Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — طه 20:124 – الأنبياء 21:112

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. طه 20:124
  2. طه 20:127
  3. طه 20:128
  4. طه 20:133
  5. طه 20:134
  6. طه 20:135
  7. الأنبياء 21:1
  8. الأنبياء 21:3
  9. الأنبياء 21:5
  10. الأنبياء 21:9
  11. الأنبياء 21:11
  12. الأنبياء 21:16
  13. الأنبياء 21:26
  14. الأنبياء 21:29
  15. الأنبياء 21:30
  16. الأنبياء 21:31
  17. الأنبياء 21:32
  18. الأنبياء 21:34
  19. الأنبياء 21:35
  20. الأنبياء 21:36
  21. الأنبياء 21:37
  22. الأنبياء 21:39
  23. الأنبياء 21:41
  24. الأنبياء 21:42
  25. الأنبياء 21:43
  26. الأنبياء 21:44
  27. الأنبياء 21:47
  28. الأنبياء 21:50
  29. الأنبياء 21:51
  30. الأنبياء 21:68
  31. الأنبياء 21:69
  32. الأنبياء 21:71
  33. الأنبياء 21:72
  34. الأنبياء 21:73
  35. الأنبياء 21:74
  36. الأنبياء 21:76
  37. الأنبياء 21:78
  38. الأنبياء 21:79
  39. الأنبياء 21:80
  40. الأنبياء 21:81
  41. الأنبياء 21:82
  42. الأنبياء 21:83
  43. الأنبياء 21:87
  44. الأنبياء 21:92
  45. الأنبياء 21:98
  46. الأنبياء 21:100
  47. الأنبياء 21:101
  48. الأنبياء 21:103
  49. الأنبياء 21:104
  50. الأنبياء 21:105
  51. الأنبياء 21:106
  52. الأنبياء 21:107
  53. الأنبياء 21:109
  54. الأنبياء 21:110
  55. الأنبياء 21:112

طه 20:124

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ الآيَةَ [الرعد: ٥٧] الآياتُ المُوَضَّحَةُ نَتائِجَ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى الوَخِيمَةِ. فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقَدْ قَدَّمْنا هُناكَ أنَّ مِنها المَعِيشَةَ الضَّنْكَ. واعْلَمْ (p-١٢٦)أنَّ الضَّنْكَ في اللُّغَةِ: الضِّيقُ. ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎إنْ يَلْحَقُوا أكْرُرْ وإنْ يَسْتَلْحِمُوا أشْدُدْ ∗∗∗ وإنْ يُلْفَوْا بِضَنْكٍ أنْزِلُ وَقَوْلُهُ أيْضًا: ؎إنَّ المَنِيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ ∗∗∗ مِثْلِي إذا نَزَلُوا بِضَنْكِ المَنزِلِ وَأصْلُ الضَّنْكِ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ، والمُؤَنَّثُ، والمُفْرَدُ، والجَمْعُ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أيْ: عَيْشًا ضَيِّقًا، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِهَذا العَيْشِ الضَّيِّقِ عَلى أقْوالٍ مُتَقارِبَةٍ، لا يُكَذِّبُ بَعْضُها بَعْضًا. وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا: أنَّ الأوْلى في مِثْلِ ذَلِكَ شُمُولَ الآيَةِ لِجَمِيعِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ. ومِنَ الأقْوالِ في ذَلِكَ: أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ مَعَ الدِّينِ التَّسْلِيمَ، والقَناعَةَ، والتَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ، والرِّضا بِقِسْمَتِهِ فَصاحِبُهُ يُنْفِقُ مِمّا رَزَقَهُ اللَّهُ بِسَماحٍ وسُهُولَةٍ، فَيَعِيشُ عَيْشًا هَنِيئًا. ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآيَةَ [هود: ٣] كَما تَقَدَّمَ إيضاحُ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَأمّا المُعْرِضُ عَنِ الدِّينِ فَإنَّهُ يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الحِرْصُ الَّذِي لا يَزالُ يَطْمَحُ بِهِ إلى الِازْدِيادِ مِنَ الدُّنْيا مُسَلِّطٌ عَلَيْهِ الشُّحَّ الَّذِي يَقْبِضُ يَدَهُ عَنِ الإنْفاقِ، فَعَيْشُهُ ضَنْكٌ، وحالُهُ مُظْلِمَةٌ. ومِنَ الكَفَرَةِ مَن ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الذِّلَّةَ، والمَسْكَنَةَ بِسَبَبِ كُفْرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الآياتِ [البقرة: ٦١] . وذَلِكَ مِنَ العَيْشِ الضَّنْكِ بِسَبَبِ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهم لَوْ تَرَكُوا الإعْراضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَأطاعُوهُ تَعالى أنَّ عَيْشَهم يَصِيرُ واسِعًا رَغْدًا لا ضَنْكًا، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٩٦] • وكَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وَيَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ هُودٍ: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٢] (p-١٢٧) • وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ الآيَةَ [الجن: ١٦ - ١٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ: هي طَعامُ الضَّرِيعِ، والزَّقُّومِ يَوْمَ القِيامَةِ وذَلِكَ مَذْكُورٌ في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ الآيَةَ [الغاشية: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الأثِيمِ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٤٣ - ٤٤] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: الكَسْبُ الحَرامُ، والعَمَلُ السَّيِّئُ. وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ: عَذابُ القَبْرِ وضَغْطَتُهُ. وقَدْ أشارَ تَعالى إلى فِتْنَةِ القَبْرِ وعَذابِهِ في قَوْلِهِ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ في الآيَةِ: عَذابُ القَبْرِ. وبَعْضُ طُرُقِهِ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ كَما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. ولا يُنافِي ذَلِكَ شُمُولُ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ لِمَعِيشَتِهِ في الدُّنْيا. وطَعامِ الضَّرِيعِ، والزَّقُّومِ. فَتَكُونُ مَعِيشَتَهُ ضَنْكًا في الدُّنْيا، والبَرْزَخِ، والآخِرَةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ يَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ في حالِ كَوْنِهِ أعْمى. قالَ مُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ: أعْمى أيْ: لا حُجَّةَ لَهُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: عَمِيَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا جَهَنَّمَ. وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونُ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ القَوْلِ. وقَدْ ذَكَرْنا أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً لِذَلِكَ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةً دالَّةً عَلى خِلافِ قَوْلِ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ، وعِكْرِمَةَ. وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ أعْمى أيْ: أعْمى البَصَرِ لا يَرى شَيْئًا. والقَرِينَةُ المَذْكُورَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: ١٢٥]، فَصَرَّحَ بِأنَّ عَماهُ هو العَمى المُقابِلُ لِلْبَصَرِ وهو بَصَرُ العَيْنِ، لِأنَّ الكافِرَ كانَ في الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ كَما دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، وقَدْ زادَ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ العَمى يُحْشَرُ أصَمَّ أبْكَمَ أيْضًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-١٢٨)﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] . * * تَنْبِيهٌ فِي آيَةِ ”طه“ هَذِهِ وآيَةِ ”الإسْراءِ“ المَذْكُورَتَيْنِ إشْكالٌ مَعْرُوفٌ. وهو أنْ يُقالَ: إنَّهُما قَدْ دَلَّتا عَلى أنَّ الكافِرَ يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، وزادَتْ آيَةُ ”الإسْراءِ“ أنَّهُ يُحْشَرُ أبْكَمَ أصَمَّ أيْضًا، مَعَ أنَّهُ دَلَّتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ يُبْصِرُونَ ويَسْمَعُونَ ويَتَكَلَّمُونَ. • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآيَةَ [مريم: ٣٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) الجَوابَ عَنْ هَذا الإشْكالِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ بِما ذُكِرَ مِنَ العَمى، والصَّمَمِ، والبَكَمِ حَقِيقَتُهُ. ويَكُونُ ذَلِكَ في مَبْدَأِ الأمْرِ ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ أبْصارَهم ونُطْقَهم وسَمْعَهم فَيَرَوْنَ النّارَ ويَسْمَعُونَ زَفِيرَها، ويَنْطِقُونَ بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهم، ولا يَسْمَعُونَ كَذَلِكَ، ولا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، كَما أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا لا يَسْتَبْصِرُونَ، ولا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ، ولا يَسْمَعُونَهُ. وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الحَسْنِ كَما ذَكَرَهُ الألُوسِيُّ، وغَيْرُهُ. وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَدْ نَزَلَ ما يَقُولُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ ويُبْصِرُونَهُ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ. كَما أوْضَحْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ لا شَيْءَ عَلى ما لا نَفْعَ فِيهِ. ألا تَرى أنَّ اللَّهَ يَقُولُ في المُنافِقِينَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨] مَعَ أنَّهُ يَقُولُ فِيهِمْ: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ويَقُولُ فِيهِمْ: ﴿وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]، أيْ: لِفَصاحَتِهِمْ وحَلاوَةِ ألْسِنَتِهِمْ. ويَقُولُ فِيهِمْ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّ الكَلامَ ونَحْوَهُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ كَلا شَيْءٍ: فَيَصْدُقُ عَلى صاحِبِهِ أنَّهُ أعْمى وأصَمُّ وأبْكَمُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ قَعْنَبِ بْنِ أُمِّ صاحِبٍ: ؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا (p-١٢٩)وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎أصَمُّ عَنِ الأمْرِ الَّذِي لا أُرِيدُهُ ∗∗∗ وأسْمَعُ خَلْقِ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎قُلْ ما بَدا لَكَ مِن زُورٍ ومِن كَذِبِ ∗∗∗ حِلْمِي أصَمُّ وأُذْنِي غَيْرُ صَمّاءَ وَنَظائِرُ هَذا كَثِيرَةٌ في كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ الصَّمَمِ عَلى السَّماعِ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ. وكَذَلِكَ الكَلامُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، والرُّؤْيَةُ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ إذا قالَ لَهم: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقَعَ بِهِمْ ذَلِكَ العَمى، والصَّمَمُ، والبَكَمُ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ، واليَأْسِ مِنَ الفَرَجِ، قالَ تَعالى: ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥]، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الأحْوالُ الخَمْسَةُ مُقَدَّرَةً، أعْنِي قَوْلَهُ في ”طه“: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٥]، وقَوْلُهُ فِيها: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى﴾ وقَوْلُهُ في " الإسْراءِ: ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وأظْهَرُها عِنْدِي الأوَّلُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] مِنَ النِّسْيانِ بِمَعْنى التَّرْكِ عَمْدًا كَما قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . [طه: ١١٥] .

طه 20:127

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُجازِي المُسْرِفِينَ ذَلِكَ الجَزاءَ المَذْكُورَ. وقَدْ دَلَّ مَسْلَكَ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ لِعِلَّةِ إسْرافِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ في الطُّغْيانِ والمَعاصِي، وبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ جَزاءَ الإسْرافِ النّارُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذا لَمْ يُنِيبُوا إلى اللَّهِ ويَتُوبُوا إلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٥٢ - ٥٤] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ . (p-١٣٠)ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى. أيْ: أشَدُّ ألَمًا وأدْوَمُ مِن عَذابِ الدُّنْيا، ومِنَ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ الَّتِي هي عَذابُ القَبْرِ. وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ [ ١٣ ]، • وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

طه 20:128

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ . تَقَدَّمَ بَعْضُ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لَهُ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وسَيَأْتِي لَهُ بَعْدَ هَذا إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ إيضاحٍ.

طه 20:133

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ . أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ اقْتَرَحُوا - عَلى عادَتِهِمْ في التَّعَنُّتِ - آيَةً عَلى النُّبُوَّةِ كالعَصا واليَدِ مِن آياتِ مُوسى، وكَناقَةِ صالِحٍ، واقْتِراحِهِمْ لِذَلِكَ بِحَرْفِ التَّحْضِيضِ الدّالِّ عَلى شِدَّةِ الحَضِّ في طَلَبِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَأْتِينا﴾ [طه: ١٣٨]، أيْ: هَلّا يَأْتِينا مُحَمَّدٌ بِآيَةٍ: كَناقَةِ صالِحٍ، وعَصا مُوسى، أيْ: نَطْلُبُ ذَلِكَ مِنهُ بِحَضٍّ وحَثٍّ. فَأجابَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وهي هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ؛ لِأنَّهُ آيَةٌ هي أعْظَمُ الآياتِ وأدَلُّها عَلى الإعْجازِ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ بِأنَّهُ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى؛ لِأنَّ القُرْآنَ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى صِحَّةِ جَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهو بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ عَلى صِدْقِها وصِحَّتِها: كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [ ٢٧ ] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ الَّذِي هو الأظْهَرُ أوْضَحَهُ - جَلَّ وعَلا - في سُورَةِ ”العَنْكَبُوتِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [ ٢٩ - ٥١ ] فَقَوْلُهُ في ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] هو مَعْنى قَوْلِهِ في ”طه“: (p-١٣١)﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ كَما أوْضَحْنا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ويَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «ما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا أُوتِيَ ما آمَنَ البَشَرُ عَلى مِثْلِهِ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» وفي الآيَةِ أقْوالٌ أُخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.

طه 20:134

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ . قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النِّساءِ“ أنَّ آيَةَ ”طه“ هَذِهِ تُشِيرُ إلى مَعْناها آيَةُ ”القَصَصِ“ الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]، وأنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِها لَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .

طه 20:135

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ . أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ عِنادًا وتَعَنُّتًا: كُلٌّ مِنّا ومِنكم مُتَرَبِّصٌ، أيْ: مُنْتَظِرٌ ما يَحِلُّ بِالآخَرِ مِنَ الدَّوائِرِ، كالمَوْتِ، والغَلَبَةِ. وقَدْ أوْضَحَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ ما يَنْتَظِرُهُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ والمُسْلِمُونَ كُلُّهُ خَيْرٌ، بِعَكْسِ ما يَنْتَظِرُهُ ويَتَرَبَّصُ الكُفّارُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٩٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ سَيَعْلَمُونَ في ثانِي حالٍ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى. أيْ: وُفِّقَ لِطَرِيقِ الصَّوابِ، والدَّيْمُومَةِ عَلى ذَلِكَ. وأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِلْكُفّارِ. والمَعْنى: سَيَتَّضِحُ لَكم أنّا مُهْتَدُونَ، وأنّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وأنَّكم عَلى ضَلالٍ وباطِلٍ. وهَذا يَظْهَرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ، ويَظْهَرُ لَهم في الدُّنْيا لِما يَرَوْنَهُ مَن نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ . (p-١٣٢)وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. • كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والصِّراطُ في لُغَةِ العَرَبِ: الطَّرِيقُ الواضِحُ. والسَّوِيُّ: المُسْتَقِيمُ، وهو الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمُ و ”مَن“ في قَوْلِهِ مَن أصْحابُ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”تَعْلَمُونَ“ . وقالَ بَعْضُهم: هي اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في ”مَرْيَمَ“، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الأنبياء 21:1

(p-١٣٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأنْبِياءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

الأنبياء 21:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ أخْفَوُا النَّجْوى فِيما بَيْنَهم، قائِلِينَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما هو إلّا بَشَرٌ مِثْلُهم، فَكَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا إلَيْهِمْ ؟ والنَّجْوى: الإسْرارُ بِالكَلامِ وإخْفاؤُهُ عَنِ النّاسِ. وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن دَعْواهم أنَّ بَشَرًا مِثْلَهم لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا، وتَكْذِيبُ اللَّهِ لَهم في ذَلِكَ جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا مِن ذَلِكَ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] • وقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ الآيَةَ [التغابن: ٦] • وقَوْلِهِ: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤] • وقَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٤] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٠] . والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُ ذَلِكَ. وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى الكاذِبَةَ الَّتِي هي مَنعُ إرْسالِ البَشَرِ، • كَقَوْلِهِ هُنا في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ الآيَةَ [الرعد: ٣٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ (p-١٣٤)وَيَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وجُمْلَةُ ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ قِيلَ: بَدَلٌ مِنَ ”النَّجْوى“ . أيْ: أسَرُّوا النَّجْوى الَّتِي هي هَذا الحَدِيثُ الخَفِيُّ الَّذِي هو قَوْلُهم: هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم. وصَدَّرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِهِ لِلنَّجْوى. لِأنَّها بِمَعْنى القَوْلِ الخَفِيِّ. أيْ: قالُوا في خُفْيَةٍ: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ . وقِيلَ: مَعْمُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قالُوا هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم، وهو أظْهَرُها؛ لِاطِّرادِ حَذْفِ القَوْلِ مَعَ بَقاءِ مَقُولِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أوْجُهٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الإعْرابِ مَعْرُوفَةٌ، وأظْهَرُها عِنْدِي أنَّها بَدَلٌ مِنَ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وَأسَرُّوا﴾ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ مِنَ المُخَصِّصاتِ المُتَّصِلَةِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، . فَقَوْلُهُ مَن بَدَلٌ مِن ”النّاسِ“: بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وهي مُخَصِّصَةٌ لِوُجُوبِ الحَجِّ بِأنَّهُ لا يَجِبُ إلا عَلى مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا. كَما قَدَّمْنا هَذا في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ . إعْرابُ هَذِهِ الجُمْلَةِ جارٍ مَجْرى إعْرابِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، الَّتِي هي ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّهم زَعَمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ نَبِيُّنا ﷺ سِحْرٌ، وبِناءً عَلى ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ إتْيانَ السِّحْرِ وهم يُبْصِرُونَ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ تَصْدِيقَ النَّبِيِّ ﷺ أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ نُصَدِّقَكَ ونَتَّبِعَكَ، ونَحْنُ نُبْصِرُ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ. وقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ سِحْرٌ، • كَقَوْلِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] . وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَعْواهم أنَّ القُرْآنَ سِحْرٌ • بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤] يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ الَّذِي هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، هو الَّذِي أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ، وكَوْنُ مَن أنْزَلَهُ هو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلى كَمالِ صِدْقِهِ في الأخْبارِ وعَدْلِهِ في الأحْكامِ، وسَلامَتِهِ مِن جَمِيعِ العُيُوبِ، والنَّقائِصِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ. وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٣٥)﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَرَأ هَذا الحَرْفَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ﴾ بِألِفٍ بَعْدِ القافِ وفَتْحِ اللّامِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، وقَرَأهُ الباقُونَ قُلْ بِضَمِّ القافِ وإسْكانِ اللّامِ بِصِيغَةِ الأمْرِ.

الأنبياء 21:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الإضْرابَ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] إلَخْ، إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ لا إبْطالِيٌّ، لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ كُلَّهُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْهم صَدَرَتْ مِن طائِفَةٍ مُتَّفِقَةٍ لا يَثْبُتُونَ عَلى قَوْلٍ، بَلْ تارَةً يَقُولُونَ هو ساحِرٌ، وتارَةً شاعِرٌ، وهَكَذا؛ لِأنَّ المُبْطِلَ لا يَثْبُتُ عَلى قَوْلٍ واحِدٍ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأقْوالِ قالَتْهُ طائِفَةٌ، كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى هَذا في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعاوى الباطِلَةَ في آياتٍ مِن كِتابِهِ، كَرَدِّهِ دَعْواهم أنَّهُ شاعِرٌ أوْ كاهِنٌ في قَوْلِهِ تَعالى: وما هو ﴿بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ [ ٣٦ ]، • وقَوْلِهِ في رَدِّ دَعْواهم أنَّهُ افْتَراهُ: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، • وكَقَوْلِهِ في رَدِّ دَعْواهم أنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ: ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (p-١٣٦)[سبإ: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [ ٢٣ ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ إبْطالَ كُلِّ ما ادَّعَوْهُ في النَّبِيِّ ﷺ والقُرْآنِ. وَقَوْلُهُ ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] أيْ: أخْلاطٌ كالأحْلامِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَراها النّائِمُ ولا حَقِيقَةَ لَها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أحادِيثُ طسم أوْ سَرابٌ بِفَدْفَدِ تَرَقْرَقَ لِلسّارِي وأضْغاثُ حالِمِ وَعَنِ اليَزِيدِيِّ: الأضْغاثُ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْوِيلٌ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ اقْتَرَحُوا عَلى نَبِيِّنا أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ كَآياتِ الرُّسُلِ قَبْلَهُ؛ نَحْوِ ناقَةِ صالِحٍ، وعَصى مُوسى، ورِيحِ سُلَيْمانَ، وإحْياءِ عِيسى لِلْأمْواتِ، وإبْرائِهِ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وإيضاحُ وجْهِ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ هو أنَّهُ في مَعْنى: كَما أتى الأوَّلُونَ بِالآياتِ؛ لِأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ مُتَضَمِّنٌ لِلْإتْيانِ بِالآياتِ. فَقَوْلُكَ أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالمُعْجِزَةِ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها لَوْ جاءَتْهم ما آمَنُوا، وأنَّها لَوْ جاءَتْهم وتَمادَوْا عَلى كُفْرِهِمْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مُسْتَأْصِلٍ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ صالِحٍ لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٩] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] . وأشارَ إلى ذَلِكَ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦] يَعْنِي أنَّ الأُمَمَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا الآياتِ مِن قَبْلِهِمْ وجاءَتْهم رُسُلُهم بِما اقْتَرَحُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، بَلْ تَمادَوْا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وأنْتُمْ أشَدُّ مِنهم عُتُوًّا وعِنادًا. فَلَوْ جاءَكم ما اقْتَرَحْتُمْ ما آمَنتُمْ، فَهَلَكْتُمْ كَما هَلَكُوا. وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَبَيِّنَ أنَّهم جاءَتْهم آيَةٌ هي أعْظَمُ الآياتِ، فَيَسْتَحِقُّ مَن لَمْ يَكْتَفِ بِها التَّقْرِيعَ والتَّوْبِيخَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ﴾ الآيَةَ [ ٢٩ - ٥١ ] . وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا المَعْنى يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في (p-١٣٧)الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨]، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

الأنبياء 21:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ . بَيِّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآياتِ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى الأُمَمِ فَكَذَّبُوهم، وأنَّهُ وعَدَ الرُّسُلَ بِأنَّ لَهُمُ النَّصْرَ والعاقِبَةَ الحَسَنَةَ، وأنَّهُ صَدَقَ رُسُلَهُ ذَلِكَ الوَعْدَ فَأنْجاهم. وأنْجى مَعَهم ما شاءَ أنْ يُنْجِيَهُ. والمُرادُ بِهِ مَن آمَنَ بِهِمْ مِن أُمَمِهِمْ، وأهْلَكَ المُسْرِفِينَ وهُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ، وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠] • وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ الآيَةَ [هود: ٥٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ الآيَةَ [هود: ٦٦] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ [هود: ٩٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والظّاهِرُ أنَّ ”صَدَقَ“ تَتَعَدّى بِنَفْسِها وبِالحَرْفِ، تَقُولُ: صَدَقْتُهُ الوَعْدَ، وصَدَقْتُهُ في الوَعْدِ، • كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ [الأنبياء: ٩] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ﴿صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ - لا حاجَةَ إلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. والإسْرافُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي كالكُفْرِ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ في القُرْآنِ إطْلاقُ المُسْرِفِينَ عَلى الكُفّارِ.

الأنبياء 21:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ . ”وَكَمْ“ هُنا لِلْإخْبارِ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لِأنَّها مَفْعُولُ ”قَصَمْنا“ أيْ: قَصَمْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى الَّتِي كانَتْ ظالِمَةً، وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ. وهَذا المَعْنى المَذْكُورُ هُنا جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ. • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ (p-١٣٨)القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧] • وقَوْلِهِ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ الآيَةَ [الحج: ٤٥] • وقَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٨ - ٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا﴾ أصْلُ القَصْمِ: أفْظَعُ الكَسْرِ؛ لِأنَّهُ الكَسْرُ الَّذِي يُبَيِّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ، بِخِلافِ الفَصْمِ - بِالفاءِ - فَهو كَسْرٌ لا يُبَيِّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ بِالكُلِّيَّةِ. والمُرادُ بِالقَصْمِ في الآيَةِ: الإهْلاكُ الشَّدِيدُ.

الأنبياء 21:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٨] . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، وكَذَلِكَ الآياتُ الَّتِي بَعْدَ هَذا، قَدْ قَدَّمْنا في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ ما يُبَيِّنُها مِن كِتابِ اللَّهِ.

الأنبياء 21:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - قالُوا عَلَيْهِ: إنَّهُ اتَّخَذَ ولَدًا. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما مَضى بَيانًا شافِيًا في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ. سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وبَيَّنَ هُنا بُطْلانَ ما ادَّعَوْهُ عَلى رَبِّهِمْ مِنِ اتِّخاذِ الأوْلادِ - وهم في زَعْمِهِمُ المَلائِكَةُ - بِحَرْفِ الإضْرابِ الإبْطالِيِّ الَّذِي هو ”بَلْ“ مُبَيِّنًا أنَّهم عِبادُهُ المُكْرَمُونَ، والعَبْدُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ولَدًا لِسَيِّدِهِ. ثُمَّ أثْنى عَلى مَلائِكَتِهِ بِأنَّهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَ رَبَّهم بِالقَوْلِ، أيْ: لا يَقُولُونَ إلّا ما أمَرَهم أنْ يَقُولُوهُ لِشِدَّةِ طاعَتِهِمْ لَهُ ﴿وَهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ . وما أشارَ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ المَلائِكَةَ عَبِيدُهُ ومِلْكُهُ، والعَبْدُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ولَدًا لِسَيِّدِهِ، أشارَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ في ”البَقَرَةِ“: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] وقَوْلِهِ في ”النِّساءِ“: ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] أيْ: والمالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ؛ لِأنَّ المِلْكَ يُنافِي الوَلَدِيَّةَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ شَيْءٌ سِواهُ إلّا (p-١٣٩)وَهُوَ مِلْكٌ لَهُ - جَلَّ وعَلا - . وَما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الثَّناءِ الحَسَنِ عَلى مَلائِكَتِهِ - عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ - بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. • كَقَوْلِهِ تَعالى. ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٠ - ١٢] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. مَسْألَةٌ أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وأمْثالِها في القُرْآنِ أنَّ الأبَ إذا مَلَكَ ابْنَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالمِلْكِ. ووَجْهُ ذَلِكَ واضِحٌ؛ لِأنَّ الكُفّارَ زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ. فَنَفى اللَّهُ تِلْكَ الدَّعْوى بِأنَّهم عِبادُهُ ومِلْكُهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مُنافاةِ المِلْكِ لِلْوَلَدِيَّةِ، وأنَّهُما لا يَصِحُّ اجْتِماعُهُما، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الأنبياء 21:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِنهم عائِدٌ إلى المَلائِكَةِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] والمَعْنى أنَّهم مَعَ كَرامَتِهِمْ عَلى اللَّهِ لَوِ ادَّعى أحَدٌ مِنهم أنَّ لَهُ الحَقَّ في صَرْفِ شَيْءٍ مِن حُقُوقِ اللَّهِ الخاصَّةِ بِهِ إلَيْهِ لَكانَ مُشْرِكًا، وكانَ جَزاؤُهُ جَهَنَّمَ. ومَعْلُومٌ أنَّ التَّعْلِيقَ يَصِحُّ فِيما لا يُمْكِنُ ولا يَقَعُ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٨١] وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] والمُرادُ بِذَلِكَ تَعْظِيمُ أمْرِ الشِّرْكِ. وهَذا الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - هُنا في شَأْنِ المَلائِكَةِ ذَكَرَهُ أيْضًا في شَأْنِ الرُّسُلِ، عَلى الجَمِيعِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ، قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ولَمّا ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - مَن ذَكَرَ مِنَ الأنْبِياءِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى آخَرِ مَن ذَكَرَ مِنهم، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] . (p-١٤٠)وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٢٩] دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ حُقُوقَ اللَّهِ الخالِصَةَ لَهُ مِن جَمِيعِ أنْواعِ العِبادَةِ لا يَجُوزُ أنْ يُصْرَفَ شَيْءٌ مِنها لِأحَدٍ ولَوْ مَلِكًا مُقَرَّبًا، أوْ نَبِيًّا مُرْسَلًا. ومِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] وقَوْلِهِ تَعالى مُخاطِبًا لِسَيِّدِ الخَلْقِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ -: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .

الأنبياء 21:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وجَعَلْنا﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدا ابْنَ كَثِيرٍ ”أوَلَمْ يَرَ“ بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ ”ألَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا“ بِدُونِ واوٍ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ مَكَّةَ. والِاسْتِفْهامُ لِتَوْبِيخِ الكُفّارِ وتَقْرِيعِهِمْ، حَيْثُ يُشاهِدُونَ غَرائِبَ صُنْعِ اللَّهِ وعَجائِبَهُ، ومَعَ هَذا يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ما لا يَنْفَعُ مَن عَبَدَهُ، ولا يَضُرُّ مَن عَصاهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ. وَقَوْلُهُ: كانَتا التَّثْنِيَةُ بِاعْتِبارِ النَّوْعَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما نَوْعُ السَّماءِ ونَوْعُ الأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ شَيْبَةَ: ؎ألَمْ يُحْزِنْكَ أنَّ جِبالَ قِيسٍ وتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا والرَّتْقُ مَصْدَرُ رَتَقَهُ رَتْقًا: إذا سَدَّهُ. ومِنهُ الرَّتْقاءُ، وهي الَّتِي انْسَدَّ فَرْجُها، ولَكِنَّ المَصْدَرَ وُصِفَ بِهِ هُنا، ولِذا أفْرَدَهُ ولَمْ يَقُلْ كانَتا رَتْقَيْنِ. والفَتْقُ: الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَّصِلَيْنِ، فَهو ضِدُّ الرَّتْقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَهُونُ عَلَيْهِمْ إذا يَغْضَبُو ∗∗∗ نَ سُخْطُ العِداةِ وإرْغامُها ؎وَرَتْقُ الفُتُوقِ وفَتْقُ الرُّتُوقِ ∗∗∗ ونَقْضُ الأُمُورِ وإبْرامُها واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالرَّتْقِ والفَتْقِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ، بَعْضُها في غايَةِ السُّقُوطِ، وواحِدٌ مِنها تَدُلُّ لَهُ قَرائِنُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ: (p-١٤١)الأوَّلُ أنَّ مَعْنى ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ أيْ: كانَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مُتَلاصِقَةً بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ، فَفَتَقَها اللَّهُ وفَصَلَ بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَرَفَعَ السَّماءَ إلى مَكانِها، وأقَرَّ الأرْضَ في مَكانِها، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِالهَواءِ الَّذِي بَيْنَهُما كَما تَرى. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ كانَتْ رَتْقًا، أيْ: مُتَلاصِقَةً بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَفَتَقَها اللَّهُ وجَعَلَها سَبْعَ سَماواتٍ، كُلُّ اثْنَتَيْنِ مِنها بَيْنَهُما فَصْلٌ، والأرَضُونَ كَذَلِكَ كانَتْ رَتْقًا فَفَتَقَها، وجَعَلَها سَبْعًا بَعْضُها مُنْفَصِلٌ عَنْ بَعْضٍ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ أنَّ السَّماءَ كانَتْ لا يَنْزِلُ مِنها مَطَرٌ، والأرْضُ كانَتْ لا يَنْبُتُ فِيها نَباتٌ، فَفَتَقَ اللَّهُ السَّماءَ بِالمَطَرِ، والأرْضَ بِالنَّباتِ. القَوْلُ الرّابِعُ: ﴿كانَتا رَتْقًا﴾ أيْ: في ظُلْمَةٍ لا يُرى مِن شِدَّتِها شَيْءٌ، فَفَتَقَهُما اللَّهُ بِالنُّورِ. وهَذا القَوْلُ في الحَقِيقَةِ يَرْجِعُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ والثّانِي. الخامِسُ: - وهو أبْعَدُها لِظُهُورِ سُقُوطِهِ - أنَّ الرَّتْقَ يُرادُ بِهِ العَدَمُ، والفَتْقُ يُرادُ بِهِ الإيجادُ، أيْ: كانَتا عَدَمًا فَأوْجَدْناهُما. وهَذا القَوْلُ كَما تَرى. فَإذا عَرَفْتَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ، فاعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الثّالِثَ مِنها - وهو كَوْنُهُما كانَتا رَتْقًا بِمَعْنى أنَّ السَّماءَ لا يَنْزِلُ مِنها مَطَرٌ، والأرْضَ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، فَفَتَقَ اللَّهُ السَّماءَ بِالمَطَرِ، والأرْضَ بِالنَّباتِ - قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرائِنُ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى: الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ﴾ [ ٢١ ] يَدُلُّ عَلى أنَّهم رَأوْا ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأظْهَرَ في ”رَأى“ أنَّها بَصَرِيَّةٌ، والَّذِي يَرَوْنَهُ بِأبْصارِهِمْ هو أنَّ السَّماءَ تَكُونُ لا يَنْزِلُ مِنها مَطَرٌ، والأرْضُ مَيِّتَةٌ هامِدَةٌ لا نَباتَ فِيها، فَيُشاهِدُونَ بِأبْصارِهِمْ إنْزالَ اللَّهِ المَطَرَ وإنْباتَهُ بِهِ أنْواعَ النَّباتِ. القَرِينَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [ ٢١ ] . والظّاهِرُ اتِّصالُ هَذا الكَلامِ بِما قَبِلَهُ، أيْ: وجَعَلْنا مِنَ الماءِ الَّذِي أنْزَلْناهُ بِفَتِقِنا السَّماءَ، وأنْبَتْنا بِهِ أنْواعَ النَّباتِ بِفَتِقِنا الأرْضَ - كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ. القَرِينَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ هَذا المَعْنى جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] لِأنَّ المُرادَ بِالرَّجْعِ نُزُولُ المَطَرِ مِنها تارَةً بَعْدَ أُخْرى، والمُرادَ بِالصَّدْعِ انْشِقاقُ الأرْضِ عَنِ النَّباتِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ الآيَةَ (p-١٤٢)[عبس: ٢٤ - ٢٦] . واخْتارَ هَذا القَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُما؛ لِلْقَرائِنِ الَّتِي ذَكَرْنا. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَثْرَةُ وُرُودِ الِاسْتِدْلالِ بِإنْزالِ المَطَرِ، وإنْباتِ النَّباتِ في القُرْآنِ العَظِيمِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وعِظَمِ مِنَّتِهِ عَلى خَلْقِهِ، وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ. والَّذِينَ قالُوا: إنَّ المُرادَ بِالرَّتْقِ والفَتْقِ أنَّهُما كانَتا مُتَلاصِقَتَيْنِ، فَفَتَقَهُما اللَّهُ وفَصَلَ بَعْضَهُما عَنْ بَعْضٍ - قالُوا في قَوْلِهِ: أوَلَمْ يَرَ أنَّها مِن ”رَأى“ العِلْمِيَّةِ لا البَصْرِيَّةِ، وقالُوا: وجْهُ تَقْرِيرِهِمْ بِذَلِكَ أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ، وما جاءَ في القُرْآنِ فَهو أمْرٌ قَطْعِيٌّ لا سَبِيلَ لِلشَّكِّ فِيهِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَأقْرَبُ الأقْوالِ في ذَلِكَ هو ما ذَكَرْنا دَلالَةَ القَرائِنِ القُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ، وقَدْ قالَ فِيهِ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ورَجَّحُوا هَذا الوَجْهَ عَلى سائِرِ الوُجُوهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا ولِلْماءِ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ المُرادُ ما ذَكَرْنا. فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ المَطَرَ لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماواتِ بَلْ مِن سَماءٍ واحِدَةٍ وهي سَماءُ الدُّنْيا. قُلْنا: إنَّما أطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ الجَمْعِ لِأنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنها سَماءٌ، كَما يُقالُ: ثَوْبٌ أخْلاقٌ، وبُرْمَةٌ أعْشارٌ. ا هـ مِنهُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ ”جَعَلَ“ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ؛ لِأنَّها مُتَعَدِّيَةٌ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”النُّورِ“: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ [النور: ٤٥] . واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الماءِ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الماءُ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ هو النُّطْفَةُ؛ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ جَمِيعَ الحَيَواناتِ الَّتِي تُولَدُ عَنْ طَرِيقِ التَّناسُلِ مِنَ النُّطَفِ، وعَلى هَذا فَهو مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو الماءُ المَعْرُوفُ؛ لِأنَّ الحَيَواناتِ إمّا مَخْلُوقَةً مِنهُ مُباشَرَةً كَبَعْضِ الحَيَواناتِ الَّتِي تَتَخَلَّقُ مِنَ الماءِ، وإمّا غَيْرَ مُباشِرَةٍ؛ لِأنَّ النُّطَفَ مِنَ الأغْذِيَةِ، والأغْذِيَةُ كُلُّها ناشِئَةٌ عَنِ الماءِ، وذَلِكَ في الحُبُوبِ والثِّمارِ ونَحْوِها ظاهِرٌ، وكَذَلِكَ هو في اللُّحُومِ، والألْبانِ، والأسْمانِ ونَحْوِها؛ لِأنَّهُ كُلُّهُ ناشِئٌ بِسَبَبِ الماءِ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى خَلْقِهِ كُلَّ حَيَوانٍ مِن ماءٍ أنَّهُ كَأنَّما خَلَقَهُ مِنَ الماءِ (p-١٤٣)لِفَرْطِ احْتِياجِهِ إلَيْهِ، وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ. وقَدْ قَدَّمْنا المَعانِيَ الأرْبَعَةَ الَّتِي تَأْتِي لَها لَفْظَةُ ”جَعَلَ“ وما جاءَ مِنها في القُرْآنِ وما لَمْ يَجِئْ فِيهِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ . وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما نَصُّهُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ قالَ: وخَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ ؟ وقَدْ قالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] وجاءَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ المَلائِكَةَ مِنَ النُّورِ، وقالَ تَعالى في حَقِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] وقالَ في حَقِّ آدَمَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] . والجَوابُ: اللَّفْظُ وإنْ كانَ عامًّا إلّا أنَّ القَرِينَةَ المُخَصِّصَةَ قائِمَةٌ، فَإنَّ الدَّلِيلَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا؛ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى المَقْصُودِ. وبِهَذا الطَّرِيقِ تَخْرُجُ عَنْهُ المَلائِكَةُ، والجِنُّ، وآدَمُ، وقِصَّةُ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّ الكُفّارَ لَمْ يَرَوْا شَيْئًا مِن ذَلِكَ. ا هـ مِنهُ. ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ أيْضًا: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ الحَيَوانُ فَقَطْ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّباتُ، والشَّجَرُ؛ لِأنَّهُ مِنَ الماءِ صارَ نامِيًا، وصارَ فِيهِ الرُّطُوبَةُ، والخُضْرَةُ، والنُّورُ، والثَّمَرُ. وهَذا القَوْلُ ألْيَقُ بِالمَعْنى المَقْصُودِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَفَتَقْنا السَّماءَ لِإنْزالِ المَطَرِ، وجَعَلْنا مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ في الأرْضِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ حَيًّا. حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ النَّباتَ لا يُسَمّى حَيًّا. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] انْتَهى مِنهُ أيْضًا.

الأنبياء 21:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

الأنبياء 21:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ . تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ ثَلاثَ مَسائِلَ: الأُولى: أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - جَعَلَ السَّماءَ سَقْفًا، أيْ: لِأنَّها لِلْأرْضِ كالسَّقْفِ لِلْبَيْتِ. الثّانِيَةُ: أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ السَّقْفَ مَحْفُوظًا. (p-١٤٤)الثّالِثَةُ: أنَّ الكُفّارَ مُعْرِضُونَ عَمّا فِيها - أيِ السَّماءِ - مِنَ الآياتِ، لا يَتَّعِظُونَ بِهِ، ولا يَتَذَكَّرُونَ. وقَدْ أوْضَحَ هَذِهِ المَسائِلَ الثَّلاثَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أمّا كَوْنُهُ جَعَلَها سَقْفًا فَقَدْ ذَكَرَهُ في سُورَةِ ”الطُّورِ“ أنَّهُ مَرْفُوعٌ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ [الطور: - ٥] . وَأمّا كَوْنُ ذَلِكَ السَّقْفِ مَحْفُوظًا فَقَدْ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ السُّقُوطِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] • وقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] • وقَوْلِهِ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] عَلى قَوْلِ مَن قالَ: وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ. إذْ لَوْ كُنّا نَغْفُلُ لَسَقَطَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ فَأهْلَكَتْهم. وبَيَّنَ أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّشَقُّقِ والتَّفَطُّرِ، لا يَحْتاجُ إلى تَرْمِيمٍ ولا إصْلاحٍ كَسائِرِ السُّقُوفِ إذا طالَ زَمَنُها، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] أيْ: لَيْسَ فِيها مِن شُقُوقٍ، ولا صُدُوعٍ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ السَّقْفَ المَذْكُورَ مَحْفُوظٌ مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] وقَدْ بَيَّنّا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى حِفْظِها مِن جَمِيعِ الشَّياطِينِ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ . وأمّا كَوْنُ الكُفّارِ مُعْرِضِينَ عَمّا فِيها مِنَ الآياتِ فَقَدْ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ الآيَةَ [القمر: ٢] • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] • وقَوْلِهِ: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .

الأنبياء 21:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ . قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: كانَ المُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ ﷺ ويَقُولُونَ: هو شاعِرٌ يُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ، ولَعَلَّهُ يَمُوتُ كَما ماتَ شاعِرُ بَنِي فَلانٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قَدْ ماتَ (p-١٤٥)الأنْبِياءُ مِن قَبْلِكَ، وتَوَلّى دِينَهُ بِالنَّصْرِ والحِياطَةِ، فَهَكَذا نَحْفَظُ دِينَكَ وشَرْعَكَ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَمّا نَعى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ نَفْسَهُ قالَ: ”فَمَن لِأُمَّتِي“ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِبَشَرٍ قَبْلَ نَبِيِّهِ الخُلْدَ أيْ: دَوامَ البَقاءِ في الدُّنْيا، بَلْ كُلُّهم يَمُوتُ. وَقَوْلُهُ: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مَعْناهُ النَّفْيُ. والمَعْنى: أنَّكَ إنْ مِتَّ فَهم لَنْ يَخْلُدُوا بِعْدَكَ، بَلْ سَيَمُوتُونَ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وما أشارَ إلَيْهِ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّهُ ﷺ سَيَمُوتُ، وأنَّهم سَيَمُوتُونَ، وأنَّ المَوْتَ سَتَذُوقُهُ كُلُّ نَفْسٍ أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣] • وكَقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٧] • وقَوْلِهِ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] • وقَوْلِهِ في سُورَةِ ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٦ - ٥٧] • وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”النِّساءِ“: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ اسْتِدْلالَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى مَوْتِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ هو اسْتِفْهامٌ حُذِفَتْ أداتُهُ. أيْ: أفَهُمُ الخالِدُونَ. وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّ حَذْفَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ إذا دَلَّ المَقامُ عَلَيْها جائِزٌ، وهو قِياسِيٌّ عِنْدَ الأخْفَشِ مَعَ ”أمْ“، ودُونَها ذِكْرُ الجَوابِ أمْ لا، فَمِن أمْثِلَتِهِ دُونَ ”أمْ“ ودُونَ ذِكْرِ الجَوابِ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎طَرِبْتُ وما شَوْقًا إلى البِيضِ أطْرَبُ ولا لَعِبًا مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ يَعْنِي: أوْ ذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ. وقَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ واسْمُهُ خُوَيْلِدٌ: ؎رَفَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ يَعْنِي: أهم هم عَلى التَّحْقِيقِ. ومِن أمْثِلَتِهِ دُونَ ”أمْ“ مَعَ ذِكْرِ الجَوابِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ: ؎ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بَهْرا ∗∗∗ عَدَدَ النَّجْمِ والحَصى والتُّرابِ (p-١٤٦)يَعْنِي: أتَحُبُّها عَلى الصَّحِيحِ. وهو مَعَ ”أمْ“ كَثِيرٌ جِدًّا، وأنْشَدَ لَهُ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ التَّمِيمِيِّ: ؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنقَرِ يَعْنِي: أشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ، ومِنهُ قَوْلُ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ: ؎بَدا لِي مِنها مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ ∗∗∗ وكَفٌّ خَضِيبٌ زُيِّنَتْ بِبَنانِ ∗∗∗ فَواللَّهِ ما أدْرِي وإنِّي لَحاسِبٌ ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ يَعْنِي: أبِسَبْعٍ. وقَوْلُ الأخْطَلِ: ؎كِذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطٍ ∗∗∗ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالًا يَعْنِي: أكْذَبَتْكَ عَيْنُكَ. كَما نَصَّ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ عَلى جَوازِ ذَلِكَ في بَيْتِ الأخْطَلِ هَذا، وإنْ خالَفَ في ذَلِكَ الخَلِيلَ قائِلًا: إنَّ ”كَذَبَتْكَ“ صِيغَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَيْسَ فِيها اسْتِفْهامٌ مَحْذُوفٌ، وإنَّ ”أمْ“ بِمَعْنى بَلْ. فَفي البَيْتِ عَلى قَوْلِ الخَلِيلِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ المَعْنَوِيِّ يُسَمّى ”الرُّجُوعَ“ . وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ وأكْثَرْنا مِن شَواهِدِها العَرَبِيَّةِ في كِتابِنا (دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ وذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في آيَةِ ”الأنْبِياءِ“ هَذِهِ ﴿فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ مِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أفَإنْ مِتَّ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ ”مِتَّ“ بِكَسْرِ المِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ، وقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وجْهَ كَسْرِ المِيمِ. وقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَفْرَحَ بِمَوْتِ أحَدٍ لِأجْلِ أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ يَنالُهُ بِسَبَبِ مَوْتِهِ؛ لِأنَّهُ هو لَيْسَ مُخَلَّدًا بَعْدَهُ. وَرُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ أنْشَدَ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ مُسْتَشْهِدًا بِهِما: ؎تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ ∗∗∗ فَقُلْ لِلَّذِي يَبْقى خِلافَ الَّذِي ∗∗∗ مَضى تَهَيَّأْ لِأُخْرى مِثْلِها فَكَأنْ قَدِ وَنَظِيرُ هَذا قَوْلُ الآخَرِ: فَقُلْ لِلشّامِتِينَ بِنا أفِيقُوا سَيَلْقى الشّامِتُونَ كَما لَقِينا

الأنبياء 21:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ . (p-١٤٧)المَعْنى: ونَخْتَبِرُكم بِما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ مِنَ البَلايا، ومِمّا يَجِبُ فِيهِ الشُّكْرُ مِنَ النِّعَمِ، وإلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُجازِيكم عَلى حَسَبِ ما يُوجَدُ مِنكم مِنَ الصَّبْرِ أوِ الشُّكْرِ، وقَوْلِهِ: فِتْنَةً مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ ونَبْلُوكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ. وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - مِن أنَّهُ يَبْتَلِي خَلْقَهُ أيْ: يَخْتَبِرُهم بِالشَّرِّ والخَيْرِ - قَدْ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٥] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ”بَلا يَبْلُو“ تُسْتَعْمَلُ في الِاخْتِبارِ بِالنِّعَمِ وبِالمَصائِبِ والبَلايا. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ ”بَلا يَبْلُو“، وفي الخَيْرِ ”أبْلى يُبْلِي“ . وقَدْ جَمَعَ اللُّغَتَيْنِ في الخَيْرِ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِكم وأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ﴾ قالَ: أيْ نَبْتَلِيكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً بِالشِّدَّةِ، والرَّخاءِ، والصِّحَّةِ، والسُّقْمِ، والغِنى، والفَقْرِ، والحَلالِ، والحَرامِ، والطّاعَةِ، والمَعْصِيَةِ، والهُدى، والضَّلالِ.

الأنبياء 21:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ إذا رَأوُا النَّبِيَّ ﷺ ما يَتَّخِذُونَهُ إلّا هُزُوًا، أيْ مُسْتَهْزَأً بِهِ مُسْتَخَفًّا بِهِ. والهُزُؤُ: السُّخْرِيَةُ، فَهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. ويَقُولُونَ: أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم أيْ: يَعِيبُها ويَنْفِي أنَّها تَشْفَعُ لَكم وتُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ زُلْفى، (p-١٤٨)وَيَقُولُ: إنَّها لا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها، ولا تَضُرُّ مَن لَمْ يَعْبُدْها، وهم مَعَ هَذا كُلِّهِ كافِرُونَ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ، فالخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا رَآكَ﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ و ”إنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ نافِيَةٌ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ قالَ فِيهِ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: إنَّهُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهم يُرِيدُونَ بِالِاسْتِفْهامِ المَذْكُورِ التَّحْقِيرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ . وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي أنَّ مِنَ الأغْراضِ الَّتِي تُؤَدّى بِالِاسْتِفْهامِ التَّحْقِيرَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ جَوابَ ”إذا“ هو القَوْلُ المَحْذُوفُ، وتَقْدِيرُهُ: وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُونَ أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم. وقالَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ إذا وجَوابِها. واخْتارَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ أنَّ جَوابَ ”إذا“ هو جُمْلَةُ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ وقالَ: إنَّ جَوابَ إذا بِجُمْلَةٍ مُصَدَّرَةٍ بِـ ”إنْ“ أوْ ”ما“ النّافِيَتَيْنِ لا يَحْتاجُ إلى الِاقْتِرانِ بِالفاءِ. وقَوْلِهِ: ﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ: يَعِيبُها. ومِن إطْلاقِ الذِّكْرِ بِمَعْنى العَيْبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] أيْ: يَعِيبُهم، وقَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎لا تَذْكُرِي مُهْرِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونُ جِلْدُكِ مِثْلَ جِلْدِ الأجْرَبِ أيْ لا تَعِيبِي مُهْرِي، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: الذِّكْرُ يَكُونُ بِخَيْرٍ وبِخِلافِهِ، فَإذا دَلَّتِ الحالُ عَلى أحَدِهِما أُطْلِقُ ولَمْ يُقَيَّدْ، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: سَمِعْتُ فُلانًا يَذْكُرُكَ، فَإذا كانَ الذّاكِرُ صَدِيقًا فَهو ثَناءٌ، وإنْ كانَ عَدُوًّا فَذَمٌّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. والجُمْلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وَهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ حالِيَّةٌ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى كُفْرِهِمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هو المُوَضَّحُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] وقَوْلُهم: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحِمْنَ اليَمامَةَ، يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ. وقَدْ بَيَّنَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ إنْكارَهم لِمَعْرِفَتِهِمُ الرَّحْمَنَ تَجاهُلٌ مِنهم ومُعانَدَةٌ مَعَ أنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّ الرَّحْمَنَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى. قالَ: وقالَ بَعْضُ شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ الجُهَلاءُ: ؎ألا ضَرَبَتْ تِلْكَ الفَتاةُ هَجِينَها ∗∗∗ ألا قَطَعَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَمِينَها وَقالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ الطُّهَوِيُّ:(p-١٤٩) ؎عَجِلْتُمْ عَلَيْنا عَجَلَتَيْنا عَلَيْكُمُ ∗∗∗ وما يَشَأِ الرَّحْمَنُ يَعْقِدُ ويُطْلِقُ وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى سَخافَةِ عُقُولِ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم عاكِفُونَ عَلى ذِكْرِ أصْنامٍ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ويَسُوءُهم أنْ تُذَكَرَ بِسُوءٍ، أوْ يُقالَ: إنَّها لا تَشْفَعُ، ولا تُقَرِّبُ إلى اللَّهِ. وأمّا ذِكْرُ اللَّهِ وما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ بِهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ فَهم بِهِ كافِرُونَ لا يُصَدِّقُونَ بِهِ، فَهم أحَقُّ بِأنْ يُتَّخَذُوا هُزُؤًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي اتَّخَذُوهُ هُزُؤًا، فَإنَّهُ مُحِقٌ وهم مُبْطِلُونَ. فَإذا عَرَفْتَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فاعْلَمْ أنَّ هَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ جاءَ أيْضًا مُبَيَّنًا في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢] فَتَحْقِيرُهم - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - لَهُ ﷺ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ في ”الأنْبِياءِ“ في قَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ في ”الفُرْقانِ“: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] وذِكْرُهُ لِآلِهَتِهِمْ بِالسُّوءِ المَذْكُورِ في ”الأنْبِياءِ“ في قَوْلِهِ: ﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو المَذْكُورُ في ”الفُرْقانِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [طه: ٤٢] أيْ: لِما يُبَيِّنُ مِن مَعائِبِها، وعَدَمِ فائِدَتِها، وعِظَمِ ضَرَرِ عِبادَتِها.

الأنبياء 21:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ سَأُورِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَذْكُرَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا ويَكُونَ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ القَوْلِ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن عَجَلٍ فِيهِ لِلْعُلَماءِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ، وفي نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ أحَدِهِما. أمّا القَوْلُ الَّذِي دَلَّتِ القَرِينَةُ المَذْكُورَةُ عَلى عَدَمِ صِحَّتِهِ فَهو قَوْلُ مَن قالَ: العَجَلُ: الطِّينُ، وهي لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ كَما قالَ شاعِرُهم: ؎البَيْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ مَنبَتُهُ والنَّخْلُ يَنْبُتُ بَيْنَ الماءِ والعَجَلِ يَعْنِي: بَيْنَ الماءِ والطِّينِ. وعَلى هَذا القَوْلِ فَمَعْنى الآيَةِ: خُلِقَ الإنْسانَ مِن طِينٍ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] • وقَوْلِهِ: ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] والقَرِينَةُ المَذْكُورَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَجَلِ في الآيَةِ لَيْسَ الطِّينَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ • وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-١٥٠)[الأنبياء: ٣٨] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَجَلِ هو العَجَلَةُ الَّتِي هي خِلافُ التَّأنِّي، والتَّثَبُّتِ. والعَرَبُ تَقُولُ: خُلِقَ مِن كَذا. يَعْنُونَ بِذَلِكَ المُبالِغَةَ في الإنْصافِ. • كَقَوْلِهِمْ: خُلِقَ فَلانٌ مِن كَرَمٍ، وخُلِقَتْ فُلانَةُ مِنَ الجَمالِ. ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] عَلى الأظْهَرِ. ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] أيْ: ومِن عَجَلَتِهِ دُعاؤُهُ عَلى نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ بِالشَّرِّ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللَّهِ وآياتِهِ المُلْجِئَةَ إلى العِلْمِ والإقْرارِ، ويَقُولُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ لِلزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ. كَأنَّهُ يَقُولُ لَهم: لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنكم أنْ تَسْتَعْجِلُوا، فَإنَّكم مَجْبُولُونَ عَلى ذَلِكَ، وهو طَبْعُكم وسَجِيَّتُكم. ثُمَّ وعَدَهم بِأنَّهُ سَيُرِيهِمْ آياتِهِ، ونَهاهم أنْ يَسْتَعْجِلُوا • بِقَوْلِهِ: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المُرادُ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ آدَمُ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ: لَمّا دَخَلَ الرُّوحُ في عَيْنَيْ آدَمَ نَظَرَ في ثِمارِ الجَنَّةِ، فَلَمّا دَخَلَ جَوْفَهُ اشْتَهى الطَّعامَ، فَوَثَبَ مِن قَبْلِ أنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ؛ عَجْلانَ إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ . وعَنْ مُجاهِدٍ، والكَلْبِيِّ، وغَيْرِهِما: خُلِقَ آدَمُ يَوْمَ الجُمْعَةِ في آخِرِ النَّهارِ، فَلَمّا أحْيا اللَّهُ رَأْسَهُ اسْتَعْجَلَ وطَلَبَ تَتْمِيمَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ ونَحْوَها مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ. وأظْهَرُ الأقْوالِ أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ جِنْسَ الإنْسانِ مِن طَبْعِهِ العَجَلُ وعَدَمُ التَّأنِّي كَما بَيَّنّا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: والحِكْمَةُ في ذِكْرِ عَجَلَةِ الإنْسانِ هاهُنا أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالرَّسُولِ ﷺ وقَعَ في النُّفُوسِ سُرْعَةُ الِانْتِقامِ مِنهم، واسْتَعْجَلَتْ ذَلِكَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ لِأنَّهُ تَعالى يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، يُؤَجِّلُ ثُمَّ يُعَجِّلُ، ويُنْظِرُ ثُمَّ لا يُؤَخِّرُ. ولِهَذا قالَ: ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ أيْ: نَقْمِي وحُكْمِي، واقْتِدارِي عَلى مَن عَصانِي فَلا تَسْتَعْجِلُونَ. انْتَهى مِنهُ.

الأنبياء 21:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ . جَوابُ ”لَوْ“ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، وقَدْ قَدَّمْنا أدِلَّةَ ذَلِكَ وشَواهِدَهُ مِنَ العَرَبِيَّةِ (p-١٥١)فِي سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، وأشَرْنا إلَيْهِ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“ وسُورَةِ ”يُوسُفَ“ . ومَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: لَوْ يَعْلَمُ الكُفّارُ الوَقْتَ الَّذِي يَسْألُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: مَتى هَذا الوَعْدُ ؟ وهو وقْتٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ، تُحِيطُ بِهِمْ فِيهِ النّارُ مِن وراءَ وقُدّامَ. فَلا يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِها ودَفْعِها عَنْ أنْفُسِهِمْ، ولا يَجِدُونَ ناصِرًا يَنْصُرُهم؛ لَمّا كانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكُفْرِ، والِاسْتِهْزاءِ، والِاسْتِعْجالِ، ولَكِنَّ جَهْلَهم بِذَلِكَ هو الَّذِي هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ. وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ المَعانِي جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى. أمّا إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَدْ جاءَتْ مُوَضَّحَةً في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٤١] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. نَرْجُو اللَّهَ الكَرِيمَ العَظِيمَ أنْ يُعِيذَنا مِنها ومِن كُلِّ ما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَيْسَ لَهم ناصِرٌ ولا قُوَّةٌ يَدْفَعُونَ بِها عَنْ أنْفُسِهِمْ، جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ. • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٥ - ٢٦] والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن أنَّ الَّذِي هَوَّنَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ العَظِيمَ حَتّى اسْتَعْجَلُوهُ واسْتَهْزَءُوا بِمَن يُخَوِّفُهم مِنهُ إنَّما هو جَهْلُهم بِهِ جاءَ مُبَيَّنًا أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ [ ٤٢ ] ١٨، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: لَوْ يَعْلَمُ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ، والظّاهِرُ أنَّها عِرْفانِيَّةٌ، فَهي تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎لِعِلْمِ عِرْفانٍ وظَنِّ تُهَمَةْ تَعْدِيَةٌ لِواحِدِ مُلْتَزَمَةْ (p-١٥٢)وَعَلى هَذا فالمَفْعُولُ هَذا قَوْلُهُ: حِينَ أيْ: لَوْ يَعْرِفُونَ حِينَ وُقُوعِ العَذابِ بِهِمْ وما فِيهِ مِنَ الفَظائِعِ لَما اسْتَخَفُّوا بِهِ واسْتَعْجَلُوهُ. وعَلى هَذا فالحِينُ مَفْعُولٌ بِهِ لا مَفْعُولٌ فِيهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ الَّذِي هو بِمَعْنى المَعْرِفَةِ واقِعٌ عَلى نَفْسِ الحِينِ المَذْكُورِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: فِعْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَلَيْسَ واقِعًا عَلى مَفْعُولٍ. وعَلَيْهِ فالمَعْنى: لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ ولَمْ يَكُونُوا جاهِلِينَ لَما كانُوا مُسْتَعْجِلِينَ. وعَلى هَذا فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] والمَعْنى: لا يَسْتَوِي مَن عِنْدَهُ عِلْمٌ ومَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي أنَّهُ إذا كانَ الغَرَضُ إثْباتُ الفِعْلِ لِفاعِلِهِ في الكَلامِ المُثْبَتِ، أوْ نَفْيِهِ عَنْهُ في الكَلامِ المَنفِيِّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اعْتِبارِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِمَن وقَعَ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَجْرِي مَجْرى اللّازِمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] لِأنَّهُ يُرادُ مِنهُ أنَّ مَن ثَبَتَتْ لَهُ صِفَةُ العِلْمِ لا يَسْتَوِي هو ومَنِ انْتَفَتْ عَنْهُ، ولَمْ يُعْتَبَرْ هُنا وُقُوعُ العِلْمِ عَلى مَعْلُوماتِ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ العِلْمِ. وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ. أيْ: حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وجْهِهِمُ النّارَ يَعْلَمُونَ أنَّهم كانُوا عَلى الباطِلِ. والأوَّلُ هو الأظْهَرُ. واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ مَفْعُولَ ”يَعْلَمُ“ مَحْذُوفٌ، وأنَّهُ هو العامِلُ في الظَّرْفِ الَّذِي هو ”حِينَ“، والتَّقْدِيرُ: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَجِيءَ المَوْعُودِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ حِينَ لا يَكُفُّونَ لَما كَفَرُوا واسْتَعْجَلُوا واسْتَهْزَءُوا. واعْلَمْ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فَلا يُقالُ: كَيْفَ يَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مِنَ العَجَلِ وجُبِلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْهاهُ عَمّا خُلِقَ مِنهُ وجُبِلَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمُحالٍ ! ؟ لِأنّا نَقُولُ: نَعَمْ هو جُبِلَ عَلى العَجَلِ، ولَكِنْ في اسْتِطاعَتِهِ أنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِالتَّأنِّي. كَما أنَّهُ جُبِلَ عَلى حُبِّ الشَّهَواتِ مَعَ أنَّهُ في اسْتِطاعَتِهِ أنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِالكَفِّ عَنْها. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ . [النازعات: ٤٠ - ٤١] .

الأنبياء 21:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ إخْوانَهُ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمُ - اسْتَهْزَأ بِهِمُ الكُفّارُ، كَما اسْتَهْزَءُوا بِهِ ﷺ يَعْنِي: فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا، ولَكَ (p-١٥٣)العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ، والنَّصْرُ النِّهائِيُّ كَما كانَ لَهم. وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن ذَلِكَ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ. • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ [ ٦ ] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥ - ٢٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [فاطر: ٤] والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ. ومادَّةُ حاقَ يائِيَّةُ العَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في المُضارِعِ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ولا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ المادَّةُ إلّا في إحاطَةِ المَكْرُوهِ خاصَّةً. فَلا تَقُولُ: حاقَ بِهِ الخَيْرُ بِمَعْنى أحاطَ بِهِ. والأظْهَرُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُرادَ: وحاقَ بِهِمُ العَذابُ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وعَلى هَذا اقْتَصَرَ ابْنُ كَثِيرٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَحاقَ﴾ أيْ: أحاطَ ودارَ بِالَّذِينَ كَفَرُوا و سَخِرُوا مِنهم وهَزِئُوا بِهِمْ (ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأنبياء: ٤١] أيْ جَزاءُ اسْتِهْزائِهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السُّخْرِيَةَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ وهو مَعْرُوفٌ.

الأنبياء 21:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ . أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبَيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ لِلْمُعْرِضِينَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ: ﴿مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ أيْ: مَن هو الَّذِي يَحْفَظُكم ويَحْرُسُكم بِاللَّيْلِ في حالِ نَوْمِكم والنَّهارِ في حالِ تَصَرُّفِكم في أُمُورِكم. والكِلاءَةُ بِالكَسْرِ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. يُقالُ: اذْهَبْ في كِلاءَةِ اللَّهِ. أيْ: في حِفْظِهِ، واكْتَلَأْتُ مِنهم: احْتَرَسْتُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ: ؎إنَّ سُلَيْمى واللَّهُ يَكْلَؤُها ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها وَقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ؎أنَخْتُ بَعِيرِي واكْتَلَأْتُ بِعَيْنِهِ ∗∗∗ وآمَرْتُ نَفْسِي أيَّ أمْرِي أفْعَلُ (p-١٥٤)وَ ”مِن“ في قَوْلِهِ مِنَ الرَّحْمَنِ فِيها لِلْعُلَماءِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ: أحَدُهُما وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ كَثِيرٍ: أنَّ ”مِن“ هي الَّتِي بِمَعْنى بَدَلَ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ مِنَ الرَّحْمَنِ أيْ: بَدَلَ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي غَيْرَهُ. وأنْشَدَ ابْنُ كَثِيرٍ لِذَلِكَ قَوْلَ الرّاجِزِ: ؎جارِيَةٌ لَمْ تَلْبَسِ المُرَقَّقا ∗∗∗ وَلَمْ تَذُقْ مِنَ البُقُولِ الفُسْتُقا أيْ لَمْ تَذُقْ بَدَلَ البُقُولِ الفُسْتُقَ. وعَلى هَذا القَوْلِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أيْ: بَدَلَها. ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أخَذُوا المَخاضَ مِنَ الفَصِيلِ غُلُبَّةً ∗∗∗ ظُلْمًا ويُكْتَبُ لِلْأمِيرِ أفِيلا يَعْنِي: أخَذُوا في الزَّكاةِ المَخاضَ بَدَلَ الفَصِيلِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى ﴿مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ أيْ: يَحْفَظُكم ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ وبَأْسِهِ. وهَذا هو الأظْهَرُ عِنْدِي. ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣] أيْ: مَن يَنْصُرُنِي مِنهُ فَيَدْفَعُ عَنِّي عَذابَهُ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى: مَن يَكْلَؤُكم قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: هو اسْتِفْهامُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، وهو عِنْدِي يَحْتَمِلُ الإنْكارَ والتَّقْرِيرَ. فَوَجْهُ كَوْنِهِ إنْكارِيًّا أنَّ المَعْنى: لا كالِئَ لَكم يَحْفَظُكم مِن عَذابِ اللَّهِ ألْبَتَّةَ إلّا اللَّهُ تَعالى، أيْ: فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وُوجْهُ كَوْنِهِ تَقْرِيرِيًّا أنَّهم إذا قِيلَ لَهم: مَن يَكْلَؤُكم ؟ اضْطُرُّوا إلى أنْ يُقِرُّوا بِأنَّ الَّذِي يَكْلَؤُهم هو اللَّهُ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا نافِعَ ولا ضارَّ إلّا هو تَعالى، ولِذَلِكَ يُخْلِصُونَ لَهُ الدُّعاءَ عِنْدَ الشَّدائِدِ والكُرُوبِ، ولا يَدْعُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، كَما قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ وغَيْرِها. فَإذا أقَرُّوا بِذَلِكَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ، كَيْفَ يَصْرِفُونَ حُقُوقَ الَّذِي يَحْفَظُهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ إلى ما لا يَنْفَعُ، ولا يَضُرُّ. وهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ: أنَّهُ لا أحَدَ يَمْنَعُ أحَدًا مِن عَذابِ اللَّهِ، ولا يَحْفَظُهُ ولا يَحْرُسُهُ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ الحافِظَ لِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ وحْدَهُ - جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] عَلى أظْهَرِ التَّفْسِيراتِ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ الآيَةَ [الفتح: ١١] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ (p-١٥٥)ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأحزاب: ٨٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الأنبياء 21:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ . قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أمْ هي المُنْقَطِعَةُ، وهي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى مَعْنى الإضْرابِ والإنْكارِ، والمَعْنى: ألَهَمْ آلِهَةٌ تَجْعَلُهم في مَنَعَةٍ وعِزٍّ حَتّى لا يَنالُهم عَذابُنا. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ آلِهَتَهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَ لا تَسْتَطِيعُ نَفْعَ أنْفُسِها، فَكَيْفَ تَنْفَعُ غَيْرَها بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٤٣] • وقَوْلِهِ: مِن دُونِنا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ مُتَعَلِّقُ آلِهَةً أيْ: ألَهم آلِهَةٌ مِن دُونِنا أيْ: سِوانا تَمْنَعُهم مِمّا نُرِيدُ أنْ نَفْعَلَهُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ كَلّا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَمْنَعُهم لِقَوْلِ العَرَبِ: مَنَعْتُ دُونَهُ، أيْ: كَفَفْتُ أذاهُ. والأظْهَرُ عِنْدِي الأوَّلُ، ونَحْوُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٢٩] • وقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الآلِهَةِ الَّتِي اتَّخَذُوها لا تَسْتَطِيعُ نَصْرَ أنْفُسِها، فَكَيْفَ تَنْفَعُ غَيْرَها - جاءَ مُبَيَّنًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٥] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ الآيَةَ [فاطر: ١٣ - ١٤] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ المَعْبُودَةَ مِن دُونِ اللَّهِ لَيْسَ فِيها نَفْعٌ ألْبَتَّةَ. (p-١٥٦)وَقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ: يُجارُونَ، أيْ: لَيْسَ لِتِلْكَ الآلِهَةِ مُجِيرٌ يُجِيرُهم مِنّا؛ لِأنَّ اللَّهَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨] في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨] والعَرَبُ تَقُولُ: أنا جارٌ لَكَ وصاحِبٌ مِن فَلانٍ، أيْ: مُجِيرٌ لَكَ مِنهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ مُتَعَوِّذًا لِيُصْحَبَ مِنّا والرِّماحُ دَوانِي يَعْنِي: لِيُجارَ ويُغاثَ مِنّا. وأغْلَبُ أقْوالِ العُلَماءِ في الآيَةِ راجِعَةٌ إلى ما ذَكَرْنا، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: يُصْحَبُونَ يُمْنَعُونَ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: يُنْصَرُونَ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿وَلا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أيْ: لا يَصْحَبُهُمُ اللَّهُ بِخَيْرٍ، ولا يَجْعَلُ الرَّحْمَةَ صاحِبًا لَهم. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الأنبياء 21:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الإضْرابَ بَلْ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ انْتِقالِيٌّ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: هَؤُلاءِ راجِعَةٌ إلى المُخاطَبِينَ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ الآيَةَ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، ومَنِ اتَّخَذَ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ. والمَعْنى أنَّهُ مَتَّعَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ وآباءَهم قَبْلَهم بِما رَزَقَهم مِن نَعِيمِ الدُّنْيا حَتّى طالَتْ أعْمارُهم في رَخاءٍ ونِعْمَةٍ، فَحَمَلَهم ذَلِكَ عَلى الطُّغْيانِ، واللَّجاجِ في الكُفْرِ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُ الكُفّارَ ويُمْلِي لَهم في النِّعْمَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يَزِيدُهم كُفْرًا وضَلالًا - جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٩] والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، والعُمْرُ يُطْلَقُ عَلى مُدَّةِ العَيْشِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ . (p-١٥٧)فِي مَعْنى إتْيانِ اللَّهِ الأرْضَ يَنْقُصُها مِن أطْرافِها في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أقْوالٌ مَعْرُوفَةٌ لِلْعُلَماءِ، وبَعْضُها تَدُلُّ لَهُ قَرِينَةٌ قُرْآنِيَّةٌ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نَقْصُها مِن أطْرافِها: مَوْتُ العُلَماءِ، وجاءَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وبُعْدُ هَذا القَوْلِ عَنْ ظاهِرِ القُرْآنِ بِحَسَبِ دَلالَةِ السِّياقِ ظاهِرٌ كَما تَرى. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: نَقْصُها مِن أطْرافِها خَرابُها عِنْدَ مَوْتِ أهْلِها. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: نَقْصُها مِن أطْرافِها هو نَقْصُ الأنْفُسِ، والثَّمَراتِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، وأمّا القَوْلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ القُرْآنِيَّةُ فَهو أنَّ مَعْنى ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ: نَنْقُصُ أرْضَ الكُفْرِ ودارَ الحَرْبِ، ونَحْذِفُ أطْرافَها بِتَسْلِيطِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها وإظْهارِهِمْ عَلى أهْلِها، ورَدِّها دارَ إسْلامٍ. والقَرِينَةُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى هي قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤] والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ غَلَبَتِهِمْ. وقِيلَ: لِتَقْرِيرِهِمْ بِأنَّهم مَغْلُوبُونَ لا غالِبُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ نَقْصَ الأرْضِ مِن أطْرافِها سَبَبٌ لِغَلَبَةِ المُسْلِمِينَ لِلْكُفّارِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِالمَعْنى المَذْكُورِ. ومِمّا يَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١] عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِالقارِعَةِ الَّتِي تُصِيبُهم سَرايا النَّبِيِّ ﷺ تَفْتَحُ أطْرافَ بِلادِهِمْ، أوْ تَحُلُّ أنْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ. ومِمَّنْ يُرْوى عَنْهُ هَذا القَوْلُ: ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم. وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ هُنا ذَكَرَهُ في آخِرِ سُورَةِ ”الرَّعْدِ“ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [الرعد: ٤١] وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ آيَةِ ”الأنْبِياءِ“ هَذِهِ: إنَّ أحْسَنَ ما فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى وصَرَّفْنا الآياتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] . قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ صَوابٌ، واسْتِقْراءُ القُرْآنِ العَظِيمِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: أفَلا يَرى كُفّارُ مَكَّةَ ومَن سارَ سَيْرَهم في تَكْذِيبِكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ والكَفْرِ بِما جِئْتَ بِهِ ﴿أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ أيْ: بِإهْلاكِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ كَما أهْلَكْنا قَوْمَ صالِحٍ وقَوْمَ لُوطٍ، وهم يَمُرُّونَ بِدِيارِهِمْ. وكَما (p-١٥٨)أهْلَكْنا قَوْمَ هُودٍ، وجَعَلْنا سَبَأً أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ، كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والكُفْرِ بِما جاءُوا بِهِ. وهَذا هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكم مِنَ القُرى﴾ [الأحقاف: ٢٧] كَقَوْمِ صالِحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ هُودٍ وسَبَأٍ، فاحْذَرُوا مِن تَكْذِيبِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ لِئَلّا نُنْزِلَ بِكم مِثْلَ ما أنْزَلْنا بِهِمْ. وهَذا الوَجْهُ لا يُنافِي قَوْلَهُ بَعْدَهُ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ الغَلَبَةَ لِحِزْبِ اللَّهِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي أهْلَكَ ما حَوْلَكم مِنَ القُرى بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم، وأنْتُمْ لَسْتُمْ بِأقْوى مِنهم، ولا أكْثَرَ أمْوالًا ولا أوْلادًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهُمْ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٣٧] . وقالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ الآيَةَ [الروم: ٩٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَإنْذارُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ ﷺ بِما وقَعَ لِمَن كَذَّبَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الرُّسُلِ كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ. وبِهِ تَعْلَمُ اتِّجاهَ ما اسْتَحْسَنَهُ ابْنُ كَثِيرٍ مِن تَفْسِيرِ آيَةِ ”الأنْبِياءِ“ هَذِهِ بِآيَةِ ”الأحْقافِ“ المَذْكُورَةِ كَما بَيَّنّا. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ ؟ قُلْتُ: فِيهِ تَصْوِيرُ ما كانَ اللَّهُ يُجْرِيهِ عَلى أيْدِي المُسْلِمِينَ، وأنَّ عَساكِرَهم وسَراياهم كانَتْ تَغْزُو أرْضَ المُشْرِكِينَ، وتَأْتِيها غالِبَةً عَلَيْها ناقِصَةً مِن أطْرافِها. ا هـ مِنهُ. واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أعْلَمُ.

الأنبياء 21:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ، فَتُوزَنُ أعْمالُهم وزْنًا في غايَةِ العَدالَةِ والإنْصافِ، فَلا يَظْلِمُ اللَّهُ أحَدًا شَيْئًا، وأنَّ عَمَلَهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ وإنْ كانَ في غايَةِ القِلَّةِ والدِّقَّةِ كَمِثْقالِ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ، فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وكَفى بِهِ - جَلَّ وعَلا - حاسِبًا؛ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ. وَبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ المَوازِينَ عِنْدَ ذَلِكَ الوَزْنِ مِنها ما يَخِفُّ، ومِنها ما يَثْقُلُ، وأنَّ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ هَلَكَ، ومَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ نَجا، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ (p-١٥٩)الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١ - ١٠٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهو في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَما ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ مَوازِينَ يَوْمِ القِيامَةِ مَوازِينُ قِسْطٍ ذَكَرَهُ في ”الأعْرافِ“ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] لِأنَّ الحَقَّ عَدْلٌ وقِسْطٌ، وما ذَكَرَهُ فِيها مِن أنَّهُ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ . وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن كَوْنِ العَمَلِ، وإنْ كانَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ أتى بِهِ - جَلَّ وعَلا - أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ عَنْ لُقْمانَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿يابُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ﴾ جَمْعُ مِيزانٍ. وظاهِرُ القُرْآنِ تَعَدُّدُ المُوازِينِ لِكُلِّ شَخْصٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٢٣ ] فَظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْعامِلِ الواحِدِ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎مَلِكٌ تَقُومُ الحادِثاتُ لِعَدْلِهِ فَلِكُلِّ حادِثَةٍ لَها مِيزانُ والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ في الأُصُولِ: أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: الأكْثَرُ عَلى أنَّهُ إنَّما هو مِيزانٌ واحِدٌ، وإنَّما جُمِعَ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأعْمالِ المَوْزُونَةِ فِيهِ. وقَدْ قَدَّمْنا في آخِرِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“ (p-١٦٠)كَلامَ العُلَماءِ في كَيْفِيَّةِ وزْنِ الأعْمالِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: القِسْطَ أيِ العَدْلَ، وهو مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ولِذا لَزِمَ إفْرادُهُ، كَما قالَ في الخُلاصَةِ: ؎وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرا ∗∗∗ فالتَزَمُوا الإفْرادَ والتَّذْكِيرا كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا. ومَعْلُومٌ أنَّ النَّعْتَ بِالمَصْدَرِ يَقُولُ فِيهِ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ المُبالَغَةُ. وبَعْضُهم يَقُولُ: هو بِنِيَّةِ المُضافِ المَحْذُوفِ، فَعَلى الأوَّلِ كَأنَّهُ بالَغَ في عَدالَةِ المَوازِينِ حَتّى سَمّاها القِسْطَ الَّذِي هو العَدْلُ. وعَلى الثّانِي فالمَعْنى: المَوازِينُ ذَواتُ القِسْطِ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ فِيها أوْجُهٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ: (مِنها): أنَّها لِلتَّوْقِيتِ، أيِ الدَّلالَةِ عَلى الوَقْتِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: جِئْتُ لِخَمْسِ لَيالٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ: ؎تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ∗∗∗ لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ وَمِنها: أنَّها لامُ ”كَيْ“، أيْ: نَضَعُ المُوازِينَ القِسْطَ لِأجْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ: لِحِسابِ النّاسِ فِيهِ حِسابًا في غايَةِ العَدالَةِ، والإنْصافِ. (ومِنها): أنَّها بِمَعْنى في، أيْ: نَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ في يَوْمِ القِيامَةِ. والكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ: إنَّ اللّامَ تَأْتِي بِمَعْنى في، ويَقُولُونَ: إنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أيْ: في وقْتِها. ووافَقَهم في ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، وابْنُ مالِكٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، وأنْشَدَ مُسْتَشْهِدًا لِذَلِكَ قَوْلَ مِسْكِينٍ الدّارِمِيِّ: ؎أُولَئِكَ قَوْمِي قَدْ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ ∗∗∗ كَما قَدْ مَضى مِن قَبْلُ عادٌ وتُبَّعُ يَعْنِي مَضَوْا في سَبِيلِهِمْ. وقَوْلَ الآخَرِ: ؎وَكُلُّ أبٍ وابْنٍ وإنْ عُمِّرا مَعًا ∗∗∗ مُقِيمَيْنِ مَفْقُودٌ لِوَقْتٍ وفاقِدُ أيْ في وقْتٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا هو المَفْعُولُ الثّانِي لِـ تُظْلَمُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ. أيْ: شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ لا قَلِيلًا، ولا كَثِيرًا. وَمِثْقالُ الشَّيْءِ: وزْنُهُ. والخَرْدَلُ: حَبٌّ في غايَةِ الصِّغَرِ، (p-١٦١)والدِّقَّةِ. وبَعْضُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: هو زَرِيعَةُ الجِرْجِيرِ. وأُنِّثَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بِها هو راجِعٌ إلى المُضافِ الَّذِي هو مِثْقالَ وهو مُذَكَّرٌ لِاكْتِسابِهِ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي هو ﴿حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: ؎وَرُبَّما أكْسَبَ ثانٍ أوَّلًا ∗∗∗ تَأْنِيثًا إنْ كانَ لِحَذْفٍ مُؤَهَّلًا وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ وَقَوْلُ الرّاجِزِ: ؎طُولُ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي ∗∗∗ نَقَضْنَ كُلِّي ونَقَضْنَ بِعْضِي وَقَوْلُ الأعْشى: ؎وَتُشْرِقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتُهُ ∗∗∗ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ فَقَدْ أنَّثَ في البَيْتِ الأوَّلِ لَفْظَةَ ”كُلُّ“ لِإضافَتِها إلى ”عَيْنٍ“ . وأنَّثَ في البَيْتِ الثّانِي لَفْظَةَ ”طُولُ“ لِإضافَتِها إلى ”اللَّيالِي“ وأنَّثَ في البَيْتِ الثّالِثِ الصَّدْرَ لِإضافَتِهِ إلى ”القَناةِ“ وأنَّثَ في البَيْتِ الرّابِعِ ”مَرُّ“ لِإضافَتِهِ إلى ”الرِّياحِ“ . والمُضافاتُ المَذْكُورَةُ لَوْ حُذِفَتْ لَبَقِيَ الكَلامُ مُسْتَقِيمًا، كَما قالَ في الخُلاصَةِ: . . . . . . . . . . إنْ كانَ لِحَذْفٍ مُؤَهَّلًا وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ ما عَدا نافِعًا ﴿وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ بِنَصْبِ مِثْقالَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ أيْ: وإنْ كانَ العَمَلُ الَّذِي يُرادُ وزْنُهُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ. وَقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ﴿وَإنْ كانَ مِثْقالَ﴾ بِالرَّفْعِ، فاعِلُ كانَ عَلى أنَّها تامَّةٌ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ .

الأنبياء 21:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ ﴿ذِكْرٌ مُبارَكٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ البَرَكاتِ والخَيْراتِ؛ لِأنَّ فِيهِ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ثُمَّ وبَّخَ مَن يُنْكِرُونَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . وما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ هَذا (p-١٦٢)القُرْآنَ مُبارَكٌ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كِتابِهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الأنْعامِ“: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] • وقَوْلِهِ فِيها أيْضًا: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] • وقَوْلِهِ تَعالى في ”ص“: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، فَنَرْجُو اللَّهَ تَعالى القَرِيبَ المُجِيبَ أنْ تَغْمُرَنا بَرَكاتُ هَذا الكِتابِ العَظِيمِ المُبارَكِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى لَنا لِتَدَبُّرِ آياتِهِ، والعَمَلِ بِما فِيها مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، والأوامِرِ والنَّواهِي، والمَكارِمِ والآدابِ، امْتِثالًا واجْتِنابًا، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.

الأنبياء 21:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا ما يُوَضِّحُ هَذِهِ الآياتِ إلى آخِرِ القِصَّةِ مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

الأنبياء 21:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا أفْحَمَ قَوْمَهُ الكَفَرَةَ بِالبَراهِينِ والحُجَجِ القاطِعَةِ لَجَئُوا إلى اسْتِعْمالِ القُوَّةِ، فَقالُوا: ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨] أيْ: بِقَتْلِكم عَدُوَّها إبْراهِيمَ شَرَّ قِتْلَةٍ، وهي الإحْراقُ بِالنّارِ. وَلَمْ يَذْكُرْ هُنا أنَّهم أرادُوا قَتْلَهُ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ ”العَنْكَبُوتِ“ أنَّهم ﴿قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤] وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤] . وَقَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المُبْطِلَ إذا أُفْحِمَ بِالدَّلِيلِ لَجَأ إلى ما عِنْدَهُ مِنَ القُوَّةِ لِيَسْتَعْمِلَها ضِدَّ الحَقِّ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ ناصِرِينَ آلِهَتَكم نَصْرًا مُؤَزَّرًا، فاخْتارُوا لَهُ أفْظَعَ قِتْلَةٍ، وهي الإحْراقُ بِالنّارِ، وإلّا فَقَدَ فَرَّطْتُمْ في نَصْرِها.

الأنبياء 21:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلاما عَلى إبْراهِيمَ وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ . فِي الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: قالُوا حَرِّقُوهُ فَرَمَوْهُ في النّارِ، فَلَمّا فَعَلُوا (p-١٦٣)ذَلِكَ ﴿قُلْنا يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ وقَدْ بَيَّنَ في ”الصّافّاتِ“ أنَّهم لَمّا أرادُوا أنْ يُلْقُوهُ في النّارِ بَنَوْا لَهُ بُنْيانًا لِيُلْقُوهُ فِيهِ. وَفِي القِصَّةِ أنَّهم ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ البُنْيانِ العالِي بِالمَنجَنِيقِ بِإشارَةِ رَجُلٍ مِن أعْرابِ فارِسٍ (يَعْنُونَ الأكْرادَ) وأنَّ اللَّهَ خَسَفَ بِهِ الأرْضَ فَهو يَتَجَلْجَلُ فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] والمُفَسِّرُونَ يَذْكُرُونَ مِن شِدَّةِ هَذِهِ النّارِ وارْتِفاعِ لَهَبِها، وكَثْرَةِ حَطَبِها شَيْئًا عَظِيمًا هائِلًا. وذَكَرُوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ إبْراهِيمَ أنَّهم لَمّا كَتَّفُوهُ مُجَرَّدًا ورَمَوْهُ إلى النّارِ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَلْ لَكَ حاجَةٌ ؟ قالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، وأمّا اللَّهُ فَنِعِمّا، قالَ: لِمَ لا تَسْألُهُ ؟ قالَ: عِلْمُهُ بِحالِي كافٍ عَنْ سُؤالِي. وَما ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ أمَرَ النّارَ بِأمْرِهِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ أنْ تَكُونَ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أنْجاهُ مِن تِلْكَ النّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ [ ٢١ ] يَدُلُّ عَلى سَلامَتِهِ مِن حَرِّها، وقَوْلَهُ: وسَلامًا يَدُلُّ عَلى سَلامَتِهِ مِن شَرِّ بَرْدِها الَّذِي انْقَلَبَتِ الحَرارَةُ إلَيْهِ، وإنْجاؤُهُ إيّاهُ مِنها الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ أمْرُهُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ هُنا جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في ”العَنْكَبُوتِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] وأشارَ إلى ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَجَّيْناهُ ولُوطًا﴾ [الأنبياء: ٧١] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] يُوَضِّحُهُ ما قَبْلَهُ. فالكَيْدُ الَّذِي أرادُوهُ بِهِ: إحْراقُهُ بِالنّارِ نَصْرًا مِنهم لِآلِهَتِهِمْ في زَعْمِهِمْ، وجَعْلِهِ تَعالى إيّاهُمُ الأخْسَرِينَ أيِ الَّذِينَ هم أكْثَرُ خُسْرانًا لِبُطْلانِ كَيْدِهِمْ وسَلامَتِهِ مِن نارِهِمْ. وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ ”الصّافّاتِ“ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨] وكَوْنُهُمُ الأسْفَلِينَ واضِحٌ؛ لِعُلُوِّهِ عَلَيْهِمْ وسَلامَتِهِ مِن شَرِّهِمْ. وكَوْنِهُمُ الأخْسَرِينَ لِأنَّهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ. وفي القِصَّةِ أنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ خَلْقًا مِن أضْعَفِ خَلْقِهِ فَأهْلَكَهم وهو البَعُوضُ. وفِيها أيْضًا أنَّ كُلَّ الدَّوابِّ تُطْفِئُ عَنْ إبْراهِيمَ النّارَ، إلّا الوَزَغَ فَإنَّهُ يَنْفُخُ النّارَ عَلَيْهِ. وقَدْ قَدَّمْنا الأحادِيثَ الوارِدَةَ بِالأمْرِ بِقَتْلِ الأوْزاغِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ . وَعَنْ أبِي العالِيَةِ: لَوْ لَمْ يَقُلِ اللَّهُ: وسَلامًا لَكانَ بَرْدُها أشَدَّ عَلَيْهِ مِن حَرِّها، ولَوْ لَمْ يَقُلْ: عَلى إبْراهِيمَ لَكانَ بَرْدُها باقِيًا إلى الأبَدِ. وعَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (p-١٦٤)عَنْهم - لَوْ لَمْ يَقُلْ: وسَلامًا لَماتَ إبَراهِيمُ مِن بَرْدِها. وعَنِ السُّدِّيُّ: لَمْ تَبْقَ في ذَلِكَ اليَوْمِ نارٌ إلّا طَفِئَتْ. وعَنْ كَعْبٍ وقَتادَةَ: لَمْ تُحْرِقِ النّارُ مِن إبْراهِيمَ إلّا وِثاقَهُ. وعَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو: قالَ إبْراهِيمُ: ما كُنْتُ أيّامًا قَطُّ أنْعَمَ مِنِّي مِنَ الأيّامِ الَّتِي كُنْتُ فِيها في النّارِ. وعَنْ شُعَيْبٍ الحِمّانِيِّ أنَّهُ أُلْقِيَ في النّارِ وهو ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أُلْقِيَ فِيها وهو ابْنُ سِتٍّ وعِشْرِينَ. وعَنِ الكَلْبِيِّ: بَرَدَتْ نِيرانُ الأرْضِ جَمِيعًا، فَما أنْضَجَتْ ذَلِكَ اليَوْمَ كُراعًا. وذَكَرُوا في القِصَّةِ أنَّ نَمْرُوذَ أشْرَفَ عَلى النّارِ مِنَ الصَّرْحِ، فَرَأى إبْراهِيمَ جالِسًا عَلى السَّرِيرِ يُؤْنِسُهُ مَلَكُ الظِّلِّ، فَقالَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ، لَأُقَرِّبَنَّ لَهُ أرْبَعَةَ آلافِ بَقَرَةٍ، وكَفَّ عَنْهُ. وكُلُّ هَذا مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ. والمُفَسِّرُونَ يَذْكُرُونَ كَثِيرًا مِنها في هَذِهِ القِصَّةِ وغَيْرِها مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ. وَقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أُراهُ قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ عَنْ أبِي حُصَيْنٍ عَنْ أبِي الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ“ قالَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِي في النّارِ، وقالَها مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قالُوا: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] حَدَّثَنا مالِكُ بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا إسْرائِيلُ عَنْ أبِي حُصَيْنٍ عَنْ أبِي الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ آخِرُ قَوْلِ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِي في النّارِ: ”حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ“ انْتَهى.

الأنبياء 21:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ونَجَّيْناهُ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ: وضُمِّنَ قَوْلُهُ: ونَجَّيْناهُ مَعْنى أخْرَجْناهُ بِنَجاتِنا إلى الأرْضِ. ولِذَلِكَ تَعَدّى ”نَجَّيْناهُ“ بِإلى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”إلى“ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أيْ: مُنْتَهِيًا إلى الأرْضِ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ، ولا تَضْمِينَ في ونَجَّيْناهُ عَلى هَذا. والأرْضُ الَّتِي خَرَجا مِنها: هي كُوثى مِن أرْضِ العِراقِ، والأرْضُ الَّتِي خَرَجا إلَيْها هي أرْضُ الشّامِ. ا هـ مِنهُ. وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تُشِيرُ إلى هِجْرَةِ إبْراهِيمَ ومَعَهُ لُوطٌ مِن أرْضِ العِراقِ إلى الشّامِ فِرارًا بِدِينِهِما. وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، • كَقَوْلِهِ في ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] • وقَوْلِهِ في ”الصّافّاتِ:“ ﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] عَلى أظْهَرِ القَوْلَيْنِ؛ لِأنَّهُ فارٌّ إلى رَبِّهِ بِدِينِهِ مِنَ الكُفّارِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾: هَذِهِ (p-١٦٥)الآيَةُ أصْلٌ في الهِجْرَةِ والعُزْلَةِ، وأوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ حِينَ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ قالَ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ أيْ: مُهاجِرٌ مِن بَلَدِ قَوْمِي ومَوْلِدِي إلى حَيْثُ أتَمَكَّنُ مِن عِبادَةِ رَبِّي ﴿فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ فِيما نَوَيْتُ إلى الصَّوابِ. وما أشارَ إلَيْهِ - جَلَّ وعَلا - مِن أنَّهُ بارَكَ لِلْعالَمِينَ في الأرْضِ المَذْكُورَةِ الَّتِي هي الشّامُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في هَذِهِ الآيَةِ • بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] بَيَّنَهُ في غَيْرِ المَوْضِعِ. • كَقَوْلِهِ: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأنبياء: ٨١] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [ ١٧ ] ومَعْنى كَوْنِهِ (بارَكَ فِيها) . هو ما جَعَلَ فِيها مِنَ الخِصْبِ، والأشْجارِ، والأنْهارِ، والثِّمارِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] ومِن ذَلِكَ أنَّهُ بَعَثَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ مِنها. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ومِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ماءٍ عَذْبٍ أصْلُ مَنبَعِهِ مِن تَحْتِ الصَّخْرَةِ الَّتِي عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ. وجاءَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ أقْوالٌ أُخَرُ تَرَكْناها لِضَعْفِها في نَظَرِنا. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الفِرارَ بِالدِّينِ مِن دارِ الكُفْرِ إلى بَلَدٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الفارُّ بِدِينِهِ مِن إقامَةِ دِينِهِ - واجِبٌ. وهَذا النَّوْعُ مِنَ الهِجْرَةِ وجُوبُهُ باقٍ بِلا خِلافٍ بَيْنِ العُلَماءِ في ذَلِكَ.

الأنبياء 21:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ وهَبَ لِإبْراهِيمَ ابْنَهُ إسْحاقَ، وابْنَ ابْنِهِ يَعْقُوبَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ جَعَلَ الجَمِيعَ صالِحِينَ. وقَدْ أوْضَحَ البِشارَةَ بِهِما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] وقَوْلِهِ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] وقَدْ أشارَ تَعالى في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ إلى أنَّهُ لَمّا هَجَرَ الوَطَنَ والأقارِبَ عَوَّضَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ قُرَّةَ العَيْنِ بِالذُّرِّيَّةِ الصّالِحَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩] . وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: نافِلَةً قالَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ: نافِلَةٌ: عَطِيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: النّافِلَةُ: ولَدُ الوَلَدِ، يَعْنِي أنَّ (p-١٦٦)يَعْقُوبَ ولَدُ إسْحاقَ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أصْلُ النّافِلَةِ في اللُّغَةِ: الزِّيادَةُ عَلى الأصْلِ، ومِنهُ النَّوافِلُ في العِباداتِ؛ لِأنَّها زِياداتٌ عَلى الأصْلِ الَّذِي هو الفَرْضُ، ووَلَدُ الوَلَدِ زِيادَةٌ عَلى الأصْلِ الَّذِي هو ولَدُ الصُّلْبِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: ؎فَإنْ تَكُ أُنْثى مِن مَعَدٍّ كَرِيمَةٌ عَلَيْنا فَقَدْ أعْطَيْتَ نافِلَةَ الفَضْلِ أيْ أعْطَيْتَ الفَضْلَ عَلَيْها، والزِّيادَةُ في الكَرامَةِ عَلَيْنا، كَما هو التَّحْقِيقُ في مَعْنى بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ هَذا، وكَما شَرَحَهُ بِهِ أبُو سَعِيدٍ الحَسَنُ بْنُ الحُسَيْنِ السُّكَّرِيُّ في شَرْحِهِ لِأشْعارِ الهُذَلِيِّينَ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ إيرادَ صاحِبِ اللِّسانِ بَيْتَ أبِي ذُؤَيْبٍ المَذْكُورَ مُسْتَشْهِدًا بِهِ لِأنَّ النّافِلَةَ الغَنِيمَةَ - غَيْرُ صَوابٍ، بَلْ هو غَلَطٌ. مَعَ أنَّ الأنْفالَ الَّتِي هي الغَنائِمُ راجِعَةٌ في المَعْنى إلى مَعْنى الزِّيادَةِ؛ لِأنَّها زِيادَةُ تَكْرِيمٍ أكْرَمَ اللَّهُ بِها هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ فَأحَلَّها لَهُ ولِأُمَّتِهِ. أوْ لِأنَّ الأمْوالَ المَغْنُومَةَ أمْوالٌ أخَذُوها زِيادَةً عَلى أمْوالِهِمُ الأصْلِيَّةِ بِلا ثَمَنٍ. وَقَوْلُهُ: نافِلَةً فِيهِ وجْهانِ مِنَ الإعْرابِ، فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: النّافِلَةُ العَطِيَّةُ فَهو ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ مِن ”وَهَبْنا“ أيْ: وهَبَنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ هِبَةً. وعَلَيْهِ النّافِلَةُ مَصْدَرٌ جاءَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ. وعَلى أنَّ النّافِلَةَ بِمَعْنى الزِّيادَةِ فَهو حالٌ مِن ”يَعْقُوبَ“ أيْ: وهَبْنا لَهُ يَعْقُوبَ في حالِ كَوْنِهِ زِيادَةً عَلى إسْحاقَ.

الأنبياء 21:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ وكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: جَعَلْناهم يَشْمَلُ كُلَّ المَذْكُورِينَ إبْراهِيمَ، ولُوطًا، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، كَما جَزَمَ بِهِ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ، وهو الظّاهِرُ. وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ جَعَلَ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ مِنَ الأئِمَّةِ، أيْ جَعَلَهم رُؤَساءَ في الدِّينِ يُقْتَدى بِهِمْ في الخَيْراتِ وأعْمالِ الطّاعاتِ. وقَوْلِهِ بِأمْرِنا أيْ: بِما أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ الوَحْيِ، والأمْرِ، والنَّهْيِ، أوْ يَهْدُونَ النّاسَ إلى دِينِنا بِأمْرِنا إيّاهم، بِإرْشادِ الخَلْقِ ودُعائِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ. وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تُبَيِّنُ أنَّ طَلَبَ إبْراهِيمَ الإمامَةَ لِذَرِّيَّتِهِ المَذْكُورَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ أجابَهُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ دُونَ بَعْضِها، وضابِطُ ذَلِكَ أنَّ الظّالِمِينَ مِن ذُرِّيَّتِهِ لا يَنالُونَ الإمامَةَ بِخِلافِ غَيْرِهِمْ كَإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَإنَّهم يَنالُونَها كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى (p-١٦٧)فِي قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ [ ٢١ ] وطَلَبُ إبْراهِيمَ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] فَقَوْلُهُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي أئِمَّةً يُقْتَدى بِهِمْ في الخَيْرِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا يَنالُ الظّالِمِينَ عَهْدِي بِالإمامَةِ، عَلى الأصْوَبِ. ومَفْهُومُ قَوْلِهِ: الظّالِمِينَ أنَّ غَيْرَهم يَنالُهُ عَهْدُهُ بِالإمامَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ هُنا. وهَذا التَّفْصِيلُ المَذْكُورُ في ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ أشارَ لَهُ تَعالى في ”الصّافّاتِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] وقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ [ ٢١ ] أيْ: أنْ يَفْعَلُوا الطّاعاتِ، ويَأْمُرُوا النّاسَ بِفِعْلِها. وإقامُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ مِن جُمْلَةِ الخَيْراتِ، فَهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا النُّكْتَةَ البَلاغِيَّةَ المُسَوِّغَةَ لِلْإطْنابِ في عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وعَكْسُهُ في القُرْآنِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ أيْ: مُطِيعِينَ بِاجْتِنابِ النَّواهِي وامْتِثالِ الأوامِرِ بِإخْلاصٍ، فَهم يَفْعَلُونَ ما يَأْمُرُونَ النّاسَ بِهِ، ويَجْتَنِبُونَ ما يَنْهَوْنَهم عَنْهُ كَما قالَ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ: ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] . وَقَوْلُهُ: أئِمَّةً مَعْلُومٌ أنَّهُ جَمْعُ إمامٍ، والإمامُ: هو المُقْتَدى بِهِ، ويُطْلَقُ في الخَيْرِ كَما هُنا، وفي الشَّرِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١] وما ظَنَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الإشْكالِ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِواقِعٍ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وإقامَ الصَّلاةِ لَمْ تُعَوَّضْ هُنا تاءٌ عَنِ العَيْنِ السّاقِطَةِ بِالِاعْتِلالِ عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ المَشْهُورَةِ؛ لِأنَّ عَدَمَ تَعْوِيضِها عَنْهُ جائِزٌ كَما هُنا، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎. . . . . . . . . . وألْفُ الإفْعالِ واسْتِفْعالِ ؎أزِلْ لِذا الإعْلالِ، والَتا الزَمْ عِوَضْ ∗∗∗ وحَذْفُها بِالنَّقْلِ رُبَّما عَرَضْ وَقَدْ أشارَ في أبْنِيَةِ المَصادِرِ إلى أنَّ تَعْوِيضَ التّاءِ المَذْكُورَةِ مِنَ العَيْنِ هو الغالِبُ بِقَوْلِهِ: ؎واسْتَعِذِ اسْتِعاذَةً ثُمَّ أقِمْ ∗∗∗ إقامَةً وغالِبًا ذا التّا لَزِمْ وَما ذَكَرَهُ مِن أنَّ التّاءَ المَذْكُورَةَ عِوَضٌ عَنِ العَيْنِ أجْوَدُ مِن قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ العَيْنَ (p-١٦٨)باقِيَةٌ وهي الألِفُ الباقِيَةُ، وأنَّ التّاءَ عِوَضٌ عَنْ ألْفِ الإفْعالِ.

الأنبياء 21:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ ﴿وَأدْخَلْناهُ في رَحْمَتِنا إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ . قَوْلُهُ: ولُوطًا [ ٢١ ] مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ وُجُوبًا يُفَسِّرُهُ آتَيْناهُ كَما قالَ في الخُلاصَةِ: فالسّابِقُ انْصِبْهُ بِفِعْلٍ أُضْمِرا حَتْمًا مُوافِقٍ لِما قَدْ أظْهَرا قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: الحُكْمُ: النُّبُوَّةُ. والعِلْمُ: المَعْرِفَةُ بِأمْرِ الدِّينِ، وما يَقَعُ بِهِ الحُكْمُ بَيْنَ الخُصُومِ. وقِيلَ: عِلْمًا: فَهْمًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُكْمًا: حِكْمَةً، وهو ما يَجِبُ فِعْلُهُ، أوْ فَصْلًا بَيْنَ الخُصُومِ، وقِيلَ: هو النُّبُوَّةُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: أصْلُ الحُكْمِ في اللُّغَةِ: المَنعُ كَما هو مَعْرُوفٌ. فَمَعْنى الآياتِ أنَّ اللَّهَ آتاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والعِلْمِ ما يَمْنَعُ أقْوالَهُ وأفْعالَهُ مِن أنْ يَعْتَرِيَها الخَلَلُ. والقَرْيَةُ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ هي سَدُومُ وأعْمالُها، والخَبائِثُ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُها جاءَتْ مُوَضَّحَةً في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ: مِنها: اللِّواطُ، وأنَّهم هم أوَّلُ مَن فَعَلَهُ مِنَ النّاسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] وقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] ومِنَ الخَبائِثِ المَذْكُورَةِ إتْيانُهُمُ المُنْكَرَ في نادِيهِمْ، وقَطْعُهُمُ الطَّرِيقَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٢٩] . ومِن أعْظَمِ خَبائِثِهِمْ: تَكْذِيبُ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ، وتَهْدِيدُهم لَهُ بِالإخْراجِ مِنَ الوَطَنِ كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧] وقالَ تَعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كِتابِهِ أنَّهُ أهْلَكَهم فَقَلَبَ بِهِمْ بَلَدَهم، وأمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [ ١٥ ] والآياتُ بِنَحْوِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. والخَبائِثُ: جَمْعُ خَبِيثَةٍ، وهي الفِعْلَةُ السَّيِّئَةُ، كالكُفْرِ واللِّواطِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ. (p-١٦٩)وَقَوْلِهِ: قَوْمَ سَوْءٍ أيْ: أصْحابَ عَمَلٍ سَيِّئٍ، ولَهم عِنْدَ اللَّهِ جَزاءٌ يَسُوءُهم، وقَوْلِهِ: فاسِقِينَ أيْ: خارِجِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ. وقَوْلِهِ: وأدْخَلْناهُ يَعْنِي لُوطًا في رَحْمَتِنا شامِلٌ لِنَجاتِهِ مِن عَذابِهِمُ الَّذِي أصابَهم، وشامِلٌ لِإدْخالِهِ إيّاهُ في رَحْمَتِهِ الَّتِي هي الجَنَّةُ، كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «تَحاجَّتِ النّارُ والجَنَّةُ» . الحَدِيثَ. وفِيهِ: «فَقالَ لِلْجَنَّةِ: أنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِها مَن أشاءُ مِن عِبادِي» .

الأنبياء 21:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ . قَوْلُهُ: ونُوحًا مَنصُوبٌ بِـ ”اذْكُرْ“ مُقَدَّرًا، أيْ: واذْكُرْ نُوحًا حِينَ نادى مِن قَبْلُ، أيْ: مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ. ونِداءُ نُوحٍ هَذا المَذْكُورُ هُنا هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: - ٧٧] وقَدْ أوْضَحَ اللَّهُ هَذا النِّداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ٩ - ١١] والمُرادُ بِالكَرْبِ العَظِيمِ في الآيَةِ: الغَرَقُ بِالطُّوفانِ الَّذِي تَتَلاطَمُ أمْواجُهُ كَأنَّها الجِبالُ العِظامُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ [هود: ٤٢] وقالَ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ١٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والكَرْبُ: هو أقْصى الغَمِّ، والأخْذُ بِالنَّفْسِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ يَعْنِي إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِن أهْلِهِ بِالهَلاكِ مَعَ الكَفَرَةِ الهالِكِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] ومَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم: ابْنُهُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] وامْرَأتُهُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ . [التحريم: ١٠] .

الأنبياء 21:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ . (p-١٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: وداوُدَ [الأنبياء: ٧٨] مَنصُوبٌ بِـ ”اذْكُرْ“ مُقَدَّرًا. وقِيلَ: مَعْطُوفُ قَوْلِهِ: ﴿وَنُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ﴾ [ ٢١ ] أيْ: واذْكُرْ نُوحًا إذا نادى مِن قَبْلُ ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ الآيَةَ وَقَوْلُهُ: إذْ بَدَلٌ مِن ”داوُدَ وسُلَيْمانَ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ كَما أوْضَحْنا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وذَكَرْنا بَعْضَ المُناقَشَةِ فِيهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا ويَكُونُ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ القَوْلِ. وذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ مَسائِلَ كَثِيرَةً مِن ذَلِكَ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِنَ العُلَماءِ قالُوا: إنَّ حُكْمَ داوُدَ وسُلَيْمانَ في الحَرْثِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ بِوَحْيٍ، إلّا أنَّ ما أُوحِيَ إلى سُلَيْمانَ كانَ ناسِخًا لِما أُوحِيَ إلى داوُدَ. وَفِي الآيَةِ قَرِينَتانِ عَلى أنَّ حُكْمَهُما كانَ بِاجْتِهادٍ لا بِوَحْيٍ، وأنَّ سُلَيْمانَ أصابَ فاسْتَحَقَّ الثَّناءَ بِاجْتِهادِهِ وإصابَتِهِ، وأنَّ داوُدَ لَمْ يُصِبْ فاسْتَحَقَّ الثَّناءَ بِاجْتِهادِهِ، ولَمْ يَسْتَوْجِبْ لَوْمًا ولا ذَمًّا بِعَدَمِ إصابَتِهِ. كَما أثْنى عَلى سُلَيْمانَ بِالإصابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وأثْنى عَلَيْهِما في قَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨] فَدَلَّ قَوْلُهُ: إذْ يَحْكُمانِ عَلى أنَّهُما حَكَما فِيها مَعًا كُلٌّ مِنهُما بِحُكْمٍ مُخالِفٍ لِحُكْمِ الآخَرِ، ولَوْ كانَ وحْيًا لَما ساغَ الخِلافُ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَفْهَمْها داوُدُ، ولَوْ كانَ حُكْمُهُ فِيها بِوَحْيٍ لَكانَ مُفْهَمًا إيّاها كَما تَرى. فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَحْكُمانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الحُكْمَ لَمْ يَكُنْ بِوَحْيٍ بَلْ بِاجْتِهادٍ، وأصابَ فِيهِ سُلَيْمانُ دُونَ داوُدَ بِتَفْهِيمِ اللَّهِ إيّاهُ ذَلِكَ. والقَرِينَةُ الثّانِيَةُ هي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: فَفَهَّمْناها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَهَّمَهُ إيّاها مِن نُصُوصِ ما كانَ عِنْدَهم مِنَ الشَّرْعِ. لا أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ فِيها وحْيًا جَدِيدًا ناسِخًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: فَفَهَّمْناها ألْيَقُ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي كَما تَرى. * * مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْنا أنَّ القَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّهُما حَكَما فِيها بِاجْتِهادٍ، وأنَّ سُلَيْمانَ أصابَ في اجْتِهادِهِ - جاءَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِوُقُوعِ مِثْلِهِ مِنهُما في غَيْرِ هَذِهِ المَسْألَةِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى إمْكانِهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وقَدْ دَلَّتِ القَرِينَةُ القُرْآنِيَّةُ عَلى (p-١٧١)وُقُوعِهِ، قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (بابُ إذا ادَّعَتِ المَرْأةُ ابْنًا) حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، أخْبَرْنا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنا أبُو الزِّنادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كانَتِ امْرَأتانِ مَعَهُما ابْناهُما، جاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إحْداهُما، فَقالَتْ لِصاحِبَتِها: إنَّما ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَقالَتِ الأُخْرى: إنَّما ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحاكَمَتا إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَضى بِهِ لِلْكُبْرى، فَخَرَجَتا عَلى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِينِ أشُقُّهُ بَيْنَهُما. فَقالَتِ الصُّغْرى: لا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هو ابْنُها. فَقَضى بِهِ لِلصُّغْرى» . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: واللَّهِ إنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِينِ قَطُّ إلّا يَوْمَئِذٍ، وما كُنّا نَقُولُ إلّا المُدْيَةُ ”انْتَهى مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي شَبابَةُ، حَدَّثَنِي ورْقاءُ، عَنْ أبِي الزِّنادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“ «بَيْنَما امْرَأتانِ مَعَهُما ابْناهُما جاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إحْداهُما. فَقالَتْ هَذِهِ لِصاحِبَتِها: إنَّما ذَهَبَ بِابْنِكِ أنْتِ. وقالَتِ الأُخْرى: إنَّما ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحاكَمَتا إلى داوُدَ فَقَضى بِهِ لِلْكُبْرى، فَخَرَجَتا عَلى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِينِ أشُقُّهُ بَيْنَكُما، فَقالَتِ الصُّغْرى: لا، يَرْحَمُكَ اللَّهُ» انْتَهى مِنهُ فَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهُما قَضَيا مَعًا بِالِاجْتِهادِ في شَأْنِ الوَلَدِ المَذْكُورِ، وأنَّ سُلَيْمانَ أصابَ في ذَلِكَ، إذْ لَوْ كانَ قَضاءُ داوُدَ بِوَحْيٍ لَما جازَ نَقْضُهُ بِحالٍ. وقَضاءُ سُلَيْمانَ واضِحٌ أنَّهُ لَيْسَ بِوَحْيٍ؛ لِأنَّهُ أوْهَمَ المَرْأتَيْنِ أنَّهُ يَشُقُّهُ بِالسِّكِّينِ؛ لِيَعْرِفَ أُمَّهُ بِالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، ويَعْرِفَ الكاذِبَةَ بِرِضاها بِشَقِّهِ لِتُشارِكَها أُمُّهُ في المُصِيبَةِ فَعَرَفَ الحَقَّ بِذَلِكَ. وهَذا شَبِيهٌ جِدًّا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ حَسْبَما ذَكَرْنا وبَيَّنّا دَلالَةَ القَرِينَةِ القُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ. ومِمّا يُشْبِهُ ذَلِكَ مِن قَضائِهِما القِصَّةُ الَّتِي أوْرَدَها الحافِظُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ في تَرْجَمَةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تارِيخِهِ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ سُفْيانَ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ صالِحٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذَكَرَ قِصَّةً مُطَوَّلَةً، مُلَخَّصُها أنَّ امْرَأةً حَسْناءَ في زَمانِ بَنِي إسْرائِيلَ راوَدَها عَنْ نَفْسِها أرْبَعَةٌ مِن رُؤَسائِهِمْ، فامْتَنَعَتْ عَلى كُلٍّ مِنهم، فاتَّفَقُوا فِيما بَيْنَهم عَلَيْها. فَشَهِدُوا عِنْدَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها مَكَّنَتْ مِن نَفْسِها كَلْبًا لَها، قَدْ عَوَّدَتْهُ ذَلِكَ مِنها، فَأمَرَ بِرَجْمِها، فَلَمّا كانَ عَشِيَّةُ ذَلِكَ اليَوْمِ جَلَسَ سُلَيْمانُ واجْتَمَعَ مَعَهُ ولْدانٌ مِثْلُهُ، فانْتَصَبَ حاكِمًا وتَزَيّا أرْبَعَةٌ مِنهم بِزِيٍّ أُولَئِكَ وآخَرُ بِزِيِّ المَرْأةِ، وشَهِدُوا عَلَيْها بِأنَّها مَكَّنَتْ مِن نَفْسِها كَلْبًا، فَقالَ سُلَيْمانُ: فَرَّقُوا بَيْنَهم. فَسَألَ أوَّلَهم: ما كانَ لَوْنُ الكَلْبِ ؟ فَقالَ: أسْوَدُ، فَعَزَلَهُ. واسْتَدْعى الآخَرَ فَسَألَهُ عَنْ لَوْنِهِ ؟ فَقالَ: أحْمَرُ. وقالَ (p-١٧٢)الآخَرُ: أغْبَشُ. وقالَ الآخَرُ: أبْيَضُ، فَأمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَتْلِهِمْ، فَحُكِيَ ذَلِكَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فاسْتَدْعى مِن فَوْرِهِ بِأُولَئِكَ الأرْبَعَةِ فَسَألَهم مُتَفَرِّقِينَ عَنْ لَوْنِ ذَلِكَ الكَلْبِ فاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِقَتْلِهِمْ. انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ ابْنِ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. وكُلُّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ؛ لِدَلالَةِ القَرِينَةِ القُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ. ومِمَّنْ فَسَّرَها بِذَلِكَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ كَما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْهُ. قالَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ، بابُ مَتى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ القَضاءَ: وقالَ الحَسَنُ: أخَذَ اللَّهُ عَلى الحُكّامِ أنْ لا يَتَّبِعُوا الهَوى، ولا يَخْشَوُا النّاسَ ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] إلى أنْ قالَ - وقَرَأ ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] فَحَمِدَ سُلَيْمانَ ولَمْ يَلُمْ داوُدَ. ولَوْلا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِن أمْرِ هَذَيْنِ لَرَأيْتُ أنَّ القُضاةَ هَلَكُوا، فَإنَّهُ أثْنى عَلى هَذا بِعِلْمِهِ، وعَذَرَ هَذا بِاجْتِهادِهِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ الحَسَنَ يَرى أنَّ مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَما ذَكَرْنا، ويَزِيدُ هَذا إيضاحًا ما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ مِنَ الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ وأبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ» . * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الِاجْتِهادَ في الأحْكامِ في الشَّرْعِ دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، مِنها هَذا الَّذِي ذَكَرْنا هُنا. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ بَنِي ”إسْرائِيلَ“ طَرَفًا مِن ذَلِكَ، ووَعَدْنا بِذِكْرِهِ مُسْتَوْفًى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وسُورَةِ الحَشْرِ، وهَذا أوانُ الوَفاءِ بِذَلِكَ الوَعْدِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ. وقَدْ عَلِمْتَ مِمّا مَرَّ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ أنّا ذَكَرْنا طَرَفًا مِنَ الأدِلَّةِ عَلى الِاجْتِهادِ فَبَيَّنّا إجْماعَ العُلَماءِ عَلى العَمَلِ بِنَوْعِ الِاجْتِهادِ المَعْرُوفِ بِالإلْحاقِ بِنَفْيِ الفارِقِ الَّذِي يُسَمِّيهِ الشّافِعِيُّ القِياسَ في مَعْنى الأصْلِ، وهو تَنْقِيحُ المَناطِ. وأوْضَحْنا أنَّهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وبَيَّنّا الإجْماعَ أيْضًا عَلى العَمَلِ بِنَوْعِ الِاجْتِهادِ المَعْرُوفِ بِتَحْقِيقِ المَناطِ، وأنَّهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وذَكَرْنا أمْثِلَةً لَهُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وذَكَرْنا أحادِيثَ دالَّةً عَلى الِاجْتِهادِ، مِنها الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ، ومِنها حَدِيثُ مُعاذٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلى اليَمَنِ، وقَدْ وعَدْنا بِأنْ نَذْكُرَ طُرُقَهُ هُنا إلى آخَرِ ما ذَكَرْنا هُناكَ. (p-١٧٣)اعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ رِواياتِ هَذا الحَدِيثِ المَذْكُورَةِ في المُسْنَدِ والسُّنَنِ كُلُّها مِن طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ أبِي عَوْنٍ، عَنِ الحارِثِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ أخِي المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أُناسٍ مِن أصْحابِ مُعاذٍ، عَنْ مُعاذٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أمّا الرِّوايَةُ المُتَّصِلَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنا سابِقًا عَنِ ابْنِ قُدامَةَ في (رَوْضَةِ النّاظِرِ) أنَّ عُبادَةَ بْنَ نُسَيٍّ رَواهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعاذٍ، فَهَذا الإسْنادُ وإنْ كانَ مُتَّصِلًا ورِجالُهُ مَعْرُوفُونَ بِالثِّقَةِ، فَإنِّي لَمْ أقِفْ عَلى مَن خَرَّجَ هَذا الحَدِيثَ مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ، إلّا ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ في (إعْلامِ المُوَقِّعِينَ) عَنْ أبِي بَكْرٍ الخَطِيبِ بِلَفْظِ: وقَدْ قِيلَ إنَّ عُبادَةَ بْنَ نُسَيٍّ رَواهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعاذٍ. ا هـ مِنهُ. ولَفْظَةُ ”قِيلَ“ صِيغَةُ تَمْرِيضٍ كَما هو مَعْرُوفٌ، وإلّا ما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تارِيخِهِ، فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَهُ فِيهِ حَدِيثُ مُعاذٍ المَذْكُورُ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْنا بِالإسْنادِ الَّذِي أخْرَجَهُ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ قالَ: وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ، ولَيْسَ إسْنادُهُ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ. ثُمَّ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رَواهُ ابْنُ ماجَهْ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، إلّا أنَّهُ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَسّانَ وهو المَصْلُوبُ أحَدُ الكَذّابِينَ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُعاذٍ بِهِ نَحْوَهُ. واعْلَمْ أنَّ النُّسْخَةَ المَوْجُودَةَ بِأيْدِينا مِن تارِيخِ ابْنِ كَثِيرٍ الَّتِي هي مِنَ الطَّبْعَةِ الأُولى سَنَةَ (١٣٥١) فِيها تَحْرِيفٌ مَطْبَعِيٌّ في الكَلامِ الَّذِي ذَكَرْنا؛ فَفِيها مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حَسّانَ، والصَّوابُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ لا سَعْدٍ. وفِيها: عَنْ عَيّاذِ بْنِ بِشْرٍ، والصَّوابُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ. وَما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ مِن إخْراجِ ابْنِ ماجَهْ لِحَدِيثِ مُعاذٍ المَذْكُورِ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ المَصْلُوبِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وهو ابْنُ غَنْمٍ، عَنْ مُعاذٍ - لَمْ أرَهُ في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ، والَّذِي في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ بِالإسْنادِ المَذْكُورِ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ غَيْرُ المَتْنِ المَذْكُورِ، وهَذا لَفْظُهُ: حَدَّثْنا الحَسَنُ بْنُ حَمّادٍ سَجّادَةُ، حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَسّانَ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، «حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَمَنِ، قالَ: ”لا تَقْضِيَنَّ، ولا تَفْصِلَنَّ إلّا بِما تَعْلَمُ، وإنْ أشْكَلَ عَلَيْكَ أمْرٌ فَقِفْ حَتّى تَبَيَّنَهُ أوْ تَكْتُبَ إلَيَّ فِيهِ“» ا هـ مِنهُ. وما أدْرِي أوَهِمَ الحافِظُ بْنُ كَثِيرٍ فِيما ذَكَرَ ؟ أوْ هو يَعْتَقِدُ أنَّ مَعْنى ”تَبَيَّنَهُ“ في الحَدِيثِ أيْ: تَعْلَمُهُ بِاجْتِهادِكَ في اسْتِخْراجِهِ مِنَ المَنصُوصِ، فَيَرْجِعُ إلى مَعْنى الحَدِيثِ المَذْكُورِ ؟ وعَلى كُلِّ حالٍ (p-١٧٤)فالرِّوايَةُ المَذْكُورَةُ مِن طَرِيقِ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنِ ابْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعاذٍ، فِيها كَذّابٌ وهو مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ المَذْكُورُ الَّذِي قَتَلَهُ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ في الزَّنْدَقَةِ وصَلَبَهُ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ: وضَعَ أرْبَعَةَ آلافِ حَدِيثٍ. فَإذا عَلِمْتَ بِهَذا انْحِصارَ طُرُقِ الحَدِيثِ المَذْكُورِ الَّذِي فِيهِ أنَّ مُعاذًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدِ المَسْألَةَ في كِتابِ اللَّهِ، ولا سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اجْتَهَدَ فِيها رَأْيَهُ، وأقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ذَلِكَ في الطَّرِيقَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ - عَلِمْتَ وجْهَ تَضْعِيفِ الحَدِيثِ مِمَّنْ ضَعَّفَهُ، وأنَّهُ يَقُولُ: طَرِيقُ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنِ ابْنِ غَنْمٍ لَمْ تُسْنِدُوها ثابِتَةً مِن وجْهٍ صَحِيحٍ إلَيْهِ، والطَّرِيقُ الأُخْرى الَّتِي في المُسْنَدِ، والسُّنَنِ فِيها الحارِثُ بْنُ أخِي المُغِيرَةِ وهو مَجْهُولٌ، والرُّواةُ فِيها أيْضًا عَنْ مُعاذٍ مَجاهِيلُ - فَمِن أيْنَ قُلْتُمْ بِصِحَّتِها ؟ وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ قالَ في مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِهِ: إنَّ الطَّرِيقَةَ المَذْكُورَةَ في المُسْنَدِ، والسُّنَنِ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ. وقُلْنا: لَعَلَّهُ يَرى أنَّ الحارِثَ المَذْكُورَ ثِقَةٌ، وقَدْ وثَّقَهُ ابْنُ حِبّانَ، وأنَّ أصْحابَ مُعاذٍ لا يُعْرَفُ فِيهِمْ كَذّابٌ، ولا مُتَّهَمٌ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا عَنْ مُرادِ ابْنِ كَثِيرٍ بِجَوْدَةِ الإسْنادِ المَذْكُورِ ما قالَهُ العَلّامَةُ ابْنُ القِيَمِ في إعْلامِ المُوَقِّعِينَ، قالَ فِيهِ: وقَدْ أقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ مُعاذًا عَلى اجْتِهادِ رَأْيِهِ فِيما لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَقالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنِي أبُو عَوْنٍ عَنِ الحارِثِ بْنِ عَمْرٍو، «عَنْ أُناسٍ مِن أصْحابِ مُعاذٍ: أنَّ رَسُولَهُ ﷺ لَمّا بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ قالَ: ”كَيْفَ تَصْنَعُ إنْ عَرَضَ لَكَ قَضاءٌ“ ؟ قالَ: أقْضِي بِما في كِتابِ اللَّهِ. قالَ: ”فَإنْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ“ ؟ قالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ”فَإنْ لَمْ يَكُنْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ“ ؟ قالَ: أجْتَهِدُ رَأْيِي، لا آلُو. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرِي ثُمَّ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِما يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ“» . فَهَذا حَدِيثٌ إنْ كانَ عَنْ غَيْرِ مُسَمَّيْنَ فَهم أصْحابُ مُعاذٍ، فَلا يَضُرُّهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى شُهْرَةِ الحَدِيثِ، وأنَّ الَّذِي حَدَّثَ لَهُ الحارِثُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ جَماعَةٍ مِن أصْحابِ مُعاذٍ، لا واحِدٍ مِنهم، وهَذا أبْلَغُ في الشُّهْرَةِ مِن أنْ يَكُونَ عَنْ واحِدٍ مِنهم ولَوْ سُمِّيَ، كَيْفَ وشُهْرَةُ أصْحابِ مُعاذٍ بِالعِلْمِ، والدِّينِ، والفَضْلِ، والصِّدْقِ بِالمَحَلِّ الَّذِي لا يَخْفى، ولا يُعْرَفُ في أصْحابِهِ مُتَّهَمٌ، ولا كَذّابٌ، ولا مَجْرُوحٌ، بَلْ أصْحابُهُ مِن أفاضِلِ المُسْلِمِينَ وخِيارِهِمْ، ولا يَشُكُّ أهْلُ العِلْمِ بِالنَّقْلِ في ذَلِكَ، كَيْفَ وشُعْبَةُ حامِلُ لِواءِ هَذا الحَدِيثِ ؟ وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ الحَدِيثِ: إذا رَأيْتَ شُعْبَةَ في إسْنادِ حَدِيثٍ فاشْدُدْ يَدَيْكَ بِهِ. قالَ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ عُبادَةَ بْنَ نُسَيٍّ رَواهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعاذٍ، وهَذا إسْنادٌ مُتَّصِلٌ، ورِجالُهُ مَعْرُوفُونَ بِالثِّقَةِ عَلى أنَّ أهْلَ (p-١٧٥)العِلْمِ قَدْ نَقَلُوهُ واحْتَجُّوا بِهِ. فَوَقَفْنا بِذَلِكَ عَلى صِحَّتِهِ عِنْدَهم، كَما وقَفْنا بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ»، وقَوْلِهِ في البَحْرِ: «هو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحَلُّ مَيْتَتُهُ»، وقَوْلِهِ: «إذا اخْتَلَفَ المُتَبايِعانِ في الثَّمَنِ، والسِّلْعَةُ قائِمَةٌ تَحالَفا وتَرادّا البَيْعَ»، وقَوْلِهِ: «الدِّيَةُ عَلى العاقِلَةِ» . وإنَّ كانَتْ هَذِهِ الأحادِيثُ لا تَثْبُتُ مِن جِهَةِ الإسْنادِ ولَكِنْ لَمّا تَلَقَّتْها الكافَّةُ عَنِ الكافَّةِ غَنُوا بِصِحَّتِها عِنْدَهم عَنْ طَلَبِ الإسْنادِ لَها. فَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُعاذٍ لَمّا احْتَجُّوا بِهِ جَمِيعًا غَنُوا عَنْ طَلَبِ الإسْنادِ لَهُ. انْتَهى مِنهُ. وحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ العاصِ وأبِي هُرَيْرَةَ الثّابِتُ في الصَّحِيحَيْنِ شاهِدٌ لَهُ كَما قَدَّمْنا، ولَهُ شَواهِدُ غَيْرُ ذَلِكَ سَتَراها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الِاجْتِهادَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّرْعِ أنْواعٌ مُتَعَدِّدَةٌ: (مِنها): الِاجْتِهادُ في تَحْقِيقِ المَناطِ، وقَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا مِن أمْثِلَتِهِ في ”الإسْراءِ“ . (ومِنها): الِاجْتِهادُ في تَنْقِيحِ المَناطِ، ومِن أنْواعِهِ: السَّبْرُ، والتَّقْسِيمُ، والإلْحاقُ بِنَفْيِ الفارِقِ. واعْلَمْ أنَّ الِاجْتِهادَ بِإلْحاقِ المَسْكُوتِ عَنْهُ بِالمَنطُوقِ بِهِ قِسْمانِ: الأوَّلُ: الإلْحاقُ بِنَفْيِ الفارِقِ، وهو قِسْمٌ مِن تَنْقِيحِ المَناطِ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا. ويُسَمّى عِنْدَ الشّافِعِيِّ القِياسَ في مَعْنى الأصْلِ، وهو بِعَيْنِهِ مَفْهُومُ المُوافَقَةِ، ويُسَمّى أيْضًا القِياسَ الجَلِيَّ. والثّانِي مِن نَوْعَيِ الإلْحاقِ: هو القِياسُ المَعْرُوفُ بِهَذا الِاسْمِ في اصْطِلاحِ أهْلِ الأُصُولِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ الَّذِي هو الإلْحاقُ بِنَفْيِ الفارِقِ فَلا يُحْتاجُ فِيهِ إلى وصْفٍ جامِعٍ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ وهو العِلَّةُ. بَلْ يُقالُ فِيهِ: لَمْ يُوجَدْ بَيْنَ هَذا المَنطُوقِ بِهِ وهَذا المَسْكُوتِ عَنْهُ فَرْقٌ فِيهِ يُؤَثِّرُ في الحُكْمِ ألْبَتَّةَ، فَهو مِثْلُهُ في الحُكْمِ، وأقْسامُهُ أرْبَعَةٌ، لِأنَّ المَسْكُوتَ عَنْهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْمَنطِقِ بِهِ في الحُكْمِ، أوْ أوْلى بِهِ مِنهُ، وفي كُلٍّ مِنهُما إمّا أنْ يَكُونَ نَفْيُ الفارِقِ بَيْنَهُما مَقْطُوعًا بِهِ أوْ مَظْنُونًا. فالمَجْمُوعُ أرْبَعَةٌ: (الأوَّلُ مِنها): أنْ يَكُونَ المَسْكُوتُ عَنْهُ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَنطُوقِ بِهِ مَعَ القَطْعِ بِنَفْيِ (p-١٧٦)الفارِقِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فالضَّرْبُ المَسْكُوتُ عَنْهُ أوْلى بِالحُكْمِ الَّذِي هو التَّحْرِيمُ مِنَ التَّأْفِيفِ المَنطُوقِ بِهِ مَعَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فَشَهادَةُ أرْبَعَةٍ عُدُولٍ المَسْكُوتُ عَنْها أوْلى بِالحُكْمِ وهو القَبُولُ مِنَ المَنطُوقِ بِهِ، وهو شَهادَةُ العَدْلَيْنِ مَعَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ. (والثّانِي مِنها): أنْ يَكُونَ المَسْكُوتُ عَنْهُ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَنطُوقِ بِهِ أيْضًا، إلّا أنَّ نَفْيَ الفارِقِ بَيْنَهُما لَيْسَ قَطْعِيًّا، بَلْ مَظْنُونًا ظَنًّا قَوِيًّا مُزاحِمًا لِلْيَقِينِ. ومِثالُهُ نَهْيُهُ ﷺ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالعَوْراءِ. فالتَّضْحِيَةُ بِالعَمْياءِ المَسْكُوتِ عَنْها أوْلى بِالحُكْمِ وهو المَنعُ مِنَ التَّضْحِيَةِ بِالعَوْراءِ المَنطُوقِ بِها، إلّا أنَّ نَفْيَ الفارِقِ بَيْنَهُما لَيْسَ قَطْعِيًّا بَلْ مَظْنُونًا ظَنًّا قَوِيًّا؛ لِأنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالعَوْراءِ كَوْنُها ناقِصَةً ذاتًا وثَمَنًا وقِيمَةً، وهَذا هو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ فالعَمْياءُ أنْقَصُ مِنها ذاتًا وقِيمَةً. وهُناكَ احْتِمالٌ آخَرُ: هو الَّذِي مَنَعَ مِنَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ، وهو احْتِمالُ أنْ تَكُونَ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ التَّضْحِيَةِ بِالعَوْراءِ أنَّ العَوَرَ مَظِنَّةُ الهُزالِ؛ لِأنَّ العَوْراءَ ناقِصَةُ البَصَرِ، وناقِصَةُ البَصَرِ تَكُونُ ناقِصَةَ الرَّعْيِ؛ لِأنَّها لا تَرى إلّا ما يُقابِلُ عَيْنًا واحِدَةً، ونَقْصُ الرَّعْيِ مَظِنَّةٌ لِلْهُزالِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فالعَمْياءُ لَيْسَتْ كالعَوْراءِ؛ لِأنَّ العَمْياءَ يُخْتارُ لَها أحْسَنُ العَلَفِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِسِمَنِها. (والثّالِثُ مِنها): أنْ يَكُونَ المَسْكُوتُ عَنْهُ مُساوِيًا لِلْمَنطُوقِ بِهِ في الحُكْمِ مَعَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠] . فَإحْراقُ أمْوالِ اليَتامى وإغْراقُها المَسْكُوتُ عَنْهُ مُساوٍ لِلْأكْلِ المَنطُوقِ بِهِ في الحُكْمِ الَّذِي هو التَّحْرِيمُ، والوَعِيدُ بِعَذابِ النّارِ مَعَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ. (والرّابِعُ مِنها): أنْ يَكُونَ المَسْكُوتُ عَنْهُ مُساوِيًا لِلْمَنطُوقِ بِهِ في الحُكْمِ أيْضًا، إلّا أنَّ نَفْيَ الفارِقِ بَيْنَهُما مَظْنُونٌ ظَنًّا قَوِيًّا مُزاحِمًا لِلْيَقِينِ، ومِثالُهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ ”مَن أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ. .“ الحَدِيثُ المُتَقَدِّمُ في ”الإسْراءِ، والكَهْفِ“، فَإنَّ المَسْكُوتَ عَنْهُ وهو عِتْقُ بَعْضِ الأمَةِ مُساوٍ لِلْمَنطُوقِ بِهِ وهو عِتْقُ بَعْضِ العَبْدِ في الحُكْمِ الَّذِي هو سَرايَةُ العِتْقِ المُبَيَّنَةُ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ مِرارًا. إلّا أنَّ نَفْيَ الفارِقِ بَيْنَهُما مَظْنُونٌ ظَنًّا قَوِيًّا؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ والأُنُوثَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى العِتْقِ وصْفانِ طَرْدِيّانِ لا يُناطُ بِهِما حُكْمٌ مِن أحْكامِ العِتْقِ. كَما قَدَّمْناهُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وهُناكَ احْتِمالٌ آخَرُ هو الَّذِي مَنَعَ مِنَ القَطْعِ بِنَفْيِ الفارِقِ، وهو احْتِمالُ أنْ يَكُونَ الشّارِعُ نَصَّ عَلى سَرايَةِ العِتْقِ في خُصُوصِ العَبْدِ الذَّكَرِ، مُخَصِّصًا لَهُ بِذَلِكَ الحُكْمِ دُونَ الأُنْثى؛ لِأنَّ عِتْقَ الذَّكَرِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الآثارِ الشَّرْعِيَّةِ ما لا يَتَرَتَّبُ عَلى عِتْقِ (p-١٧٧)الأُنْثى، كالجِهادِ، والإمامَةِ، والقَضاءِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَناصِبِ المُخْتَصَّةِ بِالذُّكُورِ دُونَ الإناثِ. وقَدْ أكْثَرْنا مِن أمْثِلَةِ هَذا النَّوْعِ الَّذِي هو الإلْحاقُ بِنَفْيِ الفارِقِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ . (وأمّا النَّوْعُ الثّانِي مِن أنْواعِ الإلْحاقِ): فَهو القِياسُ المَعْرُوفُ في الأُصُولِ، وهو المَعْرُوفُ بِقِياسِ التَّمْثِيلِ. وسَنُعَرِّفُهُ هُنا لُغَةً واصْطِلاحًا، ونَذْكُرُ أقْسامَهُ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ: اعْلَمْ أنَّ القِياسَ في اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ. يُقالُ: قاسَ الثَّوْبَ بِالذِّراعِ، وقاسَ الجُرْحَ بِالمِيلِ (بِالكَسْرِ) وهو المِرْوَدُ، إذا قَدَّرَ عُمْقَهُ بِهِ؛ ولِهَذا سُمِّيَ المِيلُ مِقْياسًا، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ البُعَيْثِ بْنِ بِشْرٍ يَصِفُ جِراحَةً أوْ شَجَّةً: ؎إذا قاسَها الآسِي النَّطاسِيُّ أدْبَرَتْ غَثِيثَتُها وازْدادَ وهْيًا هَزُومُها فَقَوْلُهُ: ”قاسَها“ يَعْنِي قَدَّرَ عُمْقَها بِالمِيلِ. والآسِي: الطَّبِيبُ، والنِّطاسِيُّ (بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِها): الماهِرُ بِالطِّبِّ، والغَثِيثَةُ (بِثاءَيْنِ مُثَلَّثَتَيْنِ): مِدَّةُ الجُرْحِ وقَيْحُهُ، وما فِيهِ مِن لَحْمٍ مَيِّتٍ، والوَهْيُ: التَّخَرُّقُ والتَّشَقُّقُ، والهُزُومُ: غَمْزُ الشَّيْءِ بِاليَدِ فَيَصِيرُ فِيهِ حُفْرَةٌ كَما يَقَعُ في الوَرَمِ الشَّدِيدِ. وَتَعْرِيفُ القِياسِ المَذْكُورِ في اصْطِلاحِ أهْلِ الأُصُولِ كَثُرَتْ فِيهِ عِباراتُ الأُصُولِيِّينَ مَعَ مُناقَشاتٍ مَعْرُوفَةٍ في تَعْرِيفاتِهِمْ لَهُ. واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ مِنهم تَعْرِيفَهُ بِأنَّهُ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلى مَعْلُومٍ، أيْ: إلْحاقُهُ بِهِ في حُكْمِهِ لِمُساواتِهِ لَهُ في عِلَّةِ الحُكْمِ. وهَذا التَّعْرِيفُ إنَّما يَشْمَلُ القِياسَ الصَّحِيحَ دُونَ الفاسِدِ. والتَّعْرِيفُ الشّامِلُ لِلْفاسِدِ هو أنْ تَزِيدَ عَلى تَعْرِيفِ الصَّحِيحِ لَفْظَةُ عِنْدَ الحامِلِ، فَتَقُولُ: هو إلْحاقٌ مَعْلُومٌ في حُكْمِهِ لِمُساواتِهِ لَهُ في عِلَّةِ الحُكْمِ عِنْدَ الحامِلِ، فَيَدْخُلُ الفاسِدُ في الحَدِّ مَعَ الصَّحِيحِ، كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ مُعَرِّفًا لِلْقِياسِ: ؎يُحْمَلُ مَعْلُومٌ عَلى ما قَدْ عُلِمْ ∗∗∗ لِلِاسْتِوا في عِلَّةِ الحُكْمِ وسَمْ ؎وَإنْ تُرِدْ شُمُولَهُ لِما فَسَدْ ∗∗∗ فَزِدْ لَدى الحامِلِ والزَّيْدُ أسَدْ وَمَعْلُومٌ أنَّ أرْكانَ القِياسِ المَذْكُورِ أرْبَعَةٌ: وهي الأصْلُ المَقِيسُ عَلَيْهِ، والفَرْعُ المَقِيسُ، والعِلَّةُ الجامِعَةُ بَيْنَهُما، وحُكْمُ الأصْلِ المَقِيسِ عَلَيْهِ. فَلَوْ قِسْنا النَّبِيذَ عَلى الخَمْرِ، فالأصْلُ: الخَمْرُ، والفَرْعُ: النَّبِيذُ، والعِلَّةُ: الإسْكارُ، (p-١٧٨)وَحُكْمُ الأصْلِ الَّذِي هو الخَمْرُ: التَّحْرِيمُ. وشُرُوطُ هَذِهِ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ والبَحْثُ فِيها مُسْتَوْفًى في أُصُولِ الفِقْهِ، فَلا نُطِيلُ بِهِ الكَلامَ هُنا. واعْلَمْ أنَّ القِياسَ المَذْكُورَ يَنْقَسِمُ بِالنَّظَرِ إلى الجامِعِ بَيْنَ الفَرْعِ والأصْلِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: الأوَّلُ: قِياسُ العِلَّةِ. والثّانِي: قِياسُ الدَّلالَةِ. والثّالِثُ: قِياسُ الشَّبَهِ. أمّا قِياسُ العِلَّةِ فَضابِطُهُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بَيْنَ الفَرْعِ والأصْلِ بِنَفْسِ عِلَّةِ الحُكْمِ، فالجَمْعُ بَيْنَ النَّبِيذِ والخَمْرِ بِنَفْسِ العِلَّةِ الَّتِي هي الإسْكارُ، والقَصْدُ مُطْلَقُ التَّمْثِيلِ؛ لِأنّا قَدْ قَدَّمْنا أنَّ قِياسَ النَّبِيذِ عَلى الخَمْرِ لا يَصِحُّ؛ لِوُجُودِ النَّصِّ عَلى أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وأنَّ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ " . والقِياسُ لا يَصِحُّ مَعَ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّ حُكْمَ الفَرْعِ المَذْكُورِ كَحُكْمِ الأصْلِ، إلّا أنَّ المِثالَ يَصِحُّ بِالتَّقْدِيرِ والفَرْضِ، ومُطْلَقِ الِاحْتِمالِ كَما تَقَدَّمَ. وكالجَمْعِ بَيْنَ البُرِّ والذُّرَةِ بِنَفْسِ العِلَّةِ الَّتِي هي الكَيْلُ مَثَلًا عِنْدَ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ، وإلى هَذا أشارَ في المَراقِي بِقَوْلِهِ: ؎وَما بِذاتِ عِلَّةٍ قَدْ جُمِعا ∗∗∗ فِيهِ فَقَيْسُ عِلَّةٍ قَدْ سُمِعا وَأمّا قِياسُ الدَّلالَةِ فَضابِطُهُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ فِيهِ بِدَلِيلِ العِلَّةِ لا بِنَفْسِ العِلَّةِ، كَأنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الفَرْعِ والأصْلِ بِمَلْزُومِ العِلَّةِ أوْ أثَرِها أوْ حُكْمِها. فَمِثالُ الجَمْعِ بِمَلْزُومِ العِلَّةِ أنْ يُقالَ: النَّبِيذُ حَرامٌ كالخَمْرِ بِجامِعِ الشِّدَّةِ المُطْرِبَةِ، وهي مَلْزُومٌ لِلْإسْكارِ، بِمَعْنى أنَّها يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الإسْكارِ. ومِثالُ الجَمْعِ بِأثَرِ العِلَّةِ أنْ يُقالَ: القَتْلُ بِالمُثْقَلِ يُوجِبُ القِصاصَ كالقَتْلِ بِمُحَدَّدٍ، بِجامِعِ الإثْمِ وهو أثَرُ العِلَّةِ وهي لِلْقَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ. ومِثالُ الجَمْعِ بِحُكْمِ العِلَّةِ أنْ يُقالَ: تُقْطَعُ الجَماعَةُ بِالواحِدِ كَما يُقْتَلُونَ بِهِ، بِجامِعِ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ حَيْثُ كانَ غَيْرَ عَمْدٍ، وهو حُكْمُ العِلَّةِ الَّتِي هي القِطَعُ مِنهم في الصُّورَةِ الأُولى، والقَتْلُ مِنهم في الثّانِيَةِ. وإلى تَعْرِيفِ قِياسِ الدَّلالَةِ المَذْكُورِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎جامِعُ ذِي الدَّلالَةِ الَّذِي لَزِمْ ∗∗∗ فَأثَّرَ فَحُكْمُها كَما رُسِمْ وَقَوْلُهُ: ”الَّذِي لَزِمَ“ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ يَعْنِي اللّازِمَ، وتَعْبِيرُهُ هُنا بِاللّازِمِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ غَلَطٌ مِنهُ ومِمَّنْ تَبِعَهُ هو؛ لِأنَّ وُجُودَ اللّازِمِ لا يَكُونُ دَلِيلًا عَلى وُجُودِ المَلْزُومِ بِإطْباقِ (p-١٧٩)العُقَلاءِ؛ لِاحْتِمالِ كَوْنِ اللّازِمِ أعَمَّ مِنَ المَلْزُومِ، ووُجُودُ الأعَمِّ لا يَقْتَضِي وُجُودَ الأخَصِّ كَما هو مَعْرُوفٌ. ولِذا أجْمَعَ النُّظّارُ عَلى أنَّ اسْتِثْناءَ عَيْنِ التّالِي في الشَّرْطِ المُتَّصِلِ لا يُنْتِجُ عَيْنَ المُقَدَّمِ؛ لِأنَّ وُجُودَ اللّازِمِ لا يَقْتَضِي وُجُودَ المَلْزُومِ، والصَّوابُ ما مَثَّلْنا بِهِ مِنَ الجَمْعِ بِمَلْزُومِ العِلَّةِ؛ لِأنَّ المَلْزُومَ هو الَّذِي يَقْتَضِي وُجُودُهُ وُجُودَ اللّازِمِ كَما هو مَعْرُوفٌ، فالشِّدَّةُ المُطْرِبَةُ والإسْكارُ مُتَلازِمانِ، ودَلالَةُ الشِّدَّةِ المُطْرِبَةِ عَلى الإسْكارِ إنَّما هي مِن حَيْثُ إنَّها مَلْزُومٌ لَهُ لا لازِمٌ، لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ وُجُودَ اللّازِمِ لا يَقْتَضِي وُجُودَ المَلْزُومِ، واقْتِضاؤُهُ لَهُ هُنا إنَّما هو لِلْمُلازَمَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما لازِمٌ لِلْآخَرِ ومَلْزُومٌ لَهُ لِلْمُلازِمَةِ بَيْنَهُما مِنَ الطَّرَفَيْنِ. وَأمّا قِياسُ الشَّبَهِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ عِباراتُ أهْلِ الأُصُولِ، فَعَرَفَ بَعْضُهُمُ الشَّبَهَ بِأنَّهُ مَنزِلَةٌ بَيْنَ المُناسِبِ والطَّرْدِ، وعَرَّفَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ المُناسِبُ بِالتَّبَعِ بِالذّاتِ. ومَعْنى هَذا كَمَعْنى تَعْرِيفِ مَن عَرَّفَهُ بِأنَّهُ المُسْتَلْزِمِ لِلْمُناسِبِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: عِباراتُ أهْلِ الأُصُولِ في الشَّبَهِ الَّذِي هو المَسْلَكُ السّادِسُ مِن مَسالِكِ العِلَّةِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ كُلُّها تَدُورُ حَوْلَ شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّ الوَصْفَ الجامِعَ في قِياسِ الشَّبَهِ يُشْبِهُ المُناسِبَ مِن وجْهِهِ، ويُشْبِهُ الوَصْفَ الطَّرْدِيَّ مِن جِهَةٍ أُخْرى. وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ أنَّ المُناسِبَ هو الوَصْفُ الَّذِي تَتَضَمَّنُ إناطَةُ الحُكْمِ بِهِ مَصْلَحَةً مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، والطَّرْدِيُّ هو ما لَيْسَ كَذَلِكَ، إمّا في جَمِيعِ الأحْكامِ وإمّا في بَعْضِها، ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ الأُصُولِ في أنَّ ما يُسَمّى بِغَلَبَةِ الأشْباهِ لا يَخْرُجُ عَنْ قِياسِ الشَّبَهِ؛ لِأنَّ بَعْضَهم يَقُولُ: إنَّهُ داخِلٌ فِيهِ، وهو الظّاهِرُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو بِعَيْنِهِ لا شَيْءٌ آخَرُ. وغَلَبَةُ الأشْياءِ هو إلْحاقُ فَرْعٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ أصْلَيْنِ بِأكْثَرِهِما شَبَهًا بِهِ، كالعَبْدِ فَإنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أصْلَيْنِ لِشَبَهِهِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَهو يُشْبِهُ المالَ لِكَوْنِهِ يُباعُ ويُشْتَرى ويُوهَبُ ويُورَثُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ المالِ، ويُشْبِهُ الحُرَّ مِن حَيْثُ إنَّهُ إنْسانٌ يَنْكِحُ ويُطَلِّقُ ويُثابُ ويُعاقَبُ، وتَلْزَمُهُ أوامِرُ الشَّرْعِ ونَواهِيهِ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إنَّ شَبَهَهُ بِالمالِ أكْثَرُ مِن شَبَهِهِ بِالحُرِّ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المالَ في الحُكْمِ والصِّفَةِ مَعًا أكْثَرَ مِمّا يُشْبِهُ الحُرَّ فِيهِما. فَمِن شَبَهِهِ بِالمالِ في الحُكْمِ: كَوْنُهُ يُباعُ ويُشْتَرى ويُورَثُ، ويُوهَبُ ويُعارُ، ويُدْفَعُ في الصَّداقِ والخُلْعِ، ويُرْهَنُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ. وَمِن شَبَهِهِ بِالمالِ في الصِّفَةِ: كَوْنُهُ تَتَفاوَتُ قِيمَتُهُ بِحَسَبِ تَفاوُتِ أوْصافِهِ جَوْدَةً (p-١٨٠)وَرَداءَةً كَسائِرِ الأمْوالِ. فَلَوْ قَتَلَ إنْسانٌ عَبْدًا لِآخَرَ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ نَظَرًا إلى أنَّ شَبَهَهُ بِالمالِ أغْلَبُ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: تَلْزَمُهُ دِيَتُهُ كالحُرِّ زَعْمًا مِنهُ أنَّ شَبَهَهُ بِالحُرِّ أغْلَبُ، فَإنْ قِيلَ: بِأيِّ طَرِيقٍ يَكُونُ هَذا النَّوْعُ الَّذِي هو غَلَبَةُ الأشْباهِ مِنَ الشَّبَهِ؛ لِأنَّكم قَرَّرْتُمْ أنَّهُ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ المُناسِبِ والطَّرْدِيِّ، فَما وجْهُ كَوْنِهِ مَرْتَبَةً بَيْنَ المُناسِبِ والطَّرْدِيِّ ؟ فالجَوابُ أنَّ إيضاحَ ذَلِكَ فِيهِ أنَّ أوْصافَهُ المُشابِهَةَ لِلْمالِ كَكَوْنِهِ يُباعُ ويُشْتَرى. . إلخ طَرْدِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى لُزُومِ الدِّيَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ كالمالِ لَيْسَ صالِحًا لِأنْ يُناطَ بِهِ لُزُومُ دِيَتِهِ إذا قُتِلَ، وكَذَلِكَ أوْصافُهُ المُشابِهَةُ لِلْحُرِّ كَكَوْنِهِ مُخاطَبًا يُثابُ ويُعاقَبُ إلخ. فَهي طَرْدِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى لُزُومِ القِيمَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ كالحُرِّ لَيْسَ صالِحًا لِأنْ يُناطَ بِهِ لُزُومُ القِيمَةِ، فَهو مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يُشْبِهُ الطَّرْدِيَّ كَما تَرى، أمّا تَرَتُّبُ القَيِّمَةِ عَلى أوْصافِهِ المُشابِهَةِ لِأوْصافِ المالِ فَهو مُناسِبٌ كَما تَرى، وكَذَلِكَ تَرَتُّبُ الدِّيَةِ عَلى أوْصافِهِ المُشابِهَةِ لِأوْصافِ الحُرِّ مُناسِبٌ، وبِهَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ يَتَّضِحُ كَوْنُهُ مَرْتَبَةً بَيْنَ المُناسِبِ والطَّرْدِيِّ. وَمِن أمْثِلَةِ أنْواعِ الشَّبَهِ غَيْرِ غَلَبَةِ الأشْباهِ: الشَّبَهُ الَّذِي الوَصْفُ الجامِعُ فِيهِ لا يُناسِبُ لِذاتِهِ، ولَكِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ المُناسِبَ لِذاتِهِ، وقَدْ شَهِدَ الشَّرْعُ بِتَأْثِيرِ جِنْسِهِ القَرِيبِ في جِنْسِ الحُكْمِ القَرِيبِ، كَقَوْلِكَ في الخَلِّ: مائِعٌ لا تُبْنى القَنْطَرَةُ عَلى جِنْسِهِ، فَلا يُرْفَعُ بِهِ الحَدَثُ ولا حُكْمُ الخَبَثِ - قِياسًا عَلى الدُّهْنِ. فَقَوْلُكَ: ”لا تُبْنى القَنْطَرَةُ عَلى جِنْسِهِ“ لَيْسَ مُناسِبًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ بِناءَ القَنْطَرَةِ عَلى المائِعِ في حَدِّ ذاتِهِ وصْفٌ طَرْدِيٌّ إلّا أنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُناسِبِ، لِأنَّ العادَةَ المُطَّرِدَةَ أنَّ القَنْطَرَةَ لا تُبْنى عَلى المائِعِ القَلِيلِ، بَلْ عَلى الكَثِيرِ كالأنْهارِ، والقِلَّةُ مُناسِبَةٌ لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ المُتَّصِفِ بِها مِنَ المائِعاتِ لِلطَّهارَةِ العامَّةِ، فَإنَّ الشَّرْعَ العامَّ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ أسْبابُهُ عامَّةَ الوُجُودِ، أمّا تَكْلِيفُ الجَمِيعِ بِما لا يَجِدُهُ إلّا البَعْضُ فَبَعِيدٌ مِنَ القَواعِدِ، فَصارَ قَوْلُكَ: ”لا تُبْنى القَنْطَرَةُ عَلى جِنْسِهِ“ لَيْسَ بِمُناسِبٍ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُناسِبِ. وقَدْ شَهِدَ الشَّرْعُ بِتَأْثِيرِ جِنْسِ القِلَّةِ، والتَّعَذُّرِ في عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّهارَةِ، بِدَلِيلِ أنَّ الماءَ إذا قَلَّ واشْتَدَّتْ إلَيْهِ الحاجَةُ فَإنَّهُ يَسْقُطُ الأمْرُ بِالطَّهارَةِ بِهِ ويَنْتَقِلُ إلى التَّيَمُّمِ. وَأمّا الشَّبَهُ الصُّورِيُّ فَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] وقَدْ قَدَّمْنا في أوَّلِ سُورَةِ ”بَراءَةَ“ كَلامَ ابْنِ العَرَبِيِّ الَّذِي قالَ فِيهِ: ألا تَرى إلى عُثْمانَ وأعْيانِ الصَّحابَةِ كَيْفَ لَجَئُوا إلى قِياسِ النِّسْبَةِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، ورَأوْا أنَّ قِصَّةَ ”بَراءَةَ“ شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ ”الأنْفالِ“ فَألْحَقُوها بِها، فَإذا كانَ القِياسُ (p-١٨١)يَدْخُلُ في تَأْلِيفِ القُرْآنِ، فَما ظَنُّكَ بِسائِرِ الأحْكامِ ؟ وإلى الشَّبَهِ المَذْكُورِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎والشَّبَهُ المُسْتَلْزِمُ المُناسَبا ∗∗∗ مِثْلُ الوُضُو يَسْتَلْزِمُ التَّقَرُّبا ؎مَعَ اعْتِبارِ جِنْسِهِ القَرِيبِ ∗∗∗ في مِثْلِهِ لِلْحُكْمِ لا الغَرِيبِ ؎صَلاحُهُ لَمْ يَدْرِ دُونَ الشَّرْعِ ∗∗∗ ولَمْ يُنَطْ مُناسِبٌ بِالسَّمْعِ ؎وَحَيْثُما أمْكَنَ قَيْسُ العِلَّةِ ∗∗∗ فَتَرْكُهُ بِالِاتِّفاقِ أثْبَتُ ؎إلّا فَفي قَبُولِهِ تَرَدُّدْ ∗∗∗ غَلَبَةُ الأشْباهِ هو الأجْوَدْ ؎فِي الحُكْمِ والصِّفَةِ ثُمَّ الحُكْمِ ∗∗∗ فَصِفَةٌ فَقَطْ لَدى ذِي العِلْمِ ؎وابْنُ عُلَيَّةَ يَرى لِلصُّورِي ∗∗∗ كالقَيْسِ لِلْخَيْلِ عَلى الحَمِيرِ واعْلَمْ أنَّ قِياسَ الطَّرْدِ يَصْدُقُ بِأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ الطَّرْدَ يُطْلَقُ إطْلاقَيْنِ: يُطْلَقُ عَلى الوَصْفِ الطَّرْدِيِّ الَّذِي لا يَصْلُحُ لِإناطَةِ حُكْمٍ بِهِ لِخُلُوِّهِ مِنَ الفائِدَةِ. كَما لَوْ ظَنَّ بَعْضُ القائِلِينَ بِنَقْضِ الوُضُوءِ بِلَحْمِ الجَزُورِ أنَّ عِلَّةَ النَّقْضِ بِهِ الحَرارَةُ، فَألْحَقَ بِهِ لَحْمَ الظَّبْيِ قائِلًا: إنَّهُ يَنْقُضُ الوُضُوءَ قِياسًا عَلى لَحْمِ الجَزُورِ بِجامِعِ الحَرارَةِ، فَهَذا القِياسُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ الجامِعَ فِيهِ طَرْدِيٌّ. ومِثْلُهُ كُلُّ ما كانَ الوَصْفُ الجامِعُ فِيهِ طَرْدِيًّا وهو أحَدُ الأمْرَيْنِ لِلَّذِينِ يُطْلَقُ عَلَيْهِما قِياسُ الطَّرْدِ. والأمْرُ الثّانِي: مِنهُما هو القِياسُ الَّذِي الوَصْفُ الجامِعُ فِيهِ مُسْتَنْبَطًا بِالمَسْلَكِ الثّامِنِ المَعْرُوفِ (بِالطَّرْدِ) وهو الدَّوْرِيُّ الوُجُودِيُّ، وإيضاحُهُ أنَّهُ مُقارَنَةُ الحُكْمِ لِلْوَصْفِ في جَمِيعِ صُوَرِهِ غَيْرَ الصُّورَةِ الَّتِي فِيها النِّزاعُ في الوُجُودِ فَقَطْ دُونَ العَدَمِ. والِاخْتِلافُ في إفادَتِهِ العِلَّةَ مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ. واعْلَمْ أنَّ القِياسَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مُوَضَّحٌ في فَنِّ أُصُولِ الفِقْهِ، والأدِلَّةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ المُعَيَّنَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ المُعَيَّنِ هي المَعْرُوفَةُ بِمَسالِكِ العِلَّةِ، وهي عَشْرَةٌ عِنْدَ مَن يَعُدُّ مِنها إلْغاءَ الفارِقِ، وتِسْعَةٌ عِنْدَ مَن لا يَعُدُّهُ مِنها، وهي: النَّصُّ، والإجْماعُ، والإيماءُ، والسَّبْرُ، والتَّقْسِيمُ، والمُناسَبَةُ، والشَّبَهُ، والدَّوَرانُ، والطَّرْدُ، وتَنْقِيحُ المَناطِ، وإلْغاءُ الفارِقِ. والتَّحْقِيقُ أنَّهُ نَوْعٌ مِن تَنْقِيحِ المَناطِ كَما قَدَّمْنا. وَقَدْ نَظَّمَها بَعْضُهم بِقَوْلِهِ: ؎مَسالِكُ عِلَّةٍ رَتِّبْ فَنَصٌّ ∗∗∗ فَإجْماعٌ فَإيماءٌ فَسَبْرُ ؎مُناسَبَةٌ كَذا مُشْبِهٌ فَيَتْلُو ∗∗∗ لَهُ الدَّوَرانُ طَرْدٌ يَسْتَمِرُّ ؎فَتَنْقِيحُ المَناطِ فَألْغِ فَرْقًا ∗∗∗ وتِلْكَ لِمَن أرادَ الحَصْرَ عَشْرُ (p-١٨٢)وَمَحَلُّ إيضاحِها فَنُّ أُصُولِ الفِقْهِ، وقَدْ أوْضَحْناها في غَيْرِ هَذا المَحَلِّ. وَأمّا القَوادِحُ في الدَّلِيلِ مِن قِياسٍ وغَيْرِهِ فَهي مَعْرُوفَةٌ في فَنِّ الأُصُولِ، وقَدْ نَظَّمَها بِاخْتِصارٍ الشَّيْخِ عُمَرُ الفاسِيُّ بِقَوْلِهِ: ؎القَدْحُ بِالنَّقْضِ وبِالكَسْرِ مَعًا ∗∗∗ تَخْلُفُ العَكْسَ وبِالقَلْبِ اسْمَعا ؎وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ بِالوَصْفِ وفي ∗∗∗ أصْلٍ وفَرْعٍ ثُمَّ حُكْمٍ فاقْتَفِي ؎والمَنعُ والفَرْقُ وبِالتَّقْسِيمِ ∗∗∗ وبِاخْتِلافِ الضّابِطِ المَعْلُومِ ؎وَفَقْدُ الِانْضِباطِ والظُّهُورِ ∗∗∗ والخَدْشُ في تَناسُبِ المَذْكُورِ ؎وَكَوْنُ ذاكَ الحُكْمِ لا يُفْضِي إلى ∗∗∗ مَقْصُودِ ذِي الشَّرْعِ العَزِيزِ فاقْبَلا ؎والخَدْشُ في الوَضْعِ والِاعْتِبارِ ∗∗∗ والقَوْلُ بِالمُوجَبِ ذُو اعْتِبارِ ؎وابْدَأْ بِاسْتِفْسارٍ في الإجْمالِ ∗∗∗ أوِ الغَرابَةِ بِلا إشْكالِ وَإنَّما لَمْ نُوَضِّحْ هُنا المَسالِكَ والقَوادِحَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الإطالَةِ المُمِلَّةِ، مَعَ أنَّ الجَمِيعَ مُوَضَّحٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، وقَدْ أوْضَحْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وقَصْدُنا هُنا التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ العَلّامَةَ ابْنَ القَيِّمِ تَعالى شَفى الغَلِيلَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَسائِلِ في كِتابِهِ إعْلامِ المُوَقِّعِينِ عَنْ رَبِّ العالَمِينَ، وسَنَذْكُرُ هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ جُمَلًا وافِيَةً مُفِيدَةً مِن كَلامِهِ في هَذا المَوْضُوعِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ. قالَ في كَلامِهِ عَلى قَوْلِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في رِسالَتِهِ المَشْهُورَةِ إلى أبِي مُوسى: (ثُمَّ الفَهْمَ الفَهْمَ فِيما أدْلى إلَيْكَ مِمّا ورَدَ عَلَيْكَ مِمّا لَيْسَ في قُرْآنٍ، ولا سُنَّةٍ، قايِسْ بَيْنَ الأُمُورِ عِنْدَ ذَلِكَ، واعْرِفِ الأمْثالَ، ثُمَّ اعْمَدْ فِيما تَرى إلى أحَبِّها إلى اللَّهِ، وأشْبَهِها بِالحَقِّ) ما نَصُّهُ: هَذا أحَدُ ما اعْتَمَدَ عَلَيْهِ القِياسِيُّونَ في الشَّرِيعَةِ، قالُوا: هَذا كِتابُ عُمَرَ إلى أبِي مُوسى ولَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، بَلْ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى القَوْلِ بِالقِياسِ وهو أحَدُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، ولا يَسْتَغْنِي عَنْهُ فَقِيهٌ. وقَدْ أرْشَدَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ إلَيْهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، فَقاسَ النَّشْأةَ الثّانِيَةَ عَلى النَّشْأةِ الأُولى في الإمْكانِ، وجَعَلَ النَّشْأةَ الأُولى أصْلًا والثّانِيَةَ فَرْعًا عَلَيْها، وقاسَ حَياةَ الأمْواتِ عَلى حَياةِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها بِالنَّباتِ، وقاسَ الخَلْقَ الجَدِيدَ الَّذِي أنْكَرَهُ أعْداؤُهُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وجَعَلَهُ مِن قِياسِ الأوْلى، كَما جَعَلَ قِياسَ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى مِن قِياسِ الأوْلى، وقاسَ الحَياةَ بَعْدَ المَوْتِ عَلى اليَقَظَةِ بَعْدَ النَّوْمِ، وضَرَبَ الأمْثالَ وصَرَّفَها في الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ، وكُلُّها أقْيِسَةٌ عَقْلِيَّةٌ يُنَبِّهُ بِها (p-١٨٣)عِبادَهُ عَلى أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، فَإنَّ الأمْثالَ كُلَّها قِياساتٌ يُعْلَمُ مِنها حُكْمُ المُمَثَّلِ مِنَ المُمَثَّلِ بِهِ. وقَدِ اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلى بِضْعَةٍ وأرْبَعِينَ مَثَلًا تَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِنَظِيرِهِ، والتَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما في الحُكْمِ، وقالَ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] بِالقِياسِ في ضَرْبِ الأمْثالِ مِن خاصَّةِ العَقْلِ، وقَدْ رَكَّزَ اللَّهُ في فِطَرِ النّاسِ وعُقُولِهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ وإنْكارَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُما، والفَرْقَ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ وإنْكارَ الجَمْعِ بَيْنَهُما، قالُوا: ومَدارُ الِاسْتِدْلالِ جَمْعِيَّةٌ عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ والفَرْقِ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ، فَإنَّهُ إمّا اسْتِدْلالٌ بِمُعَيَّنٍ عَلى مُعَيَّنٍ، أوْ بِمُعَيَّنٍ عَلى عامٍّ، أوْ بِعامٍّ عَلى مُعَيَّنٍّ، أوْ بِعامٍّ عَلى عامٍّ، فَهَذِهِ الأرْبَعَةُ هي مَجامِعُ ضُرُوبِ الِاسْتِدْلالِ. فالِاسْتِدْلالُ بِالمُعَيَّنِ عَلى المُعَيَّنِ هو الِاسْتِدْلالُ بِالمَلْزُومِ عَلى لازِمِهِ بِكُلِّ مَلْزُومٍ دَلِيلٌ عَلى لازِمِهِ، فَإنْ كانَ التَّلازُمُ مِنَ الجانِبَيْنِ كانَ كُلٌّ مِنهُما دَلِيلًا عَلى الآخَرِ ومَدْلُولًا لَهُ. وهَذا النَّوْعُ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: أحَدُها: الِاسْتِدْلالُ بِالمُؤَثِّرِ عَلى الأثَرِ، والثّانِي: الِاسْتِدْلالُ بِالأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ. والثّالِثُ: الِاسْتِدْلالُ بِأحَدِ الأثَرَيْنِ عَلى الآخَرِ. فالأوَّلُ كالِاسْتِدْلالِ بِالنّارِ عَلى الحَرِيقِ. والثّانِي: كالِاسْتِدْلالِ بِالحَرِيقِ عَلى النّارِ. والثّالِثُ: كالِاسْتِدْلالِ بِالحَرِيقِ عَلى الدُّخانِ. ومَدارُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى التَّلازُمِ، والتَّسْوِيَةُ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ هو الِاسْتِدْلالُ بِثُبُوتِ أحَدِ الأثَرَيْنِ عَلى الآخَرِ، وقِياسُ الفَرْقِ هو اسْتِدْلالٌ بِانْتِفاءِ أحَدِ الأثَرَيْنِ عَلى انْتِفاءِ الآخَرِ، أوْ بِانْتِفاءِ اللّازِمِ عَلى انْتِفاءِ مَلْزُومِهِ، فَلَوْ جازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ لانْسَدَّتْ طَرِيقُ الِاسْتِدْلالِ، وغُلِّقَتْ أبْوابُهُ. قالُوا: وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالمُعَيَّنِ عَلى العامِّ فَلا يَتِمُّ إلّا بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ، إذْ لَوْ جازَ الفَرْقُ لَما كانَ هَذا المَعَيَّنُ دَلِيلًا عَلى الأمْرِ العامِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الأفْرادِ. ومِن هَذا أدِلَّةُ القُرْآنِ بِتَعْذِيبِ المُعَيَّنِينَ الَّذِينَ عَذَّبَهم عَلى تَكْذِيبِ رُسُلِهِ وعِصْيانِ أمْرِهِ، عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ شامِلٌ عَلى مَن سَلَكَ سَبِيلَهم، واتَّصَفَ بِصِفَتِهِمْ، وهو سُبْحانُهُ قَدْ نَبَّهَ عِبادَهُ عَلى نَفْسِ هَذا الِاسْتِدْلالِ، وتَعْدِيَةِ هَذا الخُصُوصِ إلى العُمُومِ، كَما قالَ تَعالى عَقِبَ إخْبارِهِ عَنْ عُقُوباتِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِرُسُلِهِمْ وما حَلَّ بِهِمْ: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] فَهَذا مَحْضُ تَعْدِيَةِ الحُكْمِ إلى مَن عَدا المَذْكُورِينَ بِعُمُومِ العِلَّةِ، وإلّا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ الشَّيْءِ حُكْمَ مِثْلِهِ لَما لَزِمَتِ التَّعْدِيَةُ ولا تَمَّتِ الحُجَّةُ. ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى عُقَيْبَ إخْبارِهِ عَنْ عُقُوبَةِ قَوْمِ هُودٍ حِينَ رَأوُا العارِضَ في السَّماءِ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فَقالَ تَعالى: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ (p-١٨٤)تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهم كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَتَأمَّلْ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ تَجِدُ المَعْنى أنَّ حُكْمَكم كَحُكْمِهِمْ، وأنّا إذا كُنّا قَدْ أهْلَكْناهم بِمَعْصِيَةِ رَسُولِنا ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهم ما مُكِّنُوا فِيهِ مِن أسْبابِ العَيْشِ فَأنْتُمْ كَذَلِكَ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ، وأنَّ هَذا مَحْضُ عَدْلِ اللَّهِ بَيْنَ عِبادِهِ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] فَأخْبَرَ أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ. وكَذَلِكَ كَلُّ مَوْضِعٍ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيهِ بِالمَسِيرِ في الأرْضِ سَواءٌ كانَ السَّيْرَ الحِسِّيَّ عَلى الأقْدامِ والدَّوابِّ، أوِ السَّيْرَ المَعْنَوِيَّ بِالتَّفْكِيرِ والِاعْتِبارِ، أوْ كانَ اللَّفْظُ يَعُمُّهُما، وهو الصَّوابُ؛ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى الِاعْتِبارِ والحَذَرِ أنْ يَحِلَّ بِالمُخاطَبِينَ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ؛ ولِهَذا أمَرَ سُبْحانَهُ أُولِي الأبْصارِ بِالِاعْتِبارِ بِما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ، ولَوْلا أنَّ حُكْمَ النَّظِيرِ حُكْمُ نَظِيرِهِ حَتّى تَعْبُرَ العُقُولُ مِنهُ إلَيْهِ لَما حَصَلَ الِاعْتِبارُ، وقَدْ نَفى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ في الحُكْمِ، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦] وأخْبَرَ أنَّ هَذا حُكْمٌ باطِلٌ في الفِطَرِ والعُقُولِ، لا تَلِيقُ نِسْبَتُهُ إلى سُبْحانَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] وقالَ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] أفَلا تَراهُ كَيْفَ ذَكَرَ العُقُولَ، ونَبَّهَ الفِطَرَ بِما أوْدَعَ فِيها مِن إعْطاءِ النَّظِيرِ حُكْمَ نَظِيرِهِ، وعَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الشَّيْءِ ومُخالِفِهِ في الحُكْمِ. وكُلُّ هَذا مِنَ المِيزانِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ مَعَ كِتابِهِ، وجَعَلَهُ قَرِينَهُ ووَزِيرَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ [الشورى: ١٧] وقالَ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] فَهَذا الكِتابُ، ثُمَّ قالَ: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] والمِيزانُ يُرادُ بِهِ العَدْلُ، والآلَةُ الَّتِي يُعْرَفُ بِها العَدْلُ وما يُضادُّهُ. والقِياسُ الصَّحِيحُ هو المِيزانُ، فالأوْلى تَسْمِيَتُهُ بِالِاسْمِ الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ بِهِ؛ فَإنَّهُ (p-١٨٥)يَدُلُّ عَلى العَدْلِ، وهو اسْمُ مَدْحٍ واجِبٍ عَلى كُلِّ واحِدٍ في كُلِّ حالٍ بِحَسَبِ الإمْكانِ، بِخِلافِ اسْمِ القِياسِ، فَإنَّهُ يَنْقَسِمُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ، ومَمْدُوحٍ ومَذْمُومٍ؛ ولِهَذا لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ مَدْحُهُ ولا ذَمُّهُ، ولا الأمْرُ بِهِ، ولا النَّهْيُ عَنْهُ، فَإنَّهُ مَوْرِدُ تَقْسِيمٍ إلى صَحِيحٍ وفاسِدٍ، فالصَّحِيحُ هو المِيزانُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ مَعَ كِتابِهِ، والفاسِدُ ما يُضادُّهُ كَقِياسِ الَّذِينَ قاسُوا البَيْعَ عَلى الرِّبا بِجامِعِ ما يَشْتَرِكانِ فِيهِ مِنَ التَّراضِي بِالمُعاوَضَةِ المالِيَّةِ، وقاسَ الَّذِينَ قاسُوا المَيْتَةَ عَلى المُذَكّى في جَوازِ أكْلِها بِجامِعِ ما يَشْتَرِكانِ فِيهِ مِن إزْهاقِ الرُّوحِ - هَذا بِسَبَبٍ مِنَ الآدَمِيِّينَ وهَذا بِفِعْلِ اللَّهِ - ولِهَذا تَجِدُ في كَلامِ السَّلَفِ ذَمَّ القِياسِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ، وتَجِدُ في كَلامِهِمُ اسْتِعْمالَهُ، والِاسْتِدْلالَ بِهِ، وهَذا حَقٌّ وهَذا حَقٌّ، كَما سَنُبَيِّنُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. * * والأقْيِسَةُ المُسْتَعْمَلَةُ في الِاسْتِدْلالِ ثَلاثَةٌ: قِياسُ عِلَّةٍ، وقِياسُ دَلالَةٍ، وقِياسُ شَبَهٍ، وقَدْ ورَدَتْ كُلُّها في القُرْآنِ. فَأمّا قِياسُ العِلَّةِ فَقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مَواضِعَ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ عِيسى نَظِيرُ آدَمَ في التَّكْوِينِ، بِجامِعِ ما يَشْتَرِكانِ فِيهِ مِنَ المَعْنى الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ وُجُودُ سائِرِ المَخْلُوقاتِ، وهو مَجِيئُها طَوْعًا لِمَشِيئَتِهِ وتَكْوِينِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَنْكِرُ وُجُودَ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ مَن يُقِرُّ بِوُجُودِ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ ووُجُودِ حَوّاءَ مِن غَيْرِ أمٍّ، فَآدَمُ وعِيسى نَظِيرانِ يَجْمَعُهُما الَّذِي يَصِحُّ تَعْلِيقُ الإيجادِ والخَلْقِ بِهِ. وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] أيْ: قَدْ كانَ مِن قَبْلِكم أُمَمٌ أمْثالُكم، فانْظُرُوا إلى عَواقِبِهِمُ السَّيِّئَةِ، واعْلَمُوا أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ ما كانَ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، وهُمُ الأصْلُ وأنْتُمُ الفَرْعُ، والعِلَّةُ الجامِعَةُ: التَّكْذِيبُ، والحُكْمُ: الهَلاكُ. وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] فَذَكَرَ سُبْحانَهُ إهْلاكَ مَن قَبْلَنا مِنَ القُرُونِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِمَعْنى القِياسِ وهو ذُنُوبُهم، فَهُمُ الأصْلُ ونَحْنُ الفَرْعُ، والذُّنُوبُ العِلَّةُ الجامِعَةُ، والحُكْمُ: الهَلاكُ. فَهَذا مَحْضُ قِياسِ العِلَّةِ، وقَدْ أكَّدَهُ سُبْحانَهُ بِضَرْبٍ مِنَ الأوْلى، (p-١٨٦)وَهُوَ أنَّ مَن قَبْلَنا كانُوا أقْوى مِنّا فَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهم قُوَّتُهم وشِدَّتُهم ما حَلَّ بِهِمْ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [ ٩ ] وقَدِ اخْتُلِفَ في مَحَلِّ هَذا الكافِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَقِيلَ: هو رَفْعُ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أنْتُمْ كالَّذِينِ مِن قَبْلِكم. وقِيلَ: نُصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم. والتَّشْبِيهُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في أعْمالِ الَّذِينَ مِن قَبْلُ، وقِيلَ: التَّشْبِيهُ في العَذابِ. ثُمَّ قِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَعَنَهم وعَذَّبَهم كَما لَعَنَ [ الَّذِينَ ] مِن قَبْلِهِمْ. وقِيلَ بَلِ العامِلُ ما تَقَدَّمَ، أيْ: وعْدُ اللَّهِ المُنافِقِينَ كَوَعْدِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، ولَعْنُهم كَلَعْنِهِمْ، ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ كالعَذابِ الَّذِي لَهم. والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ألْحَقَهم بِهِمْ في الوَعِيدِ، وسَوّى بَيْنَهم فِيهِ كَما تَساوَوْا في الأعْمالِ، وكَوْنُهم كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فَرْقٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، فَعَلَّقَ الحُكْمَ بِالوَصْفِ الجامِعِ المُؤَثِّرِ، وألْغى الوَصْفَ الفارِقَ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ مُشارَكَتَهم في الأعْمالِ اقْتَضَتْ مُشارَكَتَهم في الجَزاءِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [ ٩ ] فَهَذِهِ هي العِلَّةُ المُؤَثِّرَةُ والوَصْفُ الجامِعُ، وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ هو الحُكْمُ، والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ الأصْلُ، والمُخاطَبُونَ الفَرْعُ. قالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في تَفْسِيرِهِ: أنا مَعْمَرٌ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ بِدِينِهِمْ، ويُرْوى عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ في الدُّنْيا. وقالَ آخَرُونَ: بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا. وحَقِيقَةُ الأمْرِ أنَّ الخَلاقَ هو النَّصِيبُ والحَظُّ، كَأنَّهُ الَّذِي خُلِقَ لِلْإنْسانِ وقُدِّرَ لَهُ، كَما يُقالُ: قَسَمُهُ الَّذِي قُسِمَ لَهُ، ونَصِيبُهُ الَّذِي نُصِبَ لَهُ أيْ: أُثْبِتَ، وقِطُّهُ الَّذِي قُطَّ لَهُ أيْ: قُطِعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّما يَلْبَسُ الحَرِيرَ في الدُّنْيا مَن لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ» . والآيَةُ تَتَناوَلُ ما ذِكْرَهُ السَّلَفَ كُلَّهُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ [ ٩ ] فَبِتِلْكَ القُوَّةِ الَّتِي كانَتْ فِيهِمْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَعْمَلُوا لِلدُّنْيا والآخِرَةِ، وكَذَلِكَ الأمْوالُ، والأوْلادُ، وتِلْكَ القُوَّةُ، (p-١٨٧)والأمْوالُ والأوْلادُ هي الخَلاقُ، فاسْتَمْتَعُوا بِقُوَّتِهِمْ وأمْوالِهِمْ في الدُّنْيا، ونَفْسُ الأعْمالِ الَّتِي عَمِلُوها بِهَذِهِ القُوَّةِ مِنَ الخَلاقِ الَّذِي اسْتَمْتَعُوا بِهِ. وَلَوْ أرادُوا بِذَلِكَ اللَّهَ والدّارَ الآخِرَةَ لَكانَ لَهم خَلاقٌ في الآخِرَةِ، فَتَمَتُّعُهم بِها أخْذُ حُظُوظِهِمُ العاجِلَةِ، وهَذا حالُ مَن لَمْ يَعْمَلْ إلّا لِدُنْياهُ سَواءٌ كانَ عَمَلُهُ مِن جِنْسِ العِباداتِ أوْ غَيْرِها. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ الفُرُوعِ، فَقالَ: ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ حُكْمَهم حُكْمُهم، وأنَّهم يَنالُهم ما يَنالُهم؛ لِأنَّ حُكْمَ النَّظِيرِ حُكْمُ نَظِيرِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ . فَقِيلَ ”الَّذِي“ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: كالمَخُوضِ الَّذِي خاضُوا، وقِيلَ: لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ. أيْ: كَخَوْضِ القَوْمِ الَّذِي خاضُوا وهو فاعِلُ الخَوْضِ. وَقِيلَ: ”الَّذِي“ مَصْدَرِيَّةٌ كَـ ”ما“ أيْ: كَخَوْضِهِمْ. وقِيلَ: هي مَوْضِعُ ”الَّذِينَ“ . والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ وبَيْنَ الخَوْضِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ فَسادَ الدِّينِ إمّا أنْ يَقَعَ بِالِاعْتِقادِ بِالباطِلِ والتَّكَلُّمِ بِهِ وهو الخَوْضُ، أوْ يَقَعُ بِالعَمَلِ بِخِلافِ الحَقِّ، والصَّوابُ وهو الِاسْتِمْتاعُ بِالخَلاقِ. فالأوَّلُ البِدَعُ. والثّانِي اتِّباعُ الهَوى، وهَذانِ هُما أصْلُ كُلِّ شَرٍّ وفِتْنَةٍ وبَلاءٍ، وبِهِما كُذِّبَتِ الرُّسُلُ وعُصِيَ الرَّبُّ، ودُخِلَتِ النّارُ وحَلَّتِ العُقُوباتُ. فالأوَّلُ مِن جِهَةِ الشُّبَهاتِ، والثّانِي مِن جِهَةِ الشَّهَواتِ؛ ولِهَذا كانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ: احْذَرُوا مِنَ النّاسِ صِنْفَيْنِ: صاحِبَ هَوًى فَتَنَهُ هَواهُ، وصاحِبَ دُنْيا أعْجَبَتْهُ دُنْياهُ. وكانُوا يَقُولُونَ: احْذَرُوا فِتْنَةَ العالِمِ الفاجِرِ، والعابِدِ الجاهِلِ؛ فَإنَّ فِتْنَتَهُما فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ، فَهَذا يُشْبِهُ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الحَقَّ ويَعْمَلُونَ بِخِلافِهِ، وهَذا يُشْبِهُ الضّالِّينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَفِي صِفَةِ الإمامِ أحْمَدَ عَنِ الدُّنْيا ما كانَ أصْبَرَهُ، وبِالماضِينَ ما كانَ أشْبَهَهُ أتَتْهُ البِدَعُ فَنَفاها، والدُّنْيا فَأباها. وهَذِهِ حالُ أئِمَّةِ المُتَّقِينَ، الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فَبِالصَّبْرِ تُتْرَكُ الشَّهَواتُ، وبِاليَقِينِ تُدْفَعُ الشُّبَهاتُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ [ص: ٤٥] . (p-١٨٨)وَفِي بَعْضِ المَراسِيلِ: " إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ البَصَرَ النّافِذَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبَهاتِ، ويُحِبُّ العَقْلَ الكامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَواتِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ، وهو داءُ العُصاةِ. وقَوْلِهِ: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ إشارَةٌ إلى الشُّبَهاتِ، وهو داءُ المُبْتَدِعَةِ وأهْلِ الأهْواءِ والخُصُوماتِ، وكَثِيرًا ما يَجْتَمِعانِ، فَقَلَّ مَن تَجِدُهُ فاسِدَ الِاعْتِقادِ إلّا وفَسادُ اعْتِقادِهِ يَظْهَرُ في عَمَلِهِ. والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ أنَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ مَن يَسْتَمْتِعُ بِخَلاقِهِ كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ بِخَلاقِهِمْ، ويَخُوضُ كَخَوْضِهِمْ، وأنَّ لَهم مِنَ الذَّمِّ والوَعِيدِ كَما لِلَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ، ثُمَّ حَضَّهم عَلى القِياسِ والِاعْتِبارِ بِمَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠] فَتَأمَّلْ صِحَّةَ هَذا القِياسِ وإفادَتَهُ لِما عُلِّقَ عَلَيْهِ مِنَ الحُكْمِ، وأنَّ الأصْلَ والفَرْعَ قَدْ تَساوَيا في المَعْنى الَّذِي عُلِّقَ بِهِ العِقابُ، وأكَّدَهُ كَما تَقَدَّمَ بِضَرْبٍ مِنَ الأوْلى وهو شِدَّةُ القُوَّةِ وكَثْرَةُ الأمْوالِ والأوْلادِ، فَإذا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلى اللَّهِ عِقابُ الأقْوى مِنهم بِذَنْبِهِ فَكَيْفَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ عِقابُ مَن هو دُونَهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣] فَهَذا قِياسٌ جَلِيٌّ، يَقُولُ سُبْحانَهُ: إنْ شِئْتُ أذْهَبْتُكم واسْتَخْلَفْتُ غَيْرَكم، كَما أذْهَبْتُ مَن قَبْلَكم واسْتَخْلَفْتُكم، بِذِكْرِ أرْكانِ القِياسِ الأرْبَعَةِ: عِلَّةُ الحُكْمِ وهي عُمُومُ مَشِيئَتِهِ وكَمالِها، والحُكْمُ وهو إذْهابُهُ إيّاهم وإتْيانُهُ بِغَيْرِهِمْ، والأصْلُ وهو ما كانَ مِن قَبْلُ، والفَرْعُ وهُمُ المُخاطَبُونَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] فَأخْبَرَ أنَّ مَن قَبْلُ المُكَذِّبِينَ أصْلٌ يُعْتَبَرُ بِهِ، والفَرْعُ نُفُوسُهم، فَإذا ساوَوْهم في المَعْنى ساوَوْهم في العاقِبَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أرْسَلَ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ عَصى رَسُولَهُ فَأخَذَهُ أخْذًا وبِيلًا. فَهَكَذا مَن عَصى مِنكم مُحَمَّدًا ﷺ وهَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ جِدًّا فَقَدْ فُتِحَ لَكَ بابُهُ. * * فَصْلٌ وَأمّا قِياسُ الدَّلالَةِ فَهو الجَمْعُ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ، بِدَلِيلِ العِلَّةِ ومَلْزُومِها. ومِنهُ (p-١٨٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] فَدَلَّ سُبْحانَهُ عِبادَهُ بِما أراهم مِنَ الإحْياءِ الَّذِي تَحَقَّقُوهُ وشاهَدُوهُ، عَلى الإحْياءِ الَّذِي اسْتَبْعَدُوهُ، وذَلِكَ قِياسُ إحْياءٍ عَلى إحْياءٍ، واعْتِبارُ الشَّيْءِ فَنَظِيرُهُ، والعِلَّةُ المُوجِبَةُ هي عُمُومُ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وكَمالُ حِكْمَتِهِ، وإحْياءُ الأرْضِ دَلِيلُ العِلَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] . فَدَلَّ بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ، وقَرَّبَ أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ جِدًّا بِلَفْظِ الإخْراجِ، أيْ: يُخْرَجُونَ مِنَ الأرْضِ أحْياءً كَما يَخْرُجُ الحَيُّ مِنَ المَيِّتِ ويَخْرُجُ المَيِّتُ مِنَ الحَيِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠] فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ كَيْفِيَّةَ الخَلْقِ واخْتِلافَ أحْوالِ الماءِ في الرَّحِمِ إلى أنْ صارَ مِنهُ الزَّوْجانِ: الذَّكَرَ والأُنْثى، وذَلِكَ أمارَةُ وُجُودِ صانِعٍ قادِرٍ عَلى ما يَشاءُ، ونَبَّهَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ بِما أحْدَثَهُ في النُّطْفَةِ المَهِينَةِ الحَقِيرَةِ مِنَ الأطْوارِ، وسَوْقِها في مَراتِبِ الكَمالِ، مِن مَرْتَبَةٍ إلى مَرْتَبَةٍ أعْلى مِنها، حَتّى صارَتْ بَشَرًا سَوِيًّا في أحْسَنِ خِلْقَةٍ وتَقْوِيمٍ، عَلى أنَّهُ لا يَحْسُنُ بِهِ أنْ يَتْرُكَ هَذا البَشَرَ سُدًى مُهْمَلًا مُعَطَّلًا. لا يَأْمُرُهُ، ولا يَنْهاهُ، ولا يُقِيمُهُ في عُبُودِيَّتِهِ، وقَدْ ساقَهُ في مَراتِبِ الكَمالِ مِن حِينِ كانَ نُطْفَةً إلى أنْ صارَ بَشَرًا سَوِيًّا، فَكَذَلِكَ يَسُوقُهُ في مَراتِبِ كَمالِهِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ، وحالًا بَعْدَ حالٍ، إلى أنْ يَصِيرَ جارَهُ في دارِهِ يَتَمَتَّعُ بِأنْواعِ النَّعِيمِ، ويَنْظُرُ إلى وجْهِهِ، ويَسْمَعُ كَلامَهُ. . . إلى آخِرِ كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ، فَإنَّهُ أطالَ في ذِكْرِ الأمْثِلَةِ عَلى النَّحْوِ المَذْكُورِ، ولَمْ نَذْكُرْ جَمِيعَ كَلامِهِ خَوْفًا مِنَ الإطالَةِ المُمِلَّةِ، وفِيما ذَكَرْنا مِن كَلامِهِ تَنْبِيهٌ عَلى ما لَمْ نَذْكُرْهُ، وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى قِياسِ الشَّبَهِ، فَقالَ فِيهِ: وَأمّا قِياسُ الشَّبَهِ فَلَمْ يَحْكِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلّا عَنِ المُبْطِلِينَ. فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى إخْبارًا عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ أنَّهم قالُوا لَمّا وجَدُوا الصُّواعَ في رَحْلِ أخِيهِمْ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] فَلَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الفَرْعِ والأصْلِ بِعِلَّةٍ ولا دَلِيلِها، وإنَّما ألْحَقُوا أحَدَهُما بِالآخَرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ جامِعٍ سِوى مُجَرَّدِ الشَّبَهِ الجامِعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَقالُوا هَذا مَقِيسٌ عَلى أخِيهِ بَيْنَهُما شَبَهٌ مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ، وذَلِكَ قَدْ سَرَقَ فَكَذَلِكَ هَذا، وهَذا هو الجَمْعُ بِالشَّبَهِ الفارِغِ، والقِياسُ بِالصُّورَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّساوِي، وهو قِياسٌ فاسِدٌ، والتَّساوِي في قَرابَةِ الأُخُوَّةِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلتَّساوِي في السَّرِقَةِ لَوْ كانَ حَقًّا، ولا دَلِيلَ عَلى (p-١٩٠)التَّساوِي فِيها، فَيَكُونُ الجَمْعُ لِنَوْعٍ شَبَهٍ خالٍ مِنَ العِلَّةِ ودَلِيلِها. ثُمَّ ذَكَرَ لِقِياسِ الشَّبَهِ الفاسِدِ أمْثِلَةً أُخْرى في الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ بِقِياسِ الشَّبَهِ حَيْثُ شَبَّهُوهم بِالبَشَرِ، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ الشَّبَهَ مانِعٌ مِن رِسالَتِهِمْ. كَقَوْلِهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٣٣] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فالمُشابَهَةُ بَيْنَ الرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ في كَوْنِ الجَمِيعِ بَشَرًا لا تَقْتَضِي المُساواةَ بَيْنَهم في انْتِقاءِ الرِّسالَةِ عَنْهم جَمِيعًا، ولَمّا قالُوا لِلرُّسُلِ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] أجابُوهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] وقِياسُ الكُفّارِ الرُّسُلَ عَلى سائِرِ البَشَرِ في عَدَمِ الرِّسالَةِ قِياسٌ ظاهِرُ البُطْلانِ؛ لِأنَّ الواقِعَ مِنَ التَّخْصِيصِ والتَّفْضِيلِ، وجَعْلِ بَعْضِ البَشَرِ شَرِيفًا وبَعْضِهِ دَنِيًّا، وبَعْضِهِ مَرْءُوسًا وبَعْضِهِ رَئِيسًا، وبَعْضِهِ مَلِكًا وبَعْضِهِ سُوقًا - يُبْطِلُ هَذا القِياسَ. كَما أشارَ إلَيْهِ جَوابُ الرُّسُلِ المَذْكُورُ آنِفًا، يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [ ٤٣ ] وهَذِهِ الأمْثِلَةُ مِن قِياسِ الشَّبَهِ لَيْسَ فِيها وصْفٌ مُناسِبٌ بِالذّاتِ ولا بِالتَّبَعِ. فَلِذَلِكَ كانَتْ باطِلَةً. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ القَيِّمِ أنَّ جَمِيعَ الأمْثالِ في القُرْآنِ كُلُّها قِياساتُ شَبَهٍ صَحِيحَةٌ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ المِثْلِ تَشْبِيهُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ في حُكْمِهِ، وتَقْرِيبُ المَعْقُولِ مِنَ المَحْسُوسِ أوْ أحَدِ المَحْسُوسِينَ مِنَ الآخَرِ واعْتِبارُ أحَدِهِما بِالآخَرِ. ثُمَّ سَرَدَ الأمْثالَ القُرْآنِيَّةَ ذَلِكَ فِيها واحِدًا واحِدًا، وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ فَأجادَ وأفادَ. وَقالَ في آخِرِ كَلامِهِ: قالُوا فَهَذا بَعْضُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ التَّمْثِيلِ، والقِياسِ، والجَمْعِ، والفَرْقِ، واعْتِبارِ العِلَلِ، والمَعانِي وارْتِباطِها بِأحْكامِها تَأْثِيرًا واسْتِدْلالًا. قالُوا: وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأمْثالَ، وصَرَّفَها قَدَرًا وشَرْعًا، ويَقَظَةً ومَنامًا، ودَلَّ عِبادَهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِذَلِكَ، وعُبُورُهم مِنَ الشَّيْءِ إلى نَظِيرِهِ، واسْتِدْلالُهم بِالنَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ. بَلْ هَذا أصْلُ عِبارَةِ الرُّؤْيا الَّتِي هي جُزْءٌ مِن أجْزاءِ النُّبُوَّةِ، ونَوْعٌ مِن أنْواعِ الوَحْيِ، فَإنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى القِياسِ، والتَّمْثِيلِ، واعْتِبارِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. ألا تَرى أنَّ الثِّيابَ في التَّأْوِيلِ كالقُمُصِ تَدُلُّ عَلى الدِّينِ فَما كانَ فِيها مِن طُولٍ أوْ (p-١٩١)قِصَرٍ، أوْ نَظافَةٍ أوْ دَنَسٍ فَهو في الدِّينِ. كَما أوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ القَمِيصَ بِالدِّينِ والعِلْمِ، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُما أنَّ كُلًّا مِنهُما يَسْتُرُ صاحِبَهُ ويُجَمِّلُهُ بَيْنَ النّاسِ. وَمِن هَذا تَأْوِيلُ اللَّبَنِ بِالفِطْرَةِ؛ لِما في كُلٍّ مِنهُما مِنَ التَّغْذِيَةِ المُوجِبَةِ لِلْحَياةِ وكَمالِ النَّشْأةِ، وأنَّ الطِّفْلَ إذا خُلِّيَ وفِطْرَتَهُ لَمْ يَعْدِلْ عَنِ اللَّبَنِ. فَهو مَفْطُورٌ عَلى إيثارِهِ عَلى ما سِواهُ، وكَذَلِكَ فِطْرَةُ الإسْلامِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْها النّاسَ. وَمِن هَذا تَأْوِيلُ البَقَرِ بِأهْلِ الدِّينِ والخَيْرِ الَّذِينَ بِهِمْ عِمارَةُ الأرْضِ، كَما أنَّ البَقَرَ كَذَلِكَ مَعَ عَدَمِ شَرِّها وكَثْرَةِ خَيْرِها، وحاجَةِ الأرْضِ وأهْلِها إلَيْها؛ ولِهَذا لَمّا رَأى النَّبِيُّ ﷺ بَقَرًا تُنْحَرُ كانَ ذَلِكَ نَحْرًا في أصْحابِهِ. وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ الزَّرْعِ والحَرْثِ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ العامِلَ زارِعٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، ولا بُدَّ أنْ يَخْرُجَ لَهُ ما بَذَرَهُ كَما يَخْرُجُ لِلْباذِرِ زَرْعُ ما بَذَرَهُ، فالدُّنْيا مَزْرَعَةٌ، والأعْمالُ البَذْرُ، ويَوْمُ القِيامَةِ يَوْمُ طُلُوعِ الزَّرْعِ وحَصادِهِ. وَمِن ذَلِكَ تَأْوِيلُ الخَشَبِ المَقْطُوعِ المُتَسانِدِ بِالمُنافِقِينَ، والجامِعُ بَيْنَهُما أنَّ المُنافِقَ لا رُوحَ فِيهِ، ولا ظِلَّ، ولا ثَمَرَ، فَهو بِمَنزِلَةِ الخَشَبِ الَّذِي هو كَذَلِكَ؛ ولِهَذا شَبَّهَ تَعالى المُنافِقِينَ بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ؛ لِأنَّهم أجْسامٌ خالِيَةٌ عَنِ الإيمانِ والخَيْرِ، وفي كَوْنِها مُسَنَّدَةً نُكْتَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الخَشَبَ إذا انْتُفِعَ بِهِ جُعِلَ في سَقْفٍ أوْ جِدارٍ أوْ غَيْرِهِما مِن مَظانِّ الِانْتِفاعِ، وما دامَ مَتْرُوكًا فارِغًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ جُعِلَ مُسَنَّدًا بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، فَشَبَّهَ المُنافِقِينَ بِالخُشُبِ في الحالَةِ الَّتِي لا يُنْتَفَعُ فِيها بِها. . . إلى آخِرِ كَلامِهِ. وقَدْ ذَكَرَ أشْياءَ كَثِيرَةً مِن عِبارَةِ الرُّؤْيا فَأجادَ وأفادَ، وكُلُّها راجِعَةٌ إلى اعْتِبارِ النَّظِيرِ بِنَظِيرِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ نَظِيرَ الحَقِّ حَقٌّ، ونَظِيرَ الباطِلِ باطِلٌ. ثُمَّ قالَ ابْنُ القَيِّمِ: فَهَذا شَرْعُ اللَّهِ وقَدَرُهُ ووَحْيُهُ، وثَوابُهُ وعِقابُهُ، كُلُّهُ قائِمٌ بِهَذا الأصْلِ وهو إلْحاقُ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ، واعْتِبارُ المِثْلِ بِالمِثْلِ؛ ولِهَذا يَذْكُرُ الشّارِعُ العِلَلَ والأوْصافَ المُؤَثِّرَةَ، والمَعانِيَ المُعْتَبَرَةَ في الأحْكامِ القَدَرِيَّةِ، والشَّرْعِيَّةِ، والجَزائِيَّةِ؛ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى تَعَلُّقِ الحُكْمِ بِها أيْنَ وجِدَتْ، واقْتِضائِها لِأحْكامِها، وعَدَمِ تَخَلُّفِها عَنْها إلّا لِمانِعٍ يُعارِضُ اقْتِضاءَها ويُوجِبُ تَخَلُّفَ آثارِها عَنْها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤] ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافر: ١٢] ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥] ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما (p-١٩٢)كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [ ٤٠ ] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ [محمد: ٢٦] ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكُمْ﴾ [ ٤١ ] . وَقَدْ جاءَ التَّعْلِيلُ في الكِتابِ العَزِيزِ بِالباءِ تارَةً، وبِاللّامِ تارَةً، وبِـ ”أنَّ“ تارَةً، وبِمَجْمُوعِهِما تارَةً، وبِـ ”كَيْ“ تارَةً، و ”مِن أجْلِ“ تارَةً، وتَرْتِيبِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ تارَةً، وبِالفاءِ المُؤْذِنَةِ بِالسَّبَبِيَّةِ تارَةً، وتَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لَهُ تارَةً، وبِـ ”لَمّا“ تارَةً، وبِـ ”أنَّ“ المُشَدَّدَةَ تارَةً، وبِـ ”لَعَلَّ“ تارَةً، وبِالمَفْعُولِ لَهُ تارَةً. فالأوَّلُ كَما تَقَدَّمَ، واللّامُ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [المائدة: ٩٧] و ”أنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنعام: ١٥٦] ثُمَّ قِيلَ: التَّقْدِيرُ لِئَلّا تَقُولُوا، وقِيلَ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا. و ”أنْ واللّامُ“ كَقَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وغالِبُ ما يَكُونُ هَذا النَّوْعُ في النَّفْيِ، فَتَأمَّلْهُ. وَ ”كَيْ“ • كَقَوْلِهِ: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧] والشَّرْطِ والجَزاءِ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] والفاءِ • كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكْناهُمْ﴾ [الشعراء: ١٣٩] ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] وتَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ • كَقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ [المائدة: ١٥] • وقَوْلِهِ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] • وقَوْلِهِ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] ﴿وَلا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦] ﴿وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] ولَمّا • كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [ ٤٣ ] ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] وإنَّ المُشَدَّدَةَ • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٧] ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ [ ٢١ ] ولَعَلَّ • كَقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [ ٢ ] ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [ ٢٤ ] والمَفْعُولِ لَهُ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ١٩ - ٢١] أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ جَزاءَ نِعْمَةِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ، وإنَّما فَعَلَهُ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى. و ”مِن أجْلِ“ كَقَوْلِهِ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [ ٥ ] . (p-١٩٣)وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عِلَلَ الأحْكامِ، والأوْصافَ المُؤَثِّرَةَ فِيها؛ لِيَدُلَّ عَلى ارْتِباطِها بِها، وتَعَدِّيها بِتَعَدِّي أوْصافِها وعِلَلِها، • كَقَوْلِهِ في نَبِيذِ التَّمْرِ: «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وماءٌ طَهُورٌ»، • وقَوْلِهِ: «إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ»، • وقَوْلِهِ: «إنَّما نَهَيْتُكم مِن أجْلِ الدّافَّةِ»، • وقَوْلِهِ في الهِرَّةِ: «لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّها مِنَ الطَّوّافِينَ عَلَيْكم والطَّوّافاتِ»، ونَهْيِهِ عَنْ تَغْطِيَةِ رَأْسِ المُحْرِمِ الَّذِي وقَصَتْهُ ناقَتُهُ وتَقْرِيبِهِ الطِّيبَ، • وقَوْلِهِ: «فَإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مُلَبِّيًا»، • وقَوْلِهِ: «إنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكم قَطَّعْتُمْ أرْحامَكم» ذَكَرَهُ تَعْلِيلًا لِنَهْيِهِ عَنْ نِكاحِ المَرْأةِ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها. • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] • وقَوْلِهِ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وقَوْلِهِ ﷺ وقَدْ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ -: «أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا جَفَّ ”؟ قالُوا نَعَمْ. فَنَهى عَنْهُ» . وقَوْلِهِ:“ «لا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ الثّالِثِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» . وقَوْلِهِ: «إذا وقَعَ الذُّبابُ في إناءِ أحَدِكم فامْقُلُوهُ، فَإنَّ في أحَدِ جَناحَيْهِ داءً وفي الآخَرِ دَواءً، وإنَّهُ يَتَّقِي بِالجَناحِ الَّذِي فِيهِ الدّاءُ» وقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَنْهَيانِكم عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ؛ فَإنَّها رِجْسٌ» «وَقالَ - وقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ هَلْ يَنْقُضُ الوُضُوءَ ”هَلْ هو إلّا بِضْعَةٌ مِنكَ»“، «وَقَوْلِهِ في ابْنَةِ حَمْزَةَ: ”إنَّها لا تَحِلُّ لِي؛ إنَّها ابْنَةُ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ»“، «وَقَوْلِهِ في الصَّدَقَةِ: ”إنَّها لا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ؛ إنَّما هي أوْساخُ النّاسِ»“ . وقَدْ قَرَّبَ النَّبِيُّ ﷺ الأحْكامَ لِأُمَّتِهِ بِذِكْرِ نَظائِرِها وأسْبابِها، وضَرَبَ لَها الأمْثالَ. . . إلى آخِرِ كَلامِهِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ أقْيِسَةٌ فَعَلَها النَّبِيُّ ﷺ مِنها قِياسُ القُبْلَةِ عَلى المَضْمَضَةِ في حَدِيثِ عُمَرَ المُتَقَدِّمِ، وقِياسُ دَيْنِ اللَّهِ عَلى دَيْنِ الآدَمِيِّ في وُجُوبِ القَضاءِ. وقَدْ قَدَّمْناهُ مُسْتَوْفًى كَما قَبْلَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ . وَمِنها قِياسُ العَكْسِ في حَدِيثِ: «أيَأْتِي أحَدُنا شَهْوَتَهُ ويَكُونُ لَهُ فِيها أجْرٌ ؟ قالَ: ”أرَأيْتُمْ وضْعَها في حَرامٍ، أيَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرٌ»“ وقَدْ قَدَّمْناهُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”التَّوْبَةِ“ . وَمِنها قِصَّةُ الَّذِي ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا أسْوَدَ، وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ . وَمِنها حَدِيثُ المُسْتَحاضَةِ الَّذِي قاسَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ دَمَ العِرْقِ الَّذِي هو دَمُ الِاسْتِحاضَةِ عَلى غَيْرِهِ مِن دِماءِ العُرُوقِ الَّتِي لا تَكُونُ حَيْضًا. وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إلْحاقَ (p-١٩٤)النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ مِنَ الشَّرْعِ، لا مُخالِفَ لَهُ كَما يَزْعُمُهُ الظّاهِرِيَّةُ ومَن تَبِعَهم. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

الأنبياء 21:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ سَخَّرَ الجِبالَ، أيْ: ذَلَّلَها، وسَخَّرَ الطَّيْرَ تُسَبِّحُ مَعَ داوُدَ. وما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن تَسْخِيرِهِ الطَّيْرَ والجِبالَ تُسْبِّحُ مَعَ نَبِيِّهِ داوُدَ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ الآيَةَ [سبإ: ١٠] . وقَوْلِهِ: أوِّبِي مَعَهُ أيْ: رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ. والطَّيْرَ أيْ: ونادَيْنا الطَّيْرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن تَرْجِيعِ التَّسْبِيحِ مَعَهُ. وقَوْلُ مَن قالَ أوِّبِي مَعَهُ: أيْ: سِيرِي مَعَهُ، وأنَّ التَّأْوِيبَ سَيْرُ النَّهارِ - ساقِطٌ كَما تَرى. وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧ - ١٨] . والتَّحْقِيقُ: أنَّ تَسْبِيحَ الجِبالِ والطَّيْرِ مَعَ داوُدَ المَذْكُورَ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - يَجْعَلُ لَها إدْراكاتٍ تُسَبِّحُ بِها، يَعْلَمُها هو - جَلَّ وعَلا - ونَحْنُ لا نَعْلَمُها. كَما قالَ: (p-٢٣٢)﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٧٤] وقالَ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٧٢] . وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ الجِذْعَ الَّذِي كانَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا انْتَقَلَ عَنْهُ بِالخُطْبَةِ إلى المِنبَرِ سُمِعَ لَهُ حَنِينٌ. وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنِّي لَأعْرِفُ حَجْرًا بِمَكَّةَ كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُبْعَثَ، إنِّي لَأعْرِفُهُ الآنَ» وأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ. والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ عِنْدَ العُلَماءِ أنَّ نُصُوصَ الكِتابِ، والسُّنَّةِ لا يَجُوزُ صَرْفُها عَنْ ظاهِرِها المُتَبادِرِ مِنها إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ. والتَّسْبِيحُ في اللُّغَةِ: الإبْعادُ عَنِ السُّوءِ، وفي اصْطِلاحِ الشَّرْعِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] أيْ: جَعَلْناها بِحَيْثُ تُطِيعُهُ إذا أمَرَها بِالتَّسْبِيحِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وكُنّا فاعِلِينَ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] والمُوجِبُ لِهَذا التَّأْكِيدِ أنَّ تَسْخِيرَ الجِبالِ وتَسْبِيحَها أمْرٌ عَجَبٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، مَظِنَّةٌ لِأنْ يُكَذِّبَ بِهِ الكَفَرَةُ الجَهَلَةُ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وكُنّا فاعِلِينَ أيْ: قادِرِينَ عَلى أنَّ نَفْعَلَ هَذا. وقِيلَ: كُنّا نَفْعَلُ بِالأنْبِياءِ مِثْلَ ذَلِكَ. وكِلا القَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ قالَ ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَ وكُنّا فاعِلِينَ بِمَعْنى كُنّا قادِرِينَ بَعِيدٌ، ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ كَما لا دَلِيلَ عَلى الآخَرِ كَما تَرى. وَقالَ أبُو حَيّانَ وكُنّا فاعِلِينَ أيْ: فاعِلِينَ هَذِهِ الأعاجِيبَ مِن تَسْخِيرِ الجِبالِ وتَسْبِيحِهِنَّ والطَّيْرِ لِمَن نَخُصُّهُ بِكَرامَتِنا. ا هـ. وأظْهَرُها عِنْدِي هو ما تَقَدَّمَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الأنبياء 21:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وعَلَّمْناهُ راجِعٌ إلى داوُدَ، والمُرادُ بِصِيغَةِ اللَّبُوسِ: صَنْعَةُ الدُّرُوعِ ونَسْجُها. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِاللَّبُوسِ في الآيَةِ الدُّرُوعُ أنَّهُ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] أيْ: لِتَحْرِزَ وتَقِيَ بَعْضَكم مِن بَأْسِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ الدِّرْعَ تَقِيهِ ضَرَرَ الضَّرْبِ بِالسَّيْفِ، والرَّمْيِ بِالرُّمْحِ والسَّهْمِ كَما هو مَعْرُوفٌ. وقَدْ أوْضَحَ (p-٢٣٣)هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ [سبإ: ١٠ - ١١] فَقَوْلُهُ: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أيْ: أنِ اصْنَعْ دُرُوعًا سابِغاتٍ مِنَ الحَدِيدِ الَّذِي ألَنّاهُ لَكَ. والسَّرْدُ: نَسْجُ الدِّرْعِ. ويُقالُ فِيهِ: الزَّرَدُ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: ؎وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ وَمِنَ الثّانِي قَوْلُ الآخَرِ: ؎نُقْرِيهُمُ لَهْذِمِيّاتٍ نَقُدُّ بِها ∗∗∗ ما كانَ خاطَ عَلَيْهِمْ كُلُّ زَرّادِ وَمُرادُهُ بِالزَّرّادِ: ناسِجُ الدِّرْعِ. وقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ أيْ: اجْعَلِ الحَلَقَ والمَسامِيرَ في نَسْجِكَ الدِّرْعَ بِأقْدارٍ مُتَناسِبَةٍ، فَلا تَجْعَلِ المِسْمارَ دَقِيقًا لِئَلّا يَنْكَسِرَ ولا يُشَدَّ بَعْضَ الحَلَقِ بِبَعْضٍ، ولا تَجْعَلْهُ غَلِيظًا غِلَظًا زائِدًا فَيَفْصِمَ الحَلْقَةَ. وإذا عَرَفْتَ أنَّ اللَّبُوسَ في الآيَةِ الدُّرُوعُ فاعْلَمْ أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ اللَّبُوسَ عَلى الدُّرُوعِ كَما في الآيَةِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَلَيْها أُسُودٌ ضاوِياتٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ سَوابِغُ بَيْضٍ لا يُخَرِّقُها النَّبْلُ فَقَوْلُهُ: ”سَوابِغُ“ أيْ: دُرُوعٌ سَوابِغُ، وقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ؎شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لَبُوسُهُمُ ∗∗∗ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ وَمُرادُهُ بِاللَّبُوسِ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالسَّرابِيلِ: الدُّرُوعُ. والعَرَبُ تُطْلِقُ اللَّبُوسَ أيْضًا عَلى جَمِيعِ السِّلاحِ، دِرْعًا كانَ أوْ جَوْشَنًا أوْ سَيْفًا أوْ رُمْحًا. ومِن إطْلاقِهِ عَلى الرُّمْحِ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ يَصِفُ رُمْحًا: ؎وَمَعِي لَبُوسٌ لِلْبَئِيسِ كَأنَّهُ ∗∗∗ رَوْقٌ بِجَبْهَةِ ذِي نِعاجٍ مُجْفِلِ وَتُطْلِقُ اللَّبُوسَ أيْضًا عَلى كُلِّ ما يُلْبَسُ، ومِنهُ قَوْلُ بَيْهَسٍ: ؎البَسْ لِكُلِّ حالَةٍ لَبُوسَها ∗∗∗ إمّا نَعِيمَها وإمّا بُوسَها وَما ذَكَرَهُ هُنا مِنَ الِامْتِنانِ عَلى الخَلْقِ بِتَعْلِيمِهِ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ لِيَقِيَهم بِها مِن بَأْسِ السِّلاحِ تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠] الظّاهِرُ فِيهِ أنَّ صِيغَةَ الِاسْتِفْهامِ هُنا يُرادُ بِها الأمْرُ، ومِن إطْلاقِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الأمْرِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ (p-٢٣٤)تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أيِ: انْتَهُوا. ولِذا قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: انْتَهَيْنا يا رَبُّ. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢٠] أيْ: أسْلِمُوا. وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي أنَّ في المَعانِي الَّتِي تُؤَدّى بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ: الأمْرُ، كَما ذَكَرْنا. وَقَوْلُهُ: شاكِرُونَ شُكْرُ العَبْدِ لِرَبِّهِ: هو أنْ يَسْتَعِينَ بِنِعَمِهِ عَلى طاعَتِهِ، وشُكْرُ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ: هو أنْ يُثِيبَهُ الثَّوابَ الجَزِيلَ مِن عَمَلِهِ القَلِيلِ. ومادَّةُ ”شَكَرَ“ لا تَتَعَدّى غالِبًا إلّا بِاللّامِ، وتَعْدِيَتُها بِنَفْسِها دُونَ اللّامِ قَلِيلَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي نُخَيْلَةَ: ؎شَكَرْتُكَ إنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ مَنِ التُّقى ∗∗∗ وما كُلُّ مَن أوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي وَفِي قَوْلِهِ: لِتُحْصِنَكم ثَلاثُ قِراءاتٍ سَبْعِيَّةٌ: قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدا ابْنَ عامِرٍ وعاصِمًا لِيُحْصِنَكم بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدٌ إلى داوُدَ أوْ إلى اللَّبُوسِ؛ لِأنَّ تَذْكِيرَها بِاعْتِبارِ مَعْنى ما يُلْبَسُ مِنَ الدُّرُوعِ جائِزٌ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ لِتُحْصِنَكم بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَضَمِيرُ الفاعِلِ راجِعٌ إلى اللَّبُوسِ وهي مُؤَنَّثَةٌ، أوْ إلى الصَّنْعَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: صَنْعَةَ لَبُوسٍ وقَرَأهُ شُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ لِنُحْصِنَكم بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى العَظَمَةِ وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالأمْرُ واضِحٌ.

الأنبياء 21:81

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ [الأنبياء: ٨١] مَعْطُوفٌ عَلى مَعْمُولِ ”وَسَخَّرْنا“، في قَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] أيْ: وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ في حالِ كَوْنِها عاصِفَةً، أيْ: شَدِيدَةَ الهُبُوبِ. يُقالُ: عَصَفَتِ الرِّيحُ أيِ: اشْتَدَّتْ، فَهي رِيحٌ عاصِفٌ وعَصُوفٌ، وفي لُغَةِ بَنِي أسَدٍ (أعْصَفَتْ) فَهي مُعْصِفٌ ومُعْصِفَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ (الإسْراءِ) . وَقَوْلُهُ: تَجْرِي بِأمْرِهِ أيْ: تُطِيعُهُ وتَجْرِي إلى المَحَلِّ الَّذِي يَأْمُرُها بِهِ، وما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَسْخِيرِ الرِّيحِ لِسُلَيْمانَ، وأنَّها تَجْرِي بِأمْرِهِ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وزادَ بَيانَ قَدْرِ سُرْعَتِها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ (p-٢٣٥)[سبإ: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦] . تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا سُؤالَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ وصَفَ الرِّيحَ المَذْكُورَةَ هُنا في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ بِأنَّها عاصِفَةٌ، أيْ: شَدِيدَةُ الهُبُوبِ، ووَصَفَها في سُورَةِ ”ص“ بِأنَّها تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً، والعاصِفَةُ غَيْرُ الَّتِي تَجْرِي رُخاءً. والسُّؤالُ الثّانِي: هو أنَّهُ هُنا في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ خَصَّ جَرْيَها بِهِ بِكَوْنِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَ فِيها لِلْعالَمِينَ، وفي سُورَةِ ”ص“ قالَ: ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦] وقَوْلِهِ: حَيْثُ أصابَ يَدُلُّ عَلى التَّعْمِيمِ في الأمْكِنَةِ الَّتِي يُرِيدُ الذَّهابَ إلَيْها عَلى الرِّيحِ. فَقَوْلُهُ: حَيْثُ أصابَ أيْ: حَيْثُ أرادَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: أصابَ الصَّوابَ، وأخْطَأ الجَوابَ، أيْ: أرادَ الصَّوابَ وأخْطَأ الجَوابَ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أصابَ الكَلامَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأخْطَأ الجَوابَ لَدى المَفْصِلِ قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وعَنْ رُؤْبَةَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ مَعْنى ”أصابَ“، فَخَرَجَ إلَيْهِما فَقالَ: أيْنَ تُصِيبانِ ؟ فَقالا: هَذِهِ طِلْبَتُنا، ورَجَعا. أمّا الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها عاصِفَةٌ في بَعْضِ الأوْقاتِ، ولَيِّنَةٌ رُخاءٌ في بَعْضِها بِحَسَبِ الحاجَةِ، كَأنْ تَعْصِفَ ويَشْتَدَّ هُبُوبُها في أوَّلِ الأمْرِ حَتّى تَرْفَعَ البِساطَ الَّذِي عَلَيْهِ سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ، فَإذا ارْتَفَعَ سارَتْ بِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ. الجَوابُ الثّانِي: هو ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: وُصِفَتْ هَذِهِ الرِّيحُ بِالعَصْفِ تارَةً وبِالرُّخاءِ أُخْرى، فَما التَّوْفِيقُ بَيْنَهُما ؟ قُلْتُ: كانَتْ في نَفْسِها رَخِيَّةً طَيِّبَةً كالنَّسِيمِ، فَإذا مَرَّتْ بِكُرْسِيِّهِ أبْعَدَتْ بِهِ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، عَلى ما قالَ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾، فَكانَ جَمْعُها بَيْنَ الأمْرَيْنِ: أنْ تَكُونَ رُخاءً في نَفْسِها، وعاصِفَةً في عَمَلِها، مَعَ طاعَتِها لِسُلَيْمانَ، وهُبُوبِها عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ ويَحْتَكِمُ. ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وَأمّا الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: فَهو أنَّ قَوْلَهُ: حَيْثُ أصابَ يَدُلُّ عَلى أنَّها تَجْرِي بِأمْرِهِ حَيْثُ أرادَ مِن أقْطارِ الأرْضِ. وقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها (p-٢٣٦)﴾ [ص: ٣٦] لِأنَّ مَسْكَنَهُ فِيها وهي الشّامُ، فَتَرُدُّهُ إلى الشّامِ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: حَيْثُ أصابَ في حالَةِ الذَّهابِ. وقَوْلِهِ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ في حالَةِ الإيابِ إلى مَحَلِّ السُّكْنى. فانْفَكَّتِ الجِهَةُ فَزالَ الإشْكالُ. وقَدْ قالَ نابِغَةُ ذُبْيانَ: ؎إلّا سُلَيْمانُ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِّيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ ؎وَخَيِّسِ الجِنَّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصِّفاحِ والعَمَدِ وَتَدْمُرُ: بَلَدٌ بِالشّامِ. وذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّامَ هو مَحَلُّ سُكْناهُ كَما هو مَعْرُوفٌ.

الأنبياء 21:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَعْمُولِ سَخَّرْنا أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ مَن يَغُوصُونَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ. وقِيلَ: ”مِن“ مُبْتَدَأٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ سَخَّرَ لِسُلَيْمانَ مَن يَغُوصُونَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، أيْ: يَغُوصُونَ لَهُ في البِحارِ فَيَسْتَخْرِجُونَ لَهُ مِنها الجَواهِرَ النَّفِيسَةَ، كاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ. والغَوْصُ: النُّزُولُ تَحْتَ الماءِ، والغَوّاصُ: الَّذِي يَغُوصُ البَحْرَ لِيَسْتَخْرِجَ مِنهُ اللُّؤْلُؤَ ونَحْوَهُ. ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ: ؎أوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوّاصُها بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أيْضًا أنَّ الشَّياطِينَ المُسَخَّرِينَ لَهُ يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ، أيْ: سِوى ذَلِكَ الغَوْصِ المَذْكُورِ، أيْ: كَبِناءِ المَدائِنِ، والقُصُورِ، وعَمَلِ المَحارِيبِ، والتَّماثِيلِ، والجِفانِ، والقُدُورِ الرّاسِياتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنِ اخْتِراعِ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾ أيْ: مِن أنْ يَزِيغُوا عَنْ أمْرِهِ، أوْ يُبَدِّلُوا أوْ يُغَيِّرُوا، أوْ يُوجَدَ مِنهم فَسادٌ فِيما هم مُسَخَّرُونَ فِيهِ. وهَذِهِ المَسائِلُ الثَّلاثُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَتْ مُبَيَّنَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، • كَقَوْلِهِ في الغَوْصِ والعَمَلِ سَواءً: ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ الآيَةَ [ص: ٣٧] • وقَوْلِهِ في العَمَلِ غَيْرِ الغَوْصِ: ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبإ: ١٢] • وقَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبإ: ١٣] • وكَقَوْلِهِ في حِفْظِهِمْ مِن أنْ يَزِيغُوا عَنْ أمْرِهِ: ﴿وَمَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [سبإ: ١٢] (p-٢٣٧) • وَقَوْلِهِ: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [ص: ٣٨] . وَصِفَةُ البِساطِ، وصِفَةُ حَمْلِ الرِّيحِ لَهُ، وصِفَةُ جُنُودِ سُلَيْمانَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ كُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ بِكَثْرَةٍ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ، ونَحْنُ لَمْ نُطِلْ بِهِ الكَلامَ في هَذا الكَلامِ المُبارَكِ.

الأنبياء 21:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وأيُّوبَ مَنصُوبٌ بِـ ”اذْكُرْ“ مُقَدَّرًا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في ”ص“: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ [ص: ٤١] . وَقَدْ أمَرَ - جَلَّ وعَلا - في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَذْكُرَ أيُّوبَ حِينَ نادى رَبَّهُ قائِلًا: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] وأنَّ رَبَّهُ اسْتَجابَ لَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ جَمِيعَ ما بِهِ مِنَ الضُّرِّ، وأنَّهُ آتاهُ أهْلَهُ، وآتاهُ مِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنهُ - جَلَّ وعَلا - بِهِ وتَذْكِيرًا لِلْعابِدِينَ، أيِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالذِّكْرى. وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا ذَكَرَهُ أيْضًا في سُورَةِ ”ص“ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ [ص: ٤١ - ٤٣] والضُّرُّ الَّذِي مَسَّ أيُّوبَ، ونادى رَبَّهُ لِيَكْشِفَهُ عَنْهُ كانَ بَلاءً أصابَهُ في بَدَنِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ. ولَمّا أرادَ اللَّهُ إذْهابَ الضُّرِّ عَنْهُ أمَرَهُ أنْ يَرْكُضَ بِرِجْلِهِ فَفَعَلَ، فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنُ ماءٍ، فاغْتَسَلَ مِنها، فَزالَ كُلُّ ما بِظاهِرِ بَدَنِهِ مِنَ الضُّرِّ، وشَرِبَ مِنها فَزالَ كُلُّ ما بِباطِنِهِ. كَما أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ [ص: ٤٢] . وَما ذَكَرَهُ في ”الأنْبِياءِ“ مِن أنَّهُ آتاهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنهُ وذِكْرى لِمَن يَعْبُدُهُ بَيَّنَهُ في ”ص“ في قَوْلِهِ: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [ص: ٤٣] وقَوْلِهِ في ”الأنْبِياءِ“: ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] مَعَ قَوْلِهِ في ”ص“، ﴿وَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [ص: ٤٣] فِيهِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ أصْحابَ العُقُولِ السَّلِيمَةِ مِن شَوائِبِ الِاخْتِلالِ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وحْدَهُ ويُطِيعُونَهُ. وهَذا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَن أوْصى بِشَيْءٍ مِن مالِهِ لِأعْقَلِ النّاسِ أنَّ تِلْكَ الوَصِيَّةَ تُصْرَفُ لِأتْقى النّاسِ وأشَدِّهِمْ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهم هم أُولُو الألْبابِ، أيِ العُقُولِ (p-٢٣٨)الصَّحِيحَةِ السّالِمَةِ مِنَ الِاخْتِلالِ. * * تَنْبِيهٌ فِي هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَ أيُّوبَ المَذْكُورَ في ”الأنْبِياءِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وفي ”ص“ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ضَجِرَ مِنَ المَرَضِ فَشَكا مِنهُ، مَعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٤٤] يَدُلُّ عَلى كَمالِ صَبْرِهِ والجَوابُ أنَّ ما صَدَرَ مِن أيُّوبَ دُعاءٌ وإظْهارُ فَقْرٍ وحاجَةٍ إلى رَبِّهِ، لا شَكْوى ولا جَزَعٌ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ولَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ جَزَعًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ بَلْ كانَ ذَلِكَ دُعاءً مِنهُ. والجَزَعُ في الشَّكْوى إلى الخَلْقِ لا إلى اللَّهِ تَعالى، والدُّعاءُ لا يُنافِي الرِّضا. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: سَمِعْتُ أُسْتاذَنا أبا القاسِمِ بْنَ حَبِيبٍ يَقُولُ: حَضَرْتُ مَجْلِسًا غاصًّا بِالفُقَهاءِ والأُدَباءِ في دارِ السُّلْطانِ، فَسُئِلْتُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ عَلى أنَّ قَوْلَ أيُّوبَ كانَ شِكايَةً وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذا شِكايَةً، وإنَّما كانَ دُعاءً، بَيانُهُ فاسْتَجَبْنا لَهُ والإجابَةُ تَتَعَقَّبُ الدُّعاءَ لا الِاشْتِكاءَ. فاسْتَحْسَنُوهُ وارْتَضَوْهُ. وسُئِلَ الجُنَيْدُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقالَ: عَرَّفَهُ فاقَةَ السُّؤالِ لِيَمُنَّ عَلَيْهِ بِكَرَمِ النَّوالِ. انْتَهى مِنهُ. وَدُعاءُ أيُّوبَ المَذْكُورُ ذَكَرَهُ اللَّهُ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ مِن غَيْرِ أنْ يُسْنَدَ مَسُّ الضُّرِّ أيُّوبَ إلى الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وذَكَرَهُ في سُورَةِ ”ص“ وأسْنَدَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ والنُّصْبُ عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ مَعْناهُ: التَّعَبُ والمَشَقَّةُ، والعَذابُ: الألَمُ. وفي نِسْبَةِ ما أصابَهُ مِنَ المَشَقَّةِ والألَمِ إلى الشَّيْطانِ في سُورَةِ ”ص“ هَذِهِ إشْكالٌ قَوِيٌّ مَعْرُوفٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ ذَكَرَ في آياتٍ مِن كِتابِهِ أنَّ الشَّيْطانَ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى مِثْلِ أيُّوبَ مِنَ الأنْبِياءِ الكِرامِ، • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لَهُ (p-٢٣٩)عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢١] • وقَوْلِهِ تَعالى مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . وَلِلْعُلَماءِ عَنْ هَذا الإشْكالِ أجْوِبَةٌ، مِنها ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ نَسَبَهُ إلى الشَّيْطانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُسَلِّطَهُ عَلى أنْبِيائِهِ لِيَقْضِيَ مِن إتْعابِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ وطَرَهُ، ولَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَدَعْ صالِحًا إلّا وقَدْ نَكَبَهُ وأهْلَكَهُ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ أنَّهُ لا سُلْطانَ لَهُ إلّا الوَسْوَسَةَ فَحَسْبُ ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ نَسَبَهُ إلَيْهِ، وقَدْ راعى الأدَبَ في ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ في دُعائِهِ، مَعَ أنَّهُ فاعِلُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو. وقِيلَ: أرادَ ما كانَ يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن تَعْظِيمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلاءِ، ويُغْرِيهِ عَلى الكَراهَةِ والجَزَعِ، فالتَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ بِكَشْفِ البَلاءِ، أوْ بِالتَّوْفِيقِ في دَفْعِهِ ورَدِّهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. وَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهم فَسَألَ عَنْهُ، فَقِيلَ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ الصّالِحِينَ. وذُكِرَ في سَبَبِ بَلائِهِ أنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَلَمْ يُغِثْهُ. وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ فَداهَنَهُ ولَمْ يَغْزُهُ. وقِيلَ. أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ. انْتَهى مِنهُ. وَمِنها ما ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللَّهَ سَلَّطَ الشَّيْطانَ عَلى مالِهِ وأهْلِهِ ابْتِلاءً لِأيُّوبَ، فَأهْلَكَ الشَّيْطانُ مالَهُ ووَلَدَهُ، ثُمَّ سَلَّطَهُ عَلى بَدَنِهِ ابْتِلاءً لَهُ، فَنَفَخَ في جَسَدِهِ نَفْخَةً اشْتَعَلَ مِنها، فَصارَ في جَسَدِهِ ثَآلِيلُ، فَحَكَّها بِأظافِرِهِ حَتّى دَمِيَتْ، ثُمَّ بِالفَخّارِ حَتّى تَساقَطَ لَحْمُهُ، وعَصَمَ اللَّهُ قَلْبَهُ ولِسانَهُ (وغالِبُ ذَلِكَ مِنِ الإسْرائِيلِيّاتِ) وتَسْلِيطُهُ لِلِابْتِلاءِ عَلى جَسَدِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ مُمْكِنٌ، وهو أقْرَبُ مِن تَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ بِحَمْلِهِ عَلى أنْ يَفْعَلَ ما لا يَنْبَغِي، كَمُداهَنَةِ المَلِكِ المَذْكُورِ، وعَدَمِ إغاثَةِ المَلْهُوفِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَذْكُرُها المُفَسِّرُونَ. وقَدْ ذَكَرُوا هُنا قِصَّةً طَوِيلَةً تَتَضَمَّنُ البَلاءَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ، وقَدْرَ مُدَّتَهُ (وكُلُّ ذَلِكَ مِنِ الإسْرائِيلِيّاتِ) وقَدْ ذَكَرْنا هُنا قَلِيلًا. وَغايَةُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّ اللَّهَ ابْتَلى نَبِيَّهُ أيُّوبَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ ناداهُ فاسْتَجابَ لَهُ وكَشَفَ عَنْهُ كُلَّ ضُرٍّ، ووَهَبَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم، وأنَّ أيُّوبَ نَسَبَ (p-٢٤٠)ذَلِكَ في ”ص“ إلى الشَّيْطانِ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلى جَسَدِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ ابْتِلاءً لِيَظْهَرَ صَبْرُهُ الجَمِيلُ، وتَكُونَ لَهُ العافِيَةُ الحَمِيدَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَرْجِعَ لَهُ كُلُّ ما أُصِيبَ فِيهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا لا يُنافِي أنَّ الشَّيْطانَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مِثْلِ أيُّوبَ؛ لِأنَّ التَّسْلِيطَ عَلى الأهْلِ والمالِ والجَسَدِ مَن جِنْسِ الأسْبابِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها الأعْراضُ البَشَرِيَّةُ كالمَرَضِ، وذَلِكَ يَقَعُ لِلْأنْبِياءِ، فَإنَّهم يُصِيبُهُمُ المَرَضُ، ومَوْتُ الأهْلِ، وهَلاكُ المالِ لِأسْبابٍ مُتَنَوِّعَةٍ. ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ تِلْكَ الأسْبابِ تَسْلِيطَ الشَّيْطانِ عَلى ذَلِكَ لِلِابْتِلاءِ، وقَدْ أوْضَحْنا جَوازَ وُقُوعِ الأمْراضِ، والتَّأْثِيراتِ البَشَرِيَّةِ عَلى الأنْبِياءِ في سُورَةِ ”طه“ وقَوْلُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ أيُّوبَ في سُورَةِ ”ص“: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] قالَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ: إنَّهُ حَلَفَ في مَرَضِهِ لَيَضْرِبَنَّ زَوْجَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا فَيَضْرِبَها بِهِ لِيَخْرُجَ مِن يَمِينِهِ، والضِّغْثُ: الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْخُذُ حُزْمَةً فِيها مِائَةُ عُودٍ، فَيَضْرِبُها بِها ضَرْبَةً واحِدَةً، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِن يَمِينِهِ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ الِاسْتِدْلالَ بِآيَةِ ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَأخِّرَ لا يُفِيدُ؛ إذْ لَوْ كانَ يُفِيدُ لِقالَ اللَّهُ لِأيُّوبَ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً في يَمِينِكَ.

الأنبياء 21:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ . أيْ: واذْكُرْ ذا النُّونِ. والنُّونُ: الحُوتُ. ”وَذا“ بِمَعْنى صاحِبٍ. فَقَوْلُهُ: وذا النُّونِ مَعْناهُ: صاحِبُ الحُوتِ. كَما صَرَّحَ اللَّهُ بِذَلِكَ في ”القَلَمِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ الآيَةَ [القلم: ٤٨] . وإنَّما أضافَهُ إلى الحُوتِ لِأنَّهُ التَقَمَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ لا يَكْذِّبُ أحَدُهُما الآخَرَ: الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أيْ: لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ في بَطْنِ الحُوتِ. ومِن إطْلاقِ ”قَدَرَ“ بِمَعْنى ”ضَيَّقَ“ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] أيْ: ويُضَيِّقُ الرِّزْقَ عَلى مَن يَشاءُ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ (p-٢٤١)وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ٧] . فَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أيْ: ومَن ضُيِّقَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وعَلَيْهِ فَهو مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ. ”وَقَدَرَ“ بِالتَّخْفِيفِ تَأْتِي بِمَعْنى ”قَدَّرَ“ المُضَعَّفَةِ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أيْ: قَدَّرَهُ اللَّهُ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ - وأنْشَدَهُ ثَعْلَبٌ شاهِدًا لِذَلِكَ -: ؎فَلَيْسَتْ عَشِياتُ الحِمى بِرَواجِعٍ لَنا أبَدًا ما أوْرَقَ السَّلِمُ النَّضِرُ ؎وَلا عائِدٌ ذاكَ الزَّمانُ الَّذِي مَضى ∗∗∗ تَبارَكْتَ ما تَقْدِرُ يَقَعُ لَكَ الشُّكْرُ والعَرَبُ تَقُولُ: قَدَرَ اللَّهُ لَكَ الخَيْرَ يَقْدِرُهُ قَدْرًا، كَضَرَبَ يَضْرِبُ، ونَصَرَ يَنْصُرُ، بِمَعْنى قَدَّرَهُ لَكَ تَقْدِيرًا. ومِنهُ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ ”لَيْلَةُ القَدْرِ“؛ لِأنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُ فِيها الأشْياءَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] والقَدَرُ بِالفَتْحِ، والقَدْرُ بِالسُّكُونِ: ما يُقَدِّرُهُ اللَّهُ مِنَ القَضاءِ. ومِنهُ قَوْلُ هُدْبَةَ بْنِ الخَشْرَمِ: ؎ألا يا لَقَوْمِي لِلنَّوائِبِ والقَدَرِ ∗∗∗ ولِلْأمْرِ يَأْتِي المَرْءُ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي أمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] مِنَ القُدْرَةِ فَهو قَوْلٌ باطِلٌ بِلا شَكٍّ؛ لِأنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يُونُسَ لا يَشُكُّ في قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، كَما لا يَخْفى. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مُغاضِبًا أيْ: في حالِ كَوْنِهِ مُغاضِبًا لِقَوْمِهِ. ومَعْنى المُفاعَلَةِ فِيهِ: أنَّهُ أغْضَبَهم بِمُفارَقَتِهِ وتَخَوُّفِهِمْ حُلُولَ العَذابِ بِهِمْ، وأغْضَبُوهُ حِينَ دَعاهم إلى اللَّهِ مُدَّةً فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَأوْعَدَهم بِالعَذابِ. ثُمَّ خَرَجَ مِن بَيْنِهِمْ عَلى عادَةِ الأنْبِياءِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ في الخُرُوجِ. قالَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ. وقالَ أيْضًا: وقِيلَ مَعْنى ”مُغاضِبًا“ غَضْبانُ، وهو مِنَ المُفاعَلَةِ الَّتِي لا تَقْتَضِي اشْتِراكًا نَحْوَ عاقَبْتُ اللِّصَّ، وسافَرْتُ. اهـ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ مُغاضِبًا أيْ: مُغاضِبًا لِرَبِّهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، والقُتْبِيُّ، واسْتَحْسَنَهُ المَهْدَوِيُّ - يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى مَعْنى القَوْلِ الأوَّلِ، أيْ: مُغاضِبًا مِن أجْلِ رَبِّهِ. قالَ القُرْطُبِيُّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا القَوْلَ عَمَّنْ ذَكَرْنا: وقالَ النَّحّاسُ: ورُبَّما أنْكَرَ هَذا مَن لا يَعْرِفُ اللُّغَةَ، وهو قَوْلٌ صَحِيحٌ، والمَعْنى: مُغاضِبًا مِن أجْلِ رَبِّهِ كَما تَقُولُ: غَضِبْتُ لَكَ أيْ: مِن (p-٢٤٢)أجْلِكَ، والمُؤْمِنُ يَغْضَبُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذا عُصِيَ. انْتَهى مِنهُ. والمَعْنى عَلى ما ذَكَرَ: مُغاضِبًا قَوْمَهُ مِن أجْلِ رَبِّهِ، أيْ: مِن أجْلِ كُفْرِهِمْ بِهِ وعِصْيانِهِمْ لَهُ. وغَيْرُ هَذا لا يَصِحُّ في الآيَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ﴾ . أيْ: ظُلْمَةِ البَحْرِ، وظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وظُلْمَةِ بَطْنِ الحُوتِ. ”وَأنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] مُفَسِّرَةٌ، وقَدْ أوْضَحْنا فِيما تَقَدَّمَ مَعْنى ”أنْ لا إلَهَ“، ومَعْنى ”سُبْحانَكَ“، ومَعْنى الظُّلْمِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وَقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ: أجَبْناهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ الَّذِي هو فِيهِ في بَطْنِ الحُوتِ، وإطْلاقُ ”اسْتَجابَ“ بِمَعْنى أجابَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ: ؎وَداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وَما ذَكَرَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ مِن نِداءِ نَبِيِّهِ يُونُسَ في تِلْكَ الظُّلُماتِ هَذا النِّداءَ العَظِيمَ، وأنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ لَهُ ونَجّاهُ مِنَ الغَمِّ - أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. وَبَيَّنَ في بَعْضِ المَواضِعِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُسَبِّحْ هَذا التَّسْبِيحَ العَظِيمَ لَلَبِثَ في بَطْنِ الحُوتِ إلى يَوْمِ البَعْثِ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهُ. وبَيَّنَ في بَعْضِها أنَّهُ طَرَحَهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ. وَبَيَّنَ في بَعْضِها أنَّهُ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنٍ كَخُرُوجِ العَبْدِ الآبِقِ، وأنَّهُمُ اقْتَرَعُوا عَلى مَن يُلْقى في البَحْرِ فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ أنَّهُ هو الَّذِي يُلْقى فِيهِ. وَبَيَّنَ في بَعْضِها أنَّ اللَّهَ تَدارَكَهُ بِرَحْمَتِهِ. ولَوْ لَمْ يَتَدارَكْهُ بِها لِنُبِذَ بِالعَراءِ في حالِ كَوْنِهِ مَذْمُومًا، ولَكِنَّهُ تَدارَكَهُ بِها فَنُبِذَ غَيْرَ مَذْمُومٍ، قالَ تَعالى في ”الصّافّاتِ“: ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ الآيَةَ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٨] . فَقَوْلُهُ في آياتِ ”الصّافّاتِ“ المَذْكُورَةِ: ﴿إذْ أبَقَ﴾ [الصافات: ١٤٠] أيْ: حِينَ أبَقَ، وهو مِن قَوْلِ العَرَبِ: عَبْدٌ آبِقٌ؛ لِأنَّ يُونُسَ خَرَجَ قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّهُ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الإباقِ واسْتِحْقاقِ المَلامَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] لِأنَّ المُلِيمَ اسْمُ فاعِلِ ”ألامَ“ إذا فَعَلَ ما يَسْتَوْجِبُ (p-٢٤٣)المَلامَ. وقَوْلِهِ: فَساهَمَ أيْ: قارَعَ، بِمَعْنى أنَّهُ وضَعَ مَعَ أصْحابِ السَّفِينَةِ سِهامَ القُرْعَةِ لِيَخْرُجَ سَهْمُ مَن يُلْقى في البَحْرِ. وقَوْلِهِ: ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ أيِ المَغْلُوبِينَ في القُرْعَةِ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ الَّذِي يُلْقى صاحِبُهُ في البَحْرِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎قَتَلْنا المُدْحَضِينَ بِكُلِّ فَجٍّ ∗∗∗ فَقَدْ قَرَّتْ بِقَتْلِهِمُ العُيُونُ وَقَوْلُهُ: فَنَبَذْناهُ أيْ: طَرَحْناهُ، بِأنْ أمَرْنا الحُوتَ أنْ يُلْقِيَهُ بِالسّاحِلِ. والعَراءُ: الصَّحْراءُ. وقَوْلُ مَن قالَ: العَراءُ: الفَضاءُ أوِ المُتَّسَعُ مِنَ الأرْضِ، أوِ المَكانُ الخالِي، أوْ وجْهُ الأرْضِ - راجِعٌ إلى ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وهو رَجُلٌ مِن خُزاعَةَ: ؎وَرَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي وَشَجَرَةُ اليَقْطِينِ: هي الدُّبّاءُ. وقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أيْ: مَرِيضٌ لِما أصابَهُ مِنِ التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ، وقالَ تَعالى في ”القَلَمِ“: ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٤٨ - ٥٠] فَقَوْلُهُ في آيَةِ ”القَلَمِ“ هَذِهِ: إذْ نادى [القلم: ٤٨] أيْ: نادى أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، وقَوْلِهِ:﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [الأنعام: ٤٨] أيْ: مَمْلُوءٌ غَمًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾ [الأنبياء: ٨٨] وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. وعَنْ عَطاءٍ وأبِي مالِكٍ مَكْظُومٌ: مَمْلُوءٌ كَرْبًا، قالَ الماوَرْدِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ الغَمِّ والكَرْبِ أنَّ الغَمَّ في القَلْبِ، والكَرْبَ في الأنْفاسِ. وقِيلَ مَكْظُومٌ مَحْبُوسٌ. والكَظْمُ: الحَبْسُ. ومِنهُ قَوْلُهم: كَظَمَ غَيْظَهُ، أيْ: حَبَسَ غَضَبَهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وقِيلَ: المَكْظُومُ المَأْخُوذُ بِكَظْمِهِ، وهو مَجْرى النَّفَسِ، قالَهُ المُبَرِّدُ. انْتَهى مِنَ القُرْطُبِيِّ. وَآيَةُ ”القَلَمِ“ المَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ يُونُسَ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَجَّلَ بِالذَّهابِ ومُغاضَبَةِ قَوْمِهِ، ولَمْ يَصْبِرِ الصَّبْرَ اللّازِمَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مُخاطِبًا نَبِيَّنا ﷺ فِيها: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ الآيَةَ [القلم: ٤٨] . فَإنَّ أمْرَهُ لِنَبِيِّنا ﷺ بِالصَّبْرِ ونَهْيَهُ إيّاهُ أنْ يَكُونَ كَصاحِبِ الحُوتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ صاحِبَ الحُوتِ لَمْ يَصْبِرْ كَما يَنْبَغِي. وقِصَّةُ يُونُسَ وسَبَبُ ذَهابِهِ ومُغاضَبَتِهِ قَوْمَهُ مَشْهُورَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في سُورَةِ ”يُونُسَ“ أنَّ قَوْمَ يُونُسَ آمَنُوا فَنَفَعَهم إيمانُهم دُونَ غَيْرِهِمْ مِن سائِرِ القُرى الَّتِي بُعِثَتْ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا (p-٢٤٤)قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةَ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] . وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما مِن مُؤْمِنٍ يُصِيبُهُ الكَرْبُ والغَمُّ فَيَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ داعِيًا بِإخْلاصٍ إلّا نَجّاهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ الغَمِّ، ولا سِيَّما إذا دَعا بِدُعاءِ يُونُسَ هَذا. وقَدْ جاءَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في دُعاءِ يُونُسَ المَذْكُورِ: ”لَمْ يَدْعُ بِهِ مُسْلِمٌ رَبَّهُ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا اسْتَجابَ لَهُ“» رَواهُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهم. والآيَةُ الكَرِيمَةُ شاهِدَةٌ لِهَذا الحَدِيثِ شَهادَةً قَوِيَّةً كَما تَرى؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أنْجى يُونُسَ شَبَّهَ بِذَلِكَ إنْجاءَهُ المُؤْمِنِينَ. وقَوْلِهِ ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ صِيغَةٌ عامَّةٌ في كُلِّ مُؤْمِنٍ كَما تَرى. وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ وشُعْبَةَ عَنْ عاصِمٍ ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ بِنُونَيْنِ أُولاهُما مَضْمُومَةٌ، والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ بَعْدَها جِيمٌ مَكْسُورَةٌ مُخَفِّفَةٌ فَياءٌ ساكِنَةٌ، وهو مُضارِعُ ”أنْجى“ الرُّباعِيِّ عَلى صِيغَةِ أفْعَلَ، والنُّونُ الأُولى دالَّةٌ عَلى العَظَمَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ ”وَكَذَلِكَ نُجِّي المُؤْمِنِينَ“ بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها جِيمٌ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ فَياءٌ ساكِنَةٌ. وهو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِصِيغَةِ فِعْلٍ ماضٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ مَن نَجّى المُضَعَّفَةِ عَلى وزْنِ ”فَعَّلَ“ بِالتَّضْعِيفِ. وفي كِلْتا القِراءَتَيْنِ إشْكالٌ مَعْرُوفٌ. أمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَهي مِن جِهَةِ القَواعِدِ العَرَبِيَّةِ واضِحَةٌ لا إشْكالَ فِيها، ولَكِنْ فِيها إشْكالٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهي: أنَّ هَذا الحَرْفَ إنَّما كَتَبَهُ الصَّحابَةُ في المَصاحِفِ العُثْمانِيَّةِ بِنُونٍ واحِدَةٍ، فَيُقالُ: كَيْفَ تُقْرَأُ بِنُونَيْنِ وهي في المَصاحِفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ ؟ وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وشُعْبَةَ بِالإشْكالِ مِن جِهَةِ القَواعِدِ العَرَبِيَّةِ؛ لِأنَّ نَجّى عَلى قِراءَتِهِما بِصِيغَةِ ماضٍ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، فالقِياسُ رَفْعُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَهُ عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ، وكَذَلِكَ القِياسُ فَتْحُ ياءِ ”نَجّى“ لا إسْكانُها. وَأجابَ العُلَماءُ عَنْ هَذا بِأجْوِبَةٍ، مِنها ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ، وأشارَ إلَيْهِ ابْنُ هِشامٍ في بابِ الإدْغامِ مِن تَوْضِيحِهِ أنَّ الأصْلَ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وشُعْبَةَ ”نُنَجِّي“ بِفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ مُضارِعُ نَجّى مُضَعَّفًا، فَحُذِفَتِ النُّونُ الثّانِيَةُ تَخْفِيفًا. أوْ نُنْجِي بِسُكُونِها مُضارِعُ ”أنْجى“ وأُدْغِمَتِ النُّونُ في الجِيمِ لِاشْتِراكِهِما في الجَهْرِ، والِانْفِتاحِ، والتَّوَسُّطِ بَيْنَ القُوَّةِ والضَّعْفِ، كَما أُدْغِمَتْ في ”إجّاصَةِ وإجّانَةِ“ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ فِيهِما، والأصْلُ ”إنْجاصَةٌ وإنْجانَةٌ“ فَأُدْغِمَتِ النُّونُ فِيهِما. والإجّاصَةُ: واحِدَةُ الإجّاصِ، قالَ في القامُوسِ: الإجّاصُ بِالكَسْرِ مُشَدَّدًا: ثَمَرٌ مَعْرُوفٌ، دَخِيلٌ لِأنَّ الجِيمَ والصّادَ لا يَجْتَمِعانِ في كَلِمَةٍ، الواحِدَةُ بِهاءٍ. ولا (p-٢٤٥)تَقُلْ إنْجاصٌ، أوْ لُغَيَّةٌ. ا هـ. والإجّانَةُ واحِدَةُ الأجاجِينِ. قالَ في التَّصْرِيحِ: وهي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِها. قالَ صاحِبُ الفَصِيحِ: قَصْرِيَّةٌ يُعْجَنُ فِيها ويُغْسَلُ فِيها. ويُقالُ: إنْجانَةٌ كَما يُقالُ إنْجاصَةٌ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَةٌ فِيهِما أنْكَرَها الأكْثَرُونَ. ا هـ. فَهَذانِ وجْهانِ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وشُعْبَةَ، وعَلَيْهِما فَلَفْظَةُ ”المُؤْمِنِينَ“ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”نُنَجِّي“ . وَمِن أجْوِبَةِ العُلَماءِ عَنْ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وشُعْبَةَ: أنَّ ”نُجِّيَ“ عَلى قِراءَتِهِما فِعْلُ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والنّائِبُ عَنِ الفاعِلِ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ: نَجّى هو، أيِ الإنْجاءُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالآيَةُ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ لِيُجْزى قَوْمًا الآيَةَ [الجاثية: ١٤] بِبِناءِ ”يُجْزى“ لِلْمَفْعُولِ، والنّائِبُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، أيْ: لِيَجْزِيَ هو، أيِ الجَزاءَ ونِيابَةُ المَصْدَرِ عَنِ الفاعِلِ في حالِ كَوْنِ الفِعْلِ مُتَعَدِّيًا لِلْمَفْعُولِ تَرِدُ بِقِلَّةٍ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَقابِلْ مِن ظُرُوفٍ أوْ مِن مَصْدَرِ ∗∗∗ أوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيابَةٍ حَرِي ؎وَلا يَنُوبُ بَعْضُ هَذا إنْ وُجِدْ ∗∗∗ في اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ وقَدْ يَرِدْ وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ قَوْلُهُ: ”وَقَدْ يَرِدُ“ ومِمَّنْ قالَ بِجَوازِ ذَلِكَ الأخْفَشُ والكُوفِيُّونَ وأبُو عُبَيْدٍ. ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ جَرِيرٍ يَهْجُو أُمَّ الفَرَزْدَقِ: ؎وَلَوْ ولَدَتْ قُفَيْرَةُ جَرْوَ كَلْبٍ ∗∗∗ لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلابا ٦٩ يَعْنِي لَسُبَّ هو، أيْ: السَّبُّ. وقَوْلُ الرّاجِزِ: ؎لَمْ يَعْنِ بِالعَلْياءِ إلّا سَيِّدًا ∗∗∗ ولا شَفى ذا الغَيِّ إلّا ذُو هُدى وَأمّا إسْكانُ ياءِ ”نُجِّي“ عَلى هَذا القَوْلِ فَهو عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ مِنَ العَرَبِ: رَضِي، وبَقِي بِإسْكانِ الياءِ تَخْفِيفًا. ومِنهُ قِراءَةُ الحَسَنِ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا [البقرة: ٢٧٨] بِإسْكانِ ياءِ ”بَقِيَ“ ومِن شَواهِدِ تِلْكَ اللُّغَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَمَّرَ الشَّيْبُ لُمَّتِي تَخْمِيرًا ∗∗∗ وحَدا بِي إلى القُبُورِ البَعِيرا ؎لَيْتَ شِعْرِي إذِ القِيامَةُ قامَتْ ∗∗∗ ودُعِي بِالحِسابِ أيْنَ المَصِيرا وَأمّا الجَوابُ عَنْ قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالظّاهِرُ فِيهِ أنَّ الصَّحابَةَ حَذَفُوا النُّونَ في المَصاحِفِ؛ لِتُمْكِنَ مُوافَقَةُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وشُعْبَةَ لِلْمَصاحِفِ لِخَفائِها، أمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَوَجْهُها ظاهِرٌ ولا إشْكالَ فِيها، فَغايَةُ الأمْرِ أنَّهم حَذَفُوا حَرْفًا مِنَ الكَلِمَةِ لِمَصْلَحَةٍ مَعَ تَواتُرِ الرِّوايَةِ لَفْظًا بِذِكْرِ الحَرْفِ المَحْذُوفِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الأنبياء 21:92

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ ﴿وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ . (p-٢٤٦)قَدْ قَدَّمْنا مَعانِيَ ”الأُمَّةِ“ في القُرْآنِ في سُورَةِ ”هُودٍ“ . والمُرادُ بِالأُمَّةِ هُنا: الشَّرِيعَةُ والمِلَّةُ، والمَعْنى: وأنَّ هَذِهِ شَرِيعَتُكم شَرِيعَةً واحِدَةً، وهي تَوْحِيدُ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ بِإخْلاصٍ في ذَلِكَ، عَلى حَسَبِ ما شَرَعَهُ لِخَلْقِهِ ﴿وَأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] أيْ: وحْدِي، والمَعْنى دِينُكم واحِدٌ ورَبُّكم واحِدٌ، فَلِمَ تَخْتَلِفُونَ ﴿وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣] أيْ: تَفَرَّقُوا في الدِّينِ وكانُوا شِيَعًا؛ فَمِنهم يَهُودِيٌّ، ومِنهم نَصْرانِيٌّ، ومِنهم عابِدُ وثَنٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفِرَقِ المُخْتَلِفَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ أنَّهم جَمِيعُهم راجِعُونَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وسَيُجازِيهِمْ بِما فَعَلُوا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ المَعْنى: جَعَلُوا أمْرَ دِينِهِمْ فِيما بَيْنَهم قِطَعًا كَما يَتَوَزَّعُ الجَماعَةُ الشَّيْءَ ويَقْتَسِمُونَهُ، فَيَصِيرُ لِهَذا نَصِيبٌ ولِذَلِكَ نُصِيبٌ؛ تَمْثِيلًا لِاخْتِلافِهِمْ فِيهِ، وصَيْرُورَتِهِمْ فِرَقًا شَتّى. ا هـ. وَظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ”تَقَطَّعَ“ مُتَعَدِّيَةٌ إلى المَفْعُولِ ومَفْعُولُها ”أمْرَهم“ ومَعْنى تَقَطَّعُوهُ أنَّهم جَعَلُوهُ قِطَعًا كَما ذَكَرْنا. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ الأزْهَرِيُّ: ﴿وَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ﴾ أيْ: تَفَرَّقُوا في أمْرِهِمْ، فَنَصَبَ ”أمْرَهم“ بِحَذْفِ ”في“ ومِن إطْلاقِ الأُمَّةِ بِمَعْنى الشَّرِيعَةِ والدِّينِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] أيْ: عَلى شَرِيعَةٍ ومِلَّةٍ ودِينٍ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ: ؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ وَمَعْنى قَوْلِهِ: ”وَهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ. . إلخ“ أنَّ صاحِبَ الدِّينِ لا يَرْتَكِبُ الإثْمَ طائِعًا. وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ: مِن أنَّ الدِّينَ واحِدٌ، والرَّبَّ واحِدٌ فَلا داعِيَ لِلِاخْتِلافِ. وأنَّهم مَعَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا أوْ صارُوا فِرَقًا أوْضَحَهُ في سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ وزادَ أنَّ كُلَّ حِزْبٍ مِنَ الأحْزابِ المُخْتَلِفَةِ فَرِحُونَ بِما عِنْدَهم. وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٤] (p-٢٤٧)وَقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: زُبُرًا أيْ: قِطَعًا كَزُبَرِ الحَدِيدِ والفِضَّةِ أيْ: قِطَعِها. وقَوْلُهُ ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أيْ: كُلُّ فِرْقَةٍ مِن هَؤُلاءِ الفِرَقِ الضّالِّينَ المُخْتَلِفِينَ المُتَقَطِّعِينَ دِينَهم قِطَعًا فَرِحُونَ بِباطِلِهِمْ، مُطْمَئِنُّونَ إلَيْهِ، مُعْتَقِدُونَ أنَّهُ هو الحَقُّ. وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّ ما فَرِحُوا بِهِ واطْمَأنُّوا إلَيْهِ باطِلٌ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ ”المُؤْمِنِ“: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٣ - ٨٤] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إنَّ هَذِهِ ”هَذِهِ“ اسْمُ ”إنَّ“ وخَبَرُها أُمَّتُكم. وقَوْلِهِ أُمَّةً واحِدَةً حالٌ كَما هو ظاهِرٌ.

الأنبياء 21:98

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٤٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأنْبِياءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ المَعْبُوداتِ مَعَ عابِدِيها في النّارِ. وَقَدْ أشارَتْ آياتٌ أُخَرُ إلى أنَّ بَعْضَ المَعْبُودِينَ كَعِيسى والمَلائِكَةِ لَيْسُوا مِن أهْلِ النّارِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف: ٥٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٠] • وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٧] . والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَتَناوَلِ المَلائِكَةَ ولا عِيسى لِتَعْبِيرِهِ بِـ: ”ما“ الدّالَّةِ عَلى غَيْرِ العاقِلِ. وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى هَذا الجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] لِأنَّهم لَوْ أنْصَفُوا لَما ادَّعَوْا دُخُولَ العُقَلاءِ في لَفْظٍ لا يَتَناوَلُهم لُغَةً. الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ وعِيسى نَصَّ اللَّهُ عَلى إخْراجِهِمْ مِن هَذا دَفْعًا لِلتَّوَهُّمِ ولِهَذِهِ الحُجَّةِ الباطِلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٠١]،، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] . عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِلَفْظِ: ”إنَّما“ وهي تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، (p-٣٤٣)وَعَلَيْهِ فَهي تَدُلُّ عَلى حَصْرِ الوَحْيِ في تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ. وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أوْصى إلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ • كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ الآيَةَ [ ٧٢ ]، • وقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ﴾ [هود: ٤٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٣] . والجَوابُ أنَّ حَصْرَ الوَحْيِ في تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ حَصْرٌ لَهُ في أصْلِهِ الأعْظَمِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ جَمِيعُ الفُرُوعِ، لِأنَّ شَرائِعَ كُلِّ الأنْبِياءِ داخِلَةٌ في ضِمْنِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لِأنَّ مَعْناها خَلْعُ كُلِّ الأنْدادِ سِوى اللَّهِ في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ، وإفْرادُ اللَّهِ بِجَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الأوامِرِ والنَّواهِي القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ والِاعْتِقادِيَّةِ.

الأنبياء 21:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أهْلَ النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى. وأظْهَرُ الأقْوالِ في الزَّفِيرِ أنَّهُ كَأوَّلِ صَوْتِ الحِمارِ، وأنَّ الشَّهِيقَ كَآخِرِهِ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أهْلَ النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ وزادَ عَلى ذَلِكَ الشَّهِيقَ، والخُلُودَ، كَقَوْلِهِ في ”هُودٍ“: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ . [ الآيَةَ ١٠٦ ] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أهْلَ النّارِ لا يَسْمَعُونَ فِيها، وبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهم لا يَتَكَلَّمُونَ، ولا يُبْصِرُونَ، • كَقَوْلِهِ في ”الإسْراءِ“: ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] • وقَوْلِهِ: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٤] • وقَوْلِهِ: ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥] مَعَ أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - ذَكَرَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ ويَتَكَلَّمُونَ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآيَةَ [مريم: ٣٨] • وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٢] • وقَوْلِهِ: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٣] . وقَدْ بَيَّنّا أوْجُهَ الجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ في ”طه“ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

الأنبياء 21:101

(p-٢٤٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُوْلَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنهُ في عِلْمِهِ الحُسْنى وهي تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وهي الجَنَّةُ أوِ السَّعادَةُ - مُبْعَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنِ النّارِ. وقَدْ أشارَ إلى نَحْوِ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الأنبياء 21:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنهُ الحُسْنى ﴿وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [ ٢١ ] أيْ: تَسْتَقْبِلُهم بِالبِشارَةِ، وتَقُولُ لَهم: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أيْ: تُوعَدُونَ فِيهِ أنْواعَ الكَرامَةِ والنَّعِيمِ. قِيلَ: تَسْتَقْبِلُهم عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ بِذَلِكَ. وقِيلَ: عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ كَما تَقَدَّمَ. وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - مِنِ اسْتِقْبالِ المَلائِكَةِ لَهم بِذَلِكَ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”فُصِّلَتْ“: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: - ٣٣] وقَوْلِهِ في ”النَّحْلِ“: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [ ١٦ ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الأنبياء 21:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ﴾ [ ٢١ ] أوْ بِقَوْلِهِ تَتَلَقّاهُمُ. وقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ الكُتُبَ. وصَرَّحَ في ”الزُّمَرِ“ بِأنَّ الأرْضَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّ السَّماواتِ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] وما ذَكَرَهُ مِن كَوْنِ السَّماواتِ مَطْوِيّاتٍ بِيَمِينِهِ في هَذِهِ الآيَةِ جاءَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ الواجِبَ في ذَلِكَ إمْرارُهُ كَما جاءَ، والتَّصْدِيقُ بِهِ مَعَ اعْتِقادِ أنَّ صِفَةَ الخالِقِ أعْظَمُ مِن أنْ تُماثِلَ صِفَةَ المَخْلُوقِ. وَأقْوالُ العُلَماءِ في مَعْنى قَوْلِهِ: (p-٢٤٩)﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ راجِعَةٌ إلى أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ السِّجِلَّ: الصَّحِيفَةُ، والمُرادُ بِالكُتُبِ: ما كُتِبَ فِيها، واللّامُ بِمَعْنى عَلى، أيْ: كَطَيِّ السِّجِلِّ عَلى الكُتُبِ، أيْ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلى ما كُتِبَ فِيها، وعَلى هَذا فَطَيُّ السِّجِلِّ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ؛ لِأنَّ السِّجِلَّ عَلى هَذا المَعْنى مَفْعُولُ الطَّيِّ. الثّانِي: أنَّ السِّجِلَّ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو الَّذِي يَطْوِي كُتُبَ أعْمالِ بَنِي آدَمَ إذا رُفِعَتْ إلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ في السَّماءِ الثّالِثَةِ، تَرْفَعُ إلَيْهِ الحَفَظَةُ المُوَكَّلُونَ بِالخَلْقِ أعْمالَ بَنِي آدَمَ في كُلِّ خَمِيسٍ واثْنَيْنِ، وكانَ مِن أعْوانِهِ (فِيما ذَكَرُوا) هارُوتُ ومارُوتُ، وقِيلَ: إنَّهُ لا يَطْوِي الصَّحِيفَةَ حَتّى يَمُوتَ صاحِبُها، فَيَرْفَعَها ويَطْوِيَها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ السِّجِلَّ صَحابِيٌّ كاتِبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما تَرى. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ”لِلْكِتابِ“ قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ ”لِلْكِتابِ“ بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ التّاءِ بَعْدَها ألْفٌ بِصِيغَةِ الإفْرادِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”لِلْكُتُبِ“ بِضَمِّ الكافِ والتّاءِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ. ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالكِتابِ عَلى قِراءَةِ الإفْرادِ جِنْسُ الكِتابِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ الكُتُبِ.

الأنبياء 21:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ . أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الزَّبُورَ الَّذِي هو الكِتابُ يُرادُ بِهِ جِنْسُ الكِتابِ فَيَشْمَلُ الكُتُبَ المُنَزَّلَةَ، كالتَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، وزَبُورِ داوُدَ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وأنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ: أُمُّ الكِتابِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: ولَقَدْ كَتَبْنا في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ بَعْدَ أنْ كَتَبْنا ذَلِكَ في أُمِّ الكِتابِ. وهَذا المَعْنى واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ. وقِيلَ: الزَّبُورُ في الآيَةِ زَبُورُ داوُدَ، والذِّكْرُ: التَّوْراةُ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وأظْهَرُها هو ما ذَكَرْنا واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ. واعْلَمْ أنّا قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ، وكَلاهُما حَقٌّ ويَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ فَنَذْكُرُ الجَمِيعَ؛ لِأنَّهُ كُلُّهُ حَقُّ داخِلٌ في الآيَةِ، ومِن ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأرْضِ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] فِيهِ لِلْعُلَماءِ وجْهانِ: (p-٢٥٠)الأوَّلُ: أنَّها أرْضُ الجَنَّةِ يُورِثُها اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِبادَهُ الصّالِحِينَ. وهَذا القَوْلُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ [ ٣٩ ] وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى إيراثِهِمُ الجَنَّةَ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ . الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ أرْضُ العَدُوِّ، يُورِثُها اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الآيَةَ [ ٢٤ ] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ غَيْرَ حَمْزَةَ في الزَّبُورِ بِفَتْحِ الزّايِ ومَعْناهُ الكِتابُ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (في الزُّبُورِ) بِضَمِّ الزّايِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَهو جَمْعُ زُبُرٍ. والظّاهِرُ أنَّهُ يُرِيدُ الزِّبِرَ - بِالكَسْرِ - بِمَعْنى الزَّبُورِ أيِ: المَكْتُوبِ. وعَلَيْهِ فَمَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ: ولَقَدْ كَتَبْنا في الكُتُبِ، وهي تُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ بِالزَّبُورِ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ جِنْسُ الكُتُبِ لا خُصُوصُ زَبُورِ داوُدَ كَما بَيَّنّا. وقَرَأ حَمْزَةُ ”يَرِثُها عِبادِي“ بِإسْكانِ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها.

الأنبياء 21:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ . الإشارَةُ في قَوْلِهِ: هَذا [الأنبياء: ١٠٦] لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي مِنهُ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ. والبَلاغُ: الكِفايَةُ، وما تُبْلَغُ بِهِ البُغْيَةُ. وما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ فِيهِ الكِفايَةُ لِلْعابِدِينَ، وما يَبْلُغُونَ بِهِ بُغْيَتَهم، أيْ: مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] وخَصَّ القَوْمَ العابِدِينَ بِذَلِكَ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

الأنبياء 21:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ما أرْسَلَ هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ - صَلَواتُ اللَّهِ (p-٢٥١)وَسَلامُهُ عَلَيْهِ - إلى الخَلائِقِ إلّا رَحْمَةً لَهم؛ لِأنَّهُ جاءَهم بِما يُسْعِدُهم ويَنالُونَ بِهِ كُلَّ خَيْرٍ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إنِ اتَّبَعُوهُ. ومَن خالَفَ ولَمْ يَتَّبِعْ فَهو الَّذِي ضَيَّعَ عَلى نَفْسِهِ نَصِيبَهُ مِن تِلْكَ الرَّحْمَةِ العُظْمى. وضَرَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ لِهَذا مَثَلًا، قالَ: لَوْ فَجَّرَ اللَّهُ عَيْنًا لِلْخَلْقِ غَزِيرَةَ الماءِ، سَهْلَةَ التَّناوُلِ، فَسَقى النّاسُ زُرُوعَهم ومَواشِيَهم بِمائِها، فَتَتابَعَتْ عَلَيْهِمُ النِّعَمُ بِذَلِكَ، وبَقِيَ أُناسٌ مُفَرِّطُونَ كُسالى عَنِ العَمَلِ، فَضَيَّعُوا نَصِيبَهم مِن تِلْكَ العَيْنِ - فالعَيْنُ المُفَجَّرَةُ في نَفْسِها رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، ونِعْمَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ. ولَكِنَّ الكَسْلانَ مِحْنَةٌ عَلى نَفْسِهِ حَيْثُ حَرَمَها ما يَنْفَعُها. ويُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] وقِيلَ: كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ مِن حَيْثُ إنَّ عُقُوبَتَهم أُخِّرَتْ بِسَبَبِهِ، وأمِنُوا بِهِ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ. والأوَّلُ أظْهَرُ. وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ ما أرْسَلَهُ إلّا رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جاءَ بِالرَّحْمَةِ لِلْخَلْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ. وهَذا المَعْنى جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] وقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨٦] . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في مَوْضِعَيْنِ مِنها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلى المُشْرِكِينَ. قالَ: ”إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا، وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً“» .

الأنبياء 21:109

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ . قَوْلُهُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أيْ: أعْرَضُوا وصَدُّوا عَمّا تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ أيْ: أعْلَمْتُكم أنِّي حَرْبٌ لَكم كَما أنَّكم حَرْبٌ لِي، بَرِيءٌ مِنكم كَما أنْتُمْ بَراءٌ مِنِّي. وهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ أشارَتْ إلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، • كَقَوْلِهِ: ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ: لِيَكُنْ عِلْمُكَ وعِلْمُهم بِنَبْذِ العُهُودِ عَلى السَّواءِ. • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] • وقَوْلِهِ: آذَنْتُكم الأذانُ: الإعْلامُ. ومِنهُ الأذانُ لِلصَّلاةِ. • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣] أيْ: إعْلامٌ مِنهُ، قَوْلُهُ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٧٩] أيِ: اعْلَمُوا. ومِنهُ قَوْلُ (p-٢٥٢)الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنهُ الثَّواءُ يَعْنِي أعْلَمَتْنا بِبَيْنِها.

الأنبياء 21:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ عَلِمَ ما يَجْهَرُ بِهِ خَلْقُهُ مِنَ القَوْلِ، ويَعْلَمُ ما يَكْتُمُونَهُ. وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣] • وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٩] في المَوْضِعَيْنِ، • وقَوْلِهِ: ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ [طه: ٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الأنبياء 21:112

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم ‎بِالحَقِّ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ قُلْ رَبِّ بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ اللّامِ بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ وحْدَهُ قالَ بِفَتْحِ القافِ واللّامِ بَيْنَهُما ألِفٌ بِصِيغَةِ الماضِي. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ أمَرَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ. وقِراءَةُ حَفْصٍ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ امْتَثَلَ الأمْرَ بِالفِعْلِ. وما أمَرَهُ أنْ يَقُولَهُ هُنا قالَهُ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] وقَوْلِهِ: افْتَحْ أيْ: احْكم كَما تَقَدَّمَ. * * قَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢] أيْ: تَصِفُونَهُ بِألْسِنَتِكم مِن أنْواعِ الكَذِبِ بِادِّعاءِ الشُّرَكاءِ والأوْلادِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٢] وقالَ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١١٦] . وما قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ قالَهُ يَعْقُوبُ لَمّا عَلِمَ أنَّ أوْلادَهُ فَعَلُوا بِأخِيهِمْ يُوسُفَ شَيْئًا غَيْرَ ما أخْبَرُوهُ بِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] والمُسْتَعانُ: المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. (p-٢٥٣)وَهَذا آخِرُ الجُزْءِ الرّابِعِ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الخامِسُ إنْ شاءَ اللَّهُ، وأوَّلُهُ سُورَةُ الحَجِّ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وصَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ.