشَدَّدَةٌ، وأنْشَدَ لِهَذا التَّفْصِيلِ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎تَقادَمَ العَهْدُ مِن أُمِّ الوَلِيدِ بِنا دَهْرًا وصارَ أثاثُ البَيْتِ خُرْثِيًّا
والإطْلاقُ المَشْهُورُ في العَرَبِيَّةِ هو إطْلاقُ الأثاثِ عَلى مَتاعِ البَيْتِ مُطْلَقًا، قالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ، ويُطْلَقُ الأثاثُ عَلى المالِ أجْمَعَ: الإبِلِ، والغَنَمِ، والعَبِيدِ، والمَتاعِ، والواحِدُ أثاثَةٌ، وتَأثَّثَ فُلانٌ: إذا أصابَ رِياشًا، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ عَنْ أبِي زَيْدٍ، وقَوْلُهُ: ورِئْيًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَهْمُوزًا، أيْ: أحْسَنُ مَنظَرًا وهَيْئَةً، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن: رَأى، البَصَرِيَّةِ، والمُرادُ بِهِ الَّذِي تَراهُ العَيْنُ مِن هَيْئَتِهِمُ الحَسَنَةِ ومَتاعِهِمُ الحَسَنِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِمُحَمَّدِ بْنِ نُمَيْرٍ الثَّقَفِيِّ في هَذا المَعْنى قَوْلَهُ:
؎أشاقَتْكَ الظَّعائِنُ يَوْمَ بانُوا ∗∗∗ بِذِي الرِّئْيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ
وَعَلى قِراءَةِ قالُونَ وابْنِ ذَكْوانَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى، إلّا أنَّ الهَمْزَةَ أُبْدِلَتْ ياءً فَأُدْغِمَتْ في الياءِ، وقالَ بَعْضُهم: لا هَمْزَ عَلى قِراءَتِهِما أصْلًا، بَلْ عَلَيْها فَهو مِنَ الرِّيِّ الَّذِي هو النِّعْمَةُ والتَّرَفُّهُ، مِن قَوْلِهِمْ: هو رَيّانٌ مِنَ النَّعِيمِ، وهي رَيًّا مِنهُ، وعَلى هَذا فالمَعْنى: أحْسَنُ نِعْمَةً وتَرَفُّهًا، والأوَّلُ أظْهَرُ عِنْدِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
والآياتُ الَّتِي أبْطَلَ اللَّهُ بِها دَعْواهم هَذِهِ كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبإ: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ قَدَّمْنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
وَقَوْلُ الكُفّارِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾، (p-٤٨٦)الظّاهِرُ فِيهِ أنَّ وجْهَ ذِكْرِهِمْ لِلْمَقامِ والنَّدِيِّ: أنَّ المَقامَ هو مَحِلُّ السُّكْنى الخاصُّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، والنَّدِيَّ مَحِلُّ اجْتِماعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَإذا كانَ كُلٌّ مِنهُما لِلْكُفّارِ أحْسَنَ مِن نَظِيرِهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ نَصِيبَهم في الدُّنْيا أوْفَرُ مِن نَصِيبِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَوْمانِ يَوْمُ مُقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ
والمَقاماتُ: جَمْعُ مَقامَةٍ بِمَعْنى المَقامِ، والأنْدِيَةُ: جَمْعُ نادٍ بِمَعْنى النَّدِيِّ، وهو مَجْلِسُ القَوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، فالنّادِي والنَّدِيُّ يُطْلَقانِ عَلى المَجْلِسِ، وعَلى القَوْمِ الجالِسِينَ فِيهِ، وكَذَلِكَ المَجْلِسُ يُطْلَقُ عَلى القَوْمِ الجالِسِينَ، ومِن إطْلاقِ النَّدِيِّ عَلى المَكانِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎وَما قامَ مِنّا قائِمٌ في نَدِيِّنا ∗∗∗ فَيَنْطِقَ إلّا بِالَّتِي هي أعْرَفُ
وَقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿وَأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ .
وَمِن إطْلاقِهِ عَلى القَوْمِ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨]، ومِن إطْلاقِ المَجْلِسِ عَلى القَوْمِ الجالِسِينَ فِيهِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎لَهم مَجْلِسٌ صُهْبُ السِّبالِ ∗∗∗ أذِلَّةٌ سَواسِيَةٌ أحْرارُها وعَبِيدُها
والجُمْلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي في مَحِلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِقَوْلِهِ: ”كَمْ“ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ تَرَكْتَ لَفْظَةَ ”هم“ لَمْ يَكُنْ لَكَ بُدٌّ مِن نَصْبِ أحْسَنُ عَلى الوَصْفِيَّةِ. اهـ. وتابَعَ الزَّمَخْشَرِيَّ أبُو البَقاءِ عَلى ذَلِكَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ بِأنَّ بَعْضَ عُلَماءَ النَّحْوِ نَصُّوا عَلى أنَّ ”كَمْ“ سَواءٌ كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً أوْ خَبَرِيَّةً لا تُوصَفُ ولا يُوصَفُ بِها، قالَ: وعَلى هَذا يَكُونُ هم أحْسَنُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لـِ قَرْنٍ وجُمِعَ نَعْتُ القَرْنِ اعْتِبارًا لِمَعْنى القَرْنِ، وهَذا هو الصَّوابُ عِنْدِي لا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾، تَلْزَمُها ”مِن“ لِتَجَرُّدِها مِنَ الإضافَةِ والتَّعْرِيفِ، إلّا أنَّها مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ: هم أحْسَنُ أثاثًا ورَئْيًا مِنهم، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
وَأفْعَلُ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أبَدا تَقْدِيرًا أوْ لَفْظًا بِمَن إنْ جُرِّدا فَإنْ قِيلَ: أيْنَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؟ الآيَةُ [مريم: ٧٣]، فالجَوابٌ: أنَّهُ راجِعٌ إلى الكُفّارِ (p-٤٨٧)المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ﴾ الآيَةَ [مريم: ٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ .
فِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ، وكِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ هَذِهِ الكَلِماتِ كَدُعاءِ المُباهَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، وإيضاحُ مَعْناهُ: قُلْ يا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ادَّعَوْا أنَّهم خَيْرٌ مِنكم، وأنَّ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكم مَقامًا وأحْسَنُ مِنكم نَدِيًّا: مَن كانَ مِنّا ومِنكم في الضَّلالَةِ - أيِ الكُفْرِ والضَّلالِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ - فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا، أيْ: فَأمْهَلَهُ الرَّحْمَنُ إمْهالًا فِيما هو فِيهِ حَتّى يَسْتَدْرِجَهُ بِالإمْهالِ ويَمُوتَ عَلى ذَلِكَ ولا يَرْجِعَ عَنْهُ، بَلْ يَسْتَمِرَّ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَرى ما يُوعِدُهُ اللَّهُ، وهو: إمّا عَذابٌ في الدُّنْيا بِأيْدِي المُسْلِمِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وإمّا عَذابُ الآخِرَةِ إنْ ماتُوا وهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ، وعَلى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ فَصِيغَةُ الطَّلَبِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِاللّامِ في قَوْلِهِ: فَلْيَمْدُدْ عَلى بابِها، وعَلَيْهِ فَهي لامُ الدُّعاءِ بِالإمْهالِ في الضَّلالِ عَلى الضّالِّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، حَتّى يَرى ما يُوعِدُهُ مِنَ الشَّرِّ وهو عَلى أقْبَحِ حالٍ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ، واقْتَصَرَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وهو الظّاهِرُ مِن صِيغَةِ الطَّلَبِ في قَوْلِهِ: فَلْيَمْدُدْ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]؛ لِأنَّهُ عَلى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ يَكُونُ في كِلْتا الآيَتَيْنِ دُعاءً بِالشَّرِّ عَلى الضّالِّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في اليَهُودِ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، في ”البَقَرَةِ والجُمُعَةِ“ عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ المُرادَ بِالتَّمَنِّي الدُّعاءُ بِالمَوْتِ عَلى الكاذِبِينَ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ كَثِيرٍ، وظاهِرُ الآيَةِ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ.
الوَجْهُ الثّانِي أنَّ صِيغَةَ الطَّلَبِ في قَوْلِهِ: فَلْيَمْدُدْ، يُرادُ بِها الإخْبارُ عَنْ سُنَّةِ اللَّهِ في الضّالِّينَ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أجْرى العادَةَ بِأنَّهُ يُمْهِلُ الضّالَّ ويُمْلِي لَهُ فَيَسْتَدْرِجُهُ (p-٤٨٨)بِذَلِكَ حَتّى يَرى ما يُوعِدُهُ، وهو في غَفْلَةٍ وكُفْرٍ وضَلالٍ.
وَتَشْهَدُ لِهَذا الوَجْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٧٨]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٤٤]، كَما قَدَّمْنا قَرِيبًا بَعْضَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ.
وَمِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ قالَ: في حَرْفِ أُبَيٍّ: ”قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَإنَّهُ يَزِيدُهُ اللَّهُ ضَلالَةً“ اهـ. قالَهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ، ومِثْلُ هَذا مِن جِنْسِ التَّفْسِيرِ لا مِن جِنْسِ القِراءَةِ، فَإنْ قِيلَ عَلى هَذا الوَجْهِ: ما النُّكْتَةُ في إطْلاقِ صِيغَةِ الطَّلَبِ في مَعْنى الخَبَرِ ؟ فالجَوابُ: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أجابَ في كَشّافِهِ عَنْ ذَلِكَ، قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾، أيْ: مَدَّ لَهُ الرَّحْمَنُ، يَعْنِي أمْهَلَهُ وأمْلى لَهُ في العُمْرِ، فَأُخْرِجَ عَلى لَفْظِ الأمْرِ إيذانًا بِوُجُوبِ ذَلِكَ، وأنَّهُ مَفْعُولٌ لا مَحالَةَ، كالمَأْمُورِ بِهِ المُمْتَثَلِ لِتَنْقَطِعَ مَعاذِيرُ الضّالِّ، ويُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] . انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ، وأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ وما يَلِيهِ، والمَعْنى: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتّى إذا رَأى ما يُوعَدُ عَلِمَ أنَّ الأمْرَ عَلى خِلافِ ما كانَ يَظُنُّ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ حَتّى في هَذِهِ الآيَةِ هي الَّتِي تُحْكى بَعْدَها الجُمَلُ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِمَجِيءِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَها.
وَقَوْلُهُ: ما يُوعَدُونَ لَفْظَةُ ما، مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ما، وقَوْلُهُ: ﴿إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ﴾، بَدَلٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ الَّذِي هو ”ما“ ولَفْظَةُ مَن مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن هُوَ﴾، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَوْصُولَةٌ في مَحِلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ ”يَعْلَمُونَ“ وعَلَيْهِ فَعَلِمَ هُنا عِرْفانِيَّةٌ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَن اسْتِفْهامِيَّةٌ والفِعْلُ القَلْبِيُّ الَّذِي هو يَعْلَمُونَ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِفْهامِ، وهَذا أظْهَرُ عِنْدِي.
وَقَوْلُهُ: ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾، في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾؛ لِأنَّ مَقامَهم هو مَكانُهم ومَسْكَنُهم، والنَّدِيُّ: المَجْلِسُ الجامِعُ لِوُجُوهِ قَوْمِهِمْ وأعْوانِهِمْ وأنْصارِهِمْ، والجُنْدُ هُمُ الأنْصارُ والأعْوانُ، فالمُقابَلَةُ المَذْكُورَةُ ظاهِرَةٌ، وقَدْ دَلَّتْ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ عَلى إطْلاقِ شَرٌّ مَكانًا، والمُرادُ اتِّصافُ الشَّخْصِ بِالشَّرِّ (p-٤٨٩)لا المَكانِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ [يوسف: ٧٢]، فَتَفْضِيلُ المَكانِ في الشَّرِّ هاهُنا الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ تَفْضِيلُهُ إخْوَتَهُ في الشَّرِّ عَلى نَفْسِهِ فِيما نَسَبُوا إلَيْهِ مِن شَرِّ السَّرِقَةِ لا نَفْسَ المَكانِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُرادَ بِذَلِكَ المَكانُ المَعْنَوِيُّ، أيْ: أنْتُمْ شَرٌّ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةِ مَقامًا، و نَدِيًّا، و أثاثًا، و مَكانًا، و جُنْدًا، كُلُّ واحِدٍ مِنها تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
والفاعِلُ المَعْنى انْصِبَنْ بِأفْعَلا مُفَضِّلًا كَـ ”أنْتَ أعْلى مَنزِلا“
مريم 19:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ .
قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، دَلِيلٌ عَلى رُجْحانِ القَوْلِ الثّانِي في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وأنَّ المَعْنى: أنَّ مَن كانَ في الضَّلالَةِ زادَهُ اللَّهُ ضَلالَةً، ومَنِ اهْتَدى زادَهُ اللَّهُ هُدًى، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ في الضَّلالِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٠]،
كَما قَدَّمْنا كَثِيرًا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى هَذا المَعْنى.
وَقالَ في الهُدى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقالَ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٦٩]، وقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُما في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]،
كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦]، تَقَدَّمَ (p-٤٩٠)إيضاحُهُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ .
فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ لَفْظَةَ خَيْرٌ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾، صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ هو جَزاءُ الكافِرِينَ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما قالَهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ، قالَ: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾، يَعْنِي: خَيْرٌ جَزاءً مِن جَزاءِ المُشْرِكِينَ، ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾، يَعْنِي مَرْجِعًا مِن مَرْجِعِهِمْ إلى النّارِ، والمَعْرُوفُ في العَرَبِيَّةِ أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ تَقْتَضِي مُشارَكَةَ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، والخَيْرِيَّةُ مَنفِيَّةٌ بَتاتًا عَنْ جَزاءِ المُشْرِكِينَ وعَنْ مَرَدِّهِمْ، فَلَمْ يُشارِكُوا في ذَلِكَ المُسْلِمِينَ حَتّى يُفَضَّلُوا عَلَيْهِمْ.
فالجَوابُ: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ في كَشّافِهِ حاوَلَ الجَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِما حاصِلُهُ: أنَّهُ كَأنَّهُ قِيلَ ثَوابُهُمُ النّارُ، والجَنَّةُ خَيْرٌ مِنها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ:
؎غَضِبَتْ تَمِيمٌ أنْ تُقَتَّلَ عامِرٌ يَوْمَ النِّسارِ، فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ
فَقَوْلُهُ: ”أُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ“ يَعْنِي أُرْضُوا بِالسَّيْفِ، أيْ: لا رِضًا لَهم عِنْدَنا إلّا السَّيْفُ لِقَتْلِهِمْ بِهِ.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
أيْ لا تَحِيَّةَ بَيْنَهم إلّا الضَّرْبُ الوَجِيعُ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎شَجعاءَ جِرَّتُها الذَميلُ تَلوكُهُ ∗∗∗ أُصُلًا إذا راحَ المَطِيُّ غِراثا
يَعْنِي: أنَّ هَذِهِ النّاقَةَ لا جِرَّةَ لَها تُخْرِجُها مِن كَرِشِها فَتَمْضُغُها إلّا السَّيْرُ، وعَلى هَذا المَعْنى فالمُرادُ: لا ثَوابَ لَهم إلّا النّارُ، وبِاعْتِبارِ جَعْلِها ثَوابًا بِهَذا المَعْنى فُضِّلَ عَلَيْها ثَوابُ المُؤْمِنِينَ، هَذا هو حاصِلُ جَوابِ الزَّمَخْشَرِيِّ مَعَ إيضاحِنا لَهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: ويَظْهَرُ لِي في الآيَةِ جَوابٌ آخَرُ أقْرَبُ مِن هَذا، وهو أنّا قَدَّمْنا أنَّ القُرْآنَ والسُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ دَلّا عَلى أنَّ الكافِرَ مُجازًى بِعَمَلِهِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، فَإذا بَرَّ والِدَيْهِ ونَفَّسَ عَنِ المَكْرُوبِ، وقَرى الضَّيْفَ، ووَصَلَ الرَّحِمَ مَثَلًا يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ يُثِيبُهُ في الدُّنْيا، كَما قَدَّمْنا دَلالَةَ الآياتِ عَلَيْهِ، وحَدِيثَ أنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَثَوابُهُ هَذا الرّاجِعُ إلَيْهِ مِن عَمَلِهِ في الدُّنْيا، هو الَّذِي فَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الآيَةِ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
مريم 19:77
(p-٤٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾، أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن غَيْرِ وجْهٍ «عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: ”جِئْتُ العاصَ بْنَ وائِلٍ السَّهْمِيَّ أتَقاضاهُ حَقًّا لِي عِنْدَهُ، فَقالَ: لا أُعْطِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَقُلْتُ: لا، حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، قالَ: وإنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: إنَّ لِي هُناكَ مالًا فَأقْضِيكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾“»، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مُرادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ الِاسْتِهْزاءُ بِالدِّينِ وبِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ يُؤْتى مالًا ووَلَدًا قِياسًا مِنهُ لِلْآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا، كَما بَيَّنّا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”وَوُلْدًا“ بِضَمِّ الواوِ الثّانِيَةِ وسُكُونِ اللّامِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ مَعًا، وهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ كالعُرْبِ والعَرَبِ، والعُدْمِ والعَدَمِ، ومِن إطْلاقِ العَرَبِ الوُلْدَ بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ كَقِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
؎وَلَقَدْ رَأيْتُ مَعاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مالًا ووُلْدا
وَقَوْلُ رُؤْبَةَ:
؎الحَمْدُ لِلَّهِ العَزِيزِ فَرْدا ∗∗∗ لَمْ يَتَّخِذْ مِن وُلْدِ شَيْءٍ وُلْدا
وَزَعَمَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: أنَّ الوَلَدَ بِفَتْحِ الواوِ واللّامِ مُفْرَدٌ، وأنَّ الوُلْدَ بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعٌ لَهُ، كَأسَدٍ بِالفَتْحِ يُجْمَعُ عَلى أُسْدٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ هَذا، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ ”الوُلْدَ“ بِالضَّمِّ لَيْسَ بِجَمْعٍ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَيْتَ فُلانًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ فُلانًا كانَ وُلْدَ حِمارِ
لِأنَّ ”الوُلْدَ“ في هَذا البَيْتِ بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، وهو مُفْرَدٌ قَطْعًا كَما تَرى.