Al-Bahr Al-Muhit — البقرة 2:75 – البقرة 2:94
المحتويات
البقرة 2:75
(p-٢٦٩)﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠] ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]
الطَّمَعُ: تَعَلُّقُ النَّفْسِ بِإدْراكِ مَطْلُوبٍ، تَعَلُّقًا قَوِيًّا، وهو أشَدُّ مِنَ الرَّجاءِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْدُثُ إلّا عَنْ قُوَّةِ رَغْبَةٍ وشِدَّةِ إرادَةٍ، وإذا اشْتَدَّ صارَ طَمَعًا، وإذا ضَعُفَ كانَ رَغْبَةً ورَجاءً. يُقالُ: طَمِعَ يَطْمَعُ طَمَعًا وطَماعَةً وطَماعِيَةً مُخَفَّفًا، كَطَواعِيَةٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎طَماعِيَةٌ أنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غافِرُهْ
واسْمُ الفاعِلِ: طَمِعٌ وطامِعٌ، ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ، ويُقالُ: طامَعَهُ مُطامَعَةً، ويُقالُ: طَمُعَ بِضَمِّ المِيمِ، كَثُرَ طَمَعُهُ، وضِدُّ الطَّمَعِ: اليَأْسُ، قالَ كُثَيِّرٌ:
؎لا خَيْرَ في الحُبِّ وقْفًا لا يُحَرِّكُهُ ∗∗∗ عَوارِضُ اليَأْسِ أوْ يَرْتاجُهُ الطَّمَعُ
ويُقالُ: امْرَأةٌ مِطْماعٌ، أيْ تَطْمَعُ ولا تُمَكَّنُ، وقَدْ تَوَسَّعَ في الطَّمَعِ فَسُمِّيَ بِهِ رِزْقُ الجُنْدِ، يُقالُ: أمَرَ لَهُمُ الأمِيرُ بِأطْماعِهِمْ، أيْ أرْزاقِهِمْ، وهو مِن وضْعِ المَصْدَرِ مَوْضِعَ المَفْعُولِ. الكَلامُ: هو القَوْلُ الدّالُّ عَلى نِسْبَةٍ إسْنادِيَّةٍ مَقْصُودَةٍ لِذاتِها، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الكَلِمَةِ، ويُعَبَّرُ بِهِ أيْضًا عَنِ الخَطِّ والإشارَةِ، وما يُفْهَمُ مِن حالِ الشَّيْءِ. وهَلْ يُطْلَقُ عَلى المَعانِي القائِمَةِ بِالذِّهْنِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِالكَلامِ ؟ في ذَلِكَ خِلافٌ، وتَقالِيبُهُ السِّتُّ مَوْضُوعَةٌ، وتَرْجِعُ إلى مَعْنى القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وهي: كَلَمَ، كَمَلَ، لَكَمَ، لَمَكَ، مَلَكَ، مَكَلَ. التَّحْرِيفُ: إمالَةُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ، والحَرْفُ: الحَدُّ المائِلُ. التَّحْدِيثُ: الإخْبارُ عَنْ حادِثٍ، ويُقالُ مِنهُ يَحْدُثُ، وأصْلُهُ مِنَ الحُدُوثِ، وأصْلُ فِعْلِهِ أنْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ، وإلى آخَرَ بِعَنْ، وإلى ثالِثٍ بِالباءِ، فَيُقالُ: حَدَّثْتُ زَيْدًا عَنْ بَكْرٍ بِكَذا، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُضَمَّنُ مَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلَّمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ، فَيَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، وهي مِن إلْحاقِ غَيْرِ سِيبَوَيْهِ بِأعْلَمَ، ولَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ مِمّا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ غَيْرِ أعْلَمَ، وأرى ونَبَّأ، وأمّا حَدَّثَ فَقَدْ أنْشَدُوا بَيْتَ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
؎أوْ مَنَعْتُمْ ما تُسْألُونَ فَمَن ∗∗∗ حَدَّثْتُمُوهُ لَهُ عَلَيْنا العَلاءُ
وجَعَلُوا حَدَّثَ فِيهِ مُتَعَدِّيَةً إلى ثَلاثَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: حَدَّثْتُمُوا عَنْهُ. والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ. كَما خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهُ: ونُبِّئْتُ عَبْدَ اللَّهِ، أيْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ ضَمَّنَ نُبِّئْتُ مَعْنى: أُعْلِمْتُ، لَكِنْ رَجَحَ عِنْدَهُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ عَلى التَّضْمِينِ. وإذا احْتَمَلَ أنْ يُخَرَّجَ بَيْتُ الحارِثِ عَلى أنْ يَكُونَ مِمّا حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ تَعَدِّي حَدَثٍ إلى ثَلاثَةٍ بِنَفْسِهِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يُذْهَبَ إلى ذَلِكَ، إلّا أنْ يَثْبُتَ مِن لِسانِ العَرَبِ. الفَتْحُ: القَضاءُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، ﴿وهُوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ [سبإ: ٢٦] . والأذْكارُ: فَتْحٌ عَلى الإمامِ، والظَّفَرُ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] . قالَ الكَلْبِيُّ: وبِمَعْنى القَصَصِ. قالَ الكِسائِيُّ: وبِمَعْنى التَّبْيِينِ. قالَ الأخْفَشُ: وبِمَعْنى المَنِّ. وأصْلُ الفَتْحِ: خَرْقُ الشَّيْءِ، والسَّدُّ ضِدُّهُ. المُحاجَّةُ: مِنَ الِاحْتِجاجِ، وهو القَصْدُ لِلْغَلَبَةِ، حاجَّهُ: قَصَدَ أنْ يَغْلِبَ. والحُجَّةُ: الكَلامُ المُسْتَقِيمُ، مَأْخُوذٌ مِن مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ.
أسَرَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ، وأعْلَنَهُ: أظْهَرُهُ. الأُمِّيُّ: الَّذِي لا يَقْرَأُ في كِتابٍ ولا يَكْتُبُ، نُسِبَ إلى الأُمِّ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن شُغْلِ النِّساءِ أنْ يَكْتُبْنَ أوْ يَقْرَأْنَ في كِتابٍ، أوْ لِأنَّهُ بِحالِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْها، أوْ نُسِبَ إلى الأُمَّةِ، وهي القامَةُ والخِلْقَةُ، أوْ إلى الأمَةِ، إذْ هي ساذِجَةٌ قَبْلَ أنْ تَعْرِفَ المَعارِفَ. الأمانِيُّ: جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي أُفْعُولَةٌ، أصْلُهُ: أُمْنُويَةٌ، اجْتَمَعَتْ ياءٌ وواوٌ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ، وهي مِن مَنّى، إذا قَدَّرَ؛ لِأنَّ المُتَمَنِّيَ يُقَدِّرُ في نَفْسِهِ ويُحْزِرُ ما يَتَمَنّاهُ، أوْ مِن تَمَنّى: أيْ كَذَبَ. قالَ أعْرابِيٌّ لِابْنٍ دَأبَ (p-٢٧٠)فِي شَيْءٍ حَدَثَ بِهِ: أهَذا شَيْءٌ رَوَيْتَهُ أمْ تَمَنَّيْتَهُ. أيِ اخْتَلَقْتَهُ. وقالَ عُثْمانُ: ما تَمَنَّيْتُ ولا تَغَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، أوْ مِن تَمَنّى إذا تَلا، قالَ تَعالى: ﴿إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، أيْ إذا تَلا وقَرَأ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ
والتِّلاوَةُ والكَذِبُ راجِعانِ لِمَعْنى التَّقْدِيرِ، فالتَّقْدِيرُ أصْلُهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا تَقُولَنْ لِشَيْءٍ سَوْفَ أفْعَلُهُ ∗∗∗ حَتّى تَبَيَّنَ ما يَمْنِي لَكَ المانِي
أيْ يُقَدِّرُ، وجَمْعُها بِتَشْدِيدِ الياءِ لِأنَّهُ أفاعِيلُ. وإذا جُمِعَ عَلى أفاعِلَ خُفِّفَتِ الياءُ، والأصْلُ التَّشْدِيدُ؛ لِأنَّ الياءَ الأُولى في الجَمْعِ هي الواوُ الَّتِي كانَتْ في المُفْرَدِ الَّتِي انْقَلَبَتْ فِيهِ ياءً، ألا تَرى أنَّ جَمْعَ أُمْلُودٍ أمالِيدُ ؟ ويْلٌ: الوَيْلُ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِمْ. وألَ مَصْنُوعٌ، ولَمْ يَجِئْ مِن هَذِهِ المادَّةِ الَّتِي فاؤُها واوٌ وعَيْنُها ياءٌ إلّا: ويْلٌ، ووَيْحٌ، ووَيْسٌ، ووَيْبٌ، ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ. ويُقالُ: ويْلَهُ، ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ. قالَ:
؎فَقالَتْ لَكَ الوَيْلاتُ إنَّكَ مُرْجِلِي
وإذا أُضِيفَ ويْلٌ، فالأحْسَنُ فِيهِ النَّصْبُ، قالَ تَعالى: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه: ٦١] . وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ إذا أُضِيفَ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا النَّصْبُ، وإذا أفْرَدْتَهُ اخْتِيرَ الرَّفْعُ، قالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ﴾ [البقرة: ٧٩]، ويَجُوزُ النَّصْبُ، قالَ:
؎فَوَيْلًا لِتَيْمٍ مِن سَرابِيلِها الخُضْرِ
والوَيْلُ: مَعْناهُ الفَضِيحَةُ والحَسْرَةُ، وقالَ الخَلِيلُ: الوَيْلُ: شِدَّةُ الشَّرِّ، وقالَ المُفَضَّلُ وابْنُ عَرَفَةَ: الوَيْلُ: الحُزْنُ، يُقالُ: تَوَيَّلَ الرَّجُلُ: دَعا بِالوَيْلِ، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ عِنْدَ الحُزْنِ والمَكْرُوهِ. وقالَ غَيْرُهُ: الوَيْلُ: الهَلَكَةُ، وكُلُّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ دَعا بِالوَيْلِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ، وقَدْ يَكُونُ تَرَحُّمًا، ومِنهُ:
؎ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ
الأيْدِي: جَمْعُ يَدٍ، ويَدٌ مِمّا حُذِفَ مِنهُ اللّامُ، ووَزْنُهُ فَعْلٌ، وقَدْ صُرِّحَ بِالأصْلِ. قالُوا: يَدْيٌ، وقَدْ أبْدَلُوا مِنَ الياءِ الأُولى هَمْزَةً، قالُوا: قَطَعَ اللَّهُ أدْيَهُ، وأبْدَلُوا مِنها أيْضًا جِيمًا، قالُوا: لا أفْعَلُ ذَلِكَ جَدَ الدَّهْرِ، يُرِيدُونَ يَدَ الدَّهْرِ، وهي حَقِيقَةٌ في الجارِحَةِ، مَجازٌ في غَيْرِها. وأمّا الأيادِي فَجَمْعُ الجَمْعِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ الأيادِي في النِّعَمِ، والأصْلُ: الأيْدِي، اسْتَثْقَلْنا الضَّمَّةَ عَلى الياءِ فَحُذِفَتْ، فَسَكَنَتِ الياءُ، وقَبْلَها ضَمَّةٌ، فانْقَلَبَتْ واوًا، فَصارَ الأيْدُو. وكَما قِيلَ في مُيْقِنٍ مُوقِنٌ، ثُمَّ إنَّهُ لا يُوجَدُ في لِسانِهِمْ واوٌ ساكِنَةٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ في اسْمٍ، وإذا أدّى القِياسُ إلى ذَلِكَ، قُلِبَتْ تِلْكَ الواوُ ياءً وتِلْكَ الضَّمَّةُ قَبْلَها كَسْرَةٌ، فَصارَ الأيْدِي. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اليَدِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ [البقرة: ٦٦] .
الكَسْبُ: أصْلُهُ اجْتِلابُ النَّفْعِ، وقَدْ جاءَ في اجْتِلابِ الضُّرِّ، ومِنهُ: بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً، والفِعْلُ مِنهُ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ، تَقُولُ: كَسَبْتُ مالًا، وإلى اثْنَيْنِ تَقُولُ: كَسَّبْتُ زَيْدًا مالًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ؛ يُقالُ: كَسَبَ هو نَفْسُهُ وأكْسَبَ غَيْرَهُ، وأنْشَدَ:
؎فَأكْسَبَنِي مالًا وأكْسَبْتُهُ حَمْدا
المَسُّ: الإصابَةُ، والمَسُّ: الجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ عَلى نِهايَةِ القُرْبِ، واللَّمْسُ: مِثْلُهُ لَكِنْ مَعَ الإحْساسِ، وقَدْ يَجِيءُ المَسُّ مَعَ الإحْساسِ. وحَقِيقَةُ المَسِّ واللَّمْسِ بِاليَدِ. ونُقِلَ مِنَ الإحْساسِ إلى المَعانِي مِثْلَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ [ص: ٤١] ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ومِنهُ سُمِّي الجُنُونُ مَسًّا، وقِيلَ: المَسُّ واللَّمْسُ والجَسُّ مُتَقارِبٌ، إلّا أنَّ الجَسَّ عامٌّ في المَحْسُوساتِ، والمَسَّ فِيما يَخْفى ويَدِقُّ، كَنَبْضِ العُرُوقِ، والمَسُّ واللَّمْسُ بِظاهِرِ البَشْرَةِ، والمَسُّ كِنايَةٌ عَنِ النِّكاحِ وعَنِ الجُنُونِ. المَعْدُودُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن عَدَّ، بِمَعْنى حَسَبَ، والعَدَدُ هو الحِسابُ. الإخْلافُ: عَدَمُ الإيفاءِ بِالشَّيْءِ المَوْعُودِ. بَلى: حَرْفُ جَوابٍ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ نَفْيٍ في اللَّفْظِ أوِ المَعْنى، ومَعْناها: رَدُّهُ، سَواءٌ كانَ مَقْرُونًا بِهِ أداةُ الِاسْتِفْهامِ، أوْ لَمْ يَكُنْ، وقَدْ وقَعَ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ زَيْدٌ مُقاوَمَتِي ؟ إذا كانَ مُنْكِرًا لِمُقاوَمَةِ زَيْدٍ لَهُ، لِما كانَ مَعْناهُ النَّفْيَ، ومِمّا وقَعَتْ فِيهِ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ قَوْلُ الحُجافِ بْنِ حَكِيمٍ:
؎بَلْ سَوْفَ نُبْكِيهِمْ بِكُلِّ مُهَنَّدٍ ∗∗∗ ونُبْكِي نُمَيْرًا بِالرِّماحِ الخَواطِرِ
(p-٢٧١)وقَعَتْ جَوابًا لِلَّذِي قالَ لَهُ، وهو الأخْطَلُ:
؎ألا فاسْألِ الحُجافَ هَلْ هو ∗∗∗ ثائِرٌ بِقَتْلى أُصِيبَتْ مِن نُمَيْرِ بْنِ عامِرِ
وبَلى عِنْدَنا ثُلاثِيُّ الوَضْعِ، ولَيْسَ أصْلُهُ بَلْ، فَزِيدَتْ عَلَيْها الألْفُ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ. السَّيِّئَةُ: فَيْعِلَةٌ مِن ساءَ يَسُوءُ مَساءَةً، إذا حَزِنَ، وهي تَأْنِيثُ السَّيِّيءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الوَزْنِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
* *
﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وكانُوا حُلَفاءَ لِلْيَهُودِ، وبَيْنَهم جِوارٌ ورَضاعَةٌ، وكانُوا يَوَدُّونَ لَوْ أسْلَمُوا. وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ يَوَدُّونَ إسْلامَ مَن بِحَضْرَتِهِمْ مِن أبْناءِ اليَهُودِ، لِأنَّهم كانُوا أهْلَ كِتابٍ وشَرِيعَةٍ، وكانُوا يَغْضَبُونَ لَهم ويَلْطُفُونَ بِهِمْ طَمَعًا في إسْلامِهِمْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أبْناءِ السَبْعِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الطُّورِ، فَسَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ، فَلَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهُ، وحَرَّفُوا القَوْلَ في أخْبارِهِمْ لِقَوْمِهِمْ، وقالُوا: سَمِعْناهُ يَقُولُ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَفْعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ فافْعَلُوا، وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَفْعَلُوا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُلَماءِ اليَهُودِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ التَّوْراةَ، فَيَجْعَلُونَ الحَلالَ حَرامًا، والحَرامَ حَلالًا، اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلُ عَلَيْنا قَصَبَةَ المَدِينَةِ إلّا مُؤْمِنٌ» . قالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، ووَهَبُ بْنُ يَهُوذا وأشْباهُهُما: اذْهَبُوا وتَجَسَّسُوا أخْبارَ مَن آمَنَ، وقُولُوا لَهم آمَنّا، واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ أنَّهُ نَبِيٌّ، لَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، وإنَّما هو إلَيْكم خاصَّةً، فَلَمّا خَلَوْا، قالَ بَعْضُهم: أتُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ وقَدْ كُنّا قَبْلُ نَسْتَفْتِحُ بِهِ ؟ فَهَذا هو الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن عِلْمِهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَسْمَعُونَ الوَحْيَ، ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ.
وهَذِهِ الأقاوِيلُ كُلُّها لا تَخْرُجُ عَنْ أنَّ الحَدِيثَ في اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ فِيهِمُ الطَّمَعُ أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ الطَّمَعَ إنَّما يَصِحُّ في المُسْتَقْبَلِ، والضَّمِيرُ في ﴿أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ لِلْيَهُودِ. والمَعْنى: اسْتِبْعادُ إيمانِ اليَهُودِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ لِأسْلافِهِمْ أفاعِيلُ، وجَرى أبْناؤُهم عَلَيْها. فَبَعِيدٌ صُدُورُ الإيمانِ مِن هَؤُلاءِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلْزَمُ مِن إقْدامِ بَعْضِهِمْ عَلى التَّحْرِيفِ حُصُولُ اليَأْسِ مِن إيمانِ الباقِينَ ؟ قِيلَ: قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ وهم إنَّما يَأْخُذُونَ دِينَهم ويَتَعَلَّمُونَهُ مِن قَوْمٍ يُحَرِّفُونَ عِنادًا ؟ فَإنَّما يُعَلِّمُونَهم ما حَرَّفُوهُ وغَيَّرُوهُ عَنْ وجْهِهِ، والمُقَلِّدُونَ يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنهم، فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى الحَقِّ. وقِيلَ: إياسُهم مِن إيمانِ فِرْقَةٍ بِأعْيانِهِمْ.
والهَمْزَةُ في أفَتَطْمَعُونَ لِلِاسْتِفْهامِ، وفِيها مَعْنى التَّقْرِيرِ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ طَمِعْتُمْ في إيمانِ هَؤُلاءِ، وحالُهم ما ذُكِرَ. وقِيلَ: فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ النَّكِيرِ عَلى الرَّغْبَةِ في إيمانِ مَن شَواهِدُ امْتِناعِهِ قائِمَةٌ. واسْتُبْعِدَ إيمانُهم، لِأنَّهم كَفَرُوا بِمُوسى، مَعَ ما شاهَدُوا مِنَ الخَوارِقِ عَلى يَدَيْهِ، ولِأنَّهم ما اعْتَرَفُوا بِالحَقِّ، مَعَ عِلْمِهِمْ، ولِأنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ. والخِطابُ في أفَتَطْمَعُونَ، لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً. خاطَبَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ، أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ، أوْ لِلْأنْصارِ، قالَهُ النَّقّاشُ، أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنَ الأنْصارِ. والفاءُ بَعْدَ الهَمْزَةِ أصْلُها التَّقْدِيمُ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ: فَأتَطْمَعُونَ، فالفاءُ لِلْعَطْفِ، لَكِنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقُدِّمَتْ عَلَيْها. والزَّمَخْشَرِيُّ يَزْعُمُ أنَّ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، ويُقِرُّ الفاءَ عَلى حالِها، حَتّى تُعْطَفَ الجُمْلَةُ بَعْدَها عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ قَبْلَها، وهو خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، ومَحْجُوجٌ بِمَواضِعَ لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ فِعْلٍ فِيها، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: ١٨] ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الرعد: ١٩]، ﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٣] . أنْ يُؤْمِنُوا: مَعْمُولٌ لِتَطْمَعُونَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، التَّقْدِيرُ: في أنْ يُؤْمِنُوا، فَهو في (p-٢٧٢)مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وفي مَوْضِعِ جَرٍّ، عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ. ولَكم: مُتَعَلِّقٌ بِيُؤْمِنُوا، عَلى أنَّ اللّامَ بِمَعْنى الباءِ، وهو ضَعِيفٌ، ولامُ السَّبَبِ أيْ أنْ يُؤْمِنُوا لِأجْلِ دَعْوَتِكم لَهم.
﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾، الفَرِيقُ: قِيلَ: الأحْبارُ الَّذِينَ حَرَّفُوا التَّوْراةَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَسْمَعُونَ الوَحْيَ إذا نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُحَرِّفُونَهُ، قَصْدَ أنْ يُدْخِلُوا في الدِّينِ ما لَيْسَ فِيهِ، ويَحْصُلَ التَّضادُّ في أحْكامِهِ. وقِيلَ: كُلُّ مَن حَرَّفَ حُكْمًا أوْ غَيَّرَهُ، كَفِعْلِهِمْ في آيَةِ الرَّجْمِ ونَحْوِها. وقِيلَ: هُمُ السَبْعُونَ الَّذِينَ سَمِعُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَلامَ اللَّهِ، ثُمَّ بَدَّلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ أُنْكِرَ أنْ يَكُونُوا سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى. قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: أنْكَرَ ذَلِكَ أهْلُ العِلْمِ، مِنهم: التِّرْمِذِيُّ، صاحِبُ النَّوادِرِ، وقالَ: إنَّما خُصَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالكَلامِ وحْدَهُ. وكَلامُ اللَّهِ الَّذِي حَرَّفُوهُ، قِيلَ: هو التَّوْراةُ، حَرَّفُوها بِتَبْدِيلِ ألْفاظٍ مِن تِلْقائِهِمْ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: بِالتَّأْوِيلِ، مَعَ بَقاءِ لَفْظِ التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: هو كَلامُ اللَّهِ الَّذِي سَمِعُوهُ عَلى الطُّورِ . وقِيلَ: ما كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ الأعْمَشُ: كَلِمَ اللَّهِ، جَمْعُ كَلِمَةٍ، وقَدْ يُرادُ بِالكَلِمَةِ الكَلامُ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَدْ يُرادُ المُفْرَداتُ، فَيُحَرِّفُونَ المُفْرَداتِ، فَتَتَغَيَّرُ المُرَكَّباتُ وإسْنادُها بِتَغَيُّرِ المُفْرَداتِ.
﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾: التَّحْرِيفُ الَّذِي وقَعَ، قِيلَ: في صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهم وصَفُوهُ بِغَيْرِ الوَصْفِ الَّذِي هو عَلَيْهِ، حَتّى لا تَقُومَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ. وقِيلَ: في صِفَتِهِ، وفي آيَةِ الرَّجْمِ.
﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما ضَبَطُوهُ وفَهِمُوهُ، ولَمْ تَشْتَبِهْ عَلَيْهِمْ صِحَّتُهُ. وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مِن بَعْدِ عَقْلِهِمْ إيّاهُ، والضَّمِيرُ في عَقَلُوهُ عائِدٌ عَلى كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلَيْها، وهو بَعِيدٌ.
﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾: ومُتَعَلِّقُ العِلْمِ مَحْذُوفٌ، أيْ أنَّهم قَدْ حَرَّفُوهُ، أوْ ما في تَحْرِيفِهِ مِنَ العِقابِ، أوْ أنَّهُ الحَقُّ، أوْ أنَّهم مُبْطِلُونَ كاذِبُونَ. والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، واوُ الحالِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ قَوْلَهُ: ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ . فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: أفَيَكُونُ مِنكم طَمَعٌ في إيمانِ اليَهُودِ وأسْلافِهِمْ مَن عادَتُهم تَحْرِيفُ كَلامِ اللَّهِ، وهم سالِكُو سُنَنِهِمْ ومُتَّبِعُوهم في تَضْلِيلِهِمْ، فَيَكُونُ الحالُ قَيْدًا في الطَّمَعِ المُسْتَبْعَدِ، أيْ يُسْتَبْعَدُ الطَّمَعُ في إيمانِ هَؤُلاءِ وصِفَتُهم هَذِهِ. وعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: اسْتِبْعادُ الطَّمَعِ في أنْ يَقَعَ مِن هَؤُلاءِ إيمانٌ، وقَدْ كانَ أسْلافُهم عَلى ما نَصَّ مِن تَحْرِيفِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى. فَعَلى هَذا يَكُونُ الحالُ قَيْدًا في إيمانِهِمْ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، فَكُلٌّ مِنهُما، أعْنِي مِن ”أفَتَطْمَعُونَ“، ومِن ”يُؤْمِنُوا“، مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الحالِ مِن حَيْثُ المَعْنى. وإنَّما الَّذِي ذَكَرْناهُ تَقْتَضِيهِ صِناعَةُ الإعْرابِ. وبَيانُ التَّقْيِيدِ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّكَ إذا قُلْتَ: أتَطْمَعُ أنْ يَتْبَعَكَ زَيْدٌ ؟ وهو مُتَّبِعٌ طَرِيقَةَ أبِيهِ، فاسْتِبْعادُ الطَّمَعِ مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الحالِ، ومُتَعَلِّقُ الطَّمَعِ، الَّذِي هو الِاتِّباعُ المَفْرُوضُ وُقُوعُهُ، مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الحالِ. فَحُصُولُهُ أنَّ وُجُودَ هَذِهِ الحالِ لا يُجامِعُ الِاتِّباعَ، ولا يُناسِبُ الطَّمَعَ، بَلْ إنَّما كانَ يُناسِبُ الطَّمَعَ ويُتَوَقَّعُ الِاتِّباعُ، مَعَ انْتِفاءِ هَذِهِ الحالِ. وأمّا العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾، أيْ يَقَعُ التَّحْرِيفُ مِنهم بَعْدَ تَعَقُّلِهِ وتَفَهُّمِهِ، عالِمِينَ بِما في تَحْرِيفِهِ مِن شَدِيدِ العِقابِ، ومَعَ ذَلِكَ فَهم يُقْدِمُونَ عَلى ذَلِكَ، ويَجْتَرِئُونَ عَلَيْهِ. والإنْكارُ عَلى العالِمِ أشَدُّ مِنَ الإنْكارِ عَلى الجاهِلِ؛ لِأنَّ عِنْدَ العالِمِ دَواعِيَ الطّاعَةِ، لِما عَلِمَ مِن ثَوابِها، وتَوانِيَ المَعْصِيَةِ لِما عَلِمَ مِن عِقابِها. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ العامِلَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، قَوْلُهُ: ﴿عَقَلُوهُ﴾، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ .
﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾: قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ”لاقَوْا، قالُوا: عَلى التَّكْثِيرِ. (p-٢٧٣)ولا يَظْهَرُ التَّكْثِيرُ، إنَّما هو مِن فاعَلَ الَّذِي هو بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ. فَمَعْنى لاقَوْا، ومَعْنى لَقُوا واحِدٌ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مُفْرَداتِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً مُنْبِئَةً عَنْ نَوْعٍ مِن قَبائِحِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكاشِفَةً عَمّا أكَنُّوهُ مِنَ النِّفاقِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ، أيْ كَيْفَ يُطْمَعُ في إيمانِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن أسْلافِهِمْ مَن يُحَرِّفُ كَلامَ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ سالِكُو طَرِيقَتِهِمْ، وهم في أنْفُسِهِمْ مُنافِقُونَ، يُظْهِرُونَ مُوافَقَتَكم إذا لَقُوكم، وأنَّهم مِنكم وهم في الباطِنِ كُفّارٌ. فَمَن جَمَعَ بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، مِنِ اقْتِدائِهِمْ بِأسْلافِهِمُ الضُّلّالِ، ومُنافِقَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ لا يُطْمَعُ في إيمانِهِمْ. والَّذِينَ آمَنُوا هُنا هم: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وجَماعَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بَعْضُهم: المُؤْمِنُونَ هُنا جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ آمَنُوا وأخْلَصُوا في إيمانِهِمْ، والضَّمِيرُ في لَقُوا لِجَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ باقِينَ عَلى دِينِهِمْ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنهم أسْلَمُوا ثُمَّ نافَقُوا، أوْ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أمَرَهم رُؤَساؤُهم مِن بَنِي قُرَيْظَةَ أنْ يَدْخُلُوا المَدِينَةَ ويَتَجَسَّسُوا أخْبارَ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: ادْخُلُوا المَدِينَةَ وأظْهِرُوا الإيمانَ، فَإنَّهُ نَهى أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ إلّا مُؤْمِنٌ.
﴿وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ: وإذا انْفَرَدَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، أيِ الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا إلى مَن نافَقَ. وإلى، قِيلَ: بِمَعْنى مَعَ، أيْ وإذا خَلا بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، والأجْوَدُ أنْ يُضَمَّنَ مِن خَلا مَعْنى فِعْلٍ يُعَدّى بِإلى، أيِ انْضَوى إلى بَعْضٍ، أوِ اسْتَكانَ، أوْ ما أشْبَهَهُ؛ لِأنَّ تَضْمِينَ الأفْعالِ أوْلى مِن تَضْمِينِ الحُرُوفِ.
(قالُوا): أيْ ذَلِكَ البَعْضُ الخالِي بِبَعْضِهِمْ.
﴿أتُحَدِّثُونَهُمْ﴾: أيْ قالُوا عاتِبِينَ عَلَيْهِمْ، أتُحَدِّثُونَ المُؤْمِنِينَ ؟ ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: وما مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ العائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بِما فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزُوا في ما أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِفَتْحِ اللَّهِ عَلَيْكم. والأوْلى الوَجْهُ الأوَّلُ، والَّذِي حَدَّثُوا بِهِ هو ما تَكَلَّمَ بِهِ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ، أوْ ما عَذَّبَ بِهِ أسْلافَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ:“ يا إخْوَةَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ ”» . فَقالَ الأحْبارُ لِأتْباعِهِمْ: ما عَرَفَ هَذا إلّا مِن عِنْدِكم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا إذا سُئِلُوا عَنْ شَيْءٍ قالُوا: في التَّوْراةِ كَذا وكَذا، فَكَرِهَ ذَلِكَ أحْبارُهم، ونَهَوْا في الخُلْوَةِ عَنْهُ. فَعَلى ما قالَهُ أبُو العالِيَةِ يَكُونُ الفَتْحُ بِمَعْنى الإعْلامِ والإذْكارِ، أيْ أتُحَدِّثُونَهم بِما أعْلَمَكُمُ اللَّهُ مِن صِفَةِ نَبِيِّهِمْ ؟ ورَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَلى قَوْلِ السُّدِّيِّ: يَكُونُ بِمَعْنى الحاكِمِ والقَضاءِ، أيْ أتُحَدِّثُونَهم بِما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى أسْلافِكم وقَضاهُ مِن تَعْذِيبِهِمْ ؟ وعَلى قَوْلِابْنِ زَيْدٍ يَكُونُ بِمَعْنى: الإنْزالِ، أيْ أتُحَدِّثُونَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكم في التَّوْراةِ ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى بِما قَضى اللَّهُ عَلَيْكم، وهو راجِعٌ لِمَعْنى الإنْزالِ. وقِيلَ: المَعْنى بِما بَيَّنَ اللَّهُ لَكم مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَتِهِ، وشَرِيعَتِهِ، وما دَعاكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِهِ، وأخْذِ العُهُودِ عَلى أنْبِيائِكم بِتَصْدِيقِهِ ونُصْرَتِهِ. وقِيلَ: المَعْنى بِما مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم مِنَ النَّصْرِ عَلى عَدُوِّكم، ومِن تَأْوِيلِ كِتابِكم.
﴿لِيُحاجُّوكُمْ﴾: هَذِهِ لامُ كَيْ، والنَّصْبُ بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها، وهي جائِزَةُ الإضْمارِ، إلّا إنْ جاءَ بَعْدَها لا، فَيَجِبُ إظْهارُها. وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أتُحَدِّثُونَهُمْ﴾، فَهي لامُ جَرٍّ، وتُسَمّى لامَ كَيْ، بِمَعْنى أنَّها لِلسَّبَبِ، كَما أنَّ كَيْ لِلسَّبَبِ. ولا يَعْنُونَ أنَّ النَّصْبَ بَعْدَها بِإضْمارِ كَيْ، وإنْ كانَ يَصِحُّ التَّصْرِيحُ بَعْدَها بِكَيْ، فَتَقُولَ: لِكَيْ أُكْرِمَكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُضْمَرُ إنَّما هو:“ أنْ ”لا“ كَيْ ”، وقَدْ أجازَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ أنْ يَكُونَ المُضْمَرُ بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ كَيْ، أوْ أنْ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ النَّصْبَ بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ إنَّما هو بِها نَفْسِها، وأنَّ ما يَظْهَرُ بَعْدَها مِن كَيْ وأنْ، إنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ. وتَحْرِيرُ الكَلامِ في ذَلِكَ مَذْكُورٌ في مَبْسُوطاتِ النَّحْوِ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ إلى أنَّ اللّامَ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فَتَحَ، ولَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ المُحاجَّةَ لَيْسَتْ عِلَّةً لِلْفَتْحِ، إنَّما المُحاجَّةُ ناشِئَةٌ عَنِ التَّحْدِيثِ، إلّا أنْ تَكُونَ (p-٢٧٤)اللّامُ لامَ الصَّيْرُورَةِ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ لَها هَذا المَعْنى، فَيُمْكِنَ أنْ يَصِيرَ المَعْنى: إنَّ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ حَدَّثُوا بِهِ، فَآلَ أمْرُهُ إلى أنْ حاجُّوهم بِهِ، فَصارَ نَظِيرَ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] . لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِهَذا الأمْرِ، إنَّما آلَ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ. ومَن لَمْ يُثْبِتْ لامَ الصَّيْرُورَةِ، جَعَلَها لامَ كَيْ، عَلى تَجَوُّزٍ؛ لِأنَّ النّاشِئَ عَنْ شَيْءٍ وإنْ لَمْ يُقْصَدْ، كالعِلَّةِ. ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَجْعَلَها مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: أتُحَدِّثُونَهم، وبَيْنَ: بِما فَتَحَ، إلّا أنَّ جَعْلَها مُتَعَلِّقَةً بِالأوَّلِ أقْرَبُ وساطَةً، كَأنَّهُ قالَ: أتُحَدِّثُونَهم فَيُحاجُّوكم. وعَلى الثّانِي يَكُونُ أبْعَدَ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم بِهِ، فَحَدَّثْتُمُوهم بِهِ، فَحاجُّوكم. فالأوْلى جَعْلُهُ لِأقْرَبِ وساطَةٍ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ إلى“ ما ”مِن قَوْلِهِ: ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ﴾، وبِهَذا يَبْعُدُ قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ؛ لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ لا يَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرٌ.
﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: لِيُحاجُّوكم، والمَعْنى: لِيُحاجُّوكم بِهِ في الآخِرَةِ. فَكَنّى بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَنِ اجْتِماعِهِمْ بِهِمْ في الآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . وقِيلَ: مَعْنى عِنْدَ رَبِّكم: في رَبِّكم، أيْ فَيَكُونُونَ أحَقَّ بِهِ، جَعَلَ عِنْدَ بِمَعْنى في. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكم. وقِيلَ مَعْناهُ: أنَّهُ جَعَلَ المُحاجَّةَ في كِتابِكم مُحاجَّةً عِنْدَ اللَّهِ، ألا تُراكَ تَقُولُ هو في كِتابِ اللَّهِ كَذا، وهو عِنْدَ اللَّهِ كَذا، بِمَعْنًى واحِدٍ ؟ وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم عِنْدَ رَبِّكم، أيْ مِن عِنْدِ رَبِّكم لِيُحاجُّوكم، وهو بَعْثُ النَّبِيِّ ﷺ وأخْذُ مِيثاقِهِمْ بِتَصْدِيقِهِ. قالَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ: وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ هو بِما كانَ في الدُّنْيا. انْتَهى. والأوْلى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ، إذا أمْكَنَ ذَلِكَ، وقَدْ أمْكَنَ بِجَعْلِ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَلى بَعْضِ المَعانِي الَّتِي ذَكَرْناها. وأمّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا الذّاهِبُ، فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ“ لِيُحاجُّوكم " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أتُحَدِّثُونَهم، وعِنْدَ رَبِّكم مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم، فَتَكُونُ قَدْ فَصَلْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّكم، وبَيْنَ العامِلِ فِيهِ الَّذِي هو: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم، بِقَوْلِهِ: لِيُحاجُّوكم، وهو أجْنَبِيٌّ مِنهُما، إذْ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أتُحَدِّثُونَهم عَلى الأظْهَرِ، ويَبْعُدُ أنْ يَجِيءَ هَذا التَّرْكِيبُ هَكَذا في فَصِيحِ الكَلامِ، فَكَيْفَ يَجِيءُ في كَلامِ اللَّهِ الَّذِي هو أفْصَحُ الكَلامِ ؟ .
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَوْلِ مَن قالَ: أتُحَدِّثُونَهم بِما يَكُونُ حُجَّةً لَهم عَلَيْكم ؟ أفَلا تَعْقِلُونَ فَلا تُحَدِّثُونَهم بِذَلِكَ ؟ وقِيلَ: هو خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ لا يُؤْمِنُونَ، وهم عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، مِنِ اتِّباعِ أسْلافِهِمُ المُحَرِّفِينَ كَلامَ اللَّهِ، والتَّقْلِيدِ لَهم فِيما حَرَّفُوهُ، وتَظاهُرِهِمْ بِالنِّفاقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نَعى عَلَيْهِمُ ارْتِكابَهُ ؟ .
البقرة 2:76
(p-٢٦٩)﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠] ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]
الطَّمَعُ: تَعَلُّقُ النَّفْسِ بِإدْراكِ مَطْلُوبٍ، تَعَلُّقًا قَوِيًّا، وهو أشَدُّ مِنَ الرَّجاءِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْدُثُ إلّا عَنْ قُوَّةِ رَغْبَةٍ وشِدَّةِ إرادَةٍ، وإذا اشْتَدَّ صارَ طَمَعًا، وإذا ضَعُفَ كانَ رَغْبَةً ورَجاءً. يُقالُ: طَمِعَ يَطْمَعُ طَمَعًا وطَماعَةً وطَماعِيَةً مُخَفَّفًا، كَطَواعِيَةٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎طَماعِيَةٌ أنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غافِرُهْ
واسْمُ الفاعِلِ: طَمِعٌ وطامِعٌ، ويُعَدّى بِالهَمْزَةِ، ويُقالُ: طامَعَهُ مُطامَعَةً، ويُقالُ: طَمُعَ بِضَمِّ المِيمِ، كَثُرَ طَمَعُهُ، وضِدُّ الطَّمَعِ: اليَأْسُ، قالَ كُثَيِّرٌ:
؎لا خَيْرَ في الحُبِّ وقْفًا لا يُحَرِّكُهُ ∗∗∗ عَوارِضُ اليَأْسِ أوْ يَرْتاجُهُ الطَّمَعُ
ويُقالُ: امْرَأةٌ مِطْماعٌ، أيْ تَطْمَعُ ولا تُمَكَّنُ، وقَدْ تَوَسَّعَ في الطَّمَعِ فَسُمِّيَ بِهِ رِزْقُ الجُنْدِ، يُقالُ: أمَرَ لَهُمُ الأمِيرُ بِأطْماعِهِمْ، أيْ أرْزاقِهِمْ، وهو مِن وضْعِ المَصْدَرِ مَوْضِعَ المَفْعُولِ. الكَلامُ: هو القَوْلُ الدّالُّ عَلى نِسْبَةٍ إسْنادِيَّةٍ مَقْصُودَةٍ لِذاتِها، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الكَلِمَةِ، ويُعَبَّرُ بِهِ أيْضًا عَنِ الخَطِّ والإشارَةِ، وما يُفْهَمُ مِن حالِ الشَّيْءِ. وهَلْ يُطْلَقُ عَلى المَعانِي القائِمَةِ بِالذِّهْنِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِالكَلامِ ؟ في ذَلِكَ خِلافٌ، وتَقالِيبُهُ السِّتُّ مَوْضُوعَةٌ، وتَرْجِعُ إلى مَعْنى القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وهي: كَلَمَ، كَمَلَ، لَكَمَ، لَمَكَ، مَلَكَ، مَكَلَ. التَّحْرِيفُ: إمالَةُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ، والحَرْفُ: الحَدُّ المائِلُ. التَّحْدِيثُ: الإخْبارُ عَنْ حادِثٍ، ويُقالُ مِنهُ يَحْدُثُ، وأصْلُهُ مِنَ الحُدُوثِ، وأصْلُ فِعْلِهِ أنْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ، وإلى آخَرَ بِعَنْ، وإلى ثالِثٍ بِالباءِ، فَيُقالُ: حَدَّثْتُ زَيْدًا عَنْ بَكْرٍ بِكَذا، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُضَمَّنُ مَعْنى أعْلَمَ المَنقُولَةِ مِن عَلَّمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ، فَيَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ، وهي مِن إلْحاقِ غَيْرِ سِيبَوَيْهِ بِأعْلَمَ، ولَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ مِمّا يَتَعَدّى إلى ثَلاثَةٍ غَيْرِ أعْلَمَ، وأرى ونَبَّأ، وأمّا حَدَّثَ فَقَدْ أنْشَدُوا بَيْتَ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
؎أوْ مَنَعْتُمْ ما تُسْألُونَ فَمَن ∗∗∗ حَدَّثْتُمُوهُ لَهُ عَلَيْنا العَلاءُ
وجَعَلُوا حَدَّثَ فِيهِ مُتَعَدِّيَةً إلى ثَلاثَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: حَدَّثْتُمُوا عَنْهُ. والجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ. كَما خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهُ: ونُبِّئْتُ عَبْدَ اللَّهِ، أيْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ ضَمَّنَ نُبِّئْتُ مَعْنى: أُعْلِمْتُ، لَكِنْ رَجَحَ عِنْدَهُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ عَلى التَّضْمِينِ. وإذا احْتَمَلَ أنْ يُخَرَّجَ بَيْتُ الحارِثِ عَلى أنْ يَكُونَ مِمّا حُذِفَ مِنهُ الحَرْفُ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ تَعَدِّي حَدَثٍ إلى ثَلاثَةٍ بِنَفْسِهِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يُذْهَبَ إلى ذَلِكَ، إلّا أنْ يَثْبُتَ مِن لِسانِ العَرَبِ. الفَتْحُ: القَضاءُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، ﴿وهُوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ [سبإ: ٢٦] . والأذْكارُ: فَتْحٌ عَلى الإمامِ، والظَّفَرُ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] . قالَ الكَلْبِيُّ: وبِمَعْنى القَصَصِ. قالَ الكِسائِيُّ: وبِمَعْنى التَّبْيِينِ. قالَ الأخْفَشُ: وبِمَعْنى المَنِّ. وأصْلُ الفَتْحِ: خَرْقُ الشَّيْءِ، والسَّدُّ ضِدُّهُ. المُحاجَّةُ: مِنَ الِاحْتِجاجِ، وهو القَصْدُ لِلْغَلَبَةِ، حاجَّهُ: قَصَدَ أنْ يَغْلِبَ. والحُجَّةُ: الكَلامُ المُسْتَقِيمُ، مَأْخُوذٌ مِن مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ.
أسَرَّ الشَّيْءَ: أخْفاهُ، وأعْلَنَهُ: أظْهَرُهُ. الأُمِّيُّ: الَّذِي لا يَقْرَأُ في كِتابٍ ولا يَكْتُبُ، نُسِبَ إلى الأُمِّ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن شُغْلِ النِّساءِ أنْ يَكْتُبْنَ أوْ يَقْرَأْنَ في كِتابٍ، أوْ لِأنَّهُ بِحالِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْها، أوْ نُسِبَ إلى الأُمَّةِ، وهي القامَةُ والخِلْقَةُ، أوْ إلى الأمَةِ، إذْ هي ساذِجَةٌ قَبْلَ أنْ تَعْرِفَ المَعارِفَ. الأمانِيُّ: جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي أُفْعُولَةٌ، أصْلُهُ: أُمْنُويَةٌ، اجْتَمَعَتْ ياءٌ وواوٌ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ، وهي مِن مَنّى، إذا قَدَّرَ؛ لِأنَّ المُتَمَنِّيَ يُقَدِّرُ في نَفْسِهِ ويُحْزِرُ ما يَتَمَنّاهُ، أوْ مِن تَمَنّى: أيْ كَذَبَ. قالَ أعْرابِيٌّ لِابْنٍ دَأبَ (p-٢٧٠)فِي شَيْءٍ حَدَثَ بِهِ: أهَذا شَيْءٌ رَوَيْتَهُ أمْ تَمَنَّيْتَهُ. أيِ اخْتَلَقْتَهُ. وقالَ عُثْمانُ: ما تَمَنَّيْتُ ولا تَغَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، أوْ مِن تَمَنّى إذا تَلا، قالَ تَعالى: ﴿إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، أيْ إذا تَلا وقَرَأ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ
والتِّلاوَةُ والكَذِبُ راجِعانِ لِمَعْنى التَّقْدِيرِ، فالتَّقْدِيرُ أصْلُهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولا تَقُولَنْ لِشَيْءٍ سَوْفَ أفْعَلُهُ ∗∗∗ حَتّى تَبَيَّنَ ما يَمْنِي لَكَ المانِي
أيْ يُقَدِّرُ، وجَمْعُها بِتَشْدِيدِ الياءِ لِأنَّهُ أفاعِيلُ. وإذا جُمِعَ عَلى أفاعِلَ خُفِّفَتِ الياءُ، والأصْلُ التَّشْدِيدُ؛ لِأنَّ الياءَ الأُولى في الجَمْعِ هي الواوُ الَّتِي كانَتْ في المُفْرَدِ الَّتِي انْقَلَبَتْ فِيهِ ياءً، ألا تَرى أنَّ جَمْعَ أُمْلُودٍ أمالِيدُ ؟ ويْلٌ: الوَيْلُ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِمْ. وألَ مَصْنُوعٌ، ولَمْ يَجِئْ مِن هَذِهِ المادَّةِ الَّتِي فاؤُها واوٌ وعَيْنُها ياءٌ إلّا: ويْلٌ، ووَيْحٌ، ووَيْسٌ، ووَيْبٌ، ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ. ويُقالُ: ويْلَهُ، ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ. قالَ:
؎فَقالَتْ لَكَ الوَيْلاتُ إنَّكَ مُرْجِلِي
وإذا أُضِيفَ ويْلٌ، فالأحْسَنُ فِيهِ النَّصْبُ، قالَ تَعالى: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه: ٦١] . وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ إذا أُضِيفَ لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا النَّصْبُ، وإذا أفْرَدْتَهُ اخْتِيرَ الرَّفْعُ، قالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ﴾ [البقرة: ٧٩]، ويَجُوزُ النَّصْبُ، قالَ:
؎فَوَيْلًا لِتَيْمٍ مِن سَرابِيلِها الخُضْرِ
والوَيْلُ: مَعْناهُ الفَضِيحَةُ والحَسْرَةُ، وقالَ الخَلِيلُ: الوَيْلُ: شِدَّةُ الشَّرِّ، وقالَ المُفَضَّلُ وابْنُ عَرَفَةَ: الوَيْلُ: الحُزْنُ، يُقالُ: تَوَيَّلَ الرَّجُلُ: دَعا بِالوَيْلِ، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ عِنْدَ الحُزْنِ والمَكْرُوهِ. وقالَ غَيْرُهُ: الوَيْلُ: الهَلَكَةُ، وكُلُّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ دَعا بِالوَيْلِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هي كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ، وقَدْ يَكُونُ تَرَحُّمًا، ومِنهُ:
؎ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ
الأيْدِي: جَمْعُ يَدٍ، ويَدٌ مِمّا حُذِفَ مِنهُ اللّامُ، ووَزْنُهُ فَعْلٌ، وقَدْ صُرِّحَ بِالأصْلِ. قالُوا: يَدْيٌ، وقَدْ أبْدَلُوا مِنَ الياءِ الأُولى هَمْزَةً، قالُوا: قَطَعَ اللَّهُ أدْيَهُ، وأبْدَلُوا مِنها أيْضًا جِيمًا، قالُوا: لا أفْعَلُ ذَلِكَ جَدَ الدَّهْرِ، يُرِيدُونَ يَدَ الدَّهْرِ، وهي حَقِيقَةٌ في الجارِحَةِ، مَجازٌ في غَيْرِها. وأمّا الأيادِي فَجَمْعُ الجَمْعِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ الأيادِي في النِّعَمِ، والأصْلُ: الأيْدِي، اسْتَثْقَلْنا الضَّمَّةَ عَلى الياءِ فَحُذِفَتْ، فَسَكَنَتِ الياءُ، وقَبْلَها ضَمَّةٌ، فانْقَلَبَتْ واوًا، فَصارَ الأيْدُو. وكَما قِيلَ في مُيْقِنٍ مُوقِنٌ، ثُمَّ إنَّهُ لا يُوجَدُ في لِسانِهِمْ واوٌ ساكِنَةٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ في اسْمٍ، وإذا أدّى القِياسُ إلى ذَلِكَ، قُلِبَتْ تِلْكَ الواوُ ياءً وتِلْكَ الضَّمَّةُ قَبْلَها كَسْرَةٌ، فَصارَ الأيْدِي. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اليَدِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ [البقرة: ٦٦] .
الكَسْبُ: أصْلُهُ اجْتِلابُ النَّفْعِ، وقَدْ جاءَ في اجْتِلابِ الضُّرِّ، ومِنهُ: بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً، والفِعْلُ مِنهُ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ، تَقُولُ: كَسَبْتُ مالًا، وإلى اثْنَيْنِ تَقُولُ: كَسَّبْتُ زَيْدًا مالًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ؛ يُقالُ: كَسَبَ هو نَفْسُهُ وأكْسَبَ غَيْرَهُ، وأنْشَدَ:
؎فَأكْسَبَنِي مالًا وأكْسَبْتُهُ حَمْدا
المَسُّ: الإصابَةُ، والمَسُّ: الجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ عَلى نِهايَةِ القُرْبِ، واللَّمْسُ: مِثْلُهُ لَكِنْ مَعَ الإحْساسِ، وقَدْ يَجِيءُ المَسُّ مَعَ الإحْساسِ. وحَقِيقَةُ المَسِّ واللَّمْسِ بِاليَدِ. ونُقِلَ مِنَ الإحْساسِ إلى المَعانِي مِثْلَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ [ص: ٤١] ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ومِنهُ سُمِّي الجُنُونُ مَسًّا، وقِيلَ: المَسُّ واللَّمْسُ والجَسُّ مُتَقارِبٌ، إلّا أنَّ الجَسَّ عامٌّ في المَحْسُوساتِ، والمَسَّ فِيما يَخْفى ويَدِقُّ، كَنَبْضِ العُرُوقِ، والمَسُّ واللَّمْسُ بِظاهِرِ البَشْرَةِ، والمَسُّ كِنايَةٌ عَنِ النِّكاحِ وعَنِ الجُنُونِ. المَعْدُودُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن عَدَّ، بِمَعْنى حَسَبَ، والعَدَدُ هو الحِسابُ. الإخْلافُ: عَدَمُ الإيفاءِ بِالشَّيْءِ المَوْعُودِ. بَلى: حَرْفُ جَوابٍ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ نَفْيٍ في اللَّفْظِ أوِ المَعْنى، ومَعْناها: رَدُّهُ، سَواءٌ كانَ مَقْرُونًا بِهِ أداةُ الِاسْتِفْهامِ، أوْ لَمْ يَكُنْ، وقَدْ وقَعَ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ زَيْدٌ مُقاوَمَتِي ؟ إذا كانَ مُنْكِرًا لِمُقاوَمَةِ زَيْدٍ لَهُ، لِما كانَ مَعْناهُ النَّفْيَ، ومِمّا وقَعَتْ فِيهِ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ قَوْلُ الحُجافِ بْنِ حَكِيمٍ:
؎بَلْ سَوْفَ نُبْكِيهِمْ بِكُلِّ مُهَنَّدٍ ∗∗∗ ونُبْكِي نُمَيْرًا بِالرِّماحِ الخَواطِرِ
(p-٢٧١)وقَعَتْ جَوابًا لِلَّذِي قالَ لَهُ، وهو الأخْطَلُ:
؎ألا فاسْألِ الحُجافَ هَلْ هو ∗∗∗ ثائِرٌ بِقَتْلى أُصِيبَتْ مِن نُمَيْرِ بْنِ عامِرِ
وبَلى عِنْدَنا ثُلاثِيُّ الوَضْعِ، ولَيْسَ أصْلُهُ بَلْ، فَزِيدَتْ عَلَيْها الألْفُ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ. السَّيِّئَةُ: فَيْعِلَةٌ مِن ساءَ يَسُوءُ مَساءَةً، إذا حَزِنَ، وهي تَأْنِيثُ السَّيِّيءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الوَزْنِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
* *
﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ، وكانُوا حُلَفاءَ لِلْيَهُودِ، وبَيْنَهم جِوارٌ ورَضاعَةٌ، وكانُوا يَوَدُّونَ لَوْ أسْلَمُوا. وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ يَوَدُّونَ إسْلامَ مَن بِحَضْرَتِهِمْ مِن أبْناءِ اليَهُودِ، لِأنَّهم كانُوا أهْلَ كِتابٍ وشَرِيعَةٍ، وكانُوا يَغْضَبُونَ لَهم ويَلْطُفُونَ بِهِمْ طَمَعًا في إسْلامِهِمْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أبْناءِ السَبْعِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الطُّورِ، فَسَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ، فَلَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهُ، وحَرَّفُوا القَوْلَ في أخْبارِهِمْ لِقَوْمِهِمْ، وقالُوا: سَمِعْناهُ يَقُولُ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَفْعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ فافْعَلُوا، وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَفْعَلُوا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُلَماءِ اليَهُودِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ التَّوْراةَ، فَيَجْعَلُونَ الحَلالَ حَرامًا، والحَرامَ حَلالًا، اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ. وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلُ عَلَيْنا قَصَبَةَ المَدِينَةِ إلّا مُؤْمِنٌ» . قالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، ووَهَبُ بْنُ يَهُوذا وأشْباهُهُما: اذْهَبُوا وتَجَسَّسُوا أخْبارَ مَن آمَنَ، وقُولُوا لَهم آمَنّا، واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ أنَّهُ نَبِيٌّ، لَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، وإنَّما هو إلَيْكم خاصَّةً، فَلَمّا خَلَوْا، قالَ بَعْضُهم: أتُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ وقَدْ كُنّا قَبْلُ نَسْتَفْتِحُ بِهِ ؟ فَهَذا هو الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن عِلْمِهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَسْمَعُونَ الوَحْيَ، ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ.
وهَذِهِ الأقاوِيلُ كُلُّها لا تَخْرُجُ عَنْ أنَّ الحَدِيثَ في اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ فِيهِمُ الطَّمَعُ أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ الطَّمَعَ إنَّما يَصِحُّ في المُسْتَقْبَلِ، والضَّمِيرُ في ﴿أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ لِلْيَهُودِ. والمَعْنى: اسْتِبْعادُ إيمانِ اليَهُودِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ لِأسْلافِهِمْ أفاعِيلُ، وجَرى أبْناؤُهم عَلَيْها. فَبَعِيدٌ صُدُورُ الإيمانِ مِن هَؤُلاءِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلْزَمُ مِن إقْدامِ بَعْضِهِمْ عَلى التَّحْرِيفِ حُصُولُ اليَأْسِ مِن إيمانِ الباقِينَ ؟ قِيلَ: قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ وهم إنَّما يَأْخُذُونَ دِينَهم ويَتَعَلَّمُونَهُ مِن قَوْمٍ يُحَرِّفُونَ عِنادًا ؟ فَإنَّما يُعَلِّمُونَهم ما حَرَّفُوهُ وغَيَّرُوهُ عَنْ وجْهِهِ، والمُقَلِّدُونَ يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنهم، فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى الحَقِّ. وقِيلَ: إياسُهم مِن إيمانِ فِرْقَةٍ بِأعْيانِهِمْ.
والهَمْزَةُ في أفَتَطْمَعُونَ لِلِاسْتِفْهامِ، وفِيها مَعْنى التَّقْرِيرِ، كَأنَّهُ قالَ: قَدْ طَمِعْتُمْ في إيمانِ هَؤُلاءِ، وحالُهم ما ذُكِرَ. وقِيلَ: فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ النَّكِيرِ عَلى الرَّغْبَةِ في إيمانِ مَن شَواهِدُ امْتِناعِهِ قائِمَةٌ. واسْتُبْعِدَ إيمانُهم، لِأنَّهم كَفَرُوا بِمُوسى، مَعَ ما شاهَدُوا مِنَ الخَوارِقِ عَلى يَدَيْهِ، ولِأنَّهم ما اعْتَرَفُوا بِالحَقِّ، مَعَ عِلْمِهِمْ، ولِأنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ. والخِطابُ في أفَتَطْمَعُونَ، لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً. خاطَبَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ، أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ، أوْ لِلْأنْصارِ، قالَهُ النَّقّاشُ، أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنَ الأنْصارِ. والفاءُ بَعْدَ الهَمْزَةِ أصْلُها التَّقْدِيمُ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ: فَأتَطْمَعُونَ، فالفاءُ لِلْعَطْفِ، لَكِنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقُدِّمَتْ عَلَيْها. والزَّمَخْشَرِيُّ يَزْعُمُ أنَّ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، ويُقِرُّ الفاءَ عَلى حالِها، حَتّى تُعْطَفَ الجُمْلَةُ بَعْدَها عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ قَبْلَها، وهو خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، ومَحْجُوجٌ بِمَواضِعَ لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ فِعْلٍ فِيها، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: ١٨] ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الرعد: ١٩]، ﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٣] . أنْ يُؤْمِنُوا: مَعْمُولٌ لِتَطْمَعُونَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، التَّقْدِيرُ: في أنْ يُؤْمِنُوا، فَهو في (p-٢٧٢)مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وفي مَوْضِعِ جَرٍّ، عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ. ولَكم: مُتَعَلِّقٌ بِيُؤْمِنُوا، عَلى أنَّ اللّامَ بِمَعْنى الباءِ، وهو ضَعِيفٌ، ولامُ السَّبَبِ أيْ أنْ يُؤْمِنُوا لِأجْلِ دَعْوَتِكم لَهم.
﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾، الفَرِيقُ: قِيلَ: الأحْبارُ الَّذِينَ حَرَّفُوا التَّوْراةَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَسْمَعُونَ الوَحْيَ إذا نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُحَرِّفُونَهُ، قَصْدَ أنْ يُدْخِلُوا في الدِّينِ ما لَيْسَ فِيهِ، ويَحْصُلَ التَّضادُّ في أحْكامِهِ. وقِيلَ: كُلُّ مَن حَرَّفَ حُكْمًا أوْ غَيَّرَهُ، كَفِعْلِهِمْ في آيَةِ الرَّجْمِ ونَحْوِها. وقِيلَ: هُمُ السَبْعُونَ الَّذِينَ سَمِعُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَلامَ اللَّهِ، ثُمَّ بَدَّلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ أُنْكِرَ أنْ يَكُونُوا سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى. قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: أنْكَرَ ذَلِكَ أهْلُ العِلْمِ، مِنهم: التِّرْمِذِيُّ، صاحِبُ النَّوادِرِ، وقالَ: إنَّما خُصَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالكَلامِ وحْدَهُ. وكَلامُ اللَّهِ الَّذِي حَرَّفُوهُ، قِيلَ: هو التَّوْراةُ، حَرَّفُوها بِتَبْدِيلِ ألْفاظٍ مِن تِلْقائِهِمْ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: بِالتَّأْوِيلِ، مَعَ بَقاءِ لَفْظِ التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: هو كَلامُ اللَّهِ الَّذِي سَمِعُوهُ عَلى الطُّورِ . وقِيلَ: ما كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَرَأ الأعْمَشُ: كَلِمَ اللَّهِ، جَمْعُ كَلِمَةٍ، وقَدْ يُرادُ بِالكَلِمَةِ الكَلامُ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَدْ يُرادُ المُفْرَداتُ، فَيُحَرِّفُونَ المُفْرَداتِ، فَتَتَغَيَّرُ المُرَكَّباتُ وإسْنادُها بِتَغَيُّرِ المُفْرَداتِ.
﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾: التَّحْرِيفُ الَّذِي وقَعَ، قِيلَ: في صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهم وصَفُوهُ بِغَيْرِ الوَصْفِ الَّذِي هو عَلَيْهِ، حَتّى لا تَقُومَ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ. وقِيلَ: في صِفَتِهِ، وفي آيَةِ الرَّجْمِ.
﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما ضَبَطُوهُ وفَهِمُوهُ، ولَمْ تَشْتَبِهْ عَلَيْهِمْ صِحَّتُهُ. وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مِن بَعْدِ عَقْلِهِمْ إيّاهُ، والضَّمِيرُ في عَقَلُوهُ عائِدٌ عَلى كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: ما مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلَيْها، وهو بَعِيدٌ.
﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾: ومُتَعَلِّقُ العِلْمِ مَحْذُوفٌ، أيْ أنَّهم قَدْ حَرَّفُوهُ، أوْ ما في تَحْرِيفِهِ مِنَ العِقابِ، أوْ أنَّهُ الحَقُّ، أوْ أنَّهم مُبْطِلُونَ كاذِبُونَ. والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، واوُ الحالِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ قَوْلَهُ: ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ . فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: أفَيَكُونُ مِنكم طَمَعٌ في إيمانِ اليَهُودِ وأسْلافِهِمْ مَن عادَتُهم تَحْرِيفُ كَلامِ اللَّهِ، وهم سالِكُو سُنَنِهِمْ ومُتَّبِعُوهم في تَضْلِيلِهِمْ، فَيَكُونُ الحالُ قَيْدًا في الطَّمَعِ المُسْتَبْعَدِ، أيْ يُسْتَبْعَدُ الطَّمَعُ في إيمانِ هَؤُلاءِ وصِفَتُهم هَذِهِ. وعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: اسْتِبْعادُ الطَّمَعِ في أنْ يَقَعَ مِن هَؤُلاءِ إيمانٌ، وقَدْ كانَ أسْلافُهم عَلى ما نَصَّ مِن تَحْرِيفِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى. فَعَلى هَذا يَكُونُ الحالُ قَيْدًا في إيمانِهِمْ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، فَكُلٌّ مِنهُما، أعْنِي مِن ”أفَتَطْمَعُونَ“، ومِن ”يُؤْمِنُوا“، مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الحالِ مِن حَيْثُ المَعْنى. وإنَّما الَّذِي ذَكَرْناهُ تَقْتَضِيهِ صِناعَةُ الإعْرابِ. وبَيانُ التَّقْيِيدِ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّكَ إذا قُلْتَ: أتَطْمَعُ أنْ يَتْبَعَكَ زَيْدٌ ؟ وهو مُتَّبِعٌ طَرِيقَةَ أبِيهِ، فاسْتِبْعادُ الطَّمَعِ مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الحالِ، ومُتَعَلِّقُ الطَّمَعِ، الَّذِي هو الِاتِّباعُ المَفْرُوضُ وُقُوعُهُ، مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الحالِ. فَحُصُولُهُ أنَّ وُجُودَ هَذِهِ الحالِ لا يُجامِعُ الِاتِّباعَ، ولا يُناسِبُ الطَّمَعَ، بَلْ إنَّما كانَ يُناسِبُ الطَّمَعَ ويُتَوَقَّعُ الِاتِّباعُ، مَعَ انْتِفاءِ هَذِهِ الحالِ. وأمّا العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾، أيْ يَقَعُ التَّحْرِيفُ مِنهم بَعْدَ تَعَقُّلِهِ وتَفَهُّمِهِ، عالِمِينَ بِما في تَحْرِيفِهِ مِن شَدِيدِ العِقابِ، ومَعَ ذَلِكَ فَهم يُقْدِمُونَ عَلى ذَلِكَ، ويَجْتَرِئُونَ عَلَيْهِ. والإنْكارُ عَلى العالِمِ أشَدُّ مِنَ الإنْكارِ عَلى الجاهِلِ؛ لِأنَّ عِنْدَ العالِمِ دَواعِيَ الطّاعَةِ، لِما عَلِمَ مِن ثَوابِها، وتَوانِيَ المَعْصِيَةِ لِما عَلِمَ مِن عِقابِها. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ العامِلَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾، قَوْلُهُ: ﴿عَقَلُوهُ﴾، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ .
﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾: قَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: ”لاقَوْا، قالُوا: عَلى التَّكْثِيرِ. (p-٢٧٣)ولا يَظْهَرُ التَّكْثِيرُ، إنَّما هو مِن فاعَلَ الَّذِي هو بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ. فَمَعْنى لاقَوْا، ومَعْنى لَقُوا واحِدٌ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مُفْرَداتِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً مُنْبِئَةً عَنْ نَوْعٍ مِن قَبائِحِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكاشِفَةً عَمّا أكَنُّوهُ مِنَ النِّفاقِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ، أيْ كَيْفَ يُطْمَعُ في إيمانِهِمْ، وقَدْ كانَ مِن أسْلافِهِمْ مَن يُحَرِّفُ كَلامَ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ سالِكُو طَرِيقَتِهِمْ، وهم في أنْفُسِهِمْ مُنافِقُونَ، يُظْهِرُونَ مُوافَقَتَكم إذا لَقُوكم، وأنَّهم مِنكم وهم في الباطِنِ كُفّارٌ. فَمَن جَمَعَ بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، مِنِ اقْتِدائِهِمْ بِأسْلافِهِمُ الضُّلّالِ، ومُنافِقَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ لا يُطْمَعُ في إيمانِهِمْ. والَّذِينَ آمَنُوا هُنا هم: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وجَماعَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بَعْضُهم: المُؤْمِنُونَ هُنا جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ آمَنُوا وأخْلَصُوا في إيمانِهِمْ، والضَّمِيرُ في لَقُوا لِجَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ باقِينَ عَلى دِينِهِمْ، أوْ لِجَماعَةٍ مِنهم أسْلَمُوا ثُمَّ نافَقُوا، أوْ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أمَرَهم رُؤَساؤُهم مِن بَنِي قُرَيْظَةَ أنْ يَدْخُلُوا المَدِينَةَ ويَتَجَسَّسُوا أخْبارَ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: ادْخُلُوا المَدِينَةَ وأظْهِرُوا الإيمانَ، فَإنَّهُ نَهى أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ إلّا مُؤْمِنٌ.
﴿وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ أيْ: وإذا انْفَرَدَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، أيِ الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا إلى مَن نافَقَ. وإلى، قِيلَ: بِمَعْنى مَعَ، أيْ وإذا خَلا بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، والأجْوَدُ أنْ يُضَمَّنَ مِن خَلا مَعْنى فِعْلٍ يُعَدّى بِإلى، أيِ انْضَوى إلى بَعْضٍ، أوِ اسْتَكانَ، أوْ ما أشْبَهَهُ؛ لِأنَّ تَضْمِينَ الأفْعالِ أوْلى مِن تَضْمِينِ الحُرُوفِ.
(قالُوا): أيْ ذَلِكَ البَعْضُ الخالِي بِبَعْضِهِمْ.
﴿أتُحَدِّثُونَهُمْ﴾: أيْ قالُوا عاتِبِينَ عَلَيْهِمْ، أتُحَدِّثُونَ المُؤْمِنِينَ ؟ ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: وما مَوْصُولَةٌ، والضَّمِيرُ العائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بِما فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزُوا في ما أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِفَتْحِ اللَّهِ عَلَيْكم. والأوْلى الوَجْهُ الأوَّلُ، والَّذِي حَدَّثُوا بِهِ هو ما تَكَلَّمَ بِهِ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ، أوْ ما عَذَّبَ بِهِ أسْلافَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ:“ يا إخْوَةَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ ”» . فَقالَ الأحْبارُ لِأتْباعِهِمْ: ما عَرَفَ هَذا إلّا مِن عِنْدِكم. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا إذا سُئِلُوا عَنْ شَيْءٍ قالُوا: في التَّوْراةِ كَذا وكَذا، فَكَرِهَ ذَلِكَ أحْبارُهم، ونَهَوْا في الخُلْوَةِ عَنْهُ. فَعَلى ما قالَهُ أبُو العالِيَةِ يَكُونُ الفَتْحُ بِمَعْنى الإعْلامِ والإذْكارِ، أيْ أتُحَدِّثُونَهم بِما أعْلَمَكُمُ اللَّهُ مِن صِفَةِ نَبِيِّهِمْ ؟ ورَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَلى قَوْلِ السُّدِّيِّ: يَكُونُ بِمَعْنى الحاكِمِ والقَضاءِ، أيْ أتُحَدِّثُونَهم بِما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى أسْلافِكم وقَضاهُ مِن تَعْذِيبِهِمْ ؟ وعَلى قَوْلِابْنِ زَيْدٍ يَكُونُ بِمَعْنى: الإنْزالِ، أيْ أتُحَدِّثُونَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكم في التَّوْراةِ ؟ وقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنى بِما قَضى اللَّهُ عَلَيْكم، وهو راجِعٌ لِمَعْنى الإنْزالِ. وقِيلَ: المَعْنى بِما بَيَّنَ اللَّهُ لَكم مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَتِهِ، وشَرِيعَتِهِ، وما دَعاكم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِهِ، وأخْذِ العُهُودِ عَلى أنْبِيائِكم بِتَصْدِيقِهِ ونُصْرَتِهِ. وقِيلَ: المَعْنى بِما مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم مِنَ النَّصْرِ عَلى عَدُوِّكم، ومِن تَأْوِيلِ كِتابِكم.
﴿لِيُحاجُّوكُمْ﴾: هَذِهِ لامُ كَيْ، والنَّصْبُ بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها، وهي جائِزَةُ الإضْمارِ، إلّا إنْ جاءَ بَعْدَها لا، فَيَجِبُ إظْهارُها. وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أتُحَدِّثُونَهُمْ﴾، فَهي لامُ جَرٍّ، وتُسَمّى لامَ كَيْ، بِمَعْنى أنَّها لِلسَّبَبِ، كَما أنَّ كَيْ لِلسَّبَبِ. ولا يَعْنُونَ أنَّ النَّصْبَ بَعْدَها بِإضْمارِ كَيْ، وإنْ كانَ يَصِحُّ التَّصْرِيحُ بَعْدَها بِكَيْ، فَتَقُولَ: لِكَيْ أُكْرِمَكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يُضْمَرُ إنَّما هو:“ أنْ ”لا“ كَيْ ”، وقَدْ أجازَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ أنْ يَكُونَ المُضْمَرُ بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ كَيْ، أوْ أنْ. وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ النَّصْبَ بَعْدَ هَذِهِ اللّامِ إنَّما هو بِها نَفْسِها، وأنَّ ما يَظْهَرُ بَعْدَها مِن كَيْ وأنْ، إنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ. وتَحْرِيرُ الكَلامِ في ذَلِكَ مَذْكُورٌ في مَبْسُوطاتِ النَّحْوِ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ إلى أنَّ اللّامَ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فَتَحَ، ولَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ المُحاجَّةَ لَيْسَتْ عِلَّةً لِلْفَتْحِ، إنَّما المُحاجَّةُ ناشِئَةٌ عَنِ التَّحْدِيثِ، إلّا أنْ تَكُونَ (p-٢٧٤)اللّامُ لامَ الصَّيْرُورَةِ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ لَها هَذا المَعْنى، فَيُمْكِنَ أنْ يَصِيرَ المَعْنى: إنَّ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ حَدَّثُوا بِهِ، فَآلَ أمْرُهُ إلى أنْ حاجُّوهم بِهِ، فَصارَ نَظِيرَ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] . لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِهَذا الأمْرِ، إنَّما آلَ أمْرُهُ إلى ذَلِكَ. ومَن لَمْ يُثْبِتْ لامَ الصَّيْرُورَةِ، جَعَلَها لامَ كَيْ، عَلى تَجَوُّزٍ؛ لِأنَّ النّاشِئَ عَنْ شَيْءٍ وإنْ لَمْ يُقْصَدْ، كالعِلَّةِ. ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَجْعَلَها مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: أتُحَدِّثُونَهم، وبَيْنَ: بِما فَتَحَ، إلّا أنَّ جَعْلَها مُتَعَلِّقَةً بِالأوَّلِ أقْرَبُ وساطَةً، كَأنَّهُ قالَ: أتُحَدِّثُونَهم فَيُحاجُّوكم. وعَلى الثّانِي يَكُونُ أبْعَدَ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم بِهِ، فَحَدَّثْتُمُوهم بِهِ، فَحاجُّوكم. فالأوْلى جَعْلُهُ لِأقْرَبِ وساطَةٍ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ إلى“ ما ”مِن قَوْلِهِ: ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ﴾، وبِهَذا يَبْعُدُ قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ؛ لِأنَّ المَصْدَرِيَّةَ لا يَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرٌ.
﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: لِيُحاجُّوكم، والمَعْنى: لِيُحاجُّوكم بِهِ في الآخِرَةِ. فَكَنّى بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَنِ اجْتِماعِهِمْ بِهِمْ في الآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . وقِيلَ: مَعْنى عِنْدَ رَبِّكم: في رَبِّكم، أيْ فَيَكُونُونَ أحَقَّ بِهِ، جَعَلَ عِنْدَ بِمَعْنى في. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكم. وقِيلَ مَعْناهُ: أنَّهُ جَعَلَ المُحاجَّةَ في كِتابِكم مُحاجَّةً عِنْدَ اللَّهِ، ألا تُراكَ تَقُولُ هو في كِتابِ اللَّهِ كَذا، وهو عِنْدَ اللَّهِ كَذا، بِمَعْنًى واحِدٍ ؟ وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم عِنْدَ رَبِّكم، أيْ مِن عِنْدِ رَبِّكم لِيُحاجُّوكم، وهو بَعْثُ النَّبِيِّ ﷺ وأخْذُ مِيثاقِهِمْ بِتَصْدِيقِهِ. قالَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ: وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ هو بِما كانَ في الدُّنْيا. انْتَهى. والأوْلى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ، إذا أمْكَنَ ذَلِكَ، وقَدْ أمْكَنَ بِجَعْلِ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عَلى بَعْضِ المَعانِي الَّتِي ذَكَرْناها. وأمّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا الذّاهِبُ، فَبَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ“ لِيُحاجُّوكم " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أتُحَدِّثُونَهم، وعِنْدَ رَبِّكم مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم، فَتَكُونُ قَدْ فَصَلْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّكم، وبَيْنَ العامِلِ فِيهِ الَّذِي هو: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم، بِقَوْلِهِ: لِيُحاجُّوكم، وهو أجْنَبِيٌّ مِنهُما، إذْ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أتُحَدِّثُونَهم عَلى الأظْهَرِ، ويَبْعُدُ أنْ يَجِيءَ هَذا التَّرْكِيبُ هَكَذا في فَصِيحِ الكَلامِ، فَكَيْفَ يَجِيءُ في كَلامِ اللَّهِ الَّذِي هو أفْصَحُ الكَلامِ ؟ .
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَوْلِ مَن قالَ: أتُحَدِّثُونَهم بِما يَكُونُ حُجَّةً لَهم عَلَيْكم ؟ أفَلا تَعْقِلُونَ فَلا تُحَدِّثُونَهم بِذَلِكَ ؟ وقِيلَ: هو خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ لا يُؤْمِنُونَ، وهم عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، مِنِ اتِّباعِ أسْلافِهِمُ المُحَرِّفِينَ كَلامَ اللَّهِ، والتَّقْلِيدِ لَهم فِيما حَرَّفُوهُ، وتَظاهُرِهِمْ بِالنِّفاقِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نَعى عَلَيْهِمُ ارْتِكابَهُ ؟ .
البقرة 2:77
﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾: هَذا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ لَهم، أيْ إذا كانَ عِلْمُ اللَّهِ مُحِيطًا بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ، وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهم أنْ يُنافِقُوا ويَتَظاهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهم خِلافَهُ، فَلا يُجامِعُ حالَةَ نِفاقِهِمْ بِحالَةِ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِذَلِكَ، والأوْلى حَمْلُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ عَلى العُمُومِ، إذْ هو ظاهِرُ اللَّفْظِ. وقِيلَ: الَّذِي أسَرُّوهُ الكُفْرُ، والَّذِي أعْلَنُوهُ الإيمانُ. وقِيلَ: العَداوَةُ والصَّداقَةُ. وقِيلَ: قَوْلُهم لِشَياطِينِهِمْ إنّا مَعَكم، وقَوْلُهم لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا. وقِيلَ: صِفَةُ النَّبِيِّ ﷺ وتَغْيِيرُ صِفَتِهِ إلى صِفَةٍ أُخْرى، حَتّى لا تَقُومَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: أوَلا تَعْلَمُونَ بِالتّاءِ، قالُوا: فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى جَهْلِهِمْ بِعالِمِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لَهم، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى سَماعِ ما يَأْتِي بَعْدَهُ، ثُمَّ أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِمْ وأعادَ الضَّمِيرَ إلى الغَيْبَةِ، إهْمالًا لَهم، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، ويَكُونُ حِكْمَتُهُ في الحالَتَيْنِ ما ذَكَرْناهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِثْلَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾، أنَّ الفاءَ والواوَ فِيهِما لِلْعَطْفِ، وأنَّ (p-٢٧٥)أصْلَهُما أنْ يَكُونا أوَّلَ الكَلامِ، لَكِنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقُدِّمَتْ. وذَكَرْنا طَرِيقَةَ الزَّمَخْشَرِيِّ في ذَلِكَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. و﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَدَّتْ فِيهِ أنَّ مَسَدَّ المُفْرَدِ، إذا قُلْنا: إنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ كَعَرَفَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَدَّتْ فِيهِ أنَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، إذا قُلْنا: إنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ، كَظَنَنْتُ، وهَذا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ. وأمّا الأخْفَشُ، فَإنَّها تَسُدُّ عِنْدَهُ مَسَدَّ مَفْعُولٍ واحِدٍ، ويَجْعَلُ الثّانِيَ مَحْذُوفًا، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ هَذا الخِلافِ، والعائِدُ عَلى ”ما“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُسِرُّونَهُ ويُعْلِنُونَهُ. وظاهِرُ هَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ تَقْرِيرٌ لَهم أنَّهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، أيْ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ والعَلانِيَةَ، أيْ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ، فَلا يُناسِبُهُمُ النِّفاقُ والتَّكْذِيبُ بِما يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ. وقِيلَ: ذَلِكَ تَقْرِيعٌ لَهم وحَثٌّ عَلى التَّفَكُّرِ، فَيَعْلَمُونَ بِالتَّفَكُّرِ ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ التَّوْراةِ، وفِيها ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَزِمَهُمُ الِاعْتِرافُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ودَلَّ عَلى أنَّ المَعْصِيَةَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِها، أقْبَحُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ وما أشْبَهَها دَلِيلٌ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُغْضِي عَنِ المُنافِقِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ، وذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا، فَأغْضى عَنْهم، حَتّى قَبِلَ اللَّهُ مِنهم مَن قَبِلَ، وأهْلَكَ مَن أهْلَكَ. واخْتُلِفَ، هَلْ هَذا الحُكْمُ باقٍ، أوْ نُسِخَ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: نُسِخَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ﷺ تَأْلِيفًا لِلْقُلُوبِ. وقَدْ أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وأغْنى عَنْهم، فَلا حاجَةَ إلى التَّأْلِيفِ. وقالَ قَوْمٌ: هو باقٍ إلى الآنَ؛ لِأنَّ أهْلَ الكُفْرِ أكْثَرُ مِن أهْلِ الإيمانِ، فَيَحْتاجُونَ إلى زِيادَةِ الأنْصارِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، والأوَّلُ هو الأشْهَرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾، حُجَّةٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ، بَلْ يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ.
﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾: ظاهِرُ الكَلامِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: في المَجُوسِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: في نَصارى العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا لا يُحْسِنُونَ الكِتابَةَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، رُفِعَ كِتابُهم لِذُنُوبٍ ارْتَكَبُوها، فَصارُوا أُمِّيِّينَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكِتابٍ ولا بِرَسُولٍ، فَكَتَبُوا كِتابَهم وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَسُمُّوا: أُمِّيِّينَ، لِجُحُودِهِمُ الكِتابَ، فَصارُوا بِمَنزِلَةِ مَن لا يُحْسِنُ شَيْئًا. والقَوْلُ الأوَّلُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ إنَّما هو مَعَ اليَهُودِ، فالضَّمِيرُ لَهم.
ومُناسَبَةُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أمْرَ الفِرْقَةِ الضّالَّةِ الَّتِي حَرَّفَتْ كِتابَ اللَّهِ، وهم قَدْ عَقَلُوهُ وعَلِمُوا بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أمْرَ الفِرْقَةِ الثّانِيَةِ، المُنافِقِينَ، وأمْرَ الثّالِثَةِ، المُجادِلَةِ، أخَذَ يُبَيِّنُ أمْرَ الفِرْقَةِ الرّابِعَةِ، وهي: العامَّةُ الَّتِي طَرِيقُها التَّقْلِيدُ، وقَبُولُ ما يُقالُ لَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: ومِن هَؤُلاءِ اليَهُودُ المَذْكُورُونَ، فالآيَةُ مُنَبِّهَةٌ عَلى عامَّتِهِمْ وأتْباعِهِمْ، أيْ أنَّهم لا يُطْمَعُ في إيمانِهِمْ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: أُمِيُّونَ، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأُمِّيَّ هو الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ في كِتابٍ، أيْ لا يُحْسِنُونَ الكُتُبَ، فَيُطالِعُوا التَّوْراةَ ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها.
و﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والكِتابُ هو التَّوْراةُ.
﴿إلّا أمانِيَّ﴾: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ الأمانِيَّ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ الكِتابِ ولا مُنْدَرِجَةً تَحْتَ مَدْلُولِهِ، وهو أحَدُ قِسْمَيِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو الَّذِي يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ العامِلُ. ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ لا يَعْلَمُونَ إلّا أمانِيَّ لَكانَ مُسْتَقِيمًا ؟ وهَذا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ يَجُوزُ فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والوَجْهُ الثّانِي: الإتْباعُ عَلى البَدَلِ بِشَرْطِ التَّأخُّرِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. فَنَصْبُ ”أمانِيَّ“ مِنَ الوَجْهَيْنِ، والمَعْنى: إلّا ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِيِّهِمْ، وأمانِيُّهم: أنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْهم ويَرْحَمُهم ولا يُؤاخِذُهم بِخَطاياهم، وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم، أوْ ما يُمَنِّيهِمْ أحْبارُهم مِن أنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، أوْ لا يَعْلَمُونَ إلّا أكاذِيبَ مُخْتَلَقَةً سَمِعُوها مِن عُلَمائِهِمْ فَنَقَلُوها عَلى التَّقْلِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: مَعْناهُ إلّا تِلاوَةً، أيْ لا يَعْلَمُونَ فِقْهَ (p-٢٧٦)الكِتابِ، إنَّما يَقْتَصِرُونَ عَلى ما يَسْمَعُونَهُ يُتْلى عَلَيْهِمْ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: حَمْلُهُ عَلى تَمَنِّي القَلْبِ أوْلى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمانِيُّ، بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْرَجُ وابْنُ جَمّازٍ عَنْ نافِعٍ وهارُونَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أمانِيَ بِالتَّخْفِيفِ، جَمْعُهُ عَلى أفاعِلَ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِحَرْفِ المَدِّ الَّذِي في المُفْرَدِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: كُلُّ ما جاءَ مِن هَذا النَّحْوِ واحِدُهُ مُشَدَّدٌ، فَلَكَ فِيهِ التَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ مِثْلُ: أنانِيٌّ، وأغانِيُّ، وأمانِيُّ، ونَحْوِهِ. قالَ الأخْفَشُ هَذا، كَما يُقالُ في جَمْعِ مِفْتاحٍ مَفاتِيحُ ومَفاتِحُ، وقالَ النَّحّاسُ: الحَذْفُ في المُعْتَلِّ أكْثَرُ، كَما قالَ:
؎وهَلْ رَجَعَ التَّسْلِيمَ أوْ يَكْشِفُ العَمى ثَلاثُ الأثافِي والرُّسُومُ البَلاقِعُ
﴿وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾، إنْ هُنا: هي النّافِيَةُ، بِمَعْنى ما، وهم: مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وإلّا يَظُنُّونَ: في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وهو مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ. وإذا كانَتْ إنْ نافِيَةً، فَدَخَلَتْ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُهم، ومَن أجازَ شَرْطَ نَفْيِ الخَبَرِ وتَأْخِيرِهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ مِن ذَلِكَ إلّا بَيْتٌ نادِرٌ وهو:
؎إنْ هو مُسْتَوْلِيًا عَلى أحَدٍ ∗∗∗ إلّا عَلى أضْعَفِ المَجانِينِ
وقَدْ نَسَبَ السُّهَيْلِيُّ وغَيْرُهُ إلى سِيبَوَيْهِ جَوازَ إعْمالِها إعْمالَ ما، ولَيْسَ في كِتابِهِ نَصٌّ عَلى ذَلِكَ. ومَعْنى يَظُنُّونَ، قالَ مُجاهِدٌ: يَكْذِبُونَ، وقالَ آخَرُونَ: يَتَحَدَّثُونَ، وقالَ آخَرُونَ: يَشُكُّونَ، وهو التَّرَدُّدُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، لا يَتَرَجَّحُ أحَدُهُما عَلى النّاظِرِ فِيهِما، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى مَوْضُوعِهِ الأصْلِيِّ، وهو التَّرْجِيحُ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى الآخَرِ، إذْ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى اليَقِينِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ التَّرْجِيحِ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ تَرْجِيحًا في نَفْسِ الأمْرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ، إنْ كَذَبَ الرُّؤَساءُ، أوْ صَدَقُوا، بايَعُوهم. انْتَهى كَلامُهُ. وأتى بِالخَبَرِ فِعْلًا مُضارِعًا، ولَمْ يَأْتِ بِاسْمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الظَّنِّ وتَجَدُّدِهِ لَهم شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَيْسُوا ثابِتِينَ عَلى ظَنٍّ واحِدٍ، بَلْ يَتَجَدَّدُ لَهم ظُنُونٌ دالَّةٌ عَلى اضْطِرابِ عَقائِدِهِمْ واخْتِلافِ أهْوائِهِمْ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعارِفَ كَسَبِيَّةٌ، وعَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، وعَلى أنَّ المُغْتَرَّ بِإضْلالِ المُضِلِّ مَذْمُومٌ، وعَلى أنَّ الِاكْتِفاءَ بِالظَّنِّ في الأُصُولِ غَيْرُ جائِزٍ، وعَلى أنَّ القَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ باطِلٌ، وعَلى أنَّ ما تَساوى وجُودُهُ وعَدَمُهُ لا يَجُوزُ المَصِيرُ إلى أحَدِهِما إلّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وتَمَسَّكَ بِها أيْضًا مُنْكِرُو القِياسِ وخَبَرِ الواحِدِ، لِأنَّهُما لا يُفِيدانِ العِلْمَ.
البقرة 2:78
﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾: هَذا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ لَهم، أيْ إذا كانَ عِلْمُ اللَّهِ مُحِيطًا بِجَمِيعِ أفْعالِهِمْ، وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهم أنْ يُنافِقُوا ويَتَظاهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهم خِلافَهُ، فَلا يُجامِعُ حالَةَ نِفاقِهِمْ بِحالَةِ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِذَلِكَ، والأوْلى حَمْلُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ عَلى العُمُومِ، إذْ هو ظاهِرُ اللَّفْظِ. وقِيلَ: الَّذِي أسَرُّوهُ الكُفْرُ، والَّذِي أعْلَنُوهُ الإيمانُ. وقِيلَ: العَداوَةُ والصَّداقَةُ. وقِيلَ: قَوْلُهم لِشَياطِينِهِمْ إنّا مَعَكم، وقَوْلُهم لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا. وقِيلَ: صِفَةُ النَّبِيِّ ﷺ وتَغْيِيرُ صِفَتِهِ إلى صِفَةٍ أُخْرى، حَتّى لا تَقُومَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: أوَلا تَعْلَمُونَ بِالتّاءِ، قالُوا: فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى جَهْلِهِمْ بِعالِمِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لَهم، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى سَماعِ ما يَأْتِي بَعْدَهُ، ثُمَّ أعْرَضَ عَنْ خِطابِهِمْ وأعادَ الضَّمِيرَ إلى الغَيْبَةِ، إهْمالًا لَهم، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، ويَكُونُ حِكْمَتُهُ في الحالَتَيْنِ ما ذَكَرْناهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا أنَّ مِثْلَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾، أنَّ الفاءَ والواوَ فِيهِما لِلْعَطْفِ، وأنَّ (p-٢٧٥)أصْلَهُما أنْ يَكُونا أوَّلَ الكَلامِ، لَكِنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقُدِّمَتْ. وذَكَرْنا طَرِيقَةَ الزَّمَخْشَرِيِّ في ذَلِكَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. و﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَدَّتْ فِيهِ أنَّ مَسَدَّ المُفْرَدِ، إذا قُلْنا: إنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ كَعَرَفَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِمّا سَدَّتْ فِيهِ أنَّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، إذا قُلْنا: إنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ، كَظَنَنْتُ، وهَذا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ. وأمّا الأخْفَشُ، فَإنَّها تَسُدُّ عِنْدَهُ مَسَدَّ مَفْعُولٍ واحِدٍ، ويَجْعَلُ الثّانِيَ مَحْذُوفًا، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ هَذا الخِلافِ، والعائِدُ عَلى ”ما“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُسِرُّونَهُ ويُعْلِنُونَهُ. وظاهِرُ هَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ تَقْرِيرٌ لَهم أنَّهم عالِمُونَ بِذَلِكَ، أيْ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ والعَلانِيَةَ، أيْ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ، فَلا يُناسِبُهُمُ النِّفاقُ والتَّكْذِيبُ بِما يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ. وقِيلَ: ذَلِكَ تَقْرِيعٌ لَهم وحَثٌّ عَلى التَّفَكُّرِ، فَيَعْلَمُونَ بِالتَّفَكُّرِ ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ التَّوْراةِ، وفِيها ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَزِمَهُمُ الِاعْتِرافُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ودَلَّ عَلى أنَّ المَعْصِيَةَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِها، أقْبَحُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ وما أشْبَهَها دَلِيلٌ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُغْضِي عَنِ المُنافِقِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ، وذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا، فَأغْضى عَنْهم، حَتّى قَبِلَ اللَّهُ مِنهم مَن قَبِلَ، وأهْلَكَ مَن أهْلَكَ. واخْتُلِفَ، هَلْ هَذا الحُكْمُ باقٍ، أوْ نُسِخَ ؟ فَقالَ قَوْمٌ: نُسِخَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ﷺ تَأْلِيفًا لِلْقُلُوبِ. وقَدْ أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وأغْنى عَنْهم، فَلا حاجَةَ إلى التَّأْلِيفِ. وقالَ قَوْمٌ: هو باقٍ إلى الآنَ؛ لِأنَّ أهْلَ الكُفْرِ أكْثَرُ مِن أهْلِ الإيمانِ، فَيَحْتاجُونَ إلى زِيادَةِ الأنْصارِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، والأوَّلُ هو الأشْهَرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾، حُجَّةٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ، بَلْ يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ.
﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾: ظاهِرُ الكَلامِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: في المَجُوسِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وقِيلَ: في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ: في نَصارى العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا لا يُحْسِنُونَ الكِتابَةَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، رُفِعَ كِتابُهم لِذُنُوبٍ ارْتَكَبُوها، فَصارُوا أُمِّيِّينَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكِتابٍ ولا بِرَسُولٍ، فَكَتَبُوا كِتابَهم وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَسُمُّوا: أُمِّيِّينَ، لِجُحُودِهِمُ الكِتابَ، فَصارُوا بِمَنزِلَةِ مَن لا يُحْسِنُ شَيْئًا. والقَوْلُ الأوَّلُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ إنَّما هو مَعَ اليَهُودِ، فالضَّمِيرُ لَهم.
ومُناسَبَةُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أمْرَ الفِرْقَةِ الضّالَّةِ الَّتِي حَرَّفَتْ كِتابَ اللَّهِ، وهم قَدْ عَقَلُوهُ وعَلِمُوا بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أمْرَ الفِرْقَةِ الثّانِيَةِ، المُنافِقِينَ، وأمْرَ الثّالِثَةِ، المُجادِلَةِ، أخَذَ يُبَيِّنُ أمْرَ الفِرْقَةِ الرّابِعَةِ، وهي: العامَّةُ الَّتِي طَرِيقُها التَّقْلِيدُ، وقَبُولُ ما يُقالُ لَهم. قالَ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: ومِن هَؤُلاءِ اليَهُودُ المَذْكُورُونَ، فالآيَةُ مُنَبِّهَةٌ عَلى عامَّتِهِمْ وأتْباعِهِمْ، أيْ أنَّهم لا يُطْمَعُ في إيمانِهِمْ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: أُمِيُّونَ، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأُمِّيَّ هو الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ في كِتابٍ، أيْ لا يُحْسِنُونَ الكُتُبَ، فَيُطالِعُوا التَّوْراةَ ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها.
و﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والكِتابُ هو التَّوْراةُ.
﴿إلّا أمانِيَّ﴾: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ الأمانِيَّ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ الكِتابِ ولا مُنْدَرِجَةً تَحْتَ مَدْلُولِهِ، وهو أحَدُ قِسْمَيِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو الَّذِي يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ العامِلُ. ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ لا يَعْلَمُونَ إلّا أمانِيَّ لَكانَ مُسْتَقِيمًا ؟ وهَذا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ يَجُوزُ فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والوَجْهُ الثّانِي: الإتْباعُ عَلى البَدَلِ بِشَرْطِ التَّأخُّرِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. فَنَصْبُ ”أمانِيَّ“ مِنَ الوَجْهَيْنِ، والمَعْنى: إلّا ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِيِّهِمْ، وأمانِيُّهم: أنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْهم ويَرْحَمُهم ولا يُؤاخِذُهم بِخَطاياهم، وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم، أوْ ما يُمَنِّيهِمْ أحْبارُهم مِن أنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، أوْ لا يَعْلَمُونَ إلّا أكاذِيبَ مُخْتَلَقَةً سَمِعُوها مِن عُلَمائِهِمْ فَنَقَلُوها عَلى التَّقْلِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. وقِيلَ: مَعْناهُ إلّا تِلاوَةً، أيْ لا يَعْلَمُونَ فِقْهَ (p-٢٧٦)الكِتابِ، إنَّما يَقْتَصِرُونَ عَلى ما يَسْمَعُونَهُ يُتْلى عَلَيْهِمْ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: حَمْلُهُ عَلى تَمَنِّي القَلْبِ أوْلى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمانِيُّ، بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْرَجُ وابْنُ جَمّازٍ عَنْ نافِعٍ وهارُونَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أمانِيَ بِالتَّخْفِيفِ، جَمْعُهُ عَلى أفاعِلَ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِحَرْفِ المَدِّ الَّذِي في المُفْرَدِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: كُلُّ ما جاءَ مِن هَذا النَّحْوِ واحِدُهُ مُشَدَّدٌ، فَلَكَ فِيهِ التَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ مِثْلُ: أنانِيٌّ، وأغانِيُّ، وأمانِيُّ، ونَحْوِهِ. قالَ الأخْفَشُ هَذا، كَما يُقالُ في جَمْعِ مِفْتاحٍ مَفاتِيحُ ومَفاتِحُ، وقالَ النَّحّاسُ: الحَذْفُ في المُعْتَلِّ أكْثَرُ، كَما قالَ:
؎وهَلْ رَجَعَ التَّسْلِيمَ أوْ يَكْشِفُ العَمى ثَلاثُ الأثافِي والرُّسُومُ البَلاقِعُ
﴿وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾، إنْ هُنا: هي النّافِيَةُ، بِمَعْنى ما، وهم: مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وإلّا يَظُنُّونَ: في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وهو مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ. وإذا كانَتْ إنْ نافِيَةً، فَدَخَلَتْ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُهم، ومَن أجازَ شَرْطَ نَفْيِ الخَبَرِ وتَأْخِيرِهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ مِن ذَلِكَ إلّا بَيْتٌ نادِرٌ وهو:
؎إنْ هو مُسْتَوْلِيًا عَلى أحَدٍ ∗∗∗ إلّا عَلى أضْعَفِ المَجانِينِ
وقَدْ نَسَبَ السُّهَيْلِيُّ وغَيْرُهُ إلى سِيبَوَيْهِ جَوازَ إعْمالِها إعْمالَ ما، ولَيْسَ في كِتابِهِ نَصٌّ عَلى ذَلِكَ. ومَعْنى يَظُنُّونَ، قالَ مُجاهِدٌ: يَكْذِبُونَ، وقالَ آخَرُونَ: يَتَحَدَّثُونَ، وقالَ آخَرُونَ: يَشُكُّونَ، وهو التَّرَدُّدُ بَيْنَ أمْرَيْنِ، لا يَتَرَجَّحُ أحَدُهُما عَلى النّاظِرِ فِيهِما، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى مَوْضُوعِهِ الأصْلِيِّ، وهو التَّرْجِيحُ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى الآخَرِ، إذْ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى اليَقِينِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ التَّرْجِيحِ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ تَرْجِيحًا في نَفْسِ الأمْرِ. وقالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ، إنْ كَذَبَ الرُّؤَساءُ، أوْ صَدَقُوا، بايَعُوهم. انْتَهى كَلامُهُ. وأتى بِالخَبَرِ فِعْلًا مُضارِعًا، ولَمْ يَأْتِ بِاسْمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الظَّنِّ وتَجَدُّدِهِ لَهم شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَيْسُوا ثابِتِينَ عَلى ظَنٍّ واحِدٍ، بَلْ يَتَجَدَّدُ لَهم ظُنُونٌ دالَّةٌ عَلى اضْطِرابِ عَقائِدِهِمْ واخْتِلافِ أهْوائِهِمْ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعارِفَ كَسَبِيَّةٌ، وعَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، وعَلى أنَّ المُغْتَرَّ بِإضْلالِ المُضِلِّ مَذْمُومٌ، وعَلى أنَّ الِاكْتِفاءَ بِالظَّنِّ في الأُصُولِ غَيْرُ جائِزٍ، وعَلى أنَّ القَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ باطِلٌ، وعَلى أنَّ ما تَساوى وجُودُهُ وعَدَمُهُ لا يَجُوزُ المَصِيرُ إلى أحَدِهِما إلّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وتَمَسَّكَ بِها أيْضًا مُنْكِرُو القِياسِ وخَبَرِ الواحِدِ، لِأنَّهُما لا يُفِيدانِ العِلْمَ.
البقرة 2:79
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ غَيَّرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَدَّلُوا نَعْتَهُ، فَجَعَلُوهُ آدَمَ سَبْطًا طَوِيلًا، وكانَ في كِتابِهِمْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هو بِها، فَقالُوا لِأصْحابِهِمْ وأتْباعِهِمُ: انْظُرُوا إلى صِفَةِ هَذا النَّبِيِّ الَّذِي يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ، لَيْسَ يُشْبِهُ نَعْتَ هَذا، وكانَتِ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ يَخافُونَ أنْ يَذْهَبَ مَأْكَلَتُهم بِإبْقاءِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالِها، فَلِذَلِكَ غَيَّرُوها. وقِيلَ: خافَ مُلُوكُهم عَلى مُلْكِهِمْ، إذا آمَنَ النّاسُ كُلُّهم، فَجاءُوا إلى أحْبارِ اليَهُودِ فَجَعَلُوا لَهم عَلَيْهِمْ وضائِعَ ومَآكِلَ، وكَشَطُوها مِنَ التَّوْراةِ، وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيٍّ، ولَمْ يَتَّبِعُوا كِتابًا، بَلْ كَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو مالِكٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَرْحٍ، كاتِبِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ يُغَيِّرُهُ فارْتَدَّ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ويْلٍ عِنْدَ الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ، وذُكِرَ عَنْ عُثْمانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ جَبَلٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ، وذُكِرَ أنَّ أبا سَعِيدٍ رَوى: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، يَهْوِي فِيهِ الهاوِي، وذُكِرَ أنَّ سُفْيانَ وعَطاءَ بْنَ يَسارٍ رَوَيا أنَّهُ وادٍ يَجْرِي بِفِناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وحَكى الزَّهْراوِيُّ وجَماعَةٌ: أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. (p-٢٧٧)وقِيلَ: هو صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ. وقِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، لَوْ سُجِّرَتْ فِيهِ جِبالُ الدُّنْيا لانْماعَتْ مِن حَرِّهِ، ولَوْ صَحَّ في تَفْسِيرِ الوَيْلِ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقَدْ تَكَلَّمَتِ العَرَبُ في نَظْمِها ونَثْرِها بِلَفْظَةِ الوَيْلِ قَبْلَ أنْ يَجِيءَ القُرْآنُ، ولَمْ تُطْلِقْهُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ التَّفاسِيرِ، وإنَّما مَدْلُولُهُ ما فَسَّرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو نَكِرَةٌ فِيها مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ جازَ الِابْتِداءُ بِها، إذِ الدُّعاءُ أحَدُ المُسَوِّغاتِ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، وهي تُقارِبُ ثَلاثِينَ مُسَوِّغًا، وذَكَرْناها في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا.
والكِتابَةُ مَعْرُوفَةٌ، ويُقالُ: أوَّلُ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ إدْرِيسُ، وقِيلَ: آدَمُ. والكِتابُ هُنا قِيلَ: كَتَبُوا أشْياءَ اخْتَلَقُوها، وأحْكامًا بَدَّلُوها مِنَ التَّوْراةِ حَتّى اسْتَقَرَّ حُكْمُها بَيْنَهم. وقِيلَ: كَتَبُوا في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَثُّوها في سُفَهائِهِمْ، وفي العَرَبِ، وأخْفَوْا تِلْكَ النُّسَخَ الَّتِي كانَتْ عِنْدَهم بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ، وصارَ سُفَهاؤُهم، ومَن يَأْتِيهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، إذا سَألُوهم عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: ما هو هَذا المَوْصُوفَ عِنْدَنا في التَّوْراةِ المُبْدَلَةِ المُغَيَّرَةِ، ويَقْرَءُونَها عَلَيْهِمْ ويَقُولُونَ لَهم: هَذِهِ التَّوْراةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. بِأيْدِيهِمْ: تَأْكِيدٌ يَرْفَعُ تَوَهُّمَ المَجازِ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ يَكْتُبُ، ظاهِرُهُ أنَّهُ يُباشِرُ الكِتابَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ، ويَكُونَ آمِرًا بِذَلِكَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ، وإنَّما المَعْنى: أمَرَ بِالكِتابَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ، وهو الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ في كِتابٍ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . ونَظِيرُ هَذا التَّأْكِيدِ ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] (ويَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ)، وقَوْلُهُ:
؎نَظَرْتَ فَلَمْ تَنْظُرْ بِعَيْنَيْكَ مَنظَرًا
فَهَذِهِ كُلُّها أُتِيَ بِها لِتَأْكِيدِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ، ولِرَفْعِ المَجازِ الَّذِي كانَ يَحْتَمِلُهُ. وفي هَذا التَّأْكِيدِ أيْضًا تَقْبِيحٌ لِفِعْلِهِمْ، إذْ لَمْ يَكْتَفُوا بِأنْ يَأْمُرُوا بِالِاخْتِلاقِ والتَّغْيِيرِ، حَتّى كانُوا هُمُ الَّذِينَ تَعاطَوْا ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، واجْتَرَحُوهُ بِأيْدِيهِمْ. وقالَ ابْنُ السَّرّاحِ: ذِكْرُ الأيْدِي كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُمُ اخْتَلَقُوا ذَلِكَ مِن تِلْقائِهِمْ، ومِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، مِن غَيْرِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ؛ لِأنَّ مُباشَرَةَ الشَّيْءِ بِاليَدِ لا تَقْتَضِي الِاخْتِلاقَ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حالٍ مَحْذُوفَةٍ يَدُلُّ عَلَيْها ما بَعْدَها، التَّقْدِيرُ: يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ مُحَرَّفًا، أوْ نَحْوَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، إذْ لا إنْكارَ عَلى مَن يُباشِرُ الكِتابَ بِيَدِهِ إلّا إذا وضَعَهُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، فَلِذَلِكَ قَدَّرْنا هَذِهِ الحالَ.
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾: أيْ لِأتْباعِهِمُ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما قُرِئَ لَهم، ومَعْمُولُ القَوْلِ هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي هي: ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا﴾، عِلَّةٌ في القَوْلِ، وهي لامُ كَيْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها قَبْلُ. وهي مَكْسُورَةٌ لِأنَّها حَرْفُ جَرٍّ، فَيَتَعَلَّقُ بِـ (يَقُولُونَ) . وقَدْ أبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ، وبَنُو العَنْبَرِ يَفْتَحُونَ لامَ كَيْ، قالَهُ مَكِّيٌّ في إعْرابِ القُرْآنِ لَهُ.
﴿بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، بِهِ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لِيَشْتَرُوا، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، وهو المَكْتُوبُ المُحَرَّفُ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في الِاشْتِراءِ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] . والثَّمَنُ هُنا: هو عَرَضُ الدُّنْيا، أوِ الرِّشا والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم، ووُصِفَ بِالقِلَّةِ لِكَوْنِهِ فانِيًا، أوْ حَرامًا، أوْ حَقِيرًا، أوْ لا يُوازِنُهُ شَيْءٌ لا ثَمَنٌ، ولا مُثَمَّنٌ. وقَدْ جَمَعُوا في هَذا الفِعْلِ أنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا وكَذَبُوا عَلى اللَّهِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ حُبَّ الدُّنْيا. وهَذا الوَعِيدُ مُرَتَّبٌ عَلى كِتابَةِ الكِتابِ المُحَرَّفِ، وعَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. وكِلاهُما مُنْكَرٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما أنْكَرُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ أخْذِ المالِ عَلى الباطِلِ، وإنْ كانَ بِرِضا المُعْطِي.
﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾: كِتابَتُهم مُقَدِّمَةٌ، نَتِيجَتُها كَسْبُ المالِ الحَرامِ، فَلِذَلِكَ كُرِّرَ الوَيْلُ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الوَعِيدَ هو عَلى المَجْمُوعِ فَقَطْ. فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ (p-٢٧٨)مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِالهَلاكِ. وظاهِرُ الكَسْبِ هو ما أخَذُوهُ عَلى تَحْرِيفِهِمُ الكِتابَ مِنَ الحَرامِ، وهو الألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِما يَكْسِبُونَ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ، فَيُحْتاجُ في كِلا القَوْلَيْنِ إلى اخْتِصاصٍ؛ لِأنَّ ما يَكْسِبُونَ عامٌّ، والأوْلى أنْ يُقَيَّدَ بِما ذَكَرْناهُ.
﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهم زَعَمُوا أنَّهم وجَدُوا في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، إلى أنْ يَنْتَهُوا إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، قالُوا: إنَّما نُعَذَّبُ حَتّى نَنْتَهِيَ إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، فَتَذْهَبَ جَهَنَّمَ وتَهْلِكَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اليَهُودُ مِن أهْلِ النّارِ ”قالُوا: نَحْنُ ثُمَّ تَخْلُفُونَنا أنْتُمْ، فَقالَ:“ كَذَبْتُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا لا نَخْلُفُكم» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم يُعَذَّبُونَ سَبْعَةَ أيّامٍ، عَدَدَ أيّامِ الدُّنْيا، سَبْعَةَ آلافٍ لِكُلِّ ألْفٍ يَوْمٌ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ العَذابُ. ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم يُعَذَّبُونَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وقِيلَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ القَسَمِ. وقِيلَ: أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يُنادى: أخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والضَّمِيرُ في: وقالُوا، عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ. جَمَعُوا إلى تَبْدِيلِ كِتابِ اللَّهِ وتَحْرِيفِهِ، وأخْذِهِمْ بِهِ المالَ الحَرامَ، وكَذِبِهِمْ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، الإخْبارَ بِالكَذِبِ البَحْتِ عَنْ مُدَّةِ إقامَتِهِمْ في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المَسَّ هو الإصابَةُ، أيْ لَنْ تُصِيبَنا النّارُ إلّا أيّامًا، اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، أيْ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ أبَدًا إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ العَدَدِ في الأيّامِ بِأنَّها سَبْعَةٌ أوْ أرْبَعُونَ. وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: مَعْدُودَةً، أيْ قَلائِلَ يَحْصُرُها العَدُّ، لِأنَّها مُعَيَّنَةُ العَدِّ في نَفْسِها.
ثُمَّ أخَذَ في رَدِّ هَذِهِ الدَّعْوى والأخْبارِ الكاذِبَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أيْ مِثْلَ هَذا الإخْبارِ، الجَزْمُ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنِ اتَّخَذَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا بِذَلِكَ، وأنْتُمْ لَمْ تَتَّخِذُوا بِهِ عَهْدًا، فَهو كَذِبٌ وافْتِراءٌ. وأمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى إنْكارِ ما قالُوهُ. وهَمْزَةُ الوَصْلِ مَنِ اتَّخَذَ انْحَذَفَتْ لِأجْلِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، ومَن سَهَّلَ بِنَقْلِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وحَذْفِها قالَ: قُلَ اتَّخَذْتُمْ، بِفَتْحِ اللّامِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ كانَتْ مَفْتُوحَةً. وعِنْدَ اللَّهِ: ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِاتَّخَذْتُمْ، وهي هُنا تَتَعَدّى لِواحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَيَكُونُ الثّانِي الظَّرْفَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والعَهْدُ هُنا: المِيثاقُ والمَوْعِدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ: هَلْ قُلْتُمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وآمَنتُمْ وأطَعْتُمْ فَتُدَلُّونَ بِذَلِكَ وتَعْلَمُونَ خُرُوجَكم مِنَ النّارِ ؟ فَعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ المَعْنى: هَلْ عاهَدَكُمُ اللَّهُ عَلى هَذا الَّذِي تَدَّعُونَ ؟ وعَلى الثّانِي: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ ؟ .
﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، كَقَوْلِكَ: أيَقْصِدُنا زَيْدٌ ؟ فَلَنْ نُجِيبَ مِن بِرِّنا. وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في جَوابِ هَذِهِ الأشْياءِ، هَلْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ أيْ يُضَمَّنُ الِاسْتِفْهامُ والتَّمَنِّي والأمْرُ والنَّهْيُ إلى سائِرِ بِاقِيها مَعْنى الشَّرْطِ ؟ أمْ يَكُونُ الشَّرْطُ مَحْذُوفًا بَعْدَها ؟ ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَنْ يُخْلِفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَهُ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، كَأنَّهُ اخْتارَ القَوْلَ الثّانِيَ مِن أنَّ الشَّرْطَ مُقَدَّرٌ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، اعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ، كَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، فَصارَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيْنَ هاتَيْنِ اللَّتَيْنِ وقَعَ بَيْنَهُما التَّعادُلُ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: أيُّ هَذَيْنِ واقِعٌ ؟ أتِّخاذُكُمُ العَهْدَ عِنْدَ اللَّهِ ؟ أمْ قَوْلُكم عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ وأخْرَجَ ذَلِكَ مُخْرَجَ المُتَرَدَّدِ في تَعْيِينِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ وُقُوعَ أحَدِهِما، وهو قَوْلُهم عَلى اللَّهِ ما لا يَعْلَمُونَ، ونَظِيرُهُ: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] . وقَدْ عُلِمَ أيُّهُما عَلى هُدًى، وأيُّهُما هو في ضَلالٍ. وقِيلَ: أمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ فَيَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم قَوْلُهم: عَلى اللَّهِ ما لا يَعْلَمُونَ، (p-٢٧٩)فَأنْكَرُوا عَلَيْهِمْ صُدُورَ هَذا مِنهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. واخْتُلِفَ في الوَعِيدِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يُخْلِفُهُ، كَما لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى جَوازِ إخْلافِ إيعادِهِ، وقالُوا: خِلافُ الوَعْدِ قَبِيحٌ وإخْلافُ الوَعِيدِ حَسَنٌ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ.
البقرة 2:80
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ. قِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ غَيَّرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَدَّلُوا نَعْتَهُ، فَجَعَلُوهُ آدَمَ سَبْطًا طَوِيلًا، وكانَ في كِتابِهِمْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي هو بِها، فَقالُوا لِأصْحابِهِمْ وأتْباعِهِمُ: انْظُرُوا إلى صِفَةِ هَذا النَّبِيِّ الَّذِي يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ، لَيْسَ يُشْبِهُ نَعْتَ هَذا، وكانَتِ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ يَخافُونَ أنْ يَذْهَبَ مَأْكَلَتُهم بِإبْقاءِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى حالِها، فَلِذَلِكَ غَيَّرُوها. وقِيلَ: خافَ مُلُوكُهم عَلى مُلْكِهِمْ، إذا آمَنَ النّاسُ كُلُّهم، فَجاءُوا إلى أحْبارِ اليَهُودِ فَجَعَلُوا لَهم عَلَيْهِمْ وضائِعَ ومَآكِلَ، وكَشَطُوها مِنَ التَّوْراةِ، وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيٍّ، ولَمْ يَتَّبِعُوا كِتابًا، بَلْ كَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ كِتابًا، وحَلَّلُوا فِيهِ ما اخْتارُوا، وحَرَّمُوا ما اخْتارُوا، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ أبُو مالِكٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَرْحٍ، كاتِبِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ يُغَيِّرُهُ فارْتَدَّ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ويْلٍ عِنْدَ الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ، وذُكِرَ عَنْ عُثْمانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ جَبَلٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ، وذُكِرَ أنَّ أبا سَعِيدٍ رَوى: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، يَهْوِي فِيهِ الهاوِي، وذُكِرَ أنَّ سُفْيانَ وعَطاءَ بْنَ يَسارٍ رَوَيا أنَّهُ وادٍ يَجْرِي بِفِناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ. وحَكى الزَّهْراوِيُّ وجَماعَةٌ: أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. (p-٢٧٧)وقِيلَ: هو صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ. وقِيلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، لَوْ سُجِّرَتْ فِيهِ جِبالُ الدُّنْيا لانْماعَتْ مِن حَرِّهِ، ولَوْ صَحَّ في تَفْسِيرِ الوَيْلِ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقَدْ تَكَلَّمَتِ العَرَبُ في نَظْمِها ونَثْرِها بِلَفْظَةِ الوَيْلِ قَبْلَ أنْ يَجِيءَ القُرْآنُ، ولَمْ تُطْلِقْهُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ التَّفاسِيرِ، وإنَّما مَدْلُولُهُ ما فَسَّرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو نَكِرَةٌ فِيها مَعْنى الدُّعاءِ، فَلِذَلِكَ جازَ الِابْتِداءُ بِها، إذِ الدُّعاءُ أحَدُ المُسَوِّغاتِ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، وهي تُقارِبُ ثَلاثِينَ مُسَوِّغًا، وذَكَرْناها في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا.
والكِتابَةُ مَعْرُوفَةٌ، ويُقالُ: أوَّلُ مَن كَتَبَ بِالقَلَمِ إدْرِيسُ، وقِيلَ: آدَمُ. والكِتابُ هُنا قِيلَ: كَتَبُوا أشْياءَ اخْتَلَقُوها، وأحْكامًا بَدَّلُوها مِنَ التَّوْراةِ حَتّى اسْتَقَرَّ حُكْمُها بَيْنَهم. وقِيلَ: كَتَبُوا في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَثُّوها في سُفَهائِهِمْ، وفي العَرَبِ، وأخْفَوْا تِلْكَ النُّسَخَ الَّتِي كانَتْ عِنْدَهم بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ، وصارَ سُفَهاؤُهم، ومَن يَأْتِيهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، إذا سَألُوهم عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: ما هو هَذا المَوْصُوفَ عِنْدَنا في التَّوْراةِ المُبْدَلَةِ المُغَيَّرَةِ، ويَقْرَءُونَها عَلَيْهِمْ ويَقُولُونَ لَهم: هَذِهِ التَّوْراةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. بِأيْدِيهِمْ: تَأْكِيدٌ يَرْفَعُ تَوَهُّمَ المَجازِ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ يَكْتُبُ، ظاهِرُهُ أنَّهُ يُباشِرُ الكِتابَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ، ويَكُونَ آمِرًا بِذَلِكَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ، وإنَّما المَعْنى: أمَرَ بِالكِتابَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ، وهو الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ في كِتابٍ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . ونَظِيرُ هَذا التَّأْكِيدِ ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] (ويَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ)، وقَوْلُهُ:
؎نَظَرْتَ فَلَمْ تَنْظُرْ بِعَيْنَيْكَ مَنظَرًا
فَهَذِهِ كُلُّها أُتِيَ بِها لِتَأْكِيدِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ، ولِرَفْعِ المَجازِ الَّذِي كانَ يَحْتَمِلُهُ. وفي هَذا التَّأْكِيدِ أيْضًا تَقْبِيحٌ لِفِعْلِهِمْ، إذْ لَمْ يَكْتَفُوا بِأنْ يَأْمُرُوا بِالِاخْتِلاقِ والتَّغْيِيرِ، حَتّى كانُوا هُمُ الَّذِينَ تَعاطَوْا ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، واجْتَرَحُوهُ بِأيْدِيهِمْ. وقالَ ابْنُ السَّرّاحِ: ذِكْرُ الأيْدِي كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُمُ اخْتَلَقُوا ذَلِكَ مِن تِلْقائِهِمْ، ومِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، مِن غَيْرِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ؛ لِأنَّ مُباشَرَةَ الشَّيْءِ بِاليَدِ لا تَقْتَضِي الِاخْتِلاقَ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حالٍ مَحْذُوفَةٍ يَدُلُّ عَلَيْها ما بَعْدَها، التَّقْدِيرُ: يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ مُحَرَّفًا، أوْ نَحْوَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، إذْ لا إنْكارَ عَلى مَن يُباشِرُ الكِتابَ بِيَدِهِ إلّا إذا وضَعَهُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، فَلِذَلِكَ قَدَّرْنا هَذِهِ الحالَ.
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾: أيْ لِأتْباعِهِمُ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما قُرِئَ لَهم، ومَعْمُولُ القَوْلِ هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي هي: ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا﴾، عِلَّةٌ في القَوْلِ، وهي لامُ كَيْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها قَبْلُ. وهي مَكْسُورَةٌ لِأنَّها حَرْفُ جَرٍّ، فَيَتَعَلَّقُ بِـ (يَقُولُونَ) . وقَدْ أبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ، وبَنُو العَنْبَرِ يَفْتَحُونَ لامَ كَيْ، قالَهُ مَكِّيٌّ في إعْرابِ القُرْآنِ لَهُ.
﴿بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، بِهِ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لِيَشْتَرُوا، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، وهو المَكْتُوبُ المُحَرَّفُ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في الِاشْتِراءِ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] . والثَّمَنُ هُنا: هو عَرَضُ الدُّنْيا، أوِ الرِّشا والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم، ووُصِفَ بِالقِلَّةِ لِكَوْنِهِ فانِيًا، أوْ حَرامًا، أوْ حَقِيرًا، أوْ لا يُوازِنُهُ شَيْءٌ لا ثَمَنٌ، ولا مُثَمَّنٌ. وقَدْ جَمَعُوا في هَذا الفِعْلِ أنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا وكَذَبُوا عَلى اللَّهِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ حُبَّ الدُّنْيا. وهَذا الوَعِيدُ مُرَتَّبٌ عَلى كِتابَةِ الكِتابِ المُحَرَّفِ، وعَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. وكِلاهُما مُنْكَرٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما أنْكَرُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ أخْذِ المالِ عَلى الباطِلِ، وإنْ كانَ بِرِضا المُعْطِي.
﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾: كِتابَتُهم مُقَدِّمَةٌ، نَتِيجَتُها كَسْبُ المالِ الحَرامِ، فَلِذَلِكَ كُرِّرَ الوَيْلُ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الوَعِيدَ هو عَلى المَجْمُوعِ فَقَطْ. فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ (p-٢٧٨)مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِالهَلاكِ. وظاهِرُ الكَسْبِ هو ما أخَذُوهُ عَلى تَحْرِيفِهِمُ الكِتابَ مِنَ الحَرامِ، وهو الألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِما يَكْسِبُونَ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ، فَيُحْتاجُ في كِلا القَوْلَيْنِ إلى اخْتِصاصٍ؛ لِأنَّ ما يَكْسِبُونَ عامٌّ، والأوْلى أنْ يُقَيَّدَ بِما ذَكَرْناهُ.
﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهم زَعَمُوا أنَّهم وجَدُوا في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، إلى أنْ يَنْتَهُوا إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، قالُوا: إنَّما نُعَذَّبُ حَتّى نَنْتَهِيَ إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، فَتَذْهَبَ جَهَنَّمَ وتَهْلِكَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اليَهُودُ مِن أهْلِ النّارِ ”قالُوا: نَحْنُ ثُمَّ تَخْلُفُونَنا أنْتُمْ، فَقالَ:“ كَذَبْتُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا لا نَخْلُفُكم» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم يُعَذَّبُونَ سَبْعَةَ أيّامٍ، عَدَدَ أيّامِ الدُّنْيا، سَبْعَةَ آلافٍ لِكُلِّ ألْفٍ يَوْمٌ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ العَذابُ. ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم يُعَذَّبُونَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وقِيلَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ القَسَمِ. وقِيلَ: أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يُنادى: أخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والضَّمِيرُ في: وقالُوا، عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ. جَمَعُوا إلى تَبْدِيلِ كِتابِ اللَّهِ وتَحْرِيفِهِ، وأخْذِهِمْ بِهِ المالَ الحَرامَ، وكَذِبِهِمْ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، الإخْبارَ بِالكَذِبِ البَحْتِ عَنْ مُدَّةِ إقامَتِهِمْ في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المَسَّ هو الإصابَةُ، أيْ لَنْ تُصِيبَنا النّارُ إلّا أيّامًا، اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، أيْ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ أبَدًا إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ العَدَدِ في الأيّامِ بِأنَّها سَبْعَةٌ أوْ أرْبَعُونَ. وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: مَعْدُودَةً، أيْ قَلائِلَ يَحْصُرُها العَدُّ، لِأنَّها مُعَيَّنَةُ العَدِّ في نَفْسِها.
ثُمَّ أخَذَ في رَدِّ هَذِهِ الدَّعْوى والأخْبارِ الكاذِبَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أيْ مِثْلَ هَذا الإخْبارِ، الجَزْمُ لا يَكُونُ إلّا مِمَّنِ اتَّخَذَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا بِذَلِكَ، وأنْتُمْ لَمْ تَتَّخِذُوا بِهِ عَهْدًا، فَهو كَذِبٌ وافْتِراءٌ. وأمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى إنْكارِ ما قالُوهُ. وهَمْزَةُ الوَصْلِ مَنِ اتَّخَذَ انْحَذَفَتْ لِأجْلِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، ومَن سَهَّلَ بِنَقْلِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وحَذْفِها قالَ: قُلَ اتَّخَذْتُمْ، بِفَتْحِ اللّامِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ كانَتْ مَفْتُوحَةً. وعِنْدَ اللَّهِ: ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِاتَّخَذْتُمْ، وهي هُنا تَتَعَدّى لِواحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَيَكُونُ الثّانِي الظَّرْفَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والعَهْدُ هُنا: المِيثاقُ والمَوْعِدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ: هَلْ قُلْتُمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وآمَنتُمْ وأطَعْتُمْ فَتُدَلُّونَ بِذَلِكَ وتَعْلَمُونَ خُرُوجَكم مِنَ النّارِ ؟ فَعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ المَعْنى: هَلْ عاهَدَكُمُ اللَّهُ عَلى هَذا الَّذِي تَدَّعُونَ ؟ وعَلى الثّانِي: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ ؟ .
﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾: هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، كَقَوْلِكَ: أيَقْصِدُنا زَيْدٌ ؟ فَلَنْ نُجِيبَ مِن بِرِّنا. وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في جَوابِ هَذِهِ الأشْياءِ، هَلْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ أيْ يُضَمَّنُ الِاسْتِفْهامُ والتَّمَنِّي والأمْرُ والنَّهْيُ إلى سائِرِ بِاقِيها مَعْنى الشَّرْطِ ؟ أمْ يَكُونُ الشَّرْطُ مَحْذُوفًا بَعْدَها ؟ ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَنْ يُخْلِفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَهُ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، كَأنَّهُ اخْتارَ القَوْلَ الثّانِيَ مِن أنَّ الشَّرْطَ مُقَدَّرٌ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، اعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ، كَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، فَصارَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيْنَ هاتَيْنِ اللَّتَيْنِ وقَعَ بَيْنَهُما التَّعادُلُ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: أيُّ هَذَيْنِ واقِعٌ ؟ أتِّخاذُكُمُ العَهْدَ عِنْدَ اللَّهِ ؟ أمْ قَوْلُكم عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ وأخْرَجَ ذَلِكَ مُخْرَجَ المُتَرَدَّدِ في تَعْيِينِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ وُقُوعَ أحَدِهِما، وهو قَوْلُهم عَلى اللَّهِ ما لا يَعْلَمُونَ، ونَظِيرُهُ: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] . وقَدْ عُلِمَ أيُّهُما عَلى هُدًى، وأيُّهُما هو في ضَلالٍ. وقِيلَ: أمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ فَيَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ؛ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم قَوْلُهم: عَلى اللَّهِ ما لا يَعْلَمُونَ، (p-٢٧٩)فَأنْكَرُوا عَلَيْهِمْ صُدُورَ هَذا مِنهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. واخْتُلِفَ في الوَعِيدِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يُخْلِفُهُ، كَما لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى جَوازِ إخْلافِ إيعادِهِ، وقالُوا: خِلافُ الوَعْدِ قَبِيحٌ وإخْلافُ الوَعِيدِ حَسَنٌ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ.
البقرة 2:81
﴿بَلى﴾: حَرْفُ جَوابٍ يُثْبَتُ بِهِ ما بَعْدَ النَّفْيِ، فَإذا قُلْتُ: ما قامَ زَيْدٌ، فَقُلْتَ: نَعَمْ، كانَ تَصْدِيقًا في نَفْيِ قِيامِ زَيْدٍ. وإذا قُلْتَ: بَلى، كانَ نَقْضًا لِذَلِكَ النَّفْيِ. فَلَمّا قالُوا: (لَنْ تَمَسَّنا النّارُ)، أُجِيبُوا بِقَوْلِهِ: بَلى، ومَعْناها: تَمَسُّكُمُ النّارُ. والمَعْنى عَلى التَّأْبِيدِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِالخُلُودِ.
﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ مَن: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والمُسَوِّغاتُ لِجَوازِ دُخُولِ الفاءِ في الخَبَرِ إذا كانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا مَوْجُودَةٌ هُنا، ويُحَسِّنُهُ المَجِيءُ في قِسْمَيْهِ بِالَّذِينَ، وهو مَوْصُولٌ. والسَّيِّئَةُ: الكُفْرُ والشِّرْكُ، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ. وقِيلَ: المُوجِبَةُ لِلنّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ مَن فَسَّرَ السَّيِّئَةَ بِالكَبائِرِ، لِأنَّها هي الَّتِي تُوجِبُ النّارَ، أيْ يَسْتَحِقُّ فاعِلُها النّارَ إنْ لَمْ تُغْفَرْ لَهُ.
﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ بِالإفْرادِ، ونافِعٌ: خَطِيئاتُهُ جَمْعَ سَلامَةٍ، وبَعْضُ القُرّاءِ: خَطاياهُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ، والمَعْنى أنَّها أخَذَتْهُ مِن جَمِيعِ نَواحِيهِ. ومَعْنى الإحاطَةِ بِهِ أنَّهُ يُوافى عَلى الكُفْرِ والإشْراكِ، هَذا إذا فُسِّرَتِ الخَطِيئَةُ بِالشِّرْكِ. ومَن فَسَّرَها بِالكَبِيرَةِ، فَمَعْنى الإحاطَةِ بِهِ أنْ يَمُوتَ وهو مُصِرٌّ عَلَيْها، فَيَكُونُ الخُلُودُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُرادُ بِهِ الإقامَةُ، لا إلى انْتِهاءٍ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي المُرادُ بِهِ الإقامَةُ دَهْرًا طَوِيلًا، إذْ مَآلُهُ إلى الخُرُوجِ مِنَ النّارِ. قالَ الكَلْبِيُّ: أوْثَقَتْهُ ذُنُوبُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحْبَطَتْ حَسَناتِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: غَشِيَتْ قَلْبَهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: أصَرَّ عَلَيْها. وقالَ الرَّبِيعُ: ماتَ عَلى الشِّرْكِ. قالَ الحَسَنُ: كُلُّ ما تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنّارِ فَهو الخَطِيئَةُ المُحِيطَةُ. ومَن - كَما تَقَدَّمَ - لَها لَفْظٌ ومَعْنًى، فَحَمَلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ، فَقالَ: مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وحَمَلَ ثانِيًا عَلى المَعْنى، وهو قَوْلُهُ: (فَأُولَئِكَ)، إلى آخِرِهِ. وأفْرَدَ سَيِّئَةً لِأنَّهُ كَنّى بِهِ عَنْ مُفْرَدٍ، وهو الشِّرْكُ. ومَن أفْرَدَ الخَطِيئَةَ أرادَ بِها الجِنْسَ ومُقابَلَةَ السَّيِّئَةِ؛ لِأنَّ السَّيِّئَةَ مُفْرَدَةٌ، ومَن جَمَعَها فَلِأنَّ الكَبائِرَ كَثِيرَةٌ، فَراعى المَعْنى وطابَقَ بِهِ اللَّفْظَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ السَّيِّئَةَ والخَطِيئَةَ واحِدَةٌ، وأنَّ الخَطِيئَةَ وصْفٌ لِلسَّيِّئَةِ. وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما فَقالَ: السَّيِّئَةُ الكُفْرُ، والخَطِيئَةُ ما دُونَ الكُفْرِ مِنَ المَعاصِي، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو وائِلٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقِيلَ: إنَّ الخَطِيئَةَ الشِّرْكُ، والسَّيِّئَةُ هُنا ما دُونَ الشِّرْكِ مِنَ المَعاصِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ تِلْكَ، واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ، كَما يُحِيطُ العَدُوُّ، ولَمْ يَتَفَصَّ عَنْها بِالتَّوْبَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا مِن دَسائِسِهِ الَّتِي ضَمَّنَها كِتابَهُ، إذِ اعْتِقادُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ مَن أتى كَبِيرَةً ولَمْ يَتُبْ مِنها، وماتَ، كانَ خالِدًا في النّارِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ الكُفّارُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «أمّا أهْلُ النّارِ الَّذِينَ هم أهْلُها فَلا يَمُوتُونَ ولا يَحْيَوْنَ» . وقَدْ رُتِّبَ كَوْنُهم أصْحابَ النّارِ عَلى وُجُودِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما، كَسْبُ السَّيِّئَةِ، والآخَرُ: إحاطَةُ الخَطِيئَةِ. وما رُتِّبَ عَلى وُجُودِ شَرْطَيْنِ لا يَتَرَتَّبُ عَلى وُجُودِ أحَدِهِما، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكْسِبْ سَيِّئَةً، وهي الشِّرْكُ، وإنْ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وهي الكَبائِرُ، لا يَكُونُ مِن أصْحابِ النّارِ، ولا مِمَّنْ يَخْلُدُ فِيها. ويَعْنِي بِأصْحابِ النّارِ: الَّذِينَ هم أهْلُها حَقِيقَةً، لا مَن دَخَلَها ثُمَّ خَرَجَ مِنها.
البقرة 2:82
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أهْلَ النّارِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الهَلاكِ: أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أهْلِ الإيمانِ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ الخُلُودِ في الجِنانِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومُؤْمِنُو الأُمَمِ قَبْلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وهو ظاهِرُ اللَّفْظِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو خاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ، وقَلَّ ما ذُكِرَ في القُرْآنِ آيَةٌ في الوَعِيدِ، إلّا وذُكِرَتْ آيَةٌ في الوَعْدِ. وفائِدَةُ ذَلِكَ ظُهُورُ عَدْلِهِ تَعالى، (p-٢٨٠)واعْتِدالُ رَجاءِ المُؤْمِنِ وخَوْفِهِ، كَمالُ رَحْمَتِهِ بِوَعْدِهِ وحِكْمَتِهِ بِوَعِيدِهِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ اسْتِبْعادَ طَمَعِ المُؤْمِنِينَ في إيمانِ مَن سَبَقَ مِن آبائِهِ التَّشْرِيفُ بِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ، ثُمَّ مُقابَلَةَ ذَلِكَ بِعَظِيمِ التَّحْرِيفِ، هَذا عَلى عِلْمٍ مِنهم بِقَبِيحِ ما ارْتَكَبُوهُ. وهَؤُلاءِ المَطْمُوعُ في إيمانِهِمْ هم أبْناءُ أُولَئِكَ المُحَرِّفِينَ، فَهم عَلى طَرِيقَةِ آبائِهِمْ في الكُفْرِ، ثُمَّ قَدِ انْطَوَوْا مِن حَيْثُ السَّرِيرَةُ عَلى مُداجاةِ المُؤْمِنِينَ، بِحَيْثُ إذا لَقُوهم أفْهَمُوهم أنَّهم مُؤْمِنُونَ، وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِن إخْبارٍ بِشَيْءٍ مِمّا في كُتُبِهِمْ، وذَلِكَ مَخافَةَ أنْ يَحْتَجَّ المُؤْمِنُونَ عَلَيْهِمْ بِما في كِتابِهِمْ، ثُمَّ أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم، فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ إلّا الِانْقِيادُ إلى كِتابِ اللَّهِ، والإخْبارُ بِما فِيهِ، واتِّباعُ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأمْرِ، بِاتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والإيمانُ بِما يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] .
ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ حالَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ العِلْمِ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِعَلَمِهِمْ، ذَكَرَ أيْضًا مُقَلِّدَتَهم وعَوامَّهم، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ مِنَ الكِتابِ إلّا ألْفاظًا مَسْمُوعَةً، وأنَّ طَرِيقَهم في أُصُولِ دِياناتِهِمْ إنَّما هو حُسْنُ ظَنِّهِمْ بِعُلَمائِهِمُ المُحَرِّفِينَ المُبَدِّلِينَ. ثُمَّ تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعالى بِالهَلاكِ والحَسْرَةِ مَن حَرَّفَ كَلامَ اللَّهِ وادَّعى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِتَحْصِيلِ غَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا تافِهٍ نَزْرٍ لا يَبْقى، فَباعَ باقِيًا بِفانٍ.
ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ عَلى ما فَعَلُوهُ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الكَذِبِ البَحْتِ، بِأنَّ لُبْثَهم في النّارِ ”أيّامًا مَعْدُودَةً“، وأنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ لَيْسَ صادِرًا عَنْ عَهْدٍ اتَّخَذُوهُ عِنْدَ اللَّهِ، بَلْ قَوْلٌ عَلى اللَّهِ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ دَعْواهم تِلْكَ بِقَوْلِهِ: (بَلى)، ثُمَّ قَسَّمَ النّاسَ إلى قِسْمَيْنِ كافِرٍ، وهو صاحِبُ النّارِ، ومُؤْمِنٍ وهو صاحِبُ الجَنَّةِ، وأنَّهُمُ انْدَرَجُوا تَحْتَ قِسْمِ الكافِرِ، لِأنَّهم كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، وأحاطَتْ بِهِمُ الخَطِيئاتُ، وناهِيكَ ما اقْتَصَّ اللَّهُ فِيهِمْ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، وما يَقُصُّ بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الكُفْرِ والمُخالَفاتِ.
البقرة 2:83
﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤] ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] .
الوالِدانِ: الأبُ والأُمُّ، وكُلٌّ مِنهُما يُطْلَقُ عَلَيْهِ والِدٌ، وظاهِرُ الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، قالَ:
؎وذِي ولَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أبَوانِ
ويُقالُ لِلْأُمِّ: والِدٌ ووالِدَةٌ، وقِيلَ: الوالِدُ لِلْأبِ وحْدَهُ، وثُنِّيا تَغْلِيبًا لِلْمُذَكَّرِ. الإحْسانُ: النَّفْعُ بِكُلِّ حَسَنٍ. ذُو: بِمَعْنى صاحِبٍ، وهو مِنَ الأسْماءِ السِّتَّةِ الَّتِي تُرْفَعُ وفِيها الواوُ، وتُنْصَبُ وفِيها الألِفُ، وتُجَرُّ وفِيها الياءُ. وأصْلُها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ذَوْيٌ، ووَزْنُها عِنْدَهُ: فَعْلٌ، وعِنْدَ الخَلِيلِ: ذُوَّةٌ، مِن بابِ خُوَّةٍ، وقُوَّةٍ، ووَزْنُها عِنْدَهُ فُعْلٌ، وهو لازِمُ الإضافَةِ، وتَنْقاسُ إضافَتُهُ إلى اسْمِ جِنْسٍ، وفي إضافَتِهِ إلى مُضْمَرٍ خِلافٌ، وقَدْ يُضافُ إلى العَلَمِ وُجُوبًا إذا اقْتَرَنا وضْعًا، كَقَوْلِهِمْ: ذُو جَدَنٍ، وذُو يَزَنَ، وذُو رُعَيْنٍ، وذُو الكُلاعِ، وإنْ لَمْ يَقْتَرِنا وضْعًا، فَقَدْ يَجُوزُ، كَقَوْلِهِمْ في عَمْرٍو، وقَطَرِيٍّ: ذُو عَمْرٍو، وذُو قَطَرِيٍّ، ويَعْنُونَ بِهِ صاحِبَ هَذا الِاسْمِ. وإضافَتُهُ إلى العَلَمِ في وُجْهَتِهِ مَسْمُوعٌ، وكَذَلِكَ: أنا ذُو بَكَّةَ، واللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى ذَوِيهِ. ومِمّا أُضِيفَ إلى العَلَمِ، وأُرِيدَ بِهِ مَعْنى ذِي مالٍ، ومِمّا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ العَلَمِ، وأُضِيفَ أيْضًا إلى ضَمِيرِ (p-٢٨١)المُخاطَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنّا لَنَرْجُوَ عاجِلًا مِنكَ مِثْلَ ما ∗∗∗ رَجَوْناهُ قِدْمًا مِن ذَوِيكَ الأفاضِلِ
وقَدْ أتَتْ ذُو في لُغَةِ طَيِّءٍ مَوْصُولَةً، ولَها أحْكامٌ في النَّحْوِ. القُرْبى: مَصْدَرٌ كالرُّجْعى، والألِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ، وهي قَرابَةُ الرَّحِمِ والصُّلْبِ، قالَ طَرَفَةُ:
؎وقَرَّبْتُ بِالقُرْبى وجَدِّكَ أنَّهُ ∗∗∗ مَتّى يَكُ أمْرٌ لِلنَّكِيثَةِ أشْهَدِ
وقالَ أيْضًا:
؎وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مَضاضَةً ∗∗∗ عَلى الحُرِّ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
اليَتامى: فَعالى، وهو جَمْعٌ لا يَنْصَرِفُ؛ لِأنَّ الألِفَ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ، ومُفْرَدُهُ: يَتِيمٌ، كَنَدِيمٍ، وهو جَمْعٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وكَذا جَمْعُهُ عَلى أيْتامٍ. وقالَ الأصْمَعِيُّ: اليُتْمُ في بَنِي آدَمَ مِن قِبَلِ الأبِ، وفي غَيْرِهِمْ مِن قِبَلِ الأُمِّ. وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّ اليُتْمَ في بَنِي آدَمَ يُقالُ: مَن فَقَدَ الأُمَّ، والأوَّلُ هو المَعْرُوفُ، وأصْلُهُ الِانْفِرادُ. فَمَعْنى صَبِيٍّ يَتِيمٍ: أيْ مُنْفَرِدٍ عَنْ أبِيهِ، وسُمِّيَتِ الدُّرَّةُ الَّتِي لا مَثِيلَ لَها يَتِيمَةً لِانْفِرادِها، قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقِيلَ: أصْلُ اليُتْمِ: الغَفْلَةُ، وسُمِّيَ الصَّبِيُّ يَتِيمًا لِأنَّهُ يُتَغافَلُ عَنْ بِرِّهِ. وقِيلَ: أصْلُ اليُتْمِ: الإبْطاءُ، ومِنهُ أُخِذَ اليَتِيمُ؛ لِأنَّ البِرَّ يُبْطِئُ عَنْهُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو. المَساكِينُ: جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ، فالمِيمُ زائِدَةٌ، كَمِحْضِيرٍ مِنَ الحَضَرِ. وقَدْ رُوِيَ: تَمَسْكَنَ فُلانٌ، والأصَحُّ في اللُّغَةِ تَسَكَّنَ، أيْ صارَ مِسْكِينًا، وهو مُرادِفٌ لِلْفَقِيرِ، وهو الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ. وقِيلَ: هو الَّذِي لَهُ أدْنى شَيْءٍ. الحَسَنُ والحُسْنُ، قِيلَ: هُما لُغَتانِ: كالبُخْلِ والبَخَلِ. والحُسْنُ: مَصْدَرُ حَسُنَ، كالقُبْحِ مَصْدَرِ قَبُحَ، مُقابِلُ حَسُنَ. القَلِيلُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن قَلَّ، كَما أنَّ كَثِيرًا مُقابِلُهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن كَثُرَ. يُقالُ؛ قَلَّ يَقِلُّ قِلَّةً وقَلًّا وقُلًّا، الإعْراضُ: التَّوَلِّي، وقِيلَ: التَّوَلِّي بِالجِسْمِ، والإعْراضُ بِالقَلْبِ. والعَرْضُ: النّاحِيَةُ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُكَ: أعْرَضَ زَيْدٌ عَنْ عَمْرٍو، أيْ صارَ في ناحِيَةٍ مِنهُ، فَتَكُونُ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلصَّيْرُورَةِ. الدَّمُ: مَعْرُوفٌ، وهو مَحْذُوفُ اللّامِ، وهي ياءٌ، لِقَوْلِهِ:
؎جَرى الدَّمَيانِ بِالخَيْرِ اليَقِينِ
أوْ: واوٌ، لِقَوْلِهِمْ: دَمَوانِ، ووَزْنُهُ فَعْلٌ. وقِيلَ: فِعْلٌ، وقَدْ سُمِعَ مَقْصُورًا، قالَ:
؎غَفَلَتْ ثُمَّ أتَتْ تَطْلُبُهُ ∗∗∗ فَإذا هي بِعِظامٍ ودِما
وقالَ:
؎ولَكِنْ عَلى أعْقابِنا يَقْطُرُ الدِّما
فِي رِوايَةِ مَن رَواهُ كَذَلِكَ، وقَدْ سُمِعَ مُشَدَّدَ المِيمِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أهانَ دَمَّكَ فَرْغًا بَعْدَ عِزَّتِهِ ∗∗∗ يا عَمْرُو نَعْيُكَ إصْرارًا عَلى الحَسَدِ
الدِّيارُ: جَمْعُ دارٍ، وهو قِياسٌ في فِعْلِ الِاسْمِ، إذا لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، ولا مُعْتَلَّ لامٍ نَحْوَ طَلَلٍ، وفَتًى. والياءُ في هَذا الجَمْعِ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، إذْ أصْلُهُ دُوارٌ، وهو قِياسٌ، أعْنِي هَذا الإبْدالَ إذا كانَ جَمْعًا واحِدًا مُعْتَلَّ العَيْنِ، كَثَوْبٍ وحَوْضٍ ودارٍ، بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ فِعالًا صَحِيحَ اللّامِ. فَإنْ كانَ مُعْتَلَّهُ، لَمْ يُبْدَلْ نَحْوُ: رَوا، وقالُوا: في جَمْعِ طَوِيلٍ: طُوالٌ وطِيالٌ. أقَرَّ بِالشَّيْءِ: اعْتَرَفَ بِهِ. تَظاهَرُونَ: تَتَعاوَنُونَ، كَأنَّ المُتَظاهِرِينَ يُسْنِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ظَهْرَهُ إلى صاحِبِهِ، والظَّهْرُ: المُعِينُ. الإثْمُ: الذَّنْبُ، جَمْعُهُ آثامٌ. الأسْرى: جَمْعُ أسِيرٍ، وفَعْلى مَقِيسٌ في فَعِيلٍ، بِمَعْنى مَماتٍ، أوْ مُوجَعٍ، كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ. وأمّا الأُسارى فَقِيلَ: جَمْعُ أسِيرٍ، وسُمِعَ الأسارى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ولَيْسَتْ بِالعالِيَةِ. وقِيلَ: أسارى جَمْعُ أسْرى، فَيَكُونُ جَمْعَ الجَمْعِ، قالَهُ المُفَضَّلُ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الأسْرى: مَن في اليَدِ، والأُسارى: مَن في الوِثاقِ، والأسِيرُ: هو المَأْخُوذُ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والغَلَبَةِ. الفِداءُ: يُكْسَرُ أوَّلُهُ فَيُمَدُّ، كَما قالَ النّابِغَةُ:
؎مَهْلًا فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهُمُ ∗∗∗ وما أثَمَّرُ مِن مالٍ ومِن ولَدِ
ويُقْصَرُ، قالَ:
؎فِدًا لَكَ مِن رَبٍّ طَرِيفِي وتالِدِي
وإذا فُتِحَ أوَّلُهُ قُصِرَ، يُقالُ: قُمْ فَدًا لَكَ أبِي، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ. ومَعْنى فَدى فُلانٌ فُلانًا: أيْ أعْطى عِوَضَهُ. المُحَرَّمُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن حَرَّمَ، وهو راجِعٌ إلى (p-٢٨٢)مَعْنى المَنعِ. تَقُولُ: حَرَمَهُ يَحْرِمُهُ، إذا مَنَعَهُ. الجَزاءُ: المُقابَلَةُ، ويُطْلَقُ في الخَيْرِ والشَّرِّ. الخِزْيُ: الهَوانُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: خَزِيَ، بِالكَسْرِ، يَخْزى خِزْيًا. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: مَعْنى خَزِيَ: وقَعَ في بَلِيَّةٍ، وأخْزاهُ اللَّهُ أيْضًا، وخَزى الرَّجُلُ في نَفْسِهِ يَخْزى خَزايَةً، إذا اسْتَحْيا، وهو خَزْيانُ، وقَوُمٌ خَزايا، أوِ امْرَأةٌ خَزْيا. الدُّنْيا: تَأْنِيثُ الأدْنى، ويَرْجِعُ إلى الدُّنُوِّ، بِمَعْنى القُرْبِ. والألِفُ فِيهِ لِلتَّأْنِيثِ، ولا تُحْذَفُ مِنها الألِفُ واللّامُ إلّا في شِعْرٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎فِي سَعْيِ دُنْيا طالَما قَدْ مُدَّتْ
والدُّنْيا تارَةً تُسْتَعْمَلُ صِفَةً، وتارَةً تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَإذا كانَتْ صِفَةً، فالياءُ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ، إذْ هي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الدُّنُوِّ، وذَلِكَ نَحْوُ: العُلْيا. ولِذَلِكَ جَرَتْ صِفَةً عَلى الحَياةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ [يونس: ٢٤]، فَأمّا القُصْوى والحَلْوى فَشاذٌّ. وإذا اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَكَذَلِكَ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ السَّرّاجِ: في المَقْصُورِ والمَمْدُودِ لَهُ: الدُّنْيا مُؤَنَّثَةٌ مَقْصُورَةٌ، تُكْتَبُ بِالألِفِ هَذِهِ لُغَةُ نَجْدٍ وتَمِيمٍ خاصَّةً، إلّا أنَّ أهْلَ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ يُلْحِقُونَها ونَظائِرَها بِالمَصادِرِ ذَواتِ الواوِ، فَيَقُولُونَ: دُنْوى، مِثْلَ: شَرْوى، وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِكُلِّ فُعْلى مَوْضِعُ لامِها واوٌ، يَفْتَحُونَ أوَّلَها ويَقْلِبُونَ الواوَ ياءً، لِأنَّهم يَسْتَثْقِلُونَ الضَّمَّةَ والواوَ.
﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ الآيَةَ، هَذِهِ الآيَةُ مُناسِبَةٌ لِلْآياتِ الوارِدَةِ قَبْلَها في ذِكْرِ تَوْبِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَقْرِيعِهِمْ، وتَبْيِينِ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِن مِيثاقِ العِبادَةِ لِلَّهِ، وإفْرادِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، وما أمَرَهم بِهِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، مِن صِلَةِ الأرْحامِ والإحْسانِ إلى المَساكِينِ، والمُواظِبَةِ عَلى رُكْنَيِ الإسْلامِ البَدَنِيِّ والمالِيِّ. ثُمَّ ذِكْرِ تَوَلِّيهِمْ عَنْ ذَلِكَ، ونَقْضِهِمْ لِذَلِكَ المِيثاقِ، عَلى عادَتِهِمُ السّابِقَةِ وطَرِيقَتِهِمُ المَأْلُوفَةِ لَهم. وإذْ: مَعْطُوفٌ عَلى الظُّرُوفِ السّابِقَةِ قَبْلَ هَذا. والمِيثاقُ: هو الَّذِي أخَذَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وهم في صُلْبِ آبائِهِمْ كالذَّرِّ، قالَهُ مَكِّيٌّ، وضُعِّفَ بِأنَّ الخِطابَ قَدْ خُصِّصَ بِ بَنِي إسْرائِيلَ، ومِيثاقُ الآيَةِ فِيهِمْ، أوْ مِيثاقٌ أُخِذَ عَلَيْهِمْ وهم عُقَلاءُ في حَياتِهِمْ عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وغَيْرِهِ مِن أنْبِيائِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: هو مِيثاقٌ أُخِذَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، بِأنْ يَعْبُدُوهُ، إلى آخِرِ الآياتِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: لا يَعْبُدُونَ، بِالياءِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالتّاءِ مِن فَوْقُ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ: لا يَعْبُدُوا، عَلى النَّهْيِ. فَأمّا لا يَعْبُدُونَ فَذَكَرُوا في إعْرابِهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ جُمْلَةٌ مَنفِيَّةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ غَيْرَ عابِدِينَ إلّا اللَّهَ أيْ مُوَحِّدِينَ اللَّهَ ومُفْرِدِيهِ بِالعِبادَةِ، وهو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وهو لا يَجُوزُ عَلى الصَّحِيحِ. لا يُقالُ إنَّ المُضافَ إلَيْهِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا في المَعْنى لِمِيثاقٍ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أوْ حُكْمُهُ حُكْمَ المَصْدَرِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، جازَ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ بَعْدَهُ فاعِلًا في المَعْنى، أوْ مَفْعُولًا؛ لِأنَّ الَّذِي يُقَدِّرُ فِيهِ العَمَلَ هو ما انْحَلَّ إلى حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلُ، وهُنا لَيْسَ المَعْنى عَلى أنْ يَنْحَلَّ، لِذَلِكَ فَلا يَجُوزُ الحُكْمُ عَلى مَوْضِعِهِ بِرَفْعٍ ولا نَصْبٍ، لِأنَّكَ لَوْ قَدَّرْتَ أخَذْنا أنْ نُواثِقَ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ أنْ يُواثِقَنا بَنُو إسْرائِيلَ، لَمْ يَصِحَّ، بَلْ لَوْ فَرَضْنا كَوْنَهُ مَصْدَرًا حَقِيقَةً: لَمْ يَجُزْ فِيهِ ذَلِكَ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: أخَذْتُ عِلْمَ زَيْدٍ، لَمْ يَنْحَلَّ لِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ: لا يُقالُ: أخَذْتُ أنْ يَعْلَمَ زَيْدٌ. فَإذا لَمْ يَتَقَدَّرِ المَصْدَرُ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، ولا كانَ مِن: ضَرْبًا زَيْدًا، لَمْ يَعْمَلْ عَلى خِلافٍ في هَذا الأخِيرِ، ولِذَلِكَ مَنَعَ ابْنُ الطَّراوَةِ في تَرْجَمَةِ سِيبَوَيْهِ ”هَذا بابُ عِلْمِ ما الكَلِمُ مِنَ العَرَبِيَّةِ“، أنْ يَتَقَدَّرَ المَصْدَرُ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، ورُدَّ ذَلِكَ عَلى مَن أجازَهُ. ومِمَّنْ أجازَهُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا المُبَرِّدُ وقُطْرُبٌ، قالُوا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقارَنَةً، وحالًا مُقَدَّرَةً. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابًا لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيِ اسْتَحْلَفْناهم واللَّهِ لا يَعْبُدُونَ، ونُسِبَ هَذا الوَجْهُ إلى سِيبَوَيْهِ، وأجازَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والمُبَرِّدُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ أنْ مَحْذُوفَةً، وتَكُونَ أنْ وما بَعْدَها مَحْمُولًا عَلى إضْمارِ حَرْفِ جَرٍّ، التَّقْدِيرُ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ (p-٢٨٣)فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، إذْ حَذْفُهُ مَعَ أنَّ وأنْ جائِزٌ مُطَّرِدٌ، إذْ لَمْ يُلْبِسْ، ثُمَّ حَذَفَ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ، فارْتَفَعَ الفِعْلُ، فَصارَ لا تَعْبُدُونَ، قالَهُ الأخْفَشُ، ونَظِيرُهُ مِن نَثْرِ العَرَبِ: مُرْهُ بِحَفْرِها، ومِن نَظْمِها قَوْلُهُ:
؎ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحَضُرَ الوَغى
أصْلُهُ: مُرْهُ بِأنْ يَحْفِرَها. وعَنْ أنْ أحْضُرَ الوَغى، فَجَرى فِيهِ مِنَ العَمَلِ ما ذَكَرْناهُ. وهَذا النَّوْعُ مِن إضْمارِ أنْ في مِثْلِ هَذا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن مَنَعَهُ، وعَلى ذَلِكَ مُتَأخِّرُو أصْحابِنا. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُها في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: يَجِبُ رَفْعُ الفِعْلِ إذْ ذاكَ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ. ومِنهم مَن قالَ بِنَفْيِ العَمَلِ، وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ والكُوفِيِّينَ. والصَّحِيحُ: قَصْرُ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ عَلى السَّماعِ، وما كانَ هَكَذا فَلا يَنْبَغِي أنْ تُخَرَّجَ الآيَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ، وإبْقاءَ صِلَتِهِ في غَيْرِ المَواضِعِ المُنْقاسِ ذَلِكَ فِيها. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنْ لا تَعْبُدُوا، فَحُذِفَ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ، ويَكُونَ ذَلِكَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . وفي هَذا الوَجْهِ ما في الَّذِي قَبْلَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ اقْتِياسِ ذَلِكَ، أعْنِي حَذْفَ أنْ ورَفْعَ الفِعْلِ ونَصْبَهُ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ تَكُونَ مَحْكِيَّةً بِحالٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ قائِلِينَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، ويَكُونَ إذْ ذاكَ لَفْظُهُ لَفْظَ الخَبَرِ، ومَعْناهُ النَّهْيَ، أيْ قائِلِينَ لَهم لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، قالَهُ الفَرّاءُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والعَطْفُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ .
الوَجْهُ السّادِسُ: أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ القَوْلَ، أيْ وقُلْنا لَهم: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾، وهو نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ أيْضًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَما يَقُولُ تَذْهَبُ إلى فُلانٍ، تَقُولُ لَهُ كَذا، تُرِيدُ الأمْرَ، وهو أبْلَغُ مِن صَرِيحِ الأمْرِ والنَّهْيِ؛ لِأنَّهُ كانَ سُورِعَ إلى الِامْتِثالِ والِانْتِهاءِ، فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ.
الوَجْهُ السّابِعُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنْ لا تَعْبُدُونَ، وتَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَعْنى القَوْلِ، فَحَذَفَ أنِ المُفَسِّرَةَ وأبْقى المُفَسَّرَ. وفي جَوازِ حَذْفِ أنِ المُفَسِّرَةِ نَظَرٌ.
الوَجْهُ الثّامِنُ: أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةً، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أخَذَ مِيثاقَبَنِي إسْرائِيلَ، كانَ في ذَلِكَ إبْهامٌ لِلْمِيثاقِ ما هو، فَأتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُفَسِّرَةً لِلْمِيثاقِ، فَمَن قَرَأ بِالياءِ، فَلِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَفْظُ غَيْبَةٍ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَهو التِفاتٌ، وحِكْمَتُهُ الإقْبالُ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ، لِيَكُونَ أدْعى لِلْقَبُولِ، وأقْرَبَ لِلِامْتِثالِ، إذْ فِيهِ الإقْبالُ مِنَ اللَّهِ عَلى المُخاطَبِ بِالخِطابِ. ومَعَ جَعْلِ الجُمْلَةَ مُفَسَّرَةً، لا تَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ نَفْيٌ أُرِيدَ بِهِ نَهْيٌ، إذْ تَبْعُدُ حَقِيقَةُ الخَبَرِ فِيهِ.
إلّا اللَّهَ: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ؛ لِأنَّ لا تَعْبُدُونَ لَمْ يَأْخُذْ مَفْعُولَهُ، وفِيهِ التِفاتٌ. إذْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ. ألا تَرى أنَّهُ لَوْ جَرى عَلى نَسَقٍ واحِدٍ لَكانَ نَظْمُ الكَلامِ لا تَعْبُدُونَ إلّا إيّانا ؟ لَكِنْ في العُدُولِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى سائِرِ الصِّفاتِ والتَّفَرُّدِ بِالتَّسْمِيَةِ بِهِ ما لَيْسَ في المُضْمَرِ، ولِأنَّ ما جاءَ بَعْدَهُ مِنَ الأسْماءِ، إنَّما هي أسْماءٌ ظاهِرَةٌ، فَناسَبَ مُجاوَرَةُ الظّاهِرِ الظّاهِرَ.
﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، المَعْنى: الأمْرُ بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ وبِرِّهِما وإكْرامِهِما. وقَدْ تَضَمَّنَتْ آيٌ مِنَ القُرْآنِ وأحادِيثُ كَثِيرَةٌ ذَلِكَ، حَتّى عُدَّ العُقُوقُ مِنَ الكَبائِرِ، وناهِيكَ احْتِفالًا بِهِما كَوْنُ اللَّهِ قَرَنَ ذَلِكَ بِعِبادَتِهِ تَعالى، ومِن غَرِيبِ الحِكاياتِ: أنَّ عُمَرَ رَأى امْرَأةً تَطُوفُ بِأبِيها عَلى ظَهْرِها، وقَدْ جاءَتْ بِهِ عَلى ظَهْرِها مِنَ اليَمَنِ، فَقالَ لَها: جَزاكِ اللَّهُ خَيْرًا، لَقَدْ وفَيْتِ بِحَقِّهِ، فَقالَتْ: ما وفَّيْتُهُ ولا أنْصَفْتُهُ؛ لِأنَّهُ كانَ يَحْمِلُنِي ويَوَدُّ حَياتِي، وأنا أحْمِلُهُ وأوَدُّ مَوْتَهُ. واخْتَلَفُوا فِيما تَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾، وفي انْتِصابِ إحْسانًا عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى لا تَعْبُدُونَ، أعْنِي عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِنَ الحَرْفِ المَصْدَرِيِّ والفِعْلِ، إذِ التَّقْدِيرُ عِنْدَ هَذا القائِلِ بِإفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ وبِالوالِدَيْنِ، أيْ وبِبِرِّ الوالِدَيْنِ، أوْ بِإحْسانٍ إلى الوالِدَيْنِ، ويَكُونُ انْتِصابُ إحْسانًا عَلى المَصْدَرِ مِن ذَلِكَ المُضافِ المَحْذُوفِ، فالعامِلُ فِيهِ المِيثاقُ؛ لِأنَّهُ بِهِ يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ، ورَوائِحُ الأفْعالِ تَعْمَلُ في الظُّرُوفِ والمَجْرُوراتِ. الوَجْهُ الثّانِي: (p-٢٨٤)أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِإحْسانًا، ويَكُونَ إحْسانًا مَصْدَرًا مَوْضُوعًا مَوْضِعَ فِعْلِ الأمْرِ، كَأنَّهُ قالَ: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ. قالُوا: والباءُ تُرادِفُ إلى في هَذا الفِعْلِ، تَقُولُ: أحْسَنْتُ بِهِ وإلَيْهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ تَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وأحْسِنُوا بِبِرِّ الوالِدَيْنِ، المَعْنى: وأحْسِنُوا إلى الوالِدَيْنِ بِبِرِّهِما. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ مَلْفُوظًا بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُعْتَرَضُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ المَصْدَرَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ما هو مَعْمُولٌ لَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الِاعْتِراضُ إنَّما يَتِمُّ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ في مَنعِهِ تَقْدِيمَ مَفْعُولٍ نَحْوَ: ضَرْبًا زَيْدًا، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ المَنعُ إلّا إذا كانَ المَصْدَرُ مَوْصُولًا بِأنْ يَنْحَلَّ لِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلِ، أمّا إذا كانَ غَيْرَ مَوْصُولٍ، فَلا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ. فَجائِزٌ أنْ تَقُولَ: ضَرْبًا زَيْدًا، وزَيْدًا ضَرْبًا، سَواءٌ كانَ العَمَلُ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ العامِلِ في المَصْدَرِ، أوْ لِلْمَصْدَرِ النّائِبِ عَنِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ هو أمْرٌ، والمَصْدَرَ النّائِبَ عَنْهُ أيْضًا مَعْناهُ الأمْرُ. فَعَلى اخْتِلافِ المَذْهَبَيْنِ في العامِلِ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ العامِلُ مَحْذُوفًا، ويُقَدَّرُ: وأحْسِنُوا، أوْ ويُحْسِنُونَ بِالوالِدَيْنِ، ويَنْتَصِبُ إحْسانًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، فَتَقْدِيرُهُ: وأحْسِنُوا، مُراعاةً لِلْمَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى لا تَعْبُدُونَ: لا تَعْبُدُوا، أوْ تَقْدِيرُهُ؛ ويُحْسِنُونَ، مُراعاةً لِلَفْظِ لا تَعْبُدُونَ، وإنْ كانَ مَعْناهُ الأمْرَ. وبِهَذَيْنِ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا المَحْذُوفَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ العامِلُ مَحْذُوفًا، وتَقْدِيرُهُ: واسْتَوْصُوا بِالوالِدَيْنِ، ويَنْتَصِبَ إحْسانًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ، قالَهُ الَمَهْدَوِيُّ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ العامِلُ مَحْذُوفًا، وتَقْدِيرُهُ: ووَصَّيْناهم بِالوالِدَيْنِ، ويَنْتَصِبَ إحْسانًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ ووَصَّيْناهم بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا مِنّا، أيْ لِأجْلِ إحْسانِنا، أيْ أنَّ التَّوْصِيَةَ بِهِما سَبَبُها إحْسانُنا، إمّا لِأنَّ مِن شَأْنِنا الإحْسانَ، أوْ إحْسانًا مِنّا لِلْمُوصَيْنَ، إذْ يَتَرَتَّبُ لَهم عَلى امْتِثالِ ذَلِكَ الثَّوابُ الجَزِيلُ والأجْرُ العَظِيمُ، أوْ إحْسانًا مِنّا لِلْمُوصى بِهِمْ. وقَدْ جاءَ هَذا الفِعْلُ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] . والمُخْتارُ، الوَجْهُ الثّانِي: لِعَدَمِ الإضْمارِ فِيهِ، ولِاطِّرادِ مَجِيءِ المَصْدَرِ في مَعْنى فَعَلِ الأمْرِ.
﴿وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: وبِالوالِدَيْنِ. وكانَ تَقْدِيمُ الوالِدَيْنِ لِأنَّهُما آكَدُ في البِرِّ والإحْسانِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى العامِلِ اعْتِناءً بِمُتَعَلِّقِ الحَرْفِ، وهُما الوالِدانِ، واهْتِمامًا بِأمْرِهِما. وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ اعْتِناءً بِالأوْكَدِ. فَبَدَأ بِالوالِدَيْنِ، إذْ لا يَخْفى تَقَدُّمُهُما عَلى كُلِّ أحَدٍ في الإحْسانِ إلَيْهِما، ثُمَّ بِذِي القُرْبى؛ لِأنَّ صِلَةَ الأرْحامِ مُؤَكَّدَةٌ أيْضًا، ولِمُشارَكَتِهِ الوالِدَيْنِ في القَرابَةِ، ثُمَّ بِاليَتامى، لِأنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم تامَّةٌ عَلى الِاكْتِسابِ، وقَدْ جاءَ: ”أنا وكافِلُ اليَتِيمِ كَهاتَيْنِ في الجَنَّةِ“ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ، ثُمَّ بِالمَساكِينِ لِما في الإحْسانِ إلَيْهِمْ مِنَ الثَّوابِ. وتَأخَّرَتْ دَرَجَةُ المَساكِينِ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُهُ أنْ يَتَعَهَّدَ نَفْسَهُ بِالِاسْتِخْدامِ، ويُصْلِحَ مَعِيشَتَهُ، بِخِلافِ اليَتامى، فَإنَّهم لِصِغَرِهِمْ لا يُنْتَفَعُ بِهِمْ، وهم مُحْتاجُونَ إلى مَن يَنْفَعُهم. وأوَّلُ هَذِهِ التَّكالِيفِ هو إفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ، ثُمَّ الإحْسانُ إلى الوالِدَيْنِ، ثُمَّ إلى ذِي القُرْبى، ثُمَّ إلى اليَتامى، ثُمَّ إلى المَساكِينِ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ تَكالِيفَ تَجْمَعُ عِبادَةَ اللَّهِ، والحَضَّ عَلى الإحْسانِ لِلْوالِدَيْنِ، والمُواساةَ لِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ، وأفْرَدَ ذا القُرْبى؛ لِأنَّهُ أرادَ بِهِ الجِنْسَ، ولِأنَّ إضافَتَهُ إلى المَصْدَرِ يَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ ذِي قَرابَةٍ.
﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾: لَمّا ذَكَرَ بَعْدَ عِبادَةِ اللَّهِ الإحْسانَ لِمَن ذَكَرَ، وكانَ أكْثَرُ المَطْلُوبِ فِيهِ الفِعْلُ مِنَ الصِّلَةِ والإطْعامِ والِافْتِقادِ، أعْقَبَ بِالقَوْلِ الحَسَنِ، لِيَجْمَعَ المَأْخُوذُ عَلَيْهِ المِيثاقُ امْتِثالَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى في الأفْعالِ والأقْوالِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ . ولَمّا كانَ القَوْلُ سَهْلَ المَرامِ، إذْ هو بَدَلُ لَفْظٍ لا مالٍ، كانَ مُتَعَلِّقُهُ بِالنّاسِ عُمُومًا إذْ لا ضَرَرَ عَلى الإنْسانِ في الإحْسانِ إلى النّاسِ بِالقَوْلِ الطَّيِّبِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: حَسَنًا بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: (p-٢٨٥)حُسُنًا بِضَمِّهِما. وقَرَأ أُبَيٌّ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: حُسْنى، عَلى وزْنِ فُعْلى. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: إحْسانًا. فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ حُسْنًا، فَظاهِرُهُ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وأنَّهُ كانَ في الأصْلِ قَوْلًا حَسَنًا، إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ذا حُسْنٍ، وإمّا عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِإفْراطِ حُسْنِهِ، وقِيلَ: يَكُونُ أيْضًا صِفَةً، لا أنَّ أصْلَهُ مَصْدَرٌ، بَلْ يَكُونُ كالحُلْوِ والمُرِّ، فَيَكُونُ الحُسْنُ والحَسَنُ لُغَتَيْنِ، كالحُزْنِ والحَزَنِ، والعُرْبِ والعَرَبِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ مِنَ المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: ولْيَحْسُنْ قَوْلُكم حُسْنًا. وأمّا مَن قَرَأ: حَسَنًا بِفَتْحَتَيْنِ، فَهو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ وقُولُوا لِلنّاسِ قَوْلًا حَسَنًا. وأمّا مَن قَرَأ بِضَمَّتَيْنِ، فَضَمَّةُ السِّينِ إتِّباعٌ لِضَمَّةِ الحاءِ. وأمّا مَن قَرَأ: حُسْنى، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَدَّهُ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّ أفْعَلَ وفُعْلى لا يَجِيءُ إلّا مَعْرِفَةً، إلّا أنْ يُزالَ عَنْها مَعْنى التَّفْضِيلِ ويَبْقى مَصْدَرًا، كالعُقْبى، فَذَلِكَ جائِزٌ، وهو وجْهُ القِراءَةِ بِها. انْتَهى كَلامُهُ. وفي كَلامِهِ ارْتِباكٌ؛ لِأنَّهُ قالَ: لِأنَّ أفْعَلَ وفُعْلى لا يَجِيءُ إلّا مَعْرِفَةً، ولَيْسَ عَلى ما ذَكَرَ. أمّا أفْعَلُ فَلَهُ اسْتِعْمالاتٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِمِن ظاهِرَةً، أوْ مُقَدَّرَةً، أوْ مُضافًا إلى نَكِرَةٍ، فَهَذا لا يَتَعَرَّفُ بِحالٍ، بَلْ يَبْقى نَكِرَةً. والِاسْتِعْمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ بِالألِفِ واللّامِ، فَإذْ ذاكَ يَكُونُ مَعْرِفَةً بِهِما. الثّالِثُ: أنْ يُضافَ إلى مَعْرِفَةٍ، وفي التَّعْرِيفِ بِتِلْكَ الإضافَةِ خِلافٌ، وذَلِكَ نَحْوُ: أفْضَلُ القَوْمِ. وأمّا فُعْلى فَلَها اسْتِعْمالانِ: أحَدُهُما: بِالألِفِ واللّامِ، ويَكُونُ مَعْرِفَةً بِهِما. والثّانِي: بِالإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ نَحْوُ: فُضْلى النِّساءِ. وفي التَّعْرِيفِ بِهَذِهِ الإضافَةِ الخِلافُ الَّذِي في أفْعَلَ، فَقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: لِأنَّ أفْعَلُ وفُعْلى لا يَجِيءُ إلّا مَعْرِفَةً، لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وقَوْلُهُ: إلّا أنْ يُزالَ عَنْها مَعْنى التَّفْضِيلِ، ويَبْقى مَصْدَرًا، فَيَكُونَ فُعْلى الَّذِي هو مُؤَنَّثُ أفْعَلُ، إذا أزَلْتَ مِنهُ مَعْنى التَّفْضِيلِ يَبْقى مَصْدَرًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لا يَنْقاسُ مَجِيءُ فُعْلى مَصْدَرًا إنَّما جاءَتْ مِنهُ ألْفاظٌ يَسِيرَةٌ. فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْتَقَدَ في فُعْلى، الَّتِي مُذَكَّرُها أفْعَلُ، أنَّها تَصِيرُ مَصْدَرًا إذا زالَ مِنها مَعْنى التَّفْضِيلِ. ألا تَرى أنَّ كُبْرى وصُغْرى وجُلّى وفُضْلى، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، لا يَنْقاسُ جَعْلُ شَيْءٍ مِنها مَصْدَرًا بَعْدَ إزالَةِ مَعْنى التَّفْضِيلِ ؟ (p-٢٨٦)بَلِ الَّذِي يَنْقاسُ عَلى رَأْيٍ أنَّكَ إذا أزَلْتَ مِنها مَعْنى التَّفْضِيلِ صارَتْ بِمَعْنى كَبِيرَةٍ وصَغِيرَةٍ وجَلِيلَةٍ وفاضِلَةٍ. كَما أنَّكَ إذا أزَلْتَ مِن مُذَكَّرِها مَعْنى التَّفْضِيلِ، كانَ أكْبَرُ بِمَعْنى كَبِيرٍ، وأفْضَلُ بِمَعْنى فاضِلٍ، وأطْوَلُ بِمَعْنى طَوِيلٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في عَنْها عائِدًا إلى حُسْنى، لا إلى فُعْلى، ويَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ يُزالَ عَنْ حُسْنى، وهي اللَّفْظَةُ الَّتِي قَرَأها أُبَيٌّ وطَلْحَةُ، مَعْنى التَّفْضِيلِ، ويَبْقى مَصْدَرًا، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ إلّا إنْ كانَتْ مَصْدَرًا، كالعُقْبى. ومَعْنى قَوْلِهِ: وهو وجْهُ القِراءَةِ بِها، أيْ والمَصْدَرُ وجْهُ القِراءَةِ بِها. وتَخْرِيجُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: المَصْدَرُ، كالبُشْرى، ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: حَسُنَ حُسْنى، كَما تَقُولُ: رَجَعَ رُجْعى، وبَشَّرَ بُشْرى، إذْ مَجِيءُ فُعْلى كَما ذَكَرْنا مَصْدَرًا يَنْقاسُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ وقُولُوا لِلنّاسِ كَلِمَةً حُسْنى، أوْ مَقالَةً حُسْنى. وفي الوَصْفِ بِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ باقِيَةً عَلى أنَّها لِلتَّفْضِيلِ، واسْتِعْمالُها بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ ولا إضافَةٍ لِمَعْرِفَةٍ نادِرٌ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في الشِّعْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنْ دَعَوْتَ إلى جُلًى ومُكَرُمَةٍ ∗∗∗ يَوْمًا كِرامَ سَراةِ النّاسِ فادْعِينا
فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ مِن هَذا لِأنَّها قِراءَةٌ شاذَّةٌ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، فَيَكُونَ مَعْنى حُسْنى حَسَنَةٌ، أيْ وقُولُوا لِلنّاسِ مَقالَةً حَسَنَةً، كَما خَرَّجُوا يُوسُفَ أحْسَنَ إخْوَتِهِ في مَعْنى: حَسَنُ إخْوَتِهِ. وأمّا مَن قَرَأ: إحْسانًا فَيَكُونُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قَوْلًا إحْسانًا، وإحْسانًا مَصْدَرٌ مِن أحْسَنَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلصَّيْرُورَةِ، أيْ قَوْلًا ذا حُسْنٍ، كَما تَقُولُ: أعْشَبَتِ الأرْضُ إعْشابًا، أيْ صارَتْ ذاتَ عُشْبٍ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُولُوا لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومُرُوهم بِها. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُولُوا لَهم حُسْنًا في الإعْلامِ بِما في كِتابِكم مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ أبُو العالِيَةِ: قُولُوا لَهُمُ القَوْلَ الطَّيِّبَ، وجاوِبُوهم بِأحْسَنِ ما تُحِبُّونَ أنْ تُجاوَبُوا بِهِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: مُرُوهم بِالمَعْرُوفِ، وانْهُوهم عَنِ المُنْكَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا صَدِّقا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . واخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ: وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا، مَن هو ؟ .
فالظّاهِرُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ: أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وأنْ تَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا. وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: لا يَعْبُدُونَ بِالياءِ، يَكُونُ التِفاتًا، إذْ خَرَجَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ. وقِيلَ: المُخاطَبُ الأُمَّةُ، والأوَّلُ أقْرَبُ لِتَكُونَ القِصَّةُ واحِدَةً مُشْتَمِلَةً عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولِتُناسِبَ الخِطابَ الَّذِي بَعْدَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، إلى آخِرِ الآياتِ فَإنَّهُ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في بَنِي إسْرائِيلَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإحْسانَ لِلْوالِدَيْنِ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ، والقَوْلُ الحَسَنُ لِلنّاسِ، كانَ واجِبًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في دِينِهِمْ؛ لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، وكَذا ظاهِرُ الأمْرِ، وكَأنَّهُ ذَمَّهم عَلى التَّوَلِّي عَنْ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وهَذا لا يَتَأتّى إلّا إذا قُلْنا: إنَّ المُخاطَبَ بِها هَذِهِ الأُمَّةُ، ومِنَ النّاسِ مَن خَصَّصَ هَذا العُمُومَ بِالمُؤْمِنِينَ، أوْ بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى بِما في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، فَيَكُونُ تَخْصِيصًا بِحَسَبِ المُخاطَبِ، أوْ بِحَسَبِ الخِطابِ. وزَعَمَ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الباقِرُ أنَّ هَذا العُمُومَ باقٍ عَلى ظاهِرِهِ، وأنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّخْصِيصِ. قِيلَ: وهَذا هو الأقْوى. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ، أنَّ هارُونَ ومُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، أُمِرا بِالرِّفْقِ مَعَ فِرْعَوْنَ، وكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] . ومَن قالَ: لا يَكُونُ القَوْلُ الحَسَنُ مَعَ الكُفّارِ والفُسّاقِ، اسْتَدَلَّ بِأنّا أُمِرْنا بِلَعْنِهِمْ وذَمِّهِمْ ومُحارَبَتِهِمْ، وبُقُولِهِ تَعالى: (p-٢٨٧)﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] .
﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: إنْ كانَ هَذا الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ. وإنْ كانَ هَذا الخِطابُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فالصَّلاةُ هي الَّتِي أُمِرُوا بِها في التَّوْراةِ، وهم إلى الآنَ مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْها. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ زَكاةَ أمْوالِهِمْ كانَتْ قُرْبانًا تَهْبِطُ إلَيْهِمْ نارٌ فَتَحْمِلُها، فَكانَ ذَلِكَ تَقَبُّلَهُ، وما لا تَفْعَلُ النّارُ ذَلِكَ بِهِ، كانَ غَيْرَ مُتَقَبَّلٍ. وقِيلَ: الصَّلاةُ هي هَذِهِ المَفْرُوضَةُ عَلَيْنا، والخِطابُ لِمَن بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أبْناءِ اليَهُودِ، ويَحْتَمِلُ ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ أمْرُهم بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ أمْرًا بِالإسْلامِ. والثّانِي: عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإيمانِ، والزَّكاةُ هي هَذِهِ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: الصَّلاةُ والزَّكاةُ هُنا الطّاعَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ. ومَعْنى هَذا القَوْلِ أنَّهُ كُنِّيَ عَنِ الطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ اللَّتَيْنِ هُما أعْظَمُ أرْكانِ الإسْلامِ.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِمُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أسْنَدَ إلَيْهِمْ تَوَلِّيَ أسْلافِهِمْ، إذْ هم كُلُّهم بِتِلْكَ السَّبِيلِ، قالَ نَحْوَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. والمَعْنى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ عَمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ، والمَعْنِيُّ بِالقَلِيلِ القَلِيلُ في عَدَدِ الأشْخاصِ. فَقِيلَ: هَذا القَلِيلُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ. وقِيلَ: مَن آمَنَ قَدِيمًا مِن أسْلافِهِمْ، وحَدِيثًا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ القِلَّةُ في الإيمانِ، أيْ لَمْ يَبْقَ حِينَ عَصَوْا وكَفَرَ آخِرُهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ إلّا إيمانٌ قَلِيلٌ، إذْ لا يَنْفَعُهم، والأوَّلُ أقْوى. انْتَهى كَلامُهُ، وهو احْتِمالٌ بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ، إذِ الَّذِي يَتَبادَرُ إلَيْهِ الفَهْمُ إنَّما هو اسْتِثْناءُ أشْخاصٍ قَلِيلِينَ مِنَ الفاعِلِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ في تَوَلَّيْتُمْ، ونَصْبُ: قَلِيلًا، عَلى الِاسْتِثْناءِ، وهو الأفْصَحُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ مُوجَبٌ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: إلّا قَلِيلٌ بِالرَّفْعِ. وقَرَأ بِذَلِكَ أيْضًا قَوْمٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا عَلى بَدَلِ قَلِيلٍ مِنَ الضَّمِيرِ في تَوَلَّيْتُمْ، وجازَ ذَلِكَ، يَعْنِي البَدَلَ، مَعَ أنَّ الكَلامَ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ نَفْيٌ؛ لِأنَّ تَوَلَّيْتُمْ مَعْناهُ النَّفْيُ، كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَفُوا بِالمِيثاقِ إلّا قَلِيلٌ، انْتَهى كَلامُهُ. والَّذِي ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ البَدَلَ مِنَ المُوجَبِ لا يَجُوزُ، لَوْ قُلْتَ: قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ، بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ، لَمْ يَجُزْ، قالُوا: لِأنَّ البَدَلَ يَحِلُّ مَحَلَّ المُبْدَلِ مِنهُ، فَلَوْ قُلْتَ: قامَ إلّا زَيْدٌ، لَمْ يَجُزْ لِأنَّ إلّا لا تَدْخُلُ في المُوجَبِ. وأمّا ما اعْتُلَّ بِهِ مِن تَسْوِيغِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْنى تَوَلَّيْتُمُ النَّفْيُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَفُوا إلّا قَلِيلٌ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ كُلَّ مُوجَبٍ، إذا أخَذْتَ في نَفْيِ نَقِيضِهِ أوْ ضِدِّهِ، كانَ كَذَلِكَ، فَلْيَجُزْ: قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ؛ لِأنَّهُ يُؤَوَّلُ بِقَوْلِكَ: لَمْ تَجْلِسُوا إلّا زَيْدٌ. ومَعَ ذَلِكَ لَمْ تَعْتَبِرِ العَرَبُ هَذا التَّأْوِيلَ، فَتَبْنِيَ عَلَيْهِ كَلامَها، وإنَّما أجازَ النَّحْوِيُّونَ: قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدٌ بِالرَّفْعِ، عَلى الصِّفَةِ. وقَدْ عَقَدَ سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ بابًا في كِتابِهِ فَقالَ: هَذا بابُ ما يَكُونُ فِيهِ إلّا وما بَعْدَهُ وصْفًا بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ (p-٢٨٨)ومِثْلٍ. وذَكَرَ مِن أمْثِلَةِ هَذا البابِ: لَوْ كانَ مَعَنا رَجُلٌ إلّا زِيدٌ لَغَلَبْنا، ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
؎وقَلِيلٌ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
وسَوّى بَيْنَ هَذا، وبَيْنَ قِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، بِرَفْعِ غَيْرٍ، وجُوِّزَ في نَحْوِ: ما قامَ القَوْمُ إلّا زِيدٌ، بِالرَّفْعِ البَدَلُ والصِّفَةُ، وخُرِّجَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
قالَ: كَأنَّهُ قالَ: وكُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ، كَما قالَ الشَّمّاخُ:
؎وكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هاضِمِ نَفْسِهِ ∗∗∗ لِوَصْلِ خَلِيلٍ صارِمٌ أوْ مُعارِزُ
ومِمّا أنْشَدَهُ النَّحْوِيُّونَ:
؎لَدَمٌ ضائِعٌ نَأتْ أقْرَبُوهُ عَنْهُ ∗∗∗ إلّا الصَّبا وإلّا الجَنُوبُ
وأنْشَدُوا أيْضًا:
؎وبِالصَّرِيمَةِ مِنهم مَنزِلٌ خَلِقٌ ∗∗∗ عافٍ تَغَيَّرَ إلّا النُّؤْيُ والوَتِدُ
قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: ويُخالِفُ الوَصْفُ بِإلّا الوَصْفَ بِغَيْرِهِ، مِن حَيْثُ إنَّها يُوصَفُ بِها النَّكِرَةُ والمَعْرِفَةُ والظّاهِرُ والمُضْمَرُ. وقالَ أيْضًا: وإنَّما يَعْنِي النَّحْوِيُّونَ بِالوَصْفِ بِإلّا عَطْفَ البَيانِ. وقالَ غَيْرُهُ: لا يُوصَفُ بِإلّا إلّا إذا كانَ المَوْصُوفُ نَكِرَةً أوْ مَعْرِفَةً بِلامِ الجِنْسِ. وقالَ المُبَرِّدُ: لا يُوصَفُ بِإلّا إلّا إذا كانَ الوَصْفُ في مَوْضِعٍ يَصْلُحُ فِيهِ البَدَلُ، وتَحْرِيرُ ذَلِكَ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ في عِلْمِ النَّحْوِ، وإنَّما نَبَّهْنا عَلى أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ نَحْوِيٌّ. ومِن تَخْلِيطِ بَعْضِ المُعْرِبِينَ أنَّهُ أجازَ رَفْعَهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: امْتَنَعَ قَلِيلٌ أنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِلْمُضْمَرِ المَرْفُوعِ المُسْتَثْنى مِنهُ. ولَوْلا أنَّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مُسَطَّرانِ في الكُتُبِ ما ذَكَرْتُهُما. وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا قَلِيلٌ مِنكم لَمْ يَتَوَلَّ، كَما قالُوا: ما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا رَجُلٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ خَيْرٌ مِنهُ. وهَذِهِ أعارِيبُ مَن لَمْ يُمْعِنْ في النَّحْوِ.
وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، قالُوا: مُؤَكِّدَةٌ. وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ التَّوَلِّيَ هو الإعْراضَ بِعَيْنِهِ، ومَن خالَفَ بَيْنَهُما تَكُونُ الحالُ مُبَيِّنَةً، وكَذَلِكَ تَكُونُ مُبَيِّنَةً إذا اخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُ التَّوَلِّي والإعْراضِ، كَما قالَ بَعْضُهم إنَّ مَعْناهُ: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ عَهْدِ مِيثاقِكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ هَذا النَّبِيِّ ﷺ وجاءَتِ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ اسْمِيَّةً مُصَدَّرَةً بِأنْتُمْ، لِأنَّها آكَدُ. وكانَ الخَبَرُ اسْمًا؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الثُّبُوتِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأنْتُمْ عادَتُكُمُ الإعْراضُ عَنِ الحَقِّ والتَّوْلِيَةُ عَنْهُ. وفي المُواجَهَةِ بِأنْتُمْ تَقْبِيحٌ لِفِعْلِهِمْ وكَوْنِهِمُ ارْتَكَبُوا ذَلِكَ الفِعْلَ القَبِيحَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَقَعَ، كَقَوْلِكَ: يُحْسِنُ إلَيْكَ زَيْدٌ وأنْتَ مُسِيءٌ إلَيْهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: أنَّ مَن واثَقَهُ اللَّهُ وأخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ في أشْياءَ بِها انْتِظامُ دِينِهِ ودُنْياهُ، جَدِيرٌ أنْ يَثْبُتَ عَلى العَهْدِ، وأنْ لا يَنْقُضَهُ، ولا يُعْرِضَ عَنْهُ. وقِيلَ: التَّوَلِّي والإعْراضُ مَأْخُوذٌ مَن سُلُوكِ الطَّرِيقِ، ومَن تَرَكَ سُلُوكَ الطَّرِيقِ فَلَهُ حالَتانِ: إحْداهُما: أنْ يَرْجِعَ عَوْدُهُ عَلى بَدْئِهِ، وذَلِكَ هو التَّوَلِّي، والثّانِيَةُ: أنْ يَأْخُذَ في عَرْضِ الطَّرِيقِ، وذَلِكَ هو الإعْراضُ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ في التَّوَلِّي والإعْراضِ لا يَكُونُ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِلافِ، إلّا إنْ قُصِدَ أنَّ ناسًا تَوَلَّوْا وناسًا أعْرَضُوا، وجَمَعَ ذَلِكَ لَهم، أوْ يَتَوَلَّوْنَ في وقْتٍ، ويُعْرِضُونَ في وقْتٍ.
وقالَ القُشَيْرِيُّ: التَّعَبُّدُ بِهَذِهِ الخِصالِ حاصِلٌ لَنا في شَرْعِنا، وأوَّلُها التَّوْحِيدُ، وهو إفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ والطّاعَةِ، ثُمَّ رَدَّكَ إلى مُراعاةِ حَقِّ مِثْلِكَ، إظْهارًا أنَّ مَن لا يَصْلُحُ لِصُحْبَةِ شَخْصٍ مِثْلِهِ، كَيْفَ يَقُومُ بِحَقِّ مَعْبُودٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ؟ فَإذا كانَتِ التَّرْبِيَةُ المُتَضَمِّنَةُ حُقُوقَ الوالِدَيْنِ تُوجِبُ عَظِيمَ هَذا الحَقِّ، فَما حَقُّ تَرْبِيَةِ سَيِّدِكَ لَكَ ؟ كَيْفَ تُؤَدِّي شُكْرَهُ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ عُمُومَ رَحْمَتِهِ لِذِي القُرْبى، (p-٢٨٩)واليَتامى والمَساكِينِ، وأنْ يَقُولَ لِلنّاسِ حُسْنًا. وحَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ الصِّدْقُ مَعَ الحَقِّ، والرِّفْقُ مَعَ الخَلْقِ. انْتَهى، وبَعْضُهُ مُخْتَصَرٌ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ الإشاراتِ: الأسْبابُ المُتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ تَعالى: اعْتِقادٌ وقَوْلٌ وعَمَلٌ ونِيَّةٌ. فَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾، عَلى مَقامِ التَّوْحِيدِ، واعْتِقادِ ما يَجِبُ لَهُ عَلى عِبادِهِ مِنَ الطّاعاتِ والخُضُوعِ مُنْفَرِدًا بِذَلِكَ، ومالِيَّةٌ مَحْضَةٌ وهي: الزَّكاةُ، وبَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ وهي: الصَّلاةُ، وبَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ وهو: بِرُّ الوالِدَيْنِ والإحْسانُ إلى اليَتِيمِ والمِسْكِينِ.
البقرة 2:84
﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾: الكَلامُ عَلى: ﴿تَسْفِكُونَ﴾، كالكَلامِ عَلى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] مِن حَيْثُ الإعْرابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ؛ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما ضَمّا الفاءَ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ: بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ سَكَّنَ السِّينَ وخَفَّفَ الفاءَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾، أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِكم لِشِدَّةٍ تُصِيبُكم وحَنَقٍ يَلْحَقُكم. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ أمْرُ الَّذِي وضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ في الأرْضِ وذُبابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. وإخْبارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. وصَحَّ: «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا» . وتَظافَرَتْ عَلى تَحْرِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ المِلَلُ. وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وقِيلَ مَعْناهُ: لا تَسْفِكُوا دِماءَ النّاسِ، فَإنَّ مَن سَفَكَ دِماءَهم سَفَكُوا دَمَهُ، وقالَ:
؎سَقَيْناهم كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْلِها ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا
وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِارْتِكابِكم ما يُوجِبُ ذَلِكَ، كالِارْتِدادِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، والمُحارَبَةِ، وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُزِيلُ عِصْمَةَ الدِّماءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دِماءَ بَعْضٍ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ»، وكانَ أهْلُ دِينٍ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ مِيثاقًا أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، ولا يَنْفِيَهُ، ولا يَسْتَرِقَهُ، ولا يَدَعَهُ يَسْتَرِقُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطّاعاتِ. والخِطابُ في ”أخَذْنا مِيثاقَكم“ لِعُلَماءِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ مَعَ أسْلافِهِمْ.
﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يُخْرِجْ بَعْضُكم بَعْضًا، أوْ لا تُسِيئُوا جِوارَ مَن جاوَرَكم فَتُلْجِئُوهم إلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم، أوْ لا تَفْعَلُوا ما تُخْرِجُونَ بِهِ أنْفُسَكم مِنَ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُكم، أوْ لا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم، أيْ إخْوانَكم، لِأنَّكم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ لا تُفْسِدُوا فَيَكُونَ سَبَبًا لِإخْراجِكم مِن دِيارِكم، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى تَغْرِيبِ الجانِي، أوْ لا تُفْسِدُوا وتُشاقُّوا الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ فَيُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الجَلاءُ. أقْوالٌ سِتَّةٌ. ثُمَّ أقْرَرْتُمْ: أيْ بِالمِيثاقِ، واعْتَرَفْتُمْ بِلُزُومِهِ، أوِ اعْتَرَفْتُمْ بِقَبُولِهِ، أوْ رَضِيتُمْ بِهِ، كَما قالَ البُعَيْثُ:
؎ولَسْتُ كُلَيْبِيًّا إذا سِيمَ خُطَّةً ∗∗∗ أقَرَّ كَإقْرارِ الحَلِيلَةِ لِلْبَعْلِ
﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: أيْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أخَذَهُ عَلَيْكم، وأرادَ عَلى قُدَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، إنْ كانَ الخِطابُ وارِدًا عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ عَلى مُعاصِرِيهِ ﷺ مِن أبْنائِهِمْ، فَمَعْناهُ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلى أسْلافِكم بِما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَهْدِ، إمّا بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، وإمّا بِما تَتْلُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ. وإنْ كانَ مَعْنى الشَّهادَةِ الحُضُورَ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِأسْلافِهِمْ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ عائِدٌ إلى الخَلَفِ، وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عائِدٌ إلى السَّلَفِ ؟ لِأنَّهم عايَنُوا سَفْكَ دِماءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وقالَ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ لِأنَّ الأوائِلَ والأصاغِرَ صارُوا كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَلِذَلِكَ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ خِطابَ الحَضْرَةِ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ مُقِرٌّ عَلى نَفْسِهِ بِكَذا، شاهِدٌ عَلَيْها.
(p-٢٩٠)﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾: هَذا اسْتِبْعادٌ لِما أخْبَرَ عَنْهم بِهِ مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ والعُدْوانِ، بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ مِنهم، وإقْرارِهِمْ وشَهادَتِهِمْ. واخْتَلَفَ المُعْرِبُونَ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فالمُخْتارُ أنَّ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ، وهَؤُلاءِ خَبَرٌ، وتَقْتُلُونَ حالٌ. وقَدْ قالَتِ العَرَبٌ: ها أنْتَ ذا قائِمًا، وها أنا ذا قائِمًا. وقالَتْ أيْضًا: هَذا أنا قائِمًا، وها هو ذا قائِمًا، وإنَّما أُخْبِرَ عَنِ الضَّمِيرِ بِاسْمِ الإشارَةِ في اللَّفْظِ، وكَأنَّهُ قالَ: أنْتَ الحاضِرُ، وأنا الحاضِرُ، وهو الحاضِرُ. والمَقْصُودُ مِن حَيْثُ المَعْنى الإخْبارُ بِالحالِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مَجِيئُهم بِالِاسْمِ المُفْرَدِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، فِيما قُلْناهُ مِن قَوْلِهِمْ: ها أنْتَ ذا قائِمًا ونَحْوِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ثُمَّ أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشاهِدُونَ، يَعْنِي أنَّكم قَوْمٌ آخَرُونَ غَيْرُ أُولَئِكَ المُقِرِّينَ، تَنْزِيلًا لِتَغَيُّرِ الصِّفَةِ مَنزِلَةَ تَغَيُّرِ الذّاتِ، كَما تَقُولُ: رَجَعْتُ بِغَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي خَرَجْتُ بِهِ. وقَوْلُهُ: (تَقْتُلُونَ) بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ . انْتَهى كَلامُهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾، هُمُ المُخاطَبُونَ أوَّلًا، فَلَيْسُوا قَوْمًا آخَرِينَ. ألا تَرى أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَنْزِيلِ تَغَيُّرِ الصِّفَةِ مَنزِلَةَ تَغَيُّرِ الذّاتِ لا يَتَأتّى في نَحْوِ: ها أنا ذا قائِمًا ولا في ها أنْتُمْ أُولاءِ ؟ بَلِ المُخاطَبُ هو المُشارُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ الأُسْتاذُ الأجَلُّ أبُو الحَسَنِ بْنُ أحْمَدَ شَيْخُنا: هَؤُلاءِ: رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وأنْتُمْ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وتَقْتُلُونَ: حالٌ، بِها تَمَّ المَعْنى، وهي كانَتِ المَقْصُودَ، فَهي غَيْرُ مُسْتَغْنًى عَنْها، وإنَّما جاءَتْ بَعْدَ أنْ تَمَّ الكَلامُ في المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ كَما تَقُولُ: هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، وأنْتَ قَدْ قَصَدْتَ الإخْبارَ بِانْطِلاقِهِ، لا الإخْبارَ بِأنَّ هَذا هو زَيْدٌ. انْتَهى ما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شَيْخِهِ، وهو أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ الأنْصارِيُّ، مِن أهْلِ بَلَدِنا غَرْناطَةَ، يُعْرَفُ بِابْنِ الباذَشِ، وهو والِدُ الإمامِ أبِي جَعْفَرٍ أحْمَدَ، مُؤَلِّفِ كِتابِ الإقْناعِ في القِراءاتِ، ولَهُ اخْتِياراتٌ في النَّحْوِ، حَدَّثَ بِكِتابِ سِيبَوَيْهِ عَنِ الوَزِيرِ أبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ هِشامٍ المُصْحَفِيِّ، وعَلَّقَ عَنْهُ في النَّحْوِ عَلى كِتابِ الجُمَلِ والإيضاحِ ومَسائِلَ مِن كِتابِ سِيبَوَيْهِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمانٍ وعِشْرِينَ وخَمْسِمِائَةٍ. ولا أدْرِي ما العِلَّةُ في العُدُولِ عَنْ جَعْلِ أنْتُمُ المُبْتَدَأ، وهَؤُلاءِ الخَبَرَ، إلى عَكْسِ هَذا. والعامِلُ في هَذِهِ الحالِ اسْمُ الإشارَةِ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. قالُوا: وهو حالٌ مِنهُ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدِ اتَّحَدَ ذُو الحالِ والعامِلُ فِيها. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا، فَيُطالَعُ هُناكَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ إلى أنَّ هَؤُلاءِ مُنادًى مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ عِنْدَهم لا يَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، ونُقِلَ جَوازُهُ عَنِ الفَرّاءِ، وخَرَّجَ عَلَيْهِ الآيَةَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، جُنُوحًا إلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا القَوْلِ يَقْتُلُونَ خَبَرًا عَنْ أنْتُمْ. وفُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِالنِّداءِ. والفَصْلُ بَيْنَهُما بِالنِّداءِ جائِزٌ، وإنَّما ذَهَبَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ صَعْبٌ عِنْدَهُ أنْ يَنْعَقِدَ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ واسْمِ الإشارَةِ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ. وقَدْ بَيَّنّا كَيْفِيَّةَ انْعِقادِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وقَدْ أنْشَدُوا أبْياتًا حُذِفَ مِنها حَرْفُ النِّداءِ مَعَ اسْمِ الإشارَةِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ رَجُلٍ مِن طَيٍّء:
؎إنَّ الأُولى وصَفُوا قَوْمِي لَهم فَبِهِمْ ∗∗∗ هَذا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَن عاداكَ مَخْذُولا
وذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ وغَيْرُهُ إلى أنَّ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ، ويَقْتُلُونَ الخَبَرُ، وهَؤُلاءِ تَخْصِيصٌ لِلْمُخاطِبِينَ، لَمّا نُبِّهُوا عَلى الحالِ الَّتِي هم عَلَيْها مُقِيمُونَ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا بِأعْنِي. وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ التَّخْصِيصَ لا يَكُونُ بِالنَّكِراتِ، ولا بِأسْماءِ الإشارَةِ. والمُسْتَقْرَأُ مِن لِسانِ العَرَبِ أنَّهُ يَكُونُ أيًّا نَحْوُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، أوْ مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ نَحْوُ: نَحْنُ العَرَبَ أقْرى النّاسِ لِلضَّيْفِ، أوْ بِالإضافَةِ نَحْوُ: «نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ»، وقَدْ يَكُونُ عَلَمًا، كَما أنْشَدُوا:
؎بِنا تَمِيمًا يُكْشَفُ الضَّبابُ
اهـ. وأكْثَرُ ما يَأْتِي بَعْدَ ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ، كَما مَثَّلْناهُ. وقَدْ جاءَ بَعْدَ ضَمِيرِ مُخاطَبٍ، كَقَوْلِهِمْ: بِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى (p-٢٩١)أنَّ هَؤُلاءِ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرٌ عَنْ أنْتُمْ، ويَكُونُ تَقْتُلُونَ صِلَةً لِهَؤُلاءِ، وهَذا لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَقْتُلُونَ، مِن قَتَلَ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الحَسَنُ: تُقَتِّلُونَ مِن قَتَّلَ مُشَدَّدًا. هَكَذا في بَعْضِ التَّفاسِيرِ، وفي تَفْسِيرِ الَمَهْدَوِيِّ أنَّها قِراءَةُ أبِي نَهِيكٍ، قالَ والزُّهْرِيُّ والحَسَنُ: تُقَتِّلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ، مِن قَتَّلَ يَعْنِي مُشَدَّدًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِصَوابِ ذَلِكَ.
﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾: هَذا نَزَلَ في بَنِي قَيْنُقاعَ، وبَنِي قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ. كانَ بَنُو قَيْنُقاعَ أعْداءَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، والأوْسُ والخَزْرَجُ إخْوانٌ، والنَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ أيْضًا إخْوانٌ، ثُمَّ افْتَرَقُوا. فَصارَتِ النَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، وقُرَيْظَةُ حُلَفاءَ الأوْسِ. فَكانُوا يَقْتَتِلُونَ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ الحَرْبُ، فَيَفْدُونَ أسْراهم، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، قالَهُ الَمَهْدَوِيُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُقاتِلُ مَعَ حُلَفائِهِ، وإذا غَلَبُوا خَرَّبُوا دِيارَهم وأخْرَجُوهم، وإذا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَعَيَّرَتْهُمُ العَرَبُ وقالَتْ: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم ثُمَّ تَفْدُونَهم ؟ فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم، وحُرِّمَ عَلَيْنا قِتالُهم، ولَكِنّا نَسْتَحِي أنْ نُذِلَّ حُلَفاءَنا.
﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ﴾: قَرَأ بِتَخْفِيفِ الظّاءِ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأصْلُهُ: تَتَظاهَرُونَ، فَحَذَفَ التّاءَ، وهي عِنْدَنا الثّانِيَةُ لا الأُولى، خِلافًا لِهِشامٍ، إذْ زَعَمَ أنَّ المَحْذُوفَ هي الَّتِي لِلْمُضارَعَةِ، الدّالَّةِ في مِثْلِ هَذا عَلى الخِطابِ، وكَثِيرًا جاءَ في القُرْآنِ حَذْفُ التّاءِ. وقالَ:
؎تَعاطَسُونَ جَمِيعًا حَوْلَ دارِكُمُ ∗∗∗ فَكُلُّكم يا بَنِي حَمْدانَ مَزْكُومُ
يُرِيدُ: تَتَعاطَسُونَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِتَشْدِيدِ الظّاءِ، أيْ بِإدْغامِ الظّاءِ في التّاءِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تُظاهِرُونَ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما: تَظَّهَّرُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ والظّاءِ والهاءِ مُشَدَّدَيْنِ دُونَ ألِفٍ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ بَعْضُهم: تَتَظاهَرُونَ عَلى الأصْلِ. فَهَذِهِ خَمْسُ قِراءاتٍ، ومَعْناها كُلِّها التَّعاوُنُ والتَّناصُرُ. ورَوى أبُو العالِيَةِ قالَ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا اسْتَضْعَفُوا قَوْمًا أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ. عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ: فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ صاحِبُهُ الذَّمَّ واللَّوْمَ، الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي تَنْفِرُ مِنهُ النَّفْسُ ولا يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ القَلْبُ. وفي حَدِيثِ النَّوّاسِ: «الإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكِ» . وقِيلَ: المَعْنى تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِما يُوجِبُ الإثْمَ، وهَذا مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى مُسَبَّبِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الخَمْرُ إثْمًا، كَما قالَ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي
(والعُدْوانِ): هو تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِوَزْنِ فُعالى، وحَمْزَةَ بِوَزْنِ فَعْلى.
﴿تُفادُوهُمْ﴾: قَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ مِن فادى، وقَرَأ الباقُونَ: مِن فَدى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحُسْنُ لَفْظِ الإتْيانِ مِن حَيْثُ هو في مُقابَلَةِ الإخْراجِ فَيَظْهَرُ التَّضادُّ المُقَبِّحُ لِفِعْلِهِمْ في الإخْراجِ، يَعْنِي: أنَّهُ لا يُناسِبُ مَن أسَأْتُمْ إلَيْهِ بِالإخْراجِ مِن دِيارِهِمْ أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِمْ بِالفِداءِ، ومَعْنى تُفادُوهم: تَفْدُوهم، إذِ المُفاعَلَةُ تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ، ومِن واحِدٍ. فَفاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ، وهو أحَدُ مَعانِيها. وقِيلَ: مَعْنى فادى: بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ، ومَعْنى فَدى: دَفَعَ الفِداءَ، ويَشْهَدُ لِلْأوَّلِ قَوْلُ العَبّاسِ: فادَيْتُ نَفْسِي وفادَيْتُ عَقِيلًا. ومَعْلُومٌ أنَّهُ ما بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ. وقِيلَ: مَعْنى تَفْدُوهم بِالصُّلْحِ، وتُفادُوهم بِالعُنْفِ. وقِيلَ تُفادُوهم: تَطْلُبُوا الفِدْيَةَ مِنَ الأسِيرِ الَّذِي في أيْدِيكم مِن أعْدائِكم، ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎قِفِي فادِي أسِيرَكِ إنَّ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمَكِ ما أرى لَهُمُ اجْتِماعا
وتَفْدُوهم: تُعْطُوا فِدْيَتَهم. وقالَ أبُو عَلِيٍّ مَعْنى تُفادُوهم في اللُّغَةِ، تُطْلِقُونَهم بَعْدَ أنْ تَأْخُذُوا عَنْهُ شَيْئًا. وفادَيْتُ نَفْسِي: أيْ أطْلَقْتُها بَعْدَ أنْ دَفَعْتُ شَيْئًا. وفادى وفَدى يَتَعَدَّيانِ إلى مَفْعُولَيْنِ، الثّانِي بِحَرْفِ جَرٍّ، وهو هُنا بِهِ مَحْذُوفٌ.
﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾: تَقَدَّمَتْ أرْبَعَةُ أشْياءَ: قَتْلُ النَّفْسِ، والإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ، (p-٢٩٢)والتَّظاهُرُ، والمُفاداةُ، وهي مُحَرَّمَةٌ. واخْتُصَّ هَذا القِسْمُ بِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ، وإنْ كانَتْ كُلُّها مُحَرَّمَةً، لِما في الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ مِن مَعَرَّةِ الجَلاءِ والنَّفْيِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ شَرُّهُ إلّا بِالمَوْتِ، وذَلِكَ بِخِلافِ القَتْلِ؛ لِأنَّ القَتْلَ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ هو هَدْمُ البِنْيَةِ، أعْظَمُ، لَكِنْ فِيهِ انْقِطاعُ الشَّرِّ، وبِخِلافِ المُفاداةِ بِها، فَإنَّها مِن جَرِيرَةِ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ والتَّظاهُرِ؛ لِأنَّهُ لَوْلا الإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ والتَّظاهُرُ عَلَيْهِمْ، ما وقَعُوا في قَيْدِ الأسْرِ. وقَدْ يَكُونُ أيْضًا مِمّا حُذِفَ فِيهِ مِن كُلِّ جُمْلَةٍ ذِكْرُ التَّحْرِيمِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم، وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، وكَذا باقِيها. وارْتِفاعُ هو عَلى الِابْتِداءِ، وهو إمّا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ عَنْهُ، وإعْرابُها أنْ يَكُونَ إخْراجُهم مُبْتَدَأً ومُحَرَّمٌ خَبَرًا، وفِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الإخْراجِ، إذِ النِّيَّةُ بِهِ التَّأْخِيرُ. ولا يُجِيزُ الكُوفِيُّونَ تَقْدِيمَ الخَبَرِ إذا كانَ مُتَحَمِّلًا ضَمِيرًا مَرْفُوعًا. فَلا يُجِيزُونَ: قائِمٌ زَيْدٌ، عَلى أنْ يَكُونَ قائِمٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، فَلِذَلِكَ عَدَلُوا إلى أنْ يَكُونَ خَبَرَ هو قَوْلُهُ مُحَرَّمٌ، وإخْراجُهم مَرْفُوعٌ بِهِ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وتَبِعَهم عَلى هَذا الَمَهْدَوِيُّ. ولا يُجِيزُ هَذا الوَجْهَ البَصْرِيُّونَ؛ لِأنَّ عِنْدَهم أنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يُخْبَرُ عَنْهُ إلّا بِجُمْلَةٍ مُصَرَّحٍ بِجُزْأيْها، وإذا جَعَلْتَ قَوْلَهُ مُحَرَّمٌ خَبَرًا عَنْ هو، و”إخْراجُهم“ مَرْفُوعًا بِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ قَدْ فُسِّرَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ بِغَيْرِ جُمْلَةٍ. وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ كَما ذَكَرْنا. وأجازُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ هو مُبْتَدَأً، لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، بَلْ هو عائِدٌ عَلى الإخْراجِ، ومُحَرَّمٌ خَبَرٌ عَنْهُ، وإخْراجُهم بَدَلٌ. وهَذا فِيهِ خِلافٌ. مِنهم مَن أجازَ أنْ يُفَسَّرَ المُضْمَرُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ بِالبَدَلِ، ومِنهم مَن مَنَعَ. وأجازَهُ الكِسائِيُّ، وفي بَعْضِ النُّقُولِ. وأجازَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ هو عِمادًا، وهو الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ البَصْرِيُّونَ بِالفَصْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: وإخْراجُهم هو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، فَلَمّا قُدِّمَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى المُبْتَدَأِ، قُدِّمَ مَعَهُ الفَصْلُ. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّ الواوَ ها هُنا تَطْلُبُ الِاسْمَ، وكُلُّ مَوْضِعٍ تَطْلُبُ فِيهِ الِاسْمَ، فالعِمادُ فِيهِ جائِزٌ. ولا يَجُوزُ هَذا التَّخْرِيجُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ فِيهِ أمْرَيْنِ لا يَجُوزانِ عِنْدَهم: أحَدُهُما: وُقُوعُ الفَصْلِ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ لا تُقارِبُ المَعْرِفَةَ، إذِ التَّقْدِيرُ: وإخْراجُهم هو مُحَرَّمٌ، فَمُحَرَّمٌ نَكِرَةٌ لا تُقارِبُ المَعْرِفَةَ. الثّانِي: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ الفَصْلِ، وشَرْطُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، أوْ بَيْنَ ما هُما أصْلُهُ، وهَذِهِ كُلُّها مَسائِلُ تُحَقَّقُ في عِلْمِ النَّحْوِ.
ووَقَعَ في كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ في هَذا المَكانِ أقْوالٌ تُنْتَقَدُ، وهو أنَّهُ قالَ: قِيلَ في ”هو“ إنَّهُ ضَمِيرُ الأمْرِ، تَقْدِيرُهُ: والأمْرُ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، وإخْراجُهم في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن هو. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخْبَرَ عَنْ ضَمِيرِ الأمْرِ بِمُفْرَدٍ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ بَصَرِيٌّ ولا كُوفِيٌّ. أمّا البَصْرِيُّ: فَلِأنَّ مُفَسِّرَ ضَمِيرِ الأمْرِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً وأمّا الكُوفِيُّ: فَلِأنَّهُ يُجِيزُ الجُمْلَةَ ويُجِيزُ المُفْرَدَ إذا كانَ قَدِ انْتَظَمَ مِنهُ ومِمّا بَعْدَهُ مُسْنَدٌ ومُسْنَدٌ إلَيْهِ في المَعْنى، نَحْوُ قَوْلِكَ: ظَنَنْتُهُ قائِمًا الزَّيْدانِ. والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ إخْراجَهم بَدَلًا مِن ضَمِيرِ الأمْرِ، وضَمِيرُ الأمْرِ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ، ولا يُبْدَلُ مِنهُ، ولا يُؤَكَّدُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هو فاصِلَةٌ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّ، ولَيْسَتْ هُنا بِالَّتِي هي عِمادٌ، ومُحَرَّمٌ عَلى هَذا ابْتِداءٌ، وإخْراجُهم خَبَرٌ. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ. والمَنقُولُ عَنِ الكُوفِيِّينَ عَكْسُ هَذا الإعْرابِ، وهو أنْ يَكُونَ الفَصْلُ قَدْ قُدِّمَ مَعَ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ، فَإعْرابُ ”مُحَرَّمٌ“ عِنْدَهم خَبَرٌ مُتَقَدِّمٌ، وإخْراجُهم مُبْتَدَأٌ، وهو المُناسِبُ لِلْقَواعِدِ، إذْ لا يُبْتَدَأُ بِالِاسْمِ إذا كانَ نَكِرَةً، ولا مُسَوِّغَ لَها، ويَكُونُ الخَبَرُ مَعْرِفَةً، بَلِ المُسْتَقِرُّ في لِسانِهِمْ عَكْسُ هَذا، إلّا إنْ كانَ يَرِدُ في شِعْرٍ، فَيُسْمَعُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هو الضَّمِيرُ المُقَدَّرُ في ”مُحَرَّمٌ“ قُدِّمَ وأُظْهِرَ. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ. وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ جِدًّا، إذْ لا مُوجِبَ لِتَقَدُّمِ الضَّمِيرِ، ولا لِبُرُوزِهِ بَعْدَ اسْتِتارِهِ، ولِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى خُلُوِّ اسْمِ المَفْعُولِ مِن ضَمِيرٍ، إذْ عَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مُحَرَّمٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وإخْراجُهم مُبْتَدَأً، ولا يُوجَدُ اسْمُ (p-٢٩٣)فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ عارِيًا مِنَ الضَّمِيرِ، إلّا إذا رَفَعَ الظّاهِرَ. ولا يُمْكِنُ هُنا أنْ يَرْفَعَ الظّاهِرَ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ المُقَدَّمَ ”هو“ كانَ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ بِـ ”مُحَرَّمٌ“، ثُمَّ يَبْقى هَذا الضَّمِيرُ لا يُدْرى ما إعْرابُهُ، إذْ لا جائِزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا مُقَدَّمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هو ضَمِيرُ الإخْراجِ، تَقْدِيرُهُ: وإخْراجُهم مُحَرَّمٌ عَلَيْكم. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ ارْتِفاعِ ”إخْراجُهم“، ولا يَتَأتّى عَلى أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَهُ، ويَكُونَ إخْراجُهم تَفْسِيرًا لِذَلِكَ المُضْمَرِ، إلّا عَلى أنْ يَكُونَ إخْراجُهم بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنْ في ذَلِكَ خِلافًا، مِنهم مَن أجازَ ومِنهم مَن مَنَعَ.
﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والإنْكارُ. ولَمْ يَذُمَّهم عَلى الفِداءِ، بَلْ عَلى المُناقَضَةِ، إذْ أتَوْا بِبَعْضِ الواجِبِ، وتَرَكُوا بَعْضًا. وتَكُونُ المُناقَضَةُ آكَدَ في الذَّمِّ، ولا يُقالُ الإخْراجُ مَعْصِيَةٌ. فَلِمَ سَمّاها كُفْرًا ؟ لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ تَرْكَ الإخْراجِ غَيْرُ واجِبٍ، مَعَ أنَّ صَرِيحَ التَّوْراةِ كانَ دالًّا عَلى وُجُوبِهِ. والبَعْضُ الَّذِي آمَنُوا بِهِ، إنْ كانَ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةَ، فَيَكُونُ عامًّا فِيما آمَنُوا بِهِ مِن أحْكامِها، وفِداءُ الأسِيرِ مِن جُمْلَتِهِ. والبَعْضُ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ: هو قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وإخْراجُ بَعْضِهِمْ مِن دِيارِهِمْ، والمُظاهَرَةُ بِالإثْمِ والعُدْوانِ، مِن جُمْلَةِ ما كَفَرُوا بِهِ مِنَ التَّوْراةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَسْتَعْمِلُونَ البَعْضَ ويَتْرُكُونَ البَعْضَ، تُفادُونَ أسْرى قَبِيلَتِكم، وتَتْرُكُونَ أسْرى أهْلِ مِلَّتِكم ولا تُفادُونَهم. وقِيلَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ الجالُوتِ بِالكُوفَةِ، وهو يُفادِي مِنَ النِّساءِ مَن لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الحَرْبُ، ولا يُفادى مَن وقَعَ عَلَيْهِ الحَرْبُ. قالَ: فَقالَ ابْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ تُفادِيَهُنَّ كُلَّهُنَّ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ إنْ وجَدْتَهُ في يَدِ غَيْرِكَ فَدَيْتَهُ، وأنْتَ تَقْتُلُهُ بِيَدِكَ. وقِيلَ: المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم في تَمَسُّكِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّ الحُجَّةَ في أمْرِهِما سَواءٌ، فَجَرَوْا مَجْرى سَلَفِهِمْ، أنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ، ويَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. قالُوا: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ هُنا المَكْتُوبُ عَلَيْهِمْ مِن هَذِهِ الأحْكامِ الأرْبَعَةِ، أيِ المَفْرُوضُ، والَّذِي آمَنُوا بِهِ مِنها: فِداءُ الأسْرى، والَّذِي كَفَرُوا بِهِ باقِي الأرْبَعَةِ.
﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾: الجَزاءُ يُطْلَقُ في الخَيْرِ والشَّرِّ. قالَ: ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢]، وقالَ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] . والخِزْيُ هُنا: الفَضِيحَةُ، والعُقُوبَةُ، والقَصاصُ فِيمَن قُتِلَ، أوْ ضَرْبُ الجِزْيَةِ غابِرَ الدَّهْرِ، أوْ قَتْلُ قُرَيْظَةَ، وإجْلاءُ النَّضِيرِ مِن مَنازِلِهِمْ إلى أرِيحا، وأذْرِعاتٍ، أوْ غَلَبَةُ العَدُوِّ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ. ولا يَتَأتّى القَوْلُ بِالجِزْيَةِ ولا الجَلاءِ إلّا إنْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى الَّذِينَ كانُوا مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الذَّمَّ العَظِيمَ والتَّحْقِيرَ البالِغَ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ. و”إلّا خِزْيٌ“: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ونَقْضُ النَّفْيِ هُنا نَقْضٌ لِعَمَلِ ما عَلى خِلافٍ في المَسْألَةِ وتَفْصِيلٍ، وذَلِكَ أنَّ الخَبَرَ إذا تَأخَّرَ وأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ إلّا، فَإمّا أنْ يَكُونَ هو الأوَّلَ، أوْ مُنَزَّلًا مَنزِلَتَهُ، أوْ وصْفًا، إنْ كانَ الأوَّلَ في المَعْنى، أوْ مُنَزَّلًا مَنزِلَتَهُ، لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا الرَّفْعُ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وأجازَ الكُوفِيُّونَ النَّصْبَ فِيما كانَ الثّانِي فِيهِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ وصْفًا أجازَ الفَرّاءُ فِيهِ النَّصْبَ، ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ. ونُقِلَ عَنْ يُونُسَ إجازَةُ النَّصْبِ في الخَبَرِ بَعْدَ إلّا كائِنًا ما كانَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما نَقَلَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ، قالَ: لا خِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ إلّا أخُوكَ، إنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا بِالرَّفْعِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ ما أنْتَ إلّا لِحْيَتُكَ، فالبَصْرِيُّونَ يَرْفَعُونَ، والمَعْنى عِنْدَهم: ما فِيكَ إلّا لِحْيَتُكَ، (p-٢٩٤)وكَذا: ما أنْتَ إلّا عَيْناكَ. وأجازَ في هَذا الكُوفِيُّونَ النَّصْبَ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في غَيْرِ المَصادِرِ، إلّا أنْ يُعْرَفَ المَعْنى، فَتُضْمِرَ ناصِبًا نَحْوَ: ما أنْتَ إلّا لِحْيَتَكَ مَرَّةً وعَيْنَكَ أُخْرى، وما أنْتَ إلّا عِمامَتَكَ تَحْسِينًا ورِداءَكَ تَزْيِينًا.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ مُمْتَدٍّ إلى أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ العِبادِ، ويَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ. ومَعْنى يُرَدُّونَ: يَصِيرُونَ، فَلا يَلْزَمُ كَيْنُونَتُهم قَبْلَ ذَلِكَ في أشَدِّ العَذابِ، أوْ يُرادُ بِالرَّدِّ: الرُّجُوعُ إلى شَيْءٍ كانُوا فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣]، وكَأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا في أشَدِّ العَذابِ أيْضًا، لِأنَّهم عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والجَلاءِ وأنْواعٍ مِنَ العَذابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُرَدُّونَ بِالياءِ، وهو مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: (مَن يَفْعَلُ) . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التِفاتًا، فَيَكُونَ راجِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ﴾، فَيَكُونَ قَدْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما: تُرَدُّونَ بِالتّاءِ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ﴾ . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التِفاتًا بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾، فَيَكُونَ قَدْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ. وأشَدُّ العَذابِ: الخُلُودُ في النّارِ، وأشَدِّيَّتُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا انْقِضاءَ لَهُ، أوْ أنْواعُ عَذابِ جَهَنَّمَ، لِأنَّها دَرَكاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وفِيها أوْدِيَةٌ وحَيّاتٌ، أوِ العَذابُ الَّذِي لا فَرَحَ فِيهِ ولا رُوحَ مَعَ اليَأْسِ مِنَ التَّخَلُّصِ، أوِ الأشَدِّيَّةُ هي بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِ الدُّنْيا، أوِ الأشَدِّيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِ عامَّتِهِمْ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم ودَلَّسُوا عَلَيْهِمْ، أقْوالًا خَمْسَةً.
﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤]: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ هَذا الكَلامِ، إذْ وقَعَ قَبْلَ ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ. فَبِالياءِ ناسَبَ يُرَدُّونَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وبِالتّاءِ تُناسِبُ قِراءَةَ تُرَدُّونَ بِالتّاءِ، فَيَكُونُ المُخاطَبُ بِذَلِكَ مَن كانَ مُخاطَبًا في الآيَةِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ مَضَوْا، وأنْتُمُ الَّذِينَ تُعْنَوْنَ بِهَذا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وبِما يَجْرِي مَجْراهُ، وهَذِهِ الآيَةُ مَن أوْعَظِ الآياتِ، إذِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ بِالمِرْصادِ لِكُلِّ كافِرٍ وعاصٍ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أنَّهم آمَنُوا بِبَعْضِ (p-٢٩٥)الكِتابِ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إلى الَّذِينَ جَمَعُوا الأوْصافَ السّابِقَةَ الذَّمِيمَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وأنَّهُ إذا عُدِّدَتْ أوْصافٌ لِمَوْصُوفٍ، أُشِيرَ إلى ذَلِكَ المَوْصُوفِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ هو جامِعُ تِلْكَ الأوْصافِ. والَّذِينَ: خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (اشْتَرَوُا)، وتَقَدَّمَ أنَّ الشِّراءَ والبَيْعَ يَقْتَضِيانِ عِوَضًا ومُعَوَّضًا أعْيانًا. فَتَوَسَّعَتِ العَرَبُ في ذَلِكَ إلى المَعانِي، وجَعَلَ إيثارَهم بَهْجَةَ الدُّنْيا وزِينَتَها عَلى النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ اشْتِراءً، إيثارًا لِلْعاجِلِ الفانِي عَلى الآجِلِ الباقِي، إذِ المُشْتَرِي لَيْسَ هو المُؤْثِرَ لِتَحْصِيلِهِ، والثَّمَنُ المَبْذُولُ فِيهِ مَرْغُوبٌ عَنْهُ عِنْدَهُ، ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا مَغْبُونُ الرَّأْيِ فاسِدُ العَقْلِ.
قالَ بَعْضُ أرْبابِ المَعانِي: إنَّ الدُّنْيا ما دَنا مِن شَهَواتِ القَلْبِ، والآخِرَةَ ما اتَّصَلَتْ بِرِضا الرَّبِّ. فَلا يُخَفَّفُ: مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُوصَلَ المَوْصُولُ بِصِلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ زَمانًا، تَقُولُ: جاءَنِي الَّذِي قَتَلَ زَيْدًا بِالأمْسِ، وسَيَقْتُلُ غَدًا أخاهُ، إذِ الصَّلاةُ هي جُمَلٌ، فَمَن يَشْتَرِطُ اتِّحادَ زَمانِ أفْعالِها بِخِلافِ ما يَنْزِلُ مِنَ الأفْعالِ مَنزِلَةَ المُفْرَداتِ، فَإنَّهم نَصُّوا عَلى اشْتِراطِ اتِّحادِ الزَّمانِ مُضِيًّا أوْ غَيْرَهُ، وعَلى اخْتِيارِ التَّوافُقِ في الصِّيغَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً، والَّذِينَ بِصِلَتِهِ خَبَرًا. و”فَلا يُخَفَّفُ“: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وعَلَّلَ دُخُولَ الفاءِ لِأنَّ الَّذِينَ، إذا كانَتْ صِلَتُهُ فِعْلًا، كانَ فِيها مَعْنى الشُّرُوطِ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ هُنا أعْرَبَهُ خَبَرًا عَنْ أُولَئِكَ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ فَلا يُخَفَّفُ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ، إنَّما هو خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ، ولا يَسْرِي لِلْمُبْتَدَأِ الشَّرْطِيَّةُ مِنَ المَوْصُولِ الواقِعِ خَبَرًا عَنْهُ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وفَلا يُخَفَّفُ: خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ، والَّذِينَ وخَبَرُهُ خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ. قِيلَ: ولَمْ يَحْتَجْ إلى عائِدٍ؛ لِأنَّ ”الَّذِينَ“ هم ”أُولَئِكَ“، كَما تَقُولُ: هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ وقَعَتْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ فَلا بُدَّ فِيها مِن رابَطٍ، إلّا إنْ كانَتْ نَفْسَ المُبْتَدَأِ في المَعْنى، فَلا يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ الرّابِطِ. وقَدْ أخْبَرْتَ عَنْ أُولَئِكَ بِالمُبْتَدَأِ المَوْصُولِ وبِخَبَرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ الرّابِطِ. ولَيْسَ نَظِيرَ ما مَثَّلَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ؛ لِأنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ خَبَرانِ عَنْ هَذا، وهُما مُفْرَدانِ، أوْ يَكُونُ زَيْدٌ بَدَلًا مِن هَذا، ومُنْطَلِقٌ خَبَرًا. وإمّا أنْ يَكُونَ هَذا مُبْتَدَأً، وزَيْدٌ مُبْتَدَأً ثانِيًا، ومُنْطَلِقٌ خَبَرًا عَنْ زَيْدٍ، ويَكُونَ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنْ هَذا، فَلا يَجُوزُ لِعَدَمِ الرّابِطِ. وأيْضًا فَلَوْ كانَ هُنا رابِطٌ، لَما جازَ هَذا الإعْرابُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ مَخْصُوصٌ بِالإشارَةِ إلَيْهِ، فَلا يُشْبِهُ اسْمَ الشَّرْطِ، إذْ يَزُولُ العُمُومُ بِاخْتِصاصِهِ، ولِأنَّ صِلَةَ الَّذِينَ ماضِيَةٌ لَفْظًا ومَعْنًى. ومَعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لا يَجُوزُ دُخُولُ الفاءِ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا. والتَّخْفِيفُ هو التَّسْهِيلُ، وقَدْ حُمِلَ نَفْيُ التَّخْفِيفِ عَلى الِانْقِطاعِ، وحُمِلَ أيْضًا عَلى التَّشْدِيدِ. والأوْلى حَمْلُهُ عَلى نَفْيِ التَّخْفِيفِ بِالِانْقِطاعِ، أوْ بِالتَّقْلِيلِ مِنهُ، أوْ في وقْتٍ، أوْ في كُلِّ الأوْقاتِ؛ لِأنَّهُ نَفْيٌ لِلْماهِيَّةِ، فَيَسْتَلْزِمُ نَفْيَ أشْخاصِها وصُوَرِها. والظّاهِرُ مِنَ النَّفْيِ بِلا والكَثِيرُ فِيها أنَّهُ نَفْيٌ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَفْيَ التَّخْفِيفِ بِأنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَفي الدُّنْيا بِنُقْصانِ الجِزْيَةِ، وكَذَلِكَ نَفْيُ النَّصْرِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ومَعْنى نَفْيِ النَّصْرِ: أنَّهم لا يَجِدُونَ مَن يَدْفَعُ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ.
﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِعْلِيَّةً وتَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، فَيَكُونَ هم مَرْفُوعًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎وإنْ هو لَمْ يَحْمِلْ عَلى النَّفْسِ ضَيْمَها
ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ ويُحَسِّنُهُ كَوْنُهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (فَلا يُخَفَّفُ)، وهو جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، إذْ لَوْلا تَقَدُّمُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لَكانَ الأرْجَحُ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ، وذَلِكَ أنَّ ”لا“ لَيْسَتْ مِمّا تَطْلُبُ الفِعْلَ، لا اخْتِصاصًا ولا أوْلَوِيَّةً، فَتَكُونُ كانَ والهَمْزَةُ خِلافًا لِأبِي مُحَمَّدِ بْنِ السَّيِّدِ، إذْ زَعَمَ أنَّ الحَمْلَ عَلى الفِعْلِ فِيما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لا أوْلى مِنَ الِابْتِداءِ، وبِناءَ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ أوْلى مِن بِنائِهِ لِلْفاعِلِ؛ لِأنَّهُ أعَمُّ، إلّا إنْ جُعِلَ الفاعِلُ عامًّا، فَيَكُونُ: ولا هم (p-٢٩٦)يَنْصُرُهم أحَدٌ، فَكانَ يُفَوِّتُ بِذَلِكَ اخْتِتامَ الفَواصِلِ بِما اخْتُتِمَتْ بِهِ قَبْلُ وبَعْدُ، ويُفَوِّتُ الإيجازَ، مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ يُفِيدُ ذَلِكَ، أعْنِي العُمُومَ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ أِخْبارَ اللَّهِ تَعالى، أنَّهُ أخَذَ المِيثاقَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإفْرادِ العِبادَةِ، والإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ، وإلى ذِي القُرْبى، واليَتامى، والمَساكِينِ، وبِالقَوْلِ الحَسَنِ لِلنّاسِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وأنَّهم نَقَضُوا المِيثاقَ بِتَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمْ، وأنَّهُ أخَذَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَسْفِكُوا دِماءَهم، ولا يُخْرِجُونَ أنْفُسَهم مِن دِيارِهِمْ، وأنَّهم أقَرُّوا والتَزَمُوا ذَلِكَ. فَكانَ المِيثاقُ الأوَّلُ يَتَضَمَّنُ الأوامِرَ، والمِيثاقُ الثّانِي يَتَضَمَّنُ النَّواهِيَ؛ لِأنَّ التَّكالِيفَ الإلَهِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي. وكانَ البَدْءُ بِالأوامِرِ آكَدَ، لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أفْعالًا، والنَّواهِي تَتَضَمَّنُ تُرُوكًا، والأفْعالُ أشَقُّ مِنَ التُّرُوكِ. وكانَ مِنَ الأوامِرِ الأمْرُ بِإفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ، وهو رَأْسُ الإيمانِ، إذْ مُتَعَلِّقُهُ أشْرَفُ المُتَعَلِّقاتِ، فَكانَ البَدْءُ بِهِ أوْلى. ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمُ التِباسَهم بِما نُهُوا عَنْهُ، وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ إخْبارُهُ أنَّهم خالَفُوا في الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٣]؛ لِأنَّ فِعْلَ المَنهِيّاتِ أقْبَحُ مِن تَرْكِ المَأْمُوراتِ، لِأنَّها تُرُوكٌ كَما ذَكَرْنا.
ثُمَّ قَرَّعَهم بِمُخالَفَةِ نَواهِي اللَّهِ، وأنَّهم مُسْتَعِينُونَ في ذَلِكَ بِغَيْرِ الحَقِّ، بَلْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَناقُضَ آرائِهِمْ وسُخْفَ عُقُولِهِمْ، بِفِداءِ مَن أتى إلَيْهِمْ مِنهم، مَعَ أنَّهم هُمُ السَّبَبُ في إخْراجِهِمْ وأسْرِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِتَحْرِيمِ إخْراجِهِمْ، وبِذِكْرِ أنَّهم آمَنُوا بِبَعْضِ الكِتابِ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ. هَذا مَعَ أنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ الكُفْرَ بِبَعْضٍ والإيمانَ بِبَعْضٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الجَزاءَ لِفاعِلِ ذَلِكَ هو الخِزْيُ في الدُّنْيا، وأشَدُّ العَذابِ في الآخِرَةِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفُلُ عَمّا عَمِلُوهُ، فَيُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ أشارَ إلى مَن تَحَلّى بِهَذِهِ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ، هو قَدِ اشْتَرى عاجِلًا تافِهًا بِآجِلٍ جَلِيلٍ، وآثَرَ فانِيًا مُكَدَّرًا عَلى باقٍ صافٍ. وأنَّ نَتِيجَةَ هَذا الشِّراءِ أنْ لا يُخَفَّفَ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، ولا يَجِدُوا ناصِرًا يَدْفَعُ عَنْهم سُوءَ العِقابِ. لَقَدْ خَسِرُوا تِجارَةً، وبُدِّلُوا بِالنَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ. وإذا كانَ التَّخْفِيفُ قَدْ نُفِيَ، فالرَّفْعُ أوْلى. وهَلْ هَذا إلّا مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى ؟ .
البقرة 2:85
﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾: الكَلامُ عَلى: ﴿تَسْفِكُونَ﴾، كالكَلامِ عَلى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] مِن حَيْثُ الإعْرابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ؛ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما ضَمّا الفاءَ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ: بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ سَكَّنَ السِّينَ وخَفَّفَ الفاءَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾، أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِكم لِشِدَّةٍ تُصِيبُكم وحَنَقٍ يَلْحَقُكم. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ أمْرُ الَّذِي وضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ في الأرْضِ وذُبابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. وإخْبارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. وصَحَّ: «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا» . وتَظافَرَتْ عَلى تَحْرِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ المِلَلُ. وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وقِيلَ مَعْناهُ: لا تَسْفِكُوا دِماءَ النّاسِ، فَإنَّ مَن سَفَكَ دِماءَهم سَفَكُوا دَمَهُ، وقالَ:
؎سَقَيْناهم كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْلِها ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا
وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِارْتِكابِكم ما يُوجِبُ ذَلِكَ، كالِارْتِدادِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، والمُحارَبَةِ، وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُزِيلُ عِصْمَةَ الدِّماءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دِماءَ بَعْضٍ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ»، وكانَ أهْلُ دِينٍ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ مِيثاقًا أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، ولا يَنْفِيَهُ، ولا يَسْتَرِقَهُ، ولا يَدَعَهُ يَسْتَرِقُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطّاعاتِ. والخِطابُ في ”أخَذْنا مِيثاقَكم“ لِعُلَماءِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ مَعَ أسْلافِهِمْ.
﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يُخْرِجْ بَعْضُكم بَعْضًا، أوْ لا تُسِيئُوا جِوارَ مَن جاوَرَكم فَتُلْجِئُوهم إلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم، أوْ لا تَفْعَلُوا ما تُخْرِجُونَ بِهِ أنْفُسَكم مِنَ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُكم، أوْ لا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم، أيْ إخْوانَكم، لِأنَّكم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ لا تُفْسِدُوا فَيَكُونَ سَبَبًا لِإخْراجِكم مِن دِيارِكم، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى تَغْرِيبِ الجانِي، أوْ لا تُفْسِدُوا وتُشاقُّوا الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ فَيُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الجَلاءُ. أقْوالٌ سِتَّةٌ. ثُمَّ أقْرَرْتُمْ: أيْ بِالمِيثاقِ، واعْتَرَفْتُمْ بِلُزُومِهِ، أوِ اعْتَرَفْتُمْ بِقَبُولِهِ، أوْ رَضِيتُمْ بِهِ، كَما قالَ البُعَيْثُ:
؎ولَسْتُ كُلَيْبِيًّا إذا سِيمَ خُطَّةً ∗∗∗ أقَرَّ كَإقْرارِ الحَلِيلَةِ لِلْبَعْلِ
﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: أيْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أخَذَهُ عَلَيْكم، وأرادَ عَلى قُدَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، إنْ كانَ الخِطابُ وارِدًا عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ عَلى مُعاصِرِيهِ ﷺ مِن أبْنائِهِمْ، فَمَعْناهُ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلى أسْلافِكم بِما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَهْدِ، إمّا بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، وإمّا بِما تَتْلُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ. وإنْ كانَ مَعْنى الشَّهادَةِ الحُضُورَ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِأسْلافِهِمْ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ عائِدٌ إلى الخَلَفِ، وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عائِدٌ إلى السَّلَفِ ؟ لِأنَّهم عايَنُوا سَفْكَ دِماءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وقالَ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ لِأنَّ الأوائِلَ والأصاغِرَ صارُوا كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَلِذَلِكَ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ خِطابَ الحَضْرَةِ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ مُقِرٌّ عَلى نَفْسِهِ بِكَذا، شاهِدٌ عَلَيْها.
(p-٢٩٠)﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾: هَذا اسْتِبْعادٌ لِما أخْبَرَ عَنْهم بِهِ مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ والعُدْوانِ، بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ مِنهم، وإقْرارِهِمْ وشَهادَتِهِمْ. واخْتَلَفَ المُعْرِبُونَ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فالمُخْتارُ أنَّ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ، وهَؤُلاءِ خَبَرٌ، وتَقْتُلُونَ حالٌ. وقَدْ قالَتِ العَرَبٌ: ها أنْتَ ذا قائِمًا، وها أنا ذا قائِمًا. وقالَتْ أيْضًا: هَذا أنا قائِمًا، وها هو ذا قائِمًا، وإنَّما أُخْبِرَ عَنِ الضَّمِيرِ بِاسْمِ الإشارَةِ في اللَّفْظِ، وكَأنَّهُ قالَ: أنْتَ الحاضِرُ، وأنا الحاضِرُ، وهو الحاضِرُ. والمَقْصُودُ مِن حَيْثُ المَعْنى الإخْبارُ بِالحالِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مَجِيئُهم بِالِاسْمِ المُفْرَدِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، فِيما قُلْناهُ مِن قَوْلِهِمْ: ها أنْتَ ذا قائِمًا ونَحْوِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ثُمَّ أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشاهِدُونَ، يَعْنِي أنَّكم قَوْمٌ آخَرُونَ غَيْرُ أُولَئِكَ المُقِرِّينَ، تَنْزِيلًا لِتَغَيُّرِ الصِّفَةِ مَنزِلَةَ تَغَيُّرِ الذّاتِ، كَما تَقُولُ: رَجَعْتُ بِغَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي خَرَجْتُ بِهِ. وقَوْلُهُ: (تَقْتُلُونَ) بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ . انْتَهى كَلامُهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾، هُمُ المُخاطَبُونَ أوَّلًا، فَلَيْسُوا قَوْمًا آخَرِينَ. ألا تَرى أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَنْزِيلِ تَغَيُّرِ الصِّفَةِ مَنزِلَةَ تَغَيُّرِ الذّاتِ لا يَتَأتّى في نَحْوِ: ها أنا ذا قائِمًا ولا في ها أنْتُمْ أُولاءِ ؟ بَلِ المُخاطَبُ هو المُشارُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ الأُسْتاذُ الأجَلُّ أبُو الحَسَنِ بْنُ أحْمَدَ شَيْخُنا: هَؤُلاءِ: رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وأنْتُمْ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وتَقْتُلُونَ: حالٌ، بِها تَمَّ المَعْنى، وهي كانَتِ المَقْصُودَ، فَهي غَيْرُ مُسْتَغْنًى عَنْها، وإنَّما جاءَتْ بَعْدَ أنْ تَمَّ الكَلامُ في المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ كَما تَقُولُ: هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، وأنْتَ قَدْ قَصَدْتَ الإخْبارَ بِانْطِلاقِهِ، لا الإخْبارَ بِأنَّ هَذا هو زَيْدٌ. انْتَهى ما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شَيْخِهِ، وهو أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ الأنْصارِيُّ، مِن أهْلِ بَلَدِنا غَرْناطَةَ، يُعْرَفُ بِابْنِ الباذَشِ، وهو والِدُ الإمامِ أبِي جَعْفَرٍ أحْمَدَ، مُؤَلِّفِ كِتابِ الإقْناعِ في القِراءاتِ، ولَهُ اخْتِياراتٌ في النَّحْوِ، حَدَّثَ بِكِتابِ سِيبَوَيْهِ عَنِ الوَزِيرِ أبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ هِشامٍ المُصْحَفِيِّ، وعَلَّقَ عَنْهُ في النَّحْوِ عَلى كِتابِ الجُمَلِ والإيضاحِ ومَسائِلَ مِن كِتابِ سِيبَوَيْهِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمانٍ وعِشْرِينَ وخَمْسِمِائَةٍ. ولا أدْرِي ما العِلَّةُ في العُدُولِ عَنْ جَعْلِ أنْتُمُ المُبْتَدَأ، وهَؤُلاءِ الخَبَرَ، إلى عَكْسِ هَذا. والعامِلُ في هَذِهِ الحالِ اسْمُ الإشارَةِ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. قالُوا: وهو حالٌ مِنهُ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدِ اتَّحَدَ ذُو الحالِ والعامِلُ فِيها. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا، فَيُطالَعُ هُناكَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ إلى أنَّ هَؤُلاءِ مُنادًى مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ عِنْدَهم لا يَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، ونُقِلَ جَوازُهُ عَنِ الفَرّاءِ، وخَرَّجَ عَلَيْهِ الآيَةَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، جُنُوحًا إلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا القَوْلِ يَقْتُلُونَ خَبَرًا عَنْ أنْتُمْ. وفُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِالنِّداءِ. والفَصْلُ بَيْنَهُما بِالنِّداءِ جائِزٌ، وإنَّما ذَهَبَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ صَعْبٌ عِنْدَهُ أنْ يَنْعَقِدَ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ واسْمِ الإشارَةِ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ. وقَدْ بَيَّنّا كَيْفِيَّةَ انْعِقادِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وقَدْ أنْشَدُوا أبْياتًا حُذِفَ مِنها حَرْفُ النِّداءِ مَعَ اسْمِ الإشارَةِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ رَجُلٍ مِن طَيٍّء:
؎إنَّ الأُولى وصَفُوا قَوْمِي لَهم فَبِهِمْ ∗∗∗ هَذا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَن عاداكَ مَخْذُولا
وذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ وغَيْرُهُ إلى أنَّ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ، ويَقْتُلُونَ الخَبَرُ، وهَؤُلاءِ تَخْصِيصٌ لِلْمُخاطِبِينَ، لَمّا نُبِّهُوا عَلى الحالِ الَّتِي هم عَلَيْها مُقِيمُونَ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا بِأعْنِي. وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ التَّخْصِيصَ لا يَكُونُ بِالنَّكِراتِ، ولا بِأسْماءِ الإشارَةِ. والمُسْتَقْرَأُ مِن لِسانِ العَرَبِ أنَّهُ يَكُونُ أيًّا نَحْوُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، أوْ مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ نَحْوُ: نَحْنُ العَرَبَ أقْرى النّاسِ لِلضَّيْفِ، أوْ بِالإضافَةِ نَحْوُ: «نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ»، وقَدْ يَكُونُ عَلَمًا، كَما أنْشَدُوا:
؎بِنا تَمِيمًا يُكْشَفُ الضَّبابُ
اهـ. وأكْثَرُ ما يَأْتِي بَعْدَ ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ، كَما مَثَّلْناهُ. وقَدْ جاءَ بَعْدَ ضَمِيرِ مُخاطَبٍ، كَقَوْلِهِمْ: بِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى (p-٢٩١)أنَّ هَؤُلاءِ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرٌ عَنْ أنْتُمْ، ويَكُونُ تَقْتُلُونَ صِلَةً لِهَؤُلاءِ، وهَذا لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَقْتُلُونَ، مِن قَتَلَ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الحَسَنُ: تُقَتِّلُونَ مِن قَتَّلَ مُشَدَّدًا. هَكَذا في بَعْضِ التَّفاسِيرِ، وفي تَفْسِيرِ الَمَهْدَوِيِّ أنَّها قِراءَةُ أبِي نَهِيكٍ، قالَ والزُّهْرِيُّ والحَسَنُ: تُقَتِّلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ، مِن قَتَّلَ يَعْنِي مُشَدَّدًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِصَوابِ ذَلِكَ.
﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾: هَذا نَزَلَ في بَنِي قَيْنُقاعَ، وبَنِي قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ. كانَ بَنُو قَيْنُقاعَ أعْداءَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، والأوْسُ والخَزْرَجُ إخْوانٌ، والنَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ أيْضًا إخْوانٌ، ثُمَّ افْتَرَقُوا. فَصارَتِ النَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، وقُرَيْظَةُ حُلَفاءَ الأوْسِ. فَكانُوا يَقْتَتِلُونَ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ الحَرْبُ، فَيَفْدُونَ أسْراهم، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، قالَهُ الَمَهْدَوِيُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُقاتِلُ مَعَ حُلَفائِهِ، وإذا غَلَبُوا خَرَّبُوا دِيارَهم وأخْرَجُوهم، وإذا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَعَيَّرَتْهُمُ العَرَبُ وقالَتْ: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم ثُمَّ تَفْدُونَهم ؟ فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم، وحُرِّمَ عَلَيْنا قِتالُهم، ولَكِنّا نَسْتَحِي أنْ نُذِلَّ حُلَفاءَنا.
﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ﴾: قَرَأ بِتَخْفِيفِ الظّاءِ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأصْلُهُ: تَتَظاهَرُونَ، فَحَذَفَ التّاءَ، وهي عِنْدَنا الثّانِيَةُ لا الأُولى، خِلافًا لِهِشامٍ، إذْ زَعَمَ أنَّ المَحْذُوفَ هي الَّتِي لِلْمُضارَعَةِ، الدّالَّةِ في مِثْلِ هَذا عَلى الخِطابِ، وكَثِيرًا جاءَ في القُرْآنِ حَذْفُ التّاءِ. وقالَ:
؎تَعاطَسُونَ جَمِيعًا حَوْلَ دارِكُمُ ∗∗∗ فَكُلُّكم يا بَنِي حَمْدانَ مَزْكُومُ
يُرِيدُ: تَتَعاطَسُونَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِتَشْدِيدِ الظّاءِ، أيْ بِإدْغامِ الظّاءِ في التّاءِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تُظاهِرُونَ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما: تَظَّهَّرُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ والظّاءِ والهاءِ مُشَدَّدَيْنِ دُونَ ألِفٍ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ بَعْضُهم: تَتَظاهَرُونَ عَلى الأصْلِ. فَهَذِهِ خَمْسُ قِراءاتٍ، ومَعْناها كُلِّها التَّعاوُنُ والتَّناصُرُ. ورَوى أبُو العالِيَةِ قالَ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا اسْتَضْعَفُوا قَوْمًا أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ. عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ: فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ صاحِبُهُ الذَّمَّ واللَّوْمَ، الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي تَنْفِرُ مِنهُ النَّفْسُ ولا يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ القَلْبُ. وفي حَدِيثِ النَّوّاسِ: «الإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكِ» . وقِيلَ: المَعْنى تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِما يُوجِبُ الإثْمَ، وهَذا مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى مُسَبَّبِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الخَمْرُ إثْمًا، كَما قالَ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي
(والعُدْوانِ): هو تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِوَزْنِ فُعالى، وحَمْزَةَ بِوَزْنِ فَعْلى.
﴿تُفادُوهُمْ﴾: قَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ مِن فادى، وقَرَأ الباقُونَ: مِن فَدى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحُسْنُ لَفْظِ الإتْيانِ مِن حَيْثُ هو في مُقابَلَةِ الإخْراجِ فَيَظْهَرُ التَّضادُّ المُقَبِّحُ لِفِعْلِهِمْ في الإخْراجِ، يَعْنِي: أنَّهُ لا يُناسِبُ مَن أسَأْتُمْ إلَيْهِ بِالإخْراجِ مِن دِيارِهِمْ أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِمْ بِالفِداءِ، ومَعْنى تُفادُوهم: تَفْدُوهم، إذِ المُفاعَلَةُ تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ، ومِن واحِدٍ. فَفاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ، وهو أحَدُ مَعانِيها. وقِيلَ: مَعْنى فادى: بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ، ومَعْنى فَدى: دَفَعَ الفِداءَ، ويَشْهَدُ لِلْأوَّلِ قَوْلُ العَبّاسِ: فادَيْتُ نَفْسِي وفادَيْتُ عَقِيلًا. ومَعْلُومٌ أنَّهُ ما بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ. وقِيلَ: مَعْنى تَفْدُوهم بِالصُّلْحِ، وتُفادُوهم بِالعُنْفِ. وقِيلَ تُفادُوهم: تَطْلُبُوا الفِدْيَةَ مِنَ الأسِيرِ الَّذِي في أيْدِيكم مِن أعْدائِكم، ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎قِفِي فادِي أسِيرَكِ إنَّ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمَكِ ما أرى لَهُمُ اجْتِماعا
وتَفْدُوهم: تُعْطُوا فِدْيَتَهم. وقالَ أبُو عَلِيٍّ مَعْنى تُفادُوهم في اللُّغَةِ، تُطْلِقُونَهم بَعْدَ أنْ تَأْخُذُوا عَنْهُ شَيْئًا. وفادَيْتُ نَفْسِي: أيْ أطْلَقْتُها بَعْدَ أنْ دَفَعْتُ شَيْئًا. وفادى وفَدى يَتَعَدَّيانِ إلى مَفْعُولَيْنِ، الثّانِي بِحَرْفِ جَرٍّ، وهو هُنا بِهِ مَحْذُوفٌ.
﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾: تَقَدَّمَتْ أرْبَعَةُ أشْياءَ: قَتْلُ النَّفْسِ، والإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ، (p-٢٩٢)والتَّظاهُرُ، والمُفاداةُ، وهي مُحَرَّمَةٌ. واخْتُصَّ هَذا القِسْمُ بِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ، وإنْ كانَتْ كُلُّها مُحَرَّمَةً، لِما في الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ مِن مَعَرَّةِ الجَلاءِ والنَّفْيِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ شَرُّهُ إلّا بِالمَوْتِ، وذَلِكَ بِخِلافِ القَتْلِ؛ لِأنَّ القَتْلَ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ هو هَدْمُ البِنْيَةِ، أعْظَمُ، لَكِنْ فِيهِ انْقِطاعُ الشَّرِّ، وبِخِلافِ المُفاداةِ بِها، فَإنَّها مِن جَرِيرَةِ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ والتَّظاهُرِ؛ لِأنَّهُ لَوْلا الإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ والتَّظاهُرُ عَلَيْهِمْ، ما وقَعُوا في قَيْدِ الأسْرِ. وقَدْ يَكُونُ أيْضًا مِمّا حُذِفَ فِيهِ مِن كُلِّ جُمْلَةٍ ذِكْرُ التَّحْرِيمِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم، وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، وكَذا باقِيها. وارْتِفاعُ هو عَلى الِابْتِداءِ، وهو إمّا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ عَنْهُ، وإعْرابُها أنْ يَكُونَ إخْراجُهم مُبْتَدَأً ومُحَرَّمٌ خَبَرًا، وفِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الإخْراجِ، إذِ النِّيَّةُ بِهِ التَّأْخِيرُ. ولا يُجِيزُ الكُوفِيُّونَ تَقْدِيمَ الخَبَرِ إذا كانَ مُتَحَمِّلًا ضَمِيرًا مَرْفُوعًا. فَلا يُجِيزُونَ: قائِمٌ زَيْدٌ، عَلى أنْ يَكُونَ قائِمٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، فَلِذَلِكَ عَدَلُوا إلى أنْ يَكُونَ خَبَرَ هو قَوْلُهُ مُحَرَّمٌ، وإخْراجُهم مَرْفُوعٌ بِهِ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وتَبِعَهم عَلى هَذا الَمَهْدَوِيُّ. ولا يُجِيزُ هَذا الوَجْهَ البَصْرِيُّونَ؛ لِأنَّ عِنْدَهم أنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يُخْبَرُ عَنْهُ إلّا بِجُمْلَةٍ مُصَرَّحٍ بِجُزْأيْها، وإذا جَعَلْتَ قَوْلَهُ مُحَرَّمٌ خَبَرًا عَنْ هو، و”إخْراجُهم“ مَرْفُوعًا بِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ قَدْ فُسِّرَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ بِغَيْرِ جُمْلَةٍ. وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ كَما ذَكَرْنا. وأجازُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ هو مُبْتَدَأً، لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، بَلْ هو عائِدٌ عَلى الإخْراجِ، ومُحَرَّمٌ خَبَرٌ عَنْهُ، وإخْراجُهم بَدَلٌ. وهَذا فِيهِ خِلافٌ. مِنهم مَن أجازَ أنْ يُفَسَّرَ المُضْمَرُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ بِالبَدَلِ، ومِنهم مَن مَنَعَ. وأجازَهُ الكِسائِيُّ، وفي بَعْضِ النُّقُولِ. وأجازَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ هو عِمادًا، وهو الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ البَصْرِيُّونَ بِالفَصْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: وإخْراجُهم هو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، فَلَمّا قُدِّمَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى المُبْتَدَأِ، قُدِّمَ مَعَهُ الفَصْلُ. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّ الواوَ ها هُنا تَطْلُبُ الِاسْمَ، وكُلُّ مَوْضِعٍ تَطْلُبُ فِيهِ الِاسْمَ، فالعِمادُ فِيهِ جائِزٌ. ولا يَجُوزُ هَذا التَّخْرِيجُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ فِيهِ أمْرَيْنِ لا يَجُوزانِ عِنْدَهم: أحَدُهُما: وُقُوعُ الفَصْلِ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ لا تُقارِبُ المَعْرِفَةَ، إذِ التَّقْدِيرُ: وإخْراجُهم هو مُحَرَّمٌ، فَمُحَرَّمٌ نَكِرَةٌ لا تُقارِبُ المَعْرِفَةَ. الثّانِي: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ الفَصْلِ، وشَرْطُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، أوْ بَيْنَ ما هُما أصْلُهُ، وهَذِهِ كُلُّها مَسائِلُ تُحَقَّقُ في عِلْمِ النَّحْوِ.
ووَقَعَ في كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ في هَذا المَكانِ أقْوالٌ تُنْتَقَدُ، وهو أنَّهُ قالَ: قِيلَ في ”هو“ إنَّهُ ضَمِيرُ الأمْرِ، تَقْدِيرُهُ: والأمْرُ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، وإخْراجُهم في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن هو. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخْبَرَ عَنْ ضَمِيرِ الأمْرِ بِمُفْرَدٍ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ بَصَرِيٌّ ولا كُوفِيٌّ. أمّا البَصْرِيُّ: فَلِأنَّ مُفَسِّرَ ضَمِيرِ الأمْرِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً وأمّا الكُوفِيُّ: فَلِأنَّهُ يُجِيزُ الجُمْلَةَ ويُجِيزُ المُفْرَدَ إذا كانَ قَدِ انْتَظَمَ مِنهُ ومِمّا بَعْدَهُ مُسْنَدٌ ومُسْنَدٌ إلَيْهِ في المَعْنى، نَحْوُ قَوْلِكَ: ظَنَنْتُهُ قائِمًا الزَّيْدانِ. والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ إخْراجَهم بَدَلًا مِن ضَمِيرِ الأمْرِ، وضَمِيرُ الأمْرِ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ، ولا يُبْدَلُ مِنهُ، ولا يُؤَكَّدُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هو فاصِلَةٌ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّ، ولَيْسَتْ هُنا بِالَّتِي هي عِمادٌ، ومُحَرَّمٌ عَلى هَذا ابْتِداءٌ، وإخْراجُهم خَبَرٌ. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ. والمَنقُولُ عَنِ الكُوفِيِّينَ عَكْسُ هَذا الإعْرابِ، وهو أنْ يَكُونَ الفَصْلُ قَدْ قُدِّمَ مَعَ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ، فَإعْرابُ ”مُحَرَّمٌ“ عِنْدَهم خَبَرٌ مُتَقَدِّمٌ، وإخْراجُهم مُبْتَدَأٌ، وهو المُناسِبُ لِلْقَواعِدِ، إذْ لا يُبْتَدَأُ بِالِاسْمِ إذا كانَ نَكِرَةً، ولا مُسَوِّغَ لَها، ويَكُونُ الخَبَرُ مَعْرِفَةً، بَلِ المُسْتَقِرُّ في لِسانِهِمْ عَكْسُ هَذا، إلّا إنْ كانَ يَرِدُ في شِعْرٍ، فَيُسْمَعُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هو الضَّمِيرُ المُقَدَّرُ في ”مُحَرَّمٌ“ قُدِّمَ وأُظْهِرَ. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ. وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ جِدًّا، إذْ لا مُوجِبَ لِتَقَدُّمِ الضَّمِيرِ، ولا لِبُرُوزِهِ بَعْدَ اسْتِتارِهِ، ولِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى خُلُوِّ اسْمِ المَفْعُولِ مِن ضَمِيرٍ، إذْ عَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مُحَرَّمٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وإخْراجُهم مُبْتَدَأً، ولا يُوجَدُ اسْمُ (p-٢٩٣)فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ عارِيًا مِنَ الضَّمِيرِ، إلّا إذا رَفَعَ الظّاهِرَ. ولا يُمْكِنُ هُنا أنْ يَرْفَعَ الظّاهِرَ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ المُقَدَّمَ ”هو“ كانَ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ بِـ ”مُحَرَّمٌ“، ثُمَّ يَبْقى هَذا الضَّمِيرُ لا يُدْرى ما إعْرابُهُ، إذْ لا جائِزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا مُقَدَّمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هو ضَمِيرُ الإخْراجِ، تَقْدِيرُهُ: وإخْراجُهم مُحَرَّمٌ عَلَيْكم. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ ارْتِفاعِ ”إخْراجُهم“، ولا يَتَأتّى عَلى أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَهُ، ويَكُونَ إخْراجُهم تَفْسِيرًا لِذَلِكَ المُضْمَرِ، إلّا عَلى أنْ يَكُونَ إخْراجُهم بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنْ في ذَلِكَ خِلافًا، مِنهم مَن أجازَ ومِنهم مَن مَنَعَ.
﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والإنْكارُ. ولَمْ يَذُمَّهم عَلى الفِداءِ، بَلْ عَلى المُناقَضَةِ، إذْ أتَوْا بِبَعْضِ الواجِبِ، وتَرَكُوا بَعْضًا. وتَكُونُ المُناقَضَةُ آكَدَ في الذَّمِّ، ولا يُقالُ الإخْراجُ مَعْصِيَةٌ. فَلِمَ سَمّاها كُفْرًا ؟ لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ تَرْكَ الإخْراجِ غَيْرُ واجِبٍ، مَعَ أنَّ صَرِيحَ التَّوْراةِ كانَ دالًّا عَلى وُجُوبِهِ. والبَعْضُ الَّذِي آمَنُوا بِهِ، إنْ كانَ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةَ، فَيَكُونُ عامًّا فِيما آمَنُوا بِهِ مِن أحْكامِها، وفِداءُ الأسِيرِ مِن جُمْلَتِهِ. والبَعْضُ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ: هو قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وإخْراجُ بَعْضِهِمْ مِن دِيارِهِمْ، والمُظاهَرَةُ بِالإثْمِ والعُدْوانِ، مِن جُمْلَةِ ما كَفَرُوا بِهِ مِنَ التَّوْراةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَسْتَعْمِلُونَ البَعْضَ ويَتْرُكُونَ البَعْضَ، تُفادُونَ أسْرى قَبِيلَتِكم، وتَتْرُكُونَ أسْرى أهْلِ مِلَّتِكم ولا تُفادُونَهم. وقِيلَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ الجالُوتِ بِالكُوفَةِ، وهو يُفادِي مِنَ النِّساءِ مَن لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الحَرْبُ، ولا يُفادى مَن وقَعَ عَلَيْهِ الحَرْبُ. قالَ: فَقالَ ابْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ تُفادِيَهُنَّ كُلَّهُنَّ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ إنْ وجَدْتَهُ في يَدِ غَيْرِكَ فَدَيْتَهُ، وأنْتَ تَقْتُلُهُ بِيَدِكَ. وقِيلَ: المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم في تَمَسُّكِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّ الحُجَّةَ في أمْرِهِما سَواءٌ، فَجَرَوْا مَجْرى سَلَفِهِمْ، أنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ، ويَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. قالُوا: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ هُنا المَكْتُوبُ عَلَيْهِمْ مِن هَذِهِ الأحْكامِ الأرْبَعَةِ، أيِ المَفْرُوضُ، والَّذِي آمَنُوا بِهِ مِنها: فِداءُ الأسْرى، والَّذِي كَفَرُوا بِهِ باقِي الأرْبَعَةِ.
﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾: الجَزاءُ يُطْلَقُ في الخَيْرِ والشَّرِّ. قالَ: ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢]، وقالَ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] . والخِزْيُ هُنا: الفَضِيحَةُ، والعُقُوبَةُ، والقَصاصُ فِيمَن قُتِلَ، أوْ ضَرْبُ الجِزْيَةِ غابِرَ الدَّهْرِ، أوْ قَتْلُ قُرَيْظَةَ، وإجْلاءُ النَّضِيرِ مِن مَنازِلِهِمْ إلى أرِيحا، وأذْرِعاتٍ، أوْ غَلَبَةُ العَدُوِّ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ. ولا يَتَأتّى القَوْلُ بِالجِزْيَةِ ولا الجَلاءِ إلّا إنْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى الَّذِينَ كانُوا مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الذَّمَّ العَظِيمَ والتَّحْقِيرَ البالِغَ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ. و”إلّا خِزْيٌ“: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ونَقْضُ النَّفْيِ هُنا نَقْضٌ لِعَمَلِ ما عَلى خِلافٍ في المَسْألَةِ وتَفْصِيلٍ، وذَلِكَ أنَّ الخَبَرَ إذا تَأخَّرَ وأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ إلّا، فَإمّا أنْ يَكُونَ هو الأوَّلَ، أوْ مُنَزَّلًا مَنزِلَتَهُ، أوْ وصْفًا، إنْ كانَ الأوَّلَ في المَعْنى، أوْ مُنَزَّلًا مَنزِلَتَهُ، لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا الرَّفْعُ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وأجازَ الكُوفِيُّونَ النَّصْبَ فِيما كانَ الثّانِي فِيهِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ وصْفًا أجازَ الفَرّاءُ فِيهِ النَّصْبَ، ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ. ونُقِلَ عَنْ يُونُسَ إجازَةُ النَّصْبِ في الخَبَرِ بَعْدَ إلّا كائِنًا ما كانَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما نَقَلَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ، قالَ: لا خِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ إلّا أخُوكَ، إنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا بِالرَّفْعِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ ما أنْتَ إلّا لِحْيَتُكَ، فالبَصْرِيُّونَ يَرْفَعُونَ، والمَعْنى عِنْدَهم: ما فِيكَ إلّا لِحْيَتُكَ، (p-٢٩٤)وكَذا: ما أنْتَ إلّا عَيْناكَ. وأجازَ في هَذا الكُوفِيُّونَ النَّصْبَ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في غَيْرِ المَصادِرِ، إلّا أنْ يُعْرَفَ المَعْنى، فَتُضْمِرَ ناصِبًا نَحْوَ: ما أنْتَ إلّا لِحْيَتَكَ مَرَّةً وعَيْنَكَ أُخْرى، وما أنْتَ إلّا عِمامَتَكَ تَحْسِينًا ورِداءَكَ تَزْيِينًا.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ مُمْتَدٍّ إلى أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ العِبادِ، ويَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ. ومَعْنى يُرَدُّونَ: يَصِيرُونَ، فَلا يَلْزَمُ كَيْنُونَتُهم قَبْلَ ذَلِكَ في أشَدِّ العَذابِ، أوْ يُرادُ بِالرَّدِّ: الرُّجُوعُ إلى شَيْءٍ كانُوا فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣]، وكَأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا في أشَدِّ العَذابِ أيْضًا، لِأنَّهم عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والجَلاءِ وأنْواعٍ مِنَ العَذابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُرَدُّونَ بِالياءِ، وهو مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: (مَن يَفْعَلُ) . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التِفاتًا، فَيَكُونَ راجِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ﴾، فَيَكُونَ قَدْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما: تُرَدُّونَ بِالتّاءِ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ﴾ . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التِفاتًا بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾، فَيَكُونَ قَدْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ. وأشَدُّ العَذابِ: الخُلُودُ في النّارِ، وأشَدِّيَّتُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا انْقِضاءَ لَهُ، أوْ أنْواعُ عَذابِ جَهَنَّمَ، لِأنَّها دَرَكاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وفِيها أوْدِيَةٌ وحَيّاتٌ، أوِ العَذابُ الَّذِي لا فَرَحَ فِيهِ ولا رُوحَ مَعَ اليَأْسِ مِنَ التَّخَلُّصِ، أوِ الأشَدِّيَّةُ هي بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِ الدُّنْيا، أوِ الأشَدِّيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِ عامَّتِهِمْ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم ودَلَّسُوا عَلَيْهِمْ، أقْوالًا خَمْسَةً.
﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤]: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ هَذا الكَلامِ، إذْ وقَعَ قَبْلَ ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ. فَبِالياءِ ناسَبَ يُرَدُّونَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وبِالتّاءِ تُناسِبُ قِراءَةَ تُرَدُّونَ بِالتّاءِ، فَيَكُونُ المُخاطَبُ بِذَلِكَ مَن كانَ مُخاطَبًا في الآيَةِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ مَضَوْا، وأنْتُمُ الَّذِينَ تُعْنَوْنَ بِهَذا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وبِما يَجْرِي مَجْراهُ، وهَذِهِ الآيَةُ مَن أوْعَظِ الآياتِ، إذِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ بِالمِرْصادِ لِكُلِّ كافِرٍ وعاصٍ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أنَّهم آمَنُوا بِبَعْضِ (p-٢٩٥)الكِتابِ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إلى الَّذِينَ جَمَعُوا الأوْصافَ السّابِقَةَ الذَّمِيمَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وأنَّهُ إذا عُدِّدَتْ أوْصافٌ لِمَوْصُوفٍ، أُشِيرَ إلى ذَلِكَ المَوْصُوفِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ هو جامِعُ تِلْكَ الأوْصافِ. والَّذِينَ: خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (اشْتَرَوُا)، وتَقَدَّمَ أنَّ الشِّراءَ والبَيْعَ يَقْتَضِيانِ عِوَضًا ومُعَوَّضًا أعْيانًا. فَتَوَسَّعَتِ العَرَبُ في ذَلِكَ إلى المَعانِي، وجَعَلَ إيثارَهم بَهْجَةَ الدُّنْيا وزِينَتَها عَلى النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ اشْتِراءً، إيثارًا لِلْعاجِلِ الفانِي عَلى الآجِلِ الباقِي، إذِ المُشْتَرِي لَيْسَ هو المُؤْثِرَ لِتَحْصِيلِهِ، والثَّمَنُ المَبْذُولُ فِيهِ مَرْغُوبٌ عَنْهُ عِنْدَهُ، ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا مَغْبُونُ الرَّأْيِ فاسِدُ العَقْلِ.
قالَ بَعْضُ أرْبابِ المَعانِي: إنَّ الدُّنْيا ما دَنا مِن شَهَواتِ القَلْبِ، والآخِرَةَ ما اتَّصَلَتْ بِرِضا الرَّبِّ. فَلا يُخَفَّفُ: مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُوصَلَ المَوْصُولُ بِصِلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ زَمانًا، تَقُولُ: جاءَنِي الَّذِي قَتَلَ زَيْدًا بِالأمْسِ، وسَيَقْتُلُ غَدًا أخاهُ، إذِ الصَّلاةُ هي جُمَلٌ، فَمَن يَشْتَرِطُ اتِّحادَ زَمانِ أفْعالِها بِخِلافِ ما يَنْزِلُ مِنَ الأفْعالِ مَنزِلَةَ المُفْرَداتِ، فَإنَّهم نَصُّوا عَلى اشْتِراطِ اتِّحادِ الزَّمانِ مُضِيًّا أوْ غَيْرَهُ، وعَلى اخْتِيارِ التَّوافُقِ في الصِّيغَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً، والَّذِينَ بِصِلَتِهِ خَبَرًا. و”فَلا يُخَفَّفُ“: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وعَلَّلَ دُخُولَ الفاءِ لِأنَّ الَّذِينَ، إذا كانَتْ صِلَتُهُ فِعْلًا، كانَ فِيها مَعْنى الشُّرُوطِ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ هُنا أعْرَبَهُ خَبَرًا عَنْ أُولَئِكَ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ فَلا يُخَفَّفُ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ، إنَّما هو خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ، ولا يَسْرِي لِلْمُبْتَدَأِ الشَّرْطِيَّةُ مِنَ المَوْصُولِ الواقِعِ خَبَرًا عَنْهُ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وفَلا يُخَفَّفُ: خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ، والَّذِينَ وخَبَرُهُ خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ. قِيلَ: ولَمْ يَحْتَجْ إلى عائِدٍ؛ لِأنَّ ”الَّذِينَ“ هم ”أُولَئِكَ“، كَما تَقُولُ: هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ وقَعَتْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ فَلا بُدَّ فِيها مِن رابَطٍ، إلّا إنْ كانَتْ نَفْسَ المُبْتَدَأِ في المَعْنى، فَلا يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ الرّابِطِ. وقَدْ أخْبَرْتَ عَنْ أُولَئِكَ بِالمُبْتَدَأِ المَوْصُولِ وبِخَبَرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ الرّابِطِ. ولَيْسَ نَظِيرَ ما مَثَّلَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ؛ لِأنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ خَبَرانِ عَنْ هَذا، وهُما مُفْرَدانِ، أوْ يَكُونُ زَيْدٌ بَدَلًا مِن هَذا، ومُنْطَلِقٌ خَبَرًا. وإمّا أنْ يَكُونَ هَذا مُبْتَدَأً، وزَيْدٌ مُبْتَدَأً ثانِيًا، ومُنْطَلِقٌ خَبَرًا عَنْ زَيْدٍ، ويَكُونَ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنْ هَذا، فَلا يَجُوزُ لِعَدَمِ الرّابِطِ. وأيْضًا فَلَوْ كانَ هُنا رابِطٌ، لَما جازَ هَذا الإعْرابُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ مَخْصُوصٌ بِالإشارَةِ إلَيْهِ، فَلا يُشْبِهُ اسْمَ الشَّرْطِ، إذْ يَزُولُ العُمُومُ بِاخْتِصاصِهِ، ولِأنَّ صِلَةَ الَّذِينَ ماضِيَةٌ لَفْظًا ومَعْنًى. ومَعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لا يَجُوزُ دُخُولُ الفاءِ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا. والتَّخْفِيفُ هو التَّسْهِيلُ، وقَدْ حُمِلَ نَفْيُ التَّخْفِيفِ عَلى الِانْقِطاعِ، وحُمِلَ أيْضًا عَلى التَّشْدِيدِ. والأوْلى حَمْلُهُ عَلى نَفْيِ التَّخْفِيفِ بِالِانْقِطاعِ، أوْ بِالتَّقْلِيلِ مِنهُ، أوْ في وقْتٍ، أوْ في كُلِّ الأوْقاتِ؛ لِأنَّهُ نَفْيٌ لِلْماهِيَّةِ، فَيَسْتَلْزِمُ نَفْيَ أشْخاصِها وصُوَرِها. والظّاهِرُ مِنَ النَّفْيِ بِلا والكَثِيرُ فِيها أنَّهُ نَفْيٌ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَفْيَ التَّخْفِيفِ بِأنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَفي الدُّنْيا بِنُقْصانِ الجِزْيَةِ، وكَذَلِكَ نَفْيُ النَّصْرِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ومَعْنى نَفْيِ النَّصْرِ: أنَّهم لا يَجِدُونَ مَن يَدْفَعُ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ.
﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِعْلِيَّةً وتَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، فَيَكُونَ هم مَرْفُوعًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎وإنْ هو لَمْ يَحْمِلْ عَلى النَّفْسِ ضَيْمَها
ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ ويُحَسِّنُهُ كَوْنُهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (فَلا يُخَفَّفُ)، وهو جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، إذْ لَوْلا تَقَدُّمُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لَكانَ الأرْجَحُ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ، وذَلِكَ أنَّ ”لا“ لَيْسَتْ مِمّا تَطْلُبُ الفِعْلَ، لا اخْتِصاصًا ولا أوْلَوِيَّةً، فَتَكُونُ كانَ والهَمْزَةُ خِلافًا لِأبِي مُحَمَّدِ بْنِ السَّيِّدِ، إذْ زَعَمَ أنَّ الحَمْلَ عَلى الفِعْلِ فِيما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لا أوْلى مِنَ الِابْتِداءِ، وبِناءَ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ أوْلى مِن بِنائِهِ لِلْفاعِلِ؛ لِأنَّهُ أعَمُّ، إلّا إنْ جُعِلَ الفاعِلُ عامًّا، فَيَكُونُ: ولا هم (p-٢٩٦)يَنْصُرُهم أحَدٌ، فَكانَ يُفَوِّتُ بِذَلِكَ اخْتِتامَ الفَواصِلِ بِما اخْتُتِمَتْ بِهِ قَبْلُ وبَعْدُ، ويُفَوِّتُ الإيجازَ، مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ يُفِيدُ ذَلِكَ، أعْنِي العُمُومَ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ أِخْبارَ اللَّهِ تَعالى، أنَّهُ أخَذَ المِيثاقَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإفْرادِ العِبادَةِ، والإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ، وإلى ذِي القُرْبى، واليَتامى، والمَساكِينِ، وبِالقَوْلِ الحَسَنِ لِلنّاسِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وأنَّهم نَقَضُوا المِيثاقَ بِتَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمْ، وأنَّهُ أخَذَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَسْفِكُوا دِماءَهم، ولا يُخْرِجُونَ أنْفُسَهم مِن دِيارِهِمْ، وأنَّهم أقَرُّوا والتَزَمُوا ذَلِكَ. فَكانَ المِيثاقُ الأوَّلُ يَتَضَمَّنُ الأوامِرَ، والمِيثاقُ الثّانِي يَتَضَمَّنُ النَّواهِيَ؛ لِأنَّ التَّكالِيفَ الإلَهِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي. وكانَ البَدْءُ بِالأوامِرِ آكَدَ، لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أفْعالًا، والنَّواهِي تَتَضَمَّنُ تُرُوكًا، والأفْعالُ أشَقُّ مِنَ التُّرُوكِ. وكانَ مِنَ الأوامِرِ الأمْرُ بِإفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ، وهو رَأْسُ الإيمانِ، إذْ مُتَعَلِّقُهُ أشْرَفُ المُتَعَلِّقاتِ، فَكانَ البَدْءُ بِهِ أوْلى. ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمُ التِباسَهم بِما نُهُوا عَنْهُ، وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ إخْبارُهُ أنَّهم خالَفُوا في الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٣]؛ لِأنَّ فِعْلَ المَنهِيّاتِ أقْبَحُ مِن تَرْكِ المَأْمُوراتِ، لِأنَّها تُرُوكٌ كَما ذَكَرْنا.
ثُمَّ قَرَّعَهم بِمُخالَفَةِ نَواهِي اللَّهِ، وأنَّهم مُسْتَعِينُونَ في ذَلِكَ بِغَيْرِ الحَقِّ، بَلْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَناقُضَ آرائِهِمْ وسُخْفَ عُقُولِهِمْ، بِفِداءِ مَن أتى إلَيْهِمْ مِنهم، مَعَ أنَّهم هُمُ السَّبَبُ في إخْراجِهِمْ وأسْرِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِتَحْرِيمِ إخْراجِهِمْ، وبِذِكْرِ أنَّهم آمَنُوا بِبَعْضِ الكِتابِ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ. هَذا مَعَ أنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ الكُفْرَ بِبَعْضٍ والإيمانَ بِبَعْضٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الجَزاءَ لِفاعِلِ ذَلِكَ هو الخِزْيُ في الدُّنْيا، وأشَدُّ العَذابِ في الآخِرَةِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفُلُ عَمّا عَمِلُوهُ، فَيُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ أشارَ إلى مَن تَحَلّى بِهَذِهِ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ، هو قَدِ اشْتَرى عاجِلًا تافِهًا بِآجِلٍ جَلِيلٍ، وآثَرَ فانِيًا مُكَدَّرًا عَلى باقٍ صافٍ. وأنَّ نَتِيجَةَ هَذا الشِّراءِ أنْ لا يُخَفَّفَ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، ولا يَجِدُوا ناصِرًا يَدْفَعُ عَنْهم سُوءَ العِقابِ. لَقَدْ خَسِرُوا تِجارَةً، وبُدِّلُوا بِالنَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ. وإذا كانَ التَّخْفِيفُ قَدْ نُفِيَ، فالرَّفْعُ أوْلى. وهَلْ هَذا إلّا مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى ؟ .
البقرة 2:86
﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾: الكَلامُ عَلى: ﴿تَسْفِكُونَ﴾، كالكَلامِ عَلى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] مِن حَيْثُ الإعْرابُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ؛ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما ضَمّا الفاءَ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ وأبُو مِجْلَزٍ: بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ سَكَّنَ السِّينَ وخَفَّفَ الفاءَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾، أيْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِأنْفُسِكم لِشِدَّةٍ تُصِيبُكم وحَنَقٍ يَلْحَقُكم. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ أمْرُ الَّذِي وضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ في الأرْضِ وذُبابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. وإخْبارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. وصَحَّ: «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا» . وتَظافَرَتْ عَلى تَحْرِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ المِلَلُ. وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وقِيلَ مَعْناهُ: لا تَسْفِكُوا دِماءَ النّاسِ، فَإنَّ مَن سَفَكَ دِماءَهم سَفَكُوا دَمَهُ، وقالَ:
؎سَقَيْناهم كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْلِها ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا
وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِارْتِكابِكم ما يُوجِبُ ذَلِكَ، كالِارْتِدادِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، والمُحارَبَةِ، وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُزِيلُ عِصْمَةَ الدِّماءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دِماءَ بَعْضٍ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ»، وكانَ أهْلُ دِينٍ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ مِيثاقًا أنْ لا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، ولا يَنْفِيَهُ، ولا يَسْتَرِقَهُ، ولا يَدَعَهُ يَسْتَرِقُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطّاعاتِ. والخِطابُ في ”أخَذْنا مِيثاقَكم“ لِعُلَماءِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ مَعَ أسْلافِهِمْ.
﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يُخْرِجْ بَعْضُكم بَعْضًا، أوْ لا تُسِيئُوا جِوارَ مَن جاوَرَكم فَتُلْجِئُوهم إلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم، أوْ لا تَفْعَلُوا ما تُخْرِجُونَ بِهِ أنْفُسَكم مِنَ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُكم، أوْ لا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم، أيْ إخْوانَكم، لِأنَّكم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ لا تُفْسِدُوا فَيَكُونَ سَبَبًا لِإخْراجِكم مِن دِيارِكم، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى تَغْرِيبِ الجانِي، أوْ لا تُفْسِدُوا وتُشاقُّوا الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ فَيُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الجَلاءُ. أقْوالٌ سِتَّةٌ. ثُمَّ أقْرَرْتُمْ: أيْ بِالمِيثاقِ، واعْتَرَفْتُمْ بِلُزُومِهِ، أوِ اعْتَرَفْتُمْ بِقَبُولِهِ، أوْ رَضِيتُمْ بِهِ، كَما قالَ البُعَيْثُ:
؎ولَسْتُ كُلَيْبِيًّا إذا سِيمَ خُطَّةً ∗∗∗ أقَرَّ كَإقْرارِ الحَلِيلَةِ لِلْبَعْلِ
﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: أيْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ أخَذَهُ عَلَيْكم، وأرادَ عَلى قُدَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، إنْ كانَ الخِطابُ وارِدًا عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ عَلى مُعاصِرِيهِ ﷺ مِن أبْنائِهِمْ، فَمَعْناهُ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلى أسْلافِكم بِما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَهْدِ، إمّا بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، وإمّا بِما تَتْلُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ. وإنْ كانَ مَعْنى الشَّهادَةِ الحُضُورَ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِأسْلافِهِمْ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ عائِدٌ إلى الخَلَفِ، وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عائِدٌ إلى السَّلَفِ ؟ لِأنَّهم عايَنُوا سَفْكَ دِماءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وقالَ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ لِأنَّ الأوائِلَ والأصاغِرَ صارُوا كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَلِذَلِكَ أطْلَقَ عَلَيْهِمْ خِطابَ الحَضْرَةِ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ مُقِرٌّ عَلى نَفْسِهِ بِكَذا، شاهِدٌ عَلَيْها.
(p-٢٩٠)﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾: هَذا اسْتِبْعادٌ لِما أخْبَرَ عَنْهم بِهِ مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ والعُدْوانِ، بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ مِنهم، وإقْرارِهِمْ وشَهادَتِهِمْ. واخْتَلَفَ المُعْرِبُونَ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، فالمُخْتارُ أنَّ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ، وهَؤُلاءِ خَبَرٌ، وتَقْتُلُونَ حالٌ. وقَدْ قالَتِ العَرَبٌ: ها أنْتَ ذا قائِمًا، وها أنا ذا قائِمًا. وقالَتْ أيْضًا: هَذا أنا قائِمًا، وها هو ذا قائِمًا، وإنَّما أُخْبِرَ عَنِ الضَّمِيرِ بِاسْمِ الإشارَةِ في اللَّفْظِ، وكَأنَّهُ قالَ: أنْتَ الحاضِرُ، وأنا الحاضِرُ، وهو الحاضِرُ. والمَقْصُودُ مِن حَيْثُ المَعْنى الإخْبارُ بِالحالِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مَجِيئُهم بِالِاسْمِ المُفْرَدِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، فِيما قُلْناهُ مِن قَوْلِهِمْ: ها أنْتَ ذا قائِمًا ونَحْوِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ثُمَّ أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشاهِدُونَ، يَعْنِي أنَّكم قَوْمٌ آخَرُونَ غَيْرُ أُولَئِكَ المُقِرِّينَ، تَنْزِيلًا لِتَغَيُّرِ الصِّفَةِ مَنزِلَةَ تَغَيُّرِ الذّاتِ، كَما تَقُولُ: رَجَعْتُ بِغَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي خَرَجْتُ بِهِ. وقَوْلُهُ: (تَقْتُلُونَ) بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ . انْتَهى كَلامُهُ. والظّاهِرُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾، هُمُ المُخاطَبُونَ أوَّلًا، فَلَيْسُوا قَوْمًا آخَرِينَ. ألا تَرى أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَنْزِيلِ تَغَيُّرِ الصِّفَةِ مَنزِلَةَ تَغَيُّرِ الذّاتِ لا يَتَأتّى في نَحْوِ: ها أنا ذا قائِمًا ولا في ها أنْتُمْ أُولاءِ ؟ بَلِ المُخاطَبُ هو المُشارُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ الأُسْتاذُ الأجَلُّ أبُو الحَسَنِ بْنُ أحْمَدَ شَيْخُنا: هَؤُلاءِ: رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وأنْتُمْ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وتَقْتُلُونَ: حالٌ، بِها تَمَّ المَعْنى، وهي كانَتِ المَقْصُودَ، فَهي غَيْرُ مُسْتَغْنًى عَنْها، وإنَّما جاءَتْ بَعْدَ أنْ تَمَّ الكَلامُ في المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ كَما تَقُولُ: هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، وأنْتَ قَدْ قَصَدْتَ الإخْبارَ بِانْطِلاقِهِ، لا الإخْبارَ بِأنَّ هَذا هو زَيْدٌ. انْتَهى ما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ شَيْخِهِ، وهو أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ الأنْصارِيُّ، مِن أهْلِ بَلَدِنا غَرْناطَةَ، يُعْرَفُ بِابْنِ الباذَشِ، وهو والِدُ الإمامِ أبِي جَعْفَرٍ أحْمَدَ، مُؤَلِّفِ كِتابِ الإقْناعِ في القِراءاتِ، ولَهُ اخْتِياراتٌ في النَّحْوِ، حَدَّثَ بِكِتابِ سِيبَوَيْهِ عَنِ الوَزِيرِ أبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ هِشامٍ المُصْحَفِيِّ، وعَلَّقَ عَنْهُ في النَّحْوِ عَلى كِتابِ الجُمَلِ والإيضاحِ ومَسائِلَ مِن كِتابِ سِيبَوَيْهِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمانٍ وعِشْرِينَ وخَمْسِمِائَةٍ. ولا أدْرِي ما العِلَّةُ في العُدُولِ عَنْ جَعْلِ أنْتُمُ المُبْتَدَأ، وهَؤُلاءِ الخَبَرَ، إلى عَكْسِ هَذا. والعامِلُ في هَذِهِ الحالِ اسْمُ الإشارَةِ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. قالُوا: وهو حالٌ مِنهُ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدِ اتَّحَدَ ذُو الحالِ والعامِلُ فِيها. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا، فَيُطالَعُ هُناكَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ إلى أنَّ هَؤُلاءِ مُنادًى مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ عِنْدَهم لا يَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، ونُقِلَ جَوازُهُ عَنِ الفَرّاءِ، وخَرَّجَ عَلَيْهِ الآيَةَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، جُنُوحًا إلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا القَوْلِ يَقْتُلُونَ خَبَرًا عَنْ أنْتُمْ. وفُصِلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِالنِّداءِ. والفَصْلُ بَيْنَهُما بِالنِّداءِ جائِزٌ، وإنَّما ذَهَبَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ صَعْبٌ عِنْدَهُ أنْ يَنْعَقِدَ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ واسْمِ الإشارَةِ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ. وقَدْ بَيَّنّا كَيْفِيَّةَ انْعِقادِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وقَدْ أنْشَدُوا أبْياتًا حُذِفَ مِنها حَرْفُ النِّداءِ مَعَ اسْمِ الإشارَةِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ رَجُلٍ مِن طَيٍّء:
؎إنَّ الأُولى وصَفُوا قَوْمِي لَهم فَبِهِمْ ∗∗∗ هَذا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَن عاداكَ مَخْذُولا
وذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ وغَيْرُهُ إلى أنَّ أنْتُمْ مُبْتَدَأٌ، ويَقْتُلُونَ الخَبَرُ، وهَؤُلاءِ تَخْصِيصٌ لِلْمُخاطِبِينَ، لَمّا نُبِّهُوا عَلى الحالِ الَّتِي هم عَلَيْها مُقِيمُونَ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَنصُوبًا بِأعْنِي. وقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ التَّخْصِيصَ لا يَكُونُ بِالنَّكِراتِ، ولا بِأسْماءِ الإشارَةِ. والمُسْتَقْرَأُ مِن لِسانِ العَرَبِ أنَّهُ يَكُونُ أيًّا نَحْوُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، أوْ مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ نَحْوُ: نَحْنُ العَرَبَ أقْرى النّاسِ لِلضَّيْفِ، أوْ بِالإضافَةِ نَحْوُ: «نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ»، وقَدْ يَكُونُ عَلَمًا، كَما أنْشَدُوا:
؎بِنا تَمِيمًا يُكْشَفُ الضَّبابُ
اهـ. وأكْثَرُ ما يَأْتِي بَعْدَ ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ، كَما مَثَّلْناهُ. وقَدْ جاءَ بَعْدَ ضَمِيرِ مُخاطَبٍ، كَقَوْلِهِمْ: بِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى (p-٢٩١)أنَّ هَؤُلاءِ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرٌ عَنْ أنْتُمْ، ويَكُونُ تَقْتُلُونَ صِلَةً لِهَؤُلاءِ، وهَذا لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَقْتُلُونَ، مِن قَتَلَ مُخَفَّفًا. وقَرَأ الحَسَنُ: تُقَتِّلُونَ مِن قَتَّلَ مُشَدَّدًا. هَكَذا في بَعْضِ التَّفاسِيرِ، وفي تَفْسِيرِ الَمَهْدَوِيِّ أنَّها قِراءَةُ أبِي نَهِيكٍ، قالَ والزُّهْرِيُّ والحَسَنُ: تُقَتِّلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ، مِن قَتَّلَ يَعْنِي مُشَدَّدًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِصَوابِ ذَلِكَ.
﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾: هَذا نَزَلَ في بَنِي قَيْنُقاعَ، وبَنِي قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ. كانَ بَنُو قَيْنُقاعَ أعْداءَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، والأوْسُ والخَزْرَجُ إخْوانٌ، والنَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ أيْضًا إخْوانٌ، ثُمَّ افْتَرَقُوا. فَصارَتِ النَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، وقُرَيْظَةُ حُلَفاءَ الأوْسِ. فَكانُوا يَقْتَتِلُونَ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ الحَرْبُ، فَيَفْدُونَ أسْراهم، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، قالَهُ الَمَهْدَوِيُّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُقاتِلُ مَعَ حُلَفائِهِ، وإذا غَلَبُوا خَرَّبُوا دِيارَهم وأخْرَجُوهم، وإذا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَعَيَّرَتْهُمُ العَرَبُ وقالَتْ: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم ثُمَّ تَفْدُونَهم ؟ فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم، وحُرِّمَ عَلَيْنا قِتالُهم، ولَكِنّا نَسْتَحِي أنْ نُذِلَّ حُلَفاءَنا.
﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ﴾: قَرَأ بِتَخْفِيفِ الظّاءِ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأصْلُهُ: تَتَظاهَرُونَ، فَحَذَفَ التّاءَ، وهي عِنْدَنا الثّانِيَةُ لا الأُولى، خِلافًا لِهِشامٍ، إذْ زَعَمَ أنَّ المَحْذُوفَ هي الَّتِي لِلْمُضارَعَةِ، الدّالَّةِ في مِثْلِ هَذا عَلى الخِطابِ، وكَثِيرًا جاءَ في القُرْآنِ حَذْفُ التّاءِ. وقالَ:
؎تَعاطَسُونَ جَمِيعًا حَوْلَ دارِكُمُ ∗∗∗ فَكُلُّكم يا بَنِي حَمْدانَ مَزْكُومُ
يُرِيدُ: تَتَعاطَسُونَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِتَشْدِيدِ الظّاءِ، أيْ بِإدْغامِ الظّاءِ في التّاءِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تُظاهِرُونَ، بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما: تَظَّهَّرُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ والظّاءِ والهاءِ مُشَدَّدَيْنِ دُونَ ألِفٍ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقَرَأ بَعْضُهم: تَتَظاهَرُونَ عَلى الأصْلِ. فَهَذِهِ خَمْسُ قِراءاتٍ، ومَعْناها كُلِّها التَّعاوُنُ والتَّناصُرُ. ورَوى أبُو العالِيَةِ قالَ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا اسْتَضْعَفُوا قَوْمًا أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ. عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ: فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ صاحِبُهُ الذَّمَّ واللَّوْمَ، الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي تَنْفِرُ مِنهُ النَّفْسُ ولا يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ القَلْبُ. وفي حَدِيثِ النَّوّاسِ: «الإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكِ» . وقِيلَ: المَعْنى تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِما يُوجِبُ الإثْمَ، وهَذا مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى مُسَبَّبِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الخَمْرُ إثْمًا، كَما قالَ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي
(والعُدْوانِ): هو تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ.
﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِوَزْنِ فُعالى، وحَمْزَةَ بِوَزْنِ فَعْلى.
﴿تُفادُوهُمْ﴾: قَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ مِن فادى، وقَرَأ الباقُونَ: مِن فَدى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحُسْنُ لَفْظِ الإتْيانِ مِن حَيْثُ هو في مُقابَلَةِ الإخْراجِ فَيَظْهَرُ التَّضادُّ المُقَبِّحُ لِفِعْلِهِمْ في الإخْراجِ، يَعْنِي: أنَّهُ لا يُناسِبُ مَن أسَأْتُمْ إلَيْهِ بِالإخْراجِ مِن دِيارِهِمْ أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِمْ بِالفِداءِ، ومَعْنى تُفادُوهم: تَفْدُوهم، إذِ المُفاعَلَةُ تَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ، ومِن واحِدٍ. فَفاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ، وهو أحَدُ مَعانِيها. وقِيلَ: مَعْنى فادى: بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ، ومَعْنى فَدى: دَفَعَ الفِداءَ، ويَشْهَدُ لِلْأوَّلِ قَوْلُ العَبّاسِ: فادَيْتُ نَفْسِي وفادَيْتُ عَقِيلًا. ومَعْلُومٌ أنَّهُ ما بادَلَ أسِيرًا بِأسِيرٍ. وقِيلَ: مَعْنى تَفْدُوهم بِالصُّلْحِ، وتُفادُوهم بِالعُنْفِ. وقِيلَ تُفادُوهم: تَطْلُبُوا الفِدْيَةَ مِنَ الأسِيرِ الَّذِي في أيْدِيكم مِن أعْدائِكم، ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎قِفِي فادِي أسِيرَكِ إنَّ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمَكِ ما أرى لَهُمُ اجْتِماعا
وتَفْدُوهم: تُعْطُوا فِدْيَتَهم. وقالَ أبُو عَلِيٍّ مَعْنى تُفادُوهم في اللُّغَةِ، تُطْلِقُونَهم بَعْدَ أنْ تَأْخُذُوا عَنْهُ شَيْئًا. وفادَيْتُ نَفْسِي: أيْ أطْلَقْتُها بَعْدَ أنْ دَفَعْتُ شَيْئًا. وفادى وفَدى يَتَعَدَّيانِ إلى مَفْعُولَيْنِ، الثّانِي بِحَرْفِ جَرٍّ، وهو هُنا بِهِ مَحْذُوفٌ.
﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾: تَقَدَّمَتْ أرْبَعَةُ أشْياءَ: قَتْلُ النَّفْسِ، والإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ، (p-٢٩٢)والتَّظاهُرُ، والمُفاداةُ، وهي مُحَرَّمَةٌ. واخْتُصَّ هَذا القِسْمُ بِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ، وإنْ كانَتْ كُلُّها مُحَرَّمَةً، لِما في الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ مِن مَعَرَّةِ الجَلاءِ والنَّفْيِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ شَرُّهُ إلّا بِالمَوْتِ، وذَلِكَ بِخِلافِ القَتْلِ؛ لِأنَّ القَتْلَ، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ هو هَدْمُ البِنْيَةِ، أعْظَمُ، لَكِنْ فِيهِ انْقِطاعُ الشَّرِّ، وبِخِلافِ المُفاداةِ بِها، فَإنَّها مِن جَرِيرَةِ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ والتَّظاهُرِ؛ لِأنَّهُ لَوْلا الإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ والتَّظاهُرُ عَلَيْهِمْ، ما وقَعُوا في قَيْدِ الأسْرِ. وقَدْ يَكُونُ أيْضًا مِمّا حُذِفَ فِيهِ مِن كُلِّ جُمْلَةٍ ذِكْرُ التَّحْرِيمِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم، وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، وكَذا باقِيها. وارْتِفاعُ هو عَلى الِابْتِداءِ، وهو إمّا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ عَنْهُ، وإعْرابُها أنْ يَكُونَ إخْراجُهم مُبْتَدَأً ومُحَرَّمٌ خَبَرًا، وفِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الإخْراجِ، إذِ النِّيَّةُ بِهِ التَّأْخِيرُ. ولا يُجِيزُ الكُوفِيُّونَ تَقْدِيمَ الخَبَرِ إذا كانَ مُتَحَمِّلًا ضَمِيرًا مَرْفُوعًا. فَلا يُجِيزُونَ: قائِمٌ زَيْدٌ، عَلى أنْ يَكُونَ قائِمٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، فَلِذَلِكَ عَدَلُوا إلى أنْ يَكُونَ خَبَرَ هو قَوْلُهُ مُحَرَّمٌ، وإخْراجُهم مَرْفُوعٌ بِهِ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وتَبِعَهم عَلى هَذا الَمَهْدَوِيُّ. ولا يُجِيزُ هَذا الوَجْهَ البَصْرِيُّونَ؛ لِأنَّ عِنْدَهم أنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يُخْبَرُ عَنْهُ إلّا بِجُمْلَةٍ مُصَرَّحٍ بِجُزْأيْها، وإذا جَعَلْتَ قَوْلَهُ مُحَرَّمٌ خَبَرًا عَنْ هو، و”إخْراجُهم“ مَرْفُوعًا بِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ قَدْ فُسِّرَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ بِغَيْرِ جُمْلَةٍ. وهو لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ كَما ذَكَرْنا. وأجازُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ هو مُبْتَدَأً، لَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، بَلْ هو عائِدٌ عَلى الإخْراجِ، ومُحَرَّمٌ خَبَرٌ عَنْهُ، وإخْراجُهم بَدَلٌ. وهَذا فِيهِ خِلافٌ. مِنهم مَن أجازَ أنْ يُفَسَّرَ المُضْمَرُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ بِالبَدَلِ، ومِنهم مَن مَنَعَ. وأجازَهُ الكِسائِيُّ، وفي بَعْضِ النُّقُولِ. وأجازَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ هو عِمادًا، وهو الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ البَصْرِيُّونَ بِالفَصْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: وإخْراجُهم هو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، فَلَمّا قُدِّمَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى المُبْتَدَأِ، قُدِّمَ مَعَهُ الفَصْلُ. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّ الواوَ ها هُنا تَطْلُبُ الِاسْمَ، وكُلُّ مَوْضِعٍ تَطْلُبُ فِيهِ الِاسْمَ، فالعِمادُ فِيهِ جائِزٌ. ولا يَجُوزُ هَذا التَّخْرِيجُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ فِيهِ أمْرَيْنِ لا يَجُوزانِ عِنْدَهم: أحَدُهُما: وُقُوعُ الفَصْلِ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ لا تُقارِبُ المَعْرِفَةَ، إذِ التَّقْدِيرُ: وإخْراجُهم هو مُحَرَّمٌ، فَمُحَرَّمٌ نَكِرَةٌ لا تُقارِبُ المَعْرِفَةَ. الثّانِي: أنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ الفَصْلِ، وشَرْطُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، أوْ بَيْنَ ما هُما أصْلُهُ، وهَذِهِ كُلُّها مَسائِلُ تُحَقَّقُ في عِلْمِ النَّحْوِ.
ووَقَعَ في كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ في هَذا المَكانِ أقْوالٌ تُنْتَقَدُ، وهو أنَّهُ قالَ: قِيلَ في ”هو“ إنَّهُ ضَمِيرُ الأمْرِ، تَقْدِيرُهُ: والأمْرُ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، وإخْراجُهم في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن هو. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ، وهَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخْبَرَ عَنْ ضَمِيرِ الأمْرِ بِمُفْرَدٍ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ بَصَرِيٌّ ولا كُوفِيٌّ. أمّا البَصْرِيُّ: فَلِأنَّ مُفَسِّرَ ضَمِيرِ الأمْرِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً وأمّا الكُوفِيُّ: فَلِأنَّهُ يُجِيزُ الجُمْلَةَ ويُجِيزُ المُفْرَدَ إذا كانَ قَدِ انْتَظَمَ مِنهُ ومِمّا بَعْدَهُ مُسْنَدٌ ومُسْنَدٌ إلَيْهِ في المَعْنى، نَحْوُ قَوْلِكَ: ظَنَنْتُهُ قائِمًا الزَّيْدانِ. والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ إخْراجَهم بَدَلًا مِن ضَمِيرِ الأمْرِ، وضَمِيرُ الأمْرِ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ، ولا يُبْدَلُ مِنهُ، ولا يُؤَكَّدُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هو فاصِلَةٌ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّ، ولَيْسَتْ هُنا بِالَّتِي هي عِمادٌ، ومُحَرَّمٌ عَلى هَذا ابْتِداءٌ، وإخْراجُهم خَبَرٌ. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ. والمَنقُولُ عَنِ الكُوفِيِّينَ عَكْسُ هَذا الإعْرابِ، وهو أنْ يَكُونَ الفَصْلُ قَدْ قُدِّمَ مَعَ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ، فَإعْرابُ ”مُحَرَّمٌ“ عِنْدَهم خَبَرٌ مُتَقَدِّمٌ، وإخْراجُهم مُبْتَدَأٌ، وهو المُناسِبُ لِلْقَواعِدِ، إذْ لا يُبْتَدَأُ بِالِاسْمِ إذا كانَ نَكِرَةً، ولا مُسَوِّغَ لَها، ويَكُونُ الخَبَرُ مَعْرِفَةً، بَلِ المُسْتَقِرُّ في لِسانِهِمْ عَكْسُ هَذا، إلّا إنْ كانَ يَرِدُ في شِعْرٍ، فَيُسْمَعُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هو الضَّمِيرُ المُقَدَّرُ في ”مُحَرَّمٌ“ قُدِّمَ وأُظْهِرَ. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ. وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ جِدًّا، إذْ لا مُوجِبَ لِتَقَدُّمِ الضَّمِيرِ، ولا لِبُرُوزِهِ بَعْدَ اسْتِتارِهِ، ولِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى خُلُوِّ اسْمِ المَفْعُولِ مِن ضَمِيرٍ، إذْ عَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مُحَرَّمٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وإخْراجُهم مُبْتَدَأً، ولا يُوجَدُ اسْمُ (p-٢٩٣)فاعِلٍ ولا مَفْعُولٍ عارِيًا مِنَ الضَّمِيرِ، إلّا إذا رَفَعَ الظّاهِرَ. ولا يُمْكِنُ هُنا أنْ يَرْفَعَ الظّاهِرَ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ المُنْفَصِلَ المُقَدَّمَ ”هو“ كانَ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ بِـ ”مُحَرَّمٌ“، ثُمَّ يَبْقى هَذا الضَّمِيرُ لا يُدْرى ما إعْرابُهُ، إذْ لا جائِزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا مُقَدَّمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ هو ضَمِيرُ الإخْراجِ، تَقْدِيرُهُ: وإخْراجُهم مُحَرَّمٌ عَلَيْكم. انْتَهى ما نَقَلَهُ في هَذا القَوْلِ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ ارْتِفاعِ ”إخْراجُهم“، ولا يَتَأتّى عَلى أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَهُ، ويَكُونَ إخْراجُهم تَفْسِيرًا لِذَلِكَ المُضْمَرِ، إلّا عَلى أنْ يَكُونَ إخْراجُهم بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنْ في ذَلِكَ خِلافًا، مِنهم مَن أجازَ ومِنهم مَن مَنَعَ.
﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والإنْكارُ. ولَمْ يَذُمَّهم عَلى الفِداءِ، بَلْ عَلى المُناقَضَةِ، إذْ أتَوْا بِبَعْضِ الواجِبِ، وتَرَكُوا بَعْضًا. وتَكُونُ المُناقَضَةُ آكَدَ في الذَّمِّ، ولا يُقالُ الإخْراجُ مَعْصِيَةٌ. فَلِمَ سَمّاها كُفْرًا ؟ لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ تَرْكَ الإخْراجِ غَيْرُ واجِبٍ، مَعَ أنَّ صَرِيحَ التَّوْراةِ كانَ دالًّا عَلى وُجُوبِهِ. والبَعْضُ الَّذِي آمَنُوا بِهِ، إنْ كانَ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةَ، فَيَكُونُ عامًّا فِيما آمَنُوا بِهِ مِن أحْكامِها، وفِداءُ الأسِيرِ مِن جُمْلَتِهِ. والبَعْضُ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ: هو قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وإخْراجُ بَعْضِهِمْ مِن دِيارِهِمْ، والمُظاهَرَةُ بِالإثْمِ والعُدْوانِ، مِن جُمْلَةِ ما كَفَرُوا بِهِ مِنَ التَّوْراةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ يَسْتَعْمِلُونَ البَعْضَ ويَتْرُكُونَ البَعْضَ، تُفادُونَ أسْرى قَبِيلَتِكم، وتَتْرُكُونَ أسْرى أهْلِ مِلَّتِكم ولا تُفادُونَهم. وقِيلَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ الجالُوتِ بِالكُوفَةِ، وهو يُفادِي مِنَ النِّساءِ مَن لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الحَرْبُ، ولا يُفادى مَن وقَعَ عَلَيْهِ الحَرْبُ. قالَ: فَقالَ ابْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ تُفادِيَهُنَّ كُلَّهُنَّ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ إنْ وجَدْتَهُ في يَدِ غَيْرِكَ فَدَيْتَهُ، وأنْتَ تَقْتُلُهُ بِيَدِكَ. وقِيلَ: المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم في تَمَسُّكِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُوسى، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّ الحُجَّةَ في أمْرِهِما سَواءٌ، فَجَرَوْا مَجْرى سَلَفِهِمْ، أنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ، ويَكْفُرُوا بِبَعْضٍ. قالُوا: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ هُنا المَكْتُوبُ عَلَيْهِمْ مِن هَذِهِ الأحْكامِ الأرْبَعَةِ، أيِ المَفْرُوضُ، والَّذِي آمَنُوا بِهِ مِنها: فِداءُ الأسْرى، والَّذِي كَفَرُوا بِهِ باقِي الأرْبَعَةِ.
﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾: الجَزاءُ يُطْلَقُ في الخَيْرِ والشَّرِّ. قالَ: ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢]، وقالَ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] . والخِزْيُ هُنا: الفَضِيحَةُ، والعُقُوبَةُ، والقَصاصُ فِيمَن قُتِلَ، أوْ ضَرْبُ الجِزْيَةِ غابِرَ الدَّهْرِ، أوْ قَتْلُ قُرَيْظَةَ، وإجْلاءُ النَّضِيرِ مِن مَنازِلِهِمْ إلى أرِيحا، وأذْرِعاتٍ، أوْ غَلَبَةُ العَدُوِّ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ. ولا يَتَأتّى القَوْلُ بِالجِزْيَةِ ولا الجَلاءِ إلّا إنْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى الَّذِينَ كانُوا مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الذَّمَّ العَظِيمَ والتَّحْقِيرَ البالِغَ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ. و”إلّا خِزْيٌ“: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ونَقْضُ النَّفْيِ هُنا نَقْضٌ لِعَمَلِ ما عَلى خِلافٍ في المَسْألَةِ وتَفْصِيلٍ، وذَلِكَ أنَّ الخَبَرَ إذا تَأخَّرَ وأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ إلّا، فَإمّا أنْ يَكُونَ هو الأوَّلَ، أوْ مُنَزَّلًا مَنزِلَتَهُ، أوْ وصْفًا، إنْ كانَ الأوَّلَ في المَعْنى، أوْ مُنَزَّلًا مَنزِلَتَهُ، لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا الرَّفْعُ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وأجازَ الكُوفِيُّونَ النَّصْبَ فِيما كانَ الثّانِي فِيهِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ وصْفًا أجازَ الفَرّاءُ فِيهِ النَّصْبَ، ومَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ. ونُقِلَ عَنْ يُونُسَ إجازَةُ النَّصْبِ في الخَبَرِ بَعْدَ إلّا كائِنًا ما كانَ، وهَذا مُخالِفٌ لِما نَقَلَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ، قالَ: لا خِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ إلّا أخُوكَ، إنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا بِالرَّفْعِ. قالَ: فَإنْ قُلْتَ ما أنْتَ إلّا لِحْيَتُكَ، فالبَصْرِيُّونَ يَرْفَعُونَ، والمَعْنى عِنْدَهم: ما فِيكَ إلّا لِحْيَتُكَ، (p-٢٩٤)وكَذا: ما أنْتَ إلّا عَيْناكَ. وأجازَ في هَذا الكُوفِيُّونَ النَّصْبَ، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في غَيْرِ المَصادِرِ، إلّا أنْ يُعْرَفَ المَعْنى، فَتُضْمِرَ ناصِبًا نَحْوَ: ما أنْتَ إلّا لِحْيَتَكَ مَرَّةً وعَيْنَكَ أُخْرى، وما أنْتَ إلّا عِمامَتَكَ تَحْسِينًا ورِداءَكَ تَزْيِينًا.
﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾: يَوْمَ القِيامَةِ عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ مُمْتَدٍّ إلى أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ العِبادِ، ويَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ. ومَعْنى يُرَدُّونَ: يَصِيرُونَ، فَلا يَلْزَمُ كَيْنُونَتُهم قَبْلَ ذَلِكَ في أشَدِّ العَذابِ، أوْ يُرادُ بِالرَّدِّ: الرُّجُوعُ إلى شَيْءٍ كانُوا فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ [القصص: ١٣]، وكَأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا في أشَدِّ العَذابِ أيْضًا، لِأنَّهم عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ والجَلاءِ وأنْواعٍ مِنَ العَذابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُرَدُّونَ بِالياءِ، وهو مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: (مَن يَفْعَلُ) . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التِفاتًا، فَيَكُونَ راجِعًا إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ﴾، فَيَكُونَ قَدْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما: تُرَدُّونَ بِالتّاءِ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ﴾ . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التِفاتًا بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾، فَيَكُونَ قَدْ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ. وأشَدُّ العَذابِ: الخُلُودُ في النّارِ، وأشَدِّيَّتُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا انْقِضاءَ لَهُ، أوْ أنْواعُ عَذابِ جَهَنَّمَ، لِأنَّها دَرَكاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وفِيها أوْدِيَةٌ وحَيّاتٌ، أوِ العَذابُ الَّذِي لا فَرَحَ فِيهِ ولا رُوحَ مَعَ اليَأْسِ مِنَ التَّخَلُّصِ، أوِ الأشَدِّيَّةُ هي بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِ الدُّنْيا، أوِ الأشَدِّيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِ عامَّتِهِمْ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم ودَلَّسُوا عَلَيْهِمْ، أقْوالًا خَمْسَةً.
﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤]: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ هَذا الكَلامِ، إذْ وقَعَ قَبْلَ ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ. فَبِالياءِ ناسَبَ يُرَدُّونَ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وبِالتّاءِ تُناسِبُ قِراءَةَ تُرَدُّونَ بِالتّاءِ، فَيَكُونُ المُخاطَبُ بِذَلِكَ مَن كانَ مُخاطَبًا في الآيَةِ. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ مَضَوْا، وأنْتُمُ الَّذِينَ تُعْنَوْنَ بِهَذا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وبِما يَجْرِي مَجْراهُ، وهَذِهِ الآيَةُ مَن أوْعَظِ الآياتِ، إذِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ بِالمِرْصادِ لِكُلِّ كافِرٍ وعاصٍ.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أنَّهم آمَنُوا بِبَعْضِ (p-٢٩٥)الكِتابِ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إلى الَّذِينَ جَمَعُوا الأوْصافَ السّابِقَةَ الذَّمِيمَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وأنَّهُ إذا عُدِّدَتْ أوْصافٌ لِمَوْصُوفٍ، أُشِيرَ إلى ذَلِكَ المَوْصُوفِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ هو جامِعُ تِلْكَ الأوْصافِ. والَّذِينَ: خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (اشْتَرَوُا)، وتَقَدَّمَ أنَّ الشِّراءَ والبَيْعَ يَقْتَضِيانِ عِوَضًا ومُعَوَّضًا أعْيانًا. فَتَوَسَّعَتِ العَرَبُ في ذَلِكَ إلى المَعانِي، وجَعَلَ إيثارَهم بَهْجَةَ الدُّنْيا وزِينَتَها عَلى النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ اشْتِراءً، إيثارًا لِلْعاجِلِ الفانِي عَلى الآجِلِ الباقِي، إذِ المُشْتَرِي لَيْسَ هو المُؤْثِرَ لِتَحْصِيلِهِ، والثَّمَنُ المَبْذُولُ فِيهِ مَرْغُوبٌ عَنْهُ عِنْدَهُ، ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا مَغْبُونُ الرَّأْيِ فاسِدُ العَقْلِ.
قالَ بَعْضُ أرْبابِ المَعانِي: إنَّ الدُّنْيا ما دَنا مِن شَهَواتِ القَلْبِ، والآخِرَةَ ما اتَّصَلَتْ بِرِضا الرَّبِّ. فَلا يُخَفَّفُ: مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُوصَلَ المَوْصُولُ بِصِلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ زَمانًا، تَقُولُ: جاءَنِي الَّذِي قَتَلَ زَيْدًا بِالأمْسِ، وسَيَقْتُلُ غَدًا أخاهُ، إذِ الصَّلاةُ هي جُمَلٌ، فَمَن يَشْتَرِطُ اتِّحادَ زَمانِ أفْعالِها بِخِلافِ ما يَنْزِلُ مِنَ الأفْعالِ مَنزِلَةَ المُفْرَداتِ، فَإنَّهم نَصُّوا عَلى اشْتِراطِ اتِّحادِ الزَّمانِ مُضِيًّا أوْ غَيْرَهُ، وعَلى اخْتِيارِ التَّوافُقِ في الصِّيغَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً، والَّذِينَ بِصِلَتِهِ خَبَرًا. و”فَلا يُخَفَّفُ“: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وعَلَّلَ دُخُولَ الفاءِ لِأنَّ الَّذِينَ، إذا كانَتْ صِلَتُهُ فِعْلًا، كانَ فِيها مَعْنى الشُّرُوطِ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ هُنا أعْرَبَهُ خَبَرًا عَنْ أُولَئِكَ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ فَلا يُخَفَّفُ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ، إنَّما هو خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ، ولا يَسْرِي لِلْمُبْتَدَأِ الشَّرْطِيَّةُ مِنَ المَوْصُولِ الواقِعِ خَبَرًا عَنْهُ. وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وفَلا يُخَفَّفُ: خَبَرًا عَنِ الَّذِينَ، والَّذِينَ وخَبَرُهُ خَبَرٌ عَنْ أُولَئِكَ. قِيلَ: ولَمْ يَحْتَجْ إلى عائِدٍ؛ لِأنَّ ”الَّذِينَ“ هم ”أُولَئِكَ“، كَما تَقُولُ: هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ وقَعَتْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ فَلا بُدَّ فِيها مِن رابَطٍ، إلّا إنْ كانَتْ نَفْسَ المُبْتَدَأِ في المَعْنى، فَلا يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ الرّابِطِ. وقَدْ أخْبَرْتَ عَنْ أُولَئِكَ بِالمُبْتَدَأِ المَوْصُولِ وبِخَبَرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ الرّابِطِ. ولَيْسَ نَظِيرَ ما مَثَّلَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ؛ لِأنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ خَبَرانِ عَنْ هَذا، وهُما مُفْرَدانِ، أوْ يَكُونُ زَيْدٌ بَدَلًا مِن هَذا، ومُنْطَلِقٌ خَبَرًا. وإمّا أنْ يَكُونَ هَذا مُبْتَدَأً، وزَيْدٌ مُبْتَدَأً ثانِيًا، ومُنْطَلِقٌ خَبَرًا عَنْ زَيْدٍ، ويَكُونَ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنْ هَذا، فَلا يَجُوزُ لِعَدَمِ الرّابِطِ. وأيْضًا فَلَوْ كانَ هُنا رابِطٌ، لَما جازَ هَذا الإعْرابُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ مَخْصُوصٌ بِالإشارَةِ إلَيْهِ، فَلا يُشْبِهُ اسْمَ الشَّرْطِ، إذْ يَزُولُ العُمُومُ بِاخْتِصاصِهِ، ولِأنَّ صِلَةَ الَّذِينَ ماضِيَةٌ لَفْظًا ومَعْنًى. ومَعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لا يَجُوزُ دُخُولُ الفاءِ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا. والتَّخْفِيفُ هو التَّسْهِيلُ، وقَدْ حُمِلَ نَفْيُ التَّخْفِيفِ عَلى الِانْقِطاعِ، وحُمِلَ أيْضًا عَلى التَّشْدِيدِ. والأوْلى حَمْلُهُ عَلى نَفْيِ التَّخْفِيفِ بِالِانْقِطاعِ، أوْ بِالتَّقْلِيلِ مِنهُ، أوْ في وقْتٍ، أوْ في كُلِّ الأوْقاتِ؛ لِأنَّهُ نَفْيٌ لِلْماهِيَّةِ، فَيَسْتَلْزِمُ نَفْيَ أشْخاصِها وصُوَرِها. والظّاهِرُ مِنَ النَّفْيِ بِلا والكَثِيرُ فِيها أنَّهُ نَفْيٌ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ نَفْيَ التَّخْفِيفِ بِأنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَفي الدُّنْيا بِنُقْصانِ الجِزْيَةِ، وكَذَلِكَ نَفْيُ النَّصْرِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ومَعْنى نَفْيِ النَّصْرِ: أنَّهم لا يَجِدُونَ مَن يَدْفَعُ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ.
﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾: جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِعْلِيَّةً وتَكُونَ المَسْألَةُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، فَيَكُونَ هم مَرْفُوعًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
؎وإنْ هو لَمْ يَحْمِلْ عَلى النَّفْسِ ضَيْمَها
ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ ويُحَسِّنُهُ كَوْنُهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (فَلا يُخَفَّفُ)، وهو جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، إذْ لَوْلا تَقَدُّمُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لَكانَ الأرْجَحُ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ، وذَلِكَ أنَّ ”لا“ لَيْسَتْ مِمّا تَطْلُبُ الفِعْلَ، لا اخْتِصاصًا ولا أوْلَوِيَّةً، فَتَكُونُ كانَ والهَمْزَةُ خِلافًا لِأبِي مُحَمَّدِ بْنِ السَّيِّدِ، إذْ زَعَمَ أنَّ الحَمْلَ عَلى الفِعْلِ فِيما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لا أوْلى مِنَ الِابْتِداءِ، وبِناءَ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ أوْلى مِن بِنائِهِ لِلْفاعِلِ؛ لِأنَّهُ أعَمُّ، إلّا إنْ جُعِلَ الفاعِلُ عامًّا، فَيَكُونُ: ولا هم (p-٢٩٦)يَنْصُرُهم أحَدٌ، فَكانَ يُفَوِّتُ بِذَلِكَ اخْتِتامَ الفَواصِلِ بِما اخْتُتِمَتْ بِهِ قَبْلُ وبَعْدُ، ويُفَوِّتُ الإيجازَ، مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ يُفِيدُ ذَلِكَ، أعْنِي العُمُومَ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ أِخْبارَ اللَّهِ تَعالى، أنَّهُ أخَذَ المِيثاقَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإفْرادِ العِبادَةِ، والإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ، وإلى ذِي القُرْبى، واليَتامى، والمَساكِينِ، وبِالقَوْلِ الحَسَنِ لِلنّاسِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وأنَّهم نَقَضُوا المِيثاقَ بِتَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمْ، وأنَّهُ أخَذَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَسْفِكُوا دِماءَهم، ولا يُخْرِجُونَ أنْفُسَهم مِن دِيارِهِمْ، وأنَّهم أقَرُّوا والتَزَمُوا ذَلِكَ. فَكانَ المِيثاقُ الأوَّلُ يَتَضَمَّنُ الأوامِرَ، والمِيثاقُ الثّانِي يَتَضَمَّنُ النَّواهِيَ؛ لِأنَّ التَّكالِيفَ الإلَهِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الأوامِرِ والنَّواهِي. وكانَ البَدْءُ بِالأوامِرِ آكَدَ، لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أفْعالًا، والنَّواهِي تَتَضَمَّنُ تُرُوكًا، والأفْعالُ أشَقُّ مِنَ التُّرُوكِ. وكانَ مِنَ الأوامِرِ الأمْرُ بِإفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ، وهو رَأْسُ الإيمانِ، إذْ مُتَعَلِّقُهُ أشْرَفُ المُتَعَلِّقاتِ، فَكانَ البَدْءُ بِهِ أوْلى. ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمُ التِباسَهم بِما نُهُوا عَنْهُ، وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ إخْبارُهُ أنَّهم خالَفُوا في الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٣]؛ لِأنَّ فِعْلَ المَنهِيّاتِ أقْبَحُ مِن تَرْكِ المَأْمُوراتِ، لِأنَّها تُرُوكٌ كَما ذَكَرْنا.
ثُمَّ قَرَّعَهم بِمُخالَفَةِ نَواهِي اللَّهِ، وأنَّهم مُسْتَعِينُونَ في ذَلِكَ بِغَيْرِ الحَقِّ، بَلْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَناقُضَ آرائِهِمْ وسُخْفَ عُقُولِهِمْ، بِفِداءِ مَن أتى إلَيْهِمْ مِنهم، مَعَ أنَّهم هُمُ السَّبَبُ في إخْراجِهِمْ وأسْرِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِتَحْرِيمِ إخْراجِهِمْ، وبِذِكْرِ أنَّهم آمَنُوا بِبَعْضِ الكِتابِ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ. هَذا مَعَ أنَّهُ كُلَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ الكُفْرَ بِبَعْضٍ والإيمانَ بِبَعْضٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الجَزاءَ لِفاعِلِ ذَلِكَ هو الخِزْيُ في الدُّنْيا، وأشَدُّ العَذابِ في الآخِرَةِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفُلُ عَمّا عَمِلُوهُ، فَيُجازِيَهم عَلى ذَلِكَ. ثُمَّ أشارَ إلى مَن تَحَلّى بِهَذِهِ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ، وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ، هو قَدِ اشْتَرى عاجِلًا تافِهًا بِآجِلٍ جَلِيلٍ، وآثَرَ فانِيًا مُكَدَّرًا عَلى باقٍ صافٍ. وأنَّ نَتِيجَةَ هَذا الشِّراءِ أنْ لا يُخَفَّفَ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، ولا يَجِدُوا ناصِرًا يَدْفَعُ عَنْهم سُوءَ العِقابِ. لَقَدْ خَسِرُوا تِجارَةً، وبُدِّلُوا بِالنَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ. وإذا كانَ التَّخْفِيفُ قَدْ نُفِيَ، فالرَّفْعُ أوْلى. وهَلْ هَذا إلّا مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى ؟ .
البقرة 2:87
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]
قَفَوْتُ الأثَرَ: اتَّبَعْتُهُ، والأصْلُ أنْ يَجِيءَ الإنْسانُ تابِعًا لِقَفا الَّذِي اتَّبَعَهُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ لِمُطْلَقِ الِاتِّباعِ، وإنْ بَعُدَ زَمانُ المَتْبُوعِ، مِن زَمانِ التّابِعِ. وقالَ أُمَيَّةُ:(p-٢٩٧)
؎قالَتْ لِأُخْتٍ لَهُ قُصِّيهِ عَنْ جُنُبٍ وكَيْفَ تَقْفُو ولا سَهْلٌ ولا جَدَدُ الرُّسُلُ
: جَمْعُ رَسُولٍ، ولا يَنْقاسُ فُعُلٌ في فَعَوْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وتَسْكِينُ عَيْنِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّحْرِيكُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. عِيسى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَلَمٌ لا يُصْرَفُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ووَزْنُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: فِعْلى، والياءُ فِيهِ مُلْحَقَةٌ بِبَناتِ الأرْبَعَةِ، بِمَنزِلَةِ ياءِ مِعْزى، يَعْنِي بِالياءِ الألِفَ، سَمّاها ياءً لِكِتابَتِهِمْ إيّاها ياءً. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، كالَّتِي في ذِكْرى، بِدَلالَةِ صَرْفِهِمْ لَهُ في النَّكِرَةِ. وذَهَبَ الحافِظُ أبُو عُمْرٍو عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّانِيُّ، صاحِبُ التَّصانِيفِ في القِراءاتِ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ وغَيْرُهُ، إلى أنَّ وزْنَهُ فِعْلَلٌ، ورَدَّ ذَلِكَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ الباذَشِ بِأنَّ الياءَ والواوَ لا يَكُونانِ أصْلًا في بَناتِ الأرْبَعِ. قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وهَذِهِ الأسْماءُ أعْجَمِيَّةٌ، وكُلُّ أعْجَمِيٍّ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ، فالنَّحْوِيُّونَ يَتَكَلَّمُونَ عَلى أحْكامِهِ في التَّصْرِيفِ عَلى الحَدِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ في العَرَبِيِّ، فَعِيسى مِن هَذا البابِ. انْتَهى كَلامُهُ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَيْسِ: وهو بَياضٌ يُخالِطُهُ شُقْرَةٌ، فَغَيْرُ مُصِيبٍ؛ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ العَرَبِيَّ لا يَدْخُلُ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ. مَرْيَمُ، بِاللِّسانِ السِّرْيانِيِّ مَعْناهُ: الخادِمُ، وسُمِّيَتْ بِهِ أُمُّ عِيسى، فَصارَ عَلَمًا، فامْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ. ومَرْيَمُ، بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ مِنَ النِّساءِ، كالزِّيرِ مِنَ الرِّجالِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
؎قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ
والزِّيرُ: الَّذِي يُكْثِرُ خِلْطَةَ النِّساءِ وزِيارَتَهُنَّ، والياءُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ، كالرِّيحِ، إذْ هُما مِنَ الزَّوْرِ والرُّوحِ، فَصارَ هَذا اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا بِالنِّسْبَةِ إلى اللِّسانَيْنِ. ووَزْنُ مَرْيَمَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعَلٌ؛ لِأنَّ فَعْيَلًا، بِفَتْحِ الفاءِ، لَمْ يَثْبُتْ في الأبْنِيَةِ، كَما ثَبَتَ نَحْوُ عَثْيَرٍ وعَلْبَبٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: وقَدْ أثْبَتَ بَعْضُ النّاسِ فَعْيَلًا، وجَعَلَ مِنهُ ضَهْيَدًا، اسْمُ مَوْضِعٍ، ومَدْيَنَ، إذا جَعَلْنا مِيمَهُ أصْلِيَّةً، وضَهْياءَ مَقْصُورَةً مَصْرُوفَةً، وهي المَرْأةُ الَّتِي لا تَحِيضُ، وقِيلَ: الَّتِي لا ثَدْيَ لَها. قالَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: ضَهْياةٌ وضَهْياءَةٌ، بِالقَصْرِ والمَدِّ. قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُها مِن ضَأْهَأتْ: أيْ شابَهَتْ، لِأنَّها أشْبَهَتِ الرَّجُلَ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: أمّا ضَهْيَدٌ وعَثْيَرٌ فَمَصْنُوعانِ، فَلا يُجْعَلانِ دَلِيلًا عَلى إثْباتِ فَعْيَلٍ. انْتَهى. وصِحَّةُ حَرْفِ العِلَّةِ في مَرْيَمَ عَلى خِلافِ القِياسِ نَحْوُ مَزْيَدٍ. البَيِّنُ: الواضِحُ، بانَ: وضَحَ وظَهَرَ. أيَّدَ: فَعَلَ تَأْيِيدًا، أوْ أيَّدَ: أفْعَلَ إئْيادًا، وكِلاهُما مِنَ الأيْدِ، وهو القُوَّةُ. وقَدْ أبْدَلُوا في أفْعَلَ مِن يائِهِ جِيمًا، قالُوا: أجَدُّ، أيْ قَوِيٌّ، كَما أبْدَلُوا ياءَ يَدٍ، قالُوا: لا أفْعَلُ ذَلِكَ جَدى الدَّهْرِ، يُرِيدُونَ يَدَ الدَّهْرِ، وهو إبْدالٌ لا يَطَّرِدُ. والأصْلُ في آيَدَ أأْيَدَ، وصُحِّحَتِ العَيْنُ كَما صُحِّحَتْ في أغْيَلَتْ، وهو تَصْحِيحٌ شاذٌّ إلّا في فِعْلِ التَّعَجُّبِ، فَتَقُولُ: ما أبْيَنَ ! وما أطْوَلَ ! ورَآهُ أبُو زَيْدٍ مَقِيسًا، ولَوْ أُعِلَّ عَلى حَدِّ أُقِّتَتْ وأُحِّدَتْ، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ العَيْنِ عَلى الفاءِ، وحُذِفَتِ العَيْنُ، لَوَجَبَ أنْ تَنْقَلِبَ الفاءُ واوًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، كَما انْقَلَبَتْ في أوادِمَ جَمْعُ آدَمَ عَلى أفاعِلَ، ثُمَّ تَنْقَلِبُ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها. فَلَمّا أدّى القِياسُ إلى إعْلالِ الفاءِ والعَيْنِ، رُفِضَ وصُحِّحَتِ العَيْنُ. الرُّوحُ مِنَ الحَيَوانِ: اسْمٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الحَياةُ، قالَهُ الرّاغِبُ، واخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ وفي النَّفْسِ، أهُما مِنَ المُشْتَرَكِ أمْ مِنَ المُتَبايِنِ ؟ وفي ماهِيَّةِ النَّفْسِ والرُّوحِ، وقَدْ صُنِّفَ في ذَلِكَ. القُدُسُ: الطَّهارَةُ، وقِيلَ: البَرَكَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، الرَّسُولُ، فَعُولٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المُرْسَلُ، وهو قَلِيلٌ، ومِنهُ: الحَلُوبُ، والرَّكُوبُ، بِمَعْنى المَحْلُوبِ والمَرْكُوبِ. تَهْوى: تُحِبُّ وتَخْتارُ، ماضِيهِ عَلى فَعِلَ، ومَصْدَرُهُ الهَوى. غُلْفٌ: جَمْعُ أغْلَفَ، كَأحْمَرَ وحُمْرٍ، وهو الَّذِي لا يَفْقَهُ، أوْ جَمْعُ غِلافٍ، وهو الغِشاءُ، فَيَكُونُ أصْلُهُ التَّثْقِيلَ، فَخُفِّفَ. اللَّعْنُ: الطَّرْدُ والإبْعادُ، يُقالُ: شَأْوٌ لَعِينٌ، أيْ بَعِيدٌ، وقالَ الشَّمّاخُ:
؎ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ ∗∗∗ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ
المَعْرِفَةُ: العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِالمُفْرَداتِ، ويَسْبِقُهُ الجَهْلُ، بِخِلافِ أصْلِ العِلْمِ فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّسَبِ، وقَدْ لا يَسْبِقُهُ (p-٢٩٨)الجَهْلُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُوصَفِ اللَّهُ تَعالى بِالمَعْرِفَةِ، ووُصِفَ بِالعِلْمِ. بِئْسَ: فِعْلٌ جُعِلَ لِلذَّمِّ، وأصْلُهُ فَعِلَ، ولَهُ ولِنِعْمَ بابٌ مَعْقُودٌ في النَّحْوِ. البَغْيُ: الظُّلْمُ، وأصْلُهُ الفَسادُ، مِن قَوْلِهِمْ: بَغى الجُرْحُ: فَسَدَ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وقِيلَ: أصْلُهُ شِدَّةُ الطَّلَبِ، ومِنهُ ما نَبْغِي، وقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎أنْشَدَ والباغِي يُحِبُّ الوِجْدانْ ∗∗∗ قَلائِصًا مُخْتَلِفاتِ الألْوانْ
ومِنهُ سُمِّيَتِ الزّانِيَةُ بَغِيًّا، لِشِدَّةِ طَلَبِها لِلزِّنا. الإهانَةُ: الإذْلالُ، وهانَ هَوانًا: لَمْ يُحْفَلْ بِهِ، وهو مَعْنى الذُّلِّ، وهو كَوْنُ الإنْسانِ لا يُؤْبَهُ بِهِ، ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وراءَ: مِنَ الظُّرُوفِ المُتَوَسِّطَةِ التَّصَرُّفِ، وتَكُونُ بِمَعْنى قُدّامَ، وبِمَعْنى: خَلْفَ، وهو الأشْهَرُ فِيهِ. الخالِصُ: الَّذِي لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ، يُقالُ: خَلَصَ يَخْلُصُ خُلُوصًا. تَمَنّى: تَفَعَّلَ مِنَ المُنْيَةِ، وهو الشَّيْءُ المُشْتَهى، وقَدْ يَكُونُ المُتَمَنّى بِاللِّسانِ بِمَعْنى: التِّلاوَةِ، ومِنهُ: تَمَنّى عَلى زَيْدٍ مِنهُ حاجَةً، وجَدَ: مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الإصابَةِ والعِلْمِ والغِنى والحَرَجِ ويَخْتَلِفُ بِالمَصادِرِ: كالوِجْدانِ والوَجْدِ والمَوْجِدَةِ. الحِرْصُ: شِدَّةُ الطَّلَبِ. الوِدُّ: المَحَبَّةُ لِلشَّيْءِ والإيثارُ لَهُ، وفِعْلُهُ: ودَّ وهو عَلى فَعَلَ يَفْعَلُ، وحَكى الكِسائِيُّ: ودِدْتُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ كَسْرُ الواوِ، إذْ يَكُونُ فَعِلَ يَفْعَلُ، وفَكُّ الإدْغامِ في قَوْلِهِ:
؎ما في قُلُوبِهِمْ لَنا مِن مَوَدَّةٍ
ضَرُورَةٌ. عَمَّرَ: التَّضْعِيفُ فِيهِ لِلنَّقْلِ، إذْ هو مِن عَمَّرَ الرَّجُلُ: أيْ طالَ عُمْرُهُ، وعَمَّرَهُ اللَّهُ: أطالَ عُمْرَهُ، والعُمْرُ: مُدَّةُ البَقاءِ. الألْفُ: عَشْرٌ مِنَ المِئِينَ، وقَدْ يُتَجاوَزُ فِيهِ فَيَدُلُّ عَلى الشَّيْءِ الكَثِيرِ، وهو مِنَ الأُلْفَةِ، إذْ هو ما لَفَّ أنْواعَ الأعْدادِ، إذِ العَشَراتُ ما لَفَّ الآحادَ، والمِئُونَ ما لَفَّ العَشَراتِ، والألْفُ ما لَفَّ المِئِينَ. الزَّحْزَحَةُ: الإزالَةُ والتَّنْحِيَةُ عَنِ المَقَرِّ. بَصِيرٌ: فَعِيلٌ مِن بَصُرَ بِهِ إذا رَآهُ، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]، ثُمَّ يَتَجَوَّزُ بِهِ فَيُطْلَقُ عَلى بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ. بَصِيرٌ بِكَذا: أيْ عالِمٌ بِهِ.
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ، وأنْ تَكُونَ جَوابَ قَسَمٍ. ومُناسَبَةُ هَذا لِما قَبْلَهُ أنَّ إيتاءَ مُوسى الكِتابَ هو نِعْمَةٌ لَهم، إذْ فِيهِ أحْكامُهم وشَرائِعُهم. ثُمَّ قابَلُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالكُفْرانِ، وذَلِكَ جَرى عَلى ما سَبَقَ مِن عادَتِهِمْ، إذْ قَدْ أُمِرُوا بِأشْياءَ ونُهُوا عَنْ أشْياءَ، فَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ، فَناسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ ما قَبْلَها. والإيتاءُ: الإعْطاءُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ: الإنْزالُ؛ لِأنَّهُ أنْزَلَهُ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ آتَيْناهُ: أفْهَمْناهُ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الحُدُودِ والأحْكامِ والأنْباءِ والقَصَصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: آتَيْنا مُوسى عِلْمَ الكِتابِ، أوْ فَهْمَ الكِتابِ. ومُوسى: هو نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى بْنُ عِمْرانَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وسَلَّمَ. والكِتابُ هُنا: التَّوْراةُ، في قَوْلِ الجُمْهُورِ، والألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، إذْ قُرِنَ بِمُوسى وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَآتَيْنا. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلٌ عِنْدَ السُّهَيْلِيِّ، ومُوسى هو الثّانِي عِنْدَهُ.
(وقَفَّيْنا): هَذِهِ الياءُ أصْلُها الواوُ، إلّا أنَّها مَتى وقَعَتْ رابِعَةً أُبْدِلَتْ ياءً، كَما تَقُولُ: غَزَيْتُ مِنَ الغَزْوِ، والتَّضْعِيفُ الَّذِي في قَفَّيْنا لَيْسَ لِلتَّعْدِيَةِ، إذْ لَوْ كانَ لِلتَّعْدِيَةِ لَكانَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّ قَفَوْتَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. تَقُولُ: قَفَوْتُ زَيْدًا، أيْ تَبِعْتُهُ، فَلَوْ جاءَ عَلى التَّعْدِيَةِ لَكانَ: وقَفَّيْناهُ مِن بَعْدِهِ الرُّسُلَ، وكَوْنُهُ لَمْ يَجِئْ كَذَلِكَ في القُرْآنِ، يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً في المَفْعُولِ الأوَّلِ، ويَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي جاءَ مَحْذُوفًا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الحديد: ٢٧]، ولَكِنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى جِئْنا، كَأنَّهُ قالَ: وجِئْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ، يَقْفُو بَعْضُهم بَعْضًا، ومِن في: (مِن بَعْدِهِ): لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهو ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ يُحْكى أنَّ مُوسى لَمْ يَمُتْ حَتّى نُبِّئَ يُوشَعُ.
﴿بِالرُّسُلِ﴾: أرْسَلَ اللَّهُ عَلى أثَرِ مُوسى رُسُلًا وهم: يُوشَعُ، وشَمْوِيلُ، وشَمْعُونُ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وشَعْيا، وأرْمَيا، وعُزَيْرٌ، وحَزْقِيلُ، وإلْياسُ، واليَسْعُ، ويُونُسُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وغَيْرُهم. والباءُ في بِالرُّسُلِ مُتَعَلِّقٌ بِقَفَّيْنا، والألِفُ واللّامُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ الخاصِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، (p-٢٩٩)لِما اسْتُفِيدَ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ أنَّ هَؤُلاءِ بُعِثُوا مِن بَعْدِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ التَّقْفِيَةُ مَعْنَوِيَّةً، وهي كَوْنُهم يَتَّبِعُونَهُ في العَمَلِ بِالتَّوْراةِ وأحْكامِها، ويُأْمَرُونَ بِاتِّباعِها والبَقاءِ عَلى التِزامِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالرُّسُلِ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: بِتَسْكِينِها، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو إنْ أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ جَمْعٍ نَحْوُ رُسْلِهِمْ ورُسْلِكم ورُسْلِنا، اسْتُثْقِلَ تَوالِي أرْبَعِ مُتَحَرِّكاتٍ، فَسُكِّنَ تَخْفِيفًا.
﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾: أضافَ عِيسى إلى أُمِّهِ رَدًّا عَلى اليَهُودِ فِيما أضافُوهُ إلَيْهِ.
(البَيِّناتِ): وهي الحُجَجُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مُعْجِزَةٍ أُوتِيَها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذا هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: الإنْجِيلُ. وقِيلَ: الحُجَجُ الَّتِي أقامَها اللَّهُ عَلى اليَهُودِ. وقِيلَ: إبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، والإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ، وإحْياءُ المَوْتى، وهم أرْبَعَةٌ: سامُ بْنُ نُوحٍ، والعازِرُ، وابْنُ العَجُوزِ، وبِنْتُ العِشارِ، ومِنَ الطَّيْرِ: الخُفّاشُ، فَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلِ عِيسى، بَلْ هو صُورَةٌ، واللَّهُ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. وقِيلَ: كانَ قَبْلَهُ، فَوَضَعَ عِيسى عَلى مِثالِهِ. قالُوا: وإنَّما اخْتُصَّ هَذا النَّوْعُ مِنَ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الطَّيْرِ أشَدَّ خَلْقًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ لَحْمُ كُلُّهُ. وأجْمَلَ اللَّهُ ذِكْرَ الرُّسُلِ، وفَصَّلَ ذِكْرَ عِيسى؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ كانُوا مُتَّبِعِينَ شَرِيعَةَ مُوسى، وأمّا عِيسى فَنَسَخَ شَرْعُهُ كَثِيرًا مِن شَرْعِ مُوسى.
(وأيَّدْناهُ): قَرَأ الجُمْهُورُ عَلى وزْنِ فَعَّلْناهُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُسَيْنٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أأْيَدْناهُ، عَلى وزْنِ: أفْعَلْناهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في المُفْرَداتِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما فَقالَ: أمّا المَدُّ فَمَعْناهُ القُوَّةُ، وأمّا القَصْرُ فالتَّأْيِيدُ والنَّصْرُ، والأصَحُّ أنَّهُما بِمَعْنى قَوَّيْناهُ، وكِلاهُما مِنَ الأيْدِ، وهو القُوَّةُ.
* *
﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ: بِضَمِّ القافِ والدّالِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ: بِسُكُونِ الدّالِ حَيْثُ وقَعَ، وفِيهِ لُغَةُ فَتْحِها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: القُدُّوسُ، بِواوٍ. والرُّوحُ هُنا: اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ الَّذِي كانَ بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُحْيِي المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الإنْجِيلُ، كَما سَمّى اللَّهُ القُرْآنَ رُوحًا، قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوِ الرُّوحُ الَّتِي نَفَخَها تَعالى في عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ والرَّبِيعُ، ونُسِبَ هَذا القَوْلُ لِابْنِ عَبّاسٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ. وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ ”اهْجُ قُرَيْشًا ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ“»، ومَرَّةً قالَ لَهُ؛ ”وجِبْرِيلُ مَعَكَ“ . انْتَهى كَلامُهُ. قالُوا: ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] . وقالَ حَسّانُ:
؎وجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ
وتَسْمِيَةُ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى جِسْمِهِ الرُّوحانِيَّةُ، وكَذَلِكَ سائِرُ المَلائِكَةِ، أوْ لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ الدِّينُ، كَما يَحْيا البَدَنُ بِالرُّوحِ، فَإنَّهُ هو المُتَوَلِّي لِإنْزالِ الوَحْيِ، أوْ لِتَكْوِينِهِ رُوحًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. وتَأْيِيدُ اللَّهِ عِيسى بِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِإظْهارِ حُجَّتِهِ وأمْرِ دِينِهِ، أوْ لِدَفْعِ اليَهُودِ عَنْهُ، إذْ أرادُوا قَتْلَهُ، أوْ في جَمِيعِ أحْوالِهِ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ مَعْناهُ: بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ، قالَ: كَما يُقالُ حاتِمُ الجُودِ، ورَجُلُ صِدْقٍ. ووَصَفَها بِالقُدُسِ كَما قالَ: و”رُوحٍ مِنهُ“، فَوَصَفَهُ بِالِاخْتِصاصِ والتَّقْرِيبِ لِلْكَرامَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى القُدُسِ أنَّهُ الطَّهارَةُ أوِ البَرَكَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ والرَّبِيعُ: القُدُسُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، كالقُدُّوسِ. قالُوا: وإطْلاقُ الرُّوحِ عَلى جِبْرِيلَ وعَلى الإنْجِيلِ وعَلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ مَجازٌ؛ لِأنَّ الرُّوحَ هو الرِّيحُ (p-٣٠٠)المُتَرَدِّدُ في مَخارِقِ الإنْسانِ في مَنافِذِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ ما كانَتْ كَذَلِكَ، إلّا أنَّ كُلًّا مِنها أُطْلِقَ الرُّوحُ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ إنَّ الرُّوحَ سَبَبٌ لِلْحَياةِ، فَجِبْرِيلُ هو سَبَبٌ لِحَياةِ القُلُوبِ بِالعُلُومِ، والإنْجِيلُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الشَّرائِعِ وحَياتِها، والِاسْمُ الأعْظَمُ سَبَبٌ لِأنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلى تَحْصِيلِ الأغْراضِ. والمُشابَهَةُ بَيْنَ جِبْرِيلَ والرُّوحِ أتَمُّ، ولِأنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ فِيهِ أظْهَرُ، ولِأنَّ المُرادَ مَن أيَّدْناهُ: قَوَّيْناهُ وأعَنّاهُ، وإسْنادُها إلى جِبْرِيلَ حَقِيقَةٌ، وإلى الإنْجِيلِ والِاسْمِ الأعْظَمِ مَجازٌ. ولِأنَّ اخْتِصاصَ عِيسى بِجِبْرِيلَ مِن آكَدِ وُجُوهِ الِاخْتِصاصِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِثْلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي بَشَّرَ مَرْيَمَ بِوِلادَتِهِ، وتَوَلَّدَ عِيسى بِنَفْخِهِ، ورَبّاهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ، وكانَ يَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سارَ، وكانَ مَعَهُ حَيْثُ صَعِدَ إلى السَّماءِ.
﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾: الهَمْزَةُ أصْلُها لِلِاسْتِفْهامِ، وهي هُنا لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. والفاءُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، واعْتُنِيَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ فَقُدِّمَ، والأصْلُ فَأكُلَّما. ويُحْتَمَلُ أنْ لا يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، بَلْ يَكُونُ العَطْفُ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا يا بَنِي إسْرائِيلَ، آتَيْناكم ما آتَيْناكم. فَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، أيْ فَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِن تَكْذِيبِ فَرِيقٍ وقَتْلِ فَرِيقٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى كُلَّما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها﴾ [البقرة: ٢٥]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والنّاصِبُ لَها قَوْلُها: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . والخِطابُ في جاءَكم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، إذْ كانُوا عَلى طَبْعٍ واحِدٍ مِن سُوءِ الأخْلاقِ، وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ لِأنْبِيائِهِمْ، والشَّكِّ والِارْتِيابِ فِيما أتَوْهم بِهِ، أوْ يَكُونَ عائِدًا إلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ. وسِياقُ الآياتِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أوْ إلى مَن بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أبْنائِهِمْ، لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِهِمْ، والرّاضِي كالفاعِلِ. وقَدْ كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ، وسَقَوْهُ السُّمَّ لِيَقْتُلُوهُ، وسَحَرُوهُ. وبِما: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: جاءَكم، وما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ لا تَهْواهُ. وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ الهَوى فِيما لَيْسَ بِحَقٍّ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. وأُسْنِدَ الهَوى إلى النَّفْسِ، ولَمْ يُسْنَدْ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ، فَكانَ يَكُونُ بِما لا تَهْوَوْنَ إشْعارًا بِأنَّ النَّفْسَ يُسْنَدُ إلَيْها غالِبًا الأفْعالُ السَّيِّئَةُ، ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ [المائدة: ٣٠]، ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ﴾ [يوسف: ١٨] . اسْتَكْبَرْتُمْ: اسْتَفْعَلَ هُنا: بِمَعْنى تَفَعَّلَ، وهو أحَدُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ. وفَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكِبْرَ بِأنَّهُ سَفَهُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ. والمَعْنى قِيلَ: اسْتَكْبَرْتُمْ عَنْ إجابَتِهِ احْتِقارًا لِلرَّسُولِ. أوِ اسْتِبْعادًا لِلرِّسالَةِ، وفي ذَلِكَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن طَبِيعَةِ الِاسْتِكْبارِ الَّذِي هو مَحَلُّ النَّقائِصِ ونَتِيجَةُ الإعْجابِ. وهو نَتِيجَةُ الجَهْلِ بِالنَّفْسِ المُقارِنِ لِلْجَهْلِ بِالخالِقِ، وإنَّ ذَلِكَ كانَ يَتَكَرَّرُ مِنهم بِتَكَرُّرِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وهو كَما ذَكَرْنا اسْتِكْبارٌ بِمَعْنى التَّكَبُّرِ، وهو مُشْعِرٌ بِالتَّكَلُّفِ والتَّفَعُّلِ لِذَلِكَ، لا أنَّهم يَصِيرُونَ بِذَلِكَ كُبَراءَ عُظَماءَ، بَلْ يَتَفَعَّلُونَ ذَلِكَ ولا يُبَلِّغُونَ حَقِيقَتَهُ؛ لِأنَّ الكِبْرِياءَ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى، فَمُحالٌ أنْ يَتَّصِفَ بِها غَيْرُهُ حَقِيقَةً.
﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: اسْتَكْبَرْتُمْ، فَنَشَأ عَنِ الِاسْتِكْبارِ مُبادَرَةُ فَرِيقٍ مِنَ الرُّسُلِ بِالتَّكْذِيبِ فَقَطْ، حَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى قَتْلِهِ، وفَرِيقٍ بِالقَتْلِ إذا قَدَرُوا عَلى قَتْلِهِ وتَهَيَّأ لَهم ذَلِكَ، ويُضَمَّنُ أنَّ مَن قَتَلُوهُ فَقَدْ كَذَّبُوهُ. واسْتَغْنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَكْذِيبِهِ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ، فَذَكَرَ أقْبَحَ أفْعالِهِمْ مَعَهُ، وهو قَتْلُهُ. وأجازَ أبُو القاسِمِ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (وأيَّدْناهُ)، ويَكُونُ قَوْلُهُ: أفَكُلَّما مَعَ ما بَعْدَهُ فَصْلًا بَيْنَهُما عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. والأظْهَرُ في تَرْتِيبِ الكَلامِ الأوَّلُ، وهَذا أيْضًا مُحْتَمَلٌ، وأُخِّرَ العامِلُ وقُدِّمَ المَفْعُولُ لِيَتَواخى رُءُوسَ الآيِ، وثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَرِيقًا مِنهم كَذَّبْتُمْ، وبَدَأ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ الشَّرِّ، ولِأنَّهُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ: المُكَذَّبِ والمَقْتُولِ.
﴿وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: وأتى بِفِعْلِ القَتْلِ مُضارِعًا، إمّا لِكَوْنِهِ حُكِيَتْ (p-٣٠١)بِهِ الحالُ الماضِيَةُ، إنْ كانَتْ أُرِيدَتْ فاسْتُحْضِرَتْ في النُّفُوسِ، وصُوِّرَ حَتّى كَأنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِهِ مَشْرُوعٌ فِيهِ، ولِما فِيهِ مِن مُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ الَّتِي هي فَواصِلُ، وإمّا لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا، لِأنَّهم يَرُومُونَ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِذَلِكَ سَحَرُوهُ وسَمُّوهُ. وقالَ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ: «ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي» . وكانَ في ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عادَتَهم قَتْلُ أنْبِيائِهِمْ؛ لِأنَّ هَذا النَّبِيَّ المَكْتُوبَ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقَدْ أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ والنَّصْرِ لَهُ يَرُومُونَ قَتْلَهُ. فَكَيْفَ مَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَقَدُّمُ عَهْدٍ مِنَ اللَّهِ ؟ فَقَتْلُهُ عِنْدَهم أوْلى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ: كانُوا يَقْتُلُونَ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةِ نَبِيٍّ، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُهم آخِرَ النَّهارِ. ورُوِيَ سَبْعِينَ نَبِيًّا، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُ نَقْلِهِمْ آخِرَ النَّهارِ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾: الضَّمِيرُ في قالُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، وهم أبْناءُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا ذَلِكَ بُهْتًا ودَفْعًا لَمّا قامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَجُ وظَهَرَتْ لَهُمُ البَيِّناتُ، وأعْجَزَتْهم عَنْ مُدافَعَةِ الحَقِّ المُعْجِزاتُ. نَزَلُوا عَنْ رُتْبَةِ الإنْسانِيَّةِ إلى رُتْبَةِ البَهِيمِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: غُلْفٌ، بِإسْكانِ اللّامِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى سُكُونِ اللّامِ، أهُوَ سُكُونٌ أصْلِيٌّ فَيَكُونُ جَمْعَ أغْلَفَ ؟ أمْ هو سُكُونُ تَخْفِيفٍ فَيَكُونُ جَمْعَ غِلافٍ ؟ وأصْلُهُ الضَّمُّ، كَحِمارٍ وحُمُرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُنا يُشِيرُ إلى أنَّ التَّخْفِيفَ مِنَ التَّثْقِيلِ قَلَّما يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِّعْرِ. ونَصَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ التَّسْكِينُ في نَحْوِ حُمُرٍ جَمْعَ حِمارٍ، دُونَ ضَرُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ هُرْمُزَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، غُلُفٌ: بِضَمِّ اللّامِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وهو جَمْعُ غِلافٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ القِراءَةِ جَمْعَ أغْلَفَ؛ لِأنَّ تَثْقِيلَ فُعْلٍ الصَّحِيحِ العَيْنِ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ. يُقالُ غَلَّفْتُ السَّيْفَ: جَعَلْتُ لَهُ غِلافًا. فَأمّا مَن قَرَأ: غُلْفٌ بِالإسْكانِ، فَمَعْناهُ أنَّها مَسْتُورَةٌ عَنِ الفَهْمِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: أيْ عَلَيْها غِشاوَةٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: عَلَيْها طابَعٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ذَواتُ غُلْفٍ، أيْ عَلَيْها غُلْفٌ لا تَصِلُ إلَيْها المَوْعِظَةُ. وقِيلَ مَعْناهُ: خُلِقَتْ غُلْفًا لا تَتَدَبَّرُ ولا تَعْتَبِرُ. وقِيلَ: مَحْجُوبَةٌ عَنْ سَماعِ ما تَقُولُ وفَهْمِ ما تَبَيَّنَ. ويُحْتَمَلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا عَلى سَبِيلِ البُهْتِ والمُدافَعَةِ، حَتّى يُسْكِتُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنهم بِحالِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّ الأوَّلَ فِيهِ ذَمُّ أنْفُسِهِمْ بِما لَيْسَ فِيها، وكانُوا يَدْفَعُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وأسْبابُ الدَّفْعِ كَثِيرَةٌ. وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ اللّامِ فَمَعْناهُ أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، أقامُوا العِلْمَ مُقامَ شَيْءٍ مُجَسَّدٍ، وجَعَلُوا المَوانِعَ الَّتِي تَمْنَعُهم غُلْفًا لَهُ، لِيُسْتَدَلَّ بِالمَحْسُوسِ عَلى المَعْقُولِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، فَلَوْ كانَ ما تَقُولُهُ حَقًّا وصِدْقًا لَوَعِيَتْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ قُلُوبَنا غُلْفٌ، أيْ مَمْلُوءَةٌ عِلْمًا، فَلا تَسَعُ شَيْئًا، ولا تَحْتاجُ إلى عِلْمٍ غَيْرِهِ، فَإنَّ الشَّيْءَ المُغَلَّفَ لا يَسَعُ غِلافُهُ غَيْرَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم غُلْفٌ عَلى ما فِيها مِن دِينِهِمْ وشَرِيعَتِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّ دَوامَ مِلَّتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهي لِصَلابَتِها وقُوَّتِها تَمْنَعُ أنْ يَصِلَ إلَيْها غَيْرُ ما فِيها، كالغِلافِ الَّذِي يَصُونُ المُغَلَّفَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ ما بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: المَعْنى كالغِلافِ الخالِي لا شَيْءَ فِيهِ.
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾: بَلْ: لِلْإضْرابِ، ولَيْسَ إضْرابًا عَنِ اللَّفْظِ المَقُولِ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، فَلا يُضْرَبُ عَنْهُ، وإنَّما الإضْرابُ عَنِ النِّسْبَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهم: إنَّ قُلُوبَهم غُلْفٌ، لِأنَّها خُلِقَتْ مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِ الحَقِّ، مَفْطُورَةً لِإدْراكِ الصَّوابِ، فَأخْبَرُوا عَنْها بِما لَمْ تُخْلَقْ عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لُعِنُوا بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ، وجازاهم بِالطَّرْدِ الَّذِي هو اللَّعْنُ المُتَسَبِّبُ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي هو الكُفْرُ.
﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾: انْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ. وعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ، التَّقْدِيرُ: فَيُؤْمِنُونَهُ، أيِ الإيمانَ في حالِ قِلَّتِهِ. وجَوَّزُوا انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَزَمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٠٢)﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . وجَوَّزُوا أيْضًا انْتِصابَهُ بِيُؤْمِنُونَ عَلى أنَّ أصْلَهُ فَقَلِيلٌ يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ لَمّا أسْقَطَ الباءَ تَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ، وهو قَوْلُ مَعْمَرٍ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ في يُؤْمِنُونَ، المَعْنى: أيْ فَجَمْعًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، أيِ المُؤْمِنُ مِنهم قَلِيلٌ، وقالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، ومُلَخَّصُهُ: أنَّ القِلَّةَ إمّا لِلنِّسْبَةِ لِلْفِعْلِ الَّذِي هو المَصْدَرُ، أوْ لِلزَّمانِ، أوْ لِلْمُؤْمَنِ بِهِ، أوْ لِلْفاعِلِ. فَبِالنِّسْبَةِ إلى المَصْدَرِ: تَكُونُ القِلَّةُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتَّصِفُ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ حَقِيقَةً. وبِالنِّسْبَةِ إلى الزَّمانِ: تَكُونُ القِلَّةُ فِيهِ لِكَوْنِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ قَلِيلًا، وهو زَمانُ الِاسْتِفْتاحِ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ. وبِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمَنِ بِهِ: تَكُونُ القِلَّةُ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَبْقَ لَهم مِن ذَلِكَ إلّا تَوْحِيدُ اللَّهِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، إذْ هم مُجَسِّمُونَ، وقَدْ كَذَّبُوا بِالرَّسُولِ وبِالتَّوْراةِ. وبِالنِّسْبَةِ لِلْفاعِلِ: تَكُونُ القِلَّةُ لِكَوْنِ مَن آمَنَ مِنهم بِالرَّسُولِ قَلِيلًا. وقالَ الواقِدِيُّ: المَعْنى أيْ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، يُقالُ قَلَّ ما يَفْعَلُ، أيْ ما يَفْعَلُ أصْلًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنِ المَعْنى فَما يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَذْهَبُ قَتادَةَ أنَّ المَعْنى: فَقَلِيلٌ مِنهم مَن يُؤْمِنُ، وأنْكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ وقالُوا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ رَفْعُ قَلِيلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِلَّةُ بِمَعْنى العَدَمِ، وما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أنَّ قَلِيلًا يُرادُ بِهِ النَّفْيُ صَحِيحٌ، لَكِنْ في غَيْرِ هَذا التَّرْكِيبِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾؛ لِأنَّ قَلِيلًا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ المُثْبَتِ، فَصارَ نَظِيرَ: قُمْتُ قَلِيلًا، أيْ قِيامًا قَلِيلًا. ولا يَذْهَبْ ذاهِبٌ إلى أنَّكَ إذا أتَيْتَ بِفِعْلٍ مُثْبَتٍ، وجَعَلْتَ قَلِيلًا مَنصُوبًا نَعْتًا لِمَصْدَرِ ذَلِكَ الفِعْلِ، يَكُونُ المَعْنى في المُثْبَتِ الواقِعِ عَلى صِفَةِ أوْ هَيْئَةِ انْتِفاءِ ذَلِكَ المُثْبَتِ رَأْسًا وعَدَمِ وُقُوعِهِ بِالكُلِّيَّةِ. وإنَّما الَّذِي نَقَلَ النَّحْوِيُّونَ أنَّهُ قَدْ يُرادُ بِالقِلَّةِ النَّفْيُ المَحْضُ في قَوْلِهِمْ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلَّما يَقُومُ زَيْدٌ، وقَلِيلٌ مِنَ الرِّجالِ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلِيلَةٌ مِنَ النِّساءِ تَقُولُ ذَلِكَ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَحَمْلُ القِلَّةِ هُنا عَلى النَّفْيِ المَحْضِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ مِن مَذْهَبِ قَتادَةَ، وإنْكارِ النَّحْوِيِّينَ ذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ رَفْعُ قَلِيلٍ. فَقَوْلُ قَتادَةَ صَحِيحٌ، ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ؛ لِأنَّ قَتادَةَ إنَّما بَيَّنَ المَعْنى وشَرَحَهُ، ولَمْ يُرِدْ شَرْحَ الإعْرابِ فَيَلْزَمَهُ ذَلِكَ. وإنَّما انْتِصابُ قَلِيلًا عِنْدَهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ، والمَعْنى عِنْدَهُ: فَيُؤْمِنُونَ قَوْمًا قَلِيلًا، أيْ في حالَةِ قِلَّةٍ. وهَذا مَعْناهُ: فَقَلِيلٌ مِنهم مَن يُؤْمِنُ. وما في قَوْلِهِ: ما يُؤْمِنُونَ، زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، دَخَلَتْ بَيْنَ المَعْمُولِ والعامِلِ، نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: رُوَيْدٌ ما الشِّعْرُ، وخُرِّجَ ما أنِفَ خاطِبٌ بِدَمٍ. ولا يَجُوزُ في ما أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ قَلِيلٍ حَتّى يَنْعَقِدَ مِنهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. والأحْسَنُ مِن هَذِهِ المَعانِي كُلِّها هو الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ دَلالَةَ الفِعْلِ عَلى مَصْدَرِهِ أقْوى مِن دَلالَتِهِ عَلى الزَّمانِ، وعَلى الهَيْئَةِ، وعَلى المَفْعُولِ، وعَلى الفاعِلِ، ولِمُوافَقَتِهِ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] . وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَرَرْنا بِأرْضٍ قَلِيلًا ما تُنْبِتُ، وأنَّهم يُرِيدُونَ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، فَإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ قَلِيلًا انْتَصَبَ عَلى الحالِ مِن أرْضٍ، وإنْ كانَ نَكِرَةً، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: قَلِيلًا إنْباتُها، أيْ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، ولَيْسَتْ ما زائِدَةً، وقَلِيلٌ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُ الكَلامِ: تُنْبِتُ قَلِيلًا، إذْ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ المُقَدَّرُ هَذا لَما صَلَحَ أنْ يُرادَ بِالقَلِيلِ النَّفْيُ المَحْضُ، لِأنَّ قَوْلَكَ: تُنْبِتُ قَلِيلًا، لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الإنْباتِ رَأْسًا، وكَذَلِكَ لَوْ قُلْنا: ضَرَبْتُ ضَرْبًا قَلِيلًا، لَمْ يَكُنْ مَعْناهُ ما ضَرَبْتُ أصْلًا.
البقرة 2:88
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]
قَفَوْتُ الأثَرَ: اتَّبَعْتُهُ، والأصْلُ أنْ يَجِيءَ الإنْسانُ تابِعًا لِقَفا الَّذِي اتَّبَعَهُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ لِمُطْلَقِ الِاتِّباعِ، وإنْ بَعُدَ زَمانُ المَتْبُوعِ، مِن زَمانِ التّابِعِ. وقالَ أُمَيَّةُ:(p-٢٩٧)
؎قالَتْ لِأُخْتٍ لَهُ قُصِّيهِ عَنْ جُنُبٍ وكَيْفَ تَقْفُو ولا سَهْلٌ ولا جَدَدُ الرُّسُلُ
: جَمْعُ رَسُولٍ، ولا يَنْقاسُ فُعُلٌ في فَعَوْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وتَسْكِينُ عَيْنِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّحْرِيكُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. عِيسى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَلَمٌ لا يُصْرَفُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ووَزْنُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: فِعْلى، والياءُ فِيهِ مُلْحَقَةٌ بِبَناتِ الأرْبَعَةِ، بِمَنزِلَةِ ياءِ مِعْزى، يَعْنِي بِالياءِ الألِفَ، سَمّاها ياءً لِكِتابَتِهِمْ إيّاها ياءً. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، كالَّتِي في ذِكْرى، بِدَلالَةِ صَرْفِهِمْ لَهُ في النَّكِرَةِ. وذَهَبَ الحافِظُ أبُو عُمْرٍو عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّانِيُّ، صاحِبُ التَّصانِيفِ في القِراءاتِ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ وغَيْرُهُ، إلى أنَّ وزْنَهُ فِعْلَلٌ، ورَدَّ ذَلِكَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ الباذَشِ بِأنَّ الياءَ والواوَ لا يَكُونانِ أصْلًا في بَناتِ الأرْبَعِ. قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وهَذِهِ الأسْماءُ أعْجَمِيَّةٌ، وكُلُّ أعْجَمِيٍّ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ، فالنَّحْوِيُّونَ يَتَكَلَّمُونَ عَلى أحْكامِهِ في التَّصْرِيفِ عَلى الحَدِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ في العَرَبِيِّ، فَعِيسى مِن هَذا البابِ. انْتَهى كَلامُهُ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَيْسِ: وهو بَياضٌ يُخالِطُهُ شُقْرَةٌ، فَغَيْرُ مُصِيبٍ؛ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ العَرَبِيَّ لا يَدْخُلُ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ. مَرْيَمُ، بِاللِّسانِ السِّرْيانِيِّ مَعْناهُ: الخادِمُ، وسُمِّيَتْ بِهِ أُمُّ عِيسى، فَصارَ عَلَمًا، فامْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ. ومَرْيَمُ، بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ مِنَ النِّساءِ، كالزِّيرِ مِنَ الرِّجالِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
؎قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ
والزِّيرُ: الَّذِي يُكْثِرُ خِلْطَةَ النِّساءِ وزِيارَتَهُنَّ، والياءُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ، كالرِّيحِ، إذْ هُما مِنَ الزَّوْرِ والرُّوحِ، فَصارَ هَذا اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا بِالنِّسْبَةِ إلى اللِّسانَيْنِ. ووَزْنُ مَرْيَمَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعَلٌ؛ لِأنَّ فَعْيَلًا، بِفَتْحِ الفاءِ، لَمْ يَثْبُتْ في الأبْنِيَةِ، كَما ثَبَتَ نَحْوُ عَثْيَرٍ وعَلْبَبٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: وقَدْ أثْبَتَ بَعْضُ النّاسِ فَعْيَلًا، وجَعَلَ مِنهُ ضَهْيَدًا، اسْمُ مَوْضِعٍ، ومَدْيَنَ، إذا جَعَلْنا مِيمَهُ أصْلِيَّةً، وضَهْياءَ مَقْصُورَةً مَصْرُوفَةً، وهي المَرْأةُ الَّتِي لا تَحِيضُ، وقِيلَ: الَّتِي لا ثَدْيَ لَها. قالَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: ضَهْياةٌ وضَهْياءَةٌ، بِالقَصْرِ والمَدِّ. قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُها مِن ضَأْهَأتْ: أيْ شابَهَتْ، لِأنَّها أشْبَهَتِ الرَّجُلَ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: أمّا ضَهْيَدٌ وعَثْيَرٌ فَمَصْنُوعانِ، فَلا يُجْعَلانِ دَلِيلًا عَلى إثْباتِ فَعْيَلٍ. انْتَهى. وصِحَّةُ حَرْفِ العِلَّةِ في مَرْيَمَ عَلى خِلافِ القِياسِ نَحْوُ مَزْيَدٍ. البَيِّنُ: الواضِحُ، بانَ: وضَحَ وظَهَرَ. أيَّدَ: فَعَلَ تَأْيِيدًا، أوْ أيَّدَ: أفْعَلَ إئْيادًا، وكِلاهُما مِنَ الأيْدِ، وهو القُوَّةُ. وقَدْ أبْدَلُوا في أفْعَلَ مِن يائِهِ جِيمًا، قالُوا: أجَدُّ، أيْ قَوِيٌّ، كَما أبْدَلُوا ياءَ يَدٍ، قالُوا: لا أفْعَلُ ذَلِكَ جَدى الدَّهْرِ، يُرِيدُونَ يَدَ الدَّهْرِ، وهو إبْدالٌ لا يَطَّرِدُ. والأصْلُ في آيَدَ أأْيَدَ، وصُحِّحَتِ العَيْنُ كَما صُحِّحَتْ في أغْيَلَتْ، وهو تَصْحِيحٌ شاذٌّ إلّا في فِعْلِ التَّعَجُّبِ، فَتَقُولُ: ما أبْيَنَ ! وما أطْوَلَ ! ورَآهُ أبُو زَيْدٍ مَقِيسًا، ولَوْ أُعِلَّ عَلى حَدِّ أُقِّتَتْ وأُحِّدَتْ، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ العَيْنِ عَلى الفاءِ، وحُذِفَتِ العَيْنُ، لَوَجَبَ أنْ تَنْقَلِبَ الفاءُ واوًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، كَما انْقَلَبَتْ في أوادِمَ جَمْعُ آدَمَ عَلى أفاعِلَ، ثُمَّ تَنْقَلِبُ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها. فَلَمّا أدّى القِياسُ إلى إعْلالِ الفاءِ والعَيْنِ، رُفِضَ وصُحِّحَتِ العَيْنُ. الرُّوحُ مِنَ الحَيَوانِ: اسْمٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الحَياةُ، قالَهُ الرّاغِبُ، واخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ وفي النَّفْسِ، أهُما مِنَ المُشْتَرَكِ أمْ مِنَ المُتَبايِنِ ؟ وفي ماهِيَّةِ النَّفْسِ والرُّوحِ، وقَدْ صُنِّفَ في ذَلِكَ. القُدُسُ: الطَّهارَةُ، وقِيلَ: البَرَكَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، الرَّسُولُ، فَعُولٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المُرْسَلُ، وهو قَلِيلٌ، ومِنهُ: الحَلُوبُ، والرَّكُوبُ، بِمَعْنى المَحْلُوبِ والمَرْكُوبِ. تَهْوى: تُحِبُّ وتَخْتارُ، ماضِيهِ عَلى فَعِلَ، ومَصْدَرُهُ الهَوى. غُلْفٌ: جَمْعُ أغْلَفَ، كَأحْمَرَ وحُمْرٍ، وهو الَّذِي لا يَفْقَهُ، أوْ جَمْعُ غِلافٍ، وهو الغِشاءُ، فَيَكُونُ أصْلُهُ التَّثْقِيلَ، فَخُفِّفَ. اللَّعْنُ: الطَّرْدُ والإبْعادُ، يُقالُ: شَأْوٌ لَعِينٌ، أيْ بَعِيدٌ، وقالَ الشَّمّاخُ:
؎ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ ∗∗∗ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ
المَعْرِفَةُ: العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِالمُفْرَداتِ، ويَسْبِقُهُ الجَهْلُ، بِخِلافِ أصْلِ العِلْمِ فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّسَبِ، وقَدْ لا يَسْبِقُهُ (p-٢٩٨)الجَهْلُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُوصَفِ اللَّهُ تَعالى بِالمَعْرِفَةِ، ووُصِفَ بِالعِلْمِ. بِئْسَ: فِعْلٌ جُعِلَ لِلذَّمِّ، وأصْلُهُ فَعِلَ، ولَهُ ولِنِعْمَ بابٌ مَعْقُودٌ في النَّحْوِ. البَغْيُ: الظُّلْمُ، وأصْلُهُ الفَسادُ، مِن قَوْلِهِمْ: بَغى الجُرْحُ: فَسَدَ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وقِيلَ: أصْلُهُ شِدَّةُ الطَّلَبِ، ومِنهُ ما نَبْغِي، وقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎أنْشَدَ والباغِي يُحِبُّ الوِجْدانْ ∗∗∗ قَلائِصًا مُخْتَلِفاتِ الألْوانْ
ومِنهُ سُمِّيَتِ الزّانِيَةُ بَغِيًّا، لِشِدَّةِ طَلَبِها لِلزِّنا. الإهانَةُ: الإذْلالُ، وهانَ هَوانًا: لَمْ يُحْفَلْ بِهِ، وهو مَعْنى الذُّلِّ، وهو كَوْنُ الإنْسانِ لا يُؤْبَهُ بِهِ، ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وراءَ: مِنَ الظُّرُوفِ المُتَوَسِّطَةِ التَّصَرُّفِ، وتَكُونُ بِمَعْنى قُدّامَ، وبِمَعْنى: خَلْفَ، وهو الأشْهَرُ فِيهِ. الخالِصُ: الَّذِي لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ، يُقالُ: خَلَصَ يَخْلُصُ خُلُوصًا. تَمَنّى: تَفَعَّلَ مِنَ المُنْيَةِ، وهو الشَّيْءُ المُشْتَهى، وقَدْ يَكُونُ المُتَمَنّى بِاللِّسانِ بِمَعْنى: التِّلاوَةِ، ومِنهُ: تَمَنّى عَلى زَيْدٍ مِنهُ حاجَةً، وجَدَ: مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الإصابَةِ والعِلْمِ والغِنى والحَرَجِ ويَخْتَلِفُ بِالمَصادِرِ: كالوِجْدانِ والوَجْدِ والمَوْجِدَةِ. الحِرْصُ: شِدَّةُ الطَّلَبِ. الوِدُّ: المَحَبَّةُ لِلشَّيْءِ والإيثارُ لَهُ، وفِعْلُهُ: ودَّ وهو عَلى فَعَلَ يَفْعَلُ، وحَكى الكِسائِيُّ: ودِدْتُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ كَسْرُ الواوِ، إذْ يَكُونُ فَعِلَ يَفْعَلُ، وفَكُّ الإدْغامِ في قَوْلِهِ:
؎ما في قُلُوبِهِمْ لَنا مِن مَوَدَّةٍ
ضَرُورَةٌ. عَمَّرَ: التَّضْعِيفُ فِيهِ لِلنَّقْلِ، إذْ هو مِن عَمَّرَ الرَّجُلُ: أيْ طالَ عُمْرُهُ، وعَمَّرَهُ اللَّهُ: أطالَ عُمْرَهُ، والعُمْرُ: مُدَّةُ البَقاءِ. الألْفُ: عَشْرٌ مِنَ المِئِينَ، وقَدْ يُتَجاوَزُ فِيهِ فَيَدُلُّ عَلى الشَّيْءِ الكَثِيرِ، وهو مِنَ الأُلْفَةِ، إذْ هو ما لَفَّ أنْواعَ الأعْدادِ، إذِ العَشَراتُ ما لَفَّ الآحادَ، والمِئُونَ ما لَفَّ العَشَراتِ، والألْفُ ما لَفَّ المِئِينَ. الزَّحْزَحَةُ: الإزالَةُ والتَّنْحِيَةُ عَنِ المَقَرِّ. بَصِيرٌ: فَعِيلٌ مِن بَصُرَ بِهِ إذا رَآهُ، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]، ثُمَّ يَتَجَوَّزُ بِهِ فَيُطْلَقُ عَلى بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ. بَصِيرٌ بِكَذا: أيْ عالِمٌ بِهِ.
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ، وأنْ تَكُونَ جَوابَ قَسَمٍ. ومُناسَبَةُ هَذا لِما قَبْلَهُ أنَّ إيتاءَ مُوسى الكِتابَ هو نِعْمَةٌ لَهم، إذْ فِيهِ أحْكامُهم وشَرائِعُهم. ثُمَّ قابَلُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالكُفْرانِ، وذَلِكَ جَرى عَلى ما سَبَقَ مِن عادَتِهِمْ، إذْ قَدْ أُمِرُوا بِأشْياءَ ونُهُوا عَنْ أشْياءَ، فَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ، فَناسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ ما قَبْلَها. والإيتاءُ: الإعْطاءُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ: الإنْزالُ؛ لِأنَّهُ أنْزَلَهُ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ آتَيْناهُ: أفْهَمْناهُ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الحُدُودِ والأحْكامِ والأنْباءِ والقَصَصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: آتَيْنا مُوسى عِلْمَ الكِتابِ، أوْ فَهْمَ الكِتابِ. ومُوسى: هو نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى بْنُ عِمْرانَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وسَلَّمَ. والكِتابُ هُنا: التَّوْراةُ، في قَوْلِ الجُمْهُورِ، والألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، إذْ قُرِنَ بِمُوسى وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَآتَيْنا. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلٌ عِنْدَ السُّهَيْلِيِّ، ومُوسى هو الثّانِي عِنْدَهُ.
(وقَفَّيْنا): هَذِهِ الياءُ أصْلُها الواوُ، إلّا أنَّها مَتى وقَعَتْ رابِعَةً أُبْدِلَتْ ياءً، كَما تَقُولُ: غَزَيْتُ مِنَ الغَزْوِ، والتَّضْعِيفُ الَّذِي في قَفَّيْنا لَيْسَ لِلتَّعْدِيَةِ، إذْ لَوْ كانَ لِلتَّعْدِيَةِ لَكانَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّ قَفَوْتَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. تَقُولُ: قَفَوْتُ زَيْدًا، أيْ تَبِعْتُهُ، فَلَوْ جاءَ عَلى التَّعْدِيَةِ لَكانَ: وقَفَّيْناهُ مِن بَعْدِهِ الرُّسُلَ، وكَوْنُهُ لَمْ يَجِئْ كَذَلِكَ في القُرْآنِ، يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً في المَفْعُولِ الأوَّلِ، ويَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي جاءَ مَحْذُوفًا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الحديد: ٢٧]، ولَكِنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى جِئْنا، كَأنَّهُ قالَ: وجِئْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ، يَقْفُو بَعْضُهم بَعْضًا، ومِن في: (مِن بَعْدِهِ): لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهو ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ يُحْكى أنَّ مُوسى لَمْ يَمُتْ حَتّى نُبِّئَ يُوشَعُ.
﴿بِالرُّسُلِ﴾: أرْسَلَ اللَّهُ عَلى أثَرِ مُوسى رُسُلًا وهم: يُوشَعُ، وشَمْوِيلُ، وشَمْعُونُ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وشَعْيا، وأرْمَيا، وعُزَيْرٌ، وحَزْقِيلُ، وإلْياسُ، واليَسْعُ، ويُونُسُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وغَيْرُهم. والباءُ في بِالرُّسُلِ مُتَعَلِّقٌ بِقَفَّيْنا، والألِفُ واللّامُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ الخاصِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، (p-٢٩٩)لِما اسْتُفِيدَ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ أنَّ هَؤُلاءِ بُعِثُوا مِن بَعْدِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ التَّقْفِيَةُ مَعْنَوِيَّةً، وهي كَوْنُهم يَتَّبِعُونَهُ في العَمَلِ بِالتَّوْراةِ وأحْكامِها، ويُأْمَرُونَ بِاتِّباعِها والبَقاءِ عَلى التِزامِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالرُّسُلِ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: بِتَسْكِينِها، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو إنْ أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ جَمْعٍ نَحْوُ رُسْلِهِمْ ورُسْلِكم ورُسْلِنا، اسْتُثْقِلَ تَوالِي أرْبَعِ مُتَحَرِّكاتٍ، فَسُكِّنَ تَخْفِيفًا.
﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾: أضافَ عِيسى إلى أُمِّهِ رَدًّا عَلى اليَهُودِ فِيما أضافُوهُ إلَيْهِ.
(البَيِّناتِ): وهي الحُجَجُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مُعْجِزَةٍ أُوتِيَها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذا هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: الإنْجِيلُ. وقِيلَ: الحُجَجُ الَّتِي أقامَها اللَّهُ عَلى اليَهُودِ. وقِيلَ: إبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، والإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ، وإحْياءُ المَوْتى، وهم أرْبَعَةٌ: سامُ بْنُ نُوحٍ، والعازِرُ، وابْنُ العَجُوزِ، وبِنْتُ العِشارِ، ومِنَ الطَّيْرِ: الخُفّاشُ، فَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلِ عِيسى، بَلْ هو صُورَةٌ، واللَّهُ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. وقِيلَ: كانَ قَبْلَهُ، فَوَضَعَ عِيسى عَلى مِثالِهِ. قالُوا: وإنَّما اخْتُصَّ هَذا النَّوْعُ مِنَ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الطَّيْرِ أشَدَّ خَلْقًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ لَحْمُ كُلُّهُ. وأجْمَلَ اللَّهُ ذِكْرَ الرُّسُلِ، وفَصَّلَ ذِكْرَ عِيسى؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ كانُوا مُتَّبِعِينَ شَرِيعَةَ مُوسى، وأمّا عِيسى فَنَسَخَ شَرْعُهُ كَثِيرًا مِن شَرْعِ مُوسى.
(وأيَّدْناهُ): قَرَأ الجُمْهُورُ عَلى وزْنِ فَعَّلْناهُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُسَيْنٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أأْيَدْناهُ، عَلى وزْنِ: أفْعَلْناهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في المُفْرَداتِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما فَقالَ: أمّا المَدُّ فَمَعْناهُ القُوَّةُ، وأمّا القَصْرُ فالتَّأْيِيدُ والنَّصْرُ، والأصَحُّ أنَّهُما بِمَعْنى قَوَّيْناهُ، وكِلاهُما مِنَ الأيْدِ، وهو القُوَّةُ.
* *
﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ: بِضَمِّ القافِ والدّالِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ: بِسُكُونِ الدّالِ حَيْثُ وقَعَ، وفِيهِ لُغَةُ فَتْحِها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: القُدُّوسُ، بِواوٍ. والرُّوحُ هُنا: اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ الَّذِي كانَ بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُحْيِي المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الإنْجِيلُ، كَما سَمّى اللَّهُ القُرْآنَ رُوحًا، قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوِ الرُّوحُ الَّتِي نَفَخَها تَعالى في عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ والرَّبِيعُ، ونُسِبَ هَذا القَوْلُ لِابْنِ عَبّاسٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ. وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ ”اهْجُ قُرَيْشًا ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ“»، ومَرَّةً قالَ لَهُ؛ ”وجِبْرِيلُ مَعَكَ“ . انْتَهى كَلامُهُ. قالُوا: ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] . وقالَ حَسّانُ:
؎وجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ
وتَسْمِيَةُ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى جِسْمِهِ الرُّوحانِيَّةُ، وكَذَلِكَ سائِرُ المَلائِكَةِ، أوْ لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ الدِّينُ، كَما يَحْيا البَدَنُ بِالرُّوحِ، فَإنَّهُ هو المُتَوَلِّي لِإنْزالِ الوَحْيِ، أوْ لِتَكْوِينِهِ رُوحًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. وتَأْيِيدُ اللَّهِ عِيسى بِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِإظْهارِ حُجَّتِهِ وأمْرِ دِينِهِ، أوْ لِدَفْعِ اليَهُودِ عَنْهُ، إذْ أرادُوا قَتْلَهُ، أوْ في جَمِيعِ أحْوالِهِ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ مَعْناهُ: بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ، قالَ: كَما يُقالُ حاتِمُ الجُودِ، ورَجُلُ صِدْقٍ. ووَصَفَها بِالقُدُسِ كَما قالَ: و”رُوحٍ مِنهُ“، فَوَصَفَهُ بِالِاخْتِصاصِ والتَّقْرِيبِ لِلْكَرامَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى القُدُسِ أنَّهُ الطَّهارَةُ أوِ البَرَكَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ والرَّبِيعُ: القُدُسُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، كالقُدُّوسِ. قالُوا: وإطْلاقُ الرُّوحِ عَلى جِبْرِيلَ وعَلى الإنْجِيلِ وعَلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ مَجازٌ؛ لِأنَّ الرُّوحَ هو الرِّيحُ (p-٣٠٠)المُتَرَدِّدُ في مَخارِقِ الإنْسانِ في مَنافِذِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ ما كانَتْ كَذَلِكَ، إلّا أنَّ كُلًّا مِنها أُطْلِقَ الرُّوحُ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ إنَّ الرُّوحَ سَبَبٌ لِلْحَياةِ، فَجِبْرِيلُ هو سَبَبٌ لِحَياةِ القُلُوبِ بِالعُلُومِ، والإنْجِيلُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الشَّرائِعِ وحَياتِها، والِاسْمُ الأعْظَمُ سَبَبٌ لِأنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلى تَحْصِيلِ الأغْراضِ. والمُشابَهَةُ بَيْنَ جِبْرِيلَ والرُّوحِ أتَمُّ، ولِأنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ فِيهِ أظْهَرُ، ولِأنَّ المُرادَ مَن أيَّدْناهُ: قَوَّيْناهُ وأعَنّاهُ، وإسْنادُها إلى جِبْرِيلَ حَقِيقَةٌ، وإلى الإنْجِيلِ والِاسْمِ الأعْظَمِ مَجازٌ. ولِأنَّ اخْتِصاصَ عِيسى بِجِبْرِيلَ مِن آكَدِ وُجُوهِ الِاخْتِصاصِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِثْلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي بَشَّرَ مَرْيَمَ بِوِلادَتِهِ، وتَوَلَّدَ عِيسى بِنَفْخِهِ، ورَبّاهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ، وكانَ يَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سارَ، وكانَ مَعَهُ حَيْثُ صَعِدَ إلى السَّماءِ.
﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾: الهَمْزَةُ أصْلُها لِلِاسْتِفْهامِ، وهي هُنا لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. والفاءُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، واعْتُنِيَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ فَقُدِّمَ، والأصْلُ فَأكُلَّما. ويُحْتَمَلُ أنْ لا يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، بَلْ يَكُونُ العَطْفُ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا يا بَنِي إسْرائِيلَ، آتَيْناكم ما آتَيْناكم. فَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، أيْ فَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِن تَكْذِيبِ فَرِيقٍ وقَتْلِ فَرِيقٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى كُلَّما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها﴾ [البقرة: ٢٥]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والنّاصِبُ لَها قَوْلُها: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . والخِطابُ في جاءَكم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، إذْ كانُوا عَلى طَبْعٍ واحِدٍ مِن سُوءِ الأخْلاقِ، وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ لِأنْبِيائِهِمْ، والشَّكِّ والِارْتِيابِ فِيما أتَوْهم بِهِ، أوْ يَكُونَ عائِدًا إلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ. وسِياقُ الآياتِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أوْ إلى مَن بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أبْنائِهِمْ، لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِهِمْ، والرّاضِي كالفاعِلِ. وقَدْ كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ، وسَقَوْهُ السُّمَّ لِيَقْتُلُوهُ، وسَحَرُوهُ. وبِما: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: جاءَكم، وما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ لا تَهْواهُ. وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ الهَوى فِيما لَيْسَ بِحَقٍّ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. وأُسْنِدَ الهَوى إلى النَّفْسِ، ولَمْ يُسْنَدْ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ، فَكانَ يَكُونُ بِما لا تَهْوَوْنَ إشْعارًا بِأنَّ النَّفْسَ يُسْنَدُ إلَيْها غالِبًا الأفْعالُ السَّيِّئَةُ، ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ [المائدة: ٣٠]، ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ﴾ [يوسف: ١٨] . اسْتَكْبَرْتُمْ: اسْتَفْعَلَ هُنا: بِمَعْنى تَفَعَّلَ، وهو أحَدُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ. وفَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكِبْرَ بِأنَّهُ سَفَهُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ. والمَعْنى قِيلَ: اسْتَكْبَرْتُمْ عَنْ إجابَتِهِ احْتِقارًا لِلرَّسُولِ. أوِ اسْتِبْعادًا لِلرِّسالَةِ، وفي ذَلِكَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن طَبِيعَةِ الِاسْتِكْبارِ الَّذِي هو مَحَلُّ النَّقائِصِ ونَتِيجَةُ الإعْجابِ. وهو نَتِيجَةُ الجَهْلِ بِالنَّفْسِ المُقارِنِ لِلْجَهْلِ بِالخالِقِ، وإنَّ ذَلِكَ كانَ يَتَكَرَّرُ مِنهم بِتَكَرُّرِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وهو كَما ذَكَرْنا اسْتِكْبارٌ بِمَعْنى التَّكَبُّرِ، وهو مُشْعِرٌ بِالتَّكَلُّفِ والتَّفَعُّلِ لِذَلِكَ، لا أنَّهم يَصِيرُونَ بِذَلِكَ كُبَراءَ عُظَماءَ، بَلْ يَتَفَعَّلُونَ ذَلِكَ ولا يُبَلِّغُونَ حَقِيقَتَهُ؛ لِأنَّ الكِبْرِياءَ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى، فَمُحالٌ أنْ يَتَّصِفَ بِها غَيْرُهُ حَقِيقَةً.
﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: اسْتَكْبَرْتُمْ، فَنَشَأ عَنِ الِاسْتِكْبارِ مُبادَرَةُ فَرِيقٍ مِنَ الرُّسُلِ بِالتَّكْذِيبِ فَقَطْ، حَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى قَتْلِهِ، وفَرِيقٍ بِالقَتْلِ إذا قَدَرُوا عَلى قَتْلِهِ وتَهَيَّأ لَهم ذَلِكَ، ويُضَمَّنُ أنَّ مَن قَتَلُوهُ فَقَدْ كَذَّبُوهُ. واسْتَغْنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَكْذِيبِهِ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ، فَذَكَرَ أقْبَحَ أفْعالِهِمْ مَعَهُ، وهو قَتْلُهُ. وأجازَ أبُو القاسِمِ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (وأيَّدْناهُ)، ويَكُونُ قَوْلُهُ: أفَكُلَّما مَعَ ما بَعْدَهُ فَصْلًا بَيْنَهُما عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. والأظْهَرُ في تَرْتِيبِ الكَلامِ الأوَّلُ، وهَذا أيْضًا مُحْتَمَلٌ، وأُخِّرَ العامِلُ وقُدِّمَ المَفْعُولُ لِيَتَواخى رُءُوسَ الآيِ، وثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَرِيقًا مِنهم كَذَّبْتُمْ، وبَدَأ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ الشَّرِّ، ولِأنَّهُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ: المُكَذَّبِ والمَقْتُولِ.
﴿وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: وأتى بِفِعْلِ القَتْلِ مُضارِعًا، إمّا لِكَوْنِهِ حُكِيَتْ (p-٣٠١)بِهِ الحالُ الماضِيَةُ، إنْ كانَتْ أُرِيدَتْ فاسْتُحْضِرَتْ في النُّفُوسِ، وصُوِّرَ حَتّى كَأنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِهِ مَشْرُوعٌ فِيهِ، ولِما فِيهِ مِن مُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ الَّتِي هي فَواصِلُ، وإمّا لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا، لِأنَّهم يَرُومُونَ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِذَلِكَ سَحَرُوهُ وسَمُّوهُ. وقالَ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ: «ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي» . وكانَ في ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عادَتَهم قَتْلُ أنْبِيائِهِمْ؛ لِأنَّ هَذا النَّبِيَّ المَكْتُوبَ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقَدْ أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ والنَّصْرِ لَهُ يَرُومُونَ قَتْلَهُ. فَكَيْفَ مَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَقَدُّمُ عَهْدٍ مِنَ اللَّهِ ؟ فَقَتْلُهُ عِنْدَهم أوْلى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ: كانُوا يَقْتُلُونَ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةِ نَبِيٍّ، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُهم آخِرَ النَّهارِ. ورُوِيَ سَبْعِينَ نَبِيًّا، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُ نَقْلِهِمْ آخِرَ النَّهارِ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾: الضَّمِيرُ في قالُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، وهم أبْناءُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا ذَلِكَ بُهْتًا ودَفْعًا لَمّا قامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَجُ وظَهَرَتْ لَهُمُ البَيِّناتُ، وأعْجَزَتْهم عَنْ مُدافَعَةِ الحَقِّ المُعْجِزاتُ. نَزَلُوا عَنْ رُتْبَةِ الإنْسانِيَّةِ إلى رُتْبَةِ البَهِيمِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: غُلْفٌ، بِإسْكانِ اللّامِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى سُكُونِ اللّامِ، أهُوَ سُكُونٌ أصْلِيٌّ فَيَكُونُ جَمْعَ أغْلَفَ ؟ أمْ هو سُكُونُ تَخْفِيفٍ فَيَكُونُ جَمْعَ غِلافٍ ؟ وأصْلُهُ الضَّمُّ، كَحِمارٍ وحُمُرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُنا يُشِيرُ إلى أنَّ التَّخْفِيفَ مِنَ التَّثْقِيلِ قَلَّما يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِّعْرِ. ونَصَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ التَّسْكِينُ في نَحْوِ حُمُرٍ جَمْعَ حِمارٍ، دُونَ ضَرُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ هُرْمُزَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، غُلُفٌ: بِضَمِّ اللّامِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وهو جَمْعُ غِلافٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ القِراءَةِ جَمْعَ أغْلَفَ؛ لِأنَّ تَثْقِيلَ فُعْلٍ الصَّحِيحِ العَيْنِ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ. يُقالُ غَلَّفْتُ السَّيْفَ: جَعَلْتُ لَهُ غِلافًا. فَأمّا مَن قَرَأ: غُلْفٌ بِالإسْكانِ، فَمَعْناهُ أنَّها مَسْتُورَةٌ عَنِ الفَهْمِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: أيْ عَلَيْها غِشاوَةٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: عَلَيْها طابَعٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ذَواتُ غُلْفٍ، أيْ عَلَيْها غُلْفٌ لا تَصِلُ إلَيْها المَوْعِظَةُ. وقِيلَ مَعْناهُ: خُلِقَتْ غُلْفًا لا تَتَدَبَّرُ ولا تَعْتَبِرُ. وقِيلَ: مَحْجُوبَةٌ عَنْ سَماعِ ما تَقُولُ وفَهْمِ ما تَبَيَّنَ. ويُحْتَمَلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا عَلى سَبِيلِ البُهْتِ والمُدافَعَةِ، حَتّى يُسْكِتُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنهم بِحالِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّ الأوَّلَ فِيهِ ذَمُّ أنْفُسِهِمْ بِما لَيْسَ فِيها، وكانُوا يَدْفَعُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وأسْبابُ الدَّفْعِ كَثِيرَةٌ. وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ اللّامِ فَمَعْناهُ أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، أقامُوا العِلْمَ مُقامَ شَيْءٍ مُجَسَّدٍ، وجَعَلُوا المَوانِعَ الَّتِي تَمْنَعُهم غُلْفًا لَهُ، لِيُسْتَدَلَّ بِالمَحْسُوسِ عَلى المَعْقُولِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، فَلَوْ كانَ ما تَقُولُهُ حَقًّا وصِدْقًا لَوَعِيَتْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ قُلُوبَنا غُلْفٌ، أيْ مَمْلُوءَةٌ عِلْمًا، فَلا تَسَعُ شَيْئًا، ولا تَحْتاجُ إلى عِلْمٍ غَيْرِهِ، فَإنَّ الشَّيْءَ المُغَلَّفَ لا يَسَعُ غِلافُهُ غَيْرَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم غُلْفٌ عَلى ما فِيها مِن دِينِهِمْ وشَرِيعَتِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّ دَوامَ مِلَّتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهي لِصَلابَتِها وقُوَّتِها تَمْنَعُ أنْ يَصِلَ إلَيْها غَيْرُ ما فِيها، كالغِلافِ الَّذِي يَصُونُ المُغَلَّفَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ ما بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: المَعْنى كالغِلافِ الخالِي لا شَيْءَ فِيهِ.
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾: بَلْ: لِلْإضْرابِ، ولَيْسَ إضْرابًا عَنِ اللَّفْظِ المَقُولِ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، فَلا يُضْرَبُ عَنْهُ، وإنَّما الإضْرابُ عَنِ النِّسْبَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهم: إنَّ قُلُوبَهم غُلْفٌ، لِأنَّها خُلِقَتْ مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِ الحَقِّ، مَفْطُورَةً لِإدْراكِ الصَّوابِ، فَأخْبَرُوا عَنْها بِما لَمْ تُخْلَقْ عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لُعِنُوا بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ، وجازاهم بِالطَّرْدِ الَّذِي هو اللَّعْنُ المُتَسَبِّبُ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي هو الكُفْرُ.
﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾: انْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ. وعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ، التَّقْدِيرُ: فَيُؤْمِنُونَهُ، أيِ الإيمانَ في حالِ قِلَّتِهِ. وجَوَّزُوا انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَزَمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٠٢)﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . وجَوَّزُوا أيْضًا انْتِصابَهُ بِيُؤْمِنُونَ عَلى أنَّ أصْلَهُ فَقَلِيلٌ يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ لَمّا أسْقَطَ الباءَ تَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ، وهو قَوْلُ مَعْمَرٍ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ في يُؤْمِنُونَ، المَعْنى: أيْ فَجَمْعًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، أيِ المُؤْمِنُ مِنهم قَلِيلٌ، وقالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، ومُلَخَّصُهُ: أنَّ القِلَّةَ إمّا لِلنِّسْبَةِ لِلْفِعْلِ الَّذِي هو المَصْدَرُ، أوْ لِلزَّمانِ، أوْ لِلْمُؤْمَنِ بِهِ، أوْ لِلْفاعِلِ. فَبِالنِّسْبَةِ إلى المَصْدَرِ: تَكُونُ القِلَّةُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتَّصِفُ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ حَقِيقَةً. وبِالنِّسْبَةِ إلى الزَّمانِ: تَكُونُ القِلَّةُ فِيهِ لِكَوْنِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ قَلِيلًا، وهو زَمانُ الِاسْتِفْتاحِ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ. وبِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمَنِ بِهِ: تَكُونُ القِلَّةُ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَبْقَ لَهم مِن ذَلِكَ إلّا تَوْحِيدُ اللَّهِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، إذْ هم مُجَسِّمُونَ، وقَدْ كَذَّبُوا بِالرَّسُولِ وبِالتَّوْراةِ. وبِالنِّسْبَةِ لِلْفاعِلِ: تَكُونُ القِلَّةُ لِكَوْنِ مَن آمَنَ مِنهم بِالرَّسُولِ قَلِيلًا. وقالَ الواقِدِيُّ: المَعْنى أيْ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، يُقالُ قَلَّ ما يَفْعَلُ، أيْ ما يَفْعَلُ أصْلًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنِ المَعْنى فَما يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَذْهَبُ قَتادَةَ أنَّ المَعْنى: فَقَلِيلٌ مِنهم مَن يُؤْمِنُ، وأنْكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ وقالُوا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ رَفْعُ قَلِيلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِلَّةُ بِمَعْنى العَدَمِ، وما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أنَّ قَلِيلًا يُرادُ بِهِ النَّفْيُ صَحِيحٌ، لَكِنْ في غَيْرِ هَذا التَّرْكِيبِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾؛ لِأنَّ قَلِيلًا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ المُثْبَتِ، فَصارَ نَظِيرَ: قُمْتُ قَلِيلًا، أيْ قِيامًا قَلِيلًا. ولا يَذْهَبْ ذاهِبٌ إلى أنَّكَ إذا أتَيْتَ بِفِعْلٍ مُثْبَتٍ، وجَعَلْتَ قَلِيلًا مَنصُوبًا نَعْتًا لِمَصْدَرِ ذَلِكَ الفِعْلِ، يَكُونُ المَعْنى في المُثْبَتِ الواقِعِ عَلى صِفَةِ أوْ هَيْئَةِ انْتِفاءِ ذَلِكَ المُثْبَتِ رَأْسًا وعَدَمِ وُقُوعِهِ بِالكُلِّيَّةِ. وإنَّما الَّذِي نَقَلَ النَّحْوِيُّونَ أنَّهُ قَدْ يُرادُ بِالقِلَّةِ النَّفْيُ المَحْضُ في قَوْلِهِمْ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلَّما يَقُومُ زَيْدٌ، وقَلِيلٌ مِنَ الرِّجالِ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلِيلَةٌ مِنَ النِّساءِ تَقُولُ ذَلِكَ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَحَمْلُ القِلَّةِ هُنا عَلى النَّفْيِ المَحْضِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ مِن مَذْهَبِ قَتادَةَ، وإنْكارِ النَّحْوِيِّينَ ذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ رَفْعُ قَلِيلٍ. فَقَوْلُ قَتادَةَ صَحِيحٌ، ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ؛ لِأنَّ قَتادَةَ إنَّما بَيَّنَ المَعْنى وشَرَحَهُ، ولَمْ يُرِدْ شَرْحَ الإعْرابِ فَيَلْزَمَهُ ذَلِكَ. وإنَّما انْتِصابُ قَلِيلًا عِنْدَهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ، والمَعْنى عِنْدَهُ: فَيُؤْمِنُونَ قَوْمًا قَلِيلًا، أيْ في حالَةِ قِلَّةٍ. وهَذا مَعْناهُ: فَقَلِيلٌ مِنهم مَن يُؤْمِنُ. وما في قَوْلِهِ: ما يُؤْمِنُونَ، زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، دَخَلَتْ بَيْنَ المَعْمُولِ والعامِلِ، نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: رُوَيْدٌ ما الشِّعْرُ، وخُرِّجَ ما أنِفَ خاطِبٌ بِدَمٍ. ولا يَجُوزُ في ما أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ قَلِيلٍ حَتّى يَنْعَقِدَ مِنهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. والأحْسَنُ مِن هَذِهِ المَعانِي كُلِّها هو الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ دَلالَةَ الفِعْلِ عَلى مَصْدَرِهِ أقْوى مِن دَلالَتِهِ عَلى الزَّمانِ، وعَلى الهَيْئَةِ، وعَلى المَفْعُولِ، وعَلى الفاعِلِ، ولِمُوافَقَتِهِ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] . وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَرَرْنا بِأرْضٍ قَلِيلًا ما تُنْبِتُ، وأنَّهم يُرِيدُونَ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، فَإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ قَلِيلًا انْتَصَبَ عَلى الحالِ مِن أرْضٍ، وإنْ كانَ نَكِرَةً، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: قَلِيلًا إنْباتُها، أيْ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، ولَيْسَتْ ما زائِدَةً، وقَلِيلٌ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُ الكَلامِ: تُنْبِتُ قَلِيلًا، إذْ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ المُقَدَّرُ هَذا لَما صَلَحَ أنْ يُرادَ بِالقَلِيلِ النَّفْيُ المَحْضُ، لِأنَّ قَوْلَكَ: تُنْبِتُ قَلِيلًا، لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الإنْباتِ رَأْسًا، وكَذَلِكَ لَوْ قُلْنا: ضَرَبْتُ ضَرْبًا قَلِيلًا، لَمْ يَكُنْ مَعْناهُ ما ضَرَبْتُ أصْلًا.
البقرة 2:89
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٩٢] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦]
قَفَوْتُ الأثَرَ: اتَّبَعْتُهُ، والأصْلُ أنْ يَجِيءَ الإنْسانُ تابِعًا لِقَفا الَّذِي اتَّبَعَهُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ لِمُطْلَقِ الِاتِّباعِ، وإنْ بَعُدَ زَمانُ المَتْبُوعِ، مِن زَمانِ التّابِعِ. وقالَ أُمَيَّةُ:(p-٢٩٧)
؎قالَتْ لِأُخْتٍ لَهُ قُصِّيهِ عَنْ جُنُبٍ وكَيْفَ تَقْفُو ولا سَهْلٌ ولا جَدَدُ الرُّسُلُ
: جَمْعُ رَسُولٍ، ولا يَنْقاسُ فُعُلٌ في فَعَوْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وتَسْكِينُ عَيْنِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّحْرِيكُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. عِيسى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَلَمٌ لا يُصْرَفُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، ووَزْنُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: فِعْلى، والياءُ فِيهِ مُلْحَقَةٌ بِبَناتِ الأرْبَعَةِ، بِمَنزِلَةِ ياءِ مِعْزى، يَعْنِي بِالياءِ الألِفَ، سَمّاها ياءً لِكِتابَتِهِمْ إيّاها ياءً. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، كالَّتِي في ذِكْرى، بِدَلالَةِ صَرْفِهِمْ لَهُ في النَّكِرَةِ. وذَهَبَ الحافِظُ أبُو عُمْرٍو عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّانِيُّ، صاحِبُ التَّصانِيفِ في القِراءاتِ، وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ وغَيْرُهُ، إلى أنَّ وزْنَهُ فِعْلَلٌ، ورَدَّ ذَلِكَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ الباذَشِ بِأنَّ الياءَ والواوَ لا يَكُونانِ أصْلًا في بَناتِ الأرْبَعِ. قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وهَذِهِ الأسْماءُ أعْجَمِيَّةٌ، وكُلُّ أعْجَمِيٍّ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ، فالنَّحْوِيُّونَ يَتَكَلَّمُونَ عَلى أحْكامِهِ في التَّصْرِيفِ عَلى الحَدِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ في العَرَبِيِّ، فَعِيسى مِن هَذا البابِ. انْتَهى كَلامُهُ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَيْسِ: وهو بَياضٌ يُخالِطُهُ شُقْرَةٌ، فَغَيْرُ مُصِيبٍ؛ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ العَرَبِيَّ لا يَدْخُلُ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ. مَرْيَمُ، بِاللِّسانِ السِّرْيانِيِّ مَعْناهُ: الخادِمُ، وسُمِّيَتْ بِهِ أُمُّ عِيسى، فَصارَ عَلَمًا، فامْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ. ومَرْيَمُ، بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ مِنَ النِّساءِ، كالزِّيرِ مِنَ الرِّجالِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
؎قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ
والزِّيرُ: الَّذِي يُكْثِرُ خِلْطَةَ النِّساءِ وزِيارَتَهُنَّ، والياءُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ، كالرِّيحِ، إذْ هُما مِنَ الزَّوْرِ والرُّوحِ، فَصارَ هَذا اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا بِالنِّسْبَةِ إلى اللِّسانَيْنِ. ووَزْنُ مَرْيَمَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعَلٌ؛ لِأنَّ فَعْيَلًا، بِفَتْحِ الفاءِ، لَمْ يَثْبُتْ في الأبْنِيَةِ، كَما ثَبَتَ نَحْوُ عَثْيَرٍ وعَلْبَبٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: وقَدْ أثْبَتَ بَعْضُ النّاسِ فَعْيَلًا، وجَعَلَ مِنهُ ضَهْيَدًا، اسْمُ مَوْضِعٍ، ومَدْيَنَ، إذا جَعَلْنا مِيمَهُ أصْلِيَّةً، وضَهْياءَ مَقْصُورَةً مَصْرُوفَةً، وهي المَرْأةُ الَّتِي لا تَحِيضُ، وقِيلَ: الَّتِي لا ثَدْيَ لَها. قالَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: ضَهْياةٌ وضَهْياءَةٌ، بِالقَصْرِ والمَدِّ. قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُها مِن ضَأْهَأتْ: أيْ شابَهَتْ، لِأنَّها أشْبَهَتِ الرَّجُلَ. وقالَ ابْنُ جِنِّي: أمّا ضَهْيَدٌ وعَثْيَرٌ فَمَصْنُوعانِ، فَلا يُجْعَلانِ دَلِيلًا عَلى إثْباتِ فَعْيَلٍ. انْتَهى. وصِحَّةُ حَرْفِ العِلَّةِ في مَرْيَمَ عَلى خِلافِ القِياسِ نَحْوُ مَزْيَدٍ. البَيِّنُ: الواضِحُ، بانَ: وضَحَ وظَهَرَ. أيَّدَ: فَعَلَ تَأْيِيدًا، أوْ أيَّدَ: أفْعَلَ إئْيادًا، وكِلاهُما مِنَ الأيْدِ، وهو القُوَّةُ. وقَدْ أبْدَلُوا في أفْعَلَ مِن يائِهِ جِيمًا، قالُوا: أجَدُّ، أيْ قَوِيٌّ، كَما أبْدَلُوا ياءَ يَدٍ، قالُوا: لا أفْعَلُ ذَلِكَ جَدى الدَّهْرِ، يُرِيدُونَ يَدَ الدَّهْرِ، وهو إبْدالٌ لا يَطَّرِدُ. والأصْلُ في آيَدَ أأْيَدَ، وصُحِّحَتِ العَيْنُ كَما صُحِّحَتْ في أغْيَلَتْ، وهو تَصْحِيحٌ شاذٌّ إلّا في فِعْلِ التَّعَجُّبِ، فَتَقُولُ: ما أبْيَنَ ! وما أطْوَلَ ! ورَآهُ أبُو زَيْدٍ مَقِيسًا، ولَوْ أُعِلَّ عَلى حَدِّ أُقِّتَتْ وأُحِّدَتْ، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ العَيْنِ عَلى الفاءِ، وحُذِفَتِ العَيْنُ، لَوَجَبَ أنْ تَنْقَلِبَ الفاءُ واوًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، كَما انْقَلَبَتْ في أوادِمَ جَمْعُ آدَمَ عَلى أفاعِلَ، ثُمَّ تَنْقَلِبُ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها. فَلَمّا أدّى القِياسُ إلى إعْلالِ الفاءِ والعَيْنِ، رُفِضَ وصُحِّحَتِ العَيْنُ. الرُّوحُ مِنَ الحَيَوانِ: اسْمٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الحَياةُ، قالَهُ الرّاغِبُ، واخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ وفي النَّفْسِ، أهُما مِنَ المُشْتَرَكِ أمْ مِنَ المُتَبايِنِ ؟ وفي ماهِيَّةِ النَّفْسِ والرُّوحِ، وقَدْ صُنِّفَ في ذَلِكَ. القُدُسُ: الطَّهارَةُ، وقِيلَ: البَرَكَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، الرَّسُولُ، فَعُولٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المُرْسَلُ، وهو قَلِيلٌ، ومِنهُ: الحَلُوبُ، والرَّكُوبُ، بِمَعْنى المَحْلُوبِ والمَرْكُوبِ. تَهْوى: تُحِبُّ وتَخْتارُ، ماضِيهِ عَلى فَعِلَ، ومَصْدَرُهُ الهَوى. غُلْفٌ: جَمْعُ أغْلَفَ، كَأحْمَرَ وحُمْرٍ، وهو الَّذِي لا يَفْقَهُ، أوْ جَمْعُ غِلافٍ، وهو الغِشاءُ، فَيَكُونُ أصْلُهُ التَّثْقِيلَ، فَخُفِّفَ. اللَّعْنُ: الطَّرْدُ والإبْعادُ، يُقالُ: شَأْوٌ لَعِينٌ، أيْ بَعِيدٌ، وقالَ الشَّمّاخُ:
؎ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ ∗∗∗ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ
المَعْرِفَةُ: العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِالمُفْرَداتِ، ويَسْبِقُهُ الجَهْلُ، بِخِلافِ أصْلِ العِلْمِ فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّسَبِ، وقَدْ لا يَسْبِقُهُ (p-٢٩٨)الجَهْلُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُوصَفِ اللَّهُ تَعالى بِالمَعْرِفَةِ، ووُصِفَ بِالعِلْمِ. بِئْسَ: فِعْلٌ جُعِلَ لِلذَّمِّ، وأصْلُهُ فَعِلَ، ولَهُ ولِنِعْمَ بابٌ مَعْقُودٌ في النَّحْوِ. البَغْيُ: الظُّلْمُ، وأصْلُهُ الفَسادُ، مِن قَوْلِهِمْ: بَغى الجُرْحُ: فَسَدَ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وقِيلَ: أصْلُهُ شِدَّةُ الطَّلَبِ، ومِنهُ ما نَبْغِي، وقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎أنْشَدَ والباغِي يُحِبُّ الوِجْدانْ ∗∗∗ قَلائِصًا مُخْتَلِفاتِ الألْوانْ
ومِنهُ سُمِّيَتِ الزّانِيَةُ بَغِيًّا، لِشِدَّةِ طَلَبِها لِلزِّنا. الإهانَةُ: الإذْلالُ، وهانَ هَوانًا: لَمْ يُحْفَلْ بِهِ، وهو مَعْنى الذُّلِّ، وهو كَوْنُ الإنْسانِ لا يُؤْبَهُ بِهِ، ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وراءَ: مِنَ الظُّرُوفِ المُتَوَسِّطَةِ التَّصَرُّفِ، وتَكُونُ بِمَعْنى قُدّامَ، وبِمَعْنى: خَلْفَ، وهو الأشْهَرُ فِيهِ. الخالِصُ: الَّذِي لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ، يُقالُ: خَلَصَ يَخْلُصُ خُلُوصًا. تَمَنّى: تَفَعَّلَ مِنَ المُنْيَةِ، وهو الشَّيْءُ المُشْتَهى، وقَدْ يَكُونُ المُتَمَنّى بِاللِّسانِ بِمَعْنى: التِّلاوَةِ، ومِنهُ: تَمَنّى عَلى زَيْدٍ مِنهُ حاجَةً، وجَدَ: مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الإصابَةِ والعِلْمِ والغِنى والحَرَجِ ويَخْتَلِفُ بِالمَصادِرِ: كالوِجْدانِ والوَجْدِ والمَوْجِدَةِ. الحِرْصُ: شِدَّةُ الطَّلَبِ. الوِدُّ: المَحَبَّةُ لِلشَّيْءِ والإيثارُ لَهُ، وفِعْلُهُ: ودَّ وهو عَلى فَعَلَ يَفْعَلُ، وحَكى الكِسائِيُّ: ودِدْتُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ كَسْرُ الواوِ، إذْ يَكُونُ فَعِلَ يَفْعَلُ، وفَكُّ الإدْغامِ في قَوْلِهِ:
؎ما في قُلُوبِهِمْ لَنا مِن مَوَدَّةٍ
ضَرُورَةٌ. عَمَّرَ: التَّضْعِيفُ فِيهِ لِلنَّقْلِ، إذْ هو مِن عَمَّرَ الرَّجُلُ: أيْ طالَ عُمْرُهُ، وعَمَّرَهُ اللَّهُ: أطالَ عُمْرَهُ، والعُمْرُ: مُدَّةُ البَقاءِ. الألْفُ: عَشْرٌ مِنَ المِئِينَ، وقَدْ يُتَجاوَزُ فِيهِ فَيَدُلُّ عَلى الشَّيْءِ الكَثِيرِ، وهو مِنَ الأُلْفَةِ، إذْ هو ما لَفَّ أنْواعَ الأعْدادِ، إذِ العَشَراتُ ما لَفَّ الآحادَ، والمِئُونَ ما لَفَّ العَشَراتِ، والألْفُ ما لَفَّ المِئِينَ. الزَّحْزَحَةُ: الإزالَةُ والتَّنْحِيَةُ عَنِ المَقَرِّ. بَصِيرٌ: فَعِيلٌ مِن بَصُرَ بِهِ إذا رَآهُ، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١]، ثُمَّ يَتَجَوَّزُ بِهِ فَيُطْلَقُ عَلى بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ. بَصِيرٌ بِكَذا: أيْ عالِمٌ بِهِ.
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ اللّامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ، وأنْ تَكُونَ جَوابَ قَسَمٍ. ومُناسَبَةُ هَذا لِما قَبْلَهُ أنَّ إيتاءَ مُوسى الكِتابَ هو نِعْمَةٌ لَهم، إذْ فِيهِ أحْكامُهم وشَرائِعُهم. ثُمَّ قابَلُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالكُفْرانِ، وذَلِكَ جَرى عَلى ما سَبَقَ مِن عادَتِهِمْ، إذْ قَدْ أُمِرُوا بِأشْياءَ ونُهُوا عَنْ أشْياءَ، فَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ، فَناسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ ما قَبْلَها. والإيتاءُ: الإعْطاءُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ: الإنْزالُ؛ لِأنَّهُ أنْزَلَهُ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ آتَيْناهُ: أفْهَمْناهُ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الحُدُودِ والأحْكامِ والأنْباءِ والقَصَصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: آتَيْنا مُوسى عِلْمَ الكِتابِ، أوْ فَهْمَ الكِتابِ. ومُوسى: هو نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى بْنُ عِمْرانَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وسَلَّمَ. والكِتابُ هُنا: التَّوْراةُ، في قَوْلِ الجُمْهُورِ، والألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، إذْ قُرِنَ بِمُوسى وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَآتَيْنا. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلٌ عِنْدَ السُّهَيْلِيِّ، ومُوسى هو الثّانِي عِنْدَهُ.
(وقَفَّيْنا): هَذِهِ الياءُ أصْلُها الواوُ، إلّا أنَّها مَتى وقَعَتْ رابِعَةً أُبْدِلَتْ ياءً، كَما تَقُولُ: غَزَيْتُ مِنَ الغَزْوِ، والتَّضْعِيفُ الَّذِي في قَفَّيْنا لَيْسَ لِلتَّعْدِيَةِ، إذْ لَوْ كانَ لِلتَّعْدِيَةِ لَكانَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّ قَفَوْتَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. تَقُولُ: قَفَوْتُ زَيْدًا، أيْ تَبِعْتُهُ، فَلَوْ جاءَ عَلى التَّعْدِيَةِ لَكانَ: وقَفَّيْناهُ مِن بَعْدِهِ الرُّسُلَ، وكَوْنُهُ لَمْ يَجِئْ كَذَلِكَ في القُرْآنِ، يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً في المَفْعُولِ الأوَّلِ، ويَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي جاءَ مَحْذُوفًا. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الحديد: ٢٧]، ولَكِنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى جِئْنا، كَأنَّهُ قالَ: وجِئْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ، يَقْفُو بَعْضُهم بَعْضًا، ومِن في: (مِن بَعْدِهِ): لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهو ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ يُحْكى أنَّ مُوسى لَمْ يَمُتْ حَتّى نُبِّئَ يُوشَعُ.
﴿بِالرُّسُلِ﴾: أرْسَلَ اللَّهُ عَلى أثَرِ مُوسى رُسُلًا وهم: يُوشَعُ، وشَمْوِيلُ، وشَمْعُونُ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ، وشَعْيا، وأرْمَيا، وعُزَيْرٌ، وحَزْقِيلُ، وإلْياسُ، واليَسْعُ، ويُونُسُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، وغَيْرُهم. والباءُ في بِالرُّسُلِ مُتَعَلِّقٌ بِقَفَّيْنا، والألِفُ واللّامُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ الخاصِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، (p-٢٩٩)لِما اسْتُفِيدَ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ أنَّ هَؤُلاءِ بُعِثُوا مِن بَعْدِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ التَّقْفِيَةُ مَعْنَوِيَّةً، وهي كَوْنُهم يَتَّبِعُونَهُ في العَمَلِ بِالتَّوْراةِ وأحْكامِها، ويُأْمَرُونَ بِاتِّباعِها والبَقاءِ عَلى التِزامِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالرُّسُلِ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: بِتَسْكِينِها، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُما لُغَتانِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو إنْ أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ جَمْعٍ نَحْوُ رُسْلِهِمْ ورُسْلِكم ورُسْلِنا، اسْتُثْقِلَ تَوالِي أرْبَعِ مُتَحَرِّكاتٍ، فَسُكِّنَ تَخْفِيفًا.
﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾: أضافَ عِيسى إلى أُمِّهِ رَدًّا عَلى اليَهُودِ فِيما أضافُوهُ إلَيْهِ.
(البَيِّناتِ): وهي الحُجَجُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مُعْجِزَةٍ أُوتِيَها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذا هو الظّاهِرُ. وقِيلَ: الإنْجِيلُ. وقِيلَ: الحُجَجُ الَّتِي أقامَها اللَّهُ عَلى اليَهُودِ. وقِيلَ: إبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، والإخْبارُ بِالمُغَيَّباتِ، وإحْياءُ المَوْتى، وهم أرْبَعَةٌ: سامُ بْنُ نُوحٍ، والعازِرُ، وابْنُ العَجُوزِ، وبِنْتُ العِشارِ، ومِنَ الطَّيْرِ: الخُفّاشُ، فَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلِ عِيسى، بَلْ هو صُورَةٌ، واللَّهُ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. وقِيلَ: كانَ قَبْلَهُ، فَوَضَعَ عِيسى عَلى مِثالِهِ. قالُوا: وإنَّما اخْتُصَّ هَذا النَّوْعُ مِنَ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الطَّيْرِ أشَدَّ خَلْقًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ لَحْمُ كُلُّهُ. وأجْمَلَ اللَّهُ ذِكْرَ الرُّسُلِ، وفَصَّلَ ذِكْرَ عِيسى؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ كانُوا مُتَّبِعِينَ شَرِيعَةَ مُوسى، وأمّا عِيسى فَنَسَخَ شَرْعُهُ كَثِيرًا مِن شَرْعِ مُوسى.
(وأيَّدْناهُ): قَرَأ الجُمْهُورُ عَلى وزْنِ فَعَّلْناهُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُسَيْنٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو: أأْيَدْناهُ، عَلى وزْنِ: أفْعَلْناهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في المُفْرَداتِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما فَقالَ: أمّا المَدُّ فَمَعْناهُ القُوَّةُ، وأمّا القَصْرُ فالتَّأْيِيدُ والنَّصْرُ، والأصَحُّ أنَّهُما بِمَعْنى قَوَّيْناهُ، وكِلاهُما مِنَ الأيْدِ، وهو القُوَّةُ.
* *
﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ: بِضَمِّ القافِ والدّالِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ: بِسُكُونِ الدّالِ حَيْثُ وقَعَ، وفِيهِ لُغَةُ فَتْحِها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: القُدُّوسُ، بِواوٍ. والرُّوحُ هُنا: اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ الَّذِي كانَ بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُحْيِي المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الإنْجِيلُ، كَما سَمّى اللَّهُ القُرْآنَ رُوحًا، قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوِ الرُّوحُ الَّتِي نَفَخَها تَعالى في عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ والرَّبِيعُ، ونُسِبَ هَذا القَوْلُ لِابْنِ عَبّاسٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ. وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ ”اهْجُ قُرَيْشًا ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ“»، ومَرَّةً قالَ لَهُ؛ ”وجِبْرِيلُ مَعَكَ“ . انْتَهى كَلامُهُ. قالُوا: ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] . وقالَ حَسّانُ:
؎وجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ
وتَسْمِيَةُ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى جِسْمِهِ الرُّوحانِيَّةُ، وكَذَلِكَ سائِرُ المَلائِكَةِ، أوْ لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ الدِّينُ، كَما يَحْيا البَدَنُ بِالرُّوحِ، فَإنَّهُ هو المُتَوَلِّي لِإنْزالِ الوَحْيِ، أوْ لِتَكْوِينِهِ رُوحًا مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. وتَأْيِيدُ اللَّهِ عِيسى بِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِإظْهارِ حُجَّتِهِ وأمْرِ دِينِهِ، أوْ لِدَفْعِ اليَهُودِ عَنْهُ، إذْ أرادُوا قَتْلَهُ، أوْ في جَمِيعِ أحْوالِهِ. واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ مَعْناهُ: بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ، قالَ: كَما يُقالُ حاتِمُ الجُودِ، ورَجُلُ صِدْقٍ. ووَصَفَها بِالقُدُسِ كَما قالَ: و”رُوحٍ مِنهُ“، فَوَصَفَهُ بِالِاخْتِصاصِ والتَّقْرِيبِ لِلْكَرامَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى القُدُسِ أنَّهُ الطَّهارَةُ أوِ البَرَكَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ والرَّبِيعُ: القُدُسُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، كالقُدُّوسِ. قالُوا: وإطْلاقُ الرُّوحِ عَلى جِبْرِيلَ وعَلى الإنْجِيلِ وعَلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ مَجازٌ؛ لِأنَّ الرُّوحَ هو الرِّيحُ (p-٣٠٠)المُتَرَدِّدُ في مَخارِقِ الإنْسانِ في مَنافِذِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ ما كانَتْ كَذَلِكَ، إلّا أنَّ كُلًّا مِنها أُطْلِقَ الرُّوحُ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ إنَّ الرُّوحَ سَبَبٌ لِلْحَياةِ، فَجِبْرِيلُ هو سَبَبٌ لِحَياةِ القُلُوبِ بِالعُلُومِ، والإنْجِيلُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الشَّرائِعِ وحَياتِها، والِاسْمُ الأعْظَمُ سَبَبٌ لِأنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلى تَحْصِيلِ الأغْراضِ. والمُشابَهَةُ بَيْنَ جِبْرِيلَ والرُّوحِ أتَمُّ، ولِأنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ فِيهِ أظْهَرُ، ولِأنَّ المُرادَ مَن أيَّدْناهُ: قَوَّيْناهُ وأعَنّاهُ، وإسْنادُها إلى جِبْرِيلَ حَقِيقَةٌ، وإلى الإنْجِيلِ والِاسْمِ الأعْظَمِ مَجازٌ. ولِأنَّ اخْتِصاصَ عِيسى بِجِبْرِيلَ مِن آكَدِ وُجُوهِ الِاخْتِصاصِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِثْلُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي بَشَّرَ مَرْيَمَ بِوِلادَتِهِ، وتَوَلَّدَ عِيسى بِنَفْخِهِ، ورَبّاهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ، وكانَ يَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سارَ، وكانَ مَعَهُ حَيْثُ صَعِدَ إلى السَّماءِ.
﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾: الهَمْزَةُ أصْلُها لِلِاسْتِفْهامِ، وهي هُنا لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. والفاءُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، واعْتُنِيَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ فَقُدِّمَ، والأصْلُ فَأكُلَّما. ويُحْتَمَلُ أنْ لا يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، بَلْ يَكُونُ العَطْفُ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ آتَيْنا يا بَنِي إسْرائِيلَ، آتَيْناكم ما آتَيْناكم. فَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَها مَحْذُوفٌ، أيْ فَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِن تَكْذِيبِ فَرِيقٍ وقَتْلِ فَرِيقٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى كُلَّما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها﴾ [البقرة: ٢٥]، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. والنّاصِبُ لَها قَوْلُها: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ . والخِطابُ في جاءَكم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، إذْ كانُوا عَلى طَبْعٍ واحِدٍ مِن سُوءِ الأخْلاقِ، وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ لِأنْبِيائِهِمْ، والشَّكِّ والِارْتِيابِ فِيما أتَوْهم بِهِ، أوْ يَكُونَ عائِدًا إلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ. وسِياقُ الآياتِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أوْ إلى مَن بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أبْنائِهِمْ، لِأنَّهم راضُونَ بِفِعْلِهِمْ، والرّاضِي كالفاعِلِ. وقَدْ كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ، وسَقَوْهُ السُّمَّ لِيَقْتُلُوهُ، وسَحَرُوهُ. وبِما: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: جاءَكم، وما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ لا تَهْواهُ. وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ الهَوى فِيما لَيْسَ بِحَقٍّ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. وأُسْنِدَ الهَوى إلى النَّفْسِ، ولَمْ يُسْنَدْ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ، فَكانَ يَكُونُ بِما لا تَهْوَوْنَ إشْعارًا بِأنَّ النَّفْسَ يُسْنَدُ إلَيْها غالِبًا الأفْعالُ السَّيِّئَةُ، ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ [المائدة: ٣٠]، ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ﴾ [يوسف: ١٨] . اسْتَكْبَرْتُمْ: اسْتَفْعَلَ هُنا: بِمَعْنى تَفَعَّلَ، وهو أحَدُ مَعانِي اسْتَفْعَلَ. وفَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكِبْرَ بِأنَّهُ سَفَهُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ. والمَعْنى قِيلَ: اسْتَكْبَرْتُمْ عَنْ إجابَتِهِ احْتِقارًا لِلرَّسُولِ. أوِ اسْتِبْعادًا لِلرِّسالَةِ، وفي ذَلِكَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن طَبِيعَةِ الِاسْتِكْبارِ الَّذِي هو مَحَلُّ النَّقائِصِ ونَتِيجَةُ الإعْجابِ. وهو نَتِيجَةُ الجَهْلِ بِالنَّفْسِ المُقارِنِ لِلْجَهْلِ بِالخالِقِ، وإنَّ ذَلِكَ كانَ يَتَكَرَّرُ مِنهم بِتَكَرُّرِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وهو كَما ذَكَرْنا اسْتِكْبارٌ بِمَعْنى التَّكَبُّرِ، وهو مُشْعِرٌ بِالتَّكَلُّفِ والتَّفَعُّلِ لِذَلِكَ، لا أنَّهم يَصِيرُونَ بِذَلِكَ كُبَراءَ عُظَماءَ، بَلْ يَتَفَعَّلُونَ ذَلِكَ ولا يُبَلِّغُونَ حَقِيقَتَهُ؛ لِأنَّ الكِبْرِياءَ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى، فَمُحالٌ أنْ يَتَّصِفَ بِها غَيْرُهُ حَقِيقَةً.
﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: اسْتَكْبَرْتُمْ، فَنَشَأ عَنِ الِاسْتِكْبارِ مُبادَرَةُ فَرِيقٍ مِنَ الرُّسُلِ بِالتَّكْذِيبِ فَقَطْ، حَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى قَتْلِهِ، وفَرِيقٍ بِالقَتْلِ إذا قَدَرُوا عَلى قَتْلِهِ وتَهَيَّأ لَهم ذَلِكَ، ويُضَمَّنُ أنَّ مَن قَتَلُوهُ فَقَدْ كَذَّبُوهُ. واسْتَغْنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَكْذِيبِهِ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ، فَذَكَرَ أقْبَحَ أفْعالِهِمْ مَعَهُ، وهو قَتْلُهُ. وأجازَ أبُو القاسِمِ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (وأيَّدْناهُ)، ويَكُونُ قَوْلُهُ: أفَكُلَّما مَعَ ما بَعْدَهُ فَصْلًا بَيْنَهُما عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. والأظْهَرُ في تَرْتِيبِ الكَلامِ الأوَّلُ، وهَذا أيْضًا مُحْتَمَلٌ، وأُخِّرَ العامِلُ وقُدِّمَ المَفْعُولُ لِيَتَواخى رُءُوسَ الآيِ، وثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَرِيقًا مِنهم كَذَّبْتُمْ، وبَدَأ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ الشَّرِّ، ولِأنَّهُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ: المُكَذَّبِ والمَقْتُولِ.
﴿وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: وأتى بِفِعْلِ القَتْلِ مُضارِعًا، إمّا لِكَوْنِهِ حُكِيَتْ (p-٣٠١)بِهِ الحالُ الماضِيَةُ، إنْ كانَتْ أُرِيدَتْ فاسْتُحْضِرَتْ في النُّفُوسِ، وصُوِّرَ حَتّى كَأنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِهِ مَشْرُوعٌ فِيهِ، ولِما فِيهِ مِن مُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ الَّتِي هي فَواصِلُ، وإمّا لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا، لِأنَّهم يَرُومُونَ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِذَلِكَ سَحَرُوهُ وسَمُّوهُ. وقالَ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ: «ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي» . وكانَ في ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عادَتَهم قَتْلُ أنْبِيائِهِمْ؛ لِأنَّ هَذا النَّبِيَّ المَكْتُوبَ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقَدْ أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ والنَّصْرِ لَهُ يَرُومُونَ قَتْلَهُ. فَكَيْفَ مَن لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَقَدُّمُ عَهْدٍ مِنَ اللَّهِ ؟ فَقَتْلُهُ عِنْدَهم أوْلى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ: كانُوا يَقْتُلُونَ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةِ نَبِيٍّ، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُهم آخِرَ النَّهارِ. ورُوِيَ سَبْعِينَ نَبِيًّا، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُ نَقْلِهِمْ آخِرَ النَّهارِ.
﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾: الضَّمِيرُ في قالُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، وهم أبْناءُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا ذَلِكَ بُهْتًا ودَفْعًا لَمّا قامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَجُ وظَهَرَتْ لَهُمُ البَيِّناتُ، وأعْجَزَتْهم عَنْ مُدافَعَةِ الحَقِّ المُعْجِزاتُ. نَزَلُوا عَنْ رُتْبَةِ الإنْسانِيَّةِ إلى رُتْبَةِ البَهِيمِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: غُلْفٌ، بِإسْكانِ اللّامِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى سُكُونِ اللّامِ، أهُوَ سُكُونٌ أصْلِيٌّ فَيَكُونُ جَمْعَ أغْلَفَ ؟ أمْ هو سُكُونُ تَخْفِيفٍ فَيَكُونُ جَمْعَ غِلافٍ ؟ وأصْلُهُ الضَّمُّ، كَحِمارٍ وحُمُرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُنا يُشِيرُ إلى أنَّ التَّخْفِيفَ مِنَ التَّثْقِيلِ قَلَّما يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِّعْرِ. ونَصَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ التَّسْكِينُ في نَحْوِ حُمُرٍ جَمْعَ حِمارٍ، دُونَ ضَرُورَةٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ هُرْمُزَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، غُلُفٌ: بِضَمِّ اللّامِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وهو جَمْعُ غِلافٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ القِراءَةِ جَمْعَ أغْلَفَ؛ لِأنَّ تَثْقِيلَ فُعْلٍ الصَّحِيحِ العَيْنِ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ. يُقالُ غَلَّفْتُ السَّيْفَ: جَعَلْتُ لَهُ غِلافًا. فَأمّا مَن قَرَأ: غُلْفٌ بِالإسْكانِ، فَمَعْناهُ أنَّها مَسْتُورَةٌ عَنِ الفَهْمِ والتَّمْيِيزِ. وقالَ مُجاهِدٌ: أيْ عَلَيْها غِشاوَةٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ: عَلَيْها طابَعٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ذَواتُ غُلْفٍ، أيْ عَلَيْها غُلْفٌ لا تَصِلُ إلَيْها المَوْعِظَةُ. وقِيلَ مَعْناهُ: خُلِقَتْ غُلْفًا لا تَتَدَبَّرُ ولا تَعْتَبِرُ. وقِيلَ: مَحْجُوبَةٌ عَنْ سَماعِ ما تَقُولُ وفَهْمِ ما تَبَيَّنَ. ويُحْتَمَلُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا عَلى سَبِيلِ البُهْتِ والمُدافَعَةِ، حَتّى يُسْكِتُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنهم بِحالِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّ الأوَّلَ فِيهِ ذَمُّ أنْفُسِهِمْ بِما لَيْسَ فِيها، وكانُوا يَدْفَعُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وأسْبابُ الدَّفْعِ كَثِيرَةٌ. وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ اللّامِ فَمَعْناهُ أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، أقامُوا العِلْمَ مُقامَ شَيْءٍ مُجَسَّدٍ، وجَعَلُوا المَوانِعَ الَّتِي تَمْنَعُهم غُلْفًا لَهُ، لِيُسْتَدَلَّ بِالمَحْسُوسِ عَلى المَعْقُولِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، فَلَوْ كانَ ما تَقُولُهُ حَقًّا وصِدْقًا لَوَعِيَتْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ قُلُوبَنا غُلْفٌ، أيْ مَمْلُوءَةٌ عِلْمًا، فَلا تَسَعُ شَيْئًا، ولا تَحْتاجُ إلى عِلْمٍ غَيْرِهِ، فَإنَّ الشَّيْءَ المُغَلَّفَ لا يَسَعُ غِلافُهُ غَيْرَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم غُلْفٌ عَلى ما فِيها مِن دِينِهِمْ وشَرِيعَتِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّ دَوامَ مِلَّتِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهي لِصَلابَتِها وقُوَّتِها تَمْنَعُ أنْ يَصِلَ إلَيْها غَيْرُ ما فِيها، كالغِلافِ الَّذِي يَصُونُ المُغَلَّفَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ ما بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: المَعْنى كالغِلافِ الخالِي لا شَيْءَ فِيهِ.
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾: بَلْ: لِلْإضْرابِ، ولَيْسَ إضْرابًا عَنِ اللَّفْظِ المَقُولِ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، فَلا يُضْرَبُ عَنْهُ، وإنَّما الإضْرابُ عَنِ النِّسْبَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهم: إنَّ قُلُوبَهم غُلْفٌ، لِأنَّها خُلِقَتْ مُتَمَكِّنَةً مِن قَبُولِ الحَقِّ، مَفْطُورَةً لِإدْراكِ الصَّوابِ، فَأخْبَرُوا عَنْها بِما لَمْ تُخْلَقْ عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لُعِنُوا بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ، وجازاهم بِالطَّرْدِ الَّذِي هو اللَّعْنُ المُتَسَبِّبُ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي هو الكُفْرُ.
﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾: انْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، قالَهُ قَتادَةُ. وعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: انْتِصابُهُ عَلى الحالِ، التَّقْدِيرُ: فَيُؤْمِنُونَهُ، أيِ الإيمانَ في حالِ قِلَّتِهِ. وجَوَّزُوا انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَزَمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٠٢)﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . وجَوَّزُوا أيْضًا انْتِصابَهُ بِيُؤْمِنُونَ عَلى أنَّ أصْلَهُ فَقَلِيلٌ يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ لَمّا أسْقَطَ الباءَ تَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ، وهو قَوْلُ مَعْمَرٍ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ في يُؤْمِنُونَ، المَعْنى: أيْ فَجَمْعًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، أيِ المُؤْمِنُ مِنهم قَلِيلٌ، وقالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، ومُلَخَّصُهُ: أنَّ القِلَّةَ إمّا لِلنِّسْبَةِ لِلْفِعْلِ الَّذِي هو المَصْدَرُ، أوْ لِلزَّمانِ، أوْ لِلْمُؤْمَنِ بِهِ، أوْ لِلْفاعِلِ. فَبِالنِّسْبَةِ إلى المَصْدَرِ: تَكُونُ القِلَّةُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتَّصِفُ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ حَقِيقَةً. وبِالنِّسْبَةِ إلى الزَّمانِ: تَكُونُ القِلَّةُ فِيهِ لِكَوْنِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ قَلِيلًا، وهو زَمانُ الِاسْتِفْتاحِ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ. وبِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمَنِ بِهِ: تَكُونُ القِلَّةُ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَبْقَ لَهم مِن ذَلِكَ إلّا تَوْحِيدُ اللَّهِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، إذْ هم مُجَسِّمُونَ، وقَدْ كَذَّبُوا بِالرَّسُولِ وبِالتَّوْراةِ. وبِالنِّسْبَةِ لِلْفاعِلِ: تَكُونُ القِلَّةُ لِكَوْنِ مَن آمَنَ مِنهم بِالرَّسُولِ قَلِيلًا. وقالَ الواقِدِيُّ: المَعْنى أيْ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، يُقالُ قَلَّ ما يَفْعَلُ، أيْ ما يَفْعَلُ أصْلًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنِ المَعْنى فَما يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَذْهَبُ قَتادَةَ أنَّ المَعْنى: فَقَلِيلٌ مِنهم مَن يُؤْمِنُ، وأنْكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ وقالُوا: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ رَفْعُ قَلِيلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِلَّةُ بِمَعْنى العَدَمِ، وما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أنَّ قَلِيلًا يُرادُ بِهِ النَّفْيُ صَحِيحٌ، لَكِنْ في غَيْرِ هَذا التَّرْكِيبِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾؛ لِأنَّ قَلِيلًا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ المُثْبَتِ، فَصارَ نَظِيرَ: قُمْتُ قَلِيلًا، أيْ قِيامًا قَلِيلًا. ولا يَذْهَبْ ذاهِبٌ إلى أنَّكَ إذا أتَيْتَ بِفِعْلٍ مُثْبَتٍ، وجَعَلْتَ قَلِيلًا مَنصُوبًا نَعْتًا لِمَصْدَرِ ذَلِكَ الفِعْلِ، يَكُونُ المَعْنى في المُثْبَتِ الواقِعِ عَلى صِفَةِ أوْ هَيْئَةِ انْتِفاءِ ذَلِكَ المُثْبَتِ رَأْسًا وعَدَمِ وُقُوعِهِ بِالكُلِّيَّةِ. وإنَّما الَّذِي نَقَلَ النَّحْوِيُّونَ أنَّهُ قَدْ يُرادُ بِالقِلَّةِ النَّفْيُ المَحْضُ في قَوْلِهِمْ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلَّما يَقُومُ زَيْدٌ، وقَلِيلٌ مِنَ الرِّجالِ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلِيلَةٌ مِنَ النِّساءِ تَقُولُ ذَلِكَ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَحَمْلُ القِلَّةِ هُنا عَلى النَّفْيِ المَحْضِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ مِن مَذْهَبِ قَتادَةَ، وإنْكارِ النَّحْوِيِّينَ ذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ رَفْعُ قَلِيلٍ. فَقَوْلُ قَتادَةَ صَحِيحٌ، ولا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ؛ لِأنَّ قَتادَةَ إنَّما بَيَّنَ المَعْنى وشَرَحَهُ، ولَمْ يُرِدْ شَرْحَ الإعْرابِ فَيَلْزَمَهُ ذَلِكَ. وإنَّما انْتِصابُ قَلِيلًا عِنْدَهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في يُؤْمِنُونَ، والمَعْنى عِنْدَهُ: فَيُؤْمِنُونَ قَوْمًا قَلِيلًا، أيْ في حالَةِ قِلَّةٍ. وهَذا مَعْناهُ: فَقَلِيلٌ مِنهم مَن يُؤْمِنُ. وما في قَوْلِهِ: ما يُؤْمِنُونَ، زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، دَخَلَتْ بَيْنَ المَعْمُولِ والعامِلِ، نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: رُوَيْدٌ ما الشِّعْرُ، وخُرِّجَ ما أنِفَ خاطِبٌ بِدَمٍ. ولا يَجُوزُ في ما أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ رَفْعُ قَلِيلٍ حَتّى يَنْعَقِدَ مِنهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. والأحْسَنُ مِن هَذِهِ المَعانِي كُلِّها هو الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ دَلالَةَ الفِعْلِ عَلى مَصْدَرِهِ أقْوى مِن دَلالَتِهِ عَلى الزَّمانِ، وعَلى الهَيْئَةِ، وعَلى المَفْعُولِ، وعَلى الفاعِلِ، ولِمُوافَقَتِهِ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] . وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَرَرْنا بِأرْضٍ قَلِيلًا ما تُنْبِتُ، وأنَّهم يُرِيدُونَ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، فَإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ قَلِيلًا انْتَصَبَ عَلى الحالِ مِن أرْضٍ، وإنْ كانَ نَكِرَةً، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: قَلِيلًا إنْباتُها، أيْ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، ولَيْسَتْ ما زائِدَةً، وقَلِيلٌ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُ الكَلامِ: تُنْبِتُ قَلِيلًا، إذْ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ المُقَدَّرُ هَذا لَما صَلَحَ أنْ يُرادَ بِالقَلِيلِ النَّفْيُ المَحْضُ، لِأنَّ قَوْلَكَ: تُنْبِتُ قَلِيلًا، لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الإنْباتِ رَأْسًا، وكَذَلِكَ لَوْ قُلْنا: ضَرَبْتُ ضَرْبًا قَلِيلًا، لَمْ يَكُنْ مَعْناهُ ما ضَرَبْتُ أصْلًا.
البقرة 2:90
﴿ولَمّا جاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ حِينَ كانَتْ غَطَفانُ تُقاتِلُهم وتَهْزِمُهم، أوْ حِينَ كانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ العَرَبِ أذًى كَثِيرًا، أوْ حِينَ حارَبَهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ فَغَلَبَتْهم.
(كِتابٌ): هو القُرْآنُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلَيْهِ مَجازٌ.
﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩]: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وصْفُهُ بِـ ”مِن عِنْدِ اللَّهِ“ جَدِيرٌ أنْ يُقْبَلَ، ويُتَّبَعَ ما فِيهِ، ويُعْمَلَ بِمَضْمُونِهِ، إذْ هو وارِدٌ مِن عِنْدِ خالِقِهِمْ وإلَهِهِمُ الَّذِي هو ناظِرٌ (p-٣٠٣)فِي مَصالِحِهِمْ.
(مُصَدِّقٌ): صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وقُدِّمَتِ الأوْلى عَلَيْها؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِكَيْنُونَتِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ آكَدُ، ووَصْفَهُ بِالتَّصْدِيقِ ناشِئٌ عَنْ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. لا يُقالُ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] مُتَعَلِّقًا بِجاءَهم، فَلا يَكُونَ صِفَةً لِلْفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِما هو مَعْمُولٌ لِغَيْرِ أحَدِهِما. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ مُصَدِّقًا، وبِهِ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن ”كِتابٌ“، وإنْ كانَ نَكِرَةً. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ بِلا شَرْطٍ، فَقَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، فَقَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ.
﴿لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وتَصْدِيقُهُ إمّا بِكَوْنِهِما مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ بِما اشْتَمَلا عَلَيْهِ مَن ذِكْرِ بَعْثِ الرَّسُولِ ونَعْتِهِ.
(وكانُوا): يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جاءَهم، فَيَكُونَ جَوابُ لَمّا مُرَتَّبًا عَلى المَجِيءِ والكَوْنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ وقَدْ كانُوا، فَيَكُونَ الجَوابُ مُرَتَّبًا عَلى المَجِيءِ بِقَيْدٍ في مَفْعُولِهِ، وهم كَوْنُهم يَسْتَفْتِحُونَ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: وكانُوا لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى الفِعْلِ بَعْدَ لَمّا، ولا حالًا لِأنَّهُ قَدَّرَ جَوابَ لَمّا مَحْذُوفًا قَبْلَ تَفْسِيرِهِ يَسْتَفْتِحُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: وكانُوا، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ولَمّا.
(مِن قَبْلُ): أيْ مِن قَبْلِ المَجِيءِ، وبُنِيَ لِقَطْعِهِ عَنِ الإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ.
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩]: أيْ يَسْتَحْكِمُونَ، أوْ يَسْتَعْلِمُونَ، أوْ يَسْتَنْصِرُونَ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. يَقُولُونَ إذا دَهَمَهُمُ العَدُوُّ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا عَلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ، الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَّوْراةِ. واخْتَلَفُوا في جَوابِ ولَمّا الأُولى، فَذَهَبَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ إلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَدَّرَهُ نَحْوَ: كَذَّبُوا بِهِ واسْتَهانُوا بِمَجِيئِهِ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: كَفَرُوا، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ، والمَعْنى قَرِيبٌ في ذَلِكَ. وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] جَوابُ لَمّا الأُولى، وكَفَرُوا، جَوابٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمّا جاءَهم. وهو عِنْدَهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ﴾ [البقرة: ٣٨] . قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ الفاءَ هُنا لَيْسَتْ بِناسِقَةٍ أنَّ الواوَ لا تَصْلُحُ في مَوْضِعِها. وذَهَبَ المُبَّرِدُ إلى أنَّ جَوابَ لَمّا الأُولى هو: كَفَرُوا بِهِ، وكُرِّرَ لَمّا لِطُولِ الكَلامِ، ويُقَيِّدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ وتَأْكِيدًا لَهُ. وهَذا القَوْلُ كانَ يَكُونُ أحْسَنَ لَوْلا أنَّ الفاءَ تَمْنَعُ مِنَ التَّأْكِيدِ. وأمّا قَوْلُ الفَرّاءِ فَلَمْ يَثْبُتْ مِن لِسانِهِمْ، لَمّا جاءَ زَيْدٌ، فَلَمّا جاءَ خالِدٌ أقْبَلَ جَعْفَرٌ، فَهو تَرْكِيبٌ مَفْقُودٌ في لِسانِهِمْ فَلا نُثْبِتُهُ، ولا حُجَّةَ في هَذا المُخْتَلَفِ فِيهِ، فالأوْلى أنَّ كَوْنَ الجَوابِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم كَذَّبُوهُ، ويَكُونُ التَّكْذِيبُ حاصِلًا بِنَفْسِ مَجِيءِ الكِتابِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ فِيهِ ولا رَوِيَّةٍ، بَلْ بادَرُوا إلى تَكْذِيبِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩]، أيْ يَسْتَنْصِرُونَ عَلى المُشْرِكِينَ إذا قاتَلُوهم، أوْ يَفْتَحُونَ عَلَيْهِمْ ويُعَرِّفُونَهم أنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ قَدْ قَرُبَ وقْتُ بَعْثِهِ، فَكانُوا يُخْبِرُونَ بِذَلِكَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩]: وما سَبَقَ لَهم تَعْرِيفُهُ لِلْمُشْرِكِينَ.
﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]: سَتَرُوهُ وجَحَدُوهُ، وهَذا أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ، إذْ يَكُونُ الشَّيْءُ المَعْرُوفُ لَهم، المُسْتَقِرُّ في قُلُوبِهِمْ وقُلُوبِ مَن أعْلَمُوهم بِهِ كِيانَهُ ونَعْتَهُ يَعْمِدُونَ (p-٣٠٤)إلى سَتْرِهِ وجَحْدِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . وقالَ أبُو القاسِمِ الرّاغِبُ ما مُلَخَّصُهُ: الِاسْتِفْتاحُ، طَلَبُ الفَتْحِ، وهو ضَرْبانِ: إلَهِيٌّ، وهو النُّصْرَةُ بِالوُصُولِ إلى العُلُومِ المُؤَدِّيَةِ إلى الثَّوابِ، ومِنهُ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ [الفتح: ١]، (فَعَسى أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ) . ودُنْيَوِيٌّ، وهو النُّصْرَةُ بِالوُصُولِ إلى اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، ومِنهُ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] . فَمَعْنى يَسْتَفْتِحُونَ: أيْ يَعْلَمُونَ خَبَرَهُ مِنَ النّاسِ مَرَّةً، ويَسْتَنْبِطُونَ ذِكْرَهُ مِنَ الكُتُبِ مَرَّةً. وقِيلَ: يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ بِذِكْرِهِ الظَّفَرَ. وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ إنّا نُنْصَرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ. وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في عُمُومِ الِاسْتِفْتاحِ. انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ما عَرَفُوا أنَّهُ الكِتابُ؛ لِأنَّهُ أتى بِلَفْظِ ما، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَإنَّ ”ما“ قَدْ يُعَبَّرُ بِها عَنْ صِفاتِ مَن يَعْقِلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ، فَيَنْدَرِجَ فِيهِ مَعْرِفَةُ نُبُوَّتِهِ وشَرِيعَتِهِ وكِتابِهِ، وما تَضَمَّنَهُ.
﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]: لَمّا كانَ الكِتابُ جائِيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِمْ، فَكَذَّبُوهُ وسَتَرُوا ما سَبَقَ لَهم عِرْفانُهُ، فَكانَ ذَلِكَ اسْتِهانَةً بِالمُرْسِلِ والمُرْسَلِ بِهِ. قابَلَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِهانَةِ والطَّرْدِ، وأضافَ اللَّعْنَةَ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى هو المَلْعُونُ حَقِيقَةً.
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٠] ؟ ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢] . ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِاللَّعْنَةِ حَتّى جَعَلَها مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ شَيْءٌ جاءَهم مِن أعْلاهم، فَجَلَّلَهم بِها، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اللَّعْنَةِ وسَبَبِها، وهي الكُفْرُ، كَما قالَ قَبْلُ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، وأقامَ الظّاهِرَ مُقامَ المُضْمَرِ لِهَذا المَعْنى، فَتَكُونُ الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، أوْ تَكُونُ لِلْعُمُومِ، فَيَكُونُ هَؤُلاءِ فَرْدًا مِن أفْرادِ العُمُومِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، ويَكُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ونَعْنِي بِالجِنْسِ العُمُومَ، وتَخَيُّلُهُ أنَّهم يَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ دَلالَةَ العِلَّةِ عَلى أفْرادِهِ لَيْسَ فِيها بَعْضُ الأفْرادِ أوْلى مِن بَعْضٍ، وإنَّما هي دَلالَةٌ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَهي دَلالَةٌ مُتَساوِيَةٌ. وإذا كانَتْ دَلالَةً مُتَساوِيَةً، فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ أوَّلُ ولا أسْبَقُ مِن شَيْءٍ.
﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بِئْسَ، وأمّا ما فاخْتُلِفَ فِيها، ألَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا. فَذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّهُ بِجُمْلَتِهِ شَيْءٌ واحِدٌ رُكِّبَ، كَحَبَّذا، هَذا نَقْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنْهُ. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَعَ بِئْسَ بِمَنزِلَةِ كُلَّما، فَظاهِرُ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ أنَّ ”ما“ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ لَها مَوْضِعًا مِنَ الإعْرابِ. واخْتُلِفَ، أمَوْضِعُها نَصْبٌ أمْ رَفْعٌ ؟ فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ مَوْضِعَها نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الصِّفَةِ، وفاعِلُ بِئْسَ مُضْمَرٌ مُفَسَّرٌ بِما، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ هو شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم، وأنْ يَكْفُرُوا هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، وبِهِ قالَ الفارِسِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفًا، واشْتَرَوْا صِفَةً لَهُ، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا شَيْءٌ اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم، وأنْ يَكْفُرُوا بَدَلٌ مِن ذَلِكَ المَحْذُوفِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو أنْ يَكْفُرُوا. وذَهَبَ الكِسائِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلاءِ، مِن أنَّ ما مَوْضِعُها نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وثَمَّ ما أُخْرى مَحْذُوفَةٌ مَوْصُولَةٌ هي المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم. فالجُمْلَةُ بَعْدَ ما المَحْذُوفَةِ صِلَةٌ لَها، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ (p-٣٠٥)الإعْرابِ. و”أنْ يَكْفُرُوا“ - عَلى هَذا القَوْلِ - بَدَلٌ، ويَجُوزَ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو كُفْرُهم. فَتَلَخَّصَ في قَوْلِ النَّصْبِ في الجُمْلَةِ بَعْدَ ”ما“ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ: أنْ يَكُونَ صِفَةً لِما هَذِهِ الَّتِي هي تَمْيِيزٌ فَمَوْضِعُها نَصْبٌ، أوْ صِلَةً لِما المَحْذُوفَةِ المَوْصُولَةِ فَلا مَوْضِعَ لَها، أوْ صِفَةً لِشَيْءٍ المَحْذُوفِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ فَمَوْضِعُها الرَّفْعُ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ مَوْضِعَها رَفْعٌ عَلى أنَّها فاعِلُ بِئْسَ، فَقالَ سِيبَوَيْهِ: هي مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ الشَّيْءُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ، أيْ شَيْءٌ اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم. وعُزِيَ هَذا القَوْلُ، أعْنِي أنَّ ما مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ، إلى الكِسائِيِّ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ، فِيما نُقِلَ عَنْهُما: أنَّ ما مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، واشْتَرَوْا: صِلَةٌ، وبِذَلِكَ قالَ الفارِسِيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وعَزى ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا القَوْلَ إلى سِيبَوَيْهِ قالَ: فالتَّقْدِيرُ عَلى هَذا القَوْلِ: بِئْسَ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا، كَقَوْلِكَ: بِئْسَ الرَّجُلُ زِيدٌ، وما في هَذا القَوْلِ مَوْصُولَةٌ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو وهْمٌ عَلى سِيبَوَيْهِ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ فِيما نَقَلَ عَنْهُ الَمَهْدَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ إلى أنَّ ما وما بَعْدَها في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِراؤُهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُعْتَرَضٌ؛ لِأنَّ بِئْسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ. انْتَهى كَلامُهُ. وما قالَهُ لا يَلْزَمُ إلّا إذا نُصَّ عَلى أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِبِئْسَ، أمّا إذا جَعَلَهُ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ، وجَعَلَ فاعِلَ بِئْسَ مُضْمَرًا والتَّمْيِيزَ مَحْذُوفًا، لَفُهِمَ المَعْنى. التَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِراءٌ اشْتِراؤُهم، فَلا يَلْزَمُ الِاعْتِراضُ، لَكِنْ يُبْطِلُ هَذا القَوْلَ الثّانِيَ عَوْدُ الضَّمِيرِ في بِهِ عَلى ما، وما المَصْدَرِيَّةُ لا يَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرٌ، لِأنَّها حَرْفٌ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، إذِ الأخْفَشُ يَزْعُمُ أنَّها اسْمٌ. والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ تَصْحِيحًا وإبْطالًا يُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ.
اشْتَرَوْا هُنا: بِمَعْنى باعُوا، وتَقَدَّمَ أنَّهُ قالَ: شَرى واشْتَرى: بِمَعْنى باعَ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وفي المُنْتَخَبِ: إنَّ الِاشْتِراءَ هُنا عَلى بابِهِ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ إذا خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ العِقابِ، أتى بِأعْمالٍ يَظُنُّ أنَّها تُخَلِّصُهُ، وكَأنَّهُ قَدِ اشْتَرى نَفْسَهُ بِها. فَهَؤُلاءِ اليَهُودُ لَمّا اعْتَقَدُوا فِيما أتَوْا بِهِ أنَّهُ يُخَلِّصُهم، ظَنُّوا أنَّهُمُ اشْتَرَوْا أنْفُسَهم، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ. قالَ: وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ إلى المَعْنى واللَّفْظِ مِنَ الأوَّلِ، يَعْنِي بِالأوَّلِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى باعَ، وهَذا الَّذِي اخْتارَهُ صاحِبُ المُنْتَخَبِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ لَيْسَ اشْتِراءَهم أنْفُسَهم بِالكُفْرِ، ظَنًّا مِنهم أنَّهم يَخْلُصُونَ مِنَ العِقابِ، بَلْ ذَلِكَ كانَ عَلى سَبِيلِ البَغْيِ والحَسَدِ، لِكَوْنِهِ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ في مُحَمَّدٍ ﷺ فاتَّضَحَ أنَّ قَوْلَ الجُمْهُورِ أوْلى.
﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾: تَقَدَّمَ أنَّ مَوْضِعَهُ رَفْعٌ، إمّا عَلى أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالذَّمِّ عِنْدَ مَن جَعَلَ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ﴾ غَيْرَ تامٍّ، وفِيهِ الأعارِيبُ الَّتِي في المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ إذا تَأخَّرَ، أهْوَ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى ما تَقَرَّرَ قَبْلُ ؟ وأجازَ الفَرّاءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في بِهِ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ خَبَرٍ.
﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: هو الكِتابُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو القُرْآنُ. وفي ذَلِكَ مِنَ التَّفْخِيمِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ مُضْمَرٌ، بَلْ أظْهَرَ مَوْصُولًا بِالفِعْلِ الَّذِي هو أنْزَلَ المُشْعِرُ بِأنَّهُ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ، ونُسِبَ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ، لِيَحْصُلَ التَّوافُقُ مِن حَيْثُ المَعْنى بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ . ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، إذْ كَفَرُوا بِعِيسى وبِمُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما، والكُفْرُ بِهِما كُفْرٌ بِالتَّوْراةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمِيعُ مِن قُرْآنٍ وإنْجِيلٍ وتَوْراةٍ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِبَعْضِها كُفْرٌ بِكُلِّها.
(بَغْيًا): أيْ حَسَدًا، إذْ لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: مَعْناهُ ظُلْمًا، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وظاهِرُهُ أنَّ العامِلَ فِيهِ يَكْفُرُوا، أيْ كُفْرُهم لِأجْلِ البَغْيِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عِلَّةُ اشْتَرَوْا، فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ العامِلُ فِيهِ اشْتَرَوْا. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ لا مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: بَغَوْا بَغْيًا، وحُذِفَ (p-٣٠٦)الفِعْلُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾: أنْ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وذَلِكَ المَصْدَرُ المُقَدَّرُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ بَغَوْا لِتَنْزِيلِ اللَّهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ بَغْيًا عَلى أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ حَسَدًا عَلى أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ، أيْ عَلى ما خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِنَ الوَحْيِ، فَحُذِفَتْ عَلى، ويَجِيءُ الخِلافُ الَّذِي في أنَّ وأنْ، إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنهُما، أهُما في مَوْضِعِ نَصْبٍ أمْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ ؟ وقِيلَ: أنْ يُنَزِّلَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ما في قَوْلِهِ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ، أيْ بِتَنْزِيلِ اللَّهِ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أمِن ذِكْرِ سَلْمى أنْ نَأتْكَ تَنُوصُ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ جَمِيعَ المُضارِعِ مُخَفَّفًا مِن أنْزَلَ، إلّا ما وقَعَ الإجْماعُ عَلى تَشْدِيدِهِ، وهو في الحِجْرِ، ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ [الحجر: ٢١]، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو شَدَّدَ ”عَلى أنْ نُنَزِّلَ آيَةً“ في الأنْعامِ، وابْنُ كَثِيرٍ شَدَّدَ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢]، ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، وشَدَّدَ الباقُونَ المُضارِعَ حَيْثُ وقَعَ إلّا حَمْزَةَ والكِسائِيَّ فَخَفَّفا، ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]، في آخِرِ لُقْمانَ، ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [الشورى: ٢٨]، في الشُّورى. والهَمْزَةُ والتَّشْدِيدُ كُلٌّ مِنهُما لِلتَّعْدِيَةِ. وقَدْ ذَكَرُوا مُناسَباتٍ لِقِراءاتِ القُرّاءِ واخْتِياراتِهِمْ ولا تَصِحُّ.
﴿مِن فَضْلِهِ﴾: مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَضْلُ هُنا الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ. وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ مِن زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، أيْ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ فَضْلَهُ.
﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ عَلى مُتَعَلِّقَةٌ بِيُنَزِّلُ، والمُرادُ بِمَن يَشاءُ: مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّهم حَسَدُوهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنهم وكانَ مِنَ العَرَبِ، وعِزُّ النُّبُوَّةِ مِن يَعْقُوبَ إلى عِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في إسْحاقَ، فَخُتِمَ في عِيسى، ولَمْ يَكُنْ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ نَبِيٌّ غَيْرُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فَخُتِمَتِ النُّبُوَّةُ عَلى غَيْرِهِمْ، وعَدِمُوا العِزَّ والفَضْلَ. و(مَن) هُنا مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. و(يَشاءُ) عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: صِلَةٌ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وصِفَةٌ عَلى القَوْلِ الثّانِي، فَهي في مَوْضِعِ خَفْضٍ، والضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ أوِ المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَشاءُوهُ.
﴿مِن عِبادِهِ﴾: جارٌّ ومَجْرُورٌ في مَوْضِعِ الحالِ، تَقْدِيرُهُ كائِنًا مِن عِبادِهِ، وأضافَ العِبادَ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] .
﴿فَباءُوا﴾: أيْ مَضَوْا، وتَقَدَّمَ مَعْنى باءُوا.
﴿بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾: أيْ مُتَرادِفٍ مُتَكاثِرٍ، ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى تَشْدِيدِ الحالِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ: غَضَبانِ مُعَلَّلانِ بِقِصَّتَيْنِ: الغَضَبُ الأوَّلُ: لِعِبادَةِ العِجْلِ، والثّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ الأوَّلُ: كُفْرُهم بِالإنْجِيلِ، والثّانِي: كُفْرُهم بِالقُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ. أوِ الأوَّلُ: كُفْرُهم بِعِيسى، والثّانِي: كُفْرُهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، أوِ الأوَّلُ: قَوْلُهم عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلُهم يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ، والثّانِي: كُفْرُهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ
﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾: الألِفُ واللّامُ في الكافِرِينَ لِلْعَهْدِ، وأقامَ المُظْهَرَ مُقامَ المُضْمَرِ إشْعارًا بِعِلَّةِ كَوْنِ العَذابِ المُهِينِ لَهم، إذْ لَوْ أتى، ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ، أوْ تَكُونُ الألِفُ واللّامُ لِلْعُمُومِ، فَيَنْدَرِجُونَ في الكافِرِينَ. ووَصَفَ العَذابَ بِالإهانَةِ، وهي الإذْلالُ، قالَ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] . وجاءَ في الصَّحِيحِ، في حَدِيثِ عُبادَةَ، وقَدْ ذَكَرَ أشْياءَ مُحَرَّمَةً فَقالَ: ”فَمَن أصابَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ“ . فَهَذا العَذابُ إنَّما هو لِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، أوْ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الخُلُودَ خُلُودًا لا يَنْقَطِعُ، أوْ لِشِدَّتِهِ وعَظَمَتِهِ واخْتِلافِ أنْواعِهِ، أوْ لِأنَّهُ جَزاءٌ عَلى تَكَبُّرِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ. وقَدِ احْتَجَّ الخَوارِجُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفاسِقَ كافِرٌ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ تَعْذِيبُهُ، واحْتَجَّ بِها المُرْجِئَةُ عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يُعَذَّبُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ.
البقرة 2:91
﴿ولَمّا جاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ حِينَ كانَتْ غَطَفانُ تُقاتِلُهم وتَهْزِمُهم، أوْ حِينَ كانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ العَرَبِ أذًى كَثِيرًا، أوْ حِينَ حارَبَهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ فَغَلَبَتْهم.
(كِتابٌ): هو القُرْآنُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلَيْهِ مَجازٌ.
﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩]: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وصْفُهُ بِـ ”مِن عِنْدِ اللَّهِ“ جَدِيرٌ أنْ يُقْبَلَ، ويُتَّبَعَ ما فِيهِ، ويُعْمَلَ بِمَضْمُونِهِ، إذْ هو وارِدٌ مِن عِنْدِ خالِقِهِمْ وإلَهِهِمُ الَّذِي هو ناظِرٌ (p-٣٠٣)فِي مَصالِحِهِمْ.
(مُصَدِّقٌ): صِفَةٌ ثانِيَةٌ، وقُدِّمَتِ الأوْلى عَلَيْها؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِكَيْنُونَتِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ آكَدُ، ووَصْفَهُ بِالتَّصْدِيقِ ناشِئٌ عَنْ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. لا يُقالُ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] مُتَعَلِّقًا بِجاءَهم، فَلا يَكُونَ صِفَةً لِلْفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِما هو مَعْمُولٌ لِغَيْرِ أحَدِهِما. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ مُصَدِّقًا، وبِهِ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن ”كِتابٌ“، وإنْ كانَ نَكِرَةً. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ بِلا شَرْطٍ، فَقَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، فَقَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ.
﴿لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وتَصْدِيقُهُ إمّا بِكَوْنِهِما مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ بِما اشْتَمَلا عَلَيْهِ مَن ذِكْرِ بَعْثِ الرَّسُولِ ونَعْتِهِ.
(وكانُوا): يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جاءَهم، فَيَكُونَ جَوابُ لَمّا مُرَتَّبًا عَلى المَجِيءِ والكَوْنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ وقَدْ كانُوا، فَيَكُونَ الجَوابُ مُرَتَّبًا عَلى المَجِيءِ بِقَيْدٍ في مَفْعُولِهِ، وهم كَوْنُهم يَسْتَفْتِحُونَ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ قَوْلَهُ: وكانُوا لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى الفِعْلِ بَعْدَ لَمّا، ولا حالًا لِأنَّهُ قَدَّرَ جَوابَ لَمّا مَحْذُوفًا قَبْلَ تَفْسِيرِهِ يَسْتَفْتِحُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: وكانُوا، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ: ولَمّا.
(مِن قَبْلُ): أيْ مِن قَبْلِ المَجِيءِ، وبُنِيَ لِقَطْعِهِ عَنِ الإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ.
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩]: أيْ يَسْتَحْكِمُونَ، أوْ يَسْتَعْلِمُونَ، أوْ يَسْتَنْصِرُونَ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. يَقُولُونَ إذا دَهَمَهُمُ العَدُوُّ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا عَلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ، الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَّوْراةِ. واخْتَلَفُوا في جَوابِ ولَمّا الأُولى، فَذَهَبَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ إلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَدَّرَهُ نَحْوَ: كَذَّبُوا بِهِ واسْتَهانُوا بِمَجِيئِهِ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: كَفَرُوا، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ، والمَعْنى قَرِيبٌ في ذَلِكَ. وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] جَوابُ لَمّا الأُولى، وكَفَرُوا، جَوابٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمّا جاءَهم. وهو عِنْدَهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ﴾ [البقرة: ٣٨] . قالَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ الفاءَ هُنا لَيْسَتْ بِناسِقَةٍ أنَّ الواوَ لا تَصْلُحُ في مَوْضِعِها. وذَهَبَ المُبَّرِدُ إلى أنَّ جَوابَ لَمّا الأُولى هو: كَفَرُوا بِهِ، وكُرِّرَ لَمّا لِطُولِ الكَلامِ، ويُقَيِّدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ وتَأْكِيدًا لَهُ. وهَذا القَوْلُ كانَ يَكُونُ أحْسَنَ لَوْلا أنَّ الفاءَ تَمْنَعُ مِنَ التَّأْكِيدِ. وأمّا قَوْلُ الفَرّاءِ فَلَمْ يَثْبُتْ مِن لِسانِهِمْ، لَمّا جاءَ زَيْدٌ، فَلَمّا جاءَ خالِدٌ أقْبَلَ جَعْفَرٌ، فَهو تَرْكِيبٌ مَفْقُودٌ في لِسانِهِمْ فَلا نُثْبِتُهُ، ولا حُجَّةَ في هَذا المُخْتَلَفِ فِيهِ، فالأوْلى أنَّ كَوْنَ الجَوابِ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم كَذَّبُوهُ، ويَكُونُ التَّكْذِيبُ حاصِلًا بِنَفْسِ مَجِيءِ الكِتابِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ فِيهِ ولا رَوِيَّةٍ، بَلْ بادَرُوا إلى تَكْذِيبِهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩]، أيْ يَسْتَنْصِرُونَ عَلى المُشْرِكِينَ إذا قاتَلُوهم، أوْ يَفْتَحُونَ عَلَيْهِمْ ويُعَرِّفُونَهم أنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ قَدْ قَرُبَ وقْتُ بَعْثِهِ، فَكانُوا يُخْبِرُونَ بِذَلِكَ.
﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩]: وما سَبَقَ لَهم تَعْرِيفُهُ لِلْمُشْرِكِينَ.
﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]: سَتَرُوهُ وجَحَدُوهُ، وهَذا أبْلَغُ في ذَمِّهِمْ، إذْ يَكُونُ الشَّيْءُ المَعْرُوفُ لَهم، المُسْتَقِرُّ في قُلُوبِهِمْ وقُلُوبِ مَن أعْلَمُوهم بِهِ كِيانَهُ ونَعْتَهُ يَعْمِدُونَ (p-٣٠٤)إلى سَتْرِهِ وجَحْدِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . وقالَ أبُو القاسِمِ الرّاغِبُ ما مُلَخَّصُهُ: الِاسْتِفْتاحُ، طَلَبُ الفَتْحِ، وهو ضَرْبانِ: إلَهِيٌّ، وهو النُّصْرَةُ بِالوُصُولِ إلى العُلُومِ المُؤَدِّيَةِ إلى الثَّوابِ، ومِنهُ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ [الفتح: ١]، (فَعَسى أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ) . ودُنْيَوِيٌّ، وهو النُّصْرَةُ بِالوُصُولِ إلى اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، ومِنهُ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] . فَمَعْنى يَسْتَفْتِحُونَ: أيْ يَعْلَمُونَ خَبَرَهُ مِنَ النّاسِ مَرَّةً، ويَسْتَنْبِطُونَ ذِكْرَهُ مِنَ الكُتُبِ مَرَّةً. وقِيلَ: يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ بِذِكْرِهِ الظَّفَرَ. وقِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ إنّا نُنْصَرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ. وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في عُمُومِ الِاسْتِفْتاحِ. انْتَهى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ما عَرَفُوا أنَّهُ الكِتابُ؛ لِأنَّهُ أتى بِلَفْظِ ما، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَإنَّ ”ما“ قَدْ يُعَبَّرُ بِها عَنْ صِفاتِ مَن يَعْقِلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما عَرَفُوهُ مِنَ الحَقِّ، فَيَنْدَرِجَ فِيهِ مَعْرِفَةُ نُبُوَّتِهِ وشَرِيعَتِهِ وكِتابِهِ، وما تَضَمَّنَهُ.
﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]: لَمّا كانَ الكِتابُ جائِيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ إلَيْهِمْ، فَكَذَّبُوهُ وسَتَرُوا ما سَبَقَ لَهم عِرْفانُهُ، فَكانَ ذَلِكَ اسْتِهانَةً بِالمُرْسِلِ والمُرْسَلِ بِهِ. قابَلَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِهانَةِ والطَّرْدِ، وأضافَ اللَّعْنَةَ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى هو المَلْعُونُ حَقِيقَةً.
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٠] ؟ ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢] . ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِاللَّعْنَةِ حَتّى جَعَلَها مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ شَيْءٌ جاءَهم مِن أعْلاهم، فَجَلَّلَهم بِها، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اللَّعْنَةِ وسَبَبِها، وهي الكُفْرُ، كَما قالَ قَبْلُ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، وأقامَ الظّاهِرَ مُقامَ المُضْمَرِ لِهَذا المَعْنى، فَتَكُونُ الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، أوْ تَكُونُ لِلْعُمُومِ، فَيَكُونُ هَؤُلاءِ فَرْدًا مِن أفْرادِ العُمُومِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، ويَكُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ونَعْنِي بِالجِنْسِ العُمُومَ، وتَخَيُّلُهُ أنَّهم يَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ دَلالَةَ العِلَّةِ عَلى أفْرادِهِ لَيْسَ فِيها بَعْضُ الأفْرادِ أوْلى مِن بَعْضٍ، وإنَّما هي دَلالَةٌ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَهي دَلالَةٌ مُتَساوِيَةٌ. وإذا كانَتْ دَلالَةً مُتَساوِيَةً، فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ أوَّلُ ولا أسْبَقُ مِن شَيْءٍ.
﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بِئْسَ، وأمّا ما فاخْتُلِفَ فِيها، ألَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ أمْ لا. فَذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّهُ بِجُمْلَتِهِ شَيْءٌ واحِدٌ رُكِّبَ، كَحَبَّذا، هَذا نَقْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنْهُ. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَعَ بِئْسَ بِمَنزِلَةِ كُلَّما، فَظاهِرُ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ أنَّ ”ما“ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ لَها مَوْضِعًا مِنَ الإعْرابِ. واخْتُلِفَ، أمَوْضِعُها نَصْبٌ أمْ رَفْعٌ ؟ فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ مَوْضِعَها نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الصِّفَةِ، وفاعِلُ بِئْسَ مُضْمَرٌ مُفَسَّرٌ بِما، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ هو شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم، وأنْ يَكْفُرُوا هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، وبِهِ قالَ الفارِسِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفًا، واشْتَرَوْا صِفَةً لَهُ، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا شَيْءٌ اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم، وأنْ يَكْفُرُوا بَدَلٌ مِن ذَلِكَ المَحْذُوفِ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو أنْ يَكْفُرُوا. وذَهَبَ الكِسائِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلاءِ، مِن أنَّ ما مَوْضِعُها نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وثَمَّ ما أُخْرى مَحْذُوفَةٌ مَوْصُولَةٌ هي المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم. فالجُمْلَةُ بَعْدَ ما المَحْذُوفَةِ صِلَةٌ لَها، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ (p-٣٠٥)الإعْرابِ. و”أنْ يَكْفُرُوا“ - عَلى هَذا القَوْلِ - بَدَلٌ، ويَجُوزَ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو كُفْرُهم. فَتَلَخَّصَ في قَوْلِ النَّصْبِ في الجُمْلَةِ بَعْدَ ”ما“ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ: أنْ يَكُونَ صِفَةً لِما هَذِهِ الَّتِي هي تَمْيِيزٌ فَمَوْضِعُها نَصْبٌ، أوْ صِلَةً لِما المَحْذُوفَةِ المَوْصُولَةِ فَلا مَوْضِعَ لَها، أوْ صِفَةً لِشَيْءٍ المَحْذُوفِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ فَمَوْضِعُها الرَّفْعُ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ مَوْضِعَها رَفْعٌ عَلى أنَّها فاعِلُ بِئْسَ، فَقالَ سِيبَوَيْهِ: هي مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ الشَّيْءُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ، أيْ شَيْءٌ اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم. وعُزِيَ هَذا القَوْلُ، أعْنِي أنَّ ما مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ، إلى الكِسائِيِّ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ، فِيما نُقِلَ عَنْهُما: أنَّ ما مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، واشْتَرَوْا: صِلَةٌ، وبِذَلِكَ قالَ الفارِسِيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وعَزى ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا القَوْلَ إلى سِيبَوَيْهِ قالَ: فالتَّقْدِيرُ عَلى هَذا القَوْلِ: بِئْسَ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا، كَقَوْلِكَ: بِئْسَ الرَّجُلُ زِيدٌ، وما في هَذا القَوْلِ مَوْصُولَةٌ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو وهْمٌ عَلى سِيبَوَيْهِ. وذَهَبَ الكِسائِيُّ فِيما نَقَلَ عَنْهُ الَمَهْدَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ إلى أنَّ ما وما بَعْدَها في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِراؤُهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُعْتَرَضٌ؛ لِأنَّ بِئْسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ يَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ. انْتَهى كَلامُهُ. وما قالَهُ لا يَلْزَمُ إلّا إذا نُصَّ عَلى أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِبِئْسَ، أمّا إذا جَعَلَهُ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ، وجَعَلَ فاعِلَ بِئْسَ مُضْمَرًا والتَّمْيِيزَ مَحْذُوفًا، لَفُهِمَ المَعْنى. التَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِراءٌ اشْتِراؤُهم، فَلا يَلْزَمُ الِاعْتِراضُ، لَكِنْ يُبْطِلُ هَذا القَوْلَ الثّانِيَ عَوْدُ الضَّمِيرِ في بِهِ عَلى ما، وما المَصْدَرِيَّةُ لا يَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرٌ، لِأنَّها حَرْفٌ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، إذِ الأخْفَشُ يَزْعُمُ أنَّها اسْمٌ. والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ تَصْحِيحًا وإبْطالًا يُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ.
اشْتَرَوْا هُنا: بِمَعْنى باعُوا، وتَقَدَّمَ أنَّهُ قالَ: شَرى واشْتَرى: بِمَعْنى باعَ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وفي المُنْتَخَبِ: إنَّ الِاشْتِراءَ هُنا عَلى بابِهِ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ إذا خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ العِقابِ، أتى بِأعْمالٍ يَظُنُّ أنَّها تُخَلِّصُهُ، وكَأنَّهُ قَدِ اشْتَرى نَفْسَهُ بِها. فَهَؤُلاءِ اليَهُودُ لَمّا اعْتَقَدُوا فِيما أتَوْا بِهِ أنَّهُ يُخَلِّصُهم، ظَنُّوا أنَّهُمُ اشْتَرَوْا أنْفُسَهم، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ. قالَ: وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ إلى المَعْنى واللَّفْظِ مِنَ الأوَّلِ، يَعْنِي بِالأوَّلِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى باعَ، وهَذا الَّذِي اخْتارَهُ صاحِبُ المُنْتَخَبِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ لَيْسَ اشْتِراءَهم أنْفُسَهم بِالكُفْرِ، ظَنًّا مِنهم أنَّهم يَخْلُصُونَ مِنَ العِقابِ، بَلْ ذَلِكَ كانَ عَلى سَبِيلِ البَغْيِ والحَسَدِ، لِكَوْنِهِ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ في مُحَمَّدٍ ﷺ فاتَّضَحَ أنَّ قَوْلَ الجُمْهُورِ أوْلى.
﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾: تَقَدَّمَ أنَّ مَوْضِعَهُ رَفْعٌ، إمّا عَلى أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالذَّمِّ عِنْدَ مَن جَعَلَ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ﴾ غَيْرَ تامٍّ، وفِيهِ الأعارِيبُ الَّتِي في المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ إذا تَأخَّرَ، أهْوَ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى ما تَقَرَّرَ قَبْلُ ؟ وأجازَ الفَرّاءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في بِهِ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ خَبَرٍ.
﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: هو الكِتابُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو القُرْآنُ. وفي ذَلِكَ مِنَ التَّفْخِيمِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ مُضْمَرٌ، بَلْ أظْهَرَ مَوْصُولًا بِالفِعْلِ الَّذِي هو أنْزَلَ المُشْعِرُ بِأنَّهُ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ، ونُسِبَ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ، لِيَحْصُلَ التَّوافُقُ مِن حَيْثُ المَعْنى بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ . ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، إذْ كَفَرُوا بِعِيسى وبِمُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما، والكُفْرُ بِهِما كُفْرٌ بِالتَّوْراةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجَمِيعُ مِن قُرْآنٍ وإنْجِيلٍ وتَوْراةٍ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِبَعْضِها كُفْرٌ بِكُلِّها.
(بَغْيًا): أيْ حَسَدًا، إذْ لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ قَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ والسُّدِّيُّ. وقِيلَ: مَعْناهُ ظُلْمًا، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وظاهِرُهُ أنَّ العامِلَ فِيهِ يَكْفُرُوا، أيْ كُفْرُهم لِأجْلِ البَغْيِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عِلَّةُ اشْتَرَوْا، فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ العامِلُ فِيهِ اشْتَرَوْا. وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ لا مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: بَغَوْا بَغْيًا، وحُذِفَ (p-٣٠٦)الفِعْلُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾: أنْ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وذَلِكَ المَصْدَرُ المُقَدَّرُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ بَغَوْا لِتَنْزِيلِ اللَّهِ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ بَغْيًا عَلى أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ حَسَدًا عَلى أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ، أيْ عَلى ما خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِنَ الوَحْيِ، فَحُذِفَتْ عَلى، ويَجِيءُ الخِلافُ الَّذِي في أنَّ وأنْ، إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنهُما، أهُما في مَوْضِعِ نَصْبٍ أمْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ ؟ وقِيلَ: أنْ يُنَزِّلَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ما في قَوْلِهِ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ، أيْ بِتَنْزِيلِ اللَّهِ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أمِن ذِكْرِ سَلْمى أنْ نَأتْكَ تَنُوصُ
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ جَمِيعَ المُضارِعِ مُخَفَّفًا مِن أنْزَلَ، إلّا ما وقَعَ الإجْماعُ عَلى تَشْدِيدِهِ، وهو في الحِجْرِ، ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ [الحجر: ٢١]، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو شَدَّدَ ”عَلى أنْ نُنَزِّلَ آيَةً“ في الأنْعامِ، وابْنُ كَثِيرٍ شَدَّدَ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢]، ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، وشَدَّدَ الباقُونَ المُضارِعَ حَيْثُ وقَعَ إلّا حَمْزَةَ والكِسائِيَّ فَخَفَّفا، ﴿ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]، في آخِرِ لُقْمانَ، ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [الشورى: ٢٨]، في الشُّورى. والهَمْزَةُ والتَّشْدِيدُ كُلٌّ مِنهُما لِلتَّعْدِيَةِ. وقَدْ ذَكَرُوا مُناسَباتٍ لِقِراءاتِ القُرّاءِ واخْتِياراتِهِمْ ولا تَصِحُّ.
﴿مِن فَضْلِهِ﴾: مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والفَضْلُ هُنا الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ. وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ مِن زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، أيْ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ فَضْلَهُ.
﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ عَلى مُتَعَلِّقَةٌ بِيُنَزِّلُ، والمُرادُ بِمَن يَشاءُ: مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّهم حَسَدُوهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنهم وكانَ مِنَ العَرَبِ، وعِزُّ النُّبُوَّةِ مِن يَعْقُوبَ إلى عِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في إسْحاقَ، فَخُتِمَ في عِيسى، ولَمْ يَكُنْ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ نَبِيٌّ غَيْرُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فَخُتِمَتِ النُّبُوَّةُ عَلى غَيْرِهِمْ، وعَدِمُوا العِزَّ والفَضْلَ. و(مَن) هُنا مَوْصُولَةٌ، وقِيلَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. و(يَشاءُ) عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: صِلَةٌ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وصِفَةٌ عَلى القَوْلِ الثّانِي، فَهي في مَوْضِعِ خَفْضٍ، والضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ أوِ المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَشاءُوهُ.
﴿مِن عِبادِهِ﴾: جارٌّ ومَجْرُورٌ في مَوْضِعِ الحالِ، تَقْدِيرُهُ كائِنًا مِن عِبادِهِ، وأضافَ العِبادَ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] .
﴿فَباءُوا﴾: أيْ مَضَوْا، وتَقَدَّمَ مَعْنى باءُوا.
﴿بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾: أيْ مُتَرادِفٍ مُتَكاثِرٍ، ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى تَشْدِيدِ الحالِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ المُرادُ بِذَلِكَ: غَضَبانِ مُعَلَّلانِ بِقِصَّتَيْنِ: الغَضَبُ الأوَّلُ: لِعِبادَةِ العِجْلِ، والثّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ الأوَّلُ: كُفْرُهم بِالإنْجِيلِ، والثّانِي: كُفْرُهم بِالقُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ. أوِ الأوَّلُ: كُفْرُهم بِعِيسى، والثّانِي: كُفْرُهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، أوِ الأوَّلُ: قَوْلُهم عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلُهم يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ، والثّانِي: كُفْرُهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ
﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾: الألِفُ واللّامُ في الكافِرِينَ لِلْعَهْدِ، وأقامَ المُظْهَرَ مُقامَ المُضْمَرِ إشْعارًا بِعِلَّةِ كَوْنِ العَذابِ المُهِينِ لَهم، إذْ لَوْ أتى، ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ، أوْ تَكُونُ الألِفُ واللّامُ لِلْعُمُومِ، فَيَنْدَرِجُونَ في الكافِرِينَ. ووَصَفَ العَذابَ بِالإهانَةِ، وهي الإذْلالُ، قالَ تَعالى: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] . وجاءَ في الصَّحِيحِ، في حَدِيثِ عُبادَةَ، وقَدْ ذَكَرَ أشْياءَ مُحَرَّمَةً فَقالَ: ”فَمَن أصابَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ“ . فَهَذا العَذابُ إنَّما هو لِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ، أوْ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الخُلُودَ خُلُودًا لا يَنْقَطِعُ، أوْ لِشِدَّتِهِ وعَظَمَتِهِ واخْتِلافِ أنْواعِهِ، أوْ لِأنَّهُ جَزاءٌ عَلى تَكَبُّرِهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ. وقَدِ احْتَجَّ الخَوارِجُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفاسِقَ كافِرٌ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ تَعْذِيبُهُ، واحْتَجَّ بِها المُرْجِئَةُ عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يُعَذَّبُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ.
البقرة 2:92
﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: الإخْبارُ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وسِياقُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ آباؤُهم، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ الرّاضِيَ بِالشَّيْءِ كَفاعِلِهِ، وأنَّهم جِنْسٌ واحِدٌ، وأنَّهم مُتَّبِعُونَ لَهم ومُعْتَقِدُونَ (p-٣٠٧)ذَلِكَ، وأنَّهم يَتَوَلَّوْنَهم، فَهم مِنهم.
﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، الجُمْهُورُ: إنَّهُ القُرْآنُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُطْلَقٌ، فَبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كُلِّ كِتابٍ.
﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]: يُرِيدُونَ التَّوْراةَ، وما جاءَهم مِنَ الرِّسالاتِ عَلى لِسانِ مُوسى، ومَن بَعْدَهُ مِن أنْبِيائِهِمْ، وحُذِفَ الفاعِلُ هُنا لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُنْزِلُ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ إلّا اللَّهُ أوْ لِجَرَيانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَحُذِفَ إيجازًا إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذُمُّوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ لِأنَّهم أُمِرُوا بِالإيمانِ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ، فَأجابُوا بِأنْ آمَنُوا بِمُقَيَّدٍ، والمَأْمُورُ بِهِ عامٌّ، فَلَمْ يُطابِقْ إيمانُهُمُ الأمْرَ.
﴿ويَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٩١]: جُمْلَةٌ اسْتُؤْنِفَ بِها الإخْبارُ عَنْهم، أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها قالُوا. أيْ وهم يَكْفُرُونَ.
﴿بِما وراءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]، أيْ بِما سِواهُ، وبِهِ فُسِّرَ ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، و﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٧]، أيْ بِما بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، أيْ ويَكْفُرُونَ بِما بَعْدَ التَّوْراةِ، وهو القُرْآنُ، أوْ بِما وراءَهُ، أيْ بِباطِنِ مَعانِيها الَّتِي وراءَ ألْفاظِها، ويَكُونُ إيمانُهم بِظاهِرِ لَفْظِها.
﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٩١]، هو: عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أوْ عَلى القُرْآنِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا.
(مُصَدِّقًا): حالٌ مُؤَكِّدٌ، إذْ تَصْدِيقُ القُرْآنِ لازِمٌ لا يَنْتَقِلُ.
﴿لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: هو التَّوْراةُ، أوِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، لِأنَّهُما أُنْزِلا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما غَيْرُ مُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ ما وافَقَ التَّوْراةَ، لَمْ يُصَدِّقْ بِها. وإذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وجَبَ الإيمانُ بِهِ، فالإيمانُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مُتَناقِضٌ.
(قُلْ): أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ، وقُلْ يا مَن يُرِيدُ جِدالَهم.
(فَلِمَ) الفاءُ: جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، التَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم فَلِمَ.
﴿تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] ؟ لِأنَّ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ واسْتِحْلالَ قَتْلِ الأنْبِياءِ لا يَجْتَمِعانِ، فَقَوْلُكم: إنَّكم آمَنتُمْ بِالتَّوْراةِ كَذِبٌ وبُهْتٌ، لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحارِمَهُ. وما اسْتِفْهامِيَّةٌ حُذِفَتْ ألِفُها لِأجْلِ لامِ الجَرِّ. ويَقِفُ البَزِّيُّ بِالهاءِ فَيَقُولُ: فَلِمَهْ، وغَيْرُهُ يَقِفُ: فَلِمَ بِغَيْرِ هاءٍ، ولا يَجُوزُ هَذا الوَقْفُ إلّا لِلِاخْتِبارِ، أوْ لِانْقِطاعِ النَّفَسِ. وجاءَ يَقْتُلُونَ بِصُورَةِ المُضارِعِ، والمُرادُ الماضِي، إذِ المَعْنى: قُلْ فَلِمَ قَتَلْتُمْ، وأوْضَحَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم قَتْلُ الأنْبِياءِ، وأنَّهُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَدَلَّ عَلى تَقَدُّمِ القَتْلِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي الإعْلامُ بِأنَّ الأمْرَ مُسْتَمِرٌّ. ألا تَرى أنَّ حاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا كانُوا راضِينَ بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ، بَقِيَ لَهم مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ جُزْءٌ، وفي إضافَةِ ”أنْبِياءَ“ إلى اللَّهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهم، وأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي لِمَن جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أنْ يُعَظَّمَ أجَلَّ تَعْظِيمٍ، وأنْ يُنْصَرَ، لا أنْ يُقْتَلَ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] قِيلَ: إنْ نافِيَةٌ أيْ ما كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ مَن قَتَلَ أنْبِياءَ اللَّهِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ الإيمانَ لا يُجامِعُ قَتْلَ الأنْبِياءِ، أيْ ما اتَّصَفَ بِالإيمانِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. قِيلَ: والأظْهَرُ أنَّ إنْ شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَلِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ؟ ويَكُونُ الشَّرْطُ وجَوابُهُ قَدْ كُرِّرَ مَرَّتَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، لَكِنْ حُذِفَ الشَّرْطُ مِنَ الأوَّلِ وأُبْقِيَ جَوابُهُ وهو: فَلِمَ تَقْتُلُونَ ؟ وحُذِفَ الجَوابُ مِنَ الثّانِي وأُبْقِيَ شَرْطُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنْ كُنْتُمْ: شَرْطٌ، والجَوابُ مُتَقَدِّمٌ. ولا يَتَمَشّى قَوْلُهُ (p-٣٠٨)هَذا إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَقَدُّمَ جَوابِ الشَّرْطِ، ولَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ إلّا أبا زَيْدٍ الأنْصارِيَّ والمُبَرِّدَ مِنهم. ومَعْنى مُؤْمِنِينَ: أيْ بِما أُنْزِلَ إلَيْكم، أوْ مُتَحَقِّقِينَ بِالإيمانِ صادِقِينَ فِيهِ، أوْ مُؤْمِنِينَ بِزَعْمِكم. وأجْرى هَذا القَوْلَ مُجْرى التَّهَكُّمِ بِهِمْ والِاسْتِهْزاءِ، كَما تَقُولُ لِمَن بَدا مِنهُ ما لا يُناسِبُهُ: فَعَلْتَ كَذا وأنْتَ عاقِلٌ، أيْ بِزَعْمِكَ.
﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾: أيْ بِالآياتِ البَيِّناتِ، وهي الواضِحَةُ المُعْجِزَةُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ. وقِيلَ: التِّسْعُ، وهي: العَصا، والسُّنُونَ، واليَدُ، والدَّمُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، وفَلْقُ البَحْرِ. وهي المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] .
﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمَلِ، وإنَّما كُرِّرَتْ هُنا لِدَعْواهم أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ. ألا تَرى أنَّ اتِّخاذَ العِجْلِ لَيْسَ في التَّوْراةِ ؟ بَلْ فِيها أنْ يُفْرَدَ اللَّهُ بِالعِبادَةِ، ولِأنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ أكْبَرُ المَعاصِي، فَكَرَّرَ عِبادَةَ العِجْلِ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ جُرْمِهِمْ. ولِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ قَبْلُ، أعْقَبَهُ تَعْدادُ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢]، و﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: ٦٤] . وهُنا أعْقَبَهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ. ولِأنَّ في قِصَّةِ الطُّورِ ذِكْرَ تَوَلِّيهِمْ عَمّا أُمِرُوا بِهِ، مِن قَبُولِ التَّوْراةِ، وعَدَمِ رِضاهم بِأحْكامِها اخْتِيارًا، حَتّى أُلْجِئُوا إلى القَبُولِ اضْطِرارًا، فَدَعْواهُمُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. ثُمَّ في قِصَّةِ الطُّورِ تَذْيِيلٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ. والعَرَبُ مَتى أرادَتِ التَّنْبِيهَ عَلى تَقْبِيحِ شَيْءٍ أوْ تَعْظِيمِهِ، كَرَّرَتْهُ. وفي هَذا التَّكْرارِ أيْضًا مِنَ الفائِدَةِ تِذْكارُهم بِتَعْدادِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ونِقَمِهِ مِنهم، لِيَزْدَجِرَ الأخْلافُ بِما حَلَّ بِالأسْلافِ.
(واسْمَعُوا) أيِ: اقْبَلُوا ما سَمِعْتُمْ، كَقَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، أوِ اسْمَعُوا مُتَدَبِّرِينَ لِما سَمِعْتُمْ، أوِ اسْمَعُوا وأطِيعُوا. لِأنَّ فائِدَةَ السَّماعِ الطّاعَةُ، قالَهُ المُفَضَّلُ. والمَعْنى في هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ قَرِيبٌ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: مَعْنى اسْمَعُوا: افْهَمُوا. وقِيلَ: اعْمَلُوا، ووَجَّهَهُ أنَّ السَّمْعَ يُسْمَعُ بِهِ، ثُمَّ يُتَخَيَّلُ، ثُمَّ يُعْقَلُ، ثُمَّ يُعْمَلُ بِهِ إنْ كانَ مِمّا يَقْتَضِي عَمَلًا. ولَمّا كانَ السَّماعُ مُبْتَدَأً، والعَمَلُ غايَةً، وما بَيْنَهُما وسائِطَ، صَحَّ أنْ يُرادَ بَعْضُ الوَسائِطِ، وصَحَّ أنْ يُرادَ بِهِ الغايَةُ.
(قالُوا): هَذا مِنَ الِالتِفاتِ، إذْ لَوْ جاءَ عَلى الخِطابِ لَقالَ: قُلْتُمْ.
﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾: ظاهِرُهُ أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مَقُولَةٌ، ونَطَقُوا بِذَلِكَ مُبالَغَةً في التَّعَنُّتِ والعِصْيانِ. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا إذا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وإذا نَظَرُوا إلى الكِتابِ قالُوا: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ . وقِيلَ: القَوْلُ هُنا مَجازٌ، ولَمْ يَنْطِقُوا بِشَيْءٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، ولَكِنْ لَمّا لَمْ يَقْبَلُوا شَيْئًا مِمّا أُمِرُوا بِهِ، جُعِلُوا كالنّاطِقِينَ بِذَلِكَ. وقِيلَ: يُعَبَّرُ بِالقَوْلِ لِلشَّيْءِ عَمّا يُفْهَمُ بِهِ مِن حالِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ نُطْقٌ. وقِيلَ: المَعْنى سَمِعْنا بِآذانِنا وعَصَيْنا بِقُلُوبِنا، وهَذا راجِعٌ لِما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: قالُوا سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ. فَإنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ جَوابَهم ؟ قُلْتُ: طابَقَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ قالَ لَهُمُ اسْمَعُوا، ولْيَكُنْ سَماعُكم سَماعَ تَقَبُّلٍ وطاعَةٍ، فَقالُوا سَمِعْنا ولَكِنْ لا سَماعَ طاعَةٍ، انْتَهى كَلامُهُ. والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ، لِأنّا لا نَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ مَعَ إمْكانِ حَمْلِ الشَّيْءِ عَلى ظاهِرِهِ، لا سِيَّما إذا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى خِلافِهِ.
﴿وأُشْرِبُوا﴾: عَطْفٌ عَلى قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا. فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قالُوا، أيْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ، قُلْتُمْ كَذا وكَذا وأُشْرِبْتُمْ، أوْ عَطْفٌ مُسْتَأْنِفٌ لا داخِلٌ في بابِ الِالتِفاتِ، بَلْ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِما صَدَرَ مِنهم مَن عِبادَةِ العِجْلِ، أوِ الواوُ لِلْحالِ، أيْ وقَدْ أُشْرِبُوا والعامِلُ قالُوا، ولا يَحْتاجُ الكُوفِيُّونَ إلى تَقْدِيرِ قَدْ في الماضِي الواقِعِ حالًا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ.
﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾: ذَكَرَ مَكانَ الإشْرابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ [النساء: ١٠] .
(العِجْلَ): هو عَلى حَذْفِ مُضافَيْنِ، أيْ حُبَّ عِبادَةِ العِجْلِ مِن قَوْلِكَ: أشْرَبْتُ زَيْدًا ماءً، والإشْرابُ مُخالَطَةُ المائِعِ الجامِدَ، وتُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ في اللَّوْنَيْنِ، قالُوا: وأشْرَبْتُ البَياضَ حُمْرَةً، أيْ خَلَطْتُها بِالحُمْرَةِ، (p-٣٠٩)ومَعْناهُ أنَّهُ داخَلَهم حُبُّ عِبادَتِهِ، كَما داخَلَ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، وأنْشَدُوا:
؎إذا ما القَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شَيْءٍ فَلا تَأْمَلْ لَهُ عَنْهُ انْصِرافا
وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ كَذا، أيْ حَلَّ مَحَلَّ الشَّرابِ ومازَجَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْ حُبِّ العِجْلِ بِالشُّرْبِ دُونَ الأكْلِ؛ لِأنَّ شُرْبَ الماءِ يَتَغَلْغَلُ في الأعْضاءِ حَتّى يَصِلَ إلى باطِنِها، ولِهَذا قالَ بَعْضُهم:
؎جَرى حُبُّها مَجْرى دَمِي في مَفاصِلِي ∗∗∗ فَأصْبَحَ لِي عَنْ كُلِّ شُغْلٍ بِها شُغْلُ
وأمّا الطَّعامُ فَقالُوا: وهو مُجاوِرٌ لَها، غَيْرُ مُتَغَلْغِلٍ فِيها، ولا يَصِلُ إلى القَلْبِ مِنهُ إلّا يَسِيرٌ، وقالَ:
؎تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فُؤادِي ∗∗∗ فَبادِيهِ مَعَ الخافِي يَسِيرُ
وحَسُنَ حَذْفُ ذَيْنِكَ المُضافَيْنِ، وأُسْنِدَ الإشْرابُ إلى ذاتِ العِجْلِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ بِصُورَتِهِ أُشْرِبُوهُ، وإنْ كانَ المَعْنى عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ الحَذْفِ. وقِيلَ: مَعْنى أُشْرِبُوا: أيْ شَدَّ في قُلُوبِهِمْ حُبُّ العِجْلِ لِشَغَفِهِمْ بِهِ، مِن أشْرَبْتُ البَعِيرَ: إذا شَدَدْتَ حَبْلًا في عُنُقِهِ. وقِيلَ: هو مِنَ الشُّرْبِ حَقِيقَةً، وذَلِكَ أنَّهُ نُقِلَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَرَدَ العِجْلَ بِالمِبْرَدِ ورَماهُ في الماءِ وقالَ لَهُمُ: اشْرَبُوا، فَشَرِبَ جَمِيعُهم. فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بُرادَتُهُ عَلى شَفَتَيْهِ، وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ في قَوْلِهِ: (في قُلُوبِهِمْ) . ورُوِيَ أنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ لَهم حُبُّ العِجْلِ أصابَهم مِن ذَلِكَ الماءِ الجُبْنُ. وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ في قَوْلِهِ: وأُشْرِبُوا، دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ فُعِلَ بِهِمْ، ولا يَفْعَلُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: جاءَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِفَرْطِ وُلُوعِهِمْ بِعِبادَتِهِ، كَما يُقالُ: مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ، أوْ لِأنَّ السّامِرِيَّ وإبْلِيسَ وشَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ دَعَوْهم إلَيْهِ، ولَمّا كانَ الشُّرْبُ مادَّةً لِحَياةِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ، نُسِبَ ذَلِكَ إلى المَحَبَّةِ، لِأنَّها مادَّةٌ لِجَمِيعِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ.
(بِكُفْرِهِمْ): الظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ هو كُفْرُهُمُ السّابِقُ، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الباءُ بِمَعْنى مَعَ، يَعْنُونَ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ، أيْ مَصْحُوبًا بِكُفْرِهِمْ، فَيَكُونَ ذَلِكَ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ.
(قُلْ) يا مُحَمَّدُ، أوْ قُلْ يا مَن يُجادِلُهم.
﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في بِئْسَ، وفي المَذاهِبِ في ما، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: بِهُو إيمانُكم، بِضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وهي لُغَةٌ، والضَّمُّ في الأصْلِ، لَكِنْ كُسِرَتْ في أكْثَرِ اللُّغاتِ لِأجْلِ كَسْرَةِ الباءِ، وعَنى بِإيمانِهِمُ الَّذِي زَعَمُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]، وأضافَ الأمْرُ إلى إيمانِهِمْ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ، كَما قالَ أصْحابُ شُعَيْبٍ: أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ؟ وقِيلَ: ثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ صاحِبُ إيمانِكم، وهو إبْلِيسُ. وقِيلَ: ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: إيمانُكُمُ الباطِلُ، وأضافَ الإيمانَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ إيمانًا غَيْرَ صَحِيحٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلِ الإيمانُ، قالَهُ بَعْضُ مُعاصِرِينا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ بَعْدَ ما، فَإنْ كانَتْ مَنصُوبَةً، فالتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم قَتْلُ الأنْبِياءِ والعِصْيانُ وعِبادَةُ العِجْلِ، فَيَكُونُ يَأْمُرُكم صِفَةً لِلتَّمْيِيزِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا شَيْءٌ يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم، فَيَكُونُ يَأْمُرُكم صِفَةً لِلْمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ المَحْذُوفِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا ما يَأْمُرُكم، أيِ الَّذِي يَأْمُرُكم، فَيَكُونُ يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم. والمَخْصُوصُ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ قَتْلِ الأنْبِياءِ، وكَذا وكَذا. فَيَكُونُ ما مَوْصُولَةً، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْءٌ يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم، فَيَكُونُ ما تامَّةً. وهَذا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ لِما وحْدَها مَوْضِعًا مِنَ الإعْرابِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قِيلَ: إنَّ نافِيَةٌ، وقِيلَ: شَرْطِيَّةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَشْكِيكٌ في إيمانِهِمْ، وقَدْحٌ في صِحَّةِ دَعْواهم. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يَأْتِي الشَّرْطُ، والشّارِطُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ عَلى أحَدِ الجِهَتَيْنِ، كَما قالَ اللَّهُ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقَدْ عَلِمَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، وكَذَلِكَ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والقائِلُ (p-٣١٠)يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ أقامَ حُجَّةً لِقِياسٍ بَيِّنٍ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو يُؤَوَّلُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَلا تَقْتُلُوا الأنْبِياءَ، ولا تُكَذِّبُوا الرُّسُلَ، ولا تَكْتُمُوا الحَقَّ. وتَقْدِيرُ الحَذْفِ الأوَّلِ أعْرَبُ وأقْوى.
﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾: نَزَلَتْ فِيما حَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عِنْدَما قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ إلّا لِإسْرائِيلَ وبَنِيهِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: سَبَبُ نُزُولِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١]، و﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٨]، و﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ [البقرة: ٨٠]، الآياتِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ. والضَّمِيرُ في قُلْ، إمّا لِلنَّبِيِّ ﷺ وإمّا لِمَن يَنْبَغِي إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ. وفَسَّرُوا الدّارَ الآخِرَةَ بِالجَنَّةِ، قالُوا: وذَلِكَ مَعْهُودٌ في إطْلاقِها عَلى الجَنَّةِ. قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ [القصص: ٨٣] . ومَعْلُومٌ أنَّ ما يُجْعَلُ لِهَؤُلاءِ هو الجَنَّةُ، ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] . والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ وحُظْوَتُها وخَيْرُها؛ لِأنَّ الدّارَ الآخِرَةَ هي مَوْضِعُ الإقامَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا. وسُمِّيَتْ آخِرَةً لِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيا، أوْ هي آخِرُ ما يُسْكَنُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣] . ومَعْنى: عِنْدَ اللَّهِ، أيْ في حُكْمِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النور: ١٣] أيْ في حُكْمِهِ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] . وقِيلَ: المُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ هُنا: المَكانَةُ والمَرْتَبَةُ والشَّرَفُ، لا المَكانُ. ومَعْنى ”خالِصَةً“: أيْ مُخْتَصَّةً بِكم، لا حَظَّ في نَعِيمِها لِغَيْرِكم. واخْتَلَفُوا في إعْرابِ ”خالِصَةً“، فَقِيلَ: نَصْبٌ عَلى الحالِ، ولَمْ يَحْكِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، فَيَكُونَ لَكم إذْ ذاكَ خَبَرُ كانَتْ، ويَكُونَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلَ في المَجْرُورِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ إذْ ذاكَ الخَبَرَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَقِلُّ مَعْنى الكَلامِ بِهِ وحْدَهُ. وقَدْ وهَمَ في ذَلِكَ الَمَهْدَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، إذْ قالا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ ”خالِصَةً“ عَلى الحالِ، وعِنْدَ اللَّهِ خَبَرُ كانَ. وقِيلَ: انْتِصابُ ”خالِصَةً“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، فَيَجُوزُ في لَكم أنْ يَتَعَلَّقَ بِكانَتْ؛ لِأنَّ كانَ يَتَعَلَّقُ بِها حَرْفُ الجَرِّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”خالِصَةً“ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَكم، أعْنِي نَحْوَ قَوْلِهِمْ: سَقْيًا لَكَ إذْ تَقْدِيرُهُ: لَكَ أدْعُو.
﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِخالِصَةٍ، ودُونَ هُنا لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ لِلِاخْتِصاصِ وقَطْعِ الشَّرِكَةِ. تَقُولُ: هَذا ولِيٌّ دُونَكَ، وأنْتَ تُرِيدُ لا حَقَّ فِيهِ لَكَ مَعِي ولا نَصِيبَ. وفي غَيْرِ هَذا المَكانِ يَأْتِي لِمَعْنى الِانْتِقاصِ في المَنزِلَةِ أوِ المَكانِ أوِ المِقْدارِ. والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ، وهو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ اللَّفْظِ وقَوْلِهِ: خالِصَةً. وقِيلَ: المُرادُ النَّبِيُّ ﷺ والمُسْلِمُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: قالُوا، ويُطْلَقُ النّاسُ، ويُرادُ بِهِ الرَّجُلُ الواحِدُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا عَلى مَجازٍ وتَنْزِيلِ الرَّجُلِ الواحِدِ مَنزِلَةَ الجَماعَةِ.
﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾: أيْ سَلُوهُ بِاللِّسانِ فَقَطْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِالقَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ تُمَنَّوْهُ بِقُلُوبِكم واسْألُوهُ بِألْسِنَتِكم، قالَهُ قَوْمٌ. أوْ فَسَلُوهُ بِقُلُوبِكم عَلى أرْدَأِ الحِزْبَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ مِنهم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَتُمَنَّوُا المَوْتَ، بِضَمِّ الواوِ، وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ في مِثْلِ: اخْشَوُا القَوْمَ. ويَجُوزُ الكَسْرُ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الواوِ بِواوِ: ولَوِ اسْتَطَعْنا، كَما شَبَّهُوا واوَ لَوْ بِواوِ اخْشَوْا، فَضَمُّوا، فَقالُوا: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: فَتَمَنَّوُا المَوْتَ بِالكَسْرِ، وحَكى أبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يَزْدادَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، أنَّهُ قَرَأ: فَتَمَنَّوُا المَوْتَ، بِفَتْحِ الواوِ، وحَرَّكَها بِالفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ الضَّمَّةَ والكَسْرَةَ في الواوِ يُثْقِلانِ. وحُكِيَ أيْضًا عَنْ أبِي عَمْرٍو: اخْتِلاسُ ضَمَّةِ الواوِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ الجَنَّةَ لَكم دُونَ غَيْرِكم. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ. وعَلَّقَ تَمَنِّيَهم عَلى شَرْطٍ مَفْقُودٍ، وهو كَوْنُهم صادِقِينَ، ولَيْسُوا بِصادِقِينَ في أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَهم دُونَ النّاسِ، فَلا يَقَعُ التَّمَنِّي. (p-٣١١)والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ التَّحَدِّي وإظْهارُ كَذِبِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ مَن أيْقَنَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، اخْتارَ أنْ يَنْتَقِلَ إلَيْها، وأنْ يَخْلُصَ مِنَ المَقامِ في دارِ الأكْدارِ، وأنْ يَصِلَ إلى دارِ القَرارِ. كَما رُوِيَ عَمَّنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَنَّةِ، كَعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وعَمّارٍ، وحُذَيْفَةَ، أنَّهم كانُوا يَخْتارُونَ المَوْتَ، وكَذَلِكَ الصَّحابَةُ كانَتْ تَخْتارُ الشَّهادَةَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ ﷺ: «لَيْتَنِي أحْيا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أحْيا فَأُقْتَلُ» . لِما عَلِمَ مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ. وقالَ لَمّا بَلَغَهُ قَتْلُ مَن قُتِلَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ: «يا لَيْتَنِي غُودِرْتُ مَعَهم في لِحْفِ الجَبَلِ» . ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ كانَ يَتَمَنّى المَوْتَ، فَلَمّا احْتُضِرَ قالَ: حَبِيبٌ جاءَ عَلى فاقَةٍ. وعَنْ عَمّارٍ لَمّا كانَ بِصِفِّينَ قالَ: غَدًا نَلْقى الأحِبَّةَ، مُحَمَّدًا وصَحْبَهُ. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بِغِلالَةٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُهُ الحَسَنُ: ما هَذا بِزِيِّ المُحارِبِينَ، فَقالَ: يا بُنَيَّ لا يُبالِي أبُوكَ أعَلى المَوْتِ سَقَطَ أمْ عَلَيْهِ سَقَطَ المَوْتُ. وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يُنْشِدُ، وهو يُقاتِلُ الرُّومَ:
؎يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقْتِرابُها
؎طَيِّبَةٌ وبارِدٌ شَرابُها ∗∗∗ والرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنا عَذابُها
وفِي قِصَّتَيْ قَتْلِ عُثْمانَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ما يَدُلُّ عَلى اخْتِيارِهِما الشَّهادَةَ، وذَلِكَ أنَّ عُثْمانَ جاءَهُ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ فَقالُوا لَهُ: نُقاتِلُ عَنْكَ ؟ فَقالَ لَهم: لا، وكانَ لَهُ قَرِيبٌ مِن ألْفِ عَبْدٍ، فَشَهَرُوا سُيُوفَهم لَمّا هُجِمَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: مَن أغْمَدَ سَيْفَهُ فَهو حُرٌّ. فَصَبَرَ حَتّى قُتِلَ. وأمّا سَعِيدٌ، فَإنَّ المُوَكَّلِينَ بِهِ، لِما طَلَبَهُ الحَجّاجُ، لمّا شاهَدُوا مِن لِياذِ السِّباعِ بِهِ وتَمَسُّحِها بِهِ، قالُوا: لا نَدْخُلُ في إراقَةِ دَمِ هَذا الرَّجُلِ الصّالِحِ، قالُوا لَهُ: طَلَبَكَ لِيَقْتُلَكَ، فاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، ونَحْنُ نَكُونُ فِداءً. فَقالَ: لا واللَّهِ، إنِّي سَألْتُ رَبِّي الشَّهادَةَ، وقَدْ رَزَقَنِيها، واللَّهِ لا بَرِحْتُ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَغَصَّ كُلُّ إنْسانٍ بِرِيقِهِ فَماتَ مَكانَهُ وما بَقِيَ عَلى وجْهِ الأرْضِ يَهُودِيٌّ» . وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ، وأنْ يُعْلِمَهم أنَّهُ مَن تَمَنّاهُ مِنهم ماتَ. فَفَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، فَعَلِمَ اليَهُودُ صِدْقَهُ، فَأحْجَمُوا عَنْ تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللَّهِ.
البقرة 2:93
﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: الإخْبارُ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وسِياقُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ آباؤُهم، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ الرّاضِيَ بِالشَّيْءِ كَفاعِلِهِ، وأنَّهم جِنْسٌ واحِدٌ، وأنَّهم مُتَّبِعُونَ لَهم ومُعْتَقِدُونَ (p-٣٠٧)ذَلِكَ، وأنَّهم يَتَوَلَّوْنَهم، فَهم مِنهم.
﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، الجُمْهُورُ: إنَّهُ القُرْآنُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُطْلَقٌ، فَبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كُلِّ كِتابٍ.
﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]: يُرِيدُونَ التَّوْراةَ، وما جاءَهم مِنَ الرِّسالاتِ عَلى لِسانِ مُوسى، ومَن بَعْدَهُ مِن أنْبِيائِهِمْ، وحُذِفَ الفاعِلُ هُنا لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُنْزِلُ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ إلّا اللَّهُ أوْ لِجَرَيانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَحُذِفَ إيجازًا إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذُمُّوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ لِأنَّهم أُمِرُوا بِالإيمانِ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ، فَأجابُوا بِأنْ آمَنُوا بِمُقَيَّدٍ، والمَأْمُورُ بِهِ عامٌّ، فَلَمْ يُطابِقْ إيمانُهُمُ الأمْرَ.
﴿ويَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٩١]: جُمْلَةٌ اسْتُؤْنِفَ بِها الإخْبارُ عَنْهم، أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها قالُوا. أيْ وهم يَكْفُرُونَ.
﴿بِما وراءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]، أيْ بِما سِواهُ، وبِهِ فُسِّرَ ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، و﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٧]، أيْ بِما بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، أيْ ويَكْفُرُونَ بِما بَعْدَ التَّوْراةِ، وهو القُرْآنُ، أوْ بِما وراءَهُ، أيْ بِباطِنِ مَعانِيها الَّتِي وراءَ ألْفاظِها، ويَكُونُ إيمانُهم بِظاهِرِ لَفْظِها.
﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٩١]، هو: عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أوْ عَلى القُرْآنِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا.
(مُصَدِّقًا): حالٌ مُؤَكِّدٌ، إذْ تَصْدِيقُ القُرْآنِ لازِمٌ لا يَنْتَقِلُ.
﴿لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: هو التَّوْراةُ، أوِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، لِأنَّهُما أُنْزِلا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما غَيْرُ مُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ ما وافَقَ التَّوْراةَ، لَمْ يُصَدِّقْ بِها. وإذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وجَبَ الإيمانُ بِهِ، فالإيمانُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مُتَناقِضٌ.
(قُلْ): أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ، وقُلْ يا مَن يُرِيدُ جِدالَهم.
(فَلِمَ) الفاءُ: جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، التَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم فَلِمَ.
﴿تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] ؟ لِأنَّ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ واسْتِحْلالَ قَتْلِ الأنْبِياءِ لا يَجْتَمِعانِ، فَقَوْلُكم: إنَّكم آمَنتُمْ بِالتَّوْراةِ كَذِبٌ وبُهْتٌ، لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحارِمَهُ. وما اسْتِفْهامِيَّةٌ حُذِفَتْ ألِفُها لِأجْلِ لامِ الجَرِّ. ويَقِفُ البَزِّيُّ بِالهاءِ فَيَقُولُ: فَلِمَهْ، وغَيْرُهُ يَقِفُ: فَلِمَ بِغَيْرِ هاءٍ، ولا يَجُوزُ هَذا الوَقْفُ إلّا لِلِاخْتِبارِ، أوْ لِانْقِطاعِ النَّفَسِ. وجاءَ يَقْتُلُونَ بِصُورَةِ المُضارِعِ، والمُرادُ الماضِي، إذِ المَعْنى: قُلْ فَلِمَ قَتَلْتُمْ، وأوْضَحَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم قَتْلُ الأنْبِياءِ، وأنَّهُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَدَلَّ عَلى تَقَدُّمِ القَتْلِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي الإعْلامُ بِأنَّ الأمْرَ مُسْتَمِرٌّ. ألا تَرى أنَّ حاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا كانُوا راضِينَ بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ، بَقِيَ لَهم مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ جُزْءٌ، وفي إضافَةِ ”أنْبِياءَ“ إلى اللَّهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهم، وأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي لِمَن جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أنْ يُعَظَّمَ أجَلَّ تَعْظِيمٍ، وأنْ يُنْصَرَ، لا أنْ يُقْتَلَ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] قِيلَ: إنْ نافِيَةٌ أيْ ما كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ مَن قَتَلَ أنْبِياءَ اللَّهِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ الإيمانَ لا يُجامِعُ قَتْلَ الأنْبِياءِ، أيْ ما اتَّصَفَ بِالإيمانِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. قِيلَ: والأظْهَرُ أنَّ إنْ شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَلِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ؟ ويَكُونُ الشَّرْطُ وجَوابُهُ قَدْ كُرِّرَ مَرَّتَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، لَكِنْ حُذِفَ الشَّرْطُ مِنَ الأوَّلِ وأُبْقِيَ جَوابُهُ وهو: فَلِمَ تَقْتُلُونَ ؟ وحُذِفَ الجَوابُ مِنَ الثّانِي وأُبْقِيَ شَرْطُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنْ كُنْتُمْ: شَرْطٌ، والجَوابُ مُتَقَدِّمٌ. ولا يَتَمَشّى قَوْلُهُ (p-٣٠٨)هَذا إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَقَدُّمَ جَوابِ الشَّرْطِ، ولَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ إلّا أبا زَيْدٍ الأنْصارِيَّ والمُبَرِّدَ مِنهم. ومَعْنى مُؤْمِنِينَ: أيْ بِما أُنْزِلَ إلَيْكم، أوْ مُتَحَقِّقِينَ بِالإيمانِ صادِقِينَ فِيهِ، أوْ مُؤْمِنِينَ بِزَعْمِكم. وأجْرى هَذا القَوْلَ مُجْرى التَّهَكُّمِ بِهِمْ والِاسْتِهْزاءِ، كَما تَقُولُ لِمَن بَدا مِنهُ ما لا يُناسِبُهُ: فَعَلْتَ كَذا وأنْتَ عاقِلٌ، أيْ بِزَعْمِكَ.
﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾: أيْ بِالآياتِ البَيِّناتِ، وهي الواضِحَةُ المُعْجِزَةُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ. وقِيلَ: التِّسْعُ، وهي: العَصا، والسُّنُونَ، واليَدُ، والدَّمُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، وفَلْقُ البَحْرِ. وهي المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] .
﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمَلِ، وإنَّما كُرِّرَتْ هُنا لِدَعْواهم أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ. ألا تَرى أنَّ اتِّخاذَ العِجْلِ لَيْسَ في التَّوْراةِ ؟ بَلْ فِيها أنْ يُفْرَدَ اللَّهُ بِالعِبادَةِ، ولِأنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ أكْبَرُ المَعاصِي، فَكَرَّرَ عِبادَةَ العِجْلِ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ جُرْمِهِمْ. ولِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ قَبْلُ، أعْقَبَهُ تَعْدادُ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢]، و﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: ٦٤] . وهُنا أعْقَبَهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ. ولِأنَّ في قِصَّةِ الطُّورِ ذِكْرَ تَوَلِّيهِمْ عَمّا أُمِرُوا بِهِ، مِن قَبُولِ التَّوْراةِ، وعَدَمِ رِضاهم بِأحْكامِها اخْتِيارًا، حَتّى أُلْجِئُوا إلى القَبُولِ اضْطِرارًا، فَدَعْواهُمُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. ثُمَّ في قِصَّةِ الطُّورِ تَذْيِيلٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ. والعَرَبُ مَتى أرادَتِ التَّنْبِيهَ عَلى تَقْبِيحِ شَيْءٍ أوْ تَعْظِيمِهِ، كَرَّرَتْهُ. وفي هَذا التَّكْرارِ أيْضًا مِنَ الفائِدَةِ تِذْكارُهم بِتَعْدادِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ونِقَمِهِ مِنهم، لِيَزْدَجِرَ الأخْلافُ بِما حَلَّ بِالأسْلافِ.
(واسْمَعُوا) أيِ: اقْبَلُوا ما سَمِعْتُمْ، كَقَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، أوِ اسْمَعُوا مُتَدَبِّرِينَ لِما سَمِعْتُمْ، أوِ اسْمَعُوا وأطِيعُوا. لِأنَّ فائِدَةَ السَّماعِ الطّاعَةُ، قالَهُ المُفَضَّلُ. والمَعْنى في هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ قَرِيبٌ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: مَعْنى اسْمَعُوا: افْهَمُوا. وقِيلَ: اعْمَلُوا، ووَجَّهَهُ أنَّ السَّمْعَ يُسْمَعُ بِهِ، ثُمَّ يُتَخَيَّلُ، ثُمَّ يُعْقَلُ، ثُمَّ يُعْمَلُ بِهِ إنْ كانَ مِمّا يَقْتَضِي عَمَلًا. ولَمّا كانَ السَّماعُ مُبْتَدَأً، والعَمَلُ غايَةً، وما بَيْنَهُما وسائِطَ، صَحَّ أنْ يُرادَ بَعْضُ الوَسائِطِ، وصَحَّ أنْ يُرادَ بِهِ الغايَةُ.
(قالُوا): هَذا مِنَ الِالتِفاتِ، إذْ لَوْ جاءَ عَلى الخِطابِ لَقالَ: قُلْتُمْ.
﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾: ظاهِرُهُ أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مَقُولَةٌ، ونَطَقُوا بِذَلِكَ مُبالَغَةً في التَّعَنُّتِ والعِصْيانِ. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا إذا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وإذا نَظَرُوا إلى الكِتابِ قالُوا: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ . وقِيلَ: القَوْلُ هُنا مَجازٌ، ولَمْ يَنْطِقُوا بِشَيْءٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، ولَكِنْ لَمّا لَمْ يَقْبَلُوا شَيْئًا مِمّا أُمِرُوا بِهِ، جُعِلُوا كالنّاطِقِينَ بِذَلِكَ. وقِيلَ: يُعَبَّرُ بِالقَوْلِ لِلشَّيْءِ عَمّا يُفْهَمُ بِهِ مِن حالِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ نُطْقٌ. وقِيلَ: المَعْنى سَمِعْنا بِآذانِنا وعَصَيْنا بِقُلُوبِنا، وهَذا راجِعٌ لِما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: قالُوا سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ. فَإنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ جَوابَهم ؟ قُلْتُ: طابَقَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ قالَ لَهُمُ اسْمَعُوا، ولْيَكُنْ سَماعُكم سَماعَ تَقَبُّلٍ وطاعَةٍ، فَقالُوا سَمِعْنا ولَكِنْ لا سَماعَ طاعَةٍ، انْتَهى كَلامُهُ. والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ، لِأنّا لا نَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ مَعَ إمْكانِ حَمْلِ الشَّيْءِ عَلى ظاهِرِهِ، لا سِيَّما إذا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى خِلافِهِ.
﴿وأُشْرِبُوا﴾: عَطْفٌ عَلى قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا. فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قالُوا، أيْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ، قُلْتُمْ كَذا وكَذا وأُشْرِبْتُمْ، أوْ عَطْفٌ مُسْتَأْنِفٌ لا داخِلٌ في بابِ الِالتِفاتِ، بَلْ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِما صَدَرَ مِنهم مَن عِبادَةِ العِجْلِ، أوِ الواوُ لِلْحالِ، أيْ وقَدْ أُشْرِبُوا والعامِلُ قالُوا، ولا يَحْتاجُ الكُوفِيُّونَ إلى تَقْدِيرِ قَدْ في الماضِي الواقِعِ حالًا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ.
﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾: ذَكَرَ مَكانَ الإشْرابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ [النساء: ١٠] .
(العِجْلَ): هو عَلى حَذْفِ مُضافَيْنِ، أيْ حُبَّ عِبادَةِ العِجْلِ مِن قَوْلِكَ: أشْرَبْتُ زَيْدًا ماءً، والإشْرابُ مُخالَطَةُ المائِعِ الجامِدَ، وتُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ في اللَّوْنَيْنِ، قالُوا: وأشْرَبْتُ البَياضَ حُمْرَةً، أيْ خَلَطْتُها بِالحُمْرَةِ، (p-٣٠٩)ومَعْناهُ أنَّهُ داخَلَهم حُبُّ عِبادَتِهِ، كَما داخَلَ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، وأنْشَدُوا:
؎إذا ما القَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شَيْءٍ فَلا تَأْمَلْ لَهُ عَنْهُ انْصِرافا
وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ كَذا، أيْ حَلَّ مَحَلَّ الشَّرابِ ومازَجَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْ حُبِّ العِجْلِ بِالشُّرْبِ دُونَ الأكْلِ؛ لِأنَّ شُرْبَ الماءِ يَتَغَلْغَلُ في الأعْضاءِ حَتّى يَصِلَ إلى باطِنِها، ولِهَذا قالَ بَعْضُهم:
؎جَرى حُبُّها مَجْرى دَمِي في مَفاصِلِي ∗∗∗ فَأصْبَحَ لِي عَنْ كُلِّ شُغْلٍ بِها شُغْلُ
وأمّا الطَّعامُ فَقالُوا: وهو مُجاوِرٌ لَها، غَيْرُ مُتَغَلْغِلٍ فِيها، ولا يَصِلُ إلى القَلْبِ مِنهُ إلّا يَسِيرٌ، وقالَ:
؎تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فُؤادِي ∗∗∗ فَبادِيهِ مَعَ الخافِي يَسِيرُ
وحَسُنَ حَذْفُ ذَيْنِكَ المُضافَيْنِ، وأُسْنِدَ الإشْرابُ إلى ذاتِ العِجْلِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ بِصُورَتِهِ أُشْرِبُوهُ، وإنْ كانَ المَعْنى عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ الحَذْفِ. وقِيلَ: مَعْنى أُشْرِبُوا: أيْ شَدَّ في قُلُوبِهِمْ حُبُّ العِجْلِ لِشَغَفِهِمْ بِهِ، مِن أشْرَبْتُ البَعِيرَ: إذا شَدَدْتَ حَبْلًا في عُنُقِهِ. وقِيلَ: هو مِنَ الشُّرْبِ حَقِيقَةً، وذَلِكَ أنَّهُ نُقِلَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَرَدَ العِجْلَ بِالمِبْرَدِ ورَماهُ في الماءِ وقالَ لَهُمُ: اشْرَبُوا، فَشَرِبَ جَمِيعُهم. فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بُرادَتُهُ عَلى شَفَتَيْهِ، وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ في قَوْلِهِ: (في قُلُوبِهِمْ) . ورُوِيَ أنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ لَهم حُبُّ العِجْلِ أصابَهم مِن ذَلِكَ الماءِ الجُبْنُ. وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ في قَوْلِهِ: وأُشْرِبُوا، دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ فُعِلَ بِهِمْ، ولا يَفْعَلُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: جاءَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِفَرْطِ وُلُوعِهِمْ بِعِبادَتِهِ، كَما يُقالُ: مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ، أوْ لِأنَّ السّامِرِيَّ وإبْلِيسَ وشَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ دَعَوْهم إلَيْهِ، ولَمّا كانَ الشُّرْبُ مادَّةً لِحَياةِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ، نُسِبَ ذَلِكَ إلى المَحَبَّةِ، لِأنَّها مادَّةٌ لِجَمِيعِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ.
(بِكُفْرِهِمْ): الظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ هو كُفْرُهُمُ السّابِقُ، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الباءُ بِمَعْنى مَعَ، يَعْنُونَ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ، أيْ مَصْحُوبًا بِكُفْرِهِمْ، فَيَكُونَ ذَلِكَ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ.
(قُلْ) يا مُحَمَّدُ، أوْ قُلْ يا مَن يُجادِلُهم.
﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في بِئْسَ، وفي المَذاهِبِ في ما، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: بِهُو إيمانُكم، بِضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وهي لُغَةٌ، والضَّمُّ في الأصْلِ، لَكِنْ كُسِرَتْ في أكْثَرِ اللُّغاتِ لِأجْلِ كَسْرَةِ الباءِ، وعَنى بِإيمانِهِمُ الَّذِي زَعَمُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]، وأضافَ الأمْرُ إلى إيمانِهِمْ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ، كَما قالَ أصْحابُ شُعَيْبٍ: أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ؟ وقِيلَ: ثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ صاحِبُ إيمانِكم، وهو إبْلِيسُ. وقِيلَ: ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: إيمانُكُمُ الباطِلُ، وأضافَ الإيمانَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ إيمانًا غَيْرَ صَحِيحٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلِ الإيمانُ، قالَهُ بَعْضُ مُعاصِرِينا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ بَعْدَ ما، فَإنْ كانَتْ مَنصُوبَةً، فالتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم قَتْلُ الأنْبِياءِ والعِصْيانُ وعِبادَةُ العِجْلِ، فَيَكُونُ يَأْمُرُكم صِفَةً لِلتَّمْيِيزِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا شَيْءٌ يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم، فَيَكُونُ يَأْمُرُكم صِفَةً لِلْمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ المَحْذُوفِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا ما يَأْمُرُكم، أيِ الَّذِي يَأْمُرُكم، فَيَكُونُ يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم. والمَخْصُوصُ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ قَتْلِ الأنْبِياءِ، وكَذا وكَذا. فَيَكُونُ ما مَوْصُولَةً، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْءٌ يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم، فَيَكُونُ ما تامَّةً. وهَذا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ لِما وحْدَها مَوْضِعًا مِنَ الإعْرابِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قِيلَ: إنَّ نافِيَةٌ، وقِيلَ: شَرْطِيَّةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَشْكِيكٌ في إيمانِهِمْ، وقَدْحٌ في صِحَّةِ دَعْواهم. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يَأْتِي الشَّرْطُ، والشّارِطُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ عَلى أحَدِ الجِهَتَيْنِ، كَما قالَ اللَّهُ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقَدْ عَلِمَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، وكَذَلِكَ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والقائِلُ (p-٣١٠)يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ أقامَ حُجَّةً لِقِياسٍ بَيِّنٍ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو يُؤَوَّلُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَلا تَقْتُلُوا الأنْبِياءَ، ولا تُكَذِّبُوا الرُّسُلَ، ولا تَكْتُمُوا الحَقَّ. وتَقْدِيرُ الحَذْفِ الأوَّلِ أعْرَبُ وأقْوى.
﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾: نَزَلَتْ فِيما حَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عِنْدَما قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ إلّا لِإسْرائِيلَ وبَنِيهِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: سَبَبُ نُزُولِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١]، و﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٨]، و﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ [البقرة: ٨٠]، الآياتِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ. والضَّمِيرُ في قُلْ، إمّا لِلنَّبِيِّ ﷺ وإمّا لِمَن يَنْبَغِي إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ. وفَسَّرُوا الدّارَ الآخِرَةَ بِالجَنَّةِ، قالُوا: وذَلِكَ مَعْهُودٌ في إطْلاقِها عَلى الجَنَّةِ. قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ [القصص: ٨٣] . ومَعْلُومٌ أنَّ ما يُجْعَلُ لِهَؤُلاءِ هو الجَنَّةُ، ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] . والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ وحُظْوَتُها وخَيْرُها؛ لِأنَّ الدّارَ الآخِرَةَ هي مَوْضِعُ الإقامَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا. وسُمِّيَتْ آخِرَةً لِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيا، أوْ هي آخِرُ ما يُسْكَنُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣] . ومَعْنى: عِنْدَ اللَّهِ، أيْ في حُكْمِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النور: ١٣] أيْ في حُكْمِهِ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] . وقِيلَ: المُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ هُنا: المَكانَةُ والمَرْتَبَةُ والشَّرَفُ، لا المَكانُ. ومَعْنى ”خالِصَةً“: أيْ مُخْتَصَّةً بِكم، لا حَظَّ في نَعِيمِها لِغَيْرِكم. واخْتَلَفُوا في إعْرابِ ”خالِصَةً“، فَقِيلَ: نَصْبٌ عَلى الحالِ، ولَمْ يَحْكِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، فَيَكُونَ لَكم إذْ ذاكَ خَبَرُ كانَتْ، ويَكُونَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلَ في المَجْرُورِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ إذْ ذاكَ الخَبَرَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَقِلُّ مَعْنى الكَلامِ بِهِ وحْدَهُ. وقَدْ وهَمَ في ذَلِكَ الَمَهْدَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، إذْ قالا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ ”خالِصَةً“ عَلى الحالِ، وعِنْدَ اللَّهِ خَبَرُ كانَ. وقِيلَ: انْتِصابُ ”خالِصَةً“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، فَيَجُوزُ في لَكم أنْ يَتَعَلَّقَ بِكانَتْ؛ لِأنَّ كانَ يَتَعَلَّقُ بِها حَرْفُ الجَرِّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”خالِصَةً“ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَكم، أعْنِي نَحْوَ قَوْلِهِمْ: سَقْيًا لَكَ إذْ تَقْدِيرُهُ: لَكَ أدْعُو.
﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِخالِصَةٍ، ودُونَ هُنا لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ لِلِاخْتِصاصِ وقَطْعِ الشَّرِكَةِ. تَقُولُ: هَذا ولِيٌّ دُونَكَ، وأنْتَ تُرِيدُ لا حَقَّ فِيهِ لَكَ مَعِي ولا نَصِيبَ. وفي غَيْرِ هَذا المَكانِ يَأْتِي لِمَعْنى الِانْتِقاصِ في المَنزِلَةِ أوِ المَكانِ أوِ المِقْدارِ. والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ، وهو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ اللَّفْظِ وقَوْلِهِ: خالِصَةً. وقِيلَ: المُرادُ النَّبِيُّ ﷺ والمُسْلِمُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: قالُوا، ويُطْلَقُ النّاسُ، ويُرادُ بِهِ الرَّجُلُ الواحِدُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا عَلى مَجازٍ وتَنْزِيلِ الرَّجُلِ الواحِدِ مَنزِلَةَ الجَماعَةِ.
﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾: أيْ سَلُوهُ بِاللِّسانِ فَقَطْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِالقَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ تُمَنَّوْهُ بِقُلُوبِكم واسْألُوهُ بِألْسِنَتِكم، قالَهُ قَوْمٌ. أوْ فَسَلُوهُ بِقُلُوبِكم عَلى أرْدَأِ الحِزْبَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ مِنهم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَتُمَنَّوُا المَوْتَ، بِضَمِّ الواوِ، وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ في مِثْلِ: اخْشَوُا القَوْمَ. ويَجُوزُ الكَسْرُ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الواوِ بِواوِ: ولَوِ اسْتَطَعْنا، كَما شَبَّهُوا واوَ لَوْ بِواوِ اخْشَوْا، فَضَمُّوا، فَقالُوا: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: فَتَمَنَّوُا المَوْتَ بِالكَسْرِ، وحَكى أبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يَزْدادَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، أنَّهُ قَرَأ: فَتَمَنَّوُا المَوْتَ، بِفَتْحِ الواوِ، وحَرَّكَها بِالفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ الضَّمَّةَ والكَسْرَةَ في الواوِ يُثْقِلانِ. وحُكِيَ أيْضًا عَنْ أبِي عَمْرٍو: اخْتِلاسُ ضَمَّةِ الواوِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ الجَنَّةَ لَكم دُونَ غَيْرِكم. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ. وعَلَّقَ تَمَنِّيَهم عَلى شَرْطٍ مَفْقُودٍ، وهو كَوْنُهم صادِقِينَ، ولَيْسُوا بِصادِقِينَ في أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَهم دُونَ النّاسِ، فَلا يَقَعُ التَّمَنِّي. (p-٣١١)والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ التَّحَدِّي وإظْهارُ كَذِبِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ مَن أيْقَنَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، اخْتارَ أنْ يَنْتَقِلَ إلَيْها، وأنْ يَخْلُصَ مِنَ المَقامِ في دارِ الأكْدارِ، وأنْ يَصِلَ إلى دارِ القَرارِ. كَما رُوِيَ عَمَّنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَنَّةِ، كَعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وعَمّارٍ، وحُذَيْفَةَ، أنَّهم كانُوا يَخْتارُونَ المَوْتَ، وكَذَلِكَ الصَّحابَةُ كانَتْ تَخْتارُ الشَّهادَةَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ ﷺ: «لَيْتَنِي أحْيا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أحْيا فَأُقْتَلُ» . لِما عَلِمَ مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ. وقالَ لَمّا بَلَغَهُ قَتْلُ مَن قُتِلَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ: «يا لَيْتَنِي غُودِرْتُ مَعَهم في لِحْفِ الجَبَلِ» . ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ كانَ يَتَمَنّى المَوْتَ، فَلَمّا احْتُضِرَ قالَ: حَبِيبٌ جاءَ عَلى فاقَةٍ. وعَنْ عَمّارٍ لَمّا كانَ بِصِفِّينَ قالَ: غَدًا نَلْقى الأحِبَّةَ، مُحَمَّدًا وصَحْبَهُ. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بِغِلالَةٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُهُ الحَسَنُ: ما هَذا بِزِيِّ المُحارِبِينَ، فَقالَ: يا بُنَيَّ لا يُبالِي أبُوكَ أعَلى المَوْتِ سَقَطَ أمْ عَلَيْهِ سَقَطَ المَوْتُ. وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يُنْشِدُ، وهو يُقاتِلُ الرُّومَ:
؎يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقْتِرابُها
؎طَيِّبَةٌ وبارِدٌ شَرابُها ∗∗∗ والرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنا عَذابُها
وفِي قِصَّتَيْ قَتْلِ عُثْمانَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ما يَدُلُّ عَلى اخْتِيارِهِما الشَّهادَةَ، وذَلِكَ أنَّ عُثْمانَ جاءَهُ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ فَقالُوا لَهُ: نُقاتِلُ عَنْكَ ؟ فَقالَ لَهم: لا، وكانَ لَهُ قَرِيبٌ مِن ألْفِ عَبْدٍ، فَشَهَرُوا سُيُوفَهم لَمّا هُجِمَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: مَن أغْمَدَ سَيْفَهُ فَهو حُرٌّ. فَصَبَرَ حَتّى قُتِلَ. وأمّا سَعِيدٌ، فَإنَّ المُوَكَّلِينَ بِهِ، لِما طَلَبَهُ الحَجّاجُ، لمّا شاهَدُوا مِن لِياذِ السِّباعِ بِهِ وتَمَسُّحِها بِهِ، قالُوا: لا نَدْخُلُ في إراقَةِ دَمِ هَذا الرَّجُلِ الصّالِحِ، قالُوا لَهُ: طَلَبَكَ لِيَقْتُلَكَ، فاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، ونَحْنُ نَكُونُ فِداءً. فَقالَ: لا واللَّهِ، إنِّي سَألْتُ رَبِّي الشَّهادَةَ، وقَدْ رَزَقَنِيها، واللَّهِ لا بَرِحْتُ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَغَصَّ كُلُّ إنْسانٍ بِرِيقِهِ فَماتَ مَكانَهُ وما بَقِيَ عَلى وجْهِ الأرْضِ يَهُودِيٌّ» . وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ، وأنْ يُعْلِمَهم أنَّهُ مَن تَمَنّاهُ مِنهم ماتَ. فَفَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، فَعَلِمَ اليَهُودُ صِدْقَهُ، فَأحْجَمُوا عَنْ تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللَّهِ.
البقرة 2:94
﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: الإخْبارُ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، وسِياقُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ آباؤُهم، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ الرّاضِيَ بِالشَّيْءِ كَفاعِلِهِ، وأنَّهم جِنْسٌ واحِدٌ، وأنَّهم مُتَّبِعُونَ لَهم ومُعْتَقِدُونَ (p-٣٠٧)ذَلِكَ، وأنَّهم يَتَوَلَّوْنَهم، فَهم مِنهم.
﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، الجُمْهُورُ: إنَّهُ القُرْآنُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُطْلَقٌ، فَبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كُلِّ كِتابٍ.
﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]: يُرِيدُونَ التَّوْراةَ، وما جاءَهم مِنَ الرِّسالاتِ عَلى لِسانِ مُوسى، ومَن بَعْدَهُ مِن أنْبِيائِهِمْ، وحُذِفَ الفاعِلُ هُنا لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُنْزِلُ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ إلّا اللَّهُ أوْ لِجَرَيانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَحُذِفَ إيجازًا إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وذُمُّوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ لِأنَّهم أُمِرُوا بِالإيمانِ بِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ، فَأجابُوا بِأنْ آمَنُوا بِمُقَيَّدٍ، والمَأْمُورُ بِهِ عامٌّ، فَلَمْ يُطابِقْ إيمانُهُمُ الأمْرَ.
﴿ويَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٩١]: جُمْلَةٌ اسْتُؤْنِفَ بِها الإخْبارُ عَنْهم، أوْ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها قالُوا. أيْ وهم يَكْفُرُونَ.
﴿بِما وراءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]، أيْ بِما سِواهُ، وبِهِ فُسِّرَ ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، و﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٧]، أيْ بِما بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ، أيْ ويَكْفُرُونَ بِما بَعْدَ التَّوْراةِ، وهو القُرْآنُ، أوْ بِما وراءَهُ، أيْ بِباطِنِ مَعانِيها الَّتِي وراءَ ألْفاظِها، ويَكُونُ إيمانُهم بِظاهِرِ لَفْظِها.
﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٩١]، هو: عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، أوْ عَلى القُرْآنِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ كُتُبَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا.
(مُصَدِّقًا): حالٌ مُؤَكِّدٌ، إذْ تَصْدِيقُ القُرْآنِ لازِمٌ لا يَنْتَقِلُ.
﴿لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]: هو التَّوْراةُ، أوِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، لِأنَّهُما أُنْزِلا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكِلاهُما غَيْرُ مُخالِفٍ لِلْقُرْآنِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ ما وافَقَ التَّوْراةَ، لَمْ يُصَدِّقْ بِها. وإذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وجَبَ الإيمانُ بِهِ، فالإيمانُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مُتَناقِضٌ.
(قُلْ): أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ، وقُلْ يا مَن يُرِيدُ جِدالَهم.
(فَلِمَ) الفاءُ: جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، التَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم فَلِمَ.
﴿تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] ؟ لِأنَّ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ واسْتِحْلالَ قَتْلِ الأنْبِياءِ لا يَجْتَمِعانِ، فَقَوْلُكم: إنَّكم آمَنتُمْ بِالتَّوْراةِ كَذِبٌ وبُهْتٌ، لا يُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحارِمَهُ. وما اسْتِفْهامِيَّةٌ حُذِفَتْ ألِفُها لِأجْلِ لامِ الجَرِّ. ويَقِفُ البَزِّيُّ بِالهاءِ فَيَقُولُ: فَلِمَهْ، وغَيْرُهُ يَقِفُ: فَلِمَ بِغَيْرِ هاءٍ، ولا يَجُوزُ هَذا الوَقْفُ إلّا لِلِاخْتِبارِ، أوْ لِانْقِطاعِ النَّفَسِ. وجاءَ يَقْتُلُونَ بِصُورَةِ المُضارِعِ، والمُرادُ الماضِي، إذِ المَعْنى: قُلْ فَلِمَ قَتَلْتُمْ، وأوْضَحَ ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم قَتْلُ الأنْبِياءِ، وأنَّهُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١]، فَدَلَّ عَلى تَقَدُّمِ القَتْلِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي الإعْلامُ بِأنَّ الأمْرَ مُسْتَمِرٌّ. ألا تَرى أنَّ حاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا كانُوا راضِينَ بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ، بَقِيَ لَهم مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ جُزْءٌ، وفي إضافَةِ ”أنْبِياءَ“ إلى اللَّهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهم، وأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي لِمَن جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أنْ يُعَظَّمَ أجَلَّ تَعْظِيمٍ، وأنْ يُنْصَرَ، لا أنْ يُقْتَلَ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] قِيلَ: إنْ نافِيَةٌ أيْ ما كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ مَن قَتَلَ أنْبِياءَ اللَّهِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ الإيمانَ لا يُجامِعُ قَتْلَ الأنْبِياءِ، أيْ ما اتَّصَفَ بِالإيمانِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ. قِيلَ: والأظْهَرُ أنَّ إنْ شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَلِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ؟ ويَكُونُ الشَّرْطُ وجَوابُهُ قَدْ كُرِّرَ مَرَّتَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، لَكِنْ حُذِفَ الشَّرْطُ مِنَ الأوَّلِ وأُبْقِيَ جَوابُهُ وهو: فَلِمَ تَقْتُلُونَ ؟ وحُذِفَ الجَوابُ مِنَ الثّانِي وأُبْقِيَ شَرْطُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنْ كُنْتُمْ: شَرْطٌ، والجَوابُ مُتَقَدِّمٌ. ولا يَتَمَشّى قَوْلُهُ (p-٣٠٨)هَذا إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَقَدُّمَ جَوابِ الشَّرْطِ، ولَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ إلّا أبا زَيْدٍ الأنْصارِيَّ والمُبَرِّدَ مِنهم. ومَعْنى مُؤْمِنِينَ: أيْ بِما أُنْزِلَ إلَيْكم، أوْ مُتَحَقِّقِينَ بِالإيمانِ صادِقِينَ فِيهِ، أوْ مُؤْمِنِينَ بِزَعْمِكم. وأجْرى هَذا القَوْلَ مُجْرى التَّهَكُّمِ بِهِمْ والِاسْتِهْزاءِ، كَما تَقُولُ لِمَن بَدا مِنهُ ما لا يُناسِبُهُ: فَعَلْتَ كَذا وأنْتَ عاقِلٌ، أيْ بِزَعْمِكَ.
﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾: أيْ بِالآياتِ البَيِّناتِ، وهي الواضِحَةُ المُعْجِزَةُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ. وقِيلَ: التِّسْعُ، وهي: العَصا، والسُّنُونَ، واليَدُ، والدَّمُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، وفَلْقُ البَحْرِ. وهي المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] .
﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمَلِ، وإنَّما كُرِّرَتْ هُنا لِدَعْواهم أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ. ألا تَرى أنَّ اتِّخاذَ العِجْلِ لَيْسَ في التَّوْراةِ ؟ بَلْ فِيها أنْ يُفْرَدَ اللَّهُ بِالعِبادَةِ، ولِأنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ أكْبَرُ المَعاصِي، فَكَرَّرَ عِبادَةَ العِجْلِ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ جُرْمِهِمْ. ولِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ قَبْلُ، أعْقَبَهُ تَعْدادُ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢]، و﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: ٦٤] . وهُنا أعْقَبَهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ. ولِأنَّ في قِصَّةِ الطُّورِ ذِكْرَ تَوَلِّيهِمْ عَمّا أُمِرُوا بِهِ، مِن قَبُولِ التَّوْراةِ، وعَدَمِ رِضاهم بِأحْكامِها اخْتِيارًا، حَتّى أُلْجِئُوا إلى القَبُولِ اضْطِرارًا، فَدَعْواهُمُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. ثُمَّ في قِصَّةِ الطُّورِ تَذْيِيلٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ. والعَرَبُ مَتى أرادَتِ التَّنْبِيهَ عَلى تَقْبِيحِ شَيْءٍ أوْ تَعْظِيمِهِ، كَرَّرَتْهُ. وفي هَذا التَّكْرارِ أيْضًا مِنَ الفائِدَةِ تِذْكارُهم بِتَعْدادِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ونِقَمِهِ مِنهم، لِيَزْدَجِرَ الأخْلافُ بِما حَلَّ بِالأسْلافِ.
(واسْمَعُوا) أيِ: اقْبَلُوا ما سَمِعْتُمْ، كَقَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، أوِ اسْمَعُوا مُتَدَبِّرِينَ لِما سَمِعْتُمْ، أوِ اسْمَعُوا وأطِيعُوا. لِأنَّ فائِدَةَ السَّماعِ الطّاعَةُ، قالَهُ المُفَضَّلُ. والمَعْنى في هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ قَرِيبٌ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: مَعْنى اسْمَعُوا: افْهَمُوا. وقِيلَ: اعْمَلُوا، ووَجَّهَهُ أنَّ السَّمْعَ يُسْمَعُ بِهِ، ثُمَّ يُتَخَيَّلُ، ثُمَّ يُعْقَلُ، ثُمَّ يُعْمَلُ بِهِ إنْ كانَ مِمّا يَقْتَضِي عَمَلًا. ولَمّا كانَ السَّماعُ مُبْتَدَأً، والعَمَلُ غايَةً، وما بَيْنَهُما وسائِطَ، صَحَّ أنْ يُرادَ بَعْضُ الوَسائِطِ، وصَحَّ أنْ يُرادَ بِهِ الغايَةُ.
(قالُوا): هَذا مِنَ الِالتِفاتِ، إذْ لَوْ جاءَ عَلى الخِطابِ لَقالَ: قُلْتُمْ.
﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾: ظاهِرُهُ أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مَقُولَةٌ، ونَطَقُوا بِذَلِكَ مُبالَغَةً في التَّعَنُّتِ والعِصْيانِ. ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: كانُوا إذا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وإذا نَظَرُوا إلى الكِتابِ قالُوا: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ . وقِيلَ: القَوْلُ هُنا مَجازٌ، ولَمْ يَنْطِقُوا بِشَيْءٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، ولَكِنْ لَمّا لَمْ يَقْبَلُوا شَيْئًا مِمّا أُمِرُوا بِهِ، جُعِلُوا كالنّاطِقِينَ بِذَلِكَ. وقِيلَ: يُعَبَّرُ بِالقَوْلِ لِلشَّيْءِ عَمّا يُفْهَمُ بِهِ مِن حالِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ نُطْقٌ. وقِيلَ: المَعْنى سَمِعْنا بِآذانِنا وعَصَيْنا بِقُلُوبِنا، وهَذا راجِعٌ لِما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: قالُوا سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ. فَإنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ طابَقَ قَوْلُهُ جَوابَهم ؟ قُلْتُ: طابَقَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ قالَ لَهُمُ اسْمَعُوا، ولْيَكُنْ سَماعُكم سَماعَ تَقَبُّلٍ وطاعَةٍ، فَقالُوا سَمِعْنا ولَكِنْ لا سَماعَ طاعَةٍ، انْتَهى كَلامُهُ. والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ، لِأنّا لا نَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ مَعَ إمْكانِ حَمْلِ الشَّيْءِ عَلى ظاهِرِهِ، لا سِيَّما إذا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى خِلافِهِ.
﴿وأُشْرِبُوا﴾: عَطْفٌ عَلى قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا. فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قالُوا، أيْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ، قُلْتُمْ كَذا وكَذا وأُشْرِبْتُمْ، أوْ عَطْفٌ مُسْتَأْنِفٌ لا داخِلٌ في بابِ الِالتِفاتِ، بَلْ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهم بِما صَدَرَ مِنهم مَن عِبادَةِ العِجْلِ، أوِ الواوُ لِلْحالِ، أيْ وقَدْ أُشْرِبُوا والعامِلُ قالُوا، ولا يَحْتاجُ الكُوفِيُّونَ إلى تَقْدِيرِ قَدْ في الماضِي الواقِعِ حالًا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ.
﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾: ذَكَرَ مَكانَ الإشْرابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ﴾ [النساء: ١٠] .
(العِجْلَ): هو عَلى حَذْفِ مُضافَيْنِ، أيْ حُبَّ عِبادَةِ العِجْلِ مِن قَوْلِكَ: أشْرَبْتُ زَيْدًا ماءً، والإشْرابُ مُخالَطَةُ المائِعِ الجامِدَ، وتُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ في اللَّوْنَيْنِ، قالُوا: وأشْرَبْتُ البَياضَ حُمْرَةً، أيْ خَلَطْتُها بِالحُمْرَةِ، (p-٣٠٩)ومَعْناهُ أنَّهُ داخَلَهم حُبُّ عِبادَتِهِ، كَما داخَلَ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، وأنْشَدُوا:
؎إذا ما القَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شَيْءٍ فَلا تَأْمَلْ لَهُ عَنْهُ انْصِرافا
وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقالُ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ كَذا، أيْ حَلَّ مَحَلَّ الشَّرابِ ومازَجَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْ حُبِّ العِجْلِ بِالشُّرْبِ دُونَ الأكْلِ؛ لِأنَّ شُرْبَ الماءِ يَتَغَلْغَلُ في الأعْضاءِ حَتّى يَصِلَ إلى باطِنِها، ولِهَذا قالَ بَعْضُهم:
؎جَرى حُبُّها مَجْرى دَمِي في مَفاصِلِي ∗∗∗ فَأصْبَحَ لِي عَنْ كُلِّ شُغْلٍ بِها شُغْلُ
وأمّا الطَّعامُ فَقالُوا: وهو مُجاوِرٌ لَها، غَيْرُ مُتَغَلْغِلٍ فِيها، ولا يَصِلُ إلى القَلْبِ مِنهُ إلّا يَسِيرٌ، وقالَ:
؎تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فُؤادِي ∗∗∗ فَبادِيهِ مَعَ الخافِي يَسِيرُ
وحَسُنَ حَذْفُ ذَيْنِكَ المُضافَيْنِ، وأُسْنِدَ الإشْرابُ إلى ذاتِ العِجْلِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ بِصُورَتِهِ أُشْرِبُوهُ، وإنْ كانَ المَعْنى عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ الحَذْفِ. وقِيلَ: مَعْنى أُشْرِبُوا: أيْ شَدَّ في قُلُوبِهِمْ حُبُّ العِجْلِ لِشَغَفِهِمْ بِهِ، مِن أشْرَبْتُ البَعِيرَ: إذا شَدَدْتَ حَبْلًا في عُنُقِهِ. وقِيلَ: هو مِنَ الشُّرْبِ حَقِيقَةً، وذَلِكَ أنَّهُ نُقِلَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَرَدَ العِجْلَ بِالمِبْرَدِ ورَماهُ في الماءِ وقالَ لَهُمُ: اشْرَبُوا، فَشَرِبَ جَمِيعُهم. فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بُرادَتُهُ عَلى شَفَتَيْهِ، وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ في قَوْلِهِ: (في قُلُوبِهِمْ) . ورُوِيَ أنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ لَهم حُبُّ العِجْلِ أصابَهم مِن ذَلِكَ الماءِ الجُبْنُ. وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ في قَوْلِهِ: وأُشْرِبُوا، دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ فُعِلَ بِهِمْ، ولا يَفْعَلُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: جاءَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِفَرْطِ وُلُوعِهِمْ بِعِبادَتِهِ، كَما يُقالُ: مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ، أوْ لِأنَّ السّامِرِيَّ وإبْلِيسَ وشَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ دَعَوْهم إلَيْهِ، ولَمّا كانَ الشُّرْبُ مادَّةً لِحَياةِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ، نُسِبَ ذَلِكَ إلى المَحَبَّةِ، لِأنَّها مادَّةٌ لِجَمِيعِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ.
(بِكُفْرِهِمْ): الظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ هو كُفْرُهُمُ السّابِقُ، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الباءُ بِمَعْنى مَعَ، يَعْنُونَ أنْ يَكُونَ لِلْحالِ، أيْ مَصْحُوبًا بِكُفْرِهِمْ، فَيَكُونَ ذَلِكَ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ.
(قُلْ) يا مُحَمَّدُ، أوْ قُلْ يا مَن يُجادِلُهم.
﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في بِئْسَ، وفي المَذاهِبِ في ما، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: بِهُو إيمانُكم، بِضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وهي لُغَةٌ، والضَّمُّ في الأصْلِ، لَكِنْ كُسِرَتْ في أكْثَرِ اللُّغاتِ لِأجْلِ كَسْرَةِ الباءِ، وعَنى بِإيمانِهِمُ الَّذِي زَعَمُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]، وأضافَ الأمْرُ إلى إيمانِهِمْ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ، كَما قالَ أصْحابُ شُعَيْبٍ: أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ؟ وقِيلَ: ثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ صاحِبُ إيمانِكم، وهو إبْلِيسُ. وقِيلَ: ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ، التَّقْدِيرُ: إيمانُكُمُ الباطِلُ، وأضافَ الإيمانَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ إيمانًا غَيْرَ صَحِيحٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلِ الإيمانُ، قالَهُ بَعْضُ مُعاصِرِينا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ بَعْدَ ما، فَإنْ كانَتْ مَنصُوبَةً، فالتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم قَتْلُ الأنْبِياءِ والعِصْيانُ وعِبادَةُ العِجْلِ، فَيَكُونُ يَأْمُرُكم صِفَةً لِلتَّمْيِيزِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا شَيْءٌ يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم، فَيَكُونُ يَأْمُرُكم صِفَةً لِلْمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ المَحْذُوفِ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا ما يَأْمُرُكم، أيِ الَّذِي يَأْمُرُكم، فَيَكُونُ يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم. والمَخْصُوصُ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ قَتْلِ الأنْبِياءِ، وكَذا وكَذا. فَيَكُونُ ما مَوْصُولَةً، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْءٌ يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم، فَيَكُونُ ما تامَّةً. وهَذا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ لِما وحْدَها مَوْضِعًا مِنَ الإعْرابِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قِيلَ: إنَّ نافِيَةٌ، وقِيلَ: شَرْطِيَّةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَشْكِيكٌ في إيمانِهِمْ، وقَدْحٌ في صِحَّةِ دَعْواهم. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ يَأْتِي الشَّرْطُ، والشّارِطُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ عَلى أحَدِ الجِهَتَيْنِ، كَما قالَ اللَّهُ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقَدْ عَلِمَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، وكَذَلِكَ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والقائِلُ (p-٣١٠)يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ أقامَ حُجَّةً لِقِياسٍ بَيِّنٍ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو يُؤَوَّلُ مِن حَيْثُ المَعْنى إلى نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَلا تَقْتُلُوا الأنْبِياءَ، ولا تُكَذِّبُوا الرُّسُلَ، ولا تَكْتُمُوا الحَقَّ. وتَقْدِيرُ الحَذْفِ الأوَّلِ أعْرَبُ وأقْوى.
﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾: نَزَلَتْ فِيما حَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عِنْدَما قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ إلّا لِإسْرائِيلَ وبَنِيهِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ: سَبَبُ نُزُولِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١]، و﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٨]، و﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ [البقرة: ٨٠]، الآياتِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ. والضَّمِيرُ في قُلْ، إمّا لِلنَّبِيِّ ﷺ وإمّا لِمَن يَنْبَغِي إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ. وفَسَّرُوا الدّارَ الآخِرَةَ بِالجَنَّةِ، قالُوا: وذَلِكَ مَعْهُودٌ في إطْلاقِها عَلى الجَنَّةِ. قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ [القصص: ٨٣] . ومَعْلُومٌ أنَّ ما يُجْعَلُ لِهَؤُلاءِ هو الجَنَّةُ، ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] . والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ نَعِيمُ الدّارِ الآخِرَةِ وحُظْوَتُها وخَيْرُها؛ لِأنَّ الدّارَ الآخِرَةَ هي مَوْضِعُ الإقامَةِ بَعْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا. وسُمِّيَتْ آخِرَةً لِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيا، أوْ هي آخِرُ ما يُسْكَنُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣] . ومَعْنى: عِنْدَ اللَّهِ، أيْ في حُكْمِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النور: ١٣] أيْ في حُكْمِهِ ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] . وقِيلَ: المُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ هُنا: المَكانَةُ والمَرْتَبَةُ والشَّرَفُ، لا المَكانُ. ومَعْنى ”خالِصَةً“: أيْ مُخْتَصَّةً بِكم، لا حَظَّ في نَعِيمِها لِغَيْرِكم. واخْتَلَفُوا في إعْرابِ ”خالِصَةً“، فَقِيلَ: نَصْبٌ عَلى الحالِ، ولَمْ يَحْكِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، فَيَكُونَ لَكم إذْ ذاكَ خَبَرُ كانَتْ، ويَكُونَ العامِلُ في الحالِ هو العامِلَ في المَجْرُورِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ إذْ ذاكَ الخَبَرَ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَقِلُّ مَعْنى الكَلامِ بِهِ وحْدَهُ. وقَدْ وهَمَ في ذَلِكَ الَمَهْدَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، إذْ قالا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ ”خالِصَةً“ عَلى الحالِ، وعِنْدَ اللَّهِ خَبَرُ كانَ. وقِيلَ: انْتِصابُ ”خالِصَةً“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، فَيَجُوزُ في لَكم أنْ يَتَعَلَّقَ بِكانَتْ؛ لِأنَّ كانَ يَتَعَلَّقُ بِها حَرْفُ الجَرِّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”خالِصَةً“ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَكم، أعْنِي نَحْوَ قَوْلِهِمْ: سَقْيًا لَكَ إذْ تَقْدِيرُهُ: لَكَ أدْعُو.
﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِخالِصَةٍ، ودُونَ هُنا لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ لِلِاخْتِصاصِ وقَطْعِ الشَّرِكَةِ. تَقُولُ: هَذا ولِيٌّ دُونَكَ، وأنْتَ تُرِيدُ لا حَقَّ فِيهِ لَكَ مَعِي ولا نَصِيبَ. وفي غَيْرِ هَذا المَكانِ يَأْتِي لِمَعْنى الِانْتِقاصِ في المَنزِلَةِ أوِ المَكانِ أوِ المِقْدارِ. والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ، وهو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ اللَّفْظِ وقَوْلِهِ: خالِصَةً. وقِيلَ: المُرادُ النَّبِيُّ ﷺ والمُسْلِمُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: قالُوا، ويُطْلَقُ النّاسُ، ويُرادُ بِهِ الرَّجُلُ الواحِدُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا عَلى مَجازٍ وتَنْزِيلِ الرَّجُلِ الواحِدِ مَنزِلَةَ الجَماعَةِ.
﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾: أيْ سَلُوهُ بِاللِّسانِ فَقَطْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِالقَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ تُمَنَّوْهُ بِقُلُوبِكم واسْألُوهُ بِألْسِنَتِكم، قالَهُ قَوْمٌ. أوْ فَسَلُوهُ بِقُلُوبِكم عَلى أرْدَأِ الحِزْبَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ مِنهم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَتُمَنَّوُا المَوْتَ، بِضَمِّ الواوِ، وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ في مِثْلِ: اخْشَوُا القَوْمَ. ويَجُوزُ الكَسْرُ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الواوِ بِواوِ: ولَوِ اسْتَطَعْنا، كَما شَبَّهُوا واوَ لَوْ بِواوِ اخْشَوْا، فَضَمُّوا، فَقالُوا: لَوِ اسْتَطَعْنا. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: فَتَمَنَّوُا المَوْتَ بِالكَسْرِ، وحَكى أبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يَزْدادَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، أنَّهُ قَرَأ: فَتَمَنَّوُا المَوْتَ، بِفَتْحِ الواوِ، وحَرَّكَها بِالفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ الضَّمَّةَ والكَسْرَةَ في الواوِ يُثْقِلانِ. وحُكِيَ أيْضًا عَنْ أبِي عَمْرٍو: اخْتِلاسُ ضَمَّةِ الواوِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم أنَّ الجَنَّةَ لَكم دُونَ غَيْرِكم. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ. وعَلَّقَ تَمَنِّيَهم عَلى شَرْطٍ مَفْقُودٍ، وهو كَوْنُهم صادِقِينَ، ولَيْسُوا بِصادِقِينَ في أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَهم دُونَ النّاسِ، فَلا يَقَعُ التَّمَنِّي. (p-٣١١)والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ التَّحَدِّي وإظْهارُ كَذِبِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ مَن أيْقَنَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، اخْتارَ أنْ يَنْتَقِلَ إلَيْها، وأنْ يَخْلُصَ مِنَ المَقامِ في دارِ الأكْدارِ، وأنْ يَصِلَ إلى دارِ القَرارِ. كَما رُوِيَ عَمَّنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَنَّةِ، كَعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وعَمّارٍ، وحُذَيْفَةَ، أنَّهم كانُوا يَخْتارُونَ المَوْتَ، وكَذَلِكَ الصَّحابَةُ كانَتْ تَخْتارُ الشَّهادَةَ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ ﷺ: «لَيْتَنِي أحْيا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أحْيا فَأُقْتَلُ» . لِما عَلِمَ مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ. وقالَ لَمّا بَلَغَهُ قَتْلُ مَن قُتِلَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ: «يا لَيْتَنِي غُودِرْتُ مَعَهم في لِحْفِ الجَبَلِ» . ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ كانَ يَتَمَنّى المَوْتَ، فَلَمّا احْتُضِرَ قالَ: حَبِيبٌ جاءَ عَلى فاقَةٍ. وعَنْ عَمّارٍ لَمّا كانَ بِصِفِّينَ قالَ: غَدًا نَلْقى الأحِبَّةَ، مُحَمَّدًا وصَحْبَهُ. وعَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بِغِلالَةٍ، فَقالَ لَهُ ابْنُهُ الحَسَنُ: ما هَذا بِزِيِّ المُحارِبِينَ، فَقالَ: يا بُنَيَّ لا يُبالِي أبُوكَ أعَلى المَوْتِ سَقَطَ أمْ عَلَيْهِ سَقَطَ المَوْتُ. وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يُنْشِدُ، وهو يُقاتِلُ الرُّومَ:
؎يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقْتِرابُها
؎طَيِّبَةٌ وبارِدٌ شَرابُها ∗∗∗ والرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنا عَذابُها
وفِي قِصَّتَيْ قَتْلِ عُثْمانَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ما يَدُلُّ عَلى اخْتِيارِهِما الشَّهادَةَ، وذَلِكَ أنَّ عُثْمانَ جاءَهُ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ فَقالُوا لَهُ: نُقاتِلُ عَنْكَ ؟ فَقالَ لَهم: لا، وكانَ لَهُ قَرِيبٌ مِن ألْفِ عَبْدٍ، فَشَهَرُوا سُيُوفَهم لَمّا هُجِمَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: مَن أغْمَدَ سَيْفَهُ فَهو حُرٌّ. فَصَبَرَ حَتّى قُتِلَ. وأمّا سَعِيدٌ، فَإنَّ المُوَكَّلِينَ بِهِ، لِما طَلَبَهُ الحَجّاجُ، لمّا شاهَدُوا مِن لِياذِ السِّباعِ بِهِ وتَمَسُّحِها بِهِ، قالُوا: لا نَدْخُلُ في إراقَةِ دَمِ هَذا الرَّجُلِ الصّالِحِ، قالُوا لَهُ: طَلَبَكَ لِيَقْتُلَكَ، فاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، ونَحْنُ نَكُونُ فِداءً. فَقالَ: لا واللَّهِ، إنِّي سَألْتُ رَبِّي الشَّهادَةَ، وقَدْ رَزَقَنِيها، واللَّهِ لا بَرِحْتُ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَغَصَّ كُلُّ إنْسانٍ بِرِيقِهِ فَماتَ مَكانَهُ وما بَقِيَ عَلى وجْهِ الأرْضِ يَهُودِيٌّ» . وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ، وأنْ يُعْلِمَهم أنَّهُ مَن تَمَنّاهُ مِنهم ماتَ. فَفَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، فَعَلِمَ اليَهُودُ صِدْقَهُ، فَأحْجَمُوا عَنْ تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللَّهِ.