Adwa' Al-Bayan — غافر 40:3 – الشورى 42:53
المحتويات
- غافر 40:3
- غافر 40:4
- غافر 40:6
- غافر 40:7
- غافر 40:8
- غافر 40:11
- غافر 40:12
- غافر 40:13
- غافر 40:14
- غافر 40:15
- غافر 40:18
- غافر 40:19
- غافر 40:23
- غافر 40:27
- غافر 40:28
- غافر 40:29
- غافر 40:40
- غافر 40:41
- غافر 40:44
- غافر 40:47
- غافر 40:49
- غافر 40:50
- غافر 40:51
- غافر 40:53
- غافر 40:56
- غافر 40:57
- غافر 40:58
- غافر 40:59
- غافر 40:60
- غافر 40:61
- غافر 40:67
- غافر 40:68
- غافر 40:76
- غافر 40:78
- غافر 40:79
- غافر 40:82
- غافر 40:85
- فصلت 41:1
- فصلت 41:3
- فصلت 41:5
- فصلت 41:6
- فصلت 41:8
- فصلت 41:9
- فصلت 41:10
- فصلت 41:11
- فصلت 41:12
- فصلت 41:14
- فصلت 41:16
- فصلت 41:17
- فصلت 41:18
- فصلت 41:19
- فصلت 41:20
- فصلت 41:22
- فصلت 41:24
- فصلت 41:25
- فصلت 41:26
- فصلت 41:30
- فصلت 41:34
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:39
- فصلت 41:40
- فصلت 41:44
- فصلت 41:46
- فصلت 41:47
- فصلت 41:48
- فصلت 41:50
- فصلت 41:51
- فصلت 41:53
- فصلت 41:54
- الشورى 42:1
- الشورى 42:4
- الشورى 42:5
- الشورى 42:6
- الشورى 42:7
- الشورى 42:10
- الشورى 42:11
- الشورى 42:12
- الشورى 42:13
- الشورى 42:15
- الشورى 42:17
- الشورى 42:18
- الشورى 42:23
- الشورى 42:25
- الشورى 42:27
- الشورى 42:31
- الشورى 42:32
- الشورى 42:37
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:44
- الشورى 42:45
- الشورى 42:52
- الشورى 42:53
غافر 40:3
(p-٣٧٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ غافِرٍ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ . جَمَعَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ؛ لِأنَّ مَطامِعَ العُقَلاءِ مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ، هُما جَلْبُ النَّفْعِ ودَفْعُ الضُّرِّ، وهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٥٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الأنْعامِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . [الأنعام: ١٦٥]
• وقَوْلِهِ في الأعْرافِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧]
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
غافر 40:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ لا يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ، أيْ لا يُخاصِمُ فِيها مُحاوِلًا رَدَّها، وإبْطالَ ما جاءَ فِيها إلّا الكُفّارُ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ الغَرَضَ الحامِلَ لَهم عَلى الجِدالِ فِيها مَعَ بَعْضِ صِفاتِهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦] وأوْضَحَ ذَلِكَ الغَرَضَ، في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، في قَوْلِهِ: ﴿وَجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [غافر: ٥] .
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ الحَجِّ أنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في اللَّهِ مِنهم، أتْباعٌ يَتَّبِعُونَ رُؤَساءَهُمُ المُضِلِّينَ، مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، وهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٣ - ٤] .
(p-٣٧٣)وَأنَّ مِنهم قادَةً هم رُؤَساؤُهُمُ المَتْبُوعُونَ وهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٨ - ٩] .
وَبَيَّنَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مِن أنْواعِ جِدالِ الكُفّارِ، جِدالَهم لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وآمَنُوا بِهِ وبِرَسُولِهِ، لِيَرُدُّوهم إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، وبَيَّنَ بُطْلانَ حُجَّةِ هَؤُلاءِ، وتَوَعَّدَهم بِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وعَذابِهِ الشَّدِيدِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ .
نَهى اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، لِيَشْرَعَ لِأُمَّتِهِ عَنْ أنْ يَغُرَّهُ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في بِلادِ اللَّهِ، بِالتِّجاراتِ والأرْباحِ، والعافِيَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ، كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفِيضُ عَلَيْها الأمْوالُ مِن أرْباحِ التِّجاراتِ، وغَيْرِها مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] أيْ: إلى اليَمَنِ والشّامِ وهم مَعَ ذَلِكَ كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، يُكَذِّبُونَ نَبِيَّ اللَّهِ ويُعادُونَهُ.
والمَعْنى: لا تَغْتَرَّ بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تَقَلُّبِهِمْ في بِلادِهِ في إنْعامٍ وعافِيَةٍ؛ فَإنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا يَسْتَدْرِجُهم بِذَلِكَ الإنْعامِ، فَيُمَتِّعُهم بِهِ قَلِيلًا، ثُمَّ يُهْلِكُهم فَيَجْعَلُ مَصِيرَهم إلى النّارِ.
وَقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ مِن كِتابِهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ ﴿ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٣ - ٢٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: قالَ ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٦]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ - ٧٠]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: فَلا يَغْرُرْكَ، سَبَبِيَّةٌ أيْ: لا يُمْكِنُ تَقَلُّبُهم في بِلادِ اللَّهِ. مُتَنَعِّمِينَ (p-٣٧٤)بِالأمْوالِ والأرْزاقِ، سَبَبًا لِاغْتِرارِكَ بِهِمْ، فَتَظُنُّ بِهِمْ ظَنًّا حَسَنًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّنَعُّمَ، تَنَعُّمُ اسْتِدْراجٍ، وهو زائِلٌ عَنْ قَرِيبٍ، وهم صائِرُونَ إلى الهَلاكِ والعَذابِ الدّائِمِ.
غافر 40:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (كَلِماتُ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ وقَرَأهُ الباقُونَ (كَلِمَةُ رَبِّكَ) بِالإفْرادِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ والكَلِماتِ فِيما يُماثِلُ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ يس في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى. ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] .
غافر 40:7
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٨٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ غافِرٍ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِغْفارَ المَلائِكَةِ لِأهْلِ الأرْضِ خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ مِنهم، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى خِلافِ ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٥] .
والجَوابُ أنَّ آيَةَ ”غافِرٍ“ مُخَصِّصَةٌ لِآيَةِ ”الشُّورى“، والمَعْنى: ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِوُجُوبِ تَخْصِيصِ العامِّ بِالخاصِّ.
﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ .
لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَوَهُّمِ المُنافاةِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ في البَعْضِ، لِأنَّ المُناسِبَ لِاشْتِراطِ الصِّدْقِ هو أنْ يُصِيبَهم جَمِيعُ الَّذِي يَعِدُهم لا بَعْضُهُ، مَعَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأجْوِبَةٍ مِن أقْرَبِها عِنْدِي: أنَّ المُرادَ بِالبَعْضِ الَّذِي يُصِيبُهم هو البَعْضُ العاجِلُ الَّذِي هو عَذابُ الدُّنْيا، لِأنَّهم أشَدُّ خَوْفًا مِنَ العَذابِ العاجِلِ، ولِأنَّهم أقْرَبُ إلى التَّصْدِيقِ بِعَذابِ الدُّنْيا مِنهم بِعَذابِ الآخِرَةِ.
وَمِنها أنَّ المَعْنى إنْ يَكُ صادِقًا فَلا أقَلَّ مِن أنَّ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم، وعَلى هَذا فالنُّكْتَةُ المُبالَغَةُ في التَّحْذِيرِ، لِأنَّهُ إذا حَذَّرَهم مِن إصابَةِ البَعْضِ، أفادَ أنَّهُ مُهْلِكٌ مُخَوِّفٌ، فَما بالُ الكُلِّ وفِيهِ إظْهارٌ لِكَمالِ الإنْصافِ وعَدَمِ التَّعَصُّبِ، ولِذا قَدَّمَ احْتِمالَ كَوْنِهِ كاذِبًا.
وَمِنها أنَّ لَفْظَةَ البَعْضِ يُرادُ بِها الكُلُّ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾: كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم، ومِن شَواهِدِ هَذا في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلًا
(p-٣٨٣)يَعْنِي: تَرى فِيها خَلَلًا.
وَقَوْلُ القُطامِيِّ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلَ
يَعْنِي: قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي حاجَتَهُ.
وَأمّا اسْتِدْلالُ أبِي عُبَيْدَةَ لِهَذا، بَقُولِ لَبِيَدٍ:
؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
فَغَلَطٌ مِنهُ، لِأنَّ مُرادَ لَبِيدٍ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسُهُ، كَما بَيَّنْتُهُ في رِحْلَتِي في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٣١] .
غافر 40:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ هُنا الآيَةَ المُتَضَمِّنَةَ لِوَعْدِهِمْ بِالجَنّاتِ، هم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ.
وَلَكِنَّهُ جَلَّ وعَلا أوْضَحَ وعْدَهُ إيّاهم بِذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٣ - ١٣] .
غافر 40:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ . التَّحْقِيقُ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ، أنَّ المُرادَ بِالإماتَتَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، الإماتَةُ الأُولى، الَّتِي هي كَوْنُهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ نُطَفًا وعَلَقًا ومُضَغًا، قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمْ، فَهَلْ قَبِلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمْ لا حَياةَ لَهم، فَأطْلَقَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ اسْمَ المَوْتِ.
والإماتَةُ الثّانِيَةُ هي إماتَتُهم وصَيْرُورَتُهم إلى قُبُورِهِمْ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ في دارِ الدُّنْيا.
وَأنَّ المُرادَ بِالإحْياءَتَيْنِ: الإحْياءَةَ الأُولى في دارِ الدُّنْيا، والإحْياءَةُ الثّانِيَةُ، الَّتِي هي البَعْثُ مِنَ القُبُورِ إلى الحِسابِ، والجَزاءِ والخُلُودِ الأبَدِيِّ، الَّذِي لا مَوْتَ فِيهِ، إمّا في الجَنَّةِ وإمّا في النّارِ.
(p-٣٧٥)والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ في الآيَةِ هو التَّحْقِيقُ، أنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِهِ واضِحًا في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ ما سِواهُ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ لا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ.
والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ المُسَوِّغَ الَّذِي سَوَّغَ إطْلاقَ اسْمِ المَوْتِ عَلى العَلَقَةِ، والمُضْغَةِ مَثَلًا، في بُطُونِ الأُمَّهاتِ، أنَّ عَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، الَّذِي هو نَفْسُ العَلَقَةِ والمُضْغَةِ، لَهُ أطْوارٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦]، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، تَكُونُ فِيهِ الحَياةُ في بَعْضِ تِلْكَ الأطْوارِ، وفي بَعْضِها لا حَياةَ لَهُ، صَحَّ إطْلاقُ المَوْتِ والحَياةِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ، تَرْتَفِعُ عَنْهُ الحَياةُ تارَةً وتَكُونُ فِيهِ أُخْرى، وقَدْ ذَكَرَ لَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُسَوِّغًا غَيْرَ هَذا، فانْظُرْهُ إنْ شِئْتَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ . قَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، أنَّ الِاعْتِرافَ بِالذَّنْبِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَنْفَعُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] وقالَ تَعالى ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، في سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] .
غافر 40:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الصّافّاتِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الآيَةَ [الصافات: ٣٤ - ٣٥] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] .
غافر 40:13
(p-٣٧٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا هو الَّذِي يُرِي خَلْقَهُ آياتِهِ، أيِ: الكَوْنِيَّةَ القَدَرِيَّةَ؛ لِيَجْعَلَها عَلاماتٍ لَهم عَلى رُبُوبِيَّتِهِ، واسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ وحْدَهُ، ومِن تِلْكَ الآياتِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٣٧] .
وَمِنها السَّماواتُ والأرْضُونَ، وما فِيهِما والنُّجُومُ، والرِّياحُ والسَّحابُ، والبِحارُ والأنْهارُ، والعُيُونُ والجِبالُ والأشْجارُ وآثارُ قَوْمٍ هَلَكُوا، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] . وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ . وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٣ - ٥]، وقالَ تَعالى ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦] .
وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في آيَةِ المُؤْمِنِ هَذِهِ، مِن أنَّهُ هو الَّذِي يُرِي خَلْقَهُ آياتِهِ، بَيَّنَهُ وزادَهُ إيضاحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ يُرِيهِمْ آياتِهِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ، وأنَّ مُرادَهُ بِذَلِكَ البَيانِ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] .
والآفاقُ جَمْعَ أُفُقٍ وهو النّاحِيَةُ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا قَدْ بَيَّنَ مِن غَرائِبِ صُنْعِهِ وعَجائِبِهِ في نُواحِي سَماواتِهِ وأرْضِهِ، ما يَتَبَيَّنُ بِهِ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ هو الرَّبُّ المَعْبُودُ وحْدَهُ. كَما أشَرْنا إلَيْهِ، مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والأشْجارِ والجِبالِ، والدَّوابِّ والبِحارِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَبَيَّنَ أيْضًا أنَّ مِن آياتِهِ الَّتِي يُرِيهِمْ ولا يُمْكِنُهم أنْ يُنْكِرُوا شَيْئًا مِنها تَسْخِيرُهُ لَهُمُ الأنْعامَ لِيَرْكَبُوها ويَأْكُلُوا مِن لُحُومِها، ويَنْتَفِعُوا بِألْبانِها، وزُبْدِها وسَمْنِها، وأقِطِها ويَلْبَسُوا مِن جُلُودِها، وأصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ﴿وَيُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٧٩ - ٨١] .
(p-٣٧٧)وَبَيَّنَ في بَعْضِ المَواضِعِ أنَّ مِن آياتِهِ الَّتِي يُرِيها بَعْضَ خَلْقِهِ مُعْجِزاتِ رُسُلِهِ؛ لِأنَّ المُعْجِزاتِ آياتٌ أيْ: دَلالاتٌ وعَلاماتٌ عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ، كَما قالَ تَعالى في فِرْعَوْنَ: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مِن آياتِهِ الَّتِي يُرِيها خَلْقَهُ عُقُوبَتَهُ المُكَذِّبِينَ رُسُلَهُ، كَما قالَ تَعالى في قِصَّةِ إهْلاكِهِ قَوْمَ لُوطٍ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥] .
وَقالَ في عُقُوبَتِهِ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بِالطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ. . . إلَخْ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣٣] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ . أطْلَقَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الرِّزْقَ وأرادَ المَطَرَ؛ لِأنَّ المَطَرَ سَبَبُ الرِّزْقِ، وإطْلاقُ المُسَبِّبِ وإرادَةُ سَبَبِهِ لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ بَيْنَهُما، أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، وكَذَلِكَ عَكْسُهُ الَّذِي هو إطْلاقُ السَّبَبِ وإرادَةُ المُسَبِّبِ كَقَوْلِهِ:
؎أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكِ بِضُرَّةٍ بَعِيدَةَ مُهْوى القُرْطِ طَيِّبَةَ النَّشْرِ
فَأطْلَقَ الدَّمَ وأرادَ الدِّيَةَ؛ لِأنَّهُ سَبَبُها.
وَقَدْ أوْضَحْنا في رِسالَتِنا المُسَمّاةِ: مَنعَ جَوازِ المَجازِ، في المَنزِلِ لِلتَّعَبُّدِ والإعْجازِ، أنَّ أمْثالَ هَذا أسالِيبُ عَرَبِيَّةٌ، نَطَقَتْ بِها العَرَبُ في لُغَتِها، ونَزَلَ بِها القُرْآنُ، وأنَّ ما يَقُولُهُ عُلَماءُ البَلاغَةِ مِن أنَّ في الآيَةِ ما يُسَمُّونَهُ المَجازَ المُرْسَلَ الَّذِي يَعُدُّونَ مِن عَلاقاتِهِ السَّبَبِيَّةَ والمُسَبِّبِيَّةَ لا داعِيَ إلَيْهِ، ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ، يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
وَإطْلاقُ الرِّزْقِ في آيَةِ المُؤْمِنِ هَذِهِ عَلى المَطَرِ جاءَ مِثْلُهُ، في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ الجاثِيَةِ: ﴿وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [ الآيَةَ ٥ ] فَأوْضَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أنَّ مُرادَهُ بِالرِّزْقِ المَطَرُ؛ لِأنَّ المَطَرَ هو الَّذِي يُحْيِي اللَّهُ بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها.
وَقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ المَطَرُ رِزْقًا؛ لِأنَّ المَطَرَ سَبَبُ الرِّزْقِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢]، والباءُ في قَوْلِهِ فَأخْرَجَ بِهِ سَبَبِيَّةٌ كَما تَرى.
(p-٣٧٨)وَكَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٢] . وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ق: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ [ق: ٩ - ١١] .
وَبَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ الرِّزْقَ المَذْكُورَ شامِلٌ لِما يَأْكُلُهُ النّاسُ، وما تَأْكُلُهُ الأنْعامُ؛ لِأنَّ ما تَأْكُلُهُ الأنْعامُ، يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ لِلنّاسِ الِانْتِفاعُ بِلُحُومِها، وجُلُودِها وألْبانِها، وأصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها، كَما تَقَدَّمَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠ - ١١] .
فَقَوْلُهُ: فِيهِ تُسِيمُونَ، أيْ: تَتْرُكُونَ أنْعامَكم سائِمَةً فِيهِ، تَأْكُلُ مِنهُ مِن غَيْرِ أنْ تَتَكَلَّفُوا لَها مَئُونَةَ العَلَفِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ، في سُورَةِ النَّحْلِ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ الآيَةَ [طه: ٥٣ - ٥٤] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها والجِبالَ أرْساها مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣١ - ٣٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ النّاسَ ما يَتَذَكَّرُ مِنهم، أيْ: ما يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآياتِ المُشارِ إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ أيْ: مَن رَزَقَهُ اللَّهُ الإنابَةَ إلَيْهِ.
والإنابَةُ: الرُّجُوعُ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي، إلى الإيمانِ والطّاعَةِ.
وَهَؤُلاءِ المُنِيبُونَ، المُتَذَكِّرُونَ، المُتَّعِظُونَ، هم أصْحابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ مِن شَوائِبِ الِاخْتِلالِ، المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] وفي قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] (p-٣٧٩)إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ دَلَّتْ آيَةُ المُؤْمِنِ هَذِهِ، وما في مَعْناها مِنَ الآياتِ، عَلى أنَّ غَيْرَ أُولِي الألْبابِ المُتَذَكِّرِينَ المَذْكُورِينَ آنِفًا، لا يَتَذَكَّرُ ولا يَتَّعِظُ بِالآياتِ، بَلْ يُعْرِضُ عَنْها أشَدَّ الإعْراضِ.
وَقَدْ جاءَ هَذا المَعْنى مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] وقَوْلِهِ: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [يس: ٤٦] في الأنْعامِ ويس إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
غافر 40:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى نَحْوِهِ مِنَ الآياتِ في أوَّلِ سُورَةِ الزُّمَرِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] .
غافر 40:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ المُؤْمِنِ هَذِهِ: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ جاءَ مِثْلُهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ في بُرُوزِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٢١] .
وَ
• كَقَوْلِهِ في كَوْنِهِمْ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ ذَلِكَ اليَوْمَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وقَدْ بَيَّنّاها في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ الآيَةَ [هود: ٥]، (p-٣٨٠)وَذَكَرْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ، في أوَّلِ سُورَةِ سَبَأٍ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣] .
غافر 40:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ . الإنْذارُ، والإعْلامُ المُقْتَرِنُ بِتَهْدِيدٍ خاصَّةً، فَكُلُّ إنْذارٍ إعْلامٌ، ولَيْسَ كُلُّ إعْلامٍ إنْذارًا.
وَقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى الإنْذارِ وأنْواعَهُ في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢] .
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ هُنا: يَوْمَ الآزِفَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِلْإنْذارِ لا ظَرْفَ لَهُ؛ لِأنَّ الإنْذارَ والتَّخْوِيفَ مِن يَوْمِ القِيامَةِ واقِعٌ في دارِ الدُّنْيا. والآزِفَةُ القِيامَةُ. أيْ: أنْذِرْهم يَوْمَ القِيامَةِ، بِمَعْنى خَوِّفْهم إيّاهُ وهَدِّدْهم بِما فِيهِ مِنَ الأهْوالِ العِظامِ لِيَسْتَعِدُّوا لِذَلِكَ في الدُّنْيا بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
وَإنَّما عَبَّرَ عَنِ القِيامَةِ بِـ الآزِفَةِ لِأجْلِ أُزُوفِها أيْ: قُرْبِها، والعَرَبُ تَقُولُ: أزِفَ التَّرَحُّلُ بِكَسْرِ الزّايِ، يَأْزَفُ بِفَتْحِها، أزَفًا بِفَتْحَتَيْنِ، عَلى القِياسِ، وأُزُوفًا فَهو آزِفٌ، عَلى غَيْرِ قِياسِ، في المَصْدَرِ الأخِيرِ، والوَصْفُ بِمَعْنى قَرُبَ وقْتُهُ وحانَ وُقُوعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزَلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ
وَيُرْوى أفِدَ التَّرَحُّلُ، ومَعْناهُما واحِدٌ.
والمَعْنى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ القَرِيبُ مَجِيؤُها ووُقُوعُها.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنِ اقْتِرابِ قِيامِ السّاعَةِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٧ - ٥٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ الآيَةَ [القمر: ١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في الأحْزابِ: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى في الشُّورى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] .
(p-٣٨١)
وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ الظّاهِرُ فِيهِ أنَّ إذْ بَدَلٌ مِن يَوْمٍ، وعَلَيْهِ فَهو مِن قَبِيلِ المَفْعُولِ بِهِ لا المَفْعُولِ فِيهِ، كَما بَيَّنّا آنِفًا.
والقُلُوبُ: جَمْعُ قَلْبٍ وهو مَعْرُوفٌ.
وَلَدى: ظَرْفٌ بِمَعْنى عِنْدَ.
والحَناجِرُ: جَمْعُ حَنْجَرَةٍ وهي مَعْرُوفَةٌ.
وَمَعْنى كَوْنِ القُلُوبِ لَدى الحَناجِرِ، في ذَلِكَ الوَقْتِ فِيهِ لِعُلَماءِ التَّفْسِيرِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ:
أحَدُهُما: ما قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ؛ مِن أنَّ قُلُوبَهم يَوْمَئِذٍ تَرْتَفِعُ مِن أماكِنِها في الصُّدُورِ، حَتّى تَلْتَصِقَ بِالحُلُوقِ، فَتَكُونُ لَدى الحَناجِرِ، فَلا هي تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ فَيَمُوتُوا، ولا هي تَرْجِعُ إلى أماكِنِها في الصُّدُورِ فَيَتَنَفَّسُوا. وهَذا القَوْلُ هو ظاهِرُ القُرْآنِ.
والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ بِكَوْنِ القُلُوبِ لَدى الحَناجِرِ، بَيانُ شِدَّةِ الهَوْلِ، وفَظاعَةِ الأمْرِ، وعَلَيْهِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا [الأحزاب: ١٠ - ١١] وهو زِلْزالُ خَوْفٍ وفَزَعٍ لا زِلْزالُ حَرَكَةِ الأرْضِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: كاظِمِينَ مَعْناهُ مَكْرُوبِينَ مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وغَمًّا وحُزْنًا.
والكَظْمُ: تَرَدُّدُ الخَوْفِ والغَيْظِ والحُزْنِ في القَلْبِ حَتّى يَمْتَلِئَ مِنهُ، ويَضِيقَ بِهِ.
والعَرَبُ تَقُولُ: كَظَمْتُ السِّقاءَ إذا مَلَأْتُهُ ماءً، وشَدَدْتُهُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ كاظِمِينَ، أيْ ساكِتِينَ، لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ الخَوْفَ والغَمَّ الَّذِي مَلَأ قُلُوبَهم يَمْنَعُهم مِنَ الكَلامِ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ومِن إطْلاقِ الكَظْمِ عَلى السُّكُوتِ (p-٣٨٢)قَوْلُ العَجّاجِ:
؎وَرُبَّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ∗∗∗ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ
وَيَرْجِعُ إلى هَذا القَوْلِ مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ: كاظِمِينَ أيْ: لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ اللَّهُ، وقالَ الصَّوابَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] .
وَقَوْلُهُ: كاظِمِينَ حالٌ مِن أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى. والتَّقْدِيرُ: إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ، أيْ: إذْ قُلُوبُهم لَدى حَناجِرِهِمْ في حالِ كَوْنِهِمْ كاظِمِينَ، أيْ: مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وغَمًّا وحُزْنًا، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن نَفْسِ القُلُوبِ؛ لِأنَّها وُصِفَتْ بِالكَظْمِ الَّذِي هو صِفَةُ أصْحابِها.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ في القُرْآنِ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] فَإنَّهُ أطْلَقَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، عَلى الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ صِفَةَ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾، والمُسَوِّغُ لِذَلِكَ وصْفُهُ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ بِصِفَةِ العُقَلاءِ الَّتِي هي السُّجُودُ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ، وأحَلْنا عَلَيْهِ مِرارًا.
غافر 40:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ما يُماثِلُهُ مِنَ الآياتِ في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ وفي غَيْرِها وأحَلْنا عَلَيْهِ أيْضًا مِرارًا.
غافر 40:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ أرْسَلَ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِآياتِهِ وحُجَجِهِ الواضِحَةِ كالعَصا واليَدِ البَيْضاءِ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ (p-٣٨٣)فَكَذَّبُوهُ، وزَعَمُوا أنَّهُ ساحِرٌ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى، في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ١٣٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ لِلْمَلَإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤]
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وقَدْ بَيَّنّاها في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
غافر 40:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، عاذَ بِرَبِّهِ، أيِ: اعْتَصَمَ بِهِ، وتَمْنَّعُ مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ، أيْ: مُتَّصِفٍ بِالكِبْرِ، لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ، أيْ لا يُصَدِّقُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ.
وَسَبَبُ عِياذِ مُوسى بِرَبِّهِ المَذْكُورِ، أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافر: ٢٦] .
فَعِياذُ مُوسى المَذْكُورُ بِاللَّهِ إنَّما هو في الحَقِيقَةِ مِن فِرْعَوْنَ، وإنْ كانَتِ العِبارَةُ أعَمَّ مِن خُصُوصِ فِرْعَوْنَ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا شَكَّ أنَّهُ مُتَكَبِّرٌ، لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ فَهو داخِلٌ في الكَلامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وهو المَقْصُودُ بِالكَلامِ.
وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في آيَةِ المُؤْمِنِ هَذِهِ، مِن عِياذِ مُوسى بِاللَّهِ مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ كَفِرْعَوْنَ وعُتاةِ قَوْمِهِ، ذَكَرَ نَحْوَهُ في سُورَةِ الدُّخانِ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْ مُوسى مُخاطِبًا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ: ﴿وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٢٠] .
غافر 40:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ رَجُلًا مُؤْمِنًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ أيْ: يُخْفِي عَنْهم أنَّهُ مُؤْمِنٌ، أنْكَرَ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إرادَتَهم قَتْلَ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ (p-٣٨٤)وَعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الآيَةَ [غافر: ٢٦] . مَعَ أنَّهُ لا ذَنْبَ لَهُ، يَسْتَحِقُّ بِهِ القَتْلَ، إلّا أنَّهُ يَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ.
وَقَدْ بَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ مِن عادَةِ المُشْرِكِينَ قَتْلَ المُسْلِمِينَ، والتَّنْكِيلَ بِهِمْ، وإخْراجَهم مِن دِيارِهِمْ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ، إلّا أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويَقُولُونَ: رَبُّنا اللَّهُ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في أصْحابِ الأُخْدُودِ، الَّذِينَ حَرَّقُوا المُؤْمِنِينَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٤ - ٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: عَنِ الَّذِينَ كانُوا سَحَرَةً لِفِرْعَوْنَ، وصارُوا مِن خِيارِ المُؤْمِنِينَ، لَمّا هَدَّدَهم فِرْعَوْنُ قائِلًا: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٤] أنَّهم أجابُوهُ، بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهم، في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ [الأعراف: ١٢٥ - ١٢٦]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ الرَّجُلَ المُؤْمِنَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن جَماعَةِ فِرْعَوْنَ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ .
فَدَعْوى أنَّهُ إسْرائِيلِيٌّ وأنَّ في الكَلامِ تَقِدِيمًا وتَأْخِيرًا. وأنَّ مِن آلِ فِرْعَوْنَ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَكْتُمُ)، أيْ وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أيْ يُخْفِي إيمانَهُ عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ خِلافَ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى.
وَقِيلَ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ المُؤْمِنَ هو الَّذِي قالَ لِمُوسى: ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ﴾ [القصص: ٢٠] وقِيلَ غَيْرُهُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في اسْمِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا فَقِيلَ: اسْمُهُ حَبِيبٌ، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ حِزْقِيلُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولا دَلِيلَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
والظّاهِرُ في إعْرابِ المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مَن أنْ وصِلَتِها في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.
(p-٣٨٥)وَقالَ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنا الأوْزاعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: أخْبِرْنِي بِأشَدِّ ما صَنَعَ المُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِفَناءِ الكَعْبَةِ إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَوى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ بِمَنكِبِهِ، ودَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ ؟ قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم» .
غافر 40:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ أرى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عِلْمِيَّةٌ عِرْفانِيَّةٌ، تَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
لِعِلْمِ عِرْفانٍ وظَنِّ تُهْمَهْ تَعْدِيَةٌ لِواحِدٍ مُلْتَزَمَهْ
وَعَلَيْهِ فالمَعْنى: قالَ فِرْعَوْنُ ما أُعَلِّمُكم وأُعَرِّفُكم مِن حَقِيقَةِ مُوسى وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَلَ، خَوْفَ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم، ويُظْهِرَ الفَسادَ في أرْضِكم، إلّا ما أرى، أيْ: أعْلَمُ وأعْرِفُ أنَّهُ الحَقُّ والصَّوابُ فَما أُخْفِي عَنْكم خِلافَ ما أُظْهِرُهُ لَكم، وما أهْدِيكم بِهَذا إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ، أيْ: طَرِيقَ السَّدادِ والصَّوابِ.
وَهَذانَ الأمْرانِ اللَّذانِ ذَكَرَ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَهُما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، قَدْ بَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ فِرْعَوْنَ كاذِبٌ في كُلٍّ واحِدٍ مِنهُما.
أمّا الأوَّلُ مِنهُما وهو قَوْلُهُ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ فَقَدْ بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهُ فِيهِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ، وأوْضَحَ فِيها أنَّهُ يَعْلَمُ ويَتَيَقَّنُ أنَّ الآياتِ الَّتِي جاءَهُ بِها مُوسى حَقٌّ، وأنَّها ما أنْزَلَها إلّا اللَّهُ، وأنَّهُ جَحَدَها هو ومَنِ اسْتَيْقَنَها مَعَهُ مِن قَوْمِهِ لِيَسْتَخِفُّوا بِها عُقُولَ الجَهَلَةِ مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّمْلِ: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٢ - ١٤] .
(p-٣٨٦)فَقَوْلُهُ تَعالى: في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ كاذِبٌ في قَوْلِهِ: ما أُرِيكم إلّا ما أرى.
وَكَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَقَوْلُ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُؤَكِدًا إخْبارَهُ بِأنَّ فِرْعَوْنَ عالِمٌ بِذَلِكَ بِالقَسَمِ، وقَدْ دَلَّ أيْضًا عَلى أنَّهُ كاذِبٌ في قَوْلِهِ: ما أُرِيكم إلّا ما أرى.
وَكانَ غَرَضُ فِرْعَوْنَ بِهَذا الكَذِبِ التَّدْلِيسَ والتَّمْوِيهَ؛ لِيَظُنَّ جَهَلَةُ قَوْمِهِ أنَّ مَعَهُ الحَقَّ، كَما أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] .
وَأمّا الأمْرُ الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿وَما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ فَقَدْ بَيَّنَ تَعالى كَذِبَهُ فِيهِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿ما أُرِيكم إلّا ما أرى﴾ أيْ: ما أُشِيرُ عَلَيْكم إلّا بِما أرى لِنَفْسِي، مِن قَتْلِ مُوسى. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
غافر 40:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وأمْثالُها مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَنْ أنَّ السَّيِّئاتِ لا تُضاعَفُ ولا تُجْزى إلّا بِمِثْلِها، بَيَّنَها وبَيَّنَ الآياتِ الأُخْرى الدّالَّةِ عَلى أنَّ السَّيِّئاتِ رُبَّما ضُوعِفَتْ في بَعْضِ الأحْوالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في نَبِيِّنا ﷺ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥] وقَوْلِهِ تَعالى في نِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [ ٣٣ ] إشْكالٌ مَعْرُوفٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنا الجَوابَ عَنْهُ مُوَضَّحًا في سُورَةِ النَّمْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (p-٣٨٧)قَدْ أوْضَحْنا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وبَيَّنّا العَمَلَ الصّالِحَ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، وأوْضَحْنا الآياتِ المُبَيِّنَةَ لِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ، في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، في سُورَةِ النَّحْلِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] . وفي أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٢ - ٣] .
غافر 40:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ تَدْعُونَنِي ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ والإشْراكِ بِهِ دَعْوَةٌ إلى النّارِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الكُفْرَ والإشْراكَ بِاللَّهِ مُسْتَوْجِبٌ لِدُخُولِ النّارِ، بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقَدْ قَدَّمْنا ما فِيهِ كِفايَةٌ مِن ذَلِكَ، في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٣١] .
غافر 40:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ . التَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّ هَذا الكَلامَ مِن كَلامِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ، ولَيْسَ لِمُوسى فِيهِ دَخْلٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾، يَعْنِي أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ صِحَّةَ ما كانَ يَقُولُ لَهم، ويَذْكُرُونَ نَصِيحَتَهُ، فَيَنْدَمُونَ حَيْثُ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى مِثْلِ هَذا مِن أنَّ الكُفّارَ تَنْكَشِفُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا - كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٦ - ٦٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبإ: ٤ - ٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣ - ٤] . (p-٣٨٨)
• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٤ - ٤٥] دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ التَّوَكُّلَ الصّادِقَ عَلى اللَّهِ، وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلَيْهِ سَبَبٌ لِلْحِفْظِ والوِقايَةِ مِن كُلِّ سُوءٍ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الفاءَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، كَقَوْلِهِمْ: سَها فَسَجَدَ، أيْ: سَجَدَ لِعِلَّةِ سَهْوِهِ، وسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، أيْ: لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِ، كَما قَدَّمْناهُ مِرارًا.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن كَوْنِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ سَبَبًا لِلْحِفْظِ، والوِقايَةِ مِنَ السُّوءِ، جاءَ مُبِيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤] .
وَقَدْ ذَكَرْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ بِكَثْرَةٍ، في أوَّلِ سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢] .
والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: ﴿سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥] مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَكْرِهِمْ، أيْ: أضْرارَ مَكْرِهِمْ وشَدائِدَهُ، والمَكْرُ: الكَيْدُ.
فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أرادُوا أنْ يَمْكُرُوا بِهَذا المُؤْمِنِ الكَرِيمِ وأنَّ اللَّهَ وقاهُ، أيْ حَفِظَهُ ونَجّاهُ، مِن أضْرارِ مَكْرِهِمْ وشَدائِدِهِ بِسَبَبِ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ، وتَفْوِيضِهِ أمْرَهُ إلَيْهِ.
وَبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: نَجّاهُ اللَّهُ مِنهم مَعَ مُوسى وقَوْمِهِ وبَعْضُهم يَقُولُ: صَعِدَ جَبَلًا فَأعْجَزَهُمُ اللَّهُ عَنْهُ ونَجّاهُ مِنهم، وكُلُّ هَذا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وغايَةُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّ اللَّهَ وقاهُ سَيِّئاتِ مَكْرِهِمْ، أيْ حَفِظَهُ ونَجّاهُ مِنها.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم لَمّا أرادُوا أنْ يَمْكُرُوا بِهَذا المُؤْمِنِ وقاهُ اللَّهُ مَكْرَهم، ورَدَّ العاقِبَةَ السَّيِّئَةَ عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ سُوءَ مَكْرِهِمْ إلَيْهِمْ، فَكانَ المُؤْمِنُ المَذْكُورُ ناجِيًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ هالِكِينَ (p-٣٨٩)فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ والبَرْزَخِ.
فَقالَ في هَلاكِهِمْ في الدُّنْيا: ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾، وأمْثالَها مِنَ الآياتِ.
وَقالَ في مَصِيرِهِمْ في البَرْزَخِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] .
وَقالَ في عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن حَيْقِ المَكْرِ السَّيِّئِ بِالماكِرِ أوْضَحَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] .
والعَرَبُ تَقُولُ حاقَ بِهِ المَكْرُوهُ يَحِيقُ بِهِ حَيْقًا وحُيُوقًا، إذا نَزَلَ بِهِ وأحاطَ بِهِ، ولا يُطْلَقُ إلّا عَلى إحاطَةِ المَكْرُوهِ خاصَّةً.
يُقالُ: حاقَ بِهِ السُّوءُ والمَكْرُوهُ، ولا يُقالُ: حاقَ بِهِ الخَيْرُ، فَمادَّةُ الحَيْقِ مِنَ الأجْوَفِ الَّذِي هو يائِيُّ العَيْنِ، والوَصْفُ مِنهُ حائِقٌ عَلى القِياسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَأوْطَأ جُرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيارِهِمْ وحاقَ بِهِمْ مِن بَأْسِ ضَبَّةَ حائِقُ
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ وزْنَ السَّيِّئَةِ بِالمِيزانِ الصَّرْفِيِّ فَيْعَلَةٌ مِنَ السُّوءِ، فَأُدْغِمَتْ ياءُ الفَيْعَلَةِ الزّائِدَةِ في الواوِ، الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ، بَعْدَ إبْدالِ الواوِ ياءً عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ المُشارِ إلَيْها، في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎إنْ يَسْكُنِ السّابِقُ مِن واوٍ ويا ∗∗∗ واتَّصَلا ومِن عُرُوضٍ عَرِيا ∗∗∗ فَياءُ الواوِ فَلَيِّنْ مُدْغِما ∗∗∗ وشَذَّ مُعْطِي غَيْرَ ما قَدْ رُسِما
غافر 40:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ أصْلُهُ يَتَفاعَلُونَ مِنَ الحُجَّةِ أيْ: يَخْتَصِمُونَ، ويَحْتَجُّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٩٠)﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ [سبإ: ٣١ - ٣٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨ - ٣٩]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢١ - ٢٢]
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْها في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
غافر 40:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ أهْلَ النّارِ طَلَبُوا مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ أنْ يَدْعُوَ لَهُمُ اللَّهَ أنْ يُخَفِّفَ عَنْهم مِن شِدَّةِ عَذابِ النّارِ.
وَقَدْ بَيَّنَ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ أنَّهم نادَوْا مالِكًا خاصَّةً مِن خَزَنَةِ أهْلِ النّارِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لِيُمِيتَهم فَيَسْتَرِيحُوا بِالمَوْتِ مِن عَذابِ النّارِ.
وَقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا في آياتٍ مِن كِتابِهِ، أنَّهم لا يُحابُونَ في واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ؛ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ، الَّذِي سَألُوا تَخْفِيفَهُ، في سُورَةِ المُؤْمِنِ هَذِهِ، ولا يَحْصُلُ لَهُمُ المَوْتُ الَّذِي سَألُوهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، فَقالَ تَعالى في عَدَمِ تَخْفِيفِ العَذابِ عَنْهم في (p-٣٩١)هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] وقالَ تَعالى: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ [ ٧٨ ] وقالَ تَعالى: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] وقالَ تَعالى: إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا [الفرقان: ٦٥] وقالَ تَعالى: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا [الفرقان: ٧٧] وقالَ تَعالى: ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: ٨٨] . وقالَ تَعالى: ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ [المائدة: ٣٧] .
وَقالَ تَعالى في عَدَمِ مَوْتِهِمْ في النّارِ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] . وقالَ تَعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] . وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] . وقالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [طه: ٧٤] . وقالَ تَعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣]
وَلِما قالُوا: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [الزخرف: ٧٧] أجابَهم بِقَوْلِهِ: قالَ إنَّكم ماكِثُونَ [الزخرف: ٧٧] .
غافر 40:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مَعَ الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
غافر 40:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤]، وذَكَرْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في الصّافّاتِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٢] وسَتَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ المُجادِلَةِ.
غافر 40:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ . (p-٣٩٢)اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ في آتَيْنا و أوْرَثْنا لِلتَّعْظِيمِ.
والمُرادُ بِالهُدى ما تَضَمَّنَهُ التَّوْراةُ مِنَ الهُدى في العَقائِدِ والأعْمالِ: وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ وهو التَّوَراةُ، وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: لِأجْلِ الهُدى والتَّذْكِيرِ.
وَقالَ بَعْضُهم: هُدًى حالٌ، ووُرُودُ المَصْدَرِ المُنْكَّرِ حالًا مَعْرُوفٌ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَمَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ حالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كَـ بَغْتَةً زِيدٌ طَلَعْ
وَقالَ القُرْطُبِيُّ: هُدًى بَدَلٌ مِنَ الكِتابِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى وأنْزَلَ فِيها الهُدى لِبَنِي إسْرائِيلَ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ [السجدة: ٢٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ [المائدة: ٤٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٥] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
غافر 40:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ الأعْرافِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ [الأعراف: ١٣]، وذَكَرْنا هُناكَ بَعْضَ النَّتائِجِ السَّيِّئَةِ النّاشِئَةِ عَنِ الكِبَرِ.
غافر 40:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ .
(p-٣٩٣)قَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ، وأوْضَحْنا كُلَّ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وسُورَةِ النَّحْلِ، وأحَلْنا عَلى مَواضِعِ ذَلِكَ مِرارًا.
غافر 40:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ هُودٍ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ الآيَةَ [هود: ٢٤] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ مَعْناهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ص في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: أمْ ﴿نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] .
غافر 40:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] .
غافر 40:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم: اعْبُدُونِي أُثِبْكم مِن عِبادَتِكم، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ بَعْدَهُ: إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم أيِ: اسْألُونِي أُعْطِكم.
وَلا مُنافاةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ؛ لِأنَّ دُعاءَ اللَّهِ مِن أنْواعِ عِبادَتِهِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا المَعْنى، وبَيَّنّا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ (p-٣٩٤)فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
غافر 40:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧] وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] .
غافر 40:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
غافر 40:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] . وبَيَّنّا أوْجُهَ القِراءَةِ في قَوْلِهِ: فَيَكُونُ هُناكَ.
غافر 40:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ هُنا جَلَّ وعَلا عَدَدَ أبْوابِ جَهَنَّمَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في سُورَةِ الحِجْرِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٣ - ٤٤] .
غافر 40:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَصَّ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ أنْباءَ بَعْضِ (p-٣٩٥)الرُّسُلِ؛ أيْ: كَنُوحٍ وهُودٍ، وصالِحٍ، وإبْراهِيمَ، ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ، ومُوسى، وأنَّهُ لَمْ يَقْصُصْ عَلَيْهِ أنْباءَ رُسُلٍ آخَرِينَ، بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وأشارَ إلى ذَلِكَ في سُورَةِ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٩] . وفي سُورَةِ الفُرْقانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ . قَوْلُهُ هُنا: فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ أيْ قامَتِ القِيامَةُ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] أيْ: فَإذا قامَتِ القِيامَةُ قَضى بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ الَّذِي لا يُخالِطُهُ حَيْفٌ ولا جَوْرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٩] .
وَقالَ تَعالى: ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٧٥] .
والحُقُّ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآياتِ: هو المُرادُ بِالقِسْطِ المَذْكُورِ في سُورَةِ يُونُسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ [يونس: ٤٧] .
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّهُ إذا قامَتِ القِيامَةُ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ، أوْضَحَهُ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ الجاثِيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٧] .
والمُبْطِلُ هو: مَن ماتَ مُصِرًّا عَلى الباطِلِ.
وَخُسْرانُ المُبْطِلِينَ المَذْكُورُ هُنا قَدْ قَدَّمْنا بَيانَهُ في سُورَةِ يُونُسَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] .
غافر 40:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (p-٣٩٦)قَدْ قَدَّمْنا أنَّ لَفْظَةَ جَعَلَ تَأْتِي في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لِأرْبَعَةِ مَعانٍ؛ ثَلاثَةٌ مِنها في القُرْآنِ:
الأوَّلُ: إتْيانُ جَعَلَ بِمَعْنى اعْتَقَدَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] أيِ: اعْتَقَدُوهم إناثًا، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ تَنْصِبُ المُبْتَدَأ والخَبَرَ.
الثّانِي: جَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] وهَذِهِ تَنْصِبُ المُبْتَدَأ والخَبَرَ أيْضًا.
الثّالِثُ: جَعَلَ بِمَعْنى خَلَقَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] أيْ: خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وخَلَقَ الظُّلُماتِ والنُّورَ.
والظّاهِرُ أنَّ مِنهُ قَوْلَهُ هُنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ أيْ: خَلَقَ لَكُمُ الأنْعامَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥]، وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ الآيَةَ [يس: ٧١] .
الرّابِعُ: وهو الَّذِي لَيْسَ في القُرْآنِ جَعَلَ بِمَعْنى شَرَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
وَقَدْ جَعَلْتُ إذا ما قُمْتُ يُثْقِلُنِي ثَوْبِي فَأنْهَضُ نَهَضَ الشّارِبِ السَّكِرِ
وَما ذَكَرَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، مِنَ الِامْتِنانِ بِهَذِهِ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ، الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِها بِسَبَبِ خَلْقِهِ لَهُمُ الأنْعامَ وهي الذُّكُورُ والإناثُ، مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] بَيَّنَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ [النحل: ٥ - ٧] . والدِّفْءُ ما يَتَدَفَّئُونَ بِهِ في الثِّيابِ المَصْنُوعَةِ مِن جُلُودِ الأنْعامِ وأوْبارِها وأشْعارِها وأصْوافِها.
• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٩٧)﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [الصف: ٦٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١ - ٢٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٢ - ١٤٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ الآيَةَ [الشورى: ١١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ١٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
غافر 40:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ . قَدْ ذَكَرْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، وبَيَّنّا مَواضِعَها في سُورَةِ الرُّومِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
غافر 40:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، في سُورَةِ يُونُسَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١]، وفي سُورَةِ ص في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص: ٣] .
فصلت 41:1
(p-٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ فُصِّلَتْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ وعَلى نَظائِرِهِ مِنَ الآياتِ، في أوَّلِ سُورَةِ الزُّمَرِ.
فصلت 41:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ .
(كِتابٌ) خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا كِتابٌ، والكِتابُ فِعالٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَكْتُوبٌ.
وَإنَّما قِيلَ لَهُ (كِتابٌ) لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] .
وَمَكْتُوبٌ أيْضًا في صُحُفٍ عِنْدَ المَلائِكَةِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦] .
وَقالَ تَعالى في قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِما تَضَمَّنَتْهُ الصُّحُفُ المَكْتُوبُ فِيها القُرْآنُ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢ - ٣] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ التَّفْصِيلُ ضِدُّ الإجْمالِ، أيْ فَصَّلَ اللَّهُ آياتِ هَذا القُرْآنِ، أيْ بَيَّنَها وأوْضَحَ فِيها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ ودُنْياهم.
والمُسَوِّغُ لِحَذْفِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ هو العِلْمُ بِأنَّ تَفْصِيلَ آياتِ هَذا القُرْآنِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ وحْدَهُ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَفْصِيلِ آياتِ هَذا الكِتابِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، مُبَيَّنًا فِيها أنَّ اللَّهَ فَصَّلَهُ عَلى عِلْمٍ مِنهُ، وأنَّ الَّذِي فَصَّلَهُ حَكِيمٌ خَبِيرٌ، وأنَّهُ فَصَّلَهُ لِيَهْدِيَ (p-٤)بِهِ النّاسَ ويَرْحَمَهم، وأنَّ تَفْصِيلَهُ شامِلٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١١١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾
قَوْلُهُ: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) قَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْهِ وعَلى الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في القُرْآنِ في سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] أيْ فُصِّلَتْ آياتُهُ في حالِ كَوْنِهِ (قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) .
وَإنَّما خَصَّهم بِذَلِكَ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِتَفْصِيلِهِ، كَما خَصَّهم بِتَفْصِيلِ الآياتِ في سُورَةِ ”يُونُسَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] وفي سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧ - ٩٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا وجْهَ تَخْصِيصِ المُنْتَفِعِينَ بِالأمْرِ المُشْتَرَكِ دُونَ غَيْرِهِمْ في سُورَةِ ”فاطِرٍ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر: ١٨] وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ تَخْصِيصَهم بِالإنْذارِ دُونَ غَيْرِهِمْ في آيَةِ ”فاطِرٍ“ هَذِهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى في ”يس“: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [يس: ١١]،
• وقَوْلِهِ في النّازِعاتِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥]،
• وقَوْلِهِ في ”الأنْعامِ“ ﴿وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ (p-٥)الآيَةَ [الأنعام: ٥١] . مَعَ أنَّ أصْلَ الإنْذارِ عامٌّ شامِلٌ لِلْمَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .
وَإنَّما خَصَّ المَذْكُورِينَ بِالإنْذارِ، لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِالإنْذارِ، ومَن لَمْ يُنْذَرْ أصْلًا - سَواءٌ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [فصلت: ٤] حالٌ بَعْدَ حالٍ. وقَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ وبَعْضَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الكهف: ٢]، وبَسَطْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”يس“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] وفي سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَهم لا يَسْمَعُونَ أيْ لا يَسْمَعُونَ سَماعَ قَبُولٍ وانْتِفاعٍ.
وَقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٠] .
فصلت 41:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ .
ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ صَرَّحُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهم لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ، ولا يَقْبَلُونَ مِنهُ ما جاءَهم بِهِ؛ فَقالُوا لَهُ: قُلُوبُنا الَّتِي نَعْقِلُ بِها ونَفْهَمُ (في أكِنَّةٍ) أيْ أغْطِيَةٍ.
(p-٦)والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، وهو الغِطاءُ والغِلافُ الَّذِي يُغَطِّي الشَّيْءَ ويَمْنَعُهُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ.
وَيَعْنُونَ أنَّ تِلْكَ الأغْطِيَةَ مانِعَةٌ لَهم مِن فَهْمِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ ﷺ . وقالُوا: إنَّ في آذانِهِمُ الَّتِي يَسْمَعُونَ بِها وقْرًا، أيْ ثِقَلًا، وهو الصَّمَمُ، وإنَّ ذَلِكَ الصَّمَمَ مانِعٌ لَهم مِن أنْ يَسْمَعُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا ومِمّا يَقُولُ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
وَأنَّ مِن بَيْنِهِمْ وبَيْنَهُ حِجابًا مانِعًا لَهم مِنَ الِاتِّصالِ والِاتِّفاقِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الحِجابَ يَحْجُبُ كُلًّا مِنهُما عَنِ الآخَرِ، ويَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤْيَةِ ما يُبْدِيهِ ﷺ مِنَ الحَقِّ.
واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - ذَكَرَ عَنْهم هَذا الكَلامَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، مَعَ أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّهُ جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمُ الأكِنَّةَ، وفي آذانِهِمُ الوَقْرَ، وجَعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِ حِجابًا عِنْدَ قِراءَتِهِ القُرْآنَ، قالَ تَعالى في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦] . وقالَ تَعالى في ”الأنْعامِ“: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] . وقالَ تَعالى ”في الكَهْفِ“: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] .
وَهَذا الإشْكالُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ في هَذِهِ الآياتِ قَوِيٌّ، ووَجْهُ كَوْنِهِ مُشْكِلًا ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى دَعْواهُمُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ والحِجابَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن ”فُصِّلَتْ“، وبَيَّنَ في الآياتِ الأُخْرى أنَّ ما ذَمَّهم عَلى ادِّعائِهِ واقِعٌ بِهِمْ فِعْلًا، وأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي جَعَلَهُ فِيهِمْ.
فَيُقالُ: فَكَيْفَ يُذَمُّونَ عَلى قَوْلِ شَيْءٍ هو حَقٌّ في نَفْسِ الأمْرِ ؟
والتَّحْقِيقُ في الجَوابِ عَنْ هَذا الإشْكالِ هو ما ذَكَرْناهُ مِرارًا مِن أنَّ اللَّهَ إنَّما جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمُ الأكِنَّةَ، وطَبَعَ عَلَيْها وخَتَمَ عَلَيْها، وجَعَلَ الوَقْرَ في آذانِهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المَوانِعِ مِنَ الهُدى - بِسَبَبِ أنَّهم بادَرُوا إلى الكُفْرِ، وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ طائِعِينَ مُخْتارِينَ، فَجَزاهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ الذَّنْبِ الأعْظَمِ طَمْسَ البَصِيرَةِ، والعَمى عَنِ الهُدى، جَزاءً وِفاقًا.
(p-٧)فالأكِنَّةُ والوَقْرُ والحِجابُ المَذْكُورَةُ إنَّما جَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُجازاةً لِكُفْرِهِمُ الأوَّلِ.
وَمِن جَزاءِ السَّيِّئَةِ تَمادِي صاحِبِها في الضَّلالِ، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ في ذَلِكَ.
والآياتُ المُصَرِّحَةُ بِمَعْنى هَذا كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] .
فَقَوْلُ اليَهُودِ في هَذِهِ الآيَةِ: قُلُوبُنا غُلْفٌ كَقَوْلِ كُفّارِ مَكَّةَ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾؛ لِأنَّ الغُلْفَ جَمْعُ أغْلُفَ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ غِلافٌ، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، والغِلافُ والكِنانُ كِلاهُما بِمَعْنى الغِطاءِ السّاتِرِ.
وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلى اليَهُودِ دَعْواهم بِ (بَلِ) الَّتِي هي لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] .
فالباءُ في قَوْلِهِ: (بِكُفْرِهِمْ) سَبَبِيَّةٌ، وهي دالَّةٌ عَلى أنَّ سَبَبَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ هو كَفْرُهم، والأكِنَّةُ والوَقْرُ والطَّبْعُ كُلُّها مِن بابٍ واحِدٍ.
وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]، والفاءُ في قَوْلِهِ: (فَطُبِعَ) سَبَبِيَّةٌ، أيْ ثُمَّ كَفَرُوا، فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكُفْرِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّهُ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الفاءَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ العِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ.
وَكَذَلِكَ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ فَهي سَبَبِيَّةٌ أيْضًا، أيْ فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ الطَّبْعِ (لا يَفْقَهُونَ) أيْ لا يَفْهَمُونَ مِن بَراهِينِ اللَّهِ وحُجَجِهِ شَيْئًا.
وَذَلِكَ مِمّا يُبَيِّنُ أنَّ الطَّبْعَ والأكِنَّةَ يَئُولُ مَعْناهُما إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو ما يَنْشَأُ عَنْ كُلٍّ مِنهُما مِن عَدَمِ الفَهْمِ.
لِأنَّهُ قالَ في الطَّبْعِ ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ .
وَقالَ في الأكِنَّةِ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أيْ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، أوْ لِأجْلِ ألّا يَفْقَهُوهُ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ.
(p-٨)وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فَبَيَّنَ أنَّ زَيْغَهُمُ الأوَّلَ كانَ سَبَبًا لِإزاغَةِ اللَّهِ قُلُوبَهم، وتِلْكَ الإزاغَةُ قَدْ تَكُونُ بِالأكِنَّةِ والطَّبْعِ والخَتْمِ عَلى القُلُوبِ.
وَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] .
وَإيضاحُ هَذا الجَوابِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ إخْبارَهُ ﷺ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ بِوَجْهٍ، ولا يَتَّبِعُونَهُ بِحالٍ، ولا يُقِرُّونَ بِالحَقِّ الَّذِي هو كَوْنُ كُفْرِهِمْ هَذا هو الجَرِيمَةُ والذَّنْبُ الَّذِي كانَ سَبَبًا في الأكِنَّةِ والوَقْرِ والحِجابِ.
فَدَعْواهم كاذِبَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهم قُلُوبًا يَفْهَمُونَ بِها، وآذانًا يَسْمَعُونَ بِها، خِلافًا لِما زَعَمُوا، ولَكِنَّهُ سَبَّبَ لَهُمُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ والحِجابَ بِسَبَبِ مُبادَرَتِهِمْ إلى الكُفْرِ، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ .
وَهَذا المَعْنى أوْضَحَهُ رَدُّهُ تَعالى عَلى اليَهُودِ في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ .
وَقَدْ حاوَلَ الفَخْرُ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الجَوابَ عَلى الإشْكالِ المَذْكُورِ، فَقالَ: فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وذَكَرَ أيْضًا ما يَقْرُبُ مِنهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِعَيْنِها في مَعْنى التَّقْرِيرِ والإثْباتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟
قُلْنا: إنَّهُ لَمْ يَقُلْ ها هُنا إنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، إنَّما الَّذِي ذَمَّهم عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: إنّا إذا كُنّا كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُنا وتَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلَيْنا، وهَذا الثّانِي باطِلٌ.
أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ. اهـ مِنهُ. والأظْهَرُ هو ما ذَكَرْنا.
(p-٩)قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ .
فَإنْ قُلْتَ: هَلْ لِزِيادَةِ (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ - فائِدَةٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: وبَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، لَكانَ المَعْنى أنْ حِجابًا حاصِلٌ وسَطَ الجِهَتَيْنِ.
وَأمّا بِزِيادَةِ (مِن) فالمَعْنى أنَّ حِجابًا ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ لِجِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ، لا فَراغَ فِيها. انْتَهى مِنهُ.
واسْتَحْسَنَ كَلامَهُ هَذا الفَخْرُ الرّازِيُّ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ المُنِيرِ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ، فَأوْضَحَ سُقُوطَهُ، والحَقُّ مَعَهُ في تَعَقُّبِهِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَهُ وإيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] .
فصلت 41:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ .
والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ إضافِيٌّ، أيْ لا أقُولُ لَكم: إنِّي مَلَكٌ، وإنَّما أنا رَجُلٌ مِنَ البَشَرِ.
وَقَوْلُهُ: مِثْلُكم في الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ فَضَّلَنِي بِما أوْحى إلَيَّ مِن تَوْحِيدِهِ.
كَما قالَ تَعالى عَنِ الرُّسُلِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] أيْ كَما مَنَّ عَلَيْنا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ.
وَما ذَكَرَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرَهُ في آخِرِ سُورَةِ الكَهْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ الآيَةَ [الكهف: ١١٠] .
(p-١٠)وَقَدْ أوْضَحْنا وجْهَ حَصْرِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ ﷺ في مَضْمُونِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وَبَيَّنّا في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ إنْكارَ المُشْرِكِينَ كَوْنَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ، وأنَّهم يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا مِنَ المَلائِكَةِ، وما رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، أوْضَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ ص، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤ - ٩٥] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ .
قَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلَماءِ الأُصُولِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، وأنَّهم كافِرُونَ بِالآخِرَةِ، وقَدْ تَوَعَّدَهم بِالوَيْلِ عَلى شِرْكِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِالآخِرَةِ، وعَدَمِ إيتائِهِمُ الزَّكاةَ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّ الزَّكاةَ في الآيَةِ هي زَكاةُ المالِ المَعْرُوفَةُ، أوْ زَكاةُ الأبْدانِ بِفِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي.
وَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ القَوْلَ الأخِيرَ؛ لِأنَّ سُورَةَ فُصِّلَتْ هَذِهِ مِنَ القُرْآنِ النّازِلِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وزَكاةُ المالِ المَعْرُوفَةُ إنَّما فُرِضَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
وَعَلى كُلِّ حالٍ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى خِطابِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الإسْلامِ.
أعْنِي امْتِثالَ أوامِرِهِ واجْتِنابَ نَواهِيهِ. وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِهِمْ مُخاطَبِينَ بِذَلِكَ، وأنَّهم يُعَذَّبُونَ عَلى الكُفْرِ، ويُعَذَّبُونَ عَلى المَعاصِي - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧] .
(p-١١)فَصَرَّحَ تَعالى عَنْهم مُقَرِّرًا لَهُ أنَّ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي سَلَكَتْهم في سَقَرَ - أيْ أدْخَلَتْهُمُ النّارَ - عَدَمُ الصَّلاةِ، وعَدَمُ إطْعامِ المِسْكِينِ، وعْدَّ ذَلِكَ مَعَ الكُفْرِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: - ٣٢] ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ولا﴾ ﴿وَلا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فصلت 41:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
الأجْرُ جَزاءُ العَمَلِ، وجَزاءُ عَمَلِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هو نَعِيمُ الجَنَّةِ، وذَلِكَ الجَزاءُ (غَيْرُ مَمْنُونٍ) أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، فالمَمْنُونُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنهُ بِمَعْنى قَطَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنازَعَ شِلْوَهُ غُبْسٌ كَواسِبُ ما يُمَنُّ طَعامُها
فَقَوْلُهُ: ما يُمَنُّ طَعامُها، أيْ ما يُقْطَعُ. وقَوْلُ ذِي الأُصْبُعِ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما بابِي بِذِي غَلَقٍ ∗∗∗ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ أجَرَهم غَيْرُ مَمْنُونٍ - نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ الِانْشِقاقِ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ التِّينِ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] .
فَقَوْلُهُ: (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) و (غَيْرَ مَمْنُونٍ) - مَعْناهُما واحِدٌ.
وَقَوْلِهِ تَعالى في ”ص“: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] أيْ ما لَهُ مِنِ انْتِهاءٍ ولا انْقِطاعٍ. وقَوْلِهِ في ”النَّحْلِ“: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] .
(p-١٢)وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّ مَعْنى (غَيْرُ مَمْنُونٍ) غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْهِمْ بِهِ.
وَعَلَيْهِ؛ فالمَنُّ في الآيَةِ مِن جِنْسِ المَنِّ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
وَمَن قالَ: إنَّ مَعْنى (غَيْرُ مَمْنُونٍ) غَيْرُ مَنقُوصٍ، مُحْتَجًّا بِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ المَمْنُونَ عَلى المَنقُوصِ، قالُوا: ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَضْلُ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَلا ∗∗∗ يُعْطى بِذَلِكَ مَمْنونًا ولا نَزَقا
فَقَوْلُهُ: مَمْنُونًا، أيْ مَنقُوصًا.
وَهَذا وإنْ صَحَّ لُغَةً، فالأظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ مَعْنى الآيَةِ.
بَلْ مَعْناها هو ما قَدَّمْنا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
فصلت 41:9
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٨٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ فُصِّلَتْ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ .
تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٩] .
فصلت 41:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ هُنا (في أرْبَعَةِ أيّامٍ) أيْ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ.
وَتَتِمَّةُ الأرْبَعَةِ حاصِلَةٌ بِيَوْمَيْنِ فَقَطْ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ ثُمَّ قالَ: (في أرْبَعَةِ أيّامٍ) أيْ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ.
ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] فَتَضُمُّ اليَوْمَيْنِ إلى الأرْبَعَةِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الأيّامِ الَّتِي خَلَقَ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما - سِتَّةَ أيّامٍ.
وَهَذا التَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرْنا في الآيَةِ لا يَصِحُّ غَيْرُهُ بِحالٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كِتابِهِ بِأنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ،
• كَقَوْلِهِ في ”الفُرْقانِ“: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في السَّجْدَةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”ق“: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ (p-١٣)[الأعراف: ٥٤] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
فَلَوْ لَمْ يُفَسَّرْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ بِأنَّ مَعْناهُ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ - لَكانَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في ثَمانِيَةِ أيّامٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ إذا فُسِّرَ بِأنَّها أرْبَعَةٌ كامِلَةٌ ثُمَّ جُمِعَتْ مَعَ اليَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ خُلِقَتْ فِيهِما الأرْضُ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]، واليَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ خُلِقَتْ فِيهِما السَّماواتُ المَذْكُورَيْنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] - لَكانَ المَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ.
وَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ.
والنُّصُوصُ القُرْآنِيَّةُ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها سِتَّةُ أيّامٍ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ صِحَّةُ التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْنا، وصِحَّةُ دَلالَةِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى أمْثالِهِ مِنَ الآياتِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ أيْ أكْثَرَ فِيها البَرَكاتِ، والبَرَكَةُ الخَيْرُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ .
التَّقْدِيرُ والخَلْقُ في لُغَةِ العَرَبِ مَعْناهُما واحِدٌ.
والأقْواتُ جَمْعُ قُوتٍ، والمُرادُ بِالأقْواتِ أرْزاقُ أهْلِ الأرْضِ ومَعايِشُهم وما يُصْلِحُهم.
وَقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ أنَّ آيَةَ ”فُصِّلَتْ“ هَذِهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ يُفْهَمُ مِنها الجَمْعُ بَيْنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّماءِ، كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ بِـ (ثُمَّ) قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ مَعَ بَعْضِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ السَّماءَ خُلِقَتْ قَبْلَ الأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”النّازِعاتِ“: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠] .
فَقُلْنا في كِتابِنا المَذْكُورِ ما نَصُّهُ: قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٤)﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [البقرة: ٢٩]، الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، بِدَلِيلِ لَفْظَةِ (ثُمَّ) الَّتِي هي لِلتَّرْتِيبِ والِانْفِصالِ.
وَكَذَلِكَ آيَةِ ”حم السَّجْدَةِ“ تَدُلُّ أيْضًا عَلى خَلْقِ الأرْضِ قَبْلَ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ قالَ فِيها: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ إلى أنْ قالَ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ الآيَةَ.
مَعَ أنَّ آيَةَ ”النّازِعاتِ“ تَدُلُّ عَلى أنَّ دَحْوَ الأرْضِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ قالَ فِيها ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ .
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - سُئِلَ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ آيَةِ ”السَّجْدَةِ“ وآيَةِ ”النّازِعاتِ“ فَأجابَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ أوَّلًا قَبْلَ السَّماءِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعًا في يَوْمَيْنِ، ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وجَعَلَ فِيها الرَّواسِيَ والأنْهارَ وغَيْرَ ذَلِكَ.
فَأصْلُ خَلْقِ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِجِبالِها وأشْجارِها ونَحْوُ ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ.
وَيَدُلُّ لِهَذا أنَّهُ قالَ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ولَمْ يَقُلْ: خَلَقَها، ثُمَّ فَسَّرَ دَحْوَهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ [النازعات: ٣١]، وهَذا الجَمْعُ الَّذِي جَمَعَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ، مَفْهُومٌ مِن ظاهِرِ القُرْآنِ العَظِيمِ إلّا أنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ إشْكالٌ مِن آيَةِ ”البَقَرَةِ“ هَذِهِ.
وَإيضاحُهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ جَمَعَ بِأنَّ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوَها بِما فِيها بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ قالَ فِيها ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ.
وَقَدْ مَكَثْتُ زَمَنًا طَوِيلًا أُفَكِّرُ في حَلِّ هَذا الإشْكالِ حَتّى هَدانِي اللَّهُ إلَيْهِ ذاتَ يَوْمٍ، فَفَهِمْتُهُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ.
وَإيضاحُهُ: أنَّ هَذا الإشْكالَ مَرْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ، كُلٌّ مِنهُما تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ.
(p-١٥)الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِخَلْقِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ - الخَلْقُ اللُّغَوِيُّ الَّذِي هو التَّقْدِيرُ، لا الخَلْقُ بِالفِعْلِ، الَّذِي هو الإبْرازُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، والعَرَبُ تُسَمِّي التَّقْدِيرَ خَلْقًا. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وَلَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الخَلْقِ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“؛ حَيْثُ قالَ: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ الآيَةَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الأرْضَ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ وهي أصْلٌ لِكُلِّ ما فِيها كانَ كُلَّ ما فِيها كَأنَّهُ خُلِقَ بِالفِعْلِ لِوُجُودِ أصْلِهِ فِعْلًا.
والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ وُجُودَ الأصْلِ يُمْكِنُ بِهِ إطْلاقُ الخَلْقِ عَلى الفَرْعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١١]، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أيْ بِخَلْقِنا وتَصْوِيرِنا لِأبِيكم آدَمَ الَّذِي هو أصْلُكم.
وَجَمَعَ بَعْضُ العُلَماءِ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ، فَلَفْظَةُ (بَعْدَ) بِمَعْنى مَعَ.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وعَلَيْهِ؛ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ.
وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذا القَوْلِ بِالقِراءَةِ الشّاذَّةِ - وبِها قَرَأ مُجاهِدٌ -: (والأرْضَ مَعَ ذَلِكَ دَحاها) .
وَجَمَعَ بَعْضُهم بِأوْجُهٍ ضَعِيفَةٍ؛ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ خَلْقَ السَّماءِ قَبْلَ الأرْضِ، وهو خِلافُ التَّحْقِيقِ.
مِنها: أنَّ (ثُمَّ) بِمَعْنى الواوِ.
وَمِنها: أنَّها لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [البلد: ١٧] .
فصلت 41:11
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ مِن مُنافاةِ هَذِهِ الحالِ وصاحِبِها، لِأنَّها جَمْعٌ مُذَكَّرٌ عاقِلٌ وصاحِبُها ضَمِيرُ تَثْنِيَةٍ لِغَيْرٍ عاقِلٍ، ولَوْ طابَقَتْ صاحِبَها في التَّثْنِيَةِ حَسَبَ ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ، لَقالَ: أتَيْنا طائِعَتَيْنِ.
والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما وهو الأظْهَرُ عِنْدِي، أنَّ جَمْعَهُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ السَّماواتِ سَبْعٌ والأرْضِينَ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فالتَّثْنِيَةُ لَفْظِيَّةٌ تَحْتَها أرْبَعَةَ عَشَرَ فَرْدًا.
وَأمّا إتْيانُ الجَمْعِ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ، فَلِأنَّ العادَةَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ إذا وُصِفَ غَيْرُ العاقِلِ بِصِفَةٍ تَخْتَصُّ بِالعاقِلِ أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، لَمّا كانَ السُّجُودُ في الظّاهِرِ مِن خَواصِّ العُقَلاءِ أجْرى حُكْمَهم عَلى الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ لِوَصْفِها بِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧١ - ٧٣] .
(p-٣٨٥)فَأجْرى عَلى الأصْنامِ حُكْمَ العُقَلاءِ لِتَنْزِيلِ الكُفّارِ لَها مَنزِلَتَهم، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ قَيْسِ بْنِ المُلَوَّحِ:
؎أسِرْبَ القَطّا هَلْ مَن يُعِيرُ جَناحَهُ. . . . .
البَيْتَ.
فَإنَّهُ لَمّا طَلَبَ الإعارَةَ مِنَ القَطّا، وهي مِن خَواصِّ العُقَلاءِ أجْرى عَلى القَطّا اللَّفْظَ المُخْتَصَّ بِالعُقَلاءِ لِذَلِكَ ووَجْهُ تَذْكِيرِ الجَمْعِ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: قالَتا أتَيْنا بِمَن فِينا طائِعِينَ فَيَكُونُ فِيهِ تَغْلِيبُ العاقِلِ عَلى غَيْرِهِ، والأوَّلُ أظْهَرَ عِنْدِي، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
فصلت 41:12
(p-١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا﴾ .
المَصابِيحُ: النُّجُومُ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن تَزْيِينِ السَّماءِ الدُّنْيا بِالنُّجُومِ، قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ [الأنعام: ٩٧] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وحِفْظًا قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ الآيَةَ [الحجر: ١٧] .
فصلت 41:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”ص“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] .
فصلت 41:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ . الصَّرْصَرُ: وزْنُهُ بِالمِيزانِ الصَّرْفِيِّ ”فَعَفَلُ“، وفي مَعْنى الصَّرْصَرِ لِعُلَماءِ التَّفْسِيرِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الرِّيحَ الصَّرْصَرَ هي الرِّيحُ العاصِفَةُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ الَّتِي يُسْمَعُ لِهُبُوبِها صَوْتٌ شَدِيدٌ، وعَلى هَذا؛ فالصَّرْصَرُ مِنَ الصَّرَّةِ الَّتِي هي الصَّيْحَةُ المُزْعِجَةُ.
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ أيْ في صَيْحَةٍ، ومِن هَذا المَعْنى صَرِيرُ البابِ والقَلَمِ، أيْ صَوْتُهُما.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الصَّرْصَرَ مِنَ الصَّرِّ الَّذِي هو البَرْدُ الشَّدِيدُ المُحْرِقُ، ومِنهُ عَلى أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١١٧]، أيْ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ مُحْرِقٌ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
؎أوْقِدْ فَإنَّ اللَّيْلَ لَيْلٌ قَرُّ والرِّيحَ يا واقِدُ رِيحٌ صِرُّ
؎عَلَّ يَرى نارَكَ مَن يَمُرُّ ∗∗∗ إنْ جَلَبَتْ ضَيْفًا فَأنْتَ حُرُّ
(p-١٧)فَقَوْلُهُ: رِيحٌ صِرٌّ، أيْ بارِدَةٌ شَدِيدَةُ البَرْدِ.
والأظْهَرُ أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ صَحِيحٌ، وأنَّ الرِّيحَ المَذْكُورَةَ جامِعَةٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَهي عاصِفَةٌ شَدِيدَةُ الهُبُوبِ، بارِدَةٌ شَدِيدةُ البَرْدِ.
وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - مِن إهْلاكِهِ عادًا بِهَذِهِ الرِّيحِ الصَّرْصَرِ، في تِلْكَ الأيّامِ النَّحِساتِ - أيِ المَشْئُوماتِ النَّكِداتِ؛ لِأنَّ النَّحْسَ ضِدُّ السَّعْدِ، وهو الشُّؤْمُ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في بَعْضِها عَدَدَ الأيّامِ واللَّيالِي الَّتِي أرْسَلَ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فِيها،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ١٩ - ٢٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] .
وَهَذِهِ الرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي المُرادُ بِصاعِقَةِ عادٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٣] .
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ (نَحْساتٍ) بِسُكُونِ الحاءِ؛ وعَلَيْهِ فالنَّحْسُ وصْفٌ أوْ مَصْدَرٌ، نَزَلَ مَنزِلَةَ الوَصْفِ.
وَقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (نَحِساتٍ) بِكَسْرِ الحاءِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
قَدْ قَدَّمْنا أنَّ مَعْنى النَّحِساتِ المَشْئُوماتُ النَّكِداتُ.
وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: ١٩] . قالَ: (p-١٨)النَّحْسُ البَلاءُ والشِّدَّةُ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ زُهَيْرَ بْنَ أبِي سُلْمى يَقُولُ:
؎سَواءٌ عَلَيْهِ أيَّ يَوْمٍ أتَيْتُهُ ∗∗∗ أساعَةَ نَحْسٍ تَتَّقِي أمْ بِأسْعَدِ
وَتَفْسِيرُ النَّحْسِ بِالبَلاءِ والشِّدَّةِ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الشُّؤْمَ بَلاءٌ وشِدَّةٌ، ومُقابَلَةُ زُهَيْرٍ النَّحْسَ بِالأسْعَدِ في بَيْتِهِ يُوَضِّحُ ذَلِكَ، وهو مَعْلُومٌ.
وَيَزْعُمُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّها مِن آخَرِ شَوّالٍ، وأنَّ أوَّلَها يَوْمُ الأرْبِعاءِ، وآخِرَها يَوْمُ الأرْبِعاءِ، ولا دَلِيلَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
وَما يَذْكُرُهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ يَوْمَ النَّحْسِ المُسْتَمِرِّ هو يَوْمُ الأرْبِعاءِ الأخِيرُ مِنَ الشَّهْرِ، أوْ يَوْمُ الأرْبِعاءِ مُطْلَقًا، حَتّى إنَّ بَعْضَ المُنْتَسِبِينَ لِطَلَبِ العِلْمِ وكَثِيرًا مِنَ العَوامِّ صارُوا يَتَشاءَمُونَ بِيَوْمِ الأرْبِعاءِ الأخِيرِ مِن كُلِّ شَهْرٍ، حَتّى إنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى السَّفَرِ والتَّزَوُّجِ ونَحْوِ ذَلِكَ فِيهِ، ظانِّينَ أنَّهُ يَوْمُ نَحْسٍ وشُؤْمٍ، وأنَّ نَحْسَهُ مُسْتَمِرٌّ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ في جَمِيعِ الزَّمَنِ - لا أصْلَ لَهُ ولا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ مَن عِنْدَهُ عِلْمٌ؛ لِأنَّ نَحْسَ ذَلِكَ اليَوْمِ مُسْتَمِرٌّ عَلى عادٍ فَقَطِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، فاتَّصَلَ لَهم عَذابُ البَرْزَخِ والآخِرَةِ بِعَذابِ الدُّنْيا، فَصارَ ذَلِكَ الشُّؤْمُ مُسْتَمِرًّا عَلَيْهِمُ اسْتِمْرارًا لا انْقِطاعَ لَهُ.
أمّا غَيْرُ عادٍ فَلَيْسَ مُؤاخَذًا بِذَنْبِ عادٍ؛ لِأنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.
وَقَدْ أرَدْنا هُنا أنْ نَذْكُرَ بَعْضَ الرِّواياتِ الَّتِي اغْتَرَّ بِها مَن ظَنَّ اسْتِمْرارَ نَحْسَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِنُبَيِّنَ أنَّها لا مُعَوِّلَ عَلَيْها.
قالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قالَ: يَوْمَ الأرْبِعاءِ.
وَأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: اقْضِ بِاليَمِينِ مَعَ الشّاهِدِ. وقالَ: يَوْمُ الأرْبِعاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» .
وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِاليَمِينِ مَعَ الشّاهِدِ، والحِجامَةِ، ويَوْمُ الأرْبِعاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» .
(p-١٩)وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”يَوْمُ نَحْسٍ يَوْمُ الأرْبِعاءِ»“ .
وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الأيّامِ، وسُئِلَ عَنْ يَوْمِ الأرْبِعاءِ قالَ: يَوْمُ نَحْسٍ. قالُوا كَيْفَ ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: أغْرَقَ فِيهِ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وأهْلَكَ عادًا وثَمُودَ» .
وَأخْرَجَ وكِيعٌ في الغَرَرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «آخِرُ أرْبِعاءَ في الشَّهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» .
فَهَذِهِ الرِّواياتُ وأمْثالُها لا تَدُلُّ عَلى شُؤْمِ يَوْمِ الأرْبِعاءِ عَلى مَن لَمْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ ولَمْ يَعْصِهِ؛ لِأنَّ أغْلَبَها ضَعِيفٌ، وما صَحَّ مَعْناهُ مِنها فالمُرادُ بِنَحْسِهِ شُؤْمُهُ عَلى أُولَئِكَ الكَفَرَةِ العُصاةِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فِيهِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ.
فالحاصِلُ أنَّ النَّحْسَ والشُّؤْمَ إنَّما مَنشَؤُهُ وسَبَبُهُ الكُفْرُ والمَعاصِي.
أمّا مَن كانَ مُتَّقِيًا لِلَّهِ مُطِيعًا لَهُ في يَوْمِ الأرْبِعاءِ المَذْكُورِ - فَلا نَحْسَ ولا شُؤْمَ فِيهِ عَلَيْهِ. فَمَن أرادَ أنْ يَعْرِفَ النَّحْسَ والشُّؤْمَ والنَّكَدَ والبَلاءَ والشَّقاءَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَلْيَتَحَقَّقْ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ وعَدَمِ امْتِثالِ أمْرِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
فصلت 41:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَهَدَيْناهم المُرادُ بِالهُدى فِيهِ هُدى الدَّلالَةِ والبَيانِ والإرْشادِ، لا هُدى التَّوْفِيقِ والِاصْطِفاءِ.
والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ هِدايَةَ تَوْفِيقٍ لَما انْتَقَلَ صاحِبُها عَنِ الهُدى إلى العَمى.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ وآثَرُوهُ عَلَيْهِ، وتَعَوَّضُوهُ مِنهُ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْنا يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ [التوبة: ٢٣] فَقَوْلُهُ في آيَةِ ”التَّوْبَةِ“ هَذِهِ: (p-٢٠)﴿إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾ مُوافِقٌ في المَعْنى لِقَوْلِهِ هُنا: فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ في المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣] .
فَلَفْظَةُ اسْتَحَبَّ في القُرْآنِ كَثِيرًا ما تَتَعَدّى بِعَلى؛ لِأنَّها في مَعْنى اخْتارَ وآثَرَ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”هُودٍ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى﴾ - أنَّ العَمى الكُفْرُ، وأنَّ المُرادَ بِالأعْمى في آياتٍ عَدِيدَةٍ الكافِرُ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الهُدى يَأْتِي في القُرْآنِ بِمَعْناهُ العامِّ، الَّذِي هو البَيانُ والدَّلالَةُ والإرْشادُ - لا يُنافِي أنَّ الهُدى قَدْ يُطْلَقُ في القُرْآنِ في بَعْضِ المَواضِعِ عَلى الهُدى الخاصِّ الَّذِي هو التَّوْفِيقُ والِاصْطِفاءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] .
فَمِن إطْلاقِ القُرْآنِ الهُدى عَلى مَعْناهُ العامِّ قَوْلُهُ هُنا: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ بَيَّنّا لَهم طَرِيقَ الحَقِّ وأمَرْناهم بِسُلُوكِها، وطُرُقِ الشَّرِّ ونَهَيْناهم عَنْ سُلُوكِها عَلى لِسانِ نَبِيِّنا صالِحٍ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ اخْتارُوا الكَفْرَ عَلى الإيمانِ بَعْدَ إيضاحِ الحَقِّ لَهم.
وَمِن إطْلاقِهِ عَلى مَعْناهُ العامِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ هُدى تَوْفِيقٍ لَما قالَ: ﴿وَإمّا كَفُورًا﴾ .
وَمِن إطْلاقِهِ عَلى مَعْناهُ الخاصِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] . وقَوْلُهُ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ [الكهف: ١٧] .
وَبِمَعْرِفَةِ هَذَيْنِ الإطْلاقَيْنِ تَتَيَسَّرُ إزالَةُ إشْكالٍ قُرْآنِيٍّ وهو أنَّهُ تَعالى: أثْبَتَ الهُدى لِنَبِيِّنا ﷺ في آيَةٍ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ونَفاهُ عَنْهُ في آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] .
(p-٢١)فَيُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ الهُدى المُثْبَتَ لَهُ ﷺ هو الهُدى العامُّ، الَّذِي هو البَيانُ والدَّلالَةُ والإرْشادُ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ﷺ فَبَيَّنَ المَحَجَّةَ البَيْضاءَ، حَتّى تَرَكَها لَيْلُها كَنَهارِها، لا يَزِيغُ عَنْها هالِكٌ.
والهُدى المَنفِيُّ عَنْهُ في آيَةِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] - هو الهُدى الخاصُّ، الَّذِي هو التَّفَضُّلُ بِالتَّوْفِيقِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ بِيَدِ اللَّهِ وحْدَهُ، ولَيْسَ بِيَدِهِ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤١] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] . والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٥] - لا مُنافاةَ فِيهِ بَيْنَ عُمُومِ النّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ، وخُصُوصِ المُتَّقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ لِأنَّ الهُدى العامَّ لِلنّاسِ هو الهُدى العامُّ، والهُدى الخاصُّ بِالمُتَّقِينَ هو الهُدى الخاصُّ، كَما لا يَخْفى.
وَقَدْ بَيَّنّا هَذا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ .
الفاءُ في قَوْلِهِ: (فَأخَذَتْهم) سَبَبِيَّةٌ، أيْ فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى، وبِسَبَبِ ذَلِكَ أخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - عَبَّرَ عَنِ الهَلاكِ الَّذِي أهْلَكَ بِهِ ثَمُودَ بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَذَكَرَهُ هَنا باسِمِ الصّاعِقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ٣١] .
وَعَبَّرَ عَنْهُ أيْضًا بِالصّاعِقَةِ في سُورَةِ ”الذّارِياتِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٣ - ٤٤] .
وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالصَّيْحَةِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”هُودٍ“ في إهْلاكِهِ ثَمُودَ: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ (p-٢٢)[هود: ٦٧ - ٦٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”الحِجْرِ“: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٢ - ٨٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى في القَمَرِ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”العَنْكَبُوتِ“ ﴿وَمِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ يَعْنِي بِهِ ثَمُودَ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٣٨] .
وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالرَّجْفَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٧٧ - ٥١] .
وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّدْمِيرِ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] .
وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالطّاغِيَةِ في ”الحاقَّةِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] .
وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّمْدَمَةِ في ”الشَّمْسِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ [الشمس: ١٤] .
وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالعَذابِ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: ١٥٧ - ١٥٨] .
وَمَعْنى هَذِهِ العِباراتِ كُلِّها راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً أهْلَكَتْهم، والصَّيْحَةُ الصَّوْتُ المُزْعِجُ المُهْلِكُ.
والصّاعِقَةُ تُطْلَقُ أيْضًا عَلى الصَّوْتِ المُزْعِجِ المُهْلِكِ، وعَلى النّارِ المُحْرِقَةِ، وعَلَيْهِما مَعًا، ولِشِدَّةِ عِظَمِ الصَّيْحَةِ وهَوْلِها مِن فَوْقِهِمْ رَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ مِن تَحْتِهِمْ، أيْ تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً قَوِيَّةً، فاجْتَمَعَ فِيها أنَّها صَيْحَةٌ وصاعِقَةٌ ورَجْفَةٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ تَدْمِيرًا واضِحٌ. وقِيلَ لَها طاغِيَةٌ؛ لِأنَّها واقِعَةٌ مُجاوَزَةٌ لِلْحَدِّ في القُوَّةِ وشِدَّةِ الإهْلاكِ.
والطُّغْيانُ في لُغَةِ العَرَبِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ١١] أيْ جاوَزَ الحُدُودَ الَّتِي يَبْلُغُها الماءُ عادَةً.
(p-٢٣)واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ المُرادَ بِالطّاغِيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] أنَّها الصَّيْحَةُ الَّتِي أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِها، كَما يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] .
خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ الطّاغِيَةَ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ، وأنَّ المَعْنى أنَّهم أُهْلِكُوا بِطُغْيانِهِمْ، أيْ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّهم، كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] .
وَخِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ الطّاغِيَةَ هي أشْقاهُمُ الَّذِي انْبَعَثَ فَعَقَرَ النّاقَةَ، وأنَّهم أُهْلِكُوا بِسَبَبِ فِعْلِهِ، وهو عَقْرُهُ النّاقَةَ، وكُلُّ هَذا خِلافُ التَّحْقِيقِ.
والصَّوابُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - هو ما ذَكَرْنا، والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ.
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤] فَإنَّهُ لا يُخالِفُ ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ مَعْنى دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ، أيْ أطْلَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ وألْبَسَهم إيّاهُ، بِسَبَبِ ذَنْبِهِمْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَعْنى دَمْدَمَ: وهو مِن تَكْرِيرِ قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ مَدْمُومَةٌ، إذا أُلْبِسَها الشَّحْمُ.
وَأمّا إطْلاقُ العَذابِ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ فَواضِحٌ، فاتَّضَحَ رُجُوعُ مَعْنى الآياتِ المَذْكُورَةِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ - مِنَ النَّعْتِ بِالمَصْدَرِ؛ لِأنَّ الهُونِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الهَوانِ، والنَّعْتُ بِالمَصْدَرِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، أشارَ إلَيْهِ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا فالتَزَمُوا الإفْرادَ والتَّذْكِيرا
وَهُوَ مُوَجَّهٌ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيِ العَذابِ ذِي الهُونِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، فَكَأنَّ العَذابَ لِشِدَّةِ اتِّصافِهِ بِالهَوانِ اللّاحِقِ بِمَن وقَعَ عَلَيْهِ - صارَ كَأنَّهُ نَفْسُ الهَوانِ، كَما هو مَعْرُوفٌ في مَحَلِّهِ.
(p-٢٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ كالتَّوْكِيدِ في المَعْنى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما سَبَبٌ لِأخْذِ الصّاعِقَةِ إيّاهم، فالفاءُ في قَوْلِهِ: (فَأخَذَتْهم) سَبَبِيَّةٌ، والباءُ في قَوْلِهِ: (بِما كانُوا) سَبَبِيَّةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
فصلت 41:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أهْلَكَ ثَمُودَ بِالصّاعِقَةِ، ونَجّى مِن ذَلِكَ الإهْلاكِ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ اللَّهَ، والمُرادُ بِهِمْ صالِحٌ ومَن آمَنَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُبَيَّنًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”هُودٍ“ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ الآيَةَ [هود: ٦٦]، وقَوْلِهِ تَعالى في ”النَّمْلِ“: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى في ”ثَمُودَ“ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥٢ - ٥٣] أيْ وهم صالِحٌ ومَن آمَنَ مَعَهُ.
فصلت 41:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ غَيْرَ نافِعٍ (يُحْشَرُ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الشِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (أعْداءُ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ.
وَقَرَأهُ نافِعٌ وحَمْزَةُ، مِنَ السَّبْعَةِ (نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ) بِالنُّونِ المَفْتُوحَةِ الدّالَّةِ عَلى العَظَمَةِ، وضَمِّ الشِّينِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (أعْداءَ اللَّهِ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ واذْكُرْ ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ﴾ أيْ يُجْمَعُونَ إلى النّارِ.
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن أنَّ لِلَّهِ أعْداءً، وأنَّهم يُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى النّارِ - جاءَ مَذْكُورًا في آياتٍ أُخَرَ؛ فَبَيَّنَ في بَعْضِها أنَّ لَهُ أعْداءً، وأنَّ أعْداءَهُ هم أعْداءُ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ جَزاءَهُمُ النّارُ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ الآيَةَ (p-٢٥)[الممتحنة: ١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٨] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يُرَدُّ أوَّلُهم إلى آخِرِهِمْ، ويَلْحَقُ آخِرُهم بِأوَّلِهِمْ، حَتّى يَجْتَمِعُوا جَمْيعًا، ثُمَّ يُدْفَعُونَ في النّارِ، وهو مِن قَوْلِ العَرَبِ: وزَّعْتُ الجَيْشَ، إذا حَبَسْتَ أوَّلَهُ عَلى آخِرِهِ حَتّى يَجْتَمِعَ.
وَأصْلُ الوَزَعِ الكَفُّ، تَقُولُ العَرَبُ وزَعَهُ يَزَعُهُ وزَعًا فَهو وازِعٌ لَهُ، إذا كَفَّهُ عَنِ الأمْرِ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا فَقُلْتُ ألَمّا أصْحَ والشَّيْبُ وازِعُ
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎وَلَنْ يَزَعَ النَّفْسَ اللَّجُوجَ عَنِ الهَوى ∗∗∗ مِنَ النّاسِ إلّا وافِرُ العَقْلِ كامِلُهُ
وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ أصْلَ مَعْنى (يُوزَعُونَ) أيْ يَكُفُّ أوَّلَهم عَنِ التَّقَدُّمِ وآخِرَهم عَنِ التَّأخُّرِ، حَتّى يَجْتَمِعُوا جَمِيعًا.
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُساقُونَ سَوْقًا عَنِيفًا، يُجْمَعُ بِهِ أوَّلُهم مَعَ آخِرِهِمْ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم يُساقُونَ إلى النّارِ في حالِ كَوْنِهِمْ عِطاشًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] . ولَعَلَّ الوَزَعَ المَذْكُورَ في الآيَةِ يَكُونُ في الزُّمْرَةِ الواحِدَةِ مِن زُمَرِ أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّهم يُساقُونَ إلى النّارِ زُمَرًا زُمَرًا، كَما قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ الآيَةَ [الزمر: ٧١] .
فصلت 41:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”يس“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ [يس: ٦٥] . وفي سُورَةِ النِّساءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] .
(p-٢٦)وَبَيَّنّا هُناكَ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] .
فصلت 41:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”ص“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] .
فصلت 41:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ .
قَدْ بَيَّنّا مَعْناهُ مَعَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] .
فصلت 41:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ .
لِعُلَماءِ التَّفْسِيرِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: قَيَّضْنا عِباراتٌ يَرْجِعُ بَعْضُها في المَعْنى إلى بَعْضٍ.
كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ أيْ جِئْناهم بِهِمْ، وأتَحْناهم لَهم.
وَكَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: قَيَّضْنا أيْ هَيَّأْنا.
وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: قَيَّضْنا أيْ سَلَّطْنا.
وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أيْ بَعَثْنا ووَكَلْنا.
وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: قَيَّضْنا أيْ سَبَّبْنا.
وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: قَدَرْنا. ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العِباراتِ؛ فَإنَّ جَمِيعَ تِلْكَ العِباراتِ راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - هَيَّأ لِلْكافِرِينَ قُرَناءَ مِنَ الشَّياطِينِ يُضِلُّونَهم عَنِ الهُدى، ويُزَيِّنُونَ لَهُمُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، وقَدَّرَهم عَلَيْهِمْ.
والقُرَناءُ: جَمْعُ قَرِينٍ، وهم قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ عَلى التَّحْقِيقِ.
وَقَوْلُهُ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ - أيْ مِن أمْرِ الدُّنْيا حَتّى آثَرُوهُ عَلى الآخِرَةِ - (p-٢٧)﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، فَدَعَوْهم إلى التَّكْذِيبِ بِهِ، وإنْكارِ البَعْثِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أنَّهُ تَعالى قَيَّضَ لِلْكُفّارِ قُرَناءَ مِنَ الشَّياطِينِ، يُضِلُّونَهم عَنِ الهُدى - بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِهِ.
وَزادَ في بَعْضِها سَبَبَ تَقْيِيضِهِمْ لَهم، وأنَّهم مَعَ إضْلالِهِمْ لَهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ، وأنَّ الكافِرَ يَوْمَ القِيامَةِ يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِينِهِ مِنَ الشَّياطِينِ بُعْدٌ عَظِيمٌ، وأنَّهُ يَذُمُّهُ ذَلِكَ اليَوْمَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ ﴿وَإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٨] .
فَتَرْتِيبُهُ قَوْلَهُ: (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا) عَلى قَوْلِهِ: (ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) - تَرْتِيبُ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ تَقْيِيضِهِ لَهُ هو غَفْلَتُهُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ [الناس: ٤] لِأنَّ الوَسْواسَ هو كَثِيرُ الوَسْوَسَةِ لِيُضِلَّ بِها النّاسَ، والخَنّاسَ هو كَثِيرُ التَّأخُّرِ والرُّجُوعِ عَنْ إضْلالِ النّاسِ، مِن قَوْلِهِمْ: خَنَسَ - بِالفَتْحِ - يَخْنُسُ - بِالضَّمِّ - إذا تَأخَّرَ.
فَهُوَ وسْواسٌ عِنْدَ الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، خَنّاسٌ عِنْدَ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ ”الزُّخْرُفِ“ المَذْكُورَةُ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠] لِأنَّ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ - غافِلُونَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ قَيَّضَهُ اللَّهُ لَهم فَأضَلَّهم.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى تَقْيِيضِ الشَّياطِينِ لِلْكُفّارِ لِيُضِلُّوهم، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ [مريم: ٨٣] وقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ الآيَةَ. وبَيَّنّا هُناكَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في مَعْنى ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ .
وَبَيَّنّا أيْضًا هُناكَ أنَّ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ [الأنعام: ١٢٨] أيِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِن إضْلالِ الإنْسِ في دارِ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] .
(p-٢٨)وَمِنها أيضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ في آيَةِ ”الزُّخْرُفِ“: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] عَلى أنَّ قُرَناءَ الشَّياطِينِ المَذْكُورِينَ في آيَةِ ”فُصِّلَتْ“ وآيَةِ ”الزُّخْرُفِ“ وغَيْرِهِما - جَدِيرِينَ بِالذَّمِّ الشَّدِيدِ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في سُورَةِ ”النِّساءِ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَساءَ قَرِينًا﴾ بِمَعْنى ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾؛ لِأنَّ كُلًّا مِن ”ساءَ“ و ”بِئْسَ“ فِعْلٌ جامِدٌ لِإنْشاءِ الذَّمِّ، كَما ذَكَرَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎واجْعَلْ كَبِئْسَ ساءَ واجْعَلْ فِعْلًا مِن ذِي ثَلاثَةٍ كَنِعْمَ مُسْجَلا
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ الَّذِي أضَلَّهم قُرَناؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ - يَظُنُّونَ أنَّهم عَلى هُدًى، فَهم يَحْسَبُونَ أشَدَّ الضَّلالِ أحْسَنَ الهُدى، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وَإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [ ٧ ] .
وَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم بِسَبَبِ ذَلِكَ الظَّنِّ الفاسِدِ هم أخْسَرُ النّاسِ أعْمالًا، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ ”الزُّخْرُفِ“: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦] مِن قَوْلِهِمْ: عَشا - بِالفَتْحِ - عَنِ الشَّيْءِ يَعْشُو - بِالضَّمِّ - إذا ضَعُفَ بَصَرُهُ عَنْ إدْراكِهِ؛ لِأنَّ الكافِرَ أعْمى القَلْبِ، فَبَصِيرَتُهُ تَضْعُفُ عَنِ الِاسْتِنارَةِ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ يُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ قُرَناءَ الشَّياطِينِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”يس“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ الآيَةَ [يس: ٧] .
فصلت 41:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ .
(p-٢٩)وَقَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا﴾ [البقرة: ٩٣] .
فصلت 41:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ .
ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِمّا أعَدَّهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ لِلَّذِينِ قالُوا: (رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا) - ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ في ”الأحْقافِ“: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣ - ١٤] لِأنَّ انْتِفاءَ الخَوْفِ والحُزْنِ والوَعْدِ الصّادِقِ بِالخُلُودِ في الجَنَّةِ المَذْكُورِ في آيَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ - يَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ .
فصلت 41:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وَما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
قَدْ أوْضَحْناهُ مَعَ الآياتِ الَّتِي بِمَعْناهُ في آخِرِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠] .
فصلت 41:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ .
وَقَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٢] وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٣٧] .
قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”النَّمْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [النمل: ٢٥] .
فصلت 41:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ .
(p-٣٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا﴾، أيْ فَإنْ تَكَبَّرَ الكُفّارُ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ والسُّجُودِ لَهُ وحْدَهُ، وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ﴾ أيْ يَعْبُدُونَهُ ويُنَزِّهُونَهُ دائِمًا لَيْلًا ونَهارًا ﴿وَهم لا يَسْأمُونَ﴾ أيْ لا يَمَلُّونَ مِن عِبادَةِ رَبِّهِمْ؛ لِاسْتِلْذاذِهِمْ لَها وحَلاوَتِها عِنْدَهم، مَعَ خَوْفِهِمْ مِنهُ - جَلَّ وعَلا - كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣] .
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - إنْ كَفَرَ بِهِ بَعْضُ خَلْقِهِ، فَإنَّ بَعْضًا آخَرَ مِن خَلْقِهِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ويُطِيعُونَهُ كَما يَنْبَغِي، ويُلازِمُونَ طاعَتَهُ دائِمًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
والثّانِي مِنهُما: أنَّ المَلائِكَةَ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ ويُطِيعُونَهُ دائِمًا لا يَفْتُرُونَ عَنْ ذَلِكَ.
وَهَذانِ الأمْرانِ اللَّذانِ دَلَّتْ عَلَيْهِما هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ - قَدْ جاءَ كُلٌّ مِنهُما مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
أمّا الأوَّلُ مِنهُما: فَقَدْ ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] .
وَأمّا الثّانِي مِنهُما: فَقَدْ أوْضَحَهُ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الأنْبِياءِ“: ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] وقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ ”الأعْرافِ“ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَهم لا يَسْأمُونَ﴾ أيْ لا يَمَلُّونَ، والسَّآمَةُ: المَلَلُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ ومَن يَعِشْ ثَمانِينَ حَوْلًا لا أبا لَكَ يَسْأمُ
فصلت 41:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ قَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ عَلَيْها مَعَ ما في مَعْناها مِنَ الآياتِ، وبَيَّنّا أنَّ (p-٣١)تِلْكَ الآياتِ فِيها البُرْهانُ القاطِعُ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وذَكَرْنا مَعَها الآياتِ الَّتِي يَكْثُرُ الِاسْتِدْلالُ بِها في القُرْآنِ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وهي أرْبَعَةُ بَراهِينَ قُرْآنِيَّةٍ.
ذَكَرْنا ذَلِكَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ وفي سُورَةِ ”النَّحْلِ“ وغَيْرِهِما، وأحَلْنا عَلَيْهِ مِرارًا.
فصلت 41:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ مَعَ ما يُماثِلُهُ مِنَ الآياتِ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ الآيَةَ [الحجر: ١٥] .
فصلت 41:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وفي سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨٢] .
فصلت 41:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [فصلت: ٧] وفي سُورَةِ ”النَّمْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
ما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن كَوْنِهِ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ - ذَكَرَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ [آل عمران: ١٨٢] .
• وقَوْلِهِ في ”الأنْفالِ“ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأنفال: ٥١ - ٥٢] .
• وقَوْلِهِ في ”الحَجِّ“: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٠ - ١١] .
• وقَوْلِهِ في سُورَةِ ”ق“: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] .
وَفِي هَذِهِ الآياتِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنَّ لَفْظَةَ (ظَلّامٍ) فِيها صِيغَةُ مُبالِغَةٍ، ومَعْلُومٌ (p-٣٢)أنَّ نَفْيَ المُبالِغَةِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الفِعْلِ مِن أصْلِهِ.
فَقَوْلُكُ مَثَلًا: زِيدٌ لَيْسَ بِقَتّالٍ لِلرِّجالِ - لا يَنْفِي إلّا مُبالَغَتَهُ في قَتْلِهِمْ، فَلا يُنافِي أنَّهُ رُبَّما قَتَلَ بَعْضَ الرِّجالِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ بِنَفْيِ المُبالِغَةِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ - هو نَفْيُ الظُّلْمِ مِن أصْلِهِ.
والجَوابُ عَنْ هَذا الإشْكالِ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ نَفْيَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ قَدْ بَيَّنَتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ أنَّ المُرادَ بِهِ نَفْيُ الظُّلْمِ مِن أصْلِهِ.
وَنَفْيُ صِيغَةِ المُبالَغَةِ إذا دَلَّتْ أدِلَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَلى أنْ يُرادَ بِهِ نَفْيُ أصْلِ الفِعْلِ، فَلا إشْكالَ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى المُرادِ.
والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٤٧] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ و ”الأنْبِياءِ“ .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - نَفى ظُلْمَهُ لِلْعَبِيدِ، والعَبِيدُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، والظُّلْمُ المَنفِيُّ عَنْهم تَسْتَلْزِمُ كَثْرَتُهم كَثْرَتَهُ، فَناسَبَ ذَلِكَ الإتْيانُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ المَنفِيِّ التّابِعَةِ لِكَثْرَةِ العَبِيدِ المَنفِيِّ عَنْهُمُ الظُّلْمُ، إذْ لَوْ وقَعَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ ظُلْمٌ، ولَوْ قَلِيلًا، كانَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ الظُّلْمِ في غايَةِ الكَثْرَةِ، كَما تَرى.
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ اتِّجاهَ التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ، وأنَّ المُرادَ بِذَلِكَ نَفْيُ أصْلِ الظُّلْمِ عَنْ كُلِّ عَبْدٍ مِن أُولَئِكَ العَبِيدِ، الَّذِينَ هم في غايَةِ الكَثْرَةِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ أنْ يَظْلِمَ أحَدًا شَيْئًا، كَما بَيَّنَتْهُ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ المَذْكُورَةُ، وفي الحَدِيثِ: «يا عِبادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلى نَفْسِي» الحَدِيثَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُسَوِّغَ لِصِيغَةِ المُبالَغَةِ أنَّ عَذابَهُ تَعالى بالِغٌ مِنَ العِظَمِ والشِّدَّةِ أنَّهُ لَوْلا اسْتِحْقاقُ المُعَذَّبِينَ لِذَلِكَ العَذابِ بِكُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ - لَكانَ مُعَذِّبُهم بِهِ ظَلّامًا بَلِيغَ (p-٣٣)الظُّلْمِ مُتَفاقِمَهُ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَهَذا الوَجْهُ والَّذِي قَبْلَهُ أشارَ لَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ ”الأنْفالِ“ .
الوَجْهُ الرّابِعُ: ما ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ المُرادَ بِالنَّفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ نَفْيُ نِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ فَعّالٍ تُسْتَعْمَلُ مُرادًا بِها النِّسْبَةُ، فَتُغْنِي عَنْ ياءِ النَّسَبِ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَمَعَ فاعِلٍ وفَعّالٍ فَعِلَ في نَسَبٍ أغْنى عَنِ اليا فَقُبِلْ
وَمَعْنى البَيْتِ المَذْكُورِ أنَّ الصِّيَغَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ فِيهِ الَّتِي هي فاعِلٌ كَظالِمٍ وفَعّالٌ كَظَلّامٍ وفَعِلٌ كَفَرِحٍ - كُلٌّ مِنها قَدْ تُسْتَعْمَلُ مُرادًا بِها النِّسْبَةُ، فَيُسْتَغْنى بِها عَنْ ياءِ النَّسَبِ، ومِثالُهُ في فاعِلٍ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ في هَجْوِهِ الزِّبْرِقانِ بْنِ بَدْرٍ التَّمِيمِيِّ:
؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِ
فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: الطّاعِمُ الكاسِي - النِّسْبَةُ، أيْ ذُو طَعامٍ وكُسْوَةٍ. وقَوْلُ الآخَرِ - وهو مِن شَواهِدِ سِيبَوَيْهِ -:
؎وَغَرَرْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ∗∗∗ لابِنٌ في الصَّيْفِ تامِرْ
أيْ ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ. وقَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎كِلِينِي لَهم يا أُمَيْمَةُ ناصِبِ ∗∗∗ ولَيْلٍ أُقاسِيهِ بَطِيءِ الكَواكِبِ
فَقَوْلُهُ: ”ناصِبِ“، أيْ ذُو نَصَبٍ. ومِثالُهُ في فَعّالٍ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وَلَيْسَ بِذِي رُمْحٍ فَيَطْعَنُنِي بِهِ ∗∗∗ ولَيْسَ بِذِي سَيْفٍ ولَيْسَ بِنَبّالِ
فَقَوْلُهُ: ولَيْسَ بِنَبّالٍ، أيْ لَيْسَ بِذِي نَبْلٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: ولَيْسَ بِذِي رُمْحٍ، ولَيْسَ بِذِي سَيْفٍ.
وَقالَ الأُشْمُونِيُّ بَعْدَ الِاسْتِشْهادِ بِالبَيْتِ المَذْكُورِ: قالَ المُصَنَّفُ - يَعْنِي ابْنَ مالِكٍ -: وعَلى هَذا حَمَلَ المُحَقِّقُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أيْ بِذِي ظُلْمٍ. اهـ.
(p-٣٤)وَما عَزاهُ لِابْنِ مالِكٍ جَزَمَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ والمُفَسِّرِينَ، ومِثالُهُ في فَعِلٍ قَوْلُ الرّاجِزِ - وهو مِن شَواهِدِ سِيبَوَيْهِ -:
؎لَيْسَ بِلَيْلِي ولَكِنِّي نَهِرٌ ∗∗∗ لا أدْلُجُ اللَّيْلَ ولَكِنْ أبْتَكِرْ
فَقَوْلُهُ: نَهِرٌ بِمَعْنى نَهارِيٍّ، وقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ مَعْنى الظُّلْمِ بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ، في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
فصلت 41:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ .
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِهِ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . وفي ”الأنْعامِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٨] .
فصلت 41:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ .
الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا عايَنُوا العَذابَ، وشاهَدُوا الحَقائِقَ - عَلِمُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّهم لَيْسَ لَهم مِن مَحِيصٍ، أيْ لَيْسَ لَهم مَفَرٌّ ولا مَلْجَأٌ.
والظّاهِرُ أنَّ المَحِيصَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، مِن حاصَ يَحِيصُ بِمَعْنى حادَ وعَدَلَ وهَرَبَ.
وَما ذَكَرْنا مِن أنَّ الظَّنَّ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِمَعْنى اليَقِينِ والعِلْمِ - هو التَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ -؛ لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ تَنْكَشِفُ فِيهِ الحَقائِقُ، فَيَحْصُلُ لِلْكُفّارِ العِلْمُ بِها لا يُخالِجُهم في ذَلِكَ شَكٌّ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] . وقالَ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨] . وقالَ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] . وقالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ [ ٦ ] . وقَدْ (p-٣٥)قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ ”النَّمْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ الظَّنَّ يُطْلَقُ في لُغَةِ العَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: الشَّكُّ، كَقَوْلِهِ ﴿وَإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . وقَوْلِهِ تَعالى عَنِ الكُفّارِ: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] .
والثّانِي: هو إطْلاقُ الظَّنِّ مُرادًا بِهِ العِلْمُ واليَقِينُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿وَظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] أيْ أيْقَنُوا أنَّهم لَيْسَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَحِيصٌ، أيْ لا مَفَرَّ ولا مَهْرَبَ لَهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ، ومِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ [الكهف: ٥٣] أيْ أيْقَنُوا ذَلِكَ وعَلِمُوهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠] . فالظَّنُّ في الآياتِ المَذْكُورَةِ كُلِّها بِمَعْنى اليَقِينِ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سُراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ
وَقَوْلُ عَمِيرَةَ بْنِ طارِقٍ:
؎بِأنْ تَغْتَزُوا قَوْمِي وأقْعُدَ فِيكُمُ ∗∗∗ وأجْعَلَ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّما
والظَّنُّ في البَيْتَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بِمَعْنى اليَقِينِ، والفِعْلُ القَلْبِيُّ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿وَظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ مُعَلِّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ بِسَبَبِ النَّفْيِ بِلَفْظَةِ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎والتَزِمِ التَّعْلِيقَ قَبْلَ نَفْيِ " ما
"
فصلت 41:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ .
(p-٣٦)قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] .
فصلت 41:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ وبَعْضَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةَ المُوافِقَةِ لَها في سُورَةِ ”يُونُسَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] .
فصلت 41:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ.
قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”المُؤْمِنِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ الآيَةَ [غافر: ١٣] .
فصلت 41:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ .
المِرْيَةُ: الشَّكُّ. وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن شَكِّ الكُفّارِ في البَعْثِ والجَزاءِ - قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ، ولِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الخُلُودِ في النّارِ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] .
الشورى 42:1
(p-٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشُّورى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“ .
وَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الوَحْيِ، أوْ مِثْلَ ذَلِكَ الكِتابِ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الرُّسُلِ مِن قَبِلَكَ اللَّهُ.
يَعْنِي أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ المَعانِي قَدْ أوْحى اللَّهُ إلَيْكَ مِثْلَهُ في غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ، وأوْحاهُ مِن قَبْلِكَ إلى رُسُلِهِ، عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَرَّرَ هَذِهِ المَعانِيَ في القُرْآنِ، وفي جَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، لِما فِيها مِنَ التَّنْبِيهِ البَلِيغِ، واللُّطْفِ العَظِيمِ، لِعِبادِهِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ. اهـ مِنهُ.
وَظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ التَّشْبِيهَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى المُوحى بِاسْمِ المَفْعُولِ.
والأظْهَرُ أنَّ التَّشْبِيهَ في المَعْنى المَصْدَرِيِّ الَّذِي هو الإيحاءُ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ لَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِشَيْءٍ مِن أسْماءِ الَّذِينَ في قَبْلِهِ الَّذِينَ أوْحى إلَيْهِمْ، كَما أوْحى إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أسْماءَ جَماعَةٍ مِنهم في سُورَةِ ”النِّساءِ“، وبَيَّنَ فِيها أنَّ بَعْضَهم لَمْ يَقْصُصْ خَبَرَهم عَلَيْهِ، وأنَّهُ أوْحى إلَيْهِمْ وأرْسَلَهم لِقَطْعِ حُجَجِ الخَلْقِ في دارِ الدُّنْيا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (p-٣٨)[النساء: ١٦٣ - ١٦٥] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - فِيهِ الثَّناءَ عَلى نَفْسِهِ بِاسْمِهِ العَزِيزِ واسْمِهِ الحَكِيمِ بَعْدَ ذِكْرِهِ إنْزالَهُ وحْيَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، كَما قالَ في سُورَةِ ”النِّساءِ“ المَذْكُورَةِ: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ بَعْدَ ذِكْرِهِ إيحاءَهُ إلى رُسُلِهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في أوَّلِ سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ أنَّ اسْتِقْراءَ القُرْآنِ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - إذا ذَكَرَ تَنْزِيلَهُ لِكِتابِهِ أتْبَعَ ذَلِكَ بَعْضَ أسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا، وذَكَرْنا كَثِيرًا مِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ: (يُوحِي) بِكَسْرِ الحاءِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هَذِهِ فَقَوْلُهُ: (اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) - فاعِلُ يُوحِي.
وَقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (يُوحى إلَيْكَ) بِفَتْحِ الحاءِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَقَوْلُهُ: (اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ) فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يُوحى، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”النُّورِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] .
وَقَدْ قَدَّمْنا مَعانِيَ الوَحْيِ مَعَ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
الشورى 42:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ .
وَصَفَ نَفْسَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالعُلُوِّ والعَظَمَةِ، وهُما مِنَ الصِّفاتِ الجامِعَةِ كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن وصْفِهِ تَعالى نَفْسَهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الجامِعَتَيْنِ المُتَضَمِّنَتَيْنِ لِكُلِّ كَمالٍ وجَلالٍ - جاءَ مِثْلُهُ في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٣٧] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الشورى 42:5
(p-٣٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ نافِعٍ والكِسائِيِّ (تَكادُ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ؛ لِأنَّ السَّماواتِ مُؤَنَّثَةٌ، وقَرَأهُ نافِعٌ والكِسائِيُّ (يَكادُ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ السَّماواتِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.
وَقَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو، وشُعْبَةَ عَنْ عاصِمٍ (يَتَفَطَّرْنَ) بِتاءٍ مُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ المُشَدَّدَةِ، مُضارِعُ تَفَطَّرَ، أيْ تَشَقَّقُ.
وَقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ (يَنْفَطِرْنَ) بِنُونٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الياءِ وكَسْرِ الطّاءِ المُخَفَّفَةِ، مُضارِعُ انْفَطَرَتْ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] أيِ انْشَقَّتْ.
وَقَوْلُهُ: تَكادُ، مُضارِعُ كادَ، الَّتِي هي فِعْلُ مُقارَبَةٍ، ومَعْلُومٌ أنَّها تَعْمَلُ في المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ومَعْنى كَوْنِها فِعْلَ مُقارَبَةٍ، أنَّها تَدُلُّ عَلى قُرْبِ اتِّصافِ المُبْتَدَإ بِالخَبَرِ.
وإذًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ السَّماواتِ قارَبَتْ أنْ تَتَّصِفَ بِالتَّفَطُّرِ عَلى القِراءَةِ الأُولى، والِانْفِطارِ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ سَبَبَ مُقارَبَةِ السَّماواتِ لِلتَّفَطُّرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - فِيهِ لِلْعُلَماءِ وجْهانِ كِلاهُما يَدُلُّ لَهُ قُرْآنٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرُنَّ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، وهِيبَةً وإجْلالًا، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَهُ: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]؛ لِأنَّ عُلُوَّهُ وعَظَمَتَهُ سَبَّبَ لِلسَّماواتِ ذَلِكَ الخَوْفَ والهَيْبَةَ والإجْلالَ، حَتّى كادَتْ تَتَفَطَّرُ.
وَعَلى هَذا الوَجْهِ، فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ مُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ واضِحَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: أنَّ السَّماواتِ في غايَةِ الخَوْفِ مِنهُ تَعالى والهَيْبَةِ والإجْلالِ لَهُ، وكَذَلِكَ سُكّانُها مِنَ المَلائِكَةِ، فَهم ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ يُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ مَعَ إثْباتِهِمْ لَهُ كُلَّ كَمالٍ وجَلالٍ، خَوْفًا مِنهُ وهِيبَةً وإجْلالًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣] . وقالَ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠] .
(p-٤٠)فَهم لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ وإجْلالِهِمْ لَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، ويَخافُونَ عَلى أهْلِ الأرْضِ، ولِذا يَسْتَغْفِرُونَ لَهم خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن سَخَطِ اللَّهِ وعِقابِهِ، ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا الوَجْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأشْفَقْنَ مِنها﴾ [الأحزاب: ٧٢]؛ لِأنَّ الإشْفاقَ الخَوْفُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ يَعْنِي لِخُصُوصِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم وتابُوا إلى اللَّهِ واتَّبَعُوا سَبِيلَهُ، كَما أوْضَحَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] .
فَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ - يُوَضِّحُ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِمَن في الأرْضِ﴾ . \ ٥ ويَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ في اسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ -: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] لِأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى عَدَمِ اسْتِغْفارِهِمْ لِلْكُفّارِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن شِدَّةِ عِظَمِ الفِرْيَةِ الَّتِي افْتَراها الكُفّارُ عَلى خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ - جَلَّ وعَلا - مِن كَوْنِهِ اتَّخَذَ ولَدًا - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وهَذا الوَجْهُ جاءَ مُوَضَّحًا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] . كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ.
وَغايَةُ ما في هَذا الوَجْهِ أنَّ آيَةَ ”الشُّورى“ هَذِهِ فِيها إجْمالٌ في سَبَبِ تَفَطُّرِ السَّماواتِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُوَضَّحًا في آيَةِ ”مَرْيَمَ“ المَذْكُورَةِ. وكِلا الوَجْهَيْنِ حَقٌّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ فِيهِ لِلْعُلَماءِ أوْجُهٌ.
قِيلَ: (يَتَفَطَّرْنَ)، أيِ السَّماواتُ. ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيِ الأرَضِينَ، ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا القَوْلِ كَما تَرى.
(p-٤١)وَقالَ بَعْضُهم: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾، أيْ كُلُّ سَماءٍ تَتَفَطَّرُ فَوْقَ الَّتِي تَلِيها.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ: مِن فَوْقِهِنَّ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدُلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي: العَرْشُ، والكُرْسِيُّ، وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةُ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ أيْ يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتِهِنَّ الفَوْقانِيَّةِ.
أوْ لِأنَّ كَلِمَةَ الكُفْرِ جاءَتْ مِنَ الَّذِي تَحْتَ السَّماواتِ، فَكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: يَتَفَطَّرْنَ مِن تَحْتِهِنَّ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَتْ مِنها الكَلِمَةُ، ولَكِنَّهُ بُولِغَ في ذَلِكَ، فَجُعِلَتْ مُؤَثِّرَةً في وِجْهَةِ الفَوْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَكَدْنَ يَتَفَطَّرْنَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي فَوْقَهُنَّ، دَعِ الجِهَةَ الَّتِي تَحْتَهُنَّ.
وَنَظِيرُهُ في المُبالَغَةِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ فَجَعَلَ الحَمِيمَ مُؤَثِّرًا في أجْزائِهِمُ الباطِنَةِ. ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَهَذا إنَّما يَتَمَشّى عَلى القَوْلِ بِأنَّ سَبَبَ التَّفَطُّرِ المَذْكُورِ هو افْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ في قَوْلِهِمُ: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] .
وَقَدْ قَدَّمْنا آنِفًا أنَّهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ”مَرْيَمَ“ المَذْكُورَةُ، وعَلَيْهِ فَمُناسِبَةُ قَوْلِهِ: والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ لِما قَبْلَهُ - أنَّ الكُفّارَ وإنْ قالُوا أعْظَمَ الكُفْرِ وأشْنَعَهُ، فَإنَّ المَلائِكَةَ بِخِلافِهِمْ، فَإنَّهم يُداوِمُونَ ذِكْرَ اللَّهِ وطاعَتَهُ.
وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] . كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في آخِرِ سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
أكَّدَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وبَيَّنَ فِيها أنَّهُ هو وحْدَهُ المُخْتَصُّ بِذَلِكَ.
(p-٤٢)وَهَذانِ الأمْرانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَتْهُما هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ - قَدْ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
أمّا اخْتِصاصُهُ هو - جَلَّ وعَلا - بِغُفْرانِ الذُّنُوبِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] . والمَعْنى لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ، وفي الحَدِيثِ «رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، ولا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ» الحَدِيثَ. وفي حَدِيثِ سَيِّدِ الِاسْتِغْفارِ: «اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلّا أنْتَ خَلَقْتَنِي» الحَدِيثَ. وفِيهِ «وَأبُوءُ بِذَنْبِي فاغْفِرْ لِي؛ فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ» .
وَوَجْهُ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ وحْدَهُ هو الَّذِي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ - هو أنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ بَيْنَ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ.
وَأمّا الأمْرُ الثّانِي: هو تَوْكِيدُهُ تَعالى أنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ؛ فَإنَّهُ أكَّدَ ذَلِكَ هُنا بِحَرْفِ الِاسْتِفْتاحِ الَّذِي هو (ألا)، وحَرْفِ التَّوْكِيدِ الَّذِي هو (إنَّ) . وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ﴾ الآيَةَ [طه: ٨٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] .
• وقَوْلِهِ في الكُفّارِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
• وقَوْلِهِ في الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
فَنَرْجُو اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - الكَرِيمَ الرَّءُوفَ الغَفُورَ الرَّحِيمَ - أنْ يَغْفِرَ لَنا جَمِيعَ ذُنُوبِنا، ويَتَجاوَزَ عَنْ جَمِيعِ سَيِّئاتِنا، ويُدْخِلَنا جَنَّتَهُ عَلى ما كانَ مِنّا، ويَغْفِرَ لِإخْوانِنا المُسْلِمِينَ، إنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الشورى 42:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ﴾ . أيْ أشْرَكُوا مَعَهُ شُرَكاءَ يَعْبُدُونَهم مِن دُونِهِ، كَما أوْضَحَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ﴾ [الزمر: ٣] . (p-٤٣)
• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [ ٧ ] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] . أيْ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ.
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٧٦] .
وَقَدْ وبَّخَهم تَعالى عَلى اتِّخاذِهِمُ الشَّيْطانَ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ .
وَقَدْ أمَرَ - جَلَّ وعَلا - بِاتِّباعِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، ناهِيًا عَنِ اتِّباعِ الأوْلِياءِ المُتَّخَذِينَ مِن دُونِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] .
وَقَدْ عَلِمْتَ مِنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ أنَّ أوْلِياءَ الكُفّارِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم وعَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ نَوْعانِ: الأوَّلُ مِنهُما: الشَّياطِينُ، ومَعْنى عِبادَتِهِمْ لِلشَّيْطانَ طاعَتُهم لَهُ فِيما يُزَيِّنُ لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَشِرْكُهم بِهِ شِرْكُ طاعَةٍ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى عِبادَتِهِمْ لِلشَّياطِينِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [يس: ٦٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، أيْ وما يَعْبُدُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا.
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والنَّوْعُ الثّانِي: هو الأوْثانُ، كَما بَيَّنَ ذَلِكَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ حافَظٌ (p-٤٤)عَلَيْهِمْ كُلَّ ما يَعْمَلُونَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وفي أوَّلِهِ اتِّخاذُهُمُ الأوْلِياءَ يَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ.
وَفِي الآيَةِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِكُلِّ مُشْرِكٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
أيْ لَسْتَ يا مُحَمَّدُ بِمُوَكَّلٍ عَلَيْهِمْ تَهْدِي مَن شِئْتَ هِدايَتَهُ مِنهم، بَلْ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ فَحَسْبُ، وقَدْ بَلَّغْتَ ونَصَحْتَ.
والوَكِيلُ عَلَيْهِمْ هو اللَّهُ الَّذِي يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنهم، ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] . وقالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [يونس: ٩٩ - ١٠٠] . وقالَ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] . والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ التَّحْقِيقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، وما جَرى مَجْراهُ مِنَ الآياتِ لَيْسَ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
الشورى 42:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٤ - ١٩٥] . وفي ”المُؤْمِنِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] . وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ .
خَصَّ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إنْذارَهُ ﷺ بِأُمِّ القُرى ومَن حَوْلَها، والمُرادُ بِأُمِّ القُرى مَكَّةُ - حَرَسَها اللَّهُ - .
وَلَكِنَّهُ أوْضَحَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ إنْذارَهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] . (p-٤٥)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٨] . كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
وَقَدْ ذَكَرْنا الجَوابَ عَنْ تَخْصِيصِ أُمِّ القُرى ومَن حَوْلَها هُنا، وفي سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٢] . في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ فَقُلْنا فِيهِ: والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأرْضِ، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ لا يَتَناوَلُ إلّا القَرِيبَ مِن مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ - حَرَسَها اللَّهُ - كَجَزِيرَةِ العَرَبِ مَثَلًا، فَإنَّ الآياتِ الأُخَرَ، نَصَّتْ عَلى العُمُومِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] . وذِكْرُ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ بِحُكْمِ العامِّ - لا يُخَصِّصُهُ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ، ولَمْ يُخالِفْ فِيهِ إلّا أبُو ثَوْرٍ.
وَقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ واضِحًا بِأدِلَّتِهِ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“، فالآيَةُ عَلى هَذا القَوْلِ كَقَوْلِهِ ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]؛ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ إنْذارِ غَيْرِهِمْ، كَما هو واضِحٌ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ا هـ مِنهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧] .
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مِن حُكْمِ إيحائِهِ تَعالى إلى نَبِيِّنا ﷺ هَذا القُرْآنَ العَرَبِيَّ - إنْذارَ يَوْمِ الجَمْعِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ تُنْذِرَ أُمَّ القُرى وأنْ تُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ، فَحُذِفَ في الأوَّلِ أحَدَ المَفْعُولَيْنِ، وحُذِفَ في الثّانِي أحَدَهُما، فَكانَ ما أُثْبِتَ في كُلٍّ مِنهُما دَلِيلًا عَلى ما حُذِفَ في الثّانِي، فَفي الأوَّلِ حُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ ”لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى“، أيْ أهْلَ مَكَّةَ ”وَمَن حَوْلَها“، عَذابًا شَدِيدًا إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. وفي الثّانِي حُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ وتُنْذِرَ النّاسَ يَوْمَ الجَمْعِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ تُخَوِّفُهم مِمّا فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والأوْجالِ؛ لِيَسْتَعِدُّوا لِذَلِكَ في دارِ الدُّنْيا.
(p-٤٦)والثّانِي: أنَّ يَوْمَ الجَمْعِ المَذْكُورِ (لا رَيْبَ فِيهِ)، أيْ لا شَكَّ في وُقُوعِهِ.
وَهَذانِ الأمْرانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَتْهُما هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ - جاءا مُوَضَّحَيْنَ في آياتٍ أُخَرَ.
أمّا تَخْوِيفُهُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَقَدْ ذُكِرَ في مَواضِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ الآيَةَ [غافر: ١٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٧ - ١٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَأمّا الثّانِي مِنهُما: وهو كَوْنُ يَوْمِ القِيامَةِ (لا رَيْبَ فِيهِ) فَقَدْ جاءَ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧] .
• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ الآيَةَ [الحج: ٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٣٢] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَإنَّما سُمِّيَ يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمَ الجَمْعِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ فِيهِ جَمِيعَ الخَلائِقِ. والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى شُمُولَ ذَلِكَ الجَمْعِ لِجَمِيعِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] . والآياتُ الدّالَّةُ عَلى الجَمْعِ المَذْكُورَةُ كَثِيرَةٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ .
(p-٤٧)ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ، وجَعَلَ مِنهم فَرِيقًا سُعَداءَ، وهم أهْلُ الجَنَّةِ، وفَرِيقًا أشْقِياءَ وهم أصْحابُ السَّعِيرِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]، أيْ ولِذَلِكَ الِاخْتِلافِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ وشَقِيٍّ وسَعِيدٍ - خَلَقَهم - عَلى الصَّحِيحِ - . ونُصُوصُ الوَحْيِ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا: ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ - وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] عَلى التَّفْسِيرِ المَذْكُورِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ - في سُورَةِ ”الذّارِياتِ“ .
وَقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى السَّعِيرِ بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الحَجِّ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤] . والجَنَّةُ في لُغَةِ العَرَبِ البُسْتانُ.
وَمِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى:
؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبِيِّ مَقْتَلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا
فَقَوْلُهُ: جَنَّةً سُحُقًا، يَعْنِي بُسَتانًا طَوِيلَ النَّخْلِ، وفي اصْطِلاحِ الشَّرْعِ هي دارُ الكَرامَةِ الَّتِي أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والفَرِيقُ: الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ، ويَجُوزُ تَعَدُّدُهُ إلى أكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ نُصَيْبٍ: فَقالَ فَرِيقُ القَوْمِ، لا وفَرِيقُهم نَعَمْ، وفَرِيقٌ قالَ ويْحَكَ ما نَدْرِي
والمُسَوِّغُ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ﴾، أنَّهُ في مَعْرِضِ التَّفْصِيلِ.
وَنَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا دَنَوْتُ تَسَدَّيْتُها ∗∗∗ فَثَوْبًا نَسِيتُ وثَوبًا أجُرْ
الشورى 42:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ .
ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ ما اخْتَلَفَ فِيهِ النّاسُ مِنَ الأحْكامِ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، لا إلى غَيْرِهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
(p-٤٨)فالإشْراكُ بِاللَّهِ في حُكْمِهِ كالإشْراكِ بِهِ في عِبادَتِهِ، قالَ في حُكْمِهِ: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] . وفي قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ ولا تُشْرِكْ في حُكْمِهِ أحَدًا بِصِيغَةِ النَّهْيِ.
وَقالَ في الإشْراكِ بِهِ في عِبادَتِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، فالأمْرانِ سَواءٌ كَما تَرى إيضاحَهُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - .
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ الحَلالَ هو ما أحَلَّهُ اللَّهُ، والحَرامَ هو ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، والدِّينَ هو ما شَرَعَهُ اللَّهُ، فَكُلُّ تَشْرِيعٍ مَن غَيْرِهِ باطِلٌ، والعَمَلُ بِهِ بَدَلَ تَشْرِيعِ اللَّهِ عِنْدَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ مِثْلُهُ أوْ خَيْرٌ مِنهُ - كُفْرُ بَواحٍ لا نِزاعَ فِيهِ.
وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ عَلى أنَّهُ لا حُكْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وأنَّ اتِّباعَ تَشْرِيعِ غَيْرِهِ كُفْرٌ بِهِ، فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الحُكْمَ لِلَّهِ وحْدَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٦٧] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] . وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] . والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَها في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] .
وَأمّا الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اتِّباعَ تَشْرِيعِ غَيْرِ اللَّهِ المَذْكُورِ كُفْرٌ، فَهي كَثِيرَةٌ جِدًّا،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٢١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [يس: ٦٠] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في ”الكَهْفِ“ .
* *
(p-٤٩)مَسْألَةٌ
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - بَيَّنَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ صِفاتِ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ لَهُ، فَعَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَتَأمَّلَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ الَّتِي سَنُوَضِّحُها الآنَ - إنْ شاءَ اللَّهُ - ويُقابِلَها مَعَ صِفاتِ البَشَرِ المُشَرِّعِينَ لِلْقَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ، فَيَنْظُرُ هَلْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ صِفاتُ مَن لَهُ التَّشْرِيعُ، سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ.
فَإنْ كانَتْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ - ولَنْ تَكُونَ - فَلْيَتَّبِعْ تَشْرِيعَهم.
وَإنْ ظَهَرَ يَقِينًا أنَّهم أحْقَرُ وأخَسُّ وأذَلُّ وأصْغَرُ مِن ذَلِكَ، فَلْيَقِفْ بِهِمْ عِنْدَ حَدِّهِمْ، ولا يُجاوِزْهُ بِهِمْ إلى مَقامِ الرُّبُوبِيَّةِ.
سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في عِبادَتِهِ أوْ حُكْمِهِ أوْ مُلْكِهِ.
فَمِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي أوْضَحَ بِها تَعالى صِفاتِ مِن لَهُ الحُكْمُ والتَّشْرِيعُ قَوْلُهُ هُنا: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾، ثُمَّ قالَ مُبَيِّنًا صِفاتِ مَن لَهُ الحُكْمُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٠ - ١٢] .
فَهَلْ في الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ المُشَرِّعِينَ لِلنُّظُمِ الشَّيْطانِيَّةِ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ الرَّبُّ الَّذِي تُفَوَّضُ إلَيْهِ الأُمُورُ، ويُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ - أيْ خالِقُهُما ومُخْتَرِعُهُما - عَلى غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ، وأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ لِلْبَشَرِ أزْواجًا، وخَلَقَ لَهم أزْواجَ الأنْعامِ الثَّمانِيَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٣]، وأنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ، وأنَّهُ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقَدِرُ - أيْ يُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ - وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
فَعَلَيْكم أيُّها المُسْلِمُونَ أنْ تَتَفَهَّمُوا صِفاتِ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُشَرِّعَ ويُحَلِّلَ ويُحَرِّمَ، ولا تَقْبَلُوا تَشْرِيعًا مِن كافِرٍ خَسِيسٍ حَقِيرٍ جاهِلٍ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، فَقَوْلُهُ فِيها: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ كَقَوْلِهِ في هَذِهِ: ﴿فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ .
(p-٥٠)وَقَدْ عَجِبَ نَبِيُّهُ ﷺ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾ مِنَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الإيمانَ مَعَ أنَّهم يُرِيدُونَ المُحاكَمَةَ إلى مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفاتِ مَن لَهُ الحُكْمُ، المُعَبَّرِ عَنْهُ في الآيَةِ بِالطّاغُوتِ، وكُلُّ تَحاكُمٍ إلى غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ فَهو تَحاكُمٌ إلى الطّاغُوتِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] .
فالكُفْرُ بِالطّاغُوتِ الَّذِي صَرَّحَ اللَّهُ بِأنَّهُ أمَرَهم بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ - شَرْطٌ في الإيمانِ كَما بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مَن لَمْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، ومَن لَمْ يَسْتَمْسِكْ بِها فَهو مُتَرَدٍّ مَعَ الهالِكِينَ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] .
فَهَلْ في الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ المُشَرِّعِينَ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّ لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ وأنْ يُبالَغَ في سَمْعِهِ وبَصَرِهِ لِإحاطَةِ سَمْعِهِ بِكُلِّ المَسْمُوعاتِ وبَصَرِهِ بِكُلِّ المُبْصَراتِ ؟ وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ دُونَهُ مِن ولِيٍّ ؟
سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلّا هو كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] .
فَهَلْ في الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ المُشَرِّعِينَ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ الإلَهُ الواحِدُ ؟ وأنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ ؟ وأنَّ الخَلائِقَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ ؟
تَبارَكَ رَبُّنا وتَعاظَمَ وتَقَدَّسَ أنْ يُوصَفَ أخَسُّ خَلْقِهِ بِصِفاتِهِ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] .
(p-٥١)فَهَلْ في الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ المُشَرِّعِينَ النُّظُمَ الشَّيْطانِيَّةَ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ في أعْظَمِ كِتابٍ سَماوِيٍّ بِأنَّهُ العَلِيُّ الكَبِيرُ ؟
سُبْحانَكَ رَبَّنا وتَعالَيْتَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِكَ وجَلالِكَ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] .
فَهَلْ في مُشَرِّعِي القَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّ لَهُ الحَمْدَ في الأوْلى والآخِرَةِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يُصَرِّفُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، مُبَيِّنًا بِذَلِكَ كَمالَ قُدْرَتِهِ، وعَظَمَةَ إنْعامِهِ عَلى خَلْقِهِ.
سُبْحانَ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ - جَلَّ وعَلا - أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في حُكْمِهِ أوْ عِبادَتِهِ أوْ مُلْكِهِ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] .
فَهَلْ في أُولَئِكَ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ هو الإلَهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ، وأنَّ عِبادَتَهُ وحْدَهُ هي الدِّينُ القَيِّمُ ؟
سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧] .
فَهَلْ فِيهِمْ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وتُفَوِّضَ الأُمُورُ إلَيْهِ ؟
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٢)﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ • فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠] .
فَهَلْ في أُولَئِكَ المُشَرِّعِينَ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّ حُكْمَهُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ وأنَّهُ مُخالِفٌ لِاتِّباعِ الهَوى ؟ وأنَّ مَن تَوَلّى عَنْهُ أصابَهُ اللَّهُ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِ ؟ لِأنَّ الذُّنُوبَ لا يُؤاخَذُ بِجَمِيعِها إلّا في الآخِرَةِ ؟ وأنَّهُ لا حُكْمَ أحْسَنُ مِن حُكْمِهِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ؟
سُبْحانَ رَبِّنا وتَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ.
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] .
فَهَلْ فِيهِمْ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ يَقُصُّ الحَقَّ، وأنَّهُ خَيْرُ الفاصِلِينَ ؟
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١١٤ - ١١٥] .
فَهَلْ في أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ هَذا الكِتابَ مُفَصَّلًا، الَّذِي يَشْهَدُ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ، وبِأنَّهُ تَمَّتْ كَلِماتُهُ صِدْقًا وعَدْلًا - أيْ صِدْقًا في الأخْبارِ، وعَدْلًا في الأحْكامِ - وأنَّهُ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ ؟
سُبْحانَ رَبِّنا، ما أعْظَمَهُ، وما أجَلَّ شَأْنَهُ.
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] .
فَهَلْ في أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ هو الَّذِي يُنَزِّلُ الرِّزْقَ لِلْخَلائِقِ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ تَحْلِيلٌ ولا تَحْرِيمٌ إلّا بِإذْنِهِ ؟ لِأنَّ مِنَ الضَّرُورِيِّ أنَّ مَن خَلَقَ الرِّزْقَ وأنْزَلَهُ هو الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ؟
سُبْحانَهُ - جَلَّ وعَلا - أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ.
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
(p-٥٣)فَهَلْ فِيهِمْ مَن يَسْتَحِقُّ الوَصْفَ بِذَلِكَ ؟
سُبْحانَ رَبِّنا وتَعالى عَنْ ذَلِكَ.
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧] .
فَقَدْ أوْضَحَتِ الآيَةُ أنَّ المُشَرِّعِينَ غَيْرَ ما شَرَّعَهُ اللَّهُ إنَّما تَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ، لِأجْلِ أنْ يَفْتَرُوهُ عَلى اللَّهِ، وأنَّهم لا يُفْلِحُونَ، وأنَّهم يُمَتَّعُونَ قَلِيلًا ثُمَّ يُعَذَّبُونَ العَذابَ الألِيمَ، وذَلِكَ واضِحٌ في بُعْدِ صِفاتِهِمْ مِن صِفاتِ مَن لَهُ أنْ يُحَلِّلَ ويُحَرِّمَ.
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] .
فَقَوْلُهُ: ﴿هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ صِيغَةُ تَعْجِيزٍ، فَهم عاجِزُونَ عَنْ بَيانِ مُسْتَنَدِ التَّحْرِيمِ. وذَلِكَ واضِحٌ في أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَتَّصِفُ بِصِفاتِ التَّحْلِيلِ ولا التَّحْرِيمِ. ولَمّا كانَ التَّشْرِيعُ وجَمِيعُ الأحْكامِ - شَرْعِيَّةً كانَتْ أوْ كَوْنِيَّةً قَدَرِيَّةً - مِن خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ - كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ - كانَ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعًا غَيْرَ تَشْرِيعِ اللَّهِ قَدِ اتَّخَذَ ذَلِكَ المُشَرِّعَ رَبًّا، وأشْرَكَهُ مَعَ اللَّهِ.
والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْناها مِرارًا وسَنُعِيدُ مِنها ما فِيهِ كِفايَةٌ، فَمِن ذَلِكَ - وهو مِن أوْضَحِهِ وأصْرِحِهِ - أنَّهُ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وقَعَتْ مُناظَرَةٌ بَيْنَ حِزْبِ الرَّحْمَنِ وحِزْبِ الشَّيْطانِ في حُكْمٍ مِن أحْكامِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، وحِزْبُ الرَّحْمَنِ يَتَّبِعُونَ تَشْرِيعَ الرَّحْمَنِ في وحْيِهِ في تَحْرِيمِهِ، وحِزْبُ الشَّيْطانِ يَتَّبِعُونَ وحْيَ الشَّيْطانِ في تَحْلِيلِهِ.
وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ بَيْنَهُما وأفْتى فِيما تَنازَعُوا فِيهِ فَتْوى سَماوِيَّةً قُرْآنِيَّةً تُتْلى في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ .
وَذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ لَمّا أوْحى إلى أوْلِيائِهِ فَقالَ لَهم في وحْيِهِ: سَلُوا مُحَمَّدًا عَنِ الشّاةِ تُصْبِحُ مَيْتَةً، مَن هو الَّذِي قَتَلَها ؟ فَأجابُوهم أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي قَتَلَها.
فَقالُوا: المَيْتَةُ إذًا ذَبِيحَةُ اللَّهِ، وما ذَبَحَهُ اللَّهُ كَيْفَ تَقُولُونَ إنَّهُ حَرامٌ ؟ مَعَ أنَّكم تَقُولُونَ (p-٥٤)إنَّما ذَبَحْتُمُوهُ بِأيْدِيكم حَلالٌ، فَأنْتُمْ إذًا أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ وأحَلُّ ذَبِيحَةً.
فَأنْزَلَ اللَّهُ بِإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، يَعْنِي المَيْتَةَ، أيْ وإنْ زَعَمَ الكُفّارُ أنَّ اللَّهَ ذَكّاها بِيَدِهِ الكَرِيمَةِ بِسِكِّينٍ مِن ذَهَبٍ. ﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأكْلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ولا تَأْكُلُوا، وقَوْلُهُ: لَفِسْقٌ، أيْ خُرُوجٌ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، واتِّباعٌ لِتَشْرِيعِ الشَّيْطانِ. ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] . أيْ بِقَوْلِهِمْ: ما ذَبَحْتُمُوهُ حَلالٌ وما ذَبَحَهُ اللَّهُ حَرامٌ، فَأنْتُمْ إذًا أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ، وأحَلُّ تَذْكِيَةً، ثُمَّ بَيَّنَ الفَتْوى السَّماوِيَّةِ مِن رَبِّ العالَمِينَ، في الحُكْمِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَهي فَتْوى سَماوِيَّةٌ مِنَ الخالِقِ - جَلَّ وعَلا - صَرَّحَ فِيها بِأنَّ مُتَّبِعَ تَشْرِيعِ الشَّيْطانِ المُخالِفِ لِتَشْرِيعِ الرَّحْمَنِ - مُشْرِكٌ بِاللَّهِ.
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مَثَّلَ بِها بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ لِحَذْفِ اللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ، والدَّلِيلُ عَلى اللّامِ المُوَطِّئَةِ المَحْذُوفَةِ عَدَمُ اقْتِرانِ جُمْلَةِ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ شَرْطًا لَمْ يَسْبِقْهُ قَسَمٌ لَقِيلَ: فَإنَّكم لَمُشْرِكُونَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎واقرُنْ بِفا حَتْمًا جَوابًا لَو جُعِلْ شَرْطًا لِأنْ أوْ غَيْرِها لَمْ يَنْجَعِلْ
وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وهو الصَّحِيحُ، وحَذْفُ الفاءِ في مِثْلِ ذَلِكَ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وَما زَعَمَهُ بَعْضُهم مِن أنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وأنَّ ذَلِكَ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَتانِ مِن كِتابِ اللَّهِ: إحْداهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ .
والثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [ ٤٢ ] بِحَذْفِ الفاءِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ خِلافُ التَّحْقِيقِ.
بَلِ المُسَوِّغُ لِحَذْفِ الفاءِ في آيَةِ: ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ تَقْدِيرُ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ الشَّرْطِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِحَذْفِ الفاءِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎واحْذِفْ لَدى اجْتِماعِ شَرْطٍ وقَسَمْ ∗∗∗ جَوابَ ما أحْرَتْ فَهو مُلْتَزَمْ
وَعَلَيْهِ، فَجُمْلَةُ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ لِحَذْفِ الفاءِ المَذْكُورِ.
(p-٥٥)والمُسَوِّغُ لَهُ في آيَةِ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم أنَّ (ما) في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ مَوْصُولَةٌ، كَما جَزَمَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، أيْ والَّذِي أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ كائِنٌ وواقِعٌ بِسَبَبِ ما كَسَبَتْ أيْدِيكم.
وَأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: فَما مَوْصُولَةٌ أيْضًا، ودُخُولُ الفاءِ في خَبَرِ المَوْصُولِ جائِزٌ كَما أنَّ عَدَمَهُ جائِزٌ، فَكِلْتا القِراءَتَيْنِ جارِيَةٌ عَلى أمْرٍ جائِزٍ.
وَمِثالُ دُخُولِ الفاءِ في خَبَرِ المَوْصُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ (ما) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ شَرْطِيَّةٌ، وعَلَيْهِ فاقْتِرانُ الجَزاءِ بِالفاءِ واجِبٌ.
أمّا عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ فَهي مَوْصُولَةٌ لَيْسَ إلّا، كَما هو التَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - .
وَكَوْنُ (ما) شَرْطِيَّةً عَلى قِراءَةٍ، ومَوْصُولَةً عَلى قِراءَةٍ - لا إشْكالَ فِيهِ؛ لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ القِراءَتَيْنِ في الآيَةِ الواحِدَةِ كالآيَتَيْنِ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نَحْوِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ ”الأنْعامِ“ المَذْكُورَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] . فَصَرَّحَ بِتَوَلِّيهِمْ لِلشَّيْطانِ، أيْ بِاتِّباعِ ما يُزَيِّنُ لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي مُخالِفًا لِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ إشْراكٌ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾، وصَرَّحَ أنَّ الطّاعَةَ في ذَلِكَ الَّذِي يُشَرِّعُهُ الشَّيْطانُ لَهم ويُزَيِّنُهُ عِبادَةٌ لِلشَّيْطانِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ مَن عَبَدَ الشَّيْطانَ فَقَدْ أشْرَكَ بِالرَّحْمَنِ، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وَأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا﴾، ويَدْخُلُ فِيهِمْ مُتَّبِعُو نِظامِ الشَّيْطانِ دُخُولًا أوْلِياءُ ﴿أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢] .
ثُمَّ بَيَّنَ المَصِيرَ الأخِيرَ لِمَن كانَ يَعْبُدُ الشَّيْطانَ في دارِ الدُّنْيا، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٣ - ٦٥] . وقالَ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] فَقَوْلُهُ: (p-٥٦)﴿لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ بِاتِّباعِ ما يُشَرِّعُهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، مُخالِفًا لِما شَرَعَهُ اللَّهُ.
وَقالَ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، فَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا﴾ يَعْنِي ما يَعْبُدُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤٠ - ٤١] .
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيْ يَتَّبِعُونَ الشَّياطِينَ ويُطِيعُونَهم فِيما يُشَرِّعُونَ ويُزَيِّنُونَ لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، عَلى أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ.
والشَّيْطانُ عالِمٌ بِأنَّ طاعَتَهم لَهُ المَذْكُورَةَ إشْراكٌ بِهِ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ وتَبَرَّأ مِنهم في الآخِرَةِ، كَما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] . فَقَدِ اعْتَرَفَ بِأنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ بِهِ مِن قَبْلُ، أيْ في دارِ الدُّنْيا، ولَمْ يَكْفُرْ بِشِرْكِهِمْ ذَلِكَ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ.
وَقَدْ أوْضَحَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا المَعْنى الَّذِي بَيَّنّا في الحَدِيثِ «لَمّا سَألَهُ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا﴾ [التوبة: ٣١] كَيْفَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا ؟ وأجابَهُ ﷺ أنَّهم أحَلُّوا لَهم ما حَرَّمَ اللَّهُ، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ ما أحَلَّ اللَّهُ - فاتَّبَعُوهم، وبِذَلِكَ الِاتِّباعِ اتَّخَذُوهم أرْبابًا» .
وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في هَذا أنَّ الكُفّارَ إذا أحَلُّوا شَيْئًا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ، وحَرَّمُوا شَيْئًا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أحَلَّهُ - فَإنَّهم يَزْدادُونَ كُفْرًا جَدِيدًا بِذَلِكَ مَعَ كُفْرِهِمُ الأوَّلِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧] .
وَعَلى كُلِّ حالٍ فَلا شَكَّ أنَّ كُلَّ مَن أطاعَ غَيْرَ اللَّهِ في تَشْرِيعٍ مُخالِفٍ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ - فَقَدْ أشْرَكَ بِهِ مَعَ اللَّهِ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] . فَسَمّاهم شُرَكاءَ لَمّا أطاعُوهم في قَتْلِ الأوْلادِ.
(p-٥٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فَقَدْ سَمّى تَعالى الَّذِينَ يُشَرِّعُونَ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ - شُرَكاءَ، ومِمّا يَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا أنَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنِ الشَّيْطانِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أنَّهُ يَقُولُ لِلَّذِينِ كانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ في دارِ الدُّنْيا: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ - أنَّ ذَلِكَ الإشْراكَ المَذْكُورَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ زائِدٌ عَلى أنَّهُ دَعاهم إلى طاعَتِهِ فاسْتَجابُوا لَهُ، كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ الآيَةَ، وهو واضِحٌ كَما تَرى.
الشورى 42:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”فاطِرٍ“ .
وَقَوْلُهُ ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾، أيْ خَلَقَ لَكم أزْواجًا مِن أنْفُسِكم، كَما قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] . وبَيَّنّا أنَّ المُرادَ بِالأزْواجِ الإناثُ، كَما يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ الآيَةَ [الروم: ٢١] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٥ - ٤٦] . وقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ١ - ٣] . وقَوْلُهُ في آدَمَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ الآيَةَ [النساء: ١] . وقَوْلُهُ تَعالى فِيهِ أيْضًا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٨٩] . وقَوْلُهُ تَعالى فِيهِ أيْضًا: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ هي الثَّمانِيَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٣] . وفي قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] . وهي ذُكُورُ الضَّأْنِ والمَعْزِ والإبِلِ والبَقَرِ وإناثُها، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
(p-٥٨)وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الخِطابِ في قَوْلِهِ: يَذْرَؤُكم شامِلٌ لِلْآدَمِيِّينَ والأنْعامِ، وتَغْلِيبُ الآدَمِيِّينَ عَلى الأنْعامِ في ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ.
والتَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ”فِيهِ“ راجِعٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ مِن بَنِي آدَمَ والأنْعامِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ سَواءٌ قُلْنا إنَّ المَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ لِلْآدَمِيِّينَ إناثًا مِن أنْفُسِهِمْ، أيْ مِن جِنْسِهِمْ، وجَعَلَ لِلْأنْعامِ أيْضًا إناثًا كَذَلِكَ، أوْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ بِالأزْواجِ الذُّكُورُ والإناثُ مِنهُما مَعًا.
وَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾، أيْ يَخْلُقُكم ويَبُثُّكم ويَنْشُرُكم (فِيهِ)، أيْ فِيما ذَكَرَ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، أيْ في ضِمْنِهِ عَنْ طَرِيقِ التَّناسُلِ، كَما هو مَعْرُوفٌ.
وَيُوَضَّحُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] . فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ يُوَضِّحُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ إفْرادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾ مَعَ أنَّهُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ عائِدٌ إلى الذُّكُورِ والإناثِ مِنَ الآدَمِيِّينَ والأنْعامِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ أوِ الإشارَةِ بِصِيغَةِ الإفْرادِ إلى مُثَنّى أوْ مَجْمُوعٍ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ مَثَلًا.
وَمِثالُهُ في الضَّمِيرِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٤٦] . فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (بِهِ) مُفْرَدٌ، مَعَ أنَّهُ راجِعٌ إلى السَّمْعِ والأبْصارِ والقُلُوبِ.
فَقَوْلُهُ: يَأْتِيكم بِهِ أيْ بِما ذَكَرَ مِن سَمْعِكم وأبْصارِكم وقُلُوبِكم، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّ في الجِلْدِ تَوْلِيعَ البَهَقْ
فَقَوْلُهُ: كَأنَّهُ، أيْ ما ذُكِرَ مِن خُطُوطٍ مِن سَوادٍ وبَلَقٍ.
(p-٥٩)وَمِثالُهُ في الإشارَةِ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ [البقرة: ٦٨] أيْ بَيْنَ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِن فارِضٍ وبِكْرٍ، وقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرى السَّهْمِيِّ:
؎إنَّ لِلْخَيْرِ ولِلشَّرِّ مَدًى ∗∗∗ وكِلا ذَلِكَ وجْهٌ وقُبُلْ
أيْ كِلا ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ.
وَقَوْلُ مَن قالَ، إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (فِيهِ) راجِعٌ إلى الرَّحِمِ، وقَوْلُ مَن قالَ: راجِعٌ إلى البَطْنِ، ومَن قالَ: راجِعٌ إلى الجَعْلِ المَفْهُومِ مِن (جَعَلَ) وقَوْلُ مَن قالَ: راجِعٌ إلى التَّدْبِيرِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ خِلافُ الصَّوابِ.
والتَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - هو ما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
وَقَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ [الأعراف: ٥٤] .
الشورى 42:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ .
مَقالِيدُ السَّمَواتِ والأرْضِ هي مَفاتِيحُهُما، وهو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، فَمُفْرَدُها إقْلِيدٌ، وجَمْعُها مَقالِيدُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، والإقْلِيدُ المِفْتاحُ. وقِيلَ: واحِدُها مِقْلِيدٌ، وهو قَوْلٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في اللُّغَةِ.
وَكَوْنُهُ - جَلَّ وعَلا - لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ أيْ مَفاتِيحُهُما، كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ - جَلَّ وعَلا - هو وحْدَهُ المالِكُ لِخَزائِنِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ مِلْكَ مَفاتِيحِها يَسْتَلْزِمُ مِلْكَها.
وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - مِثْلَ هَذا في سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٦٢ - ٦٣] .
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ ”الشُّورى“ هَذِهِ وآيَةُ ”الزُّمَرِ“ المَذْكُورَتانِ مِن أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - هو مالِكُ خَزائِنِ السَّماواتِ والأرْضِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] .
(p-٦٠)وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ خَزائِنَ رَحْمَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ [ص: ٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] .
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ جاءَ مَعْناهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبإ: ٣٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [الرعد: ٢٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٧١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ الآيَةَ [النساء: ١٣٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ٧] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]
أيْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ لِقِلَّتِهِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ في الآياتِ المَذْكُورَةِ.
أيْ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ بَسْطَهُ لَهُ ويَقْدِرُ، أيْ يُضَيِّقُ الرِّزْقَ عَلى مَن يَشاءُ تَضْيِيقَهُ عَلَيْهِ، كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] .
وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في بَعْضِ الآياتِ حِكْمَةَ تَضْيِيقِهِ لِلرِّزْقِ عَلى مَن ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ أنَّ مِن حُكْمِ ذَلِكَ أنَّ بَسْطَ الرِّزْقِ لِلْإنْسانِ، قَدْ يَحْمِلُهُ عَلى البَغْيِ والطُّغْيانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦] .
الشورى 42:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الِدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (p-٦١)﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٧] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ .
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فِيهِ)، راجِعٌ إلى الدِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ .
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِافْتِراقِ في الدِّينِ - جاءَ مُبَيَّنًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ وصّى خَلْقَهُ بِذَلِكَ، فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٠٣] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في بَعْضِ المَواضِعِ أنَّ بَعْضَ النّاسِ لا يَجْتَنِبُونَ هَذا النَّهْيَ، وهَدَّدَهم عَلى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] . لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: يَفْعَلُونَ - فِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لَهم.
وَقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“: ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٢ - ٥٤] .
فَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: إنَّ هَذِهِ شَرِيعَتُكم شَرِيعَةً واحِدَةً، ودِينُكم دِينٌ واحِدٌ، ورَبُّكم واحِدٌ فَلا تَتَفَرَّقُوا في الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَجْتَنِبُوا ما نُهُوا عَنْهُ مِن ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ فِيهِ تَهْدِيدٌ لَهم ووَعِيدٌ عَظِيمٌ عَلى ذَلِكَ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ ﴿وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٢ - ٩٣] . فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ فِيهِ أيْضًا تَهْدِيدٌ لَهم ووَعِيدٌ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ أوْضَحْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ الآياتِ في آخِرِ سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٩٣] .
(p-٦٢)وَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ افْتِراقُ اليَهُودِ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةٍ، وافْتِراقُ النَّصارى إلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وافْتِراقُ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وأنَّ النّاجِيَةَ مِنها واحِدَةٌ، وهي الَّتِي كانَتْ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ .
بَيِّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّهُ ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ أيْ شَقَّ عَلَيْهِمْ وعَظُمَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ ﷺ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وطاعَتِهِ بِامْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ، ولِعِظَمِ ذَلِكَ ومَشَقَّتِهِ عَلَيْهِمْ كانُوا يَكْرَهُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، ويَجْتَهِدُونَ في عَدَمِ سَماعِهِ لِشِدَّةِ كَراهَتِهِمْ لَهُ، بَلْ يَكادُونَ يَبْطِشُونَ بِمَن يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ رَبِّهِمْ لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ وكَراهَتِهِمْ لَها.
والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ في كِتابِ اللَّهِ، وفِيها بَيانُ أنَّ ذَلِكَ هو عادَةُ الكافِرِينَ مَعَ جَمِيعِ الرُّسُلِ مِن عَهْدِ نُوحٍ إلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
فَقَدْ بَيَّنَ تَعالى مَشَقَّةَ ذَلِكَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وكِبْرَهُ عَلَيْهِمْ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآيَةَ [يونس: ٧١] . وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧] .
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى شِدَّةِ بُغْضِهِمْ وكَراهَتِهِمْ لِما يَدْعُوهم إلَيْهِ نُوحٌ، فَهو واضِحٌ في أنَّهم كَبُرَ عَلَيْهِمْ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ والإيمانِ بِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ ذَلِكَ في الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا نَبِيَّنا مُحَمَّدًا ﷺ في آياتٍ مِن كِتابِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢] . فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ الآيَةَ - يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى شِدَّةِ بُغْضِهِمْ وكَراهِيَتِهِمْ لِسَماعِ تِلْكَ الآياتِ.
وَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٢٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”الزُّخْرُفِ“: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] . (p-٦٣)
• وَقَوْلِهِ تَعالى في ”قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”القِتالِ“: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الجاثية: ٦ - ٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [لقمان: ٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٥] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَكْرَهُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَحْذَرَ كُلَّ الحَذَرِ مِن أنْ يُطِيعَهم في بَعْضِ أمْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَتائِجَ سَيِّئَةً مُتَناهِيَةً في السُّوءِ، كَما أوْضَحَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٤ - ٢٨] . فَعَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَحْذَرَ ثُمَّ يَحْذَرَ ثُمَّ يَحْذَرَ كُلَّ الحَذَرِ مِن أنْ يَقُولَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا، الَّذِينَ يَكْرَهُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ -: سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُسَبِّبُ لَهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، ويَكْفِيهِ زَجْرًا ورَدْعًا عَنْ ذَلِكَ قَوْلُ رَبِّهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧ - ٢٨] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ .
الِاجْتِباءُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ مَعْناهُ الِاخْتِيارُ والِاصْطِفاءُ.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى يَجْتَبِي مِن خَلْقِهِ مَن يَشاءُ اجْتِباءَهُ.
وَقَدْ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ بَعْضَ مَن شاءَ اجْتِباءَهُ مِن خَلْقِهِ، فَبَيَّنَ أنَّ مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨] .
(p-٦٤)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣٢] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مِنهم آدَمَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] . وذَكَرَ أنَّ مِنهم إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٠ - ١٢١] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى اجْتِباءِ بَعْضِ الخَلْقِ بِالتَّعْيِينِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ أيْ مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يُنِيبُ إلى اللَّهِ، أيْ يَرْجِعُ إلى ما يُرْضِيهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] .
الشورى 42:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ .
تَقَدَّمَتِ الآياتُ المُوَضِّحَةُ لَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] .
الشورى 42:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ .
بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ في حالِ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي هو ضِدُّ الباطِلِ، وقَوْلُهُ: الكِتابَ اسْمُ جِنْسٍ مُرادٌ بِهِ جَمِيعُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ ”الحَجِّ“ أنَّ المُفْرَدَ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ يُطْلَقُ مُرادًا بِهِ الجَمْعُ، وذَكَرْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ مَعَ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: والمِيزانَ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - هو الَّذِي أنْزَلَ المِيزانَ، والمُرادُ بِهِ العَدْلُ والإنْصافُ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المِيزانُ في الآيَةِ هو آلَةُ الوَزْنِ المَعْرُوفَةُ.
وَمِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ المِيزانَ مِفْعالٌ، والمِفْعالُ قِياسِيٌّ في اسْمِ الآلَةِ.
وَعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ - وهو أنَّ المِيزانَ العَدْلُ والإنْصافُ - فالمِيزانُ الَّذِي هو آلَةُ الوَزْنِ المَعْرُوفَةُ داخِلٌ فِيهِ؛ لِأنَّ إقامَةَ الوَزْنِ بِالقِسْطِ مِنَ العَدْلِ والإنْصافِ.
(p-٦٥)وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أنْزِلَ الكِتابَ والمِيزانَ - أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”الحَدِيدِ“: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
فَصَرَّحَ تَعالى بِأنَّهُ أنْزَلَ مَعَ رُسُلِهِ الكِتابَ والمِيزانَ لِأجْلِ أنْ يَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ، وهو العَدْلُ والإنْصافُ. وكَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ ﴿وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧ - ٩] .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ المِيزانَ في سُورَةِ ”الشُّورى“ وسُورَةِ ”الحَدِيدِ“ هو العَدْلُ والإنْصافُ، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وَأنَّ المِيزانَ في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“ هو المِيزانُ المَعْرُوفُ، أعْنِي آلَةَ الوَزْنِ الَّتِي يُوزَنُ بِها بَعْضُ المَبِيعاتِ.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ في سُورَةِ ”الشُّورى“ وسُورَةِ ”الحَدِيدِ“ عَبَّرَ بِإنْزالِ المِيزانِ لا بِوَضْعِهِ، وقالَ في سُورَةِ ”الشُّورى“: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ . وقالَ في ”الحَدِيدِ“: ﴿وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] .
وَأمّا في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“ فَقَدْ عَبَّرَ بِالوَضْعِ لا الإنْزالِ، قالَ: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] . ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ آلَةُ الوَزْنِ المَعْرُوفَةُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] لِأنَّ المِيزانَ الَّذِي نُهُوا عَنْ إخْسارِهِ هو أخُو المِكْيالِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٣] . وقالَ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣] . وقالَ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ: ﴿وَلا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ الآيَةَ [هود: ٨٤] . وقالَ تَعالى عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٨٥] . وقالَ تَعالى في سُورَةِ ”الأنْعامِ“: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [الأنعام: ١٥٢] . وقالَ تَعالى في سُورَةِ ”بَنِي (p-٦٦)إسْرائِيلَ“: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
فَإنْ قِيلَ: قَدِ اخْتَرْتُمْ أنَّ المُرادَ بِالمِيزانِ في سُورَةِ ”الشُّورى“ وسُورَةِ ”الحَدِيدِ“ - هو العَدْلُ والإنْصافُ، وأنَّ المُرادَ بِالمِيزانِ في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“ هو آلَةُ الوَزْنِ المَعْرُوفَةُ، وذَكَرْتُمْ نَظائِرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، وعَلى هَذا الَّذِي اخْتَرْتُمْ يُشَكَّلُ الفَرْقُ بَيْنَ الكِتابِ والمِيزانِ؛ لِأنَّ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ كُلُّها عَدْلٌ وإنْصافٌ.
فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما: هو ما قَدَّمْنا مِرارًا مِن أنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ إذا عُبِّرَ عَنْهُ بِصِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ جازَ عَطْفُهُ عَلى نَفْسِهِ تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ بَيْنَ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ في الذَّواتِ، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ١ - ٤] . فالمَوْصُوفُ واحِدٌ والصِّفاتُ مُخْتَلِفَةٌ، وقَدْ ساغَ العَطْفُ لِتَغايُرِ الصِّفاتِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ
وَأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَهو ما أشارَ إلَيْهِ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أعْلامِ المُوَقِّعِينَ، مِنَ المُغايَرَةِ في الجُمْلَةِ بَيْنَ الكِتابِ والمِيزانِ.
وَإيضاحُ ذَلِكَ: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هو العَدْلُ والإنْصافُ المُصَرَّحُ بِهِ في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ.
وَأمّا المِيزانُ: فَيَصْدُقُ بِالعَدْلِ والإنْصافِ الَّذِي لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِمّا صَرَّحَ بِهِ فِيها.
فالتَّأْفِيفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . مِنَ الكِتابِ؛ لِأنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ في الكِتابِ، ومَنعُ ضَرْبِ الوالِدَيْنِ مَثَلًا المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَلى التَّأْفِيفِ مِنَ المِيزانِ، أيْ مِنَ العَدْلِ والإنْصافِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ مَعَ رُسُلِهِ.
وَقَبُولُ شَهادَةِ العَدْلَيْنِ في الرَّجْعَةِ والطَّلاقِ المَنصُوصُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] مِنَ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِيهِ.
(p-٦٧)وَقَبُولُ شَهادَةِ أرْبَعَةٍ عُدُولٍ في ذَلِكَ مِنَ المِيزانِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ مَعَ رُسُلِهِ.
وَتَحْرِيمُ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠] - مِنَ الكِتابِ.
وَتَحْرِيمُ إغْراقِ مالِ اليَتِيمِ وإحْراقِهِ المَعْرُوفُ مِن ذَلِكَ - مِنَ المِيزانِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ مَعَ رُسُلِهِ.
وَجَلْدُ القاذِفِ الذَّكَرِ لِلْمُحْصَنَةِ الأُنْثى ثَمانِينَ جِلْدَةً ورَدُّ شَهادَتِهِ، والحُكْمُ بِفِسْقِهِ المَنصُوصُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ الآيَةَ [النور: ٤ - ٥] - مِنَ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ.
وَعُقُوبَةُ القاذِفِ الذَّكَرِ لِذَكَرٍ مِثْلِهِ، والأُنْثى القاذِفَةِ لِلذَّكَرِ أوْ لِأُنْثى بِمِثْلِ تِلْكَ العُقُوبَةِ المَنصُوصَةِ في القُرْآنِ - مِنَ المِيزانِ المَذْكُورِ.
وَحِلِّيَّةُ المَرْأةِ الَّتِي كانَتْ مَبْتُوتَةً، بِسَبَبِ نِكاحِ زَوْجٍ ثانٍ وطَلاقِهِ لَها بَعْدَ الدُّخُولِ، المَنصُوصُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ [البقرة: ٢٣٠] أيْ فَإنْ طَلَّقَها الزَّوْجُ الثّانِي بَعْدَ الدُّخُولِ وذَوْقِ العُسَيْلَةِ - فَلا جُناحَ عَلَيْهِما، أيْ لا جُناحَ عَلى المَرْأةِ الَّتِي كانَتْ مَبْتُوتَةً، والزَّوْجُ الَّذِي كانَتْ حَرامًا عَلَيْهِ - أنْ يَتَراجَعا بَعْدَ نِكاحِ الثّانِي وطَلاقِهِ لَها - مِنَ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ.
وَأمّا إنْ ماتَ الزَّوْجُ الثّانِي بَعْدَ أنْ دَخَلَ بِها وكانَ مَوْتُهُ قَبْلَ أنْ يُطَلِّقَها، فَحِلِّيَّتُها لِلْأوَّلِ الَّذِي كانَتْ حَرامًا عَلَيْهِ - مِنَ المِيزانِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ مَعَ رُسُلِهِ.
وَقَدْ أشَرْنا إلى كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ المَذْكُورِ، وأكْثَرْنا مِنَ الأمْثِلَةِ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ في كَلامِنا الطَّوِيلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٧٨] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ الآيَةَ [النحل: ١] . وفي سُورَةِ ”الأحْزابِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ (p-٦٨)تَعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] . وفي سُورَةِ ”المُؤْمِنِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ الآيَةَ [غافر: ١٨] .
الشورى 42:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَ مَسائِلَ: الأُولى: أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالسّاعَةِ يَسْتَعْجِلُونَ بِها، أيْ يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَها عَلَيْهِمْ، لِشِدَّةِ إنْكارِهِمْ لَها.
والثّانِيَةَ: أنَّ المُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ مِنها، أيْ خائِفُونَ مِنها.
والثّالِثَةَ: أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ، أيْ أنَّ قِيامَها ووُقُوعَها حَقٌّ لا شَكَّ فِيهِ.
وَكُلُّ هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءَتْ مُوَضَّحَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
أمّا اسْتِعْجالُهم لَها فَقَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ [الرعد: ٦] . وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
وَأمّا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي هي إشْفاقُ المُؤْمِنِينَ وخَوْفُهم مِنَ السّاعَةِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ [النور: ٣٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] .
وَأمّا المَسْألَةُ الثّالِثَةُ وهي عِلْمُهم أنَّ السّاعَةَ حَقٌّ، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ المُصَرِّحَةُ بِأنَّها لا رَيْبَ فِيها؛ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ نَفْيَ الرَّيْبِ فِيها عَنِ المُؤْمِنِينَ.
والرَّيْبُ: الشَّكُّ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى عَنِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٢٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٦٩)﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٦ - ٧] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] .
وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يُمارُونَ، مُضارِعُ مارى يُمارِي مِراءً ومُماراةً، إذا خاصَمَ وجادَلَ.
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾، أيْ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا مَعانِيَ الضَّلالِ في القُرْآنِ واللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، مَعَ الشَّواهِدِ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] . وفي مَواضِعَ أُخَرَ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
الشورى 42:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ . قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ ”هُودٍ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا﴾ الآيَةَ [هود: ٢٩] - أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَواتُ والسَّلامُ - لا يَأْخُذُونَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ، وذَكَرْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الآياتِ وآيَةِ ”الشُّورى“ هَذِهِ، فَقُلْنا فِيهِ:
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أرْبَعَةَ أقْوالٍ: الأوَّلُ: ما رَواهُ الشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وأبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ - أنَّ مَعْنى الآيَةِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، أيْ إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي الَّتِي بَيْنِي وبَيْنَكم، فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكم وتَمْنَعُونِي مِن أذى النّاسِ، كَما تَمْنَعُونَ كُلَّ مَن بَيْنَكم وبَيْنَهُ مِثْلُ قَرابَتِي مِنكم، وكانَ ﷺ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ مِن قُرَيْشٍ رَحِمٌ، فَهَذا الَّذِي سَألَهم لَيْسَ (p-٧٠)بِأجْرٍ عَلى التَّبْلِيغِ؛ لِأنَّهُ مَبْذُولٌ لِكُلِّ أحَدٍ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَوَدُّهُ أهْلُ قَرابَتِهِ ويَنْتَصِرُونَ لَهُ مِن أذى النّاسِ.
وَقَدْ فَعَلَ لَهُ ذَلِكَ أبُو طالِبٍ ولَمْ يَكُنْ يَسْألُ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمِن.
وَإذا كانَ لا يَسْألُ أجْرًا إلّا هَذا الَّذِي لَيْسَ بِأجْرٍ - تَحَقَّقَ أنَّهُ لا يَسْألُ أجْرًا، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
وَمِثْلُ هَذا يُسَمِّيهِ البَلاغِيُّونَ تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ.
وَهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ في الآيَةِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ.
الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، أيْ لا تُؤْذُوا قَرابَتِي وعِتْرَتِي، واحْفَظُونِي فِيهِمْ، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ أيْضًا.
لِأنَّ المَوَدَّةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ واجِبَةٌ فِيما بَيْنَهم، وأحْرى قَرابَةُ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] . وفي الحَدِيثِ «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَراحُمِهِمْ وتَوادِّهِمْ كالجَسَدِ الواحِدِ إذا أُصِيبَ مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمّى» وقالَ ﷺ «لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» . والأحادِيثُ في مِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَإذا كانَ نَفْسُ الدِّينُ يُوجِبُ هَذا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، تَبَيَّنَ أنَّهُ غَيْرُ عِوَضٍ عَنِ التَّبْلِيغِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ.
فَمَعْناهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ لَكِنْ أُذَكِّرُكم قَرابَتِي فِيكم.
وَعَلى الثّانِي: لَكِنْ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في قَرابَتِي، فاحْفَظُونِي فِيهِمْ.
القَوْلُ الثّالِثُ - وبِهِ قالَ الحَسَنُ -: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّهِ، وتَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ؛ لِأنَّ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ لَيْسَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ.
(p-٧١)القَوْلُ الرّابِعُ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى قَراباتِكم وتَصِلُوا أرْحامَكم، ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا القَوْلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قاسِمٍ، وعَلَيْهِ أيْضًا فَلا إشْكالَ.
لِأنَّ صِلَةَ الإنْسانِ رَحِمَهُ لَيْسَتْ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ، فَقَدْ عَلِمْتَ الصَّحِيحَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وظَهَرَ لَكَ رَفْعُ الإشْكالِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ.
وَأمّا القَوْلُ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ - مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سبإ: ٤٧] - فَهو ضَعِيفٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى . انْتَهى مِنهُ.
وَقَدْ عَلِمْتَ مِمّا ذَكَرْنا فِيهِ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ هو الصَّحِيحُ في مَعْنى الآيَةِ.
مَعَ أنَّ كثيرًا مِنَ النّاسِ يَظُنُّونَ أنَّ القَوْلَ الثّانِيَ هو مَعْنى الآيَةِ، فَيَحْسَبُونَ أنَّ مَعْنى ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ إلّا أنْ تَوَدُّونِي في أهْلِ قَرابَتِي.
وَمِمَّنْ ظَنَّ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ السَجّادُ؛ حَيْثُ قالَ لِقاتِلِهِ يَوْمَ الجَمَلِ: أُذَكِّرُكَ ”حم“ يَعْنِي سُورَةَ ”الشُّورى“ هَذِهِ، ومُرادُهُ أنَّهُ مِن أهْلِ قَرابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَلْزَمُ حِفْظَهُ فِيهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في ”حم“ هَذِهِ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فَهو يُرِيدُ المَعْنى المَذْكُورَ، يَظُنُّهُ هو المُرادُ بِالآيَةِ، ولِذا قالَ قاتِلُهُ في ذَلِكَ:
؎يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُّمْحُ شاجِرُ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ
وَقَدْ ذَكَرْنا هَذا البَيْتَ والأبْياتَ الَّتِي قَبْلَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“، وذَكَرْنا أنَّ البُخارِيَّ ذَكَرَ البَيْتَ المَذْكُورَ في سُورَةِ ”المُؤْمِنِ“، وذَكَرْنا الخِلافَ في قائِلِ الأبْياتِ الَّذِي قَتَلَ مُحَمَّدًا السَّجّادَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَوْمَ الجَمَلِ، هَلْ هو شُرَيْحُ بْنُ أبِي أوْفى العَبْسِيُّ، كَما قالَ البُخارِيُّ، أوِ الأشْتَرُ النَّخَعِيُّ، أوْ عِصامُ بْنُ مُقْشَعِرٍّ، أوْ مُدْلِجُ بْنُ كَعْبٍ السَّعْدِيُّ، أوْ كَعْبُ بْنُ مُدْلِجٍ.
وَمِمَّنْ ظَنَّ أنَّ مَعْنى الآيَةِ هو ما ظَنَّهُ مُحَمَّدٌ السَّجّادُ المَذْكُورُ - الكُمَيْتُ في قَوْلِهِ في أهْلِ قَرابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:
؎وَجَدْنا لَكم في آلِ حامِيمَ آيَةً ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ
والتَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ مَعْنى الآيَةِ هو القَوْلُ الأوَّلُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ (p-٧٢)أيْ إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي فِيكم وتَحْفَظُونِي فِيها، فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكم وتَمْنَعُونِي مِن أذى النّاسِ، كَما هو شَأْنُ أهْلُ القُراباتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ . الِاقْتِرافُ مَعَناهُ الِاكْتِسابُ، أيْ مَن يَعْمَلْ حَسَنَةً مِنَ الحَسَناتِ ويَكْتَسِبْها - نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا، أيْ نُضاعِفْها لَهُ.
فَمُضاعَفَةُ الحَسَناتِ هي الزِّيادَةُ في حُسْنِها، وهَذا المَعْنى تُوَضِّحُهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] .
فَكَوْنُهُ خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا زِيادَةٌ في حُسْنِهِ، كَما لا يَخْفى. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الشورى 42:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو وحْدَهُ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ الآيَةَ [التحريم: ٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى التَّوْبَةِ وأرْكانَها وإزالَةَ ما في أرْكانِها مِنَ الإشْكالِ في سُورَةِ ”النُّورِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] .
الشورى 42:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُنَزِّلُ ما يَشاءُ تَنْزِيلَهُ مِنَ الأرْزاقِ وغَيْرِها (p-٧٣)بِقَدَرٍ، أيْ بِمِقْدارٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ - جَلَّ وعَلا - وهو - جَلَّ وعَلا - أعْلَمُ بِالحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ في مِقْدارِ كَلِّ ما يُنَزِّلُهُ. وقَدْ أوْضَحَ هَذا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الشورى 42:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ.
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”النُّورِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ الآيَةَ [النور: ٥٧] .
الشورى 42:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿وَمِن آياتِهِ﴾ أيْ مِن عَلاماتِهِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ - الجَوارِي وهي السُّفُنُ، واحِدَتُها جارِيَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] يَعْنِي سَفِينَةَ نُوحٍ، وسُمِّيَتْ جارِيَةً لِأنَّها تَجْرِي في البَحْرِ.
وَقَوْلُهُ: (كالأعْلامِ)، أيْ كالجِبالِ، شَبَّهَ السُّفُنَ بِالجِبالِ لِعِظَمِها.
وَعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الأعْلامَ القُصُورُ، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ كُلَّ مُرْتَفِعٍ تُسَمِّيهِ العَرَبُ عَلَمًا، وجَمْعُ العَلَمِ أعْلامٌ.
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الخَلِيلُ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ تَرْثِي أخاها صَخْرًا:
؎وَإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ جَرَيانَ السُّفُنِ في البَحْرِ مِن آياتِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ ﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ [يس: ٤١ - ٤٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”النَّحْلِ“: ﴿وَتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ [مريم: ١٤] .
• وقَوْلِهِ في ”فاطِرٍ“: (p-٧٤)﴿وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ١٢] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو (الجَوارِي) بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الرّاءِ في الوَصْلِ فَقَطْ دُونَ الوَقْفِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ المَذْكُورِ في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا، وقَرَأهُ الباقُونَ (الجِوارِ) بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا.
الشورى 42:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كَبِيرَ الإثْمِ)، بِكَسْرِ الباءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وراءٌ عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ.
وَقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الباءِ بَعْدَها ألْفٌ فَهَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ قَبْلَ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ.
وَقَوْلُهُ: والَّذِينَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ وخَيْرٌ وأبْقى أيْضًا لِلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ.
والفَواحِشُ جَمْعُ فاحِشَةٍ. والتَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ الفَواحِشَ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ.
والأظْهَرُ أنَّها مِن أشْنَعِها؛ لِأنَّ الفاحِشَةَ في اللُّغَةِ هي الخَصْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ، وكُلُّ مُتَشَدِّدٍ في شَيْءٍ مُبالِغٍ فِيهِ فَهو فاحِشٌ فِيهِ.
وَمِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
فَقَوْلُهُ: الفاحِشُ، أيِ المُبالِغُ في البُخْلِ المُتَناهِي فِيهِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن وعْدِهِ تَعالى الصّادِقِ لِلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ بِما عِنْدَهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الَّذِي هو خَيْرٌ وأبْقى - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَبَيَّنَ تَعالى في سُورَةِ ”النِّساءِ“ أنَّ مِن ذَلِكَ تَكْفِيرَهُ تَعالى عَنْهم سَيِّئاتِهم، وإدْخالَهُمُ المُدْخَلَ الكَرِيمَ وهو الجَنَّةُ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] . وبَيَّنَ في سُورَةِ ”النَّجْمِ“ أنَّهم بِاجْتِنابِهِمْ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ - يَصْدُقُ عَلَيْهِمُ اسْمُ المُحْسِنِينَ، ووَعْدَهم عَلى ذَلِكَ بِالحُسْنى.
(p-٧٥)والأظْهَرُ أنَّها الجَنَّةُ، ويَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ «الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ» في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] كَما قَدَّمْناهُ.
وَآيَةُ ”النَّجْمِ“ المَذْكُورَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] . ثُمَّ بَيَّنَ المُرادَ بِالَّذِينِ أحْسَنُوا في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٢٣] .
وَأظْهَرُ الأقْوالِ في قَوْلِهِ: (إلّا اللَّمَمَ) - أنَّ المُرادَ بِاللَّمَمِ صَغائِرُ الذُّنُوبِ، ومِن أوْضَحِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١] . فَدَلَّتْ عَلى أنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ سَبَبٌ لِغُفْرانِ الصَّغائِرِ، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
وَيَدُلُّ لِهَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ قالَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا أشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمّا قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنا العَيْنِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ المَنطِقُ، والنَّفْسُ تُمَنِّي وتَشْتَهِي والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ» .
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (إلّا اللَّمَمَ) مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اللَّمَمَ الَّذِي هو الصَّغائِرُ عَلى هَذا القَوْلِ لا يَدْخُلُ في الكَبائِرِ والفَواحِشِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ المَقامِ في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢] .
وَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، قالُوا: وعَلَيْهِ فَمَعْنى ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾ إلّا أنْ يَلُمَّ بِفاحِشَةٍ مَرَّةً، ثُمَّ يَجْتَنِبُها ولا يَعُودُ لَها بَعْدَ ذَلِكَ.
واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ الرّاجِزِ:
؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ ما ألَمّا
وَرَوى هَذا البَيْتَ ابْنُ جَرِيرٍ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما مَرْفُوعًا. وفي صِحَّتِهِ مُرْفُوعًا نَظَرٌ.
(p-٧٦)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِاللَّمَمِ ما سَلَفَ مِنهم مَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي قَبْلَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
وَأظْهَرُ الأقْوالِ هو ما قَدَّمَنا لِدَلالَةِ آيَةِ ”النِّساءِ“ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِ، وحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَّفِقِ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ كَبائِرَ الإثْمِ لَيْسَتْ مَحْدُودَةً في عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وقَدْ جاءَ تَعْيِينُ بَعْضِها، كالسَّبْعِ المُوبِقاتِ، أيِ المُهَلِكاتِ لِعِظَمِها، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّها: «الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذَفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ» .
وَقَدْ جاءَتْ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَعْيِينِ بَعْضِ الكَبائِرِ كَعُقُوقِ الوالِدَيْنِ، واسْتِحْلالِ حُرْمَةِ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، والرُّجُوعِ إلى البادِيَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، واليَمِينِ الغَمُوسِ، والسَّرِقَةِ، ومَنعِ فَضْلِ الماءِ، ومَنعِ فَضْلِ الكَلَإ، وشَهادَةِ الزُّورِ.
وَفِي بَعْضِ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ «أكْبَرَ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ، ثُمَّ قَتْلُ الرَّجُلِ ولَدَهُ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَهُ، ثُمَّ زِناهُ بِحَلِيلَةِ جارِهِ» . وفي بَعْضِها أيْضًا ”أنَّ مِنَ الكَبائِرِ تَسَبُّبَ الرَّجُلِ في سَبِّ والِدَيْهِ“ . وفي بَعْضِها أيْضًا «أنَّ سِبابَ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتالَهُ كُفْرٌ» . وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما مِنَ الكَبائِرِ.
وَفِي بَعْضِ الرِّواياتِ «أنَّ مِنَ الكَبائِرِ الوُقُوعَ في عِرْضِ المُسْلِمِ، والسَّبَّتَيْنِ بِالسَّبَّةِ» .
وَفِي بَعْضِ الرِّواياتِ ”أنَّ مِنها جَمْعَ الصَّلاتَيْنِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ“ .
وَفِي بَعْضِها ”أنَّ مِنها اليَأْسَ مِن رَوْحِ اللَّهِ، والأمْنَ مِن مَكْرِ اللَّهِ“ . ويَدُلُّ عَلَيْهِما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] .
وَفِي بَعْضِها ”أنَّ مِنها سُوءَ الظَّنِّ بِاللَّهِ“ . ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦] .
وَفِي بَعْضِها ”أنَّ مِنها الإضْرارَ في الوَصِيَّةِ“ .
(p-٧٧)وَفِي بَعْضِها ”أنَّ مِنها الغَلُولَ“ . ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] . وقَدَّمْنا مَعْنى الغَلُولِ في سُورَةِ ”الأنْفالِ“، وذَكَرْنا حُكْمَ الغالِّ.
وَفِي بَعْضِها «أنَّ مِن أهْلِ الكَبائِرِ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا» . ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] . ولَمْ نَذْكُرْ أسانِيدَ هَذِهِ الرِّواياتِ ونُصُوصَ مُتُونِها خَوْفَ الإطالَةِ، وأسانِيدُ بَعْضِها لا تَخْلُو مِن نَظَرٍ، لَكِنَّها لا يَكادُ يَخْلُو شَيْءٌ مِنها عَنْ بَعْضِ الشَّواهِدِ الصَّحِيحَةِ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ .
واعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في حَدِّ الكَبِيرَةِ؛ فَقالَ بَعْضُهم: هي كُلُّ ذَنْبٍ اسْتَوْجَبَ حَدًّا مِن حُدُودِ اللَّهِ.
وَقالَ بَعْضُهم: هي كُلُّ ذَنْبٍ جاءَ الوَعِيدُ عَلَيْهِ بِنارٍ أوْ لَعْنَةٍ أوْ غَضَبٍ أوْ عَذابٍ.
واخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ حَدَّ الكَبِيرَةِ بِأنَّها هي كُلُّ ذَنْبٍ دَلَّ عَلى عَدَمِ اكْتِراثِ صاحِبِهِ بِالدِّينِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الكَبائِرَ أقْرَبُ إلى السَّبْعِينَ مِنها إلى السَّبْعِ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّها أقْرَبُ إلى سَبْعِمِائَةٍ مِنها إلى سَبْعٍ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ أنَّها لا تَنْحَصِرُ في سَبْعٍ، وأنَّ ما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الأحادِيثِ عَلى أنَّها سَبْعٌ لا يَقْتَضِي انْحِصارَها في ذَلِكَ العَدَدِ؛ لِأنَّهُ إنَّما دَلَّ عَلى نَفْيِ غَيْرِ السَّبْعِ بِالمَفْهُومِ، وهو مَفْهُومُ لَقَبٍ، والحَقُّ عَدَمُ اعْتِبارِهِ.
وَلَوْ قُلْنا: إنَّهُ مَفْهُومُ عَدَدٍ - لَكانَ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ أيْضًا؛ لِأنَّ زِيادَةَ الكَبائِرِ عَلى السَّبْعِ مَدْلُولٌ عَلَيْها بِالمَنطُوقِ.
وَقَدْ جاءَ مِنها في الصَّحِيحِ عَدَدٌ أكْثَرُ مِن سَبْعٍ، والمَنطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ، مَعَ أنَّ مَفْهُومَ العَدَدِ لَيْسَ مِن أقْوى المَفاهِيمِ.
والأظْهَرُ عِنْدِي في ضابِطِ الكَبِيرَةِ أنَّها كُلُّ ذَنْبٍ اقْتَرَنَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ مِن مُطْلَقِ المَعْصِيَةِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ الوَعِيدُ عَلَيْهِ بِنارٍ أوْ غَضَبٍ أوْ لَعْنَةٍ أوْ عَذابٍ، أوْ كانَ وُجُوبُ الحَدِّ فِيهِ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَغْلِيظِ التَّحْرِيمِ وتَوْكِيدِهِ.
(p-٧٨)مَعَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ قالَ: إنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١] . وقَوْلُهُ: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المُساواةِ، وأنَّ بَعْضَ المَعاصِي كَبائِرُ، وبَعْضَها صَغائِرُ، والمَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ لا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
الشورى 42:40
قَوْلُه تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في آخِرِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٦] . وفي سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ١٧ - ١٨] .
الشورى 42:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في الكَلامِ عَلى آيَةِ ”النَّحْلِ“ وآيَةِ ”الزُّمَرِ“ المَذْكُورَتَيْنِ آنِفًا.
الشورى 42:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ الآيَةَ.
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٣] .
الشورى 42:45
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٨٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشُّورى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ يَنْظُرُونَ بِعُيُونٍ خَفِيَّةٍ ضَعِيفَةِ النَّظَرِ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى يُتَوَهَّمُ مِنها خِلافُ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] .
والجَوابُ هو ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الإتْقانِ، مِن أنَّ المُرادَ بِحِدَّةِ البَصَرِ: العِلْمُ وقُوَّةُ المَعْرِفَةِ، قالَ قُطْرُبٌ: ”فَبَصَرُكَ“ أيْ عِلْمُكَ، ومَعْرِفَتُكَ بِها قَوِيَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ: بَصُرَ بِكَذا أيْ عَلِمَ، ولَيْسَ المُرادُ رُؤْيَةُ العَيْنِ، قالَ الفارِسِيَّ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ .
وَقالَهُ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ تُدْرِكُ بِهِ ما عَمِيتَ عَنْهُ في دارِ الدُّنْيا، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] .
وَدَلالَةُ القُرْءانِ عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ ظاهِرَةٌ، فَلَعَلَّهُ هو الأرْجَحُ، وإنِ اقْتَصَرَ صاحِبُ الإتْقانِ عَلى الأوَّلِ.
الشورى 42:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ - يُبَيِّنُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - فِيهِ مِنَّتَهُ عَلى هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، بِأنَّهُ عَلَّمَهُ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ ولَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وعَلَّمَهُ تَفاصِيلَ دِينِ الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ يَعْلَمُها قَبْلَ ذَلِكَ.
(p-٧٩)فَقَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ ما كُنْتَ تَعْلَمُ ما هو هَذا الكِتابُ الَّذِي هو القُرْآنُ العَظِيمُ، حَتّى عَلَّمْتُكَهُ، وما كُنْتَ تَدْرِي ما الإيمانُ الَّذِي هو تَفاصِيلُ هَذا الدِّينِ الإسْلامِيِّ، حَتّى عَلَّمْتُكَهُ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ الحَقَّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ الَّذِي هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ - أنَّ الإيمانَ شامِلٌ لِلْقَوْلِ والعَمَلِ مَعَ الِاعْتِقادِ.
وَذَلِكَ ثابِتٌ في أحادِيثَ صَحِيحَةٍ كَثِيرَةٍ، مِنها حَدِيثُ وفْدِ عَبْدِ القَيْسِ المَشْهُورُ، ومِنها حَدِيثُ: «مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا» . . . ”الحَدِيثَ، فَسَمّى فِيهِ قِيامَ رَمَضانَ إيمانًا، وحَدِيثُ“ «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَةً»، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ «بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً، أعْلاها شَهادَةُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ» .
والأحادِيثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ويَكْفِي في ذَلِكَ ما أوْرَدَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، فَهو - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - ما كانَ يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ وأوْقاتَها، ولا صَوْمَ رَمَضانَ، وما يَجُوزُ فِيهِ وما لا يَجُوزُ، ولَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الزَّكاةِ ولا ما تَجِبُ فِيهِ ولا قَدْرَ النِّصابِ وقَدْرَ الواجِبِ فِيهِ، ولا تَفاصِيلَ الحَجِّ ونَحْوَ ذَلِكَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا الإيمانُ﴾ .
وَما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ هَذِهِ الأُمُورَ حَتّى عَلَّمَهُ إيّاها بِأنْ أوْحى إلَيْهِ هَذا النُّورَ العَظِيمَ الَّذِي هو كِتابُ اللَّهِ - جاءَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٣] . وقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] .
فَقَوْلُهُ في آيَةِ ”يُوسُفَ“ هَذِهِ: ﴿وَإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾، كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] عَلى أصَحِّ التَّفْسِيراتِ كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾، الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (جَعَلْناهُ) راجِعٌ إلى القُرْآنِ العَظِيمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . (p-٨٠)وَقَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾، أيْ ولَكِنْ جَعْلَنا هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا.
وَسُمِّي القُرْآنُ نُورًا؛ لِأنَّهُ يُضِيءُ الحَقَّ ويُزِيلُ ظُلُماتِ الجَهْلِ والشَّكِّ والشِّرْكِ.
وَما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ نُورٌ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] .
• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التغابن: ٨] .
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ هَذا القُرْآنُ نُورًا - يَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو الَّذِي يَكْشِفُ ظُلُماتِ الجَهْلِ، ويَظْهَرُ في ضَوْئِهِ الحَقُّ، ويَتَمَيَّزُ عَنِ الباطِلِ، ويُمَيَّزُ بِهِ بَيْنَ الهُدى والضَّلالِ والحَسَنِ والقَبِيحِ.
فَيَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَسْتَضِيءَ بِنُورِهِ، فَيَعْتَقِدَ عَقائِدَهُ، ويُحِلَّ حَلالَهُ، ويُحَرِّمَ حَرامَهُ، ويَمْتَثِلَ أوامِرَهُ، ويَجْتَنِبَ ما نَهى عَنْهُ، ويَعْتَبِرَ بِقَصَصِهِ وأمْثالِهِ.
والسُّنَّةُ كُلُّها داخِلَةٌ في العَمَلِ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ قَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] .
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ الآيَةَ، قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٧]، وبَيَّنّا هُناكَ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] .
(p-٨١)والصِّراطُ في لُغَةِ العَرَبِ: الطَّرِيقُ الواضِحُ، والمُسْتَقِيمُ: الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمُ
الشورى 42:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الأُمُورِ كُلِّها تَصِيرُ إلى اللَّهِ، أيْ تَرْجِعُ إلَيْهِ وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٠٩ - ١١٠] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.