Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — مريم 19:78 – طه 20:123

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. مريم 19:78
  2. مريم 19:79
  3. مريم 19:81
  4. مريم 19:83
  5. مريم 19:84
  6. مريم 19:85
  7. مريم 19:87
  8. مريم 19:96
  9. مريم 19:97
  10. مريم 19:98
  11. طه 20:1
  12. طه 20:2
  13. طه 20:3
  14. طه 20:4
  15. طه 20:5
  16. طه 20:7
  17. طه 20:8
  18. طه 20:9
  19. طه 20:15
  20. طه 20:27
  21. طه 20:37
  22. طه 20:39
  23. طه 20:40
  24. طه 20:42
  25. طه 20:44
  26. طه 20:47
  27. طه 20:48
  28. طه 20:49
  29. طه 20:53
  30. طه 20:55
  31. طه 20:56
  32. طه 20:57
  33. طه 20:58
  34. طه 20:60
  35. طه 20:65
  36. طه 20:66
  37. طه 20:69
  38. طه 20:70
  39. طه 20:71
  40. طه 20:72
  41. طه 20:73
  42. طه 20:74
  43. طه 20:75
  44. طه 20:77
  45. طه 20:78
  46. طه 20:79
  47. طه 20:80
  48. طه 20:82
  49. طه 20:83
  50. طه 20:85
  51. طه 20:86
  52. طه 20:87
  53. طه 20:89
  54. طه 20:90
  55. طه 20:92
  56. طه 20:93
  57. طه 20:94
  58. طه 20:98
  59. طه 20:99
  60. طه 20:100
  61. طه 20:105
  62. طه 20:106
  63. طه 20:108
  64. طه 20:111
  65. طه 20:112
  66. طه 20:113
  67. طه 20:114
  68. طه 20:115
  69. طه 20:116
  70. طه 20:117
  71. طه 20:120
  72. طه 20:121
  73. طه 20:122
  74. طه 20:123

مريم 19:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا كَلّا﴾ . اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ رَدَّ عَلى العاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ (p-٤٩٢)قَوْلَهُ: إنَّهُ يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ مالًا ووَلَدًا، بِالدَّلِيلِ المَعْرُوفِ عِنْدَ الجَدَلِيِّينَ بِالتَّقْسِيمِ والتَّرْدِيدِ، وعِنْدَ الأُصُولِيِّينَ بِالسَّبْرِ والتَّقْسِيمِ، وعِنْدَ المَنطِقِيِّينَ بِالشَّرْطِيِّ المُنْفَصِلِ. وَضابِطُ هَذا الدَّلِيلِ العَظِيمِ أنَّهُ مُتَرَكِّبٌ مِن أصْلَيْنِ: أحَدُهُما حَصْرُ أوْصافِ المَحِلِّ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ الحَصْرِ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّقْسِيمِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ والجَدَلِيِّينَ، وبِالشَّرْطِيِّ المُنْفَصِلِ عِنْدَ المَنطِقِيِّينَ. والثّانِي: هو اخْتِيارُ تِلْكَ الأوْصافِ المَحْصُورَةِ، وإبْطالُ ما هو باطِلٌ مِنها وإبْقاءُ ما هو صَحِيحٌ مِنها كَما سَتَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا الأخِيرُ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ ”بِالسَّبْرِ“، وعِنْدَ الجَدَلِيِّينَ ”بِالتَّرْدِيدِ“، وعِنْدَ المَنطِقِيِّينَ، بِالِاسْتِثْناءِ في الشَّرْطِيِّ المُنْفَصِلِ، والتَّقْسِيمُ الصَّحِيحُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَحْصُرُ أوْصافَ المَحِلِّ في ثَلاثَةٍ، والسَّبْرُ الصَّحِيحُ يُبْطِلُ اثْنَيْنِ مِنها ويُصَحِّحُ الثّالِثَ، وبِذَلِكَ يَتِمُّ إلْقامُ العاصِ بْنِ وائِلٍ الحَجَرَ في دَعْواهُ أنَّهُ يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ مالًا ووَلَدًا. أمّا وجْهُ حَصْرِ أوْصافِ المَحِلِّ في ثَلاثَةٍ فَهو أنّا نَقُولُ: قَوْلُكَ أنَّكَ تُؤْتى مالًا ووَلَدًا يَوْمَ القِيامَةِ لا يَخْلُو مُسْتَنَدُكَ فِيهِ مِن واحِدٍ مِن ثَلاثَةِ أشْياءَ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ اطَّلَعْتَ عَلى الغَيْبِ، وعَلِمْتَ أنَّ إيتاءَكَ المالَ والوَلَدَ يَوْمَ القِيامَةِ مِمّا كَتَبَهُ اللَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ اللَّهُ أُعْطاكَ عَهْدًا بِذَلِكَ، فَإنَّهُ إنْ أعْطاكَ عَهْدًا لَنْ يُخْلِفَهُ. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ قُلْتَ ذَلِكَ افْتِراءً عَلى اللَّهِ مِن غَيْرِ عَهْدٍ ولا اطِّلاعِ غَيْبٍ. وَقَدْ ذَكَرَ تَعالى القِسْمَيْنِ الأوَّلِينَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]، مُبْطِلًا لَهُما بِأداةِ الإنْكارِ، ولا شَكَّ أنَّ كِلا هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ باطِلٌ؛ لِأنَّ العاصَ المَذْكُورَ لَمْ يَطَّلِعِ الغَيْبَ، ولَمْ يَتَّخِذْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، فَتَعَيَّنَ القِسْمُ الثّالِثُ وهو أنَّهُ قالَ ذَلِكَ افْتِراءً عَلى اللَّهِ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا القِسْمِ الَّذِي هو الواقِعُ بِحَرْفِ الزَّجْرِ والرَّدْعِ وهو قَوْلُهُ: كَلّا، أيْ: لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَمْ يَطَّلِعِ الغَيْبَ، ولَمْ يَتَّخِذْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، بَلْ قالَ ذَلِكَ افْتِراءً عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ أحَدُهُما حاصِلًا لَمْ يَسْتَوْجِبِ الرَّدْعَ عَنْ مَقالَتِهِ كَما تَرى، وهَذا الدَّلِيلُ الَّذِي أبْطَلَ بِهِ دَعْوى ابْنِ وائِلٍ هَذِهِ هو الَّذِي أبْطَلَ بِهِ بِعَيْنِهِ دَعْوى اليَهُودِ أنَّهم لَنْ تَمَسَّهُمُ النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، وصَرَّحَ في ذَلِكَ بِالقِسْمِ الَّذِي هو الحَقُّ، وهو أنَّهم قالُوا ذَلِكَ كَذِبًا مِن غَيْرِ عِلْمٍ. (p-٤٩٣)وَحُذِفَ في ”البَقَرَةِ“ قِسْمُ اطِّلاعِ الغَيْبِ المَذْكُورُ في ”مَرْيَمَ“ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في ”مَرْيَمَ“ عَلى قَصْدِهِ في ”البَقَرَةِ“ كَما أنَّ كَذِبَهُمُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ في ”البَقَرَةِ“ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ في ”مَرْيَمَ“ لِأنَّ ما في ”البَقَرَةِ“ يُبَيِّنُ ما في ”مَرْيَمَ“ لِأنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ يُبَيِّنُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]، فالأوْصافُ هُنا هي الأوْصافُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ في ”مَرْيَمَ“ كَما أوْضَحْنا، وما حُذِفَ مِنها يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ في ”مَرْيَمَ“ فاتِّخاذُ العَهْدِ ذَكَرَهُ في ”البَقَرَةِ ومَرْيَمَ“ مَعًا والكَذِبُ في ذَلِكَ عَلى اللَّهِ صَرَّحَ بِهِ في ”البَقَرَةِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]، وأشارَ لَهُ في ”مَرْيَمَ“ بِحَرْفِ الزَّجْرِ الَّذِي هو كَلّا، واطِّلاعُ الغَيْبِ صَرَّحَ بِهِ في ”مَرْيَمَ“ وحَذَفَهُ في ”البَقَرَةِ“ لِدَلالَةِ ما في ”مَرْيَمَ“ عَلى المَقْصُودِ في ”البَقَرَةِ“ كَما أوْضَحْنا. * * مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. المَسْألَةُ الأُولى اعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ الَّذِي هو السَّبْرُ والتَّقْسِيمُ تَكَرَّرَ وُرُودُهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وقَدْ ذَكَرْنا الآنَ مِثالَيْنِ لِذَلِكَ أحَدُهُما في ”البَقَرَةِ“ والثّانِي في ”مَرْيَمَ“ كَما أوْضَحْناهُ آنِفًا، وذَكَرَ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ في كَلامِهِ عَلى جَدَلِ القُرْآنِ مِثالًا واحِدًا لِلسَّبْرِ والتَّقْسِيمِ، ومَضْمُونُ المِثالِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِاخْتِصارٍ، هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ الآيَتَيْنِ [الأنعام: ١٤٣]، فَكَأنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلَّذِينِ حَرَّمُوا بَعْضَ الإناثِ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ دُونَ بَعْضِها، وحَرَّمُوا بَعْضَ الذُّكُورِ كالحامِي دُونَ بَعْضِها: لا يَخْلُو تَحْرِيمُكم لِبَعْضِ ما ذُكِرَ دُونَ بَعْضِهِ مِن أنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ مَعْقُولَةٍ أوْ تَعَبُّدِيًّا، وعَلى أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِعِلَّةٍ فَإمّا أنْ تَكُونَ العِلَّةُ في المُحَرَّمِ مِنَ الإناثِ الأُنُوثَةَ، ومِنَ الذُّكُورِ الذُّكُورَةَ، أوْ تَكُونَ العِلَّةُ فِيهِما مَعًا التَّخَلُّقَ في الرَّحِمِ، واشْتِمالَها عَلَيْهِما، هَذِهِ هي الأقْسامُ الَّتِي يُمْكِنُ ادِّعاءُ إناطَةِ الحُكْمِ بِها، ثُمَّ بَعْدَ حَصْرِ الأوْصافِ بِهَذا التَّقْسِيمِ نَرْجِعُ إلى سَبْرِ الأقْسامِ المَذْكُورَةِ، أيْ: اخْتِبارُها لِيَتَمَيَّزَ الصَّحِيحُ مِنَ الباطِلِ فَنَجِدُها كُلَّها باطِلَةً بِالسَّبْرِ الصَّحِيحِ؛ لِأنَّ كَوْنَ العِلَّةِ الذُّكُورَةَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ ذَكَرٍ وأنْتُمْ تُحِلُّونَ بَعْضَ الذُّكُورِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى بُطْلانِ التَّعْلِيلِ بِالذُّكُورَةِ لِقادِحِ النَّقْضِ الَّذِي هو عَدَمُ الِاطِّرادِ، وكَوْنُ العِلَّةِ الأُنُوثَةَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ أُنْثى كَما ذَكَرْنا فِيما قَبْلَهُ، وكَوْنُ العِلَّةِ اشْتِمالَ الرَّحِمِ عَلَيْهِما يَقْتَضِي تَحْرِيمَ (p-٤٩٤)الجَمِيعِ، وإلى هَذا الإبْطالِ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، أيْ: فَلَوْ كانَتِ العِلَّةُ الذُّكُورَةَ لَحَرُمَ كُلُّ ذَكَرٍ، ولَوْ كانَتِ الأُنُوثَةَ لَحَرُمَتْ كُلُّ أُنْثى، ولَوْ كانَتِ اشْتِمالَ الرَّحِمِ عَلَيْهِما لَحَرُمَ الجَمِيعُ، وكَوْنُ ذَلِكَ تَعَبُّدِيًّا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ وصّاكم بِهِ بِلا واسِطَةٍ، إذْ لَمْ يَأْتِكم مِنهُ رَسُولٌ بِذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ باطِلٌ أيْضًا، وأشارَ تَعالى إلى بُطْلانِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤]، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مِن أشْنَعِ الظُّلْمِ، وأنَّهُ كَذِبٌ مُفْتَرًى وإضْلالٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، ثُمَّ أكَّدَ عَدَمَ التَّحْرِيمِ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . والحاصِلُ أنَّ إبْطالَ جَمِيعِ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ الحُكْمِ المَذْكُورِ كَما أوْضَحْنا، ومِن أمْثِلَةِ السَّبْرِ والتَّقْسِيمِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لا يَخْلُو الأمْرُ مِن واحِدَةٍ مِن ثَلاثِ حالاتٍ بِالتَّقْسِيمِ الصَّحِيحِ، الأُولى: أنْ يَكُونُوا خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أيْ: بِدُونِ خالِقٍ أصْلًا، الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونُوا خَلَقُوا أنْفُسَهم، الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونَ خَلَقَهم خالِقٌ غَيْرُ أنْفُسِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ باطِلانِ، وبُطْلانُهُما ضَرُورِيٌّ كَما تَرى، فَلا حاجَةَ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ لِوُضُوحِهِ، والثّالِثُ هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، أنَّهُ هو جَلَّ وعَلا خالِقُهُمُ المُسْتَحِقُّ مِنهم أنْ يَعْبُدُوهُ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا. واعْلَمْ أنَّ المَنطِقِيِّينَ والأُصُولِيِّينَ والجَدَلِيِّينَ كُلٌّ مِنهم يَسْتَعْمِلُونَ هَذا الدَّلِيلَ في غَرَضٍ لَيْسَ هو غَرَضَ الآخَرِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ عِنْدَ الجَدَلِيِّينَ أعَمُّ مِنِ اسْتِعْمالِهِ عِنْدَ المَنطِقِيِّينَ والأُصُولِيِّينَ. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ اعْلَمْ أنَّ مَقْصُودَ الجَدَلِيِّينَ مِن هَذا الدَّلِيلِ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ والباطِلِ مِن أوْصافِ مَحِلِّ النِّزاعِ، وهو عِنْدَكم يَتَرَكَّبُ مِن أمْرَيْنِ، الأوَّلُ: حَصْرُ أوْصافِ المَحِلِّ، والثّانِي: إبْطالُ الباطِلِ مِنها وتَصْحِيحُ الصَّحِيحِ مُطْلَقًا، وقَدْ تَكُونُ باطِلَةً كُلُّها فَيَتَحَقَّقُ بُطْلانُ الحُكْمِ المُسْتَنِدِ إلَيْها، كَآيَةِ ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] المُتَقَدِّمَةِ، وقَدْ يَكُونُ بَعْضُها باطِلًا وبَعْضُها (p-٤٩٥)صَحِيحًا، كَآيَةِ ”مَرْيَمَ والبَقَرَةِ والطُّورِ“ الَّتِي قَدَّمْنا إيضاحَ هَذا الدَّلِيلِ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، وهَذا الدَّلِيلُ أعَمُّ نَفْعًا، وأكْثَرُ فائِدَةً عَلى طَرِيقِ الجَدَلِيِّينَ مِنهُ عَلى طَرِيقِ الأُصُولِيِّينَ والمَنطِقِيِّينَ. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ اعْلَمْ: أنَّ السَّبْرَ والتَّقْسِيمَ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ يُسْتَعْمَلُ في شَيْءٍ خاصٍّ، وهو اسْتِنْباطُ عِلَّةِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِمَسْلَكِ السَّبْرِ والتَّقْسِيمِ، وضابِطُ هَذا المَسْلَكِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ أمْرانِ، الأوَّلُ: هو حَصْرُ أوْصافِ الأصْلِ المَقِيسِ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ الحَصْرِ الَّتِي سَنَذْكُرُ بَعْضَها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والثّانِي: إبْطالُ ما لَيْسَ صالِحًا لِلْعِلَّةِ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ الإبْطالِ الَّتِي سَنَذْكُرُ أيْضًا بَعْضَها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وزادَ بَعْضُهم أمْرًا ثالِثًا وهو الإجْماعُ عَلى أنَّ حُكْمَ الأصْلِ مُعَلَّلٌ في الجُمْلَةِ لا تَعَبُّدِيٌّ، والجُمْهُورُ لا يَشْتَرِطُونَ هَذا الأخِيرَ، والحاصِلُ: أنَّ هَذا الدَّلِيلَ يَتَرَكَّبُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ مِن أمْرَيْنِ، الأوَّلُ: حَصْرُ أوْصافِ المَحِلِّ، والثّانِي: إبْطالُ ما لَيْسَ صالِحًا لِلْعِلَّةِ، فَإنْ كانَ الحَصْرُ والإبْطالُ مَعًا قَطْعِيَّيْنِ فَهو دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، وإنْ كانا ظَنِّيَّيْنِ أوْ أحَدُهُما ظَنِّيًّا فَهو دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ، ومِثالُ ما كانَ الحَصْرُ والإبْطالُ فِيهِ قَطْعِيَّيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]؛ لِأنَّ حَصْرَ أوْصافِ المَحِلِّ في الأقْسامِ الثَّلاثَةِ قَطْعِيٌّ لا شَكَّ فِيهِ، لِأنَّهم إمّا أنْ يُخْلَقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أوْ يَخْلُقُوا أنْفُسَهم أوْ يَخْلُقْهم خالِقٌ غَيْرُ أنْفُسِهِمْ، ولا رابِعَ ألْبَتَّةَ، وإبْطالُ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ قَطْعِيٌّ لا شَكَّ فِيهِ: فَيَتَعَيَّنُ أنَّ الثّالِثَ حَقٌّ لا شَكَّ فِيهِ، وقَدْ حُذِفَ في الآيَةِ لِظُهُورِهِ، فَدَلالَةُ هَذا السَّبْرِ والتَّقْسِيمِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ قَطْعِيَّةٌ لا شَكَّ فِيها، وإنْ كانَ المِثالُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلْقَطْعِيِّ مِن هَذا الدَّلِيلِ إنَّما يَصِحُّ عَلى المُرادِ بِهِ عِنْدَ الجَدَلِيِّينَ دُونَ الأُصُولِيِّينَ؛ لِأنَّ المُرادَ التَّمْثِيلُ لِلْقَطْعِيِّ مِن هَذا الدَّلِيلِ ولَوْ بِمَعْناهُ الأعَمِّ، والقَطْعِيُّ مِنهُ لا يُمْكِنُ الِاخْتِلافُ فِيهِ، وأمّا الظَّنِّيُّ فَإنَّ العُلَماءَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ لِاخْتِلافِ ظُنُونِ المُجْتَهِدِينَ عِنْدَ نَظَرِهِمْ في المَسائِلِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في الرِّبا في أشْياءَ كَثِيرَةٍ كالتُّفّاحِ ونَحْوِهِ، والنَّوْرَةِ ونَحْوِها بِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في إبْطالِ ما لَيْسَ بِصالِحٍ فَيَقُولُ بَعْضُهم: هَذا وصْفٌ يَصِحُّ إبْطالُهُ، ويَقُولُ الآخَرُ: هو لَيْسَ بِصالِحٍ فَيَلْزَمُ إبْطالُهُ كَقَوْلِهِمْ مَثَلًا في حَصْرِ أوْصافِ البُرِّ الَّذِي هو الأصْلُ مَثَلًا المُحَرَّمُ فِيهِ الرِّبا إذا أُرِيدَ قِياسُ الذُّرَةِ عَلَيْهِ مَثَلًا: إمّا أنْ يَكُونَ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الرِّبا في البُرِّ الكَيْلُ أوِ الطَّعْمُ أوْ الِاقْتِياتُ والِادِّخارُ أوْ هُما وغَلَبَةُ العَيْشِ بِهِ أوِ المالِيَّةُ والمِلْكِيَّةُ. فَيَقُولُ المالِكِيُّ: غَيْرُ الِاقْتِياتِ والِادِّخارِ باطِلٌ، ويَدَّعِي أنَّ دَلِيلَ بُطْلانِهِ عَدَمُ الِاطِّرادِ الَّذِي هو النَّقْضُ، ويَقُولُ (p-٤٩٦)الحَنَفِيُّ والحَنْبَلِيُّ: غَيْرُ الكَيْلِ مِن تِلْكَ الأوْصافِ باطِلٌ، والكَيْلُ: هو العِلَّةُ الَّتِي هي مَناطُ الحُكْمِ، ويَسْتَدِلُّ عَلى ذَلِكَ بِأحادِيثَ كَحَدِيثِ حَيّانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ الحاكِمِ، وفِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ السِّتَّةِ الَّتِي يُمْنَعُ فِيها الرِّبا: وكَذَلِكَ كُلُّ ما يُكالُ أوْ يُوزَنُ، وبِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي فِيهِ، وكَذَلِكَ المِيزانُ. كَما قَدَّمْناهُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى آيَةِ الرِّبا. وَيَقُولُ الشّافِعِيُّ: غَيْرُ الطَّعْمِ باطِلٌ، والعِلَّةُ في تَحْرِيمِ الرِّبا في البُرِّ الطَّعْمُ، ويَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ «الطَّعامُ بِالطَّعامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» الحَدِيثَ. كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ أيْضًا في البَقَرَةِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ القِياسِ الَّذِي يَخْتَلِفُ المُجْتَهِدُونَ في العِلَّةِ فِيهِ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ بِمُرَكَّبِ الأصْلِ، وأشارَ إلَيْهِ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَإنْ يَكُنْ لِعِلَّتَيْنِ اخْتَلَفا تَرَكَّبَ الأصْلُ لَدى مَن سَلَفا وَأشارَ إلى مُرَكَّبِ الوَصْفِ بِقَوْلِهِ: مُرَكَّبُ الوَصْفِ إذا الخَصْمُ مَنَعْ وُجُودُ ذا الوَصْفِ في الأصْلِ المُتَّبَعْ والقِياسُ المُرَكَّبُ بِنَوْعَيْهِ المَذْكُورَيْنِ لا تَنْهَضُ الحُجَّةُ بِهِ عَلى الخَصْمِ خِلافًا لِبَعْضِ الجَدَلِيِّينَ، وإلى كَوْنِ رَدِّهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَصْمِ المُخالِفِ هو المُخْتارُ، أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَرَدُّهُ انْتَفى وقِيلَ يُقْبَلْ ∗∗∗ وفي التَّقَدُّمِ خِلافٌ يُنْقَلْ والضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ”وَرَدُّهُ“ راجِعٌ إلى المُرَكَّبِ بِنَوْعَيْهِ، وهَذا هو الحَقُّ، فَلا تَنْهَضُ الحُجَّةُ بِقَوْلِ الشّافِعِيِّ: إنَّ العِلَّةَ في تَحْرِيمِ الرِّبا في البُرِّ الطَّعْمُ، عَلى الحَنَفِيِّ والحَنْبَلِيِّ القائِلَيْنِ إنَّها الكَيْلُ كالعَكْسِ، وهَكَذا، أمّا في حَقِّ المُجْتَهِدِ ومُقَلِّدِيهِ فَظَنُّهُ المَذْكُورُ حُجَّةٌ ناهِضَةٌ لَهُ ولِمُقَلِّدِيهِ، واعْلَمْ أنَّ لِحَصْرِ أوْصافِ المَحِلِّ طُرُقًا، مِنها أنْ يَكُونَ الحَصْرُ عَقْلِيًّا كَما قَدَّمْنا في آيَةِ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]، وكَقَوْلِكَ: إمّا أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عالِمًا بِهَذا الأمْرِ الَّذِي تَدْعُو النّاسَ إلَيْهِ أوْ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ: كَما يَأْتِي إيضاحُهُ، فَأوْصافُ المَحِلِّ مَحْصُورَةٌ في الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ - إذْ لا ثالِثَ ألْبَتَّةَ - أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ الشَّيْءِ ونَقِيضِهِ كَما هو مَعْرُوفٌ، ومِنها أنْ يَدُلَّ عَلى الحَصْرِ المَذْكُورِ إجْماعٌ، ومَثَّلَ لَهُ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ بِإجْبارِ البِكْرِ البالِغَةِ عَلى النِّكاحِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِهِ، فَإنَّ عِلَّةَ الإجْبارِ إمّا الجَهْلُ بِالمَصالِحِ، وإمّا البَكارَةُ. فَإنْ قالَ المُعْتَرِضُ: أيْنَ دَلِيلُ حَصْرِ الأوْصافِ في الأمْرَيْنِ ؟ أُجِيبَ بِأنَّهُ الإجْماعُ عَلى عَدَمِ التَّعْلِيلِ بِغَيْرِهِما، فَلَوِ ادَّعى (p-٤٩٧)المُسْتَدِلُّ حَصْرَ أوْصافِ المَحِلِّ، فَقالَ المُعْتَرِضُ: أيْنَ دَلِيلُ الحَصْرِ ؟ فَقالَ المُسْتَدِلُّ: بَحَثْتُ بَحْثًا تامًّا عَنْ أوْصافِ المَحِلِّ فَلَمْ أجِدْ غَيْرَ ما ذَكَرْتُ، أوْ قالَ: الأصْلُ عَدَمُ غَيْرِ ما ذَكَرْتَ، فالصَّحِيحُ أنَّ هَذا يَكْفِيهِ في إثْباتِ الحَصْرِ، فَإنْ قالَ المُعْتَرِضُ: أنا أعْلَمُ وصْفًا زائِدًا لَمْ تَذْكُرْهُ، قِيلَ لَهُ: بَيِّنْهُ، فَإنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ سَقَطَ اعْتِراضُهُ، وإنَ بَيَّنَ وصْفًا زائِدًا عَلى الأوْصافِ الَّتِي ذَكَرَها المُسْتَدِلُّ بَطَلَ حَصْرُ المُسْتَدِلِّ بِمُجَرَّدِ إبْداءِ المُعْتَرِضِ الوَصْفَ الزّائِدَ، إلّا أنْ يُبَيِّنَ المُسْتَدِلُّ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلْعَلِيَّةِ فَيَكُونُ إذًا وُجُودُهُ وعَدَمُهُ سَواءً، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لا يَكْفِيهِ قَوْلُهُ: بَحَثْتُ فَلَمْ أجِدْ غَيْرَ هَذا - خِلافُ التَّحْقِيقِ، وأشارَ في مَراقِي السُّعُودِ إلى هَذا المَسْلَكِ مِن مَسالِكَ العِلَّةِ بِقَوْلِهِ: ؎والسَّبْرُ والتَّقْسِيمُ قِسْمٌ رابِعْ ∗∗∗ أنْ يَحْصُرَ الأوْصافَ فِيهِ جامِعْ ؎وَيَبْطُلُ الَّذِي لَها لا يَصْلُحْ ∗∗∗ فَما بَقِي تَعْيِينُهُ مُتَّضِحْ ؎مُعْتَرِضُ الحَصْرِ في دَفْعِهِ يَرِدْ ∗∗∗ بَحَثْتُ ثُمَّ بَعْدَ بَحْثِي لَمْ أجِدْ ؎أوِ انْفِقادُ ما سِواها الأصْلُ ∗∗∗ ولَيْسَ في الحَصْرِ لِظَنٍّ حَظْلُ ؎وَهُوَ قَطْعِيٌّ إذا ما نُمِّيا ∗∗∗ لِلْقِطْعِ والظَّنِّيِّ سِواهُ وُعِّيا ؎حُجِّيَّةُ الظَّنِّيِّ عِنْدَ الأكْثَرِ ∗∗∗ في حَقِّ ناظِرٍ وفي المُناظِرِ ؎إنْ يُبْدِ وصْفًا زائِدًا مُعْتَرِضْ ∗∗∗ وفّى بِهِ دُونَ البَيانِ الغَرَضْ ؎وَقَطْعُ ذِي السَّبْرِ إذا مُنْحَتِمْ ∗∗∗ والأمْرُ في إبْطالِهِ مُنْبَهِمْ وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الأبْياتِ ”في حَقِّ ناظِرٍ وفي المُناظِرِ“ مَحِلُّهُ ما لَمْ يَدَّعِ المُناظِرُ عِلَّةً غَيْرَ عِلَّتِهِ، وإنِ ادَّعاها فَلا تَكُونُ عِلَّةُ أحَدِهِما حُجَّةً عَلى الآخَرِ، كَما أوْضَحْناهُ آنِفًا، وكَما أشارَ لَهُ بِقَوْلِهِ المَذْكُورِ آنِفًا ”وَرَدُّهُ انْتَفى. . .“ إلَخْ. وَإذا حَصَلَ حَصْرُ أوْصافِ المَحِلِّ فَإبْطالُ غَيْرِ الصّالِحِ مِنها لَهُ طُرُقٌ مَعْرُوفَةٌ: مِنها: بَيانُ أنَّ الوَصْفَ طَرْدِيٌّ مَحْضٌ، إمّا بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ الأحْكامِ كالطُّولِ والقِصَرِ، والبَياضِ والسَّوادِ، أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى خُصُوصِ الحُكْمِ المُتَنازَعِ في ثُبُوتِهِ أوْ نَفْيِهِ، كالذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى بابِ العِتْقِ، فَإنَّهُ لا فَرْقَ في أحْكامِ العِتْقِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ والأُنُوثَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وصْفانِ طَرْدِيّانِ، وإنْ كانا غَيْرَ طَرْدِيَّيْنِ في غَيْرِ العِتْقِ كالإرْثِ والشَّهادَةِ والقَضاءِ ووِلايَةِ النِّكاحِ، فَإنَّ الذَّكَرَ في ذَلِكَ لَيْسَ كالأُنْثى، ويُعْرَفُ كَوْنُ الوَصْفِ طَرْدِيًّا - أيْ: لا مَدْخَلَ لَهُ في التَّعْلِيلِ أصْلًا - بِاسْتِقْراءِ مَوارِدِ الشَّرْعِ ومَصادِرِهِ، إمّا مُطْلَقًا، وإمّا في بَعْضِ الأبْوابِ دُونَ بَعْضِها كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا. (p-٤٩٨)وَمِثالُ إبْطالِ الطَّرْدِيِّ في جَمِيعِ الأحْكامِ ما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ الحَدِيثِ في المُجامِعِ في رَمَضانَ، فَإنَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ أعْرابِيٌّ، وفي بَعْضِها أنَّهُ جاءَ يَنْتِفُ شَعْرَهُ ويَضْرِبُ صَدْرَهُ، والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةَ في الأُصُولِ: أنَّ المِثالَ لا يُعْتَرَضُ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ القاعِدَةِ، ويَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ ومُطْلَقُ الِاحْتِمالِ، كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎والشَّأْنُ لا يَعْتَرِضُ المِثالَ ∗∗∗ إذْ قَدْ كَفى الغَرَضَ والِاحْتِمالَ فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ أعْرابِيًّا، وكَوْنَهُ جاءَ يَضْرِبُ صَدْرَهُ ويَنْتِفُ شَعْرَهُ مِن أوْصافِ المَحِلِّ في هَذا الحُكْمِ، وهي أوْصافٌ يَجِبُ إبْطالُها وعَدَمُ تَعْلِيلِ وُجُوبِ الكَفّارَةِ بِها؛ لِأنَّها أوْصافٌ طَرْدِيَّةٌ لا تَحْصُلُ مِن إناطَةِ الحُكْمِ بِها فائِدَةٌ أصْلًا، فالأعْرابِيُّ وغَيْرُهُ في ذَلِكَ سَواءٌ، ومَن جاءَ في سَكِينَةٍ ووَقارٍ ومَن جاءَ يَضْرِبُ صَدْرَهُ ويَنْتِفُ شَعْرَهُ في ذَلِكَ سَواءٌ أيْضًا، ومِثالُ الإبْطالِ بِكَوْنِ الوَصْفِ طَرْدِيًّا في البابِ الَّذِي فِيهِ النِّزاعُ دُونَ غَيْرِهِ، حَدِيثُ «مَن أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ وكانَ لَهُ مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوِّمَ العَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأعْطى شُرَكاءَهُ حِصَصَهم وعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ. . .» الحَدِيثَ، وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وقَدْ قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”الإسْراءِ والكَهْفِ“ فَلَفْظُ العَبْدِ الذَّكَرِ في هَذا الحَدِيثِ وصْفٌ طَرْدِيٌّ، فَمَن أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في أمَةٍ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عُرِفَ مِنِ اسْتِقْراءِ الشَّرْعِ أنَّ الذُّكُورَةَ والأُنُوثَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى العِتْقِ وصْفانِ طَرْدِيّانِ لا تُناطُ بِهِما أحْكامُ العِتْقِ، وإنْ كانَتِ الذُّكُورَةُ والأُنُوثَةُ غَيْرَ طَرْدِيَّيْنِ في غَيْرِ العِتْقِ كالمِيراثِ والشَّهادَةِ كَما تَقَدَّمَ، والوَصْفُ الطَّرْدِيُّ في اصْطِلاحِ أهْلِ الأُصُولِ: هو ما عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ إلْغاؤُهُ وعَدَمُ اعْتِبارِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في إناطَةِ الحُكْمِ بِهِ مَصْلَحَةٌ أصْلًا فَهو خالٍ مِنَ المُناسَبَةِ، ومِن طُرُقِ الإبْطالِ بَعْدَ ثُبُوتِ الحَصْرِ ألّا تَظْهَرَ لِلْوَصْفِ مُناسَبَةٌ، والمُناسَبَةُ في اصْطِلاحِ أهْلِ الأُصُولِ: هي كَوْنُ إناطَةِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ تَتَرَتَّبُ عَلَيْها مَصْلَحَةٌ فَعَدَمُ المُناسَبَةِ المَذْكُورَةِ مِن طُرُقِ إبْطالِهِ في مَسْلَكِ السَّبْرِ، وإنْ كانَ عَدَمُ ظُهُورِ المُناسَبَةِ في الوَصْفِ لا يُبْطِلُهُ في بَعْضِ المَسالِكِ - غَيْرِ السَّبْرِ - كالإيماءِ عَلى الأصَحِّ والدَّوَرانِ، فالأحْوالُ ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ: أنْ تَظْهَرَ المُناسَبَةُ، وظُهُورُها لا بُدَّ مِنهُ في مَسْلَكِ السَّبْرِ ومَسْلَكِ المُناسَبَةِ والإخالَةِ. الثّانِي: ألّا تَظْهَرَ المُناسَبَةُ ولا عَدَمُها، وهَذا يَكْفِي في الدَّوَرانِ والإيماءِ عَلى الصَّحِيحِ. (p-٤٩٩)الثّالِثُ: أنْ يَظْهَرَ عَدَمُ المُناسَبَةِ، فَيَكُونَ الوَصْفُ طَرْدِيًّا كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَمِن طُرُقِ الإبْطالِ بَعْدَ ثُبُوتِ الحَصْرِ كَوْنُ الوَصْفِ مُلْغًى وإنْ كانَ مُناسِبًا لِلْحُكْمِ المُتَنازَعِ فِيهِ، ويَكُونُ الإلْغاءُ بِاسْتِقْلالِ الوَصْفِ المُسْتَبْقى بِالحُكْمِ دُونَهُ في صُورَةٍ مُجْمَعٍ عَلَيْها، حَكاهُ الفِهْرَيُّ، ومِثالُهُ قَوْلُ الشّافِعِيِّ: إنَّ الكَيْلَ والِاقْتِياتَ ونَحْوَ ذَلِكَ أوْصافٌ مُلْغاةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى تَحْرِيمِ الرِّبا في مِلْءِ كَفٍّ مِنَ البُرِّ؛ لِأنَّهُ لا يُكالُ ولا يُقاتُ لِقِلَّتِهِ، فَعِلَّةُ تَحْرِيمِ الرِّبا فِيهِ الطَّعْمُ لِاسْتِقْلالِ عِلَّةِ الطَّعْمِ بِالحُكْمِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الأوْصافِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، والقَصْدُ مُطْلَقُ التَّمْثِيلِ، لا مُناقَشَةُ الأمْثِلَةِ. وَمِن طُرُقِ الإبْطالِ بَعْدَ ثُبُوتِ الحَصْرِ كَوْنُ الوَصْفِ الَّذِي أبْقاهُ المُسْتَدِلُّ مُتَعَدِّيًا مِن مَحِلِّ الحُكْمِ إلى غَيْرِهِ، والوَصْفُ الَّذِي يُرِيدُ المُعْتَرِضُ إبْقاءَهُ قاصِرٌ عَلى مَحِلِّ الحُكْمِ، قالَ صاحِبُ ) الضِّياءِ اللّامِعِ (: وذَلِكَ يُشْبِهُ تَعارُضَ العِلَّةِ المُتَعَدِّيَةِ والقاصِرَةِ، وهو كَما قالَ، ومِثالُهُ: اخْتِلافُ الأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ في عِلَّةِ الكَفّارَةِ في الإفْطارِ عَمْدًا في نَهارِ رَمَضانَ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: العِلَّةُ في ذَلِكَ خُصُوصُ الجِماعِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: العِلَّةُ في ذَلِكَ انْتِهاكُ حُرْمَةِ رَمَضانَ، فَكَوْنُ الوَصْفِ المُعَلَّلِ بِهِ في هَذا الحُكْمِ الجِماعَ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّعَدِّي عَنْ مَحِلِّ الحُكْمَ إلى غَيْرِهِ، فَلا تَكُونُ كَفّارَةٌ إلّا في الجِماعِ خاصَّةً، وكَوْنُهُ في هَذا الحُكْمِ انْتِهاكَ حُرْمَةِ رَمَضانَ يَقْضِي التَّعَدِّي في مَحِلِّ الحُكْمِ إلى غَيْرِهِ، فَتَلْزَمُ الكَفّارَةُ في الأكْلِ والشُّرْبِ عَمْدًا في نَهارِ رَمَضانَ بِجامِعِ انْتِهاكِ حُرْمَةِ رَمَضانَ في الجَمِيعِ مِن جِماعٍ وأكْلٍ وشُرْبٍ، فَيَتَرَجَّحُ هَذا الوَصْفُ بِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا عَلى الآخَرِ لِقُصُورِهِ عَلى حَمْلِ الحُكْمِ وقَصْدُنا التَّمْثِيلُ لا مُناقَشَةُ الأمْثِلَةِ، ولا يُنافِي ما ذَكَرْنا أنْ يَأْتِيَ مَن يَقُولُ: العِلَّةُ الجِماعُ، بِمُرَجِّحاتٍ أُخَرَ لِعِلَّتِهِ، وأشارَ في مَراقِي السُّعُودِ إلى طُرُقِ الإبْطالِ المَذْكُورَةِ بِقَوْلِهِ: ؎أبْطِلْ لِما طَرْدًا يُرى ∗∗∗ ويُبْطَلُ غَيْرَ مُناسِبٍ لَهُ المُنْخَزِلُ ؎كَذَلِكَ بِالإلْغا وإنْ قَدْ ناسَبا ∗∗∗ ويَتَعَدّى وصْفُهُ الَّذِي اجْتَبى هَذا هو حاصِلُ كَلامِ أهْلِ الأُصُولِ في المَقْصُودِ عِنْدَهم بِهَذا الدَّلِيلِ الَّذِي هو السَّبْرُ والتَّقْسِيمُ. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ اعْلَمْ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الدَّلِيلِ المَذْكُورِ عِنْدَ المَنطِقِيِّينَ يُخالِفُ المَقْصُودَ مِنهُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ والجَدَلِيِّينَ، فالتَّقْسِيمُ عِنْدَ المَنطِقِيِّينَ لا يَكُونُ إلّا في الأوْصافِ الَّتِي بَيْنَها تَنافٍ (p-٥٠٠)وَتَنافُرٌ، وهَذا التَّقْسِيمُ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ عِنْدَهم بِالشَّرْطِيِّ المُنْفَصِلِ، ومَقْصُودُهم مِن ذِكْرِ تِلْكَ الأوْصافِ المُتَنافِيَةِ هو أنْ يَسْتَدِلُّوا بِوُجُودِ بَعْضِها عَلى عَدَمِ بَعْضِها، وبِعَدَمِهِ عَلى وُجُودِهِ، وهَذا هو المُعَبَّرُ عَنْهُ عِنْدَهم ) بِالِاسْتِثْناءِ في الشَّرْطِيِّ المُنْفَصِلِ (وحَرْفُ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَهم هو ”لَكِنَّ“ والتَّنافِي المَذْكُورُ بَيْنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ يَحْصُرُهُ العَقْلُ في ثَلاثَةِ أقْسامٍ: لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ في الوُجُودِ والعَدَمِ مَعًا، أوِ الوُجُودِ فَقَطْ، أوِ العَدَمِ فَقَطْ، ولا رابِعَ ألْبَتَّةَ. فَإنْ كانَ في الوُجُودِ والعَدَمِ مَعًا، فَهي عِنْدَهُمُ الشَّرْطِيَّةُ المُنْفَصِلَةُ المَعْرُوفَةُ بِالحَقِيقِيَّةِ، وهي مانِعَةُ الجَمِيعِ والخُلُوِّ مَعًا، ولا تَتَرَكَّبُ إلّا مِنَ النَّقِيضَيْنِ، أوْ مِنَ الشَّيْءِ ومُساوِي نَقِيضَيْهِ، وضابِطُها أنَّ طَرَفَيْها لا يَجْتَمِعانِ مَعًا ولا يَرْتَفِعانِ مَعًا، بَلْ لا بُدَّ مِن وُجُودِ أحَدِهِما وعَدَمِ الآخَرِ، وعَدَمُ اجْتِماعِهِما لِما بَيْنَهُما مِنَ المُنافَرَةِ والعِنادِ في الوُجُودِ، وعَدَمُ ارْتِفاعِهِما لِما بَيْنَهُما مِنَ المُنافَرَةِ والعِنادِ في العَدَمِ، وضُرُوبُها الأرْبَعَةُ مُنْتِجَةٌ، كَما لَوْ قُلْتَ: العَدَدُ إمّا زَوْجٌ وإمّا فَرْدٌ، فَلَوْ قُلْتَ: لَكِنَّهُ زَوْجٌ أنْتَجَ فَهو غَيْرُ فَرْدٍ، ولَوْ قُلْتَ: لَكِنَّهُ فَرْدٌ أنْتَجَ فَهو غَيْرُ زَوْجٍ، ولَوْ قُلْتَ: ولَكِنَّهُ غَيْرُ زَوْجٍ أنْتَجَ فَهو فَرْدٌ، ولَوْ قُلْتَ: لَكِنَّهُ غَيْرُ فَرْدٍ أنْتَجَ فَهو زَوْجٌ، وضابِطُ قِياسِها أنَّهُ يُرْجَعُ إلى الِاسْتِدْلالِ بِعَدَمِ النَّقِيضِ أوْ مُساوِيهِ عَلى وُجُودِ النَّقِيضِ، أوْ مُساوِيهِ كَعَكْسِهِ. وَإنْ كانَ التَّنافُرُ والعِنادُ بَيْنَ طَرَفَيْها في الوُجُودِ فَقَطْ فَهي مانِعَةُ الجَمْعِ المُجَوِّزَةُ لِلْخُلُوِّ، ولا يَلْزَمُ فِيها حَصْرُ الأوْصافِ، ولا تَتَرَكَّبُ إلّا مِن قَضِيَّةٍ وأخَصُّ مِن نَقِيضِها، وضابِطُها: أنَّ طَرَفَيْها لا يَجْتَمِعانِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُنافَرَةِ والعِنادِ في الوُجُودِ، ولا مانِعَ مِنِ ارْتِفاعِهِما لِعَدَمِ العِنادِ والمُنافَرَةِ بَيْنَهُما في العَدَمِ، ومانِعَةُ الجَمْعِ المَذْكُورَةُ يَنْتُجُ مِن قِياسِها ضَرْبانِ، ويَعْقُمُ مِنهُ ضَرْبانِ، ومِثالُها قَوْلُكَ: الجِسْمُ إمّا أبْيَضُ، وإمّا أسْوَدُ، فَإنَّ اسْتِثْناءَ عَيْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ يُنْتِجُ نَقِيضَ الآخَرِ، بِخِلافِ اسْتِثْناءِ نَقِيضِ أحَدِهِما فَلا يُنْتِجُ شَيْئًا، فَلَوْ قُلْتَ: الجِسْمُ إمّا أبْيَضُ وإمّا أسْوَدُ لَكِنَّهُ أبْيَضُ، أنْتَجَ: فَهو غَيْرُ أسْوَدَ، وإنْ قُلْتَ: لَكِنَّهُ أسْوَدُ أنْتَجَ فَهو غَيْرُ أبْيَضَ، بِخِلافِ ما لَوْ قُلْتَ: لَكِنَّهُ غَيْرُ أبْيَضَ فَلا يُنْتِجُ كَوْنَهُ أسْوَدَ؛ لِأنَّ غَيْرَ الأبْيَضِ صادِقٌ بِالأسْوَدِ وغَيْرِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: لَكِنَّهُ غَيْرُ أسْوَدَ، فَلا يُنْتِجُ كَوْنَهُ أبْيَضَ لِصِدْقِ غَيْرِ الأسْوَدِ بِالأبْيَضِ وغَيْرِهِ، فَلا مانِعَ مِنِ انْتِفاءِ الطَّرَفَيْنِ وكَوْنِ جِسْمٍ غَيْرَ أبْيَضَ وغَيْرَ أسْوَدَ؛ لِأنَّ مانِعَةَ الجَمِيعِ تُجَوِّزُ الخُلُوَّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ بِأنْ يَكُونا مَعْدُومَيْنِ مَعًا، وإنَّما جازَ فِيها الخُلُوُّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مَعًا لِواحِدٍ مِن سَبَبَيْنِ. (p-٥٠١)الأوَّلُ: وُجُودُ واسِطَةٍ أُخْرى غَيْرَ طَرَفَيِ القَضِيَّةِ المَذْكُورَةِ، فَقَوْلُنا في المِثالِ السّابِقِ: الجِسْمُ إمّا أبْيَضُ، وإمّا أسْوَدُ يَجُوزُ فِيهِ الخُلُوُّ عَنِ البَياضِ والسَّوادِ لِوُجُودِ واسِطَةٍ أُخْرى مِنَ الألْوانِ غَيْرِ السَّوادِ والبَياضِ، كالحُمْرَةِ والصُّفْرَةِ مَثَلًا، فالجِسْمُ الأحْمَرُ مَثَلًا غَيْرُ أبْيَضَ ولا أسْوَدَ. السَّبَبُ الثّانِي: ارْتِفاعُ المَحِلِّ، كَقَوْلِكَ: الجِسْمُ إمّا مُتَحَرِّكٌ، وإمّا ساكِنٌ، فَإنَّهُ إنِ انْعَدَمَ بَعْضُ الأجْسامِ الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً ورَجَعَ إلى العَدَمِ بَعْدَ الوُجُودِ فَإنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنْهُ كُلٌّ مِن طَرَفَيِ القَضِيَّةِ المَذْكُورَةِ، فَلا يُقالُ لِلْمَعْدُومِ: هو ساكِنٌ ولا مُتَحَرِّكٌ؛ لِأنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]، وقَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] . وَإنْ كانَ العِنادُ والمُنافَرَةُ بَيْنَ طَرَفَيْها في العَدَمِ فَقَطْ فَهي مانِعَةُ الخُلُوِّ المُجَوِّزَةُ لِلْجَمْعِ، وهي عَكْسُ الَّتِي ذَكَرْنا قَبْلَها تَصَوُّرًا وإنْتاجًا، ولا تَتَرَكَّبُ إلّا مِن قَضِيَّةٍ وأعَمَّ مِن نَقِيضِها، وضابِطُها أنَّ طَرَفَيْها لا يَرْتَفِعانِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُنافَرَةِ والعِنادِ في العَدَمِ، ولا مانِعَ مِنِ اجْتِماعِهِما لِعَدَمِ المُنافَرَةِ والعِنادِ بَيْنَهُما في الوُجُودِ، ومِثالُها: الجِسْمُ إمّا غَيْرُ أبْيَضَ، وإمّا غَيْرُ أسْوَدَ، فَإنَّ هَذا المِثالَ قَدْ يَجْتَمِعُ فِيهِ الطَّرَفانِ فَلا مانِعَ مِن وُجُودِ جِسْمٍ مَوْصُوفٍ بِأنَّهُ غَيْرُ أبْيَضَ وغَيْرُ أسْوَدَ، كالأحْمَرِ، فَإنَّهُ غَيْرُ أبْيَضَ وغَيْرُ أسْوَدَ، ولَكِنَّهُ لا يُمْكِنُ بِحالٍ وُجُودُ جِسْمٍ خالٍ مِن طَرَفَيْ هَذِهِ القَضِيَّةِ الَّتِي مَثَّلْنا بِها، فَيَكُونُ خالِيًا مِن كَوْنِهِ غَيْرَ أبْيَضَ وغَيْرَ أسْوَدَ؛ لِأنَّكَ إذا نَفَيْتَ غَيْرَ أبْيَضَ أثْبَتَّ أنَّهُ أبْيَضُ؛ لِأنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثْباتٌ، وإذا أثْبَتَّ أنَّهُ أبْيَضُ اسْتَحالَ ارْتِفاعُ الطَّرَفِ الثّانِي الَّذِي هو غَيْرُ أسْوَدَ؛ لِأنَّ الأبْيَضَ مَوْصُوفٌ ضَرُورَةً بِأنَّهُ غَيْرُ أسْوَدَ، وهَكَذا في الطَّرَفِ الآخَرِ، لِأنَّكَ إذا نَفَيْتَ غَيْرَ أسْوَدَ أثْبَتَّ أنَّهُ أسْوَدُ، وإذا أثْبَتَّ أنَّهُ أسْوَدُ لَزِمَ ضَرُورَةً أنَّهُ غَيْرُ أبْيَضَ، وهو عَيْنُ الآخَرِ مِن طَرَفَيِ القَضِيَّةِ المَذْكُورَةِ، وقِياسُ هَذِهِ يَنْتُجُ مِنهُ الضَّرْبانِ العَقِيمانِ في قِياسِ الَّتِي قَبْلَها، ويَعْقُمُ مِنهُ الضَّرْبانِ المُنْتِجانِ في قِياسِ الَّتِي قَبْلَها، فَتَبَيَّنَ أنَّ اسْتِثْناءَ نَقِيضِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ في قِياسِ هَذِهِ الأخِيرَةِ يُنْتِجُ عَيْنَ الآخَرِ، وأنَّ اسْتِثْناءَ عَيْنِ الواحِدِ مِنهُما لا يُنْتِجُ شَيْئًا. فَقَوْلُنا في المِثالِ السّابِقِ: الجِسْمُ إمّا غَيْرُ أبْيَضَ وإمّا غَيْرُ أسْوَدَ، لَوْ قُلْتَ فِيهِ: لَكِنَّهُ أبْيَضُ، أنْتَجَ، فَهو غَيْرُ أسْوَدَ، ولَوْ قُلْتَ: لَكِنَّهُ أسْوَدُ أنْتَجَ فَهو غَيْرُ أبْيَضَ، بِخِلافِ ما لَوْ قُلْتَ: لَكِنَّهُ غَيْرُ أبْيَضَ، فَلا يُنْتِجُ نَفْيَ الطَّرَفِ الآخَرِ ولا وُجُودَهُ؛ لِأنَّ غَيْرَ الأبْيَضِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أسْوَدَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ أسْوَدَ بَلْ أحْمَرَ أوْ أصْفَرَ، وكَذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: لَكِنَّهُ غَيْرُ (p-٥٠٢)أسْوَدَ، لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ نَفْيُ الطَّرَفِ الآخَرِ ولا إثْباتُهُ؛ لِأنَّ غَيْرَ الأسْوَدِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أبْيَضَ وغَيْرَ أبْيَضَ لِكَوْنِهِ أحْمَرَ مَثَلًا. هَذِهِ خُلاصَةٌ مُوجَزَةٌ عَنْ هَذا الدَّلِيلِ المَذْكُورِ في نَظَرِ المَنطِقِيِّينَ. * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ اعْلَمْ أنَّ لِهَذا الدَّلِيلِ آثارًا تارِيخِيَّةً، وسَنَذْكُرُ هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ بَعْضَها. فَمِن ذَلِكَ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ العَظِيمَ جاءَ في التّارِيخِ أنَّهُ أوَّلُ سَبَبٍ لِضَعْفِ المِحْنَةِ العُظْمى عَلى المُسْلِمِينَ في عَقائِدِهِمْ بِالقَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وذَلِكَ أنَّ مِحْنَةَ القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ نَشَأتْ في أيّامِ المَأْمُونِ، واسْتَفْحَلَتْ جِدًّا في أيّامِ المُعْتَصِمِ، واسْتَمَرَّتْ عَلى ذَلِكَ في أيّامِ الواثِقِ، وهي في جَمِيعِ ذَلِكَ التّارِيخِ قائِمَةٌ عَلى ساقٍ وقَدَمٍ. وَمَعْلُومٌ ما وقَعَ فِيها مِن قَتْلِ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ الأفاضِلِ وتَعْذِيبِهِمْ، واضْطِرارِ بَعْضِهِمْ إلى المُداهَنَةِ بِالقَوْلِ خَوْفًا. وَمَعْلُومٌ ما وقَعَ فِيها لِسَيِّدِ المُسْلِمِينَ في زَمَنِهِ ”الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ“ - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ الواسِعَةِ، وجَزاهُ عَنِ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ خَيْرًا - مِنَ الضَّرْبِ المُبَرِّحِ أيّامَ المُعْتَصِمِ، وقَدْ جاءَ أنَّ أوَّلَ مَصْدَرٍ تارِيخِيٍّ لِضِعْفِ هَذِهِ المِحْنَةِ وكَبْحِ جِماحِها هو هَذا الدَّلِيلُ العَظِيمُ. قالَ الخَطِيبُ البَغْدادِيُّ في تارِيخِ بَغْدادَ في الكَلامِ عَلى تَرْجَمَةِ ”أحْمَدَ بْنِ أبِي دُؤادٍ“: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الفَرَجِ بْنِ عَلِيٍّ البَزّارُ، أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ ماسِي، حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ شُعَيْبٍ الشّاشِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الشّاشِيُّ، حَدَّثَنِي إبْراهِيمُ بْنُ مُنَبِّهٍ قالَ: سَمِعْتُ طاهِرَ بْنَ خَلَفٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الواثِقِ الَّذِي يُقالُ لَهُ المُهْتَدِي بِاللَّهِ يَقُولُ: كانَ أبِي إذا أرادَ أنْ يَقْتُلَ رَجُلًا أحْضَرَنا ذَلِكَ المَجْلِسَ، فَأُتِيَ بِشَيْخٍ مَخْضُوبٍ مُقَيَّدٍ فَقالَ أبِي: ائْذَنُوا لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ وأصْحابِهِ) يَعْنِي ابْنَ أبِي دُؤادَ ( قالَ: فَأُدْخِلَ الشَّيْخُ والواثِقُ في مُصَلّاهُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ لَهُ: لا سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، بِئْسَ ما أدَّبَكَ مُؤَدِّبُكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]، واللَّهِ ما حَيَّيْتَنِي بِها ولا بِأحْسَنَ مِنها، فَقالَ ابْنُ أبِي دُؤادٍ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، الرَّجُلُ مُتَكَلِّمٌ، فَقالَ لَهُ: كَلِّمْهُ، فَقالَ: يا شَيْخُ، ما تَقُولُ في القُرْآنِ ؟ قالَ الشَّيْخُ: لَمْ تَنْصِفْنِي - يَعْنِي ولِيَ السُّؤالُ - فَقالَ لَهُ: سَلْ: فَقالَ (p-٥٠٣)لَهُ الشَّيْخُ: ما تَقُولُ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ: مَخْلُوقٌ، فَقالَ: هَذا شَيْءٌ عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ والخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ، أمْ شَيْءٌ لَمْ يَعْلَمُوهُ ؟ فَقالَ: شَيْءٌ لَمْ يَعْلَمُوهُ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ شَيْءٌ لَمْ يَعْلَمْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ولا أبُو بَكْرٍ، ولا عُمَرُ، ولا عُثْمانُ، ولا عَلِيٌّ، ولا الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ، عَلِمْتَهُ أنْتَ ؟ ! قالَ: فَخَجِلَ، فَقالَ: أقِلْنِي والمَسْألَةُ بِحالِها، قالَ: نَعَمْ، قالَ: ما تَقُولُ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ مَخْلُوقٌ، فَقالَ: هَذا شَيْءٌ عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ والخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ أوْ لَمْ يَعْلَمُوهُ ؟ فَقالَ: عَلِمُوهُ ولَمْ يَدْعُوا النّاسَ إلَيْهِ، قالَ: أفَلا وسِعَكَ ما وسِعَهم ؟ ! قالَ: ثُمَّ قامَ أبِي فَدَخَلَ مَجْلِسَ الخَلْوَةِ واسْتَلْقى عَلى قَفاهُ ووَضَعَ إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى وهو يَقُولُ: هَذا شَيْءٌ لَمْ يَعْلَمْهُ النَّبِيُّ ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ ولا عُثْمانَ ولا عَلِيٌّ ولا الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ، عَلِمْتَهُ أنْتَ ؟ سُبْحانَ اللَّهِ، شَيْءٌ عَلِمَهُ النَّبِيُّ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، والخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ ولَمْ يَدْعُوا النّاسَ إلَيْهِ أفَلا وسِعَكَ ما وسِعَهم ؟ ثُمَّ دَعا عَمّارًا الحاجِبَ، فَأمَرَهُ أنْ يَرْفَعَ عَنْهُ القُيُودَ ويُعْطِيَهُ أرْبَعَمِائَةِ دِينارٍ، ويَأْذَنَ لَهُ في الرُّجُوعِ، وسَقَطَ مِن عَيْنِهِ ابْنُ أبِي دُؤادٍ، ولَمْ يَمْتَحِنْ بَعْدَ ذَلِكَ أحَدًا. انْتَهى مِنهُ. وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ في تارِيخِهِ هَذِهِ القِصَّةَ عَنِ الخَطِيبِ البَغْدادِيِّ، ولِما انْتَهى مِن سِياقِها قالَ: ذَكَرَهُ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ بِإسْنادٍ فِيهِ بَعْضُ مَن لا يُعْرَفُ. اهـ. وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذِهِ القِصَّةِ بِما ذَكَرَهُ الخَطِيبُ وغَيْرُهُ: مِن أنَّ الواثِقَ تابَ مِنَ القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في البِدايَةِ والنِّهايَةِ: قالَ الخَطِيبُ: وكانَ ابْنُ أبِي دُؤادٍ اسْتَوْلى عَلى الواثِقِ وحَمَلَهُ عَلى التَّشْدِيدِ في المِحْنَةِ، ودَعا النّاسَ إلى القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ: قالَ: ويُقالُ إنَّ الواثِقَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَأخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي الفَتْحِ، أنْبَأ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ الحَسَنِ، ثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ، حَدَّثَنِي حامِدُ بْنُ العَبّاسِ، عَنْ رَجُلٍ عَنِ المُهْتَدِي: أنَّ الواثِقَ ماتَ وقَدْ تابَ مِنَ القَوْلِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهَذِهِ القِصَّةُ لَمْ تَزَلْ مَشْهُورَةً عِنْدَ العُلَماءِ صَحِيحَةَ الِاحْتِجاجِ، فِيها إلْقامُ الخَصْمِ الحَجَرَ. وَحاصِلُ هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي ألْقَمَ بِها هَذا الشَّيْخُ - الَّذِي كانَ مُكَبَّلًا بِالقُيُودِ يُرادُ قَتْلُهُ - أحْمَدَ بْنَ أبِي دُؤادٍ حَجَرًا، هو هَذا الدَّلِيلُ العَظِيمُ الَّذِي هو السَّبْرُ والتَّقْسِيمُ. فَكانَ الشَّيْخُ المَذْكُورُ يَقُولُ لِابْنِ أبِي دُؤادٍ: مَقالَتُكَ هَذِهِ الَّتِي تَدْعُو النّاسَ إلَيْها لا تَخْلُو بِالتَّقْسِيمِ الصَّحِيحِ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ وخُلَفاؤُهُ الرّاشِدُونَ عالِمِينَ بِها أوْ غَيْرَ (p-٥٠٤)عالَمِينَ بِها ولا واسِطَةَ بَيْنَ العِلْمِ وغَيْرِهِ، فَلا قِسْمٌ ثالِثٌ ألْبَتَّةَ، ثُمَّ إنَّهُ رَجَعَ بِالسَّبْرِ الصَّحِيحِ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَبَيَّنَ أنَّ السَّبْرَ الصَّحِيحَ يُظْهِرُ أنَّ أحْمَدَ بْنَ أبِي دُؤادٍ لَيْسَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ. أمّا عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عالِمًا بِها هو وأصْحابُهُ، وتَرَكُوا النّاسَ ولَمْ يَدْعُوهم إلَيْها، فَدَعْوَةُ ابْنِ أبِي دُؤادٍ إلَيْها مُخالِفَةٌ لِما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وأصْحابُهُ مِن عَدَمِ الدَّعْوَةِ لَها، وكانَ يَسَعُهُ ما وسِعَهم. وَأمّا عَلى كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ غَيْرَ عالِمِينَ بِها، فَلا يُمْكِنُ لِابْنِ أبِي دُؤادٍ أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ عالِمٌ بِها مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِها، فَظَهَرَ ضَلالُهُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، ولِذَلِكَ سَقَطَ مِن عَيْنِ الواثِقِ، وتَرَكَ الواثِقُ لِذَلِكَ امْتِحانَ أهْلِ العِلْمِ، فَكانَ هَذا الدَّلِيلُ العَظِيمُ أوَّلَ مَصْدَرٍ تارِيخِيٍّ لِضَعْفِ هَذِهِ المِحْنَةِ الكُبْرى، حَتّى أزالَها اللَّهُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى يَدِ المُتَوَكِّلِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وفي هَذا مَنقَبَةٌ تارِيخِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِهَذا الدَّلِيلِ المَذْكُورِ. وَمِن آثارِ هَذا الدَّلِيلِ التّارِيخِيَّةِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ، مِن أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هَمّامٍ السَّلُولِيَّ وشى بِهِ واشٍ إلى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيادٍ، فَأدْخَلَ ابْنُ زِيادٍ الواشِيَ في مَحِلٍّ قَرِيبٍ مِن مَجْلِسِهِ، ثُمَّ نادى ابْنَ هَمّامٍ السَّلُولِيَّ وقالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى أنْ تَقُولَ فِيَّ كَذا وكَذا ؟ ! فَقالَ السَّلُولِيُّ: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ واللَّهِ ما قُلْتُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَأخْرَجَ ابْنُ زِيادٍ الواشِيَ، وقالَ: هَذا أخْبَرَنِي أنَّكَ قُلْتَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ ابْنُ هَمّامٍ هُنَيْهَةً ثُمَّ قالَ مُخاطِبًا لِلْواشِي: ؎وَأنْتَ امْرُؤٌ إمّا ائْتَمَنتُكَ خالِيًا فَخُنْتَ وإمّا قُلْتَ قَوْلًا بِلا عِلْمٍ ؎فَأنْتَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي كانَ بَيْنَنا ∗∗∗ بِمَنزِلَةٍ بَيْنَ الخِيانَةِ والإثْمِ فَقالَ ابْنُ زِيادٍ: صَدَقْتَ. وطَرَدَ الواشِيَ. وَحاصِلُ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ الَّذَيْنِ طَرَدَ بِهِما ابْنُ زِيادٍ الواشِيَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلسَّلُولِيِّ بِسُوءٍ بِسَبَبِهِما، هو هَذا الدَّلِيلُ العَظِيمُ المَذْكُورُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: لا يَخْلُو قَوْلُكَ هَذا مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ أكُونَ ائْتَمَنتُكَ عَلى سِرٍّ فَأفْشَيْتَهُ، وإمّا أنْ تَكُونَ قُلْتَهُ عَلَيَّ كَذِبًا، ثُمَّ رَجَعَ بِالسَّبْرِ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَبَيَّنَ أنَّ الواشِيَ مُرْتَكِبٌ ما لا يَنْبَغِي عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ ائْتَمَنَهُ عَلى سِرٍّ فَأفْشاهُ فَهو خائِنٌ لَهُ، وإنْ كانَ قالَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَذِبًا وافْتِراءً فالأمْرُ واضِحٌ. * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ اعْلَمْ: أنَّ هَذا الدَّلِيلَ التّارِيخِيَّ العَظِيمَ يُوضِّحُ غايَةَ الإيضاحِ مَوْقِفَ المُسْلِمِينَ (p-٥٠٥)الطَّبِيعِيَّ مِنَ الحَضارَةِ الغَرْبِيَّةِ، وبِذَلِكَ الإيضاحِ التّامِّ يَتَمَيَّزُ النّافِعُ مِنَ الضّارِّ، والحَسَنُ مِنَ القَبِيحِ، والحَقُّ مِنَ الباطِلِ، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِقْراءَ التّامَّ القَطْعِيَّ دَلَّ عَلى أنَّ الحَضارَةَ الغَرْبِيَّةَ المَذْكُورَةَ تَشْتَمِلُ عَلى نافِعٍ وضارٍّ: أمّا النّافِعُ مِنها فَهو مِنَ النّاحِيَةِ المادِّيَّةِ، وتَقَدُّمُها في جَمِيعِ المَيادِينِ المادِّيَّةِ أوْضَحُ مِن أنْ أُبَيِّنَهُ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ المَنافِعِ لِلْإنْسانِ أعْظَمُ مِمّا كانَ يَدْخُلُ تَحْتَ التَّصَوُّرِ، فَقَدْ خَدَمَتِ الإنْسانَ خِدْماتٍ هائِلَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ جَسَدٌ حَيَوانِيٌّ، وأمّا الضّارُّ مِنها فَهو إهْمالُها بِالكُلِّيَّةِ لِلنّاحِيَةِ الَّتِي هي رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ، ولا خَيْرَ ألْبَتَّةَ في الدُّنْيا بِدُونِها، وهي التَّرْبِيَةُ الرُّوحِيَّةُ لِلْإنْسانِ وتَهْذِيبُ أخْلاقِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِنُورِ الوَحْيِ السَّماوِيِّ الَّذِي يُوَضِّحُ لِلْإنْسانِ طَرِيقَ السَّعادَةِ، ويَرْسُمُ لَهُ الخُطَطَ الحَكِيمَةَ في كُلِّ مَيادِينِ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَجْعَلُهُ عَلى صِلَةٍ بِرَبِّهِ في كُلِّ أوْقاتِهِ. فالحَضارَةُ الغَرْبِيَّةُ غَنِيَّةٌ بِأنْواعِ المَنافِعِ مِنَ النّاحِيَةِ الأُولى، مُفْلِسَةٌ إفْلاسًا كُلِّيًّا مِنَ النّاحِيَةِ الثّانِيَةِ. وَمَعْلُومٌ أنَّ طُغْيانَ المادَّةِ عَلى الرُّوحِ يُهَدِّدُ العالَمَ أجْمَعَ بِخَطَرٍ داهِمٍ، وهَلاكٍ مُسْتَأْصِلٍ، كَما هو مُشاهَدٌ الآنَ، وحَلُّ مُشْكِلَتِهِ لا يُمْكِنُ ألْبَتَّةَ إلّا بِالِاسْتِضاءَةِ بِنُورِ الوَحْيِ السَّماوِيِّ الَّذِي هو تَشْرِيعُ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ مَن أطْغَتْهُ المادَّةُ حَتّى تَمَرَّدَ عَلى خالِقِهِ ورازِقِهِ لا يُفْلِحُ أبَدًا. والتَّقْسِيمُ الصَّحِيحُ يَحْصُرُ أوْصافَ المَحِلِّ الَّذِي هو المَوْقِفُ مِنَ الحَضارَةِ الغَرْبِيَّةِ في أرْبَعَةِ أقْسامٍ لا خامِسَ لَها، حَصْرًا عَقْلِيًّا لا شَكَّ فِيهِ: الأوَّلُ: تَرْكُ الحَضارَةِ المَذْكُورَةِ نافِعِها وضارِّها. الثّانِي: أخْذُها كُلِّها ضارِّها ونافِعِها. الثّالِثُ: أخْذُ ضارِّها وتَرْكُ نافِعِها. الرّابِعُ: أخْذُ نافِعِها وتَرْكُ ضارِّها. فَنَرْجِعُ بِالسَّبْرِ الصَّحِيحِ إلى هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَنَجِدُ ثَلاثَةً مِنها باطِلَةً بِلا شَكٍّ، وواحِدًا صَحِيحًا بِلا شَكٍّ. أمّا الثَّلاثَةُ الباطِلَةُ: فالأوَّلُ مِنها تَرْكُها كُلِّها، ووَجْهُ بُطْلانِهِ واضِحٌ؛ لِأنَّ عَدَمَ الِاشْتِغالِ بِالتَّقَدُّمِ المادِّيِّ يُؤَدِّي إلى الضَّعْفِ الدّائِمِ، والتَّواكُلِ والتَّكاسُلِ، ويُخالِفُ الأمْرَ السَّماوِيَّ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٦٠] . ؎لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأذى حَتّى يُراقَ عَلى جَوانِبِهِ الدَّمُ (p-٥٠٦)القِسْمُ الثّانِي مِنَ الأقْسامِ الباطِلَةِ أخْذُها؛ لِأنَّ ما فِيها مِنَ الِانْحِطاطِ الخُلُقِيِّ وضَياعِ الرُّوحِيَّةِ والمُثُلِ العُلْيا لِلْإنْسانِيَّةِ أوْضَحُ مِن أنْ أُبَيِّنَهُ، ويَكْفِي في ذَلِكَ ما فِيها مِنَ التَّمَرُّدِ عَلى نِظامِ السَّماءِ، وعَدَمِ طاعَةِ خالِقِ هَذا الكَوْنِ جَلَّ وعَلا: ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، والقِسْمُ الثّالِثُ مِنَ الأقْسامِ الباطِلَةِ هو أخْذُ الضّارِّ وتَرْكُ النّافِعِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا لا يَفْعَلُهُ مَن لَهُ أقَلُّ تَمْيِيزٍ، فَتَعَيَّنَتْ صِحَّةُ القِسْمِ الرّابِعِ بِالتَّقْسِيمِ والسَّبْرِ الصَّحِيحِ، وهو أخْذُ النّافِعِ وتَرْكُ الضّارِّ. وَهَكَذا كانَ ﷺ يَفْعَلُ، فَقَدِ انْتَفَعَ بِحَفْرِ الخَنْدَقِ في غَزْوَةِ الأحْزابِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ خُطَّةٌ عَسْكَرِيَّةٌ كانَتْ لِلْفُرْسِ، أخْبَرَهُ بِها سَلْمانُ فَأخَذَ بِها، ولَمْ يَمْنَعْهُ مِن ذَلِكَ أنَّ أصْلَها لِلْكُفّارِ، وقَدْ هَمَّ ﷺ بِأنْ يَمْنَعَ وطْءَ النِّساءِ المَراضِعِ خَوْفًا عَلى أوْلادِهِنَّ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ الغِيلَةَ - وهي وطْءُ المُرْضِعِ - تُضْعِفُ ولَدَها وتَضُرُّهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَوارِسُ لَمْ يُغالُوا في رَضاعٍ ∗∗∗ فَتَنْبُو في أكُفِّهِمُ السُّيُوفُ فَأخْبَرَتْهُ ﷺ فارِسُ والرُّومُ بِأنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ولا يَضُرُّ أوْلادَهم، فَأخَذَ ﷺ مِنهم تِلْكَ الخُطَّةَ الطِّبِّيَّةَ، ولَمْ يَمْنَعْهُ مِن ذَلِكَ أنَّ أصْلَها مِنَ الكُفّارِ. وَقَدِ انْتَفَعَ ﷺ بِدَلالَةِ ابْنِ الأُرَيْقِطِ الدُّؤَلِيِّ لَهُ في سَفَرِ الهِجْرَةِ عَلى الطَّرِيقِ، مَعَ أنَّهُ كافِرٌ. فاتَّضَحَ مِن هَذا الدَّلِيلِ أنَّ المَوْقِفَ الطَّبِيعِيَّ لِلْإسْلامِ والمُسْلِمِينَ مِنَ الحَضارَةِ الغَرْبِيَّةِ هو أنْ يَجْتَهِدُوا في تَحْصِيلِ ما أنْتَجَتْهُ مِنَ النَّواحِي المادِّيَّةِ، ويَحْذَرُوا مِمّا جَنَتْهُ مِنَ التَّمَرُّدِ عَلى خالِقِ الكَوْنِ جَلَّ وعَلا فَتَصْلُحَ لَهُمُ الدُّنْيا والآخِرَةُ، والمُؤْسِفُ أنَّ أغْلَبَهم يَعْكِسُونَ القَضِيَّةَ، فَيَأْخُذُونَ مِنها الِانْحِطاطَ الخُلُقِيَّ، والِانْسِلاخَ مِنَ الدِّينِ، والتَّباعُدَ مِن طاعَةِ خالِقِ الكَوْنِ، ولا يَحْصُلُونَ عَلى نَتِيجَةٍ مِمّا فِيها مِنَ النَّفْعِ المادِّيِّ، فَخَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ. وَما أحْسَنَ الدِّينَ والدُّنْيا إذا اجْتَمَعا وأقْبَحَ الكُفْرَ والإفْلاسَ بِالرَّجُلِ وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا نافِعًا في كَوْنِ الدِّينِ لا يُنافِي التَّقَدُّمَ المادِّيَّ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، فَأغْنى ذَلِكَ (p-٥٠٧)عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وقَدْ عُرِفَ في تارِيخِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ أنَّهم كانُوا يَسْعَوْنَ في التَّقَدُّمِ في جَمِيعِ المَيادِينِ مَعَ المُحافَظَةِ عَلى طاعَةِ خالِقِ السَّمَواتِ والأرْضِ جَلَّ وعَلا. وَأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في مَعْنى العَهْدِ في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]، أنَّ المَعْنى: أمْ أعْطاهُ اللَّهُ عَهْدًا أنَّهُ سَيَفْعَلُ لَهُ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في نَظِيرِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة: ٨٠]، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ، وقِيلَ: العَهْدُ المَذْكُورُ: العَمَلُ الصّالِحُ، وقِيلَ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

مريم 19:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ سَيَكْتُبُ ما قالَهُ ذَلِكَ الكافِرُ افْتِراءً عَلَيْهِ، مِن أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يُؤْتى مالًا ووَلَدًا مَعَ كُفْرِهِ بِاللَّهِ، وأنَّهُ يَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا، قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩] أيْ: نَزِيدُهُ عَذابًا فَوْقَ عَذابٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ أيْ: نُطَوِّلُ لَهُ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَأْهِلُهُ، ونُعَذِّبُهُ بِالنَّوْعِ الَّذِي يُعَذَّبُ بِهِ المُسْتَهْزِئُونَ، أوْ نَزِيدُهُ مِنَ العَذابِ ونُضاعِفُ لَهُ مِنَ المَدَدِ، يُقالُ: مَدَّهُ وأمَدَّهُ، بِمَعْنًى، وتَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”وَنُمِدُّ لَهُ“، بِالضَّمِّ. وَأكَّدَ ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ، وذَلِكَ مِن فَرْطِ غَضَبِ اللَّهِ، نَعُوذُ بِهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِما يَسْتَوْجِبُ غَضَبَهُ. اهـ. وَأصْلُ المَدَدِ لُغَةً: الزِّيادَةُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى في أكابِرِ الكُفّارِ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]، وقَوْلُهُ في الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] . وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠]، أيْ: ما يَقُولُ إنَّهُ يُؤْتاهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن مالٍ ووَلَدٍ، أيْ: نَسْلُبُهُ مِنهُ في الدُّنْيا ما أعْطَيْناهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ بِإهْلاكِنا إيّاهُ، وقِيلَ: نَحْرِمُهُ ما تَمَنّاهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ في الآخِرَةِ، ونَجْعَلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، ويَدُلُّ لِلْمَعْنى الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في (p-٥٠٨)هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾، أيْ: مُنْفَرِدًا لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ ولا خَدَمَ ولا غَيْرَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٤]، وقالَ تَعالى: ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَبَّرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِحَرْفِ التَّنْفِيسِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِقْبالِ في قَوْلِهِ: ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ مَعَ أنَّ ما يَقُولُهُ الكافِرُ يُكْتَبُ بِلا تَأْخِيرٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] . فالجَوابُ: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ في كَشّافِهِ تَعَرَّضَ لِلْجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِما نَصُّهُ: . قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: سَنُظْهِرُ لَهُ ونُعْلِمُهُ أنا كَتَبْنا قَوْلَهُ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ زائِدِ بْنِ صَعْصَعَةَ الفَقْعَسِيِّ: ؎إذْ ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ ولَمْ تَجِدِي مِن أنْ تُقِرِّي بِها بُدًّا أيْ: تَبَيَّنَ وعُلِمَ بِالِانْتِسابِ أنِّي لَسْتُ بِابْنِ لَئِيمَةٍ. والثّانِي: أنَّ المُتَوَعِّدَ يَقُولُ لِلْجانِي: سَوْفَ أنْتَقِمُ مِنكَ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُخِلُّ بِالِانْتِصارِ وإنْ تَطاوَلَ بِهِ الزَّمانُ واسْتَأْخَرَ، فَجَرَّدَها هُنا لِمَعْنى الوَعِيدِ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ، إلّا أنّا زِدْنا اسْمَ قائِلِ البَيْتِ وتَكْمِلَتَهُ. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ يَكْتُبُ ما يَقُولُ هَذا الكافِرُ، ذَكَرَ نَحْوَهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كِتابِهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ٩ - ١١] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

مريم 19:81

(p-٥٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]، اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أيْ مَعْبُوداتٍ مِن أصْنامٍ وغَيْرِها يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، وأنَّهم عَبَدُوهم لِأجْلِ أنْ يَكُونُوا لَهم عِزًّا، أيْ: أنْصارًا وشُفَعاءَ يُنْقِذُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، كَما أوْضَحَ تَعالى مُرادَهم ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، فَتَقْرِيبُهم إيّاهم إلى اللَّهِ زُلْفى في زَعْمِهِمْ هو عِزُّهُمُ الَّذِي أمَّلُوهُ بِهِمْ، وكَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٨]، فالشَّفاعَةُ عِنْدَ اللَّهِ عِزٌّ لَهم بِهِمْ يَزْعُمُونَهُ كَذِبًا وافْتِراءً عَلى اللَّهِ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] . وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: كَلّا، زَجْرٌ ورَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ الظَّنِّ الفاسِدِ الباطِلِ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لا تَكُونُ المَعْبُوداتُ الَّتِي عَبَدْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ عِزًّا لَكم، بَلْ تَكُونُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، فَتَكُونُ عَلَيْكم ضِدًّا، أيْ: أعْوانًا عَلَيْكم في خُصُومَتِكم وتَكْذِيبِكم والتَّبَرُّؤِ مِنكم، وأقْوالُ العُلَماءِ في الآيَةِ تَدُورُ حَوْلَ هَذا الَّذِي ذَكَرْنا، كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ضِدًّا﴾ أيْ: أعْوانًا، وقَوْلِ الضَّحّاكِ: ﴿ضِدًّا﴾، أيْ: أعْداءً، وقَوْلِ قَتادَةَ: ﴿ضِدًّا﴾، أيْ: قُرَناءُ في النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، وكَقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ﴿ضِدًّا﴾ يَجِيئُهم مِنهم خِلافُ ما أمَّلُوهُ فَيَئُولُ بِهِمْ ذَلِكَ إلى الذُّلِّ والهَوانِ، ضِدِّ ما أمَّلُوهُ مِنَ العِزِّ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَيَّنَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَضَمِيرُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ لِلْعُلَماءِ، وكِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، إلّا أنَّ لِأحَدِهِما قَرِينَةً تُرَجِّحُهُ عَلى الآخَرِ. (p-٥١٠)الأوَّلُ: أنَّ واوَ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾، راجِعَةٌ إلى المَعْبُوداتِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، أمّا العاقِلُ مِنها فَلا إشْكالَ فِيهِ، وأمّا غَيْرُ العاقِلِ فاللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ لَهُ إدْراكًا يُخاطِبُ بِهِ مَن عَبَدَهُ ويَكْفُرُ بِهِ بِعِبادَتِهِ إيّاهُ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٨ - ٢٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. الوَجْه الثّانِي: أنَّ العابِدِينَ هُمُ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ شُرَكاءَهم ويُنْكِرُونَها ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقَوْلُهُ عَنْهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [غافر: ٧٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والقَرِينَةُ المُرَجِّحَةُ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ، أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَكُونُونَ﴾، راجِعٌ لِلْمَعْبُوداتِ، وعَلَيْهِ فَرُجُوعُ الضَّمِيرِ في يَكْفُرُونَ لِلْمَعْبُوداتِ أظْهَرُ؛ لِانْسِجامِ الضَّمائِرِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ. أمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: فَإنَّهُ يَكُونُ ضَمِيرُ يَكْفُرُونَ لِلْعابِدِينَ، وضَمِيرُ ﴿يَكُونُونَ﴾ لِلْمَعْبُودِينَ، وتَفْرِيقُ الضَّمائِرِ خِلافُ الظّاهِرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ كَلّا في هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما بَعْدَها لا بِما قَبْلَها، وأنَّ المَعْنى: كَلّا سَيَكْفُرُونَ، أيْ: حَقًّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ - مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ مِنهُ وأرْجَحُ، وقائِلُهُ أكْثَرُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفي قَوْلِهِ: كَلّا قِراءاتٌ شاذَّةٌ تَرَكْنا الكَلامَ عَلَيْها لِشُذُوذِها. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾، أفْرَدَ فِيهِ العِزَّ مَعَ أنَّ المُرادَ الجَمْعُ؛ لِأنَّ أصْلَهُ مَصْدَرٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرْ فالتَزَمُوا الإفْرادَ والتَّذْكِيرْ والإخْبارُ بِالمَصْدَرِ يَجْرِي عَلى حُكْمِ النَّعْتِ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ضِدًّا﴾ مُفْرَدًا أيْضًا أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، حَكاهُ عَنْهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، وقالَ (p-٥١١)الزَّمَخْشَرِيُّ: الضِّدُّ: العَوْنُ، وُحِّدَ تَوْحِيدَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، «هم يَدٌ عَلى مَن سِواهم» لِاتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ، وأنَّهم كَشَيْءٍ واحِدٍ لِفَرْطِ تَضامُنِهِمْ وتَوافُقِهِمْ.

مريم 19:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿أرْسَلْنا الشَّياطِينَ﴾ الآيَةَ [مريم: ٨٣]، أيْ: سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ وقَيَّضْناهم لَهم، وهَذا هو الصَّوابُ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ مَعْنى ﴿أرْسَلْنا الشَّياطِينَ﴾ الآيَةَ، أيْ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَهم، ولَمْ نَعْصِمْهم مِن شَرِّهِمْ، يُقالُ: أرْسَلْتُ البَعِيرَ، أيْ: خَلَّيْتُهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾: الأزُّ والهَزُّ والِاسْتِفْزازُ بِمَعْنًى، ومَعْناها التَّهْيِيجُ وشِدَّةُ الإزْعاجِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾، أيْ: تُهَيِّجُهم وتُزْعِجُهم إلى الكُفْرِ والمَعاصِي. وَأقْوالُ أهْلِ العِلْمِ في الآيَةِ راجِعَةٌ إلى ما ذَكَرْنا: كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾، أيْ: تُغْرِيهِمْ إغْراءً "، وكَقَوْلِ مُجاهِدٍ ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾، أيْ: تُشْلِيهِمْ إشْلاءً، وكَقَوْلِ قَتادَةَ ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ أيْ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ سَلَّطَ الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ، وقَيَّضَهم لَهم يُضِلُّونَهم عَنِ الحَقِّ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٨] • وقَوْلِهِ: ﴿وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

مريم 19:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٨٤]، أيْ: لا تَسْتَعْجِلْ وُقُوعَ العَذابِ بِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ حَدَّدَ لَهُ أجَلًا مُعَيَّنًا مَعْدُودًا، فَإذا انْتَهى ذَلِكَ الأجَلُ جاءَهُمُ العَذابُ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾، أيْ: نَعُدُّ الأعْوامَ والشُّهُورَ والأيّامَ الَّتِي دُونَ وقْتِ هَلاكِهِمْ، فَإذا جاءَ الوَقْتُ المُحَدَّدُ لِذَلِكَ أهْلَكْناهم، والعَرَبُ تَقُولُ: عَجِلْتُ عَلَيْهِ بِكَذا: إذا اسْتَعْجَلْتُهُ مِنهُ. وَمِمّا ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ هَلاكَ الكُفّارِ حُدِّدَ لَهُ أجْلٌ مَعْدُودٌ ذَكَرَهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥١٢)﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٥٣] • وقَوْلِهِ: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَرُوِيَ أنَّ المَأْمُونَ قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ الكَرِيمَةَ فَمَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ وعِنْدَهُ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ، فَأشارَ إلى ابْنِ السَّمّاكِ أنْ يَعِظَهُ، فَقالَ: إذا كانَتِ الأنْفاسُ بِالعَدَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَها مَدَدْ، فَما أسْرَعَ ما تَنْفَدْ. والأظْهَرُ في الآيَةِ هو ما ذَكَرْنا مِن أنَّ العَدَّ المَذْكُورَ عَدُّ الأعْوامِ والأيّامِ والشُّهُورِ مِنَ الأجَلِ المُحَدَّدِ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هو عَدُّ أنْفاسِهِمْ، كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ السَّمّاكِ في مَوْعِظَتِهِ لِلْمَأْمُونِ الَّتِي ذَكَرْنا إنْ صَحَّ ذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ”أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها بَكى، وقالَ: آخِرُ العَدَدِ خُرُوجُ نَفْسِكَ، آخِرُ العَدَدِ: فِراقُ أهْلِكَ، آخِرُ العَدَدِ: دُخُولُ قَبْرِكَ“ . وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ أيْ: نَعُدُّ أعْمالَهم لِنُجازِيَهم عَلَيْها، والظّاهِرُ هو ما قَدَّمْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

مريم 19:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُتَّقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَّقُونَهُ في دارِ الدُّنْيا بِامْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ يُحْشَرُونَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ في حالِ كَوْنِهِمْ وفْدًا، والوَفْدُ عَلى التَّحْقِيقِ: جَمْعُ وافِدٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وراكِبٍ ورَكْبٍ، وقَدَّمْنا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الفِعْلَ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مِن صِيَغِ جُمُوعِ الكَثْرَةِ لِلْفاعِلِ وصْفًا، وبَيَّنّا شَواهِدَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِيَّةِ، وإنْ أغْفَلَهُ الصَّرْفِيُّونَ، والوافِدُ: مَن يَأْتِي إلى المَلِكِ مَثَلًا إلى أمْرٍ لَهُ شَأْنٌ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، أيْ: رُكْبانًا، وبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: هم رُكْبانٌ عَلى نَجائِبَ مِن نُورٍ مِن مَراكِبِ الدّارِ الآخِرَةِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: (p-٥١٣)يُحْشَرُونَ رُكْبانًا عَلى صُوَرٍ مِن أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا في غايَةِ الحُسْنِ وطِيبِ الرّائِحَةِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا أبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، حَدَّثَنا ابْنُ خالِدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ المُلائِيِّ عَنِ ابْنِ مَرْزُوقٍ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾، قالَ: يَسْتَقْبِلُ المُؤْمِنَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن قَبْرِهِ أحْسَنُ صُورَةٍ رَآها وأطْيَبُها رِيحًا، فَيَقُولُ: مَن أنْتَ ؟ فَيَقُولُ: أما تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ: لا إلّا أنَّ اللَّهَ قَدْ طَيَّبَ رِيحَكَ، وحَسَّنَ وجْهَكَ، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ، وهَكَذا كُنْتَ في الدُّنْيا حَسَنَ العَمَلِ طَيِّبَهُ، فَطالَما رَكِبْتُكَ في الدُّنْيا فَهَلُمَّ ارْكَبْنِي، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾، قالَ: رُكْبانًا ”، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ المُثَنّى، حَدَّثَنِي ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ إسْماعِيلَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ“ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾، قالَ: عَلى الإبِلِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَلى النَّجائِبِ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: عَلى الإبِلِ النُّوقِ، وقالَ قَتادَةُ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قالَ: إلى الجَنَّةِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإمامِ أحْمَدَ في مُسْنَدِ أبِيهِ: حَدَّثَنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسْحاقَ، حَدَّثَنا النُّعْمانُ بْنُ سَعْدٍ قالَ: كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾، قالَ: واللَّهِ ما عَلى أرْجُلِهِمْ يُحْشُرُونَ، ولا يُحْشَرُ الوَفْدُ عَلى أرْجُلِهِمْ، ولَكِنْ بِنُوقٍ لَمْ يَرَ الخَلائِقُ مِثْلَها، عَلَيْها رَحائِلُ مِن ذَهَبٍ فَيَرْكَبُونَ عَلَيْها حَتّى يَضْرِبُوا أبْوابَ الجَنَّةِ ! ! وهَكَذا رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسْحاقَ المَدَنِيِّ بِهِ، وزادَ ”عَلَيْها رَحائِلُ مِن ذَهَبٍ، وأزِمَّتُها الزَّبَرْجَدُ.“ والباقِي مِثْلُهُ، ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ هُنا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا مَرْفُوعًا عَنْ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا أبِي، حَدَّثَنا أبُو غَسّانَ مالِكُ بْنُ إسْماعِيلَ النَّهْدِيُّ، حَدَّثَنا سَلَمَةُ بْنُ جَعْفَرٍ البَجَلِيُّ، سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ البَصْرِيَّ يَقُولُ: «إنَّ عَلِيًّا كانَ ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾، فَقالَ: ما أظُنُّ الوَفْدَ إلّا الرَّكْبَ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهم إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يُسْتَقْبَلُونَ - أوْ: يُؤْتَوْنَ - بِنُوقٍ بِيضٍ لَها أجْنِحَةٌ وعَلَيْها رَحائِلُ الذَّهَبِ، شِراكُ نِعالِهِمْ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنها مَدُّ البَصَرِ، فَيَنْتَهُونَ إلى شَجَرَةٍ يَنْبُعُ مِن أصْلِها عَيْنانِ فَيَشْرَبُونَ مِن إحْداهُما فَتَغْسِلُ ما في بُطُونِهِمْ مِن دَنَسٍ، ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى فَلا تَشْعَثُ أبْشارُهم ولا أشْعارُهم بَعْدَها أبَدًا، وتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ فَيَنْتَهُونَ - أوْ: فَيَأْتُونَ - بابَ الجَنَّةِ فَإذا حَلْقَةٌ مِن ياقُوتٍ (p-٥١٤)حَمْراءَ عَلى صَفائِحِ الذَّهَبِ، فَيَضْرِبُونَ بِالحَلْقَةِ عَلى الصَّفْحَةِ فَيُسْمَعُ لَها طَنِينٌ يا عَلِيُّ، فَيَبْلُغُ كُلَّ حَوْراءَ أنَّ زَوْجَها قَدْ أقْبَلَ فَتَبْعَثُ قَيِّمَها لِيَفْتَحَ لَهُ فَإذا رَآهُ خَرَّ لَهُ ) قالَ سَلَمَةُ: أراهُ قالَ ساجِدًا ( فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَإنَّما أنا قَيِّمُكَ وُكِّلْتُ بِأمْرِكَ، فَيَتْبَعُهُ ويَقْفُو أثَرَهُ فَتَسْتَخِفُّ الحَوْراءَ العَجَلَةُ فَتَخْرُجُ مِن خِيامِ الدُّرِّ والياقُوتِ حَتّى تَعْتَنِقَهُ» .“ إلى آخِرِ الحَدِيثِ بِطُولِهِ، وفي آخِرِ السِّياقِ: هَكَذا وقَعَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ مَرْفُوعًا، وقَدْ رُوِّيناهُ في المُقَدِّماتِ مِن كَلامِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهو أشْبَهُ بِالصِّحَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. اهـ. وَرُكُوبُهُمُ المَذْكُورُ إنَّما يَكُونُ مِنَ المَحْشَرِ إلى الجَنَّةِ، أمّا مِنَ القَبْرِ فالظّاهِرُ أنَّهم يُحْشَرُونَ مُشاةً، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ الدّالِّ عَلى أنَّهم يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، هَذا هو الظّاهِرُ وجَزَمَ بِهِ القُرْطُبِيُّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، السَّوْقُ مَعْرُوفٌ، والمُجْرِمُونَ: جَمْعُ تَصْحِيحٍ لِلْمُجْرِمِ، وهو اسْمُ فاعِلِ الإجْرامِ، والإجْرامُ: ارْتِكابُ الجَرِيمَةِ، وهي الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ بِهِ النَّكالَ والعَذابَ، ولَمْ يَأْتِ الإجْرامُ في القُرْآنِ إلّا مِن ”أجْرَمَ“ الرُّباعِيِّ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، ويَجُوزُ إتْيانُهُ في اللُّغَةِ بِصِيغَةِ الثُّلاثِيِّ فَتَقُولُ: جَرَمَ يَجْرِمُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، والفاعِلُ مِنهُ جارِمٌ، والمَفْعُولُ مَجْرُومٌ، كَما هو ظاهِرٌ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ البَرّاقَةِ النَّهْمِيِّ: وَنَنْصُرُ مَوْلانا ونَعْلَمُ أنَّهُ كَما النّاسِ مَجْرُومٌ عَلَيْهِ وجارِمُ وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وِرْدًا﴾، أيْ: عِطاشًا، وأصْلُ الوِرْدِ: الإتْيانُ إلى الماءِ، ولَمّا كانَ الإتْيانُ إلى الماءِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ العَطَشِ أُطْلِقَ هُنا اسْمُ الوِرْدِ عَلى الجَماعَةِ العِطاشِ، أعاذَنا اللَّهُ والمُسْلِمِينَ مِنَ العَطَشِ في الآخِرَةِ والدُّنْيا، ومِن إطْلاقِ الوِرْدِ عَلى المَسِيرِ إلى الماءِ قَوْلُ الرّاجِزِ يُخاطِبُ ناقَتَهُ: ؎رِدِي رِدِي وِرْدَ قَطاةٍ صَمّا كُدْرِيَّةٍ أعْجَبَها بَرْدُ الما واخْتَلَفَ العُلَماءُ في العامِلِ النّاصِبِ لِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾، فَقِيلَ مَنصُوبٌ بِـ يَمْلِكُونَ بَعْدَهُ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِـ ”اذْكُرْ“ أوِ احْذَرْ، مُقَدَّرًا، وفِيهِ أقْوالٌ غَيْرُ ذَلِكَ. وَهَذا الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُبَيَّنًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”الزُّمَرِ“: (p-٥١٥)﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧١ - ٧٣] .

مريم 19:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] . قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَكُونَ في الآيَةِ وجْهانِ أوْ أوْجُهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ كُلُّها حَقٌّ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، فَإنّا نَذْكُرُ الجَمِيعَ وأدِلَّتَهُ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مِن ذَلِكَ النَّوْعِ، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ راجِعَةٌ إلى ﴿المُجْرِمِينَ﴾ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ: لا يَمْلِكُ المُجْرِمُونَ الشَّفاعَةَ، أيْ: لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَشْفَعَ فِيهِمْ شافِعٌ يُخَلِّصُهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والعَذابِ. وَهَذا الوَجْهُ مِنَ التَّفْسِيرِ تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ الآيَةَ [غافر: ١٨] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَهَذا الوَجْهُ يُفْهَمُ مِنهُ بِالأحْرى أنَّ المُجْرِمِينَ لا يَشْفَعُونَ في غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم إذا كانُوا لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَشْفَعَ فِيهِمْ غَيْرُهم لِكُفْرِهِمْ فَشَفاعَتُهم في غَيْرِهِمْ مَمْنُوعَةٌ مِن بابِ أوْلى، وعَلى كَوْنِ الواوِ في ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ راجِعَةً إلى ﴿المُجْرِمِينَ﴾ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ و ”مَنِ“ في مَحِلِّ نَصْبٍ، والمَعْنى: لَكِنْ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ، أيْ: بِتَمْلِيكِ اللَّهِ إيّاهم وإذْنِهِ لَهم فَيَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ بِما ذَكَرْنا ويَسْتَحِقُّها بِهِ المَشْفُوعُ لَهم، قالَ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقالَ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقالَ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] . (p-٥١٦)وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾ راجِعَةٌ إلى ”المُتَّقِينَ“، ”والمُجْرِمِينَ“ جَمِيعًا المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، وعَلَيْهِ فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] مُتَّصِلٌ، و مَنِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ في ”لا يَمْلِكُونَ“، أيْ: لا يَمْلِكُ مِن جَمِيعِهِمْ أحَدٌ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا وهُمُ المُؤْمِنُونَ، والعَهْدُ: العَمَلُ الصّالِحُ والقَوْلُ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وغَيْرُهُ مِنَ الأقْوالِ يَدْخُلُ في ذَلِكَ، أيْ: إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَشْفَعُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ المَعْبُوداتِ الَّتِي يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ لا تَمْلِكُ الشَّفاعَةَ، وأنَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَمْلِكُها بِإذْنِ اللَّهِ لَهُ في ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٨٦]، أيْ: لَكِنْ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَشْفَعُ بِإذْنِ اللَّهِ لَهُ في ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ﴾ الآيَةَ [الروم: ١٢ - ١٣] وقالَ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٨]، والأحادِيثُ في الشَّفاعَةِ وأنْواعِها كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَفِي إعْرابِ جُمْلَةِ ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ وجْهانِ، الأوَّلُ: أنَّها حالِيَّةٌ، أيْ: نَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ في حالِ كَوْنِهِمْ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ، أوْ: نَحْشُرُ المُتَّقِينَ ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ في حالِ كَوْنِهِمْ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ مِنهم عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، والثّانِي أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ، حَكاهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، ومِن أقْوالِ العُلَماءِ في العَهْدِ المَذْكُورِ في الآيَةِ: أنَّهُ المُحافَظَةُ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ الَّذِي قَدَّمْناهُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآيَةَ [مريم: ٥٩] . وَقالَ بَعْضُهم: العَهْدُ المَذْكُورُ: هو أنْ يَقُولَ العَبْدُ كُلَّ صَباحٍ ومَساءٍ: اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّمَواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، إنِّي أعْهَدُ إلَيْكَ في هَذِهِ الحَياةِ بِأنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ وحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ ورَسُولُكَ، فَلا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي، فَإنَّكَ إنْ تَكِلْنِي إلى نَفْسِي تُباعِدْنِي مِنَ الخَيْرِ وتُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ، وإنِّي لا أثِقُ إلّا بِرَحْمَتِكَ، (p-٥١٧)فاجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا تُوَفِّينِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ، فَإذا قالَ ذَلِكَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها طابَعًا ووَضَعَها تَحْتَ العَرْشِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: أيْنَ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ ؟ فَيَقُومُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ. انْتَهى، ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ بِهَذا اللَّفْظِ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وذَكَرَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّهُ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، ولَيْسَ فِيهِ قَوْلُهُ: فَإذا قالَ ذَلِكَ. . . إلَخْ، وذَكَرَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ أيْضًا: أنَّ الحَكِيمَ التِّرْمِذِيَّ أخْرَجَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والظّاهِرُ أنَّ المَرْفُوعَ لا يَصِحُّ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ العَهْدَ في الآيَةِ يَشْمَلُ الإيمانَ بِاللَّهِ وامْتِثالَ أمْرِهِ واجْتِنابَ نَهْيِهِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ العَهْدَ في الآيَةِ كَقَوْلِ العَرَبِ: عَهِدَ الأمِيرُ إلى فُلانٍ بِكَذا، أيْ: أمَرَهُ بِهِ، أيْ: لا يَشْفَعُ إلّا مَن أمَرَهُ اللَّهُ بِالشَّفاعَةِ، فَهَذا القَوْلُ لَيْسَ صَحِيحًا في المُرادِ بِالآيَةِ وإنْ كانَ صَحِيحًا في نَفْسِهِ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى صِحَّتِهِ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ الآيَةَ [طه: ١٠٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ الآياتِ [البقرة: ١١٦]، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْها وعَلى الآياتِ الَّتِي بِمَعْناها في القُرْآنِ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

مريم 19:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يُذْكَرَ في القُرْآنِ لَفْظٌ عامٌّ ثُمَّ يُصَرَّحُ في بَعْضِ المَواضِعِ بِدُخُولِ بَعْضِ أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ فِيهِ، وقَدْ قَدَّمْنا أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً لِذَلِكَ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرَ أنَّهُ سَيَجْعَلُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ وُدًّا، أيْ مَحَبَّةً في قُلُوبِ عِبادِهِ، وقَدْ صَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِدُخُولِ نَبِيِّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا العُمُومِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ الآيَةَ [طه: ٣٩]، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فَقالَ يا جِبْرِيلُ إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأحِبَّهُ، قالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأحِبُّوهُ، قالَ: فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في الأرْضِ، وإنَّ اللَّهَ إذا أبْغَضَ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ، فَقالَ يا جِبْرِيلُ إنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فَأبْغِضْهُ، قالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، (p-٥١٨)ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلانًا فَأبْغِضُوهُ، قالَ: فَيُبَغضُهُ أهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ البَغْضاءُ في الأرْضِ» اهـ.

مريم 19:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ إنَّما يَسَّرَ هَذا القُرْآنَ بِلِسانِ هَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الكَرِيمِ، لِيُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ، ويُنْذِرَ بِهِ الخُصُومَ الألِدّاءَ، وهُمُ الكَفَرَةُ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ، أمّا ما ذَكَرَ فِيها مِن تَيْسِيرِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ فَقَدْ أوْضَحَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، • كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”القَمَرِ“ مُكَرِّرًا لِذَلِكَ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢]، • وقَوْلِهِ في آخِرِ ”الدُّخانِ“: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨]، وأمّا ما ذَكَرَ فِيها مِن كَوْنِهِ بِلِسانِ هَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الكَرِيمِ فَقَدْ ذَكَرَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١ - ٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ الآيَةَ، قَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ وغَيْرِها فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وأظْهَرُ الأقْوالِ في قَوْلِهِ: لُدًّا أنَّهُ جَمْعُ الألَدِّ، وهو شَدِيدُ الخُصُومَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: أبِيتُ نَجِيًّا لِلْهُمُومِ كَأنَّنِي أُخاصِمُ أقْوامًا ذَوِي جَدَلٍ لُدّا

مريم 19:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ [ الآيَةَ ٩٨ ] . ”وَكَمْ“ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هي الخَبَرِيَّةُ، وهي في مَحِلِّ نَصْبٍ؛ لِأنَّها مَفْعُولُ أهْلَكْنا، و مِن هي المُبَيِّنَةُ لِـ ”كَمْ“ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾، أيْ: هَلْ تَرى أحَدًا مِنهم، أوْ تَشْعُرُ بِهِ، أوْ تَجِدُهُ ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾، أيْ: صَوْتًا، وأصْلُ الرِّكْزِ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، ومِنهُ رَكَّزَ (p-٥١٩)الرُّمْحَ: إذا غَيَّبَ طَرَفَهُ وأخْفاهُ في الأرْضِ، ومِنهُ الرِّكازُ: وهو دَفْنٌ جاهِلِيٌّ مُغَيَّبٌ بِالدَّفْنِ في الأرْضِ، ومِن إطْلاقِ الرِّكْزِ عَلى الصَّوْتِ قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎فَتَوَجَّسَتْ رِكْزَ الأنِيسِ فَراعَها عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ والأنِيسُ سَقامُها وَقَوْلُ طَرَفَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎وَصادِقَتا سَمْعِ التَّوَجُّسِ لِلسُّرى ∗∗∗ لِرِكْزٍ خَفِيٍّ أوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎إذا تَوَجَّسَ رِكْزًا مُقْفِرٌ نَدُسٌ ∗∗∗ بِنَبْأةِ الصَّوْتِ ما في سَمْعِهِ كَذِبُ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: هَلْ يُرادُ بِهِ النَّفْيُ، والمَعْنى: أهْلَكْنا كَثِيرًا مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَما تَرى مِنهم أحَدًا ولا تَسْمَعُ لَهم صَوْتًا، وما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن عَدَمِ رُؤْيَةِ أشْخاصِهِمْ، وعَدَمِ سَماعِ أصْواتِهِمْ ذَكَرَ بَعْضَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، • كَقَوْلِهِ في عادٍ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، • وقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

طه 20:1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ طه (p-٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طه﴾ . أظْهَرُ الأقْوالِ فِيهِ عِنْدِي أنَّهُ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّ الطّاءَ والهاءَ المَذْكُورَتَيْنِ في فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ، جاءَتا في مَواضِعَ أُخَرَ لا نِزاعَ فِيها في أنَّهُما مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، أمّا الطّاءُ فَفي فاتِحَةِ ”الشُّعَراءِ“ ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] وفاتِحَةِ ”النَّمْلِ“ ﴿طس﴾ [النمل: ١] . وفاتِحَةِ ”القَصَصِ“ وأمّا الهاءُ فَفي فاتِحَةِ ”مَرْيَمَ“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] وقَدْ قَدَّمَّنا الكَلامَ مُسْتَوْفًى عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“ وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: قَوْلُهُ ﴿طه﴾: مَعْناهُ يا رَجُلُ. قالُوا: وهي لُغَةُ بَنِي عَكِّ بْنِ عَدْنانَ، وبَنِي طَيِّئٍ، وبَنِي عُكْلٍ، قالُوا: لَوْ قُلْتَ لِرَجُلٍ مِن بَنِي عَكِّ: يا رَجُلُ، لَمْ يَفْهَمْ أنَّكَ تُنادِيهِ حَتّى تَقُولَ طه، ومِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ التَّمِيمِيِّ: ؎دَعَوْتُ بِطه في القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوائِلًا وَيُرْوى مُزايِلًا، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: مَعْنى (طه) بِلُغَةِ عَكٍّ يا حَبِيبِي، ذَكَرَهُ الغَزْنَوِيُّ. وقالَ قُطْرُبٌ: هو بِلُغَةِ طَيِّئٍ، وأنْشَدَ لِيَزِيدَ بْنِ المُهَلْهِلِ: ؎إنَّ السَّفاهَةَ طه في شَمائِلِكم ∗∗∗ لا بارَكَ اللَّهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وَيُرْوى: ؎إنَّ السَّفاهَةَ طه مِن خَلائِقِكم ∗∗∗ لا قَدَّسَ اللَّهُ أرْواحَ المَلاعِينِ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّ مَعْنى ”طه“: يا رَجُلُ، ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مالِكٍ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبْزى، وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وغَيْرُهُ. وذَكَرَ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلّى قامَ عَلى رِجْلٍ ورَفَعَ الأُخْرى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ”طه“ يَعْنِي طَأِ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ يا مُحَمَّدُ» . وعَلى هَذا القَوْلِ فالهاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ، والهَمْزَةُ خُفِّفَتْ بِإبْدالِها ألِفًا كَقَوْلٍ في الفَرَزْدَقِ:(p-٤) ؎راحَتْ بِمُسْلِمَةِ البِغالِ عَشِيَّةً ∗∗∗ فارْعَيْ فَزارَةَ لا هَناكَ المَرْتَعُ ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ الأمْرُ، والهاءُ لِلسَّكْتِ. ولا يَخْفى ما في هَذا القَوْلِ مِنَ التَّعَسُّفِ، والبُعْدِ عَنِ الظّاهِرِ. وَفِي قَوْلِهِ ﴿طه﴾ أقْوالٌ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ، كالقَوْلِ بِأنَّهُ مِن أسْماءِ النَّبِيِّ ﷺ . والقَوْلُ بِأنَّ الطّاءَ مِنَ الطَّهارَةِ، والهاءَ مِنَ الهِدايَةِ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ: يا طاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ، يا هادِيَ الخَلْقِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الضَّعِيفَةِ. والصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ في الآيَةِ هو ما صَدَّرْنا بِهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ في مَواضِعَ أُخَرَ.

طه 20:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾. في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ، وكِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ: الأوَّلُ أنَّ المَعْنى: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى. أيْ لِتَتْعَبَ التَّعَبَ الشَّدِيدَ بِفَرْطِ تَأسُّفِكِ عَلَيْهِمْ وعَلى كُفْرِهِمْ، وتَحَسُّرِكَ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا. وهَذا الوَجْهُ جاءَتْ بِنَحْوِهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] • وقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦] . والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا مِنها في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ. الوَجْهُ الثّانِي أنَّهُ ﷺ صَلّى بِاللَّيْلِ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ أيْ تُنْهِكَ نَفْسَكَ بِالعِبادَةِ، وتُذِيقَها المَشَقَّةَ الفادِحَةَ. وما بَعَثْناكَ إلّا بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ. وهَذا الوَجْهُ تَدُلُّ لَهُ ظَواهِرُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . والعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وَيُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِتَشْقى﴾ أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ لِيَسْعَدَ. كَما يَدُلُّ لَهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ» وقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحَكَمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْعُلَماءِ يَوْمَ القِيامَةِ: ”إنِّي لَمْ أجْعَلْ عِلْمِي وحِكْمَتِي فِيكم إلّا وأنا أُرِيدُ أنْ أغْفِرَ لَكم عَلى ما كانَ مِنكم ولا أُبالِي“» وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ إسْنادَهُ جَيِّدٌ، ويُشْبِهُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا﴾ الآيَةَ (p-٥)[المزمل: ٢٠] . وأصْلُ الشَّقاءِ في لُغَةِ العَرَبِ: العَناءُ، والتَّعَبُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ: ؎ذُو العَقْلِ يَشْقى في النَّعِيمِ بِعَقْلِهِ وأخُو الجَهالَةِ في الشَّقاوَةِ يَنْعَمُ وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧] .

طه 20:3

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ . أظْهَرُ الأقْوالِ فِيهِ: أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أيْ ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ إلّا تَذْكِرَةً، أيْ إلّا لِأجْلِ التَّذْكِرَةِ لِمَن يَخْشى اللَّهَ ويَخافُ عَذابَهُ. والتَّذْكِرَةُ: المَوْعِظَةُ الَّتِي تَلِينُ لَها القُلُوبُ. فَتَمْتَثِلُ أمْرَ اللَّهِ، وتَجْتَنِبُ نَهْيَهُ. وخَصَّ بِالتَّذْكِرَةِ مَن يَخْشى دُونَ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [يس: ١١] • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] . فالتَّخْصِيصُ المَذْكُورُ في الآياتِ بِمَن تَنْفَعُ فِيهِمُ الذِّكرى لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها دُونَ غَيْرِهِمْ. وما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهُ ما أنْزَلَ القُرْآنَ إلّا لِلتَّذْكِرَةِ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ • كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَإعْرابُ ﴿إلّا تَذْكِرَةً﴾ بِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿لِتَشْقى﴾ لا يَصِحُّ، لِأنَّ التَّذْكِرَةَ لَيْسَتْ بِشَقاءٍ. وإعْرابُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا أيْضًا غَيْرُ ظاهِرٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ هَذا التَّعَبَ الشّاقَّ إلّا لِيَكُونَ تَذْكِرَةً. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿تَذْكِرَةً﴾ حالًا ومَفْعُولًا لَهُ.

طه 20:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾. فِي قَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلًا﴾ أوْجُهٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الإعْرابِ ذَكَرَها المُفَسِّرُونَ. وأظْهَرُها عِنْدِي أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، مَنصُوبٌ بِنَزَّلَ مُضْمَرَةً دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ أيْ نَزَّلَهُ اللَّهُ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ﴾ أيْ فَلَيْسَ بِشِعْرٍ، ولا كِهانَةٍ، ولا سِحْرٍ، ولا أساطِيرِ الأوَّلِينَ، كَما دَلَّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤١]، والآياتُ المُصَرِّحَةُ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ كَثِيرَةٌ جِدًّا مَعْرُوفَةٌ، (p-٦) • كَقَوْلِهِ ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] • وقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

طه 20:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾. تَقَدَّمَ إيضاحُ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها في القُرْآنِ في سُورَةِ الأعْرافِ مُسْتَوْفًى فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

طه 20:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾. خاطَبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّهُ: إنْ يَجْهَرْ بِالقَوْلِ أيْ يَقُولُهُ جَهْرَةً في غَيْرِ خَفاءٍ، فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا يَعْلَمُ السِّرَّ وما هو أخْفى مِنَ السِّرِّ. وهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ هُنا ذَكَرُهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَفِي المُرادِ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَأخْفى﴾ أوْجُهٌ مَعْرُوفَةٌ كُلُّها حَقٌّ ويَشْهَدُ لَها قُرْآنٌ. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: أيْ ما قالَهُ العَبْدُ سِرًّا ﴿وَأخْفى﴾ أيْ ويَعْلَمُ ما هو أخْفى مِنَ السِّرِّ، وهو ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] . وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: أيْ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴿وَأخْفى﴾ مِن ذَلِكَ، وهو ما عَلِمَ اللَّهُ أنَّ الإنْسانَ سَيَفْعَلُهُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ الإنْسانُ أنَّهُ فاعِلُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]، وكَما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] فاللَّهُ يَعْلَمُ ما يُسِرُّهُ الإنْسانُ اليَوْمَ. وما سَيُسِرُّهُ غَدًا. والعَبْدُ لا يَعْلَمُ ما في غَدٍ كَما قالَ زُهَيْرٌ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎وَأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأخْفى﴾ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ كَما بَيَّنّا، أيْ (p-٧)وَيَعْلَمُ ما هو أخْفى مِنَ السِّرِّ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ ”أخْفى“ فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّ الخَلْقِ، وأخْفى عَنْهم ما يَعْلَمُهُ هو. كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما لا يَخْفى. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أيْ فَلا حاجَةَ لَكَ إلى الجَهْرِ بِالدُّعاءِ ونَحْوِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقالَ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] . ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الصَّحِيحُ. لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا سَمِعَ أصْحابَهُ رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَّكْبِيرِ قالَ ﷺ: «أرْبِعُوا عَلى أنْفُسِكم فَإنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ، ولا غائِبًا، إنَّما تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا. إنَّ الَّذِي تَدْعُونَ أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ» .

طه 20:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾. ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ، وأنَّ لَهُ الأسْماءَ الحُسْنى. وبَيَّنَ أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ في آياتٍ لا يُمْكِنُ حَصْرُها لِكَثْرَتِها، كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ الآيَةَ [محمد: ١٩] . وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ لَهُ الأسْماءَ الحُسْنى، وزادَ في بَعْضِ المَواضِعِ الأمْرَ بِدُعائِهِ بِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] وزادَ في مَوْضِعٍ آخَرَ تَهْدِيدَ مَن ألْحَدَ في أسْمائِهِ. وهو قَوْلُهُ: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ومِن إلْحادِهِمْ في أسْمائِهِ أنَّهُمُ اشْتَقُّوا العُزّى مِنِ اسْمِ العَزِيزِ، واللّاتِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلّا واحِدًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» وقَدْ دَلَّ بَعْضُ الأحادِيثِ عَلى أنَّ مِن أسْمائِهِ جَلَّ وعَلا ما اسْتَأْثَرَ بِهِ ولَمْ يُعَلِّمْهُ خَلْقَهُ، كَحَدِيثِ: «أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ» الحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ: ﴿الحُسْنى﴾ تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وإنَّما وصَفَ أسْماءَهُ جَلَّ وعَلا بِلَفْظِ المُؤَنَّثِ المُفْرَدِ، لِأنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ مُطْلَقًا وجَمْعَ المُؤَنَّثِ السّالِمِ يَجْرِيانِ مَجْرى المُؤَنَّثَةِ الواحِدَةِ (p-٨)المَجازِيَّةِ التَّأْنِيثِ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎والتّاءُ مَعْ جَمْعِ سِوى السّالِمِ مِن مُذَكَّرٍ كالتّاءِ مِن إحْدى اللَّبِنْ وَنَظِيرُ قَوْلِهِ هُنا ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ مِن وصْفِ الجَمْعِ بِلَفْظِ المُفْرَدِ المُؤَنَّثِ قَوْلُهُ: ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] .

طه 20:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ الآياتِ [طه: ٩] . قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَها في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [ الآيَةِ ٥٢ ] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

طه 20:15

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٣٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ طه قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُتَوَهَّمُ مِنها أنَّهُ جَلَّ وعَلا لَمْ يُخْفِها بِالفِعْلِ ولَكِنَّهُ قارَبَ أنْ يُخْفِيَها لِأنَّ كادَ فِعْلُ مُقارَبَةٍ. وَقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ أخْفاها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أنَّ المُرادَ بِمَفاتِحِ الغَيْبِ الخَمْسُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ [ ٣١ ] . وَكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقَوْلِهِ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ [النازعات: ٤٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والجَوابُ مِن سَبْعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: وهو الرّاجِحُ، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، أيْ لَوْ كانَ ذَلِكَ يُمْكِنُ، وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، لَأنَّ القُرْءانِ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، والواحِدُ مِنهم إذا أرادَ المُبالَغَةَ في كِتْمانِ أمْرٍ قالَ: كَتَمْتُهُ مِن نَفْسِي، أيْ لا أبُوحُ لِأحَدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أيّامُ تَصْحَبُنِي هِنْدٌ وأُخْبِرُها ما كِدْتُ أكْتُمُهُ عَنِّي مِنَ الخَبَرِ وَنَظِيرُ هَذا مِنَ المُبالَغَةِ قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمُ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ» وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ وجَعْفَرٌ الصّادِقُ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي“، (p-٣٣٦)كَما نَقَلَهُ الألُوسِيُّ وغَيْرُهُ. وَرَوى ابْنُ خالَوَيْهِ أنَّها في مُصْحَفِ أُبَيٍّ كَذَلِكَ بِزِيادَةِ: ”فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها“، وفي بَعْضِ القِراءاتِ بِزِيادَةِ: ”فَكَيْفَ أُظْهِرُها لَكم“ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِزِيادَةِ: ”فَكَيْفَ يَعْلَمُها مَخْلُوقٌ“ كَما نَقَلَهُ الألُوسِيُّ وغَيْرُهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أيْ أُخْفِي الأخْبارَ بِأنَّها آتِيَةٌ، والمَعْنى أقْرُبُ أنْ أتْرُكَ الإخْبارَ عَنْ إتْيانِها مِن أصْلِهِ لِشِدَّةِ إخْفائِي لِتَعْيِينِ وقْتِ إتْيانِها. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الهَمْزَةَ في قَوْلِهِ: أُخْفِيها، هي هَمْزَةُ السَّلْبِ لِأنَّ العَرَبَ كَثِيرًا ما تَجْعَلُ الهَمْزَةَ أداةً لِسَلْبِ الفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ: شَكا إلَيَّ فُلانٌ فَأشْكَيْتُهُ أيْ أزَلْتُ شِكايَتَهُ، وقَوْلِهِمْ: عَقَلَ البَعِيرَ فَأعْقَلْتُهُ، أيْ أزَلْتُ عِقالَهُ. وَعَلى هَذا فالمَعْنى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أيْ أُزِيلُ خَفاءَها بِأنْ أُظْهِرَها لِقُرْبِ وقْتِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ الآيَةَ [ ٥٤ ]، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ونَقَلَهُ النَّيْسابُورِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي الفَتْحِ المَوْصِلِيِّ. وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ: ؎فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ عَلى رِوايَةِ ضَمِّ النُّونِ مِن: لا نُخْفِهِ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ المُثَنّى أنَّهُ قالَ: أنْشَدَنِيهِ أبُو الخَطّابِ عَنْ أهْلِهِ في بَلَدِهِ بِضَمِّ النُّونِ مِن: لا نُخْفِهِ، ومَعْناهُ: لا نُظْهِرُهُ. أمّا عَلى الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ بِفَتْحِ النُّونِ مِن: لا نَخْفِهِ، فَلا شاهِدَ في البَيْتِ إلّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: ”أكادُ أخْفِيها“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ومِمَّنْ قَرَأ بِذَلِكَ أبُو الدَّرْداءِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعاصِمٍ، وإطْلاقُ خَفاهُ يَخْفِيهِ بِفَتْحِ الياءِ بِمَعْنى أظْهَرَهُ إطْلاقٌ مَشْهُورٌ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ القِراءَةَ بِهِ لا تَخْلُو مِن شُذُوذٍ. وَمِنهُ البَيْتُ المَذْكُورُ عَلى رِوايَةِ فَتْحِ النُّونِ وقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ أوْ غَيْرِهِ: ؎دَأبَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكًا ∗∗∗ بِأرِيكَيْنِ يُخْفِيانِ غَمِيرًا أيْ يُظْهِرانِهِ. وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:(p-٣٣٧) ؎خَفاهُنَّ مِن إنْفاقِهِنَّ كَأنَّما ∗∗∗ خَفاهُنَّ ودْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلَّبِ الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ خَبَرَ كادَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُظْهِرُها، فَحَذَفَ الخَبَرَ ثُمَّ ابْتَدَأ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥]، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ ضابِئِ بْنِ الحارِثِ البُرْجُمِيِّ: ؎هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكَتْ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ يَعْنِي: وكِدْتُ أفْعَلُ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ كادَ تَأْتِي بِمَعْنى أرادَ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أُرِيدُ أنَّ أُخْفِيَها، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الأخْفَشُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو مُسْلِمٍ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ الألُوسِيُّ وغَيْرُهُ. قالَ ابْنُ جِنِّي في المُحْتَسَبِ، ومِن مَجِيءٍ كادَ بِمَعْنى أرادَ، قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى كَما نَقَلَهُ الألُوسِيُّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ مِن مَجِيءٍ كادَ بِمَعْنى أرادَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [ ١٢ ]، أيْ أرَدْنا لَهُ كَما ذَكَرَهُ النَّيْسابُورِيُّ وغَيْرُهُ. وَمِنهُ قَوْلُ العَرَبِ لا أفْعَلُ كَذا ولا أكادُ أيْ لا أُرِيدُ كَما نَقَلَهُ بَعْضُهم. الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ كادَ مِنَ اللَّهِ تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ عَسى في كَلامِهِ تَعالى نَحْوَ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]، أيْ هو قَرِيبٌ. وَعَلى هَذا فَمَعْنى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أنا أُخْفِيها. الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّ كادَ صِلَةٌ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ ﴿لِتُجْزى﴾ الآيَةَ، واسْتَدَلَّ قائِلُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِ زِيدِ الخَيْلِ: ؎سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ ∗∗∗ فَما أنْ يَكادَ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ أيْ فَما يَتَنَفَّسُ قِرْنُهُ، قالُوا: ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]، أيْ لَمْ يَرَها، وقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:(p-٣٣٨) ؎إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ∗∗∗ رَسِيسُ الهَوى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ أيْ لَمْ يَبْرَحْ عَلى قَوْلِ هَذا القائِلِ. قالُوا: ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ أبِي النَّجْمِ: ؎وَإنْ أتاكَ نَعِيٌّ فانْدُبَنَّ أبًا ∗∗∗ قَدْ كادَ يَطَّلِعُ الأعْداءُ والخُطُبا أيْ قَدِ اطَّلَعَ الأعْداءُ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أرْجَحَ الأقْوالِ الأوَّلُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

طه 20:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: دَلَّ قَوْلُهُ ﴿عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ بِالتَّنْكِيرِ، والإفْرادِ، وإتْباعُهُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ إزالَةَ جَمِيعِ ما بِلِسانِهِ مِنَ العُقَدِ، بَلْ سَألَ إزالَةَ بَعْضِها الَّذِي يَحْصُلُ بِإزالَتِهِ فَهْمُ كَلامِهِ مَعَ بَقاءِ بَعْضِها. وهَذا المَفْهُومُ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ الآيَةَ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، والِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِ فِرْعَوْنٍ عَنْ مُوسى، فِيهِ أنَّ فِرْعَوْنَ مَعْرُوفٌ بِالكَذِبِ، والبُهْتانِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ . لا يَخْفى أنَّهُ مِن سُؤْلِ مُوسى الَّذِي قالَ لَهُ رَبُّهُ إنَّهُ آتاهُ إيّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ [طه: ٣٦]، وذَلِكَ صَرِيحٌ في حَلِّ العُقْدَةِ مِن لِسانِهِ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى بَقاءِ شَيْءٍ مِنَ الَّذِي كانَ بِلِسانِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ الآيَةَ [ ٢٨ ] . والجَوابُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمْ يَسْألْ زَوالَ ما كانَ بِلِسانِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما سَألَ زَوالَ القَدْرِ المانِعِ مِن أنْ يَفْقَهُوا قَوْلَهُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾، ما نَصُّهُ: وما سَألَ أنْ يَزُولَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ بِحَيْثُ يَزُولُ العِيُّ ويَحْصُلُ لَهم فَهْمُ ما يُرِيدُ مِنهُ، وهو قَدْرُ الحاجَةِ، ولَوْ سَألَ الجَمِيعَ لَزالَ، ولَكِنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ إلّا بِحَسَبِ الحاجَةِ، ولِهَذا بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ، قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، أيْ يُفْصِحُ بِالكَلامِ. وَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾، قالَ: حَلَّ عُقْدَةً واحِدَةً، ولَوْ سَألَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ أُعْطِي. (p-٣٣٩)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَكا مُوسى إلى رَبِّهِ ما يَتَخَوَّفُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ، وعُقْدَةِ لِسانِهِ، فَإنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عُقْدَةٌ تَمْنَعُهُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ، وسَألَ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ يَكُونُ رِدْءًا لَهُ، ويَتَكَلَّمُ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ لِسانُهُ، فَآتاهُ سُؤْلَهُ، فَحَلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ. وَقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمانَ، حَدَّثَنا بَقِيَّةُ عَنْ أرْطَأةَ بْنِ المُنْذِرِ، حَدَّثَنِي بَعْضُ أصْحابِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْهُ، قالَ: أتاهُ ذُو قَرابَةٍ لَهُ فَقالَ لَهُ: ما بِكَ بَأْسٌ، لَوْلا أنَّكَ تَلْحَنُ في كَلامِكَ، ولَسْتَ تُعْرِبُ في قِراءَتِكَ، فَقالَ القُرَظِيُّ: يا ابْنَ أخِي ألَسْتُ أُفْهِمُكَ إذا حَدَّثْتُكَ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَألَ رَبَّهُ أنْ يَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ كَيْ يَفْقَهَ بَنُو إسْرائِيلَ قَوْلَهُ، ولَمْ يَزِدْ عَلَيْها، انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ. وَقَدْ نُقِلَ فِيهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ ما ذَكَرْنا مِنَ الجَوابِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ أيْضًا بِأنَّ فِرْعَوْنَ كَذَبَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [ ٢٨ ]، يَدُلُّ عَلى اشْتِراكِهِ مَعَ هارُونَ في الفَصاحَةِ، فَكِلاهُما فَصِيحٌ، إلّا أنْ هارُونَ أفْصَحُ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

طه 20:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. أنَّهُ مَنَّ عَلى مُوسى مَرَّةً أُخْرى قَبْلَ مَنِّهِ عَلَيْهِ بِالرِّسالَةِ ورِسالَةِ أخِيهِ مَعَهُ، وذَلِكَ بِإنْجائِهِ مِن فِرْعَوْنَ وهو صَغِيرٌ، إذْ أوْحى إلى أُمِّهِ أيْ ألْهَمَها وقَذَفَ في قَلْبِها، وقالَ بَعْضُهم: هي رُؤْيا مَنامٍ. وقالَ بَعْضُهم: أوْحى إلَيْها ذَلِكَ بِواسِطَةِ مَلَكٍ كَلَّمَها بِذَلِكَ. ولا يَلْزَمُ مِنَ الإيحاءِ في أمْرٍ خاصٍّ أنْ يَكُونَ المُوحى إلَيْهِ نَبِيًّا، و ”أنْ“ في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ هي المُفَسِّرَةُ، لِأنَّ الإيحاءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. والتَّعْبِيرُ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿ما يُوحى﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِ شَأْنِ الأمْرِ المَذْكُورِ. • كَقَوْلِهِ: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، • وقَوْلِهِ ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠]، والتّابُوتُ: الصُّنْدُوقُ. واليَمُّ: البَحْرُ. والسّاحِلُ: شاطِئُ البَحْرِ. والبَحْرُ المَذْكُورُ: نِيلُ مِصْرَ. والقَذْفُ: الإلْقاءُ، والوَضْعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦] ومَعْنى ﴿اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ أيْ ضَعِيهِ في الصُّنْدُوقِ. (p-٩)والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ راجِعٌ إلى مُوسى بِلا خِلافٍ. وأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ • وقَوْلِهِ ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ فَقِيلَ: راجِعٌ إلى التّابُوتِ. والصَّوابُ رُجُوعُهُ إلى مُوسى في داخِلِ التّابُوتِ، لِأنَّ تَفْرِيقَ الضَّمائِرِ غَيْرُ حَسَنٍ، وقَوْلُهُ ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩] هو فِرْعَوْنُ، وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ فِيها وجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ: أحَدُهُما أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ مَعْناها الخَبَرُ، قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةً، إذِ الأمْرُ أقْطَعُ الأفْعالِ وأوْجَبُها. الوَجْهُ الثّانِي أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أُرِيدَ بِها الأمْرُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ، كَقَوْلِهِ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فالبَحْرُ لا بُدَّ أنْ يُلْقِيَهُ بِالسّاحِلِ، لِأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِذَلِكَ كَوْنًا وقَدَرًا. وقَدْ قَدَّمْنا ما يُشْبِهُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] . وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآياتِ أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”القَصَصِ“: ﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٧ - ٨] وقَدْ بَيَّنَ تَعالى شِدَّةَ جَزَعِ أُمِّهِ عَلَيْهِ لَمّا ألْقَتْهُ في البَحْرِ، وألْقاهُ اليَمُّ بِالسّاحِلِ، وأخَذَهُ عَدُوُّهُ فِرْعَوْنُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿يَأْخُذْهُ﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الطَّلَبِ الَّذِي هو ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ وعَلى أنَّهُ بِمَعْنى الأمْرِ الكَوْنِيِّ فالأمْرُ واضِحٌ. وعَلى أنَّهُ بِمَعْنى الخَبَرِ فالجَزْمُ مُراعاةٌ لِصِيغَةِ اللَّفْظِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وذَكَرَ في قِصَّتِها أنَّها صَنَعَتْ لَهُ التّابُوتَ وطَلَتْهُ بِالقارِ وهو الزِّفْتُ لِئَلّا يَتَسَرَّبَ مِنهُ الماءُ إلى مُوسى في داخِلِ التّابُوتِ، وحَشَتْهُ قُطْنًا مَحْلُوجًا. وقِيلَ: إنَّ التّابُوتَ المَذْكُورَ مِن شَجَرِ الجُمَّيْزِ، وأنَّ الَّذِي نَجَرَهُ لَها هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، قِيلَ: واسْمُهُ حِزْقِيلَ. وكانَتْ عَقَدَتْ في التّابُوتِ حَبْلًا فَإذا خافَتْ عَلى مُوسى مِن عُيُونِ فِرْعَوْنَ أرْسَلَتْهُ في البَحْرِ وأمْسَكَتْ طَرَفَ الحَبْلِ عِنْدَها، فَإذا أمِنَتْ جَذَبَتْهُ إلَيْها بِالحَبْلِ. فَذَهَبَتْ مَرَّةً لِتَشُدَّ الحَبْلَ في مَنزِلِها فانْفَلَتَ مِنها وذَهَبَ البَحْرُ بِالتّابُوتِ الَّذِي فِيهِ مُوسى فَحَصَلَ لَها بِذَلِكَ مِنَ الغَمِّ، والهَمِّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ الآيَةَ [القصص: ١٠] . (p-١٠)وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن مِنَنِهِ المُتَتابِعَةِ عَلى مُوسى حَيْثُ قالَ ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧] أشارَ إلى ما يُشْبِهُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ الآيَةَ [الصافات: ١١٤] .

طه 20:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. مِن آثارِ هَذِهِ المَحَبَّةِ الَّتِي ألْقاها اللَّهُ عَلى عَبْدِهِ ونَبِيِّهِ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في ”القَصَصِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص: ٩]، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾: أيْ أحَبَّهُ اللَّهُ وحَبَّبَهُ إلى خَلْقِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَعَلَ عَلَيْهِ مَسْحَةً مِن جَمالٍ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ في عَيْنَيْ مُوسى مَلاحَةٌ، ما رَآهُ أحَدٌ إلّا أحَبَّهُ وعَشِقَهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ

طه 20:40

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾. اخْتُلِفَ في العامِلِ النّاصِبِ لِلظَّرْفِ الَّذِي هو ”إذْ“ مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ فَقِيلَ: هو ”ألْقَيْتُ“ أيَ ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي حِينَ تَمْشِي أُخْتُكَ. وقِيلَ: هو ”تُصْنَعَ“ أيْ ”تُصْنَعَ عَلى عَيْنِي“ حِينَ تَمْشِي أُخْتُكَ. وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن ”إذْ“ في قَوْلِهِ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ [طه: ٣٨] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ البَدَلُ، والوَقْتانِ مُخْتَلِفانِ مُتَباعِدانِ ؟ قُلْتُ: كَما يَصِحُّ وإنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ وتَباعَدَ طَرَفاهُ أنْ يَقُولَ لَكَ الرَّجُلُ: لَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا. فَتَقُولُ: وأنا لَقِيتُهُ إذْ ذاكَ. ورُبَّما لَقِيَهُ هو في أوَّلِها وأنْتَ في آخِرِها. وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن كَوْنِ أُخْتِهِ مَشَتْ إلَيْهِمْ، وقالَتْ لَهم ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾ أوْضَحَهُ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ ”القَصَصِ“ فَبَيَّنَ أنَّ أُخْتَهُ المَذْكُورَةَ مُرْسَلَةٌ مِن قِبَلِ أُمِّها لِتَتَعَرَّفَ خَبَرَهُ بَعْدَ ذَهابِهِ في البَحْرِ، وأنَّها أبْصَرَتْهُ مِن بَعْدُ وهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ. وأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِ المَراضِعَ غَيْرَ أُمِّهِ تَحْرِيمًا كَوْنِيًّا قَدَرِيًّا. فَقالَتْ لَهم أُخْتُهُ ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾ أيْ عَلى مُرْضِعٍ يَقْبَلُ هو ثَدْيَها وتَكْفُلُهُ لَكم بِنُصْحٍ وأمانَةٍ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١١ - ١٣] (p-١١)فَقَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ ”القَصَصِ“ هَذِهِ ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ أيْ قالَتْ أُمُّ مُوسى لِأُخْتِهِ وهي ابْنَتُها ﴿قُصِّيهِ﴾ أيِ اتْبَعِي أثَرَهُ، وتَطَلَّبِي خَبَرَهُ حَتّى تَطَّلِعِي عَلى حَقِيقَةِ أمْرِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ رَأتْهُ مِن بَعِيدٍ كالمُعْرِضَةِ عَنْهُ، تَنْظُرُ إلَيْهِ وكَأنَّها لا تُرِيدُهُ ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِأنَّها أُخْتُهُ جاءَتْ لِتَعْرِفَ خَبَرَهُ فَوَجَدَتْهُ مُمْتَنِعًا مِن أنْ يَقْبَلَ ثَدْيَ مُرْضِعَةٍ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ أيْ تَحْرِيمًا كَوْنِيًّا قَدَرِيًّا، أيْ مَنَعْناهُ مِنها لِيَتَيَسَّرَ بِذَلِكَ رُجُوعُهُ إلى أُمِّهِ، لِأنَّهُ لَوْ قَبِلَ غَيْرَها أعْطَوْهُ لِذَلِكَ الغَيْرِ الَّذِي قَبِلَهُ لِيُرْضِعَهُ ويَكْفُلَهُ فَلَمْ يَرْجِعْ إلى أُمِّهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ لَمّا قالَتْ لَهم ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ أخَذُوها وشَكُّوا في أمْرِها وقالُوا لَها: ما يُدْرِيكِ بِنُصْحِهِمْ لَهُ وشَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ ؟ فَقالَتْ لَهم: نُصْحُهم لَهُ، وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ رَغْبَةً في سُرُورِ المَلِكِ، ورَجاءَ مَنفَعَتِهِ، فَأرْسَلُوها. فَلَمّا قالَتْ لَهم ذَلِكَ وخَلَصَتْ مِن أذاهم، ذَهَبُوا مَعَها إلى مَنزِلِهِمْ فَدَخَلُوا بِهِ عَلى أُمِّهِ فَأعْطَتْهُ ثَدْيَها فالتَقَمَهُ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا وذَهَبَ البَشِيرُ إلى امْرَأةِ المَلِكِ فاسْتَدْعَتْ أُمَّ مُوسى، وأحْسَنَتْ إلَيْها، وأعْطَتْها عَطاءً جَزِيلًا وهي لا تَعْرِفُ أنَّها أُمُّهُ في الحَقِيقَةِ، ولَكِنْ لِكَوْنِهِ قَبِلَ ثَدْيَها. ثُمَّ سَألَتْها ”آسِيَةُ“ أنْ تُقِيمَ عِنْدَها فَتُرْضِعُهُ فَأبَتْ عَلَيْها وقالَتْ: إنَّ لِي بَعْلًا وأوْلادًا، ولا أقْدِرُ عَلى المَقامِ عِنْدَكِ، ولَكِنْ إنْ أحْبَبْتِ أنْ أُرْضِعَهُ في بَيْتِي فَعَلْتُ فَأجابَتْها امْرَأةُ فِرْعَوْنَ إلى ذَلِكَ، وأجْرَتْ عَلَيْها النَّفَقَةَ، والصِّلاتِ، والكَساوى، والإحْسانَ الجَزِيلَ. فَرَجَعَتْ أُمُّ مُوسى بِوَلَدِها قَدْ أبْدَلَها اللَّهُ بَعْدَ خَوْفِها أمْنًا في عِزٍّ وجاهٍ، ورِزْقِ دارٍ. ا ه مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ ”القَصَصِ“: ﴿وَلِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص: ١٣] وعْدُ اللَّهِ المَذْكُورُ هو قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، والمُؤَرِّخُونَ يَقُولُونَ: إنَّ أُخْتَ مُوسى المَذْكُورَةَ اسْمُها ”مَرْيَمُ“ وقَوْلُهُ ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ إنْ قُلْنا فِيهِ: إنَّ ”كَيْ“ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ فاللّامُ مَحْذُوفَةٌ، أيْ لِكَيْ تَقَرَّ. وإنْ قُلْنا: إنَّها تَعْلِيلِيَّةٌ، فالفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةٍ. وقَوْلُهُ ﴿تَقَرَّ عَيْنُها﴾ قِيلَ: أصْلُهُ مِنَ القَرارِ. لِأنَّ ما يُحِبُّهُ الإنْسانُ تَسْكُنُ عَيْنُهُ عَلَيْهِ، ولا تَنْظُرُ إلى غَيْرِهِ: كَما قالَ أبُو الطَّيِّبِ: ؎وَخَصْرٌ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ كَأنَّ عَلَيْهِ مَن حَدَقٍ نِطاقًا (p-١٢)وَقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ القُرِّ بِضَمِّ القافِ وهو البَرْدُ، تَقُولُ العَرَبُ: يَوْمٌ قَرٌّ بِالفَتْحِ أيْ بارِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎تَمِيمُ بْنُ مُرٍّ وأشْياعُها ∗∗∗ وكِنْدَةُ حَوْلِي جَمِيعًا صُبُرْ ؎إذا رَكِبُوا الخَيْلَ واسْتَلْأمُوا ∗∗∗ تَحَرَّقَتِ الأرْضُ واليَوْمُ قَرْ وَمِنهُ أيْضًا قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ الجَوادِ: ؎أوْقِدْ فَإنَّ اللَّيْلَ لَيْلٌ قَرُّ ∗∗∗ والرِّيحُ يا واقِدُ رِيحٌ صَرُّ ؎عَلَّ يَرى نارَكَ مَن يَمُرُّ ∗∗∗ إنْ جَلَبَتْ ضَيْفًا فَأنْتَ حُرُّ وَعَلى هَذا القَوْلِ: فَقُرَّةُ العَيْنِ مِن بَرْدِها. لِأنَّ عَيْنَ المَسْرُورِ بارِدَةٌ، ودَمْعُ البُكاءِ مِنَ السُّرُورِ بارِدٌ جِدًّا، بِخِلافِ عَيْنِ المَحْزُونِ فَإنَّها حارَّةٌ، ودَمْعُ البُكاءِ مِنَ الحُزْنِ حارٌّ جِدًّا. ومِن أمْثالِ العَرَبِ: أحَرُّ مِن دَمْعِ المُقِلّاتِ. وهي الَّتِي لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَيَشْتَدُّ حُزْنُها لِمَوْتِ أوْلادِها فَتَشْتَدُّ حَرارَةُ دَمْعِها لِذَلِكَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾. لَمْ يُبَيِّنْ هُنا جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سَبَبَ قَتْلِهِ لِهَذِهِ النَّفْسِ، ولا مِمَّنْ هي، ولَمْ يُبَيِّنِ السَّبَبَ الَّذِي نَجّاهُ بِهِ مِن ذَلِكَ الغَمِّ، ولا الفُتُونِ الَّذِي فَتَنَهُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في سُورَةِ ”القَصَصِ“ خَبَرَ القَتِيلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٥ - ١٦] وأشارَ إلى القَتِيلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] وهو المُرادُ بِالذَّنْبِ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ ﴿وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٣ - ١٤] وهو مُرادُ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ لِمُوسى فِيما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٩] . وقَدْ أشارَ تَعالى في ”القَصَصِ“ أيْضًا إلى غَمِّ مُوسى، وإلى السَّبَبِ الَّذِي أنْجاهُ اللَّهُ بِهِ مِنهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (p-١٣)إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٠ - ٢٥] . وقَوْلِهِ ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الفُتُونُ مَصْدَرٌ، ورُبَّما جاءَ مَصْدَرُ الثُّلاثِيُّ المُتَعَدِّي عَلى فُعُولٍ. وقالَ بَعْضُهم: هو جَمْعُ فِتْنَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ ﴿فُتُونًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى فُعُولٍ في المُتَعَدِّي كالثُّبُورِ، والشُّكُورِ، والكُفُورِ. وجَمَعَ فِتَنَ أوْ فِتْنَةً عَلى تَرْكِ الِاعْتِداءِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ كَحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْزَةٍ وبُدْرَةٍ أيْ فَتَنّاكَ ضُرُوبًا مِنَ الفِتَنِ. وقَدْ جاءَ في تَفْسِيرِ الفُتُونِ المَذْكُورِ حَدِيثٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ بِحَدِيثِ ”الفُتُونِ“، أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وساقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنِ النَّسائِيِّ بِسَنَدِهِ. وهو حَدِيثٌ طَوِيلٌ يَقْتَضِي أنَّ الفُتُونَ يَشْمَلُ كُلَّ ما جَرى عَلى مُوسى مِنَ المِحَنِ مِن فِرْعَوْنَ في صِغَرِهِ وكِبَرِهِ، كالخَوْفِ عَلَيْهِ مِنَ الذَّبْحِ وهو صَغِيرٌ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ أُلْقِيَ في التّابُوتِ وقُذِفَ في اليَمِّ فَألْقاهُ اليَمُّ بِالسّاحِلِ. وكَخَوْفِهِ وهو كَبِيرٌ مِن أنْ يَقْتُلَهُ فِرْعَوْنُ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ. وعَلى هَذا فالآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها تِلْكَ المِحَنُ مُبَيِّنَةٌ لِلْفُتُونِ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ لِلْفُتُونِ المَذْكُورِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ الفُتُونِ بِطُولِهِ: هَكَذا رَواهُ النَّسائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى. وأخْرَجَهُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرَيْهِما كُلِّهِمْ مِن حَدِيثِ يَزِيدَ بْنَ هارُونَ بِهِ، وهو مَوْقُوفٌ مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْسَ فِيهِ مَرْفُوعٌ إلّا قَلِيلٌ مِنهُ، وكَأنَّهُ تَلَقّاهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِمّا أُبِيحَ نَقْلُهُ مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أوْ غَيْرِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وسَمِعْتُ شَيْخَنا الحافِظَ أبا الحَجّاجِ المِزِّيَّ يَقُولُ ذَلِكَ أيْضًا ا ه. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾. السِّنِينُ الَّتِي لَبِثَها في مَدْيَنَ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ أنَّهُ أتَمَّ العَشْرَ، وبَيَّنّا دَلِيلَ ذَلِكَ مِنَ السُّنَةِ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ الأجَلَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] أنَّهُ عَشْرُ سِنِينَ لا ثَمانٍ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَبِثَ مُوسى في مَدْيَنَ ثَمانِيَ وعِشْرِينَ سَنَةً، عَشْرٌ مِنها مَهْرُ ابْنَةِ صِهْرِهِ، وثَمانِ عَشْرَةَ أقامَها هو اخْتِيارًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَأظْهَرُ الأقْوالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ [طه: ٤٠] أيْ جِئْتَ عَلى القَدَرِ الَّذِي قَدَرْتُهُ وسَبَقَ في عِلْمِي أنَّكَ تَجِيءُ فِيهِ فَلَمْ تَتَأخَّرْ عَنْهُ ولَمْ تَتَقَدَّمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقالَ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨]، (p-١٤)وَقالَ ﴿وَكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] . وقالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ: ؎نالَ الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ

طه 20:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ في ذِكْرِي اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المُرادُ بِالآياتِ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي﴾ الآياتُ التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ﴾ الآيَةَ [النمل: ١٢] . والآياتُ التِّسْعُ المَذْكُورَةُ هي: العَصا، واليَدُ البَيْضاءُ. . . إلى آخِرِها. وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْها مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ . أصْلُ الطُّغْيانِ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] وقَدْ بَيَّنَ تَعالى شِدَّةَ طُغْيانِ فِرْعَوْنَ ومُجاوَزَتَهُ الحَدَّ في قَوْلِهِ عَنْهُ: ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، • وقَوْلِهِ عَنْهُ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، • وقَوْلِهِ عَنْهُ أيْضًا: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلا تَنِيا﴾ مُضارِعُ ونى يَنِي، عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ: ؎فا أمْرٍ ومُضارِعٍ مِن كَوَعَدْ احْذِفْ وفي كَعِدَةٍ ذاكَ اطَّرَدْ والوَنى في اللُّغَةِ: الضَّعْفُ، والفُتُورُ، والكَلالُ، والإعْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎مِسَحٌّ إذا ما السّابِحاتُ عَلى الوَنى ∗∗∗ أثَرْنَ غُبارًا بِالكَدِيدِ المُرَكَّلِ وَقَوْلُ العَجّاجِ: ؎فَما ونى مُحَمَّدٌ مُذْ أنْ غَفَرْ ∗∗∗ لَهُ الإلَهُ ما مَضى وما غَبَرْ فَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ أيْ لا تَضْعُفا، ولا تَفْتُرا في ذِكْرِي. وقَدْ أثْنى اللَّهُ عَلى مَن يَذْكُرُهُ في جَمِيعِ حالاتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وأمَرَ بِذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥] (p-١٥)كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ: والمُرادُ أنَّهُما لا يَفْتُرانِ في ذِكْرِ اللَّهِ في حالِ مُواجِهَةِ فِرْعَوْنَ. لِيَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَوْنًا لَهُما عَلَيْهِ، وقُوَّةً لَهُما وسُلْطانًا كاسِرًا لَهُ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي الَّذِي يَذْكُرُنِي وهو مُناجِزٌ قِرْنَهُ» اه مِنهُ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿وَلا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ لا تَزالا في ذِكْرِي. واسْتُشْهِدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ طَرَفَةَ: ؎كَأنَّ القُدُورَ الرّاسِياتِ أمامَهم ∗∗∗ قِبابٌ بَنَوْها لا تَنِي أبَدًا تَغْلِي أيْ لا تَزالُ تَغْلِي. ومَعْناهُ راجِعٌ إلى ما ذَكَرْنا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

طه 20:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾. أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامِ: أنْ يَقُولا لِفِرْعَوْنَ في حالِ تَبْلِيغِ رِسالَةِ اللَّهِ إلَيْهِ ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ أيْ كَلامًا لَطِيفًا سَهْلًا رَقِيقًا، لَيْسَ فِيهِ ما يُغْضِبُ ويُنَفِّرُ. وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا المُرادَ بِالقَوْلِ اللَّيِّنِ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٧ - ١٨] وهَذا، واللَّهِ غايَةُ لِينِ الكَلامِ ولَطافَتِهِ ورِقَّتِهِ كَما تَرى. وما أُمِرَ بِهِ مُوسى وهارُونُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أشارَ لَهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . مَسْألَةٌ يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ بِالرِّفْقِ، واللِّينِ. لا بِالقَسْوَةِ، والشِّدَّةِ، والعُنْفِ. كَما بَيَّنّاهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ [ الآيَةَ ١٠٥ ] . وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قالَ يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤]: يا مَن يَتَحَبَّبُ إلى مَن يُعادِيهِ، فَكَشَفَ بِمَن يَتَوَلّاهُ ويُنادِيهِ ؟ اه ولَقَدْ صَدَقَ مَن قالَ: ؎وَلَوْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا طَغى وقالَ عَلى اللَّهِ إفْكًا وزُورًا ؎أنابَ إلى اللَّهِ مُسْتَغْفِرًا ∗∗∗ لَما وجَدَ اللَّهَ إلّا غَفُورًا (p-١٦)وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ قَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ بَعْضِ العُلَماءِ: إنَّ ”لَعَلَّ“ في القُرْآنِ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ، إلّا الَّتِي في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [ ١٢٩ ] فَهي بِمَعْنى كَأنَّكم. وقَدْ قَدَّمْنا أيْضًا أنَّ ”لَعَلَّ“ تَأْتِي في العَرَبِيَّةِ لِلتَّعْلِيلِ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎فَقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا ∗∗∗ نَكُفُّ ووَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مَوْثِقِ ؎فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكم ∗∗∗ كَشِبْهِ سَرابٍ بِالمَلا مُتَألِّقِ فَقَوْلُهُ: ”لَعَلَّنا نَكُفُّ“ أيْ لِأجْلِ أنْ نَكُفَّ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ مَعْناهُ عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما، فالتَّرَجِّي، والتَّوَقُّعُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِلَعَلَّ راجِعٌ إلى جِهَةِ البَشَرِ. وعَزا القُرْطُبِيُّ هَذا القَوْلَ لِكُبَراءِ النَّحْوِيِّينَ كَسِيبَوَيْهِ، وغَيْرِهِ.

طه 20:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾. ألِفُ الِاثْنَيْنِ في قَوْلِهِ ”فَأْتِياهُ“ راجِعَةٌ إلى مُوسى وهارُونَ. والهاءُ راجِعَةٌ إلى فِرْعَوْنَ. أيْ فَأْتَيا فِرْعَوْنَ ”فَقُولا“ لَهُ: ”إنّا رَسُولانِ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ“ أيْ خَلِّ عَنْهم وأطْلِقْهم لَنا يَذْهَبُونَ مَعَنا حَيْثُ شاءُوا، ولا تُعَذِّبْهم. العَذابُ الَّذِي نَهى اللَّهُ فِرْعَوْنَ أنْ يَفْعَلَهُ بِبَنِي إسْرائِيلَ: هو المَذْكُورُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، وفي سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦]، وفي سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٤١] . وفي سُورَةِ ”الدُّخانِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٢٠] وفي سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] . (p-١٧)وَما أمَرَ بِهِ اللَّهُ مُوسى وهارُونَ في آيَةِ ”طه“ هَذِهِ مِن أنَّهُما يَقُولانِ لِفِرْعَوْنَ إنَّهُما رَسُولا رَبِّهِ إلَيْهِ، وأنَّهُ يَأْمُرُهُ بِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولا يُعَذِّبُهم أشارَ إلَيْهِ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٦ - ١٧] . تَنْبيهٌ فَإنْ قِيلَ، ما وجْهُ الإفْرادِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ في ”الشُّعَراءِ“ ؟ مَعَ أنَّهُما رَسُولانِ ؟ كَما جاءَ الرَّسُولُ مُثَنّى في ”طه“ فَما وجْهُ التَّثْنِيَةِ في ”طه“، والإفْرادِ في ”الشُّعَراءِ“، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ: المُثَنّى، والمُفْرَدُ يُرادُ بِهِ مُوسى وهارُونُ ؟ فالَّذِي يَظْهَرُ لِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ أصْلُهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، والمَصْدَرُ إذا وُصِفَ بِهِ ذُكِرَ وأُفْرِدَ كَما قَدَّمْنا مِرارًا. فالإفْرادُ في ”الشُّعَراءِ“ نَظَرًا إلى أنَّ أصْلَ الرَّسُولِ مَصْدَرٌ. والتَّثْنِيَةُ في ”طه“ اعْتِدادًا بِالوَصْفِيَّةِ العارِضَةِ وإعْراضًا عَنِ الأصْلِ، ولِهَذا يُجْمَعُ الرَّسُولُ اعْتِدادًا بِوَصْفِيَّتِهِ العارِضَةِ، ويُفْرَدُ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ نَظَرًا إلى أنَّ أصْلَهُ مَصْدَرٌ. ومِثالُ جَمْعِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٥٣]، وأمْثالُها في القُرْآنِ. ومِثالُ إفْرادِهِ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: ؎ألِكْنِي إلَيْها وخَيْرُ الرَّسُولِ أعْلَمُهم بِنَواحِي الخَبَرْ وَمِن إطْلاقِ الرَّسُولِ مُرادًا بِهِ المَصْدَرُ عَلى الأصْلِ قَوْلُهُ: ؎لَقَدْ كَذَّبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِقَوْلٍ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ. وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎ألا بَلِّغْ بَنِي عُصْمٍ رَسُولًا ∗∗∗ بِأنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيٌّ يَعْنِي أبْلِغْهم رِسالَةً. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ﴾ يُرادُ بِهِ جِنْسُ الآيَةِ الصّادِقُ بِالعَصا، واليَدِ، وغَيْرِهِما. لِدَلالَةِ آياتٍ أُخَرَ عَلى ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ يَدْخُلُ فِيهِ السَّلامُ عَلى فِرْعَوْنَ إنِ اتَّبَعَ الهُدى. ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ: أنَّ مَن لَمْ يَتَّبِعِ الهُدى لا سَلامَ عَلَيْهِ، وهو كَذَلِكَ. ولِذا كانَ في أوَّلِ الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: (p-١٨)«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى. أمّا بَعْدُ فَإنِّي أدْعُوكَ بِدِعايَةِ الإسْلامِ. . .» إلى آخَرِ كِتابِهِ ﷺ . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ الآيَةَ. يَدُلُّ عَلى أنَّهُما رَسُولانِ وهُما مُوسى وهارُونُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، يُوهِمُ كَوْنَ الرَّسُولِ واحِدًا. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، كَقَوْلِ البُرْجُمِيِّ: [ الطَّوِيلِ ] ؎فَإنِّي وقَيّارًا بِها لَغَرِيبُ وَإنَّما ساغَ هَذا لِظُهُورِ المُرادِ مِن سِياقِ الكَلامِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أصْلَ الرَّسُولِ مَصْدَرٌ كالقَبُولِ والوَلُوعِ، فاسْتُعْمِلَ في الِاسْمِ فَجازَ جَمْعُهُ، وتَثْنِيَتُهُ نَظَرًا إلى كَوْنِهِ بِمَعْنى الوَصْفِ وساغَ إفْرادُهُ مَعَ إرادَةِ المُثَنّى أوِ الجَمْعِ نَظَرًا إلى أنَّ الأصْلَ مِن كَوْنِهِ مَصْدَرًا، ومِن إطْلاقِ الرَّسُولِ عَلى غَيْرِ المُفْرَدِ، قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٤٠) ؎ألِكْنِي إلَيْها وخَيْرُ الرَّسُو ∗∗∗ لِ أعْلَمُهم بِنَواحِي الخَبَرْ يَعْنِي وخَيْرُ الرُّسُلِ، وإطْلاقُ الرَّسُولِ مُرادًا بِهِ المَصْدَرُ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِقَوْلٍ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولٍ يَعْنِي بِرِسالَةٍ.

طه 20:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾. ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ مُوسى وهارُونَ. أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِما أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى أُشِيرَ إلى نَحْوِهِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى. • كَقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٣٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦] . • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

طه 20:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾. ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مُوسى وهارُونَ لَمّا بَلَّغا فِرْعَوْنَ ما أُمِرا بِتَبْلِيغِهِ إيّاهُ قالَ لَهُما: مَن رَبُّكُما الَّذِي تَزْعُمانِ أنَّهُ أرْسَلَكُما إلَيَّ ؟ زاعِمًا أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ. وأنَّهُ لا يَعْلَمُ لَهُما إلَهًا غَيْرَ نَفْسِهِ، كَما قالَ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقالَ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] . وبَيَّنَ جَلَّ وعَلا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَمَن رَبُّكُما﴾ تَجاهُلُ عارِفٍ بِأنَّهُ عَبَدٌ مَرْبُوبٌ لِرَبِّ العالَمِينَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠٢]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٣ - ١٤] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وسُؤالُ فِرْعَوْنَ عَنْ رَبِّ مُوسى، وجَوابُ مُوسى لَهُ جاءَ مُوَضَّحًا في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ بِأبْسَطِ مِمّا هُنا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٣٣] إلى آخِرِ القِصَّةِ. (p-١٩)وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] فِيهِ لِلْعُلَماءِ أوْجُهٌ لا يُكَذِّبُ بَعْضُها بَعْضًا، وكُلُّها حَقٌّ، ولا مانِعَ مِن شُمُولِ الآيَةِ لِجَمِيعِها. مِنها أنَّ مَعْنى ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ أنَّهُ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ نَظِيرَ خَلْقِهِ في الصُّورَةِ، والهَيْئَةِ، كالذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ أعْطاهم نَظِيرَ خَلْقِهِمْ مِنَ الإناثِ أزْواجًا. وكالذُّكُورِ مِنَ البَهائِمِ أعْطاها نَظِيرَ خَلْقِها في صُورَتِها وهَيْئَتِها مِنَ الإناثِ أزْواجًا. فَلَمْ يُعْطِ الإنْسانَ خِلافَ خَلْقِهِ فَيُزَوِّجُهُ بِالإناثِ مِنَ البَهائِمِ، ولا البَهائِمَ بِالإناثِ مِنَ الإنْسِ، ثُمَّ هَدى الجَمِيعَ لِطَرِيقِ المَنكَحِ الَّذِي مِنهُ النَّسْلُ، والنَّماءُ، كَيْفَ يَأْتِيهِ، وهَدى الجَمِيعَ لِسائِرِ مَنافِعِهِمْ مِنَ المَطاعِمِ، والمَشارِبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، وعَنِ السُّدِّيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: ﴿ثُمَّ هَدى﴾ أيْ هَداهُ إلى الأُلْفَةِ، والِاجْتِماعِ، والمُناكَحَةِ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ أيْ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صَلاحَهُ ثُمَّ هَداهُ إلى ما يُصْلِحُهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾: أيْ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ المُناسِبَةَ لَهُ. فَلَمْ يَجْعَلِ الإنْسانَ في صُورَةِ البَهِيمَةِ، ولا البَهِيمَةَ في صُورَةِ الإنْسانِ، ولَكِنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ عَلى الشَّكْلِ المُناسِبِ لَهُ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وَلَهُ في كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ وكَذاكَ اللَّهُ ما شاءَ فَعَلْ يَعْنِي بِالخِلْقَةِ: الصُّورَةَ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ، وعَطِيَّةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿ثُمَّ هَدى﴾ كُلَّ صِنْفٍ إلى رِزْقِهِ وإلى زَوْجِهِ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾: أيِ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ وشَكْلَهُ الَّذِي يُطابِقُ المَنفَعَةَ المَنُوطَةَ بِهِ، كَما أعْطى العَيْنَ الهَيْئَةَ الَّتِي تُطابِقُ الإبْصارَ، والأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوافِقُ الِاسْتِماعَ. وكَذَلِكَ الأنْفُ، والرِّجْلُ، واللِّسانُ، وغَيْرُها، كُلُّ واحِدٍ مِنها مُطابِقٌ لِما عُلِّقَ بِهِ مِنَ المَنفَعَةِ غَيْرَ نابٍ عَنْهُ. وهَذا القَوْلُ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ. وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ ”أعْطى“، و ”خَلْقَهُ“ هو المَفْعُولُ الثّانِي. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ ”خَلْقَهُ“ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، و ”كُلَّ شَيْءٍ“ هو (p-٢٠)المَفْعُولُ الثّانِي. وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أعْطى الخَلائِقَ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ هَداهم إلى طَرِيقِ اسْتِعْمالِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ المَفْعُولَ مِن مَفْعُولَيْ بابِ كَسا ومِنهُ ”أعْطى“ في الآيَةِ لا مانِعَ مِن تَأْخِيرِهِ وتَقْدِيمِ المَفْعُولِ الأخِيرِ إنْ أمِنَ اللَّبْسُ، ولَمْ يَحْصُلْ ما يُوجِبُ الجَرْيَ عَلى الأصْلِ كَما هو مَعْلُومٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وأشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَيُلْزَمُ الأصْلُ لِمُوجِبٍ عَرا ∗∗∗ وتَرْكُ ذاكَ الأصْلِ حَتْمًا قَدْ يُرى قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: ولا مانِعَ مِن شُمُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِجَمِيعِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ. لِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّ اللَّهَ أعْطى الخَلائِقَ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الدُّنْيا، ثُمَّ هَداهم إلى طَرِيقِ الِانْتِفاعِ بِهِ. ولا شَكَّ أنَّهُ أعْطى كُلَّ صِنْفٍ شَكْلَهُ وصُورَتَهُ المُناسِبَةُ لَهُ، وأعْطى كُلَّ ذَكَرٍ وأُنْثى الشَّكْلَ المُناسِبَ لَهُ مِن جِنْسِهِ في المُناكَحَةِ، والأُلْفَةِ، والِاجْتِماعِ. وأعْطى كُلَّ عُضْوٍ شَكْلَهُ المُلائِمَ لِلْمَنفَعَةِ المَنُوطَةِ بِهِ فَسُبْحانَهُ جَلَّ وعَلا ! ما أعْظَمَ شَأْنِهِ وأكْمَلَ قُدْرَتِهِ ! ! وَفِي هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَراهِينُ قاطِعَةٌ عَلى أنَّهُ جَلَّ وعَلا رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، وهو المَعْبُودُ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] . وَقَدْ حَرَّرَ تَقِيُّ الدِّينِ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَةَ في رِسالَتِهِ في عُلُومِ القُرْآنِ: أنَّ مِثْلَ هَذا الِاخْتِلافِ مِنِ اخْتِلافِ السَّلَفِ في مَعانِي الآياتِ لَيْسَ اخْتِلافًا حَقِيقِيًّا مُتَضادًا يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ولَكِنَّهُ اخْتِلافٌ تَنَوُّعِيٍّ لا يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والآياتُ تَشْمَلُ جَمِيعَهُ، فَيَنْبَغِي حَمْلُها عَلى شُمُولِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأوْضَحَ أنَّ ذَلِكَ هو الجارِي عَلى أُصُولِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وعَزاهُ لِجَماعَةٍ مِن خِيارِ أهْلِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ . قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما﴾ يَقْتَضِي أنَّ المُخاطَبَ اثْنانِ، وقَوْلُهُ: ﴿يامُوسى﴾: يَقْتَضِي أنَّ المُخاطَبَ واحِدٌ، والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ خِطابَ مُوسى وحْدَهُ، والمُخاطَبُ إنِ اشْتَرَكَ مَعَهُ في الكَلامِ غَيْرُ مُخاطَبٍ غَلَبَ المُخاطَبُ عَلى غَيْرِهِ، كَما لَوْ خاطَبْتَ رَجُلًا اشْتَرَكَ مَعَهُ آخَرُ في شَأْنٍ والثّانِي غائِبٌ فَإنَّكَ تَقُولُ لِلْحاضِرِ مِنهُما: ما بالُكُما فَعَلْتُما كَذا والمُخاطَبُ واحِدٌ، وهَذا ظاهِرٌ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ خاطَبَهُما مَعًا وخَصَّ مُوسى بِالنِّداءِ، لِكَوْنِهِ الأصْلَ في الرِّسالَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ خاطَبَهُما مَعًا وخَصَّ مُوسى بِالنِّداءِ لِمُطابَقَةِ رُءُوسِ الآيِ مَعَ ظُهُورِ المُرادِ، ونَظَيرُ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧]، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ المَرْأةَ تَبَعٌ لِزَوْجِها، وبِأنَّ شَقاءَ الكَدِّ والعَمَلِ يَتَوَلّاهُ الرِّجالُ أكْثَرَ مِنَ النِّساءِ، وبِأنَّ الخِطابَ لِآدَمَ وحْدَهُ، والمَرْأةُ ذُكِرَتْ فِيما خُوطِبَ بِهِ آدَمُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧] فَهي ذُكِرَتْ فِيما خُوطِبَ بِهِ آدَمُ والمُخاطَبُ هو وحْدَهُ، ولِذا قالَ: ”فَتَشْقى“ لِأنَّ الخِطابَ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَيْها هي، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

طه 20:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ عاصِمٌ وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ”مَهْدًا“ بِفَتْحِ المِيمِ وإسْكانِ الهاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الهاءِ بَعْدَها ألِفٌ. والمِهادُ: الفِراشُ. والمَهْدُ بِمَعْناهُ. وكَوْنُ أصْلِهِ مَصْدَرًا لا يُنافِي أنْ يُسْتَعْمَلَ اسْمًا لِلْفِراشِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ﴾ في مَحَلِّ رَفْعِ نَعْتٍ لِـ ”رَبِّي“ (p-٢١)مِن قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] أيْ لا يَضِلُّ رَبِّي الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أيْ هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ. ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى المَدْحِ، وهو أجْوَدُ مِن أنْ يُقَدَّرَ عامِلُ النَّصْبِ لَفَظَةَ أعْنِي، كَما أشارَ إلى هَذِهِ الأوْجُهِ مِنَ الإعْرابِ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وارْفَعْ أوِ انْصِبْ إنْ قَطَعْتَ مُضْمِرًا مُبْتَدَأً أوْ ناصِبًا لَنْ يَظْهَرا هَكَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ. والتَّحْقِيقُ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. لِأنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِن كَلامِ اللَّهِ. ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِ مُوسى ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأخْرَجْنا﴾ يُعَيِّنُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أرْبَعَ آياتٍ مِن آياتِهِ الكُبْرى الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ. ومَعَ كَوْنِها مِن آياتٍ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ واسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَهي مِنَ النِّعَمِ العُظْمى عَلى بَنِي آدَمَ. الأُولى: فَرْشُهُ الأرْضَ عَلى هَذا النَّمَطِ العَجِيبِ. الثّانِيَةُ: جَعْلُهُ فِيها سُبُلًا يَمُرُّ مَعَها بَنُو آدَمَ ويَتَوَصَّلُونَ بِها مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ. الثّالِثَةُ: إنْزالُهُ الماءَ مِنَ السَّماءِ عَلى هَذا النَّمَطِ العَجِيبِ. الرّابِعَةُ: إخْراجُهُ أنْواعَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ. أمّا الأُولى الَّتِي هي جَعْلُهُ الأرْضَ مَهْدًا فَقَدْ ذَكَرَ الِامْتِنانَ بِها مَعَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٩ - ١٠]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦ - ٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا﴾ [الرعد: ٣]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَأمّا الثّانِيَةُ الَّتِي هي جَعْلُهُ فِيها سُبُلًا فَقَدْ جاءَ الِامْتِنانُ، والِاسْتِدْلالُ بِها في آياتٍ كَثِيرَةٍ. كَقَوْلِهِ في ”الزُّخْرُفِ“: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٩]، (p-٢٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥] . وَأمّا الثّالِثَةُ، والرّابِعَةُ وهُما إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإخْراجُ النَّباتِ بِهِ مِنَ الأرْضِ فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُما في القُرْآنِ عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، والِاسْتِدْلالِ مَعًا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠] . وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِصِيغَةِ التَّعْظِيمِ. ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى في ”الأنْعامِ“: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ [الأنعام: ٩٩]، وقَوْلُهُ في ”فاطِرٍ“: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧]، وقَوْلُهُ في ”النَّمْلِ“: ﴿أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] . وَهَذا الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ بِصِيغَةِ التَّعْظِيمِ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها في إنْباتِ النَّباتِ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ شَأْنِ إنْباتِ النَّباتِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْزِلِ الماءُ ولَمْ يَنْبُتْ شَيْءٌ لَهَلَكَ النّاسُ جُوعًا وعَطَشًا. فَهو يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ جَلَّ وعَلا، وشِدَّةِ احْتِياجِ الخَلْقِ إلَيْهِ ولُزُومِ طاعَتِهِمْ لَهُ جَلَّ وعَلا. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ أيْ أصْنافًا مُخْتَلِفَةً مِن أنْواعِ النَّباتِ. فالأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ، وهو هُنا الصِّنْفُ مِنَ النَّباتِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ ”الحَجِّ“: ﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ، وقالَ تَعالى في سُورَةِ ”لُقْمانَ“: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠] أيْ مِن كُلِّ نَوْعٍ حَسَنٍ مِن أنْواعِ النَّباتِ، وقالَ تَعالى في سُورَةِ ”يس“: (p-٢٣)﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ ﴿شَتّى﴾ نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أزْواجًا﴾ [طه: ٥٣] . ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ أيْ أصْنافًا مُخْتَلِفَةَ الأشْكالِ، والمَقادِيرِ، والمَنافِعِ، والألْوانِ، والرَّوائِحِ، والطُّعُومِ. وقِيلَ ﴿شَتّى﴾ جَمْعٌ لِـ ”نَباتٍ“ أيْ نَباتٌ مُخْتَلِفٌ كَما بَيَّنّا. والأظْهَرُ الأوَّلُ، وقَوْلُهُ ﴿شَتّى﴾ جَمْعُ شَتِيتٍ. كَمَرِيضٍ ومَرْضى. والشَّتِيتُ: المُتَفَرِّقُ. ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ يَصِفُ إبِلًا جاءَتْ مُجْتَمِعَةً ثُمَّ تَفَرَّقَتْ، وهي تُثِيرُ غُبارًا مُرْتَفِعًا: ؎جاءَتْ مَعًا وأطْرَقَتْ شَتِيتًا ∗∗∗ وهي تُثِيرُ السّاطِعَ السَّخْتِيتا وَثَغْرٌ شَتِيتٌ: أيْ مُتَفَلِّجٌ لِأنَّهُ مُتَفَرِّقُ الأسْنانِ. أيْ لَيْسَ بَعْضُها لاصِقًا بِبَعْضٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ مَعْنى السَّلْكُ: الإدْخالُ. وقَوْلُهُ سَلَكَ هُنا مَعْناهُ أنَّهُ جَعَلَ في داخِلِ الأرْضِ بَيْنَ أوْدِيَتِها وجِبالِها سُبُلًا فِجاجًا يَمُرُّ الخَلْقُ مَعَها. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿وَسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ [طه: ٥٣] وعَبَّرَ في مَواضِعَ أُخَرَ عَنْ ذَلِكَ بِالجَعْلِ، كَقَوْلِهِ في ”الأنْبِياءِ“: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] وقَوْلُهُ في ”الزُّخْرُفِ“: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] وعَبَّرَ في بَعْضِ المَواضِعِ عَنْ ذَلِكَ بِالإلْقاءِ كَقَوْلِهِ في ”النَّحْلِ“: ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [لقمان: ١٥] لِأنَّ عَطْفَ السُّبُلِ عَلى الرَّواسِي ظاهِرٌ في ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ أيْ كُلُوا أيُّها النّاسُ مِنَ الثِّمارِ، والحُبُوبِ الَّتِي أخْرَجْناها لَكم مِنَ الأرْضِ بِالماءِ الَّذِي أنْزَلْنا مِن جَمِيعِ ما هو غِذاءٌ لَكم مِنَ الحُبُوبِ، والفَواكِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وارْعَوْا أنْعامَكم. أيْ أسِيمُوها وسَرِّحُوها في المَرْعى الَّذِي يَصْلُحُ لِأكْلِها. تَقُولُ: رَعَتَ الماشِيَةُ الكَلَأ، ورَعاها صاحِبُها: أيْ أسامَها وسَرَّحَها. يَلْزَمُ ويَتَعَدّى. والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿كُلُوا وارْعَوْا﴾ لِلْإباحَةِ. ولا يَخْفى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الِامْتِنانِ، والِاسْتِدْلالِ عَلى اسْتِحْقاقِ المُنْعِمِ بِذَلِكَ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ. وَما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِنَ الِامْتِنانِ عَلى بَنِي آدَمَ بِأرْزاقِهِمْ وأرْزاقِ أنْعامِهِمْ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ. • كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”السَّجْدَةِ“: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، • وقَوْلِهِ في ”النّازِعاتِ“: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣١ - ٣٣ ]]، (p-٢٤) • وَقَوْلِهِ في ”عَبَسَ“: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢] • وقَوْلِهِ في ”النَّحْلِ“: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [لقمان: ١٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿لِأُولِي النُّهى﴾ أيْ لِأصْحابِ العُقُولِ. فالنُّهى: جَمَعُ نُهْيَةٍ بِضَمِّ النُّونِ، وهي العَقْلُ. لِأنَّهُ يَنْهى صاحِبَهُ عَمّا لا يَلِيقُ. تَقُولُ العَرَبُ: نَهُوَ الرَّجُلُ بِصِيغَةِ فَعُلَ بِالضَّمِّ: إذا كَمُلَتْ نُهْيَتُهُ أيْ عَقْلُهُ. وأصْلُهُ نَهُيَ بِالياءِ فَأُبْدِلَتِ الياءُ واوًا لِأنَّها لامُ فِعْلٍ بَعْدَ ضَمٍّ. كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَواوًا إثْرَ الضَّمِّ رُدَّ اليا مَتى ∗∗∗ أُلْفِيَ لامُ فِعْلٍ أوْ مِن قَبْلِ تا

طه 20:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾. الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”مِنها“ مَعًا، وقَوْلِهِ فِيها راجِعٌ إلى ”الأرْضَ“ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ . وَقَدْ ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثُ مَسائِلَ: الأُولى: أنَّهُ خَلَقَ بَنِي آدَمَ مِنَ الأرْضِ. الثّانِيَةُ: أنَّهُ يُعِيدُهم فِيها. الثّالِثَةُ: أنَّهُ يُخْرِجُهم مِنها مَرَّةً أُخْرى. وهَذِهِ المَسائِلُ الثَّلاثُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ مُوَضَّحَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. أمّا خَلْقُهُ إيّاهم مِنَ الأرْضِ فَقَدْ ذَكَرَهُ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ. كَقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٠]، وقَوْلُهُ في سُورَةِ ”المُؤْمِنِ“: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [غافر: ٦٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ مَعْنى خَلْقِهِ النّاسَ مِن تُرابٍ أنَّهُ خَلَقَ أباهم آدَمَ مِنها. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٥٩] . ولَمّا خَلَقَ أباهم مِن تُرابٍ وكانُوا تَبَعًا لَهُ في الخَلْقِ صَدَقَ عَلَيْهِمْ أنَّهم خُلِقُوا مِن تُرابٍ. وما يَزْعُمُهُ (p-٢٥)بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ مَعْنى خَلْقِهِمْ مِن تُرابٍ أنَّ النُّطْفَةَ إذا وقَعَتْ في الرَّحِمِ انْطَلَقَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالرَّحِمِ فَأخَذَ مِن تُرابِ المَكانِ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ فَيَذْرُهُ عَلى النُّطْفَةِ فَيَخْلُقُ اللَّهُ النَّسَمَةَ مِنَ النُّطْفَةِ، والتُّرابِ مَعًا فَهو خِلافُ التَّحْقِيقِ. لِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَرْحَلَةَ النُّطْفَةِ بَعْدَ مَرْحَلَةِ التُّرابِ بِمُهْلَةٍ. فَهي غَيْرُ مُقارِنَةٌ لَها بِدَلِيلِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُما بِـ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآيَةَ [غافر: ٦٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٦ - ٨] وكَذَلِكَ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ مَعْنى خَلْقِهِمْ مِن تُرابٍ أنَّ المُرادَ أنَّهم خُلِقُوا مِنَ الأغْذِيَةِ الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنَ الأرْضِ فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما تَرى. وَأمّا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ فَقَدْ ذَكَرَها تَعالى أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً ‎وَأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦] فَقَوْلُهُ ﴿كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] أيْ مَوْضِعُهُمُ الَّذِي يَكْفِتُونَ فِيهِ أيْ يُضَمُّونَ فِيهِ: أحْياءً عَلى ظَهْرِها، وأمْواتًا في بَطْنِها. وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ . وَأمّا المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وهي إخْراجُهم مِنَ الأرْضِ أحْياءً يَوْمَ القِيامَةِ فَقَدْ جاءَتْ مُوَضَّحَةً في آياتٍ كَثِيرَةٍ. • كَقَوْلِهِ: ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] أيْ مِن قُبُورِكم أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] أيْ مِنَ القُبُورِ بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ الآيَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] . والتّارَةُ في قَوْلِهِ ﴿تارَةً أُخْرى﴾ بِمَعْنى (p-٢٦)المَرَّةِ. وفي حَدِيثِ السُّنَنِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَضَرَ جِنازَةً، فَلَمّا أرادُوا دَفْنَ المَيِّتِ أخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ فَألْقاها في القَبْرِ وقالَ ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ ثُمَّ أخَذَ أُخْرى وقالَ ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ ثُمَّ أُخْرى وقالَ ﴿وَمِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾» .

طه 20:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾. أظْهَرُ القَوْلَيْنِ أنَّ الإضافَةَ في قَوْلِهِ آياتِنا مُضَمَّنَةٌ مَعْنى العَهْدِ كالألِفِ، واللّامِ. والمُرادُ بِآياتِنا المَعْهُودَةِ لِمُوسى كُلُّها وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٠١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ الآيَةَ [النمل: ١٢] . وقالَ بَعْضُهُمُ: الآياتُ التِّسْعُ المَذْكُورَةُ هي: العَصا، واليَدُ البَيْضاءُ، وفَلْقُ البَحْرِ، والحَجَرُ الَّذِي انْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، ونَتْقُ الجَبَلِ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ. وقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في الآياتِ التِّسْعِ في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ . وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: العُمُومُ عَلى ظاهِرِهِ، وإنَّ اللَّهَ أرى فِرْعَوْنَ جَمِيعَ الآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى، والَّتِي جاءَ بِها غَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ بِأنْ عَرَّفَهُ مُوسى جَمِيعَ مُعْجِزاتِهِ ومُعْجِزاتِ سائِرِ الأنْبِياءِ. والأوَّلُ هو الظّاهِرُ. وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّ الآياتِ الَّتِي أراها فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بَعْضُها أعْظَمُ مِن بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“: ﴿وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ [ ٤٨ ]، وقَوْلُهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٢٠] لِأنَّ الكُبْرى في المَوْضِعَيْنِ تَأنِيثُ الأكْبَرِ، وهي صِيغَةُ تَفْضِيلٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها أكْبَرُ مِن غَيْرِها. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَكَذَّبَ وأبى﴾ يَعْنِي أنَّهُ مَعَ ما أراهُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ نَبِيِّهِ مُوسى، كَذَّبَ رَسُولَ رَبِّهِ مُوسى، وأبى عَنْ قَبُولِ الحَقِّ. وقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ شِدَّةَ إبائِهِ وعِنادِهِ وتَكَبُّرِهِ عَلى مُوسى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ. • كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] • وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ ياقَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٣]، (p-٢٧) وَمَقْصُودُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ تَعْظِيمُ أمْرِ نَفْسِهِ وتَحْقِيرُ أمْرِ مُوسى، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتْبَعَ الفاضِلُ المَفْضُولَ. وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا: أنَّ فِرْعَوْنَ كَذَّبَ وأبى، وهو عالِمٌ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى حَقٌّ. وأنَّ الآياتِ الَّتِي كَذَّبَ بِها وأبى عَنْ قَبُولِها ما أنْزَلَها إلّا اللَّهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . وقَوْلُهُ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ ﴿أرَيْناهُ﴾ أصْلُهُ مِن رَأى البَصْرِيَّةَ عَلى الصَّحِيحِ.

طه 20:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾. ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لَمّا أرى فِرْعَوْنَ آياتِهِ عَلى يَدِ نَبِيِّهِ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: إنَّ الآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى سِحْرٌ، وإنَّهُ يُرِيدُ بِها إخْراجَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن أرْضِهِمْ. أمّا دَعْواهُ هو وقَوْمُهُ أنَّ مُوسى ساحِرٌ فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ. • كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٤٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَأمّا ادِّعاؤُهم أنَّهُ يُرِيدُ إخْراجَهم مِن أرْضِهِمْ بِالسِّحْرِ فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا أيْضًا في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ. • كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٥٧]، • وقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٩ - ١١٠]، • وقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٤]، • وقَوْلِهِ في ”يُونُسَ“: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨]، وقالَ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] .

طه 20:58

(p-٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾. ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ، لَمّا رَأى آياتِ اللَّهِ ومُعْجِزاتِهِ الباهِرَةَ، وادَّعى أنَّها سِحْرٌ أقْسَمَ لِيَأتِيَنَّ مُوسى بِسِحْرٍ مِثْلِ آياتِ اللَّهِ الَّتِي يَزْعُمُ هو أنَّها سِحْرٌ. وقَدْ بَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّ إتْيانَهم بِالسِّحْرِ وجَمْعَهُمُ السَّحَرَةَ كانَ عَنِ اتِّفاقِ مَلَئِهِمْ عَلى ذَلِكَ. كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف: ١٠٩ - ١١٠] . وقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ [ الآياتِ ٣٤ - ٣٧ ]، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ في المَوْضِعَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ وقَعَ بَعْدَ مُشاوَرَةِ واتِّفاقِ المَلَأِ مِنهم عَلى ذَلِكَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾. ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا وعَدَ مُوسى بِأنَّهُ يَأتِي بِسِحْرٍ مِثْلِ ما جاءَ بِهِ مُوسى في زَعْمِهِ قالَ لِمُوسى ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ﴾ والإخْلافُ: عَدَمُ إنْجازِ الوَعْدِ. وقَرَّرَ أنْ يَكُونَ مَكانُ الِاجْتِماعِ المُناظَرَةِ والمُغالَبَةِ في السِّحْرِ في زَعْمِهِ مَكانًا سُوًى. وأصَحُّ الأقْوالِ في قَوْلِهِ ﴿سُوًى﴾ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ والضَّمِّ: أنَّهُ مَكانٌ وسَطٌ تَسْتَوِي أطْرافُ البَلَدِ فِيهِ. لِتَوَسُّطِها بَيْنَها، فَلَمْ يَكُنْ أقْرَبَ لِلشَّرْقِ مِنَ الغَرْبِ، ولا لِلْجَنُوبِ مِنَ الشَّمالِ. وهَذا هو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ ﴿مَكانًا سُوًى﴾ أيْ نِصْفًا وعَدْلًا لِيَتَمَكَّنَ جَمِيعُ النّاسِ أنْ يَحْضُرُوا. وقَوْلُهُ: ﴿سُوًى﴾ أصْلُهُ مِنَ الِاسْتِواءِ. لِأنَّ المَسافَةَ مِنَ الوَسَطِ إلى الطَّرَفَيْنِ لا تَفاوُتَ فِيها بَلْ هي مُسْتَوِيَةٌ. وقَوْلُهُ ﴿سُوًى﴾ فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: الضَّمُّ، والكَسْرُ مَعَ القَصْرِ، وفَتْحُ السِّينِ مَعَ المَدِّ. والقِراءَةُ بِالأُولَيَيْنِ دُونَ الثّالِثَةِ هُنا ومِنَ القِراءَةِ بِالثّالِثَةِ ﴿إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] ومِن إطْلاقِ العَرَبِ ﴿مَكانًا سُوًى﴾ عَلى المَكانِ المُتَوَسِّطِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ قَوْلُ مُوسى بْنُ جابِرٍ الحَنَفِيِّ، وقَدْ أنْشَدَهُ أبُو عُبَيْدَةَ شاهِدًا لِذَلِكَ: ؎وَإنَّ أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سُوًى بَيْنَ قَيْسِ عَيْلانَ والفِزْرِ (p-٢٩)والفِزْرُ: سَعْدُ بْنُ زَيْدِ مَناةَ بْنِ تَمِيمٍ. يَعْنِي: حَلَّ بِبَلْدَةٍ مُسْتَوِيَةٍ مَسافَتُها بَيْنَ قَيْسِ عَيْلانَ، والفِزْرِ. وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ أجابَ فِرْعَوْنَ إلى ما طَلَبَ مِنهُ مِنَ المَوْعِدِ، وقَرَّرَ أنْ يَكُونَ وقْتُ ذَلِكَ يَوْمَ الزِّينَةِ. وأقْوالُ أهْلِ العِلْمِ في يَوْمِ الزِّينَةِ راجِعَةٌ إلى أنَّهُ يَوْمٌ مَعْرُوفٌ لَهم، يَجْتَمِعُونَ فِيهِ ويَتَزَيَّنُونَ. سَواءٌ قُلْنا: إنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ لَهم، أوْ يَوْمُ عاشُوراءَ، أوْ يَوْمُ النَّيْرُوزِ، أوْ يَوْمٌ كانُوا يَتَّخِذُونَ فِيهِ سُوقًا ويَتَزَيَّنُونَ فِيهِ بِأنْواعِ الزِّينَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما واعَدَهم مُوسى ذَلِكَ اليَوْمَ لِيَكُونَ عُلُوُّ كَلِمَةِ اللَّهِ وظُهُورُ دِينِهِ، وكَبْتُ الكافِرِ وزَهُوقُ الباطِلِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في المَجْمَعِ الغاصِّ لِتَقْوى رَغْبَةُ مَن رَغِبَ في اتِّباعِ الحَقِّ، ويَكِلَّ حَدُّ المُبْطِلِينَ وأشْياعِهِمْ، ويَكْثُرُ المُحَدِّثُ بِذَلِكَ الأمْرِ. لِيُعْلَمَ في كُلِّ بَدْوٍ وحَضَرٍ، ويَشِيعَ في جَمِيعِ أهْلِ الوَبَرِ، والحَضَرِ. اه مِنهُ. والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنْ“ وصِلَتِها في قَوْلِهِ ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ عَطْفًا عَلى ﴿الزِّينَةِ﴾ أيْ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وحَشْرُ النّاسِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالرَّفْعِ. والحَشْرُ: الجَمْعُ، والضُّحى: مِن أوَّلِ النَّهارِ حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ. والضُّحى يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. فَمَن أنَّثَهُ ذَهَبَ إلى أنَّهُ جَمْعُ ضَحْوَةٍ. ومَن ذَكَّرَهُ ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ جاءَ عَلى فِعْلٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ كَصُرَدٍ وزُفَرَ. وهو مُنْصَرِفٌ إذا لَمَّ تُرِدْ ضُحى يَوْمٍ مُعَيَّنٍ بِلا خِلافٍ. وإنْ أرَدْتَ ضُحى يَوْمِكَ المُعَيَّنِ فَقِيلَ يُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ كَسَحَرَ. وقِيلَ لا. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن كَوْنِ المُناظَرَةِ بَيْنَ مُوسى، والسَّحَرَةِ عُيِّنَ لِوَقْتِها يَوْمٌ مَعْلُومٌ يَجْتَمِعُ النّاسُ فِيهِ. لِيَعْرِفُوا الغالِبَ مِنَ المَغْلُوبِ أُشِيرَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الشُّعَراءِ“: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٣٨ - ٤٠] . فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ . اليَوْمُ المَعْلُومُ: هو يَوْمُ الزِّينَةِ المَذْكُورِ هُنا. ومِيقاتُهُ وقْتُ الضُّحى مِنهُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ . * * تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أنَّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْواعًا مِنَ الإشْكالِ مَعْرُوفَةً عِنْدَ العُلَماءِ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أوْجُهَ الإشْكالِ فِيها، ونُبَيِّنُ إزالَةَ الإشْكالِ عَنْها. اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ الفِعْلَ الثُّلاثِيَّ إنْ كانَ مِثالًا أعْنِي واوِيَّ الفاءِ كَوَعَدَ ووَصَلَ، (p-٣٠)فالقِياسُ في مَصْدَرِهِ المِيمِيِّ واسْمُ مَكانِهِ وزَمانِهِ كُلُّها المَفْعِلُ (بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ العَيْنِ) ما لَمْ يَكُنْ مُعْتَلَّ اللّامِ. فَإنْ كانَ مُعْتَلَّها فالقِياسُ فِيهِ المَفْعَلُ (بِفَتْحِ المِيمِ والعَيْنِ) كَما هو مَعْرُوفٌ في فَنِّ الصَّرْفِ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ صالِحٌ بِمُقْتَضى القِياسِ الصَّرْفِيِّ لِأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنى الوَعْدِ، وأنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ يُرادُ بِهِ وقْتُ الوَعْدِ، وأنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ يُرادُ بِهِ مَكانُ الوَعْدِ. ومِن إطْلاقِ المَوْعِدِ في القُرْآنِ اسْمَ زَمانٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] أيْ وقْتُ وعْدِهِمْ بِالإهْلاكِ الصُّبْحُ. ومِن إطْلاقِهِ في القُرْآنِ اسْمُ مَكانٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] أيْ مَكانُ وعْدِهِمْ بِالعَذابِ. وَأوْجُهُ الإشْكالِ في هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْعِدَ مَصْدَرٌ. لِأنَّ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الإخْلافُ هو الوَعْدُ لا زَمانُهُ، ولا مَكانُهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَكانًا سُوًى﴾ . يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْعِدَ في الآيَةِ اسْمُ مَكانٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْعِدَ في الآيَةِ اسْمُ زَمانٍ. فَإنْ قُلْنا إنَّ المَوْعِدَ في الآيَةِ مَصْدَرٌ أُشْكِلَ عَلى ذَلِكَ ذِكْرُ المَكانِ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا سُوًى﴾ والزَّمانِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وإنْ قُلْنا: إنَّ المَوْعِدَ اسْمُ مَكانٍ أُشْكِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ لِأنَّ نَفْسَ المَكانِ لا يُخْلَفُ وإنَّما يُخْلَفُ الوَعْدُ، وأُشْكِلَ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ . وَإنْ قُلْنا: إنَّ المَوْعِدَ اسْمُ زَمانٍ أُشْكِلَ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ وقَوْلُهُ ﴿مَكانًا سُوًى﴾ هَذِهِ هي أوْجُهُ الإشْكالِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. ولِلْعُلَماءِ عَنْ هَذا أجْوِبَةٌ مِنها ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ قالَ: لا يَخْلُو المَوْعِدُ في قَوْلِهِ ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ مِن أنْ يَجْعَلَ زَمانًا أوْ مَكانًا أوْ مَصْدَرًا. فَإنْ جَعَلْتَهُ زَمانًا نَظَرًا في أنَّ قَوْلَهُ ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ مُطابِقٌ لَهُ لَزِمَكَ شَيْئانِ: أنْ تَجْعَلَ الزَّمانَ مُخَلَّفًا وأنْ يَعْضُلَ عَلَيْكَ ناصِبٌ مَكانًا وإنْ جَعَلْتَهُ مَكانًا لِقَوْلِهِ تَعالى﴿مَكانًا سُوًى﴾ لَزِمَكَ أيْضًا أنْ تُوقِعَ الإخْلافَ عَلى المَكانِ، ولا يُطابِقُ قَوْلَهُ ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ إلى أنْ قالَ: فَبَقِيَ أنْ يُجْعَلَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الوَعْدِ ويُقَدَّرَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ مَكانِ الوَعْدِ، ويُجْعَلَ الضَّمِيرُ في ﴿نُخْلِفُهُ﴾ لِلْمَوْعِدِ و مَكانًا بَدَلٌ مِنَ المَكانِ المَحْذُوفِ. (p-٣١)فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ طابَقَهُ قَوْلُهُ ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ولا بُدَّ مِن أنْ تَجْعَلَهُ زَمانًا، والسُّؤالُ واقِعٌ عَنِ المَكانِ لا عَنِ الزَّمانِ ؟ قُلْتُ: هو مُطابِقٌ مَعْنًى وإنْ لَمْ يُطابِقْ لَفْظًا. لِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَجْتَمِعُوا يَوْمَ الزِّينَةِ في مَكانٍ بِعَيْنِهِ مُشْتَهِرٍ بِاجْتِماعِهِمْ فِيهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. فَبِذِكْرِ الزَّمانِ عُلِمَ المَكانُ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. ولا يَخْفى ما في جَوابِهِ هَذا مِنَ التَّعَسُّفِ، والحَذْفِ، والإبْدالِ مِنَ المَحْذُوفِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ ما أُجِيبُ بِهِ عَمّا ذَكَرْنا مِنَ الإشْكالِ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ طَلَبَ مِن مُوسى تَعْيِينَ مَكانِ المَوْعِدِ، وأنَّهُ يَكُونُ مَكانًا سُوًى. أيْ وسَطًا بَيْنَ أطْرافِ البَلَدِ كَما بَيَّنّا. وأنَّ مُوسى وافَقَ عَلى ذَلِكَ وعَيَّنَ زَمانَ الوَعْدِ وأنَّهُ يَوْمُ الزِّينَةِ ضُحى. لِأنَّ الوَعْدَ لا بُدَّ لَهُ مِن مَكانٍ وزَمانٍ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي المَصِيرُ إلَيْهِ هو قَوْلُ مَن قالَ في قَوْلِهِ ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ إنَّهُ اسْمُ مَكانٍ أيْ مَكانُ الوَعْدِ، وقَوْلُهُ مَكانًا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ مَوْعِدًا. لِأنَّ المَوْعِدَ إذا كانَ اسْمَ مَكانٍ صارَ هو نَفْسُ المَكانِ فاتَّضَحَ كَوْنُ مَكانًا بَدَلًا. ولا إشْكالَ في ضَمِيِرِ نُخْلِفُهُ عَلى هَذا. ووَجْهُ إزالَةِ الإشْكالِ عَنْهُ أنَّ المَعْرُوفَ في فَنِّ الصَّرْفِ: أنَّ اسْمَ المَكانِ مُشْتَقٌّ مِنَ المَصْدَرِ كاشْتِقاقِ الفِعْلِ مِنهُ، فاسْمُ المَكانِ يَنْحَلُّ عَنْ مَصْدَرٍ ومَكانٍ. فالمَنزِلُ مَثَلًا مَكانُ النُّزُولِ، والمَجْلِسُ مَكانُ الجُلُوسِ، والمَوْعِدُ مَكانُ الوَعْدِ. فَإذا اتَّضَحَ لَكَ أنَّ المَصْدَرَ كامِنٌ في مَفْهُومِ اسْمِ المَكانِ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ راجِعٌ إلى المَصْدَرِ الكامِنِ في مَفْهُومِ اسْمِ المَكانِ، كَرُجُوعِهِ لِلْمَصْدَرِ الكامِنِ في مَفْهُومِ الفِعْلِ في قَوْلِهِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]: فَقَوْلُهُ هو أيِ العَدْلُ المَفْهُومُ مِنِ اعْدِلُوا وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ أيِ: الوَعْدُ الكامِنُ في مَفْهُومِ اسْمِ المَكانِ الَّذِي هو المَوْعِدُ. لِأنَّهُ مَكانُ الوَعْدِ، فَمَعْناهُ مُرَكَّبٌ إضافِيٌّ وآخِرُ جُزْأيْهِ لَفْظُ الوَعْدِ وهو مَرْجِعُ الضَّمِيرِ في ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ . فَإذا عَرَفْتَ مَعْنى هَذا الكَلامِ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ أنَّ فِرْعَوْنَ قالَهُ لِمُوسى فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ عَنْ مُوسى ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ وافَقَ عَلى طَلَبِ فِرْعَوْنَ ضِمْنًا، وزادَ تَعْيِينَ زَمانِ الوَعْدِ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ولا إشْكالَ في ذَلِكَ. هَذا هو الَّذِي ظَهَرَ لَنا صَوابُهُ. وأقْرَبُ الأوْجُهِ الَّتِي ذَكَرَها العُلَماءُ بَعْدَ هَذا عِنْدِي قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ (p-٣٢)المَوْعِدَ في الآيَةِ مَصْدَرٌ وعَلَيْهِ فَـ ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ راجِعٌ لِلْمَصْدَرِ، و مَكانًا مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَوْعِدُ. أيْ: عُدْنا مَكانًا سُوًى. ونَصْبُ المَكانِ بِأنَّهُ مَفْعُولُ المَصْدَرِ الَّذِي هو مَوْعِدًا أوْ أحَدُ مَفْعُولَيْ فاجَعَلْ غَيْرُ صَوابٍ فِيما يَظْهَرُ لِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿مَكانًا سُوًى﴾ قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمُ وحَمْزَةُ ”سُوًى“ بِضَمِّ السِّينِ، والباقُونَ بِكَسْرِها. ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ كَما تَقَدَّمَ.

طه 20:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾. قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ، انْصَرَفَ مُدْبِرًا مِن ذَلِكَ المَقامِ لِيُهَيِّئَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِمّا تَواعَدَ عَلَيْهِ هو ومُوسى. ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”النّازِعاتِ“ في القِصَّةِ بِعَيْنِها ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢ - ٢٣] وقَوْلُهُ ﴿فَحَشَرَ﴾ أيْ: جَمَعَ السَّحَرَةَ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى. ومِن مَعْنى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِـ ﴿كَيْدَهُ﴾ ما جَمَعَهُ مِنَ السِّحْرِ لِيَغْلِبَ بِهِ مُوسى في زَعْمِهِ. وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ هو جَمْعُهُ لِلسَّحَرَةِ مِن أطْرافِ مَمْلَكَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أمْرانِ: أحَدُهُما تَسْمِيَةُ السِّحْرِ في القُرْآنِ كَيْدًا. كَقَوْلِهِ ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ الآيَةَ [طه: ٦٩]، وقَوْلِهِ تَعالى عَنِ السَّحَرَةِ: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] وكَيْدُهم سِحْرُهم. الثّانِي أنَّ الَّذِي جَمَعَهُ فِرْعَوْنُ هو السَّحَرَةُ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿وَأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١١ - ١١٢] . وقَوْلُهُ ﴿حاشِرِينَ﴾ أيْ: جامِعِينَ يَجْمَعُونَ السَّحَرَةَ مِن أطْرافِ مَمْلَكَتِهِ، وقَوْلُهُ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٦]، وقَوْلُهُ في ”يُونُسَ“: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس: ٧٩] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ثُمَّ أتى﴾ أيْ: جاءَ فِرْعَوْنُ بِسَحَرَتِهِ لِلْمِيعادِ لِيَغْلِبَ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى بِسِحْرِهِ في زَعْمِهِ.

طه 20:65

(p-٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾. ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ السَّحَرَةَ لَمّا جَمَعَهم فِرْعَوْنُ واجْتَمَعُوا مَعَ مُوسى لِلْمُغالَبَةِ قالُوا لَهُ مُتَأدِّبِينَ مَعَهُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى مَقالَتَهم هَذِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] . وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يُحْذَفَ مَفْعُولُ فِعْلٍ في مَوْضِعٍ، ثُمَّ يُبَيَّنُ في مَوْضِعٍ آخَرَ، فَإنّا نُبَيِّنُ ذَلِكَ، وقَدْ حُذِفَ هُنا في هَذِهِ الآيَةِ مَفْعُولُ تُلْقِيَ ومَفْعُولٌ أوَّلُ مِن ألْقى وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ مَفْعُولَ إلْقاءِ مُوسى هو عَصاهُ وذَلِكَ في قَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧]، وقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥]، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ الآيَةَ [طه: ٦٩] . وما في يَمِينِهِ هو عَصاهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى قالَ هي عَصايَ﴾ الآيَةَ [طه: ١٧] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أيْضًا في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مَفْعُولَ إلْقائِهِمْ هو حِبالُهم وعِصِيُّهم، وذَلِكَ في قَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] . وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ هُنا ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦]، لِأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: قالَ بَلْ ألْقُوا فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى. والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنْ“ وصِلَتِها في قَوْلِهِ ﴿أنْ تُلْقِيَ﴾ وفي قَوْلِهِ ﴿أنْ نَكُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ مِنَ الإعْرابِ: الأوَّلُ أنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إمّا أنْ تَخْتارَ أنْ تُلْقِيَ أيْ: تَخْتارُ إلْقاءَكَ أوَّلًا، أوْ تَخْتارُ إلْقاءَنا أوَّلًا. وتَقْدِيرُ المَصْدَرِ الثّانِي: وإمّا أنْ تَخْتارَ أنْ نَكُونَ أيْ: كَوْنَنا أوَّلَ مَن ألْقى، والثّانِي أنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ، وعَلَيْهِ فَقِيلَ هو مُبْتَدَأٌ، والتَّقْدِيرُ إمّا إلْقاؤُكَ أوَّلًا، أوْ إلْقاؤُنا أوَّلًا. وقِيلَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إمّا الأمْرُ إلْقاؤُنا أوْ إلْقاؤُكَ.

طه 20:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا﴾. ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا خَيَّرَهُ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ أنْ يُلْقِيَ قَبْلَهم أوْ يُلْقُوا قَبْلَهُ قالَ لَهم: ألْقُوا يَعْنِي ألْقُوا (p-٣٤)ما أنْتُمْ مُلْقُونَ كَما صَرَّحَ بِهِ في ”الشُّعَراءِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [الشعراء: ٤٣] وذَلِكَ هو المُرادُ أيْضًا بِقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] . تَنْبيهٌ قَوْلُ مُوسى لِلسَّحَرَةِ: ألْقُوا المَذْكُورُ في ”الأعْرافِ، وطه، والشُّعَراءِ“ فِيهِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: كَيْفَ قالَ هَذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ لِلسَّحَرَةِ ألْقُوا. أيْ: ألْقُوا حِبالَكم وعِصِيَّكم، يَعْنِي اعْمَلُوا السِّحْرَ وعارِضُوا بِهِ مُعْجِزَةَ اللَّهِ الَّتِي أيَّدَ بِها رَسُولَهُ، وهَذا أمْرٌ بِمُنْكَرٍ ؟، والجَوابُ: هو أنَّ قَصْدَ مُوسى بِذَلِكَ قَصْدٌ حَسَنٌ يَسْتَوْجِبُهُ المَقامُ، لِأنَّ إلْقاءَهم قَبْلَهُ يَسْتَلْزِمُ إبْرازَ ما مَعَهم مِن مَكائِدِ السِّحْرِ، واسْتِنْفادِ أقْصى طُرُقِهِمْ ومَجْهُودِهِمْ. فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ كانَ في إلْقائِهِ عَصاهُ بَعْدَ ذَلِكَ وابْتِلاعِها لِجَمِيعِ ما ألْقَوْا مِن إظْهارِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ ما لا جِدالَ بَعْدَهُ في الحَقِّ لِأدْنى عاقِلٍ. ولِأجْلِ هَذا قالَ لَهم: ألْقُوا، فَلَوَ ألْقى قَبْلَهم وألْقَوْا بَعْدَهُ لَمْ يَحْصُلْ ما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾. قَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ”تُخَيَّلُ“ بِالتّاءِ، أيْ: تُخَيَّلُ هي أيِ: الحِبالُ، والعِصِيُّ أنَّها تَسْعى. والمَصْدَرُ في ”أنَّها تَسْعى“ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ الحِبالِ، والعِصِيُّ الَّذِي هو نائِبُ فاعِلٍ لِـ ”تُخَيَّلُ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. والمَصْدَرُ في سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى نائِبُ فاعِلٍ لِـ ”تُخَيَّلُ“ . وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَذْفٌ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: قالَ بَلْ ألْقُوا فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم، فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ فَإذا حِبالُهم عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ كَما أشارَ لِنَحْوِ ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَحَذْفَ مَتْبُوعٍ بَدا هُنا اسْتَبِحْ وَ ”إذا“ هي الفُجائِيَّةُ، وقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ العُلَماءِ فِيها فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. والحِبالُ: جَمْعُ حَبْلٍ، وهو مَعْرُوفٌ. و ”العِصِيُّ“ جَمْعُ عَصا، وألِفُ العَصا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، ولِذا تُرَدُّ إلى أصْلِها في التَّثْنِيَةِ: ومِنهُ قَوْلُ غَيْلانَ ذِي الرُّمَّةِ:(p-٣٥) ؎فَجاءَتْ بِنَسْجِ العَنْكَبُوتِ كَأنَّهُ ∗∗∗ عَلى عَصَوَيْها سابِرِيٌّ مُشَبْرَقُ وَأصْلُ العِصِيِّ عُصُوو عَلى وزْنِ فُعُولٍ جَمْعُ عَصا. فَأُعِلَّ بِإبْدالِ الواوِ الَّتِي في مَوْضِعِ الَّلامِ ياءً فَصارَ عُصُويًا، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ، فالياءانِ أصْلُهُما واوانِ. وإلى جَوازِ هَذا النَّوْعِ مِنَ الإعْلالِ في واوَيِ اللّامِ مِمّا جاءَ عَلى فَعَوْلٍ أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎كَذاكَ ذا وجْهَينِ جا الفُعُولُ مِن ∗∗∗ ذِي الواوِ لامُ جَمْعٍ أوْ فَرْدٍ يَعِنْ وَضَمَّةُ الصّادِ في وعِصِيُّهم أُبْدِلَتْ كَسْرَةً لِمُجانَسَةِ الياءِ، وضَمَّةُ عَيْنِ ”عِصِيِّهِمْ“ أُبْدِلَتْ كَسْرَةً لِاتِّباعِ كَسْرَةِ الصّادِ. والتَّخَيُّلُ في قَوْلِهِ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى هو إبْداءُ أمْرٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِنهُ الخَيالُ. وهو الطَّيْفُ الطّارِقُ في النَّوْمِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا لِقَوْمِي لِلْخَيالِ المُشَوِّقِ ∗∗∗ ولِلدّارِ تَنْأى بِالحَبِيبِ ونَلْتَقِي وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ السِّحْرَ الَّذِي جاءَ بِهِ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ تَخْيِيلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ في نَفْسِ الأمْرِ. وهَذا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ ”طه“ هَذِهِ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ ”الأعْرافِ“ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم خَيَّلُوا لِأعْيُنِ النّاظِرِينَ أمْرًا لا حَقِيقَةَ لَهُ. وبِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ احْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ ومَن قالَ بِقَوْلِهِمْ عَلى أنَّ السِّحْرَ خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. والتَّحْقِيقُ الَّذِي عَلَيْهِ جَماهِيرُ العُلَماءِ مِنَ المُسْلِمِينَ: أنَّ السِّحْرَ مِنهُ ما هو أمْرٌ لَهُ حَقِيقَةٌ لا مُطْلَقَ تَخْيِيلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنهُ ما لَهُ حَقِيقَةٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ شَيْءٌ مَوْجُودٌ لَهُ حَقِيقَةٌ تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ الرَّجُلِ وامْرَأتِهِ وقَدْ عَبَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِما المَوْصُولَةِ وهي تَدُلُّ عَلى أنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وُجُودٌ حَقِيقِيٌّ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] يَعْنِي السَّواحِرَ اللّاتِي يَعْقِدْنَ في سِحْرِهِنَّ ويَنْفُثْنَ في عُقَدِهِنَّ. فَلَوْلا أنَّ السِّحْرَ حَقِيقَةٌ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ أنَّ السِّحْرَ أنْواعٌ: مِنها ما هو أمْرٌ لَهُ حَقِيقَةٌ، ومِنها ما هو تَخْيِيلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ عَدَمُ التَّعارُضِ بَيْنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ لَهُ حَقِيقَةً، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ خَيالٌ. (p-٣٦)فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ في ”طه“: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ﴾ [طه: ٦٦]، وقَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] الدّالّانِ عَلى أنَّ سِحْرَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، يُعارِضُهُما قَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] لِأنَّ وصْفَ سِحْرِهِمْ بِالعِظَمِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ خَيالٍ. فالَّذِي يَظْهَرُ في الجَوابِ، واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهم أخَذُوا كَثِيرًا مِنَ الحِبالِ، والعِصِيِّ، وخَيَّلُوا بِسِحْرِهِمْ لِأعْيُنِ النّاسِ أنَّ الحِبالَ، والعِصِيَّ تَسْعى وهي كَثِيرَةٌ. فَظَنَّ النّاظِرُونَ أنَّ الأرْضَ مُلِئَتْ حَيّاتٍ تَسْعى، لِكَثْرَةِ ما ألْقَوْا مِنَ الحِبالِ، والعِصِيِّ فَخافُوا مِن كَثْرَتِها، وبِتَخْيِيلِ سَعْيِ ذَلِكَ العَدَدِ الكَثِيرِ وصَفَ سِحْرَهم بِالعِظَمِ. وهَذا ظاهِرٌ لا إشْكالَ فِيهِ. وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهم جَعَلُوا الزِّئْبَقَ عَلى الحِبالِ، والعِصِيِّ، فَلَمّا أصابَها حُرُّ الشَّمْسِ تَحَرَّكَ الزِّئْبَقُ فَحَرَّكَ الحِبالَ، والعِصِيَّ، فَخُيِّلَ لِلنّاظِرِينَ أنَّها تَسْعى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا، مَعَ كُلِّ ساحِرٍ مِنهم حِبالٌ وعِصِيٌّ. وقِيلَ: كانُوا أرْبَعَمِائَةٍ. وقِيلَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا. وقِيلَ أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا. وقالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا. وقِيلَ: كانُوا مُجْمِعِينَ عَلى رَئِيسٍ يُقالُ لَهُ شَمْعُونُ. وقِيلَ: كانَ اسْمُهُ يُوحَنّا مَعَهُ اثْنا عَشَرَ نَقِيبًا، مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ عِشْرُونَ عَرِيفًا، مَعَ كُلِّ عَرِيفٍ ألْفُ ساحِرٍ. وقِيلَ: كانُوا ثَلاثَمِائَةِ ألْفِ ساحِرٍ مِنَ الفَيُّومِ، وثَلاثَمِائَةِ ألْفِ ساحِرٍ مِنَ الصَّعِيدِ وثَلاثَمِائَةِ ألْفِ ساحِرٍ مِنَ الرِّيفِ فَصارُوا تِسْعَمِائَةِ ألْفٍ، وكانَ رَئِيسُهم أعْمى ا ه. وهَذِهِ الأقْوالُ مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ، ونَحْنُ نَتَجَنَّبُها دائِمًا، ونُقَلِّلُ مِن ذِكْرِها، ورُبَّما ذَكَرْنا قَلِيلًا مِنها مُنَبِّهِينَ عَلَيْهِ.

طه 20:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وهِشامُ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُخَفَّفَةٍ بَعْدَها لامٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ قافٌ مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ بَعْدَها فاءٌ ساكِنَةٌ، وهو مُضارِعُ تَلْقَفُ وأصْلُهُ تَتَلَقَّفُ بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: وَما بِتاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلى تا كَتَبَيُّنِ العِبَرْ والمُضارِعَ مَجْزُومٌ، لِأنَّهُ جَزاءُ الطَّلَبِ في قَوْلِهِ وألْقِ وجُمْهُورُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ عَلى أنَّ الجَزْمَ في نَحْوِ ذَلِكَ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الطَّلَبِ، وتَقْدِيرُهُ هُنا: إنْ تُلْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ كالقِراءَةِ الَّتِي ذَكَرْنا، إلّا أنَّهُ يُشَدِّدُ (p-٣٧)تاءَ تَلْقَفُ وصْلًا. ووَجْهُ تَشْدِيدِ التّاءِ هو إدْغامُ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى، وهو جائِزٌ في كُلِّ فِعْلٍ بُدِئَ بِتاءَيْنِ كَما هُنا، وأشارَ إلَيْهِ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَحَيِيَ افْكُكْ وادَّغِمْ دُونَ حَذَرَ كَذاكَ نَحْوُ تَتَجَلّى واسْتَتِرْ وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ أوَّلُهُ نَحْوَ ”تَتَجَلّى“ ومِثالُهُ في الماضِي قَوْلُهُ: ؎تُولِي الضَّجِيجَ إذا ما التَذَّها خَصْرًا ∗∗∗ عَذْبَ المَذاقِ إذا ما اتّابَعَ القُبَلَ أصْلُهُ تَتابَعَ، وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ كالقِراءَةِ المَذْكُورَةِ لِلْجُمْهُورِ إلّا أنَّهُ يَضُمُّ الفاءَ، فالمُضارِعُ عَلى قِراءَتِهِ مَرْفُوعٌ، ووَجْهُ رَفْعِهِ أنَّ جُمْلَةَ الفِعْلِ حالٌ، أيْ: ألْقِ بِما في يَمِينِكَ في حالِ كَوْنِها مُتَلَقِّفَةً ما صَنَعُوا. أوْ مُسْتَأْنِفَةً، وعَلَيْهِ فَهي خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَهي تَلْقَفُ ما صَنَعُوا. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ تَلْقَفْ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ وفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً مَعَ الجَزْمِ، مُضارِعُ لَقِفَهُ بِالكَسْرِ يَلْقَفُهُ بِالفَتْحِ ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، لِأنَّ مَعْنى تَلَقَّفَهُ ولَقِفَهُ إذا تَناوَلَهُ بِسُرْعَةٍ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ أنَّها تَبْتَلِعُ كُلَّ ما زَوَّرُوهُ وافْتَعَلُوهُ مِنَ الحِبالِ، والعِصِيِّ الَّتِي خَيَّلُوا لِلنّاسِ أنَّها تَسْعى وصُنْعُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما صَنَعُوا﴾ واقِعٌ في الحَقِيقَةِ عَلى تَخْيِيلِهِمْ إلى النّاسِ بِسِحْرِهِمْ أنَّ الحِبالَ والعِصِيَّ تَسْعى، لا عَلى نَفْسِ الحِبالِ، والعَصِيِّ لِأنَّها مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ كائِنًا ما كانَ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا هُنا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن كَوْنِهِ أمَرَ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُلْقِيَ ما في يَمِينِهِ أيْ: يَدِهِ اليُمْنى، وهو عَصاهُ فَإذا هي تَبْتَلِعُ ما يَأْفِكُونَ مِنَ الحِبالِ، والعِصِيِّ الَّتِي خَيَّلُوا إلَيْهِ أنَّها تَسْعى أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٧ - ١١٩]، وقَوْلِهِ تَعالى في ”الشُّعَراءِ“: ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] فَذِكْرُ العَصا في ”الأعْرافِ، والشُّعَراءِ“ يُوَضِّحُ أنَّ المُرادَ بِما في يَمِينِهِ في ”طه“ أنَّهُ عَصاهُ كَما لا يَخْفى. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ما يَأْفِكُونَ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ ويَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ، وهو زَعْمُهم أنَّ الحِبالَ، والعِصِيَّ تَسْعى حَقِيقَةً، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: أفَكَهُ عَنْ شَيْءٍ يَأْفِكُهُ عَنْهُ (مِن بابِ ضَرَبَ): إذا صَرَفَهُ عَنْهُ وقَلَبَهُ. فَأصْلُ الأفْكِ بِالفَتْحِ (p-٣٨)القَلْبُ والصَّرْفُ عَنِ الشَّيْءِ. ومِنهُ قِيلَ لِقُرى قَوْمِ لُوطٍ والمُؤْتَفِكاتِ. لِأنَّ اللَّهَ أفَكَها أيْ: قَلَبَها. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا﴾ [الحجر: ٧٤] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أيْ: يُصْرَفُ عَنْهُ مَن صُرِفَ، وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ [الأحقاف: ٢٢] أيْ: لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها، وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ أُذَيْنَةَ: ؎إنْ تَكُ عَنْ أحْسَنِ المُرُوءَةِ ∗∗∗ مَأْفُوكًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا وَأكْثَرُ اسْتِعْمالِ هَذِهِ المادَّةِ في الكَذِبِ لِأنَّهُ صَرْفٌ وقَلْبٌ لِلْأمْرِ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِالكَذِبِ، والِافْتِراءِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ ”ما“ مَوْصُولَةٌ وهي اسْمُ ”إنَّ“، و ”كَيْدُ“ خَبَرُها، والعائِدُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ. عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: . . . . . . . . . . . . . ؎والحَذْفُ عِنْدَهم كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عائِدٍ مُتَّصِلٍ إنِ انْتَصَبْ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ كَمَن نَرْجُو يَهَبْ والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ كَيْدُ ساحِرٍ. وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ كَيْدُ ساحِرٍ بِالنَّصْبِ فَـ ”ما“ كافَّةٌ و ”كَيْدُ“ مَفْعُولُ ”صَنَعُوا“ ولَيْسَتْ سَبْعِيَّةً، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ ”كَيْدُ سِحْرٍ“ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ، فالظّاهِرُ أنَّ الإضافَةَ بَيانِيَّةٌ. لِأنَّ الكَيْدَ المُضافَ إلى السِّحْرِ هو المُرادُ بِالسِّحْرِ. وقَدْ بَسَطْنا الكَلامَ في نَحْوِ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. والكَيْدُ: هو المَكْرُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾. وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ أنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ. لِأنَّهُ يَنْحَلُّ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمانٍ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ عَنْ مَصْدَرٍ وزَمانٍ ونِسْبَةٍ. فالمَصْدَرُ كامِنٌ في مَفْهُومِهِ إجْماعًا، وهَذا المَصْدَرُ الكامِنُ في مَفْهُومِ الفِعْلِ في حُكْمِ النَّكِرَةِ فَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلى النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ وهي صِيغَةُ عُمُومٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ. فَظَهَرَ أنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، وكَذَلِكَ الفِعْلُ في سِياقِ الشَّرْطِ. لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ الشَّرْطِ أيْضًا صِيغَةُ عُمُومٍ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ أوِ الشَّرْطِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، خِلافًا لِبَعْضِهِمْ فِيما إذا لَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ المَذْكُورُ بِمَصْدَرٍ. فَإنْ أُكِّدَ بِهِ فَهو (p-٣٩)صِيغَةُ عُمُومٍ بِلا خِلافٍ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى صِيَغَ العُمُومِ: ؎وَنَحْوَ لا شَرِبْتُ أوْ إنْ شَرِبا واتَّفَقُوا إنْ مَصْدَرًا قَدْ جَلَبا والتَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّها لا تَخْتَصُّ بِالفِعْلِ المُتَعَدِّي دُونَ اللّازِمِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ التَّأْكِيدِ بِالمَصْدَرِ وعَدَمِهِ. لِإجْماعِ النُّحاةِ عَلى أنَّ ذِكْرَ المُصْدَرِ بَعْدَ الفِعْلِ تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ، والتَّأْكِيدُ لا يَنْشَأُ بِهِ حُكْمٌ، بَلْ هو مُطْلَقُ تَقْوِيَةً لِشَيْءٍ ثابِتٍ قَبْلَ ذَلِكَ كَما هو مَعْرُوفٌ. وخِلافُ العُلَماءِ في عُمُومِ الفِعْلِ المَذْكُورِ هَلْ هو بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ أوِ الِالتِزامِ مَعْرُوفٌ. وإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ الآيَةَ. يَعُمُّ نَفْيُ جَمِيعِ أنْواعِ الفَلاحِ عَنِ السّاحِرِ، وأكَدَّ ذَلِكَ بِالتَّعْمِيمِ في الأمْكِنَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَيْثُ أتى﴾ وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى كُفْرِهِ. لِأنَّ الفَلّاحَ لا يُنْفى بِالكُلِّيَّةِ نَفْيًا عامًّا إلّا عَمَّنْ لا خَيْرَ فِيهِ وهو الكافِرُ. ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أمْرانِ: الأوَّلُ هو ما جاءَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ السّاحِرَ كافِرٌ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٢] . فَقَوْلُهُ ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ ساحِرًا وحاشاهُ مِن ذَلِكَ لَكانَ كافِرًا. وقَوْلُهُ ﴿وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ صَرِيحٌ في كُفْرِ مُعَلِّمِ السِّحْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ هارُوتَ ومارُوتَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أيْ: مِن نَصِيبٍ، ونَفِيُ النَّصِيبِ في الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ لا يَكُونُ إلّا لِلْكافِرِ عِياذًا بِاللَّهِ تَعالى. وهَذِهِ الآياتُ أدِلَّةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ مِنَ السِّحْرِ ما هو كُفْرٌ بَواحٌ، وذَلِكَ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ. الأمْرُ الثّانِي أنَّهُ عَرَفَ بِاسْتِقْراءِ القُرْآنِ أنَّ الغالِبَ فِيهِ أنَّ لَفْظَةَ لا يُفْلِحُ يُرادُ بِها الكافِرُ، • كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”يُونُسَ“: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٨ - ٧٠]، • وقَوْلِهِ في ”يُونُسَ“ أيْضًا: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧]، • وقَوْلِهِ (p-٤٠)فِي ”الأنْعامِ“: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَيُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ مُخالَفَةِ الآياتِ المَذْكُورَةِ: أنَّ مِن جانِبِ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي اسْتَوْجَبَتْ نَفْيَ الفَلاحِ عَنِ السَّحَرَةِ، والكَفَرَةِ غَيْرِهِمْ أنَّهُ يَنالُ الفَلاحَ، وهو كَذَلِكَ، كَما بَيَّنَهُ جَلَّ وعَلا في آياتٍ كَثِيرَةٍ. كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ مُضارِعُ أفْلَحَ بِمَعْنى نالَ الفَلاحَ. والفَلاحُ يُطْلَقُ في العَرَبِيَّةِ عَلى الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ. ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎فاعْقِلِي إنْ كُنْتِ لَمّا تَعْقِلِي ∗∗∗ ولَقَدْ أفْلَحَ مَن كانَ عَقَلْ فَقَوْلُهُ ”وَلَقَدْ أفْلَحَ مَن كانَ عَقَلَ“ يَعْنِي أنَّ مَن رَزَقَهُ اللَّهُ العَقْلَ فازَ بِأكْبَرِ مَطْلُوبٍ. ويُطْلَقُ الفَلاحُ أيْضًا عَلى البَقاءِ، والدَّوامِ في النَّعِيمِ. ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎لَوْ أنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الفَلاحِ ∗∗∗ لَنالَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ فَقَوْلُهُ ”مُدْرِكُ الفَلاحِ“ يَعْنِي البَقاءَ. وقَوْلُ الأضْبَطِ بْنِ قُرَيْعٍ السَّعْدِيِّ، وقِيلَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: ؎لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ∗∗∗ والمُسْيُ والصُّبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ عَنى أنَّهُ لَيْسَ مَعَ تَعاقُبِ اللَّيْلِ، والنَّهارِ بَقاءٌ. وبِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ فَسَّرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ”حَيَّ عَلى الفَلّاحِ“ في الأذانِ، والإقامَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿حَيْثُ أتى﴾ حَيْثُ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى المَكانِ، كَما تَدُلُّ حِينًا عَلى الزَّمانِ، رُبَّما ضُمِّنَتْ مَعْنى الشَّرْطِ. فَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ أيْ: حَيْثُ تَوَجَّهَ وسَلَكَ. وهَذا أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْمِيمُ. كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ مُتَّصِفٌ بِكَذا حَيْثُ سارَ، وأيَّةُ سَلَكَ، وأيْنَما كانَ. ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎بانَ الخَلِيطُ ولَمْ يَأْوُوا لِمَن تَرَكُوا ∗∗∗ وزَوَّدُوكَ اشْتِياقًا أيْةَ سَلَكُوا وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ أيْ: لا يَفُوزُ، ولا يَنْجُو حَيْثُ أتى مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: حَيْثُ احْتالَ. والمَعْنى في الآيَةِ هو (p-٤١)ما بَيَّنّا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ السِّحْرَ يُطْلَقُ في اللُّغَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَفِيَ سَبَبُهُ ولَطُفَ ودَقَّ. ولِذَلِكَ تَقُولُ العَرَبُ في الشَّيْءِ الشَّدِيدِ الخَفاءِ: أخْفى مِنَ السِّحْرِ. ومِنهُ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ الوَلِيدِ الأنْصارِيِّ: ؎جَعَلْتِ عَلاماتِ المَوَدَّةِ بَيْنَنا مَصائِدَ لَحْظٍ هُنَّ أخْفى مِنَ السِّحْرِ ؎فَأعْرِفُ مِنها الوَصْلَ في لِينِ طَرْفِها ∗∗∗ وأعْرِفُ مِنها الهَجْرَ في النَّظَرِ الشَّزْرِ وَلِهَذا قِيلَ لِمَلاحَةِ العَيْنَيْنِ: سِحْرٌ. لِأنَّها تُصِيبُ القُلُوبَ بِسِهامِها في خَفاءٍ. ومِنهُ قَوْلُ المَرْأةِ الَّتِي شَبَّبَتْ بِنَصْرِ بْنِ حَجّاجٍ السُّلَمِيِّ: ؎وانْظُرْ إلى السِّحْرِ يَجْرِي في لَواحِظِهِ ∗∗∗ وانْظُرْ إلى دَعَجٍ في طَرْفِهِ السّاجِي المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ السِّحْرَ في الِاصْطِلاحِ لا يُمْكِنُ حَدُّهُ بِحَدٍّ جامِعٍ مانِعٍ. لِكَثْرَةِ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ الدّاخِلَةِ تَحْتَهُ، ولا يَتَحَقَّقُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَها يَكُونُ جامِعًا لَها مانِعًا لِغَيْرِها. ومِن هُنا اخْتَلَفَتْ عِباراتُ العُلَماءِ في حَدِّهِ اخْتِلافًا مُتَبايِنًا. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الفَخْرَ الرّازِيَّ في تَفْسِيرِهِ قَسَّمَ السِّحْرَ إلى ثَمانِيَةِ أقْسامٍ: القِسْمُ الأوَّلُ: سِحْرُ الكِلْدانِيِّينَ، والكَسْدائِيِّينَ الَّذِينَ كانُوا في قَدِيمِ الدَّهْرِ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، ويَزْعُمُونَ أنَّها هي المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ، ومِنها تَصْدُرُ الخَيْراتُ، والشُّرُورُ، والسَّعادَةُ، والنُّحُوسَةُ، وهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبْطِلًا لِمَقالَتِهِمْ ورادًّا عَلَيْهِمْ. وقَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ كُفْرٌ بِلا خِلافٍ. لِأنَّهم كانُوا يَتَقَرَّبُونَ فِيهِ لِلْكَواكِبِ كَما يَتَقَرَّبُ المُسْلِمُونَ إلى اللَّهِ، ويَرْجُونَ الخَيْرَ مِن قِبَلِ الكَواكِبِ ويَخافُونَ الشَّرَّ مِن قِبَلِها كَما يَرْجُو المُسْلِمُونَ رَبَّهم ويَخافُونَهُ. فَهم كَفَرَةٌ يَتَقَرَّبُونَ إلى الكَواكِبِ في سِحْرِهِمْ بِالكُفْرِ البَواحِ. (p-٤٢)النَّوْعُ الثّانِي مِنَ السِّحْرِ: سِحْرُ أصْحابِ الأوْهامِ، والنُّفُوسِ القَوِيَّةِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى تَأْثِيرِ الوَهْمِ بِأنَّ الإنْسانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَمْشِيَ عَلى الجِسْرِ المَوْضُوعِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، ولا يُمْكِنُهُ المَشْيُ عَلَيْهِ إذا كانَ مَمْدُودًا عَلى نَهْرٍ أوْ نَحْوِهِ قالَ: وما ذاكَ إلّا أنَّ تَخَيُّلَ السُّقُوطِ مَتى قَوِيَ أوْجَبَهُ. وقالَ: واجْتَمَعَتِ الأطِبّاءُ عَلى نَهْيِ المَرْعُوفِ عَنِ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ الحُمْرِ، والمَصْرُوعِ عَنِ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ القَوِيَّةِ اللَّمَعانِ، والدَّوَرانِ. وما ذاكَ إلّا أنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مُطِيعَةً لِلْأوْهامِ. قالَ: وحَكى صاحِبُ الشِّفاءِ عَنْ أرِسْطُو في طَبائِعِ الحَيَوانِ: أنَّ الدَّجاجَةَ إذا تَشَبَّهَتْ كَثِيرًا بِالدِّيَكَةِ في الصَّوْتِ وفي الحِرابِ مَعَ الدِّيَكَةِ نَبَتَ عَلى ساقِها مِثْلُ الشَّيْءِ النّابِتِ عَلى ساقِ الدِّيكِ، قالَ: ثُمَّ قالَ صاحِبُ الشِّفاءِ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأحْوالَ الجُسْمانِيَّةَ تابِعَةٌ لِلْأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ. قالَ: واجْتَمَعَتِ الأُمَمُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ اللِّسانِيَّ الخالِيَ عَنِ الطَّلَبِ النَّفْسانِيِّ قَلِيلُ العَمَلِ عَدِيمُ الأثَرِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لِلْهِمَمِ والنُّفُوسِ آثارًا. . . إلى آخِرِ كَلامِهِ في هَذا النَّوْعِ مِن أنْواعِ السِّحْرِ، وقَدْ أطالَ فِيهِ الكَلامَ. وَمَعْلُومٌ أنَّ النُّفُوسَ الخَبِيثَةَ لَها آثارٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، ومِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «العَيْنُ حَقٌّ ولَوْ كانَ شَيْءٌ سابِقٌ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ» . وهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هِمَّةَ العائِنِ وقُوَّةَ نَفْسِهِ في الشَّرِّ جَعَلَها اللَّهُ سَبَبًا لِلتَّأْثِيرِ في المُصابِ بِالعَيْنِ. وَقالَ الرّازِيُّ في هَذا النَّوْعِ مِن أنْواعِ السِّحْرِ: إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النُّفُوسُ الَّتِي تَفْعَلُ هَذِهِ الأفاعِيلَ قَدْ تَكُونُ قَوِيَّةً جِدًّا فَتَسْتَغْنِي في هَذِهِ الأفْعالِ عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِالآلاتِ، والأدَواتِ، وقَدْ تَكُونُ ضَعِيفَةً فَتَحْتاجُ إلى الِاسْتِعانَةِ بِهَذِهِ الآلاتِ. وتَحْقِيقُهُ: أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مُسْتَعْلِيَةً عَلى البَدَنِ شَدِيدَةَ الِانْجِذابِ إلى عالَمِ السَّماءِ كانَتْ كَأنَّها رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، فَكانَتْ قَوِيَّةً عَلى التَّأْثِيرِ في مَوادِّ هَذا العالَمِ، أمّا إذا كانَتْ ضَعِيفَةً شَدِيدَةَ التَّعَلُّقِ بِهَذِهِ الذّاتِ البَدَنِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لَها تَصَرُّفٌ البَتَّةَ إلّا في هَذا البَدَنِ. إلى آخِرِ كَلامِهِ. ولا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن نَظَرَهُ. وَقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ بَعْدَ أنْ ساقَ كَلامَ الرّازِيِّ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا ما نَصُّهُ: ثُمَّ أرْشَدَ إلى مُداواةِ هَذا الدّاءِ بِتَقْلِيلِ الغِذاءِ، والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ. قُلْتُ: وهَذا الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ هو التَّصَرُّفُ بِالحالِ وهو عَلى قِسْمَيْنِ: تارَةً يَكُونُ حالًا صَحِيحَةً شَرْعِيَّةً، يَتَصَرَّفُ بِها فِيما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ ﷺ، ويَتْرُكُ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ورَسُولُهُ ﷺ: فَهَذِهِ الأحْوالُ مَواهِبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكَراماتٌ لِلصّالِحِينَ مِن هَذِهِ (p-٤٣)الأُمَّةِ، ولا يُسَمّى هَذا سِحْرًا في الشَّرْعِ. وتارَةً تَكُونُ الحالُ فاسِدَةً لا يَمْتَثِلُ صاحِبُها ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورَسُولُهُ ﷺ ولا يَتَصَرَّفُ بِها في ذَلِكَ. فَهَذِهِ حالُ الأشْقِياءِ المُخالِفِينَ لِلشَّرِيعَةِ، ولا يَدُلُّ إعْطاءُ اللَّهِ إيّاهم هَذِهِ الأحْوالِ عَلى مَحَبَّتِهِ لَهم. كَما أنَّ الدَّجّالَ لَهُ مِن خَوارِقِ العاداتِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الكَثِيرَةُ، مَعَ أنَّهُ مَذْمُومٌ شَرْعًا لَعَنَهُ اللَّهُ. وكَذَلِكَ مَن شابَهَهُ مِن مُخالِفِي الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. النَّوْعُ الثّالِثُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ المَذْكُورَةِ: الِاسْتِعانَةُ بِالأرْواحِ الأرْضِيَّةِ، يَعْنِي تَسْخِيرَ الجِنِّ واسْتِخْدامَهم. قالَ: واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِالجِنِّ مِمّا أنْكَرَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ الفَلاسِفَةِ، والمُعْتَزِلَةِ. أمّا أكابِرُ الفَلاسِفَةِ فَلَمْ يُنْكِرُوا القَوْلَ بِها. إلّا أنَّهم سَمَّوْها بِالأرْواحِ الأرْضِيَّةِ. والجِنُّ المَذْكُورُونَ قِسْمانِ: مُؤْمِنُونَ، وكافِرُونَ وهُمُ الشَّياطِينُ. قالَ الرّازِيُّ في كَلامِهِ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ: واتِّصالُ النُّفُوسِ النّاطِقَةِ بِها أسْهَلُ مِنِ اتِّصالِها بِالأرْواحِ السَّماوِيَّةِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ، والقُرْبِ. ثُمَّ إنَّ أصْحابَ الصَّنْعَةِ وأصْحابَ التَّجْرِبَةِ شاهَدُوا بِأنَّ الِاتِّصالَ بِهَذِهِ الأرْواحِ الأرْضِيَّةِ يَحْصُلُ بِأعْمالٍ سَهْلَةٍ مِنَ الرُّقى، والدَّخْنِ، والتَّجْرِيدِ. وهَذا النَّوْعُ هو المُسَمّى بِالعَزائِمِ، وعَمَلِ تَسْخِيرِ الجِنِّ. وقَدْ أطالَ الرّازِيُّ أيْضًا الكَلامَ في هَذا النَّوْعِ مِن أنْواعِ السِّحْرِ. النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ: هو التَّخَيُّلاتُ، والأخْذُ بِالعُيُونِ. ومَبْنى هَذا النَّوْعِ مِنهُ عَلى أنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ قَدْ تَرى الشَّيْءَ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ في الحَقِيقَةِ لِبَعْضِ الأسْبابِ العارِضَةِ. ولِأجْلِ هَذا كانَتِ أغْلاطُ البَصَرِ كَثِيرَةً. ألا تَرى أنَّ راكِبَ السَّفِينَةِ إذا نَظَرَ إلى الشَّطِّ رَأى السَّفِينَةَ واقِفَةً، والشَّطَّ مُتَحَرِّكًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السّاكِنَ يُرى مُتَحَرِّكًا. والمُتَحَرِّكُ ساكِنًا. والقَطْرَةُ النّازِلَةُ تُرى خَطًّا مُسْتَقِيمًا. إلى آخِرِ كَلامِ الرّازِيِّ. وقَدْ أطالَ الكَلامَ أيْضًا في هَذا النَّوْعِ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ مُخْتَصِرًا كَلامَ الرّازِيِّ المَذْكُورَ: ومَبْناهُ عَلى أنَّ البَصَرَ قَدْ يُخْطِئُ ويَشْتَغِلُ بِالشَّيْءِ المُعَيَّنِ دُونَ غَيْرِهِ. ألا تَرى ذا الشَّعْبَذَةِ الحاذِقَ يُظْهِرُ عَمَلَ شَيْءٍ يُذْهِلُ أذْهانَ النّاظِرِينَ بِهِ، ويَأْخُذُ عُيُونَهم إلَيْهِ، حَتّى إذا اسْتَغْرَقَهُمُ الشُّغْلُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ بِالتَّحْدِيقِ ونَحْوِهِ عَمِلَ شَيْئًا آخَرَ عَمَلًا بِسُرْعَةٍ شَدِيدَةٍ، وحِينَئِذٍ، يَظْهَرُ لَهم شَيْءٌ غَيْرُ ما انْتَظَرُوهُ فَيَتَعَجَّبُونَ مِنهُ جِدًّا، ولَوْ أنَّهُ سَكَتَ ولَمْ يَتَكَلَّمْ بِما (p-٤٤)يَصْرِفُ الخَواطِرَ إلى ضِدِّ ما يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَهُ، ولَمْ تَتَحَرَّكِ النُّفُوسُ والأوْهامُ إلى غَيْرِ ما يُرِيدُ إخْراجَهُ لَفَطِنَ النّاظِرُونَ لِكُلِّ ما يَفْعَلُهُ. قالَ: وكُلَّما كانَتِ الأحْوالُ تُفِيدُ حِسَّ البَصَرِ نَوْعًا مِن أنْواعِ الخَلَلِ أشَدَّ، كانَ العَمَلُ أحْسَنَ. مِثْلَ أنْ يَجْلِسَ المُشَعْبِذُ في مَوْضِعٍ مُضِيءٍ جِدًّا أوْ مُظْلِمٍ، فَلا تَقِفُ القُوَّةُ النّاظِرَةُ عَلى أحْوالِها، والحالَةُ هَذِهِ. ا ه مِنهُ. وَلا يَخْفى أنْ يَكُونَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِن هَذا النَّوْعِ. فَهو تَخْيِيلٌ وأخْذٌ بِالعُيُونِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] فَإطْلاقُ التَّخْيِيلِ في الآيَةِ عَلى سِحْرِهِمْ نَصٌّ صَرِيحٌ في ذَلِكَ. وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] . لِأنَّ إيقاعَ السِّحْرِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ في الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أعْيُنَهم تَخَيَّلَتْ غَيْرَ الحَقِيقَةِ الواقِعَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. النَّوْعُ الخامِسُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ: الأعْمالُ العَجِيبَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِن تَرْكِيبِ الآلاتِ المُرَكَّبَةِ عَلى النِّسَبِ الهَنْدَسِيَّةِ، كَفارِسٍ عَلى فَرَسٍ في يَدِهِ بُوقٌ، كُلَّما مَضَتْ ساعَةٌ مِنَ النَّهارِ ضَرَبَ بِالبُوقِ مِن غَيْرِ أنْ يَمَسَّهُ أحَدٌ. ومِنها الصُّوَرُ الَّتِي يُصَوِّرُها الرُّومُ، والهِنْدُ حَتّى لا يُفَرِّقَ النّاظِرُ بَيْنَها وبَيْنَ الإنْسانِ، حَتّى إنَّهم يُصَوِّرُونَها ضاحِكَةً وباكِيَةً، حَتّى يُفَرِّقَ فِيها بَيْنَ ضَحِكِ السُّرُورِ، وبَيْنَ ضَحِكِ الخَجَلِ، وضَحِكِ الشّامِتِ. فَهَذِهِ الوُجُوهُ مِن لَطِيفِ أُمُورِ المَخايِلِ. قالَ الرّازِيُّ: وكانَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِن هَذا الضَّرْبِ. ومِن هَذا البابِ تَرْكِيبُ صُنْدُوقِ السّاعاتِ. ويَنْدَرِجُ في هَذا البابِ عِلْمُ جَرِّ الأثْقالِ، وهو أنْ يَجُرَّ ثَقِيلًا عَظِيمًا بِآلَةٍ خَفِيفَةٍ سَهْلَةٍ، وهَذا في الحَقِيقَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ مِن بابِ السِّحْرِ لِأنَّ لَها أسْبابًا مَعْلُومَةً نَفِيسَةً، مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْها قَدِرَ عَلَيْها، إلّا أنَّ الِاطِّلاعَ عَلَيْها لَمّا كانَ عَسِيرًا عَدَّ أهْلُ الظّاهِرِ ذَلِكَ مِن بابِ السِّحْرِ لِخَفاءِ مَأْخَذِهِ ا ه. وَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ الرّازِيَّ يَرى أنَّ سِحْرَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِن هَذا النَّوْعِ الأخِيرِ، لِأنَّ السَّحَرَةَ جَعَلُوا الزِّئْبَقَ عَلى الحِبالِ، والعِصِيِّ فَحَرَّكَتْهُ حَرارَةُ الشَّمْسِ فَتَحَرَّكَتِ الحِبالُ والعِصِيُّ فَظَنُّوا أنَّها حَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ. والَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي قَبْلَهُ كَما قَدَّمْنا، ولا مانِعَ مِن أنْ يَتَوارَدَ نَوْعانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ فَيَكُونُ داخِلًا في هَذا وفي هَذا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ كَلامَ الرّازِيِّ الَّذِي ذَكَرْنا في هَذا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ. قُلْتُ: ومِن هَذا القَبِيلِ حِيَلُ النَّصارى عَلى عامَّتِهِمْ بِما يُرُونَهم إيّاهُ مِنَ الأنْوارِ، كَقَضِيَّةِ قُمامَةِ الكَنِيسَةِ الَّتِي لَهم بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وما يَحْتالُونَ بِهِ مِن إدْخالِ النّارِ خُفْيَةً إلى (p-٤٥)الكَنِيسَةِ، وإشْعالِ ذَلِكَ القِنْدِيلِ بِصَنْعَةٍ لَطِيفَةٍ تُرَوَّجُ عَلى الطَّغامِ مِنهم، وأمّا الخَواصُّ مِنهم فَمُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، ولَكِنْ يَتَأوَّلُونَ أنَّهم يَجْمَعُونَ شَمْلَ أصْحابِهِمْ عَلى دِينِهِمْ، فَيَرَوْنَ ذَلِكَ سائِغًا لَهم، وفِيهِمْ شُبَهٌ مِنَ الجَهَلَةِ الأغْبِياءِ مِن مُتَعَبِّدِي الكَرّامِيَّةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ جَوازَ وضْعِ الأحادِيثِ في التَّرْغِيبِ، والتَّرْهِيبِ، فَيَدْخُلُونَ في عِدادِ مَن قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ ”»، وقَوْلُهُ:“ «حَدِّثُوا عَنِّي، ولا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإنَّهُ مَن يَكْذِبُ عَلَيَّ يَلِجُ النّارَ» . ثُمَّ ذَكَرَها هُنا - يَعْنِي الرّازِيَّ - حِكايَةً عَنْ بَعْضِ الرُّهْبانِ، وهي أنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ طائِرٍ حَزِينِ الصَّوْتِ، ضَعِيفِ الحَرَكَةِ، فَإذا سَمِعَتْهُ الطُّيُورُ تَرِقُّ لَهُ فَتُذْهِبُ في وكْرِهِ مِن ثَمَرِ الزَّيْتُونِ لِيَتَبَلَّغَ بِهِ، فَعَمَدَ هَذا الرّاهِبُ إلى صَنْعَةِ طائِرٍ عَلى شَكْلِهِ وتَوَصَّلَ إلى أنْ جَعَلَهُ أجْوَفًا، فَإذا دَخَلَتْهُ الرِّيحُ سُمِعَ مِنهُ صَوْتٌ كَصَوْتِ ذَلِكَ الطّائِرِ. وانْقَطَعَ في صَوْمَعَةٍ ابْتَناها، وزَعَمَ أنَّها عَلى قَبْرِ بَعْضِ صالِحِيهِمْ، وعَلَّقَ ذَلِكَ الطّائِرَ في مَكانٍ مِنها، فَإذا كانَ زَمانُ الزَّيْتُونِ فَتَحَ بابًا مِن ناحِيَتِهِ فَتَدْخُلُ الرِّيحُ إلى داخِلِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَيَسْمَعُ صَوْتَها كُلُّ طائِرٍ في شَكْلِهِ أيْضًا، فَتَأْتِي الطُّيُورُ فَتَحْمِلُ مِنَ الزَّيْتُونِ شَيْئًا كَثِيرًا فَلا تَرى النَّصارى إلّا ذَلِكَ الزَّيْتُونَ في هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ، ولا يَدْرُونَ ما سَبَبُهُ. فَفَتَنَهم بِذَلِكَ وأوْهَمَهم أنَّ هَذا مِن كَراماتِ صاحِبِ ذَلِكَ القَبْرِ، عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ المُتَتابِعَةُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. وَذَكَرَ الرّازِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي نَقَلَها عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ: أنَّ ذَلِكَ الطّائِرَ المَذْكُورَ يُسَمّى البَراصِلَ، وأنَّ الَّذِي عَمِلَ صُورَتَهُ يُسَمّى أرْجِعْيانُوسَ المُوسِيقارَ، وأنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ عَلى هَيْكَلِ أُورَشْلِيمَ العَتِيقِ عِنْدَ تَجْدِيدِهِ إيّاهُ، وأنَّ الَّذِي قامَ بِعِمارَةِ ذَلِكَ الهَيْكَلِ أوَّلًا أُسْطَرْخَسُ النّاسِكُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: وهَذا النَّوْعُ الخامِسُ الَّذِي عَدَّهُ الرّازِيُّ مِن أنْواعِ السِّحْرِ، الَّذِي هو الأعْمالُ العَجِيبَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِن تَرْكِيبِ الآلاتِ المُرَكَّبَةِ عَلى النِّسَبِ الهَنْدَسِيَّةِ. . . إلَخْ لا يَنْبَغِي عَدُّهُ اليَوْمَ مِن أنْواعِ السِّحْرِ. لِأنَّ أسْبابَهُ صارَتْ واضِحَةً مُتَعارَفَةً عِنْدَ النّاسِ، بِسَبَبِ تَقَدُّمِ العِلْمِ المادِّيِّ. والواضِحُ الَّذِي صارَ عادِيًّا لا يَدْخُلُ في حَدِّ السِّحْرِ، وقَدْ كانَتْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ خَفِيَّةَ الأسْبابِ فَصارَتِ اليَوْمَ ظاهِرَتَها جِدًّا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. النَّوْعُ السّادِسُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ: الِاسْتِعانَةُ بِخَواصِّ الأدْوِيَةِ، مِثْلَ أنْ يَجْعَلَ في طَعامِهِ بَعْضَ الأدْوِيَةِ المُبَلِّدَةِ المُزِيلَةِ لِلْعَقْلِ، والدَّخَنَ المُسْكِرَةَ نَحْوَ دِماغِ الحِمارِ إذا تَناوَلَهُ (p-٤٦)الإنْسانُ تَبَلَّدَ عَقْلُهُ، وقَلَّتْ فِطْنَتُهُ، قالَهُ الرّازِيُّ. ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِ الخَواصِّ: فَإنَّ أثَرَ المِغْناطِيسِ مُشاهَدٌ إلّا أنَّ النّاسَ قَدْ أكْثَرُوا فِيهِ وخَلَطُوا الصِّدْقَ بِالكَذِبِ، والباطِلَ بِالحَقِّ. ا ه كَلامُ الرّازِيِّ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ نَقْلًا عَنِ الرّازِيِّ: قُلْتُ: يَدْخُلُ في هَذا القَبِيلِ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الفَقْرَ، ويَتَحَيَّلُ عَلى جَهَلَةِ النّاسِ بِهَذِهِ الخَواصِّ مُدَّعِيًا أنَّها أحْوالٌ لَهُ مِن مُخالَطَةِ النِّيرانِ ومَسْكِ الحَيّاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُحاوَلاتِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. النَّوْعُ السّابِعُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ المَذْكُورِ: تَعْلِيقُ القَلْبِ، وهو أنْ يَدَّعِيَ السّاحِرُ أنَّهُ قَدْ عَرَفَ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وأنَّ الجِنَّ يُطِيعُونَ ويَنْقادُونَ لَهُ في أكْثَرِ الأحْوالِ: فَإذا اتَّفَقَ أنْ كانَ السّامِعُ لِذَلِكَ ضَعِيفَ العَقْلِ قَلِيلَ التَّمْيِيزِ اعْتَقَدَ أنَّهُ حَقٌّ: وتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِذَلِكَ: حَصَلَ في نَفْسِهِ نَوْعٌ مِنَ الرُّعْبِ، والمَخافَةِ: وإذا حَصَلَ الخَوْفُ ضَعُفَتِ القُوى الحَسّاسَةُ: فَحِينَئِذٍ يَتَمَكَّنُ السّاحِرُ مِن أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ. قالَ الرّازِيُّ: وإنَّ مَن جَرَّبَ الأُمُورَ وعَرَفَ أحْوالَ أهْلِ العِلْمِ عَلِمَ أنَّ لِتَعَلُّقِ القَلْبِ أثَرًا عَظِيمًا في تَنْفِيذِ الأعْمالِ وإخْفاءِ الأسْرارِ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ نَقَلَ هَذا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ عَنِ الرّازِيِّ: هَذا النَّمَطُ يُقالُ لَهُ التَّنْبَلَةُ، وإنَّما يُرَوَّجُ عَلى ضُعَفاءِ العُقُولِ مِن بَنِي آدَمَ. وفي عِلْمِ الفِراسَةِ ما يُرْشِدُ إلى مَعْرِفَةِ كامِلِ العَقْلِ مِن ناقِصِهِ. فَإذا كانَ النَّبِيلُ حاذِقًا في عِلْمِ الفِراسَةِ عَرَفَ مَن يَنْقادُ لَهُ مِنَ النّاسِ مِن غَيْرِهِ. النَّوْعُ الثّامِنُ مِن أنْواعِ السِّحْرِ: السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ، والتَّضْرِيبُ مِن وُجُوهٍ لَطِيفَةٍ خَفِيَّةٍ وذَلِكَ شائِعٌ في النّاسِ ا ه. والتَّضْرِيبُ بَيْنَ القَوْمِ: إغْراءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أنْ نَقَلَ هَذا النَّوْعَ الأخِيرَ عَنِ الرّازِيِّ قُلْتُ: النَّمِيمَةُ عَلى قِسْمَيْنِ: تارَةً تَكُونُ عَلى وجْهِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ النّاسِ، وتَفْرِيقِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. فَهَذا حَرامٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَأمّا إنْ كانَتْ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وائْتِلافِ كَلِمَةِ المُسْلِمِينَ كَما جاءَ في الحَدِيثِ «لَيْسَ الكَذّابُ مَن يُنَمِّ خَيْرًا» أوْ يَكُونُ عَلى وجْهِ التَّخْذِيلِ، والتَّفْرِيقِ بَيْنَ جُمُوعِ الكَفَرَةِ، فَهَذا أمْرٌ مَطْلُوبٌ كَما جاءَ في الحَدِيثِ «الحَرْبُ خُدْعَةٌ»، وكَما فَعَلَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ في تَفْرِيقِهِ بَيْنَ كَلِمَةِ الأحْزابِ وبَيْنَ قُرَيْظَةَ، جاءَ إلى هَؤُلاءِ ونَمّى إلَيْهِمْ عَنْ هَؤُلاءِ، ونَقَلَ مِن هَؤُلاءِ إلى أُولَئِكَ شَيْئًا آخَرَ، ثُمَّ لَأمَ بَيْنَ ذَلِكَ فَتَناكَرَتِ النُّفُوسُ وافْتَرَقَتْ. وإنَّما يَحْذُو عَلى مِثْلِ هَذا الذَّكاءِ ذُو البَصِيرَةِ النّافِذَةِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ. (p-٤٧)ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: فَهَذِهِ جُمْلَةُ الكَلامِ في أقْسامِ السِّحْرِ وشَرْحِ أنْواعِهِ وأصْنافِهِ. قُلْتُ: وإنَّما أدْخَلَ كَثِيرًا مِن هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ في فَنِّ السِّحْرِ لِلَطافَةِ مَدارِكِها. لِأنَّ السِّحْرَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَمّا لَطُفَ وخَفِيَ سَبَبُهُ، ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا» وسُمِّيَ السَّحُورُ سَحُورًا لِكَوْنِهِ يَقَعُ خَفِيًّا آخِرَ اللَّيْلِ. والسِّحْرُ: الرِّئَةُ وهي مَحَلُّ الغِذاءِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِخَفائِها ولُطْفِ مَجارِيها إلى أجْزاءِ البَدَنِ وغُضُونِهِ، كَما قالَ أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ لِعُتْبَةَ: أنْتَفَخَ سِحْرُهُ ؟ أيْ: أنْتَفَخَتْ رِئَتُهُ مِنَ الخَوْفِ ؟ وَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي» . وقالَ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] أيْ: أخْفَوْا عَنْهم عَمَلَهم، انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. هَذا هو حاصِلُ الأقْسامِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي ذَكَرَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ انْقِسامَ السِّحْرِ إلَيْها. ولِأهْلِ العِلْمِ فِيهِ تَقْسِيماتٌ مُتَعَدِّدَةٌ يَرْجِعُ غالِبُها إلى هَذِهِ الأقْسامِ المَذْكُورَةِ وقَدْ قَسَّمَهُ الشَّيْخُ سَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحاجِّ إبْراهِيمَ العَلَوِيُّ الشَّنْقِيطِيُّ صاحِبُ التَّآلِيفِ العَدِيدَةِ المُفِيدَةِ في نَظْمِهِ المُسَمّى (رُشْدُ الغافِلِ) وشَرْحِهِ لَهُ، الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ أنْواعَ عُلُومِ الشَّرِّ لِتُتَّقى وتُجْتَنَبَ إلى أقْسامٍ مُتَعَدِّدَةٍ: (مِنها) قِسْمٌ يُسَمّى (بِالهِيمْياءِ) بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها مُثَنّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَمِيمٌ فَياءٌ بَعْدَها ألِفُ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةُ، عَلى وزْنِ كِبْرِياءَ. قالَ: وهو ما تَرَكَّبَ مِن خَواصٍّ سَماوِيَّةٍ تُضافُ لِأحْوالِ الأفْلاكِ، يَحْصُلُ لِمَن عُمِلَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ أُمُورٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ السَّحَرَةِ، وقَدْ يَبْقى لَهُ إدْراكٌ، وقَدْ يُسْلَبُهُ بِالكُلِّيَّةِ فَتَصِيرُ أحْوالُهُ كَحالاتِ النّائِمِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ، حَتّى يَتَخَيَّلَ مُرُورَ السِّنِينِ الكَثِيرَةِ في الزَّمَنِ اليَسِيرِ وحُدُوثَ الأوْلادِ وانْقِضاءَ الأعْمارِ، وغَيْرَ ذَلِكَ في ساعَةٍ ونَحْوِها مِنَ الزَّمَنِ اليَسِيرِ. ومَن لَمْ يُعْمَلْ لَهُ ذَلِكَ لا تَجِدُ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ. وهَذا تَخْيِيلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ اه. (ومِنها) نَوْعٌ يُسَمّى (بِالسِّيمْياءِ) بِكَسْرِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وبَقِيَّةُ حُرُوفِهِ كَحُرُوفِ ما قَبْلَهُ. قالَ: وهو عِبارَةٌ عَمّا تَرَكَّبَ مِن خَواصَّ أرْضِيَّةٍ كَدُهْنٍ خاصٍّ، أوْ مائِعاتٍ خاصَّةٍ يَبْقى مَعَها إدْراكٌ، وقَدْ يُسْلَبُ بِالكُلِّيَّةِ إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ في الهِيمْياءِ. (ومِنها): نَوْعٌ هو رُقًى ضارَّةٌ. قالَ: كَرُقى الجاهِلِيَّةِ وأهْلِ الهِنْدِ، ورُبَّما كانَتْ كُفْرًا. قالَ: ولِهَذا نَهى مالِكٌ عَنِ الرُّقى بِالعَجَمِيَّةِ. وقالَ ابْنُ زَكَرِيّا في شَرْحِ (النَّصِيحَةِ): ولا يُقالُ لِما يُحْدِثُ ضَرَرًا رُقًى، بَلْ ذَلِكَ يُقالُ لَهُ سِحْرٌ. (p-٤٨)(ومِنها): قِسْمٌ يُسَمّى خَصائِصُ بَعْضِ الحَقائِقِ الَّتِي لَها تَسَلُّطٌ عَلى النُّفُوسِ. كالمُشْطِ، والمُشاقَةِ وجَفُّ طَلْعِ الذَّكَرِ مِنَ النَّخْلِ، وقِصَّةُ جُعْلِ اليَهُودِيِّ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ لِما ذُكِرَ في سِحْرِهِ مَشْهُورَةٌ. وسَيَأْتِي إيضاحُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَمِن أمْثِلَةِ هَذا النَّوْعِ عِنْدَ أهْلِهِ: أنَّ بَعْضَ أنْواعِ الكِلابِ مِن شَأْنِهِ إذا رُمِيَ بِحَجَرٍ أنْ يَعَضَّهُ، فَإذا رُمِيَ بِسَبْعِ حِجارَةٍ وعَضَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها وطُرِحَتْ تِلْكَ الحِجارَةُ في ماءٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَإنَّ السَّحَرَةَ يَزْعُمُونَ أنْ تَظْهَرَ فِيهِ آثارٌ مَخْصُوصَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهم. قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعالى. (ومِنها): نَوْعٌ يُسَمّى (بِالطَّلاسِمِ) وهو عِبارَةٌ عَنْ نَقْشِ أسْماءٍ خاصَّةٍ لَها تَعَلُّقٌ بِالأفْلاكِ والكَواكِبِ عَلى زَعْمِ أهْلِها في جِسْمٍ مِنَ المَعادِنِ أوْ غَيْرِها، تَحْدُثُ بِها خاصِّيَّةٌ رُبِطَتْ في مَجارِي العاداتِ، ولا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِن نَفْسٍ صالِحَةٍ لِهَذِهِ الأعْمالِ. فَإنَّ بَعْضَ النُّفُوسِ لا تَجْرِي الخاصَّةُ المَذْكُورَةُ عَلى يَدِهِ. (ومِنها): نَوْعٌ يُسَمّى (بِالعَزائِمِ) وهم يَزْعُمُونَ أنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ المَلائِكَةِ أسْماءً أُمِرُوا بِتَعْظِيمِها، ومَتى أُقْسِمَ عَلَيْهِمْ بِها أطاعُوا وأجابُوا وفَعَلُوا ما طُلِبَ مِنهم ا هـ، ولا يَخْفى ما في هَذا الزَّعْمِ مِنَ الفَسادِ. (ومِنها): نَوْعٌ يُسَمُّونَهُ الِاسْتِخْدامَ لِلْكَواكِبِ، والجِنِّ. وأهْلُ الِاسْتِخْدَماتِ يَزْعُمُونَ أنَّ لِلْكَواكِبِ إدْراكاتٍ رُوحانِيَّةً. فَإذا قُوبِلَتَ الكَواكِبُ بِبَخُورٍ خاصٍّ ولِباسٍ خاصٍّ عَلى الَّذِي يُباشِرُ البَخُورَ، كانَتْ رُوحانِيَّةَ فَلَكِ الكَواكِبِ مُطِيعَةٌ لَهُ، مَتى ما أرادَ شَيْئًا فَعَلَتْهُ لَهُ عَلى زَعْمِهِمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى. وهَذا النَّوْعُ مِن سِحْرِ الكِلْدانِيِّينَ المُتَقَدِّمِ. وكَذَلِكَ مُلُوكُ الجانِّ يَزْعُمُونَ أنَّهم إذا عَمِلُوا لَهم أشْياءً خاصَّةً بِكُلِّ مَلِكٍ مِن مُلُوكِهِمْ أطاعُوا وفَعَلُوا لَهم ما أرادُوا. قالَ: وشُرُوطُ هَذِهِ الأُمُورِ مُسْتَوْعَبَةٌ في كُتُبِهِمْ. وذَكَرَ مِن عُلُومِ الشَّرِّ أنْواعًا كَثِيرَةً: كالخَطِّ، والأشْكالِ، والمَوالِدِ، والقُرْعَةِ، والفَأْلِ، وعِلْمِ الكَتِفِ، والمُوسِيقى، والرَّعْدِيِّ، والكِهانَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. والخَطُّ الرَّمْلِيُّ مَعْرُوفٌ. والأشْكالُ جَمْعُ شَكْلٍ، ويُسَمّى عِلْمُها عِلْمُ الجَداوِلِ وعِلْمُ الأوْفاقِ، وهي مَعْرُوفَةٌ وهي مِنَ الباطِلِ. والمَوالِدُ جَمْعُ مَوْلِدٍ، وهي أنْ يَدَّعِيَ مِن مَعْرِفَةِ النَّجْمِ الَّذِي كانَ طالِعًا عِنْدَ وِلادَةِ الشَّخْصِ أنَّهُ يَكُونُ سُلْطانًا أوْ عالِمًا، أوْ غَنِيًا أوْ فَقِيرًا، أوْ طَوِيلَ العُمْرِ أوْ قَصِيرَهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ. (p-٤٩)والقُرْعَةُ ما يُسَمُّونَهُ قُرْعَةَ الأنْبِياءِ، وحاصِلُها جَدْوَلٌ مَرْسُومٌ في بُيُوتِهِ أسْماءُ الأنْبِياءِ وأسْماءُ الطُّيُورِ. وبَعْدَ الجَدْوَلِ تَراجِمُ، لِكُلِّ اسْمٍ تَرْجَمَةٌ خاصَّةٌ بِهِ، ويُذْكَرُ فِيها أُمُورٌ مِنَ المَنافِعِ، والمَضارِّ، يُقالُ لِلشَّخْصِ غَمِّضْ عَيْنَيْكَ وضَعْ أُصْبُعَكَ في الجَدْوَلِ. فَإذا وضَعَها عَلى اسْمٍ قُرِئَتْ لَهُ تَرْجَمَتُهُ لِيَعْتَقِدَ أنَّهُ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ المَذْكُورُ مِنها. قالَ: وقَدْ عَدَّها العُلَماءُ مِن بابِ الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ. وَمُرادُهُ بِالفَأْلِ: الفَأْلُ المُكْتَسَبُ. كَأنْ يُرِيدَ إنْسانٌ التَّزَوُّجَ أوِ السَّفَرَ مَثَلًا، فَيَخْرُجُ لِيَسْمَعَ ما يُفْهَمُ مِنهُ الإقْدامُ أوِ الإحْجامُ، ويَدْخُلُ فِيهِ النَّظَرُ في المُصْحَفِ لِذَلِكَ: ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مِن نَوْعِ الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ. أمّا ما يُعْرَضُ مِن غَيْرِ اكْتِسابٍ كَأنْ يَسْمَعَ قائِلًا يَقُولُ: ما مُفْلِحٌ، فَلَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ كَما جاءَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ. وَعِلْمُ الكَتِفِ: عِلْمٌ يَزْعُمُ أهْلُ الشَّرِّ، والضَّلالِ أنَّ مَن عَلِمَهُ يَكُونُ إذا نَظَرَ في أكْتافِ الغَنَمِ اطَّلَعَ عَلى أُمُورٍ مِنَ الغَيْبِ، ورُبَّما زَعَمَ المُشْتَغِلُ بِهِ أنَّ السُّلْطانَ يَمُوتُ في تارِيخِ كَذا، وأنَّهُ يَطْرَأُ رُخْصٌ أوْ غَلاءٌ أوْ مَوْتَ الأعْيانِ كالعُلَماءِ، والصّالِحِينَ، وقَدْ يَذْكُرُ شَأْنَ الكُنُوزِ أوِ الدَّفائِنِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. والمُوسِيقى مَعْرُوفَةٌ، وكُلُّها مِنَ الباطِلِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ إلْمامٌ بِالشَّرْعِ الكَرِيمِ. والرَّعْدِيّاتُ: عِلْمٌ يَزْعُمُ أهْلُهُ أنَّ الرَّعْدَ إذا كانَ في وقْتِ كَذا مِنَ السَّنَةِ والشَّهْرِ فَهو عَلامَةٌ عَلى أُمُورٍ غَيْبِيَّةٍ مِن جَدْبٍ وخِصْبٍ، وكَثْرَةِ الرَّواجِ في الأسْواقِ وقِلَّتِهِ، وكَثْرَةِ المَوْتِ وهَلاكِ الماشِيَةِ، وانْقِراضِ المِلْكِ ونَحْوِ ذَلِكَ. والفَرْقُ بَيْنَ العِرافَةِ والكِهانَةِ مَعَ أنَّهُما يَشْتَرِكانِ في دَعْوى الِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ: أنَّ العِرافَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأُمُورِ الماضِيَةِ، والكِهانَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ ا ه مِنهُ. وَعُلُومُ الشَّرِّ كَثِيرَةٌ، وقَصَدْنا بِذِكْرِ ما ذَكَرْنا مِنها التَّنْبِيهَ عَلى خِسَّتِها وقُبْحِها شَرْعًا، وأنَّ مِنها ما هو كُفْرٌ بَواحٌ، ومِنها ما يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ، وأقَلُّ دَرَجاتِها التَّحْرِيمُ الشَّدِيدُ. وقَدْ دَلَّ بَعْضُ الأحادِيثِ، والآثارِ عَلى أنَّ العِيافَةَ، والطَّرْقَ، والطِّيَرَةَ مِنَ السِّحْرِ. وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى ذَلِكَ في ”الأنْعامِ“ وعَنْهُ ﷺ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ» رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ. ولِلنَّسائِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «مَن عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ، ومَن سَحَرَ فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إلَيْهِ» . * * (p-٥٠)المَسْألَةُ الرّابِعَةُ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في السِّحْرِ هَلْ هو حَقِيقَةٌ أوْ هو تَخْيِيلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ. والتَّحْقِيقُ أنَّ مِنهُ ما هو حَقِيقَةٌ كَما قَدَّمْنا، ومِنهُ ما هو تَخْيِيلٌ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وهو مَفْهُومٌ مِن أقْسامِ السِّحْرِ المُتَقَدِّمَةِ في كَلامِ الرّازِيِّ، وغَيْرِهِ. * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ ويَسْتَعْمِلُهُ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ مِنهم مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُ أحْمَدَ، وغَيْرُهم. وعَنْ أحْمَدَ ما يَقْتَضِي عَدَمَ كُفْرِهِ. وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ إذا تَعَلَّمَ السِّحْرَ قِيلَ لَهُ صِفْ لَنا سِحْرَكَ. فَإنْ وصَفَ ما يَسْتَوْجِبُ الكُفْرَ مِثْلَ سِحْرِ أهْلِ بابِلَ مِنَ التَّقَرُّبِ لِلْكَواكِبِ، وأنَّها تَفْعَلُ ما يَطْلُبُ مِنها فَهو كافِرٌ، وإنْ كانَ لا يُوجِبُ الكُفْرَ فَإنِ اعْتَقَدَ إباحَتَهُ فَهو كافِرٌ، وإلّا فَلا. وأقْوالُ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو التَّفْصِيلُ. فَإنْ كانَ السِّحْرُ مِمّا يُعَظَّمُ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ كالكَواكِبِ، والجِنِّ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ فَهو كُفْرٌ بِلا نِزاعٍ، ومِن هَذا النَّوْعِ سِحْرُ هارُوتَ ومارُوتَ المَذْكُورُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ فَإنَّهُ كُفْرٌ بِلا نِزاعٍ. كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ [طه: ٦٩] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. وإنْ كانَ السِّحْرُ لا يَقْتَضِي الكُفْرَ كالِاسْتِعانَةِ بِخَواصِّ بَعْضِ الأشْياءِ مِن دِهاناتٍ وغَيْرِها فَهو حَرامٌ حُرْمَةً شَدِيدَةً ولَكِنَّهُ لا يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ الكُفْرَ. هَذا هو التَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيها العُلَماءُ. * * المَسْألَةُ السّادِسَةُ اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في السّاحِرِ هَلْ يُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ لِلسِّحْرِ واسْتِعْمالِهِ لَهُ أوْ لا ؟ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: قالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وهَلْ يُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ واسْتِعْمالِهِ لَهُ ؟ فَقالَ مالِكٌ وأحْمَدُ: نَعَمْ. وقالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: لا. فَأمّا إنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ إنْسانًا فَإنَّهُ (p-٥١)يُقْتَلُ عِنْدَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُقْتَلُ حَتّى يَتَكَرَّرَ مِنهُ ذَلِكَ، أوْ يُقِرَّ بِذَلِكَ في حَقِّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ. وإذا قُتِلَ فَإنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا عِنْدَهم إلّا الشّافِعِيَّ فَإنَّهُ قالَ: يُقْتَلُ، والحالَةُ هَذِهِ قِصاصًا. وَهَلْ إذا تابَ السّاحِرُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ؟ فَقالَ مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ في المَشْهُورِ عَنْهم: لا تُقْبَلُ. وقالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ في الرِّوايَةِ الأُخْرى: تُقْبَلُ التَّوْبَةُ. وَأمّا ساحِرُ أهْلِ الكِتابِ فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يُقْتَلُ كَما يُقْتَلُ السّاحِرُ المُسْلِمُ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ: لا يُقْتَلُ. يَعْنِي لِقِصَّةِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ. واخْتَلَفُوا في المُسْلِمَةِ السّاحِرَةِ. فَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّها لا تُقْتَلُ، ولَكِنْ تُحْبَسُ. وقالَ الثَّلاثَةُ: حُكْمُها حُكْمُ الرَّجُلِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الخَلّالُ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ المَرْوَزِيُّ قالَ: قَرَأ عَلى أبِي عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - عُمَرُ بْنُ هارُونَ أخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: يُقْتَلُ ساحِرُ المُسْلِمِينَ، ولا يُقْتَلُ ساحِرُ المُشْرِكِينَ. لِأنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَحَرَتْهُ امْرَأةٌ مِنَ اليَهُودِ فَلَمْ يَقْتُلْها» . وقَدْ نَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ قالَ في الذِّمِّيِّ: يُقْتَلُ إنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ. وحَكى ابْنُ خُوَيْزِ مَندادٍ عَنْ مالِكٍ رِوايَتَيْنِ في الذِّمِّيِّ إذا سَحَرَ: إحْداهُما أنَّهُ يُسْتَتابُ فَإنْ أسْلَمَ وإلّا قُتِلَ: والثّانِيَةُ أنَّهُ يُقْتَلُ وإنْ أسْلَمَ. وَأمّا السّاحِرُ المُسْلِمُ فَإنْ تَضَمَّنَ سِحْرُهُ كُفْرًا كُفِّرَ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وغَيْرِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] لَكِنْ قالَ مالِكٌ: إذا ظُهِرَ عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ. لِأنَّهُ كالزِّنْدِيقِ فَإنْ تابَ قَبْلَ أنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِ وجاءَ تائِبًا قَبِلْناهُ. فَإنْ قَتَلَ سِحْرُهُ قُتِلَ. قالَ الشّافِعِيُّ فَإنْ قالَ لَمْ أتَعَمَّدِ القَتْلَ فَهو مُخْطِئٌ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وَقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: وأمّا تَعَلُّمُهُ وتَعْلِيمُهُ فَحَرامٌ، فَإنْ تَضَمَّنَ ما يَقْتَضِي الكُفْرَ كُفِّرَ وإلّا فَلا. وإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما يَقْتَضِي الكُفْرَ عُزِّرَ واسْتُتِيبَ مِنهُ، ولا يُقْتَلُ عِنْدَنا، فَإنْ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ. وقالَ مالِكٌ: السّاحِرُ كافِرٌ يُقْتَلُ بِالسِّحْرِ، ولا يُسْتَتابُ، ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَلْ يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ: والمَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الخِلافِ في قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ، لِأنَّ السّاحِرَ عِنْدَهُ كافِرٌ كَما ذَكَرْنا، وعِنْدَنا لَيْسَ بِكافِرٍ، وعِنْدَنا تُقْبَلُ تَوْبَةُ المُنافِقِ، والزِّنْدِيقِ. وقالَ القاضِي عِياضٌ: وبِقَوْلِ مالِكٍ قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينَ. قالَ أصْحابُنا: فَإذا قَتَلَ السّاحِرُ بِسِحْرِهِ إنْسانًا واعْتَرَفَ أنَّهُ ماتَ بِسِحْرِهِ وأنَّهُ يَقْتُلُ غالِبًا لَزِمَهُ القِصاصُ. وإنْ قالَ ماتَ بِهِ ولَكِنَّهُ قَدْ يَقْتُلُ وقَدْ لا يَقْتُلُ فَلا قِصاصَ، وتَجِبُ الدِّيَةُ في مالِهِ (p-٥٢)لا عَلى عاقِلَتِهِ. لِأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ ما ثَبَتَ بِاعْتِرافِ الجانِي. وقالَ أصْحابُنا: ولا يُتَصَوَّرُ القَتْلُ بِالسِّحْرِ بِالبَيِّنَةِ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ بِاعْتِرافِ السّاحِرِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ النَّوَوِيُّ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي في الكَلامِ عَلى قَوْلِ البُخارِيِّ: (بابُ السِّحْرِ) وقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]: وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ ومُتَعَلِّمُهُ كافِرٌ، وهو واضِحٌ في بَعْضِ أنْواعِهِ الَّتِي قَدَّمْتُها، وهو التَّعَبُّدُ لِلشَّياطِينِ أوِ الكَواكِبِ. وأمّا النَّوْعُ الآخَرُ الَّذِي هو مِن بابِ الشَّعْوَذَةِ فَلا يَكْفُرُ مَن تَعَلَّمَهُ أصْلًا. قالَ النَّوَوِيُّ. عَمَلُ السِّحْرِ حَرامٌ، وهو مِنَ الكَبائِرِ بِالإجْماعِ، وقَدْ عَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ السَّبْعِ المُوبِقاتِ، ومِنهُ ما يَكُونُ كُفْرًا. ومِنهُ ما لا يَكُونُ كُفْرًا، بَلْ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً. فَإنْ كانَ فِيهِ قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ يَقْتَضِي الكُفْرَ فَهو كُفْرٌ وإلّا فَلا. وأمّا تَعَلُّمُهُ وتَعْلِيمُهُ فَحَرامٌ، إلى آخِرِ كَلامِ النَّوَوِيِّ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنْهُ آنِفًا. ثُمَّ إنَّ ابْنَ حَجَّةَ لَمّا نَقَلَهُ عَنْهُ قالَ: وفي المَسْألَةِ اخْتِلافٌ كَبِيرٌ وتَفاصِيلُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ بَسْطِها ا ه. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنَّ السِّحْرَ نَوْعانِ كَما تَقَدَّمَ ؟ مِنهُ ما هو كُفْرٌ، ومِنهُ ما لا يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ الكُفْرَ، فَإنْ كانَ السّاحِرُ اسْتَعْمَلَ السِّحْرَ الَّذِي هو كُفْرٌ فَلا شَكَّ في أنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا ؟ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ» . وَأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي في اسْتِتابَتِهِ أنَّهُ يُسْتَتابُ، فَإنْ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ. وقَدْ بَيَّنْتُ في كِتابِي (دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ أنَّ أظْهَرَ القَوْلَيْنِ دَلِيلًا أنَّ الزِّنْدِيقَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ؟ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ نَبِيَّهُ، ولا أُمَّتَهُ ﷺ بِالتَّنْقِيبِ عَنْ قُلُوبِ النّاسِ ؟ بَلْ بِالِاكْتِفاءِ بِالظّاهِرِ. وما يُخْفُونَهُ في سَرائِرِهِمْ أمْرُهُ إلى اللَّهِ تَعالى. خِلافًا لِلْإمامِ مالِكٍ وأصْحابِهِ القائِلِينَ بِأنَّ السّاحِرَ لَهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ. لِأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ بِالكُفْرِ، والزِّنْدِيقُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَهُ إلّا إذا جاءَ تائِبًا قَبْلَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ. وأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي: أنَّ المَرْأةَ السّاحِرَةَ حُكْمُها حُكْمُ الرَّجُلِ السّاحِرِ وأنَّها إنْ كَفَرَتْ بِسِحْرِها قُتِلَتْ كَما يُقْتَلُ الرَّجُلُ. لِأنَّ لَفْظَةَ ”مَن“ في قَوْلِهِ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ» تَشْمَلُ الأُنْثى عَلى أظْهَرِ القَوْلَيْنِ وأصَحِّهِما إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ومِنَ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٤] . فَأدْخَلَ الأُنْثى في لَفْظَةِ ”مَن“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي شُمُولُ لَفْظَةِ ”مَن“ في الكِتابِ، والسُّنَّةِ (p-٥٣)لِلْأُنْثى أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَما شُمُولُ مَن لِلْأُنْثى جَنَفٌ وفي شَيْبِهِ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا وَأمّا إنْ كانَ السّاحِرُ عَمِلَ السِّحْرَ الَّذِي لا يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ الكُفْرَ، فَهَذا هو مَحَلُّ الخِلافِ بَيْنَ العُلَماءِ. فالَّذِينَ قالُوا يُقْتَلُ ولَوْ لَمْ يَكْفُرْ بِسِحْرِهِ قالَ أكْثَرُهم: يُقْتَلُ حَدًّا ولَوْ قَتَلَ إنْسانًا بِسِحْرِهِ، وانْفَرَدَ الشّافِعِيُّ في هَذِهِ الصُّورَةِ بِأنَّهُ يُقْتَلُ قِصاصًا لا حَدًّا. وَهَذِهِ حُجَجُ الفَرِيقَيْنِ ومُناقَشَتُها: أمّا الَّذِينَ قالُوا مُطْلَقًا إذا عَمِلَ بِسِحْرِهِ ولَوْ لَمْ يَقْتُلْ بِهِ أحَدًا فاسْتَدَلُّوا بِآثارٍ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وبِحَدِيثٍ جاءَ بِذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ. فَمِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في كِتابِ (الجِهادُ في بابِ الجِزْيَةِ): حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا سُفْيانُ قالَ: سَمِعْتُ عَمْرًا قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وعَمْرِو بْنِ أوْسٍ فَحَدَّثَهُما بَجالَةُ سَنَةَ سَبْعِينَ عامَ حَجَّ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِأهْلِ البَصْرَةِ عِنْدَ دَرَجِ زَمْزَمَ قالَ: كُنْتُ كاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الأحْنَفِ، فَأتانا كِتابُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ، وفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ المَجُوسِ قالَ: فَقَتَلْنا في يَوْمٍ واحِدٍ ثَلاثَ سَواحِرَ وفَرَّقْنا بَيْنَ المَحارِمِ مِنهم. ورَواهُ أيْضًا أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ. واعْلَمْ أنَّ لَفْظَةَ ”اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ“ إلَخْ في هَذا الأثَرِ ساقِطَةٌ في بَعْضِ رِواياتِ البُخارِيِّ، ثابِتَةٌ في بَعْضِها، وهي ثابِتَةٌ في رِوايَةِ مُسَدَّدِ وأبِي يَعْلى. قالَهُ في الفَتْحِ. وَمِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا ما رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرارَةَ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَتَلَتْ جارِيَةً لَها سَحَرَتْها، وقَدْ كانَتْ دَبَّرَتْها فَأمَرَتْ بِها فَقُتِلَتْ. قالَ مالِكٌ: السّاحِرُ الَّذِي يَعْمَلُ السِّحْرَ ولَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ لَهُ غَيْرُهُ هو مِثْلُ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى في كِتابِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَأرى أنْ يُقْتَلَ ذَلِكَ إذا عَمِلَ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ انْتَهى مِنَ المُوَطَّأِ. وَنَحْوَهُ أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ. ومِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ الكَبِيرِ: حَدَّثَنا إسْحاقُ. حَدَّثَنا خالِدٌ الواسِطِيُّ، عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ، عَنْ أبِي عُثْمانَ: كانَ عِنْدَ الوَلِيدِ رَجُلٌ يَلْعَبُ فَذَبَحَ إنْسانًا وأبانَ رَأْسَهُ، فَجاءَ جُنْدَبٌ الأزْدِيُّ فَقَتَلَهُ. حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ عَنْ خالِدٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ عَنْ جُنْدَبٍ البَجَلِيِّ: أنَّهُ قَتَلَهُ. حَدَّثَنا مُوسى قالَ حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ عَنْ عاصِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ: قَتَلَهُ جُنْدَبُ بْنُ كَعْبٍ. وَفِي (فَتْحِ المَجِيدِ شَرْحِ كِتابِ التَّوْحِيدِ) لِلْعَلّامَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أشارَ لِكَلامِ البُخارِيِّ في (p-٥٤)التّارِيخِ الَّذِي ذَكَرْنا، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مُطَوَّلًا، وفِيهِ: فَأمَرَ بِهِ الوَلِيدُ فَسُجِنَ. فَذَكَرَ القِصَّةَ بِتَمامِها ولَها طُرُقٌ كَثِيرَةٌ انْتَهى مِنهُ. فَهَذِهِ آثارٌ عَنْ ثَلاثَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَتْلِ السّاحِرِ: وهم عُمَرُ وابْنَتُهُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ حَفْصَةٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم جَمِيعًا، وجُنْدَبٌ ولَمْ يُعْلَمْ لَهم مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ويُعْتَضَدُ ذَلِكَ بِما رَواهُ لِلتِّرْمِذِيِّ، والدّارَقُطْنِيِّ عَنْ جُنْدَبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حَدُّ السّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» . وضَعَّفَ التِّرْمِذِيُّ إسْنادَ هَذا الحَدِيثِ وقالَ: الصَّحِيحُ عَنْ جُنْدَبٍ مَوْقُوفٌ، وتَضْعِيفُهُ بِأنَّ في إسْنادِهِ إسْماعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ المَكِّيُّ وهو يَضْعُفُ في الحَدِيثِ. وقالَ في (فَتْحِ المَجِيدِ) أيْضًا في الكَلامِ عَلى حَدِيثِ جُنْدَبٍ المَذْكُورِ: رَوى ابْنُ السَّكَنِ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يُضْرَبُ ضَرْبَةً واحِدَةً فَيَكُونُ أُمَّةً وحْدَهُ» ا ه مِنهُ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ تَضْعِيفَهُ بِإسْماعِيلَ المَذْكُورِ: قُلْتُ قَدْ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ الحَسَنِ عَنْ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا ا ه. وهَذا يُقَوِّيهِ كَما تَرى. فَهَذِهِ الآثارُ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ أنْكَرَها عَلى مَن عَمِلَ بِها مَعَ اعْتِضادِها بِالحَدِيثِ المَرْفُوعِ المَذْكُورِ هي حُجَّةُ مَن قالَ بِقَتْلِهِ مُطْلَقًا. والآثارُ المَذْكُورَةُ والحَدِيثُ فِيهِما الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ يُقْتَلُ ولَوْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ سِحْرُهُ الكُفْرَ. لِأنَّ السّاحِرَ الَّذِي قَتَلَهُ جُنْدَبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ سِحْرُهُ مِن نَحْوِ الشَّعْوَذَةِ، والأخْذِ بِالعُيُونِ، حَتّى إنَّهُ يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ أنَّهُ أبانَ رَأْسَ الرَّجُلِ، والواقِعُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وقَوْلُ عُمَرَ ”اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ“ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِصِيغَةِ العُمُومِ. ومِمَّنْ قالَ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآثارِ وهَذا الحَدِيثِ: مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وابْنُ عُمَرَ، وحَفْصَةٌ، وجُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وجُنْدَبُ بْنُ كَعْبٍ، وقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في (المُغْنِي) خِلافًا لِلشّافِعِيِّ، وابْنِ المُنْذِرِ ومَن وافَقَهُما. واحْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّهُ إنْ كانَ سِحْرُهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ الكُفْرَ لا يُقْتَلُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ ”«لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ. . .“» الحَدِيثَ، وقَدْ قَدَّمْناهُ مِرارًا. ولَيْسَ السِّحْرُ الَّذِي لَمْ يَكْفُرْ صاحِبُهُ مِنَ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ مُنْتَصِرًا لِهَذا القَوْلِ: وهَذا صَحِيحٌ، ودِماءُ المُسْلِمِينَ مَحْظُورَةٌ لا تُسْتَباحُ إلّا بِيَقِينٍ، ولا يَقِينَ مَعَ الِاخْتِلافِ، واللَّهُ أعْلَمُ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها باعَتْ مُدَبَّرَةً لَها سَحَرَتْها، ولَوْ وجَبَ قَتْلُها (p-٥٥)لَما حَلَّ بَيْعُها. قالَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ. وما حاوَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ المَذْكُورَةِ بِحَمْلِ السِّحْرِ عَلى الَّذِي يَقْتَضِي الكُفْرَ في قَوْلِ مَن قالَ بِالقَتْلِ، وحَمْلِهِ عَلى الَّذِي لا يَقْتَضِي الكُفْرَ في قَوْلِ مَن قالَ بِعَدَمِ القَتْلِ لا يَصِحُّ. لِأنَّ الآثارَ الوارِدَةَ في قَتْلِهِ جاءَتْ بِقَتْلِ السّاحِرِ الَّذِي سَحَرَهُ مِن نَوْعِ الشَّعْوَذَةِ كَساحِرِ جُنْدَبٍ الَّذِي قَتَلَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي الكُفْرَ المُخْرِجَ مِن مِلَّةِ الإسْلامِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. فالجَمْعُ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وعَلَيْهِ فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ، فَبَعْضُهم يُرَجِّحُ عَدَمَ القَتْلِ بِأنَّ دِماءَ المُسْلِمِينَ حَرامٌ إلّا بِيَقِينٍ. وبَعْضُهم يُرَجِّحُ القَتْلَ بِأنَّ أدِلَّتَهُ خاصَّةٌ، ولا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ. لِأنَّ الخاصَّ يَقْضِي عَلى العامِّ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ الأُصُولِ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَحَلِّهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ السّاحِرَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ بِهِ سِحْرُهُ الكُفْرَ ولَمْ يَقْتُلْ بِهِ إنْسانًا أنَّهُ لا يُقْتَلُ. لِدَلالَةِ النُّصُوصِ القَطْعِيَّةِ، والإجْماعِ عَلى عِصْمَةِ دِماءِ المُسْلِمِينَ عامَّةً إلّا بِدَلِيلٍ واضِحٍ. وقَتْلُ السّاحِرِ الَّذِي لَمْ يَكْفُرْ بِسِحْرِهِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، والتَّجَرُّؤُ عَلى دَمِ مُسْلِمٍ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ صَحِيحٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ مَرْفُوعَةٍ غَيْرُ ظاهِرٍ عِنْدِي. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّ القَوْلَ بِقَتْلِهِ مُطْلَقًا قَوِيٌّ جِدًّا لِفِعْلِ الصَّحابَةِ لَهُ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ. * * المَسْألَةُ السّابِعَةُ اعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في تَعَلُّمِ السِّحْرِ مِن غَيْرِ عَمَلٍ بِهِ. هَلْ يَجُوزُ أوْ لا ؟، والتَّحْقِيقُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: هو أنَّهُ لا يَجُوزُ، ومِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ تَصْرِيحُهُ تَعالى بِأنَّهُ يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ في قَوْلِهِ: ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم [البقرة: ١٠٢] وإذا أثْبَتَ اللَّهُ أنَّ السِّحْرَ ضارٌّ ونَفى أنَّهُ نافِعٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ تَعَلُّمُ ما هو ضَرَرٌ مَحْضٌ لا نَفْعَ فِيهِ ؟ ! وَجَزَمَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ بِأنَّهُ جائِزٌ بَلْ واجِبٌ. قالَ ما نَصُّهُ: (المَسْألَةُ الخامِسَةُ) في أنَّ العِلْمَ بِالسِّحْرِ غَيْرُ قَبِيحٍ، ولا مَحْظُورٍ، اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ لِذاتِهِ شَرِيفٌ، وأيْضًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، ولِأنَّ السِّحْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ لَما أمْكَنَ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ، والعِلْمُ بِكَوْنِ المُعْجِزِ مُعْجِزًا واجِبٌ، وما يَتَوَقَّفُ الواجِبُ عَلَيْهِ فَهو واجِبٌ، فَهَذا (p-٥٦)يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ واجِبًا، وما يَكُونُ واجِبًا كَيْفَ يَكُونُ حَرامًا وقَبِيحًا. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَلا يَخْفى سُقُوطُ هَذا الكَلامِ وعَدَمُ صِحَّتِهِ. وقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ أنْ نَقَلَهُ عَنْهُ بِلَفْظِهِ الَّذِي ذَكَرْنا بِما نَصُّهُ: وَهَذا الكَلامُ فِيهِ نَظَرٌ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها قَوْلُهُ: ”العِلْمُ بِالسِّحْرِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ“ إنْ عَنى بِهِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ عَقْلًا فَمُخالِفُوهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ يَمْنَعُونَ هَذا، وإنْ عَنى أنَّهُ لَيْسَ بِقَبِيحٍ شَرْعًا فَفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ تَبْشِيعٌ لِعِلْمِ السِّحْرِ. وفي السُّنَنِ «مَن أتى عَرّافًا أوْ كاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ»، وفي السُّنَنِ «مَن عَقَدَ عُقْدَةً ونَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ» وقَوْلُهُ ”وَلا مَحْظُورَ، اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى ذَلِكَ“ كَيْفَ لا يَكُونُ مَحْظُورًا مَعَ ما ذَكَرْنا مِنَ الآيَةِ، والحَدِيثِ، واتِّفاقُ المُحَقِّقِينَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَدْ نَصَّ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ أئِمَّةُ العُلَماءِ أوْ أكْثَرُهم. وأيْنَ نُصُوصُهم عَلى ذَلِكَ ! ! ثُمَّ إدْخالُهُ عَلِمَ السِّحْرِ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] فِيهِ نَظَرٌ. لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما دَلَّتْ عَلى مَدْحِ العالِمِينَ العِلْمَ الشَّرْعِيَّ، ولَمّا قُلْتَ إنَّ هَذا مِنها ! ثُمَّ تُرَقِّيهِ إلى وُجُوبِ تَعَلُّمِهِ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ العِلْمُ بِالمُعْجِزِ إلّا بِهِ ضَعِيفٌ بَلْ فاسِدٌ. لِأنَّ أعْظَمَ مُعْجِزاتِ رَسُولِنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هي القُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ. ثُمَّ إنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ مُعْجِزٌ لا يَتَوَقَّفُ عَلى عِلْمِ السِّحْرِ أصْلًا. ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الصَّحابَةَ، والتّابِعِينَ وأئِمَّةَ المُسْلِمِينَ وعامَّتَهم كانُوا يَعْلَمُونَ المُعْجِزَ، ويُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ولَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ السِّحْرَ، ولا تَعَلَّمُوهُ، ولا عَلَّمُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى. وَلا يَخْفى أنَّ كَلامَ ابْنِ كَثِيرٍ هَذا صَوابٌ، وأنَّ رَدَّهُ عَلى الرّازِيِّ واقِعٌ مَوْقِعَهُ، وأنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في مَنعِهِ. لِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وقَوْلُ ابْنِ كَثِيرٍ في كَلامِهِ المَذْكُورِ: وفي الصَّحِيحِ «مَن أتى عَرّافًا أوْ كاهِنًا. . إلَخْ» إنْ كانَ يَعْنِي أنَّ الحَدِيثَ بِذَلِكَ صَحِيحٌ فَلا مانِعَ، وإنْ كانَ يَعْنِي أنَّهُ في الصَّحِيحَيْنِ أوْ أحَدِهِما فَلَيْسَ كَذَلِكَ. وبِذَلِكَ كُلِّهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): وقَدْ أجازَ بَعْضُ العُلَماءِ تَعَلُّمَ السِّحْرِ لِأمْرَيْنِ: إمّا لِتَمْيِيزِ ما فِيهِ كُفْرٌ مِن غَيْرِهِ. وإمّا لِإزالَتِهِ عَمَّنْ وقَعَ فِيهِ. فَأمّا الأوَّلُ: فَلا مَحْذُورَ فِيهِ إلّا مِن جِهَةِ الِاعْتِقادِ، فَإذا سَلِمَ الِاعْتِقادُ فَمَعْرِفَةُ الشَّيْءِ (p-٥٧)بِمُجَرَّدِهِ لا تَسْتَلْزِمُ مَنعًا. كَمَن يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ عِبادَةِ أهْلِ الأوْثانِ لِلْأوْثانِ. لِأنَّ كَيْفِيَّةَ ما يُعَلِّمُهُ السّاحِرُ إنَّما هي حِكايَةُ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، بِخِلافِ تَعاطِيهِ، والعَمَلِ بِهِ. وَأمّا الثّانِي: فَإنْ كانَ لا يَتِمُّ كَما زَعَمَ بَعْضُهم إلّا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الكُفْرِ أوِ الفِسْقِ فَلا يَحِلُّ أصْلًا، وإلّا جازَ لِلْمَعْنى المَذْكُورِ. ا ه خِلافَ التَّحْقِيقِ، إذْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُبِيحَ ما صَرَّحَ اللَّهُ بِأنَّهُ يَضُرُّ، ولا يَنْفَعُ، مَعَ أنَّ تَعَلُّمَهُ قَدْ يَكُونُ ذَرِيعَةً لِلْعَمَلِ بِهِ، والذَّرِيعَةُ إلى الحَرامِ يَجِبُ سَدُّها كَما قَدَّمْناهُ. قالَ في المَراقِي: ؎سَدُّ الذَّرائِعِ إلى المُحَرَّمِ حَتْمٌ كَفَتْحِها إلى المُنْحَتِمِ هَذا هو الظّاهِرُ لَنا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّامِنَةُ اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في حَلِّ السِّحْرِ عَنِ المَسْحُورِ. فَأجازَهُ بَعْضُهم، ومَنَعَهُ بَعْضُهم. ومِمَّنْ أجازَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (بابُ هَلْ يُسْتَخْرَجُ السِّحْرُ): وقالَ قَتادَةُ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أوْ يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأتِهِ، أيُحَلُّ عَنْهُ، أوْ يُنْشَرُ ؟ قالَ: لا بَأْسَ بِهِ، إنَّما يُرِيدُونَ بِهِ الإصْلاحَ. فَأمّا ما يَنْفَعُ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ ا ه. ومالَ إلى هَذا المُزَنِيُّ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا بَأْسَ بِالنُّشْرَةِ. قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وقالَ أيْضًا: قالَ ابْنُ بَطّالٍ: وفي كِتابِ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أنْ يَأْخُذَ سَبْعَ ورَقاتٍ مِن سِدْرٍ أخْضَرَ فَيَدُقُّهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، ثُمَّ يَضْرِبُهُ بِالماءِ ويَقْرَأُ عَلَيْهِ آيَةَ الكُرْسِيِّ ثُمَّ يَحْسُو مِنهُ ثَلاثَ حَسَواتٍ ويَغْتَسِلُ. فَإنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهُ كُلُّ ما بِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهو جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ إذا حُبِسَ عَنْ أهْلِهِ انْتَهى مِنهُ. وَمِمَّنْ أجازَ النَّشْرَةَ وهي حَلُّ السِّحْرِ عَنِ المَسْحُورِ: أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، وعامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وغَيْرُهُما. ومِمَّنْ كَرِهَ ذَلِكَ: الحَسَنُ. وفي الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمّا سَحَرَهُ لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ: هَلّا تَنَشَّرْتَ ؟ فَقالَ: «أمّا اللَّهُ فَقَدْ شَفانِي وكَرِهْتُ أنْ أُثِيرَ عَلى النّاسِ شَرًّا» . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: التَّحْقِيقُ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّ اسْتِخْراجَ السِّحْرِ إنْ كانَ بِالقُرْآنِ كالمُعَوِّذَتَيْنِ، وآيَةِ الكُرْسِيِّ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَجُوزُ الرُّقْيا بِهِ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ. وإنْ كانَ بِسِحْرٍ أوْ بِألْفاظٍ عَجَمِيَّةٍ، أوْ بِما لا يُفْهَمُ مَعْناهُ، أوْ بِنَوْعٍ آخَرَ مِمّا لا يَجُوزُ فَإنَّهُ مَمْنُوعٌ. وهَذا واضِحٌ وهو الصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى كَما تَرى. (p-٥٨)وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي ما نَصُّهُ: (تَكْمِيلٌ) قالَ ابْنُ القَيِّمِ: مِن أنْفَعِ الأدْوِيَةِ، وأقْوى ما يُوجَدُ مِنَ النُّشْرَةِ مُقاوَمَةُ السِّحْرِ الَّذِي هو مِن تَأْثِيراتِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ بِالأدْوِيَةِ الإلَهِيَّةِ: مِنَ الذِّكْرِ، والدُّعاءِ، والقِراءَةِ. فالقَلْبُ إذا كانَ مُمْتَلِئًا مِنَ اللَّهِ، مَعْمُورًا بِذِكْرِهِ، ولَهُ وِرْدٌ مِنَ الذِّكْرِ، والدُّعاءِ، والتَّوَجُّهِ، لا يُخِلُّ بِهِ كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ المانِعَةِ مِن إصابَةِ السِّحْرِ لَهُ. قالَ: وسُلْطانُ تَأْثِيرِ السِّحْرِ هو في القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ. ولِهَذا غالِبُ ما يُؤَثِّرُ فِيهِ النِّساءَ، والصِّبْيانَ، والجُهّالَ. لِأنَّ الأرْواحَ الخَبِيثَةَ إنَّما تَنْشَطُ عَلى الأرْواحِ، تَلَقاها مُسْتَعِدَّةً لِما يُناسِبُها انْتَهى مُلَخَّصًا. ويُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ البابِ، وجَوازُ السِّحْرِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، مَعَ عَظِيمِ مَقامِهِ، وصِدْقِ تَوَجُّهِهِ، ومُلازَمَةِ وِرْدِهِ ولَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصالُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلى الغالِبِ، وإنَّما وقَعَ بِهِ ﷺ لِبَيانِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ انْتَهى مِن فَتْحِ البارِي. * * المَسْألَةُ التّاسِعَةُ اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في تَحْقِيقِ القَدْرِ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَبْلُغَهُ تَأْثِيرُ السِّحْرِ في المَسْحُورِ، واعْلَمْ أنَّ لِهَذِهِ المَسْألَةِ واسِطَةٌ وطَرَفَيْنِ: طَرَفٌ لا خِلافَ في أنَّ تَأْثِيرَ السِّحْرِ يَبْلُغُهُ كالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الرَّجُلِ وامْرَأتِهِ، وكالمَرَضِ الَّذِي يُصِيبُ المَسْحُورَ مِنَ السِّحْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ودَلِيلُ ذَلِكَ القُرْآنُ، والسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ. أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَصَرَّحَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ مِن تَأْثِيرِ السِّحْرِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ. وأمّا السُّنَّةُ فَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِألْفاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَقارِبَةٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ حَتّى كانَ يَرى أنَّهُ يَأْتِي النِّساءَ، ولا يَأْتِيهِنَّ. فَقالَ: «يا عائِشَةُ أعَلِمْتِ أنَّ اللَّهَ قَدْ أفْتانِي فِيما اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أتانِي رَجُلانِ فَقَعَدَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي، والآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، فَقالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْآخَرِ: ما بالُ الرَّجُلِ ؟ قالَ: مَطْبُوبٌ، قالَ: ومَن طَبَّهُ ؟ قالَ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ رَجُلٌ مِن بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفُ اليَهُودِيِّ كانَ مُنافِقًا، قالَ: وفِيمَ ؟ قالَ: في مُشْطٍ ومُشاطَةٍ ؟ قالَ: وأيْنَ ؟ قالَ: في جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ تَحْتَ راعُوفَةٍ فِيبِئْرِ ذَرْوانَ ”قالَتْ: فَأتى النَّبِيُّ ﷺ البِئْرَ حَتّى اسْتَخْرَجَهُ، فَقالَ:“ هَذِهِ البِئْرُ الَّتِي أرِبْتُها، وكَأنَّ ماءَها نُقاعَةَ الحِنّاءِ، وكَأنَّ نَخْلَها رُءُوسُ الشَّياطِينِ، فاسْتُخْرَجَ ”قالَتْ فَقُلْتُ: أفَلا أيْ: تَنَشَّرْتَ ؟ فَقالَ:“ أمّا اللَّهُ فَقَدْ شَفانِي وأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ عَلى أحَدٍ مِنَ النّاسِ شَرًّا» ا ه هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في بَعْضِ رِواياتِهِ لِهَذا الحَدِيثِ. والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ صَحِيحَةٌ. فَفي هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أنَّ تَأْثِيرَ السِّحْرِ فِيهِ ﷺ سَبَّبَ لَهُ (p-٥٩)المَرَضَ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «”أمّا اللَّهُ فَقَدْ شَفانِي»“ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وغَيْرِهِ بِلَفْظِ: فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ما وجَعُ الرَّجُلِ ؟ قالَ مَطْبُوبٌ. أيْ: مَسْحُورٌ. وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ السِّحْرَ سَبَّبَ لَهُ وجَعًا. ونَفْيُ بَعْضِ النّاسِ لِهَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَدِلًّا بِأنَّها لا تَجُوزُ في حَقِّهِ ﷺ، لِقَوْلِهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ. ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] ساقِطٌ؛ لِأنَّ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةَ الثّابِتَةَ لا يُمْكِنُ رَدُّها بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعاوى. وسَتَرى في آخِرِ بَحْثِ هَذِهِ المَسْألَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إيضاحَ وجْهِ ذَلِكَ. وطَرَفٌ لا خِلافَ في أنَّ تَأْثِيرَ السِّحْرِ لا يُمْكِنُ أنْ يَبْلُغَهُ كَإحْياءِ المَوْتى، وفَلْقِ البَحْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في السِّحْرِ ما يَفْعَلُ اللَّهُ عِنْدَهُ إنْزالَ الجَرادِ، والقُمَّلِ، والضَّفادِعِ، وفَلْقَ البَحْرِ، وقَلْبَ العَصا، وإحْياءَ المَوْتى، وإنْطاقَ العَجْماءِ، وأمْثالَ ذَلِكَ مِن عَظِيمِ آياتِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَهَذا ونَحْوُهُ مِمّا يَجِبُ القَطْعُ بِأنَّهُ لا يَكُونُ لا يَفْعَلُهُ اللَّهُ عِنْدَ إرادَةِ السّاحِرِ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: وإنَّما مَنَعْنا ذَلِكَ بِالإجْماعِ ولَوْلاهُ لَأجَزْناهُ انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيُّ. وَأمّا الواسِطَةُ فَهي مَحَلُّ خِلافٍ بَيْنَ العُلَماءِ، وهي هَلْ يَجُوزُ أنْ يَنْقَلِبَ بِالسِّحْرِ الإنْسانُ حِمارًا مَثَلًا، والحِمارُ إنْسانًا ؟ وهَلْ يَصِحُّ أنْ يَطِيرَ السّاحِرُ في الهَواءِ، وأنْ يَسْتَدِقَّ حَتّى يَدْخُلَ مِن كُوَّةٍ ضَيِّقَةٍ. ويَنْتَصِبُ عَلى رَأْسِ قَصَبَةٍ، ويَجْرِي عَلى خَيْطٍ مُسْتَدَقٍّ، ويَمْشِي عَلى الماءِ، ويَرْكَبُ الكَلْبَ ونَحْوَ ذَلِكَ. فَبَعْضُ النّاسِ يُجِيزُ هَذا. وجَزَمَ بِجَوازِهِالفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وكَذَلِكَ صاحَبُ رُشْدِ الغافِلِ، وغَيْرُهُما. وبَعْضُهم يَمْنَعُ مِثْلَ هَذا. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَفْعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ، وأنَّهُ يُسَبِّبُ ما شاءَ مِنَ المُسَبِّباتِ عَلى ما شاءَ مِنَ الأسْبابِ وإنْ لَمْ تَكُنْ هُناكَ مُناسَبَةٌ عَقْلِيَّةٌ بَيَّنَ السَّبَبَ، والمُسَبِّبَ كَما قَدَّمْناهُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا يَقُولُ ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى ثُبُوتِ وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ بِالفِعْلِ فَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مُقْنِعٌ. لِأنَّ غالِبَ ما يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِهِ قائِلُهُ حِكاياتٌ لَمْ تَثْبُتْ عَنْ عُدُولٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما وقَعَ مِنها مِن جِنْسِ الشَّعْوَذَةِ، والأخْذِ بِالعُيُونِ، لا قَلْبِ الحَقِيقَةِ مَثَلًا إلى حَقِيقَةٍ أُخْرى. وهَذا هو الأظْهَرُ عِنْدِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * (p-٦٠)تَنْبيهٌ اعْلَمْ أنَّ ما وقَعَ مِن تَأْثِيرِ السِّحْرِ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يَسْتَلْزِمُ نَقْصًا، ولا مُحالًا شَرْعِيًّا حَتّى تُرَدَّ بِذَلِكَ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ. لِأنَّهُ مِن نَوْعِ الأعْراضِ البَشَرِيَّةِ، كالأمْراضِ المُؤَثِّرَةِ في الأجْسامِ، ولَمْ يُؤَثِّرِ البَتَّةَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ. واسْتِدْلالُ مَن مَنَعَ ذَلِكَ زاعِمًا أنَّهُ مُحالٌ في حَقِّهِ ﷺ بِآيَةِ ﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] مَرْدُودٌ كَما سَنُوَضِّحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ في آخِرِ هَذا البَحْثِ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: قالَ المازِرِيُّ: أنْكَرَ بَعْضُ المُبْتَدِعَةِ هَذا الحَدِيثَ، وزَعَمُوا أنَّهُ يَحُطُّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ ويُشَكِّكُ فِيها. قالُوا: وكُلُّ ما أدّى إلى ذَلِكَ فَهو باطِلٌ. وزَعَمُوا أنَّ تَجْوِيزَ هَذا يَعْدَمُ الثِّقَةَ بِما شَرَعُوهُ مِنَ الشَّرائِعِ، إذْ يُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ يُخَيَّلَ إلَيْهِ أنَّهُ يَرى جِبْرِيلَ ولَيْسَ هو، ثُمَّ وأنَّهُ يُوحى إلَيْهِ بِشَيْءٍ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ. قالَ المازِرِيُّ: هَذا كُلُّهُ مَرْدُودٌ. لِأنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قامَ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ فِيما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى عِصْمَتِهِ في التَّبْلِيغِ. والمُعْجِزاتُ شاهِداتٌ بِتَصْدِيقِهِ. فَتَجْوِيزُ ما قامَ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِهِ باطِلٌ. وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لِأجْلِها، ولا كانَتِ الرِّسالَةُ مِن أجْلِها، فَهو في ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِما يَعْتَرِي البَشَرَ كالأمْراضِ. فَغَيْرُ بَعِيدٍ أنْ يُخَيِّلَ اللَّهُ في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا ما لا حَقِيقَةَ لَهُ مَعَ عِصْمَتِهِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ في أُمُورِ الدِّينِ. قالَ: وقَدْ قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ المُرادَ بِالحَدِيثِ: أنَّهُ كانَ ﷺ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ وطِئَ زَوْجاتِهِ ولَمْ يَكُنْ وطِئَهُنَّ وهَذا كَثِيرٌ ما يَقَعُ تَخَيُّلُهُ لِلْإنْسانِ في المَنامِ. فَلا يَبْعُدُ أنْ يُخَيَّلَ إلَيْهِ في اليَقَظَةِ. قُلْتُ: وهَذا قَدْ ورَدَ صَرِيحًا في رِوايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ في البابِ الَّذِي يَلِي هَذا، ولَفْظُهُ: «حَتّى كانَ يَرى أنَّهُ يَأْتِي النِّساءَ، ولا يَأْتِيهِنَّ» وفي رِوايَةِ الحُمَيْدِيِّ «أنَّهُ يَأْتِي أهْلَهُ، ولا يَأْتِيهِمْ» قالَ الدّاوُدِيُّ: ”يُرى“ بِضَمِّ أوَّلِهِ أيْ: يُظَنُّ. وقالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَتْ ”يَرى“ بِفَتْحِ أوَّلِهِ. قُلْتُ: وهو مِنَ الرَّأْيِ لا مِنَ الرُّؤْيَةِ فَيَرْجِعُ إلى مَعْنى الظَّنِّ. وفي مُرْسَلِ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزّاقِ: سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ عائِشَةَ، حَتّى أنْكَرَ بَصَرَهُ. وعِنْدَهُ في مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: حَتّى كادَ يُنْكِرُ بَصَرَهُ. قالَ عِياضٌ فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ السِّحْرَ إنَّما تَسَلَّطَ عَلى جَسَدِهِ وظَواهِرِ جَوارِحِهِ، لا عَلى تَمْيِيزِهِ ومُعْتَقَدِهِ. قُلْتُ: ووَقَعَ في مُرْسَلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: فَقالَتْ أُخْتُ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ: إنْ يَكُنْ نَبِيَّنا فَسَيُخْبَرُ، وإلّا فَسَيُذْهِلُهُ هَذا السِّحْرُ حَتّى يَذْهَبَ عَقْلُهُ: قُلْتُ: فَوَقَعَ الشِّقُّ الأوَّلُ كَما في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وقَدْ (p-٦١)قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَلْزَمُ مِن أنَّهُ كانَ يَظُنُّ أنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ ولَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ أنْ يُجْزَمَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ مِن جِنْسِ الخاطِرِ يَخْطُرُ، ولا يَثْبُتُ. فَلا يَبْقى عَلى هَذا لِلْمُلْحِدِ حُجَّةٌ. وَقالَ عِياضٌ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالتَّخَيُّلِ المَذْكُورِ أنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ مِن نَشاطِهِ ما ألِفَهُ مِن سابِقِ عادَتِهِ مِنَ الِاقْتِدارِ عَلى الوَطْءِ، فَإذا دَنا مِنَ المَرْأةِ فَتَرَ مِن ذَلِكَ كَما هو شَأْنُ المَعْقُودِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ في الرِّوايَةِ الأُخْرى ”حَتّى كادَ يُنْكِرُ بَصَرَهُ“ أيْ: صارَ كالَّذِي أنْكَرَ بَصَرَهُ بِحَيْثُ إنَّهُ إذا رَأى الشَّيْءَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ عَلى غَيْرِ صِفَتِهِ. فَإذا تَأمَّلَهُ عَرَفَ حَقِيقَتَهُ. ويُؤَيِّدُ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ في خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ أنَّهُ قالَ قَوْلًا فَكانَ بِخِلافِ ما أخْبَرَ بِهِ. وقالَ المُهَلَّبُ: صَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الشَّياطِينِ لا يَمْنَعُ إرادَتَهم كَيْدَهُ، فَقَدْ مَضى في الصَّحِيحِ: أنَّ شَيْطانًا أرادَ أنْ يُفْسِدَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ، فَأمْكَنَهُ اللَّهُ مِنهُ. فَكَذَلِكَ السِّحْرُ ما نالَهُ مِن ضَرَرِهِ ما يُدْخِلُ نَقْصًا عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، بَلْ هو مِن جِنْسِ ما كانَ يَنالُهُ مِن ضَرَرِ سائِرِ الأمْراضِ: مِن ضَعْفٍ عَنِ الكَلامِ، أوْ عَجْزٍ عَنْ بَعْضِ الفِعْلِ، أوْ حُدُوثِ تَخَيُّلٍ لا يَسْتَمِرُّ بَلْ يَزُولُ. ويُبْطِلُ اللَّهُ كَيْدَ الشَّياطِينَ. واسْتَدَلَّ ابْنُ القَصّارِ عَلى أنَّ الَّذِي أصابَهُ كانَ مِن جِنْسِ المَرَضِ بِقَوْلِهِ في آخِرِ الحَدِيثِ: «أمّا أنا فَقَدَ شَفانِي اللَّهُ» وفي الِاسْتِدْلالِ بِهِ نَظَرٌ. لَكِنْ يُؤَيِّدُ المُدَّعِي أنَّ في رِوايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ في الدَّلائِلِ: «فَكانَ يَدُورُ، ولا يَدْرِي ما وجَعَهُ» . وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: «مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ، وأُخِذَ عَنِ النِّساءِ، والطَّعامِ، والشَّرابِ. فَهَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكانِ» . الحَدِيثَ انْتَهى مِن (فَتْحِ البارِي) . وَعَلى كُلِّ حالٍ فَهو ﷺ مَعْصُومٌ بِالإجْماعِ مِن كُلِّ ما يُؤَثِّرُ خَلَلًا في التَّبْلِيغِ، والتَّشْرِيعِ. وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الأعْراضِ البَشَرِيَّةِ: كَأنْواعِ الأمْراضِ، والآلامِ، ونَحْوَ ذَلِكَ فالأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ يَعْتَرِيهِمْ مِن ذَلِكَ ما يَعْتَرِي البَشَرَ. لِأنَّهم بَشَرٌ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] فَمَعْناهُ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ ﷺ مَسْحُورٌ أوْ مَطْبُوبٌ، قَدْ خَبَلَهُ السِّحْرُ فاخْتَلَطَ عَقْلُهُ فالتَبَسَ عَلَيْهِ أمْرُهُ. يَقُولُونَ ذَلِكَ لِيُنَفِّرُوا النّاسَ عَنْهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ”مَسْحُورًا“ أيْ: مَخْدُوعًا. مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أيْ: مِن أيْنَ تُخْدَعُونَ. ومَعْنى هَذا راجِعٌ إلى (p-٦٢)ما قَبْلَهُ. لِأنَّ المَخْدُوعَ مَغْلُوبٌ في عَقْلِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَسْحُورًا مَعْناهُ أنَّ لَهُ سِحْرًا أيْ: رِئَةً فَهو لا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ، والشَّرابِ، فَهو مِثْلُكم ولَيْسَ بِمَلَكٍ. كَقَوْلِهِمْ ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]، وقَوْلِهِ عَنِ الكُفّارِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٤] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. ويُقالُ لِكُلِّ مَن أكَلَ أوْ شَرِبَ مِن آدَمِيٍّ أوْ غَيْرِهِ: مَسْحُورٌ ومُسَحَّرٌ. ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ وَقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎أرانا مَوْضِعَيْنِ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ أيْ: نُغَذّى ونُعَلَّلُ. وَإذا عَلِمْتَ أنَّ أقْوالَ العُلَماءِ في قَوْلِهِ ”مَسْحُورًا“ راجِعَةٌ إلى دَعْواهُمُ اخْتِلالَ عَقْلِهِ بِالسِّحْرِ أوَ الخَدِيعَةِ، أوْ كَوْنِهِ بَشَرًا عَلِمْتَ أنَّهُ لا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى مَنعِ بَعْضِ التَّأْثِيراتِ العَرَضِيَّةِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَها بِالتَّبْلِيغِ، والتَّشْرِيعِ كَما تَرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَدْ أشَرْنا فِيما تَقَدَّمَ لِحُكْمِ ساحِرِ أهْلِ الذِّمَّةِ، واخْتِلافِ العُلَماءِ في قَتْلِهِ، واسْتِدْلالِ مَن قالَ بِأنَّهُ لا يُقْتَلُ بِعَدَمِ قَتْلِهِ ﷺ لَبِيدَ بْنَ الأعْصَمِ الَّذِي سَحَرَهُ. والقَوْلُ بِأنَّهُ قَتَلَهُ ضَعِيفٌ، ولَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ قَتَلَهُ. وأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدَنا أنَّهُ لا يَكُونُ أشَدَّ حُرْمَةً مِن ساحِرِ المُسْلِمِينَ، بَلْ يُقْتَلُ كَما يُقْتَلُ ساحِرُ المُسْلِمِينَ. وأمّا عَدَمُ قَتْلِهِ ﷺ لِابْنِ الأعْصَمِ فَقَدْ بَيَّنَتِ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ أنَّهُ تَرَكَ قَتْلَهُ اتِّقاءَ إثارَةِ فِتْنَةٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَقَتَلَهُ. وقَدْ تَرَكَ المُنافِقِينَ لِئَلّا يَقُولَ النّاسُ: مُحَمَّدٌ يَقْتُلُ أصْحابَهُ. فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْ دِينِ الإسْلامِ مَعَ اتِّفاقِ العُلَماءِ عَلى قَتْلِ الزِّنْدِيقِ وهو عِبارَةٌ عَنِ المُنافِقِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

طه 20:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ لَمّا عايَنُوا عَصا مُوسى تَبْتَلِعُ جَمِيعَ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ خَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى قائِلِينَ: آمَنّا بِاللَّهِ الَّذِي هو رَبُّ هارُونَ ومُوسى. فَهَداهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ البُرْهانِ الإلَهِيِّ، هَذِهِ الهِدايَةَ العَظِيمَةَ. وقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧]، (p-٦٣)وَقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥ - ٤٨]، وقَوْلِهِ: فَأُلْقِيَ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ البُرْهانِ الَّذِي عايَنُوهُ. كَأنَّهم أمْسَكَهم إنْسانٌ وألْقاهم ساجِدِينَ بِالقُوَّةِ لِعِظِمِ المُعْجِزَةِ الَّتِي عايَنُوها. وذَكَرَ في قِصَّتِهِمْ أنَّهم عايَنُوا مَنازِلَهم في الجَنَّةِ في سُجُودِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مِن نَوْعِ الإسْرائِيلِيّاتِ، وأطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ السَّحَرَةِ في حالِ سُجُودِهِمْ لِلَّهِ مُؤْمِنِينَ بِهِ نَظَرًا إلى حالِهِمُ الماضِيَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] فَأطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمَ اليُتْمِ بَعْدَ البُلُوغِ نَظَرًا إلى الحالِ الماضِيَةِ كَما هو مَعْرُوفٌ في مَحَلِّهِ. والظّاهِرُ أنَّ تَقْدِيمَ هارُونَ عَلى مُوسى في هَذِهِ الآيَةِ لِمُراعاةِ فَواصِلِ الآياتِ. واعْلَمْ أنَّ عِلْمَ السِّحْرِ مَعَ خِسَّتِهِ، وأنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَضُرُّ، ولا يَنْفَعُ، قَدْ كانَ سَبَبًا لِإيمانِ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ. لِأنَّهم لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالسِّحْرِ عَرَفُوا مُعْجِزَةَ العَصا خارِجَةً عَنْ طَوْرِ السِّحْرِ، وأنَّها أمْرٌ إلَهِيٌّ فَلَمْ يُداخِلْهم شَكٌّ في ذَلِكَ. فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإيمانِهِمُ الرّاسِخِ الَّذِي لا يُزَعْزِعُهُ الوَعِيدُ، والتَّهْدِيدُ. ولَوْ كانُوا غَيْرَ عالِمِينَ بِالسِّحْرِ جِدًّا، لَأمْكَنَ أنْ يَظُنُّوا أنَّ مَسْألَةَ العَصا مِن جِنْسِ الشَّعْوَذَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

طه 20:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ لَمّا آمَنُوا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى قالَ لَهم فِرْعَوْنُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: آمَنتُمْ لَهُ أيْ: صَدَّقْتُمُوهُ في أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ، وآمَنتُمْ بِاللَّهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم. يَعْنِي أنَّهم لَمْ يَكُفُّوا عَنِ الإيمانِ حَتّى يَأْذَنَ لَهم، لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهم لا يَحِقُّ لَهم أنْ يَفْعَلُوا شَيْئًا إلّا بَعْدَ إذْنِهِ هو لَهم. وقالَ لَهم أيْضًا: إنَّ مُوسى هو كَبِيرُهم. أيْ: كَبِيرُ السَّحَرَةِ وأُسْتاذُهُمُ الَّذِي عَلَّمَهُمُ السِّحْرَ. ثُمَّ هَدَّدَهم مُقْسِمًا عَلى أنَّهُ يَقْطَعُ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ؛ يَعْنِي اليَدَ اليُمْنى، والرِّجْلَ اليُسْرى مَثَلًا. لِأنَّهُ أشَدُّ عَلى الإنْسانِ مِن قَطْعِهِما مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ. لِأنَّهُ إنْ كانَ قَطْعُهُما مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ يَبْقى عِنْدَهُ شِقٌّ كامِلٌ صَحِيحٌ، بِخِلافِ قَطْعِهِما مِن خِلافٍ. فالجَنْبُ الأيْمَنُ يَضْعُفُ بِقَطْعِ اليَدِ، والأيْسَرُ يَضْعُفُ بِقَطْعِ الرِّجْلِ كَما هو مَعْلُومٌ. وأنَّهُ يُصَلِّبُهم في جُذُوعِ النَّخْلِ، وجِذْعُ النَّخْلَةِ هو أخْشَنُ جِذْعٍ مِن جُذُوعِ الشَّجَرِ، والتَّصْلِيبُ عَلَيْهِ أشَدُّ مِنَ التَّصْلِيبِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ (p-٦٤)الجُذُوعِ كَما هو مَعْرُوفٌ. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا عَنْهُ هُنا أُوَضِّحُهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أيْضًا. كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٤٩] . وذَكَرَ هَذا أيْضًا في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ وزادَ فِيها التَّصْرِيحَ بِفاعِلٍ، قالَ: وادِّعاءُ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى، والسَّحَرَةَ تَمالَئُوا عَلى أنْ يُظْهِرُوا أنَّهُ غَلَبَهم مَكْرًا لِيَتَعاوَنُوا عَلى إخْراجِ فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ مِن مِصْرَ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٣ - ١٢٤] ”وَقَوْلُهُ في“ طه ”: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ يُبَيِّنُ أنَّ التَّصْلِيبَ في جُذُوعِ النَّخْلِ هو مُرادُهُ بِقَوْلِهِ في“ الأعْرافِ، والشُّعَراءِ ”: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٤، ٢٦ ٤٩] . أيْ: في جُذُوعِ النَّخْلِ، وتَعْدِيَةُ التَّصْلِيبِ بِـ“ في " أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، ومِنهُ قَوْلُ سُوِيدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ: ؎هُمُ صَلَبُوا العَبْدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ فَلا عَطَسَتْ شَيْبانُ إلّا بِأجْدَعا وَمَعْلُومٌ عِنْدَ عُلَماءِ البَلاغَةِ: أنَّ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً في مَعْنى الحَرْفِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إيضاحُ كَلامِهِمْ في ذَلِكَ ونَحْوِهِ في سُورَةِ ”القَصَصِ“ . وقَدْ أوْضَحْنا في كِتابِنا المُسَمّى (مَنعُ جَوازِ المَجازِ في المُنَزَّلِ لِلتَّعَبُّدِ والإعْجازِ) . أنَّ ما يُسَمِّيهِ البَلاغِيُّونَ مِن أنْواعِ المَجازِ مَجازًا كُلَّها أسالِيبٌ عَرَبِيَّةٌ نَطَقَتْ بِها العَرَبُ في لُغَتِها. وقَدْ بَيَّنّا وجْهَ عَدَمِ جَوازِ المَجازِ في القُرْآنِ وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِنَ المَحْذُورِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾: يَعْنِي أنا، أمْ رَبُّ مُوسى أشَدُّ عَذابًا وأبْقى. واقْتَصَرَ عَلى هَذا القُرْطُبِيُّ. وعَلَيْهِ فَفِرْعَوْنُ يَدَّعِي أنَّ عَذابَهُ أشَدُّ وأبْقى مِن عَذابِ اللَّهِ. وهَذا • كَقَوْلِهِ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] . وقالَ بَعْضُهم: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾ أنا، أمْ مُوسى أشَدُّ عَذابًا وأبْقى. وعَلى هَذا فَهو كالتَّهَكُّمِ بِمُوسى لِاسْتِضْعافِهِ لَهُ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُعَذِّبَ مَن لَمْ يُطِعْهُ. • كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] . واللَّهُ جَلَّ وعَلا أعْلَمُ. (p-٦٥)واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا: هَلْ فَعَلَ بِهِمْ فِرْعَوْنُ ما تَوَعَّدَهم بِهِ، أوْ لَمْ يَفْعَلْهُ بِهِمْ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: قَتَلَهم وصَلَبَهم. وقَوْمٌ أنْكَرُوا ذَلِكَ، وأظْهَرُهُما عِنْدِي: أنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهم، وأنَّ اللَّهَ عَصَمَهم مِنهُ لِأجْلِ إيمانِهِمُ الرّاسِخِ بِاللَّهِ تَعالى. لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِمُوسى وهارُونَ: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

طه 20:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ . قَوْلُهُ: لَنْ نُؤْثِرَكَ أيْ: لَنْ نَخْتارَ اتِّباعَكَ وكَوْنُنا مِن حِزْبِكَ، وسَلامَتُنا مِن عَذابِكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ. كَمُعْجِزَةِ العَصا الَّتِي أتَتْنا وتَيَقَنّا صِحَّتَها. والواوُ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ عاطِفَةٌ عَلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: عَلى ما جاءَنا أيْ: لَنْ نَخْتارَكَ ﴿عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ ولا عَلى ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ أيْ: خَلَقَنا وأبْرَزَنا مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. وقِيلَ: هي واوُ القَسَمِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ. أيْ: ﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾ لا نُؤْثِرُكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ فاقْضِ ما أيِ: اصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ. فَلَسْنا راجِعِينَ عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: إنَّما يَنْفُذُ أمْرُكَ فِيها. فَـ ”هَذِهِ“ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ عَلى الأصَحِّ. أيْ: ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ يُهِمُّ لِسُرْعَةِ زَوالِها وانْقِضائِها. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا عَنْهم في هَذا المَوْضِعِ: مِن ثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ، وعَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِتَهْدِيدِ فِرْعَوْنَ ووَعِيدِهِ رَغْبَةً فِيما عِنْدَ اللَّهِ قَدْ ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“ عَنْهم في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] . وقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٥ - ١٢٦] . وقَوْلُهُ: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ عائِدُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما أنْتَ قاضِيهِ لِأنَّهُ مَخْفُوضٌ بِالوَصْفِ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎كَذاكَ حَذْفُ ما بِوَصْفٍ خُفِضا كَأنْتَ قاضٍ بَعْدَ أمْرٍ مِن قَضى وَنَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ ناشِبٍ المازِنِيِّ: ؎وَيَصْغُرُ في عَيْنَيْ تِلادِي إذا انْثَنَتْ ∗∗∗ يَمِينِي بِإدْراكِ الَّذِي كُنْتُ طالِبًا (p-٦٦)أيْ: طالِبَهُ.

طه 20:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ لَمّا قالَ لِلسَّحَرَةِ ما قالَ لَمّا آمَنُوا، قالُوا لَهُ: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا﴾ [طه: ٧٣] يَعْنُونَ ذُنُوبَهُمُ السّالِفَةَ كالكُفْرِ، وغَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أيْ: ويَغْفِرُ لَنا ما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهم هُنا أشارَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الشُّعَراءِ“ عَنْهم: ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥٠ - ٥١] وقَوْلُهُ عَنْهم في ”الأعْرافِ“: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] . وفي آيَةِ طه ”هَذا سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: قَوْلُهم ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: ٧٣] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أكْرَهَهم عَلَيْهِ، مَعَ أنَّهُ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّهم فَعَلُوهُ طائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ، كَقَوْلِهِ في“ طه ”: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ [طه: ٦٢ - ٦٣] . فَقَوْلُهم: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] صَرِيحٌ في أنَّهم غَيْرُ مُكْرَهِينَ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَنْهم في“ الشُّعَراءِ ”: ﴿قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١] وقَوْلُهُ في“ الأعْرافِ ": ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣ - ١١٤] فَتِلْكَ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم غَيْرُ مُكْرَهِينَ. وَلِلْعُلَماءِ عَنْ هَذا السُّؤالِ أجْوِبَةٌ مَعْرُوفَةٌ: (مِنها): أنَّهُ أكْرَهَهم عَلى الشُّخُوصِ مِن أماكِنِهِمْ لِيُعارِضُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ، فَلَمّا أُكْرِهُوا عَلى القُدُومِ وأُمِرُوا بِالسِّحْرِ أتَوْهُ طائِعِينَ، فَإكْراهُهم بِالنِّسْبَةِ إلى أوَّلِ الأمْرِ، وطَوْعُهم بِالنِّسْبَةِ إلى آخِرِ الأمْرِ، فانْفَكَّتَ الجِهَةُ وبِذَلِكَ يَنْتَفِي التَّعارُضُ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ: ﴿وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦] وقَوْلُهُ: ﴿وَأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١] . (ومِنها): أنَّهُ كانَ يُكْرِهُهم عَلى تَعْلِيمِ أوْلادِهِمُ السِّحْرَ في حالِ صِغَرِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ هو مُرادُهم بِإكْراهِهِمْ عَلى السِّحْرِ. ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ السِّحْرِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِمْ وكِبَرِهِمْ طائِعِينَ. (p-٦٧)(ومِنها): أنَّهم قالُوا لِفِرْعَوْنَ: أرِنا مُوسى نائِمًا: فَفَعَلَ فَوَجَدُوهُ قُرْبَ عَصاهُ، فَقالُوا: ما هَذا بِسِحْرِ السّاحِرِ ! لِأنَّ السّاحِرَ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ. فَأبى إلّا أنْ يُعارِضُوهُ، وألْزَمَهم بِذَلِكَ. فَلَمّا لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِن ذَلِكَ فَعَلُوهُ طائِعِينَ. وأظْهَرُها عِنْدِي الأوَّلُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُهُ: في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خَطايانا جَمْعُ خَطِيئَةٍ، وهي الذَّنْبُ العَظِيمُ. كالكُفْرِ ونَحْوِهِ. والفَعِيلَةُ تُجْمَعُ عَلى فَعائِلَ، والهَمْزَةُ في فَعائِلَ مُبْدَلَةٌ مِنَ الياءِ في فَعِيلَةٍ، ومِثْلُها الألِفُ، والواوُ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎والمَدُّ زِيدَ ثالِثًا في الواحِدِ هَمْزًا يُرى في مِثْلِ كالقَلائِدِ فَأصْلُ خَطايا ”خَطائِيِ“ بِياءٍ مَكْسُورَةٍ، وهي ياءُ خَطِيئَةٍ، وهَمْزَةٍ بَعْدَها هي لامُ الكَلِمَةِ. ثُمَّ أُبْدِلَتِ الياءُ هَمْزَةً عَلى حَدِّ الإبْدالِ في صَحائِفَ فَصارَتْ خَطائِئَ بِهَمْزَتَيْنِ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ياءً لِلُزُومِ إبْدالِ الهَمْزَةِ المُتَطَرِّفَةِ بَعْدَ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ ياءً، فَصارَتْ خَطائِيَ، ثُمَّ فُتِحَتِ الهَمْزَةُ الأُولى تَخْفِيفًا فَصارَ خَطاءَيَ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها فَصارَ خَطاءا بِألِفَيْنِ بَيْنَهُما هَمْزَةٌ، والهَمْزَةُ تُشْبِهُ الألِفَ، فاجْتَمَعَ شِبْهُ ثَلاثَةِ ألِفاتٍ، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ ياءً فَصارَ خَطايا بَعْدَ خَمْسَةِ أعْمالٍ، وإلى ما ذَكَرْنا أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وافْتَحْ ورُدَّ الهَمْزَ يا فِيما أُعِلَّ ∗∗∗ لامًا وفي مِثْلِ هِراوَةٍ جُعِلْ واوًا. . . إلَخْ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ظاهِرُهُ المُتَبادَرُ مِنهُ: أنَّ المَعْنى خَيْرٌ مِن فِرْعَوْنَ وأبْقى مِنهُ. لِأنَّهُ باقٍ لا يَزُولُ مُلْكُهُ، ولا يُذَلُّ، ولا يَمُوتُ، ولا يُعْزَلُ. كَما أوْضَحْنا هَذا المَعْنى في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] . أيْ: بِخِلافِ فِرْعَوْنَ، وغَيْرِهِ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا فَإنَّهُ لا يَبْقى، بَلْ يَمُوتُ أوْ يُعْزَلُ، أوْ يُذَلُّ بَعْدَ العِزِّ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المَعْنى: أنَّ ثَوابَهُ خَيْرٌ مِمّا وعَدَهم فِرْعَوْنُ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣ - ١١٤] . وأبْقى: أيْ: أدْوَمُ. لِأنَّ ما وعَدَهم بِهِ فِرْعَوْنُ زائِلٌ، وثَوابُ اللَّهِ باقٍ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٦] . وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وأبْقى أيْ: أبْقى عَذابًا مِن عَذابِكَ، وأدْوَمُ مِنهُ. وعَلَيْهِ فَهو رَدٌّ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ (p-٦٨)وَمَعْنى أبْقى أكْثَرُ بَقاءً.

طه 20:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ . ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إنَّهُ أيِ: الأمْرُ والشَّأْنُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ في حالِ كَوْنِهِ مُجْرِمًا أيْ: مُرْتَكِبًا الجَرِيمَةَ في الدُّنْيا حَتّى ماتَ عَلى ذَلِكَ كالكافِرِ عِياذًا بِاللَّهِ تَعالى فَإنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ فِيها فَـ لا يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ ولا يَحْيا حَياةً فِيها راحَةٌ. وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا أُوَضِّحُهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: • كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [الروم: ٣٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٥ - ١٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أحَدِ فُقَهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ: ؎ألا مَن لِنَفْسٍ لا تَمُوتُ فَيَنْقَضِي شَقاها ولا تَحْيا حَياةً لَها طَعْمُ

طه 20:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ”أنَّ“ ومَن يَأْتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ في حالِ كَوْنِهِ ﴿مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا حَتّى ماتَ عَلى ذَلِكَ ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ﴾ عِنْدَ اللَّهِ ﴿الدَّرَجاتُ العُلا﴾ والعُلا: جَمْعُ عُلْيا وهي تَأْنِيثُ الأعْلى. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

طه 20:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. أنَّهُ أوْحى إلى نَبِيِّهِ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ (p-٦٩)والسَّلامُ: أنْ يَسْرِيَ بِعِبادِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ فَيُخْرِجَهم مِن قَبْضَةِ فِرْعَوْنَ لَيْلًا، وأنْ يَضْرِبَ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا، أيْ: يابِسًا لا ماءَ فِيهِ، ولا بَلَلَ، وأنَّهُ لا يَخافُ دَرَكًا مِن فِرْعَوْنَ وراءَهُ أنْ يَنالَهُ بِسُوءٍ. ولا يَخْشى مِنَ البَحْرِ أمامَهُ أنْ يَغْرَقَ قَوْمُهُ. وقَدْ أوْضَحَ هَذِهِ القِصَّةَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“: ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وَإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٥٢ - ٦٣] . فَقَوْلُهُ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أيْ: فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ يُوَضِّحُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧] وقَوْلُهُ: ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢] يُوَضِّحُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ في ”الدُّخانِ“: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٢ - ٢٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ واضِحَةٌ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ ”أنِ اسْرِ“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وكَسْرِ نُونٍ أنْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والباقُونَ قَرَءُوا أنْ أسْرِ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ إسْكانِ نُونِ ”أنْ“ وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”هُودٍ“ أنَّ أسْرى وسَرى لُغَتانِ وبَيَّنا شَواهِدَ ذَلِكَ العَرَبِيَّةَ. وقَرَأ حَمْزَةُ لا تَخَفْ بِسُكُونِ الفاءِ بِدُونِ ألِفٍ بَيْنَ الخاءِ، والفاءِ، وهو مَجْزُومٌ لِأنَّهُ جَزاءُ الطَّلَبِ، أيْ: فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخَفْ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الجَزْمِ بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الطَّلَبِ، أيْ: أنْ تَضْرِبَ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخَفْ. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ”لا تَخافُ“ بِالرَّفْعِ، فَلا إشْكالَ في قَوْلِهِ ولا تَخْشى لِأنَّهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ بِضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلى الألِفِ، مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مُضارِعٍ مَرْفُوعٍ هو قَوْلُهُ: لا تَخافُ. وَأمّا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ ”لا تَخَفْ“ بِالجَزْمِ فَفي قَوْلِهِ ولا تَخْشى إشْكالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُضارِعٍ مَجْزُومٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي جَزْمَهُ، ولَوْ جُزِمَ لَحُذِفَتِ (p-٧٠)الألِفُ مِن تَخْشى عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎واحْذِفْ جازِمًا ثَلاثَهُنَّ تَقْضِ حُكْمًا لازِمًا والألِفُ لَمْ تُحْذَفْ فَوَقَعَ الإشْكالُ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَأُجِيبَ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ ولا تَخْشى مُسْتَأْنَفٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وأنْتَ لا تَخْشى، أيْ: ومِن شَأْنِكَ أنَّكَ آمِنٌ لا تَخْشى. والثّانِي: أنَّ الفِعْلَ مَجْزُومٌ، والألِفُ لَيْسَتْ هي الألِفُ الَّتِي في مَوْضِعِ لامِ الكَلِمَةِ، ولَكِنَّها زِيدَتْ لِلْإطْلاقِ مِن أجْلِ الفاصِلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] وقَوْلِهِ: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] . والثّالِثُ: أنَّ إشْباعَ الحَرَكَةِ بِحَرْفِ مَدٍّ يُناسِبُها أُسْلُوبٌ مَعْرُوفٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، كَقَوْلِ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وقّاصٍ الحارِثِيِّ: ؎وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ∗∗∗ كَأنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيا وَقَوْلِ الرّاجِزِ: ؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقْ ∗∗∗ ولا تَرَضّاها ولا تَمَلَّقْ وَقَوْلِ الآخَرِ: ؎قُلْتُ وقَدْ خَرَّتْ عَلى الكَلْكالِ ∗∗∗ يا ناقَتِي ما جُلْتِ مِن مَجالِ وَقَوْلِ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎يَنْباعُ مِن ذَفِرَيْ غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ∗∗∗ زَيّافَةٍ مِثْلَ الفَنِيقِ المُكْدَمِ فالأصْلُ في البَيْتِ الأوَّلِ: كَأنْ لَمْ تَرَ، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ. والأصْلُ في الثّانِي، ولا تَرْضَها، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ. والأصْلُ في الثّالِثِ عَلى الكَلْكالِ يَعْنِي الصَّدْرَ، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ. والأصْلُ في الرّابِعِ يَنْبُعُ يَعْنِي أنَّ العَرَقَ يَنْبُعُ مِن عَظْمِ الذِّفْرى مِن ناقَتِهِ عَلى التَّحْقِيقِ، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ، وإشْباعُ الفَتْحَةِ بِألْفٍ في هَذِهِ الأبْياتِ وأمْثالِها مِمّا لَمْ نَذْكُرْهُ لَيْسَ لِضَرُورَةٍ لِلشِّعْرِ لِتَصْرِيحِ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ بِأنَّهُ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ مَسْمُوعٌ في النَّثْرِ، كَقَوْلِهِمْ في النَّثْرِ: كَلْكالٌ، وخاتامٌ، وداناقٌ، يَعْنُونَ كَلْكَلًا، وخاتَمًا، ودانِقًا. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ، وأكْثَرْنا مِن شَواهِدِها العَرَبِيَّةِ في كِتابِنا (p-٧١)(دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”البَلَدِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾: فاجْعَلْ لَهم طَرِيقًا، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ لَهُ في مالِهِ سَهْمًا، وضَرَبَ اللَّبِنَ عَمِلَهُ ا هـ. والتَّحْقِيقُ أنَّ يَبَسًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ جاءَتْ عَلى فَعَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَبَطَلٍ وحَسَنٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اليُبْسُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. يُقالُ: يَبِسَ يَبَسًا ويُبْسًا، ونَحْوُهُما العَدَمُ، والعُدْمُ، ومِن ثَمَّ وُصِفَ بِهِ المُؤَنَّثُ فَقِيلَ: شاتُنا يُبْسٌ، وناقَتُنا يُبْسٌ. إذا جَفَّ لَبَنُها. وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا﴾ الدَّرَكُ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الإدْراكِ، أيْ: لا يُدْرِكُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، ولا يَلْحَقُونَكَ مِن ورائِكَ، ولا تَخْشى مِنَ البَحْرِ أمامَكَ. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ لا تَخافُ فالجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ فاضْرِبْ أيْ: فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في حالِ كَوْنِكَ غَيْرَ خائِفٍ دَرَكًا، ولا خاشٍ. وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ الفِعْلَ المُضارِعَ المَنفِيَّ بِلا إذا كانَتْ جُمْلَتُهُ حالِيَّةً وجَبَ الرَّبْطُ فِيها بِالضَّمِيرِ وامْتَنَعَ بِالواوِ. • كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا﴾ أيْ: في حالِ كَوْنِكَ لا تَخافُ دَرَكًا، • وقَوْلِهِ ﴿ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] • وقَوْلِهِ: ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٨٤] ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وَلَوْ أنَّ قَوْمًا لِارْتِفاعِ قَبِيلَةٍ ∗∗∗ دَخَلُوا السَّماءَ دَخَلْتُها لا أُحْجَبُ يَعْنِي دَخَلْتُها في حالِ كَوْنِي غَيْرَ مَحْجُوبٍ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ في الخُلاصَةِ: ؎وَذاتُ بَدْءٍ بِمُضارِعٍ ثَبَتْ ∗∗∗ حَوَتْ ضَمِيرًا ومِنَ الواوِ خَلَتْ فِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ كَما هو مَعْلُومٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.

طه 20:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ . التَّحْقِيقُ أنَّ أتْبَعَ واتَّبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. فَقَوْلُهُ: فَـ أتْبَعَهم أيِ: اتَّبَعَهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٧٥] . والمَعْنى: أنَّ مُوسى لَمّا أسْرى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ﴾ [طه: ٧٨] أيِ: البَحْرِ ما غَشِيَهم أيْ: أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ في البَحْرِ فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ فِرْعَوْنَ أتْبَعَ بَنِي إسْرائِيلَ هو وجُنُودُهُ، وأنَّ اللَّهَ أغْرَقَهم في البَحْرِ أُوَضِّحُهُ في غَيْرِ هَذا (p-٧٢)المَوْضِعِ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُمُ اتَّبَعُوهم في أوَّلِ النَّهارِ عِنْدَ إشْراقِ الشَّمْسِ، فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى اتِّباعِهِ لَهم قَوْلُهُ تَعالى في ”الشُّعَراءِ“: ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢] يَعْنِي سَيَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ. ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ اتِّباعِهِ لَهم فَقالَ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وَإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ فَلَمّا ﴿تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٥٣ - ٦٢] . وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ أيْ: أوَّلَ النَّهارِ عِنْدَ إشْراقِ الشَّمْسِ. ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في ”يُونُسَ“: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا﴾ [يونس: ٩٠] وقَوْلُهُ في ”الدُّخانِ“: ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى إتْباعِهِ لَهم. وأمّا غَرَقُهُ هو وجَمِيعُ قَوْمِهِ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ فَقَدْ أوْضَحَهُ تَعالى في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كِتابِهِ العَزِيزِ. • كَقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وَأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦٣ - ٦٧] • وقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [ ١٣٦ ] • وقَوْلِهِ في ”الزُّخْرُفِ“: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] • وقَوْلِهِ في ”البَقَرَةِ“: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠] • وقَوْلِهِ في ”يُونُسَ“: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] • وقَوْلِهِ في ”الدُّخانِ“: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والتَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ المُبْهَمِ الَّذِي هو المَوْصُولُ في قَوْلِهِ ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] وقَوْلُهُ: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٣ - ٥٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] . واليَمُّ: البَحْرُ. والمَعْنى: فَأصابَهم مِنَ البَحْرِ ما أصابَهم وهو الغَرَقُ، والهَلاكُ المُسْتَأْصِلُ.

طه 20:79

(p-٧٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ . يَعْنِي أنَّ فِرْعَوْنَ أضَلَّ قَوْمَهُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ وما هَداهم إلَيْها. وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بَيَّنَ اللَّهُ فِيها كَذِبَ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩] ومِنَ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٦ - ٩٨] والنُّكْتَةُ البَلاغِيَّةُ في حَذْفِ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ وما هَدى ولَمْ يَقُلْ وما هَداهم، هي مُراعاةُ فَواصِلِ الآياتِ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] .

طه 20:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: امْتِنانَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإنْجائِهِ إيّاهم مِن عَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ، وأنَّهُ واعَدَهم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنِ، وأنَّهُ نَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ، والسَّلْوى، وقالَ لَهم: كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم. ولا تَطْغَوْا فَيَغْضَبَ عَلَيْكم رَبُّكم. وما ذَكَرَهُ هُنا أُوَضِّحُهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في امْتِنانِهِ عَلَيْهِمْ بِإنْجائِهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ في ”سُورَةِ البَقَرَةِ“: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] وقَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٤١] وقَوْلُهُ في ”الدُّخانِ“: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣٠ - ٣١] وقَوْلُهُ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٦] وقَوْلُهُ في ”الشُّعَراءِ“ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقَوْلُهُ في ”الدُّخانِ“ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] وقَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقَوْلُهُ في ”القَصَصِ“: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ يَحْذَرُونَ [القصص: ٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. (p-٧٤)وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] الأظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ الآيَةَ [البقرة: ٥١] وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦] وهو الوَعْدُ بِإنْزالِ التَّوْراةِ. وقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ قَدْ أوْضَحَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”البَقَرَةِ“: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] وقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [الأعراف: ١٦٠] وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المَنَّ: التَّرَنْجَبِينُ، وهو شَيْءٌ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَنُزُولِ النَّدى ثُمَّ يَتَجَمَّدُ، وهو يُشْبِهُ العَسَلَ الأبْيَضَ. والسَّلْوى: طائِرٌ يُشْبِهُ السُّمانى. وقِيلَ هو السُّمانى. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ في المَنِّ، والسَّلْوى. وقِيلَ: السَّلْوى العَسَلُ. وأنْكَرَ بَعْضُهم إطْلاقَ السَّلْوى عَلى العَسَلِ. والتَّحْقِيقُ: أنَّ ”السَّلْوى“ يُطْلَقُ عَلى العَسَلِ لُغَةً. ومِنهُ قَوْلُ خالِدِ بْنِ زُهَيْرٍ الهُذَلِيِّ: ؎وَقاسَمَها بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُمْ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها يَعْنِي ألَذَّ مِنَ العَسَلِ إذا ما نَسْتَخْرِجُها. لِأنَّ النُّشُورَ: اسْتِخْراجُ العَسَلِ. قالَ مُؤَرِّجُ بْنُ عُمَرَ السَّدُوسِيُّ: إطْلاقُ السَّلْوى عَلى العَسَلِ لُغَةُ كِنانَةَ. سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يُسَلِّي. قالَهُ القُرْطُبِيُّ. إلّا أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هو المُرادُ في الآيَةِ. واخْتَلَفُوا في السَّلْوى. هَلْ هو جَمْعٌ أوْ مُفْرَدٌ ؟ فَقالَ بَعْضُهم: هو جَمْعٌ، واحِدُهُ سَلْواةٌ، وأنْشَدَ الخَلِيلُ لِذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وَإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْراكِ هِزَّةٌ ∗∗∗ كَما انْتَفَضَ السَّلْواةُ مِن بَلَلِ القَطْرِ وَيُرْوى هَذا البَيْتُ: ؎كَما انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ وَعَلَيْهِ فَلا شاهِدَ في البَيْتِ. وقالَ الكِسائِيُّ: السَّلْوى مُفْرَدٌ وجَمْعُهُ سَلاوى. وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. مِثْلَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وهو يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ واحِدُهُ سَلْوى مِثْلَ جَماعَتِهِ. كَما قالُوا: دِفْلى وسُمانى وشُكاعى في الواحِدِ والجَمْعِ. والدِّفْلى كَذِكْرى: شَجَرٌ أخْضَرُ مُرٌّ حَسَنُ المَنظَرِ، يَكُونُ في الأوْدِيَةِ. والشُّكاعى كَحُبارى وقَدْ تُفْتَحُ: نَوْعٌ مِن دَقِيقِ النَّباتِ صَغِيرٌ أخْضَرُ، دَقِيقُ العِيدانِ يُتَداوى بِهِ. والسُّمانى: طائِرٌ مَعْرُوفٌ. (p-٧٥)قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: والأظْهَرُ عِنْدِي في المَنِّ: أنَّهُ اسْمٌ جامِعٌ لِما يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلى عَبْدِهِ مِن غَيْرِ كَدٍّ، ولا تَعَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ التَّرَنْجَبِينُ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التِّيهِ. ويَشْمَلُ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُماثِلُهُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﷺ الثّابِتُ في الصَّحِيحَيْنِ: «الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ» . والأظْهَرُ عِنْدِي في السَّلْوى: أنَّهُ طائِرٌ، سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ السُّمانى، أوْ طائِرٌ يُشْبِهُهُ، لِإطْباقِ جُمْهُورِ العُلَماءِ مِنَ السَّلَفِ، والخَلَفِ عَلى ذَلِكَ. مَعَ أنَّ السَّلْوى، يُطْلَقُ لُغَةً عَلى العَسَلِ، كَما بَيَّنّا. وَقَوْلُهُ في آيَةِ ”طه“ هَذِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [طه: ٨١] أيْ: مِنَ المَنِّ، والسَّلْوى، والأمْرُ فِيهِ لِلْإباحَةِ، والِامْتِنانِ. وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”البَقَرَةِ“ ﴿وَأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] وقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠] وقَوْلِهِ: كُلُوا في هَذِهِ الآياتِ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وقُلْنا لَهم كُلُوا، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ الَّذِي هو ”ما“ أيْ: كُلُوا مِن طَيِّباتِ الَّذِي رَزَقْناكم ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ أيْ: فِيما رَزَقْناكم. ونَهاهم عَنِ الطُّغْيانِ فِيما رَزَقَهم، وهو أنْ يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ فِيهِ بِأنْ يَكْفُرُوا نِعْمَتَهُ بِهِ، ويَشْغَلَهُمُ اللَّهْوُ والنَّعِيمُ عَنِ القِيامِ بِشُكْرِ نِعَمِهِ، وأنْ يُنْفِقُوا رِزْقَهُ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ في المَعاصِي، أوْ يَسْتَعِينُوا بِهِ عَلى المَعْصِيَةِ، أوْ يَمْنَعُوا الحُقُوقَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ. وَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ يُسَبِّبُ لَهم أنْ يَحِلَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُهُ جَلَّ وعَلا، لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ فَيَحِلَّ سَبَبِيَّةٌ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها، لِأنَّهُ بَعْدَ النَّهْيِ وهو طَلَبٌ مَحْضٌ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَبَعْدَ فا جَوابُ نَفْيٍ أوْ طَلَبْ ∗∗∗ مَحْضَيْنِ أنْ وسَتْرُها حَتْمٌ نَصَبْ وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ الكِسائِيُّ ”فَيَحُلَّ“ بِضَمِّ الحاءِ (ومَن يَحْلُلْ) بِضَمِّ اللّامِ. والباقُونَ قَرَءُوا يَحِلَّ بِكَسْرِ الحاءِ و يَحْلِلْ بِكَسْرِ اللّامِ. وعَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ (فَيَحُلَّ) بِالضَّمِّ أيْ: يَنْزِلُ بِكم غَضَبِي. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهو مِن حَلَّ يَحِلُّ بِالكَسْرِ: (p-٧٦)إذا وجَبَ، ومِنهُ حَلَّ دَيْنُهُ إذا وجَبَ أداؤُهُ. ومِنهُ ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] . وقَوْلُهُ: فَقَدْ هَوى أيْ: هَلَكَ وصارَ إلى الهاوِيَةِ، وأصْلُهُ أنْ يَسْقُطَ مِن جَبَلٍ أوْ نَحْوِهِ فَيَهْوِي إلى الأرْضِ فَيَهْلِكُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَوى مِن رَأْسِ مَرْقَبَةٍ ∗∗∗ فَفَتَّتَ تَحْتَها كَبِدَهُ وَيَقُولُونَ: هَوَتْ أُمُّهُ، أيْ: سَقَطَ سُقُوطًا لا نُهُوضَ بَعْدَهُ. ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ: ؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ وَنَحْوَ هَذا هو أحَدُ التَّفْسِيراتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ وعَنْ شُفَيِّ بْنِ ماتِعٍ الأصْبَحِيِّ قالَ: إنَّ في جَهَنَّمَ جَبَلًا يُدْعى صَعُودًا يَطْلُعُ فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَرْقاهُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] وإنَّ في جَهَنَّمَ قَصْرًا يُقالُ لَهُ هَوى، يُرْمى الكافِرُ مِن أعْلاهُ فَيَهْوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ أصْلَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ الغَضَبَ صِفَةٌ وصَفَ اللَّهُ بِها نَفْسَهُ إذا انْتُهِكَتْ حُرُماتُهُ، تَظْهَرُ آثارُها في المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. نُعَوْذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِهِ جَلَّ وعَلا. ونَحْنُ مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ نُمِرُّها كَما جاءَتْ فَنُصَدِّقُ رَبَّنا في كُلِّ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ولا نُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، مَعَ تَنْزِيهِنا التّامِّ لَهُ جَلَّ وعَلا عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ غايَةَ الإيضاحِ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ أنْجَيْتُكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْتُكم بِتاءِ المُتَكَلِّمِ فِيهِما. وقَرَأهُ الباقُونَ ”وَواعَدْناكم وأنْجَيْناكم“ بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى العَظَمَةِ، فَصِيغَةُ الجَمْعِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لِلتَّعْظِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ووَعَدْناكم) بِلا ألِفٍ بَعْدَ الواوِ الثّانِيَةِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُجَرَّدِ، مِنَ الوَعْدِ لا مِنَ المُواعَدَةِ مَعَ نُونِ التَّعْظِيمِ.

طه 20:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ . ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ غَفّارٌ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِمَن تابَ إلَيْهِ مِن مَعاصِيهِ وكُفْرِهِ، وآمَنَ بِهِ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى. وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كِتابِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٨] . وقَوْلِهِ في الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] (p-٧٧)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٥٣ - ٥٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى التَّوْبَةِ، والعَمَلِ الصّالِحِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ثُمَّ اهْتَدى أيِ: اسْتَقامَ وثَبَتَ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ التَّوْبَةِ، والإيمانِ، والعَمَلِ الصّالِحِ ولَمْ يَنْكُثْ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وفي الحَدِيثِ: ”قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ“ . وقالَ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ الآيَةَ [هود: ١١٢] .

طه 20:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ . أشارَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى قِصَّةِ مُواعَدَتِهِ مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً وذَهابِهِ إلى المِيقاتِ، واسْتِعْجالِهِ إلَيْهِ قَبْلَ قَوْمِهِ. وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا واعَدَهُ رَبُّهُ وجَعَلَ لَهُ المِيقاتَ المَذْكُورَ، وأوْصى أخاهُ هارُونَ أنْ يَخْلُفَهُ في قَوْمِهِ، اسْتَعْجَلَ إلى المِيقاتِ فَقالَ لَهُ رَبُّهُ ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ . الآيَةَ، وهَذِهِ القِصَّةُ الَّتِي أجْمَلَها هُنا أشارَ لَها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] . وَفِي هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ: وهو أنَّ جَوابَ مُوسى لَيْسَ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ الَّذِي سَألَهُ رَبُّهُ، لِأنَّ السُّؤالَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أعْجَلَهُ عَنْ قَوْمِهِ، والجَوابُ لَمْ يَأْتِ مُطابِقًا لِذَلِكَ. لِأنَّهُ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ﴾ . وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأجْوِبَةٍ: (مِنها): أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ يَعْنِي هم قَرِيبٌ وما تَقَدَّمْتُهم إلّا بِيَسِيرٍ يُغْتَفَرُ مِثْلُهُ، فَكَأنِّي لَمْ أتَقَدَّمْهم ولَمْ أعْجَلْ عَنْهم لِقُرْبِ ما بَيْنِي وبَيْنَهم. (ومِنها): أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا لَمّا خاطَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ داخَلَهُ مِنَ الهَيْبَةِ، والإجْلالِ، والتَّعْظِيمِ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا ما أذْهَلَهُ عَنِ الجَوابِ المُطابِقِ. واللَّهُ أعْلَمُ. (p-٧٨)وَقَوْلُهُ هم أُولاءِ المَدُّ فِيهِ لُغَةُ الحِجازِيِّينَ. ورَجَّحَها ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: والمَدُّ أوْلى. وَلُغَةُ التَّمِيمِيِّينَ ”أُولا“ بِالقَصْرِ، ويَجُوزُ دُخُولُ اللّامِ عَلى لُغَةِ التَّمِيمِيِّينَ في البُعْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أُولالِكا قَوْمِي لَمْ يَكُونُوا أُشابَةً وهَلْ يَعِظُ الضِّلِّيلَ إلّا أُولالِكا وَأمّا عَلى لُغَةِ الحِجازِيِّينَ بِالمَدِّ فَلا يَجُوزُ دُخُولُ اللّامِ عَلَيْها.

طه 20:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الفِتْنَةَ المَذْكُورَةَ هي عِبادَتُهُمُ العِجْلَ. فَهي فِتْنَةُ إضْلالٍ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] . وهَذِهِ الفِتْنَةُ بِعِبادَةِ العِجْلِ جاءَتْ مُبَيَّنَةً في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. قَوْلُهُ هُنا: ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أوْضَحَ كَيْفِيَّةَ إضْلالِهِ لَهم في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] أيِ: اتَّخَذُوهُ إلَهًا وقَدْ صَنَعَهُ السّامِرِيُّ لَهم مِن حُلِيِّ القِبْطِ فَأضَلَّهم بِعِبادَتِهِ. وقَوْلُهُ هُنا ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] والسّامِرِيُّ: قِيلَ اسْمُهُ هارُونُ، وقِيلَ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظُفَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ مِن قَوْمٍ كانُوا يَعْبُدُونَ البَقَرَ. وقِيلَ: كانَ رَجُلًا مِنَ القِبْطِ. وكانَ جارًا لِمُوسى آمَنَ بِهِ وخَرَجَ مَعَهُ. وقِيلَ: كانَ عَظِيمًا مِن عُظَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ وهم مَعْرُوفُونَ بِالشّامِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ مِن أهْلِ كَرْمانَ. والفِتْنَةُ أصْلُها في اللُّغَةِ: وضْعُ الذَّهَبِ في النّارِ لِيُتَبَيَّنَ أهْوَ خالِصٌ أمْ زائِفٌ. وقَدْ أُطْلِقَتْ في القُرْآنِ إطْلاقاتٍ مُتَعَدِّدَةً: (مِنها): الوَضْعُ في النّارِ، كَقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أيْ: يُحْرَقُونَ بِها، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الآيَةَ [البروج: ١٠] . أيْ: أحْرَقُوهم بِنارِ الأُخْدُودِ. (p-٧٩)(ومِنها): الِاخْتِبارُ وهو الأغْلَبُ في اسْتِعْمالِ الفِتْنَةِ. كَقَوْلِهِ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ الآيَةَ [التغابن: ١٥] وقَوْلِهِ ﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٦ - ١٧] . (ومِنها): نَتِيجَةُ الِاخْتِبارِ إذا كانَتْ سَيِّئَةٌ. ومِن هُنا أُطْلِقَتِ الفِتْنَةُ عَلى الشِّرْكِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] وقَوْلِهِ هُنا ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ الآيَةَ [طه: ٨٥] . (ومِنها): الحُجَّةُ، كَقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أيْ: لَمْ تَكُنْ حُجَّتُهم. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أسْنَدَ إضْلالَهم إلَيْهِ، لِأنَّهُ هو الَّذِي تَسَبَّبَ فِيهِ بِصِياغَتِهِ لَهُمُ العِجْلَ مِن حُلِيِّ القِبْطِ ورَمْيِهِ عَلَيْهِ التُّرابَ الَّذِي مَسَّهُ حافِرُ الفَرَسِ الَّتِي جاءَ عَلَيْها جِبْرِيلُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ، كَما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ وقالَ في ”الأعْرافِ“ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] . والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: جَعَلَ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ ذَلِكَ الحُلِيَّ المَصُوغَ جَسَدًا مِن لَحْمٍ ودَمٍ، وهَذا هو ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الصُّورَةُ لَحْمًا، ولا دَمًا، ولَكِنْ إذا دَخَلَتْ فِيها الرِّيحُ صَوَّتَتْ كَخُوارِ العِجْلِ. والأوَّلُ أقْرَبُ لِظاهِرِ الآيَةِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ الجَمادَ لَحْمًا ودَمًا، كَما جَعَلَ آدَمَ لَحْمًا ودَمًا وكانَ طِينًا.

طه 20:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مُوسى رَجَعَ إلى قَوْمِهِ بَعْدَ مَجِيئِهِ لِلْمِيقاتِ في حالِ كَوْنِهِ في ذَلِكَ الرُّجُوعِ غَضْبانَ أسِفًا عَلى قَوْمِهِ مِن أجْلِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ. وَقَوْلُهُ أسِفًا أيْ: شَدِيدَ الغَضَبِ. فالأسَفُ هُنا: شِدَّةُ الغَضَبِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ أيْ: غَضْبانَ شَدِيدَ الغَضَبِ. ومِن إطْلاقِ الأسَفِ عَلى الغَضَبِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى في ”الزُّخْرُفِ“ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] أيْ: فَلَمّا أغْضَبُونا بِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ مَعَ تَوالِي الآياتِ عَلَيْهِمُ انْتَقَمْنا مِنهم. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأسَفُ هُنا الحُزْنُ، والجَزَعُ. أيْ: رَجَعَ مُوسى في حالِ كَوْنِهِ غَضْبانَ (p-٨٠)حَزِينًا جَزِعًا لِكُفْرِ قَوْمِهِ بِعِبادَتِهِمْ لِلْعِجْلِ. وقِيلَ: أسِفًا أيْ: مُغْتاظًا. وقائِلُ هَذا يَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ الغَضَبِ، والغَيْظِ: أنَّ اللَّهَ وصَفَ نَفْسَهُ بِالغَضَبِ، ولَمْ يَجُزْ وصْفُهُ بِالغَيْظِ. حَكاهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ. ولا يَخْفى عَدَمُ اتِّجاهِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ راجِعٌ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، ولا حاجَةَ في ذَلِكَ إلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ. وَقَوْلُهُ ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ حالانِ. وقَدْ قَدَّمْنا فِيما مَضى أنَّ التَّحْقِيقَ جَوازُ تَعَدُّدِ الحالِ مِن صاحِبٍ واحِدٍ مَعَ كَوْنِ العامِلِ واحِدًا. كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎والحالُ قَدْ يَجِيءُ ذا تَعَدُّدٍ لِمُفْرَدٍ فاعْلَمْ وغَيْرِ مُفْرَدٍ وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في آيَةِ ”طه“ هَذِهِ مِن كَوْنِ مُوسى رَجَعَ إلى قَوْمِهِ ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وذَكَرَ أشْياءَ مِن آثارِ غَضَبِهِ المَذْكُورِ، كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] . وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن آثارِ غَضَبِ مُوسى إلْقاءَهُ الألْواحَ الَّتِي فِيها التَّوْراةُ، وأخْذَهُ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، كَما قالَ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقالَ في ”طه“ مُشِيرًا لِأخْذِهِ بِرَأْسِ أخِيهِ: ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [ الآيَةَ ٩٤ ] . وهَذِهِ الآياتُ فِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الخَبَرَ لَيْسَ كالعِيانِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا أخْبَرَ مُوسى بِكُفْرِ قَوْمِهِ بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] وهَذا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ يَقِينٌ لا شَكَّ فِيهِ لَمْ يُلْقِ الألْواحَ، ولَكِنَّهُ لَمّا عايَنَ قَوْمَهُ حَوْلَ العِجْلِ يَعْبُدُونَهُ أثَّرَتْ فِيهِ مُعايَنَةُ ذَلِكَ أثَرًا لَمْ يُؤَثِّرْهُ فِيهِ الخَبَرُ اليَقِينُ بِذَلِكَ، فَألْقى الألْواحَ حَتّى تَكَسَّرَتْ، وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ لِما أصابَهُ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ مِنِ انْتِهاكِ حُرُماتِ اللَّهِ تَعالى. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“: وقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثْنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبّاحِ، حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسى لَيْسَ المُعايِنُ كالمُخْبَرِ، أخْبَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ قَوْمَهُ فُتِنُوا بَعْدَهُ فَلَمْ يُلْقِ الألْواحَ، فَلَمّا رَآهم وعايَنَهم ألْقى الألْواحَ» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ . (p-٨١)ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا رَجَعَ إلى قَوْمِهِ، ووَجَدَهم قَدْ عَبَدُوا العِجْلَ مِن بَعْدِهِ قالَ لَهم: ﴿ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ . وَأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في المُرادِ بِهَذا الوَعْدِ الحَسَنِ: أنَّهُ وعَدَهم أنْ يُنَزِّلَ عَلى نَبِيِّهِمْ كِتابًا فِيهِ كُلُّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن خَيْرِ الدُّنْيا، والآخِرَةِ. وهَذا الوَعْدُ الحَسَنُ المَذْكُورُ هُنا هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ الآيَةَ [طه: ٨٠] وفِيهِ أقْوالٌ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ الِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، يَعْنِي لَمْ يَطُلِ العَهْدُ. كَما يُقالُ في المَثَلِ: (وما بِالعَهْدِ مِن قِدَمٍ) . لِأنَّ طُولَ العَهْدِ مَظِنَّةُ النِّسْيانِ، والعَهْدُ قَرِيبٌ لَمْ يَطُلْ فَكَيْفَ نَسِيتُمْ ؟ وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ”أمْ“ هُنا هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: بَلْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم، ومَعْنى إرادَتِهِمْ حُلُولَ الغَضَبِ: أنَّهم فَعَلُوا ما يَسْتَوْجِبُ غَضَبَ رَبِّهِمْ بِإرادَتِهِمْ. فَكَأنَّهم أرادُوا الغَضَبَ لَمّا أرادُوا سَبَبَهُ، وهو الكُفْرُ بِعِبادَةِ العِجْلِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ كانُوا وعَدُوهُ أنْ يَتْبَعُوهُ لَمّا تَقَدَّمَهم إلى المِيقاتِ، وأنْ يَثْبُتُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. فَعَبَدُوا العِجْلَ وعَكَفُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَتْبَعُوا مُوسى. فَأخْلَفُوا مَوْعِدَهُ بِالكُفْرِ وعَدَمِ الذَّهابِ في أثَرِهِ، ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ ”بِمَلْكِنا“ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ”بِمُلْكِنا“ بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو ”بِمِلْكِنا“ بِكَسْرِ المِيمِ. والمَعْنى عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ: ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِأنْ مَلَكْنا أمَرَنا، فَلَوْ مَلَكْنا أمْرَنا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ. وهو اعْتِذارٌ مِنهم بِأنَّهم ما أخْلَفُوا المَوْعِدَ بِاخْتِيارِهِمْ، ولَكِنَّهم مَغْلُوبُونَ عَلى أمْرِهِمْ مِن جِهَةِ السّامِرِيِّ وكَيْدِهِ. وهو اعْتِذارٌ بارِدٌ ساقِطٌ كَما تَرى ! ولَقَدْ صَدَقَ مَن قالَ: ؎إذا كانَ وجْهُ العُذْرِ لَيْسَ بِبَيِّنٍ فَإنَّ اطِّراحَ العُذْرِ خَيْرٌ مِنَ العُذْرِ وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الَّذِينَ قالُوا لِمُوسى: ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. لِأنَّهم وعَدُوهُ أنْ يَتْبَعُوهُ، ولَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِن عِبادَةِ أكْثَرِهِمْ لِلْعِجْلِ تَأخَّرُوا عَنِ اتِّباعِ مُوسى بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَمْ يَتَجَرَّءُوا عَلى مُفارَقَتِهِمْ خَوْفًا مِنَ الفُرْقَةِ (p-٨٢)فالعُذْرُ لَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ﴿قالَ ياهارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٢] . والمَصْدَرُ في قَوْلِهِ بِمَلْكِنا مُضافٌ إلى فاعِلِهِ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: بِمَلْكِنا أمْرَنا. وقالَ القُرْطُبِيُّ: كَأنَّهُ قالَ بِمَلْكِنا الصَّوابَ بَلْ أخْطَأْنا. فَهو اعْتِرافٌ مِنهم بِالخَطَأِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾: الزَّمانُ، يُرِيدُ مُدَّةَ مُفارَقَتِهِ لَهم. * * تَنْبيهٌ كُلُّ فِعْلٍ مُضارِعٍ في القُرْآنِ مَجْزُومٌ بِـ ”لَمْ“ إذا تَقَدَّمَتْها هَمْزَةُ اسْتِفْهامِ. كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ فِيهِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ: الأوَّلُ: أنَّ مُضارَعَتَهُ تَنْقَلِبُ ماضَوِيَّةً، ونَفْيَهُ يَنْقَلِبُ إثْباتًا. فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: ألَمْ يَعِدْكم بِمَعْنى وعَدَكم، وقَوْلُهُ: ألَمْ نَشْرَحْ بِمَعْنى شَرَحْنا، وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ جَعَلْنا لَهُ عَيْنَيْنِ. وهَكَذا. ووَجْهُ انْقِلابِ المُضارَعَةِ ماضَوِيَّةً ظاهِرٌ، لِأنَّ ”لَمْ“ حَرْفُ قَلْبٍ تَقْلِبُ المُضارِعَ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ إلى مَعْنى المُضِيِّ كَما هو مَعْرُوفٌ. ووَجْهُ انْقِلابِ النَّفْيِ إثْباتًا أنَّ الهَمْزَةَ إنْكارِيَّةٌ، فَهي مُضَمَّنَةٌ مَعْنى النَّفْيِ، فَيَتَسَلَّطُ النَّفْيُ الكامِنُ فِيها عَلى النَّفْيِ الصَّرِيحِ في ”لَمْ“ فَيَنْفِيهِ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى الإثْباتِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْهامَ في ذَلِكَ التَّقْرِيرِ، وهو حَمْلُ المُخاطَبِ عَلى أنْ يُقِرَّ فَيَقُولُ ”بَلى“ وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ حَمَلُهم عَلى أنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُوا بَلى هَكَذا. ونَظِيرُ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحٍ فَإذا عَرَفْتَ أنَّ قَوْلَهُ هُنا ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ إلى قَوْلِهِ بِمَلْكِنا قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهِ أنَّ مُوسى لَمّا رَجَعَ إلَيْهِمْ في شِدَّةِ غَضَبٍ مِمّا فَعَلُوا وعاتَبَهم قالَ لَهم في ذَلِكَ العِتابِ ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ الآيَةَ [طه: ٨٦] فاعْلَمْ أنَّ بَعْضَ عِتابِهِ لَهم لَمْ يُبَيِّنْهُ هُنا، وكَذَلِكَ بَعْضُ فِعْلِهِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“ في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٠] (p-٨٣)وَبَيَّنَ بَعْضَ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ هُنا في ”طه“ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] .

طه 20:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ أبُو عَمْرٍو وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ حَمَلْنا بِفَتْحِ الحاءِ، والمِيمِ المُخَفَّفَةِ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ مُجَرَّدًا. وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”حُمِّلْنا“ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ المِيمِ المُشَدَّدَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. و ”نا“ عَلى القِراءَةِ الأُولى فاعِلُ ”حَمَلَ“ وعَلى الثّانِيَةِ نائِبُ فاعِلِ ”حُمِّلَ“ بِالتَّضْعِيفِ. والأوْزارُ في قَوْلِهِ أوْزارًا قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناها الأثْقالُ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناها الآثامُ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّها أحْمالٌ مِن حُلِيِّ القِبْطِ الَّذِي اسْتَعارُوهُ مِنهم. ووَجْهُ الثّانِي أنَّها آثامٌ وتَبِعاتٌ. لِأنَّهم كانُوا مَعَهم في حُكْمِ المُسْتَأْمَنِينَ في دارِ الحَرْبِ، ولَيْسَ لِلْمُسْتَأْمَنِ أنْ يَأْخُذَ مالَ الحَرْبِيِّ، ولِأنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَكُنْ تَحِلُّ لَهم. والتَّعْلِيلُ الأخِيرُ أقْوى. وَقَوْلُهُ: ﴿مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ المُرادُ بِالزِّينَةِ الحُلِيُّ، كَما يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ ألَمْ [الأعراف: ١٤٨] أيْ: ألَقَيْناها وطَرَحْناها في النّارِ الَّتِي أوْقَدَها السّامِرِيُّ في الحُفْرَةِ، وأمَرَنا أنْ نَطْرَحَ الحُلِيَّ فِيها. وأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في ذَلِكَ: هو أنَّهم جَعَلُوا جَمِيعَ الحُلِيِّ في النّارِ لِيَذُوبَ فَيَصِيرَ قِطْعَةً واحِدَةً. لِأنَّ ذَلِكَ أسْهَلُ لِحِفْظِهِ حَتّى يَرى نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى فِيهِ رَأْيَهُ. والسّامِرِيُّ يُرِيدُ تَدْبِيرَ خُطَّةٍ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَيْها. وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا جاءَ جِبْرِيلُ لِيَذْهَبَ بِمُوسى إلى المِيقاتِ وكانَ عَلى فَرَسٍ، أخَذَ السّامِرِيُّ تُرابًا مَسَّهُ حافِرُ تِلْكَ الفَرَسِ، ويَزْعُمُونَ في القِصَّةِ أنَّهُ عايَنَ مَوْضِعَ أثَرِها يَنْبُتُ فِيهِ النَّباتُ، فَتَفَرَّسَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِيها خاصِّيَّةَ الحَياةِ، فَأخَذَ تِلْكَ القَبْضَةَ مِنَ التُّرابِ واحْتَفَظَ بِها، فَلَمّا أرادُوا أنْ يَطْرَحُوا الحُلِيَّ في النّارِ لِيَجْعَلُوهُ قِطْعَةً واحِدَةً أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ وجَعَلُوهُ فِيها، ألْقى السّامِرِيُّ عَلَيْهِ تِلْكَ القَبْضَةَ مِنَ التُّرابِ المَذْكُورَةَ، وقالَ لَهُ: كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ. فَجَعَلَهُ اللَّهُ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ. فَقالَ لَهم: هَذا العِجْلُ هو إلاهُكم وإلَهُ مُوسى، كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ ياسامِرِيُّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٥٩] . (p-٨٤)وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ هو مِن بَقِيَّةِ اعْتِذارِهِمُ الفاسِدِ البارِدِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِذارَ مِنَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ لا مَن غَيْرِهِمْ، ولا يَبْعُدُ مَعَهُ احْتِمالُ أنَّهُ مِن غَيْرِهِمْ. لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يُعَيِّنُ كَوْنَ الِاعْتِذارِ مِنهم تَعَيُّنًا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ. ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا العُذْرَ عُذْرٌ لا وجْهَ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَنَسِيَ أيْ: نَسِيَ مُوسى إلَهَهُ هُنا وذَهَبَ يَطْلُبُهُ في مَحَلٍّ آخَرَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في حَدِيثِ الفُتُونِ. وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ فَنَسِيَ أيْ: نَسِيَ أنْ يُذَكِّرَكم بِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا فَنَسِيَ أيِ: السّامِرِيُّ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ، وصارَ كافِرًا بِادِّعاءِ أُلُوهِيَّةِ العِجْلِ وعِبادَتِهِ.

طه 20:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ . بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سَخافَةَ عُقُولِ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وكَيْفَ عَبَدُوا ما لا يَقْدِرُ عَلى رَدِّ الجَوابِ لِمَن سَألَهُ، ولا يَمْلِكُ نَفْعًا لِمَن عَبَدَهُ، ولا ضَرًّا لِمَن عَصاهُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْبُودَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عاجِزًا عَنِ النَّفْعِ، والضَّرَرِ ورَدِّ الجَوابِ. وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“ في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] ولا شَكَّ أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مَن لا يُكَلِّمُهُ، ولا يَهْدِيهِ سَبِيلًا إلَهًا أنَّهُ مِن أظْلَمِ الظّالِمِينَ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وقَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا: ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] . وقَدْ قَدَّمْنا (p-٨٥)الكَلامَ مُسْتَوْفًى في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي بَعْدَها أداةُ عَطْفٍ كالفاءِ، والواوِ، كَقَوْلِهِ هُنا: أفَلا يَرَوْنَ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ جَماهِيرُ القُرّاءِ ألّا يَرْجِعُ بِالرَّفْعِ لِأنَّ ”أنْ“ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ تَصْرِيحُهُ تَعالى بِالثَّقِيلَةِ في قَوْلِهِ في المَسْألَةِ بِعَيْنِها في ”الأعْرافِ“: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٨] ورَأى في آيَةِ ”طه، والأعْرافِ“ عَلَمِيَّةٌ عَلى التَّحْقِيقِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينًا أنَّ ذَلِكَ العِجْلَ المَصُوغَ مِنَ الحُلِيِّ لا يَنْفَعُ، ولا يَضُرُّ، ولا يَتَكَلَّمُ. واعْلَمْ أنَّ المُقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ: ”أنْ“ لَها ثَلاثُ حالاتٍ: الأُولى أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ قَوْلًا واحِدًا. ولا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”أنْ“ المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ. وضابِطُ هَذِهِ: أنْ تَكُونَ بَعْدَ فِعْلِ العِلْمِ وما جَرى مَجْراهُ مِنَ الأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى اليَقِينِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ [المزمل: ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ [الجن: ٢٨]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِّرا وَقَوْلِ الآخَرِ: ؎فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ وَإذا جاءَ بَعْدَ هَذِهِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ فِعْلٌ مُضارِعٌ فَإنَّهُ يُرْفَعُ، ولا يُنْصَبُ كَقَوْلِهِ: ؎عَلِمُوا أنْ يُؤَمَّلُونَ فَجادُوا ∗∗∗ قَبْلَ أنْ يُسْألُوا بِأعْظَمِ سُؤْلِ وَ ”أنْ“ هَذِهِ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ يَكُونُ اسْمُها مُسْتَكِنًّا غالِبًا، والأغْلَبُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ. وقِيلَ لا يَكُونُ إلّا ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وخَبَرُها الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَإنْ تُخَفَّفْ أنَّ فاسْمُها اسْتَكَنْ ∗∗∗ والخَبَرُ اجْعَلْ جُمْلَةً مِن بَعْدِ أنْ وَما سُمِعَ في شِعْرِ العَرَبِ مِن بُرُوزِ اسْمِها في حالِ كَوْنِهِ غَيْرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ فَمِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. كَقَوْلِ جَنُوبَ أُخْتِ عَمْرِو ذِي الكَلْبِ: ؎لَقَدْ عَلِمَ الضَّيْفُ والمُرْمِلُونَ ∗∗∗ إذا اغْبَرَّ أُفْقٌ وهَبَّتْ شَمالًا ؎بِأنَّكَ رَبِيعٌ وغَيْثٌ مُرْبِعٌ ∗∗∗ وأنَّكَ هُناكَ تَكُونُ الثِّمالا وَقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَلَوْ أنَّكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَألْتِنِي ∗∗∗ طَلاقَكِ لَمْ أبْخَلْ وأنْتِ صَدِيقُ (p-٨٦)الحالَةُ الثّانِيَةُ أنْ تَكُونَ مُحْتَمِلَةً لِكَوْنِها المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ. ومُحْتَمِلَةً لِأنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وَإنْ جاءَ بَعْدَها فِعْلٌ مُضارِعٌ جازَ نَصْبُهُ لِلِاحْتِمالِ الأوَّلِ، ورَفْعُهُ لِلِاحْتِمالِ الثّانِي، وعَلَيْهِ القِراءَتانِ السَّبْعِيَّتانِ في قَوْلِهِ ﴿وَحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [ ٥ ]، بِنَصْبِ ”تَكُونَ“ ورَفْعِهِ، وضابِطُ ”أنْ“ هَذِهِ أنْ تَكُونَ بَعْدَ فِعْلٍ يَقْتَضِي الظَّنَّ ونَحْوِهِ مِن أفْعالِ الرُّجْحانِ. وإذا لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ فاصْلٌ فالنَّصْبُ أرْجَحُ، ولِذا اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى النَّصْبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٢] وقِيلَ: إنَّ ”أنْ“ الواقِعَةَ بَعْدَ الشَّكِّ لَيْسَ فِيها إلّا النَّصْبُ. نَقَلَهُ الصَّبّانُ في حاشِيَتِهِ عَنْ أبِي حَيّانَ بِواسِطَةِ نَقْلِ السُّيُوطِيِّ. الحالَةُ الثّالِثَةُ: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ لَيْسَتْ بَعْدَ ما يَقْتَضِي اليَقِينَ، ولا الظَّنَّ ولَمْ يَجْرِ مَجْراهُما، فَهي المَصْدَرِيَّةُ النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ قَوْلًا واحِدًا. وإلى الحالاتِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ أشارَ بِقَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎وَبِلَنِ انْصِبْهُ وكَيْ كَذا بِأنْ ∗∗∗ لا بَعْدَ عِلْمٍ والَّتِي مِن بَعْدِ ظَنَّ ؎فانْصِبْ بِها والرَّفْعَ صَحِّحْ واعْتَقِدْ ∗∗∗ تَخَفِيفَها مِن أنَّ فَهْوَ مُطَّرِدْ * * تَنْبِيهٌ قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ العِجْلَ لَوْ كانَ يُكَلِّمُهم لَكانَ إلَهًا. لِأنَّ الشَّيْءَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِشُرُوطٍ كَثِيرَةٍ، فَفَواتُ واحِدٍ مِنها يَقْتَضِي فَواتَ المَشْرُوطِ، ولَكِنَّ حُصُولَ الواحِدِ فِيها لا يَقْتَضِي حُصُولَ المَشْرُوطِ انْتَهى كَلامُهُ. وَما ذَكَرَهُ مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ. فَكُلُّ ما تَوَقَّفَ عَلى شَرْطَيْنِ فَصاعِدًا لا يَحْصُلُ إلّا بِحُصُولِ جَمِيعِ الشُّرُوطِ. فَلَوْ قُلْتَ لِعَبْدِكَ: إنْ صامَ زَيْدٌ وصَلّى وحَجَّ فَأعْطِهِ دِينارًا. لَمْ يَجُزْ لَهُ إعْطاؤُهُ الدِّينارَ إلّا بِالشُّرُوطِ الثَّلاثَةِ. ومَحَلُّ هَذا ما لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقُ الشُّرُوطِ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ فَإنَّهُ يَكْفِي فِيهِ واحِدٌ. فَلَوْ قُلْتَ لِعَبْدِكَ: إنْ صامَ زَيْدٌ أوْ صَلّى فَأعْطِهِ دِرْهَمًا. فَإنَّهُ يَسْتَوْجِبُ إعْطاءَ الدِّرْهَمِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ. وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ في مَبْحَثِ المُخَصَّصاتِ المُتَّصِلَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَإنْ تَعَلَّقَ عَلى شَرْطَيْنِ شَيْءٌ فَبِالحُصُولِ لِلشَّرْطَيْنِ ؎وَما عَلى البَدَلِ قَدْ تَعَلَّقا ∗∗∗ فَبِحُصُولِ واحِدٍ تَحَقَّقا وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وقَدْ تَقَدَّمَ في حَدِيثِ الفُتُونِ عَنِ (p-٨٧)الحَسَنِ البَصْرِيِّ: أنَّ هَذا العِجْلَ اسْمُهُ يَهْمُوتِ. وحاصِلُ ما اعْتَذَرَ بِهِ هَؤُلاءِ الجَهَلَةُ: أنَّهم تَوَرَّعُوا عَنْ زِينَةِ القِبْطِ فَألْقَوْها عَنْهم وعَبَدُوا العِجْلَ، فَتَوَرَّعُوا عَنِ الحَقِيرِ وفَعَلُوا الأمْرَ الكَبِيرَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍ: أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ العِراقِ عَنْ دَمِ البَعُوضِ إذا أصابَ الثَّوْبَ. يَعْنِي هَلْ يُصَلِّي فِيهِ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: انْظُرُوا إلى أهْلِ العِراقِ قَتَلُوا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (يَعْنِي الحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وهم يَسْألُونَ عَنْ دَمِ البَعُوضَةِ انْتَهى مِنهُ.

طه 20:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا فَتَنَهُمُ السّامِرِيُّ وأضَلَّهم بِعِبادَةِ العِجْلِ، نَصَحَهم نَبِيُّ اللَّهِ هارُونُ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيَّنَ لَهم أنَّ عِبادَتَهُمُ العِجْلَ فِتْنَةٌ فُتِنُوا بِها. أيْ: كُفْرٌ وضَلالٌ ارْتَكَبُوهُ بِذَلِكَ، وبَيَّنَ لَهم أنَّ رَبَّهُمُ الرَّحْمَنُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ جَلَّ وعَلا، وأنَّ عِجْلًا مُصْطَنَعًا مِن حُلِيٍّ لا يَعْبُدُهُ إلّا مَفْتُونٌ ضالٌّ كافِرٌ. وأمَرَهم بِاتِّباعِهِ في تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، والوَفاءِ بِمَوْعِدِ مُوسى عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنْ يُطِيعُوهُ في ذَلِكَ. فَصارَحُوهُ بِالتَّمَرُّدِ، والعِصْيانِ، والدَّيْمُومَةِ عَلى الكُفْرِ حَتّى يَرْجِعَ مُوسى. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَلَغَ مَعَهم غايَةَ جُهْدِهِ وطاقَتِهِ، وأنَّهُمُ اسْتَضْعَفُوهُ وتَمَرَّدُوا عَلَيْهِ ولَمْ يُطِيعُوهُ. وَقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، . فَقَوْلُهُ عَنْهم في خِطابِهِمْ لَهُ ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى اسْتِضْعافِهِمْ لَهُ وتَمَرُّدِهِمْ عَلَيْهِ المُصَرَّحِ بِهِ في ”الأعْرافِ“ كَما بَيَّنّا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ الكَرِيماتِ ما نَصُّهُ: وسُئِلَ الإمامُ أبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ: ما يَقُولُ سَيِّدُنا الفَقِيهُ في مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ ؟ واعْلَمْ حَرَسَ اللَّهُ مُدَّتَهُ: أنَّهُ اجْتَمَعَ جَماعَةٌ مِن رِجالٍ فَيُكْثِرُونَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهم يُوقِعُونَ بِالقَضِيبِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأدِيمِ، ويَقُومُ بَعْضُهم يَرْقُصُ ويَتَواجَدُ حَتّى يَقَعَ مُغْشِيًّا عَلَيْهِ، ويُحْضِرُونَ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ. هَلَ الحُضُورُ مَعَهم جائِزٌ أمْ لا ؟ أفْتُونا مَأْجُورِينَ. وهَذا القَوْلُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ: يا شَيْخُ كُفَّ عَنِ الذُّنُوبِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ والزَّلَلْ(p-٨٨) ؎واعْمَلْ لِنَفْسِكَ صالِحًا ما دامَ يَنْفَعُكَ العَمَلْ ؎أمّا الشَّبابُ فَقَدْ مَضى ∗∗∗ ومَشِيبُ رَأْسِكَ قَدْ نَزَلْ وَفِي مِثْلِ هَذا ونَحْوِهِ الجَوابُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ: مَذْهَبُ الصُّوفِيَّةِ بَطالَةٌ وجَهالَةٌ وضَلالَةٌ، وما الإسْلامُ إلّا كِتابُ اللَّهِ وسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ . وأمّا الرَّقْصُ، والتَّواجُدُ: فَأوَّلُ مَن أحْدَثَهُ أصْحابُ السّامِرِيِّ لَمّا اتَّخَذَ لَهم عِجَلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ، قامُوا يَرْقُصُونَ حَوالَيْهِ، ويَتَواجَدُونَ، فَهو دِينُ الكُفّارِ وعِبادَةُ العِجْلِ. وأمّا القَضِيبُ: فَأوَّلُ مَنِ اتَّخَذَهُ الزَّنادِقَةُ لِيَشْغَلُوا بِهِ المُسْلِمِينَ عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى. وإنَّما كانَ يَجْلِسُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ كَأنَّما عَلى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ مِنَ الوَقارِ. فَيَنْبَغِي لِلسُّلْطانِ ونُوّابِهِ أنْ يَمْنَعَهم مِن حُضُورِ المَساجِدِ، وغَيْرِها. ولا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَحْضُرَ مَعَهم، ولا أنْ يُعِينَهم عَلى باطِلِهِمْ. هَذا مَذْهَبُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وغَيْرِهِمْ مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ عَلى الحَقِّ. ولا شَكَّ أنَّ مِنهم مَن هو عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ مِنَ العَمَلِ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وبِذَلِكَ عالَجُوا أمْراضَ قُلُوبِهِمْ وحَرَسُوها، وراقَبُوها وعَرَفُوا أحْوالَها، وتَكَلَّمُوا عَلى أحْوالِ القُلُوبِ كَلامًا مُفَصَّلًا كَما هو مَعْلُومٌ، كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، أوِ ابْنِ أحْمَدَ بْنِ عَطِيَّةَ، أوِ ابْنِ عَسْكَرٍ أعْنِي أبا سُلَيْمانَ الدّارانِيَّ، وكَعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي كانَ يُقالُ لَهُ حَكَمُ الأُمَّةِ، وأضْرابِهِما، وكَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ، أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ، وأبِي عُثْمانَ النَّيْسابُورِيِّ، ويَحْيى بْنِ مُعاذٍ الرّازِيِّ، والجُنَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، ومَن سارَ عَلى مِنوالِهِمْ، لِأنَّهم عالَجُوا أمْراضَ أنْفُسِهِمْ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، ولا يَحِيدُونَ عَنِ العَمَلِ بِالكِتابِ، والسُّنَّةِ ظاهِرًا وباطِنًا، ولَمْ تَظْهَرْ مِنهم أشْياءٌ تُخالِفُ الشَّرْعَ. فالحُكْمُ بِالضَّلالِ عَلى جَمِيعِ الصُّوفِيَّةِ لا يَنْبَغِي، ولا يَصِحُّ عَلى إطْلاقِهِ، والمِيزانُ الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ، والباطِلِ في ذَلِكَ هو كِتابُ اللَّهِ وسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ . فَمَن كانَ مِنهم مُتَّبِعًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وهَدْيِهِ وسَمْتِهِ، كَمَن ذَكَرْنا وأمْثالِهِمْ، فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ العُلَماءِ العامِلِينَ، ولا يَجُوزُ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ. وأمّا مَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَهو الضّالُّ. نَعَمْ، صارَ المَعْرُوفُ في الآوِنَةِ الأخِيرَةِ، وأزْمِنَةٍ كَثِيرَةٍ قَبْلَها بِالِاسْتِقْراءِ، أنَّ عامَّةَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ التَّصَوُّفَ في أقْطارِ الدُّنْيا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم دَجاجِلَةٌ يَتَظاهَرُونَ بِالدِّينِ لِيُضِلُّوا العَوامَّ الجَهَلَةَ وضِعافَ العُقُولِ مِن طَلَبَةِ العِلْمِ، لِيَتَّخِذُوا بِذَلِكَ أتْباعًا وخَدَمًا، (p-٨٩)وَأمْوالًا وجاهًا، وهم بِمَعْزِلٍ عَنْ مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ الحَقِّ، لا يَعْمَلُونَ بِكِتابِ اللَّهِ، ولا بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ، واسْتِعْمارُهم لِأفْكارِ ضِعافِ العُقُولِ أشَدُّ مِنِ اسْتِعْمارِ كُلِّ طَوائِفِ المُسْتَعْمِرِينَ. فَيَجِبُ التَّباعُدُ عَنْهم، والِاعْتِصامُ مِن ضَلالَتِهِمْ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ، ولَوْ ظَهَرَ عَلى أيْدِيهِمْ بَعْضُ الخَوارِقِ، ولَقَدْ صَدَقَ مَن قالَ: ؎إذا رَأيْتَ رَجُلًا يَطِيرُ ∗∗∗ وفَوْقَ ماءِ البَحْرِ قَدْ يَسِيرُ ؎وَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرْعِ ∗∗∗ فَإنَّهُ مُسْتَدْرِجٌ أوْ بِدْعِي والقَوْلُ الفَصْلُ في ذَلِكَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٣]، فَمَن كانَ عَمَلُهُ مُخالِفًا لِلشَّرْعِ كَمُتَصَوِّفَةِ آخِرِ الزَّمانِ فَهو الضّالُّ. ومَن كانَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِما جاءَ بِهِ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو المُهْتَدِي. نَرْجُو اللَّهَ تَعالى أنْ يَهْدِيَنا وإخْوانَنا المُؤْمِنِينَ، وألّا يُزِيغَنا، ولا يُضِلَّنا عَنِ العَمَلِ بِكِتابِهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ الَّتِي هي مَحَجَّةٌ بَيْضاءُ، لَيْلُها كَنَهارِها، لا يَزِيغُ عَنْها إلّا هالِكٌ.

طه 20:92

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ . قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ”لا“ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. واسْتَدَلَّ مَن قالَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، قالَ لِأنَّ المُرادَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في القِصَّةِ بِعَيْنِها في سُورَةِ ”ص“: ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآيَةَ [ ٣٨ ] . فَحَذَفَ لَفْظَةَ ”لا“ في ”ص“ مَعَ ثُبُوتِها في ”الأعْرافِ“، والمَعْنى واحِدٌ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ عُرِفَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّ زِيادَةَ لَفْظَةِ ”لا“ في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ لِتَوْكِيدِهِ مُطَّرِدَةٌ. • كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ أيْ: ما مَنَعَكَ أنْ تَتْبَعَنِي، وقَوْلُهُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في ”ص“: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآيَةَ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٩] . أيْ: لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ، • وقَوْلِهِ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥]، أيْ فَوَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ [ ٤١ ]، (p-٩٠)أيْ: والسَّيِّئَةُ، • وقَوْلِهِ: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٥١] عَلى أحَدِ الأقْوالِ فِيها. وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ يَعْنِي فَوَأبِيكِ. وقَوْلُ أبِي النَّجْمِ: ؎فَما ألُومُ البِيضَ ألّا تَسْخَرا ∗∗∗ لَمّا رَأيْنَ الشَّمِطَ القَفَنْدَرا يَعْنِي أنْ تَسْخَرَ، وقَوْلُ الآخَرَ: ؎ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمُ ∗∗∗ والأطْيَبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ يَعْنِي وعُمَرُ. وقَوْلُ الآخَرِ: ؎وَتَلْحَيْنَنِي في اللَّهْوِ ألّا أُحِبَّهُ ∗∗∗ ولِلَّهْوِ داعٍ دائِبٌ غَيْرُ غافِلِ يَعْنِي أنْ أُحِبَّهُ، و ”لا“ مَزِيدَةٌ في جَمِيعِ الأبْياتِ لِتَوْكِيدِ الجَحْدِ فِيها. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّها لا تُزادُ إلّا في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ كالأمْثِلَةِ المُتَقَدِّمَةِ. والمُرادُ بِالجَحْدِ النَّفْيُ وما يُشْبِهُ كالمَنعِ في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ﴾ [طه: ٨٩]، ونَحْوِ ذَلِكَ. والَّذِي يَظْهَرُ لَنا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. أنَّ زِيادَةَ لَفْظَةِ ”لا“ لِتَوْكِيدِ الكَلامِ وتَقْوِيَتِهِ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وهو في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ أغْلَبُ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مَسْمُوعٌ في غَيْرِهِ. وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ لِزِيادَةِ ”لا“ قَوْلَ ساعِدَةَ الهُذَلِيِّ: ؎أفَعَنْكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثْقَبُ وَيُرْوى ”أفَمِنكَ“ بَدَلَ ”أفَعَنْكَ“ و ”تَشَيَّمَهُ“ بَدَلَ ”تَسَنَّمَهُ“ يَعْنِي أعَنْكَ بَرْقٌ بِـ ”لا“ زائِدَةٍ لِلتَّوْكِيدِ، والكَلامُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الجَهْدِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ∗∗∗ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ يَعْنِي كادَ يَتَقَطَّعُ. وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لِزِيادَةِ ”لا“ قَوْلَ العَجّاجِ: ؎فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرى وما شَعَرْ ∗∗∗ بِإفْكِهِ حَتّى رَأى الصُّبْحَ جَشَرْ والحُورُ الهَلَكَةُ. يَعْنِي في بِئْرِ هَلَكَةٍ، ولا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ. (p-٩١)والكَلامُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”البَلَدِ“ .

طه 20:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ . الظّاهِرُ أنَّ أمْرَهُ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] . وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى اقْتِضاءِ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ. لِأنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ المَعْصِيَةِ عَلى عَدَمِ امْتِثالِ الأمْرِ، والنُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ: • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فَجَعَلَ أمْرَهُ وأمْرَ رَسُولِهِ ﷺ مانِعًا مِنَ الِاخْتِيارِ، مُوجِبًا لِلِامْتِثالِ. • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَوَبَّخَهُ هَذا التَّوْبِيخَ الشَّدِيدَ عَلى عَدَمِ امْتِثالِ الأمْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِصِيغَةِ افْعُلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [طه: ١١٦]، . وجَماهِيرُ الأُصُولِيِّينَ عَلى أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ المُجَرَّدَةَ عَنِ القَرائِنِ تَقْتَضِي الوُجُوبَ لِلْأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وغَيْرِها مِمّا هو مُماثِلٌ لَها. وإلى ذَلِكَ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وافْعَلْ لَدى الأكْثَرِ لِلْوُجُوبِ وقِيلَ لِلنَّدْبِ أوِ المَطْلُوبِ . . إلَخْ.

طه 20:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ هارُونَ قالَهُ لِأخِيهِ مُوسى ﴿ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ أرادَ أنْ يُمْسِكَ بِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في ”الأعْرافِ“ أنَّهُ أخَذَ بِرَأْسِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، . وقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]، مِن بَقِيَّةِ كَلامِ هارُونَ. أيْ: خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنْ تَقُولَ لِي لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي أيْ: لَمْ تَعْمَلْ بِوَصِيَّتِي وتَمْتَثِلْ أمْرِي. * * (p-٩٢)تَنْبيهٌ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِضَمِيمَةِ آيَةِ ”الأنْعامِ“ إلَيْها تَدُلُّ عَلى لُزُومِ إعْفاءِ اللِّحْيَةِ، فَهي دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ عَلى إعْفاءِ اللِّحْيَةِ وعَدَمِ حَلْقِها. وآيَةُ الأنْعامِ المَذْكُورَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨٤] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ أنْ عَدَّ الأنْبِياءَ الكِرامَ المَذْكُورِينَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ ٦ ]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هارُونَ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أمَرَ نَبِيُّنا ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ، وأمْرُهُ ﷺ بِذَلِكَ أمْرٌ لَنا. لِأنَّ أمْرَ القُدْوَةِ أمْرٌ لِأتْباعِهِ كَما بَيَّنّا إيضاحَهُ بِالأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ وقَدْ قَدَّمْنا هُناكَ: أنَّهُ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّ مُجاهِدًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ أُخِذَتِ السَّجْدَةُ في ”ص“ قالَ: أوْ ما تَقْرَأُ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ ٦ ]، فَسَجَدَها داوُدُ فَسَجَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ» فَإذا عَلِمْتَ بِذَلِكَ أنَّ هارُونَ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أُمِرَ نَبِيُّنا ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، وعَلِمْتَ أنَّ أمْرَهُ أمْرٌ لَنا. لِأنَّ لَنا فِيهِ الأُسْوَةَ الحَسَنَةَ، وعَلِمْتَ أنَّ هارُونَ كانَ مُوَفِّرًا شَعْرَ لِحْيَتِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِأخِيهِ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ لِأنَّهُ لَوْ كانَ حالِقًا لَما أرادَ أخُوهُ الأخْذَ بِلِحْيَتِهِ تَبَيَّنَ لَكَ مِن ذَلِكَ بِإيضاحٍ: أنَّ إعْفاءَ اللِّحْيَةِ مِنَ السَّمْتِ الَّذِي أُمِرْنا بِهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وأنَّهُ كانَ سَمْتُ الرُّسُلِ الكِرامِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ. والعَجَبُ مِنَ الَّذِينَ مَضَخَتْ ضَمائِرُهم، واضْمَحَلَّ ذَوْقُهم، حَتّى صارُوا يَفِرُّونَ مِن صِفاتِ الذُّكُورِيَّةِ، وشَرَفِ الرُّجُولَةِ، إلى خُنُوثَةِ الأُنُوثَةِ، ويُمَثِّلُونَ بِوُجُوهِهِمْ بِحَلْقِ أذْقانِهِمْ، ويَتَشَبَّهُونَ بِالنِّساءِ حَيْثُ يُحاوِلُونَ القَضاءَ عَلى أعْظَمِ الفَوارِقِ الحِسِّيَّةِ بَيْنَ الذَّكَرِ، والأُنْثى وهو اللِّحْيَةُ. وقَدْ كانَ ﷺ كَثَّ اللِّحْيَةِ، وهو أجْمَلُ الخَلْقِ وأحْسَنُهم صُورَةً. والرِّجالُ الَّذِينَ أخَذُوا كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ، ودانَتْ لَهم مَشارِقُ الأرْضِ ومَغارِبُها: لَيْسَ فِيهِمْ حالِقٌ. نَرْجُو اللَّهَ أنْ يُرِيَنا وإخْوانَنا المُؤْمِنِينَ الحَقَّ حَقًّا، ويَرْزُقَنا اتِّباعَهُ، والباطِلَ باطِلًا ويَرْزُقَنا اجْتِنابَهُ. أمّا الأحادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى إعْفاءِ اللِّحْيَةِ، فَلَسْنا بِحاجَةٍ إلى ذِكْرِها لِشُهْرَتِها بَيْنَ النّاسِ، وكَثْرَةِ الرَّسائِلِ المُؤَلَّفَةِ في ذَلِكَ. وقَصَدْنا هُنا أنْ نُبَيِّنَ دَلِيلَ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ. وإنَّما قالَ هارُونُ لِأخِيهِ ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ﴾ لِأنَّ قَرابَةَ الأُمِّ أشَدُّ عَطْفًا وحَنانًا مِن قَرابَةِ الأبِ. وَأصْلُهُ يا ابْنَ أُمِّي بِالإضافَةِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، ويَطَّرِدُ حَذْفُ الياءِ وإبْدالُها ألِفًا وحَذْفُ الألِفِ المُبْدَلَةِ مِنها كَما هُنا، وإلى ذَلِكَ أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَفَتْحٌ أوْ كَسْرٌ وحَذْفُ اليا اسْتَمَرْ في يا بْنَ أُمَّ يا بْنَ عَمَّ لا مَفَرْ (p-٩٣)وَأمّا ثُبُوتُ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَيَقُولُ حَرْمَلَةُ بْنُ المُنْذِرِ: ؎يا ابْنَ أُمِّي ويا شَقِيقِيَ ∗∗∗ نَفْسِي أنْتَ خَلَّيْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدِ فَلُغَةٌ قَلِيلَةٌ. وقالَ بَعْضُهم: هو لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وقَوْلُهُ ”يا ابْنَ أُمَّ“ قَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِها. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] .

طه 20:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ العِجْلَ الَّذِي صَنَعَهُ السّامِرِيُّ مِن حُلِيِّ القِبْطِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلاهًا ؟ وذَلِكَ لِأنَّهُ حَصَرَ الإلَهَ أيِ: المَعْبُودَ بِحَقٍّ بِـ إنَّما الَّتِي هي أداةُ حَصْرٍ عَلى التَّحْقِيقِ في خالِقِ السَّماواتِ، والأرْضِ. الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو. أيْ: لا مَعْبُودَ بِالحَقِّ إلّا هو وحْدَهُ جَلَّ وعَلا، وهو الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا. وقَوْلُهُ عِلْمًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، أيْ: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ. وَما ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن أنَّهُ تَعالى هو الإلَهُ المَعْبُودُ بِحَقٍّ دُونَ غَيْرِهِ، وأنَّهُ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ذَكَرَهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ تَعالى. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢]، وقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ الآيَةَ [محمد: ١٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلِهِ في إحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

طه 20:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ . الكافُ في قَوْلِهِ كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما سَبَقَ قَصَصًا مِثْلَ ذَلِكَ القَصَصِ الحَسَنِ الحَقِّ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ عَنْ مُوسى وهارُونَ، وعَنْ مُوسى وقَوْمِهِ، والسّامِرِيِّ. والظّاهِرُ أنَّ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم لَمْ يُقْصَصْ عَلَيْهِ خَبَرُهُ ويَدُلُّ لِهَذا (p-٩٤)المَفْهُومِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”النِّساءِ“: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، وقَوْلُهُ في سُورَةِ ”المُؤْمِنِ“: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، قَوْلُهُ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ [إبراهيم: ٩]، . والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ وهو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ قَصَّ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ أخْبارَ الماضِينَ. أيْ: لِيُبَيِّنَ بِذَلِكَ صِدْقَ نُبُوَّتِهِ، لِأنَّهُ أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ، ولا يَقْرَأُ الكُتُبَ، ولَمْ يَتَعَلَّمْ أخْبارَ الأُمَمِ وقِصَصَهم. فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ ذَلِكَ لَما عَلِمَهُ. بَيَّنَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، • كَقَوْلِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، أيْ: فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْكَ ذَلِكَ لَما كانَ لَكَ عِلْمٌ بِهِ. • وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”هُودٍ“ ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]، • وقَوْلِهِ في ”هُودٍ“ أيْضًا: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ الآيَةَ [هود: ١٢٠] . • وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”يُوسُفَ“: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢]، • وقَوْلِهِ في ”يُوسُفَ“ أيْضًا: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، • وقَوْلِهِ في ”القَصَصِ“: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]، • وقَوْلِهِ فِيها: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ [القصص: ٤٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [القصص: ٤٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. يَعْنِي لَمْ تَكُنْ حاضِرًا يا نَبِيَّ اللَّهِ لِتِلْكَ الوَقائِعِ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْكَ ذَلِكَ لَما عَلِمْتَهُ. وقَوْلِهِ ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ أيْ: أخْبارِ ما مَضى مِن أحْوالِ الأُمَمِ، والرُّسُلِ. * * قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ . أيْ: أعْطَيْناكَ مِن عِنْدِنا ذِكْرًا وهو هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ. • كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٩٥)﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ ٣٨ ]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٤٤] • وقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ثُمَّ في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابٌ فِيهِ ذِكْرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وَثانِيها: أنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعَ آلاءِ اللَّهِ ونَعْمائِهِ تَعالى. فَفِيهِ التَّذْكِيرُ، والمَواعِظُ. وَثالِثُها: أنَّهُ فِيهِ الذِّكْرُ، والشَّرَفُ لَكَ ولِقَوْمِكَ عَلى ما قالَ: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، . واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى كُلَّ كُتُبِهِ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ٧]، ا ه المُرادُ مِن كَلامِ الرّازِيِّ. وَيَدُلُّ لِلْوَجْهِ الثّانِي في كَلامِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ . [طه: ١١٣] .

طه 20:100

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ هَذا الذِّكْرِ الَّذِي هو القُرْآنُ العَظِيمُ، أيْ: صَدَّ وأدْبَرَ عَنْهُ، ولَمْ يَعْمَلْ بِما فِيهِ مِنَ الحَلالِ، والحَرامِ، والآدابِ، والمَكارِمِ، ولَمْ يَعْتَقِدْ ما فِيهِ مِنَ العَقائِدِ ويَعْتَبِرُ بِما فِيهِ مِنَ القَصَصِ، والأمْثالِ، ونَحْوَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يُرِيدُ بِالوِزْرِ العُقُوبَةَ الثَّقِيلَةَ الباهِظَةَ. سَمّاها وِزْرًا تَشْبِيهًا في ثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها، بِالحِمْلِ الَّذِي يَفْدَحُ الحامِلَ ويَنْقُضُ ظَهْرَهُ، ويُلْقِي عَلَيْهِ بِوِزْرِهِ. أوْ لِأنَّها جَزاءُ الوِزْرِ وهو الإثْمُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ دَلَّتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ: عَلى أنَّ المُجْرِمِينَ يَأْتُونَ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُونَ أوْزارَهم. أيْ: أثْقالَ ذُنُوبِهِمْ عَلى ظُهُورِهِمْ. • كَقَوْلِهِ في (p-٩٦)سُورَةِ ”الأنْعامِ“: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]، • وقَوْلِهِ في ”النَّحْلِ“: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، • وقَوْلِهِ في ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ ولَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]، • وقَوْلِهِ في ”فاطِرٍ“: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨]، . وَبِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا وأمْثالِها في القُرْآنِ تَعْلَمُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ١٠٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ١٠١]، أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الوِزْرِ المَحْمُولِ أثْقالُ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ يَأْتُونَ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُونَها: سَواءٌ قُلْنا إنَّ أعْمالَهُمُ السَّيِّئَةُ تَتَجَسَّمُ في أقْبَحِ صُورَةٍ وأنْتَنِها، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. وقَدْ قَدَّمْنا عَمَلَ ”ساءَ“ الَّتِي بِمَعْنى بِئْسَ مِرارًا. فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ . قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ يُرِيدُ مُقِيمِينَ فِيهِ، أيْ: في جَزائِهِ، وجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ. تَنْبِيهٌ إفْرادُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: أعْرَضَ • وقَوْلِهِ: فَإنَّهُ • وقَوْلِهِ: يَحْمِلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ”مَن“ وأمّا جَمْعُ خالِدِينَ وضَمِيرُ لَهم ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَبِاعْتِبارِ مَعْنى مِن. • كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ [طه: ١٠١]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ الآيَةَ [الجن: ٢٣] . وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنْ قُلْتَ: اللّامُ في ”لَهم“ ما هي ؟ وبِمَ تَتَعَلَّقُ ؟ قُلْتُ: هي لِلْبَيانِ كَما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ . [يوسف: ٢٣] .

طه 20:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهم يَسْألُونَهُ عَنِ الجِبالِ، وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: (p-٩٧)إنَّ رَبَّهُ يَنْسِفُها نَسْفًا، وذَلِكَ بِأنْ يَقْلَعَها مِن أُصُولِها، ثُمَّ يَجْعَلَها كالرَّمْلِ المُتَهايِلِ الَّذِي يَسِيلُ، وكالصُّوفِ المَنفُوشِ تُطَيِّرُها الرِّياحُ هَكَذا وهَكَذا. واعْلَمْ أنَّهُ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ الأحْوالَ الَّتِي تَصِيرُ إلَيْها الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ. فَبَيَّنَ أنَّهُ يَنْزِعُها مِن أماكِنِها ويَحْمِلُها فَيَدُكُّها دَكًّا. وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٤]، . ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يُسَيِّرُها في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٧ - ٨٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٧] • وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩ - ١٠]، . ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يُفَتِّتُها ويَدُقُّها كَقَوْلِهِ ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ أيْ: فُتِّتَتْ حَتّى صارَتْ كالبَسِيسَةِ، وهي دَقِيقٌ مَلْتُوتٌ بِسَمْنٍ أوْ نَحْوِهِ عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ، وقَوْلِهِ: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، . ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يُصَيِّرُها كالرَّمْلِ المُتَهايِلِ، وكالعِهْنِ المَنفُوشِ ؟ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩]، في ”المَعارِجِ، والقارِعَةِ“ . والعِهْنُ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى في مُعَلَّقَتِهِ: ؎كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّها تَصِيرُ كالهَباءِ المُنْبَثِّ في قَوْلِهِ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّها تَصِيرُ سَرابًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، وقَدْ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ السَّرابَ لا شَيْءَ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وبَيَّنَ أنَّهُ يَنْسِفُها نَسْفًا في قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥]، . * * تَنْبِيهٌ (p-٩٨)جَرَتِ العادَةُ في القُرْآنِ: أنَّ اللَّهَ إذا قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: يَسْألُونَكَ قالَ لَهُ قُلْ بِغَيْرِ فاءٍ. • كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨٥] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٩] • وقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٥] • وقَوْلِهِ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤] • وقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، أمّا في آيَةِ ”طه“ هَذِهِ فَقالَ فِيها: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها﴾ [طه: ١٠٥] بِالفاءِ. وقَدْ أجابَ القُرْطُبِيُّ عَنْ هَذا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِما نَصُّهُ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ أيْ: عَنْ حالِ الجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَقُلْ. جاءَ هَذا بِفاءٍ، وكُلُّ سُؤالٍ في القُرْآنِ ”قُلْ“ بِغَيْرِ فاءٍ إلّا هَذا؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ سَألُوكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ، فَتَضَمَّنَ الكَلامُ مَعْنى الشَّرْطِ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يَسْألُونَهُ عَنْها فَأجابَهم قَبْلَ السُّؤالِ. وتِلْكَ أسْئِلَةٌ تَقَدَّمَتْ، سَألُوا عَنْها النَّبِيَّ ﷺ فَجاءَ الجَوابُ عَقِبَ السُّؤالِ. فَلِذَلِكَ كانَ بِغَيْرِ فاءٍ. وهَذا سُؤالٌ لَمْ يَسْألُوهُ عَنْهُ بَعْدُ فَتَفَهَّمْهُ انْتَهى مِنهُ. وما ذَكَرَهُ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

طه 20:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَيَذَرُها فِيهِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى الأرْضِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ. ونَظِيرُ هَذا القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقَوْلُهُ: ﴿ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ١٦]، فالضَّمِيرُ فِيهِما راجِعٌ إلى الأرْضِ ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ. وقَدْ بَيَّنّا شَواهِدَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِيَّةِ، والقُرْآنِ بِإيضاحٍ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى مَنابِتِ الجِبالِ الَّتِي هي مَراكِزُها ومَقارُّها لِأنَّها مَفْهُومَةٌ مِن ذِكْرِ الجِبالِ. والمَعْنى: فَيَذَرُ مَواضِعَها الَّتِي كانَتْ مُسْتَقِرَّةً فِيها مِنَ الأرْضِ قاعًا صَفْصَفًا. والقاعُ: المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مُسْتَنْقَعُ الماءِ. والصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي الأمْلَسُ (p-٩٩)الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، ولا بِناءَ، فَإنَّهُ عَلى صَفٍّ واحِدٍ في اسْتِوائِهِ. وأنْشَدَ لِذَلِكَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ الأعْشى: ؎وَكَمْ دُونَ بَيْتِكَ مِن صَفْصَفٍ ودَكْداكِ رَمْلٍ وأعْقادِها وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎وَمَلْمُومَةٌ شَهْباءُ لَوْ قَذَفُوا بِها ∗∗∗ شَمارِيخَ مِن رَضْوى إذًا عادَ صَفْصَفًا وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]، أيْ: لا اعْوِجاجَ فِيها، ولا أمْتَ. والأمْتُ: النُّتُوءُ اليَسِيرُ. أيْ: لَيْسَ فِيها اعْوِجاجٌ، ولا ارْتِفاعٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، بَلْ هي مُسْتَوِيَةٌ، ومِن إطْلاقِ الأمْتِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ قَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎فاجْرَمَّزَتْ ثُمَّ سارَتْ وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ في كافِرٍ ما بِهِ أمْتٌ، ولا شَرَفٌ وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎فَأبْصَرَتْ لَمْحَةً مِن رَأْسِ عِكْرِشَةٍ ∗∗∗ في كافِرٍ ما بِهِ أمْتٌ ولا عِوَجٌ والكافِرُ في البَيْتَيْنِ: قِيلَ اللَّيْلُ. وقِيلَ المَطَرُ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ العَيْنَ مِن رُؤْيَةِ الِارْتِفاعِ، والِانْحِدارِ في الأرْضِ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ، والعَوَجِ فَقالُوا. العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجِ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ. والأرْضُ عَيْنٌ، فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْتُ اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ حَسَنٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ، والمَلاسَةِ، ونَفْيِ الِاعْوِجاجِ عَنْها عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ. وذَلِكَ أنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها، وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ عَلى عَيْنِكِ وعُيُونِ البُصَراءِ مِنَ الفِلاحَةِ، واتَّفَقْتُمْ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيها اعْوِجاجٌ قَطُّ، ثُمَّ اسْتَطْلَعْتَ رَأْيَ المُهَنْدِسِ فِيها، وأمَرْتَهُ أنْ يَعْرِضَ اسْتِواءَها عَلى المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ لَعَثَرَ فِيها عَلى عِوَجٍ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لا يُدْرَكُ ذَلِكَ بِحاسَّةِ البَصَرِ، ولَكِنْ بِالقِياسِ الهَنْدَسِيِّ، فَنَفى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ العِوَجَ الَّذِي دَقَّ ولَطُفَ عَنِ الإدْراكِ، اللَّهُمَّ إلّا بِالقِياسِ الَّذِي يَعْرِفُهُ صاحِبُ التَّقْدِيرِ، والهَنْدَسَةِ، وذَلِكَ الِاعْوِجاجُ لَمّا لَمْ يُدْرَكْ إلّا بِالقِياسِ دُونَ الإحْساسِ لَحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ: عِوَجٌ بِالكَسْرِ، والأمْتُ: النُّتُوءُ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ. انْتَهى مِنهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ ما يُغْنِي عَنْ هَذا الكَلامِ الَّذِي ذَكَرَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

طه 20:108

(p-١٠٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ . قَوْلُهُ يَوْمَئِذٍ أيْ: يَوْمَ إذْ نُسِفَتِ الجِبالُ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ. والدّاعِي: هو المَلَكُ الَّذِي يَدْعُوهم إلى الحُضُورِ لِلْحِسابِ. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: يُنادِيهِمْ أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ، والأوْصالُ المُتَفَرِّقَةُ، واللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ، قُومِي إلى رَبِّكِ لِلْحِسابِ، والجَزاءِ، فَيَسْمَعُونَ الصَّوْتَ ويَتْبَعُونَهُ. ومَعْنى ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾: أيْ: لا يَحِيدُونَ عَنْهُ، ولا يَمِيلُونَ يَمِينًا، ولا شِمالًا. وقِيلَ: لا عِوَجَ لِدُعاءِ المَلَكِ عَنْ أحَدٍ، أيْ: لا يَعْدِلُ بِدُعائِهِ عَنْ أحَدٍ، بَلْ يَدْعُوهم جَمِيعًا. وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنِ اتِّباعِهِمْ لِلدّاعِي لِلْحِسابِ، وعَدَمِ عُدُولِهِمْ عَنْهُ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وزادَ أنَّهم يُسْرِعُونَ إلَيْهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٦ - ٨]، والإهْطاعُ: الإسْراعُ: • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤١ - ٤٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيْ: خُفِّضَتْ وخَفُتَتْ، وسَكَنَتْ هَيْبَةً لِلَّهِ، وإجْلالًا وخَوْفًا ﴿فَلا تَسْمَعُ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ صَوْتًا عالِيًا، بَلْ لا تَسْمَعُ ﴿إلّا هَمْسًا﴾ أيْ: صَوْتًا خَفِيًّا خافِتًا مِن شِدَّةِ الخَوْفِ. أوْ ﴿إلّا هَمْسًا﴾ أيْ: إلّا صَوْتَ خَفْقِ الأقْدامِ ونَقْلِها إلى المَحْشَرِ، والهَمْسُ يُطْلَقُ في اللُّغَةِ عَلى الخَفاءِ، فَيَشْمَلُ خَفْضَ الصَّوْتِ وصَوْتَ الأقْدامِ. كَصَوْتِ أخْفافِ الإبِلِ في الأرْضِ الَّتِي فِيها يابِسُ النَّباتِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسًا إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسًا وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا هُنا أشارَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٧] . وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ الآيَةَ، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في ”مَرْيَمَ“، وغَيْرِها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

طه 20:111

(p-١٠١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . قَوْلُهُ: عَنَتِ أيْ: ذَلَّتْ وخَضَعَتْ. تَقُولُ العَرَبُ: عَنا يَعْنُو عُنُوًّا وعَناءً: إذْ ذَلَّ وخَضَعَ، وخَشَعَ. ومِنهُ قِيلَ لِلْأسِيرِ عانٍ لِذُلِّهِ وخُضُوعِهِ لِمَن أسَرَهُ. ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ: ؎مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ وَقَوْلُهُ أيْضًا: ؎وَعَنا لَهُ وجْهِي وخَلْقِي كُلُّهُ ∗∗∗ في السّاجِدِينَ لِوَجْهِهِ مَشْكُورًا واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِالوُجُوهِ الَّتِي ذَلَّتْ وخَشَعَتْ لِلْحَيِّ القَيُّومِ: وُجُوهُ العُصاةِ خاصَّةً وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ: وأسْنَدَ الذُّلَّ، والخُشُوعَ لِوُجُوهِهِمْ، لِأنَّ الوَجْهَ تَظْهَرُ فِيهِ آثارُ الذُّلِّ، والخُشُوعِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ [الملك: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤]،، وعَلى هَذا القَوْلِ انْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ واسْتَدَلَّ لَهُ بِبَعْضِ الآياتِ المَذْكُورَةِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾: أيْ: ذَلَّتْ وخَضَعَتْ وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ في دارِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِالسُّجُودِ، والرُّكُوعِ. وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الذُّلُّ والخُضُوعُ لِلَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ السِّياقَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وكُلُّ الخَلائِقِ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلاماتُ الذُّلِّ، والخُضُوعِ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أيْ: خَسِرَ مَن حَمَلَ شِرْكًا. وتَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى تَسْمِيَةِ الشِّرْكِ ظُلْمًا. • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، والأظْهَرُ أنَّ الظُّلْمَ في قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١]، يَعُمُّ الشِّرْكَ، وغَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي. وخَيْبَةُ كُلِّ ظالِمٍ بِقَدْرِ ما حَلَّ مِنَ الظُّلْمِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. (p-١٠٢)وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ الحَيُّ: المُتَّصِفُ بِالحَياةِ الَّذِي لا يَمُوتُ أبَدًا. والقَيُّومُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ. لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا هو القائِمُ بِتَدْبِيرِ شُئُونِ جَمِيعِ الخَلْقِ. وهو القائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ. وقِيلَ: القَيُّومُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ.

طه 20:112

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن يَعْمَلُ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ بِرَبِّهِ فَإنَّهُ لا يَخافُ ظُلْمًا، ولا هَضْمًا. وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٤٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ. وَفَرَّقَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بَيْنَ الظُّلْمِ، والهَضْمِ بِأنَّ الظُّلْمَ المَنعُ مِنَ الحَقِّ كُلِّهِ. والهَضْمَ: النَّقْصُ والمَنعُ مِن بَعْضِ الحَقِّ. فَكُلُّ هَضْمٍ ظُلْمٌ، ولا يَنْعَكِسُ. ومِن إطْلاقِ الهَضْمِ عَلى ما ذُكِرَ قَوْلُ المُتَوَكِّلِ اللَّيْثِيِّ: ؎إنَّ الأذِلَّةَ واللِّئامَ لَمَعْشَرٌ مَوْلاهُمُ المُنْهَضِمُ المَظْلُومُ فالمُنْهَضِمُ: اسْمُ مَفْعُولٍ تَهْضِمُهُ إذا اهْتَضَمَهُ في بَعْضِ حُقُوقِهِ وظَلَمَهُ فِيها. وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدا ابْنَ كَثِيرٍ ﴿بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ [طه: ١١١]، بِضَمِّ الفاءِ وبِألِفٍ بَعْدَ الخاءِ مَرْفُوعًا، ولا نافِيَةٍ. أيْ: فَهو لا يَخافُ، أوْ فَإنَّهُ لا يَخافُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ ”فَلا يَخَفْ“ بِالجَزْمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الخاءِ. وعَلَيْهِ فَـ ”لا“ ناهِيَةٌ جازِمَةُ المُضارِعِ. وقَوْلُ القُرْطُبِيِّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ مَجْزُومٌ. لِأنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِهِ ومَن يَعْمَلْ غَلَطٌ مِنهُ. لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ فَلا يَخافُ مانِعَةٌ مِن ذَلِكَ. والتَّحْقِيقُ هو ما ذَكَرْنا مِن أنَّ ”لا“ ناهِيَةٌ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، والجُمْلَةُ الطَّلَبِيَّةُ جَزاءُ الشَّرْطِ، فَيَلْزَمُ اقْتِرانُها بِالفاءِ. لِأنَّها لا تَصْلُحُ فِعْلًا لِلشَّرْطِ كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا.

طه 20:113

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ . الآيَةَ، قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

طه 20:114

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. (p-١٠٣)كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا جاءَهُ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ كُلَّما قالَ جِبْرِيلُ آيَةً قالَها مَعَهُ ﷺ مِن شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ. فَأرْشَدَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلى ما يَنْبَغِي. فَنَهاهُ عَنِ العَجَلَةِ بِقِراءَةِ القُرْآنِ مَعَ جِبْرِيلَ، بَلْ أمَرَهُ أنْ يُنْصِتَ لِقِراءَةِ جِبْرِيلَ حَتّى يَنْتَهِيَ، ثُمَّ يَقْرَؤُهُ هو بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ يُيَسِّرُ لَهُ حِفْظَهُ. وهَذا المَعْنى المُشارُ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ أوْضَحَهُ اللَّهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”القِيامَةِ“: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]، وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ أبِي عائِشَةَ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وكانَ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنا أُحَرِّكُهُما لَكم كَما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُما. وقالَ سَعِيدٌ: أنا أُحَرِّكُهُما كَما رَأيْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يُحَرِّكُهُما، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ [القيامة: ١٦ - ١٧]،» قالَ: جَمْعَهُ لَكَ في صَدْرِكَ، ونَقْرَؤُهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، قالَ: فاسْتَمِعْ لَهُ وأنْصِتْ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، ثُمَّ عَلَيْنا أنْ نَقْرَأهُ. فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ. فَإذا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأهُ النَّبِيُّ ﷺ كَما قَرَأهُ ا ه.

طه 20:115

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ﴾ أيْ: أوْصَيْناهُ ألّا يَقْرَبَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ. وهَذا العَهْدُ إلى آدَمَ الَّذِي أجْمَلَهُ هُنا بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿وَقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]، فَقَوْلُهُ: ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ هو عَهْدُهُ إلى آدَمَ المَذْكُورُ هُنا. وَقَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَيا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩]، . وَقَوْلُهُ تَعالى: فَنَسِيَ فِيهِ لِلْعُلَماءِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالنِّسْيانِ التُّرْكُ، فَلا يُنافِي كَوْنَ التَّرْكِ عَمْدًا. والعَرَبُ تُطْلِقُ النِّسْيانَ وتُرِيدُ بِهِ التَّرْكَ ولَوْ عَمْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦]، فالمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ: التَّرْكُ قَصْدًا. • وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]، (p-١٠٤) • وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤] . وعَلى هَذا فَمَعْنى قَوْلِهِ: فَنَسِيَ أيْ: تَرَكَ الوَفاءَ بِالعَهْدِ، وخالَفَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِن تَرْكِ الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ، لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِضِدِّهِ. والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ بِالنِّسْيانِ في الآيَةِ: النِّسْيانُ الَّذِي هو ضِدُّ الذِّكْرِ، لِأنَّ إبْلِيسَ لَمّا أقْسَمَ لَهُ بِاللَّهِ أنَّهُ لَهُ ناصِحٌ فِيما دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهاهُ رَبُّهُ عَنْها غَرَّهُ وخَدَعَهُ بِذَلِكَ، حَتّى أنْساهُ العَهْدَ المَذْكُورَ. كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢١ - ٢٢]، . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: إنَّما سُمِّيَ الإنْسانُ لِأنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ رَواهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ ا ه. ولَقَدْ قالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ: ؎وَما سُمِّيَ الإنْسانُ إلّا لِنَسْيِهِ ولا القَلْبُ إلّا أنَّهُ يَتَقَلَّبُ أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَلا إشْكالَ في قَوْلِهِ: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١]، وأمّا عَلى الثّانِي فَفِيهِ إشْكالٌ مَعْرُوفٌ. لِأنَّ النّاسِيَ مَعْذُورٌ فَكَيْفَ يُقالُ فِيهِ ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ . وَأظْهَرُ أوْجُهِ الجَوابِ عِنْدِي عَنْ ذَلِكَ: أنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا بِالنِّسْيانِ. وقَدْ بَيَّنْتُ في كِتابِي (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) الأدِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ العُذْرَ بِالنِّسْيانِ والخَطَأِ والإكْراهِ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ. كَقَوْلِهِ هُنا فَنَسِيَ مَعَ قَوْلِهِ وعَصى فَأُسْنِدَ إلَيْهِ النِّسْيانُ، والعِصْيانُ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ بِالنِّسْيانِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأ ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قالَ اللَّهُ نَعَمْ قَدْ فَعَلْتُ» . فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مَعْفُوًّا عَنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لَما كانَ لِذِكْرِهِ عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ وتَعْظِيمِ المِنَّةِ عَظِيمُ مُوقِعٍ. ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ، والنِّسْيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . فَقَوْلُهُ «تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي» يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ بِأُمَّتِهِ. ولَيْسَ مَفْهُومَ لَقَبٍ. لِأنَّ مَناطَ (p-١٠٥)التَّجاوُزِ عَنْ ذَلِكَ هو ما خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ التَّفْضِيلِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ. والحَدِيثُ المَذْكُورُ وإنْ أعَلَّهُ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ فَلَهُ شَواهِدُ ثابِتَةٌ في الكِتابِ، والسُّنَّةِ. ولَمْ يَزَلْ عُلَماءُ الأُمَّةِ قَدِيمًا وحَدِيثًا يَتَلَقَّوْنَهُ بِالقَبُولِ. ومِنَ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ طارِقِ بْنِ شِهابٍ المَشْهُورِ في الَّذِي دَخَلَ النّارَ في ذُبابٍ قَرَّبَهُ مَعَ أنَّهُ مُكْرَهٌ وصاحِبُهُ الَّذِي امْتَنَعَ مِن تَقْرِيبِ شَيْءٍ لِلصَّنَمِ ولَوْ ذُبابًا قَتَلُوهُ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي قَرَّبَهُ مُكْرَهٌ. لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَرِّبْ لَقَتَلُوهُ كَما قَتَلُوا صاحِبَهُ، ومَعَ هَذا دَخَلَ النّارَ فَلَمْ يَكُنْ إكْراهُهُ عُذْرًا. ومِنَ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠]، فَقَوْلُهُ: ﴿يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى الإكْراهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ العُذْرِ بِذَلِكَ الإكْراهِ. كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. واعْلَمْ أنَّ في شَرْعِنا ما يَدُلُّ عَلى نَوْعٍ مِنَ التَّكْلِيفِ بِذَلِكَ في الجُمْلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٢] . فَتَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ هُنا كَفّارَةٌ لِذَلِكَ القَتْلِ خَطَأً. والكَفّارَةُ تُشْعِرُ بِوُجُودِ الذَّنْبِ في الجُمْلَةِ. كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ في كَفّارَةِ القَتْلِ خَطَأً ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]، فَجُعِلَ صَوْمُ الشَّهْرَيْنِ بَدَلًا مِنَ العِتْقِ عِنْدَ العَجْزِ عَنْهُ. وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ مُؤاخَذَةً في الجُمْلَةِ بِذَلِكَ الخَطَأِ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وما قَدَّمْنا مِن حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأ ﴿لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قالَ اللَّهُ نَعَمْ قَدْ فَعَلْتُ»، فالمُؤاخَذَةُ الَّتِي هي الإثْمُ مَرْفُوعَةٌ، والكَفّارَةُ المَذْكُورَةُ. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هي بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ في التَّحَفُّظِ، والحَذَرِ مِن وُقُوعِ الخَطَأِ، والنِّسْيانِ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢٢]، هو ونَحْوُهُ مِنَ الآياتِ مُسْتَنَدُ مَن قالَ مِن أهْلِ الأُصُولِ بِعَدَمِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ مِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي لا تَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ. لِأنَّهم يَتَدارَكُونَها بِالتَّوْبَةِ، والإنابَةِ إلى اللَّهِ حَتّى تَصِيرَ كَأنَّها لَمْ تَكُنْ. واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ العُلَماءِ أجْمَعُوا عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ. واخْتَلَفُوا في عِصْمَتِهِمْ مِنَ الصَّغائِرِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَها بِالتَّبْلِيغِ اخْتِلافًا مَشْهُورًا مَعْرُوفًا في الأُصُولِ. ولا شَكَّ أنَّهم صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وسَلامُهُ إنْ وقَعَ (p-١٠٦)مِنهم بَعْضُ الشَّيْءِ فَإنَّهم يَتَدارَكُونَهُ بِصِدْقِ الإنابَةِ إلى اللَّهِ حَتّى يَبْلُغُوا بِذَلِكَ دَرَجَةً أعَلا مِن دَرَجَةِ مَن لَمْ يَقَعْ مِنهُ ذَلِكَ. كَما قالَ هُنا: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢]، . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، يَدُلُّ عَلى أنَّ أبانا آدَمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وهم: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ ﷺ . وقِيلَ: هم جَمِيعُ الرُّسُلِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ أيْ: لَمْ نَجِدْ لَهُ صَبْرًا عَنْ أكْلِ الشَّجَرَةِ ومُواظَبَةً عَلى التِزامِ الأمْرِ. وَأقْوالُ العُلَماءِ راجِعَةٌ إلى هَذا، والوُجُودُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ نَجِدْ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العِلْمِ، ومَفْعُولاهُ ﴿لَهُ عَزْمًا﴾ وأنْ يَكُونَ نَقِيضَ العَدَمِ. كَأنَّهُ قالَ: وعِنْدَ مَنالِهِ عَزْمًا ا ه مِنهُ. والأوَّلُ أظْهَرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ . ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ آدَمَ ناسٍ لِلْعَهْدِ بِالنَّهْيِ عَنْ أكْلِ الشَّجَرَةِ، لِأنَّ الشَّيْطانَ قاسَمَهُ بِاللَّهِ أنَّهُ لَهُ ناصِحٌ حَتّى دَلّاهُ بِغُرُورٍ وأنْساهُ العَهْدَ، وعَلَيْهِ فَهو مَعْذُورٌ لا عاصٍ. (p-٣٤١)وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] . والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو ما قَدَّمْنا مِن عَدَمِ العُذْرِ بِالنِّسْيانِ لِغَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ. الثّانِي: أنَّ نَسِيَ بِمَعْنى تَرَكَ، والعَرَبُ رُبَّما أطْلَقَتِ النِّسْيانَ بِمَعْنى التَّرْكِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥١]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

طه 20:116

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أمَرَ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى. أيْ: أبى أنْ يَسْجُدَ. فَذَكَرَ عَنْهُ هُنا الإباءَ ولَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ هُنا الِاسْتِكْبارَ. وذَكَرَ عَنْهُ الإباءَ أيْضًا في ”الحِجْرِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]، . وقَوْلُهُ في آيَةِ ”الحِجْرِ“ هَذِهِ ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ يُبَيِّنُ مَعْمُولَ ”أبى“ المَحْذُوفَ في آيَةِ ”طه“ هَذِهِ الَّتِي هي قَوْلُهُ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [طه: ١١٦]، أيْ: أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ، كَما صَرَّحَ بِهِ في ”الحِجْرِ“ وكَما أشارَ إلى ذَلِكَ في ”الأعْرافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وذَكَرَ عَنْهُ في سُورَةِ ”ص“ الِاسْتِكْبارَ وحْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [ ٣٨ ]، وذَكَرَ عَنْهُ الإباءَ، والِاسْتِكْبارَ مَعًا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [ ٢ ]، . وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ سَبَبَ اسْتِكْبارِهِ في زَعْمِهِ وأدِلَّةِ بُطْلانِ شُبْهَتِهِ في زَعْمِهِ المَذْكُورِ. وقَدْ بَيَّنَها في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ كَلامُ العُلَماءِ فِيهِ هَلْ أصْلُهُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ لا ؟ وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ﴾ صَرَّحَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ السُّجُودَ المَذْكُورَ سَجَدَهُ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ لا بَعْضُهم، وذَلِكَ في قَوْلِهِ (p-١٠٧)﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ إلّا إبْلِيسَ﴾ . [ص: - ٧٤] .

طه 20:117

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ . قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في ”الكَهْفِ“ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَتَشْقى أيْ: فَتَتْعَبُ في طَلَبِ المَعِيشَةِ بِالكَدِّ، والِاكْتِسابِ. لِأنَّهُ لا يُحَصِّلُ لُقْمَةَ العَيْشِ في الدُّنْيا بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ حَتّى يَحْرُثَ الأرْضَ، ثُمَّ يَزْرَعُها، ثُمَّ يَقُومُ عَلى الزَّرْعِ حَتّى يُدْرِكَ، ثُمَّ يَدْرُسُهُ، ثُمَّ يُنَقِّيهِ، ثُمَّ يَطْحَنُهُ، ثُمَّ يَعْجِنُهُ، ثُمَّ يَخْبِزُهُ. فَهَذا شَقاؤُهُ المَذْكُورُ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّقاءِ في هَذِهِ الآيَةِ: التَّعَبُ في اكْتِسابِ المَعِيشَةِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩]، يَعْنِي احْذَرْ مِن عَدُوِّكَ أنْ يُخْرِجَكَ مِن دارِ الرّاحَةِ الَّتِي يُضْمَنُ لَكَ فِيها الشِّبَعُ، والرِّيُّ، والكُسْوَةُ، والسَّكَنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الأرْبَعَةُ هي الأقْطابُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها كَفافُ الإنْسانِ، فَذِكْرُهُ اسْتِجْماعَها لَهُ في الجَنَّةِ، وأنَّهُ مَكْفِيٌّ لا يَحْتاجُ إلى كِفايَةِ كافٍ، ولا إلى كَسْبِ كاسِبٍ كَما يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ أهْلُ الدُّنْيا. وذِكْرُها بِلَفْظِ النَّفْيِ لِنَقائِضِها الَّتِي هي الجُوعُ، والعُرْيُ، والظَّمَأُ، والضَّحْوُ لِيَطْرُقَ سَمْعَهُ بِأسامِي أصْنافِ الشِّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ مِنها، حَتّى يَتَحامى السَّبَبَ المُوقِعَ فِيها كَراهَةً لَها ا ه. فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨]، قَرِينَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ الشَّقاءَ المُحَذَّرَ مِنهُ تَعَبُ الدُّنْيا في كَدِّ المَعِيشَةِ لِيَدْفَعَ بِهِ الجُوعَ، والظَّمَأ، والعُرْيَ، والضَّحاءَ. والجُوعُ مَعْرُوفٌ، والظَّمَأُ: العَطَشُ. والعُرْيُ بِالضَّمِّ: خِلافُ اللُّبْسِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَضْحى﴾ أيْ: لا تَصِيرُ بارِزًا لِلشَّمْسِ، لَيْسَ لَكَ ما تَسْتَكِنُّ فِيهِ مِن حَرِّها. تَقُولُ العَرَبُ: ضَحِيَ يَضْحى، كَرَضِيَ يَرْضى. وضَحى يَضْحى كَسَعى يَسْعى إذا كانَ بارِزًا لِحَرِّ الشَّمْسِ لَيْسَ لَهُ ما يَكِنُّهُ مِنهُ. ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ؎رَأتْ رَجُلًا أيْمًا إذا الشَّمْسُ عارَضَتْ فَيَضَحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَنْحَصِرْ وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎ضَحِيتُ لَهُ كَيْ أسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ ∗∗∗ إذا الظِّلُّ أضْحى في القِيامَةِ قالِصًا (p-١٠٨)وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدا نافِعًا وشُعْبَةَ عَنْ عاصِمٍ ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنْ“، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنْ“ وصِلَتِها مَعْطُوفٌ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ”أنْ“ وصِلَتِها في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ﴾ أيْ: وإنَّ لَكَ أنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى. ويَجُوزُ في المَصْدَرِ المَعْطُوفِ المَذْكُورِ النَّصْبُ، والرَّفْعُ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَجائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلى ∗∗∗ مَنصُوبِ إنَّ بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا وَإيضاحُ تَقْدِيرِ المَصْدَرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ: إنَّ لَكَ عَدَمَ الجُوعِ فِيها، وعَدَمَ الظَّمَأِ. * * تَنْبِيهٌ أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وُجُوبَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلى زَوْجِها لِأنَّ اللَّهَ لَمّا قالَ ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ﴾ [طه: ١١٧]، بِخِطابٍ شامِلٍ لِآدَمَ وحَوّاءَ، ثُمَّ خَصَّ آدَمَ بِالشَّقاءِ دُونَها في قَوْلِهِ فَتَشْقى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ هو المُكَلَّفُ بِالكَدِّ عَلَيْها وتَحْصِيلِ لَوازِمِ الحَياةِ الضَّرُورِيَّةِ لَها: مِن مَطْعَمٍ، ومَشْرَبٍ، ومَلْبَسٍ، ومَسْكَنٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما نَصُّهُ: وإنَّما خَصَّهُ بِذِكْرِ الشَّقاءِ ولَمْ يَقُلْ فَتَشْقَيا يُعَلِّمُنا أنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ عَلى الزَّوْجِ، فَمِن يَوْمئِذٍ جَرَتْ نَفَقَةُ النِّساءِ عَلى الأزْواجِ. فَلَمّا كانَتْ نَفَقَةُ حَوّاءَ عَلى آدَمَ كَذَلِكَ نَفَقاتُ بَناتِها عَلى بَنِي آدَمَ بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ. وأعْلَمَنا في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ النَّفَقَةَ الَّتِي تَجِبُ لِلْمَرْأةِ عَلى زَوْجِها هَذِهِ الأرْبَعَةُ: الطَّعامُ، والشَّرابُ، والكُسْوَةُ، والمَسْكَنُ. فَإذا أعْطاها هَذِهِ الأرْبَعَةَ فَقَدْ خَرَجَ إلَيْها مِن نَفَقَتِها، فَإنْ تَفَضَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهو مَأْجُورٌ. فَأمّا هَذِهِ الأرْبَعَةُ فَلا بُدَّ مِنها. لِأنَّ بِها إقامَةَ المُهْجَةِ ا ه مِنهُ. وَذَكَرَ في قِصَّةِ آدَمَ: أنَّهُ لَمّا أُهْبِطَ إلى الأرْضِ أُهْبِطَ إلَيْهِ ثَوْرٌ أحْمَرُ وحَبّاتٌ مِنَ الجَنَّةِ، فَكانَ يَحْرُثُ عَلى ذَلِكَ الثَّوْرِ ويَمْسَحُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ وذَلِكَ مِنَ الشَّقاءِ المَذْكُورِ في الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ البَدِيعِ المَعْنَوِيِّ في اصْطِلاحِ البَلاغِيِّينَ، هو ما يُسَمّى ”مُراعاةَ النَّظِيرِ“، ويُسَمّى ”التَّناسُبَ، والِائْتِلافَ. والتَّوْفِيقَ، والتَّلْفِيقَ“ . فَهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ لِهَذا النَّوْعِ مِنَ البَدِيعِ المَعْنَوِيِّ. وضابِطُهُ: أنَّهُ جَمْعُ أمْرٍ وما يُناسِبُهُ لا بِالتَّضادِّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، فَإنَّ الشَّمْسَ، والقَمَرَ مُتَناسِبانِ (p-١٠٩)لا بِالتَّضادِّ. وكَقَوْلِ البُحْتُرِيَّ يَصِفُ الإبِلَ الأنْضاءَ المَهازِيلَ، أوِ الرِّماحَ: ؎كالقِسِيِّ المُعَطَّفاتِ بَلِ الأسْهُمِ مَبْرِيَّةٍ بَلِ الأوْتارِ وَبَيْنَ الأسْهُمِ، والقِسِيِّ المُعَطَّفاتِ، والأوْتارِ مُناسَبَةٌ في الرِّقَّةِ وإنْ كانَ بَعْضُها أرَقَّ مِن بَعْضٍ، وهي مُناسِبَةٌ لا بِالتَّضادِّ. وكَقَوْلِ ابْنِ رَشِيقٍ: ؎أصَحُّ وأقْوى ما سَمِعْناهُ في النَّدى ∗∗∗ مِنَ الخَبَرِ المَأْثُورِ مُنْذُ قَدِيمِ ؎أحادِيثُ تَرْوِيها السُّيُولُ عَنِ الحَيا ∗∗∗ عَنِ البَحْرِ عَنْ كَفِّ الأمِيرِ تَمِيمِ فَقَدْ ناسَبَ بَيْنَ الصِّحَّةِ، والقُوَّةِ، والسَّماعِ، والخَبَرِ المَأْثُورِ، والأحادِيثِ، والرِّوايَةِ، وكَذا ناسَبَ بَيْنَ السَّيْلِ، والحَيا وهو المَطَرُ، والبَحْرِ وكَفِّ الأمِيرِ تَمِيمٍ، وكَقَوْلِ أُسَيْدِ بْنِ عَنْقاءَ الفَزارِيِّ: ؎كَأنَّ الثُّرَيّا عُلِّقَتْ في جَبِينِهِ ∗∗∗ وفي خَدِّهِ الشِّعْرى وفي وجْهِهِ البَدْرُ فَقَدْ ناسَبَ بَيْنَ الثُّرَيّا، والشِّعْرى، والبَدْرِ، كَما ناسَبَ بَيْنَ الجَبِينِ، والوَجْنَةِ، والوَجْهِ. وأمْثِلَةُ هَذا النَّوْعِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ في فَنِّ البَلاغَةِ. وَإذا عَلِمْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّهُ جَلَّ وعَلا ناسَبَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ بَيْنَ نَفْيِ الجُوعِ المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ الحَرارَةِ الباطِنِيَّةِ، والألَمِ الباطِنِيِّ الوِجْدانِيِّ، وبَيْنَ نَفْيِ العُرْيِ المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ الألَمِ الظّاهِرِيِّ مِن أذى الحَرِّ، والبَرْدِ، وهي مُناسِبَةٌ لا بِالتَّضادِّ. كَما أنَّهُ تَعالى ناسَبَ في قَوْلِهِ ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ بَيْنَ نَفْيِ الظَّمَأِ المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ الألَمِ الباطِنِيِّ الوِجْدانِيِّ الَّذِي يُسَبِّبُهُ الظَّمَأُ. وبَيْنَ نَفْيِ الضُّحى المُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ الألَمِ الظّاهِرِيِّ الَّذِي يُسَبِّبُهُ حَرُّ الشَّمْسِ ونَحْوُهُ كَما هو واضِحٌ. بِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ ما يُسَمّى قَطْعَ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ، وأنَّ الغَرَضَ مِن قَطْعِ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ المَزْعُومِ تَحْقِيقُ تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمِ وتَكْثِيرِها. لِأنَّهُ لَوْ قَرَنَ النَّظِيرَ بِنَظِيرِهِ لَأوْهَمَ أنَّ المَعْدُوداتِ نِعْمَةٌ واحِدَةٌ، ولِهَذا قَطَعَ الظَّمَأ عَنِ الجُوعِ، والضَّحْوَ عَنِ الكُسْوَةِ، مَعَ ما بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ التَّناسُبِ. وقالُوا: ومِن قَطْعِ النَّظِيرِ عَنِ النَّظِيرِ المَذْكُورِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎كَأنِّيَ لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ ؎وَلَمْ أسْبَأِ الزِّقَ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلٍ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ فَقَطَعَ رُكُوبَ الجَوادِ مِن قَوْلِهِ ”لِخَيْلٍ كُرِّي كَرَّةً“ وقَطَعَ ”تَبَطُّنَ الكاعِبِ“ عَنْ (p-١١٠)شُرْبِ ”الزِّقَ الرَّوِيَّ“ مَعَ التَّناسُبِ في ذَلِكَ. وغَرَضُهُ أنْ يُعَدِّدَ مَلاذَّهُ ومَفاخِرَهُ ويُكَثِّرَها. كُلُّهُ كَلامٌ لا حاجَةَ لَهُ لِظُهُورِ المُناسَبَةِ بَيْنَ المَذْكُوراتِ في الآيَةِ كَما أوْضَحْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

طه 20:120

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ . الوَسْوَسَةُ، والوَسْواسُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ. ويُقالُ لِهَمْسِ الصّائِدِ، والكِلابِ، وصَوْتِ الحُلِيِّ: وسْواسٌ. والوِسْوَسُ بِكَسْرِ الواوِ الأُولى مَصْدَرٌ، وبِفَتْحِها الِاسْمُ، وهو أيْضًا مِن أسْماءِ الشَّيْطانِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ [الناس: ٤]، ويُقالُ لِحَدِيثِ النَّفْسِ: وسْواسٌ ووَسْوَسَةٌ. ومِن إطْلاقِ الوَسْواسِ عَلى صَوْتِ الحُلِيِّ قَوْلُ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ كَما اسْتَعانَ بِرِيحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ وَمِن إطْلاقِهِ عَلى هَمْسِ الصّائِدِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎فَباتَ يُشْئِزُهُ ثَأْدٌ ويُسْهِرُهُ ∗∗∗ تَذَؤُّبُ الرِّيحِ والوَسْواسُ والهِضَبُ وَقَوْلُ رُؤْبَةَ: ؎وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقْ ؎سِرًّا وقَدْ أوَّنَ تَأْوِينَ العَقَقْ ∗∗∗ في الزَّرْبِ لَوْ يَمْضُعُ شُرْبًا ما بَصَقَ وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ [طه: ١٢٠]، أيْ: كَلَّمَهُ كَلامًا خَفِيًّا فَسَمِعَهُ مِنهُ آدَمُ وفَهِمَهُ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الوَسْوَسَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَلامٌ مِن إبْلِيسَ سَمِعَهُ آدَمُ وفَهِمَهُ أنَّهُ فَسَّرَ الوَسْوَسَةَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّها قَوْلٌ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ ياآدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠]، . فالقَوْلُ المَذْكُورُ هو الوَسْوَسَةُ المَذْكُورَةُ. وقَدْ أوْضَحَ هَذا في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ وبَيَّنَ أنَّهُ وسْوَسَ إلى حَوّاءَ أيْضًا مَعَ آدَمَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢١]، لِأنَّ تَصْرِيحَهُ تَعالى في آيَةِ ”الأعْرافِ“ هَذِهِ بِأنَّ إبْلِيسَ قاسَمَهُما أيْ: حَلَفَ لَهُما عَلى أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما فِيما ادَّعاهُ مِنَ الكَذِبِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ الوَسْوَسَةَ المَذْكُورَةَ كَلامٌ مَسْمُوعٌ. واعْلَمْ أنَّ في وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ إلى آدَمَ إشْكالًا (p-١١١)مَعْرُوفًا، وهو أنْ يُقالَ: إبْلِيسُ قَدْ أُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ صاغِرًا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، فَكَيْفَ أمْكَنَهُ الرُّجُوعُ إلى الجَنَّةِ حَتّى وسْوَسَ لِآدَمَ ؟، والمُفَسِّرُونَ يَذْكُرُونَ في ذَلِكَ قِصَّةَ الحَيَّةِ، وأنَّهُ دَخَلَ فِيها فَأدْخَلَتْهُ الجَنَّةَ، والمَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِها لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ. وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ. والواقِعُ أنَّهُ لا إشْكالَ في ذَلِكَ، لِإمْكانِ أنْ يَقِفَ إبْلِيسُ خارِجَ الجَنَّةِ قَرِيبًا مِن طَرَفِها بِحَيْثُ يَسْمَعُ آدَمُ كَلامَهُ وهو في الجَنَّةِ، وإمْكانُ أنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ إيّاها لِامْتِحانِ آدَمَ وزَوْجِهِ، لا لِكَرامَةِ إبْلِيسَ. فَلا مُحالَ عَقْلًا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. والقُرْآنُ قَدْ جاءَ بِأنَّ إبْلِيسَ كَلَّمِ آدَمَ، وحَلَفَ لَهُ حَتّى غَرَّهُ وزَوْجَهُ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ أضافَ الشَّجَرَةَ إلى الخُلْدِ وهو الخُلُودُ. لِأنَّ مَن أكَلَ مِنها يَكُونُ في زَعْمِهِ الكاذِبِ خالِدًا لا يَمُوتُ، ولا يَزُولُ، وكَذَلِكَ يَكُونُ لَهُ في زَعْمِهِ مُلْكٌ لا يَبْلى أيْ: لا يَفْنى، ولا يَنْقَطِعُ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ هُنا ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ يَدُلُّ لِمَعْنى قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠] بِكَسْرِ اللّامِ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، هو مَعْنى قَوْلُهُ في ”طه“: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠]، . والحاصِلُ أنَّ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ كانَ مِن جُمْلَةِ ما وسْوَسَ بِهِ إلى آدَمَ وحَوّاءَ: أنَّهُما إنْ أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهاهُما اللَّهُ عَنْها نالا الخُلُودَ، والمُلْكَ، وصارا مَلَكَيْنِ، وحَلَفَ لَهُما أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما في ذَلِكَ، يُرِيدُ لَهُما الخُلُودَ، والبَقاءَ، والمُلْكَ فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ. وفي القِصَّةِ: أنَّ آدَمَ لَمّا سَمِعَهُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ اعْتَقَدَ مِن شِدَّةِ تَعْظِيمِهِ لِلَّهِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَحْلِفَ بِهِ أحَدٌ عَلى الكَذِبِ، فَأنْساهُ ذَلِكَ العَهْدَ بِالنَّهْيِ عَنِ الشَّجَرَةِ. * * تَنْبِيهٌ فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: كَيْفَ عَدّى فِعْلَ الوَسْوَسَةِ في ”طه“ بِإلى في قَوْلِهِ ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ مَعَ أنَّهُ عَدّاهُ في ”الأعْرافِ“ بِاللّامِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، . ولِلْعُلَماءِ عَنْ هَذا السُّؤالِ أجْوِبَةٌ. أحَدُها: أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يَخْلُفُ بَعْضُها بَعْضًا. فاللّامُ تَأْتِي بِمَعْنى إلى كَعَكْسِ ذَلِكَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ يُرِيدُ إلَيْهِما، ولَكِنَّ العَرَبَ تُوَصِّلُ بِهَذِهِ الحُرُوفِ كُلِّها الفِعْلَ ا ه. وتَبِعَهُ ابْنُ مَنظُورٍ في اللِّسانِ. ومِنَ الأجْوِبَةِ عَنْ ذَلِكَ: إرادَةُ التَّضْمِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: (p-١١٢)فَإنْ قُلْتَ كَيْفَ عَدّى ”وَسْوَسَ“ تارَةً بِاللّامِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ وأُخْرى بِإلى ؟ قُلْتُ: وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ كَوَلْوَلَةِ الثَّكْلى، ووَعْوَعَةِ الذِّئْبِ، ووَقْوَقَةِ الدَّجاجَةِ، في أنَّها حِكاياتٌ لِلْأصْواتِ، وحُكْمُها حُكْمُ صَوْتٍ وأجْرُسٍ. ومِنهُ وسْوَسَ المُبَرْسَمُ وهو مُوَسْوِسٌ بِالكَسْرِ، والفَتْحُ لَحْنٌ. وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ؎وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقْ. . . . . . فَإذا قُلْتَ: وسْوَسَ لَهُ. فَمَعْناهُ لِأجْلِهِ. كَقَوْلِهِ: ؎أجْرِسْ لَها يا ابْنَ أبِي كِباشٍ ؎فَما لَها اللَّيْلَةَ مِن إنْفاشِ ∗∗∗ غَيْرَ السُّرى وسائِقٍ نَجّاشِ وَمَعْنى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ﴾ أنْهى إلَيْهِ الوَسْوَسَةَ. كَقَوْلِهِ: حَدَّثَ إلَيْهِ وأسَرَّ إلَيْهِ ا ه مِنهُ. وهَذا الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ هو مَعْنى الخِلافِ المَشْهُورِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ، والكُوفِيِّينَ في تَعاقُبِ حُرُوفِ الجَرِّ، وإتْيانِ بَعْضِها مَكانَ بَعْضٍ هَلْ هو بِالنَّظَرِ إلى التَّضْمِينِ، أوْ لِأنَّ الحُرُوفَ يَأْتِي بَعْضُها بِمَعْنى بَعْضٍ ؟ وسَنَذْكُرُ مِثالًا واحِدًا مِن ذَلِكَ يَتَّضِحُ بِهِ المَقْصُودُ. فَقَوْلُهُ تَعالى مَثَلًا: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٧٧] عَلى القَوْلِ بِالتَّضْمِينِ. فالحَرْفُ الَّذِي هو ”مِن“ وارِدٌ في مَعْناهُ لَكِنَّ ”نَصَرَ“ هُنا مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الإنْجاءِ، والتَّخْلِيصِ، أيْ: أنْجَيْناهُ وخَلَّصْناهُ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا. والإنْجاءُ مَثَلًا يَتَعَدّى بِمِن. وعَلى القَوْلِ الثّانِي فَـ ”نَصَرَ“ وارِدٌ في مَعْناهُ، لَكِنَّ ”مِن“ بِمَعْنى عَلى، أيْ: نَصَرْناهُ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الآيَةَ، وهَكَذا في كُلِّ ما يُشاكِلُهُ. وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ أنَّ اخْتِلافَ العُلَماءِ في تَعْيِينِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهى اللَّهُ آدَمَ عَنِ الأكْلِ مِنها اخْتِلافٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى تَعْيِينِها، وعَدَمِ الفائِدَةِ في مَعْرِفَةِ عَيْنِها. وَبَعْضُهم يَقُولُ: هي السُّنْبُلَةُ. وبَعْضُهم يَقُولُ: هي شَجَرَةُ الكَرْمِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: هي شَجَرَةُ التِّينِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ.

طه 20:121

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى﴾ . الفاءُ في قَوْلِهِ فَأكَلا تَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ أكْلِهِما هو وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ المَذْكُورَةُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: فَأكَلا مِنها بِسَبَبِ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ. وكَذَلِكَ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هو أكْلُهُما مِنَ الشَّجَرَةِ (p-١١٣)المَذْكُورَةِ، فَكانَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ سَبَبًا لِلْأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ. وكانَ الأكْلُ مِنها سَبَبًا لِبُدُوِّ سَوْءاتِهِما. وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ في مَسْلَكِ (الإيماءِ، والتَّنْبِيهِ): أنَّ الفاءَ تَدُلُّ عَلى التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِمْ: سَها فَسَجَدَ، أيْ: لِعِلَّةِ سَهْوِهِ. سَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، أيْ: لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِ. كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ ياآدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى فَأكَلا مِنها﴾ [طه: ١٢٠ - ١٢١]، أيْ: بِسَبَبِ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ فَبَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما، أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ الأكْلِ، فَفي الآيَةِ ذِكْرُ السَّبَبِ وما دَلَّتْ عَلَيْهِ الفاءُ هُنا كَما بَيَّنّا مِن أنَّ وسْوَسَةَ الشَّيْطانِ هي سَبَبُ ما وقَعَ مِن آدَمَ وحَوّاءَ جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]، فَصَرَّحَ بِأنَّ الشَّيْطانَ هو الَّذِي أزَلَّهُما. وفي القِراءَةِ الأُخْرى ”فَأزالَهُما“ وأنَّهُ هو الَّذِي أخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ، أيْ: مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في آيَةِ ”طه“ هَذِهِ مِن تَرَتُّبِ بُدُوِّ سَوْءاتِهِما عَلى أكْلِهِما مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ أُوَضِّحُهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ [الأعراف: ٢٢]، وقَوْلِهِ فِيها أيْضًا: ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ [الأعراف: ٢٧] . وَقَدْ دَلَّتِ الآياتُ المَذْكُورَةُ عَلى أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ كانا في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ يَسْتُرُ بِهِ سَوْءاتِهِما، وأنَّهُما لَمّا أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهاهُما رَبُّهُما عَنْهُما انْكَشَفَ ذَلِكَ السِّتْرُ بِسَبَبِ تِلْكَ الزَّلَّةِ. فَبَدَتْ سَوْءاتُهُما أيْ: عَوْراتُهُما. وسُمِّيَتَ العَوْرَةُ سَوْءَةً لِأنَّ انْكِشافَها يَسُوءُ صاحِبَها، وصارا يُحاوِلانِ سَتْرَ العَوْرَةِ بِوَرَقِ شَجَرِ الجَنَّةِ، كَما قالَ هُنا: ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ [طه: ١٢١]، وقالَ في ”الأعْرافِ“: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، . وَقَوْلُهُ وطَفِقا أيْ: شَرَعا. فَهي مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ، ولا يَكُونُ خَبَرُ أفْعالِ الشُّرُوعِ إلّا فِعْلًا مُضارِعًا غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِـ ”أنْ“ وإلى ذَلِكَ أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎. . . . . وتَرْكُ أنْ مَعَ ذِي الشُّرُوعِ وجَبا ؎كَأنْشَأ السّائِقُ يَحْدُو وطَفِقْ ∗∗∗ وكَذا جَعَلْتُ وأخَذْتُ وعَلِقْ (p-١١٤)فَمَعْنى قَوْلِهِ ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ أيْ: شَرَعا يَلْزَقانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِيَسْتُرا بِهِ عَوْراتِهِما. والعَرَبُ تَقُولُ: خَصَفَ النَّعْلَ يَخْصِفُها: إذا خَرَّزَها: وخَصَفَ الوَرَقَ عَلى بَدَنِهِ: إذا ألْزَقَها وأطْبَقَها عَلَيْهِ ورَقَةً ورَقَةً. وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: إنَّ ورَقَ الجَنَّةِ الَّتِي طَفِقَ آدَمُ وحَوّاءُ يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنهُ إنَّهُ ورَقُ التِّينِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ السِّتْرَ الَّذِي كانَ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ، وانْكَشَفَ عَنْهُما لَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِهِ، فَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: كانَ عَلَيْهِما لِباسٌ مِن جِنْسِ الظُّفُرِ. فَلَمّا أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ أزالَهُ اللَّهُ عَنْهُما إلّا ما أبْقى عَلى رُءُوسِ الأصابِعِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: كانَ لِباسُهُما نُورًا يَسْتُرُ اللَّهُ بِهِ سَوْءاتِهِما. وقِيلَ: لِباسٌ مِن ياقُوتٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ. وهو مِنَ الِاخْتِلافِ الَّذِي لا طائِلَ تَحْتَهُ، ولا دَلِيلَ عَلى الواقِعِ فِيهِ كَما قَدَّمْنا كَثِيرًا مِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ . وغايَةُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ: أنَّهُما كانَ عَلَيْهِما لِباسٌ يَسْتُرُهُما اللَّهُ بِهِ. فَلَمّا أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ نَزَعَ عَنْهُما فَبَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اللِّباسُ المَذْكُورُ الظُّفُرَ أوِ النُّورَ، أوْ لِباسَ التَّقْوى، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ فِيهِ. وَأسْنَدَ جَلَّ وعَلا إبْداءَ ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْءاتِهِما إلى الشَّيْطانِ قَوْلُهُ: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ [الأعراف: ٢٠]، كَما أُسْنِدَ لَهُ نَزْعُ اللِّباسِ عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ [الأعراف: ٢٧]، لِأنَّهُ هو المُتَسَبِّبُ في ذَلِكَ بِوَسْوَسَتِهِ وتَزْيِينِهِ كَما قَدَّمْناهُ قَرِيبًا. وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: كَيْفَ جُعِلَ سَبَبُ الزَّلَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ وهو وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ مُخْتَصًّا بِآدَمَ دُونَ حَوّاءَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ الوَسْوَسَةَ سَبَّبَتِ الزَّلَّةَ لَهُما مَعًا كَما أوْضَحْناهُ. والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّهُ بَيَّنَ في ”الأعْرافِ“ أنَّهُ وسْوَسَ لِحَوّاءَ أيْضًا مَعَ آدَمَ في القِصَّةِ بِعَيْنِها في قَوْلِهِ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]، فَبَيَّنَتْ آيَةُ ”الأعْرافِ“ ما لَمْ تُبَيِّنْهُ آيَةُ ”طه“ كَما تَرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * مَسْألَةٌ أخَذَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وُجُوبَ سَتْرِ العَوْرَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ يَدُلُّ عَلى قُبْحِ انْكِشافِ العَوْرَةِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي بَذْلُ (p-١١٥)الجُهْدِ في سَتْرِها. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ ما نَصُّهُ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ كَشْفِ العَوْرَةِ، وأنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلَيْهِما السَّتْرَ، ولِذَلِكَ ابْتَدَرا إلى سَتْرِها، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُؤْمَرا بِذَلِكَ في الجَنَّةِ كَما قِيلَ لَهُما ﴿حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ١٩] . وقَدْ حَكى صاحِبُ البَيانِ عَنِ الشّافِعِيِّ: أنَّ مَن لَمْ يَجِدْ ما يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ لَزِمَهُ أنْ يَسْتَقِرَّ بِذَلِكَ. لِأنَّهُ سُتْرَةٌ ظاهِرَةٌ، عَلَيْهِ التَّسَتُّرُ بِها كَما فَعَلَ آدَمُ في الجَنَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيُّ. وَوُجُوبُ سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصٌ مِنَ الكِتابِ، والسُّنَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣١] «وَكَبَعْثِهِ ﷺ مَن يُنادِي عامَ حَجِّ أبِي بَكْرٍ بِالنّاسِ عامَ تِسْعٍ: ”ألّا يَحُجَّ بَعْدَ هَذا العامِ مُشْرِكٌ، وألّا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ“» . وكَذَلِكَ لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ في مَنعِ كَشْفِ العَوْرَةِ أمامَ النّاسِ. وسَيَأْتِي بَعْضُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ ”النُّورِ“ . فَإنْ قِيلَ: لِمَ جَمَعَ السَّوْءاتِ في قَوْلِهِ سَوْآتُهُما مَعَ أنَّهُما سَوْأتانِ فَقَطْ ؟ فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لَهُ سَوْءَتانِ: القُبُلُ، والدُّبُرُ، فَهي أرْبَعٌ، فَكُلٌّ مِنهُما يَرى قُبُلَ نَفْسِهِ وقُبُلَ الآخَرِ، ودُبُرَهُ. وعَلى هَذا فَلا إشْكالَ في الجَمْعِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُثَنّى إذا أُضِيفَ إلَيْهِ شَيْئانِ هَما جُزْآهُ جازَ في ذَلِكَ المُضافِ الَّذِي هو شَيْئانِ الجَمْعُ، والتَّثْنِيَةُ، والإفْرادُ، وأفْصَحُها الجَمْعُ، فالإفْرادُ، فالتَّثْنِيَةُ عَلى الأصَحِّ، سَواءٌ كانَتَ الإضافَةُ لَفْظًا أوْ مَعْنًى. ومِثالُ اللَّفْظِ: شَوَيْتُ رُءُوسَ الكَبْشَيْنِ أوْ رَأْسَهُما، أوْ رَأْسَيْهِما. ومِثالُ المَعْنى: قَطَعْتُ مِنَ الكَبْشَيْنِ الرُّءُوسَ، أوِ الرَّأْسَ، أوِ الرَّأْسَيْنِ. فَإنْ فُرِّقَ المُثَنّى المُضافُ إلَيْهِ فالمُخْتارُ في المُضافِ الإفْرادُ، نَحْوَ: ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ . وَمِثالُ جَمْعِ المُثَنّى المُضافِ المَذْكُورِ الَّذِي هو الأفْصَحُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]، ومِثالُ الإفْرادِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي سَقاكِ مِنَ الغُرِّ الغَوادِي مَطِيرُها وَمِثالُ التَّثْنِيَةِ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنِ ∗∗∗ ظَهْراهُما مِثْلَ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ (p-١١٦)والضَّمائِرُ الرّاجِعَةُ إلى المُضافِ المَذْكُورِ المَجْمُوعِ لَفْظًا وهو مُثَنّى مَعْنًى يَجُوزُ فِيها الجَمْعُ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ، والتَّثْنِيَةُ نَظَرًا إلى المَعْنى، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ: ؎خَلِيلَيَّ لا تَهْلِكْ نُفُوسُكُما أسًى ∗∗∗ فَإنَّ لَهُما فِيما بِهِ دُهِيتُ أسًى وَمِنَ الثّانِي قَوْلُهُ: ؎قُلُوبُكُما يَغْشاهُما الأمْنُ عادَةً ∗∗∗ إذا مِنكُما الأبْطالُ يَغْشاهُمُ الذُّعْرُ الوَجْهُ الثّالِثُ: ما ذَهَبَ إلَيْهِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ مِن أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ. قالَ في مَراقِي السُّعُودِ: ؎أقَلُّ مَعْنى الجَمْعِ في المُشْتَهِرِ ∗∗∗ الِاثْنانِ في رَأْيِ الإمامِ الحُمَيْرِي وَأمّا إنْ كانَ الِاثْنانِ المُضافانِ مُنْفَصِلَيْنِ عَنِ المُثَنّى المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: كانا غَيْرَ جُزْأيْهِ فالقِياسُ الجَمْعُ وِفاقًا لِلْفَرّاءِ، كَقَوْلِكَ: ما أخْرَجَكُما مِن بُيُوتِكُما، وإذا أوَيْتُما إلى مَضاجِعِكُما، وضَرَباهُ بِأسْيافِهِما، وسَألَتا عَنْ إنْفاقِهِما عَلى أزْواجِهِما، ونَحْوِ ذَلِكَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ . المَعْصِيَةُ خِلافَ الطّاعَةِ. فَقَوْلُهُ ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ أيْ: لَمْ يُطِعْهُ في اجْتِنابِ ما نَهاهُ عَنْهُ مِن قُرْبانِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ. وَقَوْلُهُ: فَغَوى الغَيُّ: الضَّلالُ، وهو الذَّهابُ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ. فَمَعْنى الآيَةِ: لَمْ يُطِعْ آدَمُ رَبَّهُ فَأخْطَأ طَرِيقَ الصَّوابِ بِسَبَبِ عَدَمِ الطّاعَةِ، وهَذا العِصْيانُ، والغَيُّ بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ أنَّ المُرادَ بِهِ: أنَّ اللَّهَ أباحَ لَهُ أنْ يَأْكُلَ هو وامْرَأتُهُ مِنَ الجَنَّةِ رَغَدًا حَيْثُ شاءا، ونَهاهُما أنْ يَقَرَبا شَجَرَةً مُعَيَّنَةً مِن شَجَرِها. فَلَمْ يَزَلِ الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ لَهُما ويَحْلِفُ لَهُما بِاللَّهِ إنَّهُ لَهُما لَناصِحٌ، وإنَّهُما إنْ أكَلا مِنها نالا الخُلُودَ والمُلْكَ الَّذِي لا يَبْلى. فَخَدَعَهُما بِذَلِكَ كَما نَصَّ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢١]، فَأكَلا مِنها. وكانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: مَن خادَعَنا بِاللَّهِ خَدَعَنا. وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ. وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والحاكِمِ: «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، والفاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ» . وأنْشَدَ لِذَلِكَ نَفْطَوَيْهِ: ؎إنَّ الكَرِيمَ إذا تَشاءُ خَدَعْتَهُ وتَرى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لا يُخْدَعُ (p-١١٧)فَآدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما صَدَرَتْ مِنهُ الزَّلَّةُ إلّا بِسَبَبِ غُرُورِ إبْلِيسَ لَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: إنَّآدَمَ مِن شِدَّةِ تَعْظِيمِهِ لِلَّهِ اعْتَقَدَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَحْلِفَ بِهِ أحَدٌ وهو كاذِبٌ فَأنْساهُ حَلِفُ إبْلِيسَ بِاللَّهِ العَهْدَ بِالنَّهْيِ عَنِ الشَّجَرَةِ. وقَوْلُ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ فَغَوى أيْ: فَسَدَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ بِنُزُولِهِ إلى الدُّنْيا. قالُوا: والغَيُّ. الفَسادُ، خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ حَكاهُ النَّقّاشُ واخْتارَهُ القُشَيْرِيُّ واسْتَحْسَنَهُ القُرْطُبِيُّ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ فَغَوى أيْ: بَشَمَ مِن كَثْرَةِ الأكْلِ. والبَشَمُ: التُّخَمَةُ، فَهو قَوْلٌ باطِلٌ. وقالَ فِيهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: وهَذا وإنْ صَحَّ عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الياءَ المَكْسُورَةَ ما قَبْلَها ألِفًا فَيَقُولُ في فَنِيَ وبَقِيَ، فَنا وبَقا، وهم بَنُو طَيِّئٍ تَفْسِيرٌ خَبِيثٌ، ا ه مِنهُ. وما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن لُغَةِ طَيِّئٍ مَعْرُوفٌ. فَهم يَقُولُونَ لِلْجارِيَةِ: جاراةٌ، ولِلنّاصِيَةِ ناصاةٌ، ويَقُولُونَ في بَقِيَ بَقى كَرَمى. ومِن هَذِهِ اللُّغَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَعَمْرُكَ لا أخْشى التَّصَعْلُكَ ما بَقى ∗∗∗ عَلى الأرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأباعِرا وَهَذِهِ اللُّغَةُ الَّتِي ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ لا حاجَةَ لَها في التَّفْسِيرِ الباطِلِ المَذْكُورِ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: غَوى الفَصِيلُ كَرَضِيَ وكَرَمى: إذا بَشَمَ مِنَ اللَّبَنِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَعَصى آدَمُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى ”غَوى“ ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ كَما ذَكَرْنا. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ وأمْثالَها في القُرْآنِ هي حُجَّةُ مَن قالَ بِأنَّ الأنْبِياءَ غَيْرُ مَعْصُومِينَ مِنَ الصَّغائِرِ. وعِصْمَةُ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ مَبْحَثٌ أُصُولِيٌّ لِعُلَماءِ الأُصُولِ فِيهِ كَلامٌ كَثِيرٌ واخْتِلافٌ مَعْرُوفٌ، وسَنَذْكُرُ هُنا طَرَفًا مِن كَلامِ أهْلِ الأُصُولِ في ذَلِكَ. قالَ ابْنُ الحاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ في الأُصُولِ: * * مَسْألَةٌ الأكْثَرُ عَلى أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا عَلى الأنْبِياءِ مَعْصِيَةٌ. وخالَفَ الرَّوافِضُ، وخالَفَ المُعْتَزِلَةُ إلّا في الصَّغائِرِ. ومُعْتَمَدُهُمُ التَّقْبِيحُ العَقْلِيُّ. والإجْماعُ عَلى عِصْمَتِهِمْ بَعْدَ الرِّسالَةِ مِن تَعَمُّدِ الكَذِبِ في الأحْكامِ. لِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ. وجَوَّزَهُ القاضِي غَلَطًا وقالَ: دَلَّتْ عَلى الصِّدْقِ اعْتِقادًا. وأمّا غَيْرُهُ مِنَ المَعاصِي فالإجْماعُ عَلى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الكَبائِرِ، والصَّغائِرِ الخَسِيسَةِ. والأكْثَرُ عَلى جَوازِ غَيْرِهِما ا ه مِنهُ بِلَفْظِهِ. وَحاصِلُ كَلامِهِ: عِصَمَتُهم مِنَ الكَبائِرِ، ومِن صَغائِرِ الخِسَّةِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الصَّغائِرِ. (p-١١٨)وَقالَ العَلّامَةُ العَلَوِيُّ الشَّنْقِيطِيُّ في (نَشْرِ البُنُودِ شَرْحِ مَراقِي السُّعُودِ) في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ؎والأنْبِياءُ عُصِمُوا مِمّا نَهَوْا عَنْهُ ولَمْ يَكُنْ لَهم تَفُكُّهٌ ؎بِجائِزٍ بَلْ ذاكَ لِلتَّشْرِيعِ ∗∗∗ أوْ نِيَّةِ الزُّلْفى مِنَ الرَّفِيعِ ما نَصُّهُ: فَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ المِلَلِ، والشَّرائِعِ كُلِّها عَلى وُجُوبِ عِصْمَتِهِمْ مِن تَعَمُّدِ الكَذِبِ فِيما دَلَّ المُعْجِزُ القاطِعُ عَلى صِدْقِهِمْ فِيهِ. كَدَعْوى الرِّسالَةِ، وما يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى لِلْخَلائِقِ. وصُدُورُ الكَذِبِ عَنْهم فِيما ذَكَرَ سَهْوًا أوْ نِسْيانًا مَنَعَهُ الأكْثَرُونَ وما سِوى الكَذِبِ في التَّبْلِيغِ. فَإنْ كانَ كُفْرًا فَقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَتِهِمْ مِنهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها، وإنْ كانَ غَيْرَهُ فالجُمْهُورُ عَلى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الكَبائِرِ عَمْدًا. ومُخالِفُ الجُمْهُورِ الحَشْوِيَّةُ. واخْتَلَفَ أهْلُ الحَقِّ: هَلِ المانِعُ لِوُقُوعِ الكَبائِرِ مِنهم عَمْدًا العَقْلُ أوِ السَّمْعُ ؟ وأمّا المُعْتَزِلَةُ فالعَقْلُ، وإنْ كانَ سَهْوًا فالمُخْتارُ العِصْمَةُ مِنها. وأمّا الصَّغائِرُ عَمْدًا أوْ سَهْوًا فَقَدْ جَوَّزَها الجُمْهُورُ عَقْلًا. لَكِنَّها لا تَقَعُ مِنهم غَيْرُ صَغائِرَ الخِسَّةِ فَلا يَجُوزُ وُقُوعُها مِنهم لا عَمْدًا، ولا سَهْوًا انْتَهى مِنهُ. وَحاصِلُ كَلامِهِ: عِصْمَتُهم مِنَ الكَذِبِ فِيما يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ ومِنَ الكُفْرِ، والكَبائِرِ وصَغائِرِ الخِسَّةِ. وأنَّ الجُمْهُورَ عَلى جَوازِ وُقُوعِ الصَّغائِرِ الأُخْرى مِنهم عَقْلًا. غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِعْلًا. وقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ وفي المُنْتَخَبِ لِلْإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي الفَضْلِ المُرْسِيِّ ما مُلَخَّصُهُ: مَنَعَتِ الأُمَّةُ وُقُوعَ الكُفْرِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا الفُضَيْلِيَةَ مِنَ الخَوارِجِ قالُوا: وقَدْ وقَعَ مِنهم ذُنُوبٌ، والذَّنْبُ عِنْدَهم كُفْرٌ. وأجازَ الإمامِيَّةُ إظْهارَ الكُفْرِ مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ. واجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الكَذِبِ والتَّحْرِيفِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، فَلا يَجُوزُ عَمْدًا، ولا سَهْوًا. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ سَهْوًا. وأجْمَعُوا عَلى امْتِناعِ خَطَئِهِمْ في الفُتْيا عَمْدًا. واخْتَلَفُوا في السَّهْوِ. وأمّا أفْعالُهم فَقالَتِ الحَشَوِيَّةُ: يَجُوزُ وُقُوعُ الكَبائِرِ مِنهم عَلى جِهَةِ العَمْدِ. وقالَ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ: بِجَوازِ الصَّغائِرِ عَمْدًا إلّا في القَوْلِ كالكَذِبِ. وقالَ الجُبّائِيُّ: يَمْتَنِعانِ عَلَيْهِمْ إلّا عَلى جِهَةِ التَّأْوِيلِ. وقِيلَ: يَمْتَنِعانِ عَلَيْهِمْ إلّا عَلى جِهَةِ السَّهْوِ، والخَطَأِ، وهم مأخُوذُونَ بِذَلِكَ وإنْ كانَ مَوْضُوعًا عَنْ أُمَّتِهِمْ. وقالَتِ الرّافِضَةُ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى كُلِّ جِهَةٍ. واخْتُلِفَ في وقْتِ العِصْمَةِ. فَقالَتِ الرّافِضَةُ: مِن وقْتِ مَوْلِدِهِمْ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: مِن وقْتِ النُّبُوَّةِ. والمُخْتارُ عِنْدَنا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ذَنْبٌ حالَةَ النُّبُوَّةِ البَتَّةَ لا الكَبِيرَةُ، ولا الصَّغِيرَةُ. لِأنَّهم لَوْ صَدَرَ عَنْهُمُ الذَّنْبُ لَكانُوا أقَلَّ دَرَجَةٍ مِن عُصاةِ الأُمَّةِ (p-١١٩)لِعَظِيمِ شَرَفِهِمْ وذَلِكَ مُحالٌ، ولِئَلّا يَكُونُوا غَيْرَ مَقْبُولِي الشَّهادَةِ، ولِئَلّا يَجِبَ زَجْرُهم وإيذاؤُهم، ولِئَلّا يُقْتَدى بِهِمْ في ذَلِكَ. ولِئَلّا يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقابِ، ولئِلّا يَفْعَلُوا ضِدَّ ما أُمِرُوا بِهِ لِأنَّهم مُصْطَفَوْنَ، ولِأنَّ إبْلِيسَ اسْتَثْناهم في الإغْواءِ. انْتَهى ما لَخَّصْناهُ مِن (المُنْتَخَبِ)، والقَوْلُ في الدَّلائِلِ لِهَذِهِ المَذاهِبِ. وفي إبْطالِ ما يَنْبَغِي إبْطالُهُ مِنها مَذْكُورٌ في كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ. انْتَهى كَلامُ أبِي حَيّانَ. وَحاصِلُ كَلامِ الأُصُولِيِّينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ: عِصْمَتُهم مِنَ الكُفْرِ وفي كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، ومِنَ الكَبائِرِ وصَغائِرِ الخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وتَطْفِيفِ حَبَّةٍ، وأنَّ أكْثَرَ أهْلِ الأُصُولِ عَلى جَوازِ وُقُوعِ الصَّغائِرِ غَيْرَ صَغائِرِ الخِسَّةِ مِنهم. ولَكِنَّ جَماعَةً كَثِيرَةً مِن مُتَأخِّرِي الأُصُولِيِّينَ اخْتارُوا أنَّ ذَلِكَ وإنْ جازَ عَقْلًا لَمْ يَقَعْ فِعْلًا، وقالُوا: إنَّما جاءَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن ذَلِكَ أنَّ ما فَعَلُوهُ بِتَأْوِيلٍ أوْ نِسْيانًا أوْ سَهْوًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ الصَّوابُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ الأنْبِياءَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَقَعْ مِنهم ما يُزْرِي بِمَراتِبِهِمُ العَلِيَّةِ، ومَناصِبِهِمُ السّامِيَةِ. ولا يَسْتَوْجِبُ خَطَأً مِنهم، ولا نَقْصًا فِيهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ وقَعَ مِنهم بَعْضُ الذُّنُوبِ إلّا أنَّهم يَتَدارَكُونَ ما وقَعَ مِنهم بِالتَّوْبَةِ، والإخْلاصِ، وصِدْقِ الإنابَةِ إلى اللَّهِ حَتّى يَنالُوا بِذَلِكَ أعْلى دَرَجاتِهِمْ فَتَكُونُ بِذَلِكَ دَرَجاتُهم أعْلى مِن دَرَجَةِ مَن لَمْ يَرْتَكِبْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. ومِمّا يُوَضِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢١]، . فانْظُرْ أيَّ أثَرٍ يَبْقى لِلْعِصْيانِ والغَيِّ بَعْدَ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، واجْتِبائِهِ أيِ: اصْطِفائِهِ إيّاهُ، وهِدايَتِهِ لَهُ، ولا شَكَّ أنَّ بَعْضَ الزَّلّاتِ يَنالُ صاحِبُها بِالتَّوْبَةِ مِنها دَرَجَةً أعْلى مِن دَرَجَتِهِ قَبْلَ ارْتِكابِ تِلْكَ الزَّلَّةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

طه 20:122

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ . الِاجْتِباءُ: الِاصْطِفاءُ، والِاخْتِيارُ. أيْ: ثُمَّ بَعْدَ ما صَدَرَ مِن آدَمَ بِمُهْلَةٍ اصْطَفاهُ رَبُّهُ واخْتارَهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَداهُ إلى ما يُرْضِيهِ. ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا السَّبَبَ لِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ تَلَقّى مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَكانَتْ سَبَبَ تَوْبَةِ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، أيْ: بِسَبَبِ تِلْكَ الكَلِماتِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: أنَّ الكَلِماتِ المَذْكُورَةَ هي المَذْكُورَةُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، (p-١٢٠)وَخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.

طه 20:123

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. الظّاهِرُ أنَّ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في قَوْلِهِ اهْبِطا راجِعَةٌ إلى آدَمَ وحَوّاءَ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ [طه: ١٢١]، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها راجِعَةٌ إلى إبْلِيسَ وآدَمَ، وأمْرُهُ إيّاهُما بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ المَذْكُورِ في آيَةِ ”طه“ هَذِهِ جاءَ مُبَيَّنًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. • كَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿وَقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، • وقَوْلِهِ فِيها أيْضًا: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، • وقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤]، . وفي هَذِهِ الآياتِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: كَيْفَ جِيءَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦، ٧ ٢٤]، في ”البَقَرَةِ“ و ”الأعْرافِ“ وبِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في ”طه“ في قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطا﴾ مَعَ أنَّهُ أتْبَعَ صِيغَةَ التَّثْنِيَةِ في ”طه“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ وأظْهَرُ الأجْوِبَةِ عِنْدِي عَنْ ذَلِكَ: أنَّ التَّثْنِيَةَ بِاعْتِبارِ آدَمَ وحَوّاءَ فَقَطْ، والجَمْعَ بِاعْتِبارِهِما مَعَ ذُرِّيَّتِهِما. خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ التَّثْنِيَةَ بِاعْتِبارِ آدَمَ وإبْلِيسَ، والجَمْعَ بِاعْتِبارِ ذُرِّيَّتِهِما مَعَهُما، وخِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ الجَمْعَ في قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا﴾ مُرادٌ بِهِ آدَمُ وحَوّاءُ وإبْلِيسُ، والحَيَّةُ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحَيَّةَ لَيْسَتْ مُرادَّةً في ذَلِكَ هو أنَّها لا تَدْخُلُ في قَوْلِهِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ لِأنَّها غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ. واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ يَذْكُرُونَ قِصَّةَ الحَيَّةِ، وأنَّها كانَتْ ذاتَ قَوائِمَ أرْبَعٍ كالبُخْتِيَّةِ مِن أحْسَنِ دابَّةٍ خَلَقَها اللَّهُ، وأنَّ إبْلِيسَ دَخَلَ في فَمِها فَأدْخَلَتْهُ الجَنَّةَ، فَوَسْوَسَ لِآدَمَ وحَوّاءَ بَعْدَ أنْ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الدَّوابِّ فَلَمْ يُدْخِلْهُ إلّا الحَيَّةُ. فَأُهْبِطَ هو إلى الأرْضِ ولُعِنَتْ هي ورُدَّتْ قَوائِمُها في جَوْفِها، وجُعِلَتِ العَداوَةُ بَيْنَها وبَيْنَ بَنِي آدَمَ، ولِذَلِكَ أُمِرُوا بِقَتْلِها. وبِهَذِهِ المُناسَبَةِ ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ جُمَلًا مِن أحْكامِ قَتْلِ الحَيّاتِ. فَذَكَرَ عَنْ ساكِنَةَ بِنْتِ الجَعْدِ أنَّها رَوَتْ عَنْ سُرَيَّ بِنْتِ نَبْهانَ الغَنَوِيَّةِ أنَّها سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الحَيّاتِ صَغِيرِها وكَبِيرِها، وأسُوَدِها وأبْيَضِها، ويُرَغِّبُ في ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثًا فِيهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ أصْحابَهُ بِقَتْلِ حَيَّةٍ فَسَبَقَتْهم إلى جُحْرِها. فَأمَرَهم أنْ يُضْرِمُوا عَلَيْها (p-١٢١)نارًا» . وذَكَرَ عَنْ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ أنَّهم خَصَّصُوا بِذَلِكَ النَّهْيِ عَنِ الإحْراقِ بِالنّارِ، وعَنْ أنْ يُعَذَّبَ أحَدٌ بِعَذابِ اللَّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ: أنَّهُ كَرِهَ أنْ تُحْرَقَ العَقْرَبُ بِالنّارِ، وقالَ: هو مُثْلَةٌ. وأجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الخَبَرُ المَذْكُورُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الثّابِتَ في الصَّحِيحَيْنِ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غارٍ، وقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [ ٧٧ ]، فَنَحْنُ نَأْخُذُها مِن فِيهِ رَطْبَةً، إذْ خَرَجَتْ عَلَيْنا حَيَّةٌ فَقالَ ”اقْتُلُوها“، فابْتَدَرْناها لِنَقْتُلَها، فَسَبَقَتْنا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”وَقاها اللَّهُ شَرَّكم كَما وقاكم شَرَّها“ فَلَمْ يُضْرِمْ نارًا، ولا احْتالَ في قَتْلِها»، وأجابَ هو عَنْ ذَلِكَ، بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ نارًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ لَمْ يَكُنِ الجُحْرُ بِهَيْئَةٍ يُنْتَفَعُ بِالنّارِ هُناكَ، مَعَ ضَرَرِ الدُّخانِ وعَدَمِ وُصُولِهِ إلى الحَيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الأمْرَ بِقَتْلِ الحَيّاتِ مِنَ الإرْشادِ إلى دَفْعِ المُضِرَّةِ المُخَوِّفَةِ مِنَ الحَيّاتِ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الأمْرَ بِقَتْلِ الحَيّاتِ عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِها إنْ كانَتْ غَيْرَ حَيّاتِ البُيُوتِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيما خَرَّجَهُ أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «اقْتُلُوا الحَيّاتِ كُلَّهُنَّ، فَمَن خافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنِّي» ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ حَيّاتِ البُيُوتِ لا تُقْتَلُ حَتّى تُؤْذَنَ ثَلاثَةَ أيّامٍ. لِحَدِيثِ: «إنَّ بِالمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أسْلَمُوا، فَإذا رَأيْتُمْ مِنهم شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ» ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ خَصَّ ذَلِكَ بِالمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِها لِحَدِيثِ: «إنَّ بِالمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أسْلَمُوا» . قالُوا: ولا نَعْلَمُ هَلْ أسْلَمَ مِن جِنِّ غَيْرِ المَدِينَةِ أحَدٌ أوْ لا. قالَهُ ابْنُ نافِعٍ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ مالِكٍ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ جِنّانِ البُيُوتِ في جَمِيعِ البِلادِ. ثُمَّ قالَ: وهو الصَّحِيحُ. لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٩] . وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أتانِي داعِيَ الجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهم فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وفِيهِ سَألُوهُ الزّادَ وكانُوا مِن جِنِّ الجَزِيرَةِ» وسَيَأْتِي بِكَمالِهِ في سُورَةِ ”الجِنِّ“ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وإذا ثَبَتَ هَذا فَلا يُقْتَلْ شَيْءٌ مِنها حَتّى يَخْرُجَ عَلَيْهِ ويُنْذَرُ، عَلى ما يَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. (ثُمَّ قالَ): رَوى الأئِمَّةُ عَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى هِشامِ بْنِ زَهْرَةَ: «أنَّهُ دَخَلَ عَلى أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في بَيْتِهِ، قالَ: فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَجَلَسْتُ أنْتَظِرُهُ حَتّى يَقْضِيَ صَلاتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا في عَراجِينِ ناحِيَةِ البَيْتِ، فالتَفَتُّ فَإذا حَيَّةٌ فَوَثَبْتُ لِأقْتُلَها فَأشارَ إلَيَّ أنِ اجْلِسْ فَجَلَسْتُ، فَلَمّا انْصَرَفَ أشارَ إلى بَيْتٍ في الدّارِ فَقالَ: أتَرى هَذا البَيْتَ ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ. قالَ: كانَ فِيهِ فَتًى مِنّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قالَ: فَخَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الخَنْدَقِ، فَكانَ ذَلِكَ الفَتى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأنْصافِ النَّهارِ فَيَرْجِعُ إلى أهْلِهِ، فاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا (p-١٢٢)فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”خُذْ عَلَيْكَ سِلاحَكَ فَإنَّنِي أخْشى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ“ فَأخَذَ الرَّجُلُ سِلاحَهُ ثُمَّ رَجَعَ، فَإذا امْرَأتُهُ بَيْنَ البابَيْنِ قائِمَةً، فَأهْوى إلَيْها بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَها بِهِ وأصابَتْهُ غَيْرَةٌ. فَقالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وادْخُلِ البَيْتَ حَتّى تَنْظُرَ ما الَّذِي أخْرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإذا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلى الفِراشِ، فَأهْوى إلَيْها بِالرُّمْحِ فانْتَظَمَها بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ في الدّارِ فاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَما يَدْرِي أيْهُما كانَ أسْرَعَ مَوْتًا الحَيَّةُ أمِ الفَتى. قالَ: فَجِئْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْنا ذَلِكَ لَهُ، وقُلْنا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنا: فَقالَ: ”اسْتَغْفِرُوا لِأخِيكم ثُمَّ قالَ إنَّ بِالمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أسْلَمُوا، فَإذا رَأيْتُمْ مِنهم شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلاثَةَ أيْامٍ فَإنْ بَدا لَكم بَعْدَ ذَلِكَ فاقْتُلُوهُ فَإنَّما هو شَيْطانٌ»“ . وفي طَرِيقٍ أُخْرى فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِهَذِهِ البُيُوتِ عَوامِرَ، فَإذا رَأيْتُمْ شَيْئًا مِنهم فَحَرِّجُوا عَلَيْها ثَلاثًا، فَإنْ ذَهَبَ وإلّا فاقْتُلُوهُ فَإنَّهُ كافِرٌ وقالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا فادْفِنُوا صاحِبَكم» . ثُمَّ قالَ: قالَ عُلَماؤُنا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: لا يُفْهَمُ مِن هَذا الحَدِيثِ أنَّ هَذا الجانَّ الَّذِي قَتَلَهُ الفَتى كانَ مُسْلِمًا، وأنَّ الجِنَّ قَتَلَتْهُ بِهِ قِصاصًا. لِأنَّهُ لَوْ سَلَّمَ أنَّ القِصاصَ مَشْرُوعٌ بَيْنَنا وبَيْنَ الجِنِّ لَكانَ إنَّما يَكُونُ في العَمْدِ المَحْضِ، وهَذا الفَتى لَمْ يَقْصِدْ ولَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ إذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِن ذَلِكَ، وإنَّما قَصَدَ إلى قَتْلِ ما سُوِّغَ قَتْلُ نَوْعِهِ شَرْعًا، فَهَذا قَتْلٌ خَطَأٌ، ولا قِصاصَ فِيهِ. فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ كُفّارَ الجِنِّ أوْ فَسَقَتَهم قَتَلُوا الفَتى بِصاحِبِهِمْ عَدْوًا وانْتِقامًا. وقَدْ قَتَلَتْ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّهُ وُجِدَ مَيِّتًا في مُغْتَسَلِهِ وقَدِ اخْضَرَّ جَسَدُهُ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِمَوْتِهِ حَتّى سَمِعُوا قائِلًا يَقُولُ، ولا يَرَوْنَ أحَدًا: ؎قَدْ قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْ رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ ؎وَرَمَيْناهُ بِسَهْمَيْنِ ∗∗∗ فَلَمْ نُخْطِ فُؤادَهُ وَإنَّما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ بِالمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أسْلَمُوا» لِيُبَيِّنَ طَرِيقًا يَحْصُلُ بِهِ التَّحَرُّزُ مِن قَتْلِ المُسْلِمِ مِنهم، ويَتَسَلَّطُ بِهِ عَلى قَتْلِ الكافِرِ مِنهم. ورُوِيَ مِن وُجُوهٍ: أنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَتَلَتْ جانًا. فَأُرِيَتْ في المَنامِ أنَّ قائِلًا يَقُولُ لَها: لَقَدْ قَتَلْتِ مُسْلِمًا. فَقالَتْ: لَوْ كانَ مُسْلِمًا لَمْ يَدْخُلْ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ: ما دَخَلَ عَلَيْكِ إلّا وعَلَيْكِ ثِيابُكِ. فَأصْبَحَتْ فَأمَرَتْ بِاثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ فَجُعِلَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ. وفي رِوايَةٍ: ما دَخَلَ عَلَيْكِ إلّا وأنْتِ مُسْتَتِرَةٌ. فَتَصَدَّقَتْ وأعْتَقَتْ رِقابًا. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ: الجانُّ مِنَ الحَيّاتِ الَّتِي نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِها هي الَّتِي تَمْشِي، ولا تَلْتَوِي. وعَنْ عَلْقَمَةَ نَحْوُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ إنْذارِ حَيّاتِ البُيُوتِ فَقالَ: قالَ مالِكٌ: أحَبُّ إلَيَّ أنْ يُنْذَرُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ. وقالَهُ عِيسى بْنُ دِينارٍ: (p-١٢٣)وَإنْ ظَهَرَ في اليَوْمِ مِرارًا، ولا يَقْتَصِرُ عَلى إنْذارِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في يَوْمٍ واحِدٍ حَتّى يَكُونَ في ثَلاثَةِ أيّامٍ. وقِيلَ: يَكْفِي ثَلاثَ مِرارٍ. لِقَوْلِهِ ﷺ: «فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلاثًا»، وقَوْلُهُ «حَرِّجُوا عَلَيْهِ ثَلاثًا» ولِأنَّ ثَلاثًا لِلْعَدَدِ المُؤَنَّثِ، فَظَهَرَ أنَّ المُرادَ ثَلاثُ مَرّاتٍ. وقَوْلُ مالِكٍ أوْلى لِقَوْلِهِ ﷺ «ثَلاثَةُ أيّامٍ» وهو نَصٌّ صَحِيحٌ مُقَيِّدٌ لِتِلْكَ المُطْلَقاتِ، ويَحْمِلُ ثَلاثًا عَلى إرادَةِ لَيالِي الأيّامِ الثَّلاثِ، فَغَلَّبَ اللَّيْلَةَ عَلى عادَةِ العَرَبِ في بابِ التّارِيخِ، فَإنَّها تَغْلِبُ فِيها التَّأْنِيثُ. قالَ مالِكٌ: ويَكْفِي في الإنْذارِ أنْ يَقُولَ: أُحَرِّجُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ ألّا تَبْدُوا لَنا، ولا تُؤْذُونا. وذَكَرَ ثابِتٌ البُنانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ حَيّاتُ البُيُوتِ فَقالَ: إذا رَأيْتُمْ مِنها شَيْئًا في مَساكِنِكم فَقُولُوا: أنْشُدُكم بِالعَهْدِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْكم نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْشُدُكم بِالعَهْدِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْكم سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا رَأيْتُمْ مِنهُنَّ شَيْئًا بَعْدُ فاقْتُلُوهُ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ حَكى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ يُقالُ: «أنْشُدُكُنَّ بِالعَهْدِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ ألّا تُؤْذُونا، ولا تَظْهَرْنَ عَلَيْنا» انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ مُلَخَّصًا قَرِيبًا مِن لَفْظِهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ ما لَمْ يَكُنْ مِنَ الحَيّاتِ في البُيُوتِ فَإنَّهُ يُقْتَلُ كالحَيّاتِ الَّتِي تُوجَدُ في الفَيافِي، وأنَّ حَيّاتِ البُيُوتِ لا تُقْتَلُ إلّا بَعْدَ الإنْذارِ. وأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي عُمُومُ الإنْذارِ في المَدِينَةِ، وغَيْرِها، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإنْذارِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ولا تَكْفِي ثَلاثُ مَرّاتٍ في يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ، كَما تَقَدَّمَتْ أدِلَّةُ ذَلِكَ في كَلامِ القُرْطُبِيِّ. وأنَّ الأبْتَرَ وذا الطُّفْيَتَيْنِ يُقْتَلانِ في البُيُوتِ بِلا إنْذارٍ. لِما ثَبَتَ في بَعْضِ رِواياتِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: فَقالَ أبُو لُبابَةَ: إنَّهُ قَدْ نُهِيَ عَنْهُنَّ (يُرِيدُ عَوامِرَ البُيُوتِ) وأُمِرَ بِقَتْلِ الأبْتَرِ وذِي الطُّفْيَتَيْنِ. وفي رِوايَةٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أبِي لُبابَةَ: «لا تَقْتُلُوا الجِنّانَ إلّا كُلَّ أبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ، فَإنَّهُ يُسْقِطُ الوَلَدَ، ويُذْهِبُ البَصَرَ فاقْتُلُوهُ» . والدَّلِيلُ عَلى قَتْلِ الحَيّاتِ وإنْذارِ حَيّاتِ البُيُوتِ ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ، وغَيْرِهِما. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثْنا هِشامُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلى المِنبَرِ يَقُولُ: ”اقْتُلُوا الحَيّاتِ واقْتُلُوا ذا الطُّفْيَتَيْنِ، والأبْتَرَ. فَإنَّهُما يَطْمِسانِ البَصَرَ، ويَسْتَسْقِطانِ الحَبَلَ“ قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَيْنا أنا أُطارِدُ حَيَّةً لِأقْتُلَها فَنادانِي أبُو لُبابَةَ: لا تَقْتُلْها. فَقُلْتُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أمَرَ بِقَتْلِ الحَيّاتِ ؟ فَقالَ: إنَّهُ نَهى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَواتِ البُيُوتِ، وهي العَوامِرُ» . وقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: فَرَآنِي أبُو لُبابَةَ أوْ زَيْدُ بْنُ (p-١٢٤)الخَطّابِ، وتابَعَهُ يُونُسُ، وابْنُ عُيَيْنَةَ وإسْحاقُ الكَلْبِيُّ، والزُّبَيْدِيُّ، وقالَ صالِحٌ، وابْنُ أبِي حَفْصَةَ، وابْنُ مُجَمَّعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فَرَآنِي أبُو لُبابَةُ وزَيْدُ بْنُ الخَطّابِ ا ه مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ في صَحِيحِهِ: وحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النّاقِدُ، حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ أبِي عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «اقْتُلُوا الحَيّاتِ وذا الطُّفْيَتَيْنِ، والأبْتَرَ، فَإنَّهُما يَسْتَسْقِطانِ الحَبَلَ ويَلْتَمِسانِ البَصَرَ ”قالَ: فَكانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْتُلُ كُلَّ حَيَّةٍ وجَدَها. فَأبْصَرَهُ أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، أوْ زَيْدُ بْنُ الخَطّابِ وهو يُطارِدُ حَيَّةً فَقالَ: إنَّهُ قَدْ نَهى عَنْ ذَواتِ البُيُوتِ» . ثُمَّ ذَكَرَهُ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وفي كُلِّها التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ جِنّانِ البُيُوتِ يَعْنِي إلّا بَعْدَ الإنْذارِ ثَلاثًا. وعَنْ مالِكٍ: يُقْتَلُ ما وُجِدَ مِنها بِالمَساجِدِ. وقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ“ وذا الطُّفْيَتَيْنِ ”هو بِضَمِّ الطّاءِ المُهْمَلَةِ وإسْكانِ الفاءِ بَعْدَها ياءٌ. وأصْلُ الطُّفْيَةِ خُوصَةُ المُقَلِ وهو شَجَرُ الدَّوْمِ. وقِيلَ: المُقَلُ ثَمَرُ شَجَرِ الدَّوْمِ. وجَمْعُها طُفى بِضَمٍّ فَفَتَحَ عَلى القِياسِ. والمُرادُ بِالطُّفْيَتَيْنِ في الحَدِيثِ: خَطّانِ أبْيَضانِ. وقِيلَ: أسْوَدانِ عَلى ظَهْرِ الحَيَّةِ المَذْكُورَةِ، يُشْبِهانِ في صُورَتِها خُوصَ المُقَلِ المَذْكُورَ. والأبْتَرُ: قَصِيرُ الذَّنَبِ مِنَ الحَيّاتِ: وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: هو صِنْفٌ مِنَ الحَيّاتِ أزْرَقٌ مَقْطُوعُ الذَّنَبِ، لا تَنْظُرُ إلَيْهِ حامِلٌ إلّا ألْقَتْ ما في بَطْنِها. وقالَ الدّاوُدِيُّ: هو الأفْعى الَّتِي تَكُونُ قَدْرَ شِبْرٍ أوْ أكْثَرَ قَلِيلًا وقَوْلُهُ في هَذا الحَدِيثِ:“ «يَسْتَسْقِطانِ الحَبَلَ» مَعْناهُ أنَّ المَرْأةَ الحامِلَ إذا نَظَرَتْ إلَيْهِما وخافَتْ أسْقَطَتْ جَنِينَها غالِبًا. وقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ إسْقاطَ الحَبَلِ المَذْكُورَ خاصِّيَّةٌ فِيهِما مِن سُمِّهِما. والأظْهَرُ في مَعْنى «يَلْتَمِسانِ البَصَرَ» أنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِيهِما مِن شِدَّةٍ سُمِّهِما خاصِّيَّةً يَخْطِفانِ بِها البَصَرَ، ويَطْمِسانِهِ بِها بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِما إلَيْهِ. والقَوْلُ: بِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُما يَقْصِدانِ البَصَرَ بِاللَّسْعِ، والنَّهْشِ ضَعِيفٌ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «اقْتُلُوا الحَيّاتِ» يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ قَتْلِها. لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ المُجَرَّدَةَ عَنِ القَرائِنِ تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ القَتْلِ المَذْكُورِ لِلنَّدْبِ، والِاسْتِحْبابِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣]، عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ الأظْهَرُ. فالمَعْنى: أنَّ بَعْضَ بَنِي آدَمَ عَدُوٌّ لِبَعْضِهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، ونَحْوَها مِنَ الآياتِ. وعَلى أنَّ المُرادَ (p-١٢٥)بِقَوْلِهِ ﴿اهْبِطا﴾ آدَمُ وإبْلِيسُ، فالمَعْنى أنَّ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ أعْداءٌ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠]، ونَحْوَها مِنَ الآياتِ. والظّاهِرُ أنَّ ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ: مِن إحْراقِ الحَيَّةِ بِالنّارِ لَمْ يَثْبُتْ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَذِّبَ بِعَذابِ اللَّهِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تُقْتَلَ بِالنّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ. فَإنْ قِيلَ: الحَدِيثُ المَذْكُورُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذا الطُّفْيَتَيْنِ غَيْرَ الأبْتَرِ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ في الحَدِيثِ، ورِوايَةُ البُخارِيِّ الَّتِي قَدَّمْنا عَنْ أبِي لُبابَةَ: «لا تَقْتُلُوا الجِنّانَ إلّا كُلَّ أبْتَرٍ ذِي طُفْيَتَيْنِ» يَقْتَضِي أنَّهُما واحِدٌ ؟ فالجَوابُ: أنَّ ابْنَ حَجَرٍ في الفَتْحِ أجابَ عَنْ هَذا. بِأنَّ الرِّوايَةَ المَذْكُورَةَ ظاهِرُها اتِّحادُهُما، ولَكِنَّها لا تَنْفِي المُغايَرَةَ ا ه. والظّاهِرُ أنَّ مُرادَهُ بِأنَّها لا تَنْفِي المُغايَرَةَ: أنَّ الأبْتَرَ وإنْ كانَ ذا طُفْيَتَيْنِ فَلا يُنافِي وُجُودَ ذِي طُفْيَتَيْنِ غَيْرَ الأبْتَرِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾. الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ لِبَنِي آدَمَ. أيْ: فَإنْ يَأْتِكم مِنِّي هُدًى أيْ: رَسُولٌ أُرْسِلُهُ إلَيْكم، وكِتابٌ يَأْتِي بِهِ رَسُولٌ، فَمَنِ اتَّبَعَ مِنكم هُدايَ أيْ: مَن آمَنَ بِرُسُلِي وصَدَّقَ بِكُتُبِي، وامْتَثَلَ ما أمَرْتُ بِهِ، واجْتَنَبَ ما نَهَيْتُ عَنْهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي. فَإنَّهُ لا يَضِلُّ في الدُّنْيا، أيْ: لا يَزِيغُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ لِاسْتِمْساكِهِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، ولا يَشْقى في الآخِرَةِ لِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا عامِلًا بِما يَسْتَوْجِبُ السَّعادَةَ مِن طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَةِ رُسُلِهِ. وهَذا المَعْنى المَذْكُورُ هُنا ذُكِرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”البَقَرَةِ“: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [ الآيَةَ ٣٨ ]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وفي هَذِهِ الآياتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ بَعْدَ أنْ أخْرَجَ أبَوَيْنا مِنَ الجَنَّةِ لا يَرُدُّ إلَيْهِما أحَدًا مِنّا إلّا بَعْدَ الِابْتِلاءِ، والِامْتِحانِ بِالتَّكالِيفِ مِنَ الأوامِرِ، والنَّواهِي، ثُمَّ يُطِيعُ اللَّهَ فِيما ابْتَلاهُ بِهِ. كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ .