Adwa' Al-Bayan — الأحقاف 46:1 – الحجرات 49:18
المحتويات
- الأحقاف 46:1
- الأحقاف 46:3
- الأحقاف 46:4
- الأحقاف 46:5
- الأحقاف 46:7
- الأحقاف 46:8
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:10
- الأحقاف 46:11
- الأحقاف 46:12
- الأحقاف 46:13
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:17
- الأحقاف 46:20
- الأحقاف 46:21
- الأحقاف 46:22
- الأحقاف 46:23
- الأحقاف 46:24
- الأحقاف 46:26
- الأحقاف 46:28
- الأحقاف 46:29
- الأحقاف 46:31
- الأحقاف 46:33
- الأحقاف 46:35
- محمد 47:1
- محمد 47:4
- محمد 47:7
- محمد 47:10
- محمد 47:13
- محمد 47:15
- محمد 47:18
- محمد 47:20
- محمد 47:24
- محمد 47:25
- محمد 47:31
- محمد 47:32
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:38
- الفتح 48:1
- الفتح 48:4
- الفتح 48:5
- الفتح 48:6
- الفتح 48:8
- الفتح 48:11
- الفتح 48:26
- الفتح 48:28
- الفتح 48:29
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:10
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:16
- الحجرات 49:18
الأحقاف 46:1
(p-٢٠٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأحْقافِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“، وقَدَّمَنا الكَلامَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾، في أوَّلِ سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ .
الأحقاف 46:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ .
صِيغَةُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: خَلَقْنا - لِلتَّعْظِيمِ.
وَقَوْلُهُ: إلّا بِالحَقِّ، أيْ خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ.
والحَقُّ ضِدُّ الباطِلِ، ومَعْنى كَوْنِ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ أنَّهُ خَلَقَهُما لِحَكَمٍ باهِرَةٍ، ولَمْ يَخْلُقْهُما باطِلًا، ولا عَبَثًا، ولا لَعِبًا، فَمِنَ الحَقِّ الَّذِي كانَ خَلْقُهُما مُتَلَبِّسًا بِهِ - إقامَةُ البُرْهانِ عَلى أنَّهُ هو الواحِدُ المَعْبُودُ وحْدَهُ - جَلَّ وعَلا - كَما أوْضَحَ ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ لا تَكادُ تُحْصِيها في المُصْحَفِ الكَرِيمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”البَقَرَةِ“: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ثُمَّ أقامَ البُرْهانَ عَلى أنَّهُ هو الإلَهُ الواحِدُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
فَتَلَبُّسُ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ واضِحٌ جِدًّا، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾؛ لِأنَّ إقامَةَ البُرْهانِ القاطِعِ عَلى صِحَّةِ مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ - هو أعْظَمُ الحَقِّ.
وَكَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٠٨)﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فِيهِ مَعْنى الإثْباتِ مِن لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَتَضَمَّنُ مَعْنى النَّفْيِ مِنها عَلى أكْمَلِ وجْهٍ وأتَمِّهِ.
وَقَدْ أقامَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - البُرْهانَ القاطِعَ عَلى صِحَّةِ مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ نَفْيًا وإثْباتًا بِخَلْقِهِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما - في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ الآيَةَ.
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِأعْظَمِ الحَقِّ، الَّذِي هو إقامَةُ البُرْهانِ القاطِعِ، عَلى تَوْحِيدِهِ - جَلَّ وعَلا - ومِن كَثْرَةِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى إقامَةِ هَذا البُرْهانِ القاطِعِ المَذْكُورِ عَلى تَوْحِيدِهِ - جَلَّ وعَلا - عُلِمَ مِنِ اسْتِقْراءِ القُرْآنِ أنَّ العَلامَةَ الفارِقَةَ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وبَيْنَ مَن لا يَسْتَحِقُّها، هي كَوْنُهُ خالِقًا لِغَيْرِهِ، فَمَن كانَ خالِقًا لِغَيْرِهِ، فَهو المَعْبُودُ بِحَقٍّ، ومَن كانَ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ، فَهو مَخْلُوقٌ مُحْتاجٌ، لا يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ بِحالٍ.
فالآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ ”البَقَرَةِ“ المَذْكُورَةِ آنِفًا: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآيَةَ.
فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْبُودَ هو الخالِقُ وحْدَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الرعد: ١٦] . يَعْنِي وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ هو المَعْبُودُ وحْدَهُ.
وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ فِيها البَراهِينَ القاطِعَةَ عَلى تَوْحِيدِهِ - جَلَّ وعَلا -، في قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ٣ - ١٦] - أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .
وَذَلِكَ واضِحٌ جِدًّا في أنَّ مَن يَخْلُقُ غَيْرَهُ هو المَعْبُودُ، وأنَّ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا لا يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ.
(p-٢٠٩)وَلِهَذا قالَ تَعالى قَرِيبًا مِنهُ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] . وقالَ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] . وقالَ تَعالى في ”الحَجِّ“: ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] أيْ ومَن لا يَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا بِحالٍ، وقالَ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ الآيَةَ [الأعلى: ١ - ٢] .
وَلَمّا بَيَّنَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ صِفاتِ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، ومَن لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ - قالَ في صِفاتِ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .
وَقالَ في صِفاتِ مَن لا يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٣] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وكُلُّ تِلْكَ الآياتِ تَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ.
وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ مِنَ الحَقِّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما، خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِهِ - تَعْلِيمَهُ خَلْقَهُ أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّهُ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] .
فَلامُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ: لِتَعْلَمُوا، مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ الآيَةَ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرْضِينَ السَّبْعَ، وجَعَلَ الأمْرَ يَتَنَزَّلُ بَيْنَهُنَّ - إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ.
وَمِنَ الحَقِّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِهِ، هو تَكْلِيفُ الخَلْقِ وابْتِلاؤُهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، ثُمَّ جَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمْ، كَما قالَ تَعالى في أوَّلِ (p-٢١٠)سُورَةِ ”هُودٍ“: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] .
فَلامُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ: لِيَبْلُوَكم، مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وبِهِ تَعْلَمُ أنَّهُ ما خَلَقَهُما إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ ”الكَهْفِ“: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . وقَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ ”المُلْكِ“: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .
وَمِمّا يُوَضِّحُ أنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ - قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ ”الذّارِياتِ“: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧] .
سَواءٌ قُلْنا: إنَّ مَعْنى إلّا لِيَعْبُدُونِ، أيْ لِآمُرَهم بِعِبادَتِي فَيَعْبُدُنِي السُّعَداءُ مِنهم؛ لِأنَّ عِبادَتَهم يَحْصُلُ بِها تَعْظِيمُ اللَّهِ وطاعَتُهُ والخُضُوعُ لَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] . وقالَ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] .
أوْ قُلْنا: إنَّ مَعْنى إلّا لِيَعْبُدُونِ، أيْ إلّا لِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ، ويَخْضَعُوا ويُذْعِنُوا لِعَظَمَتِي؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَوْعًا، والكُفّارُ يُذْعِنُونَ لِقَهْرِهِ وسُلْطانِهِ تَعالى كَرْهًا.
وَمَعْلُومٌ أنَّ حِكْمَةَ الِابْتِلاءِ والتَّكْلِيفِ لا تَتِمُّ إلّا بِالجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِنَ الحَقِّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِهِ - جَزاءَ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”النَّجْمِ“: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] .
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ هو خالِقُها ومِن فِيهِما ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾ الآيَةَ.
وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في ”يُونُسَ“: (p-٢١١)﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤] .
وَلَمّا ظَنَّ الكُفّارُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا، لا لِحِكْمَةِ تَكْلِيفٍ وحِسابٍ وجَزاءٍ - هَدَّدَهم بِالوَيْلِ مِنَ النّارِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الظَّنِّ السَّيِّئِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] .
وَقَدْ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ عَنْ كَوْنِهِ خَلَقَ الخَلْقَ عَبَثًا، لا لِتَكْلِيفٍ وحِسابٍ وجَزاءٍ، وأنْكَرَ ذَلِكَ عَلى مَن ظَنَّهُ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] .
فَقَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ أيْ تَنَزَّهَ وتَعاظَمَ وتَقَدَّسَ عَنْ أنْ يَكُونَ خَلَقَهم لا لِحِكْمَةِ تَكْلِيفٍ وبَعْثٍ، وحِسابٍ وجَزاءٍ.
وَهَذا الَّذِي نَزَّهَ تَعالى عَنْهُ نَفْسَهُ - نَزَّهَهُ عَنْهُ أُولُو الألْبابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] . فَقَوْلُهُ عَنْهم: سُبْحانَكَ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ عَنْ أنْ تَكُونَ خَلَقْتَ هَذا الخَلْقَ باطِلًا، لا لِحِكْمَةِ تَكْلِيفٍ وبَعْثٍ، وحِسابٍ وجَزاءٍ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا - في آيَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ - يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ ذَلِكَ باطِلًا، ولا لَعِبًا ولا عَبَثًا.
وَهَذا المَفْهُومُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ الآيَةَ [ص: ٢٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ: ﴿وَأجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: بِالحَقِّ أيْ ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، وبِتَقْدِيرِ (p-٢١٢)أجَلٍ مُسَمًّى، أيْ وقْتٍ مُعَيَّنٍ مُحَدَّدٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ أمَدُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ كَما صَرَّحَ اللَّهُ بِذَلِكَ في أُخْرَياتِ ”الحِجْرِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٨٥] .
فَقَوْلُهُ في ”الحِجْرِ“: ﴿وَإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ يُوَضِّحُ مَعْنى قَوْلِهِ في ”الأحْقافِ“: ﴿إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ أنَّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ أمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] . وقَوْلُهُ: ﴿وَإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ الآيَةَ [المزمل: ١٤] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ .
ما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ الكُفّارَ مُعْرِضُونَ عَمّا أنْذَرَتْهم بِهِ الرُّسُلُ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في ”البَقَرَةِ“: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
• وقَوْلِهِ في ”يس“: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
والإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ: الصُّدُودُ عَنْهُ، وعَدَمُ الإقْبالِ إلَيْهِ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وأصْلُهُ مِنَ العُرْضِ - بِالضَّمِّ - وهو الجانِبُ؛ لِأنَّ المُعْرِضَ عَنِ الشَّيِّ يُوَلِّيهِ بِجانِبِ عُنُقِهِ صادًّا عَنْهُ.
والإنْذارُ: الإعْلامُ المُقْتَرِنُ بِتَهْدِيدٍ، فَكُلُّ إنْذارٍ إعْلامٌ، ولَيْسَ كُلُّ إعْلامٍ إنْذارًا.
وَقَدْ أوْضَحْنا مَعانِيَ الإنْذارِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“ .
وَما في قَوْلِهِ: ﴿عَمّا أُنْذِرُوا﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْرِضُونَ عَنِ الَّذِي أنْذَرُوهُ، أيْ خَوَّفُوهُ مِن عَذابِ يَوْمِ (p-٢١٣)القِيامَةِ. وحَذْفُ العائِدِ المَنصُوبِ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ مُضْطَرَدٌ كَما هو مَعْلُومٌ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ والَّذِينَ كَفَرُوا مُعْرِضُونَ عَنِ الإنْذارِ، ولِكِلَيْهِما وجْهٌ.
الأحقاف 46:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
قَدْ ذَكَرْنا قَرِيبًا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] - يَتَضَمَّنُ البُرْهانَ القاطِعَ عَلى صِحَّةِ مَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأنَّ العَلامَةَ الفارِقَةَ بَيْنَ المَعْبُودِ بِحَقٍّ، وبَيْنَ غَيْرِهِ هي كَوْنُهُ خالِقًا. وأوَّلُ سُورَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ يَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ مِن صِفاتِ المَعْبُودِ بِحَقٍّ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما بِالحَقِّ، وذَكَرَ مِنَ المَعْبُوداتِ الأُخْرى الَّتِي عِبادَتُها كُفْرٌ مُخَلِّدٌ في النّارِ أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤] أيْ هَذِهِ المَعْبُوداتُ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، أرَوْنِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ.
فَقَوْلُهُ: أرَوْنِي - يُرادُ بِهِ التَّعْجِيزُ والمُبالَغَةُ في عَدَمِ خَلْقِهِمْ شَيْئًا.
وَعَلى أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، و ذا مَوْصُولَةٌ - فالمَعْنى أرُونِي ما الَّذِي خَلَقُوهُ مِنَ الأرْضِ. وعَلى أنَّ ما و ذا بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يُرادُ بِها الِاسْتِفْهامُ - فالمَعْنى: أرُونِي أيَّ شَيْءٍ خَلَقُوهُ مِنَ الأرْضِ ؟
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ مَن لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا في الأرْضِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شِرْكٌ في السَّماواتِ، لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا بِحالٍ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في ”فاطِرٍ“: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾ الآيَةَ [فاطر: ٤٠] .
• وقَوْلِهِ في ”لُقْمانَ“: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] .
• وقَوْلِهِ في ”سَبَأٍ“: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ [سبإ: ٢٢] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِنها قَرِيبًا.
(p-٢١٤)وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ - قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] .
الأحقاف 46:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الجاثِيَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ [الجاثية: ١٠] . وفي سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] .
الأحقاف 46:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ إذا قُرِئَتْ عَلَيْهِمْ آياتُ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، الَّذِي هو الحَقُّ، ادَّعَوْا أنَّها سِحْرٌ مُبِينٌ واضِحٌ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنِ افْتِرائِهِمْ عَلى القُرْآنِ أنَّهُ سِحْرٌ، وعَلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ ساحِرٌ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في ”سَبَأٍ“: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبإ: ٤٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”الزُّخْرُفِ“: ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [ ٤٣ ] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢ - ٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
الأحقاف 46:8
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ .
أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّها تَأْتِي بِمَعْنى الإضْرابِ، وتَأْتِي بِمَعْنى هَمْزَةُ الإنْكارِ، وتَأْتِي بِمَعْناهُما مَعًا، وهو الظّاهِرُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
فَأمْ فِيها عَلى ذَلِكَ تُفِيدُ مَعْنى الإضْرابِ والإنْكارِ مَعًا، فَهو بِمَعْنى دَعْ هَذا، واسْمَعْ قَوْلَهُمُ المُسْتَنْكَرَ لِظُهُورِ كَذِبِهِمْ فِيهِ أنَّ مُحَمَّدًا افْتَرى هَذا القُرْآنَ، وقَدْ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في (p-٢١٥)هَذِهِ الدَّعْوى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٣٨] .
• وقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود: ١٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يونس: ٣٧] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ إنْ كُنْتُ افْتَرَيْتُ هَذا القُرْآنَ، عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ.
والتَّقْدِيرُ: عاجَلَنِي اللَّهُ بِعُقُوبَتِهِ الشَّدِيدَةِ، وأنْتُمْ لا تَمْلِكُونَ لِي مِنهُ شَيْئًا، أيْ لا تَقْدِرُونَ أنْ تَدْفَعُوا عَنِّي عَذابَهُ إنْ أرادَ أنْ يُعَذِّبَنِيَ عَلى الِافْتِراءِ، فَكَيْفَ أفْتَرِيهِ لَكم، وأنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عَذابِ اللَّهِ عَنِّي ؟
وَهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] .
فَقَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ ”الحاقَّةِ“ هَذِهِ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ كَقَوْلِهِ في آيَةِ ”الأحْقافِ“: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ .
وَقَوْلُهُ في ”الحاقَّةِ“: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ يُوَضِّحُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾، أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَحْجِزُوا عَنْهُ، أيْ يَدْفَعُوا عَنْهُ عِقابَ اللَّهِ لَهُ بِالقَتْلِ، لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ.
وَذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عَذابِهِ عَنِّي.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ في المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] .
وَما تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ وآيَةُ ”الحاقَّةِ“ المُبَيِّنَةُ لَها، مِن أنَّهُ لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ (p-٢١٦)أوْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِ عاجَلَهُ بِالعَذابِ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى دَفْعِهِ عَنْهُ - جاءَ مَعْناهُ في بَعْضِ الآياتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”يُونُسَ“: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] أيْ إنِّي أخافُ - إنْ عَصَيْتُ رَبِّي بِالِافْتِراءِ عَلَيْهِ بِتَبْدِيلِ قُرْآنِهِ أوِ الإتْيانِ بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ - عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
وَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ هَذا عَنْ بَعْضِ الرُّسُلِ في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ عَنْ صالِحٍ: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ الآيَةَ [هود: ٦٣] . وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ الآيَةَ ] .
الأحقاف 46:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ .
الأظْهَرُ في قَوْلِهِ: بِدْعًا أنَّهُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَهو بِمَعْنى مُبْتَدِعٍ، والمُبْتَدِعُ هو الَّذِي أبْدَعَ عَلى غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ.
وَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لَهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: ما كُنْتُ أوَّلَ رَسُولٍ أُرْسِلَ إلى البَشَرِ، بَلْ قَدْ أرْسَلَ اللَّهُ قَبْلِي جَمِيعَ الرُّسُلِ إلى البَشَرِ، فَلا وجْهَ لِاسْتِبْعادِكم رِسالَتِي، واسْتِنْكارِكم إيّاها؛ لِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ قَبْلِي رُسُلًا كَثِيرَةً.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٤٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشورى: ١ - ٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣٤] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ .
(p-٢١٧)التَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في دارِ الدُّنْيا، فَما أدْرِي أأُخْرَجُ مِن مَسْقَطِ رَأْسِي، أوْ أُقْتَلُ كَما فُعِلَ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ.
وَما أدْرِي ما ينالُنِي مِنَ الحَوادِثِ والأُمُورِ في تَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ.
وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِكم: أيُخْسَفُ بِكم، أوْ تَنْزِلُ عَلَيْكم حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.
وَهَذا هو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ.
وَهَذا المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٨٨] . وقَوْلِهِ تَعالى آمِرًا لَهُ ﷺ: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٠] .
وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وغَيْرِهِما مِن أنَّ المُرادَ: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ - فَهو خِلافُ التَّحْقِيقِ، كَما سَتَرى إيضاحَهُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - .
فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ - في أحَدِ قَوْلَيْهِ - أنَّهُ «لَمّا نَزَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ - فَرِحَ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ والمُنافِقُونَ، وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا، ولَوْلا أنَّهُ ابْتَدَعَ الَّذِي يَقُولُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، لَأخْبَرَهُ الَّذِي بَعَثَهُ بِما يُفْعَلُ بِهِ.
فَنَزَلَتْ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةَ.
وَقالَتِ الصَّحابَةُ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ بَيَّنَ لَكَ اللَّهُ ما يُفْعَلُ بِكَ، فَلَيْتَ شِعْرَنا ما هو ما فاعِلٌ بِنا» .
فَنَزَلَتْ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ الآيَةَ [الفتح: ٥] . ونَزَلَتْ: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] .
فالظّاهِرُ أنَّ هَذا كُلَّهُ خِلافُ التَّحْقِيقِ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَجْهَلُ مَصِيرَهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِعِصْمَتِهِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - وقَدْ قالَ لَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٤ - ٥] وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ (p-٢١٨)فِي أُمُورِ الدُّنْيا، كَما قَدَّمْنا. فَإنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي﴾ أيْ في الآخِرَةِ، فَإنَّ حَدِيثَها في قِصَّةِ وفاةِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَهم، ودُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، أنَّها قالَتْ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أبا السّائِبِ، شَهادَتِي عَلَيْكَ؛ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَعْنِي عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”وَما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهُ ؟“ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي“» الحَدِيثَ.
فالجَوابُ هو ما ذَكَرَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَدْ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ أُمِّ العَلاءِ المَذْكُورَ بِالسَّنَدِ الَّذِي رَواهُ بِهِ أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - انْفَرَدَ بِهِ البُخارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ، وفي لَفْظٍ لَهُ «ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما يُفْعَلُ بِهِ»، وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ هو المَحْفُوظُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِها: فَأحْزَنَنِي ذَلِكَ. ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وهو الصَّوابُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٩٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأحْقافِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لا يَعْلَمُ مَصِيرَ أمْرِهِ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ أنَّهُ عالِمٌ بِأنَّ مَصِيرَهُ إلى الخَيْرِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [ ٤٨ ]، ﴿وَما تَأخَّرَ﴾ تَنْصِيصٌ عَلى حُسْنِ العاقِبَةِ والخاتِمَةِ.
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلَّمَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ كانَ لا يَعْلَمُهُ ويَسْتَأْنِسُ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾ الآيَةَ [الشورى: ٥٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨٦] .
وَهَذا الجَوابُ، هو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مُرادُ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ بِأنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ الآيَةَ [ ٤٨ ] .
وَيَدُلُّ لَهُ أنَّ ”الأحْقافَ“ مَكِّيَّةٌ، وسُورَةُ ”الفَتْحِ“ نَزَلَتْ عامَ سِتٍّ في رُجُوعِهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ.
وَأجابَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِأنَّ المُرادَ ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في الدُّنْيا مِنَ الحَوادِثِ والوَقائِعِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأحقاف 46:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ .
جَوابُ الشَّرْطِ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ.
وَأظْهَرُ الأقْوالِ في تَقْدِيرِهِ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، وجَحَدْتُمُوهُ - فَأنْتُمْ ضُلّالٌ ظالِمُونَ. وكَوْنُ جَزاءِ الشَّرْطِ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنُهم ضالِّينَ ظالِمِينَ - بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ ”فُصِّلَتْ“: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] . وقَوْلُهُ في آيَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ: ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
وَقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما.
والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم، إنْ كانَ كَذا، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ.
فالأوَّلُ: حالُكم، والثّانِي: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ.
وَلِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا.
(p-٢١٩)وَبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: إنَّ أرَأيْتُمْ بِمَعْنى أخْبِرُونِي. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْراءِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ .
التَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ جارِيَةٌ عَلى أُسْلُوبٍ عَرَبِيٍّ مَعْرُوفٍ، وهو إطْلاقُ المَثَلِ عَلى الذّاتِ نَفْسِها، كَقَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ هَذا، يَعْنُونَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْتَ أنْ تَفْعَلَهُ.
وَعَلى هَذا فالمَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ وحْيٌ مُنَزَّلٌ حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا أنَّهُ شَهِدَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ مُماثِلٍ لَهُ؛ ولِذا قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ .
وَمِمّا يُوَضِّحُ هَذا تَكَرُّرُ إطْلاقِ المَثَلِ في القُرْآنِ مُرادًا بِهِ الذّاتُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٢] .
فَقَوْلُهُ: كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ، أيْ كَمَن هو نَفْسُهُ في الظُّلُماتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧] أيْ فَإنْ آمَنُوا بِما آمَنتُمْ بِهِ، لا بِشَيْءٍ آخَرَ مُماثِلٍ لَهُ - عَلى التَّحْقِيقِ - .
وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِالقِراءَةِ المَرْوِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ فَإنْ آمَنُوا بِما آمَنتُمْ بِهِ الآيَةَ.
القَوْلُ بِأنَّ لَفْظَةَ (ما) في الآيَةِ مَصْدَرِيَّةٌ، وأنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ الإيمانِ بِالإيمانِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِإيمانٍ مِثْلِ إيمانِكم فَقَدِ اهْتَدَوْا، لا يَخْفى بُعْدُهُ.
والشّاهِدُ في الآيَةِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَما قالَ الجُمْهُورُ، وعَلَيْهِ فَهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ.
وَقِيلَ: إنَّ الشّاهِدَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
الأحقاف 46:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ .
(p-٢٢٠)أظْهَرُ أقْوالِ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكافِرِينَ الَّذِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ، أنَّهم كُفّارُ مَكَّةَ، وأنَّ مُرادَهم أنَّ فَقُرّاءَ المُسْلِمِينَ وضُعَفاءَهم: كَبِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ ونَحْوِهِمْ - أحْقَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْ يَخْتارَ لَهُمُ الطَّرِيقَ الَّتِي فِيها الخَيْرُ.
وَأنَّهم هُمُ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ عَظَمَةٌ وجاهٌ واسْتِحْقاقُ السَّبْقِ لِكُلِّ خَيْرٍ؛ لِزَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهم في الدُّنْيا بِالمالِ والجاهِ، وأنَّ أُولَئِكَ الفُقَراءَ لا مالَ لَهم ولا جاهَ، وأنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ في الدُّنْيا يَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ في الآخِرَةِ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي اسْتَظْهَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - تَدُلُّ لَهُ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
أمّا ادِّعاؤُهم أنَّ ما أُعْطُوا مِنَ المالِ والأوْلادِ والجاهِ في الدُّنْيا، دَلِيلٌ عَلى أنَّهم سَيُعْطَوْنَ مِثْلَهُ في الآخِرَةِ، وتَكْذِيبُ اللَّهِ لَهم في ذَلِكَ - فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ الآيَةَ [مريم: ٧٧ - ٧٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣٧] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠] .
وَقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] .
وَأمّا احْتِقارُ الكُفّارِ لِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ وفُقَرائِهِمْ، وزَعْمُهم أنَّهم أحْقَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْ يُصِيبَهم بِخَيْرٍ، وأنَّما هم عَلَيْهِ لَوْ كانَ خَيْرًا لَسَبَقَهم إلَيْهِ أصْحابُ الغِنى والجاهِ والوَلَدِ مِنَ الكُفّارِ - فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الأنْعامِ“: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] .
فَهَمْزَةُ الإنْكارِ في قَوْلِهِ: أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا، تَدُلُّ عَلى إنْكارِهِمْ أنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى أُولَئِكَ الضُّعَفاءِ بِخَيْرٍ.
(p-٢٢١)وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ ﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٣ - ٥٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٨ - ٤٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى في ”ص“: ﴿وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ [ص: ٦٢ - ٦٣] .
فَقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ الرِّجالَ الَّذِينَ كانُوا يَعُدُّونَهم مِنَ الأشْرارِ هم ضُعَفاءُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يَسْخَرُونَ مِنهم في دارِ الدُّنْيا، ويَزْعُمُونَ أنَّهم أحْقَرُ مِن أنْ ينالَهُمُ اللَّهُ بِخَيْرٍ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وسَيَسْخَرُ ضُعَفاءُ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يَسْخَرُونَ مِنهم في الدُّنْيا وهم في النّارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٦] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٢] .
الأحقاف 46:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٤ - ١٩٥] وفي سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٢٨] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ مَعَ بَيانِ أنْواعِ الإنْذارِ في القُرْآنِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢] . وفي أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢] .
الأحقاف 46:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .
(p-٢٢٢)قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ [ ٤١ ] .
الأحقاف 46:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو: حُسْنًا بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِهِمْ.
وَقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: إحْسانًا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وإسْكانِ الحاءِ، وألْفٍ بَعْدِ السِّينِ.
وَقَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] . وقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: قِيلَ: ضَمَّنَ ووَصَّيْنا مَعْنى ألْزَمْنا، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ حُسْنًا وإحْسانًا عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَصَّيْنا.
وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ إيصاءً ذا حُسْنٍ أوْ ذا إحْسانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنى إحْسانٍ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، أيْ ووَصَّيْناهُ بِها لِإحْسانِنا إلَيْهِما، فَيَكُونُ الإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى .
وَقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا. ا هـ مِنهُ، وكُلُّها لَهُ وجْهٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: كَرْهًا بِفَتْحِ الكافِ في المَوْضِعَيْنِ.
وَقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ في المَوْضِعَيْنِ.
وَهُما لُغَتانِ كالضُّعْفِ والضَّعْفِ.
وَمَعْنى حَمَلَتْهُ كُرْهًا أنَّها في حالِ حَمْلِها بِهِ تُلاقِي مَشَقَّةً شَدِيدَةً.
(p-٢٢٣)وَمِنَ المَعْلُومِ ما تُلاقِيهِ الحامِلُ مِنَ المَشَقَّةِ والضَّعْفِ، إذا أثْقَلَتْ وكَبَرَ الجَنِينُ في بَطْنِها.
وَمَعْنى وضَعَتْهُ كُرْهًا: أنَّها في حالَةِ وضْعِ الوَلَدِ تُلاقِي مِن ألَمِ الطَّلْقِ وكَرْبِهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، كَما هو مَعْلُومٌ.
وَهَذِهِ المَشاقُّ العَظِيمَةُ الَّتِي تُلاقِيها الأُمُّ في حَمْلِ الوَلَدِ ووَضْعِهِ، لا شَكَّ أنَّها يَعْظُمُ حَقُّها بِها، ويَتَحَتَّمُ بِرُّها والإحْسانُ إلَيْها، كَما لا يَخْفى.
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ المَشَقَّةِ الَّتِي تُعانِيها الحامِلُ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةٌ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ تَعالى في ”لُقْمانَ“: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ تَهِنُ بِهِ وهْنًا عَلى وهْنٍ، أيْ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ؛ لِأنَّ الحَمْلَ كُلَّما تَزايَدَ وعَظُمَ في بَطْنِها، ازْدادَتْ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ.
وَقَوْلُهُ في آيَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ كُرْهًا في المَوْضِعَيْنِ - مَصْدَرٌ مُنْكَّرٌ، وهو حالٌ، أيْ حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ ووَضَعَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ، وإتْيانُ المَصْدَرِ المُنْكَّرِ حالًا كَثِيرٌ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَمَصْدَرٌ مُنْكَّرٌ حالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ
وَقالَ بَعْضُهم: كُرْهًا في المَوْضِعَيْنِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أيْ حَمَلَتْهُ حَمْلًا ذا كُرْهٍ، ووَضَعَتْهُ وضْعًا ذا كُرْهٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لَيْسَ فِيها بِانْفِرادِها تَعَرُّضٌ لِبَيانِ أقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ، ولَكِنَّها بِضَمِيمَةِ بَعْضِ الآياتِ الأُخْرى إلَيْها يُعْلَمُ أقَلُّ أمَدِ الحَمْلِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مِن سُورَةِ ”الأحْقافِ“ صَرَّحَتْ بِأنَّ أمَدَ الحَمْلِ والفِصالِ مَعًا - ثَلاثُونَ شَهْرًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى في ”لُقْمانَ“: ﴿وَفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ . وقَوْلُهُ في ”البَقَرَةِ“: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] - يُبَيِّنُ أنَّ أمَدَ الفِصالِ عامانِ، وهُما أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، فَإذا طَرَحْتَها مِنَ الثَّلاثِينَ بَقِيَتْ سِتَّةُ أشْهُرٍ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُها أمَدًا لِلْحَمْلِ، وهي أقَلُّهُ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ العُلَماءِ.
(p-٢٢٤)وَدَلالَةُ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّ سِتَّةَ أشْهُرٍ أمَدُ الحَمْلِ - هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ عُلَماءِ الأُصُولِ بِدَلالَةِ الإشارَةِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ عَلَيْها في مَباحِثِ الحَجِّ، في سُورَةِ ”الحَجِّ“ في مَبْحَثِ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في حُكْمِ المَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وأشَرْنا لِهَذا النَّوْعِ مِنَ البَيانِ في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وفي تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
الأحقاف 46:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ ويْلَكَ آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ .
التَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ الَّذِي في قَوْلِهِ: والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ بِمَعْنى الَّذِينَ، وأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ عاقٍّ لِوالِدَيْهِ مُكَذِّبٍ بِالبَعْثِ.
والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ (الَّذِي) بِمَعْنى الَّذِينَ، وأنَّ المُرادَ بِهِ العُمُومُ - أنَّ الَّذِي في قَوْلِهِ: والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ الآيَةَ.
والإخْبارُ عَنْ لَفْظَةِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ - صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِالَّذِي العُمُومُ لا الإفْرادُ. وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
وَبِهَذا الدَّلِيلِ القُرْآنِيِّ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّها نازِلَةٌ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لَيْسَ بِصَحِيحٍ، كَما جَزَمَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بِبُطْلانِهِ.
وَفِي نَفْسِ آيَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ دَلِيلٌ آخَرُ واضِحٌ عَلى بُطْلانِهِ، وهو أنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأنَّ الَّذِينَ قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] .
(p-٢٢٥)وَمَعْلُومٌ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، وهو مِن خِيارِ المُسْلِمِينَ وأفاضِلِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - .
وَغايَةُ ما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هو إطْلاقُ (الَّذِي) وإرادَةُ (الَّذِينَ)، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الَّذِي مُفْرَدٌ ومَعْناها عامٌّ لِكُلِّ ما تَشْمَلُهُ صِلَتُها، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ المَوْصُولاتِ كالَّذِي والَّتِي وفُرُوعِهِما مِن صِيَغِ العُمُومِ، كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
؎صِيغَةُ كُلٍّ أوِ الجَمِيعُ وقَدْ تَلا الَّذِي الَّتِي الفُرُوعُ
فَمِن إطْلاقِ الَّذِي وإرادَةِ الَّذِينَ في القُرْآنِ - هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن سُورَةِ ”الأحْقافِ“ . وقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧] . أيْ كَمَثَلِ الَّذِينَ اسْتَوْقَدُوا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] بِصِيغَةِ الجَمْعِ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ الَّتِي هي بِنُورِهِمْ و تَرَكَهم، والواوُ في لا يُبْصِرُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في ”البَقَرَةِ“ أيْضًا: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أيْ كالَّذِينِ يُنْفِقُونَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
• وقَوْلِهِ في ”الزُّمَرِ“: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] .
• وقَوْلِهِ في ”التَّوْبَةِ“: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]
أيْ كالَّذِينِ خاضُوا بِناءً عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ لا مَصْدَرِيَّةٌ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ أشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ:
؎فَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدٍ
وَقَوْلُ عُدَيْلِ بْنِ الفَرْخِ العِجْلِيِّ:
؎وَبِتُّ أُساقِي القَوْمَ إخْوَتِي الَّذِي ∗∗∗ غَوايَتُهم غَيِّي ورُشْدُهُمُ رُشْدِي
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎يا رَبِّ عَبْسٌ لا تُبارِكُ في أحَدْ
؎فِي قائِمٍ مِنهم ولا في مَن قَعَدْ ∗∗∗ إلّا الَّذِي قامُوا بِإطْرافِ المَسَدْ
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أُفٍّ لَكُما كَلِمَةُ تَضَجُّرٍ. وقائِلُ ذَلِكَ عاقٌّ (p-٢٢٦)لِوالِدَيْهِ غَيْرُ مُجْتَنِبٍ نَهْيَ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٣] . وقَوْلُهُ: أتَعِدانِنِي فِعْلٌ، مُضارِعُ وعَدَ، وحَذْفُ واوِهِ في المُضارِعِ مُطَّرِدٌ، كَما ذَكَرَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎فا أمْرٍ أوْ مُضارِعٍ مِن كَوَعَدْ ∗∗∗ احْذِفْ وفي كَعِدَةٍ ذاكَ اطَّرَدْ
والنُّونُ الأُولى نُونُ الرَّفْعِ، والثّانِيَةُ نُونُ الوِقايَةِ، كَما لا يَخْفى.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وعاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ: أتَعِدانِنِي، بِنُونَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ وياءٍ ساكِنَةٍ.
وَقَرَأهُ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وبِياءٍ ساكِنَةٍ.
وَقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِنُونَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ.
وَقَوْلُهُ: أنْ أُخْرَجَ أيْ أُبْعَثَ مِن قَبْرِي حَيًّا بَعْدَ المَوْتِ.
والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ وصِلَتِها هو المَفْعُولُ الثّانِي لِتَعِدانِنِي، يَعْنِي أتَعِدانِنِي الخُرُوجَ مِن قَبْرِي حَيًّا بَعْدَ المَوْتِ، والحالُ قَدْ مَضَتِ القُرُونُ، أيْ هَلَكَتِ الأُمَمُ الأُولى، ولَمْ يَحْيَ مِنهم أحَدٌ، ولَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ أنْ ماتَ.
وَهُما، أيْ والِداهُ، يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ، أيْ يَطْلُبانِهِ أنْ يُغِيثَهُما بِأنْ يَهْدِيَ ولَدَهُما إلى الحَقِّ والإقْرارِ بِالبَعْثِ، ويَقُولانِ لِوَلَدِهِما: ويْلَكَ آمِن، أيْ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِما: ويْلَكَ - حَثُّهُ عَلى الإيمانِ. إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، أيْ وعْدَهُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ حَقٌّ لا شَكَّ فِيهِ، فَيَقُولُ ذَلِكَ الوَلَدُ العاقُّ المُنْكِرُ لِلْبَعْثِ: ما هَذا إنَّ الَّذِي تَعِدانِنِي إيّاهُ مِنَ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
والأساطِيرُ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ. وقِيلَ: جَمْعُ إسْطارَةٍ، ومُرادُهُ بِها ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ، أيْ كَتَبُوهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها.
وَقَوْلُهُ: أُولَئِكَ تَرْجِعُ الإشارَةُ فِيهِ إلى العاقِّينَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ الآيَةَ.
(p-٢٢٧)وَقَوْلُهُ: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ وجَبَتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ ”يس“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] .
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ مُنْكِرِي البَعْثِ يَحِقُّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ لِكُفْرِهِمْ - قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] .
الأحقاف 46:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ .
مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يُقالُ لِلْكُفّارِ يَوْمَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ .
فَقَوْلُ: يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ - قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ يُباشِرُونَ حَرَّها، كَقَوْلِ العَرَبِ: عَرَضَهُمُ عَلى السَّيْفِ إذا قَتَلَهم بِهِ، وهو مَعْنًى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ.
وَقَدْ ذَكَرَ تَعالى مِثْلَ ما ذَكَرَ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَرْضِ مُباشَرَةُ العَذابِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [ ٦ ] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]؛ لِأنَّهُ عَرْضُ عَذابٍ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى عَرْضِهِمْ عَلى النّارِ هو تَقْرِيبُهم مِنها، والكَشْفُ لَهم عَنْها حَتّى يَرَوْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٣] . وقالَ تَعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في الكَلامِ قَلْبٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. قالُوا: والمَعْنى: ويَوْمَ تُعْرَضُ النّارُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا. قالُوا: وهو كَقَوْلِ العَرَبِ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ. يَعْنُونَ عَرَضْتُ الحَوْضَ عَلى النّاقَةِ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠] .
(p-٢٢٨)قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: هَذا النَّوْعُ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنَ القَلْبِ في الآيَةِ، كَقَلْبِ الفاعِلِ مَفْعُولًا، والمَفْعُولِ فاعِلًا، ونَحْوِ ذَلِكَ - اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ، فَمَنَعَهُ البَلاغِيُّونَ إلّا في التَّشْبِيهِ، فَأجازُوا قَلْبَ المُشَبَّهِ مُشَبَّهًا بِهِ والمُشَبَّهِ بِهِ مُشَبَّهًا بِشَرْطِ أنْ يَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نُكْتَةً وسِرًّا لَطِيفًا، كَما هو المَعْرُوفُ عِنْدَهم في مَبْحَثِ التَّشْبِيهِ المَقْلُوبِ.
وَأجازَهُ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ.
والَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ نَطَقَتْ بِهِ العَرَبُ في لُغَتِها، إلّا أنَّهُ يُحْفَظُ ما سَمِعَ مِنهُ، ولا يُقاسُ عَلَيْهِ، ومِن أمْثِلَتِهِ في التَّشْبِيهِ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎وَمَنهَلٌ مُغْبَرَّةٌ أرْجاؤُهُ كَأنَّ لَوْنَ أرْضِهِ سَماؤُهُ
أيْ كَأنَّ سَماءَهُ لَوْنُ أرْضِهِ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وَبَدا الصَّباحُ كَأنَّ غُرَّتَهُ ∗∗∗ وجْهُ الخَلِيفَةِ حِينَ يُمْتَدَحَ
لِأنَّ أصْلَ المُرادِ تَشْبِيهُ وجْهِ الخَلِيفَةِ بِغُرَّةِ الصَّباحِ، فَقَلَبَ التَّشْبِيهَ لِيُوهِمَ أنَّ الفَرْعَ أقْوى مِنَ الأصْلِ في وجْهِ الشَّبَهِ.
قالُوا: ومِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦]؛ لِأنَّ العُصْبَةَ مِنَ الرِّجالِ هي الَّتِي تَنُوءُ بِالمَفاتِيحِ، أيْ تَنْهَضُ بِها بِمَشَقَّةٍ وجُهْدٍ لِكَثْرَتِها وثِقَلِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٦] . أيْ عَمُوا عَنْها. ومِن أمْثِلَتِهِ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎كَأنَّ أوْبَ ذِراعَيْها إذا عَرِقَتْ ∗∗∗ وقَدْ تَلَفَّعَ بِالقَوْرِ العَساقِيلِ
لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: تَلَفَّعَ لَبِسَ اللِّفاعَ وهو اللِّحافُ، والقَوْرُ: الحِجارَةُ العِظامُ، والعَساقِيلُ: السَّرابُ.
والكَلامُ مَقْلُوبٌ؛ لِأنَّ القَوْرَ هي الَّتِي تَلْتَحِفُ بِالعَساقِيلِ لا العَكْسُ، كَما أوْضَحَهُ لَبِيدٌ في مُعَلَّقَتِهِ بِقَوْلِهِ:
؎فَبِتِلْكَ إذْ رَقَصَ اللَّوامِعُ بِالضُّحى ∗∗∗ واجْتابَ أرْدِيَةَ السَّرابِ إكامُها
فَصَرَّحَ بِأنَّ الإكامَ الَّتِي هي الحِجارَةُ اجْتابَتْ، أيْ لَبِسَتْ، أرْدِيَةَ السَّرابِ.
والأرْدِيَةُ جَمْعُ رِداءٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ القَلْبِ وإنْ أجازَهُ بَعْضُهم فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ الآيَةِ (p-٢٢٩)عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
وَظاهِرُ الآيَةِ جارٍ عَلى الأُسْلُوبِ العَرَبِيِّ الفَصِيحِ، كَما أوْضَحَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: أأذْهَبْتُمْ بِهَمْزَتَيْنِ، وهُما عَلى أُصُولِهِما في ذَلِكَ.
فابْنُ كَثِيرٍ يُسَهِّلُ الثّانِيَةَ بِدُونِ ألْفِ إدْخالٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ.
وَهِشامٌ يُحَقِّقُها ويُسَهِّلُها مَعَ ألْفِ الإدْخالِ. وابْنُ ذَكْوانَ يُحَقِّقُها مِن غَيْرِ إدْخالٍ.
وَقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ.
واعْلَمْ أنَّ لِلْعُلَماءِ كَلامًا كَثِيرًا في هَذِهِ الآيَةِ قائِلِينَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي التَّقَشُّفُ والإقْلالُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِالمَآكِلِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَوْفًا مِنهُ أنْ يَدْخُلَ في عُمُومِ مَن يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ. والمُفَسِّرُونَ يَذْكُرُونَ هُنا آثارًا كَثِيرَةً في ذَلِكَ، وأحْوالِ أهْلِ الصُّفَّةِ وما لاقَوْهُ مِن شِدَّةِ العَيْشِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ: إنْ شاءَ اللَّهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّها في الكُفّارِ، ولَيْسَتْ في المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ بِاللَّذّاتِ الَّتِي أباحَها اللَّهُ لَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى ما أباحَها لَهم لِيُذْهِبَ بِها حَسَناتِهِمْ.
وَإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا هو التَّحْقِيقُ؛ لِأنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ دالّانِ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٥٩] .
أمّا كَوْنُ الآيَةِ في الكُفّارِ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ الآيَةَ.
والقُرْآنُ والسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ قَدْ دَلّا عَلى أنَّ الكافِرَ إنْ عَمِلَ عَمَلًا صالِحًا مُطابِقًا لِلشَّرْعِ، مُخْلِصًا فِيهِ لِلَّهِ، كالكافِرِ الَّذِي يَبَرُّ والِدَيْهِ، ويَصِلُ الرَّحِمَ ويَقْرِي الضَّيْفَ، ويُنَفِّسُ عَنِ المَكْرُوبِ، ويُعِينُ المَظْلُومَ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ - يُثابُ بِعَمَلِهِ في دارِ الدُّنْيا خاصَّةً بِالرِّزْقِ (p-٢٣٠)والعافِيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، ولا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ.
فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .
وَقَدْ قَيَّدَ تَعالى هَذا الثَّوابَ الدُّنْيَوِيَّ المَذْكُورَ في الآياتِ بِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] .
وَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً؛ يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ ما عَمِلَ بِها لِلَّهِ في الدُّنْيا، حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يَجْزِي بِها» . هَذا لَفَظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الكافِرَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِها طُعْمَةً في الدُّنْيا، وأمّا المُؤْمِنُ فَإنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَناتِهِ في الآخِرَةِ، ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدُّنْيا عَلى طاعَتِهِ» ا هـ.
فَهَذا الحَدِيثُ الثّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ الكافِرَ يُجازى بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا فَقَطْ، وأنَّ المُؤْمِنُ يُجازى بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، وبِمُقْتَضى ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ تَعْيِينًا لا مَحِيصَ عَنْهُ أنَّ الَّذِي أذْهَبَ طَيِّباتِهِ في الدُّنْيا واسْتَمْتَعَ بِها هو الكافِرُ؛ لِأنَّهُ لا يُجْزى بِحَسَناتِهِ إلّا في الدُّنْيا خاصَّةً.
وَأمّا المُؤْمِنُ الَّذِي يُجْزى بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا - فَلَمْ يُذْهِبْ طَيِّباتِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ حَسَناتِهِ مُدَّخَرَةٌ لَهُ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُثِيبُهُ بِها في الدُّنْيا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] فَجَعَلَ المَخْرَجَ مِنَ الضِّيقِ لَهُ ورَزَقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ - ثَوابًا في الدُّنْيا، ولَيْسَ يَنْقُصُ أجْرَ تَقْواهُ في الآخِرَةِ.
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وعَلى كُلِّ حالٍ فاللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أباحَ لِعِبادِهِ عَلى (p-٢٣١)لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ الطَّيِّباتِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وأجازَ لَهُمُ التَّمَتُّعَ بِها، ومَعَ ذَلِكَ جَعَلَها خاصَّةً بِهِمْ في الآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] .
فَدَلَّ هَذا النَّصُّ القُرْآنِيُّ أنَّ تَمَتُّعَ المُؤْمِنِينَ بِالزِّينَةِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ في الحَياةِ الدُّنْيا لَمْ يَمْنَعْهم مِنِ اخْتِصاصِهِمْ بِالتَّنَعُّمِ بِذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو صَرِيحٌ في أنَّهم لَمْ يُذْهِبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا.
وَلا يُنافِي هَذا أنَّ مَن كانَ يُعانِي شِدَّةَ الفَقْرِ في الدُّنْيا كَأصْحابِ الصُّفَّةِ، يَكُونُ لَهم أجْرٌ زائِدٌ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يُؤْجَرُونَ بِما يُصِيبُهم في الدُّنْيا مِنَ المَصائِبِ والشَّدائِدِ، كَما هو مَعْلُومٌ.
والنُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ الكافِرَ هو الَّذِي يُذْهِبُ طَيِّباتِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ يُجْزى في الدُّنْيا فَقَطْ كالآياتِ المَذْكُورَةِ، وحَدِيثُ أنَسٍ المَذْكُورُ عِنْدَ مُسْلِمٍ - قَدْ قَدَّمْناها مُوَضَّحَةً في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ وذَكَرْنا هُناكَ أسانِيدَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ وألْفاظَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيْ عَذابَ الهَوانِ، وهو الذُّلُّ والصَّغارُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾، الباءُ في قَوْلِهِ: بِما كُنْتُمْ - سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ تُجْزُونَ عَذابَ الهُونِ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْتَكْبِرِينَ في الأرْضِ، وكَوْنِكم فاسِقِينَ.
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الِاسْتِكْبارِ في الأرْضِ والفِسْقِ مِن أسْبابِ عَذابِ الهُونِ، وهو عَذابُ النّارِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ الآيَةَ [السجدة: ٢٠] .
وَقَدْ قَدَّمْنا النَّتائِجَ الوَخِيمَةَ النّاشِئَةَ عَنِ التَّكَبُّرِ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٣] .
(p-٢٣٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مَعَ أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ إلّا اسْتِكْبارًا مُتَلَبِّسًا بِغَيْرِ الحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَطِيرُ إلّا بِجَناحَيْهِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] . ومَعْلُومٌ أنَّهم لا يَكْتُبُونَهُ إلّا بِأيْدِيهِمْ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وهو أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ.
الأحقاف 46:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾ .
أبْهَمَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أخا عادٍ ولَمْ يُعَيِّنْهُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في آياتٍ أُخْرى أنَّهُ هُودٌ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ [الأعراف: ٦٥] . وسُورَةِ ”هُودٍ“ [هود: ٥٠] . وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ النَّبِيَّ هُودًا نَهى قَوْمَهُ أنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ، وأمَرَهم بِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، وأنَّهُ خَوَّفَهم مِن عَذابِ اللَّهِ، إنْ تَمادَوْا في شِرْكِهِمْ بِهِ.
وَهَذانِ الأمْرانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَتْهُما هَذِهِ الآيَةُ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في آياتٍ أُخَرَ.
أمّا الأوَّلُ مِنهُما فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ [الأعراف: ٦٥] . وسُورَةِ ”هُودٍ“ [هود: ٥٠] . ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأمّا خَوْفُهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ العَظِيمَ فَقَدْ ذَكَرَهُ في ”الشُّعَراءِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ ﴿وَجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٢ - ١٣٥] . وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
الأحقاف 46:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أجِئْتِنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ .
وَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾، أيْ لِتَصْرِفَنا عَنْ عِبادَتِها إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ.
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أمْرَيْنِ: (p-٢٣٣)أحَدُهُما: إنْكارُ عادٍ عَلى هُودٍ أنَّهُ جاءَهم، لِيَتْرُكُوا عِبادَةَ الأوْثانِ، ويَعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا لَهُ: ائْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ وعَجِّلْهُ لَنا إنْ كُنْتَ صادِقًا فِيما تَقُولُ، عِنادًا مِنهم وعُتُوًّا.
وَهَذانِ الأمْرانِ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] .
الأحقاف 46:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ هُودًا قالَ لِقَوْمِهِ إنَّهُ يُبَلِّغُهم ما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ، وهَذا المَعْنى جاءَ مَذْكُورًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٧ - ٦٨] . وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”هُودٍ“: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٧] .
الأحقاف 46:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] .
الأحقاف 46:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنَّ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ .
لَفْظَةُ إنْ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فِيها لِلْمُفَسِّرِينَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، يَدُلُّ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ عَلى أنَّ واحِدًا مِنها هو الحَقُّ، دُونَ الِاثْنَيْنِ الآخَرَيْنِ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنْ شَرْطِيَّةٌ، وجَزاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ طَغَيْتُمْ وبَغَيْتُمْ.
وَقالَ بَعْضُهم: إنْ زائِدَةٌ بَعْدَ ما المَوْصُولَةِ حَمْلًا لِـ ما المَوْصُولَةِ عَلى ما النّافِيَةِ؛ لِأنَّ ما النّافِيَةَ تُزادُ بَعْدَها لَفْظَةُ إنْ كَما هو مَعْلُومٌ.
(p-٢٣٤)كَقَوْلِ قُتَيْلَةَ بِنْتِ الحارِثِ أوِ النَّضْرِ العَبْدَرِيَّةِ:
؎أبْلِغْ بِها مَيْتًا بِأنَّ تَحِيَّةً ما إنْ نَزِلَّ بِها النَّجائِبَ تُخْفِقُوا
وَقَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ في الخَنْساءِ:
؎ما إنْ رَأيْتُ ولا سَمِعْتُ بِهِ ∗∗∗ كاليَوْمِ طالِي أيَنُقٍ جُرْبِ
فَـ (إنْ) زائِدَةٌ بَعْدَ (ما) النّافِيَةِ في البَيْتَيْنِ، وهو كَثِيرٌ، وقَدْ حَمَلُوا عَلى ذَلِكَ (ما) المَوْصُولَةَ، فَقالُوا: تُزادُ بَعْدَها (إنْ) كَآيَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ. وأنْشَدَ لِذَلِكَ الأخْفَشُ: يُرَجِّي المَرْءُ ما إنْ لا يَراهُ وتَعْرِضُ دُونَ أدْناهُ الخُطُوبُ
أيْ يُرْجِّي المَرْءُ الشَّيْءَ الَّذِي لا يَراهُ، وإنْ زائِدَةٌ، وهَذانِ هُما الوَجْهانِ اللَّذانِ لا تَظْهَرُ صِحَّةُ واحِدٍ مِنهُما.
لِأنَّ الأوَّلَ مِنهُما فِيهِ حَذْفٌ وتَقْدِيرٌ.
والثّانِي مِنهُما فِيهِ زِيادَةُ كَلِمَةٍ.
وَكُلُّ ذَلِكَ لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
أمّا الوَجْهُ الثّالِثُ الَّذِي هو الصَّوابُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - فَهو أنَّ لَفْظَةَ (إنْ) نافِيَةٌ بَعْدَ (ما) المَوْصُولَةِ، أيْ ولَقَدْ مَكَّنّاهم في الَّذِي ما مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ في الأجْسامِ، وكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ والعَدَدِ.
وَإنَّما قُلْنا: إنَّ القُرْآنَ يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ لِكَثْرَةِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ يُهَدِّدُ كُفّارَ مَكَّةَ بِأنَّ الأُمَمَ الماضِيَةَ كانَتْ أشَدَّ مِنهم بَطْشًا وقُوَّةً، وأكْثَرَ مِنهم عَدَدًا وأمْوالًا وأوْلادًا، فَلَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ لِيَخافُوا مِن تَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِهِ، كَما أهْلَكَ الأُمَمَ الَّتِي هي أقْوى مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”المُؤْمِنِ“: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢] .
وَقَوْلُهُ فِيها أيْضًا: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ [غافر: ٢١] .
(p-٢٣٥)وَقَوْلُهُ تَعالى في ”الرُّومِ“: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ الآيَةَ [الروم: ٩] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ١٠] .
الأحقاف 46:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الجاثِيَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهم ما كَسَبُوا شَيْئًا ولا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [ الآيَةَ \ ١٠ ] .
الأحقاف 46:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنذِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن سُورَةِ ”الأحْقافِ“ أنَّهُ صَرَفَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ﴿نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ والنَّفَرُ دُونَ العَشَرَةِ ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ وأنَّهم لَمّا حَضَرُوهُ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنصِتُوا أيِ اسْكُتُوا مُسْتَمِعِينَ، وأنَّهُ لَمّا قَضى، أيِ انْتَهى النَّبِيُّ ﷺ مِن قِراءَتِهِ ولَّوْا أيْ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ مِنَ الجِنِّ في حالِ كَوْنِهِمْ مُنْذِرِينَ، أيْ مُخَوِّفِينَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ، ويُجِيبُوا داعِيَهُ مُحَمَّدًا ﷺ وأخْبَرُوا قَوْمَهم أنَّ هَذا الكِتابِ الَّذِي سَمِعُوهُ يُتْلى، المَنَزَّلَ مِن بَعْدِ مُوسى - يَهْدِي إلى الحَقِّ، وهو ضِدُّ الباطِلِ، وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، أيْ لا اعْوِجاجَ فِيهِ.
وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ العَظِيمُ أنَّ اسْتِماعَ هَؤُلاءِ النَّفَرِ مِنَ الجِنِّ، وقَوْلَهم ما قالُوا عَنِ القُرْآنِ كُلَّهُ - وقَعَ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى أوْحى اللَّهُ ذَلِكَ إلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى في القِصَّةِ بِعَيْنِها مَعَ بَيانِها وبَسْطِها، بِتَفْصِيلِ الأقْوالِ الَّتِي قالَتْها الجِنُّ، بَعْدَ اسْتِماعِهِمُ القُرْآنَ العَظِيمَ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الإنفطار: ١ - ٢] إلى آخِرِ الآياتِ.
الأحقاف 46:31
(p-٢٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِي اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
مَنطُوقُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن أجابَ داعِيَ اللَّهِ مُحَمَّدًا ﷺ وآمَنَ بِهِ، وبِما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وأجارَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ. ومَفْهُومُها، أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِها المَعْرُوفَ بِدَلِيلِ الخِطابِ، أنَّ مَن لَمْ يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ مِنَ الجِنِّ، ولَمْ يُؤْمِن بِهِ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ، ولَمْ يُجِرْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، بَلْ يُعَذِّبُهُ ويُدْخِلُهُ النّارَ، وهَذا المَفْهُومُ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
أمّا دُخُولُ المُؤْمِنِينَ المُجِيبِينَ داعِيَ اللَّهِ مِنَ الجِنِّ الجَنَّةَ - فَلَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِإثْباتٍ ولا نَفْيٍ، وقَدْ دَلَّتْ آيَةٌ أُخْرى عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجِنِّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٤٧] . وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، قائِلِينَ: إنَّهُ يُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، مِن أنَّ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجِنِّ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وأنَّ جَزاءَ إيمانِهِمْ وإجابَتِهِمْ داعِيَ اللَّهِ، هو الغُفْرانُ وإجارَتُهم مِنَ العَذابِ الألِيمِ فَقَطْ، كَما هو نَصُّ الآيَةِ - كُلِّهِ خِلافُ التَّحْقِيقِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، مِن سُورَةِ ”الأحْقافِ“ فَقُلْنا فِيهِ ما نَصُّهُ: هَذِهِ الآيَةُ يُفْهَمُ مِن ظاهِرِها، أنَّ جَزاءَ المُطِيعِ مِنَ الجِنِّ غُفْرانُ ذُنُوبِهِ، وإجارَتُهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، لا دُخُولُهُ الجَنَّةَ.
وَقَدْ تَمَسَّكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم، الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّ المُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ مِنَ الجِنِّ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، مَعَ أنَّهُ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مُؤْمِنِيهِمْ في الجَنَّةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شُمُولَهُ لِلْجِنِّ والإنْسِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
(p-٢٣٧)وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] . فَإنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ في الجَنَّةِ جِنًّا يَطْمِثُونَ النِّساءَ كالإنْسِ.
والجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ آيَةَ ”الأحْقافِ“ نَصَّ فِيها عَلى الغُفْرانِ والإجارَةِ مِنَ العَذابِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ فِيها لِدُخُولِ الجَنَّةِ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ، وآيَةُ ”الرَّحْمَنِ“ نَصَّ فِيها عَلى دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ فِيها: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ .
وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ المَوْصُولاتِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَلِمَن خافَ﴾، يَعُمُّ كُلَّ خائِفٍ مَقامَ رَبِّهِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِشُمُولِ ذَلِكَ الجِنَّ والإنْسَ مَعًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .
فَبَيَّنَ أنَّ الوَعْدَ بِالجَنَّتَيْنِ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ مِن آلائِهِ، أيْ نِعَمِهِ عَلى الإنْسِ والجِنِّ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ؛ لِأنَّ إحْداهُما بَيَّنَتْ ما لَمْ تَعْرِضْ لَهُ الأُخْرى.
وَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾، يُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ، فَإنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالمَفْهُومِ، وقَوْلَهُ: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ يَدُلُّ عَلى دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ بِعُمُومِ المَنطُوقِ.
والمَنطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.
وَلا يَخْفى أنّا إذا أرَدْنا تَحْقِيقَ هَذا المَفْهُومِ المُدَّعى وجَدْناهُ مَعْدُومًا مِن أصْلِهِ؛ لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ قِسْمَةَ المَفْهُومِ ثُنائِيَّةٌ، إمّا أنْ يَكُونَ مَفْهُومَ مُوافَقَةٍ أوْ مُخالَفَةٍ، ولا ثالِثَ.
وَلا يَدْخُلُ هَذا المَفْهُومُ المُدَّعى في شَيْءٍ مِن أقْسامِ المَفْهُومَيْنِ.
أمّا عَدَمُ دُخُولِهِ في مَفْهُومِ المُوافَقَةِ بِقِسْمَيْهِ فَواضِحٌ.
وَأمّا عَدَمُ دُخُولِهِ في شَيْءٍ مِن أنْواعِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ، فَلِأنَّ عَدَمَ دُخُولِهِ في مَفْهُومِ الحَصْرِ أوِ الغايَةِ أوِ العَدَدِ أوِ الصِّفَةِ أوِ الظَّرْفِ - واضِحٌ.
فَلَمْ يَبْقَ مِن أنْواعِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ يُتَوَهَّمُ دُخُولُهُ فِيهِ إلّا مَفْهُومُ الشَّرْطِ أوِ اللَّقَبِ، ولَيْسَ داخِلًا في واحِدٍ مِنهُما، فَظَهَرَ عَدَمُ دُخُولِهِ فِيهِ أصْلًا.
أمّا وجْهُ تَوَهُّمِ دُخُولِهِ في مَفْهُومِ الشَّرْطِ، فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ (p-٢٣٨)فِعْلٌ مُضارِعٌ مَجْزُومٌ بِكَوْنِهِ جَزاءَ الطَّلَبِ.
وَجُمْهُورُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ عَلى أنَّ الفِعْلَ إذا كانَ كَذَلِكَ فَهو مَجْزُومٌ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، لا بِالجُمْلَةِ قَبْلَهُ، كَما قِيلَ بِهِ.
وَعَلى الصَّحِيحِ الَّذِي هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، فَتَقْرِيرُ المَعْنى: أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ إنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ يَغْفِرْ لَكم، فَيُتَوَهَّمُ في الآيَةِ مَفْهُومُ هَذا الشَّرْطِ المُقَدَّرِ.
والجَوابُ عَنْ هَذا: أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ، إنَّما هو في فِعْلِ الشَّرْطِ لا في جَزائِهِ، وهو مُعْتَبَرٌ هُنا في فِعْلِ الشَّرْطِ عَلى عادَتِهِ، فَمَفْهُومُ أنْ تُجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وتُؤْمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم، أنَّهم إنْ لَمْ يُجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؛ لَمْ يَغْفِرْ لَهم، وهو كَذَلِكَ.
أمّا جَزاءُ الشَّرْطِ فَلا مَفْهُومَ لَهُ؛ لِاحْتِمالِ أنْ تَتَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ الواحِدِ مَشْرُوطاتٌ كَثِيرَةٌ، فَيُذْكَرُ بَعْضُها جَزاءً لَهُ، فَلا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ غَيْرِهِ.
كَما لَوْ قُلْتَ لَشَخْصٍ مَثَلًا: إنْ تَسْرِقْ يَجِبُ عَلَيْكَ غُرْمُ ما سَرَقْتَ.
فَهَذا الكَلامُ حَقٌّ ولا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ غَيْرِ الغُرْمِ كالقَطْعِ؛ لِأنَّ قَطْعَ اليَدِ مُرَتَّبٌ أيْضًا عَلى السَّرِقَةِ، كالغُرْمِ.
وَكَذَلِكَ الغُفْرانُ والإجارَةُ مِنَ العَذابِ ودُخُولُ الجَنَّةِ - كُلُّها مُرَتَّبَةٌ عَلى إجابَةِ داعِيَ اللَّهِ والإيمانِ بِهِ.
فَذَكَرَ في الآيَةِ بَعْضَها وسَكَتَ فِيها عَنْ بَعْضٍ، ثُمَّ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ.
وَأمّا وجْهُ تَوَهُّمِ دُخُولِهِ في مَفْهُومِ اللَّقَبِ، فَلِأنَّ اللَّقَبَ في اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ هو ما لَمْ يُمْكِنِ انْتِظامُ الكَلامِ العَرَبِيِّ دُونَهُ، أعْنِي المُسْنَدَ إلَيْهِ، سَواءً كانَ لَقَبًا أوْ كُنْيَةً أوِ اسْمًا أوِ اسْمَ جِنْسٍ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَقَدْ أوْضَحْنا اللَّقَبَ غايَةً في ”المائِدَةِ“ .
والجَوابُ عَنْ عَدَمِ دُخُولِهِ في مَفْهُومِ اللَّقَبِ، أنَّ الغُفْرانَ والإجارَةَ مِنَ العَذابِ المُدَّعى بِالفَرْضِ أنَّهُما لَقَبانِ لِجِنْسِ مَصْدَرَيْهِما، وأنَّ تَخْصِيصَهُما بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ غَيْرِهِما في الآيَةِ سَنَدانِ لا مُسْنَدَ إلَيْهِما، بِدَلِيلِ أنَّ المَصْدَرَ فِيهِما كامِنٌ في الفِعْلِ، ولا يَسْتَنِدُ إلى الفِعْلِ (p-٢٣٩)إجْماعًا، ما لَمْ يَرِدْ مُجَرَّدُ لَفْظِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ.
وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ إنَّما هو فِيما إذا كانَ اللَّقَبُ مُسْنَدًا إلَيْهِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ الحُكْمِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وإلّا لَما كانَ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ، كَما عَلَّلُوا بِهِ مَفْهُومَ الصِّفَةِ.
وَأُجِيبَ مِن جِهَةِ الجُمْهُورِ: بِأنَّ اللَّقَبَ ذُكِرَ لِيُمَكِّنَ الحُكْمَ، لا لِتَخْصِيصِهِ بِالحُكْمِ؛ إذْ لا يُمْكِنُ الإسْنادُ بِدُونِ مُسْنَدٍ إلَيْهِ.
وَمِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ اللَّقَبُ عِنْدَ القائِلِ بِهِ - إنَّما هو في المُسْنَدِ إلَيْهِ لا في المُسْنَدِ؛ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ هو الَّذِي تُراعى أفْرادُهُ وصِفاتُها، فَيُقْصَدُ بَعْضُها بِالذِّكْرِ دُونَ بَعْضٍ فَيَخْتَصُّ الحُكْمُ بِالمَذْكُورِ.
أمّا المُسْنَدُ فَإنَّهُ لا يُراعى فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الأفْرادِ والأوْصافِ أصْلًا، وإنَّما يُراعى فِيهِ مُجَرَّدُ الماهِيَةِ الَّتِي هي الحَقِيقَةُ الذِّهْنِيَّةُ.
وَلَوْ حَكَمْتَ مَثَلًا عَلى الإنْسانِ بِأنَّهُ حَيَوانٌ - فَإنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ الَّذِي هو الإنْسانُ في هَذا المِثالِ يُقْصَدُ بِهِ جَمِيعُ أفْرادِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنها حَيَوانٌ بِخِلافِ المُسْنَدِ الَّذِي هو الحَيَوانُ في هَذا المِثالِ، فَلا يُقْصَدُ بِهِ إلّا مُطْلَقُ ماهِيَتِهِ وحَقِيقَتِهِ الذِّهْنِيَّةِ مِن غَيْرِ مُراعاةِ الأفْرادِ؛ لِأنَّهُ لَوْ رُوعِيَتْ أفْرادُهُ لاسْتَلْزَمَ الحُكْمُ عَلى الإنْسانِ بِأنَّهُ فَرْدٌ آخَرُ مِن أفْرادِ الحَيَوانِ كالفَرْشِ مَثَلًا.
والحُكْمُ بِالمُبايِنِ عَلى المُبايِنِ باطِلٌ إذا كانَ إيجابِيًّا بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ.
وَعامَّةُ النُّظّارِ عَلى أنَّ مَوْضُوعَ القَضِيَّةِ إذا كانَتْ غَيْرَ طَبِيعِيَّةٍ يُراعى فِيهِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ عُنْوانُها مِنَ الأفْرادِ بِاعْتِبارِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ إنْ كانَتْ خارِجِيَّةً، أوِ الذِّهْنِيِّ إنْ كانَتْ حَقِيقِيَّةً.
أمّا المَحْمُولُ مِن حَيْثُ هو فَلا تُراعى فِيهِ الأفْرادُ البَتَّةَ.
وَإنَّما يُراعى فِيهِ مُطْلَقُ الماهِيَةِ، ولَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدْخُلُ في مَفْهُومِ اللَّقَبِ - فَجَماهِيرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لا عِبْرَةَ بِهِ، ورُبَّما كانَ اعْتِبارُهُ كُفْرًا، كَما لَوِ اعْتَبَرَ مُعْتَبِرٌ مَفْهُومَ اللَّقَبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] فَقالَ: يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ لَقَبِهِ أنَّ غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ رَسُولَ اللَّهِ، فَهَذا كُفْرٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ.
فالتَّحْقِيقُ أنَّ اعْتِبارَ مَفْهُومِ اللَّقَبِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ شَرْعًا ولا لُغَةً ولا عَقْلًا، سَواءً كانَ (p-٢٤٠)اسْمَ جِنْسٍ، أوِ اسْمَ عَيْنٍ، أوِ اسَمَ جَمْعٍ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
فَقَوْلُكَ: جاءَ زَيْدٌ، لا يُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ مَجِيءِ عَمْرٍو.
وَقَوْلُكَ: رَأيْتُ أسَدًا، لا يُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ رُؤْيَتِكَ لِغَيْرِ الأسَدِ.
والقَوْلُ بِالفَرْقِ بَيْنَ اسْمِ الجِنْسِ فَيُعْتَبَرُ، واسْمِ العَيْنِ فَلا يُعْتَبَرُ، لا يَظْهَرُ.
فَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الصَّيْرَفِيِّ وأبِي بَكْرٍ الدَّقّاقِ وغَيْرِهِما مِنَ الشّافِعِيَّةِ.
وَلا بِقَوْلِ ابْنِ خُوَيْزِ مَندادَ وابْنِ القَصّارِ مِنَ المالِكِيَّةِ، ولا بِقَوْلِ بَعْضِ الحَنابِلَةِ بِاعْتِبارِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى اعْتِبارِهِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ، إلّا أنَّهُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّقَبُ مُخْتَصًّا بِالحُكْمِ لَما كانَ لِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ، كَما عَلَّلَ بِهِ مَفْهُومَ الصِّفَةِ؛ لِأنَّ الجُمْهُورَ يَقُولُونَ: ذُكِرَ اللَّقَبُ لِيُسْنَدَ إلَيْهِ، وهو واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ.
وَأشارَ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ إلى تَعْرِيفِ اللَّقَبِ بِالِاصْطِلاحِ الأُصُولِيِّ، وأنَّهُ أضْعَفُ المَفاهِيمِ - بِقَوْلِهِ:
أضْعَفُها اللَّقَبُ وهو ما أُبِي مِن دُونِهِ نَظْمُ الكَلامِ العَرَبِ
وَحاصِلُ فِقْهِ هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ عَلى لِسانِ نَبِيِّنا ﷺ بِدَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وأنَّ كافِرَهم في النّارِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وهو صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ وجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأنَّ مُؤْمِنِيهِمُ اخْتُلِفَ في دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ، ومَنشَأُ الخِلافِ الِاخْتِلافُ في فَهْمِ الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
والظّاهِرُ دُخُولُهُمُ الجَنَّةَ كَما بَيَّنّا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى . ا هـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ يُفْهَمُ مِن ظاهِرِها أنَّ جَزاءَ المُطِيعِ مِنَ الجِنِّ غُفْرانُ ذُنُوبِهِ وإجارَتُهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ، لا دُخُولُهُ الجَنَّةَ.
(p-٣٩١)وَقَدْ تَمَسَّكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهُمُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ المُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ مِنَ الجِنِّ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، مَعَ أنَّهُ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مُؤْمِنِيهِمْ في الجَنَّةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ شُمُولَهُ لِلْجِنِّ والإنْسِ بَقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧]، ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، لِأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ في الجَنَّةِ جِنًّا يَطْمِثُونَ النِّساءَ كالإنْسِ.
والجَوابُ عَنْ هَذا، أنَّ آيَةَ ”الأحْقافِ“ نُصَّ فِيها عَلى الغُفْرانِ والإجارَةِ مِنَ العَذابِ، ولَمْ يُتَعَرَّضْ فِيها لِدُخُولِ الجَنَّةِ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ، وآيَةُ ”الرَّحْمَنِ“ نُصَّ فِيها عَلى دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ فِيها: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ .
وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ المَوْصُولاتِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَقَوْلُهُ: ”لِمَن خافَ“ يَعُمُّ كُلَّ خائِفٍ مَقامَ رَبِّهِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِشُمُولِ ذَلِكَ لِلْجِنِّ والإنْسِ مَعًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، فَبَيَّنَ أنَّ الوَعْدَ بِالجَنَّتَيْنِ لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ مِن آلائِهِ، أيْ نِعَمِهِ عَلى الإنْسِ والجِنِّ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ لِأنَّ إحْداهُما بَيَّنَتْ ما لَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ الأُخْرى، ولَوْ سَلَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ يُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ، فَإنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالمَفْهُومِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، يَدُلُّ عَلى دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ بِعُمُومِ المَنطُوقِ، والمَنطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.
وَلا يَخْفى أنّا إذا أرَدْنا تَحْقِيقَ هَذا المَفْهُومِ المُدَّعى، وجَدْناهُ مَعْدُومًا مِن أصْلِهِ لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ قِسْمَةَ المَفْهُومِ ثُنائِيَّةٌ، إمّا أنْ يَكُونَ مَفْهُومَ مُوافَقَةٍ أوْ مُخالَفَةٍ ولا ثالِثَ، ولا يَدْخُلُ هَذا المَفْهُومُ المُدَّعى في شَيْءٍ مِن أقْسامِ المَفْهُومَيْنِ، أمّا عَدَمُ دُخُولِهِ في مَفْهُومِ المُوافَقَةِ بِقِسْمَيْهِ فَواضِحٌ، وأمّا عَدَمُ دُخُولِهِ في شَيْءٍ مِن أنْواعِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ، فَلِأنَ عَدَمَ دُخُولِهِ في مَفْهُومِ الحَصْرِ أوِ العِلَّةِ أوِ الغايَةِ أوِ العَدَدِ أوِ الصِّفَةِ أوِ الظَّرْفِ واضِحٌ.
فَلَمْ يَبْقَ مِن أنْواعِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ يُتَوَهَّمُ دُخُولُهُ فِيهِ إلّا مَفْهُومُ الشَّرْطِ أوِ اللَّقَبِ، ولَيْسَ داخِلًا في واحِدٍ مِنهُما فَظَهَرَ عَدَمُ دُخُولِهِ فِيهِ أصْلًا.
أمّا وجْهُ تَوَهُّمِ دُخُولِهِ في مَفْهُومِ الشَّرْطِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾، فِعْلٌ (p-٣٩٢)مُضارِعٌ مَجْزُومٌ بِكَوْنِهِ جَزاءَ الطَّلَبِ، وجُمْهُورُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ عَلى أنَّ الفِعْلَ إذا كانَ كَذَلِكَ فَهو مَجْزُومٌ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ لا بِالجُمْلَةِ قَبْلَهُ كَما قِيلَ بِهِ.
وَعَلى الصَّحِيحِ الَّذِي هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، فَتَقْرِيرُ المَعْنى: أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ، إنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ يَغْفِرْ لَكم، فَيُتَوَهَّمُ في الآيَةِ، مَفْهُومُ هَذا الشَّرْطِ المُقَدَّرِ.
والجَوابُ عَنْ هَذا، أنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ، إنَّما هو في فِعْلِ الشَّرْطِ لا في جَزائِهِ، وهو مُعْتَبَرٌ هُنا في فِعْلِ الشَّرْطِ عَلى عادَتِهِ فَمَفْهُومُ إنْ تُجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وتُؤْمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم أنَّهم إنْ لَمْ يُجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ لَمْ يَغْفِرْ لَهم، وهو كَذَلِكَ. أمّا جَزاءُ الشَّرْطِ فَلا مَفْهُومَ لَهُ لِاحْتِمالِ أنْ تَتَرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ الواحِدِ مَشْرُوطاتٌ كَثِيرَةٌ فَيُذْكَرُ بَعْضُها جَزاءً لَهُ فَلا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ غَيْرِهِ. كَما لَوْ قُلْتَ لَشَخْصٍ مَثَلًا: إنْ تَسْرِقْ يَجِبْ عَلَيْكَ غُرْمُ ما سَرَقْتَ، فَهَذا الكَلامُ حَقٌّ ولا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ غَيْرِ الغُرْمِ كالقَطْعِ لِأنَّ قَطْعَ اليَدِ مُرَتَّبٌ أيْضًا عَلى السَّرِقَةِ كالغُرْمِ. فَكَذَلِكَ الغُفْرانُ والإجارَةُ مِنَ العَذابِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ كُلُّها مُرَتَّبَةٌ عَلى إجابَةِ داعِي اللَّهِ والإيمانِ بِهِ، فَذَكَرَ في الآيَةِ بَعْضَها وسَكَتَ فِيها عَنْ بَعْضٍ، ثُمَّ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ.
وَأمّا وجْهُ تَوَهُّمِ دُخُولِهِ في مَفْهُومِ اللَّقَبِ، فَلِأنَّ اللَّقَبَ في اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ هو ما لَمْ يُمْكِنِ انْتِظامُ الكَلامِ العَرَبِيِّ دُونَهُ، أغْنى المُسْنَدُ إلَيْهِ سَواءٌ كانَ لَقَبًا أوْ كُنْيَةً أوِ اسْمًا أوِ اسْمَ جِنْسٍ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وقَدْ أوْضَحْنا اللَّقَبَ غايَةً في ”المائِدَةِ“ .
والجَوابُ عَنْ عَدَمِ دُخُولِهِ في مَفْهُومِ اللَّقَبِ، أنَّ الغُفْرانَ والإجارَةَ مِنَ العَذابِ المُدَّعى بِالفَرْضِ أنَّهُما لَقَبانِ لِجِنْسِ مَصْدَرَيْهِما، وأنَّ تَخْصِيصَهُما بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ غَيْرِهِما في الآيَةِ، مُسْنَدانِ لا مُسْنَدَ إلَيْهِما، بِدَلِيلِ أنَّ المَصْدَرَ فِيهِما كامِنٌ في الفِعْلِ ولا يُسْنَدُ إلى الفِعْلِ إجْماعًا ما لَمْ يَرِدْ مُجَرَّدُ لَفْظِهِ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ.
وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ إنَّما هو فِيما إذا كانَ اللَّقَبُ مُسْنَدًا إلَيْهِ، لِأنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ الحُكْمِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وإلّا لَما كانَ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ، كَما عَلَّلُوا بِهِ مَفْهُومَ الصِّفَةِ.
وَأُجِيبَ مِن جِهَةِ الجُمْهُورِ بِأنَّ اللَّقَبَ ذُكِرَ لِيُمْكِنَ الحُكْمُ لا لِتَخْصِيصِهِ بِالحُكْمِ، إذْ لا (p-٣٩٣)يُمْكِنُ الإسْنادُ بِدُونِ مُسْنَدٍ إلَيْهِ، ومِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ اللَّقَبُ عِنْدَ القائِلِ بِهِ، إنَّما هو في المُسْنَدِ إلَيْهِ لا في المُسْنَدِ، لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ هو الَّذِي تُراعى أفْرادُهُ وصِفاتُها فَيُقْصَدُ بَعْضُها بِالذِّكْرِ دُونَ بَعْضٍ، فَيَخْتَصُّ الحُكْمُ بِالمَذْكُورِ.
أمّا المُسْنَدُ فَإنَّهُ لا يُراعى فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الأفْرادِ ولا الأوْصافِ أصْلًا، وإنَّما يُراعى فِيهِ مُجَرَّدُ الماهِيَةِ الَّتِي هي الحَقِيقَةُ الذِّهْنِيَّةُ.
فَلَوْ حَكَمْتَ مَثَلًا عَلى الإنْسانِ بِأنَّهُ حَيَوانٌ، فَإنَّهُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الَّذِي هو الإنْسانُ في هَذا المِثالِ يُقْصَدُ بِهِ جَمِيعُ أفْرادِهِ، لِأنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنها حَيَوانٌ، بِخِلافِ المُسْنَدِ الَّذِي هو الحَيَوانُ في هَذا المِثالِ فَلا يُقْصَدُ بِهِ إلّا مُطْلَقُ ماهِيَّتِهِ وحَقِيقَتِهِ الذِّهْنِيَّةِ مِن غَيْرِ مُراعاةِ الأفْرادِ، لِأنَّهُ لَوْ رُوعِيَتْ أفْرادُهُ لاسْتَلْزَمَ الحُكْمُ عَلى الإنْسانِ بِأنَّهُ فَرْدٌ آخَرُ مِن أفْرادِ الحَيَوانِ كالفَرَسِ مَثَلًا.
والحُكْمُ بِالمُبايِنِ عَلى المُبايَنِ باطِلٌ، إذا كانَ إيجابِيًّا بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ وعامَّةِ النُّظّارِ، عَلى أنَّ مَوْضُوعَ القَضِيَّةِ إذا كانَتْ غَيْرَ طَبِيعِيَّةٍ يُراعى فِيهِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ عُنْوانُها مِنَ الإفْرادِ بِاعْتِبارِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ إنْ كانَتْ خارِجِيَّةً، أوِ الذِّهْنِيِّ أنْ كانَتْ حَقِيقِيَّةً.
وَأمّا المَحْمُولُ مِن حَيْثُ هو، فَلا تُراعى فِيهِ الأفْرادُ البَتَّةُ، وإنَّما يُراعى فِيهِ مُطْلَقُ الماهِيَّةِ.
وَلَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدْخُلُ في مَفْهُومِ اللَّقَبِ، فَجَماهِيرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لا عِبْرَةَ بِهِ ورُبَّما كانَ اعْتِبارُهُ كُفْرًا كَما لَوِ اعْتَبَرَ مُعْتَبِرٌ مَفْهُومَ اللَّقَبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، فَقالَ: يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ لَقَبِهِ أنَّ غَيْرَ مُحَمَّدٍ يُخَيَّلُ ولَمْ يَكُنْ رَسُولَ اللَّهِ، فَهَذا كُفْرٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ.
فالتَّحْقِيقُ أنَّ اعْتِبارَ مَفْهُومِ اللَّقَبِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ شَرْعًا ولا لُغَةً، ولا عَقْلًا سَواءٌ كانَ اسْمَ جِنْسٍ أوِ اسْمَ عَيْنٍ أوِ اسْمَ جَمْعٍ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
فَقَوْلُكَ: جاءَ زَيْدٌ، لا يُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ مَجِيءِ عَمْرٍو. وقَوْلُكَ: رَأيْتُ أسَدًا، لا يُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ رُؤْيَتِكَ غَيْرَ الأسَدِ.
والقَوْلُ بِالفَرْقِ بَيْنَ اسْمِ الجِنْسِ فَيُعْتَبَرُ، واسْمُ العَيْنِ فَلا يُعْتَبَرُ، لا يَظْهَرُ، فَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الصَّيْرَفِيِّ وأبِي بَكْرٍ الدَّقّاقِ وغَيْرِهِما مِنَ الشّافِعِيَّةِ، ولا بِقَوْلِ ابْنِ خُوَيْزِ مَندادَ وابْنِ (p-٣٩٤)القَصّارِ مِنَ المالِكِيَّةِ، ولا بِقَوْلِ بَعْضِ الحَنابِلَةِ بِاعْتِبارِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى اعْتِبارِهِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ إلّا أنَّهُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّقَبُ مُخْتَصًّا بِالحُكْمِ لَما كانَ لِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ فائِدَةٌ، كَما عَلَّلَ بِهِ مَفْهُومَ الصِّفَةِ.
لِأنَّ الجُمْهُورَ يَقُولُونَ: ذُكِرَ اللَّقَبُ لِيُسْنَدَ إلَيْهِ وهو واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ، وأشارَ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ إلى تَعْرِيفِ اللَّقَبِ بِالِاصْطِلاحِ الأُصُولِيِّ وأنَّهُ أضْعَفُ المَفاهِيمِ بِقَوْلِهِ:
؎أضْعَفُها اللَّقَبُ وهو ما أبى مِن دُونِهِ نَظْمُ الكَلامِ العَرَبِي
وَحاصِلُ فِقْهِ المَسْألَةِ، أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ عَلى لِسانِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ بِدَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وأنَّ كافِرَهم في النّارِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ وهو صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هم والغاوُونَ﴾ ﴿وَجُنُودُ إبْلِيسَ أجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأنَّ مُؤْمِنِيهِمُ اخْتُلِفَ في دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ، ومَنشَأُ الخِلافِ الِاخْتِلافُ في فَهْمِ الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، والظّاهِرُ دُخُولُهُمُ الجَنَّةَ كَما بَيَّنّا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الأحقاف 46:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ في (p-٢٤١)”البَقَرَةِ“ و ”النَّحْلِ“ و ”الجاثِيَةِ“، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ، وأحَلْنا عَلى ذَلِكَ مِرارًا، والباءُ في قَوْلِهِ: بِقادِرٍ يُسَوِّغُهُ أنَّ النَّفْيَ مُتَناوَلٌ لِ (أنَّ) فَما بَعْدَها، فَهو في مَعْنى ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ ؟
وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ: بَلى. مُقَرِّرًا لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ.
الأحقاف 46:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ . اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِأُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا.
وَأشْهُرُ الأقْوالِ في ذَلِكَ أنَّهم خَمْسَةٌ، وهُمُ الَّذِينَ قَدَّمْنا ذِكْرَهم في ”الأحْزابِ“ و ”الشُّورى“، وهم نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٌ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالرُّسُلُ الَّذِينَ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَصْبِرَ كَما صَبَرُوا - أرْبَعَةٌ، فَصارَ هو ﷺ خامِسَهم.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ المُرادَ بِأُولِي العَزْمِ جَمِيعُ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأنَّ لَفْظَةَ مِن في قَوْلِهِ: مِنَ الرُّسُلِ بَيانِيَّةٌ يَظْهَرُ أنَّهُ خِلافُ التَّحْقِيقِ، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ بَعْضُ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ الآيَةَ [القلم: ٤٨]، فَأمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ في آيَةِ ”القَلَمِ“ هَذِهِ بِالصَّبْرِ، ونَهاهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مِثْلَ يُونُسَ؛ لِأنَّهُ هو صاحِبُ الحُوتِ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] . فَآيَةُ ”القَلَمِ“، وآيَةُ ”طه“ المَذْكُورَتانِ كِلْتاهُما تَدُلُّ عَلى أنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ يَصْبِرَ كَصَبْرِهِمْ لَيْسُوا جَمِيعَ الرُّسُلِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ .
نَهى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنْ يَسْتَعْجِلَ العَذابَ لِقَوْمِهِ، أيْ يَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ بِتَعْجِيلِهِ لَهم، فَمَفْعُولُ (تَسْتَعْجِلْ) مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ العَذابُ، كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وهو الظّاهِرُ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِ تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] .
(p-٢٤٢)فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَهِّلْهم قَلِيلًا﴾، وقَوْلَهُ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ مُوَضِّحٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ .
والمُرادُ بِالآياتِ، نَهْيُهُ ﷺ عَنْ طَلَبِ تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم؛ لِأنَّهم مُعَذَّبُونَ لا مَحالَةَ، عِنْدَ انْتِهاءِ المُدَّةِ المُحَدِّدَةِ لِلْإمْهالِ، كَما يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٦] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ - ٧٠] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”يُونُسَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] . وفي سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] .
وَبَيَّنّا في الكَلامِ عَلى آيَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ وجْهَ إزالَةِ إشْكالٍ مَعْرُوفٍ في الآياتِ المَذْكُورَةِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلاغٌ﴾ .
التَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ أصْوَبَ القَوْلَيْنِ في قَوْلِهِ: بَلاغٌ أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا بَلاغٌ، أيْ هَذا القُرْآنُ بَلاغٌ مِنَ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ.
وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“: ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] . وقَوْلُهُ في ”الأنْبِياءِ“: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] . وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
والبَلاغُ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ، وقَدْ عُلِمَ بِاسْتِقْراءِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّ الفِعالَ يَأْتِي (p-٢٤٣)كَثِيرًا بِمَعْنى التَّفْعِيلِ، كَبَلَّغَهُ بَلاغًا، أيْ تَبْلِيغًا، وكَلَّمَهُ كَلامًا، أيْ تَكْلِيمًا، وطَلَّقَها طَلاقًا، وسَرَّحَها سَراحًا، وبَيَّنَهُ بَيانًا.
كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى التَّفْعِيلِ؛ لِأنَّ فَعَّلَ - مُضَعَّفَةَ العَيْنِ، غَيْرُ مُعْتَلَّةِ اللّامِ ولا مَهْمُوزَتِهِ - قِياسُ مَصْدَرِها التَّفْعِيلُ.
وَما جاءَ مِنهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ - يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ، كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ.
أمّا القَوْلُ بِأنَّ المَعْنى: وذَلِكَ اللَّبْثُ بِلاغٌ، فَهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما تَرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
محمد 47:1
(p-٢٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ مُحَمَّدٍ
سُورَةُ القِتالِ وهي سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ بَعْضُهم: هو مِنَ الصُّدُودِ؛ لِأنَّ صَدَّ في الآيَةِ لازِمَةٌ.
وَقالَ بَعْضُهم: هو مِنَ الصَّدِّ؛ لِأنَّ صَدَّ في الآيَةِ مُتَعَدِّيَةٌ.
وَعَلَيْهِ فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ صَدُّوا غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ.
وَهَذا القَوْلُ الأخِيرُ هو الصَّوابُ؛ لِأنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ صَدَّ لازِمَةٌ، فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَكْرارًا مَعَ قَوْلِهِ: كَفَرُوا؛ لِأنَّ الكُفْرَ هو أعْظَمُ أنْواعِ الصُّدُودِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ صَدَّ مُتَعَدِّيَةٌ فَلا تَكْرارَ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم ضالُّونَ في أنْفُسِهِمْ، مُضِلُّونَ لِغَيْرِهِمْ بِصَدِّهِمْ إيّاهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧]، أنَّ اللَّفْظَ إذا دارَ بَيْنَ التَّأْكِيدِ والتَّأْسِيسِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى التَّأْسِيسِ، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَ ثَوابَها، فَما عَمِلَهُ الكافِرُ مِن حَسَنٍ في الدُّنْيا، كَقَرْيِ الضَّيْفِ، وبِرِّ الوالِدَيْنِ، وحَمْيِ الجارِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، والتَّنْفِيسِ عَنِ المَكْرُوبِ، يَبْطُلُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَضْمَحِلُّ ويَكُونُ لا أثَرَ لَهُ، كَما قالَ تَعالى: (p-٢٤٥)﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وهَذا هو الصَّوابُ في مَعْنى الآيَةِ.
وَقِيلَ: أضَلَّ أعْمالَهم، أيْ أبْطَلَ كَيْدَهُمُ الَّذِي أرادُوا أنْ يَكِيدُوا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ غَفَرَ لَهم ذُنُوبَهم وتَجاوَزَ لَهم عَنْ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ ﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ أصْلَحَ لَهم شَأْنَهم وحالَهم إصْلاحًا لا فَسادَ مَعَهُ، وما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - هُنا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنْ يُبْطِلَ أعْمالَ الكافِرِينَ، ويُبْقِيَ أعْمالَ المُؤْمِنِينَ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الفاتحة: ١٥ - ١٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٣ - ٢٤] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا مَعَ بَعْضِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ، مَعَ زِيادَةِ إيضاحٍ مُهِمَّةٍ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] . وفي سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] . وذَكَرْنا طَرَفًا مِنهُ في سُورَةِ ”الأحْقافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٠] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أصْلُهُ مِنَ الضَّلالِ بِمَعْنى الغَيْبَةِ والِاضْمِحْلالِ، لا مِنَ الضّالَّةِ كَما زَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] .
وَقَدْ قَدَّمْنا مَعانِيَ الضَّلالِ في القُرْآنِ واللُّغَةِ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] . وفي آخِرِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ (p-٢٤٦)عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٠٤] . وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢] . وفي سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢] .
قالَ فِيهِ ابْنُ كَثِيرٍ: هو عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ بَعْدَ بِعْثَتِهِ ﷺ . ا هـ مِنهُ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وهو الحَقُّ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ شَهادَةَ اللَّهِ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلى هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ هو الحَقُّ مِنَ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] . قالَ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [ ٦٩
- ٥١ ] . وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٨] . وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٧٠] . والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ٣] أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن إضْلالِ أعْمالِ الكُفّارِ، أيْ إبْطالِها واضْمِحْلالِها وبَقاءِ ثَوابِ أعْمالِ المُؤْمِنِينَ، وتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِمْ وإصْلاحِ حالِهِمْ، كُلُّهُ واقِعٌ بِسَبَبِ أنَّ الكُفّارَ اتَّبَعُوا الباطِلَ، ومَنِ اتَّبَعَ الباطِلَ فَعَمَلُهُ باطِلٌ.
والزّائِلُ المُضْمَحِلُّ تُسَمِّيهِ العَرَبُ باطِلًا، وضِدُّهُ الحَقُّ.
وَبِسَبَبِ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ، ومُتَّبِعُ الحَقِّ أعْمالُهُ حَقٌّ، فَهي ثابِتَةٌ باقِيَةٌ، لا زائِلَةٌ مُضْمَحِلَّةٌ.
(p-٢٤٧)وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ اخْتِلافَ الأعْمالِ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلافَ الثَّوابِ، لا يَتَوَهَّمُ اسْتِواءَهُما إلّا الكافِرُ الجاهِلُ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ الإنْكارَ عَلَيْهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ .
قالَ فِيهِ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيْنَ ضَرْبُ الأمْثالِ ؟
قُلْتُ: في جَعْلِ اتِّباعِ الباطِلِ مَثَلًا لِعَمَلِ الكُفّارِ، واتِّباعِ الحَقِّ مَثَلًا لِعَمَلِ المُؤْمِنِينَ. أوْ في أنَّ جَعَلَ الإضْلالَ مَثَلًا لِخَيْبَةِ الكُفّارِ، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ مَثَلًا لِفَوْزِ المُؤْمِنِينَ. ا هـ مِنهُ.
وَأصْلُ ضَرْبِ الأمْثالِ يُرادُ مِنهُ بَيانُ الشَّيْءِ بِذِكْرِ نَظِيرِهِ الَّذِي هو مَثَلٌ لَهُ.
محمد 47:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: فَضَرْبَ الرِّقابِ مَصْدَرٌ نائِبٌ عَنْ فِعْلِهِ، وهو بِمَعْنى فِعْلِ الأمْرِ، ومَعْلُومٌ أنَّ صِيَغَ الأمْرِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أرْبَعٌ: وهي فِعْلُ الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧٨] .
واسْمُ فِعْلِ الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١٠٥] .
والفِعْلُ المُضارِعُ المَجْزُومُ بِلامِ الأمْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٩] .
والمَصْدَرُ النّائِبُ عَنْ فِعْلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾، أيْ فاضْرِبُوا رِقابَهم، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾، أيْ أوَجُعْتُمْ فِيهِمْ قَتْلًا.
(p-٢٤٨)فالإثْخانُ هو الإكْثارُ مِن قَتْلِ العَدُوِّ حَتّى يَضْعُفَ ويَثْقُلَ عَنِ النُّهُوضِ.
وَقَوْلُهُ: فَشُدُّوا الوَثاقَ، أيْ فَأْسِرُوهم، والوَثاقُ - بِالفَتْحِ والكَسْرِ - اسْمٌ لِما يُؤْسَرُ بِهِ الأسِيرُ مِن قَيْدٍ ونَحْوِهِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ الأمْرِ بِقَتْلِ الكُفّارِ حَتّى يُثْخِنَهُمُ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْسِرُونَهم - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٨] . وقَدْ أمَرَ بِقَتْلِهِمْ في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥] .
• وقَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ الآيَةَ [التوبة: ٣٦] .
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٥٧] .
وقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ فَإمّا تَمُنُّونَ عَلَيْهِمْ مَنًّا، أوْ تُفادُونَهم فِداءً.
وَمَعْلُومٌ أنَّ المَصْدَرَ إذا سِيقَ لِتَفْصِيلٍ وجَبَ حَذْفُ عامِلِهِ، كَما قالَ في الخُلاصَةِ:
؎وَما لِتَفْصِيلٍ كَإمّا مَنّا عامِلُهُ يُحْذَفُ حَيْثُ عَنّا
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَأجْهَدَنَّ فَإمّا دَرْءَ واقِعَةٍ تُخْشى ∗∗∗ وإمّا بُلُوغُ السُّؤْلِ والأمَلِ
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا قَبْلَها، ومِمَّنْ يُرْوى عَنْهُ هَذا القَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما يُؤَيِّدُهُ.
وَنَسْخُ هَذِهِ الآيَةِ هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَهُ المَنُّ ولا الفِداءُ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ عِنْدَهُ، بَلْ يُخَيَّرُ عِنْدَهُ الإمامُ بَيْنَ القَتْلِ والِاسْتِرْقاقِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ آياتِ السَّيْفِ النّازِلَةَ في بَراءَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ القِتالِ هَذِهِ.
وَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: إنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مَنسُوخَةً، وإنَّ جَمِيعَ الآياتِ المَذْكُورَةَ (p-٢٤٩)مُحْكَمَةٌ، فالإمامُ مُخَيَّرٌ، ولَهُ أنْ يَفْعَلَ ما رَآهُ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِن مَنٍّ وفِداءٍ وقَتْلٍ واسْتِرْقاقٍ.
قالُوا: قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ أسِيرَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ، وأخَذَ فِداءَ غَيْرِهِما مِنَ الأُسارى.
وَمَنَّ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ سَيِّدِ بَنِي حَنِيفَةَ، وكانَ يَسْتَرِقُّ السَّبْيَ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في نَيْلِ الأوْطارِ: والحاصِلُ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في جِنْسِ أسارى الكُفّارِ جَوازُ القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ والِاسْتِرْقاقِ، فَمَنِ ادَّعى أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمُورِ تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الكُفّارِ دُونَ بَعْضٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ ناهِضٍ يُخَصَّصُ العُمُوماتِ، والمُجَوَّزُ قائِمٌ في مَقامِ المَنعِ، وقَوْلُ عَلِيٍّ وفِعْلُهُ عِنْدَ بَعْضِ المانِعِينَ مِنِ اسْتِرْقاقِ ذُكُورِ العَرَبِ حُجَّةٌ، وقَدِ اسْتَرَقَّ بَنِي ناجِيَةَ ذُكُورَهم وإناثَهم وباعَهم، كَما هو مَشْهُورٌ في كُتُبِ السِّيَرِ والتَّوارِيخِ اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ بَنِي ناجِيَةَ مِنَ العَرَبِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: لَمْ يَخْتَلِفِ المُسْلِمُونَ في جَوازِ المِلْكِ بِالرِّقِّ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ سَبَبَهُ أسْرُ المُسْلِمِينَ الكُفّارَ في الجِهادِ، واللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - في كِتابِهِ يُعَبِّرُ عَنِ المِلْكِ بِالرِّقِّ بِعِبارَةٍ هي أبْلَغُ العِباراتِ، في تَوْكِيدِ ثُبُوتِ مِلْكِ الرَّقِيقِ، وهي مِلْكُ اليَمِينِ؛ لِأنَّ ما مَلَكَتْهُ يَمِينُ الإنْسانِ فَهو مَمْلُوكٌ لَهُ تَمامًا، وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ تَمامًا،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] .
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ في سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“ [المؤمنون: ٥ - ٦] . و ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣٠] .
• وقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤] .
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهُمْ﴾ الآيَةَ [النور: ٣٣] .
• وقَوْلِهِ: ﴿والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] .
• وقَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٢] .
• وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٠] .
• وقَوْلِهِ: (p-٢٥٠)﴿أوْ نِسائِهِنَّ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] .
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النحل: ٧١] .
• وقَوْلِهِ: ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١] .
• وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨] .
فالمُرادُ بِمِلْكِ اليَمِينِ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ كُلِّها المِلْكُ بِالرِّقِّ، والأحادِيثُ والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ حَصْرُها، وهي مَعْلُومَةٌ، فَلا يُنْكِرُ الرِّقَّ في الإسْلامِ إلّا مُكابِرٌ أوْ مُلْحِدٌ أوْ مَن لا يُؤْمِنُ بِكِتابِ اللَّهِ ولا بِسُّنَّةِ رَسُولِهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا حِكْمَةَ المِلْكِ بِالرِّقِّ وإزالَةَ الإشْكالِ في مِلْكِ الرَّقِيقِ المُسْلِمِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَثِيرًا مِن أجِلّاءِ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ ومُحَدِّثِيهِمُ الكِبارِ كانُوا أرِقّاءَ مَمْلُوكِينَ، أوْ أبْناءَ أرِقّاءَ مَمْلُوكِينَ.
فَهَذا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ كانَ أبُوهُ سِيرِينُ عَبْدًا لِأنَسِ بْنِ مالِكٍ.
وَهَذا مَكْحُولٌ كانَ عَبْدًا لِامْرَأةٍ مِن هُذَيْلٍ، فَأعْتَقَتْهُ.
وَمِثْلُ هَذا أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، كَما هو مَعْلُومٌ.
واعْلَمْ أنَّ ما يَدَّعِيهِ بَعْضٌ مِنَ المُتَعَصِّبِينَ لِنَفْيِ الرِّقِّ في الإسْلامِ مِن أنَّ آيَةَ ”القِتالِ“ هَذِهِ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الرِّقِّ مِن أصْلِهِ؛ لِأنَّها أوْجَبَتْ واحِدًا مِن أمْرَيْنِ لا ثالِثَ لَهُما، وهُما المَنُّ والفِداءُ فَقَطْ - فَهو اسْتِدْلالٌ ساقِطٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ اسْتِدْلالًا بِالآيَةِ، عَلى شَيْءٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيها، ولَمْ تَتَناوَلْهُ أصْلًا، والِاسْتِدْلالُ إنْ كانَ كَذَلِكَ فَسُقُوطُهُ كَما تَرى.
وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِيها تَقْسِيمُ حُكْمِ الأُسارى إلى مَنٍّ وفِداءٍ، لَمْ تَتَناوَلْ قَطْعًا إلّا الرِّجالَ المُقاتِلِينَ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾، وقَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ - صَرِيحٌ في ذَلِكَ كَما تَرى.
وَعَلى إثْخانِ هَؤُلاءِ المُقاتِلِينَ رَتَّبَ بِالفاءِ قَوْلَهُ: ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ .
فَظَهَرَ أنَّ الآيَةَ لَمْ تَتَناوَلْ أُنْثى ولا صَغِيرًا البَتَّةَ.
وَيَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا أنَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ نِساءِ الكُفّارِ وصِبْيانِهِمْ ثابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (p-٢٥١)وَأكْثَرُ أهْلِ الرِّقِّ في أقْطارِ الدُّنْيا إنَّما هو مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ.
وَلَوْ كانَ الَّذِي يَدَّعِي نَفْيَ الرِّقِّ مِن أصْلِهِ يَعْتَرِفُ بِأنَّ الآيَةَ، لا يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى شَيْءٍ غَيْرِ الرِّجالِ المُقاتِلِينَ، لِقَصْرِ نَفْيِ الرِّقِّ الَّذِي زَعَمَهُ عَلى الرِّجالِ الَّذِينَ أُسِرُوا في حالَ كَوْنِهِمْ مُقاتِلِينَ، ولَوْ قَصَرَهُ عَلى هَؤُلاءِ، لَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يَقُولَ بِنَفْيِ الرِّقِّ مَن أصْلِهِ كَما تَرى.
الوَجْهُ الثّانِي: هو ما قَدَّمَنا مِنَ الأدِلَّةِ عَلى ثُبُوتِ الرِّقِّ في الإسْلامِ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أيْ: إذا لَقِيتُمُ الكُفّارَ فاضْرِبُوا أعْناقَهم ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ قَتْلًا فَأْسِرُوهم ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أيْ حَتّى تَنْتَهِيَ الحَرْبُ.
وَأظْهَرُ الأقْوالِ في مَعْنى وضْعِ الحَرْبِ أوْزارَها أنَّهُ وضْعُ السِّلاحِ، والعَرَبُ تُسَمِّي السِّلاحَ وزَرًا، وتُطْلِقُ العَرَبُ الأوْزارَ عَلى آلاتِ الحَرْبِ وما يُساعِدُ فِيها كالخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها رِماحًا طُوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا وفي مَعْنى أوْزارِ الحَرْبِ أقْوالٌ أُخَرُ مَعْرُوفَةٌ تَرَكْناها، لِأنَّ هَذا أظْهَرُها عِنْدَنا. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
محمد 47:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ . ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ، إنْ نَصَرُوا رَبَّهم، نَصَرَهم عَلى أعْدائِهِمْ، وثَبَّتَ أقْدامَهم، أيْ عَصَمَهم مِنَ الفِرارِ والهَزِيمَةِ.
وَقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وبَيَّنَ في بَعْضِها صِفاتِ الَّذِينَ وعَدَهم بِهَذا النَّصْرِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، ثُمَّ بَيَّنَ صِفاتِ المَوْعُودِينَ بِهَذا النَّصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]،
• وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [غافر: ٥١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٢٥٢)وَقَوْلُهُ تَعالى في بَيانِ صِفاتِ مَن وعَدَهم بِالنَّصْرِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ﴾ [الحج: ٤١] .
يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ لا يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، ولا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، ولا يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، ولا يَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، لَيْسَ لَهم وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ البَتَّةَ.
فَمَثَلُهم كَمَثَلِ الأجِيرِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ لِمُسْتَأْجِرِهِ شَيْئًا، ثُمَّ جاءَهُ يَطْلُبُ مِنهُ الأُجْرَةَ.
فالَّذِينَ يَرْتَكِبُونَ جَمِيعَ المَعاصِي مِمَّنْ يَتَسَمَّوْنَ بِاسْمِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُنا - مَغْرُرُونَ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مِن حِزْبِ اللَّهِ المَوْعُودِينَ بِنَصْرِهِ كَما لا يَخْفى.
وَمَعْنى نَصْرِ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ - نَصْرُهم لِدِينِهِ ولِكِتابِهِ، وسَعْيُهم وجِهادُهم في أنْ تَكُونَ كَلِمَتُهُ هي العُلْيا، وأنْ تُقامَ حُدُودُهُ في أرْضِهِ، وتُمْتَثَلَ أوامِرُهُ وتُجْتَنَبَ نَواهِيهِ، ويُحْكَمَ في عِبادِهِ بِما أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ - ﷺ .
محمد 47:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]، وأحَلْنا عَلى الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِذَلِكَ في سُورَةِ الرُّومِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ﴾ [الروم: ٩]، وأوْضَحْناها في الزُّخْرُفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨]، وفي الأحْقافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
محمد 47:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ . الآياتُ الَّتِي تُوَضِّحُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، هي المُشارُ إلَيْها في نَفْسِ الآيَةِ، الَّتِي ذَكَرْنا قَبْلَها.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن إخْراجِ كُفّارِ مَكَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنها بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ]، (p-٢٥٣)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: - ٣٠] .
وَقَدْ أخْرَجُوهُ فِعْلًا بِمَكْرِهِمُ المَذْكُورِ، وبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ لا ذَنْبَ لَهم يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الإخْراجَ إلّا الإيمانَ بِاللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقالَ تَعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكم أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، أيْ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكم لِأجْلِ إيمانِكم بِرَبِّكم.
وَقالَ تَعالى في إخْراجِهِمْ لَهُ: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ، غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الكافِ وياءٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ ساكِنَةٍ.
وَقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ: ”وَكائِنْ“ بِألِفٍ بَعْدِ الكافِ، وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ.
وَكُلُّهم عِنْدُ الوَقْفِ يَقِفُونَ عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ، كَحالِ الصِّلَةِ، إلّا أبا عَمْرٍو فَإنَّهُ يَقِفُ عَلى الياءِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أوْجُهَ القِراءَةِ في ”كَأيِّنْ“ ومَعْناها، وما فِيها مِنَ اللُّغاتِ، مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٥] .
محمد 47:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾
أنْهارُ الماءِ وأنْهارُ الخَمْرِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ بَعْضَ صِفاتِها في آياتٍ أُخْرى،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [محمد: ١٢] في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١]،
• وقَوْلِهِ: (p-٢٥٤)﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢]، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى مِن صِفاتِ خَمْرِ الجَنَّةِ أنَّها لا تُسْكِرُ شارِبَها، ولا تُسَبِّبُ لَهُ الصُّداعَ الَّذِي هو وجَعُ الرَّأْسِ في آياتٍ مِن كِتابِهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] .
وَقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى هَذِهِ الآياتِ بِإيضاحٍ في سُورَةِ المائِدَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] . الآيَةَ
وَقَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ أيْ غَيْرُ مُتَغَيِّرِ اللَّوْنِ ولا الطَّعْمِ. والآسِنُ والآجِنُ مَعْناهُما واحِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎وَمَنهَلٌ آجِنٌ قَفْرٌ مَحاضِرُهُ تَذْرُو الرِّياحُ عَلى جُمّاتِهِ البَعَرا
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎وَمَنهَلٌ فِيهِ الغُرابُ مَيِّتُ
؎كَأنَّهُ مِنَ الأُجُونِ زَيِّتُ ∗∗∗ سَقَيْتُ مِنها القَوْمَ واسْتَقَيْتُ
وَبِما ذَكَرْنا تَعَلَمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ .
قَدْ بَيَّنَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ الثِّمارَ الَّتِي يُرْزَقُها أهْلُ الجَنَّةِ يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا في الجَوْدَةِ والحُسْنِ والكَمالِ، لَيْسَ فِيها شَيْءٌ رَدِيءٌ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ١٩] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القِتالِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى تَعَدُّدِ الأنْهارِ مَعَ تَعَدُّدِ أنْواعِها.
وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى يُوهِمُ ظاهِرُها أنَّهُ نَهْرٌ واحِدٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤]، وقَدْ تَقَدَّمَ الجَمْعُ واضِحًا في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٩] .
وَبَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ”وَنَهَرٍ“: يَعْنِي وأنْهارٍ.
محمد 47:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨] .
(p-٢٥٥)قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ .
التَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ، يَتَذَكَّرُونَ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وأنَّ الإيمانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَنْفَعُهم لِفَواتِ وقْتِهِ، فَقَوْلُهُ: ذِكْراهم مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فَأنّى لَهُمْ﴾ أيْ كَيْفَ تَنْفَعُهم ذِكْراهم وإيمانُهم بِاللَّهِ، وقَدْ فاتَ الوَقْتُ الَّذِي يُقْبَلُ فِيهِ الإيمانُ.
والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في جاءَتْهم عائِدٌ إلى السّاعَةِ الَّتِي هي القِيامَةُ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ يُؤْمِنُونَ، ولا يَنْفَعُهم إيمانُهم - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبإ: ٥٢]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الطارق: ٢٣] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] .
فَظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أنّى لَهم نَفْعُ ذِكْراهم.
والذِّكْرى اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الِاتِّعاظِ الحامِلِ عَلى الإيمانِ.
محمد 47:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ إذا أنْزَلَ سُورَةً مُحْكَمَةً، أيْ مُتْقَنَةَ الألْفاظِ والمَعانِي، واضِحَةَ الدَّلالَةِ، لا نَسْخَ فِيها وذَكَرَ فِيها وُجُوبَ قِتالِ الكُفّارِ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ، كَوْنُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أيْ شَكٌّ ونِفاقٌ، يَنْظُرُونَ كَنَظَرِ الإنْسانِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ في سِياقِ المَوْتِ، لِأنَّ نَظَرَ مَن كانَ كَذَلِكَ تَدُورُ فِيهِ عَيْنُهُ ويَزِيغُ بَصَرُهُ.
(p-٢٥٦)وَهَذا إنَّما وقَعَ لَهم مِن شِدَّةِ الخَوْفِ مِن بَأْسِ الكَفّارِ المَأْمُورِ بِقِتالِهِمْ.
وَقَدْ صَرَّحَ - جَلَّ وعَلا - بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الخَوْفِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأغْنِياءَ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، إذا أنْزَلَ اللَّهُ سُورَةً فِيها الأمْرُ بِالجِهادِ، اسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٦] .
محمد 47:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ .
الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ لِلْإنْكارِ، والفاءُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: أيُعْرِضُونَ عَنْ كِتابِ اللَّهِ فَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ؛ كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدا هُنا اسْتَبِحْ
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ ”أمْ“ فِيهِ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ، فَقَدْ أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنْ تَدَبُّرِ القُرْآنِ، بِأداةِ الإنْكارِ الَّتِي هي الهَمْزَةُ، وبَيَّنَ أنَّ قُلُوبَهم عَلَيْها أقْفالٌ لا تَنْفَتِحُ لِخَيْرٍ، ولا لِفَهْمِ قُرْآنٍ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ عَلى مَن أعْرَضَ عَنْ تَدَبُّرِ كِتابِ اللَّهِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩] .
وَقَدْ ذَمَّ - جَلَّ وعَلا - المُعْرِضَ عَنْ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ [الكهف: ٥٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢] .
(p-٢٥٧)وَمَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مَن لَمْ يَشْتَغِلْ بِتَدَبُّرِ آياتِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ أيْ تَصَفُّحِها وتَفَهُّمِها، وإدْراكِ مَعانِيها والعَمَلِ بِها، فَإنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْها، غَيْرُ مُتَدَبِّرٍ لَها فَيَسْتَحِقُّ الإنْكارَ والتَّوْبِيخَ المَذْكُورَ في الآياتِ إنْ كانَ اللَّهُ أعْطاهُ فَهْمًا يَقْدِرُ بِهِ عَلى التَّدَبُّرِ، وقَدْ شَكا النَّبِيُّ ﷺ إلى رَبِّهِ مِن هَجْرِ قَوْمِهِ هَذا القُرْآنَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: - ٣٠] .
وَهَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَدَبُّرَ القُرْآنِ وتَفَهُّمَهُ وتَعَلُّمَهُ والعَمَلَ بِهِ، أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ المُشْتَغِلِينَ بِذَلِكَ هم خَيْرُ النّاسِ. كَما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «خَيْرُكم مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ» وقالَ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] .
فَإعْراضُ كَثِيرٍ مِنَ الأقْطارِ عَنِ النَّظَرِ في كِتابِ اللَّهِ وتَفَهُّمِهِ والعَمَلِ بِهِ وبِالسُّنَّةِ الثّابِتَةِ المُبِيِّنَةِ لَهُ، مَن أعْظَمِ المُناكِرِ وأشْنَعِها، وإنْ ظَنَّ فاعِلُوهُ أنَّهم عَلى هُدًى.
وَلا يَخْفى عَلى عاقِلٍ أنَّ القَوْلَ بِمَنعِ العَمَلِ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ اكْتِفاءً عَنْهُما بِالمَذاهِبِ المُدَوَّنَةِ، وانْتِفاءِ الحاجَةِ إلى تَعَلُّمِهِما؛ لِوُجُودِ ما يَكْفِي عَنْهُما مِن مَذاهِبِ الأئِمَّةِ - مِن أعْظَمِ الباطِلِ.
وَهُوَ مُخالِفٌ لِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ وإجْماعِ الصَّحابَةِ ومُخالِفٌ لِأقْوالِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ.
(p-٢٥٨)فَمُرْتَكِبُهُ مُخالِفٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِأصْحابِ رَسُولِهِ جَمِيعًا ولِلْأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، كَما سَتَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَ بَعْضِ مُتَأخِّرِي الأُصُولِيِّينَ: إنَّ تَدَبُّرَ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَفَهُّمَهُ والعَمَلَ بِهِ لا يَجُوزُ إلّا لِلْمُجْتَهِدِينَ خاصَّةً، وإنَّ كُلَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهادِ المُطْلَقِ بِشُرُوطِهِ المُقَرَّرَةِ عِنْدَهُمُ الَّتِي لَمْ يَسْتَنِدِ اشْتِراطُ كَثِيرٍ مِنها إلى دَلِيلٍ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجْماعٍ ولا قِياسٍ جَلِيٍّ، ولا أثَرٍ عَنِ الصَّحابَةِ - قَوْلٌ لا مُسْتَنَدَ لَهُ مِن دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ أصْلًا.
بَلِ الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، أنَّ كُلَّ مَن لَهُ قُدْرَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، عَلى التَّعَلُّمِ والتَّفَهُّمِ، وإدْراكِ مَعانِي الكِتابِ والسُّنَّةِ، يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُهُما، والعَمَلُ بِما عَلِمَ مِنهُما.
أمّا العَمَلُ بِهِما مَعَ الجَهْلِ بِما يَعْمَلُ بِهِ مِنهُما فَمَمْنُوعٌ إجْماعًا.
وَأمّا ما عَلِمَهُ مِنهُما عِلْمًا صَحِيحًا ناشِئًا عَنْ تَعَلُّمٍ صَحِيحٍ. فَلَهُ أنْ يَعْمَلَ بِهِ. ولَوْ آيَةً واحِدَةً أوْ حَدِيثًا واحِدًا.
وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا الذَّمَّ والإنْكارَ عَلى مَن يَتَدَبَّرُ كِتابَ اللَّهِ - عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ.
وَمِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ المُخاطَبِينَ الأوَّلِينَ بِهِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ هُمُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ، لَيْسَ أحَدٌ مِنهم مُسْتَكْمِلًا لِشُرُوطِ الِاجْتِهادِ المُقَرَّرَةِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ، بَلْ لَيْسَ عِنْدَهم شَيْءٌ مِنها أصْلًا. فَلَوْ كانَ القُرْآنُ لا يَجُوزُ أنْ يُنْتَفَعَ بِالعَمَلِ بِهِ والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ إلّا المُجْتَهِدُونَ بِالإصْلاحِ الأُصُولِيِّ لَما وبَّخَ اللَّهُ الكَفّارُ وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الِاهْتِداءِ بِهُداهُ، ولَما أقامَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ بِهِ حَتّى يُحَصِّلُوا شُرُوطَ الِاجْتِهادِ المُقَرَّرَةَ عِنْدَ مُتَأخِّرِي الأُصُولِيِّينَ، كَما تَرى.
وَمَعْلُومٌ أنَّ مِنَ المُقَرَّرِ في الأُصُولِ أنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ، وإذًا فَدُخُولُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في الآياتِ المَذْكُورَةِ قَطْعِيٌّ، ولَوْ كانَ لا يَصِحُّ الِانْتِفاعُ بِهَدْيِ القُرْآنِ إلّا لِخُصُوصِ المُجْتَهِدِينَ لَما أنْكَرَ اللَّهُ عَلى الكُفّارِ عَدَمَ تَدَبُّرِهِمْ كِتابَ اللَّهِ، وعَدَمَ عَمَلِهِمْ بِهِ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الواقِعَ خِلافُ ذَلِكَ قَطْعًا، ولا يَخْفى أنَّ شُرُوطَ الِاجْتِهادِ لا تُشْتَرَطُ إلّا (p-٢٥٩)فِيما فِيهِ مَجالٌ لِلِاجْتِهادِ. والأُمُورُ المَنصُوصَةُ في نُصُوصٍ صَحِيحَةٍ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، لا يَجُوزُ الِاجْتِهادُ فِيها لِأحَدٍ، حَتّى تُشْتَرَطَ فِيها شُرُوطُ الِاجْتِهادِ، بَلْ لَيْسَ فِيها إلّا الِاتِّباعُ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرُهُ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ تَبَعًا لِلْقَرافِيِّ مِن قَوْلِهِ: مَن لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فالعَمَلُ مِنهُ بِمَعْنى النَّصِّ مِمّا يُحْظَلُ لا يَصِحُّ عَلى إطْلاقِهِ بِحالٍ لِمُعارَضَتِهِ لِآياتٍ وأحادِيثَ كَثِيرَةٍ مِن غَيْرِ اسْتِنادٍ إلى دَلِيلٍ.
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَصِحُّ تَخْصِيصُ عُمُوماتِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
وَمِنَ المَعْلُومِ أيْضًا أنَّ عُمُوماتِ الآياتِ والأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى حَثِّ جَمِيعِ النّاسِ عَلى العَمَلِ بِكِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رَسُولِهِ - أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، كَقَوْلِهِ - ﷺ: «تَرَكْتُ فِيكم ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّتِي» وقَوْلِهِ - ﷺ: «عَلَيْكم بِسُنَّتِي» الحَدِيثَ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى.
فَتَخْصِيصُ جَمِيعِ تِلْكَ النُّصُوصِ بِخُصُوصِ المُجْتَهِدِينَ، وتَحْرِيمُ الِانْتِفاعِ بِهَدْيِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى غَيْرِهِمْ تَحْرِيمًا باتًّا يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ولا يَصِحُّ تَخْصِيصُ تِلْكَ النُّصُوصِ بِآراءِ جَماعاتٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ المُقِرِّينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم مِنَ المُقَلِّدِينَ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ المُقَلِّدَ الصِّرْفَ، لا يَجُوزُ عَدُّهُ مِنَ العُلَماءِ ولا مِن ورَثَةِ الأنْبِياءِ، كَما سَتَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقالَ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ في نَشْرِ البُنُودِ في شَرْحِهِ لِبَيْتِهِ المَذْكُورِ (p-٢٦٠)آنِفًا ما نَصُّهُ: يَعْنِي أنَّ غَيْرَ المُجْتَهِدِ يُحْظَلُ لَهُ، أيْ يُمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ بِمَعْنى نَصٍّ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ وإنْ صَحَّ سَنَدُها لِاحْتِمالِ عَوارِضِهِ مِن نَسْخٍ وتَقْيِيدٍ، وتَخْصِيصٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي لا يَضْبُطُها إلّا المُجْتَهِدُ، فَلا يُخَلِّصُهُ مِنَ اللَّهِ إلّا تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ، قالَهُ القَرافِيُّ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهُ، ولا لِلْقَرافِيُّ الَّذِي تَبِعَهُ في مَنعِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ غَيْرِ المُجْتَهِدِينَ مِنَ العَمَلِ بِكِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رَسُولِهِ، إلّا مُطْلَقَ احْتِمالِ العَوارِضِ، الَّتِي تَعْرِضُ لِنُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، مِن نَسْخٍ أوْ تَخْصِيصٍ أوْ تَقْيِيدٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهو مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ مِنَ النَّسْخِ حَتّى يَثْبُتَ وُرُودُ النّاسِخِ، والعامُّ ظاهِرٌ في العُمُومِ حَتّى يَثْبُتَ وُرُودُ المُخَصِّصِ، والمُطْلَقُ ظاهِرٌ في الإطْلاقِ حَتّى يَثْبُتَ وُرُودُ المُقَيِّدِ، والنَّصُّ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ حَتّى يَثْبُتَ النُّسَخُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، والظّاهِرُ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ عُمُومًا كانَ أوْ إطْلاقًا أوْ غَيْرَهُما حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ صارِفٌ عَنْهُ إلى المُحْتَمَلِ المَرْجُوحِ، كَما هو مَعْرُوفٌ في مَحَلِّهِ.
وَأوَّلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ العَمَلُ بِالعامِّ حَتّى يُبْحَثَ عَنِ المُخَصَّصِ فَلا يُوجَدُ، ونَحْوَ ذَلِكَ - أبُو العَبّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ، وتَبِعَهُ جَماعاتٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، حَتّى حَكَمُوا عَلى ذَلِكَ الإجْماعِ حِكايَةً لا أساسَ لَها.
وَقَدْ أوْضَحَ ابْنُ القاسِمِ العَبّادِيُّ في الآياتِ البَيِّناتِ غَلَطَهم في ذَلِكَ، في كَلامِهِ عَلى شَرْحِ المَحَلِّ لِقَوْلِ ابْنِ السُّبْكِيِّ في جَمْعِ الجَوامِعِ، ويُتَمَسَّكُ بِالعامِّ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ البَحْثِ عَنِ المُخَصِّصِ، وكَذا بَعْدَ الوَفاةِ، خِلافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ ا هـ.
وَعَلى كُلِّ حالٍ فَظَواهِرُ النُّصُوصِ مِن عُمُومٍ وإطْلاقٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، لا يَجُوزُ تَرْكُها إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، مِن مُخَصِّصٍ أوْ مُقَيِّدٍ، لا لِمُجَرَّدِ مُطْلَقِ الِاحْتِمالِ، كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ.
(p-٢٦١)فادِّعاءُ كَثِيرٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، أنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ حَتّى يُبْحَثَ عَنِ المُخَصِّصِ والمُقَيِّدِ مَثَلًا - خِلافُ التَّحْقِيقِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ غَيْرَ المُجْتَهِدِ إذا تَعَلَّمَ آياتِ القُرْآنِ، أوْ بَعْضَ أحادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَعْمَلَ بِها، تَعَلَّمَ ذَلِكَ النَّصَّ العامَّ أوِ المُطْلَقَ، وتَعَلَّمَ مَعَهُ مُخَصِّصَهُ ومُقَيِّدَهُ إنْ كانَ مُخَصَّصًا أوْ مُقَيَّدًا، وتَعَلَّمَ ناسِخَهُ إنْ كانَ مَنسُوخًا، وتَعَلُّمُ ذَلِكَ سَهْلٌ جِدًّا، بِسُؤالِ العُلَماءِ العارِفِينَ بِهِ، ومُراجَعَةِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ والحَدِيثِ المُعْتَدِّ بِها في ذَلِكَ، والصَّحابَةُ كانُوا في العَصْرِ الأوَّلِ يَتَعَلَّمُ أحَدُهم آيَةً فَيَعْمَلُ بِها، وحَدِيثًا فَيَعْمَلُ بِهِ، ولا يَمْتَنِعُ مِنَ العَمَلِ بِذَلِكَ حَتّى يُحَصِّلَ رُتْبَةَ الِاجْتِهادِ المُطْلَقِ، ورُبَّما عَمِلَ الإنْسانُ بِما عَلِمَ فَعَلَّمَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، كَما يُشِيرُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، عَلى القَوْلِ بِأنَّ الفَرْقانَ هو العِلْمُ النّافِعُ الَّذِي يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٨] .
وَهَذِهِ التَّقْوى الَّتِي دَلَّتِ الآياتُ عَلى أنَّ اللَّهَ يُعَلِّمُ صاحِبَها بِسَبَبِها ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، لا تَزِيدُ عَلى عَمَلِهِ بِما عَلِمَ، مِن أمْرِ اللَّهِ وعَلَيْهِ فَهي عَمَلٌ بِبَعْضِ ما عَلِمَ زادَهُ اللَّهُ بِهِ عِلْمَ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ.
فالقَوْلُ بِمَنعِ العَمَلِ بِما عَلِمَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، حَتّى يُحَصِّلَ رُتْبَةَ الِاجْتِهادِ المُطْلَقِ، هو عَيْنُ السَّعْيِ في حِرْمانِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ مِنَ الانْتِفاعِ بِنُورِ القُرْآنِ، حَتّى يُحَصِّلُوا شَرْطًا مَفْقُودًا في اعْتِقادِ القائِلِينَ بِذَلِكَ. وادِّعاءُ مِثْلِ هَذا عَلى اللَّهِ وعَلى كِتابِهِ وعَلى سُنَّةِ رَسُولِهِ - هو كَما تَرى.
* *
(p-٢٦٢)تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ:
يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ يَخافُ العَرْضَ عَلى رَبِّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، أنْ يَتَأمَّلَ فِيهِ لِيَرى لِنَفَسِهِ المَخْرَجَ مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ العُظْمى، والطّامَّةِ الكُبْرى، الَّتِي عَمَّتْ جُلَّ بِلادِ المُسْلِمِينَ مِنَ المَعْمُورَةِ.
وَهِيَ ادِّعاءُ الِاسْتِغْناءِ عَنْ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، اسْتِغْناءً تامًّا في جَمِيعِ الأحْكامِ مِن عِباداتٍ ومُعامَلاتٍ، وحُدُودٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، بِالمَذاهِبِ المُدَوَّنَةِ.
وَبِناءُ هَذا عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ:
إحْداهُما: أنَّ العَمَلَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ لا يَجُوزُ إلّا لِلْمُجْتَهِدِينَ.
والثّانِيَةُ: أنَّ المُجْتَهِدِينَ مَعْدُومُونَ عَدَمًا كُلِّيًّا، لا وُجُودَ لِأحَدٍ مِنهم في الدُّنْيا، وأنَّهُ بِناءً عَلى هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ، يُمْنَعُ العَمَلُ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهُ مَنعًا باتًّا عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ، ويُسْتَغْنى عَنْهُما بِالمَذاهِبِ المُدَوَّنَةِ.
وَزادَ كَثِيرٌ مِنهم عَلى هَذا مَنعَ تَقْلِيدِ غَيْرِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ اسْتِمْرارُهُ إلى آخِرِ الزَّمانِ.
فَتَأمَّلْ يا أخِي رَحِمَكَ اللَّهُ: كَيْفَ يَسُوغُ لِمُسْلِمٍ، أنْ يَقُولَ بِمَنعِ الِاهْتِداءِ بِكِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وعَدَمِ وُجُوبِ تَعَلُّمِهِما والعَمَلِ بِهِما اسْتِغْناءً عَنْهُما بِكَلامِ رِجالٍ غَيْرِ مَعْصُومِينَ ولا خِلافَ في أنَّهم يُخْطِئُونَ.
فَإنْ كانَ قَصْدُهم أنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ، لا حاجَةَ إلى تَعَلُّمِهِما، وأنَّهُما يُغْنِي غَيْرُهُما، فَهَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، ومُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ.
وَإنْ كانَ قَصْدَهم أنَّ تَعَلُّمَهُما صَعْبٌ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، فَهو أيْضًا زَعْمٌ باطِلٌ؛ لِأنَّ تَعَلُّمَ الكِتابِ والسُّنَّةِ أيْسَرُ مِن تَعَلُّمِ مَسائِلِ الآراءِ والِاجْتِهادِ المُنْتَشِرَةِ، مَعَ كَوْنِها في غايَةِ التَّعْقِيدِ (p-٢٦٣)والكَثْرَةِ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ في سُورَةِ القَمَرِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧ - ٢٢ - ٣٢ - ٤٠]، ويَقُولُ تَعالى في الدُّخانِ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨]، ويَقُولُ في مَرْيَمَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] .
فَهُوَ كِتابٌ مُيَسَّرٌ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْعَمَلِ بِهِ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، ويَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] .
فَلا شَكَّ أنَّ الَّذِي يَتَباعَدُ عَنْ هُداهُ يُحاوِلُ التَّباعُدَ عَنْ هُدى اللَّهِ ورَحْمَتِهِ.
وَلا شَكَّ أنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ هو النُّورُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ إلى أرْضِهِ، لِيُسْتَضاءَ بِهِ، فَيُعْلَمَ في ضَوْئِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والحَسَنُ مِنَ القَبِيحِ، والنّافِعُ مِنَ الضّارِّ، والرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] .
وَقالَ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ ﴿وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥]، وقالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقالَ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التغابن: ٨]، وقالَ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
فَإذا عَلِمْتَ أيُّها المُسْلِمُ أنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ، هو النُّورُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ لِيُسْتَضاءَ بِهِ، ويُهْتَدى بِهُداهُ في أرْضِهِ، فَكَيْفَ تَرْضى لِبَصِيرَتِكَ أنْ تَعْمى عَنِ النُّورِ.
فَلا تَكُنْ خُفّاشِيَّ البَصِيرَةِ، واحْذَرْ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ:
؎خَفافِيشٌ أعْماها النَّهارُ بِضَوْئِهِ ∗∗∗ وَوافَقَها قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ ∗∗∗ مِثْلُ النَّهارِ يَزِيدُ أبْصارَ الوَرى ∗∗∗ نُورًا ويُعْمِي أعْيُنَ الخُفّاشِ
(p-٢٦٤)﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] .
وَلا شَكَّ أنَّ مَن عَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ عَنِ النُّورِ تَخَبَّطَ في الظَّلامِ، ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا، فَما لَهُ مِن نُورٍ.
وَبِهَذا تَعْلَمُ أيُّها المُسْلِمُ المُنْصِفُ، أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ الجِدُّ والِاجْتِهادُ في تَعَلُّمِ كِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بِالوَسائِلِ النّافِعَةِ المُنْتِجَةِ، والعَمَلُ بِكُلِّ ما عَلَّمَكَ اللَّهُ مِنهُما عِلْمًا صَحِيحًا.
وَلْتَعْلَمْ أنَّ تَعَلُّمَ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ في هَذا الزَّمانِ أيْسَرُ مِنهُ بِكَثِيرٍ في القُرُونِ الأوْلى، لِسُهُولَةِ مَعْرِفَةِ جَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، مِن ناسِخٍ ومَنسُوخٍ وعامٍّ وخاصٍّ، ومُطْلَقٍ ومُقَيَّدٍ، ومُجْمَلٍ ومُبَيَّنٍ وأحْوالِ الرِّجالِ، مِن رُواةِ الحَدِيثِ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَ الصَّحِيحِ والضَّعِيفِ؛ لِأنَّ الجَمِيعَ ضَبَطَ وأتْقَنَ ودَوَّنَ، فالجَمِيعُ سَهَّلَ التَّناوُلَ اليَوْمَ.
فَكُلُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ قَدْ عُلِمَ ما جاءَ فِيها مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ وكِبارِ المُفَسِّرِينَ.
وَجَمِيعُ الأحادِيثِ الوارِدَةِ عَنْهُ ﷺ حُفِظَتْ ودُوِّنَتْ، وعُلِمَتْ أحْوالُ مُتُونِها وأسانِيدِها، وما يَتَطَرَّقُ إلَيْها مِنَ العِلَلِ والضَّعْفِ.
فَجَمِيعُ الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطُوها في الِاجْتِهادِ يَسْهُلُ تَحْصِيلُها جِدًّا عَلى كُلِّ مَن رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمًا وعِلْمًا.
والنّاسِخُ والمَنسُوخُ، والخاصُّ والعامُّ، والمُطْلَقُ والمُقَيَّدُ، ونَحْوُ ذَلِكَ تَسْهُلُ مَعْرِفَتُهُ اليَوْمَ عَلى كُلِّ ناظِرٍ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِمَّنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمًا ووَفَّقَهُ لِتَعَلُّمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ.
واعْلَمْ أيُّها المُسْلِمُ المُنْصِفُ، أنَّ مِن أشْنَعِ الباطِلِ وأعْظَمِ القَوْلِ بِغَيْرِ الحَقِّ، عَلى اللَّهِ وكِتابِهِ وعَلى النَّبِيِّ وسُنَّتِهِ المُطَهَّرَةِ، ما قالَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ الصّاوِيُّ في حاشِيَتِهِ عَلى الجَلالَيْنِ في سُورَةِ الكَهْفِ وآلِ عِمْرانَ واغْتَرَّ بِقَوْلِهِ في ذَلِكَ خَلْقٌ لا يُحْصى مِنَ المُتَسَمِّينَ بِاسْمِ طَلَبَةِ العِلْمِ؛ لِكَوْنِهِمْ لا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ حَقٍّ وباطِلٍ.
(p-٢٦٥)فَقَدْ قالَ الصّاوِيُّ أحْمَدُ المَذْكُورُ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الأقْوالَ في انْفِصالِ الِاسْتِثْناءِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِزَمانٍ - ما نَصُّهُ: وعامَّةُ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإنَّ شَرْطَ حَلِّ الأيْمانِ بِالمَشِيئَةِ أنْ تَتَّصِلَ، وأنْ يُقْصَدَ بِها حَلُّ اليَمِينِ، ولا يَضُرَّ الفَصْلُ بِتَنَفُّسٍ أوْ سُعالٍ أوْ عُطاسٍ، ولا يَجُوزُ تَقْلِيدُ ما عَدا المَذاهِبَ الأرْبَعَةَ، ولَوْ وافَقَ قَوْلَ الصَّحابَةِ والحَدِيثَ الصَّحِيحَ والآيَةَ، فالخارِجُ عَنِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ ضالٌّ مُضِلٌّ، ورُبَّما أدّاهُ ذَلِكَ لِلْكُفْرِ؛ لِأنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.
فانْظُرْ يا أخِي - رَحِمَكَ اللَّهُ - ما أشْنَعَ هَذا الكَلامَ وما أبْطَلَهُ، وما أجْرَأ قائِلَهُ عَلى اللَّهِ وكِتابِهِ، وعَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ الخُرُوجُ عَنِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ، ولَوْ كانَتْ أقْوالُهم مُخالِفَةً لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ، وأقْوالِ الصَّحابَةِ، فَهو قَوْلٌ باطِلٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وإجْماعِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ أنْفُسِهِمْ، كَما سَنَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في المَسائِلِ الآتِيَةِ بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، فالَّذِي يَنْصُرُهُ هو الضّالُّ المُضِلِّ.
وَأمّا قَوْلُهُ: إنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أصُولُ الكُفْرِ، فَهَذا أيْضًا مِن أشْنَعِ (p-٢٦٦)الباطِلِ وأعْظَمِهِ، وقائِلُهُ مِن أعْظَمِ النّاسِ انْتِهاكًا لِحُرْمَةِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ .
والتَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو الَّذِي كانَ عَلَيْهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعامَّةُ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْ ظاهِرِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ صارِفٌ عَنِ الظّاهِرِ إلى المُحْتَمَلِ المَرْجُوحِ.
والقَوْلُ بِأنَّ العَمَلَ بِظاهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ لا يَصْدُرُ البَتَّةَ عَنْ عالِمٍ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وإنَّما يَصْدُرُ عَمَّنْ لا عِلْمَ لَهُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لِجَهْلِهِ بِهِما يَعْتَقِدُ ظاهِرَهُما كُفْرًا، والواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ أنَّ ظاهِرَهُما بَعِيدٌ مِمّا ظَنَّهُ أشَدُّ مِن بَعْدِ الشَّمْسِ مِنَ اللَّمْسِ.
وَمِمّا يُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ: أنَّ آيَةَ الكَهْفِ هَذِهِ الَّتِي ظَنَّ الصّاوِيُّ أنَّ ظاهِرَها حَلَّ الأيْمانِ بِالتَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ المُتَأخِّرِ زَمَنُها عَنِ اليَمِينِ، وأنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلْمَذاهِبِ الأرْبَعَةِ: وبَنى عَلى ذَلِكَ أنَّ العَمَلَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ، كُلُّهُ باطِلٌ لا أساسَ لَهُ.
وَظاهِرُ الآيَةِ بَعِيدٌ مِمّا ظَنَّ، بَلِ الظَّنُّ الَّذِي ظَنَّهُ والزَّعْمُ الَّذِي زَعَمَهُ لا تُشِيرُ الآيَةُ إلَيْهِ أصْلًا، ولا تَدُلُّ عَلَيْهِ لا بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ، ولا التَّضَمُّنِ ولا الِالتِزامِ، فَضْلًا عَلى أنْ تَكُونَ ظاهِرَةً فِيهِ.
وَسَبَبُ نُزُولِها يَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا؛ لِأنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ، وأصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ، فَقالَ لَهم: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَعاتَبَهُ رَبُّهُ بِعَدَمِ تَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ، وعَدَمِ تَعْلِيقِهِ بِمَشِيئَتِهِ - جَلَّ وعَلا - فَتَأخَّرَ عَنْهُ الوَحْيُ.
ثُمَّ عَلَّمَهُ اللَّهُ في الآيَةِ الأدَبَ مَعَهُ، في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] .
ثُمَّ قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، يَعْنِي إنْ قُلْتَ سَأفْعَلُ كَذا غَدًا، ثُمَّ نَسِيتَ أنْ تَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَذَكَّرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ، فاذْكُرْ رَبَّكَ، أيْ قُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، أيْ لِتَتَدارَكَ بِذَلِكَ الأدَبَ مَعَ اللَّهِ الَّذِي فاتَكَ عِنْدَ وقْتِهِ، بِسَبَبِ النِّسْيانِ، وتَخْرُجَ مِن عُهْدَةِ النَّهْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ .
(p-٢٦٧)والتَّعْلِيقُ بِهَذِهِ المَشِيئَةِ المُتَأخِّرَةِ لِأجْلِ المَعْنى المَذْكُورِ الَّذِي هو ظاهِرُ الآيَةِ الصَّحِيحُ لا يُخالِفُ مَذْهَبًا مِنَ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ ولا غَيْرِهِمْ، وهو التَّحْقِيقُ في مُرادِ ابْنِ عَبّاسٍ بِما يُنْقَلُ عَنْهُ مِن جَوازِ تَأْخِيرِ الِاسْتِثْناءِ كَما أوْضَحَهُ كَبِيرُ المُفَسِّرِينَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في الكَلامِ عَلى آيَةِ الكَهْفِ هَذِهِ. فَيا أتْباعَ الصّاوِيِّ المُقَلِّدِينَ لَهُ تَقْلِيدًا أعْمى عَلى جَهالَةٍ عَمْياءَ، أيْنَ دَلَّ ظاهِرُ آيَةِ الكَهْفِ هَذِهِ عَلى اليَمِينِ بِاللَّهِ، أوْ بِالطَّلاقِ، أوْ بِالعِتْقِ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأيْمانِ ؟
هَلِ النَّبِيُّ ﷺ حَلَفَ لَمّا قالَ لِلْكُفّارِ: سَأُخْبِرُكم غَدًا ؟
وَهَلْ قالَ اللَّهُ: ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي حالِفٌ سَأفْعَلُ ذَلِكَ غَدًا ؟
وَمِن أيْنَ جِئْتُمْ بِاليَمِينِ، حَتّى قُلْتُمْ: إنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ هو حَلُّ الأيْمانِ بِالمَشِيئَةِ المُتَأخِّرَةِ عَنْها، وبَنَيْتُمْ عَلى ذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ مُخالِفٌ لِمَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وأنَّ العَمَلَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مَن أصُولُ الكُفْرِ ؟
وَمِمّا يَزِيدُ ما ذَكَرْنا إيضاحًا ما قالَهُ الصّاوِيُّ أيْضًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فَإنَّهُ قالَ عَلى كَلامِ الجَلالِ ما نَصُّهُ: زَيْغٌ أيْ مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ لِلْباطِلِ، قَوْلُهُ: بِوُقُوعِهِمْ في الشُّبُهاتِ واللَّبْسِ، أيْ كَنَصارى نَجْرانَ، ومَن حَذا حَذْوَهم مِمَّنْ أخَذَ بِظاهِرِ القُرْآنِ، فَإنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا أنَّ مِن أُصُولِ الكُفْرِ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ا هـ.
فانْظُرْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - ما أشْنَعَ هَذا الكَلامَ، وما أبْطَلَهُ، وما أجْرَأ قائِلَهُ عَلى انْتِهاكِ حُرُماتِ اللَّهِ وكِتابِهِ ونَبِيِّهِ وسُنَّتِهِ ﷺ وما أدَلَّهُ عَلى أنَّ صاحِبَهُ لا يَدْرِي ما يَتَكَلَّمُ بِهِ. فَإنَّهُ جَعَلَ ما قالَهُ نَصارى نَجْرانَ هو ظاهِرُ كِتابِ اللَّهِ، ولِذا جَعَلَ مِثْلَهم مَن حَذا حَذْوَهم، فَأخَذَ بِظاهِرِ القُرْآنِ.
وَذَكَرَ أنَّ العُلَماءَ قالُوا: إنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ، مَعَ أنَّهُ لا يَدْرِي وجْهَ ادِّعاءِ نَصارى نَجْرانَ عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ أنَّهُ كَفَرَ، مَعَ أنَّهُ مُسْلِمٌ أنَّ ادِّعاءَهم عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ أنَّهُ كَفَّرَهم ومَن حَذا حَذْوَهُمُ ادِّعاءٌ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ.
(p-٢٦٨)وَقَدْ قالَ قَبْلَ هَذا: قِيلَ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - ﷺ: «ألَسْتَ تَقُولُ: إنَّ عِيسى رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَقالُوا: حَسْبُنا، أيْ كَفانا ذَلِكَ في كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ» . فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
فاتَّضَحَ أنَّ الصّاوِيَّ يَعْتَقِدُ أنَّ ادِّعاءَ نَصارى نَجْرانَ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١]، هو أنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ ادِّعاءٌ صَحِيحٌ، وبَنى عَلى ذَلِكَ أنَّ العُلَماءَ قالُوا: إنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ.
وَهَذا كُلُّهُ مِن أشْنَعِ الباطِلِ وأعْظَمِهِ، فالآيَةٌ لا يُفْهَمُ مَن ظاهِرِها البَتَّةَ، بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا بِدَلالَةٍ مِنَ الدَّلالاتِ، أنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ، وادِّعاءُ نَصارى نَجْرانَ ذَلِكَ كَذِبٌ بَحْتٌ.
فَقَوْلُ الصّاوِيِّ كَنَصارى نَجْرانَ، ومَن حَذا حَذْوَهم مِمَّنْ أخَذَ بِظَواهِرِ القُرْآنِ صَرِيحٌ في أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ ما ادَّعاهُ وفْدُ نَجْرانَ مِن كَوْنِ عِيسى ابْنَ اللَّهِ هو ظاهِرُ القُرْآنِ اعْتِقادٌ باطِلٌ باطِلٌ باطِلٌ، حاشا القُرْآنِ العَظِيمِ مِن أنْ يَكُونَ هَذا الكُفْرُ البَواحُ ظاهِرَهُ، بَلْ هو لا يَدُلُّ عَلَيْهِ البَتَّةَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ ظاهِرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَرُوحٌ مِنهُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، أيْ كُلُّ ذَلِكَ مِن عِيسى ومِن تَسْخِيرِ السَّماواتِ والأرْضِ مَبْدَؤُهُ ومَنشَؤُهُ - جَلَّ وعَلا.
فَلَفْظَةُ ”مِن“ في الآيَتَيْنِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وذَلِكَ هو ظاهِرُ القُرْآنِ وهو الحَقُّ خِلافًا لِما زَعَمَهُ الصّاوِيُّ وحَكاهُ عَنْ نَصارى نَجْرانَ.
وَقَدِ اتَّضَحَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ لا يَعْلَمُونَ ما هي الظَّواهِرُ، وأنَّهم يَعْتَقِدُونَ شَيْئًا ظاهِرَ النَّصِّ، والواقِعُ أنَّ النَّصَّ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ ظاهِرَهُ.
فَبَنَوْا باطِلًا عَلى باطِلٍ، ولا شَكَّ أنَّ الباطِلَ لا يُبْنى عَلَيْهِ إلّا الباطِلُ.
وَلَوْ تَصَوَّرُوا مَعانِيَ ظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى حَقِيقَتِها لِمَنَعَهم ذَلِكَ مِن أنْ يَقُولُوا ما قالُوا.
فَتَصَوُّرُ الصّاوِيِّ أنَّ ظاهِرَ آيَةِ الكَهْفِ المُتَقَدِّمَةِ هو حَلُّ الأيْمانِ، بِالتَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ (p-٢٦٩)المُتَأخِّرِ زَمَنُها عَنِ اليَمِينِ، وبِناؤُهُ عَلى ذَلِكَ مُخالَفَةَ ظاهِرِ الآيَةِ لِمَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وأنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ، مَعَ أنَّ الآيَةَ لا تُشِيرُ أصْلًا إلى ما اعْتَقَدَ أنَّهُ ظاهِرُها.
وَكَذَلِكَ اعْتِقادُهُ أنَّ ظاهِرَ آيَةِ آلِ عِمْرانَ المَذْكُورَةِ هو ما زَعَمَهُ نَصارى نَجْرانَ، مِن أنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ فَإنَّهُ كُلُّهُ باطِلٌ ولَيْسَ شَيْءٌ مِمّا زَعَمَ - ظاهِرَ القُرْآنِ مُطْلَقًا، كَما لا يَخْفى عَلى عاقِلٍ.
وَقَوْلُ الصّاوِيِّ في كَلامِهِ المَذْكُورِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: إنَّ العُلَماءَ قالُوا: إنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أصُولُ الكُفْرِ، قَوْلٌ باطِلٌ لا يَشُكُّ في بُطْلانِهِ مِن عِنْدِهِ أدْنى مَعْرِفَةٍ.
وَمَن هُمُ العُلَماءُ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مَن أصُولُ الكُفْرِ ؟
سَمُّوهم لَنا، وبَيِّنُوا لَنا مَن هم ؟
والحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَقُولُهُ عالِمٌ، ولا مُتَعَلِّمٌ؛ لِأنَّ ظَواهِرَ الكِتابِ والسُّنَّةِ هي نُورُ اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ لِيُسْتَضاءَ بِهِ في أرْضِهِ وتُقامَ بِهِ حُدُودُهُ، وتُنَفَّذَ بِهِ أوامِرُهُ، ويُنْصَفَ بِهِ بَيْنَ عِبادِهِ في أرْضِهِ.
والنُّصُوصُ القَطْعِيَّةُ الَّتِي لا احْتِمالَ فِيها قَلِيلَةٌ جِدًّا لا يَكادُ يُوجَدُ مِنها إلّا أمْثِلَةٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
والغالِبُ الَّذِي هو الأكْثَرُ هو كَوْنُ نُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ظَواهِرُ.
وَقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ العَمَلَ بِالظّاهِرِ واجِبٌ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ صارِفٌ عَنْهُ إلى المُحْتَمَلِ المَرْجُوحِ، وعَلى هَذا كُلُّ مَن تَكَلَّمَ في الأُصُولِ.
فَتَنْفِيرُ النّاسِ وإبْعادُها عَنْ كِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رَسُولِهِ، بِدَعْوى أنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِهِما مِن (p-٢٧٠)أُصُولِ الكُفْرِ هو مِن أشْنَعِ الباطِلِ وأعْظَمِهِ كَما تَرى.
وَأُصُولُ الكُفْرِ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَحْذَرَ مِنها كُلَّ الحَذَرِ، ويَتَباعَدَ مِنها كُلَّ التَّباعُدِ ويَتَجَنَّبَ أسْبابَها كُلَّ الِاجْتِنابِ فَيَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ المُنْكَرِ الشَّنِيعِ وُجُوبُ التَّباعُدِ مِنَ الأخْذِ بِظَواهِرَ الوَحْيِ.
وَهَذا كَما تَرى، وبِما ذَكَرْنا يَتَبَيَّنُ أنَّ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الضَّلالِ ادِّعاءَ أنَّ ظَواهِرَ الكِتابِ والسُّنَّةِ دالَّةٌ عَلى مَعانٍ قَبِيحَةٍ، لَيْسَتْ بِلائِقَةٍ.
والواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ بُعْدُها وبَراءَتُها مِن ذَلِكَ.
وَسَبَبُ تِلْكَ الدَّعْوى الشَّنِيعَةِ عَلى ظَواهِرِ كِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رَسُولِهِ، هو عَدَمُ مَعْرِفَةِ مُدَّعِيها.
وَلِأجْلِ هَذِهِ البَلِيَّةِ العُظْمى، والطّامَّةِ الكُبْرى، زَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ النُّظّارِ الَّذِينَ عِنْدَهم فَهْمٌ، أنَّ ظَواهِرَ آياتِ الصِّفاتِ وأحادِيثَها غَيْرُ لائِقَةٍ بِاللَّهِ، لِأنَّ ظَواهِرَها المُتَبادِرَةَ مِنها هو تَشْبِيهُ صِفاتِ اللَّهِ بِصِفاتِ خَلْقِهِ، وعَقَدَ ذَلِكَ المُقْرِئُ في إضاءَتِهِ في قَوْلِهِ:
والنَّصُّ إنْ أوْهَمَ غَيْرَ اللّائِقِ بِاللَّهِ كالتَّشْبِيهِ بِالخَلائِقِ فاصْرِفْهُ عَنْ ظاهِرِهِ إجْماعا واقْطَعْ عَنِ المُمْتَنِعِ الأطْماعا وهَذِهِ الدَّعْوى الباطِلَةُ مَن أعْظَمِ الِافْتِراءِ عَلى آياتِ اللَّهِ تَعالى، وأحادِيثِ رَسُولِهِ - ﷺ .
والواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ أنَّ ظَواهِرَ آياتِ الصِّفاتِ وأحادِيثِها المُتَبادِرَةِ مِنها، لِكُلِّ مُسْلِمٍ راجِعَ عَقْلَهُ، هي مُخالَفَةُ صِفاتِ اللَّهِ لِصِفاتِ خَلْقِهِ. ولا بُدَّ أنْ نَتَساءَلَ هُنا، فَنَقُولُ:
ألَيْسَ الظّاهِرُ المُتَبادِرُ مُخالَفَةَ الخالِقِ لِلْمَخْلُوقِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ ؟
والجَوابُ الَّذِي لا جَوابَ غَيْرُهُ: بَلى.
وَهَلْ تَشابَهَتْ صِفاتُ اللَّهِ مَعَ صِفاتِ خَلْقِهِ حَتّى يُقالَ إنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى صِفَتِهِ (p-٢٧١)تَعالى ظاهِرُهُ المُتَبادِرُ مِنهُ تَشْبِيهُهُ بِصِفَةِ الخَلْقِ ؟
والجَوابُ الَّذِي لا جَوابَ غَيْرُهُ: لا.
فَبِأيِّ وجْهٍ يَتَصَوَّرُ عاقِلٌ أنَّ لَفْظًا أنْزَلَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ مَثَلًا دالًّا عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ أثْنى بِها تَعالى عَلى نَفْسِهِ يَكُونُ ظاهِرُهُ المُتَبادِرُ مِنهُ مُشابَهَتَهُ لِصِفَةِ الخَلْقِ ؟ ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ .
فالخالِقُ والمَخْلُوقُ مُتَخالِفانِ كُلَّ التَّخالُفِ وصِفاتُهُما مُتَخالِفَةٌ كُلَّ التَّخالُفِ.
فَبِأيِّ وجْهٍ يُعْقَلُ دُخُولُ صِفَةِ المَخْلُوقِ في اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى صِفَةِ الخالِقِ ؟ أوْ دُخُولُ صِفَةِ الخالِقِ في اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى صِفَةِ المَخْلُوقِ مَعَ كَمالِ المُنافاةِ بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ ؟
فَكُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلى صِفَةِ الخالِقِ ظاهِرُهُ المُتَبادِرُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لائِقًا بِالخالِقِ مُنَزَّهًا عَنْ مُشابَهَةِ صِفاتِ المَخْلُوقِ.
وَكَذَلِكَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى صِفَةِ المَخْلُوقِ لا يُعْقَلُ أنْ تَدْخُلَ فِيهِ صِفَةُ الخالِقِ.
فالظّاهِرُ المُتَبادِرُ مِن لَفْظِ اليَدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقِ، هو كَوْنُها جارِحَةً هي عَظْمٌ ولَحْمٌ ودَمٌ، وهَذا هو الَّذِي يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] .
والظّاهِرُ المُتَبادِرُ مِنَ اليَدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخالِقِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، أنَّها صِفَةُ كَمالٍ وجَلالٍ، لائِقَةٌ بِاللَّهِ - جَلَّ وعَلا - ثابِتَةٌ لَهُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - عِظَمَ هَذِهِ الصِّفَةِ وما هي عَلَيْهِ مِنَ الكَمالِ والجَلالِ، وبَيَّنَ أنَّها مِن صِفاتِ التَّأْثِيرِ كالقُدْرَةِ، قالَ تَعالى في تَعْظِيمِ شَأْنِها: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] .
(p-٢٧٢)وَبَيِّنَ أنَّها صِفَةُ تَأْثِيرٍ كالقُدْرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فَتَصْرِيحُهُ تَعالى بِأنَّهُ خَلَقَ نَبِيَّهُ آدَمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي صِفاتُ كَمالِهِ وجَلالِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّها مِن صِفاتِ التَّأْثِيرِ كَما تَرى.
وَلا يَصِحُّ هُنا تَأْوِيلُ اليَدِ بِالقُدْرَةِ البَتَّةَ، لِإجْماعِ أهْلِ الحَقِّ والباطِلِ، كُلِّهِمْ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَثْنِيَةُ القُدْرَةِ.
وَلا يَخْطُرُ في ذِهْنِ المُسْلِمِ المَراجِعِ عَقْلَهُ دُخُولُ الجارِحَةِ الَّتِي هي عَظْمٌ ولَحْمٌ ودَمٌ في مَعْنى هَذا اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ العَظِيمَةِ مِن صِفاتِ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ.
فاعْلَمْ أيُّها المُدَّعِي أنَّ ظاهِرَ لَفْظِ اليَدِ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ وأمْثالَها لا يَلِيقُ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ ظاهِرَها التَّشْبِيهُ بِجارِحَةِ الإنْسانِ، وأنَّها يَجِبُ صَرْفُها عَنْ هَذا الظّاهِرِ الخَبِيثِ، ولَمْ تَكْتَفِ بِهَذا حَتّى ادَّعَيْتَ الإجْماعَ عَلى صَرْفِها عَنْ ظاهِرِها - أنَّ قَوْلَكَ هَذا كُلَّهُ افْتِراءٌ عَظِيمٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى كِتابِهِ العَظِيمِ، وأنَّكَ بِسَبَبِهِ كُنْتَ أعْظَمَ المُشَبِّهِينَ والمُجَسِّمِينَ، وقَدْ جَرَّكَ شُؤْمُ هَذا التَّشْبِيهِ إلى ورْطَةِ التَّعْطِيلِ، فَنَفَيْتَ الوَصْفَ الَّذِي أثْبَتَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لِنَفْسِهِ بِدَعْوى أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ، وأوَّلْتَهُ بِمَعْنًى آخَرَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ بِلا مُسْتَنَدٍ مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجْماعٍ، ولا قَوْلِ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ.
وَماذا عَلَيْكَ لَوْ صَدَقْتَ اللَّهَ، وآمَنتَ بِما مَدَحَ بِهِ نَفْسَهُ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ مِن غَيْرِ كَيْفٍ، ولا تَشْبِيهٍ، ولا تَعْطِيلٍ ؟
وَبِأيِّ مُوجِبٍ سَوَّغْتَ لِذِهْنِكَ أنْ يَخْطُرَ فِيهِ صِفَةُ المَخْلُوقِ عِنْدَ ذِكْرِ صِفَةِ الخالِقِ ؟
هَلْ تَلْتَبِسُ صِفَةُ الخالِقِ بِصِفَةِ المَخْلُوقِ عَنْ أحَدٍ حَتّى يَفْهَمَ صِفَةَ المَخْلُوقِ مِنَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى صِفَةِ الخالِقِ ؟
فاخْشَ اللَّهَ يا إنْسانُ، واحْذَرْ مِنَ التَّقَوُّلِ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ، وآمِن بِما جاءَ في كِتابِ اللَّهِ مَعَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ مُشابَهَةِ خَلْقِهِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَخْفى عَلَيْهِ الفَرْقُ بَيْنَ الوَصْفِ اللّائِقِ بِهِ والوَصْفِ غَيْرِ اللّائِقِ بِهِ، حَتّى يَأْتِيَ إنْسانٌ فَيَتَحَكَّمَ في ذَلِكَ فَيَقُولَ: هَذا الَّذِي وصَفْتَ بِهِ (p-٢٧٣)نَفْسَكَ غَيْرُ لائِقٍ بِكَ، وأنا أنْفِيهِ عَنْكَ بِلا مُسْتَنَدٍ مِنكَ، ولا مِن رَسُولِكَ، وآتِيكَ بَدَلَهُ بِالوَصْفِ اللّائِقِ بِكَ.
فاليَدُ مَثَلًا الَّتِي وصَفْتَ بِها نَفْسَكَ لا تَلِيقُ بِكَ لِدَلالَتِها عَلى التَّشْبِيهِ بِالجارِحَةِ، وأنا أنْفِيها عَنْكَ نَفْيًا باتًّا، وأُبْدِلُها لَكَ بِوَصْفٍ لائِقٍ بِكَ، وهو النِّعْمَةُ أوِ القُدْرَةُ مَثَلًا أوِ الجُودُ.
﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ .
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ .
وَمِنَ الغَرِيبِ أنَّ بَعْضَ الجاحِدِينَ لِصِفاتِ اللَّهِ المُئَوِّلِينَ لَها بِمَعانٍ لَمْ تَرِدْ عَنِ اللَّهِ، ولا عَنْ رَسُولِهِ يُؤْمِنُونَ فِيها بِبَعْضِ الكِتابِ دُونَ بَعْضٍ.
فَيُقِرُّونَ بِأنَّ الصِّفاتِ السَّبْعَ الَّتِي تُشْتَقُّ مِنها أوْصافٌ ثابِتَةٌ لِلَّهِ مَعَ التَّنْزِيهِ، ونَعْنِي بِها القُدْرَةَ والإرادَةَ والعِلْمَ والحَياةَ والسَّمْعَ والبَصَرَ والكَلامَ؛ لِأنَّها يُشْتَقُّ مِنها قادِرٌ حَيٌّ عَلِيمٌ إلَخْ، وكَذَلِكَ في بَعْضِ الصِّفاتِ الجامِعَةِ كالعَظَمَةِ والكِبْرِياءِ والمُلْكِ والجَلالِ مَثَلًا؛ لِأنَّها يُشْتَقُّ مِنها العَظِيمُ المُتَكَبِّرُ والجَلِيلُ والمَلِكُ، وهَكَذا يَجْحَدُونَ كُلَّ صِفَةٍ ثَبَتَتْ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ لَمْ يُشْتَقَّ مِنها غَيْرُها كَصِفَةِ اليَدِ والوَجْهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا التَّفْرِيقَ بَيْنَ صِفاتِ اللَّهِ الَّتِي أثْبَتَها لِنَفْسِهِ، أوْ أثْبَتَها لَهُ رَسُولُهُ ﷺ لا وجْهَ لَهُ البَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وَلَمْ يَرِدْ عَنِ اللَّهِ، ولا عَنْ رَسُولِهِ ﷺ الإذْنُ في الإيمانِ بِبَعْضِ صِفاتِهِ وجَحْدِ بَعْضِها وتَأْوِيلِهِ؛ لِأنَّها لا يُشْتَقُّ مِنها.
وَهَلْ يَتَصَوَّرُ عاقِلٌ أنْ يَكُونَ عَدَمُ الِاشْتِقاقِ مُسَوِّغًا لَجَحْدِ ما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ ؟
وَلا شَكَّ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ راجَعَ عَقْلَهُ، أنَّ عَدَمَ الِاشْتِقاقِ لا يُرَدُّ بِهِ كَلامُ اللَّهِ فِيما أثْنى بِهِ عَلى نَفْسِهِ، ولا كَلامُ رَسُولِهِ فِيما وصَفَ بِهِ رَبَّهُ.
والسَّبَبُ المُوجِبُ لِلْإيمانِ إيجابًا حَتْمًا كُلِّيًّا هو كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا السَّبَبُ هو الَّذِي عَلِمَ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ أنَّهُ المُوجِبُ لِلْإيمانِ بِكُلِّ ما جاءَ عَنِ اللَّهِ، سَواءٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ (p-٢٧٤)بِعِلْمِهِ كالمُتَشابِهِ، أوْ كانَ مِمّا يَعْلَمُهُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، كَما قالَ اللَّهُ عَنْهم: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ [آل عمران: ٧] .
فَلا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ مِن عِنْدِ رَبِّنا، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] مِن عِنْدِ رَبِّنا أيْضًا فَيَجِبُ عَلَيْنا الإيمانُ بِالجَمِيعِ؛ لِأنَّهُ كُلَّهُ مِن عِنْدِ رَبِّنا.
أمّا الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَهُ، وهو عالِمٌ بِأنَّ كُلَّهُ مِن عِنْدِ رَبِّهِ، بِأنَّ هَذا يُشْتَقُّ مِنهُ، وهَذا لا يُشْتَقُّ مِنهُ فَقَدْ آمَنَ بِبَعْضِ الكِتابِ دُونَ بَعْضٍ.
والمَقْصُودُ أنَّ كُلَّ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، سَواءٌ كانَ مِنَ المُتَشابِهِ، أوْ مِن غَيْرِ المُتَشابِهِ، وسَواءٌ كانَ يُشْتَقُّ مِنهُ أوْ لا.
وَمَعْلُومٌ أنَّ مالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - سُئِلَ كَيْفَ اسْتَوى ؟ فَقالَ: الِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ.
وَما يَزْعُمُهُ بَعْضُهم مِن أنَّ القُدْرَةَ والإرادَةَ مَثَلًا ونَحْوَهُما لَيْسَتْ كاليَدِ، والوَجْهِ، بِدَعْوى أنَّ القُدْرَةَ والإرادَةَ مَثَلًا ظَهَرَتْ آثارُهُما في العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، بِخِلافِ غَيْرِهِما كَصِفَةِ اليَدِ ونَحْوِها فَهو مِن أعْظَمِ الباطِلِ.
وَمِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ الَّذِي يَقُولُهُ هو وأبُوهُ وجَدُّهُ مِن آثارِ صِفَةِ اليَدِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ بِها نَبِيَّهُ آدَمَ.
وَنَحْنُ نَرْجُو أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعالى لِلَّذِينِ ماتُوا عَلى هَذا الِاعْتِقادِ؛ لِأنَّهم لا يَقْصِدُونَ تَشْبِيهَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ، وإنَّما يُحاوِلُونَ تَنْزِيهَهُ عَنْ مُشابَهَةِ خَلْقِهِ.
فَقَصْدُهم حَسَنٌ، ولَكِنَّ طَرِيقَهم إلى ذَلِكَ القَصْدِ سَيِّئَةٌ.
وَإنَّما نَشَأ لَهم ذَلِكَ السُّوءُ بِسَبَبِ أنَّهم ظَنُّوا لَفْظَ الصِّفَةِ الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ بِها نَفْسَهُ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى مُشابَهَةِ صِفَةِ الخَلْقِ فَنَفَوُا الصِّفَةَ الَّتِي ظَنُّوا أنَّها لا تَلِيقُ قَصْدًا مِنهم لِتَنْزِيهِ اللَّهِ، وأوَّلُوها بِمَعْنًى آخَرَ يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ في ظَنِّهِمْ فَهم كَما قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: رامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِن غَيْرِ قَصْدٍ ومِنَ البِرِّ ما يَكُونُ عُقُوقًا ونَحْنُ نَرْجُو أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم خَطَأهم، وأنْ يَكُونُوا داخِلِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٧٥)﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥] .
وَخَطَؤُهُمُ المَذْكُورُ لا شَكَّ فِيهِ، ولَوْ وفَّقَهُمُ اللَّهُ لِتَطْهِيرِ قُلُوبِهِمْ مِنَ التَّشْبِيهِ أوَّلًا، وجَزَمُوا بِأنَّ ظاهِرَ صِفَةِ الخالِقِ هو التَّنْزِيهُ عَنْ مُشابَهَةِ صِفَةِ المَخْلُوقِ، لَسَلِمُوا مِمّا وقَعُوا فِيهِ.
وَلا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عالِمٌ كُلَّ العِلْمِ، بِأنَّ الظّاهِرَ المُتَبادِرَ، مِمّا مَدَحَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ في آياتِ الصِّفاتِ هو التَّنْزِيهُ التّامُّ عَنْ صِفاتِ الخَلْقِ، ولَوْ كانَ يَخْطُرُ في ذِهْنِهِ أنَّ ظاهِرَهُ لا يَلِيقُ؛ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِصِفاتِ الخَلْقِ، لَبادَرَ كُلَّ المُبادَرَةِ إلى بَيانِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في حَقِّهِ تَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ إلَيْهِ، ولا سِيَّما في العَقائِدِ، ولا سِيَّما فِيما ظاهِرُهُ الكُفْرُ والتَّشْبِيهُ.
فَسُكُوتُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيانِ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما زَعَمَهُ المُئَوِّلُونَ لا أساسَ لَهُ كَما تَرى.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ نَزَلَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، والعَرَبُ لا تَعْرِفُ في لُغَتِها كَيْفِيَّةً لِلْيَدِ مَثَلًا، إلّا كَيْفِيَّةَ المَعانِي المَعْرُوفَةِ عِنْدَها كالجارِحَةِ، وغَيْرِها مِن مَعانِي اليَدِ المَعْرُوفَةِ في اللُّغَةِ، فَبَيِّنُوا لَنا كَيْفِيَّةً لِلْيَدِ مُلائِمَةً لِما ذَكَرْتُمْ.
فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ لا تُدْرِكُ كَيْفِيّاتِ صِفاتِ اللَّهِ مِن لُغَتِها، لِشِدَّةِ مُنافاةِ صِفَةِ اللَّهِ لِصِفَةِ الخَلْقِ.
والعَرَبُ لا تَعْرِفُ عُقُولُهم كَيْفِيّاتٍ إلّا لِصِفاتِ الخَلْقِ، فَلا تَعْرِفُ العَرَبُ كَيْفِيَّةً لِلسَّمْعِ والبَصَرِ، إلّا هَذِهِ المُشاهَدَةَ في حاسَّةِ الأُذُنِ والعَيْنِ، أمّا سَمْعٌ لا يَقُومُ بِأُذُنٍ، وبَصَرٌ لا يَقُومُ بِحَدَقَةٍ، فَهَذا لا يَعْرِفُونَ لَهُ كَيْفِيَّةً البَتَّةَ.
فَلا فَرْقَ بَيْنَ السَّمْعِ والبَصَرِ، وبَيْنَ اليَدِ والِاسْتِواءِ، فالَّذِي تَعْرِفُ كَيْفِيَّتَهُ العَرَبُ مِن لُغَتِها مِن جَمِيعِ ذَلِكَ هو المُشاهَدُ في المَخْلُوقاتِ.
(p-٢٧٦)وَأمّا الَّذِي اتَّصَفَ اللَّهُ بِهِ مِن ذَلِكَ، فَلا تَعْرِفُ لَهُ العَرَبُ كَيْفِيَّةً، ولا حَدًّا لِمُخالَفَةِ صِفاتِهِ لِصِفاتِ الخَلْقِ، إلّا أنَّهم يَعْرِفُونَ مِن لُغَتِهِمْ أصْلَ المَعْنى، كَما قالَ الإمامُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: الِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدَعَةٌ.
كَما يَعْرِفُونَ مِن لُغَتِهِمْ أنَّ بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ، والرّازِقِ والمَرْزُوقِ، والمُحْيِي والمُحْيا، والمُمِيتِ والمَماتِ - فَوارِقَ عِظْيَمَةً لا حَدَّ لَها تَسْتَلْزِمُ المُخالَفَةَ التّامَّةَ، بَيْنَ صِفاتِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ لِمَن قالَ: بَيِّنُوا لَنا كَيْفِيَّةً لِلْيَدِ مُلائِمَةً لِما ذَكَرْتُمْ، مِن كَوْنِها صِفَةَ كَمالٍ وجَلالٍ، مُنَزَّهَةً عَنْ مُشابَهَةِ جارِحَةِ المَخْلُوقِ.
هَلْ عَرَفْتَ كَيْفِيَّةَ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ المُتَّصِفَةِ بِاليَدِ، فَلا بُدَّ أنْ يَقُولَ: لا. فَإنْ قالَ ذَلِكَ.
قُلْنا: مَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ الصِّفاتِ تَتَوَقَّفُ عَلى مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الذّاتِ.
فالذّاتُ والصِّفاتُ مِن بابٍ واحِدٍ.
فَكَما أنَّ ذاتَهُ - جَلَّ وعَلا - تُخالِفُ جَمِيعَ الذَّواتِ، فَإنَّ صِفاتِهِ تُخالِفُ جَمِيعَ الصِّفاتِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ الصِّفاتِ تَخْتَلِفُ وتَتَبايَنُ بِاخْتِلافِ مَوْصُوفاتِها.
ألّا تَرى مَثَلًا أنَّ لَفْظَةَ رَأْسٍ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ ؟
إنْ أضَفْتَها إلى الإنْسانِ، فَقُلْتَ: رَأسُ الإنْسانِ، وإلى الوادِي، فَقُلْتَ: رَأسُ الوادِي، وإلى المالِ، فَقُلْتَ: رَأْسُ المالِ، وإلى الجَبَلِ، فَقُلْتَ: رَأسُ الجَبَلِ.
فَإنَّ كَلِمَةَ الرَّأْسِ اخْتَلَفَتْ مَعانِيها، وتَبايَنَتْ تَبايُنًا شَدِيدًا بِحَسَبِ اخْتِلافِ إضافَتِها، مَعَ أنَّها في مَخْلُوقاتٍ حَقِيرَةٍ.
(p-٢٧٧)فَما بالُكَ بِما أُضِيفَ مِنَ الصِّفاتِ إلى اللَّهِ، وما أُضِيفَ مِنها إلى خَلْقِهِ، فَإنَّهُ يَتَبايَنُ كَتَبايُنِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ، كَما لا يَخْفى.
فاتَّضَحَ بِما ذُكِرَ أنَّ الشَّرْطَ في قَوْلِ المُقْرِئِ في إضاءَتِهِ:
؎والنَّصُّ إنْ أوْهَمَ غَيْرَ اللّائِقِ
شَرْطٌ مَفْقُودٌ قَطْعًا؛ لِأنَّ نُصُوصَ الوَحْيِ الوارِدَةَ في صِفاتِ اللَّهِ لا تَدُلُّ ظَواهِرُها البَتَّةَ إلّا عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ، ومُخالَفَتِهِ لِخَلْقِهِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ.
فَكُلُّ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُراجِعُونَ عُقُولَهم، لا يَشُكُّ أحَدٌ مِنهم في أنَّ الظّاهِرَ المُتَبادِرَ السّابِقَ إلى ذِهْنِ المُسْلِمِ هو مُخالَفَةُ اللَّهِ لِخَلْقِهِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ الإجْماعَ الَّذِي بَناهُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ:
؎فاصْرِفْهُ عَنْ ظاهِرِهِ إجْماعًا
إجْماعٌ مَفْقُودٌ أصْلًا، ولا وُجُودَ لَهُ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى شَرْطٍ مَفْقُودٍ لا وُجُودَ لَهُ البَتَّةَ.
فالإجْماعُ المَعْدُومُ المَزْعُومُ لَمْ يَرِدْ في كِتابِ اللَّهِ، ولا في سُنَّةِ رَسُولِهِ، ولَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ، ولا مِن تابِعِيهِمْ، ولَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، ولا مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ المَعْرُوفِينَ.
وَإنَّما لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ظَواهِرَ نُصُوصِ الوَحْيِ لا تَدُلُّ إلّا عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ مُشابَهَةِ خَلْقِهِ، وهَذا الظّاهِرُ الَّذِي هو تَنْزِيهُ اللَّهِ لا داعِيَ لِصَرْفِها عَنْهُ كَما تَرى.
وَلِأجْلِ هَذا كُلِّهِ قُلْنا في مُقَدِّمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى مَوْصُوفٌ (p-٢٧٨)بِتِلْكَ الصِّفاتِ حَقِيقَةً لا مَجازًا؛ لِأنّا نَعْتَقِدُ اعْتِقادًا جازِمًا لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ أنَّ ظَواهِرَ آياتِ الصِّفاتِ وأحادِيثِها، لا تَدُلُّ البَتَّةَ إلّا عَلى التَّنْزِيهِ عَنْ مُشابَهَةِ الخَلْقِ واتِّصافِهِ تَعالى بِالكَمالِ والجَلالِ.
وَإثْباتُ التَّنْزِيهِ والكَمالِ والجَلالِ لِلَّهِ حَقِيقَةً لا مَجازًا - لا يُنْكِرُهُ مُسْلِمٌ.
وَمِمّا يَدْعُو إلى التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الحَقِيقَةِ، ونَفْيِ المَجازِ، كَثْرَةُ الجاهِلِينَ الزّاعِمِينَ أنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ لا حَقائِقَ لَها، وأنَّها كُلَّها مَجازاتٌ.
وَجَعَلُوا ذَلِكَ طَرِيقًا إلى نَفْيِها؛ لِأنَّ المَجازَ يَجُوزُ نَفْيُهُ، والحَقِيقَةُ لا يَجُوزُ نَفْيُها.
فَقالُوا مَثَلًا: اليَدُ مَجازٌ يُرادُ بِهِ القُدْرَةُ والنِّعْمَةُ أوِ الجُودُ، فَنَفَوْا صِفَةَ اليَدِ، لِأنَّها مَجازٌ.
وَقالُوا: ﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ مَجازٌ فَنَفَوُا الِاسْتِواءَ؛ لِأنَّهُ مَجازٌ.
وَقالُوا: مَعْنى ”اسْتَوى“ اسْتَوْلى، وشَبَّهُوا اسْتِيلاءَهُ بِاسْتِيلاءِ بِشْرِ بْنِ مَرْوانَ عَلى العِراقِ.
وَلَوْ تَدَبَّرُوا كِتابَ اللَّهِ لِمَنَعَهم ذَلِكَ مِن تَبْدِيلِ الِاسْتِواءِ بِالِاسْتِيلاءِ، وتَبْدِيلِ اليَدِ بِالقُدْرَةِ أوِ النِّعْمَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ في مُحْكَمِ كِتابِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]، ويَقُولُ في الأعْرافِ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٢]، فالقَوْلُ الَّذِي قالَهُ اللَّهُ لَهم هو قَوْلُهُ ”حِطَّةٌ“ وهي فِعْلَةٌ مِنَ الحَطِّ بِمَعْنى الوَضْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ دُعاؤُنا ومَسْألَتُنا لَكَ حِطَّةٌ لِذُنُوبِنا، أيْ حَطٌّ ووَضْعٌ لَها عَنّا فَهي بِمَعْنى طَلَبِ المَغْفِرَةِ، وفي بَعْضِ رِواياتِ الحَدِيثِ في شَأْنِهِمْ أنَّهم بَدَّلُوا هَذا القَوْلَ بِأنْ زادُوا نُونًا فَقالُوا: حِنْطَةٌ، وهي القَمْحُ.
وَأهْلُ التَّأْوِيلِ قِيلَ لَهم: عَلى العَرْشِ اسْتَوى، فَزادُوا لامًا، فَقالُوا: اسْتَوْلى.
(p-٢٧٩)وَهَذِهِ اللّامُ الَّتِي زادُوها أشْبَهُ شَيْءٍ بِالنُّونِ الَّتِي زادَها اليَهُودُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ . ويَقُولُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في مَنعِ تَبْدِيلِ القُرْآنِ بِغَيْرِهِ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
وَلا شَكَّ أنَّ مَن بَدَّلَ اسْتَوى بِاسْتَوْلى مَثَلًا لَمْ يَتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلى النَّبِيِّ - ﷺ .
فِعْلَيْهِ أنْ يَجْتَنِبَ التَّبْدِيلَ ويَخافَ العَذابَ العَظِيمَ، الَّذِي خافَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ عَصى اللَّهَ فَبَدَّلَ قُرْآنًا بِغَيْرِهِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
واليَهُودُ لَمْ يُنْكِرُوا أنَّ اللَّفْظَ الَّذِي قالَهُ اللَّهُ لَهم: هو لَفْظُ حِطَّةٍ ولَكِنَّهم حَرَّفُوهُ بِالزِّيادَةِ المَذْكُورَةِ.
وَأهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ لَمْ يُنْكِرُوا أنَّ كَلِمَةَ القُرْآنِ هي اسْتَوى، ولَكِنْ حَرَّفُوها وقالُوا في مَعْناها: اسْتَوْلى وإنَّما أبْدَلُوها بِها؛ لِأنَّها أصْلَحُ في زَعْمِهِمْ مِن لَفْظِ كَلِمَةِ القُرْآنِ، لِأنَّ كَلِمَةَ القُرْآنِ تُوهِمُ غَيْرَ اللّائِقِ، وكَلِمَةُ اسْتَوْلى في زَعْمِهِمْ هي المُنَزِّهَةُ اللّائِقَةُ بِاللَّهِ مَعَ أنَّهُ لا يُعْقَلُ تَشْبِيهٌ أشْنَعُ مِن تَشْبِيهِ اسْتِيلاءِ اللَّهِ عَلى عَرْشِهِ المَزْعُومِ، بِاسْتِيلاءِ بِشْرٍ عَلى العِراقِ.
وَهَلْ كانَ أحَدٌ يُغالِبُ اللَّهَ عَلى عَرْشِهِ حَتّى غَلَبَهُ عَلى العَرْشِ واسْتَوْلى عَلَيْهِ ؟
وَهَلْ يُوجَدُ شَيْءٌ إلّا واللَّهُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ، فاللَّهُ مُسْتَوْلٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى اسْتَوى عَلى كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ العَرْشِ ؟
فافْهَمْ.
(p-٢٨٠)وَعَلى كُلِّ حالٍ، فَإنَّ المُئَوِّلَ زَعَمَ أنَّ الِاسْتِواءَ يُوهِمُ غَيْرَ اللّائِقِ بِاللَّهِ لِاسْتِلْزامِهِ مُشابَهَةَ اسْتِواءِ الخَلْقِ، وجاءَ بَدَلَهُ بِالِاسْتِيلاءِ، لِأنَّهُ هو اللّائِقُ بِهِ في زَعْمِهِ، ولَمْ يَنْتَبِهْ.
لِأنَّ تَشْبِيهَ اسْتِيلاءِ اللَّهِ عَلى عَرْشِهِ بِاسْتِيلاءِ بِشْرِ بْنِ مَرْوانَ عَلى العِراقِ هو أفْظَعُ أنْواعِ التَّشْبِيهِ، ولَيْسَ بِلائِقٍ قَطْعًا، إلّا أنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الِاسْتِيلاءَ المَزْعُومَ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشابَهَةِ اسْتِيلاءِ الخَلْقِ، مَعَ أنَّهُ ضَرَبَ لَهُ المَثَلَ بِاسْتِيلاءِ بِشَرٍ عَلى العِراقِ واللَّهُ يَقُولُ: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] .
وَنَحْنُ نَقُولُ: أيُّها المُئَوِّلُ هَذا التَّأْوِيلَ، نَحْنُ نَسْألُكَ إذا عَلِمْتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَنْزِيهِ أحَدِ اللَّفْظَيْنِ أعْنِي لَفْظَ اسْتَوى الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ بِهِ المَلَكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ قُرْآنًا يُتْلى، كُلُّ حَرْفٍ مِنهُ عَشْرُ حَسَناتٍ، ومَن أنْكَرَ أنَّهُ مِن كِتابِ اللَّهِ كَفَرَ.
وَلَفْظَةُ اسْتَوْلى الَّتِي جاءَ بِها قَوْمٌ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ اسْتِنادٍ إلى نَصٍّ مِن كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ ولا قَوْلِ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ.
فَأيُّ الكَلِمَتَيْنِ أحَقُّ بِالتَّنْزِيهِ في رَأْيِكَ. الأحَقُّ بِالتَّنْزِيهِ كَلِمَةُ القُرْآنِ المُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ عَلى رَسُولِهِ، أمْ كَلِمَتُكُمُ الَّتِي جِئْتُمْ بِها مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم، مِن غَيْرِ مُسْتَنَدٍ أصْلًا ؟
وَنَحْنُ لا يَخْفى عَلَيْنا الجَوابُ الصَّحِيحُ، عَنْ هَذا السُّؤالِ إنْ كُنْتَ لا تَعْرِفُهُ.
واعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ ما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الصِّفاتِ، فَهو مَوْصُوفٌ بِهِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ.
وَأنَّهُ لا فَرْقَ البَتَّةَ بَيْنَ صِفَةٍ يُشْتَقُّ مِنها وصْفٌ، كالسَّمْعِ والبَصَرِ والحَياةِ.
وَبَيْنَ صِفَةٍ لا يُشْتَقُّ مِنها كالوَجْهِ واليَدِ.
وَأنَّ تَأْوِيلَ الصِّفاتِ كَتَأْوِيلِ الِاسْتِواءِ بِالِاسْتِيلاءِ، لا يَجُوزُ ولا يَصِحُّ.
هُوَ مُعْتَقَدُ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَهُوَ مُعْتَقَدُ عامَّةِ السَّلَفِ، وهو الَّذِي كانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ.
فَمَنِ ادَّعى عَلى أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ يُئَوِّلُ صِفَةً مِنَ الصِّفاتِ، كالوَجْهِ واليَدِ والِاسْتِواءِ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَقَدِ افْتَرى عَلَيْهِ افْتِراءً عَظِيمًا.
(p-٢٨١)بَلِ الأشْعَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مُصَرِّحٌ في كُتُبِهِ العَظِيمَةِ الَّتِي صَنَّفَها بَعْدَ رُجُوعِهِ عَنِ الِاعْتِزالِ، (كالمُوجَزِ)، (ومَقالاتِ الإسْلامِيِّينَ واخْتِلافِ المُصَلِّينَ)، (والإبانَةِ عَنْ أُصُولِ الدِّيانَةِ) أنَّ مُعْتَقَدَهُ الَّذِي يَدِينُ اللَّهَ بِهِ هو ما كانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الإيمانِ بِكُلِّ ما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، أوْ وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وإثْباتُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن غَيْرٍ كَيْفٍ ولا تَشْبِيهٍ ولا تَعْطِيلٍ.
وَأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ تَأْوِيلُهُ، ولا القَوْلُ بِالمَجازِ فِيهِ.
وَأنَّ تَأْوِيلَ الِاسْتِواءِ بِالِاسْتِيلاءِ هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ ومَن ضاهاهم.
وَهُوَ أعْلَمُ النّاسِ بِأقْوالِ المُعْتَزِلَةِ، لِأنَّهُ كانَ أعْظَمَ إمامٍ في مَذْهَبِهِمْ، قَبْلَ أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلى الحَقِّ، وسَنَذْكُرُ لَكَ هُنا بَعْضَ نُصُوصِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِتَعْلَمَ صِحَّةَ ما ذَكَرْنا عَنْهُ.
قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ (في كِتابِ الإبانَةِ عَنْ أُصُولِ الدِّيانَةِ) الَّذِي قالَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ آخِرُ كِتابٍ صَنَّفَهُ، ما نَصُّهُ:
فَإنْ قالَ لَنا قائِلٌ: قَدْ أنْكَرْتُمْ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ والقَدَرِيَّةِ والجَهْمِيَّةِ والحَرُورِيَّةِ والرّافِضَةِ، والمُرْجِئَةِ، فَعَرِّفُونا قَوْلَكُمُ الَّذِي بِهِ تَقُولُونَ، ودِيانَتَكُمُ الَّتِي بِها تَدِينُونَ، قِيلَ لَهُ:
قَوْلُنا الَّذِي نَقُولُ بِهِ ودِيانَتُنا الَّتِي نَدِينُ بِها، التَّمَسُّكُ بِكِتابِ رَبِّنا عَزَّ وجَلَّ وسُنَّةِ نَبِيِّنا ﷺ وما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وأئِمَّةِ الحَدِيثِ.
وَنَحْنُ بِذَلِكَ مُعْتَصِمُونَ، وبِما كانَ يَقُولُ بِهِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ نَضَّرَ اللَّهُ وجْهَهُ ورَفَعَ دَرَجَتَهُ وأجْزَلَ مَثُوبَتَهُ قائِلُونَ، ولِمَن خالَفَ قَوْلَهُ مُجانِبُونَ.
لِأنَّهُ الإمامُ الفاضِلُ والرَّئِيسُ الكامِلُ الَّذِي أبانَ بِهِ الحَقَّ ورَفَعَ بِهِ الضَّلالَ وأوْضَحَ بِهِ المِنهاجَ وقَمَعَ بِهِ بِدَعَ المُبْتَدِعِينَ، وزَيْغَ الزّائِغِينَ وشَكَّ الشّاكِّينَ. فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن إمامٍ مُقَدَّمٍ وخَلِيلٍ مُعَظَّمٍ مُفَخَّمٍ، وعَلى جَمِيعِ أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ.
وَجُمْلَةُ قَوْلِنا: أنّا نُقِرُّ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما رَواهُ الثِّقاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا نَرُدُّ مِن ذَلِكَ شَيْئًا.
وَأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو فَرْدٌ صَمَدٌ، لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا وأنَّ (p-٢٨٢)مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، أرْسَلَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النّارَ حُقٌّ، والسّاعَةُ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ.
وَأنَّ اللَّهَ اسْتَوى عَلى عَرْشِهِ كَما قالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥]، وأنَّ لَهُ وجْهًا كَما قالَ: ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأنَّ لَهُ يَدَيْنِ بِلا كَيْفٍ كَما قالَ: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وكَما قالَ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأنَّ لَهُ عَيْنانِ بِلا كَيْفٍ كَما قالَ: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤] . انْتَهى مَحَلٌّ الغَرَضُ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ مَن يَفْتَرِي عَلى الأشْعَرِيِّ - أنَّهُ مِنَ المُئَوِّلِينَ المُدَّعِينَ أنَّ ظاهِرَ آياتِ الصِّفاتِ وأحادِيثِها لا يَلِيقُ بِاللَّهِ - كاذِبٌ عَلَيْهِ كَذِبًا شَنِيعًا.
وَقالَ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ في كِتابِ الإبانَةِ أيْضًا في إثْباتِ الِاسْتِواءِ لِلَّهِ تَعالى ما نَصُّهُ:
إنْ قالَ قائِلٌ: ما تَقُولُونَ في الِاسْتِواءِ ؟ قِيلَ لَهُ: نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ كَما قالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ . وقَدْ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقَدْ قالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقالَ حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦] .
فَكَذَّبَ فِرْعَوْنُ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: (إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَوْقَ السَّماواتِ) . وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ .
فالسَّماواتُ فَوْقَها العَرْشُ، فَلَمّا كانَ العَرْشُ فَوْقَ السَّماواتِ قالَ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ لِأنَّهُ مُسْتَوٍ عَلى العَرْشِ الَّذِي فَوْقَ السَّماواتِ، وكُلُّ ما عَلا فَهو سَماءٌ، فالعَرْشُ أعْلى السَّماواتِ. هَذا لَفْظُ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِ الإبانَةِ المَذْكُورِ.
وَقَدْ أطالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في الكَلامِ بِذِكْرِ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ في إثْباتِ صِفَةِ الِاسْتِواءِ، وصِفَةِ العُلُوِّ لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا.
وَمِن جُمْلَةِ كَلامِهِ المُشارِ إلَيْهِ ما نَصُّهُ:
(p-٢٨٣)وَقَدْ قالَ قائِلُونَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ والحَرُورِيَّةِ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ أنَّهُ اسْتَوْلى ومَلَكَ وقَهَرَ، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في كُلِّ مَكانٍ. وجَحَدُوا أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى عَرْشِهِ كَما قالَ أهْلُ الحَقِّ، وذَهَبُوا في الِاسْتِواءِ إلى القُدْرَةِ.
وَلَوْ كانَ هَذا كَما ذَكَرُوهُ كانَ لا فَرْقَ بَيْنَ العَرْشِ والأرْضِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلَيْها وعَلى الحُشُوشِ، وعَلى كُلِّ ما في العالَمِ.
فَلَوْ كانَ اللَّهُ مُسْتَوِيًا عَلى العَرْشِ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ وهو عَزَّ وجَلَّ مُسْتَوْلٍ عَلى الأشْياءِ كُلِّها لَكانَ مُسْتَوِيًا عَلى العَرْشِ وعَلى الأرْضِ وعَلى السَّماءِ وعَلى الحُشُوشِ والأفْرادِ، لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الأشْياءِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْها.
وَإذا كانَ قادِرًا عَلى الأشْياءِ كُلِّها ولَمْ يَجُزْ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَقُولَ:
إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُسْتَوٍ عَلى الحُشُوشِ والأخْلِيَةِ، لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ الِاسْتِيلاءَ الَّذِي هو عامٌّ في الأشْياءِ كُلِّها.
وَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ اسْتِواءً يَخْتَصُّ العَرْشَ دُونَ الأشْياءِ كُلِّها.
وَزَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ والحَرُورِيَّةُ والجَهْمِيَّةُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في كُلِّ مَكانٍ فَلَزِمَهم أنَّهُ في بَطْنِ مَرْيَمَ وفي الحُشُوشِ والأخْلِيَةِ.
وَهَذا خِلافُ الدِّينِ - تَعالى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ. ا هـ.
هَذا لَفْظُ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في آخِرِ مُصَنَّفاتِهِ، وهو كِتابُ الإبانَةِ عَنْ أُصُولِ الدِّيانَةِ.
وَتَراهُ صَرَّحَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ تَأْوِيلَ الِاسْتِواءِ بِالِاسْتِيلاءِ هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ والحَرُورِيَّةِ لا قَوْلُ أحَدٍ مِن أهْلِ السُّنَّةِ وأقامَ البَراهِينَ الواضِحَةَ عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ.
فَلْيَعْلَمْ مُئَوِّلُو الِاسْتِواءِ بِالِاسْتِيلاءِ أنَّ سَلَفَهُ في ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ والجَهْمِيَّةُ والحَرُورِيَّةُ، لا أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ولا أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣] أنَّ قَوْلَ الجَهْمِيَّةِ ومَن تَبِعَهم: إنَّ اللَّهَ في كُلِّ مَكانٍ - قَوْلٌ باطِلٌ.
(p-٢٨٤)لِأنَّ جَمِيعَ الأمْكِنَةِ المَوْجُودَةِ أحْقَرُ وأقَلُّ وأصْغَرُ، مِن أنْ يَسَعَ شَيْءٌ مِنها خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ، الَّذِي هو أعْظَمُ وأكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وهو مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ.
فانْظُرْ إيضاحَ ذَلِكَ في الأنْعامِ.
واعْلَمْ أنَّ ما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ، مِن أنَّ ما في القُرْآنِ العَظِيمِ مِن صِفَةِ الِاسْتِواءِ والعُلُوِّ والفَوْقِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ الجِهَةَ، وأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ، وأنَّهُ يَجِبُ نَفْيُ الِاسْتِواءِ والعُلُوِّ والفَوْقِيَّةِ، وتَأْوِيلُها بِما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي كُلُّهُ باطِلٌ.
وَسَبَبُهُ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ وبِكِتابِهِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَمُدَّعِي لُزُومِ الجِهَةِ لِظَواهِرِ نُصُوصِ القُرْآنِ العَظِيمِ. واسْتِلْزامُ ذَلِكَ لِلنَّقْصِ المُوجِبِ لِلتَّأْوِيلِ يُقالُ لَهُ:
ما مُرادُكَ بِالجِهَةِ ؟
إنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِالجِهَةِ مَكانًا مَوْجُودًا انْحَصَرَ فِيهِ اللَّهُ، فَهَذا لَيْسَ بِظاهِرِ القُرْآنِ، ولَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ.
وَإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِالجِهَةِ العَدَمَ المَحْضَ.
فالعَدَمُ عِبارَةٌ عَنْ لا شَيْءٍ.
فَمَيِّزْ أوَّلًا بَيْنَ الشَّيْءِ المَوْجُودِ، وبَيْنَ لا شَيْءٍ.
وَقَدْ قالَ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِ الإبانَةِ أيْضًا ما نَصُّهُ:
فَإنْ سُئِلْنا: أتَقُولُونَ: إنَّ لِلَّهِ يَدَيْنِ ؟ قِيلَ: نَقُولُ ذَلِكَ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] .
وَأطالَ رَحِمَهُ اللَّهُ الكَلامَ في ذِكْرِ الأدِلَّةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى إثْباتِ صِفَةِ اليَدَيْنِ لِلَّهِ.
وَمِن جُمْلَةِ ما قالَ ما نَصُّهُ:
وَيُقالُ لَهم: لِمَ أنْكَرْتُمْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنى بِقَوْلِهِ: يَدَيَّ يَدَيْنِ لَيْسَتا نِعْمَتَيْنِ.
فَإنْ قالُوا: لِأنَّ اليَدَ إذا لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً لَمْ تَكُنْ إلّا جارِحَةً.
(p-٢٨٥)قِيلَ لَهم: ولِمَ قَضَيْتُمْ أنَّ اليَدَ إذا لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً لَمْ تَكُنْ إلّا جارِحَةً ؟
فَإنَّ رُجُوعَنا إلى شاهِدِنا، وإلى ما نَجِدُهُ فِيما بَيْنَنا مِنَ الخَلْقِ ؟
فَقالُوا: اليَدُ إذا لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً في الشّاهِدِ لَمْ تَكُنْ إلّا جارِحَةً.
قِيلَ لَهم: إنْ عَمِلْتُمْ عَلى الشّاهِدِ وقَضَيْتُمْ بِهِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكَذَلِكَ لَمْ نَجِدْ حَيًّا مِنَ الخَلْقِ إلّا جِسْمًا لَحْمًا ودَمًا، فاقْضُوا بِذَلِكَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَإلّا فَأنْتُمْ لِقَوْلِكم مُتَأوِّلُونَ ولِاعْتِلالِكم ناقِضُونَ.
وَإنْ أثْبَتُّمْ حَيًّا لا كالأحْياءِ مِنّا.
فَلِمَ أنْكَرْتُمْ أنْ تَكُونَ اليَدانِ اللَّتانِ أخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُما، يَدَيْنِ لَيْسَتا نِعْمَتَيْنِ، ولا جارِحَتَيْنِ، ولا كالأيْدِي ؟
وَكَذَلِكَ يُقالُ لَهم:
لَمْ تَجِدُوا مُدَبِّرًا حَكِيمًا إلّا إنْسانًا، ثُمَّ أثْبَتُّمْ أنَّ لِلدُّنْيا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، لَيْسَ كالإنْسانِ، وخالَفْتُمُ الشّاهِدَ ونَقَضْتُمُ اعْتِلالَكم.
فَلا تَمْنَعُوا مِن إثْباتِ يَدَيْنِ لَيْسَتا نِعْمَتَيْنِ ولا جارِحَتَيْنِ، مِن أجْلِ أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الشّاهِدِ انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّ الأشْعَرِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي أنْكَرَها المُئَوِّلُونَ كَصِفَةِ اليَدِ، مِن جُمْلَةِ صِفاتِ المَعانِي كالحَياةِ ونَحْوِها، وأنَّهُ لا فَرْقَ البَتَّةَ بَيْنَ صِفَةِ اليَدِ وصِفَةِ الحَياةِ فَما اتَّصَفَ اللَّهُ بِهِ مِن جَمِيعِ ذَلِكَ فَهو مُنَزَّهٌ عَنْ مُشابَهَةِ ما اتَّصَفَ بِهِ الخَلْقُ مِنهُ.
واللّازِمُ لِمَن شَبَّهَ في بَعْضِ الصِّفاتِ ونَزَّهَ في بَعْضِها أنْ يُشْبِّهَ في جَمِيعِها أوْ يُنَزِّهَ في جَمِيعِها، كَما قالَهُ الأشْعَرِيُّ.
أمّا ادِّعاءُ ظُهُورِ التَّشْبِيهِ في بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ، فَلا وجْهَ لَهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، لِأنَّ المَوْصُوفَ بِها واحِدٌ، وهو مُنَزَّهٌ عَنْ مُشابَهَةِ صِفاتِ خَلْقِهِ.
وَمِن جُمْلَةِ كَلامِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المُشارِ إلَيْها آنِفًا في إثْباتِ الصِّفاتِ ما نَصُّهُ:
(p-٢٨٦)فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ أنْكَرْتُمْ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١]، وقَوْلُهُ: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] عَلى المَجازِ ؟ .
قِيلَ لَهُ: حُكْمُ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ، ولا يَخْرُجُ الشَّيْءُ عَنْ ظاهِرِهِ إلى المَجازِ إلّا لِحُجَّةٍ.
ألا تَرَوْنَ أنَّهُ إذا كانَ ظاهِرُ الكَلامِ العُمُومَ، فَإذا ورَدَ بِلَفْظِ العُمُومِ والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، فَلَيْسَ هو عَلى حَقِيقَةِ الظّاهِرِ ؟
وَلَيْسَ يَجُوزُ أنْ يُعْدَلَ بِما ظاهِرُهُ العُمُومُ عَنِ العُمُومِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ؟
كَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ مِن إثْباتِ اليَدَيْنِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْدَلَ بِهِ عَنْ ظاهِرِ اليَدَيْنِ إلى ما ادَّعاهُ خُصُومُنا إلّا بِحُجَّةٍ.
وَلَوْ جازَ ذَلِكَ لِمُدَّعٍ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ ما ظاهِرُهُ العُمُومُ، فَهو عَلى الخُصُوصِ، وما ظاهَرُهُ الخُصُوصُ فَهو عَلى العُمُومِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
وَإذا لَمْ يَجُزْ هَذا لِمُدَّعِيهِ بِغَيْرِ بُرْهانٍ لَمْ يَجُزْ لَكم ما ادَّعَيْتُمُوهُ أنَّهُ مَجازٌ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
بَلْ واجِبٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إثْباتُ يَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ غَيْرَ نِعْمَتَيْنِ إذا كانَتِ النِّعْمَتانِ لا يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ اللِّسانِ أنْ يَقُولَ قائِلُهم: فَعَلْتُ بِيَدِيَّ وهو يَعْنِي النِّعْمَتَيْنِ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَفِيهِ تَصْرِيحُ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، بِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ كَصِفَةِ اليَدِ ثابِتَةٌ لَهُ حَقِيقَةً لا مَجازًا، وأنَّ المُدَّعِينَ أنَّها مَجازٌ هم خُصُومُهُ وهو خَصْمُهم كَما تَرى.
وَإنَّما قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ بِها حَقِيقَةً لا مَجازًا، لِأنَّهُ لا يَشُكُّ في أنَّ ظاهِرَ صِفَةِ اللَّهِ هو مُخالَفَةُ صِفَةِ الخَلْقِ، وتَنْزِيهُها عَنْ مُشابَهَتِها كَما هو شَأْنُ السَّلَفِ الصّالِحِ كُلِّهِمْ.
فَإثْباتُ الحَقِيقَةِ ونَفْيُ المَجازِ في صِفاتِ اللَّهِ هو اعْتِقادُ كُلِّ مُسْلِمٍ طاهِرِ القَلْبِ مِن أقْذارِ التَّشْبِيهِ، لِأنَّهُ لا يَسْبِقُ إلى ذِهْنِهِ مِنَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الصِّفَةِ كَصِفَةِ اليَدِ والوَجْهِ إلّا أنَّها صِفَةُ كَمالٍ مُنَزَّهَةٌ عَنْ مُشابَهَةِ صِفاتِ الخَلْقِ.
(p-٢٨٧)فَلا يَخْطُرُ في ذِهْنِهِ التَّشْبِيهُ الَّذِي هو سَبَبُ نَفْيِ الصِّفَةِ وتَأْوِيلِها بِمَعْنًى لا أصْلَ لَهُ.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
محمد 47:25
(p-٣٧٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾
الظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى، قَوْمٌ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمّا بُعِثَ وتَحَقَّقُوا أنَّهُ هو النَّبِيُّ المَوْصُوفُ في كُتُبِهِمْ كَفَرُوا بِهِ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فارْتِدادُهم عَلى أدْبارِهِمْ هو كُفْرُهم بِهِ بَعْدَ أنْ عَرَفُوهُ وتَيَقَّنُوهُ، وعَلى هَذا فالهُدى الَّذِي تَبَيَّنَ لَهم هو صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ ﷺ ومَعْرِفَتِهِ بِالعَلاماتِ المَوْجُودَةِ في كُتُبِهِمْ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فَهَذِهِ الآيَةُ يُوَضِّحُها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ مُبَيِّنٌ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾، وقَوْلُهُ: ﴿كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ﴾ مُبَيِّنٌ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نَزَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ في المُنافِقِينَ.
وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ سَبَبَ ارْتِدادِ هَؤُلاءِ القَوْمِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى، هو إغْواءُ الشَّيْطانِ لَهم كَما قالَ تَعالى مُشِيرًا إلى عِلَّةِ ذَلِكَ: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أيْ زَيَّنَ لَهُمُ الكُفْرَ والِارْتِدادَ عَنِ الدِّينِ، ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ أيْ مَدَّ لَهم في الأمَلِ ووَعَدَهم طُولَ العُمُرِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَوَّلَ سَهَّلَ لَهم رُكُوبَ العَظائِمِ مِنَ السَّوْلِ، وهو الِاسْتِرْخاءُ، وقَدِ اشْتَقَّهُ مِنَ السُّؤْلِ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِالتَّصْرِيفِ والِاشْتِقاقِ جَمِيعًا، ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ ومَدَّ لَهم في الآمالِ والأمانِي. انْتَهى.
(p-٣٨٠)وَإيضاحُ هَذا أنَّ هَؤُلاءِ المُرْتَدِّينَ عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى وقَعَ لَهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ الشَّيْطانَ سَوَّلَ لَهم ذَلِكَ أيْ سَهَّلَهُ لَهم وزَيَّنَهُ لَهم وحَسَّنَهُ لَهم ومَنّاهم بِطُولِ الأعْمارِ؛ لِأنَّ طُولَ الأمَلِ مِن أعْظَمِ أسْبابِ ارْتِكابِ الكُفْرِ والمَعاصِي.
وَفِي هَذا الحَرْفِ قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ: قَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ بَعْدَها ألِفٌ وهو فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الشَّيْطانِ.
وَأصْلُ الإمْلاءِ الإمْهالُ والمَدُّ في الأجَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] .
وَمَعْنى إمْلاءِ الشَّيْطانِ لَهم وعْدُهُ إيّاهم بِطُولِ الأعْمارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] .
وَقالَ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ضَمِيرُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
والمَعْنى: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أيْ سَهَّلَ لَهُمُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، وزَيَّنَ ذَلِكَ وحَسَّنَهُ لَهم، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أمْلى لَهم: أيْ أمْهَلَهم إمْهالَ اسْتِدْراجٍ.
وَكَوْنُ التَّسْوِيلِ مِنَ الشَّيْطانِ والإمْهالِ مِنَ اللَّهِ، قَدْ تَشْهَدُ لَهم آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى في تَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم: ﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهو ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى في إمْلاءِ اللَّهِ لَهُمُ اسْتِدْراجًا: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٨١)﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ مِنَ السَّبْعَةِ ”وَأُمْلِيَ لَهم“ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ، بَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ بِصِيغَةِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ والفاعِلِ المَحْذُوفِ، فِيهِ الوَجْهانِ المَذْكُورانِ آنِفًا في فاعِلِ: ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ.
وَقَدْ ذَكَرْنا قَرِيبًا ما يَشْهَدُ لِكُلٍّ مِنهُما مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى في إمْلاءِ الشَّيْطانِ لَهم: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، وقَوْلِهِ في إمْلاءِ اللَّهِ لَهم: ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٥]، كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ .
أيْ ذَلِكَ التَّسْوِيلُ والإمْلاءُ المُفْضِي إلى الكُفْرِ بِسَبَبِ أنَّهم: ﴿قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ .
وَظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الأمْرِ الَّذِي قالُوا لَهم سَنُطِيعُكم فِيهِ مِمّا نَزَّلَ اللَّهُ وكَرِهَهُ أُولَئِكَ المُطاعُونَ.
والآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أطاعَ مَن كَرِهَ ما نَزَّلَ اللَّهُ في مُعاوَنَتِهِ لَهُ عَلى كَراهَتِهِ ومُؤازَرَتِهِ لَهُ عَلى ذَلِكَ الباطِلِ، أنَّهُ كافِرٌ بِاللَّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى فِيمَن كانَ كَذَلِكَ: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧ - ٢٨] .
وَقَدْ قَدَّمْنا ما يُوَضِّحُ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ الشُّورى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ (p-٣٨٢)تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وفي مَواضِعَ عَدِيدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
وَبَيَّنّا في سُورَةِ الشُّورى أيْضًا شِدَّةَ كَراهَةِ الكُفّارِ لِما نَزَّلَ اللَّهُ، وبَيَّنّا ذَلِكَ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ ”أسْرارَهم“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، جَمْعُ سِرٍّ.
وَقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿إسْرارَهُمْ﴾ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مَصْدَرُ أسَرَّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ [نوح: ٩]، وقَدْ قالُوا لَهم ذَلِكَ سِرًّا فَأفْشاهُ اللَّهُ العالِمُ بِكُلِّ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ؟ أيْ قَبَضَ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ أرْواحَهم في حالِ كَوْنِهِمْ ضارِبِينَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ المَلائِكَةِ يَتَوَفَّوْنَ الكُفّارَ وهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الأنْفالِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، وقَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] .
فَقَوْلُهُ: ﴿باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِالضَّرْبِ المَذْكُورِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ راجِعَةٌ إلى المَصْدَرِ الكامِنِ في الفِعْلِ الصِّناعِيِّ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾، أيْ ذَلِكَ بِضَرْبِ وقْتِ المَوْتِ واقِعٌ بِسَبَبٍ ﴿بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ أيْ أغْضَبَهُ مِنَ الكُفْرِ بِهِ، وطاعَةِ الكُفّارِ الكارِهِينَ لِما نَزَّلَهُ.
والإسْخاطُ اسْتِجْلابُ السُّخْطِ، وهو الغَضَبُ هُنا.
(p-٣٨٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾ لِأنَّ مَن أطاعَ مَن كَرِهَ ما نَزَّلَ اللَّهُ فَقَدْ كَرِهَ رِضْوانَ اللَّهِ؛ لِأنَّ رِضْوانَهُ تَعالى لَيْسَ إلّا في العَمَلِ بِما نَزَّلَ، فاسْتَلْزَمَتْ كَراهَةُ ما نَزَّلَ كَراهَةَ رِضْوانِهِ لِأنَّ رِضْوانَهُ فِيما نَزَّلَ، ومَن أطاعَ كارِهَهُ، فَهو كَكارِهِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَها، لِأنَّ الكُفْرَ سَيِّئَةٌ لا تَنْفَعُ مَعَها حَسَنَةٌ، وقَدْ أوْضَحْنا المَقامَ في ذَلِكَ إيضاحًا تامًّا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] .
وَفِي سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، قَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.
وَقالَ بَعْضُهم: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وإنَّ المُنافِقِينَ أوِ اليَهُودَ قالُوا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ، وهو عَداوَةُ النَّبِيِّ ﷺ والتَّعْوِيقُ عَنِ الجِهادِ ونَحْوُ ذَلِكَ.
وَبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ هُمُ اليَهُودُ حِينَ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ لَمّا عَرَفُوهُ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ، وهو الإيمانُ بِهِ - ﷺ .
والتَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّ هَذِهِ الآياتِ عامَّةٌ في كُلِّ ما يَتَناوَلُهُ لَفْظُها، وأنَّ كُلَّ ما فِيها مِنَ الوَعِيدِ عامٌّ لِمَنِ أطاعَ مَن كَرِهَ ما نَزَّلَ اللَّهُ.
مَسْألَةٌ
اعْلَمْ أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ، يَجِبُ عَلَيْهِ في هَذا الزَّمانِ تَأمُّلُ هَذِهِ الآياتِ، مِن سُورَةِ مُحَمَّدٍ وتَدَبُّرِها، والحَذَرُ التّامُّ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْتَسِبُونَ لِلْمُسْلِمِينَ داخِلُونَ بِلا شَكٍّ فِيما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
لِأنَّ عامَّةَ الكُفّارِ مِن شَرْقِيِّينَ وغَرْبِيِّينَ كارِهُونَ لِما نَزَّلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو هَذا القُرْآنُ وما يُبَيِّنُهُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ السُّنَنِ.
(p-٣٨٤)فَكُلُّ مَن قالَ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الكارِهِينَ لِما نَزَّلَهُ اللَّهُ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾، فَهو داخِلٌ في وعِيدِ الآيَةِ.
وَأحْرى مِن ذَلِكَ مِن يَقُولُ لَهم: سَنُطِيعُكم في الأمْرِ كالَّذِينِ يَتَّبِعُونَ القَوانِينَ الوَضْعِيَّةَ مُطِيعِينَ بِذَلِكَ لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ، فَإنَّ هَؤُلاءِ لا شَكَّ أنَّهم مِمَّنْ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم.
وَأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ، وأنَّهُ مُحْبِطٌ أعْمالَهم.
فاحْذَرْ كُلَّ الحَذَرِ مِنَ الدُّخُولِ في الَّذِينَ قالُوا: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ .
محمد 47:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾
اللّامُ في قَوْلِهِ ”لِنَبْلُوَنَّكم“ مُوطِّئَةٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ شُعْبَةَ عَنْ عاصِمٍ بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى العَظَمَةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أعْنِي لَنَبْلُوَنَّكم، ونَعْلَمَ، ونَبْلُوَ.
وَقَرَأهُ شُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ.
وَضَمِيرُ الفاعِلِ يَعُودُ إلى اللَّهِ وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - يَبْلُو النّاسَ أيْ يَخْتَبِرُهم بِالتَّكالِيفِ، كَبَذْلِ الأنْفُسِ والأمْوالِ في الجِهادِ لِيَتَمَيَّزَ بِذَلِكَ صادِقُهم مِن كاذِبِهِمْ، ومُؤْمِنُهم مِن كافِرِهِمْ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [التوبة: ١٦] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] .
(p-٣٨٥)وَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٩] .
وَقَدْ قَدَّمْنا إزالَةَ الإشْكالِ في نَحْوِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
فَقُلْنا في ذَلِكَ ما نَصُّهُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ يَتَوَهَّمُ مِنهُ الجاهِلُ أنَّهُ تَعالى يَسْتَفِيدُ بِالِاخْتِبارِ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَلْ هو تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ ما سَيَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ.
وَقَدْ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ بِالِاخْتِبارِ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ بِقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] .
فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ”لِيَبْتَلِيَ“ - دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ بِالِاخْتِبارِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا؛ لِأنَّ العَلِيمَ بِذاتِ الصُّدُورِ غَنِيٌّ عَنِ الِاخْتِبارِ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ عَظِيمٌ لِجَمِيعِ الآياتِ الَّتِي يَذْكُرُ اللَّهُ فِيها اخْتِبارَهُ لِخَلْقِهِ.
وَمَعْنى إلّا لِنَعْلَمَ أيْ عِلْمًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ فَلا يُنافِي أنَّهُ كانَ عالِمًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وفائِدَةُ الِاخْتِبارِ ظُهُورُ الأمْرِ لِلنّاسِ، أمّا عالِمُ السِّرِّ والنَّجْوى، فَهو عالَمٌ بِكُلِّ ما سَيَكُونُ، كَما لا يَخْفى. ا هـ.
قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما نَصُّهُ: (وهَذا العِلْمُ هو العِلْمُ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ بِهِ الجَزاءُ لِأنَّهُ إنَّما يُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ لا بِعِلْمِهِ القَدِيمِ عَلَيْهِمْ، فَتَأْوِيلُهُ: حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ عِلْمَ شَهادَةٍ، لِأنَّهم إذا أُمِرُوا بِالعَمَلِ يَشْهَدُ مِنهم ما عَمِلُوا فالجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ يَقَعُ عَلى عِلْمِ الشَّهادَةِ، ﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ نَخْتَبِرُها ونُظْهِرُها) انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما نَصُّهُ: (p-٣٨٦)(ولَنَبْلُوَنَّكم أيُّها المُؤْمِنُونَ بِالقَتْلِ وجِهادِ أعْداءِ اللَّهِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكُمْ﴾، يَقُولُ: حَتّى يَعْلَمَ حِزْبِي وأوْلِيائِي أهْلَ الجِهادِ في اللَّهِ مِنكم وأهْلَ الصَّبْرِ عَلى قِتالِ أعْدائِهِ فَيَظْهَرُ ذَلِكَ لَهم ويُعْرَفُ ذَوُو البَصائِرِ مِنكم في دِينِهِ مِن ذَوِي الشَّكِّ والحَيْرَةِ فِيهِ، وأهْلُ الإيمانِ مِن أهْلِ النِّفاقِ، ﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ فَنَعْرِفَ الصّادِقَ مِنكم مِنَ الكاذِبِ) انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَما ذَكَرَهُ مِن أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ الآيَةَ: حَتّى يَعْلَمَ حِزْبُنا وأوْلِياؤُنا المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ - لَهُ وجْهٌ، وقَدْ يُرْشِدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ أيْ نُظْهِرَها ونُبْرِزَها لِلنّاسِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]؛ لِأنَّ المُرادَ بِمَيْزِ الخَبِيثِ مِنَ الطِّيبِ ظُهُورُ ذَلِكَ لِلنّاسِ.
وَلِذا قالَ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، فَتَعْلَمُوا ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ الخَبِيثُ والطَّيِّبُ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَرَّفَكم بِذَلِكَ بِالِاخْتِبارِ والِابْتِلاءِ الَّذِي تَظْهَرُ بِسَبَبِهِ طَوايا النّاسِ مِن خُبْثٍ وطِيبٍ.
والقَوْلُ الأوَّلُ وجِيهٌ أيْضًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
محمد 47:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ”صَدُّوا“ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَدِّيَةٌ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ كَفَرُوا وصَدُّوا غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَهم ضالُّونَ مُضِلُّونَ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾ [النحل: ٩٧] أنَّ التَّأْسِيسَ مُقَدَّمٌ عَلى التَّوْكِيدِ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ.
وَ ”صَدُّوا“ هُنا إنْ قُدِّرَتْ لازِمَةً فَمَعْنى الصُّدُودِ الكُفْرُ، فَتَكُونُ كالتَّوْكِيدِ لِقَوْلِهِ: كَفَرُوا.
(p-٣٨٧)وَإنْ قُدِّرَتْ مُتَعَدِّيَةً كانَ ذَلِكَ تَأْسِيسًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: كَفَرُوا يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ في أنْفُسِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ”وَصَدُّوا“ عَلى أنَّهُ مُتَعَدٍّ يَدُلُّ عَلى أنَّهم حَمَلُوا غَيْرَهم عَلى الكُفْرِ وصَدُّوهُ عَنِ الحَقِّ، وهَذا أرْجَحُ مِمّا قَبْلَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ أيْ خالَفُوا مُحَمَّدًا ﷺ مُخالَفَةً شَدِيدَةً.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى أمْرَيْنِ. أحَدُهُما أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا غَيْرَهم عَنِ الحَقِّ وخالَفُوهُ ﷺ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ بِكُفْرِهِمْ شَيْئًا، لِأنَّهُ غَنِيٌّ لِذاتِهِ الغِنى المُطْلَقَ.
والثّانِي أنَّهم إنَّما يَضُرُّونَ بِذَلِكَ أنْفُسَهم، لِأنَّ ذَلِكَ الكُفْرَ سَبَبٌ لِإحْباطِ أعْمالِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ .
وَهَذانِ الأمْرانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَتْهُما هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ.
فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الأوَّلِ الَّذِي هو غِنى اللَّهِ عَنْ خَلْقِهِ، وعَدَمُ تَضَرُّرِهِ بِمَعْصِيَتِهِمْ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [يونس: ٦٨] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الثّانِي وهو إحْباطُ أعْمالِهِمْ بِالكُفْرِ أيْ إبْطالُها بِهِ - قَوْلُهُ (p-٣٨٨)تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
محمد 47:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا كَثِيرًا جِدًّا مِنَ الآياتِ المُماثِلَةِ لَهُ قَرِيبًا في جُمْلَةِ كَلامِنا الطَّوِيلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨٢ ]، [ ٤٧ \ ٢٤] .
محمد 47:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ .
ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ، لِأنَّ النّارَ وجَبَتْ لَهُ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٢] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٨] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
محمد 47:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ . (p-٣٨٩)قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ وشُعْبَةَ عَنْ عاصِمٍ ﴿إلى السَّلْمِ﴾ بِفَتْحِ السِّينِ.
وَقَرَأ حَمْزَةُ وشُعْبَةُ ”إلى السِّلْمِ“ بِكَسْرِ السِّينِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ لا تَضْعُفُوا وتَذِلُّوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٦] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨]، أيْ مُضَعِّفٌ كَيْدَهم، وقَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى:
؎وَأخْلَفَتْكَ ابْنَةُ البَكْرِيِّ ما وعَدَتْ فَأصْبَحَ الحَبْلُ مِنها واهِنًا خَلِقا
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: فَلا تَضْعُفُوا عَنْ قِتالِ الكَفّارِ ﴿وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ أيْ تَبْدَءُوا بِطَلَبِ السَّلْمِ أيِ الصُّلْحِ والمُهادَنَةِ ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم أنْتُمُ الأعْلَوْنَ، أيِ الأقْهَرُونَ والأغْلَبُونَ لِأعْدائِكم، ولِأنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مِنَ النَّصْرِ والثَّوابِ ما لا يَرْجُونَ.
وَهَذا التَّفْسِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ هو الصَّوابُ.
وَتَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ لِأنَّ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ هو الأعْلى وهو الغالِبُ وهو القاهِرُ المَنصُورُ المَوْعُودُ بِالثَّوابِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ لا يَضْعُفَ عَنْ مُقاوَمَةِ الكَفّارِ ولا يَبْدَؤُهم بِطَلَبِ الصُّلْحِ والمُهادَنَةِ.
وَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [غافر: ٥١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] .
وَمِمّا يُوَضِّحُ مَعْنى آيَةِ القِتالِ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ مِنَ النَّصْرِ الَّذِي وعَدَكُمُ اللَّهُ بِهِ والغَلَبَةِ وجَزِيلِ الثَّوابِ.
(p-٣٩٠)وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ أيْ بِالنَّصْرِ والإعانَةِ والثَّوابِ.
واعْلَمْ أنَّ آيَةَ القِتالِ هَذِهِ لا تَعارُضَ بَيْنِها وبَيْنَ آيَةِ الأنْفالِ حَتّى يُقالَ إنَّ إحْداهُما ناسِخَةٌ لِلْأُخْرى، بَلْ هُما مُحْكَمَتانِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُنَزَّلَةٌ عَلى حالٍ غَيْرِ الحالِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ الأُخْرى.
فالنَّهْيُ في آيَةِ القِتالِ هَذِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ إنَّما هو عَنِ الِابْتِداءِ بِطَلَبِ السَّلْمِ.
والأمْرُ بِالجُنُوحِ إلى السَّلْمِ في آيَةِ الأنْفالِ مَحَلُّهُ فِيما إذا ابْتَدَأ الكَفّارُ بِطَلَبِ السَّلْمِ والجُنُوحِ لَها، كَما هو صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦١] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أوْلى وأصْوَبُ مِمّا فَسَّرَها بِهِ ابْنُ كَثِيرَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَهُوَ أنَّ المَعْنى: لا تَدْعُوا إلى الصُّلْحِ والمُهادَنَةِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ أيْ في حالِ قُوَّتِكم وقُدْرَتِكم عَلى الجِهادِ، أيْ: وإمّا إنْ كُنْتُمْ في ضَعْفٍ وعَدَمِ قُوَّةٍ فَلا مانِعَ مِن أنْ تَدْعُوا إلى السَّلْمِ أيِ الصُّلْحِ والمُهادَنَةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ:
؎السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ ∗∗∗ والحَرْبُ تَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ أيْ لَنْ يُنْقِصَكم شَيْئًا مِن ثَوابِ أعْمالِكم.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن عَدَمِ نَقْصِهِ تَعالى شَيْئًا مِن ثَوابِ الأعْمالِ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]، أيْ لا يُنْقِصُكم مِن ثَوابِها شَيْئًا.
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] .
(p-٣٩١)والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ قَدَّمْناها مِرارًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾ أصْلُهُ مِنَ الوَتْرِ، وهو الفَرْدُ.
فَأصْلُ قَوْلِهِ: ”لَنْ يَتِرَكم“ لَنْ يُفْرِدَكم ويُجَرِّدَكم مِن أعْمالِكم بَلْ يُوَفِّيكم إيّاها.
محمد 47:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ .
هَذِهِ الأُجُورُ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ بِها مَن آمَنَ واتَّقى جاءَتْ مُبَيَّنَةً في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ . في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أوْجُهٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أهْلِ التَّفْسِيرِ مِنها أنَّ المَعْنى: ولا يَسْألْكُمُ النَّبِيُّ ﷺ أمْوالَكم أجْرًا عَلى ما بَلَّغَكم مِنَ الوَحْيِ المُتَضَمِّنِ لِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وَهَذا الوَجْهُ تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبإ: ٤٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩]، وذَكَرْنا بَعْضَ ذَلِكَ في سُورَةِ الشُّورى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] .
محمد 47:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ . قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ قَرِيبًا في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ الآيَةَ [محمد: ٣٢] .
* *
(p-٣٩٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ . وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ النِّساءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣] .
الفتح 48:1
(p-٣٩٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الفَتْحِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ .
التَّحْقِيقُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّ المُرادَ بِهَذا الفَتْحِ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ؛ لِأنَّهُ فَتْحٌ عَظِيمٌ.
وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ الصُّلْحَ المَذْكُورَ هو السَّبَبُ الَّذِي تَهَيَّأ بِهِ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَجْتَمِعُوا بِالكُفّارِ فَيَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وبَيَّنُوا لَهم مَحاسِنَهُ، فَدَخَلَ كَثِيرٌ مِن قَبائِلِ العَرَبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ في الإسْلامِ.
وَمِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في ذِي القِعْدَةِ عامَ سِتٍّ كانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ.
وَلَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ غَزْوَ مَكَّةَ حِينَ نَقَضَ الكُفّارُ العَهْدَ، كانَ خُرُوجُهُ إلى مَكَّةَ في رَمَضانَ عامَ ثَمانٍ.
وَكانَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلافِ مُقاتِلٍ، وذَلِكَ يُوَضِّحُ أنَّ الصُّلْحَ المَذْكُورَ مِن أعْظَمِ الفُتُوحِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِقُوَّةِ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ.
وَلَيْسَ المُرادُ بِالفَتْحِ المَذْكُورِ فَتْحَ مَكَّةَ، وإنْ قالَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وَإنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما قُلْنا، ولِأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ سُورَةَ الفَتْحِ هَذِهِ نَزَلَتْ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ في طَرِيقِهِ ﷺ راجِعًا إلى المَدِينَةِ.
وَلَفْظُ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الفَتْحَ قَدْ مَضى، فَدَعْوى أنَّهُ فَتَحَ مَكَّةَ ولَمْ يَقَعْ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ بِقُرْبِ سَنَتَيْنِ - خِلافُ الظّاهِرِ.
والآيَةُ الَّتِي في فَتْحِ مَكَّةَ دَلَّتْ عَلى الِاسْتِقْبالِ لا عَلى المُضِيِّ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ الآيَةَ [النصر: ١] .
وَقَدْ أوْضَحْنا في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ مَعْنى اللّامِ في قَوْلِهِ: (p-٣٩٤)﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ الآيَةَ [الفتح: ٢] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٩٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الفَتْحِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ .
لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ مِن تَنافِي هَذِهِ العِلَّةِ ومَعْلُولِها، لِأنَّ فَتْحَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ لا يَظْهَرُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِغُفْرانِهِ لَهُ.
والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ لِدَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلَيْهِ أنَّ المَعْنى إنَّ فَتْحَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ يَدُلُّ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ عَلى شُكْرِ النَّبِيِّ لِنِعْمَةِ الفَتْحِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ بِسَبَبِ شُكْرِهِ بِأنْواعِ العِبادَةِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ، فَكَأنَّ شُكْرَ النَّبِيِّ لازِمٌ لِنِعْمَةِ الفَتْحِ، والغُفْرانُ مُرَتَّبٌ عَلى ذَلِكَ اللّازِمِ.
أمّا دَلالَةُ الكِتابِ عَلى هَذا فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: - ٣] .
فَصَرَّحَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ تَسْبِيحَهُ بِحَمْدِ رَبِّهِ واسْتِغْفارَهُ لِرَبِّهِ شُكْرًا عَلى نِعْمَةِ الفَتْحِ سَبَبٌ لِغُفْرانِ ذُنُوبِهِ، لِأنَّهُ رَتَّبَ تَسْبِيحَهُ بِحَمْدِهِ واسْتِغْفارِهِ بِالفاءِ عَلى مَجِيءِ الفَتْحِ والنَّصْرِ تَرْتِيبَ المَعْلُولِ عَلى عِلَّتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الشُّكْرَ سَبَبُ الغُفْرانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ .
وَأمّا دَلالَةُ السُّنَّةِ فَفي «قَوْلِهِ ﷺ لَمّا قالَ لَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ لا تَجْهَدْ نَفْسَكَ بِالعَمَلِ، فَإنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» .
فَبَيَّنَ ﷺ أنَّ اجْتِهادَهُ في العَمَلِ لِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ وتَرَتُّبَ الغُفْرانِ عَلى الِاجْتِهادِ في العَمَلِ لا خَفاءَ بِهِ.
(p-٣٩٧)الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: إنّا فَتَحْنا يُفْهَمُ مِنهُ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِأنَّهُ السَّبَبُ الأعْظَمُ في الفَتْحِ، والجِهادُ سَبَبٌ لِغُفْرانِ الذُّنُوبِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ بِسَبَبِ جِهادِكَ المَفْهُومِ مِن ذِكْرِ الفَتْحِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الفتح 48:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ .
ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ مِن كِتابِ اللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ أوْضَحْناهُ مِرارًا.
والحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ، كَما عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الوَحْيُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ كَما تَقَدَّمَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ لَهُ جُنُودَ السَّماواتِ والأرْضِ، وبَيَّنَ في المُدَّثِّرِ أنَّ جُنُودَهُ هَذِهِ لا يَعْلَمُها إلّا هو، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] .
الفتح 48:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ .
أظْهَرُ الأقْوالِ وأصَحُّها في الآيَةِ أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: لِيُدْخِلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] .
وَإيضاحُ المَعْنى ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾، أيِ السُّكُونَ والطُّمَأْنِينَةَ إلى الحَقِّ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، لِيَزْدادُوا بِذَلِكَ إيمانًا لِأجْلِ أنْ يُدْخِلَهم بِالطُّمَأْنِينَةِ إلى الحَقِّ، وازْدِيادِ الإيمانِ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ .
وَمَفْهُومُ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ أنَّ قُلُوبَ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وهو كَذَلِكَ ولِذا كانَ جَزاؤُهم مُخالِفًا لِجَزاءِ المُؤْمِنِينَ كَما صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ .
(p-٣٩٥)وَإيضاحُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى وفَّقَ المُؤْمِنِينَ بِإنْزالِ السَّكِينَةِ وازْدِيادِ الإيمانِ، وأشْقى غَيْرَهم مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ فَلَمْ يُوَفِّقْهم بِذَلِكَ لِيُجازِيَ كُلًّا بِمُقْتَضى عَمَلِهِ.
وَهَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الأحْزابِ: ﴿وَحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] .
الفتح 48:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ .
بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ يُجازِي المُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ والمُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ بِثَلاثِ عُقُوباتٍ وهي غَضَبُهُ، ولَعْنَتُهُ، ونارُ جَهَنَّمَ.
وَقَدْ بَيَّنَ في بَعْضِ الآياتِ بَعْضَ نَتائِجِ هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ،
• كَقَوْلِهِ في الغَضَبِ: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١]،
• وقَوْلِهِ في اللَّعْنَةِ: ﴿وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢]،
• وقَوْلِهِ في نارِ جَهَنَّمَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] .
الفتح 48:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ .
بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ أرْسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَبْعَثُهُ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ شاهِدًا عَلى أُمَّتِهِ، وأنَّهُ مُبَشِّرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُنْذِرٌ لِلْكافِرِينَ. قالَ تَعالى في شَهادَتِهِ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أُمَّتِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] .
فَآيَةُ النِّساءِ وآيَةُ النَّحْلِ المَذْكُورَتانِ الدّالَّتانِ عَلى شَهادَتِهِ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أُمَّتِهِ تُبَيِّنانِ آيَةَ الفَتْحِ هَذِهِ.
وَما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ مُبَشِّرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ونَذِيرٌ لِلْكافِرِينَ أوْضَحَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] .
(p-٣٩٦)وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا في أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ، وما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - ذَكَرَهُ وزِيادَةً في سُورَةِ الأحْزابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] .
وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ كِلاهُما حالٌ مَعْطُوفٌ عَلى حالٍ.
الفتح 48:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ .
أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ واعْتَذَرُوا بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ [الفتح: ١١] أيْ لا أحَدَ يَمْلِكُ دَفْعَ الضُّرِّ الَّذِي أرادَ اللَّهُ إنْزالَهُ بِكم ولا مَنعَ النَّفْعِ الَّذِي أرادَ نَفْعَكم بِهِ فَلا نافِعَ إلّا هو ولا ضارَّ إلّا هو تَعالى، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى دَفْعِ ضُرٍّ أرادَهُ ولا مَنعِ نَفْعٍ أرادَهُ.
وَهَذا الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الأحْزابِ ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ يُونُسَ: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٧] .
وَقَوْلِهِ في الأنْعامِ: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى في المائِدَةِ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى في فاطِرٍ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٢] .
وَقَوْلِهِ تَعالى في المُلْكِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ أوْ رَحِمَنا فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الملك: ٢٨] .
(p-٣٩٧)وَقَدْ ذَكَرْنا بَعْضَ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا في أوَّلِ سُورَةِ فاطِرٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٢] . وفي سُورَةِ الأحْقافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الأحقاف: ٨] .
الفتح 48:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ. والسَّكِينَةُ تَشْمَلُ الطُّمَأْنِينَةَ والسُّكُونَ إلى الحَقِّ والثَّباتَ والشَّجاعَةَ عِنْدَ البَأْسِ.
وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - إنْزالَهُ السَّكِينَةَ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ في بَراءَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٦]، وذَكَرَ إنْزالَ سَكِينَتِهِ عَلى رَسُولِهِ في قَوْلِهِ في بَراءَةَ: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٠] .
وَذَكَرَ إنْزالَهُ سَكِينَتَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [الفتح: ١٨] .
وَهَذِهِ الآياتُ كُلُّها لَمْ يُبَيِّنْ فِيها مَوْضِعَ إنْزالِ السَّكِينَةِ، وقَدْ بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَحَلَّ إنْزالِ السَّكِينَةِ هو القُلُوبُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [الفتح: ٤] .
الفتح 48:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ .
ما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ذَكَرَهُ في سُورَةِ التَّوْبَةِ، وسُورَةِ الصَّفِّ، وزادَ فِيهِما أنَّهُ فاعِلٌ ذَلِكَ، ولَوْ كانَ المُشْرِكُونَ يَكْرَهُونَهُ، فَقالَ في المَوْضِعَيْنِ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣ ]، [ ٦١ - ٩] .
الفتح 48:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ المائِدَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] .
(p-٣٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ ذَكْوانَ وابْنُ عامِرٍ ”شَطَأهُ“ بِفَتْحِ الطّاءِ، والباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ بِسُكُونِ الطّاءِ.
وَقَرَأ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ ذَكْوانَ: ﴿فَآزَرَهُ﴾ بِألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ.
وَقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنْ عامِرٍ ”فَأزَرَهُ“ بِلا ألِفٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مُجَرَّدًا.
وَقَرَأ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ قُنْبُلٍ ﴿عَلى سُوقِهِ﴾ بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ.
وَقَرَأهُ قَنْبَلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَدَلًا مِنَ الواوِ، وعَنْهُ ضَمُّ الهَمْزَةِ بَعْدَ السِّينِ، بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ.
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيها أنَّهُ ضَرَبَ المَثَلَ في الإنْجِيلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ بِأنَّهم كالزَّرْعِ يَظْهَرُ في أوَّلِ نَباتِهِ رَقِيقًا ضَعِيفًا مُتَفَرِّقًا، ثُمَّ يَنْبُتُ بَعْضُهُ حَوْلَ بَعْضٍ، ويَغْلَظُ ويَتَكامَلُ حَتّى يَقْوى ويَشْتَدَّ وتُعْجِبَ جَوْدَتُهُ أصْحابَ الزِّراعَةِ، العارِفِينَ بِها، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ كانُوا في أوَّلِ الإسْلامِ في قِلَّةٍ وضَعْفٍ ثُمَّ لَمْ يَزالُوا يُكْثِرُونَ ويَزْدادُونَ قُوَّةً حَتّى بَلَغُوا ما بَلَغُوا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ أيْ فِراخَهُ فَنَبَتَ في جَوانِبِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَآزَرَهُ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مِنَ المُؤازَرَةِ، بِمَعْنى المُعاوَنَةِ والتَّقْوِيَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿فَآزَرَهُ﴾ أيْ ساواهُ في الطُّولِ، وبِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ فُسِّرَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎بِمَحْنِيَّةٍ قَدْ آزَرَ الصّالُ نَبْتَها مُجْرٍ جُيُوشَ غانِمِينَ وخَيَّبَ
وَأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ ذَكْوانَ ﴿فَآزَرَهُ﴾ بِلا ألْفٍ، فالمَعْنى شَدَّ أزْرَهُ أيْ قَوّاهُ.
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي هارُونَ أخِي اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ الآيَةَ [طه: ٢٩ - ٣١]، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ أيْ صارَ ذَلِكَ الزَّرْعُ غَلِيظًا بَعْدَ أنْ كانَ رَقِيقًا، وقَوْلُهُ: فاسْتَوى أيِ اسْتَتَمَّ وتَكامَلَ عَلى سُوقِهِ أيْ عَلى قَصَبِهِ.
(p-٣٩٩)وَما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ المَثَلِ المَذْكُورِ في الإنْجِيلِ المَضْرُوبِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ بِأنَّهم يَكُونُونَ في مَبْدَأِ أمْرِهِمْ في قِلَّةٍ وضَعْفٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكْثُرُونَ ويَقْوُونَ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحجرات 49:1
(p-٤٠٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الحُجُراتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ فِيهِ لِعُلَماءِ التَّفْسِيرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ مِنها وهو أصَحُّها وأظْهَرُها أنَّهُ مُضارِعُ ”قَدَّمَ“ اللّازِمِ بِمَعْنى تَقَدَّمَ.
وَمِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ، ومُقَدِّمَةُ الكِتابِ بِكَسْرِ الدّالِّ فِيهِما، وهو اسْمُ فاعِلِ ”قَدَّمَ“ بِمَعْنى تَقَدَّمَ.
وَيَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قِراءَةُ يَعْقُوبَ مِنَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ هم تَمامُ العَشَرَةِ: ”لا تَقَدَّمُوا“ بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ المُشَدَّدَةِ، وأصْلُهُ: لا تَتَقَدَّمُوا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مُضارِعُ ”قَدَّمَ“ المُتَعَدِّي، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ، أيْ: لا تُقَدِّمُوا قَوْلًا ولا فِعْلًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بَلْ أمْسِكُوا عَنْ ذَلِكَ حَتّى تَصْدُرُوا فِيهِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ مُضارِعُ ”قَدَّمَ“ المُتَعَدِّي، ولَكِنَّها أُجْرِيَتْ مَجْرى اللّازِمِ، وقُطِعَ النَّظَرُ عَنْ وُقُوعِها عَلى مَفْعُولِها، لِأنَّ المُرادَ هو أصْلُ الفِعْلِ دُونَ وُقُوعِهِ عَلى مَفْعُولٍ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [غافر: ٦٨]، أيْ هو المُتَّصِفُ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، ولا يُرادُ في ذَلِكَ وُقُوعُهُما عَلى مَفْعُولٍ.
وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، لِأنَّ المُرادَ أنَّ المُتَّصِفِينَ بِالعِلْمِ لا يَسْتَوُونَ مَعَ غَيْرِ المُتَّصِفِينَ بِهِ.
وَلا يُرادُ هُنا وُقُوعُ العِلْمِ عَلى مَفْعُولٍ، وكَذَلِكَ عَلى هَذا القَوْلِ: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ لا تَكُونُوا مِنَ المُتَّصِفِينَ بِالتَّقْدِيمِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في كَلامِنا الطَّوِيلِ عَلى آيَةِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] أنَّ لَفْظَةَ: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، مَعْناها أمامَهُ، وذَكَرْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ.
(p-٤٠١)والمَعْنى لا تَتَقَدَّمُوا أمامَ اللَّهِ ورَسُولِهِ: فَتَقُولُوا في شَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا إذْنٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا تَشْرِيعُ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وتَحْرِيمُ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ، وتَحْلِيلُ ما لَمْ يُحَلِّلْهُ، لِأنَّهُ لا حَرامَ إلّا ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ولا حَلالَ إلّا ما أحَلَّهُ اللَّهُ، ولا دِينَ إلّا ما شَرَعَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ الشُّورى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وفي سُورَةِ الكَهْفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ بِامْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فَهو سَمِيعٌ لِكُلِّ ما تَقُولُونَ مِنَ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيْهِ وغَيْرِهِ، عَلِيمٌ بِكُلِّ ما تَفْعَلُونَ مِنَ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيْهِ وغَيْرِهِ.
الحجرات 49:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ «لَمّا قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفْدُ تَمِيمٍ، أشارَ عَلَيْهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمُ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرارَةَ بْنِ عَدَسٍ، وأشارَ عَلَيْهِ عُمَرُ أنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمُ الأقْرَعَ بْنَ حابِسِ بْنِ عِقالٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي، فَقالَ عُمْرُ: ما أرَدْتُ خِلافَكَ، فارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾» ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ وغَيْرِهِ.
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلَّمَ اللَّهُ فِيها المُؤْمِنِينَ أنْ يُعَظِّمُوا النَّبِيَّ ﷺ ويَحْتَرِمُوهُ ويُوَقِّرُوهُ، فَنَهاهم عَنْ رَفْعِ أصْواتِهِمْ فَوْقَ صَوْتِهِ، وعَنْ أنْ يَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أيْ يُنادُونَهُ بِاسْمِهِ: يا مُحَمَّدُ، يا أحْمَدُ، كَما يُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا.
وَإنَّما أُمِرُوا أنْ يُخاطِبُوهُ خِطابًا يَلِيقُ بِمَقامِهِ لَيْسَ كَخِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، كَأنْ (p-٤٠٢)يَقُولُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ أوْ يا رَسُولَ اللَّهِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾ أيْ لا تَفْعَلُوا ذَلِكَ لِئَلّا تَحْبَطَ أعْمالُكم، أوْ يَنْهاكم عَنْ ذَلِكَ كَراهَةَ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم، ﴿وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لا تَعْلَمُونَ بِذَلِكَ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن لُزُومِ تَوْقِيرِ النَّبِيِّ ﷺ وتَعْظِيمِهِ واحْتِرامِهِ جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، عَلى القَوْلِ بِأنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ لِلنَّبِيِّ - ﷺ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، كَما تَقَدَّمَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا تُنادُوهُ بِاسْمِهِ: كَـ: يا مُحَمَّدُ.
وَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُخاطِبُهُ في كِتابِهِ بِاسْمِهِ، وإنَّما يُخاطِبُهُ بِما يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ [التوبة: ٧٣]، ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، مَعَ أنَّهُ يُنادِي غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ بِأسْمائِهِمْ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْنا ياآدَمُ﴾ [البقرة: ٣٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، ﴿قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ [هود: ٤٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ يامُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٩] .
أمّا النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ في القُرْآنِ في خِطابٍ، وإنَّما يُذْكَرُ في غَيْرِ ذَلِكَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَوْقِيرَهُ واحْتِرامَهُ ﷺ بِغَضِّ الصَّوْتِ عِنْدَهُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى، أيْ أخْلَصَها لَها وأنَّ لَهم بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ المَغْفِرَةَ والأجْرَ العَظِيمَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣] .
(p-٤٠٣)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ لا تَرْفَعُوا عِنْدَهُ الصَّوْتَ كَرَفْعِ بَعْضِكم صَوْتَهُ عِنْدَ بَعْضٍ.
قالَ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يُنْهُوا عَنِ الجَهْرِ مُطْلَقًا، حَتّى لا يَسُوغَ لَهم إلّا أنْ يُكَلِّمُوهُ بِالهَمْسِ والمُخافَتَةِ، وإنَّما نُهُوا عَنْ جَهْرٍ مَخْصُوصٍ مُقَيَّدٍ بِصِفَةٍ، أعْنِي الجَهْرَ المَنعُوتَ بِمُماثَلَةِ ما قَدِ اعْتادُوهُ مِنهم فِيما بَيْنَهم، وهو الخُلُوُّ مِن مُراعاةِ أُبَّهَةِ النُّبُوَّةِ، وجَلالَةِ مِقْدارِها وانْحِطاطِ سائِرِ الرُّتَبِ وإنْ جَلَّتْ عَنْ رُتْبَتِها. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُحْبَطُ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ، وقَدْ قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّهُ لا يَحْبَطُ عَمَلَهُ بِغَيْرِ شُعُورِهِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ: وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ إنَّما نَهَيْناكم عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَهُ خَشْيَةَ أنْ يَغْضَبَ مِن ذَلِكَ فَيَغْضَبَ اللَّهُ تَعالى لِغَضَبِهِ فَيَحْبَطَ عَمَلُ مَن أغْضَبَهُ وهو لا يَدْرِي، كَما جاءَ في الصَّحِيحِ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقِي لَها بالًا يُكْتَبُ لَهُ بِها الجَنَّةُ، وإنَّ الرَّجُلَ لِيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَن سَخَطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقِي لَها بالًا يَهْوِي بِها في النّارِ أبْعَدَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ» انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ حُرْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وفاتِهِ كَحُرْمَتِهِ في أيّامِ حَياتِهِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ اليَوْمَ مِنِ اجْتِماعِ النّاسِ قُرْبَ قَبْرِهِ ﷺ وهم في صَخَبٍ ولَغَطٍ. وأصْواتُهم مُرْتَفِعَةٌ ارْتِفاعًا مُزْعِجًا كُلُّهُ لا يَجُوزُ، ولا يَلِيقُ، وإقْرارُهم عَلَيْهِ مِنَ المُنْكَرِ.
وَقَدْ شَدَّدَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّكِيرَ عَلى رَجُلَيْنِ رَفَعا أصْواتَهُما في مَسْجِدِهِ ﷺ وقالَ: لَوْ كُنْتُما مِن أهْلِ المَدِينَةِ لَأوْجَعَتْكُما ضَرْبًا.
* *
مَسْألَتانِ
الأُولى: اعْلَمْ أنَّ عَدَمَ احْتِرامِ النَّبِيِّ ﷺ المُشْعِرَ بِالغَضِّ مِنهُ، أوْ تَنْقِيصَهُ ﷺ والِاسْتِخْفافَ بِهِ أوِ الِاسْتِهْزاءَ بِهِ - رِدَّةٌ عَنِ الإسْلامِ وكُفْرٌ بِاللَّهِ.
وَقَدْ قالَ تَعالى في الَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ وسَخِرُوا مِنهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ لَمّا ضَلَّتْ (p-٤٠٤)راحِلَتُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي مِن أهَمِّ المَسائِلِ، اعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ إنْسانٍ أنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي مِن خَصائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ، الَّتِي لا يَجُوزُ صَرْفُها لِغَيْرِهِ، وبَيْنَ حُقُوقِ خَلْقِهِ كَحَقِّ النَّبِيِّ ﷺ لِيَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ في مَوْضِعِهِ، عَلى ضَوْءِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ.
وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ مِنَ الحُقُوقِ الخاصَّةِ بِاللَّهِ الَّتِي هي مِن خَصائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ - التِجاءَ عَبْدِهِ إلَيْهِ إذا دَهَمَتْهُ الكُرُوبُ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى كَشْفِها إلّا اللَّهُ.
فالتِجاءُ المُضْطَرِّ الَّذِي أحاطَتْ بِهِ الكُرُوبُ ودَهَمَتْهُ الدَّواهِي لا يَجُوزُ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ، لِأنَّهُ مِن خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَصَرْفُ ذَلِكَ الحَقِّ لِلَّهِ وإخْلاصُهُ لَهُ هو عَيْنُ طاعَةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ ومَرْضاتِهِ، وهو عَيْنُ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ أعْظَمَ أنْواعِ تَوْقِيرِهِ وتَعْظِيمِهِ هو اتِّباعُهُ والِاقْتِداءُ بِهِ في إخْلاصِ التَّوْحِيدِ والعِبادَةِ لَهُ وحْدَهُ - جَلَّ وعَلا.
وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ أنَّ التِجاءَ المُضْطَرِّ مِن عِبادِهِ إلَيْهِ وحْدَهُ في أوْقاتِ الشِّدَّةِ والكَرْبِ مِن خَصائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى.
مِن أصْرَحِ ذَلِكَ الآياتُ الَّتِي في سُورَةِ النَّمْلِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٤] .
فَإنَّهُ - جَلَّ وعَلا - قالَ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيماتِ العَظِيماتِ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] .
ثُمَّ بَيَّنَ خَصائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ الدّالَّةَ عَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ، فَقالَ: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] .
فَهَذِهِ المَذْكُوراتُ الَّتِي هي خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإنْباتُ الحَدائِقِ ذاتِ البَهْجَةِ، الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِ شَجَرِها إلّا اللَّهُ - مِن خَصائِصَ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ؛ (p-٤٠٥)وَلِذا قالَ تَعالى بَعْدَها: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ وإنْباتِ الحَدائِقِ بِهِ، والجَوابُ لا؛ لِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] .
فَهَذِهِ المَذْكُوراتُ أيْضًا، الَّتِي هي جَعْلُ الأرْضِ قَرارًا، وجَعْلُ الأنْهارِ خِلالَها، وجَعْلُ الجِبالِ الرَّواسِي فِيها، وجَعْلُ الحاجِزِ بَيْنَ البَحْرِينِ - مِن خَصائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ - جَلَّ وعَلا - ولِذا قالَ بَعْدَ ذِكْرِها ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ؟ والجَوابُ: لا.
فالِاعْتِرافُ لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا - بِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وإنْزالَ الماءِ وإنْباتَ النَّباتِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَ في الآياتِ مِن خَصائِصِ رُبُوبِيَّتِهِ - جَلَّ وعَلا - هو الحَقُّ، وهو مِن طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومِن تَعْظِيمِ اللَّهِ وتَعْظِيمِ رَسُولِهِ بِالِاقْتِداءِ بِهِ ﷺ في تَعْظِيمِ اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى وهو مَحَلُّ الشّاهِدِ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] .
فَهَذِهِ المَذْكُوراتُ الَّتِي هي إجابَةُ المُضْطَرِّ إذا دَعا، وكَشْفُ السُّوءِ وجَعْلُ النّاسِ خُلَفاءَ في الأرْضِ مِن خَصائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ - جَلَّ وعَلا - ولِذا قالَ بَعْدَها ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ .
فَتَأمَّلْ قَوْلَهَ تَعالى: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ - تَعْلَمْ أنَّ إجابَةَ المُضْطَرِّينَ إذا التَجَئُوا ودَعَوْا وكَشْفَ السُّوءِ عَنِ المَكْرُوبِينَ، لا فَرْقَ في كَوْنِهِ مِن خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْزالِ الماءِ وإنْباتِ النَّباتِ، ونَصْبِ الجِبالِ وإجْراءِ الأنْهارِ، لِأنَّهُ - جَلَّ وعَلا - ذَكَرَ الجَمِيعَ بِنَسَقٍ واحِدٍ في سِياقٍ واحِدٍ، وأتْبَعَ جَمِيعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ .
فَمَن صَرَفَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَوَجَّهَ إلَيْهِ الإنْكارُ السَّماوِيُّ الَّذِي هو في ضِمْنِ قَوْلِهِ: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فَلا فَرْقَ البَتَّةَ بَيْنَ تِلْكَ المَذْكُوراتِ في كَوْنِها كُلِّها مِن خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] .
(p-٤٠٦)فَهَذِهِ المَذْكُوراتُ الَّتِي هي هَدْيُ النّاسِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، وإرْسالُ الرِّياحِ بُشْرًا، أيْ مُبَشِّراتٍ، بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ الَّتِي هي المَطَرُ - مِن خَصائِصِ رُبُوبِيَّتِهِ - جَلَّ وعَلا.
وَلِذا قالَ تَعالى: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، ثُمَّ نَزَّهَ - جَلَّ وعَلا - نَفْسَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مَعَهُ إلَهٌ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ فَقالَ - جَلَّ وعَلا: ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] .
فَهَذِهِ المَذْكُوراتُ الَّتِي هي بَدْءُ خَلْقِ النّاسِ وإعادَتُهُ يَوْمَ البَعْثِ، ورِزْقُهُ لِلنّاسِ مِنَ السَّماءِ بِإنْزالِ المَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِإنْباتِ النَّباتِ - مِن خَصائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ - جَلَّ وعَلا - ولِذا قالَ بَعْدَها ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ .
ثُمَّ عَجَّزَ - جَلَّ وعَلا - كُلَّ مَن يَدَّعِي شَيْئًا مِن ذَلِكَ كُلِّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَقالَ آمِرًا نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يُخاطِبَهم بِصِيغَةِ التَّعْجِيزِ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
وَقَدِ اتَّضَحَ مِن هَذِهِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أنَّ إجابَةَ المُضْطَرِّينَ الدّاعِينَ، وكَشْفَ السُّوءِ عَنِ المَكْرُوبِينَ، مِن خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ كَخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وإنْزالِ الماءِ، وإنْباتِ النَّباتِ، والحَجْزِ بَيْنَ البَحْرِينِ إلى آخِرِ ما ذَكَرَ.
وَكَوْنُ إجابَةِ المُضْطَرِّينَ وكَشْفُ السُّوءِ عَنِ المَكْرُوبِينَ مِن خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، كَما أوْضَحَهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ مِن سُورَةِ النَّمْلِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى مُخاطِبًا نَبِيَّهُ - ﷺ: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر: ٢] .
فِعْلَيْنا مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ أنْ نَتَأمَّلَ هَذِهِ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ ونَعْتَقِدَ ما تَضَمَّنَتْهُ ونَعْمَلَ بِهِ (p-٤٠٧)لِنَكُونَ بِذَلِكَ مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ ﷺ مُعَظِّمِينَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ؛ لِأنَّ أعْظَمَ أنْواعِ تَعْظِيمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو اتِّباعُهُ والِاقْتِداءُ بِهِ في إخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا - وحْدَهُ.
فَإخْلاصُ العِبادَةِ لَهُ - جَلَّ وعَلا - وحْدَهُ هو الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ ﷺ ويَأْمُرُ بِهِ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ [الزمر: ١١ - ١٥] .
واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينًا أنَّ ما ذُكِرَ مِن إجابَةِ المُضْطَرِّ وكَشْفَ السُّوءِ عَنِ المَكْرُوبِ، مِن خَصائِصَ الرُّبُوبِيَّةِ وكانُوا إذا دَهَمَتْهُمُ الكُرُوبُ، كَإحاطَةِ الأمْواجِ بِهِمْ في البَحْرِ في وقْتِ العَواصِفِ يُخْلِصُونَ الدُّعاءَ لِلَّهِ وحْدَهُ، لِعِلْمِهِمْ أنَّ كَشْفَ ذَلِكَ مِن خَصائِصِهِ، فَإذا أنْجاهم مِنَ الكَرْبِ رَجَعُوا إلى الإشْراكِ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - هَذا في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٦٣ - ٦٥] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٧ - ٦٩] .
(p-٤٠٨)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢] .
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، أنَّ سَبَبَ إسْلامِ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ ذَهَبَ فارًّا مِنهُ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ فَرَكِبَ في البَحْرِ مُتَوَجِّهًا إلى الحَبَشَةِ فَجاءَتْهم رِيحٌ عاصِفٌ، فَقالَ القَوْمُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّهُ لا يُغْنِي عَنْكم إلّا أنْ تَدْعُوا اللَّهَ وحْدَهُ. فَقالَ عِكْرِمَةُ في نَفْسِهِ: واللَّهِ إنْ كانَ لا يَنْفَعُ في البَحْرِ غَيْرُهُ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُ في البَرِّ غَيْرُهُ. اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ لَئِنْ أخْرَجْتَنِي مِنهُ لَأذْهَبَنَّ فَلَأضَعَنَّ يَدِي في يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَأجِدَنَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا، فَخَرَجُوا مِنَ البَحْرِ فَخَرَجَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. انْتَهى.
وَقَدْ قَدَّمْنا هُناكَ أنَّ بَعْضَ المُتَسَمِّينَ بِاسْمِ الإسْلامِ أسْوَأُ حالًا مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ المَذْكُورِينَ؛ لِأنَّهم في وقْتِ الشَّدائِدِ يَلْجَئُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ طالِبِينَ مِنهُ ما يَطْلُبُ المُؤْمِنُونَ مِنَ اللَّهِ، وبِما ذُكِرَ تَعْلَمُ أنَّ ما انْتَشَرَ في أقْطارِ الدُّنْيا مِنَ الِالتِجاءِ في أوْقاتِ الكُرُوبِ والشَّدائِدِ إلى غَيْرِ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - كَما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قُرْبَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَ قُبُورِ مَن يَعْتَقِدُونَ فِيهِمُ الصَّلاحَ زاعِمِينَ أنَّ ذَلِكَ مِن دِينِ اللَّهِ ومَحَبَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وتَعْظِيمِهِ ومَحَبَّةِ الصّالِحِينَ، كُلُّهُ مِن أعْظَمِ الباطِلِ، وهو انْتِهاكٌ لِحُرُماتِ اللَّهِ وحُرُماتِ رَسُولِهِ.
لِأنَّ صَرْفَ الحُقُوقِ الخاصَّةِ بِالخالِقِ الَّتِي هي مِن خَصائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ أوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُعْتَقَدُ فِيهِمُ الصَّلاحُ - مُسْتَوْجِبٌ سَخَطَ اللَّهِ وسَخَطَ النَّبِيِّ ﷺ وسَخَطَ كُلِّ مُتَّبِعٍ لَهُ بِالحَقِّ.
وَمَعْلُومٌ أنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ هو ولا أحَدٌ مِن أصْحابِهِ، وهو مَمْنُوعٌ في شَرِيعَةِ كُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] .
(p-٤٠٩)بَلِ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ ﷺ هو ما يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِالأمْرِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ عاقِلٍ إذا رَأى رَجُلًا مُتَدَيِّنًا في زَعْمِهِ مُدَّعِيًا حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ وتَعْظِيمَهُ وهو يُعَظِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ويَمْدَحُهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ الماءَ مِنَ السَّماءِ وأنْبَتَ بِهِ الحَدائِقَ ذاتَ البَهْجَةِ، وأنَّهُ ﷺ هو الَّذِي جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا إلى آخِرِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، فَإنَّ ذَلِكَ العاقِلَ لا يَشُكُّ في أنَّ ذَلِكَ المادِحَ المُعَظِّمَ في زَعْمِهِ مِن أعْداءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ المُتَعَدِّينَ لِحُدُودِ اللَّهِ.
وَقَدْ عَلِمْتَ مِنَ الآياتِ المُحْكَماتِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ إجابَةِ المُضْطَرِّينَ وكَشْفِ السُّوءِ عَنِ المَكْرُوبِينَ.
فِعْلَيْنا مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ أنْ نَنْتَبِهَ مِن نَوْمَةِ الجَهْلِ وأنْ نُعَظِّمَ رَبَّنا بِامْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ، وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، وتَعْظِيمِ نَبِيِّنا ﷺ بِاتِّباعِهِ والِاقْتِداءِ بِهِ في تَعْظِيمِ اللَّهِ والإخْلاصِ لَهُ والِاقْتِداءِ بِهِ في كُلِّ ما جاءَ بِهِ.
وَألّا نُخالِفَهُ ﷺ ولا نَعْصِيَهُ، وألّا نَفْعَلَ شَيْئًا يُشْعِرُ بِعَدَمِ التَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ، كَرَفْعِ الأصْواتِ قُرْبَ قَبْرِهِ ﷺ وقَصْدُنا النَّصِيحَةُ والشَّفَقَةُ لِإخْوانِنا المُسْلِمِينَ لِيَعْمَلُوا بِكِتابِ اللَّهِ، ويُعَظِّمُوا نَبِيَّهُ ﷺ تَعْظِيمَ المُوافِقِ لِما جاءَ بِهِ ﷺ ويَتْرُكُوا ما يُسَمِّيهِ الجَهَلَةُ مَحَبَّةً وتَعْظِيمًا وهو في الحَقِيقَةِ احْتِقارٌ وازْدِراءٌ وانْتِهاكٌ لِحُرُماتِ اللَّهِ، ورَسُولِهِ - ﷺ: لَيْسَ ﴿بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣ - ١٢٤] .
واعْلَمْ أيْضًا رَحِمَكَ اللَّهُ: أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما ذَكَرْنا مِن إجابَةِ المُضْطَرِّ وكَشْفِ السُّوءِ عَنِ المَكْرُوبِ، وبَيْنَ تَحْصِيلِ المَطالِبِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ، كالحُصُولِ عَلى الأوْلادِ والأمْوالِ وسائِرِ أنْواعِ الخَيْرِ.
(p-٤١٠)فَإنَّ التِجاءَ العَبْدِ إلى رَبِّهِ في ذَلِكَ أيْضًا مِن خَصائِصَ رُبُوبِيَّتِهِ - جَلَّ وعَلا - كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [يونس: ٣١] وقالَ تَعالى: ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧] وقالَ تَعالى: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] وقالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [النحل: ٧٢] وقالَ تَعالى: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَفِي الحَدِيثِ: «إذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ» .
وَقَدْ أثْنى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - عَلى نَبِيِّهِ ﷺ وأصْحابِهِ بِالتِجائِهِمْ إلَيْهِ وقْتَ الكَرْبِ يَوْمَ بَدْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، فَنَبِيُّنا ﷺ كانَ هو وأصْحابُهُ إذا أصابَهم أمْرٌ أوْ كَرْبٌ التَجَئُوا إلى اللَّهِ وأخْلَصُوا لَهُ الدُّعاءَ، فَعَلَيْنا أنْ نَتَّبِعَ ولا نَبْتَدِعَ.
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَتَأمَّلَ في مَعْنى العِبادَةِ، وهي تَشْمَلُ جَمِيعَ ما أمَرَ اللَّهُ أنْ يُتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِهِ مِن جَمِيعِ القُرُباتِ فَيُخْلِصَ تَقَرُّبَهُ بِذَلِكَ إلى اللَّهِ ولا يَصْرِفُ شَيْئًا مِنهُ لِغَيْرِ اللَّهِ كائِنًا ما كانَ.
والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ هَيْئاتِ العِبادَةِ فَلا يَنْبَغِي لِلْمُسَلِّمِ عَلَيْهِ ﷺ أنْ يَضَعَ يَدَهُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى كَهَيْئَةِ المُصَلِّي، لِأنَّ هَيْئَةَ الصَّلاةِ داخِلَةٌ في جُمْلَتِها فَيَنْبَغِي أنْ تَكُونَ خالِصَةً لِلَّهِ، كَما كانَ ﷺ هو وأصْحابُهُ يُخْلِصُونَ العِباداتِ وهَيْئاتِها لِلَّهِ وحْدَهُ.
الحجرات 49:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ .
نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وقَدْ أرْسَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ لِيَأْتِيَهم بِصَدَقاتِ أمْوالِهِمْ فَلَمّا سَمِعُوا بِهِ تَلَقَّوْهُ فَرَحًا بِهِ، فَخافَ مِنهم وظَنَّ أنَّهم يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، فَرَجَعَ إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وزَعَمَ لَهُ أنَّهم مَنَعُوا الصَّدَقَةَ وأرادُوا قَتْلَهُ، فَقَدِمَ وفْدٌ مِنهم إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرُوهُ بِكَذِبِ الوَلِيدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وهي تَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَصْدِيقِ الفاسِقِ في خَبَرِهِ.
(p-٤١١)وَصَرَّحَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ بِالنَّهْيِ عَنْ قَبُولِ شَهادَةِ الفاسِقِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، ولا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ في رَدِّ شَهادَةِ الفاسِقِ وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِهِ.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن سُورَةِ الحُجُراتِ عَلى أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ الفاسِقَ إنْ جاءَ بِنَبَأٍ مُمْكِنٍ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ، وهَلْ ما قالَهُ فِيهِ الفاسِقُ حَقٌّ أوْ كَذِبٌ - فَإنَّهُ يَجِبُ فِيهِ التَّثَبُّتُ.
والثّانِي: هو ما اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِها أهْلُ الأُصُولِ مِن قَبُولِ خَبَرِ العَدْلِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ بَدَلٌ بِدَلِيلِ خِطابِهِ، أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِهِ أنَّ الجائِيَ بِنَبَأٍ إنْ كانَ غَيْرَ فاسِقٍ بَلْ عَدْلًا لا يَلْزَمُ التَّبَيُّنُ في نَبَئِهِ عَلى قِراءَةِ: فَتَبَيَّنُوا. ولا التَّثَبُّتُ عَلى قِراءَةِ: فَتَثَبَّتُوا، وهو كَذَلِكَ.
وَأمّا شَهادَةُ الفاسِقِ فَهي مَرْدُودَةٌ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ النُّورِ المَذْكُورَةُ آنِفًا.
وَقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى الفِسْقِ وأنْواعِهِ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾ أيْ لِئَلّا تُصِيبُوا قَوْمًا، أوْ كَراهَةَ أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ، أيْ لِظَنِّكُمُ النَّبَأ الَّذِي جاءَ بِهِ الفاسِقُ حَقًّا فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ مِن إصابَتِكم لِلْقَوْمِ المَذْكُورِينَ نادِمِينَ لِظُهُورِ كَذِبِ الفاسِقِ فِيما أنْبَأ بِهِ عَنْهم؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَتَبَيَّنُوا في نَبَأِ الوَلِيدِ عَنْ بَنِي المُصْطَلِقِ لَعامَلُوهم مُعامَلَةَ المُرْتَدِّينَ ؟ ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَنَدِمُوا.
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: فَتَبَيَّنُوا بِالباءِ التَّحْتِيَّةِ المُوَحَّدَةِ بَعْدَها مُثَنّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ ثُمَّ نُونٌ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”فَتَثَبَّتُوا“ بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ بَعْدَها ياءٌ تَحْتِيَّةٌ مُوَحَّدَةٌ مُشَدَّدَةٌ، ثُمَّ تاءٌ مُثَنّاةٌ فَوْقِيَّةٌ.
والأوَّلُ مِنَ التَّبَيُّنِ، والثّانِي مِنَ التَّثَبُّتِ.
وَمَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، وهو الأمْرُ بِالتَّأنِّي وعَدَمِ العَجَلَةِ حَتّى تَظْهَرَ الحَقِيقَةُ فِيما أنْبَأ بِهِ الفاسِقُ.
الحجرات 49:7
(p-٤١٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ .
وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّهُ هو الَّذِي حَبَّبَ إلَيْهِمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِهِمْ، وكَرَّهَ إلَيْهِمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مُصَرَّحٌ فِيها بِأنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٧] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٧ - ٨]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، نَرْجُو اللَّهَ الرَّحِيمَ الكَرِيمَ أنْ يَهْدِيَنا وألّا يُضِلَّنا.
الحجرات 49:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ .
هَذِهِ الأُخُوَّةُ الَّتِي أثْبَتَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ هي أُخُوَّةُ الدِّينِ لا النَّسَبِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الأُخُوَّةَ تَكُونُ في الدِّينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥] .
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أنَّ الأُخُوَّةَ الدِّينِيَّةَ أعْظَمُ وأقْوى مِنَ الأُخُوَّةِ النَّسَبِيَّةِ، وبَيَّنّا أدِلَّةَ ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنِ إعادَتِهِ هُنا.
الحجرات 49:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ أيْ لا يَسْتَخِفُّوا ولا يَسْتَهْزِئُوا بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَخِرَ مِنهُ بِكَسْرِ الخاءِ، يَسْخَرُ بِفَتْحِ الخاءِ عَلى القِياسِ، إذا اسْتَهْزَأ بِهِ واسْتَخَفَّ.
(p-٤١٣)وَقَدْ نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ السُّخْرِيَةِ مِنَ النّاسِ، مُبَيِّنًا أنَّ المَسْخُورَ مِنهُ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنَ السّاخِرِ.
وَمِن أقْبَحِ القَبِيحِ اسْتِخْفافُ الدَّنِيءِ الأرْذَلِ بِالأكْرَمِ الأفْضَلِ، واسْتِهْزاؤُهُ بِهِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ السُّخْرِيَةِ جاءَ ذَمُّ فاعِلِهِ وعُقُوبَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الكُفّارَ المُتْرَفِينَ في الدُّنْيا كانُوا يَسْخَرُونَ مِن ضِعافِ المُؤْمِنِينَ في دارِ الدُّنْيا، وأنَّ أُولَئِكَ يَسْخَرُونَ مِنَ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٦] .
فَلا يَنْبَغِي لِمَن رَأى مُسْلِمًا في حالَةٍ رَثَّةٍ تَظْهَرُ بِها عَلَيْهِ آثارُ الفَقْرِ والضَّعْفِ أنْ يَسْخَرَ مِنهُ؛ لِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ .
أيْ لا يَلْمِزْ أحَدُكم أخاهُ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وَقَدْ أوْعَدَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - الَّذِينَ يَلْمِزُونَ النّاسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١٢]، والهُمَزَةُ كَثِيرُ الهَمْزِ لِلنّاسِ، واللُّمَزَةُ كَثِيرُ اللَّمْزِ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الهَمْزُ يَكُونُ بِالفِعْلِ كالغَمْزِ بِالعَيْنِ احْتِقارًا وازْدِراءً، واللَّمْزُ بِاللِّسانِ، وتَدْخُلُ فِيهِ الغَيْبَةُ.
وَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، ونَفَّرَ عَنْهُ غايَةَ التَّنْفِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، فَيَجِبُ عَلى المُسْلِمِ أنْ يَتَباعَدَ كُلَّ التَّباعُدِ مِنَ الوُقُوعِ في عِرْضِ أخِيهِ.
الحجرات 49:13
(p-٤١٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ خَلَقَ النّاسَ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ خَلْقِهِ لِلذَّكَرِ والأُنْثى المَذْكُورَيْنِ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ الذَّكَرَ الَّذِي هو آدَمُ مِن تُرابٍ، وقَدْ بَيَّنَ الأطْوارَ الَّتِي مَرَّ بِها ذَلِكَ التُّرابُ، كَصَيْرُورَتِهِ طِينًا لازِبًا وحَمَأً مَسْنُونًا وصَلْصالًا كالفَخّارِ.
وَبَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ تِلْكَ الأُنْثى الَّتِي هي حَوّاءُ مِن ذَلِكَ الذَّكَرِ الَّذِي هو آدَمُ فَقالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] وقالَ تَعالى في الأعْرافِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وقالَ تَعالى في الزُّمَرِ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الزمر: ٦] .
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ خَلَقَ نَوْعَ الإنْسانِ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مُخْتَلِفَةٍ:
الأوَّلُ مِنها: خَلَقَهُ لا مِن أُنْثى ولا مِن ذَكَرٍ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: خَلَقَهُ مَن ذَكَرٍ بِدُونِ أُنْثى وهو حَوّاءُ.
والثّالِثُ: خَلَقَهُ مِن أُنْثى بِدُونِ ذَكَرٍ وهو عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.
الرّابِعُ: خَلَقَهُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وهو سائِرُ الآدَمِيِّينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ - جَلَّ وعَلا.
مَسْألَةٌ
قَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ المَذْكُورَةُ عَلى أنَّ المَرْأةَ الأُولى كانَ وُجُودُها الأوَّلُ مُسْتَنِدًا إلى وُجُودِ الرَّجُلِ وفَرْعًا عَنْهُ.
وَهَذا أمْرٌ كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ مِنَ اللَّهِ، أنْشَأ المَرْأةَ في إيجادِها الأوَّلِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ جاءَ الشَّرْعُ الكَرِيمُ المُنَزَّلُ مِنَ اللَّهِ لِيُعْمَلَ بِهِ في أرْضِهِ بِمُراعاةِ هَذا الأمْرِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ في حَياةِ المَرْأةِ في جَمِيعِ النَّواحِي.
فَجَعَلَ الرَّجُلَ قائِمًا عَلَيْها وجَعَلَها مُسْتَنِدَةً إلَيْهِ في جَمِيعِ شُئُونِها كَما قالَ تَعالى: (p-٤١٥)﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٤] .
فَمُحاوَلَةُ اسْتِواءِ المَرْأةِ مَعَ الرَّجُلِ في جَمِيعِ نَواحِي الحَياةِ لا يُمْكِنُ أنْ تَتَحَقَّقَ؛ لِأنَّ الفَوارِقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ كَوْنًا وقَدَرًا أوَّلًا، وشَرْعًا مُنَزَّلًا ثانِيًا - تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ مَنعًا باتًّا.
وَلِقُوَّةِ الفَوارِقِ الكَوْنِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ لَعَنَ المُتَشَبِّهَ مِنَ النَّوْعَيْنِ بِالآخَرِ.
وَلا شَكَّ أنَّ سَبَبَ هَذا اللَّعْنِ هو مُحاوَلَةُ مَن أرادَ التَّشَبُّهَ مِنهم بِالآخَرِ، لِتَحْطِيمِ هَذِهِ الفَوارِقِ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ تَتَحَطَّمَ.
وَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ والمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجالِ» .
وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا الحَدِيثَ بِسَنَدِهِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ مَن لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهو مَلْعُونٌ في كِتابِ اللَّهِ، فَلَوْ كانَتِ الفَوارِقُ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى يُمْكِنُ تَحْطِيمُها وإزالَتُها لَمْ يَسْتَوْجِبْ مَن أرادَ ذَلِكَ اللَّعْنَ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
وَلِأجْلِ تِلْكَ الفَوارِقِ العَظِيمَةِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، فَرَّقَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - بَيْنَهُما في الطَّلاقِ، فَجَعَلَهُ بِيَدِ الرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ، وفي المِيراثِ، وفي نِسْبَةِ الأوْلادِ إلَيْهِ.
وَفِي تَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ دُونَ الأزْواجِ: صَرَّحَ بِأنَّ شَهادَةَ امْرَأتَيْنِ بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ رَجُلٍ واحِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٢]، فاللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُما لا شَكَّ أنَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِما، وقَدْ صَرَّحَ في كِتابِهِ بِقِيامِ الرَّجُلِ مَقامَ امْرَأتَيْنِ في الشَّهادَةِ.
وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢]، أيْ غَيْرُ عادِلَةٍ لِعَدَمِ اسْتِواءِ النَّصِيبَيْنِ لِفَضْلِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى.
وَلِذَلِكَ وقَعَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ في مُشْكِلَةٍ لَمّا ولَدَتْ مَرْيَمَ، كَما قالَ تَعالى عَنْها: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٣٦] فامْرَأةُ عِمْرانَ تَقُولُ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾، وهي صادِقَةٌ في ذَلِكَ بِلا شَكٍّ.
(p-٤١٦)والكَفَرَةُ وأتْباعُهم يَقُولُونَ: إنَّ الذَّكَرَ والأُنْثى سَواءٌ.
وَلا شَكَّ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ في صِدْقِ هَذِهِ السّالِبَةِ وكَذِبِ هَذِهِ المُوجَبَةِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وجْهَ الحِكْمَةِ في جَعْلِ الطَّلاقِ بِيَدِ الرَّجُلِ وتَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في المِيراثِ وتَعَدُّدِ الزَّوْجاتِ، وكَوْنِ الوَلَدِ يُنْسَبُ إلى الرَّجُلِ، وذَكَرْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وبَيَّنّا أنَّ الفَوارِقَ الطَّبِيعِيَّةَ بَيْنَهُما كَوْنُ الذُّكُورَةِ شَرَفًا وكَمالًا وقُوَّةً طَبِيعِيَّةً خُلُقِيَّةً، وكَوْنُ الأُنُوثَةِ بِعَكْسِ ذَلِكَ.
وَبَيَّنّا أنَّ العُقَلاءَ جَمِيعًا مُطْبِقُونَ عَلى الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ، وأنَّ مِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ الَّتِي بَيَّنَها القُرْآنُ عَلى ذَلِكَ اتِّفاقُ العُقَلاءِ عَلى أنَّ الأُنْثى مِن حِينِ نَشْأتِها تُحَلّى بِأنْواعِ الزِّينَةِ مِن حُلِيٍّ وحُلَلٍ، وذَلِكَ لِجَبْرِ النَّقْصِ الجِبِلِّيِّ الخَلْقِيِّ الَّذِي هو الأُنُوثَةُ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وَما الحُلِيُّ إلّا زِينَةٌ مِن نَقِيصَةٍ يُتَمِّمُ مِن حُسْنٍ إذا الحُسْنُ قَصَّرا
وَقَدْ بَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْضَحَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، فَأنْكَرَ عَلى الكُفّارِ أنَّهم مَعَ ادِّعاءِ الوَلَدِ لَهُ تَعالى جَعَلُوا لَهُ أنْقَصَ الوَلَدَيْنِ وأضْعَفَهُما خِلْقَةً وجِبِلَّةً وهو الأُنْثى.
وَلِذَلِكَ نَشَأتْ في الحِلْيَةِ مِن صِغَرِها، لِتَغْطِيَةِ النَّقْصِ الَّذِي هو الأُنُوثَةُ وجَبْرِهِ بِالزِّينَةِ، فَهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ.
لِأنَّ الأُنْثى لِضَعْفِها الخَلْقِيِّ الطَّبِيعِيِّ لا تَقْدِرُ أنْ تُبِينَ في الخِصامِ إبانَةَ الفُحُولِ الذُّكُورِ، إذا اهْتُضِمَتْ وظُلِمَتْ لِضَعْفِها الطَّبِيعِيِّ.
وَإنْكارُ اللَّهِ تَعالى عَلى الكُفّارِ أنَّهم مَعَ ادِّعائِهِمْ لَهُ الوَلَدَ جَعَلُوا لَهُ أنْقَصَ الوَلَدَيْنِ وأضْعَفَهُما - كَثِيرٌ في القُرْآنِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٣ - ١٥٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزمر: ٤]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
(p-٤١٧)وَأمّا الذَّكَرُ فَإنَّهُ لا يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ، لِأنَّ كَمالَ ذُكُورَتِهِ وشَرَفَها وقُوَّتَها الطَّبِيعِيَّةَ الَّتِي لا تَحْتاجُ مَعَهُ إلى التَّزَيُّنِ بِالحِلْيَةِ الَّتِي تَحْتاجُ إلَيْهِ الأُنْثى، لِكَمالِهِ بِذُكُورَتِهِ ونَقْصِها بِأُنُوثَتِها.
وَمِمّا لا نِزاعَ فِيهِ بَيْنَ العُقَلاءِ أنَّ الذَّكَرَ والأُنْثى إذا تَعاشَرا المُعاشَرَةَ البَشَرِيَّةَ الطَّبِيعِيَّةَ الَّتِي لا بَقاءَ لِلْبَشَرِ دُونَها، فَإنَّ المَرْأةَ تَتَأثَّرُ بِذَلِكَ تَأثُّرًا طَبَعِيًّا كَوْنِيًّا قَدَرِيًّا مانِعًا لَها مِن مُزاوَلَةِ الأعْمالِ كالحَمْلِ والنِّفاسِ وما يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الضَّعْفِ والمَرَضِ والألَمِ.
بِخِلافِ الرَّجُلِ فَإنَّهُ لا يَتَأثَّرُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ومَعَ هَذِهِ الفَوارِقِ لا يَتَجَرَّأُ عَلى القَوْلِ بِمُساواتِهِما في جَمِيعِ المَيادِينِ إلّا مُكابِرٌ في المَحْسُوسِ، فَلا يَدْعُو إلى المُساواةِ بَيْنَهُما إلّا مَن أعْمى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في المَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ أشَرْنا لَهُما مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ ما يَكْفِي المُنْصِفَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ .
لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، يَدُلُّ عَلى اسْتِواءِ النّاسِ في الأصْلِ؛ لِأنَّ أباهم واحِدٌ وأُمَّهم واحِدَةٌ وكانَ في ذَلِكَ أكْبَرُ زاجِرٍ عَنِ التَّفاخُرِ بِالأنْسابِ وتَطاوُلِ بَعْضِ النّاسِ عَلى بَعْضٍ، بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَهم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِأجْلِ أنْ يَتَعارَفُوا أيْ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَتَمَيَّزُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ لا لِأجْلِ أنْ يَفْتَخِرَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَطاوَلَ عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَ بَعْضِهِمْ أفْضَلَ مِن بَعْضٍ وأكْرَمَ مِنهُ إنَّما يَكُونُ بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ الأنْسابِ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٣]، فاتَّضَحَ مِن هَذا أنَّ الفَضْلَ والكَرَمَ إنَّما هو بِتَقْوى اللَّهِ لا بِغَيْرِهِ مِنَ الِانْتِسابِ إلى القَبائِلِ، ولَقَدْ صَدَقَ مَن قالَ:
؎فَقَدْ رَفَعَ الإسْلامُ سَلْمانَ فارِسٍ وقَدْ وضَعَ الكُفْرُ الشَّرِيفَ أبا لَهَبٍ
وَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَقُولُ:(p-٤١٨)
؎أبِي الإسْلامُ لا أبَ لِي سِواهُ ∗∗∗ إذا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أوْ تَمِيمٍ
وَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ، تَدُلُّ عَلى أنَّ دِينَ الإسْلامِ سَماوِيٌّ صَحِيحٌ، لا نَظَرَ فِيهِ إلى الألْوانِ ولا إلى العَناصِرِ، ولا إلى الجِهاتِ، وإنَّما المُعْتَبَرُ فِيهِ تَقْوى اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - وطاعَتُهُ، فَأكْرَمُ النّاسِ وأفْضَلُهم أتْقاهم لِلَّهِ، ولا كَرَمَ ولا فَضْلَ لِغَيْرِ المُتَّقِي، ولَوْ كانَ رَفِيعَ النَّسَبِ.
والشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ، وهو الطَّبَقَةُ الأُولى مِنَ الطَّبَقاتِ السِّتِّ الَّتِي عَلَيْها العَرَبُ وهي: الشَّعْبُ، والقَبِيلَةُ، والعِمارَةُ، والبَطْنُ، والفَخْذُ، والفَصِيلَةُ.
فالشَّعْبُ يَجْمَعُ القَبائِلَ، والقَبِيلَةُ تَجْمَعُ العَمائِرَ، والعِمارَةُ تَجْمَعُ البُطُونَ، والبَطْنُ يَجْمَعُ الأفْخاذَ، والفَخْذُ يَجْمَعُ الفَصائِلَ.
خُزَيْمَةُ شَعْبٌ، وكِنانَةُ قَبِيلَةٌ، وقُرَيْشٌ عِمارَةٌ، وقُصَيٌّ بَطْنٌ، وهاشِمٌ فَخْذٌ، والعَبّاسُ فَصِيلَةٌ.
وَسُمِّيَتِ الشُّعُوبُ، لِأنَّ القَبائِلَ تَتَشَعَّبُ مِنها. ا هـ.
وَلَمْ يُذْكَرْ مِن هَذِهِ السِّتِّ في القُرْآنِ إلّا ثَلاثٌ: الشُّعُوبُ، والقَبائِلُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، والفَصِيلَةُ في المَعارِجِ في قَوْلِهِ: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٣]، وقَدْ قَدَّمْنا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ مُوَضَّحًا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ قَدْ تُطْلِقُ بَعْضَ هَذِهِ السِّتِّ عَلى بَعْضٍ كَإطْلاقِ البَطْنِ عَلى القَبِيلَةِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وَإنَّ كِلابًا هَذِهِ عَشْرُ أبْطُنٍ ∗∗∗ وأنْتَ بَرِيءٌ مِن قَبائِلِها العَشْرِ
كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٣٩٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحُجُراتِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ النّاسِ ابْتِداؤُهُ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى.
وَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى خَلْقِهِمْ مِن غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [غافر: ٦٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥] .
والجَوابُ واضِحٌ، وهو أنَّ التُّرابَ هو الطَّوْرُ الأوَّلُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ [نوح: ١٤] .
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أطْوارَ خَلْقِ الإنْسانِ مِن مَبْدَئِهِ إلى مُنْتَهاهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣]، إلى آخِرِهِ.
الحجرات 49:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الأعْرابَ وهم أهْلُ البادِيَةِ مِنَ العَرَبِ (p-٤١٩)قالُوا آمَنّا، وأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾، وهَذا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم وثُبُوتِ الإسْلامِ لَهم.
وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّ الإيمانَ أخَصُّ مِنَ الإسْلامِ لِأنَّ نَفْيَ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.
وَقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ مُسَمّى الإيمانِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ والإسْلامِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ - هو اسْتِسْلامُ القَلْبِ بِالِاعْتِقادِ واللِّسانِ بِالإقْرارِ، والجَوارِحِ بِالعَمَلِ، فَمُؤَدّاهُما واحِدٌ كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] .
وَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ الفِرَقِ بَيْنَ الإيمانِ والإسْلامِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، لِأنَّ اللَّهَ نَفى عَنْهُمُ الإيمانَ دُونَ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ وجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ أظْهَرُهُما عِنْدِي أنَّ الإيمانَ المَنفِيَّ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ هو مُسَمّاهُ الشَّرْعِيُّ الصَّحِيحُ، والإسْلامُ المُثْبَتُ لَهم فِيها هو الإسْلامُ اللُّغَوِيُّ الَّذِي هو الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ بِالجَوارِحِ دُونَ القَلْبِ.
وَإنَّما ساغَ إطْلاقُ الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ هَنا عَلى الإسْلامِ مَعَ أنَّ الحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى اللُّغَوِيَّةِ عَلى الصَّحِيحِ، لِأنَّ الشَّرْعَ الكَرِيمَ جاءَ بِاعْتِبارِ الظّاهِرِ. وأنْ تُوكَلَ كُلُّ السَّرائِرِ إلى اللَّهِ.
فانْقِيادُ الجَوارِحِ في الظّاهِرِ بِالعَمَلِ واللِّسانِ بِالإقْرارِ يُكْتَفى بِهِ شَرْعًا، وإنْ كانَ القَلْبُ مُنْطَوِيًا عَلى الكُفْرِ.
وَلِهَذا ساغَ إرادَةُ الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾؛ لِأنَّ انْقِيادَ اللِّسانِ والجَوارِحِ في الظّاهِرِ إسْلامٌ لُغَوِيٌّ مُكْتَفًى بِهِ شَرْعًا عَنِ التَّنْقِيبِ عَنِ القَلْبِ.
وَكُلُّ انْقِيادٍ واسْتِسْلامٍ وإذْعانٍ يُسَمّى إسْلامًا لُغَةً. ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ العَدَوِيِّ مُسْلِمِ الجاهِلِيَّةِ:
؎وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقالًا
؎دَحاها فَلِما اسْتَوَتْ شَدَّها ∗∗∗ جَمِيعًا وأرْسى عَلَيْها الجِبالا
؎وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا
؎إذا هي سِيقَتْ إلى بَلْدَةٍ ∗∗∗ أطاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْها سِجالًا
؎(p-٤٢٠)وَأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ ∗∗∗ لَهُ الرِّيحُ تُصْرَفُ حالًا فَحالا
فالمُرادُ بِالإسْلامِ في هَذِهِ الأبْياتِ: الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ، وإذا حُمِلَ الإسْلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ انْقَدْنا واسْتَسْلَمْنا بِالألْسِنَةِ والجَوارِحِ. فَلا إشْكالَ في الآيَةِ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ فالأعْرابُ المَذْكُورُونَ مُنافِقُونَ، لِأنَّهم مُسْلِمُونَ في الظّاهِرِ، وهم كُفّارٌ في الباطِنِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِنَفْيِ الإيمانِ في قَوْلِهِ: لَمْ تُؤْمِنُوا نَفْيُ كَمالِ الإيمانِ، لا نَفْيُهُ مِن أصْلِهِ.
وَعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ أيْضًا، لِأنَّهم مُسْلِمُونَ مَعَ أنَّ إيمانَهم غَيْرُ تامٍّ، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ القائِلِينَ بِأنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ.
وَإنَّما اسْتَظْهَرْنا الوَجْهَ الأوَّلَ، وهو أنَّ المُرادَ بِالإسْلامِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ دُونَ الشَّرْعِيِّ، وأنَّ الأعْرابَ المَذْكُورِينَ كُفّارٌ في الباطِنِ وإنْ أسْلَمُوا في الظّاهِرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ - جَلَّ وعَلا: ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دَلالَةً كَما تَرى، لِأنَّ قَوْلَهُ: يَدْخُلِ فِعْلٌ في سِياقِ النَّفْيِ وهو مِن صِيَغِ العُمُومِ كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ مَراقِي السُّعُودِ:
؎وَنَحْوُ لا شَرِبْتُ أوْ إنْ شَرِبا ∗∗∗ واتَّفَقُوا إنْ مَصْدَرٌ قَدْ جَلَبا
فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾: في مَعْنى لا دُخُولَ لِلْإيمانِ في قُلُوبِكم.
والَّذِينَ قالُوا بِالثّانِي. قالُوا: إنَّ المُرادَ بِنَفْيِ دُخُولِهِ نَفْيُ كَمالِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ كَما تَرى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾: المُرادُ بِهِ بَعْضُ الأعْرابِ، وقَدِ اسْتَظْهَرْنا أنَّهم مُنافِقُونَ لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ، وهم مِن جِنْسِ الأعْرابِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨]، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المُرادَ بَعْضُ الأعْرابِ في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ اللَّهَ بَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ مِنهم مَن لَيْسَ كَذَلِكَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٢١)﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩] .
الحجرات 49:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ . لَمّا قالَ هَؤُلاءِ الأعْرابُ: آمَنّا، وأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُكَذِّبَهم في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أمَرَ نَبِيَّهم أنْ يَقُولَ لَهم بِصِيغَةِ الإنْكارِ: ﴿أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ وذَلِكَ بِادِّعائِكم أنَّكم مُؤْمِنُونَ واللَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن حالِكم، وهو عالِمٌ بِأنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا وعالِمٌ بِكُلِّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وعالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَقْبِيحِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالكَذِبِ جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
الحجرات 49:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] .