Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — الصف 61:2 – الملك 67:30

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. الصف 61:2
  2. الصف 61:4
  3. الصف 61:5
  4. الصف 61:6
  5. الصف 61:8
  6. الصف 61:10
  7. الصف 61:14
  8. الجمعة 62:2
  9. الجمعة 62:3
  10. الجمعة 62:4
  11. الجمعة 62:5
  12. الجمعة 62:6
  13. الجمعة 62:7
  14. الجمعة 62:8
  15. الجمعة 62:9
  16. الجمعة 62:10
  17. الجمعة 62:11
  18. المنافقون 63:1
  19. المنافقون 63:2
  20. المنافقون 63:3
  21. المنافقون 63:4
  22. المنافقون 63:6
  23. المنافقون 63:7
  24. المنافقون 63:8
  25. المنافقون 63:9
  26. المنافقون 63:10
  27. المنافقون 63:11
  28. التغابن 64:1
  29. التغابن 64:2
  30. التغابن 64:3
  31. التغابن 64:6
  32. التغابن 64:7
  33. التغابن 64:8
  34. التغابن 64:9
  35. التغابن 64:11
  36. التغابن 64:14
  37. التغابن 64:16
  38. التغابن 64:17
  39. التغابن 64:18
  40. الطلاق 65:1
  41. الطلاق 65:2
  42. الطلاق 65:3
  43. الطلاق 65:4
  44. الطلاق 65:6
  45. الطلاق 65:8
  46. الطلاق 65:11
  47. الطلاق 65:12
  48. التحريم 66:1
  49. التحريم 66:4
  50. التحريم 66:5
  51. التحريم 66:7
  52. التحريم 66:8
  53. التحريم 66:9
  54. التحريم 66:10
  55. التحريم 66:11
  56. التحريم 66:12
  57. الملك 67:1
  58. الملك 67:2
  59. الملك 67:5
  60. الملك 67:7
  61. الملك 67:8
  62. الملك 67:9
  63. الملك 67:10
  64. الملك 67:11
  65. الملك 67:12
  66. الملك 67:13
  67. الملك 67:14
  68. الملك 67:15
  69. الملك 67:16
  70. الملك 67:19
  71. الملك 67:21
  72. الملك 67:30

الصف 61:2

(p-١٠٤)﷽‎ سُورَةُ الصَّفِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٤) . فِي الآيَةِ الأُولى إنْكارٌ عَلى الَّذِينَ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ بَيانُ شِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ ومَقْتِهِ عَلى مَن يَكُونُ كَذَلِكَ، ولَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا القَوْلَ المُغايِرَ لِلْفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ، والمُعاتَبِينَ عَلَيْهِ والمُسْتَوْجِبَ لِشِدَّةِ الغَضَبِ إلّا أنَّ مَجِيءَ الآيَةِ الثّالِثَةِ بَعْدَهُما يُشْعِرُ بِمَوْضُوعِ القَوْلِ والفِعْلِ، وهو الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مَعَ تَعَدُّدِهِ عِنْدَهم أنَّهُ حَوْلَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن رَغْبَةٍ في الإذْنِ لَهم في الجِهادِ ومَعْرِفَةِ أحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ في عِدَّةِ مَواضِعَ أنَّ مَوْضُوعَ الآيَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالجِهادِ وتَمَنِّيهِمْ إيّاهُ. مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] . وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧] . وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ (p-١٠٥)[الأحزاب: ١٥] . فَفِي الآيَةِ الأُولى: تَمَنَّوْا نُزُولَ سُورَةٍ يُؤْذَنُ فِيها بِالقِتالِ، فَلَمّا نَزَلَتْ صارَ مَرْضى القُلُوبِ كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ. وَفِي الثّانِيَةِ: قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم عَنِ القِتالِ، فَتَمَنَّوُا الإذْنَ لَهم فِيهِ، فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ رَجَعُوا وتَمَنَّوْا لَوْ أُخْرِجُوا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ. وَفِي الثّالِثَةِ: أعْطَوُا العُهُودَ عَلى الثَّباتِ وعَدَمِ التَّوَلِّي، وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا، فَلَمّا كانَ في أُحُدٍ وقَعَ ما وقَعَ وكَذَلِكَ في حُنَيْنٍ، ويَشْهَدُ لِهَذا أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ١٣ - ١٥] . فَفِي هَذا السِّياقِ بَيانٌ لِعِتابِهِمْ عَلى نَقْضِ العَهْدِ، وهو مَعْنى: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ سَواءٌ بِسَواءٍ، ويُقابِلُ هَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى امْتَدَحَ طائِفَةً أُخْرى مِنهم حِينَ أوْفَوْا بِالعَهْدِ، وصَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] . ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٢٤ - ٢٥]، وذَلِكَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ. فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ الفِعْلَ المُغايِرَ لِلْقَوْلِ هُنا هو عَدَمُ الوَفاءِ بِالعَهْدِ الَّذِي قَطَعُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن قَبْلُ فاسْتَوْجَبُوا العِتابَ عَلَيْهِ، كَما تَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ وفَّوْا بِالعَهْدِ اسْتَوْجَبُوا الثَّناءَ عَلى الوَفاءِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ مِن عُمُومِ لَفْظِها عَلى الإنْكارِ عَلى كُلِّ مَن خالَفَ قَوْلَهُ فِعْلُهُ، سَواءٌ في عَهْدٍ أوْ وعْدٍ أوْ أمْرٍ أوْ نَهْيٍ. فَفِي الأمْرِ والنَّهْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] . وَكَقَوْلِهِ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ شُعَيْبٍ لِقَوْمِهِ: ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] . (p-١٠٦)وَفِي العَهْدِ قَوْلُهُ: ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] . وَمِن هَذا الوَجْهِ، فَقَدْ بَحَثَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في عِدَّةِ مَواضِعَ، مِنها في سُورَةِ هُودٍ عِنْدَ قَوْلِ شُعَيْبٍ المَذْكُورِ. وَمِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]، في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ . وَبَحَثَ فِيها الوَفاءَ بِالوَعْدِ، والفَرْقَ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، والوَفاءِ بِالوَعْدِ والخُلْفِ في الوَعِيدِ، وعَقَدَ لَها مَسْألَةً، وساقَ آيَتِيِ ”الصَّفِّ“ هُناكَ.

الصف 61:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . اخْتَلَفَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ في المُرادِ بِالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، فَنَقَلَ بَعْضُهم عَنِ الفَرّاءِ: أنَّهُ المُتَلاحِمُ بِالرَّصاصِ لِشِدَّةِ قُوَّتِهِ، والجُمْهُورُ: أنَّهُ المُتَلاصِقُ المُتَراصُّ المُتَساوِي. والواقِعُ أنَّ المُرادَ بِالتَّشْبِيهِ هُنا هو وجْهُ الشَّبَهِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هُنا هو شَكْلُ البِناءِ لا في تَلاحُمِهِ بِالرَّصاصِ، وعَدَمِ انْفِكاكِهِ ولا تَساوِيهِ وتَراصِّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَتَنافى وطَبِيعَةَ الكَرِّ والفَرِّ في أرْضِ المَعْرَكَةِ، ولِكُلِّ وقْعَةٍ نِظامُها حَسَبَ مَوْقِعِها. والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ المُرادَ هُنا هو عُمُومُ القُوَّةِ والوَحْدَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ اسْتِواءَ بِنائِهِمْ في الثَّباتِ حَتّى يَكُونُوا في اجْتِماعِ الكَلِمَةِ كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ. ا هـ. وَيَدُلُّ لِهَذا الآتِي: أوَّلًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] . فالمَقاعِدُ هُنا هي المَواقِعُ لِلْجَماعاتِ مِنَ الجَيْشِ، وهي التَّعْبِئَةُ حَسَبَ ظُرُوفِ المَوْقِعَةِ، كَما فَعَلَ ﷺ في وضْعِ الرُّماةِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ حِمايَةً لِظُهُورِهِمْ مِنَ التِفافِ العَدُوِّ بِهِمْ (p-١٠٧)لِطَبِيعَةِ المَكانِ، وكَما فَعَلَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ ورَصَّهم، وسَوّاهم بِقَضِيبٍ في يَدِهِ أيْضًا لِطَبِيعَةِ المَكانِ. وَهَكَذا، فَلابُدَّ في كُلِّ وقْعَةٍ مِن مُراعاةِ مَوْقِعِها، بَلْ وظُرُوفِ السِّلاحِ والمُقاتِلَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ صاحِبُ الجُمّانِ في تَشْبِيهاتِ القُرْآنِ أجْزاءَ الجَيْشِ وتَقْسِيماتِهِ بِصِفَةٍ عامَّةٍ مِن قَلْبٍ ومَيْمَنَةٍ ومَيْسَرَةٍ وأجْنِحَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَيَكُونُ وجْهُ الشَّبَهِ هو الِارْتِباطَ المَعْنَوِيَّ والشُّعُورَ بِالمَسْئُولِيَّةِ، والإحْساسَ بِالواجِبِ كَما فَعَلَ الحَبّابُ بْنُ المُنْذِرِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ حِينَ نَظَرَ إلى مَنزِلِ المُسْلِمِينَ مِنَ المَوْقِعِ فَلَمْ يَرُقْهُ، وسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأجابَهُ فَأبْدى خُطَّةً جَدِيدَةً فَأخَذَ بِها ﷺ وغَيَّرَ المَوْقِعَ مِن مَكانِ المَعْرَكَةِ. وَثانِيًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦] . فَذَكَرَ تَعالى مِن عَوامِلِ النَّصْرِ: الثَّباتَ عِنْدَ اللِّقاءِ، وذِكْرَ اللَّهِ والطّاعَةَ، والِامْتِثالَ، والحِفاظَ عَلَيْها بِعَدَمِ التَّنازُعِ والصَّبْرَ عِنْدَ الحَمْلَةِ والمُجالَدَةَ، فَتَكُونُ حَمْلَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، وكُلُّها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى البُنْيانِ المَرْصُوصِ في قُوَّتِهِ وحِمايَتِهِ وثَباتِهِ، وقَدْ عابَ تَعالى عَلى اليَهُودِ تَشَتُّتَ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ القِتالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ [الحشر: ١٤]، وامْتَدَحَ المُؤْمِنِينَ في قِتالِهِمْ بِوَحْدَتِهِمْ كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ. وَقَدْ جاءَتِ السُّنَةُ بِهَذا التَّشْبِيهِ لِلتَّعاوُنِ في قَوْلِهِ ﷺ: «المُسْلِمُ لِلْمُسْلِمِ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» . فَهُوَ يُبَيِّنُ المُرادَ مِن وجْهِ الشَّبَهِ في البُنْيانِ المَرْصُوصِ هُنا، وقَدْ أُثِرَ عَنْ أبِي مُوسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْلُهُ لِأصْحابِهِ: الزَمُوا الطّاعَةَ؛ فَإنَّها حِصْنُ المُحارِبِ. وَعَنْ أكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ: أقِلُّوا الخِلافَ عَلى أُمَرائِكم، وإنَّ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ لَأحْوَجُ ما يَكُونُونَ إلى الِالتِزامِ بِهَذا التَّوْجِيهِ القُرْآنِيِّ الكَرِيمِ، إزاءَ قَضِيَّتِهِمِ العامَّةِ مَعَ عَدُوِّهِمِ المُشْتَرِكِ، ولا سِيَّما، وقَدْ مَرَّ العالَمُ الإسْلامِيُّ بِعِدَّةِ تَجارِبَ في تارِيخِهِمُ الطَّوِيلِ وكانَ لَهم مِنها أوْضَحُ العِبَرِ، ولَهم في هَذا المَنهَجِ القُرْآنِيِّ أكْبَرُ مُوجِبٍ لِاسْتِرْجاعِ حُقُوقِهِمْ والحِفاظِ عَلى كِيانِهِمْ، فَضْلًا عَنْ أنَّهُ العَمَلُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ مِن عِبادِهِ، وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.

الصف 61:5

(p-١٠٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ . قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لِمَ تُؤْذُونَنِي ؟ لَمْ يُبَيِّنْ نَوْعَ هَذا الإيذاءِ وقَدْ جاءَ مِثْلُ هَذا الإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] . وَأحالَ عَلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، وساقَ حَدِيثَ البُخارِيِّ أنَّهُ ﷺ قالَ: «إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يَرى مِن جِلْدِهِ شَيْئًا اسْتِحْياءً مِنهُ فَآذاهُ مَن آذاهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالُوا: ما يَتَسَتَّرُ هَذا التَّسَتُّرَ إلّا مِن عَيْبٍ في جِلْدِهِ، إمّا بَرَصٌ وإمّا أُدْرَةٌ وإمّا آفَةٌ، وأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يُبَرِّئَهُ مِمّا قالُوا فَخَلا يَوْمًا وحْدَهُ فَخَلَعَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ، ثُمَّ اغْتَسَلَ فَلَمّا فَرَغَ أقْبَلَ عَلى ثِيابِهِ؛ لِيَأْخُذَها، وأنَّ الحَجَرَ عَدا بِثَوْبِهِ، فَأخَذَ مُوسى عَصاهُ وطَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثُوبِي حَجَرُ حَتّى انْتَهى إلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وبَرَّأهُ مِمّا يَقُولُونَ» . . . . إلى آخِرِ القِصَّةِ. وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عِنْدَها، وعَلى هَذا يَكُونُ إيذاؤُهم إيّاهُ إيذاءً شَخْصِيًّا بِادِّعاءِ العَيْبِ فِيهِ خِلْقَةً، وهَذا وإنْ صَحَّ في آيَةِ الأحْزابِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، فَإنَّهُ لا يَصِحُّ في آيَةِ ”الصَّفِّ“ هَذِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] مِمّا يُثِيرُ إلى أنَّ الإيذاءَ في جانِبِ الرِّسالَةِ لا في جانِبِهِ الشَّخْصِيِّ، ويُرَشِّحُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ مُباشَرَةً: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] . أيْ: فَلَمّا زاغُوا بِما آذَوْا بِهِ مُوسى، فَيَكُونُ إيذاءَ قَوْمِهِ لَهُ هُنا إيذاءَ زَيْغٍ وضَلالٍ، وقَدْ آذَوْهُ كَثِيرًا في ذَلِكَ كَما بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] . فَها هم يُؤْخَذُ المِيثاقُ عَلَيْهِمْ ويُرْفَعُ فَوْقَهُمُ الطُّورُ، ويُقالُ لَهم: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا﴾ (p-١٠٩)فَكُلُّهُ يُساوِي قَوْلَهُ: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾، لِأنَّ قَدْ هُنا لِلتَّحْقِيقِ، ومَعَ ذَلِكَ يُؤْذُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾، ويُؤْذُونَهُ بِأنْ أُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمْ حُبَّ العِجْلِ وعِبادَتَهُ بِكُفْرِهِمْ، ولِذا قالَ لَهم: ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وَقَدْ جُمِعَ إيذاءُ الكُفّارِ لِرَسُولِ اللَّهِ مَعَ إيذاءِ قَوْمِ مُوسى لِمُوسى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٣] . وَمِن مَجْمُوعِ هَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ الإيذاءَ المَنصُوصَ عَلَيْهِ هُنا هو في خُصُوصِ الرِّسالَةِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهم آذَوْهُ بِأنْواعٍ مِنَ الإيذاءِ في شَخْصِهِ، وفي ما جاءَ بِهِ ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ في آيَةِ ”الأحْزابِ“ وعاقَبَهم عَلى إيذائِهِ فِيما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ بِزَيْغِ قُلُوبِهِمْ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، تَقَدَّمَ كَلامُ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عَلى هَذا المَعْنى في سُورَةِ ”الرُّومِ“، عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الروم: ١٠] . وَقالَ: إنَّ الكُفْرَ والتَّكْذِيبَ قَدْ يُؤَدِّي شُؤْمُهُ إلى شَقاءِ صاحِبِهِ، وساقَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] . وَأحالَ عَلى سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] . وَعَلى سُورَةِ ”الأعْرافِ“ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] . وَمِمّا يَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى العامِّ بِقِياسِ العَكْسِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وأمْثالُها. وَمِمّا يَلْفِتُ النَّظَرَ هُنا إسْنادُ الزَّيْغِ لِلْقُلُوبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ . (p-١١٠)وَأنَّ الهِدايَةَ أيْضًا لِلْقَلْبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] . وَلِذا حَرَصَ المُؤْمِنُونَ عَلى هَذا الدُّعاءِ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] فَتَضَّمَنَ المَعْنَيَيْنِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤١٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الصَّفِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الخارِجَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ. وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٨] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤] . والجَوابُ أنَّ الآيَةَ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، فَهي في خُصُوصِ الأشْقِياءِ الَّذِينَ أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الهُدى لِشَقاوَتِهِمُ الأزَلِيَّةِ. وَقِيلَ: المَعْنى لا يَهْدِيهِمْ ما دامُوا عَلى فِسْقِهِمْ، فَإنْ تابُوا مِنهُ هَداهم.

الصف 61:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ . ذَكَرَ مُوسى ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ البُشْرى بِالنَّبِيِّ ﷺ وذَكَرَ عِيسى فَذَكَرَها مَعَهُ، مِمّا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أنَّهُ لَمْ يُبَشِّرْ بِهِ إلّا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَكِنْ لَفْظُ عِيسى مَفْهُومُ لَقَبٍ ولا عَمَلَ عَلَيْهِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ، وقَدْ بَشَّرَتْ بِهِ ﷺ جَمِيعُ الأنْبِياءِ، ومِنهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِمّا يُشِيرُ إلى أنَّ مُوسى مُبَشِّرًا بِهِ قَوْلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هي التَّوْراةُ أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى. وَقَدْ جاءَ صَرِيحًا التَّعْرِيفُ بِهِ ﷺ وبِالَّذِينَ مَعَهُ في التَّوْراةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ [الفتح: ٢٩] . كَما جاءَ وصْفُهم في الإنْجِيلِ في نَفْسِ السِّياقِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخِرِ السُّورَةِ. وَجاءَ النَّصُّ في حَقِّ جَمِيعِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا أخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيَتْبَعَنَّهُ، وأخَذَ عَلَيْهِ أنْ يَأْخُذَ عَلى أُمَّتِهِ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وهم أحْياءٌ لَيَتْبَعُنَّهُ ويَنْصُرُنَّهُ. ا هـ. وَجاءَ مِصْداقُ ذَلِكَ في قِصَّةِ النَّجاشِيِّ لَمّا سَمِعَ مِن جَعْفَرَ عَنْهُ ﷺ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّهُ رَسُولَ اللَّهِ وأنَّهُ الَّذِي نَجِدُ في الإنْجِيلِ، وأنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، وما قالَهُ أيْضًا: (p-١١١)واللَّهِ لَوْلا ما أنا فِيهِ مِنَ المُلْكِ لَأتَيْتُهُ حَتّى أكُونَ أنا أحْمِلُ نَعْلَيْهِ وأُوَضِّئُهُ، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ ساقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعَزاهُ إلى أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَكَذَلِكَ دَعْوَةُ نَبِيِّ اللَّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] . وَلِذا قالَ ﷺ: «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ» . وَقَدْ خُصَّ عِيسى بِالنَّصِّ عَلى البُشْرى بِهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ آخِرُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَهو ناقِلٌ تِلْكَ البُشْرى لِقَوْمِهِ عَمّا قَبْلَهُ. كَما قالَ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾، ومَن قَبْلَهُ ناقِلٌ عَمَّنْ قَبْلَهُ، وهَكَذا حَتّى صَرَّحَ بِها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأدّاها إلى قَوْمِهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْمُهُ أحْمَدُ﴾، جاءَ النَّصُّ أنَّهُ ﷺ لَهُ عِدَّةُ أسْماءٍ، وفي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﷺ: «”أنا لِي أسْماءٌ أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا الماحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الكُفْرَ، وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِي وأنا العاقِبُ»“ . وَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ فَقَدْ ذُكِرَ ﷺ بِاسْمِهِ أحْمَدَ هُنا، وبِاسْمِهِ مُحَمَّدٍ في سُورَةِ ”مُحَمَّدٍ“ ﷺ . كَما ذُكِرَ ﷺ بِصِفاتٍ عَدِيدَةٍ أجْمَعِها ما يُعَدُّ تَرْجَمَةً ذاتِيَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . وَسَيَأْتِي المَزِيدُ مِن بَيانِ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

الصف 61:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] في سُورَةِ ”الشُّورى“ وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨] في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ .

الصف 61:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ . (p-١١٢)فُسِّرَتِ التِّجارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] . التِّجارَةُ: هي التَّصَرُّفُ في رَأْسِ المالِ طَلَبًا لِلرِّبْحِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ تَعالى: ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ [التوبة: ٢٤] . والتِّجارَةُ هُنا فُسِّرَتْ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وبِذْلِ المالِ والنَّفْسِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَما هي المُعارَضَةُ المَوْجُودَةُ في تِلْكَ التِّجارَةِ الهامَّةِ، بَيَّنَها تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]، فَهُنا مُبايَعَةٌ، وهُنا بُشْرى وهُنا فَوْزٌ عَظِيمٌ. وَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٢ - ١٣] . وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّهُ مَن فاتَتْهُ هَذِهِ الصَّفْقَةُ الرّابِحَةُ فَهو لا مَحالَةَ خاسِرٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] . حَقِيقَةُ هَذِهِ التِّجارَةِ أنَّ رَأْسَ مالِ الإنْسانِ حَياتُهُ ومُنْتَهاهُ مَماتُهُ. وَقَدْ قالَ ﷺ: «كُلُّ النّاسِ يَغْدُو فَبائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها أوْ مُوبِقُها» والعَرَبُ تَعْرِفُ هَذا البَيْعَ في المُبادَلَةِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أجْهَلُ فِيكُمُ فَإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ وَقَوْلِ الآخَرِ: ؎بَدَّلْتُ بِالجُمَّةِ رَأْسًا أزْعَرا ؎وَبِالثَّنايا الواضِحاتِ الدَّرْدَرا كَما ∗∗∗ اشْبَرى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرا فَأطْلَقَ الشِّراءَ عَلى الِاسْتِبْدالِ. تَنْبِيهٌ (p-١١٣)فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَقْدِيمُ الجِهادِ بِالمالِ عَلى الجِهادِ بِالنَّفْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ . وَفِي آيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، قَدَّمَ النَّفْسَ عَنِ المالِ فَقالَ: ﴿اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾، وفي ذَلِكَ سِرٌّ لَطِيفٌ. أمّا في آيَةِ ”الصَّفِّ“ فَإنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْسِيرٍ وبَيانٍ لِمَعْنى التِّجارَةِ الرّابِحَةِ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وَحَقِيقَةُ الجِهادِ بَذْلُ الجُهْدِ والطّاقَةِ، والمالُ هو عَصَبُ الحَرْبِ وهو مَدَدُ الجَيْشِ، وهو أهَمُّ مِنَ الجِهادِ بِالسِّلاحِ، فَبِالمالِ يُشْتَرى السِّلاحُ، وقَدْ تُسْتَأْجُرُ الرِّجالُ كَما في الجُيُوشِ الحَدِيثَةِ مِنَ الفِرَقِ الأجْنَبِيَّةِ، وبِالمالِ يُجَهَّزُ الجَيْشُ، ولِذا لَمّا جاءَ الإذْنُ بِالجِهادِ أعْذَرَ اللَّهُ المَرْضى والضُّعَفاءَ، وأعْذَرَ مَعَهُمُ الفُقَراءَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ تَجْهِيزَ أنْفُسِهِمْ، وأعْذَرَ مَعَهُمُ الرَّسُولَ ﷺ إذْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ ما يُجَهِّزُهم بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢] . وَكَذَلِكَ مِن جانِبٍ آخَرَ، قَدْ يُجاهِدُ بِالمالِ مَن لا يَسْتَطِيعُ بِالسِّلاحِ كالنِّساءِ والضُّعَفاءِ، كَما قالَ ﷺ: «مَن جَهَّزَ غازِيًا فَقَدْ غَزا» . أمّا الآيَةُ الثّانِيَةُ فَهي في مَعْرِضِ الِاسْتِبْدالِ والعَرْضِ والطَّلَبِ أوْ ما يُسَمّى بِالمُساوَمَةِ، فَقَدَّمَ النَّفْسَ؛ لِأنَّها أعَزُّ ما يَمْلِكُ الحَيُّ، وجَعَلَ في مُقابِلِها الجَنَّةَ وهي أعَزُّ ما يُوهَبُ، وأحْسَنُ ما قِيلَ في ذَلِكَ: أُثامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّها ولَيْسَ لَها في الخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنُ بِها تُمْلَكُ الأُخْرى فَإنْ أنا بِعْتُها بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا فَذاكَ هو الغَبَنُ لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنِيا أُصِيبُها لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسِي وقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنُ فالتِّجارَةُ هُنا مُعامَلَةٌ مَعَ اللَّهِ إيمانًا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وجِهادًا بِالمالِ والنَّفْسِ، والعَمَلِ في ذَلِكَ: أُثامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّها ولَيْسَ لَها في الخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنُ (p-١١٤)الصّالِحِ، كَما قِيلَ أيْضًا: ؎فاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ المَوْتِ مُجْتَهِدًا ∗∗∗ فَإنَّما الرِّبْحُ والخُسْرانُ في العَمَلِ وَفِي آيَةِ: إنَّ اللَّهَ اشْتَرى تَقْدِيمُ بُشْرى خَفِيَّةٍ لَطِيفَةٍ بِالنَّصْرِ لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ وهي تَقْدِيمُ قَوْلِهِ: فَيَقْتُلُونَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ فَيَقْتُلُونَ عَدُوَّهم، ويُقْتَلُونَ [التوبة: ١١١] بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، لِأنَّ التَّقْدِيمَ هُنا يُشْعِرُ بِأنَّهم يَقْتُلُونَ العَدُوَّ قَبْلَ أنْ يَقْتُلَهم ويُصِيبُونَ مِنهُ قَبْلَ أنْ يُصِيبَ مِنهم، ومِثْلُ هَذا يَكُونُ في مَوْقِفِ القُوَّةِ والنَّصْرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الصف 61:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ﴾ الآيَةَ فِي هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا إشْعارُ المُسْلِمِينَ بِالنَّصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، ولَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فِيها هَلْ كانُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما كانَ الحَوارِيُّونَ أنْصارَ اللَّهِ أمْ لا ؟ وَقَدْ جاءَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم بِالفِعْلِ أنْصارُ اللَّهِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحَشْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] . وَكَذَلِكَ الأنْصارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ [الفتح: ٢٩] فَأشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ هو مَعْنى يَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ جاءَ المَثَلُ المَضْرُوبُ لَهم بِالتَّآزُرِ والتَّعاوُنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] فَسَمّاهم أنْصارًا، وبَيَّنَ نُصْرَتَهم سَواءٌ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الجمعة 62:2

(p-١١٥)﷽‎ سُورَةُ الجُمُعَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ﴾ . بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى الأُمِّيِّينَ في مُذَكِّرَةِ الدِّراسَةِ بِقَوْلِهِ: الأُمِّيِّينَ أيْ: العَرَبِ، والأُمِّيُّ: هو الَّذِي لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، وكَذَلِكَ كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ. ا هـ. وَسُمِّي أُمِّيًّا نِسْبَةً إلى أُمِّهِ يَوْمَ ولَدَتْهُ لَمْ يَعْرِفِ القِراءَةَ، ولا الكِتابَةَ وبَقِيَ عَلى ذَلِكَ. وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأُمِّيِّينَ هُمُ العَرَبُ بَعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَجابَ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِمُ ا هـ. وَفِي الحَدِيثِ: «”إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَقْرَأُ ولا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»“، وهَذا حُكْمٌ عَلى المَجْمُوعِ لا عَلى الجَمِيعِ؛ لِأنَّ في العَرَبِ مَن كانَ يَكْتُبُ مِثْلَ كَتَبَةِ الوَحْيِ، عُمَرَ وعَلِيًّا وغَيْرِهِمْ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ هو النَّبِيُّ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى عَنْ أهْلِ الكِتابِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المَكْتُوبَ عِنْدَهم هو ما بَشَّرَ بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . وَكَوْنُهُ ﷺ أُمِّيًّا بِمَعْنى لا يَكْتُبُ، بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (p-١١٦)[الحجرات: ٤٨] . وَبَيَّنَ تَعالى الحِكْمَةَ في كَوْنِهِ ﷺ أُمِّيًّا مَعَ أنَّهُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ كَما كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ ما جاءَ بِهِ ﷺ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ [الفرقان: ٥] فَقالَ: إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨] .

الجمعة 62:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في المُذَكِّرَةِ المُشارِ إلَيْها: هَذا عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: في الأُمِّيِّينَ، أيْ: بَعْثِ هَذا النَّبِيِّ ﷺ في الأُمِّيِّينَ، وفي آخَرِينَ مِنهم، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: يُعَلِّمُهم، أيْ يُعَلِّمُهم ويُعَلِّمُ آخَرِينَ مِنهم، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: وآخَرِينَ كُلُّ مَن يَأْتِي بَعْدَ الصَّحابَةِ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] . وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: وآخَرِينَ، «نَزَلَتْ في فارِسَ قَوْمِ سَلْمانَ،» وعَلى كُلِّ حالٍ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. ا هـ. وَسَبَقَ أنَّ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى هَذا المَعْنى عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [الحشر: ١٠] . وَلَكِنْ سَبَقَنا كَلامُ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - حِينَ عَثَرْنا عَلَيْهِ لِزِيادَةِ الفائِدَةِ والِاسْتِئْناسِ.

الجمعة 62:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ . اخْتُلِفَ في مَرْجِعِ اسْمِ الإشارَةِ هُنا وفي المُرادِ بِالمُتَفَضِّلِ بِهِ عَلَيْهِمْ، أهُمُ الأُمَّةُ الأُمِّيَّةُ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْها بِبَعْثَةِ نَبِيٍّ مِنهم فِيهِمْ ؟ أمْ هو النَّبِيُّ ﷺ الأُمِّيُّ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِبَعْثَتِهِ مُعَلِّمًا هادِيًا ؟ أمْ هُمُ الآخَرُونَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا زَمَنَ البِعْثَةِ ووَصَلَتْهم دَعْوَتُها، وأدْرَكُوا فَضْلَها ؟ وَقَدِ اكْتَفى الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وعَلَيْنا - في مُذَكِّرَةِ الدِّراسَةِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أيْ: المَذْكُورُ مِن بَعْثِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ في الأُمِّيِّينَ، ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾، ومِن عِظَمِ فَضْلِهِ تَفَضُّلُهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ. ا هـ. (p-١١٧)وَهَذا القَوْلُ مِنهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -، يَتَضَمَّنُ القَوْلَيْنِ الأوَّلَ والثّانِي مِنَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ، تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلى الأُمِّيِّينَ بِبِعْثَةِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ فِيها، وتَفَضُّلُ اللَّهِ عَلى النَّبِيِّ بِبَعْثَتِهِ فِيهِمْ مِمّا لا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ، وأنَّها مِنَ الِاخْتِلافِ التَّنَوُّعِيِّ أوْ هي مِنَ المُتَلازِماتِ فَلا مانِعَ مِن إدارَةِ الجَمِيعِ؛ لِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ تَعالى قَدْ شَمِلَ الجَمِيعَ. وَقَدْ نَصَّ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وهَذا عَيْنُ ما في سُورَةِ ”الجُمُعَةِ“ سَواءٌ، لِأنَّ الِامْتِنانَ هو التَّفَضُّلُ. وَنَصَّ عَلى الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] . وَنَصَّ عَلى الثّالِثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] . فَقَوْلُهُ: فَسَوْفَ يَأْتِي، ويُساوِي: ﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]، فَهو خِلافُ تَنَوُّعٍ، وفَضْلُ اللَّهِ شامِلٌ لِلْجَمِيعِ.

الجمعة 62:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْيَهُودِ، وهو أنَّهُ شَبَّهَهم بِحِمارٍ، وشَبَّهَ التَّوْراةَ الَّتِي كُلِّفُوا العَمَلَ بِما فِيها بِأسْفارٍ أيْ: كُتُبٍ جامِعَةٍ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ، وشَبَّهَ تَكْلِيفَهم بِالتَّوْراةِ بِحَمْلِ ذَلِكَ الحِمارِ لِتِلْكَ الأسْفارِ، فَكَما أنَّ الحِمارَ لا يَنْتَفِعُ بِتِلْكَ العُلُومِ النّافِعَةِ الَّتِي في تِلْكَ الكُتُبِ المَحْمُولَةِ عَلى ظَهْرِهِ، فَكَذَلِكَ اليَهُودُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما في التَّوْراةِ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ؛ لِأنَّهم كُلِّفُوا بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإظْهارِ صِفاتِهِ لِلنّاسِ فَخانُوا، وحَرَّفُوا وبَدَّلُوا فَلَمْ يَنْفَعْهم ما في كِتابِهِمْ مِنَ العُلُومِ ا هـ. فَأشارَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - إلى أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِما تَحَمَّلُوهُ مِنَ التَّوْراةِ وهم يَعْلَمُونَ ما فِيها مِن رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَدْ أوْضَحَ اللَّهُ تَعالى (p-١١٨)هَذا في مَوْضِعٍ آخَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] فَقَدْ جَحَدُوا رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم فَلَمْ يَنْفَعْهم عِلْمُهم بِهِ. وَهَذِهِ الآيَةُ أشَدُّ ما يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنها، وخاصَّةً لِطُلّابِ العِلْمِ وحَمَلَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ [الجمعة: ٥] أيْ: تَشْبِيهُهم في هَذا المَثَلِ بِهَذا الحَيَوانِ المَعْرُوفِ. وَقَدْ سَبَقَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلى هَذا المِثالِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ الأضْواءِ، مِنها في الجُزْءِ الثّانِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٧٦] . وَمِنها في الجُزْءِ الثّالِثِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٨] . وَمِنها في الجُزْءِ الرّابِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ﴾ [الكهف: ٥٤] في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ بِما فِيهِ الكِفايَةُ. والَّذِي يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ هو أنْ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ يَجْعَلُهُ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ المُفْرِدِ، وأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ فِيهِ مُفْرَدٌ وهو عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِالمَحْمُولِ، كالبَيْتِ الَّذِي فِيهِ: ؎كالعِيسِ في البَيْداءِ يَقْتُلُها الظَّما والماءُ فَوْقَ ظُهُورِها مَحْمُولُ والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ؛ لِأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ مُرَكَّبٌ مِن مَجْمُوعِ كَوْنِ المَحْمُولِ كُتُبًا نافِعَةً، والحامِلِ حِمارًا لا عَلاقَةَ لَهُ بِها بِخِلافِ ما في البَيْتِ، لِأنَّ العِيسَ يُمْكِنُ أنْ تَنْتَفِعَ بِالماءِ لَوْ حَصَلَتْ عَلَيْهِ، والحِمارُ لا يَنْتَفِعُ بِالأسْفارِ ولَوْ نُشِرَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِن مُوجِباتِ نَقْلِ النُّبُوَّةِ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّيَّةً أنَّهم وصَلُوا إلى حَدِّ الإلْباسِ مِنِ انْتِفاعِهِمْ بِأمانَةِ التَّبْلِيغِ والعَمَلِ، فَنَقَلَها اللَّهُ إلى قَوْمٍ أحَقَّ بِها وبِالقِيامِ بِها. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): سُورَةُ الجُمُعَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . فِيهِ الإشْكالُ، والجَوابُ مِثْلُ ما ذَكَرْنا آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] .

الجمعة 62:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ والَّذِينَ هادُوا هُمُ اليَهُودُ. (p-١١٩)وَمَعْنى هادُوا أيْ: رَجَعُوا بِالتَّوْبَةِ إلى اللَّهِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ. وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وكانَ رُجُوعُهم عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ: حَيْثُ سَلَّمُوا أنْفُسَهم لِلْقَتْلِ تَوْبَةً وإنابَةً إلى اللَّهِ كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في: إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زَعْمِكم أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ، وأبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ دُونَ غَيْرِكم مِنَ النّاسِ، فَتَمَنَّوُا المَوْتَ: لِأنَّ ولِيَّ اللَّهِ حَقًّا يَتَمَنّى لِقاءَهُ، والإسْراعَ إلى ما أعَدَّ لَهُ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ. ا هـ. وَفِي قَوْلِهِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - إشارَةٌ إلى بَيانِ زَعْمِهِمِ المُجْمَلِ في الآيَةِ وهو ما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ عَنْهم وعَنِ النَّصارى مَعَهم: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] . وَقَدْ رَدَّ زَعْمَهم عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ . وَمِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ إنْ زَعَمْتُمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] . وَقالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: وقِيلَ المُرادُ بِالتَّمَنِّي المُباهَلَةُ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ إظْهارُ كَذِبِ اليَهُودِ في دَعْواهم أنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ زَعَمْتُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: إنْ كُنْتُمْ شَرْطانِ يَتَرَتَّبُ الأخْذُ مِنهُما عَلى الأوَّلِ أيْ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ، إنْ زَعَمْتُمْ، إنْ صَدَقْتُمْ في زَعْمِكم، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنا إنْ تَذْعَرُوا تَجِدُوا مِنّا مَعاقِلَ عِزٍّ زانَها كَرَمُ

الجمعة 62:7

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ . (p-١٢٠)نَصَّ عَلى أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ أبَدًا، وأنَّ السَّبَبَ هو ما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ، ولَكِنْ لِيُبَيِّنَ ما هو ما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمُ الَّذِي مَنَعَهم مِن تَمَنِّي المَوْتِ. وَقالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: لا يَتَمَنَّوْنَهُ لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلى الحَياةِ كَما بَيَّنَهُ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] فَشِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى الحَياةِ؛ لِعِلْمِهِمْ أنَّهم إذا ماتُوا دَخَلُوا النّارَ، ولَوْ تَمَنَّوْا لَماتُوا مِن حِينِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ والمُسَبِّبٌ انْتِفاءُ تَمَنِّيهِمْ وما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ، والمَعاصِي. ا هـ. والَّذِي أشارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مِنَ الأسْبابِ مِن كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، قَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨١] . فالباءُ هُنا سَبَبِيَّةٌ أيْضًا أيْ: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْ أيْدِيكم مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ، ولِهَذا كُلِّهِ لَنْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ ويُوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ، فَقَدْ أيْقَنُوا الهَلاكَ ويَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣]، ولِهَذا كُلِّهِ لَمْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الجمعة 62:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ . أيْ: إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ بِعَدَمِ تَمَنِّيهِ فَلَنْ يَجْعَلَكم تَنْجُونَ مِنهُ وهو مُلاقِيكم لا مَحالَةَ، ومُلاقِيكم بِمَعْنى مُدْرِكُكم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .

الجمعة 62:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ . (p-١٢١)هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وهَذا السِّياقُ يُشْبِهُ في مَدْلُولِهِ وصُورَتِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] . فَفِي كُلٍّ مِنهُما نِداءٌ، وأذانُ الحَجِّ صَلاةٌ وسَعْيٌ وإتْيانٌ وذِكْرٌ لِلَّهِ، ثُمَّ انْتِشارٌ وإفاضَةٌ مِمّا يَرْبُطُ الجُمُعَةَ بِالحَجِّ في الشَّكْلِ وإنِ اخْتَلَفَ الحَجْمُ، وفي الكَيْفِ وإنْ تَفاوَتَتِ التَّفاصِيلُ، وفي المَباحِثِ والأحْكامِ كَثْرَةٌ وتَنْوِيعٌ مِن مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ ومُخْتَلَفٍ فِيهِ، مِمّا يَجْعَلُ مَباحِثَ الجُمُعَةِ لا تَقِلُّ أهَمِّيَّةً عَنْ مَباحِثِ الحَجِّ، وتَتَطَلَّبُ عِنايَةً بِها كالعِنايَةِ بِهِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - أنَّهُ كانَ عازِمًا عَلى بَسْطِ الكَلامِ فِيها كَعادَتِهِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - ولَكِنَّ إرادَتَهُ نافِذَةٌ، وقُدْرَتَهُ غالِيَةٌ. وإنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَسْتَشْعِرُ مَدى مَباحِثِ الشَّيْخِ وبَسْطِهِ وتَحْقِيقِهِ لِلْمَسائِلِ لِيُحْجِمَ ويَتْرُكَ الدُّخُولَ فِيها تَقاصُرًا دُونَها ولا سِيَّما وأنَّ رَبْطَ هَذِهِ المَباحِثِ بِنُصُوصِ القُرْآنِ لَيْسَ بِالأمْرِ المُبَيَّنِ، كَما أشارَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ في مَضْمُونِ قَوْلِهِ في نِهايَةِ تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ إيجازِ الكَلامِ عَنْ أحْكامِها، قالَ ما نَصُّهُ: وقَدْ مَلَأ المُفَسِّرُونَ كَثِيرًا مِن أوْراقِهِمْ بِأحْكامٍ وخِلافٍ في مَسائِلِ الجُمُعَةِ مِمّا لا تَعَلُّقَ لَها بِلَفْظِ القُرْآنِ. ا هـ. فَهُوَ يُشِيرُ بِأنَّ لَفْظَ القُرْآنِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِتِلْكَ الأحْكامِ الَّتِي ناقَشَها المُفَسِّرُونَ في مَباحِثِ الجُمُعَةِ، ولَكِنَّ الدّارِسَ لِمَنهَجِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في الأضْواءِ، والمُتَذَوِّقَ لِأُسْلُوبِهِ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى اللَّفْظِ فَقَطْ، أيْ: دَلالَةِ النَّصِّ التَّطابُقِيِّ وتَأمُّلِ أنْواعِ الدَّلالاتِ مِن تَضَمُّنٍ والتِزامٍ وإيماءٍ وتَنْبِيهٍ، فَإنَّهُ يَجِدُ لِأكْثَرَ أوْ كُلِّ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ، والمُحَدِّثُونَ، والفُقَهاءُ مِنَ المَباحِثِ أُصُولًا مِن أُصُولِ تِلْكَ الدَّلالاتِ. وَإنِّي أسْتَلْهِمُ اللَّهَ تَعالى الرُّشْدَ وأسْتَمِدُّ، العَوْنَ والتَّوْفِيقَ لِبَيانِ كُلِّ ما يَظْهَرُ مِن ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَإنْ وُفِّقْتُ فَبِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ وخِدْمَةٍ لِكِتابِهِ، وإلّا فَإنَّها مُحاوَلَةٌ تُغْتَفَرُ بِجانِبِ القُصُورِ العِلْمِيِّ وتَحْسِينُ القَصْدِ، واللَّهُ الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ . (p-١٢٢)قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الدِّراسَةِ ما نَصُّهُ: إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أيْ: قامَ المُنادِي بِها، وهو المُؤَذِّنُ يَقُولُ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ أيْ: مِن صَلاةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ أيْ: صَلاةِ الجُمُعَةِ ا هـ. وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِها صَلاةُ الجُمُعَةِ نَفْسُها دُونَ بَقِيَّةِ صَلَواتِ ذَلِكَ اليَوْمِ مَجِيءُ ”مِنَ“ الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ ثُمَّ تَبَيَّنَ هَذا البَعْضُ بِالأمْرِ، بِتَرْكِ البَيْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾، لِأنَّ هَذا خاصٌّ بِالجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِها لِوُجُودِ الخُطْبَةِ، وقَدْ كانَتْ مُعَيَّنَةً لَهم قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وصَلَّوْها قَبْلَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ إلى المَدِينَةِ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. والمُرادُ بِالنِّداءِ هو الأذانُ، كَما أشارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] . وَمِنَ السُّنَةِ قَوْلُهُ ﷺ: «إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكم أحَدُكم» . وَقِيلَ: النِّداءُ لُغَةً هو النِّداءُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ لِحَدِيثِ: «فَإنَّهُ أنْدى مِنكَ صَوْتًا» . وَقَدْ عَرَّفَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الأذانَ لُغَةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ [الحج: ٢٧]، فَقالَ: الأذانُ لُغَةً: الإعْلامُ. وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، وقَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: ؎آَذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنهُ الثَّواءُ والأذانُ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ، شِعارًا لِلْمُسْلِمِينَ ونِداءً لِلصَّلاةِ. * * بَدْءُ مَشْرُوعِيَّتِهِ: اخْتُلِفَ في بَدْءِ المَشْرُوعِيَّةِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ بُدِئَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وجاءَتْ نُصُوصٌ لَكِنَّها ضَعِيفَةٌ: أنَّهُ شُرِعَ لَيْلَةَ الإسْراءِ أوْ بِمَكَّةَ. مِنها عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ البَزّارِ: أنَّهُ شُرِعَ مَعَ الصَّلاةِ. (p-١٢٣)وَمِنها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ ابْنِ حِبّانَ أنَّهُ شُرِعَ بِمَكَّةَ عَنْ أوَّلِ الصَّلاةِ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ: لا يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. أمّا مَشْرُوعِيَّتُهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وفي المَدِينَةِ فَفِيها نُصُوصٌ عَدِيدَةٌ صَحِيحَةٌ تُبَيِّنُ بَدْأهُ وكَيْفِيَّتَهُ. مِنها حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما قالَ: «كانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاةَ ولَيْسَ يُنادِي بِها أحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا في ذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم: اتَّخِذُوا ناقُوسًا مِثْلَ ناقُوسِ النَّصارى، وقالَ بَعْضُهم قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، فَقالَ عُمَرُ: أوَلا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنادِي بِالصَّلاةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا بِلالُ قُمْ فَنادِ بِالصَّلاةِ»، وفي المُوَطَّأِ لِمالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ يَضْرِبُ بِهِما؛ لِيَجْتَمِعَ النّاسُ لِلصَّلاةِ، فَأُرِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ خَشَبَتَيْنِ في النَّوْمِ فَقالَ: إنَّ هاتَيْنِ لَنَحْوٌ مِمّا يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ألا تُؤَذِّنُونَ لِلصَّلاةِ ؟ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالأذانِ»“ . وَبَعْضُ الرِّواياتِ الأُخْرى عَنْ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ وعِنْدَ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ بِألْفاظٍ أُخْرى، وصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنها قالُوا: «انْصِبْ رايَةً فَإذا رَآها النّاسُ أذَّنَ بَعْضُهم بَعْضًا أيْ: أعْلَمَهُ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلاةِ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ فَذُكِرَ لَهُ القِنْعُ، وهو الشَّبُّورُ لِلْيَهُودِ فَلَمْ يُعْجِبْهُ، فَقالَ هَذا مِن أمْرِ اليَهُودِ» . وَفِي رِوايَةِ أنَسٍ «أنْ يُنَوِّرُوا نارًا فَلَمْ يُعْجِبْهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ» . وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «لَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنّاقُوسِ يُعْمَلُ؛ لِيَضْرِبَ بِهِ لِلنّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَواتِ طافَ بِي وأنا نائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ ناقُوسًا في يَدِهِ، فَقُلْتُ: يا عَبْدَ اللَّهِ أتَبِيعُ النّاقُوسَ ؟ قالَ: وما تَصْنَعُ بِهِ ؟ قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إلى الصَّلاةِ، قالَ: أفَلا أدُلُّكَ عَلى ما هو خَيْرٍ مِن ذَلِكَ، فَقُلْتُ: بَلى، فَقالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " . ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ قالَ: تَقُولُ إذا أقَمْتَ لِلصَّلاةِ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ (p-١٢٤)أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ، قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَلَمّا أصْبَحْتُ أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ بِما رَأيْتُ فَقالَ: ”إنَّها لَرُؤْيا حَقٌّ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلالٍ فَألْقِ عَلَيْهِ ما رَأيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإنَّهُ أنْدى صَوْتًا مِنكَ“ فَقُمْتُ مَعَ بِلالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ ويُؤَذِّنُ بِهِ، قالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو في بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِداءَهُ ويَقُولُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأيْتُ ما رَأى، فَقالَ ﷺ: ”فَلِلَّهِ الحَمْدُ»“ رَواهُ أبُو داوُدَ. وَفِي رِوايَةٍ لَهُ، فَقالَ: «إنِّي لَبَيْنَ نائِمٍ ويَقْظانَ إذْ أتانِي آتٍ فَأرانِي الأذانَ» . فَتَبَيَّنَ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ الصَّحِيحَ في مَشْرُوعِيَّةِ الأذانِ أنَّهُ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وفي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ. وَهُنا سُؤالٌ حَوْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الأذانِ، قالَ بَعْضُ النّاسِ: كَيْفَ يُتْرَكُ أمْرُ الأذانِ وهو بِهَذِهِ الأهَمِّيَّةِ مِنَ الصَّلاةِ فَيَكُونُ أمْرَ مَشْرُوعِيَّتِهِ رُؤْيا يَراها بَعْضُ الأصْحابِ، وطَعَنَ في سَنَدِ الحَدِيثِ واسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن قَوْلِهِ ﷺ: «قُمْ يا بِلالُ فَنادِ بِالصَّلاةِ» والجَوابُ عَنْ هَذا مِن عِدَّةِ وُجُوهٍ: مِنها: سَنَدُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ صَحِيحٌ، وقَدْ ناقَشَهُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وذَكَرَ تَصْحِيحَهُ ومَن صَحَّحَهُ ويَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ ما قَدَّمْناهُ مِن رِوايَةِ المُوَطَّأِ بِإرادَةِ اتِّخاذِ خَشَبَتَيْنِ، فَأُرِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ خَشَبَتَيْنِ الحَدِيثَ، وكَذَلِكَ في الصَّحِيحَيْنِ إثْباتُ التَّشاوُرِ فِيما يُعْلَمُ بِهِ حِينَ الصَّلاةِ. وَمِنها: أنَّهُ لا يَتَعارَضُ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرْ ألْفاظَ النِّداءِ فَيَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَهُما، إمّا أنَّ بِلالًا كانَ يُنادِي بِغَيْرِ هَذِهِ الصِّيغَةِ، ثُمَّ رَأى عَبْدُ اللَّهِ الأذانَ فَعَلَّمَهُ بِلالًا. وَقَدْ يَشْهَدُ لِهَذا الوَجْهِ ما جاءَ عَنْ أبِي لَيْلى قالَ: «أُحِيلَتِ الصَّلاةُ ثَلاثَةَ أحْوالٍ، وحَدَّثَنا أصْحابُنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”لَقَدْ أعْجَبَنِي أنْ تَكُونَ صَلاةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةً، حَتّى لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أبُثَّ رِجالًا في الدُّورِ يُنادُونَ النّاسَ بِحِينِ الصَّلاةِ، وحَتّى هَمَمْتُ أنْ آمُرَ (p-١٢٥)رِجالًا يَقُومُونَ عَلى الآطامِ يُنادُونَ المُسْلِمِينَ حَتّى نَقَسُوا أوْ كادُوا أنْ يَنْقُسُوا“، قالَ: فَجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَمّا رَجَعْتُ لِما رَأيْتُ مِنِ اهْتِمامِكَ رَأيْتُ رَجُلًا كَأنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أخْضَرَيْنِ فَقامَ عَلى المَسْجِدِ فَأذَّنَ، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قامَ فَقالَ مِثْلَها إلّا أنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، ولَوْلا أنْ يَقُولَ النّاسُ لَقُلْتُ إنِّي كُنْتُ يَقْظانَ غَيْرَ نائِمٍ. فَقالَ ﷺ: ”لَقَدْ أراكَ اللَّهُ خَيْرًا فَمُرْ بِلالًا فَلْيُؤَذِّنْ، فَقالَ عُمَرُ: أما إنِّي قَدْ رَأيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأى ولَكِنِّي لَمّا سُبِقْتُ اسْتَحْيَيْتُ»“ . لِأبِي داوُدَ أيْضًا. فَفِيهِ أنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ هَمَّ أنْ يَبُثَّ رِجالًا في الدُّورِ، وعَلى الآطامِ يُنادُونَ لِلصَّلاةِ، فَيَكُونُ نِداءُ بِلالٍ أوَّلًا مِن هَذا القَبِيلِ دُونَ تَعْيِينِ ألْفاظٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ نِداءُ بِلالٍ الوارِدُ في الصَّحِيحِ بِألْفاظِ الأذانِ، الوارِدَةِ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ أنْ رَأى ما رَآهُ وأمَرَهُ ﷺ أنْ يُعَلِّمَهُ بِلالًا فَنادى بِهِ، ولا تَعارُضَ في ذَلِكَ كَما تَرى. وَمِنها أيْضًا: أنَّ رُؤْيا عَبْدِ اللَّهِ لِلْأذانِ لا تَجْعَلُهُ مَشْرُوعًا لَهُ مِن عِنْدِهِ ولا مُتَوَقِّفًا عَلَيْهِ، لِأنَّهُ جاءَ في الرُّؤْيا الصّالِحَةِ أنَّها جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ. وَهَذا النَّظْمُ لِألْفاظِ الأذانِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ القِسْمِ فَهي بَعِيدَةٌ عَنِ الوَساوِسِ، والهَواجِسِ لِما فِيها مِن إعْلانِ العَقِيدَةِ وإرْغامِ الشَّيْطانِ كَما في الحَدِيثِ: «إنَّ الشَّيْطانَ إذا سَمِعَ النِّداءَ أدْبَرَ» إلَخْ. ثُمَّ إنَّهُ ﷺ لَمّا سَمِعَها أقَرَّها وقالَ: «إنَّها لَرُؤْيا حَقٌّ»، أوْ لَقَدْ أراكَ اللَّهُ حَقًّا، فَكانَتْ سُنَّةَ تَقْرِيرٍ كَما يُقَرِّرُ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضِ الأفْعالِ. ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْلِيمُهُ ﷺ لِأبِي مَحْذُورَةَ فَصارَ سُنَّةً ثابِتَةً، وكانَ يُتَوَجَّهُ السُّؤالُ لَوْ أنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ ﷺ وعَمِلُوا بِهِ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيا، ولَكِنْ وقَدْ بَلَغَهُ وأقَرَّهُ فَلا سُؤالَ إذًا. وَمِنها: أنَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ الوَحْيَ قَدْ جاءَهُ بِهِ، ولَمّا أخْبَرَهُ عُمَرُ قالَ لَهُ: «سَبَقَكَ بِذَلِكَ الوَحْيُ» ذُكِرَ في مَراسِيلِ أبِي داوُدَ. وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ العَرَبِيِّ بَسْطُ الكَلامِ إثْباتُ الحُكْمِ بِالرُّؤْيا ذَكَرَهُما المُعَلِّقُ عَلى بَذْلِ المَجْهُودِ. وَمِنها ما قِيلَ: تَرْكُ مَجِيءِ بَيانِ وتَعْلِيمِ الأذانِ إلى أنْ رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَواهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لِأمْرَيْنِ، ذَكَرَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْلِنًا مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ فَيَكُونُ مَجِيئُهُ عَنْ طَرِيقِهِما أوْلى (p-١٢٦)وَأكْرَمُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أنْ يَأْتِيَهم مِن طَرِيقِهِ هو حَتّى لا يَكُونَ عِنايَةَ مَن يَدْعُوهم لِإطْرائِهِ. وهَذا وإنْ كانَ مُتَوَجَّهًا إلّا أنَّ فِيهِ نَظَرًا؛ لِأنَّهُ ﷺ لَوْ جاءَهم بِأعْظَمَ مِن ذَلِكَ لَما كانَ مَوْضِعَ تَساؤُلٍ. مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ يَكُونُ أصْلُ مَشْرُوعِيَّةِ الأذانِ سُنَّةً ثابِتَةً، إمّا أنَّهُ كانَ قَدْ هَمَّ أنْ يَبْعَثَ رِجالًا في البُيُوتِ يُنادُوهُ، وإمّا لِأنَّهُ أقَرَّ ما رَأى عَبْدُ اللَّهِ فَيَكُونُ أصْلُ المَشْرُوعِيَّةِ مِنهُ ﷺ، والتَّقْرِيرُ مِنهُ عَلى الألْفاظِ الَّتِي رَآها عَبْدُ اللَّهِ. * * فَضْلُ الأذانِ وآدابُ المُؤَذِّنِ لا شَكَّ أنَّ الأذانَ مِن أفْضَلِ الأعْمالِ، وأنَّ المُؤَذِّنَ يَشْهَدُ لَهُ ما سَمِعَ صَوْتَهُ مِن حَجَرٍ ومَدَرٍ. إلَخْ. وَقَدْ جاءَ عَنْهُ ﷺ: «أنَّ المُؤَذِّنِينَ أطْوَلُ النّاسِ أعْناقًا يَوْمَ القِيامَةِ» . وَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْلا الخِلافَةُ لَأذَّنْتُ. وَقالَ ﷺ: «الإمامُ ضامِنٌ، والمُؤَذِّنٌ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أرْشِدِ الأئِمَّةَ، واغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» . رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن فَضائِلِ الأذانِ، فَقِيلَ: مُؤْتَمَنٌ عَلى الوَقْتِ، وقِيلَ: مُؤْتَمَنٌ عَلى عَوْراتِ البُيُوتِ عِنْدَ الأذانِ، فَقَدْ حَثَّ ﷺ المُؤَذِّنِينَ عَلى الوُضُوءِ لَهُ كَما في حَدِيثِ: «لا يُنادِي لِلصَّلاةِ إلّا مُتَوَضِّئٌ» وإنْ كانَ الحَدَثُ لا يُبْطِلُهُ اتِّفاقًا. وَلَمّا كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ كانَتْ لَهُ آدابٌ في حَقِّ المُؤَذِّنِينَ: مِنها: أنْ يَكُونُوا مِن خِيارِ النّاسِ، كَما عِنْدَ أبِي داوُدَ: «لِيُؤَذِّنْ لَكم خِيارُكم ولْيَؤُمَّكم قُرّاؤُكم»، وعَلَيْهِ حَذَّرَ ﷺ مِن تَوَلِّي الفَسَقَةِ الأذانَ كَما في حَدِيثِ: «الإمامُ ضامِنٌ والمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» المُتَقَدِّمِ. فَإنَّ فِيهِ زِيادَةً عِنْدَ البَزّارِ «قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ: لَقَدْ تَرَكْتَنا نَتَنافَسُ في الأذانِ بَعْدَكَ فَقالَ: ”إنَّهُ يَكُونُ بَعْدِي أوْ بَعْدَكم قَوْمٌ سِفْلَتُهم مُؤَذِّنُوهم»“ . وَمِنها: أنَّهُ يُكْرَهُ التَّغَنِّي فِيهِ؛ لِأنَّهُ ذِكْرٌ ودُعاءٌ إلى أفْضَلِ العِباداتِ، وقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنِّي أُحِبُّكَ في اللَّهِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: لَكِنِّي أُبْغِضُكَ في اللَّهِ، فَقالَ: ولِمَ ؟ قالَ: لِأنَّكَ تَتَغَنّى في أذانِكَ. وَفِي المُغْنِي لِابْنِ قُدامَةَ: ولا يُعْتَدُّ بِأذانِ صَبِيٍّ ولا فاسِقٍ، أيْ ظاهِرِ الفِسْقِ، وعِنْدَ المالِكِيَّةِ: لا يُحاكِي في أذانِهِ الفَسَقَةَ. (p-١٢٧)وَمِنها: ألّا يَلْحَنَ فِيهِ لَحْنًا بَيِّنًا، قالَ في المُغْنِي: ويُكْرَهُ اللَّحْنُ في الأذانِ، فَإنَّهُ رُبَّما غَيَّرَ المَعْنى، فَإنَّ مَن قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ ونَصَبَ لامَ رَسُولٍ. أخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرًا. وَلا يَمُدُّ لَفْظَةَ أكْبَرَ لِأنَّهُ يَجْعَلُ فِيها ألِفًا فَيَصِيرُ جَمْعُ كَبَرٍ، وهو الطَّبْلُ، ولا يُسْقِطُ الهاءَ مِنِ اسْمِ اللَّهِ والصَّلاةِ ولا الحاءَ مِنَ الفَلاحِ، لِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُؤَذِّنُ لَكم مَن يُدْغِمُ الهاءَ» الحَدِيثُ أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ. فَأمّا إنْ كانَ ألْثَغَ لا تَتَفاحَشُ جازَ أذانُهُ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ بِلالًا كانَ يَقُولُ: أسْهَدُ بِجَعْلِ الشِّينِ سِينًا، نَقَلَهُ ابْنُ قُدامَةَ، ولَكِنْ لا أصْلَ لِهَذا الأثَرِ مَعَ شُهْرَتِهِ عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ، كَما في كَشْفِ الخَفاءِ ومُزِيلِ الإلْباسِ. وَمِن هَذا يَنْبَغِي تَعَهُّدُ المُؤَذِّنِينَ في هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ اللَّحْنِ والتَّلْحِينِ وكَذَلِكَ الفِسْقُ، وصِفَةُ المُؤَذِّنِينَ ولا سِيَّما في بِلادِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مَهْبِطِ الوَحْيِ ومَصْدَرِ التَّأسِّي، ومَوْفِدِ القادِمِينَ مِن كُلِّ مَكانٍ لِيَأْخُذُوا آدابَ الأذانِ والمُؤَذِّنِينَ عَنْ أهْلِ هَذِهِ البِلادِ المُقَدَّسَةِ. * * ألْفاظُ الأذانِ والإقامَةِ والرّاجِحُ مِنها مَعَ بَيانِ التَّثْوِيبِ والتَّرْجِيعِ مَدارُ ألْفاظِ الأذانِ والإقامَةِ في الأصْلِ عَلى حَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بِالمَدِينَةِ، وحَدِيثِ أبِي مَحْذُورَةَ في مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وما عَداهُما تَبَعٌ لَهُما كَحَدِيثِ بِلالٍ وغَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْجُودٌ في السُّنَنِ أيْ فِيما عَدا البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، وهو مُتَقَدِّمٌ مِن حَيْثُ الزَمَنِ كَما تَقَدَّمَ ذَلِكَ في مَبْحَثِ مَشْرُوعِيَّةِ الأذانِ وأنَّهُ كانَ ابْتِداءً في المَدِينَةِ أوَّلَ مَقْدِمِهِ ﷺ إلَيْها. وَحَدِيثُ أبِي مَحْذُورَةَ مَوْجُودٌ في السُّنَنِ وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، ولَمْ يَذْكُرِ البُخارِيُّ واحِدًا مِنهُما، وإنَّما ذَكَرَ قِصَّةَ سَبَبِ المَشْرُوعِيَّةِ، وحَدِيثَ: أُمِرِ بِلالٌ أنْ يُشْفِعَ الأذانَ ويُوتِرَ الإقامَةَ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. وَعَلَيْهِ سَنُقَدِّمُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ؛ لِتَقَدُّمِهِ في الزَّمَنِ، وألْفاظُهُ كَما تَقَدَّمَ في بَدْءِ (p-١٢٨)المَشْرُوعِيَّةِ، هي: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ حَيَّ عَلى الفَلاحِ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وَمَجْمُوعُهُ خَمْسَةَ عَشَرَةَ كَلِمَةً أيْ جُمْلَةً، فَفِيهِ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ في أوَّلِهِ وتَثْنِيَةُ باقِيهِ، وإفْرادُ آخِرِهِ، وفِيهِ الإقامَةُ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ في أوَّلِهِ في كَلِمَةٍ وإفْرادِ باقِيها إلّا لَفْظَ الإقامَةِ، ولَفْظُها: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ، قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ الشَّوْكانِيُّ: رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وقالَ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وذَكَرَ لَهُ عِدَّةَ طُرُقٍ، ومِنها عِنْدَ الحاكِمِ، وابْنِ خُزَيْمَةَ، وابْنِ حِبّانَ في صَحِيحَيْهِما، والبَيْهَقِيِّ، وابْنِ ماجَهْ. حَدِيثُ أبِي مَحْذُورَةَ، وحَدِيثُ أبِي مَحْذُورَةَ كانَ بَعْدَ الفَتْحِ كَما في السُّنَنِ أنَّهُ «خَرَجَ في نَفَرٍ فَلَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُقْدِمًا مِن حُنَيْنٍ، وأذَّنَ مُؤَذِّنُهُ ﷺ، فَظَلَّ أبُو مَحْذُورَةَ في نَفَرِهِ يَحْكُونَهُ اسْتِهْزاءً بِهِ، فَسَمِعَهم ﷺ فَأحْضَرَهم فَقالَ: ”أيُّكُمُ الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ قَدِ ارْتَفَعَ ؟ فَأشارُوا إلى أبِي مَحْذُورَةَ، فَحَبَسَهُ وأرْسَلَهم، ثُمَّ قالَ لَهُ: قُمْ فَأذِّنْ بِالصَّلاةِ فَعَلَّمَهُ»“ . أمّا ألْفاظُهُ: فَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ في أوَّلِهِ، والباقِي كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مَعَ زِيادَةِ ذِكْرِ التَّرْجِيعِ، وقَدْ ساقَهُ مُسْلِمٌ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ وبِلَفْظِ التَّكْبِيرِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ: المَوْضِعُ الأوَّلُ: «عَنْ أبِي مَحْذُورَةَ نَفْسِهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأذانَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» . والمَوْضِعُ الثّانِي: في قِصَّةِ الإغارَةِ أنَّهُ «كانَ ﷺ يُغِيرُ إذا طَلَعَ الفَجْرُ، وكانَ يَسْتَمِعُ الأذانَ فَإذا سَمِعَ أذانًا أمْسَكَ وإلّا أغارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”عَلى الفِطْرَةِ“، ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”خَرَجْتَ مِنَ النّارِ»“ . . . الحَدِيثَ. (p-١٢٩)والمَوْضِعُ الثّالِثُ: عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا قالَ المُؤَذِّنُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ فَقالَ أحَدُكم: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» الحَدِيثَ، فَهَذِهِ كُلُّها ألْفاظُ مُسْلِمٍ لِأذانِ أبِي مَحْذُورَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ عَنِ الإقامَةِ إلّا حَدِيثَ أنَسٍ، «أمَرَ بِلالًا أنْ يَشْفَعَ الأذانَ ويُوتِرَ الإقامَةَ»، وعِنْدَ غَيْرِ مُسْلِمٍ جاءَ حَدِيثُ أبِي مَحْذُورَةَ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ في أوَّلِهِ، كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وبِالتَّرْجِيعِ والتَّثْوِيبِ في الفَجْرِ، وفِيها أنَّ التَّرْجِيعَ يَكُونُ أوَّلًا بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ. ثُمَّ يُرَجِّعُ ويَمُدُّ بِهِما - أيْ بِالشَّهادَتَيْنِ - صَوْتَهُ، وذَلِكَ عِنْدَ أحْمَدَ، وأبِي داوُدَ، والتِّرْمِذِيِّ، والنَّسائِيِّ، أمّا الإقامَةُ فَجاءَتْ عَنْ أبِي مَحْذُورَةَ رِوايَتانِ: الأُولى قالَ: «وَعَلَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ الإقامَةَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلى الصَّلاةِ حَيِّ عَلى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ حَيَّ عَلى الفَلاحِ، قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» . الثّانِيَةُ: مِثْلُ الأذانِ تَمامًا بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ، وبِدُونِ تَرْجِيعٍ، وتَثْنِيَةُ الإقامَةِ أيِ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلى الصَّلاةِ حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ حَيَّ عَلى الفَلاحِ، قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فالأُولى كالأذانِ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ، والثّانِيَةُ كَرِوايَةِ الأذانِ عِنْدَ غَيْرِهِ بِدُونِ تَرْجِيعٍ ولا تَثْوِيبٍ، وإضافَةِ لَفْظِ الإقامَةِ مَرَّتَيْنِ. هَذا مَجْمُوعُ ما جاءَ في أُصُولِ ألْفاظِ الأذانِ مِن حَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وأبِي مَحْذُورَةَ. وَبِالنَّظَرِ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ نَجِدُهُ لَمْ تَخْتَلِفْ ألْفاظُهُ لا في الأذانِ ولا في الإقامَةِ، وهو بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ في الأذانِ وبِدُونِ تَثْوِيبٍ ولا تَرْجِيعٍ، وبِإفْرادِ الإقامَةِ إلّا لَفْظَ الإقامَةِ، أمّا حَدِيثُ أبِي مَحْذُورَةَ فَجاءَ بِعِدَّةِ صُوَرٍ في الأذانِ وفي الإقامَةِ. أمّا الأذانُ فَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ في أوَّلِهِ وعِنْدَ غَيْرِهِ بِتَرْبِيعِهِ، وعِنْدَ الجَمِيعِ إثْباتُ (p-١٣٠)التَّرْجِيعِ في الشَّهادَتَيْنِ، وأنَّ الأُولى مُنْخَفِضَةٌ، والثّانِيَةَ مُرْتَفِعَةٌ، كَبَقِيَّةِ ألْفاظِ الأذانِ، وأمّا الإقامَةُ فَجاءَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وجاءَتْ مِثْلَ الأذانِ تَمامًا عِنْدَ غَيْرِ مُسْلِمٍ سِوى التَّرْجِيعِ والتَّثْوِيبِ مَعَ تَثْنِيَةِ الإقامَةِ، فَكانَ الفَرْقُ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ كالآتِي: فِي ألْفاظِ الأذانِ ثَلاثُ نِقاطٍ: أوَّلًا: ذِكْرُ التَّرْجِيعِ. ثانِيًا: التَّثْوِيبُ. ثالِثًا: عَدَدُ التَّكْبِيرِ في أوَّلِهِ. أمّا التَّرْجِيعُ فَيَجِبُ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُتَأخِّرٌ بَعْدَ الفَتْحِ، ولا مُعارَضَةَ فِيهِ، لِأنَّهُ زِيادَةُ بَيانٍ وبِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وَأمّا التَّثْوِيبُ فَقَدْ ثَبَتَ مِن حَدِيثِ بِلالٍ، وكانَ أيْضًا مُتَأخِّرًا عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ قَطْعًا، وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ بِلالًا أذَّنَ لِلصُّبْحِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نائِمٌ فَصَرَخَ بِلالٌ بِأعْلى صَوْتِهِ: الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» . قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: فَأُدْخِلَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في التَّأْذِينِ لِصَلاةِ الفَجْرِ، أيْ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: «اجْعَلْ ذَلِكَ في أذانِكَ» فاخْتُصَّتْ بِالفَجْرِ. وَذَكَرَ ابْنُ قُدامَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في المُغْنِي عَنْ بِلالٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهاهُ أنْ يُثَوِّبَ في العِشاءِ» رَواهُ ابْنُ ماجَهْ، وقالَ: دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ، فَسَمِعَ رَجُلًا يُثَوِّبُ في أذانِ الظُّهْرِ فَخَرَجَ فَقِيلَ لَهُ: أيْنَ ؟ فَقالَ: أخْرَجَتْنِي البِدْعَةُ، فَلَزِمَ بِهَذا كُلِّهِ الأخْذُ بِها في صَلاةِ الفَجْرِ خاصَّةً. أمّا التَّكْبِيرُ في أوَّلِ الأذانِ، فَفي رِوايَةِ مُسْلِمٍ لِأبِي مَحْذُورَةَ مَرَّتَيْنِ في كَلِمَةٍ فاخْتَلَفَ مَعَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وعِنْدَ غَيْرِ مُسْلِمٍ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ، وبِالنَّظَرِ إلى سَنَدِ مُسْلِمٍ فَهو أصَحُّ سَنَدًا، وبِالنَّظَرِ إلى ما عِنْدَ غَيْرِهِ، تَجِدُ فِيهِ زِيادَةً صَحِيحَةً، وهي تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ، فَوَجَبَ العَمَلُ بِها كَما وجَبَ العَمَلُ بِالتَّثْوِيبِ والتَّرْجِيعِ؛ لِأنَّ الرِّوايَةَ المُتَّفِقَةَ مَعَ الحَدِيثِ الآخَرِ أوْلى مِنَ المُخْتَلِفَةِ مَعَها. أمّا الإقامَةُ: فَفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ تَخْتَلِفْ كَما تَقَدَّمَ، ولَكِنَّها في حَدِيثِ أبِي (p-١٣١)مَحْذُورَةَ قَدْ جاءَتْ مُتَعَدِّدَةً ولَمْ تَتَّفِقْ صُورَةٌ مِن صُوَرِها مَعَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ، حَيْثُ إنَّ فِيها مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ في جَمِيعِ الكَلِماتِ، ومِنها كالأذانِ مَعَ لَفْظِ الإقامَةِ مَرَّتَيْنِ، وسَنَدُ الجَمِيعِ سَواءٌ. فَهَلْ نَأْخُذُ في الإقامَةِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ أمْ بِحَدِيثِ أبِي مَحْذُورَةَ ؟ مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ بكُلٌّ مِنهُما في السَّنَدِ سَواءٌ. وَفِي حَدِيثِ أبِي مَحْذُورَةَ زِيادَةٌ وهي تَشْبِيهُها بِالأذانِ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ قاصِرًا عَلى ذَلِكَ لَكانَ العَمَلُ بِحَدِيثِ أبِي مَحْذُورَةَ في الإقامَةِ أوْلى؛ لِأنَّهُ مُتَأخِّرٌ وفِيهِ زِيادَةٌ صَحِيحَةٌ، ولَكِنْ وجَدْنا حَدِيثَ بِلالٍ في الصَّحِيحِ، وعِنْدَ مُسْلِمٍ أيْضًا وهو أمْرُ بِلالٍ أنْ يَشْفَعَ الأذانَ وأنْ يُوتِرَ بِالإقامَةِ، وحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ الأذانُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ، والإقامَةُ مَرَّةً مَرَّةً غَيْرَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ»، رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ. وَبِهَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ يُمْكِنُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ حَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ وأبِي مَحْذُورَةَ في كُلٍّ مِنَ الأذانِ والإقامَةِ. فَمِن حَدِيثِ بِلالٍ: نَشْفَعُ الأذانَ، ولَكِنَّهم يَخْتَلِفُونَ في تَحْقِيقِ المَناطِ في المُرادِ بِالشَّفْعِ مِن حَيْثُ التَّكْبِيرِ؛ لِأنَّ الشَّفْعَ يَصْدُقُ عَلى اثْنَيْنِ وأرْبَعٍ، وعِنْدَ في الأذانِ إمّا مَرَّتانِ وإمّا أرْبَعٌ، وكِلاهُما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنى الشَّفْعِ، ولَكِنْ إذا اعْتَبَرْنا أنَّ كُلَّ تَكْبِيرَتَيْنِ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، كانَ تَحَقُّقُ الشَّفْعِ بِجُمْلَتَيْنِ، فَيَأْتِي أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، وإذا اعْتَبَرْنا كُلَّ تَكْبِيرَةٍ كَلِمَةً وُجِدَ الشَّفْعُ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ لِاشْتِمالِها عَلى كَلِمَتَيْنِ، ولِهَذا وقَعَ الخِلافُ. وَلَكِنَّ الأذانَ لَمْ تُعَدَّ عِباراتُهُ بِالكَلِماتِ المُفْرَدَةِ بَلْ بِالجُمَلِ؛ لِأنَّنا نَعُدُّ قَوْلَنا: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، وهي في الواقِعِ جُمْلَةٌ تَشْتَمِلُ عَلى عِدَّةِ كَلِماتٍ مُفْرَدَةٍ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُنا: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ كَلِمَةٌ، وعَلى هَذا يَكُونُ الشَّفْعُ بِتَكْرارِها، فَيَأْتِي أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ: وهَذا يَتَّفِقُ مَعَ رِوايَةِ الحَدِيثَيْنِ، وحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ تَمامًا. وَقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: قالَ القاضِي عِياضٌ: إنَّ حَدِيثَ أبِي مَحْذُورَةَ جاءَ في نُسْخَةِ الفاسِيِّ لِمُسْلِمٍ بِأرْبَعِ تَكْبِيراتٍ. اهـ. وَبِهَذا تَتَّفِقُ الرِّواياتُ كُلُّها في تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ في الأذانِ. (p-١٣٢)أمّا الإقامَةُ فَحَدِيثُ بِلالٍ نَصٌّ في إيثارِ الإقامَةِ إلّا لَفْظَ الإقامَةِ وهو عَيْنُ نَصِّ الإقامَةِ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ، وعَيْنُ النَّصِّ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، والإقامَةُ مَرَّةً مَرَّةً إلّا الإقامَةَ، أيْ: فَهي مَرَّتَيْنِ، وعَلى هَذا العَرْضِ وبِهَذِهِ المُناقَشَةِ يَكُونُ الرّاجِحُ هو العَمَلَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ في الأذانِ والإقامَةِ، مَعَ أخْذِ التَّرْجِيعِ والتَّثْوِيبِ مِن حَدِيثِ أبِي مَحْذُورَةَ لِلْأذانِ. ثُمَّ نَسُوقُ ما أخَذَ بِهِ فُقَهاءُ الأمْصارِ مِن هَذا كُلِّهِ مَعَ بَيانِ النَّتِيجَةِ مِن جَوازِ العَمَلِ بِالجَمِيعِ إنْ شاءَ اللَّهُ. قالَ ابْنُ رُشْدٍ في البِدايَةِ ما نَصُّهُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الأذانِ عَلى أرْبَعِ صِفاتٍ مَشْهُورَةٍ: إحْداهُما: تَثْنِيَةُ التَّكْبِيرِ وتَرْبِيعُ الشَّهادَتَيْنِ وباقِيهِ مُثَنًّى، وهو مَذْهَبُ أهْلِ المَدِينَةِ مالِكٍ وغَيْرِهِ، واخْتارَ المُتَأخِّرُونَ مِن أصْحابِ مالِكٍ التَّرْجِيعَ في الشَّهادَتَيْنِ بِصَوْتٍ أخْفَضَ مِنَ الأذانِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أذانُ المَكِّيِّينَ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وهو تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الأوَّلِ والشَّهادَتَيْنِ، وتَثْنِيَةُ باقِي الأذانِ. والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أذانُ الكُوفِيِّينَ، وهو تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الأوَّلِ وتَثْنِيَةُ باقِي الأذانِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ. والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: أذانُ البَصْرِيِّينَ، وهو تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الأوَّلِ وتَثْلِيثُ الشَّهادَتَيْنِ، وحَيَّ عَلى الصَّلاةِ وحَيَّ عَلى الفَلاحِ، يَبْدَأُ بِأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَتّى يَصِلَ إلى حَيَّ عَلى الفَلاحِ، ثُمَّ يُعِيدُ كَذَلِكَ مَرَّةً ثانِيَةً أعْنِي الأرْبَعَ كَلِماتٍ تَبَعًا ثُمَّ يُعِيدُهُنَّ ثالِثَةً، وبِهِ قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وابْنُ سِيرِينَ. والسَّبَبُ في اخْتِلافِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الفِرَقِ الأرْبَعِ اخْتِلافُ الآثارِ في ذَلِكَ، واخْتِلافُ اتِّصالِ العَمَلِ عِنْدَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وذَلِكَ أنَّ المَدَنِيِّينَ يَحْتَجُّونَ لِمَذْهَبِهِمْ بِالعَمَلِ المُتَّصِلِ بِذَلِكَ في المَدِينَةِ، والمَكِّيُّونَ كَذَلِكَ أيْضًا يَحْتَجُّونَ بِالعَمَلِ المُتَّصِلِ عِنْدَهم بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ الكُوفِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم آثارٌ تَشْهَدُ لِقَوْلِهِ. اهـ. (p-١٣٣)ثُمَّ ساقَ نُصُوصَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي أوْرَدْناها سابِقًا، ولَمْ يُورِدْ نَصًّا لِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ الَّذِي فِيهِ التَّثْلِيثُ المَذْكُورُ، وقَدْ وُجِدَ في مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزّاقِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مُجَلَّدَ (١) ص (٥٦٤) وجاءَ مَرْوِيًّا عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ في المُصَنَّفِ المَذْكُورِ. وَقالَ في الإقامَةِ: أمّا صِفَتُها فَإنَّها عِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ في أوَّلِها، وبِإفْرادِ باقِيها إلّا لَفْظَ الإقامَةِ، فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ مَرَّتَيْنِ وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، فَهي مَثْنى مَثْنى، وأمّا أحْمَدُ فَقَدْ خَيَّرَ بَيْنَ الأفْرادِ والتَّثْنِيَةِ فِيها اهـ. تِلْكَ هي خُلاصَةُ أقْوالِ أئِمَّةِ الأمْصارِ في ألْفاظِ الأذانِ والإقامَةِ، وقَدْ أجْمَلَها العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في زادِ المَعادِ تَحْتَ عُنْوانِ: فَصْلُ مُؤَذِّنِيهِ ﷺ قالَ ما نَصُّهُ: وَكانَ أبُو مَحْذُورَةَ يُرَجِّعُ الأذانَ ويُثَنِّي الإقامَةَ وبِلالٌ لا يُرَجِّعُ ويُفْرِدُ الإقامَةَ، فَأخَذَ الشّافِعِيُّ وأهْلُ مَكَّةَ بِأذانِ أبِي مَحْذُورَةَ، وإقامَةِ بِلالٍ، ويَعْنِي بِأذانِ أبِي مَحْذُورَةَ عَلى رِوايَةِ تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ، وأخَذَ أبُو حَنِيفَةَ، وأهْلُ العِراقِ بِأذانِ بِلالٍ وإقامَةِ أبِي مَحْذُورَةَ، وأخَذَ أحْمَدُ، وأهْلُ الحَدِيثِ، وأهْلُ المَدِينَةِ بِأذانِ بِلالٍ وإقامَتِهِ، أيْ: بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ وبِدُونِ تَرْجِيعٍ، وبِإفْرادِ الإقامَةِ إلى لَفْظِ الإقامَةِ، قالَ: وخالَفَ مالِكٌ في المَوْضِعَيْنِ إعادَةَ التَّكْبِيرِ وتَثْنِيَةَ لَفْظِ الإقامَةِ؛ فَإنَّهُ لا يُكَرِّرُها اهـ. وَمُرادُهُ بِمُخالَفَةِ مالِكٍ هُنا لِأهْلِ الأمْصارِ، وإلّا فَهو مُتَّفِقٌ مَعَ بَعْضِ الصُّوَرِ المُتَقَدِّمَةِ. أمّا في عَدَمِ إعادَةِ التَّكْبِيرِ، فَعَلى حَدِيثِ أبِي مَحْذُورَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وعَدَمِ تَكْرِيرِهِ لِلَفْظِ الإقامَةِ، فَعَلى بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ بِلالٍ أنْ يُوتِرَ الإقامَةَ أيْ عَلى هَذا الإطْلاقِ، وبِهَذا مَرَّةً أُخْرى يَظْهَرُ لَكَ أنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ كُلَّها صَحِيحَةٌ، وأنَّها مِن بابِ اخْتِلافِ التَّنَوُّعِ وكُلٌّ ذَهَبَ إلى ما هو صَحِيحٌ وراجِحٌ عِنْدَهُ، ولا تَعارُضَ مُطْلَقًا إلّا قَوْلَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وابْنِ سِيرِينَ بِالتَّثْلِيثِ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ. وَقالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ كَلِمَةَ فَصْلٍ في ذَلِكَ، في المَجْمُوعِ ج ٢٢ ص ٦٦ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ المَسْألَةِ ما نَصُّهُ: فَإذا كانَ كَذَلِكَ فالصَّوابُ مَذْهَبُ أهْلِ الحَدِيثِ ومَن وافَقَهم تَسْوِيغُ كُلِّ ما ثَبَتَ في ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لا يَكْرَهُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، إذْ تَنَوُّعُ صِفَةِ الأذانِ والإقامَةِ كَتَنَوُّعِ صِفَةِ القِراءاتِ والتَّشَهُّداتِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَكْرَهَ ما سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ. اهـ. (p-١٣٤)وَقالَ ابْنُ القَيِّمِ في زادِ المَعادِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: مِمّا لا يَنْبَغِي الخِلافُ فِيهِ ما نَصُّهُ: وهَذا مِنَ الِاخْتِلافِ المُباحِ الَّذِي لا يُعَنَّفُ فِيهِ مَن فَعَلَهُ ولا مَن تَرَكَهُ. وَهَذا كَرَفْعِ اليَدَيْنِ في الصَّلاةِ وتَرْكِهِ، وكالخِلافِ في أنْواعِ التَّشَهُّداتِ وأنْواعِ الأذانِ والإقامَةِ، وأنْواعِ النُّسُكِ مِنَ الإفْرادِ والتَّمَتُّعِ والقِرانِ. تَنْبِيهٌ قَدْ جاءَ في التَّثْوِيبِ بَعْضُ الآثارِ عَنْ عُمَرَ وبَعْضِ الأُمَراءِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ مَرْفُوعٌ، كَما في قِصَّةِ بِلالٍ المُتَقَدِّمَةِ، ولا يَبْعُدُ أنَّ ما جاءَ عَنْ عُمَرَ أوْ غَيْرِهِ يَكُونُ تَكْرارًا لَمّا سَبَقَ أنْ جاءَ عَنْ بِلالٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وقِيلَ فِيها هَلْ هو خاصٌّ بِالفَجْرِ أوْ عامٌّ في كُلِّ صَلاةٍ يَكُونُ الإمامُ نائِمًا فِيها ؟ والصَّحِيحُ أنَّهُ خاصٌّ بِالفَجْرِ وفي الأذانِ لا عِنْدَ بابِ الأمِيرِ أوِ الإمامِ، وتَقَدَّمَ أثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيمَن ثَوَّبَ في أذانِ الظُّهْرِ أنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِدْعَةً وخَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ. * * كَيْفِيَّةُ أداءِ الأذانِ يُؤَدّى الأذانُ بِتَرَسُّلٍ وتَمَهُّلٍ؛ لِأنَّهُ إعْلانٌ لِلْبَعِيدِ، والإقامَةُ حَدْرًا؛ لِأنَّها لِلْحاضِرِ القَرِيبِ، أمّا النُّطْقُ بِالأذانِ فَيَكُونُ جَزْمًا غَيْرَ مُعْرَبٍ. قالَ في المُغْنِي: ذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، أنَّهُ حالُ تَرَسُّلِهِ ودَرْجِهِ أيْ: في الأذانِ والإقامَةِ، لا يَصِلُ الكَلامَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، بَلْ جَزْمًا. وحَكاهُ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ: ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: شَيْئانِ مَجْزُومانِ كانُوا لا يُعْرِبُونَهُما الأذانُ والإقامَةُ، قالَ: وهَذا إشارَةٌ إلى إجْماعِهِمْ. * * حُكْمُ الأذانِ والإقامَةِ قالَ ابْنُ رُشْدٍ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ الأذانِ هَلْ هو واجِبٌ أوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ؟ وإنْ كانَ واجِبًا فَهَلْ هو مِن فُرُوضِ الأعْيانِ أوْ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ ؟ اهـ. فَتَراهُ يَدُورُ حُكْمُهُ بَيْنَ فَرْضِ العَيْنِ والسُّنَّةِ المُؤَكَّدَةِ، والسَّبَبُ في هَذا الِاخْتِلافِ، اخْتِلافُهم في وِجْهَةِ النَّظَرِ في الغَرَضِ مِنَ الأذانِ هَلْ هو مِن حَقِّ الوَقْتِ لِلْإعْلامِ بِدُخُولِهِ أوْ مِن حَقِّ الصَّلاةِ، كَذِكْرٍ مِن أذْكارِها أوْ هو شِعارٌ لِلْمُسْلِمِينَ يُمَيِّزُهم عَنْ غَيْرِهِمْ ؟ وَسَنُجْمِلُ أقْوالَ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مَعَ الإشارَةِ إلى مَأْخَذِ كُلٍّ مِنهم ثُمَّ بَيانِ الرّاجِحِ (p-١٣٥)إنْ شاءَ اللَّهُ. أوَّلًا: اتَّفَقَ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّهُ سُنَّةٌ عَلى ما رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ في المَجْمُوعِ أنَّهُ سُنَّةٌ في حَقِّ الجَمِيعِ المُنْفَرِدِ والجَماعَةِ في الحَضَرِ وفي السَّفَرِ، أيْ: أنَّهُ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ صِحَّةُ الصَّلاةِ. وَحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ أيْ: لِلْجَماعَةِ أوْ لِلْجُمُعَةِ خاصَّةً، والدَّلِيلُ لَهم في ذَلِكَ حَدِيثُ المُسِئِ صَلاتَهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ مَعَها الوُضُوءَ، واسْتِقْبالَ القِبْلَةِ، ولَمْ يُعَلِّمْهُ أمْرَ الأذانِ ولا الإقامَةِ. ثانِيًا: مالِكٌ جاءَ عَنْهُ أنَّهُ فَرَضَ عَلى المَساجِدِ الَّتِي لِلْجَماعَةِ ولَيْسَ عَلى المُنْفَرِدِ فَرْضًا ولا سُنَّةً. وَعَنْهُ: أنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلى مَساجِدِ الجَماعَةِ، فَفَرَّقَ مالِكٌ بَيْنَ المُنْفَرِدِ ومَساجِدِ الجَماعَةِ. وفي مَتْنِ خَلِيلٍ عِنْدَهم أنَّهُ سُنَّةٌ لِجَماعَةٍ تَطْلُبُ غَيْرَها في فَرْضٍ وقْتِيٍّ، ولَوْ جُمُعَةٍ أيْ وما عَدا ذَلِكَ فَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ عَلى المُنْفَرِدِ أصْلًا. واخْتَلَفَ القَوْلُ عَنْهُ في مَساجِدِ الجَماعَةِ ما بَيْنَ الفَرْضِ والسُّنَّةِ المُؤَكَّدَةِ، واسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «كانَ لا يَزِيدُ عَلى الإقامَةِ في السَّفَرِ إلّا في الصُّبْحِ، وكانَ يَقُولُ: إنَّما الأذانُ لِلْإمامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ لَهُ النّاسُ»، رَواهُ مالِكٌ. وَكَذَلِكَ أثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةَ، صَلَّوْا بِغَيْرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ. قالَ سُفْيانُ: كَفَتْهم إقامَةُ المِصْرِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إقامَةُ المِصْرِ تَكْفِي، رَواهُما الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ بِلِينٍ. ثالِثًا: وعِنْدَ الحَنابِلَةِ: قالَ الخِرَقِيُّ: هو سُنَّةٌ أيْ كالشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ، وغَيْرُ الخِرَقِيِّ قالَ كَقَوْلِ مالِكٍ. رابِعًا: عِنْدَ الظّاهِرِيَّةِ فَرْضٌ عَلى الأعْيانِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ مالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ وصاحِبِهِ، قالَ لَهُما ﷺ: «إذا كُنْتُما في سَفَرٍ فَأذِّنا وأقِيما، ولْيَؤُمَّكُما أكْبَرُكُما» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَحَمَلُوا الأمْرَ عَلى الوُجُوبِ. هَذا مُوجَزُ أقْوالِ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مَعَ الإشارَةِ إلى أدِلَّتِهِمْ في الجُمْلَةِ، وحُكْمُهُ كَما رَأيْتَ دائِرٌ بَيْنَ السُّنَّةِ عُمُومًا عِنْدَ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ، والوُجُوبُ عِنْدَ الظّاهِرِيَّةِ. (p-١٣٦)والسُّنَّةُ المُؤَكَّدَةُ أوْ فَرْضُ الكِفايَةِ عِنْدَ مالِكٍ وغَيْرِهِ عَلى تَفْصِيلٍ في ذَلِكَ. وَقَدْ رَأيْتُ النُّصُوصَ عِنْدَ الجَمِيعِ، ولَكِنَّ مِن أسْبابِ الخِلافِ في حُكْمِ الأذانِ هو تَرَدُّدُ النَّظَرِ فِيهِ هَلْ هو في حَقِّ الوَقْتِ لِلْإعْلامِ بِدُخُولِ الوَقْتِ، أوْ هو حَقُّ الصَّلاةِ نَفْسِها، أوْ هو شِعارٌ لِلْمُسْلِمِينَ ؟ فَعَلى أنَّهُ مِن حَقِّ الوَقْتِ، فَأذانٌ واحِدٌ، فَإنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الإعْلامُ ويَكْفِي عَنْ غَيْرِهِ، ولا يُؤَذِّنُ مَن فاتَهُ أوَّلُ الوَقْتِ، ولا مَن يُصَلِّي في مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَتْ فِيهِ الفَرِيضَةُ أوَّلًا ولا لِلْفَوائِتِ. وَإنْ كانَ مِن حَقِّ الصَّلاةِ فَهَلْ هو شَرْطٌ في صِحَّتِها أوْ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وَعَلى أنَّهُ لِلْوَقْتِ لِلْإعْلامِ بِهِ، فَإنَّهُ يُعارِضُهُ حَدِيثُ قِصَّةِ تَعْرِيسِهِمْ آخِرَ اللَّيْلِ، ولَمْ يُوقِظْهم إلّا حَرُّ الشَّمْسِ، وأمْرُهُ ﷺ بِالِانْتِقالِ عَنْ ذَلِكَ الوادِي ثُمَّ نُزُولُهم والأمْرُ بِالأذانِ والإقامَةِ، فَلا مَعْنى لِكَوْنِهِ لِلْوَقْتِ في هَذا الحَدِيثِ، وهو مِن رِوايَةِ مالِكٍ في المُوَطَّأِ. وَعَلى أنَّهُ لِلصَّلاةِ فَلَهُ جِهَتانِ: الأُولى: إذا كانَ المُصَلِّي مُنْفَرِدًا ولا يَطْلُبُ مَن يُصَلِّي مَعَهُ. والثّانِيَةُ: أنَّهُ إذا كانُوا جَماعَةً. فَإذا كانَ مُنْفَرِدًا لا يَطْلُبُ مَن يُصَلِّي مَعَهُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَخْتَلِفَ في كَوْنِهِ لَيْسَ شَرْطًا في صِحَّةِ الصَّلاةِ، ولَيْسَ واجِبًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأذانَ لِلْإعْلامِ، ولَيْسَ هُناكَ مَن يَقْصِدُ إعْلامَهُ. وَلِحَدِيثِ المُسِئِ صَلاتَهُ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وقَدْ يَدُلُّ لِذَلِكَ ظاهِرُ نُصُوصِ القُرْآنِ في بَيانِ شُرُوطِ الصَّلاةِ الَّتِي هي: الطَّهارَةُ، والوَقْتُ، وسَتْرُ العَوْرَةِ، واسْتِقْبالُ القِبْلَةِ. فَفِي الطَّهارَةِ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦] . وَفِي الوَقْتِ قالَ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآيَةَ [هود: ١١٤] ونَحْوَها. وَفِي العَوْرَةِ قالَ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣١] . (p-١٣٧)وَفِي القِبْلَةِ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] . وَأمّا في الأذانِ فَقالَ تَعالى: ﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] . وَقالَ في سُورَةِ ”الجُمُعَةِ“ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وكِلاهُما حِكايَةُ واقِعٍ، ولَيْسَ فِيهِما صِيغَةُ أمْرٍ كَغَيْرِ الأذانِ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. أمّا حَدِيثُ ابْنِ الحُوَيْرِثِ فَهو في خُصُوصِ جَماعَةٍ، ولَيْسَ في شَخْصٍ واحِدٍ كَما هو نَصُّ الحَدِيثِ. وَبَقِيَ النَّظَرُ فِيهِ في حَقِّ الجَماعَةِ، هَلْ هو عَلى الوُجُوبِ في حَقِّهِمْ أمْ عَلى النَّدْبِ ؟ وإذا كانَ بِالنُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ صَلاةِ الفَرْدِ، فَلَيْسَ هو إذًا بِشَرْطٍ في صِحَّةِ صَلاةِ الجَماعَةِ فَيُجْعَلُ الأمْرُ فِيهِ عَلى النَّدْبِ. وَعَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ أبِي صَعْصَعَةَ أنَّ أبا سَعِيدٍ قالَ لَهُ: «أراكَ تُحِبُّ الغَنَمَ والبادِيَةَ، فَإذا كُنْتَ في غَنَمِكَ أوْ بادِيَتِكَ فَأذَّنْتَ لِلصَّلاةِ فارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّداءِ؛ فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . رَواهُ البُخارِيُّ ومالِكٌ في المُوَطَّأِ والنَّسائِيُّ. وَمَحَلُّ الشّاهِدِ فِيهِ قَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَأذَّنْتَ لِلصَّلاةِ فارْفَعْ صَوْتَكَ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ إنْ لَمْ يُؤَذِّنْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وأنَّهُ يُرادُ بِهِ الحَثُّ عَلى رَفْعِ الصَّوْتِ لِمَن يُؤَذِّنُ ولَوْ كانَ في البادِيَةِ، لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن هَذا الأجْرِ. أمّا كَوْنُهُ شِعارًا لِلْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وُجُوبُهُ مُتَعَلِّقًا بِالمَساجِدِ في الحَضَرِ، فَيَلْزَمُ أهْلَها، كَما قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في حَقِّ المَساجِدِ. قالَ الشّافِعِيُّ: يُقاتَلُونَ عَلَيْهِ إنْ تَرَكُوهُ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في المَجْمُوعِ لِدَلِيلِ الإغارَةِ في الصُّبْحِ أوِ التَّرْكِ بِسَبَبِ سَماعِهِ، وكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ في السَّفَرِ بِالإمامِ، ويَنْبَغِي أنْ يَحْرِصَ عَلَيْهِ (p-١٣٨)لِفِعْلِهِ ﷺ في كُلِّ أسْفارِهِ في غَزَواتِهِ وفي حَجِّهِ كَما هو مَعْلُومٌ، وما عَدا ذَلِكَ فَهو لا شَكَّ سُنَّةٌ لا يَنْبَغِي تَرْكُها. وَلِابْنِ تَيْمِيَةَ تَقْسِيمٌ نَحْوُ هَذا في المَجْمُوعِ في الجُزْءِ الثّانِي والعِشْرِينَ: ولِلْأذانِ عِدَّةُ جَوانِبَ تَبَعٌ لِذَلِكَ مِنها في حالَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، فَقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِالأذانِ والإقامَةِ لِلْأُولى مِنهُما، والِاكْتِفاءِ بِالإقامَةِ لِلثّانِيَةِ، كَما في الجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بِعَرَفَةَ، والمَغْرِبِ والعَشاءِ في المُزْدَلِفَةِ عَلى الصَّحِيحِ، وهو مِن أدِلَّةِ عَدَمِ الوُجُوبِ لِكُلِّ صَلاةٍ. وَمِنها أنْ لا أذانَ عَلى النِّساءِ أيْ لا وُجُوبَ، وإنْ أرَدْنَ الفَضِيلَةَ أتَيْنَ بِهِ سِرًّا، وقَدْ عَقَدَ لَهُ البَيْهَقِيُّ بابًا قالَ فِيهِ: لَيْسَ عَلى النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ، وساقَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، قالَ: لَيْسَ عَلى النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ، ثُمَّ ساقَ «عَنْ أسْماءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مَرْفُوعًا: ”لَيْسَ عَلى النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ، ولا جُمُعَةٌ ولا اغْتِسالُ جُمُعَةٍ، ولا تَقَدَّمُهُنَّ امْرَأةٌ، ولَكِنْ تَقُومُ في وسَطِهِنَّ»“ هَكَذا رَواهُ الحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأيْلِيُّ وهو ضَعِيفٌ، وقالَ: ورُوِّيناهُ في الأذانِ والإقامَةِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا، ورَفْعُهُ ضَعِيفٌ وهو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ سِيرِينَ والنَّخَعِيِّ. * * تَعَدُّدُ المُؤَذِّنِينَ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ ولِبَقِيَّةِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ في المَسْجِدِ الواحِدِ أوَّلًا: ما يَتَعَلَّقُ بِالجُمُعَةِ، صُوَرُ التَّعَدُّدِ لَها فِيهِ صُورَتانِ، صُورَةُ تَعَدُّدِ الأذانِ أيْ قَبْلَ الوَقْتِ وبَعْدَ الوَقْتِ، وصُورَةُ تَعَدُّدِ المُؤَذِّنِينَ بَعْدَ الوَقْتِ عَلى ما سَيَأْتِي في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، أمّا تَعَدُّدُ الأذانِ فَقَدْ بَوَّبَ لَهُ البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ في بابِ الجُمُعَةِ قالَ: بابُ الأذانِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وساقَ حَدِيثَ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قالَ: «كانَ النِّداءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أوَّلُهُ إذا جَلَسَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. فَلَمّا كانَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكَثُرَ النّاسُ زادَ النِّداءَ الثّالِثَ عَلى الزَّوْراءِ» فَفِيهِ الأذانُ أوَّلًا لِلْوَقْتِ كَبَقِيَّةِ الصَّلَواتِ، وفِيهِ أذانٌ قَبْلَ الوَقْتِ زادَهُ عُثْمانُ لَمّا كَثُرَ النّاسُ، وهو المَعْنى الثّالِثُ، والِاثْنانِ الآخَرانِ هُما الأذانُ لِلْوَقْتِ، والإقامَةُ المَوْجُودانِ مِن قَبْلُ. وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الشَّرْحِ تَنْبِيهًا قالَ فِيهِ: ورُدَّ ما يُخالِفُ ذَلِكَ الخَبَرَ بِأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هو الَّذِي زادَ الأذانَ. (p-١٣٩)فَفِي تَفْسِيرِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنْ زِيادَةَ الرّاوِي، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنانٍ، عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ مُعاذٍ أنَّ عُمَرَ أمَرَ مُؤَذِّنَيْهِ أنْ يُؤَذِّنا لِلنّاسِ الجُمُعَةَ خارِجًا مِنَ المَسْجِدِ حَتّى يَسْمَعَ النّاسُ، وأمَرَ أنْ يُؤَذَّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَما كانَ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ، ثُمَّ قالَ عُمَرُ: نَحْنُ ابْتَدَعْناهُ لِكَثْرَةِ المُسْلِمِينَ اهـ. ثُمَّ ناقَشَ ابْنُ حَجَرٍ هَذا الأثَرَ وقالَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ وجَدَ لَهُ ما يُقَوِّيهِ إلى آخِرِ كَلامِهِ. فَهَذا دَلِيلٌ عَلى تَعَدُّدِ الأذانِ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَ الوَقْتِ وعِنْدَ دُخُولِهِ، سَواءٌ مِن عُمَرَ أوْ مِن عُثْمانَ أوْ مِنهُما مَعًا، رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِما. أمّا مَكانُ هَذا الأذانِ وزَمانُهُ، فَإنَّ المَكانَ قَدْ جاءَ النَّصُّ أنَّهُ كانَ عَلى الزَّوْراءِ. وَقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في تَحْدِيدِ الزَّوْراءِ مَعَ اتِّفاقِهِمْ أنَّها مَكانٌ بِالسُّوقِ، وهَذا يَتَّفِقُ مَعَ الغَرَضِ مِن مَشْرُوعِيَّتِهِ لِتَنْبِيهِ أهْلِ السُّوقِ بِوَقْتِ الجُمُعَةِ لِلسَّعْيِ إلَيْها. أمّا الزَّوْراءُ بِعَيْنِها فَقالَ عُلَماءُ تارِيخِ المَدِينَةِ: إنَّهُ اسْمٌ لِلسُّوقِ نَفْسِها، وقِيلَ: مَكانٌ مِنها مُرْتَفِعٌ كانَ عِنْدَ أحْجارِ الزَّيْتِ، وعِنْدَ قَبْرِ مالِكِ بْنِ سِنانٍ، وعِنْدَ سُوقِ العَباءَةِ. والشَّيْءُ الثّابِتُ الَّذِي لَمْ يَقْبَلِ التَّغَيُّرَ، هو قَبْرُ مالِكِ بْنِ سِنانٍ، لَكِنْ يَقُولُونَ عِنْدَهُ، ولَيْسَ في مَكانِهِ، وقَدْ بَدا لِي أنَّ الزَّوْراءَ هو مَكانُ المَسْجِدِ الَّذِي يُوجَدُ الآنَ بِالسُّوقِ في مُقابَلَةِ البابِ المِصْرِيِّ المَعْرُوفِ بِمَسْجِدِ فاطِمَةَ، ويَبْدُو لِي أنَّ الزَّوْراءَ حُرِّفَتْ إلى الزَّهْراءِ، والزَّهْراءُ عِنْدَ النّاسِ يُساوِي فاطِمَةَ لِكَثْرَةِ قَوْلِهِمْ فاطِمَةَ الزَّهْراءِ، ومَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ فاطِمَةَ الزَّهْراءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَها مَسْجِدٌ في هَذا المَكانِ، فَلا صِحَّةَ لِنِسْبَةِ هَذا المَسْجِدِ إلَيْها، بَلْ ولا ما نُسِبَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - مِن مَساجِدَ في جَوانِبِ مَسْجِدِ المُصَلّى المَعْرُوفِ الآنَ بِمَسْجِدِ الغَمامَةِ، وإنَّما صِحَّةُ ما نُسِبَ إلَيْهِمْ - رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ - هو أنَّ تِلْكَ الأماكِنَ كانَتْ مَواقِفَهم في مُصَلّى العِيدِ، ولِهَذا تَراها كُلَّها في هَذا المَكانِ المُتَواجِدَةِ فِيهِ. فَأوَّلُهم أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ أخَّرَ مَوْقِفَهُ عَنْ مَوْقِفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلّى العِيدَ تَأدُّبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجاءَ مِن بَعْدِهِ، واخْتَلَفَتْ أماكِنُ مُصَلّاهم فَأُقِيمَتْ تِلْكَ المَساجِدُ في أماكِنِ قِيامِهِمْ. (p-١٤٠)أمّا ما يُنْسَبُ إلى فاطِمَةَ الزَّهْراءِ فَلا مُناسَبَةَ لَهُ ولا صِحَّةَ لَهُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّهُ مَنسُوبٌ إلى إحْدى الفُضْلَياتِ مِن نِساءِ العُصُورِ المُتَأخِّرَةِ، واسْمُها فاطِمَةُ، وعَلَيْهِ فَلَعَلَّها قَدْ جَدَّدَتْهُ ولَمْ تُؤَسِّسْهُ؛ لِأنَّهُ لا مُوجِبَ أيْضًا لِتَبَرُّعِها بِإنْشاءِ مَسْجِدٍ بِهَذا القُرْبِ مِن مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَبِمُناسَبَةِ العَمَلِ بِالقَضاءِ فَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ صَكُّ شَرْطِ وقْفٍ لِلْأشْرافِ الشَّراقِمَةِ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وفي بَعْضِ تَحْدِيدِ أعْيانِهِ يَقُولُ: الواقِعُ في طَرِيقِ الزَّوْراءِ، ويَحُدُّهُ جَنُوبًا وقْفُ الحَلَبِيِّ، ووَقْفُ الحَلَبِيِّ مَوْجُودٌ حَتّى الآنَ مَعْرُوفٌ يَقَعُ عَنِ المَسْجِدِ المَوْجُودِ بِالفِعْلِ في الجَنُوبِ الشَّرْقِيِّ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسْجِدِ المَذْكُورِ إلّا السُّورُ والشّارِعُ فَقَطْ، وتارِيخُ هَذا الصَّكِّ قَبْلَ مِائَةِ سَنَةٍ مِن تارِيخِ كِتابَةِ هَذِهِ الأحْرُفِ أيْ قَبْلَ عامِ ألْفٍ ومِائَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ. وَبِهَذا تَرَجَّحَ عِنْدَي أنَّ مَوْضِعَ أذانِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ بِذَلِكَ المَكانِ، وأنَّهُ المُتَوَسِّطُ بِسُوقِ المَدِينَةِ، وتُقَدَّرُ مَسافَتُهُ عَنِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بِحَوالَيْ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ مِتْرًا تَقْرِيبًا. وَقَدْ كانَ الأذانُ الأوَّلُ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى المَنارَةِ، وهَكَذا الأذانُ لِلْوَقْتِ زَمَنَ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، ثُمَّ مَن بَعْدَهم، أمّا هَذا الأذانُ فَكانَ ابْتِداؤُهُ مِنَ الزَّوْراءِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى بابِ المَسْجِدِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى ما بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ، وذَلِكَ زَمَنَ هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى المَنارَةِ. أمّا زَمانُهُ فَلَمْ أقِفْ عَلى تَحْدِيدٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ، كَمْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي ؟ وهَلْ كانَ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ أوْ قَبْلَهُ ؟ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ رِوايَةً عَنِ الطَّبَرانِيِّ ما نَصُّهُ: فَأمَرَ بِالنِّداءِ الأوَّلِ عَلى دارٍ لَهُ يُقالُ لَها الزَّوْراءُ، فَكانَ يُؤَذَّنُ عَلَيْها، فَإذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ أذَّنَ مُؤَذِّنُهُ الأوَّلُ، فَإذا نَزَلَ أقامَ الصَّلاةَ، وفي رِوايَةٍ لَهُ مِن هَذا الوَجْهِ: فَأذَّنَ بِالزَّوْراءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ؛ لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّ الجُمُعَةَ قَدْ حَضَرَتْ، إلى أنْ قالَ: وتَبَيَّنَ بِما مَضى أنَّ عُثْمانَ أحْدَثَهُ لِإعْلامِ النّاسِ بِدُخُولِ وقْتِ الصَّلاةِ قِياسًا عَلى بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ، فَألْحَقَ الجُمُعَةَ بِها، وأبْقى خُصُوصِيَّتَها بِالأذانِ بَيْنَ يَدَيِ الخَطِيبِ، فَتَراهُ يُرَجِّحُ كَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ وعِنْدَ خُرُوجِ عُثْمانَ أيْ مِن بَيْتِهِ وكانَ يَسْكُنُ إلى تِلْكَ الجِهَةِ، ولَكِنَّ هَذا لا يَتَمَشّى مَعَ الغَرَضِ مِن إيجادِ هَذا الأذانِ، لِأنَّهُ لَمّا كَثُرَ (p-١٤١)النّاسُ جَعَلَهُ في السُّوقِ لِإعْلامِهِمْ، فَإذا كانَ بَعْدَ الوَقْتِ، فَأيُّ فائِدَةٍ مِنهُ، وكَيْفَ يُعَدُّ ثالِثًا، إنَّهُ يَكُونُ مِن تَعَدُّدِ المُؤَذِّنِينَ لا مَن تَعَدُّدِ الأذانِ. ثُمَّ إنَّ مَسْكَنَ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ بِجِوارِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَحَلُّهُ مَعْرُوفٌ حَتّى الآنَ، وكانَ يُعْرَفُ بِرِباطِ عُثْمانَ، فَكَيْفَ يَجْعَلُ هَذا الأذانَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَ الزَّوْراءِ ومَكانِ سُكْناهُ. ثُمَّ إنَّ مِنَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أنَّ الأذانَ بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ هو الأذانُ الَّذِي بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ، وتَصِحُّ الصَّلاةُ بَعْدَهُ، فالأذانُ الثّالِثُ كالأوَّلِ بِالنِّسْبَةِ لِلصُّبْحِ، وبِهَذا يَتَرَجَّحُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ الوَقْتِ لا بَعْدَهُ، كالأوَّلِ لِلصُّبْحِ لِيَتَحَقَّقَ الغَرَضُ مِنهُ، وعَلَيْهِ يَنْبَغِي أنْ يُراعى في زَمَنِهِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الثّانِي وما يَتَحَقَّقُ بِهِ الغَرَضُ مِن رُجُوعِ أهْلِ السُّوقِ وتَهَيُّئِهِمْ لِلْجُمُعَةِ وهَذا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأماكِنِ والبِلادِ، وسَواءٌ كانَ قَبْلَ الوَقْتِ أوْ بَعْدَهُ، فَلا بُدَّ مِن زَمَنٍ بَيْنَهُما يَتَمَكَّنُ فِيهِ أهْلُ السُّوقِ مِنَ الحُضُورِ إلى المَسْجِدِ وإدْراكِ الخُطْبَةِ. وَلَوْ أخَذْنا بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ ما وقَعَ لِعُثْمانَ نَفْسِهِ زَمَنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا دَخَلَ المَسْجِدَ وعُمَرُ يَخْطُبُ فَعاتَبَهُ عَلى التَّأْخِيرِ، ثُمَّ أحْدَثَ عُثْمانُ هَذا الأذانَ في عَهْدِهِ لَوَجَدْنا قَرِينَةَ تَقْدِيمِهِ عَنِ الوَقْتِ لِئَلّا يَقَعُ غَيْرُهُ فِيما يَقَعُ هو فِيهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَسَيَأْتِي نَصُّ ابْنِ الحاجِّ عَلى أنَّهُ قَبْلَ الوَقْتِ. وَهَذا آخِرُ ما يَتَعَلَّقُ بِتَعَدُّدِ الأذانِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلى ما يُوجَدُ مِن نِداءاتٍ أُخْرى يَوْمَ الجُمُعَةِ في بَعْضِ الأمْصارِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى ما اسْتُحْدِثَ في الأذانِ وابْتُدِعَ فِيهِ، مِمّا لَيْسَ مِنهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. * * أمّا تَعَدُّدُ المُؤَذِّنِينَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَدْ جاءَ صَرِيحًا في صَحِيحِ البُخارِيِّ في بابِ رَجْمِ الحُبْلى مِنَ الزِّنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ زَمَنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفِيهِ ما نَصُّهُ: ”فَجَلَسَ عُمَرُ عَلى المِنبَرِ ولَمّا سَكَتَ المُؤَذِّنُونَ قامَ فَأثْنى عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ“ إلى آخِرِ الحَدِيثِ. فَهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنَ البُخارِيِّ أنَّهُ كانَ لِعُمَرَ مُؤَذِّنُونَ، وكانُوا يُؤَذِّنُونَ حِينَ يَجْلِسُ عَلى المِنبَرِ، وكانَ يَجْلِسُ إلى أنْ يَفْرَغُوا مِنَ الأذانِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ أيْ كانَ أذانُهم كُلِّهِمْ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ. (p-١٤٢)قالَ ابْنُ الحاجِّ في المَدْخَلِ، وكانُوا ثَلاثَةً يُؤَذِّنُونَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ثُمَّ زادَ عُثْمانُ أذانًا آخَرَ بِالزَّوْراءِ قَبْلَ الوَقْتِ، فَتَحَصَّلَ مِن هَذا وُجُودُ تَعَدُّدِ المُؤَذِّنِينَ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ، وكانُوا زَمَنَ عُمَرَ ثَلاثَةً وكانُوا يُؤَذِّنُونَ مُتَفَرِّقِينَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ أيْضًا ضِمْنَ كَلامِهِ عَلى الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ تَحْتَ عُنْوانِ ”المُؤَذِّنُ الواحِدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ“ رِوايَةً عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ ﷺ «كانَ إذا رَقِيَ المِنبَرَ وجَلَسَ أذَّنَ المُؤَذِّنُونَ وكانُوا ثَلاثَةً واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، فَإذا فَرَغَ الثّالِثُ قامَ فَخَطَبَ» . ثُمَّ قالَ: فَإنَّهُ دَعْوى تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولَمْ يَرِدْ ذَلِكَ صَرِيحًا مِن طَرِيقٍ مُتَّصِلَةٍ يَثْبُتُ مِثْلُها. ثُمَّ قالَ: ثُمَّ وجَدْتُهُ في مُخْتَصَرِ البُوَيْطِيِّ عَنِ الشّافِعِيِّ، وفي تَعْلِيقٍ لِسَماحَةِ رَئِيسِ الجامِعَةِ في الحاشِيَةِ عَلى ذَلِكَ قالَ في مَخْطُوطَةِ الرِّياضِ في مُخْتَصَرِ المُزَنِيِّ: وسَواءٌ كانَ في مُخْتَصَرِ البُوَيْطِيِّ أوِ المُزَنِيِّ فَإنَّ عَزْوَهُ إلى الشّافِعِيِّ صَحِيحٌ وابْنُ حَجَرٍ لَمْ يُعَلِّقْ عَلى وُجُودِ هَذا الأثَرِ بِشَيْءٍ. وَقالَ النَّوَوِيُّ في المَجْمُوعِ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في البُوَيْطِيِّ: والنِّداءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ هو الَّذِي يَكُونُ والإمامُ عَلى المِنبَرِ، يَكُونُ المُؤَذِّنُونَ يَسْتَفْتِحُونَ الأذانَ فَوْقَ المَنارَةِ جُمْلَةً حِينِ يَجْلِسُ الإمامُ عَلى المِنبَرِ؛ لِيَسْمَعَ النّاسُ، فَيَأْتُونَ إلى المَسْجِدِ، فَإذا فَرَغُوا خَطَبَ الإمامُ بِهِمْ، فَهَذا أيْضًا نَصُّ الشّافِعِيِّ يَنْقُلُهُ النَّوَوِيُّ عَلى تَعَدُّدِ المُؤَذِّنِينَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَوْقَ المَنارَةِ جُمْلَةً، والإمامُ عَلى المِنبَرِ، وبِهَذا تَظْهَرُ مَشْرُوعِيَّةُ تَعَدُّدِ الأذانِ لِلْجُمُعَةِ، قَبْلَ وبَعْدَ الوَقْتِ مَن عَمَلِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، وفي تَوَفُّرِ الصَّحابَةِ المَرْضِيِّينَ - رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - مِمّا يَصْلُحُ أنْ يُقالَ فِيهِ إجْماعٌ سُكُوتِيٌّ في وفْرَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - كَما ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ تَعَدُّدِ الأذانِ بَعْدَ الوَقْتِ مَن فِعْلِ الخُلَفاءِ أيْضًا وإجْماعِ الصَّحابَةِ عَلَيْهِ مَعَ أثَرٍ فِيهِ نِقاشٌ مَرْفُوعٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ . أمّا ما يَتَعَلَّقُ بِالأذانِ لِبَقِيَّةِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَكالآتِي: أوَّلًا: تَعَدُّدُ الأذانِ، فَقَدْ ثَبَتَ في حَدِيثِ بِلالٍ وابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ في قَوْلِهِ - ﷺ: «إنْ بِلالًا يُنادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يُنادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وهَذا في صَلاةِ الفَجْرِ فَقَطْ لِما في الحَدِيثِ مِنَ القَرائِنِ المُتَعَدِّدَةِ الَّتِي مِنها: " «يُنادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يُنادِيَ (p-١٤٣)ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، أيْ إنَّ أذانَ بِلالٍ قَبْلَ الفَجْرِ يُحِلُّ الطَّعامَ وأذانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ حِينَ يَحْرُمُ الطَّعامُ عَلى الصّائِمِ. وَفِي رِوايَةٍ: لَمْ يَكُنِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ حَتّى يُقالَ لَهُ: أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ وكانَ بَيْنَهُما مِنَ الزَّمَنِ، فَفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما إلّا أنْ يَنْزِلَ هَذا ويَرْقى هَذا. رَواهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوايَةٍ لِلْجَماعَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ ﷺ: «لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم أذانُ بِلالٍ مِن سَحُورِهِ، فَإنَّهُ يُؤَذِّنُ أوْ قالَ: يُنادِي بِلَيْلٍ؛ لِيَرْجِعَ قائِمُكم ويُوقِظَ نائِمَكم» . قالَ الشَّوْكانِيُّ: يُرِيدُ القائِمَ المُتَهَجِّدَ إلى راحَتِهِ؛ لِيَقُومَ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ نَشِيطًا أوْ يَتَسَحَّرُ، إنْ كانَ لَهُ حاجَةٌ إلى الصِّيامِ، ويُوقِظَ النّائِمَ؛ لِيَتَأهَّبَ لِلصَّلاةِ بِالغُسْلِ والوُضُوءِ، فالأوَّلُ يُشْعِرُ بِتَوالِيهِما مَعَ فَرْقٍ يَسِيرٍ، والآخَرُ يَدُلُّ بِالفَرْقِ بَيْنَهُما، وكِلاهُما صَحِيحُ السَّنَدِ. وَقَدْ فَسَّرَ هَذا النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ ونَقَلَهُ عَنْهُ الشَّوْكانِيُّ في نَيْلِ الأوْطارِ بِقَوْلِهِ: قالَ العُلَماءُ مَعْناهُ: إنَّ بِلالًا كانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الفَجْرِ، ويَتَرَبَّصُ بَعْدَ أذانِهِ لِلدُّعاءِ ونَحْوِهِ، ثُمَّ يَرْقُبُ الفَجْرَ، فَإذا قارَبَ طُلُوعُهُ نَزَلَ فَأخْبَرَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فَيَتَأهَّبُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالطَّهارَةِ وغَيْرِها، ثُمَّ يَرْقى ويَشْرَعُ في الأذانِ مَعَ أوَّلِ طُلُوعِ الفَجْرِ، وهَذا يَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: " «لِيَرْجِعَ قائِمُكم ويُوقِظَ نائِمَكم» إلى آخِرِهِ، ويُصَدِّقُهُ ما جاءَ في الأثَرِ أيْضًا عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وكانَ رَجُلًا أعْمى فَلا يُؤَذِّنُ حَتّى يُقالَ لَهُ: أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ، وهَذا الأذانُ الأوَّلُ لِلْفَجْرِ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ ما عَدا الإمامَ أبا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وحَمَلَ أذانَ بِلالٍ عَلى النِّداءِ بِغَيْرِ ألْفاظِ الأذانِ. قالَ الشَّوْكانِيُّ: وعِنْدَ الأحْنافِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمّا أذَّنَ بِلالٌ قَبْلَ الوَقْتِ أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَرْجِعَ فَيَقُولَ: إلا إنَّ العَبْدَ قَدْ نامَ، وهَذا الأثَرُ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَفِي فَتْحِ القَدِيرِ لِلْأحْنافِ، ما نَصُّهُ: ولا يُؤَذَّنُ لِصَلاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وقْتِها، ويُعادُ في الوَقْتِ. وَقالَ أبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ لِلْفَجْرِ في النِّصْفِ الأخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، قالَ في الشَّرْحِ: وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وقالَ: لِتَوارُثِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ، فَيَكُونُ أبُو يُوسُفَ صاحِبُ أبِي حَنِيفَةَ (p-١٤٤)- رَحِمَهُما اللَّهُ - قَدْ وافَقَ الجُمْهُورَ في مَشْرُوعِيَّةِ الأذانِ قَبْلَ الفَجْرِ قَبْلَ الوَقْتِ، وإنَّ ما اسْتَدَلَّ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وقَدْ جَوَّزَهُ أبُو يُوسُفَ في النِّصْفِ الأخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ. وَجاءَ نَصُّ المالِكِيَّةِ أنَّهُ في السُّدُسِ الأخِيرِ، قالَ في مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ: غَيْرُ مُقَدَّمٍ عَلى الوَقْتِ إلّا الصُّبْحَ فَبِسُدُسِ اللَّيْلِ الأخِيرِ. وَعِنْدَ الحَنابِلَةِ في المَعْنى ما نَصُّهُ: قالَ أصْحابُنا: ويَجُوزُ الأذانُ لِلْفَجْرِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ إلى قَوْلِهِ: وَقَدْ رَوى الأثْرَمُ عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ يُؤَذِّنُ لِصَلاةِ الصُّبْحِ في السَّحَرِ بِقَدْرِ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ سِتَّةَ أمْيالٍ فَلا يُنْكِرُ ذَلِكَ مَكْحُولٌ ولا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا. اهـ. * * تَنْبِيهٌ قالَ في المُغْنِي: وقالَ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ: إذا كانَ مُؤَذِّنانِ يُؤَذِّنُ أحَدُهُما قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ والآخَرُ بَعْدَهُ، فَلا بَأْسَ أيْ: لِيَعْرِفَ الأوَّلُ مِنهُما مِنَ الثّانِي ويَلْتَزِما بِذَلِكَ؛ لِيَعْلَمَ النّاسُ الفَرْقَ بَيْنَ الأذانَيْنِ كَما كانَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى مُلَخَّصًا. أمّا تَعَدُّدُ المُؤَذِّنِينَ لِبَقِيَّةِ الأوْقاتِ الخَمْسَةِ فَكالآتِي: أوَّلًا: فَإنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ عِنْدَ العُلَماءِ هو حَدِيثُ بِلالٍ وابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ في صَلاحِ الفَجْرِ، ثُمَّ قاسُوا عَلَيْهِ لِلْحاجَةِ بَقِيَّةَ الصَّلَواتِ، كَما اسْتَأْنَسُوا لِزِيادَةِ عُمَرَ وعُثْمانَ في الجُمُعَةِ لِلْجَماعَةِ لِزِيادَةِ الإعْلامِ كَما تَقَدَّمَ. ثانِيًا: نَسُوقُ مُوجَزَ الأقْوالِ في ذَلِكَ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ: قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: بابُ اسْتِحْبابِ اتِّخاذِ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الواحِدِ، وساقَ كَلامَهُ عَلى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنانِ: بِلالٌ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» . ثُمَّ قالَ ما نَصُّهُ: وفي الحَدِيثِ اسْتِحْبابُ مُؤَذِّنَيْنِ لِلْمَسْجِدِ الواحِدِ، يُؤَذِّنُ أحَدُهُما قَبْلَ الفَجْرِ والآخَرُ عِنْدَ طُلُوعِهِ. قالَ أصْحابُنا: فَإذا احْتاجَ إلى أكْثَرَ مِن مُؤَذِّنَيْنِ اتَّخَذَ ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً فَأكْثَرَ بِحَسَبِ الحاجَةِ. (p-١٤٥)وَقَدِ اتَّخَذَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أرْبَعَةً لِلْحاجَةِ عِنْدَ كَثْرَةِ النّاسِ. قالَ أصْحابُنا: وإذا تَرَتَّبَ لِلْأذانِ اثْنانِ فَصاعِدًا، فالمُسْتَحَبُّ ألّا يُؤَذِّنُوا دَفْعَةً واحِدَةً، بَلْ إنِ اتَّسَعَ الوَقْتُ تَرَتَّبُوا فِيهِ، فَإنْ تَنازَعُوا في الِابْتِداءِ أُقْرِعَ بَيْنَهم، وإنْ ضاقَ الوَقْتُ، فَإنْ كانَ المَسْجِدُ كَبِيرًا أذَّنُوا مُتَفَرِّقِينَ في أقْطارِهِ، وإنْ كانَ ضَيِّقًا وقَفُوا مَعًا وأذَّنُوا، وهَذا إذا لَمْ يُؤَدِّ اخْتِلافُ الأصْواتِ إلى تَشْوِيشٍ، فَإنْ أدّى إلى ذَلِكَ لَمْ يُؤَذِّنْ إلّا واحِدٌ، اهـ. فَهَذا نَصُّ النَّوَوِيِّ عَلى قَوْلِ أصْحابِهِ أيْ: الشّافِعِيَّةِ في المَسْألَةِ ساقَهُ في شَرْحِ مُسْلِمٍ، وقالَ في المَجْمُوعِ شَرْحِ المُهَذَّبِ عَلى نَصِّ المَتْنِ إذْ قالَ الماتِنُ: والمُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ المُؤَذِّنُ لِلْجَماعَةِ اثْنَيْنِ، وذَكَرَ حَدِيثَ بِلالٍ وابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنِ احْتاجَ إلى الزِّيادَةِ جَعَلَهم أرْبَعَةً؛ لِأنَّهُ كانَ لِعُثْمانَ أرْبَعَةٌ، والمُسْتَحَبُّ أنْ يُؤَذِّنَ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الإعْلامِ. قالَ النَّوَوِيُّ في الشَّرْحِ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: تَجُوزُ الزِّيادَةُ إلى أرْبَعَةٍ، ثُمَّ ناقَشَ المَسْألَةَ مَعَ مَن خالَفَهُ في العَدَدِ ثُمَّ قالَ: العِبْرَةُ بِالمَصْلَحَةِ، فَكَما زادَ عُثْمانُ إلى أرْبَعَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ جازَ لِغَيْرِهِ الزِّيادَةُ. وَذُكِرَ عَنْ صاحِبِ الحاوِي إلى ثَمانِيَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَرْعٌ، وساقَ فِيهِ ما نَصُّهُ: فَإنْ كانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنانِ أذَّنَ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ، كَما كانَ بِلالٌ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنْ تَنازَعُوا في الِابْتِداءِ أُقْرِعَ بَيْنَهم، فَإنْ ضاقَ الوَقْتُ والمَسْجِدُ كَبِيرٌ أذَّنُوا في أقْطارِهِ كُلُّ واحِدٍ في قُطْرٍ؛ لِيَسْمَعَ أهْلُ تِلْكَ النّاحِيَةِ، وإنْ كانَ صَغِيرًا أذَّنُوا مَعًا وإذا لَمْ يُؤَدِّ إلى تَهْوِيشٍ. قالَ صاحِبُ الحاوِي وغَيْرُهُ: ويَقِفُونَ جَمِيعًا عَلَيْهِ كَلِمَةً كَلِمَةً فَإنْ أدّى إلى تَهْوِيشٍ أذَّنَ واحِدٌ. إلَخْ. وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، بابُ مَن قالَ: لِيُؤَذِّنْ في السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ واحِدٌ، وساقَ بِسَنَدِهِ عَنْ مالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في نَفَرٍ مِن قَوْمِي، فَأقَمْنا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وكانَ رَحِيمًا ورَفِيقًا، فَلَمّا رَأى شَوْقَنا إلى أهالِينا، قالَ: ”ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وعَلِّمُوهم وصَلُّوا إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكم أحَدُكم، ولْيَؤُمَّكم أكْبَرُكم»“ . قالَ في الفَتْحِ أثْناءَ الشَّرْحِ: وعَلى هَذا فَلا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: مُؤَذِّنٌ واحِدٌ في السَّفَرِ لِأنَّ (p-١٤٦)الحَضَرَ أيْضًا لا يُؤَذِّنُ فِيهِ إلّا واحِدٌ، ولَوِ احْتِيجَ إلى تَعَدُّدِهِمْ لِتَباعُدِ أقْطارِ البَلَدِ أذَّنَ كُلُّ واحِدٍ في جِهَةٍ ولا يُؤَذِّنُونَ جَمِيعًا. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أوَّلَ مَن أحْدَثَ التَّأْذِينَ جَمِيعًا بَنُو أُمَيَّةَ. وَقالَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ: وأُحِبُّ أنْ يُؤَذِّنَ مُؤَذِّنٌ بَعْدَ مُؤَذِّنٍ، ولا يُؤَذِّنُونَ جَمِيعًا، وإنْ كانَ مَسْجِدٌ كَبِيرٌ فَلا بَأْسَ أنْ يُؤَذِّنَ في كُلِّ جِهَةٍ مِنهُ، مُؤَذِّنٌ، يُسْمِعُ مَن يَلِيهِ في وقْتٍ واحِدٍ. اهـ. وَهَذا الَّذِي حَكاهُ الشّارِحُ عَنِ الشّافِعِيِّ مَوْجُودٌ في الأُمِّ، ولَكِنْ بِلَفْظِ فَلا بَأْسَ أنْ يُؤَذِّنَ في كُلِّ مَنارَةٍ لَهُ مُؤَذِّنٌ فَيُسْمِعُ مَن يَلِيهِ في وقْتٍ واحِدٍ. ا هـ. وَهَذا القَدْرُ كافٍ لِبَيانِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ وأصْحابِهِ، مِن أنَّ التَّعَدُّدَ جائِزٌ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ. وَعِنْدَ مالِكٍ جاءَ في المُوَطَّأِ حَدِيثُ بِلالٍ وابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أيْضًا. وَقالَ الباجِيُّ في شَرْحِهِ: ويَدُلُّ هَذا الحَدِيثُ عَلى جَوازِ اتِّخاذِ مُؤَذِّنَيْنِ في مَسْجِدٍ يُؤَذِّنانِ لِصَلاةٍ واحِدَةٍ. وَرَوى عَلِيُّ بْنُ زِيادٍ عَنْ مالِكٍ: لا بَأْسَ أنْ يُؤَذِّنَ لِلْقَوْمِ في السَّفَرِ والحَرَسِ والمَرْكِبِ ثَلاثَةُ مُؤَذِّنِينَ وأرْبَعَةٌ، ولا بَأْسَ أنْ يُتَّخَذَ في المَسْجِدِ أرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ وخَمْسَةٌ. قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا بَأْسَ فِيما اتَّسَعَ وقْتُهُ مِنَ الصَّلَواتِ، كالصُّبْحِ والظُّهْرِ والعِشاءِ، أنْ يُؤَذِّنَ خَمْسَةٌ إلى عَشَرَةٍ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ، وفي العَصْرِ مِن ثَلاثَةٍ إلى خَمْسَةٍ، ولا يُؤَذِّنُ في المَغْرِبِ إلّا واحِدٌ. فَهَذا نَصُّ مالِكٍ والمالِكِيَّةِ في جَوازِ تَعَدُّدِ الأذانِ في المَسْجِدِ الواحِدِ، يُؤَذِّنُونَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ. وَفِي مَتْنِ خَلِيلٍ ما نَصُّهُ: وتَعَدُّدُهُ وتَرْتِيبُهم إلّا المَغْرِبَ، وجَمْعُهم كُلٌّ عَلى أذانٍ. وَذَكَرَ الشّارِحُ الخُرَشِيُّ: مِن خَمْسَةٍ إلى عَشَرَةٍ في الصُّبْحِ والظُّهْرِ والعِشاءِ، وفي العَصْرِ مِن ثَلاثَةٍ إلى خَمْسَةٍ، وفي المَغْرِبِ واحِدٌ أوْ جَماعَةٌ. إلَخْ. وَعِنْدَ الحَنابِلَةِ قالَ في المُغْنِي: فَصْلٌ، ولا يُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ عَلى مُؤَذِّنَيْنِ لِحَدِيثِ (p-١٤٧)بِلالٍ وابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أيْضًا، ثُمَّ قالَ: إلّا أنْ تَدْعُوَ الحاجَةُ إلى الزِّيادَةِ عَلَيْهِما فَيَجُوزُ. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ لَهُ أرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ، وإنْ دَعَتِ الحاجَةُ إلى أكْثَرَ مِنهم كانَ مَشْرُوعًا، وإذا كانَ أكْثَرُ مِن واحِدٍ وكانَ الواحِدُ يُسْمِعُ النّاسَ، فالمُسْتَعْجَبُ أنْ يُؤَذِّنَ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ؛ لِأنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ ﷺ كانَ أحَدُهُما يُؤَذِّنُ بَعْدَ الآخَرِ، وإنْ كانَ الإعْلامُ لا يَحْصُلُ بِواحِدٍ أذَّنُوا عَلى حَسَبِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، إمّا أنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ واحِدٍ في مَنارَةٍ أوْ ناحِيَةٍ أوْ دَفْعَةٍ واحِدَةٍ في مَوْضِعٍ واحِدٍ. قالَ أحْمَدُ: إنْ أذَّنَ عِدَّةٌ في مَنارَةٍ فَلا بَأْسَ، وإنْ خافُوا مَن تَأْذِينِ واحِدٍ بَعْدَ واحِدٍ فَواتَ أوَّلِ الوَقْتِ، أذَّنُوا جَمِيعًا دَفْعَةً واحِدَةً. وَعِنْدَ الأحْنافِ: جاءَ في فَتْحِ القَدِيرِ شَرْحِ الهِدايَةِ في سِياقِ إجابَةِ المُؤَذِّنِ وحِكايَةِ الأذانِ ما نَصُّهُ: إذا كانَ في المَسْجِدِ أكْثَرُ مِن مُؤَذِّنٍ أذَّنُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، فالحُرْمَةُ لِلْأوَّلِ إلى أنْ قالَ: فَإذا فُرِضَ أنْ سَمِعُوهُ مِن غَيْرِ مَسْجِدِهِ تَحَقَّقَ في حَقِّهِ السَّبَبُ، فَيَصِيرُ كَتَعَدُّدِهِمْ في المَسْجِدِ الواحِدِ، فَإنْ سَمِعَهم مَعًا أجابَ مُعْتَبِرًا كَوْنَ جَوابِهِ لِمُؤَذِّنِ مَسْجِدِهِ. هَذِهِ نُصُوصُ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - في جَوازِ تَعَدُّدِ المُؤَذِّنِينَ والأذانِ في المَسْجِدِ الواحِدِ لِلصَّلاةِ الواحِدَةِ مُتَفَرِّقِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ. وَقالَ ابْنُ حَزْمٍ: ولا يَجُوزُ أنْ يُؤَذِّنَ اثْنانِ فَصاعِدًا مَعًا، فَإنْ كانَ ذَلِكَ فالمُؤَذِّنُ هو المُبْتَدِئُ إلى أنْ قالَ: وَجائِزٌ أنْ يُؤَذِّنَ جَماعَةٌ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ لِلْمَغْرِبِ وغَيْرِها سَواءٌ في كُلِّ ذَلِكَ، فَلَمْ يَمْنَعْ تَعَدُّدَ الأذانِ مِن عِدَّةِ مُؤَذِّنِينَ في المَسْجِدِ الواحِدِ أحَدٌ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ. * * الحِكْمَةُ في الأذانِ أمّا الحِكْمَةُ في الأذانِ فَإنَّ أعْظَمَها أنَّ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما تَقَدَّمَ في أصْلِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وقَدِ اشْتَمَلَ عَلى أُصُولِ عَقائِدِ التَّوْحِيدِ تُعْلَنُ عَلى المَلَأِ، تَمْلَأُ الأسْماعَ حَتّى صارَ شِعارَ المُسْلِمِينَ. وَنُقِلَ عَنِ القاضِي عِياضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ: (p-١٤٨)اعْلَمْ أنَّ الأذانَ كَلامٌ جامِعٌ لِعَقِيدَةِ الإيمانِ مُشْتَمِلٌ عَلى نَوْعِهِ مِنَ العَقْلِيّاتِ والسَّمْعِيّاتِ، فَأوَّلُهُ: إثْباتُ الذّاتِ وما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ الكِمالاتِ والتَّنْزِيهِ عَنْ أضْدادِها وذَلِكَ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أكْبَرُ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَعَ اخْتِصارِ لَفْظِها دالَّةٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ. ثُمَّ يُصَرِّحُ بِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ ونَفْيِ ضِدِّها مِنَ الشَّرِكَةِ المُسْتَحِيلَةِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذِهِ عُمْدَةُ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ المُقَدَّمَةِ عَلى كُلِّ وظائِفِ الدِّينِ، ثُمَّ يُصَرِّحُ بِإثْباتِ النُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ بِالرِّسالَةِ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وهي قاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ بَعْدَ الشَّهادَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ، ومَوْضِعُها بَعْدَ التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّها مِن بابِ الأفْعالِ الجائِزَةِ الوُقُوعِ، وتِلْكَ المُقَدِّماتُ مِن بابِ الواجِباتِ وبَعْدَ هَذِهِ القَواعِدِ كَلِماتُ العَقائِدِ العَقْلِيّاتِ، فَدَعا إلى الصَّلاةِ وجَعَلَها عَقِبَ إثْباتِ النُّبُوَّةِ، لِأنَّ مَعْرِفَةَ وُجُوبِها مِن جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ لا مِن جِهَةِ العَقْلِ. ثُمَّ دَعا إلى الفَلاحِ وهو الفَوْزُ والبَقاءُ في النَّعِيمِ المُقِيمِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأُمُورِ الآخِرَةِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ وهي آخِرُ تَراجِمِ عَقائِدِ الإسْلامِ. إلَخْ. وَمُرادُهُ بِالعَقْلِيّاتِ في العَقائِدِ أيْ إثْباتُ وُجُودِ اللَّهِ وأنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وهو المَعْرُوفُ عِنْدَهم بِقانُونِ الإلْزامِ، الَّذِي يُقالُ فِيهِ: إنَّ المَوْجُودَ إمّا جائِزُ الوُجُودِ أوْ واجِبُهُ، فَجائِزُ الوُجُودِ جائِزُ العَدَمِ قَبْلَ وُجُودِهِ واسْتَوى الوُجُودُ والبَقاءُ في العَدَمِ قَبْلَ أنْ يُوجَدَ، فَتَرَجَّحَ وُجُودُهُ عَلى بَقائِهِ في العَدَمِ، وهَذا التَّرْجِيحُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ وهو اللَّهُ تَعالى. وواجِبُ الوُجُودِ لَمْ يَحْتَجْ إلى مُوجِدٍ، ولَمْ يَجُزْ في صِفَةِ عَدَمٍ وإلّا لاحْتاجَ مُوجِدُهُ إلى مُوجِدٍ، ومُرَجِّحُ وُجُودِهِ عَلى مَوْجُودٍ. وَهَكَذا فاقْتَضى الإلْزامُ العَقْلِيُّ وُجُوبَ وُجُودِ مُوجِدٍ واجِبِ الوُجُودِ، وهَذا مِن حَيْثُ الوُجُودُ فَقَطْ، وقَدْ أُدْخِلَ العَقْلُ في بَعْضِ الصِّفاتِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُها الوُجُودُ، والحَقُّ أنَّ العَقْلَ لا دَخْلَ لَهُ في العَقائِدِ مِن حَيْثُ الإثْباتُ أوِ النَّفْيُ؛ لِأنَّها سَمْعِيَّةٌ ولا تُؤْخَذُ إلّا عَنِ الشّارِعِ الحَكِيمِ، لِأنَّ العَقْلَ يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ، ومُرادُنا التَّنْبِيهُ عَلى إدْخالِ العَقْلِيّاتِ هُنا فَقَطْ. وَقَدْ سُقْنا كَلامَ القاضِي عِياضٍ هَذا في حِكْمَةِ الأذانِ لِوَجاهَتِهِ، ولِتَعْلَمَ مِن خُصُوصِيَّةِ الأذانِ في هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِها بِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِصَلْصَلَةِ ناقُوسٍ أجْوَفَ، ولا أصْواتِ بُوقٍ أهْوَجَ، ولا دَقّاتِ طَبْلٍ أرْعَنَ، كَما هو الحالُ عِنْدَ الآخَرِينَ، بَلْ هو كَلِماتٌ ونِداءٌ يُوقِظُ القُلُوبَ مِن سُباتِها، وتُفِيقُ النُّفُوسُ مِن غَفْلَتِها، وتَكُفُّ الأذْهانُ عَنْ تَشاغُلِها، وتُهَيِّئُ المُسْلِمَ إلى هَذِهِ (p-١٤٩)الفَرِيضَةِ العُظْمى، ثانِيَةِ أرْكانِ الإسْلامِ وعَمُودِهِ. فَإذا ما سَمِعَ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ مَرَّتَيْنِ، عَظُمَ اللَّهُ في نَفْسِهِ، واسْتَحْضَرَ جَلالَهُ وقَدَّسَهُ واسْتَصْغَرَ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَ اللَّهِ، فَلا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَشْغَلُ نَفْسَهُ عَنْهُ أيُّ شَيْءٍ. فَإذا سَمِعَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، عَلِمَ أنَّ مِن حَقِّهِ عَلَيْهِ طاعَةَ اللَّهِ وعِبادَتَهُ. وَإذا سَمِعَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، عَلِمَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِجابَةُ داعِي اللَّهِ. وَإذا سَمِعَ حَيَّ عَلى الصَّلاةِ حَيَّ عَلى الفَلاحِ، عَلِمَ أنَّ فَلاحَهُ في صِلاتِهِ في وقْتِها لا فِيما يَشْغَلُهُ عَنْها. وَهَكَذا فَكانَ مَمْشاهُ إلَيْها تَخَشُّعًا، وخُطاهُ إلى المَسْجِدِ تَطَوُّعًا مَعَ حُضُورِ القَلْبِ واسْتِجْماعِ الشُّعُورِ. وَمِن هُنا أيْضًا نُدْرِكُ السِّرَّ في طَلَبِ السّامِعِ مُحاكاةَ الأذانِ تَبَعًا لِلْمُؤَذِّنِ لِيَرْتَبِطَ مَعَهُ في إعْلانِهِ وعَقِيدَتِهِ وشُعُورِهِ، كَما جاءَ في أثَرِ عَمْرِو بْنِ العاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ المُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”قُلْ مِثْلَ ما يَقُولُونَ، فَإذا انْتَهَيْتَ فاسْألْ تُعْطَهُ»“ . رَواهُ أبُو داوُدَ. وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا المَوْضُوعَ هُنا، وإنْ كانَ لَيْسَ مِن مَنهَجِ الكِتابِ، ولَكِنْ لِمُوجِبِ اقْتِضاءٍ، ولِمُناسَبَةِ مَبْحَثِ الأذانِ. أمّا المُوجِبُ فَهو أنِّي سَمِعْتُ مُنْذُ أيّامٍ أثْناءَ الكِتابَةِ في مَباحِثِ الأذانِ، وسَمِعْتُ مِن إذاعَةٍ لِبَلَدٍ عَرَبِيٍّ مُسْلِمٍ أنَّ كاتِبًا اسْتَنْكَرَ الأذانَ في الصُّبْحِ خاصَّةً، وفي بَقِيَّةِ الأوْقاتِ بِواسِطَةِ المُكَبِّرِ لِلصَّوْتِ، وقالَ: إنَّهُ يُرْهِقُ الأعْصابَ وخاصَّةً عِنْدَ أداءِ النّاسِ لِأعْمالِهِمْ أوْ عِنْدَ الفَراغِ مِنها والعَوْدَةِ لِراحَتِهِمْ، ولا سِيَّما في الفَجْرِ عِنْدَ نَوْمِهِمْ، فَكانَ وقْعُهُ ألِيمًا أنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ ويُنْشَرَ، ولَكِنْ أجابَ عَلَيْهِ أحَدُ خُطَباءِ الجُمَعِ في خُطْبَةٍ وافِيَةٍ، وأفْهَمَهُ أنَّ الإرْهاقَ والِاضْطِرابَ إنَّما هو مِن عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ لِهَذا النِّداءِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ أخْبَرَ أنَّ الشَّيْطانَ يَبُولُ في أُذُنِ النّائِمِ، وأنَّهُ يَعْقِدُ عَلَيْهِ ثَلاثَ عُقَدٍ، فَإذا ما اسْتَيْقَظَ وذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وإذا تَوَضَّأ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ أُخْرى، فَإذا صَلّى انْحَلَّتِ العُقْدَةُ الثّالِثَةُ، وأصْبَحَ نَشِيطًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرَّدِّ الكافِي. (p-١٥٠)وَلا شَكَّ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ الكِتابَةِ لا تَصْدُرُ إلّا مِمَّنْ لا يَعِي مَعْنى الأذانِ. هَذا ما اسْتَوْجَبَ عَرْضَ الحِكْمَةِ مِنَ الأذانِ، وإنْ كانَتْ مُجانِبَةً لِمَنهَجِ الكِتابِ، ولَكِنْ بِمُناسَبَةِ مَباحِثِ الأذانِ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. * * مُحاكاةُ المُؤَذِّنِ تُعْتَبَرُ مُحاكاةُ المُؤَذِّنِ رَبْطًا لِسامِعِ الأذانِ، وتَنْبِيهًا لَهُ لِمَوْضُوعِهِ، جاءَ الحَدِيثُ: «إذا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ» رَواهُ البُخارِيُّ. وَفِي رِوايَةٍ عِنْدَهُ «عَنْ مُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ أيْ مُعاوِيَةُ: وهو عَلى المِنبَرِ مِثْلَ قَوْلِ المُؤَذِّنِ إلى قَوْلِهِ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ولَمّا قالَ المُؤَذِّنُ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، قالَ مُعاوِيَةُ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، وكَذَلِكَ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا سَمِعْنا نَبِيَّكم ﷺ» . وَعِنْدَ النَّسائِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقامَ بِلالٌ يُنادِي، فَلَمّا سَكَتَ قالَ ﷺ: ”مَن قالَ مِثْلَ هَذا يَقِينًا دَخَلَ الجَنَّةَ»“ . كَيْفِيَّةُ المُحاكاةِ، في الحَدِيثِ الأوَّلِ: «فَقُولُوا مِثْلَما يَقُولُ» وهَكَذا يَشْعُرُ بِتَتَبُّعِهِ جُمْلَةً جُمْلَةً، وفي الحَدِيثِ الثّانِي: «فَلَمّا سَكَتَ قالَ ﷺ: ”مَن قالَ مِثْلَ هَذا»“ وبَعْدَ السُّكُوتِ تَنْطَبِقُ المِثْلِيَّةُ بِمَجِئِ الأذانِ بَعْدَ فَراغِ المُؤَذِّنِ، فَوَقَعَ الِاحْتِمالُ. وَقَدْ جاءَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ ما يُؤَيِّدُ الأوَّلَ، فَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ ﷺ قالَ: «إذا قالَ المُؤَذِّنُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، فَقالَ أحَدُكم: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، ثُمَّ قالَ أشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَ: أشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ قالَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ، قالَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، ثُمَّ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مِن قَلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . فَهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ مُحاكِيَ المُؤَذِّنِ يُتابِعُهُ جُمْلَةً جُمْلَةً إلى آخِرِهِ ما عَدا الحَيْعَلَتَيْنِ، فَإنَّهُ يَأْتِي بَدَلًا مِنهُما بِالحَوْقَلَةِ، وقالُوا: إنَّ الحَيْعَلَتَيْنِ نِداءٌ لِلْإقْبالِ عَلى المُنادِي، وهَذا يَصْدُقُ في حَقِّ المُؤَذِّنِ، أمّا الَّذِي يَحْكِي الأذانَ فَلَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ ولا يَصْدُقُ (p-١٥١)عَلَيْهِ أنْ يُنادِيَ غَيْرَهُ فَلا أجْرَ لَهُ في نُطْقِهِ بِهِما، فَيَأْتِي بِلا حَوْلٍ ولا قُوَّةٍ إلّا بِاللَّهِ لِأمْرَيْنِ الأوَّلِ: أنَّهُ ذِكْرٌ يُثابُ عَلَيْهِ سِرًّا وعَلانِيَةً، والثّانِي: اسْتِشْعارٌ بِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهُ عَنْ مَعْصِيَةٍ ولا قُوَّةَ لَهُ عَلى طاعَةٍ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وفِيهِ اسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ وحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ عَلى إجابَةِ هَذا النِّداءِ، وأداءِ الصَّلاةِ مَعَ الجَماعَةِ. وَقَدْ أخَذَ الجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِمُحاكاةِ المُؤَذِّنِ في جَمِيعِ الأذانِ عَلى النَّحْوِ المُقَدَّمِ، وعِنْدَ مالِكٍ يَكْتَفِي إلى الحَوْقَلَةِ لِحَدِيثِ مُعاوِيَةَ. ونَصُّ كُتُبِ المالِكِيَّةِ أنَّهُ هو المَشْهُورُ في المَذْهَبِ وغَيْرُ المَشْهُورِ أيْ مُقابِلُ المَشْهُورِ طَلَبُ حِكايَةِ الأذانِ جَمِيعِهِ، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى خَلِيلٍ. * * بَعْضُ الزِّياداتِ عَلى ألْفاظِ الأذانِ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَوْقَلَةِ عِنْدَ الحَيْعَلَةِ في بَعْضِ رِواياتِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، عِنْدَ الشَّهادَتَيْنِ يَقُولُ زِيادَةً: «وَأنا أشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وبِالإسْلامِ دِينًا غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ» . * * الصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وسُؤالُ اللَّهِ لَهُ الوَسِيلَةَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إذا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَما يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإنَّهُ مَن صَلّى عَلَيَّ صَلاةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ؛ فَإنَّها مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلّا لِعَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ، وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا هو، فَمَن سَألَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفاعَةُ» وهَذا عامٌّ لِلْأذانِ في الصَّلَواتِ الخَمْسِ إلّا أنَّهُ جاءَ في المَغْرِبِ والفَجْرِ بَعْضُ الزِّياداتِ، فَفي المَغْرِبِ حَكى النَّوَوِيُّ: أنَّهُ لَهُ أنْ يَقُولَ بَعْدَ النِّداءِ: «اللَّهُمَّ هَذا إقْبالُ لَيْلِكَ، وإدْبارُ نَهارِكَ وأصْواتُ دُعائِكَ اغْفِرْ لِي»، ويَدْعُو بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ، ذَكَرَهُ صاحِبُ المُهَذَّبِ وعَزاهُ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وأقَرَّهُ النَّوَوِيُّ في المَجْمُوعِ. أمّا في سَماعِ أذانِ الفَجْرِ فَيَقُولُ عِنْدَ (الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ): صَدَقْتَ وبَرَرْتَ، حَكاهُ النَّوَوِيُّ في المَجْمُوعِ. وَعَنِ الرّافِعِيِّ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. وَإذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ وهو في الصَّلاةِ، نَصَّ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لا يَحْكِيهِ؛ لِأنَّ في الصَّلاةِ (p-١٥٢)لَشُغْلًا، وإذا سَمِعَهُ وهو في المَسْجِدِ جالِسٌ نَصَّ أحْمَدُ أنَّهُ لا يَقُومُ حالًا لِلصَّلاةِ حَتّى يَفْرَغَ المُؤَذِّنُ أوْ يَقْرُبَ. وَإذا دَخَلَ المَسْجِدَ وهو يُؤَذِّنُ اسْتُحِبَّ لَهُ انْتِظارُهُ لِيَفْرَغَ ويَقُولَ مِثْلَ ما يَقُولُ جَمْعًا بَيْنَ الفَضِيلَتَيْنِ، وإنْ لَمْ يَقُلْ كَقَوْلِهِ وافْتَتَحَ الصَّلاةَ فَلا بَأْسَ، ذَكَرَهُ صاحِبُ المُغْنِي عَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

الجمعة 62:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - التَّنْبِيهُ عَلى ما فِيها مِن مَبْحَثٍ أُصُولِيٍّ، وهو الأمْرُ بَعْدَ الحَظْرِ وأصَحُّ ما فِيهِ أنَّهُ يُرَدُّ الأمْرُ المَحْظُورُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ الحَظْرِ عَلَيْهِ. مَسْألَةٌ وَقْتُ السَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾، أنَّ السَّعْيَ يَكُونُ بَعْدَ النِّداءِ، وعِنْدَ تَرْكِ البَيْعِ، ومَفْهُومُهُ (p-١٨٣)أنَّ قَبْلَ النِّداءِ لا يَلْزَمُ السَّعْيُ ولا تَرْكُ البَيْعِ، وهَذا ظاهِرٌ مِنَ النَّصِّ، ولَكِنْ جاءَتْ نُصُوصٌ لِلْحَثِّ عَلى البُكُورِ إلى الجُمُعَةِ، مِنها قَوْلُهُ ﷺ: «مَن بَكَّرَ، وابْتَكَرَ، ومَشى ولَمْ يَرْكَبْ، وصَلّى ما تَيَسَّرَ لَهُ» . الحَدِيثَ. وَحَدِيثُ: «مَن راحَ في السّاعَةِ الأُولى» إلى آخِرِ الحَدِيثِ، فَكانَ البُكُورُ مَندُوبًا إلَيْهِ، وهَذا أمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ، ولَكِنْ وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ مالِكٍ والجُمْهُورِ في مَبْدَأِ البُكُورِ، ومَعْنى السّاعَةِ الأُولى أيِّ ساعَةٍ لُغَوِيَّةٍ أوْ زَمَنِيَّةٍ، وهَلْ هي الأُولى مِنَ النَّهارِ أوِ الأُولى بَعْدَ الأذانِ ؟، فَقالَ مالِكٌ: إنَّ السّاعَةَ لُغَوِيَّةٌ، وهي الأُولى بَعْدَ الأذانِ، إذْ لا يَجِبُ السَّعْيُ إلّا بَعْدَهُ وقَبْلَهُ لا تَكْلِيفَ بِهِ. وَحَمَلَ الجُمْهُورُ السّاعَةَ عَلى السّاعَةِ الزَّمَنِيَّةِ، وأنَّ الأُولى هي الأُولى مِنَ النَّهارِ، والرّاجِحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ لِعِدَّةِ أُمُورٍ: أوَّلًا: في لَفْظِ حَدِيثِ البُكُورِ؛ لِأنَّ لَفْظَ البُكُورِ لا يَكُونُ إلّا لِأوَّلِ النَّهارِ، ولا يُقالُ لِما بَعْدَ الزَّوالِ بُكُورٌ، بَلْ يُسَمّى عَشِيًّا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] وتَكْرارُ بَكَّرَ، وابْتَكَرَ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في بُكْرَةِ النَّهارِ وأوائِلِهِ، وكَذَلِكَ لَفْظَةُ: ”مَن راحَ“ لِأنَّ الرَّواحَ لِأوَّلِ النَّهارِ. ثانِيًا في الحَدِيثِ: «وَصَلّى ما تَيَسَّرَ»، لَهُ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنْ هُناكَ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلصَّلاةِ بِقَدْرِ ما تَيَسَّرَ لَهُ. أمّا عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ، فَلا مُتَّسَعَ لِصَلاةٍ بَعْدَ النِّداءِ، ولا سِيَّما في زَمَنِهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ إلّا أذانٌ واحِدٌ، وبَعْدَ النِّداءِ فَلا مُتَّسَعَ لِلصَّلاةِ. ثالِثًا: ما جاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، كَما تَقَدَّمَ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي أرْبَعًا وثَمانِيَ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وهَذا كُلُّهُ لا يَكُونُ مَعَ السّاعاتِ اللُّغَوِيَّةِ، وما جاءَ عِنْدَ النَّيْسابُورِيِّ مِن قَوْلِهِ في تَفْسِيرِهِ: وكانَتِ الطُّرُقاتُ في أيّامِ السَّلَفِ وقْتَ السَّحَرِ وبَعْدَ الفَجْرِ غاصَّةً بِالمُبَكِّرِينَ إلى الجُمُعَةِ يَمْشُونَ بِالسُّرُجِ. وَقِيلَ: أوَّلُ بِدْعَةٍ أُحْدِثَتْ في الإسْلامِ تَرْكُ البُكُورِ إلى الجُمُعَةِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، هو أنَّ زَمَنَ السَّعْيِ لَهُ جِهَتانِ: جِهَةُ وُجُوبٍ وإلْزامٍ، وهَذا لا شَكَّ أنَّهُ بَعْدَ النِّداءِ إلّا مَن كانَ مَحَلُّهُ بَعِيدًا، بِحَيْثُ لَوِ انْتَظَرَ حَتّى يُنادى لَها لا يُدْرِكُها فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إلَيْها قَبْلَ النِّداءِ اتِّفاقًا؛ لِأنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ مِن (p-١٨٤)أداءِ ما وجَبَ عَلَيْهِ مِن صَلاةِ الجُمُعَةِ إلّا بِذَلِكَ. وَما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، وهَذا مَخْصُوصٌ مِن ظاهِرِ النَّصِّ المُتَقَدِّمِ. الجِهَةُ الثّانِيَةُ: جِهَةُ نَدْبٍ واسْتِحْبابٍ، وهَذا لا يَتَقَيَّدُ بِزَمَنٍ وإنَّما هو بِحَسَبِ ظُرُوفِ الشَّخْصِ، فَمَن تَمَكَّنَ مِنَ البُكُورِ، ولَمْ يَتَعَطَّلْ بِبُكُورِهِ ما هو ألْزَمُ مِنهُ، فَيُنْدَبُ لَهُ البُكُورُ، وبِحَسَبِ ما يَكُونُ بُكُورُهُ في السّاعاتِ الخَمْسِ المَذْكُورَةِ في الحَدِيثِ يَكُونُ ما لَهُ مِنَ الأجْرِ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى أمْرانِ: الأوَّلُ: حَدِيثُ «المَلائِكَةِ عَلى أبْوابِ المَساجِدِ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، فَإذا حَضَرَ الإمامُ طَوَتِ الصُّحُفَ وجَلَسُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»، فَكِتابَةُ الأوَّلِ فالأوَّلِ قَبْلَ خُرُوجِ الإمامِ، تَدُلُّ عَلى فَضْلِ الأوَّلِيَّةِ قَبْلَ النِّداءِ كَما تَقَدَّمَ. الأمْرُ الثّانِي: أنَّنا وجَدْنا لِكُلِّ واجِبٍ مَندُوبًا والسَّعْيُ إلى الجُمُعَةِ عِنْدَ النِّداءِ واجِبٌ، فَيَكُونُ لَهُ مَندُوبٌ وهو السَّعْيُ قَبْلَ النِّداءِ، فَكَما لِلصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ واجِبٌ ومَندُوبٌ، فَكَذَلِكَ لِلسَّعْيِ واجِبٌ ومَندُوبٌ، فَواجِبُهُ بَعْدَ النِّداءِ، ومَندُوبُهُ قَبْلَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. * * الغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ تَرْتِيبُ السَّعْيِ إلى ذِكْرِ اللَّهِ عَلى النِّداءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا مُقَيَّدٌ بِسَبْقِ الطُّهْرِ إجْماعًا، وقَدْ جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فَكانَتِ الطَّهارَةُ بِالوُضُوءِ شَرْطًا في صِحَّةِ الصَّلاةِ. وَهُنا في خُصُوصِ الجُمُعَةِ لَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ في خُصُوصِ الطُّهْرِ لَها بِوُضُوءٍ أوْ غُسْلٍ. وَقَدْ جاءَتْ أحادِيثُ في غُسْلِ الجُمُعَةِ مِنها حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ”، وفي لَفْظٍ:“ طُهْرُ يَوْمِ الجُمُعَةِ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كَطُهْرِ الجَنابَةِ»، وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في وُجُوبِ الغُسْلِ عَلى كُلِّ مَن بَلَغَ سِنَّ الحُلُمِ. وَجاءَ حَدِيثٌ آخَرُ: «مَن تَوَضَّأ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِها ونِعْمَتْ، ومَنِ اغْتَسَلَ فالغُسْلُ أفْضَلُ»، وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أفْضَلِيَّةِ الغُسْلِ عَلى الوُضُوءِ، وبِالتّالِي صِحَّةِ الجُمُعَةِ بِالوُضُوءِ وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. (p-١٨٥)وَقَدْ جاءَ عِنْدَ مالِكٍ في المُوَطَّأِ: أنَّ عُثْمانَ دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وعُمَرُ يَخْطُبُ فَعاتَبَهُ عَلى تَأخُّرِهِ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ ما إنْ سَمِعَ النِّداءَ حَتّى تَوَضَّأ، وأتى إلى المَسْجِدِ، فَقالَ لَهُ: والوُضُوءَ أيْضًا، وذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالعَوْدَةِ إلى الغُسْلِ، ولَوْ كانَ واجِبًا لَما تَرَكَهُ عُثْمانُ مِن نَفْسِهِ، ولا أقَرَّهُ عُمَرُ وتَرَكَهُ عَلى وُضُوئِهِ. فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ الحَدِيثَ الأوَّلَ قَدْ نُسِخَ الوُجُوبُ فِيهِ بِحَدِيثِ المُفاضَلَةِ المَذْكُورِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ عُثْمانَ هَذِهِ. والثّانِي: قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - كانُوا في أوَّلِ الأمْرِ هم فَعَلَةُ أنْفُسِهِمْ فَكانُوا يَأْتُونَ إلى المَسْجِدِ ويَشْتَدُّ عَرَقُهم فَتَظْهَرُ لَهم رَوائِحُ فَعَزَمَ عَلَيْهِمْ ﷺ بِالغُسْلِ، ولَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وجاءَتْهُمُ العُلُوجُ وكُفُوا مُؤْنَةَ العَمَلِ، رُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ، وهَذا هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، كَما قَدَّمْنا. وَعِنْدَ الظّاهِرِيَّةِ وُجُوبُ الغُسْلِ، ولَكِنْ لِلْيَوْمِ لا لِلْجُمُعَةِ؛ لِنَصِّ الحَدِيثِ: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ» ولَمْ يَقُلِ الغُسْلُ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ، واسْتَدَلُّوا لِما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنَ النُّصُوصِ في تَعَهُّدِ الشُّعُورِ والأظافِرِ والغُسْلِ بِصِيغَةٍ عامَّةٍ كُلَّ يَوْمٍ عَلى الإطْلاقِ، وقَيَّدُوهُ في الغُسْلِ بِخُصُوصِ الجُمُعَةِ، وعَلَيْهِ فَإنَّ مَن لَمْ يَغْتَسِلْ عِنْدَهم قَبْلَ الصَّلاةِ فَعَلَيْهِ أنْ يَغْتَسِلَ بَعْدَها، وأنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا عِنْدَهم لِصِحَّتِها، والَّذِي يَظْهَرُ هو صِحَّةُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لِأمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مُناسَبَةُ الغُسْلِ في هَذا اليَوْمِ أنْسَبُ ما تَكُونُ لِهَذا التَّجَمُّعِ، كَما أشارَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فَإذا أهْدَرْنا هَذِهِ المُناسَبَةَ كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وغَيْرُهُ سَواءً. الثّانِي: أنَّ سِياقَ الآيَةِ يُشِيرُ إشارَةً خَفِيَّةً إلى عَدَمِ وُجُوبِ الغُسْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ نَوْعَ طِهارَةٍ عِنْدَ السَّعْيِ بَعْدَ الأذانِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا بُدَّ مِن طُهْرٍ لَها، فَيَكُونُ إحالَةً عَلى الآيَةِ الثّانِيَةِ العامَّةِ في كُلِّ الصَّلَواتِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَيُكْتَفى بِالوُضُوءِ وتَحْصُلُ الفَضْلِيَّةُ بِالغُسْلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الجمعة 62:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ . فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى التِّجارَةِ وحْدَها مُغايَرَةٌ لِذِكْرِ اللَّهْوِ مَعَها. وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُذِفَ أحَدُهُما لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، وذَكَرَ قِراءَةً أُخْرى، انْفَضُّوا (p-١٨٦)إلَيْهِ يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى اللَّهْوِ، وهَذا تَوْجِيهٌ قَدْ يَسُوغُ لُغَةً كَما في قَوْلِ نابِغَةِ ذُبْيانَ: ؎وَقَدْ أرانِي ونُعْمًا لاهِيَيْنِ بِها والدَّهْرُ والعَيْشُ لَمْ يَهْمُمْ بِإمْرارِ فَذَكَرَ الدَّهْرَ والعَيْشَ، وأعادَ عَلَيْهِما ضَمِيرًا مُنْفَرِدًا اكْتِفاءً بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهو كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ: وحَذْفُ ما يُعْلَمُ جائِزٌ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِهَذا نَظائِرُ في غَيْرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، فالَّتِي تَقِي الحَرَّ، تَقِي البَرْدَ، فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما لِدَلالَتِهِ عَلى الآخَرِ، ولَكِنَّ المَقامَ هُنا خِلافُ ذَلِكَ. وَقَدْ قالَ الشَّيْخُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ: لا يَخْفى أنَّ أصْلَ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ هو الأحَدُ الدّائِرُ بَيْنَ التِّجارَةِ واللَّهْوِ، بِدَلالَةِ لَفْظَةِ أوْ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ الضَّمِيرَ رَجَعَ إلى التِّجارَةِ وحْدَها دُونَ اللَّهْوِ، فَبَيْنَهُ وبَيْنَ مُفَسِّرِهِ بَعْضُ مُنافاةٍ في الجُمْلَةِ، والجَوابُ: أنَّ التِّجارَةَ أهَمُّ مِنَ اللَّهْوِ وأقْوى سَبَبًا في الِانْفِضاضِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُمُ انْفَضُّوا مِن أجْلِ العِيرِ، واللَّهْوُ كانَ مِن أجْلِ قُدُومِها، مَعَ أنَّ اللُّغَةَ يَجُوزُ فِيها رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِأحَدِ المَذْكُورَيْنِ قَبْلَهُ. أمّا في العَطْفِ بِأوْ فَواضِحٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] . وَأمّا الواوُ فَهو فِيها كَثِيرٌ • كَقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] • وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] . اهـ. أيْ: أنَّ هَذِهِ الأمْثِلَةَ كُلَّها يُذْكَرُ فِيها أمْرانِ، ويَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى واحِدٍ مِنهُما. وَبِناءً عَلى جَوابِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - يُمْكِنُ القَوْلُ بِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى أحَدِ المَذْكُورَيْنِ، إمّا لِتَساوِيهِما في الماصَدَقَ، وإمّا لِمَعْنًى زائِدٍ فِيما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ. فَمِنَ المُتَساوِيَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ لِتَساوِيهِما في النَّهْيِ والعِصْيانِ، ومِمّا لَهُ مَعْنًى زائِدٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾، وإنَّها أيْ: الصَّلاةُ؛ لِأنَّها أخَصُّ مِن عُمُومِ الصَّبْرِ، ووُجُودُ الأخَصِّ يَقْتَضِي وُجُودَ الأعَمِّ دُونَ العَكْسِ، ولِأنَّ الصَّلاةَ وسِيلَةٌ لِلصَّبْرِ، كَما في الحَدِيثِ: كانَ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرُ هَمٍّ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ. (p-١٨٧)وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾، أيْ: الفِضَّةَ؛ لِأنَّ كَنْزَ الفِضَّةِ أوْفَرُ، وكانِزُوها أكْثَرُ فَصُورَةُ الكَنْزِ حاصِلَةٌ فِيها بِصِفَةٍ أوْسَعَ، ولَدى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَكانَ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِمْ أوْلى، ومِن ناحِيَةٍ أُخْرى لَمّا كانَتِ الفِضَّةُ مِنَ النّاحِيَةِ النَّقْدِيَّةِ أقَلَّ قِيمَةً، والذَّهَبُ أعْظَمَ، كانَ في عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْها تَنْبِيهٌ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، فَكَأنَّهُ أشْمَلُ وأعَمُّ، وأشَدُّ تَخْوِيفًا لِمَن يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ. أمّا الآيَةُ هُنا، فَإنَّ التَّوْجِيهَ الَّذِي وجَّهَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى التِّجارَةِ، فَإنَّهُ في السِّياقِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَها: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾ [الجمعة: ١١]، فَذَكَرَ السَّبَبَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ؛ لِانْفِضاضِهِمْ عَنْهُ ﷺ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى، بِالتَّذْيِيلِ المُشْعِرِ بِأنَّ التِّجارَةَ هي الأصْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١]، والرِّزْقُ ثَمَرَةُ التِّجارَةِ، فَكانَ هَذا بَيانًا قُرْآنِيًّا لِعَوْدِ الضَّمِيرِ هُنا عَلى التِّجارَةِ دُونَ اللَّهْوِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. تَنْبِيهٌ قالَ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ: تأمَّلْ إنْ قُدِّمَتِ التِّجارَةُ عَلى اللَّهْوِ في الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّها أهَمُّ وأُخِّرَتْ مَعَ التَّفْضِيلِ لِتَقَعَ النَّفْسُ أوَّلًا عَلى الأبْيَنِ. اهـ. يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: في الرُّؤْيَةِ: (وإذا رَأوْا)، وبِقَوْلِهِ: مَعَ التَّفْضِيلِ: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾، أيْ: لِأنَّ اللَّهْوَ أبْيَنُ في الظُّهُورِ، والَّذِي يَظْهَرُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أنَّهُ عِنْدَ التَّفْضِيلِ ذَكَرَ اللَّهْوَ لِلْواقِعِ فَقَطْ؛ لِأنَّ اللَّهْوَ لا خَيْرَ فِيهِ مُطْلَقًا فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلْمُفاضَلَةِ، وآخَّرَ ذِكْرَ التِّجارَةِ؛ لِتَكُونَ أقْرَبَ لِذِكْرِ الرِّزْقِ لِارْتِباطِهِما مَعًا، فَلَوْ قُدِّمَتِ التِّجارَةُ هُنا أيْضًا لَكانَ ذِكْرُ اللَّهْوِ فاصِلًا بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾، وهو لا يَتَناسَقُ مَعَ حَقِيقَةِ المُفاضَلَةِ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ الآيَةَ. لا يَخْفى أنَّ أصْلَ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ هو الحَدُّ الدّائِرُ بَيْنَ التِّجارَةِ واللَّهْوِ لِدَلالَةِ لَفْظَةِ ”أوْ“ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ هَذا الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى التِّجارَةِ وحْدَها دُونَ اللَّهْوِ، فَبَيْنَهُ وبَيْنَ مُفَسِّرِهِ بَعْضُ مُنافاةٍ في الجُمْلَةِ. (p-٤١٦)والجَوابُ أنَّ التِّجارَةَ أهَمُّ مِنَ اللَّهْوِ وأقْوى سَبَبًا في الِانْفِضاضِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُمُ انْفَضُّوا عَنْهُ مِن أجْلِ العِيرِ، واللَّهْوُ كانَ مِن أجْلِ قُدُومِها، مَعَ أنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ يَجُوزُ فِيها رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِأحَدِ المَذْكُورِينَ قَبْلَهُ. أمّا في العَطْفِ بَأوْ فَواضِحٌ، لِأنَّ الضَّمِيرَ في الحَقِيقَةِ راجِعٌ إلى الحَدِّ الدّائِرِ الَّذِي هو واحِدٌ لا بِعَيْنِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٢] . وَأمّا الواوُ فَهو فِيها كَثِيرٌ. وَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٥] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ " الآيَةَ [التوبة: ٣٤] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢٠] . وَنَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ: ؎وَقَدْ أرانِي ونُعْمًا لاهِيَيْنَ بِها والدَّهْرُ والعَيْشُ لَمْ يَهْمُمْ بِإمْرارِ

المنافقون 63:1

(p-١٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُنافِقُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الدِّراسَةِ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُنافِقُونَ: جَمْعُ مُنافِقٍ، وهو مَن يُظْهِرُ الإيمانَ، ويُسِرُّ الكُفْرَ. ﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، أيْ: قالُوا ذَلِكَ نِفاقًا وخَوْفًا، ولَمْ يَقُولُوهُ خالِصًا مِن قُلُوبِهِمْ. ولِذا قالَ اللَّهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾، وإنَّما شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ مَعَ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِمْ حَقٌّ؛ لِأنَّ بَواطِنَهم تُكَذِّبُ ظَواهِرَهم، لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما كَسْرُ هَمْزَةِ إنَّ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّها بَعْدَ فِعْلٍ مُعَلَّقٍ بِاللّامِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَفُتِحَتْ، لِأنَّها في مَحَلِّ المَصْدَرِ. وَلِأبِي حَيّانَ قَوْلٌ حَسَنٌ في ذَلِكَ إذْ قالَ: إنَّ قَوْلَهم: (نَشْهَدُ) يَجْرِي مَجْرى اليَمِينِ، ولِذَلِكَ تُلُقِّيَ بِما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، وكَذا فِعْلُ اليَقِينِ، والعَلَمُ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، أعْنِي: بِقَصْدِ التَّوْكِيدِ بِإنَّ واللّامِ، ثُمَّ قالَ: وأصْلُ الشَّهادَةِ أنْ يُواطِىءَ اللِّسانُ القَلْبَ، هَذا بِالنُّطْقِ وذَلِكَ بِالِاعْتِقادِ فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ، وفَضَحَهم بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ . أيْ: لَمْ تُواطِئُ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهم عَلى تَصْدِيقِكَ، واعْتِقادُهم أنَّكَ غَيْرُ رَسُولٍ، فَهم كاذِبُونَ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ مَن عَرَفَ حالَهم، أوْ كاذِبُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، إذْ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ كَذِبٌ. وَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾، بَيْنَ شَهادَتِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ إيذانًا بِأنَّ الأمْرَ كَما قالُوا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٨ - ٢٩] . تَنْبِيهٌ (p-١٨٩)فِي هَذِهِ الآيَةِ مَبْحَثٌ بَلاغِيٌّ في تَقْسِيمِ الكَلامِ إلى خَبَرٍ وإنْشاءٍ فَقالُوا: الخَبَرُ ما احْتَمَلَ الصِّدْقَ والكَذِبَ لِذاتِهِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَنْحَصِرُ فِيهِما بِلا واسِطَةٍ، والمُخْبِرُ إمّا صادِقٌ وإمّا كاذِبٌ، وهَذا بِناءً عَلى مُطابَقَةِ الخَبَرِ لِلْواقِعِ أوْ عَدَمِ مُطابَقَتِهِ، ولا عَلاقَةَ لَهُ بِالِاعْتِقادِ. قالَ السَّعْدُ في التَّلْخِيصِ، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: صِدْقُ الخَبَرِ وكَذِبُهُ مُطابَقَتُهُ لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ، لا لِلْواقِعِ، واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأنَّ عَدَمَ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ يَكُونُ مِن قَبِيلِ الخَطَأِ، لا مِن قَبِيلِ الكَذِبِ. وَلِحَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ما كَذَبَ ولَكِنَّهُ وهِمَ، وهَذا مَذْهَبُ الجاحِظِ وهو صِدْقُ الخَبَرِ مُطابَقَتُهُ لِلْواقِعِ مَعَ اعْتِقادِ المُخْبِرِ مُسْتَدِلًّا بِالآيَةِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾، مَعَ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ مَعَ أنَّ خَبَرَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، لَكِنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا ما قالُوا فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ لِذَلِكَ. وَمُقْتَضى مَذْهَبِ الجاحِظِ القَوْلُ بِوُجُودِ واسِطَةٍ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ، وهي عَدَمُ اعْتِقادِ المُخْبِرِ لِما أخْبَرَ بِهِ، ولَوْ طابَقَ الواقِعَ، ولَكِنْ ما قَدَّمْناهُ مِن كَلامِ أبِي حَيّانَ يَرُدُّ هَذا المَذْهَبَ ويُبْطِلُ اسْتِدْلالَ الجاحِظِ ومَن وافَقَهُ بِالآيَةِ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَ اللَّهِ إيّاهم مُنْصَبٌّ عَلى قَوْلِهِمْ قالُوا نَشْهَدُ، والشَّهادَةُ أخَصُّ مِنَ الخَبَرِ، ولِأنَّهم ضَمَّنُوا شَهادَتَهُمُ التَّأْكِيدَ المُشْعِرَ بِالقَسَمِ والمُوحِيَ بِمُطابَقَةِ القَوْلِ لِما في القَلْبِ ولا سِيَّما في هَذا المَقامِ، وهو مَقامُ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في كَوْنِ إخْبارِهِمْ بِصُورَةِ الشَّهادَةِ والحالِ أنَّهم لَمْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها وهو عَدَمُ مُطابَقَتِها لِاعْتِقادِهِمْ. والقُرْآنُ يَنْفِي وُجُودَ واسِطَةٍ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] . أمّا فِقْهُ اليَمِينِ وما تَنْعَقِدُ بِهِ وأحْكامُها، فَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - هَذا المَبْحَثُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٨٩] . (p-١٩٠)وَذُكِرَ في مَعْنى لَغْوِ اليَمِينِ عِنْدَ العُلَماءِ قَوْلانِ: الثّانِي مِنهُما: هو أنْ يَحْلِفَ عَلى ما يَعْتَقِدُهُ فَيُظْهِرُ خِلافَهُ وعَزاهُ لِمالِكٍ، وأنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وساقَ أسْماءَ كَثِيرِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: يَنْبَغِي أنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ الحَدِّ اللُّغَوِيِّ عِنْدَ البَلاغِيِّينَ، والحَدِّ الشَّرْعِيِّ حَيْثُ يُقْبَلُ شَرْعًا ما كانَ مَبْناهُ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ حَدُّ عِلْمِهِ، ولِعَدَمِ المُؤاخَذَةِ في الشَّرْعِ في مِثْلِ ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤١٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُنافِقُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. هَذا الَّذِي شَهِدُوا عَلَيْهِ حَقٌّ لِأنَّ رِسالَةَ نَبِيِّنا ﷺ حَقٌّ لا شَكَّ فِيها، وقَدْ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [ ٦٣ ] . مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [ ٦٣ ]، كَأنَّهُ تَصْدِيقٌ لَهم. والجَوابُ أنَّ تَكْذِيبَهُ تَعالى لَهم مُنْصَبٌّ عَلى إسْنادِهِمُ الشَّهادَةَ إلى أنْفُسِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ”نَشْهَدُ“، وهم في باطِنِ الأمْرِ لا يَشْهَدُونَ بِرِسالَتِهِ، بَلْ يَعْتَقِدُونَ عَدَمَها، أوْ يَشُكُّونَ فِيهِ، كَما يَدُلُّ لِلْأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٣] . وَيَدُلُّ لِلثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] .

المنافقون 63:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ . قُرِئَ (أيْمانَهم) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ يَمِينٍ، وقُرِئَ بِكَسْرِها مِنَ الإيمانِ ضِدِّ الكُفْرِ، أيْ: ما أظْهَرُوهُ مِن أُمُورِ الإسْلامِ. وَمِمّا تَقَدَّمَ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ إذا كانَ في الآيَةِ قِراءَتانِ، وفِيها ما يُرَجِّحُ إحْداهُما، وتَقَدَّمَ كَلامُ أبِي حَيّانَ تَخْرِيجَهُ عَلى اليَمِينِ. وَلِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ التَّدْرِيسِ قَوْلُهُ: الأيْمانُ جُمَعُ يَمِينٍ، وهي الحَلِفُ والجُنَّةُ التُّرْسُ، وهو المِجَنُّ الَّذِي تُتَّقى بِهِ السُّيُوفُ والنِّبالُ والسِّهامُ في الحَرْبِ، والمَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ إذا ظَهَرَ شَيْءٌ مِن نِفاقِهِمْ أوْ سُمِعَتْ عَنْهم كَلِمَةُ كُفْرٍ، حَلَفُوا بِاللَّهِ أنَّهم ما قالُوا ذَلِكَ وما فَعَلُوهُ، فَيَجْعَلُونَ حَلِفَهم تُرْسًا يَقِيهِمْ مِن مُؤاخَذَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَنْبِهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٧٤] . وقالَ: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥٦] . وقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٦٢]، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ نُصُوصٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهم يَحْلِفُونَ أيْمانًا عَلى أيْمانِهِمْ. وَمِن جِهَةِ المَعْنى: أنَّ أيْمانَهم وحَلِفَهم مُنْصَبٌّ عَلى دَعْوى إيمانِهِمْ، فَلا انْفِكاكَ بَيْنَ اليَمِينِ والإيمانَ؛ لِأنَّهم يَحْلِفُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، واليَمِينُ أخَصُّ مِنَ الإيمانِ، وحَمْلُهُ عَلى الأخَصِّ يَقْتَضِي وُجُودَ الأعَمِّ، فالحَلِفُ عَلى الإيمانِ يَسْتَلْزِمُ دَعْوى الإيمانِ وزِيادَةً، ومُجَرَّدُ دَعْوى الإيمانِ لا يَسْتَلْزِمُ التَّأْكِيدَ بِالإقْسامِ والحَلِفِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . (p-١٩١)قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: أيْ بِسَبَبِ اتِّخاذِهِمْ أيْمانَهم جُنَّةً وخَفاءِ كُفْرِهِمُ الباطِنِ، تَمَكَّنُوا مِن صَدِّ بَعْضِ النّاسِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَظُنُّونَهم إخْوانًا وهم أعْداءٌ، وشَرُّ الأعْداءِ مَن تَظُنُّ أنَّهُ صَدِيقٌ ولِذا حَذَّرَ اللَّهُ نَبِيَهُ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وصَدُّهُمُ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَتَعْوِيقِهِمْ عَنِ الجِهادِ؛ كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ١٨] . وبِقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٨١] . وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: (ساءَ) فِعْلٌ جامِدٌ لِإنْشاءِ الذَّمِّ بِمَعْنى بِئْسَ. اهـ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى تِلْكَ الإساءَةَ مِنَ المُنافِقِينَ في عِدَّةِ جِهاتٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] . وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] . وَكانَ خِداعُهم بِالقَوْلِ وبِالفِعْلِ، وخِداعُهم بِالقَوْلِ في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] . وَخِداعُهم في الفِعْلِ في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢] . وَفِي الجِهادِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] .

المنافقون 63:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ . فِي هَذِهِ الآيَةِ نَصٌّ عَلى أنَّ الطَّبْعَ عَلى قُلُوبِهِمْ نَتِيجَةٌ لِكُفْرِهِمْ بَعْدَ إيمانِهِمْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] . وكَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] . (p-١٩٢)وَقالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا، أيْ: بِألْسِنَتِهِمْ نِفاقًا ثُمَّ كَفَرُوا بِقُلُوبِهِمْ في الحَقِيقَةِ. اهـ. وَتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَهم لا يَعْقِلُونَ بَعْدَ هَذا الطَّبْعِ، ومَعَ هَذا الخَتْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف: ٥٧] .

المنافقون 63:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ . فِيهِ ما يُشْعِرُ بِحَصْرِ العَداوَةِ في المُنافِقِينَ مَعَ وُجُودِها في المُشْرِكِينَ واليَهُودِ، ولَكِنَّ إظْهارَ المُشْرِكِينَ شِرْكَهم، وإعْلانَ اليَهُودِ كُفْرَهم مَدْعاةٌ لِلْحَذَرِ طَبْعًا. أمّا هَؤُلاءِ فادِّعاؤُهُمُ الإيمانَ وحَلِفُهم عَلَيْهِ، قَدْ يُوحِي بِالرُّكُونِ إلَيْهِمْ ولَوْ رَغْبَةً في تَأْلِيفِهِمْ، فَكانُوا أوْلى بِالتَّحْذِيرِ مِنهم لِشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ ولِقُوَّةِ مُداخَلَتِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، مِمّا يُمَكِّنُهم مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى جَمِيعِ شُئُونِهِمْ. وَقَدْ جاءَ في آخِرِ السُّورَةِ كُلِّهِ كاشِفًا لِحَقِيقَتِهِمْ ومُبَيِّنًا شِدَّةَ عَداوَتِهِمْ سَواءٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، أوْ في تَآمُرِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] . وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] . (هم) هُنا المُنافِقُونَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] .

المنافقون 63:6

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ. ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا يُغْفَرُ لِلْمُنافِقِينَ مُطْلَقًا، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ تُوهِمُ الطَّمَعَ في غُفْرانِهِ لَهم إذا اسْتَغْفَرَ لَهم رَسُولُهُ ﷺ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] . والجَوابُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي الأخِيرَةُ بَيَّنَتْ أنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ لِأنَّهم كُفّارٌ في الباطِنِ.

المنافقون 63:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . تَقَدَّمَ بَيانُهُ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣] .

المنافقون 63:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ما فِيها مِنَ القَوْلِ بِالمُوجِبِ.

المنافقون 63:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . (p-١٩٣)تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقَدْ بَيَّنَ سَبَبَ لَهْوِ المالِ والوَلَدِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، بِأنَّ العَبْدَ يُفْتَنُ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي في سُورَةِ ”التَّغابُنِ“: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] . أيْ: لِمَن سَخَّرَ المالَ في طاعَةِ اللَّهِ، وبِالتَّأمُّلِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وآخِرِ الَّتِي قَبْلَها نَجِدُ اتِّحادًا في المَوْضُوعِ والتَّوْجِيهِ. فَهُناكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١] . وَجاءَ عَقِبَهُ مُباشَرَةً سُورَةُ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ولَعَلَّهُ مِمّا يُشْعِرُ أنَّ الَّذِينَ بادَرُوا بِالخُرُوجِ لِلْعِيرِ هُمُ المُنافِقُونَ، وتَبِعَهُمُ الآخَرُونَ لِحاجَتِهِمْ لِما تَحْمِلُ العِيرُ، وهُنا بَعْدَما رَكَنَ المُنافِقُونَ لِلْمالِ جاءَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ فَكانَتْ أمْوالُهم فِتْنَةً لَهم في مَقالَتِهِمْ تِلْكَ، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، سَواءٌ كانَ المُرادُ بِالأمْوالِ خُصُوصَ ذِكْرِ الخُطْبَةِ والعِيرِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما، أوْ عُمُومَ العِباداتِ والمُكْتَسَباتِ.

المنافقون 63:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ . فِيهِ الإنْفاقُ مِن بَعْضِ ما رَزَقَهم، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَبْحَثُ الِاقْتِصادِ في الإنْفاقِ عِنْدَ قَوْلِهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] .

المنافقون 63:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ . وَكَذَلِكَ لا يُقَدِّمُها عَلَيْهِ؛ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] . وَبَيَّنَ تَعالى عَدَمَ تَأخُّرِهِمْ مَعَ أنَّهم وُعِدُوا بِأنَّهم يَصَّدَّقُونَ ويَكُونُونَ مِنَ الصّالِحِينَ، مُشِيرًا لِلسَّبَبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [التغابن: ١١] أيْ: لَوْ أخَّرَكم؛ لَأنَّ شِيمَتَكُمُ الكَذِبُ وخَلْفُ الوَعْدِ، وأنَّ هَذا دَأبُ أمْثالِهِمْ كَما بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ (p-١٩٤)[إبراهيم: ٤٤] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] . فَقَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾، تُعادِلُ في ماصَدَقِها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . أيْ: لَوْ أخَّرَهم لَنْ يَصْدُقُوا، ولَنْ يَكُونُوا مِنَ الصّالِحِينَ، واللَّهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِما سَيَكُونُ، كَإحاطَتِهِ بِما قَدْ كانَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

التغابن 64:1

(p-١٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التَّغابُنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . تَقَدَّمَ مَعْنى التَّسْبِيحِ ومَدْلُولِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الحَشْرِ“ و ”الحَدِيدِ“، وهَذِهِ السُّورَةُ آخِرُ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِالتَّسْبِيحِ، والفِعْلُ هُنا بِصِيغَةِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، والتَّذْيِيلُ هُنا بِصِفاتِ الكَمالِ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُلْكَ لِلَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، نافِذٌ فِيهِ أمْرُهُ، ماضٍ فِيهِ حُكْمُهُ بِيَدِهِ أزِمَّةُ أمْرِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] . وَكَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”يس“: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣] . وَمِن قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وتَصْرِيفِهِ لِأُمُورِ مُلْكِهِ كَيْفَ يَشاءُ، أنْ جَعَلَ العالَمَ كُلَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ بِحَمْدِهِ تَنْفِيذًا لِحِكْمَةٍ فِيهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، فَجَمَعَ الحَمْدَ والحُكْمَ مَعًا لِجَلالَةِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ.

التغابن 64:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الدِّراسَةِ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَكم وقَدَّرَ عَلى قَوْمٍ مِنكُمُ الكُفْرَ، وعَلى قَوْمٍ مِنكُمُ الإيمانَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَهْدِي كُلًّا لِما قَدَّرَهُ عَلَيْهِ كَما قالَ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣]، فَيَسَّرَ الكافِرَ إلى العَمَلِ بِالكُفْرِ، ويَسَّرَ المُؤْمِنَ لِلْعَمَلِ بِالإيمانِ، كَما قالَ ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» . اهـ. وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا النَّصَّ مِن مَأْزِقِ القَدَرِيَّةِ والجَبْرِيَّةِ، وأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يُؤْمِنُونَ أنَّ كُلًّا بِقَدَرِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ في العَقِيدَةِ الواسِطِيَّةِ: وهم أهْلُ السُّنَّةِ وسَطٌ بَيْنَ (p-١٩٦)قَوْلِ: إنَّ العَبْدَ مَجْبُورٌ عَلى عَمَلِهِ لا اخْتِيارَ لَهُ كالوَرَقَةِ في مَهَبِّ الرِّيحِ. وبَيْنَ قَوْلِ: إنَّ العَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَهُ بِنَفْسِهِ، ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ بِمَشِيئَتِهِ. وَأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] . وَقَدْ ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أقْوالَ الطّائِفَتَيْنِ مِن أهْلِ العِلْمِ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ ما اسْتَدَلَّتْ بِهِ، الأُولى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا، وخَلَقَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا» . بِما في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”إنَّ «أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ أوْ باعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلُها، وإنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ أوْ باعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُها»“ . وَقالَ: قالَ عُلَماؤُنا: تَعَلَّقَ العِلْمُ الأزَلِيُّ بِكُلِّ مَعْلُومٍ، فَيَجْرِي ما عَلِمَ وأرادَ وحَكَمَ. الثّانِيَةُ: ما جاءَ في قَوْلِهِ: وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ ثُمَّ كَفَرُوا وآمَنُوا، قالُوا: وتَمامُ الكَلامِ: و ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، ثُمَّ وصَفَهم فَقالَ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ . وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]، قالُوا: فاللَّهُ خَلَقَهم والمَشْيُ فِعْلُهم. واخْتارَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، قالَ: لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَهم كافِرِينَ ومُؤْمِنِينَ لَما وصَفَهم بِفِعْلِهِمْ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» . الحَدِيثَ. اهـ. وَبِالنَّظَرِ في هاتَيْنِ المَقالَتَيْنِ نَجِدُ الآتِيَ: أوَّلًا: التَّشْبِيهُ في المَقالَةِ الثّانِيَةِ لا يَسْلَمُ؛ لِأنَّ وصْفَ الدَّوابِّ في حالَةِ المَشْيِ لَيْسَ وصْفًا فِعْلِيًّا، وإنَّما هو مِن ضِمْنِ خَلْقِهِ تَعالى لَها ولَمْ يَكُنْ مِنها فِعْلٌ في ذَلِكَ. ثانِيًا: ما اسْتَدَلَّتْ بِهِ كُلُّ طائِفَةٍ مِنَ الحَدِيثَيْنِ لا تَعارُضَ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ الحَدِيثَ الأوَّلَ: «إنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ» لِبَيانِ المَصِيرِ والمُنْتَهى، وفْقَ العِلْمِ الأزَلِيِّ والإرادَةِ القَدَرِيَّةِ. (p-١٩٧)والحَدِيثَ الثّانِيَ لِبَيانِ مَبْدَأِ وُجُودِ الإنْسانِ في الدُّنْيا وأنَّهُ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حِينَما يُولَدُ، أمّا مَصِيرُهُ فَبِحَسَبِ ما قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَقَلَ القُرْطُبِيُّ كَلامًا لِلزَّجّاجِ وقالَ عَنْهُ: هو أحْسَنُ الأقْوالِ ونَصُّهُ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الكافِرَ، وكُفْرُهُ فِعْلٌ لَهُ وكَسْبٌ، مَعَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الكُفْرِ، وخَلَقَ المُؤْمِنَ، وإيمانُهُ فِعْلٌ لَهُ وكَسْبٌ، مَعَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الإيمانِ. والكافِرُ يَكْفُرُ ويَخْتارُ الكُفْرَ بَعْدَ أنْ خَلَقَ اللَّهُ إيّاهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلِمَهُ مِنهُ، لِأنَّ وُجُودَ خِلافِ المُقَدَّرِ عَجْزٌ، ووُجُودَ خِلافِ المَعْلُومِ جَهْلٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ. اهـ. وَلَعَلَّ مِمّا يَشْهَدُ لِقَوْلِ الزَّجّاجِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] . هَذا حاصِلُ ما قالَهُ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ، وهَذا المَوْقِفُ كَما قَدَّمْنا مِن مَأْزِقِ القَدَرِ والجَبْرِ، وقَدْ زَلَّتْ فِيهِ أقْدامٌ وضَلَّتْ فِيهِ أفْهامٌ، وبِتَأمُّلِ النَّصِّ وما يَكْتَنِفُهُ مِن نُصُوصٍ في السِّياقِ مِمّا قَبْلَهُ وبَعْدَهُ، نَجِدُ الجَوابَ الصَّحِيحَ والتَّوْجِيهَ السَّلِيمَ، وذَلِكَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . فَكَوْنُ المُلْكِ لَهُ لا يَقَعُ في مُلْكِهِ إلّا ما يَشاءُ، وكَوْنُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَفْعَلُ في مُلْكِهِ ما يُرِيدُ. ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . ثُمَّ جاءَ بَعْدَها

التغابن 64:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ . فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وخَلْقُ الإنْسانِ في أحْسَنِ صُورَةٍ آيَتانِ مِن آياتِ الدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ، كَما قالَ تَعالى في الأُولى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] . وَقالَ في الثّانِيَةِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] . (p-١٩٨)وَلِذا جاءَ عَقِبَها قَوْلُهُ: ﴿وَإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ . أيْ: بَعْدَ المَوْتِ والبَعْثِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهم: هو الَّذِي خَلَقَكم وخَلَقَ لَكم آياتِ قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِكم، مِن ذَلِكَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، ومِن ذَلِكَ خَلْقُكم وتَصْوِيرُكم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَكَأنَّ مُوجِبَ ذَلِكَ الإيمانُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى بَعْثِكم بَعْدَ المَوْتِ، وبِالتّالِي إيمانُكم بِما بَعْدَ البَعْثِ، مِن حِسابٍ وجَزاءٍ وجَنَّةٍ ونارٍ، ولَكِنْ فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ. وَقَدْ جاءَ بَعْدَ ذِكْرِ الأُمَمِ قَبْلَهم وبَيانِ أحْوالِهِمْ جاءَ تَفْنِيدُ زَعْمِ الكُفّارِ بِالبَعْثِ والإقْسامُ عَلى وُقُوعِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]؛ لِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ، ويَشْهَدُ لِهَذا التَّوْجِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الإنْسانِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ١ - ٣] . فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [التغابن: ٢] . ثُمَّ قالَ: ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وهُما حاسَّتا الإدْراكِ والتَّأمُّلِ، فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ مَعَ اسْتِعْدادِهِ لِلْقَبُولِ والرَّفْضِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، مِثْلُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، أيْ بَعْدَ التَّأمُّلِ والنَّظَرِ وهِدايَةِ السَّبِيلِ بِالوَحْيِ، ولِذا جاءَ في هَذا السِّياقِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التغابن: ٨] . وَبِكُلِّ ما تَقَدَّمَ في الجُمْلَةِ يَظْهَرُ لَنا أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا ونَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ المَوْتى، ومِن ثَمَّ مُجازاتِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ وأرْسَلَ إلَيْهِ رُسُلَهُ وهُداهُ النَّجْدَيْنِ، ثُمَّ هو بَعْدَ ذَلِكَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا ولَوِ احْتَجَّ إنْسانٌ في الدُّنْيا بِالقَدَرِ لَقِيلَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ بِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ عَلَيْكَ، أمْ أنَّ اللَّهَ أمَرَكَ ونَهاكَ وبَيَّنَ لَكَ الطَّرِيقَ. (p-١٩٩)وَعَلى كُلٍّ، فَإنَّ قَضِيَّةَ القَدَرِ مِن أخْطَرِ القَضايا وأغْمَضِها، كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: القَدَرُ سِرُّ اللَّهِ في خَلْقِهِ. وَقالَ ﷺ: «إذا ذُكِرَ القَضاءُ فَأمْسِكُوا»، ولَكِنْ عَلى المُسْلِمِ النَّظَرُ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ مِن وحْيٍ وبَعَثَ مِن رُسُلٍ. وَأهَمُّ ما في الأمْرِ هو جَرْيُ الأُمُورِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وقَدْ جاءَ مَوْقِفٌ عَمَلِيٌّ في قِصَّةِ بَدْرٍ، يُوَضِّحُ حَقِيقَةَ القَدَرِ ويُظْهِرُ غايَةَ العِبَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] . فَهُوَ تَعالى الَّذِي سَلَّمَ مِن مُوجِباتِ التَّنازُعِ والفَشَلِ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ بِذاتِ الصُّدُورِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤]، فَقَدْ أجْرى الأسْبابَ عَلى مُقْتَضى إرادَتِهِ فَقَلَّلَ كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ في أعْيُنِ الآخَرِ؛ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ في سابِقِ عِلْمِهِ مَفْعُولًا، ثُمَّ بَيَّنَ المُنْتَهى،: ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

التغابن 64:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ . فِيهِ اسْتِنْكارُ الكُفّارِ أنْ يَكُونَ مِن يَهْدِيهِمْ بَشَرًا لا مَلَكًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٥] . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الدِّراسَةِ: فَشُبْهَتُهم هَذِهِ الباطِلَةُ رَدَّها اللَّهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ [يوسف: ١٠٩] أيْ: لا مَلائِكَةً • وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٠] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ (p-٢٠٠)إلى قَوْلِهِ: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .

التغابن 64:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - أيْ: أنَّ الكُفّارَ ادَّعَوْا أنَّهم لا يُبْعَثُونَ قائِلِينَ: إنَّ العِظامَ الرَّمِيمَ لا تُحْيا، قُلْ لَهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، وبَلى حَرْفٌ يَأْتِي لِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ الأوَّلُ رَدُّ نَفْيٍ، كَما هُنا. الثّانِي: جَوابُ اسْتِفْهامٍ مُقْتَرِنٍ بِنَفْيٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقَوْلُهُ: ورَبِّي قَسَمٌ بِالرَّبِّ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو الإحْياءُ بَعْدَ المَوْتِ، وقَدْ أقْسَمَ بِهِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، الأوَّلُ هَذا. والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] . الثّالِثُ قَوْلُهُ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣] . اهـ. وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾، بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ اسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى البَعْثِ ويُسْرُهُ أمْرٌ مُسَلَّمٌ؛ لِأنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ البَدْءِ، كَما قالَ تَعالى عَنِ الكُفّارِ: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]، وقَوْلِهِ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وقالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .

التغابن 64:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ . النُّورُ هُنا هو القُرْآنُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وهو القُرْآنُ، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الحديد: ٩] مِن سُورَةِ ”الحَدِيدِ“، وفي المُذَكِّرَةِ سَمّاهُ نُورًا؛ لِأنَّهُ كاشِفٌ (p-٢٠١)ظُلُماتِ الجَهْلِ، والشَّكِّ، والشِّرْكِ، والنِّفاقِ.

التغابن 64:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ . يَوْمُ الجَمْعِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ مُقَدَّرَةٍ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨] . فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ خَبِيرٌ بِأعْمالِكم في الدُّنْيا لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ فَيُجازِيكم عَلَيْها، سُمِّيَ يَوْمَ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يَسْمَعُهُمُ الدّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلَيْهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنها في الجُزْءِ الثّالِثِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] . وَمِنها في الجُزْءِ السّابِعِ عِنْدَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] . وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ فِيهِ: آيَةُ ”الشُّورى“: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمَ التَّغابُنِ﴾ . الغَبْنُ: الشُّعُورُ بِالنَّقْصِ ومِثْلُهُ الخَبْنُ لِاشْتِراكِهِما في حَرْفَيْنِ مِن ثَلاثَةٍ، كَما في فِقْهِ اللُّغَةِ: فَبَيْنَهُما تَقارُبٌ في المَعْنى كَتَقارُبِهِمْ في الحَرْفِ المُخْتَلِفِ، وهو الغَيْنُ والخاءُ ولِخَفاءِ الغَيْنِ في الحَلْقِ وظُهُورِ الخاءِ عَنْها كانَ الغَبْنُ لِما خَفِيَ، والخَبْنُ لِما ظَهَرَ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى مُوجِبَ الغَبْنِ لِلْغابِنِ والمَغْبُونِ فَقالَ: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التغابن: ٩]، وبَيَّنَ حالَ المَغْبُونِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التغابن: ١٠] . وَقَدْ بَيَّنَ العُلَماءُ حَقِيقَةَ الغَبْنِ في هَذا المَقامِ بِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ لَهُ مَكانٌ في الجَنَّةِ ومَكانٌ في النّارِ، فَإذا دَخَلَ أهْلُ النّارِ النّارَ بَقِيَتْ أماكِنُهم في الجَنَّةِ، وإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ (p-٢٠٢)بَقِيَتْ أماكِنُهم في النّارِ. وَهُناكَ تَكُونُ مَنازِلُ أهْلِ الجَنَّةِ في النّارِ لِأهْلِ النّارِ، ومَنازِلُ أهْلِ النّارِ في الجَنَّةِ لِأهْلِ الجَنَّةِ يَتَوارَثُونَها عَنْهم، فَيَكُونُ الغَبْنُ الألِيمُ، وهو اسْتِبْدالُ مَكانٍ في النّارِ بِمَكانٍ في الجَنَّةِ ورِثُوا أماكِنَ الآخَرِينَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى النّارِ.

التغابن 64:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَصٌّ صَرِيحٌ بِأنَّ ما يُصِيبُ أحَدًا مُصِيبَةٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ. وَمَعْلُومٌ أنَّهُ كَذَلِكَ ما يُصِيبُ أحَدًا خَيْرٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أيْ: والبَرْدَ. وَلَكِنَّ التَّنْصِيصَ عَلى المُصِيبَةِ هُنا؛ لِيَدُلَّ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَنالُ العَبْدَ إنَّما هو بِإذْنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الجِبِلَّةَ تَأْبى المَصائِبَ وتَتَوَقّاها، ومَعَ ذَلِكَ تُصِيبُهُ، ولَيْسَ في مَقْدُورِهِ دَفْعُها بِخِلافِ الخَيْرِ، قَدْ يَدَّعِي أنَّهُ حَصَّلَهُ بِاجْتِهادٍ مِنهُ كَما قالَ قارُونُ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، قُرِئُ (يَهْدَأْ) بِالهَمْزِ مِنَ الهُدُوءِ، و (قَلْبُهُ) بِالرَّفْعِ، وهي بِمَعْنى يَهْدِي قَلْبَهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، فَيَسْتَرْجِعُ فَيَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ بِهَذا ولا يَجْزَعُ، وهَذا مِن خَصائِصِ المُؤْمِنِ. كَما قالَ ﷺ: «عَجَبًا لِأمْرِ المُؤْمِنِ إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ حَتّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها في قَدَمِهِ» . وَمِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] . أيْ: إلى ما يَلْزَمُهم مِنِ امْتِثالٍ وصَبْرٍ ولِذا جاءَ بَعْدَها: ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢] . (p-٢٠٣)وَمِن ناحِيَةٍ أُخْرى يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، والكُفْرُ أعْظَمُ المَصائِبِ. ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ والإيمانُ بِاللَّهِ أعْظَمُ النِّعَمِ، فَيَقُولُ قائِلٌ: إنْ كانَ كُلُّ ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ، فَما ذَنْبُ الكافِرِ وما فَضْلُ المُؤْمِنِ، فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، بَيانًا لِما يَلْزَمُ العَبْدَ، وهو طاعَةُ الرُّسُلِ فِيما جاءُوا بِهِ، ولا يَمْلِكُ سِوى ذَلِكَ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ مِن نِسْبَةِ الهِدايَةِ إلى القَلْبِ بَيانٌ لِقَضِيَّةِ الهِدايَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ، كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ ﷺ: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . فَقالُوا: الهِدايَةُ الأُولى دَلالَةُ إرْشادٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] . والثّانِيَةُ: هِدايَةُ تَوْفِيقٍ وإرْشادٍ ويَشْهَدُ لِذَلِكَ شِبْهُ الهِدايَةِ مِنَ اللَّهِ لِقَلْبِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، بِتَكْرارِ فِعْلِ الطّاعَةِ يَدُلُّ عَلى طاعَةِ الرَّسُولِ تَلْزَمُ مُسْتَقِلَّةً. وَقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِتَشْرِيعاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ وبِتَخْصِيصِ القُرْآنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] . وَمِمّا يَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فَكَرَّرَ الفِعْلَ بِالنِّسْبَةِ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ، ولَمْ يُكَرِّرْهُ بِالنِّسْبَةِ لِأُولِي الأمْرِ؛ لِأنَّ طاعَتَهم لا تَكُونُ اسْتِقْلالًا بَلْ تَبَعًا لِطاعَةِ اللَّهِ، وطاعَةِ رَسُولِهِ، كَما في الحَدِيثِ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ» .

التغابن 64:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ (p-٢٠٤)[الكهف: ٤٦] . وَمِمّا يُعْتَبَرُ تَوْجِيهًا قُرْآنِيًّا لِعِلاجِ مَشاكِلِ الحَياةِ الزَّوْجِيَّةِ، وقَضِيَّةِ الأوْلادِ التَّعْقِيبُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤]، أيْ: إنَّ عَداوَةَ الزَّوْجَةِ والأوْلادِ لا يَنْبَغِي أنْ تُقابَلَ إلّا بِالعَفْوِ والصَّفْحِ والغُفْرانِ، وأنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ أوْ يُذْهِبُ أوْ يُجَنِّبُ الزَّوْجَ والوالِدَ نَتائِجَ هَذا العَداءِ، وأنَّهُ خَيْرٌ مِنَ المُشاحَّةِ والخِصامِ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قالَ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] أيْ: قَدْ تَفْتِنُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ هَذا المَبْحَثُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ كَما أشَرْنا.

التغابن 64:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ . يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ التَّكْلِيفَ في حُدُودِ الِاسْتِطاعَةِ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَفِي الحَدِيثِ: «قالَ اللَّهُ قَدْ فَعَلْتُ»، وهَذا في الأوامِرِ دُونَ النَّواهِي؛ لِأنَّ النَّواهِيَ تُرُوكٌ. كَما جاءَ في السُّنَّةِ: «ما أمَرْتُكم بِهِ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وما نَهَيْتُكم عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ»، وهَذا مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ. كَما تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ أواخِرِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في رُخَصِ الصَّلاةِ، والصِّيامِ ونَحْوِهِما. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ . قالُوا: الشُّحُّ، أخَصُّ مِنَ البُخْلِ، وقِيلَ البُخْلُ: أنْ تَضِنَّ بِمالِكَ، والشُّحُّ أنْ تَضِنَّ بِمالِ غَيْرِكَ، والواقِعُ أنَّ الشُّحَّ مُنْتَهى البُخْلِ، وإنْ ذَكَرَهُ هُنا بَعْدَ قَضايا الأزْواجِ والأوْلادِ وفِتْنَتِهِمْ وعَداوَتِهِمْ، ثُمَّ الأمْرِ بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ والإنْفاقِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، يُشْعِرُ بِأنَّ أكْثَرَ قَضايا الزَّوْجِيَّةِ مَنشَؤُها مِن جانِبِ المالِ (p-٢٠٥)حِرْصًا عَلَيْهِ أوْ بُخْلًا بِهِ، حِرْصًا عَلَيْهِ بِالسَّعْيِ إلَيْهِ بِسَبَبِهِمْ، فَقَدْ يُفْتَنُ في ذَلِكَ، وشُحًّا بِهِ بَعْدَ تَحْصِيلِهِ فَقَدْ يُعادُونَهُ فِيهِ. والعِلاجُ النّاجِعُ في ذَلِكَ كُلِّهِ الإنْفاقُ وتَوَقِّي الشُّحِّ، والشُّحُّ مِن جِبِلَّةِ النَّفْسِ ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، وفي إضافَةِ الشُّحِّ إلى النَّفْسِ مَعَ إضافَةِ الهِدايَةِ فِيما تَقَدَّمَ إلى القَلْبِ سِرٌّ لِطَيْفٌ، وهو أنَّ الشُّحَّ جِبِلَّةُ البَشَرِيَّةِ، والهِدايَةَ مِنحَةٌ إلَهِيَّةٌ، والأُولى قُوَّةٌ حَيَوانِيَّةٌ، والثّانِيَةُ قُوَّةٌ رُوحِيَّةٌ. فَعَلى المُسْلِمِ أنْ يُغالِبَ بِالقُوَّةِ الرُّوحِيَّةِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن قُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ؛ لِيَنالَ الفَلاحَ والفَوْزَ، كَما أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْمَعُوا وأطِيعُوا﴾ . أيْ: لا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا، ولا كَقَوْمِ نُوحٍ الَّذِينَ قالَ عَنْهم: ﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧] . وَقَدْ نَدَّدَ بِقَوْلِ الكُفّارِ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: اسْمَعُوا ما يُقالُ لَكم، وأطِيعُوا فِيما سَمِعْتُمْ، لا كَمَن قَبْلَكُمُ المُشارِ إلَيْهِمْ بِالآياتِ المُتَقَدِّمَةِ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التَّغابُنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ . تَقَدَّمَ رَفْعُ الإشْكالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ .

التغابن 64:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: قَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُضاعِفُ الإنْفاقَ سَبْعَمِائَةٍ إلى أكْثَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] . وَأصْلُ القَرْضِ في اللُّغَةِ: القَطْعُ وفي الشَّرْعِ قَطْعُ جُزْءٍ مِنَ المالِ يُعْطِيهِ لِمَن يَنْتَفِعُ بِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ، أيْ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَرُدُّ أضْعافًا، وقَدْ سَمّى مُعامَلَتَهُ مَعَ عَبِيدِهِ قَرْضًا وبَيْعًا وشِراءً وتِجارَةً. (p-٢٠٦)وَمَعْنى ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّ العَبْدَ يَعْمَلُ لِوَجْهِ اللَّهِ واللَّهُ جَلَّ وعَلا يُعْطِيهِ ثَوابَ ذَلِكَ العَمَلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [التغابن: ١٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] . وَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] . وَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكُمْ﴾ الآيَةَ [الصف: ١٠ - ١١]، مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] . والقَرْضُ الحَسَنُ هو ما يَكُونُ مِنَ الكَسْبِ الطَّيِّبِ خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ. اهـ. وَمِمّا يَشْهَدُ لِقَوْلِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في مَعْنى القَرْضِ الحَسَنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْفِقْ بِإخْلاصٍ لِوَجْهِ اللَّهِ، ومَجِئُ الحَسَنِ عَلى القَرْضِ الحَسَنِ هُنا بَعْدَ قَضِيَّةِ الزَّوْجِيَّةِ والأوْلادِ وتَوَقِّي الشُّحِّ يُشْعِرُ بِأنَّ الإنْفاقَ عَلى الأوْلادِ والزَّوْجَةِ إنَّما هو مِن بابِ القَرْضِ الحَسَنِ مَعَ اللَّهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥] . وَأقْرَبُ الأقْرَبِينَ بَعْدَ الوالِدَيْنِ هُمُ الأوْلادُ والزَّوْجَةُ. وَفِي الحَدِيثِ في الحَثِّ عَلى الإنْفاقِ: «حَتّى اللُّقْمَةَ يَضَعُها الرَّجُلُ في في امْرَأتِهِ» . وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧] . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: شُكْرُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ هو مُجازاتُهُ لَهُ بِالأجْرِ الجَزِيلِ عَلى العَمَلِ القَلِيلِ. وَقَوْلُهُ: حَلِيمٌ، أيْ: لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ بَلْ يَسْتُرُ ويَتَجاوَزُ عَنْ ذُنُوبٍ. ومَجِئُ هَذا التَّذْيِيلِ هُنا يُشْعِرُ بِالتَّوْجِيهِ في بَعْضِ نَواحِي إصْلاحِ الأُسْرَةِ، وهو أنْ يَقْبَلَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَمَلَ الآخَرِ بِشُكْرٍ، ويُقابِلُ كُلَّ إساءَةٍ بِحِلْمٍ لِيَتِمَّ مَعْنى حُسْنِ العِشْرَةِ، ولِأنَّ الإنْفاقَ يَسْتَحِقُّ المُقابَلَةَ بِالشُّكْرِ والعَداوَةَ تُقابَلُ بِالحِلْمِ.

التغابن 64:18

(p-٢٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ . مَجِئُ الآيَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَةِ يُشْعِرُ بِالحَصْرِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ومَجِيئُهُ هُنا أيْضًا يُشْعِرُ بِأنَّ الرَّقابَةَ عَلى الأُسْرَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُما يَكُونانِ في عُزْلَةٍ عَنِ النّاسِ ولا يَطَّلِعُ عَلى ما بَيْنَهُما إلّا اللَّهُ، عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، أيْ فَلْيُراقِبْ كُلٌّ مِنهُما رَبَّهُ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، ومُجازِيًا كُلًّا مِنهُما عَلى فِعْلِهِ.

الطلاق 65:1

(p-٢٠٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الطَّلاقِ * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ. قِيلَ في سَبَبِ نُزُولِها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فَنَزَلَتْ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وعَلى كُلٍّ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مَعْلُومٌ. وَمِمّا يَشْهَدُ لِهَذِهِ القاعِدَةِ ما لَوْ أخَذْنا بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ النَّسَقَ الكَرِيمَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، حَيْثُ كانَ آخِرَ ما قَبْلَها مَوْضُوعُ الأوْلادِ والزَّوْجاتِ مِن فِتْنَةٍ وعَداءٍ. والإشارَةُ إلى عِلاجِ ما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِن إنْفاقٍ وتَسامُحٍ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا هُناكَ، فَإنْ صَلُحَ ما بَيْنَهم بِذاكَ فَبِها ونِعْمَتْ، وإنْ تَعَذَّرَ ما بَيْنَهُما وكانَتِ الفُرْقَةُ مُتَحَتِّمَةً فَجاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى إثْرِها تُبَيِّنُ طَرِيقَةَ الفُرْقَةِ السَّلِيمَةِ في الطَّلاقِ وتَشْرِيعِهِ وما يَتْبَعُهُ مِن عِدَدٍ وإنْفاقٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾، بِالنِّداءِ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وقَوْلُهُ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ بِخِطابٍ لِعُمُومِ الأُمَّةِ، قالُوا: كانَ النِّداءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والخِطابُ لِلْأُمَّةِ تَكْرِيمًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَكْلِيفًا لِلْأُمَّةِ. وقِيلَ: خُوطِبَتِ الأُمَّةُ في شَخْصِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ كَخِطابِ الجَماعَةِ في شَخْصِيَّةِ رَئِيسِها. وَقالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: ولِهَذِهِ الآيَةِ اسْتَدَلَّ مَن يَقُولُ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَكُونُ داخِلًا في عُمُومِ خِطابِ الأُمَّةِ. اهـ. والواقِعُ أنَّ الخِطابَ المُوَجَّهَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: الأوَّلُ: قَدْ يَتَوَجَّهُ الخِطابُ إلَيْهِ ﷺ ولا يَكُونُ داخِلًا فِيهِ قَطْعًا، وإنَّما يُرادُ بِهِ الأُمَّةُ بِلا خِلافٍ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في بِرِّ الوالِدَيْنِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ (p-٢٠٩)[الإسراء: ٢٣ - ٢٤] . فَكُلُّ صِيَغِ الخِطابِ هُنا مُوَجَّهَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو قَطْعًا لَيْسَ مُرادًا بِذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ والِدَيْنِ، ولا أحَدِهِما عِنْدَ نُزُولِها كَما هو مَعْلُومٌ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ خاصًّا بِهِ لا يَدْخُلُ مَعَهُ غَيْرُهُ قَطْعًا، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] . والثّالِثُ: هو الشّامِلُ لَهُ ﷺ ولِغَيْرِهِ بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وأوَّلِ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ﴾ [التحريم: ١]، فَهَذا كُلُّهُ خِطابٌ مُوَجَّهٌ لَهُ ﷺ . وَجاءَ بَعْدَها مُباشَرَةً: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بِخِطابِ الجَمِيعِ: ﴿تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فَدَلَّ أنَّ الآيَةَ داخِلَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، وهَذا بِاتِّفاقٍ. وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - هَذِهِ المَسْألَةَ بِأقْوى دَلِيلٍ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: - ٣١] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ الآيَةَ، يُشْعِرُ بِأنَّ كُلَّ المُطَلَّقاتِ مِنَ النِّساءِ يُطَلَّقْنَ لِعِدَّتِهِنَّ وتُحْصى عِدَّتُهُنَّ. والإحْصاءُ العَدَدُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصا، وهو الحَصا الصَّغِيرُ كانَتِ العَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ في العَدَدِ لِأُمِّيَّتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ عِدَدٍ لِبَعْضِ المُطَلَّقاتِ ولَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَهُنَّ مَعَ أنَّهُ مِنَ المُطَلَّقاتِ مَن لا عِدَّةَ لَهُنَّ وهُنَّ غَيْرُ المَدْخُولِ بِهِنَّ، ومِنَ المُطَلَّقاتِ مَن لَمْ يَذْكُرْ عِدَّتَهُنَّ هُنا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ لا عُمُومَ ولا تَخْصِيصَ؛ لِأنَّ لَفْظَ النِّساءِ اسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلى الكُلِّ وعَلى البَعْضِ، وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى البَعْضِ وهو المُبَيَّنُ حُكْمُهُنَّ بِذِكْرِ عِدَّتِهِنَّ، وهُنَّ اللّاتِي يَئِسْنَ والصَّغِيراتُ وذَواتُ الحَمْلِ، وحاصِلُ عِدَدِ النِّساءِ تَتَلَخَّصُ في الآتِي، وهي أنَّ الفُرْقَةَ إمّا بِحَياةٍ أوْ بِمَوْتٍ، والمُفارَقَةُ إمّا حامِلٌ أوْ غَيْرُ حامِلٍ، فالحامِلُ عِدَّتُها بِوَضْعِ حَمْلِها اتِّفاقًا، ولا عِبْرَةَ بِالخِلافِ في ذَلِكَ لِصِحَّةِ النُّصُوصِ، وغَيْرُ الحامِلِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ (p-٢١٠)مَدْخُولٌ بِها وغَيْرُ مَدْخُولٍ، والمُفارَقَةُ بِالحَياةِ إمّا مَدْخُولٌ بِها أوْ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِها، فَغَيْرُ المَدْخُولِ بِها لا عِدَّةَ عَلَيْها إجْماعًا، والمَدْخُولُ بِها إمّا مِن ذَواتِ الأقْراءِ فَعِدَّتُها ثَلاثَةُ قُرُوءٍ عَلى خِلافٍ في المُرادِ بِالقُرْءِ. وَأمّا مَن لَيْسَتْ مِن ذَواتِ الأقْراءِ، كاليائِسَةِ والصَّغِيرَةِ، فَعِدَّتُها بِالأشْهُرِ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في الجُزْءِ الأوَّلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وفَصْلُ أنْواعِ المُطَلَّقاتِ المَدْخُولِ بِهِنَّ وغَيْرِ المَدْخُولِ بِهِنَّ، وأنْواعُ العِدَدِ بِالأقْراءِ أوِ الأشْهُرِ أوِ الحَمْلِ، وبَيَّنَ الجَمْعَ بَيْنَ العُمُوماتِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ كُلِّهِ مِمّا يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ هُنا. * * تَنْبِيهٌ كُلُّ ما تَقَدَّمَ في شَأْنِ العِدَّةِ، إنَّما هو في خُصُوصِ الحَرائِرِ، وبَقِيَ مَبْحَثُ الإماءِ. أمّا الإماءُ: فالحَوامِلُ مِنهُنَّ كالحَرائِرِ سَواءٌ بِسَواءٍ، وغَيْرُ الحَوامِلِ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّها عَلى النِّصْفِ مِنَ الحُرَّةِ إلّا أنَّ الحَيْضَةَ لَمّا لَمْ تَكُنْ تَتَجَزَّأُ فَجُعِلَتْ عِدَّتُها فِيها حَيْضَتَيْنِ، وهَذا بِاتِّفاقِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ. أمّا ذاتُ الأشْهُرِ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّها تَعْتَدُّ شَهْرًا ونِصْفًا، وخالَفَ مالِكٌ فَجَعَلَ لَها ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، فَيَكُونُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وافَقَ الجُمْهُورَ في ذَواتِ الحَيْضِ، وخالَفَ الجُمْهُورَ في ذَواتِ الأشْهُرِ، وقَدْ أخْطَأ ابْنُ رُشْدٍ مَعَ مالِكٍ في نِقاشِهِ مَعَهُ هَذِهِ المَسْألَةَ، فَقالَ في بِدايَةِ المُجْتَهِدِ: وَقَدْ اضْطَرَبَ قَوْلُ مالِكٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَلا بِالنَّصِّ أخَذَ ولا بِالقِياسِ عَمِلَ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِالنَّصِّ في ذَواتِ الحَيْضِ فَيَجْعَلْ لَهُنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، كَما أخَذَ بِهِ في ذَواتِ الأشْهُرِ، حَيْثُ جَعَلَ لَهُنَّ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ بِالنَّصِّ، ولا بِالقِياسِ عَمِلَ، أيْ: فَلَمْ يُنَصِّفِ الأشْهُرَ قِياسًا عَلى الحَيْضِ، فَكانَ مَذْهَبُهُ مُلَفَّقًا بَيْنَ القِياسِ في ذَواتِ الحَيْضِ، والنَّصِّ في ذَواتِ الأشْهُرِ، فَخالَفَ في ذَلِكَ الأئِمَّةَ الثَّلاثَةَ. واضْطَرَبَ قَوْلُهُ في نَظَرِ ابْنِ رُشْدٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَطَّرِدِ القِياسَ فِيهِما، ولا أعْمَلَ النَّصَّ فِيهِما، ولَكِنَّ الحَقَّ في المَسائِلِ الخِلافِيَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يُعْرَفَ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ وِجْهَةِ النَّظَرِ عَنِ المُخالِفِ، فَقَدْ يَكُونُ مُحِقًّا، وقَدْ يَكُونُ فِعْلًا الحَقُّ مَعَ غَيْرِهِ. (p-٢١١)وَفِي هَذِهِ المَسْألَةِ بِالذّاتِ أشارَ العَدَوِيُّ في حاشِيَتِهِ: بِأنَّ وِجْهَةَ نَظَرِ مالِكٍ هي الرُّجُوعُ إلى أصْلِ الغَرَضِ مِنَ العِدَّةِ وهو بَراءَةُ الرَّحِمِ، والشَّهْرُ والنِّصْفُ لا يَكْفِي لِلْمَرْأةِ نَفْسِها أنْ تُخْبِرَ عَنْ نَفْسِها عَمّا إذا كانَتْ حامِلًا أمْ لا، فَأكْمَلَ لَها المُدَّةَ المَنصُوصَ عَلَيْها. أمّا الحَيْضَتانِ: فَفِيهِما بَيانٌ لِبَراءَةِ الرَّحِمِ. اهـ. مُلَخَّصًا. وَهَذا الَّذِي قالَهُ العَدَوِيُّ لَهُ أصْلٌ مِنَ الشَّرْعِ؛ لِأنَّ ذاتَ الأقْراءِ وجَدْناها في بَعْضِ الصُّوَرِ تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ، كَما جاءَ النَّصُّ في عِدَّةِ المُخْتَلِعَةِ، وإنْ كانَ فِيها خِلافٌ، ووَجَدْنا الأمَةَ تَثْبُتُ بَراءَةُ رَحِمِها في غَيْرِ هَذا بِحَيْضَتَيْنِ قَطْعًا، وهي فِيما إذا كانَتْ سُرِّيَّةً لِمالِكِها فَأرادَ بَيْعَها فَإنَّهُ يَسْتَبْرِئُها بِحَيْضَةٍ، والَّذِي يَشْتَرِيها يَسْتَبْرِئُها بِحَيْضَةٍ قَبْلَ أنْ يَمَسَّها، ثُمَّ هو يَفْتَرِشُها ويَأْمَنُ مِن أنْ يَسْقِيَ ماءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، فَعَلِمْنا أنَّ في الحَيْضَتَيْنِ بَراءَةً لِلرَّحِمِ، فاكْتَفى بِهِما مالِكٌ ووافَقَ الجُمْهُورَ. وَأمّا الشَّهْرُ والنِّصْفُ فَإنَّهُما لا يُمْكِنُ أنْ تَتَبَيَّنَ المَرْأةُ فِيهِما حَمْلًا؛ لِأنَّها مُدَّةُ الأرْبَعِينَ الأُولى وهي مَرْحَلَةُ النُّطْفَةِ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ الحَقَّ مَعَ مالِكٍ، وأنَّ ابْنَ رُشْدٍ هو الَّذِي اضْطَرَبَتْ مَقالَتُهُ عَلى مالِكٍ، وقَدْ سُقْنا هَذا التَّنْبِيهَ لِبَيانِ واجِبِ طالِبِ العِلْمِ أمامَ المَسائِلِ الخِلافِيَّةِ مِن ضَرُورَةِ البَحْثِ عَنِ السَّبَبِ ووِجْهَةِ نَظَرِ المُخالِفِ وعَدَمِ المُبادَرَةِ لِلْإنْكارِ، لِأنْ يَكُونَ هو أحَقُّ بِأنْ يُنْكَرَ عَلَيْهِ ولا يُسارِعَ لِرَدِّ قَوْلٍ قَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ هو أوْلى بِأنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ أنَّ المُرادَ لِاسْتِقْبالِ عِدَّتِهِنَّ وفِيهِ مَبْحَثُ الطَّلاقِ السُّنِّيِّ والبِدْعِيِّ. واعْلَمْ أنَّ الحامِلَ وغَيْرَ المَدْخُولِ بِها لا بِدْعَةَ في طَلاقِهِما عِنْدَ الجُمْهُورِ، وأُلْحِقَتْ بِهِما الصَّغِيرَةُ، والطَّلاقُ البِدْعِيُّ هو جَمْعُ الثَّلاثِ في مَرَّةٍ أوِ الطَّلاقُ في الحَيْضَةِ أوْ في طُهْرٍ مَسَّها فِيهِ. وعِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُفَرِّقُ الطَّلَقاتِ عَلى الصَّغِيرَةِ كُلَّ طَلْقَةٍ في شَهْرٍ ولا يَجْمَعُها، وقَدْ طالَ البَحْثُ في حُكْمِ الطَّلاقِ البِدْعِيِّ، هَلْ يَقَعُ ويُحْتَسَبُ عَلى المُطَلِّقِ، أمْ لا ؟ والأصْلُ فِيهِ «حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ، فَبَلَّغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقالَ لَهُ ﷺ: ”مُرْهُ فَلْيُراجِعْها“» . والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الطَّلْقَةِ، ومَن خالَفَ فِيها السُّنَّةَ، وعَلَيْهِ أنْ (p-٢١٢)يُراجِعَها، ولْيَعْمَلْ كَما أمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ «فَلْيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَها، وإنْ شاءَ طَلَّقَها في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّها فِيهِ»، أيْ: لِتَسْتَقْبِلْ عِدَّتَها ما لَمْ تَكُنِ الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ أوْ بِالثَّلاثِ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وَقَدْ سُئِلَ أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنِ الِاعْتِدادِ بِهَذِهِ الطَّلْقَةِ في الحَيْضَةِ فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ ﷺ: ”فَلْيُراجِعْها“، يَدُلُّ عَلى الِاعْتِدادِ بِها؛ لِأنَّهُ لا رَجْعَةَ إلّا مِن طَلاقٍ. وَقَدْ أطالَ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ الكَلامَ عَلَيْها في إحْكامِ الأحْكامِ وغَيْرِهِ مِمّا لا داعِيَ إلى سَرْدِهِ، وحاصِلُهُ ما قَدَّمْنا، ولَمْ يَقُلْ بِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها إلّا سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ. وَقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ عَلى إطْلاقِهِ يُشْعِرُ بِالِاعْتِدادِ بِالطَّلاقِ سُنِّيًّا كانَ أوْ بِدْعِيًّا. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): سُورَةُ الطَّلاقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ الآيَةَ. ظاهِرٌ في خُصُوصِ الخِطابِ بِهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ١]، يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ. والجَوابُ هو ما تَقَدَّمَ مُحَرَّرًا في سُورَةِ ”الرُّومِ“ مِن أنَّ الخِطابَ الخاصَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ حُكْمُهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ.

الطلاق 65:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ . ظاهِرُهُ أنَّ الإمْساكَ بِمَعْرُوفٍ إذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ، مَعَ أنَّهُنَّ إذا بَلَغْنَ إلى ذَلِكَ الحَدِّ خَرَجْنَ مِنَ العِدَّةِ وانْتَهى وجْهُ المُراجَعَةِ، ولَكِنَّ المُرادَ هُنا إذا قارَبْنَ أجَلَهُنَّ ولَمْ يَتَجاوَزْنَهُ أوْ يَصِلْنَ إلَيْهِ بِالفِعْلِ، والقاعِدَةُ أنَّ ما قارَبَ الشَّيْءَ يُعْطى حُكْمُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] . وَمِثْلُ الآيَةِ الحَدِيثُ في قَوْلِهِ ﷺ: «إذا أتى أحَدُكُمُ الخَلاءَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ والخَبائِثِ»، مَعَ أنَّهُ عِنْدَ الإتْيانِ أوْ أثْناءَهُ لا يَحِقُّ لَهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وإنَّما يَقُولُهُ إذا قارَبَ دُخُولَهُ، فَكَذَلِكَ هُنا. أمّا المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا فَقَدْ بَحَثَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَحْثًا وافِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

الطلاق 65:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ . بَعْدَ الأمْرِ بِإحْصاءِ العِدَّةِ، وكَوْنِ العِدَدِ مُخْتَلِفَةَ الأنْواعِ مِن أقْراءٍ إلى أشْهُرٍ إلى وضْعِ الحَمْلِ، والمُعْتَدّاتُ مُتَفاوِتاتُ الأقْراءِ وأمَدِ الحَمْلِ، فَقَدْ تَكُونُ في أوَّلِهِ أوْ وسَطِهِ أوْ آخِرِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ لا بُدَّ مِن إحْصائِهِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن حُرْمَةٍ وحِلِّيَّةٍ، فَتَخْرُجُ مِن عِدَّةِ هَذا وتَحِلُّ (p-٢١٣)لِذاكَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وهَذا كُلُّهُ لا يَتَأتّى إلّا بِالإحْصاءِ. والإحْصاءُ لا يَكُونُ إلّا لِمُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾، مُؤَكِّدٌ لِهَذا كُلِّهِ، وكَذَلِكَ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ أنَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أيًّا كانَ هو قَدْرًا لا يَتَعَدّاهُ لا بِزِيادَةٍ ولا بِنَقْصٍ، ولَفْظُ شَيْءٍ أعَمُّ العُمُوماتِ. وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ دالَّةٌ عَلى هَذا العُمُومِ عامَّةٌ وخاصَّةٌ، فَمِنَ الآياتِ العامَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وقَوْلُهُ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] . وقَوْلُهُ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨] . وقَدْ جَمَعَ العامَّ والخاصَّ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] . وَمِنَ التَّقْدِيرِ الخاصِّ في مَخْصُوصِ قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠] . إنَّها قُدْرَةٌ باهِرَةٌ وحِكْمَةٌ بالِغَةٌ، وإرادَةٌ قاهِرَةٌ، وسُلْطَةٌ غالِبَةٌ، قُدْرَةُ مَن أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَقَدْ قالَ عُلَماءُ الهَيْئَةِ: أنَّ حِسابَ مَسِيرِ هَذِهِ الأفْلاكِ في مَنازِلِها أدَقُّ ما يَكُونُ مِن مِئاتِ أجْزاءِ الثّانِيَةِ، ولَوِ اخْتَلَفَ جُزْءٌ مِنَ الثّانِيَةِ لاخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ ولَما صَلُحَتْ عَلى وجْهِ الأرْضِ حَياةٌ، ونَحْنُ نُشاهِدُ حَرَكَةَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ونُقْصانَهُما وزِيادَتَهُما وفُصُولَ السَّنَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] . وَهُوَ سُبْحانُهُ وتَعالى يُحْصِيهِ، وكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ لِوُجُودِ الإنْسانِ قَبْلَ وبَعْدَ وُجُودِهِ، قالَ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٨ - ١٩]، أيْ: قَدَّرَ خَلْقَهُ وصُورَتَهُ ونَوْعَهُ كَما بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] . وَهَذا أيْضًا مِن آياتِ قُدْرَتِهِ يَرُدُّ بِها سُبْحانَهُ عَلى مَن جَحَدَ وُجُودَ اللَّهِ وكَفَرَ بِالبَعْثِ (p-٢١٤)كَما في مُسْتَهَلِّها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ١٨] . ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةِ ماءٍ مَهِينٍ، ولَكِنْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى قُدْرَتَها وصُورَتَها حَتّى صارَتْ خَلْقًا سَوِيًّا، وجَعَلَ لَهُ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ عَيْنَيْنِ، ولِسانًا، وشَفَتَيْنِ أيْ: وأنْفًا وأُذُنَيْنِ ويَدَيْنِ ورِجْلَيْنِ وكُلَّ جِهازٍ فِيهِ حَيَّرَ الحُكَماءَ في صُنْعِهِ ونِظامِهِ. ثُمَّ قَدَّرَ تَعالى أرْزاقَهُ عَلى الأرْضِ قَبْلَ وُجُودِهِ يَوْمَ خَلَقَ الأرْضَ، وجَعَلَهُ آيَةً عَلى قُدْرَتِهِ وعاتَبَ الإنْسانَ عَلى كُفْرِهِ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١٠] . وَبَعْدَ وُجُودِ الكَوْنِ وخَلْقِ الإنْسانِ قَدَّرَ في الإيجادِ بِإنْزالِ المَطَرِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا وعِنَبًا﴾ [فصلت: ٢٤ - ٢٨] . ثُمَّ إنَّ صَبَّ هَذا الماءِ كانَ بِقَدَرٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، أيْ: بِقَدْرِ ما يُصْلِحُهم ولَوْ زادَهُ لَفَسَدَ حالُهم، كَما في قَوْلِهِ قَبْلَها: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [النور: ٢٧]، وبِقَدْرِ مَصْلَحَتِهِمْ يُنَزِّلُ لَهم أرْزاقَهم. كَما نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦ - ٧] . هَذِهِ لَمْحَةٌ عَنْ حِكْمَةِ تَقْدِيرِ العَزِيزِ الحَكِيمِ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، والَّذِي قَدَّرَ الأشْياءَ قَبْلَ وُجُودِها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] . وَكَما في حَدِيثِ القَلَمِ وكِتابَةِ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ وُجُودِهِ بِزَمانِهِ ومَكانِهِ ومِقْدارِهِ، إنَّ آيَةَ القُدْرَةِ وبَيانَ العَجْزِ قُدْرَةُ الخالِقِ وعَجْزُ المَخْلُوقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] . وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١] أيْ: (p-٢١٥)لا يَتَعَدّاهُ ولا يَتَخَطّاهُ، وقَدْ تَحَدّاهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣ \ - ٨٧] كَلّا إنَّهم مَدِينُونَ ولَنْ يَسْتَطِيعُوا إرْجاعَها. وَهُنا يُقالُ لِلدَّهْرِيِّينَ والشُّيُوعِيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْتَرِفُونَ بِوُجُودِ فاعِلٍ مُخْتارٍ وعَزِيزٍ قَهّارٍ، إنَّ هَذا الكَوْنَ بِتَقْدِيراتِهِ ونُظُمِهِ لَآيَةٌ شاهِدَةٌ وبَيِّنَةٌ عادِلَةٌ عَلى وُجُودِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] . كَما يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا إنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ نافِذٌ، وما قُدِّرَ لِلْعَبْدِ آتِيهِ، وما لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ لَنْ يَصِلَ إلَيْهِ، طُوِيَتِ الصُّحُفُ وجَفَّتِ الأقْلامُ: ﴿لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] . وَيُقالُ مَرَّةً أُخْرى: اعْمَلُوا كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.

الطلاق 65:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ . فِيهِ إطْلاقٌ لِوَضْعِ الحَمْلِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَ هو، وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنْ يَصْدُقَ بِوَضْعِهِ حَيًّا أوْ مَيِّتًا، ولَكِنِ اشْتُرِطَ فِيهِ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ خِلْقَةُ الإنْسانِ لا مُضْغَةً ولا عَلَقَةً، كَما أنَّ فِيهِ إطْلاقَ الأجَلِ سَواءٌ لِلْمُطَلَّقَةِ أوِ المُتَوَفّى عَنْها مِن أنَّهُ يَنْقَضِي أجَلُ الحَوامِلِ بِوَضْعِ الحَمْلِ. وتَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - وهُنا مَبْحَثُ أقَلِّ الحَمْلِ وأكْثَرِهِ، وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ لِلشَّيْخِ أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ الآيَةَ (١٣ \ ٨) .

الطلاق 65:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ . بَيَّنَ تَعالى مُدَّةَ الرَّضاعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وَجَعَلَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثَلاثَةَ أشْهُرٍ زِيادَةً عَلى الحَوْلَيْنِ لِتَمْرِينِ الطِّفْلِ عَلى الفِطامِ، وذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ . فَإذا أمْكَنَ فِطامُ الطِّفْلِ قَبْلَها بِدُونِ مَضَرَّةٍ عَلَيْهِ فَلا مانِعَ، وعَلى الوالِدِ إيتاءُ الأُجْرَةِ عَلى مُدَّةِ الرَّضاعِ إلى الفِطامِ سَواءٌ كانَتِ المُدَّةَ الشَّرْعِيَّةَ كَما هُنا أوِ الفِعْلِيَّةَ قَبْلَها. ولَيْسَ (p-٢١٦)مُلْزَمًا بِما زادَ عَلى الحَوْلَيْنِ في نَصِّ الآيَةِ. والِائْتِمارُ بِمَعْرُوفٍ يُشْعِرُ بِأنَّ لِلْعُرْفِ دَخْلًا في ذَلِكَ كَما هو تَنْبِيهٌ صَرِيحٌ بِأنْ لا يُضارَّ أحَدُ الوالِدَيْنِ بِوَلَدِهِ وأنْ تَكُونَ المُفاهَمَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الفُرْقَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ سَواءٌ في خُصُوصِ الرَّضاعِ أوْ غَيْرِهِ مَبْناها عَلى المَعْرُوفِ والتَّسامُحِ والإحْسانِ وفاءً لِحَقِّ العِشْرَةِ السّابِقَةِ، ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكم.

الطلاق 65:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ الآيَةَ. ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الإمْلاءِ أنَّ كَأيِّنْ بِمَعْنى كَمْ فَهي إخْبارٌ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، وذَكَرَ إعْرابَها، والمَعْنى: كَثِيرٌ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها أيْ: تَكَبَّرَتْ وطَغَتْ وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ لِلْمَعْنى بِالأمْثِلَةِ والشَّواهِدِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الحج: ٤٥] في سُورَةِ ”الحَجِّ“ . وَمِمّا قَدَّمَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩]، بَيانٌ لِأصْحابِ الرِّئاسَةِ ورِجالِ السِّياسَةِ أنَّ هَلاكَ الدُّنْيا بِفَسادِ الدِّينِ، وأنَّ أمْنَ القُرى وطُمَأْنِينَةَ العالَمِ بِالحِفاظِ عَلى الدِّينِ. وَمِن هُنا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ في عامَّةِ النّاسِ لِلْحِفاظِ عَلى دِينِهِمْ وسَلامَةِ دُنْياهم، فَحَمَّلَ الشّارِعُ مُهِمَّتَهُ لِلْأُمَّةِ كُلِّها كُلٌّ بِحَسَبِهِ بِاليَدِ أوْ بِاللِّسانِ أوِ القَلْبِ، وهَذا الأخِيرُ أضْعَفُ الإيمانِ، ومَعَ ضَعْفِهِ فَفِيهِ الإبْقاءُ عَلى دَوامِ الإحْساسِ بِوُجُودِ المُنْكَرِ إلى أنْ يَقْدِرَ هو أوْ غَيْرُهُ عَلى تَغْيِيرِهِ. قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَفْهُومَ بِبَيانِ حالِ الَّذِينَ مَكَّنَهم في الأرْضِ بِنَصْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] . ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأُمَمَ الَّتِي كَذَّبَتْ وعَتَتْ مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ولُوطٍ وأصْحابِ مَدْيَنَ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] .

الطلاق 65:11

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ . إفْرَدُ الضَّمِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ”يُؤْمِن“ وقَوْلِهِ: ”يَعْمَلْ“ وقَوْلِهِ: ”يُدْخِلْهُ“ وقَوْلِهِ: ”لَهُ“ . وجُمِعَ في قَوْلِهِ: ”خالِدِينَ“ . والجَوابُ: أنَّ الإفْرادَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ: ”مَن“ والجَمْعَ بِاعْتِبارِ مَعْناها وهو كَثِيرٌ في القُرْءانِ العَظِيمِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ مُراعاةَ المَعْنى لا تَجُوزُ بَعْدَها مُراعاةُ اللَّفْظِ لِأنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ راعى المَعْنى في قَوْلِهِ: ”خالِدِينَ“ ثُمَّ راعى اللَّفْظَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ .

الطلاق 65:12

(p-٢١٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ . جاءَ في بَيانِ السَّماواتِ أنَّها سَبْعٌ طِباقٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [الملك: ٣] . وَبَيَّنَ الحَدِيثُ في الإسْراءِ أنَّ ما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وجاءَ لَفْظُ السَّماءِ مُفْرَدًا وجَمْعًا، فالمُفْرَدُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] . وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] . أمّا الأرْضُ فَلَمْ يَأْتِ لَفْظُها إلّا مُفْرَدًا، ولَمْ يَأْتِ تَفْصِيلُها كَتَفْصِيلِ السَّماءِ سَبْعًا طِباقًا، فاخْتُلِفَ في المِثْلِيَّةِ فَجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مِثْلِيَّةٌ تامَّةٌ عَدَدًا وطِباقًا وخَلْقًا، وقِيلَ: عَدَدًا وأقالِيمَ يَفْصِلُها البِحارُ، وقِيلَ: عَدَدًا طِباقًا مُتَراكِمَةً كَطَبَقاتِ البَصَلَةِ مَثَلًا، ولَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في المُقَدِّمَةِ أنَّ مِن أوْجُهِ البَيانِ إذا لَمْ يُوجَدْ في الكِتابِ ووُجِدَ في السُّنَّةِ فَإنَّهُ يُبَيَّنُ بِها؛ لِأنَّها وحْيٌ، وقَدْ جاءَ في السُّنَّةِ أنَّ الأرْضَ سَبْعُ أرَضِينَ كَما في حَدِيثِ: «مَنِ اغْتَصَبَ أرْضًا أوْ مَن أخَذَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي حَدِيثِ مُوسى لَمّا قالَ: ”يا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أدْعُوكَ بِهِ فَقالَ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: يا رَبِّ كُلُّ النّاسِ يَقُولُونَ ذَلِكَ، قالَ: يا مُوسى، لَوْ أنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ وعامِرَهُنَّ غَيْرِي والأرَضِينَ السَّبْعَ في كِفَّةٍ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ في كِفَّةٍ لَمالَتْ بِهِنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ . رَواهُ النَّسائِيُّ. فَهَذِهِ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ أثْبَتَتْ أنَّ الأرَضِينَ سَبْعٌ، ولَمْ يَأْتِ تَفْصِيلٌ لِلْكَيْفِيَّةِ ولا لِلْهَيْئَةِ فَثَبَتَ عِنْدَنا العَدَدُ ولَمْ يَثْبُتْ غَيْرُهُ، فَنُثْبِتُهُ ونَكِلُ غَيْرَهُ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى. وَمِمّا يُؤَيِّدُ ثُبُوتَ العَدَدِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ مِثْلِيَّةَ الأرْضِ لِلسَّماءِ لَمْ تُذْكَرْ إلّا عِنْدَ ذِكْرِ السَّماءِ مُجْمَلَةً مَعَ ذِكْرِ العَدَدِ ولَمْ يُذْكَرْ عِنْدَ تَفْصِيلِها بِطِباقٍ مِمّا يُشْعِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المِثْلِيَّةِ العَدَدُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لا يَتَنافى مَعَ أفْرادِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ جَمْعَهُ شاذٌّ. كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ: وَأرَضُونَ شَذَّ والسُّنُونَ (p-٢١٨)وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى أنَّ هُناكَ مِن حالاتِ الأرْضِ والسَّماءِ ما لَمْ يَعْلَمْهُ الخَلْقُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وهم لا يَزالُونَ عاجِزِينَ عَنْ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ أنْفُسِهِمْ إلّا تَفْصِيلاتٍ جُزْئِيَّةً، والمُهِمُّ مِنَ السِّياقِ والغَرَضِ الأساسِيِّ، تَنْبِيهُ الخَلْقِ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] .

التحريم 66:1

(p-٢١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التَّحْرِيمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ قَبْلَها بَيانُ عَلاقَةِ الأُمَّةِ بِالخِطابِ الخاصِّ بِهِ ﷺ وقَدِ اخْتُلِفَ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ العَسَلَ أوْ هو مارِيَةُ جارِيَتُهُ ﷺ وسَيَأْتِي زِيادَةُ إيضاحِهِ عَنِ الكَلامِ عَلى حُكْمِهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ﴾ [التحريم: ١]، ظاهِرٌ فِيهِ مَعْنى العِتابِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ١ - ٣] . وَكِلاهُما لَهُ عَلاقَةٌ بِالجانِبِ الشَّخْصِيِّ سَواءٌ ابْتِغاءُ مَرْضاةِ الأزْواجِ، أوِ اسْتِرْضاءُ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّشْرِيعَ الإسْلامِيَّ لا مَدْخَلَ لِلْأغْراضِ الشَّخْصِيَّةِ فِيهِ. وَبِهَذا نَأْخُذُ بِقِياسِ العَكْسِ دَلِيلًا واضِحًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِينَ: إنَّ إعْمارَهُ ﷺ لِعائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ كانَ تَطْيِيبًا لِخاطِرِها، ولا يَصِحُّ لِأحَدٍ غَيْرَها. وَمَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ هو أنَّ مَن لَيْسَ لَهُ حَقٌّ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ أزْواجِهِ لا يَحِلُّ لَهُ إحْلالُ وتَجْوِيزُ ما لا يَجُوزُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِهِنَّ، وهَذا ظاهِرٌ بَيِّنٌ، ولِلَّهِ الحَمْدُ. أمّا تَحِلَّةُ اليَمِينِ وكَفّارَةُ الحَنْثِ وغَيْرُ ذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] . أمّا حَقِيقَةُ التَّحْرِيمِ هُنا، ونَوْعُ الكَفّارَةِ، وهَلْ كَفَّرَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ أمْ أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ فَلَمْ يَحْتَجْ لِتَكْفِيرٍ، فَقَدْ أوْضَحَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الإمْلاءِ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ. (p-٢٢٠)وَفِي الأضْواءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ ”الأحْزابِ“: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وذَلِكَ أنَّ لِلْعُلَماءِ نَحْوُ عِشْرِينَ قَوْلًا، ورَجَّحَ القَوْلَ بِأنَّ التَّحْرِيمَ ظِهارٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القُرْآنِ، وأنَّ القَوْلَ الَّذِي يَلِيهِ أنَّهُ يَمِينٌ، وناقَشَ المَسْألَةَ بِأدِلَّتِها هُناكَ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التَّحْرِيمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ . مَعَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، يَجْرِي فِيهِ مِنَ الإشْكالِ. والجَوابُ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الطَّلاقِ“ .

التحريم 66:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ . أُطْلِقَتِ التَّوْبَةُ هُنا وقُيِّدَتْ في الآيَةِ بَعْدَها بِأنَّها تَوْبَةٌ نَصُوحٌ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] . وَحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ وشُرُوطُها وآثارُها تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ . قالَ الشَّيْخُ في إمْلائِهِ: (صَغَتْ): بِمَعْنى مالَتْ ورَضِيَتْ وأحَبَّتْ ما كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . اهـ. وَقالَ: (وقُلُوبُكُما) جَمْعٌ مَعَ أنَّهُ لِاثْنَتَيْنِ هُما حَفْصَةُ وعائِشَةُ، فَقِيلَ: لِأنَّ المَعْنى مَعْلُومٌ والجَمْعَ أخَفُّ مِنَ المُثَنّى إذا أُضِيفَ. وقِيلَ هو مِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنَيْنِ كَما في المِيراثِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] . وَجَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: إنْ تَتُوبا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، فَذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْكُما؛ لِأنَّ قُلُوبَكُما مالَتْ إلى ما لا يُحِبُّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . اهـ. وَقَدَّرَهُ القُرْطُبِيُّ بِذَلِكَ خَيْرٌ لَكم ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ . قالَ أبُو حَيّانَ: الوَقْفُ عَلى (مَوْلاهُ)، وتَكُونُ الوَلايَةُ خاصَّةً بِاللَّهِ، ويَكُونُ (جِبْرِيلُ) مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ عُطِفَ عَلَيْهِ، (وظَهِيرٌ) خَبَرٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ جِبْرِيلُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ بِالخُصُوصِ أوَّلًا وبِالعُمُومِ ثانِيًا. وَقِيلَ: الوَقْفُ عَلى (جِبْرِيلَ) مَعْطُوفًا عَلى لَفْظِ الجَلالَةِ في الوِلايَةِ، ثُمَّ ابْتُدِئَ بِصالِحِ المُؤْمِنِينَ وعُطِفَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، ويَدْخُلُ فِيهِمْ جِبْرِيلُ ضِمْنًا. اهـ. (p-٢٢١)فَعَلى الوَقْفِ الأوَّلِ يَكُونُ دَرْجُ صالِحِ المُؤْمِنِينَ بَيْنَ جِبْرِيلَ وبَيْنَ المَلائِكَةِ تَنْبِيهًا عَلى عُلُوِّ مَنزِلَةِ صالِحِ المُؤْمِنِينَ، وبَيانِ مَنزِلَتِهِمْ مِن عُمُومِ المَلائِكَةِ بَعْدَ جِبْرِيلَ، وعَلى الوَقْفِ الثّانِي فِيهِ عِطْفُ جِبْرِيلَ عَلى لَفْظِ الجَلالَةِ في الوَلايَةِ بِالواوِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يُوهِمُ التَّعارُضَ مَعَ الحَدِيثِ في ثُمَّ إذْ مَحَلُّ العَطْفِ هو الوِلايَةُ، وهي قَدْرٌ مُمْكِنٌ مِنَ الخَلْقِ ومِنَ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] لِأنَّ النَّصْرَ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ ويَكُونُ مِنَ العِبادِ، مِن بابِ الأخْذِ بِالأسْبابِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠] . وَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، بِخِلافِ سِياقِ الحَدِيثِ، فَقَدْ كانَ في مَوْضُوعِ المَشِيئَةِ حِينَما قالَ الأعْرابِيُّ: «ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ. فَقالَ لَهُ ﷺ: ”أجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا ؟ قُلْ ما شاءَ اللَّهُ وحْدَهُ“»؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَشِيئَةِ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]، وكَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]، وكَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] . وَمِنَ اللَّطائِفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ إلى آخِرِ ما سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - أنَّهُ قالَ: إنَّ المُتَظاهِرَتَيْنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأتانِ فَقَطْ تَآمَرَتا عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُما، فَجاءَ بَيانُ المُوالِينَ لَهُ ضِدَّهُما كُلَّ مَن ذُكِرَ في الآيَةِ. فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ، ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ كَيْدِهِنَّ وضَعْفِ الرِّجالِ أمامَهُنَّ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، بَيْنَما قالَ في كَيْدِ الشَّيْطانِ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] . وَقَدْ عَبَّرَ الشّاعِرُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ؎ما اسْتَعْظَمَ الإلَهُ كَيْدَهُنَّهْ إلّا لِأنَّهُنَّ هُنَّ هُنَّهْ

التحريم 66:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ . فِيهِ بَيانُ أنَّ الخَيْرِيَّةَ الَّتِي يَخْتارُها اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ في النِّساءِ هي تِلْكَ الصِّفاتُ مِنَ الإيمانِ والصَّلاحِ. (p-٢٢٢)وَجاءَ الحَدِيثُ «فَعَلَيْكَ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَمِينُكَ» . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] . وَفِي تَقْدِيمِ الثَّيِّباتِ عَلى الأبْكارِ هُنا في مَعْرِضِ التَّخْيِيرِ ما يُشْعِرُ بِأوْلَوِيَّتِهِنَّ، مَعَ أنَّ الحَدِيثَ: «هَلّا بِكْرًا تُداعِبُكَ وتُداعِبُها»، ونِساءُ الجَنَّةِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ، فَفِيهِ أوْلَوِيَّةُ الأبْكارِ، وقَدْ أجابَ المُفَسِّرُونَ بِأنَّ هَذا لِلتَّنْوِيعِ فَقَطْ، وأنَّ الثَّيِّباتِ في الدُّنْيا والأبْكارَ في الجَنَّةِ كَمَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ، والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّهُ لَمّا كانَ في مَقامِ الِانْتِصارِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَنْبِيهِهِنَّ لِما يَلِيقُ بِمَقامِهِ عِنْدَهُنَّ ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ العالِيَةِ دِينًا وخُلُقًا، وقَدَّمَ الثَّيِّباتِ؛ لِيُبَيِّنَ أنَّ الخَيْرِيَّةَ فِيهِنَّ بِحَسَبِ العِشْرَةِ ومَحاسِنِ الأخْلاقِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ طَلَّقَهُنَّ، أمْ لا ؟ مَعَ أنَّ عَسى مِنَ اللَّهِ لِلتَّحْقِيقِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ طَلاقُهُنَّ كَما بَيَّنَهُ تَعالى في سُورَةِ ”الأحْزابِ“، بِأنَّهُ تَعالى خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وبَيْنَ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتِها، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَلَمْ يُطَلِّقْهُنَّ، ولَمْ يُبْدِلْهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنهُنَّ. وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - هَذِهِ المَسْألَةَ وإخْلالَ الزَّواجِ إلَيْهِ وتَحْرِيمَ النِّساءِ بَعْدَهُنَّ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٠] . وَقَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] . وَقَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٢] . وَبَيَّنَ النّاسِخَ مِنَ المَنسُوخِ في ذَلِكَ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ.

التحريم 66:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ هُنا نَوْعَ الِاعْتِذارِ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ ولا سَبَبَ النَّهْيِ عَنْهُ لِماذا ؟ ولا زَمَنَهُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى نَوْعَ اعْتِذارِهِمْ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] . (p-٢٢٣)وَكَقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] فَهَذا غايَةٌ في الِاعْتِذارِ، ولَكِنَّهم نُهُوا عَنْهُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾، أيْ: إلى الدُّنْيا. وَقَدْ نُهُوا عَنْ هَذا الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] . وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] .

التحريم 66:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ . تَقَدَّمَتِ الإحالَةُ عَلى كَلامِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في بَيانِ أنْواعِ التَّوْبَةِ، وشُرُوطِ كَوْنِها نَصُوحًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا النُّورِ وحالَتِهِمْ تِلْكَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”الحَدِيدِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] .

التحريم 66:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ . فِيهِ الأمْرُ بِقِتالِ الكُفّارِ، والمُنافِقِينَ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قاتَلَ الكُفّارَ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ قاتَلَ المُنافِقِينَ قِتالَهُ لِلْكُفّارِ، فَما نَوَّعَ قِتالَهُ ﷺ لِلْمُنافِقِينَ وبَيَّنَهُ ؟ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، أيْ: بِالقُرْآنِ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٠] . وَمَعْلُومٌ أنَّ المُنافِقِينَ كافِرُونَ، فَكانَ جِهادُهُ ﷺ لِلْكُفّارِ بِالسَّيْفِ ومَعَ المُنافِقِينَ بِالقُرْآنِ. (p-٢٢٤)كَما جاءَ عَنْهُ ﷺ في عَدَمِ قَتْلِهِمْ؛ لِئَلّا يَتَحَدَّثَ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ، ولَكِنْ كانَ جِهادُهم بِالقُرْآنِ لا يَقِلُّ شِدَّةً عَلَيْهِمْ مِنَ السَّيْفِ، لِأنَّهم أصْبَحُوا في خَوْفٍ وذُعْرٍ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، وأصْبَحَتْ قُلُوبُهم خاوِيَةً كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، وهَذا أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ المُلاقاةِ بِالسَّيْفِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

التحريم 66:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ . أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ هُنا عَلى أنَّ الخِيانَةَ لَيْسَتْ زَوْجِيَّةً. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نِساءُ الأنْبِياءِ مَعْصُوماتٌ، ولَكِنَّها خِيانَةٌ دِينِيَّةٌ بِعَدَمِ إسْلامِهِنَّ وإخْبارِ أقْوامِهِنَّ بِمَن يُؤْمِنَّ مَعَ أزْواجِهِنَّ. اهـ. وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا بِتَحْرِيمِ التَّزَوُّجِ مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ، والتَّعْلِيلُ لَهُ بِأنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] . فَإذا كانَ تَساؤُلُهُنَّ بِدُونِ حِجابٍ يُؤْذِيهِ، والزَّواجُ بِهِنَّ مِن بَعْدِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، فَكَيْفَ إذا كانَ غَيْرُ التَّساؤُلِ وبِغَيْرِ الزَّواجِ ؟ إنَّ مَكانَةَ الأنْبِياءِ عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، فِيهِ بَيانُ أنَّ العَلاقَةَ الزَّوْجِيَّةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا مَعَ الكُفْرِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى ما هو أهَمُّ مِن ذَلِكَ في عُمُومِ القَراباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ الآيَةَ [عبس: ٣٤ - ٣٥] . وَجَعَلَ اللَّهُ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وهو شامِلٌ لِجَمِيعِ الأقارِبِ كَما قَدَّمْنا. وَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مَعْرِضِ مُحاضَرَةٍ لَهُ الِاسْتِطْرادَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ قِصَّةَ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ، وقِصَّةَ إبْراهِيمَ مَعَ أبِيهِ ونُوحٍ مَعَ ولَدِهِ، فاسْتَكْمَلَ جِهاتِ القَراباتِ زَوْجَةٍ مَعَ زَوْجِها، ووَلَدٍ مَعَ والِدِهِ، ووالِدٍ مَعَ ولَدِهِ. وذَكَرَ حَدِيثَ. «يا فاطِمَةُ اعْمَلِي؛ فَإنِّي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» . ثُمَّ قالَ: لِيَعْلَمِ المُسْلِمُ أنَّ أحَدًا لا يَمْلِكُ نَفْعَ أحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَوْ كانَ أقْرَبَ قَرِيبٍ (p-٢٢٥)إلّا بِواسِطَةِ الإيمانِ بِاللَّهِ، وبِما يُكْرِمُ اللَّهُ بِهِ مَن شاءَ بِالشَّفاعَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيَةَ [الطور: ٢١] .

التحريم 66:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . جاءَ في هَذا المَثَلِ بَيانٌ مُقابِلٌ لِلْبَيانِ المُتَقَدِّمِ والمَفْهُومِ المُخالِفِ لَهُ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ لا تَضُرُّهُ مُعاشَرَةُ الكافِرِ، كَما أنَّ الكافِرَ لا تَنْفَعُهُ مُعاشَرَةُ المُؤْمِنِ، وفي هَذا المَثَلِ قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الإمْلاءِ: لَقَدِ اخْتارَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ في طَلَبِها حُسْنَ الجِوارِ قَبْلَ الدّارِ. اهـ. أيْ: في قَوْلِها: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ الآيَةَ [التحريم: ١١] .

التحريم 66:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ . بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِالرُّوحِ بِأنَّهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وهو جِبْرِيلُ. كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ أيْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالقُرْآنِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى النَّصارى اسْتِدْلالَهم بِها عَلى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ اللَّهِ ومِن رُوحِهِ تَعالى، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وبَيانُ هَذا الرَّدِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ تَعْدِيَةُ أرْسَلَ بِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي أُرْسِلَ يُمْكِنُ إرْسالُهُ بِنَفْسِهِ، وهو فَرْقٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، بَيْنَما يُرْسِلُ نَفْسَهُ وما يُرْسِلُ مَعَ غَيْرِهِ كالرِّسالَةِ والهَدِيَّةِ، فَيُقالُ فِيهِ: أرْسَلْتُ إلَيْهِ بِكَذا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ الآيَةَ [النمل: ٣٥] . فالهَدِيَّةُ لا تُرْسَلُ بِنَفْسِها، ومِثْلُهُ بَعَثْتُ، تَقُولُ: بَعَثْتُ البَعِيرَ مِن مَكانِهِ، وبَعَثْتُ مَبْعُوثًا، وبَعَثْتُ بِرِسالَةٍ، ثانِيًا قَوْلُهُ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها﴾ لَفْظُ الرُّوحِ مُؤَنَّثٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٤]، أنَّثَ الفِعْلَ في بَلَغَتْ، وهُنا الضَّمِيرُ مُذَكَّرٌ عائِدٌ لِجِبْرِيلَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾، ولَوْ أنَّهُ مِن رُوحِ اللَّهِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّصارى، لَما كانَ في حاجَةٍ إلى هَذا التَّمْثِيلِ. (p-٢٢٦)ثالِثًا قَوْلُهُ لَها: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] ورَسُولُ رَبِّها هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَيْسَ رُوحَهُ تَعالى. رابِعًا: قَوْلُهُ: ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]، ولَمْ يُقَلْ لِأهَبَ لَكِ رُوحًا مِنَ اللَّهِ. وَمِن هَذا أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، أيْ: نَفَخْتُ فِيهِ الرُّوحَ الَّتِي بِها الحَياةُ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] . فَلَوْ أنَّ الرُّوحَ مِنَ اللَّهِ لَكانَ آدَمُ أوْلى مِن عِيسى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إرْسالَ رَسُولٍ لَهُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فَكَذَلِكَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا بَشَّرَتْها بِهِ المَلائِكَةُ: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧]، فَكُلٌّ مِن آدَمَ وعِيسى، قالَ لَهُ تَعالى: كُنْ فَكانَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ . لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ مِن أنَّ المَرْأةَ لَيْسَتْ مِنَ الرِّجالِ، وهو تَعالى لَمْ يَقُلْ مِنَ القانِتاتِ. الجَوابُ هو إطْباقُ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ عَلى تَغْلِيبِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في الجَمْعِ، فَلَمّا أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ مَرْيَمَ مِن عِبادِ اللَّهِ القانِتِينَ وكانَ مِنهم ذُكُورٌ وإناثٌ غَلَّبَ الذُّكُورَ كَما هو الواجِبُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] .

الملك 67:1

(p-٢٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُلْكِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى تَبارَكَ، وذَكَرَ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ واخْتِلافَهم في مَعْناها. ورَجَّحَ أنَّهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ والِاشْتِقاقِ أنَّهُ تَفاعُلٌ مِنَ البَرَكَةِ، والمَعْنى: تَكاثَرَتِ البَرَكاتُ والخَيْراتُ مِن قَبْلِهِ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ عَظَمَتَهُ وتَقْدِيسَهُ. . إلَخْ. ثُمَّ ذَكَرَ تَنْبِيهًا في عَدَمِ تَصْرِيفِها واخْتِصاصِها بِاللَّهِ تَعالى. وإطْلاقُ العَرَبِ إيّاها عَلى اللَّهِ تَعالى. وَقالَ في إمْلائِهِ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ . أيْ: نُفُوذُ المَقْدُورِ في كُلِّ شَيْءٍ يَتَصَرَّفُ في كُلِّ شَيْءٍ بِما يَشاءُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. اهـ. والتَّقْدِيمُ لِلْمَوْصُولِ وصِلَتِهِ هُنا بِالصِّفَةِ الخاصَّةِ بِهِ تَعالى، وهي قَوْلُهُ تَعالى: تَبارَكَ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ المَوْصُولِ. وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣]؛ لِأنَّ التَّقْدِيمَ بِالتَّسْبِيحِ وهو التَّنْزِيهُ يُساوِي التَّقْدِيمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: تَبارَكَ، والمَوْصُولُ بَعْدَ التَّسْبِيحِ بِصِلَتِهِ كالمَوْصُولِ بَعْدَ تَبارَكَ وصِلَتِهِ سَواءٌ بِسَواءٍ، وهَذا يُؤَيِّدُ ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى الفَرْقِ بَيْنَ المَلِكِ والمالِكِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وهُنا تَجْتَمِعُ الصِّفَتانِ، فالَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ومَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ هو المالِكُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْهِ، وهو رَبُّ العالَمِينَ سُبْحانَهُ.

الملك 67:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما يُوَضِّحُها مِن (p-٢٢٨)الآياتِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقَبْلَها في سُورَةِ ”هُودٍ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] . وَقالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في إمْلائِهِ: جَعَلَ لِلْعالَمِ مَوْتَتَيْنِ وإحْياءَتَيْنِ، وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨] . والآيَةُ تَدُلُّ عَنْ أنَّ المَوْتَ أمْرٌ وُجُودِيٌّ لا عَدَمِيٌّ كَما زَعَمَ الفَلاسِفَةُ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَدَمِيًّا لَما تَعَلَّقَ بِهِ الخَلْقُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: الآيَةَ. ذِكْرُ خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ الطِّباقِ عَلى هَذا النَّحْوِ دُونَ تَفاوُتٍ أوْ فُطُورٍ بَعْدَ ذِكْرِ أوَّلِ السُّورَةِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ هَذِهِ السَّبْعِ مِن كَمالِ قُدْرَتِهِ. وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الحِكْمَةَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ضِمْنَ تَنْبِيهٍ عَقَدَهُ في أواخِرِ سُورَةِ ”الذّارِياتِ“ . وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ، والآياتِ المُوَضِّحَةِ لَها عِنْدَ الكَلامِ عَلى أوَّلِ سُورَةِ ”ق“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] وقالَ في إمْلائِهِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ، مِن مَعْنى الِاسْتِواءِ والحِكْمَةِ والدِّقَّةِ في الصُّنْعِ، وتَدْخُلُ السَّماواتُ في ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] . وإتْقانُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] . وهَذا الحالُ لِلسَّماءِ في الدُّنْيا فَقَطْ، وسَتَنْفَطِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ (p-٢٢٩)[الأنبياء: ٣٢] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وَعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق: ٦] في سُورَةِ ”ق“ ولَعَلَّ مَجِئَ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] تَوْجِيهٌ إلى حُسْنِ صُنْعِ اللَّهِ وإبْداعِهِ في خَلْقِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] .

الملك 67:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ زِينَةِ السَّماءِ بِالمَصابِيحِ، وجَعْلِها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ بَيانًا كامِلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ إلّا ﴿مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨] . وَقَدْ ذَكَرَ طَرَفًا مِن هَذا البَحْثِ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ لا بُدَّ مِن ضَمِّهِ إلى هَذا المَبْحَثِ هُناكَ؛ لِارْتِباطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. تَنْبِيهٌ فَقَدْ ظَهَرَتْ تِلْكَ المُخْتَرَعاتُ الحَدِيثَةُ، ونادى أصْحابُ النَّظَرِيّاتِ الجَدِيدَةِ والنّاسُ يَنْقَسِمُونَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُبادِرُ بِالإنْكارِ، وآخَرُ يُسارِعُ لِلتَّصْدِيقِ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِنُصُوصٍ مِنَ القُرْآنِ أوِ السُّنَّةِ. ولَعَلَّ مِنَ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ النَّظَرِيّاتِ الحَدِيثَةَ قِسْمانِ: نَظَرِيَّةٌ تَتَعارَضُ مَعَ صَرِيحِ القُرْآنِ، فَهَذِهِ مَرْدُودَةٌ بِلا نِزاعٍ كَنَظَرِيَّةِ ثُبُوتِ الشَّمْسِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس: ٣٨] . وَنَظَرِيَّةٌ لا تَتَعارَضُ مَعَ نَصِّ القُرْآنِ ولَمْ يَنُصَّ عَلَيْها، ولَيْسَ عِنْدَنا مِن وسائِلِ العِلْمِ ما يُؤَيِّدُها ولا يَرْفُضُها. فالأوْلى أنْ يَكُونَ مَوْقِفُنا مَوْقِفَ التَّثَبُّتِ ولا نُبادِرُ بِحُكْمٍ قاطِعٍ إيجابًا أوْ نَفْيًا، وذَلِكَ أخْذًا مِن قَضِيَّةِ الهُدْهُدِ وسَبَأٍ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمانَ لَمّا جاءَ يُخْبِرُهم، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَعْلَمْ عَنْهم شَيْئًا فَلَمْ يُكَذِّبِ الخَبَرَ بِكَوْنِهِ مِنَ الهُدْهُدِ ولَمْ يُصَدِّقْهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ عَنْهم سابِقًا، مَعَ أنَّهُ وصَفَ حالَهم وصْفًا دَقِيقًا. وَكانَ مَوْقِفُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْقِفَ التَّثَبُّتِ مَعَ ما لَدَيْهِ مِن إمْكانِيّاتِ الكَشْفِ والتَّحْقِيقِ مِنَ (p-٢٣٠)الرِّيحِ، والطَّيْرِ، والجِنِّ، فَقالَ لِلْمُخْبِرِ وهو الهُدْهُدُ: سَنَنْظُرُ، أصْدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ. وَنَحْنُ في هَذِهِ الآوِنَةِ لَسْنا أشَدَّ إمْكانِيّاتٍ مِن نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمانَ آنَذاكَ، ولَيْسَ المُخْبِرُونَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ النَّظَرِيّاتِ أقَلَّ مِنَ الهُدْهُدِ، فَلْيَكُنْ مَوْقِفُنا عَلى الأقَلِّ مَوْقِفَ مَن سَيَنْظُرُ أيُصَدِّقُ الخَبَرَ أمْ يُظْهِرُ كَذِبَهُ ؟ والغَرَضُ مِن هَذا التَّنْبِيهِ هو ألّا نُحَمِّلَ لَفْظَ القُرْآنِ فِيما هو لَيْسَ صَرِيحًا فِيهِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، ثُمَّ يَظْهَرُ كَذِبُ النَّظَرِيَّةِ أوْ صِدْقُها، فَنَجْعَلُ القُرْآنَ في مَعْرِضِ المُقارَنَةِ مَعَ النَّظَرِيّاتِ الحَدِيثَةِ، والقُرْآنُ فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ . المَنصُوصُ هُنا إرْجاعُ البَصَرِ كَرَّتَيْنِ، ولَكِنْ حَقِيقَةُ النَّظَرِ أرْبَعُ مَرّاتٍ. الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] . والثّانِيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] . والثّالِثَةُ والرّابِعَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] . وَلَيْسَ بَعْدَ مُعاوَدَةِ النَّظَرِ أرْبَعَ مَرّاتٍ مِن تَأْكِيدٍ، والحَسِيرُ: العَيِيُّ الكَلِيلُ العاجِزُ المُتَقَطِّعُ دُونَ غايَةٍ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن مَدَّ طَرَفًا إلى ما فَوْقَ غايَتِهِ ارْتَدَّ خَسْآنَ مِنَ الطَّرَفِ قَدْ حَسَرا قالَ القُرْطُبِيُّ: يُقالُ قَدْ حَسُرَ بَصَرُهُ يَحْسُرُ حُسُورًا، أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ نَظَرُهُ مِن طُولِ مَدًى، وما أشْبَهَ ذَلِكَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ أيْضًا. قالَ: ؎نَظَرْتُ إلَيْها بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ فَعادَ إلَيَّ الطَّرَفُ وهو حَسِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ . فالدُّنْيا تَأْنِيثُ الأدْنى أيِ: السَّماءُ المُوالِيَةُ لِلْأرْضِ، ومَفْهُومُهُ أنَّ بَقِيَّةَ السَّماواتِ لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ الَّتِي هي النُّجُومُ والكَواكِبُ كَما قالَ: ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦] . ويَدُلُّ لِهَذا (p-٢٣١)المَفْهُومِ ما جاءَ بِهِ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ النُّجُومَ لِثَلاثَةِ أُمُورٍ: أمْرانِ هُنا، وهُما: زِينَةُ السَّماءِ الدُّنْيا ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ. والثّالِثَةُ عَلاماتٌ واهْتِداءٌ في البَرِّ والبَحْرِ، وهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ تَتَعَلَّقُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا. لِأنَّ الشَّياطِينَ لا تَنْفُذُ إلى السَّماواتِ الأُخْرى؛ لِأنَّها أجْرامٌ مَحْفُوظَةٌ، كَما في حَدِيثِ الإسْراءِ: «لَها أبْوابٌ وتُطْرَقُ ولا يَدْخُلُ مِنها إلّا بِإذْنٍ» . وَكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] . وَكَذَلِكَ لَيْسَ هُناكَ مَن يَحْتاجُ إلى اهْتِداءٍ بِها في سَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ كُلٌّ في وضْعِهِ الَّذِي أوْجَدَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ الزِّينَةَ لَنْ تُرى لِوُجُودِ جِرْمِ السَّماءِ الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ النُّجُومَ خاصَّةٌ بِالسَّماءِ الدُّنْيا. وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٦ - ٧] . وَمَفْهُومُ الدُّنْيا عَدَمُ وُجُودِها فِيما بَعْدَها، ولا وُجُودَ لِلشَّيْطانِ في غَيْرِ السَّماءِ الدُّنْيا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ . هِيَ الشُّهُبُ مِنَ النّارِ، والشُّهُبُ النّارُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧]، والرُّجُومُ والشُّهُبُ هي الَّتِي تُرْمى بِها الشَّياطِينُ عِنْدَ اسْتِراقِ السَّمْعِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] . وَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] . وَهُنا سُؤالٌ، وهو إذا كانَ الجِنُّ مِن نارٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، فَكَيْفَ تَحْرِقُهُ النّارُ ؟ فَأجابَ عَنْهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ بِقَوْلِهِ: إنَّ النّارَ يَكُونُ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ، فالأقْوى يُؤَثِّرُ عَلى الأضْعَفِ، ومِمّا يَشْهَدُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ ﴿وَأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] والسَّعِيرُ: أشَدُّ النّارِ. وَمَعْلُومٌ أنَّ النّارَ طَبَقاتٌ بَعْضُها أشَدُّ مِن بَعْضٍ، وهَذا أمْرٌ مَلْمُوسٌ، فَقَدْ تَكُونُ الآلَةُ مَصْنُوعَةً مِن حَدِيدٍ وتُسَلَّطَ عَلَيْها آلَةٌ مِن حَدِيدٍ أيْضًا، أقْوى مِنها فَتَكْسِرُها. (p-٢٣٢)كَما قِيلَ: لا يَفِلُّ الحَدِيدَ إلّا الحَدِيدُ، فَلا يَمْنَعُ كَوْنُ أصْلِهِ مِن نارٍ ألّا يَتَعَذَّبَ بِالنّارِ، كَما أنَّ أصْلَ الإنْسانِ مِن طِينٍ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ، ومِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ فَإنَّهُ لا يَحْتَمِلُ التَّعْذِيبَ بِالصَّلْصالِ ولا بِالفَخّارِ، فَقَدْ يُقْضى عَلَيْهِ بِضَرْبَةٍ مِن قِطْعَةٍ مِن فَخّارٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الملك 67:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: إثْباتٌ أنَّ لِلنّارِ حِسًّا وإدْراكًا وإرادَةً، والقُرْآنُ أثْبَتَ لِلنّارِ أنَّها تَغْتاظُ وتُبْصِرُ وتَتَكَلَّمُ وتَطْلُبُ المَزِيدَ، كَما قالَ هُنا: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] . وَقالَ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] . وَقالَ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ ٥٠ ] .

الملك 67:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها﴾ . بَيَّنَ تَعالى أنَّ لِلنّارِ خَزَنَةً، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الخَزَنَةَ هُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالنّارِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] . كَما بَيَّنَ عِدَّتَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [ ٧٤ ] . وَقالَ: ﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١] . وَقالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ أهْلَ النّارِ يَدْخُلُونَها جَماعَةً بَعْدَ جَماعَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأنفال: ٣٨] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ . قالَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: هَذا سُؤالُ المَلائِكَةِ لِأهْلِ النّارِ، والنَّذِيرُ بِمَعْنى المُنْذِرِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وإنْ ذُكِرَ عَنِ الأصْمَعِيِّ إنْكارَهُ ونَظِيرُهُ مِنَ (p-٢٣٣)القُرْآنِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ﴾ [البقرة: ١١٧]: بِمَعْنى مُبْدِعٍ، و ألِيمٌ [البقرة: ١٠]: بِمَعْنى مُؤْلِمٍ. وَمِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ: ؎أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعِ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ فالسَّمِيعُ بِمَعْنى المُسْمِعِ. وَقَوْلُ غَيْلانَ: ؎وَيَرْفَعُ مِن صُدُورِ شَمَرْدَلاتٍ ∗∗∗ يَصُدُّ وُجُوهَها وهَجٌ ألِيمٌ أيْ: مُؤْلِمٌ، والإنْذارُ إعْلامٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ. وَقالَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ بِالنّارِ أحَدًا إلّا بَعْدَ أنْ يُنْذِرَهُ في الدُّنْيا، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى بِأدِلَّتِهِ بِتَوَسُّعٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وساقَ هَذِهِ الآيَةَ هُناكَ.

الملك 67:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ . قَدْ اعْتَرَفُوا بِمَجِئِ النَّذِيرِ إلَيْهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] .

الملك 67:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ . قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: أيْ: قالَ أهْلُ النّارِ: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ﴾ مَن يَعْقِلُ عَنِ اللَّهِ حُجَجَهُ ﴿أوْ نَعْقِلُ﴾ حُجَجَ اللَّهِ ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾، أيِ: النّارِ، فَهم يَسْمَعُونَ، ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ ما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ، ويَعْقِلُونَ ولَكِنْ لا يَعْقِلُونَ ما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] . وَقالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧] . وَقَدْ بَيَّنَ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِدَّةُ نُصُوصٍ صَرِيحَةٍ في ذَلِكَ، مِنها أصْلُ خِلْقَتِهِمُ الكامِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (p-٢٣٤)[الإنسان: ٢] . وَفِي آخِرِ سُورَةِ ”المُلْكِ“ هَذِهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] . وَلَكِنَّهم سَمِعُوا وعَصَوْا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] . وَهَذا، وإنْ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ، إلّا أنَّهُ قالَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] . وقالَ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٢١] . وَقالَ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١] . وَقَوْلُهُ عَنْهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى سَبَبَ عَدَمِ اسْتِفادَتِهِمْ بِما يَسْمَعُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هَزُوًا﴾ [الجاثية: ٧ - ٩] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧] . فَقَوْلُهم هُنا: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ﴾، أيْ: سَماعَ تَعَقُّلٍ وتَفَهُّمٍ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُلْكِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ . ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما كانُوا يَسْمَعُونَ في الدُّنْيا ولا يَعْقِلُونَ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا﴾ [الأحقاف: ٢٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] . وَقَدْ قَدَّمْنا الجَوابَ عَنْ هَذا مُحَرَّرًا في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨]، وعَلى قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٠] .

الملك 67:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ . قالَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: الِاعْتِرافُ الإقْرارُ، أيْ: أقَرُّوا بِذَنْبِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الإقْرارُ والنَّدَمُ، وتَقَدَّمَ لَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ انْتِفاعِ الكُفّارِ بِإقْرارِهِمْ هَذا بِتَوَسُّعٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] . واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، آيَةِ ”المُلْكِ“ هُناكَ. والظّاهِرُ أنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّ اعْتِرافَهم وإيمانَهم بَعْدَ فَواتِ الأوانِ بِالمُعايَنَةِ، (p-٢٣٥)كَما جاءَ في حَقِّ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، فَقِيلَ لَهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] . وَجاءَ أصْرَحَ ما يَكُونُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] . فَلَمّا جاءَ بَعْضُ آياتِ اللَّهِ وظَهَرَ الحَقُّ، لَمْ يَكُنْ لِلْإيمانِ مَحَلٌّ بَعْدَ المُعايَنَةِ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾، أيْ: مِن قَبْلِ المُعايَنَةِ كَحالَةِ فِرْعَوْنَ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ التَّصْدِيقُ بِالمُغَيَّباتِ، فَإذا عايَنَها لَمْ تَكُنْ حِينَذاكَ غَيْبًا، فَيَفُوتُ وقْتُ الإيمانِ والعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ، وعَلَيْهِ حَدِيثُ التَّوْبَةِ: ”ما لَمْ يُغَرْغِرْ“ .

الملك 67:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ . الخَشْيَةُ: شِدَّةُ الخَوْفِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩] . وَبَيَّنَ تَعالى مَحَلَّ تِلْكَ الخَشْيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى ويُراقِبُونَهُ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى حَقِيقَةَ خَشْيَةِ اللَّهِ: ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] . فالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ هُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ومُراقَبَتَهُ إيّاهم في السِّرِّ والعَلَنِ، ويَعْلَمُونَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ مَهْما تَخَسَّفُوا وتَسَتَّرُوا وهم دائِمًا مُنِيبُونَ إلى اللَّهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ مَن ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٢ - ٣٣]، وهَذِهِ أعْلى دَرَجاتِ السُّلُوكِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، كَما بَيَّنَ أنَّها مَنزِلَةُ العُلَماءِ. وَقَدْ عابَ تَعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ، ويَخْشَوْنَ (p-٢٣٦)النّاسَ، ولا يَخْشَوْنَ اللَّهَ: ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣] . وَإفْرادُ اللَّهِ بِالخَشْيَةِ مَنزِلَةُ الأنْبِياءِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] . قالَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ: والعَرَبُ تَمْدَحُ مَن يَكُونُ في خَلْوَتِهِ كَمَشْهَدِهِ مَعَ النّاسِ. وَمِنهُ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ الوَلِيدِ: يَتَجَنَّبُ الهَفَواتِ في خَلَواتِهِ عَفُّ السَّرِيرَةِ غَيْبُهُ كالمَشْهَدِ والواقِعُ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ، وهي خَشْيَةُ اللَّهِ بِالغَيْبِ والإيمانُ بِالغَيْبِ أساسُ عَمَلِ المُسْلِمِ كُلِّهِ، ومُعامَلاتِهِ؛ لِأنَّهُ بِإيمانِهِ بِالغَيْبِ سَيَعْمَلُ كُلَّ خَيْرٍ طَمَعًا في ثَوابِ اللَّهِ، كَما في مُسْتَهَلِّ المُصْحَفِ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١ - ٣] . وَبِمَخافَةِ اللَّهِ بِالغَيْبِ سَيَتَجَنَّبُ كُلَّ سُوءٍ، فَيَسْلَمُ ويَتَحَصَّلُ لَهُ ما قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ﴿مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩]، (مَغْفِرَةٌ) مِن ذُنُوبِهِ: ﴿وَأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ عَلى أعْمالِهِ. رَزَقَنا اللَّهُ خَشْيَتَهُ في السِّرِّ والعَلَنِ. وَلْيُعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِالغَيْبِ مِمّا هو مِن جانِبِ العَبْدِ لا سَيِّدِهِ، كَما في الحَدِيثِ في الإحْسانِ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، وهَذا الإحْساسُ هو أقْوى عامِلٍ عَلى اكْتِسابِ خَشْيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.

الملك 67:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ . فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ السِّرَّ والجَهْرَ عِنْدَ اللَّهِ وفي عِلْمِ اللَّهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ [طه: ٧] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ بَيانُ هَذِهِ الآيَةِ. (p-٢٣٧)وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ١] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] . وَتَقَدَّمَ في سُورَةِ ”التَّحْرِيمِ“ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ مُباشَرَةً قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [التحريم: ٣]، فَفِيهِ بَيانٌ عَمَلِيٌّ مُشاهَدٌ بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، ولِذا قالَ تَعالى هُنا:

الملك 67:14

﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ . كَما قالَ في سُورَةِ ”التَّحْرِيمِ“: ﴿قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] . وَقالَ القُرْطُبِيُّ نَقْلًا عَنْ أبِي إسْحاقَ الإسْفِرائِينِيِّ: مِن أسْماءِ صِفاتِ الذّاتِ ما هو لِلْعِلْمِ مِنها العَلِيمُ، ومَعْناهُ تَفْهِيمُ جَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ومِنها: الخَبِيرُ، ويَخْتَصُّ بِأنْ يَعْلَمَ ما يَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، ومِنها: الحَكِيمُ ويَخْتَصُّ بِأنَّهُ يَعْلَمُ دَقائِقَ الأوْصافِ، ومِنها: الشَّهِيدُ ويَخْتَصُّ بِأنْ يَعْلَمَ الغائِبَ والحاضِرَ، ومَعْناهُ ألّا يَغِيبَ عَنْهُ شَيْءٌ. ومِنها: الحافِظُ ويَخْتَصُّ بِأنَّهُ لا يَنْسى، ومِنها: المُحْصِي ويَخْتَصُّ بِأنَّهُ لا تَشْغَلُهُ الكَثْرَةُ عَنِ العِلْمِ مِثْلَ ضَوْءِ النَّهارِ واشْتِدادِ الرِّيحِ وتَساقُطِ الأوْراقِ، فَيَعْلَمُ عِنْدَ ذَلِكَ أجْزاءَ الحَرَكاتِ في كُلِّ ورَقَةٍ، وكَيْفَ لا يَعْلَمُ وهو الَّذِي يَخْلُقُ وقَدْ قالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، (ومَن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾، أجازُوا فِيها أنْ تَكُونَ فاعِلَ (يَعْلَمُ)، وهو اللَّهُ تَعالى، أيْ: إنَّ الَّذِي خَلَقَ يَعْلَمُ ما خَلَقَ ومِنهُ ما في الصُّدُورِ. وَأجازُوا أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا والفاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ في الفِعْلِ (يَعْلَمُ)، ذَكَرَهُما القُرْطُبِيُّ وأبُو حَيّانَ، وهو واضِحٌ ومُحْتَمَلٌ. وَلَكِنَّ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ النُّصُوصُ أنَّها مَفْعُولٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٢]: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، ومِن أعْمالِهِمْ ما يُسِرُّونَ، وما يَجْهَرُونَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الملك 67:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ . (p-٢٣٨)الذَّلُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو مُبالَغَةٌ في الذُّلِّ. تَقُولُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ، وقِيلَ في مَعْنى تَذْلِيلِ الأرْضِ عِدَّةُ أقْوالٍ لا تَنافِيَ بَيْنَها، ومَجْمُوعُها دائِرٌ عَلى تَمْكِينِ الِانْتِفاعِ مِنها عَنْ تَسْهِيلِ الِاسْتِقْرارِ عَلَيْها وتَثْبِيتِها بِالجِبالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ مَتاعًا ﴿لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٢ - ٣٣] . وَمِن إمْكانِ الزَّرْعِ فِيها كَقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٧ - ٢٨] إلى قَوْلِهِ أيْضًا: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢]، وقَدْ جُمِعَ أكْثَرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً ‎وَأمْواتًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٧] . وَكُنْتُ أسْمَعُ الشَّيْخَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّها مِن تَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى لِلْأرْضِ أنْ جَعَلَها كِفاتًا لِلْإنْسانِ في حَياتِهِ بِتَسْهِيلِ مَعِيشَتِهِ مِنها وحَياتِهِ عَلى ظَهْرِها، فَإذا ماتَ كانَتْ لَهُ أيْضًا كِفاتًا بِدَفْنِهِ فِيها. وَيَقُولُ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَها حَدِيدًا، ونُحاسًا فَلا يَسْتَطِيعُ الإنْسانُ أنْ يَحْرُثَ فِيها، ولا يَحْفِرَ ولا يَبْنِيَ، وإذا ماتَ لا يَجِدُ مَدْفَنًا فِيها. وَمِمّا يُشِيرُ إلى هَذِهِ المَعانِي كُلِّها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]؛ لِتَرَتُّبِهِ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ، أيْ: بِسَبَبِ تَذْلِيلِها بِتَيْسِيرِ المَشْيِ في أرْجائِها، وطَلَبِ الرِّزْقِ في أنْحائِها بِالتَّسَبُّبِ فِيها مِن زِراعَةٍ وصِناعَةٍ وتِجارَةٍ إلَخْ. والأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ لِلْإباحَةِ، ولَكِنَّ التَّقْدِيمَ لِهَذا الأمْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ فِيهِ امْتِنانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَلْقِهِ مِمّا يُشْعِرُ أنَّ في هَذا الأمْرِ مَعَ الإباحَةِ تَوْجِيهًا وحَثًّا لِلْأُمَّةِ عَلى السَّعْيِ والعَمَلِ والجِدِّ، والمَشْيِ في مَناكِبِ الأرْضِ مِن كُلِّ جانِبٍ؛ لِتَسْخِيرِها وتَذْلِيلِها، مِمّا يَجْعَلُ الأُمَّةَ أحَقَّ بِها مِن غَيْرِها. كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥] . (p-٢٣٩)وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَمَن رَأى هَذا التَّسْخِيرَ اعْتَرَفَ لِلَّهِ بِالفَضْلِ والقِيامِ لِلَّهِ بِالحَمْدِ، وتَقْدِيمِ الشُّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] . وَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ لِتَسْتَوُوا ﴿عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وَإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤] . أيْ: مَعَ شُكْرِ النِّعْمَةِ الِاتِّعاظُ والعِبْرَةُ والِاسْتِدْلالُ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ. وَمِنها المَعادُ والمُنْقَلَبُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿وَإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ بَعْدَ المَشْيِ في مَناكِبِ الأرْضِ، وتَطَلُّبِ الرِّزْقِ وما يَتَضَمَّنُ مِنَ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ في مُسَبَّبِاتِ الأسْبابِ وتَسْخِيرِ اللَّهِ لَها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ: ﴿خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيِ: الأصْنافَ، وتَسْخِيرُ الفُلْكِ، والأنْعامِ، والبَحْرِ والبَرِّ فِيهِ ضِمْنًا إثْباتُ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، فَيَكُونُ المَشْيُ في مَناكِبِ الأرْضِ، واسْتِخْدامُ مَناكِبِها، واسْتِغْلالُ ثَرَواتِها والِانْتِفاعُ مِن خَيْراتِها لا لِطَلَبِ الرِّزْقِ وحْدَهُ، وإلّا لَكانَ يُمْكِنُ سَوْقُهُ إلَيْهِمْ، ولَكِنْ لِلْأخْذِ بِالأسْبابِ أوَّلًا، ولِلنَّظَرِ في المُسَبَّبِاتِ والعِبْرَةِ بِالمَخْلُوقاتِ والتَّزَوُّدِ لِما بَعْدَ المَماتِ، كَما في آيَةِ ”الجُمُعَةِ“: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] . أيْ: عِنْدَ مُشاهَدَةِ آياتِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ امْتِنانِهِ. وَعَلَيْهِ، فَقَدْ وضَعَ القُرْآنُ الأُمَّةَ الإسْلامِيَّةَ في أعَزِّ مَواضِعِ الغِنى، والِاسْتِغْناءِ والِاسْتِثْمارِ والإنْتاجِ، فَما نَقَصَ عَلَيْها مِن أُمُورِ دُنْياها إلّا بِقَدْرِ ما قَصَّرَتْ هي في القِيامِ بِهَذا العَمَلِ وأضاعَتْ مِن حَقِّها في هَذا الوُجُودِ. وَقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ في مُقَدِّمَةِ المَجْمُوعِ: إنَّ عَلى الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ أنْ تَعْمَلَ عَلى اسْتِثْمارِ (p-٢٤٠)وَإنْتاجِ كُلِّ حاجِياتِها حَتّى الإبْرَةِ؛ لِتَسْتَغْنِيَ عَنْ غَيْرِها، وإلّا احْتاجَتْ إلى الغَيْرِ بِقَدْرِ ما قَصَّرَتْ في الإنْتاجِ، وهَذا هو واقِعُ العالَمِ اليَوْمَ، إذِ القُدْرَةُ الإنْتاجِيَّةُ هي المُتَحَكِّمَةُ وذاتُ السِّيادَةِ الدَّوْلِيَّةِ. وَقَدْ أعْطى اللَّهُ العالَمَ الإسْلامِيَّ الأوْلَوِيَّةَ في هَذا كُلِّهِ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَحْتَلُّوا مَكانَهم، ويُحافِظُوا عَلى مَكانَتِهِمْ، ويُشَيِّدُوا كِيانَهم بِالدِّينِ والدُّنْيا مَعًا. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الملك 67:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ءَأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ . ذَكَرَ أبُو حَيّانَ في قِراءَةِ: ءَأمِنتُمْ عِدَّةَ قِراءاتٍ مِن تَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، ومِن تَسْهِيلِ الثّانِيَةِ ومِن إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما وغَيْرِ ذَلِكَ، والخَسْفُ ذَهابُها سُفْلًا، كَما خُسِفَ بِقارُونَ، والمَوْرُ الحَرَكَةُ المُضْطَرِبَةُ أوِ الحَرَكَةُ بِسُرْعَةٍ، وقَدْ ثَبَّتَها تَعالى بِالجِبالِ أوْتادًا كَما قالَ: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ [النازعات: ٣٢ - ٣٣] و ﴿مَن في السَّماءِ﴾ . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو اللَّهُ تَعالى. اهـ. وَعَزاهُ القُرْطُبِيُّ لِابْنِ عَبّاسٍ، ويَشْهَدُ لِما قالَهُ: ما جاءَ بَعْدَهُ مِن خَسْفِ الأرْضِ وإرْسالِ الحاصِبِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ، كَما أنَّهُ ظاهِرُ النَّصِّ، وبِهَذا يُرَدُّ عَلى الكِسائِيِّ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ ومَن تَبِعَهُ عَلَيْهِ كَأبِي حَيّانَ، إذا قالُوا: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مِن قَبِيلِ المَجازِ، ومَجازُهُ عِنْدَهم أنَّ مَلَكُوتَهُ في السَّماءِ أيْ: عَلى حَذْفِ مُضافٍ، ومَلَكُوتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ، ولَكِنْ خَصَّ السَّماءَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها مَسْكَنُ مَلائِكَتِهِ، وثَمَّ عِزَّتُهُ وكُرْسِيُّهُ واللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ومِنها تَتَنَزَّلُ قَضاياهُ وكُتُبُهُ وأوامِرُهُ ونَهْيُهُ، إلَخْ. وَقِيلَ: هو جِبْرِيلُ؛ لِأنَّهُ المُوَكَّلُ بِالخَسْفِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُجاراةٌ لَهم في مُعْتَقَدِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ في السَّماءِ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْناها عَلى نَفْيِ صِفَةِ العُلُوِّ لِلَّهِ تَعالى، وفِرارًا مِنَ التَّشْبِيهِ في نَظَرِهِمْ، ولَكِنْ ما عَلَيْهِ السَّلَفُ خِلافُ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، ومُعْتَقَدُ السَّلَفِ هو طِبْقُ ما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِحَدِيثِ الجارِيَةِ: «أيْنَ اللَّهُ ؟ " قالَتْ: في السَّماءِ، قالَ: اعْتِقْها؛ فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ»، ولِعِدَّةِ آياتٍ في هَذا المَعْنى. وَقَدْ بَحَثَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - هَذا المَبْحَثَ بِأوْسَعِ وأوْضَحِ ما يُمْكِنُ مِمّا لَمْ يَدَعْ لَبْسًا، ولا يَتْرُكُ شُبْهَةً، ولا يَسْتَغْنِي عَنْهُ مُسْلِمٌ عالِمًا كانَ أوْ مُتَعَلِّمًا، فالعالِمُ يَأْخُذُ مِنهُ مَنهَجَ التَّعْلِيمِ السَّلِيمِ وأُسْلُوبَ البَيانِ الحَكِيمِ، والمُتَعَلِّمُ يَأْخُذُ مِنهُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن (p-٢٤١)مُعْتَقَدٍ قَوِيمٍ واضِحٍ جَلِيٍّ سَلِيمٍ. وَقَدْ يُقالُ: إنَّ مَعْنى (في) هو الظَّرْفِيَّةُ، فَنَجْعَلُ السَّماءَ ظَرْفًا لِلَّهِ تَعالى، وهَذا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِالمُتَحَيِّزِ. فَيُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ والمَنصُوصِ في حَقِّ المَخْلُوقِ. وَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ مِنَ السُّنَّةِ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهُ تَعالى واسْتِحالَتِهِ عَقْلًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في حَدِيثِ: «ما السَّماواتُ السَّبْعُ في الكُرْسِيِّ إلّا كَحَلْقَةٍ أوْ دَراهِمَ في تُرْسٍ، وما الكُرْسِيُّ في العَرْشِ إلّا كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، وما العَرْشُ في كَفِّ الرَّحْمَنِ إلّا كَحَبَّةِ خَرْدَلٍ في كَفِّ أحَدِكم» فانْتَفَتْ ظَرْفِيَّةُ السَّماءِ لَهُ سُبْحانَهُ عَلى المَعْرُوفِ لَنا؛ ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ. وَفِيما قَدَّمَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في هَذا المَبْحَثِ شِفاءٌ وغَناءٌ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: (إنَّ في السَّماءِ) بِمَعْنى فَوْقَ السَّماءِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢] أيْ: فَوْقَها لا بِالمُماسَّةِ والتَّحَيُّزِ. وَقِيلَ: (في): بِمَعْنى عَلى كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أيْ: عَلَيْها إلى أنْ قالَ: والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مُنْتَشِرَةٌ مُشِيرَةٌ إلى العُلُوِّ، لا يَدْفَعُها إلّا مُلْحِدٌ أوْ جاهِلٌ أوْ مُعانِدٌ، والمُرادُ بِها تَوْقِيرُهُ وتَنْزِيهُهُ عَنِ السُّفْلِ والتَّحْتِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ. اهـ. وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هو عَيْنُ مَذْهَبِ السَّلَفِ، وقَدْ ذَكَرَ كَلامًا آخِرُهُ فِيهِ التَّأْوِيلُ وفِيهِ التَّنْزِيهُ.

الملك 67:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ . الطَّيْرُ صافّاتٌ: أيْ: مادّاتٌ أجْنِحَتَها (ويَقْبِضْنَ): أيْ: يَضُمَّنَّها إلى أجْسامِها. قالَ أبُو حَيّانَ: عَطْفٌ بِالفِعْلِ ويَقْبِضْنَ عَلى الِاسْمِ، صافّاتٍ، ولَمْ يَعْطِفْ بِاسْمِ قابِضاتٍ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الطَّيَرانِ هو بَسْطُ الجَناحِ، والقَبْضُ طارِئٌ، وهَذا الَّذِي قالَهُ أبُو (p-٢٤٢)حَيّانَ: جارٍ عَلى القاعِدَةِ عِنْدَهم مِن أنَّ الِاسْمَ لِلدَّوامِ والثُّبُوتِ، والفِعْلَ لِلتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، فالحَرَكَةُ الدّائِمَةُ في الطَّيَرانِ هي صَفُّ الجَناحِ، والجَدِيدُ عَلَيْهِ هو القَبْضُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ دَلِيلٌ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى وآيَةٌ لِخَلْقِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] . فَهِيَ آيَةٌ عَلى القُدْرَةِ، وقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخْرى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ بِقُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] . فَهُوَ سُبْحانُهُ مُمْسِكُهُما بِقُدْرَتِهِ تَعالى عَنْ أنْ تَزُولا، ولَوْ قُدِّرَ فَرْضًا زَوالُهُما لا يَقْدِرُ عَلى إمْساكِهِما إلّا هو، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] . تَنْبِيهٌ وَلَعَلَّ مِمّا يَسْتَدْعِي الِانْتِباهَ تَوْجِيهُ النَّظَرِ إلى الطَّيْرِ في الهَواءِ (صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ)، بَعْدَ التَّخْوِيفِ بِخَسْفِ الأرْضِ بِأنَّ الأرْضَ مُعَلَّقَةٌ في الهَواءِ كَتَعَلُّقِ الطَّيْرِ المُشاهَدِ إلَيْكم ما يُمْسِكُها إلّا اللَّهُ، وإيقاعُ الخَسْفِ بِها، كَإسْقاطِ الطَّيْرِ مِنَ الهَواءِ؛ لِأنَّ الجَمِيعَ ما يُمْسِكُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهو القادِرُ عَلى الخَسْفِ بِها، وعَلى إسْقاطِ الطَّيْرِ.

الملك 67:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ . يَقُولُ تَعالى لِلْمُشْرِكِينَ: مَن هَذا الَّذِي غَيْرُهُ سُبْحانَهُ يَرْزُقُكم، إنْ أمْسَكَ اللَّهُ عَنْكم رِزْقَهُ. والجَوابُ: لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا يَمْلِكُهُ إلّا اللَّهُ. وَقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِهَذا السُّؤالِ وجَوابِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبإ: ٢٤] . أيْ: لا أحَدَ سِواهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو، قالَ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (p-٢٤٣)[فاطر: ٣] . وَذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ هو الَّذِي يَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلى الرِّزْقِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] . وَكَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] . وَهَذا مِن كَمالِ القُدْرَةِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ والرِّزْقِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ لِمَن بِيَدِهِ مَقالِيدُ الأُمُورِ سُبْحانَهُ، وتَدْبِيرُ شُئُونِ الخَلْقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٢]، أيْ: يَبْسُطُ ويَقْدِرُ، يَعْلَمُ لا عَنْ نَقْصٍ ولا حاجَةٍ، ولَكِنْ يَعْلَمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ، ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] أيْ: يُعامِلُهم بِلُطْفِهِ وهو قَوِيٌّ عَلى أنْ يَرْزُقَ الجَمِيعَ رِزْقًا واسِعًا، وهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، فَهو يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الزمر: ٥٢] أيْ: بِمُقْتَضى اللُّطْفِ والعِلْمِ: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] . وَمِن هَذا كُلِّهِ يُرَدُّ عَلى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ عِنْدَ غَيْرِهِ الرِّزْقَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] . وَقَدْ جَمَعَ الأمْرَيْنِ تَوْبِيخَهم وتَوْجِيهَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى قَضِيَّةَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والعِبادَةِ كُلَّها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] . وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ يَرْزُقُ العِبادَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ جُمْلَةً. (p-٢٤٤)وَبَيَّنَ في آياتٍ أُخْرى كَيْفِيَّةَ هَذا الرِّزْقِ تَفْصِيلًا مِمّا يَعْجِزُ الخَلْقُ عَنْ فِعْلِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢] . فَجَمِيعُ أنْواعِ الرِّزْقِ في ذَلِكَ ابْتِداءً مِن إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ يَنْشَأُ عَنْهُ إشْقاقُ الأرْضِ عَنِ النَّباتِ بِأنْواعِهِ حَبًّا وعِنَبًا وزَيْتُونًا ونَخْلًا وحَدائِقَ وفاكِهَةً، وكُلُّها لِلْإنْسانِ، وقَضْبًا وأبًّا لِلْأنْعامِ، والأنْعامُ أرْزاقٌ أيْضًا لَحْمًا ولَبَنًا، وجَمِيعُ ذَلِكَ قِوامُهُ إنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إلّا اللَّهُ. فَإذا أمْسَكَهُ اللَّهُ عَنِ الخَلْقِ لا يَقْوى مَخْلُوقٌ عَلى إنْزالِهِ، فَإذا عَلِمَ المُسْلِمُ أنَّ الأرْزاقَ بِيَدِ الخَلّاقِ، ومَن بِيَدِهِ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ يَتَّجِهَ بِرَغْبَةٍ ولا يَتَوَجَّهَ بِسُؤالٍ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، مُوقِنًا حَقَّ اليَقِينِ أنَّهُ هو سُبْحانَهُ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ. وَكَما قالَ تَعالى: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣] . وَقَدْ جاءَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَوْلُها: واللَّهِ لا يَكْمُلُ إيمانُ العَبْدِ حَتّى يَكُونَ يَقِينُهُ بِما عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمَ مِمّا بِيَدِهِ.

الملك 67:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] في سُورَةِ ”المُؤْمِنُونَ“ .