Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — الحج 22:1 – الحج 22:50

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. الحج 22:1
  2. الحج 22:3
  3. الحج 22:5
  4. الحج 22:8
  5. الحج 22:10
  6. الحج 22:12
  7. الحج 22:13
  8. الحج 22:15
  9. الحج 22:18
  10. الحج 22:19
  11. الحج 22:22
  12. الحج 22:25
  13. الحج 22:26
  14. الحج 22:27
  15. الحج 22:28
  16. الحج 22:29
  17. الحج 22:30
  18. الحج 22:31
  19. الحج 22:32
  20. الحج 22:33
  21. الحج 22:36
  22. الحج 22:38
  23. الحج 22:39
  24. الحج 22:40
  25. الحج 22:42
  26. الحج 22:45
  27. الحج 22:46
  28. الحج 22:47
  29. الحج 22:48
  30. الحج 22:49
  31. الحج 22:50

الحج 22:1

(p-٢٥٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَجِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أمَرَ جَلَّ وعَلا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ النّاسَ بِتَقْواهُ جَلَّ وعَلا؛ بِامْتِثالِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، وبَيَّنَ لَهم أنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، تَذْهَلُ بِسَبَبِهِ المَراضِعُ عَنْ أوْلادِها، وتَضَعُ بِسَبَبِهِ الحَوامِلُ أحْمالَها، مِن شِدَّةِ الهَوْلِ والفَزَعِ، وأنَّ النّاسَ يُرَوْنَ فِيهِ كَأنَّهم سُكارى مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، وما هم بِسُكارى مِن شُرْبِ الخَمْرِ، ولَكِنَّ عَذابَهُ شَدِيدٌ. وَما ذَكَرَهُ تَعالى هُنا مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى، وذَكَرَهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ جِدًّا مِن كِتابِهِ؛ كَقَوْلِهِ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [ ٤ ] والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَما بَيَّنَهُ هُنا مِن شَدَّةِ أهْوالِ السّاعَةِ، وعِظَمِ زَلْزَلَتِها، بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ ﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: - ٤] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٤ - ٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ هَوْلِ السّاعَةِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: اتَّقُوا رَبَّكم [ ٢٢ ] قَدْ أوْضَحْنا فِيما مَضى مَعْنى التَّقْوى بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. والزَّلْزَلَةُ: شِدَّةُ التَّحْرِيكِ والإزْعاجِ، ومُضاعَفَةُ زَلِيلِ الشَّيْءِ عَنْ مَقَرِّهِ ومَرْكَزِهِ؛ أيْ تَكْرِيرُ انْحِرافِهِ وتَزَحْزُحِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ؛ لِأنَّ (p-٢٥٥)الأرْضَ إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً تَزَلْزَلَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْها زَلْزَلَةً قَوِيَّةً. وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾ مَنصُوبٌ بِـ (تَذْهَلُ) والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الزَّلْزَلَةِ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ؛ لِأنَّهم يَرَوْنَ زَلْزَلَةَ الأشْياءِ بِأبْصارِهِمْ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: إنَّها مِن: رَأى العِلْمِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ [ ٢٢ كُلُّ مُرْضِعَةٍ أيْ: كُلُّ أُنْثى تُرْضِعُ ولَدَها، ووَجْهُ قَوْلِهِ: مُرْضِعَةٍ، ولَمْ يَقُلْ: مُرْضِعٍ: هو ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، مِن أنَّ الأوْصافَ المُخْتَصَّةَ بِالإناثِ إنْ أُرِيدَ بِها الفِعْلُ لَحِقَها التّاءُ، وإنْ أُرِيدَ بِها النَّسَبُ جُرِّدَتْ مِنَ التّاءِ، فَإنْ قُلْتَ: هي مُرْضِعٌ، تُرِيدُ أنَّها ذاتُ رَضاعٍ، جَرَّدْتَهُ مِنَ التّاءِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَمِثْلُكِ حُبْلى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ فألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمَ مُغْيَلِ وَإنْ قُلْتَ: هي مُرْضِعَةٌ بِمَعْنى أنَّها تَفْعَلُ الرَّضاعَ؛ أيْ: تُلْقِمُ الوَلَدَ الثَّدْيَ، قُلْتَ: هي مُرْضِعَةٌ بِالتّاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎كَمُرْضِعَةٍ أوْلادَ أُخْرى وضَيَّعَتْ ∗∗∗ بَنِي بَطْنِها هَذا الضَّلالُ عَنِ القَصْدِ كَما أشارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ؎وَما مِنَ الصِّفاتِ بِالأُنْثى يَخُصُّ ∗∗∗ عَنْ تاءٍ اسْتَغْنى لِأنَّ اللَّفْظَ نَصٌّ ؎وَحَيْثُ مَعْنى الفِعْلِ يَعْنِي التّاءَ زِدْ ∗∗∗ كَذِي غَدَتْ مُرْضِعَةً طِفْلًا وُلِدْ وَما زَعَمَهُ بَعْضُ النُّحاةِ الكُوفِيِّينَ: مِن أنَّ أُمَّ الصَّبِيِّ مُرْضِعَةٌ بِالتّاءِ، والمُسْتَأْجَرَةَ لِلْإرْضاعِ: مُرْضِعٌ بِلا هاءٍ - باطِلٌ، قالَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ. واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ؎كَمُرْضِعَةٍ أوْلادَ أُخْرى - البَيْتَ، فَقَدْ أثْبَتَ التّاءَ لِغَيْرِ الأُمِّ، وقَوْلُ الكُوفِيِّينَ أيْضًا: إنَّ الوَصْفَ المُخْتَصَّ بِالأُنْثى لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التّاءِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنها الفَرْقُ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، والوَصْفُ المُخْتَصُّ بِالأُنْثى لا يَحْتاجُ إلى فَرْقٍ؛ لِعَدَمِ مُشارَكَةِ الذَّكَرِ لَها فِيهِ - مَرْدُودٌ أيْضًا، قالَهُ (p-٢٥٦)أبُو حَيّانَ في البَحْرِ أيْضًا مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ العَرَبِ: مُرْضِعَةٌ، وحائِضَةٌ، وطالِقَةٌ. والأظْهَرُ في ذَلِكَ هو ما قَدَّمْنا، مِن أنَّهُ إنْ أُرِيدَ الفِعْلُ جِيءَ بِالتّاءِ، وإنْ أُرِيدَ النِّسْبَةُ جُرِّدَ مِنَ التّاءِ، ومِن مَجِيءِ التّاءِ لِلْمَعْنى المَذْكُورِ قَوْلُ الأعْشى: ؎أجارَتَنا بِينِي فَإنَّكِ طالِقَهْ ∗∗∗ كَذاكَ أُمُورُ النّاسِ غادٍ وطارِقَهْ وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قِيلَ: (مُرْضِعَةٍ) دُونَ (مُرْضِعٍ) ؟ قُلْتُ: المُرْضِعَةُ الَّتِي هي في حالِ الإرْضاعِ مُلْقِمَةٌ ثَدْيَها الصَّبِيَّ. والمُرْضِعُ: الَّتِي شَأْنُها أنْ تُرْضِعَ، وإنْ لَمْ تُباشِرِ الإرْضاعَ في حالِ وصْفِها بِهِ، فَقِيلَ: (مُرْضِعَةٍ)، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الهَوْلَ إذا فُوجِئَتْ بِهِ هَذِهِ وقَدْ ألْقَمَتِ الرَّضِيعَ ثَدْيَها: نَزَعَتْهُ عَنْ فِيهِ؛ لِما يَلْحَقُها مِنَ الدَّهْشَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمّا أرْضَعَتْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ”ما“ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: أرْضَعَتْهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ: والحَذْفُ عِنْدَهم كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عائِدٍ مُتَّصِلٍ إنِ انْتَصَبْ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ كَمَن نَرْجُو يَهَبْ وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَنْ إرْضاعِها. قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: ويُقَوِّي كَوْنَها مَوْصُولَةً تَعَدِّي ”وَضَعَ“ إلى المَفْعُولِ بِهِ في قَوْلِهِ: حَمْلَها لا إلى المَصْدَرِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾؛ أيْ: كُلُّ صاحِبَةِ حَمْلٍ تَضَعُ جَنِينَها مِن شِدَّةِ الفَزَعِ والهَوْلِ، والـ (حَمْلُ) بِالفَتْحِ: ما كانَ في بَطْنٍ مِن جَنِينٍ، أوْ عَلى رَأْسِ شَجَرَةٍ مِن ثَمَرٍ ﴿وَتَرى النّاسَ سُكارى﴾ جَمْعُ سَكْرانَ؛ أيْ: يُشَبِّهُهم مَن رَآهم بِالسُّكارى مِن شِدَّةِ الفَزَعِ ﴿وَما هم بِسُكارى﴾ مِنَ الشَّرابِ ﴿وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ والخَوْفُ مِنهُ هو الَّذِي صَيَّرَ مَن رَآهم يُشَبِّهُهم بِالسُّكارى، لِذَهابِ عُقُولِهِمْ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، كَما يَذْهَبُ عَقْلُ السَّكْرانِ مِنَ الشَّرابِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( وتَرى النّاسَ سَكْرى وما هم بِسَكْرى ( بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ الكافِ في الحَرْفَيْنِ عَلى وزْنِ فَعْلى بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ سُكارى بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ الكافِ بَعْدَها ألِفٌ في الحَرْفَيْنِ أيْضًا، وكِلاهُما جَمْعُ سَكْرانَ عَلى التَّحْقِيقِ. وقِيلَ: إنَّ سَكْرى بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ جَمَعُ سَكِرٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ بِمَعْنى: (p-٢٥٧)السَّكْرانِ، كَما يُجْمَعُ الزَّمِنُ عَلى الزَّمْنى، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ. وقِيلَ: إنَّ سَكْرى مُفْرَدٌ، وهو غَيْرُ صَوابٍ. واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنَّ المَعْدُومَ يُسَمّى شَيْئًا؛ لِأنَّهُ وصَفَ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ بِأنَّها شَيْءٌ في حالِ عَدَمِها قَبْلَ وُجُودِها. قَدْ بَيَّنّا وجْهَ رَدِّهِ في سُورَةِ مَرْيَمَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. * * مَسْألَةٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، هَلْ هي بَعْدَ قِيامِ النّاسِ مِن قُبُورِهِمْ يَوْمَ نَشُورِهِمْ إلى عَرَصاتِ القِيامَةِ، أوْ هي عِبارَةٌ عَنْ زَلْزَلَةِ الأرْضِ قَبْلَ قِيامِ النّاسِ مِنَ القُبُورِ ؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ كائِنَةٌ في آخِرِ عُمْرِ الدُّنْيا، وأوَّلِ أحْوالِ السّاعَةِ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: عَلْقَمَةُ، والشَّعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وهَذا القَوْلُ مِن حَيْثُ المَعْنى لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ما يُؤَيِّدُهُ مِنَ النَّقْلِ، بَلِ الثّابِتُ مِنَ النَّقْلِ يُؤَيِّدُ خِلافَهُ. وهو القَوْلُ الآخَرُ. وَحُجَّةُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ جاءَ بِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ضَعِيفٌ لا يَجُوزُ الِاحْتِجاجُ بِهِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ مُبَيِّنًا دَلِيلَ مَن قالَ: إنَّ الزَّلْزَلَةَ المَذْكُورَةَ في آخِرِ الدُّنْيا قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ: حَدَّثَنا أبُو كُرَيْبٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُحارِبِيُّ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ رافِعٍ المَدَنِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا فَرَغَ اللَّهُ مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ، فَأُعْطِيَ إسْرافِيلَ، فَهو واضِعُهُ عَلى فِيهِ، شاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلى السَّماءِ، يَنْظُرُ مَتى يُؤْمَرُ» قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، وما الصُّورُ ؟ قالَ: ”قَرْنٌ“، قالَ: وكَيْفَ هو ؟ قالَ: ”قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثَ نَفْخاتٍ، الأُولى: نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيامِ لِرَبِّ العالَمِينَ»“ يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إسْرافِيلَ بِالنَّفْخَةِ الأُولى: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَتُفْزِعُ أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ، ويَأْمُرُهُ اللَّهُ فَيُدِيمُها ويُطَوِّلُها فَلا يَفْتُرُ، وهي الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ [ص: ١٥] فَيُسَيِّرُ اللَّهُ الجِبالَ فَتَكُونُ سَرابًا، وتُرَجُّ الأرْضُ بِأهْلِها رَجًّا، وهي الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٦ (p-٢٥٨)- ٨] فَتَكُونُ الأرْضُ كالسَّفِينَةِ المُوبَقَةِ في البَحْرِ، تَضْرِبُها الأمْواجُ تُكْفَأُ بِأهْلِها، أوْ كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ بِالعَرْشِ، تُرَجِّجُهُ الأرْواحُ، فَتَمِيدُ النّاسُ عَلى ظَهْرِها، فَتَذْهَلُ المَراضِعُ، وتَضَعُ الحَوامِلُ، وتَشِيبُ الوِلْدانُ، وتَطِيرُ الشَّياطِينُ هارِبَةً حَتّى تَأْتِيَ الأقْطارَ، فَتَلَقّاها المَلائِكَةُ، فَتَضْرِبُ وُجُوهَها، ويُوَلِّي النّاسُ مُدْبِرِينَ، يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا، وهو الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [غافر: - ٣٣] فَبَيْنَما هم عَلى ذَلِكَ، إذْ تَصَدَّعَتِ الأرْضُ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ فَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا، وأخَذَهم لِذَلِكَ مِنَ الكَرْبِ ما اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ نَظَرُوا إلى السَّماءِ، فَإذا هي كالمُهْلِ، ثُمَّ خُسِفَتْ شَمْسُها، وخُسِفَ قَمَرُها، وانْتَثَرَتْ نُجُومُها، ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهم، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”والأمْواتُ لا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ“ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَمَنِ اسْتَثْنى اللَّهُ حِينَ يَقُولُ: ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] قالَ: ”أُولَئِكَ الشُّهَداءُ، وإنَّما يَصِلُ الفَزَعُ إلى الأحْياءِ، أُولَئِكَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وقاهُمُ اللَّهُ فَزَعَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأمَّنَهم، وهو عَذابُ اللَّهِ يَبْعَثُهُ عَلى شِرارِ خَلْقِهِ، وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [ ٢٢ ]“ . انْتَهى مِنهُ. ولا يَخْفى ضَعْفُ الإسْنادِ المَذْكُورِ كَما تَرى. وابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَبْلَ أنْ يَسُوقَ الإسْنادَ المَذْكُورَ، قالَ ما نَصُّهُ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ ما قالَ هَؤُلاءِ خَبَرٌ في إسْنادِهِ نَظَرٌ، وذَلِكَ ما حَدَّثَنا أبُو كُرَيْبٍ. . . إلى آخِرِ الإسْنادِ، كَما سُقْناهُ عَنْهُ آنِفًا. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وقَدْ أوْرَدَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ مُسْتَنَدَ مَن قالَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الصُّورِ، مِن رِوايَةِ إسْماعِيلَ بْنِ رافِعٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ ساقَ الحَدِيثَ نَحْوَ ما ذَكَرْناهُ بِطُولِهِ، ثُمَّ قالَ: هَذا الحَدِيثُ قَدْ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وغَيْرُ واحِدٍ مُطَوَّلًا جِدًّا. والغَرَضُ مِنهُ: أنَّهُ دَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ كائِنَةٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أُضِيفَتْ إلى السّاعَةِ لِقُرْبِها مِنها، كَما يُقالُ: أشْراطُ السّاعَةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى مِنهُ. وقَدْ عَلِمْتَ ضَعْفَ الإسْنادِ المَذْكُورِ. وَأمّا حُجَّةُ أهْلِ القَوْلِ الآخَرِ القائِلِينَ بِأنَّ الزَّلْزَلَةَ المَذْكُورَةَ كائِنَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، فَهي ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن تَصْرِيحِهِ بِذَلِكَ. وبِذَلِكَ تَعْلَمُ (p-٢٥٩)أنَّ هَذا القَوْلَ هو الصَّوابُ كَما لا يَخْفى. قالَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ في التَّفْسِيرِ في بابِ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرى النّاسَ سُكارى﴾: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنا أبِي، حَدَّثَنا الأعْمَشُ، حَدَّثَنا أبُو صالِحٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ: يا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. فَيُنادى بِصَوْتٍ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تُخْرِجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إلى النّارِ. قالَ: يا رَبِّ، وما بَعْثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ - أُراهُ قالَ - تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الحامِلُ حَمْلَها، ويَشِيبُ الوَلِيدُ، وتَرى النّاسَ سُكارى، وما هم بِسُكارى، ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، حَتّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهم، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ، ومِنكم واحِدٌ، وأنْتُمْ في النّاسِ كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في جَنْبِ الثَّوْرِ الأبْيَضِ، أوْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جَنْبِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، وإنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ. فَكَبَّرْنا، ثُمَّ قالَ: ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ. فَكَبَّرْنا، ثُمَّ قالَ: شَطْرَ أهْلِ الجَنَّةِ. فَكَبَّرْنا» . وَقالَ أبُو أُسامَةَ، عَنِ الأعْمَشِ: ﴿وَتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [ ٢٢ سُكارى وما هم بِسُكارى. انْتَهى مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وَفِيهِ تَصْرِيحُ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي تَضَعُ فِيهِ الحامِلُ حَمْلَها، وتَرى النّاسَ سُكارى، وما هم بِسُكارى: هو يَوْمُ القِيامَةِ لا آخِرُ الدُّنْيا. وَقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ أيْضًا في كِتابِ: الرِّقاقِ في بابِ: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسى، حَدَّثَنا جَرِيرٌ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: ”يَقُولُ اللَّهُ: «يا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يَدَيْكَ. قالَ: يَقُولُ: أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ. قالَ: وما بَعْثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ، فَذَلِكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وتَرى النّاسَ سُكارى، وما هم بِسُكارى؛ ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّنا ذَلِكَ الرَّجُلُ ؟ قالَ:“ أبْشِرُوا، فَإنَّ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفًا، ومِنكم رَجُلٌ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأطْمَعُ أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَحَمِدْنا اللَّهَ وكَبَّرْنا. ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأطْمَعُ أنْ تَكُونُوا شَطْرَ أهْلِ الجَنَّةِ، إنَّ مَثَلَكم في الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، أوْ كالرَّقْمَةِ في ذِراعِ الحِمارِ» " . انْتَهى مِنهُ. ودَلالَتُهُ عَلى المَقْصُودِ ظاهِرَةٌ. (p-٢٦٠)وَقالَ البُخارِيُّ أيْضًا في صَحِيحِهِ في كِتابِ بَدْءِ الخَلْقِ، في أحادِيثِ الأنْبِياءِ، في بابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: سَبَبًا [الكهف: ٨٣ - ٨٤] حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنا أبُو أُسامَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، حَدَّثَنا أبُو صالِحٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: يا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ. قالَ: وما بَعْثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ. فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وتَرى النّاسَ سُكارى، وما هم بِسُكارى؛ ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ» إلى آخِرِ الحَدِيثِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ. وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: في آخِرِ كِتابِ الإيمانِ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - في بابِ بَيانِ كَوْنِ هَذِهِ الأُمَّةِ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ العَبْسِيُّ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: «يا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يَدَيْكَ، قالَ: يَقُولُ: أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ، قالَ: وما بَعْثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ، قالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وتَرى النّاسَ سُكارى، وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ»“ إلى آخِرِ الحَدِيثِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ. فَحَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ هَذا الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخانِ كَما رَأيْتَ فِيهِ التَّصْرِيحُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي تَضَعُ فِيهِ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وتَرى النّاسَ سُكارى، وما هم بِسُكارى، بَعْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ كَما تَرى، وذَلِكَ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا النَّصُّ فِيهِ إشْكالٌ، لِأنَّهُ بَعْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ لا تَحْمِلُ الإناثُ حَتّى تَضَعَ حَمْلَها مِنَ الفَزَعِ، ولا تُرْضِعَ حَتّى تَذْهَلَ عَمّا أرْضَعَتْ. فالجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، مِن أنَّ مَن ماتَتْ حامِلًا تُبْعَثُ حامِلًا، فَتَضَعُ حَمْلَها مِن شِدَّةِ الهَوْلِ والفَزَعِ، ومَن ماتَتْ مُرْضِعَةً بُعِثَتْ كَذَلِكَ، ولَكِنَّ هَذا يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الهَوْلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ومِثْلُ ذَلِكَ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ المَعْرُوفَةِ. (p-٢٦١)تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنا بَعْضَها يَرِدُ عَلَيْهِ سُؤالٌ، وهو أنْ يُقالَ: إذا كانَتِ الزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ، فَما مَعْناها ؟ والجَوابُ: أنَّ مَعْناها: شِدَّةُ الخَوْفِ والهَوْلِ والفَزَعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُسَمّى زِلْزالًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى فِيما وقَعَ بِالمُسْلِمِينَ يَوْمَ الأحْزابِ مِنَ الخَوْفِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١]؛ أيْ: وهو زِلْزالُ فَزَعٍ وخَوْفٍ، لا زِلْزالُ حَرَكَةِ الأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِظَمَ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ مُوجِبٌ واضِحٌ لِلِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ الهَوْلِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ في دارِ الدُّنْيا قَبْلَ تَعَذُّرِ الإمْكانِ؛ لِما قَدَّمْنا مِرارًا مِن أنَّ إنَّ المُشَدَّدَةَ المَكْسُورَةَ تَدُلُّ عَلى التَّعْلِيلِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ في مَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ، ومَسْلَكِ النَّصِّ الظّاهِرِ؛ أيْ: اتَّقُوا اللَّهَ؛ لِأنَّ أمامَكم أهْوالًا عَظِيمَةً، لا نَجاةَ مِنها إلّا بِتَقْواهُ جَلَّ وعَلا.

الحج 22:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِنَ النّاسِ بَعْضًا يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ أيْ: يُخاصِمُ في اللَّهِ بِأنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ وكَمالِهِ، كالَّذِي يَدَّعِي لَهُ الأوْلادَ والشُّرَكاءَ، ويَقُولُ: إنَّ القُرْآنَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ويَقُولُ: لا يُمْكِنُ أنْ يُحْيِيَ اللَّهُ العِظامَ الرَّمِيمَ، كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ، وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وأمْثالِهِمْ مِن كُفّارِ مَكَّةَ الَّذِينَ جادَلُوا في اللَّهِ ذَلِكَ الجِدالَ الباطِلَ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ، مِن عِلْمٍ عَقْلِيٍّ، ولا نَقْلِيٍّ، ومَعَ جِدالِهِمْ في اللَّهِ ذَلِكَ الجِدالَ الباطِلَ يَتَّبِعُونَ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ؛ أيْ: عاتٍ طاغٍ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ كُتِبَ عَلَيْهِ [الحج: ٣]؛ أيْ: كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ كِتابَةَ قَدَرٍ وقَضاءٍ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ [الحج: ٣]؛ أيْ: كُلُّ مَن صارَ ولِيًّا لَهُ؛ أيْ: لِلشَّيْطانِ المَرِيدِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُ يُضِلُّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ إلى النّارِ، وعَنْ طَرِيقِ الإيمانِ إلى الكُفْرِ، ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ؛ أيْ: النّارِ الشَّدِيدَةِ الوَقُودِ. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ بَعْضَ الجُهّالِ كالكُفّارِ يُجادِلُ في (p-٢٦٢)اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ أيْ: يُخاصِمُ فِيهِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ مِن عِلْمٍ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٨ - ٩] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى في لُقْمانَ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢٠ - ٢١] فَقَوْلُهُ في آيَةِ لُقْمانَ هَذِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ كَقَوْلِهِ في الحَجِّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٣] الآيَةَ، يَدْخُلُ فِيما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الوَعِيدِ والذَّمِ: أهْلُ البِدَعِ والضَّلالِ، المُعْرِضِينَ عَنِ الحَقِّ، المُتَّبِعِينَ لِلْباطِلِ، يَتْرُكُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنَ الحَقِّ المُبِينِ، ويَتَّبِعُونَ أقْوالَ رُؤَساءِ الضَّلالَةِ الدُّعاةِ إلى البِدَعِ والأهْواءِ والآراءِ، بِقَدْرِ ما فَعَلُوا مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ. وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى مُجادَلَةِ الكَفّارِ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٨]، وقَوْلُهُ في أوَّلِ النَّحْلِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، مِن أنَّهُ قَدَّرَ وقَضى أنَّ مَن تَوَلّى الشَّيْطانَ فَإنَّ الشَّيْطانَ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ، بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١]، • وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ وخَلِيلِهِ إبْراهِيمَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]، • وقَوْلِهِ (p-٢٦٣)تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. واعْلَمْ أنَّهُ يُفْهَمُ مِن دَلِيلِ خِطابِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِها: أنَّهُ مَن يُجادِلُ بِعِلْمٍ عَلى ضَوْءِ هُدى كِتابٍ مُنِيرٍ، كَهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ؛ لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ بِتِلْكَ المُجادَلَةِ الحَسَنَةِ - أنَّ ذَلِكَ سائِغٌ مَحْمُودٌ؛ لِأنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: بِغَيْرِ عِلْمٍ [الحج: ٣] أنَّهُ إنْ كانَ بِعِلْمٍ فالأمْرُ بِخِلافِ ذَلِكَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ اتِّباعٌ لِلشَّيْطانِ، ويَدُلُّ لِهَذا المَفْهُومِ المَذْكُورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ . وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: هَذِهِ الآيَةُ بِمَفْهُومِها تَدُلُّ عَلى جَوازِ المُجادَلَةِ الحَقَّةِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ المُجادَلَةِ مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِالدَّلائِلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُجادَلَةَ مَعَ العِلْمِ جائِزَةٌ، فالمُجادَلَةُ الباطِلَةُ: هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨] والمُجادَلَةُ الحَقَّةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ا هـ مِنهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] يَعْنِي عَذابَ النّارِ، فالسَّعِيرُ النّارُ، أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها. والظّاهِرُ أنَّ أصْلَ السَّعِيرِ فَعِيلٌ، بِمَعْنى مَفْعُولٍ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: سَعَرَ النّارَ يَسْعَرُها، كَمَنَعَ يَمْنَعُ: إذا أوْقَدَها، وكَذَلِكَ سَعَّرَها بِالتَّضْعِيفِ، وعَلى لُغَةِ التَّضْعِيفِ والتَّخْفِيفِ القِراءَتانِ السَّبْعِيَّتانِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢] فَقَدْ قَرَأهُ مِنَ السَّبْعَةِ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: سُعِّرَتْ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ العَيْنِ، ومِمّا جَرى مِن كَلامِ العَرَبِ عَلى نَحْوِ قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ ذَكْوانَ وحَفْصٍ، قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ الحَماسَةِ: ؎قالَتْ لَهُ عُرْسَهُ يَوْمًا لِتُسْمِعَنِي مَهْلًا فَإنَّ لَنا في أُمِّنا أرَبا ؎وَلَوْ رَأتْنِي في نارٍ مُسَعَّرَةٍ ∗∗∗ ثُمَّ اسْتَطاعَتْ لَزادَتْ فَوْقَها حَطَبا إذْ لا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ: مُسَعَّرَةٍ: اسْمُ مَفْعُولِ سُعِّرَتْ بِالتَّضْعِيفِ، وبِما ذَكَرْنا يَظْهَرُ أنَّ أصْلَ السَّعِيرِ: فَعِيلٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ؛ أيْ: النّارُ المُسَعَّرَةُ؛ أيْ: المُوقَدَةُ إيقادًا شَدِيدًا؛ لِأنَّها بِشِدَّةِ الإيقادِ يَزْدادُ حَرُّها عِياذًا بِاللَّهِ مِنها ومِن كُلِّ ما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ. وَفِي ذَلِكَ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، إلّا أنَّها لَيْسَتْ في القُرْآنِ، وهي أسْعَرَ النّارَ. بِصِيغَةِ أفْعَلَ، بِمَعْنى: أوْقَدَها. (p-٢٦٤)وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] يَدُلُّ عَلى أنَّ الهُدى كَما أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في الإرْشادِ والدَّلالَةِ عَلى الخَيْرِ، يُسْتَعْمَلُ أيْضًا في الدَّلالَةِ عَلى الشَّرِّ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿وَيَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ونَظِيرُ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٤١] لِأنَّ الإمامَ هو مَن يُقْتَدى بِهِ في هَدْيِهِ وإرْشادِهِ. وَإطْلاقُ الهُدى في الضَّلالِ كَما ذَكَرْنا أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ وكَلامُ البَلاغِيِّينَ في مِثْلِ ذَلِكَ، بِأنَّ فِيهِ اسْتِعارَةً عِنادِيَّةً، وتَقْسِيمُهُمُ العِنادِيَّةَ إلى تَهَكُّمِيَّةٍ وتَمْلِيحِيَّةٍ مَعْرُوفٌ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] قَدْ أوْضَحْنا مَعْنى الشَّيْطانِ في سُورَةِ الحِجْرِ، والمَرِيدُ والمارِدُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: العاتِي، تَقُولُ: مَرُدَ الرَّجُلُ - بِالضَّمِّ - يَمْرُدُ، فَهو مارِدٌ ومَرِيدٌ: إذا كانَ عاتِيًا. والظّاهِرُ أنَّ الشَّيْطانَ في هَذِهِ الآيَةِ، يَشْمَلُ كُلَّ عاتٍ يَدْعُو إلى عَذابِ السَّعِيرِ ويُضِلُّ عَنِ الهُدى، سَواءٌ كانَ مِن شَياطِينِ الجِنِّ أوِ الإنْسِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الحج 22:5

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ والآياتُ الَّتِي بَعْدَها، تَدُلُّ عَلى أنَّ جِدالَ الكَفّارِ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ جِدالُهم في إنْكارِ البَعْثِ، زاعِمِينَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا لا يَقْدِرُ أنْ يُحْيِيَ العِظامَ الرَّمِيمَ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] وكَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلَيْهِ قَرِيبًا. وَلِأجْلِ ذَلِكَ أقامَ تَعالى البَراهِينَ العَظِيمَةَ عَلى بَعْثِ النّاسِ مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً إلى عَرَصاتِ القِيامَةِ لِلْحِسابِ، والجَزاءِ فَقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥] فَمَن أوَجَدَكُمُ الإيجادَ الأوَّلَ، وخَلَقَكم مِنَ التُّرابِ لا شَكَّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إيجادِكم، وخَلْقِكم مَرَّةً ثانِيَةً، بَعْدَ أنْ بَلِيَتْ عِظامُكم، (p-٢٦٥)واخْتَلَطَتْ بِالتُّرابِ؛ لِأنَّ الإعادَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ أصْعَبَ مِنِ ابْتِداءِ الفِعْلِ، وهَذا البُرْهانُ القاطِعُ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ - الَّذِي هو خَلْقُهُ تَعالى لِلْخَلائِقِ المَرَّةَ الأُولى - المَذْكُورُ هُنا، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وسُورَةِ النَّحْلِ وغَيْرِهِما، ولِأجْلِ قُوَّةِ دَلالَةِ هَذا البُرْهانِ المَذْكُورِ عَلى البَعْثِ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ مَن أنْكَرَ البَعْثَ فَهو ناسٍ لِلْإيجادِ الأوَّلِ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨]، إذْ لَوْ تَذَكَّرَ الإيجادَ الأوَّلَ عَلى الحَقِيقَةِ، لَما أمْكَنَهُ إنْكارُ الإيجادِ الثّانِي، • وكَقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧] إذْ لَوْ تَذَكَّرَ ذَلِكَ تَذَكُّرًا حَقِيقِيًّا لَما أنْكَرَ الخَلْقَ الثّانِيَ، • وقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ [الحج: ٥]؛ أيْ في شَكٍّ مِن أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الأمْواتَ، فالرَّيْبُ في القُرْآنِ يُرادُ بِهِ الشَّكُّ، • وقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ طه: أنَّ التَّحْقِيقَ في مَعْنى خَلْقِهِ لِلنّاسِ مِن تُرابٍ، أنَّهُ خَلَقَ أباهم آدَمَ مِنها، ثُمَّ خَلَقَ مِنهُ زَوْجَهُ، ثُمَّ خَلَقَهم مِنهُما عَنْ طَرِيقِ التَّناسُلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] فَلَمّا كانَ أصْلُهُمُ الأوَّلُ مِن تُرابٍ، أطْلَقَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ خَلَقَهم مِن تُرابٍ؛ لِأنَّ الفُرُوعَ تَبَعٌ لِلْأصْلِ. وَقَدْ بَيَّنّا في طه أيْضًا أنَّ قَوْلَ مَن زَعَمَ أنَّ مَعْنى خَلْقِهِ إيّاهم مِن تُرابٍ: أنَّهُ خَلَقَهم مِنَ النُّطَفِ، والنُّطَفُ مِنَ الأغْذِيَةِ، والأغْذِيَةُ راجِعَةٌ إلى التُّرابِ - غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَدْ بَيَّنّا هُناكَ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى بُطْلانِ هَذا القَوْلِ. وَقَدْ ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أطْوارَ خَلْقِ الإنْسانِ، فَبَيَّنَ أنَّ ابْتِداءَ خَلْقِهِ مِن (p-٢٦٦)تُرابٍ كَما أوْضَحْنا آنِفًا، فالتُّرابُ هو الطَّوْرُ الأوَّلُ. والطَّوْرُ الثّانِي هو النُّطْفَةُ، والنُّطْفَةُ في اللُّغَةِ: الماءُ القَلِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وهو رَجُلٌ مِن بَنِي كِلابٍ: ؎وَما عَلَيْكِ إذا أخْبَرْتِنِي دَنِفًا وغابَ بَعْلُكِ يَوْمًا أنْ تَعُودِينِي ؎وَتَجْعَلِي نُطْفَةً في القَعْبِ بارِدَةً ∗∗∗ وتَغْمِسِي فاكِ فِيها ثُمَّ تَسْقِينِي فَقَوْلُهُ: وتَجْعَلِي نُطْفَةً؛ أيْ: ماءً قَلِيلًا في القَعْبِ، والمُرادُ بِالنُّطْفَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: نُطْفَةُ المَنِيِّ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ النَّحْلِ: أنَّ النُّطْفَةَ مُخْتَلِطَةٌ مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها مِن ماءِ الرَّجُلِ وحْدَهُ. الطَّوْرُ الثّالِثُ: العَلَقَةُ، وهي القِطْعَةُ مِنَ العَلَقِ، وهو الدَّمُ الجامِدُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ [الحج: ٥]؛ أيْ قِطْعَةِ دَمٍ جامِدَةٍ، ومِن إطْلاقِ العَلَقِ عَلى الدَّمِ المَذْكُورِ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎إلَيْكَ أعْمَلْتُها فُتْلًا مَرافِقُها ∗∗∗ شَهْرَيْنِ يَجْهُضُ مِن أرْحامِها العَلَقُ الطَّوْرُ الرّابِعُ: المُضْغَةُ: وهي القِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ اللَّحْمِ، عَلى قَدْرِ ما يَمْضُغُهُ الآكِلُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ» الحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ في مَعْناهُ أوْجُهٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ، سَنَذْكُرُها هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ، ونُبَيِّنُ ما يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ. مِنها أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ صِفَةٌ لِلنُّطْفَةِ، وأنَّ المُخَلَّقَةَ هي ما كانَ خَلْقًا سَوِيًّا، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ هي ما دَفَعَتْهُ الأرْحامُ مِنَ النُّطَفِ، وألْقَتْهُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ خَلْقًا، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ المُخَلَّقَةَ وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ مِن صِفَةِ المُضْغَةِ، كَما هو ظاهِرٌ. وَمِنها: أنَّ مَعْنى (مُخَلَّقَةٍ) تامَّةٍ، و (غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) أيْ: غَيْرِ تامَّةٍ، والمُرادُ بِهَذا القَوْلِ عِنْدَ قائِلِهِ: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا يَخْلُقُ المُضَغَ مُتَفاوِتَةً، مِنها ما هو كامِلُ الخِلْقَةِ، سالِمٌ مِنَ العُيُوبِ، ومِنها ما هو عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، فَيَتْبَعُ ذَلِكَ التَّفاوُتَ تَفاوُتُ النّاسِ في خَلْقِهِمْ، وصُوَرِهِمْ، وطُولِهِمْ، وقِصَرِهِمْ، وتَمامِهِمْ، ونُقْصانِهِمْ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ: قَتادَةُ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، وعَزاهُ الرّازِيُّ لِقَتادَةَ والضَّحّاكِ. ومِنها: أنَّ مَعْنى مُخَلَّقَةٍ مُصَوَّرَةٍ إنْسانًا، وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ؛ أيْ: غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ إنْسانًا كالسِّقْطِ الَّذِي هو مُضْغَةٌ، ولَمْ يُجْعَلْ لَهُ تَخْطِيطٌ وتَشْكِيلٌ، ومِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ: مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، كَما نَقَلَهُ (p-٢٦٧)عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ. وَمِنها: أنَّ المُخَلَّقَةَ: هي ما وُلِدَ حَيًّا، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ: هي ما كانَ مِن سِقْطٍ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ: ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: إنَّهُ أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ ونَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ، وأنْشَدَ لِذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎أفِي غَيْرِ المُخَلَّقَةِ البُكاءُ ∗∗∗ فَأيْنَ الحَزْمُ ويْحَكِ والحَياءُ وَقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: وأوْلى الأقْوالِ في ذَلِكَ بِالصَّوابِ قَوْلُ مَن قالَ: المُخَلَّقَةُ: المُصَوَّرَةُ خَلْقًا تامًّا. وغَيْرُ المُخَلَّقَةِ: السِّقْطُ قَبْلَ تَمامِ خَلْقِهِ؛ لِأنَّ المُخَلَّقَةَ وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ مِن نَعْتِ المُضْغَةِ، والنُّطْفَةُ بَعْدَ مَصِيرِها مُضْغَةً لَمْ يَبْقَ لَها حَتّى تَصِيرَ خَلْقًا سَوِيًّا إلّا التَّصْوِيرُ. وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] خَلْقًا سَوِيًّا، وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ: بِأنْ تُلْقِيَهِ الأُمُّ مُضْغَةً بِلا تَصْوِيرٍ، ولا يُنْفَخُ الرُّوحَ. انْتَهى مِنهُ. وَهَذا القَوْلُ الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، اخْتارَهُ أيْضًا غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: هَذا القَوْلُ الَّذِي اخْتارَهُ الإمامُ الجَلِيلُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، لا يَظْهَرُ صَوابُهُ، وفي نَفْسِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥] لِأنَّهُ عَلى القَوْلِ المَذْكُورِ الَّذِي اخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ يَصِيرُ المَعْنى: ثُمَّ خَلَقْناكم مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ، وخَلَقْناكم مِن مُضْغَةٍ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ. وخِطابُ النّاسِ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ بَعْضَهم مِن مُضْغَةٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ، فِيهِ مِنَ التَّناقُضِ كَما تَرى؛ فافْهَمْ. فَإنْ قِيلَ: في نَفْسِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِغَيْرِ المُخَلَّقَةِ: السِّقْطُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥] يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ هُناكَ قِسْمًا آخَرَ لا يُقِرُّهُ اللَّهُ في الأرْحامِ، إلى ذَلِكَ الأجَلِ المُسَمّى، وهو السِّقْطُ. فالجَوابُ: أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ فَهْمُ السِّقْطِ مِنَ الآيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُقِرُّ في الأرْحامِ ما يَشاءُ أنْ يُقِرَّهُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَقَدْ يُقِرُّهُ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقَدْ يُقِرُّهُ تِسْعَةً، وقَدْ يُقِرُّهُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ كَيْفَ شاءَ. أمّا السِّقْطُ: فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا خَلَقْناكُمْ﴾؛ لِأنَّ السِّقْطَ الَّذِي تُلْقِيهِ أُمُّهُ مَيِّتًا، ولَوْ بَعْدَ التَّشْكِيلِ والتَّخْطِيطِ، لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ مِنهُ إنْسانًا واحِدًا مِنَ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ. فَظاهِرُ القُرْآنِ يَقْتَضِي أنَّ كُلًّا مِنَ (p-٢٦٨)المُخَلَّقَةِ وغَيْرِ المُخَلَّقَةِ: يُخْلَقُ مِنهُ بَعْضُ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآيَةَ. وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ أوْلى الأقْوالِ في الآيَةِ هو القَوْلُ الَّذِي لا تَناقُضَ فِيهِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ لِيُصَدِّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، لا لِيَتَناقَضَ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ، وذَلِكَ هو القَوْلُ الَّذِي قَدَّمْنا عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ، وقَدِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ، ولَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ. وَهُوَ أنَّ المُخَلَّقَةَ هي التّامَّةُ، وغَيْرَ المُخَلَّقَةِ هي غَيْرُ التّامَّةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: والمُخَلَّقَةُ المُسَوّاةُ المَلْساءُ مِنَ النُّقْصانِ والعَيْبِ، يُقالُ: خَلَقَ السِّواكَ والعُودَ: إذا سَوّاهُ ومَلَّسَهُ. مِن قَوْلِهِمْ: صَخْرَةٌ خَلْقاءُ: إذا كانَتْ مَلْساءَ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ المُضَغَ مُتَفاوِتَةً؛ مِنها ما هو كامِلُ الخِلْقَةِ أمْلَسُ مِنَ العُيُوبِ، ومِنها ما هو عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، فَيَتْبَعُ ذَلِكَ التَّفاوُتَ تَفاوُتُ النّاسِ في خَلْقِهِمْ وصُوَرِهِمْ وطُولِهِمْ وقِصَرِهِمْ وتَمامِهِمْ ونُقْصانِهِمْ. انْتَهى مِنهُ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، تَقُولُ العَرَبُ: حَجَرٌ أخْلَقُ؛ أيْ: أمْلَسُ مُصْمَتٌ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْءٌ، وصَخْرَةٌ خَلْقاءُ بَيِّنَةُ الخَلْقِ؛ أيْ: لَيْسَ فِيها وصْمٌ، ولا كَسْرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎قد يَتْرُكُ الدهْرُ في خَلْقاءَ راسِيةٍ ∗∗∗ وهْيًا ويُنْزِلُ مِنها الأعْصَمَ الصَّدَعا وَ ”الدَّهْرُ“ في البَيْتِ فاعِلُ ”يَتْرُكُ“ والمَفْعُولُ بِهِ: وهْيًا. يَعْنِي: أنَّ صَرْفَ الدَّهْرِ قَدْ يُؤَثِّرُ في الحِجارَةِ الصُّمِّ السّالِمَةِ مِنَ الكَسْرِ والوَصْمِ، فَيَكْسِرُها ويُوهِيها، ويُؤَثِّرُ في العَصْمِ مِنَ الأوْعالِ بِرُءُوسِ الجِبالِ، فَيُنْزِلُها مِن مَعاقِلِها، ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ يَصِفُ فَرَسًا، وقَدْ أنْشَدَهُ صاحِبُ اللِّسانِ لِلْمَعْنى المَذْكُورِ: ؎بِمُقَلِّصٍ دَرْكِ الطَّرِيدَةِ مَتْنُهُ ∗∗∗ كَصَفا الخَلِيقةِ بِالفَضاءِ المُلْبِدِ فَقَوْلُهُ: كَصَفا الخَلِيقَةِ، يَعْنِي: أنَّ مَتْنَ الفَرَسِ المَذْكُورِ كالصَّخْرَةِ المَلْساءِ الَّتِي لا كَسْرَ فِيها ولا وصْمَ، وهو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ. والسَّهْمُ المُخَلَّقُ: هو الأمْلَسُ المُسْتَوِي. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا الله عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: وهَذا القَوْلُ هو أوْلى الأقْوالِ بِالصَّوابِ - فِيما يَظْهَرُ لِي - لِجَرَيانِهِ عَلى اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ، وسَلامَتِهِ مِنَ التَّناقُضِ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا أعْلَمُ. (p-٢٦٩)وَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: لِنُبَيِّنَ لَكم بِهَذا النَّقْلِ مَن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، كَمالَ قُدْرَتِنا عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وعَلى كُلِّ شَيْءٍ، لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ البَشَرِ مِن تُرابٍ أوَّلًا، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثانِيًا، مَعَ ما بَيْنَ النُّطْفَةِ والتُّرابِ مِنَ المُنافاةِ والمُغايَرَةِ، وقَدَرَ عَلى أنْ يَجْعَلَ النُّطْفَةَ عَلَقَةً، مَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ والتَّغايُرِ، وقَدَرَ عَلى أنْ يَجْعَلَ العَلَقَةَ مُضْغَةً، والمُضْغَةَ عِظامًا، فَهو قادِرٌ بِلا شَكٍّ عَلى إعادَةِ ما بَدَأهُ مِنَ الخَلْقِ، كَما هو واضِحٌ. وَقَوْلُهُ: لِنُبَيِّنَ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”خَلَقْناكم“ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾؛ أيْ: خَلَقْناكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ عَلى التَّدْرِيجِ المَذْكُورِ لِنُبَيِّنَ لَكم قُدْرَتَنا عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مُبَيِّنًا نُكْتَةَ حَذْفِ مَفْعُولِ ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ما نَصُّهُ: ووُرُودُ الفِعْلِ غَيْرَ مُعَدًّى إلى المُبَيَّنِ إعْلامٌ بِأنَّ أفْعالَهُ هَذِهِ يَتَبَيَّنُ بِها مِن قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ ما لا يَكْتَنِهُهُ الذِّكْرُ، ولا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. انْتَهى مِنهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥]؛ أيْ: نُقِرُّ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ ما نَشاءُ إقْرارَهُ فِيها مِنَ الأحْمالِ والأجِنَّةِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى؛ أيْ: مَعْلُومٍ مُعَيَّنٍ في عِلْمِنا، وهو الوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِوَضْعِ الجَنِينِ، والأجِنَّةُ تَخْتَلِفُ في ذَلِكَ حَسْبَما يَشاؤُهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا، فَتارَةً تَضَعُهُ أُمُّهُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، وتارَةً لِتِسْعَةٍ، وتارَةً لِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ. وما لَمْ يَشَأِ اللَّهُ إقْرارَهُ مِنَ الحَمْلِ مَجَّتْهُ الأرْحامُ وأسْقَطَتْهُ، ووَجْهُ رَفْعِ ”وَنُقِرُّ“ أنَّ المَعْنى: ونَحْنُ نُقِرُّ في الأرْحامِ، ولَمْ يُعْطَفْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ عِلَّةً لِما قَبْلَهُ، فَلَيْسَ المُرادُ: خَلَقْناكم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، لِنُقِرَّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ رَفْعُهُ، وعَدَمُ نَصْبِهِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: ونُقِرُّ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى: لِنُبَيِّنَ، عَلى المَعْنى الَّذِي نَفَيْناهُ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ، ويُؤَيِّدُ مَعْنى قِراءَةِ النَّصْبِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾؛ أيْ: وذَلِكَ بَعْدَ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ المُضْغَةَ عِظامًا، ثُمَّ يَكْسُو العِظامَ لَحْمًا، ثُمَّ يُنْشِئُ ذَلِكَ الجَنِينَ خَلْقًا آخَرَ، فَيُخْرِجُهُ مِن بَطْنِ أُمِّهِ في الوَقْتِ المُعَيَّنِ لِوَضْعِهِ في حالِ كَوْنِهِ طِفْلًا؛ أيْ: ولَدًا بَشَرًا سَوِيًّا. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾؛ أيْ: لِتَبْلُغُوا كَمالَ قُوَّتِكم وعَقْلِكم وتَمْيِيزِكم بَعْدَ إخْراجِكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم في غايَةِ الضَّعْفِ وعَدَمِ عِلْمِ شَيْءٍ. (p-٢٧٠)وَقَدْ قَدَّمْنا أقْوالَ العُلَماءِ في المُرادِ بِالأشُدِّ، وهَلْ هو جَمْعٌ أوْ مُفْرَدٌ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ [الحج: ٥]؛ أيْ: ومِنكم أيُّها النّاسُ مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ؛ أيْ: مِن قَبْلِ بُلُوغِهِ أشُدَّهُ، ومِنكم مَن يُنْسَأُ لَهُ في أجَلِهِ، فَيُعَمَّرُ حَتّى يَهْرَمَ فَيُرَدُّ مِن بَعْدِ شَبابِهِ وبُلُوغِهِ غايَةَ أشُدِّهِ إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وهو الهِرَمُ، حَتّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ في حالِ صِباهُ مِنَ الضَّعْفِ، وعَدَمِ العِلْمِ. وَقَدْ أوْضَحْنا كَلامَ العُلَماءِ في أرْذَلِ العُمُرِ ومَعْنى: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن الِاسْتِدْلالِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ النّاسِ بَعْدَ المَوْتِ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ، بِنَقْلِهِ الإنْسانَ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ، مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ إلى آخِرِ الأطْوارِ المَذْكُورَةِ، ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ مُبَيِّنًا أنَّهُ مِنَ البَراهِينِ القَطْعِيَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ، عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ. فَمِنَ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ لِتِلْكَ الأطْوارِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ [نوح: ١٣ - ١٤]؛ أيْ: طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ كَما بَيَّنّا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦]، وقَوْلُهُ في آيَةِ الزُّمَرِ هَذِهِ ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾؛ أيْ: ظُلْمَةِ البَطْنِ، وظُلْمَةِ الرَّحِمِ، وظُلْمَةِ المَشِيمَةِ. فَقَدْ رَكَّبَ تَعالى عِظامَ الإنْسانِ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وكَساها اللَّحْمَ، وجَعَلَ فِيها العُرُوقَ والعَصَبَ، وفَتَحَ مَجارِيَ البَوْلِ والغائِطِ، وفَتَحَ العُيُونَ والآذانَ والأفْواهَ وفَرَّقَ الأصابِعَ وشَدَّ رُءُوسَها بِالأظْفارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن غَرائِبِ صُنْعِهِ وعَجائِبِهِ، وكُلُّ هَذا في تِلْكَ الظُّلُماتِ الثَّلاثِ، لَمْ يَحْتَجْ إلى شَقِّ بَطْنِ أُمِّهِ وإزالَةِ تِلْكَ الظُّلُماتِ. سُبْحانَهُ جَلَّ وعَلا ما أعْظَمَ شَأْنَهُ وما أكْمَلَ قُدْرَتَهُ هو الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلاهُ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ، ولِأجْلِ هَذِهِ الغَرائِبِ والعَجائِبِ مِن صُنْعِهِ تَعالى قالَ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلَيْها ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] ومِنَ (p-٢٧١)الآياتِ الَّتِي أوْضَحَ فِيها تِلْكَ الأطْوارَ عَلى التَّفْصِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦] وقَدْ ذَكَرَ تَعالى تِلْكَ الأطْوارَ مَعَ حَذْفِ بَعْضِها في قَوْلِهِ في سُورَةِ المُؤْمِن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [ ٦٧ ]، • وقَوْلِهِ تَعالى في الكَهْفِ: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الصافات: ]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ • وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ [طه: ٥٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ القَدْرَ الَّذِي تَمْكُثُهُ النُّطْفَةُ قَبْلَ أنْ تَصِيرَ عَلَقَةً، والقَدْرَ الَّذِي تَمْكُثُهُ العَلَقَةُ قَبْلَ أنْ تَصِيرَ مُضْغَةً، والقَدْرَ الَّذِي تَمْكُثُهُ المُضْغَةُ مُضْغَةً. قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ ووَكِيعٌ (ح)، وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الهَمْدانِيُّ واللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنا أبِي وأبُو مُعاوِيَةَ، ووَكِيعٌ قالُوا: حَدَّثَنا الأعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ: «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ في ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ في ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمَلِهِ، وشَقِيٍّ أوْ سَعِيدٍ»، الحَدِيثَ. فَفي هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَصْرِيحُهُ ﷺ بِأنَّ الجَنِينَ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَصِيرُ عَلَقَةً، ويَمْكُثُ كَذَلِكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً، ويَمْكُثُ كَذَلِكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَنَفْخُ الرُّوحِ إذًا في أوَّلِ الشَّهْرِ الخامِسِ مِن أشْهُرِ الحَمْلِ. وَقالَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو الوَلِيدِ هِشامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، أنْبَأنِي سُلَيْمانُ الأعْمَشُ، قالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ قالَ: «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا (p-٢٧٢)ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأرْبَعٍ: بِرِزْقِهِ وأجَلِهِ وشِقِيٍّ أوْ سَعِيدٍ» الحَدِيثَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ في البُخارِيِّ يَنْقُصُ مِنها ذِكْرُ العَمَلِ، وهو مَذْكُورٌ في رِواياتٍ أُخَرَ صَحِيحَةٍ مَعْرُوفَةٍ. وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ الدَّلالَةِ المَقْصُودَةِ مِنَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ: وهو أنْ يُقالَ: ما وجْهُ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] مَعَ أنَّ المَعْنى نُخْرِجُكم أطْفالًا. ولِلْعُلَماءِ عَنْ هَذا السُّؤالِ أجْوِبَةٌ. مِنها ما ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ قالَ: ووَحَّدَ الطِّفْلَ وهو صِفَةٌ لِلْجَمْعِ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ عَدْلٍ وزُورٍ، وتَبِعَهُ غَيْرُهُ في ذَلِكَ. وَمِنها قَوْلُ مَن قالَ: ﴿نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾؛ أيْ: نُخْرِجُ كُلَّ واحِدٍ مِنكم طِفْلًا، ولا يَخْفى عَدَمُ اتِّجاهِ هَذَيْنِ الجَوابَيْنِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنِ اسْتِقْراءِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ، هو أنَّ مِن أسالِيبِها أنَّ المُفْرَدَ إذا كانَ اسْمَ جِنْسٍ يَكْثُرُ إطْلاقُهُ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ مَعَ تَنْكِيرِهِ - كَما في هَذِهِ الآيَةِ - وتَعْرِيفِهِ بِالألِفِ واللّامِ وبِالإضافَةِ؛ فَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ مَعَ التَّنْكِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤]؛ أيْ: وأنْهارٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ • وقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧٤]؛ أيْ: أئِمَّةً، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ الآيَةَ [النساء: ٤]؛ أيْ: أنْفُسًا، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]؛ أيْ: سامِرِينَ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]؛ أيْ: بَيْنَهم، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]؛ أيْ: رُفَقاءَ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ أيْ: جُنُبَيْنِ أوْ أجْنابًا، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]؛ أيْ: مُظاهِرُونَ، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ مَعَ التَّنْكِيرِ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عَقِيلِ بْنِ عَلَفَةَ المُرِّيِّ: ؎وَكانَ بَنُو فَزارَةَ شَرَّ عَمِّ ∗∗∗ وكُنْتُ لَهم كَشَرِّ بَنِي الأخِينا يَعْنِي: شَرَّ أعْمامٍ. وَقَوْلُ قَعْنَبِ ابْنِ أُمِّ صاحِبٍ: ؎ما بالُ قَوْمٍ صَدِيقٍ ثُمَّ لَيْسَ لَهم ∗∗∗ دِينٌ ولَيْسَ لَهم عَقْلٌ إذا ائْتُمِنُوا (p-٢٧٣)يَعْنِي: ما بالُ قَوْمٍ أصْدِقاءٍ. وَقَوْلُ جَرِيرٍ: ؎نَصَبْنَ الهَوى ثُمَّ ارْتَمَيْنَ قُلُوبَنا ∗∗∗ بِأعْيُنِ أعْداءٍ وهُنَّ صَدِيقُ يَعْنِي: صَدِيقاتٍ. وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎لَعَمْرِي لَئِنْ كُنْتُمْ عَلى النَّأْيِ والنَّوى ∗∗∗ بِكم مِثْلُ ما بِي إنَّكم لَصَدِيقُ وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎يا عاذِلاتِي لا تَزِدْنَ مُلامَةً ∗∗∗ إنَّ العَواذِلَ لَيْسَ لِي بِأمِيرِ ؛ أيْ: لَسْنَ بِأُمَراءَ. وَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ واللَّفْظُ مُضافٌ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ أيْ: أصْدِقائِكم. وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]؛ أيْ: أوامِرِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] أيْ: نِعَمَ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي﴾ [الحجر: ٦٨]؛ أيْ: أضْيافِي. ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ التَّمِيمِيِّ: ؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ ؛ أيْ: وأمّا جُلُودُها فَصَلِيبَةٌ. وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكُمُ زَمَنٌ خَمِيصُ ؛ أيْ: بُطُونِكم. وهَذا البَيْتُ والَّذِي قَبْلَهُ أنْشَدَهُما سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ مُسْتَشْهِدًا بِهِما لِما ذَكَرْنا. وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ: ؎فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكُمُ ∗∗∗ وقَدْ سَلِمَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ ؛ أيْ: إنّا إخْوانُكم. وَقَوْلُ جَرِيرٍ: ؎إذا آباؤُنا وأبُوكَ عُدُّوا ∗∗∗ أبانَ المُقْرِفاتُ مِنَ العِرابِ ؛ أيْ: إذا آباؤُنا وآباؤُكَ عُدُّوا، وهَذا البَيْتُ والَّذِي قَبْلَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِما جَمْعُ التَّصْحِيحِ لِلْأبِ ولِلْأخِ، فَيَكُونُ الأصْلُ: أُبُونَ وأُخُونَ، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ، فَصارَ كَلَفْظِ المُفْرَدِ. (p-٢٧٤)وَمِن أمْثِلَةِ جَمْعِ التَّصْحِيحِ في جَمْعِ الأخِ: بَيْتُ عَقِيلِ بْنِ عَلَفَةَ المَذْكُورُ آنِفًا، حَيْثُ قالَ فِيهِ: كَشَّرَ بَنِي الأخِينا. ومِن أمْثِلَةِ تَصْحِيحِ جَمْعِ الأبِ: قَوْلُ الآخَرِ: ؎فَلَمّا تَبَيَّنَّ أصْواتَنا ∗∗∗ بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في القُرْآنِ - واللَّفْظُ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّامِ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩]؛ أيْ: بِالكُتُبِ كُلِّها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ [الشورى: ١٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]؛ أيْ: الغُرَفَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبإ: ٣٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]؛ أيْ: المَلائِكَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]؛ أيْ: الأدْبارَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١]؛ أيْ: الأطْفالِ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]؛ أيْ: الأعْداءُ، ونَحْوَ هَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، وهو في النَّعْتِ بِالمَصْدَرِ مُطَّرِدٌ، كَما تَقَدَّمَ مِرارًا. وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎مَتى يَشْتَجِرْ قَوْمٌ تَقُلْ سَراواتُهم ∗∗∗ هم بَيْنَنا هم رِضًا وهم عَدْلُ ؛ أيْ: عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ. * * مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَسْألَةُ الأُولى: إذا مَجَّتِ الرَّحِمُ النُّطْفَةَ في طَوْرِها الأوَّلِ قَبْلَ أنْ تَكُونَ عَلَقَةً، فَلا يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ حُكْمٌ مِن أحْكامِ إسْقاطِ الحَمْلِ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَماءِ. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا سَقَطَتِ النُّطْفَةُ في طَوْرِها الثّانِي، أعْنِي في حالِ كَوْنِها عَلَقَةً؛ أيْ: قِطْعَةً جامِدَةً مِنَ الدَّمِ، فَلا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ في أنَّ تِلْكَ العَلَقَةَ لا يُصَلّى عَلَيْها، ولا تُغَسَّلُ، ولا تُكَفَّنُ، ولا تُوَرَّثُ. وَلَكِنِ اخْتُلِفَ في أحْكامٍ أُخَرَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن أحْكامِها. (p-٢٧٥)مِنها: ما إذا كانَ سُقُوطُها بِسَبَبِ ضَرْبِ إنْسانٍ بَطْنَ المَرْأةِ الَّتِي ألْقَتْها، هَلْ تَجِبُ فِيها غُرَّةٌ أوْ لا ؟ فَذَهَبَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى أنَّ مَن ضَرَبَ بَطْنَ حامِلٍ، فَألْقَتْ حَمْلَها عَلَقَةً فَهو ضامِنٌ دِيَةَ العَلَقَةِ ضَمانَ الجَنِينِ، فَتَلْزَمُهُ غُرَّةٌ، أوْ عُشْرُ دِيَةِ الأُمِّ. وَفِي المُدَوَّنَةِ: ما عُلِمَ أنَّهُ حَمْلٌ، وإنْ كانَ مُضْغَةً أوْ عَلَقَةً أوْ مُصَوَّرًا. وَذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ الجَنِينَ لا ضَمانَ فِيهِ حَتّى تَظْهَرَ فِيهِ صُورَةُ الآدَمِيِّ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وظُهُورُ بَعْضِ الصُّورَةِ كَظُهُورِ كُلِّها في الأظْهَرِ، واحْتَجُّوا بِأنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ أنَّهُ حَمْلٌ حَتّى يُصَوَّرَ، والمالِكِيَّةُ قالُوا: الحَمْلُ تُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ في حالِ العَلَقَةِ فَما بَعْدَها، فاخْتِلافُهم هَذا مِن قَبِيلِ الِاخْتِلافِ في تَحْقِيقِ المَناطِ. وَمِنها: ما إذا كانَتِ المَرْأةُ مُعْتَدَّةً مِن طَلاقٍ أوْ وفاةٍ، وكانَتْ حامِلًا، فَألْقَتْ حَمْلَها عَلَقَةً، هَلْ تَنْقَضِي بِذَلِكَ عِدَّتُها أوْ لا ؟ فَمَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّها تَنْقَضِي عِدَّتُها بِإسْقاطِ العَلَقَةِ المَذْكُورَةِ. واحْتَجَّ المالِكِيَّةُ: بِأنَّ العَلَقَةَ المَذْكُورَةَ يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها حَمْلٌ، فَتَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ: لا يَرْتَبِطُ بِالجَنِينِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأحْكامِ إلّا أنْ يَكُونَ مُخَلَّقًا - يَعْنِي مُصَوَّرًا - وذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ وغَيْرُهم: إلى أنَّ وضْعَ العَلَقَةِ لا تَنْقَضِي بِهِ العِدَّةُ، قالُوا: لِأنَّها دَمٌ جامِدٌ، ولا يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ جَنِينًا. وَمِنها: ما إذا ألْقَتِ العَلَقَةَ المَذْكُورَةَ أمَةٌ هي سُرِّيَّةٌ لِسَيِّدِها، هَلْ تَكُونُ أُمَّ ولَدٍ بِوَضْعِ تِلْكَ العَلَقَةِ أوْ لا ؟ فَذَهَبَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وأصْحابُهُ: إلى أنَّها تَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ بِوَضْعِ تِلْكَ العَلَقَةِ؛ لِأنَّ العَلَقَةَ مَبْدَأُ جَنِينٍ، ولِأنَّ النُّطْفَةَ لَمّا صارَتْ عَلَقَةً صَدَقَ عَلَيْها أنَّها خُلِقَتْ عَلَقَةً، بَعْدَ أنْ كانَتْ نُطْفَةً، فَدَخَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] فَيَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها وضَعَتْ جَنِينًا مِن سَيِّدِها، فَتَكُونُ بِهِ أُمَّ ولَدٍ، وهَذا رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، وبِهِ قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: إلى أنَّها لا تَكُونُ أُمَّ ولَدٍ بِوَضْعِها العَلَقَةَ المَذْكُورَةَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَوْجِيهَهم لِذَلِكَ. * * (p-٢٧٦)المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا أسْقَطَتِ المَرْأةُ النُّطْفَةَ في طَوْرِها الثّالِثِ - أعْنِي كَوْنَها مُضْغَةً؛ أيْ قِطْعَةً مِن لَحْمٍ - فَلِذَلِكَ أرْبَعُ حالاتٍ: الأُولى: أنْ يَكُونَ ظَهَرَ في تِلْكَ المُضْغَةِ شَيْءٌ مِن صُورَةِ الإنْسانِ، كاليَدِ والرِّجْلِ والرَّأْسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذا تَنْقَضِي بِهِ العِدَّةُ، وتَلْزَمُ فِيهِ الغُرَّةُ، وتَصِيرُ بِهِ أُمَّ ولَدٍ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ. الحالَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَكُونَ المُضْغَةُ المَذْكُورَةُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيها شَيْءٌ مِن خَلْقِ الإنْسانِ، ولَكِنْ شَهِدَتْ ثِقاتٌ مِنَ القَوابِلِ أنَّهُنَّ اطَّلَعْنَ فِيها عَلى تَخْطِيطٍ وتَصْوِيرٍ خَفِيٍّ، والأظْهَرُ في هَذِهِ الحالَةِ: أنَّ حُكْمَها كَحُكْمِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِشَهادَةِ أهْلِ المَعْرِفَةِ أنَّ تِلْكَ المُضْغَةَ جَنَيْنٌ لِما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ فِيها مِنَ الصُّورَةِ الخَفِيَّةِ. الحالَةُ الثّالِثَةُ: هي أنْ تَكُونَ تِلْكَ المُضْغَةُ المَذْكُورَةُ لَيْسَ فِيها تَخْطِيطٌ ولا تَصْوِيرٌ ظاهِرٌ ولا خَفِيٌّ، ولَكِنْ شَهِدَتْ ثِقاتٌ مِنَ القَوابِلِ أنَّها مَبْدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ فِيها لِلْعُلَماءِ خِلافٌ؛ فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا تَنْقَضِي عِدَّتُها بِها، ولا تَصِيرُ أُمَّ ولَدٍ، ولا يَجِبُ عَلى الضّارِبِ المُسْقِطِ لَها الغُرَّةُ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: وهَذا ظاهِرُ كَلامِ الخَرَقِيِّ والشّافِعِيِّ، وظاهِرُ ما نَقَلَهُ الأثْرَمُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وظاهِرُ كَلامِ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ، وسائِرِ مَنِ اشْتَرَطَ أنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِ شَيْءٌ مِن خَلْقِ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ شَيْءٌ مِن خَلْقِ الآدَمِيِّ، فَأشْبَهَ النُّطْفَةَ والعَلَقَةَ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: تَنْقَضِي عِدَّتُها بِوَضْعِ المُضْغَةِ المَذْكُورَةِ، وتَصِيرُ بِهِ أُمَّ ولَدٍ، وتَجِبُ فِيها الغُرَّةُ، وهو رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا تَنْقَضِي بِها العِدَّةُ، وتَصِيرُ بِهِ أُمَّ ولَدٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّهُ إذا شَهِدَ ثِقاتٌ مِنَ القَوابِلِ العارِفاتِ، بِأنَّ تِلْكَ المُضْغَةَ مَبْدَأُ جَنِينٍ، وأنَّها لَوْ بَقِيَتْ لَتَخَلَّقَتْ إنْسانًا - أنَّها تَنْقَضِي بِها العِدَّةُ، وتَصِيرُ بِها الأمَةُ أُمَّ ولَدٍ، وتَجِبُ بِها الغُرَّةُ عَلى الجانِي. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. الحالَةُ الرّابِعَةُ: أنْ تَكُونَ تِلْكَ المُضْغَةُ لَيْسَ فِيها تَصْوِيرٌ ظاهِرٌ ولا خَفِيٌّ، ولَمْ تَشْهَدِ القَوابِلُ بِأنَّها مَبْدَأُ إنْسانٍ، فَحُكْمَ هَذِهِ كَحُكْمِ العَلَقَةِ: وقَدْ قَدَّمْناهُ قَرِيبًا مُسْتَوْفًى. * * المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا أسْقَطَتِ المَرْأةُ جَنِينَها مَيِّتًا بَعْدَ أنْ كَمُلَتْ فِيهِ صُورَةُ الآدَمِيِّ، فَلا (p-٢٧٧)خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ في انْقِضاءِ العِدَّةِ بِوَضْعِهِ، وكَوْنِها أُمَّ ولَدٍ، ووُجُوبِ الغُرَّةِ فِيهِ، ولَكِنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ عَلَيْهِ، وغُسْلِهُ وتَكْفِينِهِ. فَذَهَبَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: إلى أنَّهُ لا يُصَلّى عَلَيْهِ، ولا يُغَسَّلُ، ولا يُحَنَّطُ، ولا يُسَمّى، ولا يُوَرَّثُ، ولا يَرِثَ حَتّى يَسْتَهِلَّ صارِخًا، ولا عِبْرَةَ بِعُطاسِهِ، ورَضاعِهِ وبَوْلَهُ، فَلَوْ عَطَسَ أوْ رَضَعَ أوْ بالَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلصَّلاةِ عَلَيْهِ في قَوْلِ مالِكٍ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ أصْحابِهِ. وقالَ المازِرِيُّ: رَضاعُهُ تَتَحَقَّقُ بِهِ حَياتُهُ فَتَجِبُ بِهِ الصَّلاةُ عَلَيْهِ، وغَيْرُها مِنَ الأحْكامِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الظّاهِرُ أنَّ الصَّوابَ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّهُ إنْ عُلِمَتْ حَياتُهُ، ولَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرَ أنْ يَسْتَهِلَّ صارِخًا، فَإنَّهُ يُصَلّى عَلَيْهِ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ الإمامِ مالِكٍ أنَّ المَدارَ عَلى أنْ يَسْتَهِلَّ صارِخًا، فَإنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صارِخًا غُسِلَ دَمُهُ، ولُفَّ بِخِرْقَةٍ، ووُورِيَ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ: أنَّهُ إنِ اسْتَهَلَّ صارِخًا أوْ تَحَرَّكَ حَرَكَةً تَدُلُّ عَلى الحَياةِ ثُمَّ ماتَ صُلِّيَ عَلَيْهِ، ووَرِثَ وإنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ ولَمْ يَتَحَرَّكْ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ يُلَفُّ بِخِرْقَةٍ ويُدْفَنُ، وإنْ كانَ لَهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَقَوْلانِ: قالَ في القَدِيمِ: يُصَلّى عَلَيْهِ، وقالَ في الأُمِّ: لا يُصَلّى عَلَيْهِ، وهو الأصَحُّ، وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ التّابِعِيِّ، والحَكَمِ وحَمّادٍ، والأوْزاعِيِّ ومالِكٍ: أنَّهُ إذا لَمْ يَسْتَهِلَّ صارِخًا لا يُصَلّى عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ يُصَلّى عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ. وبِهِ قالَ ابْنُ سِيرِينَ وابْنُ المُسَيِّبِ وإسْحاقُ. انْتَهى بِواسِطَةِ نَقْلِ النَّوَوِيِّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ، ومَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ إذا لَمْ يَسْتَهِلَّ صارِخًا، ولَمْ يَتَحَرَّكْ، فَإنْ كانَ لَهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ غُسِّلَ، وصُلِّيَ عَلَيْهِ، وإلّا فَلا، أمّا إذا اسْتَهَلَّ صارِخًا، فَلا خِلافَ بَيْنَهم في الصَّلاةِ عَلَيْهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: اعْلَمْ أنَّ اخْتِلافَ الأئِمَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مِن قَبِيلِ الِاخْتِلافِ في تَحْقِيقِ المَناطِ؛ لِأنَّ مَناطَ الأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ هو أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ تَقَدَّمَتْ لَهُ حَياةٌ. ومَناطُ عَدَمِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ هو أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهُ حَياةٌ، فَمالِكٌ ومَن وافَقَهُ رَأوْا أنَّهُ إنِ اسْتَهَلَّ صارِخًا، أوْ طالَتْ مُدَّتُهُ حَيًّا، عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ ماتَ بَعْدَ حَياةٍ، فَيُغَسَّلُ ويُصَلّى عَلَيْهِ، وقالُوا: إنَّ مُطْلَقَ الحَرَكَةِ لا يَدُلُّ عَلى الحَياةِ؛ لِأنَّ المَذْبُوحَ قَدْ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً قَوِيَّةً، وقالُوا: إنَّهُ إنْ رَضَعَ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى حَياتِهِ. قالُوا: قَدْ كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا طَعَنَهُ عَدُوُّ اللَّهِ مَعْدُودًا في الأمْواتِ لَوْ ماتَ لَهُ مُورِّثٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ ما ورِثَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ القاسِمِ. ولَوْ قَتَلَ رَجُلٌ عُمَرَ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَما قُتِلَ بِهِ؛ لِأنَّهُ في حُكْمِ المَيِّتِ، وإنْ كانَ (p-٢٧٨)عُمْرُ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَتَكَلَّمُ ويَعْهَدُ. والَّذِينَ خالَفُوا هَؤُلاءِ قالُوا: لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فَكُلُّ حَرَكَةٍ قَوِيَّةٍ تَدُلُّ عَلى الحَياةِ، وعُمَرُ ما دامَ قادِرًا عَلى الحَرَكَةِ القَوِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الحَياةِ، فَهو حَيٌّ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الحَياةِ. والَّذِينَ قالُوا: يُغَسَّلُ إنْ سَقَطَ بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، اسْتَنَدُوا في ذَلِكَ إلى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في هَذا المَبْحَثِ نَحْوَ ما ساقَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ الأرْبَعِينَ الثّالِثَةِ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، وانْتِهاءُ الأرْبَعِينَ الثّالِثَةِ هو انْتِهاءُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَقَدْ دَلَّ الحَدِيثُ عَلى نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بَعْدَ انْتِهاءِ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، ونَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ في ذَلِكَ الحِينِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ ماتَ بَعْدَ حَياةٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ . هَذا بُرْهانٌ قاطِعٌ آخَرُ عَلى البَعْثِ: وقَوْلُهُ: وتَرى [الحج: ٥]؛ أيْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ. وقِيلَ: وتَرى أيُّها الإنْسانُ المُخاطَبُ، وهي رُؤْيَةٌ بَصَرِيَّةٌ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. فَقَوْلُهُ: هامِدَةً حالٌ مِنَ الأرْضِ، لا مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”تَرى“ وقَوْلُهُ: ”هامِدَةً“ أيْ: يابِسَةً قاحِلَةً لا نَباتَ فِيها. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ”هامِدَةً“ أيْ: دارِسَةَ الآثارَ مِنَ النَّباتِ والزَّرْعِ. قالُوا: وأصْلُ الهُمُودِ الدُّرُوسُ والدُّثُورُ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ: ؎قالَتْ قَتِيلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمَّدا ؛ أيْ: وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ دارِساتٍ. ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ﴾ [الحج: ٥]؛ أيْ: سَواءٌ كانَ مِنَ المَطَرِ، أوِ الأنْهارِ أوِ العُيُونِ أوِ السَّوانِي: اهْتَزَّتْ؛ أيْ: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ. ولَمّا كانَ النَّباتُ نابِتًا فِيها مُتَّصِلًا بِها، كانَ اهْتِزازُهُ كَأنَّهُ اهْتِزازُها، فَأُطْلِقَ عَلَيْها بِهَذا الِاعْتِبارِ أنَّها اهْتَزَّتْ بِالنَّباتِ. وهَذا أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ. وَقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ: واهْتِزازُها تَخَلْخُلُها واضْطِرابُ بَعْضِ أجْسامِها لِأجْلِ خُرُوجِ النَّباتِ، وقَوْلُهُ: ورَبَتْ؛ أيْ: زادَتْ وارْتَفَعَتْ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ورَبَتْ: انْتَفَخَتْ لِأجْلِ خُرُوجِ النَّباتِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: ورَبَتْ؛ أيْ: أضْعَفَتِ النَّباتَ بِمَجِيءِ الغَيْثِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا الله عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أصْلُ المادَّةِ الَّتِي مِنها رَبَتْ: الزِّيادَةُ، والظّاهِرُ (p-٢٧٩)أنَّ مَعْنى الزِّيادَةِ الحاصِلَةِ في الأرْضِ هي أنَّ النَّباتَ لَمّا كانَ نابِتًا فِيها مُتَّصِلًا بِها صارَ كَأنَّهُ زِيادَةٌ حَصَلَتْ في نَفْسِ الأرْضِ. وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: والِاهْتِزازُ: الحَرَكَةُ عَلى سُرُورٍ، فَلا يَكادُ يُقالُ: اهْتَزَّ فُلانٌ لَكَيْتَ وكَيْتَ، إلّا إذا كانَ الأمْرُ مِنَ المَحاسِنِ والمَنافِعِ. اهـ مِنهُ. والِاهْتِزازُ أصْلُهُ: شِدَّةُ الحَرَكَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: تَثَنّى إذا قامَتْ وتَهْتَزُّ إنْ مَشَتْ كَما اهْتَزَّ غُصْنُ البانِ في ورَقٍ خُضْرِ وَقَوْلُهُ: وأنْبَتَتْ؛ أيْ: أنْبَتَ اللَّهُ فِيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾؛ أيْ: صِنْفٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ والزَّرْعِ، والثِّمارِ: بَهِيجٍ؛ أيْ: حَسَنٍ، والبَهْجَةُ: الحُسْنُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ تَقُولُ: بَهُجَ بِالضَّمِّ بَهاجَةً فَهو بَهِيجٌ: إذا كانَ حَسَنًا، وقَرَأ عامَّةُ السَّبْعَةِ: ورَبَتْ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: رَبا يَرْبُو: إذا نَما وزادَ، وقَرَأ مِنَ الثَّلاثَةِ أبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعُ: ورَبَأتْ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الباءِ؛ أيِ ارْتَفَعَتْ، كَأنَّهُ مِنَ الرَّبِيئَةِ أوِ الرَّبِيئِيِّ، وهو الرَّقِيبُ الَّذِي يَعْلُو عَلى شَيْءٍ مُشْرِفٍ يَحْرُسُ القَوْمَ ويَحْفَظُهم. وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎بَعَثْنا رَبِيئًا قَبْلَ ذاكَ مُخَمَّلًا ∗∗∗ كَذِئْبِ الغَضا يَمْشِي الضَّراءَ ويَتَّقِي وَما أشارَ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى قُدْرَةِ مَن فَعَلَ ذَلِكَ عَلى إحْياءِ النّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ الجَمِيعَ إحْياءٌ بَعْدَ مَوْتٍ، وإيجادٌ بَعْدَ عَدَمٍ بَيَّنَهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ والنَّحْلِ كَثْرَةَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذا البُرْهانِ في القُرْآنِ عَلى البَعْثِ، وذَكَرْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]؛ أيْ: مِن قُبُورِكم أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]؛ أيْ: خُرُوجُكم مِنَ القُبُورِ أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (p-٢٨٠)[فاطر: ٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف: ١١] ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا: ﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحج: ٥] بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٦ - ٧] .

الحج 22:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ . قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الآيَةُ الأُولى الَّتِي هي ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] نازِلَةٌ في الأتْباعِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، اتِّباعًا لِرُؤَسائِهِمْ، مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، وهَذِهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ في الرُّؤَساءِ الدُّعاةِ إلى الضَّلالِ المَتْبُوعِينَ في ذَلِكَ، ويَدُلُّ لِهَذا أنَّهُ قالَ في الأُولى: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ﴾ [الحج: ٣] وقالَ في هَذِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٩] فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُضِلٌّ لِغَيْرِهِ، مَتْبُوعٌ في الكُفْرِ والضَّلالِ، عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِضَمِّ ياءِ ”يُضِلُّ“ وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ، فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى جِدالِ الكَفَرَةِ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٨]؛ أيْ: بِدُونِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ، حاصِلٍ لَهم بِما يُجادِلُونَ بِهِ ﴿وَلا هُدًى﴾؛ أيْ اسْتِدْلالٍ ونَظَرٍ عَقْلِيٍّ، يَهْتَدِي بِهِ العَقْلُ لِلصَّوابِ ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾؛ أيْ: وحْيٍ نَيِّرٍ واضِحٍ، يَعْلَمُ بِهِ ما يُجادِلُ بِهِ، فَلَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ ولا عِلْمٌ مُكْتَسَبٌ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ العَقْلِيِّ، ولا عِلْمٌ مِن وحْيٍ، فَهو جاهِلٌ مَحْضٌ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ المُسْتَكِنِّ في: يُجادِلُ؛ أيْ: يُخاصِمُ بِالباطِلِ في حالِ كَوْنِهِ ثانِيَ عِطْفِهِ؛ أيْ: لاوِي عُنُقِهِ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ اسْتِكْبارًا وإعْراضًا. فَقَوْلُهُ: (ثانِيَ) اسْمُ فاعِلِ ثَنى الشَّيْءَ: إذا لَواهُ، وأصْلُ العِطْفِ: الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ: جانِباهُ مِن لَدُنْ رَأْسِهِ إلى وِرْكَيْهِ، تَقُولُ العَرَبُ: ثَنى فُلانٌ عَنْكَ عِطْفَهُ، تَعْنِي أعْرَضَ عَنْكَ. وإنَّما عَبَّرَ العُلَماءُ هُنا بِالعُنُقِ فَقالُوا: ثانِيَ عِطْفِهِ: لاوِي عُنُقِهِ، مَعَ أنَّ العِطْفَ يَشْمَلُ العُنُقَ وغَيْرَها؛ لِأنَّ أوَّلَ ما يَظْهَرُ فِيهِ الصُّدُودُ عُنُقُ الإنْسانِ، يَلْوِيها ويَصْرِفُ وجْهَهُ عَنِ الشَّيْءِ بِلَيِّها. والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: إنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٩] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ مِمّا لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ (p-٢٨١)العِلَّةُ الغائِيَّةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ . ونَحْوِ ذَلِكَ - لامُ العاقِبَةِ، والبَلاغِيُّونَ يَزْعُمُونَ أنَّ في ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً، في مَعْنى الحَرْفِ. وقَدْ وعَدْنا بِإيضاحِ ذَلِكَ في سُورَةِ القَصَصِ. وَنَقُولُ هُنا: إنَّ الظّاهِرَ في ذَلِكَ أنَّ الصَّوابَ فِيهِ غَيْرُ ما ذَكَرُوا، وأنَّ اللّامَ في الجَمِيعِ لامُ التَّعْلِيلِ، والمَعْنى واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَواضِعَ مِن تَفْسِيرِهِ. وَإيضاحُ ذَلِكَ: أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي قَدَّرَ عَلى الكافِرِ في أزَلِهِ أنْ يُجادِلَ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ في حالِ كَوْنِهِ لاوِيَ عُنُقِهِ إعْراضًا عَنِ الحَقِّ، واسْتِكْبارًا. وقَدْ قَدَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِيَجْعَلَهُ ضالًّا مُضِلًّا. ولَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ في ذَلِكَ، • كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أيْ: لِئَلّا يَفْقَهُوهُ. وكَذَلِكَ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨]؛ أيْ: قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَلْتَقِطُوهُ؛ لِأجْلِ أنْ يَجْعَلَهُ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا. وهَذا واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ كَما تَرى. وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ مِن إعْراضِ بَعْضِ الكُفّارِ عَنِ الحَقِّ واسْتِكْبارِهِمْ أوْضَحَهُ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، • وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ لُقْمانَ في وصِيَّتِهِ لِابْنِهِ ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [لقمان: ١٨]؛ أيْ: لا تُمِلْ وجْهَكَ عَنْهُمُ اسْتِكْبارًا عَلَيْهِمْ. • وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿وَفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٨ - ٣٩] فَقَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ بِمَعْنى: ثَنى عِطْفَهُ. • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ [الحج: ٩]؛ أيْ: ذُلٌّ وإهانَةٌ. وقَدْ أذَلَّ اللَّهُ الَّذِينَ جادَلُوا في اللَّهِ بِغَيْرِ عَلَمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ؛ كَأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، والنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَيُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن ثَنى عِطْفَهُ اسْتِكْبارًا عَنِ الحَقِّ وإعْراضًا عَنْهُ عامَلَهُ (p-٢٨٢)اللَّهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ فَأذَلَّهُ وأهانَهُ. وذَلِكَ الذُّلُّ والإهانَةُ نَقِيضُ ما كانَ يُؤَمِّلُهُ مِنَ الكِبْرِ والعَظَمَةِ. وَهَذا المَفْهُومُ مِن هَذِهِ الآيَةِ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، • وقَوْلِهِ في إبْلِيسَ لَمّا اسْتَكْبَرَ ﴿فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] والصَّغارُ: الذُّلُّ والهَوانُ، عِياذًا بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ. • وقَوْلِهِ: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩]؛ أيْ: نَحْرِقُهُ بِالنّارِ، ونُذِيقُهُ ألَمَ حَرِّها يَوْمَ القِيامَةِ. وسُمِّيَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ فِيهِ لَهُ جَلَّ وعَلا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦] .

الحج 22:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ المَعْنى: أنَّ الكافِرَ إذا أُذِيقَ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ، يُقالُ لَهُ ذَلِكَ؛ أيْ: هَذا العَذابُ الَّذِي نُذِيقُكَهُ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْ يَداكَ؛ أيْ: قَدَّمَتْهُ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] فَلا يَظْلِمُ أحَدًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ. ﴿وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٣٠] والظّاهِرُ أنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِن ”أنَّ“ وصِلَتِها في قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] في مَحَلِّ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى (ما) المَجْرُورَةِ بِالباءِ. والمَعْنى: هَذا العَذابُ الَّذِي يُذِيقُكَهُ اللَّهُ حَصَلَ لَكَ بِسَبَبَيْنِ، وهُما: ما قَدَّمَتْهُ يَداكَ مِن عَمَلِ السُّوءِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وعَدالَةُ مَن جازاكَ ذَلِكَ الجَزاءَ الوِفاقَ، وعَدَمُ ظُلْمِهِ. وقَدْ أوْضَحْنا فِيما مَضى إزالَةَ الإشْكالِ المَعْرُوفِ في نَفْيِ صِيغَةِ المُبالَغَةِ، في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِظَلّامٍ﴾ فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَةُ أسْئِلَةٍ: الأوَّلُ: هو ما ذَكَرْنا آنِفًا أنّا أوْضَحْنا الجَوابَ عَنْهُ سابِقًا، وهو: أنَّ المَعْرُوفَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ النَّفْيَ إذا دَخَلَ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ، لَمْ يَقْتَضِ نَفْيَ أصْلِ الفِعْلِ. فَلَوْ قُلْتَ: لَيْسَ زَيْدٌ بِظَلّامٍ لِلنّاسِ، فَمَعْناهُ المَعْرُوفُ: أنَّهُ غَيْرُ مُبالِغٍ في الظُّلْمِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ حُصُولَ مُطْلَقِ الظُّلْمِ مِنهُ. وقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذا. (p-٢٨٣)والسُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ أسْنَدَ كُلَّ ما قَدَّمَ إلى يَدَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ وكُفْرُهُ الَّذِي هو أعْظَمُ ذُنُوبِهِ لَيْسَ مِن فِعْلِ اليَدِ، وإنَّما هو مِن فِعْلِ القَلْبِ واللِّسانِ، وإنْ كانَ بَعْضُ أنْواعِ البَطْشِ بِاليَدِ يَدُلُّ عَلى الكُفْرِ، فَهو في اللِّسانِ والقَلْبِ أظْهَرُ مِنهُ في اليَدِ. وزِناهُ لَمْ يَفْعَلْهُ بِيَدِهِ، بَلْ بِفَرْجِهِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي الَّتِي تُزاوَلُ بِغَيْرِ اليَدِ. والجَوابُ عَنْ هَذا ظاهِرٌ: وهو أنَّ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ إسْنادُ جَمِيعِ الأعْمالِ إلى اليَدِ، نَظَرًا إلى أنَّها الجارِحَةُ الَّتِي يُزاوِلُ بِها أكْثَرَ الأعْمالِ فَغَلَبَتْ عَلى غَيْرِها، ولا إشْكالَ في ذَلِكَ. والسُّؤالُ الثّالِثُ: هو أنْ يُقالَ: ما وجْهُ إشارَةِ البُعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ مَعَ أنَّ العَذابَ المُشارَ إلَيْهِ قَرِيبٌ مِنهُ حاضِرٌ ؟ والجَوابُ عَنْ هَذا: أنَّ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: وضْعُ إشارَةِ البُعْدِ مَوْضِعَ إشارَةِ القُرْبِ. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا: دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿الم ذَلِكَ الكِتابُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١ - ٢]؛ أيْ: هَذا الكِتابُ. وَمِن شَواهِدِ ذَلِكَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَوْلُ خِفافِ بْنِ نُدْبَةَ السُّلَمِيِّ: ؎فَإنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُها فَعَمْدًا عَلى عَيْنِي تَيَمَّمْتُ مالِكا ؎أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَهُ ∗∗∗ تَأمَّلْ خُفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا يَعْنِي: أنا هَذا. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ الكافِرَ يُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ الآيَةَ، لا يَخْفى أنَّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ وإهانَةٌ لَهُ، وأمْثالُ ذَلِكَ القَوْلِ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٤٧ - ٥٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٦] والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

الحج 22:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ . (p-٢٨٤)ضَمِيرُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ﴾ [الحج: ١٢] راجِعٌ إلى الكافِرِ المُشارِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الحج: ١١]؛ أيْ: يَدْعُو ذَلِكَ الكافِرُ المَذْكُورُ مِن دُونِ اللَّهِ، ما لا يَضُرُّهُ، إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ وكَفَرَ بِهِ، وما لا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ وزَعَمَ أنَّهُ يَشْفَعُ لَهُ. وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ الأوْثانَ لا تَضُرُّ مَن كَفَرَ بِها، ولا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢ - ٧٤] . إذِ المَعْنى: أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْفَعُونَ ولا يَضُرُّونَ، ولَكِنَّهم عَبَدُوهم تَقْلِيدًا لِآبائِهِمْ. والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. * * تَنْبِيهٌ فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ نَفْيِهِ تَعالى النَّفْعَ والضُّرَّ مَعًا عَنْ ذَلِكَ المَعْبُودِ مِن دُونِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢] مَعَ إثْباتِهِما في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾؛ لِأنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: ”أقْرَبُ“ دَلَّتْ عَلى أنَّ هُناكَ نَفْعًا وضَرًّا، ولَكِنَّ الضَّرَّ أقْرَبُ مِنَ النَّفْعِ. فالجَوابُ: أنَّ لِلْعُلَماءِ أجْوِبَةً عَنْ ذَلِكَ: مِنها: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ: فَإنْ قُلْتَ: الضَّرُّ والنَّفْعُ مَنفَيّانِ عَنِ الأصْنامِ، مُثْبَتانِ لَها في الآيَتَيْنِ، وهَذا تَناقُضٌ. قُلْتُ: إذا حَصَلَ المَعْنى ذَهَبَ هَذا الوَهْمُ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَفَّهُ الكافِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ جَمادًا لا يَمْلِكُ ضَرًّا، ولا نَفْعًا، وهو يَعْتَقِدُ فِيهِ بِجَهْلِهِ وضَلالِهِ أنَّهُ يَسْتَنْفِعُ بِهِ حِينَ يَسْتَشْفِعُ بِهِ، ثُمَّ قالَ يَوْمَ القِيامَةِ: يَقُولُ هَذا الكافِرُ بِدُعاءٍ وصُراخٍ حِينَ يَرى اسْتِضْرارَهُ بِالأصْنامِ ودُخُولَهُ النّارَ بِعِبادَتِها، ولا يَرى أثَرَ الشَّفاعَةِ الَّتِي ادَّعاها لَها: ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣] (p-٢٨٥)وَكَرَّرَ يَدْعُو كَأنَّهُ قالَ: يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ. ثُمَّ قالَ لِمَن ضَرُّهُ بِكَوْنِهِ مَعْبُودًا أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ بِكَوْنِهِ شَفِيعًا: لَبِئْسَ المَوْلى، ولَبِئْسَ العَشِيرِ. ا هـ مِنهُ. وَلا يَخْفى أنَّ جَوابَ الزَّمَخْشَرِيِّ هَذا غَيْرُ مُقْنِعٍ؛ لِأنَّ المَعْبُودَ مِن دُونِ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ نَفْعٌ البَتَّةَ، حَتّى يُقالَ فِيهِ: إنَّ ضَرَّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وقَدْ بَيَّنَ أبُو حَيّانَ عَدَمَ اتِّجاهِ جَوابِهِ المَذْكُورِ. وَمِنها: ما أجابَ بِهِ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ. وَحاصِلُهُ: أنَّ الآيَةَ الأوْلى في الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فالأصْنامُ لا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها، ولا تَضُرُّ مَن كَفَرَ بِها؛ ولِذا قالَ فِيها: ﴿ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ والقَرِينَةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الأصْنامُ، هي التَّعْبِيرُ بِلَفْظَةِ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢] لِأنَّ لَفْظَةَ ”ما“ تَأْتِي لِما لا يَعْقِلُ، والأصْنامُ لا تَعْقِلُ. أمّا الآيَةُ الأُخْرى فَهي في مَن عَبَدَ بَعْضَ الطُّغاةِ المَعْبُودِينَ مِن دُونِ اللَّهِ، كَفِرْعَوْنَ القائِلِ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، فَإنَّ فِرْعَوْنَ ونَحْوَهُ مِنَ الطُّغاةِ المَعْبُودِينَ قَدْ يُغْدِقُونَ نِعَمَ الدُّنْيا عَلى عابِدِيهِمْ؛ ولِذا قالَ لَهُ القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا سَحَرَةً ﴿أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢] فَهَذا النَّفْعُ الدُّنْيَوِيُّ بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَيُلاقُونَهُ مِنَ العَذابِ والخُلُودِ في النّارِ كَلا شَيْءٍ، فَضَرُّ هَذا المَعْبُودِ بِخُلُودِ عابِدِهِ في النّارِ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ بِعَرَضٍ قَلِيلٍ زائِلٍ مِن حُطامِ الدُّنْيا، والقَرِينَةُ عَلى أنَّ المَعْبُودَ في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ بَعْضُ الطُّغاةِ الَّذِينَ هم مَن جِنْسِ العُقَلاءِ هي التَّعْبِيرُ بِـ ”مَن“ الَّتِي تَأْتِي لِمَن يَعْقِلُ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] هَذا هو خُلاصَةُ جَوابِ أبِي حَيّانَ، ولَهُ اتِّجاهٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّ اللّامَ في: ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] فِيها إشْكالٌ مَعْرُوفٌ. ولِلْعُلَماءِ عَنْ ذَلِكَ أجْوِبَةٌ. ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنها ثَلاثَةً: أحَدُها: أنَّ اللّامَ مُتَزَحْلِقَةٌ عَنْ مَحَلِّها الأصْلِيِّ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ، والأصْلُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وعَلى هَذا فَـ ”مَن“ المَوْصُولَةُ (p-٢٨٦)فِي مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ بِهِ لِـ ”يَدْعُو“ واللّامُ مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، داخِلَةٌ عَلى المُبْتَدَإ، الَّذِي هو وخَبَرُهُ صِلَةُ المَوْصُولِ، وتَأْكِيدُ المُبْتَدَإ في جُمْلَةِ الصِّلَةِ بِاللّامِ وغَيْرِها لا إشْكالَ فِيهِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ سَماعًا: مِنها عِنْدِي لَما غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنهُ؛ أيْ: عِنْدِي ما لَغَيْرُهُ خَيْرٌ مِنهُ، وأعْطَيْتُكَ لَما غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنهُ؛ أيْ: ما لَغَيْرُهُ خَيْرٌ مِنهُ. والثّانِي مِنها: أنَّ قَوْلَهُ: يَدْعُو تَأْكِيدٌ لِـ ”يَدْعُوَ“ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿لَمَن ضَرُّهُ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ ﴿ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] صِلَةُ المَوْصُولِ الَّذِي هو ”مِن“ والخَبَرُ هو جُمْلَةُ: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ . وهَذا المَعْنى كَقَوْلِ العَرَبِ: لَما فَعَلْتَ لَهو خَيْرٌ لَكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ لَمّا ذَكَّرَ هَذا الوَجْهَ: واللّامُ الثّانِيَةُ في: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ جَوابُ اللّامِ الأُولى: قالَ: وهَذا القَوْلُ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أصَحُّ، والأوَّلُ إلى مَذْهَبِ أهْلِ التَّأْوِيلِ أقْرَبُ. اهـ. والثّالِثُ مِنها أنَّ مَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”يَدْعُو“ وأنَّ اللّامَ دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وقَدْ عَزا هَذا لِبَعْضِ البَصْرِيِّينَ مَعَ نَقْلِهِ عَمَّنْ عَزاهُ إلَيْهِ أنَّهُ شاذٌّ. وأقْرَبُها عِنْدِي الأوَّلُ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَمْ يَرَ مِنهُ نَفْعًا أصْلًا، ولَكِنَّهُ قالَ ﴿ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣] تَرْفِيعًا لِلْكَلامِ: كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] وباقِي الأقْوالِ في اللّامِ المَذْكُورَةِ تَرَكْناهُ، لِعَدَمِ اتِّجاهِهِ في نَظَرِنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الحج 22:13

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ المَوْلى: هو كُلُّ ما انْعَقَدَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ سَبَبٌ، يُوالِيكَ وتُوالِيهِ بِهِ. والعَشِيرُ: هو المُعاشِرُ، وهو الصّاحِبُ والخَلِيلُ. والتَّحْقِيقُ: أنَّ المُرادَ بِالمَوْلى والعَشِيرِ المَذْمُومِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، هو المَعْبُودُ الَّذِي كانُوا يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، كَما هو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ مِنَ السِّياقِ. وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢]؛ أيْ: البَعِيدُ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ.

الحج 22:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ . في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أوْجُهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ، وبَعْضُها يَشْهَدُ لِمَعْناهُ قُرْآنٌ. (p-٢٨٧)الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: مَن كانَ مِنَ الكَفَرَةِ الحَسَدَةِ لَهُ ﷺ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ؛ أيْ: أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: ١٥]؛ أيْ: بِحَبْلٍ إلى السَّماءِ؛ أيْ سَماءِ بَيْتِهِ، والمُرادُ بِهِ السَّقْفُ: لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ ما عَلاكَ سَماءٌ كَما قالَ: ؎وَقَدْ يُسَمّى سَماءً كُلُّ مُرْتَفِعٍ وإنَّما الفَضْلُ حَيْثُ الشَّمْسُ والقَمَرُ كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ الحِجْرِ. والمَعْنى: فَلْيَعْقِدْ رَأْسَ الحَبْلِ في خَشَبَةِ السَّقْفِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥]؛ أيْ: لِيَخْتَنِقْ بِالحَبْلِ، فَيَشُدُّهُ في عُنُقِهِ، ويَتَدَلّى مَعَ الحَبْلِ المُعَلَّقِ في السَّقْفِ حَتّى يَمُوتَ، وإنَّما أطْلَقَ القَطْعَ عَلى الِاخْتِناقِ؛ لِأنَّ الِاخْتِناقَ يَقْطَعُ النَّفَسَ بِسَبَبِ حَبْسِ مَجارِيهِ، ولِذا قِيلَ لِلْبُهْرِ وهو تَتابُعُ النَّفَسِ: قَطْعٌ، فَلْيَنْظُرْ إذا اخْتَنَقَ ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾؛ أيْ: هَلْ يُذْهِبُ فِعْلُهُ ذَلِكَ ما يَغِيظُهُ مَن نَصْرِ اللَّهِ نَبِيَّهُ ﷺ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. والمَعْنى: لا يُذْهِبُ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلَهُ ذَلِكَ الكافِرُ الحاسِدُ ما يَغِيظُهُ ويُغْضِبُهُ مِن نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسُمِّيَ فِعْلُهُ كَيْدًا؛ لِأنَّهُ وضَعَهُ مَوْضِعَ الكَيْدِ؛ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى غَيْرِهِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكِدْ بِهِ مَحْسُودَهُ، إنَّما كادَ بِهِ نَفْسَهُ، والمُرادُ: لَيْسَ في يَدِهِ إلّا ما لَيْسَ بِمُذْهِبٍ لِما يَغِيظُهُ. اهـ مِنهُ. وَحاصِلُ هَذا القَوْلِ: أنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِحاسِدِيهِ ﷺ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِهِ الدَّوائِرَ، ويَظُنُّونَ أنَّ رَبَّهُ لَنْ يَنْصُرَهُ: مُوتُوا بِغَيْظِكم، فَهو ناصِرُهُ لا مَحالَةَ عَلى رَغْمِ أُنُوفِكم، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، وأبُو الجَوْزاءِ، وغَيْرُهم. كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وهو أظْهَرُها عِنْدِي. وَمِمّا يَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى مِنَ القُرْآنِ: قَوْلُهُ تَعالى. ﴿وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ . الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والحالُ أنَّ النَّصْرَ يَأْتِيهِ ﷺ مِنَ السَّماءِ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ فَيَرْتَقِي بِذَلِكَ السَّبَبِ، حَتّى يَصْعَدَ إلى السَّماءِ فَيَقْطَعَ نُزُولَ الوَحْيِ مِنَ السَّماءِ، فَيَمْنَعَ النَّصْرَ عَنْهُ ﷺ . والمَعْنى: أنَّهُ وإنْ غاظَهُ نَصْرُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ. فَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ، ولا قُدْرَةٌ عَلى مَنعِ النَّصْرِ؛ (p-٢٨٨)لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ الِارْتِقاءَ إلى السَّماءِ ومَنعِ نُزُولِ النَّصْرِ مِنها عَلَيْهِ ﷺ: وعَلى هَذا القَوْلِ: فَصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: فَلْيَمْدُدْ [الحج: ١٥]، وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ لِلتَّعْجِيزِ فَلْيَنْظُرْ ذَلِكَ الحاسِدُ العاجِزُ عَنْ قَطْعِ النَّصْرِ عَنْهُ ﷺ: هَلْ يُذْهِبُ كَيْدُهُ إذا بَلَغَ غايَةَ جَهْدِهِ في كَيْدِ النَّبِيِّ ﷺ، ما يَغِيظُهُ مِن نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ . والمَعْنى: أنَّهُ إنْ أعْمَلَ كُلَّ ما في وُسْعِهِ مِن كَيْدِ النَّبِيِّ ﷺ، لِيَمْنَعَ عَنْهُ نَصْرَ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، ولا يُذْهِبُ كَيْدُهُ ما يَغِيظُهُ مِن نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ . وَمِمّا يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١٠ - ١١] وقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحِجْرِ. وَلِبَعْضِ أهْلِ العِلْمِ قَوْلٌ ثالِثٌ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وهو أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ عائِدٌ إلى ”مَن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ﴾ [الحج: ١٥] وأنَّ النَّصْرَ هُنا بِمَعْنى الرِّزْقِ، وأنَّ المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ؛ أيْ: لَنْ يَرْزُقَهُ، فَلْيَخْتَنِقْ، ولْيَقْتُلْ نَفْسَهُ؛ إذْ لا خَيْرَ في حَياةٍ لَيْسَ فِيها رِزْقُ اللَّهِ وعَوْنُهُ، أوْ فَلْيَخْتَنِقْ ولْيَمُتْ غَيْظًا وغَمًّا، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُغَيِّرُ شَيْئًا مِمّا قَضاهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ، والَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ قالُوا: إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الرِّزْقَ نَصْرًا، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: وقَفَ عَلَيْنا سائِلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ، فَقالَ: مَن يَنْصُرْنِي نَصَرَهُ اللَّهُ. يَعْنِي: مَن يُعْطِينِي أعْطاهُ اللَّهُ، قالُوا: ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: أرْضٌ مَنصُورَةٌ؛ أيْ: مَمْطُورَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ رَجُلٍ مِن بَنِي فَقْعَسٍ: ؎وَإنَّكَ لا تُعْطِي امْرَءًا فَوْقَ حَقِّهِ ∗∗∗ ولا تَمْلِكُ الشِّقَّ الَّذِي الغَيْثُ ناصِرُهْ ؛ أيْ: مُعْطِيهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا الله عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ ظاهِرُ السُّقُوطِ، كَما تَرى، والَّذِينَ قالُوا: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ راجِعٌ إلى الدِّينِ أوِ الكِتابِ، لا يُخالِفُ قَوْلُهم قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّ نَصْرَ الدِّينِ والكِتابِ هو نَصْرُهُ ﷺ كَما لا يَخْفى، ونَصْرُ اللَّهُ لَهُ ﷺ في الدُّنْيا بِإعْلائِهِ كَلِمَتَهُ، وقَهْرِهِ أعْداءَهُ، وإظْهارِ دِينِهِ، وفي الآخِرَةِ بِإعْلاءِ دَرَجَتِهِ، والِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَهُ، ونَحْوِ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] فَإنْ قِيلَ: قَرَّرْتُمْ أنَّ الضَّمِيرَ في ”يَنْصُرُهُ“ عائِدٌ إلَيْهِ ﷺ، وهو لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، فَكَيْفَ قَرَّرْتُمْ رُجُوعَ (p-٢٨٩)الضَّمِيرِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ ؟ فالجَوابُ هو ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، مِن أنَّهُ ﷺ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، فالكَلامُ دالٌّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ في قَوْلِهِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٤] . هو الإيمانُ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ، والِانْقِلابُ عَنِ الدِّينِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] انْقِلابٌ عَمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى الأصْلِ في لامِ الأمْرِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِإسْكانِ اللّامِ تَخْفِيفًا.

الحج 22:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

الحج 22:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿وَلَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ . ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنْواعِ عَذابِ أهْلِ النّارِ - أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها، ومَن كُلِّ ما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ - جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩]؛ أيْ: قَطَّعَ اللَّهُ لَهم مِنَ النّارِ ثِيابًا، وألْبَسَهم إيّاها تَنْقَدُّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] والسَّرابِيلُ: هي الثِّيابُ الَّتِي هي القُمُصُ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ، وكَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] والغَواشِي: جَمْعُ غاشِيَةٍ، وهي غِطاءٌ كاللِّحافِ، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ هُنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩]، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ذَكَرَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٨ - ٤٩] والحَمِيمُ: الماءُ البالِغُ شِدَّةَ الحَرارَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ الآيَة [الكهف: ٢٩] . وقَوْلُهُ هُنا ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ٢٠]؛ أيْ: يُذابُ (p-٢٩٠)بِذَلِكَ الحَمِيمِ إذا سُقُوهُ فَوَصَلَ إلى بُطُونِهِمْ كُلُّ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الشَّحْمِ والأمْعاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] والعَرَبُ تَقُولُ: صَهَرْتُ الشَّيْءَ فانْصَهَرَ، فَهو صَهِيرٌ؛ أيْ: أذَبْتُهُ فَذابَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ يَصِفُ تَغْذِيَةَ قَطاةٍ لِفَرْخِها في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ: ؎تُرْوى لَقًى أُلْقِيَ في صَفْصَفٍ تَصْهَرُهُ الشَّمْسُ فَما يَنْصَهِرُ ؛ أيْ: تُذِيبُهُ الشَّمْسُ، فَيَصْبِرُ عَلى ذَلِكَ، ولا يَذُوبُ. وَقَوْلُهُ: والجُلُودُ الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ٢٠] الَّتِي هي نائِبُ فاعِلِ ”يُصْهَرُ“ وعَلى هَذا الظّاهِرِ المُتَبادِرِ مِنَ الآيَةِ فَذَلِكَ الحَمِيمُ يُذِيبُ جُلُودَهم، كَما يُذِيبُ ما في بُطُونِهِمْ لِشِدَّةِ حَرارَتِهِ. إذِ المَعْنى: يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ، وتُصْهَرُ بِهِ الجُلُودُ؛ أيْ: جُلُودُهم، فالألِفُ واللّامُ قامَتا مَقامَ الإضافَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: والجُلُودُ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى تُصْهَرُ، وتَقْدِيرُهُ: وتُحْرَقُ بِهِ الجُلُودُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في تَقْدِيرِ العامِلِ المَحْذُوفِ الرّافِعِ الباقِي مَعْمُولُهُ مَرْفُوعًا بَعْدَ الواوِ، قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ: فَعَلا فُرُوعُ الأيْهَقانِ وأطْفَلَتْ بِالجَلْهَتَيْنِ ظِباؤُها ونَعامُها يَعْنِي: وباضَ نَعامُها؛ لِأنَّ النَّعامَةَ لا تَلِدُ الطِّفْلَ، وإنَّما تَبِيضُ، بِخِلافِ الظَّبْيَةِ فَهي تَلِدُ الطِّفْلَ، ومِثالُهُ في المَنصُوبِ قَوْلُ الآخَرِ: ؎إذا ما الغانِياتِ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا ؎تَرى مِنّا الأُيُورَ إذا رَأوْها ∗∗∗ قِيامًا راكِعِينَ وساجِدِينا يَعْنِي زَجَّجْنَ الحَواجِبَ، وأكْحَلْنَ العُيُونَ. وَقَوْلُهُ: ؎وَرَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحا ؛ أيْ: وحامِلًا رُمْحًا؛ لِأنَّ الرُّمْحَ لا يُتَقَلَّدُ. وَقَوْلُ الآخَرِ:(p-٢٩١) ؎تَراهُ كَأنَّ اللَّهَ يَجْدَعُ أنْفَهُ ∗∗∗ وعَيْنَيْهِ إنْ مَوْلاهُ ثابَ لَهُ وفْرُ يَعْنِي: ويَفْقَأُ عَيْنَيْهِ. وَمِن شَواهِدِهِ المَشْهُورَةِ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها يَعْنِي: وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٩]؛ أيْ: وأخْلَصُوا الإيمانَ، أوْ ألِفُوا الإيمانَ، ومِثالُ ذَلِكَ في المَخْفُوضِ قَوْلُهم: ما كُلُّ بَيْضاءَ شَحْمَةً، ولا سَوْداءَ تَمْرَةً؛ أيْ: ولا كُلُّ سَوْداءَ تَمْرَةً، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ انْفَرَدَتْ بِعَطْفِ عامِلٍ مُزالٍ قَدْ بَقِي مَعْمُولُهُ دَفْعًا لِوَهْمٍ اتَّقِي وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] المَقامِعُ: جَمَعُ مِقْمَعَةٍ بِكَسْرِ المِيمِ الأُولى، وفَتْحِ المِيمِ الأخِيرَةِ، ويُقالُ: مِقْمَعٌ بِلا هاءٍ، وهو في اللُّغَةِ: حَدِيدَةٌ كالمِحْجَنِ يُضْرَبُ بِها عَلى رَأْسِ الفِيلِ: وهي في الآيَةِ مَرازِبُ عَظِيمَةٌ مِن حَدِيدٍ تَضْرِبُ بِها خَزَنَةُ النّارِ رُءُوسَ أهْلِ النّارِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المَقامِعُ: سِياطٌ مِن نارٍ، ولا شَكَّ أنَّ المَقامِعَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ مِنَ الحَدِيدِ لِتَصْرِيحِهِ تَعالى بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٩] نَزَلَ في المُبارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ المُطَّلِبِ، وفي أقْرانِهِمُ المُبارِزِينَ مِنَ الكُفّارِ، وهم: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وابْنُهُ الوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وأخُوهُ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، وغَيْرِهِما.

الحج 22:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ . ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مِن أنَّ أهْلَ النّارِ كُلَّما أرادُوا الخُرُوجَ مِنها، لِما يُصِيبُهم مِنَ الغَمِّ فِيها عِياذًا بِاللَّهِ مِنها، أُعِيدُوا فِيها، ومُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ مِنها بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في المائِدَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦ - ٣٧]، وقَوْلِهِ في السَّجْدَةِ: (p-٢٩٢)﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠]، وقَوْلُهُ في آيَةِ الحَجِّ هَذِهِ: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] حُذِفَ فِيهِ القَوْلُ. والمَعْنى: أُعِيدُوا فِيها، وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، وهَذا القَوْلُ المَحْذُوفُ في الحَجِّ صُرِّحَ بِهِ في السَّجْدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: إنَّ لَهَبَ النّارِ يَرْفَعُهم، حَتّى يَكادَ يَرْمِيهِمْ خارِجَها، فَتَضْرِبُهم خَزَنَةُ النّارِ بِمَقامِعِ الحَدِيدِ، فَتَرُدُّهم في قَعْرِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها، ومِن كُلِّ ما يُقَرِّبُ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ.

الحج 22:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ خَبَرَ ”إنَّ“ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٢٥] مَحْذُوفٌ كَما تَرى. والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّ التَّقْدِيرَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، نُذِيقُهم مِن عَذابٍ ألِيمٍ. كَما دَلَّ عَلى هَذا قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ. فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ عَطْفِ الفِعْلِ المُضارِعِ عَلى الفِعْلِ الماضِي، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ﴾ . فالجَوابُ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ، واحِدٌ مِنها ظاهِرُ السُّقُوطِ: الأوَّلُ: هو ما ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ مِن أنَّ المُضارِعَ قَدْ لا يُلاحَظُ فِيهِ زَمانٌ مُعَيَّنٌ مِن حالٍ أوِ اسْتِقْبالٍ، فَيَدُلُّ إذْ ذاكَ عَلى الِاسْتِمْرارِ، ومِنهُ: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨] قالَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ. الثّانِي: أنَّ يَصُدُّونَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، وهم يَصُدُّونَ، وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ اسْمِيَّةٌ لا فِعْلِيَّةٌ، وهَذا القَوْلُ اسْتَحْسَنَهُ القُرْطُبِيُّ. الثّالِثُ: أنَّ يَصُدُّونَ مُضارِعٌ أُرِيدَ بِهِ الماضِي؛ أيْ: كَفَرُوا وصَدُّوا. ولَيْسَ بِظاهِرٍ. الرّابِعُ: أنَّ الواوَ زائِدَةٌ، وجُمْلَةُ ”يَصُدُّونَ“ خَبَرُ ”إنَّ“ أيْ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَصُدُّونَ (p-٢٩٣)الآيَةَ. وهَذا هو الَّذِي قَدَّمْنا أنَّهُ ظاهِرُ السُّقُوطِ، وهو كَما تَرى، وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّ مِن أعْمالِ الكُفّارِ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وعَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ [الحج: ٢٥] قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ: سَواءٌ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وفي إعْرابِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هَذِهِ بِرَفْعِ ”سَواءٌ“ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: العاكِفُ: مُبْتَدَأٌ، والبادِ: مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، و: ”سَواءٌ“ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وهو مَصْدَرٌ أُطْلِقَ وأُرِيدَ بِهِ الوَصْفُ. فالمَعْنى: العاكِفُ والبادِي سَواءٌ؛ أيْ: مُسْتَوِيانِ فِيهِ، وهَذا الإعْرابُ أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ. الثّانِي: أنَّ ”سَواءٌ“ مُبْتَدَأٌ و ”العاكِفُ“ فاعِلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والظّاهِرُ أنَّ مُسَوِّغَ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ الَّتِي هي ”سَواءٌ“ عَلى هَذا الوَجْهِ: هو عَمَلُها في المَجْرُورِ الَّذِي هو فِيهِ؛ إذِ المَعْنى: سَواءٌ فِيهِ العاكِفُ والبادِي، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرُهُ في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ ”جَعَلْنا“ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”سَواءً“ بِالنَّصْبِ، وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِـ ”جَعَلْنا“ الَّتِي بِمَعْنى صَيَّرْنا. والعاكِفُ فاعِلُ ”سَواءٌ“ أيْ: مُسْتَوِيًا فِيهِ العاكِفُ والبادِي، ومِن كَلامِ العَرَبِ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءٌ هو والعَدَمُ، ومَن قالَ: إنَّ ”جَعَلَ“ في الآيَةِ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ قالَ: إنَّ ”سَواءٌ“ حالٌ مِنَ الهاءِ في: جَعَلْناهُ؛ أيْ: وضَعْناهُ لِلنّاسِ في حالِ كَوْنِهِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٩٦] وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُرادَ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الحَرَمِ؛ ولِذَلِكَ أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ رِباعَ مَكَّةَ لا تُمْلَكُ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ مُسْتَوْفًى في هَذِهِ المَسْألَةِ وأقْوالَ أهْلِ العِلْمِ فِيها، ومُناقَشَةَ أدِلَّتِهِمْ في سُورَةِ الأنْفالِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، والعاكِفُ: هو المُقِيمُ في الحَرَمِ، والبادِي: الطّارِئُ عَلَيْهِ مِنَ البادِيَةِ، وكَذَلِكَ غَيْرُها مِن أقْطارِ الدُّنْيا. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ”والبادِي“ قَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ بَعْدَ الدّالِ في الوَصْلِ، وإسْقاطِها في الوَقْفِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا، (p-٢٩٤)وَقَرَأهُ باقِي السَّبْعَةِ بِإسْقاطِها، وصْلًا ووَقْفًا. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] قَدْ أوْضَحْنا إزالَةَ الإشْكالِ عَنْ دُخُولِ الباءِ عَلى المَفْعُولِ في قَوْلِهِ: بِإلْحادٍ، ونَظائِرِهِ في القُرْآنِ، وأكْثَرْنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. والإلْحادُ في اللُّغَةِ أصْلُهُ: المَيْلُ، والمُرادُ بِالإلْحادِ في الآيَةِ: أنْ يَمِيلَ ويَحِيدَ عَنْ دِينِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ، ويَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّ مَيْلٍ وحَيْدَةٍ عَنِ الدِّينِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا الكُفْرُ بِاللَّهِ، والشِّرْكُ بِهِ في الحَرَمِ، وفِعْلُ شَيْءٍ مِمّا حَرَّمَهُ، وتَرْكُ شَيْءٍ مِمّا أوْجَبَهُ. ومِن أعْظَمِ ذَلِكَ: انْتِهاكُ حُرُماتِ الحَرَمِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: يَدْخُلُ في ذَلِكَ احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: يَدْخُلُ في ذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ، و: بَلى واللَّهِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ لَهُ فُسْطاطانِ: أحَدُهُما في طَرَفِ الحَرَمِ، والآخَرُ في طَرَفِ الحِلِّ، فَإذا أرادَ أنْ يُعاتِبَ أهْلَهُ أوْ غُلامَهُ فَعَلَ ذَلِكَ في الفُسْطاطِ الَّذِي لَيْسَ في الحَرَمِ، يَرى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَدْخُلُ في الإلْحادِ فِيهِ بِظُلْمٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا الله عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ كُلَّ مُخالَفَةٍ بِتَرْكِ واجِبٍ، أوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ تَدْخُلُ في الظُّلْمِ المَذْكُورِ، وأمّا الجائِزاتُ كَعِتابِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، أوْ عَبْدَهُ، فَلَيْسَ مِنَ الإلْحادِ، ولا مِنَ الظُّلْمِ. * * مَسْألَةٌ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَن هَمَّ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً في مَكَّةَ، أذاقَهُ اللَّهُ العَذابَ الألِيمَ بِسَبَبِ هَمِّهِ بِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْها، بِخِلافِ غَيْرِ الحَرَمِ المَكِّيِّ مِنَ البِقاعِ، فَلا يُعاقَبُ فِيهِ بالهَمِّ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ أنَّ رَجُلًا أرادَ بِإلْحادٍ فِيهِ بِظُلْمٍ وهو بِعَدَنِ أبْيَنَ لَأذاقَهُ اللَّهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، وهَذا ثابِتٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ووَقْفُهُ عَلَيْهِ أصَحُّ مِن رَفْعِهِ، والَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ اسْتَدَلُّوا لَهُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] لِأنَّهُ تَعالى رَتَّبَ إذاقَةَ العَذابِ الألِيمِ عَلى إرادَةِ الإلْحادِ بِالظُّلْمِ فِيهِ تَرْتِيبَ الجَزاءِ عَلى شَرْطِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ”بِإلْحادٍ“ لِأجْلِ أنَّ الإرادَةَ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الهَمِّ؛ أيْ: ومَن يَهْمُمْ فِيهِ بِإلْحادٍ، وعَلى هَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ. (p-٢٩٥)فَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: «وَمَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» الحَدِيثَ، وعَلَيْهِ فَهَذا التَّخْصِيصُ لِشِدَّةِ التَّغْلِيظِ في المُخالَفَةِ في الحَرَمِ المَكِّيِّ، ووَجْهُ هَذا ظاهِرٌ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الإرادَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ﴾ [الحج: ٢٥] العَزْمُ المُصَمِّمُ عَلى ارْتِكابِ الذَّنْبِ فِيهِ، والعَزْمُ المُصَمِّمُ عَلى الذَّنْبِ ذَنْبٌ يُعاقَبُ عَلَيْهِ في جَمِيعِ بِقاعِ اللَّهِ؛ مَكَّةَ وغَيْرِها. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ إرادَةَ الذَّنْبِ إذا كانَتْ عَزْمًا مُصَمَّمًا عَلَيْهِ أنَّها كارْتِكابِهِ حَدِيثُ أبِي بَكْرَةَ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنا القاتِلَ، فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: ”إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ»“ . فَقَوْلُهم: ما بالُ المَقْتُولِ: سُؤالٌ عَنْ تَشْخِيصِ عَيْنِ الذَّنْبِ الَّذِي دَخَلَ بِسَبَبِهِ النّارَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ القَتْلَ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» أنَّ ذَنْبَهُ الَّذِي أدْخَلَهُ النّارَ هو عَزْمُهُ المُصَمِّمُ وحِرْصُهُ عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ المُسْلِمِ. وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ ”إنَّ“ المَكْسُورَةَ المُشَدَّدَةَ تَدُلُّ عَلى التَّعْلِيلِ كَما تَقَرَّرَ في مَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ. وَمِثالُ المُعاقَبَةِ عَلى العَزْمِ المُصَمِّمِ عَلى ارْتِكابِ المَحْظُورِ فِيهِ، ما وقَعَ بِأصْحابِ الفِيلِ مِنَ الإهْلاكِ المُسْتَأْصِلِ، بِسَبَبِ طَيْرٍ أبابِيلَ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٤] لِعَزْمِهِمْ عَلى ارْتِكابِ المَناكِرِ في الحَرَمِ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ العَزْمِ قَبْلَ أنْ يَفْعَلُوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: فِيهِ راجِعٌ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ، ولَكِنَّ حُكْمَ الحَرَمِ كُلِّهِ في تَغْلِيظِ الذَّنْبِ المَذْكُورِ كَذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الحج 22:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾؛ أيِ اذْكُرْ حِينَ بَوَّأْنا، تَقُولُ العَرَبُ: بَوَّأْتُ لَهُ مَنزِلًا، وبَوَّأْتُهُ مَنزِلًا، وبَوَّأْتُهُ في مَنزِلٍ، بِمَعْنًى واحِدٍ، كُلُّها بِمَعْنى: هَيَّأْتُهُ لَهُ ومَكَّنْتُ لَهُ فِيهِ وأنْزَلْتُهُ فِيهِ، فَتَبَوَّأهُ؛ أيْ: نَزَلَهُ، وتَبَوَّأْتُ لَهُ مَنزِلًا أيْضًا: هَيَّأْتُهُ لَهُ وأنْزَلْتُهُ فِيهِ. فَـ ”بَوَّأهُ“ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٥٨]، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٤٢] ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ:(p-٢٩٦) ؎كَمْ مِن أخٍ لِي ماجِدٍ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدا ؛ أيْ: هَيَّأْتُهُ لَهُ وأنْزَلْتُهُ فِيهِ. وَبَوَّأْتُ لَهُ. كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٦] . وَبَوَّأْتُهُ فِيهِ. كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وَبُوِّئَتْ في صَمِيمِ مَعْشَرِها ∗∗∗ وتَمَّ في قَوْمِها مُبَوَّؤُها ؛ أيْ: نَزَلَتْ مِنَ الكَرَمِ في صَمِيمِ النَّسَبِ، وتَبَوَّأتْ لَهُ مَنزِلًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٧٨] . وَتَبَوَّأهُ. • كَقَوْلِهِ: ﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٧٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٩] . وَأصْلُ التَّبَوُّءِ مِنَ المَباءَةِ: وهي مَنزِلُ القَوْمِ في كُلِّ مَوْضِعٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]؛ أيْ: هَيَّأْناهُ لَهُ وعَرَّفْناهُ إيّاهُ؛ لِيَبْنِيَهُ بِأمْرِنا عَلى قَواعِدِهِ الأصْلِيَّةِ المُنْدَرِسَةِ، حِينَ أمَرْناهُ بِبِنائِهِ، كَما يُهَيَّأُ المَكانُ لِمَن يُرِيدُ النُّزُولَ فِيهِ. والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: بَوَّأهُ لَهُ وأراهُ إيّاهُ بِسَبَبِ رِيحٍ تُسَمّى الخَجُوجَ كَنَسَتْ ما فَوْقَ الأساسِ، حَتّى ظَهَرَ الأساسُ الأوَّلُ الَّذِي كانَ مُنْدَرِسًا، فَبَناهُ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: أرْسَلَ لَهُ مُزْنَةً فاسْتَقَرَّتْ فَوْقَهُ، فَكانَ ظِلُّها عَلى قَدْرِ مِساحَةِ البَيْتِ، فَحَفَرا عَنِ الأساسِ فَظَهَرَ لَهُما فَبَنَياهُ عَلَيْهِ. وهم يَقُولُونَ أيْضًا: إنَّهُ كانَ مُنْدَرِسًا مِن زَمَنِ طُوفانِ نُوحٍ، وأنَّ مَحَلَّهُ كانَ مَرْبِضَ غَنَمٍ لِرَجُلٍ مِن جُرْهُمَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَغايَةُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ: أنَّ اللَّهَ بَوَّأ مَكانَهُ لِإبْراهِيمَ، فَهَيَّأهُ لَهُ وعَرَّفَهُ إيّاهُ لِيَبْنِيَهُ في مَحَلِّهِ، وذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ أوَّلَ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ ولَمْ يُبْنَ قَبْلَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ حِينَ تَرَكَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ في مَكَّةَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مَبْنِيًّا وانْدَرَسَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُنا ﴿مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ مَكانًا سابِقًا، كانَ مَعْرُوفًا. واللَّهُ أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ الآيَةَ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ المَذْكُورِ آيَةُ البَقَرَةِ؛ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] فَدَلَّتْ آيَةُ البَقَرَةِ المَذْكُورَةُ عَلى أنَّ مَعْنى آيَةِ الحَجِّ هَذِهِ ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] وعَهِدْنا إلَيْهِ؛ أيْ: أوْصَيْناهُ، أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ، وزادَتْ آيَةُ (p-٢٩٧)البَقَرَةِ: أنَّ إسْماعِيلَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ أيْضًا مَعَ أبِيهِ إبْراهِيمَ، وإذا عَرَفْتَ أنَّ المَعْنى: وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ ألّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ الآيَةَ. فاعْلَمْ أنَّ في ”أنْ“ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها هي المُفَسِّرَةُ، وعَلَيْهِ فَتَطْهِيرُ البَيْتِ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ هو تَفْسِيرُ العَهْدِ إلى إبْراهِيمَ؛ أيْ: والعَهْدُ هو إيصاؤُهُ بِالتَّطْهِيرِ المَذْكُورِ. والثّانِي: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ بِناءً عَلى دُخُولِ ”أنْ“ المَصْدَرِيَّةِ عَلى الأفْعالِ الطَّلَبِيَّةِ. وَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ مُفَسِّرَةً لِلْعَهْدِ إلى إبْراهِيمَ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ هُنا ؟ فالجَوابُ: أنَّهُ مَذْكُورٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في المَسْألَةِ بِعَيْنِها، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فالمَذْكُورُ هُناكَ كَأنَّهُ مَذْكُورٌ هُنا؛ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والتَّطْهِيرُ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ يَشْمَلُ التَّطْهِيرَ المَعْنَوِيَّ والحِسِّيَّ، فَيُطَهِّرُهُ الطَّهارَةَ الحِسِّيَّةَ مِنَ الأقْذارِ، والمَعْنَوِيَّةَ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي؛ ولِذا قالَ ﴿لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦] وكانَتْ قَبِيلَةُ جُرْهُمَ تَضَعُ عِنْدَهُ الأصْنامَ تَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ الإسْراءِ الكَلامَ مُسْتَوْفًى فِيما كانَ عِنْدَ الكَعْبَةِ مِنَ الأصْنامِ عامَ الفَتْحِ، وطَهَّرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أنْجاسِ الأوْثانِ وأقْذارِها. كَما أمَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ إبْراهِيمَ هُنا، وقالَ لِنَبِيِّنا ﷺ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٣] والمُرادُ بِالطّائِفِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: الَّذِينَ يَطُوفُونَ حَوْلَ البَيْتِ، والمُرادُ بِالقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ: المُصَلُّونَ؛ أيْ: طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلْمُتَعَبِّدِينَ بِطَوافٍ أوْ صَلاةٍ، والرُّكَّعُ: جَمْعُ راكِعٍ، والسُّجُودُ: جَمْعُ ساجِدٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ لَفْظَةُ ”شَيْئًا“ مَفْعُولٌ بِهِ: لِـ ”لا تُشْرِكْ“؛ أيْ: لا تُشْرِكْ بِي مِنَ الشُّرَكاءِ كائِنًا ما كانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ مِن: لا تُشْرِكْ؛ أيْ: لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا مِنَ الشِّرْكِ، لا قَلِيلًا، ولا كَثِيرًا. فالمَعْنى عَلى هَذا: لا تُشْرِكْ بِي شِرْكًا قَلِيلًا، ولا كَثِيرًا، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ هِشامٍ: بَيْتِيَ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِإسْكانِها. واعْلَمْ أنَّ المُؤَرِّخِينَ لَهم كَلامٌ كَثِيرٌ في قِصَّةِ بِناءِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ لِلْبَيْتِ، ومِن جُمْلَةِ ما يَزْعُمُونَ، أنَّ البَيْتَ الحَرامَ رَفَعَهُ اللَّهُ إلى السَّماءِ أيّامَ الطُّوفانِ، وأنَّهُ كانَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، ودَرَجَ عَلى ذَلِكَ ناظِمُ عَمُودِ النَّسَبِ فَقالَ: ؎وَدَلَّتْ إبْراهِيمَ مُزْنَةٌ عَلَيْهِ ∗∗∗ فَهي عَلى قَدْرِ المِساحَةِ تُرِيهِ ؎(p-٢٩٨)وَقِيلَ دَلَّتْهُ خَجُوجٌ كَنَسَتْ ∗∗∗ ما حَوْلَهُ حَتّى بَدا ما أسَّسَتْ ؎قَبْلَ المَلائِكِ مِنَ البِناءِ ∗∗∗ قَبْلَ ارْتِفاعِهِ إلى السَّماءِ وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا ونَحْوَهُ شَبِيهٌ بِالإسْرائِيلِيّاتِ لا يُصَدَّقُ مِنهُ إلّا ما قامَ دَلِيلٌ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ عَلى صِدْقِهِ، ولِذَلِكَ نُقَلِّلُ مِن ذِكْرِ مِثْلِ ذَلِكَ في الغالِبِ. * * مَسْألَةٌ يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُتْرَكَ عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ قَذَرٌ مِنَ الأقْذارِ، ولا نَجَسٌ مِنَ الأنْجاسِ المَعْنَوِيَّةِ ولا الحِسِّيَّةِ، فَلا يُتْرَكُ فِيهِ أحَدٌ يَرْتَكِبُ ما لا يُرْضِي اللَّهَ، ولا أحَدٌ يُلَوِّثُهُ بِقَذَرٍ مِنَ النَّجاساتِ. وَلا شَكَّ أنَّ دُخُولَ المُصَوِّرِينَ في المَسْجِدِ الحَرامِ حَوْلَ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ بِآلاتِ التَّصْوِيرِ يُصَوِّرُونَ بِها الطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ - أنَّ ذَلِكَ مُنافٍ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن تَطْهِيرِ بَيْتِهِ الحَرامِ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ، فانْتِهاكُ حُرْمَةِ بَيْتِ اللَّهِ بِارْتِكابِ حُرْمَةِ التَّصْوِيرِ عِنْدَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ تَصْوِيرَ الإنْسانِ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلى أنَّهُ حَرامٌ، وظاهِرُها العُمُومُ في كُلِّ أنْواعِ التَّصْوِيرِ، ولا شَكَّ أنَّ ارْتِكابَ أيِّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مِنَ الأقْذارِ والأنْجاسِ المَعْنَوِيَّةِ الَّتِي يَلْزَمُ تَطْهِيرُ بَيْتِ اللَّهِ مِنها. وكَذَلِكَ ما يَقَعُ في المَسْجِدِ مِنَ الكَلامِ المُخِلِّ بِالدِّينِ والتَّوْحِيدِ لا يَجُوزُ إقْرارُ شَيْءٍ مِنهُ ولا تَرْكُهُ. وَنَرْجُو اللَّهَ لَنا ولِمَن ولّاهُ اللَّهُ أمْرَنا، ولِإخْوانِنا المُسْلِمِينَ التَّوْفِيقَ إلى ما يُرْضِيهِ في حَرَمِهِ، وسائِرِ بِلادِهِ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.

الحج 22:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ الأذانُ في اللُّغَةِ: الإعْلامُ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ وقَوْلُ الحارْثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ رُبَّ ثاوٍ يَمَلُّ مِنهُ الثَّواءُ والحَجُّ في اللُّغَةِ: القَصْدُ وكَثْرَةُ الِاخْتِلافِ والتَّرَدُّدِ، تَقُولُ العَرَبُ: حَجَّ بَنُو فُلانٍ فُلانًا: إذا قَصَدُوهُ وأطالُوا الِاخْتِلافَ إلَيْهِ والتَّرَدُّدَ عَلَيْهِ. ومِنهُ قَوْلُ المُخَبَّلِ السَّعْدِيِّ: ؎ألَمْ تَعْلَمِي يا أُمَّ أسْعَدَ أنَّما ∗∗∗ تَخاطَأنِي رَيْبُ المَنُونِ لِأكْبَرا ؎(p-٢٩٩)وَأشْهَدُ مَن عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ∗∗∗ يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقانِ المُزَعْفَرا قَوْلُهُ: يَحُجُّونَ، يَعْنِي: يُكْثِرُونَ قَصْدَهُ والِاخْتِلافَ إلَيْهِ والتَّرَدُّدَ عَلَيْهِ. والسِّبُّ بِالكَسْرِ: العِمامَةُ. وعَنى بِكَوْنِهِمْ يَحُجُّونَ عِمامَتَهُ: أنَّهم يَحُجُّونَهُ، فَكَنّى عَنْهُ بِالعِمامَةِ. والرِّجالُ في الآيَةِ: جَمْعُ راجِلٍ، وهو الماشِي عَلى رِجْلَيْهِ، والضّامِرُ: البَعِيرُ ونَحْوُهُ، المَهْزُولُ الَّذِي أتْعَبَهُ السَّفَرُ. وقَوْلُهُ ”يَأْتِينَ“ يَعْنِي: الضَّوامِرَ المُعَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ: كُلِّ ضامِرٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى: وعَلى ضَوامِرَ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ ”كُلِّ“ صِيغَةُ عُمُومٍ، يَشْمَلُ ضَوامِرَ كَثِيرَةً، والفَجُّ: الطَّرِيقُ، وجَمْعُهُ: فِجاجٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] والعَمِيقُ: البَعِيدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا الخَيْلُ جاءَتْ مِن فِجاجٍ عَمِيقَةٍ ∗∗∗ يَمُدُّ بِها في السَّيْرِ أشْعَثُ شاحِبُ وَأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ العُمْقُ في البُعْدِ سُفْلًا، تَقُولُ: بِئْرٌ عَمِيقَةٌ؛ أيْ: بَعِيدَةُ القَعْرِ، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] لِإبْراهِيمَ كَما هو ظاهِرٌ مِنَ السِّياقِ. وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ الخِطابَ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى إبْراهِيمَ وسَلَّمَ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ الحَسَنُ، ومالَ إلَيْهِ القُرْطُبِيُّ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾؛ أيْ: وأمَرْنا إبْراهِيمَ أنْ أذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ؛ أيْ: أعْلِمْهم، ونادِ فِيهِمْ بِالحَجِّ؛ أيْ: بِأنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ حَجَّ بَيْتِهِ الحَرامِ. وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ رَبُّهُ أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ قالَ: يا رَبِّ، كَيْفَ أُبَلِّغُ النّاسَ وصَوْتِي لا يُنْفِذُهم، فَقالَ: نادِ وعَلَيْنا البَلاغُ، فَقامَ عَلى مَقامِهِ. وقِيلَ: عَلى الحَجَرِ. وقِيلَ: عَلى الصَّفا. وقِيلَ: عَلى أبِي قُبَيْسٍ، وقالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّ رَبَّكم قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَيُقالُ: إنَّ الجِبالَ تَواضَعَتْ، حَتّى بَلَغَ الصَّوْتُ أرْجاءَ الأرْضِ وأسْمَعَ مَن في الأرْحامِ والأصْلابِ، وأجابَهُ كُلُّ شَيْءٍ سَمِعَهُ مِن حَجَرٍ ومَدَرٍ وشَجَرٍ، ومَن كَتَبَ اللَّهُ أنَّهُ يَحُجُّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ: هَذا مَضْمُونُ ما ورَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ واللَّهُ أعْلَمُ، وأوْرَدَها ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مُطَوَّلَةً. انْتَهى مِنهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الطَّلَبِ، وهو عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ (p-٣٠٠)مَجْزُومٌ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، دَلَّ عَلَيْهِ الطَّلَبُ عَلى الأصَحِّ؛ أيْ: إنْ تُؤَذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ. وإنَّما قالَ ”يَأْتُوكَ“ لِأنَّ المَدْعُوَّ يَتَوَجَّهُ نَحْوَ الدّاعِي، وإنْ كانَ إتْيانُهم في الحَقِيقَةِ لِلْحَجِّ؛ لِأنَّ نِداءَ إبْراهِيمَ لِلْحَجِّ؛ أيْ: يَأْتُوكَ مُلَبِّينَ دَعْوَتَكَ، حاجِّينَ بَيْتَ اللَّهِ الحَرامَ، كَما نادَيْتَهم لِذَلِكَ. وَعَلى قَوْلِ الحَسَنِ الَّذِي ذُكِرَ عَنْهُ أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الحَجِّ، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، فَوُجُوبُ الحَجِّ بِها عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ المائِدَةِ، مَعَ أنَّهُ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ الإيجابَ المَذْكُورَ عَلى لِسانِ إبْراهِيمَ وقَعَ مِثْلُهُ أيْضًا عَلى لِسانِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] . وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ الآيَةَ. قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الحَجَّ ماشِيًا لِمَن قَدَرَ عَلَيْهِ أفْضَلُ مِنَ الحَجِّ راكِبًا؛ لِأنَّهُ قَدَّمَهم في الذِّكْرِ، فَدَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ بِهِمْ وقُوَّةِ هِمَمِهِمْ. وقالَ وكِيعٌ، عَنْ أبِي العُمَيْسِ، عَنْ أبِي حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما آسى عَلى شَيْءٍ إلّا أنِّي ودِدْتُ أنِّي كُنْتُ حَجَجْتُ ماشِيًا؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ . والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ: أنَّ الحَجَّ راكِبًا أفْضَلُ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ حَجَّ راكِبًا مَعَ كَمالِ قُوَّتِهِ ﷺ . انْتَهى مِنهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ مَنشَأ الخِلافِ في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي: هَلِ الرُّكُوبُ في الحَجِّ أفْضَلُ أوِ المَشْيُ، ونَظائِرُها - كَوْنُ أفْعالِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّظَرِ إلى الجِبِلَّةِ والتَّشْرِيعِ ثَلاثَةَ أقْسامٍ: القِسْمُ الأوَّلُ: هو الفِعْلُ الجِبِلِّيُّ المَحْضُ: أعْنِي الفِعْلَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ بِطَبِيعَتِها؛ كالقِيامِ، والقُعُودِ، والأكْلِ، والشُّرْبِ، فَإنَّ هَذا لَمْ يُفْعَلْ لِلتَّشْرِيعِ والتَّأسِّي، فَلا يَقُولُ أحَدٌ: أنا أجْلِسُ وأقُومُ تَقَرُّبًا لِلَّهِ واقْتِداءً بِنَبِيِّهِ ﷺ لِأنَّهُ كانَ يَقُومُ ويَجْلِسُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِلتَّشْرِيعِ والتَّأسِّي. وبَعْضُهم يَقُولُ: فِعْلُهُ الجِبِلِّيُّ يَقْتَضِي الجَوازَ، وبَعْضُهم (p-٣٠١)يَقُولُ: يَقْتَضِي النَّدْبَ. والظّاهِرُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ لَمْ يُفْعَلْ لِلتَّشْرِيعِ، ولَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلى الجَوازِ. القِسْمُ الثّانِي: هو الفِعْلُ التَّشْرِيعِيُّ المَحْضُ. وهو الَّذِي فُعِلَ لِأجْلِ التَّأسِّي والتَّشْرِيعِ، كَأفْعالِ الصَّلاةِ وأفْعالِ الحَجِّ مَعَ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» وقَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» . القِسْمُ الثّالِثُ: وهو المَقْصُودُ هُنا هو الفِعْلُ المُحْتَمِلُ لِلْجِبِلِّيِّ والتَّشْرِيعِيِّ. وضابِطُهُ: أنْ تَكُونَ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ تَقْضِيهِ بِطَبِيعَتِها، ولَكِنَّهُ وقَعَ مُتَعَلِّقًا بِعِبادَةٍ بِأنْ وقَعَ فِيها أوْ في وسِيلَتِها، كالرُّكُوبِ في الحَجِّ، فَإنَّ رُكُوبَهُ ﷺ في حَجِّهِ مُحْتَمِلٌ لِلْجِبِلَّةِ؛ لِأنَّ الجِبِلَّةَ البَشَرِيَّةَ تَقْتَضِي الرُّكُوبَ، كَما كانَ يَرْكَبُ ﷺ في أسْفارِهِ غَيْرَ مُتَعَبِّدٍ بِذَلِكَ الرُّكُوبِ، بَلْ لِاقْتِضاءِ الجِبِلَّةِ إيّاهُ، ومُحْتَمِلٌ لِلشَّرْعِيِّ؛ لِأنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ في حالِ تَلَبُّسِهِ بِالحَجِّ، وقالَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» . ومِن فُرُوعِ هَذِهِ المَسْألَةِ: جِلْسَةُ الِاسْتِراحَةِ في الصَّلاةِ، والرُّجُوعُ مِن صَلاةِ العِيدِ في طَرِيقٍ أُخْرى غَيْرِ الَّتِي ذَهَبَ فِيها إلى صَلاةِ العِيدِ، والضِّجْعَةُ عَلى الشِّقِّ الأيْمَنِ، بَيْنَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ وصَلاةِ الصُّبْحِ، ودُخُولُ مَكَّةَ مِن كَداءٍ - بِالفَتْحِ والمَدِّ - والخُرُوجُ مِن كُدًى - بِالضَّمِّ والقَصْرِ - والنُّزُولُ بِالمُحَصَّبِ بَعْدَ النَّفْرِ مِن مِنًى، ونَحْوُ ذَلِكَ. فَفِي كُلِّ هَذِهِ المَسائِلِ خِلافٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ؛ لِاحْتِمالِها لِلْجِبِلِّيِّ والتَّشْرِيعِيِّ، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَفِعْلُهُ المَرْكُوزُ في الجِبِلَّهْ ∗∗∗ كالأكْلِ والشُّرْبِ فَلَيْسَ مِلَّهْ ؎مِن غَيْرِ لَمْحِ الوَصْفِ والَّذِي احْتَمَلْ ∗∗∗ شَرْعًا فَفِيهِ قُلْ تَرَدُّدٌ حَصَلْ ؎فالحَجُّ راكِبًا عَلَيْهِ يَجْرِي ∗∗∗ كَضِجْعَةٍ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ: أنَّ الرُّكُوبَ في الحَجِّ أفْضَلُ، إلّا في الطَّوافِ والسَّعْيِ، فالمَشْيُ فِيهِما واجِبٌ. وَقالَ سَنَدٌ واللَّخْمِيُّ مِنَ المالِكِيَّةِ: إنَّ المَشْيَ أفْضَلُ لِلْمَشَقَّةِ، ورُكُوبُهُ ﷺ جِبِلِّيٌّ لا تَشْرِيعِيٌّ. وَما ذَكَرْنا عَنْ مالِكٍ مِن أنَّ الرُّكُوبَ في الحَجِّ أفْضَلُ مِنَ المَشْيِ، هو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما. قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الصَّحِيحَ في مَذْهَبِنا أنَّ الرُّكُوبَ أفْضَلُ. (p-٣٠٢)قالَ العَبْدَرِيُّ: وبِهِ قالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ، وقالَ داوُدُ: ماشِيًا أفْضَلُ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عائِشَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعائِشَةَ: ”وَلَكِنَّها عَلى قَدْرِ نَفَقَتِكِ، أوْ: نَصَبِكِ“» رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وفي رِوايَةٍ صَحِيحَةٍ: ”عَلى قَدْرِ عَنائِكِ ونَصَبِكِ“ ورَوى البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما آسِي عَلى شَيْءٍ ما آسِي أنِّي لَمْ أحُجَّ ماشِيًا، وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَدِمْتُ عَلى شَيْءٍ فاتَنِي في شَبابِي، إلّا أنِّي لَمْ أحُجَّ ماشِيًا، ولَقَدْ حَجَّ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَمْسًا وعِشْرِينَ حَجَّةً ماشِيًا. وإنَّ النَّجائِبَ لَتُقادُ مَعَهُ، ولَقَدْ قاسَمَ اللَّهَ تَعالى مالَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، حَتّى كانَ يُعْطِي الخُفَّ، ويُمْسِكُ النَّعْلَ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ، والحَدِيثُ المَرْفُوعُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في فَضْلِ الحَجِّ ماشِيًا: ضَعِيفٌ، وحَدِيثُ عائِشَةَ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ النَّوَوِيُّ يُقَوِّي حُجَّةَ مَن قالَ بِأنَّ المَشْيَ في الحَجِّ أفْضَلُ مِنَ الرُّكُوبِ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ نَصَبًا وعَناءً. ولَفْظُ البُخارِيِّ: ”وَلَكِنَّها عَلى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أوْ نَصَبِكِ“، ولَفْظُ مُسْلِمٍ: ”وَلَكِنَّها عَلى قَدْرِ نَصَبِكِ“، أوْ قالَ: ”نَفَقَتِكِ“ والنَّصَبُ: التَّعَبُ والمَشَقَّةُ. * * مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ دَلَّ الكِتابُ والسُّنَّةُ وإجْماعُ المُسْلِمِينَ عَلى وُجُوبِ الحَجِّ مَرَّةً واحِدَةً في العُمُرِ، وهو إحْدى الدَّعائِمِ الخَمْسِ، الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها الإسْلامُ إجْماعًا. أمّا دَلِيلُ وُجُوبِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] . وَأمّا السُّنَّةُ فالأحادِيثُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِلَفْظِ: قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”أيُّها النّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا“، فَقالَ رَجُلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَسَكَتَ حَتّى قالَها ثَلاثًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ ولَما اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قالَ: ذَرُونِي ما تَرَكْتُكم، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ“» . انْتَهى مِنهُ. وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِن هَذا الحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ: «أيُّها النّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا»، ونَحْوُهُ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ، واسْتُدِلَّ بِهَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ الأمْرَ المُجَرَّدَ مِنَ القَرائِنِ لا يَقْتَضِي التَّكْرارَ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ. (p-٣٠٣)والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ إحْدى الدَّعائِمِ الخَمْسِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها الإسْلامُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ: شَهادَةِ أنْ لا إلَهُ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضانَ» هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ. وَقَدْ ورَدَتْ في فَضْلِ الحَجِّ والتَّرْغِيبِ فِيهِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ: فَمِن ذَلِكَ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ ؟ قالَ ”إيمانٌ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ ماذا ؟ قالَ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ: ثُمَّ ماذا ؟ قالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ“» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا، وعَنْهُ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كَفّارَةٌ لِما بَيْنَهُما، والحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزاءٌ إلّا الجَنَّةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا، «وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَرى الجِهادَ أفْضَلَ العَمَلِ، أفَلا نُجاهِدُ ؟ قالَ: ”لَكِنَّ أفْضَلَ الجِهادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ“» رَواهُ البُخارِيُّ، وعَنْها أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِن يَوْمٍ أكْثَرُ مِن أنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النّارِ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ، وإنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُباهِي بِهِمُ المَلائِكَةَ، فَيَقُولُ: ما أرادَ هَؤُلاءِ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِهَذا اللَّفْظِ. والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ. وفَضْلُ الحَجِّ وكَوْنُهُ مِنَ الدَّعائِمِ الخَمْسِ مَعْرُوفٌ. * * واعْلَمْ: أنَّ وُجُوبَ الحَجِّ المَذْكُورَ تُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطٌ، وهي: العَقْلُ، والبُلُوغُ، والإسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، والِاسْتِطاعَةُ. ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، أمّا العَقْلُ فَكَوْنُهُ شَرْطًا في وُجُوبِ كُلِّ تَكْلِيفٍ، واضِحٌ لِأنَّ غَيْرَ العاقِلِ لا يَصِحُّ تَكْلِيفُهُ بِحالٍ. وأمّا اشْتِراطُ البُلُوغِ فَواضِحٌ؛ لِأنَّ الصَّبِيَّ مَرْفُوعٌ عَنْهُ القَلَمُ حَتّى يَحْتَلِمَ، فالبُلُوغُ والعَقْلُ كِلاهُما شَرْطُ وُجُوبٍ، وأمّا الإسْلامُ: فالظّاهِرُ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَهو شَرْطُ صِحَّةٍ لا شَرْطُ وُجُوبٍ، وعَلى أنَّهم غَيْرُ مُخاطَبِينَ بِها، فَهو شَرْطُ وُجُوبٍ، والأصَحُّ خِطابُ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَما أوْضَحْنا أدِلَّتَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَيَكُونُ الإسْلامُ شَرْطَ صِحَّةٍ في حَقِّهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ عَلى أنَّهُ شَرْطُ وُجُوبٍ، فَهو شَرْطُ صِحَّةٍ أيْضًا؛ لِأنَّ بَعْضَ شُرُوطِ الوُجُوبِ يَكُونُ شَرْطًا في الصِّحَّةِ أيْضًا؛ كالوَقْتِ لِلصَّلاةِ، فَإنَّهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِها وصِحَّتِها أيْضًا، وقَدْ يَكُونُ شَرْطُ الوُجُوبِ لَيْسَ شَرْطًا في الصِّحَّةِ؛ كالبُلُوغِ، والحُرِّيَّةِ، فَإنَّ الصَّبِيَّ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ، مَعَ أنَّهُ يَصِحُّ مِنهُ لَوْ فَعَلَهُ، وكَذَلِكَ العَبْدُ، إلّا أنَّهُ لا يُجْزِئُ عَنْ (p-٣٠٤)حَجَّةِ الإسْلامِ، إلّا إذا كانَ بَعْدَ البُلُوغِ وبَعْدَ الحُرِّيَّةِ. وأمّا الحُرِّيَّةُ: فَهي شَرْطُ وُجُوبٍ، فَلا يَجِبُ الحَجُّ عَلى العَبْدِ، واسْتَدَلَّ العُلَماءُ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ الحَجِّ عَلى العَبْدِ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: إجْماعُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ذَلِكَ. ولَكِنَّهُ إذا حَجَّ صَحَّ حَجُّهُ، ولَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ حَجَّةِ الإسْلامِ، فَإنْ عُتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ. قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَلْزَمُهُ الحَجُّ؛ لِأنَّ مَنافِعَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ، فَلَيْسَ هو مُسْتَطِيعًا. ويَصِحُّ مِنهُ الحَجُّ بِإذْنِ سَيِّدِهِ وبِغَيْرِ إذْنِهِ بِلا خِلافٍ عِنْدَنا. قالَ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ: وبِهِ قالَ الفُقَهاءُ كافَّةً، وقالَ داوُدُ: لا يَصِحُّ بِغَيْرِ إذْنِهِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. الأمْرُ الثّانِي: حَدِيثٌ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ وهو أنَّهُ ﷺ جاءَ عَنْهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «أيُّما صَبِيٌّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ، وأيُّما عَبْدٌ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ» قالَ ابْنُ حَجَرٍ في التَّلْخِيصِ في هَذا الحَدِيثِ: رَواهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ والإسْماعِيلِيُّ في مُسْنَدِ الأعْمَشِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ حَزْمٍ وصَحَّحَهُ، والخَطِيبُ في التّارِيخِ مِن حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ المِنهالِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي ظَبْيانَ عَنْهُ. قالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ، بَلْ خَرَّجَهُ كَذَلِكَ مِن رِوايَةِ ابْنِ أبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، وقالَ البَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ مُحَمَّدُ بْنُ المِنهالِ، ورَواهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ شُعْبَةَ مَوْقُوفًا. قُلْتُ: لَكِنْ هو عِنْدَ الإسْماعِيلِيِّ والخَطِيبِ عَنِ الحارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ مُتابَعَةً لِمُحَمَّدِ بْنِ المِنهالِ. ويُؤَيِّدُ صِحَّةَ رَفْعِهِ ما رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُصَنَّفِهِ: أنا أبُو مُعاوِيَةَ، عَنْ أبِي ظَبْيانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: احْفَظُوا عَنِّي ولا تَقُولُوا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ، وهَذا ظاهِرٌ أنَّهُ أرادَ أنَّهُ مَرْفُوعٌ؛ فَلِذا نَهاهم عَنْ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ. وفي البابِ عَنْ جابِرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِلَفْظِ: «لَوْ حَجَّ صَغِيرٌ حَجَّةً لَكانَتْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ إذا بَلَغَ» الحَدِيثَ، وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مُرْسَلًا، وفِيهِ راوٍ مُبْهَمٌ. انْتَهى مِنَ التَّلْخِيصِ. وَقالَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ: وأخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ المُقْرِيُّ: ثَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ: ثَنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المِنهالِ: ثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمانَ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي ظَبْيانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أيُّما صَبِيٌّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الحِنْثَ فَعَلَيْهِ أنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرى، وأيُّما أعْرابِيٌّ حَجَّ ثُمَّ هاجَرَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرى، وأيُّما عَبْدٌ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرى»، ثُمَّ ساقَ الحَدِيثَ بِسَنَدٍ آخَرَ مَوْقُوفًا عَلى (p-٣٠٥)ابْنِ عَبّاسٍ، وسَكَتَ ولَمْ يُبَيِّنْ هَلِ المَوْقُوفُ أصَحُّ أوِ المَرْفُوعُ ؟ وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ في هَذا الحَدِيثِ: رَواهُ البَيْهَقِيُّ في البابِ الأوَّلِ مِن كِتابِ الحَجِّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ ؟ ورَواهُ أيْضًا مَوْقُوفًا، ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِيهِ. ورِوايَةُ المَرْفُوعِ قَوِيَّةٌ، ولا يَضُرُّ تَفَرُّدُ مُحَمَّدِ بْنِ المِنهالِ بِها، فَإنَّهُ ثِقَةٌ مَقْبُولٌ ضابِطٌ. رَوى عَنْهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِما. اهـ. وَقَدْ عَلِمْتَ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ: أنَّ ابْنَ المِنهالِ تابَعَهُ عَلى رَفْعِ الحَدِيثِ المَذْكُورِ الحارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، فَقَدْ زالَ التَّفَرُّدُ. والظّاهِرُ أنَّ الحارِثَ المَذْكُورَ هو ابْنُ سُرَيْجٍ النَّقّالُ، ولا يُحْتَجُّ بِهِ لِضَعْفِهِ. وبِما ذَكَرْنا تَعَلَمُ أنَّ الحَدِيثَ المَذْكُورَ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الِاحْتِجاجِ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ مِنهُ عَلى أنَّ الحُرِّيَّةَ شَرْطٌ في وُجُوبِ الحَجِّ أنَّهُ لَوْ حَجَّ وهو مَمْلُوكٌ، ثُمَّ أُعْتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ حَجَّةُ الإسْلامِ، فَلَوْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ في حالِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا أجْزَأهُ حَجُّهُ عَنْ حَجَّةِ الإسْلامِ كَما هو ظاهِرٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقالَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ما نَصُّهُ: وَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ: أنَّ الصَّبِيَّ إذا حَجَّ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَ فَعَلَيْهِ الحَجُّ إذا أدْرَكَ لا تُجْزِئُ عَنْهُ تِلْكَ الحَجَّةُ عَنْ حَجَّةِ الإسْلامِ، وكَذَلِكَ المَمْلُوكُ إذا حَجَّ في رِقِّهِ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ الحَجُّ إذا وجَدَ إلى ذَلِكَ سَبِيلًا، ولا يُجْزِئُ عَنْهُ ما حَجَّ في حالِ رِقِّهِ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ. * * وَأمّا الِاسْتِطاعَةُ: فَقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى اشْتِراطِها في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ مَعْرُوفٌ، وتَفْسِيرُ الِاسْتِطاعَةِ في الآيَةِ اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ. فالِاسْتِطاعَةُ في مَشْهُورِ مَذْهَبِ مالِكٍ الَّذِي بِهِ الفَتْوى: هي إمْكانُ الوُصُولِ بِلا مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ زائِدَةٍ عَلى مَشَقَّةِ السَّفَرِ العادِيَّةِ مَعَ الأمْنِ عَلى النَّفْسِ والمالِ، ولا يُشْتَرَطُ عِنْدَهُمُ الزّادُ والرّاحِلَةُ، بَلْ يَجِبُ الحَجُّ عِنْدَهم عَلى القادِرِ عَلى المَشْيِ، إنْ كانَتْ لَهُ صَنْعَةٌ يُحَصِّلُ مِنها قُوتَهُ في الطَّرِيقِ؛ كالجَمّالِ، والخَرّازِ، والنَّجّارِ، ومَن أشْبَهُهم. وَقالَ الشَّيْخُ الحَطّابُ في كَلامِهِ عَلى قَوْلِ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ: ووَجَبَ بِاسْتِطاعَةٍ بِإمْكانِ الوُصُولِ بِلا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، وأمْنٍ عَلى نَفْسٍ ومالٍ ما نَصُّهُ: وقالَ مالِكٌ في كِتابِ مُحَمَّدٍ، وفي سَماعِ أشْهَبَ لَمّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أذَلِكَ الزّادُ والرّاحِلَةُ ؟ قالَ: لا واللَّهِ، ما ذَلِكَ إلّا طاقَةُ النّاسِ، الرَّجُلُ يَجِدُ (p-٣٠٦)الزّادَ والرّاحِلَةَ، ولا يَقْدِرُ عَلى المَسِيرِ، وآخَرُ يَقْدِرُ أن يَمْشِيَ عَلى رِجْلَيْهِ، ولا صِفَةَ في هَذا أبيَنُ مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وزادَ في كِتابِ مُحَمَّدٍ: ورُبَّ صَغِيرٍ أجَلَدُ مِن كَبِيرٍ، ونَقَلَ في المُقَدِّماتِ كَلامَ مالِكٍ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: فَمَن قَدَرَ عَلى الوُصُولِ إلى مَكَّةَ، إمّا راجِلًا بِغَيْرِ كَبِيرِ مَشَقَّةٍ، أوْ راكِبًا بِشِراءٍ أوْ كِراءٍ، فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ، ونَقَلَهُ في التَّوْضِيحِ. انْتَهى مِنَ الحَطّابِ. واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ المالِكِيَّةِ يَشْتَرِطُونَ في الصَّنْعَةِ المَذْكُورَةِ ألّا تَكُونَ مُزْرِيَةً بِهِ. واعْلَمْ أنَّ المالِكِيَّةَ اخْتَلَفُوا في الفَقِيرِ الَّذِي عادَتُهُ سُؤالُ النّاسِ في بَلَدِهِ، وعادَةُ النّاسِ إعْطاؤُهُ، وذَلِكَ السُّؤالُ هو الَّذِي مِنهُ عِيشَتُهُ، إذا عَلِمَ أنَّهُ إنْ خَرَجَ حاجًّا وسَألَ، أعْطاهُ النّاسُ ما يَعِيشُ بِهِ كَما كانُوا يُعْطُونَهُ في بَلَدِهِ، هَلْ سُؤالُهُ النّاسَ وإعْطاؤُهم إيّاهُ يَكُونُ بِسَبَبِهِ مُسْتَطِيعًا لِقُدْرَتِهِ عَلى الزّادِ بِذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ بِذَلِكَ، أوْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ؟ فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ الحَجُّ، ولا يُعَدُّ اسْتِطاعَةً، وبِهَذا القَوْلِ جَزَمَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ في مُخْتَصَرِهِ الَّذِي قالَ في تَرْجَمَتِهِ مُبَيِّنًا لِما بِهِ الفَتْوى، وذَلِكَ في قَوْلِهِ فِيما لا تَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِطاعَةُ: لا بِدَيْنٍ أوْ عَطِيَّةٍ أوْ سُؤالٍ مُطْلَقًا. وَمَعْنى كَلامِهِ أنَّ مَن لَمْ يُمْكِنْهُ الوُصُولُ إلى مَكَّةَ إلّا بِتَحَمُّلِ دَيْنٍ في ذَلِكَ، أوْ قَبُولِ عَطِيَّةٍ مِمَّنْ أعْطاهُ مالًا أوْ سُؤالِ النّاسِ مُطْلَقًا، أنَّهُ لا يُعَدُّ بِذَلِكَ مُسْتَطِيعًا، ولا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ، وقَوْلُهُ: أوْ سُؤالٍ مُطْلَقًا يَعْنِي بِالإطْلاقِ، سَواءٌ كانَ السُّؤالُ عادَتَهُ في بَلَدِهِ أوْ لا، وسَواءٌ كانَتْ عادَةُ النّاسِ إعْطاءَهُ أوْ لا، أمّا إذا كانَتْ عادَةُ النّاسِ عَدَمَ إعْطائِهِ، فالحَجُّ حَرامٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إلْقاءٌ بِاليَدِ إلى التَّهْلُكَةِ، سَواءٌ كانَ السُّؤالُ عادَتَهُ في بَلَدِهِ أوْ لا، وأمّا إنْ كانَتْ عادَةُ النّاسِ إعْطاءَهُ، ولَمْ يَكُنِ السُّؤالُ عادَتَهُ في بَلَدِهِ، فَلا خِلافَ في أنَّهُ لا يُعَدُّ مُسْتَطِيعًا ولا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ، وأمّا إنْ كانَتْ عادَتُهُ السُّؤالَ في بَلَدِهِ، ومِنهُ عِيشَتُهُ، وعادَةُ النّاسِ إعْطاؤُهُ، فَهو مَحَلُّ الخِلافِ، وقَدْ ذَكَرْنا آنِفًا قَوْلَ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ، ولا يُعَدُّ مُسْتَطِيعًا بِسُؤالِ النّاسِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: أوْ بِسُؤالٍ مُطْلَقًا، وقالَ الشَّيْخُ المَوّاقُ في شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وسُؤالٍ مُطْلَقًا، وقالَ خَلِيلٌ في مَنسِكِهِ: وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى مَن عادَتُهُ السُّؤالُ، إذا كانَتِ العادَةُ إعْطاءَهُ، ويُكْرَهُ لَهُ المَسِيرُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ عادَتُهُ السُّؤالَ، أوْ لَمْ تَكُنِ العادَةُ إعْطاءَهُ سَقَطَ الحَجُّ بِالِاتِّفاقِ، وقالَ الشَّيْخُ الحَطّابَ في كَلامِهِ عَلى قَوْلِ خَلِيلٍ: أوْ سُؤالٍ مُطْلَقًا ما نَصُّهُ: وأمّا الصُّورَةُ الرّابِعَةُ: وهي ما إذا كانَتْ عادَتُهُ في بَلَدِهِ السُّؤالَ، ومِنهُ عَيْشُهُ، والعادَةُ إعْطاؤُهُ، فَقالَ المُصَنِّفُ في تَوْضِيحِهِ ومَنسِكِهِ: إنَّ (p-٣٠٧)ظاهِرَ المَذْهَبِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ، ويُكْرَهُ لَهُ الخُرُوجُ، وجَزَمَ بِهِ هُنا، وقالَ في الشّامِلِ: إنَّهُ المَشْهُورُ، وأقَرَّ في شُرُوحِهِ كَلامَ المُؤَلِّفِ عَلى إطْلاقِهِ، وكَذَلِكَ البِساطِيُّ والشَّيْخُ زَرُّوقٌ، ولَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ ابْنُ غازِيٍّ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وقالَ الحَطّابُ أيْضًا: وذَكَرَ ابْنُ الحاجِبِ القَوْلَيْنِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وقَبِلَهُما ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ، والمُصَنِّفُ في التَّوْضِيحِ وابْنُ فَرْجُونٍ، وصاحِبُ الشّامِلِ، ومَن بَعْدَهم، ورَجَّحُوا القَوْلَ بِالسُّقُوطِ، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِتَشْهِيرِهِ، وكَذَلِكَ شُرّاحُ المُخْتَصَرِ. اهـ مَحَلَّ الغَرَضِ مِنهُ. وَمَعْنى قَوْلِهِ: ورَجَّحُوا القَوْلَ بِالسُّقُوطِ، يَعْنِي: سُقُوطَ وُجُوبِ الحَجِّ عَمَّنْ عادَتُهُ السُّؤالُ والإعْطاءُ. القَوْلُ الثّانِي مِن قَوْلَيِ المالِكِيَّةِ: أنَّ الفَقِيرَ الَّذِي عادَتُهُ السُّؤالُ في بَلَدِهِ وعادَةُ النّاسِ إعْطاؤُهُ، إذا كانَتْ عادَتُهم إعْطاءَهُ في سَفَرِ الحَجِّ كَما كانُوا يُعْطُونَهُ في بَلَدِهِ، أنَّهُ يُعَدُّ بِذَلِكَ مُسْتَطِيعًا، وأنَّ تَحْصِيلَهُ زادَهُ بِذَلِكَ السُّؤالِ يُعَدُّ اسْتِطاعَةً، وعَلى هَذا القَوْلِ أكْثَرُ المالِكِيَّةِ. وَقالَ الحَطّابُ في كَلامِهِ عَلى قَوْلِ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ: أوْ سُؤالٍ مُطْلَقًا، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ القَوْلَ بِأنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ والإعْطاءَ لا يُعَدُّ اسْتِطاعَةً، ولا يَجِبُ بِهِ الحَجُّ، بَلْ يُكْرَهُ الخُرُوجُ في تِلْكَ الحالِ، ما نَصُّهُ: قُلْتُ: ونُصُوصُ أهْلِ المَذْهَبِ الَّتِي وقَفْتُ عَلَيْها مُصَرِّحَةٌ بِخِلافِ ذَلِكَ، وأنَّ الحَجَّ واجِبٌ عَلى مَن عادَتُهُ السُّؤالُ، إذا كانَتِ العادَةُ إعْطاءَهُ، ثُمَّ سَرَدَ كَثِيرًا مِن نُقُولِ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ مُصَرِّحَةً بِوُجُوبِ الحَجِّ عَلَيْهِ، وأهْلُ هَذا القَوْلِ مِن عُلَماءِ المالِكِيَّةِ، وهُمُ الأكْثَرُونَ، وجَّهُوهُ بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الفَقِيرِ الَّذِي يُباحُ لَهُ السُّؤالُ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى كَسْبِ ما يَعِيشُ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ لَمّا كانَ جائِزًا لَهُ، وصارَ عَيْشُهُ مِنهُ في الحَضَرِ، فَهو بِذَلِكَ السُّؤالِ والإعْطاءِ قادِرٌ عَلى الوُصُولِ إلى مَكَّةَ. قالُوا: ومَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ بِوَجْهٍ جائِزٍ لَزِمَهُ الحَجُّ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ مِن قَوْلَيِ المالِكِيَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: هو القَوْلُ الأوَّلُ؛ وهو أنَّ الحَجَّ لا يَجِبُ عَلى مَن يَعِيشُ في طَرِيقِهِ بِتَكَفُّفِ النّاسِ، وأنَّ سُؤالَ النّاسِ لا يُعَدُّ اسْتِطاعَةً. وَمِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٩١]، وقَدْ قَدَّمْنا في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ مِرارًا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ (p-٣٠٨)الألْفاظِ، لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، وبَيَّنّا أدِلَّةَ ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَقَدْ صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِرَفْعِ الحَرَجِ عَنِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ. ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي يَتَكَفَّفُ النّاسَ لِشِدَّةِ فَقْرِهِ داخِلٌ في عُمُومِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِنَفْيِ الحَرَجِ عَنْهم، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ الحَرَجِ عَنْهُ في وُجُوبِ الحَجِّ، وهو واضِحٌ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ ابْنُ القاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ عَلى ما ذَكَرْنا. وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِن مُتَأخِّرِي عُلَماءِ المالِكِيَّةِ حَمَلُوا قَوْلَ ابْنِ القاسِمِ الَّذِي احْتَجَّ عَلَيْهِ بِالآيَةِ المَذْكُورَةِ، عَلى مَن لَيْسَ عادَتُهُ السُّؤالَ في بَلَدِهِ، قالُوا: فَلَمْ يَتَناوَلْ قَوْلُهُ مَحَلَّ النِّزاعِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: ظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ، فَتَخْصِيصُها بِمَن لَيْسَ عادَتُهُ السُّؤالَ بِدُونِ دَلِيلٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، لا يَصِحُّ ولا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَخْصِيصُ العامِّ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، سَواءٌ كانَ مِنَ المُخَصِّصاتِ المُتَّصِلَةِ، أوِ المُنْفَصِلَةِ. وَمِمّا يُؤَيِّدُ هَذا في الجُمْلَةِ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنا شَبّابَةُ، عَنْ ورْقاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ، ولا يَتَزَوَّدُونَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإذا قَدِمُوا المَدِينَةَ سَألُوا النّاسَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧] ورَواهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. انْتَهى مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ في الكَلامِ عَلى هَذا الحَدِيثِ: قالَ المُهْلَّبُ: في هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أنَّ تَرْكَ السُّؤالِ مِنَ التَّقْوى، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ اللَّهَ مَدَحَ مَن لَمْ يَسْألِ النّاسَ إلْحافًا، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ أيْ: تَزَوَّدُوا، واتَّقُوا أذى النّاسِ بِسُؤالِكم إيّاهم والإثْمِ في ذَلِكَ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى حُرْمَةِ خُرُوجِ الإنْسانِ حاجًّا بِلا زادٍ لِيَسْألَ النّاسَ، وظاهِرُها العُمُومُ في كُلِّ حاجٍّ يَسْألُ النّاسَ، فَقِيرًا كانَ أوْ غَنِيًّا، كانَتْ عادَتُهُ السُّؤالَ في بَلَدِهِ أوْ لا، وحَمْلُ النُّصُوصِ عَلى ظَواهِرِها واجِبٌ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ في كِتابِهِ، بِتَرْكِهِمْ سُؤالَ النّاسِ، كانُوا مَن أفْقَرِ الفُقَراءِ كَما هو مَعْلُومٌ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِأنَّهم فُقَراءُ، وأشارَ لِشِدَّةِ فَقْرِهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ (p-٣٠٩)الآيَةَ [البقرة: ٢٧٣] فَصَرَّحَ بِأنَّهم فُقَراءُ، وأثْنى عَلَيْهِمْ بِالتَّعَفُّفِ وعَدَمِ السُّؤالِ. وَوَجْهُ إشارَةِ الآيَةِ إلى شِدَّةِ فَقْرِهِمْ هو ما فَسَّرَها بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣]؛ أيْ: بِظُهُورِ آثارِ الفَقْرِ والحاجَةِ عَلَيْهِمْ. وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ القَوْلَ بِأنَّ المُرادَ بِسِيماهم: عَلامَةُ فَقْرِهِمْ مِن ظُهُورِ آثارِ الجُوعِ، والفاقَةِ عَلَيْهِمْ، والقَوْلَ الآخَرَ: أنَّ المُرادَ بِسِيماهم: عَلامَتُهُمُ الَّتِي هي التَّخَشُّعُ والتَّواضُعُ، ما نَصُّهُ. وَأوْلى الأقْوالِ في ذَلِكَ بِالصَّوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّهُ يَعْرِفُهم بِعَلاماتِهِمْ وآثارِ الحاجَةِ فِيهِمْ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ في التَّفْسِيرِ بِالمَأْثُورِ: وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] يَقُولُ: تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمُ الجَهْدَ مِنَ الحاجَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ قالَ: رَثاثَةُ ثِيابِهِمْ. انْتَهى. ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ. فالآيَةُ الكَرِيمَةُ: تَدُلُّ بِمَنطُوقِها عَلى الثَّناءِ عَلى الفَقِيرِ الصّابِرِ المُتَعَفِّفِ عَنْ مَسْألَةِ النّاسِ، وتَدُلُّ بِمَفْهُومِها عَلى ذَمِّ سُؤالِ النّاسِ، والأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَمِّ السُّؤالِ مُطْلَقًا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وبِذَلِكَ كُلِّهِ تَعْلَمُ أنَّ سُؤالَ النّاسِ لَيْسَ اسْتِطاعَةً عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الإسْلامِ، وأنَّ قَوْلَ بَعْضِ المالِكِيَّةِ: إنَّهُ لا يُعَدُّ اسْتِطاعَةً، هو الصَّوابُ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلَيْهِ: الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأبُو حَنِيفَةَ، ونَقَلَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأحْمَدَ، وإسْحاقَ. وبِهِ قالَ بَعْضُ أصْحابِ مالِكٍ. قالَ البَغَوِيُّ: وهو قَوْلُ العُلَماءِ ا هـ. قالَهُ النَّوَوِيُّ. والِاسْتِطاعَةُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ: الزّادُ والرّاحِلَةُ. فَلَوْ كانَ يَقْدِرُ عَلى المَشْيِ وعادَتُهُ سُؤالُ النّاسِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الحَجُّ عِنْدَهُ كَما قَدَّمْناهُ قَرِيبًا. والِاسْتِطاعَةُ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ: الزّادُ والرّاحِلَةُ، بِشَرْطِ أنْ يَجِدَهُما بِثَمَنِ المِثِلِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْهُما إلّا بِأكْثَرَ مِنَ المِثِلِ سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُ الحَجِّ. ويُشْتَرَطُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أيْضًا: وُجُودُ الماءِ في أماكِنِ النُّزُولِ، وهَذا شَرْطٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدِ الماءَ (p-٣١٠)هَلَكَ، ويُشْتَرَطُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ أيْضًا: أنْ يَكُونَ صَحِيحًا لا مَرِيضًا، ولا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في أنَّ المَرَضَ القَوِيَّ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ السَّفَرُ مَشَقَّةً فادِحَةً مُسْقِطٌ لِوُجُوبِ الحَجِّ. وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ أيْضًا: أنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ آمِنًا مِن غَيْرِ خِفارَةٍ. والخِفارَةُ مُثَلَّثَةُ الخاءِ: هي المالُ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلى الحاجِّ. ويُشْتَرَطُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ أيْضًا: أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنَ الوَقْتِ ما يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ السَّيْرِ والأداءِ. وهَذِهِ الشُّرُوطُ في المُسْتَطِيعِ بِنَفْسِهِ لا فِيما يُسَمُّونَهُ المُسْتَطِيعَ بِغَيْرِهِ، فَإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَكَّةَ مَسافَةً تُقْصَرُ فِيها الصَّلاةُ، وكانَ قادِرًا عَلى المَشْيِ عَلى رِجْلَيْهِ، ولَمْ يَجِدْ راحِلَةً، أوْ وجَدَها بِأكْثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ، أوْ أُجْرَةِ المِثْلِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الحَجُّ عِنْدَهم، ولا تُعَدُّ قُدْرَتُهُ عَلى المَشْيِ اسْتِطاعَةً عِنْدَهم، لِحَدِيثِ الزّادِ والرّاحِلَةِ في تَفْسِيرِ الِاسْتِطاعَةِ، وإنْ لَمْ يَجِدْ ما يَصْرِفُهُ في الزّادِ والماءِ، ولَكِنَّهُ كَسُوبٌ ذُو صَنْعَةٍ يَكْتَسِبُ بِصَنْعَتِهِ ما يَكْفِيهِ، فَفي ذَلِكَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ تَفْصِيلٌ حَكاهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ عَنِ العِراقِيِّينَ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وهو: أنَّهُ إنْ كانَ لا يَكْتَسِبُ في اليَوْمِ إلّا كِفايَةَ يَوْمٍ واحِدٍ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الحَجُّ؛ لِأنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنِ الكَسْبِ في أيّامِ الحَجِّ، وإنْ كانَ يَكْتَسِبُ في اليَوْمِ كِفايَةَ أيّامٍ لَزِمَهُ الحَجُّ. قالَ الإمامُ: وفِيهِ احْتِمالٌ، فَإنَّ القُدْرَةَ عَلى الكَسْبِ يَوْمَ العِيدِ لا تُجْعَلُ كَمِلْكِ الصّاعِ في وُجُوبِ الفِطْرَةِ، هَكَذا ذَكَرَهُ الإمامُ وحَكاهُ الرّافِعِيُّ وسَكَتَ عَلَيْهِ، انْتَهى مِنَ النَّوَوِيِّ، ومُرادُهُ بِالإمامِ: إمامُ الحَرَمَيْنِ. وَقَوْلُهُ: وفِيهِ احْتِمالٌ، يَعْنِي أنَّهُ يَحْتَمِلُ عَدَمَ وُجُوبِ الحَجِّ بِذَلِكَ مُطْلَقًا. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلى القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ المُخْتَلَفِ فِيها، وهي هَلِ القُدْرَةُ عَلى التَّحْصِيلِ بِمَنزِلَةِ التَّحْصِيلِ أوْ لا، والأظْهَرُ أنَّ القُدْرَةَ عَلى التَّحْصِيلِ بِمَنزِلَةِ التَّحْصِيلِ بِالفِعْلِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والِاسْتِطاعَةُ عِنْدَ أحْمَدَ وأصْحابِهِ: هي الزّادُ والرّاحِلَةُ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: والِاسْتِطاعَةُ المُشْتَرَطَةُ: مِلْكُ الزّادِ والرّاحِلَةِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: والعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي الصِّحَّةُ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. * * وَإذا عَلِمْتَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في مَعْنى الِاسْتِطاعَةِ المَذْكُورَة في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَهَذِهِ أدِلَّتُهم. أمّا الأكْثَرُونَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الِاسْتِطاعَةَ بِالزّادِ والرّاحِلَةِ، فَحُجَّتُهُمُ الأحادِيثُ الوارِدَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِتَفْسِيرِ الِاسْتِطاعَةِ في الآيَةِ بِالزّادِ والرّاحِلَةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، ومِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومِن حَدِيثِ أنَسٍ، ومِن حَدِيثِ عائِشَةَ، ومِن حَدِيثِ (p-٣١١)جابِرٍ، ومِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، ومِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ا هـ. أمّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الخُوزِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرِ المَخْزُومِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أنْ ساقَهُ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ والعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ الرَّجُلَ إذا مَلَكَ زادًا وراحِلَةً وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ. وإبْراهِيمُ بْنُ يَزِيدَ هو الخُوزِيُّ المَكِّيُّ، وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ. انْتَهى مِنَ التِّرْمِذِيِّ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: تَحْسِينُ التِّرْمِذِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذا الحَدِيثِ لا وجْهَ لَهُ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ الخُوزِيَّ المَذْكُورُ مَتْرُوكٌ لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، كَما جَزَمَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ. وقَدْ نَقَلَ الزَّيْلَعِيُّ في نَصْبِ الرّايَةِ عَنِ التِّرْمِذِيِّ: أنَّهُ لَمّا ساقَ الحَدِيثَ المَذْكُورَ، قالَ فِيهِ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ إبْراهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الخُوزِيِّ. وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ. ا هـ. وَمُقْتَضى ما نَقَلَ الزَّيْلَعِيُّ عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يُحَسِّنْهُ، وإنَّما وصَفَهُ بِالغَرابَةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ إبْراهِيمَ الخُوزِيَّ لا يُحْتَجُّ بِهِ. فَلا يَكُونُ حَدِيثٌ هو في إسْنادِهِ حَسَنًا. قالَ صاحِبُ نَصْبِ الرّايَةِ: ولَهُ طَرِيقٌ آخَرُ عِنْدَ الدّارَقُطْنِيِّ في سُنَنِهِ أخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَجّاجِ المُصْفَرُّ، ثَنا جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَجّاجِ المُصْفَرُّ ضَعِيفٌ. اهـ. وهو كَما قالَ الزَّيْلَعِيُّ ضَعِيفٌ. قالَ في المِيزانِ فِيهِ: رَوى عَبّاسٌ عَنْ يَحْيى لَيْسَ بِثِقَةٍ. وقالَ أحْمَدُ: قَدْ تَرَكْنا حَدِيثَهُ. وقالَ البُخارِيُّ عَنْ شُعْبَةَ: سَكَتُوا عَنْهُ، وقالَ النَّسائِيُّ: مَتْرُوكٌ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ عَجائِبِهِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهو لا يُحْتَجُّ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ يَزِيدَ الخُوزِيَّ كَما تابَعَهُ في هَذِهِ الرِّوايَةِ جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَجّاجِ المُصْفَرِّ الَّذِي ذَكَرْنا آنِفًا، أنَّهُ لا يُحْتَجُّ بِهِ، فَقَدْ تابَعَهُ أيْضًا فِيها غَيْرُهُ مِنَ الضُّعَفاءِ. قالَ الزَّيْلَعِيُّ في نَصْبِ الرّايَةِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حَدِيثَ إبْراهِيمَ الخُوزِيِّ المَذْكُورِ، عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وابْنِ ماجَهْ: ورَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِما. قالَ الدّارَقُطْنِيُّ: وقَدْ تابَعَ إبْراهِيمَ بْنَ يَزِيدَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ، (p-٣١٢)فَرَواهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَذَلِكَ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أشارَ إلَيْهِ رَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ وأعَلَّهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ، وأسْنَدَ تَضْعِيفَهُ عَنِ النَّسائِيِّ وابْنِ مَعِينٍ ثُمَّ قالَ: والحَدِيثُ مَعْرُوفٌ بِإبْراهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الخُوزِيِّ، وهو مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ غَرِيبٌ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ البَيْهَقِيِّ تَضْعِيفَ إبْراهِيمَ المَذْكُورِ. قالَ: ورُوِيَ مِن أوْجُهٍ أُخَرَ كُلُّها ضَعِيفَةٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ: ورُوِّيناهُ مِن أوْجُهٍ صَحِيحَةٍ، عَنِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، وفِيهِ قُوَّةٌ لِهَذا السَّنَدِ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَ هَذا الكَلامِ الَّذِي نَقَلْناهُ عَنْهُ: قالَ الشَّيْخُ في الإمامِ قَوْلَهُ: فِيهِ قُوَّةٌ، فِيهِ نَظَرٌ. لِأنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَهم: أنَّ الطَّرِيقَ إذا كانَ واحِدًا، ورَواهُ الثِّقاتُ مُرْسَلًا، وانْفَرَدَ ضَعِيفٌ بِرَفْعِهِ، أنْ يُعَلِّلُوا المُسْنَدَ بِالمُرْسَلِ، ويَحْمِلُوا الغَلَطَ عَلى رِوايَةِ الضَّعِيفِ. فَإذا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِضَعْفِ المُسْنَدِ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَقْوِيَةً لَهُ. اهـ. وهو كَما قالَ، كَما هو مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ وعِلْمِ الحَدِيثِ. ثُمَّ قالَ الزَّيْلَعِيُّ: قالَ - يَعْنِي الشَّيْخَ - في الإمامِ: والَّذِي أشارَ إلَيْهِ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنا عِلّانُ بْنُ المُغِيرَةِ، ثَنا أبُو صالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قَوْلُهُ. والمُرْسَلُ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ، حَدَّثَنا هِشامُ، ثَنا يُونُسُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما السَّبِيلُ ؟ قالَ ﷺ ”زادٌ وراحِلَةٌ“» . انْتَهى. حَدَّثَنا الهَيْثَمُ، ثَنا مَنصُورٌ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. حَدَّثَنا خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. قالَ: وهَذِهِ أسانِيدٌ صَحِيحَةٌ إلّا أنَّها مُرْسَلَةٌ. وقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا يَثْبُتُ الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الزّادِ والرّاحِلَةِ مُسْنَدًا، والصَّحِيحُ رِوايَةُ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، وأمّا المُسْنَدُ فَإنَّما رَواهُ إبْراهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، وهو مَتْرُوكٌ، ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُ. اهـ. مِن نَصْبِ الرّايَةِ. وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ المَذْكُورَ لَمْ يُسْنَدْ مِن وجْهٍ صَحِيحٍ، ولَمْ يَثْبُتْ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ الخُوزِيَّ مَتْرُوكٌ، ومُحَمَّدَ بْنَ الحَجّاجِ المُصْفَرَّ الَّذِي ذَكَرْنا أنَّ إبْراهِيمَ تابَعَهُ عَلَيْهِ جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ مِن طَرِيقِهِ لا يُحْتَجُّ بِهِ كَما بَيَّنّاهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مُتابَعَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ لا تُقَوِّيهِ؛ لِأنَّهُ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ النَّسائِيُّ، وأعَلَّ الحَدِيثَ بِهِ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ. وقالَ الذَّهَبِيُّ في المِيزانِ: ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وقالَ البُخارِيُّ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ. وقالَ النَّسائِيُّ: مَتْرُوكٌ. . اهـ مِنهُ. (p-٣١٣)وَأمّا مُرْسَلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ المَذْكُورُ، وإنْ كانَ إسْنادُهُ صَحِيحًا إلى الحَسَنِ، فَلا يُحْتَجُّ بِهِ؛ لِأنَّ مَراسِيلَ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يُحْتَجُّ بِها. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ: وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: مَراسِيلُ الحَسَنِ فِيها ضَعْفٌ. وقالَ في تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ أيْضًا: وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كانَ الحَسَنُ جامِعًا عالِمًا رَفِيعًا فَقِيهًا ثِقَةً، مَأْمُونًا، عابِدًا، ناسِكًا، كَثِيرَ العِلْمِ، فَصِيحًا، جَمِيلًا، وسِيمًا، وكانَ ما أسْنَدَ مِن حَدِيثِهِ ورَوى عَمَّنْ سَمِعَ مِنهُ، فَهو حُجَّةٌ، وما أرْسَلَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَقالَ صاحِبُ تَدْرِيبِ الرّاوِي في شَرْحِ تَقْرِيبِ النَّواوِيِّ: وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مُرْسَلاتُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أصَحُّ المُرْسَلاتِ، ومُرْسَلاتُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ لا بَأْسَ بِها، ولَيْسَ في المُرْسَلاتِ أضْعَفُ مِن مُرْسَلاتِ الحَسَنِ وعَطاءٍ؛ فَإنَّهُما كانا يَأْخُذانِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ. انْتَهى. ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ: وقالَ العِراقِيُّ: مَراسِيلُ الحَسَنِ عِنْدَهم شِبْهُ الرِّيحِ، وعَدَمُ الِاحْتِجاجِ بِمَراسِيلِ الحَسَنِ هو المَشْهُورُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هي صِحاحٌ إذا رَواها عَنْهُ الثِّقاتُ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ: وقالَ ابْنُ المَدِينِيِّ: مُرْسَلاتُ الحَسَنِ إذا رَواها عَنْهُ الثِّقاتُ صِحاحٌ، ما أقَلَّ ما يَسْقُطُ مِنها. وقالَ أبُو زُرْعَةَ: كُلُّ شَيْءٍ يَقُولُ الحَسَنُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، وجَدْتُ لَهُ أصْلًا ثابِتًا ما خَلا أرْبَعَةَ أحادِيثَ. اهـ. فَهَذا هو جُمْلَةُ الكَلامِ في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ فَسَّرَ الِاسْتِطاعَةَ بِالزّادِ والرّاحِلَةِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِن وجْهٍ صَحِيحٍ، بِحَسَبَ صِناعَةِ عِلْمِ الحَدِيثِ، وأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَرَواهُ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنا هِشامُ بْنُ سُلَيْمانَ القُرَشِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ، وأخْبَرَنِيهِ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَطاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الزّادُ والرّاحِلَةُ» يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وهَذا الإسْنادُ فِيهِ هِشامُ بْنُ سُلَيْمانَ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خالِدِ بْنِ العاصِ القُرَشِيُّ المَخْزُومِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ: مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ، ومَحَلُّهُ الصِّدْقُ، ما أرى بِهِ بَأْسًا. وقالَ العُقَيْلِيُّ: في حَدِيثِهِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ جُرَيْجٍ وهْمٌ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: مَقْبُولٌ. اهـ. وَقَدْ أخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ، وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في البُيُوعِ: وقالَ لِي إبْراهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: أنْبَأنا هِشامٌ، أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، سَمِعْتُ ابْنَ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ نافِعٍ مَوْلى ابْنِ عُمَرَ (p-٣١٤)قالَ: ”أيُّما ثَمَرَةٍ بِيعَتْ، ثُمَّ أُبِّرَتْ“ وذَكَرَ الحَدِيثَ مِن قَوْلِهِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أيْضًا مِن رِجالِ البُخارِيِّ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ الَّذِي ذَكَرْنا: وأمّا كَوْنُ المُتَقَدِّمِينَ لَمْ يَذْكُرُوهُ في رِجالِ البُخارِيِّ؛ فَلِأنَّ البُخارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ سِوى هَذا المَوْضِعِ في المُتابَعاتِ، وأوْرَدَهُ بِألْفاظِ الشَّواهِدِ. انْتَهى مِنهُ. وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الحَسَنِ، مَعَ أنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِما تَقَدَّمَ، وبِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَقالَ الزَّيْلَعِيُّ في نَصْبِ الرّايَةِ: وأخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورَ الدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ داوُدَ بْنِ الزِّبْرِقانِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ حُصَيْنِ بْنِ المُخارِقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خالِدٍ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، الحَجُّ كُلَّ عامٍ ؟ قالَ ”لا بَلْ حَجَّةٌ“، قِيلَ: ”فَما السَّبِيلُ إلَيْهِ ؟ قالَ: الزّادُ والرّاحِلَةُ“» . انْتَهى. ثُمَّ قالَ: وداوُدُ وحُصَيْنٌ كِلاهُما ضَعِيفانِ. اهـ. وداوُدُ بْنُ الزِّبْرِقانِ المَذْكُورُ قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: مَتْرُوكٌ، وكَذَّبَهُ الأزْدِيُّ، وحُصَيْنُ بْنُ مُخارِقٍ المَذْكُورُ قالَ فِيهِ الذَّهَبِيُّ في المِيزانِ: قالَ الدّارَقُطْنِيُّ: يَضَعُ الحَدِيثَ، ونَقَلَ ابْنُ الجَوْزِيِّ أنَّ ابْنَ حِبّانَ قالَ: لا يَجُوزُ الِاحْتِجاجُ بِهِ. اهـ. وَهَذا حاصِلُ ما في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورِ. وأمّا حَدِيثُ أنَسٍ فَقَدْ أخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حازِمٍ الحافِظُ بِالكُوفَةِ، وأبُو سَعِيدٍ إسْماعِيلُ بْنُ أحْمَدَ التّاجِرُ، قالا: ثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبّاسِ بْنِ الوَلِيدِ البَجَلِيُّ، ثَنا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ الكِنْدِيُّ، ثَنا ابْنُ أبِي زائِدَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما السَّبِيلُ ؟ قالَ ”الزّادُ والرّاحِلَةُ“» ثُمَّ قالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ. وقَدْ تابَعَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ سَعِيدًا عَلى رِوايَتِهِ عَنْ قَتادَةَ، حَدَّثَناهُ أبُو نَصْرٍ أحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ الفَقِيهُ بِبُخارى، ثَنا صالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الحافِظُ، ثَنا أبُو أُمَيَّةَ عَمْرُو بْنُ هِشامٍ الحَرّانِيُّ، ثَنا أبُو قَتادَةَ، ثَنا حَمّادُ بْن سَلَمَةَ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَقِيلَ: ما السَّبِيلُ ؟ قالَ: ”الزّادُ والرّاحِلَةُ“» ثُمَّ قالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. ولَمْ يُخَرِّجاهُ. انْتَهى مِنَ المُسْتَدْرَكِ. وأقَرَّهُ عَلى (p-٣١٥)تَصْحِيحِ الطَّرِيقَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ الحافِظُ الذَّهَبِيُّ، فَحَدِيثُ أنَسٍ هَذا صَحِيحٌ كَما تَرى، وقالَ صاحِبُ نَصْبِ الرّايَةِ: ورَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ بِالإسْنادَيْنِ. اهـ. وَأمّا حَدِيثُ عائِشَةَ فَقَدْ قالَ صاحِبُ نَصْبِ الرّايَةِ: أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَتّابِ بْنِ أعْيَنَ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سَألَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قالَ ”السَّبِيلُ: الزّادُ والرّاحِلَةُ“» . انْتَهى. رَواهُ العُقَيْلِيُّ في كِتابِ الضُّعَفاءِ، وأعَلَّهُ بِعَتّابٍ وقالَ: إنَّ في حَدِيثِهِ وهْمًا. انْتَهى. وَقالَ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ المَعْرِفَةِ: ولَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، ثُمَّ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي داوُدَ الحَفَرِيِّ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ السَّبِيلِ ؟ فَقالَ ”الزّادُ والرّاحِلَةُ“» . اهـ. وَقَدْ عَلِمْتَ مِمّا ذَكَرْنا: أنَّ حَدِيثَ عائِشَةَ المَذْكُورَ أعَلَّهُ العُقَيْلِيُّ بِعَتّابِ بْنِ أعْيَنَ، وقالَ: إنَّ في حَدِيثِهِ وهْمًا، وأنَّ البَيْهَقِيَّ قالَ: لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. وقَدْ قالَ الذَّهَبِيُّ في المِيزانِ في عَتّابٍ المَذْكُورِ، قالَ العُقَيْلِيُّ: في حَدِيثِهِ وهْمٌ. رَوى عَنْهُ هِشامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدِيثًا خُولِفَ في سَنَدِهِ. انْتَهى مِنهُ. وَأمّا مُرْسَلُ الحَسَنِ الَّذِي أشارَ لَهُ، فَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى قَرِيبًا. وَأمّا حَدِيثُ جابِرٍ، فَقَدْ قالَ صاحِبُ نَصْبِ الرّايَةِ: أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ أوْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بِلَفْظِ حَدِيثِ عائِشَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ تَرَكُوهُ، وأجْمَعُوا عَلى ضَعْفِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ، وقَدْ قَدَّمْنا أنْ مُحَمَّدًا المَذْكُورَ لا يُحْتَجُّ بِهِ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ حَدِيثَ جابِرٍ المَذْكُورَ لا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ. وَأمّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَدْ قالَ صاحِبُ نَصْبِ الرّايَةِ: أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ بَهْلُولِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِنَحْوِهِ. وبَهْلُولُ بْنُ عُبَيْدٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ذاهِبُ الحَدِيثِ. اهـ. وَقالَ الذَّهَبِيُّ في المِيزانِ في بَهْلُولٍ المَذْكُورِ: قالَ أبُو حاتِمٍ: ضَعِيفُ الحَدِيثِ ذاهِبٌ. وقالَ أبُو زُرْعَةَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ ابْنُ حِبّانَ: يَسْرِقُ الحَدِيثَ. انْتَهى مِنهُ. وَبِما ذُكِرَ تَعَلَمُ أنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ المَذْكُورَ لَيْسَ بِصالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ، وأمّا حَدِيثُ (p-٣١٦)عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، فَقَدْ قالَ صاحِبُ نَصْبِ الرّايَةِ أيْضًا: أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ العَرْزَمِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِنَحْوِهِ. وابْنُ لَهِيعَةَ والعَرْزَمِيُّ ضَعِيفانِ. قالَ الشَّيْخُ في الإمامِ: وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ هَذا الحَدِيثَ عَنْ جابِرٍ، وأنَسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعائِشَةَ، ولَيْسَ فِيها إسْنادٌ يُحْتَجُّ بِهِ. انْتَهى مِنهُ. هَذا هو حاصِلُ رِواياتِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ بِتَفْسِيرِ السَّبِيلِ في الآيَةِ بِالزّادِ والرّاحِلَةِ. وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ هَذا الحَدِيثَ لا يَثْبُتُ مُسْنَدًا، وأنَّهُ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ صَحِيحَةٌ، إلّا الطَّرِيقُ الَّتِي أرْسَلَها الحَسَنُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ حَدِيثَ الزّادِ والرّاحِلَةِ المَذْكُورَ ثابِتٌ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الِاحْتِجاجِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَيْنِ اللَّتَيْنِ أخْرَجَهُما بِهِ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ أنَسٍ قالَ: كِلْتاهُما صَحِيحَةُ الإسْنادِ، وأقَرَّ تَصْحِيحَهُما الحافِظُ الذَّهَبِيُّ، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، والدَّعْوى عَلى سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ وحَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ في رِوايَتِهِما الحَدِيثَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها غَلَطٌ، وأنَّ الصَّحِيحَ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ مُرْسَلًا - دَعْوى لا مُسْتَنَدَ لَها، بَلْ هي تَغْلِيطٌ وتَوْهِيمٌ لِلْعُدُولِ المَشْهُورِينَ مِن غَيْرِ اسْتِنادٍ إلى دَلِيلٍ. والصَّحِيحُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِنَ الأُصُولِيِّينَ والمُحَدِّثِينَ: أنَّ الحَدِيثَ إذا جاءَ مِن طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ، وجاءَ مِن طُرُقٍ أُخْرى غَيْرِ صَحِيحَةٍ، فَلا تَكُونُ تِلْكَ الطُّرُقُ عِلَّةً في الصَّحِيحَةِ، إذا كانَ رُواتُها لَمْ يُخالِفُوا جَمِيعَ الحُفّاظِ، بَلِ انْفِرادُ الثِّقَةِ العَدْلِ بِما لَمْ يُخالِفْ فِيهِ غَيْرَهُ مَقْبُولٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ. فَرِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ وحَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ الحَدِيثَ المَذْكُورَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا لَمْ يُخالِفُوا فِيها غَيْرَهم، بَلْ حَفِظُوا ما لَمْ يَحْفَظْهُ غَيْرُهم، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، فادِّعاءُ الغَلَطِ عَلَيْهِما بِلا دَلِيلٍ غَلَطٌ، وقَوْلُ النَّوَوِيِّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: ورَوى الحاكِمُ حَدِيثَ أنَسٍ، وقالَ: وهو صَحِيحٌ، ولَكِنَّ الحاكِمَ مُتَساهِلٌ كَما سَبَقَ بَيانُهُ مَرّاتٍ. واللَّهُ أعْلَمُ. يُجابُ عَنْهُ بِأنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ الحاكِمَ مُتَساهِلٌ في التَّصْحِيحِ، لا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لا يُقْبَلُ لَهُ تَصْحِيحٌ مُطْلَقًا. ورُبَّ تَصْحِيحٍ لِلْحاكِمِ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ، وتَصْحِيحُهُ لِحَدِيثِ أنَسٍ المَذْكُورِ لَمْ يَتَساهَلْ فِيهِ؛ ولِذا لَمْ يُبْدِ النَّوَوِيُّ وجْهًا لِتَساهُلِهِ فِيهِ، ولَمْ يَتَكَلَّمْ (p-٣١٧)فِي أحَدٍ مِن رُواتِهِ بَلْ هو تَصْحِيحٌ مُطابِقٌ. فَإنْ قِيلَ: مُتابَعَةُ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ لِسَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ المَذْكُورَةُ، راوِيها عَنْ حَمّادٍ هو أبُو قَتادَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ واقِدٍ الحَرّانِيُّ، وهو مَتْرُوكٌ، لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، كَما جَزَمَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ بِالرِّجالِ. وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: مَتْرُوكٌ، فَقَدْ تَساهَلَ الحاكِمُ في قَوْلِهِ: إنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، مَعَ أنَّ في إسْنادِها أبا قَتادَةَ المَذْكُورَ. فالجَوابُ: أنَّ أبا قَتادَةَ المَذْكُورَ، وإنْ ضَعَّفَهُ الأكْثَرُونَ، فَقَدْ وثَّقَهُ الإمامُ أحْمَدُ وأثْنى عَلَيْهِ، وناهِيكَ بِتَوْثِيقِ الإمامِ أحْمَدَ وثَنائِهِ، وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ والذَّهَبِيُّ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أحْمَدَ قالَ لِأبِيهِ: إنَّ يَعْقُوبَ بْنَ إسْماعِيلَ بْنِ صُبَيْحٍ ذَكَرَ أنَّ أبا قَتادَةَ المَذْكُورَ كانَ يَكْذِبُ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ جِدًّا، وأثْنى عَلَيْهِ وقالَ: إنَّهُ يَتَحَرّى الصِّدْقَ. قالَ: ولَقَدْ رَأيْتُهُ يُشْبِهُ أصْحابَ الحَدِيثِ. وقالَ أحْمَدُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ما بِهِ بَأْسٌ، رَجُلٌ صالِحٌ، يُشْبِهُ أهْلَ النُّسُكِ رُبَّما أخْطَأ. وفي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ أنَّهُ قالَ: أبُو قَتادَةَ الحَرّانِيُّ ثِقَةٌ. ذَكَرَها عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ والذَّهَبِيُّ، وقَوْلُ مَن قالَ: لَعَلَّهُ كَبُرَ فاخْتَلَطَ، تَخْمِينٌ وظَنٌّ لا يَثْبُتُ بِهِ اخْتِلاطُهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُقَرَّرَ في الأُصُولِ وعُلُومِ الحَدِيثِ: أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ التَّعْدِيلَ يُقْبَلُ مُجْمَلًا، والتَّجْرِيحَ لا يُقْبَلُ إلّا مُفَصَّلًا، مَعَ أنَّ رِوايَةَ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أنَسٍ لَيْسَ في أحَدٍ مِن رُواتِها كَلامٌ. وَمِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مُوافَقَةُ الحافِظِ النَّقّادَةِ الذَّهَبِيِّ لِلْحاكِمِ عَلى تَصْحِيحِ مُتابِعَةِ حَمّادٍ، مَعَ أنَّ حَدِيثَ أنَسٍ الصَّحِيحَ المَذْكُورَ مُعْتَضِدٌ بِمُرْسَلِ الحَسَنِ، ولا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ مَراسِيلَهُ صِحاحٌ، إذا رَوَتْها عَنْهُ الثِّقاتُ كابْنِ المَدِينِيِّ وغَيْرِهِ، كَما قَدَّمْناهُ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ الِاحْتِجاجُ بِالمُرْسَلِ كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا الأحادِيثُ المُتَعَدِّدَةُ الَّتِي ذَكَرْنا، وإنْ كانَتْ ضِعافًا؛ لِأنَّها تُقَوِّي غَيْرَها، ولا سِيَّما حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَإنّا قَدْ ذَكَرْنا سَنَدَهُ، وبَيَّنّا أنَّهُ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الِاحْتِجاجِ. وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في نَيْلِ الأوْطارِ: ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الطُّرُقَ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، فَتَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ. وَمِمّا يُؤَيِّدُ الحَدِيثَ المَذْكُورَ أنَّ أكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ عَلى العَمَلِ بِهِ، كَما قَدَّمْنا عَنْ أبِي عِيسى التِّرْمِذِيِّ أنَّهُ قالَ في حَدِيثِ: الزّادُ والرّاحِلَةُ، والعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ (p-٣١٨)قَوْلُ الأكْثَرِينَ، مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ. أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ. فالحاصِلُ: أنَّ حَدِيثَ الزّادِ والرّاحِلَةِ، لا يَقِلُّ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ والِاحْتِجاجِ. وَأظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي أنَّ المُعْتَبَرَ في ذَلِكَ ما يُبِلِّغُهُ ذِهابًا وإيابًا. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ حَدِيثَ الزّادِ والرّاحِلَةِ، وإنْ كانَ صالِحًا لِلِاحْتِجاجِ لا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ القادِرَ عَلى المَشْيِ عَلى رِجْلَيْهِ بِدُونِ مَشَقَّةٍ فادِحَةٍ لا يَلْزَمُهُ الحَجُّ، إنْ كانَ عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ الرّاحِلَةِ، بَلْ يَلْزَمُهُ الحَجُّ؛ لِأنَّهُ يَسْتَطِيعُ إلَيْهِ سَبِيلًا، كَما أنَّ صاحِبَ الصَّنْعَةِ الَّتِي يُحَصِّلُ مِنها قُوتَهُ في سَفَرِ الحَجِّ، يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ عَلى تَحْصِيلِ الزّادِ في طَرِيقِهِ كَتَحْصِيلِهِ بِالفِعْلِ. * * فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قُلْتُمْ بِوُجُوبِهِ عَلى القادِرِ عَلى المَشْيِ عَلى رِجْلَيْهِ، دُونَ الرّاحِلَةِ مَعَ اعْتِرافِكم بِقَبُولِ تَفْسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ السَّبِيلَ بِالزّادِ والرّاحِلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَشْيَ عَلى الرِّجْلَيْنِ لَيْسَ مِنَ السَّبِيلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ. فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الظّاهِرَ المُتَبادِرَ أنَّهُ ﷺ فَسَّرَ الآيَةَ بِأغْلَبِ حالاتِ الِاسْتِطاعَةِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ أكْثَرَ الحُجّاجِ أفاقِيُّونَ، قادِمُونَ مِن بِلادٍ بَعِيدَةٍ، والغالِبُ عَجْزُ الإنْسانِ عَنِ المَشْيِ عَلى رِجْلَيْهِ في المَسافاتِ الطَّوِيلَةِ، وعَدَمُ إمْكانِ سَفَرِهِ بِلا زادٍ، فَفَسَّرَ ﷺ الآيَةَ بِالأغْلَبِ، والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ في الأُصُولِ: أنَّ النَّصَّ إذا كانَ جارِيًا عَلى الأمْرِ الغالِبِ، لا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ، ولِأجْلِ هَذا مَنَعَ جَماهِيرُ العُلَماءِ تَزْوِيجَ الرَّجُلِ رَبِيبَتَهُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في حِجْرِهِ قائِلِينَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] جَرى عَلى الغالِبِ، فَلا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا، وإذا كانَ أغْلَبُ حالاتِ الِاسْتِطاعَةِ الزّادَ والرّاحِلَةَ، وجَرى الحَدِيثُ عَلى ذَلِكَ فَلا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ، فَيَجِبُ الحَجُّ عَلى القادِرِ عَلى المَشْيِ عَلى رِجْلَيْهِ، إمّا لِعَدَمِ طُولِ المَسافَةِ، وإمّا لِقُوَّةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ عَلى المَشْيِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى ذِي الصَّنْعَةِ الَّتِي يُحَصِّلُ مِنها قُوتَهُ في سَفَرِهِ، لِأنَّهُ في حُكْمِ واجِدِ الزّادِ في المَعْنى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا سَوّى في كِتابِهِ بَيْنَ الحاجِّ الرّاكِبِ والحاجِّ الماشِي عَلى رِجْلَيْهِ. وقَدَّمَ الماشِيَ عَلى الرّاكِبِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٣١٩)﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] . وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُسْتَوْفًى، هَذا هو حاصِلُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَطِيعِ بِنَفْسِهِ. * * وَأمّا ما يُسَمُّونَهُ المُسْتَطِيعَ بِغَيْرِهِ فَهو نَوْعانِ: الأوَّلُ مِنهُما: هو مَن لا يَقْدِرُ عَلى الحَجِّ بِنَفْسِهِ، لِكَوْنِهِ زَمِنًا، أوْ هَرِمًا ونَحْوَ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَهُ مالٌ يَدْفَعُهُ إلى مَن يَحُجُّ عَنْهُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الحَجُّ نَظَرًا إلى أنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ؟ أوْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ؛ لِأنَّهُ عاجِزٌ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِهِ، فَلا يَدْخُلُ في عُمُومِ الآيَةِ ؟ وَبِالقَوْلِ الأوَّلِ قالَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ؛ فَيَلْزَمُهُ عِنْدَهم أُجْرَةُ أجِيرٍ يَحُجُّ عَنْهُ بِشَرْطِ أنْ يَجِدَ ذَلِكَ بِأُجْرَةِ المِثْلِ. قالَ النَّوَوِيُّ: وبِهِ قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ، مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وداوُدُ. وقالَ مالِكٌ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولا يَجِبُ إلّا أنْ يَقْدِرَ عَلى الحَجِّ بِنَفْسِهِ، واحْتَجَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهَذا لا يَسْتَطِيعُ بِنَفْسِهِ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ المُسْتَطِيعِ، وبِأنَّها عِبادَةٌ لا تَصِحُّ فِيها النِّيابَةُ مَعَ القُدْرَةِ، فَكَذَلِكَ مَعَ العَجْزِ كالصَّلاةِ، واحْتَجَّ الأكْثَرُونَ القائِلُونَ بِوُجُوبِ الحَجِّ عَلَيْهِ بِأحادِيثَ رَواها الجَماعَةُ. مِنها: ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو عاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أنَّ امْرَأةً (ح) حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنا ابْنُ شِهابٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ مَن خَثْعَمَ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَوِيَ عَلى الرّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أنْ أحُجَّ عَنْهُ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“» . وفي رِوايَةٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَتْ: «إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَثْبُتُ عَلى الرّاحِلَةِ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“»، وذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ. وَفِي لَفْظٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ في الحَجِّ (p-٣٢٠)أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَثْبُتُ عَلى الرّاحِلَةِ؛ أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“» وذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ. اهـ. وَقالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى، قالَ: قَرَأْتُ عَلى مالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: «أنَّهُ كانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ مَن خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْها وتَنْظُرُ إلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُ وجْهَ الفَضْلِ إلى الشِّقِّ الآخَرِ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَثْبُتَ عَلى الرّاحِلَةِ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ: " نَعَمْ» . وذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ في الحَجِّ، وهو لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَوِيَ عَلى ظَهْرِ بَعِيرِهِ. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”فَحُجِّي عَنْهُ“» . اهـ. وَهَذا الحَدِيثُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخانِ أخْرَجَهُ باقِي الجَماعَةِ، إلّا أنَّ بَعْضَهم يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وهو عَبْدُ اللَّهِ، وبَعْضُهم يَرْوِيهِ عَنْ أخِيهِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ومُسْلِمُ بْنُ إبْراهِيمَ بِمَعْناهُ قالا: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ سالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أوْسٍ، عَنْ أبِي رَزِينٍ - قالَ حَفْصٌ في حَدِيثِهِ: «رَجُلٌ مِن بَنِي عامِرٍ - أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ، ولا العُمْرَةَ، ولا الظَّعْنَ. قالَ: ”احْجُجْ عَنْ أبِيكَ واعْتَمِرْ“» وقالَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ عِيسى، نا وكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ سالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أوْسٍ، عَنْ أبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ أنَّهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ. إلى آخِرِ الحَدِيثِ كَلَفْظِ أبِي داوُدَ الَّذِي ذَكَرْنا، ثُمَّ قالَ: قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وإنَّما ذُكِرَتِ العُمْرَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ: أنْ يَعْتَمِرَ الرَّجُلُ عَنْ غَيْرِهِ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ اسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ عامِرٍ. انْتَهى مِنهُ. وَحَدِيثُ أبِي رَزِينٍ هَذا أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ بِهِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ. وَقالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الحَدِيثَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ في قِصَّةِ اسْتِفْتاءِ الخَثْعَمِيَّةِ ما نَصُّهُ: وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا البابِ غَيْرُ حَدِيثٍ. والعَمَلُ عَلى هَذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِن (p-٣٢١)أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِمْ، وبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وابْنُ المُبارَكِ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، يَرَوْنَ أنْ يُحَجَّ عَنِ المَيِّتِ. وَقالَ مالِكٌ: إذا أوْصى أنْ يُحَجَّ عَنْهُ حُجَّ عَنْهُ، وقَدْ رَخَّصَ بَعْضُهم أنْ يُحَجَّ عَنِ الحَيِّ، إذا كانَ كَبِيرًا أوْ بِحالٍ لا يَقْدِرُ أنْ يَحُجَّ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُبارَكِ والشّافِعِيِّ. انْتَهى مِن سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ. وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: أنْبَأنا وكِيعٌ، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ سالِمٍ إلى آخِرِ السَّنَدِ والمَتْنِ، كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ. اهـ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جاءَتْهُ امْرَأةٌ شابَّةٌ مَن خَثْعَمَ فَقالَتْ: إنَّ أبِي كَبِيرٌ، وقَدْ أفْنَدَ وأدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ في الحَجِّ، ولا يَسْتَطِيعُ أداءَها فَيُجْزِئُ عَنْهُ أنْ أُؤَدِّيَها عَنْهُ ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”نَعَمْ“» رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ. انْتَهى مِنهُما بِواسِطَةِ نَقْلِ المُجِدِّ في المُنْتَقى والنَّوَوِيِّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ. وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في نَيْلِ الأوْطارِ: وحَدِيثُ عَلِيٍّ أخْرَجَهُ أيْضًا البَيْهَقِيُّ. اهـ. وقَوْلُهُ في هَذا الحَدِيثِ: وقَدْ أفْنَدَ؛ أيْ: خَرِفَ وضَعُفَ عَقْلُهُ مِنَ الهِرَمِ. وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: أنْبَأنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مَن خَثْعَمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنْ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الرُّكُوبَ، وأدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ في الحَجِّ فَهَلْ يُجْزِئُ أنْ أحُجَّ عَنْهُ ؟ قالَ ”أنْتَ أكْبَرُ ولَدِهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أكُنْتَ تَقْضِيهِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَحُجَّ عَنْهُ“» وفي لَفْظٍ لِلنَّسائِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ ”أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلى أبِيكَ دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟“ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ ”» وفي لَفْظٍ عِنْدَ النَّسائِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ: إنَّ أبِي أدْرَكَهُ الحَجُّ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَثْبُتُ عَلى راحِلَتِهِ، فَإنْ شَدَدْتُهُ خَشِيتُ أنْ يَمُوتَ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ“ أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ، أكانَ مُجْزِئًا ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَحُجَّ عَنْ أبِيكَ "» . اهـ مِن سُنَنِ النَّسائِيِّ. وَحَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا عِنْدَ النَّسائِيِّ قالَ المُجِدُّ في المُنْتَقى: رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ بِمَعْناهُ. وَقالَ الشَّوْكانِيُّ: قالَ الحافِظُ: إنَّ إسْنادَهُ صالِحٌ. انْتَهى. والأحادِيثُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ. (p-٣٢٢)وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي مِن نَوْعَيِ المُسْتَطِيعِ بِغَيْرِهِ، فَهو مَن لا يَقْدِرُ عَلى الحَجِّ بِنَفْسِهِ، ولَيْسَ لَهُ مالٌ يَدْفَعُهُ لِمَن يَحُجُّ عَنْهُ، ولَكِنْ لَهُ ولَدٌ يُطِيعُهُ إذا أمَرَهُ بِالحَجِّ والوَلَدُ مُسْتَطِيعٌ، فَهَلْ يَجِبُ الحَجُّ عَلى الوالِدِ، ويَلْزَمُهُ أمْرُ الوَلَدِ بِالحَجِّ عَنْهُ لِأنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِغَيْرِهِ ؟ فِيهِ خِلافٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ. قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: فَرْعٌ في مَذاهِبِهِمْ في المَعْضُوبِ إذا لَمْ يَجِدْ ما لا يُحِجُّ بِهِ غَيْرَهُ، فَوَجَدَ مَن يُطِيعُهُ؛ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَذْهَبَنا وُجُوبُ الحَجِّ عَلَيْهِ. وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مالِكًا احْتَجَّ في مَسْألَةِ العاجِزِ الَّذِي لَهُ مالٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وبِأنَّهُ عاجِزٌ بِنَفْسِهِ فَهو غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ إلى الحَجِّ سَبِيلًا، إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ، وبِأنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنصُورٍ وغَيْرَهُ رَوَوْا عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ: أنَّهُ لا يَحُجُّ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ، ونَحْوَهُ عَنِ اللَّيْثِ ومالِكٍ، وأنَّ الَّذِينَ خالَفُوهُ احْتَجُّوا بِالأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنا، وفِيها ألْفاظٌ ظاهِرُها الوُجُوبُ، كَتَشْبِيهِهِ بِدَيْنِ الآدَمِيِّ، وكَقَوْلِ السّائِلِ: يُجْزِئُ عَنْهُ أنْ أحُجَّ عَنْهُ ؟ والإجْزاءُ دَلِيلُ المُطالَبَةِ، وفي بَعْضِ رِواياتِها أنَّ السّائِلَ يَقُولُ: إنَّ عَلَيْهِ فَرِيضَةَ الحَجِّ، ويَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ في الحَجِّ عَنْهُ، وهو ﷺ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ أنَّ الحَجَّ سَقَطَ عَنْهُ بِزَمانَتِهِ وعَجْزِهِ عَنِ الثُّبُوتِ عَلى الرّاحِلَةِ، وبِقَوْلِهِ لِلْوَلَدِ ”أنْتَ أكْبَرُ ولَدِهِ“ وأمْرِهِ بِالحَجِّ عَنْهُ. وَأمّا الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ وُجُودِ المَعْضُوبِ مالًا فَأوْجَبُوا عَلَيْهِ الحَجَّ، وبَيْنَ وُجُودِهِ ولَدًا يُطِيعُهُ فَلَمْ يُوجِبُوهُ عَلَيْهِ؛ فَلِأنَّ المالَ مِلْكُهُ، فَعَلَيْهِ أنْ يَسْتَأْجِرَ بِهِ، والوَلَدُ مُكَلَّفٌ آخَرُ لَيْسَ مُلْزَمًا بِفَرْضٍ عَلى شَخْصٍ آخَرَ، ولِأنَّهُ وإنْ كانَ لَهُ ولَدٌ فَلَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ بِبَدَنٍ، ولا بِزادٍ وراحِلَةٍ، ولَوْ وجَدَ إنْسانًا غَيْرَ الوَلَدِ يُطِيعُهُ في الحَجِّ عَنْهُ، فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الوَلَدِ ؟ فِيهِ خِلافٌ مَعْرُوفٌ. وفي فُرُوعِ الشّافِعِيَّةِ تَوْجِيهُ كُلِّ قَوْلٍ مِنها، فانْظُرْهُ في النَّوَوِيِّ في شَرْحِ المُهَذَّبِ، وأظْهَرُها أنَّهُ كالوَلَدِ. * * تَنْبِيهٌ إذا ماتَ الشَّخْصُ، ولَمْ يَحُجَّ، وكانَ الحَجُّ قَدْ وجَبَ عَلَيْهِ لِاسْتِطاعَتِهِ بِنَفْسِهِ أوْ بِغَيْرِهِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِذَلِكَ، وكانَ قَدْ تَرَكَ مالًا، فَهَلْ يَجِبُ أنْ يُحَجَّ ويُعْتَمَرَ عَنْهُ مِن مالِهِ ؟ في ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، فَقالَ بَعْضُهم: يَجِبُ أنْ يُحُجَّ عَنْهُ، ويُعْتَمَرَ عَنْهُ مِن تَرِكَتِهِ، سَواءٌ ماتَ مُفَرِّطًا أوْ غَيْرَ مُفْرِّطٍ؛ لِكَوْنِ المَوْتِ عاجَلَهُ عَنِ الحَجِّ فَوْرًا. وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ. (p-٣٢٣)قالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: وبِهَذا قالَ الحَسَنُ وطاوُسٌ والشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالُكٌ: يَسْقُطُ بِالمَوْتِ، فَإنْ أوْصى بِذَلِكَ، فَهو في الثُّلُثِ، وبِهَذا قالَ الشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ لِأنَّهُ عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَتَسْقُطُ بِالمَوْتِ كالصَّلاةِ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] مُقَدَّمٌ عَلى ظاهِرِ الأحادِيثِ، بَلْ عَلى صَرِيحِها؛ لِأنَّهُ أصَحُّ مِنها. وأجابَ المُخالِفُونَ بِأنَّ الأحادِيثَ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ القُرْآنِ، وبِأنَّ المَعْضُوبَ وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ بِسَعْيِهِ، بِتَقْدِيمِ المالِ وأُجْرَةِ مَن يَحُجُّ عَنْهُ. فَهَذا مِن سَعْيِهِ، وأجابُوا عَنْ قِياسِهِ عَلى الصَّلاةِ بِأنَّها لا تَدْخُلُها النِّيابَةُ، بِخِلافِ الحَجِّ، والَّذِينَ قالُوا: يَجِبُ أنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِن رَأْسِ مالِهِ اسْتَدَلُّوا بِأحادِيثَ جاءَتْ في ذَلِكَ، تَقْتَضِي أنَّ مَن ماتَ وقَدْ وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ قَبْلَ مَوْتِهِ، أنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ. مِنها: ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ، عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ امْرَأةً مِن جُهَيْنَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتّى ماتَتْ، أفَأحُجُّ عَنْها ؟ قالَ: ”نَعَمْ، حُجِّي عَنْها، أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أُمِّكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قاضِيَتَهُ ؟ اقْضُوا اللَّهَ فاللَّهُ أحَقُّ بِالوَفاءِ“» . اهـ. والحَجُّ في هَذا الحَدِيثِ وإنْ كانَ مَنذُورًا فَإيجابُ اللَّهِ لَهُ عَلى عِبادِهِ في كِتابِهِ أقْوى مِن إيجابِهِ بِالنَّذْرِ. واسْتَدَلَّ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ عَلى صِحَّةِ نَذْرِ الحَجِّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: فَإذا حَجَّ أجْزَأهُ عَنْ حَجَّةِ الإسْلامِ، عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَلَيْهِ الحَجُّ عَنِ النَّذْرِ. وقِيلَ: يُجْزِئُ عَنِ النَّذْرِ، ثُمَّ يَحُجُّ حَجَّةَ الإسْلامِ. وقِيلَ: يُجْزِئُ عَنْهُما. وَقالَ البُخارِيُّ أيْضًا في كِتابِ الأيْمانِ والنُّذُورِ: حَدَّثَنا آدَمُ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «أتى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لَهُ: إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، وإنَّها ماتَتْ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لَوْ كانَ عَلَيْها دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟“ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ”فاقْضِ اللَّهَ فَهو أحَقُّ بِالقَضاءِ“» . اهـ. وَقالَ المُجِدُّ في المُنْتَقى بَعْدَ أنْ أشارَ لِحَدِيثِ البُخارِيِّ هَذا: وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحَجِّ عَنِ المَيِّتِ مِنَ الوارِثِ وغَيْرِهِ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَفْصِلْهُ أوارِثٌ هو أوْ لا ؟ وشَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ. انْتَهى. (p-٣٢٤)وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ عَدَمَ الِاسْتِفْصالِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ أيْ: طَلَبَ التَّفْصِيلِ في أحْوالِ الواقِعَةِ، يَنْزِلُ مَنزِلَةَ العُمُومِ القَوْلِيِّ، وإلَيْهِ أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَنَزِّلَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصالِ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ وَخالَفَ في هَذا الأصْلِ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ، مَعَ بَيانِ الخِلافِ في المَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ، تَبَعًا لِلْخِلافِ في هَذا الأصْلِ المَذْكُورِ. وَمِنها: ما رَواهُ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ، أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ أبِي بِشْرٍ قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ امْرَأةً نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ فَماتَتْ، فَأتى أخُوها النَّبِيَّ ﷺ فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقالَ ”أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلى أُخْتِكَ دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ:“ فاقْضُوا اللَّهَ، فَهو أحَقُّ بِالوَفاءِ "» . انْتَهى. وَهَذِهِ الأحادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنا في نَذْرِ الحَجِّ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ إيجابَ اللَّهِ فَرِيضَةَ الحَجِّ أعْظَمُ مِن إيجابِها بِالنَّذْرِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِقَضائِها وشَبَّهَها بِدَيْنِ الآدَمِيِّ، وسَنَذْكُرُ أيْضًا إنْ شاءَ اللَّهُ أحادِيثَ لَيْسَ فِيها نَذْرُ الحَجِّ. قالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا أبُو عاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أصْرَمَ النَّسائِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ، قالَ: أنْبَأنا مَعْمَرٌ عَنِ الحَكَمِ بْنِ أبانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي ماتَ ولَمْ يَحُجَّ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ ”أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلى أبِيكَ دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟“ قالَ: نَعَمْ. قالَ: ”فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ“» . اهـ. وَرِجالُ هَذا الإسْنادِ ثِقاتٌ مَعْرُوفُونَ، لا كَلامَ في أحَدٍ مِنهم، إلّا الحَكَمَ بْنَ أبانٍ العَدَنِيَّ. وقَدْ قالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ، والنَّسائِيُّ: ثِقَةٌ. وقالَ أبُو زُرْعَةَ: صالِحٌ. وقالَ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ صاحِبُ سُنَّةٍ. قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أتَيْتُ عَدَنَ، فَلَمْ أرَ مِثْلَ الحَكَمِ بْنِ أبانٍ، وعَدَّهُ ابْنُ حِبّانَ في الثِّقاتِ. وقالَ: رُبَّما أخْطَأ. وإنَّما وقَعَ المَناكِيرُ في رِوايَتِهِ، مِن رِوايَةِ ابْنِهِ إبْراهِيمَ عَنْهُ، وإبْراهِيمُ ضَعِيفٌ. وحَكى ابْنُ خَلْفُونٍ تَوْثِيقَهُ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ وابْنِ المَدِينِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. اهـ. وقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: فِيهِ ضَعْفٌ. وقالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ: تَكَلَّمَ أهْلُ المَعْرِفَةِ بِالحَدِيثِ في الِاحْتِجاجِ بِخَبَرِهِ. وبِما ذُكِرَ تَعْلَمُ صِحَّةَ الِاحْتِجاجِ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ، ولَيْسَ فِيهِ نَذْرُ الحَجِّ. وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ أيْضًا: أخْبَرَنا عِمْرانُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو التَّيّاحِ، قالَ: حَدَّثَنِي مُوسى بْنُ سَلَمَةَ الهُذَلِيُّ، أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: «أمَرَتِ (p-٣٢٥)امْرَأةُ سِنانِ بْنِ سَلَمَةَ الجُهَنِيَّ، أنْ يَسْألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أنَّ أُمَّها ماتَتْ ولَمْ تَحُجَّ، أفَيُجْزِئُ عَنْ أُمِّها أنْ تَحُجَّ عَنْها ؟ قالَ: ”نَعَمْ، لَوْ كانَ عَلى أُمِّها دَيْنٌ فَقَضَتْهُ عَنْها ألَمْ يَكُنْ يُجْزِئُ عَنْها ؟ فَلْتَحُجَّ عَنْ أُمِّها“»، وهَذا الإسْنادُ صَحِيحٌ. وفي لَفْظٍ عِنْدَ النَّسائِيِّ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، بِإسْنادٍ آخَرَ: «أنَّ امْرَأةً سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ، عَنْ أبِيها، ماتَ ولَمْ يَحُجَّ. قالَ: ”حُجِّي عَنْ أبِيكِ“» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ بِإسْنادٍ آخَرَ صَحِيحٍ. وَقالَ المُجِدُّ في المُنْتَقى: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «أتى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقالَ: إنَّ أبِي ماتَ وعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلامِ، أفَأحُجُّ عَنْهُ ؟ قالَ ”أرَأيْتَ لَوْ أنَّ أباكَ تَرَكَ دَيْنًا عَلَيْهِ أقَضَيْتَهُ عَنْهُ ؟“ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ”فاحْجُجْ عَنْ أبِيكَ“» رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ. انْتَهى مِنَ المُنْتَقى. وَقالَ التِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى، نا عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطاءٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ أُمِّي ماتَتْ ولَمْ تَحُجَّ، أفَأحُجُّ عَنْها ؟ قالَ ”نَعَمْ، حُجِّي عَنْها“» . اهـ. ثُمَّ قالَ: قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. اهـ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ نَحْوَهُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ. وَقالَ الشّافِعِيُّ في مُسْنَدِهِ: أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ سالِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، سَمِعْتُ طاوُسًا يَقُولُ: «أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأةٌ، فَقالَتْ: إنَّ أُمِّي ماتَتْ، وعَلَيْها حَجٌّ، قالَ: ”حُجِّي عَنْ أُمِّكِ“» ولا يَخْفى أنَّ حَدِيثَ الشّافِعِيِّ هَذا مُرْسَلٌ، ولَكِنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الأحادِيثِ، وبِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أبُو الحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: «بَيْنا أنا جالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذْ أتَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ: إنِّي تَصَدَّقْتُ عَلى أُمِّي بِجارِيَةٍ، وإنَّها ماتَتْ قالَ: فَقالَ ”وَجَبَ أجْرُكِ ورَدَّها عَلَيْكِ المِيراثُ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ كانَ عَلَيْها صَوْمُ شَهْرٍ أفَأصُومُ عَنْها ؟ قالَ: صُومِي عَنْها، قالَتْ: إنَّها لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أفَأحُجُّ عَنْها ؟ قالَ: حُجِّي عَنْها»“ . انْتَهى مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ. فَهَذِهِ الأحادِيثُ وأمْثالُها: هي حُجَّةُ مَن قالَ: إنَّ مَن وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ في الحَياةِ، وتَرَكَ مالًا وجَبَ أنْ يُحَجَّ عَنْهُ، ولَيْسَتْ كُلُّها ظاهِرَةً في ذَلِكَ. ولَكِنَّ بَعْضَها ظاهِرٌ فِيهِ (p-٣٢٦)كَتَشْبِيهِهِ بِدَيْنِ الآدَمِيِّ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ. وأجابَ المُخالِفُونَ بِأنَّ الحَجَّ أعْمالٌ بَدَنِيَّةٌ، وإنْ كانَتْ تَحْتاجُ إلى مالٍ. والأعْمالُ البَدَنِيَّةُ تَسْقُطُ بِالمَوْتِ، فَلا وُجُوبَ لِعَمَلٍ بَعْدَ المَوْتِ، والَّذِي يَحُجُّ عَنْهُ مُتَطَوِّعٌ، وفاعِلٌ خَيْرًا. قالُوا: ووَجْهُ تَشْبِيهِهِ بِالدَّيْنِ انْتِفاعُ كُلٍّ مِنهُما بِذَلِكَ الفِعْلِ، فالمَدِينُ يَنْتَفِعُ بِقَضاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ، والمَيِّتُ يَنْتَفِعُ بِالحَجِّ عَنْهُ، ولا يَلْزَمُ مِن قَضاءِ الدَّيْنِ عَنْ أحَدٍ، أنَّ القَضاءَ عَنْهُ واجِبٌ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَضاؤُهُ عَنْهُ غَيْرَ واجِبٍ عَلَيْهِ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ جَمِيعَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ بِالحَجِّ عَنِ المَيِّتِ: وارِدَةٌ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ في الحَجِّ عَنْهُ، قالُوا: والأمْرُ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ كالأمْرِ بَعْدَ الحَظْرِ، فَهو لِلْإباحَةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ والحَظْرَ الأوَّلَ كِلاهُما قَرِينَةٌ عَلى صَرْفِ الأمْرِ عَنِ الوُجُوبِ إلى الإباحَةِ. قالَ ابْنُ السُّبْكِيِّ في جَمْعِ الجَوامِعِ في مَبْحَثِ الأمْرِ: فَإنْ ورَدَ بَعْدَ حَظْرٍ - قالَ الإمامُ: أوِ اسْتِئْذانٍ - فَلِلْإباحَةِ. وقالَ أبُو الطَّيِّبِ، والشِّيرازِيُّ، والسَّمْعانِيُّ والإمامُ: لِلْوُجُوبِ، وتَوَقَّفَ إمامُ الحَرَمَيْنِ. انْتَهى مِنهُ. فَتَراهُ صَدَّرَ بِأنَّ الأمْرَ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ لِلْإباحَةِ، والخِلافُ في المَسْألَةِ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ، في أبْياتِ مَراقِي السُّعُودِ في أوَّلِ سُورَةِ المائِدَةِ. وَمِن أمْثِلَةِ كَونِ الأمْرِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ لِلْإباحَةِ: أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَمّا اصْطادُوهُ بِالجَوارِحِ، واسْتَأْذَنُوهُ في أكْلِهِ، نَزَلَ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] فَصارَ هَذا الأمْرُ بِالأكْلِ لِلْإباحَةِ؛ لِأنَّهُ وارِدٌ بَعْدَ سُؤالٍ واسْتِئْذانٍ. وَمِن أمْثِلَتِهِ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ مُسْلِمٍ: «أأُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ ؟ قالَ ”نَعَمْ“» الحَدِيثَ، فَإنَّ مَعْنى ”نَعَمْ“ هُنا: صَلِّ فِيها. وهَذا الأمْرُ بِالصَّلاةِ فِيها لِلْإباحَةِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ، وخِلافُ أهْلِ الأُصُولِ في مَسْألَةِ الأمْرِ بَعْدَ الحَظْرِ أوِ الِاسْتِئْذانِ مَعْرُوفٌ. هَذا هو حاصِلُ كَلامِهِمْ في المُسْتَطِيعِ بِغَيْرِهِ، ووُجُوبِ الحَجِّ عَمَّنْ وجَبَ عَلَيْهِ في الحَياةِ، وماتَ قَبْلَ أنْ يَحُجَّ وتَرَكَ مالًا، وقَدْ عَلِمْتَ أدِلَّتَهم ومُناقَشَتَها. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الأحادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنا تَدُلُّ قَطْعًا عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الحَجِّ عَنِ المَعْضُوبِ والمَيِّتِ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأظْهَرَ عِنْدَنا وُجُوبُ الحَجِّ فَوْرًا، وعَلَيْهِ فَلَوْ فَرَّطَ، وهو قادِرٌ عَلى (p-٣٢٧)الحَجِّ حَتّى ماتَ مُفَرِّطًا مَعَ القُدْرَةِ، أنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِن رَأْسِ مالِهِ، إنْ تَرَكَ مالًا؛ لِأنَّ فَرِيضَةَ الحَجِّ تَرَتَّبَتْ في ذِمَّتِهِ، فَكانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وقَضاءُ دَيْنِ اللَّهِ صَرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ في الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ بِأحَقِّيَّتِهِ حَيْثُ قالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقْضى» . أمّا مَن عاجَلَهُ المَوْتُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَماتَ غَيْرَ مُفَرِّطٍ، فالظّاهِرُ لَنا أنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْهِ، ولا دَيْنَ لِلَّهِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن أداءِ الفِعْلِ حَتّى يَتَرَتَّبَ في ذِمَّتِهِ، ولَنْ يُكَلِّفَ اللَّهُ نَفَسًا إلّا وُسْعَها، وقَدْ دَلَّتِ الأحادِيثُ المَذْكُورَةُ عَلى جَوازِ حَجِّ الرَّجُلِ عَنِ المَرْأةِ وعَكْسِهِ، وعَلَيْهِ عامَّةُ العُلَماءِ، ولَمْ يُخالِفْ فِيهِ إلّا الحَسَنُ بْنُ صالِحِ بْنِ حَيٍّ. والأحادِيثُ المَذْكُورَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن وافَقُوهُ، لَمْ يَعْمَلُوا بِظاهِرِ هَذِهِ الأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنا مَعَ كَثْرَتِها وصِحَّتِها؛ لِأنَّها مُخالِفَةٌ عِنْدَهم لِظاهِرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] . وقَوْلِهِ: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] والمَعْضُوبُ والمَيِّتُ لَيْسَ واحِدٌ مِنهُما بِمُسْتَطِيعٍ؛ لِصِدْقِ قَوْلِكَ: إنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ بِنَفْسِهِ. واعْلَمْ أنَّ ما اشْتُهِرَ عَنْ مالِكٍ مِن أنَّهُ يَقُولُ: لا يَحُجُّ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ؛ مَعْناهُ عِنْدَهُ: أنَّ الصَّحِيحَ القادِرَ لا يَصِحُّ الحَجُّ عَنْهُ في الفَرْضِ. والمَعْضُوبُ عِنْدَهُ لَيْسَ بِقادِرٍ، وأحْرى المَيِّتُ، فالحَجُّ عَنْهُما مِن مالِهِما لا يَلْزَمُ عِنْدَهُ إلّا بِوَصِيَّةٍ، فَإنْ أوْصى بِهِ صَحَّ مِنَ الثُّلُثِ، وتَطَوُّعُ ولَيِّهِ بِالحَجِّ عَنْهُ، خِلافُ الأوْلى عِنْدَهُ، بَلْ مَكْرُوهٌ. والأفْضَلُ عِنْدَهُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ المالُ الَّذِي يَحُجُّ بِهِ عَنْهُ في غَيْرِ الحَجِّ، كَأنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ أوْ يُعْتِقَ بِهِ عَنْهُ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنْ أحْرَمَ بِالحَجِّ عَنْهُ انْعَقَدَ إحْرامُهُ وصَحَّ حَجُّهُ عَنْهُ. والحاصِلُ: أنَّ النِّيابَةَ عَنِ الصَّحِيحِ في الفَرْضِ عِنْدَهُ مَمْنُوعَةٌ، وفي غَيْرِ الفَرْضِ مَكْرُوهَةٌ، والعاجِزُ عِنْدَهُ لا فَرْضَ عَلَيْهِ أصْلًا لِلْحَجِّ. قالَ خَلِيلُ بْنُ إسْحاقَ في مُخْتَصَرِهِ: ومُنِعَ اسْتِنابَةُ صَحِيحٍ في فَرْضٍ، وإلّا كُرِهَ. اهـ. وَقالَ شارِحُهُ الخَطّابُ: ويَدْخُلُ في قَوْلِ المُصَنِّفِ: وإلّا كُرِهَ، بِحَسَبِ الظّاهِرِ ثَلاثُ صُوَرٍ: اسْتِنابَةُ الصَّحِيحِ في النَّفْلِ، واسْتِنابَةُ العاجِزِ في الفَرْضِ وفي النَّفْلِ، لَكِنْ في التَّحْقِيقِ لَيْسَ هُنا إلّا صُورَتانِ؛ لِأنَّ العاجِزَ لا فَرِيضَةَ عَلَيْهِ. اهـ. واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ المالِكِيَّةِ حَمَلَ الكَراهَةَ المَذْكُورَةَ عَلى التَّحْرِيمِ، والأحادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنا حُجَّةٌ عَلى مالِكٍ ومَن وافَقَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

الحج 22:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ . اللّامُ في قَوْلِهِ: لِيَشْهَدُوا [الحج: ٢٨]: هي لامُ التَّعْلِيلِ: وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٧]: أيْ إنْ تُؤَذِّنْ فِيهِمْ يَأْتُوكَ مُشاةً ورُكْبانًا، لِأجْلِ أنْ يَشْهَدُوا: أيْ يَحْضُرُوا مَنافِعَ لَهم، والمُرادُ بِحُضُورِهِمُ المَنافِعَ: حُصُولُها لَهم. (p-١١١)وَقَوْلُهُ: مَنافِعَ جَمْعُ مَنفَعَةٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذِهِ المَنافِعَ ما هي. وقَدْ جاءَ بَيانُ بَعْضِها في بَعْضِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، وأنَّ مِنها ما هو دُنْيَوِيٌّ، وما هو أُخْرَوِيٌّ، أمّا الدُّنْيَوِيٌّ فَكَأرْباحِ التِّجارَةِ، إذا خَرَجَ الحاجُّ بِمالِ تِجارَةٍ مَعَهُ، فَإنَّهُ يُحْصُلُ لَهُ الرِّبْحُ غالِبًا، وذَلِكَ نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ. وَقَدْ أطْبَقَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] أنَّهُ لَيْسَ عَلى الحاجِّ إثْمٌ ولا حَرَجٌ، إذا ابْتَغى رِبْحًا بِتِجارَةٍ في أيّامِ الحَجِّ، إنْ كانَ ذَلِكَ لا يَشْغَلُهُ عَنْ شَيْءٍ، مِن أداءِ مَناسِكِهِ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ بَيانٌ لِبَعْضِ المَنافِعِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ ”الحَجِّ“ هَذِهِ وهَذا نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ. وَمِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ ما يُصِيبُونَهُ مِنَ البُدْنِ والذَّبائِحِ، كَما يَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ قَرِيبًا؛ كَقَوْلِهِ في البُدْنِ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ في المَوْضِعَيْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ، وفي ذَلِكَ بَيانٌ أيْضًا لِبَعْضِ المَنافِعِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ ”الحَجِّ“ هَذِهِ. وَقَدْ بَيَّنَتْ آيَةُ ”البَقَرَةِ“ عَلى ما فَسَّرَها بِهِ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم، واخْتارَهُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ووَجَّهَ اخْتِيارَهُ لَهُ، بِكَثْرَةِ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ: أنَّ مِنَ المَنافِعِ المَذْكُورَةِ في آيَةِ ”الحَجِّ“ غُفْرانَ ذُنُوبِ الحاجِّ، حَتّى لا يَبْقى عَلَيْهِ إثْمٌ إنْ كانَ مُتَّقِيًا رَبَّهُ في حَجِّهِ بِامْتِثالِ ما أُمِرَ بِهِ، واجْتِنابِ ما نُهِيَ عَنْهُ. وَذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] أنَّ الحاجَّ يَرْجِعُ مَغْفُورًا لَهُ، ولا يَبْقى عَلَيْهِ إثْمٌ، سَواءٌ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ، أوْ تَأخَّرَ إلى الثّالِثِ، ولَكِنَّ غُفْرانَ ذُنُوبِهِ هَذا مَشْرُوطٌ بِتَقْواهُ رَبَّهُ في حَجِّهِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ الآيَةَ: أيْ وهَذا الغُفْرانُ لِلذُّنُوبِ، وحَطُّ الآثامِ إنَّما هو لِخُصُوصِ مَنِ اتَّقى. وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ فِيها أوْجُهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ غَيْرُ هَذا. وَمِمَّنْ نَقَلَ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ مَعْناها: أنَّهُ يَغْفِرُ لِلْحاجِّ جَمِيعَ ذُنُوبِهِ، سَواءٌ تَعَجَّلَ في (p-١١٢)يَوْمَيْنِ، أوْ تَأخَّرَ: عَلِيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، وعامِرٌ، ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ. وَلَمّا ذَكَرَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ فِيها قالَ: وأوْلى هَذِهِ الأقْوالِ بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَن قالَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَمَن تَعَجَّلَ مِن أيّامِ مِنًى الثَّلاثَةِ، فَنَفَرَ في اليَوْمِ الثّانِي، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، يَحُطُّ اللَّهُ ذُنُوبَهُ إنْ كانَ قَدِ اتَّقى في حَجِّهِ، فاجْتَنَبَ فِيهِ ما أمَرَ اللَّهُ بِاجْتِنابِهِ، وفَعَلَ فِيهِ ما أمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ، وأطاعَهُ بِأدائِهِ عَلى ما كَلَّفَهُ مِن حُدُودِهِ، ومَن تَأخَّرَ إلى اليَوْمِ الثّالِثِ مِنهُنَّ، فَلَمْ يَنْفِرْ إلى النَّفْرِ الثّانِي، حَتّى نَفَرَ مِن غَدِ النَّفْرِ الأوَّلِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، لِتَكْفِيرِ اللَّهِ ما سَلَفَ مِن آثامِهِ، وإجْرامِهِ إنْ كانَ اتَّقى اللَّهَ في حَجِّهِ بِأدائِهِ بِحُدُودِهِ. وَإنَّما قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ أوْلى تَأْوِيلاتِهِ: لِتَظاهُرِ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» وأنَّهُ قالَ: «تابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ فَإنَّهُما يَنْفِيانِ الذُّنُوبَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ» . وساقَ ابْنُ جَرِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأسانِيدِهِ أحادِيثَ دالَّةً عَلى ذَلِكَ فَفي لَفْظٍ لَهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «تابَعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَإنَّهُما يَنْفِيانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ ولَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوابٌ دُونَ الجَنَّةِ» . وفي لَفْظٍ لَهُ عَنْ عُمَرَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «تابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَإنَّ المُتابَعَةَ بَيْنَهُما تَنْفِي الفَقْرَ والذُّنُوبَ كَما يَنْفِي الكِيرُ الخَبَثَ، أوْ خَبَثَ الحَدِيدِ» . وفي لَفْظٍ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا قَضَيْتَ حَجَّكَ فَأنْتَ مِثْلُ ما ولَدَتْكَ أُمُّكَ»، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي يَطُولُ بِذِكْرِ جَمِيعِها الكِتابُ مِمّا يُنْبِئُ عَنْ أنَّ مَن حَجَّ، فَقَضاهُ بِحُدُودِهِ عَلى ما أمَرَهُ اللَّهُ، فَهو خارِجٌ مِن ذُنُوبِهِ كَما قالَ جَلَّ ثَناؤُهُ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ اللَّهَ في حَجِّهِ، فَكانَ في ذَلِكَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يُوَضِّحُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أنَّهُ خارِجٌ مِن ذُنُوبِهِ، مَحْطُوطَةً عَنْهُ آثامُهُ، مَغْفُورَةً أجْرامُهُ إلى آخِرِ كَلامِهِ الطَّوِيلِ في المَوْضُوعِ. وَقَدْ بَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ لا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَعْنى لا إثْمَ عَلَيْهِ في تَعَجُّلِهِ، ولا إثْمَ عَلَيْهِ في تَأخُّرِهِ؛ لِأنَّ التَّأخُّرَ إلى اليَوْمِ الثّالِثِ، لا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إثْمٌ، حَتّى يُقالَ فِيهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾، وأنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ سَبَبَ النُّزُولِ أنْ بَعْضَهم كانَ يَقُولُ: التَّعَجُّلُ لا يَجُوزُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: التَّأخُّرُ لا يَجُوزُ. (p-١١٣)فَمَعْنى الآيَةِ: النَّهْيُ عَنْ تَخْطِئَةِ المُتَأخِّرِ المُتَعَجِّلِ كَعَكْسِهِ: أيْ لا يُؤَثِّمَنَّ أحَدُهُما الآخَرَ، أنَّ هَذا القَوْلَ خَطَأٌ، لِمُخالَفَتِهِ لِقَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ التَّأْوِيلِ. والحاصِلُ: أنَّهُ أعْنِي الطَّبَرِيَّ بَيَّنَ كَثِيرًا مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: هو ما ذَكَرَ مِن أنَّ الحاجَّ يَخْرُجُ مَغْفُورًا لَهُ، كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ، لا إثْمَ عَلَيْهِ، سَواءٌ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ، أوْ تَأخَّرَ، وقَدْ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِ أنَّ رَبْطَ نَفْيِ الإثْمِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ بِالتَّعَجُّلِ والتَّأخُّرِ في الآيَةِ، رَبْطَ الجَزاءِ بِشَرْطِهِ يَتَبادَرُ مِنهُ أنَّ نَفْيَ الإثْمِ إنَّما هو في التَّعَجُّلِ والتَّأخُّرِ، ولَكِنَّ الأدِلَّةَ الَّتِي أقامَها أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، عَلى المَعْنى الَّذِي اخْتارَ فِيها فِيهِ مَقْنَعٌ، وتَشْهَدُ لَها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ بَعْدَ القُرْآنِ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ . فَقَوْلُهُ في آيَةِ البَقَرَةِ هَذِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾، هو مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «رَجَعَ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ»، وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾، هو مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ»؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَرْفُثْ، ولَمْ يَفْسُقْ، هو الَّذِي اتَّقى. وَمِن كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّوِيلِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ أنَّهُ قالَ ما نَصُّهُ: فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما الجالِبُ لِلّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ وما مَعْناها ؟ قِيلَ: الجالِبُ لَها مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ مَعْنى: حَطَطْنا ذُنُوبَهُ، وكَفَّرْنا آثامَهُ، فَكانَ في ذَلِكَ مَعْنى: جَعَلْنا تَكْفِيرَ الذُّنُوبِ لِمَنِ اتَّقى في اللَّهِ حَجَّهُ، وتَرَكَ ذِكْرَ ”جَعَلْنا تَكْفِيرَ الذُّنُوبِ“ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾، وقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ أنَّهُ كَأنَّهُ إذا ذَكَرَ هَذِهِ الرُّخْصَةَ، فَقَدْ أخْبَرَ عَنْ أمْرٍ فَقالَ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ أيْ هَذا لِمَنِ اتَّقى، وأنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: وقَدْ زَعَمَ أنَّ الصِّفَةَ لا بُدَّ لَها مِن شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لِأنَّها لا تَقُومُ بِنَفْسِها، ولَكِنَّها فِيما زَعَمَ مِن صِلَةِ قَوْلٍ مَتْرُوكٍ. فَكانَ مَعْنى الكَلامِ عِنْدَهُ ما قُلْنا: مِن أنَّ مَن تَأخَّرَ لا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى، وقامَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ مَقامَ القَوْلِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ. وَعَلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ مَعْنى ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في المَوْضِعَيْنِ: أنَّ الحاجَّ يُغْفَرُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ، فَلا يَبْقى عَلَيْهِ إثْمٌ، فَغُفْرانُ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ هَذا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ هَذا التَّفْسِيرُ مِن أكْبَرِ المَنافِعِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ وعَلَيْهِ فَقَدْ بَيَّنَتْ آيَةُ ”البَقَرَةِ“ هَذِهِ بَعْضَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ ”الحَجِّ“، وقَدْ أوْضَحَتِ السُّنَّةُ هَذا البَيانَ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ كَحَدِيثِ: «مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ (p-١١٤)وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . وحَدِيثِ: «الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزاءٌ إلّا الجَنَّةُ»، ومِن تِلْكَ المَنافِعِ الَّتِي لَمْ يُبَيِّنْها القُرْآنُ حَدِيثُ: «إنَّ اللَّهَ يُباهِي بِأهْلِ عَرَفَةَ أهْلَ السَّماءِ» الحَدِيثَ، كَما تَقَدَّمَ. ومِن تِلْكَ المَنافِعِ الَّتِي لَمْ يُبَيِّنْها القُرْآنُ تَيَسُّرُ اجْتِماعِ المُسْلِمِينَ مِن أقْطارِ الدُّنْيا في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ، في أماكِنَ مُعَيَّنَةٍ لِيَشْعُرُوا بِالوَحْدَةِ الإسْلامِيَّةِ، ولِتُمْكِنَ اسْتِفادَةُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، فِيما يَهُمُّ الجَمِيعَ مِن أُمُورِ الدُّنْيا والدِّينِ، وبِدُونِ فَرِيضَةِ الحَجِّ، لا يُمْكِنُ أنْ يَتَسَنّى لَهم ذَلِكَ، فَهو تَشْرِيعٌ عَظِيمٌ مِن حَكِيمٍ خَبِيرٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ . قَوْلُهُ: ويَذْكُرُوا مَنصُوبٌ بِحَذْفِ النُّونِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المَنصُوبِ بِـ ”أنِ“ المُضْمَرَةِ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ . وَإيضاحُ المَعْنى: وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ مُشاةً ورُكْبانًا؛ لِأجْلِ أنْ يَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم، ولِأجْلِ أنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِإراقَةِ دِماءِ ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، مَعَ ذِكْرِهِمُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها عِنْدَ النَّحْرِ والذَّبْحِ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّقَرُّبَ بِالنَّحْرِ في هَذِهِ الأيّامِ المَعْلُوماتِ، إنَّما هو الهَدايا لا الضَّحايا؛ لِأنَّ الضَّحايا لا يُحْتاجُ فِيها إلى الأذانِ بِالحَجِّ، حَتّى يَأْتِيَ المُضَحُّونَ مُشاةً ورُكْبانًا، وإنَّما ذَلِكَ في الهَدايا عَلى ما يَظْهَرُ، ومِن هُنا ذَهَبَ مالِكٌ، وأصْحابُهُ إلى أنَّ الحاجَّ بِمِنًى لا تَلْزَمُهُ الأُضْحِيَةُ ولا تُسَنُّ لَهُ، وكُلُّ ما يَذْبَحُ في ذَلِكَ المَكانِ والزَّمانِ، فَهو يَجْعَلُهُ هَدْيًا لا أُضْحِيَةً. وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ﴾ أيْ عَلى نَحْرِ وذَبْحِ ما رَزَقَهم ﴿مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾؛ لِيَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِدِمائِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ تَقْوى مِنهم، فَهو يَصِلُ إلى رَبِّهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وقَدْ بَيَّنَ في بَعْضِ المَواضِعِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الأكْلُ مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنها؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ . وقَوْلِهِ: ﴿وَما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ جَعَلَ الحَرَمَ المَكِّيَّ مَنسَكًا تُراقُ فِيهِ الدِّماءُ تَقْرُّبًا إلى اللَّهِ، ويُذْكَرُ عَلَيْها عِنْدَ تَذْكِيَتِها اسْمُ اللَّهِ، ولَمْ يُبَيِّنْ في هَذِهِ الآيَةِ، هَلْ وقَعَ مِثْلُ هَذا لِكُلِّ أُمَّةٍ أوْ لا، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهُ جَعَلَ مِثْلَ هَذا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-١١٥)﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٣٤] . وَإذا عَلِمْتَ أنَّ مِن حِكَمِ الأذانِ في النّاسِ بِالحَجِّ، لِيَأْتُوا مُشاةً، ورُكْبانًا تَقَرُّبَهم إلى رَبِّهِمْ بِدِماءِ الأنْعامِ، ذاكِرِينَ عَلَيْها اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ تَذْكِيَتِها، وأنَّ الآيَةَ أقْرَبُ إلى إرادَةِ الهَدْيِ مِن إرادَةِ الأُضْحِيَةِ، فَدُونَكَ تَفْصِيلَ أحْكامِ الهَدايا الَّتِي دَعَوْا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِنها. اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ الهَدْيَ قِسْمانِ: هَدْيٌ واجِبٌ، وهَدْيٌ غَيْرُ واجِبٍ، بَلْ تَطَوَّعَ بِهِ صاحِبُهُ تَقَرُّبًا بِاللَّهِ تَعالى، والأيّامُ المَعْلُوماتُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يُذْبَحُ فِيها، ويُذْكَرُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ فِيها - لِلْعُلَماءِ فِيها أقْوالٌ كَثِيرَةٌ. والتَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: أنَّ غَيْرَ اثْنَيْنِ مِن تِلْكَ الأقْوالِ الكَثِيرَةِ باطِلٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وأنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ مِنها اثْنانِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي أيّامُ النَّحْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ وذِكْرُهُمُ اللَّهَ عَلَيْها يَعْنِي: التَّسْمِيَةَ عِنْدَ تَذْكِيَتِها. فاتَّضَحَ أنَّها أيّامُ النَّحْرِ، ويَوْمانِ بَعْدَهُ، وعَلَيْهِ فَلا يَذْبَحُ الهَدْيَ، ولا الأُضْحِيَةَ في اليَوْمِ الأخِيرِ مِن أيّامِ مِنًى، الَّذِي هو اليَوْمُ الثّالِثَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وهَذا القَوْلُ نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، وقالَ: وهو عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورَواهُ الأثْرَمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ، ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: أيّامُ النَّحْرِ: يَوْمُ الأضْحى، وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: اخْتَلَفُوا كَمْ أيّامُ النَّحْرِ. فَقالَ مالِكٌ: ثَلاثَةٌ، يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ عَنْهُما. وَقالَ الشّافِعِيُّ: أرْبَعَةُ أيّامٍ، يَوْمُ النَّحْرِ، وثَلاثَةٌ بَعْدَهُ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - . ورُوِيَ عَنْهم أيْضًا مِثْلُ قَوْلِ مالِكٍ وأحْمَدَ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وَقالَ أيْضًا: قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ (p-١١٦)أضْحى. وأجْمَعُوا عَلى أنْ لا أضْحى بَعْدَ انْسِلاخِ ذِي الحِجَّةِ، ولا يَصِحُّ عِنْدِي في هَذِهِ إلّا قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُ مالِكٍ والكُوفِيِّينَ. والآخَرُ: قَوْلُ الشّافِعِيِّ، والشّامِيِّينَ، وهَذانِ القَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنِ الصَّحابَةِ، فَلا مَعْنى لِلِاشْتِغالِ بِما خالَفَهُما؛ لِأنَّ ما خالَفَهُما لا أصْلَ لَهُ في السُّنَّةِ، ولا في قَوْلِ الصَّحابَةِ، وما خَرَجَ عَنْ هَذَيْنَ فَمَتْرُوكٌ لَهُما، ا هـ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: في وقْتِ ذَبْحِ الهَدْيِ طَرِيقانِ: أصَحُّهُما وبِهِ قَطَعَ العِراقِيُّونَ وغَيْرُهم: أنَّهُ يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ وأيّامِ التَّشْرِيقِ، والثّانِي: فِيهِ وجْهانِ أصَحُّهُما: هَذا، والثّانِي: لا يَخْتَصُّ بِزَمانٍ كَدِماءِ الجُبْرانِ. فَعَلى الصَّحِيحِ لَوْ أخَّرَ الذَّبْحَ، حَتّى مَضَتْ هَذِهِ الأيّامُ، فَإنْ كانَ الهَدْيُ واجِبًا: لَزِمَهُ ذَبْحُهُ، ويَكُونُ قَضاءً، وإنْ كانَ تَطَوُّعًا فَقَدْ فاتَ الهَدْيُ. قالَ الشّافِعِيُّ والأصْحابُ: فَإنْ ذَبَحَهُ كانَ شاةَ لَحْمٍ لا نُسُكًا. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنِ الرّافِعِيِّ: أنَّهُ في بَعْضِ المَواضِعِ مِن كِتابِهِ في بابِ صِفَةِ الحَجِّ، جَزَمَ بِأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وأيّامِ التَّشْرِيقِ، وأنَّهُ ذَكَرَ المَسْألَةَ عَلى الصَّوابِ في بابِ الهَدْيِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: القَوْلُ بِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ بِيَوْمِ النَّحْرِ ويَوْمَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ بَعْدَهُ ظاهِرُ البُطْلانِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الِاخْتِصاصِ يَجْعَلُ زَمَنَ النَّحْرِ مُطْلَقًا، لَيْسَ مُقَيَّدًا بِزَمانٍ، وهَذا يَرُدُّهُ صَرِيحُ قَوْلِهِ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، فَجَعْلُ ظَرْفِهِ أيّامًا مَعْلُوماتٍ يَرُدُّ الإطْلاقَ في الزَّمَنِ رَدًّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ كَما تَرى. وَقالَ النَّوَوِيُّ أيْضًا في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ هي: أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهي ثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، ا هـ. وَلا وجْهَ لِلْخِلافِ في ذَلِكَ، مَعَ أنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى مُتَّصِلًا بِهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، والمُرادُ بِذَلِكَ: أيّامُ الرَّمْيِ الَّتِي هي أيّامُ التَّشْرِيقِ كَما تَرى، ثُمَّ قالَ النَّوَوِيُّ: وأمّا الأيّامُ المَعْلُوماتُ فَمَذْهَبُنا: أنَّها العَشْرُ الأوائِلُ مِن ذِي الحِجَّةِ إلى آخَرِ يَوْمِ النَّحْرِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وعَزا ابْنُ كَثِيرٍ هَذا القَوْلَ لِابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وعَلَّقَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ بِصِيغَةِ الجَزْمِ، ونَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، (p-١١٧)وَعَطاءٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، قالَ: وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، والمَشْهُورُ عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ثُمَّ شَرَعَ يَذْكُرُ الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى فَضْلِ الأيّامِ العَشَرَةِ الأُوَلِ مِن ذِي الحِجَّةِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: تَفْسِيرُ الأيّامِ المَعْلُوماتِ في آيَةِ الحَجِّ هَذِهِ: بِأنَّها العَشْرُ الأُوَلُ مِن ذِي الحِجَّةِ إلى آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ، لا شَكَّ في عَدَمِ صِحَّتِهِ، وإنْ قالَ بِهِ مِن أجِلّاءِ العُلَماءِ، وبَعْضِ أجِلّاءِ الصَّحابَةِ مَن ذَكَرْنا. والدَّلِيلُ الواضِحُ عَلى بُطْلانِهِ أنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أنَّها أيّامُ النَّحْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ وهو ذِكْرُهُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَيْها عِنْدَ ذَبْحِها تَقَرُّبًا إلَيْهِ كَما لا يَخْفى، والقَوْلُ بِأنَّها العَشَرَةُ المَذْكُورَةُ، يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ العَشَرَةُ كُلُّها أيّامَ نَحْرٍ، وأنَّهُ لا نَحْرَ بَعْدَها، وكِلا الأمْرَيْنِ باطِلٌ كَما تَرى؛ لِأنَّ النَّحْرَ في التِّسْعَةِ الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لا يَجُوزُ والنَّحْرُ في اليَوْمَيْنِ بَعْدَهُ جائِزٌ. وكَذَلِكَ الثّالِثُ عِنْدَ مَن ذَكَرْنا، فَبُطْلانُ هَذا القَوْلِ واضِحٌ كَما تَرى. ثُمَّ قالَ النَّوَوِيُّ مُتَّصِلًا بِكَلامِهِ الأوَّلِ، وقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثَةُ أيّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ، ويَوْمانِ بَعْدَهُ فالحادِيَ عَشَرَ، والثّانِيَ عَشَرَ عِنْدَهُ مِنَ المَعْلُوماتِ، والمَعْدُوداتِ. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: المَعْلُوماتُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: يَوْمُ عَرَفَةَ والنَّحْرِ والحادِيَ عَشَرَ. وقالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المَعْلُوماتُ أرْبَعَةٌ: يَوْمُ عَرَفَةَ والنَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ. وَفائِدَةُ الخِلافِ: أنَّ عِنْدَنا يَجُوزُ ذَبْحُ الهَدايا والضَّحايا في أيّامِ التَّشْرِيقِ كُلِّها، وعِنْدَ مالِكٍ لا يَجُوزُ في اليَوْمِ الثّالِثِ. هَذا كَلامُ صاحِبِ البَيانِ، انْتَهى مِنَ النَّوَوِيِّ. وقَدْ سَكَتَ عَلى كَلامِ صاحِبِ ”البَيانِ“: وهو باطِلٌ بُطْلانًا واضِحًا؛ لِأنَّ القَوْلَ بِأنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي العَشَرَةُ الأُوَلُ، لا يَدُلُّ عَلى جَوازِ الذَّبْحِ فِيما بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ لِأنَّهُ آخِرُها، وقَدْ يَدُلُّ عَلى جَوازِ الذَّبْحِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ في جَمِيعِ التِّسْعَةِ الأُوَلِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ، هي ظَرْفُ الذَّبْحِ؛ كَما بَيَّنّا مِرارًا فَإنْ كانَتْ هي العَشَرَةُ كانَتِ العَشَرَةُ هي ظَرْفُ الذَّبْحِ. فَلا يَجُوزُ فِيما قَبْلَها ولا ما بَعْدَها، ولَكِنَّهُ يَجُوزُ في جَمِيعِها، وبُطْلانُ هَذا واضِحٌ كَما تَرى، ثُمَّ قالَ النَّوَوِيُّ مُتَّصِلًا بِكَلامِهِ السّابِقِ. وَقالَ العَبْدَرِيُّ: فائِدَةُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مَعْلُومٌ جَوازُ النَّحْرِ فِيهِ، وفائِدَةُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مَعْدُودٌ انْقِطاعُ الرَّمْيِ فِيهِ. وقالَ: وبِمَذْهَبِنا قالَ أحْمَدُ، وداوُدُ، وقالَ الإمامُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ. قالَ: وإنَّما قِيلَ (p-١١٨)لَها مَعْلُوماتٌ لِلْحِرْصِ عَلى عِلْمِها مِن أجْلِ أنَّ وقْتَ الحَجِّ في آخِرِها. قالَ: وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْلُوماتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: المَعْلُوماتُ والمَعْدُوداتُ واحِدٌ. قُلْتُ: وكَذا نَقَلَ القاضِي أبُو الطَّيْبِ والعَبْدَرِيُّ، وخَلائِقُ - إجْماعَ العُلَماءِ عَلى أنَّ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأمّا ما نَقَلَهُ صاحِبُ البَيانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَخِلافُ المَشْهُورِ عَنْهُ. فالصَّحِيحُ المَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المَعْلُوماتِ أيّامُ العَشْرِ كُلِّها كَمَذْهَبِنا، وهو مِمّا احْتَجَّ بِهِ أصْحابُنا، كَما سَأذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ. واحْتَجَّ لِأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، وأرادَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ: تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى الذَّبْحِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وعَلى قَوْلِ الشّافِعِيِّ: لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في يَوْمٍ واحِدٍ مِنها، وهو يَوْمُ النَّحْرِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ، والمَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ. رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ. واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِما اسْتَدَلَّ بِهِ المُزَنِيُّ في مُخْتَصَرِهِ: وهو أنَّ اخْتِلافَ الأسْماءِ يَدُلُّ عَلى اخْتِلافِ المُسَمَّياتِ، فَلَمّا خُولِفَ بَيْنَ المَعْدُوداتِ والمَعْلُوماتِ في الِاسْمِ دَلَّ عَلى اخْتِلافِهِما، وعَلى ما يَقُولُ المُخالِفُونَ يَتَداخَلانِ في بَعْضِ الأيّامِ، والجَوابُ عَنِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: جَوابُ المُزَنِيِّ: أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن سِياقِ الآيَةِ: وُجُودُ الذَّبْحِ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ، بَلْ يَكْفِي وُجُودُهُ في آخِرِها وهو يَوْمُ النَّحْرِ. قالَ المُزَنِيُّ والأصْحابُ: ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، ولَيْسَ هو نُورًا في جَمِيعِها، بَلْ في بَعْضِها. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ في الآيَةِ الذِّكْرُ عَلى الهَدايا، ونَحْنُ نَسْتَحِبُّ لِمَن رَأى هَدْيًا أوْ شَيْئًا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ في العَشْرِ أنْ يُكَبِّرَ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ النَّوَوِيِّ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيَّةِ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ خِلافُ الصَّوابِ، وإنْ قالَ بِهِ مَن قالَ مِن أجِلّاءِ العُلَماءِ، (p-١١٩)وَأنَّ الأجْوِبَةَ الَّتِي أجابُوا بِها عَنِ الِاعْتِراضاتِ الوارِدَةِ عَلَيْهِ، لا يَنْهَضُ شَيْءٌ مِنها لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ اللَّهَ بَيَّنَ في كِتابِهِ، أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي ظَرْفُ الذَّبْحِ والنَّحْرِ، فَتَفْسِيرُها بِأنَّها العَشَرَةُ الأُوَلُ، يَلْزَمُهُ جَوازُ الذَّبْحِ في جَمِيعِها، وعَدَمُ جَوازِهِ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ اليَوْمِ العاشِرِ، وهَذا كُلُّهُ باطِلٌ كَما تَرى. وَزَعْمُ المُزَنِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنَّ الآيَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ - ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ كَوْنَ القَمَرِ كَوْكَبًا واحِدًا والسَّماواتِ سَبْعًا طِباقًا - قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ في واحِدَةٍ مِنها دُونَ السِّتِّ الأُخْرى. وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، فَظاهِرُهُ المُتَبادِرُ مِنهُ أنَّ جَمِيعَ الأيّامِ المَعْلُوماتِ ظَرْفٌ لِذِكْرِ اللَّهِ عَلى الذَّبائِحِ، ولَيْسَ هُنا قَرِينَةٌ تُخَصِّصُهُ بِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ. فَلا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِبَعْضِها، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، ولَيْسَ مَوْجُودًا هُنا. وتَفْسِيرُهم ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْها، بِأنَّ مَعْناهُ: أنَّ مَن رَأى هَدْيًا أوْ شَيْئًا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ في العَشْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ أنْ يُكَبِّرَ، وأنَّ ذَلِكَ التَّكْبِيرَ هو ذِكْرُ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ - ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما تَرى؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِتَفْسِيرِ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ، والتَّحْقِيقُ في تَفْسِيرِها ما هو مَشْهُورٌ عِنْدَ عامَّةِ أهْلِ التَّفْسِيرِ، وهو ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْها عِنْدَ التَّذْكِيَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ مُقْتَرِنًا بِهِ: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٨] . وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢١] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٠٩]، وتَداخُلُ الأيّامِ لا يَمْنَعُ مِن مُغايَرَتِها؛ لِأنَّ الأعَمَّيْنِ مِن وجْهٍ مُتَغايِرانِ إجْماعًا مَعَ تَداخُلِهِما في بَعْضِ الصُّوَرِ. وَمِمّا يُبْطِلُ القَوْلَ بِأنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي العَشَرَةُ المَذْكُورَةُ: أنَّ كَوْنَها العَشَرَةَ المَذْكُورَةَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ جَوازِ الذَّبْحِ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ اليَوْمِ العاشِرِ، وهو خِلافُ الواقِعِ لِجَوازِ الذَّبْحِ في الحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ، بَلْ والثّالِثَ عَشَرَ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ. والتَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ الَّتِي هي أيّامُ رَمْيِ الجَمَراتِ. وحَكى عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ الإجْماعَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى مُتَّصِلًا بِهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٠٣]، وأنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي أيّامُ النَّحْرِ، فَيَدْخُلُ فِيها يَوْمُ النَّحْرِ واليَوْمانِ بَعْدَهُ، والخِلافُ في الثّالِثَ عَشَرَ، هَلْ هو مِنها كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ، وقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الثّالِثَ عَشَرَ مِنها. ورَجَّحَ بَعْضُهم: أنَّهُ لَيْسَ مِنها. (p-١٢٠)وَقَدْ قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ في تَرْجِيحِ القَوْلِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِنها ما نَصُّهُ: ولَنا «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ الأكْلِ مِنَ النُّسُكِ، فَوْقَ ثَلاثٍ» وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ الذَّبْحُ مَشْرُوعًا في وقْتٍ يَحْرُمُ فِيهِ الأكْلُ، ثُمَّ نُسِخَ تَحْرِيمُ الأكْلِ، وبَقِيَ وقْتُ الذَّبْحِ بِحالِهِ، ولِأنَّ اليَوْمَ الرّابِعَ لا يَجِبُ فِيهِ الرَّمْيُ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ الذَّبْحُ كالَّذِي بَعْدَهُ. وَمِمّا رَجَّحَ بِهِ بَعْضُهم أنَّ اليَوْمَ الرّابِعَ مِنها: أنَّهُ يُؤَدِّي فِيهِ بَعْضَ المَناسِكِ: وهو الرَّمْيُ، إذا لَمْ يَتَعَجَّلْ فَهو كَسابِقِيهِ مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَمِمّا يُوَضِّحُ أنَّ الأيّامَ المَعْلُوماتِ هي أيّامُ النَّحْرِ، سَواءٌ قُلْنا إنَّها ثَلاثَةٌ، أوْ أرْبَعَةٌ: أنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلى أنَّها هي الَّتِي يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ: أيْ عِنْدَ التَّذْكِيَةِ، عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ. * * وَإذا عَرَفْتَ كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ، الَّتِي هي زَمَنُ الذَّبْحِ. فاعْلَمْ: أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في لَيالِيها، هَلْ يَجُوزُ فِيها الذَّبْحُ ؟ فَذَهَبَ مالِكٌ، وأصْحابُهُ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَبْحُ النُّسُكِ لَيْلًا، فَإنْ ذَبَحَهُ لَيْلًا لَمْ يُجْزِ، وتَصِيرُ شاةَ لَحْمٍ لا نُسُكٍ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، وهي ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ. وذَهَبَ الشّافِعِيُّ، وأصْحابُهُ: إلى جَوازِ الذَّبْحِ لَيْلًا قالَ النَّوَوِيُّ: وبِهِ قالَ: أبُو حَنِيفَةَ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ والجُمْهُورُ وهو الأصَحُّ عَنْ أحْمَدَ. وَحُجَّةُ مَن قالَ لا يَجُوزُ الذَّبْحُ لَيْلًا: أنَّ اللَّهَ خَصَّصَهُ بِلَفْظِ الأيّامِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ قالُوا: وذِكْرُ اليَوْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَحُجَّةُ مَن أجازَهُ: أنَّ الأيّامَ تُطْلَقُ لُغَةً عَلى ما يَشْمَلُ اللَّيالِيَ، وتَخْصِيصُهُ بِالأيّامِ أحْوَطُ، لِمُطابَقَةِ لَفْظِ القُرْآنِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * وَإذا عَلِمْتَ وقْتَ نَحْرِ الهَدْيِ، وأنَّ الهَدْيَ نَوْعانِ: واجِبٌ، وغَيْرُ واجِبٍ، وهو هَدْيُ التَّطَوُّعِ، فَهَذِهِ تَفاصِيلُ أحْكامِ كُلٍّ مِنهُما. أمّا الهَدْيُ الواجِبُ: فَهو بِالتَّقْسِيمِ الأوَّلِ نَوْعانِ: أحَدُهُما: هَدْيٌ واجِبٌ بِالنَّذْرِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وهَدْيٌ واجِبٌ بِغَيْرِ النَّذْرِ، وهو أيْضًا يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: (p-١٢١)أحَدُهُما: الهَدْيُ المَنصُوصُ عَلَيْهِ. والثّانِي: الهَدْيُ المَسْكُوتُ عَنْهُ، ولَكِنَّ العُلَماءَ قاسُوهُ عَلى الهَدْيِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ. أمّا المَنصُوصُ عَلَيْهِ فَهو أرْبَعَةُ أقْسامٍ: الأوَّلُ: هَدْيُ التَّمَتُّعِ، ويَدْخُلُ فِيهِ القِرانُ؛ لِأنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - جاءَ عَنْهُمُ التَّصْرِيحُ، بِأنَّ اسْمَ التَّمَتُّعِ في الآيَةِ صادِقٌ بِالقِرانِ، كَما قَدَّمْناهُ واضِحًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وعِمْرانِ بْنِ حُصَيْنٍ، وغَيْرِهِما، والصَّحابَةُ هم أعْلَمُ النّاسِ بِلُغَةِ العَرَبِ وبِدَلالَةِ القُرْآنِ. وَهَدْيُ التَّمَتُّعِ المَذْكُورُ مَنصُوصٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . الثّانِي: دَمُ الإحْصارِ المَنصُوصُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . الثّالِثُ: دَمُ جَزاءِ الصَّيْدِ المَنصُوصُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٥] . الرّابِعُ: دَمُ فِدْيَةِ الأذى المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهَذِهِ الدِّماءُ الأرْبَعَةُ اثْنانِ مِنها عَلى التَّخْيِيرِ، وهُما: دَمُ الفِدْيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ. والثّانِي: جَزاءُ الصَّيْدِ، فَهو عَلى التَّخْيِيرِ أيْضًا، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ مُسْتَوْفًى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٥] . وَقَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ عَلى التَّخْيِيرِ فِيهِما غايَةَ الإيضاحِ بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وواحِدٌ مِنَ الدِّماءِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ عَلى التَّرْتِيبِ إجْماعًا، وهو دَمُ التَّمَتُّعِ الشّامِلِ لِلْقِرانِ؛ لِأنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أنَّهُ عَلى التَّرْتِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ثُمَّ قالَ مُبَيِّنًا التَّرْتِيبَ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٦] . والرّابِعُ: مِنَ الدِّماءِ المَذْكُورَةِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَمَن قالَ: لَهُ بَدَلٌ عِنْدَ العَجْزِ عَنْهُ قالَ: هو عَلى التَّرْتِيبِ، ومَن قالَ: لا بَدَلَ لَهُ فالأمْرُ عَلى قَوْلِهِ واضِحٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ تَعَدُّدٌ، (p-١٢٢)يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ أوْ عَدَمَهُ، وهَذا القِسْمُ هو دَمُ الإحْصارِ وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . والحاصِلُ: أنَّ ثَلاثَةً مِنَ الدِّماءِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها، بِغايَةِ الإيضاحِ، والِاسْتِيفاءِ، فَدَمُ الفِدْيَةِ قَدَّمْناهُ في مَباحِثِ آيَةِ ”الحَجِّ“ الَّتِي هي: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] . في جُمْلَةِ مَسائِلِ الحَجِّ، الَّتِي ذَكَرْنا في الكَلامِ عَلَيْها. وَدَمُ جَزاءِ الصَّيْدِ قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى في ”المائِدَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] . وَدَمُ الإحْصارِ، قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى في ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ . وَأمّا هَدْيُ التَّمَتُّعِ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَنا فِيهِ إيضاحٌ، وسَنُبَيِّنُهُ الآنَ. أمّا التَّمَتُّعُ بِالعُمْرَةِ فَمَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ حَلَّ مَن عُمْرَتِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِن عامِهِ، ولَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ أنَّهُ مُتَمَتِّعٌ. وَقَدْ بَيَّنّا أنَّ الصَّحابَةَ بَيَّنُوا أنَّهُ يَشْمَلُ القِرانَ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما عُمْرَةٌ في أشْهُرِ الحَجِّ مَعَ الحَجِّ، وإنْ كانَ بَيْنَ حَقِيقَتَيْهِما اخْتِلافٌ كَما هو واضِحٌ. اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ العُلَماءَ اشْتَرَطُوا لِوُجُوبِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ شُرُوطًا: مِنها: ما هو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَمِنها: ما هو مُخْتَلَفٌ فِيهِ. الأوَّلُ: أنْ يَعْتَمِرَ في أشْهُرِ الحَجِّ، فَإنِ اعْتَمَرَ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ، لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ في أشْهُرِ الحَجِّ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ كالمُفْرِدِ، ولا يَخْفى سُقُوطُ قَوْلِ طاوُسٍ: إنَّهُ مُتَمَتِّعٌ، كَما لا يَخْفى سُقُوطُ قَوْلِ الحَسَنِ: إنَّ مَنِ اعْتَمَرَ بَعْدَ النَّحْرِ فَهو مُتَمَتِّعٌ. وَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحَدًا قالَ بِواحِدٍ مِن هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ: قالَهُ في ”المُغْنِي“ فَإنْ أحْرَمَ بِها في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ولَكِنَّهُ أتى بِأفْعالِها في أشْهُرِ الحَجِّ، فَفي ذَلِكَ لِلْعُلَماءِ قَوْلانِ: (p-١٢٣)أحَدُهُما: يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ نَظَرًا إلى أفْعالِ العُمْرَةِ الواقِعَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ. والثّانِي: لا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ نَظَرًا إلى وُقُوعِ الإحْرامِ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ، وهو نُسُكٌ لا تَتِمُّ العُمْرَةُ بِدُونِهِ، ولِكِلَيْهِما وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، ولا نَصَّ فِيهِما، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّهُ لا دَمَ عَلَيْهِ، وأنَّهُ غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ الإمامُ أحْمَدُ. قالَ في ”المُغْنِي“: ونُقِلَ مَعْنى ذَلِكَ عَنْ جابِرٍ، وأبِي عِياضٍ. وهو قَوْلُ إسْحاقَ، وأحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وقالَ طاوُسٍ: عُمْرَتُهُ في الشَّهْرِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الحَرَمَ. وقالَ الحَسَنُ، والحَكَمُ، وابْنَ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: عُمْرَتُهُ في الشَّهْرِ الَّذِي يَطُوفُ فِيهِ. وقالَ عَطاءٌ: عُمْرَتُهُ في الشَّهْرِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنْ طافَ لِلْعُمْرَةِ أرْبَعَةَ أشْواطٍ، قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وإنْ طافَ الأرْبَعَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ، فَهو مُتَمَتِّعٌ؛ لِأنَّ العُمْرَةَ صَحَّتْ في أشْهُرِ الحَجِّ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ وطِئَ أفْسَدَها، فَأشْبَهَ إذا أحْرَمَ بِها في أشْهُرِ الحَجِّ. قالَهُ في ”المُغْنِي“ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. الشَّرْطُ الثّانِي: أنْ يَحُجَّ في نَفْسِ تِلْكَ السَّنَةِ، الَّتِي اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ مِنها. أمّا إذا كانَ حَجُّهُ في سَنَةٍ أُخْرى: فَلا دَمَ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ ”المُهَذَّبِ“: وذَلِكَ لِما رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْتَمِرُونَ في أشْهُرِ الحَجِّ فَإذا لَمْ يَحُجُّوا مِن عامِهِمْ ذَلِكَ، لَمْ يُهْدُوا، قالَ: ولِأنَّ الدَّمَ إنَّما يَجِبُ لِتَرْكِ الإحْرامِ بِالحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، وهَذا لَمْ يَتْرُكِ الإحْرامَ بِالحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، فَإنَّهُ إنْ أقامَ بِمَكَّةَ صارَتْ مَكَّةُ مِيقاتَهُ، وإنْ رَجَعَ إلى بَلَدِهِ، وعادَ فَقَدْ أحْرَمَ مِنَ المِيقاتِ. وقالَ النَّوَوِيُّ في ”الأثَرِ المَذْكُورِ“: المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ حَسَنٌ، رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ حَسَنٍ، ولا يَخْفى سُقُوطُ قَوْلِ الحَسَنِ: إنَّهُ مُتَمَتِّعٌ وإنْ لَمْ يَحُجَّ مِن عامِهِ. الشَّرْطُ الثّالِثُ: أنْ لا يَعُودَ إلى بَلَدِهِ، أوْ ما يُماثِلُهُ في المَسافَةِ. وقالَ بَعْضُهم: يَكْفِي في هَذا الشَّرْطِ أنْ يَرْجِعَ إلى مِيقاتِهِ فَيُحْرِمَ بِالحَجِّ مِنهُ، وبَعْضُهم يَكْتَفِي بِمَسافَةِ القَصْرِ بَعْدَ العُمْرَةِ، ثُمَّ يُحْرِمُ لِلْحَجِّ مِن مَسافَةِ القَصْرِ. والحاصِلُ: أنَّ الأئِمَّةَ الأرْبَعَةَ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ السَّفَرَ بَعْدَ العُمْرَةِ، والإحْرامَ بِالحَجِّ مِن مُنْتَهى ذَلِكَ السَّفَرِ مُسْقِطٌ لِدَمِ التَّمَتُّعِ، إلّا أنَّهم مُخْتَلِفُونَ في قَدْرِ المَسافَةِ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: لا بُدَّ أنْ يَرْجِعَ بَعْدَ العُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ إلى المَحَلِّ الَّذِي جاءَ مِنهُ، ثُمَّ يُنْشِئَ سَفَرًا لِلْحَجِّ ويُحْرِمَ مِنَ المِيقاتِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: يَكْفِيهِ أنْ يَرْجِعَ إلى بَلَدِهِ أوْ يُسافِرَ مَسافَةً (p-١٢٤)مُساوِيَةً لِمَسافَةِ بَلَدِهِ، وبَعْضُهم يَكْفِي عِنْدَهُ سَفَرُ مَسافَةِ القَصْرِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: يَكْفِيهِ أنْ يَرْجِعَ لِإحْرامِ الحَجِّ إلى مِيقاتِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا أقْوالَهم مُفَصَّلَةً، ودَلِيلُهم في ذَلِكَ ما فَهِمُوهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قالُوا: لا فَرْقَ بَيْنَ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، وبَيْنَ غَيْرِهِمْ، إلّا أنَّ غَيْرَهم تَرَفَّهُوا بِإسْقاطِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ الَّذِي هو السَّفَرُ لِلْحَجِّ، بَعْدَ السَّفَرِ لِلْعُمْرَةِ، وإنْ سافَرَ لِلْحَجِّ بَعْدَ العُمْرَةِ زالَ السَّبَبُ، فَسَقَطَ الدَّمُ بِزَوالِهِ، وعَضَّدُوا ذَلِكَ بِآثارٍ رَوَوْها، عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَيِ العُلَماءِ في الشَّيْءِ الَّذِي تَرْجِعُ إلَيْهِ الإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وناقَشْنا أدِلَّتَهُما، وبَيَّنّا أنَّهُ عَلى القَوْلِ الَّذِي يَراهُ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ومَن وافَقَهُ: أنَّ الإشارَةَ راجِعَةٌ إلى نَفْسِ التَّمَتُّعِ وأنَّ أهْلَ مَكَّةَ لا مُتْعَةَ لَهم أصْلًا، فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى أقْوالِ الأئِمَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وعَلى القَوْلِ الآخَرِ أنَّ الإشارَةَ راجِعَةٌ إلى حُكْمِ التَّمَتُّعِ، وهو لُزُومُ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ والصَّوْمِ عِنْدَ العَجْزِ عَنْهُ، لا نَفْسُ التَّمَتُّعِ، فاسْتِدْلالُ الأئِمَّةِ بِها عَلى الأقْوالِ المَذْكُورَةِ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ كَما تَرى. والحاصِلُ أنَّ اسْتِدْلالَهم بِها إنَّما يَصِحُّ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ في مَرْجِعِ الإشارَةِ في الآيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى. والأحْوَطُ عِنْدِي: إراقَةُ دَمِ التَّمَتُّعِ، ولَوْ سافَرَ؛ لِعَدَمِ صَراحَةِ دَلالَةِ الآيَةِ في إسْقاطِهِ، ولِلِاحْتِمالِ الآخَرِ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ البُخارِيُّ والحَنَفِيَّةُ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ الحَسَنُ، واخْتارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ لِعُمُومِ الآيَةِ، قالَهُ في ”المُغْنِي“ . والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. الشَّرْطُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأمّا إذا كانَ مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ فَلا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ . وَأظْهَرُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي في المُرادِ بِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ: أنَّهم أهْلُ الحَرَمِ ومَن بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مَسافَةٌ لا تُقْصَرُ فِيها الصَّلاةُ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ، قَدْ يُطْلَقُ كَثِيرًا ويُرادُ بِهِ الحَرَمُ كُلُّهُ. ومَن عَلى مَسافَةٍ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ، فَهو كالحاضِرِ، ولِذا تُسَمّى صَلاتُهُ إنْ سافَرَ مِنَ الحَرَمِ، إلى تِلْكَ المَسافَةِ صَلاةَ حاضِرٍ، فَلا يَقْصُرُها، لا صَلاةَ مُسافِرٍ، حَتّى يُشْرَعَ لَهُ قَصْرُها فَظَهَرَ دُخُولُهُ في اسْمِ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ جَمِيعُ الحَرَمِ، وهو الأظْهَرُ خِلافًا لِمَن خَصَّهُ بِمَكَّةَ، ومَن خَصَّهُ بِالحَرَمِ، ومَن عَمَّمَهُ في كُلِّ ما دُونُ المِيقاتِ، (p-١٢٥)وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ هَذا الشَّرْطَ إنَّما يَتَمَشّى عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ في الآيَةِ. الشَّرْطُ الخامِسُ: ما قالَ بِهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مِن أنَّهُ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّمَتُّعِ بِالحَجِّ إلى العُمْرَةِ عِنْدَ الإحْرامِ بِالعُمْرَةِ. قالَ: لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ عِبادَتَيْنِ في وقْتِ إحْداهُما، فافْتَقَرَ إلى نِيَّةِ الجَمْعِ كالجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، وعَلى الِاشْتِراطِ المَذْكُورِ فَمَحِلُّ نِيَّةِ التَّمَتُّعِ هو وقْتُ الإحْرامِ بِالعُمْرَةِ. وَقالَ بَعْضُهم: لَهُ نِيَّةُ التَّمَتُّعِ، ما لَمْ يَفْرَغْ مِن أعْمالِ العُمْرَةِ كالخِلافِ في وقْتِ نِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فَقالَ بَعْضُهم: يَنْوِي عِنْدَ ابْتِداءِ الأُولى مِنهُما، وقالَ بَعْضُهم: لَهُ نِيَّتُهُ ما لَمْ يَفْرَغْ مِنَ الصَّلاةِ الأُولى، هَكَذا قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وعَلَيْهِ فَلَوِ اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ، وهو لا يَنْوِي الحَجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ، ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ العُمْرَةِ بَدا لَهُ أنْ يَحُجَّ في تِلْكَ السَّنَةِ، فَلا دَمَ تَمَتُّعٍ عَلَيْهِ، واشْتِراطُ النِّيَّةِ المَذْكُورُ عَزاهُ صاحِبُ ”الإنْصافِ“ لِلْقاضِي، وأكْثَرِ الحَنابِلَةِ، وحَكى عَدَمَ الِاشْتِراطِ بِـ ”قِيلَ“ ثُمَّ قالَ: واخْتارَهُ ”المُصَنِّفُ“، و ”الشّارِحُ“، وقَدَّمَهُ في ”المُحَرَّرِ والفائِقِ“، والظّاهِرُ سُقُوطُ هَذا الشَّرْطِ، وأنَّهُ مَتى حَجَّ بَعْدَ أنِ اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ مِن تِلْكَ السَّنَةِ فَعَلَيْهِ الهَدْيُ، لِظاهِرِ عُمُومِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَتَخْصِيصُهُ بِالنِّيَّةِ تَخْصِيصٌ لِلْقُرْآنِ، بَلْ دَلِيلٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ: ويُؤَيِّدُهُ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الدَّمِ: أنَّهُ تَرَفَّهَ بِإسْقاطِ سَفَرِ الحَجِّ، وتِلْكَ العِلَّةُ مَوْجُودَةٌ في هَذِهِ الصُّورَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. الشَّرْطُ السّادِسُ: هو ما اشْتَرَطَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن كَوْنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ المَذْكُورَيْنِ عَنْ شَخْصٍ واحِدٍ، كَأنْ يَعْتَمِرُ بِنَفْسِهِ ويَحُجُّ بِنَفْسِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لا عَنْ غَيْرِهِ أوْ يَحُجُّ شَخْصٌ، ويَعْتَمِرُ عَنْ شَخْصٍ واحِدٍ. أمّا إذا حَجَّ عَنْ شَخْصٍ، واعْتَمَرَ عَنْ شَخْصٍ آخَرَ، أوِ اعْتَمَرَ عَنْ شَخْصٍ، وحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أوِ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ، وحَجَّ عَنْ شَخْصٍ آخَرَ، فَهَلْ يَلْزَمُ دَمُ التَّمَتُّعِ نَظَرًا إلى أنَّ مُؤَدِّيَ النُّسُكَيْنِ شَخْصٌ واحِدٌ أوْ لا يَلْزَمُ نَظَرًا إلى أنَّ الحَجَّ وقَعَ عَنْ شَخْصٍ والعُمْرَةَ وقَعَتْ عَنْ شَخْصٍ آخَرَ فَهو كَما لَوْ فَعَلَهُ شَخْصانِ فَحَجَّ أحَدُهُما، واعْتَمَرَ الآخَرُ، وإذًا فَلا تَمَتُّعَ عَلى أحَدِهِما، وكِلاهُما لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الشّافِعِيَّةِ: هو عَدَمُ اشْتِراطِ هَذا الشَّرْطِ نَظَرًا إلى اتِّحادِ فاعِلِ النُّسُكِ، ومُقابِلُهُ المَرْجُوحُ عَدَمُ وُجُوبِ الدَّمِ نَظَرًا إلى أنَّ الحَجَّ عَنْ شَخْصٍ، والعُمْرَةَ عَنْ آخَرَ، ومَذْهَبُ مالِكٍ في هَذا قَرِيبٌ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في وُجُودِ الخِلافِ وتَرْجِيحِ عَدَمِ الِاشْتِراطِ. قالَ الشَّيْخُ المَوّاقُ في شَرْحِ قَوْلِ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ، في عِدَّةِ شُرُوطِ وُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ، وفي شَرْطِ كَوْنِهِما عَنْ واحِدٍ تَرَدَّدٌ، ما نَصُّهُ: ذَكَرَ ابْنُ شاسٍ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي يَكُونُ (p-١٢٦)بِها مُتَمَتِّعًا: أنْ يَقَعَ النُّسُكانِ عَنْ شَخْصٍ واحِدٍ: ابْنُ عَرَفَةَ لا أعْرِفُ هَذا، بَلْ في كِتابِ مُحَمَّدٍ مَنِ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِن عامِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَتَمَتُّعٌ. وقالَ الشَّيْخُ الحَطّابُ في شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ المَذْكُورِ ما نَصُّهُ: أشارَ بِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِ المُتَأخِّرِينَ في النَّقْلِ، فالَّذِي نَقَلَهُ صاحِبُ النَّوادِرِ وابْنُ يُونُسَ واللَّخْمِيُّ عَدَمُ اشْتِراطِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: الأشْهَرُ اشْتِراطُ كَوْنِهِما عَنْ واحِدٍ، وحَكى ابْنُ شاسٍ في ذَلِكَ قَوْلَيْنِ قالَ في ”التَّوْضِيحِ“: لَمْ يَعْزُهُما ولَمْ يُعَيِّنِ المَشْهُورَ مِنهُما، ولَمْ يَحْكِ صاحِبُ النَّوادِرِ وابْنُ يُونُسَ، إلّا ما وقَعَ في المُوازِيَةِ أنَّهُ تَمَتُّعٌ. انْتَهى. وقالَ في مَناسِكِهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ كَلامَ ابْنِ الحاجِبِ خَلِيلٍ: ولَمْ أرَ في ابْنِ يُونُسَ وغَيْرِهِ، إلّا القَوْلَ بِوُجُوبِ الدَّمِ. وَقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وشَرْطُ ابْنِ شاشٍ كَوْنُهُما عَنْ واحِدٍ، ونَقَلَ ابْنُ حاجِبٍ: لا أعْرِفُهُ، بَلْ في كِتابِ مُحَمَّدٍ مَنِ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِن عامِهِ عَنْ غَيْرِهِ مُتَمَتِّعٌ فَما ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ مِنَ التَّرَدُّدِ صَحِيحٌ. لَكِنَّ المَعْرُوفَ عَدَمُ اشْتِراطِ ذَلِكَ وعادَتُهُ أنْ يُشِيرَ بِالتَّرَدُّدِ لِما لَيْسَ فِيهِ تَرْجِيحٌ. وَقالَ ابْنُ جَماعَةَ الشّافِعِيُّ في مَنسِكِهِ الكَبِيرِ: لا يُشْتَرَطُ أنْ يَقَعَ النُّسُكانِ عَنْ واحِدٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الشّافِعِيَّةِ، وهو قَوْلُ الحَنَفِيَّةِ ورِوايَةُ ابْنِ المَوّازِ، عَنْ مالِكٍ، وعَلى ذَلِكَ جَرى جَماعَةٌ مِن أئِمَّةِ المالِكِيَّةِ مِنهُمُ الباجِيُّ، والطَّرْطُوشِيُّ، ومِنَ الشّافِعِيَّةِ مَن شَرَطَ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: إنَّهُ الأشْهَرُ مِن مَذْهَبٍ مالِكٍ، وتَبِعَ ابْنَ الحاجِبِ في اشْتِراطِ ذَلِكَ صاحِبُ الجَواهِرِ، وقَوْلُهُ: إنَّهُ الأشْهَرُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإنَّ القَرافِيَّ في الذَّخِيرَةِ ذَكَرَ ما سِوى هَذا الشَّرْطِ، وقالَ: إنَّ صاحِبَ الجَواهِرِ زادَ هَذا الشَّرْطَ، ولَمْ يَعْزُهُ لِغَيْرِهِ. انْتَهى كَلامُ الحَطّابِ، والظّاهِرُ مِنَ النُّقُولِ الَّتِي نَقَلَها أنَّ عَدَمَ اشْتِراطِ كَوْنِ النُّسُكَيْنِ عَنْ واحِدٍ: هو المَعْرُوفُ في مَذْهَبِ مالِكٍ، وهو كَذَلِكَ، ومَذْهَبُ أحْمَدَ قَرِيبٌ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، فَفِيهِ خِلافٌ أيْضًا، هَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ النُّسُكَيْنِ عَنْ واحِدٍ أوْ لا يُشْتَرَطُ ؟ وعَدَمُ اشْتِراطِهِ عَلَيْهِ الأكْثَرُ مِنَ الحَنابِلَةِ، وعَزاهُ في ”الإنْصافِ“ لِبَعْضِ الأصْحابِ، قالَ مِنهُمُ المُنْصِفُ، والمَجْدُ، قالَهُ: الزَّرْكَشِيُّ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ في الفُرُوعِ، وعَزا مُقابِلَهُ لِصاحِبِ ”التَّلْخِيصِ“، وقَدْ قَدَّمْنا في كَلامِ ابْنِ جَماعَةَ الشّافِعِيِّ أنَّ عَدَمَ اشْتِراطِ كَوْنِ النُّسُكَيْنِ، عَنْ شَخْصٍ واحِدٍ هو مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، فَظَهَرَ أنَّ المَشْهُورَ في المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ عَدَمُ اشْتِراطِ هَذا الشَّرْطِ، وقَوْلُ مَنِ اشْتَرَطَهُ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. الشَّرْطُ السّابِعُ: أنْ يُحِلَّ مِنَ العُمْرَةِ قَبْلَ إحْرامِهِ بِالحَجِّ، فَإنْ أحْرَمَ قَبْلَ حَلِّهِ مِنها صارَ (p-١٢٧)قارِنًا، كَما وقَعَ لِعائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - في حَجَّةِ الوَداعِ عَلى التَّحْقِيقِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ. * * الشَّرْطُ الثّامِنُ: هو ما اشْتَرَطَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن كَوْنِهِ لا يُعَدُّ مُتَمَتِّعًا، حَتّى يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ مِنَ المِيقاتِ، فَإنْ أحْرَمَ بِها مِن دُونِ المِيقاتِ صارَ غَيْرَ مُتَمَتِّعٍ؛ لِأنَّهُ كَأنَّهُ مِن حاضِرِي المَسْجِدُ الحَرامِ، ولا يَخْفى سُقُوطُ هَذا الشَّرْطِ. قالَ صاحِبُ ”الإنْصافِ“: لَمّا ذُكِرَ هَذا الشَّرْطُ ذَكَرَهُ أبُو الفَرَجِ والحُلْوانِيُّ وجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ في التَّذْكِرَةِ، وقَدَّمَهُ في الفُرُوعِ. وقالَ القاضِي وابْنُ عَقِيلٍ: وجَزَمَ بِهِ في المُسْتَوْعِبِ والتَّلْخِيصِ والرِّعايَةِ وغَيْرِهِمْ: إنْ بَقِيَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَكَّةَ مَسافَةُ قَصْرٍ، فَأحْرَمَ مِنهُ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ المُتْعَةِ؛ لِأنَّهُ مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، بَلْ دَمُ مُجاوَزَةِ المِيقاتِ. واخْتارَ المُصَنِّفُ والشّارِحُ وغَيْرُهُما، أنَّهُ إذا أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ مِن دُونِ المِيقاتِ: يَلْزَمُهُ دَمانِ، دَمُ المُتْعَةِ ودَمُ الإحْرامِ مِن دُونِ المِيقاتِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُقِمْ ولَمْ يَنْوِها بِهِ، ولَيْسَ بِساكِنٍ، ورَدُّوا ما قالَهُ القاضِي. انْتَهى مِنهُ، وهَذا الأخِيرُ هو الظّاهِرُ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقالَ صاحِبُ الإنْصافِ بَعْدَ كَلامِهِ هَذا مُتَّصِلًا بِهِ. قالَ المُصَنِّفُ والشّارِحُ: ولَوْ أحْرَمَ الآفاقِيُّ بِعُمْرَةٍ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ أقامَ بِمَكَّةَ واعْتَمَرَ مِنَ التَّنْعِيمِ، فَهو مُتَمَتِّعٌ نُصَّ عَلَيْهِ، وفي نَصِّهِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ تَنْبِيهٌ عَلى إيجابِ الدَّمِ في الصُّورَةِ الأوْلى بِطَرِيقِ الأوْلى. انْتَهى مِنهُ. ولا يَنْبَغِي أنْ يَخْتَلِفَ في واحِدَةٍ مِنهُما لِدُخُولِهِما صَرِيحًا في عُمُومِ آيَةِ التَّمَتُّعِ، كَما تَرى. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ القارِنَ يَلْزَمُهُ ما يَلْزَمُ المُتَمَتِّعِ مِنَ الهَدْيِ، والصَّوْمِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الهَدْيِ، وقَدْ قَدَّمْنا الرِّواياتِ الصَّحِيحَةَ الثّابِتَةَ عَنْ بَعْضِ أجِلّاءِ الصَّحابَةِ، بِأنَّ القِرانَ داخِلٌ في اسْمِ التَّمَتُّعِ، وعَلى هَذا فَهو داخِلٌ في عُمُومِ الآيَةِ، وكِلا النُّسُكَيْنِ فِيهِ تَمَتُّعٌ لُغَةً؛ لِأنَّ التَّمَتُّعَ مِنَ المَتاعِ أوِ المُتْعَةِ، وهو الِانْتِفاعُ أوِ النَّفْعُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎وَقَفْتُ عَلى قَبْرٍ غَرِيبٍ بِقَفْرَةٍ مَتاعٌ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقِ جَعَلَ اسْتِئْناسَهُ بِقَبْرِهِ مَتاعًا لِانْتِفاعِهِ بِذَلِكَ الِاسْتِئْناسِ، وكُلٌّ مِنَ القارِنِ والمُتَمَتِّعِ، انْتَفَعَ بِإسْقاطِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ وانْتَفَعَ القارِنُ عِنْدَ الجُمْهُورِ بِانْدِراجِ أعْمالِ العُمْرَةِ في الحَجِّ. وَقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ القِرانَ لَمْ يَدْخُلْ في عُمُومِ الآيَةِ بِحَسْبِ مَدْلُولِ لَفْظِها، وهو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ الغايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ تَدُلُّ عَلى (p-١٢٨)ذَلِكَ، والَّذِينَ قالُوا هَذا قالُوا: هو مُلْحَقٌ بِهِ في حُكْمِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْناهُ. وعَلى أنَّ القارِنَ يَلْزَمُهُ ما يَلْزَمُ المُتَمَتِّعَ، عامَّةُ العُلَماءِ، مِنهُمُ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ، إلّا مَن شَذَّ شُذُوذًا لا عِبْرَةَ بِهِ. ولَيْسَ كُلُّ خِلافٍ جاءَ مُعْتَبَرًا إلّا خِلافًا لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ قالَ في ”الإنْصافِ“: وسَألَهُ - يَعْنِي الإمامَ أحْمَدَ - ابْنُ مُشَيْشٍ: القارِنُ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ وُجُوبًا ؟ فَقالَ: كَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ وُجُوبًا، وإنَّما شَبَّهُوهُ بِالمُتَمَتِّعِ، قالَ في الفُرُوعِ، فَتَتَوَجَّهُ مِنهُ رِوايَةُ لا يَلْزَمُهُ دَمٌ. انْتَهى مِنهُ. وَلا يَخْفى أنَّ مَذْهَبَ أحْمَدَ مُخالِفٌ لِما زَعَمُوهُ رِوايَةً، وأنَّ القارِنَ كالمُتَمَتِّعِ في الحُكْمِ. وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ولا نَعْلَمُ في وُجُوبِ الدَّمِ عَلى القارِنِ خِلافًا إلّا ما حُكِيَ عَنْ داوُدَ أنَّهُ لا دَمَ عَلَيْهِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طاوُسٍ. وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ أنَّ ابْنَ داوُدَ لَمّا دَخَلَ مَكَّةَ، سُئِلَ عَنِ القارِنِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ ؟ فَقالَ: لا، فَجَرَّ بِرِجْلِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى شُهْرَةِ الأمْرِ بَيْنَهم. انْتَهى مِنهُ. وذَكَرَ النَّوَوِيُّ أنَّ العَبْدَرِيَّ حَكى هَذا القَوْلَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُرَيْجٍ. والتَّحْقِيقُ خِلافُهُ، وأنَّهُ يَلْزَمُهُ ما يَلْزَمُ المُتَمَتِّعَ. وَمِنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ. حَدِيثُ عائِشَةَ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وفِيهِ: «فَدَخَلَ عَلَيْنا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ: ما هَذا ؟ فَقِيلَ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أزْواجِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قالَ المَجْدُ في ”المُنْتَقى“: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى الأكْلِ مِن دَمِ القِرانِ؛ لِأنَّ عائِشَةَ كانَتْ قارِنَةً. انْتَهى مِنهُ. وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ القارِنَ عَلَيْهِ دَمٌ. واللَّهُ أعْلَمُ. وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ: ما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، عَنْ جابِرٍ بِلَفْظِ: «ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ» ومَعْلُومٌ أنَّها كانَتْ قارِنَةً، عَلى التَّحْقِيقِ فَتِلْكَ البَقَرَةُ دَمُ قِرانٍ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى لُزُومِهِ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، مِن أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن قَرَنَ بَيْنَ حَجِّهِ وعُمْرَتِهِ فَلْيُهْرِقْ دَمًا» لَمْ أعْرِفْ لَهُ أصْلًا، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ مَرْفُوعًا. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ: عَلى أنَّ القارِنَ إنْ كانَ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، أنَّهُ لا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَمَتِّعٌ أوْ في حُكْمِ المُتَمَتِّعِ، واللَّهُ يَقُولُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ . وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ. وقالَ ابْنُ الماجِشُونَ: عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أسْقَطَ الدَّمَ عَنِ المُتَمَتِّعِ، وهَذا لَيْسَ مُتَمَتِّعًا، ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ، فَإنَّنا (p-١٢٩)ذَكَرْنا أنَّهُ مُتَمَتِّعٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، فَهو مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ، ووُجُوبُ الدَّمِ عَلى القارِنِ، إنَّما كانَ بِمَعْنى النَّصِّ عَلى التَّمَتُّعِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ الفَرْعُ أصْلَهُ. انْتَهى مِنهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّ القارِنَ كالمُتَمَتِّعِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما إنْ كانَ مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، لا دَمَ عَلَيْهِ، وذَكَرَ صاحِبُ ”المُغْنِي“ أنَّ ابْنَ الماجِشُونِ خالَفَ في ذَلِكَ، وقالَ: عَلَيْهِ دَمٌ، ولَهُ وجْهٌ قَوِيٌّ مِنَ النَّظَرِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: أنَّهُ يَكْفِيهِ طَوافٌ واحِدٌ وسَعْيٌ واحِدٌ لِحَجِّهِ وعُمْرَتِهِ. فَقَدِ انْتَفَعَ بِإسْقاطِ عَمَلِ أحَدِ النُّسُكَيْنِ، ولُزُومُ الدَّمِ في مُقابِلِ ذَلِكَ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ كَما تَرى. وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: قالَ أصْحابُنا: ولا يَجِبُ عَلى حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ دَمُ القِرانِ، كَما لا يَجِبُ عَلى المُتَمَتِّعِ، هَذا هو المَذْهَبُ، وبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ. وحَكى الحَنّاطِيُّ والرّافِعِيُّ وجْهًا: أنَّهُ يَلْزَمُهُ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وهَذا الوَجْهُ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ هو قَوْلُ ابْنِ الماجِشُونِ مِنَ المالِكِيَّةِ، كَما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“، ومَذْهَبُ مالِكٍ، وأصْحابِهِ، كَمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، في أنَّ القارِنَ إنْ كانَ مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، لا دَمَ عَلَيْهِ، وحاضِرُوا المَسْجِدِ عِنْدَ مالِكٍ وأصْحابِهِ أهْلُ مَكَّةَ، وذِي طَوًى. قالَ الشَّيْخُ الحَطّابُ في شَرْحِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ: وشَرْطُ دَمِهِما عَدَمُ إقامَتِهِ بِمَكَّةَ أوْ ذِي طُوًى. . . إلَخْ، ما نَصُّهُ: وذُو طُوًى هو ما بَيْنَ الثَّنِيَّةِ الَّتِي يَهْبِطُ مِنها إلى مَقْبَرَةِ مَكَّةَ المُسَمّاةِ بِالمَعْلاةِ، والثَّنِيَّةُ الأُخْرى الَّتِي إلى جِهَةِ الزّاهِرِ وتُسَمّى عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ بَيْنَ الحَجُونَيْنِ انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ، وأصْحابِهِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ ونَحْوَهم مِمَّنْ دُونَ المِيقاتَ: لا تُشْرَعُ لَهُمُ العُمْرَةَ أصْلًا فَلا تَمَتُّعَ لَهم ولا قِرانَ، بِناءً عَلى رُجُوعِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ لِنَفْسِ التَّمَتُّعِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، مَعَ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهم إنْ تَمَتَّعُوا أوْ قَرَنُوا أساءُوا وانْعَقَدَ إحْرامُهم، ولَزِمَهم دَمُ الجَبْرِ، وهَذا الدَّمُ عِنْدَهم دَمُ جِنايَةٍ لا يَأْكُلُ صاحِبُهُ مِنهُ، بِخِلافِ دَمِ التَّمَتُّعِ والقِرانِ مِن غَيْرِ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، فَهو عِنْدَهم دَمُ نُسُكٍ، يَجُوزُ لِصاحِبِهِ الأكْلُ مِنهُ، ونَقَلَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ لا مُتْعَةَ لَهم. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ رَأْيُ البُخارِيِّ. واعْلَمْ أنّا قَدَّمْنا أنَّ مِن شُرُوطِ وُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ: ألّا يَرْجِعَ بَعْدَ العُمْرَةِ إلى بَلَدِهِ أوْ مَسافَةِ مِثْلِهِ، أوْ يُسافِرَ مَسافَةَ القَصْرِ عَلى ما بَيَّنّا هُناكَ مِن أقْوالِ الأئِمَّةِ في ذَلِكَ، وأرَدْنا أنْ (p-١٣٠)نَذْكُرَ هُنا حُكْمَ القارِنِ إذا أتى بِأفْعالِ العُمْرَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى بَلَدِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِن عامِهِ، أوْ سافَرَ مَسافَةَ القَصْرِ، ثُمَّ أحْرَمَ بِالحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِذَلِكَ كالتَّمَتُّعِ أوْ لا ؟ . ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الدَّمَ لا يَسْقُطُ عَنْهُ بِرُجُوعِهِ إلى بَلَدِهِ بَعْدَ إتْيانِهِ بِأفْعالِ العُمْرَةِ، إنْ رَجَعَ وحَجَّ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَزَلْ قارِنًا. وَقالَ صاحِبُ ”الإنْصافِ“ في الكَلامِ عَلى القارِنِ: لا يَلْزَمُ الدَّمُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، كَما قالَ المُصَنِّفُ: وقالَهُ في الفُرُوعِ وغَيْرِهِ، وقالَ: والقِياسُ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مَن سافَرَ سَفَرَ قَصْرٍ أوْ إلى المِيقاتِ، إنْ قُلْنا بِهِ، كَظاهِرِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وكَلامُهم يَقْتَضِي لُزُومَهُ؛ لِأنَّ اسْمَ القِرانِ باقٍ بَعْدِ السَّفَرِ، بِخِلافِ التَّمَتُّعِ انْتَهَـى مِنهُ. وَحاصِلُ كَلامِهِ أنَّ ظاهِرَ كَلامِ الحَنابِلَةِ أنَّ السَّفَرَ بَعْدَ وُصُولِ مَكَّةَ، لا يُسْقِطُ دَمَ القِرانِ، وأنَّ مُقْتَضى القِياسِ أنَّهُ يُسْقِطُهُ إلْحاقًا لَهُ بِالتَّمَتُّعِ، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: لَوْ دَخَلَ القارِنُ مَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، ثُمَّ عادَ إلى المِيقاتِ، فالمَذْهَبُ: أنَّهُ لا دَمَ عَلَيْهِ في الإمْلاءِ، وقَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ أوِ الأكْثَرُونَ، وصَحَّحَهُ الحَنّاطِيُّ وآخَرُونَ. وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: إنْ قُلْنا المُتَمَتِّعُ إذا أحْرَمَ بِالحَجِّ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ لا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ فَهُنا أوْلى، وإلّا فَوَجْهانِ: والفَرْقُ أنَّ اسْمَ القِرانِ لا يَزُولُ بِالعَوْدِ، بِخِلافِ التَّمَتُّعِ، ولَوْ أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ مِنَ المِيقاتِ، ودَخَلَ مَكَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المِيقاتِ قَبْلَ طَوافِهِ فَأحْرَمَ بِالحَجِّ، فَهو قارِنٌ. قالَ الدّارِمِيُّ في آخِرِ بابِ الفَواتِ: إنْ قُلْنا إذا أحْرَمَ بِهِما جَمِيعًا، ثُمَّ رَجَعَ سَقَطَ الدَّمُ فَهُنا أوْلى، وإلّا فَوَجْهانِ. انْتَهى مِنهُ. وَظاهِرُ كَلامِ خَلِيلٍ في مُخْتَصَرِهِ المالِكِيِّ أنَّ السَّفَرَ لا يُسْقِطُ دَمَ القِرانِ والحاصِلُ: أنّا بَيَّنّا اخْتِلافَ أهْلِ العِلْمِ في السَّفَرِ بَعْدَ أفْعالِ العُمْرَةِ أوْ بَعْدَ دُخُولِ مَكَّةَ، هَلْ يُسْقِطُ دَمَ القِرانِ أوْ لا ؟ وبَيَّنّا قَوْلَ صاحِبِ ”الإنْصافِ“ أنَّ سُقُوطَهُ بِالسَّفَرِ، هو مُقْتَضى قِياسِهِ عَلى التَّمَتُّعِ. وَأقْرَبُ الأقْوالِ عِنْدِي لِلصَّوابِ أنَّ دَمَ القِرانِ لا يُسْقِطُهُ السَّفَرُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الأحْوَطَ عِنْدَنا أنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ لا يُسْقِطُهُ السَّفَرُ؛ لِتَصْرِيحِ القُرْآنِ بِوُجُوبِ الهَدْيِ عَلى المُتَمَتِّعِ، وعَدَمِ صَراحَةِ الآيَةِ في سُقُوطِهِ بِالسَّفَرِ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ لُزُومَ الدَّمِ لِلْقارِنِ الَّذِي هو مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّهُ اكْتَفى عَنِ النُّسُكَيْنِ بِعَمَلِ أحَدِهِما عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، كَما تَقَدَّمَ. (p-١٣١)وَأظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدَنا أنَّ المَكِّيَّ إذا أرادَ الإحْرامَ بِالقِرانِ، أحْرَمَ بِهِ مِن مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ يَخْرُجُ في حَجِّهِ إلى عَرَفَةَ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الحِلِّ والحَرَمِ، خِلافًا لِمَن قالَ: يَلْزَمُ المَكِّيَّ إنْشاءُ إحْرامِهِ مِن أدْنى الحِلِّ وكَذَلِكَ الآفاقِيُّ، إذا كانَ في مَكَّةَ، وأرادَ أنْ يُحْرِمَ قارِنًا، فالأظْهَرُ أنَّهُ يُحْرِمُ بِالقِرانِ مِن مَكَّةَ، خِلافًا لِمَن قالَ: يُحْرِمُ بِهِ مِن أدْنى الحِلِّ لِما بَيَّنّا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * وَإذا عَرَفْتَ الشُّرُوطَ الَّتِي بِها يَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ والقِرانِ، فاعْلَمْ أنا أرَدْنا هُنا أنْ نُبَيِّنَ ما يُجْزِئُ فِيهِ، فالتَّحْقِيقُ أنَّهُ ما تَيَسَّرَ مِنَ الهَدْيِ، وأقَلُّهُ شاةٌ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً، وأعْلاهُ بَدَنَةٌ، وأوْسَطُهُ بَقَرَةٌ، والتَّحْقِيقُ أنَّ سُبْعَ بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ يَكْفِي، فَلَوِ اشْتَرَكَ سَبْعَةٌ مِنَ المُتَمَتِّعِينَ في بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ وذَبَحُوها أجْزَأتْ عَنْهم، لِلنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ؛ كَحَدِيثِ جابِرٍ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنّا في بَدَنَةٍ» وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ قالَ: ”«اشْتَرَكْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الحَجِّ والعُمْرَةِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنّا في بَدَنَةٍ“، فَقالَ رَجُلٌ لِجابِرٍ: أيُشْتَرَكُ في البَقَرَةِ ما يُشْتَرَكُ في الجَزُورِ ؟ فَقالَ: ما هي إلّا مِنَ البُدْنِ» . قالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا مالِكٌ (ح)، وحَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى. واللَّفْظُ لَهُ، قالَ: قَرَأْتُ عَلى مالِكٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «نَحَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» . وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنّا في بَدَنَةٍ» وفي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: «حَجَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَحَرْنا البَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» . وفي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «اشْتَرَكْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، كُلُّ سَبْعَةٍ في بَدَنَةٍ ”فَقالَ رَجُلٌ لِجابِرٍ: أيُشْتَرَكُ في البَدَنَةِ ما يُشْتَرَكُ في الجَزُورِ ؟ قالَ: ما هي إلّا مِنَ البُدْنِ»، وحَضَرَ جابِرٌ الحُدَيْبِيَةَ، قالَ:“ نَحَرْنا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَةً اشْتَرَكْنا كُلُّ سَبْعَةٍ في بَدَنَةٍ ”. وفي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ، وهو يُحَدِّثُ عَنْ حُجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“ «فَأمَرَنا إذا أحْلَلْنا أنْ نُهْدِيَ ويَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنّا في الهَدِيَّةِ»؛ وذَلِكَ حِينَ أمَرَهم أنَّ يُحِلُّوا مِن حَجِّهِمْ في هَذا الحَدِيثِ. وفي لَفْظٍ لَهُ عَنْهُ أيْضًا قالَ: «كُنّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَذْبَحُ البَقَرَةَ، عَنْ سَبْعَةٍ نَشْتَرِكُ فِيها» . انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَهَذِهِ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ: عَلى أنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ يَكْفِي فِيهِ الِاشْتِراكُ بِالسَّبْعِ في بَدَنَةٍ، أوْ بَقَرَةٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ داخِلٌ فِيما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ. أمّا الشّاةُ والبَدَنَةُ كامِلَةً (p-١٣٢)فَإجْزاءُ كُلٍّ مِنهُما لا إشْكالَ فِيهِ. وقالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ مَنصُورٍ، أخْبَرَنا النَّضْرُ، أخْبَرَنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنا أبُو جَمْرَةَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَنِ المُتْعَةِ ؟ فَأمَرَنِي بِها، وسَألْتُهُ عَنِ الهَدْيِ فَقالَ: فِيها جَزُورٌ أوْ بَقَرَةٌ، أوْ شاةٌ، أوْ شِرْكٌ في دَمٍ. الحَدِيثَ. فَقَوْلُهُ: أوْ شِرْكٌ في دَمٍ: يَعْنِي بِهِ ما بَيَّنَتْهُ الرِّواياتُ المَذْكُورَةُ الصَّحِيحَةُ. عَنْ جابِرٍ أنَّ البَدَنَةَ والبَقَرَةَ كِلْتاهُما تَكْفِي عَنْ سَبْعَةٍ مِنَ المُتَمَتِّعِينَ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ هَذا الحَدِيثِ: وهَذا مُوافِقٌ لِما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ جابِرٍ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ فَأمَرَنا أنْ نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنّا في بَدَنَةٍ»، ثُمَّ قالَ وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ والجُمْهُورُ، سَواءٌ كانَ الهَدْيُ تَطَوُّعًا أوْ واجِبًا، وسَواءٌ كانُوا كُلُّهم مُتَقَرِّبِينَ بِذَلِكَ، أوْ كانَ بَعْضُهم يُرِيدُ التَّقَرُّبَ، وبَعْضُهم يُرِيدُ اللَّحْمَ. وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: يُشْتَرَطُ في الِاشْتِراطِ أنْ يَكُونُوا كُلُّهم مُتَقَرِّبِينَ بِالهَدْيِ، وعَنْ زُفَرَ مِثْلُهُ بِزِيادَةٍ: أنْ تَكُونَ أسْبابُهم واحِدَةً، وعَنْ داوُدَ وبَعْضِ المالِكِيَّةِ: يَجُوزُ في هَدْيِ التَّطَوُّعِ، دُونَ الواجِبِ، وعَنْ مالِكٍ: لا يَجُوزُ مُطْلَقًا انْتَهى مِنهُ. والتَّحْقِيقُ أنَّ سُبْعَ البَدَنَةِ وسُبْعَ البَقَرَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقُومُ مَقامَ الشّاةِ، ويَدْخُلُ في عُمُومِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، والرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنا حُجَّةٌ عَلى كُلِّ مَن خالَفَ ذَلِكَ كَمالِكٍ ومَن وافَقَهُ، وما احْتَجَّ بِهِ إسْماعِيلُ القاضِي لِمالِكٍ، مِن أنَّ الِاشْتِراكَ في الهَدْيِ، لا يَصِحُّ مِن أنَّ حَدِيثَ جابِرٍ، إنَّما كانَ بِالحُدَيْبِيَةِ، حَيْثُ كانُوا مُحْصَرِينَ. وأنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ خالَفَ فِيهِ أبُو جَمْرَةَ عَنْهُ ثِقاتِ أصْحابِهِ، فَرَوَوْا عَنْهُ أنَّ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ: شاةٌ، ثُمَّ ساقَ ذَلِكَ عَنْهم بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ مَرْدُودَةٍ. أمّا دَعْوى أنَّ حَدِيثَ جابِرٍ إنَّما كانَ بِالحُدَيْبِيَةِ، حَيْثُ كانُوا مُحْصَرِينَ، فَهي مَرْدُودَةٌ، بِما ثَبَتَ في الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ في مُسْلِمٍ الَّتِي سُقْناها بِألْفاظِها: أنَّهُمُ اشْتَرَكُوا الِاشْتِراكَ المَذْكُورَ مَعَهُ ﷺ أيْضًا في حَجِّهِ، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِحَجِّهِ حَجَّةُ الوَداعِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الهِجْرَةِ حَجَّةً غَيْرَها. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، عِنْدَ مُسْلِمٍ الَّتِي سُقْناها بِألْفاظِها آنِفًا التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ الِاشْتِراكِ في الحَجَّةِ المَذْكُورَةِ، كَما هو واضِحٌ مِن ألْفاظِ مُسْلِمٍ الَّتِي ذَكَرْناها. وأمّا دَعْوى مُخالَفَةِ أبِي جَمْرَةَ في ذِكْرِهِ الِاشْتِراكَ المَذْكُورَ ثِقاتِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَهي مَرْدُودَةٌ أيْضًا، بِما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“، حَيْثُ قالَ: ولَيْسَ بَيْنَ رِوايَةِ أبِي جَمْرَةَ، ورِوايَةِ غَيْرِهِ مُنافاةٌ؛ لِأنَّهُ زادَ عَلَيْهِمْ ذِكْرَ الِاشْتِراكِ، ووافَقَهم عَلى ذِكْرِ الشّاةِ، وإنَّما أرادَ ابْنُ عَبّاسٍ بِالِاقْتِصارِ عَلى الشّاةِ الرَّدَّ عَلى مَن زَعَمَ اخْتِصاصَ الهَدْيِ بِالإبِلِ والبَقَرِ. وذَلِكَ واضِحٌ فِيما سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذا، إلى (p-١٣٣)أنْ قالَ: وبِهَذا تَجْتَمِعُ الأخْبارُ، وهو أوْلى مِنَ الطَّعْنِ في رِوايَةِ مَن أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى تَوْثِيقِهِ، وهو أبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ لا يَرى التَّشْرِيكَ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لَمّا بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ، وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ رُجُوعَ ابْنِ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ، عَنْ أحْمَدَ بِسَنَدِهِ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَأظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي أنَّ البَدَنَةَ لا تُجْزِئُ عَنْ أكْثَرِ مِن سَبْعَةٍ، وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ: أنَّها تُجْزِئُ عَنْ عَشَرَةٍ. قالَ: وبِهِ قالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ مِنَ الشّافِعِيَّةِ. واحْتَجَّ لِذَلِكَ في صَحِيحِهِ، وقَوّاهُ واحْتَجَّ لَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِحَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أنَّهُ ﷺ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ»، الحَدِيثَ. وهو في الصَّحِيحَيْنِ. وَأجْمَعُوا عَلى أنَّ الشّاةَ: لا يَصِحُّ الِاشْتِراكُ فِيها، وقَوْلُهُ: ”أوْ شاةٌ“ هو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ. ورَواهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْهم، ورُوِيا بِإسْنادٍ قَوِيٍّ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عائِشَةَ، وابْنِ عُمَرَ: أنَّهُما كانا لا يَرَيانِ ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾: إلّا مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، ووافَقَهُما القاسِمُ، وطائِفَةٌ. قالَ إسْماعِيلُ القاضِي في الأحْكامِ لَهُ: أظُنُّ أنَّهم ذَهَبُوا إلى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] فَذَهَبُوا إلى تَخْصِيصِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ البُدْنِ، قالَ: ويَرُدُّ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ في الظَّبْيِ شاةٌ، فَوَقَعَ عَلَيْها اسْمُ هَدْيٍ. قُلْتُ: قَدِ احْتَجَّ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَأخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الهَدْيُ شاةٌ. فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: أنا أقْرَأُ عَلَيْكم مِن كِتابِ اللَّهِ ما تُقِرُّونَ بِهِ، ما في الظَّبْيِ ؟ قالُوا: شاةٌ، قالَ: فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ . اهـ مِن فَتْحِ البارِي. وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: أنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «أهْدى ﷺ مَرَّةً غَنَمًا»، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ عَنْها صَرِيحٌ في تَسْمِيَةِ الغَنَمِ هَدْيًا كَما تَرى. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ هو الصَّوابُ في هَدْيِ التَّمَتُّعِ، الَّذِي نَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ عَلى أنَّهُ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ: أنَّهُ شاةٌ، أوْ بَدَنَةٌ، أوْ بَقَرَةٌ. ويَكْفِي في ذَلِكَ سُبْعُ البَدَنَةِ وسُبْعُ البَقَرَةِ، عَنِ المُتَمَتِّعِ الواحِدِ، وتَكْفِي البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةِ مُتَمَتِّعِينَ لِثُبُوتِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ بِذَلِكَ، ولَمْ يَقُمْ مِن كِتابِ اللَّهِ، ولا سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ نَصٌّ (p-١٣٤)صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ يُقاوِمُها، ورِوايَةُ جابِرٍ أنَّ البَدَنَةَ تَكْفِي في الهَدْيِ، عَنْ سَبْعَةٍ أخَصُّ في مَحَلِّ النِّزاعِ مِن حَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «أنَّهُ ﷺ جَعَلَ البَعِيرَ في القِسْمَةِ يَعْدِلُ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ»؛ لِأنَّ هَذا في القِسْمَةِ، وحَدِيثُ جابِرٍ في خُصُوصِ الهَدْيِ، والأخَصُّ في مَحَلِّ النِّزاعِ مُقَدَّمٌ عَلى الأعَمِّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَمِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“ في شَرْحِ حَدِيثِ رافِعٍ المَذْكُورِ، وقَدْ أوْرَدَهُ البُخارِيُّ في كِتابِ الذَّبائِحِ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ بِلَفْظٍ، قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ فَأصَبْنا إبِلًا وغَنَمًا، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ في أُخْرَياتِ النّاسِ فَعَجَّلُوا فَنَصَبُوا القُدُورَ، فَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِمْ فَأمَرَ بِالقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَّمَ فَعَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ فَنَّدَ مِنها بَعِيرٌ»، الحَدِيثَ. وَنَصُّ كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ في هَذا الحَدِيثِ: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ هَذا كانَ قِيمَةَ الغَنَمِ إذْ ذاكَ، فَلَعَلَّ الإبِلَ كانَتْ قَلِيلَةً، أوْ نَفِيسَةً، والغَنَمُ كانَتْ كَثِيرَةً، أوْ هَزِيلَةً بِحَيْثُ كانَتْ قِيمَةُ البَعِيرِ عَشْرَ شِياهٍ، ولا يُخالِفُ ذَلِكَ القاعِدَةَ في الأضاحِيِّ، مِن أنَّ البَعِيرَ يُجْزِئُ عَنْ سَبْعِ شِياهٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الغالِبُ في قِيمَةِ الشّاةِ والبَعِيرِ المُعْتَدِلَيْنِ. وأمّا هَذِهِ القِسْمَةُ، فَكانَتْ واقِعَةَ عَيْنٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّعْدِيلُ لِما ذُكِرَ مِن نَفاسَةِ الإبِلِ، دُونَ الغَنَمِ. وَحَدِيثُ جابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ صَرِيحٌ في الحُكْمِ، حَيْثُ قالَ فِيهِ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَشْتَرِكَ في الإبِلِ والبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنّا في بَدَنَةٍ» والبَدَنَةُ تُطْلَقُ عَلى النّاقَةِ، والبَقَرَةِ. وَأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ فَحَضَرَ الأضْحى فاشْتَرَكْنا في البَقَرَةِ تِسْعَةٌ، وفي البَدَنَةِ عَشَرَةٌ» فَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وعَضَّدَهُ بِحَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ هَذا. والَّذِي يَتَحَرَّرُ في هَذا أنَّ الأصْلَ أنَّ البَعِيرَ بِسَبْعٍ ما لَمْ يَعْرِضْ عارِضٌ مِن نَفاسَةٍ، ونَحْوِها، فَيَتَغَيَّرُ الحُكْمُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وبِهَذا تَجْتَمِعُ الأخْبارُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ، ثُمَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ القِسْمَةِ المَذْكُورَةِ، أنَّها وقَعَتْ فِيما عَدا ما طُبِخَ وأُرِيقَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ، الَّتِي كانُوا غَنِمُوها، ويُحْتَمَلُ إنْ كانَتِ الواقِعَةُ تَعَدَّدَتْ أنْ تَكُونَ القِصَّةُ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَبّاسٍ، أُتْلِفَ فِيها اللَّحْمُ لِكَوْنِهِ كانَ قُطِّعَ لِلطَّبْخِ، والقِصَّةُ الَّتِي في حَدِيثِ رافِعٍ طُبِخَتِ الشِّياهُ صِحاحًا مَثَلًا، فَلَمّا أُرِيقَ مَرَقُها ضُمَّتْ إلى الغَنَمِ لِتُقَسَّمَ، ثُمَّ يَطْبُخُها مَن وقَعَتْ في سَهْمِهِ، ولَعَلَّ هَذا هو النُّكْتَةُ في انْحِطاطِ قِيمَةِ الشِّياهِ، عَنِ العادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ. (p-١٣٥)وَكَوْنُ اللَّحْمِ رُدَّ لِيَطْبُخَهُ مَن وقَعَ في سَهْمِهِ مَرَّةً أُخْرى، غَيْرُ ظاهِرٍ عِنْدِي، واللَّهُ أعْلَمُ. وَحَدِيثُ رافِعٍ المَذْكُورُ: أخْرَجَهُ أيْضًا مُسْلِمٌ في كِتابِ: الصَّيْدِ والذَّبائِحِ، ولَفْظُ المُرادِ مِنهُ عَنْ رافِعٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ مِن تِهامَةَ فَأصَبْنا غَنَمًا وإبِلًا فَعَجِلَ القَوْمُ فَأغْلُوا بِها القُدُورَ فَأمَرَ بِها فَكُفِئَتْ، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ» . والحاصِلُ أنَّ أخَصَّ شَيْءٍ في مَحَلِّ النِّزاعِ وأصْرَحَهُ فِيهِ، وأوْضَحَهُ فِيهِ حَدِيثُ جابِرٍ، الَّذِي ذَكَرْنا رِوايَتَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ. أمّا حَدِيثُ رافِعٍ، فَهو في قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ لا في الهَدْيِ. وأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَظاهِرُهُ أنَّهُ في الضَّحايا، وعَلى كُلِّ حالٍ: فَحَدِيثُ جابِرٍ أصَحُّ مِنهُ، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُتَمَتِّعَ يَكْفِيهِ سُبْعُ بَدَنَةٍ، وأنَّ النَّصَّ الصَّرِيحَ الوارِدَ بِذَلِكَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ، عَلى أنَّهُ يَكْفِيهِ عُشْرُ بَدَنَةٍ، وقَدْ رَأيْتُ أدِلَّةَ القَوْلَيْنِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

الحج 22:29

فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ الفَرْعُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في أنَّ جَمِيعَ السَّنَةِ وقْتٌ لِلْعُمْرَةِ إلّا أيّامَ التَّشْرِيقِ. فَلا تَنْبَغِي العُمْرَةُ فِيها حَتّى تَغْرُبَ شَمْسُ اليَوْمِ الرّابِعَ عَشَرَ، عَلى ما قالَهُ جَمْعٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. (p-٢٣٣)الفَرْعُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّ «عُمْرَةً في رَمَضانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» . وفي بَعْضِ رِواياتِ الحَدِيثِ في الصَّحِيحِ: ”حَجَّةً مَعِي“ . الفَرْعُ الثّالِثُ: اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ في رَجَبٍ بَعْدَ الهِجْرَةِ قَطْعًا، وأنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الهِجْرَةِ، إلّا أرْبَعَ عُمَرٍ. الأُولى: عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القَعْدَةِ، مِن عامِ سِتٍّ، وصَدَّهُ المُشْرِكُونَ، وأحَلَّ ونَحَرَ مِن غَيْرِ طَوافٍ ولا سَعْيٍ، كَما هو مَعْلُومٌ. الثّانِيَةُ: عُمْرَةُ القَضاءِ في ذِي القَعْدَةِ، عامَ سَبْعٍ: وهي الَّتِي وقَعَ عَلَيْها صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ. وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ وجْهَ تَسْمِيَتِها عُمْرَةَ القَضاءِ وأوْضَحْناهُ. الثّالِثَةُ: عُمْرَةُ الجِعْرانَةِ في ذِي القَعْدَةِ مِن عامِ ثَمانٍ، بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ في رَمَضانَ عامَ ثَمانٍ. الرّابِعَةُ: العُمْرَةُ الَّتِي قَرَنَها، مَعَ حَجَّةِ الوَداعِ. هَذا هو التَّحْقِيقُ. وَقَدْ قَدَّمْنا الإشارَةَ إلَيْهِ ولْنَكْتَفِ هُنا بِما ذَكَرْناهُ مِن أحْكامِ العُمْرَةِ؛ لِأنَّ غالِبَ أحْكامِها ذَكَرْناهُ في أثْناءِ كَلامِنا عَلى مَسائِلِ الحَجِّ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] . صِيغَةُ الأمْرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الإيفاءِ بِالنَّذْرِ، كَما قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ تَقْتَضِي الوُجُوبَ، عَلى الأصَحِّ، إلّا لِدَلِيلٍ صارِفٍ عَنْهُ. وَمِمّا يَدُلُّ مِنَ القُرْآنِ عَلى لُزُومِ الإيفاءِ بِالنَّذْرِ: أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى أنَّهُ هو، والخَوْفُ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، مِن أسْبابِ الشُّرْبِ مِنَ الكَأْسِ المَمْزُوجَةِ بِالكافُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٦]، ثُمَّ أشارَ إلى بَعْضِ أسْبابِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، فالوَفاءُ بِالنَّذْرِ مَمْدُوحٌ عَلى كُلِّ حالٍ، وإنْ كانَتْ آيَةُ الإنْسانِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً في وُجُوبِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٧٠] . وقَدْ بَيَّنّا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ البَيانَ بِالقُرْآنِ، إنْ لَمْ يَكُنْ وافِيًا بِالمَقْصُودِ أتْمَمْناهُ بِالبَيانِ بِالسُّنَّةِ. ولِذَلِكَ سَنُبَيِّنُ هُنا ما تَقْتَضِيهِ السُّنَّةُ مِنَ النَّذْرِ الَّذِي يَجِبُ الإيفاءُ بِهِ، والَّذِي لا يَجِبُ الإيفاءُ بِهِ. اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ الأمْرَ المَنذُورَ لَهُ في الجُمْلَةِ حالَتانِ: الأُولى: أنْ يَكُونَ فِيهِ طاعَةٌ لِلَّهِ. (p-٢٣٤)والثّانِيَةُ: ألّا يَكُونَ فِيهِ طاعَةٌ لِلَّهِ، وهَذا الأخِيرُ مُنْقَسِمٌ إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: ما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ. والثّانِي: ما لَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ في ذاتِهِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ الطّاعَةِ كالمُباحِ الَّذِي لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ. والَّذِي يَجِبُ اعْتِمادُهُ بِالدَّلِيلِ في الأقْسامِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ أنَّ المَنذُورَ إنْ كانَ طاعَةً لِلَّهِ، وجَبَ الإيفاءُ بِهِ، سَواءً كانَ في نَدْبٍ كالَّذِي يَنْذُرُ صَدَقَةً بِدَراهِمَ عَلى الفُقَراءِ، أوْ يَنْذُرُ ذَبْحَ هَدْيٍ تَطَوُّعًا أوْ صَوْمَ أيّامٍ تَطَوُّعًا، ونَحْوَ ذَلِكَ. فَإنَّ هَذا ونَحْوَهُ، يَجِبُ بِالنَّذْرِ، ويَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ. وكَذَلِكَ الواجِبُ إنْ تَعَلَّقَ النَّذْرُ بِوَصْفٍ، كالَّذِي يَنْذُرُ أنْ يُؤَدِّيَ الصَّلاةَ في أوَّلِ وقْتِها، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الإيفاءُ بِذَلِكَ. أمّا لَوْ نَذَرَ الواجِبَ كالصَّلَواتِ الخَمْسِ، وصَوْمِ رَمَضانَ، فَلا أثَرَ لِنَذْرِهِ؛ لَأنَّ إيجابَ اللَّهِ لِذَلِكَ أعْظَمُ مِن إيجابِهِ بِالنَّذْرِ، وإنْ كانَ المَنذُورُ مَعْصِيَةً لِلَّهِ: فَلا يَجُوزُ الوَفاءُ بِهِ، وإنْ كانَ جائِزًا لا نَهْيَ فِيهِ، ولا أمْرَ فَلا يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ. أمّا الدَّلِيلُ عَلى وُجُوبِ الإيفاءِ في نَذْرِ الطّاعَةِ وعَلى مَنعِهِ في نَذْرِ المَعْصِيَةِ فَهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ثَبَتَ عَنْهُ ذَلِكَ. قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنا مالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، عَنِ القاسِمِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» اهـ. وهو ظاهِرٌ في وُجُوبِ الإيفاءِ بِنَذْرِ الطّاعَةِ، ومَنعِ الإيفاءِ بِنَذْرِ المَعْصِيَةِ. وَقالَ البُخارِيُّ أيْضًا: حَدَّثَنا أبُو عاصِمٍ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، إلى آخِرِ الإسْنادِ والمَتْنِ المَذْكُورَيْنِ آنِفًا. وَإذا عَلِمْتَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ الصَّحِيحَ، قَدْ دَلَّ عَلى لُزُومِ الإيفاءِ بِنَذْرِ الطّاعَةِ، ومَنعِهِ في نَذْرِ المَعْصِيَةِ. فاعْلَمْ أنَّ الدَّلِيلَ عَلى عَدَمِ الإيفاءِ بِنَذْرِ الأمْرِ الجائِزِ: هو أنَّهُ ثَبَتَ أيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، حَدَّثَنا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنا أيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إذْ هو بَرَجُلٍ قائِمٍ، فَسَألَ عَنْهُ فَقالُوا: أبُو إسْرائِيلَ نَذَرَ أنْ يَقُومَ ولا يَقْعُدَ، ولا يَسْتَظِلَّ ولا يَتَكَلَّمَ، ويَصُومَ، (p-٢٣٥)فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، ولْيَسْتَظِلَّ ولْيَقْعُدْ، ولْيُتِمَّ صَوْمَهُ» انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ ما كانَ مِن نَذْرِهِ مِن جِنْسِ الطّاعَةِ، وهو الصَّوْمُ أمَرَهُ ﷺ بِإتْمامِهِ، وفاءً بِنَذْرِهِ وما كانَ مِن نَذْرِهِ مُباحًا لا طاعَةً، كَتَرْكِ الكَلامِ، وتَرْكِ القُعُودِ، وتَرْكِ الِاسْتِظْلالِ، أمَرَهُ بِعَدَمِ الوَفاءِ بِهِ، وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ لا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ. واعْلَمْ أنّا لَمْ نَذْكُرْ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ هُنا لِلِاخْتِصارِ، ولِوُجُودِ الدَّلِيلِ الصَّحِيحِ مِنَ السُّنَّةِ عَلى ما ذَكَرْنا. * * فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ الفَرْعُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا نَذْرَ لِشَخْصٍ في التَّقَرُّبِ بِشَيْءٍ لا يَمْلِكُهُ، وقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ واللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ قالا: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ، حَدَّثَنا أيُّوبُ، عَنْ أبِي قِلابَةَ، عَنْ أبِي المُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «كانَتْ ثَقِيفُ حُلَفاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ فَأسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . الحَدِيثَ بِطُولِهِ. وَفِيهِ ما نَصُّهُ: «وَأُسِرَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ، وأُصِيبَتِ العَضْباءُ فَكانَتِ المَرْأةُ في الوَثاقِ، وكانَ القَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهم بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ، فانْفَلَتَتْ ذاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الوَثاقِ، فَأتَتِ الإبِلَ، فَجَعَلَتْ إذا دَنَتْ مِنَ البَعِيرِ رَغا فَتَتْرُكُهُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى العَضْباءِ، فَلَمْ تَرْغُ قالَ: وناقَةٌ مُنَوَّقَةٌ فَقَعَدَتْ في عَجُزِها، ثُمَّ زَجَرَتْها فانْطَلَقَتْ ونَذَرُوا بِها فَطَلَبُوها، فَأعْجَزَتْهم قالَ: ونَذَرَتْ لِلَّهِ إنْ نَجّاها اللَّهُ عَلَيْها لَتَنْحَرَنَّها. فَلَمّا قَدِمَتِ المَدِينَةَ، رَآها النّاسُ فَقالُوا: العَضْباءُ ناقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَتْ: إنَّها نَذَرَتْ إنْ نَجّاها اللَّهُ عَلَيْها لَتَنْحَرَنَّها، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: ”سُبْحانَ اللَّهِ، بِئْسَما جَزَتْها نَذَرَتْ لِلَّهِ إنْ نَجّاها اللَّهُ عَلَيْها لَتَنْحَرَنَّها، لا وفاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةٍ، ولا فِيما لا يَمْلِكُ العَبْدُ»“، الحَدِيثَ. ومَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «وَلا فِيما لا يَمْلِكُ العَبْدُ»، وهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِيما ذَكَرْنا، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ثابِتِ بْنِ الضَّحّاكِ: أنَّهُ ﷺ قالَ: «لا وفاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ولا في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ولا فِيما لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» اهـ. قالَ الحافِظُ في ”بُلُوغِ المَرامِ“: رَواهُ أبُو داوُدَ والطَّبَرانِيُّ، واللَّفْظُ لَهُ، وهو صَحِيحُ الإسْنادِ، ولَهُ شاهِدٌ مِن حَدِيثِ كَرَدْمٍ عِنْدَ أحْمَدَ. * * (p-٢٣٦)الفَرْعُ الثّانِي: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَذَرَ نَذْرًا لا يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ، هَلْ تَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، أوْ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ؟ وحُجَّةُ مَن قالَ: لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ: هو حَدِيثُ نَذْرِ أبِي إسْرائِيلَ، أنَّهُ لا يَقْعُدُ ولا يَتَكَلَّمُ، ولا يَسْتَظِلُّ، وقَدْ أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَذْكُورِ آنِفًا: أنَّهُ لا يَفِي بِهَذا النَّذْرِ، ولَمْ يَقُلْ لَهُ إنَّ عَلَيْهِ كَفّارَةَ يَمِينٍ. وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، مُوَضَّحًا. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ القُرْطُبِيَّ قالَ في قِصَّةِ أبِي إسْرائِيلَ: هَذِهِ أوْضَحُ الحُجَجِ لِلْجُمْهُورِ في عَدَمِ وُجُوبِ الكَفّارَةِ، عَلى مَن نَذَرَ مَعْصِيَةً، أوْ ما لا طاعَةَ فِيهِ. فَقَدْ قالَ مالِكٌ لَمّا ذَكَرَهُ: ولَمْ أسْمَعْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَهُ بِالكَفّارَةِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ النَّذْرَ الَّذِي لا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ تَجِبُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِما رَواهُ مُسْلِمٌ، في صَحِيحِهِ: وحَدَّثَنِي هارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ، ويُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى، وأحْمَدُ بْنُ عِيسى، قالَ يُونُسَ: أخْبَرَنا وقالَ الآخَرانِ: حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ، أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحارِثِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِماسَةَ، عَنْ أبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كَفّارَةُ النَّذْرِ كَفّارَةُ اليَمِينِ» اهـ، وظاهِرُهُ شُمُولُهُ لِلنَّذْرِ الَّذِي لا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِهِ، فَحَمَلَهُ جُمْهُورُ أصْحابِنا عَلى نَذْرِ اللَّجاجِ، وهو أنْ يَقُولَ إنْسانٌ يُرِيدُ الِامْتِناعَ مِن كَلامِ زِيدٍ مَثَلًا: إنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا مَثَلًا، فَلِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ، أوْ غَيْرُها، فَيُكَلِّمُهُ فَهو بِالخِيارِ بَيْنَ كَفّارَةِ يَمِينٍ، وبَيْنَ ما التَزَمَهُ. هَذا هو الصَّحِيحُ في مَذْهَبِنا، وحَمَلَهُ مالِكٌ وكَثِيرُونَ أوِ الأكْثَرُونَ عَلى النَّذْرِ المُطْلَقِ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْرٌ، وحَمَلَهُ أحْمَدُ وبَعْضُ أصْحابِنا عَلى نَذْرِ المَعْصِيَةِ، كَمَن نَذَرَ أنْ يَشْرَبَ الخَمْرَ، وحَمَلَهُ جَماعَةٌ مِن فُقَهاءَ أصْحابِ الحَدِيثِ عَلى جَمِيعِ أنْواعِ النَّذْرِ، وقالُوا: هو مُخَيَّرٌ في جَمِيعِ المَنذُوراتِ بَيْنَ الوَفاءِ بِما التَزَمَ، وبَيْنَ كَفّارَةِ يَمِينٍ واللَّهُ أعْلَمُ اهـ كَلامُ النَّوَوِيِّ. وَلا يَخْفى بَعْدَ القَوْلِ الأخِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، فَهو أمْرٌ جازِمٌ مانِعٌ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الإيفاءِ بِهِ، وبَيْنَ شَيْءٍ آخَرَ. والأظْهَرُ عِنْدِي في مَعْنى الحَدِيثِ أنَّ مَن نَذَرَ نَذْرًا مُطْلَقًا كَأنْ يَقُولَ: عَلَيَّ لِلَّهِ نَذْرٌ، أنَّهُ تَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، لِما رَواهُ ابْنُ ماجَهْ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَفّارَةُ النَّذْرِ إذا لَمْ يُسَمَّ كَفّارَةُ يَمِينٍ»، ورَوى نَحْوَهُ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي الحَدِيثَيْنِ بَيانُ المُرادِ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ، بِأنَّ المُرادَ بِهِ: النَّذْرُ (p-٢٣٧)المُطْلَقُ الَّذِي لَمْ يُسَمِّ صاحِبُهُ ما نَذَرَهُ بَلْ أطْلَقَهُ، والبَيانُ يَجُوزُ بِكُلِّ ما يَزِيدُ الإيهامَ، كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا، والمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلى المُقَيَّدِ. وَمِمّا يُؤَيِّدُ القَوْلَ بِلُزُومِ الكَفّارَةِ في نَذْرِ اللَّجاجِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا حَرَّمَ شُرْبَ العَسَلِ عَلى نَفْسِهِ في قِصَّةِ مُمالَأةِ أزْواجِهِ عَلَيْهِ. وأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، قالَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى لُزُومِ كَفّارَةِ اليَمِينِ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: بِلُزُومِ كَفّارَةِ اليَمِينِ، عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ حَرَّمَ جارِيَتَهُ، والأقْوالُ فِيمَن حَرَّمَ زَوْجَتَهُ، أوْ جارِيَتَهُ، أوْ شَيْئًا مِنَ الحَلالِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. فَغَيْرُ الزَّوْجَةِ والأمَةِ لا يَحْرُمُ بِالتَّحْرِيمِ قَوْلًا واحِدًا، والخِلافُ في لُزُومِ كَفّارَةِ اليَمِينِ، وعَدَمِ لُزُومِها، وظاهِرُ الآيَةِ لُزُومُها، وبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: لا يَلْزَمُ فِيهِ شَيْءٌ، وهو مَذْهَبُمالِكٍ وأصْحابِهِ، أمّا تَحْرِيمُ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ أوْ جارِيَتَهُ، فَفِيهِ لِأهْلِ العِلْمِ ما يَزِيدُ عَلى ثَلاثَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا مَعْرُوفَةً في مَحَلِّها، وأجْراها عَلى القِياسِ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ لُزُومُ كَفّارَةِ الظِّهارِ؛ لِأنَّ مَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهو بِمَثابَةِ ما لَوْ قالَ لَها: أنْتِ حَرامٌ، والظِّهارُ نَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ، عَلى أنَّ فِيهِ كَفّارَتَهُ المَنصُوصَةَ في سُورَةِ ”المُجادَلَةِ“ . أمّا نَذْرُ اللَّجاجِ فَقَدْ قَدَّمْنا القَوْلَ، بِأنَّ فِيهِ كَفّارَةَ يَمِينٍ، والمُرادُ بِنَذْرِ اللَّجاجِ: النَّذْرُ الَّذِي يُرادُ بِهِ الِامْتِناعُ مِن أمْرٍ لا التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وجُمْلَتُهُ أنَّهُ إذا أخْرَجَ النَّذْرَ مَخْرَجَ اليَمِينِ، بِأنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ بِهِ شَيْئًا، أوْ يَحُثَّ بِهِ عَلى شَيْءٍ مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا، فَلِلَّهِ عَلَيَّ الحَجُّ أوْ صَدَقَةُ مالِي أوْ صَوْمُ سَنَةٍ، فَهَذا يَمِينٌ حُكْمُهُ أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الوَفاءِ بِما حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وبَيْنَ أنْ يَحْنَثَ فَيَتَخَيَّرَ بَيْنَ فِعْلِ المَنذُورِ وبَيْنَ كَفّارَةِ يَمِينٍ، ويُسَمّى نَذْرَ اللَّجاجِ، والغَضَبِ، ولا يَتَعَيَّنُ الوَفاءُ بِهِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، وحَفْصَةَ، وزَيْنَبَ بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وعِكْرِمَةُ، والقاسِمُ، والحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَرِيكٍ، والشّافِعِيُّ، والعَنْبَرِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لا شَيْءَ في الحَلِفِ بِالحَجِّ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ، والحارِثِ العُكْلِيِّ، وحَمّادٍ، والحَكَمِ: لا شَيْءَ في الحَلِفِ بِصَدَقَةِ مالِهِ؛ لِأنَّ الكَفّارَةَ إنَّما تَلْزَمُ بِالحَلِفِ بِاللَّهِ لِحُرْمَةِ الِاسْمِ، وهَذا ما حَلَفَ بِاسْمِ اللَّهِ ولا يَجِبُ ما سَمّاهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مَخْرَجَ القُرْبَةِ، وإنَّما التَزَمَهُ عَلى طَرِيقِ (p-٢٣٨)العُقُوبَةِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ: يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِنَذْرِهِ؛ لِأنَّهُ نَذْرٌ فَيَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ كَنَذْرِ البِرِّ. ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وَلَنا ما رَوى عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا نَذْرَ في غَضَبٍ وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ»، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والجَوْزَجانِيُّ في المُتَرْجِمِ. وعَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن حَلَفَ بِالمَشْيِ والهَدْيِ، أوْ جَعَلَ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ في المَساكِينِ، أوْ في رِتاجِ الكَعْبَةِ، فَكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ»، إلى أنْ قالَ: وعَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ: أنَّهُ تَتَعَيَّنُ الكَفّارَةُ، ولا يُجْزِئُهُ الوَفاءُ بِنَذْرِهِ. وهو قَوْلُ بَعْضِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّهُ يَمِينٌ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنَ ”المُغْنِي“، ورَوى أبُو داوُدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ أخَوَيْنِ مِنَ الأنْصارِ كانَ بَيْنَهُما مِيراثٌ، فَسَألَ أحَدُهُما صاحِبَهُ القِسْمَةَ فَقالَ: إنْ عُدْتَ تَسْألُنِي القِسْمَةَ، فَكُلُّ مالِي في رِتاجِ الكَعْبَةِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: إنَّ الكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مالِكِ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وكَلِّمْ أخاكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”لا يَمِينَ عَلَيْكَ ولا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، ولا في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وفِيما لا تَمْلِكُ»“، اهـ رَواهُ أبُو داوُدَ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: لَمْ يَصِحَّ سَماعُهُ مِن عُمَرَ. قالَهُ بَعْضُهم: وعَلَيْهِ فَهو مِن مَراسِيلِ سَعِيدٍ، وذَكَرَ جَماعَةٌ أنَّهُ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتا مِن خِلافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعَنْ أحْمَدَ ما يَدُلُّ عَلى سَماعِ سَعِيدٍ مِن عُمَرَ، وأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ نَقْبَلْ سَعِيدًا، عَنْ عُمَرَ، فَمَن يُقْبَلُ. والظّاهِرُ سَماعُهُ مِن عُمَرَ كَما صَدَرَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ صاحِبُ ”تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ“، وعَنْ مالِكٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ، وحَدِيثُ سَعِيدٍ المَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ: إمّا مُتَّصِلٌ، وإمّا مُرْسَلٌ مِن مَراسِيلِ سَعِيدٍ، وقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ العُلَماءِ فِيها. وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: ولَكِنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبَ لَمْ يَسْمَعْ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَهو مُنْقَطِعٌ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ مالَهُ في رِتاجِ الكَعْبَةِ إنْ كَلَّمَ ذا قَرابَةٍ. فَقالَتْ: يُكَفِّرُ عَنِ اليَمِينِ. أخْرَجَهُ مالِكٌ، والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ اهـ. ولَفْظُ مالِكٍ في ”المُوَطَّأِ“: فَقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: يُكَفِّرُهُ ما يُكَفِّرُ اليَمِينَ، ولَيْسَ في ”المُوَطَّأِ“ أنَّ فَتْواها هَذِهِ في نَذْرِ لَجاجٍ بَلِ الَّذِي فِيهِ: أنَّها سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ قالَ: مالِي في رِتاجِ الكَعْبَةِ وهو بابُها وهو بِراءٍ مَكْسُورَةٍ، فَمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَها ألِفٌ فَجِيمٌ. وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو: حاصِلُ حُجَّةِ مَن قالَ: إنَّ نَذْرَ اللَّجاجِ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وهو الأقْرَبُ عِنْدِي لِما ذَكَرْنا، خِلافًا لِمَن قالَ: لا شَيْءَ فِيهِ. وأمّا نَذْرُ المَعْصِيَةِ فَلا خِلافَ في (p-٢٣٩)أنَّهُ حَرامٌ، وأنَّ الوَفاءَ بِهِ مَمْنُوعٌ، وإنَّما الخِلافُ في لُزُومِ الكَفّارَةِ بِهِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ لا كَفّارَةَ فِيهِ، وعَنْ أحْمَدَ والثَّوْرِيِّ وإسْحاقَ، وبَعْضِ الشّافِعِيَّةِ، وبَعْضِ الحَنَفِيَّةِ: فِيهِ الكَفّارَةُ. وذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ اخْتِلافَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ، واحْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَفّارَةٌ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الوارِدَةِ بِأنَّهُ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ»، ونَفْيُ نَذْرِ المَعْصِيَةِ مُطْلَقًا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ أثَرِهِ، فَإذا انْتَفى النَّذْرُ مِن أصْلِهِ انْتَفَتْ كَفّارَتُهُ؛ لِأنَّ التّابِعَ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ المَتْبُوعِ. وإنْ قُلْنا: إنَّ الصِّيغَةَ في قَوْلِهِ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ»، خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الإنْشاءُ وهو النَّهْيُ عَنْ نَذْرِ المَعْصِيَةِ، فالنَّهْيُ يَقْتَضِي الفَسادَ، وإذا فَسَدَ المَنذُورُ بِالنَّهْيِ بَطَلَ مَعَهُ تَأْثِيرُهُ في الكَفّارَةِ. قالُوا: والأصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ مِنَ الكَفّارَةِ. قالُوا: ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ الأحادِيثُ الوارِدَةُ بِأنَّهُ: «لا نَذْرَ إلّا فِيما ابْتُغِيَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ» . قالَ المَجْدُ في ”المُنْتَقى“: رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ. وفي لَفْظٍ عِنْدَ أحْمَدَ: «إنَّما النَّذْرُ ما ابْتُغِيَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ»، وهو مِن رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. وفي إسْنادِهِ مُناقَشاتٌ تَرَكْناها اخْتِصارًا، واحْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّ في نَذْرِ المَعْصِيَةَ كَفّارَةً بِبَعْضِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ بِذَلِكَ. مِنها: ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ“»، قالَ المَجْدُ في ”المُنْتَقى“: رَواهُ الخَمْسَةُ، واحْتَجَّ بِهِ أحْمَدُ، وإسْحاقُ. ومَعْلُومٌ أنَّ مُرادَهُ بِالخَمْسَةِ: الإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ، ولَفْظُ أبِي داوُدَ في هَذا الحَدِيثِ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ أبُو مَعْمَرٍ، ثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ» . حَدَّثَنا ابْنُ السَّرْحِ قالَ: ثَنا وهْبٌ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ بِمَعْناهُ. وإسْنادُهُ قالَ أبُو داوُدَ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بْنَ شَبُّوَيْهِ، يَقُولُ: قالَ ابْنُ المُبارَكِ: يَعْنِي في هَذا الحَدِيثِ: حَدَّثَ أبُو سَلَمَةَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِن أبِي سَلَمَةَ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وتَصْدِيقُ ذَلِكَ: ما حَدَّثَنا أيُّوبُ، يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمانَ، قالَ أبُو داوُدَ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: أفْسَدُوا عَلَيْنا هَذا الحَدِيثَ، قِيلَ لَهُ: وصَحَّ إفْسادُهُ عِنْدَكَ، وهَلْ رَواهُ غَيْرُ ابْنِ أبِي أُوَيْسٍ ؟ قالَ: أيُّوبُ كانَ أمْثَلَ مِنهُ، يَعْنِي: أيُّوبَ بْنَ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ، وقَدْ رَواهُ أيُّوبُ. حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ، ثَنا أيُّوبُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ، عَنِ ابْنِ أبِي عَتِيقٍ ومُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ (p-٢٤٠)أرْقَمَ أنَّ يَحْيى بْنَ أبِي كَثِيرٍ أخْبَرَهُ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ»، قالَ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ: إنَّما الحَدِيثُ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ المُبارَكِ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أرادَ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ أرْقَمَ وهِمَ فِيهِ، وحَمَلَهُ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وأرْسَلَهُ عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. قالَ أبُو داوُدَ: رَوى بَقِيَّةُ عَنِ الأوْزاعِيِّ، عَنْ يَحْيى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِإسْنادِ عَلِيِّ بْنِ المُبارَكِ مِثْلَهُ اهـ مِن سُنَنِ أبِي داوُدَ بِلَفْظِهِ. وفِيهِ سُوءُ ظَنٍّ كَثِيرٌ بِالزُّهْرِيِّ، وهو أنَّهُ حَذَفَ مِن إسْنادِ الحَدِيثِ واسِطَتَيْنِ: وهُما سُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، وأرْسَلَهُ عَنْ أبِي سَلَمَةَ وكَذَلِكَ قالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْراجِهِ لِحَدِيثِ عائِشَةَ المَذْكُورِ، لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ هَذا الحَدِيثَ مِن أبِي سَلَمَةَ، ومِمّا يُقَوِّي سُوءَ الظَّنِّ المَذْكُورَ بِالزُّهْرِيِّ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ أرْقَمَ الَّذِي حَذَفَهُ مِنَ الإسْنادِ مَتْرُوكٌ لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، فَحَذْفُ المَتْرُوكِ. ورِوايَةُ حَدِيثِهِ عَمَّنْ فَوْقَهُ مِنَ العُدُولِ مِن تَدْلِيسِ التَّسْوِيَةِ، وهو شَرُّ أنْواعِ التَّدْلِيسِ وأقْبَحُها، ولا شَكَّ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ التَّدْلِيسِ قادِحٌ فِيمَن تَعَمَّدَهُ. وما ذَكَرَهُ بَعْضُهم: مِن أنَّ الثَّوْرِيَّ والأعْمَشَ كانا يَفْعَلانِ هَذا النَّوْعَ مِنَ التَّدْلِيسِ مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّهُما لا يُدَلِّسانِ إلّا عَمَّنْ هو ثِقَةٌ عِنْدَهُما. وإنْ كانَ ضَعِيفًا عِنْدَ غَيْرِهِما. ومِنَ المُسْتَبْعَدِ أنْ يَكُونَ الزُّهْرِيُّ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِسُلَيْمانَ بْنِ أرْقَمَ مَعَ اتِّفاقِ الحُفّاظِ عَلى عَدَمِ الِاحْتِجاجِ بِهِ. والحاصِلُ أنَّ لُزُومَ الكَفّارَةِ في نَذْرِ المَعْصِيَةِ، جاءَتْ فِيهِ أحادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ، لا يَخْلُو شَيْءٌ مِنها مِن كَلامٍ. وقَدْ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا. وَقالَ الشَّوْكانِيُّ: قالَ النَّوَوِيُّ في ”الرَّوْضَةِ“: حَدِيثُ «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ»، ضَعِيفٌ بِاتِّفاقِ المُحَدِّثِينَ. قالَ الحافِظُ: قُلْتُ: قَدْ صَحَّحَهُ الطَّحاوِيُّ، وأبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ، فَأيْنَ الِاتِّفاقُ. انْتَهى مِنهُ. وقَدْ تَرَكْنا تَتَبُّعَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ فِيهِ، ومُناقَشَتَها اخْتِصارًا. والأحْوَطُ لُزُومُ الكَفّارَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ مُقَدَّمٌ عَلى الإباحَةِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ لِلِاحْتِياطِ في الخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ الطَّلَبِ. فَمَن أخْرَجَ كَفّارَةً عَنْ نَذْرِ المَعْصِيَةِ، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ المُطالَبَةِ بِها بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ، ومَن لَمْ يُخْرِجْها بَقِيَ مُطالَبًا بِها عَلى قَوْلِ أحْمَدَ، ومَن ذَكَرْنا مَعَهُ. * * الفَرْعُ الثّالِثُ: اعْلَمْ أنَّ مَن نَذَرَ شَيْئًا مِنَ الطّاعَةِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لا يَلْزَمُهُ الوَفاءُ بِهِ، لِعَجْزِهِ عَنْهُ. (p-٢٤١)واخْتُلِفَ فِيما يَلْزَمُهُ في ذَلِكَ المَعْجُوزِ عَنْهُ، فَلَوْ نَذَرَ مَثَلًا أنْ يَحُجَّ، أوْ يَعْتَمِرَ ماشِيًا عَلى رِجْلَيْهِ، وهو عاجِزٌ عَنِ المَشْيِ: جازِ لَهُ الرُّكُوبُ لِعَجْزِهِ عَنِ المَشْيِ، وإنْ قَدِرَ عَلى المَشْيِ: لَزِمَهُ. وَفِي حالَةِ رُكُوبِهِ عِنْدَ العَجْزِ، اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما يَلْزَمُهُ، فَقالَ بَعْضُهم: لا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عاجِزٌ، واللَّهُ يَقُولُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فَقَدْ عَجَزَ عَمّا نَذَرَ ولا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ غَيْرُ ما نَذَرَ. وقالَ بَعْضُهم: تَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ. وقالَ بَعْضُهم: يَلْزَمُهُ صَوْمُ ثَلاثَةِ أيّامٍ. وقالَ بَعْضُهم: تَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ. وقالَ بَعْضُهم: يَلْزَمُهُ هَدْيٌ. قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وجُمْلَتُهُ أنَّ مَن نَذَرَ المَشْيَ إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، لَزِمَهُ الوَفاءُ بِنَذْرِهِ. وبِهَذا قالَ مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، ولا نَعْلَمُ فِيهِ خِلافًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ، ومَسْجِدِي هَذا، والمَسْجِدِ الأقْصى» . ولا يُجْزِئُهُ المَشْيُ إلّا في الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ. وبِهِ يَقُولُ الشّافِعِيُّ. ولا أعْلَمُ فِيهِ خِلافًا، وذَلِكَ لِأنَّ المَشْيَ المَعْهُودَ في الشَّرْعِ: هو المَشْيُ في حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فَإذا أطْلَقَ النّاذِرُ حَمَلَ عَلى المَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ. ويَلْزَمُهُ المَشْيُ فِيهِ لِنَذْرِهِ، فَإنْ عَجَزَ عَنِ المَشْيِ رَكِبَ، وعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وعَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ أُخْرى: أنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وأفْتى بِهِ عَطاءٌ لِما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ نَذَرَتِ المَشْيَ إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، فَأمَرَها النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَرْكَبَ، وتَهْدِيَ هَدْيًا» . رَواهُ أبُو داوُدَ، وفِيهِ ضَعْفٌ؛ ولِأنَّهُ أخَلَّ بِواجِبٍ في الإحْرامِ فَلَزِمَهُ هَدْيٌ، كَتارِكِ الإحْرامِ مِنَ المِيقاتِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ الزُّبَيْرِ قالا: يَحُجُّ مِن قابِلٍ، بَلْ ويَرْكَبُ ما مَشى، ويَمْشِي ما رَكِبَ ونَحْوَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وزادَ، فَقالَ: ويَهْدِي، وعَنِ الحَسَنِ مِثْلُ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ، وعَنِ النَّخَعِيِّ رِوايَتانِ: إحْداهُما: كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، والثّانِيَةُ: كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ هَدْيٌ سَواءً عَجَزَ عَنِ المَشْيِ، أوْ قَدِرَ عَلَيْهِ. وأقَلُّ الهَدْيِ: شاةٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَلْزَمُهُ مَعَ العَجْزِ كَفّارَةٌ بِحالٍ، إلّا أنْ يَكُونَ النَّذْرُ مَشْيًا إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ ؟ فِيهِ قَوْلانِ. وأمّا غَيْرُهُ فَلا يَلْزَمُهُ مَعَ العَجْزِ شَيْءٌ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنَ ”المُغْنِي“ . وَإذا عَلِمْتَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ فِيما يَلْزَمُ مَن نَذَرَ شَيْئًا، وعَجَزَ عَنْهُ، فَهَذِهِ أدِلَّةُ أقْوالِهِمْ نَقَلْناها مُلَخَّصَةً بِواسِطَةِ نَقْلِ المَجْدِ في ”المُنْتَقى“؛ لِأنَّهُ جَمَعَها في مَحَلٍّ واحِدٍ. أمّا مَن قالَ: تَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ فَقَدِ احْتَجَّ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (p-٢٤٢)عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن نَذَرَ نَذْرًا ولَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ، ومَن نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ فَكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ» اهـ. قالَ الحافِظُ في ”بُلُوغِ المَرامِ“: في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: هَذا إسْنادُهُ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ الحُفّاظَ رَجَّحُوا وقْفَهُ، اهـ. كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ. وَمِن أدِلَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ ما رَواهُ كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ ماشِيَةً فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ لا يَصْنَعُ بِشَقاءِ أُخْتِكِ شَيْئًا؛ لِتَخْرُجْ راكِبَةً ولْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِها»“، رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وقالَ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: في هَذا الحَدِيثِ سَكَتَ عَنْهُ أبُو داوُدَ، والمُنْذِرِيُّ، ورِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ. والظّاهِرُ المُتَبادِرُ أنَّ المُرادَ بِالتَّكْفِيرِ عَنِ اليَمِينِ: هو كَفّارَةُ اليَمِينِ المَعْرُوفَةُ، ولَقَدْ صَدَقَ الشَّوْكانِيُّ في أنَّ رِجالَ حَدِيثِ أبِي داوُدَ المَذْكُورِ رِجالُ الصَّحِيحِ؛ لِأنَّ أبا داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ أبِي يَعْقُوبَ، ثَنا أبُو النَّضْرِ، ثَنا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلى آخِرِ الحَدِيثِ المَذْكُورِ بِمَتْنِهِ، فَطَبَقَةُ إسْنادِهِ الأُولى حَجّاجُ بْنُ أبِي يَعْقُوبَ، وهو حَجّاجُ بْنُ الشّاعِرِ الَّذِي أكْثَرَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِنَ الإخْراجِ لَهُ، وهو ثِقَةٌ حافِظٌ، وطَبَقَتُهُ الثّانِيَةُ: أبُو النَّضْرِ، وهو هاشِمُ بْنُ القاسِمِ بْنِ مِقْسَمٍ اللِّيثِيُّ البَغْدادِيُّ خُراسانِيُّ الأصْلِ، ولَقَبُهُ قَيْصَرُ، وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ، أخْرَجَ لَهُ الجَمِيعُ. وطَبَقَتُهُ الثّالِثَةُ هي: شَرِيكٌ، وهو ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي شَرِيكٍ النَّخَعِيُّ، أبُو عَبْدِ اللَّهِ الكُوفِيُّ القاضِي. أخْرَجَ لَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، وهو مِن رِجالِ مُسْلِمٍ. وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ في ”تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ“ أنَّ مُسْلِمًا إنَّما أخْرَجَ لَهُ في المُتابَعاتِ، وكَلامُ أهْلِ العِلْمِ فِيهِ كَثِيرٌ بَيْنَ مُثْنٍ وذاكِرٍ غَيْرَ ذَلِكَ، وطَبَقَتُهُ الرّابِعَةُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى آلِ طَلْحَةَ، وهو مِن رِجالِ مُسْلِمٍ، وهو ثِقَةٌ. وطَبَقَتُهُ الخامِسَةُ: كُرَيْبُ بْنُ أبِي مُسْلِمٍ الهاشِمِيُّ، مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ ومَعْلُومٌ أنَّهُ ثِقَةٌ، وأنَّهُ أخْرَجَ لَهُ الجَمِيعُ. هَذا هو حاصِلُ حُجَّةِ مَن قالَ: إنَّ عَلى مَن نَذَرَ نَذْرًا، ولَمْ يُطِقْهُ كَفّارَةَ يَمِينٍ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: عَلَيْهِ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِما رَواهُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أنْ تَمْشِيَ حافِيَةً، غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَسَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ لا يَصْنَعُ بِشَقاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، مُرْها فَلْتَخْتَمِرْ ولْتَرْكَبْ ولْتَصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ»“، اهـ بِواسِطَةِ نَقْلِ المَجْدِ في ”المُنْتَقى“ . قالَ الشَّوْكانِيُّ في هَذا الحَدِيثِ: حَسَّنَهُ (p-٢٤٣)التِّرْمِذِيُّ ولَكِنْ في إسْنادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ، وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: ظاهِرُ كَلامِ أبِي داوُدَ في عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ المَذْكُورِ: أنَّهُ ثِقَةٌ عِنْدِهِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ تَزْكِيَتَهُ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ الأنْصارِيِّ، ولَمْ يَتَعَقَّبْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ. فَقَدْ قالَ أبُو داوُدَ في هَذا الحَدِيثِ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، ثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ قالَ: أخْبَرَنِي يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ الأنْصارِيُّ، أخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ أنَّ أبا سَعِيدٍ أخْبَرَهُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مالِكٍ أخْبَرَهُ أنَّ عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ أخْبَرَهُ: «أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ، عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ حافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَقالَ: ”مُرْها فَلْتَخْتَمِرْ ولْتَرْكَبْ ولْتَصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ»“ . حَدَّثَنا مَخْلَدُ بْنُ خالِدٍ، ثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، ثَنا ابْنُ جُرَيْجٍ قالَ: كَتَبْتُ إلى يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، أخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ، مَوْلًى لِبَنِي ضَمْرَةَ، وكانَ أيَّما رَجُلٍ أنَّ أبا سَعِيدٍ الرُّعَيْنِيَّ، أخْبَرَهُ بِإسْنادِ يَحْيى، ومَعْناهُ، اهـ مِن سُنَنِ أبِي داوُدَ، فَكِتابَةُ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ الأنْصارِيِّ إلى ابْنِ جُرَيْجٍ في ابْنِ زَحْرٍ المَذْكُورِ. وكانَ أيَّما رَجُلٍ فِيهِ أعْظَمُ تَزْكِيَةٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهم فَكانَ أيَّما رَجُلٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن أفاضِلِ الرِّجالِ والتَّفْضِيلُ في هَذا المَقامِ، إنَّما هو في الثِّقَةِ والعَدالَةِ، كَما تَرى ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ الرّاعِي: ؎فَأوْمَأْتُ إيماءً خَفِيًّا لِحَبْتَرٍ فَلِلَّهِ عَيْنا حَبْتَرٍ أيِّما فَتًى وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“، في ابْنِ زَحْرٍ المَذْكُورِ: صَدُوقٌ يُخْطِئُ، وكَلامُ أئِمَّةِ الحَدِيثِ فِيهِ كَثِيرٌ مِنهُمُ: المُثْنِي، ومِنهُمُ القادِحُ. وَحُجَّةُ مَن قالَ إنَّ عَلَيْهِ بَدَنَةً: هي ما رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أنْ تَمْشِيَ إلى البَيْتِ وشَكا إلَيْهِ ضَعْفَها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ نَذْرِ أُخْتِكَ فَلْتَرْكَبْ ولْتُهْدِ بَدَنَةً»“، رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ. وقالَ الشَّوْكانِيُّ في هَذا الحَدِيثِ: سَكَتَ عَنْهُ أبُو داوُدَ والمُنْذِرِيُّ، ورِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ: قالَ الحافِظُ في ”التَّلْخِيصِ“: إسْنادُهُ صَحِيحٌ. وَحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا هي: ما رَواهُ أبُو داوُدَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، ثَنا أبُو الوَلِيدِ، ثَنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ نَذَرَتْ أنْ تَمْشِيَ إلى البَيْتِ، فَأمَرَها النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَرْكَبَ وتَهْدِيَ هَدْيًا» . وقالَ الشَّوْكانِيُّ في (p-٢٤٤)هَذا الحَدِيثِ: سَكَتَ عَنْهُ أبُو داوُدَ والمُنْذِرِيُّ، ولُزُومُ الهَدْيِ المَذْكُورِ مَرْوِيٌّ عَنْ مالِكٍ في ”المُوَطَّأِ“ وفَسَّرَ الهَدْيَ: بِبَدَنَةٍ، أوْ بَقَرَةٍ، أوْ شاةٍ، إنْ لَمْ تَجِدْ غَيْرَها. هَذا هو حاصِلُ أدِلَّةِ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ: فِيما يَلْزَمُ مَن نَذَرَ شَيْئًا، وعَجَزَ عَنْ فِعْلِهِ. والقَوْلُ بِالهَدْيِ والقَوْلُ بِالبَدَنَةِ، يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ البَدَنَةَ هَدْيٌ، والخاصُّ يَقْضِي عَلى العامِّ. وَقَدْ ذَكَرْنا كَلامَ النّاسِ في أسانِيدِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ، وأحْوَطُها فِيمَن عَجَزَ عَنِ المَشْيِ، الَّذِي نَذَرَهُ في الحَجِّ: البَدَنَةُ؛ لِأنَّها أعْظَمُ ما قِيلَ في ذَلِكَ، ولَيْسَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ، أنْ تَلْزَمَ البَدَنَةُ، وأنَّهُ يُجْزِئُ الهَدْيُ والصَّوْمُ وكَفّارَةُ اليَمِينِ؛ لِأنَّ كُلَّ الأحادِيثِ الوارِدَةِ بِذَلِكَ لَيْسَ فِيها التَّصْرِيحُ بِنَفْيِ إجْزاءِ شَيْءٍ آخَرَ. فَحَدِيثُ لُزُومِ كَفّارَةِ اليَمِينِ لَمْ يُصَرِّحْ بِعَدَمِ إجْزاءِ البَدَنَةِ، وحَدِيثُ الهَدْيِ لَمْ يُصَرِّحْ بِعَدَمِ إجْزاءِ الصَّوْمِ مَثَلًا وهَكَذا. وَقَدْ عَرَفْتَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ مَعَ أنَّ الأحادِيثَ لا يَخْلُو شَيْءٌ مِنها مِن كَلامٍ. وظاهِرُ النُّصُوصِ العامَّةِ: أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ويَقُولُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ويَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٦] قالَ اللَّهُ: قَدْ فَعَلْتُ» " . وفي رِوايَةٍ: نَعَمْ، ويَدْخُلُ في حُكْمِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ . الآيَةَ [البقرة: ٢٨٦] . * * الفَرْعُ الرّابِعُ: في حُكْمِ الإقْدامِ عَلى النَّذْرِ، مَعَ تَعْرِيفِهِ لُغَةً وشَرْعًا. اعْلَمْ أنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ النَّذْرَ لا يَنْبَغِي، وأنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، ولَكِنْ إذا وقَعَ وجَبَ الوَفاءُ بِهِ، إنْ كانَ قُرْبَةً كَما تَقَدَّمَ. قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمانَ، حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ الحارِثِ: أنَّهُ «سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يَقُولُ: أوَلَمْ يُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ، إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”إنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا ولا يُؤَخِّرُ شَيْئًا، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ البَخِيلِ»“ . وفي البُخارِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ فَقالَ: ”إنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا ولَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ»“ . وفي لَفْظٍ لِلْبُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَأْتِي ابْنُ آدَمَ النَّذْرَ بِشَيْءٍ لَمْ أكُنْ قَدَرْتُهُ، ولَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إلى القَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ؛ فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ فَيُؤْتِي عَلَيْهِ ما لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي عَلَيْهِ مِن (p-٢٤٥)قَبْلُ»، اهـ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ، وهو صَرِيحٌ في النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ، وأنَّهُ لَيْسَ ابْتِداءُ فِعْلِهِ مِنَ الطّاعاتِ المُرَغَّبِ فِيها. وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وإسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ إسْحاقُ: أخْبَرَنا، وقالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَنْهانا عَنِ النَّذْرِ ويَقُولُ: ”إنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ»“ . وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «النَّذْرُ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا ولا يُؤَخِّرُهُ، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ» . وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ نَهى عَنِ النَّذْرِ، وقالَ: ”إنَّهُ لا يَأْتِي بِخَيْرٍ وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ»“ . وَقالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ أيْضًا: وحَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ يَعْنِي: الدَّراوَرْدِيَّ، عَنِ العَلاءِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تَنْذُرُوا، فَإنَّ النَّذْرَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ» . وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ نَهى عَنِ النَّذْرِ، وقالَ: ”إنَّهُ لا يَرُدُّ مِنَ القَدَرِ، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ»“ . وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ النَّذْرَ لا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ، ولَكِنَّ النَّذْرَ يُوافِقُ القَدَرَ فَيُخْرِجُ بِذَلِكَ مِنَ البَخِيلِ ما لَمْ يَكُنِ البَخِيلُ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَ»، انْتَهى مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي هُرَيْرَةَ: فِيهِ الدَّلالَةُ الصَّرِيحَةُ عَلى النَّهْيِ عَنِ الإقْدامِ عَلى النَّذْرِ، وأنَّهُ لا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ. وفي الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ إشْكالٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى الثَّناءِ عَلى الَّذِينَ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، وأنَّهُ مِن أسْبابِ دُخُولِ الجَنَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧]، وقَدْ دَلَّ الكِتابُ والسُّنَّةُ عَلى وُجُوبِ الوَفاءِ بِنَذْرِ الطّاعَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٩] وكَقَوْلِهِ ﷺ: «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ، مِن ذَمِّ الَّذِينَ لَمْ يُوفُوا بِنُذُورِهِمْ. (p-٢٤٦)قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيى، عَنْ شُعْبَةَ: حَدَّثَنِي أبُو جَمْرَةَ، حَدَّثَنا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ، قالَ: سَمِعْتُ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «خَيْرُكم قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم ”قالَ عِمْرانُ: لا أدْرِي ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ:“ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُرُونَ ولا يُوفُونَ، ويَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، ويَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ»، اهـ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وهو ظاهِرٌ جِدًّا في إثْمِ الَّذِينَ لا يُوفُونَ بِنَذْرِهِمْ، وأنَّهم كالَّذِينِ يَخُونُونَ، ولا يُؤْتَمَنُونَ. وهَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ أيْضًا مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِهِ لِحَدِيثِ عِمْرانَ هَذا: فِيهِ وُجُوبُ الوَفاءِ بِالنَّذْرِ، وهو واجِبٌ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ ابْتِداءُ النَّذْرِ مَنهِيًّا عَنْهُ: كَما سَبَقَ في بابِهِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وَلِأجْلِ هَذا الإشْكالِ المَذْكُورِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ الإقْدامِ عَلى النَّذْرِ، فَذَهَبَ المالِكِيَّةُ: إلى جَوازِ نَذْرِ المَندُوباتِ إلّا الَّذِي يَتَكَرَّرُ دائِمًا كَصَوْمِ يَوْمٍ مِن كُلِّ أُسْبُوعٍ فَهو مَكْرُوهٌ عِنْدَهم، وذَهَبَ أكْثَرُ الشّافِعِيَّةِ: إلى أنَّهُ مَكْرُوهٌ، ونَقَلَهُ بَعْضُهم عَنْ نَصِّ الشّافِعِيِّ لِلْأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى النَّهْيِ عَنْهُ. ونُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ المالِكِيَّةِ أيْضًا، وجَزَمَ بِهِ عَنْهُمُ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ. وأشارَ ابْنُ العَرَبِيِّ إلى الخِلافِ عَنْهم، والجَزْمِ عَنِ الشّافِعِيَّةِ بِالكَراهَةِ. وجَزَمَ الحَنابِلَةُ بِالكَراهَةِ، وعِنْدَهم رِوايَةٌ في أنَّها كَراهَةُ تَحْرِيمٍ، وتَوَقَّفَ بَعْضُهم في صِحَّتِها، وكَراهَتُهُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ. اهـ بِواسِطَةِ نَقْلِ ابْنِ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“ . وجَزَمَ صاحِبُ ”المُغْنِي“: بِأنَّ النَّهْيَ عَنْهُ نَهْيُ كَراهَةٍ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الظّاهِرُ لِي في طَرِيقِ إزالَةِ هَذا الإشْكالِ، الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ أنَّ نَذْرَ القُرْبَةِ عَلى نَوْعَيْنِ. أحَدُهُما: مُعَلَّقٌ عَلى حُصُولِ نَفْعٍ كَقَوْلِهِ: إنْ شَفى اللَّهُ مَرِيضِي، فَعَلَيَّ لِلَّهِ نَذْرُ كَذا، أوْ إنْ نَجّانِيَ اللَّهُ مِنَ الأمْرِ الفُلانِيِّ المَخُوفِ، فَعَلَيَّ لِلَّهِ نَذْرُ كَذا، ونَحْوُ ذَلِكَ. والثّانِي: لَيْسَ مُعَلَّقًا عَلى نَفْعٍ لِلنّاذِرِ، كَأنْ يَتَقَرَّبَ إلى اللَّهِ تَقَرُّبًا خالِصًا بِنَذْرِ كَذا مِن أنْواعِ الطّاعَةِ، وأنَّ النَّهْيَ إنَّما هو في القِسْمِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ النَّذْرَ فِيهِ لَمْ يَقَعْ خالِصًا لِلتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ، بَلْ بِشَرْطِ حُصُولِ نَفْعٍ لِلنّاذِرِ وذَلِكَ النَّفْعُ الَّذِي يُحاوِلُهُ النّاذِرُ هو الَّذِي دَلَّتِ الأحادِيثُ عَلى أنَّ القَدَرَ فِيهِ غالِبٌ عَلى النَّذْرِ وأنَّ النَّذْرَ لا يَرُدُّ فِيهِ شَيْئًا مِنَ القَدَرِ. أمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو نَذْرُ القُرْبَةِ الخالِصُ مِنِ اشْتِراطِ النَّفْعِ في النَّذْرِ، فَهو الَّذِي فِيهِ (p-٢٤٧)التَّرْغِيبُ والثَّناءُ عَلى المُوفِينَ بِهِ المُقْتَضِي أنَّهُ مِنَ الأفْعالِ الطَّيِّبَةِ، وهَذا التَّفْصِيلُ قالَتْ بِهِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. وَإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ لِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ نَفْسَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ فِيها قَرِينَةٌ واضِحَةٌ، دالَّةٌ عَلَيْهِ، وهو ما تَكَرَّرَ فِيها مِن أنَّ النَّذْرَ لا يَرُدُّ شَيْئًا مِنَ القَدَرِ، ولا يُقَدِّمُ شَيْئًا، ولا يُؤَخِّرُ شَيْئًا ونَحْوَ ذَلِكَ. فَكَوْنُهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا مِنَ القَدَرِ قَرِينَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ النّاذِرَ أرادَ بِالنَّذْرِ جَلْبَ نَفْعٍ عاجِلٍ، أوْ دَفْعَ ضُرٍّ عاجِلٍ فَبَيَّنَ ﷺ أنَّ ما قَضى اللَّهُ بِهِ في ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وأنَّ نَذْرَ النّاذِرِ لا يَرُدُّ شَيْئًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ إنْ قَدَّرَ اللَّهُ ما كانَ يُرِيدُهُ النّاذِرُ بِنَذْرِهِ، فَإنَّهُ يَسْتَخْرِجُ بِذَلِكَ مِنَ البَخِيلِ الشَّيْءَ الَّذِي نَذَرَ وهَذا واضِحٌ جِدًّا كَما ذَكَرْنا. الثّانِي أنَّ الجَمْعَ واجِبٌ إذا أمْكَنَ وهَذا جَمْعٌ مُمْكِنٌ بَيْنَ الأدِلَّةِ واضِحٌ تَنْتَظِمُ بِهِ الأدِلَّةُ، ولا يَكُونُ بَيْنَها خِلافٌ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ النّاذِرَ الجاهِلَ، قَدْ يَظُنُّ أنَّ النَّذْرَ قَدْ يَرُدُّ عَنْهُ ما كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. هَذا هو الظّاهِرُ في حَلِّ هَذا الإشْكالِ. وقَدْ قالَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. تَنْبِيهٌ فَإنْ قِيلَ: إنَّ النَّذْرَ المُعَلَّقَ كَقَوْلِهِ: إنْ شَفى اللَّهُ مَرِيضِي أوْ نَجّانِي مِن كَذا فَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرُ كَذا، قَدْ ذَكَرْتُمْ أنَّهُ هو المَنهِيُّ عَنْهُ، وإذا تَقَرَّرَ أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِ القُرْبَةِ، فَكَيْفَ يَجِبُ الوَفاءُ بِمَنهِيٍّ عَنْهُ. والجَوابُ أنَّ النَّصَّ الصَّحِيحَ دَلَّ عَلى هَذا، فَدَلَّ عَلى النَّهْيِ عَنْهُ أوَّلًا، كَما ذَكَرْنا الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ، ودَلَّ عَلى لُزُومِ الوَفاءِ بِهِ بَعْدَ الوُقُوعِ، فَقَوْلُهُ ﷺ: «وَإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ» نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ البَخِيلَ يَلْزَمُهُ إخْراجُ ما نَذَرَ إخْراجَهُ، وهو المُصَرَّحُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ أوَّلًا، ولا غَرابَةَ في هَذا؛ لِأنَّ الواحِدَ بِالشَّخْصِ قَدْ يَكُونُ لَهُ جِهَتانِ. فالنَّذْرُ المَنذُورُ لَهُ جِهَةٌ هو مَنهِيٌّ عَنْهُ مِن أجْلِها ابْتِداءً، وهي شَرْطُ حُصُولِ النَّفْعِ فِيهِ، ولَهُ جِهَةٌ أُخْرى هو قُرْبَةٌ بِالنَّظَرِ إلَيْها، وهو إخْراجُ المَنذُورِ تَقَرُّبًا لِلَّهِ وصَرْفُهُ في طاعَةِ اللَّهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ النَّذْرَ في اللُّغَةِ النَّحْبُ وهو ما يَجْعَلُهُ الإنْسانُ نَحْبًا واجِبًا عَلَيْهِ قَضاؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: (p-٢٤٨) ؎ألا تَسْألانِ المَرْءَ ماذا يُحاوِلُ أنَحْبٌ فَيُقْضى أمْ ضَلالٌ وباطِلُ وَحاصِلُهُ: أنَّهُ إلْزامُ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لازِمًا لَها، فَيَجْعَلُهُ واجِبًا عَلَيْها وهو في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ: التِزامُ المُكَلَّفِ قُرْبَةً لَمْ تَكُنْ واجِبَةً عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ في ”النِّهايَةِ“: يُقالُ: نَذَرْتُ أنْذِرُ وأنْذُرُ نَذْرًا إذا أوْجَبْتُ عَلى نَفْسِي شَيْئًا تَبَرُّعًا مِن عِبادَةٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ تَكَرَّرَ في أحادِيثِهِ ذِكْرُ النَّهْيِ عَنْهُ وهو تَأْكِيدٌ لِأمْرِهِ وتَحْذِيرٌ عَنِ التَّهاوُنِ بِهِ بَعْدَ إيجابِهِ، ولَوْ كانَ مَعْناهُ الزَّجْرُ عَنْهُ حَتّى لا يُفْعَلَ لَكانَ في ذَلِكَ إبْطالُ حُكْمِهِ، وإسْقاطُ لُزُومِ الوَفاءِ بِهِ إذْ كانَ بِالنَّهْيِ يَصِيرُ مَعْصِيَةً. فَلا يَلْزَمُ، وإنَّما وجْهُ الحَدِيثِ أنَّهُ قَدْ أعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَجُرُّ لَهم في العاجِلِ نَفْعًا، ولا يَصْرِفْ عَنْهم ضُرًّا، ولا يَرُدُّ قَضاءً. فَقالَ: لا تَنْذُرُوا عَلى أنَّكم قَدْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَكم، أوْ تَصْرِفُونَ بِهِ عَنْكم ما جَرى بِهِ القَضاءُ عَلَيْكم، فَإذا نَذَرْتُمْ ولَمْ تَعْتَقِدُوا هَذا فَأخْرِجُوا عَنْهُ بِالوَفاءِ، فَإنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوهُ لازِمٌ لَكُمُ، اهـ الغَرَضُ مِن كَلامِ ابْنِ الأثِيرِ. وقَدْ قالَهُ غَيْرُهُ، ولا يُساعِدُ عَلَيْهِ ظَواهِرُ الأحادِيثِ. فالظّاهِرُ أنَّ الأرْجَحَ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ هو ما قَدَّمْنا مِنَ الجَمْعِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ تَعْرِيفَ المالِكِيَّةِ لِلنَّذْرِ شَرْعًا: بِأنَّهُ التِزامُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ، ولَوْ غَضْبانَ إلى آخِرِهِ فِيهِ أمْرانِ: الأوَّلُ أنَّ اشْتِراطَ الإسْلامِ في النَّذْرِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ ما نَذَرَهُ الكافِرُ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ قَدْ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ لَهُ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَفْعَلُهُ إذا أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَوْ كانَ لَغْوًا غَيْرَ مُنْعَقِدٍ، لَما كانَ لَهُ أثَرٌ بَعْدَ الإسْلامِ. قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ، أخْبَرَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنِّي نَذَرْتُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً في المَسْجِدِ الحَرامِ قالَ: ”أوْفِ بِنَذْرِكَ»“، انْتَهى مِنهُ. فَقَوْلُهُ ﷺ لِعُمَرَ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أوْفِ بِنَذْرِكَ» مَعَ أنَّهُ نَذَرَهُ في الجاهِلِيَّةِ صَرِيحٌ في ذَلِكَ كَما تَرى، ولا التِفاتَ إلى ما أوَّلَهُ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ مِنَ المالِكِيَّةِ وغَيْرِهِمْ. وقَوْلُ المالِكِيَّةِ في تَعْرِيفِ النَّذْرِ، ولَوْ غَضْبانَ لا يَخْفى أنَّ العُلَماءَ مُخْتَلِفُونَ في نَذْرِ الغَضْبانِ، هَلْ يُلْزَمُ فِيهِ ما نَذَرَ أوْ هو مِن نَوْعِ اللَّجاجِ تَلْزَمُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ كَما أوْضَحْنا حُكْمَهُ سابِقًا. الفَرْعُ الخامِسُ: اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ دَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ أنْ يَنْحَرَ تَقَرُّبًا لِلَّهِ في مَحَلٍّ (p-٢٤٩)مُعَيَّنٍ، فَلا بَأْسَ بِإيفائِهِ بِنَذْرِهِ، بِأنْ يَنْحَرَ في ذَلِكَ المَحَلِّ المُعَيَّنِ، إذا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ بِهِ وثَنٌ يُعْبَدُ، أوْ عِيدٌ مِن أعْيادِ الجاهِلِيَّةِ. ومَفْهُومُهُ أنَّهُ إنْ كانَ قَدْ سَبَقَ أنَّ فِيهِ وثَنًا يُعْبَدُ، أوْ عِيدًا مِن أعْيادِ الجاهِلِيَّةِ: أنَّهُ لا يَجُوزُ النَّحْرُ فِيهِ. قالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثْنا داوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، ثَنا شُعَيْبُ بْنُ إسْحاقَ، عَنِ الأوْزاعِيِّ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو قِلابَةَ، قالَ: حَدَّثَنِي ثابِتُ بْنُ الضَّحّاكِ، قالَ: «نَذَرَ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوانَةَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي نَذَرْتُ أنْ أنْحَرَ إبِلًا بِبُوانَةَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”هَلْ كانَ فِيها وثَنٌ مِن أوْثانِ الجاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ ؟ قالُوا: لا، قالَ:“ هَلْ كانَ فِيها عِيدٌ مِن أعْيادِهِمْ ؟ ”قالُوا: لا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ أوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإنَّهُ لا وفاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةٍ، ولا فِيما لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» " انْتَهى مِنهُ. وَفِيهِ الدَّلالَةُ الظّاهِرَةُ عَلى أنَّ النَّحْرَ بِمَوْضِعٍ كانَ فِيهِ وثَنٌ يُعْبَدُ أوْ عِيدٌ مِن أعْيادِ الجاهِلِيَّةِ مِن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَجُوزُ بِحالٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وإسْنادُ الحَدِيثِ صَحِيحٌ. * * الفَرْعُ السّادِسُ: اعْلَمْ أنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن ماتَ وعَلَيْهِ نَذْرٌ أنَّهُ يُقْضى عَنْهُ، وسَنَقْتَصِرُ هُنا عَلى قَلِيلٍ مِنها اخْتِصارًا لِصِحَّتِهِ، وثُبُوتِهِ. قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ أخْبَرَهُ: «أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ الأنْصارِيَّ اسْتَفْتى النَّبِيَّ ﷺ في نَذْرٍ كانَ عَلى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أنْ تَقْضِيَهُ، فَأفْتاهُ أنْ يَقْضِيَهُ عَنْها فَكانَتْ سُنَّةً بَعْدُ» اهـ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وَقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ فِيمَن ماتَ وعَلَيْهِ نَذْرُ الحَجِّ، أنَّهُ يُقْضى عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ. تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أنَّ ابْنَ عُمَرَ وابْنَ عَبّاسٍ أفْتَيا بِقَضاءِ الصَّلاةِ المَنذُورَةِ عَنِ المَيِّتِ إذا ماتَ ولَمْ يُصَلِّ ما نَذَرَ. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ مَن ماتَ وعَلَيْهِ نَذْرٌ، وأمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأةً جَعَلَتْ أُمُّها عَلى نَفْسِها صَلاةً بِقُباءٍ فَقالَ: صَلِّي عَنْها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ نَحْوَهُ، اهـ مِنَ البُخارِيِّ. وفي ”المُوَطَّأِ“ عَنْ مالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عَمَّتِهِ: أنَّها حَدَّثَتْهُ، عَنْ جَدَّتِهِ أنَّها كانَتْ جَعَلَتْ عَلى نَفْسِها مَشْيًا إلى مَسْجِدِ قُباءَ، فَماتَتْ ولَمْ تَقْضِهِ، فَأفْتى (p-٢٥٠)عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ ابْنَتَها أنْ تَمْشِيَ عَنْها. قالَ يَحْيى: وسَمِعْتُ مالِكًا يَقُولُ: لا يَمْشِي أحَدٌ عَنْ أحَدٍ، اهـ مِنَ ”المُوَطَّأِ“ . وقالَ الزَّرْقانِيُّ، في شَرْحِهِ: قالَ ابْنُ القاسِمِ: أنْكَرَ مالِكٌ الأحادِيثَ في المَشْيِ إلى قُباءٍ، ولَمْ يَعْرِفِ المَشْيَ إلّا إلى مَكَّةَ خاصَّةً. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ يَعْنِي: لا يَعْرِفُ إيجابَ المَشْيِ لِلْحالِفِ والنّاذِرِ. وأمّا المُتَطَوِّعُ، فَقَدْ رَوى مالِكٌ فِيما مَرَّ أنَّهُ ﷺ كانَ يَأْتِي قُباءً راكِبًا وماشِيًا، وأنَّ إتْيانَهُ مُرَغَّبٌ فِيهِ. اهـ فِيهِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، وحَكى ابْنُ بَطّالٍ الإجْماعَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُصَلِّي أحَدٌ عَنْ أحَدٍ، أمّا الصَّوْمُ والحَجُّ عَنِ المَيِّتِ فَقَدْ قَدَّمْنا مَشْرُوعِيَّتَهُما. وإنْ خالَفَ جُلُّ أهْلِ العِلْمِ في الصَّوْمِ عَنِ المَيِّتِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وفي ”المُوَطَّأِ“ عَنْ مالِكٍ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حَدِيثَ: «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ» قالَ يَحْيى: وسَمِعْتُ مالِكًا يَقُولُ: مَعْنى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «وَمَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ» أنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أنْ يَمْشِيَ إلى الشّامِ، أوْ إلى مِصْرَ، أوْ إلى الرَّبَذَةِ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ لِلَّهِ بِطاعَةٍ، إنْ كَلَّمَ فُلانًا أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ إنْ هو كَلَّمَهُ، أوْ حَنِثَ بِما حَلَفَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ في هَذِهِ الأشْياءِ طاعَةٌ. وإنَّما يُوَفّى لِلَّهِ بِما لَهُ فِيهِ طاعَةٌ، اهـ. مِنَ ”المُوَطَّأِ“ . * * الفَرْعُ السّابِعُ: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ مَن نَذَرَ جَمِيعَ مالِهِ لِلَّهِ لِيُصْرَفَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أنَّهُ يَكْفِيهِ الثُّلُثُ ولا يَلْزَمُهُ صَرْفُ الجَمِيعِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ وأصْحابِهِ وأحْمَدَ وأصْحابِهِ، والزُّهْرِيِّ. وفي هَذِهِ المَسْألَةِ لِلْعُلَماءِ عَشَرَةُ مَذاهِبَ أظْهَرُها عِنْدَنا: هو ما ذَكَرْنا، ويَلِيهِ في الظُّهُورِ عِنْدَنا قَوْلُ مَن قالَ: يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ كُلُّهُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الشّافِعِيِّ والنَّخَعِيِّ، وعَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّ عَلَيْهِ كَفّارَةَ يَمِينٍ، وعَنْ رَبِيعَةَ تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِقَدْرِ الزَّكاةِ، وعَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ: إنْ كانَ كَثِيرًا وهو ألْفانِ تَصَدَّقَ بِعُشْرِهِ، وإنْ كانَ مُتَوَسِّطًا وهو ألْفٌ تَصَدَّقَ بِسُبْعِهِ، وإنْ كانَ قَلِيلًا، وهو خَمْسُمِائَةٍ تَصَدَّقَ بِخُمُسِهِ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: يَتَصَدَّقُ بِالمالِ الزَّكَوِيِّ كُلِّهِ، وعَنْهُ في غَيْرِهِ رِوايَتانِ. إحْداهُما: يَتَصَدَّقُ بِهِ. والثّانِيَةُ: لا يَلْزَمُ مِنهُ شَيْءٌ، وعَنِ النَّخَعِيِّ، والبَتِّيِّ، والشّافِعِيِّ: يَتَصَدَّقُ بِمالِهِ كُلِّهِ، وعَنِ اللَّيْثِ: إنْ كانَ مَلِيًّا لَزِمَهُ، وإنْ كانَ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، ووافَقَهُ ابْنُ وهْبٍ، وزادَ: وإنْ كانَ مُتَوَسِّطًا يُخْرِجُ قَدْرَ زَكاةِ مالِهِ وهَذا مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، وهو قَوْلُ رَبِيعَةَ كَما تَقَدَّمَ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ: لا يَلْزَمُ شَيْءٌ أصْلًا، وقِيلَ: يَلْزَمُ الكُلُّ إلّا في نَذْرِ اللَّجاجِ، فَكَفّارَةٌ (p-٢٥١)يَمِينٍ، وعَنْ سَحْنُونٍ: يَلْزَمُهُ إخْراجُ ما لا يَضُرُّ بِهِ. وعَنِ الثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ وجَماعَةٍ: يَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ. وَإذا عَلِمْتَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: فاعْلَمْ: أنَّ أكْثَرَها لا يَعْتَضِدُ بِدَلِيلٍ، والَّذِي يَعْتَضِدُ بِالدَّلِيلِ مِنها ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: الأوَّلُ: هو ما قَدَّمْنا أنَّهُ أظْهَرُها عِنْدَنا، وهو الِاكْتِفاءُ بِالثُّلُثِ. والثّانِي: لُزُومُ الصَّدَقَةِ بِالمالِ كُلِّهِ. والثّالِثُ: قَوْلُ سَحْنُونٍ: أنَّهُ يَلْزَمُهُ إخْراجُ ما لا يُضَرُّ بِهِ، أمّا الِاكْتِفاءُ بِالثُّلُثِ الَّذِي هو أقْرَبُها عِنْدَنا فَقَدْ يَسْتَدِلُّ لَهُ بِبَعْضِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي فِيها النَّهْيُ عَنِ التَّصَدُّقِ بِالمالِ كُلِّهِ، وفِيها أنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ. قالَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ: بابُ إذا أهْدى مالَهُ عَلى وجْهِ النَّذْرِ، والتَّوْبَةِ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ أخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، وكانَ قائِدَ كَعْبٍ مِن بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ في حَدِيثِهِ: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فَقالَ في آخِرِ حَدِيثِهِ: «إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهو خَيْرٌ لَكَ»“ اهـ. فَظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أنَّ كَعْبًا غَيْرُ مُسْتَشِيرٍ بَلْ مُرِيدُ التَّجَرُّدِ مِن جَمِيعِ مالِهِ عَلى وجْهِ النَّذْرِ والتَّوْبَةِ، كَما في تَرْجَمَةِ الحَدِيثِ، وقَدْ أمَرَهُ ﷺ بِأنْ يُمْسِكَ بَعْضَ مالِهِ، وصَرَّحَ لَهُ بِأنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ البَعْضَ الَّذِي يُمْسِكُهُ بِالثُّلُثَيْنِ، وأنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ هَذا الحَدِيثِ قَوْلُهُ: «أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهو خَيْرٌ لَكَ» زادَ أبُو داوُدَ عَنْ أحْمَدَ بْنِ صالِحٍ بِهَذا السَّنَدِ، فَقُلْتُ: إنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، وهو عِنْدَ المُصَنِّفِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، ووَقَعَ في رِوايَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذا السَّنَدِ، عِنْدَ أبِي داوُدَ: «إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أخْرُجَ مِن مالِي كُلِّهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ صَدَقَةً قالَ: لا، قُلْتُ: فَنَصِفُهُ ؟ قالَ: لا، قُلْتُ: فَثُلُثُهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإنِّي سَأمْسِكُ سَهْمِي في خَيْبَرَ» . واعْلَمْ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ في حَدِيثِهِ هَذا عِنْدَ أبِي داوُدَ، صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأمِنَ تَدْلِيسَهُ ثُمَّ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ (p-٢٥٢)كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وذَكَرَ الحَدِيثَ وفِيهِ: «وَإنِّي أنْخَلِعُ مِن مالِي كُلِّهِ صَدَقَةً، قالَ: ”يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ»“ وفي حَدِيثِ أبِي لُبابَةَ، عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ مِثْلُهُ اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن فَتْحِ البارِي. وَقَدْ رَأيْتُ الرِّواياتِ المُصَرِّحَةَ بِأنَّهُ يُجْزِئُهُ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيعِ المالِ، وظاهِرُ الحَدِيثِ أنَّهُ جازِمٌ غَيْرُ مُسْتَشِيرٍ فَمَن زَعَمَ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ مُسْتَشِيرٌ فَهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ مَبْدُوءٌ بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، الَّذِي هو إنَّ المَكْسُورَةُ في قَوْلِهِ: «إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي»، واللَّفْظُ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ، لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى التَّوَقُّفِ والِاسْتِشارَةِ، كَما تَرى فَقَوْلُهُ ﷺ لِكَعْبِ بْنِ مالِكٍ وأبِي لُبابَةَ: إنَّ الثُّلُثَ يَكْفِي عَنِ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ المالِ، هو الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنا بِسَبَبِهِ: أنَّ أقْرَبَ الأقْوالِ عِنْدَنا الِاكْتِفاءُ بِالثُّلُثِ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِهِ، فَيَسْتَدِلُّ لَهُ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» وهو يَدُلُّ عَلى إيفائِهِ بِنَذْرِهِ، ولَوْ أتى عَلى كُلِّ المالِ، إلّا أنَّ دَلِيلَ ما قَبْلَهُ أخَصُّ مِنهُ في مَحَلِّ النِّزاعِ والأخَصُّ مُقَدَّمٌ عَلى الأعَمِّ. وَأمّا قَوْلُ سَحْنُونٍ: يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِما لا يَضُرُّ بِهِ فَيَسْتَدِلُّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٦]؛ لِأنَّ العَفْوَ في أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ، هو ما لا يَضُرُّ إنْفاقُهُ بِالمُنْفِقِ، ولا يُجْحِفُ بِهِ لِإمْساكِهِ ما يَسُدُّ خَلَّتَهُ الضَّرُورِيَّةَ، وهَذا قَدْ يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الثُّلُثَ مِنَ العَفْوِ الَّذِي لا يُجْحِفُ بِهِ إنْفاقُهُ، فَأظْهَرُها الأوَّلُ كَما ذَكَرْنا وباقِي الأقْوالِ لا أعْلَمُ لَهُ دَلِيلًا مُتَّجِهًا مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، وما وجَّهَ بِهِ تِلْكَ الأقْوالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ لا يَتَّجِهُ عِنْدِي، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * الفَرْعُ الثّامِنُ: اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ دَلَّ النَّصُّ الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ مَن نَذَرَ أنْ يُسافِرَ إلى مَسْجِدٍ لِيُصَلِّيَ فِيهِ كَمَسْجِدِ البَصْرَةِ، أوِ الكُوفَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ: لا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ إلى مَسْجِدٍ مِن تِلْكَ المَساجِدِ، ولْيُصَلِّ الصَّلاةَ الَّتِي نَذَرَها بِهِ في مَوْضِعِهِ الَّذِي هو بِهِ، والنَّصُّ الصَّحِيحُ المَذْكُورُ هو حَدِيثُ: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ ومَسْجِدِي هَذا ومَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ»، والجارِي عَلى الأُصُولِ: أنَّهُ لا يَخْرُجُ مِن هَذا الحَصْرِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، إلّا ما أخْرَجَهُ نَصٌّ صَحِيحٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ. والأظْهَرُ أنَّ مَن نَذَرَ السَّفَرَ لِصَلاةٍ في مَسْجِدِ إيلِياءَ، وصَلّاها في مَسْجِدِ مَكَّةَ أوِ المَدِينَةِ أجْزَأتْهُ، لِأنَّهُما أفْضَلُ مِنهُ. وَقَدْ قالَ أبُو داوُدَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ ثَنا حَمّادٌ أخْبَرَنا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ (p-٢٥٣)عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ رَجُلًا قامَ يَوْمَ الفَتْحِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أنْ أُصَلِّيَ في بَيْتِ المَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قالَ: ”صَلِّ هَهُنا ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِ، فَقالَ: صَلِّ هَهُنا ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِ، فَقالَ: شَأْنَكَ إذًا»“ قالَ أبُو داوُدَ: ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفي لَفْظٍ لِأبِي داوُدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ رِجالٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ ﷺ: «والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ هُنا لَأجْزَأ عَنْكَ صَلاةً في بَيْتِ المَقْدِسِ» اهـ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَلْنَكْتَفِ بِما ذُكِرَ هُنا مِن مَسائِلِ النَّذْرِ لِكَثْرَةِ ما كَتَبْنا في آياتِ سُورَةِ الحَجِّ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ وأقْوالِ أهْلِ العِلْمِ فِيها، والنَّذْرُ بابٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ، فَمَن أرادَ الإحاطَةَ بِجَمِيعِ مَسائِلِهِ، فَلْيَنْظُرْها في كُتُبِ فُرُوعِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هُنا عُيُونَ مَسائِلِهِ المُهِمَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ . فِي المُرادِ بِالعَتِيقِ هُنا لِلْعُلَماءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهِ القَدِيمُ، لِأنَّهُ أقْدَمُ مَواضِعِ التَّعَبُّدِ. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ. الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالعِتْقِ فِيهِ الكَرَمُ، والعَرَبُ تُسَمِّي القَدِيمَ عَتِيقًا وعاتِقًا ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ؎كالمِسْكِ تَخْلِطُهُ بِماءِ سَحابَةٍ أوْ عاتِقٍ كَدَمِ الذَّبِيحِ مُدامِ لِأنَّ مُرادَهُ بِالعاتِقِ الخَمْرُ القَدِيمَةُ الَّتِي طالَ مُكْثُها في دَنِّها زَمَنًا طَوِيلًا، وتُسَمِّي الكَرِيمَ عِتْقًا ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ؎قَنْواءُ في حَرَّتَيْها لِلْبَصِيرِ بِها عِتْقٌ ∗∗∗ مُبِينٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ فَقَوْلُهُ: عِتْقٌ مُبِينٌ: أيْ كَرَمٌ ظاهِرٌ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي: ؎وَيَبِينُ عِتْقُ الخَيْلِ في أصْواتِها أيْ كَرَمُها، ؎والعِتْقُ مِنَ الجَبابِرَةِ كالعِتْقِ مِنَ الرِّقِّ ، وهو مَعْرُوفٌ. وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ: أنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، عَلى أنَّ العَتِيقَ في الآيَةِ (p-٢٥٤)بِمَعْنى القَدِيمِ الأوَّلِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٩٦] مَعَ أنَّ المَعْنَيَيْنِ الآخَرَيْنِ كِلاهُما حَقٌّ، ولَكِنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى ما ذَكَرْنا، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ. تَنْبِيهانِ الأوَّلُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، عَلى لُزُومِ طَوافِ الإفاضَةِ وأنَّهُ لا صِحَّةَ لِلْحَجِّ بِدُونِهِ. الثّانِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا عَلى لُزُومِ الطَّوافِ مِن وراءِ الحِجْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ القَصِيرُ شَمالَ البَيْتِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ مِنَ البَيْتِ، فَهو داخِلٌ في اسْمِ البَيْتِ العَتِيقِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.

الحج 22:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَذا الَّذِي يُتْلى عَلَيْهِمُ المُسْتَثْنى مِن حِلْيَةِ الأنْعامِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو الصَّوابُ، أمّا ما قالَهُ جَماعاتٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ الآيَةَ الَّتِي بَيَّنَتِ الإجْمالَ في قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [ ٢٢ ] أنَّها قَوْلُهُ تَعالى في المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣] فَهو غَلَطٌ، لِأنَّ المائِدَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ وآيَةُ الحَجِّ هَذِهِ نازِلَةٌ قَبْلَ نُزُولِ المائِدَةِ بِكَثِيرٍ، فَلا يَصِحُّ أنْ يُحالَ البَيانُ عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ بَلِ المُبَيِّنُ لِذَلِكَ الإجْمالِ آيَةُ الأنْعامِ الَّتِي ذَكَرْنا لِأنَّها نازِلَةٌ بِمَكَّةَ، فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِآيَةِ الحَجِّ المَذْكُورَةِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى في المائِدَةِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] فَيَصِحُّ بَيانُهُ بِقَوْلِهِ في المائِدَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣]، كَما أوْضَحْنا في أوَّلِ المائِدَةِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ . ”مِن“ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانِيَّةٌ. والمَعْنى: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ: أيْ (p-٢٥٥)عِبادَتَها والرِّجْسُ القَذَرُ الَّذِي تَعافُهُ النُّفُوسُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الأمْرُ بِاجْتِنابِ عِبادَةِ الأوْثانِ، ويَدْخُلُ في حُكْمِها، ومَعْناها عِبادَةُ كُلِّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ، وهَذا الأمْرُ بِاجْتِنابِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ المَذْكُورِ هُنا، جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ في صِحَّةِ إيمانِهِ بِاللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] وأثْنى اللَّهُ عَلى مُجْتَنِبِي عِبادَةِ الطّاغُوتِ المُنِيبِينَ لِلَّهِ، وبَيَّنَ أنَّ لَهُمُ البُشْرى، وهي ما يَسُرُّهم عِنْدَ رَبِّهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى﴾ الآيَةَ [الزمر: ١٧]، وقَدْ سَألَ إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَرْزُقَهُ اجْتِنابَ عِبادَةِ الطّاغُوتِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] والأصْنامُ تَدْخُلُ في الطّاغُوتِ دُخُولًا أوَّلِيًا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾، أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِاجْتِنابِ قَوْلِ الزُّورِ، وهو الكَذِبُ والباطِلُ كَقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وكادِّعائِهِمْ لَهُ الأوْلادَ والشُّرَكاءَ، وكُلُّ قَوْلٍ مائِلٍ عَنِ الحَقِّ فَهو زُورٌ، لِأنَّ أصْلَ المادَّةِ الَّتِي هي الزُّورُ مِنَ الِازْوِرارِ بِمَعْنى المَيْلِ، والِاعْوِجاجِ، كَما أوْضَحْناهُ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٧] . واعْلَمْ أنّا قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها، أنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ عامٌّ، ثُمَّ يُصَرَّحُ في بَعْضِ المَواضِعِ بِدُخُولِ بَعْضِ أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ فِيهِ، وتَقَدَّمَتْ لِذَلِكَ أمْثِلَةٌ، وسَيَأْتِي بَعْضُ أمْثِلَتِهِ في الآياتِ القَرِيبَةِ مِن سُورَةِ الحَجِّ هَذِهِ. وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ هُنا قالَ: واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ بِصِيغَةٍ عامَّةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ في بَعْضِ المَواضِعِ بَعْضَ أفْرادِ قَوْلِ الزُّورِ المَنهِيِّ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى في الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ ﷺ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ [الفرقان: ٤] فَصَرَّحَ بِأنَّ قَوْلَهم هَذا مِنَ الظُّلْمِ والزُّورِ، وقالَ في الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ، ويَقُولُ الواحِدُ مِنهم لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] فَصَرَّحَ بِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ، مُنْكَرٌ وزُورٌ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ ”وَكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ (p-٢٥٦)فَقالَ:“ ألا وقَوْلُ الزُّورِ ألا وشَهادَةُ الزُّورِ فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ» اهـ وقَدْ جَمَعَ تَعالى هُنا بَيْنَ قَوْلِ الزُّورِ والإشْراكِ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: - ٣١] وكَما أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُما هُنا، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُما أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ هو قَوْلُ الزُّورِ، وقَدْ أتى مَقْرُونًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ قَوْلِ الزُّورِ؛ لِأنَّ الإشْراكَ بِاللَّهِ قَدْ يَدْخُلُ في قَوْلِ الزُّورِ، كادِّعائِهِمُ الشُّرَكاءَ، والأوْلادَ لِلَّهِ، وكَتَكْذِيبِهِ ﷺ فَكُلُّ ذَلِكَ الزُّورُ فِيهِ أعْظَمُ الكُفْرِ والإشْراكِ بِاللَّهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن كُلِّ سُوءٍ. وَمَعْنى حُنَفاءَ: قَدْ قَدَّمْناهُ مِرارًا مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

الحج 22:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ أيْ وماتَ ولَمْ يَتُبْ مِن ذَلِكَ فَقَدْ وقَعَ في هَلاكٍ، لا خَلاصَ مِنهُ بِوَجْهٍ ولا نَجاةَ مَعَهُ بِحالٍ، لِأنَّهُ شَبَّهَهُ بِالَّذِي خَرَّ: أيْ سَقَطَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، فَتَمَزَّقَتْ أوْصالُهُ، وصارَتِ الطَّيْرُ تَتَخَطَّفُها وتَهْوِي بِها الرِّيحُ فَتُلْقِيها في مَكانٍ سَحِيقٍ: أيْ مَحَلٍّ بَعِيدٍ لِشِدَّةِ هُبُوبِها بِأوْصالِهِ المُتَمَزِّقَةِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَإنَّهُ لا يُرْجى لَهُ خَلاصٌ ولا يُطْمَعُ لَهُ في نَجاةٍ، فَهو هالِكٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لا يَصِلُ الأرْضَ عادَةً إلّا مُتَمَزِّقَ الأوْصالِ، فَإذا خَطَفَتِ الطَّيْرُ أوْصالَهُ وتَفَرَّقَ في حَواصِلِها، أوْ ألْقَتْهُ الرِّيحُ في مَكانٍ بَعِيدٍ فَهَذا هَلاكٌ مُحَقَّقٌ لا مَحِيدَ عَنْهُ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن هَلاكِ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وأنَّهُ لا يُرْجى لَهُ خَلاصٌ، جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٧٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٨] في المَوْضِعَيْنِ مِن سُورَةِ النِّساءِ، والخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ والسَّحِيقُ: البَعِيدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١ ] [ ٦٧ \ ١١] أيْ بُعْدًا لَهم. وَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ مَحَلَّ هَذا الهَلاكِ الَّذِي لا خَلاصَ مِنهُ بِحالِ الواقِعِ بِمَن (p-٢٥٧)يُشْرِكُ بِاللَّهِ، إنَّما هو في حَقِّ مَن ماتَ عَلى ذَلِكَ الإشْراكِ، ولَمْ يَتُبْ مِنهُ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ، أمّا مَن تابَ مِن شِرْكِهِ قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ مُتَعَدِّدَةٌ • كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] • وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] • وقَوْلِهِ في: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ الآيَةَ [طه: ٢ ٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وأمّا إنْ كانَتْ تَوْبَتُهُ مِن شِرْكِهِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، فَإنَّها لا تَنْفَعُهُ. وَقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨] فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ والتَّوْبَةِ مِنهُ، عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥] وكَقَوْلِهِ في فِرْعَوْنَ: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١] وقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ فَتَخَطَّفُهُ بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ أصْلُهُ: فَتَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما وقَرَأهُ غَيْرُهُ مِنَ السَّبْعَةِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ بِإسْكانِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الطّاءِ مُضارِعُ خَطِفَهُ بِالكَسْرِ.

الحج 22:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾، قَدْ ذَكَرْنا قَرِيبًا أنّا ذَكَرْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ عامٌّ، ثُمَّ يُصَرَّحُ في بَعْضِ المَواضِعِ بِدُخُولِ بَعْضِ أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الفَرْدُ قَطْعِيَّ الدُّخُولِ لا يُمْكِنُ إخْراجُهُ بِمُخَصَّصٍ، وواعَدْنا بِذِكْرِ بَعْضِ أمْثِلَتِهِ في هَذِهِ الآياتِ، ومُرادُنا بِذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] عامٌّ في جَمِيعِ شَعائِرِ اللَّهِ، وقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى أنَّ البُدْنَ فَرْدٌ مِن (p-٢٥٨)أفْرادِ هَذا العُمُومِ، داخِلٌ فِيهِ قَطْعًا وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] فَيَدْخُلُ في الآيَةِ تَعْظِيمُ البُدْنِ واسْتِسْمانُها واسْتِحْسانُها كَما قَدَّمْنا عَنِ البُخارِيِّ: أنَّهم كانُوا يُسَمِّنُونَ الأضاحِي، وكانُوا يَرَوْنَ أنَّ ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ شَعائِرِ اللَّهِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ داخِلانِ في هَذا العُمُومِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٨] وأنَّ تَعْظِيمَها المَنصُوصَ في هَذِهِ الآيَةِ: يَدُلُّ عَلى عَدَمِ التَّهاوُنِ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في مَبْحَثِ السَّعْيِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ ذَلِكَ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ مِنَ الإعْرابِ. الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ: أيْ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ وأمْرُهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيِ اللّازِمُ ذَلِكَ أوِ الواجِبُ ذَلِكَ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اتَّبِعُوا ذَلِكَ أوِ امْتَثِلُوا ذَلِكَ، ومِمّا يُشْبِهُ هَذِهِ الإشارَةَ في كَلامِ العَرَبِ قالَ زُهَيْرٌ: ؎هَذا ولَيْسَ كَمَن يَعِي بِخُطَّتِهِ وسَطَ النَّدى إذا ما قائِلٌ نَطَقا قالَهُ القُرْطُبِيُّ وأبُو حَيّانَ والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: هو عائِدٌ إلى الفِعْلَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها الكَلامُ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ إنَّهُ راجِعٌ إلى الشَّعائِرِ بِحَذْفِ مُضافٍ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها أيِ الشَّعائِرَ فَحَذَفَ المُضافَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلى الشَّعائِرِ، اهـ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن أفْعالِ ذَوِي تَقْوى القُلُوبِ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ المُضافاتُ ولا يَسْتَقِيمُ المَعْنى إلّا بِتَقْدِيرِها، لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن راجِعٍ مِنَ الجَزاءِ إلى " مِن لِيَرْتَبِطَ بِهِ، اهـ مِنهُ.

الحج 22:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهُمْ﴾، أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - - نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُبَشِّرَ المُخْبِتِينَ: أيِ المُتَواضِعِينَ لِلَّهِ المُطْمَئِنِّينَ الَّذِينَ مِن صِفَتِهِمْ: أنَّهم إذا سَمِعُوا ذِكْرَ اللَّهِ، وجِلَتْ قُلُوبُهم أيْ: خافَتْ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - وأنْ يُبَشِّرَ الصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم مِنَ الأذى، ومُتَعَلِّقُ التَّبْشِيرِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ أيْ بَشِّرْهم بِثَوابِ اللَّهِ وجَنَّتِهِ، وقَدْ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم: هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا وكَوْنُهم هُمُ المُؤْمِنِينَ حَقًّا، يَجْعَلُهم جَدِيرِينَ بِالبِشارَةِ (p-٢٥٩)المَذْكُورَةِ هُنا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢] وأمَرَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنْ يُبَشِّرَ الصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم مَعَ بَيانِ بَعْضِ ما بُشِّرُوا بِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] . واعْلَمْ: أنَّ وجَلَ القُلُوبِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ أيْ: خَوْفَها مِنَ اللَّهِ عِنْدَ سَماعِ ذِكْرِهِ لا يُنافِي ما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا -، مِن أنَّ المُؤْمِنِينَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالوَجَلِ الَّذِي هو الخَوْفُ عِنْدَ ذِكْرِهِ - جَلَّ وعَلا -، مَعَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالطُّمَأْنِينَةِ بِذِكْرِهِ، والخَوْفُ والطُّمَأْنِينَةُ مُتَنافِيانِ هو ما أوْضَحْناهُ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، وهو أنَّ الطُّمَأْنِينَةَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَكُونُ بِانْشِراحِ الصَّدْرِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وصِدْقِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَطُمَأْنِينَتُهم بِذَلِكَ قَوِيَّةٌ؛ لِأنَّها لَمْ تَتَطَرَّقْها الشُّكُوكُ، ولا الشُّبَهُ، والوَجَلُ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى يَكُونُ بِسَبَبِ خَوْفِ الزَّيْغِ عَنِ الهُدى، وعَدَمِ تَقَبُّلِ الأعْمالِ؛ كَما قالَ تَعالى عَنِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وقالَ تَعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] ولِهَذا «كانَ ﷺ يَقُولُ في دُعائِهِ: ”يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ»“ .

الحج 22:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾، قَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالأكْلِ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ وهي: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ بِأنْواعِها الثَّمانِيَةِ، وأمَرَ بِإطْعامِ البائِسِ الفَقِيرِ مِنها، وأمَرَ بِالأكْلِ مِنَ البُدْنِ وإطْعامِ القانِعِ والمُعْتَرِّ مِنها، وما كانَ مِنَ الإبِلِ، فَهو مِنَ البُدْنِ بِلا خِلافٍ. واخْتَلَفُوا في البَقَرَةِ، هَلْ هي بَدَنَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا الحَدِيثَ الصَّحِيحَ: أنَّ البَقَرَةَ مِنَ البُدْنِ، وقَدَّمْنا أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى أنَّها غَيْرُ بَدَنَةٍ، وأظْهَرُهُما أنَّها مِنَ البُدْنِ، ولِلْعُلَماءِ في تَفْسِيرِ القانِعِ والمُعْتَرِّ أقْوالٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَقارِبَةٌ أظْهَرُها عِنْدِي: أنَّ القانِعَ هو الطّامِعُ الَّذِي يَسْألُ أنْ يُعْطى مِنَ اللَّحْمِ ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ: ؎لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ (p-٢٦٠)يَعْنِي أعَفُّ مِن سُؤالِ النّاسِ، والطَّمَعِ فِيهِمْ، وأنَّ المُعْتَرَّ هو الَّذِي يَعْتَرِي مُتَعَرِّضًا لِلْإعْطاءِ مِن غَيْرِ سُؤالٍ وطَلَبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. وقَدْ قَدَّمْنا حُكْمَ الأكْلِ مِن أنْواعِ الهَدايا والضَّحايا، وأقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، قَوْلُهُ كَذَلِكَ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ أيِ: البُدْنَ لَكم تَسْخِيرًا كَذَلِكَ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ الَّذِي تُشاهِدُونَ أيْ: ذَلَّلْناها لَكم، وجَعَلْناها مُنْقادَةً لَكم تَفْعَلُونَ بِها ما شِئْتُمْ مِن نَحْرٍ ورُكُوبٍ، وحَلْبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ ذَلَّلَها لَكم لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها؛ لِأنَّها أقْوى مِنكم ألا تَرى البَعِيرَ، إذا تَوَحَّشَ صارَ صاحِبُهُ غَيْرَ قادِرٍ عَلَيْهِ، ولا مُتَمَكِّنٍ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ قَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ لَعَلَّ تَأْتِي في القُرْآنِ لِمَعانٍ أقْرَبُها، اثْنانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْناها الأصْلِيِّ، الَّذِي هو التَّرَجِّي والتَّوَقُّعُ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِذَلِكَ خُصُوصُ الخَلْقِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُتَرَجّى مِنهم شُكْرُ النِّعَمَ مِن غَيْرِ قَطْعٍ، بِأنَّهم يَشْكُرُونَها أوْ لا يُنْكِرُونَها لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِما تَؤُولُ إلَيْهِ الأُمُورُ، ولَيْسَ هَذا المَعْنى في حَقِّ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما سَيَكُونُ فَلا يَجُوزُ في حَقِّهِ - جَلَّ وعَلا - إطْلاقُ التَّرَجِّي والتَّوَقُّعِ لِتَنْزِيهِهِ عَنْ ذَلِكَ، وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِما يَنْكَشِفُ عَنْهُ الغَيْبُ، وقَدْ قالَ تَعالى لِمُوسى وهارُونَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] أيْ عَلى رَجائِكُما وتَوَقُّعِكُما أنَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى، مَعَ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ في سابِقِ أزَلِهِ أنَّ فِرْعَوْنَ لا يَتَذَكَّرُ ولا يَخْشى، فَمَعْنى لَعَلَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَلْقِ، لا إلى الخالِقِ - جَلَّ وعَلا -، المَعْنى الثّانِي: هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ، قالَ: كُلُّ لَعَلَّ في القُرْآنِ فَهي لِلتَّعْلِيلِ إلّا الَّتِي في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] قالَ: فَهي بِمَعْنى: كَأنَّكم تَخْلُدُونَ، وإتْيانُ لَفْظَةِ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ قَدَّمْناهُ مُوَضَّحًا مِرارًا وقَدْ قَدَّمْنا مِن شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎فَقُلْتُمْ لَنا كَفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا نَكُفُّ ووَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مَوْثِقِ يَعْنِي كَفُّوا الحُرُوبَ لِأجْلِ أنْ نَكُفَّ، وإذا عَلِمْتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ بَيَّنَ اللَّهُ فِيها أنَّ تَسْخِيرَهُ الأنْعامَ لِبَنِي آدَمَ نِعْمَةٌ مِن إنْعامِهِ، تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ لِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ . فاعْلَمْ: أنَّهُ بَيَّنَ هَذا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى (p-٢٦١)﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] وقَوْلِهِ في آيَةِ ”يس“: هَذِهِ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ كَقَوْلِهِ في آيَةِ ”الحَجِّ“: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ويُشِيرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى قَرِيبًا: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ٣٧]، وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى شُكْرِ العَبْدِ لِرَبِّهِ وشُكْرِ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ، مِرارًا بِما أغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا والتَّسْخِيرُ: التَّذْلِيلُ.

الحج 22:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ يَدْفَعُ السُّوءَ عَنْ عِبادِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ إيمانًا حَقًّا، ويَكْفِيهِمْ شَرَّ أهْلِ السُّوءِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ٣]، • وقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [غافر: ٥١]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِفَتْحِ الياءِ والفاءِ بَيْنَهُما دالٌ ساكِنَةٌ مُضارِعُ دَفَعَ المُجَرَّدِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا الشَّرَّ والسُّوءَ،؛ لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ هو أعْظَمُ أسْبابِ دَفْعِ المَكارِهِ، وقَرَأ الباقُونَ: يُدافِعُ بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ الدّالِ بَعْدَها ألِفٌ، وكَسْرِ الفاءِ مُضارِعُ دافَعَ المَزِيدِ فِيهِ ألِفٌ بَيْنَ الفاءِ والعَيْنِ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ هَذِهِ إشْكالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنَّ المُفاعَلَةَ تَقْتَضِي بِحَسَبِ الوَضْعِ العَرَبِيِّ اشْتِراكَ فاعِلَيْنِ في المَصْدَرِ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَدْفَعُ كُلَّ ما شاءَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مُدافِعٌ يَدْفَعُ شَيْئًا. والجَوابُ: هو ما عُرِفَ مِن أنَّ المُفاعَلَةَ قَدْ تَرِدُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ، نَحْوَ: جاوَزْتُ المَكانَ بِمَعْنى جُزْتُهُ، وعاقَبْتُ اللِّصَّ، وسافَرْتُ، وعافاكَ اللَّهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَإنَّ فاعَلَ في جَمِيعِ ذَلِكَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: يُدافِعُ بِمَعْنى: يَدْفَعُ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن قَرَأ يُدافِعُ فَمَعْناهُ: يُبالِغُ في الدَّفْعِ عَنْهم كَما يُبالِغُ مَن يُغالِبُ فِيهِ؛ لِأنَّ فِعْلَ المُغالِبِ يَجِيءُ أقْوى وأبْلَغَ اهـ مِنهُ، ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (p-٢٦٢)وَجْهُ المُفاعَلَةِ أنَّ الكُفّارَ يَسْتَعْمِلُونَ كُلَّ ما في إمْكانِهِمْ لِإضْرارِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، وإيذائِهِمْ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَدْفَعُ كَيْدَهم عَنِ المُؤْمِنِينَ، فَكانَ دَفْعُهُ - جَلَّ وعَلا - لِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ أهْلُها في طُغْيانٍ شَدِيدٍ، يُحاوِلُونَ إلْحاقَ الضَّرَرِ بِالمُؤْمِنِينَ وبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَ التَّعْبِيرُ بِالمُفاعَلَةِ، في قَوْلِهِ: يُدافِعُ، وإنْ كانَ - جَلَّ وعَلا - قادِرًا عَلى إهْلاكِهِمْ، ودَفْعِ شَرِّهِمْ عَنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، ومِمّا يُوَضِّحُ هَذا المَعْنى الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ؎زَعَمَتْ سَخِينَةُ أنْ سَتَغْلِبُ رَبَّها ∗∗∗ وَلَيَغْلِبَنَّ مُغالِبُ الغُلّابِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى: ومَفْعُولُ يُدافِعُ: مَحْذُوفٌ فَعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ بِمَعْنى: يَدْفَعُ فَقَدْ ذَكَرْنا تَقْدِيرَهُ، وعَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ أخِيرًا فَتَقْدِيرُ المَفْعُولِ: يُدافِعُ عَنْهم أعْداءَهم، وخُصُومَهم فَيَرُدُّ كَيْدَهم في نُحُورِهِمْ. * * وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾، صَرَّحَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: بِأنَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ، والخَوّانُ والكَفُورُ كِلاهُما صِيغَةُ مُبالَغَةٍ؛ لِأنَّ الفَعّالَ بِالتَّضْعِيفِ والفَعُولَ بِفَتْحِ الفاءِ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، والمُقَرَّرُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ نَفْيَ المُبالَغَةِ في الفِعْلِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ أصْلِ الفِعْلِ، فَلَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ لَيْسَ بِقَتّالٍ لِلرِّجالِ فَقَدْ نَفَيْتَ مُبالَغَتَهُ، في قَتْلِهِمْ، ولَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ قَتْلٌ لِبَعْضِهِمْ ولَكِنَّهُ لَمْ يُبالِغْ في القَتْلِ، وعَلى هَذِهِ القاعِدَةِ العَرَبِيَّةِ المَعْرُوفَةِ، فَإنَّ الآيَةَ قَدْ صَرَّحَتْ بِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُبالِغِينَ في الكُفْرِ والمُبالِغِينَ في الخِيانَةِ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ لِمَن يَتَّصِفُ بِمُطْلَقِ الخِيانَةِ ومُطْلَقِ الكُفْرِ مِن غَيْرِ مُبالَغَةً فِيهِما، ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الخائِنَ مُطْلَقًا، والكافِرَ مُطْلَقًا، وقَدْ أوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - ذَلِكَ في بَعْضِ المَواضِعِ، فَقالَ في الخائِنِ: ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] وقالَ في الكافِرِ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] .

الحج 22:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، مُتَعَلِّقُ أُذِنَ مَحْذُوفٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أيْ: أُذِنَ لَهم في القِتالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: يُقاتَلُونَ، وقَدْ صَرَّحَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أُذِنَ لِلَّذِينِ يُقاتَلُونَ وهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ ودَلَّ قَوْلُهُ: يُقاتَلُونَ: عَلى أنَّ المُرادَ مَن يَصْلُحُ لِلْقِتالِ مِنهم دُونَ مَن لا يَصْلُحُ لَهُ، كالأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ والضَّعِيفِ والعاجِزِ عَنِ السَّفَرِ لِلْجِهادِ لِفَقْرِهِ (p-٢٦٣)بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ﴾ الآيَةَ [النور: ٦١]، • وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] • وقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ الباءُ فِيهِ سَبَبِيَّةٌ وهي مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، كَما تَقَرَّرَ في مَسْلَكِ النَّصِّ الظّاهِرِ مِن مَسالِكِ العِلَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الجِهادِ كَما قالَ بِهِ جَماعاتٌ مِنَ العُلَماءِ، ولَيْسَ فِيها مِن أحْكامِ الجِهادِ إلّا مُجَرَّدُ الإذْنِ لَهم فِيهِ، ولَكِنْ قَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ دالَّةٌ عَلى أحْكامٍ أُخَرَ زائِدَةٍ عَلى مُطْلَقِ الإذْنِ فَهي مُبَيِّنَةٌ عَدَمَ الِاقْتِصارِ، عَلى الإذْنِ كَما هو ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى لِعِظَمِ حِكْمَتِهِ في التَّشْرِيعِ، إذا أرادَ أنْ يُشَرِّعَ أمْرًا شاقًّا عَلى النُّفُوسِ كانَ تَشْرِيعُهُ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ؛ لِأنَّ إلْزامَهُ بَغْتَةً في وقْتٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ تَدْرِيجٍ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، عَلى الَّذِينَ كُلِّفُوا بِهِ قالُوا فَمِن ذَلِكَ الجِهادُ، فَإنَّهُ أمْرٌ شاقٌّ عَلى النُّفُوسِ لِما فِيهِ مِن تَعْرِيضِها لِأسْبابِ المَوْتِ؛ لِأنَّ القِتالَ مَعَ العَدُوِّ الكافِرِ القَوِيِّ مِن أعْظَمِ أسْبابِ المَوْتِ عادَةً، وإنْ كانَ الأجَلُ مَحْدُودًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقَدْ بَيَّنَ تَعالى مَشَقَّةَ إيجابِ الجِهادِ عَلَيْهِمْ، • بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧] ومَعَ تَعْرِيضِ النُّفُوسِ فِيهِ لِأعْظَمِ أسْبابِ المَوْتِ، فَإنَّهُ يُنْفَقُ فِيهِ المالُ أيْضًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] قالُوا: ولَمّا كانَ الجِهادُ فِيهِ هَذا مِنَ المَشَقَّةِ، وأرادَ اللَّهُ تَشْرِيعَهُ شَرَّعَهُ تَدْرِيجًا، فَأذِنَ فِيهِ أوَّلًا مِن غَيْرِ إيجابٍ • بِقَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ الآيَةَ [الحج: ٣٩]، ثُمَّ لَمّا اسْتَأْنَسَتْ بِهِ نُفُوسُهم بِسَبَبِ الإذْنِ فِيهِ، أوْجَبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: مَن قاتَلَهم دُونَ مَن لَمْ يُقاتِلْهم • بِقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٠]، وهَذا تَدْرِيجٌ مِنَ الإذْنِ إلى نَوْعٍ خاصٍّ مِنَ الإيجابِ، ثُمَّ لَمّا اسْتَأْنَسَتْ نُفُوسُهم بِإيجابِهِ في الجُمْلَةِ أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ إيجابًا عامًّا جازِمًا في آياتٍ مِن كِتابِهِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] • وقَوْلِهِ: (p-٢٦٤)﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. واعْلَمْ: أنَّ لِبَعْضِ أهْلِ العِلْمِ في بَعْضِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا أقْوالًا غَيْرَ ما ذَكَرْنا، ولَكِنَّ هَذا التَّدْرِيجَ الَّذِي ذَكَرْنا دَلَّ عَلَيْهِ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ في تَشْرِيعِ الأحْكامِ الشّاقَّةِ، ونَظِيرُهُ شُرْبُ الخَمْرِ فَإنَّ تَرْكَهُ شاقٌّ عَلى مَنِ اعْتادَهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يُحَرِّمَ الخَمْرَ حَرَّمَها تَدْرِيجًا، فَذَكَرَ أوَّلًا بَعْضَ مَعائِبِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] ثُمَّ لَمّا اسْتَأْنَسَتْ نُفُوسُهم بِأنَّ في الخَمْرِ إثْمًا أكْثَرَ مِمّا فِيها مِنَ النَّفْعِ، حَرَّمَها عَلَيْهِمْ في أوْقاتِ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٣]، فَكانُوا بَعْدَ نُزُولِها، لا يَشْرَبُونَها إلّا في وقْتٍ يَزُولُ فِيهِ السُّكْرُ قَبْلَ وقْتِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ وبَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ العِشاءِ والصُّبْحِ يَصْحُو فِيهِ السَّكْرانُ عادَةً، وكَذَلِكَ ما بَيْنَ الصُّبْحِ والظُّهْرِ، وهَذا تَدْرِيجٌ مِن عَيْبِها إلى تَحْرِيمِها في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَلَمّا اسْتَأْنَسَتْ نُفُوسُهم بِتَحْرِيمِها حَرَّمَها عَلَيْهِمْ تَحْرِيمًا عامًّا جازِمًا بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] وكَذَلِكَ الصَّوْمُ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الإمْساكُ عَنْ شَهْوَةِ الفَرْجِ والبَطْنِ شاقًّا عَلى النُّفُوسِ، وأرادَ تَعالى تَشْرِيعَهُ شَرَّعَهُ تَدْرِيجًا فَخَيَّرَ أوَّلًا بَيْنَ صَوْمِ اليَوْمِ وإطْعامِ المِسْكِينِ في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَلَمّا اسْتَأْنَسَتِ النُّفُوسُ بِهِ في الجُمْلَةِ، أوْجَبَهُ أيْضًا إيجابًا عامًّا جازِمًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: التَّدْرِيجُ في تَشْرِيعِ الصَّوْمِ عَلى ثَلاثَةِ مَراحِلَ كَما قَبْلَهُ قالُوا: أوْجَبَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا صَوْمًا خَفِيفًا لا مَشَقَّةَ فِيهِ وهو صَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ وثَلاثَةٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ لَمّا أرادَ فَرْضَ صَوْمِ رَمَضانَ شَرَّعَهُ تَدْرِيجًا عَلى المَرْحَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْناهُما آنِفًا، هَكَذا قالَتْهُ جَماعاتٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، ولَهُ اتِّجاهٌ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ يُشِيرُ إلى مَعْنَيَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ الإشارَةَ إلى وعْدِهِ لِلنَّبِيِّ وأصْحابِهِ، بِالنَّصْرِ عَلى أعْدائِهِمْ كَما قالَ قَبْلَهُ قَرِيبًا: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] . والمَعْنى الثّانِي: أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَنْصُرَ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ مِن غَيْرِ قِتالٍ (p-٢٦٥)لِقُدْرَتِهِ عَلى إهْلاكِهِمْ بِما شاءَ، ونُصْرَةِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ بِإهْلاكِهِ إيّاهم، ولَكِنَّهُ شَرَعَ الجِهادَ لِحِكَمٍ مِنها: اخْتِبارُ الصّادِقِ في إيمانِهِ، وغَيْرِ الصّادِقِ فِيهِ، ومِنها تَسْهِيلُ نَيْلِ فَضْلِ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِقَتْلِ الكُفّارِ لِشُهَداءِ المُسْلِمِينَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَّلَ أحَدٌ فَضْلَ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، كَما أشارَ تَعالى إلى حِكْمَةِ اخْتِبارِ الصّادِقِ في إيمانِهِ وغَيْرِهِ بِالجِهادِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] • وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٧٩] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ • وكَقَوْلِهِ تَعالى في حِكْمَةِ الِابْتِلاءِ المَذْكُورِ، وتَسْهِيلِ الشَّهادَةِ في سَبِيلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤١] وقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ: ”أُذِنَ“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الذّالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ: أذِنَ اللَّهُ لِلَّذِينِ يُقاتَلُونَ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: ”يُقاتَلُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَجِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِتالَ الكُفّارِ مَأْذُونٌ فِيهِ لا واجِبٌ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّهُ أذِنَ فِيهِ أوَّلًا مِن غَيْرِ إيجابٍ، ثُمَّ أوْجَبَ بَعْدَ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، ويَدُلُّ لِهَذا ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ومُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وغَيْرُ واحِدٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ مِن أنَّ آيَةَ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الجِهادِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الحج 22:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾، تَقَدَّمَ ما يُوَضِّحُ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ الآياتِ في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أقْسَمَ لَيَنْصُرَنَّ مَن يَنْصُرُهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ نَصْرَ اللَّهِ إنَّما هو بِاتِّباعِ ما شَرَّعَهُ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، واجْتِنابِ نَواهِيهِ ونُصْرَةِ رُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ، ونُصْرَةِ دِينِهِ وجِهادِ أعْدائِهِ وقَهْرِهِمْ حَتّى تَكُونَ كَلِمَتُهُ - جَلَّ وعَلا - هي العُلْيا، وكَلِمَةُ أعْدائِهِ هي السُّفْلى، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - بَيَّنَ صِفاتِ الَّذِينَ وعَدَهم بِنَصْرِهِ لِتَمْيِيزِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ فَقالَ (p-٢٦٦)مُبَيِّنًا مَن أقْسَمَ أنَّهُ يَنْصُرُهُ؛ لِأنَّهُ يَنْصُرُ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤١] وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ: مِن أنَّ مَن نَصَرَ اللَّهَ نَصَرَهُ اللَّهُ جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٧ - ٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] • وقَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [النور: ٥٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤١]، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا وعْدَ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ، إلّا مَعَ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فالَّذِينَ يُمَكِّنُ اللَّهُ لَهم في الأرْضِ ويَجْعَلُ الكَلِمَةَ فِيها والسُّلْطانَ لَهم، ومَعَ ذَلِكَ لا يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ولا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، ولا يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، ولا يَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ فَلَيْسَ لَهم وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مِن حِزْبِهِ، ولا مِن أوْلِيائِهِ الَّذِينَ وعَدَهم بِالنَّصْرِ، بَلْ هم حِزْبُ الشَّيْطانِ وأوْلِياؤُهُ، فَلَوْ طَلَبُوا النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ بِناءً عَلى أنَّهُ وعَدَهم إيّاهُ، فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الأجِيرِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِن عَمَلِ ما أُجِرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَطْلُبُ الأُجْرَةَ، ومَن هَذا شَأْنُهُ فَلا عَقْلَ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] العَزِيزُ الغالِبُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ نَصَرَهم عَلى أعْدائِهِمْ، لِأنَّهم نَصَرُوهُ فَأقامُوا الصَّلاةَ، وآتَوُا الزَّكاةَ، وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ، ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، وقَدْ مَكَّنَ لَهم، واسْتَخْلَفَهم في الأرْضِ كَما قالَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [النور: ٥٥]، والحَقُّ أنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ تَشْمَلُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكُلَّ مَن قامَ بِنُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الحج 22:42

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿وَأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّ الَّذِي عامَلَهُ بِهِ قَوْمُهُ مِنَ التَّكْذِيبِ عُومِلَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ، وذَلِكَ يُسَلِّيهِ ويُخَفِّفُ عَلَيْهِ كَما قالَ تَعالى (p-٢٦٧)﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ الآيَةَ [هود: ١٢٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] • وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ سَبْعَ أُمَمٍ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهم كَذَّبَتْ رَسُولَها. الأُولى: قَوْمُ نُوحٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الحج: ٤٢] والآياتُ الدّالَّةُ عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِ نُوحٍ لا تَكادُ تُحْصى في القُرْآنِ، لِكَثْرَتِها ولْنَقْتَصِرْ عَلى الأمْثِلَةِ لِكَثْرَةِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى تَكْذِيبِ هَذِهِ الأُمَمِ رُسُلَها كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. الثّانِيَةُ: عادٌ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولَهم هُودًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] . الثّالِثَةُ: ثَمُودُ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ تَكْذِيبَهم لِنَبِيِّهِمْ صالِحٍ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] وقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. الرّابِعَةُ: قَوْمُ إبْراهِيمَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهم كَذَّبُوهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٦٨]، وكَقَوْلِهِ: ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. الخامِسَةُ: قَوْمُ لُوطٍ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهم كَذَّبُوهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ الآيَةَ [النمل: ٥٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. السّادِسَةُ: أصْحابُ مَدْيَنَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم كَذَّبُوا نَبِيَّهم شُعَيْبًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ • كَقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] • وقَوْلِهِ: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: (p-٢٦٨)﴿قالُوا ياشُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٤ - ٨٧] • وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ الآيَةَ [هود: ٩١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. السّابِعَةُ: مَن كَذَّبُوا مُوسى وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ كَذَّبُوا مُوسى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] • وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨ - ١٩] • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، • وقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] قَدْ بَيَّنَ تَعالى نَوْعَ العَذابِ الَّذِي عَذَّبَ بِهِ كُلَّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ، بَعْدَ الإمْلاءِ لَها والإمْهالِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ بِالغَرَقِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] • وقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٢] • وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ أنَّهُ بَعْدَ الإمْلاءِ والإمْهالِ لِعادٍ أهْلَكَهم بِالرِّيحِ العَقِيمِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ الآياتِ [الحاقة: ٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ [القمر: ٤١ - ٤٢] • وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وبَيَّنَ أنَّهُ أهْلَكَ ثَمُودَ بِصَيْحَةٍ أهْلَكَتْهم جَمِيعًا؛ • كَقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] • وقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْمُ إبْراهِيمَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هم نُمْرُوذُ، وقَوْمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ العَذابَ الدُّنْيَوِيَّ الَّذِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِهِ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَ قَوْمَ لُوطٍ بِجَعْلِ عالِي أرْضِهِمْ سافِلَها، وأنَّهُ (p-٢٦٩)أرْسَلَ عَلَيْهِمْ مَطَرًا مِن حِجارَةِ السِّجِّيلِ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ • كَقَوْلِهِ؛ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَ أصْحابَ مَدْيَنَ بِالصَّيْحَةِ في مَواضِعَ؛ • كَقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٤ - ٩٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وقَدْ بَيَّنَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ أنَّهُ أهْلَكَ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُوسى، وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ بِالغَرَقِ • كَقَوْلِهِ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ الآيَةَ [طه: ٧٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَمَعْلُومٌ أنَّ الآياتِ كَثِيرَةٌ في بَيانِ ما أُهْلِكَتْ بِهِ هَذِهِ الأُمَمُ السَّبْعُ المَذْكُورَةُ، وقَدْ ذَكَرْنا قَلِيلًا مِنها كالمِثالِ لِغَيْرِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوَضِّحُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ تَكْذِيبَ الأُمَمِ السَّبْعِ لِأنْبِيائِهِمْ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ [الحج: ٤٤] أيْ: بِالعَذابِ، وهو ما ذَكَرْنا بَعْضَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى تَفاصِيلِهِ وقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ النَّكِيرُ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الإنْكارِ أيْ: كَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ مُنْكَرَهم، الَّذِي هو كُفْرُهم بِي، وتَكْذِيبُهم رُسُلِي، وهو ذَلِكَ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ الَّذِي بَيَّنّا وبَعْدَهُ عَذابُ الآخِرَةِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ نَرْجُو اللَّهَ لَنا ولِإخْوانِنا المُسْلِمِينَ العافِيَةَ مِن كُلِّ ما يُسْخِطُ خالِقَنا، ويَسْتَوْجِبُ عُقُوبَتَهُ، والجَوابُ إنْكارُكَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ العَذابِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ؛ لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ، فَجَزاءُ العَمَلِ البالِغِ غايَةَ القُبْحِ بِالنَّكالِ العَظِيمِ جَزاءَ وِفاقٍ واقِعٍ مَوْقِعَهُ، فَسُبْحانَ الحَكِيمِ الخَبِيرِ الَّذِي لا يَضَعُ الأمْرَ إلّا في مَوْضِعِهِ ولا يُوقِعُهُ إلّا في مَوْقِعِهِ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ورْشٌ وحْدَهُ عَنْ نافِعٍ: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ بِياءِ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ الرّاءِ وصْلًا فَقَطْ وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ.

الحج 22:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾، بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ القُرى في حالِ كَوْنِها ظالِمَةً أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ الظُّلْمِ، وهو الكُفْرُ بِاللَّهِ وتَكْذِيبُ رُسُلِهِ، فَصارَتْ بِسَبَبِ الإهْلاكِ والتَّدْمِيرِ دِيارُها مُتَهَدِّمَةٌ وآبارُها مُعَطَّلَةٌ، لا يَسْقِي مِنها شَيْءٌ لِإهْلاكِ أهْلِها الَّذِينَ كانُوا يَسْتَقُونَ مِنها. (p-٢٧٠)وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ٨ - ١٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ثُمَّ قَرَأ ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾» [هود: ١٠٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [الحج: ٤٥] العُرُوشُ السُّقُوفُ والخاوِيَةُ السّاقِطَةُ ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ؎كانَ أبُو حَسّانَ عَرْشًا خَوى مِمّا بَناهُ الدَّهْرُ دانٍ ظَلِيلُ والمَعْنى: أنَّ السُّقُوفَ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتْ عَلَيْها حِيطانُها عَلى أظْهَرِ التَّفْسِيراتِ، والقَصْرُ المَشِيدُ المَطْلِيُّ بِالشِّيدِ بِكَسْرِ الشِّينِ، وهو الجِصُّ، وقِيلَ المَشِيدُ: الرَّفِيعُ الحَصِينُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] أيْ: حُصُونٍ رَفِيعَةٍ مَنِيعَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَرْيَةٍ أيْ: وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها، وكَمْ مِن بِئْرٍ عَطَّلْناها بِإهْلاكِ أهْلِها، وكَمْ مِن قَصْرٍ مَشِيدٍ أخْلَيْناهُ مِن ساكِنِيهِ، وأهْلَكْناهم لَمّا كَفَرُوا وكَذَّبُوا الرُّسُلَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها: تَهْدِيدٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ ﷺ، وتَحْذِيرٌ لَهم مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِتِلْكَ القُرى مِنَ العَذابِ لَمّا كَذَّبَتْ رُسُلَها. * * تَنْبِيهٌ يَظْهَرُ لِطالِبِ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ يَدُلُّ عَلى تَهَدُّمِ أبْنِيَةِ أهْلِها، وسُقُوطِها وقَوْلُهُ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ يَدُلُّ عَلى بَقاءِ أبْنِيَتِها قائِمَةً مُشَيَّدَةً. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الظّاهِرُ لِي في جَوابِ هَذا السُّؤالِ: أنَّ قُصُورَ القُرى الَّتِي أهْلَكَها اللَّهُ، وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِنها ما هو مُتَهَدِّمٌ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ ومِنها ما هو قائِمُ باقٍ عَلى بِنائِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ وإنَّما اسْتَظْهَرْنا هَذا الجَمْعَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلَيْهِ، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ (p-٢٧١)القُرْآنُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - في سُورَةِ هُودٍ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] فَصَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ مِنها قائِمًا، ومِنها حَصِيدًا. وَأظْهَرُ الأقْوالِ وأجْراها عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ: أنَّ القائِمَ هو الَّذِي لَمْ يَتَهَدَّمْ، والحَصِيدَ هو الَّذِي تَهَدَّمَ وتَفَرَّقَتْ أنْقاضُهُ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُهُ: ؎والنّاسُ في قِسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ وَفِي مَعْنى القائِمِ والحَصِيدِ، أقْوالٌ أُخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا، ولَكِنْ ما ذَكَرْنا هو أظْهَرُها، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما يُفْهَمُ مِنهُ وجْهٌ آخَرُ لِلْجَمْعِ، وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ”خاوِيَةٌ“: خالِيَةٌ مِن أهْلِها مِن قَوْلِهِ: خَوى المَكانُ إذا خَلا مِن أهْلِهِ، وأنَّ مَعْنى: ”عَلى عُرُوشِها“: أنَّ الأبْنِيَةَ باقِيَةٌ أيْ: هي خالِيَةٌ مِن أهْلِها مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها قائِمَةً عَلى حِيطانِها، وما ذَكَرْناهُ أوَّلًا هو الصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وأمْثالُها في القُرْآنِ: أنَّ لَفْظَ القَرْيَةِ يُطْلَقُ تارَةً عَلى نَفْسِ الأبْنِيَةِ، وتارَةً عَلى أهْلِها السّاكِنِينَ بِها، فالإهْلاكُ في قَوْلِهِ: أهْلَكْناها، والظُّلْمُ في قَوْلِهِ: ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾: يُرادُ بِهِ أهْلُها السّاكِنُونَ بِها وقَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ يُرادُ بِهِ الأبْنِيَةُ كَما قالَ في آيَةِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢] وقالَ في أُخْرى: ﴿حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ [الكهف: ٧٧] . وَقَدْ بَيَّنّا في رِسالَتِنا المُسَمّاةِ مَنعَ جَوازِ المَجازِ في المَنزِلِ لِلتَّعَبُّدِ والإعْجازِ: أنَّ ما يُسَمِّيهِ البَلاغِيُّونَ مَجازَ النَّقْصِ، ومَجازَ الزِّيادَةِ، لَيْسَ بِمَجازٍ حَتّى عِنْدَ جُمْهُورِ القائِلِينَ بِالمَجازِ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، وأقَمْنا الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ: وكائِنٌ بِألِفٍ بَعْدِ الكافِ، وبَعْدَ الألْفِ هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ، فَنُونٌ ساكِنَةٌ وقَرَأهُ الباقُونَ: وكَأيِّنْ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الكافِ بَعْدَها ياءٌ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ فَنُونٌ ساكِنَةٌ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، فَهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، وقِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ صَحِيحَتانِ. وَأبُو عَمْرٍو يَقِفُ عَلى الياءِ، والباقُونَ يَقِفُونَ عَلى النُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”أهْلَكْتُها“ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ المَضْمُومَةِ بَعْدَ الكافِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الكافِ، وبَعْدَ النُّونِ ألِفٌ، والمُرادُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ التَّعْظِيمُ، كَما هو واضِحٌ، وقَرَأ ورْشٌ والسُّوسِيُّ و (بِيرٍ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً والباقُونَ بِالهَمْزَةِ السّاكِنَةِ. * * (p-٢٧٢)مَسْألَةٌ اعْلَمْ أنَّ كَأيِّنْ فِيها لُغاتٌ عَدِيدَةٌ أفْصَحُها الِاثْنَتانِ اللَّتانِ ذَكَرْناهُما، وكَأيِّنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والياءِ المَكْسُورَةِ المُشَدَّدَةِ أكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ كَما بَيَّنّا، وكائِنٌ بِالألِفِ والهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ أكْثَرُ في شِعْرِ العَرَبِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِها مِنَ السَّبْعَةِ غَيْرُ ابْنِ كَثِيرٍ كَما بَيَّنّا، ومَعْنى كَأيِّنْ: كَمَعْنى كَمِ الخَبَرِيَّةِ، فَهي تَدُلُّ عَلى الإخْبارِ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ ومُمَيِّزُها لَهُ حالَتانِ: الأُولى: أنْ يُجَرَّ بِمِن وهي لُغَةُ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ [الطلاق: ٨] وقَوْلِهِ ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤٦] ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ١٠٥]، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ في جَرِّ مُمَيَّزِ كَأيِّنْ بِمِن قَوْلُهُ: ؎وَكائِنٌ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ يَرانِي لَوْ أُصِيبُ هو المُصابا الحالَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يُنْصَبَ ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎وَكائِنٌ لَنا فَضْلًا عَلَيْكم ومِنَّةً ∗∗∗ قَدِيمًا ولا تَدْرُونَ ما مِن مُنْعِمِ وَقَوْلُ الآخَرِ: ؎اطْرُدِ اليَأْسَ بِالرَّجاءِ فَكائِنٌ ∗∗∗ آلِمًا حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ قالَ في الخُلاصَةِ: ؎كَكَمْ كَأيِّنْ وكَذا ويَنْتَصِبْ ∗∗∗ تَمْيِيزُ ذَيْنِ أوْ بِهِ صِلْ مَن تُصِبْ أمّا الِاسْتِفْهامُ بِكَأيِّنْ فَهو نادِرٌ ولَمْ يُثْبِتْهُ إلّا ابْنُ مالِكٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ عُصْفُورٍ، واسْتَدَلَّ لَهُ ابْنُ مالِكٍ بِما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: كَأيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ آيَةً فَقالَ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ اهـ. واخْتُلِفَ في كَأيِّنْ هَلْ هي بَسِيطَةٌ أوْ مُرَكَّبَةٌ وعَلى أنَّها مُرَكَّبَةٌ فَهي مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ، وأيِّ المُنَوَّنَةِ، قالَ بَعْضُهم: ولِأجْلِ تَرْكِيبِها جازَ الوَقْفُ عَلَيْها بِالنُّونِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ التَّنْوِينَ لَمّا دَخَلَ في التَّرْكِيبِ أشْبَهَ النُّونَ الأصْلِيَّةَ، ولِهَذا رُسِمَ في المُصْحَفِ نُونًا وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو بِالوَقْفِ عَلى الياءِ لِأجْلِ اعْتِبارِ حُكْمِ التَّنْوِينِ في الأصْلِ، وهو حَذْفُهُ في الوَقْفِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ كَأيِّنْ بَسِيطَةٌ، وأنَّها كَلِمَةٌ (p-٢٧٣)وَضَعَتْها العَرَبُ لِلْإخْبارِ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ نَحْوَ: كَمْ، إذْ لا دَلِيلَ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ عَلى أنَّ أصْلَها مُرَكَّبَةٌ، ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّها بَسِيطَةٌ: إثْباتُ نُونِها في الخَطِّ؛ لِأنَّ الأصْلَ في نُونِ التَّنْوِينِ عَدَمُ إثْباتِها في الخَطِّ، ودَعْوى أنَّ التَّرْكِيبَ جَعَلَها كالنُّونِ الأصْلِيَّةِ دَعْوى مُجَرَّدَةٌ عَنِ الدَّلِيلِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّها غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِتَلاعُبِ العَرَبِ بِها في تَعَدُّدِ اللُّغاتِ، فَإنَّ فِيها خَمْسَ لُغاتٍ اثْنَتانِ مِنها قَدْ قَدَّمْناهُما، وبَيَّنّا أنَّهُما قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ؛ لِأنَّ إحْداهُما قَرَأ بِها ابْنُ كَثِيرٍ والأُخْرى قَرَأ بِها الجُمْهُورُ، واللُّغَةُ الثّالِثَةُ فِيها: كَأْيِنْ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ فَياءٌ مَكْسُورَةٌ، والرّابِعَةُ كَيْئِنْ بِياءٍ ساكِنَةٍ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ، الخامِسَةُ: كَأنْ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ ونُونٍ ساكِنَةٍ اهـ، ولَقَدْ صَدَقَ أبُو حَيّانَ في أنَّ التَّلاعُبَ بِلَفْظِ هَذِهِ الكَلِمَةِ إلى هَذِهِ اللُّغاتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَها بَسِيطَةٌ لا مُرَكَّبَةٌ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. واعْلَمْ: أنَّ ما يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ البِئْرَ المُعَطَّلَةَ، والقَصْرَ المَشِيدَ مَعْرُوفانِ، وأنَّهُما بِحَضْرَمَوْتَ، وأنَّ القَصْرَ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، وأنَّ البِئْرَ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّياحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وما يَذْكُرُونَهُ أيْضًا مِن أنَّ البِئْرَ هي: الرَّسُّ، وأنَّها كانَتْ بِعَدَنَ بِاليَمَنِ بِحَضْرَمَوْتَ في بَلَدٍ يُقالُ لَهُ: حَضُورُ، وأنَّها نَزَلَ بِها أرْبَعَةُ آلافٍ مِمَّنْ آمَنُوا بِصالِحٍ، ونَجَوْا مِنَ العَذابِ ومَعَهم صالِحٌ، فَماتَ صالِحٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتَ؛ لِأنَّ صالِحًا لَمّا حَضَرَهُ ماتَ فَبَنَوْا حَضُورَ وقَعَدُوا عَلى هَذِهِ البِئْرِ، وأمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: العَلَسُ بْنُ جُلاسِ بْنِ سُوَيْدٍ أوْ جَلْهَسُ بْنُ جُلاسٍ وكانَ حَسَنَ السِّيرَةِ فِيهِمْ عامِلًا عَلَيْهِمْ، وجَعَلُوا وزِيرَهُ سَنْجارِيبَ بْنَ سَوادَةَ، فَأقامُوا دَهْرًا، وتَناسَلُوا حَتّى كَثُرُوا، وكانَتِ البِئْرُ تَسْقِي المَدِينَةَ كُلَّها وبادِيَتَها، وجَمِيعُ ما فِيها مِنَ الدَّوابِّ والغَنَمِ والبَقَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّها كانَتْ لَها بَكَراتٌ كَثِيرَةٌ مَنصُوبَةً عَلَيْها، ورِجالٌ كَثِيرُونَ مُوَكَّلُونَ بِها، وحِياضٌ كَثِيرَةٌ حَوْلَها تُمْلَأُ لِلنّاسِ وحِياضٌ لِلدَّوابِّ وحِياضٌ لِلْغَنَمِ، وحِياضٌ لِلْبَقَرِ، ولَمْ يَكُنْ لَهم ماءٌ غَيْرُها، وآلَ بِهِمُ الأمْرُ إلى أنْ ماتَ مَلِكُهم وطَلَوْا جُثَّتَهُ بِدُهْنٍ يَمْنَعُها مِنَ التَّغْيِيرِ، وأنَّ الشَّيْطانَ دَخَلَ في جُثَّتِهِ، وزَعَمَ لَهم أنَّهُ هو المَلِكُ، وأنَّهُ لَمْ يَمُتْ ولَكِنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْهم لِيَرى صَنِيعَهم وأمَرَهم أنْ يَضْرِبُوا بَيْنَهم وبَيْنَ الجُثَّةِ حِجابًا، وكانَ الشَّيْطانُ يُكَلِّمُهم مِن جُثَّةِ المَلِكِ مِن وراءِ حِجابٍ لِئَلّا يَطَّلِعُوا عَلى الحَقِيقَةِ أنَّهُ مَيِّتٌ، ولَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتّى كَفَرُوا بِاللَّهِ تَعالى فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا اسْمُهُ: حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانَ يُوحى إلَيْهِ في النَّوْمِ دُونَ اليَقَظَةِ، فَأعْلَمَهم أنَّ الشَّيْطانَ أضَلَّهم وأخْبَرَهم أنَّ مَلِكَهم قَدْ ماتَ، ونَهاهم عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ووَعَظَهم ونَصَحَ لَهم، وحَذَّرَهم عِقابَ رَبِّهِمْ، فَقَتَلُوا نَبِيَّهُمُ المَذْكُورَ في (p-٢٧٤)السُّوقِ، وطَرَحُوهُ في بِئْرٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَ بِهِمْ عِقابُ اللَّهِ، فَأصْبَحُوا والبِئْرُ غارَ ماؤُها، وتَعَطَّلَ رِشاؤُها فَصاحُوا بِأجْمَعِهِمْ، وضَجَّ النِّساءُ والصِّبْيانُ حَتّى ماتَ الجَمِيعُ مِنَ العَطَشِ، وأنَّ تِلْكَ البِئْرَ هي البِئْرُ المُعَطَّلَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، كُلُّهُ لا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مِن جِنْسِ الإسْرائِيلِيّاتِ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ [الحج: ٤٨] مَعْناهُ: الإخْبارُ بِأنَّ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ القُرى أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِظُلْمِهِمْ، وأنَّ كَثِيرًا مِن آبارِهِمْ بَقِيَتْ مُعَطَّلَةً بِهَلاكِ أهْلِها، وأنَّ كَثِيرًا مِنَ القُصُورِ المُشَيَّدَةِ بَقِيَتْ بَعْدَ هَلاكِ أهْلِها بِدُونِهِمْ؛ لِأنَّ مُمَيَّزَ كَأيِّنْ، وإنْ كانَ لَفْظُهُ مُفْرَدًا فَمَعْناهُ يَشْمَلُ عَدَدًا كَثِيرًا كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ. وَقالَ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ وعَنِ الإمامِ أبِي القاسِمِ الأنْصارِيِّ قالَ: رَأيْتُ قَبْرَ صالِحٍ بِالشّامِ في بَلْدَةٍ يُقالُ لَها: عَكّا فَكَيْفَ يَكُونُ بِحَضْرَمَوْتَ، ومَعْلُومٌ أنَّ دِيارَ قَوْمِ صالِحٍ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيها مَعْرُوفَةٌ يَمُرُّ بِها الذّاهِبُ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ الحِجْرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِها في طَرِيقِهِ إلى تَبُوكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ومِنَ المُسْتَبْعَدِ أنْ يَقْطَعَ صالِحٌ، ومَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ هَذِهِ المَسافَةَ الطَّوِيلَةَ البَعِيدَةَ مِن أرْضِ الحِجْرِ إلى حَضْرَمَوْتَ مِن غَيْرِ داعٍ يَدْعُوهُ ويَضْطَرُّهُ إلى ذَلِكَ، كَما تَرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الحج 22:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّنا - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ -، يَنْبَغِي لَهم أنْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها، أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها؛ لِأنَّهم إذا سافَرُوا مَرُّوا بِأماكِنِ قَوْمِ صالِحٍ، وأماكِنِ قَوْمِ لُوطٍ، وأماكِنِ قَوْمِ هُودٍ، فَوَجَدُوا بِلادَهم خالِيَةً وآثارَهم مُنْطَمِسَةً لَمْ يَبْقَ مِنهم داعٍ ولا مُجِيبٌ، لِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم، وكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، فَيُدْرِكُونَ بِعُقُولِهِمْ: أنَّ تَكْذِيبَهم نَبِيَّهم لا يُؤْمَنُ أنْ يُسَبِّبَ لَهم مِن سَخَطِ اللَّهِ مِثْلَ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ مَرُّوا بِمَساكِنِهِمْ خالِيَةً، قَدْ عَمَّ أهْلَها الهَلاكُ، وتَكُونُ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ عَلى نَبِيِّهِ مِن أخْبارِ تِلْكَ الأُمَمِ، وما أصابَها مِنَ الإهْلاكِ المُسْتَأْصِلِ والتَّدْمِيرِ، فَيَحْذَرُوا أنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [محمد: ١٠] ثُمَّ بَيَّنَ تَهْدِيدَهُ لِكُفّارِ مَكَّةَ بِما فَعَلَ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] وكَقَوْلِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] (p-٢٧٥)وَكَقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٧٦]، وكَقَوْلِهِ في قَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ [ق: ١٤] ﴿وَإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]؛ لِأنَّ مَعْنى الآيَتَيْنِ: أنَّ دِيارَهم عَلى ظَهْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَمُرُّونَ فِيهِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالسَّبِيلِ والإمامِ، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنها جُمَلًا كافِيَةً في سُورَةِ المائِدَةِ وغَيْرِها. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّ العَقْلِ: في القَلْبِ، ومَحَلَّ السَّمْعِ: في الأُذُنِ، فَما يَزْعُمُهُ الفَلاسِفَةُ مِن أنَّ مَحَلَّ العَقْلِ الدِّماغُ باطِلٌ، كَما أوْضَحْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ العَقْلَ لا مَرْكَزَ لَهُ أصْلًا في الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ زَمانِيٌّ فَقَطْ لا مْكانِيٌّ فَهو في غايَةِ السُّقُوطِ والبُطْلانِ كَما تَرى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧٢]، مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ . ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى عَمى الأبْصارِ كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] . والجَوابُ أنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وبَيْنَ الضّارِّ والنّافِعِ، وبَيْنَ القَبِيحِ والحَسَنِ، لَمّا كانَ كُلُّهُ بِالبَصائِرِ لا بِالأبْصارِ، صارَ العَمى الحَقِيقِيُّ هو عَمى البَصائِرِ لا عَمى الأبْصارِ، ألا تَرى أنَّ صِحَّةَ العَيْنَيْنِ لا تُفِيدُ مَعَ عَدَمِ العَقْلِ كَما هو ضَرُورِيٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ يَعْنِي بَصائِرَهم أوْ أعْمى أبْصارَهم عَنِ الحَقِّ وإنْ رَأتْ غَيْرَهُ. (p-٣٤٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِقْدارَ اليَوْمِ عِنْدَ اللَّهِ ألْفُ سَنَةٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] . وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، هي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”سَألَ سائِلٌ“: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ الآيَةَ [المعارج: ٤] . اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ أبا عُبَيْدَةَ رَوى عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ عَنْ أيُّوبَ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّهُ حَضَرَ كُلًّا مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآياتِ فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُ فِيها، ويَقُولُ: لا أدْرِي. وَلِلْجَمْعِ بَيْنَهُما وجْهانِ: الأوَّلُ: هو ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ سِماكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن أنَّ يَوْمَ الألْفِ في سُورَةِ ”الحَجِّ“ هو أحَدُ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ، ويَوْمُ الألْفِ في سُورَةِ ”السَّجْدَةِ“، هو مِقْدارُ سَيْرِ الأمْرِ وعُرُوجِهِ إلَيْهِ تَعالى، ويَوْمُ الخَمْسِينَ ألْفًا هو يَوْمُ القِيامَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِجَمِيعِها يَوْمُ القِيامَةِ، وأنَّ الِاخْتِلافَ بِاعْتِبارِ حالِ المُؤْمِنِ والكافِرِ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠]، ذَكَرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ صاحِبُ الإتْقانِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الحج 22:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ يَطْلُبُونَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَعْجِيلَ العَذابِ الَّذِي يَعِدُهم بِهِ طُغْيانًا وعِنادًا. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦] • وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] • وقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٥٣] . وَقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] وفي يُونُسَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ١٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالوَعْدِ هُنا: هو ما أوْعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَهُ. (p-٢٧٦)والمَعْنى: هو مُنْجِزٌ ما وعَدَهم بِهِ مِنَ العَذابِ، وإذا جاءَ الوَقْتُ المُحَدَّدُ لِذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [هود: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ الوَعْدَ يُطْلَقُ في القُرْآنِ عَلى الوَعْدِ بِالشَّرِّ. وَمِنَ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢] فَإنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ في النّارِ: وعَدَها اللَّهُ بِصِيغَةِ الثُّلاثِيِّ الَّذِي مَصْدَرُهُ الوَعْدُ، ولَمْ يَقُلْ أوْعَدَها وما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، مِن أنَّ ما وعَدَ بِهِ الكُفّارَ مِنَ العَذابِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ بِذَلِكَ، جاءَ مُبَيَّنًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”ق“ ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ الآيَةَ [ق: ٢٨] والصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ • بِقَوْلِهِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أنَّ ما أوْعَدَ الكُفّارَ بِهِ مِنَ العَذابِ، لا يُبَدَّلُ لَدَيْهِ، بَلْ هو واقِعٌ لا مَحالَةَ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] أيْ: وجَبَ وثَبُتَ فَلا يُمْكِنُ عَدَمُ وُقُوعِهِ بِحالٍ • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] كَما أوْضَحْناهُ في كِتابِنا: ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ، عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٨]، وأوْضَحْنا أنَّ ما أُوعِدُ بِهِ الكُفّارُ لا يُخْلَفُ بِحالٍ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ، أمّا ما أُوعِدَ بِهِ عُصاةُ المُسْلِمِينَ، فَهو الَّذِي يَجُوزُ ألّا يُنَفِّذَهُ وأنْ يَعْفُوَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٨] . وَبِالتَّحْقِيقِ الَّذِي ذَكَرْنا: تَعْلَمُ أنَّ الوَعْدَ يُطْلَقُ في الخَيْرِ والشَّرِّ كَما بَيَّنّا، وإنَّما شاعَ عَلى ألْسِنَةِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، مِن أنَّ الوَعْدَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الوَعْدِ بِخَيْرٍ وأنَّهُ هو الَّذِي لا يُخْلِفُهُ اللَّهُ، وأمّا إنْ كانَ المُتَوَعَّدُ بِهِ شَرًّا، فَإنَّهُ وعِيدٌ وإيعادٌ، قالُوا: إنَّ العَرَبَ تَعُدُّ الرُّجُوعَ عَنِ الوَعْدِ لُؤْمًا، وعَنِ الإيعادِ كَرَمًا، وذَكَرُوا عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، فَجاءَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقالَ: يا أبا عَمْرٍو، هَلْ يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ ؟ فَقالَ: لا، فَذَكَرَ آيَةَ وعِيدٍ، فَقالَ لَهُ: أمِنَ العَجَمِ أنْتَ ؟ إنَّ العَرَبَ تَعُدُّ الرُّجُوعَ عَنِ الوَعْدِ لُؤْمًا وعَنِ الإيعادِ كَرَمًا، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ: (p-٢٧٧) ؎وَلا يَرْهَبُ ابْنُ العَمِّ والجارُ سَطْوَتِي ولا انْثَنى عَنْ سَطْوَةِ المُتَهَدِّدِ ؎فَإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفٌ إيعادِي ومُنْجِزٌ مَوْعِدِي فِيهِ نَظَرٌ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: هو ما بَيَّنّاهُ آنِفًا مِن إطْلاقِ الوَعْدِ في القُرْآنِ عَلى التَّوَعُّدِ بِالنّارِ، والعَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧]؛ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ الَّذِي لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ، ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ في حُلُولِ العَذابِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَكَ بِهِ لَهم، لِأنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] فَتَعَلُّقُهُ بِهِ هو الظّاهِرُ. الثّانِي: هو ما بَيَّنّا أنَّ ما أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ لا يَصِحُّ أنْ يُخْلِفَهُ بِحالٍ؛ لِأنَّ ادِّعاءَ جَوازِ إخْلافِهِ، لِأنَّهُ إيعادٌ وأنَّ العَرَبَ تَعُدُّ الرُّجُوعَ عَنِ الإيعادِ كَرَمًا يُبْطِلُهُ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ يَلْزَمُهُ جَوازُ ألّا يَدْخُلَ النّارَ كافِرٌ أصْلًا، لِأنَّ إيعادَهم بِإدْخالِهِمُ النّارَ مِمّا زَعَمُوا أنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ كَرَمٌ، وهَذا لا شَكَّ في بُطْلانِهِ. الثّانِي: ما ذَكَرْنا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ: عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ ما أوْعَدَ بِهِ الكُفّارَ مِنَ العَذابِ، • كَقَوْلِهِ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ الآيَةَ [ق: ٢٨ - ٢٩] • وقَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] • وقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] ومَعْنى حَقَّ: وجَبَ وثَبَتَ، فَلا وجْهَ لِانْتِفائِهِ بِحالٍ، كَما أوْضَحْناهُ هُنا وفي غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ اليَوْمَ عِنْدَهُ - جَلَّ وعَلا - كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا يَعُدُّهُ خَلْقُهُ، وما ذَكَرَهُ هُنا مِن كَوْنِ اليَوْمِ عِنْدَهُ كَألْفِ سَنَةٍ، أشارَ إلَيْهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] وذَكَرَ في سُورَةِ المَعارِجِ أنَّ مِقْدارَ اليَوْمِ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ الآيَةَ [المعارج: ٤]، فَآيَةُ الحَجِّ، وآيَةُ السَّجْدَةِ مُتَوافِقَتانِ تُصَدِّقُ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما الأُخْرى، وتُماثِلُها في المَعْنى، وآيَةُ المَعارِجِ تُخالِفُ ظاهِرَهُما لِزِيادَتِها عَلَيْهِما بِخَمْسِينَ ضِعْفًا، وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ في كِتابِنا: ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، وسَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ (p-٢٧٨)هُنا مُلَخَّصًا مُخْتَصَرًا، ونَزِيدُ عَلَيْهِ بَعْضَ ما تَدْعُو الحاجَةُ إلَيْهِ. فَقَدْ ذَكَرْنا ما مُلَخَّصُهُ: أنَّ أبا عُبَيْدَةَ رَوى عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنْ أيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّهُ حَضَرَ كُلًّا مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآياتِ: فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُهُ فِيها، ويَقُولُ: لا أدْرِي، ثُمَّ ذَكَرْنا أنَّ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُما وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ سِماكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ يَوْمَ الألْفِ في سُورَةِ الحَجِّ: هو أحَدُ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ ويَوْمُ الألْفِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ، هو مِقْدارُ سَيْرِ الأمْرِ وعُرُوجِهِ إلَيْهِ تَعالى ويَوْمُ الخَمْسِينَ ألْفًا، هو يَوْمُ القِيامَةِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِجَمِيعِها يَوْمُ القِيامَةِ، وأنَّ اخْتِلافَ زَمَنِ اليَوْمِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ حالِ المُؤْمِنِ، وحالِ الكافِرِ؛ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ أخَفُّ عَلى المُؤْمِنِ مِنهُ عَلى الكافِرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠] اهـ، ذَكَرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ صاحِبُ الإتْقانِ. وَذَكَرْنا أيْضًا في كِتابِنا: ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ، عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] ما مُلَخَّصُهُ: أنَّ آيَةَ الفُرْقانِ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى انْقِضاءِ الحِسابِ في نِصْفِ نَهارٍ؛ لِأنَّ المَقِيلَ القَيْلُولَةُ أوْ مَكانُها وهي الِاسْتِراحَةُ نِصْفُ النَّهارِ في الحَرِّ، ومِمَّنْ قالَ بِانْقِضاءِ الحِسابِ في نِصْفِ نَهارٍ: ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ لِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى ذَلِكَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ. وَفِي تَفْسِيرِ الجَلالَيْنِ ما نَصُّهُ: وأُخِذَ مِن ذَلِكَ انْقِضاءُ الحِسابِ في نِصْفِ نَهارٍ، كَما ورَدَ في حَدِيثٍ انْتَهى مِنهُ، مَعَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ مِقْدارَ يَوْمِ القِيامَةِ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] وهو يَوْمُ القِيامَةِ بِلا خِلافٍ في ذَلِكَ. والظّاهِرُ في الجَوابِ: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَطُولُ عَلى الكُفّارِ ويَقْصُرُ عَلى المُؤْمِنِينَ، ويُشِيرُ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا بِقَلِيلٍ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] فَتَخْصِيصُهُ عُسْرَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِالكافِرِينَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ (p-٢٧٩)لَيْسُوا كَذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠] يَدُلُّ بِمَفْهُومِ مُخالَفَتِهِ عَلى أنَّهُ يَسِيرٌ عَلى المُؤْمِنِينَ غَيْرُ عَسِيرٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ . وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أنْبَأنا ابْنُ وهْبٍ، أنْبَأنا عَمْرُو بْنُ الحارِثِ: أنَّ سَعِيدًا الصَّوّافَ حَدَّثَهُ أنَّهُ بَلَغَهُ: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَقْصُرُ عَلى المُؤْمِنِينَ، حَتّى يَكُونَ كَما بَيْنَ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وأنَّهم يَتَقَلَّبُونَ في رِياضِ الجَنَّةِ، حَتّى يُفْرَغَ مِنَ النّاسِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] ونَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ المَقِيلَ في الآيَةِ بِأنَّهُ المَأْوى والمَنزِلُ كَقَتادَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ لِشَيْءٍ مِمّا ذَكَرْنا، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن كانَ في سُرُورٍ ونِعْمَةٍ، أنَّهُ يَقْصُرُ عَلَيْهِ الزَّمَنُ الطَّوِيلُ قَصْرًا شَدِيدًا، بِخِلافِ مَن كانَ في العَذابِ المُهِينِ والبَلايا والكُرُوبِ، فَإنَّ الزَّمَنَ القَصِيرَ يَطُولُ عَلَيْهِ جِدًّا، وهَذا أمْرٌ مَعْرُوفٌ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا المَذْكُورِ بَعْضَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرْثِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ؎أرِقْتُ فَباتَ لَيْلِي لا يَزُولُ ولَيْلُ أخِي المُصِيبَةِ فِيهِ طُولُ وَقَوْلِ الآخَرِ: ؎فَقِصارُهُنَّ مَعَ الهُمُومِ طَوِيلَةٌ ∗∗∗ وطِوالُهُنَّ مَعَ السُّرُورِ قِصارُ وَقَوْلِ الآخَرِ: ؎لَيْلى ولَيْلِي نَفى نَوْمِي اخْتِلافَهُما ∗∗∗ في الطُّولِ والطُّولُ طُوبى لِي لَوِ اعْتَدَلا ؎يَجُودُ بِالطُّولِ لَيْلِي كُلَّما بَخِلَتْ ∗∗∗ بِالطُّولِ لَيْلى وإنْ جادَتْ بِهِ بَخِلا وَنَحْوُ هَذا كَثِيرٌ جِدًّا في كَلامِ العَرَبِ، ومِن أظْرَفِ ما قِيلَ فِيهِ ما رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ: ؎لا أسْألُ اللَّهَ تَغْيِيرًا لِما فَعَلَتْ ∗∗∗ نامَتْ وقَدْ أسَهَرَتْ عَيْنَيَّ عَيْناها ؎فاللَّيْلُ أطْوَلُ شَيْءٍ حِينَ أفْقِدُها ∗∗∗ واللَّيْلُ أقْصَرُ شَيْءٍ حِينَ ألْقاها وَقَدْ ورَدَ بَعْضُ الأحادِيثِ بِما يَدُلُّ عَلى ظاهِرِ آيَةِ ”الحَجِّ“، وآيَةِ ”السَّجْدَةِ“ . وَسَنَذْكُرُ هُنا طَرَفًا مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ ابْنِ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ ”الحَجِّ“، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنِي عَبَدَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ (p-٢٨٠)مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَدْخُلُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِياءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ خَمْسِمِائَةِ عامٍ» ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا فَقالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ثَنا ابْنُ عُلَيَّةَ، ثَنا سَعِيدٌ الجُرَيْرِيُّ عَنْ أبِي نَضْرَةَ، عَنْ سُمَيْرِ بْنِ نَهارٍ قالَ: قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: يَدْخُلُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِياءِ، بِمِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ، قُلْتُ: وما مِقْدارُ نِصْفِ يَوْمٍ ؟ قالَ: أوَ ما تَقْرَأُ القُرْآنَ ؟ قُلْتُ: بَلى قالَ: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] وقالَ أبُو داوُدَ في آخِرِ كِتابِ المَلاحِمِ مِن سُنَنِهِ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عُثْمانَ، حَدَّثَنا أبُو المُغِيرَةِ، حَدَّثَنِي صَفْوانُ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنِّي لَأرْجُو ألّا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّها أنْ يُؤَخِّرَهم نِصْفَ يَوْمٍ» قِيلَ لِسَعْدٍ: وكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ ؟ قالَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ. وَقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سِنانٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إسْرائِيلَ، عَنْ سِماكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] قالَ: مِنَ الأيّامِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ بَشّارٍ، عَنِ ابْنِ المَهْدِيِّ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، ونَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في كِتابِ الرَّدِّ عَلى الجَهْمِيَّةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] اهـ. مَحَلُّ الغَرَضِ مِنَ ابْنِ كَثِيرٍ، وظَواهِرُ الأحادِيثِ الَّتِي ساقَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَها وبَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ أصْلَ اليَوْمِ كَألْفِ سَنَةٍ، ولَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ يَقْصُرُ ويَخِفُّ، حَتّى يَكُونَ كَنِصْفِ نَهارٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا يَعُدُّونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأهُ الباقُونَ تَعُدُّونَ بِتاءِ الخِطابِ ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الحج 22:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾، تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا الآياتُ المُوَضِّحَةُ لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ وإلى قَوْلِهِ ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٤ - ٤٥] .

الحج 22:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ . (p-٢٨١)أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ ﴿إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: إنِّي لَسْتُ بِرَبِّكم، ولا بِيَدِي هِدايَتُكم ولا عَلَيَّ عِقابُكم يَوْمَ القِيامَةِ، ولَكِنِّي مُخَوِّفٌ لَكم مِن عَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ. والآياتُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقَوْلُهُ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] وقَوْلُهُ ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ١١٥] وقَوْلُهُ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقَوْلُهُ ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] وقَوْلُهُ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] والآياتُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: مُبِينٌ الظّاهِرُ أنَّهُ الوَصْفُ مِن أبانَ الرُّباعِيَّةِ اللّازِمَةِ الَّتِي بِمَعْنى بانَ، والعَرَبُ تَقُولُ: أبانَ فَهو مَعْنى بانَ، فَهو بَيِّنٌ مِنَ اللّازِمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ إلى المَفْعُولِ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ؎قَنْواءُ في حَرَّتَيْها لِلْبَصِيرِ بِها عِتْقٌ مُبِينٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ فَقَوْلُهُ: عِتْقٌ مُبِينٌ أيْ: كَرَمٌ ظاهِرٌ ومِن أبانَ اللّازِمَةِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ: ؎لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضاحِي جِلْدِها ∗∗∗ لَأبانَ مِن آثارِهِنَّ حُدُورُ يَعْنِي: لَظَهَرَ وبانَ مِن آثارِهِنَّ ورَمٌ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎إذا آباؤُنا وأبُوكَ عَدَوْا ∗∗∗ أبانَ المُقْرِفاتُ مِنَ العِرابِ أيْ ظَهَرَ: وبانَ المُقْرِفاتُ مِنَ العِرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: مُبِينٌ: اسْمُ أبانَ المُتَعَدِّيَةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِلتَّعْمِيمِ أيْ: مُبِينٌ لَكم في إنْذارِي كُلَّ ما يَنْفَعُكم، وما يَضُرُّكم لِتَجْتَلِبُوا النَّفْعَ، وتَجْتَنِبُوا الضُّرَّ، والأوَّلُ أظْهَرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الحج 22:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وبِرُسُلِهِ، وكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، وعَمِلُوا الفِعْلاتِ الصّالِحاتِ مِنَ امْتِثالِ الأوامِرِ، واجْتِنابِ النَّواهِي لَهم مِنَ اللَّهِ مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِمْ، ورِزْقٌ كَرِيمٌ أيْ: حَسَنٌ، هو ما يَرْزُقُهم مِن أنْواعِ النَّعِيمِ في جَنّاتِهِ، وأنَّ (p-٢٨٢)الَّذِينَ عَمِلُوا بِخِلافِ ذَلِكَ فَهم أصْحابُ الجَحِيمِ أيِ: النّارِ الشَّدِيدِ حَرُّها، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعْدٌ لِمَن أطاعَهُ ووَعِيدٌ لِمَن عَصاهُ، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ • كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] • وقَوْلِهِ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ الآيَةَ [غافر: ٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ أوْضَحْناها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ • وقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ [الحج: ٥١] قالَ مُجاهِدٌ: مُعاجِزِينَ يُثَبِّطُونَ النّاسَ عَنْ مُتابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ وكَذا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: مُثَبِّطِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُعاجِزِينَ أيْ مُغالِبِينَ ومُشاقِّينَ، وعَنِ الفَرّاءِ مُعاجِزِينَ: مُعانِدِينَ، وعَنِ الأخْفَشِ مُعاجِزِينَ: مُعانِدَةً مُسابِقِينَ، وعَنِ الزَّجّاجِ مُعاجِزِينَ أيْ: ظانِّينَ أنَّهم يُعْجِزُونَنا؛ لِأنَّهم ظَنُّوا ألّا بَعْثَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ. واعْلَمْ: أنَّ في هَذا الحَرْفِ قِراءَتَيْنِ سَبْعِيَّتَيْنِ قَرَأهُ الجُمْهُورُ: مُعاجِزِينَ بِألِفٍ بَيْنِ العَيْنِ والجِيمِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ اسْمُ فاعِلِ عاجَزَهُ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: مُعَجِّزِينَ بِلا ألِفٍ مَعَ تَشْدِيدِ الجِيمِ المَكْسُورَةِ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِن عَجَّزَهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الظّاهِرُ بِحَسَبِ الوَضْعِ العَرَبِيِّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُعاجِزِينَ: هو اقْتِضاءُ طَرَفَيْنِ، لِأنَّ الظّاهِرَ لا يُعَدَّلُ عَنْهُ إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والمُفاعَلَةُ تَقْتَضِي الطَّرَفَيْنِ إلّا لِدَلِيلٍ يَصْرِفُ عَنْ ذَلِكَ، واقْتِضاءُ الفاعِلَةِ الطَّرَفَيْنِ في الآيَةِ مِن طَرِيقَيْنِ. الأُولى: هي ما قالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مِن أنَّ مَعْنى مُعاجِزِينَ في الآيَةِ أنَّهم يُعاجِزُونَ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم، فَيُحاوِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إعْجازَ الآخَرِ فالأنْبِياءُ وأتْباعُهم، يُحاوِلُونَ إعْجازَ الكُفّارِ وإخْضاعَهم لِقَبُولِ ما جاءَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، والكُفّارُ يُقاتِلُونَ الأنْبِياءَ، وأتْباعَهم، ويُمانِعُونَهم، لِيُصَيِّرُوهم إلى العَجْزِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، وهَذا الوَجْهُ ظاهِرٌ كَما قالَ تَعالى ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] وعَلَيْهِ فَمَفْعُولُ مُعاجِزِينَ مَحْذُوفٌ: أيْ مُعاجِزِينَ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم، أيْ مُغالِبِينَ لَهم، لِيُعْجِزُوهم عَنْ إقامَةِ الحَقِّ. الطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ: هي الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ مَعْنى مُعاجِزِينَ: ظانِّينَ أنَّهم يُعْجِزُونَ رَبَّهم، فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ لِزَعْمِهِمْ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى بَعْثِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ كَما قالَ تَعالى (p-٢٨٣)﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] وكَما قالَ تَعالى ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] وقالَ تَعالى عَنْهم إنَّهم قالُوا ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] وعَلى هَذا القَوْلِ فالكُفّارُ مُعاجِزِينَ اللَّهَ في زَعْمِهِمُ الباطِلِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّ زَعْمَهم هَذا كاذِبٌ، وأنَّهم لا يُعْجِزُونَ رَبَّهم بِحالٍ • كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢] • وقَوْلِهِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣] • وقَوْلِهِ ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٢٢] • وقَوْلِهِ تَعالى في ”الجِنِّ“ ﴿وَأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مِمّا يُوَضِّحُ هَذا الوَجْهَ الأخِيرَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ؎زَعَمَتْ سَخِينَةُ أنْ سَتَغْلِبُ رَبَّها ولَيَغْلِبَنَّ مَغالِبَ الغُلّابِ وَمُرادُهُ بِسَخِينَةَ قُرَيْشٌ يَعْنِي: أنَّهم يُحاوِلُونَ غَلَبَةَ رَبِّهِمْ، واللَّهُ غالِبُهم بِلا شَكٍّ والوَجْهُ الأوَّلُ أظْهَرُ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو: مُعْجِزِينَ بِكَسْرِ الجِيمِ المُشَدَّدَةِ، بِلا ألِفٍ، فالأظْهَرُ أنَّ المَعْنى مُعْجِزِينَ أيْ: مُثَبِّطِينَ مَن أرادَ الدُّخُولَ في الإيمانِ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، وقِيلَ مُعْجِزِينَ مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ ﷺ ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهم يَنْسُبُونَهم إلى العَجْزِ مِن قَوْلِهِمْ: عَجَّزَهُ بِالتَّضْعِيفِ إذا نَسَبَهُ إلى العَجْزِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَزْمِ، يَعْنُونَ: أنَّهُ يَحْسَبُونَ المُسْلِمِينَ سُفَهاءَ لا عُقُولَ لَهم، حَيْثُ ارْتَكَبُوا أمْرًا غَيْرَ الحَزْمِ والصَّوابِ، وهو اتِّباعُ دِينِ الإسْلامِ في زَعْمِهِمْ كَما قالَ تَعالى عَنْ إخْوانِهِمُ المُنافِقِينَ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣] وقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ [الحج: ٥١] . اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ السَّعْيَ يُطْلَقُ عَلى العَمَلِ في الأمْرِ لِإفْسادِهِ وإصْلاحِهِ، ومِنَ اسْتِعْمالِهِ في الإفْسادِ قَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ أيْ: سَعَوْا في إبْطالِها وتَكْذِيبِها بِقَوْلِهِمْ: إنَّها سِحْرٌ وشِعْرٌ وكَهانَةٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ومِن إطْلاقِ السَّعْيِ في الفَسادِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٠٥] ومِن إطْلاقِ السَّعْيِ في العَمَلِ لِلْإصْلاحِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] (p-٢٨٤)وَقَوْلُهُ ﴿وَأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى وهو يَخْشى﴾ الآيَةَ [عبس: ٨ - ٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَمِن إطْلاقِ السَّعْيِ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ مَعًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ٤ - ١١] وهَذِهِ الآيَةُ الَّتِي ذَكَرَها هُنا في سُورَةِ ”الحَجِّ“ الَّتِي هي قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [ ٢٢ - ٥١ ] جاءَ مَعْناها واضِحًا في سُورَةِ سَبَأٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾ [ص: ٤ - ٥] فالعَذابُ مِنَ الرِّجْزِ الألِيمِ المَذْكُورِ في ”سَبَأٍ“ هو عَذابُ الجَحِيمِ المَذْكُورُ في الحَجِّ.