Lafzullah

Adwa' Al-Bayan — القلم 68:1 – الجن 72:23

المؤلف / المصدر: Adwa' Al-Bayan

المحتويات
  1. القلم 68:1
  2. القلم 68:2
  3. القلم 68:8
  4. القلم 68:46
  5. القلم 68:48
  6. القلم 68:49
  7. القلم 68:50
  8. القلم 68:51
  9. الحاقة 69:1
  10. الحاقة 69:4
  11. الحاقة 69:6
  12. الحاقة 69:9
  13. الحاقة 69:14
  14. الحاقة 69:18
  15. الحاقة 69:19
  16. الحاقة 69:20
  17. الحاقة 69:28
  18. الحاقة 69:29
  19. الحاقة 69:33
  20. الحاقة 69:36
  21. الحاقة 69:40
  22. الحاقة 69:44
  23. الحاقة 69:51
  24. المعارج 70:1
  25. المعارج 70:2
  26. المعارج 70:4
  27. المعارج 70:8
  28. المعارج 70:9
  29. المعارج 70:10
  30. المعارج 70:19
  31. المعارج 70:22
  32. المعارج 70:24
  33. المعارج 70:26
  34. المعارج 70:27
  35. المعارج 70:29
  36. المعارج 70:32
  37. المعارج 70:33
  38. المعارج 70:36
  39. المعارج 70:39
  40. المعارج 70:40
  41. المعارج 70:43
  42. المعارج 70:44
  43. نوح 71:1
  44. نوح 71:3
  45. نوح 71:5
  46. نوح 71:7
  47. نوح 71:10
  48. نوح 71:14
  49. نوح 71:15
  50. نوح 71:21
  51. نوح 71:26
  52. نوح 71:27
  53. الجن 72:1
  54. الجن 72:4
  55. الجن 72:8
  56. الجن 72:10
  57. الجن 72:15
  58. الجن 72:16
  59. الجن 72:18
  60. الجن 72:23

القلم 68:1

(p-٢٤٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَلَمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ن﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ: وذَكَرَ الأقْوالَ كُلَّها، وهي خَمْسَةُ أقْوالٍ: فَقِيلَ: إنَّها مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ أوْ أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ، أوْ مُرَكَّبَةٌ مِن عِدَّةِ حُرُوفٍ كُلُّ حَرْفٍ مِنِ اسْمٍ، أوْ أسْماءٌ لِلسُّوَرِ، أوْ أنَّها لِلْإعْجازِ، وبَيَّنَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجْهَ كُلِّ قَوْلٍ مِنها، ورَجَّحَ الأخِيرَ، وأنَّها لِلْإعْجازِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَأْتِي بَعْدَها دائِمًا الِانْتِصارُ لِلْقُرْآنِ، وقَدْ بَسَطَ البَحْثَ بِما يَكْفِي ويَشْفِي. وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بِأقْوالٍ أُخْرى، مِنها أنَّ: ن بِمَعْنى الدَّواةِ أيْ: بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ القَلَمِ، وعَزاهُ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ، وقالَ: إنَّ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، ولَكِنْ غَرِيبٌ جِدًّا، وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ وهي الدَّواةُ، وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ»، الحَدِيثَ. وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَلَقَ اللَّهُ النُّونَ وهي الدَّواةُ» . وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ كُلَّ هَذِهِ الأوْجُهِ وزادَ أوْجُهًا أُخْرى: مِنها أنَّها افْتِتاحِيّاتٌ لِأوائِلِ السُّوَرِ تَسْتَرْعِي انْتِباهَ المُسْتَمِعِينَ، ثُمَّ يُتْلى عَلَيْهِمْ ما بَعْدَها، وقِيلَ: هي مِن حِسابِ الجُمَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عِنْدَ أوَّلِ ”سُورَةِ الشُّورى“: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ١ - ٢] أثَرًا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ واسْتَغْرَبَهُ واسْتَنْكَرَهُ، ولَكِنْ وقَعَ ما يَقْرُبُ مِن مِصْداقِهِ ومُطابَقَتِهِ مُطابَقَةً تامَّةً. وَنَصُّهُ مِنِ ابْنِ جَرِيرٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ لَهُ وعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ: أخْبِرْنِي عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ قالَ: فَأطْرَقَ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ كَرَّرَ مَقالَتَهُ فَأعْرَضَ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ، وكَرِهَ مَقالَتَهُ، ثُمَّ كَرَّرَها الثّالِثَةَ فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا. (p-٢٤٦)فَقالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أنا أُنْبِئُكَ بِها، وقَدْ عَرَفْتُ بِمَ كَرِهَها، نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن أهْلِ بَيْتِهِ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ الإلَهِ أوْ عَبْدُ اللَّهِ يَنْزِلُ عَلى نَهْرٍ مِن أنْهارِ المَشْرِقِ تَنْبَنِي عَلَيْهِ مَدِينَتانِ فَشَقَّ النَّهْرَ بَيْنَهُما شَقًّا، فَإذا أذِنَ اللَّهُ في زَوالِ مُلْكِهِمْ وانْقِطاعِ دَوْلَتِهِمْ ومُدُنِهِمْ، بَعَثَ اللَّهُ عَلى إحْداهُما نارًا لَيْلًا فَتُصْبِحُ سَوْداءَ مُظْلِمَةً قَدِ احْتَرَقَتْ، كَأنَّها لَمْ تَكُنْ مَكانَها، وتُصْبِحُ صاحِبَتُها مُتَعَجِّبَةً كَيْفَ أفْلَتَتْ، فَما هو إلّا بَياضُ يَوْمِها ذَلِكَ حَتّى يَجْتَمِعَ فِيها كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ مِنهم، ثُمَّ يَخْسِفُ اللَّهُ بِها وبِهِمْ جَمِيعًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ يَعْنِي عَزِيمَةً مِنَ اللَّهِ، وفِتْنَةً، وقَضاءً. ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ يَعْنِي عَدْلًا مِنهُ: سين يَعْنِي سَيَكُونُ و ق يَعْنِي واقِعٌ بِهاتَيْنِ المَدِينَتَيْنِ. اهـ. وَمَعَ اسْتِغْرابِ ابْنِ كَثِيرٍ إيّاهُ واسْتِنْكارِهِ لَهُ، فَقَدْ وقَعَ مِثْلُ ما يُشِيرُ إلَيْهِ الحَدِيثُ عَلى ثَوْرَةِ العِراقِ عَلى عَبْدِ الإلَهِ في بَغْدادَ، حَيْثُ يَشُقُّها النَّهْرُ شَقَّيْنِ، وأنَّهُ مِن آلِ البَيْتِ، وقَدْ وقَعَ بِها ما جاءَ وصْفُهُ في الأثَرِ المَذْكُورِ.

القلم 68:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ الرَّدِّ عَلى مَقالَتِهِمْ تِلْكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٧٠] مِن سُورَةِ ”المُؤْمِنُونَ“ . وَساقَ النُّصُوصَ، وقالَ: إنَّ في الآيَةِ ما يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ . اهـ. وَهَكَذا هُنا في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ دَعْواهم، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ عَلى ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الحَقِّ وقُمْتَ بِهِ مِنَ البَلاغِ عَنِ اللَّهِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، كَما رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ رَسُولِهِ الكَرِيمِ الأعْظَمِ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؛ لِأنَّ المَجْنُونَ سَفِيهٌ لا يَعْنِي ما يَقُولُ، ولا يُحْسِنُ أيَّ تَصَرُّفٍ. والخُلُقُ العَظِيمُ أرْقى مَنازِلِ الكَمالِ في عُظَماءِ الرِّجالِ. (p-٢٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، المَنُّ: القَطْعُ. أيْ: إنَّ أجْرَهُ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ. قالَ الشّاعِرُ: \ ٥ ؎لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنازَعَ شِلْوَهُ غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى دَوامَ أجْرِهِ دُونَ انْقِطاعٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] . وَصَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وصَلَواتُ المَلائِكَةِ، والمُؤْمِنِينَ لا تَنْقَطِعُ لَيْلًا ولا نَهارًا وهي مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ، ومِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ دُعاءٌ. وَفِي سُورَتِيِ: ”الضُّحى“ و ”ألَمْ نَشْرَحْ“ بِكامِلِها: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٣ - ٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] . وَمَعْلُومٌ مِنَ السُّنَّةِ أنَّ مَن دَلَّ عَلى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ مَن عَمِلَ بِهِ، فَما مِن مُسْلِمٍ تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةٌ في صَحِيفَتِهِ إلّا ولِلرَّسُولِ ﷺ مِثْلُها. وَقَدْ قالَ ﷺ: «إذا ماتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ» . وَمِنها: «أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ»، وأيُّ عِلْمٍ أعَمُّ نَفْعًا مِمّا جاءَ بِهِ ﷺ وتَرَكَهُ في الأُمَّةِ حَتّى قالَ: «تَرَكْتُ فِيكم ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أبَدًا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّتِي»، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ أجْرِهِ. أمّا جَزاؤُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ بِمَثابَةِ الرَّدِّ عَلى ادِّعاءِ المُشْرِكِينَ أوَّلًا عَلَيْهِ ﷺ ورَمْيِهِ بِالجُنُونِ؛ لِأنَّ أخْلاقَ المَجانِينِ مَذْمُومَةٌ بَلْ لا أخْلاقَ لَهم، وهُنا أقْصى مَراتِبِ العُلُوِّ في الخُلُقِ. وَقَدْ أكَّدَ هَذا السِّياقَ بِعَوامِلِ المُؤَكِّداتِ بِانْدِراجِهِ في جَوابِ القَسَمِ الأوَّلِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وبِأنَّ اللّامَ في (لَعَلى)، وجاءَ بِعَلى الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ والتَّمَكُّنِ بَدَلًا مِن ذُو (p-٢٤٨)مَثَلًا: ذُو خُلُقٍ عَظِيمٍ لِبَيانِ قُوَّةِ التَّمَكُّنِ والِاسْتِعْلاءِ، وأنَّهُ ﷺ فَوْقَ كُلِّ خُلُقٍ عَظِيمٍ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِ. وَقَدْ أجْمَلَ الخُلُقَ العَظِيمَ هُنا وهو مِن أعَمِّ ما امْتَدَحَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ في كِتابِهِ، وقَدْ أرْشَدَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - إلى ما بَيَّنَ هَذا الإجْمالَ حِينَما سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِهِ ﷺ الَّذِي امْتُدِحَ بِهِ فَقالَتْ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» تَعْنِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّهُ ﷺ يَأْتَمِرُ بِأمْرِهِ ويَنْتَهِي بِنَواهِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] . وَكَما قالَ ﷺ: «لَنْ يُؤْمِنَ أحَدُكم حَتّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعًا لِما جِئْتُ بِهِ»، فَكانَ هو ﷺ مُمْتَثِلًا لِتَعالِيمِ القُرْآنِ في سِيرَتِهِ كُلِّها، وقَدْ أمَرَنا بِالتَّأسِّي بِهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، فَكانَ مِن أهَمِّ ما يَجِبُ عَلى الأُمَّةِ مَعْرِفَةُ تَفْصِيلِ هَذا الإجْمالِ؛ لِيَتِمَّ التَّأسِّي المَطْلُوبُ. وَقَدْ أخَذَتْ قَضِيَّةُ الأخْلاقِ عامَّةً، وأخْلاقُهُ ﷺ خاصَّةً مَحَلَّ الصَّدارَةِ مِن مَباحِثِ الباحِثِينَ، وتَقْرِيرِ المُرْشِدِينَ، فَهي بِالنِّسْبَةِ لِلْعُمُومِ أساسُ قِوامِ الأُمَمِ، وعامِلُ الحِفاظِ عَلى بَقائِها، كَما قِيلَ: ؎إنَّما الأُمَمُ الأخْلاقُ ما بَقِيَتْ ∗∗∗ فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أخْلاقُهم ذَهَبُوا وَقَدْ أجْمَلَ ﷺ البِعْثَةَ كُلَّها في مَكارِمِ الأخْلاقِ في قَوْلِهِ ﷺ: «إنَّما بُعِثْتُ؛ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» . وَقَدْ عُنِيَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَضِيَّةِ أخْلاقِهِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَسَألُوا عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَنْ ذَلِكَ فَقالَتْ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»، وعُنِيَ بِها العُلَماءُ بِالتَّأْلِيفِ، كالشَّمائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ. أمّا أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في الخُلُقِ العَظِيمِ المَعْنِيِّ هُنا فَهي عَلى قَوْلَيْنِ، لا تَعارُضَ بَيْنَهُما: مِنها: أنَّهُ الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم. والآخَرُ قَوْلُ عائِشَةَ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»، والقُرْآنُ والدِّينُ مُرْتَبِطانِ. ولَكِنْ لَمْ يَزَلِ الإجْمالُ مَوْجُودًا. وإذا رَجَعْنا إلى بَعْضِ الآياتِ في القُرْآنِ نَجِدُ بَعْضَ البَيانِ لِما كانَ (p-٢٤٩)عَلَيْهِ ﷺ مِن عَظِيمِ الخُلُقِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] . وَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . وَقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي فِيها التَّوْجِيهُ أوِ الوَصْفُ بِما هو أعْظَمُ الأخْلاقِ، وإذا كانَ خُلُقُهُ ﷺ هو القُرْآنَ، فالقُرْآنُ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ. والمُتَأمِّلُ لِلْقُرْآنِ في هَدْيِهِ يَجِدُ مَبْدَأ الأخْلاقِ في كُلِّ تَشْرِيعٍ فِيهِ حَتّى العِباداتِ. فَفي الصَّلاةِ خُشُوعٌ وخُضُوعٌ وسَكِينَةٌ ووَقارٌ، فَأْتُوها وعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ والوَقارُ. وَفِي الزَّكاةِ مُرُوءَةٌ وكَرَمٌ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] . وَفِي الصِّيامِ: «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةً في أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ» . وَقَوْلُهُ ﷺ: «الصِّيامُ جُنَّةٌ» . وَفِي الحَجِّ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ . وَفِي الِاجْتِماعِيّاتِ: خُوطِبَ ﷺ بِأعْلى دَرَجاتِ الأخْلاقِ، حَتّى ولَوْ لَمْ يَكُنْ داخِلًا تَحْتَ الخِطابِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ خارِجًا عَنْ نِطاقِ الطَّلَبِ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَها ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ (p-٢٥٠)[الإسراء: ٢٣ - ٢٤]، مَعَ أنَّ والِدَيْهِ لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما مَوْجُودًا عِنْدَ نُزُولِها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّعالِيمِ العامَّةِ والخاصَّةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها القُرْآنُ. وَقَدْ عُنِيَ ﷺ بِالأخْلاقِ حَتّى كانَ يُوصِي بِها المَبْعُوثِينَ في كُلِّ مَكانٍ، كَما أوْصى مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ، وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» . وَقالَ ﷺ: «إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ: إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما تَشاءُ»، أيْ: إنَّ الحَياءَ وهو مِن أخَصِّ الأخْلاقِ سِياجٌ مِنَ الرَّذائِلِ، وهَذا مِمّا يُؤَكِّدُ أنَّ الخُلُقَ الحَسَنَ يَحْمِلُ عَلى الفَضائِلِ، ويَمْنَعُ مِنَ الرَّذائِلِ، كَما قِيلَ في ذَلِكَ: ؎إنَّ الكَرِيمَ إذا تَمَكَّنَ مِن أذًى ∗∗∗ جاءَتْهُ أخْلاقُ الكِرامِ فَأقْلَعا ؎وَتَرى اللَّئِيمَ إذا تَمَكَّنَ مِن أذًى ∗∗∗ يَطْغى فَلا يُبْقِي لِصُلْحٍ مَوْضِعًا وَقَدْ أشارَ القُرْآنُ إلى هَذا الجانِبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . * * تَنْبِيهٌ إنَّ مِن أهَمِّ قَضايا الأخْلاقِ بَيانُهُ ﷺ لَها بِقَوْلِهِ: «إنَّما بُعِثْتُ؛ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» . مَعَ أنَّ بِعْثَتَهُ بِالتَّوْحِيدِ، والعِباداتِ، والمُعامَلاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الأخْلاقَ هي البِعْثَةُ. وَبَيانُ ذَلِكَ في قَضِيَّةٍ مَنطِقِيَّةٍ قَطْعِيَّةٍ حَمْلِيَّةٍ، مُقَدِّمَتُها حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وهو: «الدِّينُ حُسْنُ الخُلُقِ»، والكُبْرى آيَةٌ كَرِيمَةٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] . وَلِمُساواةِ طَرَفَيِ الصُّغْرى في الماصَدَقِ، وهو: «الدِّينُ حُسْنُ الخُلُقِ»، يَكُونُ التَّرْكِيبُ المَنطِقِيُّ بِالقِياسِ الِاقْتِرانِيِّ حُسْنُ الخُلُقِ هو البِرُّ، والبِرُّ هو الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ (p-٢٥١)الآخِرِ، إلى آخِرِ ما جاءَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، يَنْتُجُ حُسْنُ الخُلُقِ هو الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ بِأقْسامِهِ الثَّلاثَةِ: الإسْلامِ مِن صَلاةٍ وزَكاةٍ. إلخ. والإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. إلخ. وَمِن إحْسانٍ في وفاءٍ وصِدْقٍ وصَبْرٍ، وتَقْوى اللَّهِ تَعالى؛ إذْ هي مُراقَبَةُ اللَّهِ سِرًّا وعَلَنًا، وقَدْ ظَهَرَتْ نَتِيجَةُ عِظَمِ هَذِهِ الأخْلاقِ في الرَّحْمَةِ العامَّةِ الشّامِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . وَكَذَلِكَ لِلْأُمَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ ﷺ: «أقْرَبُكم مِنِّي مَنزِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ أحاسِنُكم أخْلاقًا» . وَهِيَ قَضِيَّةٌ مَنطِقِيَّةٌ أُخْرى: «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»، ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ . فَمَكارِمُ الأخْلاقِ رَحْمَةٌ لِلْعالَمِينَ في الدُّنْيا، ومَنزِلَةٌ عُلْيا لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ. * * تَنْبِيهٌ آخَرُ. اتَّفَقَ عُلَماءُ الِاجْتِماعِ أنَّ أُسُسَ الأخْلاقِ أرْبَعَةٌ: هِيَ: الحِكْمَةُ، والعِفَّةُ، والشَّجاعَةُ، والعَدالَةُ. وَيُقابِلُها رَذائِلُ أرْبَعَةٌ: هِيَ الجَهْلُ، والشَّرَهُ، والجُبْنُ، والجَوْرُ. وَيَتَفَرَّعُ عَنْ كُلِّ فَضِيلَةٍ فُرُوعُها: الحِكْمَةُ: الذَّكاءُ وسُهُولَةُ الفَهْمِ، وسِعَةُ العِلْمِ. وعَنِ العِفَّةِ: القَناعَةُ، والوَرَعُ، والحَياءُ، والسَّخاءُ، والدَّعَةُ، والصَّبْرُ، والحُرِّيَّةُ. وعَنِ الشَّجاعَةِ: النَّجْدَةُ، وعِظَمُ الهِمَّةِ. وعَنِ السَّماحَةِ: الكَرَمُ، والإيثارُ، والمُواساةُ، والمُسامَحَةُ. (p-٢٥٢)أمّا العَدالَةُ - وهي أُمُّ الفَضائِلِ الأخْلاقِيَّةِ - فَيَتَفَرَّعُ عَنْها: الصَّداقَةُ، والأُلْفَةُ، وصِلَةُ الرَّحِمِ، وتَرْكُ الحِقْدِ، ومُكافَأةُ الشَّرِّ بِالخَيْرِ، واسْتِعْمالُ اللُّطْفِ. فَهَذِهِ أُصُولُ الأخْلاقِ وفُرُوعُها، فَلَمْ تَبْقَ خَصْلَةٌ مِنها إلّا وهي مُكْتَمِلَةٌ فِيهِ ﷺ . وَقَدْ بَرَّأهُ اللَّهُ مِن كُلِّ رَذِيلَةٍ، فَتَحَقَّقَ أنَّهُ ﷺ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، فِعْلًا وعَقْلًا. وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: لَقَدْ كانَ ﷺ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. والخُلُقُ ما تَخَلَّقَ بِهِ الإنْسانُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ولا بُدَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِن خَصْلَةٍ فاضِلَةٍ. فاجْتَمَعَ لَهُ ﷺ جَمِيعُ خِصالِ الفَضْلِ عِنْدَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ. وهَذا وإنْ كانَ لَهُ وجْهٌ إلّا أنَّ واقِعَ سِيرَتِهِ ﷺ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. فَقَدْ كانَ قَبْلَ البَعْثَةِ والوَحْيِ، مُلَقَّبًا عِنْدَ القُرَشِيِّينَ بِالأمِينِ، كَما في قِصَّةِ وضْعِ الحَجَرِ في الكَعْبَةِ؛ إذْ قالُوا عَنْهُ: الأمِينُ ارْتَضَيْناهُ. وَجاءَ عَنْ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، لَمّا أُخِذَ أسِيرًا وأهْدَتْهُ خَدِيجَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - لِخِدْمَتِهِ ﷺ . وجاءَ أهْلُهُ بِالفِداءِ يُفادُونَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُمُ: ”«ادْعُوهُ وأخْبِرُوهُ، فَإنِ اخْتارَكم فَهو لَكم بِدُونِ فِداءٍ ) فَقالَ زَيْدٌ: واللَّهِ لا أخْتارُ عَلى صُحْبَتِكَ أحَدًا أبَدًا، فَقالَ لَهُ أهْلُهُ: ويْحَكَ ! أتَخْتارُ الرِّقَّ عَلى الحُرِّيَّةِ ؟ ! فَقالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَقَدْ صَحِبْتُهُ فَلَمْ يَقُلْ لِي لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ قَطُّ. ولا لِشَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: لِمَ لَمْ تَفْعَلْهُ قَطُّ»:“ ورَجَعَ قَوْمُهُ، وبَقِيَ هو عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخَذَ بِيَدِهِ، وأعْلَنَ تَبَنِّيَهُ عَلى ما كانَ مَعْهُودًا قَبْلَ البَعْثَةِ. إنَّنا لَوْ قُلْنا: إنَّ اخْتِيارَ اللَّهِ إيّاهُ قَبْلَ وُجُودِهِ، وتَعَهُّدَ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ وُجُودِهِ؛ مِن شَقِّ الصَّدْرِ في طُفُولَتِهِ، ومِن مَوْتِ أبَوَيْهِ ورِعايَةِ اللَّهِ لَهُ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ٣ - ١١] . إنَّها نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وعَلى أُمَّتِهِ مَعَهُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - ورَزَقَنا التَّأسِّيَ بِهِ.

القلم 68:8

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ (p-٢٥٣) إذا كانَ في مَجِيءِ الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ رَدٌّ عَلى دَعْواهُمُ الكاذِبَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالجُنُونِ. فَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْزِيهُهُ ﷺ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن رَذائِلَ ونَقائِصَ وافْتِضاحٌ لَهم. وبَيانُ الفَرْقِ والبَوْنِ الشّاسِعِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم. فَفي الوَقْتِ الَّذِي وصَفَهُ بِأنَّهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وصَفَهم بِعَكْسِ ذَلِكَ مِن: كَذِبٍ، ومُداهَنَةٍ، وكَثْرَةِ حَلِفٍ، ومَهانَةٍ، وهَمْزٍ، ومَشْيٍ بِنَمِيمَةٍ، ومَنعٍ لِلْخَيْرِ، وعُتُلٍّ، وتَجَبَّرٍ، واعْتِداءٍ، وظُلْمٍ، وانْقِطاعِ زَنِيمٍ، عَشْرُ خِصالٍ ذَمِيمَةٌ. ونَتِيجَتُها الوَسْمُ بِالخِزْيِ عَلى الأُنُوفِ صَغارًا لَهم. وَقَدْ جاءَتْ آياتُ القُرْآنِ تُبَيِّنُ مَساوِئَ تِلْكَ الصِّفاتِ وتُحَذِّرُ مِنها، ولا يَسَعُنا إيرادُها كُلِّها، وتَكْفِي الإشارَةُ إلى بَعْضِها؛ تَنْبِيهًا عَلى جَمِيعِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢] وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ لِمَعانِي المُداهَنَةِ فَوْقَ عَشَرَةِ أقْوالٍ أرْجَحُها المُلايَنَةُ، وقَدْ ذَكَرَ هُنا ودادَتَهم وتَمَنِّيَهُمُ المُداهَنَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ لَنا هَلْ داهَنَهم ﷺ أمْ لا ؟ وهَلْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَصْلَحَةً أمْ لا ؟ وقَدْ جاءَ بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا؛ بِأنَّهم أرادُوا التَّدَرُّجَ مِنَ المُداهَنَةِ ومُلايَنَتِهِ ﷺ مَعَهم، إلى ما بَعْدَها مِن تَعْطِيلِ الدَّعْوَةِ. وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ودَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يا مُحَمَّدُ، لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ؛ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] اهـ. وَيَشْهَدُ لِما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا ما جاءَ في سَبَبِ نُزُولِ سُورَةِ (الكافِرُونَ) . (p-٢٥٤)فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . السُّورَةَ [الكافرون: ١ - ٣] . وَمِمّا هو صَرِيحٌ في قَصْدِهِمْ بِالمُداهَنَةِ، والدّافِعُ عَلَيْها والجَوابُ عَلَيْهِمْ قَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، ثُمَّ قالَ تَعالى مُبَيِّنًا مَوْقِفَ الرَّسُولِ ﷺ مِن هَذِهِ المُحاوَلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] . وَقَدْ جاءَ اللَّهُ بِأمْرِهِ حَكَمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وهُنا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ مُداهَنَةٍ في الدِّينِ مَعَ المُشْرِكِينَ تَدْخُلُ في هَذا المَوْضُوعِ. وَقَدْ جاءَ بَعْدُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم لا يُطاعُونَ في مُداهَنَتِهِمْ، وأنَّهم سَيَبْذُلُونَ كُلَّ ما في وُسْعِهِمْ؛ لِتَرْوِيجِ مُداهَنَتِهِمْ ولَوْ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ، وفَرْقٌ بَيْنَ المُداهَنَةِ في الدِّينِ والمُلاطَفَةِ في الدُّنْيا، أوِ التَّعاوُنِ وتَبادُلِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَما قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ٨] . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

القلم 68:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ؛ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْهم أجْرًا عَلى دَعْوَتِهِ إيّاهم. وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] . فالأجْرُ المَسْئُولُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو الأجْرُ المادِّيُّ بِالمالِ ونَحْوِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: مَبْحَثُ الأجْرِ عَلى الدَّعْوَةِ مِن جَمِيعِ الرُّسُلِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -، ومَبْحَثُ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى الأعْمالِ الَّتِي أصْلُها مَزِيَّةُ اللَّهِ؛ بَحْثًا وافِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [هود: ٢٩] مِن سُورَةِ هُودٍ.

القلم 68:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا مَن هو صاحِبُ الحُوتِ، ولا نِداءَهُ وهو مَكْظُومٌ، ولا الوَجْهَ المَنهِيَّ عَنْهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى صاحِبَ الحُوتِ في (الصّافّاتِ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ يُونُسَ (p-٢٥٥)لَمِنَ المُرْسَلِينَ إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٢] . وَأمّا النِّداءُ، فَقالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: قَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في سُورَةِ (الأنْبِياءِ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] . فَصاحِبُ الحُوتِ هو يُونُسُ، ونِداؤُهُ هو المَذْكُورُ في الآيَةِ، وحالَةُ نِدائِهِ وهو مَكْظُومٌ. أمّا الوَجْهُ المَنهِيُّ عَنْ أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ: فَهو الحالُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ عِنْدَ النِّداءِ، وهو في حالَةِ غَضَبِهِ، وهو مَكْظُومٌ، وهَذا بَيانٌ لِجانِبٍ مِن خُلُقِهِ ﷺ وتَخَلُّقِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: فاصْبِرْ أيْ: عَلى إيذاءِ قَوْمِكَ، ولَعَلَّ هَذا مِن خَصائِصِ وخَواصِّ تَوْجِيهاتِ اللَّهِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦ - ١٢٧] إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقَدْ بَيَّنَ تَعالى خُلُقًا فاضِلًا عامًّا لِلْأُمَّةِ: في حُسْنِ المُعامَلَةِ والصَّفْحِ. ثُمَّ خَصَّ النَّبِيَّ ﷺ بِقَوْلِهِ: واصْبِرْ أيْ: لا تُعاقِبِ انْتِقامًا ولَوْ بِالمِثْلِيَّةِ ولَكِنِ اصْبِرْ، وقَدْ كانَ مِنهُ ﷺ مِصْداقُ ذَلِكَ؛ في رُجُوعِهِ مِن ثَقِيفٍ حِينَما آذَوْهُ، وجاءَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومَعَهُ مَلَكُ الجِبالِ يَأْتَمِرُ بِأمْرِهِ، إلى أنْ قالَ: («لا، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي؛ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ. . إنِّي لَأرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ») . فَقَدْ صَفَحَ وصَبَرَ، ورَجى مِنَ اللَّهِ إيمانَ مَن يَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ. وَهَذا أقْصى دَرَجاتِ الصَّبْرِ والصَّفْحِ، وأعْظَمُ دَرَجاتِ الخُلُقِ الكَرِيمِ.

القلم 68:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ . بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يُنْبَذْ بِالعَراءِ عَلى صِفَةٍ مَذْمُومَةٍ، بَلْ إنَّهُ تَعالى أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةً تُظِلُّهُ وتَسْتُرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): سُورَةُ القَلَمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ﴾ الآيَةَ [الصافات: ١٤٥] .

القلم 68:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (p-٢٥٦)بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٧ - ١٤٨] .

القلم 68:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿وَما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ فِيهِ عَوْدُ آخِرِ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها. وأنَّ الكُفّارَ إذا سَمِعُوا الذِّكْرَ شَخَصَتْ أبْصارُهم نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَرْمُونَهُ بِالجُنُونِ. والرَّدُّ عَلَيْهِمْ: بِأنَّ هَذا الَّذِي سَمِعُوهُ لَيْسَ بِهَذَيانِ المَجْنُونِ، وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ، وفِيهِ تَرْجِيحُ القَوْلِ: بِأنَّ المُرادَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ في أوَّلِ السُّورَةِ، إنَّما هي ما أوْحاهُ إلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ.

الحاقة 69:1

(p-٢٥٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الحاقَّةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ . (الحاقَّةُ): مِن أسْماءِ القِيامَةِ، وجاءَ بَعْدَها ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤] . وهي مِن أسْماءِ القِيامَةِ أيْضًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ الآيَةَ [القارعة: ٣ - ٤] . سُمِّيَتْ بِالحاقَّةِ؛ لِأنَّهُ يَحِقُّ فِيها وعْدُ اللَّهِ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، وسُمِّيَتْ بِالقارِعَةِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِهَوْلِها: ﴿وَتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] . كَما سُمِّيَتِ: الواقِعَةُ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ١ - ٢] .

الحاقة 69:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ والطّاغِيَةُ فاعِلَةٌ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ مُطْلَقًا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] . وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] . وَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى الطُّغْيانِ هُنا، فَقالَ قَوْمٌ: طاغِيَةٌ: عاقِرُ النّاقَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ [الشمس: ١١ - ١٢]، فَتَكُونُ الباءُ سَبَبِيَّةً، أيْ: بِسَبَبِ طاغِيَتِها، وقِيلَ: الطّاغِيَةُ: الصَّيْحَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي أهْلَكَتْهم، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]، فَتَكُونُ الباءُ آلِيَّةً، كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، وقَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ. والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ هو المَعْنى الثّانِي؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤] . وقِيلَ: لا مانِعَ مِن إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ؛ لِأنَّهُما مُتَلازِمانِ تَلازُمَ المُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ سَبَبُ الثّانِي لَمّا كانُوا بَعِيدًا، ويُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ . (p-٢٥٨)فالعُتُوُّ هو الطُّغْيانُ في الفِعْلِ، والصّاعِقَةُ هي الصَّيْحَةُ الشَّدِيدَةُ، وقَدْ رَبَطَ بَيْنَهُما بِالفاءِ.

الحاقة 69:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -، بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] المُتَقَدِّمِ في فُصِّلَتْ، وفي هَذا التَّفْصِيلِ لِكَيْفِيَّةِ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ بَيانٌ لِما أُجْمِلَ في سُورَةِ (الفَجْرِ)، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] .

الحاقة 69:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ المُؤْتَفِكاتُ: المُنْقَلِباتُ، وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - تَفْصِيلُ ذَلِكَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في (هُودٍ) ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ الآيَةَ [هود: ٨٢] . وَفِي (النَّجْمِ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣] . تَنْبِيهٌ. نَصَّ تَعالى هُنا أنَّ فِرْعَوْنَ ومَن قَبْلَهُ، والمُؤْتَفِكاتِ جاءُوا بِالخاطِئَةِ، وهي: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ [الحاقة: ١٠]، وكَذَلِكَ عادٌ وثَمُودُ كَذَّبُوا بِالقارِعَةِ. فالجَمِيعُ اشْتَرَكَ في الخاطِئَةِ، وهي عِصْيانُ الرَّسُولِ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]، ولَكِنَّهُ قَدْ أخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً. وَنَوَّعَ في أخْذِهِمْ ذَلِكَ: فَأغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَ نُوحٍ، وأخَذَ ثَمُودَ بِالصَّيْحَةِ، وعادًا بِرِيحٍ، وقَوْمَ لُوطٍ بِقَلْبِ قُراهم، كَما أخَذَ جَيْشَ أبْرَهَةَ بِطَيْرٍ أبابِيلَ، فَهَلْ في ذَلِكَ مُناسَبَةٌ بَيْنَ كُلِّ أُمَّةٍ وعُقُوبَتِها، أمْ أنَّهُ لِلتَّنْوِيعِ في العُقُوبَةِ؛ لِبَيانِ قُدْرَتِهِ تَعالى وتَنْكِيلِهِ بِالعُصاةِ لِرُسُلِ اللَّهِ. الواقِعُ أنَّ أيَّ نَوْعٍ مِنَ العُقُوبَةِ فِيهِ آيَةٌ عَلى القُدْرَةِ، وفِيهِ تَنْكِيلٌ بِمَن وقَعَ بِهِمْ، ولَكِنَّ تَخْصِيصَ كُلِّ أُمَّةٍ بِما وقَعَ عَلَيْها يُثِيرُ تَساؤُلًا، ولَعَلَّ مِمّا يُشِيرُ إلَيْهِ القُرْآنُ إشارَةً خَفِيفَةً هو (p-٢٥٩)الآتِي. أمّا فِرْعَوْنُ، فَقَدْ كانَ يَقُولُ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]، فَلَمّا كانَ يَتَطاوَلُ بِها جَعَلَ اللَّهُ هَلاكَهُ فِيها، أيْ: في جِنْسِها. وَأمّا قَوْمُ نُوحٍ، فَلَمّا يَئِسَ مِنهم بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وأصْبَحُوا لا يَلِدُونَ إلّا فاجِرًا كَفّارًا، فَلَزِمَ تَطْهِيرُ الأرْضِ مِنهم، ولا يَصْلُحُ لِذَلِكَ إلّا الطُّوفانُ. وَأمّا ثَمُودُ، فَأُخِذُوا بِالصَّيْحَةِ الطّاغِيَةِ، لِأنَّهم نادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ، فَلَمّا كانَ نِداؤُهم صاحِبَهم سَبَبًا في عَقْرِ النّاقَةِ، كانَ هَلاكُهم بِالصَّيْحَةِ الطّاغِيَةِ. وَأمّا عادٌ، فَلِطُغْيانِهِمْ بِقُوَّتِهِمْ، كَما قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨]، وسَواءٌ عِمادُ بُيُوتِهِمْ وقُصُورِهِمْ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ طُولِ أجْسامِهِمْ، ووَفْرَةِ أمْوالِهِمْ، وتَوافُرِ القُوَّةِ عِنْدَهم، فَأُخِذُوا بِالرِّيحِ، وهو أرَقُّ وألْطَفُ ما يَكُونُ، مِمّا لَمْ يَكُونُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنهُ أيَّةَ مَضَرَّةٍ ولا شِدَّةٍ. وَكَذَلِكَ جَيْشُ أبَرْهَةَ، لَمّا جاءَ مُدْلٍ بِعَدَدِهِ وعُدَّتِهِ، وجاءَ مَعَهُ بِالفِيلِ أقْوى الحَيَواناتِ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ أضْعَفَ المَخْلُوقاتِ: الطُّيُورَ ﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٣ - ٤] . أمّا قَوْمُ لُوطٍ، فَلِكَوْنِهِمْ قَلَبُوا الأوْضاعَ بِإتْيانِ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ، فَكانَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ، قَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قُراهم. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَلا شَكَّ أنَّ في ذَلِكَ كُلِّهِ تَخْوِيفًا لِقُرَيْشٍ.

الحاقة 69:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ تَقَدَّمَ بَيانُهُ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في سُورَةِ (الكَهْفِ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧] .

الحاقة 69:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ تَقَدَّمَ بَيانُهُ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] .

الحاقة 69:19

(p-٢٦٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيانُ قَضِيَّةِ أخْذِ الكُتُبِ وحَقِيقَتِها، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾ [الكهف: ٤٩] في سُورَةِ (الكَهْفِ) . وَكَذَلِكَ بَحَثَها في كِتابِهِ دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، وبَيانُ القِسْمِ الثّالِثِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، وفي هَذا التَّفْصِيلُ في حَقِّ الكِتابِ والكِتابَةِ وتَسْجِيلِ الأعْمالِ وإيتائِها بِنُصُوصٍ صَرِيحَةٍ واضِحَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] . وَقَوْلِهِمْ صَراحَةً: ﴿ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] . وَقَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، فَهو كِتابٌ مَكْتُوبٌ يُنْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ يَقْرَؤُهُ كُلُّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، مِمّا يَرُدُّ قَوْلَ مَن يَجْعَلُ أخْذَ الكِتابِ بِاليَمِينِ أوِ الشِّمالِ كِنايَةً عَنِ اليُمْنِ والشُّؤْمِ. وهَذا في الواقِعِ إنَّما هو مِن شُؤْمِ التَّأْوِيلِ الفاسِدِ، وبِدُونِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، والمُسَمّى عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ بِاللَّعِبِ. نَسْألُ اللَّهَ السَّلامَةَ والعافِيَةَ.

الحاقة 69:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّى ظَنَنْتُ أنّى مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ والظَّنُّ واسِطَةٌ بَيْنَ الشَّكِّ والعِلْمِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ إذا وُجِدَتِ القَرائِنُ، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ [الكهف: ٥٣]، أيْ: عَلِمُوا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]، وهو هُنا بِمَعْنى العِلْمِ؛ لِأنَّ العَقائِدَ لا يَصْلُحُ فِيها الظَّنُّ، ولا بُدَّ فِيها مِنَ العِلْمِ والجَزْمِ. وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ الظَّنَّ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ، بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، فَمَفْهُومُهُ أنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ إثْمًا، فَيَكُونُ حَقًّا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] . ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحاقَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ . تَقَدَّمَ رَفْعُ الإشْكالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الظَّنَّ لا يَكْفِي، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ .

الحاقة 69:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ . (p-٢٦١)قِيلَ في (ما): إنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي مالِيَهْ، والجَوابُ: لا شَيْءَ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، أيْ: لَمْ يُغْنِ عَنِّي مالِيَهْ شَيْئًا في هَذا اليَوْمِ، ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ (الكَهْفِ) عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٦] . وَفِي سُورَةِ (الزُّخْرُفِ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٣٦] .

الحاقة 69:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلَكَ عَنَّي سُلْطانِيَهْ﴾ أيْ: لا سُلْطانَ ولا جاهَ ولا سُلْطَةَ لِأحَدٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨]: حُفاةً عُراةً. وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] .

الحاقة 69:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فِيهِ عَطْفُ عَدَمِ الحَضِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ العَظِيمِ، مِمّا يُشِيرُ إلى أنَّ الكافِرَ يُعَذَّبُ عَلى الفُرُوعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَبْحَثُ هَذِهِ المَسْألَةِ في أوَّلِ سُورَةِ (فُصِّلَتْ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧]، وكُنْتُ سَمِعْتُ مِنهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - قَوْلَهُ: كَما أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ بِالطّاعَةِ، والمُؤْمِنُ يُثابُ عَلى إيمانِهِ وعَلى طاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ الكُفْرُ يَزْدادُ بِالمَعاصِي. ويُجازى الكافِرُ عَلى كُفْرِهِ وعَلى عِصْيانِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] . فَعَذابٌ عَلى الكُفْرِ وعَذابٌ عَلى الإفْسادِ، ومِمّا يَدُلُّ لِزِيادَةِ الكُفْرِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ (p-٢٦٢)الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَبْحَثُ زِيادَةِ العَذابِ عِنْدَ آيَةِ (النَّحْلِ) .

الحاقة 69:36

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ . ظاهِرُ هَذا الحَصْرِ أنَّهُ لا طَعامَ لِأهْلِ النّارِ إلّا الغِسْلِينَ، وهو ما يَسِيلُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ عَلى أصَحِّ التَّفْسِيراتِ، لِأنَّهُ فِعْلِينٌ مِنَ الغَسْلِ لِأنَّ الصَّدِيدَ كَأنَّهُ غُسالَةُ قُرُوحِ أهْلِ النّارِ، أعاذَنا اللَّهُ والمُسْلِمِينَ مِنها. وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى حَصْرِ طَعامِهِمْ في غَيْرِ الغِسْلِينِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦]، وهو الشِّبْرِقُ اليابِسُ عَلى أصَحِّ التَّفْسِيراتِ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎رَعى الشِّبْرِقَ الرَّيّانَ حَتّى إذا ذَوى وصارَ ضَرِيعًا بانَ عَنْهُ النَّحائِصُ وَلِلْعُلَماءِ عَنْ هَذا أجْوِبَةٌ كَثِيرَةٌ أحْسَنُها عِنْدِي اثْنانِ مِنها: الأوَّلُ: أنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ، فَمِنهم مَن لا طَعامَ لَهُ إلّا مِن غِسْلِينَ، ومِنهم مَن لا طَعامَ لَهُ إلّا مِن ضَرِيعٍ، ومِنهم مَن لا طَعامَ لَهُ إلّا الزَّقُّومَ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] . الثّانِي: أنَّ المَعْنى في جَمِيعِ الآياتِ أنَّهم لا طَعامَ لَهم أصْلًا لِأنَّ الضَّرِيعَ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الطَّعامِ ولا تَأْكُلُهُ البَهائِمُ فَأحْرى الآدَمِيُّونَ. (p-٤٢٢)وَكَذَلِكَ الغِسْلِينُ لَيْسَ مِنَ الطَّعامِ، فَمَن طَعامُهُ الضَّرِيعُ لا طَعامَ لَهُ، ومَن طَعامُهُ الغِسْلِينُ كَذَلِكَ. ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ لا ظِلَّ لَهُ إلّا الشَّمْسَ، ولا دابَّةَ إلّا دابَّةَ ثَوْبانَ يَعْنُونَ القُمَّلَ، ومُرادُهم لا ظِلَّ لَهُ أصْلًا ولا دابَّةَ لَهُ أصْلًا، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الحاقة 69:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ إضافَةُ القَوْلِ إلى الرَّسُولِ الكَرِيمِ عَلى سَبِيلِ التَّبْلِيغِ، كَما جاءَ بَعْدَها، قَوْلُهُ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] والرَّسُولُ يَحْتَمِلُ النَّبِيَّ ﷺ ويَحْتَمِلُ جِبْرِيلَ، وقَدْ جاءَ في حَقِّ جِبْرِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] . وَهُنا المُرادُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١] وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَنِ اتُّهِمَ بِذَلِكَ هو الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ فَنَفاهُ ذَلِكَ عَنْهُ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ كُلِّهِ إثْباتُ الصِّفَةِ الكَرِيمَةِ لِسَنَدِ القُرْآنِ مِن مُحَمَّدٍ عَنْ جِبْرِيلَ عَنِ اللَّهِ، وقَدْ أشارَ لِذَلِكَ في الآيَةِ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢١ - ٢٢] . فَأثْبَتَ السَّلامَةَ والعَدالَةَ لِرُسُلِ اللَّهِ في تَبْلِيغِ كَلامِ اللَّهِ، وفي هَذا رَدٌّ عَلى قُرَيْشٍ ما اتَّهَمَتْ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ . وفِيهِ أيْضًا الرَّدُّ عَلى الرّافِضَةِ دَعْواهُمُ التَّغْيِيرَ أوِ النَّقْصَ في القُرْآنِ.

الحاقة 69:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ هَذا المَعْنى، وهو عَلى ظاهِرِهِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٨]، وهو عَلى سَبِيلِ الِافْتِراضِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وَقَدِ اسْتَبْعَدَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (تَقَوَّلَ) راجِعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ ﷺ . وَقالَ: إنَّها قُرِئَتْ بِالمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ ورَفْعِ (بَعْضٍ)، وقالَ: وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَكُونُ فاعِلُ (تَقَوَّلَ) مُقَدَّرًا تَقْدِيرُهُ: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ، وقَدْ ذَكَرَ تِلْكَ القِراءَةَ كُلٌّ مِنَ القُرْطُبِيِّ والكَشّافِ، ولَكِنْ لَمْ يَذْكُرْها ابْنُ كَثِيرٍ ولا الطَّبَرِيُّ ولا النَّيْسابُورِيُّ مِمَّنْ يُعْنَوْنَ بِالقِراءاتِ، مِمّا يَجْعَلُ في صِحَّتِها نَظَرًا، فَلَوْ صَحَّتْ لَكانَتْ مُوَجَّهَةً ولَكِنْ ما اسْتَبْعَدَهُ أبُو (p-٢٦٣)حَيّانَ، ومَنَعَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ هو في الواقِعِ صَحِيحٌ، ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ الِافْتِراضِ فَلَيْسَ مَمْنُوعًا، وقَدْ جاءَ الِافْتِراضُ في القُرْآنِ فِيما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، والنَّصُّ الصَّرِيحُ في المَوْضُوعِ ما قالَهُ الشَّيْخُ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الأحقاف: ٨] .

الحاقة 69:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ فِي هَذا نَفْيُ كُلِّ باطِلٍ: مِن شِعْرٍ أوْ كِهانَةٍ أوْ غَيْرِها، ولِكُلِّ نَقْصٍ أوْ زِيادَةٍ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ إضافَةِ الحَقِّ لِلْيَقِينِ، ومَعْنى التَّسْبِيحِ بِاسْمِ رَبِّكَ عِنْدَ آخِرِ سُورَةِ (الواقِعَةِ)، وحَقُّ اليَقِينِ هو مُنْتَهى العِلْمِ، إذِ اليَقِينُ ثَلاثُ دَرَجاتٍ: الأُولى: عِلْمُ اليَقِينِ. والثّانِيَةُ: عَيْنُ اليَقِينِ. والثّالِثَةُ: حَقُّ اليَقِينِ، كَما في التَّكاثُرِ ﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥ - ٧] فَهاتانِ دَرَجَتانِ، والثّالِثَةُ إذا دَخَلُوها كانَ حَقَّ اليَقِينِ، ومِثْلُهُ في الدُّنْيا: العِلْمُ بِوُجُودِ الكَعْبَةِ والتَّوَجُّهُ إلَيْها في الصَّلاةِ، ثُمَّ رُؤْيَتُها عَيْنُ اليَقِينِ، ثُمَّ بِالدُّخُولِ فِيها يَكُونُ حَقَّ اليَقِينِ، وكَما نُسَبِّحُ اللَّهَ وهو تَنْزِيهُهُ، فَكَذَلِكَ نُنَزِّهُ كَلامَهُ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ.

المعارج 70:1

(p-٢٦٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ المَعارِجِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ المَعْلُومُ أنَّ مادَّةَ سَألَ لا تَتَعَدّى بِالباءِ، كَتَعَدِّيها هُنا. ولِذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّ الفِعْلَ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ يَتَعَدّى بِالباءِ وهو مُقَدَّرٌ: ما اسْتَعْجَلَ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣]، وذُكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ سَألَ بِمَعْنى دَعا. واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وذَكَرَ هَذا القَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ. وَقُرِئَ (سالَ) بِدُونِ هَمْزَةٍ مِنَ السَّيْلِ، ذَكَرَها ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقالُوا: هو وادٍ في جَهَنَّمَ، وقِيلَ: مُخَفَّفُ (سَألَ) اهـ. وَلَعَلَّ مِمّا يُرَجِّحُ قَوْلَ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّ الفِعْلَ ضُمِّنَ مَعْنى مَثَلٍ آخَرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ الآيَةَ [الشورى: ١٨] . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ هَذا المَعْنى عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وأحالَ عَلى سُورَةِ (سَألَ) وقالَ: وسَيَأْتِي زِيادَةُ إيضاحٍ إنْ شاءَ اللَّهُ. وَقَدْ بَيَّنَ هُناكَ: أنَّ قَوْلَهم يَدُلُّ عَلى جَهالَتِهِمْ؛ حَيْثُ لَمْ يَطْلُبُوا الهِدايَةَ إلَيْهِ إنْ كانَ هو الحَقَّ. وَحَيْثُ إنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أحالَ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ لِزِيادَةِ الإيضاحِ؛ فَإنَّ المُناسِبَ إنَّما هو هَذِهِ الآيَةُ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ بِمَعْنى: اسْتَعْجَلَ أوْ دَعا؛ لِوُجُودِ الِارْتِباطِ بَيْنَ آيَةِ (سَألَ) وآيَةِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ﴾ المَذْكُورَةِ. فَإنَّهُما مُرْتَبِطانِ بِسَبَبِ النُّزُولِ. (p-٢٦٥)كَما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾، قالَ: دَعا داعٍ (بِعَذابٍ واقِعٍ) . قالَ: هو قَوْلُهم ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا﴾ الآيَةَ. والقائِلُ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلْدَةَ. والإيضاحُ المُنَوَّهُ عَنْهُ يُمْكِنُ اسْتِنْتاجُهُ مِن هَذا الرَّبْطِ، ومِن قَوْلِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى جَهالَتِهِمْ، وبَيانِ ما إذا كانَ هَذا العَذابُ الواقِعُ هَلْ وُقُوعُهُ في الدُّنْيا أمْ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ . والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ جَهالَةَ قُرَيْشٍ دَلَّ عَلَيْها العَقْلُ والنَّقْلُ؛ لِأنَّ العَقْلَ يَقْضِي بِطَلَبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضُّرِّ كَما قِيلَ: لِما نافِعٍ يَسْعى اللَّبِيبُ فَلا تَكُنْ ساعِيًا. وَأمّا النَّقْلُ؛ فَلِأنَّ مِمّا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا: أنَّ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ وقَدْ جاءُوا مُتَحَدِّينَ غايَةَ التَّحَدِّي لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَكِنَّهم لَمّا عايَنُوا الحَقَّ، قالُوا: آمَنّا، وخَرُّوا سُجَّدًا ولَمْ يُكابِرُوا، كَما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن نَبَئِهِمْ في كِتابِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ ولَمّا اعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنُ، وقالَ: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ إلى آخِرِ كَلامِهِ، قالُوا وهو مَحَلُّ الشّاهِدِ هُنا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا﴾ ولَمْ يُبالُوا بِوَعِيدِهِ ولا بِتَهْدِيدِهِ. وقالُوا في اسْتِخْفافٍ: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ [طه: ٧٠ - ٧٢]، فَهم لَمّا عايَنُوا البَيِّناتِ خَرُّوا سُجَّدًا وأعْلَنُوا إيمانَهم، وهَؤُلاءِ كُفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ مَقالَتَهم تِلْكَ. أمّا وُقُوعُ العَذابِ المَسْئُولِ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى الحالِ؛ لِلتَّأْكِيدِ عَلى وُقُوعِهِ، وكَأنَّهُ مُشاهَدٌ، وقالَهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ، وقالَ: هو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] .

المعارج 70:2

وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ دَلِيلٌ عَلى تَأْكِيدِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ لَهُ دافِعٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ. أمّا مَتى يَكُونُ فَقَدْ دَلَّتْ آيَةُ (الطُّورِ) نَظِيرُةُ هَذِهِ أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨]، ثُمَّ بَيَّنَ ظَرْفَ وُقُوعِهِ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩ - ١٠]، وفي سِياقِ هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ (p-٢٦٦)السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ ﴿وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ٨ - ١٨]؛ فَإنَّها كُلَّها مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى زَمَنِ وُقُوعِهِ. ولَعَلَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ ﴿وَجَمَعَ فَأوْعى﴾ رَدًّا عَلى أُولَئِكَ المُسْتَخِفِّينَ بِالعَذابِ المُسْتَعْجِلِينَ بِهِ؛ مُجازاةً لَهم بِالمِثْلِ، كَما دَعَوْا وطَلَبُوا لِأنْفُسِهِمُ العَذابَ اسْتِخْفافًا؛ فَهي تَدْعُوهم إلَيْها زَجْرًا وتَخْوِيفًا، مُقابَلَةَ دُعاءٍ بِدُعاءٍ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ في الدُّنْيا دَعَوْتُمْ بِالعَذابِ فَهَذا هو العَذابُ يَدْعُوكم إلَيْهِ ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ﴾ عَنْ سَماعِ الدَّعْوَةِ، وأعْرَضَ عَنْها وتَوَلّى، وهَذا الرَّدُّ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي قَبْلَهُ مِن تَغْيِيرِ السَّماءِ كالمُهْلِ، وتَسْيِيرِ الجِبالِ كالعِهْنِ، وتَقَطُّعِ أواصِرِ القَرابَةِ مِنَ الفَزَعِ والهَوْلِ مِمّا يَخْلَعُ القُلُوبَ، كَما وقَعَ بِالفِعْلِ في الدُّنْيا، كَما ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ قِصَّةَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأسْألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أسارى بَدْرٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ١ - ٨]، فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي فَأسْلَمْتُ؛ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ، وما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ العَذابُ. وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا عَنْ هِشامِ بْنِ حَسّانَ، قالَ: انْطَلَقْتُ أنا ومالِكُ بْنُ دِينارٍ إلى الحَسَنِ، وعِنْدَهُ رَجُلٌ يَقْرَأُ: (والطُّورِ) حَتّى بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾، فَبَكى الحَسَنُ وبَكى أصْحابُهُ، فَجَعَلَ مالِكٌ يَضْطَرِبُ حَتّى غُشِيَ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ كانَ يَعُسُّ بِالمَدِينَةِ ذاتَ لَيْلَةٍ، إذْ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ بِالطُّورِ؛ فَرَبا لَها أُعِيدَ مِنها عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَكانَ هَذا الوَصْفُ المُفْزِعُ رَدًّا عَلى ذاكَ الطَّلَبِ المُسْتَخِفِّ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ونَأْمُلُ أنْ نَكُونَ قَدْ وفَّيْنا الإيضاحَ الَّذِي أرادَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - .

المعارج 70:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِقْدارُ هَذا اليَوْمِ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وجاءَتْ آياتٌ أُخَرَ بِأنَّهُ ألْفُ سَنَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] (p-٢٦٧)فَكانَ بَيْنَهُما مُغايِرَةٌ في المِقْدارِ بِخَمْسِينَ مَرَّةً. وَقَدْ بَحَثَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِ دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ، وفي الأضْواءِ في سُورَةِ (الحَجِّ) عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤٧] . وَمِمّا يَنْبَغِي أنْ يُلاحَظَ أنَّ الأيّامَ مُخْتَلِفَةٌ: فَفي (سَألَ) هو يَوْمُ عُرُوجِ الرُّوحِ والمَلائِكَةِ، وفي سُورَةِ (السَّجْدَةِ) هو يَوْمُ عُرُوجِ الأمْرِ؛ فَلا مُنافاةَ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٢٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ سَألَ سائِلٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ . تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، في سُورَةِ ”الحَجِّ“ . وَقَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] في سُورَةِ ”النِّساءِ“ .

المعارج 70:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ المَهْلُ: دَرِيدِيُّ الزَّيْتِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ (الرَّحْمَنِ) عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] .

المعارج 70:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ العِهْنُ: الصُّوفُ، وجاءَ في آيَةٍ أُخْرى وصْفُ العِهْنِ بِالمَنفُوشِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٤ - ٥]، وجاءَتْ لَها عِدَّةُ حالاتٍ أُخْرى: كالكَثِيبِ المَهِيلِ، وكالسَّحابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ كُلِّ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧] في سُورَةِ (الكَهْفِ) .

المعارج 70:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ الحَمِيمُ: القَرِيبُ والصَّدِيقُ والوَلِيُّ المُوالِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] . وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ في يَوْمِ القِيامَةِ لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا، مَعَ أنَّهم يُبَصَّرُونَهم بِأبْصارِهِمْ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى مُوجِبَ ذَلِكَ وهو اشْتِغالُ كُلِّ إنْسانٍ بِنَفْسِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٦٨)﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وكُلٌّ يَفِرُّ مِنَ الآخَرِ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] . وَقَدْ جاءَ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ؛ كُلُّ نَبِيٍّ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، ولَيْسَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن فَزَعٍ إلّا المُؤْمِنُونَ: ﴿وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]، جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى مِنهم. آمِينَ.

المعارج 70:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ الهَلُوعُ: فَعُولٌ مِنَ الهَلَعِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، والهَلَعُ، قالَ في الكَشّافِ: شِدَّةُ سُرْعَةِ الجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ المَكْرُوهِ، وسُرْعَةُ المَنعِ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ، وقَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ في الآيَةِ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١] . وَلَفْظُ: (الإنْسانِ) هُنا مُفْرَدٌ، ولَكِنْ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، أيْ: جِنْسُ الإنْسانِ في الجُمْلَةِ؛ بِدَلِيلِ اسْتِثْناءِ المُصَلِّينَ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢]، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣] ونَظِيرُهُ كَثِيرٌ. وَقَدْ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ هَذا الوَصْفَ بِالهَلَعِ في الكُفّارِ، ويَدُلُّ لِما قالَهُ أمْرانِ: الأوَّلُ: تَفْسِيرُهُ في الآيَةِ واسْتِثْناءُ المُصَلِّينَ وما بَعْدَهُ مِنهُ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ كُلَّها مِن خَصائِصِ المُؤْمِنِينَ، ولِذا عَقَّبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥]، ومَفْهُومُهُ أنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. والثّانِي: الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «عَجَبًا لِأمْرِ المُؤْمِنِ ! شَأْنُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ: إنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِلْمُؤْمِنِ»، فَمَفْهُومُهُ أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ بِخِلافِ ذَلِكَ، وهو الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الوَصْفُ المَذْكُورُ في الآيَةِ: أنَّهُ هَلُوعٌ.

المعارج 70:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ وَصَفَ اللَّهُ تَعالى مَنِ اسْتَثْناهم مِنَ الإنْسانِ الهَلُوعِ بِتِسْعِ صِفاتٍ: (p-٢٦٩)اثْنَتانِ مِنها تَخْتَصُّ بِالصَّلاةِ، وهُما الأُولى والأخِيرَةُ؛ مِمّا يَدُلُّ عَلى أهَمِّيَّةِ الصَّلاةِ، ووُجُوبِ شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِها. وهَذا مِنَ المُسَلَّماتِ في الدِّينِ؛ لِمَكانَتِها مِنَ الإسْلامِ، وفي وصْفِهِمْ هُنا بِأنَّهم: (عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ)، وفي الأخِيرِ: (عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ) [المعارج: ٣٤] . قالَ في الكَشّافِ: الدَّوامُ عَلَيْها المُواظَبَةُ عَلى أدائِها لا يُخِلُّونَ بِها، ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ. وَذَكَرَ حَدِيثَ عائِشَةَ مَرْفُوعًا: ”أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ أدْوَمُها ولَوْ قَلَّ“ . وَيَشْهَدُ لِهَذا الَّذِي قالَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . قالَ: والمُحافَظَةُ عَلَيْها أنْ يُراعُوا إسْباغَ الوُضُوءِ لَها ومَواقِيتَها، ويُقِيمُوا أرْكانَها ويُكْمِلُوها بِسُنَنِها وآدابِها، وهَذا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] . وَحَدِيثُ المُسِيءِ صَلاتِهِ، حَيْثُ قالَ لَهُ ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَنَفى عَنْهُ أنَّهُ صَلّى مَعَ إيقاعِهِ الصَّلاةَ أمامَهُ؛ وذَلِكَ لِعَدَمِ الحِفاظِ عَلَيْها بِتَوْفِيَتِها حَقَّها. وَقَدْ بَدَأ اللَّهُ أُولَئِكَ المُسْتَثْنَيْنَ وخَتَمَهم بِالصَّلاةِ، مِمّا يُفِيدُ أنَّ الصَّلاةَ أصْلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، ومَبْدَأٌ لِهَذا المَذْكُورِ كُلِّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، فَهي عَوْنٌ عَلى كُلِّ خَيْرٍ. وَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فَهي سِياجٌ مِن كُلِّ مُنْكَرٍ، فَجَمَعَتْ طَرَفَيِ المَقْصِدِ شَرْعًا، وهُما العَوْنُ عَلى الخَيْرِ والحِفاظُ مِنَ الشَّرِّ، أيْ: جَلْبُ المَصالِحِ ودَرْءُ المَفاسِدِ؛ ولِذا فَقَدْ عُنِيَ بِها النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ عِنايَتِها، كَما هو مَعْلُومٌ، إلى الحَدِّ الَّذِي جَعَلَها الفارِقَ والفَيْصَلَ بَيْنَ الإسْلامِ والكُفْرِ في قَوْلِهِ ﷺ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا (p-٢٧٠)وَبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، مَن تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ» . واتَّفَقَ الأئِمَّةُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عَلى قَتْلِ تارِكِها. وكَلامُ العُلَماءِ عَلى أثَرِ الصَّلاةِ عَلى قَلْبِ المُؤْمِنِ ورُوحِهِ وشُعُورِهِ، وما تُكْسِبُهُ مِن طُمَأْنِينَةٍ وارْتِياحٍ، كَلامٌ كَثِيرٌ جِدًّا تُوحِي بِهِ كُلِّهِ مَعانِي سُورَةِ (الفاتِحَةِ) .

المعارج 70:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ هَذا هو الوَصْفُ الثّانِي، ويُساوِي إيتاءَ الزَّكاةِ؛ لِأنَّ الحَقَّ المَعْلُومَ لا يَكُونُ إلّا في المَفْرُوضِ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. ولا يَمْنَعُ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ فَقَدْ يَكُونُ أصْلُ المَشْرُوعِيَّةِ بِمَكَّةَ، ويَأْتِي التَّفْصِيلُ بِالمَدِينَةِ، وهو في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهُنا إجْمالٌ في هَذِهِ الآيَةِ. الأوَّلُ: في الأمْوالِ. والثّانِي: في الحَقِّ المَعْلُومِ. أيِ: القَدْرِ المُخْرَجِ، ولَمْ تَأْتِ آيَةٌ تُفَصِّلُ هَذا الإجْمالَ إلّا آيَةُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ هَذا الإجْمالَ. أمّا الأمْوالُ، فَهي لِإضافَتِها تَعُمُّ كُلَّ أمْوالِهِمْ، ولَيْسَ لِلْأمْرِ كَذَلِكَ، فالأمْوالُ الزَّكَوِيَّةُ بَعْضٌ مِنَ الجَمِيعِ، وأُصُولُها عِنْدَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ هي: أوَّلًا: النَّقْدانِ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ. ثانِيًا: ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ مِن حُبُوبٍ وثِمارٍ. ثالِثًا: عُرُوضُ التِّجارَةِ. رابِعًا: الحَيَوانُ، ولَها شُرُوطٌ وأنْصِباءُ. وفي كُلٍّ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ تَفْصِيلٌ، وفي الثَّلاثَةِ الأُولى بَعْضُ الخِلافِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْكامِها جُمْلَةً وتَفْصِيلًا عِنْدَ آيَتَيْ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [المنافقون: ١٤١]، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِزَكاةِ الحَيَوانِ (p-٢٧١)وَلا زَكاةِ الفِطْرِ، وعَلَيْهِ نَسُوقُ طَرَفًا مِن ذَلِكَ لِتَفْصِيلِ النِّصابِ في كُلٍّ مِنها، وما يَجِبُ في النِّصابِ، وما تَدْعُو الحاجَةُ لِذِكْرِهِ مِن مَباحِثَ في ذَلِكَ كالخُلْطَةِ مَثَلًا، والصِّفاتِ في المُزَكّى، والرّاجِحِ فِيما اخْتُلِفَ فِيهِ، ثُمَّ نُتْبِعُ ذَلِكَ بِمُقارَنَةٍ بَيْنَ هَذِهِ الأنْصِباءِ في بَهِيمَةِ الأنْعامِ وأنْصِباءِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لِبَيانِ قُوَّةِ التَّرابُطِ بَيْنَ الجَمِيعِ، ودِقَّةِ الشّارِعِ في التَّقْدِيرِ. أوَّلًا: بَيانُ النَّوْعِ الزَّكَوِيِّ مِنَ الحَيَوانِ. اعْلَمْ - رَحِمَنا اللَّهُ وإيّاكَ -: أنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ: أنَّهُ لا زَكاةَ في الحَيَوانِ إلّا في بَهِيمَةِ الأنْعامِ الثَّلاثَةِ: الإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ، الضَّأْنُ والمَعِزُ سَواءٌ. وأُلْحِقَ بِالبَقَرِ الجَوامِيسُ، والإبِلُ تَشْمَلُ العِرابَ والبَخاتِيَّ، والخِلافُ في الخَيْلِ. وَلِأبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - دَلِيلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اسْتَدَلَّ لِوُجُوبِ الزَّكاةِ في الخَيْلِ بِالقِياسِ في حَمْلِها عَلى الأصْنافِ الثَّلاثَةِ الأُخْرى، إذا كانَتْ لِلنَّسْلِ أيْ: كانَتْ ذُكُورًا وإناثًا، بِخِلافِ ما إذا كانَتْ كُلُّها ذُكُورًا بِجامِعِ التَّناسُلِ في كُلٍّ واشْتَرَطَ لَها السَّوْمَ أيْضًا. وَبِحَدِيثِ: «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ لا يُؤَدِّي زَكاتَهُ إلّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صُفِّحَ لَهُ صَفائِحُ مِن نارٍ، فَتُكْوى بِها جَبِينُهُ وجَنْبُهُ وظَهْرُهُ» الحَدِيثَ. وفِيهِ ذِكْرُ الأمْوالِ الزَّكَوِيَّةِ كُلِّها، والإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ. فَقالُوا: «والخَيْلُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ ”الخَيْلُ ثَلاثَةٌ: هي لِرَجُلٍ أجْرٌ، ولِرَجُلٍ سَتْرٌ، ولِرَجُلٍ وِزْرٌ. أمّا الَّتِي لِرَجُلٍ أجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَها في سَبِيلِ اللَّهِ، فَأطالَ لَها في مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ»“ إلى آخِرِ ما جاءَ في هَذا القِسْمِ. «وَرَجُلٌ رَبَطَها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها ولا ظُهُورِها فَهي لِذَلِكَ سَتْرٌ. ورَجُلٌ رَبَطَها رِياءً وفَواءً لِأهْلِ الإسْلامِ؛ فَهي عَلى ذَلِكَ وِزْرٌ» . فَقالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها وظُهُورِها هو الزَّكاةُ. وقَدْ خالَفَهُ في ذَلِكَ صاحِباهُ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، ووافَقَهُ زُفَرُ، وبِما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ والخَطِيبُ مِن حَدِيثِ جابِرٍ مَرْفُوعًا «فِي كُلِّ فَرَسٍ سائِمَةٍ دِينارٌ أوْ عَشَرَةُ دَراهِمَ» . أدِلَّةُ الجُمْهُورِ عَلى عَدَمِ (p-٢٧٢)وُجُوبِ الزَّكاةِ فِيها والرَّدُّ عَلى أدِلَّةِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: واسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «لَيْسَ عَلى المُسْلِمِ في عَبْدِهِ ولا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» . والفَرَسُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ، وبِعَدَمِ ذِكْرِها مَعَ بَقِيَّةِ الأجْناسِ الأُخْرى حَتّى سُئِلَ عَنْها ﷺ، فَلَوْ كانَتْ مِثْلَها في الحُكْمِ لَما تَرَكَها في الذِّكْرِ. وَحَدِيثُ «قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الخَيْلِ؛ فَهاتُوا زَكاةَ الرِّقَّةِ» . رَواهُ أبُو داوُدَ. وَأجابُوا عَلى اسْتِدْلالِ أبِي حَنِيفَةَ، بِأنَّ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها، وظُهُورِها إعارَتُها، وطَرْقُها إذا طُلِبَ ذَلِكَ مِنهُ. كَما أجابُوا عَلى حَدِيثِ جابِرٍ بِما نَقَلَهُ الشَّوْكانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ مِن أنَّهُ: لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. وَرَدَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى دَلِيلِ الجُمْهُورِ: بِأنَّ فَرَسَهُ مُجْمَلٌ، وهو يَقُولُ بِالحَدِيثِ إذا كانَ الفَرَسُ لِلْخِدْمَةِ. أمّا إذا كانَتِ الخَيْلُ لِلتَّناسُلِ، فَقَدْ خَصَّها القِياسُ، وعَلى حَدِيثِ («عَفَوْتُ عَنِ الخَيْلِ») بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، وهَذِهِ دَعْوى تَحْتاجُ إلى إثْباتٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الشَّوْكانِيُّ أنَّهُ حَسَنٌ. وَلَعَلَّ مِمّا يَرُدُّ اسْتِدْلالَ أبِي حَنِيفَةَ نَفْسُ الحَدِيثِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مِن قَرِينَةِ التَّقْسِيمِ، إذا أناطَ الأجْرَ فِيها بِالجِهادِ عَلَيْها، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّكاةَ، مَعَ أنَّ الزَّكاةَ قَدْ تَكُونُ ألْزَمَ مِنَ الأجْرِ أوْ أعَمَّ مِنَ الجِهادِ؛ لِأنَّها تَكُونُ لِمَن لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ: كالمَرْأةِ مَثَلًا فَتُزَكِّي؛ فَلَوْ كانَتْ فِيها الزَّكاةُ لَما خَرَجَتْ عَنْ قِسْمِ الأجْرِ. ثانِيًا: لَوْ كانَ حَقُّ اللَّهِ في المَذْكُورِ هو الزَّكاةَ لَما تُرِكَ لِمُجَرَّدِ تَذَكُّرِها وخِيفَ تَعَرُّضٌ لِلنِّسْيانِ؛ لِأنَّ زَكاةَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ الأُخْرى لَمْ تُتْرَكْ لِذَلِكَ بَلْ يُطالَبُ بِها صاحِبُها، ويَأْتِي العامِلُ فَيَأْخُذُها، وإنِ امْتَنَعَ صاحِبُها أُخِذَتْ جَبْرًا عَلَيْهِ، وبِهَذا يَظْهَرُ رُجْحانُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ في عَدَمِ الوُجُوبِ. وَمِن ناحِيَةٍ أُخْرى، فَقَدِ اخْتَلَفَ القَوْلُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيما تُعامَلُ بِهِ، وفِيما يُخْرَجُ في زَكاتِها، فَقِيلَ: إنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يُخْرِجَ عَنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينارًا أوْ عَشَرَةَ دَراهِمَ، وبَيْنَ أنْ يُقَوِّمَها ويَدْفَعَ عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَراهِمَ. وَقَدْ جَعَلَ الأحْنافُ زَكاتَها لِصاحِبِها، ولا دَخْلَ لِلْعامِلِ فِيها، ولا يُجْبِرُ الإمامُ عَلَيْها، (p-٢٧٣)وَقَدْ أطالَ في الهِدايَةِ الكَلامَ عَلَيْها، ولَعَلَّ أحْسَنَ ما يُقالُ في ذَلِكَ ما جاءَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في سُنَنِ الدّارَقُطْنِيِّ، قالَ: جاءَ ناسٌ مِن أهْلِ الشّامِ إلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقالُوا: إنّا قَدْ أصَبْنا أمْوالًا وخَيْلًا ورَقِيقًا، وإنّا نُحِبُّ أنْ نُزَكِّيَهُ، فَقالَ: ما فَعَلَهُ صاحِبايَ قَبْلِي فَأفْعَلُهُ أنا، ثُمَّ اسْتَشارَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: حَسَنٌ، وسَكَتَ عَلِيٌّ، فَسَألَهُ، فَقالَ: هو حَسَنٌ لَوْ لَمْ تَكُنْ جِزْيَةً راتِبَةً يُؤْخَذُونَ بِها بَعْدَكَ. فَأخَذَ مِنَ الفَرَسِ عَشَرَةَ دَراهِمَ، وفِيهِ: فَوَضَعَ عَلى الفَرَسِ دِينارًا. وَفِي المُنْتَقى عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهم قالُوا: نُحِبُّ أنْ يَكُونَ لَنا فِيها زَكاةٌ وطَهُورٌ، فَهي إذًا دائِرَةٌ بَيْنَ الِاسْتِحْبابِ والتَّرْكِ. وَقَدْ جاءَ في نَفْسِ الحَدِيثِ الطَّوِيلِ المُتَقَدِّمِ أنَّهم قالُوا: «والحُمُرُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ " ما أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيها شَيْءٌ إلّا هَذِهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الفاذَّةُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾» [الزلزلة: ٧] رَواهُ السِّتَّةُ إلّا التِّرْمِذِيُّ. وَعَلَيْهِ؛ فَإنَّ الأحادِيثَ الَّتِي هي نَصٌّ في الوُجُوبِ أوْ لِلتَّرْكِ لَمْ تَصْلُحْ لِلِاحْتِجاجِ، والحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ الِاحْتِمالُ في مَعْنى حَقِّ اللَّهِ في ظُهُورِها ورِقابِها، قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إنَّهُ مُجْمَلٌ، فَلَمْ يَكُنْ في النُّصُوصِ المَرْفُوعَةِ مُتَمَسَّكٌ لِلْأحْنافِ في قَوْلِهِمْ: بِوُجُوبِ زَكاةِ الخَيْلِ، وبَقِيَ مَفْهُومُ الحَدِيثِ، وقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . أمّا مَفْهُومُ الحَدِيثِ؛ فَقَدْ أشَرْنا إلى القَرائِنِ الَّتِي فِيهِ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ. وَأمّا فِعْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَفِيهِ قَرائِنُ أيْضًا، بَلْ أدِلَّةٌ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، وهي: أوَّلًا: لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يُزَكِّيَها ويُطَهِّرَها بِالزَّكاةِ، وإيجابُ الزَّكاةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى رَغْبَةِ المالِكِ. ثانِيًا: تَوَقُّفُ عُمَرَ وعَدَمُ أخْذِها مِنهم لِأوَّلِ مَرَّةٍ، ولَوْ كانَتْ مَعْلُومَةً لَهُ مُزَكّاةً لَما خَفِيَتْ عَلَيْهِ ولَما تَوَقَّفَ. ثالِثًا: تَصْرِيحُهُ بِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ صاحِباهُ مِن قَبْلِهِ، فَكَيْفَ يَفْعَلُهُ هو ؟ ! . رابِعًا: قَوْلُ عَلِيٍّ: ما لَمْ تَكُنْ جِزْيَةً مِن بَعْدِكَ. أيْ: إنْ أخَذَها عُمَرُ اسْتِجابَةً لِرَغْبَةِ أُولَئِكَ فَلا بَأْسَ لِتَبَرُّعِهِمْ بِها، ما لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَعْلِها لازِمَةً عَلى غَيْرِهِمْ فَتَكُونَ كالجِزْيَةِ عَلى المُسْلِمِينَ. وَمِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ حَدِيثُ: «قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ فَأدُّوا زَكاةَ (p-٢٧٤)أمْوالِكم» . رَواهُ أبُو داوُدَ. قالَ الشَّوْكانِيُّ بِإسْنادٍ حَسَنٍ: وهَذا ما يَتَّفِقُ مَعَ حَدِيثِ: «لَيْسَ عَلى المُسْلِمِ في فَرَسِهِ ولا في عَبْدِهِ» رَواهُ الجَماعَةُ. وَقَدْ أجابَ الأحْنافُ عَلى تَرَدُّدِ عُمَرَ: بِأنَّ الخَيْلَ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ سائِمَةً لِلنَّسْلِ عِنْدَ العَرَبِ، ولَكِنَّها ظَهَرَتْ بَعْدَ الفُتُوحاتِ في عَهْدِ عُمَرَ. وفي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ. وعَلَيْهِ فَلا دَلِيلَ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ في الخَيْلِ فَتَبْقى عَلى البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، ولِهَذا لَمْ يَأْتِ لِلْخَيْلِ ذِكْرٌ في كِتابِ أنْصِباءِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ البَقَرَ لَمْ يَأْتِ ذِكْرُها أيْضًا فِيهِ؛ لِأنَّ زَكاةَ البَقَرِ جاءَتْ فِيها نُصُوصٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِأصْحابِ السُّنَنِ. وَلِلْبُخارِيِّ وغَيْرِهِ بَيانُ أنْصِباءِ الزَّكاةِ وما يُؤْخَذُ فِيها: مَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ مِن كِتابِ اللَّهِ يُفَصِّلُ ذَلِكَ، ولَكِنْ تَقَدَّمَ في مُقَدِّمَةِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ بَيانَ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، وهو نَوْعٌ مِن بَيانِ القُرْآنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] . وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أرْكانَ الإسْلامِ: كَعَدَدِ الرَّكَعاتِ وأوْقاتِ الصَّلَواتِ مُفَصَّلَةً ومَناسِكِ الحَجِّ. فَكَذَلِكَ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ مُجْمَلَ هَذا الحَقِّ، وفي أيِّ أنْواعِ الأمْوالِ، وإنَّ أجْمَعَ نَصٍّ في ذَلِكَ هو كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَتَبَهُ وقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، وقَدْ عَمِلَ بِهِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومَضى عَلَيْهِ العَمَلُ فِيما بَعْدُ. وَقَدْ رَواهُ الجَماعَةُ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «قالَ أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ كِتابًا، وكانَ نَقْشُ الخاتَمِ عَلَيْهِ: ”مُحَمَّدٌ“ سَطْرٌ، و ”رَسُولُ“ سَطْرٌ، و ”اللَّهِ“ سَطْرٌ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المُسْلِمِينَ، والَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ، فَمَن سُئِلَها مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى وجْهِها فَلْيُعْطِها، ومَن سُئِلَ فَوْقَها فَلا يُعْطِهِ: في أرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ فَما دُونَها مِنَ الغَنَمِ في كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فَإذا بَلَغَتْ خَمْسًا وعِشْرِينَ إلى خَمْسٍ وثَلاثِينَ فَفِيها بِنْتُ مَخاضٍ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخاضٍ فابْنُ لَبُونٍ، فَإذا بَلَغَتْ سِتًّا وثَلاثِينَ إلى خَمْسٍ وأرْبَعِينَ فَفِيها بِنْتُ لَبُونٍ، فَإذا بَلَغَتْ سِتًّا وأرْبَعِينَ إلى سِتِّينَ فَفِيها حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الفَحْلِ، فَإذا بَلَغَتْ واحِدَةً وسِتِّينَ إلى خَمْسٍ وسَبْعِينَ فَفِيها جَذَعَةٌ، فَإذا بَلَغَتْ سِتًّا وسَبْعِينَ إلى تِسْعِينَ (p-٢٧٥)فَفِيها بِنْتا لَبُونٍ، فَإذا بَلَغَتْ إحْدى وتِسْعِينَ إلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ فَفِيها حِقَّتانِ طَرُوقَتا الفَحْلِ، فَإذا زادَتْ عَلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ فَفي كُلِّ أرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، وفي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، ومَن لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا أرْبَعٌ مِنَ الإبِلِ فَلَيْسَتْ فِيها صَدَقَةً إلّا أنْ يَشاءَ رَبُّها، فَإذا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيها شاةٌ. وَصَدَقَةُ الغَنَمِ في سائِمَتِها إذا كانَتْ أرْبَعِينَ إلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ شاةٌ، فَإذا زادَتْ عَلى عِشْرِينَ ومِائَةٍ إلى مِائَتَيْنِ فِيها شاتانِ، فَإذا زادَتْ عَلى مِائَتَيْنِ إلى ثَلاثِمِائَةٍ فَفِيها ثَلاثُ شِياهٍ، فَإذا زادَتْ عَلى ثَلاثمِائَةٍ فَفي كُلِّ مِائَةٍ شاةٌ. فَإذا كانَتْ سائِمَةُ الرَّجُلِ ناقِصَةً عَنْ أرْبَعِينَ شاةً، واحِدَةً فَلَيْسَ فِيها صَدَقَةٌ إلّا أنْ يَشاءَ رَبُّها، فَلا يُجْتَمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ ولا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وما كانَ مِن خَلِيطَيْنِ فَإنَّهُما يَتَراجَعانِ بَيْنَهُما بِالسَّوِيَّةِ» . الحَدِيثَ. فَقَدْ بَيَّنَ ﷺ في هَذا الكِتابِ أنْصِباءَ الإبِلِ والغَنَمِ وما يَجِبُ في كُلٍّ مِنهُما، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِأنْصِباءِ البَقْرِ، ولَكِنْ بَيَّنَ أنْصِباءَ البَقْرِ حَدِيثُ مُعاذٍ عِنْدَ أصْحابِ السُّنَنِ. قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَنِي إلى اليَمَنِ، ألّا آخُذَ مِنَ البَقْرِ شَيْئًا حَتّى تَبْلُغَ ثَلاثِينَ، فَإذا بَلَغَتْ: فَفِيها عِجْلٌ تَبِيعٌ جَذَعٌ أوْ جَذَعَةٌ حَتّى تَبْلُغَ أرْبَعِينَ، فَإذا بَلَغَتْ أرْبَعِينَ فَفِيها مُسِنَّةٌ» . وَلِهَذَيْنَ النَّصَّيْنِ الصَّحِيحَيْنِ يَكْتَمِلُ بَيانُ أنْصِباءِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ: الإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ. وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وعَلَيْهِ العَمَلُ. وَما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: في كُلِّ عَشْرٍ مِنَ البَقَرِ شاةٌ إلى ثَلاثِينَ فَفِيها تَبِيعٌ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ أحَدٌ. * * تَنْبِيهٌ. وَلَيْسَ في الوَقْصِ في بَهِيمَةِ الأنْعامِ زَكاةٌ، والوَقْصُ هو ما بَيْنَ كُلِّ نِصابٍ والَّذِي يَلِيهِ، كَما بَيْنَ الخَمْسَةِ والتِّسْعَةِ مِنَ الإبِلِ، وما بَيْنَ الأرْبَعِينَ والعِشْرِينَ ومِائَةَ مِنَ الغَنَمِ، وما بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ مِنَ البَقَرِ، وهَذا بِاتِّفاقٍ، إلّا خِلافٌ لِلْأحْنافِ في وقْصِ البَقَرِ فَقَطْ، والصَّحِيحُ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ في الجَمِيعِ؛ لِحَدِيثِ مُعاذٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «حَتّى تَبْلُغَ أرْبَعِينَ، فَإذا بَلَغَتْ أرْبَعِينَ فَفِيها مُسِنَّةٌ»، فَمَفْهُومُهُ أنَّهُ لا زَكاةَ بَعْدَ الثَّلاثِينَ حَتّى تَبْلُغَ أرْبَعِينَ، فَما بَيْنَ (p-٢٧٦)الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ لا زَكاةَ فِيهِ. وَأبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ فِيهِ بِنِسْبَةٍ مِنَ التَّبِيعِ، وقَدِ اشْتَرَطَ لِزَكاةِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ النَّسْلَ والسَّوْمَ، وأنَّهُ لا زَكاةَ في المَعْلُوفَةِ، ولا الَّتِي لِلْعَمَلِ: كالإبِلِ لِلْحَمْلِ عَلَيْها، والبَقَرِ لِلْحَرْثِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وَقالَ مالِكٌ: في المَعْلُوفَةِ وفي العَوامِلِ الزَّكاةُ، قالَ في المُوَطَّإ ما نَصُّهُ: في الإبِلِ النَّواضِحِ والبَقَرِ السَّواقِي وبَقَرِ الحَرْثِ؛ إنِّي أرى أنْ يُؤْخَذَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إذا وجَبَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ. واسْتَدَلُّوا لِمالِكٍ في ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ: الأوَّلِ: مِن جِهَةِ النُّصُوصِ. والثّانِي: مِن جِهَةِ المَعْنى. أمّا النُّصُوصُ؛ فَما جاءَ عامًّا في حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنْصِباءِ الزَّكاةِ في أرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ فَما دُونَهُ الغَنَمُ، في كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ، لِعُمُومِهِ في السّائِمَةِ والمَعْلُوفَةِ. هَذا في الإبِلِ، وكَذَلِكَ في الغَنَمِ في كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ، أيْ: بِدُونِ قَيْدِ السَّوْمِ. وَأمّا مِن جِهَةِ المَعْنى: فَقالَ الباجِيُّ: إنَّ كَثْرَةَ النَّفَقاتِ وقِلَّتَها إذا أثَّرَتْ في الزَّكاةِ؛ فَإنَّها تُؤَثِّرُ في تَخْفِيفِها وتَثْقِيلِها ولا تُؤَثِّرُ في إسْقاطِها ولا إثْباتِها: كالخُلْطَةِ، والتَّفْرِقَةِ، والسَّقْيِ، والنَّضْحِ، والسَّبْحِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ السّائِمَةِ والمَعْلُوفَةِ إلّا تَخْفِيفَ النَّفَقَةِ وتَثْقِيلَها. وَأمّا التَّمَكُّنُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها فَعَلى حَدٍّ واحِدٍ لا يَمْنَعُ عَلْفُها مِنَ الدَّرِّ والنَّسْلِ، ورَدَّ الجُمْهُورُ عَلى أدِلَّةِ مالِكٍ أيْضًا بِأمْرَيْنِ: الأوَّلِ: مِن جِهَةِ النُّصُوصِ. والثّانِي: مِن جِهَةِ المَعْنى. أمّا النُّصُوصُ: فَما جاءَ مِنَ الإبِلِ في حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، وفِيهِ: «فِي كُلِّ أرْبَعِينَ مِنَ الإبِلِ سائِمَةٌ ابْنَةُ لَبُونٍ» رَواهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما. وَفِي الغَنَمِ حَدِيثُ: «فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكاةُ» وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِي كِتابِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، فَقالُوا: جاءَ قَيْدُ السَّوْمِ في الحَدِيثَيْنِ، وأدِلَّةُ مالِكٍ مُطْلَقَةٌ؛ ويُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ كَما هو مَعْلُومٌ. (p-٢٧٧)وَمِمّا يَدُلُّ عَلى رُجْحانِ أدِلَّةِ الجُمْهُورِ: أنَّ في حَدِيثِ الغَنَمَ جاءَ المُطْلَقُ في بَيانِ العَدَدِ في كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ، فَهو لِبَيانِ النِّصابِ أكْثَرُ مِنهُ لِبَيانِ الوَصْفِ. وَحَدِيثُ: «فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكاةُ»: لِبَيانِ مَحَلِّ الوُجُوبِ أكْثَرُ مِنهُ لِبَيانِ العَدَدِ، ومِن جِهَةٍ أُخْرى يُعْتَبَرُ الحَدِيثانِ مُتَرابِطَيْنِ، وأنَّ كُلًّا مِنهُما عامٌّ مِن وجْهٍ، خاصٌّ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَحَدِيثُ: «فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكاةُ» عامٌّ في الغَنَمِ بِدُونِ عَدَدٍ، خاصٌّ في السّائِمَةِ. وَحَدِيثُ: «فِي كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ» . عامٌّ في الشِّياهِ، خاصٌّ بِالأرْبَعِينَ. فَيُخَصَّصُ عُمُومُ كُلٍّ مِنهُما بِخُصُوصِ الآخَرِ، فَيُقالُ: في سائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكاةُ إذا بَلَغَتْ أرْبَعِينَ، ويُقالُ: في كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ إذا كانَتْ سائِمَةً، وبِهَذا تَلْتَئِمُ الأدِلَّةُ في الإبِلِ والغَنَمِ؛ لِاشْتِراطِ السَّوْمِ وتَحْدِيدِ العَدَدِ. أمّا البَقَرُ: فَقَدْ حُكِيَ الإجْماعُ عَلى اعْتِبارِ السَّوْمِ، ومِن أدِلَّةِ الجُمْهُورِ مِن جِهَةِ المَعْنى أنَّ السَّوْمَ والنَّسْلَ لِلنَّماءِ، فَيَحْتَمِلُ المُواساةَ، أمّا المَعْلُوفَةُ والعَوامِلُ فَلَيْسَتْ تَحْتَمِلُ المُواساةَ. ومِمّا تَقَدَّمَ يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ في اشْتِراطِ السَّوْمِ والنَّسْلِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ما جاءَ في الخُلْطَةِ، وهي اخْتِلاطُ المالَيْنِ مَعًا لِرَجُلَيْنِ أوْ أكْثَرَ، وهي عَلى قِسْمَيْنِ: أوَّلًا: خُلْطَةُ أعْيانٍ. ثانِيًا: خُلْطَةُ أوْصافٍ. فَخُلْطَةُ الأعْيانِ: أنْ يَكُونَ المالُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الخُلَطاءِ عَلى سَبِيلِ المَشاعِ، كَمَن ورِثُوا غَنَمًا أوْ بَقَرًا مَثَلًا ولَمْ يَقْتَسِمُوهُ، أوْ أُهْدِيَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَقْتَسِمُوهُ. وهَذِهِ الخُلْطَةُ يَكُونُ حُكْمُ المالِ فِيها كَحُكْمِهِ لَوْ كانَ لِشَخْصٍ واحِدٍ، أوْ خَلْطَةُ الأوْصافِ، فَهي أنْ يَكُونَ المالُ مُتَمَيِّزًا، وكُلٌّ مِنهم يَعْرِفُ حِصَّتَهُ ومالَهُ بِعَدَدٍ وأوْصافٍ، سَواءٌ بِألْوانِها أوْ بِوَسْمِها أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. ولَكِنَّهم خَلَطُوا المالَ لِيَسْهُلَ القِيامُ عَلَيْهِ، كاخْتِلاطِهِمْ في الرّاعِي والمَرْعى، والمَسْرَحِ والمَراحِ، والفَحْلِ والدَّلْوِ والمَحْلَبِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو مَنصُوصٌ عَلَيْهِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الرِّفْقِ والِاكْتِفاءِ بِواحِدٍ مِن كُلِّ ذَلِكَ لِجَمِيعِ المالِ، ولَوْ فُرِّقَ لاحْتاجَ كُلُّ مالٍ مِنهُ إلى واحِدٍ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهَذِهِ الخُلْطَةُ لَها تَأْثِيرٌ في الزَّكاةِ عِنْدَ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ: مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، ولا تَأْثِيرَ لَها عِنْدَ أبِي (p-٢٧٨)حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وإنَّما التَّأْثِيرُ عِنْدَهُ في خُلْطَةِ المَشاعِ. واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِتَأْثِيرِها في الزَّكاةِ عَلى مَن تُؤَثِّرُ: فَقالَ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ: تُؤَثِّرُ عَلى جَمِيعِ الخُلَطاءِ، مَن يَمْلِكُونَ نِصابًا، ومَن لا يَمْلِكُ. وَقالَ مالِكٌ: لا تُؤَثِّرُ إلّا عَلى مَن مَلَكَ نِصابًا فَأكْثَرَ، ومَن لا يَمْلِكُ نِصابًا فَلا تَأْثِيرَ لَها عَلَيْهِ. ودَلِيلُ الجُمْهُورِ عَلى أبِي حَنِيفَةَ في تَأْثِيرِها هو قَوْلُهُ ﷺ في كِتابِ بَيانِ أنْصِباءِ الصَّدَقَةِ: («وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وما كانَ مِن خَلِيطَيْنِ؛ فَإنَّهم يَتَراجَعانِ بِالسَّوِيَّةِ») . فَقالَ الجُمْهُورُ: النَّهْيُ عَنْ تَفْرِيقِ المُجْتَمِعِ لا يَتَأتّى إلّا في اجْتِماعِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ اجْتِماعَ المَشاعِ لا يَتَأتّى تَفْرِيقُهُ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وكَذَلِكَ التَّراجُعُ بِالسَّوِيَّةِ لا يُقالُ إلّا في خُلْطَةِ الأوْصافِ؛ لِأنَّ خُلْطَةَ المَشاعِ ما يُؤْخَذُ مِنها مَأْخُوذٌ مِنَ المَجْمُوعِ وعَلى المَشاعِ أيْضًا؛ لِأنَّ كُلَّ شَرِيكٍ عَلى المَشاعِ لَهُ حِصَّتُهُ مِن كُلِّ شاةٍ عَلى المَشاعِ. مِثالُ ذَلِكَ عِنْدَ الجَمِيعِ، وإلَيْكَ المِثالُ لِلْجَمِيعِ: لَوْ أنَّ ثَلاثَةَ أشْخاصٍ يَمْلِكُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أرْبَعِينَ شاةً، فَإنْ كانَ كُلٌّ مِنهم عَلى حِدَةٍ، فَعَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم شاةٌ، فَإنِ اخْتَلَطُوا كانَتْ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا شاةٌ واحِدَةٌ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهم؛ لِأنَّ مَجْمُوعَهم مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وهو حَدُّ الشّاةِ. وَهَذا عِنْدَ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ القائِلِينَ بِتَأْثِيرِ الخُلْطَةِ: مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، ولَوْ أنَّ لِلْأوَّلِ عِشْرِينَ شاةً ولِلثّانِي أرْبَعِينَ ولِلثّالِثِ سِتِّينَ، فَفِيها أيْضًا شاةٌ. وَلَكِنْ عِنْدَ أحْمَدَ والشّافِعِيِّ كُلٌّ بِحِصَّتِهِ، فَلَوْ كانَتِ الشّاةُ بِسِتِّينَ دِرْهَمًا، لَكانَ عَلى الأوَّلِ عَشَرَةُ دَراهِمَ بِنِسْبَةِ غَنَمِهِ مِنَ المَجْمُوعِ، وعَلى الثّانِي عِشْرُونَ، وعَلى الثّالِثِ ثَلاثُونَ؛ كُلٌّ بِنِسْبَةِ غَنَمِهِ مِنَ المَجْمُوعِ. وَعِنْدَ مالِكٍ: لا شَيْءَ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ نِصابًا، والشّاةُ عَلى الثّانِي والثّالِثِ فَقَطْ، وبِنِسْبَةِ غَنَمِهِما مِنَ المَجْمُوعِ، فَعَلى الثّانِي خُمْسا القِيمَةِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ. وعَلى الثّالِثِ ثَلاثَةُ أخْماسِها سِتَّةٌ وثَلاثُونَ دِرْهَمًا وهَكَذا. (p-٢٧٩)والدَّلِيلُ قَوْلُهُ ﷺ: «لا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ؛ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وما كانَ مِن خَلِيطَيْنِ فَإنَّما يَتَراجَعانِ بِالسَّوِيَّةِ» . فَقالَ الجُمْهُورُ: النَّهْيُ عَنْ تَفْرِيقِ المُجْتَمِعِ وتَقاسُمِهِما بِالسَّوِيَّةِ دَلِيلٌ عَلى تَأْثِيرِ الخُلْطَةِ في الزَّكاةِ؛ لِما فِيهِ مِن إرْفاقٍ. قالَ الباجِيُّ: كَما في الإرْفاقِ في سَقْيِ الحَرْثِ ما سُقِيَ بِالنَّضْحِ وما سُقِيَ بِغَيْرِ النَّضْحِ. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: ما كانَ مِن خَلِيطَيْنِ يَعْنِي: الشَّرِيكَيْنِ، ولَكِنْ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﷺ: «يَتَراجَعانِ بِالسَّوِيَّةِ»؛ لِأنَّ التَّراجُعَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في خُلْطَةِ الجِوارِ والأوْصافِ. وَقالَ مالِكٌ: لا تَأْثِيرَ لِلْخُلْطَةِ عَلى مَن لَمْ يَمْلِكِ النِّصابَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «فِي كُلِّ أرْبَعِينَ شاةً شاةٌ»، فَمَن لَمْ يَمْلِكْ أرْبَعِينَ شاةً فَلا زَكاةَ عَلَيْهِ، ولا تَأْثِيرَ لِلْخُلْطَةِ عَلَيْهِ. ولَعَلَّ مِنَ النُّصُوصِ المُقَدَّمَةِ يَكُونُ الرّاجِحُ مَذْهَبَ أحْمَدَ والشّافِعِيِّ في قَضِيَّةِ الخُلْطَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. الشُّرُوطُ المُؤَثِّرَةُ في الخُلْطَةِ عِنْدَ القائِلِينَ بِها كالآتِي: عِنْدَ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - خَمْسَةُ أوْصافٍ، وهي اتِّحادُ المالَيْنِ في الآتِي: المَرْعى. المَسْرَحِ. المَبِيتِ. المَحْلَبِ. الفَحْلِ. وَعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَشَرَةَ أوْصافٍ، الخَمْسَةُ الأُولى. وزادَ أنْ يَكُونَ الشَّرِيكانِ مِن أهْلِ الزَّكاةِ: أنْ يَكُونَ المالُ المُخْتَلِطُ نِصابًا، أنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِمْ حَوْلٌ كامِلٌ، اتِّحادُ المَشْرَبِ، اتِّحادُ الرّاعِي. وَعِنْدَ مالِكٍ: الرّاعِي، والفَحْلُ، والمَراحُ، والدَّلْوُ، والمُرادُ بِالدَّلْوِ: المَشْرَبُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وعَلَيْهِ: يَكُونُ الجَمِيعُ مُتَّفِقِينَ تَقْرِيبًا في الأوْصافِ، وما زادَهُ الشّافِعِيُّ مَعْلُومٌ شَرْعًا؛ لِأنَّها شُرُوطٌ في أصْلِ وُجُوبِ الزَّكاةِ. ولَكِنِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن هَذِهِ الأوْصافِ: هَلْ تُشْتَرَطُ جَمِيعُها أوْ يَكْفِي وُجُودُ بَعْضِها ؟ . الواقِعُ أنَّهُ لا نَصَّ في ذَلِكَ، ولَكِنْ يَرْجِعُ إلى تَحْقِيقِ المَناطِ فِيما يَكُونُ بِهِ الإرْفاقُ، فَمالِكٌ اكْتَفى بِبَعْضِها: كالفَحْلِ، والمَرْعى، والرّاعِي. والشّافِعِيُّ: اشْتَرَطَ تَوَفُّرَ جَمِيعِ تِلْكَ (p-٢٨٠)الأوْصافِ، وإلّا فَلا تَكُونُ الخُلْطَةُ مُؤَثِّرَةً، ولِكُلٍّ في مَذْهَبِهِ خِلافٌ في تِلْكَ الأوْصافِ لا نُطِيلُ الكَلامَ بِتَتَبُّعِهِ، وإنَّما يُهِمُّنا بَيانُ الرّاجِحِ فِيما فِيهِ الخِلافُ في أصْلِ المَسْألَةِ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّ الرّاجِحَ هو الآتِي: أوَّلًا: صِحَّةُ تَأْثِيرِ الخُلْطَةِ. ثانِيًا: اشْتِراطُ الأوْصافِ الَّتِي تَتَحَقَّقُ بِها الخُلْطَةُ عُرْفًا. مَلْحُوظَةٌ. لَقَدْ عَرَفْنا أنْصِباءَ بَهِيمَةِ الأنْعامِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، وبَقِيَ عَلَيْنا الإجابَةُ عَنْ سُؤالٍ طالَ ما جالَ تَفَكُّرُ كُلِّ دارِسٍ فِيهِ، وهو ما يَقُولُهُ جَمِيعُ الفُقَهاءِ: إنَّ المَقادِيرَ تَوْقِيفِيَّةٌ، ومِنها أنْصِباءُ الزَّكاةِ. ومَعْنى تَوْقِيفِيَّةٍ: أنَّهُ لا اجْتِهادَ فِيها، ولَكِنْ هَلْ هي جاءَتْ لُغَوِيَّةً، أوْ أنَّ بَيْنَ هَذِهِ الأنْصِباءِ ارْتِباطًا ونِسْبَةً مُطَّرِدَةً. الواقِعُ: أنَّهُ وإنْ كانَ الواجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ - والَّذِي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ قَدِيمًا وحَدِيثًا - هو الِامْتِثالُ والطّاعَةُ، إلّا أنَّنا لَمّا كُنّا في عَصْرٍ مادِّيٍّ، والنِّظامُ الِاقْتِصادِيُّ هو الأصْلُ في سِياسَةِ العالَمِ اليَوْمَ؛ فَإنَّ البَعْضَ قَدْ يَتَطَلَّعُ إلى الإجابَةِ عَنْ هَذا السُّؤالِ. وَقَدْ حاوَلْتُ الإجابَةَ عَلَيْهِ بِعَمَلِ مُقارَنَةٍ عامَّةٍ تُوجَدُ بِها نِسْبَةٌ مُطَّرِدَةٌ كالآتِي: أوَّلًا: في النَّقْدَيْنِ؛ مَعْلُومٌ أنَّ نِصابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقالًا، والفِضَّةِ مِائَتا دِرْهَمٍ، وفي كُلٍّ مِنهُما رُبْعُ العُشْرِ، وكانَ صَرْفُ الدِّينارِ عَشَرَةَ دَراهِمَ، فَيَكُونُ نِصابُ الذَّهَبِ مِن ضَرْبِ عِشْرِينَ في عَشَرَةٍ فَيُساوِي مِائَتَيْنِ، فَهي نِسْبَةٌ مُطَّرِدَةٌ كَما تَرى. وَإذا جِئْنا لِلنِّسْبَةِ بَيْنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ - وهي أصْلُ الأثْمانِ - وبَيْنَ الغَنَمِ نَجِدُ الآتِي: أوَّلًا: في حَدِيثِ عُرْوَةَ البارِقِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطاهُ دِينارًا؛ لِيَتْشَرِيَ لَهم شاةً، فَذَهَبَ وأتاهم بِشاةٍ ودِينارٍ، فَقالَ لَهُ ﷺ: «ماذا فَعَلْتَ ؟ ”فَقالَ: اشْتَرَيْتُ شاتَيْنِ بِالدِّينارِ، ثُمَّ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَقالَ: أتَبِيعُنِي شاةً فَبِعْتُهُ شاةً بِدِينارٍ، فَقالَ لَهُ ﷺ“ بارَكَ اللَّهُ لَكَ في صَفْقَةِ يَمِينِكَ» . مَعْنى هَذا: أنَّ الدِّينارَ قِيمَتُهُ الشِّرائِيَّةُ تُعادِلُ شاتَيْنِ، مِن ضَرْبِ عِشْرِينَ دِينارًا في اثْنَتَيْنِ فَيُساوِي أرْبَعِينَ شاةً، وهَذا هو نِصابُ الغَنَمِ، وفي الأرْبَعِينَ شاةً شاةٌ، وقِيمَتُها الشِّرائِيَّةُ نِصْفُ الدِّينارِ، وهي خَمْسَةُ دَراهِمَ وهي ما يُؤْخَذُ في العِشْرِينَ مِثْقالا؛ فاطَّرَدَتِ النِّسْبَةُ أيْضًا (p-٢٨١)بَيْنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وبَيْنَ الغَنَمِ. أمّا بَيْنَ الغَنَمِ والإبِلِ: فَقَدْ وجَدْنا أنَّ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعِ شِياهٍ في الهَدْيِ، ونِصابُ الإبِلِ خَمْسَةٌ وتَضْرِبُها في سَبْعٍ فَيُساوِي خَمْسَةً وثَلاثِينَ، ولَوْ جُعِلَتْ سِتًّا لَكانَتْ تُعادِلُ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ، فَأخَذْنا بِالأقَلِّ؛ احْتِياطًا لِحَقِّ المِسْكِينِ، فَكانَ بَيْنَ نِصابِ الإبِلِ ونِصابِ الغَنَمِ نِسْبَةٌ مُطَّرِدَةٌ. وَكَذَلِكَ نِصابُ الغَنَمِ ونِصابُ النَّقْدَيْنِ نِسْبَةٌ مُطَّرِدَةٌ. فَظَهَرَتِ الدِّقَّةُ واطِّرادُ النِّسْبَةِ في الأنْصِباءِ. * * ما يَجُوزُ أخْذُهُ وما لا يَجُوزُ أخْذُهُ في الزَّكاةِ. اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا تُؤْخَذُ الذُّكُورُ في الزَّكاةِ، اللَّهُمَّ إلّا ابْنُ لَبُونٍ لِمَن لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخاضٍ. واخْتُلِفَ فِيما لَوْ كانَ النِّصابُ كُلُّهُ ذُكُورًا، والواقِعُ أنَّ هَذا نادِرٌ، ولَكِنِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا تُؤْخَذُ السِّخالُ مَعَ وُجُوبِ الِاعْتِدادِ بِها عَلى صاحِبِها. كَما جاءَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَأْتِي بِها الرّاعِي، ولا تَأْخُذْها مِنهم، ولا يَجُوزُ أخْذُ فَحْلِ الإبِلِ ولا تَيْسِ الغَنَمِ، ولا الرُّبى، ولا الحَلُوبَةِ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ المَضَرَّةِ عَلى صاحِبِ المالِ. كَما لا تُؤْخَذُ السَّخْلَةُ ولا العَجْفاءُ؛ لِما فِيهِ مِن مَضَرَّةِ المِسْكِينِ، والأصْلُ في ذَلِكَ ما رَواهُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في المُوَطَّأِ، قالَ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُها الرّاعِي، ولا تَأْخُذْها، ولا تَأْخُذِ الأكُولَةَ، ولا الرُّبى، ولا الماخِضَ، ولا فَحْلَ الغَنَمِ، وتَأْخُذُ الجَذَعَةَ والثَّنِيَّةَ، وذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذاءِ الغَنَمِ وخِيارِها، وغِذاءُ الغَنَمِ صِغارُها، وخِيارُها كِبارُها وأسْمَنُها؛ فَهي عَدْلٌ، أيْ: وسَطٌ. وَهُنا تَتَحَتَّمُ كَلِمَةٌ، يُعْتَبَرُ كُلُّ نِظامٍ مالِيٍّ في العالَمِ نِظامًا مادِّيًّا بَحْتًا يَقُومُ عَلى مَبانِي الأرْقامِ والإحْصاءِ، فَهو جافٌّ في شَكْلِهِ، كالجِسْمِ بِدُونِ رُوحٍ، إلّا نِظامَ الزَّكاةِ؛ فَهو نِظامٌ حَيٌّ لَهُ رُوحُهُ وعاطِفَتُهُ. فَفِي الوَقْتِ الَّذِي يُلْزِمُ الغَنِيَّ بِدَفْعِ قِسْطٍ لِلْفَقِيرِ، يَحْظُرُ عَلى العامِلِ أنْ يَأْخُذَ فَوْقَ (p-٢٨٢)ما وجَبَ، أوْ أحْسَنَ ما وجَدَ. كَما قالَ ﷺ: ”وَإيّاكَ وكَرائِمَ أمْوالِهِمْ“ . وَفِي الوَقْتِ الَّذِي يَدْفَعُ الغَنِيُّ فِيهِ جُزْءًا مِن مالِهِ، يَسْتَشْعِرُ أنَّهُ يَدْفَعُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ويَنْتَظِرُ أجْرَهُ - جَلَّ وعَلا - فَأصْبَحَتِ الزَّكاةُ بَيْنَ عامِلٍ مُتَحَفِّظٍ وبَيْنَ مالِكٍ مُتَطَوِّعٍ، عامِلٍ يَخْشى قَوْلَهُ ﷺ: «واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَ اللَّهِ حِجابٌ»، ومالِكٍ يَرْجُو في الحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها وسَبْعَمِائَةٍ، وزِيادَةً مُضاعَفَةً. وَقَدْ وقَعَتْ قَضِيَّةٌ مُذْهِلَةٌ لَمْ يَشْهَدْ نِظامٌ مالِيٌّ في العالَمِ مِثْلَها، وهي أنَّهُ: «ذَهَبَ عامِلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلصَّدَقَةِ، فَمَرَّ بِرَجُلٍ في قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ المَدِينَةِ بِصاحِبِ إبِلٍ، فَحَسَبَها، فَقالَ لِصاحِبِها: أخْرِجْ بِنْتَ لَبُونٍ. فَقالَ صاحِبُ الإبِلِ: كَيْفَ أُخْرِجُ بِنْتَ لَبُونٍ في الزَّكاةِ؛ وهي لا ظَهْرَ يُرْكَبُ ولا ضَرْعَ يُحْلَبُ، ولَكِنْ هَذِهِ ناقَةٌ كَوْماءُ، فَخُذْها في سَبِيلِ اللَّهِ. فَقالَ العامِلُ: وكَيْفَ آخُذُ شَيْئًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْكَ ؟ فَتَلاحَيا مَعًا - العامِلُ وصاحِبُ المالِ - وأخَذا، قالَ لَهُ العامِلُ: إنْ كُنْتَ ولا بُدَّ مُصِرًّا، فَها هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنكَ قَرِيبٌ بِالمَدِينَةِ. اذْهَبْ بِها إلَيْهِ فَإنْ قَبِلَها مِنكَ أخَذْتُها، فَذَهَبَ بِها، فَقالَ لَهُ ﷺ: ”أعَنْ طِيبِ نَفْسٍ ؟“ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَأمَرَ العامِلَ بِأخْذِها، فَدَعا لَهُ ﷺ بِالبَرَكَةِ؛ فَعاشَ حَتّى عَهْدِ مُعاوِيَةَ» . فَكانَتْ زَكاةُ إبِلِهِ هَذِهِ هي رُوحَ الزَّكاةِ في الإسْلامِ، لا ما يَفْعَلُهُ أصْحابُ الأمْوالِ في النُّظُمِ الأُخْرى. أمّا نِظامُ الضَّرائِبِ حَيْثُ يَتَهَرَّبُونَ، ويُقَلِّلُونَ ويَتَّخِذُونَ دَفاتِرَ مُتَعَدِّدَةً بَعْضُها لِمَصْلَحَةِ الضَّرائِبِ يُقَلِّلُ فِيها دَخْلَهُ وكَسْبَهُ لِتَخِفَّ الضَّرِيبَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَراها مَغْرَمًا كالجِزْيَةِ، وبَعْضُها لِنَفْسِهِ لِيَعْرِفَ حَقِيقَةَ مالِهِ. أمّا الزَّكاةُ: فَإنَّ مالِكَها يُقَدِّمُ زَكاتَها لِوَجْهِ اللَّهِ؛ لِيُطَهِّرَ مالَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] . وَكَما قالَ ﷺ: «إنَّ أحَدَكم لَيَتَصَدَّقُ بِالصَّدَقَةِ، وإنَّها لَتَقَعُ أوَّلَ ما تَقَعُ في كَفِّ الرَّحْمَنِ فَيُنَمِّيها لَهُ كَما يُنَمِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ - أيْ: ولَدَ فَرَسِهِ - حَتّى تَكُونَ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ» . (p-٢٨٣)وَكَما قالَ ﷺ: «ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ» . * * زَكاةُ الفِطْرِ. إنَّ أهَمَّ مَباحِثِ زَكاةِ الفِطْرِ هي الآتِي: أوَّلًا: حُكْمُها، صَدْرُ تَشْرِيعِها. ثانِيًا: عَلى مَن تَكُونُ. ثالِثًا: مِمَّ تَكُونُ. رابِعًا: كَمْ تَكُونُ. خامِسًا: مَتى تَكُونُ. سادِسًا: هَلْ تَجْزِئُ فِيها القِيمَةُ أمْ لا ؟ وَكَذَلِكَ القِيمَةُ في غَيْرِها مِنَ الزَّكَواتِ. أمّا حُكْمُها: فَهي فَرْضُ عَيْنٍ عِنْدَ أحْمَدَ والشّافِعِيِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ هي واجِبٌ عَلى اصْطِلاحِهِ، أيْ: ما وجَبَ بِالسُّنَّةِ. وَعِنْدَ المالِكِيَّةِ واجِبَةٌ، وقِيلَ: سُنَّةٌ. قالَ في مُخْتَصَرِ خَلِيلِ بْنِ إسْحاقَ: يَجِبُ بِالسُّنَّةِ الصّاعُ. إلخ. والسَّبَبُ في اخْتِلافِهِمْ هَذا، هَلْ هي داخِلَةٌ في عُمُومِ: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، أيْ: شُرِعَتْ بِأصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الزَّكاةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، أمْ أنَّها شُرِعَتْ بِنَصٍّ مُسْتَقِلٍّ عَنْها. فَمَن قالَ بِفَرْضِيَّتِها، قالَ: إنَّها داخِلَةٌ في عُمُومِ إيجابِ الزَّكاةِ، ومَن قالَ بِوُجُوبِها، فَهَذا اصْطِلاحٌ لِلْأحْنافِ. ولا يَخْتَلِفُ الأمْرُ في نَتِيجَةِ التَّكْلِيفِ إلّا أنَّ عِنْدَهم لا يَكْفُرُ بِجُحُودِها. وَقالَ المالِكِيَّةُ: يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صاعٌ مِن بُرٍّ إلخ. أيْ: أنَّ وُجُوبَها بِالسُّنَّةِ لا بِالكِتابِ. وَعِنْدَهم: لا يُقاتَلُ أهْلُ بَلَدٍ عَلى مَنعِها، ويُقْتَلُ مَن جَحَدَ مَشْرُوعِيَّتَها، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَهم وبَيْنَ الأحْنافِ. (p-٢٨٤)وَلَكِنْ في عِبارَةِ مالِكٍ في المُوَطَّأِ إطْلاقُ الوُجُوبِ أنَّهُ قالَ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ فِيما يَجِبُ عَلى الرَّجُلِ مِن زَكاةِ الفِطْرِ: أنَّ الرَّجُلَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْ كُلِّ مَن يَضْمَنُ نَفَقَتَهُ. إلخ. وَمِن أسْبابِ الخِلافِ بَيْنَ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - نُصُوصُ السُّنَّةِ، مِنها قَوْلُهم: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكاةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ، أوْ صاعًا مِن شَعِيرٍ» . الحَدِيثَ. فَلَفْظَةُ فَرَضَ: أخَذَ مِنها مَن قالَ بِالفَرْضِيَّةِ، وأخَذَ مِنها الآخَرُونَ، بِمَعْنى قَدَّرَ؛ لِأنَّ الفَرْضَ: القَدْرُ والقَطْعُ. وَحَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ عِنْدَ النَّسائِيِّ، قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الزَّكاةُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الزَّكاةُ لَمْ يَأْمُرْنا ولَمْ يَنْهَنا ونَحْنُ نَفْعَلُهُ» . فَمَن قالَ بِالوُجُوبِ والفَرْضِ. قالَ: الأمْرُ لِلْأوَّلِ لِلْوُجُوبِ، وفَرْضِيَّةُ زَكاةِ المالِ شَمَلَتْها بِعُمُومِها. فَلَمْ يُحْتَجْ مَعَها لِتَجْدِيدِ أمْرٍ ولَمْ تُنْسَخْ فَنَهى عَنْها، وبَقِيَتْ عَلى الوُجُوبِ الأوَّلِ، وحَدِيثُ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكاةَ الفِطْرِ؛ طُهْرَةً لِلصّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ والرَّفَثِ وطُعْمَةً لِلْمَساكِينِ، مَن أدّاها قَبْلَ الصَّلاةِ فَهي زَكاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَن أدّاها بَعْدَ الصَّلاةِ فَهي صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقاتِ» . فَمَن لَمْ يَقُلْ بِفَرْضِيَّتِها قالَ: إنَّها طُهْرَةٌ لِلصّائِمِ وطُعْمَةٌ لِلْمَساكِينِ، فَهي لِعِلَّةٍ مَرْبُوطَةٍ بِها وتَفُوتُ بِفَواتِ وقْتِها، ولَوْ كانَتْ فَرْضًا لَما فاتَتْ بِفَواتِ الوَقْتِ. وأجابَ الآخَرُونَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الحَثِّ عَلى المُبادَرَةِ لِأدائِها، ولا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ فَرْضًا وأنْ تَكُونَ طُهْرَةً. وَيَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣]، فَهي فَرِيضَةٌ وهي طُهْرَةٌ. والرّاجِحُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّها فَرْضٌ؛ لِلَفْظِ الحَدِيثِ ”فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «زَكاةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ»“؛ لِأنَّ لَفْظَ فَرَضَ إنْ كانَ ابْتِداءً فَهو لِلْوُجُوبِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى قَدَّرَ، فَيَكُونُ الوُجُوبُ بِعُمُومِ آياتِ الزَّكاةِ، وهو أقْوى. وَحَدِيثُ «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأمَرَ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ» الحَدِيثَ. رَواهُ أبُو داوُدَ. والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، ولا صارِفَ لَهُ هُنا. (p-٢٨٥)وَقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ القَوْلَ بِالوُجُوبِ هو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وهَذا هو القَوْلُ الَّذِي تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ، ويَخْرُجُ بِهِ العَبْدُ مِنَ العُهْدَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. أمّا مِمَّ تَكُونُ: فالأصْلُ في ذَلِكَ أثَرُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ورَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْهُ. قالَ: كُنّا نُخْرِجُ صاعًا مِن طَعامٍ، أوْ صاعًا مِن أقِطٍ، أوْ صاعًا مِن شَعِيرٍ، أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ، أوْ صاعًا مِن زَبِيبٍ. وَجاءَ لَفْظُ السُّلْتِ، وجاءَ لَفْظُ الدَّقِيقِ، وجاءَ لَفْظُ السَّوِيقِ. فَوَقَفَ قَوْمٌ عِنْدَ المَنصُوصِ عَلَيْهِ فَقَطْ وهُمُ الظّاهِرِيَّةُ. ونَظَرَ الجُمْهُورُ إلى عُمُومِ الطَّعامِ والغَرَضِ مِن مَشْرُوعِيَّتِها عَلى خِلافٍ في التَّفْصِيلِ عِنْدَ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - كالآتِي: أوَّلًا: عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ يَجُوزُ إخْراجُها مِن كُلِّ قُوتٍ؛ لِأثَرِ أبِي سَعِيدٍ، وفِيهِ لَفْظُ الطَّعامِ. ثانِيًا: مِن غالِبِ قُوتِ المُكَلَّفِ بِها؛ لِأنَّها الفاضِلُ عَنْ قُوتِهِ. ثالِثًا: مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ؛ لِأنَّها حَقٌّ يَجِبُ في الذِّمَّةِ تَعَلَّقَ بِالطَّعامِ كالكَفّارَةِ. وَقالَ النَّوَوِيُّ: تَجُوزُ مِن كُلِّ حَبِّ مُعَشَّرٍ، وفي الأقِطِ خِلافٌ عَنِ الشّافِعِيِّ المالِكِيَّةِ. رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ حَدِيثَ أبِي سَعِيدٍ المُتَقَدِّمَ. وقالَ الباجِيُّ في شَرْحِهِ: تُخْرَجُ مِنَ القُوتِ، ونُقِلَ عَنْ مالِكٍ في المُخْتَصَرِ: يُؤَدِّيها مِن كُلِّ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ إذا كانَ ذَلِكَ مِن قُوتِهِ. وهو مِثْلُ قَوْلِ النَّوَوِيِّ: مِن كُلِّ حَبِّ مُعَشَّرٍ. وناقَشَ الباجِيُّ مَسْألَةَ إجْزائِها مِنَ الأُرْزِ والذُّرَةِ والدُّخْنِ. فَقالَ: لا تَجُوزُ مِنها عند أشْهَبَ ويَجُوزُ عِنْدَ مالِكٍ. وناقَشَ القَطّانِيُّ: الحِمَّصَ، والتُّرْمُسَ، والجُلُبّانَ، فَقالَ: مالِكٌ يُجَوِّزُها إذا كانَتْ قُوتَهُ، وابْنُ حَبِيبٍ: لا يُجَوِّزُها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِنَ المَنصُوصِ. واتَّفَقَ مَذْهَبُ المالِكِيَّةِ: أنَّ المَطْعُومَ الَّذِي يُضافُ إلى غَيْرِهِ كالأبازِيرِ: كُزْبَرَةٍ، وكَمُّونٍ ونَحْوِهِ، أنَّها لا تُجْزِئُ. الحَنابِلَةُ، قالَ في المُغْنِي: مِن كُلِّ حَبَّةٍ وثَمَرَةٍ تُقْتاتُ. وَقالَ في الشَّرْحِ: أيْ عِنْدِ عَدَمِ الأجْناسِ المَنصُوصِ عَلَيْها، فَيُجْزِئُ كُلُّ مُقْتاتٍ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ. (p-٢٨٦)قالَ: وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لا يُجْزِئُهُ المُقْتاتُ مِن غَيْرِها كاللَّحْمِ واللَّبَنِ، وعِنْدَ انْعِدامِ هَذِهِ أيْضًا يُعْطِي ما قامَ مَقامَ الأجْناسِ المَنصُوصِ عَلَيْها. وَعَنِ ابْنِ حامِدٍ عِنْدَهم: حَتّى لَحْمُ الحِيتانِ والأنْعامِ، ولا يَرُدُّونَ إلى أقْرَبِ قُوتِ الأمْصارِ، ويُجْزِئُ الأقِطُ لِأهْلِ البادِيَةِ إنْ كانَ قُوتَهم. وعِنْدَهم: مَن قَدَرَ عَلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ فَأخْرَجَ غَيْرَهُ لَمْ يُجْزِهِ. الأحْنافُ: تَجُوزُ مِنَ البُرِّ، والتَّمْرِ، والشَّعِيرِ، والزَّبِيبِ، والسَّوِيقِ، والدَّقِيقِ. ومِنَ الخُبْزِ مَعَ مُراعاةِ القِيمَةِ، وتَجُوزُ القِيمَةُ عِنْدَهم عِوَضًا عَنِ الجَمِيعِ، مَعَ الِاخْتِلافِ عِنْدَهم في مِقْدارِ الواجِبِ مِن هَذِهِ الأصْنافِ بَيْنَ الصّاعِ أوْ نِصْفِ الصّاعِ، عَلى ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. وَقَدْ ناقَشَهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي عِنْدَ قَوْلِهِ: وَمَن أعْطى القِيمَةَ لَمْ تُجْزِئْهُ، ونُقِلَ عَنْ أحْمَدَ: أخافُ ألّا تُجْزِئَهُ خِلافَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهَذا العَرْضِ نَجِدُ الأئِمَّةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - اتَّفَقُوا عَلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ في أثَرِ أبِي سَعِيدٍ، وزادَ بَعْضُهم مِن غَيْرِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرَ المَنصُوصِ: إمّا بِعُمُومِ لَفْظِ الطَّعامِ، وإنْ كانَ يُرادُ بِهِ عُرْفًا القَمْحُ، إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ وهو العُرْفُ اللُّغَوِيُّ. وإمّا بِعُمُومِ مَدْلُولِ المَعْنى العامِّ، والخِلافُ في الأقِطِ. والنَّصُّ يَقْضِي بِهِ. وانْفَرَدَ الأحْنافُ بِالقَوْلِ بِالقِيمَةِ وبِالنَّظَرِ إلى المَعْنى العامِّ لِمَعْنى الزَّكاةِ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «طُعْمَةً لِلْمِسْكِينِ، وطُهْرَةً لِلصّائِمِ» . وقَوْلُهُ: («أغْنُوهم بِها عَنِ السُّؤالِ») . لَوَجَدْنا إشارَةً إلى جَوازِ إخْراجِها مِن كُلِّ ما هو طُعْمَةٌ لِلْمَساكِينِ، ولا نَحُدُّهُ بِحَدٍّ أوْ نُقَيِّدُهُ بِصِنْفٍ، فَإلْحاقُ غَيْرِ المَنصُوصِ بِالمَنصُوصِ بِجامِعِ العِلَّةِ مُتَّجِهٌ، أمّا القِيمَةُ: فَقَدْ ناقَشَ مَسْألَتَها صاحِبُ فَتْحِ القَدِيرِ شَرْحِ الهِدايَةِ في بابِ زَكاةِ الأمْوالِ، وعُمْدَةُ أدِلَّتِهِمُ الآتِي: أوَّلًا: بَيْنَ الجَذَعَةِ والمُسِنَّةِ في الإبِلِ بِشاتَيْنِ. ثانِيًا: قَوْلُ مُعاذٍ لِأهْلِ اليَمَنِ: ”ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أوْ لَبِيسٍ مَكانَ الذُّرَةِ والشَّعِيرِ ؟ أهْوَنُ عَلَيْكم، وخَيْرٌ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ“ رَواهُ البُخارِيُّ. (p-٢٨٧)ثالِثًا: «رَأى النَّبِيُّ ﷺ ناقَةً حَسَنَةً في إبِلِ الصَّدَقَةِ، فَقالَ: ”ما هَذِهِ ؟“ قالَ صاحِبُ الصَّدَقَةِ: إنِّي ارْتَجَعْتُها بِبَعِيرَيْنِ مِن حَواشِي الإبِلِ ؟ . قالَ: ”نَعَمْ“» . رابِعًا: مِثْلُها مِثْلُ الجِزْيَةِ؛ يُؤْخَذُ فِيها قَدْرُ الواجِبِ كَما تُؤْخَذُ عَيْنُهُ. والجَوابُ عَنْ هَذا كُلِّهِ كالآتِي: أمّا التَّعْوِيضُ بَيْنَ الجَذَعَةِ والمُسِنَّةِ أوِ الحِقَّةِ إلى آخِرِهِ في الإبِلِ بِشاتَيْنِ أوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وهو المَنصُوصُ في حَدِيثِ أنَسٍ في كِتابِ الأنْصِباءِ المُتَقَدِّمِ، ونَصُّهُ: ومَن بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ ولَيْسَتْ عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإنَّهُ تُقْبَلُ مِنهُ الحِقَّةُ، ويَجْعَلُ مَعَها شاتَيْنِ أوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، ومَن بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ ولَيْسَتْ عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ الجَذَعَةُ، فَإنَّها تُقْبَلُ مِنهُ ويُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أوْ شاتَيْنِ، ومَن بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ ولَيْسَتْ عِنْدَهُ إلّا ابْنَةُ لَبُونٍ، فَإنَّها تُقْبَلُ مِنهُ ابْنَةُ لَبُونٍ ويُعْطِي شاتَيْنِ أوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. إلى آخِرِ الحَدِيثِ. فَلَيْسَ في هَذا دَلِيلٌ عَلى قَبُولِ القِيمَةِ في زَكاةِ الفِطْرِ؛ لِأنَّ نَصَّ الحَدِيثِ فَمَن وجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ مُعَيَّنَةٌ ولَيْسَتْ عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ أعْلى أوْ أنْزَلُ مِنها؛ فَلِلْعَدالَةِ بَيْنَ المالِكِ والمِسْكِينِ جُعِلَ الفَرْقُ لِعَدَمِ الحَيْفِ، ولَمْ يَخْرُجْ عَنِ الأصْلِ ولَيْسَ فِيهِ أخْذُ القِيمَةِ مُسْتَقِلَّةً، بَلْ فِيهِ أخْذُ المَوْجُودِ، ثُمَّ جَبْرُ النّاقِصِ. فَلَوْ كانَتِ القِيمَةُ بِذاتِها وحْدَها تُجْزِئُ لَصَرَّحَ بِها ﷺ . وَلا يَجُوزُ هَذا العَمَلُ إلّا عِنْدَ افْتِقادِ المَطْلُوبِ، والأصْنافُ المَطْلُوبَةُ في زَكاةِ الفِطْرِ إذا عُدِمَتْ أمْكَنَ الِانْتِقالُ إلى المَوْجُودِ مِمّا هو مِن جِنْسِهِ لا إلى القِيمَةِ، وهَذا واضِحٌ. وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الفَتْحِ: لَوْ كانَتِ القِيمَةُ مَقْصُودَةً لاخْتَلَفَتْ حَسَبَ الزَّمانِ والمَكانِ، ولَكِنَّهُ تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ. أمّا قَوْلُ مُعاذٍ لِأهْلِ اليَمَنِ: ”ائْتُونِي بِخَمِيسٍ أوْ لَبِيسٍ مَكانَ الذُّرَةِ والشَّعِيرِ“ . فَقَدْ ناقَشَهُ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ مِن حَيْثُ السَّنَدُ والمَعْنى. ولَكِنَّ السَّنَدَ ثابِتٌ، أمّا المَعْنى، فَقِيلَ: إنَّهُ في الجِزْيَةِ. وَرُدَّ هَذا: بِأنَّ فِيهِ مَكانَ الذُّرَةِ والشَّعِيرِ، والجِزْيَةُ لَيْسَتْ مِنها. (p-٢٨٨)وَقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ أنْ يَسْتَلِمَ الزَّكاةَ الواجِبَةَ مِن أجْناسِها يَسْتَبْدِلُها مِن بابِ البَيْعِ والمُعاوَضَةِ عَمَلًا بِما فِيهِ المَصْلَحَةُ لِلطَّرَفَيْنِ. وَقِيلَ: إنَّهُ اجْتِهادٌ مِنهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولَكِنَّهُ اجْتِهادُ أعْرَفِهِمْ بِالحَلالِ والحَرامِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. والصَّحِيحُ الثّانِي: أنَّهُ تَصَرُّفٌ بَعْدَ الِاسْتِلامِ وبُلُوغِها مَحِلَّها ولا سِيَّما مَعَ نَقْلِها إلى المَدِينَةِ، بِخِلافِ زَكاةِ الفِطْرِ فَلَيْسَتْ تُنْقَلُ ابْتِداءً، ولِأنَّ مُهِمَّةَ زَكاةِ المالِ أعَمُّ مِن مُهِمَّةِ زَكاةِ الفِطْرِ؛ فَفِيها النَّقْدانِ والحَيَوانِ. أمّا زَكاةُ الفِطْرِ فَطُعْمَةٌ لِلْمِسْكِينِ في يَوْمِ الفِطْرِ؛ فَلا تُقاسُ عَلَيْها. أمّا النّاقَةُ الحَسَنَةُ الَّتِي رَآها ﷺ، وأنَّها بَدَلٌ مِن بَعِيرَيْنِ، فَهو مِن جِنْسِ الِاسْتِبْدالِ بِالجِنْسِ عَمَلًا لِلْمَصْلَحَةِ، لَمْ تَخْرُجْ عَنْ جِنْسِ الواجِبِ. وَأمّا الجِزْيَةُ يُؤْخَذُ مِنها قَدْرُ الواجِبِ: فَلا دَلِيلَ فِيهِ؛ إذْ زَكاةُ الفِطْرِ فِيها جانِبُ تَعَبُّدٍ وارْتِباطٍ بِرُكْنٍ في الإسْلامِ. وَأمّا الجِزْيَةُ: فَهي عُقُوبَةٌ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، فَأيُّما أُخِذَ مِنهم فَهو وافٍ بِالغَرَضِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْقائِلِينَ بِالقِيمَةِ في زَكاةِ الفِطْرِ مُسْتَنَدٌ صالِحٌ، فَضْلًا عَنْ عَدَمِ النَّصِّ عَلَيْها. وَخِتامًا: إنَّ القَوْلَ بِالقِيمَةِ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِلْأُصُولِ مِن جِهَتَيْنِ: الجِهَةُ الأُولى: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا ذَكَرَ تِلْكَ الأصْنافَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَها القِيمَةَ ولَوْ كانَتْ جائِزَةً لَذَكَرَها مَعَ ما ذَكَرَ، كَما ذَكَرَ العِوَضَ في زَكاةِ الإبِلِ، وهو ﷺ أشْفَقُ وأرْحَمُ بِالمِسْكِينِ مِن كُلِّ إنْسانٍ. الجِهَةُ الثّانِيَةُ: - وهي القاعِدَةُ العامَّةُ - أنَّهُ لا يُنْتَقَلُ إلى البَدَلِ إلّا عِنْدَ فَقْدِ المُبْدَلِ عَنْهُ، وأنَّ الفَرْعَ إذا كانَ يَعُودُ عَلى الأصْلِ بِالبُطْلانِ فَهو باطِلٌ. كَما رَدَّ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ عَلى الحَنابِلَةِ قَوْلَهم: إنَّ الأُشْنانَ يُجْزِئُ عَنِ التُّرابِ في الوُلُوغِ. أيْ: لِأنَّهُ لَيْسَ مَن جِنْسِهِ ويَسْقُطُ العَمَلُ بِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أنَّ كُلَّ النّاسِ أخَذُوا بِإخْراجِ القِيمَةِ؛ لَتَعَطَّلَ العَمَلُ بِالأجْناسِ المَنصُوصَةِ، (p-٢٨٩)فَكَأنَّ الفَرْعَ الَّذِي هو القِيمَةُ سَيَعُودُ عَلى الأصْلِ الَّذِي هو الطَّعامُ بِالإبْطالِ، فَيَبْطُلُ. وَمِثْلُ ما يَقُولُهُ بَعْضُ النّاسِ اليَوْمَ في الهَدْيِ بِمِنًى مِثْلًا بِمِثْلٍ، عِلْمًا بِأنَّ الأحْنافَ لا يُجِيزُونَ القِيمَةَ في الهَدْيِ؛ لِأنَّ الهَدْيَ فِيهِ جانِبُ تَعَبُّدٍ، وهو النُّسُكُ. وَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ لَهم أيْضًا: إنَّ زَكاةَ الفِطْرِ فِيها جانِبُ تَعَبُّدٍ؛ طُهْرَةٌ لِلصّائِمِ، وطُعْمَةٌ لِلْمَساكِينِ، كَما أنَّ عَمَلِيَّةَ شِرائِها ومُكَيَّلَتِها وتَقْدِيمِها فِيهِ إشْعارٌ بِهَذِهِ العِبادَةِ. أمّا تَقْدِيمُها نَقْدًا فَلا يَكُونُ فِيها فَرْقٌ عَنْ أيِّ صَدَقَةٍ مِنَ الصَّدَقاتِ، مِن حَيْثُ الإحْساسُ بِالواجِبِ والشُّعُورِ بِالإطْعامِ. وَقَدْ أطَلْنا الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ بِالقِيمَةِ فِيها جَرَّأ النّاسَ عَلى ما هو أعْظَمُ، وهو القَوْلُ بِالقِيمَةِ في الهَدْيِ وهو ما لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ عَلى الإطْلاقِ حَتّى ولا الأحْنافُ. * * بَيانُ القَدْرِ الواجِبِ في زَكاةِ الفِطْرِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الواجِبَ في زَكاةِ الفِطْرِ عَلى كُلِّ شَخْصٍ عَنْ نَفْسِهِ، إنَّما هو صاعٌ بِصاعِ النَّبِيِّ ﷺ مِن جَمِيعِ الأصْنافِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها. وَخالَفَ أبُو حَنِيفَةَ في القَمْحِ، فَقالَ: نِصْفُ الصّاعِ فَقَطْ مِنها يَكْفِي. وسَيَأْتِي بَيانُ الرّاجِحِ في ذَلِكَ. إنْ شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ في مِقْدارِ الصّاعِ الواجِبِ مِن حَيْثُ الوَزْنُ. فَقالَ الجُمْهُورُ: هو خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هو ثَمانِيَةُ أرْطالٍ، وخالَفَهُ أبُو يُوسُفَ، ووافَقَ الجُمْهُورَ. ما مِقْدارُ الصّاعِ، فَهو في العُرْفِ الكَيْلُ، وهو أرْبَعُ حَفَناتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الكَفَّيْنِ، ولِتَفاوُتِ النّاسِ في ذَلِكَ عَمَدَ العُلَماءُ إلى بَيانِ مِقْدارِهِ بِالوَزْنِ. وَقَدْ نَبَّهَ النَّوَوِيُّ أنَّ المِقْدارَ بِالوَزْنِ تَقْرِيبِيٌّ؛ لِأنَّ المُكَيَّلاتِ تَخْتَلِفُ في الوَزْنِ ثِقَلًا وخِفَّةً بِاخْتِلافِ أجْناسِها: كالعَدَسِ، والشَّعِيرِ مَثَلًا، وما كانَ عُرْفُهُ الكَيْلُ لا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالوَزْنِ، ولَكِنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ. وَلِهَذا المَعْنى قالَ صاحِبُ المُغْنِي: إنَّ مَن أخْرَجَ الزَّكاةَ بِالوَزْنِ عَلَيْهِ أنْ يَزِيدَ بِالقَدْرِ الَّذِي يُعْلَمُ أنَّهُ يُساوِي الكَيْلَ، ولا سِيَّما إذا كانَ المَوْزُونُ ثَقِيلًا. (p-٢٩٠)وَنُقِلَ عَنْ أحْمَدَ: أنَّ مَن أخْرَجَ وزْنَ الثَّقِيلِ مِنَ الخَفِيفِ يَكُونُ قَدْ أخْرَجَ الواجِبَ بِالتَّأْكِيدِ. * * أقْوالُ العُلَماءِ في وزْنِ الصّاعِ. قالَ الجُمْهُورُ: هو خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، الرِّطْلُ بِالعِراقِيِّ. وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هو ثَمانِيَةُ أرْطالٍ، وخالَفَهُ أبُو يُوسُفَ كَما تَقَدَّمَ، وسَبَبُ الخِلافِ هو: أنَّ أبا حَنِيفَةَ أخَذَ بِقَوْلِ أنَسٍ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ بِمُدٍّ» وهو رِطْلانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصّاعَ أرْبَعَةُ أمْدادٍ، فَعَلَيْهِ يَكُونُ ثَمانِيَةَ أرْطالٍ. وَدَلِيلُ الجُمْهُورِ: هو أنَّ الأصْلَ في الكَيْلِ هو عُرْفُ المَدِينَةِ، كَما أنَّ الأصْلَ في الوَزْنِ هو عُرْفُ مَكَّةَ، وعُرْفُ المَدِينَةِ في صاعِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ. كَما جاءَ عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قالَ: أخَذْتُ الصّاعَ مِن أبِي النَّضْرِ. وقالَ أبُو النَّضْرِ: أخَذْتُهُ عَنْ أبِي ذُؤَيْبٍ، وقالَ: هَذا صاعُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يُعْرَفُ بِالمَدِينَةِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَأخَذْنا العَدَسَ فَعَبَّرْنا بِهِ، وهو أصْلَحُ ما وقَفْنا عَلَيْهِ يُكالُ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَجافى عَنْ مَوْضِعِهِ، فَكِلْنا بِهِ، ثُمَّ وزَنّاهُ، فَإذا هو خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، وقالَ: هَذا أصْلَحُ ما وقَفْنا عَلَيْهِ، وما تَبَيَّنَ لَنا مِن صاعِ النَّبِيِّ ﷺ . وَإذا كانَ الصّاعُ خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلْثًا مِنَ البُرِّ والعَدَسِ وهُما أثْقَلُ الحُبُوبِ، فَما عَداهُما مِن أجْناسِ الفِطْرَةِ أخَفُّ مِنهُما، فَإذا أُخْرِجَ مِنهُما خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ فَهي أكْثَرُ مِن صاعٍ. وَقالَ النَّوَوِيُّ: نَقَلَ الحافِظُ عَبْدُ الحَقِّ في كِتابِ الأحْكامِ عَنْ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَزْمٍ: أنَّهُ قالَ: وجَدْنا أهْلَ المَدِينَةِ لا يَخْتَلِفُ مِنهُمُ اثْنانِ في أنَّ مُدَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ الصَّدَقاتِ لَيْسَ بِأكْثَرَ مِن رِطْلٍ ونِصْفٍ، ولا دُونَ رِطْلٍ ورُبُعٍ. وَقالَ بَعْضُهم: هو رِطْلٌ وثُلُثٌ، وقالَ: لَيْسَ هَذا اخْتِلافًا، ولَكِنَّهُ عَلى حَسَبِ رَزْنِهِ بِالرّاءِ، أيْ: رَزانَتِهِ وثِقَلِهِ مِنَ البُرِّ والتَّمْرِ والشَّعِيرِ. قالَ: وصاعُ ابْنِ أبِي ذُؤَيْبٍ خَمْسَةُ أرْطالٍ (p-٢٩١)وَثُلُثٌ، وهو صاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمِن أدِلَّةِ الجُمْهُورِ، وسَبَبِ رُجُوعِ أبِي يُوسُفَ عَنْ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، ما جاءَ في المُغْنِي وغَيْرِهِ: أنَّ أبا يُوسُفَ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ وسَألَهم عَنِ الصّاعِ، فَقالُوا: خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، فَطالَبَهم بِالحُجَّةِ، فَقالُوا: غَدًا، فَجاءَ مِنَ الغَدِ سَبْعُونَ شَيْخًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم أخَذَ صاعًا تَحْتَ رِدائِهِ، فَقالَ: صاعِي ورَثْتُهُ عَنْ أبِي ووَرِثَهُ أبِي عَنْ جَدِّي، حَتّى انْتَهَوْا بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأخَذَ أبُو يُوسُفَ يُقارِنُها فَوَجَدَها كُلَّها سَواءً، فَأخَذُوا واحِدًا مِنها وعايَرَهُ بِالماشِّ - وهو العَدَسُ غَيْرُ المَدْشُوشِ -، فَكانَ خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا، فَرَجَعَ إلى قَوْلِ أهْلِ المَدِينَةِ. وَفِي تِلْكَ القِصَّةِ: أنَّهُ رَجَعَ إلى العِراقِ، فَقالَ لَهم: أتَيْتُكم بِعِلْمٍ جَدِيدٍ؛ الصّاعُ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، فَقالُوا لَهُ: خالَفْتَ شَيْخَ القَوْمِ، فَقالَ: وجَدْتُ أمْرًا لَمْ أجِدْ لَهُ مَدْفَعًا. أمّا وزْنُ الرِّطْلِ العِراقِيِّ فَأساسُ الوَحْدَةِ فِيهِ هي الدِّرْهَمُ، وقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنْهُ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ مِائَةٌ وثَلاثُونَ دِرْهَمًا بِدَراهِمِ الإسْلامِ. والثّانِي: أنَّهُ مِائَةٌ وثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ. والثّالِثُ: أنَّهُ مِائَةٌ وثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا وأرْبَعَةُ أسْباعِ دِرْهَمٍ، وهي تِسْعُونَ مِثْقالًا. وَقالَ في المُغْنِي: وقَدْ زادُوهُ مِثْقالًا فَصارَ واحِدًا وتِسْعِينَ مِثْقالًا، وكَمُلَ بِهِ مِائَةٌ وثَلاثُونَ دِرْهَمًا، وقَصَدُوا بِهَذِهِ الزِّيادَةِ إزالَةَ كَسْرِ الدِّرْهَمِ. ثُمَّ قالَ: والعَمَلُ الأوَّلُ. أمّا بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الأرْطالِ في الأمْصارِ الأُخْرى، فَكالآتِي نَقْلًا مِن كَشّافِ القِناعِ: الرِّطْلُ البَعْلِيُّ: تِسْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ. والقُدْسِيُّ: ثَمانِمِائَةٍ. والحَلَبِيُّ: سَبْعُمِائَةٍ وعِشْرُونَ. والدِّمَشْقِيُّ: سِتُّمِائَةٍ. والمِصْرِيُّ: مِائَةٌ وأرْبَعَةٌ وأرْبَعُونَ. وكُلُّ رِطْلٍ اثْنَتا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً في سائِرِ البِلادِ، مَقْسُومٌ (p-٢٩٢)عَلَيْها الدَّراهِمُ. وَعَلَيْهِ؛ فالصّاعُ يُساوِي سِتَّمِائَةٍ وخَمْسَةً وثَمانِينَ وخَمْسَةَ أسْباعِ الدِّرْهَمِ، وأرْبَعَمِائَةٍ وثَمانِينَ مِثْقالًا. وَعَلَيْهِ أيْضًا؛ يَكُونُ الصّاعُ بِالأرْطالِ الأُخْرى. هو المِصْرِيُّ أرْبَعَةُ أرْطالٍ وتِسْعُ أواقٍ وسُبْعُ أُوقِيَّةٍ، وبِالدِّمَشْقِيِّ رِطْلٌ وخَمْسَةُ أسْباعِ أُوقِيَّةٍ. وبِالحَلَبِيِّ أحَدَ عَشَرَ رِطْلًا وثَلاثَةُ أسْباعِ أُوقِيَّةٍ، وبِالقُدْسِيِّ عَشْرُ أواقٍ وسُبْعا أُوقِيَّةٍ. وَإذا كانَتْ مَوازِينُ العالَمِ اليَوْمَ قَدْ تَحَوَّلَتْ إلى مَوازِينَ فَرَنْسِيَّةٍ، وهي بِالكِيلُوجِرامِ، والكِيلُو ألْفُ جِرامٍ، فَلَزِمَ بَيانُ النِّسْبَةِ بِالجِرامِ، وهي: أنَّ المُكَيَّلاتِ تَتَفاوَتُ ثِقَلًا وكَثافَةً، فَأخَذْتُ الصّاعَ الَّذِي عِنْدِي، وعايَرْتُهُ أوَّلًا عَلى صاعٍ آخَرَ قَدِيمًا، فَوَجَدَتْ أمْرًا مُلْفِتًا لِلنَّظَرِ عِنْدَ المُقارَنَةِ، وهو أنَّ الصّاعَ الَّذِي عِنْدِي يَزِيدُ عَنِ الصّاعِ الآخَرِ قَدْرَ مَلْءِ الكَفِّ، فَنَظَرْتُ فَإذا القِدْرُ الَّذِي فَوْقَ فَتْحَةِ الصّاعَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ؛ لِأنَّ أحَدَ الصّاعَيْنِ فُتْحَتُهُ أوْسَعُ. فَكانَ الجُزْءُ المُعَلّى فَوْقَ فَتْحَتِهِ يُشَكِّلُ مُثَلَّثًا قاعِدَتُهُ أطْوَلُ مِن قاعِدَةِ المُثَلَّثِ فَوْقَ الصّاعِ الآخَرِ، فَعايَرْتُهُما مَرَّةً أُخْرى عَلى حَدِّ الفُتْحَةِ فَقَطْ بِدُونِ زِيادَةٍ فَكانا سَواءً. فَعايَرْتُهُما بِالماءِ حَيْثُ إنَّ الماءَ لا يَخْتَلِفُ وزْنُهُ غالِبًا ما دامَ صالِحًا لِلشُّرْبِ ولَيْسَ مالِحًا، وأنَّهُ لا يَسْمَحُ بِوُجُودِ قَدْرٍ زائِدٍ فَوْقَ الحافَّةِ، فَكانَ وزْنُ الصّاعِ بَعْدَ هَذا التَّأْكِيدِ هو بِالعَدَسِ المَجْرُوشِ ٢، ٦٠٠ كَيلُوَيْنِ وسِتَّمِائَةِ جِرامٍ. وَبِالماءِ ٣، ١٠٠ ثَلاثَةَ كِيلُواتٍ ومِائَةَ جِرامٍ. وَأرْجُو أنْ يَكُونَ هَذا العَمَلُ كافِيًا لِبَيانِ الوَزْنِ التَّقْرِيبِيِّ لِلصّاعِ النَّبَوِيِّ في الزَّكاةِ. * * زَكاةُ الوَرَقِ المُتَداوِلِ. مِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّعامُلَ بِالوَرَقِ بَدَلًا عَنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ أمْرٌ قَدْ حَدَثَ بَعْدَ عُصُورِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وعُصُورِ تَدْوِينِ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ، وما انْتَشَرَتْ إلّا في القَرْنِ الثّامِنَ عَشَرَ مِيلادِيًّا فَقَطْ، ولِهَذا لَمْ يَكُنْ لِأحَدِ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - رَأْيٌ فِيها، ومُنْذُ أنْ وُجِدَتْ وعُلَماءُ المُسْلِمِينَ مُخْتَلِفُونَ في تَقْيِيمِها وفي تَحْقِيقِ ماهِيَّتِها ما بَيْنَ كَوْنِها سَنَداتٍ: عَنْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، أوْ عُرُوضِ تِجارَةٍ، أوْ نَقْدٍ بِذاتِها. والخِلافُ في ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وإنْ كانَ الَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّها وثائِقُ ضَمانٍ (p-٢٩٣)مِنَ السُّلْطانِ. وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - إبْداءُ وِجْهَةِ نَظَرِهِ فِيها في الرِّبا، وهَلْ يُباعُ بِها الذَّهَبُ والفِضَّةُ نَسِيئَةً أمْ لا ؟ وَمَهْما يَكُنْ مِن نَظَرِيّاتٍ في ماهِيَّتِها، فَإنَّها بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ تُعْتَبَرُ مالًا، وهي داخِلَةٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي أمْوالِهِمْ﴾ [المعارج: ٢٤]؛ لِأنَّها أصْبَحَتْ ثَمَنَ المَبِيعاتِ وعِوَضَ السِّلَعِ. فِعْلَيْهِ تَكُونُ الزَّكاةُ فِيها واجِبَةً. والنِّصابُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها يُعْتَبَرُ بِما يُشْتَرى بِها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ في أيِّ عُمْلَةٍ كانَتْ هي. فَفِي السُّعُودِيَّةِ مَثَلًا يُنْظَرُ كَمْ يُشْتَرى بِها عِشْرُونَ مِثْقالًا ذَهَبًا، أوْ مِائَتا دِرْهَمٍ فِضَّةً، فَيُعْتَبَرُ هَذا القَدْرُ هو النِّصابُ، وفِيهِ الزَّكاةُ، وهو رُبْعُ العُشْرِ سَواءً بِسَواءٍ. وَهَكَذا مِثْلُ الإسْتِرْلِينِيِّ، والرُّوبِيَّةِ والدُّولارِ؛ لِأنَّ كُلَّ عُمْلَةٍ مِن ذَلِكَ وثِيقَةُ ضَمانٍ مِنَ السُّلْطانِ الَّذِي أصْدَرَها، أيْ: الدَّوْلَةِ الَّتِي أصْدَرَتْها. سَواءٌ قِيلَ: إنَّ الزَّكاةَ فِيما ضَمِنَتْهُ تِلْكَ الوَثِيقَةُ، أوْ فِيها بِعَيْنِها، أوْ في قِيمَتِها كَعَرَضٍ، فَهي لَنْ تَخْرُجَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ عَنْ دائِرَةِ التَّمَوُّلِ والِاسْتِبْدالِ، وإنَّ تَحْصِيلَ الفَقِيرِ لِشَيْءٍ مِنها أيًّا كانَتْ؛ فَإنَّهُ بِها سَيَحْصُلُ عَلى مَطْلُوبِهِ مِن مَأْكَلٍ ومَلْبَسٍ وما يَشاءُ مِن مَصالِحَ وفْقَ ما يَحْصُلُ عَلَيْهِ بِعَيْنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. وَفِي هَذا رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ: لا زَكاةَ فِيها؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِنَقْدِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ، ولا يَخْفى أنَّ إسْقاطَ الزَّكاةِ عَنْها إسْقاطٌ لِلزَّكاةِ مِن أغْلَبِيَّةِ العالَمِ، إنْ لَمْ يَكُنْ مِن جَمِيعِهِ. تَنْبِيهٌ. سَبَقَ أنْ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مَوْضُوعِ زَكاةِ العُرُوضِ في قَوْلِ المالِكِيَّةِ: يُشْتَرَطُ أنْ يَنُصَّ في يَدِ التّاجِرِ المُدِيرِ ولَوْ دِرْهَمًا أثْناءَ الحَوْلِ، وإلّا لَما وجَبَتْ عَلَيْهِ زَكاةٌ في عُرُوضِ تِجارَتِهِ. فَقالَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: لَوْ كانَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَوْجُودًا اليَوْمَ لَمْ يَقِلْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العالَمَ اليَوْمَ كُلَّهُ لا يَكادُ يَعْرِفُ إلّا هَذِهِ الأوْراقَ، وقَدْ لا يَنُصُّ في يَدِهِ دِرْهَمٌ (p-٢٩٤)واحِدٌ فِضَّةً. ويَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ إسْقاطُ الزَّكاةِ عَنْ عُرُوضِ التِّجارَةِ، وهي غالِبُ أمْوالِ النّاسِ اليَوْمَ. فَكَذَلِكَ يُقالُ لِمَن لا يَرى الزَّكاةَ في الأوْراقِ النَّقْدِيَّةِ: أنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ باطِلٌ خَطِيرٌ؛ وهو تَعْطِيلُ رَكْنِ الزَّكاةِ، وحِرْمانُ المِسْكِينِ مِن حَقِّهِ المَعْلُومِ في أمْوالِ الأغْنِياءِ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ باطِلٌ؛ فَهو باطِلٌ. وَلَعَلَّنا بِهَذا العَرْضِ المُوجَزِ، نَكُونُ قَدْ أوْرَدْنا عُجالَةَ ما بَقِيَ مِن مَبْحَثِ الزَّكاةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ المَعْهُودِ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -، فَقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ لَنْ يُجارى في تَفْصِيلِهِ، وأنَّ تَتَبُّعَ الجُزْئِيّاتِ في هَذا المَبْحَثِ سَيُطِيلُ الكِتابَةَ، وهو - بِحَمْدِ اللَّهِ - مَبْسُوطٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، وإنَّما قَصَدْنا بَيانَ أهَمِّ المَسائِلِ، وبَيانَ ما هو الرّاجِحُ فِيما اخْتُلِفَ فِيهِ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.

المعارج 70:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ يَوْمُ الدِّينِ: هو يَوْمُ الحِسابِ. كَما تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ (الفاتِحَةِ) .

المعارج 70:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ: خائِفُونَ؛ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٧] .

المعارج 70:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾، وما بَعْدَها، وفي سُورَةِ ”النِّساءِ“، وبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مُبْتَغٍ وراءَ الزَّوْجَةِ ومِلْكِ اليَمِينِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾، وخاصَّةً مَن قالَ بِنِكاحِ المُتْعَةِ؛ لِأنَّ المُسْتَمْتَعَ بِها لَيْسَتْ زَوْجَةً ولَيْسَتْ أمَةً مَمْلُوكَةً. (p-٢٩٥)تَنْبِيهٌ. والجَدِيرُ بِالذِّكْرِ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَن يَقُولُ بِنِكاحِ المُتْعَةِ كَمَذْهَبٍ لِطائِفَةٍ ما، إلّا الشِّيعَةُ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَمَّنْ خالَفَ الإجْماعَ مِن غَيْرِهِمْ، ولَكِنَّ الشِّيعَةَ أنْفُسَهم شِبْهُ مُتَناقِضِينَ في كُتُبِهِمْ، إذْ يَنُصُّ الحُلَلِيُّ - وهو مِن أئِمَّتِهِمْ - في بابِ النِّكاحِ: أنَّ لِلْحُرِّ ولِلْعَبْدِ عَلى السَّواءِ أنْ يَنْكِحَ نِكاحًا مُؤَقَّتًا، وهو نِكاحُ المُتْعَةِ، بِأيِّ عَدَدٍ شاءَ مِنَ النِّساءِ وبِدُونِ حَدٍّ، فَجَعَلَ هَذا العَقْدَ كَمِلْكِ اليَمِينِ، والحالُ أنَّ المَعْقُودَ عَلَيْها حُرَّةٌ، وهَذا مُتَناقِضٌ. وَفِي كِتابِ الطَّلاقِ، قالَ: إنَّ المُطَلَّقَةَ ثَلاثًا لا يُحِلُّها لِزَوْجِها الأوَّلِ إلّا أنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، في نِكاحٍ دائِمٍ ولَيْسَ مُؤَقَّتًا. وَهُنا يُقالُ لَهم: إمّا أنْ تَعْتَدُّوا بِنِكاحِها الثّانِي المُؤَقَّتِ، فَيَلْزَمُ أنْ يُحِلَّها لِلْأوَّلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فَإنِ اعْتَبَرْتُمُوهُ نِكاحًا لَزِمَ إحْلالُها بِهِ لِلزَّوْجِ الأوَّلِ. وإنْ لَمْ تَعْتَبِرُوهُ نِكاحًا لَزِمَكُمُ القَوْلُ بِبُطْلانِهِ وهو المَطْلُوبُ. وَبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ مُبْتَغِي وراءَ ذَلِكَ، أيْ: أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم هُمُ العادُونَ.

المعارج 70:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُهُ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ . وَفِي المَسْألَةِ السّادِسَةِ مِن مَسائِلِ مَبْحَثِ: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] .

المعارج 70:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ قُرِئَ ”بِشَهاداتِهِمْ“ بِالجَمْعِ، وقُرِئَ ”بِشَهادَتِهِمْ“ بِالإفْرادِ، فَقِيلَ: إنَّ الإفْرادَ يُؤَدِّي مَعْنى الجَمْعِ لِلْمَصْدَرِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] . فَأفْرَدَ في الصَّوْتِ مُرادًا بِهِ الأصْواتُ. وَقِيلَ: الإفْرادُ لِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ مُقِيمُونَ عَلَيْها. والجَمْعُ لِتَنَوُّعِ الشَّهاداتِ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِها، ولا تَعارُضَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ فَما يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] . (p-٢٩٦)قالَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أيْ دامُوا عَلى ذَلِكَ حَتّى ماتُوا عَلَيْهِ. وَيَدُلُّ لِلثّانِي عُمُوماتُ آيَةِ الشَّهادَةِ المُتَنَوِّعَةِ في البَيْعِ، والطَّلاقِ، والكِتابَةِ في الدَّيْنِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ عِدَّةُ مَسائِلَ: المَسْألَةُ الأُولى: أطْلَقَ القِيامَ بِالشَّهادَةِ هُنا وبَيَّنَ أنَّ قِيامَهم بِها إنَّما هو لِلَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ في مَعْرِضِ المَدْحِ، وإخْراجُهم مِن وصْفِ ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أنَّ غَيْرَ القائِمِينَ بِشَهاداتِهِمْ غَيْرُ خارِجِينَ مِن ذَلِكَ الوَصْفِ الذَّمِيمِ. وَقَدْ دَلَّتْ آياتٌ صَرِيحَةٌ عَلى هَذا المَفْهُومِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] . وَكَذَلِكَ في مَعْرِضِ المَدْحِ في وصْفِ عِبادِ الرَّحِمَنِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] . وَفِي الحَدِيثِ مِن عِظَمِ جُرْمِ شَهادَةِ الزُّورِ، وكانَ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقالَ «ألا وشَهادَةَ الزُّورِ، ألا وشَهادَةَ الزُّورِ "، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ» . * * تَنْبِيهٌ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾، يُفِيدُ القِيامَ بِالشَّهادَةِ مُطْلَقًا، وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فَقَيَّدَ القِيامَ بِالشَّهادَةِ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها. وَفِي الحَدِيثِ: «خَيْرُ الشُّهُودِ مَن يَأْتِي بِالشَّهادَةِ قَبْلَ أنْ يُسْألَها» . (p-٢٩٧)وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ في ذَمِّ المُبادَرَةِ بِها، ويَشْهَدُونَ قَبْلَ أنْ يُسْتَشْهَدُوا. وقَدْ جَمَعَ العُلَماءُ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ؛ بِأنَّ الأوَّلَ في حالَةِ عَدَمِ مَعْرِفَةِ المَشْهُودِ لَهُ بِما عِنْدَهُ مِن شَهادَةٍ، أوْ يَتَوَقَّفُ عَلى شَهاداتِهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ: كَرِضاعٍ، وطَلاقٍ ونَحْوِهِ، والثّانِي بِعَكْسِ ذَلِكَ. وَقَدْ نَصَّ ابْنُ فَرْحُونَ: أنَّ الشَّهادَةَ في حَقِّ اللَّهِ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ تَسْتَدِيمُ فِيهِ الحُرْمَةُ: كالنِّكاحِ، والطَّلاقِ، فَلا يَتْرُكُها، وتَرْكُها جَرْحَةٌ في عَدالَتِهِ. وقِسْمٌ لا تَسْتَدِيمُ فِيهِ الحُرْمَةُ: كالزِّنى، والشُّرْبِ، فَإنَّ تَرْكَها أفْضَلُ ما لَمْ يُدْعَ لِأدائِها؛ لِحَدِيثِ هَزّالٍ في قِصَّةِ ماعِزٍ حَيْثُ قالَ لَهُ ﷺ: «هَلّا سَتَرْتَهُ بِرِدائِكَ» . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَواطِنُ الشَّهادَةِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، والَّتِي يَجِبُ القِيامُ فِيها، نَسُوقُها عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ. الأوَّلُ: الإشْهادُ في البَيْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . الثّانِي: الطَّلاقُ، والرَّجْعَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] . الثّالِثُ: كِتابَةُ الدَّيْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . الرّابِعُ: الوَصِيَّةُ عِنْدَ المَوْتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] . الخامِسُ: دَفْعُ مالِ اليَتِيمِ إلَيْهِ إذا رَشَدَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] . السّادِسُ: إقامَةُ الحُدُودِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] . السّابِعُ: في السُّنَّةِ عَقْدُ النِّكاحِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «لا نِكاحَ إلّا بَوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ»، وهَذِهِ كُلُّها مَواطِنُ هامَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ، وحَقِّ العِبادِ مِن: حِفْظٍ لِلْمالِ، والعِرْضِ، والنَّسَبِ، وفي حَقِّ الحَيِّ والمَيِّتِ، واليَتِيمِ والكَبِيرِ، فَهي في شَتّى مَصالِحِ الأُمَّةِ اسْتَوْجَبَتِ الحَثَّ عَلى القِيامِ بِها: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾، والتَّحْذِيرَ مِن كِتْمانِها: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن (p-٢٩٨)يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾، كُلُّها صِيَغُ الجَمْعِ، والشَّهادَةُ قَدْ تَكُونُ مِن فَرْدٍ، وقَدْ تَكُونُ مِنَ اثْنَيْنِ، وقَدْ تَكُونُ مِن ثَلاثَةٍ، وقَدْ تَكُونُ مِن أرْبَعَةٍ، وقَدْ تَكُونُ مِن جَماعَةٍ. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أنَّ الشَّهادَةَ في الجُمْلَةِ مِن حَثِّ الشّاهِدِ تَكُونُ عَلى النَّحْوِ الآتِي إجْمالًا: رَجُلٌ واحِدٌ، ورَجُلٌ ويَمِينٌ، ورَجُلٌ وامْرَأتانِ، ورَجُلانِ، وثَلاثَةُ رِجالٍ، وأرْبَعَةٌ، وطائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وامْرَأةٌ، وامْرَأتانِ، وجَماعَةُ الصِّبْيانِ. وَقَدْ جاءَتِ النُّصُوصُ بِذَلِكَ صَرِيحَةً. أمّا الواحِدُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] . فَهُوَ، وإنْ كانَ مُلْفِتَ النَّظَرِ إلى القَرِينَةِ في شَقِّ القَمِيصِ، إلّا أنَّهُ شاهِدٌ واحِدٌ. وَجاءَ في السُّنَّةِ: شَهادَةُ خُزَيْمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَمّا شَهِدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِراءِ الفَرَسِ مِنَ الأعْرابِيِّ، وجَعَلَها ﷺ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ. وَجاءَتِ السُّنَّةُ بِثُبُوتِ شَهادَةِ الطَّبِيبِ، والقائِفِ، والخارِصِ، ونَحْوِهِمْ. وَجاءَ في ثُبُوتِ رَمَضانَ، فَقَدْ قَبِلَ ﷺ شَهادَةَ أعْرابِيٍّ، وقَبِلَ شَهادَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، سَواءٌ كانَ قَبُولُها اكْتِفاءً بِها أوِ احْتِياطًا لِرَمَضانَ. وَأمّا شَهادَةُ الرَّجُلِ الواحِدِ ويَمِينُ المُدَّعِي، فَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ» وتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وأطالَ في تَصْحِيحِهِ وتَوْجِيهِهِ. وَعِنْدَ مالِكٍ، ومَذْهَبٌ لِأحْمَدَ شَهادَةُ امْرَأتَيْنِ، ويَمِينُ المُدَّعِي، وخالَفَهُما الجُمْهُورُ. وَأمّا شَهادَةُ رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ، فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَبَيَّنَ تَعالى تَوْجِيهَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] . (p-٢٩٩)وَبِهَذا النَّصِّ رَدَّ الجُمْهُورُ مَذْهَبَ مالِكٍ، والمَذْهَبَ المَحْكِيَّ عَنْ أحْمَدَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ إلّا أرْبَعَ نِسْوَةٍ ولَمْ تَسْتَقِلَّ التَّسْوِيَةُ بِالشَّهادَةِ. وَأمّا شَهادَةُ الرَّجُلَيْنِ؛ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَأمّا ثَلاثَةُ رِجالٍ، فَلِقَوْلِهِ ﷺ في إثْباتِ الفاقَةِ والإعْسارِ: «حَتّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِن ذَوِي الحِجا مِن قَوْمِهِ، فَيَقُولُونَ: لَقَدْ أصابَتْ فُلانَةَ فاقَةٌ» الحَدِيثَ. وهو حَدِيثُ قَبِيصَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وأحْمَدَ. وَأمّا الأرْبَعَةُ فَفي إثْباتِ الزِّنا خاصَّةً، وقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ ”النُّورِ“ . وَأمّا الطّائِفَةُ فَفي إقامَةِ الحُدُودِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] . وَأمّا شَهادَةُ المَرْأةِ فَفي أحْوالِ النِّساءِ خاصَّةً، كَما في حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الحارِثِ: ”«جاءَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَتْ: إنِّي أرْضَعْتُهُما، فَقالَ لَهُ ﷺ“ فارِقْها ”، فَقالَ: كَيْفَ أُفارِقُها لِقَوْلِ امْرَأةٍ ؟ فَقالَ لَهُ:“ كَيْفَ وقَدْ قِيلَ ؟ "» وقَدْ وقَعَ الخِلافُ في قَبُولِ شَهادَتِها وحْدَها، ولَكِنَّ الصَّحِيحَ ما قَدَّمْنا. وَأمّا المَرْأتانِ فَعِنْدَ مَن لَمْ يَقْبَلْ شَهادَةَ المَرْأةِ، وقِيلَ عِنْدَ اسْتِهْلالِ الصَّبِيِّ؛ لِأنَّ الغالِبَ حُضُورُ أكْثَرِ مِن واحِدَةٍ. وَأمّا جَماعَةُ الصِّبْيانِ فَفي جِناياتِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وقَبْلَ أنْ يَتَفَرَّقُوا ولَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ كَبِيرٌ. وفِيهِ خِلافٌ. وَرَجَّحَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - العَمَلَ بِها في مُذَكِّرَةِ أُصُولِ الفِقْهِ، في مَبْحَثِ رِوايَةِ الصِّغارِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اتَّفَقُوا أنَّهُ لا دَخْلَ لِلنِّساءِ في الشَّهادَةِ في الحُدُودِ، وإنَّما تَكُونُ في المالِ أوْ ما يَئُولُ إلى المالِ، وفِيما يَتَعَلَّقُ بِما تَحْتَ الثِّيابِ مِنَ النِّساءِ. وَفِي الشَّهادَةِ مَباحِثُ عَدِيدَةٌ مَبْسُوطَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ وكُتُبِ القَضاءِ، كَتَبْصِرَةِ الحُكّامِ (p-٣٠٠)لِابْنِ فَرْحُونَ وغَيْرِهِ. وَقَدْ بَسَطَ ابْنُ القَيِّمِ الكَلامَ عَلَيْها في الطُّرُقِ الحِكَمِيَّةِ، وابْن فَرْحُونَ في تَبْصِرَةِ الحُكّامِ، لِمَن أحَبَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ، ولَكِنْ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ هو شُرُوطُ الشّاهِدِ المُعْتَبَرَةُ، وكُلُّها تَدُورُ عَلى ما تَحْصُلُ بِهِ الطُّمَأْنِينَةُ إلى الحَقِّ المَشْهُودِ بِهِ؛ لِأمْرَيْنِ أساسِيَّيْنِ هُما: الضَّبْطُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ النِّسْوَةِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والثّانِي: العَدالَةُ، والصِّدْقُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] . وَهُنا مَبْحَثٌ مَشْهُورٌ، وهو: هَلِ الأصْلُ في المُسْلِمِينَ العَدالَةُ حَتّى يَظْهَرَ جَرْحُهُ أمِ العَكْسُ ؟ والصَّحِيحُ الأوَّلُ. وَقَدْ كانَ العَمَلُ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ جاءَ رَجُلٌ مِنَ العِراقِ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقالَ لَهُ: أدْرِكِ النّاسَ؛ لَقَدْ تَفَشَّتْ شَهادَةُ الزُّورِ. فَقالَ عُمَرُ: بِتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ وإثْباتِ عَدالَتِهِمْ. وَقَدْ أوْرَدَ ابْنُ فَرْحُونَ في مَراتِبِ الشُّهُودِ إحْدى عَشْرَةَ مَرْتَبَةً، وهي: الأُولى: الشّاهِدُ المُبَرَّزُ في العَدالَةِ العالِمُ بِما تَصِحُّ بِهِ الشَّهادَةُ، فَتَجُوزُ شَهادَتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ وتَجْرِيحُهُ، ولا يُسْألُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِما شَهِدَ بِهِ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إذا أبْهَمَهُ، ولا يُقْبَلُ فِيهِ التَّجْرِيحُ إلّا بِالعَداوَةِ. الثّانِيَةُ: المُبَرَّزُ في العَدالَةِ غَيْرُ العالِمِ بِما تَصِحُّ بِهِ الشَّهادَةُ، فَحُكْمُهُ كالأوَّلِ، إلّا أنَّهُ يُسْألُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِما شَهِدَ بِهِ إذا أبْهَمَ ذَلِكَ. الثّالِثَةُ: الشّاهِدُ المَعْرُوفُ بِالعَدالَةِ العالِمُ بِما تَصِحُّ بِهِ الشَّهادَةُ، فَتَجُوزُ شَهادَتُهُ إلّا في سِتَّةِ مَواضِعَ عَلى اخْتِلافٍ في بَعْضِها، وهي: التَّزْكِيَةُ، شَهادَتُهُ لِأخِيهِ ولِمَوْلاهُ ولِصَدِيقِهِ المُلاطِفِ ولِشَرِيكِهِ في غَيْرِ التِّجارَةِ، وإذا زادَ في شَهادَتِهِ أوْ نَقَصَ فِيها، ويُقْبَلُ فِيهِ التَّجْرِيحُ بِالعَداوَةِ وغَيْرِها، ولا يُسْألُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِما شَهِدَ بِهِ إذا أبْهَمَ ذَلِكَ. الرّابِعَةُ: المَعْرُوفُ بِالعَدالَةِ غَيْرُ العالِمِ بِما تَصِحُّ بِهِ الشَّهادَةُ، حُكْمُهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يُسْألُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِما شَهِدَ بِهِ إذا أبْهَمَ ذَلِكَ. (p-٣٠١)الخامِسَةُ: الشّاهِدُ المَعْرُوفُ بِالعَدالَةِ؛ إذا قَذَفَ قَبْلَ أنْ يُحَدَّ، فاخْتُلِفَ في قَبُولِ شَهادَتِهِ، وأجازَها ابْنُ القاسِمِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ. السّادِسَةُ: الَّذِي يُتَوَسَّمُ فِيهِ العَدالَةُ؛ تَجُوزُ دُونَ تَزْكِيَةٍ فِيما يَقَعُ بَيْنَ المُسافِرِينَ في السَّفَرِ مِنَ المُعامَلاتِ، وفِيما عَدا ذَلِكَ لا بُدَّ مِن تَزْكِيَتِهِ؛ لِأنَّهُ هو المَعْرُوفُ بِمَجْهُولِ الحالِ. والصَّحِيحُ أنَّ مِثْلَهُ لا بُدَّ مِنَ التَّحَرِّي عَنْهُ حَتّى يَنْكَشِفَ أمْرُهُ. السّابِعَةُ: الَّذِي لا يُتَوَسَّمُ فِيهِ العَدالَةُ ولا الجَرْحَةُ؛ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ دُونَ تَزْكِيَةٍ، إلّا أنَّ شَهادَتَهُ تَكُونُ شَبِيهَةً في بَعْضِ المَواضِعِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ، فَتُوجِبُ اليَمِينَ، وتُوجِبُ الحَمِيلَ، وتَوْقِيفَ الشَّيْءِ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ. الثّامِنَةُ: الَّذِي يُتَوَسَّمُ فِيهِ الجَرْحَةُ؛ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ دُونَ تَزْكِيَةٍ، ولا تَكُونُ شَهادَتُهُ شُبْهَةً تُوجِبُ حُكْمًا. التّاسِعَةُ: الشّاهِدُ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ جَرْحَةٌ قَدِيمَةٌ أوْ يَعْلَمُها الحاكِمُ فِيهِ؛ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ دُونَ تَزْكِيَةٍ، ولا تُقْبَلُ فِيهِ التَّزْكِيَةُ عَلى الإطْلاقِ، وإنَّما تُقْبَلُ مِمَّنْ عَلِمَ بِجَرْحَتِهِ إذا شَهِدَ عَلى تَوْبَتِهِ مِنها، ونُزُوعِهِ مِنها، والمَحْدُودُ في القَذْفِ بِمَنزِلَتِهِ عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ؛ لِأنَّ تَزْكِيَتَهُ لا تَجُوزُ عَلى الإطْلاقِ، وإنَّما تَجُوزُ بِمَعْرِفَةٍ تُزِيدُهُ في الخَبَرِ. العاشِرَةُ: المُقِيمُ عَلى الجَرْحَةِ المَشْهُودُ بِها؛ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ، ولا تُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ فِيهِ وإنْ زُكِّيَ، وإنَّما تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ إذا تابَ. الحادِيَةَ عَشْرَةَ: شاهِدُ الزُّورِ؛ فَلا تَصِحُّ شَهادَتُهُ وإنْ تابَ وحَسُنَتْ حالُهُ، ورَوى أبُو زَيْدٍ عَنِ ابْنِ القاسِمِ: أنَّ شَهادَتَهُ تَجُوزُ إذا تابَ وعُرِفَتْ تَوْبَتُهُ بِتَزَيُّدِ حالِهِ في الصَّلاحِ. قالَ: ولا أعْلَمُهُ إلّا في قَوْلِ مالِكٍ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ اخْتِلافٌ مِنَ القَوْلِ. وَقِيلَ: مَعْنى رِوايَةِ أبِي زَيْدٍ إذا جاءَ تائِبًا مُقِرًّا عَلى نَفْسِهِ بِشَهادَةِ الزُّورِ قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ عَلَيْهِ، وهو الأظْهَرُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. اهـ. وَقَدْ أوْرَدْنا هَذِهِ المَراتِبَ؛ لِأنَّها شَمِلَتْ أنْواعَ الشُّهُودِ قُوَّةً وضَعْفًا، وفِيما تُقْبَلُ شَهاداتُهم. * * (p-٣٠٢)تَنْبِيهٌ. وَقَدْ قِيلَ في تَفْرِيقِ الشُّهُودِ: إنَّ هَذا في الزِّنا خاصَّةً، وقِيلَ: لِلْقاضِي أنْ يُفَرِّقَهم مَتى ما رَأى ذَلِكَ، وأنَّ أوَّلَ مَن فَرَّقَهم عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - تَفْرِيقَ الشُّهُودِ في قِصَّةِ سُلَيْمانَ، وهو كَلامٌ في قَضِيَّةِ المَرْأةِ الَّتِي رُمِيَتْ بِالزِّنا، واخْتُلِفَ في تَحْلِيفِ الشّاهِدِ. فالجُمْهُورُ: لا يُحَلَّفُ، ورَجَّحَ ابْنُ القَيِّمِ جَوازَهُ فِيما تُقْبَلُ شَهادَتُهُ لِلضَّرُورَةِ كالمَرْأةِ الواحِدَةِ، والكافِرِ في السَّفَرِ، ومَدارُ قَبُولِ الشَّهادَةِ عَلى الطُّمَأْنِينَةِ لِصِدْقِ الشّاهِدِ، وذَلِكَ يَدُورُ عَلى أصْلَيْنِ: الأوَّلُ: هو الضّابِطُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والثّانِي: العَدالَةُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَلِلشَّهادَةِ مَباحِثُ عَدِيدَةٌ اكْتَفَيْنا بِما أوْرَدْنا. وَقَدْ بَحَثَ ابْنُ القَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَباحِثَ الشَّهادَةِ مِن حَيْثُ العَدَدُ والمَوْضُوعُ في كِتابِ الطُّرُقِ الحِكَمِيَّةِ. * * تَنْبِيهٌ. لِلشَّهادَةِ عَلاقَةٌ بِاليَمِينِ في الحُكْمِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ ﷺ: «شاهِدانِ أوْ يَمِينُهُ» . فَما هي تِلْكَ العَلاقَةُ ؟ وبَيَّنَ هَذِهِ العَلاقَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٨] . ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى: شاهِدٌ ومُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِ العِبادِ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، يَعْلَمُ (p-٣٠٣)خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ، فَإذا أعْوَزَ المُدَّعِي شاهِدًا حَلَفَ مَعَ الشّاهِدِ كَأنَّهُ قالَ: أسْتَشْهِدُ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ مِنِّي صِدْقَ دَعْوايَ. وَكَذَلِكَ المُدَّعى عَلَيْهِ، إذا عَجَزَ المُدَّعِي عَنِ البَيِّنَةِ وكانَتِ الدَّعْوى مُتَوَجِّهَةً، ومِمّا يُشْبِهُ، كَما يَقُولُ المالِكِيَّةُ: فَإنَّ المُدَّعى عَلَيْهِ يَقُولُ: لَدَيَّ البَيِّنَةُ والشَّهادَةُ عَلى عَدَمِ ثُبُوتِ ما ادَّعى بِهِ عَلَيَّ، ألا وهو خَيْرُ الشّاهِدِينَ. مَن هو أكْبَرُ شَهادَةً مِمّا عَجَزَ عَنْها المُدَّعِي ألا وهو الِاسْتِشْهادُ بِاللَّهِ تَعالى، فَيَحْلِفُ عَلى بَراءَةِ ذِمَّتِهِ مِمّا ادَّعى بِهِ عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ. وَمِن هُنا يُعْلَمُ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ ﷺ: «مَن حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ» أيْ؛ لِأنَّ الحالِفَ يُقِيمُ المَحْلُوفَ بِهِ مَقامَ الشُّهُودِ الَّذِينَ رَأوْا أوْ سَمِعُوا، والمَخْلُوقُ إذا كانَ غائِبًا لا يَرى ولا يَسْمَعُ، فَإذا حَلَفَ بِهِ كانَ قَدْ أعْطاهُ صِفاتِ مَن يَرى ويَسْمَعُ، والحالُ أنَّهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، ومِن ناحِيَةٍ أُخْرى الحالِفُ والمُسْتَحْلِفُ بِاللَّهِ يَعْلَمانِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَنْتَقِمَ مِن صاحِبِ اليَمِينِ الغَمُوسِ، وغَيْرُ اللَّهِ إذا ما حُلِفَ بِهِ لا يَقْوى ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المعارج 70:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ ”مُهْطِعِينَ“: أيْ مُسْرِعِينَ نافِرِينَ، ”وَعِزِينَ“ جَمْعُ عِزَةٍ، وهُمُ الجَماعَةُ، أيْ: ما بالُ أُولَئِكَ الكُفّارِ المُنْصَرِفِينَ عَنْكَ مُتَفَرِّقِينَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎وَنَحْنُ وجَنْدَلٌ باغٍ تَرَكْنا كَتائِبَ جَنْدَلٍ شَتّى عِزِينَ وَكَذَلِكَ هُنا فَهم مُتَفَرِّقُونَ عَنْهُ ﷺ جَماعاتٍ مِن كُلِّ جِهَةٍ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ. تَفَرَّقَتْ بِهِمُ الأهْواءُ، وأخَذَتْهُمُ الحَيْرَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١] . وَنَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أهْلِ الأهْواءِ، فَهم مُخالِفُونَ لِلْكِتابِ، مُخْتَلِفُونَ، مُتَّفِقُونَ عَلى مُخالَفَةِ الكِتابِ.

المعارج 70:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ (p-٣٠٤)أجْمَلُ ما يَعْلَمُونَ في ما المَوْصُولَةِ ”مِمّا“، وقَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في عِدَّةِ مَراحِلَ: مِن تُرابٍ أوَّلًا، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ. وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ، وأصْرَحُ نَصٍّ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] أيْ: ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ يَخْتَلِطانِ مَعًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ١ - ٢] . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩] لَيْسَ لِمُجَرَّدِ الإخْبارِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ، والعالِمُ لَيْسَ في حاجَةٍ إلى إخْبارٍ، ولَكِنْ يُرادُ بِذَلِكَ لازِمُ الخَبَرِ، وهو إفْهامُهم بِأنَّ مَن خَلَقَهم مِن هَذا الَّذِي يَعْلَمُونَ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِمْ وبَعْثِهِمْ ومُجازاتِهِمْ، كَما في سُورَةِ ”الدَّهْرِ“ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] . ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] . ثُمَّ بَيَّنَ المَصِيرَ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وأغْلالًا وسَعِيرًا﴾ ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٤ - ٥] .

المعارج 70:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ ظاهِرُهُ النَّفْيُ، والحالُ أنَّهُ أقْسَمَ بِدَلِيلِ جَوابِ القَسَمِ بَعْدَهُ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ [المعارج: ٤٠ - ٤١]، ولِلْعُلَماءِ في مَجِيءِ ”لا“ هَذِهِ كَلامٌ كَثِيرٌ، وقَدْ فَصَّلَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ في سُورَةِ ”البَلَدِ“، وسَيُطْبَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ في نِهايَةِ هَذِهِ التَّتِمَّةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] فَهو اللَّهُ تَعالى رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ، وقَدْ نَصَّ عَلى نَظِيرِهِ في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ١٧ - ١٨] . وَقَدْ جُمِعَتِ ”المَشارِقُ“ هُنا، وثُنِّيَتْ في ”الرَّحْمَنِ“ وأُفْرِدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥]، فالجَمْعُ عَلى مَشارِقِ الشَّمْسِ في السَّنَةِ لِكُلِّ يَوْمٍ مَشْرِقٌ (p-٣٠٥)كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والتَّثْنِيَةُ لِمَشْرِقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والإفْرادُ عَلى الجِهَةِ، وسَيَأْتِي في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ أيْضًا.

المعارج 70:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ بَيَّنَ هُنا حالَةَ الخُرُوجِ مِنَ الأجْداثِ وهي القُبُورُ، وهي أنَّهم يَخْرُجُونَ سِراعًا، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يَخْرُجُونَ مُبَعْثَرِينَ هُنا وهُناكَ. في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩]، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] .

المعارج 70:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ حالَةٌ ثانِيَةٌ، وقَدْ جَمَعَ الحالاتِ في سُورَةِ ”اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٦ - ٨] . نَسْألُ اللَّهَ تَعالى السَّلامَةَ والعافِيَةَ. وَفِي خِتامِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ لِهَذا الوَصْفِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ تَأْيِيدٌ لِلْقَوْلِ؛ بِأنَّ سُؤالَهم في أوَّلِها ”بِعَذابٍ واقِعٍ“، إنَّما هو اسْتِخْفافٌ واسْتِبْعادٌ. فَبَيَّنَ لَهم تَعالى بَعْدَ عَرْضِ السُّورَةِ نِهايَةَ ما يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ؛ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهم ويَرْجِعُوا إلى رَبِّهِمْ. فارْتَبَطَ آخِرُ السُّورَةِ بِأوَّلِها.

نوح 71:1

(p-٣٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ نُوحٍ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فِيهِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ رَسُولَهُ نُوحًا لِيُنْذِرَ قَوْمَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ، فالنِّذارَةُ أوَّلًا وهي عامَّةٌ في جَمِيعِ الأُمَمِ والرُّسُلِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]؛ وذَلِكَ لِإقامَةِ الحُجَّةِ أوَّلًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ .

نوح 71:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ الآيَةَ. جَعَلَ الطّاعَةَ هُنا لِنَبِيِّ اللَّهِ نُوحٍ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَلَّقَ عَلَيْها مَغْفِرَةَ اللَّهِ لِذُنُوبِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ طاعَةَ النَّبِيِّ هي طاعَةُ اللَّهِ، فَهي في الأصْلِ طاعَةٌ لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”النِّساءِ“ ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٧٩ - ٨٠] .

نوح 71:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ أيْ: عَلى الدَّوامِ كَما قالَ: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ [نوح: ٨ - ٩] . أيْ: أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نُوحًا عَلَيْهِ - وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَذَلَ كُلَّ ما يُمْكِنُهُ في سَبِيلِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى مُدَّةَ مُكْثِهِ فِيهِمْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] .

نوح 71:7

(p-٣٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ بَيَّنَ تَعالى الغَرَضَ مِن جَعْلِ الأصابِعِ في الآذانِ لِعَدَمِ السَّماعِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وإصْرارُهم واسْتِكْبارُهم إنَّما هو عَنِ اتِّباعِ ما دَعاهم إلَيْهِ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . كَما قالُوا: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧]، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] .

نوح 71:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ رَتَّبَ إرْسالَ السَّماءِ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا عَلى اسْتِغْفارِهِمْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ والعَمَلَ الصّالِحَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا في تَيْسِيرِ الرِّزْقِ. وَقَدْ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى ذَلِكَ في الحَدِيثِ: «مَن أرادَ أنْ يُنْسَأ لَهُ في عُمْرِهِ، ويُوَسَّعَ لَهُ في رِزْقِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . وَقَدْ تَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ ”هُودٍ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣] . كَما دَلَّتِ الآيَةُ الأُخْرى في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّ المَعْصِيَةَ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] .

نوح 71:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ هي المُبِيَّنَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [يوسف: ١٢ - ١٤] . وَهَذا مَرْوِيٌّ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ والقُرْطُبِيُّ. وَقِيلَ: ”أطْوارًا“: شَبابًا، وشُيُوخًا، وضُعَفاءً. وَقِيلَ: ”أطْوارًا“ أيْ: أنْواعًا: صَحِيحًا، وسَقِيمًا، وبَصِيرًا، وضَرِيرًا، وغَنِيًّا، وفَقِيرًا. (p-٣٠٨)وَقِيلَ: ”أطْوارًا“: اخْتِلافُهم في الأخْلاقِ والأفْعالِ. قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وَلَكِنْ كَما قَدَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - أنَّهُ إذا تَعَدَّدَتِ الأقْوالُ في الآيَةِ وكانَ فِيها قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى أحَدِ الأقْوالِ فَإنَّهُ يُبَيِّنُهُ، وهُنا قَرِينَةٌ في الآيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ هو الأوَّلُ، وإنْ كانَ الجَمِيعُ صَحِيحًا، والقَرِينَةُ هي أنَّ الآيَةَ في قَضِيَّةِ الخَلْقِ وهو الإيجادُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الإيجادِ صِفاتٌ عارِضَةٌ. وَقَدْ جاءَ نَظِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ ”المُؤْمِنُونَ“ كَما قَدَّمْنا، وقَدْ ذُيِّلَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . وَمِنها أنَّ الآيَةَ سِيقَتْ في الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى بَعْثِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِمُجازاتِهِمْ، فَكانَ الأنْسَبُ بِها أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُها كَمالَ الخِلْقَةِ والقُدْرَةِ عَلى الإيجادِ. والأنْسَبُ لِهَذا المَعْنى هو خَلْقُهم مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ وماءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ تَطْوِيرُها إلى عَلَقَةٍ، ثُمَّ تَطْوِيرُ العَلَقَةِ مُضْغَةً، ثُمَّ خَلْقُ المُضْغَةِ عِظامًا، ثُمَّ كَسْوُ العِظامِ لَحْمًا. ثُمَّ نَشْأتُهُ نَشْأةً أُخْرى. إنَّها قُدْرَةٌ باهِرَةٌ وسُلْطَةٌ قاهِرَةٌ. وَمِثْلُهُ في ”الواقِعَةِ“: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩] . وَفِي ”الطُّورِ“ في أصْلِ الخِلْقَةِ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] . إنَّ أصْلَ الخِلْقَةِ والإيجادِ، وهو أقْوى دَلِيلٍ عَلى القُدْرَةِ، وهو الَّذِي يُجابُ بِهِ عَلى الكَفَرَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى:﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٨ - ١٩] ذَلِكَ كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأطْوارِ في الآيَةِ، هو ما جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْهِ سُورَةُ ”المُؤْمِنُونَ“ . تَنْبِيهٌ. إنَّ بَيانَ أطْوارِ خِلْقَةِ الإنْسانِ عَلى النَّحْوِ المُتَقَدِّمِ أقْوى في انْتِزاعِ الِاعْتِرافِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ (p-٣٠٩)مِنَ العَبْدِ، مَن يُحْيِي المَخْلُوقَ جُمْلَةً؛ لِأنَّهُ يُوقِفُهُ عَلى عِدَّةِ مَراحِلَ مِن حَياتِهِ وإيجادِهِ، وكُلُّ طَوْرٍ مِنها آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وهَذا التَّوْجِيهُ مَوْجُودٌ في الظَّواهِرِ الكَوْنِيَّةِ أيْضًا مِن سَماءٍ وأرْضٍ، فالسَّماءُ كانَتْ دُخانًا وكانَتْ رَتْقًا فَفَتَقَهُما، والأرْضُ كانَتْ عَلى غَيْرِ ما هي عَلَيْهِ الآنَ، وبَيَّنَ الجَمِيعَ في قَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ ﴿وَأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٢] . وأجْمَعُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ في قَوْلِهِ تَعالى في ”فُصِّلَتْ“ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا﴾ [فصلت: ٩ - ١٢] . ثُمَّ خَتَمَ تَعالى هَذا التَّفْصِيلَ الكامِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢]، فَفِيهِ بَيانٌ أنَّ تِلْكَ الأطْوارَ في المَخْلُوقاتِ بِتَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ، وأنَّهُ بِعِلْمٍ، ومِنَ العَزِيزِ سُبْحانَهُ، فَكانَ مِنَ المُمْكِنِ خَلْقُها دَفْعَةً واحِدَةً، إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَلَكِنَّ العَرْضَ عَلى هَذا التَّفْصِيلِ أبْعَدُ أثَرًا في نَفْسِ السّامِعِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا عَلَيْهِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

نوح 71:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ ما قَبْلَها ثَلاثَةُ بَراهِينَ مِن بَراهِينِ البَعْثِ الأرْبَعَةِ الَّتِي كَثُرَ مَجِيئُها في القُرْآنِ: الأُولى: خَلْقُ الإنْسانِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] . والثّانِيَةُ: خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] . (p-٣١٠)والثّالِثَةُ: إحْياءُ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فصلت: ٣٩] . والرّابِعُ: الَّذِي لَمْ نَذْكُرْ هُنا هو إحْياءُ المَوْتى بِالفِعْلِ، كَقَتِيلِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ [البقرة: ٧٣] . وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - وهُنا سِياقُ هَذِهِ البَراهِينِ لِلرَّدِّ عَلى المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، ولَكِنْ في هَذا السِّياقِ إشْكالٌ فِيما يَبْدُو كَبِيرٌ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] . وَإذا كانَ السِّياقُ لِلِاسْتِدْلالِ بِالمَعْلُومِ المُشاهَدِ عَلى المَجْهُولِ الغَيْبِيِّ، فَإنَّ خَلْقَ الإنْسانِ أطْوارًا مَحْسُوسٌ مُشاهَدٌ ومُسَلَّمٌ بِهِ، وإنْباتُ الإنْسانِ مِنَ الأرْضِ بِإطْعامِهِ مِن نَباتِها، وإحْياؤُها بَعْدَ مَوْتِها، واهْتِزازُها، وإنْباتُها النَّباتَ أمْرٌ مَحْسُوسٌ. وَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ لِلْمُخاطَبِ: كَما شاهَدْتَ خَلْقَ الإنْسانِ مِن عَدَمٍ وتَطَوُّرَهُ أطْوارًا، وشاهَدْتَ إحْياءَ الأرْضِ المَيِّتَةِ، فَإنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكَ وأحْيا لَكَ الأرْضَ المَيِّتَةَ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَكَ ويُخْرِجَكَ مِنها إخْراجًا. وَلَكِنْ كَيْفَ تَقُولُ: وكَما شاهَدْتَ خَلْقَ السَّماواتِ سَبْعًا طِباقًا، فَإنَّ القادِرَ عَلى ذَلِكَ قادِرٌ عَلى بَعْثِكَ. والحالُ أنَّ الإنْسانَ لَمْ يُشاهِدْ خَلْقَ السَّماواتِ سَبْعًا طِباقًا، ولا رَأى كَيْفَ خَلَقَها اللَّهُ سَبْعًا طِباقًا، والإشْكالُ هُنا هو كَيْفَ قِيلَ لَهم: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ﴾ [نوح: ١٥] . والكَيْفُ لِلْحالَةِ والهَيْئَةِ، وهم لَمْ يُشاهِدُوها كَما قالَ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] . وَكَيْفَ يَسْتَدِلُّونَ بِالمَجْهُولِ عِنْدَهم عَلى المُغَيَّبِ عَنْهم ؟ وَهُنا تَساءَلَ ابْنُ كَثِيرٍ تَساؤُلًا وارِدًا، وهو قَوْلُهُ: طِباقًا أيْ: واحِدَةً فَوْقَ واحِدَةٍ، وهَلْ هَذا يُتَلَقّى مِن جِهَةِ السَّمْعِ فَقَطْ ؟ أوْ هو مِنَ الأُمُورِ المُدْرَكَةِ بِالحِسِّ، مِمّا عُلِمَ مِنَ التَّسْيِيرِ والكُسُوفاتِ. وأظُنُّهُ يَعْنِي التَّسْيِيرَ مِنَ السَّيْرِ، فَإنَّ الكَواكِبَ السَّبْعَةَ السَّيّارَةَ يَكْسِفُ بَعْضُها بَعْضًا، فَأدْناها القَمَرُ في السَّماءِ الدُّنْيا، وذَكَرَ الكَواكِبَ السَّبْعَةَ في السَّماواتِ السَّبْعِ، وكَلامَ أهْلِ الهَيْئَةِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإشْكالِ بِحَلٍّ يُرْكَنُ إلَيْهِ. (p-٣١١)وَقالَ القُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ﴾ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ لا المُعايَنَةِ. كَما تَقُولُ: ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلْتُ بِفُلانٍ كَذا ؟ وَعَلى كَلامِ القُرْطُبِيِّ يَرِدُ السُّؤالُ الأوَّلُ، إذا كانَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ الخَبَرُ دَلِيلًا عَلى خَبَرٍ آخَرَ لا يُدْرَكُ إلّا بِالسَّمْعِ ؟ والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مُجْمَلًا مِمّا تُشِيرُ إلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ الكَرِيمِ كالآتِي: أوَّلًا: إنَّ تَساؤُلَ ابْنِ كَثِيرٍ هَلْ يُتَلَقّى ذَلِكَ مِن جِهَةِ السَّمْعِ فَقَطْ ؟ أوْ هو مِنَ الأُمُورِ المُدْرَكَةِ بِالحِسِّ، لا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّهُ لا طَرِيقَ إلّا النَّقْلُ فَقَطْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، أيْ: آدَمُ. فَلَمْ نَعْلَمْ كَيْفَ خُلِقَ، ولا كَيْفَ سارَتِ الرُّوحُ في جِسْمِ جَمادٍ صَلْصالٍ، فَتَحَوَّلَ إلى جِسْمٍ حَسّاسٍ نامٍ ناطِقٍ. وَأمّا قَوْلُ القُرْطُبِيِّ: إنَّهُ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ لا المُعايَنَةِ، فَهو الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ. وَيُجِيبُ القُرْآنُ عَلى السُّؤالِ الوارِدِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ٩ - ١٣]؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَ هُنا الكُفّارَ قَطْعًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ . وَخاطَبَهم بِأُمُورٍ مُفَصَّلَةٍ لَمْ يَشْهَدُوها قَطْعًا مِن خَلْقِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ، ومِن تَقْدِيرِ أقْواتِها في أرْبَعَةِ أيّامٍ، ومِنَ اسْتِوائِهِ إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ. وَمِن قَوْلِهِ لَها ولِلْأرْضِ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ . وَمِن قَوْلِهِما: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ . (p-٣١٢)وَمِن قَضائِهِنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ. وَمِن وحْيِهِ في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها. كُلُّ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِأُمُورٍ لَمْ يَشْهَدُوها ولَمْ يَعْلَمُوا عَنْها بِشَيْءٍ، ومِن ضِمْنِها قَضاؤُهُ سَبْعَ سَماواتٍ، فَكانَ كُلُّهُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ لِجَماعَةِ الكُفّارِ. وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾؛ فَكانَ مُقْتَضى هَذا الإخْبارِ ومُوجِبُ هَذا التَّقْدِيرِ مِنَ العَزِيزِ العَلِيمِ، أنْ يُصَدِّقُوا أوْ أنْ يُؤْمِنُوا. وهَذا مِن خَصائِصِ كُلِّ إخْبارٍ يَكُونُ مَقْطُوعًا بِصِدْقِهِ مِن كُلِّ مَن هو واثِقٌ بِقَوْلِهِ: يَقُولُ الخَبَرَ، وكانَ لِقُوَّةِ صِدْقِهِ مُلْزِمًا لِسامِعِهِ، ولا يُبالِي قائِلُهُ بِقَبُولِ السّامِعِ لَهُ أوْ إعْراضِهِ عَنْهُ. وَلِذا قالَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ مُباشَرَةً: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ أيْ: بَعْدَ إعْلامِهِمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَلا عَلَيْكَ مِنهم: ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ . وَحَيْثُ إنَّ اللَّهَ خاطَبَهم هُنا ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ﴾ فَكانَ هَذا أمْرًا لِفَرْطِ صِدْقِ الإخْبارِ بِهِ، كالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ المُلْزِمِ لَهُمْ وَقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ، وبَيَّنَتْ تِلْكَ الكَيْفِيَّةَ أنَّها سَبْعٌ طِباقٌ، بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ والَّتِي تَلِيها مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وشَمْلُ كُلِّ سَماءٍ وسُمْكُ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وَقَدْ يُقالُ: إنَّ الرُّؤْيَةَ هُنا في الكَيْفِيَّةِ حاصِلَةٌ بِالعَيْنِ مَحْسُوسَةٌ، ولَكِنْ في شَخْصِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ لَيْلَةَ الإسْراءِ والمِعْراجِ؛ حَيْثُ عُرِجَ بِهِ ورَأى السَّبْعَ الطِّباقَ، وكانَ يَسْتَأْذِنُ لِكُلِّ سَماءٍ. ومُشاهَدَةُ الواحِدِ مِنَ الجِنْسِ كَمُشاهَدَةِ الجَمِيعِ، فَكَأنَّنا شاهَدْناها كُلُّنا لِإيمانِنا بِصِدْقِهِ ﷺ ولِحَقِيقَةِ مَعْرِفَتِهِمْ إيّاهُ ﷺ في الصِّدْقِ مِن قَبْلُ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

نوح 71:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ يَنُصُّ تَعالى هُنا أنَّ قَوْمَ نُوحٍ اتَّبَعُوا مَن هَذا وصْفُهُ مَعَ أنَّ المالَ يَزِيدُ الإنْسانَ نَفْعًا. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ فِعْلًا قَدْ يُورِثُ خَسارَةً وهَلاكًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، أيْ: بِالطُّغْيانِ يَكُونُ إهْلاكًا.

نوح 71:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ (p-٣١٣)فِي هَذا نَصٌّ عَلى أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نُوحًا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ إهْلاكَ مَن عَلى الأرْضِ جَمِيعًا، مَعَ أنَّ عادَةَ الرُّسُلِ الصَّبْرُ عَلى أُمَمِهِمْ، وفِيهِ إخْبارُ نَبِيِّ اللَّهِ نُوحٍ عَمَّنْ سَيُولَدُ مِن بَعْدُ، وأنَّهم لَمْ يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا، فَكَيْفَ دَعا عَلى قَوْمِهِ هَذا الدُّعاءَ، وكَيْفَ حَكَمَ عَلى المَوالِيدِ فِيما بَعْدُ ؟ والقُرْآنُ الكَرِيمُ بَيَّنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ: أمّا الأوَّلُ: فَإنَّهُ لَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ هَذا الدُّعاءَ إلّا بَعْدَ أنْ تَحَدَّوْهُ ويَئِسَ مِنهم، أمّا تَحَدِّيهِمْ فَفي قَوْلِهِمْ: ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [هود: ٣٢] . وَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ٩ - ١٠] . وَأمّا يَأْسُهُ مِنهم؛ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] . وَأمّا إخْبارُهُ عَمَّنْ سَيُولَدُ: بِأنَّهُ لَنْ يُولَدَ لَهم إلّا فاجِرٌ كَفّارٌ، فَهو مِن مَفْهُومِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُؤْمِن مِن قَوْمِهِ إلّا مَن قَدْ آمَنَ، فَسَواءٌ في الحاضِرِ أوِ المُسْتَقْبَلِ. وَكَذَلِكَ بِدَلِيلِ الِاسْتِقْراءِ، وهو دَلِيلٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا وعَقْلًا، وهو أنَّهُ مَكَثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ، كانُوا هم ومَن مَعَهم غَيْرُهم حِمْلَ سَفِينَةٍ فَقَطْ، فَكانَ دَلِيلًا عَلى قَوْمِهِ أنَّهم فُتِنُوا بِالمالِ ولَمْ يُؤْمِنُوا لَهُ، وهو دَلِيلُ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْضًا عَلى قَوْمِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] . فَأخْبَرَ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى عَنْ قَوْمِهِ: أنَّهم لَنْ يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، وذَلِكَ مِنَ اسْتِقْراءِ حالِهِمْ في مِصْرَ لَمّا أراهُمُ الآيَةَ الكُبْرى: ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢١ - ٢٤] . وَبَعْدَ أنِ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِما قَصَّ عَلَيْنا في قَوْلِهِ: (p-٣١٤)﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] . وَقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَها: ولَمّا ﴿وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٤ - ١٣٥] . فَمَن كانَتْ هَذِهِ حالَتُهُ ومُوسى يُعايِنُ ذَلِكَ مِنهم، لا شَكَّ أنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ أنَّهم لَنْ يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ. وَكَذَلِكَ كانَ دَلِيلُ الِاسْتِقْراءِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْمِهِ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى عَكْسِ الأقْوامِ الآخَرِينَ، حِينَما رَجَعَ مِنَ الطّائِفِ، وفَعَلَتْ مَعَهُ ثَقِيفٌ ما فَعَلَتْ فَأدْمَوْا قَدَمَيْهِ، وجاءَهُ جِبْرِيلُ ومَعَهُ مَلَكُ الجِبالِ، واسْتَأْذَنَهُ في أنْ يُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأخْشَبَيْنِ، فَقالَ: ”لا، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، إنِّي لَأرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ عَلِمَ بِاسْتِقْراءِ حالِهِمْ؛ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ فَهم يَمْتَنِعُونَ عَنِ الإيمانِ لِقِلَّةِ تَعَلُّمِهِمْ، وأنَّهم في حاجَةٍ إلى التَّعْلِيمِ. فَإذا عُلِّمُوا تَعَلَّمُوا، وأنَّ طَبِيعَتَهم قابِلَةٌ لِلتَّعْلِيمِ لا أنَّهم كَغَيْرِهِمْ في إصْرارِهِمْ؛ لِأنَّهُ شاهَدَ مِن كِبارِهِمْ إذا عُرِضَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ، وخُوطِبُوا بِخِطابِ العَقْلِ، ووَعَوْا ما يُخاطَبُونَ بِهِ، وسَلِمُوا مِنَ العَصَبِيَّةِ والنَّوازِعِ الأُخْرى، فَإنَّهم يَسْتَجِيبُونَ حالًا كَما حَدَثَ لِعُمَرَ وغَيْرِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - إلّا مَن أعْلَمَهُ اللَّهُ بِحالِهِ مِثْلَ: الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا﴾ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ١١ - ٢٦] فَعَلِمَ ﷺ حالَهُ ومَآلَهُ، ولِذا فَقَدْ دَعا عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَمِثْلُهُ أبُو لَهَبٍ لَمّا تَبَيَّنَ حالُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ [المسد: ٣ - ٤] فَلِكَوْنِ العَرَبِ أهْلَ فِطْرَةٍ، ولِكَوْنِ الإسْلامِ دِينَ الفِطْرَةِ أيْضًا كانَتِ الِاسْتِجابَةُ إلَيْهِ أقْرَبَ. انْظُرْ مُدَّةَ مُكْثِهِ ﷺ مِنَ البَعْثَةِ إلى انْتِقالِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، كَمْ عَدَدُ مَن أسْلَمَ فِيها بَيْنَما نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَمْكُثُ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، فَلَمْ يُؤْمِن مَعَهُ إلّا القَلِيلُ. (p-٣١٥)وَلِذا كانَ قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿وَلا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾، كانَ بِدَلِيلِ الِاسْتِقْراءِ مِن قَوْمِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلِ اسْتُجِيبَ لَهُ أمْ لا ؟ وبَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿وَنُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] . وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ نَفْسِها وقَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مُباشَرَةً قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ [نوح: ٢٥]، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهم أقْصى العُقُوبَتَيْنِ: الإغْراقَ، والإحْراقَ، مُقابِلَ أعْظَمِ الذَّنْبَيْنِ: الضَّلالِ، والإضْلالِ. وَكَذَلِكَ بَيَّنَ تَعالى كَيْفِيَّةَ إهْلاكِ قَوْمِهِ ونَجاتِهِ هو وأهْلُهُ ومَن مَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ الآيَةَ [القمر: ١٠ - ١٤] . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: لَقَدْ أغْرَقَ اللَّهُ كُلَّ مَن عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الكُفّارِ، حَتّى ولَدَ نُوحٍ مِن صُلْبِهِ. وهُنا تَنْبِيهٌ عَلى قَضِيَّةِ ولَدِ نُوحٍ في قَوْلِهِ ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٢ - ٤٣] لَمّا أخَذَتْ نُوحًا العاطِفَةُ عَلى ولَدِهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [هود: ٤٥ - ٤٦] أثارَ بَعْضُ النّاسِ تَساؤُلًا حَوْلَ ذَلِكَ في قِراءَةِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] إنَّهُ عَمَلٌ ماضٍ يَعْمَلُ، أيْ: بِكُفْرِهِ. وَتَساءَلُوا حَوْلَ صِحَّةِ نَسَبِهِ، والحَقُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَصَمَ نِساءَ الأنْبِياءِ؛ إكْرامًا لَهم، وأنَّهُ ابْنُهُ حَقًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ تَضَمَّنَ هَذا القَوْلُ أمْرَيْنِ: نِسْبَتَهُ إلَيْهِ في بُنُوَّتِهِ، ثانِيًا: نِسْبَتَهُ إلَيْهِ في أهْلِهِ، فَكانَ الجَوابُ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ بِنَفْيِ النِّسْبَةِ الثّانِيَةِ لا الأُولى، ”إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ“ . ولَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَكَ، والأهْلُ أعَمُّ مِنَ الِابْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ نَفْيَ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ، والعَكْسُ بِالعَكْسِ، فَلَمّا نَفى نِسْبَتَهُ إلى أهْلِهِ عَلِمْنا أنَّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ بِالبُنُوَّةِ باقِيَةٌ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ لَكانَ النَّفْيُ يَنْصَبُّ عَلَيْها. وَيُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَكَ، وإذا نَفى عَنْهُ البُنُوَّةَ انْتَفَتْ عَنْهُ نِسْبَتُهُ إلى أهْلِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ (p-٣١٦)تَعالى بَعْدَها: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ٣٧] أيْ؛ لِأنَّ الظّالِمِينَ لَيْسُوا مِنَ الأهْلِ بِالنِّسْبَةِ لِلدِّينِ؛ لِأنَّ الدِّينَ يَرْبِطُ البَعِيدِينَ، والظُّلْمَ الَّذِي هو بِمَعْنى الكُفْرِ يُفَرِّقُ القَرِيبِينَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

نوح 71:27

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٢٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ نُوحٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ عالِمٌ بِما يَصِيرُ إلَيْهِ الأوْلادُ مِنَ الفُجُورِ والكُفْرِ قَبْلَ وِلادَتِهِمْ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] . وَكَقَوْلِ نُوحٍ نَفْسِهِ فِيما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ في سُورَةِ ”هُودٍ“: ﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ الآيَةَ [هود: ٣١] . والجَوابُ عَنْ هَذا ظاهِرٌ، وهو أنَّهُ عَلِمَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ أنَّ قَوْمَهُ لا يُؤْمِنُ مِنهم أحَدٌ إلّا مَن آمَنَ، كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ الآيَةَ [هود: ٣٦] .

الجن 72:1

(p-٣١٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الجِنِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ فِيهِ إثْباتُ سَماعِ الجِنِّ لِلْقُرْآنِ وإعْجابِهِمْ بِهِ، وهِدايَتِهِمْ بِهَدْيِهِ، وإيمانِهِمْ بِاللَّهِ. وتَقَدَّمَتِ الإشارَةُ بِذَلِكَ مِن كَلامِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”الأحْقافِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، وفي آيَةِ ”الأحْقافِ“ بَيانٌ لِما قامَ بِهِ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ بَعْدَ سَماعِهِمُ القُرْآنَ، بِأنَّهم لَمّا قُضِيَ سَماعُهم ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. وَفِيها: بَيانُ أنَّهم عالِمُونَ بِكِتابِ مُوسى وهو التَّوْراةُ، وقَدْ شَهِدُوا بِأنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وأنَّهُ يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، كَما جاءَ هُنا قَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ .

الجن 72:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ والشَّطَطُ: البَعِيدُ المُفْرِطُ في البُعْدِ، قالَ عَنْتَرَةُ في مُعَلَّقَتِهِ: ؎شَطَّتْ مَزارُ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ عِسِرًا عَلى طُلّابِها ابْنَةُ مَخْرَمِ وَرُوِيَ: ؎حَلَّتْ بِأرْضِ الزّائِرِينَ فَأصْبَحَتْ وَأنْشَدَ أيْضًا لِغَيْرِهِ: ؎شَطَّ المَزارُ بِجَذْوِي وانْتَهى الأمَلُ فَفِي كِلا البَيْتَيْنِ الشَّطَطُ: الإفْراطُ في البُعْدِ، إذْ في الأوَّلِ قالَ: فَأصْبَحَتْ عَسِرًا عَلى طُلّابِها، وفي الثّانِي قالَ: وانْتَهى الأمَلُ، وقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ أنَّ المُرادَ بِالشَّطَطِ البُعْدُ الخاصُّ، (p-٣١٨)وَهُوَ البُعْدُ عَنِ الحَقِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] . وَمِنهُ البُعْدُ عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ إلى الشِّرْكِ، وهو المُرادُ هُنا كَما في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في قَوْلِهِ: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤]؛ لِأنَّ دُعاءَهم غَيْرَ اللَّهِ أبْعَدُ ما يَكُونُ عَنِ الحَقِّ. وَيَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هُنا ما جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [ ٧٢ \ ٢

الجن 72:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِتِلْكَ الحِراسَةِ: بِأنَّهُ لِحِفْظِها عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وَحِفْظًا﴾ [الصافات: ٦ - ٧]، وبَيَّنَ تَعالى حالَهم قَبْلَ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَقْعُدُونَ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَيَسْتَرِقُونَ الكَلِمَةَ ويَنْزِلُونَ بِها إلى الكاهِنِ، فَيَكْذِبُ مَعَها مِائَةَ كِذْبَةٍ، كَما بَيَّنَ تَعالى أنَّ الشُّهُبَ تَأْتِيهِمْ مِنَ النُّجُومِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] .

الجن 72:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ فِيهِ نَصٌّ عَلى أنَّ الجِنَّ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ [سبإ: ١٤] . وَقَدْ يَبْدُو مِن هَذِهِ الآيَةِ إشْكالٌ، حَيْثُ قالُوا أوَّلًا: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ١ - ٢] ثُمَّ يَقُولُونَ ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] والواقِعُ أنَّهم تَساءَلُوا لَمّا لَمَسُوا السَّماءَ فَمُنِعُوا مِنها لِشِدَّةِ حِراسَتِها، وأقَرُّوا أخِيرًا لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ وعَلِمُوا السَّبَبَ في تَشْدِيدِ حِراسَةِ السَّماءِ؛ لِأنَّهم لَمّا مُنِعُوا ما كانَ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّهُ مِن أجْلِ الوَحْيِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿وَأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ [الجن: ٧] . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] يَدُلُّ بِفَحْواهُ أنَّهم مُنِعُوا مِنَ السَّمْعِ، كَما قالُوا: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] (p-٣١٩)وَلَكِنْ قَدْ يَظُنُّ ظانٌّ أنَّهم يُحاوِلُونَ السَّماعَ ولَوْ مَعَ الحِراسَةِ الشَّدِيدَةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّهم لَمْ ولَنْ يَسْتَمِعُوا بَعْدَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] .

الجن 72:15

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): (p-٤٢٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الجِنِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ . لا يُعارِضُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] . لِأنَّ القاسِطَ هو الجائِرُ، والمُقْسِطُ هو العادِلُ، فَهُما ضِدّانِ.

الجن 72:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] فَكُلُّها نُصُوصٌ عَلى أنَّ الأُمَّةَ إذا اسْتَقامَتْ عَلى الطَّرِيقَةِ القَوِيمَةِ شِرْعَةِ اللَّهِ لَفَتَحَ عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] . وَمَفْهُومُ ذَلِكَ: أنَّ مَن لَمْ يَسْتَقِمْ عَلى الطَّرِيقَةِ فَقَدْ يَكُونُ انْحِرافُهُ أوْ شِرْكُهُ مُوجِبًا لِحِرْمانِهِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، كَما جاءَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ١٠ - ٣٤] . فَهَذِهِ نِعْمَةٌ كامِلَةٌ، كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٣٤ - ٤٣] . وَما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبارِحَةِ فِيما يَعِيشُهُ العالَمُ الإسْلامِيُّ اليَوْمَ بَيْنَ الِاتِّجاهَيْنِ المُتَناقِضَيْنِ الشُّيُوعِيِّ والرَّأْسِمالِيِّ. وما أثْبَتَهُ الواقِعُ مِن أنَّ المُعَسْكَرَ الشُّيُوعِيَّ الَّذِي أنْكَرَ وُجُودَ اللَّهِ، وكَفَرَ بِالَّذِي خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاهُ رَجُلًا، فَإنَّهُ وكُلُّ مَن يَسِيرُ في فَلَكِهِ مَعَ مَدى تَقَدُّمِهِ الصِّناعِيِّ، فَإنَّهُ مُفْتَقِرٌ لِكافَّةِ الأُمَمِ الأُخْرى في اسْتِيرادِ القَمْحِ، وإنَّ رُوسْيا بِنَفْسِها (p-٣٢٠)لَتُفْرِجُ عَنْ بَعْضِ احْتِياطِها مِنَ الذَّهَبِ لِتَشْتَرِيَ قَمْحًا. ولا زالَتْ تَشْتَرِيهِ مِنَ المُعَسْكَرِ الرَّأْسِمالِيِّ. وَهَكَذا الدُّوَلُ الإسْلامِيَّةُ الَّتِي تَأْخُذُ في اقْتِصادِيّاتِها بِالمَذْهَبِ الِاشْتِراكِيِّ المُتَفَرِّعِ مِنَ المَذْهَبِ الشُّيُوعِيِّ؛ فَإنَّها بَعْدَ أنْ كانَتْ تَفِيضُ بِإنْتاجِها الزِّراعِيِّ عَلى غَيْرِها، أصْبَحَتْ تَسْتَوْرِدُ لَوازِمَها الغِذائِيَّةَ مِن خارِجِها، وتِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ، ولَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ كَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا قِصَّةَ أصْحابِ الجَنَّةِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾، إلى قَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾، إلى قَوْلِهِ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [القلم: ١٧ - ٢٩] . وَلِذا كانَتِ الزَّكاةُ طُهْرَةً لِلْمالِ ونَماءً لَهُ. وَقَوْلُهُ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٧]، أيْ: نَخْتَبِرَهم فِيما هم فاعِلُونَ مِن شُكْرِ النِّعْمَةِ وصَرْفِها فِيما يُرْضِي اللَّهَ، أمِ الطُّغْيانِ بِها ومَنعِ حَقِّها ؟ إنَّ ﴿الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٥ - ١٦] .

الجن 72:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ ”المَساجِدُ“: جَمْعُ مَسْجِدٍ. والمَسْجِدُ لُغَةً اسْمُ مَكانٍ عَلى وزْنٍ مَفْعِلٍ، كَمَجْلِسٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ مَكانُ الجُلُوسِ، وهو لُغَةً يَصْدُقُ عَلى كُلِّ مَكانٍ صالِحٍ لِلسُّجُودِ. وَقَدْ ثَبَتَ مِنَ السُّنَّةِ أنَّ الأرْضَ كُلَّها صالِحَةٌ لِذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ ﷺ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا»، واسْتَثْنى مِنها أماكِنَ خاصَّةً نَهى عَنِ الصَّلاةِ فِيها؛ لِأوْصافٍ طارِئَةٍ عَلَيْها، وهي المَزْبَلَةُ، والمَجْزَرَةُ، والمَقْبَرَةُ، وقارِعَةُ الطَّرِيقِ، وفَوْقَ الحَمّامِ، ومَواضِعُ الخَسْفِ، ومَعاطِنُ الإبِلِ، والمَكانُ المَغْصُوبُ عَلى خِلافٍ فِيهِ مِن حَيْثُ الصِّحَّةُ وعَدَمُها، والبِيَعُ. وَقَدْ عَدَّ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - تِسْعَةَ عَشَرِ مَوْضِعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] في الكَلامِ عَلى حُكْمِ أرْضِ الحِجْرِ، ومُواطِنِ الخَسْفِ، وساقَ كُلَّ مَوْضِعٍ بِدَلِيلِهِ، وهو بَحْثٌ مُطَوَّلٌ مُسْتَوْفًى؛ والمَسْجِدُ عُرْفًا (p-٣٢١)كُلُّ ما خُصِّصَ لِلصَّلاةِ، وهو المُرادُ بِالإضافَةِ هُنا لِلَّهِ تَعالى، وهي إضافَةُ تَشْرِيفٍ وتَكْرِيمٍ مَعَ الإشْعارِ بِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ، أيْ: بِعِبادَتِهِ وذِكْرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] . وَلِهَذا مُنِعَتْ مِنَ اتِّخاذِها لِأُمُورِ الدُّنْيا مِن بَيْعٍ وتِجارَةٍ، كَما في الحَدِيثِ: «إذا رَأيْتُمْ مَن يَبِيعُ أوْ يَبْتاعُ في المَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لا أرْبَحَ اللَّهُ تِجارَتَكَ» رَواهُ النِّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ. وَكَذَلِكَ إنْشادُ الضّالَّةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إذا سَمِعْتُمْ مَن يَنْشُدُ ضالَّةً بِالمَسْجِدِ، فَقُولُوا لَهُ: لا رَدَّها اللَّهُ عَلَيْكَ؛ فَإنَّ المَساجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ» رَواهُ مُسْلِمٌ. وَفِي حَدِيثِ الأعْرابِيِّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ قالَ لَهُ ﷺ: «إنَّ هَذِهِ المَساجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ؛ إنَّما هي لِذِكْرِ اللَّهِ وما والاهُ»، وفي مُوَطَّأِ مالِكٍ: أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَنى رَحْبَةً في ناحِيَةِ المَسْجِدِ تُسَمّى: البَطْحاءَ. وقالَ: مَن كانَ يُرِيدُ أنْ يَلْغَطَ أوْ يُنْشِدَ شِعْرًا، أوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ، فَلْيَخْرُجْ إلى هَذِهِ الرَّحْبَةِ. واللَّغَطُ هو: الكَلامُ الَّذِي فِيهِ جَلَبَةٌ واخْتِلاطٌ. وألْ في المَساجِدِ: لِلِاسْتِغْراقِ؛ فَتُفِيدُ شُمُولَ جَمِيعِ المَساجِدِ، كَما تَدُلُّ في عُمُومِها عَلى المُساواةِ، ولَكِنْ جاءَتْ آياتٌ تُخَصِّصُ بَعْضَ المَساجِدِ بِمَزِيدِ فَضْلٍ واخْتِصاصٍ، وهي: المَسْجِدُ الحَرامُ؛ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِما جاءَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧] . فَذَكَرَ هُنا سَبْعَ خِصالٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنَ المَساجِدِ مِن أنَّهُ: أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ومُبارَكٌ، وهُدًى لِلْعالَمِينَ، وفِيهِ آياتُ بَيِّناتٌ، ومَقامُ إبْراهِيمَ، ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، والحَجُّ والعُمْرَةُ إلَيْهِ، وآياتٌ أُخَرُ. والمَسْجِدُ الأقْصى؛ قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] فَخُصَّ بِكَوْنِهِ مَسْرى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ، وبِالبَرَكَةِ حَوْلَهُ، وأُرِيَ ﷺ فِيهِ مِن آياتِ رَبِّهِ. (p-٣٢٢)وَقَدْ كانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَعْرُجَ بِهِ إلى السَّماءِ مِن جَوْفِ مَكَّةَ، ومِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، ولَكِنْ لِيُرِيَهُ مِن آياتِ اللَّهِ: كَعَلاماتِ الطَّرِيقِ؛ لِتَكُونَ دَلِيلًا لَهُ عَلى قُرَيْشٍ في إخْبارِهِ بِالإسْراءِ والمِعْراجِ، وتَقْدِيمِ جِبْرِيلَ لَهُ الأقْداحَ الثَّلاثَةَ: بِالماءِ، واللَّبَنِ، والخَمْرِ، واخْتِيارِهِ اللَّبَنَ رَمْزًا لِلْفِطْرَةِ. واجْتِماعِ الأنْبِياءِ لَهُ والصَّلاةِ بِهِمْ في المَسْجِدِ الأقْصى، بَيْنَما رَآهم في السَّماواتِ السَّبْعِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ أُرِيَها ﷺ في المَسْجِدِ الأقْصى. والمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، ومَسْجِدُ قُباءٍ: فَمَسْجِدُ قُباءٍ: نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] . فَجاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أنَّ أبا سَعِيدٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «أيُّ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ ؟ فَأخَذَ ﷺ حَفْنَةً مِنَ الحَصْباءِ وضَرَبَ بِها أرْضَ مَسْجِدِهِ، وقالَ: ”مَسْجِدُكم هَذا»“ . وَجاءَ في بُلُوغِ المَرامِ وغَيْرِهِ: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سَألَ أهْلَ قُباءٍ، فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ يُثْنِي عَلَيْكم“، فَقالُوا: إنّا نُتْبِعُ الحِجارَةَ الماءَ»، رَواهُ البَزّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِدُونِ ذِكْرِ الحِجارَةِ. وَقالَ صاحِبُ وفاءِ الوَفاءِ: ورَوى ابْنُ شَيْبَةَ مِن طُرُقٍ ما حاصِلُهُ أنَّ: الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ قُباءٍ. وَفِي رِوايَةٍ: أهْلَ ذَلِكَ المَسْجِدِ. وَفِي رِوايَةٍ: بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ في الطُّهُورِ، فَما بَلَغَ مِن طُهُورِكم ؟ قالُوا: نَسْتَنْجِي بِالماءِ» . قالَ: ورَوى أحْمَدُ، وابْنُ شَيْبَةَ، واللَّفْظُ لِأحْمَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: «انْطَلَقْتُ إلى مَسْجِدِ التَّقْوى أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، فَأتَيْنا النَّبِيَّ ﷺ، فَقالُوا لَنا: انْطَلِقُوا إلى مَسْجِدِ التَّقْوى، فانْطَلَقْنا نَحْوَهُ. فاسْتَقْبَلَنا يَداهُ عَلى كاهِلِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَثُرْنا في وجْهِهِ، فَقالَ: مَن هَؤُلاءِ يا أبا بَكْرٍ ؟ فَقالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وجُنْدُبٌ» . (p-٣٢٣)فَحَدِيثُ مُسْلِمٍ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتِلْكَ النُّصُوصُ في مَسْجِدِ قُباءٍ. وَقَدْ قالَ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والحَقُّ أنَّ كُلًّا مِنهُما أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] ظاهِرٌ في أهْلِ قُباءٍ. وَقِيلَ: إنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ في خُصُوصِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، جاءَ رَدًّا عَلى اخْتِلافِ رَجُلَيْنِ في المَسْجِدِ المَعْنِيِّ بِها، فَأرادَ ﷺ أنْ يُبَيِّنَ لَهم أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ خاصَّةً بِمَسْجِدِ قُباءٍ، وإنَّما هي عامَّةٌ في كُلِّ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، وأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَما هو مَعْلُومٌ في الأُصُولِ. وَعَلَيْهِ، فالآيَةُ إذًا اشْتَمَلَتْ وتَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ مَسْجِدٍ أيْنَما كانَ، إذا كانَ أساسُهُ مِن أوَّلِ يَوْمِ بِنائِهِ عَلى التَّقْوى، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ سِياقُ الآيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما قَبْلَها وما بَعْدَها، فَقَدْ جاءَتْ قَبْلَها قِصَّةُ مَسْجِدِ الضِّرارِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١٠٨] . وَمَعْلُومٌ أنَّ مَسْجِدَ الضِّرارِ كانَ بِمِنطَقَةِ قُباءٍ، وطَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ لَهم فِيهِ تَبَرُّكًا في ظاهِرِ الأمْرِ، وتَقْرِيرًا لِوُجُودِهِ يَتَذَرَّعُونَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ. وَجاءَتِ الآيَةُ بِمُقارَنَةٍ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ، فَقالَ تَعالى لَهُ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٠٨] . وَجاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مُباشَرَةً لِلْمُقارَنَةِ مَرَّةً أُخْرى أعَمَّ مِنَ الأُولى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ لا ﴿يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٩ - ١١٠] . وَبِهَذا يَكُونُ السَّبَبُ في نُزُولِ الآيَةِ هو المُقارَنَةُ بَيْنَ مَبْدَأيْنِ مُتَغايِرَيْنِ، وأنَّ الأوَّلِيَّةَ في الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] أوَّلِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ، أيْ: بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ مَسْجِدٍ في أوَّلِ (p-٣٢٤)يَوْمِ بِنائِهِ، وإنْ كانَ الظّاهِرُ فِيها أوَّلِيَّةً زَمانِيَّةً خاصَّةً، وهو أوَّلُ يَوْمٍ وصَلَ ﷺ المَدِينَةَ، ونَزَلَ بِقُباءٍ، وتَظَلُّ هَذِهِ المُقارَنَةُ في الآيَةِ مَوْجُودَةً إلى ما شاءَ اللَّهُ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ كَما قَدَّمْنا. وَقَدِ اخْتُصَّتْ تِلْكَ المَساجِدُ الأرْبَعَةُ بِأُمُورٍ تَرْبِطُ بَيْنَها بِرَوابِطَ عَدِيدَةٍ، أهَمُّها: تَحْدِيدُ مَكانِها حَيْثُ كانَ بِوَحْيٍ أوْ شِبْهِ الوَحْيِ، فَفي البَيْتِ الحَرامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] . وَفِي المَسْجِدِ الأقْصى ما جاءَ في الأثَرِ عَنْهُ: أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى نَبِيِّهِ داوُدَ أنِ ابْنِ لِي بَيْتًا، قالَ: وأيْنَ تُرِيدُنِي أبْنِيهِ لَكَ يا رَبِّ ؟ قالَ: حَيْثُ تَرى الفارِسَ المُعَلِّمَ شاهِرًا سَيْفَهُ. فَرَآهُ في مَكانِهِ الآنَ، وكانَ حَوْشًا لِرَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. إلى آخِرِ القِصَّةِ في البَيْهَقِيِّ. وَفِي مَسْجِدِ قُباءٍ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ. «لَمّا نَزَلَ ﷺ قُباءٍ، قالَ: ”مَن يَرْكَبُ النّاقَةَ“ إلى أنْ رَكِبَها عَلِيٌّ، فَقالَ لَهُ: ”أرْخِ زِمامَها“ فاسْتَنَّتْ، فَقالَ: ”خُطُّوا المَسْجِدَ حَيْثُ اسْتَنَّتْ»“ . وَفِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ: جاءَ في السِّيَرِ كُلِّها: «أنَّهُ ﷺ كانَ كُلَّما مَرَّ بِحَيٍّ مِن أحْياءِ المَدِينَةِ، وقالُوا لَهُ: هَلُمَّ إلى العَدَدِ والعُدَّةِ، فَيَقُولُ: ”خَلُّوا سَبِيلَها، فَإنَّها مَأْمُورَةٌ“، حَتّى وصَلَتْ إلى أمامِ بَيْتِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وكانَ أمامَهُ مِرْبَدٌ لِأيْتامٍ ومَقْبَرَةٌ لِيَهُودَ، فاشْتَرى المَكانَ ونَبَشَ القُبُورَ وبَنى المَسْجِدَ» . وَكَذَلِكَ في البِناءِ فَكُلُّها بِناءُ رُسُلِ اللَّهِ، فالمَسْجِدُ الحَرامُ بَناهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أيِ البِناءُ الَّذِي ذَكَرَهُ القُرْآنُ وما قَبْلَهُ فِيهِ رِواياتٌ عَدِيدَةٌ، ولَكِنَّ الثّابِتَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] . وَكَذَلِكَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْتِ أرْبَعُونَ سَنَةً، كَما في حَدِيثِ عائِشَةَ في البُخارِيِّ، أيْ: تَجْدِيدُ بِنائِهِ. وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ قُباءٍ، فَقَدْ شارَكَ ﷺ في بِنائِهِ، وجاءَ في قِصَّةِ بِنائِهِ «أنَّ رَجُلًا لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ حامِلًا حَجَرًا، فَقالَ: دَعْنِي أحْمِلْهُ عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ: ”انْطَلِقْ وخُذْ غَيْرَها، فَلَسْتَ بِأحْوَجَ مِنَ الثَّوابِ مِنِّي»“ . وَكَذَلِكَ مَسْجِدُهُ الشَّرِيفُ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، حِينَ بَناهُ أوَّلًا مِن جُذُوعِ النَّخْلِ وجَرِيدِهِ (p-٣٢٥)ثُمَّ بَناهُ مَرَّةً أُخْرى بِالبِناءِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِن تَبُوكَ. وَلِهَذِهِ الخُصُوصِيّاتِ لِهَذِهِ المَساجِدِ الأرْبَعَةِ، تَمَيَّزَتْ عَنْ عُمُومِ المَساجِدِ كَما قَدَّمْنا. وَمِن أهَمِّ ذَلِكَ مُضاعَفَةُ الأعْمالِ فِيها، أصْلُها الصَّلاةُ، كَما بَوَّبَ لِهَذا البُخارِيُّ بِقَوْلِهِ: بابُ فَضْلِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ. وساقَ الحَدِيثَيْنِ. الأوَّلُ حَدِيثُ: «لا تَشُدُّوا الرِّحالَ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، والمَسْجِدُ الأقْصى، ومَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ» . والحَدِيثُ الثّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا خَيْرٌ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ إلّا المَسْجِدَ الحَرامَ» . كَما اخْتُصَّ المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ بِرَوْضَتِهِ، الَّتِي هي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ. وَبِقَوْلِهِ ﷺ: «وَمِنبَرِي عَلى تُرْعَةٍ مِن تُرَعِ الجَنَّةِ»، وهو حَدِيثٌ مَشْهُورٌ: «ما بَيْنَ بَيْتِي ومِنبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، ومِنبَرِي عَلى تُرْعَةٍ مِن تُرَعِ الجَنَّةِ» . واخْتُصَّ مَسْجِدُ قُباءٍ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ أتى مَسْجِدَ قُباءٍ فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، كانَ لَهُ كَأجْرِ عُمْرَةٍ»، أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ وعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، ورَواهُ أحْمَدُ والحاكِمُ، وقالَ: صَحِيحٌ بِسَنَدٍ. قالَ في وفاءِ الوَفاءِ: وقالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: حَدَّثَنا سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ، قالَ حَدَّثَنا أيُّوبُ بْنُ حَيامٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الرُّقَيْشِ الأسَدِيِّ، قالَ: جاءَنا أنَسُ بْنُ مالِكٍ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ إلى بَعْضِ هَذِهِ السَّوارِي، ثُمَّ سَلَّمَ وجَلَسَ وجَلَسْنا حَوْلَهُ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ !: ما أعْظَمَ حَقَّ هَذا المَسْجِدِ، ولَوْ كانَ عَلى مَسِيرَةِ شَهْرٍ كانَ أهْلًا أنْ يُؤْتى، مَن خَرَجَ مِن بَيْتِهِ يُرِيدُهُ مُعْتَمِدًا إلَيْهِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ أقْلَبَهُ اللَّهُ بِأجْرِ عُمْرَةٍ. وَقَدِ اشْتُهِرَ هَذا المَعْنى عِنْدَ العامَّةِ والخاصَّةِ، حَتّى قالَ عَبْدُ الرَّحِمَنِ بْنُ الحَكَمِ في شِعْرٍ لَهُ: ؎فَإنْ أهْلِكْ فَقَدْ أقْرَرْتُ عَيْنًا مِنَ المُعْتَمِراتِ إلى قُباءٍ ؎مِنَ اللّائِي سَوالِفُهُنَّ غِيدٌ ∗∗∗ عَلَيْهِنَّ المَلاحَةُ بِالبَهاءِ (p-٣٢٦)وَرَوى ابْنُ شَبَّةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِن طَرِيقِ عائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَتْ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: لَأنْ أُصَلِّيَ في مَسْجِدِ قُباءٍ رَكْعَتَيْنِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ آتِيَ بَيْتَ المَقْدِسِ مَرَّتَيْنِ. لَوْ يَعْلَمُونَ ما في قُباءٍ؛ لَضَرَبُوا إلَيْهِ أكْبادَ الإبِلِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ مَرْفُوعَةً ومَوْقُوفَةً، مِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى مِن أنَّ قُباءً اخْتُصَّ بِأنَّ مَن تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ وأتى إلَيْهِ عامِدًا، وصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ؛ كانَ لَهُ كَأجْرِ عُمْرَةٍ. * * تَنْبِيهٌ. وَهُنا سُؤالٌ يَفْرِضُ نَفْسَهُ: لِماذا كانَ مَسْجِدُ قُباءٍ دُونَ غَيْرِهِ، ولِماذا اشْتُرِطَ التَّطَهُّرُ في بَيْتِهِ لا مِن عِنْدِ المَسْجِدِ ؟ ولَقَدْ تَطَلَّبْتُ ذَلِكَ طَوِيلًا فَلَمْ أقِفْ عَلى قَوْلٍ فِيهِ، ثُمَّ بَدا لِي مِن واقِعِ تارِيخِهِ، وارْتِباطِهِ بِواقِعِ المُسْلِمِينَ والمَسْجِدِ الحَرامِ: أنَّ مَسْجِدَ قُباءٍ لَهُ ارْتِباطاتٌ عَدِيدَةٌ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ: أوَّلًا: مِن حَيْثُ الزَّمَنِ، فَهو أسْبَقُ مِن مَسْجِدِ المَدِينَةِ. وَمِن حَيْثُ الأوَّلِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ، فالمَسْجِدُ الحَرامُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ. وَمَسْجِدُ قُباءٍ أوَّلُ مَسْجِدٍ بَناهُ المُسْلِمُونَ. والمَسْجِدُ الحَرامُ بَناهُ الخَلِيلُ. وَمَسْجِدُ قُباءٍ بَناهُ خاتَمُ المُرْسَلِينَ. والمَسْجِدُ الحَرامُ كانَ مَكانُهُ بِاخْتِيارٍ مِنَ اللَّهِ، وشَبِيهٌ بِهِ مَكانُ مَسْجِدِ قُباءٍ. وَمِن حَيْثُ المَوْضُوعِيَّةُ؛ فالمَسْجِدُ الحَرامُ مَأْمَنٌ ومَوْئِلٌ لِلْعاكِفِ والبادِ. وَمَسْجِدُ قُباءٍ مَأْمَنٌ ومَسْكَنٌ ومَوْئِلٌ لِلْمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ، ولِأهْلِ قُباءٍ، فَكانَ لِلصَّلاةِ فِيهِ شِدَّةُ ارْتِباطٍ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ تَجْعَلُ المُتَطَهِّرَ في بَيْتِهِ والقاصِدَ إلَيْهِ لِلصَّلاةِ فِيهِ كَأجْرِ عُمْرَةٍ. ولَوْ قِيلَ: إنَّ اشْتِراطَ التَّطْهِيرِ في بَيْتِهِ لا عِنْدَ المَسْجِدِ شِدَّةُ عِنايَةٍ بِهِ أوَّلًا، وتَمْحِيصُ القَصْدِ إلَيْهِ ثانِيًا، وتَشْبِيهٌ أوْ قَرِيبٌ بِالفِعْلِ مِنَ اشْتِراطِ الإحْرامِ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الحِلِّ، لا مِن عِنْدِ البَيْتِ في العُمْرَةِ الحَقِيقَةِ، لَمّا كانَ بَعِيدًا. فالتَّطَهُّرُ مِن بَيْتِهِ والذَّهابُ إلى قُباءٍ لِلصَّلاةِ فِيهِ كالإحْرامِ مِنَ الحِلِّ والدُّخُولِ في الحَرَمِ لِلطَّوافِ والسَّعْيِ، كَما فِيهِ تَعْوِيضُ المُهاجِرِينَ عَمّا فاتَهم مِن جِوارِ البَيْتِ الحَرامِ قَبْلَ الفَتْحِ. - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - . * * (p-٣٢٧)تَنْبِيهٌ آخَرُ. إنَّ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ: أنَّ لِلْمَسْجِدِ في المُجْتَمَعِ الإسْلامِيِّ رِسالَةً عُظْمى، ألْزَمَ ما يَكُونُ عَلى المُسْلِمِينَ إحْياؤُها: وهي أنَّ المَسْجِدَ لَهم هو بَيْتُ الأُمَّةِ فِيهِمْ، لِجَمِيعِ مَصالِحِهِمُ العامَّةِ والخاصَّةِ تَقْرِيبًا مِمّا يَصْلُحُ لَهُ، فَكَأنَّ المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ في أوَّلِ أمْرِ المُسْلِمِينَ المِثالُ لِذَلِكَ. إذْ كانَ المُصَلّى الَّذِي تَتَضاعَفُ فِيهِ الصَّلاةُ، وكانَ المَعْهَدَ لِتَلَقِّي العِلْمِ مِنهُ ﷺ، ومِن جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنَ الأئِمَّةِ ورَثَةِ الأنْبِياءِ، ولا يَزالُ - بِحَمْدِ اللَّهِ - كَما قالَ ﷺ: «يُوشِكُ أنْ يَضْرِبَ النّاسُ أكْبادَ الإبِلِ فَلا يَجِدُونَ عالِمًا كَعالِمِ المَدِينَةِ» . وَكَما قالَ: «مَن راحَ إلى مَسْجِدِي لِعِلْمٍ يَتَعَلَّمُهُ أوْ يُعَلِّمُهُ كانَ كَمَن غَزا في سَبِيلِ اللَّهِ»، وكانَ فِيهِ تَعْلِيمُ الصِّبْيانِ لِلْقِراءَةِ والكِتابَةِ، وكانَ ولا يَزالُ كَذَلِكَ إلى اليَوْمِ - بِحَمْدِ اللَّهِ -، وكانَ مَقَرًّا لِلْإفْتاءِ، ومَجْلِسًا لِلْقَضاءِ، ومَقَرًّا لِلضِّيافَةِ، ومَنزِلًا لِلْأسارى، ومَصَحًّا لِلْجَرْحى. وَقَدْ ضُرِبَتْ لِسَعْدٍ فِيهِ قُبَّةٌ لَمّا أصابَهُ سَهْمٌ لِيَعُودَهُ ﷺ مِن قَرِيبٍ، ومَقَرًّا لِلْقِيادَةِ، فَتُعْقَدُ فِيهِ ألْوِيَةُ الجِهادِ، وتُبْرَمُ فِيهِ مُعاهَداتُ الصُّلْحِ، ومَنزِلًا لِلْوُفُودِ: كَوَفْدِ تَمِيمٍ وعَبْدِ القَيْسِ، وبَيْتًا لِلْمالِ: كَمَجِيءِ مالِ البَحْرَيْنِ وحِراسَةِ أبِي هُرَيْرَةَ لَهُ. وَلَمّا نُقِبَ بَيْتُ مالِ المُسْلِمِينَ، قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِعامِلِهِ هُناكَ: انْقُلْهُ إلى المَسْجِدِ فَلا يَزالُ المَسْجِدُ فِيهِ مُصَلِّي، أيْ: لِيَتَوَلّى حِراسَتَهُ ومَقِيلًا لِلْعُزّابِ ومَبِيتًا لِلْغُرَباءِ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُوجَدُ في أيِّ مُؤَسَّسَةٍ أُخْرى. ولا تَتَأتّى إلّا في المَسْجِدِ، مِمّا يُؤَكِّدُ رِسالَةَ المَسْجِدِ، ويَسْتَدْعِي الِانْتِباهَ إلَيْهِ وحُسْنَ الِاسْتِفادَةِ مِنهُ. * * وَبِمُناسَبَةِ اخْتِصاصِ هَذِهِ المَساجِدِ الأرْبَعَةِ بِمَزِيدِ الفَضْلِ وزِيادَةِ مُضاعَفَةِ الصَّلاةِ، فَإنَّ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ خاصَّةً عِدَّةَ مَباحِثَ طالَما أُشِيرَ إلَيْها في عِدَّةِ مَواضِعَ وهي مِنَ الأهَمِّيَّةِ بِمَكانٍ، وأهَمُّها أرْبَعَةُ مَباحِثَ نُورِدُها بِإيجازٍ، وهي: الأوَّلُ: مُضاعَفَةُ الصَّلاةِ بِألْفٍ. وهَلْ هي خاصَّةٌ بِمَسْجِدِهِ ﷺ الَّذِي كانَ مِن بِنائِهِ ﷺ، أمْ يَشْمَلُ ذَلِكَ ما دَخَلَهُ مِن زِياداتٍ. وَكَذَلِكَ امْتِدادُ الصُّفُوفِ خارِجَهُ عَنِ الزَّحْمَةِ، وهَلْ هي في الفَرْضِ فَقَطْ أمْ فِيهِ وفي النَّفْلِ ؟، وهَلْ هي لِلرِّجالِ والنِّساءِ أمْ لِلرِّجالِ فَقَطْ ؟ . (p-٣٢٨)وَقَضِيَّةُ الأرْبَعِينَ صَلاةً الثّانِيَةَ بَعْدَ التَّوْسِعَةِ الأُولى لِعُمَرَ وعُثْمانَ، ونَقْلِ المِحْرابِ إلى القِبْلَةِ عَنِ الرَّوْضَةِ، فَأيُّ الصَّفَّيْنِ أفْضَلُ ؟ الصَّفُّ الأوَّلُ أمْ صُفُوفُ الرَّوْضَةِ. الثّالِثَةُ: صَلاةُ المَأْمُومِينَ عِنْدَ الزِّحامِ أمامَ الإمامِ. الرّابِعَةُ: حَدِيثُ شَدِّ الرِّحالِ والسَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَأْتِي مَبْحَثٌ مُوجِبٌ الرَّبْطَ بَيْنَ أوَّلِ الآيَةِ وآخِرِها، ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ لِما فِيهِ مِنَ التَّنْوِيهِ والإيماءِ إلى بِناءِ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ مَعَ تَمْحِيصِ العِبادَةِ لِلَّهِ وحْدَهُ. وَتِلْكَ المَباحِثُ كُنْتُ قَدْ فَصَّلْتُها في رِسالَةِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الَّتِي كَتَبْتُها مِن قَبْلُ، ونُجْمِلُ ذَلِكَ هُنا. المَبْحَثُ الأوَّلُ. هَلِ الفَضْلِيَّةُ خاصَّةٌ بِالفَرْضِ، أمْ بِالنَّفْلِ ؟ اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى الفَرْضِ، ووَقَعَ الخِلافُ في النَّفْلِ، ما عَدا تَحِيَّةَ المَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ. وَأمّا الخِلافُ في النَّوافِلِ الرّاتِبَةِ في الصَّلَواتِ الخَمْسِ وفي قِيامِ اللَّيْلِ، وسَبَبُ الخِلافِ هو عُمُومُ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا خَيْرٌ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ» فَمَن حَمَلَهُ عَلى العُمُومِ شَمَلَهُ بِالنّافِلَةِ، ومَن حَمَلَ العُمُومَ عَلى الأصْلِ فِيهِ قَصَرَهُ عَلى الفَرِيضَةِ، إذِ العامُّ عَلى الإطْلاقِ يُحْمَلُ عَلى الأخَصِّ مِنهُ، وهي الفَرِيضَةُ. وَقَدْ جاءَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ عِنْدَ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ: «أفْضَلُ صَلاةِ المَرْءِ في بَيْتِهِ إلّا المَكْتُوبَةَ» . وَجاءَ التَّصْرِيحُ بِمَسْجِدِهِ بِقَوْلِهِ: «صَلاةُ المَرْءِ في بَيْتِهِ أفْضَلُ مِن صَلاتِهِ في مَسْجِدِي هَذا إلّا المَكْتُوبَةَ» . وَما جاءَ عَنِ التِّرْمِذِيِّ في الشَّمائِلِ ومَجْمَعِ الزَّوائِدِ: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ في بَيْتِهِ والصَّلاةِ في المَسْجِدِ، فَقالَ ﷺ: ”قَدْ تَرى ما أقْرَبَ بَيْتِي مِنَ المَسْجِدِ؛ فَلَأنْ أُصَلِّيَ في بَيْتِي أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُصَلِيَ في المَسْجِدِ، إلّا أنْ تَكُونَ المَكْتُوبَةَ“ . وَفِي رِوايَةٍ: ”أرَأيْتَ قُرْبَ بَيْتِي مِنَ المَسْجِدِ ؟“، قالَ: بَلى. قالَ: ”فَإنِّي (p-٣٢٩)أُصَلِّي النّافِلَةَ في بَيْتِي“» . * * المَبْحَثُ الثّانِي. أقْوالُ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، وعَلى هَذا التَّفْصِيلِ كانَتْ أقْوالُ الأئِمَّةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - كالتّالِي: قَوْلُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ: إنَّ النّافِلَةَ في البَيْتِ أفْضَلُ، وإذا وقَعَتْ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ كانَ لَها نَفْسُ الأجْرِ، أيْ: أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ الصَّلَواتِ. ولَكِنَّها في البَيْتِ أفْضَلُ هي مِنها في المَسْجِدِ. وَعِنْدَ الشّافِعِيِّ: اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ، فَذَكَرَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ العُمُومَ. وجاءَ عَنْهُ في المَجْمُوعِ ما يُفِيدُ الخُصُوصَ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ. والنُّصُوصُ في صَلاةِ النّافِلَةِ في البَيْتِ عَدِيدَةٌ، مِنها: «اجْعَلُوا صَلاتَكم في بُيُوتِكم» . وَمِنها: «أكْرِمُوا بُيُوتَكم بِبَعْضِ صَلاتِكم» . وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ: «إذا قَضى أحَدُكُمُ الصَّلاةَ في مَسْجِدِهِ؛ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِن صِلاتِهِ» . وَعِنْدَ المالِكِيَّةِ: يَعُمُّ الفَرْضَ والنَّفْلَ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِأنَّ الحَدِيثَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، والنَّكِرَةُ إذا كانَتْ في سِياقِ الِامْتِنانِ تَعُمُّ، أيْ قَوْلُهُ ﷺ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا خَيْرٌ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ»، فَصَلاةٌ لَفْظٌ نَكِرَةٌ. وَفِي مَعْرِضِ الِامْتِنانِ والتَّفَضُّلِ بِهَذا الأجْرِ العَظِيمِ، فَكانَ عامًّا في الفَرْضِ والنَّفْلِ، والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - لا خِلافَ بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ. إذْ فَضِيلَةُ الألْفِ حاصِلَةٌ لِكُلِّ صَلاةٍ صَلّاها الإنْسانُ فِيهِ فَرْضًا كانَتْ أوْ نَفْلًا. وَصَلاةُ النّافِلَةِ في البَيْتِ تَكُونُ أفْضَلَ مِنها في المَسْجِدِ بِدَوامِ صَلاتِهِ ﷺ النَّوافِلَ في البَيْتِ مَعَ قُرْبِ بَيْتِهِ مِنَ المَسْجِدِ، كَما أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ تَشْمَلُ صَلاةَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ. (p-٣٣٠)وَلَكِنَّ صَلاةَ المَرْأةِ مَعَ ذَلِكَ أفْضَلُ في بَيْتِها مِنها في المَسْجِدِ، وهَذا هو المَبْحَثُ الثّانِي، أيْ: أيُّهُما أفْضَلُ لِلْمَرْأةِ: صَلاتُها في بَيْتِها أمْ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ؟ . وَهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ بَحَثَها فَضِيلَةُ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ﴾ [النور: ٣٧] . وَأنَّ مَفْهُومَ ”رِجالٌ“ مَفْهُومُ صِفَةٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ لا مَفْهُومَ لَقَبٍ؛ وعَلَيْهِ فالنِّساءُ يُسَبِّحْنَ في بُيُوتِهِنَّ، وقَدْ ساقَ البَحْثَ وافِيًا في عُمُومِ المَساجِدِ وخُصُوصِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، مِمّا يَكْفِي تَوَسُّعًا. * * المَبْحَثُ الثّالِثُ. وَهُوَ: هَلِ المُضاعَفَةُ خاصَّةٌ بِمَسْجِدِهِ ﷺ الَّذِي بَناهُ، والَّذِي كانَ مَوْجُودًا أثْناءَ حَياتِهِ ﷺ، أوْ أنَّها تُوجَدُ فِيهِ وفِيما دَخَلَهُ مِنَ الزِّيادَةِ مِن بَعْدِهِ. أمّا مَثارُ البَحْثِ هو ما جاءَ في نَصِّ الحَدِيثِ اسْمُ الإشارَةِ في مَسْجِدِي هَذا، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اسْمُ الإشارَةِ مَوْضُوعٌ لِلتَّعْيِينِ، وقالَ عُلَماءُ الوَضْعِ: إنَّهُ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ عامٍّ لِمَوْضُوعٍ لَهُ خاصٍّ، فَيَخْتَصُّ عِنْدَ الِاسْتِعْمالِ بِمُفْرَدٍ مُعَيَّنٍ، وهو ما كانَ صالِحًا لِلْإشارَةِ الحِسِّيَّةِ، وهو عَيْنُ ما كانَ مَوْجُودًا زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ . وَمَعْلُومٌ أنَّ الإشارَةَ لَمْ تَتَناوَلِ الزِّيادَةَ الَّتِي وُجِدَتْ بَعْدَ تِلْكَ الإشارَةِ، فَمِن هُنا جاءَ الخِلافُ والتَّساؤُلُ. وَقَدْ نَشَأ هَذا التَّساؤُلُ في زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ أوَّلِ زِيادَةٍ زادَها في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، فَرَأى بَعْضَ الصَّحابَةِ يَتَجَنَّبُونَ الصَّلاةَ في تِلْكَ الزِّيادَةِ ويَرْغَبُونَ في القَدِيمِ مِنها، فَقالَ لَهم: «لَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ تَوْسِعَةَ المَسْجِدِ لَما وسَّعْتُهُ»، وواللَّهِ إنَّهُ لَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَوِ امْتَدَّ إلى ذِي الحُلَيْفَةِ، أوْ ولَوِ امْتَدَّ إلى صَنْعاءَ، فَهَذا مَثارُ البَحْثِ وسَبَبُهُ. وَلَكِنْ لَوْ قِيلَ: إنَّهُ في نَفْسِ الحَدِيثِ مَبْحَثٌ لُغَوِيٌّ آخَرُ وهو أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «فِي (p-٣٣١)مَسْجِدِي»، بِالإضافَةِ إلَيْهِ ﷺ، والإضافَةُ تُفِيدُ التَّخْصِيصَ أوِ التَّعْرِيفَ. وَفِيهِ مَعْنى العُمُومِ والشُّمُولِ، والآنَ مَعَ الزِّيادَةِ في كُلِّ زَمانٍ وعَلى مَرِّ الأيّامِ، فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَلَيْهِ كانَ تَصْرِيحُ عُمَرَ: إنَّهُ لَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أقْوالُ العُلَماءِ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُضاعَفَةَ في جَمِيعِ أجْزائِهِ بِما فِيها الزِّيادَةُ، ونُقِلَ عَنِ النَّوَوِيِّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: أنَّها خاصَّةٌ بِالمَسْجِدِ. الأوَّلُ: قَبْلَ الزِّيادَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ. وهَذا الرُّجُوعُ مَوْجُودٌ في المَجْمُوعِ شَرْحِ المُهَذَّبِ، وعَلَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ خِلافٌ في المَسْألَةِ. وَقالَ ابْنُ فَرْحُونَ: وقَفْتُ عَلى كَلامٍ لِمالِكٍ، سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ما أراهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أشارَ بِقَوْلِهِ: «فِي مَسْجِدِي هَذا» إلّا لِما سَيَكُونُ مِن مَسْجِدٍ بَعْدَهُ، وأنَّ اللَّهَ أطْلَعَهُ عَلى ذَلِكَ. وَقَدْ قَدَّمْتُ الإشارَةَ إلى أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما زادَ في المَسْجِدِ إلّا بَعْدَ أنْ سَمِعَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ رَغْبَتَهُ في الزِّيادَةِ، فَيَكُونُ تَأْيِيدًا لِقَوْلِ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . ورُوِيَ أيْضًا: «أنَّهُ ﷺ قالَ يَوْمًا وهو في مُصَلّاهُ في المَسْجِدِ: ”لَوْ زِدْنا في مَسْجِدِنا“، وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ القِبْلَةِ» . وَفِي رِوايَةٍ: «إنِّي أُرِيدُ أنْ أزِيدَ في قِبْلَةِ مَسْجِدِنا»، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ كانَتْ في حُسْبانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمَعَ الرَّغْبَةِ في الزِّيادَةِ لَمْ تَأْتِ إشارَةٌ إلى ما يُغَيِّرُ حُكْمَ الصَّلاةِ في تِلْكَ الزِّيادَةِ المُنْتَظَرَةِ، ولا يُقالُ: إنَّها قَبْلَ وُجُودِها لا يَتَعَلَّقُ بِها حُكْمٌ؛ لِأنَّنا رَأيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَتَّبَ أحْكامًا عَلى أُمُورٍ لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ: كَمَواقِيتِ الإحْرامِ المِصْرِيِّ والشّامِيِّ والعِراقِيِّ، وكَقَوْلِهِ ﷺ: «سَتُفْتَحُ اليَمَنُ، وسَتُفْتَحُ الشّامُ، وسَتُفْتَحُ العِراقُ»، ومَعَ كُلٍّ مِنها يَقُولُ: «سَيُؤْتى بِأقْوامٍ يَبُسُّونَ هَلُمَّ إلى الرَّخاءِ والسَّعَةِ فَيَحْمِلُونَ بِأهْلِيهِمْ ومَن أطاعَهم، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وَقالَ البَعْضُ: إنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «فِي مَسْجِدِي هَذا» لِدَفْعِ تَوَهُّمِ دُخُولِ سائِرِ المَساجِدِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ بِالمَدِينَةِ غَيْرَ هَذا المَسْجِدِ، لا لِإخْراجِ ما سَيُزادُ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. قالَهُ (p-٣٣٢)السَّمْهُودِيُّ. اهـ. وَلَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ كانَتْ هُناكَ عِدَّةُ مَساجِدَ لَهُ ﷺ، فَلَمْ يَكُنْ إلّا المَسْجِدُ والمُصَلّى، وبَقِيَّةُ المَساجِدِ أُطْلِقَتْ عَلَيْها اصْطِلاحًا. وَلِابْنِ تَيْمِيَةَ كَلامٌ مُوجَزٌ في ذَلِكَ، وهو أنَّ الزِّيادَةَ كانَتْ في عَهْدَيْ عُمَرَ وعُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - . وَقَعَتْ زِيادَةُ كُلٍّ مِنهُما مِن جِهَةِ القِبْلَةِ، ومَعَ هَذا فَإنَّ كُلًّا مِنهُما كانَ إذا صَلّى بِالنّاسِ قامَ في القِبْلَةِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الزِّيادَةِ، فَيَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ في تِلْكَ الزِّيادَةِ لَيْسَتْ لَها فَضِيلَةُ المَسْجِدِ، إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ صَلاةُعُمَرَ وعُثْمانَ بِالنّاسِ. وَصَلاةُ النّاسِ مَعَهم في الصُّفُوفِ الأُولى في المَكانِ المَفْضُولِ مَعَ تَرْكِ الأفْضَلِ. اهـ. وَمِن كُلِّ ما قَدَّمْنا يَتَّضِحُ أنَّ: حُكْمَ الزِّيادَةِ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ كَحُكْمِ الأصْلِ في مُضاعَفَةِ الأجْرِ إلى الألْفِ. وَقَدْ كُنْتُ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - ما يُفِيدُ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ - في مَبْحَثِ الأرْبَعِينَ صَلاةً، وصَلاةُ النّاسِ في الصَّفِّ خارِجَ المَسْجِدِ. تَنْبِيهٌ. هَذِهِ المُضاعَفَةُ أجْمَعُوا عَلى أنَّها في الكَيْفِ لا في الكَمِّ، فَلَوْ أنَّ عَلى إنْسانٍ فَوائِتَ يَوْمٍ خَمْسَ صَلَواتٍ، وصَلّى صَلاةً هي خَيْرٌ مِن ألْفِ صَلاةٍ، لَنْ تُسْقِطَ عَنْهُ شَيْئًا مِن تِلْكَ الفَوائِتِ، فَهي في نَظَرِي بِمَثابَةِ ثَوْبٍ وثَوْبٍ آخَرَ أحَدُهُما قِيمَتُهُ ألْفُ دِرْهَمٍ، والآخَرُ بِدِرْهَمٍ واحِدٍ، فَكُلٌّ مِنهُما ثَوْبٌ في مُهِمَّتِهِ، ولَنْ يَلْبَسَهُ أكْثَرُ مِن شَخْصٍ في وقْتٍ مَهْما كانَ ثَمَنُهُ. وَكَذَلِكَ كالقَلَمِ والقَلَمِ، فَمَهْما غَلا ثَمَنُ القَلَمِ، فَلَنْ يَكْتُبَ بِهِ شَخْصانِ في وقْتٍ واحِدٍ. تَنْبِيهٌ آخَرُ. مِمّا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ لِلْمَسْجِدِ الأساسِيِّ خَصائِصَ لَمْ تُوجَدْ في بَقِيَّةِ المَسْجِدِ: كالرَّوْضَةِ مِنَ الجَنَّةِ. والمِنبَرِ عَلى تُرْعَةٍ مِن تُرَعِ الجَنَّةِ، بَعْضِ السَّوارِي ذاتِ التّارِيخِ. (p-٣٣٣)وَقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ: إذا كانَ الشَّخْصُ سَيُصَلِّي مُنْفَرِدًا أوْ نَفْلًا، فَإنَّ الأفْضَلَ أنْ يَكُونَ في الرَّوْضَةِ وإلّا فَفي المَسْجِدِ الأوَّلِ، وإذا كانَ في الجَماعَةِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَحَرّى الصَّفَّ الأوَّلَ، وإلّا فَفي أيِّ مَكانٍ مِنَ المَسْجِدِ، وهَذا مَعْقُولُ المَعْنى. والحَمْدُ لِلَّهِ. * * المَبْحَثُ الرّابِعُ. وَهُوَ بَعْدَ هَذِهِ التَّوْسِعَةِ وانْتِقالِ الصَّفِّ الأوَّلِ عَنِ الرَّوْضَةِ، فَهَلِ الأفْضَلُ الصَّلاةُ في الجَماعَةِ في الصَّفِّ الأوَّلِ، أمْ في الرَّوْضَةِ مَعَ تَخَلُّفِهِ عَنِ الأوَّلِ ؟ ولِتَصْوِيرِ هَذِهِ المَسْألَةِ نُقَدِّمُ الآتِي: أمامَ المُصَلّى مَوْضِعانِ: أحَدُهُما الرَّوْضَةُ؛ بِفَضْلِها رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ. والصَّفُّ الأوَّلُ: وفِيهِ: «لَوْ يَعْلَمُونَ ما الصَّفُّ الأوَّلُ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ»، فَأيُّ المَوْضِعَيْنِ يُقَدَّمُ عَلى الآخَرِ ؟ وَمَعْلُومٌ أنَّهم كانُوا قَبْلَ التَّوْسِعَةِ يُمْكِنُهُمُ الجَمْعُ بَيْنَ الفَضِيلَتَيْنِ، إذِ الصَّفُّ الأوَّلُ كانَ في الرَّوْضَةِ. أمّا الآنَ وبَعْدَ التَّوْسِعَةِ فَقَدِ انْفَصَلَ الصَّفُّ الأوَّلُ عَنِ الرَّوْضَةِ، ما دامَ الإمامُ يُصَلِّي في مُقَدِّمَةِ المَسْجِدِ، ولَمْ أقِفْ عَلى تَفْصِيلٍ في المَسْألَةِ. وَلَكِنْ عُمُوماتٌ لِلنَّوَوِيِّ، ولِابْنِ تَيْمِيَةَ - عَلى ما قَدَّمْنا في مَبْحَثِ شُمُولِ المُضاعَفَةِ لِلزِّيادَةِ، ولَكِنْ تُوجَدُ قَضِيَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِنْتاجُ الجَوابِ مِنها، وهي قَبْلَ التَّوْسِعَةِ كانَ لِلصَّفِّ الأوَّلِ مَيْمَنَةٌ ومَيْسَرَةٌ، وكانَ لِلْمَيْمَنَةِ فَضِيلَةٌ عَلى المَيْسَرَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ مَيْمَنَةَ الصَّفِّ قَبْلَ التَّوْسِعَةِ كانَتْ تَقَعُ غَرْبِيَّ المِنبَرِ، أيْ: خارِجَةً عَنِ الرَّوْضَةِ، والمَيْسَرَةُ كُلُّها كانَتْ في الرَّوْضَةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كانُوا يُفَضِّلُونَ المَيْمَنَةَ عَلى المَيْسَرَةِ لِذاتِها، عَنِ الرَّوْضَةِ لِذاتِها أيْضًا، فَإذا كانَتِ المَيْمَنَةُ - وهي خارِجَ الرَّوْضَةِ - مُقَدَّمَةٌ عِنْدَهم عَنِ الرَّوْضَةِ، فَلَأنْ يُقَدَّمَ الصَّفُّ الأوَّلُ مِن بابٍ أوْلى. وَهُناكَ حَقِيقَةٌ فِقْهِيَّةٌ ذَكَرَها النَّوَوِيُّ، وهي تَقْدِيمُ الوَصْفِ الذّاتِيِّ عَلى الوَصْفِ العَرَضِيِّ، وهو هُنا الصَّفُّ الأوَّلُ وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلْجَماعَةِ. وفَضْلُ الرَّوْضَةِ وصْفٌ عَرَضِيٌّ لِلْمَكانِ. أيْ: لِكُلِّ حالٍ مِن ذِكْرٍ أوْ صَلاةِ فَرِيضَةٍ أوْ نافِلَةٍ، فَتَقْدِيمُ الصَّفِّ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ ذاتِيًّا (p-٣٣٤)بِالنِّسْبَةِ لِلْجَماعَةِ أوْلى مِن تَقْدِيمِ الرَّوْضَةِ؛ لِكَوْنِهِ وصْفًا عَرَضِيًّا. وَقَدْ مَثَّلَ لِهَذِهِ القاعِدَةِ النَّوَوِيُّ بِقَوْلِهِ: فَلَوْ أنَّ إنْسانًا في طَرِيقِهِ إلى الصَّلاةِ بِالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَوَجَدَ مَسْجِدًا آخَرَ يُصَلِّي جَماعَةً، فَكانَ بَيْنَ أنْ يُدْرِكَ الجَماعَةَ مَعَ هَؤُلاءِ أوْ يَتْرُكَها ويَمْضِيَ إلى المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وتَفُوتُهُ الصَّلاةُ فَيُصَلِّي مُنْفَرِدًا بِألْفِ صَلاةٍ، فَقالَ: يُصَلِّي في هَذا المَسْجِدِ جَماعَةً أوْلى لَهُ؛ لِأنَّهُ تَحْصِيلُ الجَماعَةِ وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلصَّلاةِ، وتَحْصِيلُ خَيْرٍ مِن ألْفِ صَلاةٍ وصْفٌ عَرَضِيٌّ بِسَبَبِ فَضْلِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. اهـ. مُلَخَّصًا. وَقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّ العَبْدَ مُكَلَّفٌ بِإيقاعِ الصَّلاةِ في جَماعَةٍ أكْثَرَ مِنهُ تَكْلِيفًا بِإيقاعِها في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. وَهَكَذا الحالُ؛ فَإنّا مُطالَبُونَ بِالصَّفِّ الأوَّلِ عَلى الإطْلاقِ حَيْثُ ما كانَ، أكْثَرَ مِنّا مُطالَبَةً بِالصَّلاةِ في الرَّوْضَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. * * المَبْحَثُ الخامِسُ. وَهُوَ في حالَةِ ازْدِحامِ المَسْجِدِ وامْتِدادِ الصُّفُوفِ إلى الخارِجِ في الشّارِعِ أوِ البَرْحَةِ، فَهَلْ لِامْتِدادِ الصُّفُوفِ تِلْكَ المُضاعَفَةُ أمْ لا ؟ لِنَعْلَمَ أنَّ فَضِيلَةَ الجَماعَةِ حاصِلَةٌ بِلا خِلافٍ. أمّا المُضاعَفَةُ إلى ألْفٍ، فَلَمْ أقِفْ عَلى نَصٍّ فِيها، وقَدْ سَألْتُ الشَّيْخَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عَنْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، فَفي الأُولى: مالَ إلى اخْتِصاصِ المَسْجِدِ بِذَلِكَ، وفي المَرَّةِ الثّانِيَةِ - وبَيْنَهُما نَحْوٌ مِن عَشْرِ سَنَواتٍ -: مالَ إلى عُمُومِ الأجْرِ، وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ الزِّيادَةَ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ، وهَذا امْتِنانٌ عَلى عِبادِهِ، فالمُؤَمَّلُ في سِعَةِ فَضْلِ اللَّهِ أنَّهُ لا يَكُونُ رَجُلانِ في الصَّفِّ مُتَجاوِرَيْنِ أحَدُهُما عَلى عَتَبَةِ المَسْجِدِ إلى الخارِجِ، والآخَرُ عَلَيْها إلى الدّاخِلِ، ويُعْطِي هَذا ألْفًا ويُعْطِي هَذا واحِدَةً. وكَتِفاهُما مُتَلاصِقَتانِ، وهَذا واضِحٌ. والحَمْدُ لِلَّهِ. وَقَدْ رَأيْتُ في مَسْألَةِ الجُمُعَةِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ نَصًّا، وكَذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَشْتَرِطُونَ المَسْجِدَ لِلْجُمُعَةِ، فَإنَّهم مُتَّفِقُونَ أنَّ الصُّفُوفَ إذا امْتَدَّتْ إلى الشَّوارِعِ والرَّحَباتِ خارِجَ المَسْجِدِ أنَّ الجُمُعَةَ صَحِيحَةٌ، مَعَ أنَّهم أوْقَعُوها في غَيْرِ المَسْجِدِ، لَكِنْ لَمّا كانَتِ الصُّفُوفُ مُمْتَدَّةً مِنَ المَسْجِدِ إلى خارِجِهِ انْجَرَّ عَلَيْها حُكْمُ المَسْجِدِ وصَحَّتِ الجُمُعَةُ. فَنَقُولُ هُنا: كَذَلِكَ لَمّا كانَتِ الصُّفُوفُ خارِجَةً عَنِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ: يَنْجَرُّ عَلَيْها حُكْمُ المَسْجِدِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. (p-٣٣٥)وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِذَلِكَ بِالعُرْفِ وهو: لَوْ سَألْتَ مَن صَلّى في مِثْلِ ذَلِكَ: أيْنَ صَلَّيْتَ ؟ أفِي قُباءٍ ؟ أمْ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ؟ لَقالَ: بَلْ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. فَلَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ مُسَمّى المَسْجِدِ عُرْفًا. * * المَبْحَثُ السّادِسُ. وَهُوَ عِنْدَ الزِّحامِ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ خاصَّةً، وفي بَقِيَّةِ المَساجِدِ عامَّةً. حِينَما يَضِيقُ المَكانُ ويُضْطَرُّ المُصَلُّونَ لِلصَّلاةِ في صُفُوفٍ عَدِيدَةٍ خارِجَ المَسْجِدِ، وأمامَ الإمامِ مُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِعِدَّةِ صُفُوفٍ، فَما حُكْمُ صَلاةِ هَؤُلاءِ ؟ قَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ في المَجْمُوعِ الخِلافَ عَنِ الشّافِعِيِّ. وأنَّ الصَّحِيحَ مِنَ المَذْهَبِ هو الصِّحَّةُ مَعَ الكَراهَةِ. وَذَكَرَ المالِكِيَّةُ الصِّحَّةَ كَذَلِكَ، وقَدِ اسْتَدَلُّوا لَها بِصَلاةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بِصَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ . وابْنُ عَبّاسٍ آنَذاكَ غُلامٌ، فَقامَ عَلى يَسارِهِ ﷺ، وجَعَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ؛ تَكْرِيمًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا شَعَرَ بِهِ ﷺ وبَعْدَ أنْ كَبَّرَ ودَخَلَ في الصَّلاةِ، فَأخَذَهُ ﷺ بِيَدِهِ ونَقَلَهُ مِن ورائِهِ، وجَعَلَهُ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ بِحِذائِهِ في مَوْقِفِ الواحِدِ، كَما هو مَعْلُومٌ مِن حُكْمِ المُنْفَرِدِ مَعَ الإمامِ. وَمَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ في ذَلِكَ هو أنَّ الجِهاتِ بِالنِّسْبَةِ لِلْإمامِ أرْبَعٌ: خَلْفَهُ؛ وهي لِلْكَثِيرِينَ مِنَ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا. وعَنْ يَمِينِهِ؛ وهو مَوْقِفُ الفَرْدِ، ويَسارَهُ وأمامَهُ. أمّا اليَسارُ؛ فَقَدْ وقَفَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ ولَيْسَ بِمَوْقِفٍ، فَأخَذَهُ ﷺ وجَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ. وَلَكِنْ بَعْدَ أنْ دَخَلَ في الصَّلاةِ وأوْقَعَ بَعْضَ صِلاتِهِ في ذَلِكَ المَقامِ، وقَدْ صَحَّتْ صَلاتُهُ حَيْثُ بَنى عَلى الجُزْءِ الَّذِي سَبَقَ أنْ أوْقَعَهُ عَنِ اليَسارِ؛ لِضَرُورَةِ الجَهْلِ بِالمَوْقِفِ. وَبَقِيَتْ جِهَةُ الإمامِ؛ فَلَيْسَتْ بِجِهَةِ مَوْقِفٍ، ولَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ولِلزَّحْمَةِ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّقَدُّمِ عَلى الإمامِ بُدٌّ، فَجازَتْ أوْ فَصَحَّتْ لِلضَّرُورَةِ، كَما صَحَّتْ عَنْ يَسارِهِ ﷺ . - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - . وَيُقَوِّي هَذا الِاسْتِدْلالَ: أنَّهُ لَوْ جاءَ شَخْصٌ إلى الجَماعَةِ ولَمْ يَجِدْ لَهُ مَكانًا إلّا بِجِوارِ (p-٣٣٦)الإمامِ، فَإنَّهُ يَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ بِجِوارِهِ، كَما لَوْ كانَ مُنْفَرِدًا مَعَ وُجُودِ الصُّفُوفِ العَدِيدَةِ. ولَكِنْ صَحَّ وُقُوفُهُ لِلضَّرُورَةِ. * * المَبْحَثُ السّابِعُ. مَوْضُوعُ الأرْبَعِينَ صَلاةً، وهو مِن جِهَةٍ خاصٌّ بِالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ومِن جِهَةٍ عامٌّ في كُلِّ مَسْجِدٍ، ولَكِنْ لا بِأرْبَعِينَ صَلاةً بَلْ بِأرْبَعِينَ يَوْمًا. أمّا ما يَخُصُّ المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، فَقَدْ جاءَ في حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «مَن صَلّى في مَسْجِدِي أرْبَعِينَ صَلاةً لا تَفُوتُهُ صَلاةٌ؛ كُتِبَتْ لَهُ بَراءَةٌ ونَجاةٌ مِنَ العَذابِ، وبَرِئَ مِنَ النِّفاقِ» . قالَ المُنْذِرِيُّ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ: رُواتُهُ رُواةُ الصَّحِيحِ. أخْرَجَهُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ. وَفِي مَجْمَعِ الزَّوائِدِ: رِجالُهُ ثِقاتٌ. وهو عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ: «مَن صَلّى أرْبَعِينَ يَوْمًا في جَماعَةٍ، يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولى، كُتِبَ لَهُ بَراءَتانِ: بَراءَةٌ مِنَ النّارِ، وبَراءَةٌ مِنَ النِّفاقِ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هو مَوْقُوفٌ عَلى أنَسٍ، ولا أعْلَمُ أحَدًا رَفَعَهُ. وَقالَ مُلّا عَلِيٍّ القارِّيِّ: مِثْلُ هَذا لا يُقالُ بِالرَّأْيِ، وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النّاسِ في هَذا الحَدِيثِ بِرِوايَتَيْنِ: أمّا الأُولى: فَبِسَبَبِ نُبَيْطِ بْنِ عُمَرَ. وَأمّا الثّانِيَةُ: فَمِن جِهَةِ الرَّفْعِ والوَقْفِ. وقَدْ تَتَبَّعَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِالتَّدْقِيقِ في السَّنَدِ، وأثْبَتَ صِحَّةَ الأوَّلِ، وحُكْمَ الرَّفْعِ لِلثّانِي. وقَدْ أفْرَدَهُما الشَّيْخُ حَمّادٌ الأنْصارِيُّ بِرِسالَةٍ رَدَّ فِيها عَلى بَعْضِ مَن تَكَلَّمَ فِيهِما مِنَ المُتَأخِّرِينَ. نُوجِزُ كَلامَهُ في الآتِي: قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في تَعْجِيلِ المَنفَعَةِ في زَوائِدِ الأرْبَعَةِ: نُبَيْطُ بْنُ عُمَرَ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبّانَ في الثِّقاتِ، فاجْتَمَعَ عَلى تَوْثِيقِ نُبَيْطٍ كُلٌّ مِنَ ابْنِ حِبّانَ والمُنْذِرِيِّ والبَيْهَقِيِّ وابْنِ حَجَرٍ، ولَمْ يُجَرِّحْهُ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ هَذا الشَّأْنِ. فَمِن ثَمَّ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَطْعَنَ ولا أنْ يُضَعِّفَ مَن وثَّقَهُ أئِمَّةٌ مُعْتَبَرُونَ، ولَمْ يُخالِفْهم إمامٌ مِن أئِمَّةِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ. وكَفى مَن ذَكَرُوا مِن أئِمَّةِ هَذا الشَّأْنِ قُدْوَةً. (p-٣٣٧)ذَلِكَ؛ ولَوْ فُرِضَ وقُدِّرَ جَدَلًا أنَّهُ في السَّنَدِ مَقالٌ، فَإنَّ أئِمَّةَ الحَدِيثِ لا يَمْنَعُونَ إذا لَمْ يَكُنْ في الحَدِيثِ حَلالٌ أوْ حَرامٌ أوْ عَقِيدَةٌ، بَلْ كانَ بابُ فَضائِلِ الأعْمالِ لا يَمْنَعُونَ العَمَلَ بِهِ؛ لِأنَّ بابَ الفَضائِلِ لا يُشَدَّدُ فِيهِ هَذا التَّشْدِيدَ. وَنَقَلَ السُّيُوطِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ، وابْنِ المُبارَكِ. أمّا حَدِيثُ إدْراكِ تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ في أيِّ مَسْجِدٍ، فَهَذا أعَمُّ مِن مَوْضُوعِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الَّذِي نَتَحَدَّثُ عَنْهُ، وكُلُّ أسانِيدِهِ ضَعِيفَةٌ، ولَكِنْ قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: يَنْدَرِجُ ضِمْنَ ما يُعْمَلُ بِهِ في فَضائِلِ الأعْمالِ. انْتَهى مُلَخَّصًا. وَهَذا الحَثُّ عَلى أرْبَعِينَ صَلاةً في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، لَعَلَّهُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - مِن بابِ التَّعَوُّدِ والتَّزَوُّدِ، لِما يُكْسِبُهُ ذَلِكَ العَمَلُ مِن مُداوَمَةٍ، وحِرْصٍ عَلى أداءِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ في الجَماعَةِ، واشْتِغالِهِ الدّائِمِ بِشَأْنِ الصَّلاةِ وحِرْصِهِ عَلَيْها، حَتّى لا تَفُوتَهُ صَلاةٌ مِمّا يُعَلِّقُ قَلْبَهُ بِالمَسْجِدِ، فَتُصْبِحُ الجَماعَةُ لَهُ مَلَكَةً، ويُصْبِحُ مُرْتاحًا لِارْتِيادِ المَسْجِدِ، وحَرِيصًا عَلى بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ في بَقِيَّةِ أيّامِهِ لا تَفُوتُهُ الجَماعَةُ إلّا مِن عُذْرٍ. فَلَوْ كانَ زائِرًا ورَجَعَ إلى بِلادِهِ رَجَعَ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ الحَمِيدَةِ، ولَعَلَّ في مُضاعَفَةِ الصَّلاةِ بِألْفٍ تَكُونُ بِمَثابَةِ الدَّواءِ المُكَثَّفِ الشَّدِيدِ الفَعالِيَةِ، السَّرِيعِ الفائِدَةِ، أكْثَرَ مِمّا جاءَ في عامَّةِ المَساجِدِ بِأرْبَعِينَ يَوْمًا لا تَفُوتُهُ تَكْبِيرَةُ الإحْرامِ، إذِ الأرْبَعُونَ صَلاةً في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ تُعادِلُ أرْبَعِينَ ألْفَ صَلاةٍ فِيما سِواهُ، وهي تُعادِلُ حَوالَيْ صَلَواتِ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ سَنَةً. وَلَوْ راعَيْنا أجْرَ الجَماعَةِ: خَمْسًا وعِشْرِينَ دَرَجَةً، لَكانَتْ تُعادِلُ صَلاةَ المُنْفَرِدِ: خَمْسَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، أيْ: في الأجْرِ والثَّوابِ لا في العَدَدِ، أيْ: كَيْفًا لا كَمًّا، كَما قَدَّمْنا. وفَضْلُ اللَّهِ عَظِيمٌ. وَلْيُعْلَمْ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الأرْبَعِينَ هو كَما أسْلَفْنا التَّعَوُّدُ والحِرْصُ عَلى الجَماعَةِ. أمّا لَوْ رَجَعَ فَتَرَكَ الجَماعَةَ وتَهاوَنَ في شَأْنِ الصَّلاةِ، عِياذًا بِاللَّهِ، فَإنَّها تَكُونُ غايَةَ النَّكْسَةِ. نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ، كَما نَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الأرْبَعِينَ صَلاةً لا عَلاقَةَ لَها لا بِالحَجِّ ولا بِالزِّيارَةِ، عَلى ما تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في آدابِ الزِّيارَةِ في سُورَةِ ”الحُجُراتِ“ . وَأنَّ الزِّيارَةَ تَتِمُّ بِصَلاةِ رَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ المَسْجِدِ، والسَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى (p-٣٣٨)صاحِبَيْهِ - رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ -، ثُمَّ الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ ولِلْمُسْلِمِينَ بِالخَيْرِ، ثُمَّ إنْ شاءَ انْصَرَفَ إلى أهْلِهِ، وإنْ شاءَ جَلَسَ ما تَيَسَّرَ لَهُ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ. * * مَبْحَثُ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ جانِبٍ مِن جَوانِبِ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] في التَّحْذِيرِ مِن مُبْطِلاتِ الأعْمالِ وبَيانِ ما هو حَقٌّ لِلَّهِ فَلا يُصْرَفُ لِغَيْرِهِ، وما هو حَقٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا يُتَجاوَزُ بِهِ. وَقَدْ يَجُرُّ الحَدِيثُ عَنِ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَضْلِهِ وفَضِيلَتِهِ إلى مَوْضُوعِ شَدِّ الرِّحالِ إلى المَسْجِدِ، وإلى السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . * * شَدُّ الرِّحالِ إلى المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لِلسَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمِمّا اخْتُصَّ بِهِ المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، بَلْ ومِن أهَمِّ خَصائِصِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن داخِلِ هَذا المَسْجِدِ قَدِيمًا وحَدِيثًا. كَما جاءَ في الصَّحِيحِ: «ما مِن أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي، فَأرُدُّ عَلَيْهِ السَّلامَ» ومُجْمِعُونَ أنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِمَن سَلَّمَ عَلَيْهِ ﷺ مِن قَرِيبٍ، وما كانَ هَذا السَّلامُ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ إلّا مِنَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، سَواءٌ قَبْلَ أوْ بَعْدَ إدْخالِ الحُجْرَةِ في المَسْجِدِ. وَمَعْلُومٌ أنَّ أوَّلَ آدابِ الزِّيارَةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ ﷺ، البَدْءُ بِصَلاةِ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ المَسْجِدِ، وبَعْدَ السَّلامِ يَنْصَرِفُ عَنِ المُواجَهَةِ، ويَدْعُو ما شاءَ وهو في أيِّ مَكانٍ مِنَ المَسْجِدِ. وَهُنا مَسْألَةٌ طالَما أُثِيرَ النِّزاعُ فِيها: وهي شَدُّ الرِّحالِ لِلسَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَهِيَ إنْ كانَ مَحَلُّها مَبْحَثَ الزِّيارَةِ وأحْكامِها وآدابِها، إلّا أنَّنا نَسُوقُ مُوجَزًا عَنْها بِمُناسَبَةِ حَدِيثِ شَدِّ الرِّحالِ، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى الهِدايَةَ والتَّوْفِيقَ. مِنَ المَعْلُومِ أنَّ أصْلَ هَذِهِ المَسْألَةِ هو حَدِيثُ: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ» المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ؛ لِاخْتِلافِهِمْ في تَقْدِيرِ المُسْتَثْنى مِنهُ. والمُرادُ بِشَدِّ الرِّحالِ إلَيْهِ في تِلْكَ (p-٣٣٩)المَساجِدِ، أهُوَ خُصُوصُ الصَّلاةِ أمْ لِلصَّلاةِ وغَيْرِها ؟ . وَلِنَتَصَوَّرَ حَقِيقَةَ هَذِهِ المَسْألَةِ يَنْبَغِي أنْ نَعْلَمَ أوَّلًا: أنَّ البَحْثَ في هَذِهِ المَسْألَةِ لَهُ ثَلاثُ حالاتٍ: الأُولى: شَدُّ الرِّحالِ إلى المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لِلزِّيارَةِ. وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. الثّانِيَةُ: زِيارَةُ الرَّسُولِ ﷺ والسَّلامُ عَلَيْهِ مِن قَرِيبٍ بِدُونِ شَدِّ الرِّحالِ، وهَذا أيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. الثّالِثَةُ: شَدُّ الرِّحالِ لِلزِّيارَةِ فَقَطْ. وهَذِهِ الحالَةُ الثّالِثَةُ هي مَحَلُّ البَحْثِ عِنْدَهم، ومَثارُ النِّقاشِ السّابِقِ. قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي عَلى حَدِيثِ شَدِّ الرِّحالِ: قالَ الكِرْمانِيُّ: وقَدْ وقَعَ في هَذِهِ المَسْألَةِ في عَصْرِنا في البِلادِ الشّامِيَّةِ مُناظَراتٌ كَثِيرَةٌ، وصُنِّفَتْ فِيها مَسائِلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. قُلْتُ: - أيِ: ابْنُ حَجَرٍ - يُشِيرُ إلى ما رَدَّ بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وغَيْرُهُ عَلى تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَةَ، وما انْتَصَرَ بِهِ الحافِظُ: شَمْسُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الهادِي وغَيْرُهُ لِابْنِ تَيْمِيَةَ، وهي مَشْهُورَةٌ في بِلادِنا. اهـ. وهَذا يُعْطِينا مَدى الخِلافِ فِيها وتارِيخِهِ. وَقَدْ أشارَ ابْنُ حَجَرٍ إلى مُجْمَلِ القَوْلِ فِيها بِقَوْلِهِ: إنَّ الجُمْهُورَ أجازُوا بِالإجْماعِ شَدَّ الرِّحالِ لِزِيارَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وإنَّ حَدِيثَ: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ» إنَّما يُقْصَدُ بِهِ خُصُوصُ الصَّلاةِ، ولَيْسَ مَكانٌ أوْلى مِن مَكانٍ بِالصَّلاةِ تُشَدُّ لَهُ الرِّحالُ إلّا المَساجِدُ الثَّلاثَةُ؛ لِما خُصَّتْ مِن فَضِيلَةِ مُضاعَفَةِ الصَّلاةِ فِيها. تَقِيُّ الدِّينِ جَعَلَ مَوْضُوعَ النَّهْيِ عَنْ شَدِّ الرِّحالِ عامًّا لِلصَّلاةِ وغَيْرِها. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ عَلى جَوازِ شَدِّ الرِّحالِ لِأيِّ مَكانٍ؛ لِعِدَّةِ أُمُورٍ كَما هو مَعْلُومٌ. وَمِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ شَدِّ الرِّحالِ لِمُجَرَّدِ الزِّيارَةِ، ما رُوِيَ عَنْ مالِكٍ: كَراهِيَةُ أنْ يُقالَ: زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ . وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: بِأنَّ كَراهِيَةَ مالِكٍ لِلَّفْظِ فَقَطْ تَأدُّبًا لا أنَّهُ كَرِهَ أصْلَ الزِّيارَةِ، فَإنَّها مِن أفْضَلِ الأعْمالِ، وأجَلِّ القُرُباتِ المُوَصِّلَةِ إلى ذِي الجَلالِ، وأنَّ مَشْرُوعِيَّتَها مَحَلُّ إجْماعٍ (p-٣٤٠)بِلا نِزاعٍ. واللَّهُ الهادِي إلى الصَّوابِ. اهـ. وَلَعَلَّ مَذْهَبَ البُخارِيِّ حَسَبَ صَنِيعِهِ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّهُ أتى في نَفْسِ البابِ، بَعْدَ حَدِيثِ شَدِّ الرِّحالِ مُباشَرَةً بِحَدِيثِ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا خَيْرٌ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ»، مِمّا يُشْعِرُ بِأنَّهُ قَصَدَ بَيانَ مُوجِبِ شَدِّ الرِّحالِ هو فَضِيلَةُ الصَّلاةِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ شَدِّ الرِّحالِ مُخْتَصًّا بِالمَساجِدِ، ولِأجْلِ الصَّلاةِ إلّا في تِلْكَ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ؛ لِاخْتِصاصِها بِمُضاعَفَةِ الصَّلاةِ فِيها دُونَ غَيْرِها مِن بَقِيَّةِ المَساجِدِ والأماكِنِ الأُخْرى. وَقَدْ ناقَشَ ابْنُ حَجَرٍ لَفْظَ الحَدِيثِ، ورَجَّحَ هَذا المَذْهَبَ حَيْثُ قالَ: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: قَوْلُهُ: «إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ» المُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفٌ. فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ عامًّا فَيَصِيرَ لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلى مَكانٍ في أيِّ أمْرٍ كانَ إلّا إلى الثَّلاثَةِ. أوْ أخَصَّ مِن ذَلِكَ. لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ لِإفْضائِهِ إلى سَدِّ بابِ السَّفَرِ لِلتِّجارَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وطَلَبِ العِلْمِ وغَيْرِها، فَتَعَيَّنَ الثّانِي. والأوْلى: أنْ يُقَدَّرَ ما هو أكْثَرُ مُناسَبَةً، وهو لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلى مَسْجِدٍ لِلصَّلاةِ فِيهِ إلّا إلى الثَّلاثَةِ. فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ قَوْلُ: مَن مَنَعَ شَدَّ الرِّحالِ إلى زِيارَةِ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ ﷺ . وغَيْرِهِ مِن قُبُورِ الصّالِحِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ. وَقالَ السُّبْكِيُّ الكَبِيرُ: لَيْسَ في الأرْضِ بُقْعَةٌ تُفَضَّلُ لِذاتِها حَتّى تُشَدَّ إلَيْها الرِّحالُ غَيْرَ البِلادِ الثَّلاثَةِ. ومُرادِي بِالفَضْلِ: ما شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبارِهِ، ورَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا. أمّا غَيْرُها مِنَ البِلادِ، فَلا تُشَدُّ إلَيْها لِذاتِها، بَلْ لِزِيارَةٍ أوْ جِهادٍ أوْ عِلْمٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَندُوباتِ أوِ المُباحاتِ. قالَ: وقَدِ التَبَسَ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، فَزَعَمَ أنَّ شَدَّ الرِّحالِ إلى الزِّيارَةِ لِمَن في غَيْرِ الثَّلاثَةِ داخِلٌ في المَنعِ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما يَكُونُ مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ. فَمَعْنى الحَدِيثِ: لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلى مَسْجِدٍ مِنَ المَساجِدِ أوْ إلى مَكانٍ مِنَ الأمْكِنَةِ لِأجْلِ ذَلِكَ المَكانِ، إلّا إلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ. وشَدُّ الرِّحالِ إلى زِيارَةٍ أوْ طَلَبٍ لَيْسَ إلى المَكانِ، بَلْ إلى مَن في ذَلِكَ المَكانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. اهـ. (p-٣٤١)وَبِتَأمُّلِ كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ، نَجِدُهُ يَتَضَمَّنُ إجْراءَ مُعادَلَةٍ عَلى نَصِّ الحَدِيثِ بِأنَّ لَهُ حالَتَيْنِ فَقَطْ: الأُولى: أنْ يُقالَ: لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى المَساجِدِ الثَّلاثَةِ لِخُصُوصِ الصَّلاةِ، ولا تُشَدُّ لِغَيْرِها مِنَ الأماكِنِ لِأجْلِ الصَّلاةِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُنْصَبًّا عَلى شَدِّ الرِّحالِ لِأيِّ مَكانٍ سِوى المَساجِدِ الثَّلاثَةِ؛ مِن أجْلِ أنْ يُصَلِّيَ فِيما عَداها. فَيَبْقى غَيْرُ الصَّلاةِ خارِجًا عَنِ النَّهْيِ؛ فَتُشَدُّ لَهُ الرِّحالُ لِأيِّ مَكانٍ كانَ. وَغَيْرُ الصَّلاةِ يَشْمَلُ: طَلَبَ العِلْمِ، والتِّجارَةَ، والنُّزْهَةَ، والِاعْتِبارَ، والجِهادَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، والنُّصُوصُ في ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَضافِرَةٌ. فَفِي طَلَبِ العِلْمِ ما قَدَّمْنا مِن نُصُوصٍ، وقَدْ رَحَلَ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى إلى الخَضِرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٠ - ٦٦] . وَفِي السَّفَرِ لِلتِّجارَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] . وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وغَيْرُها كَثِيرَةٌ. والسَّفَرُ لِلْعِبْرَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ [النمل: ٦٩] . وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٦ - ١٣٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٥ - ٤٦] . فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ العِبادَ بِالسَّيْرِ؛ لِيَعْقِلُوا بِقُلُوبِهِمْ حالَةَ تِلْكَ القُرى الخاوِيَةِ لِيَتَّعِظُوا بِأحْوالِ أهْلِها. (p-٣٤٢)فَهَذِهِ نُصُوصُ جَوازِ السَّفَرِ لِعِدَّةِ أُمُورٍ، فَيَكُونُ مِن ضِمْنِها السَّفَرُ لِزِيارَةِ النَّبِيِّ ﷺ والسَّلامِ عَلَيْهِ. حَيْثُ إنَّ السَّلامَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الأُمُورِ المَشْرُوعَةِ بِلا نِزاعٍ، والحالَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عامًّا لِجَمِيعِ الأماكِنِ في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ فَلا تُشَدُّ الرِّحالُ قَطُّ إلّا إلى ثَلاثَةِ المَساجِدِ وبُلْدانِها الثَّلاثَةِ. ولَكِنْ لا لِخُصُوصِ الصَّلاةِ فَقَطْ، بَلْ لِكُلِّ شَيْءٍ مَشْرُوعٍ بِأصْلِهِ مِمّا قَدَّمْنا أنْواعَهُ مِن طَلَبِ العِلْمِ والتِّجارَةِ والعِظَةِ والنُّزْهَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ: كَصَوْمٍ، واعْتِكافٍ، ومُجاوَرَةٍ، وحَجٍّ، وعُمْرَةٍ، وصِلَةِ رَحِمٍ، ومُشاهَدَةِ مَعالِمَ تارِيخِيَّةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وَمِن هَذا كُلِّهِ السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا شَدَّ الرِّحالَ إلى المَدِينَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ كانَ مِنها الزِّيارَةُ والسَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا مُعارَضَةَ عَلى حالَةٍ مِنَ الحالَتَيْنِ، ولا يَتَعارَضُ مَعَهُما الحَدِيثُ المَذْكُورُ، عَلى أيِّ تَقْدِيرٍ المُسْتَثْنى مِنهُ في هَذا الحَدِيثِ. * * وُجْهَةُ نَظَرٍ. وَبِالتَّحْقِيقِ في هَذِهِ المَسْألَةِ وإثارَةِ النِّزاعِ فِيها، يَظْهَرُ أنَّ النِّزاعَ والجِدالَ فِيها أكْثَرُ مِمّا كانَتْ تَحْتَمِلُ، وهو إلى الشَّكْلِيِّ أقْرَبُ مِنهُ إلى الحَقِيقِيِّ. ولا وُجُودَ لَهُ عَمَلِيًّا. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ كالآتِي: وهو ما دامُوا مُتَّفِقِينَ عَلى شَدِّ الرِّحالِ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لِلسَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومُتَّفِقُونَ عَلى السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِدُونِ شَدِّ الرِّحالِ؛ فَلَنْ يَتَأتّى لِإنْسانٍ أنْ يَشُدَّ الرِّحالَ لِلسَّلامِ دُونَ المَسْجِدِ، ولا يَخْطُرُ ذَلِكَ عَلى بالِ إنْسانٍ، وكَذَلِكَ شَدُّ الرَّحْلِ لِلصَّلاةِ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ دُونَ أنْ يُسَلِّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَنْ يَخْطُرَ عَلى بالِ إنْسانٍ. وعَلَيْهِ فَلا انْفِكاكَ لِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ ما هو إلّا بَيْتُهُ ﷺ، وهَلْ بَيْتُهُ إلّا جُزْءٌ مِنَ المَسْجِدِ كَما في حَدِيثِ الرَّوْضَةِ: «ما بَيْنَ بَيْتِي ومِنبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ» . فَهَذا قُوَّةُ رَبْطٍ بَيْنَ بَيْتِهِ ومِنبَرِهِ في مَسْجِدِهِ. وَمِن ناحِيَةٍ أُخْرى: هَلْ يُسَلِّمُ أحَدٌ عَلَيْهِ ﷺ مِن قَرِيبٍ، لِيَنالَ فَضْلَ رَدِّ السَّلامِ عَلَيْهِ مِنهُ ﷺ، إلّا إذا كانَ سَلامُهُ عَنْ قُرْبٍ ومِنَ المَسْجِدِ نَفْسِهِ ؟ (p-٣٤٣)وَهَلْ تَكُونُ الزِّيارَةُ سُنِّيَّةً إلّا إذا دَخَلَ المَسْجِدَ وصَلّى أوَّلًا تَحِيَّةَ المَسْجِدِ ؟ وَبِهَذا؛ فَلا انْفِكاكَ لِشَدِّ الرَّحْلِ إلى المَسْجِدِ عَنْ زِيارَةِ الرَّسُولِ ﷺ، ولا لِزِيارَتِهِ ﷺ عَنِ المَسْجِدِ، فَلا مُوجِبَ لِهَذا النِّزاعِ. وَهُنا وُجْهَةُ نَظَرٍ أُخْرى وهي: أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «ما مِن أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي، فَأرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ» . فَإنَّ إطْلاقَهُ عَنْ كُلِّ قَيْدٍ مِن قُرْبٍ أوْ بُعْدٍ مِمّا يَدُلُّ عَلى العُمُومِ مِن حَيْثُ المَجِيءُ لِلسَّلامِ عَلَيْهِ. فَيُقالُ: إنَّ هَذِهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، ولا يَتَأتّى لِلْبَعِيدِ تَحْصِيلُها إلّا بِشَدِّ الرِّحالِ إلَيْها كَوَسِيلَةٍ لِتَحْصِيلِها، والوَسِيلَةُ تَأْخُذُ حُكْمَ الغايَةِ مِن وُجُوبٍ أوْ نَدْبٍ أوْ إباحَةٍ، كالسَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ واجِبٌ؛ لِأنَّ أداءَ الجُمُعَةِ واجِبٌ، وإعْدادَ الثِّيابِ الجَمِيلَةِ إلَيْها مَثَلًا مَندُوبٌ؛ لِأنَّ التَّجَمُّلَ إلَيْها مَندُوبٌ، ومِثْلُهُ إعْدادُ الطِّيبِ بِالنِّسْبَةِ لِحُضُورِها. وَقَدْ رَأيْتُ لِابْنِ تَيْمِيَةَ مُناقَشَةَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ولَكِنَّهُ جاءَ بِأمْثِلَةٍ قابِلَةٍ هي لِلنِّقاشِ، فَقالَ: لَيْسَ كُلُّ غايَةٍ مَشْرُوعَةٍ تَكُونُ وسِيلَتُها مَشْرُوعَةً، كَحَجِّ المَرْأةِ وخُرُوجِها إلى المَسْجِدِ، فَإنَّ الأوَّلَ مَشْرُوطٌ فِيهِ وُجُودُ المَحْرَمِ. والثّانِي: مَشْرُوطٌ فِيهِ إذْنُ الزَّوْجِ. والنِّقاشُ لَها أنَّ سَفَرَ المَرْأةِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ إلّا مَعَ المَحْرَمِ، سَواءٌ كانَ لِهَذا المَسْجِدِ ولِلْحَجِّ أوْ لِغَيْرِهِ. وَخُرُوجُها إلى المَسْجِدِ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ مِنها في الأصْلِ، ولَكِنْ إذا طَلَبَتِ الإذْنَ يُؤْذَنُ لَها. فالأصْلُ فِيهِ المَنعُ حَتّى تَحْصُلَ عَلى الإذْنِ. وَعَلى هَذا يُقالُ: لَوْ كانَ شَدُّ الرَّحْلِ إلَيْها غَيْرَ مَشْرُوعٍ، لَما كانَ لِفاعِلِهِ نَصِيبٌ في فَضْلِها، ولا يَحْصُلُ عَلى رَدِّ السَّلامِ مِنهُ ﷺ . وَلَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَيانِ فَضِيلَتِهِ؛ لِعَدَمِ تَأْخِيرِ البَيانِ، فَكَأنْ يُقالُ مَثَلًا: فَأرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، إلّا مَن شَدَّ الرَّحْلَ لِذَلِكَ. أوْ يُقالُ: مَن أتانِي مِن قَرِيبٍ فَسَلَّمَ عَلَيَّ. . . إلخ. ولَكِنْ لَمْ يَأْتِ شَيْءٌ مِن هَذا التَّنْبِيهِ وبَقِيَ الحَدِيثُ عَلى عُمُومِهِ. وَلْيُعْلَمْ أنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ عامَّةِ المُسْلِمِينَ، لِما لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن حُقُوقٍ وخَصائِصَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِن: وُجُوبِ مَحَبَّةٍ، وتَعْظِيمٍ، وفَرْضِيَّةِ صَلاةٍ، (p-٣٤٤)وَتَسْلِيمٍ في صَلَواتِنا، وعِنْدَ دُخُولِ المَساجِدِ والخُرُوجِ مِنها، بَلْ وعِنْدَ سَماعِ ذِكْرِهِ مِمّا لَيْسَ لِغَيْرِهِ قَطُّ. كَما أنَّ زِيارَةَ غَيْرِهِ ﷺ لِلدُّعاءِ لَهُ والتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ، بَيْنَما زِيارَتُهُ ﷺ والسَّلامُ عَلَيْهِ؛ لِيَرُدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رُوحَهُ فَيَرُدَّ عَلَيْنا السَّلامَ. وَزِيارَةُ غَيْرِهِ في أيِّ مَكانٍ مِنَ العالَمِ لا مَزِيَّةَ لَهُ، بَيْنَما زِيارَتُهُ ﷺ مِن مَسْجِدِهِ وقَدْ خُصَّ بِما لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ غَيْرُهُ. وَأعْتَقِدُ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ لَوْلا نِزاعُ مُعاصِرِي ابْنِ تَيْمِيَةَ مَعَهُ في غَيْرِها لَما كانَ لَها مَحَلٌّ ولا مَجالٌ. وَلَكِنَّهم وجَدُوها حَسّاسَةً ولَها مَساسٌ بِالعاطِفَةِ، ومَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأثارُوها وحَكَمُوا عَلَيْهِ بِالِالتِزامِ. أيْ: يُلازِمُ كَلامَهُ حِينَما قالَ: لا يَكُونُ شَدُّ الرِّحالِ لِمُجَرَّدِ الزِّيارَةِ، بَلْ تَكُونُ لِلْمَسْجِدِ مِن أجْلِ الزِّيارَةِ، عَمَلًا بِنَصِّ الحَدِيثِ، فَتَقَوَّلُوا عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ صَراحَةً. ولَوْ حُمِلَ كَلامُهُ عَلى النَّفْيِ بَدَلًا مِنَ النَّهْيِ لَكانَ مُوافِقًا، أيْ: لا يَتَأتّى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ زِيارَتَهُ ﷺ ولا السَّلامَ عَلَيْهِ، بَلْ يَجْعَلُها مِنَ الفَضائِلِ والقُرُباتِ، وإنَّما يَلْتَزِمُ بِنَصِّ الحَدِيثِ في جَعْلِ شَدِّ الرِّحالِ إلى المَسْجِدِ، ولِكُلِّ شَيْءٍ ومِنهُ السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في كُتُبِهِ. قالَ في بَعْضِ رَسائِلِهِ ورُدُودِهِ ما نَصُّهُ: * * فَصْلٌ قَدْ ذَكَرْتُ فِيما كَتَبْتُهُ مِنَ المَناسِكِ: أنَّ السَّفَرَ إلى مَسْجِدِهِ وزِيارَةَ قَبْرِهِ، كَما يَذْكُرُ أئِمَّةُ المُسْلِمِينَ في مَناسِكِ الحَجِّ عَمَلٌ صالِحٌ مُسْتَحَبٌّ. وَقَدْ ذَكَرْتُ في عِدَّةِ مَناسِكِ الحَجِّ السُّنَّةَ في ذَلِكَ وكَيْفَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ، وهَلْ يَسْتَقْبِلُ الحُجْرَةَ أمِ القِبْلَةَ عَلى قَوْلَيْنِ. فالأكْثَرُونَ يَقُولُونَ: يَسْتَقْبِلُ الحُجْرَةَ، كَمالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، إلى أنْ قالَ: والصَّلاةُ تُقْصَرُ في هَذا السَّفَرِ المُسْتَحَبِّ بِاتِّفاقِ أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ (p-٣٤٥)المُسْلِمِينَ: إنَّ هَذا السَّفَرَ لا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلاةُ، ولا نَهى أحَدٌ عَنِ السَّفَرِ إلى مَسْجِدِهِ، وإنْ كانَ المُسافِرُ إلى مَسْجِدِهِ يَزُورُ قَبْرَهُ ﷺ، بَلْ هَذا مِن أفْضَلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولا في شَيْءٍ مِن كَلامِي وكَلامِ غَيْرِي نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ، ولا نَهْيٌ عَنِ المَشْرُوعِ في زِيارَةِ قُبُورِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، ولا عَنِ المَشْرُوعِ في زِيارَةِ سائِرِ القُبُورِ. إلى أنْ قالَ: وَإذا كانَتْ زِيارَةُ قُبُورِ عُمُومِ المُؤْمِنِينَ مَشْرُوعَةً، فَزِيارَةُ قُبُورِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ أوْلى. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهُ خاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ، وهو أنْ أمَرَنا أنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ ونُسَلِّمَ عَلَيْهِ في كُلِّ صَلاةٍ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ في الصَّلاةِ وعِنْدَ الأذانِ وسائِرِ الأدْعِيَةِ، وأنْ نُصَلِّيَ ونُسَلِّمَ عَلَيْهِ عِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ، مَسْجِدِهِ وغَيْرِ مَسْجِدِهِ، وعِنْدَ الخُرُوجِ مِنهُ؛ فَكُلُّ مَن دَخَلَ مَسْجِدَهُ فَلا بُدَّ أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ويُسَلِّمَ عَلَيْهِ في الصَّلاةِ. والسَّفَرُ إلى مَسْجِدِهِ مَشْرُوعٌ، لَكِنَّ العُلَماءَ فَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، حِينَ كَرِهَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنْ يُقالَ: زُرْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ بِزِيارَةِ القُبُورِ السَّلامُ عَلَيْها والدُّعاءُ لَهم، وذَلِكَ السَّلامُ والدُّعاءُ قَدْ حَصَلَ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ في الصَّلاةِ في مَسْجِدِهِ وغَيْرِ مَسْجِدِهِ، وعِنْدَ سَماعِ الأذانِ وعِنْدَ كُلِّ دُعاءٍ. فَتُشْرَعُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ دُعاءٍ، فَإنَّهُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ. اهـ. وَإذا كانَ هَذا كَلامَهُ، فَإنَّ المَسْألَةَ شَكْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً. إذْ أنَّهُ يُقَرِّرُ بِأنَّ السَّفَرَ إلى مَسْجِدِهِ ﷺ مَشْرُوعٌ وإنْ كانَ يَزُورُ قَبْرَهُ ﷺ ويُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أفْضَلِ القُرُباتِ ومِن صالَحِ الأعْمالِ. أيْ: وإنْ كانَتِ الزِّيارَةُ مَقْصُودَةً عِنْدَ السَّفَرِ. وَإذا كانَ السَّفَرُ إلى المَسْجِدِ لا يَنْفَكُّ عَنِ السَّلامِ عَلَيْهِ ﷺ، والسَّلامُ عَلَيْهِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ. فَلا مُوجِبَ لِهَذا النِّقاشِ، وجَعْلِ هَذِهِ المَسْألَةِ مَثارَ نِزاعٍ أوْ جِدالٍ. وَقَدْ صَرَّحَ بِما يَقْرُبُ مِن هَذا المَعْنى في مَوْضِعٍ آخَرَ مِن كَلامِهِ، إذْ يَقُولُ في ج ٢٧ ص ٣٤٢ مِنَ المَجْمُوعِ، ما نَصُّهُ: (p-٣٤٦)فَمَن سافَرَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ، أوِ المَسْجِدِ الأقْصى، أوْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، فَصَلّى في مَسْجِدِهِ وصَلّى في مَسْجِدِ قُباءٍ، وزارَ القُبُورَ كَما قَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهَذا هو الَّذِي عَمِلَ العَمَلَ الصّالِحَ. وَمَن أنْكَرَ هَذا السَّفَرَ، فَهو كافِرٌ يُسْتَتابُ، فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ. وَأمّا مَن قَصَدَ السَّفَرَ لِمُجَرَّدِ زِيارَةِ القَبْرِ ولَمْ يَقْصِدِ الصَّلاةَ في المَسْجِدِ، وسافَرَ إلى مَدِينَتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ في مَسْجِدِهِ ﷺ ولا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ في الصَّلاةِ، بَلْ أتى القَبْرَ ثُمَّ رَجَعَ؛ فَهَذا مُبْتَدِعٌ ضالٌّ، مُخالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِإجْماعِ أصْحابِهِ، ولِعُلَماءِ الأُمَّةِ. وَهُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ القَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَرَّمٌ. والثّانِي: أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ، ولا أجْرَ لَهُ. والَّذِي يَفْعَلُهُ عُلَماءُ المُسْلِمِينَ هو الزِّيارَةُ الشَّرْعِيَّةُ يُصَلُّونَ في مَسْجِدِهِ ﷺ، ويُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ في الدُّخُولِ لِلْمَسْجِدِ وفي الصَّلاةِ، وهَذا مَشْرُوعٌ بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ. إلى أنْ قالَ: وذَكَرْتُ أنَّهُ يُسَلِّمُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعَلى صاحِبَيْهِ. اهـ. فَأيُّ مُوجِبٍ لِنِزاعٍ أوْ خِلافٍ في هَذا القَوْلِ، فَإنْ كانَ في قَوْلِهِ فِيمَن قَصَدَ السَّفَرَ لِمُجَرَّدِ زِيارَةِ القَبْرِ، ولَمْ يَقْصِدِ الصَّلاةَ في المَسْجِدِ، وسافَرَ إلى مَدِينَتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ في مَسْجِدِهِ ﷺ ولا سَلَّمَ عَلَيْهِ في الصَّلاةِ بَلْ أتى القَبْرَ ثُمَّ رَجَعَ؛ فَهَذا مُبْتَدِعٌ. . إلخ. فَمَن مِنَ المُسْلِمِينَ يُجِيزُ لِمُسْلِمٍ: أنْ يَشُدَّ رَحْلَهُ إلى المَدِينَةِ؛ لِمُجَرَّدِ زِيارَةِ القَبْرِ دُونَ قَصْدِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِهِ ﷺ، ودُونَ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ﷺ في الصَّلاةِ، وهو يَعْلَمُ أنَّ الصَّلاةَ في مَسْجِدِهِ ﷺ بِألْفِ صَلاةٍ. فَدَلَّ كَلامُهُ أنَّ زِيارَةَ القَبْرِ والصَّلاةَ في المَسْجِدِ مُرْتَبِطَتانِ، ومَنِ ادَّعى انْفِكاكَهُما عَمَلِيًّا فَقَدْ خالَفَ الواقِعَ، وإذا ثَبَتَتِ الرّابِطَةُ بَيْنَهُما انْتَفى الخِلافُ وزالَ مُوجِبُ النِّزاعِ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وَصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ص ٣٤٦ في قَصْرِ الصَّلاةِ في السَّفَرِ لِزِيارَةِ قُبُورِ الصّالِحِينَ عَنْ أصْحابِ أحْمَدَ أرْبَعَةَ أقْوالٍ. الثّالِثُ مِنها: تُقْصَرُ إلى قَبْرِ نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وَقالَ في التَّعْلِيلِ لِهَذا القَوْلِ: إذا كانَ عامَّةُ المُسْلِمِينَ لا بُدَّ أنْ يُصَلُّوا في مَسْجِدِهِ (p-٣٤٧)فَكُلُّ مَن سافَرَ إلى قَبْرِهِ المُكَرَّمِ فَقَدْ سافَرَ إلى مَسْجِدِهِ المُفَضَّلِ. وَكَذَلِكَ قالَ بَعْضُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، إلى أنْ قالَ: وكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ يُطْلِقُ السَّفَرَ إلى قَبْرِهِ المُكَرَّمِ، وعِنْدَهم أنَّ هَذا يَتَضَمَّنُ السَّفَرَ إلى مَسْجِدِهِ، إذْ كانَ كُلُّ مُسْلِمٍ لا بُدَّ إذا أتى الحُجْرَةَ المُكَرَّمَةَ أنْ يُصَلِّيَ في مَسْجِدِهِ فَهُما عِنْدَهم مُتَلازِمانِ. وَبَعْدَ نَقْلِهِ لِأقْوالِ العُلَماءِ، قالَ ما نَصُّهُ: وَحَقِيقَةُ الأمْرِ أنَّ فِعْلَ الصَّلاةِ في مَسْجِدِهِ مِن لَوازِمِ هَذا السَّفَرِ، فَكُلُّ مَن سافَرَ إلى قَبْرِهِ المُكَرَّمِ لا بُدَّ أنْ تَحْصُلَ لَهُ طاعَةٌ وقُرْبَةٌ، يُثابُ عَلَيْها بِالصَّلاةِ في مَسْجِدِهِ. وَأمّا نَفْسُ القَصْدِ، فَأهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ يَقْصِدُونَ السَّفَرَ إلى مَسْجِدِهِ، وإنْ قَصْدَ مِنهم مَن قَصَدَ السَّفَرَ إلى القَبْرِ أيْضًا إذا لَمْ يَعْلَمِ النَّهْيَ. وَهَذا غايَةٌ في التَّصْرِيحِ مِنهُ أنَّهُ لا انْفِكاكَ مِن حَيْثُ الواقِعُ بَيْنَ الزِّيارَةِ والصَّلاةِ في المَسْجِدِ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ. ثُمَّ قالَ في حَقِّ الجاهِلِ: وأمّا مَن لَمْ يَعْرِفْ هَذا فَقَدْ لا يَقْصِدُ إلّا السَّفَرَ إلى القَبْرِ، ثُمَّ إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُصَلِّيَ في مَسْجِدِهِ فَيُثابَ عَلى ذَلِكَ. وما فَعَلَهُ وهو مَنهِيٌّ عَنْهُ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ لا يُعاقَبُ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ لَهُ أجُرٌ ولا يَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرٌ. اهـ. وَقَدْ أكْثَرْنا النُّقُولَ عَنْهُ؛ لِما وجَدْنا مَن لَيْسَ في هَذا المَوْضُوعِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، حَتّى قالَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي فِيها: وهَذا أعْظَمُ ما أُخِذَ عَلى ابْنِ تَيْمِيَةَ، فَهي وإنْ كانَتْ شَهادَةً مِنَ ابْنِ حَجَرٍ أنَّها أشَدُّ ما أُخِذَ عَلَيْهِ مَعَ ما رُمِيَ بِهِ مِن خُصُومِهِ في العَقائِدِ ومُحارَبَةِ البِدَعِ، إلّا أنَّها - بِحَمْدِ اللَّهِ - بَعْدَ هَذِهِ النُّقُولِ عَنْهُ مِن صَرِيحِ كَلامٍ لَمْ يَعُدْ فِيها ما يَتَعاظَمُ مِنهُ، فَعَلى كُلِّ مُتَكَلِّمٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنْ يَرْجِعَ إلى أقْوالِهِ فَلَمْ يَتْرُكْ جانِبًا إلّا وبَيَّنَهُ، سَواءٌ في حَقِّ العالِمِ أوِ الجاهِلِ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ. هَذا ما يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ السَّفَرِ إلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ لِلْمَسْجِدِ ولِلزِّيارَةِ مَعًا، عَلى التَّفْصِيلِ المُتَقَدِّمِ. أمّا بَقِيَّةُ الأماكِنِ ما عَدا المَساجِدَ الثَّلاثَةَ، فَلا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَيْها لِلصَّلاةِ أوِ الدُّعاءِ أوِ الِاعْتِكافِ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا لا مَزِيَّةَ لَها في مَكانٍ دُونَ آخَرَ قَطُّ، أيًّا كانَتْ تِلْكَ البُقْعَةُ أوْ (p-٣٤٨)كانَتْ تِلْكَ العِبادَةُ. وذَلِكَ لِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في المُوَطَّأِ في السّاعَةِ الَّتِي في يَوْمِ الجُمُعَةِ، قالَ: " خَرَجْتُ إلى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبَ الأحْبارِ فَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْراةِ، وحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ فِيما حَدَّثْتُهُ أنْ قُلْتُ لَهُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وفِيهِ أُهْبِطَ، وفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وفِيهِ ماتَ، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، وما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِن حِينِ تَطْلُعُ الشَّمْسُ؛ شَفَقًا مِنَ السّاعَةِ إلّا الجِنُّ والإنْسُ، وفِيهِ ساعَةٌ لا يُصادِفُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ وهو يُصَلِّي يَسْألُ اللَّهَ شَيْئًا إلّا أعْطاهُ إيّاهُ» . قالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ في كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. فَقُلْتُ: بَلْ في كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرَأ كَعْبٌ التَّوْراةَ، فَقالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَلَقِيتُ بُصْرَةَ بْنَ أبِي بُصْرَةَ الغِفارِيَّ، فَقالَ: مِن أيْنَ أقْبَلْتَ ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الطُّورِ. فَقالَ: لَوْ أدْرَكْتُكَ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ ما خَرَجْتَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”«لا تُعْمَلُ المَطِيُّ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: إلى المَسْجِدِ الحَرامِ، وإلى مَسْجِدِي هَذا، وإلى مَسْجِدِ إيلِياءَ أوْ بَيْتِ المَقْدِسِ“» يَشُكُّ أبُو هُرَيْرَةَ. ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ الأحْبارِ وما حَدَّثْتُهُ بِهِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ إلى آخِرِ الحَدِيثِ هَذا العَظِيمِ. قالَ الباجِيُّ: عَلى هَذا الحَدِيثِ: خُرُوجُ أبِي هُرَيْرَةَ إلى الطُّورِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِحاجَةٍ عَنَّتْ لَهُ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَصَدَهُ عَلى مَعْنى التَّعَبُّدِ والتَّقَرُّبِ بِإتْيانِهِ، إلّا أنَّ قَوْلَ بُصْرَةَ: لَوْ أدْرَكْتُكَ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ ما خَرَجْتَ. دَلِيلٌ عَلى أنْ فَهِمَ مِنهُ التَّقَرُّبَ بِقَصْدِهِ. وسُكُوتُ أبِي هُرَيْرَةَ حِينَ أنْكَرَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّذِي فَهِمَ مِنهُ كانَ قَصْدَهُ. أقُولُ: لَقَدْ صَرَّحَ أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ كانَ لِلصَّلاةِ كَما في مَجْمَعِ الزَّوائِدِ لِأحْمَدَ عَنْ شَهْرٍ، وقالَ: حَسَنٌ. والحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ صَلاةً بِمَسْجِدِ البَصْرَةِ أوِ الكُوفَةِ أنَّهُ يُصَلِّي بِمَوْضِعِهِ ولا يَأْتِيهِ؛ لِحَدِيثِ بُصْرَةَ المَنصُوصِ في ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ النَّذْرَ يَكُونُ فِيما فِيهِ القُرْبَةُ. ولا فَضِيلَةَ لِمَساجِدِ البِلادِ عَلى بَعْضِها البَعْضِ، تَقْتَضِي قَصْدَهُ بِإعْمالِ المَطِيِّ إلَيْهِ إلّا المَساجِدُ الثَّلاثَةُ؛ فَإنَّها تَخْتَصُّ بِالفَضِيلَةِ. وَأمّا مَن نَذَرَ الصَّلاةَ والصِّيامَ في شَيْءٍ مِن مَساجِدِ الثُّغُورِ، فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ إتْيانُها والوَفاءُ (p-٣٤٩)بِنَذْرِهِ؛ لِأنَّ نَذْرَهُ قَصْدَها لَمْ يَكُنْ لِمَعْنى الصَّلاةِ فِيها، بَلْ قَدِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ الرِّباطِ، فَوَجَبَ الوَفاءُ بِهِ. وَلا خِلافَ في المَنعِ مِن ذَلِكَ مِن غَيْرِ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ، إلّا ما قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ في المَبْسُوطِ. فَإنَّهُ أضافَ إلى ذَلِكَ مَسْجِدًا رابِعًا وهو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَقالَ: مَن نَذَرَ أنْ يَأْتِيَهُ فَيُصَلِّي فِيهِ كانَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. اهـ. وَلَعَلَّ مَقْصِدَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ في إضافَتِهِ مَسْجِدَ قُباءٍ، العَمَلُ بِما جاءَ في مَسْجِدِ قُباءٍ مِن أثَرٍ اخْتُصَّ بِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ فِيما رَواهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قالَ: حَدَّثَنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قالَ: حَدَّثَنا أيُّوبُ بْنُ صِيامٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الرُّقَيْشِ الأسَدِيِّ، قالَ: جاءَنا أنَسُ بْنُ مالِكٍ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ إلى بَعْضِ هَذِهِ السَّوارِي، ثُمَّ سَلَّمَ وجَلَسْنا حَوْلَهُ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ما أعْظَمَ حَقَّ هَذا المَسْجِدِ، ولَوْ كانَ عَلى مَسِيرَةِ شَهْرٍ كانَ أهْلًا أنْ يُؤْتى، مَن خَرَجَ مِن بَيْتِهِ يُرِيدُهُ مُعْتَمِدًا إلَيْهِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ أقْلَبَهُ اللَّهُ بِأجْرِ عُمْرَةٍ. وَتَقَدَّمَ عَنْ وفاءِ الوَفاءِ نَقْلُهُ بِقَوْلِهِ: وَكانَ هَذا الحُكْمُ مَعْلُومًا عِنْدَ العامَّةِ، حَتّى قالَ ابْنُ شَبَّةَ: قالَ أبُو غَسّانَ: ومِمّا يُقَوِّي هَذِهِ الأخْبارَ، ويَدُلُّ عَلى تَظاهُرِها في العامَّةِ والخاصَّةِ، قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَكَمِ في شِعْرٍ لَهُ: ؎فَإنْ أهْلِكَ فَقَدْ أقْرَرْتُ عَيْنًا مِنَ المُعْتَمِراتِ إلى قُباءٍ. ؎مِنَ اللّاتِي سَوالِفْهُنَّ غِيدٌ عَلَيْهِنَّ المَلاحَةُ بِالبَهاءِ تَنْبِيهٌ. إنَّ قَوْلَ أنَسٍ لَيُشْعِرُ بِجَوازِ شَدِّ الرَّحْلِ إلى قُباءٍ لَوْ كانَ بَعِيدًا، ولَكِنَّهُ لِلْمَعانِي في المَساجِدِ الثَّلاثَةِ الأُخْرى، فَلا يَتَعارَضُ مَعَ الحَدِيثِ الأوَّلِ. تَنْبِيهٌ آخَرٌ. أبْياتُ الشّاعِرِ تُشْعِرُ بِخَطَأِ التَّجَمُّعِ في يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لِقُباءٍ، واجْتِماعِ الرِّجالِ والنِّساءِ. (p-٣٥٠)تَنْبِيهٌ ثالِثٌ. يُوجَدُ فَرْقٌ بِصِفَةٍ إجْمالِيَّةٍ عامَّةٍ بَيْنَ زِيارَةِ عُمُومِ المَقابِرِ لِعامَّةِ النّاسِ، وخُصُوصِ زِيارَةِ القُبُورِ الثَّلاثَةِ. إذِ الغَرَضُ مِن زِيارَةِ عامَّةِ المَقابِرِ هو الدُّعاءُ لَها، وتَذَكُّرُ الآخِرَةِ كَما قالَ ﷺ: ”«كُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ ألا فَزُورُوها؛ فَإنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ“» . أمّا هَذِهِ الثَّلاثَةُ المُشَرَّفَةُ، فَلَها خَصائِصُ لَمْ يُشارِكْها فِيها غَيْرُها: أوَّلًا: ومِن حَيْثُ المَوْضُوعُ: ارْتِباطُها بِالمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أحَدِ المَساجِدِ الَّتِي مِن حَقِّها شَدُّ الرَّحالِ إلَيْها. ثانِيًا: عَظِيمُ حَقِّ مَن فِيها عَلى المُسْلِمِينَ، إذْ بِزِيارَتِهِمْ لا بِتَذَكُّرِ الآخِرَةِ فَحَسْبُ، بَلْ ويَسْتَفِيدُ ذِكْرَياتِ الدُّنْيا وعَظِيمَ جِهادِهِمْ في سَبِيلِ إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، ونُصْرَةِ دِينِهِ، وهِدايَةِ الأُمَّةِ، والقِيامِ بِأمْرِ اللَّهِ، حَتّى عُبِدَ اللَّهُ وحْدَهُ وعُمِلَ بِشَرْعِهِ، فِيما يُثِيرُ إحْساسَ المُسْلِمِ وُجُوبَ تَجْدِيدِ العَهْدِ مَعَ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ عَلى العَمَلِ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وهَدْيِ خُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - . وَهَذا ما يَجْعَلُ الإنْسانَ يَتَوَجَّهُ إلى اللَّهِ عَقِبَ السَّلامِ عَلَيْهِمْ بِخالِصِ الدُّعاءِ، أنْ يَجْزِيَهم عَلى ذَلِكَ ما يَعْلَمُ سُبْحانَهُ أنَّهم أهْلٌ لَهُ. ثالِثًا: عَظِيمُ الفَضْلِ مِنَ اللَّهِ عَلى مَن سَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنْ يَرُدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ﷺ رُوحَهُ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، وكُلُّ ذَلِكَ أوْ بَعْضُهُ لا يُوجَدُ عِنْدَ عامَّةِ المَقابِرِ. وهَذا مَعَ مُراعاةِ الآدابِ الشَّرْعِيَّةِ في الزِّيارَةِ لِما تَقَدَّمَ. * * مَسْألَةٌ. فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، جَمَعَ بَيْنَ مَسْألَتَيْنِ، فَكَأنَّ الأُولى تَدُلُّ عَلى الثّانِيَةِ بِمَفْهُومِها، وكَأنَّ الثّانِيَةَ تَكُونُ مَنطُوقَ الأُولى؛ لِأنَّ كَوْنَ المَساجِدِ لِلَّهِ يَقْتَضِي إفْرادَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ وألّا يُدْعى مَعَهُ أحَدٌ. أمّا إفْرادُهُ بِالعِبادَةِ، فَقَدْ كَتَبَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عَلى ذَلِكَ مَبْحَثًا كامِلًا في سُورَةِ ”الحُجُراتِ“ في مَسْألَةٍ مِنَ المَسائِلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] . (p-٣٥١)وَبَيَّنَ في هَذِهِ المَسْألَةِ ما هو حَقٌّ لِلَّهِ، وما هو حَقٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ، ووُجُوبَ إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِما هو حَقُّهُ تَعالى، وبَيَّنَ فِيها آدابَ السَّلامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّ وضْعَ اليَدِ عَلى اليَدِ كَهَيْأةِ الصَّلاةِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ العِبادَةِ الَّتِي لا تَنْبَغِي إلّا لِلَّهِ تَعالى. اهـ. وَأنَّ الجَمْعَ هُنا بَيْنَ المَفْهُومِ والمَنطُوقِ بِنَفْسِ المَفْهُومِ، لِما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ والعِنايَةِ بِأمْرِهِ، وإنَّهُ لَيَلْفِتُ النَّظَرَ إلى ما جاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنَ النَّهْيِ الأكِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِالنِّسْبَةِ لِقَضِيَّةِ المَساجِدِ ودَعْوَةِ التَّوْحِيدِ، وما كانَ يَفْعَلُهُ الأوَّلُونَ مِن بِناءِ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ، ويَفْتَحُونَ بِذَلِكَ بابًا مُطِلًّا عَلى الشِّرْكِ. كَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وأُمِّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عِنْدَ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، في قِصَّتَيْهِما عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاهَدَتاهُ بِالحَبَشَةِ مِن هَذا القَبِيلِ، فَقالَ ﷺ: «أُولَئِكَ كانُوا إذا ماتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ، أوِ العَبْدُ الصّالِحُ، بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا؛ أُولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ» . وَكَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ»، قالَتْ عائِشَةُ: ولَوْلا ذَلِكَ لِأُبْرِزَ قَبْرُهُ، أيْ: خَشْيَةَ اتِّخاذِهِ مَسْجِدًا " . حَدِيثُ المُوَطَّأِ قَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ» فَكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُشَدِّدُ الحَذَرَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ القُبُورِ والمَساجِدِ؛ خَشْيَةَ الفِتْنَةِ وسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، ويَشْهَدُ لِهَذا ما ذَكَرَهُ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - مِن سَبَبِ النُّزُولِ، أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا إذا دَخَلُوا كَنائِسَهم وبِيَعَهم، أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ. وَهَذِهِ المَسْألَةُ مِمّا تَفَشَّتْ في كَثِيرٍ مِنَ البِلْدانِ الإسْلامِيَّةِ مِمّا يَسْتَوْجِبُ التَّنَبُّهَ لَها، ورَبْطَ هَذِهِ الآيَةَ بِها مَعَ تِلْكَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ الصَّرِيحَةِ في شَأْنِها مَهْما كانَ المَسْجِدُ. وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ مَسْجِدٌ إلّا المَسْجِدَ الحَرامَ، ومَسْجِدَ إيلِياءَ، بَيْتِ المَقْدِسِ. تَنْبِيهٌ. قَدْ أُثِيرَ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَساؤُلاتٌ مِن بَعْضِ النّاسِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ومَوْضِعِ الحُجْرَةِ مِنهُ بَعْدَ إدْخالِها فِيهِ. (p-٣٥٢)وَقَدْ أجابَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ في فَتْحِ البارِي بِقَوْلِهِ عَلى حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: إنَّهُ ﷺ قالَ في مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ: ”«لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ“» . قالَتْ: ولَوْلا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أنِّي أخْشى أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. رَواهُ البُخارِيُّ في كِتابِ الجَنائِزِ. وَفِي بَعْضِ رِواياتِهِ: غَيْرَ أنَّهُ خَشِيَ، فَقالَ ابْنُ حَجَرٍ: وهَذا قالَتْهُ عائِشَةُ قَبْلَ أنْ يُوَسَّعَ المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، ولِهَذا لَمّا وُسِّعَ المَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرَتُها مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً؛ حَتّى لا يَتَأتّى لِأحَدٍ أنْ يُصَلِّيَ إلى جِهَةِ القَبْرِ مَعَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ. اهـ. وَذَكَرَتْ كُتُبُ السِّيرَةِ وتارِيخِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بَعْضَ الأخْبارِ في ذَلِكَ، مِن ذَلِكَ ما رَواهُ السَّمْهُودِيُّ في وفاءِ الوَفاءِ، قالَ: وعَنِ المُطَّلِبِ، قالَ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن تُرابِ القَبْرِ فَأمَرَتْ عائِشَةُ بِجِدارٍ فَضُرِبَ عَلَيْهِمْ، وكانَ في الجِدارِ كُوَّةٌ فَأمَرَتْ بِالكُوَّةِ فَسُدَّتْ هي أيْضًا. ونُقِلَ عَنِ ابْنِ شَبَّةَ، قالَ أبُو غَسّانَ بْنُ يَحْيى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ - وكانَ عالِمًا بِأخْبارِ المَدِينَةِ ومِن بَيْتِ كِتابَةٍ وعِلْمٍ -: لَمْ يَزَلْ بَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ هو وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ظاهِرًا، حَتّى بَنى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَلَيْهِ الخِطارَ المُزَوَّرَ الَّذِي هو عَلَيْهِ اليَوْمَ، حِينَ بَنى المَسْجِدَ في خِلافَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، وإنَّما جَعَلَهُ مُزَوَّرًا؛ كَراهَةَ أنْ يُشْبِهَ تَرْبِيعَ الكَعْبَةِ، وأنْ يُتَّخَذَ قِبْلَةً يُصَلّى إلَيْهِ. قالَ أبُو زَيْدِ بْنُ شَبَّةَ، قالَ أبُو غَسّانَ: وقَدْ سَمِعْتُ غَيْرَ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ يَزْعُمُ: أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ بَنى البَيْتَ غَيْرَ بِنائِهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ، وسَمِعْتُ مَن يَقُولُ: بَنى عَلى بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةَ أجْدُرٍ فَدُونَ القَبْرِ ثَلاثَةُ أجْدُرٍ: جِدارُ بِناءِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وجِدارُ البَيْتِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ بَنى عَلَيْهِ - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ -، وجِدارُ الخِطارِ الظّاهِرِ، وقالَ: قالَ أبُو غَسّانَ فِيما حَكاهُ الأقْشَهْدِيُّ: أخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَنصُورِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عُرْوَةَ، قالَ: قالَ عُرْوَةُ: نازَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ في قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ألّا يُجْعَلَ في المَسْجِدِ أشَدَّ المُنازَلَةِ، فَأبى وقالَ: كِتابُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ لا بُدَّ مِن إنْفاذِهِ. قالَ: قُلْتُ: فَإنْ كانَ لا بُدَّ فاجْعَلْ لَهُ جُؤْجُؤًا. أيْ: وهو المَوْضِعُ لِنَزُورَ خَلْفَ الحُجْرَةِ. اهـ. (p-٣٥٣)فَهَذِهِ مُنازَلَةٌ في مَوْضُوعِ الحُجْرَةِ والمَسْجِدِ، وهَذا جَوابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. وَقَدْ آلَتْ إلَيْهِ الخِلافَةُ وهو الخَلِيفَةُ الرّاشِدُ الخامِسُ، وقَدْ أقَرَّ هَذا الوَضْعَ لَمّا اتُّخِذَتْ تِلْكَ الِاحْتِياطاتُ مِن أنْ يَكُونَ القَبْرُ قِبْلَةً لِلْمُصَلِّينَ، وهَذا مِمّا لا شَكَّ فِيهِ في خَيْرِ القُرُونِ الأُولى، ومَشْهَدٍ مِن أكابِرِ المُسْلِمِينَ، مِمّا لا يَدَعُ لِأحَدٍ مَجالًا لِاعْتِراضٍ أوِ احْتِجاجٍ أوِ اسْتِدْلالٍ، وقَدْ بُحِثَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ في كُلِّ عَصْرٍ. وَقالَ القُرْطُبِيُّ: بالَغَ المُسْلِمُونَ في سَدِّ الذَّرِيعَةِ في قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأعْلَوْا حِيطانَ تُرْبَتِهِ، وسَدُّوا المَدْخَلَ إلَيْها، وجَعَلُوها مُحْدِقَةً بِقَبْرِهِ ﷺ، ثُمَّ خافُوا أنْ يُتَّخَذَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ قِبْلَةً إذا كانَ مُسْتَقْبِلَ المُصَلِّينَ، فَتُصَوَّرُ الصَّلاةُ إلَيْهِ بِصُورَةِ العِبادَةِ، فَبَنَوْا جِدارَيْنِ مِن رُكْنَيِ القَبْرِ الشَّمالِيَّيْنِ، وحَرَّفُوهُما حَتّى التَقَيا عَلى زاوِيَةٍ مُثَلَّثَةٍ مِن ناحِيَةِ الشَّمالِ؛ حَتّى لا يَتَمَكَّنَ أحَدٌ مِنَ اسْتِقْبالِ قَبْرِهِ. اهـ. مِن فَتْحِ المَجِيدِ. وَقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ هَذا العَمَلَ الَّذِي اتُّخِذَ حِيالَ القَبْرِ الشَّرِيفِ وقَبْرَيْ صاحِبَيْهِ، إنَّما هو اسْتِجابَةُ دُعائِهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وثَنًا يُعْبَدُ»، كَما قالَ ابْنُ القَيِّمِ في نُونِيَّتِهِ، كابْنِ تَيْمِيَّةَ قالَ: ؎فَأجابَ رَبُّ العالَمِينَ دُعاءَهُ وأحاطَهُ بِثَلاثَةِ الجُدْرانِ ؎حَتّى غَدَتْ أرْجاؤُهُ بِدُعائِهِ ∗∗∗ في عِزَّةٍ وحِمايَةٍ وصِيانِ وَقالَ صاحِبُ فَتْحِ المَجِيدِ: ودَلَّ الحَدِيثُ أنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَوْ عُبِدَ لَكانَ وثَنًا. ولَكِنْ حَماهُ اللَّهُ تَعالى بِما حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ؛ فَلا يُوصَلُ إلَيْهِ. وَدَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ الوَثَنَ هو ما يُباشِرُهُ العابِدُ مِنَ القُبُورِ والتَّوابِيتِ الَّتِي عَلَيْها. اهـ. وَهَذا الَّذِي قالَهُ حَقِيقَةٌ دَقِيقٌ مَأْخَذُها؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ إدْخالِ الحُجْرَةِ في مَأْمَنٍ مِنَ الصَّلاةِ إلَيْهِ لَكانَ وثَنًا، وحاشاهُ ﷺ يَكُونُ في حَياتِهِ داعِيًا إلى اللَّهِ وبَعْدَ انْتِقالِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى يَكُونُ قَبْرُهُ وثَنًا يُنافِي التَّوْحِيدَ، ويَهْدِمُ ما بَناهُ في حَياتِهِ. وَكَيْفَ يَرْضى اللَّهُ لِرَسُولِهِ ذَلِكَ حاشا وكَلّا. هَذا مُجْمَلُ ما قِيلَ في هَذِهِ المَسْألَةِ. * * (p-٣٥٤)وُجْهَةُ نَظَرٍ. وَهُنا وُجْهَةُ نَظَرٍ، وإنْ كُنْتُ لَمْ أقِفْ عَلى قَوْلٍ فِيها، وهي أنَّ كُلَّ نَصٍّ مُتَقَدِّمٍ صَرِيحٌ في النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ؛ بِأنْ يَكُونَ القَبْرُ أوَّلًا ثُمَّ يُتَّخَذَ عَلَيْهِ المَسْجِدُ. كَما جاءَ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أيْ: أنَّ القَبْرَ أوَّلًا والمَسْجِدَ ثانِيًا. أمّا قَضِيَّةُ الحُجْرَةِ والمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَهي عَكْسُ ذَلِكَ، إذِ المَسْجِدُ هو الأوَّلُ وإدْخالُ الحُجْرَةِ ثانِيًا، فَلا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ تِلْكَ النُّصُوصُ في نَظَرِي. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وَمِن ناحِيَةٍ أُخْرى، لَمْ يَكُنِ الَّذِي أُدْخِلُ في المَسْجِدِ هو القَبْرَ أوِ القُبُورَ، بَلِ الَّذِي أُدْخِلَ في المَسْجِدِ هو الحُجْرَةُ، أيْ: بِما فِيها، وقَدْ تَقَدَّمَ كَلامُ صاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ في تَعْرِيفِ الوَثَنِ: أنَّهُ ما سُجِدَ إلَيْهِ مِن قَرِيبٍ. وَعَلَيْهِ فَما مِن مُصَلٍّ يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ إلّا ويَقَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَةِ قُبُورٌ ومَقابِرُ. ولا يُعْتَبَرُ مُصَلِّيًا إلى القُبُورِ لِبُعْدِها ووُجُودِ الحَواجِزِ دُونَهُ، وإنْ كانَ البُعْدُ نِسْبِيًّا. فَكَذَلِكَ في مَوْضُوعِ القُبُورِ الثَّلاثَةِ في الحُجْرَةِ، فَإنَّها بَعِيدَةٌ عَنْ مُباشَرَةِ الصَّلاةِ إلَيْها، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وَأيْضًا لِابْنِ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَلامٌ في ذَلِكَ مُلَخَّصُهُ مِنَ المَجْمُوعِ: مُجَلَّدُ ٢٧ ص ٣٢٣ وكَأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا ماتَ ودُفِنَ في حُجْرَةِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، وكانَتْ هي وحُجَرُ نِسائِهِ في شَرْقِيِّ المَسْجِدِ وقِبْلِيِّهِ، لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ داخِلًا المَسْجِدَ. واسْتَمَرَّ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ إلى أنِ انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحابَةِ بِالمَدِينَةِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ في خِلافَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ بِنَحْوٍ مِن سَنَةٍ مِن بَيْعَتِهِ، وُسِّعَ المَسْجِدُ، وأُدْخِلَتْ فِيهِ الحُجْرَةُ لِلضَّرُورَةِ. فَإنَّ الوَلِيدَ كَتَبَ إلى نائِبِهِ - عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ -: أنْ يَشْتَرِيَ الحُجَرَ مِن مُلّاكِها ورَثَةِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهُنَّ كُنَّ تُوُفِّينَ كُلُّهُنَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ -، فَأمَرَهُ أنْ يَشْتَرِيَ الحُجَرَ ويَزِيدَها في المَسْجِدِ، فَهَدَمَها وأدْخَلَها في المَسْجِدِ، وبَقِيَتْ حُجْرَةُ عائِشَةَ عَلى حالِها. وكانَتْ مُغْلَقَةً لا يُمَكَّنُ أحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ إلى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ لا لِصَلاةٍ عِنْدَهُ، ولا لِدُعاءٍ، ولا غَيْرِ ذَلِكَ. إلى حِينِ كانَتْ عائِشَةُ في الحَياةِ وهي تُوُفِّيَتْ قَبْلَ إدْخالِ الحُجْرَةِ بِأكْثَرَ مِن عِشْرِينَ أوْ ثَلاثِينَ سَنَةً. وَقالَ في صَفْحَةِ ٣٢٨: ولَمْ تَكُنْ تُمَكِّنُ أحَدًا أنْ يَفْعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ شَيْئًا مِمّا نَهى عَنْهُ (p-٣٥٥)وَبَعْدَها كانَتْ مُغْلَقَةً، إلى أنْ أُدْخِلَتْ في المَسْجِدِ فَسُدَّ بابُها وبُنِيَ عَلَيْها حائِطٌ آخَرُ. فَكُلُّ ذَلِكَ صِيانَةٌ لَهُ ﷺ، أنْ يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا وقَبْرُهُ وثَنًا. وإلّا فَمَعْلُومٌ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ كُلُّهم مُسْلِمُونَ، ولا يَأْتِي إلى هُناكَ إلّا مُسْلِمٌ، وكُلُّهم مُعَظِّمُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ، فَما فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُسْتَهانَ بِالقَبْرِ المُكَرَّمِ؛ بَلْ فَعَلَوْهُ لِئَلّا يُتَّخَذَ وثَنًا يُعْبَدُ. ولا يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا، ولِئَلّا يُفْعَلَ بِهِ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ بِقُبُورِ أنْبِيائِهِمْ. انْتَهى. وَتَقَدَّمَ شَرْحُ ابْنِ القَيِّمِ لِوَضْعِ الجُدْرانِ الثَّلاثَةِ وجَعْلِ طَرَفِ الجِدارِ الثّالِثِ مِنَ الشَّمالِ عَلى شَكْلِ رَأْسِ مُثَلَّثٍ، وأنَّ المُشاهَدَ اليَوْمَ بَعْدَ ابْنِ تَيْمِيَةَ وابْنِ القَيِّمِ، وُجُودُ الشَّبَكِ الحَدِيدِيِّ مِن وراءِ ذَلِكَ كُلِّهِ، ويَبْعُدُ عَنْ رَأْسِ المُثَلَّثِ إلى الشَّمالِ ما يَقْرُبُ مِن سِتَّةِ أمْتارٍ يَتَوَسَّطُها، أيْ: تِلْكَ المَسافَةُ مِحْرابٌ كَبِيرٌ، وهَذا كانَ في المَسْجِدِ سابِقًا، أيْ: قَبْلَ الشَّبَكِ. مِمّا يَدُلُّ عَلى بُعْدِ ما بَيْنَ المُصَلِّي في الجِهَةِ الشَّمالِيَّةِ مِنَ الحُجْرَةِ المُكَرَّمَةِ وبَيْنَ القُبُورِ الثَّلاثَةِ، ويَنْفِي أيَّ عَلاقَةٍ لِلصَّلاةِ مِن ورائِهِ بِالقُبُورِ الشَّرِيفَةِ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وَفِي خِتامِ هَذِهِ المَسْألَةِ، وقَدْ أُثِيرَ فِيها كَلامٌ في مَوْسِمِ حَجِّ سَنَةِ ١٣٩٤ في مِنى ومِن بَعْضِ المُشْتَغِلِينَ بِالعِلْمِ نَقُولُ: لَوْ أنَّها لَمْ تَدْخُلْ بِالفِعْلِ لَكانَ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ إدْخالِها مَجالٌ. أمّا وقَدْ أُدْخِلَتْ بِالفِعْلِ وفي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وفي القُرُونِ المَشْهُودِ لَها بِالخَيْرِ، ومَضى عَلى إدْخالِها ثَلاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا، فَلا مَجالَ لِلْقَوْلِ إذًا. وَمِن ناحِيَةٍ أُخْرى، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَكَتَ عَلى ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، ألا وهو مَوْضُوعُ بِناءِ الكَعْبَةِ، وكَوْنِها لَمْ تَسْتَوْعِبْ قَواعِدَ إبْراهِيمَ، ولَها بابٌ واحِدٌ، ومُرْتَفِعٌ عَنِ الأرْضِ. وَكانَ بِاسْتِطاعَتِهِ ﷺ أنْ يُعِيدَ بِناءَها عَلى الوَجْهِ الأصَحِّ، فَتَسْتَوْعِبَ قَواعِدَ إبْراهِيمَ، ويَكُونَ لَها بابانِ ويُسَوِّيَهُما بِالأرْضِ. ولَكِنَّهُ ﷺ تَرَكَ ذَلِكَ؛ لِاعْتِباراتٍ بَيَّنَها في حَدِيثِعائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - . ألا يَسَعُ مَن يَتَكَلَّمُ في مَوْضُوعِ الحُجُراتِ اليَوْمَ ما وسِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الكَعْبَةِ، وما وسِعَ السَّلَفَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - في عَيْنِ الحُجْرَةِ. (p-٣٥٦)وَمِن ناحِيَةٍ ثالِثَةٍ: لَوْ أنَّهُ أُخِذَ بِقَوْلِهِمْ، فَأُخْرِجَتْ مِنَ المَسْجِدِ، أيْ: جُعِلَ المَسْجِدُ مِن دُونِها عَلى الأصْلِ الأوَّلِ. ثُمَّ جاءَ آخَرُونَ، وقالُوا: نُعِيدُها عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ في عَهْدِ الخَلِيفَةِ الرّاشِدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، ألا يُقالُ في ذَلِكَ ما قالَ مالِكٌ لِلرَّشِيدِ - رَحِمَهُما اللَّهُ - في خُصُوصِ الكَعْبَةِ لَمّا بَناها ابْنُ الزُّبَيْرِ، وأعادَها الحَجّاجُ، وأرادَ الرَّشِيدُ أنْ يُعِيدَها عَلى بِناءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقالَ لَهُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا تَفْعَلْ؛ لِأنِّي أخْشى أنْ تُصْبِحَ الكَعْبَةُ أُلْعُوبَةَ المُلُوكِ. فَيُقالُ: هُنا أيْضًا فَتُصْبِحُ الحُجْرَةُ أُلْعُوبَةَ المُلُوكِ بَيْنَ إدْخالٍ وإخْراجٍ. وفِيهِ مِنَ الفِتْنَةِ ما فِيهِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الجن 72:23

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ﴾ الآيَةَ. أفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ”لَهُ“ وجَمَعَ قَوْلَهُ: ”خالِدِينَ“ . والجَوابُ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الإفْرادَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ: ”مَن“ والجَمْعَ بِاعْتِبارِ مَعْناها، وهو ظاهِرٌ.