Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — الحديد 57:1 – الممتحنة 60:13

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. الحديد 57:1
  2. الحديد 57:4
  3. الحديد 57:9
  4. الحديد 57:10
  5. الحديد 57:12
  6. الحديد 57:14
  7. الحديد 57:15
  8. الحديد 57:16
  9. الحديد 57:20
  10. الحديد 57:22
  11. الحديد 57:25
  12. الحديد 57:26
  13. الحديد 57:28
  14. الحديد 57:29
  15. المجادلة 58:2
  16. المجادلة 58:3
  17. المجادلة 58:7
  18. المجادلة 58:8
  19. المجادلة 58:12
  20. المجادلة 58:14
  21. المجادلة 58:16
  22. المجادلة 58:17
  23. المجادلة 58:19
  24. المجادلة 58:20
  25. المجادلة 58:21
  26. المجادلة 58:22
  27. الحشر 59:1
  28. الحشر 59:2
  29. الحشر 59:4
  30. الحشر 59:5
  31. الحشر 59:6
  32. الحشر 59:7
  33. الحشر 59:8
  34. الحشر 59:18
  35. الحشر 59:20
  36. الحشر 59:21
  37. الحشر 59:22
  38. الممتحنة 60:1
  39. الممتحنة 60:2
  40. الممتحنة 60:3
  41. الممتحنة 60:4
  42. الممتحنة 60:6
  43. الممتحنة 60:7
  44. الممتحنة 60:8
  45. الممتحنة 60:10
  46. الممتحنة 60:12
  47. الممتحنة 60:13

الحديد 57:1

(p-٥٤٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَدِيدِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ التَّسْبِيحَ هو تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الإبْعادُ عَنِ السُّوءِ، مِن قَوْلِهِمْ سَبَحَ إذا صارَ بَعِيدًا، ومِنهُ قِيلَ لِلْفَرَسِ: سابِحٌ، لِأنَّهُ إذا جَرى يَبْعُدُ بِسُرْعَةٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎إذْ لا أزالُ عَلى رِحالَةِ سابِحٍ نَهْدٍ تَعاوَرُهُ الكُماةُ مُكَلَّمِ وَقَوْلُ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ: ؎لا يَغْرِسُونَ فَسِيلَ النَّخْلِ حَوْلَهُمُ ∗∗∗ ولا تَخاوَرُ في مَشْتاهُمُ البَقَرُ ؎إلّا سَوابِحَ كالعِقْبانِ مُقْرَبَةً ∗∗∗ في دارَةٍ حَوْلَها الأخْطارُ والفِكَرُ وَهَذا الفِعْلُ الَّذِي هو ”سَبَّحَ“ قَدْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ بِدُونِ اللّامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]، وقَدْ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَقَوْلِهِ هُنا: سَبَّحَ لِلَّهِ، وعَلى هَذا فَسَبَّحَهُ وسَبَّحَ لَهُ لُغَتانِ كَنَصَحَهُ ونَصَحَ لَهُ. وشَكَرَهُ وشَكَرَ لَهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم في الآيَةِ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّ المَعْنى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ أحْدَثَ التَّسْبِيحَ لِأجْلِ اللَّهِ أيِ ابْتِغاءَ وجْهِهِ تَعالى، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو حَيّانَ، وقِيلَ: سَبَّحَ لِلَّهِ أيْ صَلّى لَهُ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّسْبِيحَ يُطْلَقُ عَلى الصَّلاةِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ يُسَبِّحُونَ لِلَّهِ، أيْ يُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَلِيقُ - بَيَّنَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحَشْرِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ الآيَةَ [الحشر: ١]، • وقَوْلِهِ في الصَّفِّ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ الآيَةَ [الصف: ١]، • وقَوْلِهِ في الجُمُعَةِ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ الآيَةَ [الجمعة: ١]، • وقَوْلِهِ في التَّغابُنِ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآيَةَ [التغابن: ١] . وَزادَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرْضَ يُسَبِّحْنَ لِلَّهِ مَعَ ما فِيهِما (p-٥٤١)مِنَ الخَلْقِ وأنَّ تَسْبِيحَ السَّماواتِ ونَحْوِها مِنَ الجَماداتِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ونَحْنُ لا نَفْقَهُهُ أيْ لا نَفْهَمُهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ تَسْبِيحَ الجَماداتِ المَذْكُورَ فِيها وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ونَحْوِ ذَلِكَ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ونَحْنُ لا نَعْلَمُهُ. والآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها الرَّدُّ الصَّرِيحُ عَلى مَن زَعَمَ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ تَسْبِيحَ الجَماداتِ هو دَلالَةُ إيجادِها عَلى قُدْرَةِ خالِقِها، لِأنَّ دَلالَةَ الكائِناتِ عَلى عَظَمَةِ خالِقِها يَفْهَمُها كُلُّ العُقَلاءِ، كَما صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وأمْثالُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. وَقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ الآيَةَ [الرعد: ١٥]، وفي سُورَةِ الكَهْفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٧٧]، وفي سُورَةِ الأحْزابِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٧٢]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ. وَقَدْ عَبَّرَ تَعالى هُنا في أوَّلِ الحَدِيدِ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ١]، وكَذَلِكَ هو في الحَشْرِ، والصَّفِّ، وعَبَّرَ في الجُمُعَةِ والتَّغابُنِ، وغَيْرِهِما بِقَوْلِهِ: يُسَبِّحُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ. قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّما عَبَّرَ بِالماضِي تارَةً وبِالمُضارِعِ أُخْرى لِيُبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ لِلَّهِ هو شَأْنُ أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ، ودَأْبُهم في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ. ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو حَيّانَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١]، قَدْ قَدَّمْنا مَعْناهُ مِرارًا، وذَكَرْنا أنَّ العَزِيزَ هو الغالِبُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، وأنَّ العِزَّةَ هي الغَلَبَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَعَزَّنِي في الخِطابِ﴾، أيْ: غَلَبَنِي في الخِصامِ، ومِن أمْثالِ العَرَبِ: مَن عَزَّ بَزَّ، يَعْنُونَ: مَن غَلَبَ اسْتَلَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:(p-٥٤٢) ؎كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُخْتَشى ∗∗∗ إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزَّ بَزّا والحَكِيمُ: هو مَن يَضَعُ الأُمُورَ في مَواضِعِها ويُوقِعُها في مَواقِعِها. وَقَوْلُهُ: ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ١]، غُلِّبَ فِيهِ غَيْرُ العاقِلِ، وقَدْ قَدَّمْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ تَعالى تارَةً يُغَلِّبُ غَيْرَ العاقِلِ، في نَحْوِ: ”ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ“ لِكَثْرَتِهِ، وتارَةً يُغَلِّبُ العاقِلَ لِأهَمِّيَّتِهِ. وقَدْ جَمَعَ المِثالُ لِلْأمْرَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى في البَقَرَةِ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١٦]، فَغَلَّبَ غَيْرَ العاقِلِ في قَوْلِهِ: ﴿ما في السَّماواتِ﴾، وغَلَّبَ العاقِلَ في قَوْلِهِ: ﴿قانِتُونَ﴾ .

الحديد 57:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الحديد: ٤]، قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ فُصِّلَتْ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ الآياتِ [التوبة: ١٢]، وفي سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٤] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٤]، وذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ القِتالِ في كَلامِنا الطَّوِيلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في أوَّلِ سُورَةِ سَبَأٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ وبَيَّنّا الآياتِ القُرْآنِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى المَعِيَّةِ العامَّةِ والمَعِيَّةِ الخاصَّةِ، مَعَ بَيانِ مَعْنى المَعِيَّةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٤٣)﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٨] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٠٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَدِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ . يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ عالٍ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [ ٥٧ ]، يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ. والجَوابُ أنَّهُ تَعالى مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ كَما قالَ بِلا كَيْفٍ ولا تَشْبِيهٍ، اسْتِواءً لائِقًا بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، وجَمِيعُ الخَلائِقِ في يَدِهِ أصْغَرُ مِن حَبَّةِ خَرْدَلٍ، فَهو مَعَ جَمِيعِهِمْ بِالإحاطَةِ الكامِلَةِ والعِلْمِ التّامِّ، ونُفُوذِ القُدْرَةِ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ عُلُوِّهِ عَلى عَرْشِهِ ومَعِيَّتِهِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ. ألا تَرى ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى أنَّ أحَدَنا لَوْ جَعَلَ في يَدِهِ حَبَّةً مِن خَرْدَلٍ أنَّهُ لَيْسَ داخِلًا في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ الحَبَّةِ مَعَ أنَّهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أجْزائِها ومَعَ جَمِيعِ أجْزائِها، والسَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِما في يَدِهِ تَعالى أصْغَرُ مِن حَبَّةِ خَرْدَلٍ في يَدِ أحَدِنا، ولَهُ المَثَلُ الأعْلى سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًا كَبِيرًا، فَهو أقْرَبُ إلى الواحِدِ مِنّا مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ بَلْ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، مَعَ أنَّهُ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن عَمَلِ خَلْقِهِ، جَلَّ وعَلا.

الحديد 57:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ آياتٍ بَيِّناتٍ، أيْ واضِحاتٍ. وهي هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ؛ لِيُخْرِجَ النّاسَ بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالآياتِ البَيِّناتِ، مِنَ الظُّلُماتِ: أيْ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعاصِي إلى نُورِ التَّوْحِيدِ والهُدى، وهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُبَيَّنّا في قَوْلِهِ تَعالى في الطَّلاقِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ الآيَتانِ [الطلاق: ١٠ - ١١]، وآيَةُ الطَّلاقِ هَذِهِ بَيَّنَتْ أنَّ آيَةَ الحَدِيدِ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، وأنَّهُ لا يَخْرُجُ بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلّا مَن وفَّقَهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَقَوْلُهُ في الحَدِيدِ: ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ﴾ [الحديد: ٩]، أيْ بِشَرْطِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ١١] . فالدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ والخُرُوجِ بِنُورِهِ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ عامَّةٌ، ولَكِنَّ التَّوْفِيقَ إلى الخُرُوجِ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ خاصٌّ بِمَن وفَّقَهُمُ اللَّهُ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتُ الطَّلاقِ المَذْكُورَةُ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] . وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ القُرْآنِ نُورًا يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ يَهْدِي ﴿بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التغابن: ٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ الآيَةَ [الشورى: ٥٢] .

الحديد 57:10

(p-٥٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٠] .

الحديد 57:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ، وهو جَمْعُ يَمِينٍ، وأنَّهم يُقالُ لَهم: ﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢] . وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِمّا ذَكَرْنا - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، أمّا سَعْيُ نُورِهِمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ، فَقَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في سُورَةِ التَّحْرِيمِ، وزادَ فِيها بَيانَ دُعائِهِمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ الآيَةَ [التحريم: ٨] . وَأمّا تَبْشِيرُهم بِالجَنّاتِ فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ، وبَيَّنَ اللَّهُ فِيها أنَّ المَلائِكَةَ تُبَشِّرُهم وأنَّ رَبَّهم أيْضًا يُبَشِّرُهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١ - ٢٢]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الحديد 57:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ . الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ”يُنادُونَهم“ راجِعٌ إلى المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ إذا رَأوْا نُورَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ، قالُوا لَهُمُ: انْظُرُوا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم، وقِيلَ لَهم جَوابًا لِذَلِكَ: ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا (p-٥٤٥)نُورًا، وضُرِبَ بَيْنَهم بِالسُّورِ المَذْكُورِ أنَّهم يُنادُونَ المُؤْمِنِينَ: ألَمْ نَكُنْ مَعَكم، أيْ في دارِ الدُّنْيا، كُنّا نَشْهَدُ مَعَكُمُ الصَّلَواتِ ونَسِيرُ مَعَكم في الغَزَواتِ ونَدِينُ بِدِينِكم ؟ قالُوا: بَلى، أيْ كُنْتُمْ مَعَنا في دارِ الدُّنْيا، ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم. وَقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا مَعانِيَ الفِتْنَةِ وإطْلاقاتِها في القُرْآنِ، وبَيَّنّا أنَّ مِن مَعانِي إطْلاقاتِها في القُرْآنِ الضَّلالَ كالكُفْرِ والمَعاصِي، وهو المُرادُ هُنا أيْ فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم: أيْ أضْلَلْتُمُوها بِالنِّفاقِ الَّذِي هو كُفْرٌ باطِنٌ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]، أيْ لا يَبْقى شِرْكٌ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ [الحديد: ١٤]، التَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ، والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا تَرَبُّصُ المُنافِقِينَ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ أيِ انْتِظارُهم بِهِمْ نَوائِبَ الدَّهْرِ أنْ تُهْلِكَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى في مُنافِقِي الأعْرابِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ [التوبة: ١٠١]، ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] . وَقَوْلُهُ تَعالى: وارْتَبْتُمْ أيْ شَكَكْتُمْ في دِينِ الإسْلامِ، وشَكُّهُمُ المَذْكُورُ هُنا وكُفْرُهم بِسَبَبِهِ بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٤]، الأمانِيُّ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي ما يُمَنُّونَ بِهِ أنْفُسَهم مِنَ الباطِلِ، كَزَعْمِهِمْ أنَّهم مُصْلِحُونَ في نِفاقِهِمْ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ حَقًّا سُفَهاءُ في صِدْقِهِمْ، أيْ في إيمانِهِمْ، كَما بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١ - ١٢]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣] . وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الأمانِيِّ المَذْكُورَةِ مِنَ الغُرُورِ الَّذِي اغْتَرُّوا بِهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣ - ١٢٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٤]، الأظْهَرُ أنَّهُ المَوْتُ لِأنَّهُ يَنْقَطِعُ بِهِ العَمَلُ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]، هو (p-٥٤٦)الشَّيْطانُ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي هي المَفْعُولُ لِكَثْرَةِ غُرُورِهِ لِبَنِي آدَمَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] . وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ الشَّيْطانَ الكَثِيرَ الغُرُورِ غَرَّهم بِاللَّهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ لُقْمانَ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]، وقَوْلِهِ في أوَّلِ فاطِرٍ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥ - ٦] . وَقَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ لُقْمانَ وآيَةِ فاطِرٍ المَذْكُورَتَيْنِ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [يونس: ٥٥] وتَرْتِيبُهُ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ عَنْ أنْ يَغُرَّهم بِاللَّهِ الغَرُورُ - دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ مِمّا يَغُرُّهم بِهِ الشَّيْطانُ أنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالبَعْثِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وأنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ. والغُرُورُ بِالضَّمِّ الخَدِيعَةُ.

الحديد 57:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٩١]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

الحديد 57:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ كُلَّ فِعْلٍ مُضارِعٍ في القُرْآنِ مَجْزُومٌ بِـ ”لَمْ“ إذا تَقَدَّمَتْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ كَما هُنا - فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ. الأوَّلُ مِنهُما: هو أنْ تُقْلَبَ مُضارَعَتُهُ ماضَوِيَّةً، ونَفْيُهُ إثْباتًا، فَيَكُونَ بِمَعْنى الماضِي المُثْبَتِ، لِأنَّ ”لَمْ“ حَرْفٌ تَقْلِبُ المُضارِعَ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ إلى مَعْنى المُضِيِّ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ إنْكارِيَّةٌ، فِيها مَعْنى النَّفْيِ، فَيَتَسَلَّطُ النَّفْيُ الكامِنُ فِيها عَلى النَّفْيِ الصَّرِيحِ في ”لَمْ“ فَيَنْفِيهِ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَيَرْجِعَ المَعْنى إلى الماضِي المُثْبَتِ. وعَلَيْهِ فالمَعْنى ”ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ“ أيْ: آنَ لِلَّذِينِ آمَنُوا. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْهامَ في جَمِيعِ ذَلِكَ لِلتَّقْرِيرِ، وهو حَمْلُ المُخاطَبِ عَلى أنْ (p-٥٤٧)يَقِرَّ فَيَقُولَ: بَلى. وقَوْلُهُ: ”يَأْنِ“: هو مُضارِعُ ”أنى يَأْنى“ إذا جاءَ إنّاهُ أيْ وقْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَلِقَدْ أنى لَكَ أنْ تَناهى طائِعًا أوْ تَسْتَفِيقَ إذا نَهاكَ المُرْشِدُ فَقَوْلُهُ: أنى لَكَ أنْ تَناهى طائِعًا، أيْ جاءَ الإناهُ الَّذِي هو الوَقْتُ الَّذِي تَتَناهى فِيهِ طائِعًا، أيْ حَضَرَ وقْتُ تَناهِيكَ، ويُقالُ في العَرَبِيَّةِ: آنَ يَئِينُ كَباعَ يَبِيعُ، وأنى يَأْنِي كَرَمى يَرْمِي، وقَدْ جَمَعَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألَمّا يَئِنْ لِي أنْ تُجَلّى عَمايَتِي وأُقْصِرَ عَنْ لَيْلى بَلى قَدْ أنى لِيا والمَعْنى عَلى كِلا القَوْلَيْنِ أنَّهُ حانَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنى لَهم أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ، أيْ جاءَ الحِينُ والأوانُ لِذَلِكَ، لِكَثْرَةِ ما تَرَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِن زَواجِرِ القُرْآنِ ومَواعِظِهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنْ“ وصِلَتِها في مَحِلِّ رَفْعِ فاعِلٍ بِـ ”أنْ“، والخُشُوعُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ والِانْخِفاضُ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ: ؎رَمادٌ كَكُحْلِ العَيْنِ لَأْيًا أُبِينُهُ ∗∗∗ ونُؤْيٌ كَجَذْمِ الحَوْضِ أثَلَمُ خاشِعُ فَقَوْلُهُ: ”خاشِعٍ“ أيْ مُنْخَفَضٍ مُطْمَئِنٍ، والخُشُوعُ في الشَّرْعِ خَشْيَةٌ مِنَ اللَّهِ تُداخِلُ القُلُوبَ، فَتَظْهَرُ آثارُها عَلى الجَوارِحِ بِالِانْخِفاضِ والسُّكُونِ، كَما هو شَأْنُ الخائِفِ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، الأظْهَرُ مِنهُ أنَّ المُرادَ خُشُوعُ قُلُوبِهِمْ لِأجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ، وهَذا المَعْنى دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، أيْ خافَتْ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، فالوَجَلُ المَذْكُورُ في آيَةِ الأنْفالِ هَذِهِ، والخَشْيَةُ المَذْكُورَةُ هُنا مَعْناهُما واحِدٌ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ القُرْآنُ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا. وَعَلى هَذا القَوْلِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٤٨)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] . فالِاقْشِعْرارُ المَذْكُورُ ولِينُ الجُلُودِ والقُلُوبِ عِنْدَ سَماعِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِأحْسَنِ الحَدِيثِ - يُفَسِّرُ مَعْنى الخُشُوعِ لِذِكْرِ اللَّهِ، وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ هُنا كَما ذُكِرَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٧٤] بَعْضَ أسْبابِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، فَذَكَرْنا مِنها طُولَ الأمَدِ المَذْكُورِ هُنا في آيَةِ الحَدِيدِ هَذِهِ، وغَيْرَ ذَلِكَ في بَعْضِ الآياتِ الأُخَرِ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَثْرَةِ الفاسِقِينَ، مِن أهْلِ الكِتابِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الحديد 57:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الزُّمَرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ الآيَةَ [الزمر: ٢١]، وبَيَّنّا هُناكَ الآيَةَ الدّالَّةَ عَلى سَبَبِ اصْفِرارِهِ.

الحديد 57:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كُلَّ ما أصابَ مِنَ المَصائِبِ في الأرْضِ كالقَحْطِ والجَدَبِ والجَوائِحِ في الزِّراعَةِ والثِّمارِ وفي الأنْفُسِ مِنَ الأمْراضِ والمَوْتِ كُلَّهُ مَكْتُوبٌ في كِتابٍ قَبْلَ خَلْقِ النّاسِ، وقَبْلَ وُجُودِ المَصائِبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢]، الضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى الخَلِيقَةِ المَفْهُومَةِ في ضِمْنِ قَوْلِهِ: ﴿وَفِي أنْفُسِكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢]، أوْ إلى المُصِيبَةِ، واخْتارَ بَعْضُهم رُجُوعَهُ لِذَلِكَ كُلِّهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، أيْ سَهْلٌ هَيِّنٌ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّهُ لا يُصِيبُ النّاسَ شَيْءٌ مِنَ المَصائِبِ إلّا وهو (p-٥٤٩)مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ قَبْلَ ذَلِكَ - أوْضَحُهُ اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن: ١١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] قَبْلَ وُقُوعِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذِهِ المَصائِبَ مَعْلُومَةٌ لَهُ - جَلَّ وعَلا - قَبْلَ وُقُوعِها، ولِذا أخْبَرَهم تَعالى بِأنَّها سَتَقَعُ، لِيَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لَها وقْتَ نُزُولِها بِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ يُعِينُهم عَلى الصَّبْرِ عَلَيْها. وَنَقْصُ الأمْوالِ والثَّمَراتِ مِمّا أصابَ مِن مُصِيبَةٍ. ونَقْصُ الأنْفُسِ في قَوْلِهِ: والأنْفُسِ مِمّا أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأنْفُسِ، وقَوْلُهُ في آيَةِ الحَدِيدِ هَذِهِ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]، أيْ بَيَّنّا لَكم أنَّ الأشْياءَ مُقَدَّرَةٌ مَكْتُوبَةٌ قَبْلَ وُجُودِ الخَلْقِ، وأنَّ ما كَتَبَ واقِعٌ لا مَحالَةَ لِأجْلِ ألّا تَحْزَنُوا عَلى شَيْءٍ فاتَكم، لِأنَّ فَواتَهُ لَكم مُقَدَّرٌ، وما لا طَمَعَ فِيهِ قَلَّ الأسى عَلَيْهِ، ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم، لِأنَّكم إذا عَلِمْتُمْ أنَّ ما كَتَبَ لَكم مِنَ الرِّزْقِ والخَيْرِ لا بُدَّ أنْ يَأْتِيَكم قَلَّ فَرَحُكم بِهِ، وقَوْلُهُ: ”تَأْسَوْا“ مُضارِعُ أسِيَ بِكَسْرِ السِّينِ يَأْسى بِفَتْحِها أسًى بِفَتْحَتَيْنِ عَلى القِياسِ، بِمَعْنى حَزِنَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] . وقَوْلُهُ: ”مِن مُصِيبَةٍ“ مَجْرُورٌ في مَحِلِّ رَفْعٍ؛ لِأنَّهُ فاعِلُ ”أصابَ“ جُرَّ بِـ ”مِنَ“ المَزِيدَةِ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ، و ”ما“ نافِيَةٌ.

الحديد 57:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الشُورى، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ الآيَةَ [الشورى: ١٧]، وقَدَّمْنا هُناكَ كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في مَعْناهُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ . بَيَّنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ والَّتِي قَبْلَها أنَّ إقامَةَ دِينِ الإسْلامِ تَنْبَنِي عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما هو ما ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، لِأنَّ في ذَلِكَ إقامَةَ البَراهِينِ عَلى الحَقِّ، وبَيَّنَ الحُجَّةَ وإيضاحَ الأمْرِ والنَّهْيِ والثَّوابِ والعِقابِ. فَإذا أصَرَّ الكُفّارُ عَلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ مَعَ ذَلِكَ البَيانِ والإيضاحِ، فَإنَّ اللَّهَ تَبارَكَ (p-٥٥٠)وَتَعالى أنْزَلَ الحَدِيدَ، أيْ: خَلَقَهُ لِبَنِي آدَمَ لِيَرْدَعَ بِهِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ المُعانِدِينَ، وهو قَتْلُهم إيّاهم بِالسُّيُوفِ والرِّماحِ والسِّهامِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، تُوَضِّحُهُ آياتٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، والآياتُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥]، لا يَخْفى ما في الحَدِيدِ مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ، وقَدْ أشارَ اللَّهُ إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ﴾ [الرعد: ١٧]، لِأنَّ مِمّا يُوقَدُ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ المَتاعِ - الحَدِيدَ.

الحديد 57:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٢٨ - ٢٩] .

الحديد 57:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مِن سُورَةِ الحَدِيدِ في المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ سِياقَها واضِحٌ في ذَلِكَ، وأنَّ مَن زَعَمَ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّها في أهْلِ الكِتابِ فَقَدْ غَلِطَ، وأنَّ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أعْظُمُ مِمّا وعَدَ بِهِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ وإتْيانِهِمْ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ كَما قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٥٢ - ٥٤] . وَكَوْنُ ما وعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أعْظَمَ، أنَّ إيتاءَ أهْلِ الكِتابِ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ أعْطى المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مِثْلَهُ كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، وزادَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨] .

الحديد 57:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ وحْدَهُ وأنَّهُ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ - جاءَ (p-٥٥١)مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ فاطِرٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] .

المجادلة 58:2

(p-٥٥٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ المُجادِلَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مُوَضَّحًا في سُورَةِ الأحْزابِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وبَيَّنّا هُناكَ كَلامَ أهْلِ العِلْمِ، وأدِلَّتَهم، ومُناقَشَتَها في مَسائِلِ الظِّهارِ، ومَسائِلِ أحْكامِ الكَفّارَةِ بِالعِتْقِ، والصِّيامِ، والإطْعامِ، وأوْجُهَ القِراءَةِ في الآيَةِ.

المجادلة 58:3

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُجادَلَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ . لا يَخْفى أنَّ تَرْتِيبَهُ تَعالى الكَفّارَةَ بِالعِتْقِ عَلى الظِّهارِ والعَوْدِ مَعًا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الكَفّارَةَ لا تَلْزَمُ إلّا بِالظِّهارِ والعَوْدِ مَعًا. وَقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، صَرِيحٌ في أنَّ التَّكْفِيرَ يَلْزَمُ كَوْنُهُ قَبْلَ العُودِ إلى المَسِيسِ. اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ ما رَجَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِن قَوْلِ داوُدَ وحَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأشَجِّ والفَرّاءِ وفِرْقَةٍ مِن أهْلِ الكَلامِ، وقالَ بِهِ شُعْبَةُ مِن أنَّ مَعْنى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا هو عَوْدُهم إلى لَفْظِ الظِّهارِ، فَيُكَرِّرُونَهُ مَرَّةً أُخْرى قَوْلٌ باطِلٌ، بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلِ المَرْأةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها آيَةُ الظِّهارِ، هَلْ كَرَّرَ زَوْجُها صِيغَةَ الظِّهارِ أمْ لا، وتَرْكُ الِاسْتِفْصالِ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ كَما تَقَدَّمَ مِرارًا. والتَّحْقِيقُ، أنَّ الكَفّارَةَ ومَنعَ الجِماعِ قَبْلَها لا يُشْتَرَطُ فِيهِما تَكْرِيرُ صِيغَةِ الظِّهارِ وما زَعَمَهُ البَعْضُ أيْضًا مِن أنَّ الكَلامَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا سالِمِينَ مِنَ الإثْمِ بِسَبَبِ الكَفّارَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ أيْضًا، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن وُجُوبِ الحَمْلِ عَلى بَقاءِ التَّرْتِيبِ إلّا لِدَلِيلٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ مَراقِي السُّعُودِ: ؎كَذَلِكَ تَرْتِيبٌ لِإيجابِ العَمَلْ بِما لَهُ الرُّجْحانُ مِمّا يُحْتَمَلْ وَسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ الجَوابَ عَنْ هَذا الإشْكالِ عَلى مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وأرْضاهم أجْمَعِينَ، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ: مَعْنى العَوْدِ عِنْدَ مالِكٍ فِيهِ قَوْلانِ ؟ تُؤُوِّلَتِ المُدَوَّنَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وكِلاهُما مُرَجَّحٌ. (p-٤١١)الأوَّلُ: أنَّهُ العَزْمُ عَلى الجِماعِ فَقَطْ. الثّانِي: أنَّهُ العَزْمُ عَلى الجِماعِ وإمْساكِ الزَّوْجَةِ مَعًا، وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ لِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعْزِمُونَ عَلى الجِماعِ، أوْ عَلَيْهِ مَعَ الإمْساكِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَلا مُنافاةَ بَيْنَ العَزْمِ عَلى الجِماعِ أوْ عَلَيْهِ مَعَ الإمْساكِ، وبَيْنَ الإعْتاقِ قَبْلَ المَسِيسِ. وَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ حَذْفُ الإرادَةِ وهو واقِعٌ في القُرْءانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، أيْ أرَدْتُمُ القِيامَ إلَيْها. وَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، أيْ أرَدْتَ قِراءَتَهُ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ الآيَةَ [النحل: ٩٨] . وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ أنْ يُمْسِكَها بَعْدَ المُظاهَرَةِ زَمانًا يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَ فِيهِ فَلا يُطَلِّقُ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ أيْضًا، لِأنَّ إمْساكَهُ إيّاها الزَّمَنَ المَذْكُورَ لا يُنافِي التَّكْفِيرَ قَبْلَ المَسِيسِ كَما هو واضِحٌ. وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ أحْمَدَ هو أنْ يَعُودَ إلى الجِماعِ أوْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ، أمّا العَزْمُ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا إشْكالَ في الآيَةِ عَلى القَوْلِ بِهِ. وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الجِماعُ، فالجَوابُ أنَّهُ إنْ ظاهَرَ وجامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَلْزَمُهُ الكَفُّ عَنِ المَسِيسِ مَرَّةً أُخْرى حَتّى يُكَفِّرَ ولا يَلْزَمُ مِن هَذا جَوازُ الجِماعِ الأوَّلِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِأنَّ الآيَةَ عَلى هَذا القَوْلِ، إنَّما بَيَّنَتْ حُكْمَ ما إذا وقَعَ الجِماعُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وأنَّهُ وُجُوبُ التَّكْفِيرِ قَبْلَ مَسِيسٍ آخَرَ. أمّا الإقْدامُ عَلى المَسِيسِ الأوَّلِ فَحُرْمَتُهُ مَعْلُومَةٌ مِن عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ . وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى هو العَزْمُ عَلى الوَطْءِ وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ كَما تَقَدَّمَ. وَما حَكاهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِهِ عَنْ مالِكٍ مِن أنَّهُ حَكى عَنْهُ أنَّ العَوْدَ الجِماعُ، فَهو خِلافُ المَعْرُوفِ مِن مَذْهَبِهِ. (p-٤١٢)وَكَذَلِكَ ما حَكاهُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِن أنَّ العَوْدَ هو العَوْدُ إلى الظِّهارِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ ورَفْعِ ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ فَهو خِلافُ المُقَرَّرِ في فُرُوعِ الحَنَفِيَّةِ مِن أنَّهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ كَما ذَكَرْنا، وغالِبُ ما قِيلَ في مَعْنى العَوْدِ راجِعٌ إلى ما ذَكَرْنا مِن أقْوالِ الأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ ؟ المُرادُ بِالعَوْدِ الرُّجُوعُ إلى الِاسْتِمْتاعِ بِغَيْرِ الجِماعِ، والمُرادُ بِالمَسِيسِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ خُصُوصُ الجِماعِ. وَعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، ولَكِنْ لا يَخْفى عَدَمُ ظُهُورِ هَذا القَوْلِ، والتَّحْقِيقُ عَدَمُ جَوازِ الِاسْتِمْتاعِ وطْءٍ أوْ غَيْرِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ . وَأجازَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِمْتاعُ بِغَيْرِ الوَطْءِ قائِلًا: إنَّ المُرادَ بِالمَسِيسِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ نَفْسُ الجِماعِ لا مُقَدِّماتُهُ. وَمِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ والثَّوْرِيُّ. وَرُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أحَدُ القَوْلَيْنِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اللّامُ في قَوْلِهِ: لِما قالُوا بِمَعْنى في، أيْ يَعُودُونَ فِيما قالُوا بِمَعْنى يَرْجِعُونَ عَنْهُ كَقَوْلِهِ ﷺ «الواهِبُ العائِدُ في هِبَتِهِ» الحَدِيثَ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَنْ، أيْ يَعُودُونَ عَمّا قالُوا، أيْ يَرْجِعُونَ عَنْهُ وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ. قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ العَوْدَ لَهُ مَبْدَأٌ ومُنْتَهى، فَمَبْدَؤُهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ ومُنْتَهاهُ الوَطْءُ بِالفِعْلِ، فَمَن عَزَمَ عَلى الوَطْءِ فَقَدْ عادَ بِالنِّيَّةِ فَتَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ لِإباحَةِ الوَطْءِ، ومَن وطِئَ بِالفِعْلِ تَحَتَّمَ في حَقِّهِ اللُّزُومُ وخالَفَ بِالإقْدامِ عَلى الوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، ويَدُلُّكَ لِهَذا أنَّهُ ﷺ لَمّا قالَ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا القاتِلَ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَبَيَّنَ أنَّ العَزْمَ عَلى الفِعْلِ عَمَلٌ يُؤاخَذُ بِهِ الإنْسانُ. فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ المُتَبادِرُ مِنها يُوافِقُ قَوْلَ الظّاهِرِيَّةِ الَّذِي قَدَّمْنا بُطْلانَهُ لِأنَّ الظّاهِرَ المُتَبادِرَ مِن قَوْلِهِ: لِما قالُوا أنَّهُ صِيغَةُ الظِّهارِ فَيَكُونُ العَوْدُ لَها تَكْرِيرُها مَرَّةً أُخْرى. فالجَوابُ أنَّ المَعْنى ”لِما قالُوا“ أنَّهُ حَرامٌ عَلَيْهِمْ وهو الجِماعُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ وُجُودُ نَظِيرِهِ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠]، أيْ ما يَقُولُ إنَّهُ يُؤْتاهُ (p-٤١٣)مِن مالٍ ووَلَدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، وما ذَكَرْنا مِن أنَّ مَن جامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَلْزَمُهُ الكَفُّ عَنِ المَسِيسِ مَرَّةً أُخْرى حَتّى يُكَفِّرَ، هو التَّحْقِيقُ خِلافًا لِمَن قالَ: تَسْقُطُ الكَفّارَةُ بِالجِماعِ قَبْلَ المَسِيسِ. كَما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأبِي يُوسُفَ ولِمَن قالَ: تَلْزَمُ بِهِ كَفّارَتانِ. كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ولِمَن قالَ: تَلْزَمُ بِهِ ثَلاثُ كَفّاراتٍ، كَما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ وإبْراهِيمَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المجادلة 58:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وذَكَرْنا هُناكَ مَعْنى المَعِيَّةِ الخاصَّةِ، والمَعِيَّةِ العامَّةِ، والآياتِ القُرْآنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما.

المجادلة 58:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مَعَ بَيانِ الفِرَقِ بَيْنَ النَّجْوى بِالخَيْرِ، والنَّجْوى بِالإثْمِ والعَدُوّانِ في سُورَةِ النِّساءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] .

المجادلة 58:12

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ . هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى طَلَبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ أمامَ المُناجاةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ١٣]، يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ الأخِيرَ ناسِخٌ لِلْأوَّلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المجادلة 58:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهُمْ﴾ . قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا. وَقَدْ قَدَّمْنا الرَّدَّ عَلى مَن قالَ: إنَّ لَفْظَةَ ”ألَمْ تَرَ“ لا تُعَدّى إلّا بِحَرْفِ الجَرِّ الَّذِي هو (p-٥٥٣)”إلى“، ولا تَتَعَدّى بِنَفْسِها إلى المَفْعُولِ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ هو الَّذِي في القُرْآنِ في جَمِيعِ المَواضِعِ فَإنَّ تَعْدِيَتَها إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِها صَحِيحَةٌ. وَمِن شَواهِدِ ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا وجَدْتُ بِها طِيبًا وإنْ لَمْ تُطَيَّبِ والمُرادُ إنْكارُ اللَّهِ عَلى المُنافِقِينَ تُوَلِّيهِمُ القَوْمَ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وهُمُ اليَهُودُ والكُفّارُ، وهَذا الإنْكارُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ مَنعِ ذَلِكَ التَّوَلِّي، وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣] . وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ المُنافِقِينَ لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَوَلَّوْهم، وهُمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اليَهُودِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣] .

المجادلة 58:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُنافِقِينَ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً، والأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، وهي الحَلِفُ، والجُنَّةُ هي التُّرْسُ الَّذِي يَتَّقِي بِهِ المُقاتِلُ وقْعَ السِّلاحِ. والمَعْنى أنَّهم جَعَلُوا الأيْمانَ الكاذِبَةَ، وهي حِلْفُهم لِلْمُسْلِمِينَ إنَّهم مَعَهم وإنَّهم مُخْلِصُونَ في باطِنِ الأمْرِ - تُرْسًا لَهم يَتَّقُونَ بِهِ الشَّرَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ لَوْ صَرَّحُوا بِكُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن ”صَدَّ“ المُتَعَدِّيَةِ، وأنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَصَدُّوا غَيْرَهم مِمَّنْ أطاعَهم لِأنَّ صُدُودَهم في أنْفُسِهِمْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ والحَمْلُ عَلى التَّأْسِيسِ أولى مِنَ الحَمْلِ عَلى التَّأْكِيدِ، كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا. وَهَذانَ الأمْرانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَتْهُما هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وهُما كَوْنُ المُنافِقِينَ يَحْلِفُونَ الأيْمانَ الكاذِبَةَ لِتَكُونَ لَهم جُنَّةً، وأنَّهم يَصُدُّونَ غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ - جاءا مُوَضَّحَيْنِ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ، أمّا أيْمانُهُمُ الكاذِبَةُ فَقَدْ بَيَّنَها اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ كَثِيرَةٍ، • كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٩٥]، (p-٥٥٤) • وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢] . وَأمّا صَدُّهم مَن أطاعَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ في آياتٍ مِن كِتابِهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] . وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾، أيْ لِأجْلِ نِفاقِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٤٥] .

المجادلة 58:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الكَهْفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٦] .

المجادلة 58:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ . ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن إسْنادِ إنْساءِ ذِكْرِ اللَّهِ إلى الشَّيْطانِ - ذَكَرَهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]،، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢]، وفي مَعْناهُ قَوْلُ فَتى مُوسى: ﴿وَما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] .

المجادلة 58:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ داخِلُونَ في جُمْلَةِ الأذَلِّينَ - لا يُوجَدُ أحَدٌ أذَلَّ مِنهم. وقَوْلُهُ: ﴿يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ يُعادُونَ ويُحالِفُونَ ويُشاقُّونَ، وأصْلُهُ مُخالَفَةُ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي حَدَّها. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي الأذَلِّينَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أعْظَمُ النّاسِ ذُلًّا. والذُّلُّ: الصَّغارُ والهَوانُ والحَقارَةُ. (p-٥٥٥)وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ هم أذَلَّ خَلْقِ اللَّهِ، بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وذَلِكَ بِذِكْرِهِ أنْواعَ عُقُوبَتِهِمُ المُفْضِيَةِ إلى الذُّلِّ والخِزْيِ والهَوانِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الحشر: ٣ - ٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ ﴿وَمَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

المجادلة 58:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . قَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى أنَّ رُسُلَ اللَّهِ غالِبُونَ لِكُلِّ مَن غالَبَهم، والغَلَبَةُ نَوْعانِ: غَلَبَةٌ بِالحُجَّةِ والبَيانِ، وهي ثابِتَةٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وغَلَبَةٌ بِالسَّيْفِ والسِّنانِ، وهي ثابِتَةٌ لِمَن أُمِرَ بِالقِتالِ مِنهم دُونَ مَن لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ. وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وأمْثالُها مِنَ الآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] - أنَّهُ لَنْ يُقْتَلَ نَبِيٌّ في جِهادٍ قَطُّ، لِأنَّ المَقْتُولَ لَيْسَ بِغالِبٍ، لِأنَّ القَتْلَ قِسْمٌ مُقابِلٌ لِلْغَلَبَةِ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٧٤]، وقالَ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ الآيَةَ [غافر: ٥١]، وقَدْ نَفى عَنِ المَنصُورِ كَوْنَهُ مَغْلُوبًا نَفْيًا باتًّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] . وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءَ في القُرْآنِ أنَّهم قُتِلُوا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣] - لَيْسُوا مَقْتُولِينَ في جِهادٍ، وأنَّ نائِبَ الفاعِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٥٦)﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، عَلى قِراءَةِ ”قُتِلَ“ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، هو رِبِّيُّونَ لا ضَمِيرُ النَّبِيِّ. وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا غايَةَ الإيضاحِ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وذَكَرْنا بَعْضَهُ في الصّافّاتِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] .

المجادلة 58:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ . وَرَدَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِلَفْظِ الخَبَرِ، والمُرادُ بِها الإنْشاءُ، وهَذا النَّهْيُ البَلِيدُ، والزَّجْرُ العَظِيمُ عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ اللَّهِ، وإيرادُ الإنْشاءِ بِلَفْظِ الخَبَرِ أقْوى وأوْكَدُ مِن إيرادِهِ بِلَفْظِ الإنْشاءِ، كَما هو مَعْلُومٌ في مَحِلِّهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾: أيْ يُحِبُّونَ ويُوالُونَ أعْداءَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ النَّهْيِ والزَّجْرِ العَظِيمِ عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ اللَّهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ﴾ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، قائِلًا: إنَّهُ قَتَلَ أباهُ كافِرًا يَوْمَ بَدْرٍ أوْ يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ المَشْهُورِ، وزَعَمَ مَن قالَ؛ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ في قَتْلِ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَنَهاهُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وزَعَمَ مَن قالَ؛ أنَّ أباهُ أبا قُحافَةَ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ إسْلامِهِ فَضَرَبَهُ ابْنُهُ أبُو بَكْرٍ حَتّى سَقَطَ. (p-٥٥٧)وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ أبْناءَهُمْ﴾، زَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ حِينَ طَلَبَ مُبارَزَةَ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ إخْوانَهُمْ﴾ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قالُوا: قَتَلَ أخاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ. وقالَ بَعْضُهم: مَرَّ بِأخِيهِ يَوْمَ بَدْرٍ يَأْسِرُهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ: شَدِّدْ عَلَيْهِ الأسْرَ، عَلِمَ أنَّ أُمَّهُ مَلِيَّةٌ وسَتَفْدِيهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ قالَ بَعْضُهم: نَزَلَتْ في عُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ المُطَّلِبِ، وحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، لَمّا قَتَلُوا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ في المُبارَزَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم بَنُو عَمِّهِمْ، لِأنَّهم أوْلادُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدُ شَمْسٍ أخُو هاشِمٍ كَما لا يَخْفى. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ أيْ ثَبَّتَهُ في قُلُوبِهِمْ بِتَوْفِيقِهِ. وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَثْبِيتِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ جاءَ مُوَضَّحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٧ - ٨] .

الحشر 59:1

(p-٣)﷽‎ سُورَةُ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَلامٌ عَلى مَعْنى التَّسْبِيحِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ وكُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] . وَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّسْبِيحُ في اللُّغَةِ الإبْعادُ عَنِ السُّوءِ، وفي اصْطِلاحِ الشَّرْعِ تَنْزِيهُ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، وساقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - النُّصُوصَ في تَسْبِيحِ المَخْلُوقاتِ جَمِيعِها. وَقالَ في آخِرِ المَبْحَثِ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ﴾، والمُوجِبُ لِهَذا التَّأْكِيدِ أنَّ تَسْخِيرَ الجِبالِ وتَسْبِيحَها أمْرٌ عَجَبٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، مَظِنَّةٌ لِأنْ يُكَذِّبَ بِهِ الكَفَرَةُ الجَهَلَةُ [ مِنَ الجُزْءِ الرّابِعِ ٣٣٧، وذَكَرَ عِنْدَ أوَّلِ سُورَةِ ”الحَدِيدِ“ زِيادَةً لِذَلِكَ ] . وَفِي مُذَكِّرَةِ الدِّراسَةِ مِمّا أمْلاهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في فَصْلِ الدِّراسَةِ عَلى أوَّلِ سُورَةِ الجُمُعَةِ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١] قالَ: التَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ، (وما) الَّتِي لِغَيْرِ العُقَلاءِ؛ لِتَغَلُّبِ غَيْرِ العُقَلاءِ لِكَثْرَتِهِمْ، وكانَ يُمْكِنُ الِاكْتِفاءُ بِالإحالَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - إلّا أنَّ الحاجَةَ الآنَ تَدْعُو إلى مَزِيدِ بَيانٍ بِقَدْرِ المُسْتَطاعِ؛ لِتَعَلُّقِ المَبْحَثِ بِأمْرٍ بالِغِ الأهَمِّيَّةِ، ونَحْنُ اليَوْمَ في عَصْرٍ تَغْلِبُ عَلَيْهِ العَلْمانِيَّةُ، والمادِّيَّةُ فَنُورِدُ ما أمْكَنَ أمَلًا في زِيادَةِ الإيضاحِ. إنَّ أصْلَ التَّسْبِيحِ مِن مادَّةِ سَبَحَ، والسِّباحَةُ والتَّسْبِيحُ مُشْتَرِكانِ في أصْلِ المادَّةِ، فَبَيْنَهُما اشْتِراكٌ في أصْلِ المَعْنى، والسِّباحَةُ في الماءِ يَنْجُو بِها صاحِبُها مِنَ الغَرَقِ، وكَذَلِكَ المُسَبِّحُ لِلَّهِ والمُنَزِّهُ لَهُ يَنْجُو مِنَ الشِّرْكِ، ويَحْيا بِالذِّكْرِ والتَّمْجِيدِ لِلَّهِ تَعالى. وَقَدْ جاءَ الفِعْلُ هُنا بِصِيغَةِ الماضِي: (سَبَّحَ لِلَّهِ) كَما جاءَ في أوَّلِ سُورَةِ (p-٤)”الحَدِيدِ“ . قالَ أبُو حَيّانَ عِنْدَها: لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ بِالتَّسْبِيحِ في آخِرِ سُورَةِ الواقِعَةِ يَعْنِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٥ - ٩٦]، جاءَ في أوَّلِ السُّورَةِ الَّتِي تَلِيها مُباشَرَةً بِالفِعْلِ الماضِي؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ المَأْمُورَ بِهِ قَدْ فَعَلَهُ، والتَزَمَ بِهِ كُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ. ا هـ. وَمَعْلُومٌ أنَّ الفِعْلَ قَدْ جاءَ أيْضًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ كَما في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وفي أوَّلِ سُورَةِ ”الجُمُعَةِ“: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]، وفي أوَّلِ سُورَةِ التَّغابُنِ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١]، وهَذِهِ الصِّيغَةُ تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ. بَلْ جاءَ الفِعْلُ بِصِيغَةِ الأمْرِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١]، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] . وَجاءَتِ المادَّةُ بِالمَصْدَرِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، لِيَدُلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ بِدَوامِ واسْتِمْرارِ التَّسْبِيحِ لِلَّهِ تَعالى مِن جَمِيعِ خَلْقِهِ، كَما سَبَّحَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ، وسَبَّحَتْهُ مَلائِكَتُهُ، ورُسُلُهُ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُهُ. وَ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِن صِيَغِ العُمُومِ، وأصْلُ اسْتِعْمالِها لِغَيْرِ العُقَلاءِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْعاقِلِ إذا نُزِّلَ مَنزِلَةَ غَيْرِ العاقِلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، ومَجِيئُهُا هُنا لِغَيْرِ العاقِلِ تَغْلِيبًا لَهُ؛ لِكَثْرَتِهِ كَما تَقَدَّمَ، فَتَكُونُ شامِلَةً لِلْعاقِلِ مِن بابِ أوْلى. وَمِمّا يَلْفِتُ النَّظَرَ أنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي في مَعْرِضِ العُمُومِ كُلَّهُ في القُرْآنِ مُسْنَدٌ إلى ”ما“ دُونَ ”مَن“ إلّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ، هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ [نوح: ٤٤]، وهَذا شاهِدٌ عَلى شُمُولِ ”ما“ وعُمُومِها المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أسْنَدَ التَّسْبِيحَ أوَّلًا إلى السَّماواتِ السَّبْعِ والأرْضِ صَراحَةً بِذَواتِهِنَّ، وهُنَّ مِن غَيْرِ العُقَلاءِ بِما في كُلٍّ مِنهُنَّ مِن أفْلاكٍ، وكَواكِبَ، وبُرُوجٍ، أوْ جِبالٍ، ووِهادٍ، وفِجاجٍ، ثُمَّ عَطَفَ (p-٥)عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ بِصِيغَةِ ”مَن“ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ فَقالَ: ﴿وَمَن فِيهِنَّ﴾، وإنْ كانَتْ ”مَن“، قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ العُقَلاءِ إذا نُزِّلْنَ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أسِرْبَ القَطا هَلْ مَن يُعِيرُ جَناحَهُ لَعَلِّي إلى مَن قَدْ هَوِيتُ أطِيرُ وَبِهَذا شَمِلَ إسْنادُ التَّسْبِيحِ لِكُلِّ شَيْءٍ في نِطاقِ السَّماواتِ والأرْضِ عاقِلٍ، وغَيْرِ عاقِلٍ، وقَدْ أُكِّدَ هَذا الشُّمُولُ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وكَلِمَةُ ”شَيْءٍ“ أعَمُّ العُمُوماتِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ٦]، فَشَمِلَتِ السَّماواتِ والأرْضَ، والمَلائِكَةَ، والإنْسَ، والجِنَّ، والطَّيْرَ، والحَيَوانَ، والنَّباتَ، والشَّجَرَ، والمَدَرَ، وكُلَّ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى. وَقَدْ جاءَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، والسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ إثْباتُ التَّسْبِيحِ مِن كُلِّ ذَلِكَ كُلٌّ عَلى حِدَةٍ. أوَّلًا: تَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى نَفْسَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]، ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢] . ثانِيًا: تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [ ٢ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥]، و ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] . ثالِثًا: تَسْبِيحُ الرَّعْدِ: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣] . رابِعًا: تَسْبِيحُ السَّماواتِ السَّبْعِ، والأرْضِ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ﴾ [الإسراء: ٤٤] . خامِسًا: تَسْبِيحُ الجِبالِ: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ [ص: ١٨] . سادِسًا: تَسْبِيحُ الطَّيْرِ: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] . (p-٦)سابِعًا: تَسْبِيحُ الإنْسانِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] . فَهَذا إسْنادُ التَّسْبِيحِ صَراحَةً لِكُلِّ هَذِهِ العَوالِمِ مُفَصَّلَةً ومُبَيَّنَةً، واضِحَةً. وَجاءَ مِثْلُ التَّسْبِيحِ، ونَظِيرُهُ وهو السُّجُودُ مُسْنَدًا لِعَوالِمَ أُخْرى وهي بَقِيَّةُ ما في هَذا الكَوْنِ مِن أجْناسٍ وأصْنافٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ١٨] . وَيُلاحَظُ هُنا أنَّهُ تَعالى أسْنَدَ السُّجُودَ أوَّلًا لِمَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ و ”مَن“ هي لِلْعُقَلاءِ أيْ: المَلائِكَةُ، والإنْسُ، والجِنُّ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى العُقَلاءِ غَيْرَ العُقَلاءِ بِأسْمائِهِنَّ مِنَ الشَّمْسِ، والقَمَرِ، والنُّجُومِ، والجِبالِ، والشَّجَرِ، والدَّوابِّ فَهَذا شُمُولٌ لَمْ يَبْقَ كائِنٌ مِنَ الكائِناتِ، ولا ذَرَّةٌ في فَلاةٍ إلّا شَمَلَهُ. وَبَعْدَ بَيانِ هَذا الشُّمُولِ والعُمُومِ يَأْتِي مَبْحَثُ العامِّ الباقِي عَلى عُمُومِهِ، والعامُّ المَخْصُوصُ، وهَلْ عُمُومُ ”ما“ هُنا باقٍ عَلى عُمُومِهِ أمْ دَخَلَهُ تَخْصِيصٌ ؟ قالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ العُمُومَ باقٍ عَلى عُمُومِهِ، وإنَّ لَفْظَ التَّسْبِيحِ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَتِهِ في التَّنْزِيهِ والتَّحْمِيدِ. وَقالَ قَوْمٌ: إنَّ العُمُومَ باقٍ عَلى عُمُومِهِ لَمْ يَدْخُلْهُ خُصُوصٌ، ولَكِنَّ التَّسْبِيحَ يَخْتَلِفُ، ولِكُلِّ تَسْبِيحٍ بِحَسْبِهِ فَمِنَ العُقَلاءِ بِالذِّكْرِ والتَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ كالإنْسانِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ، ومِن غَيْرِ العاقِلِ سَواءٌ الحَيَوانُ والطَّيْرُ، والنَّباتُ، والجَمادُ، فَيَكُونُ بِالدَّلالَةِ بِأنْ يَشْهَدَ عَلى نَفْسِهِ، ويَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقٌ قادِرٌ. وَقالَ قَوْمٌ: قَدْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ. وَنَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ: الشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ والأُسْطُوانُ لا يُسَبِّحُ. وقالَ يَزِيدُ الرَّقاشِيُّ لِلْحَسَنِ وهُما في طَعامٍ وقَدْ قُدِّمَ الخِوانُ: أيُسَبِّحُ هَذا الخِوانُ يا أبا سَعِيدٍ ؟ فَقالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً يُرِيدُ أنَّ التَّسْبِيحَ مِنَ الحَيِّ، أوِ النّامِي سَواءٌ الحَيَوانُ، أوِ النَّباتُ وما عَداهُ (p-٧)فَلا. وقالَ القُرْطُبِيُّ: ويَسْتَدِلُّ لِهَذا القَوْلِ مِنَ السُّنَةِ بِما ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن وضْعِ الجَرِيدِ الأخْضَرِ عَلى القَبْرِ، وقَوْلِهِ ﷺ فِيهِ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُما ما لَمْ يَيْبَسا» . أيْ: بِسَبَبِ تَسْبِيحِهِما، فَإذا يَبِسا انْقَطَعَ تَسْبِيحُهُما. ا هـ. والصَّحِيحُ مِن هَذا كُلِّهِ الأوَّلُ الَّذِي قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وهو الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ لِعِدَّةِ أُمُورٍ: أوَّلًا: لِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] . ثانِيًا: أنَّ الحامِلَ لَهم عَلى القَوْلِ بِتَسْبِيحِ الدَّلالَةِ، هو تَحْكِيمُ الحِسِّ والعَقْلِ، حِينَما لَمْ يُشاهِدُوا ذَلِكَ ولَمْ تَتَصَوَّرْهُ العُقُولُ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى تَحْكِيمَ العَقْلِ الحِسِّيِّ هُنا، وخَطَرَ عَلى العَقْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ . ثالِثًا: قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ نَبِيِّ اللَّهِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ [ص: ١٨]، فَلَوْ كانَ تَسْبِيحُها مَعَهُ تَسْبِيحَ دَلالَةٍ كَما يَقُولُونَ لَما كانَ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خُصُوصِيَّةٌ عَلى غَيْرِهِ. رابِعًا: أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ لِهَذِهِ العَوالِمِ كُلِّها إدْراكًا تامًّا كَإدْراكِ الإنْسانِ أوْ أشَدَّ مِنهُ، قالَ تَعالى عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، فَأثْبَتَ تَعالى لِهَذِهِ العَوالِمِ إدْراكًا وإشْفاقًا مِن تَحَمُّلِ الأمانَةِ، بَيْنَما سَجَّلَ عَلى الإنْسانِ ظُلْمًا وجَهالَةً في تَحَمُّلِهِ إيّاها، ولَمْ يَكُنْ هَذا العَرْضُ مُجَرَّدَ تَسْخِيرٍ، ولا هَذا الإباءُ مُجَرَّدَ سَلْبِيَّةٍ، بَلْ عَنْ إدْراكٍ تامٍّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، فَهُما طائِفَتانِ لِلَّهِ، وهُما يَأْبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَ الأمانَةَ إشْفاقًا مِنها. وَفِي أواخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ سُورَةِ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، (p-٨)وَهَذا هو عَيْنُ الإدْراكِ أشَدُّ مِن إدْراكِ الإنْسانِ. وَفِي الحَدِيثِ: «لا يَسْمَعُ صَوْتَ المُؤَذِّنِ مِن حَجَرٍ، ولا مَدَرٍ، ولا شَجَرٍ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ» فَبِمَ سَيَشْهَدُ إنْ لَمْ يَكُ مُدْرِكًا الأذانَ والمُؤَذِّنَ. وَعَنْ إدْراكِ الطَّيْرِ قالَ تَعالى عَنِ الهُدْهُدِ يُخاطِبُ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمانَ: ﴿أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٢ - ٢٤] . فَفِي هَذا السِّياقِ عَشْرُ قَضايا يُدْرِكُها الهُدْهُدُ ويُفْصِحُ عَنْها لِنَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمانَ. الأُولى: إدْراكُهُ أنَّهُ أحاطَ بِما لَمْ يَكُنْ في عِلْمِ سُلَيْمانَ. الثّانِيَةُ: مَعْرِفَتُهُ لِسَبَأٍ بِعَيْنِها دُونَ غَيْرِها، ومَجِيئُهُ مِنها بِنَبَأٍ يَقِينٍ لا شَكَّ فِيهِ. الثّالِثَةُ: مَعْرِفَتُهُ لِتَوْلِيَةِ المَرْأةِ عَلَيْهِمْ مَعَ إنْكارِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. الرّابِعَةُ: إدْارَكُهُ ما أُوتِيَتْهُ سَبَأٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا مِن كُلِّ شَيْءٍ. الخامِسَةُ: أنَّ لَها عَرْشًا عَظِيمًا. السّادِسَةُ: إدْراكُهُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ. السّابِعَةُ: إدْراكُهُ أنَّ هَذا شِرْكٌ بِاللَّهِ تَعالى. الثّامِنَةُ: أنَّ هَذا مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم أعْمالَهم. التّاسِعَةُ: أنَّ هَذا ضَلالٌ عَنِ السَّبِيلِ القَوِيمِ. العاشِرَةُ: أنَّهم لا يَهْتَدُونَ. وَقَدِ اقْتَنَعَ سُلَيْمانُ بِإدْراكِ الهُدْهُدِ لِهَذا كُلِّهِ فَقالَ لَهُ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، وسَلَّمَهُ رِسالَةً، وبَعَثَهُ سَفِيرًا إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨]، وكانَتْ سِفارَةً مُوَفَّقَةً جاءَتْ (p-٩)بِهِمْ مُسْلِمِينَ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْها: ﴿وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] . وَكَذَلِكَ ما جاءَ عَنِ النَّمْلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى عَنْها: ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِي النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] فَقَدْ أدْرَكَتْ مَجِيءَ الجَيْشِ، وأنَّهُ لِسُلَيْمانَ وجُنُودِهِ وأدْرَكَتْ كَثْرَتَهم، وأنَّ عَلَيْها وعَلى النَّمْلِ أنْ يَتَجَنَّبُوا الطَّرِيقَ، ويَدْخُلُوا مَساكِنَهم، وهَذا الإدْراكُ مِنها جَعَلَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَبَسَّمُ ضاحِكًا مِن قَوْلِها. وأنَّ لَها قَوْلًا عَلِمَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ إثْباتُ إدْراكِ الحَيَواناتِ لِلْمُغَيَّباتِ فَضْلًا عَنِ المُشاهَداتِ، كَما في حَدِيثِ المُوَطَّأِ في فَضْلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ: «وَإنَّ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ أُسْكِنَ الجَنَّةَ ”إلى قَوْلِهِ ﷺ:“ وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا وهي تُصِيخُ بِأُذُنِها مِن فَجْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ حَتّى طُلُوعِ الشَّمْسِ إشْفاقًا مِنَ السّاعَةِ إلّا الجِنُّ والإنْسُ»، فَهَذا إدْراكٌ وإشْفاقٌ مِنَ الحَيَوانِ، وإيمانٌ بِالمَغِيبِ، وهو قِيامُ السّاعَةِ وإشْفاقٌ مِنَ السّاعَةِ أشَدُّ مِنَ الإنْسانِ. وَقِصَّةُ الجَمَلِ الَّذِي نَدَّ عَلى أهْلِهِ وخَضَعَ لَهُ ﷺ حَتّى قالَ الصِّدِّيقُ: لَكَأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقالَ ﷺ: «نَعَمْ إنَّهُ ما بَيْنَ لابَّتَيْها إلّا وهو يَعْلَمُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَهَذا كُلُّهُ يُثْبِتُ إدْراكًا لِلْحَيَوانِ بِالمَحْسُوسِ، وبِالمَغِيبِ إدْراكًا لا يَقِلُّ عَنْ إدْراكِ الإنْسانِ، فَما المانِعُ مِن إثْباتِ تَسْبِيحِها حَقِيقَةً عَلى ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى مِنها ؟ وقَدْ جاءَ النَّصُّ صَرِيحًا في التَّسْبِيحِ المُثْبَتِ لَها في أنَّهُ تَسْبِيحُ تَحْمِيدٍ لا مُطْلَقُ دَلالَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقَرَنَهُ مَعَ تَسْبِيحِ المَلائِكَةِ: ﴿والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وهَذا نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ، وإثْباتٌ لِنَوْعِ التَّسْبِيحِ المَطْلُوبِ. خامِسًا: لَقَدْ شَهِدَ المُسْلِمُونَ مَنطِقَ الجَمادِ بِالتَّسْبِيحِ، وسَمِعُوهُ بِالتَّحْمِيدِ حِسًّا كَتَسْبِيحِ الحَصا في كَفِّهِ ﷺ، وكَحَنِينِ الجِذْعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَتّى سَمِعَهُ كُلُّ مَن في المَسْجِدِ، وما أخْبَرَ بِهِ ﷺ: «إنِّي لَأعْلَمُ حَجَرًا في مَكَّةَ ما مَرَرْتُ عَلَيْهِ إلّا وسَلَّمَ عَلَيَّ»، وما ثَبَتَ بِفَرْدٍ يَثْبُتُ لِبَقِيَّةِ أفْرادِ جِنْسِهِ، كَما هو مَعْلُومٌ في قاعِدَةِ الواحِدِ بِالجِنْسِ، والواحِدِ بِالنَّوْعِ. وَمِن هَذا القَبِيلِ في أعْظَمِ مِن ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ في كِتابِ المَناقِبِ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فَقالَ: «اثْبُتْ أُحُدُ فَإنَّ عَلَيْكَ نَبِيًّا، وصِدِّيقًا، وشَهِيدَيْنِ» . (p-١٠)وَفِي مُوَطَّأِ مالِكٍ: لَمّا رَجَعَ ﷺ مِن سَفَرٍ طَلَعَ عَلَيْهِمْ أُحُدٌ فَقالَ: «هَذا جَبَلٌ يُحِبُّنا، ونُحِبُّهُ» . فَهَذا جَبَلٌ مِن كِبارِ جِبالِ المَدِينَةِ يَرْتَجِفُ لِصُعُودِ النَّبِيِّ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، فَيُخاطِبُهُ ﷺ خِطابَ العاقِلِ المُدْرِكِ: «اثْبُتْ أُحُدُ؛ فَإنَّ عَلَيْكَ نَبِيًّا، وصِدِّيقًا، وشَهِيدَيْنِ»، فَيَعْرِفُ النَّبِيَّ، ويَعْرِفُ الصِّدِّيقَ، والشَّهِيدَ فَيَثْبُتُ، فَبِأيِّ قانُونٍ كانَ ارْتِجافُهُ ؟ وبِأيِّ مَعْقُولٍ كانَ خِطابُهُ ؟ وبِأيِّ مَعْنًى كانَ ثُبُوتُهُ ؟ ثُمَّ هاهُوَ يُثْبِتُ لَهُ ﷺ المَحَبَّةَ المُتَبادَلَةَ بِقَوْلِهِ: ”يُحِبُّنا، ونُحِبُّهُ“ . وَإذا ناقَشْنا أقْوالَ القائِلِينَ بِتَخْصِيصِ هَذا العُمُومِ مِن إثْباتِ التَّسْبِيحِ لِلْجَماداتِ ونَحْوِها، لَما وجَدْنا لَهم وِجْهَةَ نَظَرٍ إلّا أنَّ الحِسَّ لَمْ يَشْهَدْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وقَدْ أوْرَدْنا الأمْثِلَةَ عَلى إثْباتِ ذَلِكَ لِسائِرِ الأجْناسِ، وتَقَدَّمَ تَنْبِيهُ الشَّيْخِ عَلى تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] رَدًّا عَلى اسْتِبْعادِهِ. وَمِنَ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ في هَذا المَقامِ ما جاءَ في سِياقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، جاءَ بَعْدَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] وهَذا نَصٌّ يُكَذِّبُ المُسْتَدِلِّينَ بِالحِسِّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّهُ جَعَلَ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ في تِلْكَ الحالَةِ، وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا يَحْجُبُهُ عَنْهم، وهَذا الحِجابُ مَسْتُورٌ عَنْ أعْيُنِهِمْ فَلا يَرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْهم، ولا يَرَوْنَ الحِجابَ؛ لِأنَّهُ مَسْتُورٌ، وهَذا هو الصَّحِيحُ في هَذِهِ الآيَةِ. وَقَدْ قالَ فِيها بَعْضُ البَلاغِيِّينَ: إنَّ مَسْتُورًا هُنا بِمَعْنى ساتِرًا ويُقالُ لَهم: إنَّ جَعْلَ مَسْتُورًا بِمَعْنى ساتِرًا تَكْرارٌ لِمَعْنى حِجابٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا﴾ [الإسراء: ٤٥] هو بِمَعْنى ساتِرًا، أيْ: يَسْتُرُهُ عَنِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولَيْسَ في ذَلِكَ زِيادَةُ مَعْنًى، ولا كَبِيرُ مُعْجِزَةٍ، ولَكِنَّ الإعْجازَ في كَوْنِ الحِجابِ مَسْتُورًا عَنْ أعْيُنِهِمْ، وفي هَذا تَحْقِيقُ وُجُودِ المَعْنَيَيْنِ، وهُما حَجْبُهُ ﷺ عَنْهم، وسَتْرُ الحِجابِ عَنْ أعْيُنِهِمْ، وهَذا أبْلَغُ في حِفْظِهِ ﷺ مِنهم؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الحِجابُ مَرْئِيًّا أيْ: ساتِرًا فَقَطْ مَعَ كَوْنِهِ مَرْئِيًّا لَرُبَّما اقْتَحَمُوهُ عَلَيْهِ، وأقْوى في الإعْجازِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الحِجابُ مَرْئِيًّا لَكانَ كاحْتِجابِ غَيْرِهِ مِن سائِرِ النّاسِ. ولَكِنْ حَقِيقَةُ الإعْجازِ فِيهِ هو كَوْنُهُ مَسْتُورًا عَنْ (p-١١)أعْيُنِهِمْ، وهَذا ما رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَدْ جاءَتْ قِصَّةُ امْرَأةِ أبِي لَهَبٍ مُفَصِّلَةً هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ كَما ساقَها ابْنُ كَثِيرٍ قالَ: لَمّا قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ١ - ٥]، جاءَتِ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ وفي يَدِها فِهْرٌ، ولَها ولْوَلَةٌ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ مَعَ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ الكَعْبَةِ فَقالَ لَهُ: إنِّي أخافُ عَلَيْكَ أنْ تُؤْذِيَكَ فَقالَ ﷺ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى عاصِمُنِي مِنها»“، وتَلا قُرَآنًا، فَجاءَتْ، ووَقَفَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ وقالَتْ: إنَّ صاحِبَكَ هَجانِي. قالَ: لا ورَبِّ هَذِهِ البِنْيَةِ إنَّهُ لَيْسَ بِشاعِرٍ، ولا هاجٍ، فَقالَتْ: إنَّكَ مُصَدَّقٌ وانْصَرَفَتْ. أيْ: ولَمْ تَرَهُ وهو جالِسٌ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَهَلْ يُقالُ بِعَدَمِ وُجُودِ الحِجابِ؛ لِأنَّهُ مَسْتُورٌ لَمْ يُشاهَدْ، أمْ أنَّنا نُثْبِتُهُ كَما أخْبَرَ تَعالى وهو القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ؟ وعَلَيْهِ وبَعْدَ إثْباتِهِ نَقُولُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ إثْباتِ حَقِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى هُنا: حِجابًا مَسْتُورًا، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ؟ فَفي كِلا المَقامَيْنِ إثْباتُ أمْرٍ لا نُدْرِكُهُ بِالحِسِّ، فالتَّسْبِيحُ لا نَفْقَهُهُ، والحِجابُ لا نُبْصِرُهُ. وَقَدْ أوْرَدْنا هَذِهِ النَّماذِجَ، ولَوْ مَعَ بَعْضِ التَّكْرارِ، لِما يُوجَدُ مِن تَأثُّرِ البَعْضِ بِدَعْوى المادِّيِّينَ أوِ العِلْمانِيِّينَ، الَّذِينَ لا يُثْبِتُونَ إلّا المَحْسُوسَ، لِتُعْطِيَ القارِئَ زِيادَةَ إيضاحٍ، ويَعْلَمَ أنَّ المُؤْمِنَ بِإيمانِهِ يَقِفُ عَلى عِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ، ويَتَّسِعُ أُفُقُهُ إلى ما وراءَ المَحْسُوسِ، ويَعْلَمُ أنَّ وراءَ حُدُودِ المادَّةِ عَوالِمَ يَقْصُرُ العَقْلُ عَنْ مَعالِمِها، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يُثْبِتُها. وَقَدْ رَسَمَ لَنا النَّبِيُّ ﷺ الطَّرِيقَ الصَّحِيحَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ مِن إثْباتٍ وإيمانٍ، كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «صَلّى صَلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى النّاسِ فَقالَ: ”بَيْنَما رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إذْ رَكِبَها فَضَرَبَها فَقالَتْ: إنّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذا، وإنَّما خُلِقْنا لِلْحَرْثِ، فَقالَ النّاسُ: سُبْحانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَتَكَلَّمُ ؟ ! فَقالَ:“ إنِّي أُومِنُ بِهَذا أنا، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ وما هُما ثَمَّ، وبَيْنَما رَجُلٌ في غَنَمِهِ، إذْ عَدا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنها بِشاةٍ فَطَلَبَ حَتّى كَأنَّهُ اسْتَنْقَذَها مِنهُ، فَقالَ لَهُ الذِّئْبُ هَذا: اسْتَنْقَذْتَها مِنِّي، فَمَن لَها يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لا راعِيَ لَها غَيْرِي ”فَقالَ النّاسُ: سُبْحانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، قالَ:“ فَإنِّي أُومِنُ بِهَذا أنا، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وما هُما ثَمَّ» " . فَفِي هَذا النَّصِّ الصَّرِيحِ نُطْقُ البَقَرَةِ ونُطْقُ الذِّئْبِ بِكَلامٍ مَعْقُولٍ مِن خَصائِصِ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِ العادَةِ، مِمّا اسْتَعْجَبَ لَهُ النّاسُ وسَبَّحُوا اللَّهَ إعْظامًا لِما سَمِعُوا، ولَكِنَّ (p-١٢)الرَّسُولَ ﷺ يَدْفَعُ هَذا الِاسْتِعْجابَ بِإعْلانِ إيمانِهِ وتَصْدِيقِهِ، ويَضُمُّ مَعَهُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، وإنْ كانا غائِبَيْنِ عَنِ المَجْلِسِ، لِعِلْمِهِ مِنهُما أنَّهُما لا يُنْكِرانِ ما ثَبَتَ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ لِمُجَرَّدِ اسْتِبْعادِهِ عَقْلًا. وَهُنا يُقالُ لِمُنْكِرِي التَّسْبِيحِ حَقِيقَةً وما المانِعُ مِن ذَلِكَ ؟ أهْوَ مُتَعَلَّقُ القُدْرَةِ أمِ اسْتِبْعادُ العَقْلِ لِعَدَمِ الإدْراكِ الحِسِّيِّ ؟ فَأمّا الأوَّلُ: فَمَمْنُوعٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وقَدْ أخْرَجَ لِقَوْمِ صالِحٍ ناقَةً عَشْراءَ مِن جَوْفِ الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ، وأنْطَقَ الحَصا في كَفِّهِ ﷺ . وَأمّا الثّانِي: فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ حَتّى يَنْتَظِرَ إدْراكَهَ وتَحْكِيمُ العَقْلِ فِيهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] . فَلَمْ يَبْقَ إلّا الإيمانُ أشْبَهَ ما يَكُونُ بِالمُغَيَّباتِ، وإيمانُ تَصْدِيقٍ وإثْباتٍ لا تَكْيِيفٍ وإدْراكٍ وخالِقُ الكائِناتِ أعْلَمُ بِحالِها، وبِما خَلَقَها عَلَيْهِ. فَيَجِبُ أنْ نُؤْمِنَ بِتَسْبِيحِ كُلِّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْ كانَ مُسْتَغْرَبًا عَقْلًا، ولَكِنْ أخْبَرَ بِهِ خالِقُهُ سُبْحانَهُ، وشاهَدْنا المِثالَ مَسْمُوعًا مِن بَعْضِ أفْرادِهِ.

الحشر 59:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ﴾ . أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّها في بَنِي النَّضِيرِ، إلّا قَوْلًا لِلْحَسَنِ أنَّها في بَنِي قُرَيْظَةَ، ورُدَّ هَذا القَوْلُ بِأنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يَخْرُجُوا، ولَمْ يُجْلَوْا ولَكِنْ قُتِلُوا. وَقَدْ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِسُورَةِ ”بَنِي النَّضِيرِ“، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: سُورَةُ ”الحَشْرِ“ قالَ: قُلْ سُورَةُ ”النَّضِيرِ“، وهم رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَزَلُوا المَدِينَةَ في فِتَنِ بَنِي إسْرائِيلَ انْتِظارًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ . واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ بَنِي النَّضِيرِ كانُوا قَدْ صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ لا يَكُونُوا عَلَيْهِ ولا لَهُ، فَلَمّا ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ قالُوا: هو النَّبِيُّ الَّذِي نَعْتُهُ في التَّوْراةِ، لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، فَلَمّا هُزِمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ ارْتابُوا ونَكَثُوا، فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في أرْبَعِينَ راكِبًا إلى مَكَّةَ، فَحالَفُوا عَلَيْهِ قُرَيْشًا عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ الرَّسُولَ - ﷺ بِذَلِكَ - فَأمَرَ (p-١٣)بِقَتْلِ كَعْبٍ، فَقَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ غِيلَةً، وكانَ أخاهُ مِنَ الرَّضاعَةِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدِ اطَّلَعَ مِنهم عَلى خِيانَةٍ حِينَ أتاهم في دِيَةِ المُسْلِمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ مُنْصَرَفَهُ مِن بِئْرِ مَعُونَةَ، فَهَمُّوا بِطَرْحِ الحَجَرِ عَلَيْهِ ﷺ فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى. وَلَمّا قُتِلَ كَعْبٌ أمَرَ ﷺ بِالمَسِيرَةِ إلَيْهِمْ، وطالَبَهم بِالخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ، فاسْتَمْهَلُوهُ عَشَرَةَ أيّامٍ؛ لِيَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ، ولَكِنْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ سِرًّا: لا تَخْرُجُوا مِنَ الحِصْنِ، ووَعَدَهم بِنَصْرِهِمْ بِألْفَيْ مُقاتِلٍ مِن قَوْمِهِ، ومُساعَدَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ وحُلَفائِهِمْ مِن غَطَفانَ، أوِ الخُرُوجِ مَعَهم، فَدَرَّبُوا أنْفُسَهم، وامْتَنَعُوا بِالتَّحْصِيناتِ الدّاخِلِيَّةِ، فَحاصَرَهم ﷺ إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً. وَقِيلَ: أجْمَعُوا عَلى الغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: اخْرُجْ في ثَلاثِينَ مِن أصْحابِكِ، ويَخْرُجُ إلَيْكَ ثَلاثُونَ مِنّا؛ لِيَسْمَعُوا مِنكَ، فَإنْ صَدَّقُوا آمَنّا كُلُّنا فَفَعَلَ، فَقالُوا: كَيْفَ نَفْهَمُ ونَحْنُ سِتُّونَ ؟ اخْرُجْ في ثَلاثَةٍ، ويَخْرُجُ إلَيْكَ ثَلاثَةٌ مِن عُلَمائِنا فَفَعَلُوا فاشْتَمَلُوا عَلى الخَناجِرِ، وأرادُوا الفَتْكَ فَأرْسَلَتِ امْرَأةٌ مِنهم ناصِحَةٌ إلى أخِيها، وكانَ مُسْلِمًا فَأخْبَرَتْهُ بِما أرادُوا، فَأسْرَعَ إلى الرَّسُولِ ﷺ، فَسارَّهُ بِخَبَرِهِمْ قَبْلَ أنْ يَصِلَ ﷺ إلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ غَدا عَلَيْهِمْ بِالكَتائِبِ فَحاصَرَهم إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وآيَسُوا مِن نَصْرِ المُنافِقِينَ الَّذِي وعَدَهم بِهِ ابْنُ أُبَيٍّ، فَطَلَبُوا الصُّلْحَ فَأبى عَلَيْهِمْ ﷺ إلّا الجَلاءَ، عَلى أنْ يَحْمِلَ كُلُّ أهْلِ ثَلاثَةِ أبْياتٍ عَلى بَعِيرٍ ما شاءُوا مِنَ المَتاعِ إلّا الحَلْقَةَ، فَكانُوا يَحْمِلُونَ كُلَّ ما اسْتَطاعُوا ولَوْ أبْوابَ المَنازِلِ، يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهم ويَحْمِلُونَ ما اسْتَطاعُوا مَعَهم. وَقَدْ أوْرَدْنا مُجْمَلَ هَذِهِ القِصَّةِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّ عَلَيْها تَدُورُ مَعانِي هَذِهِ السُّورَةِ كُلُّها، وكَما قالَ الإمامُ أبُو العَبّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رِسالَةِ أُصُولِ التَّفْسِيرِ: إنَّ مَعْرِفَةَ السَّبَبِ تُعِينُ عَلى مَعْرِفَةِ التَّفْسِيرِ، ولِيَعْلَمَ المُسْلِمُونَ مَدى ما جُبِلَ عَلَيْهِ اليَهُودُ مِن غَدْرٍ، وما سَلَكُوا مِن أسالِيبِ المُراوَغَةِ فَما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ. والَّذِي مِن مَنهَجِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الأضْواءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ﴾، حَيْثُ أسْنَدَ إخْراجَهم إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ وُجُودِ حِصارِ المُسْلِمِينَ إيّاهم. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ (p-١٤)[الأحزاب: ٢٥]، قالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - عِنْدَها: ذَكَرَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ ﴿قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا﴾ الآيَةَ، ولَمْ يُبَيِّنِ السَّبَبَ الَّذِي رَدَّهم بِهِ، ولَكِنَّهُ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب: ٩] ا هـ. وَهُنا أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ أسْنَدَ إخْراجَهم إلَيْهِ تَعالى مَعَ حِصارِ المُسْلِمِينَ إيّاهم، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى السَّبَبَ الحَقِيقِيَّ لِإخْراجِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، وهَذا مِن أهَمِّ أسْبابِ إخْراجِهِمْ؛ لِأنَّهم في مَوْقِفِ القُوَّةِ وراءَ الحُصُونِ، لَمْ يَتَوَقَّعِ المُؤْمِنُونَ خُرُوجَهم، وظَنُّوا هم أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ، فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَدْ كانَ هَذا الإخْراجُ مِنَ اللَّهِ إيّاهم بِوَعْدٍ سابِقٍ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] . وَبِهَذا الإخْراجِ تَحَقَّقَ كِفايَةُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ مِنهم، فَقَدْ كَفاهُ إيّاهم بِإخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ، فَكانَ إخْراجُهم حَقًّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبِوَعْدٍ مُسْبَقٍ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ . وَقَدْ أكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى مُخاطِبًا لِلْمُسْلِمِينَ في خُصُوصِهِمْ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] وتَسْلِيطُ الرَّسُولِ ﷺ هو بِما بَيَّنَ ﷺ في قَوْلِهِ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» وهو ما يَتَمَشّى مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦] . وَجُمْلَةُ هَذا السِّياقِ هُنا يَتَّفِقُ مَعَ السِّياقِ في سُورَةِ الأحْزابِ عَنْ بَنِي قُرَيْظَةَ سَواءً بِسَواءٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦ - ٢٧]، وعَلَيْهِ ظَهَرَتْ حَقِيقَةُ إسْنادِ إخْراجِهِمْ لِلَّهِ تَعالى، ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ كَما أنَّهُ هو تَعالى الَّذِي رَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، بِما أرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّياحِ، والجُنُودِ، وهو الَّذِي كَفى المُؤْمِنِينَ القِتالَ، وهو تَعالى الَّذِي أنْزَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن صَياصِيهِمْ، ووَرَّثَ المُؤْمِنِينَ دِيارَهم وأمْوالَهم، وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا. وَرَشَّحَ لِهَذا كُلِّهِ التَّذْيِيلُ في آخِرِ الآيَةِ، يَطْلُبُ الِاعْتِبارَ والِاتِّعاظَ بِما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ: (p-١٥)﴿يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]، أيْ: بِإخْراجِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن حُصُونِهِمْ، ودِيارِهِمْ ومَواطِنِ قُوَّتِهِمْ، ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا؛ لِضَعْفِ اقْتِدارِكم، ﴿وَظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهُمْ﴾ لِقُوَّتِها ومَنَعَتِها، ولَكِنْ أتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا البَقاءَ، وكانَتْ حَقِيقَةُ إخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ هي مِنَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِأوَّلِ الحَشْرِ﴾ . اخْتُلِفَ في مَعْنى الحَشْرِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبِناءً عَلَيْهِ اخْتُلِفَ في مَعْنى الأوَّلِ. فَقِيلَ: المُرادُ بِالحَشْرِ أرْضُ المَحْشَرِ، وهي الشّامُ. وَقِيلَ المُرادُ بِالحَشْرِ: الجَمْعُ. واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِالأوَّلِ بِآثارٍ مِنها: ما رَواهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: مَن شَكَّ في أنَّ أرْضَ المَحْشَرِ هاهُنا يَعْنِي الشّامَ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ الحَشْرِ﴾، وما رَواهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ عَنْ عِكْرِمَةَ أيْضًا، والزُّهْرِيِّ، وساقَ «قَوْلَهَ ﷺ أنَّهُ قالَ لِبَنِيِ النَّضِيرِ: ”اخْرُجُوا“، قالُوا: إلى أيْنَ ؟ قالَ: ”إلى أرْضِ المَحْشَرِ»“، وعَلى هَذا تَكُونُ الأوَّلِيَّةُ هُنا مَكانِيَّةً، أيْ: لِأوَّلِ مَكانٍ مِن أرْضِ المَحْشَرِ، وهي أرْضُ الشّامِ، وأوائِلُهُ خَيْبَرُ وأذْرِعاتٌ. وَقِيلَ: إنَّ الحَشْرَ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو الجَمْعُ، قالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ: الحَشْرُ الجَمْعُ لِلتَّوَجُّهِ إلى ناحِيَةٍ ما، ومِن هَذا المَعْنى قِيلَ: الحَشْرُ هو حَشْدُ الرَّسُولِ ﷺ الكَتائِبَ؛ لِقِتالِهِمْ، وهو أوَّلُ حَشْرٍ مِنهُ لَهم وأوَّلُ قِتالٍ قاتَلَهم، وعَلَيْهِ فَتَكُونُ الأوَّلِيَّةُ زَمانِيَّةً وتَقْتَضِي حَشْرًا بَعْدَهُ، فَقِيلَ: هو حَشْرُ عُمَرَ إيّاهم بِخَيْبَرَ، وقِيلَ: نارٌ تَسُوقُ النّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وهو حَدِيثٌ في الصَّحِيحِ، وقِيلَ: البَعْثُ. إلّا أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ أعَمُّ مِن مَحَلِّ الخِلافِ؛ لِأنَّ النّارَ المَذْكُورَةَ، والبَعْثَ لَيْسَتا خاصَّتَيْنِ بِاليَهُودِ، ولا بِبَنِي النَّضِيرِ خاصَّةً، ومِمّا أشارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الِاسْتِدْلالَ عَلى أحَدِ المَعانِي بِكَوْنِهِ هو الغالِبَ في القُرْآنِ، ومَثَّلَ لَهُ في المُقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، فَقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الغَلَبَةِ: الغَلَبَةُ بِالحُجَّةِ والبَيانِ، والغالِبُ في القُرْآنِ اسْتِعْمالُ الغَلَبَةِ بِالسَّيْفِ والسِّنانِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى دُخُولِ تِلْكَ الغَلَبَةِ في الآيَةِ؛ لِأنَّ خَيْرَ ما يُبَيَّنُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ. (p-١٦)وَهُنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ غَلَبَةَ اسْتِعْمالِ القُرْآنِ بَلْ عُمُومَ اسْتِعْمالِهِ في الحَشْرِ إنَّما هو لِلْجَمْعِ، ثُمَّ بَيَّنَ المُرادَ بِالحَشْرِ لِأيِّ شَيْءٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام: ١١١]، وقَوْلُهُ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ داوُدَ: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٩]، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١]، وقَوْلُهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٣]، فَكُلُّها بِمَعْنى الجَمْعِ. وَإذا اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَأْتِي مَقْرُونًا بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو جَمِيعُ اسْتِعْمالاتِ القُرْآنِ لِهَذا، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهُمْ﴾ [الكهف: ٤٧]، وذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِبُرُوزِ الأرْضِ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، وذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ لِتَقْيِيدِهِ بِاليَوْمِ، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مُقَيَّدٌ بِما يُعَيِّنُ المُرادَ بِالحَشْرِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ. فَإذا أُطْلِقَ كانَ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ كَما في الأمْثِلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِأوَّلِ الحَشْرِ﴾، أنَّ الرّاجِحَ فِيهِ لِأوَّلِ الجَمْعِ، وتَكُونُ الأوَّلِيَّةُ زَمانِيَّةً وفِعْلًا، فَقَدْ كانَ أوَّلُ جَمْعٍ لِلْيَهُودِ، وقَدْ أعْقَبَهُ جَمْعٌ آخَرُ لِإخْوانِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ عامٍ واحِدٍ، وأعْقَبَهُ جَمْعٌ آخَرُ في خَيْبَرَ، وقَدْ قَدَّمْنا رَبْطَ إخْراجِ بَنِي النَّضِيرِ مِن دِيارِهِمْ بِإنْزالِ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن صَياصِيهِمْ، وهَكَذا رَبَطَ جَمْعَ هَؤُلاءِ بِأُولَئِكَ إلّا أنَّ هَؤُلاءِ أُجْلُوا وأُخْرِجُوا، وأُولَئِكَ قُتِلُوا واسْتُرِقُّوا. تَنْبِيهٌ وَكَوْنُ الحَشْرِ بِمَعْنى الجَمْعِ لا يَتَنافى مَعَ كَوْنِ خُرُوجِهِمْ كانَ إلى أوائِلِ الشّامِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ الأوَّلَ هو جَمْعُهم لِلْخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ، ثُمَّ يَتَوَجَّهُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الشّامِ أوْ إلى غَيْرِها. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ عَلى أنَّ تَوَجُّهَهم كانَ إلى الشّامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (p-١٧)﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]؛ لِأنَّ السِّياقَ في أهْلِ الكِتابِ، والتَّعْرِيضَ بِأصْحابِ السَّبْتِ ألْصَقُ بِهِمْ. فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الوُجُوهُ هُنا هي سُكْناهم بِالمَدِينَةِ، وطَمْسُها تَغَيُّرُ مَعالِمِها، ورَدُّهم عَلى أدْبارِهِمْ، أيْ: إلى بِلادِ الشّامِ الَّتِي جاءُوا مِنها أوَّلًا حِينَما خَرَجُوا مِنَ الشّامِ إلى المَدِينَةِ، انْتِظارًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، حَكاهُ أبُو حَيّانَ وحَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ . أتى: تَأْتِي لِعِدَّةِ مَعانٍ، مِنها بِمَعْنى المَجِيءِ، ومِنها بِمَعْنى الإنْذارِ، ومِنها بِمَعْنى المُداهَمَةِ. وَقَدْ تَوَهَّمَ الرّازِيُّ أنَّها مِن بابِ الصِّفاتِ، فَقالَ: المَسْألَةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: فَأتاهُمُ اللَّهُ، لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ بِاتِّفاقِ جُمْهُورِ العُقَلاءِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ مَفْتُوحٌ، وأنَّ صَرْفَ الآياتِ عَنْ ظَواهِرِها بِمُقْتَضى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ جائِزٌ. ا هـ. وَهَذا مِنهُ عَلى مَبْدَئِهِ في تَأْوِيلِ آياتِ الصِّفاتِ، ويَكْفِي لِرَدِّهِ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مُقْتَضى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ العَقْلَ لا مَدْخَلَ لَهُ في بابِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها فَوْقَ مُسْتَوَياتِ العُقُولِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا سُبْحانَهُ وتَعالى. أمّا مَعْنى الآيَةِ فَإنَّ سِياقَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا السِّياقِ لَيْسَ مِن بابِ الصِّفاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، أيْ هَدَمَهُ واقْتَلَعَهُ مِنَ قَواعِدِهِ، ونَظِيرِهِ: ﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١]، • وقَوْلِهِ ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الأنبياء: ٤٤] . وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في العَدْوى: أنِّي قُلْتُ أُتِيتَ أيْ دُهِيتَ، وتَغَيَّرَ عَلَيْكَ حِسُّكُ فَتَوَهَّمْتَ ما لَيْسَ بِصَحِيحٍ صَحِيحًا. وَيُقالُ: أُتِيَ فُلانٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ التّاءِ إذا أظَلَّ عَلَيْهِ العَدُّوُ، ومِنهُ قَوْلُهم: مِن مَأْمَنِهِ (p-١٨)يُؤْتى الحَذِرُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، أخَذَهم ودَهاهم وباغَتَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا مِن قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحِصارِهِمْ، وقَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. وَهُناكَ مَوْقِفٌ آخَرُ في سُورَةِ البَقَرَةِ يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ هُنا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] . فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ وهو في سِياقِ أهْلِ الكِتابِ، وهم بِذاتِهِمِ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ﴾ فَيَكُونُ فَأتاهُمُ اللَّهُ هُنا هو إتْيانُ أمْرِهِ تَعالى المَوْعُودِ في بادِئِ الأمْرِ عِنْدَ الأمْرِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ. وَقَدْ أوْرَدَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في أهْلِ الكِتابِ كَما هو واضِحٌ مِنَ السِّياقِ، وقالَ: والأمْرُ في قَوْلِهِ: بِأمْرِهِ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو واحِدُ الأوامِرِ، وقالَ بَعْضُهم: هو واحِدُ الأُمُورِ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّهُ الأمْرُ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهْيِ فَإنَّ الأمْرَ المَذْكُورَ، هو المُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وَعَلى القَوْلِ بِأنَّ واحِدَ الأُمُورِ، فَهو ما صَرَّحَ اللَّهُ بِهِ في الآياتِ الدّالَّةِ عَلى ما أوْقَعَ بِاليَهُودِ مِنَ القَتْلِ، والتَّشْرِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٢ - ٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، والآيَةُ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ عَلى التَّحْقِيقِ. ا هـ [ مِنَ الجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ الأضْواءِ ] . فَقَدْ نَصَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلى أنَّ آيَةَ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ مُرْتَبِطَةٌ بِآيَةِ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، هَذِهِ كَما قَدَّمْنا: أنَّ هَذا هو الأمْرُ المَوْعُودُ بِهِ، وقَدْ أتاهم بِهِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، ويَشْهَدُ لِهَذا كُلِّهِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ (فَآتاهم) بِالمَدِّ بِمَعْنى: أعْطاهم وأنْزَلَ بِهِمْ، ويَكُونُ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا والمَفْعُولُ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (p-١٩)﴿مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أيْ: أنْزَلَ بِهِمْ عُقُوبَةً وذِلَّةً ومَهانَةً جاءَتْهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ . مَنطُوقُهُ أنَّ الرُّعْبَ سَبَبٌ مِن أسْبابِ هَزِيمَةِ اليَهُودِ، ومَفْهُومُ المُخالَفَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَكْسَ بِالعَكْسِ أيْ: أنَّ الطُّمَأْنِينَةَ وهي ضِدُّ الرُّعْبِ، سَبَبٌ مِن أسْبابِ النَّصْرِ، وهو ضِدُّ الهَزِيمَةِ. وَقَدْ جاءَ ذَلِكَ المَفْهُومُ مُصَرَّحًا بِهِ في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٠٢٦] ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]، فَقَدْ ولَّوْا مُدْبِرِينَ بِالهَزِيمَةِ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، وأنْزَلَ جُنُودًا مِنَ المَلائِكَةِ فَكانَ النَّصْرُ لَهم، وهَزِيمَةُ أعْدائِهِمِ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٢٥] أيْ: بِالقَتْلِ، والسَّبْيِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] . وَهَذا المَوْقِفُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ، اثْنانِ أعْزَلانِ يَتَحَدَّيانِ قُرَيْشًا بِكامِلِها، بِعَدَدِها وعُدَدِها، فَيَخْرُجانِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ، ويَدْخُلانِ الغارَ في سُدْفَةِ اللَّيْلِ، ويَأْتِي الطَّلَبُ عَلى فَمِ الغارِ بِقُلُوبٍ حانِقَةٍ، وسُيُوفٍ مُصْلَتَةٍ، وآذانٍ مُرْهَفَةٍ حَتّى يَقُولَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَظَرَ أحَدُهم تَحْتَ نَعْلَيْهِ لَأبْصَرَنا، فَيَقُولُ ﷺ وهو في غايَةِ الطُّمَأْنِينَةِ، ومُنْتَهى السَّكِينَةِ: «”ما بالُكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما“ ؟» . وَمِنها: وفي أخْطَرِ المَواقِفِ في الإسْلامِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، حِينَما التَقى الحَقُّ بِالباطِلِ وجْهًا لِوَجْهٍ، جاءَتْ قُوى الشَّرِّ في خُيَلائِها وبَطَرِها وأشْرِها، وأمامَها جُنْدُ اللَّهِ في تَواضُعِهِمْ (p-٢٠)وَإيمانِهِمْ، وضَراعَتِهِمْ إلى اللَّهِ: ﴿فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ [الأنفال: ٩ - ١١] . فَما جَعَلَ اللَّهُ الإمْدادَ بِالمَلائِكَةِ إلّا؛ لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُهم، وما غَشّاهُمُ النُّعاسَ إلّا أمَنَةً مِنهُ، وتَمَّ كُلُّ ذَلِكَ بِما رَبَطَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَقاوَمُوا بِقِلَّتِهِمْ قُوى الشَّرِّ عَلى كَثْرَتِهِمْ، وتَمَّ النَّصْرُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِمَدَدٍ مِنَ اللَّهِ، كَما رَبَطَ عَلى قُلُوبِ أهْلِ الكَهْفِ: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤] . هَذِهِ آثارُ الطُّمَأْنِينَةِ والسَّكِينَةِ والرَّبْطِ عَلى القُلُوبِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى الأمْرَيْنِ المَنطُوقَ والمَفْهُومَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]، فَنَصَّ عَلى الطُّمَأْنِينَةِ بِالتَّثْبِيتِ في قَوْلِهِ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ونَصَّ عَلى الرُّعْبِ في قَوْلِهِ: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ فَكانَتِ الطُّمَأْنِينَةُ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والرُّعْبُ زَلْزَلَةً لِلْكافِرِينَ. وَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، قالَ: ”إنِّي مُتَقَدِّمُكم؛ لِأُزَلْزِلَ بِهِمُ الأقْدامَ“، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أسْبابِ هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ في هَذِهِ المَواقِفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥، ٤٦] . فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعَةَ أسْبابٍ لِلطُّمَأْنِينَةِ: الأُولى: الثَّباتُ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . (p-٢١)والثّانِيَةُ: ذِكْرُ اللَّهِ كَثِيرًا، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] . والثّالِثَةُ: طاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ويَدُلُّ لَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَأوْلى لَهُمْ﴾ ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢٠ - ٢١] . والرّابِعَةُ: عَدَمُ التَّنازُلِ والِاعْتِصامُ والأُلْفَةُ، ويَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . وَمِن ذِكْرِ أسْبابِ الهَزِيمَةِ مِن رُعْبِ القُلُوبِ، وأسْبابِ النَّصْرِ مِنَ السَّكِينَةِ والطُّمَأْنِينَةِ، تَعْلَمُ مَدى تَأْثِيرِ الدَّعاياتِ في الآوِنَةِ الأخِيرَةِ، وما سُمِّيَ بِالحَرْبِ البارِدَةِ مِن كَلامٍ وإرْجافٍ مِمّا يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنهُ أشَدُّ الحَذَرِ، وقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وقَدْ حَذَّرَ تَعالى مِنَ السَّماعِ لِهَؤُلاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧] . وَلَمّا اشْتَدَّ الأمْرُ عَلى المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ، وبَلَغَ الرَّسُولَ ﷺ أنَّ اليَهُودَ نَقَضُوا عَهْدَهم أرْسَلَ إلَيْهِمْ ﷺ مَن يَسْتَطْلِعُ خَبَرَهم، وأوْصاهم إنْ هم رَأوْا غَدْرًا ألّا يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ، وأنْ يَلْحَنُوا لَهُ لَحْنًا حِفاظًا عَلى طُمَأْنِينَةِ المُسْلِمِينَ، وإبْعادًا لِلْإرْجافِ في صُفُوفِهِمْ. كَما بَيَّنَ تَعالى أثَرَ الدِّعايَةِ الحَسَنَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقَدْ كانَ بِالفِعْلِ لِخُرُوجِ جَيْشِ أُسامَةَ بَعْدَ انْتِقالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى، وعِنْدَ تَرَبُّصِ الأعْرابِ كانَ لَهُ الأثَرُ الكَبِيرُ في إحْباطِ نَوايا المُتَرَبِّصِينَ بِالمُسْلِمِينَ، وقالُوا: ما أنْفَذُوا هَذا البَعْثَ إلّا وعِنْدَهُمُ الجُيُوشُ الكافِيَةُ، والقُوَّةُ اللّازِمَةُ. وَما أجْراهُ اللَّهُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ مِن هَذا القَبِيلِ أكْبَرُ دَلِيلٍ عَمَلِيٍّ، إذْ يُقَلِّلُ كُلَّ فَرِيقٍ في أعْيُنِ الآخَرِينَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ (p-٢٢)[الأنفال: ٤٣ - ٤٤]، وهَذا كُلُّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاسْتِفادَةُ مِنهُ اليَوْمَ عَلى العَدُوِّ في قَضِيَّةِ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ.

الحشر 59:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . المُشاقَّةُ: العِصْيانُ، ومِنهُ شَقُّ العَصا، والمُخالَفَةُ. وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْقَعَ ما أوْقَعَهُ بِبَنِي النَّضِيرِ مِن إخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وتَخْرِيبِ بُيُوتِهِمْ؛ بِسَبَبِ أنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأنَّ المُشاقَّةَ المَذْكُورَةَ هي عِلَّةُ العُقُوبَةِ الحاصِلَةِ بِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ مُشاقَّةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الهَلاكِ. وَفِي الآيَةِ مَبْحَثٌ أُصُولِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُشاقَّةَ قَدْ وقَعَتْ مِن غَيْرِ اليَهُودِ، فَلَمْ تَقَعْ بِهِمْ تِلْكَ العُقُوبَةُ كَما وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ المَنصُوصُ عَلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، وهَذا في بَدْرٍ قَطْعًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ١٣]، ولَمّا قَدَرَ ﷺ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لَمْ يُوقِعْ بِهِمْ ما أوْقَعَ بِاليَهُودِ مِن قَتْلٍ بَلْ قالَ: «اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ» فَوُجِدَ الوَصْفُ الَّذِي هو المُشاقَّةُ الَّذِي هو عِلَّةُ الحُكْمِ، ولَمْ يُوجَدِ الحُكْمُ الَّذِي هو الإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ وتَخْرِيبُ البُيُوتِ. قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتِ المُشاقَّةُ عِلَّةً لِهَذا التَّخْرِيبِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أيْنَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُشاقَّةُ حَصَلَ التَّخْرِيبُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ قُلْنا: هَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ العِلَّةِ المَنصُوصَةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّتِها. ا هـ. وَقَدْ بَحَثَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذِهِ المَسْألَةَ في آَدابِ البَحْثِ والمُناظَرَةِ، وفي مُذَكِّرَةِ الأُصُولِ في مَبْحَثِ النَّقْضِ، وعَنْوَنَ لَهُ في آدابِ البَحْثِ بِقَوْلِهِ: تَخَلُّفُ الحُكْمِ لَيْسَ بِنَقْضٍ سَواءً لِوُجُودِ مانِعٍ أوْ تَخَلُّفِ شَرْطٍ. وَمَثَّلَ لِتَخَلُّفِ الحُكْمِ بِوُجُودِ مانِعٍ بِقَتْلِ الوالِدِ ولَدَهُ عَمْدًا، مَعَ عَدَمِ قَتْلِهِ قِصاصًا بِهِ؛ لِأنَّ عِلَّةَ القِصاصِ مَوْجُودَةٌ، وهي القَتْلُ العَمْدُ، والحُكْمُ وهو القِصاصُ مُتَخَلِّفٌ. وَمَثَّلَ لِتَخَلُّفِ الشَّرْطِ بِسَرِقَةِ أقَلَّ مِن نِصابٍ أوْ مِن غَيْرِ الحِرْزِ. (p-٢٣)ثُمَّ قالَ: النَّوْعُ الثّالِثُ: تَخَلُّفُ حُكْمِها عَنْها لا لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي ذَكَرْنا، ومَثَّلَ لَهُ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ [الحشر: ٣]، قالُوا: فَهَذِهِ العِلَّةُ، الَّتِي هي مُشاقَّةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، قَدْ تُوجَدُ في قَوْمٍ يُشاقُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مَعَ تَخَلُّفِ حُكْمِها عَنْها، وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنِ النَّقْضَ في فَنِّ الأُصُولِ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ مُطْلَقًا، لا نَقْضٌ لَها، وعَزاهُ في مَراقِي السُّعُودِ لِلْأكْثَرِينَ في قَوْلِهِ في مَبْحَثِ القَوادِحِ في الدَّلِيلِ في الأُصُولِ: ؎مِنها وُجُودُ الوَصْفِ دُونَ الحُكْمِ سَمّاهُ بِالنَّقْضِ وُعاةُ العِلْمِ ؎والأكْثَرُونَ عِنْدَهم لا يَقْدَحُ ∗∗∗ بَلْ هو تَخْصِيصٌ وذا مُصَحِّحٌ إلى قَوْلِهِ: ؎وَلَسْتُ فِيما اسْتَنْبَطْتُ بِضائِرٍ ∗∗∗ إنْ جاءَ لِفَقْدِ شَرْطٍ أوْ لِمانِعٍ وَقَدْ أطْلَعَنِي بَعْضُ الإخْوانِ عَلى شَرْحٍ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلى مَراقِي السُّعُودِ في أوائِلِهِ عَلى قَوْلِ المُؤَلِّفِ: ؎ذُو فَتْرَةٍ بِالفَرْعِ ولا يُراعِ وَتَكَلَّمَ عَلى حُكْمِ أهْلِ الفَتْرَةِ، ثُمَّ عَلى تَخْصِيصِ بَعْضِ الآياتِ، ومِن ثَمَّ إلى تَخْصِيصِ العِلَّةِ. وَجاءَ في هَذا المَخْطُوطِ ما نَصُّهُ: ورَجَّحَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”الحَشْرِ“ أنَّ تَخْصِيصَ العِلَّةِ كَتَخْصِيصِ النَّصِّ مُطْلَقًا، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٣]، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ بَنِي النَّضِيرِ، فَلَمْ يَفْعَلْ لَهم مِثْلَ ما فَعَلَ لَهم، واللَّهُ أعْلَمُ ا هـ. إلّا أنِّي طَلَبْتُ هَذا التَّرْجِيحَ في ابْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ الآيَةِ، فَلَمْ أقِفْ عَلَيْهِ فَلْيُتَأمَّلْ، ولَعَلَّهُ في غَيْرِ التَّفْسِيرِ. أمّا ما ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - عَنِ البَعْضِ في آدابِ البَحْثِ والمُناظَرَةِ، وهو أنَّهُ: قَدْ يَتَخَلَّفُ الحُكْمُ عَنِ العِلَّةِ، لا لِشَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي ذَكَرْنا، فالَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ عَنِ العِلَّةِ في غَيْرِ اليَهُودِ، وإنَّما هو لِتَخَلُّفِ جُزْءٍ مِنها، وأنَّ العِلَّةَ (p-٢٤)مُرَكَّبَةٌ، أيْ هي في اليَهُودِ مُشاقَّةٌ وزِيادَةٌ، تِلْكَ الزِّيادَةُ لَمْ تُوجَدْ في غَيْرِ اليَهُودِ، فَوَقَعَ الفَرْقُ، وذَلِكَ أنَّ مُشاقَّةَ غَيْرِ اليَهُودِ كانَتْ؛ لِجَهْلِهِمْ وشَكِّهِمْ، كَما أشارَ تَعالى لِذَلِكَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] إلى آخِرِ السُّورَةِ فَهم في حاجَةٍ إلى زِيادَةِ بَيانٍ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”ص“: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ [ص: ٤ - ٨] . فَهم في عَجَبٍ ودَهْشَةٍ، واسْتِبْعادٍ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ الذِّكْرُ مِن بَيْنِهِمْ، وهم في شَكِّ مِن أمْرِهم، فَهم في حاجَةٍ إلى إزالَةِ الشَّكِّ والتَّثَبُّتِ مِنَ الأمْرِ، ولِذا لَمّا زالَ عَنْهم شَكُّهم وتَبَيَّنُوا مِن أمْرِهم، وراحُوا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، بَيْنَما كانَ كُفْرُ اليَهُودِ جُحُودًا بَعْدَ مَعْرِفَةٍ، فَكانُوا يَعْرِفُونَهُ ﷺ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقَدْ سُمِّيَ لَهم فِيما أنْزَلَ كَما قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] فَلَمْ يَنْفَعْهم بَيانٌ، ولَكِنَّهُ الحَسَدُ والجُحُودُ كَما بَيَّنَ تَعالى أمْرَهم بِقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] . فَقَدْ كانُوا جَبْهَةَ تَضْلِيلٍ لِلْناسِ، وتَحْرِيفٍ لِلْكِتابِ، وتَلْبِيسٍ لِلْحَقِّ بِالباطِلِ، كُلُّ ذَلِكَ عَنْ قَصْدٍ وعِلْمٍ، بِدافِعِ الحَسَدِ ومُناصَبَةِ العَداءِ وخَصْمٌ هَذا حالُهُ فَلا دَواءَ لَهُ؛ لِأنَّ المُدَلِّسَ لا يُؤْمَنُ جانِبُهُ، والمُضَلِّلَ لا يُصَدَّقُ، والحاسِدَ لا يَشْفِيهِ إلّا زَوالُ النِّعْمَةِ عَنِ المَحْسُودِ، ومِن جانِبٍ آخَرَ فَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ الطَّمَعَ عَنْ إيمانِهِمْ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، كَما أيْأسَ مِن إيمانِهِمْ بَعْدَ إقْرارِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِتَغَلُّفِ قُلُوبِهِمْ عَنْ سَماعِ الحَقِّ ورُؤْيَةِ النُّورِ: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ (p-٢٥)[البقرة: ٨٨] . وَكُلُّ هَذِهِ الصِّفاتِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً في كُلِّ مَن شاقَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن غَيْرِ اليَهُودِ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا هَذا الحُكْمَ لِلْأسْبابِ الَّتِي اخْتَصُّوا بِها دُونَ غَيْرِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٤ - ٨٥] . فَكُلُّ ذَلِكَ مِن نَقْضِ المِيثاقِ، والغَدْرِ في الصُّلْحِ، وسَفْكِ الدِّماءِ، والتَّظاهُرِ بِالإثْمِ والعُدْوانِ، والإيمانِ بِبَعْضِ الكِتابِ والكُفْرِ بِبَعْضِهِ، كانَ خاصًّا بِاليَهُودِ، فَكانَتِ العِلَّةُ مُرَكَّبَةً مِنَ المُشاقَّةِ، ومِن هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي اخْتَصُّوا بِها، وكانَ الحُكْمُ صَرِيحًا هُنا بِقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ [البقرة: ٨٥]، وكانَ خِزْيُهم في الدُّنْيا هو ما وقَعَ بِهِمْ مِن إخْراجٍ، وتَخْرِيبٍ، وتَقْتِيلٍ. وَإنَّ مَن كانَتْ هَذِهِ حالُهُ كَما تَقَدَّمَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الِاسْتِئْصالُ الكُلِّيُّ بِإخْراجِهِمْ أوْ تَقْتِيلِهِمْ، فَلَمْ يَعُدْ يَصْلُحُ فِيهِمُ اسْتِصْلاحٌ ولا يُتَوَقَّعُ مِنهم صَلاحٌ، ويَكْفِي شاهِدًا عَلى ذَلِكَ أنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يَتَّعِظُوا، ولَمْ يَسْتَفِيدُوا، ولَمْ يَعْتَبِرُوا كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] . ما اتَّعَظَ بَنُو قُرَيْظَةَ بِما وقَعَ بِإخْوانِهِمْ بَنِي النَّضِيرِ، فَلَجَئُوا بَعْدَ عامٍ واحِدٍ إلى ما وقَعَ فِيهِ بَنُو النَّضِيرِ مِن غَدْرٍ وخِيانَةٍ، فَكانَ اخْتِصاصُ اليَهُودِ بِالحُكْمِ لِتِلْكَ العِلَّةِ المُشْتَرَكَةِ؛ لِأنَّهم وإنْ شارَكَهم غَيْرُهم في المُشاقَّةِ فَلَمْ يُشارِكْهم غَيْرُهم في الجانِبِ الآخَرِ مِمّا قَدَّمْنا مِن دَوافِعِ المُشاقَّةِ. وَلِلدَّوافِعِ تَأْثِيرٌ في الحُكْمِ، كَما في قِصَّةِ آدَمَ وإبْلِيسَ، فَقَدِ اشْتَرَكَ آدَمُ وإبْلِيسُ في عُمُومِ عِلَّةِ العِصْيانِ، إذْ نُهِيَ آدَمُ عَنْ قُرْبانِ الشَّجَرَةِ، وأُمِرَ إبْلِيسُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ مَعَ المَلائِكَةِ، فَأكَلَ آدَمُ مِمّا نُهِيَ عَنْهُ، وامْتَنَعَ إبْلِيسُ عَمّا أُمِرَ بِهِ فاشْتَرَكا في العِصْيانِ كَما قالَ تَعالى عَنْ آدَمَ: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١]، وقالَ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، ولَكِنَّ السَّبَبَ كانَ مُخْتَلِفًا، فَآدَمُ نَسِيَ ووَقَعَ تَحْتَ وسْوَسَةِ (p-٢٦)الشَّيْطانِ فَخُدِعَ بِقَسَمِ إبْلِيسَ بِاللَّهِ تَعالى: ﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، وكانَتْ مَعْصِيَةٌ عَنْ إغْواءٍ ووَسْوَسَةٍ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦] . أمّا إبْلِيسُ، فَكانَ عِصْيانُهُ عَنْ سَبْقِ إصْرارٍ، وعَنْ حَسَدٍ واسْتِكْبارٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، ولَمّا خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، قالَ في إصْرارِهِ وحَسَدِهِ وتَكَبُّرِهِ: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] . فاخْتَلَفَتِ الدَّوافِعُ وكانَ لَدى إبْلِيسَ ما لَيْسَ لَدى آدَمَ في سَبَبِ العِصْيانِ وبِالتّالِي اخْتَلَفَتِ النَّتائِجُ، فَكانَتِ النَّتِيجَةُ مُخْتَلِفَةً تَمامًا. أمّا آدَمُ فَحِينَ عاتَبَهُ عَلى أكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] رَجَعا حالًا، واعْتَرَفا بِذَنْبِهِما قائِلِينَ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وكانَتِ العُقُوبَةُ لَهُما قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] . فَكانَ هُبُوطُ آدَمَ مُؤَقَّتًا، ولَحِقَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، فَأدْرَكَتْهُ هِدايَةُ اللَّهِ، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] . أمّا نَتِيجَةُ إبْلِيسَ فَلَمّا عاتَبَهُ تَعالى في مَعْصِيَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، كانَ جَوابُهُ اسْتِعْلاءً، وتَعاظُمًا، عَلى النَّقِيضِ مِمّا كانَ في جَوابِ آدَمَ إذْ قالَ: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]، فَكانَ جَوابُهُ كَذَلِكَ عَكْسَ ما كانَ جَوابًا عَلى آدَمَ: ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٧ - ٧٨] . وَلَقَدْ قالُوا: إنَّ الَّذِي جَرَّ عَلى إبْلِيسَ هَذا كُلَّهُ هو الحَسَدُ، حَسَدَ آدَمَ عَلى ما أكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ فاحْتَقَرَهُ، وتَكَبَّرَ عَلَيْهِ، فَوَقَعَ في العِصْيانِ، وكانَتْ نَتِيجَتُهُ الطَّرْدَ. (p-٢٧)وَهَكَذا اليَهُودُ: إنَّ داءَهُمُ الدَّفِينَ هو الحَسَدُ، والعُجْبُ بِالنَّفْسِ، فَجَرَّهم إلى الكُفْرِ، ووَقَعُوا في الخِيانَةِ، وكانَتِ النَّتِيجَةُ القَتْلَ، والطَّرْدَ. وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ مُشاقَّةَ اليَهُودِ هَذِهِ هي مِنَ الإفْسادِ في الأرْضِ الَّذِي نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ، وعاقَبَهم عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، وتَهَدَّدَهم إنْ هم عادُوا لِلثّالِثَةِ عادَ لِلِانْتِقامِ مِنهم، وهاهم قَدْ عادُوا، وشاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ. قالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]، لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قُضِيَ إلَيْهِمْ في الكِتابِ أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ - وبَيَّنَ نَتائِجَ هاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ - بَيَّنَ تَعالى أيْضًا: أنَّهم إنْ عادُوا لِلْإفْسادِ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا يَعُودُ لِلِانْتِقامِ مِنهم بِتَسْلِيطِ أعْدائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ عادُوا لِلْإفْسادِ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ أمْ لا ؟ . وَلَكِنَّهُ أشارَ في آياتٍ أُخَرَ إلى أنَّهم عادُوا لِلْإفْسادِ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وكَتْمِ صِفاتِهِ، ونَقَضِ عُهُودِهِ، ومُظاهَرَةِ عَدُّوهِ عَلَيْهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أفْعالِهِمِ القَبِيحَةِ، فَعادَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - لِلِانْتِقامِ مِنهم تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ نَبِيَّهُ ﷺ والمُسْلِمِينَ، وجَرى عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وبَنِي النَّضِيرِ، وبَنِي قَيْنُقاعَ وخَيْبَرَ، ما جَرى مِنَ القَتْلِ والسَّلْبِ والإجْلاءِ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى مَن بَقِيَ مِنهم، وضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ. وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم عادُوا لِلْإفْسادِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٨٩ - ٩٠]، وقَوْلُهُ: ﴿الفاسِقُونَ أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى عادَ إلى الِانْتِقامِ مِنهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ (p-٢٨)[الحشر: ٢ - ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٢٦ - ٢٧] ا هـ مِنهُ. فَهَذا مِنهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيانٌ ودَلِيلٌ إلى مُغايَرَةِ المُشاقَّةِ الواقِعَةِ مِنَ اليَهُودِ لِلْمُشاقَّةِ الواقِعَةِ مِن غَيْرِهِمْ، فَكانَ تَخَلُّفُ الحُكْمِ عَمَّنْ شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن غَيْرِ اليَهُودِ؛ لِتَخَلُّفِ بَعْضِ العِلَّةِ في الحُكْمِ كَما قَدَّمْنا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الحشر 59:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ . اللِينَةُ هُنا، قِيلَ: اسْمٌ عامٌّ لِلنَّخْلِ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَقِيلَ: نَوْعٌ خاصٌّ مِنهُ، وهو ما عَدا البَرْنِيَّ والعَجْوَةَ فَقَطْ. وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: اللِّينَةُ مِنَ اللَّوْنِ، وقالَ: وإنَّما سُمِّيَتْ لِينَةً؛ لِأنَّها فِعْلَةٌ مِن فَعَلَ وهو اللَّوْنُ، وهو ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ، ولَكِنْ لَمّا انْكَسَرَ ما قَبْلَها انْقَلَبَتْ إلى ياءٍ إلَخْ، وهَذا الأخِيرُ قَرِيبٌ مِمّا عَلَيْهِ أهْلُ المَدِينَةِ اليَوْمَ، حَيْثُ يُطْلِقُونَ كَلِمَةَ: لُونَةٍ عَلى ما لا يَعْرِفُونَ لَهُ اسْمًا خاصًّا، ولَعَلَّ كَلِمَةَ لُونَةٍ مُحَرَّفَةٌ عَنْ كَلِمَةِ لِينَةٍ، ويُوجَدُ عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أنْواعِ النَّخِيلِ ما يَقْرُبُ مِن سَبْعِينَ نَوْعًا. وَقِيلَ: إنَّ اللِينَةَ كُلُّ شَجَرَةٍ لِلُيُونَتِها بِالحَياةِ. وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَقْطِيعِ وتَحْرِيقِ بَعْضِ النَّخِيلِ لِبَنِي النَّضِيرِ عِنْدَ حِصارِهِمْ وقَطَعَ مِنَ البُسْتانِ المَعْرُوفِ بِالبُوَيْرَةِ، كَما رَوى ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ صاحِبَيِ الصَّحِيحَيْنِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وقَطَعَ، وهي البُوَيْرَةُ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وَقالَ حَسّانٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ؎وَهانَ عَلى سَراةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ والبُوَيْرَةُ مَعْرُوفَةٌ اليَوْمَ، وهي بُسْتانٌ يَقَعُ في الجَنُوبِ الغَرْبِيِّ مِن مَسْجِدِ قُباءٍ. (p-٢٩)وَقِيلَ في سَبَبِ نُزُولِها: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ، فَما بالُكَ تَأْمُرُ بِقَطْعِ الأشْجارِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وَقِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ نَهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخِيلِ، وقالُوا: إنَّما هو مَغانِمُ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَن نَهى عَنْ قَطْعِهِ، وتَحْلِيلِ مَن قَطَعَ مِنَ الإثْمِ، وأنَّ قَطْعَ ما قُطِعَ وتَرْكَ ما تُرِكَ: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ . وَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: الإذْنُ القَدَرِيُّ والمَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، أيْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] . والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ الإذْنَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو إذْنٌ شَرْعِيٌّ، وهو ما يُؤْخَذُ مِن عُمُومِ الإذْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]؛ لِأنَّ الإذْنَ بِالقِتالِ إذْنٌ بِكُلِّ ما يَتَطَلَّبُهُ بِناءً عَلى قاعِدَةِ: الأمْرُ بِالشَّيْءِ أمْرٌ بِهِ وبِما لا يَتِمُّ إلّا بِهِ. والحِصارُ نَوْعٌ مِنَ القِتالِ، ولَعَلَّ مِن مَصْلَحَةِ الحِصارِ قَطْعَ بَعْضِ النَّخِيلِ لِتَمامِ الرُّؤْيَةِ، أوْ لِإحْكامِ الحِصارِ، أوْ لِإذْلالِ وإرْهابِ العَدُوِّ في حِصارِهِ وإشْعارِهِ بِعَجْزِهِ عَنْ حِمايَةِ أمْوالِهِ، ومُمْتَلَكاتِهِ، وقَدْ يَكُونُ فِيهِ إثارَةٌ لَهُ؛ لِيَنْدَفِعَ في حَمِيَّةٍ لِلدِّفاعِ عَنْ مُمْتَلَكاتِهِ وأمْوالِهِ، فَيَنْكَشِفَ عَنْ حُصُونِهِ ويَسْهُلَ القَضاءُ عَلَيْهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ الحَرْبِيَّةِ، والَّتِي أشارَ اللَّهُ تَعالى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: بِعَجْزِهِمْ وإذْلالِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ، وهم يَرَوْنَ نَخِيلَهم يُقْطَعُ، ويُحْرَقُ فَلا يَمْلِكُونَ لَهُ دَفْعًا. وَعَلى كُلٍّ فالَّذِي أذِنَ بِالقِتالِ وهو سَفْكُ الدِّماءِ، وإزْهاقُ الأنْفُسِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن سَبْيٍ وغَنائِمَ لا يَمْنَعُ في مِثْلِ قَطْعِ النَّخِيلِ إنْ لَزِمَ الأمْرُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما أذِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبِإذْنِ اللَّهِ أذِنَ. وَبِهَذا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إذا حاصَرَ المُسْلِمُونَ عَدُوًّا، ورَأوْا أنَّ مِن مَصْلَحَتِهِمْ أوْ مِن مَذَلَّةِ العَدُوِّ إتْلافَ مُنْشَآتِهِ وأمْوالِهِ، فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَغايَةُ ما فِيهِ، أنَّهُ إتْلافُ بَعْضِ المالِ لِلتَّغَلُّبِ عَلى العَدُوِّ وأخْذِ جَمِيعِ مالِهِ، وهَذا لَهُ (p-٣٠)نَظِيرٌ في الشَّرْعِ، كَعَمَلِ الخِضْرِ في سَفِينَةِ المَساكِينَ لَمّا خَرَقَها، أيْ أعابَها بِإتْلافِ بَعْضِها؛ لِيَسْتَخْلِصَها مِنِ اغْتِصابِ المَلِكِ إيّاها، وقالَ: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] . وَقَدْ جاءَ اعْتِراضُ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ في قِتالِهِمْ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، كَما اعْتَرَضَ اليَهُودُ عَلى المُسْلِمِينَ في قَطْعِ النَّخِيلِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] . فَقَدْ تَعاظَمَ المُشْرِكُونَ قَتْلَ المُسْلِمِينَ لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ في وقْعَةِ نَخْلَةٍ، ولَمْ يَتَحَقَّقُوا دُخُولَ الشَّهْرِ الحَرامِ، واتَّهَمُوهم بِاعْتِداءٍ عَلى حُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِمُوجِبِ ما قالُوا بِأنَّ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ كَبِيرٌ، ولَكِنْ ما ارْتَكَبَهُ المُشْرِكُونَ مِن صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٍ بِاللَّهِ، وصَدٍّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجِ أهْلِهِ مِنهُ وهُمُ المُسْلِمُونَ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، والفِتْنَةُ عَنِ الدِّينِ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ، أيْ: الَّذِي اسْتَنْكَرُوهُ مِنَ المُسْلِمِينَ. وَهَكَذا هُنا لَئِنْ تَعاظَمَ اليَهُودُ عَلى المُسْلِمِينَ قَطْعَ بَعْضِ النَّخِيلِ، وعابُوا عَلى المُسْلِمِينَ إيقاعَ الفَسادِ بِإتْلافِ بَعْضِ المالِ فَكَيْفَ بِهِمْ بِغَدْرِهِمْ وخِيانَتِهِمْ نَقْضِهِمِ العُهُودَ، وتَمالُئِهِمْ عَلى قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وقَدْ سَجَّلَ هَذا المَعْنى كَعْبُ بْنُ مالِكٍ يَذْكُرُ إجْلاءَ بَنِي النَّضِيرِ، وقَتْلَ ابْنِ الأشْرَفِ: ؎لَقَدْ خَزِيَتْ بِغَدْرَتِها الحُبُورُ ∗∗∗ كَذاكَ الدَّهْرُ ذُو صَرْفٍ يَدُورُ ؎وَذَلِكَ أنَّهم كَفَرُوا بِرَبٍّ ∗∗∗ عَظِيمٍ أمْرُهُ أمْرٌ كَبِيرٌ ؎وَقَدْ أُوتُوا مَعًا فَهْمًا وعِلْمًا ∗∗∗ وجاءَهُمُ مِنَ اللَّهِ النَّذِيرُ إلى أنْ قالَ: ؎فَلَمّا أُشْرِبُوا غَدْرًا وكُفْرًا ∗∗∗ وحادَ بِهِمْ عَنِ الحَقِّ النُّفُورُ ؎أرى اللَّهُ النَّبِيَّ بِرَأْيِ صِدْقٍ ∗∗∗ وكانَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا يَجُورُ ؎فَأيَّدَهُ وسَلَّطَهُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ وكانَ نَصِيرَهُ نِعْمَ النَّصِيرُ فَقَدْ أشارَ إلى أنَّ خِزْيَ بَنِي النَّضِيرِ بِسَبَبِ غَدْرِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، فَكانَ الإذْنُ في قَطْعِ النَّخِيلِ هو إذْنٌ شَرْعِيٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ عَنْهُ هو عَمَلٌ تَشْرِيعِيٌّ إذا ما دَعَتِ الحاجَةُ، لِمِثْلِ ما دَعَتِ الحاجَّةُ هَنا إلَيْهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الحشر 59:6

(p-٣١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ . الضَّمِيرُ في (مِنهم) هُنا عائِدٌ عَلى بَنِي النَّضِيرِ. والفَيْءُ: الغَنِيمَةُ بِدُونِ قِتالٍ، وقَدْ جَعَلَهُ تَعالى هُنا عَلى رَسُولِهِ خاصَّةً. وَقالَ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ [الحشر: ٦] أيْ: لَمّا كانَ إخْراجُ اليَهُودِ مَرَدَّهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِما قَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وبِما سَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ ﷺ فَكانَ هَذا الفَيْءُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ. وَقَدْ جاءَ مِصْداقُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي ساقَهُ الشَّيْخُ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ عِنْدَ آخَرِ كَلامِهِ عَلى مَباحِثِ ”الأنْفالِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اعْلَمْ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَأْخُذُ نَفَقَةَ سَنَتِهِ مِن فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ لا مِنَ المَغانِمِ،» وساقَ حَدِيثَ أنَسِ بْنِ أوْسٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قِصَّةِ مُطالَبَةِ عَلِيٍّ والعَبّاسِ مِيراثَهُما مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُ قالَ لَهُما: إنَّ اللَّهَ كانَ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ في هَذا بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا غَيْرَهُ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فَكانَتْ خالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ واللَّهِ ما احْتازَها دُونَكم ولا اسْتَأْثَرَ بِها عَلَيْكم، لَقَدْ أعْطاكُمُوهُ وبَثَّها فِيكم، حَتّى بَقِيَ مِنها هَذا المالُ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنْفِقُ عَلى أهْلِهِ مِن هَذا المالِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ ما بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ ما لِلَّهِ إلَخْ. ا هـ. وَكانَتْ هَذِهِ خاصَّةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ جاءَ بَعْدَها ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ أيْ: عُمُومًا ﴿فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] . وَهَذِهِ الآيَةُ لِعُمُومِها مَصْدَرًا ومَصْرِفًا، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أحْكامٍ ومَباحِثَ عَدِيدَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ الكَلامُ عَلى كُلِّ ما فِيها عِنْدَ أوَّلِ سُورَةِ الأنْفالِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١]، فاسْتَوْفى واسْتَقْصى وفَصَّلَ وبَيَّنَ مَصادِرَ ومَصارِفَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ والنَّفْلِ، وما فُتِحَ مِنَ البِلادِ صُلْحًا أوْ عَنْوَةً، ومَسائِلَ عَدِيدَةً مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، ولا غِنى عَنْهُ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى.

الحشر 59:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ . (p-٣٢)مَعْنى الدُّولَةِ والدَّوْلَةِ بِضَمِّ الدّالِّ في الأُولى، وفَتْحِها في الثّانِيَةِ: يَدُورُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ عَلى مَعْنَيَيْنِ: الدَّوْلَةُ بِالفَتْحِ: الظُّفْرُ في الحَرْبِ وغَيْرِهِ، وهي المَصْدَرُ، وبِالضَّمِّ اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُتَداوَلُ مِنَ الأمْوالِ. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: كَيْلا يَكُونَ الفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُعْطى الفُقَراءَ، لِيَكُونَ لَهم بُلْغَةً يَعِيشُونَ بِها جَدًّا بَيْنَ الأغْنِياءِ يَتَكاثَرُونَ بِهِ، أوْ كَيْلا يَكُونَ دَوْلَةً جاهِلِيَّةً بَيْنَهم. وَمَعْنى الدَّوْلَةِ الجاهِلِيَّةِ: أنَّ الرُّؤَساءَ مِنهم كانُوا يَسْتَأْثِرُونَ بِالغَنِيمَةِ؛ لِأنَّهم أهْلُ الرِّئاسَةِ والغَلَبَةِ والدَّوْلَةِ، وكانُوا يَقُولُونَ: مَن عَزَّ بَزَّ، والمَعْنى: كَيْلا يَكُونَ أخْذُهُ غَلَبَةً أثَرَةً جاهِلِيَّةً، ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ: اتَّخَذُوا عِبادَ اللَّهِ خَوَلًا ومالَ اللَّهِ دُوَلًا، يُرِيدُ مَن غَلَبَ مِنهم أخَذَهُ واسْتَأْثَرَ بِهِ، إلَخْ. والجَدِيرُ بِالذِّكْرِ هُنا: أنَّ دُعاةَ بَعْضِ المَذاهِبِ الِاقْتِصادِيَّةِ الفاسِدَةِ، يَحْتَجُّونَ بِهَذا الآيَةِ عَلى مَذْهَبِهِمِ الفاسِدِ ويَقُولُونَ: يَجُوزُ لِلدَّوْلَةِ أنْ تَسْتَوْلِيَ عَلى مَصادِرِ الإنْتاجِ ورُءُوسِ الأمْوالِ؛ لِتُعْطِيَها أوْ تُشْرِكَ فِيها الفُقَراءَ، وما يُسَمُّونَهم طَبَقَةَ العُمّالِ، وهَذا عَلى ما فِيهِ مِن كَسادٍ اقْتِصادِيٍّ، وفَسادٍ اجْتِماعِيٍّ، قَدْ ثَبَتَ خَطَؤُهُ، وظَهَرَ بُطْلانُهُ مُجانِبًا لِحَقِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ. لِأنَّ هَذا المالَ تُرِكَ لِمَرافِقِ المُسْلِمِينَ العامَّةِ مِنَ الإنْفاقِ عَلى المُجاهِدِينَ، وتَأْمِينِ الغُزاةِ في الحُدُودِ والثُّغُورِ، ولَيْسَ يُعْطى لِلْأفْرادِ كَما يَقُولُونَ، ثُمَّ هو أساسًا مالٌ جاءَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، ولَيْسَ نَتِيجَةَ كَدْحِ الفَرْدِ وكَسْبِهِ. وَلَمّا كانَ مالُ الغَنِيمَةِ لَيْسَ مِلْكًا لِشَخْصٍ، ولا هو أيْضًا كَسْبٌ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، تَحَقَّقَ فِيهِ العُمُومُ في مَصْدَرِهِ، وهو الغَنِيمَةُ، والعُمُومُ في مَصْرِفِهِ، وهو عُمُومُ مَصالِحِ الأُمَّةِ، ولا دَخْلَ ولا وُجُودَ لِلْفَرْدِ فِيهِ، فَشَتّانَ بَيْنَ هَذا الأصْلِ في التَّشْرِيعِ وهَذا الفَرْعِ في التَّضْلِيلِ. وَمِنَ المُؤْسِفِ أنَّهم يُؤَيِّدُونَ دَعْواهم بِإقْحامِ الحَدِيثِ في ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «النّاسُ شُرَكاءُ في ثَلاثَةٍ: الماءُ والنّارُ والكَلَأُ»، ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّرِكَةَ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ ما دامَتْ عَلى عُمُومِها فالماءُ شَرِكَةٌ بَيْنَ الجَمِيعِ ما دامَ في مَوْرِدِهِ مِنَ النَّهْرِ أوِ البِئْرِ العامِّ أوِ السَّيْلِ أوِ الغَدِيرِ. أمّا إذا انْتَقَلَ مِن مَوْرِدِهِ العامِّ، وأصْبَحَ في حِيازَةٍ ما فَلا شَرِكَةَ لِأحَدٍ فِيهِ مَعَ مَن حازَهُ، كَمَن مَلَأ إناءً مِنَ النَّهْرِ أوِ السَّيْلِ ونَحْوِهِ، فَما كانَ في إنائِهِ فَهو خاصٌّ بِهِ، وهَذا الكَلَأُ (p-٣٣)ما دامَ عُشْبًا في الأرْضِ العامَّةِ لا في مِلْكِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ فَهو عامٌّ لِمَن سَبَقَ إلَيْهِ، فَإذا ما احْتَشَّهُ إنْسانٌ وحازَهُ فَلا شَرِكَةَ لِأحَدٍ فِيهِ، وكَذَلِكَ ما كانَ مِنهُ نابِتًا في مِلْكِ إنْسانٍ بِعَيْنِهِ فَهو أحَقُّ بِهِ مِن غَيْرِهِ. وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِالحُوتِ في البَحْرِ والنَّهْرِ فَهو مُشاعٌ لِلْجَمِيعِ، والطَّيْرِ في الهَواءِ يُصادُ. فَإنَّهُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الصَّيّادِينَ، فَإذا ما صادَهُ إنْسانٌ فَقَدْ حازَهُ واخْتَصَّ بِهِ، وهَذا أمْرٌ تَعْتَرِفُ فِيهِ جَمِيعُ النُّظُمِ الِاقْتِصادِيَّةِ، وتُعْطى تَراخِيصٌ رَسْمِيَّةٌ لِذَلِكَ. وَهُناكَ العَمَلُ الجارِي في تِلْكَ الدُّوَلِ، مِمّا يَجْعَلُهم يَتَناقَضُونَ في دَعْواهُمُ الِاشْتِراكُ في الماءِ والنّارِ والكَلَأِ، وذَلِكَ في شَرِكاتِ المِياهِ والنُّورِ؛ فَإنَّهم يَجْعَلُونَ في كُلِّ بَيْتٍ عَدّادًا يَعُدُّ جالُوناتِ الماءِ الَّتِي اسْتَهْلَكَها المَنزِلُ ويُحاسِبُونَهُ عَلَيْهِ، وإذا تَأخَّرَ قَطَعُوا عَلَيْهِ الماءَ وحَرَمُوهُ مِن شُرْبِهِ. وَكَذَلِكَ التَّيّارُ الكَهْرَبائِيُّ؛ فَإنَّهُ نارٌ، وهو الطّاقَةُ الفَعّالَةُ في المُدُنِ فَإنَّهم يَقِيسُونَهُ بِعَدّادٍ يَعُدُّ الكِيلُواتْ، ويَبِيعُونَهُ عَلى المُسْتَهْلِكِ، فَلِماذا لا يَجْعَلُونَ الماءَ والكَهْرَباءَ، شَرِكَةً بَيْنَ المُواطِنِينَ ؟ أمِ النّاسُ شُرَكاءُ فِيما لا يَعُودُ عَلى الدَّوْلَةِ، أمّا حَقُّ الدَّوْلَةِ فَخاصٌّ لِلْحُكّامِ ؟ إنَّهُ عَكْسُ ما في قَضِيَّةِ الفَيْءِ تَمامًا. حَيْثُ إنَّ الفَيْءَ والغَنِيمَةَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَلالًا مِن مالِ العَدُوِّ، وهو كَسْبٌ عامٌّ دَخَلَ عَلى الأُمَّةِ بِمَجْهُودِ الأُمَّةِ كُلِّها، الماثِلِ في الجَيْشِ الَّذِي يُقاتِلُ بِاسْمِها، وجَعَلَهُ تَعالى في مَصارِفَ عامَّةٍ في مَصالِحِ الأُمَّةِ ﴿فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ . ﴿فَلِلَّهِ﴾: أيِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: لِقِيامِهِ بِأمْرِ الأُمَّةِ، وكانَ ﷺ يَأْخُذُ نَفَقَةَ أهْلِهِ عامًا، وما بَقِيَ يَرُدُّهُ في سَبِيلِ اللَّهِ. ﴿وَلِذِي القُرْبى﴾: مَن تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهم. (p-٣٤)﴿واليَتامى والمَساكِينِ﴾: هَذا هو التَّكافُلُ الِاجْتِماعِيُّ في الأُمَّةِ. ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾: المُنْقَطِعُ في سَفَرِهِ، وهَذا تَأْمِينٌ لِلْمُواصَلاتِ. فَكانَ مَصْرِفُهُ بِهَذا العُمُومِ دُونَ اخْتِصاصِ شَخْصٍ بِهِ أوْ طائِفَةٍ: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ . وَإنَّهُ لَمِن مَواطِنِ الإعْجازِ في القُرْآنِ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَ هَذا التَّشْرِيعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٧]؛ لِأنَّهُ تَشْرِيعٌ في أمْرٍ يَمَسُّ الوَتَرَ الحَسّاسَ في النَّفْسِ، وهو مَوْطِنُ الشُّحِّ والحِرْصِ ألا وهو كَسْبُ المالِ الَّذِي هو صِنْوُ النَّفْسِ، والَّذِي تَوَلّى اللَّهُ قِسْمَتَهُ في أهَمِّ مِن ذَلِكَ، وهو في المِيراثِ. قَسَّمَهُ تَعالى مُبَيِّنًا فُرُوضَهُ، وحِصَّةَ كُلِّ وارِثٍ؛ لِأنَّهُ كَسْبٌ بِدُونِ مُقابِلٍ، وكَسْبٌ إجْبارِيٌّ. والنُّفُوسُ مُتَطَلِّعَةٌ إلَيْهِ فَتَوَلّاهُ اللَّهُ تَعالى، وكَذَلِكَ الفَيْءُ والغَنِيمَةُ، وحَرَّمَ الغُلُولَ فِيهِ قَبْلَ القِسْمَةِ. وَمَثَلُ هَذا المالِ هو الَّذِي ألِفُوا قِسْمَتَهُ مَغْنَمًا، والَّذِي بَذَلُوا النُّفُوسَ والمُهَجَ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَإذا بِهِمْ يُمْنَعُونَ مِنهُ، ويُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، فَيُقَسَّمُ المَنقُولُ فَقَطْ، ولا يُقَسَّمُ العَقارُ الثّابِتُ، ويُقالُ لَهم: حَدَثَ هَذا ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ سَواءٌ الأغْنِياءُ بِأبْدانِهِمْ، وقُدْرَتِهِمْ عَلى العَمَلِ، وعَلى الجِهادِ أوِ الأغْنِياءُ بِأمْوالِهِمْ بِما حَصَّلُوهُ مِن مَغانِمَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَكانَ لابُدَّ لِنُفُوسِهِمْ مِن أنْ تَتَحَرَّكَ نَحْوَ هَذا المالِ، وفِعْلًا ناقَشُوا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ - ولَكِنْ هُنا يَأْتِي سَوْطُ الطّاعَةِ المُسَلَّتُ، وأمْرُ التَّشْرِيعِ المُسَكِّتُ إنَّهُ عَنِ اللَّهِ أتاكم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَإنَّ الآيَةَ وإنْ كانَتْ عامَّةً في جَمِيعِ التَّشْرِيعِ إلّا أنَّها هُنا أخَصُّ، وهي بِهِ أقْرَبُ، والمَقامُ إلَيْها أحْوَجُ. وَهُنا يَنْتَقِلُ بِنا القَوْلُ إلى ما آتانا بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وفي هَذا المَعْنى بِالذّاتِ أيْ: مَعْنى المُشارَكَةِ في الأمْوالِ. لَقَدْ جاءَ ﷺ إلى المَدِينَةِ والأنْصارُ يُؤْثِرُونَ المُهاجِرِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وقَدْ أعانَهُمُ اللَّهُ عَلى شُحِّ نُفُوسِهِمْ، فَمُجْتَمَعُهم مُجْتَمَعُ بَذْلٍ وإعْطاءٍ وتَضْحِيَةٍ (p-٣٥)وَإيثارٍ، ومَعَ هَذا فَقَدَ كانَ مِنهُ ﷺ أنْ يَأْتِيَهُ الضَّيْفُ فَلا يَجِدُ لَهُ قِرًى في بَيْتِهِ، فَيَقُولُ لِأصْحابِهِ: «مَن يُضَيِّفُ هَذا، اللَّيْلَةَ ولَهُ الجَنَّةُ ؟» فَيَأْخُذُهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، ويَأْتِيهِ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ يَطْلُبُونَهُ ما يَحْمِلُهم عَلَيْهِ في الجِهادِ، فَيَعْتَذِرُ إلَيْهِمْ أنَّهُ لا يَجِدُ ما يَحْمِلُهم عَلَيْهِ، فَيَتَوَلَّوْنَ وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يَحْمِلُهم عَلَيْهِ، ويَأْتِيهِ القَدَحُ مِنَ اللَّبَنِ، فَيَدْعُو: «يا أهْلَ الصُّفَّةِ» لِيُشارِكُوهُ إيّاهُ لِقِلَّةِ ما عِنْدَهم، وأبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ فَيُصْرَعُ عَلى بابِهِ مِنَ الجُوعِ، بَيْنَما العَدِيدُ مِن أصْحابِهِ ذَوُو يَسارٍ، مِنهم مَن يُجَهِّزُ الجَيْشَ مِن مالِهِ، ومِنهم مَن يَتَصَدَّقُ بِالقافِلَةِ كامِلَةً وما فِيها، ومِنهم مَن يَتَصَدَّقُ بِخِيارِ بَساتِينِ المَدِينَةِ، ومِنهم، فَلَمْ يَأْخُذْ قَطُّ ولا دِرْهَمًا واحِدًا مِمَّنْ تَصَدَّقَ بِقافِلَةٍ كامِلَةٍ وما تَحْمِلُ لَمْ يَأْخُذْ مِنهُ دِرْهَمًا بِدُونِ رِضاهُ، لِيُشارِكَ مَعَهُ فِيهِ واحِدًا مِن أهْلِ الصُّفَّةِ، ولا مِمَّنْ تَصَدَّقَ بِبُسْتانِهِ صاعَ تَمْرٍ يُعْطِيهِ لِأبِي هُرَيْرَةَ، يَسُدُّ مَسْغَبَتَهُ، ولا بَعِيرًا واحِدًا مِمَّنْ جَهَّزَ جَيْشًا مِن مالِهِ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مُتَطَوِّعًا في سَبِيلِ اللَّهِ. إنَّها أمْوالٌ مُحْتَرَمَةٌ، وأمْلاكٌ مُسْتَقِرَّةٌ خاصَّةٌ بِأصْحابِها، فَهُناكَ غَنِيمَةٌ وفَيْءٌ أُخِذَ بِقُوَّةِ الأُمَّةِ ومَدَدِها لِلْجَيْشِ، جُعِلَ في مَصارِفَ عامَّةٍ لِلْأُمَّةِ ولِلْجَيْشِ، وهُنا أمْوالٌ خاصَّةٌ لَمْ تُمَسَّ ولَمْ تُلْمَسْ، إلّا بِرِضى نَفْسٍ وطِيبِ خاطِرٍ، ولِذا كانُوا يَجُودُونَ ولا يَبْخَلُونَ، ويَعْطُونَ ولا يَشُحُّونَ، ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وكانَ مُجْتَمَعًا مُتَكافِلًا مُؤْتَلِفًا مُتَعاطِفًا وسَيَأْتِي زِيادَةُ إيضاحٍ لِهَذا المُجْتَمَعِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى مُجْتَمَعِ المَدِينَةِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، وما بَعْدَها مِنَ الآياتِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَلِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - كَلامٌ مُقْنِعٌ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٢]، نَسُوقُ نَصَّهُ لِأهَمِّيَّتِهِ: قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَسْألَةٌ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ المَذْكُورَةُ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٧١]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ عَلى أنَّ تَفاوُتَ النّاسِ في الأرْزاقِ والحُظُوظِ سُنَّةٌ مِن سُنَنِ اللَّهِ السَّماوِيَّةِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ، لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِن أهْلِ الأرْضِ البَتَّةَ تَبْدِيلَها، ولا تَحْوِيلَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] وبِذَلِكَ تَحَقَّقَ أنَّ ما يَتَذَرَّعُ بِهِ الآنَ المَلاحِدَةُ المُنْكِرُونَ لِوُجُودِ اللَّهِ ولِجَمِيعِ (p-٣٦)النُّبُوّاتِ والرَّسائِلِ السَّماوِيَّةِ إلى ابْتِزازِ ثَرَواتِ النّاسِ ونَزْعِ مِلْكِهِمِ الخاصِّ عَنْ أمْلاكِهِمْ، بِدَعْوى المُساواةِ بَيْنَ النّاسِ في مَعايِشِهِمْ، أمْرٌ باطِلٌ لا يُمْكِنُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، مَعَ أنَّهم لا يَقْصِدُونَ ذَلِكَ الَّذِي يَزْعُمُونَ، وإنَّما يَقْصِدُونَ اسْتِئْثارَهم بِأمْلاكِ جَمِيعِ النّاسِ؛ لِيَنْعَمُوا بِها ويَتَصَرَّفُوا فِيها كَيْفَ شاءُوا تَحْتَ سِتارٍ كَثِيفٍ مِن أنْواعِ الكَذِبِ والغُرُورِ والخِداعِ، كَما يَتَحَقُّقُهُ كُلُّ عاقِلٍ مُطَّلِعٍ عَلى سِيرَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ مَعَ المُجْتَمَعِ في بِلادِهِمْ. فالطُّغْمَةُ القَلِيلَةُ الحاكِمَةُ ومَن يَنْضَمُّ إلَيْها هُمُ المُتَمَتِّعُونَ بِجَمِيعِ خَيْراتِ البِلادِ وغَيْرُهم مِن عامَّةِ الشَّعْبِ مَحْرُومُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ، مَظْلُومُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى ما كَسَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ، يُعْلَفُونَ بِبِطاقَةٍ كَما تُعْلَفُ البِغالُ والحَمِيرُ. وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في سابِقِ عِلْمِهِ أنَّهُ يَأْتِي ناسٌ يَغْتَصِبُونَ أمْوالَ النّاسِ بِدَعْوى أنَّ هَذا فَقِيرٌ، وهَذا غَنِيٌ، وقَدْ نَهى جَلَّ وعَلا عَنِ اتِّباعِ الهَوى بِتِلْكَ الدَّعْوى، وأوْعَدَ مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ. انْتَهى حَرْفِيًّا. والحَقُّ أنَّ الأرْزاقَ قِسْمَةُ الخَلّاقِ، فَهو أرْأفُ بِالعِبادِ مِن أنْفُسِهِمْ، ولَيْسَ في خَزائِنِهِ مِن نَقْصٍ ولَكِنَّها الحِكْمَةُ لِمَصْلَحَةِ عِبادِهِ، وفي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «إنَّ مِن عِبادِي لَمَن يَصْلُحُ لَهُ الفَقْرُ، ولَوْ أغْنَيْتُهُ لَفَسَدَ حالُهُ، وإنَّ مِن عِبادِي لَمَن يَصْلُحُ لَهُ الغِنى ولَوْ أفْقَرْتُهُ لَفَسَدَ حالُهُ»، فَهو سُبْحانُهُ يُعْطِي بِقَدَرٍ، ولا يُمْسِكُ عَنْ قَتَرٍ. وَيَكْفِي في هَذا المَقامِ سِياقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى - عَلَيْهِ في أُسْلُوبِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا﴾ [الزخرف: ٣٢]، وهَذا الضَّمِيرُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ، ومِثْلُهُ الضَّمِيرُ في ”قَسَمْنا“، فَلا مَجالَ لِتَدَخُّلِ المَخْلُوقِ، ولا مَكانَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ. والقِسْمَةُ إذا كانَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا تَقْوى قُوَّةٌ في الأرْضِ عَلى إبْطالِها، ثُمَّ إنَّ واقِعَ الحَياةِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بَلْ ويَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَرَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] . وَهَؤُلاءِ المُعْتَدُونَ عَلى أمْوالِ النّاسِ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، ويُقِرُّونَ نِظامَ الطَّبَقاتِ عُمّالًا وغَيْرَ عُمّالٍ، إلَخْ، فَلا دَلِيلَ في آيَةِ سُورَةِ ”الحَشْرِ“ هُنا: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ (p-٣٧)وَلا حَقَّ لَهم فِيما فَعَلُوا في أمْوالِ النّاسِ بِهَذا المَبْدَأِ الباطِلِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في المُقَدِّمَةِ: إنَّ السُّنَةَ كُلَّها مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أيْ: أنَّها مُلْزِمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ العَمَلَ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَيَكُونُ الأخْذُ بِالسُّنَّةِ أخْذًا بِكِتابِ اللَّهِ، ومِصْداقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤] . وَقَدْ قالَ السُّيُوطِيُّ: الوَحْيُ وحْيانِ: وَحْيٌ أُمِرْنا بِكِتابَتِهِ، وتَعَبَّدْنا بِتِلاوَتِهِ، وهو القُرْآنُ الكَرِيمُ. وَوَحْيٌ لَمْ نُؤْمَرْ بِكِتابَتِهِ، ولَمْ نَتَعَبَّدْ بِتِلاوَتِهِ وهو السُّنَّةُ. وَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ سَلَفُ الأُمَّةِ وخَلَفُها، كَما جاءَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّهُ قالَ في مَجْلِسِهِ بِالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ: «لَعَنَ اللَّهُ في كِتابِهِ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ،» فَقالَتِ امْرَأةٌ قائِمَةٌ عِنْدَهُ، وفي كِتابِ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُهُ مِن دَفَّتِهِ إلى دَفَّتِهِ، فَلَمْ أجِدْ هَذا الَّذِي قُلْتَ، فَقالَ لَها: لَوْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَوَجَدْتِيهِ، أوْ لَمْ تَقْرَئِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾، وقَدْ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ،» ومَن لَعَنَها رَسُولُ اللَّهِ فَقَدْ لَعَنَها اللَّهُ، فَقالَتْ لَهُ: لَعَلَّ بَعْضَ أهْلِكِ يَفْعَلُهُ ؟ فَقالَ لَها: ادْخُلِي وانْظُرِي فَدَخَلَتْ بَيْتَهُ، ثُمَّ خَرَجَتْ ولَمْ تَقُلْ شَيْئًا، فَقالَ لَها: ما رَأيْتِ ؟ قالَتْ: خَيْرًا، وانْصَرَفَتْ. وَجاءَ الشّافِعِيُّ وقامَ في أهْلِ مَكَّةَ، فَقالَ: سَلُونِي يا أهْلَ مَكَّةَ عَمّا شِئْتُمْ أُجِبْكم عَنْهُ مِن كِتابِ اللَّهِ، فَسَألَهُ رَجُلٌ عَنِ المُحْرِمِ يَقْتُلُ الزُّنْبُورَ ماذا عَلَيْهِ في كِتابِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾، وقالَ ﷺ: «عَلَيْكم بِسُنَّتِي، وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ» الحَدِيثَ، وحَدَّثَنِي فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، وساقَ بِسَنَدِهِ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، سُئِلَ: المُحْرِمُ يَقْتُلُ الزُّنْبُورَ ماذا عَلَيْهِ ؟ فَقالَ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَقَدِ اعْتَبَرَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ السُّنَّةَ مِن كِتابِ اللَّهِ، والشّافِعِيُّ اعْتَبَرَ سُنَّةَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، واعْتَبَرَ كُلٌّ مِنهُما جَوابَهُ مِن كِتابِ اللَّهِ بِناءً عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. (p-٣٨)وَهَذا ما عَلَيْهِ الأُصُولِيُّونَ يُخَصِّصُونَ بِها عُمُومَ الكِتابِ، ويُقَيِّدُونَ مُطْلَقَهُ. فَمِنَ الأوَّلِ: قَوْلُهُ ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، أمّا المَيْتَتانِ: فالجَرادُ والحُوتُ، وأمّا الدَّمانِ: فالكَبِدُ والطُّحالُ» فَخَصَّ بِهَذا الحَدِيثِ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وكَذَلِكَ في النِّكاحِ: «لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها، ولا المَرْأةُ عَلى خالَتِها»، وخُصَّ بِها عُمُومُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ونَحْوَهُ كَثِيرٌ. وَمِنَ الثّانِي: قَطْعُهُ ﷺ يَدَ السّارِقِ مِنَ الكُوعِ تَقْيِيدًا لِمُطْلَقِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]، وكَذَلِكَ مَسْحُ الكَفَّيْنِ في التَّيَمُّمِ تَقْيِيدًا أوْ بَيانًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ [المائدة: ٦]، ونَحْوَ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وكَذَلِكَ بَيانُ المُجْمَلِ كَبَيانِ مُجْمَلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فَلَمْ يُبَيِّنْ عَدَدَ الرَّكَعاتِ لِكُلِّ وقْتٍ، ولا كَيْفِيَّةَ الأداءِ فَصَلّى ﷺ عَلى المِنبَرِ وهم يَنْظُرُونَ، ثُمَّ قالَ لَهم: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» وحَجَّ وقالَ لَهم: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» . وَقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ السُّنَةَ أقْوالٌ، وأفْعالٌ، وتَقْرِيرٌ، وقَدْ ألْزَمَ العَمَلَ بِالأفْعالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، والتَّأسِّي يَشْمَلُ القَوْلَ والفِعْلَ، ولَكِنَّهُ في الفِعْلِ أقْوى، والتَّقْرِيرُ مُنْدَرِجٌ في الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ تَرْكُ الإنْكارِ عَلى أمْرٍ ما، والتَّرْكُ فِعْلٌ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ، كَما قالَ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ: ؎والتَّرْكُ فِعْلٌ في صَحِيحِ المَذْهَبِ * * تَنْبِيهٌ تَنْقَسِمُ أفْعالُهُ ﷺ إلى عِدَّةِ أقْسامٍ: أوَّلًا: ما كانَ يَفْعَلُهُ بِمُقْتَضى الجِبِلَّةِ، وهو مُتَطَلَّباتُ الحَياةِ مِن أكْلٍ، وشُرْبٍ، ولُبْسٍ، ونَوْمٍ، فَهَذا كُلُّهُ يَفْعَلُهُ اسْتِجابَةً لِمُتَطَلَّباتِ الحَياةِ، وكانَ يَفْعَلُهُ قَبْلَ البَعْثَةِ ويَفْعَلُهُ كُلُّ إنْسانٍ، فَهو عَلى الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ، ولَيْسَ فِيهِ تَشْرِيعٌ جَدِيدٌ، ولَكِنْ صُورَةُ الفِعْلِ، وكَيْفِيَّتُهُ كَكَوْنِ الأكْلِ والشَّرابِ بِاليَمِينِ إلَخْ، وكَوْنِهِ مِن أمامِ الآكِلِ، فَهَذا هو مَوْضِعُ التَّأسِّي بِهِ ﷺ وكَذَلِكَ نَوْعُ المَأْكُولِ أوْ تَرْكُهُ ما لَمْ يَكُنْ لِمانِعٍ كَعَدَمِ أكْلِهِ ﷺ لِلضَّبِّ والبُقُولِ المَطْبُوخَةِ، وقَدْ بَيَّنَ السَّبَبَ في ذَلِكَ، فالأوَّلُ: لِأنَّهُ لَيْسَ في أرْضِ قَوْمِهِ فَكانَ يَعافُهُ، والثّانِي: لِأنَّهُ يُناجِي مَن لا نُناجِي، وقَدْ قالَ صاحِبُ المَراقِي: ؎وَفِعْلُهُ المَرْكُوزُ في الجِبِلَّةِ كالأكْلِ والشُّرْبِ فَلَيْسَ مُلْهٍ (p-٣٩)مِن غَيْرِ لَمْحِ الوَصْفِ. . . ثانِيًا: ما كانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الجِبِلَّةِ والتَّشْرِيعِ كَوُقُوفِهِ ﷺ بِعَرَفَةَ راكِبًا عَلى ناقَتِهِ، ونُزُولِهِ بِالمُحْصِبِ مُنْصَرَفَهُ مِن مِنًى، فالوُقُوفُ الَّذِي هو رُكْنُ الحَجِّ يَتِمُّ بِالتَّواجُدِ في المَوْقِفِ بِعَرَفَةَ عَلى أيَّةِ حالَةٍ، فَهَلْ كانَ وُقُوفُهُ ﷺ راكِبًا مِن تَمامِ نُسُكِهِ، أمْ أنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ دُونَ قَصْدٍ إلى النُّسُكِ ؟ خِلافٌ بَيْنَ الأُصُولِيِّينَ، ولا يَبْعُدُ مَن يَقُولُ: قَدْ يَكُونُ فِعْلُهُ ﷺ هَذا؛ لِيَكُونَ أبْرَزَ لِشَخْصِهِ في مِثْلِ هَذا الجَمْعِ، تَسْهِيلًا عَلى مَن أرادَهُ لِسُؤالٍ أوْ رُؤْيَةٍ أوْ حاجَةٍ، فَيَكُونُ تَشْرِيعًا لِمَن يَكُونُ في مَنزِلَتِهِ في المَسْئُولِيَّةِ. ثالِثًا: ما ثَبَتَتْ خُصُوصِيَّتُهُ بِهِ مِثْلُ جَوازِ جَمْعِهِ بَيْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِ نِسْوَةٍ بِالنِّكاحِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وكُنَّ أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ، ونِكاحِ الواهِبَةِ نَفْسَها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فَهَذا لا شَرِكَةَ لِأحَدٍ مَعَهُ فِيهِ. رابِعًا: ما كانَ بَيانًا لِنَصٍّ قُرْآنِي، كَقَطْعِهِ ﷺ يَدَ السّارِقِ مِنَ الكُوعِ بَيانًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]، وكَأعْمالِ الحَجِّ والصَّلاةِ، فَهُما بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولِذا قالَ ﷺ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقالَ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم»، فَهَذا القِسْمُ حُكْمُهُ لِلْأُمَّةِ، حُكْمُ المُبَيَّنُ بِالفَتْحِ، فَفي الوُجُوبِ واجِبٌ، وفي غَيْرِهِ بِحَسْبِهِ. خامِسًا: ما فَعَلَهُ ﷺ لا لِجِبِلَّةٍ ولا لِبَيانٍ، ولَمْ تَثْبُتْ خُصُوصِيَّتُهُ لَهُ، فَهَذا عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَعْلَمَ حُكْمَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِن وُجُوبٍ، أوْ نَدْبٍ، أوْ إباحَةٍ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ لِلْأُمَّةِ كَذَلِكَ كَصَلاتِهِ ﷺ في الكَعْبَةِ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّها في حَقِّهِ ﷺ جائِزَةٌ، فَهي لِلْأُمَّةِ عَلى الجَوازِ. ثانِيهُما: ألّا يُعْلَمَ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ وفي هَذا القِسْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أوَّلُها: الوُجُوبُ عَمَلًا بِالأحْوَطِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وبَعْضِ الشّافِعِيَّةِ، ورِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ. ثانِيها: النَّدْبُ لِرُجْحانِ الفِعْلِ عَلى التَّرْكِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ، ورِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ أيْضًا. (p-٤٠)ثالِثُها: الإباحَةُ؛ لِأنَّها المُتَيَقَّنُ، ولَكِنَّ هَذا فِيما لا قُرْبَةَ فِيهِ، إذِ القُرَبُ لا تُوصَفُ بِالإباحَةِ. رابِعُها: التَّوَقُّفُ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ المُرادِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ؛ لِأنَّ التَّوَقُّفَ لَيْسَ فِيهِ تَأسٍّ. فَتَحْصُلُ لَنا مِن هَذِهِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ أنَّ الصَّحِيحَ الفِعْلُ تَأسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُوبًا أوْ نَدْبًا، ومَثَّلُوا لِهَذا الفِعْلِ بِخَلْعِهِ ﷺ نَعْلَهُ في الصَّلاةِ، فَخَلَعَ الصَّحابَةُ كُلُّهم نِعالَهم، فَلَمّا انْتَهى ﷺ سَألَهم عَنْ خَلْعِهِمْ نِعالِهِمْ قالُوا: رَأيْناكَ فَعَلْتَ فَفَعَلْنا، فَقالَ لَهم: «أتانِي جِبْرِيلُ وأخْبَرَنِي أنَّ في نَعْلِي أذًى فَخَلَعْتُها»، فَإنَّهُ أقَرَّهم عَلى خَلْعِهِمْ تَأسِّيًا بِهِ، ولَمْ يَعِبْ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا الحُكْمَ قَبْلَ إخْبارِهِ إيّاهم، وقَدْ جاءَ هُنا ما تَقُولُونَ بِصِيغَةِ العُمُومِ. وَقالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في دَفْعِ الإيهامِ في سُورَةِ ”الأنْفالِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ما نَصُّهُ: وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الِاسْتِجابَةَ لِلرَّسُولِ الَّتِي هي طاعَتُهُ لا تَجِبُ إلّا إذا دَعانا لِما يُحْيِينا، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ . وَقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِهِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ قَيْدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٣١]، و ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] . والظّاهِرُ: أنَّ وجْهَ الجَمْعِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ آياتِ الإطْلاقِ مُبَيِّنَةٌ أنَّهُ ﷺ لا يَدْعُونا إلّا لِما يُحْيِينا مِن خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فالشَّرْطُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾، مُتَوَفِّرٌ في دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَكانِ عِصْمَتِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤] . والحاصِلُ: أنَّ آيَةَ: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾، مُبَيِّنَةٌ أنَّهُ لا طاعَةَ إلّا لِمَن يَدْعُو إلى ما يُرْضِي اللَّهَ، وأنَّ الآياتِ الأُخَرَ بَيَّنَتْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَدْعُو أبَدًا إلّا إلى ذَلِكَ، صَلَواتُ (p-٤١)اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، انْتَهى. وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ كَذَلِكَ حَقِيقَةَ ومُنْتَهى ما جاءَ بِهِ ﷺ في قَوْلِهِ: «”ما تَرَكْتُ خَيْرًا يُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ إلّا بَيَّنْتُهُ لَكم وأمَرْتُكم بِهِ، وما تَرَكْتُ شَرًّا يُباعِدُكم عَنِ اللَّهِ إلّا بَيَّنْتُهُ لَكم، وحَذَّرْتُكم مِنهُ ونَهَيْتُكم عَنْهُ“ .» * * تَنْبِيهٌ الواقِعُ أنَّ العَمَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هو مِن لَوازِمِ نُطْقِ المُسْلِمِ بِالشَّهادَتَيْنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، اعْتِرافٌ لِلَّهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ وبِمُسْتَلْزَماتِها، ومِنها إرْسالُ الرُّسُلِ إلى خَلْقِهِ، وإنْزالُ كُتُبِهِ وقَوْلَهُ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، اعْتِرافٌ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ الأخْذَ بِكُلِّ ما جاءَ بِهِ هَذا الرَّسُولُ الكَرِيمُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ إلّا بِما جاءَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، ولا يَحِقُّ لَهُ أنْ يَعْصِيَ اللَّهَ بِما نَهاهُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَهي بِحَقٍّ مُسْتَلْزِمٌ لِلنُّطْقِ بِالشَّهادَتَيْنِ. وَيُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] فَرَبَطَ مَرَدَّ الخِلافِ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ بِالإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. وَقالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ في ”سُورَةُ النِّساءِ“: أمَرَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَنازَعَ فِيهِ النّاسُ مِن أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، أنْ يُرَدَّ التَّنازُعُ في ذَلِكَ إلى كِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] انْتَهى. فاتَّضَحَ بِهَذا كُلِّهِ أنَّ ما أتانا بِهِ ﷺ فَهو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ بِمَنزِلَةِ القُرْآنِ في التَّشْرِيعِ، وأنَّ السُّنَّةَ تَسْتَقِلُّ بِالتَّشْرِيعِ كَما جاءَتْ بِتَحْرِيمِ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ. وكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ ونابٍ مِنَ السِّباعِ، وبِتَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها، أوْ هي مَعَ ابْنَةِ أخِيها أوِ ابْنَةِ أُخْتِها ونَحْوَ ذَلِكَ، وقَدْ قالَ ﷺ: «”لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَةِ أهْلِهِ يَقُولُ: ما وجَدْنا في كِتابِ اللَّهِ أخَذْناهُ، وما لَمْ نَجِدْهُ في كِتابِ اللَّهِ تَرَكْناهُ، ألا إنِّي أُوتِيتُ الكِتابَ ومِثْلَهُ مَعَهُ“ .» والنَّصُّ هُنا عامٌّ في الأخْذِ بِكُلِّ ما أتانا بِهِ، وتَرْكِ ما نَهانا عَنْهُ، وقَدْ جاءَ تَخْصِيصُ هَذا (p-٤٢)العُمُومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، • وقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَجاءَ الحَدِيثُ فَفَرَّقَ بَيْنَ عُمُومِ النَّهْيِ في قَوْلِهِ ﷺ: «ما أمَرْتُكم بِهِ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وما نَهَيْتُكم عَنْهُ فانْتَهُوا»، وقَدْ جاءَ هَذا التَّذْيِيلُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [المائدة: ٢]، إيذانًا بِأنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لا هَوادَةَ فِيهِ، وأنَّهُ مُلْزِمٌ لِلْأُمَّةِ سِرًّا وعَلَنًا، وأنَّ مَن خالَفَ شَيْئًا مِنهُ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ هَذا الإنْذارُ الشَّدِيدُ؛ لِأنَّ مَعْصِيَتَهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ، وطاعَتَهُ مِن طاعَةِ اللَّهِ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤١٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ . تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الإطْلاقِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ، والتَّقْيِيدِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]، في سُورَةِ ”الأنْفالِ“ .

الحشر 59:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ . فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وصْفٌ شامِلٌ لِلْمُهاجِرِينَ في دَوافِعِ الهِجْرَةِ، أنَّهم: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾، وغايَتُها، وهي: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾، والحُكْمُ لَهم بِأنَّهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ . وَمَنطُوقُ هَذِهِ الأوْصافِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أنَّهُ خاصٌّ بِالمُهاجِرِينَ، مَعَ أنَّهُ جاءَتْ نُصُوصٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى مُشارَكَةِ الأنْصارِ لَهم فِيهِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَها: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤] . فَذَكَرَ المُهاجِرِينَ بِالجِهادِ بِالمالِ والنَّفْسِ، وذَكَرَ مَعَهُمُ الأنْصارَ بِالإيواءِ والنَّصْرِ، ووَصَفَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا بِوَلايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وأثْبَتَ لَهم مَعًا حَقِيقَةَ الإيمانِ: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا، أيْ: الصّادِقُونَ في إيمانِهِمْ، فاسْتَوى الأنْصارُ مَعَ المُهاجِرِينَ في عامِلِ النُّصْرَةِ وفي صِدْقِ الإيمانِ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ (p-٤٣)[الحشر: ٩]، وصْفٌ شامِلٌ لِلْأنْصارِ، ﴿تَبَوَّءُوا الدّارَ﴾ أيْ: المَدِينَةَ، ﴿والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: بَيْعَةَ العَقَبَةِ الأُولى والثّانِيَةِ مِن قَبْلِ مَجِيءِ المُهاجِرِينَ، بَلْ ومِن قَبْلِ إيمانِ بَعْضِ المُهاجِرِينَ، ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ ويَسْتَقْبِلُونَهُ بِصُدُورٍ رَحْبَةٍ، ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ غَيْرَهم ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾، لِأنَّهم هاجَرُوا إلَيْهِمْ. وَظاهِرُ النُّصُوصِ تَدُلُّ بِمَفْهُومِها أنَّ غَيْرَهم لَمْ يُشارِكْهم في هَذِهِ الصِّفاتِ، ولَكِنْ في الآيَةِ الأُولى ما يَدُلُّ لِمُشارَكَةِ المُهاجِرِينَ الأنْصارَ في هَذا الوَصْفِ الكَرِيمِ، وهو الإيثارُ عَلى النَّفْسِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الإيثارِ عَلى النَّفْسِ هو بَذْلُ المالِ لِلْغَيْرِ عِنْدَ حاجَتِهِ مُقَدِّمًا غَيْرَهُ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا المَعْنى بِالذّاتِ سَبَقَ أنْ كانَ مِنَ المُهاجِرِينَ أنْفُسِهِمِ المَنصُوصُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، فَكانَتْ لَهم دِيارٌ، وكانَتْ عِنْدَهم أمْوالٌ وأُخْرِجُوا مِنها كُلِّها، فَلَئِنْ كانَ الأنْصارُ واسَوْا إخْوانَهُمُ المُهاجِرِينَ بِبَعْضِ أمْوالِهِمْ، وقاسَمُوهم مُمْتَلَكاتِهِمْ، فَإنَّ المُهاجِرِينَ لَمْ يَنْزِلُوا عَنْ بَعْضِ أمْوالِهِمْ فَحَسْبُ، بَلْ تَرَكُوها كُلَّها: أمْوالَهم، ودِيارَهم، وأوْلادَهم، وأهْلَهم، فَصارُوا فُقَراءَ بَعْدَ إخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، ومَن يَخْرُجُ مِن كُلِّ مالِهِ ودِيارِهِ، ويَتْرُكُ أهْلَهُ وأوْلادَهُ لا يَكُونُ أقَلَّ تَضْحِيَةً مِمَّنْ آثَرَ غَيْرَهُ بِبَعْضِ مالِهِ، وهو مُسْتَقِرٌّ في أهْلِهِ ودِيارِهِ، فَكَأنَّ اللَّهَ عَوَّضَهم بِهَذا الفَيْءِ عَمّا فاتَ عَنْهم. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّهُ ﷺ قالَ لِلْأنْصارِ ما يُشْعِرُ بِهَذا المَعْنى، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «”إنَّ إخْوانَكم قَدْ تَرَكُوا الأمْوالَ والأوْلادَ وخَرَجُوا إلَيْكم“ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ ! أمْوالُنا بَيْنَنا قَطائِعُ» الحَدِيثَ. أيْ أنَّ الأنْصارَ عَرَفُوا ذَلِكَ لِلْمُهاجِرِينَ، وعَلَيْهِ أيْضًا، فَقَدِ اسْتَوى المُهاجِرُونَ مَعَ الأنْصارِ في هَذا الوَصْفِ المِثالِيِّ الكَرِيمِ، وكانَ خُلُقًا لِكَثِيرِينَ مِنهم بَعْدَ الهِجْرَةِ «كَما فَعَلَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مالِهِ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما أبْقَيْتَ لِأهْلِكَ ؟ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ،» وكَذَلِكَ عائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - حِينَما كانَتْ صائِمَةً، ولَيْسَ عِنْدَها سِوى قُرْصٍ مِنَ الشَّعِيرِ وجاءَ سائِلٌ فَقالَتْ لِبَرِيرَةَ: ادْفَعِي إلَيْهِ ما عِنْدَكِ، فَقالَتْ لَها: لَيْسَ إلّا ما سَتُفْطِرِينَ عَلَيْهِ، فَقالَتْ لَها: ادْفَعِيهِ إلَيْهِ، ولَعَلَّها أحْوَجُ إلَيْهِ الآنَ، أوْ كَما قالَتْ. وَلَمّا جاءَ المَغْرِبُ أُهْدِيَ إلَيْهِمْ رِجْلُ شاةٍ بِقِرامِها - وقِرامُها هو ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ (p-٤٤)إذا أرادُوا شِواءَ شاةٍ طَلَوْها مِنَ الخارِجِ بِالعَجِينِ حِفْظًا لَها مِن رَمادِ الجَمْرِ - فَقالَتْ لِبَرِيرَةَ: كُلِي، هَذا خَيْرٌ مِن قُرْصِكِ. وَكَما فَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصَدَّقَ بِالعِيرِ وما تَحْمِلُهُ مِن تِجارَةٍ حِينَ قَدِمَتْ، والرَّسُولُ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَخَرَجَ النّاسُ إلَيْها. فَعَلى هَذا كانَ مُجْتَمَعُ المَدِينَةِ في عَهْدِهِ ﷺ مُجْتَمَعًا مُتَكافِلًا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، وقَدْ نَوَّهَ ﷺ في قِصَّةِ غَنائِمِ حُنَيْنٍ بِفَضْلِ كِلا الفَرِيقَيْنِ في قَوْلِهِ ﷺ: «لَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصارِ» . وَمِن بَعْدِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: وأُوصِي الخَلِيفَةَ بَعْدِي بِالمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ أنْ يَعْرِفَ لَهم حَقَّهم ويَحْفَظَ لَهم كَرامَتَهم، وأُوصِيهِ بِالأنْصارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ، مِن قَبْلُ أنْ يَقْبَلَ مِن مُحْسِنِهِمْ، وأنْ يَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ. ثُمَّ كانَ هَذا خُلُقَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ جَمِيعًا، كَما وقَعَ في وقْعَةِ اليَرْمُوكِ، قالَ حُذَيْفَةُ العَدَوِيِّ: انْطَلَقْتُ يَوْمَ اليَرْمُوكِ أطْلُبُ ابْنَ عَمٍّ لِي، ومَعِي شَيْءٌ مِنَ الماءِ وأنا أقُولُ: إنْ كانَ بِهِ رَمَقٌ سَقَيْتُهُ، فَإذا أنا بِهِ فَقُلْتُ لَهُ: أسْقِيكَ ؟ فَأشارَ بِرَأْسِهِ أنْ نَعَمْ، فَإذا أنا بِرَجُلٍ يَقُولُ: آهٍ آهٍ، فَأشارَ إلَيَّ ابْنُ عَمِّي أنِ انْطَلِقْ إلَيْهِ، فَإذا هو هِشامُ بْنُ العاصِ، فَقُلْتُ أسْقِيكَ ؟ فَأشارَ أنْ نَعَمْ، فَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ آهٍ آهٍ، فَأشارَ هِشامُ أنِ انْطَلِقْ إلَيْهِ فَجِئْتُهُ، فَإذا هو قَدْ ماتَ، فَرَجَعْتُ إلى هِشامٍ، فَإذا هو قَدْ ماتَ، فَرَجَعْتُ إلى ابْنِ عَمِّي فَإذا هو قَدْ ماتَ. وَكانَ مَنهَجُ الخَواصِّ مِن بَعْدِهِمْ، كَما نَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَنْ أبِي يَزِيدِ البِسْطامِيِّ أنَّهُ قالَ: ما غَلَبَنِي أحَدٌ ما غَلَبَنِي شابٌّ مِن أهْلِ بَلْخٍ، قَدِمَ عَلَيْنا حاجًّا فَقالَ لِي: ما حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكم ؟ فَقُلْتُ: إنْ وجَدْنا أكَلْنا، وإنْ فَقَدْنا صَبَرْنا، فَقالَ: هَكَذا كِلابُبَلْخٍ عِنْدَنا، فَقُلْتُ: وما حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكم ؟ قالَ: إنْ فَقَدْنا شَكَرْنا وإنْ وجَدْنا آثَرْنا. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾، الإيثارُ عَلى النَّفْسِ: تَقْدِيمُ الغَيْرِ عَلَيْها مَعَ الحاجَةِ، والخَصاصَةُ: الَّتِي تَخْتَلُّ بِها الحالُ، وأصْلُها مِنَ الِاخْتِصاصِ، وهو الِانْفِرادُ في الأمْرِ، فالخَصاصَةُ الِانْفِرادُ بِالحاجَةِ أيْ: ولَوْ كانَ بِهِمْ فاقَةٌ وحاجَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمّا الرَّبِيعُ إذا تَكُونُ خَصاصَةٌ عاشَ السَّقِيمُ بِهِ وأثْرى المُقْتِرَ (p-٤٥)وَهَلْ يَصِحُّ الإيثارُ مِن كُلِّ إنْسانٍ، ولَوْ كانَ ذا عِيالٍ أوْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ غَيْرِهِ أمْ لا ؟ وما عَلاقَتُهُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؟ . والجَوابُ عَلى هَذا كُلِّهِ في كَلامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، في أوَّلِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ . قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِمَنِ التَّبْعِيضِيةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يُنْفِقُ لِوَجْهِ اللَّهِ بَعْضَ ما لَهُ كُلِّهِ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا القَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إنْفاقُهُ، والَّذِي يَنْبَغِي إمْساكُهُ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخْرى أنَّ القَدْرَ الَّذِي يَنْبَغِي إنْفاقُهُ هو الزّائِدُ عَلى الحاجَةِ، وسَدِّ الخَلَّةِ الَّتِي لابُدَّ مِنها، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾، والمُرادُ بِالعَفْوِ الزّائِدُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ الَّتِي لابُدَّ مِنها عَلى أصَحِّ التَّفْسِيراتِ، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] أيْ: كَثُرُوا وكَثُرَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم. وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: العَفْوُ نَقِيضُ الجُهْدِ، وهو أنْ يُنْفِقَ ما لا يَبْلُغُ إنْفاقُهُ مِنهُ الجُهْدَ واسْتِفْراغَ الوُسْعِ. وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ∗∗∗ ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ وَهَذا القَوْلُ راجِعٌ إلى ما ذَكَرْنا، وبَقِيَّةُ الأقْوالِ ضَعِيفَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، فَنَهاهُ عَنِ البُخْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾، ونَهاهُ عَنِ الإسْرافِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾، فَيَتَعَيَّنُ الوَسَطُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] . فَيَجِبُ عَلى المُنْفِقِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الجُودِ والتَّبْذِيرِ، وبَيْنَ البُخْلِ والإقْتارِ، فالجُودُ غَيْرُ التَّبْذِيرِ، والِاقْتِصادُ غَيْرُ البُخْلِ فالمَنعُ في مَحَلِّ الإعْطاءِ مَذْمُومٌ، وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾، والإعْطاءُ في مَحَلِّ المَنعِ مَذْمُومٌ أيْضًا، وقَدْ نَهى اللَّهُ عَنْهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ (p-٤٦)وَقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎لا تَمْدَحَنَّ ابْنَ عِبادٍ وإنْ هَطَلَتْ ∗∗∗ يَداهُ كالمُزْنِ حَتّى تَخْجَلَ الدِّيَما ؎فَإنَّها خَطَراتٌ مِن وساوِسِهِ ∗∗∗ يُعْطِي ويَمْنَعُ لا بُخْلًا ولا كَرَمًا وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخْرى أنَّ الإنْفاقَ المَحْمُودَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ مَصْرِفُهُ الَّذِي صُرِفَ فِيهِ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ ١ الآيَةَ [البقرة: ٢١٥]، وصَرَّحَ في أنَّ الإنْفاقَ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ حَسْرَةٌ عَلى صاحِبِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٦] . وَقَدْ قالَ الشّاعِرُ: ؎إنَّ الصَّنِيعَةَ لا تَكُونُ صَنِيعَةً ∗∗∗ حَتّى يُصابَ بِها طَرِيقُ المَصْنَعِ فَإنْ قِيلَ: هَذا الَّذِي قَرَّرْتُمْ يَقْتَضِي أنَّ الإنْفاقَ المَحْمُودَ هو إنْفاقُ ما زادَ عَنِ الحاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أثْنى عَلى قَوْمٍ بِالإنْفاقِ وهم في حاجَةٍ إلى ما أنْفَقُوا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . فالظّاهِرُ في الجَوابِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: هو ما ذَكَرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، فَفي بَعْضِ الأحْوالِ يَكُونُ الإيثارُ مَمْنُوعًا، وذَلِكَ كَما إذا كانَتْ عَلى المُنْفِقِ نَفَقاتٌ واجِبَةٌ كَنَفَقَةِ الزَّوْجاتِ ونَحْوِها فَتَبَرَّعَ بِالإنْفاقِ في غَيْرِ واجِبٍ، وتَرَكَ الفَرْضَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ»، وكَأنْ يَكُونَ لا صَبْرَ عِنْدَهُ عَنْ سُؤالِ النّاسِ فَيُنْفِقُ مالَهُ، ويَرْجِعُ إلى النّاسِ يَسْألُهم مالَهم، فَلا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ؟ والإيثارُ فِيما إذا كانَ لَمْ يُضَيِّعْ نَفَقَةً واجِبَةً، وكانَ واثِقًا مِن نَفْسِهِ بِالصَّبْرِ، والتَّعَفُّفِ، وعَدَمِ السُّؤالِ. وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ يَعْنِي بِهِ الزَّكاةَ، فالأمْرُ واضِحٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى مِنهُ. والواقِعُ أنَّ لِلْإنْفاقِ في القُرْآنِ مَراتِبَ ثَلاثَةً: الأُولى: الإنْفاقُ مِن بَعْضِ المالِ بِصِفَةٍ عامَّةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ . (p-٤٧)الثّانِيَةُ: الإنْفاقُ مِمّا يُحِبُّهُ الإنْسانُ ويَحْرِصُ عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهَذا أخَصُّ مِنَ الأوَّلِ، وقَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ الآيَةَ [الإنسان: ٨] . الثّالِثَةُ: الإنْفاقُ مَعَ الإيثارِ عَلى النَّفْسِ كَهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ فَهي أخَصُّ مِنَ الخاصِّ الأوَّلِ. وَتُعْتَبَرُ المَرْتَبَةُ الأُولى هي الحَدُّ الأدْنى في الواجِبِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِها الزَّكاةُ، وهي تَشْمَلُ النّافِلَةَ، وتَصْدُقُ عَلى أدْنى شَيْءٍ ولَوْ شِقِّ تَمْرَةٍ، وتَدْخُلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، وتُعْتَبَرُ المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ هي الحَدُّ الأقْصى؛ لِأنَّها إيثارٌ لِلْغَيْرِ عَلى خاصَّةِ النَّفْسِ، والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ هي الوُسْطى بَيْنَهُما، وهي الحَدُّ الوَسَطُ بَيْنَ الِاكْتِفاءِ بِأقَلِّ الواجِبِ، وبَيْنَ الإيثارِ عَلى النَّفْسِ وهي مِيزانُ التَّوَسُّطِ لِعامَّةِ النّاسِ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وكَما امْتَدَحَ اللَّهُ تَعالى قَوْمًا بِالِاعْتِدالِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] . وَهَذا هو عَيْنُ تَطْبِيقِ قاعِدَةِ الفَلْسَفَةِ الأخْلاقِيَّةِ القائِلَةِ: الفَضِيلَةُ وسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ أيْ: طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، فالشَّجاعَةُ مَثَلًا وسَطٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ، والكَرَمُ وسَطٌ بَيْنَ التَّبْذِيرِ والتَّقْتِيرِ. وَلِلْإنْفاقِ جَوانِبُ مُتَعَدِّدَةٌ، وأحْكامٌ مُتَفاوِتَةٌ، قَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جانِبًا مِنَ الأحْكامِ، وقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ الجَوانِبَ الأُخْرى، وتَنْحَصِرُ في الآتِي: نَوْعِ ما يَقَعُ مِنهُ الإنْفاقُ، الجِهَةِ المُنْفَقِ عَلَيْها، مَوْقِفِ المُنْفِقِ، وصُورَةِ الإنْفاقِ. أمّا ما يَقَعُ مِنهُ الإنْفاقُ: قَدْ بَيَّنَهُ تَعالى أوَّلًا مِن كَسْبٍ حَلالٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . أمّا الجِهَةُ المُنْفَقِ عَلَيْها: فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (p-٤٨)[البقرة: ٢١٥] فَبَدَأ بِالوالِدَيْنِ بِرًّا لَهُما، وثَنّى بِالأقْرَبِينَ. وَقالَ ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلى القَرِيبِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ، وعَلى البَعِيدِ صَدَقَةٌ» ثُمَّ اليَتامى وهَذا واجِبٌ إنْسانِيٌّ وتَكافُلٌ اجْتِماعِيٌّ، لِأنَّ يَتِيمَ اليَوْمِ مُنْفِقُ الغَدِ، ووَلَدَ الأبَوَيْنِ اليَوْمَ قَدْ يَكُونُ يَتِيمًا غَدًا، أيْ: أنَّ مَن أحْسَنَ إلى اليَتِيمِ اليَوْمَ قَدْ يَتْرُكُ أيْتامًا، فَيُحْسِنُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ اليَتِيمُ الَّذِي أحْسَنْتَ إلَيْهِ بِالأمْسِ، ”والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ“ أُمُورٌ عامَّةٌ. وَجاءَ بِالقاعِدَةِ العامَّةِ الَّتِي يُحاسِبُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها ويُجازِي صاحِبَها ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: مُطْلَقًا فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة: ٢١٥]، وكَفى في ذَلِكَ عِلْمُهُ تَعالى. أمّا مَوْقِفُ المُنْفِقِ وصُورَةُ الإنْفاقِ: فَإنَّ هَذا هو سِرُّ النَّفَقَةِ في الإسْلامِ، وفَلْسَفَةُ الإنْفاقِ كُلُّها تَظْهَرُ في هَذا الجانِبِ، مِمّا تَمَيَّزَ بِهِ الإسْلامُ دُونَ غَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الأدْيانِ أوِ النُّظُمِ. لِأنَّهُ يُرَكِّزُ عَلى الحِفاظِ عَلى شُعُورِ وإحْساسِ المِسْكِينِ، بِحَيْثُ لا يُشْعِرُهُ بِجُرْحِ المَسْكَنَةِ، ولا ذِلَّةِ الفاقَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢] . ثُمَّ فاضَلَ بَيْنَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ والصَّدَقَةِ المُؤْذِيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] يُعْطِي ولا يَمُنُّ بِالعَطاءِ. وَأفْهَمَ المُنْفِقِينَ أنَّ المَنَّ والأذى يُبْطِلُ الصَّدَقَةَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] لِما فِيهِ مِن جَرْحِ شُعُورِ المِسْكِينِ. وَقَدْ حَثَّ عَلى إخْفائِها إمْعانًا في الحِفاظِ عَلى شُعُورِهِ وإحْساسِهِ: «إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي» أيْ: مَعَ الآدابِ السّابِقَةِ «وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم» [البقرة: ٢٧١] أيْ: لَكم أنْتُمْ في حِفْظِ ثَوابِها. وَقَدْ جَعَلَ ﷺ مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها، حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما أنْفَقَتْ يَمِينُهُ»، وكَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] . (p-٤٩)وَمِن خَصائِصِ الإسْلامِ في هَذا البابِ أنَّهُ كَما أدَّبَ الأغْنِياءَ في طَرِيقَةِ الإنْفاقِ فَقَدْ أدَّبَ الفُقَراءَ في طَرِيقَةِ الأخْذِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] .

الحشر 59:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَثَّ عَلى تَقْوى اللَّهِ في الجُمْلَةِ، واقْتَرَنَتْ بِالحَثِّ عَلى النَّظَرِ والتَّأمُّلِ فِيما قَدَّمَتْ كُلُّ نَفْسٍ لِغَدٍ، وتَكَرَّرَ الأمْرُ فِيها بِتَقْوى اللَّهِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ والعِنايَةِ بِتَقْوى اللَّهِ عَلى ما سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، سَواءٌ كانَ التَّكْرارُ لِلتَّأْكِيدِ أمْ كانَ لِلتَّأْسِيسِ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. أمّا الِاهْتِمامُ بِالحَثِّ عَلى التَّقْوى، فَقَدْ دَلَّتْ لَهُ عِدَّةُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ قِيلَ: إنَّ الغايَةَ مِن رِسالَةِ الإسْلامِ كُلِّها، بَلْ ومِن جَمِيعِ الأدْيانِ هو تَحْصِيلُ التَّقْوى لَما كانَ بَعِيدًا، وذَلِكَ لِلْآتِي: أوَّلًا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، ومَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِعِبادَتِهِ، فَتَكُونُ التَّقْوى بِمَضْمُونِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ هي الغايَةُ مِن خَلْقِ الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ. وقَدْ جاءَ النَّصُّ مُفَصَّلًا في حَقِّ كُلِّ أُمَّةٍ عَلى حِدَةٍ، مِنها في قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١٠٨]، وفي قَوْمِ عادٍ قالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٣ - ١٢٦]، وفي قَوْمِ لُوطٍ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٦٣]، وفي قَوْمِ شُعَيْبٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ (p-٥٠)[الشعراء: ١٧٦ - ١٧٩] . فَكُلُّ نَبِيٍّ يَدْعُو قَوْمَهُ إلى التَّقْوى كَما قَدَّمْنا، ثُمَّ جاءَ القُرْآنُ كُلُّهُ دَعْوَةً إلى التَّقْوى وهِدايَةً لِلْمُتَّقِينَ، كَما في مَطْلَعِ القُرْآنِ الكَرِيمِ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢] وبَيَّنَ نَوْعَ هَذِهِ الهِدايَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى التَّقْوى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٣ - ٥] . وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - مَعْنى التَّقْوى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ١٨٩] . قالَ: لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مَنِ المُتَّقِي، وقَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] . وَقَدْ بَيَّنَتْ آياتٌ عَدِيدَةٌ آثارَ التَّقْوى في العاجِلِ والآجِلِ. مِنها في العاجِلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] . أمّا في الآجِلِ وفي الآخِرَةِ، فَإنَّها تَصْحَبُ صاحِبَها ابْتِداءً إلى أبْوابِ الجَنَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، فَإذا ما دَخَلُوها آخَتْ بَيْنَهم وجَدَّدَتْ رَوابِطَهم فِيما بَيْنَهم وآنَسَتْهم مِن كُلِّ خَوْفٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ (p-٥١)إلى قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٦٧ - ٧٣] إلى أنْ تَنْتَهِيَ بِهِمْ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، وتُحِلَّهم مَقْعَدَ صِدْقٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥] . فَتَبَيَّنَ بِهَذا كُلِّهِ مَنزِلَةُ التَّقْوى مِنَ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ وفي كُلِّ شَرِيعَةٍ سَماوِيَّةٍ، وأنَّها هُنا في مَعْرِضِ الحَثِّ عَلَيْها وتَكْرارِها، وقَدْ جَعَلَها الشّاعِرُ السَّعادَةَ كُلَّ السَّعادَةِ كَما في قَوْلِهِ، وهو لِجَرِيرٍ: ؎وَلَسْتُ أرى السَّعادَةَ جَمْعَ مالٍ ولَكِنَّ التَّقِيَّ هو السَّعِيدُ ؎فَتَقْوى اللَّهِ خَيْرُ الزّادِ ذُخْرًا ∗∗∗ وعِنْدَ اللَّهِ لِلْأتْقى مَزِيدُ والتَّقْوى دائِمًا هي الدّافِعُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، الرّادِعُ عَنْ كُلِّ شَرٍّ، رَوى ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ «فِي مَجِيءِ قَوْمٍ مِن مُضَرَ، مُجْتابَيِ الثِّمارِ والعَباءَةِ، حُفاةٍ عُراةٍ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، فَيَتَمَعَّرُ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأمَرَ بِلالًا يُنادِي لِلصَّلاةِ، فَصَلّى ثُمَّ خَطَبَ النّاسَ وقَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إلى آخِرِ الآيَةِ، وقَرَأ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ ”الحَشْرِ“: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ الآيَةَ [الحشر: ١٨] تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دِينارِهِ مِن دِرْهَمِهِ مِن ثَوْبِهِ مِن صاعِ بُرِّهِ مِن صاعِ تَمْرِهِ حَتّى قالَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ قالَ: فَجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِصُرَّةٍ كادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْها بَلْ قَدْ عَجَزَتْ قالَ ثُمَّ تَتابَعَ النّاسُ حَتّى رَأيْتُ كَوْمَيْنِ مِن طَعامٍ وثِيابٍ حَتّى رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ وجْهُهُ كَأنَّهُ مُذْهَبَةٌ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها بَعْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ "» الحَدِيثَ. فَكانَتِ التَّقْوى دافِعًا عَلى سَنِّ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ تَهَلَّلَ لَها وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . كَما أنَّها تَحُولُ دُونَ الشَّرِّ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فَإنَّ التَّقْوى مانِعَةٌ مِن بَخْسِ الحَقِّ ومِن ضَياعِ الأمانَةِ، وكَقَوْلِهِ عَنْ مَرْيَمَ في طُهْرِها وعِفَّتِها لَمّا أتاها جِبْرِيلُ وتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا: ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] . (p-٥٢)وَكَما في حَدِيثِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ آواهُمُ المَبِيتُ إلى الغارِ، ومِنهُمُ الرَّجُلُ مَعَ ابْنَةِ عَمِّهِ لَمّا قالَتْ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ ولا تَفُضَّ الخاتَمَ إلّا بِحَقِّهِ، فَقامَ عَنْها وتَرَكَ لَها المالَ. وَهَكَذا في تَصَرُّفاتِ العَبْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] . والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾ [الحشر: ١٨]، لِكُلِّ نَفْسٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١] وقَوْلِهِ: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ٢٥] . فالنِّداءُ أوَّلًا بِالتَّقْوى لِخُصُوصِ المُؤْمِنِينَ، والأمْرُ بِالنَّظَرِ لِعُمُومِ كُلِّ نَفْسٍ؛ لِأنَّ المُنْتَفِعَ بِالتَّقْوى خُصُوصُ المُؤْمِنِينَ كَما أوْضَحَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والنَّظَرُ مَطْلُوبٌ مِن كُلِّ نَفْسٍ فالخُصُوصُ لِلْإشْفاقِ، والعُمُومُ لِلتَّحْذِيرِ. وَيَدُلُّ لِلْأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] . وَيَدُلُّ لِلثّانِي قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ [ ٣ ]، وما في قَوْلِهِ تَعالى: ما قَدَّمَتْ [الحشر: ١٨] عامَّةٌ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وفي القَلِيلِ والكَثِيرِ. وَيَدُلُّ لِلْأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ . وَيَدُلُّ لِلثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، والحَدِيثُ «”اتَّقُوا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ“ .» وَغَدًا تُطْلَقُ عَلى المُسْتَقْبَلِ المُقابِلِ لِلْماضِي، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وَأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ وَعَلَيْهِ أكْثَرُ اسْتِعْمالاتِها في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] . (p-٥٣)وَتُطْلَقُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما هُنا في هَذِهِ الآيَةِ لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلى ذَلِكَ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في نَفْسِ المَعْنى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبإ: ٤٠] . والقَرائِنُ في الآيَةِ مِنها: اكْتِنافُها بِالحَثِّ عَلى تَقْوى اللَّهِ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ. وَمِنها: التَّذْيِيلُ بِالتَّحْذِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] أيْ: بِالمَقاصِدِ في الأعْمالِ وبِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ، ولِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ هو مَوْضِعُ النِّسْيانِ، فاحْتاجَ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ. وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ بِغَدٍ لِقُرْبِ مَجِيئِهِ وتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧] . وَمِن ناحِيَةٍ أُخْرى، فَإنَّ الغَدَ لِكُلِّ إنْسانٍ بِمَعْنى يَوْمِ القِيامَةِ يَتَحَقَّقُ بِيَوْمِ مَوْتِهِ، لِأنَّهُ يُعايِنُ ما قَدْ قَدَّمَ يَوْمَ مَوْتِهِ، وقَدْ نَكَّرَ لَفْظَ نَفْسٍ وغَدٍ هُنا فَقِيلَ في الأوَّلِ لِقِلَّةٍ مِنَ النّاظِرِينَ، وفي الثّانِي لِعَظْمِ أمْرِهِ وشِدَّةِ هَوْلِهِ. وَهُنا قَدْ تَكَرَّرَ الأمْرُ بِتَقْوى اللَّهِ كَما أسْلَفْنا مَرَّتَيْنِ، فَقِيلَ لِلتَّأْكِيدِ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وقِيلَ لِلتَّأْسِيسِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. فَعَلى أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ ظاهِرٌ وعَلى التَّأْسِيسِ يَكُونُ الأوَّلُ لِفِعْلِ المَأْمُورِ والثّانِي لِتَرْكِ المَحْظُورِ، مُسْتَدِلِّينَ بِمَجِيءِ مُوجَبِ الفِعْلِ أوَّلًا: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ﴾، ومَجِيءِ مُوجَبِ التَّحْذِيرِ ثانِيًا: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . وَهَذا وإنْ كانَ لَهُ وجْهٌ، ويَشْهَدُ لِلتَّأْكِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وإنْ كانَتْ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فَيَدُلُّ لِمَفْهُومِهِ قَوْلُهُ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] أيْ: بِتَرْكِ بَعْضِ المَأْمُورِ، وفِعْلِ بَعْضِ المَحْظُورِ. وَعَلَيْهِ فَلا تَتَحَقَّقُ التَّقْوى إلّا بِمُراعاةِ الجانِبَيْنِ، ولَكِنْ مادَّةُ التَّقْوى وهي اتِّخاذُ الوِقايَةِ مِمّا يُوجِبُ عَذابَ اللَّهِ تَشْمَلُ شَرْعًا الأمْرَيْنِ مَعًا لِقَوْلِهِ تَعالى في عُمُومِ اتِّخاذِ الوِقايَةِ: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ (p-٥٤)[التحريم: ٦] . فَكانَ أحَدُ الأمْرَيْنِ بِالتَّقْوى يَكْفِي لِذَلِكَ ويَشْمَلُهُ، ويَكُونُ الأمْرُ بِالتَّقْوى الثّانِي لِمَعْنى جَدِيدٍ، وفي الآيَةِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ما قَدَّمَتْ، لِأنَّ ”ما“ عامَّةٌ كَما قَدَّمْنا وصِيغَةُ ”قَدَّمَتْ“ عَلى الماضِي يَكُونُ الأمْرُ بِتَقْوى اللَّهِ أوَّلًا بِالنِّسْبَةِ لِما مَضى وسَبَقَ مِن عَمَلٍ تَقَدَّمَ بِالفِعْلِ، ويَكُونُ النَّظَرُ بِمَعْنى المُحاسَبَةِ والتَّأمُّلِ عَلى مَعْنى الحَدِيثِ: «حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا» فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. فَإذا ما نَظَرَ في الماضِي وحاسَبَ نَفْسَهُ، وعَلِمَ ما كانَ مِن تَقْصِيرٍ أوْ وُقُوعٍ في مَحْظُورٍ، جاءَهُ الأمْرُ الثّانِي بِتَقْوى اللَّهِ لِما يَسْتَقْبِلُ مِن عَمَلٍ جَدِيدٍ ومُراقَبَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فَلا يَكُونُ هُناكَ تَكْرارٌ، ولا يَكُونُ تَوْزِيعٌ، بَلْ بِحَسَبِ مَدْلُولِ عُمُومِ ”ما“ وصِيغَةُ الماضِي ”قَدَّمَتْ“ والنَّظَرُ لِلْمُحاسَبَةِ. * * تَنْبِيهٌ مَجِيءُ ”قَدَّمَتْ“ بِصِيغَةِ الماضِي حَثٌّ عَلى الإسْراعِ في العَمَلِ، وعَدَمِ التَّأْخِيرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ إلّا ما قَدَّمَ في الماضِي، والمُسْتَقْبَلُ لَيْسَ بِيَدِهِ، ولا يَدْرِي ما يَكُونُ فِيهِ: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وكَما في قَوْلِهِ ﷺ: «حُجُّوا قَبْلَ ألّا تَحُجُّوا»، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩] . بَعْدَ الحَثِّ عَلى تَقْوى اللَّهِ، وعَلى الِاجْتِهادِ في تَقْدِيمِ العَمَلِ الصّالِحِ لِيَوْمِ غَدٍ جاءَ التَّحْذِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ النِّسْيانِ والتَّرْكِ وألّا يَكُونَ كالَّذِينِ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهَمْ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا مَن هُمُ الَّذِينَ حَذَّرَ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم في هَذا النِّسْيانِ، وما هو النِّسْيانُ والإنْساءُ المَذْكُورانِ هُنا. وَقَدْ نَصَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ هُمُ المُنافِقُونَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”التَّوْبَةِ“: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]، وهَذا عَيْنُ الوَصْفِ الَّذِي وُصِفُوا بِهِ في سُورَةِ ”الحَشْرِ“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أيْ: أنْساهم أنْفُسَهم؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْسى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [البقرة: ٥٢]، ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (p-٥٥)[مريم: ٦٤] . وَقَدْ جاءَ أيْضًا وصْفُ كُلٍّ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ بِالنِّسْيانِ في الجُمْلَةِ، فَفي اليَهُودِ يَقُولُ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] . وَفِي النَّصارى يَقُولُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤] . وَفِي المُشْرِكِينَ يَقُولُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]، فَيَكُونُ التَّحْذِيرُ مُنَصَبًّا أصالَةً عَلى المُنافِقِينَ وشامِلًا مَعَهم كُلَّ تِلْكَ الطَّوائِفِ لِاشْتِراكِهِمْ جَمِيعًا في أصْلِ النِّسْيانِ. أمّا النِّسْيانُ هُنا، فَهو بِمَعْنى التَّرْكِ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١٢٦] . فَذَكَرَ وجْهَيْنِ، وقالَ: العَرَبُ تُطْلِقُ النِّسْيانَ وتُرِيدُ بِهِ التَّرْكَ ولَوْ عَمْدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] . فالمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ التُّرْكُ قَصْدًا. وَكَقَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحشر: ١٩]، انْتَهى. أمّا النِّسْيانُ الَّذِي هو ضِدُّ الذِّكْرِ، وهو التَّرْكُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَلَيْسَ داخِلًا هُنا؛ لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ أُعْفِيَتْ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٦] . وَفِي الحَدِيثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: «قَدْ فَعَلْتُ، قَدْ فَعَلْتُ» أيْ: عِنْدَما تَلاها ﷺ . (p-٥٦)وَجاءَ في السُّنَّةِ: «”إنَّ اللَّهَ قَدْ تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ، والنِّسْيانَ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ“ .» وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - هَذا النَّوْعَ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَلى الجَوابِ عَنِ الإشْكالِ المَوْجُودِ في نِسْيانِ آدَمَ، هَلْ كانَ عَنْ قَصْدٍ أوْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وإذا كانَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَكَيْفَ يُؤاخَذُ ؟ وبَيَّنَ خَصائِصَ هَذِهِ الأُمَّةَ في هَذا البابِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. وَإذا تَبَيَّنَ المُرادُ بِالتَّحْذِيرِ مِن مُشابَهَتِهِمْ في النِّسْيانِ، وتَبَيَّنَ مَعْنى النِّسْيانِ، فَكَيْفَ أنْساهُمُ اللَّهُ أنْفُسَهم ؟ وهَذِهِ مُقْتَطَفاتٌ مِن أقْوالِ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ لِزِيادَةِ البَيانِ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا تَنْسَوْا ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى فَيُنْسِيَكُمُ العَمَلَ الصّالِحَ؛ فَإنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ: نَسُوا اللَّهَ أيْ: تَرَكُوا أمْرَهُ، فَأنْساهم أنْفُسَهم أنْ يَعْمَلُوا لَها خَيْرًا. وَقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ هُمُ الكُفّارُ تَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ، وامْتِثالَ ما أمَرَ واجْتِنابَ ما نَهى فَأنْساهم أنْفُسَهم حَيْثُ لَمْ يَسْعَوْا إلَيْها في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ، وهَذا مِنَ المُجازاتِ عَلى الذَّنْبِ بِالذَّنْبِ. . . إلَخْ. وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَرَكُوا أداءَ حَقِّ اللَّهِ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن بابِ الجَزاءِ مِن جِنْسِ العَمَلِ. أمّا الزَّمَخْشَرِيُّ، والفَخْرُ الرّازِيُّ فَقَدْ أدْخَلا في هَذا المَعْنى مَبْحَثًا كَلامِيًّا حَيْثُ قالا في مَعْنى: نَسُوا اللَّهَ، كَما قالَ الجُمْهُورُ، أمّا في مَعْنى: ﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾، فَذَكَرا وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: كالجُمْهُورِ، والثّانِي: بِمَعْنى أراهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ ما نَسُوا فِيهِ أنْفُسَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] ا هـ. وَهَذا الوَجْهُ الثّانِي لا يُسَلَّمُ لَهُما؛ لِأنَّ ما ذَهَبا إلَيْهِ عامٌّ في جَمِيعِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَيْسَ خاصًّا بِمَن نَسِيَ اللَّهَ كَما قالَ تَعالى في نَفْسِ الآيَةِ الَّتِي اسْتَدَلّا بِها: ﴿وَتَرى النّاسَ سُكارى﴾ (p-٥٧)فَهُوَ عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ. وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، والذُّهُولُ أخُو النِّسْيانِ، وهو هُنا عامٌّ في كُلِّ مُرْضِعَةٍ: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ [الحج: ٢] وهو أيْضًا عامٌّ، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَعَلَّ الحامِلَ لَهُما عَلى إيرادِ هَذا الوَجْهِ مَعَ بَيانِ ضَعْفِهِ، هو فِرارُهم مِن نِسْبَةِ الإنْساءِ إلى اللَّهِ، وفِيهِ شُبْهَةُ اعْتِزالٍ كَما لا يَخْفى. وَلِوُجُودِ إسْنادِ الإنْساءِ إلى الشَّيْطانِ في بَعْضِ المَواضِعِ كَما في قِصَّةِ صاحِبِ مُوسى: ﴿وَما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] وقَوْلِهِ: عَنْ صاحِبِ يُوسُفَ: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] . وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ عُلَماءِ السَّلَفِ أنَّ حَقِيقَةَ النِّسْيانِ والإنْساءِ والتَّذْكِيرِ والتَّذَكُّرِ كَحَقِيقَةِ أيِّ مَعْنًى مِنَ المَعانِي، وأنَّها كُلَّها مِنَ اللَّهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ [التوبة: ٥١]، فَما نُسِبَ إلى الشَّيْطانِ فَهو بِتَسْلِيطٍ مِنَ اللَّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَيَكُونُ إسْنادُ الإنْساءِ إلى الشَّيْطانِ مِن بابِ قَوْلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] تَأدُّبًا في الخِطابِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنَّ هَذا المَقامَ مَقامُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ عَمّا أوْقَعَهُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ نَسُوا ما أمَرَهم بِهِ فَأنْساهم، فَأوْقَعَ عَلَيْهِمِ النِّسْيانَ لِأنْفُسِهِمْ مُجازاةً لَهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَكانَ نِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ وبِإخْبارٍ مِنَ اللَّهِ عَيْنُ الحَقِّ وهو أقْوى مِن أُسْلُوبِ المُقابَلَةِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] . تَنْبِيهانِ الأوَّلُ: جاءَ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ سَواءً بِسَواءٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الجاثية: ٣٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكُمْ﴾ [السجدة: ١٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وفي هَذا نِسْبَةُ النِّسْيانِ إلى اللَّهِ تَعالى فَوَقَعَ (p-٥٨)الإشْكالُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] . وَقَدْ أجابَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - عَنْ ذَلِكَ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، بِأنَّ النِّسْيانَ المُثْبَتَ بِمَعْنى التَّرْكِ كَما تَقَدَّمَ، والمَنفِيَّ عَنْهُ تَعالى هو الَّذِي بِمَعْنى السَّهْوِ؛ لِأنَّهُ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. التَّنْبِيهُ الثّانِي: مِمّا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في مُقَدِّمَةِ الأضْواءِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ أنْ يُوجَدَ في الآيَةِ اخْتِلافٌ لِلْعُلَماءِ وتُوجَدُ فِيها قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى المَعْنى المُرادِ، وهو مَوْجُودٌ هُنا في هَذِهِ المَسْألَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الجاثية: ٣٤]، وهَذا القَوْلُ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنِ النِّسْيانِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ وهي لِلْحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ، ولا يَكُونُ النِّسْيانُ المُخْبَرُ عَنْهُ في الحالِ إلّا عَنْ قَصْدٍ وإرادَةٍ، وكَذَلِكَ لا يُخْبَرُ عَنْ نِسْيانٍ سَيَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ إلّا عَنْ قَصْدٍ وإرادَةٍ، وهَذا في النِّسْيانِ بِمَعْنى التَّرْكِ عَنْ قَصْدٍ، أمّا الَّذِي بِمَعْنى السَّهْوِ فَيَكُونُ بِدُونِ قَصْدٍ ولا إرادَةٍ، فَلا يَصِحُّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ ولا الإخْبارُ بِإيقاعِهِ عَلَيْهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، فَصَحَّ أنَّ كُلَّ نِسْيانٍ نُسِبَ إلى اللَّهِ فَهو بِمَعْنى التَّرْكِ، وكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] مُفَسِّرًا ومُبَيِّنًا لِمَعْنى: ﴿اليَوْمَ نَنْساكُمْ﴾ [الجاثية: ٣٤] ولِقَوْلِهِ ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ [السجدة: ١٤]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الحشر 59:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ . دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى عَدَمِ اسْتِواءِ الفَرِيقَيْنِ: أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ، وهَذا أمْرٌ مَعْلُومٌ بَداهَةً، ولَكِنْ جاءَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ غَفْلَةِ النّاسِ عَنْهُ، ولِظُهُورِ أعْمالٍ مِنهم تُغايِرُ هَذِهِ القَضِيَّةَ البَدِيهِيَّةَ، كَمَن يُسِيءُ إلى أبِيهِ فَتَقُولُ لَهُ: إنَّهُ أبُوكَ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وَهَذا في أُسْلُوبِ البَيانِ يُرادُ بِهِ لازِمُ الخَبَرِ، أيْ: يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ التَّنْبِيهُ أنْ يَعْمَلُوا ما يُبْعِدُهم عَنِ النّارِ ويَجْعَلُهم مِن أصْحابِ الجَنَّةِ: لِيَنالُوا الفَوْزَ. وَهَذا البَيانُ قَدْ جاءَتْ نَظائِرُهُ عَدِيدَةً في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] (p-٥٩)وَكَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] أيْ: في الحُكْمِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا في الواقِعِ في الحَياةِ أوْ في الآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]، وهُنا كَذَلِكَ: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] في المَرْتَبَةِ والمَنزِلَةِ والمَصِيرِ. قالَ أبُو حَيّانَ: هَذا بَيانُ مُقابَلَةِ الفَرِيقَيْنِ أصْحابِ النّارِ في الجَحِيمِ، وأصْحابِ الجَنَّةِ في النَّعِيمِ، والآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ في بَيانِ المُقارَنَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وهو ظاهِرُ السِّياقِ بِدَلِيلِ ما فِيها مِن قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] فَهَذا حُكْمٌ عَلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ بِالفَوْزِ، ومَفْهُومُهُ الحُكْمُ عَلى الفَرِيقِ الثّانِي بِالهَلاكِ والخُسْرانِ، ويَشْهَدُ لَهُ أيْضًا ما قَبْلَها ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٩] أيْ: مِن هَذا الفَرِيقِ فَأنْساهم أنْفُسَهم، فَصارُوا أصْحابَ النّارِ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. وَهُنا احْتِمالٌ آخَرُ، وهو لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ في النّارِ ولا أصْحابُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، فِيما هم فِيهِ مِن مَنازِلَ مُتَفاوِتَةٍ كَما أشارَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤]، ولَكِنَّ عَدَمَ وُجُودِ اللّامِ هُنا يَجْعَلُهُ أضْعَفَ احْتِمالًا، وإلّا لَقالَ: لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ، ولا أصْحابُ الجَنَّةِ، وهَذا المَعْنى، وإنْ كانَ واقِعًا لِتَفاوُتِ دَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، ومَنازِلِ أهْلِ النّارِ في النّارِ، إلّا أنَّ احْتِمالَهُ هُنا غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّ آخِرَ الآيَةِ حُكِمَ عَلى مَجْمُوعِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، وهم أصْحابُ الجَنَّةِ أيْ في مَجْمُوعِهِمْ كَأنَّهُ في مَثابَةِ القَوْلِ: النّارُ والجَنَّةُ لا يَسْتَوِيانِ، فَأصْحابُهُما كَذَلِكَ. وَقَدْ نَبَّهَ أبُو السُّعُودِ عَلى تَقْدِيمِ أصْحابِ النّارِ، في الذِّكْرِ عَلى أصْحابِ الجَنَّةِ بِأنَّهُ لِيُبَيِّنَ لِأوَّلِ وهْلَةٍ أنَّ النَّقْصَ جاءَ مِن جِهَتِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦] ا هـ. وَبَيانُ ذَلِكَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ المُتَفاوِتَيْنِ في الزِّيادَةِ والنَّقْصِ، يُمْكِنُ اعْتِبارُ التَّفاوُتِ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّقْصِ في النّاقِصِ، ويُمْكِنُ اعْتِبارُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الزِّيادَةِ في الزّائِدِ. فَقَدَّمَ الجانِبَ النّاقِصَ؛ لِيُبَيِّنَ أنَّ التَّفاوُتَ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَهُما، إنَّما هو بِسَبَبِ النَّقْصِ الَّذِي جاءَ مِنهُما لا بِسَبَبِ الزِّيادَةِ في الفَرِيقِ الثّانِي، والنَّتِيجَةُ في ذَلِكَ عَدَمُ إمْكانِ جانِبِ (p-٦٠)النَّقْصِ الِاحْتِجاجَ عَلى جانِبِ الزِّيادَةِ، وفِيهِ زِيادَةُ تَأْنِيبٍ لِجانِبِ النَّقْصِ، وفي الآيَةِ إجْمالُ أصْحابِ النّارِ وأصْحابِ الجَنَّةِ. وَمَعْلُومٌ أنَّ كَلِمَةَ أصْحابٍ تَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أهْلُ النّارِ وأهْلُ الجَنَّةِ المُخْتَصُّونَ بِهِما. وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ أنَّ أصْحابَ النّارِ هُمُ الكُفّارُ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [التغابن: ١٠] . والخُلُودُ لا خُرُوجَ مَعَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٧]، وكَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”الهُمَزَةِ“: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٣ - ٨] أيْ: مُغْلَقَةٌ عَلَيْهِمْ. أمّا أصْحابُ الجَنَّةِ فَهُمُ المُؤْمِنُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣ - ١٤]، وقَدْ جَمَعَ القِسْمَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] . كَما جاءَ مِثْلُ هَذا السِّياقِ كامِلًا مُتَطابِقًا فَيُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَما قَدَّمْنا، وذَلِكَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ قالَ تَعالى: المُنافِقُونَ ﴿والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٨] . فَهَذِهِ أقْسامُ الكُفْرِ والنِّفاقِ، وأخُصُّ أصْحابَ النّارِ والِاخْتِصاصُ مِنَ الخُلُودِ فِيها ولَعَنَهم وهي حَسْبُهم، وهُمُ الَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم، وهم عَيْنُ مَن ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ سُورَةِ ”الحَشْرِ“ ثُمَّ جاءَ مُقابَلَةً تَمامًا في نَفْسِ السِّياقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ (p-٦١)[التوبة: ٧١ - ٧٢] . وَهَذِهِ أيْضًا أخَصُّ صِفاتِ أهْلِ الجَنَّةِ، مِنَ الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ، والخُلُودِ، والإقامَةِ الدّائِمَةِ في جَنّاتِ عَدْنٍ، إذِ العَدْنُ الإقامَةُ الدّائِمَةُ، ومِنها المَعْدِنُ لِدَوامِ إقامَتِهِ في مَكانِهِ، ورَضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ. ثُمَّ يَأْتِي الخِتامُ في المَقامَيْنِ مُتَّحِدًا، وهو الحُكْمُ بِالفَوْزِ لِأصْحابِ الجَنَّةِ، فَفي آيَةِ ”التَّوْبَةِ“: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وفي آيَةِ ”الحَشْرِ“: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]، وبِهَذا عُلِمَ مَن هم أصْحابُ النّارِ، ومَن هم أصْحابُ الجَنَّةِ. وَتَبَيَّنَ ارْتِباطُ هَذِهِ المُقابَلَةِ بَيْنَ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، وبَيْنَ ما قَبْلَهم مِمَّنْ نَسُوا فَأنْساهم أنْفُسَهم، ومَنِ اتَّقَوُا اللَّهَ وقَدَّمُوا لِغَدِهِمْ، وبِهَذا يُعْلَمُ أنَّ عُصاةَ المُسْلِمِينَ غَيْرُ داخِلِينَ هُنا في أصْحابِ النّارِ، لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ أصْحابَ النّارِ هُمُ المُخْتَصُّونَ بِها مِمَّنْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِهِ، وكَما يَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢]، والظّالِمُونَ هُنا هُمُ المُشْرِكُونَ في ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم. وَبِهَذا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ أخْذُهم مِن هَذِهِ الآيَةِ عَدَمُ دُخُولِ أصْحابِ الكَبِيرَةِ الجَنَّةَ عَلى أنَّهم في زَعْمِهِمْ لَوْ دَخَلُوها لاسْتَوَوْا مَعَ أصْحابِ الجَنَّةِ. وَهَذا باطِلٌ كَما قَدَّمْنا، ومِن ناحِيَةٍ أُخْرى يُرَدُّ بِها عَلَيْهِمْ، وهي أنْ يُقالَ: إذا خُلِّدَ العُصاةُ في النّارِ عَلى زَعْمِكم مَعَ ما كانَ مِنهم مِن إيمانٍ بِاللَّهِ وعَمَلٍ صالِحٍ فَماذا يَكُونُ الفَرْقُ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٨] . وَقَدْ بَحَثَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - مَسْألَةَ بَقاءِ العُصاةِ وخُرُوجِهِمْ مِنَ النّارِ وخُلُودِ الكُفّارِ فِيها بَحْثًا واسِعًا في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ ولا بِكافِرٍ (p-٦٢)؛ لِأنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ، وأنَّ الكُفّارَ لا يَمْلِكُونَ أمْوالَ المُسْلِمِينَ بِالقَهْرِ، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَهَذا وإنْ كانَ حَقًّا إلّا أنَّ أخْذَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّها في مَعْرِضِ المُقارَنَةِ لِلنِّهايَةِ يَوْمَ القِيامَةِ.

الحشر 59:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتُهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْزِلْهُ، وأنَّهُ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ المِثالِ؛ لِيَتَفَكَّرَ النّاسُ في أمْرِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ الآيَةَ [الرعد: ٣١] . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عِنْدَها: جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَقْدِيرُهُ لَكانَ هَذا القُرْآنُ. . . إلَخْ. ا هـ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَقُولُ تَعالى مُعَظِّمًا لِأمْرِ القُرْآنِ، ومُبَيِّنًا عُلُوَّ قَدْرِهِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَخْشَعَ لَهُ القُلُوبُ وتَتَصَدَّعَ عِنْدَ سَماعِهِ لِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ الحَقِّ والوَعِيدِ الأكِيدِ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٢١] . فَإذا كانَ الجَبَلُ في غِلْظَتِهِ وقَساوَتِهِ لَوْ فَهِمَ هَذا القُرْآنَ فَتَدَبَّرَ ما فِيهِ لَخَشَعَ وتَصَدَّعَ مِن خَوْفِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكم أيُّها البَشَرُ ألّا تَلِينَ قُلُوبُكم، وتَخْشَعَ، وتَتَصَدَّعَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وقَدْ فَهِمْتُمْ عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ وقَدْ تَدَبَّرْتُمْ كِتابَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] . وَقَدْ وُجِدَ لِبَعْضِ النّاسِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ، مِن ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ كَثِيرٍ في سُورَةِ ”الطُّورِ“ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: خَرَجَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَعُسُّ بِالمَدِينَةِ ذاتَ لَيْلَةٍ فَمَرَّ بِدارِ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَوافَقَهُ قائِمًا يُصَلِّي فَوَقَفَ يَسْتَمِعُ قِراءَتَهُ فَقَرَأ: ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] حَتّى بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨] قالَ: قَسَمٌ ورَبِّ الكَعْبَةِ حَقٌّ، فَنَزَلَ عَنْ حِمارِهِ واسْتَنَدَ إلى حائِطٍ فَمَكَثَ مَلِيًّا، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَعُودُهُ النّاسُ لا يَدْرُونَ ما مَرَضُهُ. (p-٦٣)وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: «قالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَدِمْتُ المَدِينَةَ؛ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أُسارى بَدْرٍ فَوافَيْتُهُ يَقْرَأُ في صَلاةِ المَغْرِبِ ﴿والطُّورِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾، فَكَأنَّما صَدَعَ قَلْبِي فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِي العَذابُ» . وَذُكِرَ في خَبَرِ مالِكِ بْنِ دِينارٍ أنَّهُ سَمِعَها فَجَعَلَ يَضْطَرِبُ حَتّى غُشِيَ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَقَلَ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ خَبَرَ مالِكِ بْنِ دِينارٍ بِتَمامِهِ في فَصْلِ إعْجازِ القُرْآنِ. وَقالَ: قَدْ ماتَ جَماعَةٌ عِنْدَ سَماعِ آياتٍ مِنهُ أُفْرِدُوا بِالتَّصْنِيفِ، وقَدْ يَنْشَأُ هُنا سُؤالٌ كَيْفَ يَكُونُ هَذا تَأْثِيرُ القُرْآنِ لَوْ أُنْزِلَ عَلى الجِبالِ ولَمْ تَتَأثَّرْ بِهِ القُلُوبُ ؟ وقَدْ أجابَ القُرْآنُ عَنْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وكَذَلِكَ أصَمُّوا آذانَهم عَنْ سَماعِهِ، وغَلَّفُوا قُلُوبَهم بِالكُفْرِ عَنْ فَهْمِهِ، وأوْصَدُوها بِأقْفالِها فَقالُوا: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧] أيْ: بِسَبَبِ الإعْراضِ وعَدَمِ التَّدَبُّرِ والنِّسْيانِ، ولِذا قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] فَهَذِهِ أسْبابُ عَدَمِ تَأثُّرِ الكَفّارِ بِالقُرْآنِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ فَلا غَرْوَ أنْ يَرْتابَ والصُّبْحُ مُسْفِرُ وَيُفْهَمُ مِنهُ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ تَخْشَعُ قُلُوبُهم، وتَلِينُ جُلُودُهم، كَما نَصَّ تَعالى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: لَوْ أنْزَلْنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْزِلْهُ عَلى جَبَلٍ ولَمْ يَتَصَدَّعْ مِنهُ. وَقَدْ جاءَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَوْ أنْزَلَهُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ [الأحزاب: ٧٢] . وَهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ لِأنَّ الجِبالَ أشْفَقَتْ مِن حَمْلِ الأمانَةِ وهي أمانَةُ التَّكْلِيفِ بِمُقْتَضى (p-٦٤)خِطابِ اللَّهِ تَعالى إيّاها. فَإذا كانَتِ الجِبالُ أشْفَقَتْ لِمُجَرَّدِ العَرْضِ عَلَيْها فَكَيْفَ بِها لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْها وكُلِّفَتْ بِهِ. وَمِنها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا تَجَلّى لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وخَرَّ مُوسى صَعِقًا، والقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ وصِفَةٌ مِن صِفاتِهِ، فَهو شاهِدٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا. وَمِنها النَّصُّ عَلى أنَّ بَعْضَ الجِبالِ الَّتِي هي الحِجارَةُ لَيَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] . وَقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ إثْباتُ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ في جَبَلِ أُحُدٍ، حِينَما صَعِدَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فارْتَجَفَ بِهِمْ، فَقالَ ﷺ: «اثْبُتْ أُحُدُ؛ فَإنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وصِدِّيقٌ، وشَهِيدٌ» . وَسَواءٌ كانَ ارْتِجافُهُ إشْفاقًا أوْ إجْلالًا فَدَلَّ هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ يَنْزِلِ القُرْآنُ عَلى جَبَلٍ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَهُ عَلَيْهِ لَرَأيْتَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ . وَبِهَذا أيْضًا يَتَّضِحُ أنَّ جَوابَ (لَوْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] لَكانَ هَذا القُرْآنَ أرْجَحُ مِن تَقْدِيرِهِمْ لَكَفَرْتُمْ بِالرَّحْمَنِ؛ لِأنَّ مَوْضُوعَ تَسْيِيرِ الجِبالِ وخُشُوعِها وتَصْدِيعِها واحِدٌ، وهو الَّذِي قَدَّمَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - هُناكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ . الأمْثالُ: جَمْعُ مَثَلٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَثَلِ، وأصْلُ المَثَلِ الِانْتِصابُ، والمُمَثَّلُ بِوَزْنِ اسْمِ المَفْعُولِ المُصَوَّرِ عَلى مِثالِ غَيْرِهِ. قالَ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ، يُقالُ: مَثُلَ الشَّيْءِ إذا انْتَصَبَ وتَصَوَّرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «مَن أحَبَّ أنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجالُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»، والتِّمْثالُ: الشَّيْءُ المُصَوَّرُ، وتَمَثَّلَ كَذا تَصَوَّرَ قالَ تَعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] . (p-٦٥)والمَثَلُ: عِبارَةٌ عَنْ قَوْلٍ في شَيْءٍ يُشْبِهُ قَوْلًا في شَيْءٍ آخَرَ بَيْنَهُما مُشابَهَةٌ؛ لِيُبَيِّنَ أحَدُهُما الآخَرَ ويُصَوِّرَهُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ يُشْبِهُ قَوْلَكَ: أهْمَلْتَ وقْتَ الإمْكانِ أمْرَكَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ ما ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأمْثالِ فَقالَ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] . وَفِي آيَةٍ أُخْرى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . والمِثالُ يُقالُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى المَثَلِ نَحْوَ مُشَبَّهٍ ومُشَبَّهٍ بِهِ، قالَ بَعْضُهم: وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِما عَنْ وصْفِ الشَّيْءِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ . والثّانِي: عِبارَةٌ عَنِ المُشابَهَةِ لِغَيْرِهِ في مَعْنًى مِنَ المَعانِي أيِّ مَعْنًى كانَ، وهو أعَمُّ الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لِلْمُشابَهَةِ. وَذَلِكَ أنَّ النِّدَّ يُقالُ فِيما يُشارِكُ في الجَوْهَرِ فَقَطْ. والشَّبَهُ يُقالُ فِيما يُشارِكُ في الكَيْفِيَّةِ فَقَطْ. والمُساوِي يُقالُ فِيما يُشارِكُ في الكَمِّيَّةِ فَقَطْ. والشَّكْلُ يُقالُ فِيما يُشارِكُ في القَدْرِ والمِساحَةِ فَقَطْ، والمَثَلُ عامٌّ في جَمِيعِ ذَلِكَ. وَلِهَذا لَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى نَفْيَ التَّشْبِيهِ مِن كُلِّ وجْهِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] . . . إلَخْ. ا هـ. فَقَوْلُهُ في تَعْرِيفِ المَثَلِ إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ قَوْلٍ في شَيْءٍ يُشْبِهُ قَوْلًا في شَيْءٍ آخَرَ، بَيْنَهُما مُشابَهَةٌ؛ لِيُبَيِّنَ أحَدُهُما الآخَرَ ويُصَوِّرَهُ. فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ القَوْلَ لا يَتَغَيَّرُ بَلْ يُحْكى عَلى ما قِيلَ أوَّلًا كَقَوْلِهِمْ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ بِكَسْرِ التّاءِ خِطابًا لِلْمُؤَنَّثَةِ. فَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ أهْمَلَ وقْتَ الإمْكانِ ثُمَّ راحَ يَطْلُبُهُ بَعْدَ فَواتِهِ، لَقُلْتَ لَهُ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ بِكَسْرِ التّاءِ عَلى الحَكايَةِ. (p-٦٦)وَهَذا مِمّا يُسَمّى الِاسْتِعارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ مِن أبْلَغِ الأسالِيبِ، وأكْثَرُ ما في القُرْآنِ مِن أمْثِلَةٍ إنَّما هو مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، وهو تَشْبِيهُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ، وهو مِن أوْضَحِ أسالِيبِ البَيانِ. وَقَدْ ساقَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عَدَدًا مِنها في الجُزْءِ الرّابِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، ومِن أهَمِّ أغْراضِ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّشْبِيهِ هو بَيانُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ وجَعْلُ الخَفِيِّ جَلِيًّا، والمَعْنَوِيَّ مَحْسُوسًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] . فَلَوْ نَظَرْتَ إلى مَثَلِ هَذا الشَّخْصِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وفي تِلْكَ الصُّورَةِ بِكُلِّ أجْزائِها، وهو باسِطٌ يَدَهُ مُفَرَّجَةً الأصابِعَ إلى ماءٍ بَعِيدٍ عَنْهُ، وهو فاغِرٌ فاهُ؛ لِيَشْرَبَ، لَقُلْتَ: وأيُّ جَدْوى تَعُودُ عَلَيْهِ، ومَتى يَذُوقُ الماءَ وهو عَلى تِلْكَ الحالَةِ، إنَّهُ يَمُوتُ عَطَشًا ولا يَذُوقُ مِنهُ قَطْرَةً. وَكَذَلِكَ حالُ مَن يَدْعُو غَيْرَ اللَّهِ مَعَ ما يَدْعُوهم مِن دُونِهِ لا يَحْصُلُ عَلى طائِلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] فَأيُّ غَناءٍ لِإنْسانٍ في بَيْتِ العَنْكَبُوتِ. وَكَذَلِكَ أيُّ غَناءٍ في ولايَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ الحالُ هُنا، أُرِيدَ بِالأمْثالِ صَوَّرَ يُصَوِّرُ لِانْتِزاعِ الحُكْمِ مِنَ السّامِعِ بَعْدَ أنْ تُصْبِحَ الصُّورَةُ مَحْسُوسَةً مَلْمُوسَةً، وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكَيْفَ غَطّى وأخْفى في هَذا الأُسْلُوبِ ما يُسْتَحى مِنهُ وأبْرَزَهُ بِلِباسِهِ في التَّشْبِيهِ بِما يُتَّقى بِهِ، ومَدى مُطابَقَةِ مَعْنى اللِّباسِ لِحاجَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ، وتِلْكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ﴾ [الحشر: ٢١] عائِدَةٌ إلى الأمْثِلَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَرِيبًا في عَمَلِ المُنافِقِينَ مَعَ اليَهُودِ ونَتائِجِ أعْمالِهِمْ، وهَكَذا كُلُّ مُوالاةٍ بَيْنَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ وكُلُّ مُعاداةٍ وانْصِرافٍ عَمّا جاءَ بِهِ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ ﷺ . وَكَذَلِكَ في بَيانِ مَدى فَعالِيَّةِ القُرْآنِ وتَأْثِيرِهِ، لَوْ أُنْزِلَ عَلى الجِبالِ؛ لَخَشَعَتْ، وتَصَدَّعَتْ مِمّا يَسْتَوْجِبُ التَّفْكِيرَ فِيهِ والِاتِّعاظَ بِهِ، ثُمَّ مِثالُ الفَرِيقَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٦٧)﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، ونَتِيجَةُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ مِن عَدَمِ اسْتِواءِ الفَرِيقَيْنِ، فَأصْحابُ نارٍ وأصْحابُ جَنَّةٍ. وَلَكَأنَّ الأمْثالَ هُنا والتَّنْبِيهَ عَلَيْها إشارَةٌ إلى أنَّ أُولَئِكَ بِنِسْيانِهِمْ لِلَّهِ وإنْسائِهِ إيّاهم أنْفُسَهم، صارُوا بِهَذا النِّسْيانِ أشَدَّ قَساوَةً مِنَ الجِبالِ، بَلْ إنَّ الجِبالَ أسْرَعُ تَأثُّرًا بِالقُرْآنِ مِنهم لَوْ كانُوا يَتَفَكَّرُونَ. وَقَدْ قالَ أبُو السُّعُودِ: إنَّهُ أرادَ تَوْبِيخَ الإنْسانِ عَلى قَسْوَةِ قَلْبِهِ وعَدَمِ تَخَشُّعِهِ عِنْدَ تِلاوَتِهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ فِيهِ. ا هـ. وَهَكَذا بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ يَنْتَزِعُ الحُكْمَ مِنَ السّامِعِ عَلى أُولَئِكَ المُعْرِضِينَ الغافِلِينَ بِأنَّ قُلُوبَهم قاسِيَةٌ كالجِبالِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً كَما قَدَّمْنا، بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ [الزمر: ٢٣] .

الحشر 59:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . جاءَتْ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ: ذِكْرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَرَّتَيْنِ، كَما ذُكِرَ فِيها أيْضًا تَسْبِيحُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، وذُكِرَ مَعَهُما العَدِيدُ مِن أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا، فَكانَتْ بِذَلِكَ مُشْتَمِلَةً عَلى ثَلاثِ قَضايا أهَمِّ قَضايا الأدْيانِ كُلِّها مَعَ جَمِيعِ الأُمَمِ ورُسُلِهِمْ؛ لِأنَّ دَعْوَةَ الرُّسُلِ كُلَّها في تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى في ذاتِهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وتَنْزِيهِهِ، والرَّدِّ عَلى مُفْتَرَياتِ الأُمَمِ عَلى اللَّهِ تَعالى. فاليَهُودُ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [ ٩ ] . والنَّصارى قالُوا: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [ ٩ ] . والمُشْرِكُونَ قالُوا: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦]، ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وقالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ (p-٦٨)[ص: ٥] . فَكُلُّهُمُ ادَّعى الشَّرِيكَ مَعَ اللَّهِ، وقالُوا: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وغَيْرَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ في قَضِيَّةِ التَّنْزِيِهِ، فاليَهُودُ قالُوا: ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقالُوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] . والمُشْرِكُونَ قالُوا: ﴿وَما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾، ونَسَبُوا لِلَّهِ ما لا يَرْضاهُ أحَدُهم لِنَفْسِهِ، ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، في الوَقْتِ الَّذِي ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] . وَهَذا كَما تَراهُ أعْظَمُ افْتِراءٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ سَجَّلَهُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٤] وكَما قالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٢]، وقالَ مُبَيِّنًا جُرْمَ مَقالَتِهِمْ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٢] . فَكانَتْ تِلْكَ الآياتُ الثَّلاثُ عِلاجًا في الجُمْلَةِ لِتِلْكَ القَضايا الثَّلاثِ، تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، وتَوْحِيدِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، وتَنْزِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ إقامَةِ الأدِلَّةِ عَلَيْها. وَقَدِ اجْتَمَعَتْ مَعًا لِأنَّهُ لا يَتِمُّ أحَدُها إلّا بِالآخَرَيْنِ، لِيَتِمَّ الكَمالُ لِلَّهِ تَعالى. قالَ أبُو السُّعُودِ: إنَّ الكَمالاتِ كُلَّها مَعَ كَثْرَتِها وتَشَعُّبِها راجِعَةٌ إلى الكَمالِ في القُدْرَةِ والعِلْمِ. ا هـ. وَهَذا كُلُّهُ مُتَوَفِّرٌ في هَذا السِّياقِ، وقَدْ بَدَأ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّها الأصْلُ، لِأنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ آمَنَ بِكُلِّ ما جاءَ عَنِ اللَّهِ، و آمَنَ بِاللَّهِ عَلى ما هو لَهُ أهْلٌ، ونَزَّهَهُ عَمّا لَيْسَ لَهُ بِأهْلٍ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِالدَّلِيلِ عَلى إفْرادِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ بِما لا يُشارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ . وَهَذا الدَّلِيلُ نَصٌّ عَلَيْهِ عَلى أنَّهُ دَلِيلٌ لِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى في مَواضِعَ أُخْرى مِنها قَوْلُهُ (p-٦٩)تَعالى: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] ووَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ هُنا تُساوِي عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِما شاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وَهَذا قَطْعًا لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] فَكانَ مِن حَقِّهِ عَلى خَلْقِهِ أنْ يَعْبُدُوهُ وحْدَهُ لا إلَهَ إلّا هو، وجاءَ بِدَلِيلٍ ثانٍ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ صَراحَةً أيْضًا كَدَلِيلٍ عَلى الوَحْدانِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] فَهو رَحْمانُ الدُّنْيا ورَحِيمُ الآخِرَةِ. وَمِن رَحْمَتِهِ الَّتِي اخْتَصَّ بِها في الدُّنْيا قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠] أيْ: بِإنْزالِهِ الغَيْثَ وإنْباتِ النَّباتِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو فَكانَ حَقُّهُ عَلى خَلْقِهِ أنْ يَعْبُدُوهُ وحْدَهُ لا إلَهَ إلّا هو. وَقَدْ جَمَعَ الدَّلِيلَيْنِ العِلْمَ والرَّحْمَةَ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] . ثُمَّ جاءَتْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ مَرَّةً أُخْرى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾، وجاءَ بَعْدَها مِنَ الصِّفاتِ الجامِعَةِ قَوْلُهُ: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ﴾، وهَذا الدَّلِيلُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى نَصَّ عَلَيْهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ هو المَلِكُ الحَقُّ الكامِلُ المُلْكِ، وهو الَّذِي يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في مُلْكِهِ كَما يَشاءُ بِالإحْياءِ والإماتَةِ وحْدَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ١ - ٢] وهو القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ عَلى مُلْكِهِ كَما في قَوْلِهِ أيْضًا: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فالقَيُّومُ هو المُهَيْمِنُ والقائِمُ بِكُلِّ (p-٧٠)نَفْسٍ، العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ، ثُمَّ جاءَ بِالدَّلِيلِ الأعْظَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ فَهو وحْدَهُ المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ والإيجادِ، والإبْداعِ والتَّصْوِيرِ، وقَدْ نَصَّ عَلى هَذا الدَّلِيلِ في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] . وَذَكَرَ أيْضًا الخَلْقَ مُفَصَّلًا والمُلْكَ مُجْمَلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦]، وقالَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٦٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣] وجَمَعَ المُلْكَ والخَلْقَ مَعًا في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ في هَذا المَعْنى. * * وَمَن تَأمَّلَ بَراهِينَ القُرْآنِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى قُدْرَتِهِ، عَلى البَعْثِ وهُما أهَمُّ القَضايا العَقائِدِيَّةِ يَجِدُ أهَمَّها وأوْضَحَها وأكْثَرَها، هو هَذا الدَّلِيلَ، أعْنِي دَلِيلَ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ. وَقَدْ جاءَ هَذا الدَّلِيلُ في القُرْآنِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، فَمِنَ الإجْمالِ ما جاءَ في أصْلِ المَخْلُوقاتِ جَمِيعًا: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]، وقالَ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ثُمَّ قالَ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣]، وقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ١ - ٢] أيْ: خالِقُ الإيجادِ والعَدَمِ، وخَلْقُ العَدَمِ يُساوِي في الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ خَلْقَ الإيجادِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى إعْدامِ ما أوْجَدَ يَكُونُ المَوْجُودُ مُسْتَعْصِيًا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَجْزًا في المُوجِدِ لَهُ، كَمَن يُوجِدُ اليَوْمَ سِلاحًا ولا يَقْدِرُ عَلى إعْدامِهِ، وإبْطالِ مَفْعُولِهِ، فَقَدْ يَكُونُ سَبَبًا في إهْلاكِهِ، ولا تَكْتَمِلُ القُدْرَةُ حَقًّا إلّا بِالخَلْقِ والإعْدامِ مَعًا، وقالَ في خَلْقِ (p-٧١)السَّماواتِ والأرْضِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . وَقالَ في خَلْقِ الأفْلاكِ وتَنْظِيمِها: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] . ثُمَّ في أُصُولِ المَوْجُوداتِ في الأرْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] . وَفِي أُصُولِ الأجْناسِ: الماءُ والنّارُ والنَّباتُ والإنْسانُ، قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩] . وَذَكَرَ مَعَهُ القُدْرَةَ عَلى الإعْدامِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] . وَفِي أُصُولِ النَّباتِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤] . وَفِي أُصُولِ الماءِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٦٩] . وَفِي أُصُولِ تَطْوِيرِ الحَياةِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧١ - ٧٢] . وَفِي جانِبِ الحَيَوانِ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الآيَةَ [الغاشية: ١٧] . وَلِهَذا فَقَدْ تَمَدَّحَ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفَةِ صِفَةِ الخَلْقِ وصِفَةِ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ بِالعَجْزِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]، ثُمَّ قالَ: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١] . وَمَعْلُومٌ أنَّها لَمْ تَخْلُقْ شَيْئًا كَما قالَ تَعالى مُوَبِّخًا لَهم: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]، وبَيَّنَ أنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، ثُمَّ بَيَّنَ نِهايَةَ ضَعْفِها وعَجْزِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣] (p-٧٢)وَهَذا غايَةُ العَجْزِ، كَما ضَرَبَ لِذَلِكَ المَثَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] فَهم حَقًّا لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا، ولا ضَرًّا ولَوْ بِقَدْرِ الذُّبابَةِ وهَكَذا تَرى صِفَةَ الخَلْقِ المُتَّصِفِ بِها سُبْحانَهُ وتَعالى أعْظَمَ دَلِيلٍ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وهي مُتَضَمِّنَةٌ صِفَةَ التَّصْوِيرِ والعِلْمِ لِأنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ صُورَةً تَخُصُّهُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا عَنْ عِلْمٍ بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ، كَما تَقَدَّمَ. وَهَكَذا أيْضًا كانَ هَذا الدَّلِيلُ أقْوى الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ. وَكَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى صَرِيحًا في ذَلِكَ ونَصًّا عَلَيْهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٦ - ٧] . ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ جاحِدَ هَذا الدَّلِيلِ إنَّما هو مُكابِرٌ جاهِلٌ، ضالٌّ مُضِلٌّ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ مُباشَرَةً: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ٨ - ١٠] . وَمِن هُنا كانَ أوَّلُ نِداءٍ في المُصْحَفِ يُوَجَّهُ إلى النّاسِ جَمِيعًا بِعِبادَةِ اللَّهِ كانَ لِاسْتِحْقاقِهِ عِبادَتَهُ وحْدَهُ، لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِصِفَةِ الخَلْقِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (p-٧٣)[البقرة: ٢١ - ٢٢] أيْ: لِأنَّهم لَيْسُوا لَهُ بِأنْدادٍ فِيما اتَّصَفَ بِهِ سُبْحانَهُ فَلا تُشْرِكُوهم مَعَ اللَّهِ في عِبادَتِهِ. فَكانَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ لِلَّهِ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ حَقًّا أدِلَّةً عَلى إثْباتِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى في ذاتِهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وأنَّهُ المُسْتَحَقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ لا إلَهَ إلّا هو. والواجِبُ عَلى الخَلْقِ تَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ، يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّها مِن مَخْلُوقاتِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] لَمْ يُبَيِّنْ هُنا المُرادَ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى، وقَدْ بَيَّنَ في سُورَةِ الأعْرافِ المُرادَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] . قالَ القُرْطُبِيُّ: سَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ أسْماءَهُ بِالحُسْنى؛ لِأنَّها حَسَنَةٌ في الأسْماعِ والقُلُوبِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ وكَرَمِهِ وجُودِهِ وإفْضالِهِ، ومَجِيءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ بَعْدَ تَعْدادِ أرْبَعَةَ عَشَرَ اسْمًا مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، ولَمْ يَأْتِ حَصْرُها ولا عَدُّها في آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ. وَقَدْ جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ ﷺ قالَ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلّا واحِدًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ وهو وتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ» . وَسَرَدَ ابْنُ كَثِيرٍ عَدَدَ المِائَةِ مَعَ اخْتِلافٍ في الرِّواياتِ. وَذَكَرَ عَنْ آيَةِ ”الأعْرافِ“ أنَّها لَيْسَتْ مَحْصُورَةً في هَذا العَدَدِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ في مُسْنَدِ أحْمَدَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «ما أصابَ أحَدًا قَطُّ هَمٌّ ولا حَزَنٌ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ الكَرِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، ونُورَ صَدْرِي، وجَلاءَ حُزْنِي، وذَهابَ هَمِّي إلّا أذْهَبَ اللَّهُ حُزْنَهُ وهَمَّهُ» الحَدِيثَ ا هـ. وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ ظاهِرٌ في أنَّ لِلَّهِ أسْماءً أنْزَلَها في كُتُبِهِ، وأسْماءً خَصَّ بِها بَعْضَ خَلْقِهِ كَما خَصَّ الخِضْرَ بِعِلْمٍ مِن لَدُنْهُ، وأسْماءً اسْتَأْثَرَ بِها في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَهُ، كَما يَدُلُّ (p-٧٤)حَدِيثُ الشَّفاعَةِ: «فَيُلْهِمُنِي رَبِّي بِمَحامِدَ لَمْ أكُنْ أعْرِفُها مِن قَبْلُ»، والواقِعُ أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ. لِأنَّ الأوَّلَ: يَتَعَلَّقُ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وبِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ. والحَدِيثُ الثّانِي: يَتَعَلَّقُ بِبَيانِ أقْسامِ أسْمائِهِ تَعالى، مِن حَيْثُ العِلْمُ بِها وتَعْلِيمُها وما أُنْزِلُ مِنها. وَقَدْ ذَكَرَ هَذا الجَمْعَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ في كِتابِ الدَّعَواتِ عِنْدَ بابِ: لِلَّهِ مِائَةُ اسْمٍ غَيْرَ واحِدٍ. وَقَدْ حاوَلَ بَعْضُ العُلَماءِ اسْتِخْراجَ المِائَةِ اسْمٍ مِنَ القُرْآنِ فَزادُوا ونَقَصُوا؛ لِاعْتِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقَدْ أطالَ في الفَتْحِ بَحْثَ هَذا المَوْضُوعِ في أرْبَعَ عَشْرَةَ صَحِيفَةً مِمّا لا غِنى عَنْهُ ولا يُمْكِنُ نَقْلُهُ، ولا يَصْلُحُ تَلْخِيصُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ مَن أفْرَدَها بِالتَّأْلِيفِ. كَما أنَّ القُرْطُبِيَّ ذَكَرَ أنَّهُ ألَّفَ فِيها، وأساسُ البَحْثِ يَدُورُ عَلى نُقْطَتَيْنِ: الأُولى: تَعْيِينُ المِائَةِ اسْمٍ المُرادَةِ. والثّانِيَةُ: مَعْنى أحْصاها، وفي رِوايَةٍ حَفِظَها. وَقَدْ حَضَرْتُ مَجْلِسًا لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في بَيْتِهِ مَعَ الشَّيْخِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بازٍ وسَألَهُ عَنِ الصَّحِيحِ في ذَلِكَ، فَكانَ حاصِلُ ما ذَكَرَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ أنَّ التَّعْيِينَ لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَصٌّ صَحِيحٌ، وأنَّ الإحْصاءَ أوِ الحِفْظَ لا يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلى مُجَرَّدِ الحِفْظِ لِلْألْفاظِ غَيْبًا، ولَكِنْ يُحْمَلُ عَلى أحْصى مَعانِيها وحَفِظَها مِنَ التَّحْرِيفِ فِيها والتَّبْدِيلِ والتَّعْطِيلِ، وحاوَلَ التَّخَلُّقَ بِحُسْنِ صِفاتِها كالحِلْمِ والعَفْوِ والرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، والحَذَرِ مِن مِثْلِ الجَبّارِ والقَهّارِ، ومُراقَبَةِ مِثْلِ: الحَسِيبِ الرَّقِيبِ، وكَذَلِكَ التَّعَرُّضُ لِمِثْلِ التَّوّابِ والغَفُورِ بِالتَّوْبَةِ وطَلَبِ المَغْفِرَةِ، والهادِي والرَّزّاقِ بِطَلَبِ الهِدايَةِ والرِّزْقِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وَنَقَلَ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ العَرَبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] أيْ: اطْلُبُوا مِنهُ بِأسْمائِهِ، فَيُطْلَبُ بِكُلِّ اسْمٍ ما يَلِيقُ بِهِ تَقُولُ: يا رَحْمانُ ارْحَمْنِي، يا رَزّاقُ (p-٧٥)ارْزُقْنِي، يا هادِي اهْدِنِي، يا تَوّابُ تُبْ عَلَيَّ، وهَكَذا رَتِّبْ دُعاءَكَ تَكُنْ مِنَ المُخْلِصِينَ ا هـ. * * مَسْألَةٌ يُؤْخَذُ مِن كَلامِ ابْنِ العَرَبِيِّ هَذا ما يَقُولُهُ الفُقَهاءُ في ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى قَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، ولا يَقُولُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ لِأنَّ اسْمَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقْتَضِي الرَّحْمَةَ، وهي لا يَتَناسَبُ مَعَها الذَّبْحُ ورَسُولُ الرُّوحِ. وَيُؤَيِّدُ هَذا ما ذَكَرَهُ ابْنُ قُدامَةَ أنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ «كانَ إذا ذَبَحَ قالَ: ”بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكْبَرُ“» أيْ: أكْبَرُ وأقْدَرَكَ عَلَيْها، وهو أكْبَرُ مِنكَ عَلَيْكَ مِنها. فَإذا فَقِهَ الإنْسانُ أسْماءَ اللَّهِ الحُسْنى عَلى هَذا النَّحْوِ، كانَ حَقًّا قَدْ أحْصاها وحَفِظَها في اسْتِعْمالِها في مَعانِيها، فَكانَ حَقًّا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَلَقَدِ اسْتَوْقَفَنِي طَوِيلًا مَجِيءُ هَذِهِ الآياتِ في نِهايَةِ هَذِهِ السُّورَةِ تَذْيِيلًا لَها وخِتامًا وبِأُسْلُوبِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ لِقَضايا التَّوْحِيدِ، وإقامَةِ الدَّلِيلِ، وإلْزامِ أهْلِ الإلْحادِ والتَّعْطِيلِ، فَمَكَثْتُ طَوِيلًا أتَطَلَّبُ رَبْطَها بِما قَبْلَها، فَلَمْ أجِدْ في كُلِّ ما عَثَرْتُ عَلَيْهِ مِنَ التَّفْسِيرِ أكْثَرَ مِن شَرْحِ المُفْرَداتِ، وإيرادِ بَعْضِ التَّنْبِيهاتِ مِمّا لا يَنْفُذُ إلى أعْماقِ المَوْضُوعِ، ولا يَشْفِي عَلِيلًا في مُجْتَمَعاتِنا الحَدِيثَةِ، أوْ يُذْهِبُ شُبَهَ المَدَنِيَّةِ المادِّيَّةِ، فَرَجَعْتُ إلى السُّورَةِ بِكامِلِها أتَأمَّلُ مَوْضُوعَها فَإذا بِها تَبْدَأُ أوَّلًا بِتَسْبِيحِ العَوالِمِ كُلِّها لِلَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، وهَذا أمْرٌ فَوْقَ مُسْتَوى الإدْراكِ الإنْسانِيِّ، ثُمَّ تَسُوقُ أعْظَمَ حَدَثٍ تَشْهَدُهُ المَدِينَةُ بَعْدَ الهِجْرَةِ مِن إخْراجِ اليَهُودِ، ولَمْ يَكُنْ مَظْنُونًا إخْراجُهم، فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا فَكانُوا مَوْضِعَ العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ. ثُمَّ تَأْتِي لِمَوْقِفِ فَرِيقَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ، والكافِرِينَ. يَتَمَثَّلُ الفَرِيقُ الأوَّلُ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وما كانُوا عَلَيْهِ مِن أُخُوَّةٍ، ومَوَدَّةٍ، ورَحْمَةٍ، وعَطاءٍ، وإيثارٍ عَلى النَّفْسِ. وَيَتَمَثَّلُ الفَرِيقُ الآخَرُ في المُنافِقِينَ، واليَهُودِ، وما كانَ بَيْنَهم مِن مُواعَدَةٍ، وإغْراءٍ، وتَحْرِيضٍ، ثُمَّ تَخَلٍّ عَنْهم وخِذْلانٍ لَهم. (p-٧٦)فَكانَ في ذَلِكَ تَصْوِيرٌ لِحِزْبَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ حِزْبُ الرَّحْمَنِ، وحِزْبُ الشَّيْطانِ، وهي صُورَةُ المُجْتَمَعِ في المَدِينَةِ آنَذاكَ. ثُمَّ تَأْتِي إلى مُقارَنَةٍ أُخْرى بَيْنَ نَتائِجِ هَذَيْنِ الحِزْبَيْنِ ومُنْتَهاهُما وعَدَمِ اسْتِوائِهِما، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرُ المَصِيرِ: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] . وَهَذِهِ أخْطَرُ قَضِيَّةٍ في كُلِّ أُمَّةٍ أيْ: تَقْرِيرُ مَصِيرِها، ثُمَّ بَيانُ حَقِيقَةِ تَأْثِيرِ القُرْآنِ وفَعالِيَّتِهِ في المَخْلُوقاتِ، ولَوْ كانَتْ جَبَلًا أشَمَّ أوْ حَجَرًا أصَمَّ لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَرَأيْتُهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، فَإذا بِها قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى مَوْضُوعِ الخَلْقِ والخالِقِ، والأُمَّةِ والرِّسالَةِ، والبَدْءِ والنِّهايَةِ، وصِراعِ الحَقِّ مَعَ الباطِلِ، والكُفْرِ والإيمانِ، والنُّفُوسِ في الشُّحِّ والإحْسانِ، وكُلُّها مَواقِفُ عَمَلِيَّةٌ ومَناهِجُ واقِعِيَّةٌ وأمْثِلَةٌ بَيانِيَّةٌ. ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ . فَإذا ما تَوَجَّهَ الفِكْرُ في هَذا العَرْضِ، وتَنَقَّلَ مِن مَوْقِفٍ إلى مَوْقِفٍ، وتَأمَّلَ صُنْعَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ وآياتِهِ، نَطَقَ بِتَسْبِيحِهِ، وعَلِمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، عَلِمَ ما سَيَكُونُ عَلَيْهِ العالَمُ قَبْلَ وُجُودِهِ، فَأوْجَدَهُ عَلى مُقْتَضى عِلْمِهِ بِهِ، وسَيَّرَهُ عَلى النَّحْوِ الَّذِي أوْجَدَهُ عَلَيْهِ، عَلِمَ خِذْلانَ المُنافِقِينَ لِلْيَهُودِ قَبْلَ أنْ يُحَرِّضُوهم، فَكانَ كَما عَلِمَ سُبْحانَهُ وحَذَّرَ مِن مُشابَهَتِهِمْ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى جَبَلٍ ماذا يَكُونُ حالُهُ، فَحَثَّ العِبادَ بِالأخْذِ بِهِ، ولِعِلْمِهِ هَذا بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ، كانَ حَقًّا هو اللَّهُ وحْدَهُ. ثُمَّ مَرَّةً أُخْرى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ﴾، بُرْهانٌ آخَرُ في صُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وبَراهِينَ مُتَنَوِّعَةٍ عَلى وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ المَلِكُ القُدُّوسُ، المَلِكُ المُهَيْمِنُ عَلى مُلْكِهِ القُدُّوسُ، المُسَلَّمُ مِن كُلِّ نَقْصٍ، المُسَيْطِرُ عَلى ما في مُلْكِهِ كُلِّهِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] . وَهُنا وقْفَةٌ لِتَأمُّلِ اجْتِماعِ تِلْكَ الصِّفاتِ مَعًا عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، والمَلِكِ القُدُّوسِ والسَّلامِ المُهَيْمِنِ، فَنَجِدُهاِ مُتَرابِطَةً مُتَلازِمَةً؛ لِأنَّ العالِمَ إذا لَمْ يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ ولَمْ يُهَيْمِن عَلى شَيْءٍ فَلا فَعالِيَّةَ لِعِلْمِهِ. (p-٧٧)والمَلِكُ الَّذِي لا يَعْلَمُ ولَمْ يَتَقَدَّسْ عَنِ النَّقْصِ لا هَيْمَنَةَ لَهُ عَلى مُلْكِهِ، فَإذا اجْتَمَعَ كُلُّ ذَلِكَ وتِلْكَ الصِّفاتُ: العِلْمُ والمُلْكُ والتَّقْدِيسُ والهَيْمَنَةُ، حَصَلَ الكَمالُ والجَلالُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ العَزِيزِ الجَبّارِ المُتَكَبِّرِ، ولا يُشْرِكُهُ أحَدٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾، وهُنا، في نِهايَةِ هَذا السِّياقِ يَقِفُ المُؤْمِنُ وقْفَةَ إجْلالٍ وتَعْظِيمٍ لِلَّهِ فالخالِقُ هو المُقَدِّرُ قَبْلَ الإيجادِ. وَ (البارِئُ) المُوجِدُ مِنَ العَدَمِ عَلى مُقْتَضى الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ، ولَيْسَ كُلُّ مَن قَدَّرَ شَيْئًا أوْجَدَهُ إلّا اللَّهُ. وَ (المُصَوِّرُ) المُشَكِّلُ لِكُلِّ مَوْجُودٍ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي أوْجَدَهُ عَلَيْها، ولَمْ يُفْرِدْ كُلَّ فَرْدٍ مِن مَوْجُوداتِهِ عَلى صُورَةٍ تَخْتَصُّ بِهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، كَما هو مَوْجُودٌ في خَلْقِ اللَّهِ لِلْإنْسانِ والحَيَوانِ والنَّباتِ كُلٍّ في صُورَةٍ تَخُصُّهُ. وَبِالرُّجُوعِ مَرَّةً أُخْرى إلى أوَّلِ السِّياقِ، فَإنَّ الخَلْقَ والتَّقْدِيرَ لابُدَّ أنْ يَكُونَ بِمُوجَبِ العِلْمِ سَواءٌ كانَ في الحاضِرِ المُشاهَدِ أوْ لِلْمُسْتَقْبَلِ الغائِبِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَكانَ تَقْدِيرُهُ بِمُوجَبِ عِلْمِهِ والمَلِكُ القُدُّوسُ القادِرُ عَلى التَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ يُوجِدُ ما يُقَدِّرُهُ. وَ (المُهَيْمِنُ): يُسَيِّرُ ما يُوجِدُهُ عَلى مُقْتَضى ما يُقَدِّرُهُ. والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى، العَزِيزُ الَّذِي لا يُقْهَرُ الجَبّارُ الَّذِي يَقْهَرُ كُلَّ شَيْءٍ لِإرادَتِهِ، وتَقْدِيرِهِ، ويُخْضِعُهُ لِهَيْمَنَتِهِ. (المُتَكَبِّرُ) الَّذِي لا يَتَطاوَلُ لِكِبْرِيائِهِ مَخْلُوقٌ، وأكْبَرُ مِن أنْ يُشارِكَهُ غَيْرُهُ في صِفاتِهِ، تَكَبَّرَ عَنْ أنْ يُماثِلَهُ غَيْرُهُ أوْ يُشارِكَهُ أحَدٌ فِيما اخْتَصَّ بِهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ. وَفِي نِهايَةِ السِّياقِ إقامَةُ البُرْهانِ المُلْزِمِ وانْتِزاعُ الِاعْتِرافِ والتَّسْلِيمِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ وهو أعْظَمُ دَلِيلٍ كَما تَقَدَّمَ، وهو كَما قالَ: دَلِيلُ الإلْزامِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ لابُدَّ لَهم مِن خالِقٍ، وهَذِهِ قَضِيَّةٌ مَنطِقِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ، وهي أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لابُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ، وقَدْ ألْزَمَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]، وهَذا بِالسَّيْرِ والتَّقْسِيمِ أنْ يُقالَ: إمّا خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ خَلَقَهم أيْ: مِنَ العَدَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ (p-٧٨)العَدَمَ لا يَخْلُقُ شَيْئًا؛ لِأنَّ فاقِدَ الشَّيْءِ لا يُعْطِيهِ، والعَدَمُ لَيْسَ أمْرًا وُجُودِيًّا حَتّى يُمْكِنَ لَهُ أنْ يُوجِدَ مَوْجُودًا. أمْ هُمُ الخالِقُونَ ؟ وَهم أيْضًا يَعْلَمُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم لَمْ يَخْلُقُوا أنْفُسَهم، فَيَبْقى المَخْلُوقُ لابُدَّ لَهُ مِن خالِقٍ، وهو اللَّهُ تَعالى: الخالِقُ البارِئُ. وَلَوْ قِيلَ مِن جانِبِ المُنْكِرِ: إنَّ ما نُشاهِدُهُ مِن وُجُودِ المَوْجُودِ كالإنْسانِ والحَيَوانِ والنَّباتِ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلى أسْبابٍ نُشاهِدُها، كالأبَوَيْنِ لِلْحَيَوانِ، وكالحَرْثِ والسَّقْيِ لِلنَّباتِ. . . إلَخْ، فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُصَوِّرُ﴾، فَهَلِ الأبَوانِ يَمْلِكانِ تَصْوِيرَ الجَنِينِ مِن جِنْسِ الذُّكُورَةِ أوِ الأُنُوثَةِ، أوْ مِن جِنْسِ اللَّوْنِ، والطُّولِ والقِصَرِ والشَّبَهِ ؟ الجَوابُ: لا وكَلّا، بَلْ ذَلِكَ لِلَّهِ وحْدَهُ، هو الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩] . وَكَذَلِكَ في النَّباتِ تُوضَعُ الحَبَّةُ وتُسْقى بِالماءِ، فالتُّرْبَةُ واحِدَةٌ، والماءُ واحِدٌ، فَمَنِ الَّذِي يُصَوِّرُ شَكْلَ النَّباتِ هَذا نَجْمٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وذاكَ نَبْتٌ عَلى ساقٍ، وهَذا كَرْمٌ عَلى عَرْشٍ، وذاكَ نَخْلٌ باسِقاتٌ، فَإذا طَلَعَتِ الثَّمَرَةُ في أوَّلِ طَوْرِها فَمَنِ الَّذِي يُصَوِّرُها في شَكْلِها، مِنِ اسْتِدارَتِها أوِ اسْتِطالَتِها أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؟ وإذا تَطَوَّرَتْ إلى النُّضْجِ فَمَنِ الَّذِي صَوَّرَها في لَوْنِها الأحْمَرِ أوِ الأصْفَرِ أوِ الأسْوَدِ أوِ الأخْضَرِ أوِ الأبْيَضِ ؟ هَلْ هي التُّرْبَةُ أوِ الماءُ أوْ هُما مَعًا، لا وكَلّا. إنَّهُ هو اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ، سُبْحانَهُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا. وَهُنا عَوْدٌ عَلى بَدْءٍ يَخْتِمُ السُّورَةَ بِما بَدَأتْ بِهِ مَعَ بَيانِ مُوجِباتِهِ واسْتِحْقاقِهِ، وآياتِ وحْدانِيَّتِهِ، سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ.

الممتحنة 60:1

(p-٧٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ . نَهى تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ العَدُوِّ المُشْرِكِ أوْلِياءَ، ولَفْظُ العَدُوِّ مُفْرَدٌ، ويُطْلَقُ عَلى الفَرْدِ والجَماعَةِ. وَمِن إطْلاقِهِ عَلى الفَرْدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧] يَعْنِي بِالعَدُوِّ إبْلِيسَ. وَمِن إطْلاقِهِ عَلى الجَمْعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠]، والمُرادُ هُنا الجَمْعُ لِما في السِّياقِ مِنَ القَرائِنِ مِنها قَوْلُهُ (أوْلِياءَ) بِالجَمْعِ، ومِنها: ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾، وهو ضَمِيرُ جَمْعٍ، ومِنها: وقَدْ كَفَرُوا بِواوِ الجَمْعِ، ومِنها يُخْرِجُونَ أيْضًا بِالجَمْعِ، وقَوْلُهُ بَعْدَها: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا﴾ [الممتحنة: ٢] وكُلُّها بِضَمائِرِ الجَمْعِ. أمّا العَدُوُّ المُرادُ هُنا فَقَدْ عَمَّ وخَصَّ في وصْفِهِ فَوَصَفَهُ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾، وخَصَّ بِوَصْفِهِ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ، والوَصْفُ بِالكُفْرِ يَشْمَلُ الجَمِيعَ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُما مَعًا لِلتَّأْكِيدِ والِاهْتِمامِ بِالخاصِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] فَفي ذِكْرِ الخاصِّ هُنا وهو وصْفُ العَدُوِّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لِلتَّهْيِيجِ عَلى مَن أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِالَّذِينِ أخْرَجُوا الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ في عِدَّةِ مَواضِعَ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] أيْ: مَكَّةَ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ﴾ (p-٨٠)[التوبة: ٤٠] الآيَةَ. فَعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِعَدُوِّي وعَدُوِّكم هُنا خُصُوصَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ. وَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وقِصَّةِ الرِّسالَةِ مَعَ الظَّعِينَةِ لِأهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ الفَتْحِ بِإخْبارِهِمْ بِتَجَهُّزِ المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ مِمّا يُؤَيِّدُ المُرادَ بِالعَدُوِّ هُنا، ولَكِنْ، وإنْ كانَتْ بِصُورَةِ السَّبَبِ قَطْعِيَّةَ الدُّخُولِ إلّا أنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ لا يُهْمَلُ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ مَن كَفَرَ بِما جاءَنا مِنَ الحَقِّ كاليَهُودِ، والنَّصارى، والمُنافِقِينَ، ومَن تَجَدَّدَ مِنَ الطَّوائِفِ الحَدِيثَةِ. وَقَدْ جاءَ النَّصُّ عَلى كُلِّ طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَفي سُورَةِ المُجادِلَةِ عَنِ المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤] . وَتَكَلَّمَ عَلَيْها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - . وَعَنِ اليَهُودِ في سُورَةِ ”الحَشْرِ“ كَما تَقَدَّمَ، وعَنِ اليَهُودِ والنَّصارى مَعًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥١] . وَمِنَ الطَّوائِفِ المُحْدَثَةِ كُلُّ مَن كَفَرَ بِما جاءَنا مِنَ الحَقِّ مِن شُيُوعِيَّةٍ وغَيْرِهِمْ، وكالهِنْدُوكِيَّةِ، والبُوذِيَّةِ وغَيْرِهِمْ، ومِمّا يَتْبَعُ هَذا العُمُومَ ما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٧ - ٥٨] . فَكُلُّ مَن هَزِئَ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّينِ أوِ اتَّخَذَهُ لَعِبًا ولَهْوًا فَإنَّهُ يُخْشى عَلَيْهِ مِن تَناوُلِ هَذِهِ الآيَةِ إيّاهُ. تَنْبِيهٌ ذِكْرُ المُقابَلَةِ هُنا بَيْنَ ﴿عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ فِيهِ إبْرازُ صُورَةِ الحالِ وتَقْبِيحُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ العَداوَةَ تَتَنافى مَعَ المُوالاةِ والمُسارَّةِ لِلْعَدُوِّ بِالمَوَدَّةِ، وقَدْ ناقَشَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ قَضِيَّةَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في تَقْدِيمِ عَدُوِّي أوَّلًا، وعَطْفِ عَدُوِّكم عَلَيْهِ، فَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: التَّقْدِيمُ لِأنَّ عَداوَةَ العَبْدِ لِلَّهِ بِدُونِ عِلَّةٍ، وعَداوَةَ العَبْدِ لِلْعَبْدِ لِعِلَّةٍ، وما كانَ بِدُونِ عِلَّةٍ فَهو مُقَدَّمٌ عَلى (p-٨١)ما كانَ بِعِلَّةٍ. ا هـ. والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ التَّقْدِيمَ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ، وبَلاغِيٍّ، وهو أنَّ عَداوَةَ العَبْدِ لِلَّهِ هي الأصْلُ، وهي أشَدُّ قُبْحًا، فَلِذا قُدِّمَتْ، وقُبْحُها في أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ خالِقِهِمْ، وشَكَرُوا غَيْرَ رازِقِهِمْ، وكَذَّبُوا رُسُلَ رَبِّهِمْ وآذَوْهم. وَقَدْ جاءَ في الأحادِيثِ القُدْسِيَّةِ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ في ذَلِكَ فِيما رَواهُ البَيْهَقِيُّ والحاكِمُ عَنْ مُعاذٍ، والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ ما نَصُّهُ: «إنِّي والجِنُّ والإنْسُ في نَبَأٍ عَظِيمٍ أخْلُقُ ويُعْبُدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي» وفِيهِ «خَيْرِي إلى العِبادِ نازِلٌ، وشَرُّهم إلَيَّ صاعِدٌ أتَحَبَّبُ إلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ ويَتَبَغَّضُونَ إلَيَّ بِالمَعاصِي» كَما أنَّ تَقْدِيمَهُ يُؤَكِّدُ بِأنَّهُ هو السَّبَبُ في العَداوَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وما كانَ سَبَبًا فَحَقُّهُ التَّقْدِيمُ. وَيَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ الأصْلُ، أنَّ الكَفّارَ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وانْتَفَتْ عَداوَتُهم لِلَّهِ لَأصْبَحُوا إخْوانًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وانْتَفَتِ العَداوَةُ بَيْنَهُما، وكَذا كَوْنُهُ مُغَيًّا بِغايَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩]، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى في قَوْمِ إبْراهِيمَ: ﴿وَبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] فَإذا هاجَرَ المُشْرِكُونَ وآمَنَ الكافِرُونَ، انْتَفَتِ العَداوَةُ وجاءَتِ المُوالاةُ. وَمِمّا قَدَّمْنا مِن أنَّ سَبَبَ النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ الأعْداءِ، هو الكُفْرُ يُعْلَمُ أنَّهُ إذا وُجِدَتْ عَداوَةٌ لا لِسَبَبِ الكُفْرِ فَلا يُنْهى عَنْ تِلْكَ المُوالاةِ؛ لِتَخَلُّفِ العِلَّةِ الأساسِيَّةِ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] . فَلَمّا تَخَلَّفَ السَّبَبُ الأساسِيُّ في النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ العَدُوِّ الَّذِي هو الكُفْرُ، جاءَ الحَثُّ عَلى العَفْوِ والصَّفْحِ والغُفْرانِ؛ لِأنَّ هَذِهِ العَداوَةَ لِسَبَبٍ آخَرَ هو ما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، فَكانَ مُقْتَضاها فَقَطِ الحَذَرُ مِن أنْ يَفْتِنُوهُ، وكانَ مُقْتَضى الزَّوْجِيَّةِ حُسْنَ العِشْرَةِ، كَما هو مَعْلُومٌ. وسَيَأْتِي زِيادَةُ إيضاحٍ لِهَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَقَدْ نَصَّ صَراحَةً عَلى عَدَمِ النَّهْيِ المَذْكُورِ في خُصُوصِ مَن لَمْ يُعادُوهم في الدِّينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ (p-٨٢)الآيَةَ [الممتحنة: ٨] . وَلِلْمُوالاةِ أحْكامٌ عامَّةٌ وخاصَّةٌ، وقَدْ بَحَثَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ الأضْواءِ: مِنها في الجُزْءِ الثّانِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقَدْ أطالَ البَحْثَ فِيها. وَمِنها في الجُزْءِ الثّالِثِ عُرِضَ ضِمْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وبَيْنَ رَوابِطِ العالَمِ الإسْلامِيِّ بِتَوَسُّعٍ. وَمِنها في الجُزْءِ الرّابِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ [الكهف: ٥٠] الآيَةَ. وَمِنها في مَخْطُوطِ السّابِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهُمْ﴾ [محمد: ٢٦]، وأحالَ فِيها عَلى آيَةِ ”المُمْتَحَنَةِ“ هَذِهِ. وَمِنها أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ [محمد: ٢٦]، وأحالَ عِنْدَها عَلى مَواضِعَ مُتَقَدِّمَةٍ مِن سُورَةِ ”الشُّورى“ ”وَبَنِي إسْرائِيلَ“ . وَمِنها في سُورَةِ ”المُجادِلَةِ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: ١٤] . وَفِيما كَتَبَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - بَيانٌ لِكُلِّ جَوانِبِ أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ، غَيْرَ أنِّي لَمْ أجِدْهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - تَعَرَّضَ لِما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن خُصُوصِ التَّخْصِيصِ لِلْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ٨] . وَلَمْ أسْمَعْ مِنهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - فِيها شَيْئًا مَعَ أنَّها نَصٌّ في تَخْصِيصِ العُمُومِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وسَيَأْتِي لَها بَيانٌ لِذَلِكَ عِنْدَها إنْ شاءَ اللَّهُ. تَنْبِيهٌ رَدُّ أهْلِ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها عَلى المُعْتَزِلَةِ قَوْلَهم: إنَّ المَعْصِيَةَ تُنافِي الإيمانَ؛ (p-٨٣)لِأنَّ اللَّهَ ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾، فَلَمْ يُخْرِجْهم بِضَلالِهِمْ عَنْ عُمُومِ إيمانِهِمْ، ويَشْهَدُ لِهَذا أنَّ الضَّلالَ هُنا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ لا مُطْلَقَ السَّبِيلِ.

الممتحنة 60:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ . (يَثْقَفُوكم) أيْ: يُدْرِكُوكم، وأصْلُ الثَّقْفِ الحِذْقُ في إدْراكِ الشَّيْءِ وفِعْلِهِ، والرُّمْحُ المُثَقَّفُ المُقَوَّمُ. قالَ الرّاغِبُ: ثُمَّ يُتَجَوَّزُ بِهِ فَيُسْتَعْمَلُ في الإدْراكِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ ثَقافَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقالَ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧] ا هـ. فَهَذِهِ نُصُوصُ القُرْآنِ في أنَّ الثَّقافَةَ بِمَعْنى الإدْراكِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾ الآيَةَ، نَصَّ عَلى أنَّ العَداوَةَ وبَسْطَ اليَدِ واللِّسانِ بِالسُّوءِ يَكُونُ بَعْدَ أنْ يَثْقَفُوهم مَعَ أنَّ العَداءَ سابِقٌ بِإخْراجِهِمْ إيّاهم مِن دِيارِهِمْ، فَيَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّهْيِيجِ وشِدَّةِ التَّحْذِيرِ، وأنَّ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الشَّرْطِ هو بَسْطُ الأيْدِي بِالسُّوءِ؛ لِأنَّهُمُ الآنَ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الهِجْرَةِ، ومِن أدِلَّةِ القُرْآنِ عَلى وُجُودِ العَداوَةِ بِالفِعْلِ لَدى عُمُومٍ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] فَقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ يَشْمَلُ المُشْرِكِينَ، والمُنافِقِينَ، وأهْلَ الكِتابِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾، أيْ: في الحاضِرِ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى الشَّرْطِ المَذْكُورِ في إنْ يَثْقَفُوكم، فَهم أعْداءٌ، وقَدْ بَدَتْ مِنهُمُ البَغْضاءُ قَوْلًا وفِعْلًا. وَعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ إعْلانَ المُقاطَعَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، ومَن دُونَهم وقَوْلُهُ: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، قَدْ بَيَّنَ تَعالى سَبَبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ الحَسَدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] . وَقالَ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: (p-٨٤)﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٨ - ٨٩] .

الممتحنة 60:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ . الأرْحامُ تُسْتَعْمَلُ في القُرْآنِ لِعُمُومِ القَرابَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: بِتَقَطُّعِ الأنْسابِ بَيْنَهم، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى نَتِيجَةَ هَذا الفَصْلِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧]، وقَوْلِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٢]، فَعَمَّتْ جَمِيعَ الأقارِبِ وبَيَّنَتْ سَبَبَ الفَصْلِ بَيْنَهم، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. وَهَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في ذَوِي أرْحامِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، كَما في قِصَّةِ سَبَبِ النُّزُولِ في أمْرِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ في إرْسالِهِ الخِطابَ لِأهْلِ مَكَّةَ قُبَيْلَ الفَتْحِ بِأمْرِ التَّجَهُّزِ لَهم. وَمَفْهُومُ الوَصْفِ في أوَّلِ السِّياقِ ﴿عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾، ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾، يَدُلُّ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ أنَّ أُولِي الأرْحامِ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَدْ لا يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ. وَيَدُلُّ لِهَذا المَفْهُومِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]، وقَوْلُهُ تَعالى في دُعاءِ المَلائِكَةِ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨] . وَهَذِهِ الآيَةُ بَيانٌ واضِحٌ في أنَّ رَوابِطَ الدِّينِ أقْوى وألْزَمُ مِن رَوابِطِ النَّسَبِ. وَهَذا المَعْنى بِالذّاتِ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] والآيَةُ الآتِيَةُ بَيانٌ واضِحٌ لِحَقِيقَةِ هَذا المَعْنى وشُمُولِهِ في جَمِيعِ الأُمَمِ.

الممتحنة 60:4

(p-٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ . الأُسْوَةُ كالقُدْوَةِ، وهي اتِّباعُ الغَيْرِ عَلى الحالَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها حَسَنَةٍ أوْ قَبِيحَةٍ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وهُنا أيْضًا: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا التَّأسِّي المَطْلُوبَ، وذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. فالتَّأسِّي هُنا في ثَلاثَةِ أُمُورٍ: أوَّلًا: التَّبَرُّؤُ مِنهم ومِمّا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. ثانِيًا: الكُفْرُ بِهِمْ. ثالِثًا: إبْداءُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ وإعْلانُها وإظْهارُها أبَدًا إلى الغايَةِ المَذْكُورَةِ حَتّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ، وهَذا غايَةٌ في القَطِيعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمِهِمْ، وزِيادَةٌ عَلَيْها إبْداءُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ أبَدًا، والسَّبَبُ في ذَلِكَ هو الكُفْرُ، فَإذا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ انْتَفى كُلُّ ذَلِكَ بَيْنَهم. وَهُنا سُؤالٌ، هو مَوْضِعُ الأُسْوَةِ ﴿إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ بِدَلِيلِ العَطْفِ بَيْنَهُما. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ فَقائِلُ القَوْلِ لِقَوْمِهِمْ إبْراهِيمُ والَّذِينَ مَعَ إبْراهِيمَ، وهَذا مَحَلُّ التَّأسِّي بِهِمْ فِيما قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، فَهَذا القَوْلُ مِن إبْراهِيمَ لَيْسَ مَوْضِعَ التَّأسِّي، ومَوْضِعُ التَّأسِّي المَطْلُوبِ في إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو ما قالَهُ مَعَ قَوْمِهِ المُتَقَدِّمِ جُمْلَةً، وما فَصَّلَهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] وهَذا التَّبَرُّؤُ جَعَلَهُ باقِيًا في عَقِبِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا سَبَبَ هَذا (p-٨٦)الِاسْتِثْناءِ وهَلْ هو خاصٌّ بِإبْراهِيمَ لِأبِيهِ، أمْ لِماذا ؟ وَقَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، تِلْكَ المَوْعِدَةُ الَّتِي كانَتْ لَهُ عَلَيْهِ في بادِئِ دَعْوَتِهِ حِينَما قالَ لَهُ أبُوهُ: ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٦ - ٤٧]، فَكانَ قَدْ وعَدَهُ ووَفّى بِعَهْدِهِ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَكانَ مَحَلُّ التَّأسِّي في إبْراهِيمَ في هَذا التَّبَرُّؤِ مِن أبِيهِ، لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ. وَقَدْ جاءَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها قَضِيَّةٌ عامَّةٌ ولَيْسَتْ خاصَّةً في إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وفي هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها أقْوى دَلِيلٍ عَلى أنَّ دِينَ الإسْلامِ لَيْسَتْ فِيهِ تَبَعِيَّةُ أحَدٍ لِأحَدٍ، بَلْ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى. وَمِن عَجَبٍ أنْ يَأْتِيَ نَظِيرَ مَوْقِفِ إبْراهِيمَ مِن أبِيهِ مَواقِفُ مُماثِلَةٌ في أُمَمٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنها مَوْقِفُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنِ ابْنِهِ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥]، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أمْرُهُ أيْضًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ الآيَةَ [هود: ٤٧]، فَكانَ مَوْقِفُ نُوحٍ مِن ولَدِهِ كَمَوْقِفِ إبْراهِيمَ مِن أبِيهِ. وَمِنها: مَوْقِفُ نُوحٍ ولُوطٍ مِن أزْواجِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [التحريم: ١٠] . وَمِنها: مَوْقِفُ زَوْجَةِ فِرْعَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]، فَتَبَرَّأتِ الزَّوْجَةُ مِن زَوْجِها، وهَذا التَّأسِّي قَدْ بَيَّنَ تَمامَ البَيانِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] أيْ: ولا آباؤُكم، ولا أحَدٌ مِن أقْرِبائِكم، يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم، وقَوْلُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ: ﴿وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ (p-٨٧)بَيَّنَهُ ما قَدَّمْنا مِن أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ فِيهِ تَبَعِيَّةٌ، وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى، وكُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] . وَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - مُحاضَرَةً في كَنُو بِنَيْجِيرْيا في مُجْتَمَعٍ فِيهِ مَن يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ الأشْخاصِ في اعْتِقاداتِهِمْ، فَعَرَضَ هَذا المَوْضُوعَ، وبَيَّنَ عَدَمَ اسْتِطاعَةِ أحَدٍ نَفْعَ أحَدٍ فَكانَ لَها وقْعٌ عَظِيمُ الأثَرِ في النُّفُوسِ، ولَعَلَّ اللَّهَ يُيَسِّرُ طَبْعَها مَعَ طَبْعِ جَمِيعِ مُحاضَراتِهِ في تِلْكَ الرِّحْلَةِ المَيْمُونَةِ. * * مَسْألَةٌ جَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا بِدَلِيلِ التَّأسِّي بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والَّذِينَ مَعَهُ، وتَحْقِيقُ هَذِهِ المَسْألَةِ في كُتُبِ الأُصُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ دالَّةً في الجُمْلَةِ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، إلّا أنَّها لَيْسَتْ نَصًّا في مَحَلِّ النِّزاعِ. وَقَدْ قَسَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - حُكْمَ المَسْألَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: قِسْمٌ هو شَرْعٌ لَنا قَطْعًا، وهو ما جاءَ في شَرْعِنا أنَّهُ شَرْعٌ لَنا كَآيَةِ الرَّجْمِ، وكَهَذِهِ الآيَةِ في العَداوَةِ والمُوالاةِ، وإمّا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنا قَطْعًا كَتَحْرِيمِ العَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، وتَحْرِيمِ بَعْضِ الشُّحُومِ، إلَخْ. وَقِسْمٌ ثالِثٌ: وهو مَحَلُّ النِّزاعِ، وهو ما ذُكِرَ لَنا في القُرْآنِ، ولَمْ نُؤْمَرْ بِهِ ولَمْ نَنْهَ عَنْهُ. فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ شَرْعٌ لَنا لِذِكْرِهِ لَنا، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا لَنا لَما كانَ لِذِكْرِهِ لَنا فائِدَةٌ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وبِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا، والشّافِعِيُّ يُعارِضُ في هَذا القِسْمِ ويَقُولُ: الآيَةُ في العَقائِدِ لا في الفُرُوعِ، ويَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وعَلى هَذا التَّقْسِيمِ (p-٨٨)المَذْكُورِ، فالآيَةُ لَيْسَتْ نَصًّا في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لِأنَّنا أُمِرْنا بِالتَّأسِّي بِهِ في مُعَيَّنٍ جاءَ في شَرْعِنا الأمْرُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ. تَنْبِيهٌ يَظْهَرُ لِي في هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الشّافِعِيِّ، والجُمْهُورِ يَكادُ يَكُونُ شَكْلِيًّا، وكُلٌّ مَحْجُوجٌ بِما حَجَّ بِهِ الآخَرَ، وذَلِكَ كالآتِي: أوَّلًا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾، يَدُلُّ عَلى وُجُودِ شِرْعَةٍ وعَلى وُجُودِ مِنهاجٍ، فَإذا جِئْنا لِاسْتِدْلالِ الجُمْهُورِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾، لَمْ نَجِدْ فِيهِ ذِكْرَ المِنهاجِ، ونَجِدْ واقِعَ التَّشْرِيعِ، أنَّ مِنهاجَ ما شَرَعَ لَنا يُغايِرُ مِنهاجَ ما شَرَعَ لِمَن قَبْلَنا كَما في مَشْرُوعِيَّةِ الصِّيامِ قالَ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وهَذا يَتَّفِقُ في أصْلِ الشِّرْعَةِ، ولَكِنْ جاءَ ما يُبَيِّنُ الِاخْتِلافَ في المِنهاجِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا، وهو ضِمْنُ مِنهاجِ مَن قَبْلَنا وشِرْعَتِهِمْ فاتَّفَقْنا مَعَهم في الشِّرْعَةِ، واخْتَلَفَ مَنهَجُنا عَنْ مَنهَجِهِمْ بِإحْلالِ ما كانَ مِنهُ حَرامًا، وهَذا مُلْزِمٌ لِلْجُمْهُورِ، وهَكَذا بَقِيَّةُ أرْكانِ الإسْلامِ في الصَّلاةِ فَهي مَشْرُوعَةٌ لِلْجَمِيعِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، • وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] • وقَوْلِهِ عَنْ عِيسى: ﴿‎وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]، وغَيْرِ ذَلِكَ. وَفِي الحَجِّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٧]، فَجَمِيعُ الأرْكانِ، وهي فُرُوعٌ لا عَقائِدُ مَشْرُوعَةٌ في جَمِيعِ الأدْيانِ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ، فاشْتَرَكْنا مَعَهم في المَشْرُوعِيَّةِ، ولَكِنْ هَلْ كانَتْ كُلُّها كَمَنهَجِها عِنْدَنا في أوْقاتِها وأعْدادِها وكَيْفِيّاتِها، لَقَدْ وجَدْنا المُغايَرَةَ في الصَّوْمِ واضِحَةً، وهَكَذا في غَيْرِها، فالشِّرْعَةُ عامَّةٌ لِلْجَمِيعِ والمِنهاجُ خاصٌّ كَما يَقُولُ الشّافِعِيُّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الممتحنة 60:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغِنَيُّ الحَمِيدُ﴾ . (p-٨٩)إعادَةُ هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدٌ عَلى مَعْنى الآيَةِ الأُولى. وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ يُفَسِّرُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ [الممتحنة: ١]؛ لِأنَّها تُساوِيها في الماصَدَقَ، وهُنا جاءَ بِهَذا اللَّفْظِ لِيَدُلَّ عَلى العُمُومِ، وتَكُونَ قَضِيَّةً عامَّةً فِيما بَعْدُ لِكُلِّ مَن يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ، أنْ يَتَأسّى بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والَّذِينَ مَعَهُ في مَوْقِفِهِمِ المُتَقَدِّمِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾، التَّوَلِّي هُنا الإعْراضُ عَنْ أوامِرِ اللَّهِ عُمُومًا. وَهُنا يَحْتَمِلُ تَوَلِّي الكُفّارِ ومُوالاتَهم، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ حَمِيدٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَمُلَ في غِناهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] . وَقَدْ جاءَ بَيانُ اسْتِغْناءِ اللَّهِ عَنْ طاعَةِ الطّائِعِينَ عُمُومًا وخُصُوصًا فَجاءَ في خُصُوصِ الحِجِّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] . وَجاءَ في العُمُومِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]؛ لِأنَّ أعْمالَ العِبادِ لِأنْفُسِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] . وَكَما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى أتْقى قَلْبِ رَجُلٍ مِنكم ما زادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا» . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى غِناهُ المُطْلَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] .

الممتحنة 60:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ جَعَلَ المَوَدَّةَ بِالفِعْلِ بَيْنَهم، وبَيْنَ مَن عادَوْهم وأُمِرُوا بِمُقاطَعَتِهِمْ وعَدَمِ مُوالاتِهِمْ مِن ذَوِي أرْحامِهِمْ أمْ لا ؟ ولَكِنْ عَسى مِنَ اللَّهِ لِلتَّأْكِيدِ، والتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٩٠)﴿واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّهُ فاعِلٌ ذَلِكَ لَهم، وقَدْ جاءَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَعَلَهُ فِعْلًا في سُورَةِ ”النَّصْرِ“ حِينَ دَخَلَ النّاسُ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وقَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَكَّةَ وكانُوا طُلَقاءَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَذَلِكَ مَوْقِفُ أبِي سُفْيانَ وغَيْرِهِ، وعامِ الوُفُودِ إلى المَدِينَةِ بَعْدَ الفَتْحِ، وفي التَّذْيِيلِ بِأنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ، يُشْعِرُ بِأنَّ تَأْلِيفَ القُلُوبِ ومَوَدَّتَها إنَّما هو مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، كَما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٦٣] . وَلِأنَّ المَوَدَّةَ المُتَوَقَّعَةَ بِسَبَبِ هِدايَةِ الكُفّارِ، والهِدايَةُ مِنحَةٌ مِنَ اللَّهِ: إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الممتحنة 60:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . اعْتَبَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ الأُولى رُخْصَةً مِنَ الآيَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ، ولَكِنْ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ صِنْفانِ مِنَ الأعْداءِ وقِسْمانِ مِنَ المُعامَلَةِ: الصِّنْفُ الأوَّلُ: عَدُوٌّ لَمْ يُقاتِلُوا المُسْلِمِينَ في دِينِهِمْ ولَمْ يُخْرِجُوهم مِن دِيارِهِمْ، فَهَؤُلاءِ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ . والصِّنْفُ الثّانِي: قاتَلُوا المُسْلِمِينَ، وأخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ، وظاهَرُوا عَلى إخْراجِهِمْ، وهَؤُلاءِ يَقُولُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ . إذًا فَهُما قِسْمانِ مُخْتَلِفانِ وحُكْمانِ مُتَغايِرانِ، وإنْ كانَ القِسْمانِ لَمْ يَخْرُجا عَنْ عُمُومِ ﴿عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ المُتَقَدِّمِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وقَدِ اعْتَبَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ الأوْلى رُخْصَةً بَعْدَ النَّهْيِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ إنَّها نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ أوْ غَيْرِها عَلى ما سَيَأْتِي. واعْتَبَرَ الآيَةَ الثّانِيَةَ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ الأوَّلِ، وناقَشَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ دَعْوى النَّسْخِ في الأُولى، واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ ومَنَ المَقْصُودُ مِنها، والواقِعُ أنَّ الآيَتَيْنِ تَقْسِيمٌ لِعُمُومِ العَدُوِّ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١]، مَعَ بَيانِ كُلِّ قِسْمٍ وحُكْمِهِ، كَما تَدُلُّ لَهُ قَرائِنُ في الآيَةِ الأُولى، وقَرائِنُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. أمّا التَّقْسِيمُ فَقِسْمانِ: قِسْمٌ مُسالِمٌ لَمْ يُقاتِلِ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يُخْرِجْهم مِن دِيارِهِمْ، (p-٩١)فَلَمْ يَنْهَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ بِرِّهِمْ والإقْساطِ إلَيْهِمْ، وقِسْمٌ غَيْرُ مُسالِمٍ يُقاتِلُ المُسْلِمِينَ ويُخْرِجُهم مِن دِيارِهِمْ ويُظاهِرُ عَلى إخْراجِهِمْ، فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ مُوالاتِهِمْ، وفَرْقٌ بَيْنَ الإذْنِ بِالبَرِّ والقِسْطِ، و بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ المُوالاةِ والمَوَدَّةِ، ويَشْهَدُ لِهَذا التَّقْسِيمِ ما في الآيَةِ الأُولى مِن قَرائِنَ، وهي عُمُومُ الوَصْفِ بِالكُفْرِ، وخُصُوصُ الوَصْفِ بِإخْراجِ الرَّسُولِ وإيّاكم. وَمَعْلُومٌ أنَّ إخْراجَ الرَّسُولِ ﷺ والمُسْلِمِينَ مِن دِيارِهِمْ كانَ نَتِيجَةً لِقِتالِهِمْ وإيذائِهِمْ، فَهَذا القِسْمُ هو المَعْنِيُّ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوالاتِهِ لِمَوْقِفِهِ المُعادِي؛ لِأنَّ المُعاداةَ تُنافِي المُوالاةَ. وَلِذا عَقَّبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، فَأيُّ ظُلْمٍ بَعْدَ مُوالاةِ الفَرْدِ لِأعْداءِ أُمَّتِهِ وأعْداءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. أمّا القِسْمُ العامُّ وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما جاءَهم مِنَ الحَقِّ لَكِنَّهم لَمْ يُعادُوا المُسْلِمِينَ في دِينِهِمْ لا بِقِتالٍ، ولا بِإخْراجٍ، ولا بِمُعاوَنَةِ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ ولا ظاهَرُوا عَلى إخْراجِهِمْ، فَهَؤُلاءِ مِن جانِبٍ لَيْسُوا مَحَلًّا لِلْمُوالاةِ لِكُفْرِهِمْ، ولَيْسَ مِنهم ما يَمْنَعُ بِرَّهم والإقْساطَ إلَيْهِمْ. وَعَلى هَذا فَإنَّ الآيَةَ الثّانِيَةَ لَيْسَ فِيها جَدِيدُ بَحْثٍ بَعْدَ البَحْثِ المُتَقَدِّمِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وبَقِيَ البَحْثُ في الآيَةِ الأُولى، ومِن جانِبَيْنِ: الأوَّلُ: بَيانُ مَنِ المَعْنِيُّ بِها، والثّانِي: بَيانُ حُكْمِها، وهَلْ هي مُحْكَمَةٌ أمْ نُسِخَتْ. وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في الأمْرَيْنِ، ولِأهَمِّيَّةِ هَذا المَبْحَثِ وحاجَةِ الأُمَّةِ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ، وأشَدِّ ما تَكُونُ في هَذا العَصْرِ لِقُوَّةِ تَشابُكِ مَصالِحِ العالَمِ وعُمْقِ تُداخُلِها، وتَرابِطِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ في جَمِيعِ المَجالاتِ، وعَدَمِ انْفِكاكِ دَوْلَةٍ عَنْ أُخْرى مِمّا يَزِيدُ مِن وُجُوبِ الِاهْتِمامِ بِهَذا المَوْضُوعِ. وَإنِّي مُسْتَعِينُ اللَّهِ في إيرادِ ما قِيلَ فِيها، ثُمَّ مُقَدِّمٌ ما يُمْكِنُ أخْذُهُ مِن مَجْمُوعِ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ، وكَلامِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. القَوْلُ الأوَّلُ إنَّهاُ مَنسُوخَةٌ، قالَ القُرْطُبِيُّ عَنْ أبِي زَيْدٍ: أنَّها كانَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ زَمَنَ المُوادَعَةِ وتَرْكِ الأمْرِ بِالقِتالِ ثُمَّ نُسِخَتْ، قِيلَ بِآيَةِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قالَهُ قَتادَةُ. (p-٩٢)وَقِيلَ: كانَتْ في أهْلِ الصُّلْحِ فَلَمّا زالَ زالَ حُكْمُها وانْتَهى العَمَلُ بِها بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. وَقِيلَ: هي مِن أصْحابِ العَهْدِ حَتّى يَنْتَهِيَ عَهْدُهم أوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ أيْ أنَّها كانَتْ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ ومُرْتَبِطَةً بِقَوْمٍ. وَقِيلَ: إنَّها كانَتْ في العاجِزِينَ عَنِ القِتالِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ مِنَ المُشْرِكِينَ. وَقِيلَ: إنَّها في ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ عَنِ الهِجْرَةِ حِينَما كانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا، وعَلى كُلِّ هَذِهِ الأقْوالِ تَكُونُ قَدْ نُسِخَتْ، بِفَواتِ وقْتِها وذَهابِ مَن عُنِيَ بِها. والقَوْلُ الثّانِي: إنَّها مُحْكَمَةٌ قالَهُ أيْضًا القُرْطُبِيُّ ونَقَلَهُ عَنْ أكْثَرِ أهْلِ التَّأْوِيلِ، ونَقَلَ مِن أدِلَّتِهِمْ أنَّها نَزَلَتْ في أُمِّ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - جاءَتْ إلَيْها وهي لَمْ تُسْلِمْ بَعْدُ وكانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وجاءَتْ لِابْنَتِها بِهَدايا فَأبَتْ أنْ تَقْبَلَها مِنها وأنْ تَسْتَقْبِلَها حَتّى تَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأذِنَ لَها وأمَرَها بِصِلَتِها وعَزاهُ لِلْبُخارِيِّ ومُسْلِمٍ. وَقالَ غَيْرُهُ: ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، وذَكَرَ عَنِ الماوَرْدِيِّ أنَّ قُدُومَها كانَ في وقْتِ الهُدْنَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ وقْتَ الهُدْنَةِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ الَّذِي قِيلَ: إنَّهُ مَنسُوخٌ أيْ بِانْتِهائِها، وعَلَيْهِ فالآيَةُ دائِرَةٌ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ بَيْنَ الإحْكامِ والنَّسْخِ. وَإذا رَجَعْنا إلى سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ وتَقَيَّدْنا بِصُورَةِ السَّبَبِ، نَجِدُ أوَّلَها نَزَلَ بَعْدَ انْتِهاءِ العَهْدِ بِنَقْضِ المُشْرِكِينَ إيّاهُ، وعِنْدَ تَهَيُّئِ المُسْلِمِينَ لِفَتْحِ مَكَّةَ، ومَجِيءِ أُمِّ أسْماءَ وإنْ كانَ بَعْدَ الهُدْنَةِ فَهَلْ كانَ النِّساءُ داخِلاتٍ في العَهْدِ أمْ لا ؟ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِهِنَّ. وَعَلَيْهِ فَلا دَلالَةَ في قِصَّةِ أُمِّ أسْماءَ عَلى عَدَمِ النَّسْخِ ولا عَلى إثْباتِهِ. وَإذا رَجَعْنا إلى عُمُومِ اللَّفْظِ نَجِدِ الآيَةَ صَرِيحَةً شامِلَةً لِكُلِّ مَن لَمْ يُناصِبِ المُسْلِمِينَ العَداءَ، ولَمْ يُظْهِرْ سُوءًا إلَيْهِمْ، وهي في الكُفّارِ أقْرَبُ مِنها في المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ الإحْسانَ إلى ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وعَلَيْهِ فَإنَّ دَعْوى النَّسْخِ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ قَوِيٍّ يُقاوِمُ صَراحَةَ هَذا النَّصِّ الشّامِلِ، وتَوَفُّرَ شُرُوطِ النَّسْخِ المَعْلُومَةِ في أُصُولِ التَّفْسِيرِ. وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ النَّسْخِ ما نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ أهْلِ التَّأْوِيلِ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وكَذَلِكَ كَلامُ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] بِأنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ في حالَةِ الخَوْفِ والضَّعْفِ مَعَ اشْتِراطِ سَلامَةِ الدّاخِلِ في القَلْبِ، فَإنَّ مَفْهُومَهُ (p-٩٣)أنَّها مُحْكَمَةٌ وباقٍ العَمَلُ بِها عِنْدَ اللُّزُومِ، ومَفْهُومُهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ إذا كانُوا في حالَةِ قُوَّةٍ وعَدَمِ خَوْفٍ وفي مَأْمَنٍ مِنهم، ولَيْسَ مِنهم قِتالٌ، وهم في غايَةٍ مِنَ المُسالَمَةِ فَلا مانِعَ مِن بِرِّهِمْ بِالعَدْلِ والإقْساطِ مَعَهم، وهَذا مِمّا يَرْفَعُ مِن شَأْنِ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ، بَلْ وفِيهِ دَعْوَةٌ إلى الإسْلامِ بِحُسْنِ المُعامَلَةِ، وتَأْلِيفِ القُلُوبِ بِالإحْسانِ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ، وعَدَمِ مُعاداةِ مَن لَمْ يُعادِهِمْ، ومِمّا يَدُلُّ لِذَلِكَ مِنَ القَرائِنِ الَّتِي نَوَّهْنا عَنْها سابِقًا ما جاءَ في التَّذْيِيلِ لِهَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ فَهَذا تَرْشِيحٌ لِما قَدَّمْنا كَما قابَلَ هَذا بِالتَّذْيِيلِ عَلى الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، فَفِيهِ مُقابَلَةٌ بَيْنَ العَدْلِ والظُّلْمِ فالعَدْلُ في الإحْسانِ، والقِسْطُ لِمَن يُسالِمُكَ، والظُّلْمُ مِمَّنْ يُوالِي مَن يُعادِي قَوْمَهُ. وَمِمّا يَنْفِي النَّسْخَ عَدَمُ التَّعارُضِ بَيْنَ هَذا المَعْنى، وبَيْنَ آيَةِ السَّيْفِ، لِأنَّ شَرْطَ النَّسْخِ التَّعارُضُ، وعَدَمُ إمْكانِ الجَمْعِ، ومَعْرِفَةُ التّارِيخِ، والجَمْعُ هُنا مُمْكِنٌ والتَّعارُضُ مَنفِيٌّ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ لا يَمْنَعُ الإحْسانَ قَبْلَهُ، كَما أنَّ المُسْلِمِينَ ما كانُوا لِيُفاجِئُوا قَوْمًا بِقِتالٍ حَتّى يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، وهَذا مِنَ الإحْسانِ قَطْعًا، ولِأنَّهم قَبِلُوا مِن أهْلِ الكِتابِ الجِزْيَةَ، وعامَلُوا أهْلَ الذِّمَّةِ بِكُلِّ إحْسانٍ وعَدالَةٍ. وَقِصَّةُ الظَّعِينَةِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ صاحِبَةِ المَزادَتَيْنِ لَمْ يُقاتِلُوها أوْ يَأْسِرُوها أوْ يَسْتَبِيحُوا ماءَها بَلِ اسْتاقُوها بِمائِها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ مِن مَزادَتَيْها قَلِيلًا، ودَعا فِيهِ ورَدَّهُ، ثُمَّ اسْتَقَوْا وقالَ لَها: اعْلَمِي أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي سَقانا ولَمْ تَنْقُصْ مِن مَزادَتَيْكِ شَيْئًا، وأكْرَمُوها وأحْسَنُوا إلَيْها، وجَمَعُوا لَها طَعامًا، وأرْسَلُوها في سَبِيلِها فَكانَتْ تَذْكُرُ ذَلِكَ، وتَدْعُو قَوْمَها لِلْإسْلامِ. وَقِصَّةُ ثُمامَةَ لَمّا جِيءَ بِهِ أسِيرًا ورُبِطَ في سارِيَةِ المَسْجِدِ، وبَعْدَ أنْ أصْبَحَ عاجِزًا عَنِ القِتالِ لَمْ يَمْنَعْهم مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِ، فَكانَ يُراحُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ بِحَلِيبِ سَبْعِ نِياقٍ حَتّى فُكَّ أسْرُهُ فَأسْلَمَ طَواعِيَةً، وهَكَذا نَصَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الإنسان: ٨ - ٩] . وَمَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أسِيرٍ بِيَدِ المُسْلِمِينَ إلّا مِنَ الكُفّارِ. وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ وهي سَنَةُ الوُفُودِ، فَكانَ يَقْدِمُ إلى المَدِينَةِ المُسْلِمُونَ وغَيْرُ المُسْلِمِينَ، فَيَتَلَقَّوْنَ الجَمِيعَ بِالبِرِّ والإحْسانِ كَوَفْدِ نَجْرانَ وغَيْرِهِمْ وهاهُو ذا وفْدُ تَمِيمٍ جاءَ يُفاخِرُ (p-٩٤)وَيُفاوِضُ في أُسارى لَهُ، فَيَأْذَنُ لَهم ﷺ ويَسْتَمِعُ مُفاخَرَتِهِمْ ويَأْمُرُ مَن يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، وفي النِّهايَةِ يُسْلِمُونَ ويُجِيزُهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالجَوائِزِ، وهَذا أقْوى دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ النَّسْخِ، لِأنَّ وفْدًا يَأْتِي مُتَحَدِّيًا مُفاخِرًا لَكِنَّهُ لَمْ يُقاتِلْ ولَمْ يُظاهِرْ عَلى إخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ، وجاءَ في أمْرٍ جارٍ في عُرْفِ العَرَبِ فَجاراهم فِيهِ ﷺ بَعْدَ أنْ أعْلَنَ لَهم أنَّهُ ما بِالمُفاخَرَةِ بُعِثَ، ولَكِنْ تَرَفُّقًا بِهِمْ، وإحْسانًا إلَيْهِمْ، وتَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ، وقَدْ كانَ فَأسْلَمُوا، وهَذا ما تُعْطِيهِ جَمِيعُ الأقْوالِ الَّتِي قَدَّمْناها. وَقَدْ بَحَثَ إمامُ المُفَسِّرِينَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِن نَواحِي النَّقْلِ وأخِيرًا خَتَمَ بَحْثَهُ بِقَوْلِهِ ما نَصُّهُ: وأوْلى الأقْوالِ في ذَلِكَ بِالصَّوابِ قَوْلُ مَن قالَ عَنى بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾، مِن جَمِيعِ أصْنافِ المِلَلِ والأدْيانِ أنْ تَبَرُّوهم وتَصِلُوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾، جَمِيعَ مَن كانَ ذَلِكَ صِفَتُهُ فَلَمْ يُخَصِّصْ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، ولا مَعْنى لِقَوْلِ مَن قالَ: ذَلِكَ مَنسُوخٌ؛ لِأنَّ بِرَّ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الحَرْبِ مِمَّنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةُ نَسَبٍ أوْ مِمَّنْ لا قَرابَةَ بَيْنَهُ ولا نَسَبَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، ولا مَنهِيٌّ عَنْهُ، إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلالَةٌ لَهُ أوْ لِأهْلِ الحَرْبِ عَلى عَوْرَةٍ لِأهْلِ الإسْلامِ، أوْ تَقْوِيَةٌ لَهم بِكُراعٍ أوْ سِلاحٍ. وَقَدْ بَيَّنّا صِحَّةَ ما قُلْنا في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنِ الزُّبَيْرِ في قِصَّةِ أسْماءَ وأُمِّها. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾، يَقُولُ إنِ اللَّهَ يُحِبُّ المُنْصِفِينَ الَّذِينَ يُنْصِفُونَ النّاسَ ويُعْطُونَهُمُ الحَقَّ والعَدْلَ مِن أنْفُسِهِمْ، فَيَبِرُّونَ مَن بَرَّهم، ويُحْسِنُونَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ، انْتَهى مِنهُ. وَفِي تَفْسِيرِ آياتِ الأحْكامِ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَبْحَثٌ هامٌّ نَسُوقُهُ أيْضًا بِنَصِّهِ لِأهَمِّيَّتِهِ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ﴾، قالَ: يُقالُ واللَّهُ أعْلَمُ: إنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ تَأثَّرَ مِن صِلَةِ المُشْرِكِينَ أحْسَبُ ذَلِكَ لَمّا نَزَلَ فَرْضُ جِهادِهِمْ وقَطْعُ الوَلايَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهم ونَزَلَ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فَلَمّا خافُوا أنْ تَكُونَ المَوَدَّةُ الصِّلَةَ بِالمالِ أنْزَلَ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (p-٩٥)وَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وكانَتِ الصِّلَةُ بِالمالِ، والبِرِّ، والإقْساطِ، ولِينِ الكَلامِ، والمُراسَلَةِ بِحُكْمِ اللَّهِ غَيْرَ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الوَلايَةِ لِمَن نُهُوا عَنْ ولايَتِهِ مَعَ المُظاهَرَةِ عَلى المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أباحَ بِرَّ مَن لَمْ يُظاهِرْ عَلَيْهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ والإقْساطَ إلَيْهِمْ ولَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ إلى مَن لَمْ يُظاهِرْ عَلَيْهِمْ بَلْ ذَكَرَ الَّذِينَ ظاهَرُوا عَلَيْهِمْ فَناهم عَنْ ولايَتِهِمْ إذْ كانَ الوَلايَةُ غَيْرَ البِرِّ والإقْساطِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ فادى بَعْضَ أُسارى بَدْرٍ، وقَدْ كانَ أبُو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ مِمَّنْ مَنَّ عَلَيْهِ، وقَدْ كانَ مَعْرُوفًا بِعَداوَتِهِ والتَّأْلِيبِ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ ولِسانِهِ، ومِن بَعْدِ بَدْرٍ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ، وكانَ مَعْرُوفًا بِعَداوَتِهِ، وأمَرَ بِقَتْلِهِ ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ أسْرِهِ وأسْلَمَ ثُمامَةُ وحَبَسَ المِيرَةَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْذَنَ لَهُ أنْ يُمِيرَهم فَأذِنَ لَهُ فَمارَهم. وَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، والأسْرى يَكُونُونَ مِمَّنْ حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ا هـ مِنهُ. وَهَذا الَّذِي صَوَّبَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وصَحَّحَهُ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الَّذِي تَقْتَضِيهِ رُوحُ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ، أمّا وِجْهَةُ النَّظَرِ الَّتِي وعَدْنا بِتَقْدِيمِها فَهي أنَّ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ مُشْتَرِكَةٌ مَصالِحُهم بَعْضُهم بِبَعْضٍ ومُرْتَبِطَةٌ بِمَجْمُوعِ دُوَلِ العالَمِ مِن مُشْرِكِينَ وأهْلِ كِتابٍ، ولا يُمْكِنُ لِأُمَّةٍ اليَوْمَ أنْ تَعِيشَ مُنْعَزِلَةً عَنِ المَجْمُوعَةِ الدَّوْلِيَّةِ؛ لِتَداخُلِ المَصالِحِ وتَشابُكِها، ولاسِيَّما في المَجالِ الِاقْتِصادِيِّ عَصَبِ الحَياةِ اليَوْمَ مِن إنْتاجٍ أوْ تَصْنِيعٍ أوْ تَسْوِيقٍ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مُساعَدَةً عَلى جَوازِ التَّعامُلِ مَعَ أُولَئِكَ المُسالِمِينَ ومُبادَلَتِهِمْ مَصْلَحَةً بِمَصْلَحَةٍ عَلى أساسِ ما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وبَيَّنَهُ الشّافِعِيُّ، وذَكَرَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - في حَقِيقَةِ مَوْقِفِ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ مِنَ الحَضارَةِ الغَرْبِيَّةِ في عِدَّةِ مُناسَباتٍ مِن مُحاضَراتِهِ ومِنَ الأضْواءِ نَفْسِهِ، وبِشَرْطِ ما قالَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - مِن سَلامَةِ الدّاخِلِ أيْ: عَدَمُ المَيْلِ بِالقَلْبِ، ولَوْ قِيلَ بِشَرْطٍ آخَرَ وهو مَعَ عَدَمِ وُجُودِ تِلْكَ المَصْلَحَةِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ أنْفُسِهِمْ، أيْ أنَّ العالَمَ الإسْلامِيَّ يَتَعاوَنُ أوَّلًا مَعَ بَعْضِهِ، فَإذا أعْوَزَهُ أوْ بَعْضَ دُوَلِهِ حاجَةٌ عِنْدَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يُقاتِلُوهم ولَمْ يُظاهِرُوا عَدُوًّا عَلى قِتالِهِمْ فَلا مانِعَ مِنَ التَّعاوُنِ مَعَ تِلْكَ الدَّوْلَةِ في ذَلِكَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ كُلَّ ما تَقَدَّمَ عَمَلِيًّا مُعامَلَةُ النَّبِيِّ ﷺ وخُلَفائِهِ مِن بَعْدِهِ لِلْيَهُودِ في خَيْبَرَ. فَمِمّا لا شَكَّ فِيهِ أنَّهم داخِلُونَ أوَّلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ (p-٩٦)[الممتحنة: ١]، ومَنصُوصٌ عَلى عَدَمِ مُوالاتِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] . وَمَعَ ذَلِكَ لَمّا أخْرَجَهم ﷺ مِنَ المَدِينَةِ وحاصَرَهم بَعْدَها في خَيْبَرَ، وفَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِ وأصْبَحُوا في قَبْضَةِ يَدِهِ فَلَمْ يَكُونُوا بَعْدَ ذَلِكَ في مَوْقِفِ المُقاتِلِينَ، ولا مُظاهِرِينَ عَلى إخْراجِ المُسْلِمِينَ مِن دِيارِهِمْ عامَلَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالقِسْطِ فَعامَلَهم عَلى أرْضِ خَيْبَرَ ونَخِيلِها وأبْقاهم فِيها عَلى جُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ كَأُجَراءَ يَعْمَلُونَ لِحِسابِهِ وحِسابِ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَتَّخِذْهم عَبِيدًا يُسَخِّرُهم فِيها، وبَقِيَتْ مُعامَلَتُهم بِالقِسْطِ كَما جاءَ في قِصَّةِ ابْنِ رَواحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا ذَهَبَ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ وعَرَضُوا عَلَيْهِ ما عَرَضُوا مِنَ الرِّشْوَةِ؛ لِيُخَفِّفَ عَنْهم، فَقالَ لَهم كَلِمَتَهُ المَشْهُورَةَ: واللَّهِ لِأنْتَمْ أبْغَضُ الخَلْقِ إلَيَّ وجِئْتُكم مِن عِنْدِ أحَبِّ الخَلْقِ إلَيَّ، ولَنْ يَحْمِلَنِي بُغْضِي لَكم، ولا حُبِّي لَهُ أنْ أحْيَفَ عَلَيْكم، فَإمّا أنْ تَأْخُذُوا بِنِصْفِ ما قُدِّرَتْ، وإمّا أنْ تَكُفُّوا أيْدِيَكم ولَكم نِصْفُ ما قُدِّرَتْ، فَقالُوا لَهُ: بِهَذا قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ أيْ: بِالعَدالَةِ والقِسْطِ، وقَدْ بَقُوا عَلى ذَلِكَ نِهايَةَ زَمَنِهِ ﷺ وخِلافَةَ الصِّدِّيقِ، وصَدَرا مِن خِلافَةِ عُمَرَ حَتّى أجْلاهم عَنْها. وَمِثْلُ ذَلِكَ المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم أعْطاهم ﷺ بَعْدَ الفَتْحِ وأعْطاهُمُ الصِّدِّيقُ حَتّى مَنَعَهم عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَدْ أطَلْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ لِأهَمِّيَّتِها ومَسِيسِ الحاجَةِ إلَيْها اليَوْمَ. وَفِي الخِتامِ إنَّ أشَدَّ ما يَظْهَرُ وُضُوحًا في هَذا المَقامِ ولَمْ يَدَّعِ أحَدٌ فِيهِ نَسْخًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] . فَهَذِهِ حُسْنُ مُعامَلَةٍ، وبِرٍّ، وإحْسانٍ لِمَن جاهَدَ المُسْلِمَ عَلى أنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ ولَمْ يُقاتِلِ المُسْلِمِينَ، فَكانَ حَقُّ الأُبُوَّةِ مُقَدَّمًا، ولَوْ مَعَ الكُفْرِ والمُجاهَدَةِ عَلى الشِّرْكِ. وَكَذَلِكَ أيْضًا في نِهايَةِ هَذِهِ السُّورَةِ نَفْسِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] . (p-٩٧)ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] أيْ: آتُوا المُشْرِكِينَ أزْواجَ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ ما أنْفَقُوا عَلى أزْواجِهِمْ بَعْدَ هِجْرَتِهِنَّ، فَبَعْدَ أنْ أسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ وهاجَرَتْ وانْحَلَّتِ العِصْمَةُ بَيْنَها وبَيْنَ زَوْجِها الكافِرِ، وبَعُدَتْ عَنْهُ بِالهِجْرَةِ وفاتَتْ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها يَأْمُرُ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنْ يُؤْتُوا أزْواجَهُنَّ وهم مُشْرِكُونَ، ما أنْفَقُوا مِن صَداقٍ عِنْدَ الزَّواجِ ونَحْوِهِ مَعَ بَقاءِ الأزْواجِ عَلى الكُفْرِ وعَجْزِهِمْ عَنِ اسْتِرْجاعِ الزَّوْجاتِ، وعَدَمِ جَوازِ مُوالاتِهِمْ قَطْعًا لِكُفْرِهِمْ، وهَذا مِنَ المُعامَلَةِ بِالقِسْطِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ إذا لَمْ يُقاتِلِ المُؤْمِنَ في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجْهُ مِن دارِهِ لا يَحْرُمُ بِرُّهُ، والإقْساطُ إلَيْهِ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى مَنعِ مُوالاةِ الكُفّارِ ومُوادَّتِهِمْ مُطْلَقًا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ٢٢] . والجَوابُ هو أنَّ مَن يَقُولُ بِنَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ فَلا إشْكالَ فِيها عَلى قَوْلِهِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مُحْكَمَةٌ فَوَجْهُ الجَمْعِ مَفْهُومٌ مِنها لِأنَّ الكافِرَ الَّذِي لَمْ يُنْهَ عَنْ بِرِّهِ والإقْساطِ إلَيْهِ مَشْرُوطٌ فِيهِ عَدَمُ القِتالِ في الدِّينِ، وعَدَمُ إخْراجِ المُؤْمِنِينَ مِن دِيارِهِمْ، والكافِرُ المَنهِيُّ عَنْ ذَلِكَ فِيهِ هو المُقاتِلُ في الدِّينِ المُخْرِجُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن دِيارِهِمُ المُظاهِرُ لِلْعَدُوِّ عَلى إخْراجِهِمْ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الممتحنة 60:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهم ما أنْفَقُوا ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾، نَصَّ عَلى امْتِحانِ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ، وكانَ ﷺ يَمْتَحِنُهُنَّ ما خَرَجَتْ كُرْهًا لِزَوْجٍ، أوْ فِرارًا لِسَبَبٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ. وَقِيلَ: كانَ امْتِحانُهُنَّ بِالبَيْعَةِ الآتِيَةِ: ﴿لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة: ١٢] الآيَةَ، ومَفْهُومُهُ أنَّ الرِّجالَ المُهاجِرِينَ لا يُمْتَحَنُونَ. وَفِعْلًا لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَمْتَحِنُ مَن هاجَرَ إلَيْهِ والسَّبَبُ في امْتِحانِهِنَّ دُونَ الرِّجالِ، هو ما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾، كَأنَّ الهِجْرَةَ وحْدَها لا تَكْفِي في حَقِّهِنَّ بِخِلافِ الرِّجالِ، فَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ لَهم بِصِدْقِ إيمانِهِمْ بِالهِجْرَةِ في قَوْلِهِ ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ إذا خَرَجَ مُهاجِرًا يَعْلَمُ أنَّ عَلَيْهِ تَبِعَةَ الجِهادِ والنُّصْرَةِ فَلا يُهاجِرُ إلّا وهو صادِقُ الإيمانِ فَلا يَحْتاجُ إلى امْتِحانٍ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ مُهاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ جانِبِيٌّ، ولا يَمْنَعُ مِنَ المُهِمَّةِ الأساسِيَّةِ لِلْهِجْرَةِ المُنَوِّهِ عَنْهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي﴾ [الممتحنة: ١] الآيَةَ، بِخِلافِ النِّساءِ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جِهادٌ ولا يَلْزَمُهُنَّ بِالهِجْرَةِ أيَّةُ تَبَعِيَّةٍ، فَأيُّ سَبَبٍ يُواجِهُهُنَّ في حَياتِهِنَّ سَواءٌ كانَ بِسَبَبِ الزَّوْجِ أوْ غَيْرِهِ، فَإنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ بِاسْمِ الهِجْرَةِ فَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا (p-٩٨)لِلتَّوَثُّقِ مِن هِجْرَتِهِنَّ بِامْتِحانِهِنَّ لِيُعْلَمَ إيمانُهُنَّ، ويُرَشِّحُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾، وفي حَقِّ الرِّجالِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، وكَذَلِكَ مِن جانِبٍ آخَرَ، وهو أنَّ هِجْرَةَ المُؤْمِناتِ يَتَعَلَّقُ عَلَيْها حَقٌّ مَعَ طَرَفٍ آخَرَ، وهو الزَّوْجُ فَيَفْسَخُ نِكاحَها مِنهُ، ويُعَوَّضُ هو عَمّا أنْفَقَ عَلَيْها، وإسْقاطُ حَقِّهِ في النِّكاحِ وإيجابُ حَقِّهِ في العِوَضِ قَضايا حُقُوقِيَّةٌ، تَتَطَلَّبُ إثْباتًا بِخِلافِ هِجْرَةِ الرِّجالِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾، مَعْلُومٌ أنَّ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ بَعْدَ الِامْتِحانِ والعِلْمِ بِأنَّهُنَّ مُؤْمِناتٌ لا يَنْبَغِي إرْجاعُهُنَّ إلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهم يُؤْذُونَهُنَّ إنْ رَجَعْنَ إلَيْهِمْ، فَلِأيِّ شَيْءٍ يَأْتِي النَّصُّ عَلَيْهِ ؟ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخَصِّصَةٌ لِما جاءَ في مُعاهَدَةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، والَّتِي كانَ فِيها مَن جاءَ مِنَ الكُفّارِ مُسْلِمًا إلى المُسْلِمِينَ رَدُّوهُ عَلى المُشْرِكِينَ، ومَن جاءَ مِنَ المُسْلِمِينَ كافِرًا لِلْمُشْرِكِينَ لا يَرُدُّونَهُ عَلى المُسْلِمِينَ فَأُخْرِجَتِ النِّساءُ مِنَ المُعاهَدَةِ وأبْقَتِ الرِّجالَ مِن بابِ تَخْصِيصِ العُمُومِ، وتَخْصِيصُ السُّنَةِ بِالقُرْآنِ، وتَخْصِيصُ القُرْآنِ بِالسُّنَةِ مَعْلُومٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الأُصُولِ، وذَكَرَ القاعِدَةَ مِن مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: ؎وَخُصِّصَ الكِتابُ والحَدِيثُ بِهِ أوْ بِالحَدِيثِ مُطْلَقًا فَلْتَنْتَبِهْ وَمِمّا ذَكَرَهُ لِأمْثِلَةِ تَخْصِيصِ السُّنَةِ بِالكِتابِ قَوْلُهُ ﷺ: «”ما أُبِينَ مِن حَيٍّ فَهو مَيِّتٌ“،» أيْ: مُحَرَّمٌ، جاءَ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن أصْوافِها وأوْبارِها﴾ [النحل: ٨٠] أيْ: لَيْسَ مُحَرَّمًا. وَمِن أمْثِلَةِ تَخْصِيصِ الكِتابِ بِالسُّنَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] جاءَ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «”أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ، ودَمانِ، أمّا المَيْتَتانِ: فالجَرادُ والحُوتُ»“ الحَدِيثَ قالَ القُرْطُبِيُّ: جاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةُ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الكِتابِ والنَّبِيُّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ بَعْدُ، فَأقْبَلَ زَوْجُها وكانَ كافِرًا، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأتِي فَإنَّكَ شَرَطْتَ ذَلِكَ، وهَذِهِ طِينَةُ الكِتابِ لَمْ تَجِفَّ بَعْدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها لَيْسَتْ مُخَصِّصَةً لِلْمُعاهَدَةِ؛ لِأنَّ النِّساءَ لَمْ يَدْخُلْنَ فِيها ابْتِداءً، وإنَّما كانَتْ في حَقِّ الرِّجالِ فَقَطْ. (p-٩٩)وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ أنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ جاءَتْ فارَّةً مِن زَوْجِها عَمْرِو بْنِ العاصِ ومَعَها أخَواها عُمارَةُ والوَلِيدُ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أخَوَيْها وحَبَسَها، فَقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: رُدَّها عَلَيْنا لِلشَّرْطِ، فَقالَ ﷺ: «”كانَ الشَّرْطُ في الرِّجالِ لا في النِّساءِ»“، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّها مُخَصِّصَةٌ لِمُعاهَدَةِ الهُدْنَةِ، وهي مِن أحْسَنِ الأمْثِلَةِ لِتَخْصِيصِ السُّنَةِ بِالقُرْآنِ، كَما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وَقَدْ رُوِيَ أنَّها مُخَصِّصَةٌ عَنْ عُرْوَةَ، والضَّحّاكِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّهْرِيِّ، ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ والسُّدِّيِّ. وَيَدُلُّ عَلى أنَّها مُخَصِّصَةٌ أمْرانِ مَذْكُورانِ في الآيَةِ: الأوَّلُ مِنهُما: أنَّها أحْدَثَتْ حُكْمًا جَدِيدًا في حَقِّهِنَّ وهو عَدَمُ الحِلِّيَةِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ، فَلا مَحَلَّ لِإرْجاعِهِنَّ، ولا يُمْكِنُ تَنْفِيذُ مُعاهَدَةِ الهُدْنَةِ مَعَ هَذا الحُكْمِ فَخَرَجْنَ مِنها وبَقِيَ الرِّجالُ. والثّانِي مِنهُما: أنَّها جَعَلَتْ لِلْأزْواجِ حَقَّ المُعاوَضَةِ عَلى ما أنْفَقُوا عَلَيْهِنَّ، ولَوْ لَمْ يَكُنَّ داخِلاتٍ أوَّلًا لَما كانَ طَلَبُ المُعاوَضَةِ مُلْزِمًا، ولَكِنَّهُ صارَ مُلْزِمًا، ومُوجِبُ إلْزامِهِ أنَّهم كانُوا يَمْلِكُونَ مَنعَهُنَّ مِنَ الخُرُوجِ بِمُقْتَضى المُعاهَدَةِ المَذْكُورَةِ، فَإذا خَرَجْنَ بِغَيْرِ إذْنِ الأزْواجِ كُنَّ كَمَن نَقَضَ العَهْدَ فَلَزِمَهُنَّ العِوَضُ المَذْكُورُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، فِيها تَحْرِيمُ المُؤْمِناتِ عَلى الكافِرِينَ، والظّاهِرُ أنَّ التَّحْرِيمَ بِالهِجْرَةِ لا بِالإسْلامِ قَبْلَها، واتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ إذا أسْلَمَ وهاجَرَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ بَقِيَتِ العِصْمَةُ إلى نِهايَةِ العُدَّةِ، فَإنْ هاجَرَ الطَّرَفُ الآخَرُ فِيها، فَهُما عَلى نِكاحِهِما الأوَّلِ. وَهُنا مَبْحَثُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَوْجِها أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ. وَقَدْ كَثُرَ الخِلافُ في أمْرِ رَدِّها إلَيْهِ هَلْ كانَ بِالعَقْدِ الأوَّلِ، أوْ جَدَّدَ لَها ﷺ عَقْدًا جَدِيدًا، ومِن أسْبابِ كَثْرَةِ الخِلافِ الرَّبْطُ بَيْنَ تارِيخِ إسْلامِها وتارِيخِ إسْلامِهِ، وبَيْنَهُما سِتُّ سَنَواتٍ وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ لَمْ يَقَعْ تَحْرِيمٌ بَيْنَ مُسْلِمَةٍ وكافِرٍ، ونُزُولُها بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ وإسْلامُها كانَ سَنَةَ ثَمانٍ، فَيُحْمَلُ عَلى عَدَمِ انْقِضاءِ عِدَّتِها، وهَذا يُوافِقُ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ قَوْلًا، وهو أنَّ المُسْلِمَةَ كانَتْ بِالخِيارِ إنْ شاءَتْ فَسَخَتْ نِكاحَها (p-١٠٠)وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، وإنْ شاءَتِ انْتَظَرَتْ. ا هـ. وَهَذا القَوْلُ لَهُ وجْهٌ؛ لِأنَّهُ بِإسْلامِها لَمْ يَكُنْ كُفْأً لَها وإذا انْتَفَتِ الكَفاءَةُ أُعْطِيَتِ الزَّوْجَةُ الخِيارَ، كَقِصَّةِ بَرِيرَةَ لَمّا عُتِقَتْ وكانَ زَوْجُها مَمْلُوكًا، ولا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ في حالَةِ كُفْرِ الزَّوْجِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الفُرْقَةَ إذا جاءَتْ بِسَبَبٍ مِن جِهَةِ الزَّوْجَةِ أنَّ عَلَيْها رَدَّ ما أنْفَقَ الزَّوْجُ عَلَيْها، وكَوْنُهُ الصَّداقَ أوْ أكْثَرَ قَدْ بَحَثَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في مَبْحَثِ الخُلْعِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِفَكِّ عِصْمَةِ زَوْجاتِهِمِ الكَوافِرِ، فَطَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَوْمَئِذٍ زَوْجَتَيْنِ، وطَلَّقَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ زَوْجَتَهُ أرْوى بِنْتَ رَبِيعَةَ، وعِصَمُ الكَوافِرِ عامٌّ في كُلِّ كافِرَةٍ، فَيَشْمَلُ الكِتابِيّاتِ لِكُفْرِهِنَّ بِاعْتِقادِ الوَلَدِ لِلَّهِ، كَما حَقَّقَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - ولَكِنَّ هَذا العُمُومَ قَدْ خُصِّصَ بِإباحَةِ الكِتابِيّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥] أيْ: الحَرائِرُ، وبَقِيَتِ الحُرْمَةُ بَيْنَ المُسْلِمِ والمُشْرِكَةِ بِالعَقْدِ عَلى التَّأْبِيدِ. وَمَفْهُومُ العِصْمَةِ لا يَمْنَعُ الإمْساكَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَيَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ الِاسْتِمْتاعُ بِالمُشْرِكَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وعَلَيْهِ تَكُونُ حُرْمَةُ المُسْلِمَةِ عَلى الكافِرِ مُطْلَقًا مُشْرِكًا كانَ أوْ كِتابِيًّا عَلى التَّأْبِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾، أيْ: في الحاضِرِ، ﴿وَلا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، أيْ: في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ فَصَّلَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - مَسْألَةَ المُحَرَّماتِ مِنَ النِّكاحِ فِيما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٥] . تَنْبِيهٌ هُنا سُؤالٌ، وهو: إذا كانَ الكُفْرُ هو سَبَبَ فَكِّ عِصْمَةِ الكافِرَةِ مِنَ المُسْلِمِ، وتَحْرِيمِ المُسْلِمَةِ عَلى الكافِرِ فَلِماذا حَلَّتِ الكافِرَةُ مِن أهْلِ الكِتابِ لِلْمُسْلِمِ، ولَمْ تَحِلَّ المُسْلِمَةُ لِلْكافِرِ مِن أهْلِ الكِتابِ ؟ والجَوابُ مِن جانِبَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الإسْلامَ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ والقَوامَةُ في الزَّواجِ لِلزَّوْجِ قَطْعًا لِجانِبِ الرُّجُولَةِ، وإنْ تَعادَلا في الحِلِّيَةِ بِالعَقْدِ؛ لِأنَّ التَّعادُلَ لا يُلْغِي الفَوارِقَ كَما في مِلْكِ اليَمِينِ، (p-١٠١)فَإذا امْتَلَكَ رَجُلٌ امْرَأةً حَلَّ لَهُ أنْ يَسْتَمْتِعَ مِنها بِمِلْكِ اليَمِينِ، والمَرْأةُ إذا امْتَلَكَتْ عَبْدًا لا يَحِلُّ لَها أنْ تَسْتَمْتِعَ مِنهُ بِمِلْكِ اليَمِينِ، ولِقَوامَةِ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ وعَلى أوْلادِها وهو كافِرٌ لا يَسْلَمُ لَها دِينُها، ولا لِأوْلادِها. والجانِبُ الثّانِي: شُمُولُ الإسْلامِ وقُصُورُ غَيْرِهِ، ويَنْبَنِي عَلَيْهِ أمْرٌ اجْتِماعِيٌّ لَهُ مَساسٌ بِكِيانِ الأُسْرَةِ وحُسْنِ العِشْرَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْلِمَ إذا تَزَوَّجَ كِتابِيَّةً، فَهو يُؤْمِنُ بِكِتابِها وبِرَسُولِها، فَسَيَكُونُ مَعَها عَلى مَبْدَأِ مَن يَحْتَرِمُ دِينَها لِإيمانِهِ بِهِ في الجُمْلَةِ، فَسَيَكُونُ هُناكَ مَجالٌ لِلتَّفاهُمِ، وقَدْ يَحْصُلُ التَّوَصُّلُ إلى إسْلامِها بِمُوجِبِ كِتابِها، أمّا الكِتابِيُّ إذا تَزَوَّجَ مُسْلِمَةً، فَهو لا يُؤْمِنُ بِدِينِها، فَلا تَجِدُ مِنهُ احْتِرامًا لِمَبْدَئِها ودِينِها، ولا مَجالَ لِلْمُفاهَمَةِ مَعَهُ في أمْرٍ لا يُؤْمِنُ بِهِ كُلِّيَّةً، وبِالتّالِي فَلا مَجالَ لِلتَّفاهُمِ ولا لِلْوِئامِ، وإذًا فَلا جَدْوى مِن هَذا الزَّواجِ بِالكُلِّيَّةِ، فَمَنَعَ مِنهُ ابْتِداءً. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، يَعْنِي صَداقَهُنَّ. وَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أنَّ النِّكاحَ بِدُونِ الأُجُورِ فِيهِ جُناحٌ، وقَدْ جاءَ النَّصُّ بِهَذا المَفْهُومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فَهِبَةُ المَرْأةِ نَفْسَها بِدُونِ صَداقٍ خاصٌّ بِهِ ﷺ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾، لا يُحِلُّهُ لِغَيْرِهِ ﷺ وقَوْلُهُ: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ظاهِرٌ في أنَّ النِّكاحَ لا يَصِحُّ إلّا بِإتْيانِ الأُجُورِ. وَقَدْ جاءَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ العَقْدِ بِدُونِ إتْيانِ الصَّداقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٦] . وَقَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ حُكْمَ المُفَوَّضَةِ، أنَّهُ إنْ دَخَلَ بِها فَلَهُ صَداقُ المِثْلِ، ويَدُلُّ لِإطْلاقِ الأُجُورِ عَلى الصَّداقِ قَوْلُهُ تَعالى في نِكاحِ الإماءِ لِمَن لَمْ يَسْتَطِعْ طَوْلًا لِلْحَرائِرِ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾، إلى قَوْلِهِ ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] وفي نِكاحِ أهْلِ الكِتابِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٥]، وقَوْلُهُ تَعالى (p-١٠٢)لِلرَّسُولِ ﷺ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وبِهَذا كُلِّهِ يُرَدُّ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِلَفْظِ الأُجُورِ عَلى نِكاحِ المُتْعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] وتَقَدَّمَ مَبْحَثُ المُتْعَةِ مُوجَزًا لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ .

الممتحنة 60:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ . القَيْدُ بِالمَعْرُوفِ هُنا لِلْبَيانِ ولا مَفْهُومَ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ ما يَأْمُرُ بِهِ ﷺ مَعْرُوفٌ، وفِيهِ حَياتُهُنَّ، وقَدْ بَيَّنَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، ولَكِنْ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن كانَ في مَوْضِعِ الأمْرِ مِن بَعْدِهِ لا طاعَةَ لَهُ إلّا في المَعْرُوفِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الممتحنة 60:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣] . يَرى المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في خِتامِ هَذِهِ السُّورَةِ كالآيَةِ الأُولى في أوَّلِها، وهَذا ما يُسَمّى عَوْدًا عَلى بَدْءٍ. قالَ أبُو حَيّانَ: لَمّا افْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الكَفّارِ أوْلِياءَ خَتَمَها بِمِثْلِ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِتَرْكِ مُوالاتِهِمْ، وتَنْفِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ تَوَلِّيهِمْ وإلْقاءِ المَوَدَّةِ إلَيْهِمْ. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَنْهى تَبارَكَ وتَعالى عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، كَما نَهى عَنْها في أوَّلِها، والَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّها لَمْ تَكُنْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِلنَّهْيِ المُتَقَدِّمِ، ولَكِنَّها تَتَضَمَّنُ مَعْنًى جَدِيدًا، وذَلِكَ لِلْآتِي: أوَّلًا: أنَّها نَصٌّ في قَوْمٍ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وعَلى أنَّها لِلتَّأْكِيدِ حَمَلَها البَعْضُ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، وحَمَلَها البَعْضُ عَلى خُصُوصِ اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ صارَ عُرْفًا لَهم، هو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ، قالَهُ أبُو حَيّانَ، ومِمّا تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في مُقَدِّمَةِ الأضْواءِ، أنَّهُ إذا اخْتَلَفَ في تَفْسِيرِ آيَةٍ، وكانَ أكْثَرُ اسْتِعْمالِ القُرْآنِ لِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ كانَ مُرَجَّحًا عَلى الآخَرِ، وهو مُحَقَّقٌ هُنا، كَما قالَ الحَسَنُ، أصْبَحَ عُرْفًا عَلَيْهِمْ، وقَدْ خَصَّهم تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ (p-١٠٣)[المائدة: ٦٠]، وقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّصارى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، ولَوْ قِيلَ: إنَّها في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، لَما كانَ بَعِيدًا؛ لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى غَضَبِهِ عَلى المُنافِقِينَ في هَذا الخُصُوصِ في سُورَةِ المُجادِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ٣٠ [المجادلة: ١٤]، وعَلى هَذا فَتَكُونُ خاصَّةً في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، والغَرَضُ مِن تَخْصِيصِها بِهِما وعَوْدَةِ ذَكَرِهِما بَعْدَ العُمُومِ المُتَقَدِّمِ في عَدُوِّي وعَدُوَّكم، كَما أسْلَفْنا هو واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، لَمّا نَهى أوَّلًا عَنْ مُوالاةِ الأعْداءِ، وأمَرَ بِتَقْطِيعِ الأواصِرِ بَيْنَ ذَوِي الأرْحامِ، جاءَ بَعْدَها ما يُشِيعُ الأمَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧]، وعادَيْتُمْ عامَّةٌ باقِيَةٌ عَلى عُمُومِها، ولَكِنَّ اليَهُودَ، والمُنافِقِينَ لَمْ يَدْخُلُوا في مَدْلُولٍ عَسى تِلْكَ، فَنَبَّهَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِخُصُوصِهِمْ لِئَلّا يَطْمَعَ المُؤْمِنُونَ أوْ يَنْتَظِرُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَأيْأسَهم مِن مُوالاتِهِمْ ومَوَدَّتِهِمْ، كَيَأْسِ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ في الآخِرَةِ، أيْ: بِعَدَمِ الإيمانِ الَّذِي هو رابِطَةُ الرَّجاءِ المُتَقَدِّمِ في عَسى، وفِعْلًا كانَ كَما أخْبَرَ اللَّهُ، فَقَدْ جَعَلَ المَوَدَّةَ مِن بَعْضِ المُشْرِكِينَ ولَمْ يَجْعَلْها مِن بَعْضِ المُنافِقِينَ ولا اليَهُودِ، فَهي إذًا مُؤَسِّسَةٌ لِمَعْنًى جَدِيدٍ، ولَيْسَتْ مُؤَكِّدَةً لِما تَقَدَّمَ، والعَلَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.