Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — ق 50:1 – الواقعة 56:95

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. ق 50:1
  2. ق 50:2
  3. ق 50:6
  4. ق 50:7
  5. ق 50:11
  6. ق 50:14
  7. ق 50:15
  8. ق 50:16
  9. ق 50:17
  10. ق 50:22
  11. ق 50:30
  12. ق 50:31
  13. ق 50:35
  14. ق 50:36
  15. ق 50:38
  16. ق 50:39
  17. ق 50:42
  18. ق 50:44
  19. ق 50:45
  20. الذاريات 51:1
  21. الذاريات 51:7
  22. الذاريات 51:15
  23. الذاريات 51:20
  24. الذاريات 51:22
  25. الذاريات 51:24
  26. الذاريات 51:37
  27. الذاريات 51:41
  28. الذاريات 51:44
  29. الذاريات 51:47
  30. الذاريات 51:52
  31. الذاريات 51:54
  32. الذاريات 51:55
  33. الذاريات 51:56
  34. الذاريات 51:57
  35. الذاريات 51:59
  36. الذاريات 51:60
  37. الطور 52:1
  38. الطور 52:13
  39. الطور 52:16
  40. الطور 52:21
  41. الطور 52:22
  42. الطور 52:23
  43. الطور 52:24
  44. الطور 52:26
  45. الطور 52:29
  46. الطور 52:34
  47. الطور 52:35
  48. الطور 52:38
  49. الطور 52:39
  50. الطور 52:40
  51. الطور 52:44
  52. الطور 52:46
  53. الطور 52:47
  54. النجم 53:1
  55. النجم 53:3
  56. النجم 53:5
  57. النجم 53:17
  58. النجم 53:21
  59. النجم 53:25
  60. النجم 53:26
  61. النجم 53:31
  62. النجم 53:32
  63. النجم 53:33
  64. النجم 53:39
  65. النجم 53:45
  66. النجم 53:47
  67. النجم 53:50
  68. النجم 53:52
  69. النجم 53:53
  70. النجم 53:57
  71. النجم 53:59
  72. القمر 54:1
  73. القمر 54:8
  74. القمر 54:13
  75. القمر 54:15
  76. القمر 54:17
  77. القمر 54:19
  78. القمر 54:24
  79. القمر 54:27
  80. القمر 54:28
  81. القمر 54:29
  82. القمر 54:31
  83. القمر 54:34
  84. القمر 54:41
  85. القمر 54:43
  86. القمر 54:48
  87. القمر 54:49
  88. القمر 54:52
  89. القمر 54:54
  90. الرحمن 55:1
  91. الرحمن 55:2
  92. الرحمن 55:3
  93. الرحمن 55:5
  94. الرحمن 55:6
  95. الرحمن 55:7
  96. الرحمن 55:9
  97. الرحمن 55:10
  98. الرحمن 55:14
  99. الرحمن 55:17
  100. الرحمن 55:19
  101. الرحمن 55:22
  102. الرحمن 55:24
  103. الرحمن 55:26
  104. الرحمن 55:33
  105. الرحمن 55:35
  106. الرحمن 55:37
  107. الرحمن 55:39
  108. الرحمن 55:41
  109. الرحمن 55:43
  110. الرحمن 55:46
  111. الرحمن 55:54
  112. الرحمن 55:56
  113. الرحمن 55:72
  114. الواقعة 56:1
  115. الواقعة 56:3
  116. الواقعة 56:4
  117. الواقعة 56:7
  118. الواقعة 56:13
  119. الواقعة 56:15
  120. الواقعة 56:17
  121. الواقعة 56:18
  122. الواقعة 56:20
  123. الواقعة 56:22
  124. الواقعة 56:25
  125. الواقعة 56:30
  126. الواقعة 56:35
  127. الواقعة 56:41
  128. الواقعة 56:45
  129. الواقعة 56:47
  130. الواقعة 56:49
  131. الواقعة 56:51
  132. الواقعة 56:56
  133. الواقعة 56:57
  134. الواقعة 56:58
  135. الواقعة 56:60
  136. الواقعة 56:63
  137. الواقعة 56:68
  138. الواقعة 56:71
  139. الواقعة 56:75
  140. الواقعة 56:95

ق 50:1

(p-٤٢٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ ق. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ . المُقْسَمُ عَلَيْهِ في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ كالمُقْسَمِ عَلَيْهِ المَحْذُوفِ في سُورَةِ ص، وقَدْ أوْضَحْناهُ في الكَلامِ عَلَيْها.

ق 50:2

وَقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ص أنَّ مِنَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صادِقٌ وأنَّ رِسالَتَهُ حَقٌّ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في ص: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤]، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾، وقَدْ قَدَّمْنا في ”ص“ أنَّهُ يَدْخُلُ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ تَكْذِيبُ الكُفّارِ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُنا: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾، والحاصِلُ أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ في ص، بِقَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]، وفي ”ق“ بِقَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ - مَحْذُوفٌ وهو تَكْذِيبُ الكُفّارِ في إنْكارِهِمْ رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ، وإنْكارِهِمْ كَوْنَ المَعْبُودِ واحِدًا، وقَدْ بَيَّنّا الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ص، وذَكَرْنا هُناكَ أنَّ كَوْنَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ في سُورَةِ ق هَذِهِ المَحْذُوفِ يَدْخُلُ فِيهِ إنْكارُهم لِرِسالَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ وتَكْذِيبِهِمْ في إنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وبَيَّنّا وجْهَ إيضاحِ ذَلِكَ بِالآياتِ المَذْكُورَةِ هُناكَ وغَيْرِها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

ق 50:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ . الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: أفَلَمْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والفاءُ عاطِفَةٌ عَلَيْهِ، كَما قَدَّمْنا مِرارًا أنَّهُ أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ، وأنَّهُ أشارَ إلَيْهِ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: (p-٤٢٣)وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدا هُنا اسْتَبِحْ والتَّقْدِيرُ: أأعْرَضُوا عَنْ آياتِ اللَّهِ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها ومالها مِن فُرُوجٍ. أيْ لَيْسَ فِيها مِن شُقُوقٍ ولا تَصَدُّعٍ ولا تَفَطُّرٍ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ كَيْفِيَّةِ بِنائِهِ تَعالى لِلسَّماءِ وتَزْيِينِهِ لَها وكَوْنِها لا تَصَدُّعَ ولا شُقُوقَ فِيها جاءَ كُلُّهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ • كَقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - في بِنائِهِ لِلسَّماءِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ [النبإ: ١٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ الرَّعْدِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الرعد: ٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى في لُقْمانَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ الآيَةَ [لقمان: ١٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَ • كَقَوْلِهِ تَعالى في تَزْيِينِهِ لِلسَّماءِ ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ٦]، • وكَقَوْلِهِ تَعالى في حِفْظِهِ لِلسَّماءِ مِن أنْ يَكُونَ فِيها فُرُوجٌ أيْ شُقُوقٌ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]، والفُطُورُ والفُرُوجُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو الشُّقُوقُ والصُّدُوعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] . أمّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ وتَتَفَطَّرُ، وتَكُونُ فِيها الفُرُوجُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]، وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً﴾ [الرحمن: ٣٧]، وقالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ١٦]، وقالَ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١ - ٢]، وقالَ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٧ - ١٨]، وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ﴿وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٨ - ٩] .

ق 50:7

(p-٤٢٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ مَدَّ الأرْضَ وألْقى فِيها الجِبالَ الرَّواسِيَ وأنْبَتَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وهَذا الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وكَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١٠ - ١١]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَبْصِرَةً﴾ أيْ قَدَرْنا الأرْضَ وألْقَيْنا فِيها الرَّواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها أصْنافَ النَّباتِ الحَسَنَةِ لِأجْلِ أنْ نُبَصِّرَ عِبادَنا كَمالَ قُدْرَتِنا عَلى البَعْثِ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ وعَلى اسْتِحْقاقِنا لِلْعِبادَةِ دُونَ غَيْرِنا.

ق 50:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾، مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى: يُبَيِّنُ أنَّ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها بِإنْباتِ النَّباتِ فِيها بَعْدَ انْعِدامِهِ واضْمِحْلالِهِ - دَلِيلٌ عَلى بَعْثِ النّاسِ بَعْدَ المَوْتِ بَعْدَ كَوْنِهِمْ تُرابًا وعِظامًا، فَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ يَعْنِي أنَّ خُرُوجَ النّاسِ أحْياءً مِن قُبُورِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ كَخُرُوجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ عَدَمِهِ، بِجامِعِ اسْتِواءِ الجَمِيعِ في أنَّهُ جاءَ بَعْدَ عَدَمٍ، وهَذا أحَدُ بَراهِينِ البَعْثِ الَّتِي يَكْثُرُ الِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِها في القُرْآنِ، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ وأوَّلِ النَّحْلِ وأوَّلِ الجاثِيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

ق 50:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ يَحِقُّ عَلَيْهِ العَذابُ، أيْ يَتَحَتَّمُ ويَثْبُتُ في حَقِّهِ ثُبُوتًا لا يَصِحُّ مَعَهُ تَخَلُّفُهُ عَنْهُ، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ ما قالَهُ بَعْضُ أهْلِ (p-٤٢٥)العِلْمِ مِن أنَّ اللَّهَ يَصِحُّ أنْ يُخْلِفَ وعِيدَهُ، لِأنَّهُ قالَ: إنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ ولَمْ يَقُلْ إنَّهُ لا يُخْلِفُ وعِيدَهُ، وأنَّ إخْلافَ الوَعِيدِ حَسَنٌ لا قَبِيحَ، وإنَّما القَبِيحُ هو إخْلافُ الوَعْدِ، وأنَّ الشّاعِرَ قالَ: ؎وَإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ لِمُخْلِفٌ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي لا يَصِحُّ بِحالٍ، لِأنَّ وعِيدَهُ تَعالى لِلْكُفّارِ حَقٌّ ووَجَبَ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُنا: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ . وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الفاءَ مِن حُرُوفِ العِلَّةِ كَقَوْلِهِ: سَها فَسَجَدَ، أيْ لِعِلَّةِ سَهْوِهِ وسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، أيْ لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]، فَتَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ عِلَّةٌ صَحِيحَةٌ لِكَوْنِ الوَعِيدِ بِالعَذابِ حَقَّ ووَجَبَ عَلَيْهِمْ، فَدَعْوى جَوازِ تَخَلُّفِهِ باطِلَةٌ بِلا شَكٍّ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]، والتَّحْقِيقُ: أنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ الَّذِي لا يُبَدَّلُ لَدَيْهِ هو الوَعِيدُ الَّذِي قَدَّمَ بِهِ إلَيْهِمْ. وَقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةٍ ”ص“ ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤]، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ الوَعِيدَ الَّذِي لا يَمْتَنِعُ إخْلافُهُ هو وعِيدُ عُصاةِ المُسْلِمِينَ بِتَعْذِيبِهِمْ عَلى كَبائِرِ الذُّنُوبِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْضَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهَذا في الحَقِيقَةِ تَجاوُزٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ ذُنُوبِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ العاصِينَ، ولا إشْكالَ في ذَلِكَ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في كِتابِنا: ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] .

ق 50:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن بَراهِينِ البَعْثِ، لِأنَّ مَن لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِ النّاسِ ولَمْ يَعْجِزْ عَنْ إيجادِهِمُ الأوَّلِ لا شَكَّ في قُدْرَتِهِ عَلى إعادَتِهِمْ وخَلْقِهِمْ مَرَّةً أُخْرى؛ لِأنَّ الإعادَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ أصْعَبَ مِنَ البَدْءِ. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]، (p-٤٢٦)وَقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى بَراهِينِ البَعْثِ الَّتِي يَكْثُرُ الِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِها في القُرْآنِ، كَخَلْقِ النّاسِ أوَّلًا، وخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما وإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، وغَيْرِ ذَلِكَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في البَقَرَةِ والنَّحْلِ والحَجِّ والجاثِيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأحَلْنا عَلى ذَلِكَ مِرارًا كَثِيرَةً.

ق 50:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] .

ق 50:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ . قَوْلُهُ إذْ: مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: أقْرَبُ، أيْ نَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ في الوَقْتِ الَّذِي يَتَلَقّى فِيهِ المَلَكانِ جَمِيعَ ما يَصْدُرُ مِنهُ، والمُرادُ أنَّ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ ويَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وهو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ في وقْتِ كِتابَةِ الحَفَظَةِ أعْمالَهُ لا حاجَةَ لَهُ لِكُتُبِ الأعْمالِ، لِأنَّهُ عالِمٌ بِها، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وإنَّما أمَرَ بِكِتابَةِ الحَفَظَةِ لِلْأعْمالِ لِحِكَمٍ أُخْرى كَإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]، ومَفْعُولُ التَّلَقِّي في الفِعْلِ الَّذِي هو يَتَلَقّى، والوَصْفُ الَّذِي هو المُتَلَقِّيانِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ جَمِيعَ ما يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ فَيَكْتُبانِهِ عَلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّلَقِّي التَّلَقُّنُ بِالحِفْظِ والكِتابَةِ ا هـ مِنهُ، والمَعْنى واضِحٌ لِأنَّ المَلَكَ يَتَلَقّى عَمَلَ الإنْسانِ عِنْدَ صُدُورِهِ مِنهُ فَيَكْتُبُهُ عَلَيْهِ، والمُتَلَقِّيانِ هُما المَلَكانِ اللَّذانِ يَكْتُبانِ أعْمالَ الإنْسانِ، وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى أنَّ مَقْعَدَ أحَدِهِما عَنْ يَمِينِهِ ومَقْعَدَ الآخَرِ عَنْ شِمالِهِ. (p-٤٢٧)والقَعِيدُ: قالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ القاعِدُ، والأظْهَرُ أنَّ مَعْناهُ المُقاعِدُ، وقَدْ يَكْثُرُ في العَرَبِيَّةِ إطْلاقُ الفَعِيلِ وإرادَةُ المُفاعِلِ، كالجَلِيسِ بِمَعْنى المُجالِسِ، والأكِيلِ بِمَعْنى المُآكِلِ، والنَّدِيمِ بِمَعْنى المُنادِمِ، وقالَ بَعْضُهم: القَعِيدُ هُنا هو المُلازِمُ، وكُلُّ مُلازِمٍ دائِمًا أوْ غالِبًا يُقالُ لَهُ قَعِيدٌ، ومِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ التَّمِيمِيِّ: قَعِيْدُكِ ألّا تُسْمِعِينِي مَلامَةً ولا تَنْكَئِي قَرْحَ الفُؤادِ فَيَيْجَعا والمَعْنى عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، فَحَذْفُ الأوَّلِ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، وهو أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، وأنْشَدَ لَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ أحْمَرَ الباهِلِيِّ: ؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي وَقَوْلَ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ الأنْصارِيِّ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفٌ وَقَوْلَ ضابِئِ بْنِ الحارِثِ البُرْجُمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبٌ فَقَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ: كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي بَرِيئًا أيْ كُنْتُ بَرِيئًا مِنهُ وكانَ والِدِي بَرِيئًا مِنهُ. وَقَوْلُ ابْنِ الخَطِيمِ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ: أيْ نَحْنُ راضُونَ وأنْتَ راضٍ. وَقَوْلُ ضابِئِ بْنِ الحارِثِ: فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبٌ: يَعْنِي: إنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ غَرِيبٌ، وهَذا أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، ودَعْوى أنَّ قَوْلَهُ في الآيَةِ: قَعِيدٌ هي الأُولى أُخِّرَتْ وحُذِفَتِ الثّانِيَةُ لِدَلالَتِها عَلَيْها لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ كَما تَرى، لِأنَّ المَحْذُوفَ إذا صَحَّتِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ بِالأخِيرِ فَلا حاجَةَ إلى أنَّ هَذا الأخِيرَ أصْلُهُ هو الأوَّلُ، ولا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾، أيْ ما يَنْطِقُ بِنُطْقٍ ولا يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ إلّا لَدَيْهِ، أيْ إلّا والحالُ أنَّ عِنْدَهُ رَقِيبًا، أيْ مَلَكًا مُراقِبًا لِأعْمالِهِ حافِظًا لَها شاهِدًا عَلَيْها لا يَفُوتُهُ مِنها شَيْءٌ. عَتِيدٌ: أيْ حاضِرٌ لَيْسَ بِغائِبٍ يَكْتُبُ عَلَيْهِ ما يَقُولُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الإنْسانَ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ (p-٤٢٨)يَكْتُبُونَ أعْمالَهُ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ. • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٠ - ١٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨ - ٢٩] وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ الآيَةَ [مريم: ٧٩] وَفِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]، وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ القَعِيدَ الَّذِي هو عَنِ اليَمِينِ يَكْتُبُ الحَسَناتِ، والَّذِي عَنِ الشِّمالِ يَكْتُبُ السَّيِّئاتِ، وأنَّ صاحِبَ الحَسَناتِ أمِينٌ عَلى صاحِبِ السَّيِّئاتِ، فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها صاحِبُ اليَمِينِ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ صاحِبُ اليَمِينِ لِصاحِبِ الشِّمالِ: أمْهِلْهُ ولا تَكْتُبْها عَلَيْهِ لَعَلَّهُ يَتُوبُ أوْ يَسْتَغْفِرُ ؟ وبَعْضُهم يَقُولُ: يُمْهِلُهُ سَبْعَ ساعاتٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في عَمَلِ العَبْدِ الجائِزِ الَّذِي لا ثَوابَ ولا عِقابَ عَلَيْهِ، هَلْ تَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ عَلَيْهِ أوْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُهم: يَكْتُبُ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الأنِينَ في المَرَضِ، وهَذا هو ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”مِن قَوْلٍ“ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ زِيدَتْ قَبْلَها لَفْظَةُ ”مِن“، فَهي نَصٌّ صَرِيحٌ في العُمُومِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يُكْتَبُ مِنَ الأعْمالِ إلّا ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ، وكُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّهُ لا جَزاءَ إلّا فِيما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ فالَّذِينَ يَقُولُونَ: لا يَكْتُبُ إلّا ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ، والَّذِينَ يَقُولُونَ: يَكْتُبُ الجَمِيعَ - مُتَّفِقُونَ عَلى إسْقاطِ ما لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ، إلّا أنَّ بَعْضَهم يَقُولُونَ: لا يُكْتَبُ أصْلًا، وبَعْضُهم يَقُولُونَ: يُكْتَبُ أوَّلًا، ثُمَّ يُمْحى. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَحْوَ ذَلِكَ، وإثْباتَ ما فِيهِ ثَوابٌ أوْ عِقابٌ هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٢٩)﴿يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٣٩] . والَّذِينَ قالُوا: لا يُكْتَبُ ما لا جَزاءَ فِيهِ. قالُوا: إنَّ في الآيَةِ نَعْتًا مَحْذُوفًا سَوَّغَ حَذْفَهُ العِلْمُ بِهِ، لِأنَّ كُلَّ النّاسِ يَعْلَمُونَ أنَّ الجائِزَ لا ثَوابَ فِيهِ ولا عِقابَ، وتَقْدِيرُ النَّعْتِ المَحْذُوفِ: ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ مُسْتَوْجِبٍ لِلْجَزاءِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ حَذْفَ النَّعْتِ إذا دُلَّ عَلَيْهِ - أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، وقَدَّمْنا أنَّ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ لا عَيْبَ فِيها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الإسراء: ٥٨]، أيْ قَرْيَةٍ ظالِمَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، وإنَّ مِن شَواهِدِهِ قَوْلَ المُرَقِّشِ الأكْبَرِ: ؎وَرُبَّ أسِيلَةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ مُهَفْهَفَةٍ لَها فَرْعٌ وجِيدُ أيْ لَها فَرْعٌ فاحِمٌ وجِيدٌ طَوِيلٌ. وقَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ: ؎مِن قَوْلِهِ قَوْلٌ ومِن فِعْلِهِ ∗∗∗ فِعْلٌ ومِن نائِلِهِ نائِلٌ أيْ قَوْلٌ فَصْلٌ، وفِعْلٌ جَمِيلٌ، ونائِلٌ جَزْلٌ.

ق 50:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ النَّمْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] .

ق 50:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ نافِعٍ وشُعْبَةَ عَنْ عاصِمٍ ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾ بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى العَظَمَةِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وشُعْبَةُ ”يَوْمَ يَقُولُ“ بِالياءِ، وعَلى قِراءَتِهِما فالفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِفْهامَ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ فِيهِ لِلْعُلَماءِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ: الأوَّلُ: أنَّ الِاسْتِفْهامَ إنْكارِيٌّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]، أيْ ما يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ لا مَحَلَّ لِلزِّيادَةِ لِشِدَّةِ امْتِلاءِ النّارِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِهَذا الوَجْهِ بِآياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٣٠)﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥]، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ ”يس“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧]، لِأنَّ إقْسامَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِلامِ التَّوْطِئَةِ في ”لَأمْلَأنَّ“ عَلى أنَّهُ يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ - دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا بُدَّ أنْ تَمْتَلِئَ، ولِذا قالُوا: إنَّ مَعْنى ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ لا مَزِيدَ، لِأنِّي قَدِ امْتَلَأْتُ فَلَيْسَ فِيَّ مَحِلٌّ لِلْمَزِيدِ. وَأمّا القَوْلُ الآخَرُ، فَهو أنَّ المُرادَ بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِ النّارِ: هَلْ مِن مَزِيدٍ ؟ هو طَلَبُها لِلزِّيادَةِ، وأنَّها لا تَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ، وتَقُولُ: قَطْ قَطْ أيْ كَفانِي قَدِ امْتَلَأْتُ، وهَذا الأخِيرُ هو الأصَحُّ، ولِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، وغَيْرِهِما عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: «إنَّ جَهَنَّمَ لا تَزالُ تَقُولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ، حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ قَطْ قَطْ»، لِأنَّ في هَذا الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ التَّصْرِيحَ بِقَوْلِها: قَطْ قَطْ، أيْ كَفانِي قَدِ امْتَلَأْتُ، وأنَّ قَوْلَها قَبْلَ ذَلِكَ: هَلْ مِن مَزِيدٍ لِطَلَبِ الزِّيادَةِ، وهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ مِن أحادِيثِ الصِّفاتِ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْها مُسْتَوْفًى في سُورَةِ الأعْرافِ والقِتالِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ النّارِ في هَذِهِ الآيَةِ: هَلْ مِن مَزِيدٍ - قَوْلٌ حَقِيقِيٌّ يُنْطِقُها اللَّهُ بِهِ، فَزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ كَقَوْلِ الحَوْضِ: ؎امْتَلَأ الحَوْضُ فَقالَ قَطْنِي مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي وَإنَّ المُرادَ بِقَوْلِها ذَلِكَ هو ما يُفْهَمُ مِن حالِها خِلافَ التَّحْقِيقِ، وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ بِأدِلَّتِهِ في سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

ق 50:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ . قَوْلُهُ: ”أُزْلِفَتْ“ أيْ قُرِّبَتْ، وقَوْلُهُ: ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ فِيهِ مَعْنى التَّوْكِيدِ لِقَوْلِهِ: ”أُزْلِفَتْ“ سَواءٌ أعْرَبْتَ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ بِأنَّها حالٌ أوْ ظَرْفٌ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن إزْلافِ الجَنَّةِ لِلْمُتَّقِينَ جاءَ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير: ١٢ - ١٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠ - ٩١] . (p-٤٣١)قالَ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ يَنْظُرُونَ إلَيْها قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها.

ق 50:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَزِيدُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، لِأنَّ الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

ق 50:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] .

ق 50:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ اللَّهَ أوْضَحَ ذَلِكَ في فُصِّلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ - إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]، وأوْضَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ فُصِّلَتْ. واللُّغُوبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ مِنَ العَمَلِ.

ق 50:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أمْرِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ الكُفّارُ والتَّسْبِيحِ بِحَمْدِهِ - جَلَّ وعَلا - أطْرافَ النَّهارِ، قَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى (p-٤٣٢)فِي أُخْرَياتِ طه: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه: ١٣٠]، وأمْرُهُ لَهُ بِالتَّسْبِيحِ بَعْدَ أمْرِهِ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذى الكُفّارِ فِيهِ - دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ يُعِينُهُ اللَّهُ بِهِ عَلى الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ، والصَّلاةُ داخِلَةٌ في التَّسْبِيحِ المَذْكُورِ كَما قَدَّمْنا إيضاحَ ذَلِكَ، وذَكَرْنا فِيهِ حَدِيثَ نُعَيْمِ بْنِ هَمّارٍ في آخِرِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٨]، وبَيَّنّا هُنالِكَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ وبِالصَّلاةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٥] .

ق 50:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ ”يس“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] .

ق 50:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: ”تَشَّقَّقُ“ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ بِإدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ فِيها، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ لِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: سِراعًا: جَمْعُ سَرِيعٍ، وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: عَنْهم أيْ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم في حالِ كَوْنِهِمْ مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي وهو المَلَكُ الَّذِي يَنْفُخُ في الصُّورِ، ويَدْعُو النّاسَ إلى الحِسابِ والجَزاءِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ النّاسَ يَوْمَ البَعْثِ يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ مُسْرِعِينَ إلى المَحْشَرِ قاصِدِينَ نَحْوَ الدّاعِي، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، • وقَوْلِهِ: يَنْسِلُونَ أيْ يُسْرِعُونَ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ الآيَةَ [القمر: ٧ - ٨]، فَقَوْلُهُ: مُهْطِعِينَ: أيْ مُسْرِعِينَ مادِّي أعْناقِهِمْ عَلى الأصَحِّ، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ ”يس“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] .

ق 50:45

(p-٤٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ يُونُسَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ فاطِرٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر: ١٨] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٣٩٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ ق قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى خُصُوصِ التَّذْكِيرِ بِالقُرْآنِ بِمَن يَخافُ وعِيدَ اللَّهِ. وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى عُمُومِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] . والجَوابُ أنَّ التَّذْكِيرَ بِالقُرْآنِ عامٌّ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ المُنْتَفِعُ بِهِ هو مَن يَخافُ وعِيدَ اللَّهِ، صارَ كَأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [ ٥١ ]، كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ مِرارًا.

الذاريات 51:1

(p-٤٣٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الذّارِياتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وَإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ . أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالذّارِياتِ الرِّياحُ، وهو الحَقُّ إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الذَّرْوَ صِفَةٌ مَشْهُورَةٌ مِن صِفاتِ الرِّياحِ. وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ [الكهف: ٤٥]، ومَعْنى تَذْرُوهُ: تَرْفَعُهُ وتُفَرِّقُهُ، فَهي تَذْرُو التُّرابَ والمَطَرَ وغَيْرَهُما، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎وَمَنهَلٍ آجِنٍ قَفْرٍ مَحاضِرُهُ تَذْرُو الرِّياحُ عَلى جَمّاتِهِ البَعَرا وَلا يَخْفى سُقُوطُ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الذّارِياتِ النِّساءُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالحامِلاتِ وِقْرًا: السَّحابُ، أيِ المُزْنُ تَحْمِلُ وِقْرًا ثِقَلًا مِنَ الماءِ. وَيَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ تَصْرِيحُ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - بِوَصْفِ السَّحابِ بِالثِّقالِ، وهو جَمْعُ ثَقِيلَةٍ، وذَلِكَ لِثِقَلِ السَّحابَةِ بِوَقْرِ الماءِ الَّذِي تَحْمِلُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرعد: ١٢]، وهو جَمْعُ سَحابَةٍ ثَقِيلَةٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧] . وَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالحامِلاتِ وِقْرًا: السُّفُنُ تَحْمِلُ الأثْقالَ مِنَ النّاسِ وأمْتِعَتِهم، ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ ”الحامِلاتِ وِقْرًا“ الرِّياحُ أيْضًا كانَ وجْهُهُ ظاهِرًا. وَدَلالَةُ بَعْضِ الآياتِ عَلَيْهِ واضِحَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّ الرِّياحَ تَحْمِلُ السَّحابَ الثِّقالَ بِالماءِ، وإذا كانَتِ الرِّياحُ هي الَّتِي تَحْمِلُ السَّحابَ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، فَنِسْبَةُ حَمْلِ ذَلِكَ الوِقْرِ إلَيْها أظْهَرُ مِن نِسْبَتِهِ إلى السَّحابِ الَّتِي هي مَحْمُولَةٌ لِلرِّياحِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ (p-٤٣٥)تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧] . فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾، أيْ حَتّى إذا حَمَلَتِ الرِّياحُ سَحابًا ثِقالًا، فالإقْلالُ الحَمْلُ، وهو مُسْنَدٌ إلى الرِّيحِ. ودَلالَةُ هَذا عَلى أنَّ الحامِلاتِ وِقْرًا هي الرِّياحُ - ظاهِرَةٌ كَما تَرى، ويَصِحُّ شُمُولُ الآيَةِ لِجَمِيعِ ذَلِكَ. وَقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّهُ هو الأجْوَدُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وبَيَّنّا كَلامَ أهْلِ الأُصُولِ فِيهِ، وكَلامَهم في حَمْلِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ أوْ مَعانِيهِ في أوَّلِ سُورَةِ النُّورِ وغَيْرِها. والقَوْلُ بِأنَّ الحامِلاتِ وِقْرًا: هي حَوامِلُ الأجِنَّةِ مِنَ الإناثِ - ظاهِرُ السُّقُوطِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالجارِياتِ يُسْرًا: السُّفُنُ تَجْرِي في البَحْرِ يُسْرًا، أيْ: جَرْيًا ذا يُسْرٍ أيْ سُهُولَةٍ. والأظْهَرُ أنَّ هَذا المَصْدَرَ المُنَكَّرَ حالٌ كَما قَدَّمْنا نَحْوَهُ مِرارًا: أيْ فالجارِياتِ في حالِ كَوْنِها مُيَسَّرَةً مُسَخَّرًا لَها البَحْرٌ، ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ كَثْرَةُ إطْلاقِ الوَصْفِ بِالجَرْيِ عَلى السُّفُنِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ﴾ [الشورى: ٣٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ [الجاثية: ١٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقِيلَ: الجارِياتُ الرِّياحُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾: هي المَلائِكَةُ يُرْسِلُها اللَّهُ في شُئُونٍ وأُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، ولِذا عَبَّرَ عَنْها بِالمُقَسِّماتِ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، فَمِنهم مَن يُرْسَلُ لِتَسْخِيرِ المَطَرِ والرِّيحِ، ومِنهم مَن يُرْسَلُ لِكِتابَةِ الأعْمالِ، ومِنهم مَن يُرْسَلُ لَقَبْضِ الأرْواحِ، ومِنهم مَن يُرْسَلُ لِإهْلاكِ الأُمَمِ، كَما وقَعَ لِقَوْمِ صالِحٍ. والتَّحْقِيقُ أنَّ قَوْلَهُ: ”أمْرًا“ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْوَصْفِ الَّذِي هو المُقَسِّماتُ، وهو مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ. وَقَدْ أوْضَحْنا أمْثِلَةَ ذَلِكَ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وفي كَلامِ العَرَبِ مَعَ تَنْكِيرِ المُفْرَدِ كَما (p-٤٣٦)هُنا، وتَعْرِيفِهِ وإضافَتِهِ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الأقْسامِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وَإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾، والمُوجِبُ لِهَذا التَّوْكِيدِ هو شِدَّةُ إنْكارِ الكُفّارِ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ﴾ ”ما“ فِيهِ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ إلى الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، والوَصْفُ بِمَعْنى المَصْدَرِ، أيْ: إنَّ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِنَ الجَزاءِ والحِسابِ لَصِدْقٌ لا كَذِبَ فِيهِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ إنَّ الوَعْدَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ والحِسابِ لَصادِقٌ. وَقالَ بَعْضُهم: إنَّ صِيغَةَ اسْمِ الفاعِلِ في ”لَصادِقٌ“ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ إنَّ الوَعْدَ أوِ المَوْعُودَ بِهِ لَمَصْدُوقٌ فِيهِ لا مَكْذُوبٌ بِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، أيْ مَرْضِيَّةٍ. وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن صِدْقِ ما يُوعَدُونَهُ جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٣]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. والمُرادُ بِالدِّينِ هُنا الجَزاءُ، أيْ وإنَّ الجَزاءَ يَوْمَ القِيامَةِ لَواقِعٌ لا مَحالَةَ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ [النور: ٢٥]، أيْ جَزاءَهم بِالعَدْلِ والإنْصافِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤٠ - ٤١] . وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنْ كَوْنِهِ خَلَقَ الخَلْقَ لا لِبَعْثٍ وجَزاءٍ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ ظَنُّ الكُفّارِ، وهَدَّدَهم عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ السَّيِّئِ بِالوَيْلِ مِنَ النّارِ، قالَ تَعالى مُنْكِرًا عَلى مَن ظَنَّ عَدَمَ البَعْثِ والجَزاءِ، ومُنَزِّهًا نَفْسَهُ عَنِ أنَّهُ خَلَقَهم عَبَثًا لا لِبَعْثٍ وجَزاءٍ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] . وَقالَ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]، في قَوْلِهِ في آيَةِ ”ص“ هَذِهِ: باطِلًا أيْ عَبَثًا لا لِبَعْثٍ وجَزاءٍ.

الذاريات 51:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ . (p-٤٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذاتِ الحُبُكِ﴾ فِيهِ لِلْعُلَماءِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ لا يُكَذِّبُ بَعْضُها بَعْضًا، فَذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، إلى أنَّ الحُبُكَ جُمَعُ حَبِيكَةٍ أوْ حِباكٍ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى ذاتُ الحُبُكِ أيْ ذاتُ الطَّرائِقِ، فَما يَبْدُو عَلى سَطْحِ الماءِ السّاكِنِ أوِ الرَّمْلِ مِنَ الطَّرائِقِ إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيحُ هو الحُبُكُ، وهو جَمْعُ حَبِيكَةٍ أوْ حِباكٍ، قالُوا: ولِبُعْدِ السَّماءِ لا تُرى طَرائِقُها المُعَبَّرُ عَنْها بِالحُبُكِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎مُكَلَّلٌ بِأُصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ رِيحٌ خَرِيقٌ بِضاحِي مِائَةٍ حُبُكِ وَقَوْلُ الرّاجِزِ: ؎كَأنَّما جَلَّلَها الحُوّاكُ ∗∗∗ طَنْفَسَةٌ في وشْيِها حِباكُ وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ الكَلْبِيُّ والضَّحّاكُ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ”ذاتِ الحُبُكِ“ أيْ ذاتِ الخَلْقِ الحَسَنِ المُحْكَمِ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ - ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ. وَهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣ - ٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَعَلى هَذا القَوْلِ فالحُبُكُ مَصْدَرٌ، لِأنَّ كُلَّ عَمَلٍ أتْقَنَهُ عامِلُهُ وأحْسَنَ صُنْعَهُ، تَقُولُ فِيهِ العَرَبُ: حَبَكَهُ حَبْكًا بِالفَتْحِ عَلى القِياسِ. والحُبُكُ بِضَمَّتَيْنِ بِمَعْناهُ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ذاتُ الحُبُكِ: أيِ الزِّينَةِ. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥]، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في ”ق“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها﴾ [ق: ٦] . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ذاتُ الحُبُكِ أيْ ذاتُ الشِّدَّةِ، وهَذا القَوْلُ يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ [النبإ: ١٢] . (p-٤٣٨)والعَرَبُ تُسَمِّي شِدَّةَ الخَلْقِ حَبْكًا، ومِنهُ قِيلَ لِلْفَرَسِ الشَّدِيدِ الخَلْقِ: مَحْبُوكٌ. وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎قَدْ غَدا يَحْمِلُنِي في أنْفِهِ ∗∗∗ لاحِقُ الإطْلَيْنِ مَحْبُوكٌ مُمَرٍّ والآيَةُ تَشْمَلُ الجَمِيعَ، فَكُلُّ الأقْوالِ حَقٌّ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾، أيْ إنَّكم أيُّها الكُفّارُ لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ في شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ وشَأْنِ القُرْآنِ، لِأنَّ بَعْضَهم يَقُولُ: هو شِعْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: كِهانَةٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقَوْلُ مَن قالَ في قَوْلِ مُخْتَلِفٍ أيْ لِأنَّ بَعْضَهم مُصَدِّقٌ، وبَعْضُهم مُكَذِّبٌ - خِلافُ التَّحْقِيقِ. وَيَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِلافَ إنَّما هو بَيْنَ المُكَذِّبِينَ دُونَ المُصَدِّقِينَ - قَوْلُهُ تَعالى في ق: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]، أيْ مُخْتَلِطٍ، وقالَ بَعْضُهم: مُخْتَلِفٍ، والمَعْنى واحِدٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ أظْهَرُ الأقْوالِ فِيهِ عِنْدِي ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ في نَظَرِي، أنَّ لَفْظَةَ ”عَنْ“ في الآيَةِ سَبَبِيَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، أيْ بِسَبَبِ قَوْلِكَ، ومِن أجْلِهِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ ”عَنْ“ راجِعٌ إلى القَوْلِ المُخْتَلِفِ، والمَعْنى: ”يُؤْفَكُ“ أيْ يُصْرَفُ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ. ”عَنْهُ“ أيْ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ المُخْتَلِفِ أيْ بِسَبَبِهِ. ”مَن أُفِكَ“ أيْ مَن سَبَقَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ في الأزَلِ، فَحُرِمَ الهُدى وأُفِكَ عَنْهُ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ المُخْتَلِفَ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويُناقِضُهُ. وَمِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ عَلى كَذِبِ القَوْلِ وبُطْلانِهِ اخْتِلافُهُ وتَناقُضُهُ كَما لا يَخْفى، فَهَذا القَوْلُ المُخْتَلِفُ الَّذِي يُحاوِلُ كُفّارُ مَكَّةَ أنْ يَصُدُّوا بِهِ النّاسَ عَنِ الإسْلامِ، الَّذِي يَقُولُ فِيهِ بَعْضُهم: إنَّ الرَّسُولَ ساحِرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ شاعِرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: كَذّابٌ - ظاهِرُ البُطْلانِ لِتَناقُضِهِ وتَكْذِيبِ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ، فَلا يُصْرَفُ عَنِ الإسْلامِ بِسَبَبِهِ إلّا مَن صُرِفَ، أيْ صَرَفَهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ لِشَقاوَتِهِ في الأزَلِ فَمَن لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ في سابِقِ عِلْمِ اللَّهِ الشَّقاوَةُ والكُفْرُ لا يَصْرِفُهُ عَنِ الحَقِّ قَوْلٌ ظاهِرُ الكَذِبِ والبُطْلانِ لِتَناقُضِهِ. وَهَذا المَعْنى جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣] . (p-٤٣٩)وَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ دِينَ الكُفّارِ، الَّذِي هو الشِّرْكُ بِاللَّهِ وعِبادَةُ الأوْثانِ، مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى صَدِّ النّاسِ عَنْ دِينِ الإسْلامِ إلَيْهِ ”ما هم بِفاتِنَيْنِ“ أيْ لَيْسُوا بِمُضِلِّينَ عَلَيْهِ أحَدًا لِظُهُورِ فَسادِهِ وبُطْلانِهِ ”إلّا مَن هو صالِ الجَحِيمِ“ أيْ إلّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّقاوَةَ وأنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ في سابِقِ عِلْمِهِ، هَذا هو الظّاهِرُ لَنا في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. وَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ راجِعٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ أوِ القُرْآنِ، أيْ يُصْرَفُ عَنِ الإيمانِ بِالنَّبِيِّ أوِ القُرْآنِ، مَن أُفِكَ أيْ صُرِفَ عَنِ الحَقِّ، وحُرِمَ الهُدى لِشِدَّةِ ظُهُورِ الحَقِّ في صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ وأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، وهَذا خِلافُ ظاهِرِ السِّياقِ كَما تَرى. وَقَوْلُ مَن قالَ: يُؤْفَكُ عَنْهُ، أيْ يُصْرَفُ عَنِ القَوْلِ المُخْتَلِفِ الباطِلِ مَن أُفِكَ، أيْ مَن صُرِفَ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ لا يَخْفى بُعْدُهُ وسُقُوطُهُ. والَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ يَزْعُمُونَ أنَّ الإفْكَ يُطْلَقُ عَلى الصَّرْفِ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، وعَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ، ويُبْعِدُ هَذا أنَّ القُرْآنَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ الإفْكُ مُرادٌ بِهِ إلّا الصَّرْفُ عَنِ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ دُونَ عَكْسِهِ.

الذاريات 51:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ . لا يَخْفى عَلى مَن عِنْدَهُ عِلْمٌ بِأُصُولِ الفِقْهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ فِيها الدَّلالَةُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ بِدَلالَةِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ سَبَبَ نَيْلِ هَذِهِ الجَنّاتِ والعُيُونِ هو تَقْوى اللَّهِ، والسَّبَبُ الشَّرْعِيُّ هو العِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَلى الأصَحِّ. وكَوْنُ التَّقْوى سَبَبُ دُخُولِ الجَنّاتِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١] .

الذاريات 51:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ الجاثِيَةِ.

الذاريات 51:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ . (p-٤٤٠)اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِكَوْنِ رِزْقِ النّاسِ في السَّماءِ، فَذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ المُرادَ أنَّ جَمِيعَ أرْزاقِهِمْ مَنشَؤُها مِنَ المَطَرِ وهو نازِلٌ مِنَ السَّماءِ، ويَكْثُرُ في القُرْآنِ إطْلاقُ اسْمِ الرِّزْقِ عَلى المَطَرِ لِهَذا المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ﴾ [الجاثية: ٥] . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِ. وَإنْزالُهُ تَعالى الرِّزْقَ مِنَ السَّماءِ بِإنْزالِ المَطَرِ مِن أعْظَمِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَتِهِ وأنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ، ومِن أعْظَمِ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ في الدُّنْيا، ولِذَلِكَ كَثُرَ الِامْتِنانُ بِهِ في القُرْآنِ عَلى الخَلْقِ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ أنَّ أرْزاقَكم مُقَدَّرَةٌ مَكْتُوبَةٌ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يُدَبِّرُ أمْرَ الأرْضِ مِنَ السَّماءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ الآيَةَ [السجدة: ٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تُوعَدُونَ﴾ ”ما“ في مَحَلِّ رَفْعٍ، عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: رِزْقُكم، والمُرادُ بِما يُوعَدُونَ، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الجَنَّةُ، لِأنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، فَإطْلاقُ كَوْنِها في السَّماءِ إطْلاقٌ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ، لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ السَّماءَ عَلى كُلِّ ما عَلاكَ كَما قِيلَ: وَقَدْ يُسَمّى سَماءً كُلُّ مُرْتَفِعٍ وإنَّما الفَضْلُ حَيْثُ الشَّمْسُ والقَمَرُ ولَمّا حَكى النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ شِعْرَهُ المَشْهُورَ، قالَ فِيهِ: بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدُنا وسَناؤُنا وإنّا لِنَرْجُوَ فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا قالَ لَهُ - ﷺ: ”إلى أيْنَ يا أبا لَيْلى. قالَ: إلى الجَنَّةِ، قالَ: نَعَمْ إنْ شاءَ اللَّهُ“ . وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: وما تُوعَدُونَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ كُلُّهُ مُقَدَّرٌ في السَّماءِ، كَما بَيَّنّاهُ في القَوْلِ الثّانِي في المُرادِ بِالرِّزْقِ في الآيَةِ، وهَذا المَعْنى فِيما يُوعَدُونَ بِهِ أنْسَبُ لِهَذا القَوْلِ الثّانِي في مَعْنى الرِّزْقِ. وَقَدْ ورَدَتْ قِصَصٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو الَّذِي يَتَبادَرُ إلى ذِهْنِ السّامِعِ، فَمِن ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: قَرَأ واصِلٌ الأحْدَبُ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ (p-٤٤١)فَقالَ: ألا أرى رِزْقِي في السَّماءِ وأنا أطْلُبُهُ في الأرْضِ، فَدَخَلَ خَرِبَةً يَمْكُثُ ثَلاثًا لا يُصِيبُ شَيْئًا، فَلَمّا أنْ كانَ في اليَوْمِ الثّالِثِ إذا هو بِدَوْخَلَةٍ مِن رُطَبٍ، وكانَ لَهُ أخٌ أحْسَنُ مِنهُ نِيَّةً، فَدَخَلَ مَعَهُ فَصارَتا دَوْخَلَتَيْنِ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُما حَتّى فَرَّقَ بَيْنَهُما المَوْتُ. وَمِن ذَلِكَ أيْضًا: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: وعَنِ الأصْمَعِيِّ، قالَ: أقْبَلْتُ مِن جامِعِ البَصْرَةِ فَطَلَعَ أعْرابِيٌّ عَلى قَعُودٍ لَهُ، فَقالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ ؟ قُلْت: مِن بَنِي أصْمَعَ، قالَ: مِن أيْنَ أقْبَلْتَ ؟ قُلْتُ: مِن مَوْضِعٍ يُتْلى فِيهِ كَلامُ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: اتْلُ عَلَيَّ، فَتَلَوْتُ: ﴿والذّارِياتِ﴾، فَلَمّا بَلَغْتُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ قالَ: حَسْبُكَ، فَقامَ إلى ناقَتِهِ فَنَحَرَها ووَزَّعَها عَلى مَن أقْبَلَ وأدْبَرَ، وعَمَدَ إلى سَيْفِهِ وقَوْسِهِ فَكَسَرَهُما ووَلّى، فَلَمّا حَجَجْتُ مَعَ الرَّشِيدِ طَفِقْتُ أطُوفُ فَإذا أنا بِمَن يَهْتِفُ بِي بِصَوْتٍ رَقِيقٍ فالتَفَتُّ، فَإذا أنا بِالأعْرابِيِّ قَدْ نَحِلَ واصْفَرَّ فَسَلَّمَ عَلَيَّ واسْتَقْرَأ السُّورَةَ، فَلَمّا بَلَغْتُ الآيَةَ صاحَ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا، ثُمَّ قالَ: وهَلْ غَيْرُ هَذا ؟ فَقَرَأْتُ ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، فَصاحَ وقالَ: يا سُبْحانَ اللَّهِ مَن ذا الَّذِي أغْضَبَ الجَلِيلَ حَتّى حَلَفَ، لَمْ يُصَدِّقُوهُ بِقَوْلِهِ حَتّى ألْجَئُوهُ إلى اليَمِينِ، قائِلًا ثَلاثًا، وخَرَجَتْ مَعَها نَفْسُهُ. انْتَهى.

الذاريات 51:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا﴾ . إلى آخِرِ القِصَّةِ، قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١]، وفي سُورَةِ هُودٍ في القِصَّةِ المَذْكُورَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٠٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الذّارِياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ . لا يَخْفى ما بَيْنَ هَذا النَّعْتِ ومَنعُوتِهِ مِنَ التَّنافِي في الظّاهِرِ، لِأنَّ النَّعْتَ صِيغَةُ جَمْعٍ والمَنعُوتُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ. والجَوابُ أنَّ لَفْظَةَ الضَّيْفِ تُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، لِأنَّ أصْلَها مَصْدَرُ ضافَ، فَنُقِلَتْ مِنَ المَصْدَرِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ .

الذاريات 51:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

الذاريات 51:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في سُورَةِ فُصِّلَتْ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٦] .

الذاريات 51:44

(p-٤٤٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ فُصِّلَتْ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ [فصلت: ٧] .

الذاريات 51:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”ق“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ الآيَةَ [ق: ٦] . تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾، لَيْسَ مِن آياتِ الصِّفاتِ المَعْرُوفَةِ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: بِأيْدٍ لَيْسَ جَمْعَ يَدٍ: وإنَّما الأيْدُ القُوَّةُ، فَوَزْنُ قَوْلِهِ هُنا بِأيْدٍ فَعْلٌ، ووَزْنُ الأيْدِي أفْعُلُ، فالهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: بِأيْدٍ في مَكانِ الفاءِ، والياءُ في مَكانِ العَيْنِ، والدّالُ في مَكانِ اللّامِ، ولَوْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: بِأيْدٍ جَمْعَ يَدٍ لَكانَ وزْنُهُ أفْعُلًا، فَتَكُونُ الهَمْزَةُ زائِدَةً والياءُ في مَكانِ الفاءِ، والدّالُ في مَكانِ العَيْنِ، والياءُ المَحْذُوفَةُ لِكَوْنِهِ مَنقُوصًا هي اللّامَ. والأيْدُ، والآدُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى القُوَّةِ، ورَجُلٌ أيْدٌ قَوِيٌّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]، أيْ قَوَّيْناهُ بِهِ، فَمَن ظَنَّ أنَّها جَمْعُ يَدٍ في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فاحِشًا، والمَعْنى: والسَّماءَ بَنَيْناها بِقُوَّةٍ.

الذاريات 51:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ما أتى نَبِيٌّ قَوْمًا ﴿إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَواصِيهِمْ بِذَلِكَ إضْرابَ إبْطالٍ، لِأنَّهم لَمْ يُجْمَعُوا في زَمَنٍ حَتّى يَتَواصَوْا فَقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيِ المُوجِبُ الَّذِي جَمَعَهم عَلى اتِّفاقِهِمْ جَمِيعًا عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ ونِسْبَتِهِمْ لِلسِّحْرِ والجُنُونِ هو اتِّحادٌ في الطُّغْيانِ الَّذِي هو مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الكُفْرِ. (p-٤٤٣)وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اتَّفَقُوا، لِأنَّ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ تُشْبِهُ قُلُوبَ بَعْضٍ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ، فَتَشابَهَتْ مَقالاتُهم لِلرُّسُلِ لِأجْلِ تَشابُهِ قُلُوبِهِمْ. وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] .

الذاريات 51:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ . نَفْيُهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلَّوْمِ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أدّى الأمانَةَ ونَصَحَ لِلْأُمَّةِ. وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

الذاريات 51:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ شَيْئًا لِحِكَمٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَيَذْكُرَ بَعْضَ حِكَمِهِ في بَعْضِ المَواضِعِ، فَإنّا نَذْكُرُ بَقِيَّةَ حِكَمِهِ، والآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْها، وقَدْ قَدَّمْنا أمْثِلَةَ ذَلِكَ. وَمِن ذَلِكَ القَبِيلِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، فَإنَّها تَضَمَّنَتْ واحِدَةً مِن حِكَمِ التَّذْكِيرِ وهي رَجاءُ انْتِفاعِ المُذَكَّرِ بِهِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ هُنا: وذَكِّرْ، ورَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ . وَمِن حِكَمِ ذَلِكَ أيْضًا خُرُوجُ المُذَكِّرِ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ هاتَيْنِ الحِكْمَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] . وَمِن حِكَمِ ذَلِكَ أيْضًا النِّيابَةُ عَنِ الرُّسُلِ في إقامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ في أرْضِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] . (p-٤٤٤)وَقَدْ بَيَّنَ هَذِهِ الحُجَّةَ في آخِرِ ”طه“ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ [طه: ١٣٤] . وَأشارَ لَها في القَصَصِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧] . وَقَدْ قَدَّمْنا هَذِهِ الحِكَمَ في سُورَةِ المائِدَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] .

الذاريات 51:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾، فَقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى ما خَلَقْتُهم إلّا لِيَعْبُدَنِي السُّعَداءُ مِنهم ويَعْصِيَنِي الأشْقِياءُ، فالحِكْمَةُ المَقْصُودَةُ مِن إيجادِ الخَلْقِ الَّتِي هي عِبادَةُ اللَّهِ حاصِلَةٌ بِفِعْلِ السُّعَداءِ مِنهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وهَذا القَوْلُ نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وسُفْيانَ. وَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّهُ أطْلَقَ فِيها المَجْمُوعَ وأرادَ بَعْضَهم. وَأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، ومِن أوْضَحِها قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: ”فَإنْ قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم“، مِنَ القَتْلِ لا مِنَ القِتالِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وذَكَرْنا أنَّ مِن شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وقَدْ ضَرَبُوا بِهِ نَبا مِن يَدَيْ ورْقاءَ عَنْ رَأْسِ خالِدٍ فَتَراهُ نَسَبَ الضَّرْبَ لِبَنِي عَبْسٍ مَعَ تَصْرِيحِهِ أنَّ الضّارِبَ الَّذِي نَبا بِيَدِهِ السَّيْفُ عَنْ رَأْسِ خالِدٍ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ الكِلابِيِّ، هو ورْقاءُ يَعْنِي ابْنَ زُهَيْرٍ العَبْسِيِّ. وَقَدْ قَدَّمْنا في الحُجُراتِ أنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤٧]، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩] . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾: أيْ ”إلّا لِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا (p-٤٤٥)أوْ كَرْهًا“، لِأنَّ المُؤْمِنَ يُطِيعُ بِاخْتِيارِهِ والكافِرَ مُذْعِنٌ مُنْقادٌ لِقَضاءِ رَبِّهِ جَبْرًا عَلَيْهِ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، والسُّجُودُ والعِبادَةُ كِلاهُما خُضُوعٌ وتَذَلُّلٌ لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا - وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ بَعْضَهم يَفْعَلُ ذَلِكَ طَوْعًا وبَعْضَهم يَفْعَلُهُ كَرْهًا. وَعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾: أيٌّ إلّا لِيَعْرِفُونِي. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِهَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وقَدْ أوْضَحْنا كَثْرَتَهُ فِيهِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] . وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾: أيْ إلّا لِآمُرُهم بِعِبادَتِي فَيَعْبُدُنِي مَن وفَّقْتُهُ مِنهم لِعِبادَتِي دُونَ غَيْرِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ: فَإرادَةُ عِبادَتِهِمُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ - إرادَةٌ دِينِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وهي المُلازِمَةُ لِلْأمْرِ، وهي عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن أمَرَتْهُمُ الرُّسُلُ لِطاعَةِ اللَّهِ، لا إرادَةٌ كَوْنِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ، لِأنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَعَبَدَهُ جَمِيعُ الإنْسِ والجِنِّ، والواقِعُ خِلافُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: التَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، أيْ إلّا لِآمُرُهم بِعِبادَتِي وأبْتَلِيهِمْ أيْ أخْتَبِرُهم بِالتَّكالِيفِ، ثُمَّ أُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وإنَّما قُلْنا إنَّ هَذا هو التَّحْقِيقُ في مَعْنى الآيَةِ، لِأنَّهُ تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ مُحْكَماتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ صَرَّحَ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ أنَّهُ خَلَقَهم لِيَبْتَلِيَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، وأنَّهُ خَلَقَهم لِيَجْزِيَهم بِأعْمالِهِمْ. قالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ [هود: ٧]، ثُمَّ بَيَّنَ الحِكْمَةَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧] . (p-٤٤٦)وَقالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ المُلْكِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] . وَقالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . فَتَصْرِيحُهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةِ بِأنَّ حِكْمَةَ خَلْقِهِ لِلْخَلْقِ، هي ابْتِلاؤُهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، يُفَسِّرُ قَوْلَهُ: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ . وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ - القُرْآنُ. وَمَعْلُومٌ أنَّ نَتِيجَةَ العَمَلِ المَقْصُودِ مِنهُ لا تَتِمُّ إلّا بِجَزاءِ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ، ولِذا صَرَّحَ تَعالى بِأنَّ حِكْمَةَ خَلْقِهِمْ أوَّلًا وبَعْثِهِمْ ثانِيًا، هو جَزاءُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ يُونُسَ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤]، وقَوْلُهُ في النَّجْمِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] . وَقَدْ أنْكَرَ تَعالى عَلى الإنْسانِ حُسْبانَهُ وظَنَّهُ أنَّهُ يُتْرَكُ سُدًى، أيْ مُهْمَلًا، لَمْ يُؤْمَرْ ولَمْ يُنْهَ، وبَيَّنَ أنَّهُ ما نَقَلَهُ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ حَتّى أوْجَدَهُ إلّا لِيَبْعَثَهُ بَعْدَ المَوْتِ أيْ ويُجازِيَهُ عَلى عَمَلِهِ، قالَ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠] . والبَراهِينُ عَلى البَعْثِ دالَّةٌ عَلى الجَزاءِ، وقَدْ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ عَنْ هَذا الظَّنِّ الَّذِي ظَنَّهُ الكُفّارُ بِهِ تَعالى، وهو أنَّهُ لا يَبْعَثُ الخَلْقَ ولا يُجازِيهِمْ مُنْكِرًا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في أوَّلِ سُورَةِ الأحْقافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأحقاف: ٣] . * * تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أنَّ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى حِكْمَةِ خَلْقِ اللَّهِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ وأهْلِهِما وما بَيْنَهُما (p-٤٤٧)قَدْ يَظُنُّ غَيْرُ المُتَأمِّلِ أنَّ بَيْنَهُما اخْتِلافًا، والواقِعُ خِلافُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ لا يُخالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى ذَكَرَ في بَعْضِ الآياتِ أنَّ حِكْمَةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ هي إعْلامُ خَلْقِهِ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الطَّلاقِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] . وَذَكَرَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ أنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِيُبَيِّنَ لِلنّاسِ كَوْنَهُ هو المَعْبُودُ وحْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ثُمَّ أقامَ البُرْهانَ عَلى أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ولَمّا قالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، بَيَّنَ أنَّ خَلْقَهم بُرْهانٌ عَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١] . والِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّ المَعْبُودَ واحِدٌ بِكَوْنِهِ هو الخالِقُ - كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ، وقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢ - ٣]، وفي سُورَةِ الرَّعْدِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الرعد: ١٦]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. وَذَكَرَ في بَعْضِ الآياتِ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَبْتَلِيَ النّاسَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] . وَذَكَرَ في بَعْضِ الآياتِ أنَّهُ خَلَقَهم لِيَجْزِيَهم بِأعْمالِهِمْ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٤]، وذَكَرَ في آيَةِ الذّارِياتِ هَذِهِ أنَّهُ ما خَلَقَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُوهُ، فَقَدْ يَظُنُّ غَيْرُ العالِمِ أنَّ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ اخْتِلافًا مَعَ أنَّها لا اخْتِلافَ بَيْنِها، لِأنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ فِيها كُلِّها راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو مَعْرِفَةُ اللَّهِ وطاعَتُهُ ومَعْرِفَةُ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق: ١٢]، (p-٤٤٨)وَقَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ هو العِلْمُ بِاللَّهِ، لِأنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ أطاعَهُ ووَحَّدَهُ. وَهَذا العِلْمُ يُعَلِّمُهُمُ اللَّهُ إيّاهُ ويُرْسِلُ لَهُمُ الرُّسُلَ بِمُقْتَضاهُ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، فالتَّكْلِيفُ بَعْدَ العِلْمِ، والجَزاءُ بَعْدَ التَّكْلِيفِ، فَظَهَرَ بِهَذا اتِّفاقُ الآياتِ لِأنَّ الجَزاءَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَكْلِيفٍ، وهو الِابْتِلاءُ المَذْكُورُ في الآياتِ والتَّكْلِيفُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِلْمٍ، ولِذا دَلَّ بَعْضُ الآياتِ عَلى أنَّ حِكْمَةَ الخَلْقِ لِلْمَخْلُوقاتِ هي العِلْمُ بِالخالِقِ، ودَلَّ بَعْضُها عَلى أنَّها الِابْتِلاءُ، ودَلَّ بَعْضُها عَلى أنَّها الجَزاءُ، وكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ لا اخْتِلافَ فِيهِ، وبَعْضُهُ مُرَتَّبٌ عَلى بَعْضٍ. وَقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]، وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ الإرادَةَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أيْ ولِأجْلِ الِاخْتِلافِ إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ خَلَقَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] إرادَةٌ كَوْنِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ، وأنَّ الإرادَةَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، إرادَةٌ دِينِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ. وَبَيَّنّا هُناكَ أيْضًا الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ مُنْقَسِمًا إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ، وأنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ وقَدَّرَهُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهم، وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]،: وقالَ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] . والحاصِلُ: أنَّ اللَّهَ دَعا جَمِيعَ النّاسِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ إلى الإيمانِ بِهِ وعِبادَتِهِ وحْدَهُ وأمَرَهم بِذَلِكَ، وأمْرُهُ بِذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإرادَةِ الدِّينِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنهم ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِإرادَتِهِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ فَيَصِيرُونَ إلى ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ مِن شَقاوَةٍ وسَعادَةٍ، وبِهَذا تَعْلَمُ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ . وقَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وإنَّما ذَكَرْنا أنَّ الإرادَةَ قَدْ تَكُونُ دِينِيَّةً شَرْعِيَّةً، وهي مُلازِمَةٌ لِلْأمْرِ والرِّضا، وقَدْ تَكُونُ كَوْنِيَّةً قَدَرِيَّةً ولَيْسَتْ مُلازِمَةً لَهُما، لِأنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الجَمِيعَ بِالأفْعالِ المُرادَةِ مِنهم دِينًا، ويُرِيدُ ذَلِكَ كَوْنًا وقَدَرًا مِن بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، (p-٤٤٩)فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا لِيُطاعَ﴾ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِنا، لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ مُرادٌ مِنَ المُكَلَّفِينَ شَرْعًا ودِينًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ مِن ذَلِكَ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ كَوْنًا وقَدَرًا، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ»، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الذاريات 51:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] .

الذاريات 51:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ . أصْلُ الذَّنُوبِ في لُغَةِ العَرَبِ الدَّلْوُ، وعادَةُ العَرَبِ أنَّهم يَقْتَسِمُونَ ماءَ الآبارِ والقَلْبِ بِالدَّلْوِ، فَيَأْخُذُ هَذا مِنهُ مِلْءَ دَلْوٍ، ويَأْخُذُ الآخَرُ كَذَلِكَ، ومِن هُنا أطْلَقُوا اسْمَ الذَّنُوبِ الَّتِي هي الدَّلْوُ عَلى النَّصِيبِ. قالَ الرّاجِزُ في اقْتِسامِهِمُ الماءَ بِالدَّلْوِ: ؎لَنا ذَنُوبٌ ولَكم ذَنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ وَيُرْوى: ؎إنّا إذا شارَبَنا شَرِيبُ ∗∗∗ لَهُ ذَنُوبٌ ولَنا ذَنُوبُ ∗∗∗ فَإنْ أبى كانَ لَنا القَلِيبُ وَمِن إطْلاقِ الذَّنُوبِ عَلى مُطْلَقِ النَّصِيبِ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ التَّمِيمِيِّ، وقِيلَ عَبِيدٌ: ؎وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتُ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحَقَّ لِشَأْسٍ مِن نِداكَ ذَنُوبُ وَقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎لَعَمْرِكَ والمَنايا طارِقاتٌ ∗∗∗ لِكُلِّ بَنِي أبٍ مِنها ذَنُوبُ فالذَّنُوبُ في البَيْتَيْنِ النَّصِيبُ، ومَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا بِتَكْذِيبِ (p-٤٥٠)النَّبِيِّ ﷺ ذَنُوبًا، أيْ نَصِيبًا مِن عَذابِ اللَّهِ مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِنَ العَذابِ لَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم. وَهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥٠] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الرَّعْدِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ [الرعد: ٦]، وفي سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤]، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

الذاريات 51:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَهْدِيدِ الكُفّارِ بِالوَيْلِ مِن يَوْمِ القِيامَةِ لِما يَنالُهم فِيهِ مِن عَذابِ النّارِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ • كَقَوْلِهِ تَعالى في ”ص“: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]، • وقَوْلِهِ في إبْراهِيمَ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢]، • وقَوْلِهِ في المُرْسَلاتِ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ كَلِمَةَ ووَيْلٌ، قالَ فِيها بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّها مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ الهَلاكُ الشَّدِيدُ، وقِيلَ: هو وادٍ في جَهَنَّمَ تَسْتَعِيذُ مِن حَرِّهِ، والَّذِي سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهَذِهِ النَّكِرَةِ أنَّ فِيها مَعْنى الدُّعاءِ.

الطور 52:1

(p-٤٥١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الطُّورِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ . هَذِهِ الأقْسامُ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ بِها تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أقْسَمَ بِبَعْضِها بِخُصُوصِهِ، وأقْسَمَ بِجَمِيعِها في آيَةٍ عامَّةٍ لَها ولِغَيْرِها. أمّا الَّذِي أقْسَمَ مِنها إقْسامًا خاصًّا فَهو الطُّورُ، والكِتابُ المَسْطُورُ، والسَّقْفُ المَرْفُوعُ، والأظْهَرُ أنَّ الطُّورَ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، وقَدْ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِالطُّورِ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢١] . والأظْهَرُ أنَّ الكِتابَ المَسْطُورَ هو القُرْآنُ العَظِيمُ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ مِنَ الإقْسامِ بِهِ في كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ١ - ٢ ]، [ ٤٤ \ ١ - ٢]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢]، وقِيلَ: هو كِتابُ الأعْمالِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: هو السَّماءُ، وقَدْ أقْسَمَ اللَّهُ بِها في كِتابِهِ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ • كَقَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥]، والرَّقُّ بِفَتْحِ الرّاءِ كُلُّ ما يُكْتَبُ فِيهِ مِن صَحِيفَةٍ وغَيْرِها، وقِيلَ هو الجِلْدُ المُرَقَّقُ لِيُكْتَبَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَنشُورٍ﴾ أيْ مَبْسُوطٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] . ﴿ والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾: هو البَيْتُ المَعْرُوفُ في السَّماءِ المُسَمّى بِالضُّراحِ بِضَمِّ الضّادِ، وقِيلَ فِيهِ مَعْمُورٌ، لِكَثْرَةِ ما يَغْشاهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُتَعَبِّدِينَ، فَقَدْ جاءَ الحَدِيثُ: «أنَّهُ يَزُورُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ولا يَعُودُونَ إلَيْهِ بَعْدَها» . (p-٤٥٢)وَقَوْلُهُ: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَماءِ. أحَدُهُما أنَّ المَسْجُورَ هو المُوقَدُ نارًا، قالُوا: وسَيَضْطَرِمُ البَحْرُ يَوْمَ القِيامَةِ نارًا، مِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] . الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ المَسْجُورَ بِمَعْنى المَمْلُوءِ، لِأنَّهُ مَمْلُوءٌ ماءً، ومِن إطْلاقِ المَسْجُورِ عَلى المَمْلُوءِ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا مَسْجُورَةً مُتَجاوِرًا قُلّامُها فَقَوْلُهُ: مَسْجُورَةً أيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً، وقَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ العُكْلِيِّ: ؎إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَّبْعَ والسّاسَما وَهَذانَ الوَجْهانِ المَذْكُورانِ في مَعْنى المَسْجُورِ هُما أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وأمّا الآيَةُ العامَّةُ الَّتِي أقْسَمَ فِيها تَعالى بِما يَشْمَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأقْسامِ وغَيْرِها، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٣٩]، لِأنَّ الإقْسامَ في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ الذّارِياتِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

الطور 52:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ . الدَّعُّ في لُغَةِ العَرَبِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ وعُنْفٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾، أيْ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ بِقُوَّةٍ وعُنْفٍ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ يُدْفَعُونَ إلى النّارِ بِقُوَّةٍ وعُنْفٍ يَوْمَ القِيامَةِ. والثّانِي: أنَّهم يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] . وَهَذانَ الأمْرانِ المَذْكُورانِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في آياتٍ أُخَرَ، أمّا (p-٤٥٣)الأخِيرُ مِنهُما، وهو كَوْنُهم يُقالُ لَهم: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤]، وقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ في السَّجْدَةِ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]، وقَوْلِهِ في سَبَأٍ: ﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [سبإ: ٤٢]، وقَوْلِهِ تَعالى في المُرْسَلاتِ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَأمّا الأوَّلُ مِنهُما وهو كَوْنُهم يُدْفَعُونَ إلى النّارِ بِقُوَّةٍ فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧]، أيْ جُرُّوهُ بِقُوَّةٍ وعُنْفٍ إلى وسَطِ النّارِ. والعَتْلُ في لُغَةِ العَرَبِ: الجَرُّ بِعُنْفٍ وقُوَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎لَيْسَ الكِرامُ بِناحِلِيكَ أباهم حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةٍ تَعْتِلُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]، أيْ تَجْمَعُ الزَّبانِيَةُ بَيْنَ ناصِيَةِ الواحِدِ مِنهم، أيْ مُقَدَّمِ شَعْرِ رَأْسِهِ وقَدَمِهِ، ثُمَّ تَدْفَعُهُ في النّارِ بِقُوَّةٍ وشِدَّةٍ. وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّهم أيْضًا يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧٢] . وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ - بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ”يَوْمئِذٍ“ في قَوْلِهِ تَعالى قَبْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] .

الطور 52:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ مُعَذَّبُونَ في النّارِ لا مَحالَةَ، سَواءٌ صَبَرُوا أوْ لَمْ يَصْبِرُوا، فَلا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ صَبْرٌ ولا جَزَعٌ، وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] .

الطور 52:21

(p-٤٥٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ . ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ النّاسِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آياتٍ أُخَرَ أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ خارِجُونَ مِن هَذا العُمُومِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٤١] . وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّخْصِيصَ بَيانٌ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٠١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الطُّورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي عُمُومَ رَهْنِ كُلِّ إنْسانٍ بِعَمَلِهِ، ولَوْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، نَظَرًا لِلشُّمُولِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَفْظَةِ: ”كُلُّ“، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى عَدَمِ شُمُولِها لِأصْحابِ اليَمِينِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩] . والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ آيَةَ ”الطُّورِ“ هَذِهِ تُخَصِّصُها آيَةُ ”المُدَّثِّرِ“ .

الطور 52:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ . لَمْ يُذْكَرْ هُنا شَيْءٌ مِن صِفاتِ هَذِهِ الفاكِهَةِ ولا هَذا اللَّحْمِ إلّا أنَّهُ مِمّا يَشْتَهُونَ، وقَدْ بَيَّنَ صِفاتِ هَذِهِ الفاكِهَةِ في مَواضِعَ أُخَرَ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣]، وبَيَّنَ أنَّها أنْواعٌ في مَواضِعَ أُخَرَ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [محمد: ١٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤١ - ٤٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَوَصَفَ اللَّحْمَ المَذْكُورَ بِأنَّهُ مِنَ الطَّيْرِ، والفاكِهَةَ بِأنَّها مِمّا يَتَخَيَّرُونَهُ عَلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢١] .

الطور 52:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ . قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”لا لَغْوَ“ بِالبِناءِ عَلى الفَتْحِ، ”وَلا تَأْثِيمَ“ كَذَلِكَ لِأنَّها ”لا“ الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ فَبُنِيَتْ مَعَها، وهي إنْ كانَتْ كَذَلِكَ؛ نَصٌّ في العُمُومِ، وقَرَأهُ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ. لِأنَّ لا النّافِيَةَ لِلْجِنْسِ إذا تَكَرَّرَتْ كَما هُنا جازَ إعْمالُها وإهْمالُها، والقِراءَتانِ في الآيَةِ فِيهِما المِثالُ لِلْوَجْهَيْنِ، وإعْمالُها كَثِيرٌ، ومِن شَواهِدِ إهْمالِها قِراءَةُ الجُمْهُورِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وَما هَجَرْتُكِ حَتّى قُلْتِ مُعْلِنَةً لا ناقَةٌ لِي في هَذا ولا جُمَلٌ وَقَوْلُهُ: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾: أيْ يَتَعاطَوْنَ، ويَتَناوَلُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. ”كَأْسًا“ أيْ خَمْرًا، فالتَّنازُعُ يُطْلَقُ لُغَةً عَلى كُلِّ تَعاطٍ وتَناوُلٍ، فَكُلُّ قَوْمٍ يُعْطِي بَعْضُهم بَعْضًا شَيْئًا (p-٤٥٥)وَيُناوِلُهُ إيّاهُ، فَهم يَتَنازَعُونَهُ كَتَنازُعِ كُئُوسِ الشَّرابِ والكَلامِ، وهَذا المَعْنى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ. وَمِنهُ في الشَّرابِ قَوْلُ الأخْطَلِ: ؎وَشارِبٌ مُرْبِحٌ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَوّارِ ؎نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ ∗∗∗ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِ فَقَوْلُهُ: نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ: أيْ ناوَلْتُهُ كُئُوسَ الخَمْرِ وناوَلْنِيها، ومِنهُ في الكَلامِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وَلِمّا تَنازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ ∗∗∗ هَصَرَتْ بِغُصْنٍ ذِي شَمارِيخَ مَيّالِ والكَأْسُ تُطْلَقُ عَلى إناءِ الخَمْرِ، ولا تَكادُ العَرَبُ تُطْلِقُ الكَأْسَ إلّا عَلى الإناءِ المَمْلُوءِ، وهي مُؤَنَّثَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَعْنِي أنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ الَّتِي يَتَعاطاها المُؤْمِنُونَ فِيها مُخالِفَةٌ في جَمِيعِ الصِّفاتِ لِخَمْرِ الدُّنْيا، فَخَمْرُ الآخِرَةِ لا لَغْوَ فِيها، واللَّغْوُ كُلُّ كَلامٍ ساقِطٍ لا خَيْرَ فِيهِ، فَخَمْرُ الآخِرَةِ لا تَحْمِلُ شارِبِيها عَلى الكَلامِ الخَبِيثِ والهَذَيانِ، لِأنَّها لا تُؤَثِّرُ في عُقُولِهِمْ بِخِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا، فَإنَّهم إنْ يَشْرَبُوها سَكِرُوا وطاشَتْ عُقُولُهم، فَتَكَلَّمُوا بِالكَلامِ الخَبِيثِ والهَذَيانِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللَّغْوِ. والتَّأْثِيمُ: هو ما يُنْسَبُ بِهِ فاعِلُهُ إلى الإثْمِ، فَخَمْرُ الآخِرَةِ لا يَأْثَمُ شارِبُها بِشُرْبِها، لِأنَّها مُباحَةٌ لَهُ، فَنَعِمَ بِلَذَّتِها كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، ولا تَحْمِلُ شارِبَها عَلى أنْ يَفْعَلَ إثْمًا بِخِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا، فَشارِبُها يَأْثَمُ بِشُرْبِها ويَحْمِلُهُ السُّكْرُ عَلى الوُقُوعِ في المُحْرِماتِ كالقَتْلِ والزِّنا والقَذْفِ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن مُخالَفَةِ خَمْرِ الآخِرَةِ لِخَمْرِ الدُّنْيا، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٥ - ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾: أيْ لَيْسَ فِيها غَوْلٌ يَغْتالُ العُقُولَ فَيُذْهِبُها كَخَمْرِ الدُّنْيا. ﴿وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾: أيْ لا يَسْكَرُونَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٩]، (p-٤٥٦)وَقَوْلُهُ: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ أيْ لا يُصِيبُهُمُ الصُّداعُ الَّذِي هو وجَعُ الرَّأْسِ بِسَبَبِها. وَقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى هَذِهِ الآياتِ في صِفَةِ خَمْرِ الآخِرَةِ، وبَيَّنّا أنَّها مُخالِفَةٌ في جَمِيعِ الصِّفاتِ لِخَمْرِ الدُّنْيا، وذَكَرْنا الشَّواهِدَ العَرَبِيَّةَ في ذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠] .

الطور 52:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ”غِلْمانٌ“ جَمْعُ غُلامٍ، أيْ خَدَمٌ لَهم، وقَدْ قَدَّمْنا إطْلاقاتِ الغُلامِ وشَواهِدَها العَرَبِيَّةَ في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] . وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهِ، وذَكَرَ هُنا حُسْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ في أصْدافِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في صَفائِهِ وحُسْنِهِ، وقِيلَ: ”مَكْنُونٌ“ أيْ مَخْزُونٍ لِنَفاسَتِهِ، لِأنَّ النَّفِيسَ هو الَّذِي يُخْزَنُ ويُكَنُّ. وَبَيَّنَ تَعالى في الواقِعَةِ بَعْضَ ما يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٨]، وزادَ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَهم مُخَلَّدِينَ، وذَكَرَ بَعْضَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ ﴿وَأكْوابٍ﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦] . والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ في آيَةِ الزُّخْرُفِ والإنْسانِ المَذْكُورَتَيْنِ هو الغِلْمانُ المَذْكُورُونَ في الطُّورِ والواقِعَةِ، وذَكَرَ بَعْضَ صِفاتِ هَؤُلاءِ الغِلْمانِ في الإنْسانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ إذا ﴿رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩] .

الطور 52:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنَّ (p-٤٥٧)المَسْئُولَ عَنْهم يَقُولُ لِلسّائِلِ: ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا ﴿فِي أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ أيْ خائِفِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ، ونَحْنُ بَيْنَ أهْلِنا أحْياءٌ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ أكْرَمَنا، وتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنهُ في دارِ الدُّنْيا فَهَدانا، ووَفَّقَنا في الدُّنْيا ووَقانا في الآخِرَةِ عَذابَ السَّمُومِ، والسَّمُومُ النّارُ ولَفْحُها ووَهَجُها، وأصْلُهُ الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، والجَمْعُ سَمائِمُ. ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ: ؎أنامِلُ لَمْ تَضْرِبْ عَلى البُهْمِ بِالضُّحى بِهِنَّ ووَجْهٌ لَمْ تَلُحْهُ السَّمائِمُ وَقَدْ يُطْلَقُ السَّمُومُ عَلى الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ البَرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: اليَوْمُ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ هي الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ في دارِ الدُّنْيا، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الإشْفاقَ الَّذِي هو الخَوْفُ الشَّدِيدُ مِن عَذابِ اللَّهِ في دارِ الدُّنْيا سَبَبٌ لِلسَّلامَةِ مِنهُ في الآخِرَةِ - يُفْهَمُ مِن دَلِيلِ خِطابِهِ، أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِهِ: أنَّ مَن لَمْ يَخَفْ مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا لَمْ يَنْجُ مِنهُ في الآخِرَةِ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِمَنطُوقِها ومَفْهُومِها جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضُوعِ. فَذَكَرَ تَعالى أنَّ السُّرُورَ في الدُّنْيا وعَدَمَ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ سَبَبُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ الآيَةَ [الإنشقاق: ١٠ - ١٤] . وَقَدْ تَقَرَّرَ في مَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ أنَّ ”إنَّ“ المَكْسُورَةَ المُشَدَّدَةَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ . والمَسْرُورُ في أهْلِهِ في دارِ الدُّنْيا لَيْسَ بِمُشْفِقٍ ولا خائِفٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾؛ لِأنَّ مَعْناهُ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ حَيًّا يَوْمَ القِيامَةِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن ظَنَّ أنَّهُ لا يُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ لا يَكُونُ مُشْفِقًا في أهْلِهِ خَوْفًا مِنَ العَذابِ، لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالحِسابِ والجَزاءِ. وكَوْنُ ﴿لَنْ يَحُورَ﴾ بِمَعْنى لَنْ يَرْجِعَ - مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلِ بْنِ رَبِيعَةَ التَّغْلَبِيِّ:(p-٤٥٨) ؎ألَيْلَتَنا بِذِي حَسْمٍ أنِيرِي ∗∗∗ إذا أنْتِ انْقَضَيْتِ فَلا تَحُورِي فَقَوْلُهُ: فَلا تَحُورِي، أيْ فَلا تَرْجِعِي. وَقَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ العامِرِيِّ: ؎وَما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ ما هو ساطِعٌ أيْ يَرْجِعُ رَمادًا، وقِيلَ: يَصِيرُ، والمَعْنى واحِدٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ الآيَةَ [الواقعة: ٤١ - ٤٧]، لِأنَّ تَنَعُّمَهم في الدُّنْيا المَذْكُورَ في قَوْلِهِ: ﴿مُتْرَفِينَ﴾، وإنْكارَهم لِلْبَعْثِ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ الآيَةَ - دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ إشْفاقِهِمْ في الدُّنْيا، وهو عِلَّةُ كَوْنِهِمْ في سَمُومٍ وحَمِيمٍ. وَقَدْ قَدَّمْنا قَرِيبًا أنَّ ”إنَّ“ المَكْسُورَةَ المُشَدَّدَةَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ الآيَةَ - عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ الآيَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ الإشْفاقَ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن أسْبابِ دُخُولِ الجَنَّةِ والنَّجاةِ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ مَنطُوقُ آيَةِ الطُّورِ هَذِهِ، قالَ تَعالى في المَعارِجِ: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ الآياتِ [النمل: ٣٥]، وذَكَرَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ أهْلِ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢] . وَقَوْلُهُ في آيَةِ الواقِعَةِ المَذْكُورَةِ: ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، أيْ يُدِيمُونَ ويَعْزِمُونَ عَلى الذَّنْبِ الكَبِيرِ، كالشِّرْكِ وإنْكارِ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحِنْثِ حِنْثُهم في اليَمِينِ الفاجِرَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] .

الطور 52:29

(p-٤٥٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ . نَفى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ ثَلاثَ صِفاتٍ قَبِيحَةٍ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ رَماهُ بِها الكُفّارُ، وهي الكِهانَةُ والجُنُونُ والشِّعْرُ، أمّا دَعْواهم أنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ، فَقَدْ نَفاها صَرِيحًا بِحَرْفِ النَّفْيِ الَّذِي هو ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أنْتَ﴾ وأُكِّدَ النَّفْيُ بِالباءِ في قَوْلِهِ: بِكاهِنٍ وأمّا كَوْنُهُ شاعِرًا فَقَدْ نَفاهُ ضِمْنًا بِأمِ المُنْقَطِعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾، لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الإضْرابِ والإنْكارِ المُتَضَمِّنِ مَعْنى النَّفْيِ. وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ بِنَفْيِ هَذِهِ الصِّفاتِ عَنْهُ ﷺ كَقَوْلِهِ تَعالى في نَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ في أوَّلِ القَلَمِ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]، وقَوْلِهِ في التَّكْوِيرِ: ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، وكَقَوْلِهِ في نَفْيِ الصِّفَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ أعْنِي الكِهانَةَ والشِّعْرَ: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٢]، وقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلى هَذا في سُورَةِ الشُّعَراءِ وغَيْرِها. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]، أيْ نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الدَّهْرِ، حَتّى يَحْدُثَ لَهُ مِنها المَوْتُ، فالمَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ الَّتِي يَطْرَأُ فِيها الهَلاكُ والتَّغْيِيرُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الدَّهْرَ هو المُرادُ في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: ؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ لِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ورَيْبِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَنُونَ الدَّهْرُ، ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ: ؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ ∗∗∗ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَنُونُ في الآيَةِ المَوْتُ، وإطْلاقُ المَنُونِ عَلى المَوْتِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الغَوْلِ الطُّهَوِيِّ: ؎هم مَنَعُوا حِمى الوَقْبى بِضَرْبٍ ∗∗∗ يُؤَلَّفُ بَيْنَ أشْتاتِ المَنُونِ لِأنَّ الَّذِينَ ماتُوا عِنْدَ ذَلِكَ الماءِ المُسَمّى بِالوَقْبى، جاءُوا مِن جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَمَعَ المَوْتُ بَيْنَهم في مَحِلٍّ واحِدٍ، ولَوْ ماتُوا في بِلادِهِمْ لَكانَتْ مَناياهم في بِلادٍ شَتّى.

الطور 52:34

(p-٤٦٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا أنَّ اللَّهَ تَحَدّاهم بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِن هَذا القُرْآنِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣]، وفي سُورَةِ يُونُسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٣ ٨] . وَتَحَدّاهم في سُورَةِ هُودٍ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [هود: ١٣] . وَتَحَدّاهم في سُورَةِ الطُّورِ هَذِهِ بِهِ كُلِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ الآيَةَ. وَبَيَّنَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨٨] . وَقَدْ أطْلَقَ - جَلَّ وعَلا - اسْمَ الحَدِيثِ عَلى القُرْآنِ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ كَما أطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ الآيَةَ [الزمر: ٢٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ [يوسف: ١١١] .

الطور 52:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ وعَلى الآياتِ المُشابِهَةِ لَهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] .

الطور 52:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ الآيَةَ. قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ وعَلى الآياتِ المُشابِهَةِ لَهُ في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وَحَفِظْناها﴾ الآيَةَ [الحجر: ١٦ - ١٧] .

الطور 52:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ . (p-٤٦١)قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، وفي مَواضِعَ أُخَرَ مُتَعَدِّدَةٍ.

الطور 52:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الأحْكامِ في سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا﴾ الآيَةَ [هود: ٢٩] .

الطور 52:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٧]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

الطور 52:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ . بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كَيْدَ الكُفّارِ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا في الآخِرَةِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٨ - ٣٩] . وَبَيَّنَ أنَّهُ لا يَنْفَعُهم في الدُّنْيا أيْضًا • كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ الآيَةَ [الطارق: ١٥ - ١٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الطور 52:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ هو ما عُذِّبُوا بِهِ في دارِ الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ وغَيْرِهِ. كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ الآيَةَ [السجدة: ٢١]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ولا مانِعَ مِن دُخُولِ عَذابِ القَبْرِ في ذَلِكَ، لِأنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ في ظاهِرِ الآيَةِ، وما قِيلَ في مَعْنى الآيَةِ غَيْرُ هَذا لا يَتَّجِهُ عِنْدِي. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النجم 53:1

(p-٤٦٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّجْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ . اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِهَذا النَّجْمِ الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِهِ النَّجْمُ إذا رُجِمَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ بِهِ الثُّرَيّا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، ولَفْظَةُ النَّجْمِ عَلَمٌ لِلثُّرَيّا بِالغَلَبَةِ، فَلا تَكادُ العَرَبُ تُطْلِقُ لَفْظَ النَّجْمِ مُجَرَّدًا إلّا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ: ؎أقُولُ والنَّجْمُ قَدْ مالَتْ أواخِرُهُ إلى المَغِيبِ تَثَبَّتْ نَظْرَةً حارِ فَقَوْلُهُ: والنَّجْمِ: يَعْنِي الثُّرَيّا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا هَوى﴾: أيْ سَقَطَ مَعَ الصُّبْحِ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وقِيلَ: النَّجْمُ الزَّهْرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّجْمِ نُجُومُ السَّماءِ، وعَلَيْهِ فَهو مِن إطْلاقِ المُفْرَدِ وإرادَةِ الجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، يَعْنِي الأدْبارَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، أيِ: المَلائِكَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]، أيِ الغُرَفَ. وَقَدْ قَدَّمْنا أمْثِلَةً كَثِيرَةً لِهَذا في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، وإطْلاقُ النَّجْمِ مُرادًا بِهِ النُّجُومَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ؎ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بَهْرًا ∗∗∗ عَدَدَ النَّجْمِ والحَصى والتُّرابِ وَقَوْلُ الرّاعِي: ؎فَباتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ ∗∗∗ سَرِيعٍ بِأيْدِي الآكِلِينَ جُمُودُها (p-٤٦٣)وَعَلى هَذا القَوْلِ، فَمَعْنى هُوِيِّ النُّجُومِ سُقُوطُها إذا غَرَبَتْ أوِ انْتِثارُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: النَّجْمُ النَّباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المُرادُ بِالنَّجْمِ الجُمْلَةُ النّازِلَةُ مِنَ القُرْآنِ، فَإنَّهُ نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أنْجُمًا مُنَجَّمًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وكُلُّ جُمْلَةٍ مِنهُ وقْتَ نُزُولِها يَصْدُقُ عَلَيْها اسْمُ النَّجْمِ صِدْقًا عَرَبِيًّا صَحِيحًا كَما يُطْلَقُ عَلى ما حانَ وقْتُهُ مِنَ الدِّيَةِ المُنَجَّمَةِ عَلى العاقِلَةِ، والكِتابَةِ المُنَجَّمَةِ عَلى العَبْدِ المُكاتَبِ. وَعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إذا هَوى﴾ أيْ نَزَلَ بِهِ المَلَكُ مِنَ السَّماءِ إلى النَّبِيِّ - ﷺ . وقَوْلُهُ: هَوى يَهْوِي هُوِيًّا إذا اخْتَرَقَ الهَوا نازِلًا مِن أعَلى إلى أسْفَلَ. اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ الثُّرَيّا وأنَّ المُرادَ بِالنَّجْمِ خُصُوصُها، وإنِ اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِ واحِدٍ - لَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي. والأظْهَرُ أنَّ النَّجْمَ يُرادُ بِهِ النُّجُومُ. وإنْ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ جَمْعُهُ تَعالى لِلنُّجُومِ في القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ بِالنَّجْمِ إذا هَوى هُنا كالمُرادِ بِمَواقِعِ النُّجُومِ في الواقِعَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْضًا في المُرادِ بِمَواقِعِ النُّجُومِ فَقالَ بَعْضُهم: هي مَساقِطُها إذا غابَتْ. وقالَ بَعْضُهُمُ: انْتِثارُها يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ بَعْضُهم: مَنازِلُها في السَّماءِ، لِأنَّ النّازِلَ في مَحِلٍّ واقِعٍ فِيهِ. وقالَ بَعْضُهم: هي مَواقِعُ نُجُومِ القُرْآنِ النّازِلِ بِها المَلَكُ إلى النَّبِيِّ - ﷺ . قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي وأقْرَبُها لِلصَّوابِ في نَظَرِي - أنَّ المُرادَ بِالنَّجْمِ إذا هَوى هُنا في هَذِهِ السُّورَةِ، وبِمَواقِعِ النُّجُومِ في الواقِعَةِ هو نُجُومُ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَ بِها المَلَكُ نَجْمًا فَنَجْمًا، وذَلِكَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا الَّذِي أقْسَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّجْمِ إذا هَوى الَّذِي هو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلى حَقٍّ وأنَّهُ ما ضَلَّ وما غَوى وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى - مُوافِقٌ في المَعْنى لِما أقْسَمَ عَلَيْهِ بِمَواقِعِ النُّجُومِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠] . (p-٤٦٤)والإقْسامُ بِالقُرْآنِ عَلى صِحَّةِ رِسالَةِ النَّبِيِّ ﷺ وعَلى صِدْقِ القُرْآنِ العَظِيمِ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ١ - ٥] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١ - ٤]، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ. والثّانِي: أنَّ كَوْنَ المُقْسَمِ بِهِ المُعَبَّرِ بِالنُّجُومِ هو القُرْآنَ العَظِيمَ - أنْسَبُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦]، لَأنَّ هَذا التَّعْظِيمَ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المَقْسَمَ بِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ. وَلا شَكَّ أنَّ القُرْآنَ الَّذِي هو كَلامُ اللَّهِ أنْسَبُ لِذَلِكَ مِن نُجُومِ السَّماءِ ونَجْمِ الأرْضِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الضَّلالُ يَقَعُ مِنَ الجَهْلِ بِالحَقِّ، والغَيُّ هو العُدُولُ عَنِ الحَقِّ مَعَ مَعْرِفَتِهِ، أيْ ما جَهِلَ الحَقَّ وما عَدَلَ عَنْهُ، بَلْ هو عالِمٌ بِالحَقِّ مُتَّبِعٌ لَهُ. وَقَدْ قَدَّمْنا إطْلاقاتِ الضَّلالِ في القُرْآنِ بِشَواهِدِها العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، وفي سُورَةِ الكَهْفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] . وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِهِ ﷺ عَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ الزُّخْرُفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ اسْتَدَلَّ بِهِ عُلَماءُ (p-٤٦٥)الأُصُولِ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَجْتَهِدُ، والَّذِينَ قالُوا إنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنهُ الِاجْتِهادُ، اسْتَدَلُّوا • بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٧] . • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١١٣] . قالُوا: فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا عَنِ اجْتِهادٍ، لَما قالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآيَةَ. ولَما قالَ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾، ولا مُنافاةَ بَيْنَ الآياتِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ مَعْناهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ إلّا شَيْئًا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَهُ، فَمَن يَقُولُ: إنَّهُ شِعْرٌ أوْ سِحْرٌ أوْ كِهانَةٌ أوْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ - هو أكْذَبُ خَلْقِ اللَّهِ وأكْفَرُهم، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهُ أذِنَ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وأسَرَ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ، واسْتَغْفَرَ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ مِن غَيْرِ أنَّ يَنْزِلَ عَلَيْهِ وحْيٌ خاصٌّ في ذَلِكَ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

النجم 53:3

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٠٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النَّجْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَجْتَهِدُ في شَيْءٍ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ رُبَّما اجْتَهَدَ في بَعْضِ الأُمُورِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٧] . والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ جَرِيرٍ، وصَدَّرَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ الأُصُولِيِّ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ في كُلِّ ما يَبْلُغُهُ عَنِ اللَّهِ، إنْ هو أيْ كُلُّ ما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ إلّا وحْيٌ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ شَيْئًا إلّا وحْيٌ مِنهُ، فالآيَةُ رَدٌّ عَلى الكُفّارِ حَيْثُ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَرى هَذا القُرْءانِ، كَما قالَ ابْنُ الحاجِبِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إنِ اجْتَهَدَ، فَإنَّهُ إنَّما يَجْتَهِدُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ يَأْذَنُ لَهُ بِهِ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ، وعَلَيْهِ فاجْتِهادُهُ بِوَحْيٍ فَلا مُنافاةَ. وَيَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ أنَّ اجْتِهادَهُ في الإذْنِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ [النور: ٦٢]، فَلَمّا أُذِنَ لِلْمُنافِقِينَ عاتَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] . فالِاجْتِهادُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو الإذْنُ قَبْلَ التَّبَيُّنِ لا في مُطْلَقِ الإذْنِ لِلنَّصِّ عَلَيْهِ. وَمَسْألَةُ اجْتِهادِ النَّبِيِّ ﷺ وعَدَمِهِ مِن مَسائِلِ الخِلافِ المَشْهُورَةِ عِنْدَ عُلَماءِ الأُصُولِ، (p-٤٠٣)وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ هو تَعارُضُ الآياتِ في ظاهِرِ الأمْرِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ التَّحْقِيقَ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّهُ ﷺ رُبَّما فَعَلَ بَعْضَ المَسائِلِ مِن غَيْرِ وحْيٍ في خُصُوصِهِ، كَإذْنِهِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ صادِقَهم مِن كاذِبِهِمْ، وكَأسْرِهِ لِأُسارى بَدْرٍ، وكَأمْرِهِ بِتَرْكِ تَأْبِيرِ النَّخْلِ، وكَقَوْلِهِ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ الحَدِيثَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ لا إشْكالَ فِيهِ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَنْطِقُ بِشَيْءٍ مِن أجْلِ الهَوى ولا يَتَكَلَّمُ بِالهَوى. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّ ما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ فَهو وحْيٌ مِنَ اللَّهِ لا بِهَوًى ولا بِكَذِبٍ ولا افْتِراءٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النجم 53:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ . المُرادُ بِشَدِيدِ القُوى في هَذِهِ الآيَةِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّهُ ﷺ عَلَّمَهُ هَذا الوَحْيَ مَلَكٌ شَدِيدُ القُوى هو جِبْرِيلُ. وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ قَدْ تَضَمَّنَتْ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا الوَحْيَ الَّذِي مِن أعْظَمِهِ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ، عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ. والثّانِي: أنَّ جِبْرِيلَ شَدِيدُ القُوَّةِ. وَهَذانَ الأمْرانِ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. أمّا الأوَّلُ مِنهُما وهو كَوْنُ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ بِهَذا الوَحْيِ وعَلَّمَهُ إيّاهُ، فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٩٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] . (p-٤٦٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨]، أيْ إذا قَرَأهُ عَلَيْكَ المَلَكُ المُرْسَلُ بِهِ إلَيْكَ مِنّا مُبَلِّغًا لَهُ عَنّا ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أيِ اقْرَأْ كَما سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ. وَأمّا الأمْرُ الثّانِي، وهو شِدَّةُ قُوَّةِ جِبْرِيلَ النّازِلِ بِهَذا الوَحْيِ فَقَدْ ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠] وقَوْلِهِ في آيَةِ التَّكْوِيرِ هَذِهِ: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ أيْ لِقَوْلِهِ المُبَلَّغِ لَهُ عَنِ اللَّهِ، فَقَرِينَةُ ذِكْرِ الرَّسُولِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما يُبَلِّغُ شَيْئًا أُرْسِلَ بِهِ، فالكَلامُ كَلامُ اللَّهِ بِألْفاظِهِ ومَعانِيهِ، وجِبْرِيلُ مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ نُسِبَ القَوْلُ لَهُ. لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما سَمِعَهُ إلّا مِنهُ، فَهو القَوْلُ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ، وأمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةُ ذِكْرِ الرَّسُولِ، وسَيَأْتِي إيضاحُ هَذِهِ المَسْألَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النجم 53:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ . قَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ الإسْراءِ.

النجم 53:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٥٧]، وفي مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.

النجم 53:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ . بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ لَهُ الآخِرَةَ والأُولى وهي الدُّنْيا، وبَيَّنَ هَذا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وَإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٢]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٩١]، وهَذا مِنَ المَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.

النجم 53:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٦٧)﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٨]،، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

النجم 53:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الأحْقافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأحقاف: ٣]، وفي سُورَةِ الذّارِياتِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .

النجم 53:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الشُّورى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ النِّساءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٩]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

النجم 53:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ ﴿وَأعْطى قَلِيلًا وأكْدى﴾ ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ . قَوْلُهُ: تَوَلّى: أيْ رَجَعَ وأدْبَرَ عَنِ الحَقِّ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْطى قَلِيلًا﴾، قالَ بَعْضُهم: قَلِيلًا مِنَ المالِ، وقالَ بَعْضُهم: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الكَلامِ الطَّيِّبِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأكْدى﴾ أيْ قَطَعَ ذَلِكَ العَطاءَ ولَمْ يُتِمَّهُ، وأصْلُهُ مَن أكْدى صاحِبُ الحَفْرِ إذا انْتَهى في حَفْرِهِ إلى (p-٤٦٨)صَخْرَةٍ لا يَقْدِرُ عَلى الحَفْرِ فِيها، وأصْلُهُ مِنَ الكُدْيَةِ وهي الحِجارَةُ تَعْتَرِضُ حافِرَ البِئْرِ ونَحْوَهُ فَتَمْنَعُهُ الحَفْرَ، وهَذا الَّذِي أعْطى قَلِيلًا وأكْدى اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ، فَقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ قارَبَ أنْ يُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: أتَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلْتَهم ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ الَّذِي عاتَبَهُ إنْ هو أعْطاهُ كَذا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ، فَرَجَعَ الوَلِيدُ إلى الشِّرْكِ وأعْطى الَّذِي عَيَّرَهُ بَعْضَ ذَلِكَ المالِ الَّذِي ضَمِنَ ومَنَعَهُ تَمامَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الآيَةَ. وَعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: تَوَلّى: أيِ الوَلِيدُ عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ قارَبَ، وأعْطى قَلِيلًا مِنَ المالِ لِلَّذِي ضَمِنَ لَهُ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ ذُنُوبَهُ. ﴿وَأكْدى﴾: أيْ بَخِلَ عَلَيْهِ بِالباقِي، وقِيلَ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الكَلامِ الطَّيِّبِ كَمَدْحِهِ لِلْقُرْآنِ، واعْتِرافِهِ بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ، ”وَأكْدى“ أيِ انْقَطَعَ عَنْ ذَلِكَ ورَجَعَ عَنْهُ. وقِيلَ: هو العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، كانَ رُبَّما وافَقَ النَّبِيَّ ﷺ في بَعْضِ الأُمُورِ، وذَلِكَ هو مَعْنى إعْطائِهِ القَلِيلَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْ ذَلِكَ، وهو مَعْنى إكْدائِهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ ولَمْ يَنْسَجِمْ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ﴾ الآيَةَ [النجم: ٣٥] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ ﷺ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، وذَلِكَ مَعْنى إعْطائِهِ قَلِيلًا، وقَطْعُهُ لِذَلِكَ مَعْرُوفٌ. واقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: رُوِيَ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ كانَ يُعْطِي مالَهُ في الخَيْرِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وهو أخُوهُ مِنَ الرَّضاعَةِ: يُوشِكُ ألّا يَبْقى لَكَ شَيْءٌ. فَقالَ عُثْمانُ: إنَّ لِي ذُنُوبًا وخَطايا، وإنِّي أطْلُبُ بِما أصْنَعُ رِضا اللَّهِ تَعالى، وأرْجُو عَفْوَهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أعْطِنِي ناقَتَكَ بِرَحْلِها، وأنا أتَحَمَّلُ عَنْكَ ذُنُوبَكَ كُلَّها، فَأعْطاهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِ، وأمْسَكَ عَنِ العَطاءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وَمَعْنى ”تَوَلّى“ تَرَكَ المَرْكَزَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعادَ عُثْمانُ إلى أحْسَنَ مِن ذَلِكَ وأجْمَلَ. انْتَهى مِنهُ. وَلا يَخْفى سُقُوطُ هَذا القَوْلِ وبُطْلانُهُ، وأنَّهُ غَيْرُ لائِقٍ بِمَنصِبِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ سَبْعَةَ أُمُورٍ: (p-٤٦٩)الأوَّلُ: إنْكارُ عِلْمِ الغَيْبِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ﴾ والمُرادُ نَفْيُ عِلْمِهِ لِلْغَيْبِ. الثّانِي: أنَّ لِكُلٍّ مِن إبْراهِيمَ ومُوسى صُحُفًا لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِيها هَذا الكافِرُ. الثّالِثُ: أنَّ إبْراهِيمَ وفّى، أيْ أتَمَّ القِيامَ بِالتَّكالِيفِ الَّتِي كَلَّفَهُ رَبُّهُ بِها. الرّابِعُ: أنَّ في تِلْكَ الصُّحُفِ أنَّهُ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ . الخامِسُ: أنَّ فِيها أيْضًا أنَّهُ ﴿لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ . السّادِسُ: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ . السّابِعُ: أنَّهُ ﴿يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾، أيِ الأكْمَلَ الأتَمَّ. وَهَذِهِ الأُمُورُ السَّبْعَةُ قَدْ جاءَتْ كُلُّها مُوَضَّحَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. أمّا الأوَّلُ مِنها، وهو عَدَمُ عِلْمِهِمُ الغَيْبَ، فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ الآيَةَ [الجن: ٢٦] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ قَدَّمْناها مِرارًا. والثّانِي: الَّذِي هو أنَّ لِإبْراهِيمَ ومُوسى صُحُفًا لَمْ يَكُنْ هَذا المُتَوَلِّي المُعْطِي قَلِيلًا المُكْدِي عالِمًا بِها، ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩] . والثّالِثُ مِنها: وهو إبْراهِيمُ وفّى تَكالِيفَهُ، فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأصَحَّ في الكَلِماتِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِها أنَّها التَّكالِيفُ. وَأمّا الرّابِعُ مِنها: وهو أنَّهُ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢]، (p-٤٧٠)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨] . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا، والجَوابُ عَمّا يَرِدُ عَلَيْها مِنَ الإشْكالِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وذَكَرْنا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] . وَأمّا الخامِسُ مِنها: وهو أنَّهُ ﴿لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾، فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [الجاثية: ١٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَسْتَحِقُّ أجْرًا إلّا عَلى سَعْيِهِ بِنَفْسِهِ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ هَذِهِ الآيَةُ لِانْتِفاعِهِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ قَدْ دَلَّتِ اللّامُ فِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ ولا يَمْلِكُ شَيْئًا إلّا بِسَعْيِهِ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الِانْتِفاعِ بِما لَيْسَ مِلْكًا لَهُ ولا مُسْتَحَقًّا لَهُ. وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَنْتَفِعُ بِسَعْيِ غَيْرِهِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] . وَقَدْ أوْضَحْنا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ الآيَةَ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في سُورَةِ النَّجْمِ، وقُلْنا فِيهِ ما نَصُّهُ: والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ إنَّما دَلَّتْ عَلى نَفْيِ مِلْكِ الإنْسانِ لِغَيْرِ سَعْيِهِ، ولَمْ تَدُلَّ عَلى نَفْيِ انْتِفاعِهِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وأنْ لَنْ يَنْتَفِعَ الإنْسانُ إلّا بِما سَعى، وإنَّما قالَ: (p-٤٧١)﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ﴾، وبَيْنَ الأمْرَيْنِ فَرْقٌ ظاهِرٌ، لِأنَّ سَعْيَ الغَيْرِ مِلْكٌ لِساعِيهِ إنْ شاءَ بَذَلَهُ لِغَيْرِهِ فانْتَفَعَ بِهِ ذَلِكَ الغَيْرُ، وإنْ شاءَ أبْقاهُ لِنَفْسِهِ. وَقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى انْتِفاعِ المَيِّتِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ والحَجِّ عَنْهُ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا ثَبَتَ الِانْتِفاعُ بِعَمَلِ الغَيْرِ فِيهِ. الثّانِي: أنَّ إيمانَ الذُّرِّيَّةِ هو السَّبَبُ الأكْبَرُ في رَفْعِ دَرَجاتِهِمْ، إذْ لَوْ كانُوا كُفّارًا لَما حَصَلَ لَهم ذَلِكَ. فَإيمانُ العَبْدِ وطاعَتُهُ سَعْيٌ مِنهُ في انْتِفاعِهِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، كَما وقَعَ في الصَّلاةِ في الجَماعَةِ، فَإنَّ صَلاةَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ يَتَضاعَفُ بِها الأجْرُ زِيادَةً عَلى صَلاتِهِ مُنْفَرِدًا، وتِلْكَ المُضاعَفَةُ انْتِفاعٌ بِعَمَلِ الغَيْرِ، سَعى فِيهِ المُصَلِّي بِإيمانِهِ وصَلاتِهِ في الجَماعَةِ، وهَذا الوَجْهُ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ . الثّالِثُ: أنَّ السَّعْيَ الَّذِي حَصَلَ بِهِ رَفْعُ دَرَجاتِ الأوْلادِ لَيْسَ لِلْأوْلادِ كَما هو نَصُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ ولَكِنَّ مِن سَعْيِ الآباءِ فَهو سَعْيٌ لِلْآباءِ أقَرَّ اللَّهُ عُيُونَهم بِسَبَبِهِ، بِأنْ رَفَعَ إلَيْهِمْ أوْلادَهم لِيَتَمَتَّعُوا في الجَنَّةِ بِرُؤْيَتِهِمْ. فالآيَةُ تُصَدِّقُ الأُخْرى ولا تُنافِيها، لِأنَّ المَقْصُودَ بِالرَّفْعِ إكْرامُ الآباءِ لا الأوْلادُ، فانْتِفاعُ الأوْلادِ تَبَعٌ فَهو بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ تَفَضَّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما لَيْسَ لَهم، كَما تَفَضَّلَ بِذَلِكَ عَلى الوِلْدانِ والحُورِ العِينِ والخَلْقِ الَّذِينَ يُنْشُؤُهم لِلْجَنَّةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ا هـ مِنهُ. والأمْرُ السّادِسُ والسّابِعُ: وهُما أنَّ عَمَلَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى، فَقَدْ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٨ - ٩] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] . (p-٤٧٢)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَهُوَ يَرى﴾ أيْ يَعْلَمُ ذَلِكَ الغَيْبَ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ لا يَخْلُو مِن إعْطاءِ شَيْءٍ في مُقابَلَةِ تَحَمُّلِ الذُّنُوبِ عَمَّنْ أعْطى لِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُ بِهِ أنَّ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ تَحَمُّلَ ذُنُوبِهِ بِفِعْلِ ذَلِكَ، ولَمْ يُنَبَّأْ بِما في الصُّحُفِ الأُولى، مِن أنَّهُ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ لا تَتَحَمَّلُ نَفْسٌ ذَنْبَ نَفْسٍ أُخْرى. وَقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَهُ مُوَضَّحًا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّهُ لا يَمْلِكُ الإنْسانُ ولا يَسْتَحِقُّ إلّا سَعْيَ نَفْسِهِ، وقَدِ اتَّضَحَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَحَمَّلَ إنْسانٌ ذُنُوبَ غَيْرِهِ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: أفَرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ وصِلَتُهُ. والمَفْعُولُ الثّانِي هو جُمْلَةُ ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ .

النجم 53:39

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ أحَدٌ بِعَمَلِ غَيْرِهِ. وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ رُبَّما انْتَفَعَ بِعَمَلِ غَيْرِهِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ الآيَةَ [الطور: ٢١]، فَرَفْعُ دَرَجاتِ الأوْلادِ سَواءٌ قُلْنا: إنَّهُمُ الكِبارُ أوِ الصِّغارُ نَفْعٌ حاصِلٌ لَهم، وإنَّما حَصَلَ لَهم بِعَمَلِ آبائِهِمْ لا بِعَمَلِ أنْفُسِهِمْ. اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ هَذا كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، فَنُسِخَ في شَرْعِنا غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ آيَةُ: وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ مُحْكَمَةٌ، كَما أنَّ القَوْلَ بِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ خُصُوصُ الكافِرِ غَيْرُ صَحِيحٍ أيْضًا. والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ إنَّما دَلَّتْ عَلى نَفْيِ مِلْكِ الإنْسانِ لِغَيْرِ سَعْيِهِ، ولَمْ تَدُلَّ عَلى نَفْيِ انْتِفاعِهِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ وأنْ لَنْ يَنْتَفِعَ الإنْسانُ إلّا بِما سَعى، وإنَّما قالَ: وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ. وبَيْنَ الأمْرَيْنِ فَرْقٌ ظاهِرٌ، لِأنَّ سَعْيَ الغَيْرِ مِلْكٌ لِساعِيهِ، إنْ شاءَ بَذَلَهُ لِغَيْرِهِ فانْتَفَعَ بِهِ ذَلِكَ الغَيْرُ، وإنْ شاءَ أبْقاهُ لِنَفْسِهِ. وَقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى انْتِفاعِ المَيِّتِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ والحَجِّ عَنْهُ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا ثَبَتَ الِانْتِفاعُ بِعَمَلِ الغَيْرِ فِيهِ. (p-٤٠٤)الثّانِي: أنَّ إيمانَ الذُّرِّيَّةِ هو السَّبَبُ الأكْبَرُ في رَفْعِ دَرَجاتِهِمْ، إذْ لَوْ كانُوا كُفّارًا لَما حَصَلَ لَهم ذَلِكَ، فَإيمانُ العَبْدِ وطاعَتُهُ سَعْيٌ مِنهُ في انْتِفاعِهِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، كَما وقَعَ في الصَّلاةِ في الجَماعَةِ، فَإنَّ صَلاةَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ يَتَضاعَفُ بِها الأجْرُ زِيادَةً عَلى صَلاتِهِ مُنْفَرِدًا، وتِلْكَ المُضاعَفَةُ انْتِفاعٌ بِعَمَلِ الغَيْرِ سَعى فِيهِ المُصَلِّي بِإيمانِهِ وصَلاتِهِ في الجَماعَةِ، وهَذا الوَجْهُ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ . الثّالِثُ: أنَّ السَّعْيَ الَّذِي حَصَلَ بِهِ رَفْعُ دَرَجاتِ الأوْلادِ لَيْسَ لِلْأوْلادِ كَما هو نَصُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ ولَكِنَّهُ مِن سَعْيِ الآباءِ فَهو سَعْيٌ لِلْآباءِ أقَرَّ اللَّهُ عُيُونَهم بِسَبَبِهِ، بِأنْ رَفَعَ إلَيْهِمْ أوْلادَهم لِيَتَمَتَّعُوا في الجَنَّةِ بِرُؤْيَتِهِمْ، فالآيَةُ تُصَدِّقُ الأُخْرى ولا تُنافِيها، لِأنَّ المَقْصُودَ بِالرَّفْعِ إكْراهُ الآباءِ لا الأوْلادِ، فانْتِفاعُ الأوْلادِ تَبَعٌ، فَهو بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما لَيْسَ لَهم، كَما تَفَضَّلَ بِذَلِكَ عَلى الوِلْدانِ والحَوَرِ العَيْنِ والخَلْقِ الَّذِينَ يُنَشِّؤُهم لِلْجَنَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

النجم 53:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ أيِ النَّوْعَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى مِن نُطْفَةٍ، وهي نُطْفَةُ المَنِيِّ إذا تُمْنى أيْ تُصَبُّ وتُراقُ في الرَّحِمِ، عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ. وَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] . والعَرَبُ تَقُولُ: أمْنى الرَّجُلُ ومَنِيَ؛ إذا أراقَ المَنِيَّ وصَبَّهُ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ أيْ تُقَدَّرَ بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَ أنْ يَنْشَأ مِنها حَمْلٌ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: مَنِيَ المانِي إذا قَدَّرَ. ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ أبِي قِلابَةَ الهُذَلِيِّ، وقِيلَ سُوِيدِ بْنِ عامِرٍ المُصْطَلَقِيِّ: ؎لا تَأْمَنِ المَوْتَ في حِلٍّ وفي حَرَمٍ إنَّ المَنايا تُوافِي كُلَّ إنْسانِ ؎واسْلُكْ سَبِيلَكَ فِيها غَيْرَ مُحْتَشِمٍ ∗∗∗ حَتّى تُلاقِيَ ما يُمَنِّي لَكَ المانِي (p-٤٧٣)وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى النُّطْفَةِ مُسْتَوْفًى مِن جِهاتٍ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٤] . وفي سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ [الحج: ٥]، وفي كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ زِيادَةٌ لَيْسَتْ في الآخَرِ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ النَّوْعَيْنِ، أعْنِي الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ النُّطْفَةِ جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أمْرَيْنِ: هُما قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى البَعْثِ، وأنَّهُ ما خَلَقَ الإنْسانَ إلّا لِيُكَلِّفَهُ ويُجازِيَهُ، وقَدْ جَمَعَ الأمْرَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [الحديد: ٣٦ - ٤٠]، فَذَكَرَ دَلالَةَ ذَلِكَ عَلى البَعْثِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، وذَكَرَ أنَّهُ ما خَلَقَهُ لِيُهْمِلَهُ مِنَ التَّكْلِيفِ والجَزاءِ، مُنْكِرًا عَلى مَن ظَنَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ مُهْمَلًا مِنَ التَّكْلِيفِ والجَزاءِ. وَقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلى هَذا في سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] .

النجم 53:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ، وأحَلْنا عَلَيْها مِرارًا كَثِيرَةً.

النجم 53:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وَثَمُودَ فَما أبْقى﴾ . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِما أهْلَكَ بِهِ عادًا. والآياتِ المُوَضِّحَةَ لِما أهْلَكَ بِهِ ثَمُودَ في سُورَةِ فُصِّلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى في الكَلامِ في شَأْنِ عادٍ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٦] . وقَوْلِهِ في شَأْنِ ثَمُودَ: ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٧] .

النجم 53:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، أيْ وأهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ إهْلاكِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن (p-٤٧٤)كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٣٧] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٧] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ قَوْمِ نُوحٍ ﴿أظْلَمَ وأطْغى﴾، أيْ أشَدَّ ظُلْمًا وطُغْيانًا مِن غَيْرِهِمْ، قَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ ﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٥ - ٧] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٤] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ [هود: ٣٨] . وَمِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، لِأنَّ قَوْمًا لَمْ يَتَأثَّرُوا بِدَعْوَةِ نَبِيٍّ كَرِيمٍ ناصِحٍ في هَذا الزَّمَنِ الطَّوِيلِ لا شَكَّ أنَّهم أظْلَمُ النّاسِ وأطْغاهم.

النجم 53:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ . المُؤْتَفِكَةُ مُفْتَعِلَةٌ مِنَ الإفْكِ، وهو القَلْبُ والصَّرْفُ، والمُرادُ بِها قُرى قَوْمِ لُوطٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ [التوبة: ٧٠]، بِالجَمْعِ. فَهو مِن إطْلاقِ المُفْرَدِ وإرادَةِ الجَمْعِ كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا، وأكْثَرْنا مِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ (p-٤٧٥)وَأحَلْنا عَلَيْهِ مِرارًا، وإنَّما قِيلَ لَها: مُؤْتَفِكَةٌ، لِأنَّ جِبْرِيلَ أفَكَها فائْتُفِكَتْ، ومَعْنى أفَكَها أنَّهُ رَفَعَها نَحْوَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها جاعِلًا أعْلاها أسْفَلَها، وجَعْلُ عالِيها أسْفَلَها هو ائْتِفاكُها وإفْكُها. وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في سُورَةِ هُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً﴾ الآيَةَ [هود: ٨٢] . وَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٣ - ٧٤] . وَقَدْ بَيَّنّا قِصَّةَ قَوْمِ لُوطٍ في هُودٍ والحِجْرِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أهْوى تَقُولُ العَرَبُ: هَوى الشَّيْءُ إذا انْحَدَرَ مِن عالٍ إلى أسْفَلَ. وأهْواهُ غَيْرُهُ إذا ألْقاهُ مِنَ العُلُوِّ إلى السُّفْلِ، لِأنَّ المَلَكَ رَفَعَ قُراهم ثُمَّ أهْواها أيْ ألْقاها تَهْوِي إلى الأرْضِ مُنْقَلِبَةً أعْلاها أسْفَلَها.

النجم 53:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، وفي سُورَةِ المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨] .

النجم 53:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي فِيها إطْلاقُ اسْمِ الحَدِيثِ عَلى القُرْآنِ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ الآيَةَ [الطور: ٣٤] .

القمر 54:1

(p-٤٧٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ القَمَرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”يس“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وفي سُورَةِ ”ق“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا﴾ [ق: ٤٤] .

القمر 54:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وفي سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ عامِرٍ: فَفَتَحْنا بِتَشْدِيدِ التّاءِ لِلتَّكْثِيرِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتَخْفِيفِها. وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ نُوحًا دَعاهُ قائِلًا: إنَّ قَوْمَهُ غَلَبُوهُ (p-٤٧٧)سائِلًا رَبَّهُ أنْ يَنْتَصِرَ لَهُ مِنهم، وأنَّ اللَّهَ انْتَصَرَ لَهُ مِنهم، فَأهْلَكَهم بِالغَرَقِ، لِأنَّهُ تَعالى فَتَحَ أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ أيْ مُتَدَفِّقٍ مُنْصَبٍّ بِكَثْرَةٍ وأنَّهُ تَعالى فَجَّرَ الأرْضَ عُيُونًا. وَقَوْلُهُ: عُيُونًا، تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ، والأصْلُ فَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ. والتَّفْجِيرُ: إخْراجُ الماءِ مِنها بِكَثْرَةٍ، و ”ألْ“ في قَوْلِهِ: ﴿فالتَقى الماءُ﴾ لِلْجِنْسِ، ومَعْناهُ التَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرْضِ ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾، أيْ قَدَّرَهُ اللَّهُ وقَضاهُ. وَقِيلَ: إنَّ مَعْناهُ أنَّ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ والمُتَفَجِّرَ مِنَ الأرْضِ جَعَلَهُما اللَّهُ بِمِقْدارٍ لَيْسَ أحَدُهُما أكْثَرَ مِنَ الآخَرِ. والأوَّلُ أظْهَرُ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن دُعاءِ نُوحٍ رَبَّهُ - جَلَّ وعَلا - أنْ يَنْتَصِرَ لَهُ مِن قَوْمِهِ فَيَنْتَقِمَ مِنهم، وأنَّ اللَّهَ أجابَهُ فانْتَصَرَ لَهُ مِنهم فَأهْلَكَهم جَمِيعًا بِالغَرَقِ في هَذا الماءِ المُتَلَقّى مِنَ السَّماءِ والأرْضِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الأنْبِياءِ: ﴿وَنُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٦ - ٧٧] . وَقَوْلِهِ تَعالى في الصّافّاتِ: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ ﴿وَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٥ - ٨٢] . وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ دُعاءَ نُوحٍ فِيهِ سُؤالُهُ اللَّهَ أنْ يُهْلِكَهم إهْلاكًا مُسْتَأْصِلًا. وتِلْكَ الآياتُ فِيها بَيانٌ لِقَوْلِهِ هُنا: ﴿فانْتَصِرْ﴾ وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]، وما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ إلّا بَعْدَ أنِ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِنهم أحَدٌ غَيْرَ القَلِيلِ الَّذِي آمَنَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُيُونًا﴾ قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذِكْوانَ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ شُعْبَةَ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ”عِيُونًا“ بِكَسْرِ العَيْنِ لِمُجانِسَةِ الياءِ. وَقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ هُشامٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”عُيُونًا“ بِضَمِّ العَيْنِ عَلى الأصْلِ.

القمر 54:13

(p-٤٧٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ذاتَ الألْواحِ والدُّسُرِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ المُرادَ وحَمَلْناهُ عَلى سَفِينَةٍ ﴿ذاتِ ألْواحٍ﴾، أيْ مِنَ الخَشَبِ ﴿وَدُسُرٍ﴾: أيْ مَسامِيرَ تَرْبِطُ بَعْضَ الخَشَبِ بِبَعْضٍ، وواحِدُ الدُّسُرِ دِسارٌ كَكِتابٍ وكُتُبٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الدُّسُورُ الخُيُوطُ الَّتِي تُشَدُّ بِها ألْواحُ السَّفِينَةِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الدُّسُورُ جُؤْجُؤُ السَّفِينَةِ أيْ صَدْرُها ومُقَدَّمُها الَّذِي تَدْسُرُ بِهِ الماءَ أيْ تَدْفَعُهُ وتَمْخُرُهُ بِهِ، قالُوا: هو مِنَ الدَّسْرِ وهو الدَّفْعُ. فَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ ذاتَ الألْواحِ والدُّسُرِ السَّفِينَةُ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، أيِ السَّفِينَةِ، كَما أوْضَحْناهُ في سُورَةِ الشُّورى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

القمر 54:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَرَكْناها﴾، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ عائِدٌ إلى هَذِهِ الفِعْلَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ. والمَعْنى: ولَقَدْ تَرَكْنا فِعْلَتَنا بِقَوْمِ نُوحٍ وإهْلاكَنا لَهم آيَةً لِمَن بَعْدَهم، لِيَنْزَجِرُوا ويَكُفُّوا عَنْ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِئَلّا نَفْعَلَ بِهِمْ مِثْلَ ما فَعَلْنا بِقَوْمِ نُوحٍ، وكَوْنُ هَذِهِ الفِعْلَةِ آيَةً - نَصَّ عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ [الفرقان: ٣٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ الباقِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩ - ١٢١] . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الضَّمِيرُ في ﴿تَرَكْناها﴾ عائِدٌ إلى السَّفِينَةِ، وكَوْنُ سَفِينَةِ نُوحٍ آيَةً بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١ - ٤٢] .

القمر 54:17

(p-٤٧٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ القِتالِ في كَلامِنا الطَّوِيلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] .

القمر 54:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ، وكَلامَ أهْلِ العِلْمِ في يَوْمِ النَّحْسِ المُسْتَمِرِّ في سُورَةِ فُصِّلَتْ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] .

القمر 54:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُما في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ الآيَةَ [ص: ٨] .

القمر 54:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾، أيْ: مُخْرِجُوها مِنَ الهَضَبَةِ، ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أيِ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، وهو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى صالِحٍ إخْراجَ ناقَةٍ مِن صَخْرَةٍ، وأنَّها إنْ خَرَجَتْ لَهم مِنها آمَنُوا بِهِ واتَّبَعُوهُ، فَأخْرَجَ اللَّهُ النّاقَةَ مِن تِلْكَ الصَّخْرَةِ مُعْجِزَةً لِصالِحٍ، وفِتْنَةً لَهم أيِ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، وذَلِكَ أنَّ تِلْكَ النّاقَةَ مُعْجِزَةٌ عايَنُوها، وأنَّ اللَّهَ حَذَّرَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ صالِحٍ مِن أنْ يَمَسُّوها بِسُوءٍ وأنَّهم إنْ تَعَرَّضُوا لَها بِأذًى أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ. والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: إنَّهم قالُوا لَهُ: إنْ أخْرَجْتَ لَنا مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ ناقَةً وبْراءَ عُشَراءَ اتَّبَعْناكَ. وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ لَهم هَذِهِ النّاقَةَ امْتِحانًا واخْتِبارًا، وأنَّهم إنْ تَعَرَّضُوا لِآيَةِ اللَّهِ هَذِهِ، الَّتِي هي النّاقَةُ بِسُوءٍ أهْلَكَهم - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: (p-٤٨٠)﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ عَنْ صالِحٍ: ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٤ - ٦٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى في الشُّعَراءِ: ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥ - ١٥٦] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم عَقَرُوا النّاقَةَ فَجاءَهُمُ العَذابُ المُسْتَأْصِلُ في آياتٍ مِن كِتابِهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى في الأعْرافِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧ - ٧٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ [الشعراء: ١٥٧ - ١٥٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ﴾ الآيَةَ [الشمس: ١٤] . وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا غايَةَ الإيضاحِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٧] .

القمر 54:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ أيْ أخْبِرْ يا صالِحُ ثَمُودَ أنَّ الماءَ وهو ماءُ البِئْرِ الَّتِي كانَتْ تَشْرَبُ مِنها النّاقَةُ - قِسْمَةٌ بَيْنَهم، فَيَوْمٌ لِلنّاقَةِ ويَوْمٌ لِثَمُودَ، فَقَوْلُهُ: بَيْنَهم: أيْ بَيْنِ النّاقَةِ وثَمُودَ، وغَلَّبَ العُقَلاءَ عَلى النّاقَةِ ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ أيْ يَحْضُرُهُ صاحِبُهُ، فَتَحْضُرُ النّاقَةُ شِرْبَ يَوْمِها وتَحْضُرُ ثَمُودُ شِرْبَ يَوْمِها. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى في الشُّعَراءِ: ﴿قالَ هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، وشِرْبُ النّاقَةِ هو الَّذِي حَذَّرَهم مِنهُ صالِحٌ لِئَلّا يَتَعَرَّضُوا لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ [الشمس: ١٣] .

القمر 54:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَتَعاطى﴾، قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: فَتَعاطى هو مُطاوِعُ عاطى، وكَأنَّ (p-٤٨١)هَذِهِ الفِعْلَةَ تَدافَعَها النّاسُ وعاطاها بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَعاطاها قَدارُ وتَناوُلَ العَقْرَ بِيَدِهِ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ. والعَرَبُ تَقُولُ: تَعاطى كَذا إذا فَعَلَهُ أوْ تَناوَلَهُ، وعاطاهُ إذا تَناوَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ؎كِلْتاهُما حَلَبَ العَصِيرَ فَعاطَنِي بِزُجاجَةٍ أرْخاهُما لِلْمَفْصَلِ وَقَوْلُهُ: فَعَقَرَ أيْ تَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ فَعَقَرَها، فَمَفْعُولا الفِعْلَيْنِ مَحْذُوفانِ تَقْدِيرُهُما كَما ذَكَرْنا، وعَبَّرَ عَنْ عاقِرِ النّاقَةِ هُنا بِأنَّهُ صاحِبُهم، وعَبَّرَ عَنْهُ في الشَّمْسِ بِأنَّهُ أشْقاهم وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١٤] . وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تُشِيرُ إلى إزالَةِ إشْكالٍ مَعْرُوفٍ في الآيَةِ. وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى فِيها نَسَبَ العَقْرَ لِواحِدٍ لا لِجَماعَةٍ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ بِالإفْرادِ مَعَ أنَّهُ أسْنَدَ عَقْرَ النّاقَةِ في آياتٍ أُخَرَ إلى ثَمُودَ كُلِّهِمْ • كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٧٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى في هُودٍ: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، • وقَوْلِهِ في الشُّعَراءِ: ﴿فَعَقَرُوها فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧]، • وقَوْلِهِ في الشَّمْسِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤] . وَوَجْهُ إشارَةِ الآيَةِ إلى إزالَةِ هَذا الإشْكالِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ثَمُودَ اتَّفَقُوا كُلُّهم عَلى عَقْرِ النّاقَةِ، فَنادَوْا واحِدًا مِنهم لِيُنَفِّذَ ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، أصالَةً عَنْ نَفْسِهِ ونِيابَةً عَنْ غَيْرِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ المُتَمالِئِينَ عَلى العَقْرِ كُلُّهم عاقِرُونَ، وصَحَّتْ نِسْبَةُ العَقْرِ إلى المُنَفِّذِ المُباشِرِ لِلْعَقْرِ، وصَحَّتْ نِسْبَتُهُ أيْضًا إلى الجَمِيعِ، لِأنَّهم مُتَمالِئُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ تَعاطِي العَقْرِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ عَلى نِدائِهِمْ صاحِبِهِمْ لِيَنُوبَ عَنْهم في مُباشَرَةِ العَقْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ أيْ نادَوْهُ لِيَعْقِرَها. وَجَمَعَ بَعْضُ العُلَماءِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ إطْلاقَ المَجْمُوعِ مُرادًا بِهِ بَعْضُهُ - أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَشْهُورٌ، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ. وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ الحُجُراتِ أنَّ مِنهُ قِراءَةَ حَمْزَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] (p-٤٨٢)بِصِيغَةِ المُجَرَّدِ في الفِعْلَيْنِ، لِأنَّ مَن قُتِلَ وماتَ لا يُمْكِنُ أنْ يُؤْمَرَ بِقَتْلِ قاتِلِهِ، بَلِ المُرادُ في إنْ قَتَلُوا بَعْضَكم فَلْيَقْتُلْهم بَعْضُكُمُ الآخَرُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ ابْنِ مُطِيعٍ: فَإنْ تَقْتُلُونا عِنْدَ حَرَّةِ واقِمٍ فَإنّا عَلى الإسْلامِ أوَّلُ مَن قَتَلَ أيْ فَإنْ تَقْتُلُوا بَعْضَنا، وإنَّ مِنهُ أيْضًا: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤]، لِأنَّ هَذا في بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩] . وَقَدْ قَدَّمْنا في الحُجُراتِ وغَيْرِها أنَّ مِن أصْرَحِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وقَدْ ضَرَبُوا ∗∗∗ بِهِ نَبا بِيَدَيْ ورْقاءَ عَنْ رَأْسِ خالِدٍ وَقَوْلُهُ تَعالى: فَعَقَرَ: أيْ قَتَلَها، والعَرَبُ تُطْلِقُ العَقْرَ عَلى القَتْلِ والنَّحْرِ والجَرْحِ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِنا مَعًا ∗∗∗ عَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ وَمِن إطْلاقِ العَقْرِ عَلى نَحْرِ الإبِلِ لِقِرى الضَّيْفِ - قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎تَعُدُّونَ عَقْرَ الذِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضُوطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَمَرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ . يَدُلُّ عَلى أنَّ عاقِرَ النّاقَةِ واحِدٌ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ غَيْرَ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٧٧]، وقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤] . والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم تَمالَئُوا كُلُّهم عَلى عَقْرِها فانْبَعَثَ أشْقاهم لِمُباشَرَةِ الفِعْلِ، فَأسْنَدَ العَقْرَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ بِرِضاهم ومُمالَأتِهِمْ. الوَجْهُ الثّانِي: هو ما قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الأنْفالِ“ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى المَجْمُوعِ مُرادًا بِهِ بَعْضُهُ، وذَكَرْنا في ”الأنْفالِ“ نَظائِرَهُ في القُرْءانِ العَظِيمِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

القمر 54:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ فُصِّلَتْ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧] .

القمر 54:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾: قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]، وقَوْلِهِ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ إيضاحًا شافِيًا بِكَثْرَةٍ. (p-٤٨٣)وَقَدْ تَضَمَّنَتْ إيضاحَ قِصَّةِ لُوطٍ وقَوْمِهِ في سُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى القِصَّةِ المَذْكُورَةِ في السُّورَتَيْنِ.

القمر 54:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ . تَضَمَّنَتْ هاتانِ الآيَتانِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ جاءَتْهُمُ النُّذُرُ. الثّانِي: أنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ أخَذَهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ. وَهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ هُنا جاءَتْ مُوَضَّحَةً في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ. أمّا الأوَّلُ مِنها وهو أنَّ آلَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ جاءَهُمُ النُّذُرُ، فَقَدْ أوْضَحَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ. اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾، قِيلَ: هو جَمْعُ نَذِيرٍ وهو الرَّسُولُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ، فَعَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ فَقَدْ بَيَّنَتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ بِكَثْرَةٍ أنَّ الَّذِي جاءَهم بِذَلِكَ الإنْذارِ هو مُوسى وهارُونُ. وعَلى أنَّهُ جَمْعُ نَذِيرٍ أيْ مُنْذِرٍ، فالمُرادُ بِهِ مُوسى وهارُونُ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ إرْسالُ مُوسى وهارُونَ لِفِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ تَعالى في طه ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] . ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى إنْذارَهُما لَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى أرْسَلَ لِفِرْعَوْنَ نَبِيَّيْنِ هُما مُوسى وهارُونُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، وهُنا جَمَعَ النُّذُرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾، ولِلْعُلَماءِ عَنْ هَذا أجْوِبَةٌ، أحَدُها أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ كَما هو المُقَرَّرُ في أُصُولِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وعَقَدَهُ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎أقَلُّ مَعْنى الجَمْعِ في المُشْتَهِرْ لاثْنانِ في رَأْيِ الإمامِ الحِمْيَرِيْ (p-٤٨٤)قالُوا: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، ولَهُما قَلْبانِ فَقَطْ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، والمُرادُ بِالإخْوَةِ اثْنانِ فَصاعِدًا كَما عَلَيْهِ الصَّحابَةُ فَمَن بَعْدَهم خِلافًا لِابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأطْرافَ النَّهارِ﴾ [طه: ١٣٠]، ولَهُ طَرَفانِ. ومِنها ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ المُرادَ بِالنُّذُرِ مُوسى وهارُونُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ، لِأنَّهُما عَرَضا عَلَيْهِمْ ما أنْذَرَ بِهِ المُرْسَلُونَ. ومِنها أنَّ النُّذُرَ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: التَّحْقِيقُ في الجَوابِ - أنَّ مَن كَذَّبَ رَسُولًا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ المُرْسَلِينَ، ومَن كَذَّبَ نَذِيرًا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ النُّذُرِ، لِأنَّ أصْلَ دَعْوَةِ جَمِيعِ الرُّسُلِ واحِدَةٌ، وهي مَضْمُونُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَما أوْضَحَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الزخرف: ٤٥] . وَأوْضَحَ تَعالى أنَّ مَن كَذَّبَ بَعْضَهم فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠]،، وأشارَ إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٢] . وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنَّ تَكْذِيبَ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تَكْذِيبَهم لِلْمُرْسَلِينَ إنَّما وقَعَ بِتَكْذِيبِهِمْ نُوحًا وحْدَهُ، حَيْثُ أفْرَدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٦ - ١٠٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ بِتَكْذِيبِ هُودٍ وحْدَهُ، حَيْثُ أفْرَدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٤]، ونَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في (p-٤٨٥)قِصَّةِ صالِحٍ وقَوْمِهِ، ولُوطٍ وقَوْمِهِ، وشُعَيْبٍ وأصْحابِ الأيْكَةِ، كَما هو مَعْلُومٌ، وهو واضِحٌ لا خَفاءَ فِيهِ، ويَزِيدُهُ إيضاحًا قَوْلُهُ - ﷺ: «إنّا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أوْلادُ عَلّاتٍ دِينُنا واحِدٌ» يَعْنِي أنَّهم كُلَّهم مُتَّفِقُونَ في الأُصُولِ وإنِ اخْتَلَفَتْ شَرائِعُهم في بَعْضِ الفُرُوعِ. وَأمّا الأمْرُ الثّانِي: وهو كَوْنُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ، فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ [النازعات: ٢٠ - ٢١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٢ - ١٤] . وَأمّا الأمْرُ الثّالِثُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾، فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهو مُلِيمٌ﴾ [الذاريات: ٣٨ - ٤٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ: ﴿أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] . وَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى﴾ الآيَةَ» [هود: ١٠٢]،“، والعَزِيزُ الغالِبُ، والمُقْتَدِرُ: شَدِيدُ القُدْرَةِ عَظِيمُها.

القمر 54:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨]، وفي صَدْرِ سُورَةِ الرُّومِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

القمر 54:48

(p-٤٨٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] .

القمر 54:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ في بَعْضِ المُناقَشاتِ الَّتِي ذَكَرْناها في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] .

القمر 54:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ . الصَّحِيحُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَعَلَهُ النّاسُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ الَّتِي هي صُحُفُ الأعْمالِ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ أيْ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ لا يُتْرَكُ مِنهُ شَيْءٌ. وَهَذا المَعْنى جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: - ٣٠] . والزُّبُرُ: جَمْعُ زَبُورٍ، وهو الكِتابُ. والمُسْتَطَرُ مَعْناهُ المَسْطُورُ، أيِ المَكْتُوبُ، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

القمر 54:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ . أيْ في جَنّاتٍ وأنْهارٍ كَما أوْضَحَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] . وَقَدْ ذَكَرْنا كَثِيرًا مِن أمْثِلَةِ إطْلاقِ المُفْرَدِ، وإرادَةِ الجَمْعِ كَما هُنا في القُرْآنِ العَظِيمِ، مَعَ تَنْكِيرِ المُفْرَدِ وتَعْرِيفِهِ، وإضافَتِهِ، وأكْثَرْنا أيْضًا مِنَ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ (p-٤٨٧)الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ . تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآيَةَ [محمد: ١٥] .

الرحمن 55:1

(p-٤٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الرَّحْمَنِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمّا تَجاهَلَ الكُفّارُ الرَّحْمَنَ - جَلَّ وعَلا - كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]، كَما تَقَدَّمَ في الفُرْقانِ. وَقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى الرَّحْمَنِ وأدِلَّتَهُ مِنَ الآياتِ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ.

الرحمن 55:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . أيْ عَلَّمَ نَبِيَّهُ ﷺ القُرْآنَ فَتَلَقَّتْهُ أُمَّتُهُ عَنْهُ، وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَتَضَمَّنُ رَدَّ اللَّهِ عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ تَعَلَّمَ هَذا القُرْآنَ مِن بَشَرٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠ ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]، أيْ يَرْوِيهِ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ. وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٤ - ٥] . فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ مِن أنَّهُ تَعَلَّمَ القُرْآنَ مِن بَشَرٍ، بَلِ الرَّحْمَنُ - جَلَّ وعَلا - هو الَّذِي عَلَّمَهُ إيّاهُ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [فصلت: ١ - ٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٨٩)﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، ومِن أعْظَمِ ذَلِكَ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وَتَعْلِيمُهُ - جَلَّ وعَلا - هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ، قَدْ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ مَن أعْظَمِ نِعَمِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] . وَقَدْ عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى النّاسَ أنْ يَحْمَدُوهُ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ العُظْمى الَّتِي هي إنْزالُ القُرْآنِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١]، وبَيَّنَ أنَّ إنْزالَهُ رَحْمَةٌ مِنهُ لِخَلْقِهِ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [الدخان: ٥ - ٦]، وقَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ في الكَهْفِ والزُّخْرُفِ. ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ حَذَفَ فِيهِ أحَدَ المَفْعُولَيْنِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ المَحْذُوفَ هو الأوَّلُ لا الثّانِي، كَما ظَنَّهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ، وقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ، والصَّوابُ هو ما ذَكَرَهُ، مِن أنَّ المَحْذُوفَ الأوَّلُ، وتَقْدِيرُهُ: عَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ وقِيلَ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: الإنْسانَ.

الرحمن 55:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ . اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ وتَعْلِيمَهُ البَيانَ مِن أعْظَمِ آياتِ اللَّهِ الباهِرَةِ، كَما أشارَ تَعالى لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ في أوَّلِ النَّحْلِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] (p-٤٩٠)وَقَوْلِهِ: في آخِرِ ”يس“ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] . فالإنْسانُ بِالأمْسِ نُطْفَةٌ واليَوْمَ هو في غايَةِ البَيانِ وشِدَّةِ الخِصامِ يُجادِلُ في رَبِّهِ ويُنْكِرُ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، فالمُنافاةُ العَظِيمَةُ الَّتِي بَيْنَ النُّطْفَةِ وبَيْنَ الإبانَةِ في الخِصامِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ وجَعَلَهُ خَصِيمًا مُبِينًا؛ آيَةً مِن آياتِهِ - جَلَّ وعَلا - دالَّةً عَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ، وأنَّ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ حَقٌّ. وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا أطْوارَ خَلْقِهِ لِلْإنْسانِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَها في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى في الفَلاحِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، والآياتُ المُبَيِّنَةُ أطْوارَ خَلْقِ الإنْسانِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقَدْ بَيَّنّا ما يَتَعَلَّقُ بِالإنْسانِ مِنَ الأحْكامِ في جَمِيعِ أطْوارِهِ قَبْلَ وِلادَتِهِ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥]، وبَيَّنّا هُناكَ مَعْنى النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ في اللُّغَةِ. وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ التَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ المُرادَ بِالبَيانِ الإفْصاحُ عَمّا في الضَّمِيرِ. وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّهُ عَلَّمَ الإنْسانَ البَيانَ قَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ في سُورَةِ النَّحْلِ [النحل: ٤]، و ”يس“ [يس: ٧٧]، وقَوْلُهُ: مُبِينٌ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلِ ”أبانَ“ المُتَعَدِّيَةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِلتَّعْمِيمِ، أيْ مُبِينٌ كُلَّ ما يُرِيدُ بَيانَهُ وإظْهارَهُ بِلِسانِهِ مِمّا في ضَمِيرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ رَبُّهُ عَلَّمَهُ البَيانَ، وعَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مَن ”أبانَ“ اللّازِمَةِ، وأنَّ المَعْنى فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ، أيْ: بَيِّنُ الخُصُومَةِ ظاهِرُها، فَكَذَلِكَ أيْضًا، لِأنَّهُ ما كانَ بَيَّنَ الخُصُومَةِ إلّا لِأنَّ اللَّهُ عَلَّمَهُ البَيانَ. وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - عَلى الإنْسانِ بِأنَّهُ جَعَلَ لَهُ آلَةَ البَيانِ الَّتِي هي اللِّسانُ والشَّفَتانِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] .

الرحمن 55:5

(p-٤٩١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ . الحُسْبانُ: مَصْدَرٌ زِيدَتْ فِيهِ الألِفُ والنُّونُ، كَما زِيدَتْ في الطُّغْيانِ والرُّجْحانِ والكُفْرانِ، فَمَعْنى بِحُسْبانٍ أيْ بِحِسابٍ وتَقْدِيرٍ مِنَ العَزِيزِ العَلِيمِ، وذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ ونِعَمِهِ أيْضًا عَلى بَنِي آدَمَ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ بِهِ الشُّهُورَ والسِّنِينَ والأيّامَ، ويَعْرِفُونَ شَهْرَ الصَّوْمِ وأشْهُرَ الحَجِّ ويَوْمَ الجُمُعَةِ وعِدَدَ النِّساءِ اللّاتِي تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ، كاليائِسَةِ والصَّغِيرَةِ والمُتَوَفّى عَنْها. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [الإسراء: ١٢] .

الرحمن 55:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ . اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالنَّجْمِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: النَّجْمُ هو ما لا ساقَ لَهُ مِنَ النَّباتِ كالبُقُولِ، والشَّجَرُ هو ما لَهُ ساقٌ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المُرادُ بِالنَّجْمِ نُجُومُ السَّماءِ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي صَوابُهُ أنَّ المُرادَ بِالنَّجْمِ هو نُجُومُ السَّماءِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - في سُورَةِ الحَجِّ صَرَّحَ بِسُجُودِ نُجُومِ السَّماءِ والشَّجَرِ، ولَمْ يَذْكُرْ في آيَةٍ مِن كِتابِهِ سُجُودَ ما لَيْسَ لَهُ ساقٌ مِنَ النَّباتِ بِخُصُوصِهِ. ونَعْنِي بِآيَةِ الحَجِّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٨] . فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ السّاجِدَ مِنَ الشَّجَرِ في آيَةِ الرَّحْمَنِ هو النُّجُومُ السَّماوِيَّةُ المَذْكُورَةُ مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ في سُورَةِ الحَجِّ. وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ، وعَلى هَذا الَّذِي اخْتَرْناهُ فالمُرادُ بِالنَّجْمِ النُّجُومُ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ النَّجْمِ، (p-٤٩٢)وَأوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ، وذَكَرْنا أنَّ مِنَ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ لِإطْلاقِ النَّجْمِ وإرادَةِ النَّجْمِ - قَوْلَ الرّاعِي: ؎فَباتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ سَرِيعٍ بِأيْدِي الآكِلِينَ جُمُودُها وَقَوْلَ عَمْرِو بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ: ؎أبْرَزُوها مِثْلَ المَهاةِ تَهادى ∗∗∗ بَيْنَ خَمْسٍ كَواعِبَ أتْرابِ ؎ثُمَّ قالُوا تُحِبُّها قُلْتُ بَهْرًا ∗∗∗ عَدَدَ النَّجْمِ والحَصا والتُّرابِ وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يَسْجُدانِ قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ الرَّعْدِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] .

الرحمن 55:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”ق“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ الآيَةَ [ق: ٦] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَضَعَ المِيزانَ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الشُّورى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ الآيَةَ [الشورى: ١٧] .

الرحمن 55:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وذَكَرْنا بَعْضَهُ في سُورَةِ الشُّورى.

الرحمن 55:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ وضَعَ الأرْضَ لِلْأنامِ وهو الخَلْقُ، لِأنَّ وضْعَ الأرْضِ لَهم عَلى هَذا الشَّكْلِ العَظِيمِ، القابِلِ لِجَمِيعِ أنْواعِ الِانْتِفاعِ مِن إجْراءِ الأنْهارِ وحَفْرِ الآبارِ وزَرْعِ الحُبُوبِ والثِّمارِ، ودَفْنِ الأمْواتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ المَنافِعِ مِن أعْظَمِ الآياتِ (p-٤٩٣)وَأكْبَرِ الآلاءِ الَّتِي هي النِّعَمُ، ولِذا قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٣] . وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنِ امْتِنانِهِ - جَلَّ وعَلا - عَلى خَلْقِهِ بِوَضْعِ الأرْضِ لَهم بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ، وجَعْلِها آيَةً لَهم، دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ رَبِّهِمْ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٣] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ الآيَةَ [الملك: ١٥] . • وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٠ - ٣٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ الآيَةَ [ق: ٧] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ أيْ فَواكِهُ كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، وأوْضَحْنا ذَلِكَ بِالآياتِ وكَلامِ العَرَبِ. وَقَوْلُهُ: ﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ ذاتُ أيْ صاحِبَةٌ، والأكْمامُ جَمْعُ كِمٍّ بِكَسْرِ الكافِ، وهو ما يَظْهَرُ مِنَ النَّخْلَةِ في ابْتِداءِ إثْمارِها، شِبْهَ اللِّسانِ ثُمَّ يَنْفُخُ عَنِ النَّوْرِ، وقِيلَ: هو لِيفُها، واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ شُمُولَهُ لِلْأمْرَيْنِ. وَقَوْلُهُ: والحَبُّ كالقَمْحِ ونَحْوِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ قالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: العَصْفُ ورَقُ الزَّرْعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥]، وقِيلَ: العَصْفُ التِّبْنُ. وَقَوْلُهُ: والرَّيْحانُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْناهُ، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هو كُلُّ (p-٤٩٤)ما طابَ رِيحُهُ مِنَ النَّبْتِ وصارَ يُشَمُّ لِلتَّمَتُّعِ بِرِيحِهِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الرَّيْحانُ الرِّزْقُ، ومِنهُ قَوْلُ النَّجْمِ بْنِ تَوْلَبٍ العُكْلِيِّ: ؎فَرَوْحُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دُرَرْ ؎غَمامٌ يُنَزِّلُ رِزْقَ العِبادِ ∗∗∗ فَأحْيا البِلادَ وطابَ الشَّجَرْ وَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ الرَّيْحانِ بِمَعْنى الرِّزْقِ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وأمّا عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِما فَهو مُحْتَمِلٌ لِلْأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَرَأها نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ بِضَمِّ الباءِ والذّالِ والنُّونِ مِنَ الكَلِماتِ الثَّلاثِ، وهو عَطْفٌ عَلى فاكِهَةٌ أيْ: فِيها فاكِهَةٌ، وفِيها الحَبُّ إلَخْ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: ”والحَبَّ ذا العَصْفِ والرَّيْحانَ“، بِفَتْحِ الباءِ والذّالِ والنُّونِ مِنَ الكَلِماتِ الثَّلاثِ، وفي رَسْمِ المُصْحَفِ الشّامِيِّ ”ذا العَصْفِ“ بِألْفٍ بَعْدِ الذّالِ، مَكانَ الواوِ، والمَعْنى عَلى قِراءَتِهِ: وخَلَقَ الحَبَّ ذا العَصْفِ والرَّيْحانِ، وعَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ - فالرَّيْحانُ مُحْتَمِلٌ لِكِلا المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وَقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِضَمِّ الباءِ في ”الحَبُّ“ وضَمِّ الذّالِ في ”ذُو العَصْفِ“ وكَسْرِ نُونِ الرَّيْحانِ عَطْفًا عَلى العَصْفِ، وعَلى هَذا فالرَّيْحانُ لا يَحْتَمِلُ المَشْمُومَ؛ لِأنَّ الحَبَّ الَّذِي هو القَمْحُ ونَحْوُهُ - صاحِبُ عَصْفٍ وهو الوَرَقُ أوِ التِّبْنُ، ولَيْسَ صاحِبَ مَشْمُومٍ طِيبُ رِيحٍ. فَيَتَعَيَّنُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ المُرادَ بِالعَصْفِ ما تَأْكُلُهُ الأنْعامُ مِن ورَقٍ وتِبْنٍ. والمُرادُ بِالرَّيْحانِ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ مِن نَفْسِ الحَبِّ، فالآيَةُ عَلى هَذا المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٧] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ [طه: ٥٣ - ٥٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠ - ١١] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ ما ذَكَرَهُ تَعالى فِيهِ مِنَ الِامْتِنانِ بِالفاكِهَةِ الَّتِي هي أنْواعٌ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ (p-٤٩٥)الفَلاحِ ﴿لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَما ذَكَرَهُ هُنا مِنَ الِامْتِنانِ بِالحَبِّ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا﴾ [عبس: ٢٧ - ٢٨]، وقَوْلهِ تَعالى: ﴿وَأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَما ذَكَرَهُ تَعالى هُنا مِنَ الِامْتِنانِ بِالنَّخْلِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ [ق: ١٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١٩]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَما ذَكَرَهُ هُنا مِنَ الِامْتِنانِ بِالرَّيْحانِ عَلى أنَّهُ الرِّزْقُ كَما في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ أيْضًا • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [يونس: ٣١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ الآيَةَ [غافر: ٦٤]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. * * مَسْألَةٌ: أخَذَ بَعْضُ عُلَماءِ الأُصُولِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وأمْثالِها مِنَ الآياتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] - أنَّ الأصْلَ فِيما عَلى الأرْضِ الإباحَةُ، حَتّى يَرِدُ دَلِيلٌ خاصٌّ بِالمَنعِ، لِأنَّ اللَّهَ امْتَنَّ عَلى الأنامِ بِأنَّهُ وضَعَ لَهُمُ الأرْضَ، وجَعَلَ لَهم فِيها أرْزاقَهم مِنَ القُوتِ والتَّفَكُّهِ في آيَةِ الرَّحْمَنِ هَذِهِ، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ . وَمَعْلُومٌ أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - لا يَمْتَنُّ بِحَرامٍ إذْ لا مِنَّةَ في شَيْءٍ مُحَرِّمٍ، واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ أيْضًا بِحَصْرِ المُحَرَّماتِ في أشْياءَ مُعَيَّنَةٍ في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٩٦)﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٥١] . وَفِي هَذِهِ المَسْألَةِ قَوْلانِ آخَرانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأصْلَ فِيما عَلى الأرْضِ التَّحْرِيمُ حَتّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى الإباحَةِ، واحْتَجُّوا لِهَذا بِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا -، والأصْلُ في مِلْكِ الغَيْرِ مَنعُ التَّصَرُّفِ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ، وفي هَذا مُناقَشاتٌ مَعْرُوفَةٌ في الأُصُولِ، لَيْسَ هَذا مَحِلَّ بَسْطِها. القَوْلُ الثّانِي: هو الوَقْفُ وعَدَمُ الحُكْمِ فِيها بِمَنعٍ ولا إباحَةٍ حَتّى يَقُومَ الدَّلِيلُ، فَتَحَصَّلَ أنَّ في المَسْألَةِ ثَلاثَةَ مَذاهِبَ: المَنعَ، والإباحَةَ، والوَقْفَ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي صَوابُهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو التَّفْصِيلُ، لِأنَّ الأعْيانَ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ في الأرْضِ لِلنّاسِ - بِها ثَلاثُ حالاتٍ: الأُولى: أنْ يَكُونَ فِيها نَفْعٌ لا يَشُوبُهُ ضَرَرٌ كَأنْواعِ الفَواكِهِ وغَيْرِها. الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ فِيها ضَرَرٌ لا يَشُوبُهُ نَفْعٌ كَأكْلِ الأعْشابِ السّامَّةِ القاتِلَةِ. الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونَ فِيها نَفْعٌ مِن جِهَةٍ وضَرَرٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، فَإنْ كانَ فِيها نَفْعٌ لا يَشُوبُهُ ضَرَرٌ، فالتَّحْقِيقُ حَمْلُها عَلى الإباحَةِ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ . وقَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ الآيَةَ. وَإنْ كانَ فِيها ضَرَرٌ لا يَشُوبُهُ نَفْعٌ فَهي عَلى التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ - ﷺ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» . وَإنْ كانَ فِيها نَفْعٌ مِن جِهَةٍ وضَرَرٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى فَلَها ثَلاثُ حالاتٍ: الأُولى: أنْ يَكُونَ النَّفْعُ أرْجَحَ مِنَ الضَّرَرِ. والثّانِيَةُ: عَكْسُ هَذا. والثّالِثَةُ: أنْ يَتَساوى الأمْرانِ. فَإنْ كانَ الضَّرَرُ أرْجَحَ مِنَ النَّفْعِ أوْ مُساوِيًا لَهُ فالمَنعُ لِحَدِيثِ: ”لا ضَرَرَ ولا (p-٤٩٧)ضِرارَ“ ولِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ، وإنْ كانَ النَّفْعُ أرْجَحَ، فالأظْهَرُ الجَوازُ، لِأنَّ المُقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ المَصْلَحَةَ الرّاجِحَةَ تُقَدَّمُ عَلى المَفْسَدَةِ المَرْجُوحَةِ، كَما أشارَ لَهُ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَألْغِ إنْ يَكُ الفَسادُ أبْعَدا ∗∗∗ أوْ رَجِّحِ الإصْلاحَ كالأُسارى ∗∗∗ تُفْدى بِما يَنْفَعُ لِلنَّصارى ؎وانْظُرْ تَدَلِّيَ دَوَلِيِّ العِنَبِ ∗∗∗ في كُلِّ مَشْرِقٍ وكُلِّ مَغْرِبِ وَمُرادُهُ: تَقْدِيمُ المَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ عَلى المَفْسَدَةِ المَرْجُوحَةِ، أوِ البَعِيدَةِ مُمَثِّلًا لَهُ بِمِثالَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ تَخْلِيصَ أُسارى المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي العَدُوِّ بِالفِداءِ مَصْلَحَةٌ راجِحَةٌ قُدِّمَتْ عَلى المَفْسَدَةِ المَرْجُوحَةِ، الَّتِي هي انْتِفاعُ العَدُوِّ بِالمالِ المَدْفُوعِ لَهم فِداءً لِلْأُسارى. الثّانِي: أنَّ انْتِفاعَ النّاسِ بِالعِنَبِ والزَّبِيبِ مَصْلَحَةٌ راجِحَةٌ عَلى مَفْسَدَةِ عَصْرِ الخَمْرِ مِنَ العِنَبِ، فَلَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِإزالَةِ العِنَبِ مِنَ الدُّنْيا لِدَفْعِ ضَرَرِ عَصْرِ الخَمْرِ مِنهُ، لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِالعِنَبِ والزَّبِيبِ مَصْلَحَةٌ راجِحَةٌ عَلى تِلْكَ المَفْسَدَةِ. وهَذا التَّفْصِيلُ الَّذِي اخْتَرْنا قَدْ أشارَ لَهُ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎والحُكْمُ ما بِهِ يَجِيءُ الشَّرْعُ ∗∗∗ وأصْلُ كُلِّ ما يَضُرُّ المَنعُ * * تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ يَقُولُونَ: إنَّ الإنْسانَ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ إلّا بِدَلِيلٍ مِنَ الشَّرْعِ، ويَقُولُونَ: إنَّ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ عَقْلِيٌّ، وهو البَراءَةُ الأصْلِيَّةُ المَعْرُوفَةُ بِالإباحَةِ العَقْلِيَّةِ، وهي اسْتِصْحابُ العَدَمِ الأصْلِيِّ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ ناقِلٌ عَنْهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ عَلى أنَّ اسْتِصْحابَ العَدَمِ الأصْلِيِّ قَبْلَ وُرُودِ الدَّلِيلِ النّاقِلِ عَنْهُ حُجَّةٌ في الإباحَةِ، ومِن ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ لَمّا أنْزَلَ تَشْدِيدَهُ في تَحْرِيمِ الرِّبا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٧٩]، وكانَتْ وقْتَ نُزُولِها عِنْدَهم أمْوالٌ مُكْتَسَبَةٌ مِنَ الرِّبا، اكْتَسَبُوها قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ - بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهم أنَّ ما فَعَلُوهُ مِنَ الرِّبا عَلى البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ لا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، إذْ (p-٤٩٨)لا تَحْرِيمَ إلّا بِبَيانٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقَوْلُهُ: ما سَلَفَ أيْ: ما مَضى قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ. ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] . والأظْهَرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ فِيهِما في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ ما سَلَفَ مِن ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ فَهو عَفْوٌ، لِأنَّهُ عَلى البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ. وَمِن أصْرَحِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا اسْتَغْفَرَ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى الشِّرْكِ، واسْتَغْفَرَ المُسْلِمُونَ لِمَوْتاهُمُ المُشْرِكِينَ عاتَبَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ الآيَةَ [التوبة: ١١٣] - نَدِمُوا عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهم، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهم أنَّ اسْتِغْفارَهم لَهم لا مُؤاخَذَةَ بِهِ، لِأنَّهُ وقَعَ قَبْلَ بَيانِ مَنعِهِ، وهَذا صَرِيحٌ فِيما ذَكَرْنا. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأخْذَ بِالبَراءَةِ الأصْلِيَّةِ يُعْذَرُ بِهِ في الأُصُولِ أيْضًا في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وبَيَّنّا هُناكَ كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في ذَلِكَ، وأوْضَحْنا ما جاءَ في ذَلِكَ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الرحمن 55:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ . الصَّلْصالُ: الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي تُسْمَعُ لَهُ صَلْصَلَةٌ، أيْ صَوْتٌ إذا قُرِعَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: الصَّلْصالُ المُنْتِنُ، والفَخّارُ الطِّينُ المَطْبُوخُ، وهَذِهِ الآيَةُ بَيَّنَ اللَّهُ فِيها طَوْرًا مِن أطْوارِ التُّرابِ الَّذِي خَلَقَ مِنهُ آدَمَ، فَبَيَّنَ في آياتٍ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [غافر: ٦٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] . (p-٤٩٩) وَقَدْ بَيَّنّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ أنَّ المُرادَ بِخَلْقِهِمْ مِنها هو خَلْقُ أبِيهِمْ آدَمَ مِنها، لِأنَّهُ أصْلُهم وهم فُرُوعُهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عَجَنَ هَذا التُّرابَ بِالماءِ فَصارَ طِينًا، ولِذا قالَ: ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وقالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، وقالَ تَعالى: ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]، وقالَ: ﴿أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]، وقالَ تَعالى: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١]، ثُمَّ خَمَّرَ هَذا الطِّينَ فَصارَ حَمَأً مَسْنُونًا، أيْ طِينًا أسْوَدَ مُتَغَيِّرَ الرِّيحِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٢٦] . قالَ تَعالى: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨]، وقالَ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]، والمَسْنُونُ قِيلَ المُتَغَيِّرُ، وقِيلَ المُصَوَّرُ، وقِيلَ الأمْلَسُ، ثُمَّ يَبِسَ هَذا الطِّينُ فَصارَ صَلْصالًا. كَما قالَ هُنا: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾، وقالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ . فالآياتُ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَتَبَيَّنُ فِيها أطْوارُ ذَلِكَ التُّرابِ؛ كَما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: الجانَّ أيْ وخَلَقَ الجانَّ وهو أبُو الجِنِّ، وقِيلَ: هو إبْلِيسُ. وقِيلَ: هو الواحِدُ مِنَ الجِنِّ. وَعَلَيْهِ فالألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ، والمارِجُ: اللَّهَبُ الَّذِي لا دُخانَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: مِن نارٍ بَيانٌ لِمارِجٍ، أيْ مِن لَهَبٍ صافٍ كائِنٍ مِنَ النّارِ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجانَّ مِنَ النّارِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الحِجْرِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ . وَقَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ عَلى هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] .

الرحمن 55:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ . (p-٥٠٠)قَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في أوَّلِ الصّافّاتِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ [الصافات: ٥] .

الرحمن 55:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] .

الرحمن 55:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: ”يُخْرَجُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلَيْهِ فاللُّؤْلُؤُ نائِبُ فاعِلِ ”يُخْرَجُ“ وقَرَأهُ باقِي السَّبْعَةِ: يَخْرُجُ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وعَلَيْهِ فاللُّؤْلُؤُ فاعِلُ ”يَخْرُجُ“ . اعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ العِلْمِ قالُوا: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَخْرُجُ مِنهُما﴾ أيْ مِن مَجْمُوعِها الصّادِقِ بِالبَحْرِ المِلْحِ، وإنَّ الآيَةَ مِن إطْلاقِ المَجْمُوعِ وإرادَةِ بَعْضِهِ، وإنَّ اللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ لا يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ وحْدَهُ دُونَ العَذْبِ. وَهَذا القَوْلُ الَّذِي قالُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وجَلالَتِهِمْ لا شَكَّ في بُطْلانِهِ، لِأنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِنَقِيضِهِ في سُورَةَ فاطِرٍ، ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ ما ناقَضَ القُرْآنَ فَهو باطِلٌ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢]، فالتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ: مِن كُلِّ تَنْوِينُ عِوَضٍ أيْ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ العَذْبِ والمِلْحِ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها، وهي اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، وهَذا مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ. وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٠]، واللُّؤْلُؤُ الدُّرُّ، والمَرْجانُ الخَرَزُ الأحْمَرُ. وقالَ بَعْضُهم: المَرْجانُ صِغارُ الدُّرِّ واللُّؤْلُؤُ كِبارُهُ.

الرحمن 55:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ . (p-٥٠١)قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الشُّورى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] .

الرحمن 55:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن فَناءِ كُلِّ مَن عَلى الأرْضِ وبَقاءِ وجْهِهِ - جَلَّ وعَلا - المُتَّصِفِ بِالجَلالِ والإكْرامِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والوَجْهُ صِفَةٌ مِن صِفاتِ اللَّهِ العَلِيِّ وصَفَ بِها نَفْسَهُ، فَعَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَ رَبَّنا ونُؤْمِنَ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مَعَ التَّنْزِيهِ التّامِّ عَنْ مُشابَهَةِ صِفاتِ الخَلْقِ. وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا غايَةَ الإيضاحِ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وفي سُورَةِ القِتالِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الرحمن 55:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]، وتَكَلَّمْنا أيْضًا هُناكَ عَلى غَيْرِها مِنَ الآياتِ الَّتِي يُفَسِّرُها الجاهِلُونَ بِكِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ مَعانِيها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

الرحمن 55:35

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الرَّحْمَنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ . لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ مِن أنَّ إرْسالَ شُواظِ النّارِ الَّذِي هو لَهَبُها، والنُّحاسِ الَّذِي هو دُخانُها، أوِ النُّحاسِ المُذابِ، وعَدَمُ الِانْتِصارِ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنهُ إنْعامٌ عَلى الثَّقَلَيْنِ. وقَوْلُهُ لَهم: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦]، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ إرْسالَ الشُّواظِ والنُّحاسِ وعَدَمَ الِانْتِصارِ مِن آلاءِ اللَّهِ، أيْ نِعَمِهِ عَلى الجِنِّ والإنْسِ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ تَكْرِيرَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، لِلتَّوْكِيدِ، ولَمْ يُكَرِّرْهُ مُتَوالِيًا لِأنَّ تَكْرِيرَهُ بَعْدَ كُلِّ آيَةٍ أحْسَنُ مِن تَكْرِيرِهِ مُتَوالِيًا، وإذا كانَ لِلتَّوْكِيدِ فَلا إشْكالَ لِأنَّ المَذْكُورَ مِنهُ بَعْدَ ما لَيْسَ مِنَ الآلاءِ مُؤَكِّدٌ لِلْمَذْكُورِ بَعْدَ ما هو مِنَ الآلاءِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ لَمْ تُذْكَرْ إلّا بَعْدَ ذِكْرِ نِعْمَةٍ أوْ مَوْعِظَةٍ أوْ إنْذارٍ وتَخْوِيفٍ، وكُلُّها مِن آلاءِ اللَّهِ الَّتِي لا يُكَذِّبُ بِها إلّا كافِرٌ جاحِدٌ، أمّا في ذِكْرِ النِّعْمَةِ فَواضِحٌ. وَأمّا في المَوْعِظَةِ، فَلِأنَّ الوَعْظَ تَلِينُ لَهُ القُلُوبُ فَتَخْشَعُ وتُنِيبُ، فالسَّبَبُ المُوصِلُ إلى ذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، فَظَهَرَ أنَّ الوَعْظَ مِن أكْبَرِ الآلاءِ. وَأمّا في الإنْذارِ والتَّخْوِيفِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَفِيهِ أيْضًا أعْظَمُ نِعْمَةً عَلى العَبْدِ، لِأنَّ إنْذارَهُ في دارِ الدُّنْيا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ أمامَ إنْسانٍ مُسافِرٍ مَهْلَكَةٌ كُبْرى وهو مُشْرِفٌ عَلى الوُقُوعِ فِيها مِن غَيْرٍ أنْ يَعْلَمَ بِها، فَجاءَهُ إنْسانٌ فَأخْبَرَهُ بِها وحَذَّرَهُ مِنَ الوُقُوعِ فِيها، أنَّ هَذا يَكُونُ يَدًا لَهُ عِنْدَهُ وإحْسانًا يُجازِيهِ عَلَيْهِ جَزاءَ أكْبَرِ الإنْعامِ. (p-٤٠٧)وَهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ هو مُقْتَضى الأُصُولِ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ النَّصَّ إذا احْتَمَلَ التَّوْكِيدَ والتَّأْسِيسَ فالأصْلُ حَمْلُهُ عَلى التَّأْسِيسِ لا عَلى التَّوْكِيدِ، لِأنَّ في التَّأْسِيسِ زِيادَةُ مَعْنًى لَيْسَتْ في التَّوْكِيدِ. وَعَلى هَذا القَوْلِ فَتَكْرِيرُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ إنَّما هو بِاعْتِبارِ أنْواعِ النِّعَمِ المَذْكُورِ قَبْلَها مِن إنْعامٍ أوْ مَوْعِظَةٍ أوْ إنْذارٍ. وَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ كُلَّها مِن آلاءِ اللَّهِ، فالمَذْكُورَةُ بَعْدَ نِعَمِهِ كالمَذْكُورَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ﴾ الآيَةَ [الرحمن: ٢٤] . وَبَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ الآيَةَ [الرحمن: ٢٢]، لِأنَّ السُّفُنَ واللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ مِن آلاءِ اللَّهِ كَما هو ضَرُورِيٌّ، والمَذْكُورَةُ بَعْدَ مَوْعِظَةٍ كالمَذْكُورَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ الآيَةَ [الرحمن: ٣٧]، والمَذْكُورَةُ بَعْدَ إنْذارٍ أوْ تَخْوِيفٍ، كالمَذْكُورَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ الآيَةَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الرحمن 55:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ السَّماءَ سَتَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّها إذا انْشَقَّتْ صارَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ، وقَوْلُهُ: ورْدَةً: أيْ حَمْراءَ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقَوْلُهُ: كالدِّهانِ: فِيهِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ لِلْعُلَماءِ: الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ الدِّهانَ هو الجِلْدُ الأحْمَرُ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى أنَّها تَصِيرُ ورْدَةً مُتَّصِفَةً بِلَوْنِ الوَرْدِ مُشابِهَةً لِلْجِلْدِ الأحْمَرِ في لَوْنِهِ. (p-٥٠٢)والثّانِي: أنَّ الدِّهانَ هو ما يُدْهَنُ بِهِ، وعَلَيْهِ، فالدِّهانُ، قِيلَ: هو جَمْعُ دُهْنٍ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ، لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي ما يُدْهَنُ بِهِ دِهانًا، وهو مُفْرَدٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ فَرِيّانِ لَمّا تُسْلَقا بِدِهانِ وَحَقِيقَةُ الفَرْقِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الدِّهانَ هو الجِلْدُ الأحْمَرُ يَكُونُ اللَّهُ وصَفَ السَّماءَ عِنْدَ انْشِقاقِها يَوْمَ القِيامَةِ بِوَصْفٍ واحِدٍ وهو الحُمْرَةُ فَشَبَّهَها بِحُمْرَةِ الوَرْدِ، وحُمْرَةِ الأدِيمِ الأحْمَرِ. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّها يَصِلُ إلَيْها حُرُّ النّارِ فَتَحْمَرُّ مِن شِدَّةِ الحَرارَةِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أصْلُ السَّماءِ حَمْراءُ إلّا أنَّها لِشِدَّةِ بُعْدِها وما دُونَها مِنَ الحَواجِزِ لَمْ تَصِلِ العُيُونُ إلى إدْراكِ لَوْنِها الأحْمَرِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّها يَوْمَ القِيامَةِ تُرى عَلى حَقِيقَةِ لَوْنِها. وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الدِّهانَ هو ما يُدْهَنُ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وصَفَ السَّماءَ عِنْدَ انْشِقاقِها بِوَصْفَيْنِ أحَدِهِما حُمْرَةِ لَوْنِها، والثّانِي أنَّها تَذُوبُ وتَصِيرُ مائِعَةً كالدُّهْنِ. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَلَمْ نَعْلَمْ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تُبَيِّنُ هَذِهِ الآيَةَ، بِأنَّ السَّماءَ سَتَحْمَرُّ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى تَكُونَ كَلَوْنِ الجِلْدِ الأحْمَرِ. وَأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي الَّذِي هو أنَّها تَذُوبُ وتَصِيرُ مائِعَةً، فَقَدْ أوْضَحَهُ اللَّهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في المَعارِجِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٧ - ٨]، والمُهْلُ شَيْءٌ ذائِبٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّهُ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وهو عَكِرُهُ، أوْ قُلْنا إنَّهُ الذّائِبُ مِن حَدِيدٍ أوْ نُحاسٍ أوْ نَحْوِهِما. وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى في الكَهْفِ أنَّ المُهْلَ شَيْءٌ ذائِبٌ يُشْبِهُ الماءَ، شَدِيدُ الحَرارَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] . والقَوْلُ بِأنَّ الوَرْدَةَ تَشْبِيهٌ بِالفَرَسِ الكُمَيْتِ وهو الأحْمَرُ لِأنَّ حُمْرَتَهُ تَتَلَوَّنُ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ، فَتَشْتَدُّ حُمْرَتُها في فَصْلٍ، وتَمِيلُ إلى الصُّفْرَةِ في فَصْلٍ، وإلى الغَبَرَةِ في فَصْلٍ. وَأنَّ المُرادَ بِالتَّشْبِيهِ كَوْنُ السَّماءِ عِنْدَ انْشِقاقِها تَتَلَوَّنُ بِألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ واضِحُ البُعْدِ عَنْ ظاهِرِ الآيَةِ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّها تَذْهَبُ وتَجِيءُ - مَعْناهُ لَهُ شاهِدٌ في كِتابِ اللَّهِ، وذَلِكَ في (p-٥٠٣)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ الآيَةَ [الطور: ٩]، ولَكِنَّهُ لا يَخْلُو عِنْدِي مِن بُعْدٍ. وَما ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنِ انْشِقاقِ السَّماءِ يَوْمَ القِيامَةِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٥ - ١٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ ”ق“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] .

الرحمن 55:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَسْألُ إنْسًا ولا جانًّا عَنْ ذَنْبِهِ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى في القَصَصِ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] . وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ أُخَرَ أنَّهُ يَسْألُ جَمِيعَ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ الرُّسُلَ والمُرْسَلَ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] . وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ مُبَيِّنَةً لِوَجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي قَدْ يَظُنُّ غَيْرُ العالِمِ أنَّ بَيْنَها اخْتِلافًا. اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ السُّؤالَ المَنفِيَّ في قَوْلِهِ هُنا ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] - أخَصُّ مِنَ السُّؤالِ المُثْبَتِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، لِأنَّ هَذِهِ فِيها تَعْمِيمُ السُّؤالِ في كُلِّ عَمَلٍ، والآيَتانِ قَبْلَها لَيْسَ فِيهِما نَفْيُ السُّؤالِ إلّا عَنِ الذُّنُوبِ خاصَّةً، ولِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ أوْجُهٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ. الأوَّلُ مِنهُما: وهو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وهو مَحِلُّ الشّاهِدِ عِنْدَنا مِن بَيانِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ هُنا، هو أنَّ السُّؤالَ نَوْعانِ: أحَدُهُما سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ وهو مِن أنْواعِ العَذابِ، والثّانِي هو سُؤالُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِعْلامِ. فالسُّؤالُ المَنفِيُّ في بَعْضِ الآياتِ هو سُؤالُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِعْلامِ، لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ (p-٥٠٤)بِأفْعالِهِمْ مِنهم أنْفُسِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] . وَعَلَيْهِ فالمَعْنى: لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ سُؤالَ اسْتِخْبارٍ واسْتِعْلامٍ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ. والسُّؤالُ المُثْبَتُ في الآياتِ الأُخْرى هو سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، سَواءٌ كانَ عَنْ ذَنْبٍ أوْ غَيْرِ ذَنْبٍ. ومِثالُ سُؤالِهِمْ عَنِ الذُّنُوبِ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ومِثالُهُ عَنْ غَيْرِ ذَنْبٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٣ - ١٥]، وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] . أمّا سُؤالُ المَوْءُودَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]، فَلا يُعارِضُ الآياتِ النّافِيَةَ السُّؤالَ عَنِ الذَّنْبِ، لِأنَّها سُئِلَتْ عَنْ أيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وهَذا لَيْسَ مِن ذَنْبِها، والمُرادُ بِسُؤالِها تَوْبِيخُ قاتِلِها وتَقْرِيعُهُ، لِأنَّها هي تَقُولُ لا ذَنْبَ لِي فَيَرْجِعُ اللَّوْمُ عَلى مَن قَتَلَها ظُلْمًا. وَكَذَلِكَ سُؤالُ الرُّسُلِ، فَإنَّ المُرادَ بِهِ تَوْبِيخُ مَن كَذَّبَهم وتَقْرِيعُهُ، مَعَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهُ، وباقِي أوْجُهِ الجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، ومَوْضُوعُ هَذا الكِتابِ بَيانُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، وقَدْ بَيَّنّا بَقِيَّتَها في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ. وَقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ . تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] . وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٦] في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ .

الرحمن 55:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ . قَوْلُهُ: بِسِيماهم: أيْ بِعَلامَتِهِمُ المُمَيِّزَةِ لَهم، وقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّها هي سَوادُ وُجُوهِهِمْ وزُرْقَةُ عُيُونِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٠٦]، وقالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٧٠] (p-٥٠٥)وَقالَ تَعالى: ﴿وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤٢]، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ أيْ يَعْلُوها ويَغْشاها سَوادٌ كالدُّخانِ الأسْوَدِ، وقالَ تَعالى في زُرْقَةِ عُيُونِهِمْ: ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، ولا شَيْءَ أقْبَحَ وأشْوَهَ مِن سَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ، ولِذا لَمّا أرادَ الشّاعِرُ أنْ يُقَبِّحَ عِلَلَ البَخِيلِ بِأسْوَأِ الأوْصافِ وأقْبَحِها، فَوَصَفَها بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ حَيْثُ قالَ: ؎وَلِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوْجُهٌ سُودُ وَلا سِيَّما إذا اجْتَمَعَ مَعَ سَوادِ الوَجْهِ اغْبِرارُهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يَزِيدُهُ قُبْحًا عَلى قُبْحٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَهُ والآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] .

الرحمن 55:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ فَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الطُّورِ أيْضًا في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] . وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ فَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٩ - ٢٠] .

الرحمن 55:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ . وَقَدْ بَيَّنّا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها وجْهانِ صَحِيحانِ كِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، فَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ مُبَيِّنِينَ أنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ، وذَكَرْنا لِذَلِكَ أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً في (p-٥٠٦)هَذا الكِتابِ المُبارَكِ، ومِن ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ. وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ فِيها وجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ، كِلاهُما يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ. أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾: أيْ قِيامَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، فالمَقامُ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى القِيامِ، وفاعِلُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ هو العَبْدُ الخائِفُ، وإنَّما أُضِيفَ إلى الرَّبِّ لِوُقُوعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وهَذا الوَجْهُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠]، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَنَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾: قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ خافَ عاقِبَةَ الذَّنْبِ حِينَ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، فَنَهى نَفْسَهُ عَنْ هَواها. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ فاعِلَ المَصْدَرِ المِيمِيِّ الَّذِي هو المَقامُ - هو اللَّهُ تَعالى، أيْ: خافَ هَذا العَبْدُ قِيامَ اللَّهِ عَلَيْهِ ومُراقَبَتَهُ لِأعْمالِهِ وإحْصاءَها عَلَيْهِ، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى قِيامِ اللَّهِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ وإحْصائِهِ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٦١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ الأحْقافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ الجِنِّ: ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٣١] أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾، وتَصْرِيحَهُ بِالِامْتِنانِ بِذَلِكَ عَلى الإنْسِ والجِنِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٧] نَصٌّ قُرْآنِيٌّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ الخائِفِينَ مَقامَ رَبِّهِمْ مِنَ الجِنِّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ.

الرحمن 55:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ . قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النحل: ١٤]، جَمِيعَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى تَنَعُّمِ أهْلِ الجَنَّةِ بِالسُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ، والحِلْيَةِ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ، وبَيَّنّا أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَحْرُمُ عَلى ذُكُورِ هَذِهِ الأُمَّةِ في دارِ الدُّنْيا.

الرحمن 55:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ . (p-٥٠٧)قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ الصّافّاتِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨] .

الرحمن 55:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا مَعْنى القَصْرِ في الخِيامِ، وقَصْرِ الطَّرْفِ عَلى الأزْواجِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨]، وقَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى صِفاتِ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ في سُورَةِ البَقَرَةِ والصّافّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

الواقعة 56:1

(p-٥٠٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الواقِعَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ . الَّذِي يَظْهَرُ لِي صَوابُهُ أنَّ ”إذا“ هُنا هي الظَّرْفِيَّةُ المُضَمَّنَةُ مَعْنى الشَّرْطِ، وأنَّ قَوْلَهُ الآتِيَ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤]، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ وأنَّ جَوابَ ”إذا“ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي حَيّانَ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها مَسْلُوبَةُ مَعْنى الشَّرْطِ هُنا، وأنَّها مَنصُوبَةٌ بِـ ”اذْكُرْ“ مَقَدَّرَةً أوْ أنَّها مُبْتَدَأٌ، وخِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها مَنصُوبَةٌ بِـ ”لَيْسَ“ المَذْكُورَةِ بَعْدَها. والمَعْرُوفُ عِنْدَ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ ”إذا“ ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ مَنصُوبٌ بِجَزائِهِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: إذا قامَتِ القِيامَةُ وحَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ العَظِيمَةُ ظَهَرَتْ مَنزِلَةُ أصْحابِ المَيْمَنَةِ وأصْحابِ المَشْأمَةِ. وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ قامَتِ القِيامَةُ، فالواقِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالطّامَّةِ والصّاخَّةِ والآزِفَةِ والقارِعَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ الواقِعَةَ هي القِيامَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٦] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ فِيهِ أوْجَهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ، كُلُّها حَقٌّ، وبَعْضُها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ. الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ كاذِبَةٌ مَصْدَرٌ جاءَ بِصِفَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فالكاذِبَةُ بِمَعْنى الكَذِبِ كالعافِيَةِ بِمَعْنى المُعافاةِ، والعاقِبَةِ بِمَعْنى العُقْبى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى عِنْدَ جَماعاتٍ مِنَ العُلَماءِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]، قالُوا: مَعْناهُ لا تَسْمَعُ فِيها لَغْوًا، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى لَيْسَ لِقِيامِ القِيامَةِ كَذِبٌ ولا تَخَلُّفٌ بَلْ هو أمْرٌ واقِعٌ يَقِينًا لا مَحالَةَ. (p-٥٠٩)وَمِن هَذا المَعْنى قَوْلُهم: حَمَلَ الفارِسُ عَلى قِرْنِهِ فَما كَذَبَ، أيْ: ما تَأخَّرَ ولا تَخَلَّفَ ولا جَبُنَ. وَمِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎لَيْثٌ بَعْثَرٌّ يَصْطادُ الرِّجالَ إذا ما كَذَبَ اللَّيْثُ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقا وَهَذا المَعْنى قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ [الحج: ٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩]، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ الشُورى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧] . الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: لِوَقْعَتِها ظَرْفِيَّةٌ، و كاذِبَةٌ اسْمُ فاعِلِ صِفَةٍ لِمَحْذُوفٍ أيْ لَيْسَ في وقْعَةِ الواقِعَةِ نَفْسٌ كاذِبَةٌ بَلْ جَمِيعُ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ صادِقُونَ بِالِاعْتِرافِ بِالقِيامَةِ مُصَدِّقُونَ بِها لَيْسَ فِيهِمْ نَفْسٌ كاذِبَةٌ بِإنْكارِها ولا مُكَذِّبَةٌ بِها. وَهَذا المَعْنى تَشْهَدُ لَهُ في الجُمْلَةِ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥] . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ النَّمْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، وباقِي الأوْجُهِ قَدْ يَدُلُّ عَلى مَعْناهُ قُرْآنٌ ولَكِنَّهُ لا يَخْلُو مِن بُعْدٍ عِنْدِي، ولِذا لَمْ أذْكُرْهُ، وأقْرَبُها عِنْدِي الأوَّلُ.

الواقعة 56:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ . خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، ومَفْعُولُ كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ مَحْذُوفٌ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَقْدِيرُهُ هي خافِضَةٌ أقْوامًا في دَرَكاتِ النّارِ، رافِعَةٌ أقْوامًا إلى الدَّرَجاتِ العُلى إلى الجَنَّةِ، وهَذا المَعْنى قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ • كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥١٠)﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [طه: ٧٥ - ٧٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَقْدِيرُهُ خافِضَةٌ أقْوامًا كانُوا مُرْتَفِعِينَ في الدُّنْيا رافِعَةٌ أقْوامًا كانُوا مُنْخَفَضِينَ في الدُّنْيا، وهَذا المَعْنى تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَقْدِيرُهُ خافِضَةٌ بَعْضَ الأجْرامِ الَّتِي كانَتْ مُرْتَفِعَةً كالنُّجُومِ الَّتِي تَسْقُطُ وتَتَناثَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ خَفْضٌ لَها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُرْتَفِعَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢]، وقالَ تَعالى: ﴿وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] . رافِعَةٌ أيْ رافِعَةٌ بَعْضَ الأجْرامِ الَّتِي كانَتْ مُنْخَفِضَةً كالجِبالِ الَّتِي تُرْفَعُ مِن أماكِنِها وتَسِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، فَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾، لِأنَّها لَمْ يَبْقَ عَلى ظَهْرِها شَيْءٌ مِنَ الجِبالِ، وقالَ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] . وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّها تُسَيَّرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَسَيْرِ السَّحابِ الَّذِي هو المُزْنُ. وَقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ الجِبالَ تُحْمَلُ هي والأرْضَ أيْضًا يَوْمَ القِيامَةِ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ١٣] . وَعَلى هَذا القَوْلِ، فالمُرادُ تَعْظِيمُ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّهُ يَخْتَلُّ فِيهِ نِظامُ العالَمِ، وعَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ، فالمُرادُ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ، لِيَخافَ النّاسُ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ الخَفْضِ في الآخِرَةِ فَيُطِيعُوا اللَّهَ ويَرْغَبُوا في أسْبابِ الرَّفْعِ فَيُطِيعُوهُ أيْضًا، وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ الصَّوابَ في مِثْلِ هَذا حَمْلُ الآيَةِ عَلى شُمُولِها لِلْجَمِيعِ.

الواقعة 56:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ . (p-٥١١)قَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأظْهَرَ عِنْدَنا أنَّ قَوْلَهُ: إذا رُجَّتِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، والرَّجُّ: التَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن أنَّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ تُحَرَّكُ تَحْرِيكًا شَدِيدًا جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الزلزلة: ١] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ في مَعْناهُ. لِأهْلِ العِلْمِ أوْجُهٌ مُتَقارِبَةٌ، لا يُكَذِّبُ بَعْضُها بَعْضًا وكُلُّها حَقٌّ، وكُلُّها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ. وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها أوْجُهٌ كُلُّها حُقٌّ وكُلُّها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، فَنَذْكُرُ جَمِيعَ الأوْجُهِ وأدِلَّتَها القُرْآنِيَّةَ. الوَجْهُ الأوْلُ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ أيْ فُتِّتَتْ تَفْتِيتًا حَتّى صارَتْ كالبَسِيسَةِ، وهي دَقِيقٌ مَلْتُوتٌ بِسَمْنٍ، ومِنهُ قَوْلُ لِصٍّ مِن غَطَفانَ أرادَ أنْ يَخْبِزَ دَقِيقًا عِنْدَهُ فَخافَ أنْ يَعْجَلَ عَنْهُ، فَأمَرَ صاحِبَيْهِ أنْ يَلُتّاهُ لِيَأْكُلُوهُ دَقِيقًا مَلْتُوتًا، وهو البَسِيسَةُ: ؎لا تَخْبِزا خُبْزًا وبَسابِسا ولا تُطِيلا بِمُناخٍ حَبْسا وَهَذا الوَجْهُ يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، فَقَوْلُهُ: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أيْ رَمْلًا مُتَهايِلًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وَيَوْمًا عَلى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ ∗∗∗ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تُحَلَّلْ وَمُشابَهَةُ الدَّقِيقِ المَبْسُوسِ بِالرَّمْلِ المُتَهايِلِ واضِحَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ مُطابِقٌ في المَعْنى لِتَفْسِيرِ ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ بِأنَّ بَسَّها هو تَفْتِيتُها وطَحْنُها كَما تَرى. وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ مِن أنَّها تُسْلَبُ عَنْها قُوَّةُ الحَجَرِيَّةِ وتَتَّصِفُ بَعْدَ الصَّلابَةِ والقُوَّةِ بِاللِّينِ الشَّدِيدِ الَّذِي هو كَلِينِ الدَّقِيقِ والرَّمْلِ المُتَهايِلِ. يَشْهَدُ لَهُ في الجُمْلَةِ تَشْبِيهُها في بَعْضِ الآياتِ بِالصُّوفِ المَنفُوشِ الَّذِي هو العِهْنُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥١٢)﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المعارج: ٨ - ٩]، وأصْلُ العِهْنِ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الصُّوفِ لِأنَّهُ الصُّوفُ المَصْبُوغُ خاصَّةً. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى في مُعَلَّقَتِهِ: ؎كَأنَّ فَتاةَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ ∗∗∗ نَزَلْنَ بِهِ حَبَّ الفَنّا لَمْ يُحْطَمِ وَقالَ بَعْضُهم: الجِبالُ مِنها جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ ومُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ، فَإذا بُسِّتْ وفُتِّتَتْ يَوْمَ القِيامَةِ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ في الهَوا، وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ كَيْنُونَتِها هَباءً مُنْبَثًّا بِالفاءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ لِأنَّ الهَباءَ هو ما يَنْزِلُ مِنَ الكُوَّةِ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ إذا قابَلَتْها: مُنْبَثًّا أيْ مُتَفَرِّقًا، ووَصْفُها بِالهَباءِ المُنْبَثِّ أنْسَبُ لِكَوْنِ البَسِّ بِمَعْنى التَّفْتِيتِ والطَّحْنِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ أيْ سُيِّرَتْ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِبَسِّها سَوْقُها وتَسْيِيرُها مِن قَوْلِ العَرَبِ: بَسَسْتُ الإبِلَ أبُسُّها، بِضَمِّ الباءِ وأبْسَسْتُها أبُسُّها بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الباءِ، لُغَتانِ بِمَعْنى سُقْتُها، ومِنهُ حَدِيثُ: «يَخْرُجُ أقْوامٌ مِنَ المَدِينَةِ إلى اليَمَنِ والشّامِ، والعِراقِ يَبُسُّونَ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وَهَذا الوَجْهُ تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ النَّمْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] . الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ نُزِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ، وقَدْ أوْضَحْنا أنَّ هَذا الوَجْهَ راجِعٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ مَعَ الإيضاحِ التّامِّ لِأحْوالِ الجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأطْوارِها، بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، وفي سُورَةِ ”طه“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، والهَباءُ إذا انْبَثَّ أيْ تَفَرَّقَ واضْمَحَلَّ وصارَ لا شَيْءَ، والسَّرابُ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] .

الواقعة 56:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ . (p-٥١٣)أيْ صِرْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً، والعَرَبُ تُطْلِقُ كانَ بِمَعْنى صارَ، ومِنهُ ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]، أيْ فَتَصِيرا مِنَ الظّالِمِينَ. وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحَزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها وَقَوْلُهُ: أزْواجًا: أيْ أصْنافًا ثَلاثَةً، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ٨ - ١٢]، أمّا أصْحابُ المَيْمَنَةِ فَهم أصْحابُ اليَمِينِ، كَما أوْضَحَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٢٨]، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أصْحابُ الشِّمالِ كَما أوْضَحَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ الآياتِ [الواقعة: ٤١ - ٤٢] . قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قِيلَ لَهم أصْحابُ اليَمِينِ لِأنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ. وَقِيلَ: لِأنَّهم يُذْهَبُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ. وَقِيلَ: لِأنَّهم عَنْ يَمِينِ أبِيهِمْ آدَمَ، كَما رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ كَذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ. وَقِيلَ: سُمُّوا أصْحابَ اليَمِينِ وأصْحابَ المَيْمَنَةِ لِأنَّهم مَيامِينُ، أيْ مُبارَكُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهم أطاعُوا رَبَّهم فَدَخَلُوا الجَنَّةَ، واليُمْنُ البَرَكَةُ. وَسُمِّيَ الآخَرُونَ أصْحابَ الشِّمالِ، وقِيلَ: لِأنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِشَمائِلِهِمْ. وَقِيلَ: لِأنَّهم يُذْهَبُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الشِّمالَ شُؤْمًا، كَما تُسَمِّي اليَمِينَ يُمْنًا، ومِن هُنا قِيلَ لَهم أصْحابُ المَشْأمَةِ أوْ لِأنَّهم مَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ: فَعَصَوُا اللَّهَ فَأدْخَلَهُمُ النّارَ، والمَشائِيمُ ضِدُّ المَيامِينِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎مَشائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ∗∗∗ ولا ناعِبٍ إلّا بِبَيْنٍ غُرابُها وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ السّابِقِينَ هُمُ المُقَرَّبُونَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، وهَذِهِ الأزْواجُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ هي وجَزاؤُها في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ جاءَتْ هي (p-٥١٤)وَجَزاؤُها أيْضًا في آخِرِها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٤] . والمُكَذِّبُونَ هم أصْحابُ المَشْأمَةِ وهم أصْحابُ الشِّمالِ. وَذَكَرَ تَعالى بَعْضَ صِفاتِ أصْحابِ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في البَلَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ١٨ - ٢٠] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾، اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ التَّعَجُّبُ مِن شَأْنِ هَؤُلاءِ في السَّعادَةِ، وشَأْنِ هَؤُلاءِ في الشَّقاوَةِ، والجُمْلَةُ فِيهِما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهي خَبَرُ المُبْتَدَأِ قَبْلَهُ، وهو أصْحابُ المَيْمَنَةِ في الأوَّلِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ في الثّانِي. وَهَذا الأُسْلُوبُ يَكْثُرُ في القُرْآنِ نَحْوَ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢]، ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١ - ٢]، والرّابِطُ في جُمْلَةِ الخَبَرِ في جَمِيعِ الآياتِ المَذْكُورَةِ هو إعادَةُ لَفْظِ المُبْتَدَأِ في جُمْلَةِ الخَبَرِ كَما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ: والسّابِقُونَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اسْتِفْهامُ تَعْجَبٍ كَما ذَكَرَهُ فِيما قَبْلَهُ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ في مُقابَلِهِ تَكْرِيرَ لَفْظِ السّابِقِينَ. والأظْهَرُ في إعْرابِهِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَكْرِيرِهِمُ اللَّفْظَ وقَصْدِهِمُ الإخْبارَ بِالثّانِي عَنِ الأوَّلِ، يَعْنُونَ أنَّ اللَّفْظَ المُخْبَرَ عَنْهُ هو المَعْرُوفُ خَبَرُهُ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى تَعْرِيفٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَّجْمِ: ؎أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ∗∗∗ لِلَّهِ دَرِّي ما أجَنَّ صَدْرِي فَقَوْلُهُ: وشِعْرِي شِعْرِي، يَعْنِي: شِعْرِي هو الَّذِي بَلَغَكَ خَبَرُهُ، وانْتَهى إلَيْكَ وصْفُهُ.

الواقعة 56:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، (p-٥١٥)وَأصْلُها القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ وهي الثَّلُّ، وهو الكَسْرُ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثُّلَّةُ مِنَ الثَّلِّ، وهو الكَسْرُ، كَما أنَّ الأُمَّةَ مِنَ الأمِّ وهو الشَّبَحُ، كَأنَّها جَماعَةٌ كُسِّرَتْ مِنَ النّاسِ، وقُطِّعَتْ مِنهم. ا هـ. مِنهُ. واعْلَمْ أنَّ الثُّلَّةَ تَشْمَلُ الجَماعَةَ الكَثِيرَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَجاءَتْ إلَيْهِمْ ثُلَّةٌ خِنْدَفِيَّةٌ بِجَيْشٍ كَتَيّارٍ مِنَ السَّيْلِ مُزْبِدِ لِأنَّ قَوْلَهُ: تَيّارٍ مِنَ السَّيْلِ: يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ هَذا الجَيْشِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالثُّلَّةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المُرادِ بِهَذِهِ الثُّلَّةِ مِنَ الأوَّلِينَ، وهَذا القَلِيلُ مِنَ الآخِرِينَ المَذْكُورِينَ هُنا، كَما اخْتَلَفُوا في الثُّلَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠]، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: كُلُّ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وإنَّ المُرادَ بِالأوَّلِينَ مِنهُمُ الصَّحابَةُ. وَبَعْضُ العُلَماءِ يَذْكُرُ مَعَهُمُ القُرُونَ المَشْهُودَ لَهم بِالخَيْرِ في قَوْلِهِ - ﷺ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» الحَدِيثَ، والَّذِينَ قالُوا: هم كُلُّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، قالُوا: إنَّما المُرادُ بِالقَلِيلِ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهم مَن بَعْدَ ذَلِكَ إلى قِيامِ السّاعَةِ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالأوَّلِينَ في المَوْضِعَيْنِ الأُمَمُ الماضِيَةُ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، فالمُرادُ بِالآخِرِينَ فِيهِما هو هَذِهِ الأُمَّةُ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وغَفَرَ لَهُ: ظاهِرُ القُرْآنِ في هَذا المَقامِ أنَّ الأوَّلِينَ في المَوْضِعَيْنِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والآخِرِينَ فِيهِما مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ في السّابِقِينَ خاصَّةً، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ في أصْحابِ اليَمِينِ خاصَّةً. وَإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا هو ظاهِرُ القُرْآنِ في الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، الَّتِي هي شُمُولُ الآياتِ لِجَمِيعِ الأُمَمِ، وكَوْنُ قَلِيلٍ مِنَ الآخِرِينَ في خُصُوصِ السّابِقِينَ، وكَوْنُ ثُلَّةٍ مِنَ الآخِرِينَ في خُصُوصِ أصْحابِ اليَمِينِ لِأنَّهُ واضِحٌ مِن سِياقِ الآياتِ. أمّا شُمُولُ الآياتِ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلُ السُّورَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ لا شَكَّ أنَّهُ لا يَخُصُّ أُمَّةً دُونَ أُمَّةٍ، وأنَّ (p-٥١٦)الجَمِيعَ مُسْتَوُونَ في الأهْوالِ والحِسابِ والجَزاءِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] عامٌّ في جَمِيعِ أهْلِ المَحْشَرِ، فَظَهَرَ أنَّ السّابِقِينَ وأصْحابَ اليَمِينِ مِنهم مَن هو مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، ومِنهم مَن هو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وَعَلى هَذا فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّ السّابِقِينَ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ أكْثَرُ مِنَ السّابِقِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ أصْحابَ اليَمِينِ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ لَيْسَتْ أكْثَرَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، لِأنَّهُ عَبَّرَ في السّابِقِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وعَبَّرَ عَنْ أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَلا غَرابَةَ في هَذا، لِأنَّ الأُمَمَ الماضِيَةَ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ، وفِيها أنْبِياءُ كَثِيرَةٌ ورُسُلٌ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَجْتَمِعَ مِن سابِقِيها مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ أكْثَرُ مِن سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ وحْدَها. أمّا أصْحابُ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا أكْثَرَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ، لِأنَّ الثُّلَّةَ تَتَناوَلُ العَدَدَ الكَثِيرَ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُ العَدَدَيْنِ الكَثِيرَيْنِ أكْثَرَ مِنَ الآخَرِ، مَعَ أنَّهُما كِلَيْهِما كَثِيرٌ. وَلِهَذا تَعْلَمُ أنَّ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القُرْآنِ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ - لا يُنافِي ما جاءَ مِن أنَّ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. فَأمّا كَونُ قَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ دَلَّ ظاهِرُ القُرْآنِ عَلى أنَّهُ في خُصُوصِ السّابِقِينَ، فَلِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢]، ثُمَّ قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلاءِ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . وَأمّا كَوْنُ قَوْلِهِ: ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ في خُصُوصِ أصْحابِ اليَمِينِ، فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٦ - ٤٠]، والمَعْنى هم - أيْ أصْحابُ اليَمِينِ - ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، وهَذا واضِحٌ كَما تَرى.

الواقعة 56:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ . (p-٥١٧)السُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ سُرُرَهم مَرْفُوعَةٌ في قَوْلِهِ في الغاشِيَةِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الكهف: ١٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: مَوْضُونَةٍ مَنسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ، وبَعْضُهم يَقُولُ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ، وكُلُّ نَسْجٍ أُحْكِمَ ودَخَلَ بَعْضُهُ في بَعْضٍ تُسَمِّيهِ العَرَبُ وضَنًا، وتُسَمِّي المَنسُوجَ بِهِ مَوْضُونًا ووَضِينًا، ومِنهُ الدِّرْعُ المَوْضُونَةُ إذا أُحْكِمَ نَسْجُها ودَخَلَ بَعْضُ حَلْقاتِها في بَعْضٍ. وَمِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎وَمِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ تُساقُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرا وَقَوْلُهُ أيْضًا: ؎وَبَيْضاءَ كالنِّهْيِ مَوْضُونَةٍ ∗∗∗ لَها قَوْنَسٌ فَوْقَ جَيْبِ البُدُنِ وَمِن هَذا القَبِيلِ تَسْمِيَةُ البِطانِ الَّذِي يُنْسَجُ مِنَ السُّيُورِ، مَعَ إدْخالِ بَعْضِها في بَعْضٍ - وضِينًا. وَمِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ∗∗∗ مُخالِفًا دِينَ النَّصارى دِينُها وَهَذِهِ السُّرُرُ المُزَيَّنَةُ هي المُعَبَّرُ عَنْها بِالأرائِكِ في قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الكهف: ٣١]، وقَوْلِهِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] . وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُتَّكِئِينَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: اسْتَقَرُّوا عَلى سُرُرٍ في حالِ كَوْنِهِمْ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها. وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ، أيْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، كُلُّهم يُقابِلُ الآخَرَ بِوَجْهِهِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى في الحِجْرِ: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] وقَوْلِهِ في الصّافّاتِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤١ - ٤٤] .

الواقعة 56:17

(p-٥١٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] .

الواقعة 56:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣]، وفي المائِدَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠] .

الواقعة 56:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٢] .

الواقعة 56:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٥]، وفي الصّافّاتِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

الواقعة 56:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ بِإيضاحٍ في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، وتَكَلَّمْنا هُناكَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ وذَكَرْنا شَواهِدَهُ مِنَ القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، وبَيَّنّا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في حُكْمِهِ شَرْعًا.

الواقعة 56:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ فَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ النِّساءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ (p-٥١٩)فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والمَسْكُوبُ اسْمُ مَفْعُولٍ، سَكَبَ الماءَ ونَحْوَهُ إذا صَبَّهُ بِكَثْرَةٍ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: إنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ تَجْرِي في غَيْرِ أُخْدُودٍ، وأنَّ الماءَ يَصِلُ إلَيْهِمْ أيْنَما كانُوا كَيْفَ شاءُوا، كَما قالَ تَعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾: فَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢] .

الواقعة 56:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ . الضَّمِيرُ في أنْشَأْناهُنَّ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هو راجِعٌ إلى مَذْكُورٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو راجِعٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، إلّا أنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ. فَمَن قالَ إنَّهُ راجِعٌ إلى مَذْكُورٍ، قالَ: هو راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قالَ: لِأنَّ المُرادَ بِالفُرُشِ النِّساءُ، والعَرَبُ تُسَمِّي المَرْأةَ لِباسًا وإزارًا وفِراشًا ونَعْلًا. وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالرَّفْعِ في قَوْلِهِ: مَرْفُوعَةٍ رَفْعُ المَنزِلَةِ والمَكانَةِ. وَمِن قالَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، قالَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى نِساءٍ لَمْ يُذْكَرْنَ، ولَكِنَّ ذِكْرَ الفُرُشِ دَلَّ عَلَيْهِنَّ؛ لِأنَّهُنَّ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها مَعَ أزْواجِهِنَّ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِهِنَّ الحُورُ العِينُ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ لِأنَّ الإنْشاءَ هو الِاخْتِراعُ والِابْتِداعُ. وَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُرادَ بِهِنَّ بَناتُ آدَمَ الَّتِي كُنَّ في الدُّنْيا عَجائِزَ شُمْطًا رُمْصًا، وجاءَتْ في ذَلِكَ آثارٌ مَرْفُوعَةٌ عَنْهُ ﷺ وعَلى هَذا القَوْلِ: فَمَعْنى ﴿أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ أيْ خَلَقْناهُنَّ خَلْقًا جَدِيدًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: فَجَعَلْناهُنَّ أيْ فَصَيَّرْناهُنَّ أبْكارًا، وهو جَمْعُ بِكْرٍ، وهو ضِدُّ الثَّيِّبِ. وَقَوْلُهُ: عُرُبًا قَرَأهُ عامَّةُ القُرّاءِ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ وشُعْبَةَ عَنْ عاصِمٍ عُرُبًا (p-٥٢٠)بِضَمِّ العَيْنِ والرّاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وشُعْبَةُ ”عُرْبًا“ بِسُكُونِ الرّاءِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، وهو جَمْعُ عَرُوبٍ، وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها الحَسَنَةُ التَّبَعُّلِ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وهو الصَّوابُ إنْ شاءَ اللَّهُ. وَمِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: ؎وَفِي الخِباءِ عَرُوبٌ غَيْرُ فاحِشَةٍ رَيّا الرَّوادِفِ يَعْشى دُونَها البَصَرُ وَقَوْلُهُ تَعالى: أتْرابًا جَمْعُ تِرْبٍ بِكَسْرِ التّاءِ، والتِّرْبُ اللِّدَةُ، وإيضاحُهُ أنَّ تِرْبَ الإنْسانِ ما وُلِدَ مَعَهُ في وقْتٍ واحِدٍ، ومَعْناهُ في الآيَةِ: أنَّ نِساءَ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ شابَّةٌ وعَجُوزٌ، ولَكِنَّهُنَّ كُلَّهُنَّ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ في غايَةِ الشَّبابِ. وَبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: إنَّهُنَّ يَنْشَأْنَ مُسْتَوِياتٍ في السِّنِّ عَلى قَدْرِ بَناتِ ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وجاءَتْ بِذَلِكَ آثارٌ مَرْوِيَّةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكَوْنُ الأتْرابِ بِمَعْنى المُسْتَوِياتِ في السِّنِّ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ. وَمِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: ؎أبْرَزُوها مِثْلَ المَهاةِ تَهادى ∗∗∗ بَيْنَ خَمْسٍ كَواعِبَ أتْرابِ وَهَذِهِ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن صِفاتِ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ - جاءَتْ مُوَضَّحَةً في آياتٍ أُخَرَ. أمّا كَوْنُهُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ أبْكارًا، فَقَدْ أوْضَحَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦، ٧٤]، في المَوْضِعَيْنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ نَصٌّ في عَدَمِ زَوالِ بَكارَتِهِنَّ، وأمّا كَوْنُهُنَّ عُرُبًا أيْ مُتَحَبِّباتٍ إلى أزْواجِهِنَّ، فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الصّافّاتِ: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: ٤٨]، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُنَّ قاصِراتُ العُيُونِ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِنَّ لَهم واقْتِناعِهِنَّ بِهِمْ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ، ولا شَكَّ أنَّ المَرْأةَ الَّتِي لا تَنْظُرُ إلى غَيْرِ زَوْجِها مُتَحَبِّبَةٌ إلَيْهِ حَسَنَةُ التَّبَعُّلِ مَعَهُ. وَقَوْلُهُ في ”ص“: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢]، وقَوْلُهُ في الرَّحْمَنِ: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، (p-٥٢١)وَأمّا كَوْنُهُنَّ أتْرابًا فَقَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ في آيَةِ ”ص“ هَذِهِ: ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾، وفي سُورَةِ النَّبَأِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ ﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ ﴿وَكَواعِبَ أتْرابًا﴾ [النبإ: ٣١ - ٣٣] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ﴾ أيْ: أنْشَأْناهُنَّ وصَيَّرْناهُنَّ أبْكارًا لِأصْحابِ اليَمِينِ.

الواقعة 56:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا مَعْنى أصْحابِ الشِّمالِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وأوْضَحْنا مَعْنى السَّمُومِ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] . وَقَدْ قَدَّمْنا صِفاتِ ظِلِّ أهْلِ النّارِ وظِلِّ أهْلِ الجَنَّةِ في سُورَةِ النِّساءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]، وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ صِفاتِ ظِلِّ أهْلِ النّارِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣ - ٤٤]، وقَوْلِهِ في المُرْسَلاتِ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣١] . وَقَوْلُهُ: ﴿مِن يَحْمُومٍ﴾ أيْ مِن دُخانٍ أسْوَدَ شَدِيدِ السَّوادِ، ووَزْنُ اليَحْمُومِ يَفْعُولُ، وأصْلُهُ مِنَ الحُمَمِ وهو الفَحْمُ، وقِيلَ: مِنَ الحَمِّ، وهو الشَّحْمُ المُسْوَدُّ لِاحْتِراقِهِ بِالنّارِ.

الواقعة 56:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ الآيَةَ [الطور: ٢٦ - ٢٧] .

الواقعة 56:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - ما أعَدَّ لِأصْحابِ الشِّمالِ مِنَ العَذابِ؛ بَيَّنَ بَعْضَ أسْبابِهِ، فَذَكَرَ مِنها أنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في دارِ الدُّنْيا مُتْرَفِينَ أيْ مُتَنَعِّمِينَ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الإتْرافَ والتَّنَعُّمَ والسُّرُورَ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ صاحِبَهُ مُعْرِضٌ عَنِ اللَّهِ لا يُؤْمِنُ بِهِ ولا بِرُسُلِهِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٥٢٢)﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١ - ١٣]، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في الكَلامِ عَلى آيَةِ الطُّورِ المَذْكُورَةِ آنِفًا. وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ إنْكارِ البَعْثِ سَبَبًا لِدُخُولِ النّارِ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهم في سَمُومٍ وحَمِيمٍ وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ؛ بَيَّنَ أنَّ مِن أسْبابِ ذَلِكَ أنَّهم قالُوا ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥] . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] . وما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن إنْكارِهِمْ بَعَثَ آبائِهِمُ الأوَّلِينَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨]، وأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهم أنَّهُ يَبْعَثُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَبَيَّنّا فِيهِ أنَّ البَعْثَ الَّذِي أنْكَرُوا سَيَتَحَقَّقُ في حالِ كَوْنِهِمْ أذِلّاءَ صاغِرِينَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في الصّافّاتِ: ﴿وَقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٥ - ١٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾، قَرَأهُ عامَّةُ القُرّاءِ السَّبْعَةِ، غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ وقالُونَ عَنْ نافِعٍ: أوَآباؤُنا بِفَتْحِ الواوِ عَلى الِاسْتِفْهامِ والعَطْفِ. وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ إذا جاءَتْ بَعْدَها أداةُ عَطْفٍ كالواوِ والفاءِ وثُمَّ، نَحْوَ: ﴿أوَآباؤُنا﴾ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٧]، ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ [يونس: ٥١] - أنَّ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ لِعُلَماءِ العَرَبِيَّةِ والمُفَسِّرِينَ: الأوَّلَ مِنهُما أنَّ أداةَ العَطْفِ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِالِاسْتِفْهامِ عَلى ما قَبْلَها، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُتَأخِّرَةٌ رُتْبَةً عَنْ حَرْفِ العَطْفِ، ولَكِنَّها قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لَفْظًا لا مَعْنًى لِأنَّ الأصْلَ في الِاسْتِفْهامِ التَّصْدِيرُ بِهِ كَما هو مَعْلُومٌ في مَحِلِّهِ. والمَعْنى عَلى هَذا واضِحٌ، وهو أنَّهم أنْكَرُوا بَعْثَهم أنْفُسَهم بِأداةِ الإنْكارِ الَّتِي هي الهَمْزَةُ، وعَطَفُوا عَلى ذَلِكَ بِالواوِ إنْكارَهم بَعْثَ آبائِهِمُ الأوَّلِينَ بِأداةِ الإنْكارِ الَّتِي هي (p-٥٢٣)الهَمْزَةُ المُقَدَّمَةُ عَنْ مَحِلِّها لَفْظًا لا رُتْبَةً، وهَذا القَوْلُ هو قَوْلُ الأقْدَمِينَ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ وابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ، وهو الَّذِي صِرْنا نَمِيلُ إلَيْهِ أخِيرًا بَعْدَ أنْ كُنّا نَمِيلُ إلى غَيْرِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ في مَحِلِّها الأصْلِيِّ، وأنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِجُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفَةٌ عَلى المَحْذُوفَةِ بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي بَعْدَ الهَمْزَةِ، وهَذا الوَجْهُ يَمِيلُ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في أكْثَرِ المَواضِعِ مِن كَشّافِهِ، ورُبَّما مالَ إلى غَيْرِهِ. وَعَلى هَذا القَوْلِ فالتَّقْدِيرُ: أمَبْعُوثُونَ نَحْنُ وآباؤُنا الأوَّلُونَ ؟ وَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا مِن أنَّ قَوْلَهُ: ”آباؤُنا“ مَعْطُوفٌ عَلى واوِ الرَّفْعِ في قَوْلِهِ: لَمَبْعُوثُونَ، وأنَّهُ ساغَ العَطْفُ عَلى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلٍ مِن غَيْرِ تَوْكِيدٍ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ لِأجْلِ الفَصْلِ بِالهَمْزَةِ - لا يَصِحُّ، وقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وابْنُ هِشامٍ وغَيْرُهُما. وَهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ مالَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ في قَوْلِهِ: وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدا هُنا اسْتَبِحْ وعَطْفُكَ الفِعْلَ عَلى الفِعْلِ يَصِحْ وقَرَأ هَذا الحَرْفَ قالُونُ وابْنُ عامِرٍ ”أوْ آباؤُنا“ بِسُكُونِ الواوِ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي عَلى قِراءَتِهِما ”أوْ“ بِمَعْنى الواوِ العاطِفَةِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ”آباؤُنا“، مَعْطُوفٌ عَلى مَحِلِّ المَنصُوبِ الَّذِي هو اسْمُ ”إنَّ“، لِأنَّ عَطْفَ المَرْفُوعِ عَلى مَنصُوبِ ”إنَّ“ بَعْدَ ذِكْرِ خَبَرِها جائِزٌ بِلا نِزاعٍ، لِأنَّ اسْمَها وإنْ كانَ مَنصُوبًا فَأصْلُهُ الرَّفْعُ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ في الأصْلِ، كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ: وَجائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلى مَنصُوبِ إنَّ بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا وإنَّما قُلْنا: إنَّ ”أوْ“ بِمَعْنى الواوِ، لِأنَّ إتْيانَها بِمَعْنى الواوِ مَعْرُوفٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، فَمِنهُ في القُرْآنِ: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥،٦]؛ لِأنَّ الذِّكْرَ المُلْقى لِلْعُذْرِ، والنُّذْرِ مَعًا لا لِأحَدِهِما، لِأنَّ المَعْنى أنَّها أتَتْ لِلذِّكْرِ إعْذارًا وإنْذارًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أيْ ولا كَفُورًا، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: قَوْمٌ إذا سَمِعُوا الصَّرِيخَ رَأيْتَهم ما بَيْنَ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سافِعِ (p-٥٢٤)فالمَعْنى ما بَيْنَ المُلْجِمِ مُهْرِهِ وسافِعٍ: أيْ آخِذٍ بِناصِيَتِهِ لِيُلْجِمَهُ، وقَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ: ؎قالَتْ ألا لَيْتَ ما هَذا الحَمامُ لَنا إلى حَمامَتِنا أوْ نِصْفُهُ فَقَدِ ؎فَحَسَبُوهُ فَألْفَوْهُ كَما زَعَمَتْ ∗∗∗ سِتًّا وسِتِّينَ لَمْ تَنْقُصْ ولَمْ تَزِدِ فَقَوْلُهُ: أوْ نِصْفُهُ بِمَعْنى ونِصْفُهُ كَما هو ظاهِرٌ مِن مَعْنى البَيْتَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، لِأنَّ مُرادَها أنَّها تَمَنَّتْ أنْ يَكُونَ الحَمامُ المارُّ بِها هو ونِصْفُهُ مَعَهُ لَها مَعَ حَمامَتِها الَّتِي مَعَها، لِيَكُونَ الجَمِيعُ مِائَةَ حَمامَةٍ، فَوَجَدُوهُ سِتًّا وسِتِّينَ، ونِصْفُها ثَلاثٌ وثَلاثُونَ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ تِسْعًا وتِسْعِينَ، والمَرْوِيُّ في ذَلِكَ عَنْها أنَّها قالَتْ: ؎لَيْتَ الحَمامَ لِيَّهْ ∗∗∗ إلى حَمامَتِيَّهْ ؎وَنِصْفُهُ قَدِيَّهْ ∗∗∗ تَمَّ الحَمامُ مِايَّهْ وَقَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيِّرِ: ؎قَدْ زَعَمَتْ لَيْلى بِأنِّي فاجِرٌ ∗∗∗ لِنَفْسِي تُقاها أوْ عَلَيْها فُجُورُها وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أجْمَعَ عامَّةُ القُرّاءِ عَلى إثَباتِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ وأثْبَتَها أيْضًا عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ نافِعٍ والكِسائِيِّ في قَوْلِهِ: أئِنّا، وقَرَأهُ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“، بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ عَلى الخَبَرِ، كَما عَقَدَهُ صاحِبُ الدُّرَرِ اللَّوامِعِ في أصْلِ مَقْرَأِ الإمامِ نافِعٍ بِقَوْلِهِ: ؎فَصْلٌ واسْتِفْهامٌ إنْ تَكَرَّرا ∗∗∗ فَصَيِّرِ الثّانِيَ مِنهُ خَبَرا ؎واعْكِسْهُ في النَّمْلِ وفَوْقَ الرُّومِ ∗∗∗ . . . . . . . . . . . . إلَخْ والقِراءاتُ في الهَمْزَتَيْنِ في أئِذا و أئِنّا مَعْرُوفَةٌ، فَنافِعٌ يُسَهِّلُ الهَمْزَةَ الثّانِيَةَ بَيْنَ بَيْنَ، ورِوايَةُ قالُونَ عَنْهُ هي إدْخالُ ألْفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ الأُولى المُحَقَّقَةِ والثّانِيَةِ المُسَهَّلَةِ. وَرِوايَةُ قالُونَ هَذِهِ عَنْ نافِعٍ بِالتَّسْهِيلِ والإدْخالِ مُطابِقَةٌ لِقِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، فَأبُو عَمْرٍو وقالُونُ عَنْ نافِعٍ يُسَهِّلانِ ويُدْخِلانِ، ورِوايَةُ ورْشٍ عَنْ نافِعٍ هي تَسْهِيلُ الأخِيرَةِ مِنهُما بَيْنَ بَيْنَ مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ. وهَذِهِ هي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ووَرْشٍ، فابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ يُسَهِّلانِ ولا يُدْخِلانِ. (p-٥٢٥)وَقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وبَيْنَهُما ألِفُ الإدْخالِ. وَقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ مِن غَيْرِ ألْفِ الإدْخالِ، هَذِهِ هي القِراءاتُ الصَّحِيحَةُ في مِثْلِ أئِذا و أئِنّا ونَحْوِ ذَلِكَ في القُرْآنِ. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ - وفَّقَنِي اللَّهُ وإيّاكَ - أنَّ ما جَرى في الأقْطارِ الإفْرِيقِيَّةِ مِن إبْدالِ الأخِيرَةِ مِن هَذِهِ الهَمْزَةِ المَذْكُورَةِ وأمْثالِها في القُرْآنِ هاءً خالِصَةً مِن أشْنَعِ المُنْكَرِ وأعْظَمِ الباطِلِ، وهو انْتِهاكٌ لِحُرْمَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ، ولا يُعْذَرُ فِيهِ إلّا الجاهِلُ الَّذِي لا يَدْرِي، الَّذِي يَظُنُّ أنَّ القِراءَةَ بِالهاءِ الخالِصَةِ صَحِيحَةٌ، وإنَّما قُلْنا هَذا لِأنَّ إبْدالَ الهَمْزَةِ فِيما ذُكِرَ هاءً خالِصَةً لَمْ يَرْوِهِ أحَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ بِهِ جِبْرِيلُ البَتَّةَ، ولَمْ يُرْوَ عَنْ صَحابِيٍّ ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ مِنَ القُرّاءِ، ولا يَجُوزُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، فالتَّجَرُّؤُ عَلى اللَّهِ بِزِيادَةِ حَرْفٍ في كِتابِهِ، وهو هَذِهِ الهاءُ الَّتِي لَمْ يَنْزِلْ بِها المَلَكُ مِنَ السَّماءِ البَتَّةَ، هو كَما تَرى. وكَوْنُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَدْ سُمِعَ فِيها إبْدالُ الهَمْزَةِ هاءً لا يُسَوِّغُ التَّجَرُّؤَ عَلى اللَّهِ بِإدْخالِ حَرْفٍ في كِتابِهِ لَمْ يَأْذَنْ بِإدْخالِهِ اللَّهُ ولا رَسُولُهُ. وَدَعْوى أنَّ العَمَلَ جَرى بِالقِراءَةِ بِالهاءِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، لِأنَّ جَرَيانَ العَمَلِ بِالباطِلِ باطِلٌ، ولا أُسْوَةَ في الباطِلِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وإنَّما الأُسْوَةُ في الحَقِّ، والقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهَذا لا خِلافَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: مِتْنا، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ ”مُتْنا“ بِضَمِّ المِيمِ وقَرَأهُ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ مِتْنا بِكَسْرِ المِيمِ، وقَدْ قَدَّمْنا مُسَوِّغَ كَسْرِ المِيمِ لُغَةً في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ [مريم: ٢٣] .

الواقعة 56:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ . لَمّا أنْكَرَ الكُفّارُ بَعْثَهم وآباءَهُمُ الأوَّلِينَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ (p-٥٢٦)يُخْبِرَهم خَبَرًا مُؤَكَّدًا بِأنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ كُلَّهم مَجْمُوعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ بَعْدَ بَعْثِهِمْ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن بَعْثِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وجَمْعِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ • كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [النساء: ٨٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] . وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا مُوَضَّحًا في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] .

الواقعة 56:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذا وتَفْسِيرَهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] .

الواقعة 56:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ . النُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ: هو رِزْقُ الضَّيْفِ الَّذِي يُقَدَّمُ لَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ إكْرامًا لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧]، ورُبَّما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ النُّزُولَ في ضِدِّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاحْتِقارِ، وجاءَ القُرْآنُ بِاسْتِعْمالِ النُّزُولِ فِيما يُقَدَّمُ لِأهْلِ النّارِ مِنَ العَذابِ كَقَوْلِهِ هُنا في عَذابِهِمُ المَذْكُورِ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿شُرْبَ الهِيمِ﴾ ﴿هَذا نُزُلُهُمْ﴾ [الواقعة: ٥٢ - ٥٦]، أيْ هَذا العَذابُ المَذْكُورُ هو ضِيافَتُهم ورِزْقُهُمُ المُقَدَّمُ لَهم عِنْدَ نُزُولِهِمْ في دارِهِمُ الَّتِي هي النّارُ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِلْكافِرِ الحَقِيرِ الذَّلِيلِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] . وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن إطْلاقِ النُّزُولِ عَلى عَذابِ أهْلِ النّارِ، جاءَ مُوَضَّحًا (p-٥٢٧)فِي غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣ - ٩٤]، وقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الكَهْفِ: ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢]، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ أبِي السَّعْدِ الضَّبِّيِّ: ؎وَكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزُلا وَقَوْلُهُ: يَوْمَ الدِّينِ، أيْ يَوْمَ الجَزاءِ كَما تَقَدَّمَ مِرارًا.

الواقعة 56:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ . لَمّا أنْكَرَ الكُفّارُ بَعْثَهم وآباءَهُمُ الأوَّلِينَ، وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُخْبِرَهم أنَّهُ تَعالى باعِثٌ جَمِيعَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وذَكَرَ جَزاءَ مُنْكِرِي البَعْثِ بِأكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ - أتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ هَذا الخَلْقَ الأوَّلَ ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾، أيْ: فَهَلّا تُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ الَّذِي هو الخَلْقُ الثّانِي، لِأنَّ إعادَةَ الخَلْقِ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ أصْعَبَ مِنَ ابْتِدائِهِ كَما لا يَخْفى. وَهَذا البُرْهانُ عَلى البَعْثِ بِدَلالَةِ الخَلْقِ الأوَّلِ عَلى الخَلْقِ الثّانِي - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها بِإيضاحٍ وكَثْرَةٍ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في سُورَةِ البَقَرَةِ والنَّحْلِ والحَجِّ والجاثِيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ وأحَلْنا عَلَيْها كَثِيرًا. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ”لَوْلا“ حَرْفُ تَحْضِيضٍ، ومَعْناهُ الطَّلَبُ بِحَثٍّ وشِدَّةٍ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى شِدَّةِ حَثِّ اللَّهِ لِلْكُفّارِ وحَضِّهِ لَهم عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ لِظُهُورِ بُرْهانِهِ القاطِعِ الَّذِي هو خَلْقُهُ لَهم أوَّلًا.

الواقعة 56:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا قَرِيبًا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ المَتْبُوعَةِ بِأداةِ عَطْفٍ، وذَكَرْناهُ قَبْلَ (p-٥٢٨)هَذا مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ يَعْنِي أفَرَأيْتُمْ ما تَصُبُّونَهُ مِنَ المَنِيِّ في أرْحامِ النِّساءِ، فَلَفْظَةُ ”ما“ مَوْصُولَةٌ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ صِلَةُ المَوْصُولِ، والعائِدُ إلى الصِّفَةِ مَحْذُوفٌ، لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، والتَّقْدِيرُ: أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: أمْنى النُّطْفَةَ بِصِيغَةِ الرُّباعِيِّ، يُمْنِيها بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ، إذا أراقَها في رَحِمِ المَرْأةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦]، ومَنى يَمْنى بِصِيغَةِ الثُّلاثِيِّ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، إلّا أنَّ القِراءَةَ بِها شاذَّةٌ. وَمِمَّنْ قَرَأ ”تَمْنُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ مُضارِعٌ في الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ - أبُو السَّمّالِ وابْنُ السِّمَيْقَعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، فَإنَّهم لا بُدَّ أنْ يَقُولُوا: أنْتُمُ الخالِقُونَ، فَيُقالُ لَهم: إذا كُنّا خَلَقْنا هَذا الإنْسانَ الخَصِيمَ المُبِينَ مِن تِلْكَ النُّطْفَةِ الَّتِي تُمْنى في الرَّحِمِ، فَكَيْفَ تُكَذِّبُونَ بِقُدْرَتِنا عَلى خَلْقِهِ مَرَّةً أُخْرى، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ الإعادَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ أصْعَبَ مِنَ الِابْتِداءِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”تَخْلُقُونَهُ“ عائِدٌ إلى المَوْصُولِ أيْ تَخْلُقُونَ ما تُمْنُونَهُ مِنَ النُّطَفِ عَلَقًا، ثُمَّ مُضَغًا إلى آخِرِ أطْوارِهِ. وَهَذا الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ، وعَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ، بِبَيانِ أطْوارِ خَلْقِ الإنْسانِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، وبَيَّنّا ما يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ طَوْرٍ مِن أطْوارِهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥] . وَذَكَرْنا أطْوارَ خَلْقِ الإنْسانِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ أيْضًا في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. وَبَيَّنّا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى أطْوارِ خَلْقِهِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا في الحَجِّ. تَنْبِيهٌ: هَذا البُرْهانُ الدّالُّ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو خَلْقُ الإنْسانِ مِن نُطْفَةِ مَنِيٍّ تُمْنى - يَجِبُ عَلى كُلِّ إنْسانٍ النَّظَرُ فِيهِ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - وجَّهَ صِفَةَ الأمْرِ بِالنَّظَرِ فِيهِ إلى مَنِيِّ الإنْسانِ، والأصْلُ في صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّحْقِيقِ الوُجُوبُ إلّا لِدَلِيلٍ صارِفٍ عَنْهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ الآيَةَ [الطارق: ٥ - ٦]، وقَدْ قَدَّمْنا (p-٥٢٩)شَرْحَها في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ أفَرَأيْتُمْ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَعْدَ الرّاءِ بَيْنَ بَيْنَ. والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ الَّتِي بِها الأداءُ عَنْ ورْشٍ عَنْهُ إبْدالُ الهَمْزَةِ ألِفًا وإشْباعُها لِسُكُونِ الياءِ بَعْدَها. وَقَرَأ الكِسائِيُّ: ”أفَرَيْتُمْ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأهُ باقِي السَّبْعَةِ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: أأنْتُمْ قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ. والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ الَّتِي بِها الأداءُ عَنْ ورْشٍ عَنْ نافِعٍ إبْدالُ الثّانِيَةِ ألِفًا مُشْبَعًا مَدُّها لِسُكُونِ النُّونِ بَعْدَها، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ في الرِّوايَةِ الأُخْرى بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقالُونَ، وأبُو عَمْرٍو وهُشامٌ بِألْفِ الإدْخالِ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ والباقُونَ بِدُونِها.

الواقعة 56:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ . قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ قَدَّرْنا بِتَشْدِيدِ الدّالِّ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَخْفِيفِها، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها وجْهانِ أوْ أكْثَرُ مِنَ التَّفْسِيرِ، ويَكُونُ كُلُّ ذَلِكَ صَحِيحًا، وكُلُّهُ يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، فَنَذْكُرُ الجَمِيعَ وأدِلَّتَهُ مِنَ القُرْآنِ، ومِن ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: قَدَّرْنا [الواقعة: ٦٠] وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ، وفِيما تَتَعَلَّقُ بِهِ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ [الواقعة: ٦١] وجْهانِ أيْضًا، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ قَدَّرْنا لِمَوْتِكم آجالًا مُخْتَلِفَةً وأعْمارًا مُتَفاوِتَةً فَمِنكم مَن يَمُوتُ صَغِيرًا ومِنكم مَن يَمُوتُ شابًّا، ومِنكم مَن يَمُوتُ شَيْخًا. وَهَذا المَعْنى دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [الحج: ٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ [المنافقون: ١١]، • وقَوْلِهِ: (p-٥٣٠)﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦]، أيْ ما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: سَبَقَهُ عَلى كَذا أيْ غَلَبَهُ عَلَيْهِ وأعْجَزَهُ عَنْ إدْراكِهِ، أيْ: وما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عَلى ما قَدَّرْنا مِن آجالِكم وحَدَّدْناهُ مِن أعْمارِكم فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّمَ أجَلًا أخَّرْناهُ ولا يُؤَخِّرَ أجَلًا قَدَّمْناهُ. وَهَذا المَعْنى دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَعَلى هَذا القَوْلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١]، لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ ”مَسْبُوقِينَ“ بَلْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠]، والمَعْنى: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم، أيْ نُبَدِّلَ مِنَ الَّذِينَ ماتُوا أمْثالًا لَهم نُوجِدُهم. وَعَلى هَذا، فَمَعْنى تَبْدِيلِ أمْثالِهِمْ - إيجادُ آخَرِينَ مِن ذُرِّيَّةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ ماتُوا، وهَذا المَعْنى تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَهَذا التَّفْسِيرُ هو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وقِراءَةُ ”قَدَّرْنا“ بِالتَّشْدِيدِ مُناسِبَةٌ لِهَذا الوَجْهِ، وكَذَلِكَ لَفْظَةُ ”بَيْنَكُمُ“ . الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ”قَدَّرْنا“ بِمَعْنى قَضَيْنا وكَتَبْنا أيْ كَتَبْنا المَوْتَ وقَدَّرْناهُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ، وهَذا الوَجْهُ تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ [الواقعة: ٦١]، مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مَسْبُوقِينَ“، أيْ: ما نَحْنُ مَغْلُوبِينَ، والمَعْنى: وما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم إنْ أهْلَكْناكم لَوْ شِئْنا، فَنَحْنُ قادِرُونَ عَلى إهْلاكِكم، ولا يُوجَدُ أحَدٌ يَغْلِبُنا ويَمْنَعُنا مِن خَلْقِ أمْثالِكم بَدَلًا مِنكم. وَهَذا المَعْنى تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٣١)﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وَما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩ - ٢٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في سُورَةِ النِّساءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٣٣] . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]، فِيهِ لِلْعُلَماءِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. قالَ بَعْضُهم: ”نُنْشِئَكم“ بَعْدَ إهْلاكِكم فِيما لا تَعْلَمُونَهُ مِنَ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ، كَأنْ نُنْشِئَكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، كَما فَعَلْنا بِبَعْضِ المُجْرِمِينَ قَبْلَكم. وَقالَ بَعْضُهم: ”نُنْشِئَكم“ فِيما لا تَعْلَمُونَهُ مِنَ الصِّفاتِ، فَنُغَيِّرَ صِفاتِكم ونُجَمِّلَ المُؤْمِنِينَ بِبَياضِ الوُجُوهِ، ونُقَبِّحَ الكافِرِينَ بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ.

الواقعة 56:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ . تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بُرْهانًا قاطِعًا ثانِيًا عَلى البَعْثِ وامْتِنانًا عَظِيمًا عَلى الخَلْقِ بِخَلْقِ أرْزاقِهِمْ لَهم، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣]، يَعْنِي أفَرَأيْتُمُ البَذْرَ الَّذِي تَجْعَلُونَهُ في الأرْضِ بَعْدَ حَرْثِها أيْ تَحْرِيكِها وتَسْوِيَتِها ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أيْ تَجْعَلُونَهُ زَرْعًا، ثُمَّ تُنَمُّونَهُ إلى أنْ يَصِيرَ مُدْرَكًا صالِحًا لِلْأكْلِ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ لَهُ، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ الَّذِي لا جَوابَ غَيْرُهُ هو أنْ يُقالَ: أنْتَ يا رَبَّنا هو الزّارِعُ المُنْبِتُ، ونَحْنُ لا قُدْرَةَ لَنا عَلى ذَلِكَ فَيُقالُ لَهم: كُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ مَن أنْبَتَ هَذا السُّنْبُلَ مِن هَذا البَذْرِ الَّذِي تَعَفَّنَ في باطِنِ الأرْضِ قادِرٌ عَلى أنْ يَبْعَثَكم بَعْدَ مَوْتِكم. وكَوْنُ إنْباتِ النَّباتِ بَعْدَ عَدَمِهِ مِن بَراهِينِ البَعْثِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ • كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فصلت: ٣٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] . والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ قَدَّمْناها مُسْتَوْفاةً مَعَ سائِرِ آياتِ بَراهِينِ البَعْثِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ والنَّحْلِ والجاثِيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ، (p-٥٣٢)وَأحَلْنا عَلَيْها مِرارًا. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ إنْسانٍ أنْ يَنْظُرَ في هَذا البُرْهانِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - وجَّهَ في كِتابِهِ صِيغَةَ أمْرٍ صَرِيحَةٍ عامَّةٍ في كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في هَذا البُرْهانِ العَظِيمِ المُتَضَمِّنِ لِلِامْتِنانِ لَأعْظَمِ النِّعَمِ عَلى الخَلْقِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ، وشَدَّةِ حاجَةِ خَلْقِهِ إلَيْهِ مَعَ غِناهُ عَنْهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢] . والمَعْنى: انْظُرْ أيُّها الإنْسانُ الضَّعِيفُ إلى طَعامِكَ كالخُبْزِ الَّذِي تَأْكُلُهُ ولا غِنى لَكَ عَنْهُ، مَن هو الَّذِي خَلَقَ الماءَ الَّذِي صارَ سَبَبًا لِإنْباتِهِ، هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ عَلى خَلْقِ الماءِ ؟ أيْ إبْرازِهِ مِن أصْلِ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ثُمَّ هَبْ أنَّ الماءَ خُلِقَ، هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ أنْ يُنْزِلَهُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الهائِلِ العَظِيمِ الَّذِي يُسْقِي بِهِ الأرْضَ مِن غَيْرِ هَدْمٍ ولا غَرَقٍ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ الماءَ نَزَلَ في الأرْضِ، مَن هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى شَقِّ الأرْضِ عَنْ مَسارِ الزَّرْعِ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ الزَّرْعَ طَلَعَ، فَمَن هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إخْراجِ السُّنْبُلِ مِنهُ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ السُّنْبُلَ خَرَجَ مِنهُ، فَمَن هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إنْباتِ الحَبِّ فِيهِ وتَنْمِيَتِهِ حَتّى يُدْرَكَ صالِحًا لِلْأكْلِ ؟ ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، والمَعْنى: انْظُرُوا إلى الثَّمَرِ وقْتَ طُلُوعِهِ ضَعِيفًا لا يَصْلُحُ لِلْأكْلِ، وانْظُرُوا إلى يَنْعِهِ، أيِ انْظُرُوا إلَيْهِ بَعْدَ أنْ صارَ يانِعًا مُدْرَكًا صالِحًا لِلْأكْلِ، تَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي رَبّاهُ ونَمّاهُ حَتّى صارَ كَما تَرَوْنَهُ وقْتَ يَنْعِهِ - قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، مُنْعِمٌ عَلَيْكم عَظِيمُ الإنْعامِ؛ ولِذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، فاللّازِمُ أنْ يَتَأمَّلَ الإنْسانُ ويَنْظُرَ في طَعامِهِ ويَتَدَبَّرَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ﴾ [عبس: ٢٥] أيْ عَنِ النَّباتِ شَقًّا إلى آخِرِ ما بَيَّنّاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، يَعْنِي لَوْ نَشاءُ تَحْطِيمَ ذَلِكَ الزَّرْعِ لَجَعَلْناهُ حُطامًا، أيْ فُتاتًا وهَشِيمًا، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ رَحْمَةً بِكم. ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِلِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِجَزاءِ الشَّرْطِ، وتَقْدِيرُهُ كَما ذَكَرْنا. وقَوْلُهُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] (p-٥٣٣)قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْنى فَظَلْتُمْ تَعْجَبُونَ مِن تَحْطِيمِ زَرْعِكم. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَفَكَّهُونَ بِمَعْنى تَنْدَمُونَ عَلى ما خَسِرْتُمْ مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ [الكهف: ٤٢] . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَنْدَمُونَ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِتَحْطِيمِ زَرْعِكم. والأوَّلُ مِنَ الوَجْهَيْنِ في سَبَبِ النَّدَمِ هو الأظْهَرُ.

الواقعة 56:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ . تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ امْتِنانًا عَظِيمًا عَلى خَلْقِهِ بِالماءِ الَّذِي يَشْرَبُونَهُ، وذَلِكَ أيْضًا آيَةٌ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وشِدَّةِ حاجَةِ خَلْقِهِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِينَ تَشْرَبُونَ، الَّذِي لا غِنى لَكم عَنْهُ لَحْظَةً، ولَوْ أعْدَمْناهُ لَهَلَكْتُمْ جَمِيعًا في أقْرَبِ وقْتٍ: ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] . والجَوابُ الَّذِي لا جَوابَ غَيْرُهُ - هو أنْتَ يا رَبَّنا، هو مُنْزِلُهُ مِنَ المُزْنِ، ونَحْنُ لا قُدْرَةَ لَنا عَلى ذَلِكَ. فَيُقالُ لَهم: إذا كُنْتُمْ في هَذا القَدْرِ مِن شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ تَعالى فَلِمَ تَكْفُرُونَ بِهِ وتَشْرَبُونَ ماءَهُ وتَأْكُلُونَ رِزْقَهُ وتَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ الِامْتِنانِ عَلى الخَلْقِ بِالماءِ وأنَّهم يَلْزَمُهُمُ الإيمانُ بِاللَّهِ وطاعَتُهُ شُكْرًا لِنِعْمَةِ هَذا الماءِ، كَما أشارَ لَهُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] - جاءَ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٤٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠]، أيْ لَوْ نَشاءُ جَعْلَهُ أُجاجًا لَفَعَلْنا، ولَكِنْ جَعَلْناهُ عَذْبًا فُراتًا سائِغًا شَرابُهُ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ الفُرْقانِ أنَّ الماءَ الأُجاجَ هو الجامِعُ بَيْنَ المُلُوحَةِ والمَرارَةِ الشَّدِيدَتَيْنِ. (p-٥٣٤)وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِهِ تَعالى لَوْ شاءَ لَجَعَلَ الماءَ غَيْرَ صالِحٍ لِلشَّرابِ - جاءَ مَعْناهُ في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، لِأنَّ الذَّهابَ بِالماءِ وجَعْلَهُ غَوْرًا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ وجَعْلَهُ أُجاجًا، كُلُّ ذَلِكَ في المَعْنى سَواءٌ بِجامِعِ عَدَمِ تَأتِّي شُرْبِ الماءِ. وهَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلى شِدَّةِ حاجَةِ الخَلْقِ إلى خالِقِهِمْ كَما تَرى. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ [الواقعة: ٦٩]، يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الماءِ السّاكِنِ في الأرْضِ النّابِعِ مِنَ العُيُونِ والآبارِ ونَحْوِ ذَلِكَ، أنَّ أصْلَهُ كُلَّهُ نازِلٌ مِنَ المُزْنِ، وأنَّ اللَّهَ أسْكَنَهُ في الأرْضِ وخَزَنَهُ فِيها لِخَلْقِهِ. وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٢٢]، وفي سُورَةِ ”سَبَأٍ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢] . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]، فَلَوْلا بِمَعْنى هَلّا، وهي حِرَفُ تَحْضِيضٍ، وهو الطَّلَبُ بِحَثٍّ وحَضٍّ، والمَعْنى أنَّهم يُطْلَبُ مِنهم شُكْرُ هَذا المُنْعِمِ العَظِيمِ بِحَثٍّ وحَضٍّ. واعْلَمْ أنَّ الشُّكْرَ يُطْلَقُ مِنَ العَبْدِ لِرَبِّهِ ومِنَ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ. فَشُكْرُ العَبْدِ لِرَبِّهِ يَنْحَصِرُ مَعْناهُ في اسْتِعْمالِهِ جَمِيعَ نِعَمِهِ فِيما يُرْضِيهِ تَعالى. فَشُكْرُ نِعْمَةِ العَيْنِ ألّا يَنْظُرَ بِها إلّا ما يُرْضِي مَن خَلَقَها، وهَكَذا في جَمِيعِ الجَوارِحِ. وشُكْرُ نِعْمَةِ المالِ أنْ يُقِيمَ فِيهِ أوامِرَ رَبِّهِ ويَكُونَ مَعَ ذَلِكَ شاكِرَ القَلْبِ واللِّسانِ. وشُكْرُ العَبْدِ لِرَبِّهِ جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَأمّا شُكْرُ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ فَهو أنْ يُثِيبَهُ الثَّوابَ الجَزِيلَ مِن عَمَلِهِ القَلِيلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]، (p-٥٣٥)إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. تَنْبِيهٌ لُغَوِيٌّ اعْلَمْ أنَّ مادَّةَ الشُّكْرِ تَتَعَدّى إلى النِّعْمَةِ تارَةً، وإلى المُنْعِمِ أُخْرى، فَإنْ عُدِّيَتْ إلى النِّعْمَةِ تَعَدَّتْ إلَيْها بِنَفْسِها دُونَ حَرْفِ الجَرِّ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: ١٩]، وإنْ عُدِّيَتْ إلى المُنْعِمِ تَعَدَّتْ إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ الَّذِي هو اللّامُ كَقَوْلِكَ: نَحْمَدُ اللَّهَ ونَشْكُرُ لَهُ، ولَمْ تَأْتِ في القُرْآنِ مُعَدّاةً إلّا بِاللّامِ، • كَقَوْلِهِ: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَهَذِهِ هي اللُّغَةُ الفُصْحى، وتَعْدِيَتُها لِلْمَفْعُولِ بِدُونِ اللّامِ لُغَةٌ لا لَحْنٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي نُخَيْلَةَ: ؎شَكَرْتُكَ إنَّ الشُّكْرَ حَبْلُ مَنِ اتَّقى وما كُلُّ مَن أوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي وَقَوْلُ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ: ؎خَلِيلَيَّ عُوجا اليَوْمَ حَتّى تُسَلِّما ∗∗∗ عَلى عَذْبَةِ الأنْيابِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ ؎فَإنَّكُما إنْ عُجْتُما لِيَ ساعَةً ∗∗∗ شَكَرْتُكُما حَتّى أُغَيَّبَ في قَبْرِي وَهَذِهِ الآياتُ مِن سُورَةِ الواقِعَةِ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ اقْتِرانَ جَوابِ ”لَوْ“ بِاللّامِ، وعَدَمَ اقْتِرانِهِ بِها كِلاهُما سائِغٌ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، بِاللّامِ ثُمَّ قالَ: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠]، بِدُونِها.

الواقعة 56:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]، أيْ تُوقِدُونَها مِن قَوْلِهِمْ: أوْرى النّارَ إذا قَدَحَها وأوْقَدَها، والمَعْنى: أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُوقِدُونَها مِنَ الشَّجَرِ أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها الَّتِي تُوقَدُ مِنها، أيْ أوْجَدْتُمُوها مِنَ العَدَمِ ؟ والجَوابُ الَّذِي لا جَوابَ غَيْرُهُ: أنْتَ يا رَبَّنا هو الَّذِي أنْشَأْتَ شَجَرَتَها، ونَحْنُ (p-٥٣٦)لا قُدْرَةَ لَنا بِذَلِكَ فَيُقالُ: كَيْفَ تُنْكِرُونَ البَعْثَ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ مَن أنْشَأ شَجَرَةَ النّارِ وأخْرَجَها مِنها قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ؟ وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ خَلْقِ النّارِ مِن أدِلَّةِ البَعْثِ - جاءَ مُوَضَّحًا في ”يس“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٧٩ - ٨٠] . فَقَوْلُهُ في آخِرِ ”يس“: ﴿تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] هو مَعْنى قَوْلِهِ في الواقِعَةِ: ﴿تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] . وقَوْلُهُ في آيَةِ ”يس“: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يس: ٨٠]، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ خَلْقَ النّارِ مِن أدِلَّةِ البَعْثِ. وقَوْلُهُ هُنا ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾ [الواقعة: ٧٢]، أيِ الشَّجَرَةَ الَّتِي تُوقَدُ مِنها كالمَرْخِ والعَفارِ، ومِن أمْثالِ العَرَبِ: في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَنْجِدِ المَرْخَ والعَفارَ، لِأنَّ المَرْخَ والعَفارَ هُما أكْثَرُ الشَّجَرِ نَصِيبًا في اسْتِخْراجِ النّارِ مِنهُما، يَأْخُذُونَ قَضِيبًا مِنَ المَرْخِ ويُحْكِمُونَ بِهِ عُودًا مِنَ العَفارِ فَتَخْرُجُ مِن بَيْنِهِما النّارُ، ويُقالُ: كُلُّ شَجَرٍ فِيهِ نارٌ إلّا العُنّابَ. وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣] أيْ نُذَكِّرُ النّاسَ بِها في دارِ الدُّنْيا إذا أحَسُّوا شِدَّةَ حَرارَتِها - نارِ الآخِرَةِ الَّتِي هي أشَدُّ مِنها حَرًّا لِيَنْزَجِرُوا عَنِ الأعْمالِ المُقْتَضِيَةِ لِدُخُولِ النّارِ، وقَدْ صَحَّ عَنْهُ - ﷺ: أنَّ حَرارَةَ نارِ الآخِرَةِ مُضاعَفَةٌ عَلى حَرارَةِ نارِ الدُّنْيا سَبْعِينَ مَرَّةً، فَهي تَفُوقُها بِتِسْعٍ وسِتِّينَ ضِعْفًا، كُلُّ واحِدٍ مِنها مِثْلُ حَرارَةِ نارِ الدُّنْيا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]، أيْ مَنفَعَةً لِلنّازِلِينَ بِالقِواءِ مِنَ الأرْضِ، وهو الخَلاءُ والفَلاةُ الَّتِي لَيْسَ بِها أحَدٌ، وهُمُ المُسافِرُونَ، لِأنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِالنّارِ انْتِفاعًا عَظِيمًا في الِاسْتِدْفاءِ بِها والِاسْتِضاءَةِ وإصْلاحِ الزّادِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ مِن مَوانِعِ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ - كَوْنَ اللَّفْظِ وارِدًا لِلِامْتِنانِ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ مَفْهُومًا لِلْمُقْوِينَ، لِأنَّهُ جِيءَ بِهِ لِلِامْتِنانِ أيْ وهي مَتاعٌ أيْضًا لِغَيْرِ المُقْوِينَ مِنَ الحاضِرِينَ بِالعُمْرانِ، وكُلُّ شَيْءٍ خَلا مِنَ النّاسِ يُقالُ لَهُ أقْوى، فالرِّجالُ إذا كانَ في الخَلا قِيلَ لَهُ: أقْوى. والدّارُ إذا خَلَتْ مِن أهْلِها قِيلَ لَها أقْوَتْ. وَمِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ: ؎يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فالسَّنَدِ أقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأبَدِ وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ:(p-٥٣٧) ؎حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ وَقِيلَ لِلْمُقْوِينَ: أيْ لِلْجائِعِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ هو ما ذَكَرْنا.

الواقعة 56:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ النَّجْمِ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٠٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الواقِعَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ . يَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يُقْسِمْ بِهَذا القَسَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [ ٥٦ ]، يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. والجَوابُ عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ ”لا“ النّافِيَةَ يَتَعَلَّقُ نَفْيُها بِكَلامِ الكُفّارِ، فَمَعْناها إذًا لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُهُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ”أُقْسِمُ“ إثْباتٌ مُؤْتَنَفٌ. الثّانِي: أنَّ لَفْظَةَ ”لا“ صِلَةٌ، وقَدْ وعَدْنا بِبَيانِ ذَلِكَ بِشَواهِدِهِ في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [ ٩٠ ]، مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] .

الواقعة 56:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ . أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وأكَّدَ إخْبارَهُ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ هو حَقُّ اليَقِينِ، وأمَرَ نَبِيَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ يُسَبِّحَ بِاسْمِ رَبِّهِ العَظِيمِ. وَهَذا الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ ذَكَرَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في آخِرِ سُورَةِ الحاقَّةِ في قَوْلِهِ في وصْفِهِ لِلْقُرْآنِ ﴿وَإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [ ٦٩ - ٥٢ ]، والحَقُّ هو اليَقِينُ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ إضافَةَ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ، وذَكَرْنا كَثْرَةَ وُرُودِهِ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، و ”لَدارُ“ هي الآخِرَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ [فاطر: ٤٣]، والمَكْرُ هو السَّيِّئُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، والحَبْلُ هو الوَرِيدُ، وقَوْلُهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والشَّهْرُ هو رَمَضانُ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎كَبِكْرِ المُقاناةِ البِياضَ بِصُفْرَةٍ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ والبِكْرُ هي المُقاناةُ. وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ: ؎وَمِشَكِّ سابِغَةٍ هَتَكْتُ فُرُوجَها ∗∗∗ بِالسَّيْفِ عَنْ حامِي الحَقِيقَةِ مُعْلِمِ لِأنَّ مُرادَهُ بِالمِشَكِّ هُنا الدِّرْعُ نَفْسُها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: هَتَكْتُ فُرُوجَها، يَعْنِي الدِّرْعَ، وإنْ كانَ أصْلُ المِشَكِّ لُغَةً السَّيْرَ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الدِّرْعُ، لِأنَّ السَّيْرَ لا تُمْكِنُ إرادَتُهُ في بَيْتِ (p-٥٣٨)عَنْتَرَةَ هَذا خِلافًا لِما ظَنَّهُ صاحِبُ تاجِ العَرُوسِ، بَلْ مُرادُ عَنْتَرَةَ بِالمِشَكِّ الدِّرْعُ، وأضافَهُ إلى السّابِغَةِ الَّتِي هي الدِّرْعُ كَما ذَكَرْنا، وإلى هَذا يُشِيرُ ما ذَكَرُوهُ في بابِ العَلَمِ، وعَقَدَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: ؎وَإنْ يَكُونا مُفْرَدَيْنِ فَأضِفْ ∗∗∗ حَتْمًا وإلّا أتْبِعِ الَّذِي رُدِفَ لِأنَّ الإضافَةَ المَذْكُورَةَ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، وقَدْ بَيَّنّا في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ أنَّ قَوْلَهُ في الخُلاصَةِ: ؎وَلا يُضافُ اسْمٌ لِما بِهِ اتَّحَدْ ∗∗∗ مَعْنًى وأوِّلْ مُوهِمًا إذا ورَدْ إنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا مِنِ اسْتِقْراءِ القُرْآنِ والعَرَبِيَّةِ أنَّ ذَلِكَ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ، وأنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ كافٍ في المُغايَرَةِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ، وأنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ مَعَ كَثْرَةِ وُرُودِ ذَلِكَ في القُرْآنِ والعَرَبِيَّةِ. وَيَدُلُّ لَهُ تَصْرِيحُهم بِلُزُومِ إضافَةِ الِاسْمِ إلى اللَّقَبِ إنْ كانا مُفْرَدَيْنِ نَحْوَ سَعِيدِ كُرْزٍ، لِأنَّ ما لا بُدَّ لَهُ مِن تَأْوِيلٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هو اللّازِمَ كَما تَرى، فَكَوْنُهُ أُسْلُوبًا أظْهَرُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦]، التَّسْبِيحُ: أصْلُهُ الإبْعادُ عَنِ السُّوءِ، وتَسْبِيحُ اللَّهِ وتَنْزِيهُهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، وذَلِكَ التَّنْزِيهُ واجِبٌ لَهُ في ذاتِهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [الواقعة: ٩٦] داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآيَةَ [مريم: ٢٥] أدِلَّةً كَثِيرَةً مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ عَلى دُخُولِ الباءِ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]، والمَعْنى: وهُزِّي جِذْعَ النَّخْلَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ﴾ [الحج: ٢٥]، أيْ إلْحادًا إلى آخِرِ ما قَدَّمْنا مِنَ الأدِلَّةِ الكَثِيرَةِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ العَظِيمِ كَما يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ في الأعْلى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] . وَقالَ القُرْطُبِيُّ: الِاسْمُ هُنا بِمَعْنى المُسَمّى، أيْ سَبِّحْ رَبَّكَ، وإطْلاقُ الِاسْمِ بِمَعْنى المُسَمّى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:(p-٥٣٩) ؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ وَلا يَلْزَمُ في نَظَرِي أنَّ الِاسْمَ بِمَعْنى المُسَمّى هُنا لِإمْكانِ كَوْنِ المُرادِ نَفْسَ الِاسْمِ، لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ ألْحَدَ فِيها قَوْمٌ ونَزَّهَها آخَرُونَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ، ووَصَفَها اللَّهُ بِأنَّها بالِغَةٌ غايَةَ الحُسْنِ، وفي ذَلِكَ أكْمَلُ تَنْزِيهٍ لَها لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى صِفاتِهِ الكَرِيمَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] . وَلَسْنا نُرِيدُ أنْ نَذْكُرَ كَلامَ المُتَكَلِّمِينَ في الِاسْمِ والمُسَمّى، هَلِ الِاسْمُ هو المُسَمّى أوْ لا ؟ لِأنَّ مُرادَنا هُنا بَيانُ مَعْنى الآيَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.