Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — البقرة 2:95 – البقرة 2:120

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. البقرة 2:95
  2. البقرة 2:96
  3. البقرة 2:97
  4. البقرة 2:98
  5. البقرة 2:99
  6. البقرة 2:100
  7. البقرة 2:101
  8. البقرة 2:102
  9. البقرة 2:103
  10. البقرة 2:104
  11. البقرة 2:105
  12. البقرة 2:106
  13. البقرة 2:107
  14. البقرة 2:108
  15. البقرة 2:109
  16. البقرة 2:110
  17. البقرة 2:111
  18. البقرة 2:112
  19. البقرة 2:113
  20. البقرة 2:114
  21. البقرة 2:115
  22. البقرة 2:116
  23. البقرة 2:117
  24. البقرة 2:118
  25. البقرة 2:119
  26. البقرة 2:120

البقرة 2:95

﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾: هَذا مِنَ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، ونَظِيرُهُ مِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّبِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، وظاهِرُهُ أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَهُ دُونَ النّاسِ مِمَّنِ انْدَرَجَ تَحْتَ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾ [البقرة: ٩٤]، لا يُمْكِنُ أنْ يُتَمَنّى المَوْتَ أبَدًا، ولِذَلِكَ كانَ حَرْفُ النَّفْيِ هُنا ”لَنْ“ الَّذِي قَدِ ادُّعِيَ فِيهِ أنَّهُ يَقْتَضِي النَّفْيَ عَلى التَّأْبِيدِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أبَدًا، عَلى زَعْمِ مَنِ ادَّعى ذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ. وأمّا مَنِ ادَّعى أنَّهُ بِمَعْنى لا، فَيَكُونُ ”أبَدًا“ إذْ ذاكَ مُفِيدًا لِاسْتِغْراقِ الأزْمانِ. ويَعْنِي بِالأبَدِ هُنا: ما يُسْتَقْبَلُ مِن زَمانِ أعْمارِهِمْ. وفِي المُنْتَخَبِ ما نَصُّهُ: وإنَّما قالَ هُنا: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾، وفي الجُمُعَةِ ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ [الجمعة: ٧]؛ لِأنَّ دَعْواهم هُنا أعْظَمُ مِن دَعْواهم هُناكَ؛ لِأنَّ السَّعادَةَ القُصْوى فَوْقَ مَرْتَبَةِ الوِلايَةِ؛ لِأنَّ الثّانِيَةَ تُرادُ لِحُصُولِ الأُولى، ولَنْ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِن لا، فَجَعَلَها النَّفْيَ الأعْظَمَ. انْتَهى كَلامُهُ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ في كِتابِ: التَّحْصِيلِ مِن تَأْلِيفِهِ: وهَذِهِ المُعْجِزَةُ إنَّما كانَتْ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ بِوَفاتِهِ ﷺ ونَظِيرُ ذَلِكَ رَجُلٌ يَقُولُ لِقَوْمٍ حَدَّثَهم بِحَدِيثٍ: دَلالَةُ صِدْقِي أنْ أُحَرِّكَ يَدِي ولا يَقْدِرَ أحَدٌ مِنكم أنْ يُحَرِّكَ يَدَهُ، فَيَفْعَلَ ذَلِكَ، فَيَكُونَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ، ولا يُبْطِلَ دَلالَتَهُ إنْ حَرَّكُوا أيْدِيَهم بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ، وقَدْ قالَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ النّازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ، إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، انْتَهى كَلامُهُ. وكِلا القَوْلَيْنِ، أعْنِي قَوْلَ الَمَهْدَوِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ، مُخالِفٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ أبَدًا ظاهِرُهُ أنْ يَسْتَغْرِقَ مُدَّةَ أعْمارِهِمْ، كَما بَيَّنّا. وهَلِ امْتِناعُهم مِن تَمَنِّي المَوْتِ كانَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ كُلَّ (p-٣١٢)نَبِيٍّ عَرَضَ عَلى قَوْمِهِ أمْرًا وتَوَعَّدَهم عَلَيْهِ بِالهَلاكِ فَرَدُّوهُ تَكْذِيبًا لَهُ، فَإنَّ ما تَوَعَّدَهم بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ ؟ أوْ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ؟ أوْ لِصَرْفِ اللَّهِ إيّاهم عَنْ ذَلِكَ، كَما قِيلَ في عَدَمِ مُعارَضَةِ القُرْآنِ بِالصِّرْفَةِ ؟ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مُعَلَّلٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ . والَّذِي قَدَّمَتْهُ أيْدِيِهِمْ: تَكْذِيبُهُمُ الأنْبِياءَ، وقَتْلُهم إيّاهم، وقَوْلُهم: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقَوْلُهم: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقَوْلُهم: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ [المائدة: ٢٤]، واعْتِداؤُهم في السَّبْتِ، وسائِرُ الكَبائِرِ الَّتِي لَمْ تَصْدُرْ مِن أُمَّةٍ قَبْلَهم ولا بَعْدَهم. وهَذا التَّمَنِّي الَّذِي طُلِبَ مِنهم، ونُفِيَ عَنْهم، لَمْ يَقَعْ أصْلًا مِنهم، إذْ لَوْ وقَعَ لَنُقِلَ، ولَتَوَفَّرَتْ دَواعِي المُخالِفِينَ لِلْإسْلامِ عَلى نَقْلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في تَفْسِيرِ التَّمَنِّي، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَعْنِي بِهِ هُنا العَمَلَ القَلْبِيَّ؛ لِأنَّهُ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، فَلا يُتَحَدّى بِهِ، وإنَّما عَنى بِهِ القَوْلَ اللِّسانِيَّ كَقَوْلِكَ: لَيْتَ الأمْرَ يَكُونُ. ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ لِقائِلٍ ذَلِكَ تَمَنّى ؟ وتُسَمّى لَيْتَ كَلِمَةَ تَمَنٍّ، ولَمْ يُنْقَلْ أيْضًا أنَّهم قالُوا: تَمَنَّيْنا ذَلِكَ بِقُلُوبِنا، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ امْتِناعُهم مِنَ الإخْبارِ أنَّهم تَمَنَّوْا بِقُلُوبِهِمْ كَوْنَهم لا يُصَدَّقُونَ في ذَلِكَ، لِأنَّهم قَدْ قاوَلُوا المُسْلِمِينَ بِأشْياءَ لا يُصَدِّقُونَهم فِيها، مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، وتَحْرِيفِ كِتابِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: أنَّ المُؤْمِنَ يَقُولُ: إنَّ الجَنَّةَ لَهُ، ومَعَ ذَلِكَ لَيْسَ يَتَمَنّى المَوْتَ. وأجابَ: بِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِنَفْسِهِ مِنَ المَنزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ مِنِ ادِّعاءِ بُنُوَّةٍ ومَحَبَّةٍ مِنَ اللَّهِ لَهم ما جَعَلَتْهُ اليَهُودُ؛ لِأنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، غَيْرَ الأنْبِياءِ، لا يَزُولُ عَنْهم خَوَّفُ الخاتِمَةِ. والخاطِئُ مِنهم مُفْتَقِرٌ إلى زَمانٍ يَتَدارَكُ فِيهِ تَكْفِيرَ خَطَئِهِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَمَنَّ المُؤْمِنُونَ المَوْتَ. ولِذَلِكَ كانَ المُبَشَّرُونَ بِالجَنَّةِ يَتَمَنَّوْنَهُ. وذَكَرُوا في ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِما قَدَّمَتْ﴾، أنَّها تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً، والظّاهِرُ أنَّها مَوْصُولٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وهي كِنايَةٌ عَمّا اجْتَرَحُوهُ مِنَ المَعاصِي السّابِقَةِ. ونُسِبَ التَّقْدِيمُ لِلْيَدِ مَجازًا، والمَعْنى بِما قَدَّمُوهُ، إذْ كانَتِ اليَدُ أكْثَرَ الجَوارِحِ تَصَرُّفًا في الخَيْرِ والشَّرِّ. وكَثُرَ هَذا الِاسْتِعْمالُ في القُرْآنِ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] . وقِيلَ: المُرادُ اليَدُ حَقِيقَةً هُنا، والَّذِي قَدَّمَتْهُ أيْدِيهِمْ هو تَغْيِيرُ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ ذَلِكَ بِكِتابَةِ أيْدِيهِمْ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: هَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، ومَعْناها: التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، وعِلْمُ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِالظّالِمِ وغَيْرِ الظّالِمِ. فالِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الظّالِمِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الوَعِيدِ. وقِيلَ: مَعْناهُ مُجازِيهِمْ عَلى ظُلْمِهِمْ، فَكَنّى بِالعِلْمِ عَنِ الجَزاءِ، وعُلِّقَ العِلْمُ بِالوَصْفِ لِيَدُلَّ عَلى العُلِّيَّةِ، والألِفُ واللّامُ في الظّالِمِينَ لِلْعَهْدِ، فَتَخْتَصُّ بِاليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، أوْ لِلْجِنْسِ، فَتَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. وإنَّما ذَكَرَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ هو تَجاوُزُ ما حَدَّ اللَّهُ، ولا شَيْءَ أبْلَغُ في التَّعَدِّي مِنِ ادِّعاءِ خُلُوصِ الجَنَّةِ لِمَن لَمْ يَتَلَبَّسْ بِشَيْءٍ مِن مُقْتَضَياتِها، وانْفِرادِهِ بِذَلِكَ دُونَ النّاسِ. ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾: الخِطابُ هُنا لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَجَدَ هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما الضَّمِيرُ، والثّانِي ”أحْرَصَ النّاسِ“ . وإذا تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ كانَتْ بِمَعْنى عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] . وكَوُنُها هُنا تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، هو قَوْلُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجَدَ هُنا بِمَعْنى لَقِيَ وأصابَ، ويَكُونَ انْتِصابُ أحْرَصَ عَلى الحالِ، لَكِنْ لا يَتِمُّ هَذا إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّ إضافَةَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ بِمَحْضَةٍ، وهو قَوْلُ الفارِسِيِّ. وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ مِن أصْحابِنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ. أمّا مَن قالَ بِأنَّها مَحْضَةٌ، ولا يُجِيزُ في الحالِ أنْ تَأْتِيَ مَعْرِفَةً، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُ في أحْرَصَ النَّصْبُ عَلى الحالِ. و”أحْرَصَ“ هُنا هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وهي مُؤَوَّلَةٌ. بِمَعْنى مِن، وقَدْ أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، فَيَجُوزُ فِيها الوَجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُفْرَدَ مُذَكَّرُهُ، وإنْ كانَتْ جارِيَةً عَلى فَرْدٍ ومُثَنًّى ومَجْمُوعٍ، ومُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ. والثّانِي: أنْ يُطابِقَ ما قَبْلَها. فَمِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ ”أحْرَصَ النّاسِ“ ولَوْ جاءَ عَلى المُطابَقَةِ، لَكانَ أحارِصَ النّاسِ، أوْ أحْرَصِي النّاسِ. ومِنَ الوَجْهِ الثّانِي قَوْلُهُ: ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ [الأنعام: ١٢٣]، (p-٣١٣)كِلا الوَجْهَيْنِ فَصِيحٌ. وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ أنَّ المُطابَقَةَ أفْصَحُ مِنَ الإفْرادِ. وذَهَبَ ابْنُ السَّرّاجِ إلى تَعَيُّنِ الإفْرادِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. وإذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ، كَهَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ما يُضافُ إلَيْهِ، ولِذَلِكَ مَنَعَ البَصْرِيُّونَ: يُوسُفُ أحْسَنُ إخْوَتِهِ، عَلى أنْ يَكُونَ أحْسَنُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وتَأوَّلُوا ما ورَدَ مِمّا يُشْبِهُهُ، وشَذَّ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎يا رَبَّ مُوسى أظْلَمِي وأظْلَمَهُ يُرِيدُ: أظْلَمْنا حَيْثُ لَمْ يَضِلُّ أظْلَمَ إلى ما هو بَعْضُهُ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ولَتَجِدَنَّهم عائِدٌ عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ، أوْ عَلى جَمِيعِ اليَهُودِ، أوْ عَلى عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. وأتى بِصِيغَةِ أفْعَلَ مِنَ الحِرْصِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ طَلَبِهِمْ لِلْبَقاءِ ودَوامِ الحَياةِ. والنّاسُ: الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ فَتَعُمُّ، أوْ لِلْعَهْدِ. إمّا لِأنْ يَكُونَ المُرادُ جَماعَةً مِنَ النّاسِ مَعْرُوفِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الحِرْصُ عَلى الحَياةِ، أوْ لِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ المَجُوسَ، أوْ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ لا يُوقِنُونَ بِبَعْثٍ، فَلَيْسَ عِنْدَهم إلّا نَعِيمُ الدُّنْيا، أوْ بُؤْسُها، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: ؎تَمَتَّعْ مِنَ الدُّنْيا فَإنَّكَ فانِ ∗∗∗ مِنَ النَّشَواتِ والنِّسا الحِسانِ وقالَ آخَرُ: ؎إذا انْقَضَتِ الدُّنْيا وزالَ نَعِيمُها ∗∗∗ فَما لِيَ في شَيْءٍ سِوى ذاكَ مَطْمَعُ ﴿عَلى حَياةٍ﴾: قَدَّرُوا فِيهِ أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ عَلى طُولِ حَياةٍ، أوْ عَلى حَذْفِ صِفَةٍ، أيْ عَلى حَياةٍ طَوِيلَةٍ. ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ حَذْفٌ لَصَحَّ المَعْنى، وهو أنْ يَكُونَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى مُطْلَقِ حَياةٍ؛ لِأنَّ مَن كانَ أحْرَصَ عَلى مُطْلَقِ حَياةٍ، وهو تَحَقُّقُها بِأدْنى زَمانٍ، فَلِأنْ يَكُونَ أحْرَصَ عَلى حَياةٍ طَوِيلَةٍ أوْلى، وكانُوا قَدْ ذُمُّوا بِأنَّهم أشَدُّ النّاسِ حِرْصًا عَلى حَياةٍ، ولَوْ ساعَةً واحِدَةً. وقَرَأ أُبَيٌّ: عَلى الحَياةِ، بِالألِفِ واللّامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مَعْناهُ: قِراءَةُ التَّنْكِيرِ أبْلَغُ مِن قِراءَةِ أُبَيٍّ؛ لِأنَّهُ أرادَ حَياةً مَخْصُوصَةً، وهي الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ. انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا يُضْطَرُّ إلى هَذِهِ الصِّفَةِ. ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا داخِلًا تَحْتَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحَمْلِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى أحْرَصَ النّاسِ: أحْرَصُ مِنَ النّاسِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الحَذْفِ، أيْ وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَحُذِفَ أحْرَصُ لِدَلالَةِ أحْرَصَ الأوَّلِ عَلَيْهِ. والَّذِينَ أشْرَكُوا: المَجُوسُ، لِعِبادَتِهِمُ النُّورَ والظُّلْمَةَ. وقِيلَ: النّارَ، أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ لِعِبادَتِهِمُ الأصْنامَ واتِّخاذِهِمْ آلِهَةً مَعَ اللَّهِ أوْ قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١] . وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ، إذا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ”أحْرَصَ النّاسِ“ عامٌّ، ويَكُونُ في ذَلِكَ أعْظَمُ تَوْبِيخٍ لِلْيَهُودِ، إذْ هم أهْلُ كِتابٍ يَرْجُونَ ثَوابًا ويَخافُونَ عِقابًا، وهم مَعَ ذَلِكَ أحْرَصُ مِمَّنْ لا يَرْجُو ذَلِكَ ولا يُؤْمِنُ بِبَعْثٍ. وإنَّما كانَ حِرْصُهم أبْلَغَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى العِقابِ، فَكانُوا أحَبَّ النّاسِ في البُعْدِ مِنهُ؛ لِأنَّ مَن تَوَقَّعَ شَرًّا كانَ أنْفَرَ النّاسِ عَنْهُ، فَلَمّا كانَتِ الحَياةُ سَبَبًا في تَباعُدِ العِقابِ، كانُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلَيْها. وعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ مِنِ اتِّصالٍ، ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ مِن؛ لِأنَّ أحْرَصَ النّاسِ جَرى عَلى اليَهُودِ، فَلَوْ عَطَفْتَ بِغَيْرِ مِن لَكانَ مَعْطُوفًا عَلى النّاسِ، فَيَكُونُ في المَعْنى: ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَكانَ أفْعَلُ يُضافُ إلى غَيْرِ ما انْدَرَجَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ لَيْسُوا مِنَ المُشْرِكِينَ، أعْنِي المُشْرِكِينَ الَّذِينَ فُسِّرَ بِهِمُ الَّذِينَ أشْرَكُوا هُنا، لا إذا قُلْنا: إنِ الثَّوانِيَ في العَطْفِ يَجُوزُ فِيها ما لا يَجُوزُ في الأوائِلِ، فَإنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ولَتَجِدَنَّهم، أيْ ولَتَجِدَنَّهم وطائِفَةً مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ، فَيَكُونُ في (p-٣١٤)الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. فَهو مَعْنًى يَصِحُّ، لَكِنَّ اللَّفْظَ والتَّرْكِيبَ يَنْبُو عَنْهُ ويُخْرِجُهُ عَنِ الفَصاحَةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، لا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن يَخُصُّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ بِالضَّرُورَةِ. وهَذا البَحْثُ كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الواوُ في: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ لِعَطْفِ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ، وأمّا إذا كانَتْ لِعَطْفِ الجُمَلِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مُنْقَطِعًا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويَكُونُ ابْتِداءَ إخْبارٍ عَنْ قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوَدُّونَ طُولَ الحَياةِ أيْضًا. وتَقَدَّمَ أنَّ المَعْنِيَّ بِالَّذِينَ أشْرَكُوا: أهُمُ المَجُوسُ ؟ أمْ مُشْرِكُو العَرَبِ ؟ أمْ قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ في الوَجْهِ الأوَّلِ ؟ وأمّا عَلى أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ، فَقالابْنُ عَطِيَّةَ: هُمُ المَجُوسُ؛ لِأنَّ تَشْمِيتَهم لِلْعاطِسِ بِلُغَتِهِمْ مَعْناهُ: عِشْ ألْفَ سَنَةٍ. وفي هَذا القَوْلِ تَشْبِيهٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ الفِرْقَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ. انْتَهى كَلامُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِينَ أشْرَكُوا عَلى هَذا، أيْ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، مُشارٌ بِهِ إلى اليَهُودِ، لِأنَّهم قالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. انْتَهى كَلامُهُ. فَعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ قَدْ أخْبَرَ أنَّ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ الَّتِي اشْتَدَّ حِرْصُها عَلى الحَياةِ مَن (يَوَدُّ) لَوْ عُمِّرَ ألْفَ سَنَةٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهايَةً في تَمَنِّي طُولِ الحَياةِ، ويَكُونُ الَّذِينَ أشْرَكُوا مِن وُقُوعِ الظّاهِرِ المُشْعِرِ بِالعِلْيَةِ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، إذِ المَعْنى: ومِنهم قَوْمٌ يَوَدُّ أحَدُهم، ويَوَدُّ أحَدُهم صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا قَوْمٌ يَوَدُّ أحَدُهم، وهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَجُوزُ حَذْفُ المَوْصُوفِ فِيها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، وكَقَوْلِ العَرَبِ: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ، وعَلى أنْ تَكُونَ الواوُ في ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ لِعَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، قالُوا: ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ وادًّا أحَدُهم، قالُوا: ويَكُونُ حالًا مِنَ الَّذِينَ، فَيَكُونُ العامِلُ ”أحْرَصَ“ المَحْذُوفَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في أشْرَكُوا، فَيَكُونُ العامِلُ أشْرَكُوا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ولَتَجِدَنَّهم، أيْ ولَتَجِدَنَّهُمُ الأحْرَصِينَ عَلى الحَياةِ وادًّا أحَدُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ عَنْهم يُبَيِّنُ حالَ أمْرِهِمْ في ازْدِيادِ حِرْصِهِمْ عَلى الحَياةِ. (أحَدُهم): أيُّ واحِدٍ مِنهم، ولَيْسَ أحَدٌ هُنا هو الَّذِي في قَوْلِهِمْ ما قامَ أحَدٌ؛ لِأنَّ هَذا مُسْتَعْمَلٌ في النَّفْيِ أوْ ما جَرى مَجْراهُ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ أحَدًا هَذا أُصُولُهُ هَمْزَةٌ وحاءٌ ودالٌ، وأُصُولُ ذَلِكَ واوٌ وحاءٌ ودالٌ. فالهَمْزَةُ في أحَدُهم بَدَلٌ مِن واوٍ، ولا يُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾ أيْ يَوَدُّ واحِدٌ مِنهم دُونَ سائِرِهِمْ، وإنَّما أحَدُهم هُنا عامٌّ عُمُومَ البَدَلِ، أيْ هَذا الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِوُدِّهِمْ أنْ يُعَمَّرُوا ألْفَ سَنَةٍ، هو يَتَناوَلُ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ مِنهم عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ. فَكانَ المَعْنى أنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى حِرْصِ واحِدٍ مِنهم، وشِدَّةِ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِطُولِ الحَياةِ، وجَدْتَهُ لَوْ عُمِّرَ ألْفَ سَنَةٍ. ﴿لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾: مَفْعُولُ الوِدادَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَوَدُّ أحَدُهم طُولَ العُمْرِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ لَسُرَّ بِذَلِكَ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ يَوَدُّ لِدَلالَةِ لَوْ يُعَمَّرُ عَلَيْهِ، وحُذِفَ جَوابُ لَوْ لِدَلالَةِ يَوَدُّ عَلَيْهِ. هَذا هو الجارِي عَلى قَواعِدِ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا المَكانِ. وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ وغَيْرُهم في مِثْلِ هَذا إلى أنَّ لَوْ هُنا مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى أنْ، فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها مَصْدَرٌ هو مَفْعُولُ يَوَدُّ، كَأنَّهُ قالَ: يَوَدُّ أحَدُهم تَعْمِيرَ ألْفِ سَنَةٍ. فَعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ مَحَلُّ إعْرابٍ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي مَحَلُّهُ نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِ، كَما ذَكَرْنا، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ هو مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ اتَّصَلَ لَوْ يُعَمَّرُ بِيَوَدُّ أحَدُهم ؟ قُلْتُ: هو حِكايَةٌ لِوِدادَتِهِمْ، ولَوْ في مَعْنى التَّمَنِّي، وكانَ القِياسُ لَوْ أُعَمِّرُ، إلّا أنَّهُ جَرى عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ لِقَوْلِهِ: يَوَدُّ أحَدُهم، كَقَوْلِهِمْ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ. انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ بَعْضُ إبْهامٍ، وذَلِكَ أنَّ ”يَوَدُّ“ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ، ولَيْسَ فِعْلًا قَوْلِيًّا، ولا مَعْناهُ مَعْنى القَوْلِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، (p-٣١٥)فَكَيْفَ تَقُولُ هو حِكايَةٌ لِوِدادَتِهِمْ ؟ إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُسَوَّغُ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ، وذَلِكَ أنْ يُجْرِيَ يَوَدُّ مُجْرى يَقُولُ؛ لِأنَّ القَوْلَ يَنْشَأُ عَنِ الأُمُورِ القَلْبِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يَقُولُ أحَدُهم عَنْ وِدادَةٍ مِن نَفْسِهِ لَوْ أُعَمِّرُ ألْفَ سَنَةٍ. ولا تَحْتاجُ لَوْ، إذا كانَتْ لِلتَّمَنِّي، إلى جُمْلَةٍ جَوابِيَّةٍ، لِأنَّ مَعْناها مَعْنى: يا لَيْتَنِي أُعَمِّرُ، وتَكُونُ إذْ ذاكَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ عَلى طَرِيقِ الحِكايَةِ. فَتَلَخَّصَ بِما قَرَّرْناهُ في لَوْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أنْ تَكُونَ حَرْفًا لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ لِلتَّمَنِّي مَحْكِيَّةً. ومَعْنى ”ألْفَ سَنَةٍ“: العُمْرُ الطَّوِيلُ في أبْناءِ جِنْسِهِ، فَيَكُونُ ”ألْفَ سَنَةٍ“ كِنايَةً عَنِ الزَّمانِ الطَّوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ألْفَ سَنَةٍ حَقِيقَةً، وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَعِيشُ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ التَّمَنِّيَ يَقَعُ عَلى الجائِزِ والمُسْتَحِيلِ عادَةً أوْ عَقْلًا، فَيَكُونُ هَذا مَعْناهُ أنَّهم لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ في ازْدِيادِ الحَياةِ يَتَعَلَّقُ تَمَنِّيهم في ذَلِكَ بِما لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عادَةً. ﴿وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾: الضَّمِيرُ مِن قَوْلِهِ: و”ما هو“ عائِدٌ عَلى أحَدِهِمْ، وهو اسْمُ ما، وبِمُزَحْزِحِهِ خَبَرُ ما فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ. وعَلى ذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ، و”أنْ يُعَمَّرَ“ فاعِلُ بِمُزَحْزِحِهِ، أيْ وما أحَدُهم مُزَحْزِحُهُ مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ. وجَوَّزُوا أيْضًا في هَذا الوَجْهِ، أعْنِي: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى ”أحَدُهم“، أنْ يَكُونَ هو مُبْتَدَأً، وبِمُزَحْزِحِهِ خَبَرًا. وأنْ يُعَمَّرَ فاعِلَ بِمُزَحْزِحِهِ، فَتَكُونَ ما تَمِيمِيَّةً. وهَذا الوَجْهُ، أعْنِي: أنْ تَكُونَ ما تَمِيمِيَّةً هو الَّذِي ابْتَدَأ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ. وأجازُوا أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرًا عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾، وأنْ يُعَمَّرَ بَدَلٌ مِنهُ، وارْتِفاعُ هو عَلى وجْهَيْهِ مِن كَوْنِهِ اسْمَ ما أوْ مُبْتَدَأً. وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ التَّعْمِيرِ، وأنْ يُعَمَّرَ بَدَلٌ مِنهُ، ولا يَعُودُ هو عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ والَّذِي قَبْلَهُ، أنَّ مُفَسِّرِ الضَّمِيرِ هُنا هو البَدَلُ، ومُفَسِّرُهُ في القَوْلِ الأوَّلِ هو المَصْدَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ في لَوْ يُعَمَّرُ. وكَوْنُ البَدَلِ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ فِيهِ خِلافٌ، ولا خِلافَ في تَفْسِيرِ الضَّمِيرِ بِالمَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ السّابِقِ. فَهَذا يُفَسِّرُهُ ما قَبْلَهُ، وذاكَ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. وهَذا الَّذِي عَنى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو مُبْهَمًا، وأنْ يُعَمَّرَ مُوَضِّحَهُ. يَعْنِي: أنْ يَكُونَ هو لا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وأنْ يُعَمَّرَ بَدَلٌ مِنهُ وهو مُفَسِّرٌ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في الحَلَبِيّاتِ أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وهَذا مَيْلٌ مِنهُ إلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّ مُفَسِّرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وهو المُسَمّى عِنْدَهم بِالمَجْهُولِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ جُمْلَةٍ إذا انْتَظَمَ إسْنادًا مَعْنَوِيًّا نَحْوَ: ظَنَنْتُهُ قائِمًا زَيْدًا، وما هو بِقائِمٍ زَيْدٌ، فَهو مُبْتَدَأٌ ضَمِيرٌ مَجْهُولٌ عِنْدَهم، وبِقائِمٍ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وزَيْدٌ فاعِلٌ بِقائِمٍ. وكانَ المَعْنى عِنْدَهم: ما هو يَقُومُ زَيْدٌ، ولِذَلِكَ أعْرَبُوا في: ظَنَنْتُهُ قائِمًا زَيْدًا، الهاءَ ضَمِيرَ المَجْهُولِ، وهي مَفْعُولُ ظَنَنْتُ، وقائِمًا المَفْعُولُ الثّانِي، وزَيْدٌ فاعِلٌ بِقائِمٍ. ولا يَجُوزُ في مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُفَسَّرَ إلّا بِجُمْلَةٍ مُصَرَّحٍ بِجُزْأيْها سالِمَةٍ مِن حَرْفِ جَرٍّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: هو عِمادٌ. انْتَهى كَلامُهُ، ويَحْتاجُ (p-٣١٦)إلى تَفْسِيرٍ، وذَلِكَ أنَّ العِمادَ في مَذْهَبِ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ مَعَ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ، فَإذا قُلْتَ: ما زَيْدٌ هو القائِمُ، جَوَّزُوا أنْ تَقُولَ: ما هو القائِمُ زَيْدٌ. فَتَقْدِيرُ الكَلامِ عِنْدَهم، وما تَعْمِيرُهُ هو بِمُزَحْزِحِهِ. ثُمَّ قُدِّمَ الخَبَرُ مَعَ العِمادِ، فَجاءَ: وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ، أيْ تَعْمِيرَهُ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ شَرْطَ الفَصْلِ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا. وتَلَخَّصَ في هَذا الضَّمِيرِ: أهُوَ عائِدٌ عَلى ”أحَدُهم“ ؟ أوْ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن يُعَمَّرُ ؟ أوْ عَلى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ أنْ يُعَمَّرَ ؟ أوْ هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ ؟ أوْ عِمادٌ ؟ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، أظْهَرُها الأوَّلُ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْمَلُونَ بِالياءِ، عَلى نَسَقِ الكَلامِ السّابِقِ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ والأعْرَجُ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ، عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ والخُرُوجِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ، وأتى هُنا بِصِفَةِ بَصِيرٍ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى مُتَنَزِّهًا عَنِ الجارِحَةِ، إعْلامًا بِأنَّ عِلْمَهُ - بِجَمِيعِ الأعْمالِ - عِلْمُ إحاطَةٍ وإدْراكٍ لِلْخَفِيّاتِ. وما: في بِما، مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَعْمَلُونَهُ. وجَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ بِعَمَلِهِمْ، وأتى بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وإنْ كانَ عِلْمُهُ تَعالى مُحِيطًا بِأعْمالِهِمُ السّالِفَةِ والآتِيَةِ لِتَواخِي الفَواصِلِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ الِامْتِنانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وتَذْكارَهم بِنِعَمِ اللَّهِ، إذْ آتى مُوسى التَّوْراةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى الهُدى والنُّورِ، ووالى بَعْدَهُ بِالرُّسُلِ لِتَجْدِيدِ دِينِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ، وآتى عِيسى الأُمُورَ الخارِقَةَ، مِن إحْياءِ الأمْواتِ، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وإيجادِ المَخْلُوقِ، ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، والإنْباءِ بِالمُغَيَّباتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وأيَّدَهُ بِمَن يُنْزِلُ الوَحْيَ عَلى يَدَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ مَعَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ والنِّعَمِ كانُوا أبْعَدَ النّاسِ عَنْ قَبُولِ ما يَأْتِيهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكانُوا بِحَيْثُ إذا جاءَهم رَسُولٌ بِما لا يُوافِقُهم، بادَرُوا إلى تَكْذِيبِهِ، أوْ قَتَلُوهُ، وهم غَيْرُ مُكْتَرِثِينَ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَرائِمِ، حَتّى حُكِيَ أنَّهم في أثَرِ قَتْلِهِمُ الجَماعَةَ مِنَ الأنْبِياءِ، تَقُومُ سُوقُ البَقْلِ بَيْنَهم، الَّتِي هي أرْذَلُ الأسْواقِ، فَكَيْفَ بِالأسْواقِ الَّتِي تُباعُ فِيها الأشْياءُ النَّفِيسَةُ ؟ ثُمَّ نَعى تَعالى عَلَيْهِمْ أنَّهم باقُونَ عَلى تِلْكَ العادَةِ مِن تَكْذِيبِ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنْ كانُوا قَبْلَ مَجِيئِهِ بِهِ يَذْكُرُونَ أنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ. فَحِينَ وافاهم ما كانُوا يَنْتَظِرُونَهُ ويَعْرِفُونَهُ، كَفَرُوا بِهِ، فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ. وأنَّ سَبَبَ طَرْدِهِمْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ هو ما سَبَقَ مِن كُفْرِهِمْ، وأنَّ إيمانَهم كانَ قَلِيلًا، إذْ كانُوا قَبْلَ مَجِيءِ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ سَيَأْتِي كِتابٌ. ثُمَّ أخَذَ في ذِكْرِ ذَمِّهِمْ، أنْ باعُوا أنْفُسَهُمُ النَّفِيسَةَ بِما يَتَرَتَّبُ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ مِنَ المَآكِلِ والرِّياساتِ المُنْقَضِيَةِ في الزَّمَنِ اليَسِيرِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى ذَلِكَ هو البَغْيُ والحَسَدُ، لِأنِ اخْتَصَّ اللَّهُ بِفَضْلِهِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، فَلَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِهِ ولا بِاخْتِيارِهِ، فَباءُوا بِالغَضَبِ مِنَ اللَّهِ، وأعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ العَذابَ الَّذِي يُذِلُّهم ويُهِينُهم. إذْ كانَ امْتِناعُهم مِنَ الإيمانِ، إنَّما هو لِلتَّكَبُّرِ والحَسَدِ وعَدَمِ الرِّضا بِالقَدَرِ، فَناسَبَ ذَلِكَ أنْ يُعَذَّبُوا العَذابَ الَّذِي فِيهِ صَغارٌ لَهم وذِلَّةٌ وإهانَةٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم، أنَّهم إذا عُرِضَ عَلَيْهِمُ الإيمانُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، أجابُوا أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ، وأنَّهم يَكْفُرُونَ بِما سِواها. هَذا والكُتُبُ المُنَزَّلَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ سَواءٌ، إذْ كُلُّها حَقٌّ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا. فالكُفْرُ بِبَعْضِها كُفْرٌ بِجَمِيعِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]، وذَلِكَ بِأنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ، والتَّوْراةُ ناطِقَةٌ بِاتِّباعِ الأنْبِياءِ والِاقْتِداءِ بِهِمْ، فَقَدْ خالَفَ قَوْلَهم فِعْلُهم. ثُمَّ كَرَّرَ عَلَيْهِمْ - تَوْبِيخًا لَهم - أنَّ مُوسى الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةَ، وأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِها، قَدْ جاءَهم بِالأشْياءِ الواضِحَةِ والمُعْجِزاتِ الخارِقَةِ، مِن نَجاتِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ، وفَلْقِ البَحْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَعَ ذَلِكَ اتَّخَذُوا مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى مُناجاةِ رَبِّهِ إلَهًا مِن أبْعَدِ الحَيَوانِ ذِهْنًا وأبْلَدِها، وهو العِجْلُ المَصْنُوعُ مِن حُلِيِّهِمْ، المُشاهَدُ إنْشاؤُهُ وعَمَلُهُ، ومُوسى لَمْ يَمُتْ بَعْدُ، وكِتابُ اللَّهِ طَرِيٌّ نُزُولُهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يَتَقادَمْ عَهْدُهُ. وكَرَّرَ تَعالى ذِكْرَ رَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ لِيَقْبَلُوا ما في (p-٣١٧)التَّوْراةِ، وأُمِرُوا بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ، فَأجابُوا بِالعِصْيانِ. هَذا وهم مُلْجَئُونَ إلى الإيمانِ، أوْ كالمُلْجَئِينَ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا المُزْعِجِ العَظِيمِ مِن رَفْعِ جَبَلٍ عَلَيْهِمْ لِيُشْدَخُوا بِهِ جَدِيرٌ بِأنْ يَأْتِيَ الإنْسانُ ما أُمِرَ بِهِ، ويَقْبَلَ ما كُلِّفَ بِهِ مِنَ التَّكالِيفِ. وتَأبِّيهِمْ لِذَلِكَ، وعَدَمُ قَبُولِهِمْ، سَبَبُهُ أنَّ عِبادَةَ العِجْلِ خامَرَتْ قُلُوبَهم ومازَجَتْها، حَتّى لَمْ تَسْمَعْ قَبُولًا لِشَيْءٍ مِنَ الحَقِّ، والقَلْبُ إذا امْتَلَأ بِحُبِّ شَيْءٍ لَمْ يَسْمَعْ سِواهُ ولَمْ يُصْغِ إلى مَلامٍ، وأنْشَدُوا: ؎مَلَأْتَ بِبَعْضِ حُبِّكَ كُلَّ قَلْبِيَ ∗∗∗ فَإنْ تُرِدِ الزِّيادَةَ هاتِ قَلْبا ثُمَّ ذَمَّهم تَعالى عَلى ما أمَرَهم بِهِ إيمانُهم، ولا إيمانَ لَهم حَقِيقَةً، بَلْ نَسَبَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ واتِّخاذِهِ إلَهًا مِن دُونِ اللَّهِ. ثُمَّ كَذَّبَهم في دَعْواهم أنَّ الجَنَّةَ هي خالِصَةٌ لَهم، لا يَدْخُلُها أحَدٌ سِواهم، فَأمَرَهم بِتَمَنِّي المَوْتِ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ يَصِيرُ إلى سُرُورٍ وحُبُورٍ ولَذَّةٍ دائِمَةٍ لا تَنْقَضِي، يُؤْثِرُ الوُصُولَ إلى ذَلِكَ، وانْقِضاءَ ما هو فِيهِ مِنَ الذِّلَّةِ والنَّكَدِ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّ تَمَنِّيَ المَوْتِ لا يَقَعُ مِنهم أبَدًا، وأنَّ امْتِناعَهم مِن ذَلِكَ هو بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ مِنَ الجَرائِمِ، فَظَهَرَ كَذِبُهم في دَعْواهم بِأنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَرْشِيحًا لِما قَبْلَهُ مِن عَدَمِ تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ، أنَّهم أشَدُّ النّاسِ حِرْصًا عَلى حَياةٍ، حَتّى إنَّهم أحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالدّارِ الآخِرَةِ، ولا يَرْجُونَ ثَوابًا، ولا يَخافُونَ عِقابًا. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ أحَدَهم يَوَدُّ أنْ يُعَمَّرَ ألْفَ سَنَةٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَتَعْمِيرُهُ، وإنْ طالَ، لَيْسَ بِمُنْجِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ. ثُمَّ خَتَمَ الآياتِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى قَبائِحِ أفْعالِهِمْ، ومُجازِيهِمْ عَلَيْها. وتَبَيَّنَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ اليَهُودُ مِن فَرْطِ كَذِبِهِمْ، وتَناقُضِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، ونَقْصِ عُقُولِهِمْ، وكَثْرَةِ بُهْتِهِمْ، أعاذَنا اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وسَلَكَ بِنا أنْهَجَ المَسالِكِ.

البقرة 2:96

﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾: هَذا مِنَ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، ونَظِيرُهُ مِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّبِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، وظاهِرُهُ أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ الجَنَّةَ خالِصَةٌ لَهُ دُونَ النّاسِ مِمَّنِ انْدَرَجَ تَحْتَ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾ [البقرة: ٩٤]، لا يُمْكِنُ أنْ يُتَمَنّى المَوْتَ أبَدًا، ولِذَلِكَ كانَ حَرْفُ النَّفْيِ هُنا ”لَنْ“ الَّذِي قَدِ ادُّعِيَ فِيهِ أنَّهُ يَقْتَضِي النَّفْيَ عَلى التَّأْبِيدِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أبَدًا، عَلى زَعْمِ مَنِ ادَّعى ذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ. وأمّا مَنِ ادَّعى أنَّهُ بِمَعْنى لا، فَيَكُونُ ”أبَدًا“ إذْ ذاكَ مُفِيدًا لِاسْتِغْراقِ الأزْمانِ. ويَعْنِي بِالأبَدِ هُنا: ما يُسْتَقْبَلُ مِن زَمانِ أعْمارِهِمْ. وفِي المُنْتَخَبِ ما نَصُّهُ: وإنَّما قالَ هُنا: ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾، وفي الجُمُعَةِ ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ [الجمعة: ٧]؛ لِأنَّ دَعْواهم هُنا أعْظَمُ مِن دَعْواهم هُناكَ؛ لِأنَّ السَّعادَةَ القُصْوى فَوْقَ مَرْتَبَةِ الوِلايَةِ؛ لِأنَّ الثّانِيَةَ تُرادُ لِحُصُولِ الأُولى، ولَنْ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِن لا، فَجَعَلَها النَّفْيَ الأعْظَمَ. انْتَهى كَلامُهُ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ في كِتابِ: التَّحْصِيلِ مِن تَأْلِيفِهِ: وهَذِهِ المُعْجِزَةُ إنَّما كانَتْ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ بِوَفاتِهِ ﷺ ونَظِيرُ ذَلِكَ رَجُلٌ يَقُولُ لِقَوْمٍ حَدَّثَهم بِحَدِيثٍ: دَلالَةُ صِدْقِي أنْ أُحَرِّكَ يَدِي ولا يَقْدِرَ أحَدٌ مِنكم أنْ يُحَرِّكَ يَدَهُ، فَيَفْعَلَ ذَلِكَ، فَيَكُونَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ، ولا يُبْطِلَ دَلالَتَهُ إنْ حَرَّكُوا أيْدِيَهم بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ، وقَدْ قالَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ النّازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ، إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، انْتَهى كَلامُهُ. وكِلا القَوْلَيْنِ، أعْنِي قَوْلَ الَمَهْدَوِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ، مُخالِفٌ لِظاهِرِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ أبَدًا ظاهِرُهُ أنْ يَسْتَغْرِقَ مُدَّةَ أعْمارِهِمْ، كَما بَيَّنّا. وهَلِ امْتِناعُهم مِن تَمَنِّي المَوْتِ كانَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ كُلَّ (p-٣١٢)نَبِيٍّ عَرَضَ عَلى قَوْمِهِ أمْرًا وتَوَعَّدَهم عَلَيْهِ بِالهَلاكِ فَرَدُّوهُ تَكْذِيبًا لَهُ، فَإنَّ ما تَوَعَّدَهم بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ ؟ أوْ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ؟ أوْ لِصَرْفِ اللَّهِ إيّاهم عَنْ ذَلِكَ، كَما قِيلَ في عَدَمِ مُعارَضَةِ القُرْآنِ بِالصِّرْفَةِ ؟ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مُعَلَّلٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ . والَّذِي قَدَّمَتْهُ أيْدِيِهِمْ: تَكْذِيبُهُمُ الأنْبِياءَ، وقَتْلُهم إيّاهم، وقَوْلُهم: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقَوْلُهم: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقَوْلُهم: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ﴾ [المائدة: ٢٤]، واعْتِداؤُهم في السَّبْتِ، وسائِرُ الكَبائِرِ الَّتِي لَمْ تَصْدُرْ مِن أُمَّةٍ قَبْلَهم ولا بَعْدَهم. وهَذا التَّمَنِّي الَّذِي طُلِبَ مِنهم، ونُفِيَ عَنْهم، لَمْ يَقَعْ أصْلًا مِنهم، إذْ لَوْ وقَعَ لَنُقِلَ، ولَتَوَفَّرَتْ دَواعِي المُخالِفِينَ لِلْإسْلامِ عَلى نَقْلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ في تَفْسِيرِ التَّمَنِّي، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَعْنِي بِهِ هُنا العَمَلَ القَلْبِيَّ؛ لِأنَّهُ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، فَلا يُتَحَدّى بِهِ، وإنَّما عَنى بِهِ القَوْلَ اللِّسانِيَّ كَقَوْلِكَ: لَيْتَ الأمْرَ يَكُونُ. ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ لِقائِلٍ ذَلِكَ تَمَنّى ؟ وتُسَمّى لَيْتَ كَلِمَةَ تَمَنٍّ، ولَمْ يُنْقَلْ أيْضًا أنَّهم قالُوا: تَمَنَّيْنا ذَلِكَ بِقُلُوبِنا، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ امْتِناعُهم مِنَ الإخْبارِ أنَّهم تَمَنَّوْا بِقُلُوبِهِمْ كَوْنَهم لا يُصَدَّقُونَ في ذَلِكَ، لِأنَّهم قَدْ قاوَلُوا المُسْلِمِينَ بِأشْياءَ لا يُصَدِّقُونَهم فِيها، مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، وتَحْرِيفِ كِتابِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: أنَّ المُؤْمِنَ يَقُولُ: إنَّ الجَنَّةَ لَهُ، ومَعَ ذَلِكَ لَيْسَ يَتَمَنّى المَوْتَ. وأجابَ: بِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِنَفْسِهِ مِنَ المَنزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ مِنِ ادِّعاءِ بُنُوَّةٍ ومَحَبَّةٍ مِنَ اللَّهِ لَهم ما جَعَلَتْهُ اليَهُودُ؛ لِأنَّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، غَيْرَ الأنْبِياءِ، لا يَزُولُ عَنْهم خَوَّفُ الخاتِمَةِ. والخاطِئُ مِنهم مُفْتَقِرٌ إلى زَمانٍ يَتَدارَكُ فِيهِ تَكْفِيرَ خَطَئِهِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَمَنَّ المُؤْمِنُونَ المَوْتَ. ولِذَلِكَ كانَ المُبَشَّرُونَ بِالجَنَّةِ يَتَمَنَّوْنَهُ. وذَكَرُوا في ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِما قَدَّمَتْ﴾، أنَّها تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً، والظّاهِرُ أنَّها مَوْصُولٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وهي كِنايَةٌ عَمّا اجْتَرَحُوهُ مِنَ المَعاصِي السّابِقَةِ. ونُسِبَ التَّقْدِيمُ لِلْيَدِ مَجازًا، والمَعْنى بِما قَدَّمُوهُ، إذْ كانَتِ اليَدُ أكْثَرَ الجَوارِحِ تَصَرُّفًا في الخَيْرِ والشَّرِّ. وكَثُرَ هَذا الِاسْتِعْمالُ في القُرْآنِ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] . وقِيلَ: المُرادُ اليَدُ حَقِيقَةً هُنا، والَّذِي قَدَّمَتْهُ أيْدِيهِمْ هو تَغْيِيرُ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ ذَلِكَ بِكِتابَةِ أيْدِيهِمْ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: هَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، ومَعْناها: التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، وعِلْمُ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِالظّالِمِ وغَيْرِ الظّالِمِ. فالِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الظّالِمِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الوَعِيدِ. وقِيلَ: مَعْناهُ مُجازِيهِمْ عَلى ظُلْمِهِمْ، فَكَنّى بِالعِلْمِ عَنِ الجَزاءِ، وعُلِّقَ العِلْمُ بِالوَصْفِ لِيَدُلَّ عَلى العُلِّيَّةِ، والألِفُ واللّامُ في الظّالِمِينَ لِلْعَهْدِ، فَتَخْتَصُّ بِاليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، أوْ لِلْجِنْسِ، فَتَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ. وإنَّما ذَكَرَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ هو تَجاوُزُ ما حَدَّ اللَّهُ، ولا شَيْءَ أبْلَغُ في التَّعَدِّي مِنِ ادِّعاءِ خُلُوصِ الجَنَّةِ لِمَن لَمْ يَتَلَبَّسْ بِشَيْءٍ مِن مُقْتَضَياتِها، وانْفِرادِهِ بِذَلِكَ دُونَ النّاسِ. ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾: الخِطابُ هُنا لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَجَدَ هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما الضَّمِيرُ، والثّانِي ”أحْرَصَ النّاسِ“ . وإذا تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ كانَتْ بِمَعْنى عَلِمَ المُتَعَدِّيَةِ إلى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] . وكَوُنُها هُنا تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، هو قَوْلُ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجَدَ هُنا بِمَعْنى لَقِيَ وأصابَ، ويَكُونَ انْتِصابُ أحْرَصَ عَلى الحالِ، لَكِنْ لا يَتِمُّ هَذا إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّ إضافَةَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ بِمَحْضَةٍ، وهو قَوْلُ الفارِسِيِّ. وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ مِن أصْحابِنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ. أمّا مَن قالَ بِأنَّها مَحْضَةٌ، ولا يُجِيزُ في الحالِ أنْ تَأْتِيَ مَعْرِفَةً، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُ في أحْرَصَ النَّصْبُ عَلى الحالِ. و”أحْرَصَ“ هُنا هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وهي مُؤَوَّلَةٌ. بِمَعْنى مِن، وقَدْ أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، فَيَجُوزُ فِيها الوَجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُفْرَدَ مُذَكَّرُهُ، وإنْ كانَتْ جارِيَةً عَلى فَرْدٍ ومُثَنًّى ومَجْمُوعٍ، ومُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ. والثّانِي: أنْ يُطابِقَ ما قَبْلَها. فَمِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ ”أحْرَصَ النّاسِ“ ولَوْ جاءَ عَلى المُطابَقَةِ، لَكانَ أحارِصَ النّاسِ، أوْ أحْرَصِي النّاسِ. ومِنَ الوَجْهِ الثّانِي قَوْلُهُ: ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ [الأنعام: ١٢٣]، (p-٣١٣)كِلا الوَجْهَيْنِ فَصِيحٌ. وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ أنَّ المُطابَقَةَ أفْصَحُ مِنَ الإفْرادِ. وذَهَبَ ابْنُ السَّرّاجِ إلى تَعَيُّنِ الإفْرادِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. وإذا أُضِيفَتْ إلى مَعْرِفَةٍ، كَهَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ما يُضافُ إلَيْهِ، ولِذَلِكَ مَنَعَ البَصْرِيُّونَ: يُوسُفُ أحْسَنُ إخْوَتِهِ، عَلى أنْ يَكُونَ أحْسَنُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وتَأوَّلُوا ما ورَدَ مِمّا يُشْبِهُهُ، وشَذَّ نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎يا رَبَّ مُوسى أظْلَمِي وأظْلَمَهُ يُرِيدُ: أظْلَمْنا حَيْثُ لَمْ يَضِلُّ أظْلَمَ إلى ما هو بَعْضُهُ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ولَتَجِدَنَّهم عائِدٌ عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ، أوْ عَلى جَمِيعِ اليَهُودِ، أوْ عَلى عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. وأتى بِصِيغَةِ أفْعَلَ مِنَ الحِرْصِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ طَلَبِهِمْ لِلْبَقاءِ ودَوامِ الحَياةِ. والنّاسُ: الألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ فَتَعُمُّ، أوْ لِلْعَهْدِ. إمّا لِأنْ يَكُونَ المُرادُ جَماعَةً مِنَ النّاسِ مَعْرُوفِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الحِرْصُ عَلى الحَياةِ، أوْ لِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ المَجُوسَ، أوْ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ لا يُوقِنُونَ بِبَعْثٍ، فَلَيْسَ عِنْدَهم إلّا نَعِيمُ الدُّنْيا، أوْ بُؤْسُها، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: ؎تَمَتَّعْ مِنَ الدُّنْيا فَإنَّكَ فانِ ∗∗∗ مِنَ النَّشَواتِ والنِّسا الحِسانِ وقالَ آخَرُ: ؎إذا انْقَضَتِ الدُّنْيا وزالَ نَعِيمُها ∗∗∗ فَما لِيَ في شَيْءٍ سِوى ذاكَ مَطْمَعُ ﴿عَلى حَياةٍ﴾: قَدَّرُوا فِيهِ أنَّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ عَلى طُولِ حَياةٍ، أوْ عَلى حَذْفِ صِفَةٍ، أيْ عَلى حَياةٍ طَوِيلَةٍ. ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ حَذْفٌ لَصَحَّ المَعْنى، وهو أنْ يَكُونَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى مُطْلَقِ حَياةٍ؛ لِأنَّ مَن كانَ أحْرَصَ عَلى مُطْلَقِ حَياةٍ، وهو تَحَقُّقُها بِأدْنى زَمانٍ، فَلِأنْ يَكُونَ أحْرَصَ عَلى حَياةٍ طَوِيلَةٍ أوْلى، وكانُوا قَدْ ذُمُّوا بِأنَّهم أشَدُّ النّاسِ حِرْصًا عَلى حَياةٍ، ولَوْ ساعَةً واحِدَةً. وقَرَأ أُبَيٌّ: عَلى الحَياةِ، بِالألِفِ واللّامِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما مَعْناهُ: قِراءَةُ التَّنْكِيرِ أبْلَغُ مِن قِراءَةِ أُبَيٍّ؛ لِأنَّهُ أرادَ حَياةً مَخْصُوصَةً، وهي الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ. انْتَهى. وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا يُضْطَرُّ إلى هَذِهِ الصِّفَةِ. ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا داخِلًا تَحْتَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الحَمْلِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى أحْرَصَ النّاسِ: أحْرَصُ مِنَ النّاسِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الحَذْفِ، أيْ وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَحُذِفَ أحْرَصُ لِدَلالَةِ أحْرَصَ الأوَّلِ عَلَيْهِ. والَّذِينَ أشْرَكُوا: المَجُوسُ، لِعِبادَتِهِمُ النُّورَ والظُّلْمَةَ. وقِيلَ: النّارَ، أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ لِعِبادَتِهِمُ الأصْنامَ واتِّخاذِهِمْ آلِهَةً مَعَ اللَّهِ أوْ قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ أئِنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١] . وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ، إذا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ”أحْرَصَ النّاسِ“ عامٌّ، ويَكُونُ في ذَلِكَ أعْظَمُ تَوْبِيخٍ لِلْيَهُودِ، إذْ هم أهْلُ كِتابٍ يَرْجُونَ ثَوابًا ويَخافُونَ عِقابًا، وهم مَعَ ذَلِكَ أحْرَصُ مِمَّنْ لا يَرْجُو ذَلِكَ ولا يُؤْمِنُ بِبَعْثٍ. وإنَّما كانَ حِرْصُهم أبْلَغَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى العِقابِ، فَكانُوا أحَبَّ النّاسِ في البُعْدِ مِنهُ؛ لِأنَّ مَن تَوَقَّعَ شَرًّا كانَ أنْفَرَ النّاسِ عَنْهُ، فَلَمّا كانَتِ الحَياةُ سَبَبًا في تَباعُدِ العِقابِ، كانُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلَيْها. وعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ مِنِ اتِّصالٍ، ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ مِن؛ لِأنَّ أحْرَصَ النّاسِ جَرى عَلى اليَهُودِ، فَلَوْ عَطَفْتَ بِغَيْرِ مِن لَكانَ مَعْطُوفًا عَلى النّاسِ، فَيَكُونُ في المَعْنى: ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَكانَ أفْعَلُ يُضافُ إلى غَيْرِ ما انْدَرَجَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ لَيْسُوا مِنَ المُشْرِكِينَ، أعْنِي المُشْرِكِينَ الَّذِينَ فُسِّرَ بِهِمُ الَّذِينَ أشْرَكُوا هُنا، لا إذا قُلْنا: إنِ الثَّوانِيَ في العَطْفِ يَجُوزُ فِيها ما لا يَجُوزُ في الأوائِلِ، فَإنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ولَتَجِدَنَّهم، أيْ ولَتَجِدَنَّهم وطائِفَةً مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ، فَيَكُونُ في (p-٣١٤)الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. فَهو مَعْنًى يَصِحُّ، لَكِنَّ اللَّفْظَ والتَّرْكِيبَ يَنْبُو عَنْهُ ويُخْرِجُهُ عَنِ الفَصاحَةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، لا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن يَخُصُّ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ بِالضَّرُورَةِ. وهَذا البَحْثُ كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الواوُ في: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ لِعَطْفِ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ، وأمّا إذا كانَتْ لِعَطْفِ الجُمَلِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مُنْقَطِعًا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ويَكُونُ ابْتِداءَ إخْبارٍ عَنْ قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوَدُّونَ طُولَ الحَياةِ أيْضًا. وتَقَدَّمَ أنَّ المَعْنِيَّ بِالَّذِينَ أشْرَكُوا: أهُمُ المَجُوسُ ؟ أمْ مُشْرِكُو العَرَبِ ؟ أمْ قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ في الوَجْهِ الأوَّلِ ؟ وأمّا عَلى أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ، فَقالابْنُ عَطِيَّةَ: هُمُ المَجُوسُ؛ لِأنَّ تَشْمِيتَهم لِلْعاطِسِ بِلُغَتِهِمْ مَعْناهُ: عِشْ ألْفَ سَنَةٍ. وفي هَذا القَوْلِ تَشْبِيهٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ الفِرْقَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ. انْتَهى كَلامُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِينَ أشْرَكُوا عَلى هَذا، أيْ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، مُشارٌ بِهِ إلى اليَهُودِ، لِأنَّهم قالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. انْتَهى كَلامُهُ. فَعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ قَدْ أخْبَرَ أنَّ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ الَّتِي اشْتَدَّ حِرْصُها عَلى الحَياةِ مَن (يَوَدُّ) لَوْ عُمِّرَ ألْفَ سَنَةٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهايَةً في تَمَنِّي طُولِ الحَياةِ، ويَكُونُ الَّذِينَ أشْرَكُوا مِن وُقُوعِ الظّاهِرِ المُشْعِرِ بِالعِلْيَةِ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، إذِ المَعْنى: ومِنهم قَوْمٌ يَوَدُّ أحَدُهم، ويَوَدُّ أحَدُهم صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا قَوْمٌ يَوَدُّ أحَدُهم، وهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يَجُوزُ حَذْفُ المَوْصُوفِ فِيها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، وكَقَوْلِ العَرَبِ: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ، وعَلى أنْ تَكُونَ الواوُ في ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ لِعَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، قالُوا: ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ وادًّا أحَدُهم، قالُوا: ويَكُونُ حالًا مِنَ الَّذِينَ، فَيَكُونُ العامِلُ ”أحْرَصَ“ المَحْذُوفَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في أشْرَكُوا، فَيَكُونُ العامِلُ أشْرَكُوا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ولَتَجِدَنَّهم، أيْ ولَتَجِدَنَّهُمُ الأحْرَصِينَ عَلى الحَياةِ وادًّا أحَدُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ عَنْهم يُبَيِّنُ حالَ أمْرِهِمْ في ازْدِيادِ حِرْصِهِمْ عَلى الحَياةِ. (أحَدُهم): أيُّ واحِدٍ مِنهم، ولَيْسَ أحَدٌ هُنا هو الَّذِي في قَوْلِهِمْ ما قامَ أحَدٌ؛ لِأنَّ هَذا مُسْتَعْمَلٌ في النَّفْيِ أوْ ما جَرى مَجْراهُ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ أحَدًا هَذا أُصُولُهُ هَمْزَةٌ وحاءٌ ودالٌ، وأُصُولُ ذَلِكَ واوٌ وحاءٌ ودالٌ. فالهَمْزَةُ في أحَدُهم بَدَلٌ مِن واوٍ، ولا يُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾ أيْ يَوَدُّ واحِدٌ مِنهم دُونَ سائِرِهِمْ، وإنَّما أحَدُهم هُنا عامٌّ عُمُومَ البَدَلِ، أيْ هَذا الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِوُدِّهِمْ أنْ يُعَمَّرُوا ألْفَ سَنَةٍ، هو يَتَناوَلُ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ مِنهم عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ. فَكانَ المَعْنى أنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى حِرْصِ واحِدٍ مِنهم، وشِدَّةِ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِطُولِ الحَياةِ، وجَدْتَهُ لَوْ عُمِّرَ ألْفَ سَنَةٍ. ﴿لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾: مَفْعُولُ الوِدادَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَوَدُّ أحَدُهم طُولَ العُمْرِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ لَسُرَّ بِذَلِكَ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ يَوَدُّ لِدَلالَةِ لَوْ يُعَمَّرُ عَلَيْهِ، وحُذِفَ جَوابُ لَوْ لِدَلالَةِ يَوَدُّ عَلَيْهِ. هَذا هو الجارِي عَلى قَواعِدِ البَصْرِيِّينَ في مِثْلِ هَذا المَكانِ. وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ وغَيْرُهم في مِثْلِ هَذا إلى أنَّ لَوْ هُنا مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى أنْ، فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها مَصْدَرٌ هو مَفْعُولُ يَوَدُّ، كَأنَّهُ قالَ: يَوَدُّ أحَدُهم تَعْمِيرَ ألْفِ سَنَةٍ. فَعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ مَحَلُّ إعْرابٍ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي مَحَلُّهُ نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِ، كَما ذَكَرْنا، والتَّرْجِيحُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ هو مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ اتَّصَلَ لَوْ يُعَمَّرُ بِيَوَدُّ أحَدُهم ؟ قُلْتُ: هو حِكايَةٌ لِوِدادَتِهِمْ، ولَوْ في مَعْنى التَّمَنِّي، وكانَ القِياسُ لَوْ أُعَمِّرُ، إلّا أنَّهُ جَرى عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ لِقَوْلِهِ: يَوَدُّ أحَدُهم، كَقَوْلِهِمْ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ. انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ بَعْضُ إبْهامٍ، وذَلِكَ أنَّ ”يَوَدُّ“ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ، ولَيْسَ فِعْلًا قَوْلِيًّا، ولا مَعْناهُ مَعْنى القَوْلِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، (p-٣١٥)فَكَيْفَ تَقُولُ هو حِكايَةٌ لِوِدادَتِهِمْ ؟ إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُسَوَّغُ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ، وذَلِكَ أنْ يُجْرِيَ يَوَدُّ مُجْرى يَقُولُ؛ لِأنَّ القَوْلَ يَنْشَأُ عَنِ الأُمُورِ القَلْبِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يَقُولُ أحَدُهم عَنْ وِدادَةٍ مِن نَفْسِهِ لَوْ أُعَمِّرُ ألْفَ سَنَةٍ. ولا تَحْتاجُ لَوْ، إذا كانَتْ لِلتَّمَنِّي، إلى جُمْلَةٍ جَوابِيَّةٍ، لِأنَّ مَعْناها مَعْنى: يا لَيْتَنِي أُعَمِّرُ، وتَكُونُ إذْ ذاكَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ عَلى طَرِيقِ الحِكايَةِ. فَتَلَخَّصَ بِما قَرَّرْناهُ في لَوْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أنْ تَكُونَ حَرْفًا لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ لِلتَّمَنِّي مَحْكِيَّةً. ومَعْنى ”ألْفَ سَنَةٍ“: العُمْرُ الطَّوِيلُ في أبْناءِ جِنْسِهِ، فَيَكُونُ ”ألْفَ سَنَةٍ“ كِنايَةً عَنِ الزَّمانِ الطَّوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ألْفَ سَنَةٍ حَقِيقَةً، وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَعِيشُ ألْفَ سَنَةٍ؛ لِأنَّ التَّمَنِّيَ يَقَعُ عَلى الجائِزِ والمُسْتَحِيلِ عادَةً أوْ عَقْلًا، فَيَكُونُ هَذا مَعْناهُ أنَّهم لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ في ازْدِيادِ الحَياةِ يَتَعَلَّقُ تَمَنِّيهم في ذَلِكَ بِما لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عادَةً. ﴿وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾: الضَّمِيرُ مِن قَوْلِهِ: و”ما هو“ عائِدٌ عَلى أحَدِهِمْ، وهو اسْمُ ما، وبِمُزَحْزِحِهِ خَبَرُ ما فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وذَلِكَ عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ. وعَلى ذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ، و”أنْ يُعَمَّرَ“ فاعِلُ بِمُزَحْزِحِهِ، أيْ وما أحَدُهم مُزَحْزِحُهُ مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ. وجَوَّزُوا أيْضًا في هَذا الوَجْهِ، أعْنِي: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى ”أحَدُهم“، أنْ يَكُونَ هو مُبْتَدَأً، وبِمُزَحْزِحِهِ خَبَرًا. وأنْ يُعَمَّرَ فاعِلَ بِمُزَحْزِحِهِ، فَتَكُونَ ما تَمِيمِيَّةً. وهَذا الوَجْهُ، أعْنِي: أنْ تَكُونَ ما تَمِيمِيَّةً هو الَّذِي ابْتَدَأ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ. وأجازُوا أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرًا عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾، وأنْ يُعَمَّرَ بَدَلٌ مِنهُ، وارْتِفاعُ هو عَلى وجْهَيْهِ مِن كَوْنِهِ اسْمَ ما أوْ مُبْتَدَأً. وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ التَّعْمِيرِ، وأنْ يُعَمَّرَ بَدَلٌ مِنهُ، ولا يَعُودُ هو عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ والَّذِي قَبْلَهُ، أنَّ مُفَسِّرِ الضَّمِيرِ هُنا هو البَدَلُ، ومُفَسِّرُهُ في القَوْلِ الأوَّلِ هو المَصْدَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ في لَوْ يُعَمَّرُ. وكَوْنُ البَدَلِ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ فِيهِ خِلافٌ، ولا خِلافَ في تَفْسِيرِ الضَّمِيرِ بِالمَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ السّابِقِ. فَهَذا يُفَسِّرُهُ ما قَبْلَهُ، وذاكَ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. وهَذا الَّذِي عَنى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو مُبْهَمًا، وأنْ يُعَمَّرَ مُوَضِّحَهُ. يَعْنِي: أنْ يَكُونَ هو لا يَعُودُ عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وأنْ يُعَمَّرَ بَدَلٌ مِنهُ وهو مُفَسِّرٌ. وأجازَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في الحَلَبِيّاتِ أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وهَذا مَيْلٌ مِنهُ إلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، وهو أنَّ مُفَسِّرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وهو المُسَمّى عِنْدَهم بِالمَجْهُولِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ جُمْلَةٍ إذا انْتَظَمَ إسْنادًا مَعْنَوِيًّا نَحْوَ: ظَنَنْتُهُ قائِمًا زَيْدًا، وما هو بِقائِمٍ زَيْدٌ، فَهو مُبْتَدَأٌ ضَمِيرٌ مَجْهُولٌ عِنْدَهم، وبِقائِمٍ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وزَيْدٌ فاعِلٌ بِقائِمٍ. وكانَ المَعْنى عِنْدَهم: ما هو يَقُومُ زَيْدٌ، ولِذَلِكَ أعْرَبُوا في: ظَنَنْتُهُ قائِمًا زَيْدًا، الهاءَ ضَمِيرَ المَجْهُولِ، وهي مَفْعُولُ ظَنَنْتُ، وقائِمًا المَفْعُولُ الثّانِي، وزَيْدٌ فاعِلٌ بِقائِمٍ. ولا يَجُوزُ في مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُفَسَّرَ إلّا بِجُمْلَةٍ مُصَرَّحٍ بِجُزْأيْها سالِمَةٍ مِن حَرْفِ جَرٍّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: هو عِمادٌ. انْتَهى كَلامُهُ، ويَحْتاجُ (p-٣١٦)إلى تَفْسِيرٍ، وذَلِكَ أنَّ العِمادَ في مَذْهَبِ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ مَعَ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ، فَإذا قُلْتَ: ما زَيْدٌ هو القائِمُ، جَوَّزُوا أنْ تَقُولَ: ما هو القائِمُ زَيْدٌ. فَتَقْدِيرُ الكَلامِ عِنْدَهم، وما تَعْمِيرُهُ هو بِمُزَحْزِحِهِ. ثُمَّ قُدِّمَ الخَبَرُ مَعَ العِمادِ، فَجاءَ: وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ، أيْ تَعْمِيرَهُ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ شَرْطَ الفَصْلِ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا. وتَلَخَّصَ في هَذا الضَّمِيرِ: أهُوَ عائِدٌ عَلى ”أحَدُهم“ ؟ أوْ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن يُعَمَّرُ ؟ أوْ عَلى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ أنْ يُعَمَّرَ ؟ أوْ هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ ؟ أوْ عِمادٌ ؟ أقْوالٌ خَمْسَةٌ، أظْهَرُها الأوَّلُ. ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ يَعْمَلُونَ بِالياءِ، عَلى نَسَقِ الكَلامِ السّابِقِ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ والأعْرَجُ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ، عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ والخُرُوجِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ، وأتى هُنا بِصِفَةِ بَصِيرٍ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى مُتَنَزِّهًا عَنِ الجارِحَةِ، إعْلامًا بِأنَّ عِلْمَهُ - بِجَمِيعِ الأعْمالِ - عِلْمُ إحاطَةٍ وإدْراكٍ لِلْخَفِيّاتِ. وما: في بِما، مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَعْمَلُونَهُ. وجَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ بِعَمَلِهِمْ، وأتى بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وإنْ كانَ عِلْمُهُ تَعالى مُحِيطًا بِأعْمالِهِمُ السّالِفَةِ والآتِيَةِ لِتَواخِي الفَواصِلِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ الِامْتِنانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وتَذْكارَهم بِنِعَمِ اللَّهِ، إذْ آتى مُوسى التَّوْراةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى الهُدى والنُّورِ، ووالى بَعْدَهُ بِالرُّسُلِ لِتَجْدِيدِ دِينِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ، وآتى عِيسى الأُمُورَ الخارِقَةَ، مِن إحْياءِ الأمْواتِ، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وإيجادِ المَخْلُوقِ، ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، والإنْباءِ بِالمُغَيَّباتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وأيَّدَهُ بِمَن يُنْزِلُ الوَحْيَ عَلى يَدَيْهِ، وهو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ مَعَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ والنِّعَمِ كانُوا أبْعَدَ النّاسِ عَنْ قَبُولِ ما يَأْتِيهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكانُوا بِحَيْثُ إذا جاءَهم رَسُولٌ بِما لا يُوافِقُهم، بادَرُوا إلى تَكْذِيبِهِ، أوْ قَتَلُوهُ، وهم غَيْرُ مُكْتَرِثِينَ بِما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ الجَرائِمِ، حَتّى حُكِيَ أنَّهم في أثَرِ قَتْلِهِمُ الجَماعَةَ مِنَ الأنْبِياءِ، تَقُومُ سُوقُ البَقْلِ بَيْنَهم، الَّتِي هي أرْذَلُ الأسْواقِ، فَكَيْفَ بِالأسْواقِ الَّتِي تُباعُ فِيها الأشْياءُ النَّفِيسَةُ ؟ ثُمَّ نَعى تَعالى عَلَيْهِمْ أنَّهم باقُونَ عَلى تِلْكَ العادَةِ مِن تَكْذِيبِ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنْ كانُوا قَبْلَ مَجِيئِهِ بِهِ يَذْكُرُونَ أنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ. فَحِينَ وافاهم ما كانُوا يَنْتَظِرُونَهُ ويَعْرِفُونَهُ، كَفَرُوا بِهِ، فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ. وأنَّ سَبَبَ طَرْدِهِمْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ هو ما سَبَقَ مِن كُفْرِهِمْ، وأنَّ إيمانَهم كانَ قَلِيلًا، إذْ كانُوا قَبْلَ مَجِيءِ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ سَيَأْتِي كِتابٌ. ثُمَّ أخَذَ في ذِكْرِ ذَمِّهِمْ، أنْ باعُوا أنْفُسَهُمُ النَّفِيسَةَ بِما يَتَرَتَّبُ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ مِنَ المَآكِلِ والرِّياساتِ المُنْقَضِيَةِ في الزَّمَنِ اليَسِيرِ، وأنَّ الحامِلَ عَلى ذَلِكَ هو البَغْيُ والحَسَدُ، لِأنِ اخْتَصَّ اللَّهُ بِفَضْلِهِ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، فَلَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِهِ ولا بِاخْتِيارِهِ، فَباءُوا بِالغَضَبِ مِنَ اللَّهِ، وأعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ العَذابَ الَّذِي يُذِلُّهم ويُهِينُهم. إذْ كانَ امْتِناعُهم مِنَ الإيمانِ، إنَّما هو لِلتَّكَبُّرِ والحَسَدِ وعَدَمِ الرِّضا بِالقَدَرِ، فَناسَبَ ذَلِكَ أنْ يُعَذَّبُوا العَذابَ الَّذِي فِيهِ صَغارٌ لَهم وذِلَّةٌ وإهانَةٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم، أنَّهم إذا عُرِضَ عَلَيْهِمُ الإيمانُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، أجابُوا أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ، وأنَّهم يَكْفُرُونَ بِما سِواها. هَذا والكُتُبُ المُنَزَّلَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ سَواءٌ، إذْ كُلُّها حَقٌّ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا. فالكُفْرُ بِبَعْضِها كُفْرٌ بِجَمِيعِها. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]، وذَلِكَ بِأنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ، والتَّوْراةُ ناطِقَةٌ بِاتِّباعِ الأنْبِياءِ والِاقْتِداءِ بِهِمْ، فَقَدْ خالَفَ قَوْلَهم فِعْلُهم. ثُمَّ كَرَّرَ عَلَيْهِمْ - تَوْبِيخًا لَهم - أنَّ مُوسى الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةَ، وأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِها، قَدْ جاءَهم بِالأشْياءِ الواضِحَةِ والمُعْجِزاتِ الخارِقَةِ، مِن نَجاتِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ، وفَلْقِ البَحْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومَعَ ذَلِكَ اتَّخَذُوا مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى مُناجاةِ رَبِّهِ إلَهًا مِن أبْعَدِ الحَيَوانِ ذِهْنًا وأبْلَدِها، وهو العِجْلُ المَصْنُوعُ مِن حُلِيِّهِمْ، المُشاهَدُ إنْشاؤُهُ وعَمَلُهُ، ومُوسى لَمْ يَمُتْ بَعْدُ، وكِتابُ اللَّهِ طَرِيٌّ نُزُولُهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يَتَقادَمْ عَهْدُهُ. وكَرَّرَ تَعالى ذِكْرَ رَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ لِيَقْبَلُوا ما في (p-٣١٧)التَّوْراةِ، وأُمِرُوا بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ، فَأجابُوا بِالعِصْيانِ. هَذا وهم مُلْجَئُونَ إلى الإيمانِ، أوْ كالمُلْجَئِينَ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا المُزْعِجِ العَظِيمِ مِن رَفْعِ جَبَلٍ عَلَيْهِمْ لِيُشْدَخُوا بِهِ جَدِيرٌ بِأنْ يَأْتِيَ الإنْسانُ ما أُمِرَ بِهِ، ويَقْبَلَ ما كُلِّفَ بِهِ مِنَ التَّكالِيفِ. وتَأبِّيهِمْ لِذَلِكَ، وعَدَمُ قَبُولِهِمْ، سَبَبُهُ أنَّ عِبادَةَ العِجْلِ خامَرَتْ قُلُوبَهم ومازَجَتْها، حَتّى لَمْ تَسْمَعْ قَبُولًا لِشَيْءٍ مِنَ الحَقِّ، والقَلْبُ إذا امْتَلَأ بِحُبِّ شَيْءٍ لَمْ يَسْمَعْ سِواهُ ولَمْ يُصْغِ إلى مَلامٍ، وأنْشَدُوا: ؎مَلَأْتَ بِبَعْضِ حُبِّكَ كُلَّ قَلْبِيَ ∗∗∗ فَإنْ تُرِدِ الزِّيادَةَ هاتِ قَلْبا ثُمَّ ذَمَّهم تَعالى عَلى ما أمَرَهم بِهِ إيمانُهم، ولا إيمانَ لَهم حَقِيقَةً، بَلْ نَسَبَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ واتِّخاذِهِ إلَهًا مِن دُونِ اللَّهِ. ثُمَّ كَذَّبَهم في دَعْواهم أنَّ الجَنَّةَ هي خالِصَةٌ لَهم، لا يَدْخُلُها أحَدٌ سِواهم، فَأمَرَهم بِتَمَنِّي المَوْتِ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ يَصِيرُ إلى سُرُورٍ وحُبُورٍ ولَذَّةٍ دائِمَةٍ لا تَنْقَضِي، يُؤْثِرُ الوُصُولَ إلى ذَلِكَ، وانْقِضاءَ ما هو فِيهِ مِنَ الذِّلَّةِ والنَّكَدِ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّ تَمَنِّيَ المَوْتِ لا يَقَعُ مِنهم أبَدًا، وأنَّ امْتِناعَهم مِن ذَلِكَ هو بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ مِنَ الجَرائِمِ، فَظَهَرَ كَذِبُهم في دَعْواهم بِأنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَرْشِيحًا لِما قَبْلَهُ مِن عَدَمِ تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ، أنَّهم أشَدُّ النّاسِ حِرْصًا عَلى حَياةٍ، حَتّى إنَّهم أحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالدّارِ الآخِرَةِ، ولا يَرْجُونَ ثَوابًا، ولا يَخافُونَ عِقابًا. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ أحَدَهم يَوَدُّ أنْ يُعَمَّرَ ألْفَ سَنَةٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَتَعْمِيرُهُ، وإنْ طالَ، لَيْسَ بِمُنْجِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ. ثُمَّ خَتَمَ الآياتِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى قَبائِحِ أفْعالِهِمْ، ومُجازِيهِمْ عَلَيْها. وتَبَيَّنَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ اليَهُودُ مِن فَرْطِ كَذِبِهِمْ، وتَناقُضِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، ونَقْصِ عُقُولِهِمْ، وكَثْرَةِ بُهْتِهِمْ، أعاذَنا اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وسَلَكَ بِنا أنْهَجَ المَسالِكِ.

البقرة 2:97

﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠] ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] . جِبْرِيلُ: اسْمُ مَلَكٍ عَلَمٌ لَهُ، وهو الَّذِي نَزَلَ بِالقُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ، لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن جَبَرُوتِ اللَّهِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ تَرْكِيبَ الإضافَةِ. ومَعْنى جِبْرِ: عَبْدٌ، وإيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الأعْجَمِيَّ لا يَدْخُلُهُ الِاشْتِقاقُ العَرَبِيُّ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ مُرَكَّبًا تَرْكِيبَ الإضافَةِ لَكانَ مَصْرُوفًا. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: ومَن قالَ: جِبْرٌ، مِثْلَ: عَبْدٍ، وإيلٌ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ حَضْرَمَوْتَ. انْتَهى كَلامُهُ. يَعْنِي أنَّهُ يَجْعَلُهُ مُرَكَّبًا تَرْكِيبَ المَزْجِ، فَيَمْنَعُهُ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّرْكِيبِ. ولَيْسَ ما ذَكَرَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُلْحَظَ فِيهِ مَعْنى الإضافَةِ، فَيَلْزَمَ الصَّرْفُ في الثّانِي، وإجْراءُ الأوَّلِ بِوُجُوهِ الإعْرابِ، أوْ لا يُلْحَظَ، فَيُرَكِّبَهُ تَرْكِيبَ المَزْجِ. فَما يُرَكَّبُ تَرْكِيبَ المَزْجِ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإضافَةُ ومَنعُ الصَّرْفِ، فَكَوْنُهُ لَمْ يُسْمَعْ فِيهِ الإضافَةُ، ولا البِناءُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَرْكِيبِ المَزْجِ. وقَدْ تَصَرَّفَتْ فِيهِ العَرَبُ عَلى عادَتِها في تَغْيِيرِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، حَتّى بَلَغَتْ فِيهِ إلى ثَلاثَ عَشْرَةَ لُغَةً. قالُوا: (p-٣١٨)جِبْرِيلُ: كَقِنْدِيلٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ وحَفْصٍ. وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: ؎وجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ ومِيكالُ مَعْهُما مِنَ اللَّهِ وحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ: ؎والرُّوحُ جِبْرِيلُ مِنهم لا كِفاءَ لَهُ ∗∗∗ وكانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللَّهِ مَأْمُونا وقالَ حَسّانُ: ؎وجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ∗∗∗ ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ وكَذَلِكَ إلّا أنَّ الجِيمَ مَفْتُوحَةٌ، وبِها قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ. قالَ الفَرّاءُ: لا أُحِبُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فَعْلِيلٌ، وما قالَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ ما أدْخَلَتْهُ العَرَبُ في كَلامِها عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما تُلْحِقُهُ بِأبْنِيَةِ كَلامِها، كَلِجامٍ، ومِنهُ ما لا تُلْحِقُهُ بِها، كَإبْرَيْسِمٍ. فَجَبْرِيلُ، بِفَتْحِ الجِيمِ، مِن هَذا القَبِيلِ. وقِيلَ: جَبْرِيلُ مِثْلُ شَمْوِيلَ، وهو طائِرٌ. وجِبْرَئِيلُ كَعَنْتَرِيسٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَيْسٍ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ نَجْدٍ. حَكاها الفَرّاءُ، واخْتارَها الزَّجّاجُ وقالَ: هي أجْوَدُ اللُّغاتِ. وقالَ حَسّانُ: ؎شَهِدْنا فَما تَلْقى لَنا مِن كَتِيبَةٍ ∗∗∗ مَدى الدَّهْرِ إلّا جَبْرَئِيلَ أمامَها وقالَ جَرِيرٌ: ؎عَبَدُوا الصَّلِيبَ وكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ ∗∗∗ وبِجِبْرَئِيلَ وكَذَّبُوا مِيكالا وهِيَ قِراءَةُ الأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَمّادِ بْنِ أبِي زِيادٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. ورَواها الكِسائِيُّ، عَنْ عاصِمٍ، وكَذَلِكَ. إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وهي رِوايَةُ يَحْيى بْنِ آدَمَ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. وتُرْوى عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، وكَذَلِكَ. إلّا أنَّ اللّامَ مُشَدَّدَةٌ، وهي قِراءَةُ أبانَ، عَنْ عاصِمٍ ويَحْيى بْنِ يَعْمَرَ. وجِبْرائِيلُ وجِبْرايِيلُ، وقَرَأ بِهِما ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ. وجِبْرالُ وجِبْرائِلُ بِالياءِ والقَصْرِ، وبِها قَرَأ طَلْحَةُ. وجِبْرايِيلُ بِألِفٍ بَعْدِ الرّاءِ، بَعْدَها ياءانِ، أُولاهُما مَكْسُورَةٌ، وقَرَأ بِها الأعْمَشُ وابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا. وجَبْرِينُ وجِبْرِينُ، وهَذِهِ لُغَةُ أسَدٍ. وجِبْرائِينُ. قالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: جُمِعَ جِبْرِيلُ جَمْعَ التَّكْسِيرِ عَلى جَبارِيلَ عَلى اللُّغَةِ العالِيَةِ. أذِنَ بِهِ: عَلَّمَ بِهِ، وآذَنَهُ: أعْلَمَهُ. آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ: أعْلَمْتُكم. ثُمَّ يُطْلَقُ عَلى التَّمْكِينِ. أذِنَ لِي في كَذا: أيْ مَكَّنَنِي مِنهُ. وعَلى الِاخْتِيارِ فَعَلْتَهُ بِإذْنِكَ: أيْ بِاخْتِيارِكَ. مِيكائِيلُ: الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في جِبْرِيلَ، أعْنِي مِن مَنعِ الصَّرْفِ. وبَعُدَ قَوْلِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن مَلَكُوتِ اللَّهِ، أوْ ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى مِيكا: عَبْدٌ، وإيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ تَصَرَّفَتْ فِيهِ العَرَبُ. قالُوا: مِيكالُ، كَمِفْعالُ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمَ بَدْرٍ لَقِيناكم لَنا مَدَدًا فِيهِ ∗∗∗ مَعَ النَّصْرِ مِيكالٌ وجِبْرِيلُ وكَذَلِكَ. إلّا أنَّ بَعْدَ الألِفِ هَمْزَةً، وبِها قَرَأ نافِعٌ وابْنُ شَنَبُوذَ لِقُنْبُلٍ، وكَذَلِكَ. إلّا أنَّهُ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ، وغَيْرُ ابْنِ شَنَبُوذَ لِقُنْبُلٍ والبَزِّيِّ. ومِيكَيِيلُ كَمِيكَعِيلَ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وكَذَلِكَ. إلّا أنَّهُ لا ياءَ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقُرِئَ بِها: ومِيكايِيلُ بِياءَيْنِ بَعْدَ الألِفِ، أُولاهُما مَكْسُورَةٌ، وبِها قَرَأالأعْمَشُ. نَبَذَ الشَّيْءَ، يَنْبِذُهُ نَبْذًا: طَرَحَهُ وألْقاهُ. الظَّهْرُ: مَعْرُوفٌ، وجَمْعُ فِعْلِ الِاسْمِ غَيْرِ المُعْتَلِّ العَيْنِ عَلى فُعُولٍ قِياسٌ: كَظُهُورٍ، وعَلى فَعْلانَ: كَظَهْرانَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ. تَقُولُ: ظَهَرَ الشَّيْءُ ظُهُورًا، إذا بَدا. تَلا يَتْلُو: تَبِعَ. وتَلا القُرْآنَ: قَرَأهُ. وتَلا عَلَيْهِ: كَذَبَ، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقالَ أيْضًا: تَلا عَنْهُ صَدَفَ، فَإذا لَمْ يَذْكُرِ الصِّلَتَيْنِ احْتَمَلَ الأمْرَيْنِ. سُلَيْمانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وامْتَنَعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ (p-٣١٩)والعُجْمَةِ، ونَظِيرُهُ مِنَ الأعْجَمِيَّةِ، في أنَّ في آخِرِهِ ألِفًا ونُونًا: هامانُ، وماهانُ، وسامانُ، ولَيْسَ امْتِناعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ كَعُثْمانَ؛ لِأنَّ زِيادَةَ الألِفِ والنُّونِ مَوْقُوفَةٌ عَلى الِاشْتِقاقِ والتَّصْرِيفِ. والِاشْتِقاقُ والتَّصْرِيفُ العَرَبِيّانِ لا يَدْخُلانِ الأسْماءَ العَجَمِيَّةَ. السِّحْرُ: مَصْدَرُ سَحَرَ يَسْحَرُ سِحْرًا، ولا يُوجَدُ مَصْدَرٌ لِفَعَلَ يَفْعَلُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ إلّا سَحَرَ وفَعَلَ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: كُلُّ ما لَطُفَ ودَقَّ فَهو سِحْرٌ. يُقالُ سَحَرَهُ: أبْدى لَهُ أمْرًا يَدِقُّ عَلَيْهِ ويَخْفى. انْتَهى. وقالَ: ؎أداءٌ عَرانِي مِن حَبائِكَ أمْ سِحْرُ ويُقالُ سَحَرَهُ: خَدَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أرانا مَوْضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ أيْ: نُعَلَّلُ ونُخْدَعُ. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى مَدْلُولِ السِّحْرِ في الآيَةِ. بابِلُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، اسْمُ أرْضٍ، وسَيَأْتِي تَعْيِينُها. هارُوتُ ومارُوتُ: اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى مَدْلُولِهِما، ويُجْمَعانِ عَلى: هَوارِيتَ ومَوارِيتَ، ويُقالُ: هَوارِتَةُ ومَوارِتَةُ، ومِثْلُ ذَلِكَ: طالُوتُ وجالُوتُ. الفِتْنَةُ: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ. فَتَنَ يَفْتِنُ فُتُونًا وفِتْنَةً. المَرْءُ: الرَّجُلُ، والأفْصَحُ فَتْحُ المِيمِ مُطْلَقًا، وحُكِيَ الضَّمُّ مُطْلَقًا، وحُكِيَ إتْباعُ حَرَكَةِ المِيمِ لِحَرَكَةِ الإعْرابِ فَتَقُولُ: قامَ المُرْءُ: بِضَمِّ المِيمِ، ورَأيْتُ المَرْءَ: بِفَتْحِ المِيمِ، ومَرَرْتُ بِالمِرْءِ: بِكَسْرِ المِيمِ، ومُؤَنَّثُهُ المَرْأةُ. وقَدْ جاءَ جَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ، قالُوا: المَرْءُونَ. الضَّرَرُ والنَّفْعُ مَعْرُوفانِ، ويُقالُ: ضَرَّ يَضُرُّ، بِضَمِّ الضّادِ، وهو قِياسُ المُضَعَّفِ المُتَعَدِّي ومَصْدَرُهُ: الضُّرُّ والضَّرُّ والضَّرَرُ، ويُقالُ: ضارَ يَضِيرُ، قالَ: ؎يَقُولُ أُناسٌ لا يَضِيرُكَ نَأْيُها ∗∗∗ بَلى كُلُّ ما شَفَّ النُّفُوسَ يَضِيرُها ويُقالُ: نَفَعَ يَنْفَعُ نَفْعًا. ورَأيْتُ في شَرْحِ المُوجَزِ الَّذِي لِلرُّمّانِيِّ في النَّحْوِ، وهو تَأْلِيفُ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ الأهْوازِيُّ، ولَيْسَ بِأبِي عَلِيٍّ الأهْوازِيِّ المُقْرِي، أنَّهُ لا يُقالُ مِنهُ اسْمُ مَفْعُولٍ نَحْوُ مَنفُوعٍ، والقِياسُ النَّحْوِيُّ يَقْتَضِيهِ. الخَلاقُ في اللُّغَةِ: النَّصِيبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ: لَكِنَّهُ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، قالَ: ؎يَدْعُونَ بِالوَيْلِ فِيها لا خَلاقَ لَهم ∗∗∗ إلّا السَّرابِيلُ مِن قُطْرٍ وأغْلالِ والخَلاقُ: القَدْرُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما لَكَ بَيْتٌ لَدى الشّامِخاتِ ∗∗∗ وما لَكَ في غالِبٍ مِن خَلاقِ مَثُوبَةٌ: مَفْعَلَةٌ مِنَ الثَّوابِ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الثّاءِ، ويُقالُ: مَثُوبَةٌ. وكانَ قِياسُهُ الإعْلالَ فَتَقُولُ: مَثابَةٌ، ولَكِنَّهم صَحَّحُوهُ كَما صَحَّحُوا في الأعْلامِ مُكَوَّرَةً، ونَظِيرُهُما في الوَزْنِ مِنَ الصَّحِيحِ: مَقْبَرَةٌ ومَقْبُرَةٌ. ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾: أجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: جِبْرِيلُ عَدُّونا، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، وهَلْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ مُحاوَرَتَهم مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أوْ مُحاوَرَتَهم مَعَ عُمَرَ ؟ ومُلَخَّصُ العَداوَةِ: أنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَأْتِي بِالهَلاكِ والخَسْفِ والجَدْبِ، ولَوْ كانَ مِيكالُ صاحِبَ مُحَمَّدٍ لاتَّبَعْناهُ؛ لِأنَّهُ يَأْتِي بِالخِصْبِ والسِّلْمِ، ولِكَوْنِهِ دافَعَ عَنْ بُخْتَ نَصَّرَ حِينَ أرَدْنا قَتْلَهُ، فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وأهْلَكَنا، ولِكَوْنِهِ يُطْلِعُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى سِرِّنا. والخِطابُ بِقَوْلِهِ: قُلْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ومَعْمُولُ القَوْلِ: الجُمْلَةُ بَعْدُ. ومَن هُنا شَرْطِيَّةٌ. وقالَ الرّاغِبُ: العَداوَةُ: التَّجاوُزُ ومُنافاةُ الِالتِئامِ. فَبِالقَلْبِ يُقالُ العَداوَةُ، وبِالمَشْيِ يُقالُ العَدُوُّ، وبِالإخْلالِ في العَدْلِ يُقالُ العُدْوانُ، وبِالمَكانِ أوِ النَّسَبِ يُقالُ قَوْمٌ عِدًى، أيْ غُرَباءُ. * * ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ﴾: لَيْسَ هَذا جَوابَ الشَّرْطِ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَلَوْ قُلْتَ: مَن يُكْرِمُنِي ؟ فَزَيْدٌ قائِمٌ، لَمْ يَجُزْ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾، لَيْسَ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَن. وقَدْ صَرَّحَ بِأنَّهُ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو خَطَأٌ، لِما ذَكَرْناهُ مِن عَدَمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ، ولِمُضِيِّ فِعْلِ التَّنْزِيلِ، فَلا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَزاءً، وإنَّما الجَزاءُ (p-٣٢٠)مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: فَعَداوَتُهُ لا وجْهَ لَها، أوْ ما أشْبَهَ هَذا التَّقْدِيرَ. والضَّمِيرُ في فَإنَّهُ عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ، والضَّمِيرُ في نَزَّلَهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؟ وهَذِهِ كُلُّها مِن صِفاتِ القُرْآنِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾، أيْ فَإنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَ القُرْآنَ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في فَإنَّهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفي نَزَّلَهُ عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ، التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ نَزَّلَ جِبْرِيلَ بِالقُرْآنِ عَلى قَلْبِكَ. وفي كُلٍّ مِن هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ إضْمارٌ يَعُودُ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ المَعْنى. لَكِنَّ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ أوْلى، لِما ذَكَرْناهُ، ولِيَكُونَ مُوافِقًا لِقَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، ويَنْظُرُ لِلتَّقْدِيرِ الثّانِي قِراءَةُ مَن قَرَأ: نَزَّلَ بِالتَّشْدِيدِ، والرُّوحَ بِالنَّصْبِ. ومُناسَبَةُ دَلِيلِ الجَزاءِ لِلشَّرْطِ هو أنَّ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَعَداوَتُهُ لا وجْهَ لَها؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي نَزَلَ بِالقُرْآنِ المُصَدِّقِ لِلْكُتُبِ، والهادِي والمُبَشِّرِ، كَمَن آمَنَ. ومَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُحَبَّ ويُشْكَرَ، إذْ كانَ بِهِ سَبَبُ الهِدايَةِ والتَّنْوِيهِ بِما في أيْدِيهِمْ مِن كُتُبِ اللَّهِ، أوْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَسَبَبُ عَداوَتِهِ أنَّهُ نَزَّلَ القُرْآنَ المُصَدِّقَ لِكِتابِهِمْ، والمُلْزِمَ لَهُمُ اتِّباعَكَ، وهم لا يُرِيدُونَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ حَرَّفُوا ما في كُتُبِهِمْ مِن صِفاتِكَ، ومِن أخْذِ العُهُودِ عَلَيْهِمْ فِيها، بِأنْ يَتَّبِعُوكَ. والفَرْقُ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ: أنَّ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ مُوجِبٌ لِعَدَمِ العَداوَةِ، والتَّقْدِيرَ الثّانِيَ كَأنَّهُ كالعُذْرِ لَهم في العَداوَةِ كَقَوْلِكَ: إنْ عاداكَ زَيْدٌ، فَقَدْ آذَيْتَهُ وأسَأْتَ إلَيْهِ. ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾: أتى بِلَفْظِ عَلى؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُسْتَعْلٍ عَلى القَلْبِ، إذِ القَلْبُ سامِعٌ لَهُ ومُطِيعٌ، يَمْتَثِلُ ما أمَرَ بِهِ، ويَجْتَنِبُ ما نَهى عَنْهُ. وكانَتْ أبْلَغَ مِن إلى؛ لِأنَّ إلى تَدُلُّ عَلى الِانْتِهاءِ فَقَطْ، وعَلى تَدُلُّ عَلى الِاسْتِعْلاءِ. وما اسْتَعْلى عَلى الشَّيْءِ يَضْمَنُ الِانْتِهاءَ إلَيْهِ. وخُصَّ القَلْبُ - ولَمْ يَأْتِ عَلَيْكَ - لِأنَّ القَلْبَ هو مَحَلُّ العَقْلِ والعِلْمِ وتَلَقِّي الوارِداتِ، أوْ لِأنَّهُ صَحِيفَتُهُ الَّتِي يُرْقَمُ فِيها، وخِزانَتُهُ الَّتِي يُحْفَظُ فِيها، أوْ لِأنَّهُ سُلْطانُ الجَسَدِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً ”. ثُمَّ قالَ أخِيرًا:“ ألا وهي القَلْبُ» . أوْ لِأنَّ القَلْبَ خِيارُ الشَّيْءِ وأشْرَفُهُ، أوْ لِأنَّهُ بَيْتُ اللَّهِ، أوْ لِأنَّهُ كَنّى بِهِ عَنِ العَقْلِ إطْلاقًا لِلْمَحَلِّ عَلى الحالِّ بِهِ، أوْ عَنِ الجُمْلَةِ الإنْسانِيَّةِ، إذْ قَدْ ذُكِرَ الإنْزالُ عَلَيْهِ في أماكِنَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢]، ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، أوْ يَكُونُ إطْلاقًا لِبَعْضِ الشَّيْءِ عَلى كُلِّهِ، أقْوالٌ سَبْعَةٌ. وأضافَ القَلْبَ إلى الكافِ الَّتِي لِلْخِطابِ، ولَمْ يُضِفْهُ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وإنْ كانَ نَظْمُ الكَلامِ يَقْتَضِيهِ ظاهِرًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾، هو مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، التَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: قالَ اللَّهُ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ . وإلى هَذا نَحا الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: جاءَتْ عَلى حِكايَةِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، كَأنَّهُ قِيلَ: ما تَكَلَّمْتُ بِهِ مِن قَوْلِي: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾، وكَلامُهُ فِيهِ تَثْبِيجٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْسُنُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُحْرِزَ اللَّفْظَ الَّذِي يَقُولُهُ المَأْمُورُ بِالقَوْلِ، ويَحْسُنُ أنْ يَقْصِدَ المَعْنى بِقَوْلِهِ، فَيَسْرُدَهُ مُخاطَبَةً لَهُ، كَما تَقُولُ: قُلْ لِقَوْمِكَ لا يُهِينُوكَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎ألَمْ تَرَ أنِّي يَوْمَ جَوَّ سُوَيْقَةٍ دَعَوْتُ فَنادَتْنِي هُنَيْدَةُ مالِيا فَأحْرَزَ المَعْنى، ونَكَبَ عَنْ نِداءِ هُنَيْدَةَ مالَكَ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةٌ مَعْمُولَةً لِلَّفْظِ: قُلْ، لا لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، وهو ظاهِرُ الكَلامِ. ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾: أيْ بِأمْرِ اللَّهِ، اخْتارَهُ في المُنْتَخَبِ ومِنهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]، ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]، أوْ بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ إيّاهُ مِن هَذِهِ المَنزِلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أوْ بِاخْتِيارِهِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ، أوْ بِتَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: انْتِصابُ مُصَدِّقًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في نَزَّلَهُ، إنْ كانَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، وإنْ عادَ عَلى جِبْرِيلَ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ (p-٣٢١)حالًا مِنَ المَجْرُورِ المَحْذُوفِ لِفَهْمِ المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: فَإنَّ اللَّهَ نَزَّلَ جِبْرِيلَ بِالقُرْآنِ مُصَدِّقًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا مِن جِبْرِيلَ. وما في ”لِما“ مَوْصُولَةٌ، وعَنى بِها الكُتُبَ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ عَلى الأُمَمِ قَبْلَ إنْزالِهِ، أوِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. والهاءُ في ”بَيْنَ يَدَيْهِ“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً عَلى القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ عَلى جِبْرِيلَ. فالمَعْنى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ والكُتُبِ. ﴿وهُدًى وبُشْرى﴾: مَعْطُوفانِ عَلى مُصَدِّقًا، فَهُما حالانِ، فَيَكُونُ مِن وضْعِ المَصْدَرِ مَوْضِعَ اسْمِ الفاعِلِ كَأنَّهُ قالَ: وهادِيًا ومُبَشِّرًا، أوْ مِن بابِ المُبالَغَةِ، كَأنَّهُ لَمّا حَصَلَ بِهِ الهُدى والبُشْرى، جُعِلَ نَفْسَ الهُدى والبُشْرى. والألِفُ في بُشْرى لِلتَّأْنِيثِ، كَهي في رُجْعى، وهو مَصْدَرٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥] في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِتَصْدِيقِهِ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ هُدًى، إذْ فِيهِ بَيانُ ما وقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ مِن أعْمالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ، وأنَّهُ بُشْرى لِمَن حَصَلَ لَهُ الهُدى. فَصارَ هَذا التَّرْتِيبُ اللَّفْظِيُّ في هَذِهِ الأحْوالِ، لِكَوْنِ مَدْلُولاتِها تَرَتَّبَتْ تَرْتِيبًا وُجُودِيًّا. فالأوَّلُ: كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُتُبَ كُلَّها مِن يَنْبُوعٍ واحِدٍ. والثّانِي: أنَّ الهِدايَةَ حَصَلَتْ بِهِ بَعْدَ نُزُولِهِ عَلى هَذِهِ الحالِ مِنَ التَّصْدِيقِ. والثّالِثُ: أنَّهُ بُشْرى لِمَن حَصَلَتْ لَهُ بِهِ الهِدايَةُ. وقالَ الرّاغِبُ: وهُدًى مِنَ الضَّلالَةِ وبُشْرى بِالجَنَّةِ. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: خَصَّ الهُدى والبُشْرى بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ لا يَكُونُ لَهم هُدًى بِهِ ولا بُشْرى، كَما قالَ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]، ولِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ المُبَشَّرُونَ، ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ [الزمر: ١٧]، ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ [التوبة: ٢١] . ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَعْظِيمِ جِبْرِيلَ والتَّنْوِيهِ بِقَدْرِهِ، حَيْثُ جَعَلَهُ الواسِطَةَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ أشْرَفِ خَلْقِهِ، والمُنَزَّلَ بِالكِتابِ الجامِعِ لِلْأوْصافِ المَذْكُورَةِ. ودَلَّتْ عَلى ذَمِّ اليَهُودِ حَيْثُ أبْغَضُوا مَن كانَ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ تَعَلَّقَتْ بِها الباطِنِيَّةُ، وقالُوا: إنَّ القُرْآنَ إلْهامٌ، والحُرُوفَ عِبارَةُ الرَّسُولِ. ورُدَّ عَلَيْهِمْ: بِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ بِنَظْمِهِ، وأنَّ اللَّهَ سَمّاهُ وحْيًا وكِتابًا وعَرَبِيًّا، وأنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِهِ، والمُلْهَمُ لا يَحْتاجُ إلى جِبْرِيلَ. ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾: العَداوَةُ بَيْنَ اللَّهِ والعَبْدِ لا تَكُونُ حَقِيقَةً، وعَداوَةُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى مَجازٌ، ومَعْناها: مُخالَفَةُ الأمْرِ، وعَداوَةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، مُجازاتُهُ عَلى مُخالَفَتِهِ. ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ . أكَّدَ بِقَوْلِهِ: ومَلائِكَتِهِ، أمْرَ جِبْرِيلَ، إذِ اليَهُودُ قَدْ أخْبَرَتْ أنَّهُ عَدُوُّهم مِنَ المَلائِكَةِ، لِكَوْنِهِ يَأْتِي بِالهَلاكِ والعَذابِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ في الآيَةِ السّابِقَةِ، بِأنَّهُ أتى بِأصْلِ الخُيُورِ كُلِّها، وهو القُرْآنُ الجامِعُ لِتِلْكَ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ، مِن مُوافَقَتِهِ لِكُتُبِهِمْ، وكَوْنِهِ هُدًى وبُشْرى، فَكانَتْ تَجِبُ مَحَبَّتُهُ. ورَدَّ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، بِأنْ قَرَنَهُ بِاسْمِهِ تَعالى مُنْدَرِجًا تَحْتَ عُمُومِ مَلائِكَتِهِ، ثُمَّ ثانِيًا تَحْتَ عُمُومِ رُسُلِهِ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ تَشْمَلُ المَلائِكَةَ وغَيْرَهم مِمَّنْ أُرْسِلَ مِن بَنِي آدَمَ، ثُمَّ ثالِثًا بِالتَّنْصِيصِ عَلى ذِكْرِهِ مُجَرَّدًا مَعَ مَن يَدَّعُونَ أنَّهم يُحِبُّونَهُ، وهو مِيكالُ، فَصارَ مَذْكُورًا في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ وذَمٌّ لَهم، وتَنْوِيهٌ بِجِبْرِيلَ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى عَدُوٌّ لِمَن عادى اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ. ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ مَن جَمَعَ عَداوَةَ الجَمِيعِ فاللَّهُ تَعالى عَدُوُّهُ، وإنَّما المَعْنى أنَّ مَن عادى واحِدًا مِمَّنْ ذُكِرَ، فاللَّهُ عَدُوُّهُ، إذْ مُعاداةُ واحِدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ مُعاداةٌ لِلْجَمِيعِ. وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ مَن أبْغَضَ رَسُولًا أوْ مَلَكًا فَقَدْ كَفَرَ. فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: الواوُ هُنا بِمَعْنى أوْ، ولَيْسَتْ لِلْجَمْعِ. وقالَ بَعْضُهم: الواوُ لِلتَّفْصِيلِ، ولا يُرادُ أيْضًا أنْ يَكُونَ عَدُوًّا لِجَمِيعِ المَلائِكَةِ، ولا لِجَمِيعِ الرُّسُلِ، بَلْ هَذا مِن بابِ التَّعْلِيقِ عَلى الجِنْسِ بِصُورَةِ الجَمْعِ، كَقَوْلِكَ: إنْ كَلَّمْتِ الرِّجالَ فَأنْتِ طالِقٌ، لا يُرِيدُ بِذَلِكَ إنْ كَلَّمْتِ كُلَّ الرِّجالِ، ولا أقَلَّ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الجَمْعُ، وإنَّما عَلَّقَ بِالجِنْسِ، وإنْ كانَ بِصُورَةِ الجَمْعِ، فَلَوْ كَلَّمَتْ رَجُلًا واحِدًا طُلِّقَتْ، فَكَذَلِكَ هَذا الجَمْعُ في المَلائِكَةِ والرُّسُلِ. فالمَعْنى أنَّ مَن عادى اللَّهَ، أوْ مَلَكًا مِن مَلائِكَتِهِ، أوْ رَسُولًا مِن رُسُلِهِ، فاللَّهُ (p-٣٢٢)عَدُوٌّ لَهُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِافْتِتاحُ بِاسْمِ اللَّهِ، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِمَن ذُكِرَ بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وخَصَّ جِبْرِيلَ ومِيكالَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُما وتَفْضِيلًا. وقَدْ ذَكَرْنا عَنْ أُسْتاذِنا أبِي جَعْفَرٍ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - أنَّهُ كانَ يُسَمِّي لَنا هَذا النَّوْعَ بِالتَّجْرِيدِ، وهو أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُنْدَرِجًا تَحْتَ عُمُومٍ، ثُمَّ تُفْرِدَهُ بِالذِّكْرِ، وذَلِكَ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِهِ دُونَ أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ. فَجِبْرِيلَ ومِيكالُ جُعِلا كَأنَّهُما مِن جِنْسٍ آخَرَ، ونَزَلَ التَّغايُرُ في الوَصْفِ كالتَّغايُرِ في الجِنْسِ، فَعُطِفَ. وهَذا النَّوْعُ مِنَ العَطْفِ - أعْنِي عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ - عَلى سَبِيلِ التَّفْضِيلِ، هو مِنَ الأحْكامِ الَّتِي انْفَرَدَتْ بِها الواوُ، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ في غَيْرِها مِن حُرُوفِ العَطْفِ. وقِيلَ: خُصّا بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوهُما، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما. فَلَوْ لَمْ يُذْكَرا، لَكانَ لِلْيَهُودِ تَعَلُّقٌ بِأنْ يَقُولُوا: لَمْ نُعادِ اللَّهَ ؟ ولا جَمِيعَ مَلائِكَتِهِ ؟ وقِيلَ: خُصّا بِالذِّكْرِ دَفْعًا لِإشْكالِ: أنَّ المُوجِبَ لِلْكُفْرِ عَداوَةُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ، لا واحِدٌ مِنهم. فَكَأنَّهُ قِيلَ: أوْ واحِدٌ مِنهم. وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ، فابْتُدِئَ بِذِكْرِ اللَّهِ، ثُمَّ بِذِكْرِ الوَسائِطِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّسُلِ، ثُمَّ بِذِكْرِ الوَسائِطِ الَّتِي بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ. فَهَذا تَرْتِيبٌ بِحَسَبِ الوَحْيِ. ولا يَدُلُّ تَقْدِيمُ المَلائِكَةِ في الذِّكْرِ عَلى تَفْضِيلِهِمْ عَلى رُسُلِ بَنِي آدَمَ؛ لِأنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو تَرْتِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَسائِطِ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى التَّفْضِيلِ. ويَأْتِي قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيَّ: بِأنَّ المَلائِكَةَ أشْرَفُ مِنَ الأنْبِياءِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - قالُوا: واخْتِصاصُ جِبْرِيلَ ومِيكالَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِما أشْرَفَ مِن جَمِيعِ المَلائِكَةِ. وقالُوا: جِبْرِيلَ أفْضَلُ مِن مِيكالَ؛ لِأنَّهُ قُدِّمَ في الذِّكْرِ، ولِأنَّهُ يَنْزِلُ بِالوَحْيِ والعِلْمِ، وهو مادَّةُ الأرْواحِ. ومِيكالُ يَنْزِلُ بِالخِصْبِ والأمْطارِ، وهي مادَّةُ الأبْدانِ، وغِذاءُ الأرْواحِ أشْرَفُ مِن غِذاءِ الأشْباحِ، انْتَهى. ويَحْتاجُ تَفْضِيلُ جِبْرِيلَ عَلى مِيكائِيلَ إلى نَصٍّ جَلِيٍّ واضِحٍ، والتَّقَدُّمُ في الذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّرَقِّي. ومَن: في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا﴾ شَرْطِيَّةٌ. واخْتُلِفَ في الجَوابِ فَقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَهو كافِرٌ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقِيلَ الجَوابُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾، وأتى بِاسْمِ اللَّهِ ظاهِرًا، ولَمْ يَأْتِ بِأنَّهُ عَدُوٌّ لِاحْتِمالِ أنْ يُفْهَمَ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ فَيَنْقَلِبَ المَعْنى، أوْ عائِدٌ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو مِيكالُ، فَأظْهَرَ الِاسْمَ لِزَوالِ اللَّبْسِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ؛ لِأنَّ العَرَبَ إذا فَخَّمَتْ شَيْئًا كَرَّرَتْهُ بِالِاسْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ ومِنهُ: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ وهَذِهِ الجُمْلَةُ الواقِعَةُ خَبَرًا لِلشَّرْطِ، تَحْتاجُ إلى رابِطٍ لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِاسْمِ الشَّرْطِ. والرّابِطُ هُنا الِاسْمُ الظّاهِرُ وهو: الكافِرِينَ، أُوقِعَ الظّاهِرُ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِتَواخِي أواخِرِ الآيِ، ولِيَنُصَّ عَلى عِلَّةِ العَداوَةِ، وهي الكُفْرُ، إذْ مَن عادى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، أوْ واحِدًا مِنهم، فَهو كافِرٌ. أوْ يُرادُ بِالكافِرِينَ العُمُومُ، فَيَكُونُ الرّابِطُ العُمُومَ، إذِ الكُفْرُ يَكُونُ بِأنْواعٍ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ بِهَذا الشَّيْءِ الخاصِّ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُمُومِ، فَيَحْصُلُ الرَّبْطُ بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ، أرادَ عَدُوًّا لَهم، فَجاءَ بِالظّاهِرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ عاداهم لِكُفْرِهِمْ، وأنَّ عَداوَةَ المَلائِكَةِ كُفْرٌ. وإذا كانَتْ عَداوَةُ الأنْبِياءِ كُفْرًا، فَما بالُ المَلائِكَةِ ؟ وهم أشْرَفُ. والمَعْنى: مَن عاداهم عاداهُ اللَّهُ وعاقَبَهُ أشَدَّ العِقابِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِن خَواصِّ بَنِي آدَمَ. ودَلَّ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى أنَّ الظّاهِرَ وقَعَ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ، وأنَّهُ لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ العُمُومُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ العِبارَةُ بِعُمُومِ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى ”مَن“ يُشْكِلُ، سَواءٌ أفْرَدْتَهُ أوْ جَمَعْتَهُ، ولَوْ لَمْ يُبالِ بِالإشْكالِ. وقُلْنا: المَعْنى يَدُلُّ السّامِعَ عَلى المَقْصِدِ، لَلَزِمَ تَعْيِينُ قَوْمٍ بِعَداوَةِ اللَّهِ لَهم. ويُحْتَمَلُ أنِ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يُؤْمِنُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ (p-٣٢٣)عَداوَةُ اللَّهِ لِلْمَآلِ. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ نَطَقَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُجاوِبًا لِبَعْضِ اليَهُودِ في قَوْلِهِ: ذَلِكَ عَدُوُّنا - يَعْنِي جِبْرِيلَ - فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الخَبَرُ ضَعِيفٌ.

البقرة 2:98

﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠] ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] . جِبْرِيلُ: اسْمُ مَلَكٍ عَلَمٌ لَهُ، وهو الَّذِي نَزَلَ بِالقُرْآنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ، لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن جَبَرُوتِ اللَّهِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ تَرْكِيبَ الإضافَةِ. ومَعْنى جِبْرِ: عَبْدٌ، وإيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الأعْجَمِيَّ لا يَدْخُلُهُ الِاشْتِقاقُ العَرَبِيُّ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ مُرَكَّبًا تَرْكِيبَ الإضافَةِ لَكانَ مَصْرُوفًا. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: ومَن قالَ: جِبْرٌ، مِثْلَ: عَبْدٍ، وإيلٌ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ حَضْرَمَوْتَ. انْتَهى كَلامُهُ. يَعْنِي أنَّهُ يَجْعَلُهُ مُرَكَّبًا تَرْكِيبَ المَزْجِ، فَيَمْنَعُهُ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّرْكِيبِ. ولَيْسَ ما ذَكَرَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُلْحَظَ فِيهِ مَعْنى الإضافَةِ، فَيَلْزَمَ الصَّرْفُ في الثّانِي، وإجْراءُ الأوَّلِ بِوُجُوهِ الإعْرابِ، أوْ لا يُلْحَظَ، فَيُرَكِّبَهُ تَرْكِيبَ المَزْجِ. فَما يُرَكَّبُ تَرْكِيبَ المَزْجِ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإضافَةُ ومَنعُ الصَّرْفِ، فَكَوْنُهُ لَمْ يُسْمَعْ فِيهِ الإضافَةُ، ولا البِناءُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَرْكِيبِ المَزْجِ. وقَدْ تَصَرَّفَتْ فِيهِ العَرَبُ عَلى عادَتِها في تَغْيِيرِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، حَتّى بَلَغَتْ فِيهِ إلى ثَلاثَ عَشْرَةَ لُغَةً. قالُوا: (p-٣١٨)جِبْرِيلُ: كَقِنْدِيلٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو ونافِعٍ وحَفْصٍ. وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: ؎وجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ ومِيكالُ مَعْهُما مِنَ اللَّهِ وحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ وقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ: ؎والرُّوحُ جِبْرِيلُ مِنهم لا كِفاءَ لَهُ ∗∗∗ وكانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللَّهِ مَأْمُونا وقالَ حَسّانُ: ؎وجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ∗∗∗ ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ وكَذَلِكَ إلّا أنَّ الجِيمَ مَفْتُوحَةٌ، وبِها قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ مُحَيْصِنٍ. قالَ الفَرّاءُ: لا أُحِبُّها؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فَعْلِيلٌ، وما قالَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ ما أدْخَلَتْهُ العَرَبُ في كَلامِها عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما تُلْحِقُهُ بِأبْنِيَةِ كَلامِها، كَلِجامٍ، ومِنهُ ما لا تُلْحِقُهُ بِها، كَإبْرَيْسِمٍ. فَجَبْرِيلُ، بِفَتْحِ الجِيمِ، مِن هَذا القَبِيلِ. وقِيلَ: جَبْرِيلُ مِثْلُ شَمْوِيلَ، وهو طائِرٌ. وجِبْرَئِيلُ كَعَنْتَرِيسٍ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَيْسٍ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ نَجْدٍ. حَكاها الفَرّاءُ، واخْتارَها الزَّجّاجُ وقالَ: هي أجْوَدُ اللُّغاتِ. وقالَ حَسّانُ: ؎شَهِدْنا فَما تَلْقى لَنا مِن كَتِيبَةٍ ∗∗∗ مَدى الدَّهْرِ إلّا جَبْرَئِيلَ أمامَها وقالَ جَرِيرٌ: ؎عَبَدُوا الصَّلِيبَ وكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ ∗∗∗ وبِجِبْرَئِيلَ وكَذَّبُوا مِيكالا وهِيَ قِراءَةُ الأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَمّادِ بْنِ أبِي زِيادٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. ورَواها الكِسائِيُّ، عَنْ عاصِمٍ، وكَذَلِكَ. إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وهي رِوايَةُ يَحْيى بْنِ آدَمَ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ. وتُرْوى عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، وكَذَلِكَ. إلّا أنَّ اللّامَ مُشَدَّدَةٌ، وهي قِراءَةُ أبانَ، عَنْ عاصِمٍ ويَحْيى بْنِ يَعْمَرَ. وجِبْرائِيلُ وجِبْرايِيلُ، وقَرَأ بِهِما ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ. وجِبْرالُ وجِبْرائِلُ بِالياءِ والقَصْرِ، وبِها قَرَأ طَلْحَةُ. وجِبْرايِيلُ بِألِفٍ بَعْدِ الرّاءِ، بَعْدَها ياءانِ، أُولاهُما مَكْسُورَةٌ، وقَرَأ بِها الأعْمَشُ وابْنُ يَعْمَرَ أيْضًا. وجَبْرِينُ وجِبْرِينُ، وهَذِهِ لُغَةُ أسَدٍ. وجِبْرائِينُ. قالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: جُمِعَ جِبْرِيلُ جَمْعَ التَّكْسِيرِ عَلى جَبارِيلَ عَلى اللُّغَةِ العالِيَةِ. أذِنَ بِهِ: عَلَّمَ بِهِ، وآذَنَهُ: أعْلَمَهُ. آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ: أعْلَمْتُكم. ثُمَّ يُطْلَقُ عَلى التَّمْكِينِ. أذِنَ لِي في كَذا: أيْ مَكَّنَنِي مِنهُ. وعَلى الِاخْتِيارِ فَعَلْتَهُ بِإذْنِكَ: أيْ بِاخْتِيارِكَ. مِيكائِيلُ: الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في جِبْرِيلَ، أعْنِي مِن مَنعِ الصَّرْفِ. وبَعُدَ قَوْلِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن مَلَكُوتِ اللَّهِ، أوْ ذَهَبَ إلى أنَّ مَعْنى مِيكا: عَبْدٌ، وإيلَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ تَصَرَّفَتْ فِيهِ العَرَبُ. قالُوا: مِيكالُ، كَمِفْعالُ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎ويَوْمَ بَدْرٍ لَقِيناكم لَنا مَدَدًا فِيهِ ∗∗∗ مَعَ النَّصْرِ مِيكالٌ وجِبْرِيلُ وكَذَلِكَ. إلّا أنَّ بَعْدَ الألِفِ هَمْزَةً، وبِها قَرَأ نافِعٌ وابْنُ شَنَبُوذَ لِقُنْبُلٍ، وكَذَلِكَ. إلّا أنَّهُ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ، وغَيْرُ ابْنِ شَنَبُوذَ لِقُنْبُلٍ والبَزِّيِّ. ومِيكَيِيلُ كَمِيكَعِيلَ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وكَذَلِكَ. إلّا أنَّهُ لا ياءَ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقُرِئَ بِها: ومِيكايِيلُ بِياءَيْنِ بَعْدَ الألِفِ، أُولاهُما مَكْسُورَةٌ، وبِها قَرَأالأعْمَشُ. نَبَذَ الشَّيْءَ، يَنْبِذُهُ نَبْذًا: طَرَحَهُ وألْقاهُ. الظَّهْرُ: مَعْرُوفٌ، وجَمْعُ فِعْلِ الِاسْمِ غَيْرِ المُعْتَلِّ العَيْنِ عَلى فُعُولٍ قِياسٌ: كَظُهُورٍ، وعَلى فَعْلانَ: كَظَهْرانَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ. تَقُولُ: ظَهَرَ الشَّيْءُ ظُهُورًا، إذا بَدا. تَلا يَتْلُو: تَبِعَ. وتَلا القُرْآنَ: قَرَأهُ. وتَلا عَلَيْهِ: كَذَبَ، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقالَ أيْضًا: تَلا عَنْهُ صَدَفَ، فَإذا لَمْ يَذْكُرِ الصِّلَتَيْنِ احْتَمَلَ الأمْرَيْنِ. سُلَيْمانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وامْتَنَعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ (p-٣١٩)والعُجْمَةِ، ونَظِيرُهُ مِنَ الأعْجَمِيَّةِ، في أنَّ في آخِرِهِ ألِفًا ونُونًا: هامانُ، وماهانُ، وسامانُ، ولَيْسَ امْتِناعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ كَعُثْمانَ؛ لِأنَّ زِيادَةَ الألِفِ والنُّونِ مَوْقُوفَةٌ عَلى الِاشْتِقاقِ والتَّصْرِيفِ. والِاشْتِقاقُ والتَّصْرِيفُ العَرَبِيّانِ لا يَدْخُلانِ الأسْماءَ العَجَمِيَّةَ. السِّحْرُ: مَصْدَرُ سَحَرَ يَسْحَرُ سِحْرًا، ولا يُوجَدُ مَصْدَرٌ لِفَعَلَ يَفْعَلُ عَلى وزْنِ فِعْلٍ إلّا سَحَرَ وفَعَلَ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: كُلُّ ما لَطُفَ ودَقَّ فَهو سِحْرٌ. يُقالُ سَحَرَهُ: أبْدى لَهُ أمْرًا يَدِقُّ عَلَيْهِ ويَخْفى. انْتَهى. وقالَ: ؎أداءٌ عَرانِي مِن حَبائِكَ أمْ سِحْرُ ويُقالُ سَحَرَهُ: خَدَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أرانا مَوْضِعِينَ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ أيْ: نُعَلَّلُ ونُخْدَعُ. وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى مَدْلُولِ السِّحْرِ في الآيَةِ. بابِلُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، اسْمُ أرْضٍ، وسَيَأْتِي تَعْيِينُها. هارُوتُ ومارُوتُ: اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى مَدْلُولِهِما، ويُجْمَعانِ عَلى: هَوارِيتَ ومَوارِيتَ، ويُقالُ: هَوارِتَةُ ومَوارِتَةُ، ومِثْلُ ذَلِكَ: طالُوتُ وجالُوتُ. الفِتْنَةُ: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ. فَتَنَ يَفْتِنُ فُتُونًا وفِتْنَةً. المَرْءُ: الرَّجُلُ، والأفْصَحُ فَتْحُ المِيمِ مُطْلَقًا، وحُكِيَ الضَّمُّ مُطْلَقًا، وحُكِيَ إتْباعُ حَرَكَةِ المِيمِ لِحَرَكَةِ الإعْرابِ فَتَقُولُ: قامَ المُرْءُ: بِضَمِّ المِيمِ، ورَأيْتُ المَرْءَ: بِفَتْحِ المِيمِ، ومَرَرْتُ بِالمِرْءِ: بِكَسْرِ المِيمِ، ومُؤَنَّثُهُ المَرْأةُ. وقَدْ جاءَ جَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ، قالُوا: المَرْءُونَ. الضَّرَرُ والنَّفْعُ مَعْرُوفانِ، ويُقالُ: ضَرَّ يَضُرُّ، بِضَمِّ الضّادِ، وهو قِياسُ المُضَعَّفِ المُتَعَدِّي ومَصْدَرُهُ: الضُّرُّ والضَّرُّ والضَّرَرُ، ويُقالُ: ضارَ يَضِيرُ، قالَ: ؎يَقُولُ أُناسٌ لا يَضِيرُكَ نَأْيُها ∗∗∗ بَلى كُلُّ ما شَفَّ النُّفُوسَ يَضِيرُها ويُقالُ: نَفَعَ يَنْفَعُ نَفْعًا. ورَأيْتُ في شَرْحِ المُوجَزِ الَّذِي لِلرُّمّانِيِّ في النَّحْوِ، وهو تَأْلِيفُ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ الأهْوازِيُّ، ولَيْسَ بِأبِي عَلِيٍّ الأهْوازِيِّ المُقْرِي، أنَّهُ لا يُقالُ مِنهُ اسْمُ مَفْعُولٍ نَحْوُ مَنفُوعٍ، والقِياسُ النَّحْوِيُّ يَقْتَضِيهِ. الخَلاقُ في اللُّغَةِ: النَّصِيبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ: لَكِنَّهُ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، قالَ: ؎يَدْعُونَ بِالوَيْلِ فِيها لا خَلاقَ لَهم ∗∗∗ إلّا السَّرابِيلُ مِن قُطْرٍ وأغْلالِ والخَلاقُ: القَدْرُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَما لَكَ بَيْتٌ لَدى الشّامِخاتِ ∗∗∗ وما لَكَ في غالِبٍ مِن خَلاقِ مَثُوبَةٌ: مَفْعَلَةٌ مِنَ الثَّوابِ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الثّاءِ، ويُقالُ: مَثُوبَةٌ. وكانَ قِياسُهُ الإعْلالَ فَتَقُولُ: مَثابَةٌ، ولَكِنَّهم صَحَّحُوهُ كَما صَحَّحُوا في الأعْلامِ مُكَوَّرَةً، ونَظِيرُهُما في الوَزْنِ مِنَ الصَّحِيحِ: مَقْبَرَةٌ ومَقْبُرَةٌ. ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾: أجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: جِبْرِيلُ عَدُّونا، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، وهَلْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ مُحاوَرَتَهم مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أوْ مُحاوَرَتَهم مَعَ عُمَرَ ؟ ومُلَخَّصُ العَداوَةِ: أنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَأْتِي بِالهَلاكِ والخَسْفِ والجَدْبِ، ولَوْ كانَ مِيكالُ صاحِبَ مُحَمَّدٍ لاتَّبَعْناهُ؛ لِأنَّهُ يَأْتِي بِالخِصْبِ والسِّلْمِ، ولِكَوْنِهِ دافَعَ عَنْ بُخْتَ نَصَّرَ حِينَ أرَدْنا قَتْلَهُ، فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وأهْلَكَنا، ولِكَوْنِهِ يُطْلِعُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى سِرِّنا. والخِطابُ بِقَوْلِهِ: قُلْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ومَعْمُولُ القَوْلِ: الجُمْلَةُ بَعْدُ. ومَن هُنا شَرْطِيَّةٌ. وقالَ الرّاغِبُ: العَداوَةُ: التَّجاوُزُ ومُنافاةُ الِالتِئامِ. فَبِالقَلْبِ يُقالُ العَداوَةُ، وبِالمَشْيِ يُقالُ العَدُوُّ، وبِالإخْلالِ في العَدْلِ يُقالُ العُدْوانُ، وبِالمَكانِ أوِ النَّسَبِ يُقالُ قَوْمٌ عِدًى، أيْ غُرَباءُ. * * ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ﴾: لَيْسَ هَذا جَوابَ الشَّرْطِ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَلَوْ قُلْتَ: مَن يُكْرِمُنِي ؟ فَزَيْدٌ قائِمٌ، لَمْ يَجُزْ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾، لَيْسَ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى مَن. وقَدْ صَرَّحَ بِأنَّهُ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو خَطَأٌ، لِما ذَكَرْناهُ مِن عَدَمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ، ولِمُضِيِّ فِعْلِ التَّنْزِيلِ، فَلا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَزاءً، وإنَّما الجَزاءُ (p-٣٢٠)مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: فَعَداوَتُهُ لا وجْهَ لَها، أوْ ما أشْبَهَ هَذا التَّقْدِيرَ. والضَّمِيرُ في فَإنَّهُ عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ، والضَّمِيرُ في نَزَّلَهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؟ وهَذِهِ كُلُّها مِن صِفاتِ القُرْآنِ. ولِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾، أيْ فَإنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَ القُرْآنَ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في فَإنَّهُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفي نَزَّلَهُ عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ، التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ نَزَّلَ جِبْرِيلَ بِالقُرْآنِ عَلى قَلْبِكَ. وفي كُلٍّ مِن هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ إضْمارٌ يَعُودُ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ المَعْنى. لَكِنَّ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ أوْلى، لِما ذَكَرْناهُ، ولِيَكُونَ مُوافِقًا لِقَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، ويَنْظُرُ لِلتَّقْدِيرِ الثّانِي قِراءَةُ مَن قَرَأ: نَزَّلَ بِالتَّشْدِيدِ، والرُّوحَ بِالنَّصْبِ. ومُناسَبَةُ دَلِيلِ الجَزاءِ لِلشَّرْطِ هو أنَّ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَعَداوَتُهُ لا وجْهَ لَها؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي نَزَلَ بِالقُرْآنِ المُصَدِّقِ لِلْكُتُبِ، والهادِي والمُبَشِّرِ، كَمَن آمَنَ. ومَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُحَبَّ ويُشْكَرَ، إذْ كانَ بِهِ سَبَبُ الهِدايَةِ والتَّنْوِيهِ بِما في أيْدِيهِمْ مِن كُتُبِ اللَّهِ، أوْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَسَبَبُ عَداوَتِهِ أنَّهُ نَزَّلَ القُرْآنَ المُصَدِّقَ لِكِتابِهِمْ، والمُلْزِمَ لَهُمُ اتِّباعَكَ، وهم لا يُرِيدُونَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ حَرَّفُوا ما في كُتُبِهِمْ مِن صِفاتِكَ، ومِن أخْذِ العُهُودِ عَلَيْهِمْ فِيها، بِأنْ يَتَّبِعُوكَ. والفَرْقُ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ: أنَّ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ مُوجِبٌ لِعَدَمِ العَداوَةِ، والتَّقْدِيرَ الثّانِيَ كَأنَّهُ كالعُذْرِ لَهم في العَداوَةِ كَقَوْلِكَ: إنْ عاداكَ زَيْدٌ، فَقَدْ آذَيْتَهُ وأسَأْتَ إلَيْهِ. ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾: أتى بِلَفْظِ عَلى؛ لِأنَّ القُرْآنَ مُسْتَعْلٍ عَلى القَلْبِ، إذِ القَلْبُ سامِعٌ لَهُ ومُطِيعٌ، يَمْتَثِلُ ما أمَرَ بِهِ، ويَجْتَنِبُ ما نَهى عَنْهُ. وكانَتْ أبْلَغَ مِن إلى؛ لِأنَّ إلى تَدُلُّ عَلى الِانْتِهاءِ فَقَطْ، وعَلى تَدُلُّ عَلى الِاسْتِعْلاءِ. وما اسْتَعْلى عَلى الشَّيْءِ يَضْمَنُ الِانْتِهاءَ إلَيْهِ. وخُصَّ القَلْبُ - ولَمْ يَأْتِ عَلَيْكَ - لِأنَّ القَلْبَ هو مَحَلُّ العَقْلِ والعِلْمِ وتَلَقِّي الوارِداتِ، أوْ لِأنَّهُ صَحِيفَتُهُ الَّتِي يُرْقَمُ فِيها، وخِزانَتُهُ الَّتِي يُحْفَظُ فِيها، أوْ لِأنَّهُ سُلْطانُ الجَسَدِ. وفي الحَدِيثِ: «إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً ”. ثُمَّ قالَ أخِيرًا:“ ألا وهي القَلْبُ» . أوْ لِأنَّ القَلْبَ خِيارُ الشَّيْءِ وأشْرَفُهُ، أوْ لِأنَّهُ بَيْتُ اللَّهِ، أوْ لِأنَّهُ كَنّى بِهِ عَنِ العَقْلِ إطْلاقًا لِلْمَحَلِّ عَلى الحالِّ بِهِ، أوْ عَنِ الجُمْلَةِ الإنْسانِيَّةِ، إذْ قَدْ ذُكِرَ الإنْزالُ عَلَيْهِ في أماكِنَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢]، ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، أوْ يَكُونُ إطْلاقًا لِبَعْضِ الشَّيْءِ عَلى كُلِّهِ، أقْوالٌ سَبْعَةٌ. وأضافَ القَلْبَ إلى الكافِ الَّتِي لِلْخِطابِ، ولَمْ يُضِفْهُ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وإنْ كانَ نَظْمُ الكَلامِ يَقْتَضِيهِ ظاهِرًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾، هو مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، التَّقْدِيرُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: قالَ اللَّهُ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ . وإلى هَذا نَحا الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: جاءَتْ عَلى حِكايَةِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، كَأنَّهُ قِيلَ: ما تَكَلَّمْتُ بِهِ مِن قَوْلِي: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾، وكَلامُهُ فِيهِ تَثْبِيجٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْسُنُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُحْرِزَ اللَّفْظَ الَّذِي يَقُولُهُ المَأْمُورُ بِالقَوْلِ، ويَحْسُنُ أنْ يَقْصِدَ المَعْنى بِقَوْلِهِ، فَيَسْرُدَهُ مُخاطَبَةً لَهُ، كَما تَقُولُ: قُلْ لِقَوْمِكَ لا يُهِينُوكَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎ألَمْ تَرَ أنِّي يَوْمَ جَوَّ سُوَيْقَةٍ دَعَوْتُ فَنادَتْنِي هُنَيْدَةُ مالِيا فَأحْرَزَ المَعْنى، ونَكَبَ عَنْ نِداءِ هُنَيْدَةَ مالَكَ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةٌ مَعْمُولَةً لِلَّفْظِ: قُلْ، لا لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، وهو ظاهِرُ الكَلامِ. ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾: أيْ بِأمْرِ اللَّهِ، اخْتارَهُ في المُنْتَخَبِ ومِنهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]، ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]، أوْ بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ إيّاهُ مِن هَذِهِ المَنزِلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أوْ بِاخْتِيارِهِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ، أوْ بِتَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: انْتِصابُ مُصَدِّقًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في نَزَّلَهُ، إنْ كانَ يَعُودُ عَلى القُرْآنِ، وإنْ عادَ عَلى جِبْرِيلَ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ (p-٣٢١)حالًا مِنَ المَجْرُورِ المَحْذُوفِ لِفَهْمِ المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: فَإنَّ اللَّهَ نَزَّلَ جِبْرِيلَ بِالقُرْآنِ مُصَدِّقًا. والثّانِي: أنْ يَكُونَ حالًا مِن جِبْرِيلَ. وما في ”لِما“ مَوْصُولَةٌ، وعَنى بِها الكُتُبَ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ عَلى الأُمَمِ قَبْلَ إنْزالِهِ، أوِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ. والهاءُ في ”بَيْنَ يَدَيْهِ“ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً عَلى القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ عَلى جِبْرِيلَ. فالمَعْنى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ والكُتُبِ. ﴿وهُدًى وبُشْرى﴾: مَعْطُوفانِ عَلى مُصَدِّقًا، فَهُما حالانِ، فَيَكُونُ مِن وضْعِ المَصْدَرِ مَوْضِعَ اسْمِ الفاعِلِ كَأنَّهُ قالَ: وهادِيًا ومُبَشِّرًا، أوْ مِن بابِ المُبالَغَةِ، كَأنَّهُ لَمّا حَصَلَ بِهِ الهُدى والبُشْرى، جُعِلَ نَفْسَ الهُدى والبُشْرى. والألِفُ في بُشْرى لِلتَّأْنِيثِ، كَهي في رُجْعى، وهو مَصْدَرٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥] في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِتَصْدِيقِهِ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وأنَّهُ هُدًى، إذْ فِيهِ بَيانُ ما وقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ مِن أعْمالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ، وأنَّهُ بُشْرى لِمَن حَصَلَ لَهُ الهُدى. فَصارَ هَذا التَّرْتِيبُ اللَّفْظِيُّ في هَذِهِ الأحْوالِ، لِكَوْنِ مَدْلُولاتِها تَرَتَّبَتْ تَرْتِيبًا وُجُودِيًّا. فالأوَّلُ: كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُتُبَ كُلَّها مِن يَنْبُوعٍ واحِدٍ. والثّانِي: أنَّ الهِدايَةَ حَصَلَتْ بِهِ بَعْدَ نُزُولِهِ عَلى هَذِهِ الحالِ مِنَ التَّصْدِيقِ. والثّالِثُ: أنَّهُ بُشْرى لِمَن حَصَلَتْ لَهُ بِهِ الهِدايَةُ. وقالَ الرّاغِبُ: وهُدًى مِنَ الضَّلالَةِ وبُشْرى بِالجَنَّةِ. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: خَصَّ الهُدى والبُشْرى بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ لا يَكُونُ لَهم هُدًى بِهِ ولا بُشْرى، كَما قالَ: ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]، ولِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ المُبَشَّرُونَ، ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ [الزمر: ١٧]، ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ [التوبة: ٢١] . ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَعْظِيمِ جِبْرِيلَ والتَّنْوِيهِ بِقَدْرِهِ، حَيْثُ جَعَلَهُ الواسِطَةَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ أشْرَفِ خَلْقِهِ، والمُنَزَّلَ بِالكِتابِ الجامِعِ لِلْأوْصافِ المَذْكُورَةِ. ودَلَّتْ عَلى ذَمِّ اليَهُودِ حَيْثُ أبْغَضُوا مَن كانَ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ تَعَلَّقَتْ بِها الباطِنِيَّةُ، وقالُوا: إنَّ القُرْآنَ إلْهامٌ، والحُرُوفَ عِبارَةُ الرَّسُولِ. ورُدَّ عَلَيْهِمْ: بِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ بِنَظْمِهِ، وأنَّ اللَّهَ سَمّاهُ وحْيًا وكِتابًا وعَرَبِيًّا، وأنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِهِ، والمُلْهَمُ لا يَحْتاجُ إلى جِبْرِيلَ. ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾: العَداوَةُ بَيْنَ اللَّهِ والعَبْدِ لا تَكُونُ حَقِيقَةً، وعَداوَةُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى مَجازٌ، ومَعْناها: مُخالَفَةُ الأمْرِ، وعَداوَةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، مُجازاتُهُ عَلى مُخالَفَتِهِ. ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ . أكَّدَ بِقَوْلِهِ: ومَلائِكَتِهِ، أمْرَ جِبْرِيلَ، إذِ اليَهُودُ قَدْ أخْبَرَتْ أنَّهُ عَدُوُّهم مِنَ المَلائِكَةِ، لِكَوْنِهِ يَأْتِي بِالهَلاكِ والعَذابِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ في الآيَةِ السّابِقَةِ، بِأنَّهُ أتى بِأصْلِ الخُيُورِ كُلِّها، وهو القُرْآنُ الجامِعُ لِتِلْكَ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ، مِن مُوافَقَتِهِ لِكُتُبِهِمْ، وكَوْنِهِ هُدًى وبُشْرى، فَكانَتْ تَجِبُ مَحَبَّتُهُ. ورَدَّ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، بِأنْ قَرَنَهُ بِاسْمِهِ تَعالى مُنْدَرِجًا تَحْتَ عُمُومِ مَلائِكَتِهِ، ثُمَّ ثانِيًا تَحْتَ عُمُومِ رُسُلِهِ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ تَشْمَلُ المَلائِكَةَ وغَيْرَهم مِمَّنْ أُرْسِلَ مِن بَنِي آدَمَ، ثُمَّ ثالِثًا بِالتَّنْصِيصِ عَلى ذِكْرِهِ مُجَرَّدًا مَعَ مَن يَدَّعُونَ أنَّهم يُحِبُّونَهُ، وهو مِيكالُ، فَصارَ مَذْكُورًا في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ وذَمٌّ لَهم، وتَنْوِيهٌ بِجِبْرِيلَ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى عَدُوٌّ لِمَن عادى اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ ورُسُلَهُ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ. ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ مَن جَمَعَ عَداوَةَ الجَمِيعِ فاللَّهُ تَعالى عَدُوُّهُ، وإنَّما المَعْنى أنَّ مَن عادى واحِدًا مِمَّنْ ذُكِرَ، فاللَّهُ عَدُوُّهُ، إذْ مُعاداةُ واحِدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ مُعاداةٌ لِلْجَمِيعِ. وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ مَن أبْغَضَ رَسُولًا أوْ مَلَكًا فَقَدْ كَفَرَ. فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: الواوُ هُنا بِمَعْنى أوْ، ولَيْسَتْ لِلْجَمْعِ. وقالَ بَعْضُهم: الواوُ لِلتَّفْصِيلِ، ولا يُرادُ أيْضًا أنْ يَكُونَ عَدُوًّا لِجَمِيعِ المَلائِكَةِ، ولا لِجَمِيعِ الرُّسُلِ، بَلْ هَذا مِن بابِ التَّعْلِيقِ عَلى الجِنْسِ بِصُورَةِ الجَمْعِ، كَقَوْلِكَ: إنْ كَلَّمْتِ الرِّجالَ فَأنْتِ طالِقٌ، لا يُرِيدُ بِذَلِكَ إنْ كَلَّمْتِ كُلَّ الرِّجالِ، ولا أقَلَّ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الجَمْعُ، وإنَّما عَلَّقَ بِالجِنْسِ، وإنْ كانَ بِصُورَةِ الجَمْعِ، فَلَوْ كَلَّمَتْ رَجُلًا واحِدًا طُلِّقَتْ، فَكَذَلِكَ هَذا الجَمْعُ في المَلائِكَةِ والرُّسُلِ. فالمَعْنى أنَّ مَن عادى اللَّهَ، أوْ مَلَكًا مِن مَلائِكَتِهِ، أوْ رَسُولًا مِن رُسُلِهِ، فاللَّهُ (p-٣٢٢)عَدُوٌّ لَهُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِافْتِتاحُ بِاسْمِ اللَّهِ، عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِمَن ذُكِرَ بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وخَصَّ جِبْرِيلَ ومِيكالَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُما وتَفْضِيلًا. وقَدْ ذَكَرْنا عَنْ أُسْتاذِنا أبِي جَعْفَرٍ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - أنَّهُ كانَ يُسَمِّي لَنا هَذا النَّوْعَ بِالتَّجْرِيدِ، وهو أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُنْدَرِجًا تَحْتَ عُمُومٍ، ثُمَّ تُفْرِدَهُ بِالذِّكْرِ، وذَلِكَ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِهِ دُونَ أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ. فَجِبْرِيلَ ومِيكالُ جُعِلا كَأنَّهُما مِن جِنْسٍ آخَرَ، ونَزَلَ التَّغايُرُ في الوَصْفِ كالتَّغايُرِ في الجِنْسِ، فَعُطِفَ. وهَذا النَّوْعُ مِنَ العَطْفِ - أعْنِي عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ - عَلى سَبِيلِ التَّفْضِيلِ، هو مِنَ الأحْكامِ الَّتِي انْفَرَدَتْ بِها الواوُ، فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ في غَيْرِها مِن حُرُوفِ العَطْفِ. وقِيلَ: خُصّا بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوهُما، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما. فَلَوْ لَمْ يُذْكَرا، لَكانَ لِلْيَهُودِ تَعَلُّقٌ بِأنْ يَقُولُوا: لَمْ نُعادِ اللَّهَ ؟ ولا جَمِيعَ مَلائِكَتِهِ ؟ وقِيلَ: خُصّا بِالذِّكْرِ دَفْعًا لِإشْكالِ: أنَّ المُوجِبَ لِلْكُفْرِ عَداوَةُ جَمِيعِ المَلائِكَةِ، لا واحِدٌ مِنهم. فَكَأنَّهُ قِيلَ: أوْ واحِدٌ مِنهم. وجاءَ هَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ، فابْتُدِئَ بِذِكْرِ اللَّهِ، ثُمَّ بِذِكْرِ الوَسائِطِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّسُلِ، ثُمَّ بِذِكْرِ الوَسائِطِ الَّتِي بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ. فَهَذا تَرْتِيبٌ بِحَسَبِ الوَحْيِ. ولا يَدُلُّ تَقْدِيمُ المَلائِكَةِ في الذِّكْرِ عَلى تَفْضِيلِهِمْ عَلى رُسُلِ بَنِي آدَمَ؛ لِأنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو تَرْتِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الوَسائِطِ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى التَّفْضِيلِ. ويَأْتِي قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيَّ: بِأنَّ المَلائِكَةَ أشْرَفُ مِنَ الأنْبِياءِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - قالُوا: واخْتِصاصُ جِبْرِيلَ ومِيكالَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِما أشْرَفَ مِن جَمِيعِ المَلائِكَةِ. وقالُوا: جِبْرِيلَ أفْضَلُ مِن مِيكالَ؛ لِأنَّهُ قُدِّمَ في الذِّكْرِ، ولِأنَّهُ يَنْزِلُ بِالوَحْيِ والعِلْمِ، وهو مادَّةُ الأرْواحِ. ومِيكالُ يَنْزِلُ بِالخِصْبِ والأمْطارِ، وهي مادَّةُ الأبْدانِ، وغِذاءُ الأرْواحِ أشْرَفُ مِن غِذاءِ الأشْباحِ، انْتَهى. ويَحْتاجُ تَفْضِيلُ جِبْرِيلَ عَلى مِيكائِيلَ إلى نَصٍّ جَلِيٍّ واضِحٍ، والتَّقَدُّمُ في الذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّرَقِّي. ومَن: في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا﴾ شَرْطِيَّةٌ. واخْتُلِفَ في الجَوابِ فَقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَهو كافِرٌ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. وقِيلَ الجَوابُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾، وأتى بِاسْمِ اللَّهِ ظاهِرًا، ولَمْ يَأْتِ بِأنَّهُ عَدُوٌّ لِاحْتِمالِ أنْ يُفْهَمَ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ فَيَنْقَلِبَ المَعْنى، أوْ عائِدٌ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو مِيكالُ، فَأظْهَرَ الِاسْمَ لِزَوالِ اللَّبْسِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ والتَّفْخِيمِ؛ لِأنَّ العَرَبَ إذا فَخَّمَتْ شَيْئًا كَرَّرَتْهُ بِالِاسْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ ومِنهُ: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠]، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ وهَذِهِ الجُمْلَةُ الواقِعَةُ خَبَرًا لِلشَّرْطِ، تَحْتاجُ إلى رابِطٍ لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِاسْمِ الشَّرْطِ. والرّابِطُ هُنا الِاسْمُ الظّاهِرُ وهو: الكافِرِينَ، أُوقِعَ الظّاهِرُ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِتَواخِي أواخِرِ الآيِ، ولِيَنُصَّ عَلى عِلَّةِ العَداوَةِ، وهي الكُفْرُ، إذْ مَن عادى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، أوْ واحِدًا مِنهم، فَهو كافِرٌ. أوْ يُرادُ بِالكافِرِينَ العُمُومُ، فَيَكُونُ الرّابِطُ العُمُومَ، إذِ الكُفْرُ يَكُونُ بِأنْواعٍ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ بِهَذا الشَّيْءِ الخاصِّ فَرْدٌ مِن أفْرادِ العُمُومِ، فَيَحْصُلُ الرَّبْطُ بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ، أرادَ عَدُوًّا لَهم، فَجاءَ بِالظّاهِرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ عاداهم لِكُفْرِهِمْ، وأنَّ عَداوَةَ المَلائِكَةِ كُفْرٌ. وإذا كانَتْ عَداوَةُ الأنْبِياءِ كُفْرًا، فَما بالُ المَلائِكَةِ ؟ وهم أشْرَفُ. والمَعْنى: مَن عاداهم عاداهُ اللَّهُ وعاقَبَهُ أشَدَّ العِقابِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِن خَواصِّ بَنِي آدَمَ. ودَلَّ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى أنَّ الظّاهِرَ وقَعَ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ، وأنَّهُ لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ العُمُومُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ العِبارَةُ بِعُمُومِ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى ”مَن“ يُشْكِلُ، سَواءٌ أفْرَدْتَهُ أوْ جَمَعْتَهُ، ولَوْ لَمْ يُبالِ بِالإشْكالِ. وقُلْنا: المَعْنى يَدُلُّ السّامِعَ عَلى المَقْصِدِ، لَلَزِمَ تَعْيِينُ قَوْمٍ بِعَداوَةِ اللَّهِ لَهم. ويُحْتَمَلُ أنِ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يُؤْمِنُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ (p-٣٢٣)عَداوَةُ اللَّهِ لِلْمَآلِ. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ نَطَقَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُجاوِبًا لِبَعْضِ اليَهُودِ في قَوْلِهِ: ذَلِكَ عَدُوُّنا - يَعْنِي جِبْرِيلَ - فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الخَبَرُ ضَعِيفٌ.

البقرة 2:99

﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾: سَبَبُ نُزُولِها - فِيما ذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ - أنَّ ابْنَ صُورِيا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما جِئْتَ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ، فَنَزَلَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن آيَةٍ فَنَتَّبِعَكَ لَها، فَنَزَلَتِ انْتَهى. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى جُمَلًا مِن قَبائِحِ اليَهُودِ وذَمَّهم عَلى ذَلِكَ، وكانَ فِيما ذَكَرَ مِن ذَلِكَ مُعاداتِهم لِجِبْرِيلَ، فَناسَبَ ذَلِكَ إنْكارَهم لِما نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ بَيِّناتٌ، وأنَّهُ لا يَجْحَدُ نُزُولَها إلّا كُلُّ فاسِقٍ، وذَلِكَ لِوُضُوحِها. والآياتُ البَيِّناتُ، أيِ القُرْآنُ، أوِ المُعْجِزاتُ المَقْرُونَةُ بِالتَّحَدِّي، أوِ الإخْبارُ عَمّا خَفِيَ وأُخْفِيَ في الكُتُبِ السّالِفَةِ، أوِ الشَّرائِعُ، أوِ الفَرائِضُ، أوْ مَجْمُوعُ كُلِّ ما تَقَدَّمَ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ. والظّاهِرُ مُطْلَقُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ بَيِّناتٌ غَيْرَ مُعَيَّنٍ شَيْءٌ مِنها، وعُبِّرَ عَنْ وُصُولِها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالإنْزالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مِن عُلُوٍّ إلى ما دُونَهُ. ﴿وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾: المُرادُ بِالفاسِقِينَ هُنا: الكافِرُونَ؛ لِأنَّ كُفْرَ آياتِ اللَّهِ تَعالى هو مِن بابِ فِسْقِ العَقائِدِ، فَلَيْسَ مِن بابِ فِسْقِ الأفْعالِ. وقالَ الحَسَنُ: إذا اسْتُعْمِلَ الفِسْقُ في شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي، وقَعَ عَلى أعْظَمِهِ مِن كُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ. انْتَهى. وناسَبَ قَوْلُهُ بَيِّناتٍ لَفْظَ الكُفْرِ، وهو التَّغْطِيَةُ؛ لِأنَّ البَيِّنَ لا يَقَعُ فِيهِ إلْباسٌ، فَعَدَمُ الإيمانِ بِهِ لَيْسَ لِشُبْهَةٍ لِأنَّهُ بَيِّنٌ، وإنَّما هو تَغْطِيَةٌ وسَتْرٌ لِما هو واضِحٌ بَيِّنٌ. وسَتْرُ الواضِحِ لا يَقَعُ إلّا مِن مُتَمَرِّدٍ في فِسْقِهِ، والألِفُ واللّامُ في الفاسِقُونَ، إمّا لِلْجِنْسِ، وإمّا لِلْعَهْدِ؛ لِأنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِلْيَهُودِ. وكَنّى بِالفِسْقِ هُنا عَنِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الفِسْقَ: خُرُوجُ الإنْسانِ عَمّا حُدَّ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الحَسَنِ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أعْظَمِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما يَكْفُرُ بِها إلّا المَبالِغُ في كُفْرِهِ، المُنْتَهِي فِيهِ إلى أقْصى غايَةٍ. وإلّا الفاسِقُونَ: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، إذْ تَقْدِيرُهُ: وما يَكْفُرُ بِها أحَدٌ، فَنَفى أنْ يَكْفُرَ بِالآياتِ الواضِحاتِ أحَدٌ. ثُمَّ اسْتَثْنى الفُسّاقَ مِن أحَدٍ، وأنَّهم يَكْفُرُونَ بِها. ويَجُوزُ في مَذْهَبِ الفَرّاءِ أنْ يُنْصَبَ في نَحْوٍ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ، فَأجازَ: ما قامَ إلّا زَيْدًا، عَلى مُراعاةِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ، إذْ لَوْ كانَ لَمْ يُحْذَفْ لَجازَ النَّصْبُ، ولا يُجِيزُ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ.

البقرة 2:100

﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا﴾: نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، قالَ: واللَّهِ ما أُخِذَ عَلَيْنا عَهْدٌ في كِتابِنا أنْ نُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولا مِيثاقٌ. وقِيلَ في اليَهُودِ: عاهَدُوا عَلى أنَّهُ إنْ خَرَجَ لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَنَكُونَنَّ مَعَهُ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، فَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ. وقالَ عَطاءٌ: هي العُهُودُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اليَهُودِ نَقَضُوها، كَفِعْلِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: أوَكُلَّما، بِفَتْحِ الواوِ. واخْتُلِفَ في هَذِهِ الواوِ فَقِيلَ: هي زائِدَةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: هي ”أوْ“ السّاكِنَةُ الواوِ، وحُرِّكَتْ بِالفَتْحِ، وهي بِمَعْنى بَلْ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وكِلا القَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ. وقِيلَ: واوُ العَطْفِ، وهو الصَّحِيحُ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ والنَّحْوِيِّينَ: أنَّ الأصْلَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الواوِ والفاءِ وثُمَّ عَلى هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وإنَّما قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ. وإنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ يَذْهَبُ إلى أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مُقَدَّرًا بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ هُنا أكَفَرُوا بِالآياتِ البَيِّناتِ ؟ وكُلَّما عاهَدُوا. وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ اخْتِيارِهِ إلى قَوْلِ الجَماعَةِ. وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في كِتابِنا المُسَمّى بِالتَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ. والمُرادُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ: الإنْكارُ، وإعْظامُ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِن تَكَرُّرِ عُهُودِهِمْ ونَقْضِها، فَصارَ ذَلِكَ عادَةً لَهم وسَجِيَّةً. فَيَنْبَغِي أنْ لا يُكْتَرَثَ بِأمْرِهِمْ، وأنْ لا يَصْعُبَ ذَلِكَ، فَهي تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ إذْ كَفَرُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما كانَ دَيْدَنًا لِلشَّخْصِ وخُلُقًا، لا يَنْبَغِي أنْ يُحْتَفَلَ بِأمْرِهِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ العَدَوِيُّ وغَيْرُهُ: أوْ كُلَّما بِسُكُونِ الواوِ، (p-٣٢٤)وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنْ يَكُونَ لِلْعَطْفِ عَلى الفاسِقِينَ، وقَدَّرَهُ: وما يَكْفُرُ بِها إلّا الَّذِينَ فَسَقُوا، أوْ نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ مِرارًا كَثِيرَةً. وخَرَّجَهُ الَمَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ أوْ لِلْخُرُوجِ مِن كَلامٍ إلى غَيْرِهِ، بِمَنزِلَةِ ”أمْ“ المُنْقَطِعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: بَلْ كُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ، لِأُعاقِبَنَّكَ، فَيَقُولُ لَهُ: أوْ يُحْسِنُ اللَّهُ رَأْيَكَ، أيْ بَلْ يُحْسِنُ رَأْيَكَ، وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، إذْ يَكُونُ أوْ عِنْدَهم بِمَنزِلَةِ بَلْ. وأنْشَدُوا شاهِدًا عَلى هَذِهِ الدَّعْوى قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى وصُورَتُها أوْ أنْتَ في العَيْنِ أمْلَحُ وقَدْ جاءَ أوْ بِمَعْنى الواوِ في قَوْلِهِ: ؎مِن بَيْنِ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أوْ سافِعِ وقَوْلِهِ: ؎صُدُورُ رِماحٍ أُشْرِعَتْ أوْ سَلاسِلُ يُرِيدُ: وشافِعٌ، وسَلاسِلُ. وقَدْ قِيلَ في ذَلِكَ: في قَوْلِهِ: ”﴿خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ [النساء: ١١٢]“، أنَّ المَعْنى: وإنَّما، فَيُحْتَمَلُ أنْ تُخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةُ الشّاذَّةُ عَلى أنْ تَكُونَ أوْ بِمَعْنى الواوِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ: أوَكُلَّما عُوهِدُوا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةٌ تُخالِفُ رَسْمَ المُصْحَفِ. وانْتِصابُ عَهْدًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، أيْ مُعاهَدَةً، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى تَضْمِينِ عاهَدَ مَعْنى: أعْطى، أيْ أعْطَوْا عَهْدًا. وقُرِئَ: عَهِدُوا، فَيَكُونُ عَهْدًا مَصْدَرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ ما المُرادُ بِالعَهْدِ في سَبَبِ النُّزُولِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ﴿نَبَذَهُ﴾: طَرَحَهُ، أوْ نَقَضَهُ، أوْ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ، أوِ اعْتَزَلَهُ، أوْ رَماهُ. أقْوالٌ خَمْسَةٌ، وهي مُتَقارِبَةُ المَعْنى. ونِسْبَةُ النَّبْذِ إلى العَهْدِ مَجازٌ؛ لِأنَّ العَهْدَ مَعْنًى، والنَّبْذَ حَقِيقَةٌ، إنَّما هو في المُتَجَسِّداتِ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ [القصص: ٤٠]، ﴿إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]، فَنَبَذَ خاتَمَهُ، فَنَبَذَ النّاسُ خَواتِيمَهم، ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ [القلم: ٤٩] . ﴿فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥]: الفَرِيقُ اسْمُ جِنْسٍ لا واحِدَ لَهُ، يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنهم، وهي قِراءَةٌ تُخالِفُ سَوادَ المُصْحَفِ، فالأوْلى حَمْلُها عَلى التَّفْسِيرِ. ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ، وهو الظّاهِرُ، فَيَكُونَ أكْثَرُهم مُبْتَدَأً، ولا يُؤْمِنُونَ خَبَرًا عَنْهُ، والضَّمِيرُ في أكْثَرِهِمْ عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في عاهَدُوا، وهُمُ اليَهُودُ. ومَعْنى هَذا الإضْرابِ هو: انْتِقالٌ مِن خَبَرٍ إلى خَبَرٍ، ويَكُونُ الأكْثَرُ عَلى هَذا واقِعًا عَلى ما يَقَعُ عَلَيْهِ الفَرِيقُ، كَأنَّهُ أعَمُّ؛ لِأنَّ مَن نَبَذَ العَهْدَ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ مَن لَمْ يُؤْمِن، فَكَأنَّهُ قالَ: بَلِ الفَرِيقُ الَّذِي نَبَذَ العَهْدَ، وغَيْرُ ذَلِكَ الفَرِيقِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ عَطْفِ المُفْرَداتِ، ويَكُونَ أكْثَرُهم مَعْطُوفًا عَلى فَرِيقٍ، أيْ نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم، بَلْ أكْثَرُهم، يَكُونُ قَوْلُهُ: لا يُؤْمِنُونَ، جُمْلَةً حالِيَّةً، العامِلُ فِيها نَبَذَهُ، وصاحِبُ الحالِ هو أكْثَرُهم. ولَمّا كانَ الفَرِيقُ يَنْطَلِقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، وأُسْنِدَ النَّبْذُ إلَيْهِ، كانَ فِيما يَتَبادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النّابِذُونَ قَلِيلًا، فَبَيَّنَ أنَّ النّابِذِينَ هُمُ الأكْثَرُ، وصارَ ذِكْرُ الأكْثَرِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الفَرِيقَ هُنا لا يُرادُ بِهِ اليَسِيرُ مِنهم، فَكانَ هَذا إضْرابًا عَمّا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الفَرِيقِ مِن دَلالَتِهِ عَلى القَلِيلِ. والضَّمِيرُ في ”أكْثَرُهم“ عائِدٌ عَلى الفَرِيقِ، أوْ عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ. وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ، ذَكَرَ الأكْثَرَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالنَّبْذِ، أوْ بِعَدَمِ الإيمانِ؛ لِأنَّ بَعْضَهم آمَنَ، ومَن آمَنَ فَما نَبَذَ العَهْدَ. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ مَن كَفَرَ بِآيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، أوْ نَقَضَ عَهْدَ اللَّهِ الَّذِي أخَذَهُ عَلى عِبادِهِ في كُتُبِهِ، فَهو كافِرٌ.

البقرة 2:101

﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ﴾: الضَّمِيرُ في جاءَهم عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ عَلى عُلَمائِهِمْ، والرَّسُولُ، مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ عِيسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، أوْ مَعْناهُ الرِّسالَةُ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا، كَما فَسَّرُوا بِذَلِكَ قَوْلَهُ: ؎لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهُ بِلَيْلى ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ أيْ بِرِسالَةٍ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ. والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ إنَّما سِيقَ بِالنِّسْبَةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٣٢٥)وسَلَّمَ - ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (قُلْ) قُلْ، و﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]، ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٩٩]، فَصارَ ذَلِكَ كالِالتِفاتِ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى اسْمٍ غائِبٍ، ووُصِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ﴾: تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، إذِ الرَّسُولُ عَلى قَدْرِ المُرْسَلِ. ثُمَّ وُصِفَ أيْضًا بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، قالُوا: وتَصْدِيقُهُ أنَّهُ خُلِقَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ذُكِرَ في التَّوْراةِ، أوْ تَصْدِيقُهُ عَلى قَواعِدِ التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الدِّينِ وأخْبارِ الأُمَمِ والمَواعِظِ والحِكَمِ، أوْ تَصْدِيقُهُ: إخْبارُهُ بِأنَّ الَّذِي مَعَهم هو كَلامُ اللَّهِ، وأنَّهُ المُنَزَّلُ عَلى مُوسى، أوْ تَصْدِيقُهُ: إظْهارُ ما سَألُوا عَنْهُ مِن غَوامِضِ التَّوْراةِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. وإذا فُسِّرَ بِعِيسى، فَتَصْدِيقُهُ هو بِالتَّوْراةِ، وإذا فُسِّرَ بِالرِّسالَةِ، فَنِسْبَةُ المَجِيءِ والتَّصْدِيقِ إلى الرِّسالَةِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ والمَجازِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مُصَدِّقًا بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، وحَسَّنَ مَجِيئَها مِنَ النَّكِرَةِ كَوْنُها قَدْ وُصِفَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . ﴿لِما مَعَهُمْ﴾: هو التَّوْراةُ. وقِيلَ: جَمِيعُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنَ الكُتُبِ، كَزَبُورِ داوُدَ، وصُحُفِ الأنْبِياءِ الَّتِي يُؤْمِنُونَ بِها. ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾: الكِتابُ الَّذِي أُوتُوهُ هو التَّوْراةُ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لَأُوتُوا، عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، ومَفْعُولٌ أوَّلٌ عَلى مَذْهَبِ السُّهَيْلِيِّ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في ذَلِكَ. ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾: هو مَفْعُولٌ بِنَبَذَ. فَقِيلَ: كِتابُ اللَّهِ هو التَّوْراةُ. ومَعْنى نَبْذِهِمْ لَهُ: اطِّراحُ أحْكامِهِ، أوِ اطِّراحُ ما فِيهِ مِن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذِ الكُفْرُ بِبَعْضٍ، كُفْرٌ بِالجَمِيعِ. وقِيلَ: الإنْجِيلُ، ونَبْذُهم لَهُ: اطِّراحُهُ بِالكُلِّيَّةِ. وقِيلَ: القُرْآنُ، وهَذا أظْهَرُ، إذِ الكَلامُ مَعَ الرَّسُولِ. فَصارَ المَعْنى: أنَّهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْراةِ، وهم بِالعَكْسِ، يُكَذِّبُونَ ما جاءَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ويَطْرَحُونَهُ. وأضافَ الكِتابَ إلى اللَّهِ تَعْظِيمًا لَهُ، كَما أضافَ الرَّسُولَ إلَيْهِ بِالوَصْفِ السّابِقِ، فَصارَ ذَلِكَ غايَةً في ذَمِّهِمْ، إذْ جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ بِكِتابِهِ المُصَدِّقِ لِكِتابِهِمْ، وهو شاهِدٌ بِالرَّسُولِ والكِتابِ، فَنَبَذُوهُ. ﴿وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾، وهَذا مَثَلٌ يُضْرَبُ لِمَن أعْرَضَ عَنِ الشَّيْءِ جُمْلَةً. تَقُولُ العَرَبُ: جَعَلَ هَذا الأمْرَ وراءَ ظَهْرِهِ ودُبُرَ أُذُنِهِ، وقالَ الفَرَزْدَقُ: ؎تَمِيمُ بْنَ مُرٍّ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ بِظَهْرٍ ولا يَعْيا عَلَيْكَ جَوابُها وقالَتِ العَرَبُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ما جُعِلَ وراءَ الظَّهْرِ فَلا يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْهِ، ومِنهُ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] . وقالَ في المُنْتَخَبِ: النَّبْذُ والطَّرْحُ والإلْقاءُ مُتَقارِبَةٌ، لَكِنَّ النَّبْذَ أكْثَرُ ما يُقالُ فِيما يَئِسَ، والطَّرْحُ أكْثَرُ ما يُقالُ في المَبْسُوطِ وما يَجْرِي مَجْراهُ، والإلْقاءُ فِيما يُعْتَبَرُ فِيهِ مُلاقاةٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وصاحِبُ الحالِ فَرِيقٌ، والعامِلُ في الحالِ نَبَذَ، وهو تَشْبِيهٌ لِمَن يَعْلَمُ بِمَن يَجْهَلُ؛ لِأنَّ الجاهِلَ بِالشَّيْءِ لا يَحْفُلُ بِهِ ولا يَعْتَدُّ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا شُعُورَ لَهُ بِما فِيهِ مِنَ المَنفَعَةِ. ومُتَعَلِّقِ العِلْمِ مَحْذُوفٌ، أيْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ، لا يُداخِلُهم فِيهِ شَكٌّ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهم وتَحَقُّقِهِ، وإنَّما نَبَذُوهُ عَلى سَبِيلِ المُكابَرَةِ والعِنادِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هو بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَقْرَءُونَهُ، ولَكِنَّهم نَبَذُوا العَمَلَ بِهِ. وعَنْ سُفْيانَ أدْرَجُوهُ في الدِّيباجِ والحَرِيرِ، وحَلَّوْهُ بِالذَّهَبِ، ولَمْ يُحِلُّوا حَلالَهُ، ولَمْ يُحَرِّمُوا حَرامَهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَوْلُ الشَّعْبِيِّ وسُفْيانَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كِتابَ اللَّهِ هو التَّوْراةُ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ما أُمِرُوا بِهِ مِنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقِيلَ: مَعْناهُ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ. وقِيلَ: مَعْناهُ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ كُتُبُ اللَّهِ، وأنْ كُلَّ واحِدٍ مِنها حَقٌّ، والعَمَلَ بِهِ واجِبٌ.

البقرة 2:102

﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾، مَعْنى اتَّبَعُوا: أيِ اقْتَدَوْا بِهِ إمامًا، أوْ فَضَّلُوا؛ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ شَيْئًا فَضَّلَهُ، أوْ قَصَدَ واوَ الضَّمِيرِ في واتَّبَعُوا لِلْيَهُودِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ: يَعُودُ عَلى مَن كانَ في عَهْدِ سُلَيْمانَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى جَمِيعِ اليَهُودِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: واتَّبَعُوا، مَعْطُوفَةٌ عَلى جَمِيعِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ: ولَمّا جاءَهم إلى آخِرِها، وهو إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في اتِّباعِهِمْ ما لا يَنْبَغِي أنْ (p-٣٢٦)يُتَّبَعَ، وهَذا هو الظّاهِرُ، لا أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم؛ لِأنَّ الِاتِّباعَ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى مَجِيءِ الرَّسُولِ، لِأنَّهم كانُوا مُتَّبِعِينَ ذَلِكَ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ، بِخِلافِ نَبْذِ كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى مَجِيءِ الرَّسُولِ. وتَتْلُو: تَتَبِّعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ تَدَّعِي، أوْ تَقْرَأُ، أوْ تُحَدِّثُ، قالَهُ عَطاءٌ، أوْ تَرْوِي، قالَهُ يَمانٌ، أوْ تَعْمَلُ، أوْ تَكْذِبُ، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. وما مَوْصُولَةٌ، صِلَتُها تَتْلُو، وهو مُضارِعٌ في مَعْنى الماضِي، أيْ ما تَلَتْ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: المَعْنى: ما كانَتْ تَتْلُو، لا يُرِيدُونَ أنَّ صِلَةَ ما مَحْذُوفَةٌ، وهي كانَتْ، وتَتْلُو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وإنَّما يُرِيدُونَ أنَّ المُضارِعَ وقَعَ مَوْقِعَ الماضِي، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ يَقُومُ، هو إخْبارٌ بِقِيامِ زَيْدٍ، وهو ماضٍ لِدَلالَةِ كانَ عَلَيْهِ. والشَّياطِينُ: ظاهِرُهُ أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ؛ لِأنَّهُ إذا أُطْلِقَ الشَّيْطانُ، تَبادَرَ الذِّهْنُ إلى أنَّهُ مِنَ الجانِّ. وقِيلَ: المُرادُ شَياطِينُ الإنْسِ. وقَرَأ الحَسَنُ والضَّحّاكُ: الشَّياطُونَ، بِالرَّفْعِ بِالواوِ، هو شاذٌّ، قاسَهُ عَلى قَوْلِ العَرَبِ: بُسْتانُ فُلانٍ حَوْلَهُ بَساتُونَ، رَواهُ الأصْمَعِيُّ. قالُوا: والصَّحِيحُ أنَّ هَذا الجِنَّ فاحِشٌ. وقالَ أبُو البَقاءِ: شَبَّهَ فِيهِ الياءَ قَبْلَ النُّونِ بِياءِ جَمْعِ الصَّحِيحِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الغَلَطِ. وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: خَطَّأهُ الخازَرْبَجِيُّ. عَلى مُلْكِ: مُتَعَلِّقٌ بِتَتْلُو، وتَلا يَتَعَدّى بِعَلى إذا كانَ مُتَعَلِّقُها يُتْلى عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: يُتْلى عَلى زَيْدٍ القُرْآنُ، ولَيْسَ المُلْكُ هُنا بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَخْصًا يُتْلى عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ عَلى تَكُونُ بِمَعْنى في، أيْ تَتْلُو في مُلْكِ سُلَيْمانَ. وقالَ أصْحابُنا: لا تَكُونُ ”عَلى“ في مَعْنى ”في“، بَلْ هَذا مِنَ التَّضْمِينِ في الفِعْلِ ضُمِّنَ تَتَقَوَّلُ، فَعُدِّيَتْ بِعَلى لِأنَّ تَقَوَّلَ: تُعَدّى بِها، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا﴾ [الحاقة: ٤٤] ومَعْنى: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾، أيْ شَرْعِهِ ونُبُوَّتِهِ وحالِهِ. وقِيلَ: عَلى عَهْدِهِ، وفي زَمانِهِ، وهو قَرِيبٌ. وقِيلَ: عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ بَعْدَ وفاتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن آلاتِ مُلْكِهِ. وفَسَّرُوا ما يَتْلُو الشَّياطِينُ بِالسِّحْرِ، قالُوا: وهو الأشْهَرُ والأظْهَرُ عَلى ما نُقِلَ في أسْبابِ النُّزُولِ، مِن أنَّ الشَّياطِينَ كَتَبَتِ السِّحْرَ واخْتَلَقَتْهُ ونَسَبَتْهُ إلى سُلَيْمانَ وآصَفَ. وقِيلَ: الَّذِي تَلَتْهُ هو الكَذِبُ الَّذِي تُضِيفُهُ إلى ما تَسْتَرِقُ مِن أخْبارِ السَّماءِ، وأضافُوا ذَلِكَ إلى سُلَيْمانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ ما يَتْلُونَهُ؛ لِأنَّ الَّذِي كانَ مَعَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ، وإظْهارِ الخَوارِقِ، وتَسْخِيرِ الجِنِّ والإنْسِ، وتَقْرِيبِ المُتَباعِداتِ، وتَأْلِيفِ الخَواطِرِ، وتَكْلِيمِ العَجْماواتِ، كانَ أمْرًا عَظِيمًا. والسّاحِرُ يَدَّعِي أشْياءَ مِن هَذا النَّوْعِ: مِن تَسْخِيرِ الجِنِّ، وبُلُوغِ الآمالِ، والتَّأْثِيرِ في الخَواطِرِ، بَلْ ويَدَّعِي قَلْبَ الأعْيانِ عَلى ما يَأْتِي في الكَلامِ عَلى السِّحْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾، أوْ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مُلْكَ سُلَيْمانَ إنَّما حَصَلَ بِالسِّحْرِ. وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيّاتِ ما رَتَّبُوهُ مِن هَذا الَّذِي تَلَوْهُ قِصَصًا كَثِيرَةً، اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، ولا الحَدِيثُ المُسْنَدُ الصَّحِيحُ لِشَيْءٍ مِنهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ نَذْكُرْهُ. ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾: تَنْزِيهٌ لِسُلَيْمانَ عَنِ الكُفْرِ، أيْ لَيْسَ ما اخْتَلَقَتْهُ الجِنُّ مِن نِسْبَةِ ما تَدَّعِيهِ إلى سُلَيْمانَ تَعاطاهُ سُلَيْمانُ؛ لِأنَّهُ كُفْرٌ، ومَن نَبَّأهُ اللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَعاصِي الكَبائِرِ والصَّغائِرِ، فَضْلًا عَنِ الكُفْرِ. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ نَفْيِ الشَّيْءِ عَمَّنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهُ الكُفْرُ، ولا يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ ما نَسَبُوهُ إلى سُلَيْمانَ مِنَ السِّحْرِ يَكُونُ كُفْرًا، إذْ يُحْتَمَلُ أنَّهم نَسَبُوا إلَيْهِ الكُفْرَ مَعَ السِّحْرِ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا ذَكَرَ سُلَيْمانَ في الأنْبِياءِ قالَ بَعْضُ اليَهُودِ: انْظُرُوا إلى مُحَمَّدٍ يَذْكُرُ سُلَيْمانَ في الأنْبِياءِ، وما كانَ إلّا ساحِرًا. ولَمْ يَتَقَدَّمْ في الآياتِ أنَّ أحَدًا نَسَبَ سُلَيْمانَ إلى الكُفْرِ، ولَكِنَّها آيَةٌ نَزَلَتْ في السَّبَبِ المُتَقَدِّمِ أنَّ اليَهُودَ نَسَبَتْهُ إلى السِّحْرِ والعَمَلِ بِهِ. ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾: كُفْرُهم، إمّا بِتَعْلِيمِ السِّحْرِ، وإمّا تَعَلُّمِهِمْ بِهِ، وإمّا بِتَكْفِيرِهِمْ سُلَيْمانَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُفْرُهم بِغَيْرِ ذَلِكَ. واسْتِعْمالُ لَكِنَّ هَنا حَسَنٌ، لِأنَّها بَيْنَ نَفْيٍ وإثْباتٍ. وقُرِئَ: ولَكِنَّ بِالتَّشْدِيدِ، فَيَجِبُ إعْمالُها، وهي قِراءَةُ نافِعٍ وعاصِمٍ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. (p-٣٢٧)وقُرِئَ: بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ ما بَعْدَها بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ. وإذا خُفِّفَتْ، فَهَلْ يَجُوزُ إعْمالُها ؟ مَسْألَةُ خِلافٍ. الجُمْهُورُ عَلى المَنعِ، ونَقَلَ أبُو القاسِمِ بْنُ الرِّماكِ عَنْ يُونُسَ جَوازَ إعْمالِها، ونَقَلَ ذَلِكَ غَيْرُهُ عَنِ الأخْفَشِ، والصَّحِيحُ المَنعُ. وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: الِاخْتِيارُ، التَّشْدِيدُ إذا كانَ قَبْلَها واوٌ، والتَّخْفِيفُ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَها واوٌ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخَفَّفَةً تَكُونُ عاطِفَةً ولا تَحْتاجُ إلى واوٍ مَعَها. كَبَلْ، فَإذا كانَتْ قَبْلَها واوٌ لَمْ تُشْبِهْ بَلْ؛ لِأنَّ بَلْ لا تَدْخُلُ عَلَيْها الواوُ، فَإذا كانَتْ لَكِنَّ مُشَدَّدَةً عَمِلَتْ عَمَلَ إنَّ، ولَمْ تَكُنْ عاطِفَةً. انْتَهى الكَلامُ. وهَذا كُلُّهُ عَلى تَسْلِيمِ أنَّ لَكِنَّ تَكُونُ عاطِفَةً، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ، الجُمْهُورُ عَلى أنَّ لَكِنَّ تَكُونُ عاطِفَةً. وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّها لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ العَطْفِ، وهو الصَّحِيحُ لِأنَّهُ لا يُحْفَظُ ذَلِكَ مِن لِسانِ العَرَبِ، بَلْ إذا جاءَ بَعْدَها ما يُوهِمُ العَطْفَ، كانَتْ مَقْرُونَةً بِالواوِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠] . وأمّا إذا جاءَتْ بَعْدَها الجُمْلَةُ، فَتارَةً تَكُونُ بِالواوِ، وتارَةً لا يَكُونُ مَعَها الواوُ، كَما قالَ زُهَيْرٌ: ؎إنَّ ابْنَ ورْقاءَ لا تُخْشى بَوادِرُهُ لَكِنْ وقائِعَهُ في الحَرْبِ تُنْتَظَرُ وأمّا ما يُوجَدُ في كُتُبِ النَّحْوِيِّينَ مِن قَوْلِهِمْ: ما قامَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو، وما ضَرَبْتُ زَيْدًا لَكِنْ عَمْرًا، وما مَرَرْتُ بِزَيْدٍ لَكِنْ عَمْرٍو، فَهو مِن تَمْثِيلِهِمْ، لا أنَّهُ مَسْمُوعٌ مِنَ العَرَبِ. ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ في لَكِنَّ: أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن كَلِمٍ ثَلاثٍ: لا لِلنَّفْيِ، والكافُ لِلْخِطابِ، وأنَّ الَّتِي لِلْإثْباتِ والتَّحْقِيقِ، وأنَّ الهَمْزَةَ حُذِفَتْ لِلِاسْتِثْقالِ، وهَذا قَوْلٌ فاسِدٌ، والصَّحِيحُ أنَّها بَسِيطَةٌ. ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾: الضَّمِيرُ في يُعَلِّمُونَ اخْتُلِفَ في مَن يَعُودُ عَلَيْهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الشَّياطِينِ، يَقْصِدُونَ بِهِ إغْواءَهم وإضْلالَهم، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وعَلى هَذا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في كَفَرُوا. قالُوا: أوْ خَبَرًا ثانِيًا. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الشَّياطِينِ. ورُدَّ بِأنَّ لَكِنَّ لا تَعْمَلُ في الحالِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن كَفَرُوا، بَدَلَ الفِعْلِ مِنَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ تَعْلِيمَ الشَّياطِينِ السِّحْرَ كُفْرٌ في المَعْنى. والظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ. عَلى اخْتِلافِ المُفَسِّرِينَ فِيمَن يَعُودُ عَلَيْهِ ضَمِيرُ اتَّبَعُوا، فَيَكُونُ المَعْنى: يَعْلَمُ المُتَّبِعُونَ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ النّاسَ، فالنّاسُ مُعَلِّمُونَ لِلْمُتَّبِعِينَ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُونَ مُعَلِّمِينَ لِلشَّياطِينِ. واخْتُلِفَ في حَقِيقَةِ السِّحْرِ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَلْبُ الأعْيانِ واخْتِراعُها وتَغْيِيرُ صُوَرِ النّاسِ مِمّا يُشْبِهُ المُعْجِزاتِ والكَراماتِ، كالطَّيَرانِ وقَطْعِ المَسافاتِ في لَيْلَةٍ. الثّانِي: أنَّهُ خُدَعٌ ومَخارِيقُ وتَمْوِيهاتٌ وشَعْوَذَةٌ لا حَقِيقَةَ لَها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ، ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] . وفي الحَدِيثِ، حِينَ «سَحَرَ لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما يَفْعَلُهُ“» . وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ: يَرَوْنَ أنَّ السِّحْرَ لَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ، ووافَقَهم أبُو إسْحاقَ الِإسْتِراباذِيُّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ أمْرٌ يَأْخُذُ بِالعَيْنِ عَلى جِهَةِ الحِيلَةِ، ومِنهُ: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، كَما رُوِيَ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم كانَتْ مَمْلُوءَةً زِئْبَقًا، فَسَجَرُوا تَحْتَها نارًا، فَحَمِيَتِ الحِبالُ والعِصِيُّ، فَتَحَرَّكَتْ وسَعَتْ. ولِأرْبابِ الحِيَلِ والدَّكِّ والشَّعْوَذَةِ مِن هَذا أشْياءُ، يُبَيَّنُ كَثِيرٌ مِنها في الكِتابِ المُسَمّى بِكَشْفِ الدَّكِّ والشَّعْوَذَةِ وإيضاحِ الشَّكِّ، وفي كِتابِ إرْخاءِ السُّتُورِ والكَلَلِ في الشَّعْوَذَةِ والحِيَلِ ) . وفي الحَدِيثِ حِينَ «انْشَقَّ القَمَرُ نِصْفَيْنِ بِمَكَّةَ، قالَ أبُو جَهْلٍ: اصْبِرُوا حَتّى يَأْتِيَ أهْلُ البَوادِي، فَإنْ لَمْ يُخْبِرُوا بِذَلِكَ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ سَحَرَ أعْيُنَنا، فَأتَوْا فَأخْبَرُوا بِذَلِكَ، فَقالَ: ما هَذا إلّا سِحْرٌ عَظِيمٌ» . الرّابِعُ: أنَّهُ نَوْعٌ مِن خِدْمَةِ الجِنِّ، وهُمُ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوهُ مَن جِنْسِ لَطِيفِ أجْسامِهِمْ وهَيْئاتِها، فَلَطُفَ ودَقَّ وخَفِيَ. الخامِسُ: أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن أجْسامٍ تُجْمَعُ وتُحْرَقُ، وتُتَّخَذُ مِنها أرْمِدَةٌ ومِدادٌ، ويُتْلى عَلَيْها أسْماءٌ وعَزائِمُ، ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ (p-٣٢٨)فِيما يُحْتاجُ إلَيْها مِنَ السِّحْرِ. السّادِسُ: أنَّ أصْلَهُ طَلْسَماتٌ وقَلْفَطْرِيّاتٌ، تُبْنى عَلى تَأْثِيرِ خَصائِصِ الكَواكِبِ، كَتَأْثِيرِ الشَّمْسِ في زِئْبَقِ عَصى فِرْعَوْنَ، أوِ اسْتِخْدامِ الشَّياطِينِ لِتَسْهِيلِ ما عَسُرَ. السّابِعُ: أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كَلِماتٍ مَمْزُوجَةٍ بِكُفْرٍ. قالَ بَعْضُ مُعاصِرِينا: هَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها الَّتِي قالُوها في حَقِيقَةِ السِّحْرِ أنْواعٌ مِن أنْواعِ السِّحْرِ، وقَدْ ضُمَّ إلَيْها أنْواعٌ أُخَرُ مِنَ الشَّعْبَذَةِ والدَّكِّ والنّارِنْجِيّاتِ والأوْفاقِ والعَزائِمِ وضُرُوبِ المَنادِلِ والصَّرَعِ، وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ. ولا يُشَكُّ في أنَّ السِّحْرَ كانَ مَوْجُودًا، لِنُطْقِ القُرْآنِ والحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِهِ. وأمّا في زَمانِنا الآنَ، فَكُلَّما وقَفْنا عَلَيْهِ في الكُتُبِ، فَهو كَذِبٌ وافْتِراءٌ، لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ. وكَذَلِكَ العَزائِمُ وضَرْبُ المَندَلِ، والنّاسُ الَّذِينَ يُعْتَقَدُ فِيهِمْ أنَّهم عُقَلاءُ، يُصَدِّقُونَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ويُصْغُونَ إلى سَماعِها. وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ مَن يَنْتَمِي إلى العِلْمِ، إذا أفْلَسَ، وضَعَ كُتُبًا وذَكَرَ فِيها أشْياءَ مِن رَأْسِهِ، وباعَها في الأسْواقِ بِالدَّراهِمِ الجَيِّدَةِ. وقَدْ أطْلَقَ اسْمَ السِّحْرِ بَعْضُ العُلَماءِ عَلى الوَشْيِ بَيْنَ النّاسِ بِالنَّمِيمَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ قَلْبَ الصَّدِيقِ عَدُوًّا، والحَبِيبِ بَغِيضًا. كَما أُطْلِقَ عَلى حُسْنِ التَّوَسُّلِ بِاللَّفْظِ الرّائِقِ العَذْبِ، لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِمالَةِ، وسُمِّيَ سِحْرًا حَلالًا. وقَدْ رُوِيَ: «إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا»، وقالَ: ؎وحَدِيثُها السِّحْرُ الحَلالُ لَوَ انَّهُ ∗∗∗ لَمْ يَجْنِ قَتْلَ المُسْلِمِ المُتَحَرِّزِ وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾: أنَّهم يُفَهِّمُونَهم إيّاهُ بِالإقْراءِ والتَّعْلِيمِ. وقِيلَ: المَعْنى يَدُلُّونَهم عَلى تِلْكَ الكُتُبِ، فَأطْلَقَ عَلى الدَّلالَةِ تَعْلِيمًا، تَسْمِيَةً لِلْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. وقِيلَ: المَعْنى يُوَقِّرُونَ في قُلُوبِهِمْ أنَّها حَقٌّ، تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وأنَّ سُلَيْمانَ إنَّما تَمَّ لَهُ ما تَمَّ بِذَلِكَ، وهَذا أيْضًا تَسْمِيَةٌ لِلْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. وقِيلَ: يُعَلِّمُونَ مَعْناهُ يُعْلِمُونَ، أيْ يُعْلِمُونَهم بِما يَتَعَلَّمُونَ بِهِ السِّحْرَ، أوْ بِمَن يَتَعَلَّمُونَ مِنهُ ولَمْ يُعَلِّمُوهم، فَهو مِن بابِ الإعْلامِ لا مِن بابِ التَّعْلِيمِ. وأمّا حُكْمُ السِّحْرِ، فَما كانَ مِنهُ يُعَظَّمُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ مِنَ الكَواكِبِ والشَّياطِينِ، وإضافَةِ ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ إلَيْها، فَهو كُفْرٌ إجْماعًا، لا يَحِلُّ تَعَلُّمُهُ ولا العَمَلُ بِهِ. وكَذا ما قُصِدَ بِتَعَلُّمِهِ سَفْكُ الدِّماءِ، والتَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ والأصْدِقاءِ. وأمّا إذا كانَ لا يُعْلَمُ مِنهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، بَلْ يُحْتَمَلُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَحِلُّ تَعَلُّمُهُ ولا العَمَلُ بِهِ. وما كانَ مِن نَوْعِ التَّحَيُّلِ والتَّخْيِيلِ والدَّكِّ والشَّعْبَذَةِ، فَإنْ قَصَدَ بِتَعْلِيمِهِ العَمَلَ بِهِ والتَّمْوِيهَ عَلى النّاسِ، فَلا يَنْبَغِي تَعَلُّمُهُ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ الباطِلِ. وإنْ قَصَدَ بِذَلِكَ مَعْرِفَتَهُ لِئَلّا تَتِمَّ عَلَيْهِ مَخايِلُ السَّحَرَةِ وخُدَعُهم، فَلا بَأْسَ بِتَعَلُّمِهِ، أوِ اللَّهْوِ واللَّعِبِ، وتَفْرِيجِ النّاسِ عَلى خِفَّةِ صَنْعَتِهِ فَيُكْرَهُ. رُوِيَ: «لَسْتُ مِن دَدٍ ولا دَدٌ مِنِّي» . وأمّا سِحْرُ البَيانِ، فَما أُرِيدَ بِهِ تَأْلِيفُ القُلُوبِ عَلى الخَيْرِ، فَهو السِّحْرُ الحَلالُ، أوْ سَتْرُ الحَقِّ، فَلا يَجُوزُ تَعَلُّمُهُ ولا العَمَلُ بِهِ. وأمّا حُكْمُ السّاحِرِ حَدًّا وتَوْبَةً، فَقَدْ تَعَرَّضَ المُفَسِّرُونَ لِذَلِكَ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ إلَيْهِ الآيَةُ، وهي مَسْألَةٌ مَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ، فَتُذْكَرُ فِيهِ. ﴿وما أُنْزِلَ﴾: ظاهِرُهُ أنَّ ما مَوْصُولٌ اسْمِيٌّ مَنصُوبٌ، وأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: السِّحْرَ، وظاهِرُ العَطْفِ التَّغايُرُ، فَلا يَكُونُ ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ سِحْرًا. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما تَتْلُو الشَّياطِينُ، أيْ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ والَّذِي أُنْزِلَ، وظاهِرُهُ أنَّ ما عَلَّمُوهُ النّاسَ، أوْ ما اتَّبَعُوهُ هو مُنَزَّلٌ. واخْتُلِفَ في هَذا المُنَزَّلِ الَّذِي عُلِّمَ، أوِ الَّذِي اتُّبِعَ فَقِيلَ: عِلْمُ السِّحْرِ أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ لِلنّاسِ، مَن تَعَلَّمَهُ مِنهم وعَمِلَ بِهِ كانَ كافِرًا، ومَن تَجَنَّبَهُ أوْ تَعَلَّمَهُ لا يَعْمَلُ بِهِ ولَكِنْ لِيَتَوَقّاهُ ولِئَلّا يَغْتَرَّ بِهِ كانَ مُؤْمِنًا، كَما ابْتُلِيَ قَوْمُ طالُوتَ بِالنَّهَرِ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُنَزَّلُ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ، وهو دُونَ السِّحْرِ. وقِيلَ: السِّحْرُ لِيُعْلَمَ عَلى جِهَةِ التَّحْذِيرِ مِنهُ، والنَّهْيِ عَنْهُ، والتَّعْلِيمُ عَلى هَذا القَوْلِ إنَّما هو تَعْرِيفٌ يَسِيرٌ بِمَبادِئِهِ. وقِيلَ: ”ما“ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى ”مُلْكِ سُلَيْمانَ“، والمَعْنى: افْتِراءً عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، وافْتِراءً عَلى ما أُنْزِلَ (p-٣٢٩)عَلى المَلَكَيْنِ، وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ المَلَكانِ نازِلًا عَلَيْهِما السِّحْرُ، قالَ: لِأنَّهُ كُفْرٌ، والمَلائِكَةُ مَعْصُومُونَ، ولِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ إنْزالُهُ، ولا يُضافُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُبْطِلُهُ، وإنَّما المُنَزَّلُ عَلى المَلَكَيْنِ الشَّرْعُ، وإنَّهُما كانا يُعَلِّمانِ النّاسَ ذَلِكَ. وقِيلَ: ”ما“ حَرْفُ نَفْيٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾، وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ جِبْرِيلَ ومِيكالَ بِالسِّحْرِ، فَنَفى اللَّهُ ذَلِكَ. ﴿عَلى المَلَكَيْنِ﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِفَتْحِ اللّامِ، وظاهِرُهُ أنَّهُما مَلَكانِ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى المَلَكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٤]، فَقِيلَ: هَمّا جِبْرِيلَ ومِيكالُ، كَما ذَكَرْناهُ في هَذا القَوْلِ الأخِيرِ. وقِيلَ: مَلَكانِ غَيْرُهُما وهُما: هارُوتُ ومارُوتُ. وقِيلَ: مَلَكانِ غَيْرُهُما، وسَيَأْتِي إعْرابُ هارُوتَ ومارُوتَ عَلى تَقْدِيرِ هَذِهِ الأقْوالِ، إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ والضَّحّاكُ وابْنُ أبْزى: المَلِكَيْنِ، بِكَسْرِ اللّامِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما رَجُلانِ ساحِرانِ كانا بِبابِلَ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا تُعَلِّمُ النّاسَ السِّحْرَ. وقالَ الحَسَنُ: هُما عِلْجانِ بِبابِلِ العِراقِ. وقالَ أبُو الأسْوَدِ: هُما هارُوتُ ومارُوتُ، وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِ الحَسَنِ. وقالَ ابْنُ أبْزى: هُما داوُدُ وسُلَيْمانُ، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: هُما شَيْطانانِ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ أبْزى تَكُونُ ما نافِيَةً، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ، في هَذِهِ القِراءَةِ، تَكُونُ ما مَوْصُولَةً. ومَعْنى الإنْزالِ: القَذْفُ في قُلُوبِهِما. وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ، في قِراءَةِ مَن قَرَأ: المَلَكَيْنِ بِفَتْحِ اللّامِ، قَصَصًا كَثِيرًا، تَتَضَمَّنُ: أنَّ المَلائِكَةَ تَعَجَّبَتْ مِن بَنِي آدَمَ في مُخالَفَتِهِمْ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى بَكَّتَهم، بِأنْ قالَ لَهُمُ اخْتارُوا مَلَكَيْنِ لِلْهُبُوطِ إلى الأرْضِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، ورَكَّبَ فِيهِما الشَّهْوَةَ، فَحَكَما بَيْنَ النّاسِ، وافْتُتِنا بِامْرَأةٍ، تُسَمّى بِالعَرَبِيَّةِ: الزُّهْرَةَ، وبِالفارِسِيَّةِ: مِيذَخْتَ، فَطَلَباها وامْتَنَعَتْ إلّا أنْ يَعْبُدا صَنَمًا، ويَشْرَبا الخَمْرَ ويَقْتُلا. فَخافا عَلى أمْرِهِما، فَعَلَّماها ما تَصْعَدُ بِهِ إلى السَّماءِ وما تَنْزِلُ بِهِ، فَصَعِدَتْ ونَسِيَتْ ما تَنْزِلُ بِهِ، فَمُسِخَتْ. وأنَّهُما تَشَفَّعا بِإدْرِيسَ إلى اللَّهِ تَعالى، فَخَيَّرَهُما في عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا، فَهُما بِبابِلَ يُعَذَّبانِ. وذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ عَذابِهِما اخْتِلافًا. وهَذا كُلُّهُ لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ. والمَلائِكَةُ مَعْصُومُونَ، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] . ولا يَصِحُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَلْعَنُ الزُّهْرَةَ، ولا ابْنَ عُمَرَ. وقِيلَ: سَبَبُ إنْزالِ المَلَكَيْنِ: أنَّ السَّحَرَةَ كَثُرُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ، وادَّعَوُا النُّبُوَّةَ، وتَحَدَّوُا النّاسَ بِالسِّحْرِ. فَجاءا لِيُعَلِّما النّاسَ السِّحْرَ، فَيَتَمَكَّنُوا مِن مُعارَضَةِ السِّحْرِ، فَيَتَبَيَّنَ كَذِبُهم في دَعْواهُمُ النُّبُوَّةَ، أوْ لِأنَّ المُعْجِزَةَ والسِّحْرَ ماهِيَّتانِ مُتَبايِنَتانِ، ويَعْرِضُ بَيْنَهُما الِالتِباسُ. فَجاءا لِإيضاحِ الماهِيَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّ السِّحْرَ الَّذِي يُوقِعُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ أعْداءِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ كانَ مُباحًا، أوْ مَندُوبًا، فَبُعِثا لِذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ القَوْمُ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ. أوْ لِأنَّ الجِنَّ كانَ عِنْدَهم مِن أنْواعِ السِّحْرِ ما لَمْ تَقْدِرِ البَشَرُ عَلى مِثْلِهِ، فَأُنْزِلا بِذَلِكَ لِأجْلِ المُعارَضَةِ. وقِيلَ: أُنْزِلا عَلى إدْرِيسَ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يَكُونُونَ رُسُلًا لِكافَّةِ النّاسِ، ولا بُدَّ مِن رَسُولٍ مِنَ البَشَرِ. ﴿بِبابِلَ﴾: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي في سَوادِ الكُوفَةِ. وقالَ قَتادَةُ: هي مِن نَصِيبِينَ إلى رَأْسِ العَيْنِ. وقِيلَ: هي جَبَلُ دَماوَنْدَ. وقِيلَ: هي بِالمَغْرِبِ. وقِيلَ: في أرْضٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ، فِيها هارُوتُ ومارُوتُ، وسُمِّيَتْ بِبابِلَ، قالَ الخَلِيلُ: لِتَبَلْبُلِ الألْسِنَةِ حِينَ أرادَ اللَّهُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَها، أتَتْ رِيحٌ فَحَشَرَتِ النّاسَ إلى بابِلَ، فَلَمْ يَدْرِ أحَدٌ ما يَقُولُ الآخَرُ، ثُمَّ فَرَّقَتْهُمُ الرِّيحُ في البِلادِ. وقِيلَ: لِتَبَلْبُلِ الألْسِنَةِ بِها عِنْدَ سُقُوطِ قَصْرِ نَمْرُوذَ. ﴿هارُوتَ ومارُوتَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ التّاءِ، وهُما بَدَلٌ مِنَ المَلَكَيْنِ، وتَكُونُ الفَتْحَةُ عَلامَةً لِلْجَرِّ لِأنَّهُما لا يَنْصَرِفانِ، وذَلِكَ إذا قُلْنا إنَّهُما اسْمانِ لَهُما. وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ النّاسِ، فَتَكُونُ الفَتْحَةُ عَلامَةً لِلنَّصْبِ، ولا يَكُونُ هارُوتُ ومارُوتُ (p-٣٣٠)اسْمَيْنِ لِلْمَلَكَيْنِ. وقِيلَ: هُما قَبِيلَتانِ مِنَ الشَّياطِينِ، فَعَلى هَذا يَكُونانِ بَدَلًا مِنَ الشَّياطِينِ، وتَكُونُ الفَتْحَةُ عَلامَةً لِلنَّصْبِ، عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ الشَّياطِينَ. وأمّا مَن رَفَعَ الشَّياطِينَ، فانْتِصابُهُما عَلى الذَّمِّ، كَأنَّهُ قالَ: أذُمُّ هارُوتَ ومارُوتَ، أيْ هاتَيْنِ القَبِيلَتَيْنِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أُقارِعُ عَوْفًا لا أُحاوِلُ غَيْرَها ∗∗∗ وُجُوهَ قُرُودٍ تَبْتَغِي مَن تُخادِعُ وهَذا عَلى قِراءَةِ المَلَكَيْنِ، بِفَتْحِ اللّامِ. وأمّا مَن قَرَأ بِكَسْرِها، فَيَكُونانِ بَدَلًا مِنَ المَلَكَيْنِ، إلّا إذا فُسِّرا بِداوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَلا يَكُونُ هارُوتُ ومارُوتُ بَدَلًا مِنهُما، ولَكِنْ يَتَعَلَّقانِ بِالشَّياطِينِ عَلى الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنا في رَفْعِ الشَّياطِينِ ونَصْبِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ: هارُوتُ ومارُوتُ بِالرَّفْعِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونا خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُما هارُوتُ ومارُوتُ، إنْ كانا مَلَكَيْنِ. وجازَ أنْ يَكُونا بَدَلًا مِنَ الشَّياطِينِ الأوَّلِ أوِ الثّانِي، عَلى قِراءَةِ مَن رَفَعَهُ، إنْ كانا شَيْطانَيْنِ. وتَقَدَّمَ لَنا القَوْلُ في هارُوتَ ومارُوتَ، وأنَّهُما أعْجَمِيّانِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُما مُشْتَقّانِ مِنَ الهَرْتِ والمَرْتِ، وهو الكَسْرُ، وقَوْلُهُ خَطَأٌ، بِدَلِيلِ مَنعِهِمُ الصَّرْفَ لَهُما، ولَوْ كانا كَما زَعَمَ، لانْصَرَفا، كَما انْصَرَفَ جامُوسٌ إذا سَمَّيْتَ بِهِ. واخْتُصَّتْ بابِلُ بِالإنْزالِ لِأنَّها كانَتْ أكْثَرَ البِلادِ سِحْرًا. ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: بِالتَّشْدِيدِ، مِن عَلَّمَ عَلى بابِها مِنَ التَّعْلِيمِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: هو هُنا بِمَعْنى يُعَلِّمانِ، التَّضْعِيفُ والهَمْزَةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَهو مِن بابِ الإعْلامِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ. وما يُعَلِّمانِ: مِن أعْلَمَ قالَ: لِأنَّ المَلَكَيْنِ إنَّما نَزَلا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ ويَنْهَيانِ عَنْهُ. والضَّمِيرُ في يُعَلِّمانِ عائِدٌ عَلى المَلَكَيْنِ، أيْ وما يُعَلِّمُ المَلَكانِ. وكَذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ، أيْ بِإظْهارِ الفاعِلِ لا إضْمارِهِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى هارُوتَ ومارُوتَ، فَفي القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ عائِدًا عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، وفي الثّانِي عَلى البَدَلِ، ومِن زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ اسْتِغْراقِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ أحَدًا مِنَ الألْفاظِ المُسْتَعْمَلَةِ لِلِاسْتِغْراقِ في النَّفْيِ العامِّ، فَزِيدَتْ هُنا لِتَأْكِيدِ ذَلِكَ، بِخِلافِ قَوْلِكَ: ما قامَ مِن رَجُلٍ، فَإنَّها زِيدَتْ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، وشَرْطُ زِيادَتِها هُنا مَوْجُودٌ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهم شَرَطُوا أنْ يَكُونَ بَعْدَها نَكِرَةٌ، وأنْ يَكُونَ قَبْلَها غَيْرُ واجِبٍ. وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى زِيادَةِ مِن في كِتابِ مَنهَجِ السّالِكِ مِن تَأْلِيفِنا، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ هُنا بِمَعْنًى واحِدٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ. ﴿حَتّى يَقُولا﴾: حَتّى هُنا: حَرْفُ غايَةٍ، والمَعْنى انْتِفاءُ تَعْلِيمِهِما، أوْ إعْلامِهِما عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ في يُعَلِّمانِ إلى أنْ يَقُولا: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ . وقالَ أبُو البَقاءِ: حَتّى هُنا بِمَعْنى إلّا أنْ، وهَذا مَعْنًى لِحَتّى لا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ذَكَرَهُ. وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ وأنْشَدَ عَلَيْهِ في غَيْرِهِ: ؎لَيْسَ العَطاءُ مِنَ الفُضُولِ سَماحَةً ∗∗∗ حَتّى تَجُودَ وما لَدَيْكَ قَلِيلُ قالَ: يُرِيدُ إلّا أنْ تَجُودَ، وما في (إنَّما) كافَّةٌ لِإنَّ عَنِ العَمَلِ، فَيَصِيرُ مِن حُرُوفِ الِابْتِداءِ. وقَدْ أجازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ عَمَلَ إنَّ مَعَ وُجُودِ ما، نَحْوُ: إنَّما زَيْدٌ قائِمٌ. ﴿نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾: أيِ ابْتِلاءٌ واخْتِبارٌ. ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾: قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانا يُعَلِّمانِ تَعْلِيمَ إنْذارٍ لا تَعْلِيمَ دُعاءٍ إلَيْهِ، كَأنَّهُما يَقُولانِ: لا تَفْعَلْ كَذا، كَما لَوْ سَألَ سائِلٌ عَنْ صِفَةِ الزِّنا، أوِ القَتْلِ، فَأُخْبِرَ بِصِفَتِهِ لِيَجْتَنِبَهُ. فَكانَ المَعْنى في يُعَلِّمانِ: يُعْلِمانِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلا تَكْفُرْ: فَلا تَتَعَلَّمْ مُعْتَقِدًا أنَّهُ حَقٌّ فَتَكْفُرَ. وحَكى الَمَهْدَوِيُّ: أنَّ قَوْلَهُما ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾، اسْتِهْزاءٌ، لِأنَّهُما إنَّما يَقُولانِهِ لِمَن قَدْ تَحَقَّقا ضَلالَهُ. وقالَ في المُنْتَخَبِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ تَوْكِيدٌ لِقَبُولِ الشَّرْعِ والتَّمَسُّكِ بِهِ، فَكانَتْ طائِفَةٌ تَمْتَثِلُ وأُخْرى تُخالِفُ. وقِيلَ: فَلا تَكْفُرْ، أيْ لا تَسْتَعْمِلْهُ فِيما نُهِيتَ عَنْهُ، ولَكِنْ إذا وقَفْتَ عَلَيْهِ فَتَحَرَّزْ مِن أنْ يَنْفُذَ لِساحِرٍ عَلَيْكَ تَمْوِيهٌ. وقِيلَ: فَلا تَفْعَلْهُ لِتَعْمَلَ بِهِ. وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: تَعَلُّمُهُ جائِزٌ والعَمَلُ بِهِ كُفْرٌ. وقِيلَ: فَلا تَكْفُرْ بِتَعْلِيمِ السِّحْرِ، وهَذا عَلى قَوْلِ (p-٣٣١)مَن قالَ: إنَّ تَعَلُّمَهُ كُفْرٌ. وقِيلَ: فَلا تَكْفُرْ بِنا، وهَذا عَلى قَوْلِ: إنَّ المَلَكَيْنِ نَزَلا مِنَ السَّماءِ بِالسِّحْرِ، وإنَّ مَن تَعَلَّمَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ كافِرًا، ومَن تَرَكَهُ كانَ مُؤْمِنًا، كَما جاءَ في نَهَرِ طالُوتَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما حَكاهُ الَمَهْدَوِيُّ أنَّ قَوْلَهُما: فَلا تَكْفُرْ، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، لا عَلى سَبِيلِ النَّصِيحَةِ. وقَوْلَهُ: حَتّى يَقُولا مُطْلَقًا في القَوْلِ، وأقَلُّ ما يَتَحَقَّقُ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ، فَقِيلَ مَرَّةٌ، وقِيلَ سَبْعُ مَرّاتٍ، وقِيلَ تِسْعُ مَرّاتٍ، وقِيلَ ثَلاثٌ. ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى صِحَّةِ نَقْلٍ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ، فَيَكُونُ مُحْتَمَلًا، والمُتَحَقِّقُ المَرَّةُ الواحِدَةُ. واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي ذَلِكَ العِلْمِ مِنهُما، فَقالَ مُجاهِدٌ: هارُوتُ ومارُوتُ لا يَصِلُ إلَيْهِما أحَدٌ، ويَخْتَلِفُ إلَيْهِما شَيْطانانِ في كُلِّ سَنَةٍ اخْتِلافَةً واحِدَةً، فَيَتَعَلَّمانِ مِنهُما ما يُفَرِّقانِ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ. والظّاهِرُ أنَّ هارُوتَ ومارُوتَ هُما اللَّذانِ يُباشِرانِ التَّعْلِيمَ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يُعَلِّمانِ﴾ . وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ قِصَصًا فِيما يَعْرِضُ مِنَ المُحاوَرَةِ بَيْنَ المَلَكَيْنِ وبَيْنَ مَن جاءَ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُما، وفي كُلٍّ مِن ذَلِكَ القَصَصِ أنَّهُما يَأْمُرانِهِ بِأنْ يَبُولَ في تَنُّورٍ. فاخْتَلَفُوا في الإيمانِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ، أيَرى فارِسًا مُقَنَّعًا بِحَدِيدٍ يَخْرُجُ مِنهُ حَتّى يَغِيبَ في السَّماءِ ؟ أوْ نُورًا خَرَجَ مِن رَمادٍ يَسْطَعُ حَتّى يَدْخُلَ السَّماءَ ؟ أوْ طائِرًا خَرَجَ مِن بَيْنِ ثِيابِهِ وطارَ نَحْوَ السَّماءِ ؟ وفَسَّرُوا ذَلِكَ الخارِجَ بِأنَّهُ الإيمانُ. وهَذا كُلُّهُ شَيْءٌ لا يَصِحُّ ألْبَتَّةَ، فَلِذَلِكَ لَخَّصْنا مِنهُ شَيْئًا، وإنْ كانَ لا يَصِحُّ، حَتّى لا نُخَلِّيَ كِتابَنا مِمّا ذَكَرُوهُ. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾: قالَهُ الفَرّاءُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى شَيْءٍ دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلُ الكَلامِ، كَأنَّهُ قالَ: فَيَأْبَوْنَ فَيَتَعَلَّمُونَ. وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا: هو عَطْفٌ عَلى ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾، ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾ . وأنْكَرَهُ الزَّجّاجُ بِسَبَبِ لَفْظِ الجَمْعِ في يُعَلِّمُونَ، وقَدْ قالَ: ”مِنهُما“ . وأجازَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ، إذْ لا يَمْتَنِعُ عَطْفُ فَيَتَعَلَّمُونَ عَلى يُعَلِّمُونَ، وإنْ كانَ التَّعْلِيمُ مِنَ المَلَكَيْنِ خاصَّةً، والضَّمِيرُ في مِنهُما راجِعٌ إلَيْهِما؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما، إنَّما جاءَ بَعْدَ ذِكْرِ المَلَكَيْنِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو مَعْطُوفٌ عَلى كَفَرُوا، قالَ: وارْتَفَعَتْ فَيَتَعَلَّمُونَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ عَنِ المَلَكَيْنِ أنَّهُما قالا: لا تَكْفُرْ، فَيَتَعَلَّمُوا لِيَجْعَلا كُفْرَهُ سَبَبًا لِتَعَلُّمِ غَيْرِهِ، ولَكِنَّهُ عَلى كَفَرُوا فَيَتَعَلَّمُونَ. يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ: أنَّ فَيَتَعَلَّمُونَ لَيْسَ بِجَوابٍ لِقَوْلِهِ: فَلا تَكْفُرْ، فَيُنْصَبُ كَما نُصِبَ ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١]؛ لِأنَّ كُفْرَ مَن نُهِيَ أنْ يَكْفُرَ في الآيَةِ لَيْسَ سَبَبًا لِتَعَلُّمِ مَن يَتَعَلَّمُ. وكَفَرُوا: في مَوْضِعِ فِعْلٍ مَرْفُوعٍ، فَعُطِفَ عَلَيْهِ مَرْفُوعٌ، ولا وجْهَ لِاعْتِراضِ مَنِ اعْتَرَضَ في العَطْفِ عَلى كَفَرُوا، أوْ عَلى يَعْلَمُونَ، بِأنَّ فِيهِ إضْمارَ المَلَكَيْنِ. قِيلَ: ذَكَرَهُما مِن أجْلِ أنَّ التَّقْدِيرَ: ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما إنَّما جاءَ بَعْدَ ذِكْرِ المَلَكَيْنِ، كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: فَيَتَعَلَّمُونَ، هو عَلى إضْمارِ هم، أيْ فَهم يَتَعَلَّمُونَ، فَتَكُونُ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها عَطْفَ الجُمَلِ، والضَّمِيرُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في فَيَتَعَلَّمُونَ عائِدٌ عَلى النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَيَتَعَلَّمُونَ مَعْطُوفًا عَلى يُعَلِّمانِ، والضَّمِيرُ الَّذِي في فَيَتَعَلَّمُونَ لِأحَدٍ، وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى كَما قالَ تَعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وهَذا العَطْفُ وإنْ كانَ عَلى مَنفِيٍّ، فَذَلِكَ المَنفِيُّ هو مُوجَبٌ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُما يُعَلِّمانِ كُلَّ واحِدٍ، إذا قالا لَهُ: إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ هَذا الوَجْهَ. وقالَ الزَّجّاجُ أيْضًا: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى يُعَلِّمانِ فَيَتَعَلَّمُونَ، واسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ يُعَلِّمانِ، بِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا وجْهَ لِقَوْلِ الزَّجّاجِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ يُعَلِّمانِ؛ لِأنَّهُ مَوْجُودٌ في النَّصِّ. انْتَهى كَلامُ أبِي عَلِيٍّ، وهو كَلامٌ فِيهِ مُغالَطَةٌ؛ لِأنَّ الزَّجّاجَ لَمْ يُرِدْ أنَّ فَيَتَعَلَّمُونَ مَعْطُوفٌ عَلى يُعَلِّمانِ الدّاخِلِ عَلَيْها ما النّافِيَةُ في قَوْلِهِ: ولا ما يُعَلِّمانِ، فَيَكُونَ يُعَلِّمانِ مَوْجُودًا في النَّصِّ، وإنَّما يُرِيدُ أنَّ يُعَلِّمانِ مُضْمَرَةٌ مُثْبَتَةٌ لا مَنفِيَّةٌ. وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّجّاجُ لَيْسَ مَوْجُودًا في النَّصِّ. وحَمَلَ أبا عَلِيٍّ عَلى هَذِهِ المُغالَطَةِ حُبُّ رَدِّهِ (p-٣٣٢)عَلى الزَّجّاجِ وتَخْطِئَتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ مُولَعًا بِذَلِكَ. ولِلشَّنَآنِ الجارِي بَيْنَهُما سَبَبٌ ذَكَرَهُ النّاسُ. انْتَهى ما وقَفْنا عَلَيْهِ لِلنّاسِ في هَذا العَطْفِ، وأكْثَرُهُ كَلامُ الَمَهْدَوِيِّ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أشْبَعَ الكَلامَ في ذَلِكَ. وتَلَخَّصَ في هَذا العَطْفِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَيَأْبَوْنَ فَيَتَعَلَّمُونَ، أوْ يُعَلِّمانِ فَيَتَعَلَّمُونَ، أيْ عَلى مُثْبَتٍ، أوْ يَتَعَلَّمُونَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَهم يَتَعَلَّمُونَ، عَطْفَ جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ عَلى فِعْلِيَّةٍ، أوْ مَعْطُوفًا عَلى يُعَلِّمُونَ النّاسَ، أوْ مَعْطُوفًا عَلى كَفَرُوا، أوْ عَلى يُعَلِّمانِ المَنفِيَّةِ لِكَوْنِها مُوجَبَةً في المَعْنى. فَتِلْكَ أقْوالٌ سِتَّةٌ، أقْرَبُها إلى اللَّفْظِ هَذا القَوْلُ الأخِيرُ. ﴿مِنهُما﴾: الضَّمِيرُ في الظّاهِرِ عائِدٌ عَلى المَلَكَيْنِ، أيْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنَ المَلَكَيْنِ، سَواءٌ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ، أوْ كَسْرِها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى السِّحْرِ، وعَلى الَّذِي أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ والكُفْرِ، الَّذِي هو مَصْدَرٌ مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنَ الفِتْنَةِ والكُفْرِ مِقْدارَ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ. ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾: ما مَوْصُولَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، لِأجْلِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْها. والمَصْدَرِيَّةُ لا يَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرٌ، لِأنَّها حَرْفٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، والَّذِي يُفَرَّقُ بِهِ هو السِّحْرُ. وعَنى بِالتَّفْرِيقِ تَفْرِيقَ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، بِحَيْثُ تَقَعُ الشَّحْناءُ والبَغْضاءُ فَيَفْتَرِقانِ، أوْ تَفْرِيقَ الدِّينِ، بِحَيْثُ إذا تَعَلَّمَ فَقَدْ كَفَرَ وصارَ مُرْتَدًّا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُفَرِّقًا بَيْنَهُما. ﴿بَيْنَ المَرْءِ﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ والهَمْزِ. وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ وقَتادَةُ: المَرِ بِغَيْرِ هَمْزٍ مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: المُرْءِ بِضَمِّ المِيمِ والهَمْزَةِ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: المِرْءِ بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ أيْضًا: المَرِّ بِفَتْحِ المِيمِ وإسْقاطِ الهَمْزِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ فَأمّا فَتْحُ المِيمِ وكَسْرُها وضَمُّها فَلُغاتٌ، وأمّا المَرِ بِكَسْرِ الرّاءِ فَوَجْهُهُ أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الرّاءِ، وحَذَفَ الهَمْزَةَ، وأمّا تَشْدِيدُها بَعْدَ الحَذْفِ، فَوَجْهُهُ أنَّهُ نَوى الوَقْفَ فَشَدَّدَ، كَما رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: مُسْتَطَرٌّ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ في الوَقْفِ، ثُمَّ أُجْرِيَ الوَصْلُ مُجْرى الوَقْفِ، فَأقَرَّها عَلى تَشْدِيدِها فِيهِ. ﴿وزَوْجِهِ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ يُرِيدُ بِهِ امْرَأةَ الرَّجُلِ. وقِيلَ الزَّوْجُ هُنا: الأقارِبُ والإخْوانُ، وهُمُ الصِّنْفُ المُلائِمُ لِلْإنْسانِ، ومِنهُ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]، ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] . ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ﴾: الضَّمِيرُ الَّذِي هو هم: عائِدٌ عَلى السَّحَرَةِ الَّذِينَ عادَ عَلَيْهِمْ ضَمِيرُ فَيَتَعَلَّمُونَ. وقِيلَ: عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ عادَ عَلَيْهِمْ ضَمِيرُ واتَّبَعُوا. وقِيلَ: عَلى الشَّياطِينِ. وبِضارِّينَ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّ ما حِجازِيَّةٌ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّ ما تَمِيمِيَّةٌ. والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ما يُفَرِّقُونَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِإثْباتِ النُّونِ في بِضارِّينَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِحَذْفِها، وخَرَّجَ ذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وإنْ كانَ اسْمُ الفاعِلِ في صِلَةِ الألِفِ واللّامِ. والثّانِي: أنَّ حَذْفَها لِأجْلِ الإضافَةِ إلى أحَدٍ، وفُصِلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي هو بِهِ، كَما قالَ: ؎هُما أخَوا في الحَرْبِ مَن لا أخا لَهُ وكَما قالَ: ؎كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا يَهُودِيٍّ وهَذا اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، ثُمَّ اسْتُشْكِلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ أحَدًا مَجْرُورٌ بِمِن، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أنَّهُ مَجْرُورٌ بِالإضافَةِ ؟ فَقالَ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يُضافُ إلى أحَدٍ، وهو مَجْرُورٌ بِمِن ؟ (قُلْتُ): جُعِلَ الجارُ جُزْءًا مِنَ المَجْرُورِ. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ مِن ضَرائِرَ الشِّعْرِ، وأقْبَحُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ ثَمَّ مُضافٌ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مَشْغُولٌ بِعامِلِ جَرٍّ، فَهو المُؤَثِّرُ فِيهِ لا الإضافَةُ. وأمّا جَعْلُ حَرْفِ الجَرِّ جُزْءًا مِنَ المَجْرُورِ، فَهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِيهِ. وجُزْءُ الشَّيْءِ لا يُؤَثِّرُ في الشَّيْءِ، والأجْوَدُ التَّخْرِيجُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ لَهُ نَظِيرًا في نَظْمِ العَرَبِ ونَثْرِها. فَمِنَ النَّثْرِ قَوْلُ العَرَبِ، قَطاقَطا بَيْضُكِ ثِنْتا وبَيْضِي مِائَتا، يُرِيدُونَ: ثِنْتانِ ومِائَتانِ. ﴿مِن أحَدٍ﴾، مِن زائِدَةٌ، و”أحَدٍ“: مَفْعُولٌ بِضارِّينَ. ومِن تُزادُ في المَفْعُولِ، إلّا أنَّ المَعْهُودَ زِيادَتُها في المَفْعُولِ (p-٣٣٣)الَّذِي يَكُونُ مَعْمُولًا لِلْفاعِلِ الَّذِي يُباشِرُهُ حَرْفُ النَّفْيِ نَحْوُ: ما ضَرَبْتُ مِن رَجُلٍ، وما ضَرَبَ زَيْدٌ مِن رَجُلٍ. وهُنا حُمِلَتِ الجُمْلَةُ مِن غَيْرِ الفِعْلِ والفاعِلِ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الفِعْلِ والفاعِلِ؛ لِأنَّ المَعْنى: وما يَضُرُّونَ مِن أحَدٍ. ﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾: مُسْتَثْنًى مُفَرَّغٌ مِنَ الأحْوالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿بِضارِّينَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو: ﴿مِن أحَدٍ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن بِهِ، أيِ السِّحْرِ المُفَرَّقِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّرَرِ المَصْدَرِ المُعَرَّفِ المَحْذُوفِ. والإذْنُ هُنا فَسَّرَ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها عِنْدَ الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. فَقالَ الحَسَنُ: الإذْنُ هُنا: هو التَّخْلِيَةُ بَيْنَ المَسْحُورِ وضَرَرِ السِّحْرِ. وقالَ الأصَمُّ: العِلْمُ. وقالَ غَيْرُهُ: الخَلْقُ، ويُضافُ إلى إذْنِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] وقِيلَ: الأمْرُ، قِيلَ: والإذْنُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالسِّحْرِ، ولِأنَّهُ ذَمَّهم عَلى ذَلِكَ. وأُوِّلَ مَعْنى الأمْرِ فِيهِ بِأنْ يُفَسَّرَ التَّفْرِيقُ بِالصَّيْرُورَةِ كافِرًا، فَإنَّ هَذا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما يَتَعَلَّمُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ وضَرَرٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما أحْدَثَ اللَّهُ عِنْدَهُ شَيْئًا، ورُبَّما لَمْ يُحْدِثْ. ﴿ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الضَّرَرُ لِمَن يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، ذَكَرَ أيْضًا أنَّ ضَرَرَهُ لا يَقْتَصِرُ عَلى مَن يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ، بَلْ هو أيْضًا يَضُرُّ مَن تَعَلَّمَهُ. ولَمّا كانَ إثْباتُ الضَّرَرِ بِشَيْءٍ لا يَنْفِي النَّفْعَ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الشَّيْءُ فَيَحْصُلُ بِهِ الضَّرَرُ ويَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ، نَفى النَّفْعَ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وأتى بِلَفْظِ لا، لِأنَّها يُنْفى بِها الحالُ والمُسْتَقْبَلُ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يَضُرُّهُمْ﴾، وكِلا الفِعْلَيْنِ صِلَةٌ لِما، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ لا يَنْفَعُهم عَلى إضْمارِ هو، أيْ وهو لا يَنْفَعُهم، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ، فَتَكُونُ جُمْلَةً حالِيَّةً، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَدْ قِيلَ: الضَّرَرُ وعَدَمُ النَّفْعِ مُخْتَصٌّ بِالآخِرَةِ. وقِيلَ: هو في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ تَعَلُّمَهُ، إنْ كانَ غَيْرَ مُباحٍ، فَهو يَجُرُّ إلى العَمَلِ بِهِ، وإلى التَّنْكِيلِ بِهِ، إذا عَثَرَ عَلَيْهِ، وإلى أنَّ ما يَأْخُذُهُ عَلَيْهِ حَرامٌ، هَذا في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ فَلِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ العِقابِ. ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ قِيلَ: عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانُوا حاضِرِينَ اسْتِخْراجَ الشَّياطِينِ السِّحْرَ ودَفْنَهُ، أوْ أخْذَ سُلَيْمانَ السِّحْرَ ودَفْنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، ولَمّا أخْرَجُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ قالُوا: واللَّهِ ما هَذا مِن عَمَلِ سُلَيْمانَ ولا مِن ذَخائِرِهِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مَن بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى اليَهُودِ قاطِبَةً، أيْ عَلِمُوا ذَلِكَ في التَّوْراةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى عُلَماءِ اليَهُودِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ. وقِيلَ: عَلى المَلَكَيْنِ، لِأنَّهُما كانا يَقُولانِ لِمَن يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ: فَلا تَكْفُرْ، فَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ. وأُتِيَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى قَوْلِ مَن يَرى ذَلِكَ. وعَلِمَ: هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُتَعَدِّيَةَ لِمَفْعُولَيْنِ، (p-٣٣٤)وعُلِّقَتْ عَنِ الجُمْلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُتَعَدِّيَةَ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، وعُلِّقَتْ أيْضًا كَما عُلِّقَتْ عَرَفْتُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَظْهَرُ في العَطْفِ عَلى مَوْضِعِها. واللّامُ في: ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ هي لامُ الِابْتِداءِ، وهي المانِعَةُ مَن عَمِلَ عَلِمَ، وهي أحَدُ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلتَّعْلِيقِ، وأجازُوا حَذْفَها، وهي باقِيَةٌ عَلى مَنعِ العَمَلِ، وخَرَّجُوا عَلى ذَلِكَ: ؎إنِّي وجَدْتُ مَلاكَ الشِّيمَةِ الأدَبا يُرِيدُ لِمَلاكِ الشِّيمَةِ. ومَن هُنا مَوْصُولَةٌ، وهي مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. واللّامُ في لَقَدْ لِلْقَسَمِ. هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وأكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ مُقْسَمٌ عَلَيْها، التَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَقَدْ عَلِمُوا. والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عِنْدَهُ غَيْرُ مُقْسَمٍ عَلَيْها. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ مُقْسَمًا عَلَيْهِما، وتَكُونَ مَن لِلشَّرْطِ، وتَبِعَهُ في ذَلِكَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ. قالَ أبُو البَقاءِ: اللّامُ في ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ هي الَّتِي يُوطَأُ بِها القَسَمُ مِثْلَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ [مريم: ٤٦]، ومَن في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهي شَرْطٌ وجَوابُ القَسَمِ ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ . انْتَهى كَلامُهُ. فاشْتَراهُ في القَوْلِ الأوَّلِ صِلَةٌ، وفي هَذا القَوْلِ خَبَرٌ عَنْ مَن، ويَكُونُ إذْ ذاكَ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ قَسَمٌ وشَرْطٌ، ولَمْ يَتَقَدَّمْهُما ذُو خَبَرٍ، فَكانَ الجَوابُ لِلسّابِقِ، وهو القَسَمُ، ولِذَلِكَ كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا في اللَّفْظِ. هَذا هو تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ وتَوْضِيحُهُ. وُفي كِلا القَوْلَيْنِ يَكُونُ: لِمَنِ اشْتَراهُ، في مَوْضِعِ نَصْبٍ: بِيَعْلَمُوا. وقَدْ نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ رَدُّ قَوْلِ مَن قالَ مَن شَرْطٌ، وقالَ هَذا لَيْسَ مَوْضِعَ شَرْطٍ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ تَوْجِيهُ كَوْنِهِ لَيْسَ مَوْضِعَ شَرْطٍ. وأرى المانِعَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي يَلِي مَن هو ماضٍ لَفْظًا ومَعْنًى؛ لِأنَّ الِاشْتِراءَ قَدْ وقَعَ، وجَعْلُهُ شَرْطًا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ إذا كانَ ماضِيًا لَفْظًا، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا في المَعْنى. فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ، كانَ لَيْسَ مَوْضِعَ شَرْطٍ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في اشْتَراهُ عائِدٌ عَلى السِّحْرِ، أوِ الكُفْرِ، أوْ كِتابِهِمُ الَّذِي باعُوهُ بِالسِّحْرِ، أوِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ تَعَوَّضُوا عَنْهُ بِكُتُبِ السِّحْرِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ الدِّينُ، قالَهُ الحَسَنُ؛ أوِ القَوامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الخَلاصُ، أوِ القَدَرُ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أقْوالٌ خَمْسَةٌ. ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾: تَقَدَّمَ القَوْلُ في بِئْسَ، وفي ما الواقِعَةُ بَعْدَها، ومَعْناهُ: ذُمَّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم. والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى السِّحْرِ، أوِ الكُفْرِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في بِئْسَما السِّحْرُ، أوِ الكُفْرُ. والضَّمِيرُ في: شَرَوْا، ويَعْلَمُونَ، بِاتِّفاقٍ لِلْيَهُودِ. فَمَتى فُسِّرَ الضَّمِيرُ في: ولَقَدْ عَلِمُوا بِأنَّهُ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ، أوِاليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ سُلَيْمانَ، وفي زَمانِهِ، أوِ المَلَكَيْنِ بِفَتْحِ اللّامِ، أوْ بِكَسْرِها، فَلا إشْكالَ لِاخْتِلافِ المُسْنَدِ إلَيْهِ العِلْمُ. وإنِ اتَّحَدَ المُسْنَدُ إلَيْهِ أُوِّلَ العِلْمُ الثّانِي بِالعَقْلِ؛ لِأنَّ العِلْمَ مِن ثَمَرَتِهِ، فَلَمّا انْتَفى الأصْلُ، نُفِيَ ثَمَرَتُهُ. أوْ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّهُ مِن ثَمَرَةِ العِلْمِ، فَلَمّا انْتَفَتِ الثَّمَرَةُ، جُعِلَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مَنفِيًّا، أوْ أُوِّلَ مُتَعَلِّقُ العِلْمِ، وهو المَحْذُوفُ، أيْ عَلِمُوا ضَرَرَهُ في الآخِرَةِ، ولَمْ يَعْلَمُوا نَفْعَهُ في الدُّنْيا. أوْ عَلِمُوا نَفْيَ الثَّوابِ، ولَمْ يَعْلَمُوا اسْتِحْقاقَ العَذابِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ . ذُمَّ ذَلِكَ لَمّا باعُوا أنْفُسَهم.

البقرة 2:103

﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا﴾: قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَوْ وأقْسامِها، وهي هُنا حِرَفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، ويَأْتِي الكَلامُ عَلى جَوابِها إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ تَمَنِّيًا لِإيمانِهِمْ، عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَنْ إرادَةِ اللَّهِ إيمانَهم واخْتِيارَهم لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَيْتَهم آمَنُوا، ثُمَّ ابْتُدِئَ: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، انْتَهى. فَعَلى هَذا لا يَكُونُ لِلْجَوابِ لازِمٌ، لِأنَّها قَدْ تُجابُ إذا كانَتْ لِلتَّمَنِّي بِالفاءِ، كَما يُجابُ لَيْتَ. إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ دَسَّ في كَلامِهِ هَذا، ويُحْرِجُهُ مَذْهَبُهُ الِاعْتِزالِيُّ، حَيْثُ جَعَلَ التَّمَنِّيَ كِنايَةً عَنْ إرادَةِ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ أرادَ إيمانَهم، فَلَمْ يَقَعْ مُرادُهُ، وهَذا هو عَيْنُ مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، والطّائِفَةُ الَّذِينَ سَمَّوْا أنْفُسَهم عَدْلِيَّةً:(p-٣٣٥) ؎قالُوا يُرِيدُ ولا يَكُونُ مُرادُهُ عَدَلُوا ولَكِنْ عَنْ طَرِيقِ المَعْرِفَةِ وأنَّهم آمَنُوا، يَتَقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ إيمانُهم، وهو مَرْفُوعٌ. فَقالَ سِيبَوَيْهِ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، أيْ ولَوْ إيمانُهم ثابِتٌ. وقالَ المُبَرِّدُ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيْ ولَوْ ثَبَتَ إيمانُهم. فَفي كُلٍّ مِنَ المَذْهَبَيْنِ حَذْفٌ لِلْمُسْنَدِ، وإبْقاءُ المُسْنَدِ إلَيْهِ. والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والضَّمِيرُ في أنَّهم لِلْيَهُودِ، أوِ الَّذِينَ يُعَلَّمُونَ السِّحْرَ، قَوْلانِ. والإيمانُ والتَّقْوى: الإيمانُ التّامُّ، والتَّقْوى الجامِعَةُ لِضُرُوبِها، أوِ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ وبِما جاءَ بِهِ، وتَقْوى الكُفْرِ والسِّحْرِ، قَوْلانِ مُتَقارِبانِ. ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: اللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، لا الواقِعَةُ في جَوابِ لَوْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ لَأُثِيبُوا، ثُمَّ ابْتَدَأ عَلى طَرِيقِ الإخْبارِ الِاسْتِئْنافِيِّ، لا عَلى طَرِيقِ تَعْلِيقِهِ بِإيمانِهِمْ وتَقْواهم، وتَرَتُّبِهِ عَلَيْهِما، هَذا قَوْلُ الأخْفَشِ، أعْنِي أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ. وقِيلَ: اللّامُ هي الواقِعَةُ في جَوابِ لَوْ، والجَوابُ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾، أيِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ. والأوَّلُ اخْتِيارُ الرّاغِبِ، والثّانِي اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: أُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى الفِعْلِيَّةِ في الجَوابِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِ المَثُوبَةِ واسْتِقْرارِها، كَما عُدِلَ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ في: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] لِذَلِكَ، انْتَهى كَلامُهُ. ومُخْتارُهُ غَيْرُ مُخْتارٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ في لِسانِ العَرَبِ وُقُوعُ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ جَوابًا لِلَوْ، إنَّما جاءَ هَذا المُخْتَلَفُ في تَخْرِيجِهِ. ولا تَثْبُتُ القَواعِدُ الكُلِّيَّةُ بِالمُحْتَمَلِ، ولَيْسَ مِثْلُ سَلامٌ عَلَيْكم، لِثُبُوتِ رَفْعِ سَلامٌ عَلَيْكم مِن لِسانِ العَرَبِ. ووَجَّهَ مَن أجازَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: بِأنَّ ”مَثُوبَةٌ“ مَصْدَرٌ يَقَعُ لِلْماضِي والِاسْتِقْبالِ، فَصَلُحَ لِذَلِكَ مِن حَيْثُ وُقُوعُهُ لِلْمُضِيِّ. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في كِتابِ التَّكْمِيلِ مِن تَأْلِيفِنا، بِأشْبَعَ مِن هَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَمَثُوبَةٌ بِضَمِّ الثّاءِ، كالمَشُورَةِ. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو السَّمّالِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: بِسُكُونِ الثّاءِ، كَمَشْوُرَةٍ. ومَعْنى قَوْلِهِ: لَمَثُوبَةٌ، أيْ لَثَوابٌ، وهو الجَزاءُ والأجْرُ عَلى الإيمانِ والتَّقْوى بِأنْواعِ الإحْسانِ. وقِيلَ: لَمَثُوبَةٌ: لَرَجْعَةٌ إلى اللَّهِ خَيْرٌ. ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾: هَذا الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ كائِنَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وهَذا الوَصْفُ هو المُسَوِّغُ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ. وفي وصْفِ المَثُوبَةِ بِكَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ، تَفْخِيمٌ وتَعْظِيمٌ لَها، ولِمُناسَبَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. لِذَلِكَ كانَ المَعْنى: أنَّ الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ واتَّقَيْتُمْ مَحارِمَهُ، هو الَّذِي ثَوابُكم مِنهُ عَلى ذَلِكَ، فَهو المُتَكَفِّلُ بِذَلِكَ لَكم. واكْتَفى بِالتَّنْكِيرِ في ذَلِكَ، إذِ المَعْنى لَشَيْءٌ مِنَ الثَّوابِ. قَلِيلُكَ لا يُقالُ لَهُ قَلِيلُ ﴿خَيْرٌ﴾ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: لَمَثُوبَةٌ، ولَيْسَ خَيْرٌ هُنا أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، بَلْ هي لِلتَّفْضِيلِ، لا لِلْأفْضَلِيَّةِ. فَهي كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤] . فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾: جَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: التَّقْدِيرُ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ لَكانَ تَحْصِيلُ المَثُوبَةِ خَيْرًا، ويَعْنِي سَبَبَ المَثُوبَةِ، وهو الإيمانُ والتَّقْوى. ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ بَعْضُهم لَآمَنُوا؛ لِأنَّ مَن كانَ ذا عِلْمٍ وبَصِيرَةٍ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ الحَقُّ، فَهو يُسارِعُ إلى اتِّباعِهِ، ولا الباطِلُ، فَهو يُبالِغُ في اجْتِنابِهِ. ومَفْعُولُ يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ اقْتِصارًا، فالمَعْنى: لَوْ كانُوا مِن ذَوِي العِلْمِ، أوِ اخْتِصارًا، فَقَدَّرَهُ بَعْضُهم: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ التَّفْضِيلَ في ذَلِكَ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى. وقِيلَ: العِلْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ العَمَلِ، أيْ لَوْ بِعِلْمِهِمْ، ولَمّا انْتَفَتْ ثَمَرَةُ العِلْمِ الَّذِي هو العَمَلُ، جُعِلَ العِلْمُ هُنا كِنايَةً عَنِ العَمَلِ، أيْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ بِعِلْمِهِمْ، ولَمّا انْتَفَتْ ثَمَرَةُ العِلْمِ الَّذِي هو العَمَلُ، جُعِلَ العِلْمُ مُنْتَفِيًا. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ ما كانَ عَلَيْهِ اليَهُودُ مِن خُبْثِ السَّرِيرَةِ، وعَدَمِ التَّوْفِيقِ والطَّواعِيَةِ لِأنْبِياءِ اللَّهِ، ونَصْبِ المُعاداةِ لَهم، حَتّى انْتَهى ذَلِكَ إلى عَداوَتِهِمْ مَن لا يَلْحَقُهُ ضَرَرُ عَداوَتِهِمْ، وهو مَن لا يَنْبَغِي أنْ يُعادى؛ لِأنَّهُ السَّفِيرُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، وهو جِبْرِيلَ. أتى بِالقُرْآنِ المُصَدِّقِ لِكِتابِهِمْ، والمُشْتَمِلِ عَلى الهُدى والبِشارَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ، فَكانَ يَنْبَغِي المُبادَرَةُ إلى ولائِهِ ومَحَبَّتِهِ. ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ، أيْ مُخالِفًا لِأمْرِهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ، أيْ مُبْغِضًا لَهم، فاللَّهُ عَدُوُّهُ، أيْ مُعامِلُهُ بِما يُناسِبُ (p-٣٣٦)فِعْلَهُ القَبِيحَ. ثُمَّ التَفَتَ إلى رَسُولِهِ بِالخِطابِ، فَأخْبَرَهُ بِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ آياتٍ واضِحاتٍ، وأنَّها لِوُضُوحِها، لا يَكْفُرُ بِها إلّا مُتَمَرِّدٌ في فِسْقِهِ. ثُمَّ أخَذَ يُسَلِّيهِ بِأنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ نَكْثُ عُهُودِهِمْ، فَلا تُبالِ بِمَن طَرِيقَتُهُ هَذِهِ، وأنَّهم سَلَكُوا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَعَكَ، إذْ أتَيْتَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِالرِّسالَةِ، فَنَبَذُوا كِتابَهُ تَعالى وراءَ ظُهُورِهِمْ، بِحَيْثُ صارُوا لا يَنْظُرُونَ فِيهِ، ولا يَلْتَفِتُونَ لِما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ التَّبْشِيرِ بِكَ، وإلْزامِهِمُ اتِّباعَكَ، حَتّى كَأنَّهم لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى الكِتابِ، ولا سَبَقَ لَهم بِكَ عِلْمٌ مِنهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن مَخازِيهِمْ أنَّهم تَرَكُوا كِتابَ اللَّهِ واتَّبَعُوا ما ألْقَتْ إلَيْهِمُ الشَّياطِينُ مِن كُتُبِ السِّحْرِ عَلى عَهْدِ سُلَيْمانَ. ثُمَّ نَزَّهَ نَبِيَّهُ سُلَيْمانَ عَنِ الكُفْرِ، وأنَّ الشَّياطِينَ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ في أخْبارِ هارُوتَ ومارُوتَ، وأنَّهُما لا يُعَلِّمانِ أحَدًا حَتّى يَنْصَحاهُ بِأنَّهُما جُعِلا ابْتِلاءً واخْتِبارًا، وأنَّهُما لِمُبالَغَتِهِما في النَّصِيحَةِ يَنْهَيانِ عَنِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ قُصارى ما يَتَعَلَّمُونَ مِنهُما هو تَفْرِيقٌ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى هو الضّارُّ النّافِعُ. ثُمَّ أثْبَتَ أنَّ ما يَتَعَلَّمُونَ هو ضَرَرٌ لِمُلابِسِهِ ومُتَعَلِّمِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم قَدْ عَلِمُوا بِحَقِيقَةِ الضَّرَرِ، وأنَّ مُتَعاطِيَ ذَلِكَ لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بالَغَ في ذَمِّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم، إذْ ما تَعَوَّضُوهُ مَآلُهُ إلى الخُسْرانِ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِما لَوْ سَلَكُوهُ، وهو الإيمانُ والتَّقْوى، لَحَصَلَ لَهم مِنَ اللَّهِ الثَّوابُ الجَزِيلُ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ جَمِيعَ ما اجْتَرَمُوهُ مِنَ المَآثِمِ، واكْتَسَبُوهُ مِنَ الجَرائِمِ، يُعْفِي عَلى آثارِهِ جَرُّ ذَيْلِ الإيمانِ، ويُبْدِلُ بِالإساءَةِ جَمِيلَ الإحْسانِ. ولَمّا كانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ فِيها ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]، وذِكْرِ نَبْذِ العُهُودِ، ونَبْذِ كِتابِ اللَّهِ، واتِّباعِ الشَّياطِينِ، وتَعَلُّمِ ما يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِآيَةٍ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ الجَمِيلَ لِمَن آمَنَ واتَّقى. فَجَمَعَتْ هَذِهِ الآياتُ بَيْنَ الوَعِيدِ والوَعْدِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، والإنْذارِ والتَّبْشِيرِ، وصارَ فِيها اسْتِطْرادٌ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، وإخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ بَعْدَ مُغَيَّبٍ، مُتَناسِقَةً تَناسُقَ اللَّآلِئِ في عُقُودِها، مُتَّضِحَةً اتِّضاحَ الدَّرارِي في مَطالِعِ سُعُودِها، مُعْلِمَةً صِدْقَ مَن أتى بِها، وهو ما قَرَأ الكُتُبَ، ولا دارَسَ، ولا رَحَلَ، ولا عاشَرَ الأحْبارَ، ولا مارَسَ ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٣] صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وأوْصَلَ أزْكى تَحِيَّةٍ إلَيْهِ.

البقرة 2:104

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥] ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧] ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠] ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] . الرِّعايَةُ والمُراعاةُ: النَّظَرُ في مَصالِحِ الإنْسانِ وتَدْبِيرِ أُمُورِهِ. والرُّعُونَةُ والرَّعَنُ: الجَهْلُ والهَوَجُ. ذُو: يَكُونُ بِمَعْنى (p-٣٣٧)صاحِبٍ، وتُثَنّى، وتُجْمَعُ، وتُؤَنَّثُ، وتَلْزَمُ الإضافَةَ لِاسْمِ جِنْسٍ ظاهِرٍ. وفي إضافَتِها إلى ضَمِيرِ الجِنْسِ خِلافٌ، المَشْهُورُ: المَنعُ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَسْمُوعٌ، لَكِنْ مَن مَنَعَ ذَلِكَ خَصَّهُ بِالضَّرُورَةِ. وإضافَتُهُ إلى العَلَمِ المَقْرُونِ بِهِ في الوَضْعِ، أوِ الَّذِي لا يُقْرَنُ بِهِ في أوَّلِ الوَضْعِ مَسْمُوعٌ. فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُهم: ذُو يَزَنَ، وذُو جَدَنٍ، وذُو رُعَيْنٍ، وذُو الكُلاعِ. فَتَجِبُ الإضافَةُ إذْ ذاكَ. ومِنَ الثّانِي قَوْلُهم: في تَبُوكَ، وعَمْرٍو، وقَطَرِيٍّ: ذُو تَبُوكَ، وذُو عَمْرٍو، وذُو قَطَرِيٍّ. والأكْثَرُ أنْ لا يُعْتَدَّ بِلَفْظِ ذُو، بَلْ يُنْطَقُ بِالِاسْمِ عارِيًا مِن ذُو. وما جاءَ مِن إضافَتِهِ لِضَمِيرِ العَلَمِ، أوْ لِضَمِيرِ مُخاطَبٍ لا يَنْقاسُ، كَقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى ذَوِيِهِ، وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وإنّا لَنَرْجُو عاجِلًا مِنكَ مِثْلَ ما رَجَوْناهُ قُدْمًا مِن ذَوِيكَ الأفاضِلِ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ: أنَّ وزْنَهُ فَعَلٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ: أنَّ وزْنَهُ فَعْلٌ، بِسُكُونِها. واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يُجْمَعُ في التَّكْسِيرِ عَلى أفْعالٍ. قالُوا: أذْواءٌ. وذُو مِنَ الأسْماءِ السِّتَّةِ الَّتِي تَكُونُ في الرَّفْعِ بِالواوِ، وفي النَّصْبِ بِالألِفِ، وفي الجَرِّ بِالياءِ. وإعْرابُ ذُو كَذا لازِمٌ بِخِلافِ غَيْرِها مِن تِلْكَ الأسْماءِ، فَذَلِكَ عَلى جِهَةِ الجَوازِ. وفِيما أُعْرِبَتْ بِهِ هَذِهِ الأسْماءُ عَشَرَةُ مَذاهِبَ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وقَدْ جاءَتْ ذُو أيْضًا مَوْصُولَةً، وذَلِكَ في لُغَةِ طَيِّءٍ، ولَها أحْكامٌ، ولَمْ تَقَعْ في القُرْآنِ. النَّسْخُ: إزالَةُ الشَّيْءِ بِغَيْرِ بَدَلٍ يَعْقُبُهُ، نَحْوُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، ونَسَخَتِ الرِّيحُ الأثَرَ. أوْ نَقْلُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ إزالَةٍ نَحْوُ: نَسَخْتُ الكِتابَ، إذا نَقَلْتَ ما فِيهِ إلى مَكانٍ آخَرَ. النَّسِيئَةُ: التَّأْخِيرُ، نَسَأ يَنْسَأُ، ويَأْتِي نَسَأ: بِمَعْنى أمْضى الشَّيْءَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أمُونٍ كَألْواحِ الأرانِ نَسَأْتُها ∗∗∗ عَلى لاحِبٍ كَأنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدُ الوَلِيُّ: فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ، مِن ولِيَ الشَّيْءَ: جاوَرَهُ ولَصِقَ بِهِ. الحَسَدُ: تَمَنِّي زَوالِ النِّعْمَةِ عَنِ الإنْسانِ، حَسَدَ يَحْسُدُ حَسَدًا وحَسادَةً. الصَّفْحُ: قَرِيبٌ مَعْناهُ مِنَ العَفْوِ، وهو الإعْراضُ عَنِ المُؤاخَذَةِ عَلى الذَّنْبِ، مَأْخُوذٌ مِن تَوْلِيَةِ صَفْحَةِ الوَجْهِ إعْراضًا. وقِيلَ: هو التَّجاوُزُ مِن قَوْلِكَ، تَصَفَّحْتُ الوَرَقَةَ، أيْ تَجاوَزْتُ عَمّا فِيها. والصَّفُوحُ، قِيلَ: مِن أسْماءِ اللَّهِ، والصَّفُوحُ: المَرْأةُ تَسْتُرُ بَعْضَ وجْهِها إعْراضًا، قالَ: ؎صَفُوحٌ فَما تَلْقاكَ إلّا بَخِيلَةً ∗∗∗ فَمَن مَلَّ مِنها ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ تِلْكَ: مِن أسْماءِ الإشارَةِ، يُطْلَقُ عَلى المُؤَنَّثَةِ في حالَةِ البُعْدِ، ويُقالُ: تَلْكَ وتِيلِكَ وتالِكَ، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ، وبِكَسْرِها وياءٍ بَعْدَها وكَسْرِ اللّامِ، وبِفَتْحِها وألِفٍ بَعْدَها وكَسْرِ اللّامِ، قالَ: ؎إلى الجُودِيِّ حَتّى صارَ حِجْرًا ∗∗∗ وحانَ لِتالِكَ الغَمْرِ انْحِسارُ هاتُوا: مَعْناهُ أحْضِرُوا، والهاءُ أصْلِيَّةٌ لا بَدَلٌ مِن هَمْزَةِ أتى لِتَعَدِّيَها إلى واحِدٍ لا يُحْفَظُ هاتِي الجَوابَ، ولِلُزُومِ الألِفِ، إذْ لَوْ كانَتْ هَمْزَةً لَظَهَرَتْ، إذْ زالَ مُوجِبُ إبْدالِها، وهو الهَمْزَةُ قَبْلَها، فَلَيْسَ وزْنُها أفْعَلَ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ، بَلْ وزْنُها فاعِلٌ كَرامٍ. وهي فِعْلٌ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، والدَّلِيلُ عَلى فِعْلِيَّتِها اتِّصالُ الضَّمائِرِ بِها. ولِمَن زَعَمَ أنَّها صَوْتٌ بِمَنزِلَةِ هاءٍ في مَعْنى أحْضِرْ، وهو الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو أمْرٌ وفِعْلُهُ مُتَصَرِّفٌ. تَقُولُ: هاتى يُهاتِي مُهاتاةً، ولَيْسَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي أُمِيتَ تَصْرِيفُ لَفْظِهِ إلّا الأمْرُ مِنهُ، خِلافًا لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ. ولَيْسَتْ ها لِلتَّنْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى أتى فَأُلْزِمَتْ هَمْزَةُ أتى الحَذْفَ؛ لِأنَّ الأصْلَ أنْ لا حَذْفَ، ولِأنَّ مَعْنى هاتِ ومَعْنى ائْتِ مُخْتَلِفانِ. فَمَعْنى هاتِ أحْضِرْ، ومَعْنى ائْتِ احْضُرْ. وتَقُولُ: هاتِ هاتِي هاتِيا هاتُوا هاتِينَ، تَصْرِفُها كَرامٍ. البُرْهانُ: الدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ الدَّعْوى، قِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ البَرَهِ، وهو القَطْعُ، فَتَكُونُ النُّونُ زائِدَةً. وقِيلَ: مِنَ البَرْهَنَةِ، وهي البَيانُ، قالُوا: بَرْهَنَ إذا بَيَّنَ، فَتَكُونُ النُّونُ زائِدَةً لِفِقْدانِ فَعْلَنَ ووُجُودِ فَعْلَلَ، فَيَنْبَنِي عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ التَّسْمِيَةُ بِبُرْهانٍ، هَلْ يَنْصَرِفُ أوْ (p-٣٣٨)لا يَنْصَرِفُ ؟ الوَجْهُ: مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ قِلَّةً عَلى أوْجُهٍ، وكَثْرَةً عَلى وُجُوهٍ، فَيَنْقاسُ أفْعُلٌ في فِعْلِ الِاسْمِ الصَّحِيحِ العَيْنِ، ويَنْقاسُ فُعُولٌ في فِعْلِ الِاسْمِ لَيْسَ عَيْنُهُ واوًا. اليَهُودُ: مِلَّةٌ مَعْرُوفَةٌ، والياءُ أصْلِيَّةٌ، فَلَيْسَتْ مادَّةُ الكَلِمَةِ مادَّةَ هَوَدَ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] لِثُبُوتِها في التَّصْرِيفِ يَهْدِهِ. وأمّا هَوَّدَهُ فَمِن مادَّةِ هَوَدَ. قالَ الأُسْتاذُ أبُو عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينُ - وهو الإمامُ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ عِلْمُ اللِّسانِ في زَمانِهِ -: يَهُودُ فِيها وجْهانِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ جَمْعَ يَهُودِيٍّ، فَتَكُونَ نَكِرَةً مَصْرُوفَةً. والثّانِي: أنْ تَكُونَ عَلَمًا لِهَذِهِ القَبِيلَةِ، فَتَكُونَ مَمْنُوعَةَ الصَّرْفِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ دَخَلَتْهُ الألِفُ واللّامُ فَقالُوا: اليَهُودُ، إذْ لَوْ كانَ عَلَمًا لَما دَخَلَتْهُ، وعَلى الثّانِي قالَ الشّاعِرُ: ؎أُولَئِكَ أوْلى مِن يَهُودَ بِمِدْحَةٍ ∗∗∗ إذا أنْتَ يَوْمًا قُلْتَها لَمْ تُؤَنَّبِ لَيْسَ: فِعْلٌ ماضٍ، خِلافًا لِأبِي بَكْرِ بْنِ شُقَيْرٍ، ولِلْفارِسِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، إذْ زَعَما أنَّها حَرْفُ نَفْيٍ مِثْلُ ما، ووَزْنُها فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ. ومَن قالَ: لُسْتُ بِضَمِّ اللّامِ، فَوَزْنُها عِنْدَهُ فُعُلٌ بِضَمِّ العَيْنِ، وهو بِناءٌ نادِرٌ في الثُّلاثِيِّ اليائِيِّ العَيْنِ، لَمْ يُسْمَعْ مِنهُ إلّا قَوْلَهم: هَيُؤَ الرَّجُلُ، فَهو هَيِّئٌ، إذا حَسُنَتْ هَيْئَتُهُ. وأحْكامُ لَيْسَ كَثِيرَةٌ مَشْرُوحَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. الحُكْمُ: الفَصْلُ، ومِنهُ سُمِّيَ القاضِي الحاكِمَ؛ لِأنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ. الِاخْتِلافُ: ضِدُّ الِاتِّفاقِ. * * ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: هَذا أوَّلُ خِطابٍ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ، بِالنِّداءِ الدّالِّ عَلى الإقْبالِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ نِداءٍ جاءَ أتى عامًّا: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وثانِيَ نِداءٍ أتى خاصًّا: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا﴾ [البقرة: ١٢٢]، وهي الطّائِفَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلى المِلَّتَيْنِ: اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وثالِثَ نِداءٍ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ المُؤْمِنِينَ. فَكانَ أوَّلُ نِداءٍ عامًّا، أُمِرُوا فِيهِ بِأصْلِ الإسْلامِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ. وثانِيَ نِداءٍ ذُكِّرُوا فِيهِ بِالنِّعَمِ الجَزِيلَةِ، وتُعُبِّدُوا بِالتَّكالِيفِ الجَلِيلَةِ، وخُوِّفُوا مِن حُلُولِ النِّقَمِ الوَبِيلَةِ، وثالِثَ نِداءٍ: عُلِّمُوا فِيهِ أدَبًا مِن آدابِ الشَّرِيعَةِ مَعَ نَبِيِّهِمْ، إذْ قَدْ حَصَلَتْ لَهم عِبادَةُ اللَّهِ، والتَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ، والتَّخْوِيفُ مِنَ النِّقَمِ، والِاتِّعاظُ بِمَن سَبَقَ مِنَ الأُمَمِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا ما أُمِرُوا بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّكْمِيلِ، مِن تَعْظِيمِ مَن كانَتْ هِدايَتُهم عَلى يَدَيْهِ. والتَّبْجِيلُ والخِطابُ بِيا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مُتَوَجِّهٌ إلى مَن بِالمَدِينَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلى كُلِّ مُؤْمِنٍ في عَصْرِهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ حَيْثُ جاءَ هَذا الخِطابُ، فالمُرادُ بِهِ أهْلُ المَدِينَةِ، وحَيْثُ ورَدَ يا أيُّها النّاسُ، فالمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ. ﴿لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا﴾: بُدِئَ بِالنَّهْيِ؛ لِأنَّهُ مِن بابِ التُّرُوكِ، فَهو أسْهَلُ. ثُمَّ أُتِيَ بِالأمْرِ بَعْدَهُ الَّذِي هو أشَقُّ لِحُصُولِ الِاسْتِئْناسِ قَبْلَ النَّهْيِ. ثُمَّ لَمْ يَكُنْ نَهْيًا عَنْ شَيْءٍ سَبَقَ تَحْرِيمُهُ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ لَفْظَةُ المُفاعَلَةِ تَقْتَضِي الِاشْتِراكَ غالِبًا، فَصارَ المَعْنى: لِيَقَعْ مِنكَ رَعْيٌ لَنا ومِنّا رَعْيٌ لَكَ، وهَذا فِيهِ ما لا يَخْفى مَعَ مَن يُعَظَّمُ نُهُوا عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِهَذِهِ العِلَّةِ، وأُمِرُوا بِأنْ يَقُولُوا: انْظُرْنا، إذْ هو فِعْلٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لا مُشارَكَةَ لَهم فِيهِ مَعَهُ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: (راعِنا) . وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَتِهِ، وقِراءَةِ أُبَيٍّ: راعُونا، عَلى إسْنادِ الفِعْلِ لِضَمِيرِ الجَمْعِ. وذُكِرَ أيْضًا أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ارْعَوْنا. خاطَبُوهُ بِذَلِكَ إكْبارًا وتَعْظِيمًا، إذْ أقامُوهُ مُقامَ الجَمْعِ. وتَضَمَّنَ هَذا النَّهْيُ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ ما يَكُونُ فِيهِ اسْتِواءٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: راعِنًا بِالتَّنْوِينِ، جَعَلَهُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قَوْلًا راعِنًا، وهو عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ. لَمّا كانَ القَوْلُ سَبَبًا في السَّبِّ، اتَّصَفَ بِالرَّعْنِ، فَنُهُوا في هَذِهِ القِراءَةِ عَنْ أنْ يُخاطِبُوا الرَّسُولَ بِلَفْظٍ يَكُونُ فِيهِ أوْ يُوهِمُ شَيْئًا مِنَ الغَضِّ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ ﷺ مِنَ التَّعْظِيمِ وتَلْطِيفِ القَوْلِ وأدَبِهِ. وقَدْ ذُكِرَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَقْصِدُ بِذَلِكَ - إذْ خاطَبُوا رَسُولَ اللَّهِ (p-٣٣٩)ﷺ - الرُّعُونَةَ»، وكَذا قِيلَ في راعُونًا، إنَّهُ فاعُولًا مِنَ الرُّعُونَةِ، كَعاشُورًا. وقِيلَ: كانَتْ لِلْيَهُودِ كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ، أوْ سِرْيانِيَّةٌ يَتَسابُّونَ بِها وهي: راعِينا، فَلَمّا سَمِعُوا بِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ راعِنا، اقْتَرَضُوهُ وخاطَبُوا بِها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهم يَعْنُونَ تِلْكَ المَسَبَّةَ، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْها، وأُمِرُوا بِما هو في مَعْناها. ومَن زَعَمَ أنْ ﴿راعِنا﴾ لُغَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالأنْصارِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَحْفُوظٌ في جَمِيعِ لُغَةِ العَرَبِ. وكَذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِفِعْلٍ قَدْ كانَ مُباحًا؛ لِأنَّ الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا مُتَقَرَّرًا قَبْلُ. وقِيلَ في سَبَبِ نُزُولِها غَيْرُ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ، فَهي كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: كَلِمَةٌ كَرِهَها اللَّهُ أنْ يُخاطَبَ بِها نَبِيُّهُ، كَما قالَ ﷺ: «لا تَقُولُوا عَبْدِي وأمَتِي، وقُولُوا فَتايَ وفَتاتِي، ولا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ» . وذُكِرَ في النَّهْيِ وُجُوهٌ: أنَّ مَعْناها اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، أوْ أنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقُولُونَها عِنْدَ المَفَرِّ، قالَهُ قُطْرُبٌ، أوْ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: راعِينا أيْ راعِي غَنَمِنا، أوْ أنَّهُ مُفاعَلَةٌ فَيُوهِمُ مُساواةً، أوْ مَعْناهُ راعِ كَلامَنا ولا تَغْفُلْ عَنْهُ، أوْ لِأنَّهُ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ مِنَ الرُّعُونَةِ. وقَوْلُهُ: انْظُرْنا، قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مَوْصُولُ الهَمْزَةِ، مَضْمُومُ الظّاءِ، مِنَ النَّظْرَةِ، وهي التَّأْخِيرُ، أيِ انْتَظِرْنا وتَأنَّ عَلَيْنا، نَحْوُ قَوْلِهِ: ؎فَإنَّكُما إنْ تُنْظِرانِيَ ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدى أُمِّ جُنْدَبِ أوْ مِنَ النَّظَرِ، واتُّسِعَ في الفِعْلِ فَعُدِّيَ بِنَفْسِهِ، وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِإلى، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ظاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ ∗∗∗ نَ كَما يَنْظُرُ الأراكَ الظِّباءُ يُرِيدُ: إلى الأراكِ، ومَعْناهُ: تَفَقَّدْنا بِنَظَرِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ فَهِّمْنا وبَيِّنْ لَنا، فُسِّرَ بِاللّازِمِ في الأصْلِ، وهو انْظُرْ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الرِّفْقِ والإمْهالِ عَلى السّائِلِ، والتَّأنِّي بِهِ أنْ يَفْهَمَ بِذَلِكَ. وقِيلَ: هو مِن نَظَرِ البَصِيرَةِ بِالتَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ فِيما يَصْلُحُ لِلْمَنظُورِ فِيهِ، فاتُّسِعَ في الفِعْلِ أيْضًا، إذْ أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِفي، ويَكُونَ أيْضًا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيِ انْظُرْ في أمْرِنا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ لَفْظَةٌ مُخْلَصَةٌ لِتَعْظِيمِ النَّبِيِّ ﷺ والظّاهِرُ عِنْدِي اسْتِدْعاءُ نَظَرِ العَيْنِ المُقْتَرِنِ بِتَدَبُّرِ الحالِ، وهَذا هو مَعْنى: راعِنا، فَبُدِّلَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ اللَّفْظَةُ، لِيَزُولَ تَعَلُّقُ اليَهُودِ. انْتَهى. وقَرَأ أُبَيٌّ والأعْمَشُ: أنْظِرْنا، بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الظّاءِ، مِنَ الإنْظارِ، ومَعْناهُ: أخِّرْنا وأمْهِلْنا حَتّى نَتَلَقّى عَنْكَ. وهَذِهِ القِراءَةُ تَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ﴿واسْمَعُوا﴾: أيْ سَماعَ قَبُولٍ وطاعَةٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ اقْبَلُوا. وقِيلَ: فَرِّغُوا أسْماعَكم حَتّى لا تَحْتاجُوا إلى الِاسْتِعادَةِ. وقِيلَ: اسْمَعُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ حَتّى لا تَرْجِعُوا تَعُودُونَ إلَيْهِ. أكَّدَ عَلَيْهِمْ تَرْكَ تِلْكَ الكَلِمَةِ. ورُوِيَ أنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ سَمِعَها مِنهم فَقالَ: يا أعْداءَ اللَّهِ، عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ سَمِعْتُها مِن رَجُلٍ مِنكم يَقُولُها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَأضْرِبَنَّ عُنُقَهُ. ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾: ظاهِرُهُ العُمُومُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ اليَهُودُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ اليَهُودُ، أيْ ولِلْيَهُودِ الَّذِينَ تَهاوَنُوا بِالرَّسُولِ وسَبُّوهُ. ولَمّا نَهى أوَّلًا، وأمَرَ ثانِيًا، وأمَرَ بِالسَّمْعِ وحَضَّ عَلَيْهِ، إذْ في ضِمْنِهِ الطّاعَةُ، أخَذَ يَذْكُرُ لِمَن خالَفَ أمْرَهُ وكَفَرَ، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥]: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا لِحُلَفائِهِمْ مِنَ اليَهُودِ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقالُوا: ودِدْنا لَوْ كانَ خَيْرًا مِمّا نَحْنُ عَلَيْهِ فَنَتَّبِعَهُ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥]، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ: الَّذِينَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والظّاهِرُ، العُمُومُ في أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وفي المُشْرِكِينَ، وهم مُشْرِكُو العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، ونَفى بِما، لِأنَّها لِنَفْيِ الحالِ، فَهم مُلْتَبِسُونَ بِالبُغْضِ والكَراهَةِ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم. ومِن في قَوْلِهِ: مِن أهْلِ الكِتابِ، تَبْعِيضِيَّةٌ، فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ كائِنَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ. ومَن أثْبَتَ (p-٣٤٠)أنَّ مِن تَكُونُ لِبَيانِ الجِنْسِ قالَ ذَلِكَ هُنا، وبِهِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ كَوْنَها لِلْبَيانِ.

البقرة 2:105

﴿ولا المُشْرِكِينَ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ . ورَأيْتُ في كِتابٍ لِأبِي إسْحاقَ الشِّيرازِيِّ صاحِبِ التَّنْبِيهِ كَلامًا يَرُدُّ فِيهِ عَلى الشِّيعَةِ ومَن قالَ بِمَقالَتِهِمْ في أنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ هي المَسْحُ، لِلْعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، خَرَّجَ فِيهِ أبُو إسْحاقَ قَوْلَهُ: وأرْجُلِكم بِالجَرِّ، عَلى أنَّهُ مِنَ الخَفْضِ عَلى الجِوارِ، وأنَّ أصْلَهُ النَّصْبُ فَخُفِضَ عَطْفًا عَلى الجِوارِ. وأشارَ في ذَلِكَ الكِتابِ إلى أنَّ القُرْآنَ ولِسانَ العَرَبِ يَشْهَدانِ بِجَوازِ ذَلِكَ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ولا المُشْرِكِينَ، في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١]، وأنَّ الأصْلَ هو الرَّفْعُ، أيْ ولا المُشْرِكُونَ، عَطْفًا عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، وهَذا حَدِيثُ مَن قَصَرَ في العَرَبِيَّةِ وتَطاوَلَ إلى الكَلامِ فِيها بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وعَدَلَ عَنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْناهُ الصَّحِيحِ وتَرْكِيبِهِ الفَصِيحِ. ودَخَلَتْ لا في قَوْلِهِ: ولا المُشْرِكِينَ لِلتَّأْكِيدِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ حَذْفُها. ولَمْ تَأْتِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١] لِمَعْنًى يُذْكَرُ هُناكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِيَوَدُّ، وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِلتَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ . ولَوْ بُنِيَ لِلْفاعِلِ لَمْ يَظْهَرْ في قَوْلِهِ: (مِن رَبِّكم) . (مِن خَيْرٍ)، مِن: زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: خَيْرٌ مِن رَبِّكم، وحَسُنَ زِيادَتُها هُنا، وإنْ كانَ يُنَزَّلُ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ، فَلَيْسَ نَظِيرَ: ما يُكْرِمُ مِن رَجُلٍ، لِانْسِحابِ النَّفْيِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إذا نُفِيَتِ الوِدادَةُ، كانَ كَأنَّهُ نُفِيَ مُتَعَلِّقُها، وهو الإنْزالُ، ولَهُ نَظائِرُ في لِسانِ العَرَبِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] . فَلَمّا تَقَدَّمَ النَّفْيُ حَسُنَ دُخُولُ الباءِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ما ظَنَنْتُ أحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدٌ، بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يَقُولُ، وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما يَقُولُ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ فِيما أظُنُّ. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ في هَذا المَكانِ، فَيَجُوزُ زِيادَتُها، لِأنَّهم لا يَشْتَرِطُونَ انْتِفاءَ الحُكْمِ عَمّا تَدْخُلُ عَلَيْهِ، بَلْ يُجِيزُونَ زِيادَتَها في الواجِبِ وغَيْرِهِ. ويَزِيدُ الأخْفَشُ: أنَّهُ يُجِيزُ زِيادَتَها في المَعْرِفَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ عَلى هَذا المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو عَلَيْكم، ويَكُونُ المَعْنى: أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم بِخَيْرٍ مِنَ الخَيْرِ مِن رَبِّكم. (مِن رَبِّكم): مِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَما تَقُولُ: هَذا الخَيْرُ مِن زَيْدٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ. المَعْنى مِن خَيْرٍ كائِنٍ مِن خُيُورِ رَبِّكم، فَإذا كانَتْ لِابْتِداءِ الغايَةِ تَعَلَّقَتْ بِقَوْلِهِ: ”يُنَزَّلَ“، وإذا كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ تَعَلَّقَتْ بِمَحْذُوفٍ، وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما قَدَّرْناهُ. والخَيْرُ هُنا: القُرْآنُ، أوِ الوَحْيُ، إذْ يَجْمَعُ القُرْآنَ وغَيْرَهُ، أوْ ما خُصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّعْظِيمِ، أوِ الحِكْمَةِ والقُرْآنِ والظَّفَرِ، أوِ النُّبُوَّةِ والإسْلامِ، أوِ العِلْمِ والفِقْهِ والحِكْمَةِ، أوْ هُنا عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الخَيْرِ، فَهم يَوَدُّونَ انْتِفاءَ ذَلِكَ عَنِ المُؤْمِنِينِ، سَبْعَةُ أقْوالٍ، أظْهَرُها الآخِرُ. وسَبَبُ عَدَمِ وِدِّهِمْ ذَلِكَ: أمّا في اليَهُودِ، فَلِكَوْنِ النُّبُوَّةِ كانَتْ في بَنِي إسْماعِيلَ، ولِخَوْفِهِمْ عَلى رِئاسَتِهِمْ، وأمّا النَّصارى، فَلِتَكْذِيبِهِمْ في ادِّعائِهِمْ أُلُوهِيَّةَ عِيسى، وأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، ولِخَوْفِهِمْ عَلى رِئاسَتِهِمْ، وأمّا المُشْرِكُونَ، فَلِسَبِّ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، ولِحَسَدِهِمْ أنْ يَكُونَ رَجُلٌ مِنهم يَخْتَصُّ بِالرِّسالَةِ، واتِّباعِ النّاسِ لَهُ. * * ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾: أيْ يُفْرِدُ بِها، وضِدُّ الِاخْتِصاصِ: الِاشْتِراكُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَخْتَصُّ هُنا لازِمًا، أيْ يَنْفَرِدُ، أوْ مُتَعَدِّيًا، أيْ يُفْرِدُ، إذِ الفِعْلُ يَأْتِي كَذَلِكَ. يُقالُ: اخْتَصَّ زَيْدًا بِكَذا، واخْتَصَصْتُهُ بِهِ، ولا يَتَعَيَّنُ هُنا تَعَدِّيهِ، كَما ذَكَرَ بَعْضُهم، إذْ يَصِحُّ، واللَّهُ يُفْرِدُ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، فَيَكُونُ ”مَن“ فاعِلَةً، وهو افْتَعَلَ مِن: خَصَصْتُ زَيْدًا (p-٣٤١)بِكَذا. فَإذا كانَ لازِمًا، كانَ لِفِعْلِ الفاعِلِ بِنَفْسِهِ نَحْوُ: اضْطُرِرْتُ، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا، كانَ مُوافِقًا لِفِعْلِ المُجَرَّدِ نَحْوُ: كَسَبَ زَيْدٌ مالًا، واكْتَسَبَ زَيْدٌ مالًا. والرَّحْمَةُ هُنا عامَّةٌ بِجَمِيعِ أنْواعِها؛ أوِ النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ والنُّصْرَةُ، اخْتُصَّ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ قالَهُ عَلِيٌّ والباقِرُ ومُجاهِدٌ والزَّجّاجُ؛ أوِ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ القُرْآنُ، أوِ النَّبِيُّ ﷺ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، هو نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، أظْهَرُها الأوَّلُ. ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾: قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ذُو بِمَعْنى صاحِبٍ. وذِكْرُ جُمْلَةٍ مِن أحْكامِ ذُو، والوَصْفُ بِذُو أشْرَفُ عِنْدَهم مِنَ الوَصْفِ بِصاحِبٍ، لِأنَّهم ذَكَرُوا أنَّ ذُو أبَدًا لا تَكُونُ إلّا مُضافَةً لِاسْمٍ، فَمَدْلُولُها أشْرَفُ. ولِذَلِكَ جاءَ ذُو رُعَيْنٍ، وذُو يَزَنَ، وذُو الكُلاعِ، ولَمْ يَسْمَعُوا بِصاحِبِ رُعَيْنٍ، ولا صاحِبِ يَزَنَ ونَحْوِها. وامْتُنِعَ أنْ يَقُولَ في صَحابِيٍّ أبِي سَعِيدٍ أوْ جابِرٍ: ذُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجازَ أنْ يَقُولَ: صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو الجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿ذُو الفَضْلِ﴾، وسَيَأْتِي الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الفَضْلِ العَظِيمِ﴾، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ هُنا: جَمِيعُ أنْواعِ التَّفَضُّلاتِ، فَتَكُونَ ألْ لِلِاسْتِغْراقِ وعِظَمِهِ مِن جِهَةِ سِعَتِهِ وكَثْرَتِهِ، أوْ فَضْلِ النُّبُوَّةِ. وقَدْ وصَفَ تَعالى ذَلِكَ بِالعِظَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، أوِ الشَّرِيعَةُ، فَعَظَّمَها مِن جِهَةِ بَيانِ أحْكامِها، مِن حَلالٍ، وحَرامٍ، ومَندُوبٍ، ومَكْرُوهٍ، ومُباحٍ؛ أوِ الثَّوابُ والجَزاءُ، فَعَظَّمَهُ مِن جِهَةِ السَّعَةِ والكَثْرَةِ، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. وعَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ تَكُونُ ألْ لِلْعَهْدِ، والأظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ. ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾: سَبَبُ نُزُولِها، فِيما ذَكَرُوا، أنَّ اليَهُودَ لَمّا حَسَدُوا المُسْلِمِينَ في التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، وطَعَنُوا في الإسْلامِ قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ اليَوْمَ، ويَنْهاهم عَنْهُ غَدًا، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا، ويَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا، ما هَذا القُرْآنُ إلّا مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ، وإنَّهُ يُناقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَنَزَلَتْ. وقَدْ تَكَلَّمَ المُفَسِّرُونَ هُنا في حَقِيقَةِ النَّسْخِ الشَّرْعِيِّ وأقْسامِهِ، وما اتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنهُ، وما اخْتُلِفَ فِيهِ، وفي جَوازِهِ عَقْلًا، ووُقُوعِهِ شَرْعًا، وبِماذا يُنْسَخُ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْكامِ النَّسْخِ ودَلائِلِ تِلْكَ الأحْكامِ، وطَوَّلُوا في ذَلِكَ. وهَذا كُلُّهُ مَوْضُوعُهُ عِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ، فَيُبْحَثُ في ذَلِكَ كُلِّهِ فِيهِ. وهَكَذا جَرَتْ عادَتُنا: أنَّ كُلَّ قاعِدَةٍ في عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ يُرْجَعُ في تَقْرِيرِها إلى ذَلِكَ العِلْمِ، ونَأْخُذُها في عِلْمِ التَّفْسِيرِ مُسَلَّمَةً مِن ذَلِكَ العِلْمِ، ولا نُطَوِّلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ، فَنَخْرُجَ عَنْ طَرِيقَةِ التَّفْسِيرِ، كَما فَعَلَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ، المَعْرُوفُ بِابْنِ خَطِيبِ الرَّيِّ، فَإنَّهُ جَمَعَ في كِتابِهِ في التَّفْسِيرِ أشْياءَ كَثِيرَةً طَوِيلَةً، لا حاجَةَ بِها في عِلْمِ التَّفْسِيرِ. ولِذَلِكَ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ المُتَطَرِّفِينَ مِنَ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا التَّفْسِيرَ. وقَدْ ذَكَرْنا في الخُطْبَةِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ عِلْمُ التَّفْسِيرِ. فَمَن زادَ عَلى ذَلِكَ، فَهو فُضُولٌ في هَذا العِلْمِ، ونَظِيرُ ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ النَّحْوِيَّ مَثَلًا يَكُونُ قَدْ شَرَعَ في وضْعِ كِتابٍ في النَّحْوِ، فَشَرَعَ يَتَكَلَّمُ في الألِفِ المُنْقَلِبَةِ، فَذَكَرَ أنَّ الألِفَ في اللَّهِ، أهِيَ مُنْقَلِبَةٌ مِن ياءٍ أوْ واوٍ ؟ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى الكَلامِ في اللَّهِ تَعالى، فِيما يَجِبُ لَهُ ويَجُوزُ عَلَيْهِ ويَسْتَحِيلُ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى جَوازِ إرْسالِ الرُّسُلِ مِنهُ تَعالى إلى النّاسِ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى أوْصافِ الرَّسُولِ ﷺ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى إعْجازِ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ وصِدْقِ ما تَضَمَّنَهُ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى أنَّ مِن مَضْمُونِهِ البَعْثَ والجَزاءَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. ثُمَّ المُثابُونَ في الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهم، والمُعاقَبُونَ في النّارِ لا يَنْقَطِعُ عَذابُهم. فَبَيْنا هو في عِلْمِهِ يَبْحَثُ في الألِفِ المُنْقَلِبَةِ، إذا هو يَتَكَلَّمُ في الجَنَّةِ والنّارِ، ومَن هَذا سَبِيلُهُ في العِلْمِ، فَهو مِنَ التَّخْلِيطِ والتَّخْبِيطِ في أقْصى الدَّرَجَةِ، وكانَ أُسْتاذُنا العَلّامَةُ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ الثَّقَفِيُّ - قَدَّسَ (p-٣٤٢)اللَّهُ تُرْبَتَهُ - يَقُولُ ما مَعْناهُ: مَتى رَأيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِلُ مِن فَنٍّ إلى فَنٍّ في البَحْثِ أوِ التَّصْنِيفِ، فاعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ، إمّا لِقُصُورِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ الفَنِّ، أوْ لِتَخْلِيطِ ذِهْنِهِ وعَدَمِ إدْراكِهِ، حَيْثُ يَظُنُّ أنَّ المُتَغايِراتِ مُتَماثِلاتٌ. وإنَّما أمْعَنْتُ الكَلامَ في هَذا الفَصْلِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ، ولِئَلّا يَعْتَقِدَ أنّا لَمْ نَطَّلِعْ عَلى ما أوْدَعَهُ النّاسُ في كُتُبِهِمْ في التَّفْسِيرِ، بَلْ إنَّما تَرَكْنا ذَلِكَ عَمْدًا، واقْتَصَرْنا عَلى ما يَلِيقُ بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ. وأسْألُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِلصَّوابِ. وما مِن قَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ﴾، شَرْطِيَّةٌ، وهي مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، وفي (نَنْسَخْ) التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن غائِبٍ إلى مُتَكَلِّمٍ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ﴾ ؟ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ﴾ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَنْسَخْ مِن نَسَخَ، بِمَعْنى أزالَ، فَهو عامٌّ في إزالَةِ اللَّفْظِ والحُكْمِ مَعًا، أوْ إزالَةِ اللَّفْظِ فَقَطْ، أوِ الحُكْمِ فَقَطْ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ وابْنُ عامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ: ما نُنْسِخْ مِنَ الإنْساخِ، وقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَقالَ: لَيْسَتْ لُغَةً؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ نَسَخَ وأنْسَخَ بِمَعْنًى، ولا هي لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَجِيءُ: ما يُكْتَبْ مِن آيَةٍ، أيْ ما يَنْزِلْ مِن آيَةٍ، فَيَجِيءُ القُرْآنُ كُلُّهُ عَلى هَذا مَنسُوخًا. ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما نَجِدُهُ مَنسُوخًا، كَما يُقالُ: أحَمَدْتُ الرَّجُلَ إذا وجَدْتَهُ مَحْمُودًا، وأبْخَلْتُهُ إذا وجَدْتَهُ بَخِيلًا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَ نَجِدُهُ مَنسُوخًا إلّا بِأنْ يَنْسَخَهُ، فَتَتَّفِقَ القِراءاتُ في المَعْنى، وإنِ اخْتَلَفا في اللَّفْظِ. انْتَهى كَلامُهُ. فَجَعَلَ الهَمْزَةَ في النَّسْخِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وإنَّما أفْعَلَ لِوُجُودِ الشَّيْءِ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ، وهَذا أحَدُ مَعانِي أفْعَلَ المَذْكُورَةِ فِيهِ فاتِحَةُ الكِتابِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ قالَ: وإنْساخُها الأمْرُ بِنَسْخِها، وهو أنْ يَأْمُرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يَجْعَلَها مَنسُوخَةً، بِالإعْلامِ بِنَسْخِها، وهَذا تَثْبِيجٌ في العِبارَةِ عَنْ مَعْنى كَوْنِ الهَمْزَةِ لِلتَّعْدِيَةِ. وإيضاحُهُ أنَّ نَسَخَ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَلَمّا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ. تَقُولُ: نَسَخَ زَيْدٌ الشَّيْءَ، أيْ أزالَهُ، وأنْسَخُهُ إيّاهُ عَمْرٌو: أيْ جَعَلَ عَمْرٌو زَيْدًا يَنْسَخُ الشَّيْءَ، أيْ يُزِيلُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: التَّقْدِيرُ ما نَنْسَخُكَ مِن آيَةٍ، أيْ ما نُبِيحُ لَكَ نَسْخُهُ، كَأنَّهُ لَمّا نَسَخَهُ اللَّهُ أباحَ لِنَبِيِّهِ تَرْكَها بِذَلِكَ النَّسْخِ، فَسَمّى تِلْكَ الإباحَةَ إنْساخًا. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا هو جَعْلُ الهَمْزَةِ لِلتَّعْدِيَةِ، لَكِنَّهُ والزَّمَخْشَرِيَّ اخْتَلَفا في المَفْعُولِ الأوَّلِ المَحْذُوفِ، أهْوَ جِبْرِيلَ أمِ النَّبِيُّ ﷺ ؟ وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الإنْساَخَ هو الأمْرَ بِالنَّسْخِ. وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ الإنْساخَ إباحَةَ التَّرْكِ بِالنَّسْخِ. وخَرَّجَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى تَخْرِيجٍ آخَرَ وهو: أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ أيْضًا، وهو مِن نَسْخِ الكِتابِ، وهو نَقْلُهُ مِن غَيْرِ إزالَةٍ لَهُ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ما نَكْتُبْ ونُنَزِّلْ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ ما نُؤَخِّرْ فِيهِ ونَتْرُكْ فَلا نُنَزِّلْهُ، أيَّ ذَلِكَ فَعَلْنا، فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ المُؤَخَّرِ المَتْرُوكِ، أوْ بِمِثْلِهِ، فَتَجِيءُ الضَّمِيراتُ في مِنها وبِمِثْلِها عائِدِينَ عَلى الضَّمِيرِ في ”نَنْسَأْها“ . انْتَهى كَلامُهُ. وذُهِلَ عَنِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وهي أنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لا بُدَّ في جَوابِهِ مِن عائِدٍ عَلَيْهِ. وما في قَوْلِهِ: ما نَنْسَخْ شَرْطِيَّةٌ، وقَوْلُهُ: أوْ ”نَنْسَأْها“، عائِدٌ عَلى الآيَةِ، وإنْ كانَ المَعْنى لَيْسَ عائِدًا عَلَيْها نَفْسِها مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، إنَّما يَعُودُ عَلَيْها لَفْظًا لا مَعْنًى، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، فَهو في الحَقِيقَةِ عَلى إضْمارِ ما الشَّرْطِيَّةِ. التَّقْدِيرُ: أوْ ما نَنْسَأْ مِن آيَةٍ، ضَرُورَةَ أنَّ المَنسُوخَ هو غَيْرُ المَنسُوءِ، لَكِنْ يَبْقى قَوْلُهُ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ مُفْلِتًا مِنَ الجَوابِ، إذْ لا رابِطَ فِيهِ مِنهُ لَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَبَطَلَ هَذا المَعْنى. مِن آيَةٍ، مِن: هُنا لِلتَّبْعِيضِ، وآيَةٌ مُفْرَدٌ وقَعَ مَوْقِعَ الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ فارِسٌ في قَوْلِكَ: هَذا أوَّلُ فارِسٍ، التَّقْدِيرُ: أوَّلُ الفَوارِسِ. والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ مِنَ الآياتِ. وكَذَلِكَ ما جاءَ مِن هَذا النَّحْوِ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ تَخْرِيجُهُ هَكَذا، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ﴾ [النحل: ٥٣]، وقَوْلِهِمْ: مَن يَضْرِبْ مِن رَجُلٍ أضْرِبْهُ. ويَتَّضِحُ بِهَذا المَجْرُورِ ما كانَ مَعْمُولًا لِفِعْلِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ مُخَصِّصٌ لَهُ، إذْ في اسْمِ الشَّرْطِ عُمُومٌ، إذْ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِالمَجْرُورِ لَحُمِلَ عَلى العُمُومِ. لَوْ قُلْتَ: مَن يَضْرِبْ أضْرِبْ، كانَ عامًّا في مَدْلُولِ مَن. فَإذا قُلْتَ: مِن رَجُلٍ، اخْتُصَّ جِنْسُ الرِّجالِ بِذَلِكَ، (p-٣٤٣)ولَمْ يَدْخُلْ فِيهِ النِّساءُ، وإنْ كانَ مَدْلُولُ مِن عامًّا لِلنَّوْعَيْنِ. ولِهَذا المَعْنى جَعَلَ بَعْضُهم مِن آيَةٍ، وما أشْبَهَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ: والمُمَيَّزُ ما قالَ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ نُسِخَ مِن آيَةٍ. قالَ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ أيُّ آيَةٍ نَنْسَخْ، لِأنَّكَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ آيَةٍ وبَيْنَ المُمَيَّزِ بِآيَةٍ. لا تَقُولُ: أيَّ آيَةٍ نَنْسَخْ مِن آيَةٍ، ولا أيُّ رَجُلٍ يَضْرِبْ مِن رَجُلٍ أضْرِبْهُ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ تَكُونَ مِن زائِدَةً، و”آيَةٍ“ حالًا. والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَنْسَخُ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا. قالُوا: وقَدْ جاءَتِ الآيَةُ حالًا في قَوْلِهِ تَعالى هَذِهِ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ الحالَ لا يُجَرُّ بِمِن وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرًا، و”آيَةٍ“ مَفْعُولًا بِهِ، التَّقْدِيرُ: أيَّ نَسْخٍ نَنْسَخُ آيَةً، ومَجِيءُ ما الشَّرْطِيَّةِ مَصْدَرًا جائِزٌ، تَقُولُ: ما تَضْرِبْ زَيْدًا أضْرِبْ مِثْلَهُ، التَّقْدِيرُ: أيَّ ضَرْبٍ تَضْرَبُ زَيْدًا أضْرِبُ مِثْلَهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَعَبَ الغُرابُ فَقُلْتُ بَيْنٌ عاجِلٌ ما شِئْتَ إذْ ظَعَنُوا لِبَيْنٍ فانْعَبِ وهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّ ما إذا جَعَلْتَها لِلنَّسْخِ، عُرِّيَ الجَوابُ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَيْها، ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: أيَّ ضَرْبٍ يَضْرِبْ هِنْدًا أضْرِبْ أحْسَنَ مِنها، لَمْ يَجُزْ لِعُرُوِّ جُمْلَةِ الجَزاءِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي هو هِنْدٌ، لا عَلى ”أيَّ ضَرْبٍ“ الَّذِي هو اسْمُ الشَّرْطِ، ولِأنَّ المَفْعُولَ بِهِ لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ ”مِن“ الزّائِدَةُ إلّا بِشَرْطِ أنْ يَتَقَدَّمَهُ غَيْرُ مُوجَبٍ، وأنْ يَكُونَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ نَكِرَةً، وهَذا عَلى الجادَّةِ مِن مَشْهُورِ مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. والشَّرْطُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ غَيْرِ المُوجَبِ، فَلا يَجُوزُ: إنْ قامَ مِن رَجُلٍ أقُمْ مَعَهُ، وفي هَذا خِلافٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ البَصْرِيِّينَ. (أوْ نَنْسَأْها): قَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيُّ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ومِنَ السَّبْعَةِ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: أوْ نَنْسَأْها، بِفَتْحِ نُونِ المُضارَعَةِ والسِّينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وذَكَرَ أبُو عَبِيدٍ البَكْرِيُّ في كِتابِ: (اللَّآلِئُ) ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأراهُ وهْمٌ، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ تَنْساها بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ وسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ يَعْمَرَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم هَمَزُوا. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ضَمَّ التّاءَ. وقَرَأ سَعِيدٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، نُنْسِها، بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّها هَمَزَتْ بَعْدَ السِّينِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وأبُو رَجاءٍ: بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ وبِلا هَمْزٍ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أوْ نُنْسِكَ، بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ وكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِكافٍ لِلْخِطابِ بَدَلَ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وفي مُصْحَفِ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ، وهي قِراءَةُ أبِي حُذَيْفَةَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها نَجِئْ بِمِثْلِها. وهَكَذا ثَبَتَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، فَتَحْصُلُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ - دُونَ قِراءَةِ الأعْمَشِ - إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً: فَمَعَ الهَمْزَةِ: نَنْسَأْها ونَنْسِئْها ونُنْسِأْها وتَنْسَأْها، وبِلا هَمْزٍ: نَنْسَها ونُنْسِها وتَنْسَها وتُنْسِها ونُنْسِكَ ونُنْسِكَها. وفُسِّرَ النَّسْخُ هُنا بِالتَّبْدِيلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والزَّجّاجُ، أوْ تَبْدِيلِ الحُكْمِ مَعَ ثُبُوتِ الخَطِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ الرَّفْعِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ نُنْسِها بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَإنْ كانَ مِنَ النِّسْيانِ ضِدِّ الذِّكْرِ، فالمَعْنى: نُنْسِكَها إذا كانَ مِن أفْعَلَ، أوْ نُنْسِها إذا كانَ مَن فَعَلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وإنْ كانَ مِنَ التَّرْكِ، فالمَعْنى: أوْ نَتْرُكْ إنْزالَها، قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ نَمْحُها، فَلا نَتْرُكْ لَها لَفْظًا يُتْلى ولا حُكْمًا يُلْزِمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوْ نَأْمُرْ بِتَرْكِها، يُقالُ: أنْسَيْتُهُ الشَّيْءَ: أيْ أمَرْتُ بِتَرْكِهِ، ونَسِيتُهُ: تَرَكْتُهُ، قالَ: ؎إنَّ عَلَيَّ عُقْبَةً أقْضِيها ∗∗∗ لَسْتُ بِناسِيها ولا مُنْسِيها أيْ لا آمُرُ بِتَرْكِها. وقالَ الزَّجّاجُ: قِراءَةُ نُنْسِها، بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ النُّونِ الثّانِيَةِ وكَسْرِ السِّينِ، لا يَتَوَجَّهُ فِيها مَعْنى التَّرْكِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: أُنْسِيَ بِمَعْنى تَرَكَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ مُتَّجِهٌ؛ لِأنَّهُ (p-٣٤٤)بِمَعْنى نَجْعَلُكَ تَتْرُكُها. وكَذَلِكَ ضَعَّفَ الزَّجّاجُ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى النِّسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِّكْرِ، وقالَ: إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولا نَسِيَ قُرْآنًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ وقَعَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُرْفَعَ الآيَةُ بِنَسْخٍ أوْ بِنَسْئِهِ. واحْتَجَّ الزَّجّاجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]، أيْ لَمْ نَفْعَلْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ لَمْ نَذْهَبْ بِالجَمِيعِ، وحَكى الطَّبَرِيُّ قَوْلَ الزَّجّاجِ عَنْ أقْدَمَ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ في هَذا أنَّ نِسْيانَ النَّبِيِّ ﷺ لِما أرادَ اللَّهُ أنْ يَنْساهُ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُثْبِتَهُ قُرْآنًا جائِزٌ. وأمّا النِّسْيانُ الَّذِي هو آفَةٌ في البَشَرِ، فالنَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِنهُ، قَبْلَ التَّبْلِيغِ، وبَعْدَ التَّبْلِيغِ، ما لَمْ يَحْفَظْهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وأمّا بَعْدَ أنْ يُحْفَظَ، فَجائِزٌ عَلَيْهِ ما يَجُوزُ عَلى البَشَرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وأدّى الأمانَةَ، ومِنهُ الحَدِيثُ، حِينَ أسْقَطَ آيَةً، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قالَ: «أفِي القَوْمِ أُبَيٌّ ؟ ”قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ:“ فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي ؟ ”قالَ: خَشِيتُ أنَّها رُفِعَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“ لَمْ تُرْفَعْ ولَكِنِّي نَسِيتُها» . انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وأمّا مَن قَرَأ بِالهَمْزِ فَهو مِنَ التَّأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: نَسَأْتُ الإبِلَ عَنِ الحَوْضِ، وأنْسَأ الإبِلَ عَنْ ظَمَئِها يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ أوْ أكْثَرَ، أخَّرَها عَنِ الوِرْدِ. وأمّا في الآيَةِ فالمَعْنى: نُؤَخِّرْ نَسْخَها أوْ نُزُولَها، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ، أوْ نَمْحُها لَفْظًا وحُكْمًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوَنُمْضِها فَلا نَنْسَخْها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهَذا يُضْعِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾؛ لِأنَّ ما أُمْضِيَ وأُقِرَّ، لا يُقالُ فِيهِ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: ما نُبَدِّلْ مِن حُكْمِ آيَةٍ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها، أيْ أنْفَعَ مِنها لَكم، أوْ مِثْلِها. ثُمَّ قالَ: أوْ نَنْسَأْها، أيْ نُؤَخِّرْها، فَلا نَنْسَخْها ولا نُبَدِّلْها. وهَذِهِ الحِكايَةُ لا تَصِحُّ عَنْ ذَلِكَ الحَبْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ هي مُحِيلَةٌ لِنَظْمِ القُرْآنِ. (نَأْتِ): هو جَوابُ الشَّرْطِ، واسْمُ الشَّرْطِ هُنا جاءَ بَعْدَهُ الشَّرْطُ والجَزاءُ مُضارِعَيْنِ، وهَذا أحْسَنُ التَّراكِيبِ في فِعْلَيِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهو أنْ يَكُونا مُضارِعَيْنِ. (بِخَيْرٍ مِنها): الظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والخَيْرِيَّةُ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ المُأْتى بِهِ، إنْ كانَ أخَفَّ مِنَ المَنسُوخِ أوِ المَنسُوءِ، فَخَيْرِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِسُقُوطِ أعْباءِ التَّكْلِيفِ، وإنْ كانَ أثْقَلَ، فَخَيْرِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِزِيادَةِ الثَّوابِ. (أوْ مِثْلِها): أوْ مُساوٍ لَها في التَّكْلِيفِ والثَّوابِ، وذَلِكَ كَنَسْخِ التَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ خَيْرًا هُنا لَيْسَ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وإنَّما هو خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، كَخَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾، فَهو عِنْدَهم مَصْدَرٌ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويَصِيرُ المَعْنى: أنَّهُ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُؤَخِّرْها، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الخُيُورِ مِن جِهَةِ المَنسُوخِ أوِ المَنسُوءِ، لَكِنْ يُبْعِدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: (أوْ مِثْلِها)، فَإنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى قَوْلِهِ: (بِخَيْرٍ) عَلى هَذا المَعْنى، إلّا إنْ أُطْلِقَ الخَيْرُ عَلى عَدَمِ التَّكْلِيفِ، فَيَكُونُ المَعْنى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الخُيُورِ، وهو عَدَمُ التَّكْلِيفِ، أوْ نَأْتِ بِمِثْلِ المَنسُوخِ أوِ المَنسُوءِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُؤَخِّرْها، فَإلى غَيْرِ بَدَلٍ، أوْ إلى بَدَلٍ مُماثِلٍ، والَّذِي إلى غَيْرِ بَدَلٍ هو خَيْرٌ أتاكم مِن جِهَةِ الآيَةِ المَنسُوخَةِ أوِ المَنسُوءَةِ، إذْ هو راحَتُكم مِنَ التَّكالِيفِ. وأمّا عَطْفُ مِثْلِها عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في مِنها فَيَضْعُفُ لِعَدَمِ إعادَةِ الجارِّ. ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، فالمُعادِلُ هُنا عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ: أمْ تُرِيدُونَ. وقالَ قَوْمٌ: أمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، فالمُعادِلُ عَلى قَوْلِهِمْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أمْ عَلِمْتُمْ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ القَصْدَ بِمُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ مُخاطَبَةُ أُمَّتِهِ، وأمّا إنْ كانَ هو المُخاطَبَ وحْدَهُ، فالمُعادِلُ مَحْذُوفٌ لا غَيْرُ، وكِلا القَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ. انْتَهى كَلامُهُ ونَقْلُهُ. وما قالُوهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، فَلا يَحْتاجُ إلى مُعادِلٍ ألْبَتَّةَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ السّامِعَ، والِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ جِدًّا، خُصُوصًا إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠] ؟ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] ؟ ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] ؟ (p-٣٤٥)﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] ؟ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ؟ فَهَذا كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى مُعادِلٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ. والمَعْنى: قَدْ عَلِمْتَ أيُّها المُخاطَبُ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ في تَكالِيفِ عِبادِهِ، بِمَحْوِ وإثْباتِ وإبْدالِ حُكْمٍ بِحُكْمٍ، وبِأنْ يَأْتِيَ بِالأخِيرِ لَكم وبِالمُماثِلِ. وحِكْمَةُ إفْرادِ المُخاطَبِ: أنَّهُ ما مِن شَخْصٍ إلّا يَتَوَهَّمُ أنَّهُ المُخاطَبُ بِذَلِكَ، والمُنَبَّهُ بِهِ، والمُقَرَّرُ عَلى شَيْءٍ ثابِتٍ عِنْدَهُ، وهو أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةٌ بِالأشْياءِ، فَلَنْ يُعْجِزَهُ شَيْءٌ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُنْكَرِ النَّسْخُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، لا رادَّ لِأمْرِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾، فِيهِ خُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ جَمْعٍ مُخاطَبٍ وهو: ﴿مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾، إلى ضَمِيرٍ مُخاطَبٍ مُفْرَدٍ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي بَيَّنّاها، وخُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ مُعَظِّمٍ نَفْسَهُ، إلى اسْمٍ ظاهِرٍ غائِبٍ وهو اللَّهُ، إذْ هو الِاسْمُ العَلَمُ الجامِعُ لِسائِرِ الصِّفاتِ، فَفي ضِمْنِهِ صِفَةُ القُدْرَةِ، فَهو أبْلَغُ في نِسْبَةِ القُدْرَةِ إلَيْهِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّنا إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ.

البقرة 2:106

﴿ولا المُشْرِكِينَ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ . ورَأيْتُ في كِتابٍ لِأبِي إسْحاقَ الشِّيرازِيِّ صاحِبِ التَّنْبِيهِ كَلامًا يَرُدُّ فِيهِ عَلى الشِّيعَةِ ومَن قالَ بِمَقالَتِهِمْ في أنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ هي المَسْحُ، لِلْعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، خَرَّجَ فِيهِ أبُو إسْحاقَ قَوْلَهُ: وأرْجُلِكم بِالجَرِّ، عَلى أنَّهُ مِنَ الخَفْضِ عَلى الجِوارِ، وأنَّ أصْلَهُ النَّصْبُ فَخُفِضَ عَطْفًا عَلى الجِوارِ. وأشارَ في ذَلِكَ الكِتابِ إلى أنَّ القُرْآنَ ولِسانَ العَرَبِ يَشْهَدانِ بِجَوازِ ذَلِكَ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ولا المُشْرِكِينَ، في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١]، وأنَّ الأصْلَ هو الرَّفْعُ، أيْ ولا المُشْرِكُونَ، عَطْفًا عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، وهَذا حَدِيثُ مَن قَصَرَ في العَرَبِيَّةِ وتَطاوَلَ إلى الكَلامِ فِيها بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وعَدَلَ عَنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْناهُ الصَّحِيحِ وتَرْكِيبِهِ الفَصِيحِ. ودَخَلَتْ لا في قَوْلِهِ: ولا المُشْرِكِينَ لِلتَّأْكِيدِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ حَذْفُها. ولَمْ تَأْتِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١] لِمَعْنًى يُذْكَرُ هُناكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِيَوَدُّ، وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِلتَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ . ولَوْ بُنِيَ لِلْفاعِلِ لَمْ يَظْهَرْ في قَوْلِهِ: (مِن رَبِّكم) . (مِن خَيْرٍ)، مِن: زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: خَيْرٌ مِن رَبِّكم، وحَسُنَ زِيادَتُها هُنا، وإنْ كانَ يُنَزَّلُ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ، فَلَيْسَ نَظِيرَ: ما يُكْرِمُ مِن رَجُلٍ، لِانْسِحابِ النَّفْيِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إذا نُفِيَتِ الوِدادَةُ، كانَ كَأنَّهُ نُفِيَ مُتَعَلِّقُها، وهو الإنْزالُ، ولَهُ نَظائِرُ في لِسانِ العَرَبِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] . فَلَمّا تَقَدَّمَ النَّفْيُ حَسُنَ دُخُولُ الباءِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ما ظَنَنْتُ أحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدٌ، بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يَقُولُ، وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما يَقُولُ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ فِيما أظُنُّ. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ في هَذا المَكانِ، فَيَجُوزُ زِيادَتُها، لِأنَّهم لا يَشْتَرِطُونَ انْتِفاءَ الحُكْمِ عَمّا تَدْخُلُ عَلَيْهِ، بَلْ يُجِيزُونَ زِيادَتَها في الواجِبِ وغَيْرِهِ. ويَزِيدُ الأخْفَشُ: أنَّهُ يُجِيزُ زِيادَتَها في المَعْرِفَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ عَلى هَذا المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو عَلَيْكم، ويَكُونُ المَعْنى: أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم بِخَيْرٍ مِنَ الخَيْرِ مِن رَبِّكم. (مِن رَبِّكم): مِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَما تَقُولُ: هَذا الخَيْرُ مِن زَيْدٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ. المَعْنى مِن خَيْرٍ كائِنٍ مِن خُيُورِ رَبِّكم، فَإذا كانَتْ لِابْتِداءِ الغايَةِ تَعَلَّقَتْ بِقَوْلِهِ: ”يُنَزَّلَ“، وإذا كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ تَعَلَّقَتْ بِمَحْذُوفٍ، وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما قَدَّرْناهُ. والخَيْرُ هُنا: القُرْآنُ، أوِ الوَحْيُ، إذْ يَجْمَعُ القُرْآنَ وغَيْرَهُ، أوْ ما خُصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّعْظِيمِ، أوِ الحِكْمَةِ والقُرْآنِ والظَّفَرِ، أوِ النُّبُوَّةِ والإسْلامِ، أوِ العِلْمِ والفِقْهِ والحِكْمَةِ، أوْ هُنا عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الخَيْرِ، فَهم يَوَدُّونَ انْتِفاءَ ذَلِكَ عَنِ المُؤْمِنِينِ، سَبْعَةُ أقْوالٍ، أظْهَرُها الآخِرُ. وسَبَبُ عَدَمِ وِدِّهِمْ ذَلِكَ: أمّا في اليَهُودِ، فَلِكَوْنِ النُّبُوَّةِ كانَتْ في بَنِي إسْماعِيلَ، ولِخَوْفِهِمْ عَلى رِئاسَتِهِمْ، وأمّا النَّصارى، فَلِتَكْذِيبِهِمْ في ادِّعائِهِمْ أُلُوهِيَّةَ عِيسى، وأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، ولِخَوْفِهِمْ عَلى رِئاسَتِهِمْ، وأمّا المُشْرِكُونَ، فَلِسَبِّ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، ولِحَسَدِهِمْ أنْ يَكُونَ رَجُلٌ مِنهم يَخْتَصُّ بِالرِّسالَةِ، واتِّباعِ النّاسِ لَهُ. * * ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾: أيْ يُفْرِدُ بِها، وضِدُّ الِاخْتِصاصِ: الِاشْتِراكُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَخْتَصُّ هُنا لازِمًا، أيْ يَنْفَرِدُ، أوْ مُتَعَدِّيًا، أيْ يُفْرِدُ، إذِ الفِعْلُ يَأْتِي كَذَلِكَ. يُقالُ: اخْتَصَّ زَيْدًا بِكَذا، واخْتَصَصْتُهُ بِهِ، ولا يَتَعَيَّنُ هُنا تَعَدِّيهِ، كَما ذَكَرَ بَعْضُهم، إذْ يَصِحُّ، واللَّهُ يُفْرِدُ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، فَيَكُونُ ”مَن“ فاعِلَةً، وهو افْتَعَلَ مِن: خَصَصْتُ زَيْدًا (p-٣٤١)بِكَذا. فَإذا كانَ لازِمًا، كانَ لِفِعْلِ الفاعِلِ بِنَفْسِهِ نَحْوُ: اضْطُرِرْتُ، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا، كانَ مُوافِقًا لِفِعْلِ المُجَرَّدِ نَحْوُ: كَسَبَ زَيْدٌ مالًا، واكْتَسَبَ زَيْدٌ مالًا. والرَّحْمَةُ هُنا عامَّةٌ بِجَمِيعِ أنْواعِها؛ أوِ النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ والنُّصْرَةُ، اخْتُصَّ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ قالَهُ عَلِيٌّ والباقِرُ ومُجاهِدٌ والزَّجّاجُ؛ أوِ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ القُرْآنُ، أوِ النَّبِيُّ ﷺ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، هو نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، أظْهَرُها الأوَّلُ. ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾: قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ذُو بِمَعْنى صاحِبٍ. وذِكْرُ جُمْلَةٍ مِن أحْكامِ ذُو، والوَصْفُ بِذُو أشْرَفُ عِنْدَهم مِنَ الوَصْفِ بِصاحِبٍ، لِأنَّهم ذَكَرُوا أنَّ ذُو أبَدًا لا تَكُونُ إلّا مُضافَةً لِاسْمٍ، فَمَدْلُولُها أشْرَفُ. ولِذَلِكَ جاءَ ذُو رُعَيْنٍ، وذُو يَزَنَ، وذُو الكُلاعِ، ولَمْ يَسْمَعُوا بِصاحِبِ رُعَيْنٍ، ولا صاحِبِ يَزَنَ ونَحْوِها. وامْتُنِعَ أنْ يَقُولَ في صَحابِيٍّ أبِي سَعِيدٍ أوْ جابِرٍ: ذُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجازَ أنْ يَقُولَ: صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو الجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿ذُو الفَضْلِ﴾، وسَيَأْتِي الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الفَضْلِ العَظِيمِ﴾، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ هُنا: جَمِيعُ أنْواعِ التَّفَضُّلاتِ، فَتَكُونَ ألْ لِلِاسْتِغْراقِ وعِظَمِهِ مِن جِهَةِ سِعَتِهِ وكَثْرَتِهِ، أوْ فَضْلِ النُّبُوَّةِ. وقَدْ وصَفَ تَعالى ذَلِكَ بِالعِظَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، أوِ الشَّرِيعَةُ، فَعَظَّمَها مِن جِهَةِ بَيانِ أحْكامِها، مِن حَلالٍ، وحَرامٍ، ومَندُوبٍ، ومَكْرُوهٍ، ومُباحٍ؛ أوِ الثَّوابُ والجَزاءُ، فَعَظَّمَهُ مِن جِهَةِ السَّعَةِ والكَثْرَةِ، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. وعَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ تَكُونُ ألْ لِلْعَهْدِ، والأظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ. ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾: سَبَبُ نُزُولِها، فِيما ذَكَرُوا، أنَّ اليَهُودَ لَمّا حَسَدُوا المُسْلِمِينَ في التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، وطَعَنُوا في الإسْلامِ قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ اليَوْمَ، ويَنْهاهم عَنْهُ غَدًا، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا، ويَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا، ما هَذا القُرْآنُ إلّا مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ، وإنَّهُ يُناقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَنَزَلَتْ. وقَدْ تَكَلَّمَ المُفَسِّرُونَ هُنا في حَقِيقَةِ النَّسْخِ الشَّرْعِيِّ وأقْسامِهِ، وما اتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنهُ، وما اخْتُلِفَ فِيهِ، وفي جَوازِهِ عَقْلًا، ووُقُوعِهِ شَرْعًا، وبِماذا يُنْسَخُ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْكامِ النَّسْخِ ودَلائِلِ تِلْكَ الأحْكامِ، وطَوَّلُوا في ذَلِكَ. وهَذا كُلُّهُ مَوْضُوعُهُ عِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ، فَيُبْحَثُ في ذَلِكَ كُلِّهِ فِيهِ. وهَكَذا جَرَتْ عادَتُنا: أنَّ كُلَّ قاعِدَةٍ في عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ يُرْجَعُ في تَقْرِيرِها إلى ذَلِكَ العِلْمِ، ونَأْخُذُها في عِلْمِ التَّفْسِيرِ مُسَلَّمَةً مِن ذَلِكَ العِلْمِ، ولا نُطَوِّلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ، فَنَخْرُجَ عَنْ طَرِيقَةِ التَّفْسِيرِ، كَما فَعَلَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ، المَعْرُوفُ بِابْنِ خَطِيبِ الرَّيِّ، فَإنَّهُ جَمَعَ في كِتابِهِ في التَّفْسِيرِ أشْياءَ كَثِيرَةً طَوِيلَةً، لا حاجَةَ بِها في عِلْمِ التَّفْسِيرِ. ولِذَلِكَ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ المُتَطَرِّفِينَ مِنَ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا التَّفْسِيرَ. وقَدْ ذَكَرْنا في الخُطْبَةِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ عِلْمُ التَّفْسِيرِ. فَمَن زادَ عَلى ذَلِكَ، فَهو فُضُولٌ في هَذا العِلْمِ، ونَظِيرُ ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ النَّحْوِيَّ مَثَلًا يَكُونُ قَدْ شَرَعَ في وضْعِ كِتابٍ في النَّحْوِ، فَشَرَعَ يَتَكَلَّمُ في الألِفِ المُنْقَلِبَةِ، فَذَكَرَ أنَّ الألِفَ في اللَّهِ، أهِيَ مُنْقَلِبَةٌ مِن ياءٍ أوْ واوٍ ؟ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى الكَلامِ في اللَّهِ تَعالى، فِيما يَجِبُ لَهُ ويَجُوزُ عَلَيْهِ ويَسْتَحِيلُ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى جَوازِ إرْسالِ الرُّسُلِ مِنهُ تَعالى إلى النّاسِ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى أوْصافِ الرَّسُولِ ﷺ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى إعْجازِ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ وصِدْقِ ما تَضَمَّنَهُ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى أنَّ مِن مَضْمُونِهِ البَعْثَ والجَزاءَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. ثُمَّ المُثابُونَ في الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهم، والمُعاقَبُونَ في النّارِ لا يَنْقَطِعُ عَذابُهم. فَبَيْنا هو في عِلْمِهِ يَبْحَثُ في الألِفِ المُنْقَلِبَةِ، إذا هو يَتَكَلَّمُ في الجَنَّةِ والنّارِ، ومَن هَذا سَبِيلُهُ في العِلْمِ، فَهو مِنَ التَّخْلِيطِ والتَّخْبِيطِ في أقْصى الدَّرَجَةِ، وكانَ أُسْتاذُنا العَلّامَةُ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ الثَّقَفِيُّ - قَدَّسَ (p-٣٤٢)اللَّهُ تُرْبَتَهُ - يَقُولُ ما مَعْناهُ: مَتى رَأيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِلُ مِن فَنٍّ إلى فَنٍّ في البَحْثِ أوِ التَّصْنِيفِ، فاعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ، إمّا لِقُصُورِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ الفَنِّ، أوْ لِتَخْلِيطِ ذِهْنِهِ وعَدَمِ إدْراكِهِ، حَيْثُ يَظُنُّ أنَّ المُتَغايِراتِ مُتَماثِلاتٌ. وإنَّما أمْعَنْتُ الكَلامَ في هَذا الفَصْلِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ، ولِئَلّا يَعْتَقِدَ أنّا لَمْ نَطَّلِعْ عَلى ما أوْدَعَهُ النّاسُ في كُتُبِهِمْ في التَّفْسِيرِ، بَلْ إنَّما تَرَكْنا ذَلِكَ عَمْدًا، واقْتَصَرْنا عَلى ما يَلِيقُ بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ. وأسْألُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِلصَّوابِ. وما مِن قَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ﴾، شَرْطِيَّةٌ، وهي مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، وفي (نَنْسَخْ) التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن غائِبٍ إلى مُتَكَلِّمٍ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ﴾ ؟ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ﴾ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَنْسَخْ مِن نَسَخَ، بِمَعْنى أزالَ، فَهو عامٌّ في إزالَةِ اللَّفْظِ والحُكْمِ مَعًا، أوْ إزالَةِ اللَّفْظِ فَقَطْ، أوِ الحُكْمِ فَقَطْ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ وابْنُ عامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ: ما نُنْسِخْ مِنَ الإنْساخِ، وقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَقالَ: لَيْسَتْ لُغَةً؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ نَسَخَ وأنْسَخَ بِمَعْنًى، ولا هي لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَجِيءُ: ما يُكْتَبْ مِن آيَةٍ، أيْ ما يَنْزِلْ مِن آيَةٍ، فَيَجِيءُ القُرْآنُ كُلُّهُ عَلى هَذا مَنسُوخًا. ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما نَجِدُهُ مَنسُوخًا، كَما يُقالُ: أحَمَدْتُ الرَّجُلَ إذا وجَدْتَهُ مَحْمُودًا، وأبْخَلْتُهُ إذا وجَدْتَهُ بَخِيلًا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَ نَجِدُهُ مَنسُوخًا إلّا بِأنْ يَنْسَخَهُ، فَتَتَّفِقَ القِراءاتُ في المَعْنى، وإنِ اخْتَلَفا في اللَّفْظِ. انْتَهى كَلامُهُ. فَجَعَلَ الهَمْزَةَ في النَّسْخِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وإنَّما أفْعَلَ لِوُجُودِ الشَّيْءِ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ، وهَذا أحَدُ مَعانِي أفْعَلَ المَذْكُورَةِ فِيهِ فاتِحَةُ الكِتابِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ قالَ: وإنْساخُها الأمْرُ بِنَسْخِها، وهو أنْ يَأْمُرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يَجْعَلَها مَنسُوخَةً، بِالإعْلامِ بِنَسْخِها، وهَذا تَثْبِيجٌ في العِبارَةِ عَنْ مَعْنى كَوْنِ الهَمْزَةِ لِلتَّعْدِيَةِ. وإيضاحُهُ أنَّ نَسَخَ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَلَمّا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ. تَقُولُ: نَسَخَ زَيْدٌ الشَّيْءَ، أيْ أزالَهُ، وأنْسَخُهُ إيّاهُ عَمْرٌو: أيْ جَعَلَ عَمْرٌو زَيْدًا يَنْسَخُ الشَّيْءَ، أيْ يُزِيلُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: التَّقْدِيرُ ما نَنْسَخُكَ مِن آيَةٍ، أيْ ما نُبِيحُ لَكَ نَسْخُهُ، كَأنَّهُ لَمّا نَسَخَهُ اللَّهُ أباحَ لِنَبِيِّهِ تَرْكَها بِذَلِكَ النَّسْخِ، فَسَمّى تِلْكَ الإباحَةَ إنْساخًا. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا هو جَعْلُ الهَمْزَةِ لِلتَّعْدِيَةِ، لَكِنَّهُ والزَّمَخْشَرِيَّ اخْتَلَفا في المَفْعُولِ الأوَّلِ المَحْذُوفِ، أهْوَ جِبْرِيلَ أمِ النَّبِيُّ ﷺ ؟ وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الإنْساَخَ هو الأمْرَ بِالنَّسْخِ. وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ الإنْساخَ إباحَةَ التَّرْكِ بِالنَّسْخِ. وخَرَّجَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى تَخْرِيجٍ آخَرَ وهو: أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ أيْضًا، وهو مِن نَسْخِ الكِتابِ، وهو نَقْلُهُ مِن غَيْرِ إزالَةٍ لَهُ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ما نَكْتُبْ ونُنَزِّلْ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ ما نُؤَخِّرْ فِيهِ ونَتْرُكْ فَلا نُنَزِّلْهُ، أيَّ ذَلِكَ فَعَلْنا، فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ المُؤَخَّرِ المَتْرُوكِ، أوْ بِمِثْلِهِ، فَتَجِيءُ الضَّمِيراتُ في مِنها وبِمِثْلِها عائِدِينَ عَلى الضَّمِيرِ في ”نَنْسَأْها“ . انْتَهى كَلامُهُ. وذُهِلَ عَنِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وهي أنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لا بُدَّ في جَوابِهِ مِن عائِدٍ عَلَيْهِ. وما في قَوْلِهِ: ما نَنْسَخْ شَرْطِيَّةٌ، وقَوْلُهُ: أوْ ”نَنْسَأْها“، عائِدٌ عَلى الآيَةِ، وإنْ كانَ المَعْنى لَيْسَ عائِدًا عَلَيْها نَفْسِها مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، إنَّما يَعُودُ عَلَيْها لَفْظًا لا مَعْنًى، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، فَهو في الحَقِيقَةِ عَلى إضْمارِ ما الشَّرْطِيَّةِ. التَّقْدِيرُ: أوْ ما نَنْسَأْ مِن آيَةٍ، ضَرُورَةَ أنَّ المَنسُوخَ هو غَيْرُ المَنسُوءِ، لَكِنْ يَبْقى قَوْلُهُ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ مُفْلِتًا مِنَ الجَوابِ، إذْ لا رابِطَ فِيهِ مِنهُ لَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَبَطَلَ هَذا المَعْنى. مِن آيَةٍ، مِن: هُنا لِلتَّبْعِيضِ، وآيَةٌ مُفْرَدٌ وقَعَ مَوْقِعَ الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ فارِسٌ في قَوْلِكَ: هَذا أوَّلُ فارِسٍ، التَّقْدِيرُ: أوَّلُ الفَوارِسِ. والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ مِنَ الآياتِ. وكَذَلِكَ ما جاءَ مِن هَذا النَّحْوِ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ تَخْرِيجُهُ هَكَذا، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ﴾ [النحل: ٥٣]، وقَوْلِهِمْ: مَن يَضْرِبْ مِن رَجُلٍ أضْرِبْهُ. ويَتَّضِحُ بِهَذا المَجْرُورِ ما كانَ مَعْمُولًا لِفِعْلِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ مُخَصِّصٌ لَهُ، إذْ في اسْمِ الشَّرْطِ عُمُومٌ، إذْ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِالمَجْرُورِ لَحُمِلَ عَلى العُمُومِ. لَوْ قُلْتَ: مَن يَضْرِبْ أضْرِبْ، كانَ عامًّا في مَدْلُولِ مَن. فَإذا قُلْتَ: مِن رَجُلٍ، اخْتُصَّ جِنْسُ الرِّجالِ بِذَلِكَ، (p-٣٤٣)ولَمْ يَدْخُلْ فِيهِ النِّساءُ، وإنْ كانَ مَدْلُولُ مِن عامًّا لِلنَّوْعَيْنِ. ولِهَذا المَعْنى جَعَلَ بَعْضُهم مِن آيَةٍ، وما أشْبَهَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ: والمُمَيَّزُ ما قالَ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ نُسِخَ مِن آيَةٍ. قالَ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ أيُّ آيَةٍ نَنْسَخْ، لِأنَّكَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ آيَةٍ وبَيْنَ المُمَيَّزِ بِآيَةٍ. لا تَقُولُ: أيَّ آيَةٍ نَنْسَخْ مِن آيَةٍ، ولا أيُّ رَجُلٍ يَضْرِبْ مِن رَجُلٍ أضْرِبْهُ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ تَكُونَ مِن زائِدَةً، و”آيَةٍ“ حالًا. والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَنْسَخُ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا. قالُوا: وقَدْ جاءَتِ الآيَةُ حالًا في قَوْلِهِ تَعالى هَذِهِ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ الحالَ لا يُجَرُّ بِمِن وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرًا، و”آيَةٍ“ مَفْعُولًا بِهِ، التَّقْدِيرُ: أيَّ نَسْخٍ نَنْسَخُ آيَةً، ومَجِيءُ ما الشَّرْطِيَّةِ مَصْدَرًا جائِزٌ، تَقُولُ: ما تَضْرِبْ زَيْدًا أضْرِبْ مِثْلَهُ، التَّقْدِيرُ: أيَّ ضَرْبٍ تَضْرَبُ زَيْدًا أضْرِبُ مِثْلَهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَعَبَ الغُرابُ فَقُلْتُ بَيْنٌ عاجِلٌ ما شِئْتَ إذْ ظَعَنُوا لِبَيْنٍ فانْعَبِ وهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّ ما إذا جَعَلْتَها لِلنَّسْخِ، عُرِّيَ الجَوابُ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَيْها، ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: أيَّ ضَرْبٍ يَضْرِبْ هِنْدًا أضْرِبْ أحْسَنَ مِنها، لَمْ يَجُزْ لِعُرُوِّ جُمْلَةِ الجَزاءِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي هو هِنْدٌ، لا عَلى ”أيَّ ضَرْبٍ“ الَّذِي هو اسْمُ الشَّرْطِ، ولِأنَّ المَفْعُولَ بِهِ لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ ”مِن“ الزّائِدَةُ إلّا بِشَرْطِ أنْ يَتَقَدَّمَهُ غَيْرُ مُوجَبٍ، وأنْ يَكُونَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ نَكِرَةً، وهَذا عَلى الجادَّةِ مِن مَشْهُورِ مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. والشَّرْطُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ غَيْرِ المُوجَبِ، فَلا يَجُوزُ: إنْ قامَ مِن رَجُلٍ أقُمْ مَعَهُ، وفي هَذا خِلافٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ البَصْرِيِّينَ. (أوْ نَنْسَأْها): قَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيُّ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ومِنَ السَّبْعَةِ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: أوْ نَنْسَأْها، بِفَتْحِ نُونِ المُضارَعَةِ والسِّينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وذَكَرَ أبُو عَبِيدٍ البَكْرِيُّ في كِتابِ: (اللَّآلِئُ) ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأراهُ وهْمٌ، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ تَنْساها بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ وسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ يَعْمَرَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم هَمَزُوا. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ضَمَّ التّاءَ. وقَرَأ سَعِيدٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، نُنْسِها، بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّها هَمَزَتْ بَعْدَ السِّينِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وأبُو رَجاءٍ: بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ وبِلا هَمْزٍ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أوْ نُنْسِكَ، بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ وكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِكافٍ لِلْخِطابِ بَدَلَ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وفي مُصْحَفِ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ، وهي قِراءَةُ أبِي حُذَيْفَةَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها نَجِئْ بِمِثْلِها. وهَكَذا ثَبَتَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، فَتَحْصُلُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ - دُونَ قِراءَةِ الأعْمَشِ - إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً: فَمَعَ الهَمْزَةِ: نَنْسَأْها ونَنْسِئْها ونُنْسِأْها وتَنْسَأْها، وبِلا هَمْزٍ: نَنْسَها ونُنْسِها وتَنْسَها وتُنْسِها ونُنْسِكَ ونُنْسِكَها. وفُسِّرَ النَّسْخُ هُنا بِالتَّبْدِيلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والزَّجّاجُ، أوْ تَبْدِيلِ الحُكْمِ مَعَ ثُبُوتِ الخَطِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ الرَّفْعِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ نُنْسِها بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَإنْ كانَ مِنَ النِّسْيانِ ضِدِّ الذِّكْرِ، فالمَعْنى: نُنْسِكَها إذا كانَ مِن أفْعَلَ، أوْ نُنْسِها إذا كانَ مَن فَعَلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وإنْ كانَ مِنَ التَّرْكِ، فالمَعْنى: أوْ نَتْرُكْ إنْزالَها، قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ نَمْحُها، فَلا نَتْرُكْ لَها لَفْظًا يُتْلى ولا حُكْمًا يُلْزِمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوْ نَأْمُرْ بِتَرْكِها، يُقالُ: أنْسَيْتُهُ الشَّيْءَ: أيْ أمَرْتُ بِتَرْكِهِ، ونَسِيتُهُ: تَرَكْتُهُ، قالَ: ؎إنَّ عَلَيَّ عُقْبَةً أقْضِيها ∗∗∗ لَسْتُ بِناسِيها ولا مُنْسِيها أيْ لا آمُرُ بِتَرْكِها. وقالَ الزَّجّاجُ: قِراءَةُ نُنْسِها، بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ النُّونِ الثّانِيَةِ وكَسْرِ السِّينِ، لا يَتَوَجَّهُ فِيها مَعْنى التَّرْكِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: أُنْسِيَ بِمَعْنى تَرَكَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ مُتَّجِهٌ؛ لِأنَّهُ (p-٣٤٤)بِمَعْنى نَجْعَلُكَ تَتْرُكُها. وكَذَلِكَ ضَعَّفَ الزَّجّاجُ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى النِّسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِّكْرِ، وقالَ: إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولا نَسِيَ قُرْآنًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ وقَعَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُرْفَعَ الآيَةُ بِنَسْخٍ أوْ بِنَسْئِهِ. واحْتَجَّ الزَّجّاجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]، أيْ لَمْ نَفْعَلْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ لَمْ نَذْهَبْ بِالجَمِيعِ، وحَكى الطَّبَرِيُّ قَوْلَ الزَّجّاجِ عَنْ أقْدَمَ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ في هَذا أنَّ نِسْيانَ النَّبِيِّ ﷺ لِما أرادَ اللَّهُ أنْ يَنْساهُ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُثْبِتَهُ قُرْآنًا جائِزٌ. وأمّا النِّسْيانُ الَّذِي هو آفَةٌ في البَشَرِ، فالنَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِنهُ، قَبْلَ التَّبْلِيغِ، وبَعْدَ التَّبْلِيغِ، ما لَمْ يَحْفَظْهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وأمّا بَعْدَ أنْ يُحْفَظَ، فَجائِزٌ عَلَيْهِ ما يَجُوزُ عَلى البَشَرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وأدّى الأمانَةَ، ومِنهُ الحَدِيثُ، حِينَ أسْقَطَ آيَةً، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قالَ: «أفِي القَوْمِ أُبَيٌّ ؟ ”قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ:“ فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي ؟ ”قالَ: خَشِيتُ أنَّها رُفِعَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“ لَمْ تُرْفَعْ ولَكِنِّي نَسِيتُها» . انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وأمّا مَن قَرَأ بِالهَمْزِ فَهو مِنَ التَّأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: نَسَأْتُ الإبِلَ عَنِ الحَوْضِ، وأنْسَأ الإبِلَ عَنْ ظَمَئِها يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ أوْ أكْثَرَ، أخَّرَها عَنِ الوِرْدِ. وأمّا في الآيَةِ فالمَعْنى: نُؤَخِّرْ نَسْخَها أوْ نُزُولَها، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ، أوْ نَمْحُها لَفْظًا وحُكْمًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوَنُمْضِها فَلا نَنْسَخْها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهَذا يُضْعِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾؛ لِأنَّ ما أُمْضِيَ وأُقِرَّ، لا يُقالُ فِيهِ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: ما نُبَدِّلْ مِن حُكْمِ آيَةٍ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها، أيْ أنْفَعَ مِنها لَكم، أوْ مِثْلِها. ثُمَّ قالَ: أوْ نَنْسَأْها، أيْ نُؤَخِّرْها، فَلا نَنْسَخْها ولا نُبَدِّلْها. وهَذِهِ الحِكايَةُ لا تَصِحُّ عَنْ ذَلِكَ الحَبْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ هي مُحِيلَةٌ لِنَظْمِ القُرْآنِ. (نَأْتِ): هو جَوابُ الشَّرْطِ، واسْمُ الشَّرْطِ هُنا جاءَ بَعْدَهُ الشَّرْطُ والجَزاءُ مُضارِعَيْنِ، وهَذا أحْسَنُ التَّراكِيبِ في فِعْلَيِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهو أنْ يَكُونا مُضارِعَيْنِ. (بِخَيْرٍ مِنها): الظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والخَيْرِيَّةُ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ المُأْتى بِهِ، إنْ كانَ أخَفَّ مِنَ المَنسُوخِ أوِ المَنسُوءِ، فَخَيْرِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِسُقُوطِ أعْباءِ التَّكْلِيفِ، وإنْ كانَ أثْقَلَ، فَخَيْرِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِزِيادَةِ الثَّوابِ. (أوْ مِثْلِها): أوْ مُساوٍ لَها في التَّكْلِيفِ والثَّوابِ، وذَلِكَ كَنَسْخِ التَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ خَيْرًا هُنا لَيْسَ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وإنَّما هو خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، كَخَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾، فَهو عِنْدَهم مَصْدَرٌ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويَصِيرُ المَعْنى: أنَّهُ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُؤَخِّرْها، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الخُيُورِ مِن جِهَةِ المَنسُوخِ أوِ المَنسُوءِ، لَكِنْ يُبْعِدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: (أوْ مِثْلِها)، فَإنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى قَوْلِهِ: (بِخَيْرٍ) عَلى هَذا المَعْنى، إلّا إنْ أُطْلِقَ الخَيْرُ عَلى عَدَمِ التَّكْلِيفِ، فَيَكُونُ المَعْنى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الخُيُورِ، وهو عَدَمُ التَّكْلِيفِ، أوْ نَأْتِ بِمِثْلِ المَنسُوخِ أوِ المَنسُوءِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُؤَخِّرْها، فَإلى غَيْرِ بَدَلٍ، أوْ إلى بَدَلٍ مُماثِلٍ، والَّذِي إلى غَيْرِ بَدَلٍ هو خَيْرٌ أتاكم مِن جِهَةِ الآيَةِ المَنسُوخَةِ أوِ المَنسُوءَةِ، إذْ هو راحَتُكم مِنَ التَّكالِيفِ. وأمّا عَطْفُ مِثْلِها عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في مِنها فَيَضْعُفُ لِعَدَمِ إعادَةِ الجارِّ. ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، فالمُعادِلُ هُنا عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ: أمْ تُرِيدُونَ. وقالَ قَوْمٌ: أمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، فالمُعادِلُ عَلى قَوْلِهِمْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أمْ عَلِمْتُمْ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ القَصْدَ بِمُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ مُخاطَبَةُ أُمَّتِهِ، وأمّا إنْ كانَ هو المُخاطَبَ وحْدَهُ، فالمُعادِلُ مَحْذُوفٌ لا غَيْرُ، وكِلا القَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ. انْتَهى كَلامُهُ ونَقْلُهُ. وما قالُوهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، فَلا يَحْتاجُ إلى مُعادِلٍ ألْبَتَّةَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ السّامِعَ، والِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ جِدًّا، خُصُوصًا إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠] ؟ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] ؟ ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] ؟ (p-٣٤٥)﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] ؟ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ؟ فَهَذا كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى مُعادِلٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ. والمَعْنى: قَدْ عَلِمْتَ أيُّها المُخاطَبُ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ في تَكالِيفِ عِبادِهِ، بِمَحْوِ وإثْباتِ وإبْدالِ حُكْمٍ بِحُكْمٍ، وبِأنْ يَأْتِيَ بِالأخِيرِ لَكم وبِالمُماثِلِ. وحِكْمَةُ إفْرادِ المُخاطَبِ: أنَّهُ ما مِن شَخْصٍ إلّا يَتَوَهَّمُ أنَّهُ المُخاطَبُ بِذَلِكَ، والمُنَبَّهُ بِهِ، والمُقَرَّرُ عَلى شَيْءٍ ثابِتٍ عِنْدَهُ، وهو أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةٌ بِالأشْياءِ، فَلَنْ يُعْجِزَهُ شَيْءٌ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُنْكَرِ النَّسْخُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، لا رادَّ لِأمْرِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾، فِيهِ خُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ جَمْعٍ مُخاطَبٍ وهو: ﴿مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾، إلى ضَمِيرٍ مُخاطَبٍ مُفْرَدٍ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي بَيَّنّاها، وخُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ مُعَظِّمٍ نَفْسَهُ، إلى اسْمٍ ظاهِرٍ غائِبٍ وهو اللَّهُ، إذْ هو الِاسْمُ العَلَمُ الجامِعُ لِسائِرِ الصِّفاتِ، فَفي ضِمْنِهِ صِفَةُ القُدْرَةِ، فَهو أبْلَغُ في نِسْبَةِ القُدْرَةِ إلَيْهِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّنا إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ.

البقرة 2:107

﴿ولا المُشْرِكِينَ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ . ورَأيْتُ في كِتابٍ لِأبِي إسْحاقَ الشِّيرازِيِّ صاحِبِ التَّنْبِيهِ كَلامًا يَرُدُّ فِيهِ عَلى الشِّيعَةِ ومَن قالَ بِمَقالَتِهِمْ في أنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ هي المَسْحُ، لِلْعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، خَرَّجَ فِيهِ أبُو إسْحاقَ قَوْلَهُ: وأرْجُلِكم بِالجَرِّ، عَلى أنَّهُ مِنَ الخَفْضِ عَلى الجِوارِ، وأنَّ أصْلَهُ النَّصْبُ فَخُفِضَ عَطْفًا عَلى الجِوارِ. وأشارَ في ذَلِكَ الكِتابِ إلى أنَّ القُرْآنَ ولِسانَ العَرَبِ يَشْهَدانِ بِجَوازِ ذَلِكَ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ولا المُشْرِكِينَ، في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١]، وأنَّ الأصْلَ هو الرَّفْعُ، أيْ ولا المُشْرِكُونَ، عَطْفًا عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، وهَذا حَدِيثُ مَن قَصَرَ في العَرَبِيَّةِ وتَطاوَلَ إلى الكَلامِ فِيها بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وعَدَلَ عَنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْناهُ الصَّحِيحِ وتَرْكِيبِهِ الفَصِيحِ. ودَخَلَتْ لا في قَوْلِهِ: ولا المُشْرِكِينَ لِلتَّأْكِيدِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ حَذْفُها. ولَمْ تَأْتِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١] لِمَعْنًى يُذْكَرُ هُناكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِيَوَدُّ، وبِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِلتَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ . ولَوْ بُنِيَ لِلْفاعِلِ لَمْ يَظْهَرْ في قَوْلِهِ: (مِن رَبِّكم) . (مِن خَيْرٍ)، مِن: زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: خَيْرٌ مِن رَبِّكم، وحَسُنَ زِيادَتُها هُنا، وإنْ كانَ يُنَزَّلُ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ، فَلَيْسَ نَظِيرَ: ما يُكْرِمُ مِن رَجُلٍ، لِانْسِحابِ النَّفْيِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إذا نُفِيَتِ الوِدادَةُ، كانَ كَأنَّهُ نُفِيَ مُتَعَلِّقُها، وهو الإنْزالُ، ولَهُ نَظائِرُ في لِسانِ العَرَبِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] . فَلَمّا تَقَدَّمَ النَّفْيُ حَسُنَ دُخُولُ الباءِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ما ظَنَنْتُ أحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدٌ، بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يَقُولُ، وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ حَرْفُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ المَعْنى: ما يَقُولُ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ فِيما أظُنُّ. وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ في هَذا المَكانِ، فَيَجُوزُ زِيادَتُها، لِأنَّهم لا يَشْتَرِطُونَ انْتِفاءَ الحُكْمِ عَمّا تَدْخُلُ عَلَيْهِ، بَلْ يُجِيزُونَ زِيادَتَها في الواجِبِ وغَيْرِهِ. ويَزِيدُ الأخْفَشُ: أنَّهُ يُجِيزُ زِيادَتَها في المَعْرِفَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ عَلى هَذا المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ هو عَلَيْكم، ويَكُونُ المَعْنى: أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم بِخَيْرٍ مِنَ الخَيْرِ مِن رَبِّكم. (مِن رَبِّكم): مِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ، كَما تَقُولُ: هَذا الخَيْرُ مِن زَيْدٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ. المَعْنى مِن خَيْرٍ كائِنٍ مِن خُيُورِ رَبِّكم، فَإذا كانَتْ لِابْتِداءِ الغايَةِ تَعَلَّقَتْ بِقَوْلِهِ: ”يُنَزَّلَ“، وإذا كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ تَعَلَّقَتْ بِمَحْذُوفٍ، وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما قَدَّرْناهُ. والخَيْرُ هُنا: القُرْآنُ، أوِ الوَحْيُ، إذْ يَجْمَعُ القُرْآنَ وغَيْرَهُ، أوْ ما خُصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّعْظِيمِ، أوِ الحِكْمَةِ والقُرْآنِ والظَّفَرِ، أوِ النُّبُوَّةِ والإسْلامِ، أوِ العِلْمِ والفِقْهِ والحِكْمَةِ، أوْ هُنا عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الخَيْرِ، فَهم يَوَدُّونَ انْتِفاءَ ذَلِكَ عَنِ المُؤْمِنِينِ، سَبْعَةُ أقْوالٍ، أظْهَرُها الآخِرُ. وسَبَبُ عَدَمِ وِدِّهِمْ ذَلِكَ: أمّا في اليَهُودِ، فَلِكَوْنِ النُّبُوَّةِ كانَتْ في بَنِي إسْماعِيلَ، ولِخَوْفِهِمْ عَلى رِئاسَتِهِمْ، وأمّا النَّصارى، فَلِتَكْذِيبِهِمْ في ادِّعائِهِمْ أُلُوهِيَّةَ عِيسى، وأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، ولِخَوْفِهِمْ عَلى رِئاسَتِهِمْ، وأمّا المُشْرِكُونَ، فَلِسَبِّ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، ولِحَسَدِهِمْ أنْ يَكُونَ رَجُلٌ مِنهم يَخْتَصُّ بِالرِّسالَةِ، واتِّباعِ النّاسِ لَهُ. * * ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾: أيْ يُفْرِدُ بِها، وضِدُّ الِاخْتِصاصِ: الِاشْتِراكُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَخْتَصُّ هُنا لازِمًا، أيْ يَنْفَرِدُ، أوْ مُتَعَدِّيًا، أيْ يُفْرِدُ، إذِ الفِعْلُ يَأْتِي كَذَلِكَ. يُقالُ: اخْتَصَّ زَيْدًا بِكَذا، واخْتَصَصْتُهُ بِهِ، ولا يَتَعَيَّنُ هُنا تَعَدِّيهِ، كَما ذَكَرَ بَعْضُهم، إذْ يَصِحُّ، واللَّهُ يُفْرِدُ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ، فَيَكُونُ ”مَن“ فاعِلَةً، وهو افْتَعَلَ مِن: خَصَصْتُ زَيْدًا (p-٣٤١)بِكَذا. فَإذا كانَ لازِمًا، كانَ لِفِعْلِ الفاعِلِ بِنَفْسِهِ نَحْوُ: اضْطُرِرْتُ، وإذا كانَ مُتَعَدِّيًا، كانَ مُوافِقًا لِفِعْلِ المُجَرَّدِ نَحْوُ: كَسَبَ زَيْدٌ مالًا، واكْتَسَبَ زَيْدٌ مالًا. والرَّحْمَةُ هُنا عامَّةٌ بِجَمِيعِ أنْواعِها؛ أوِ النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ والنُّصْرَةُ، اخْتُصَّ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ قالَهُ عَلِيٌّ والباقِرُ ومُجاهِدٌ والزَّجّاجُ؛ أوِ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ القُرْآنُ، أوِ النَّبِيُّ ﷺ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، هو نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، أظْهَرُها الأوَّلُ. ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾: قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ذُو بِمَعْنى صاحِبٍ. وذِكْرُ جُمْلَةٍ مِن أحْكامِ ذُو، والوَصْفُ بِذُو أشْرَفُ عِنْدَهم مِنَ الوَصْفِ بِصاحِبٍ، لِأنَّهم ذَكَرُوا أنَّ ذُو أبَدًا لا تَكُونُ إلّا مُضافَةً لِاسْمٍ، فَمَدْلُولُها أشْرَفُ. ولِذَلِكَ جاءَ ذُو رُعَيْنٍ، وذُو يَزَنَ، وذُو الكُلاعِ، ولَمْ يَسْمَعُوا بِصاحِبِ رُعَيْنٍ، ولا صاحِبِ يَزَنَ ونَحْوِها. وامْتُنِعَ أنْ يَقُولَ في صَحابِيٍّ أبِي سَعِيدٍ أوْ جابِرٍ: ذُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجازَ أنْ يَقُولَ: صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو الجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿ذُو الفَضْلِ﴾، وسَيَأْتِي الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الفَضْلِ العَظِيمِ﴾، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ هُنا: جَمِيعُ أنْواعِ التَّفَضُّلاتِ، فَتَكُونَ ألْ لِلِاسْتِغْراقِ وعِظَمِهِ مِن جِهَةِ سِعَتِهِ وكَثْرَتِهِ، أوْ فَضْلِ النُّبُوَّةِ. وقَدْ وصَفَ تَعالى ذَلِكَ بِالعِظَمِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، أوِ الشَّرِيعَةُ، فَعَظَّمَها مِن جِهَةِ بَيانِ أحْكامِها، مِن حَلالٍ، وحَرامٍ، ومَندُوبٍ، ومَكْرُوهٍ، ومُباحٍ؛ أوِ الثَّوابُ والجَزاءُ، فَعَظَّمَهُ مِن جِهَةِ السَّعَةِ والكَثْرَةِ، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. وعَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ تَكُونُ ألْ لِلْعَهْدِ، والأظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ. ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾: سَبَبُ نُزُولِها، فِيما ذَكَرُوا، أنَّ اليَهُودَ لَمّا حَسَدُوا المُسْلِمِينَ في التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، وطَعَنُوا في الإسْلامِ قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ اليَوْمَ، ويَنْهاهم عَنْهُ غَدًا، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا، ويَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا، ما هَذا القُرْآنُ إلّا مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ، وإنَّهُ يُناقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَنَزَلَتْ. وقَدْ تَكَلَّمَ المُفَسِّرُونَ هُنا في حَقِيقَةِ النَّسْخِ الشَّرْعِيِّ وأقْسامِهِ، وما اتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنهُ، وما اخْتُلِفَ فِيهِ، وفي جَوازِهِ عَقْلًا، ووُقُوعِهِ شَرْعًا، وبِماذا يُنْسَخُ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْكامِ النَّسْخِ ودَلائِلِ تِلْكَ الأحْكامِ، وطَوَّلُوا في ذَلِكَ. وهَذا كُلُّهُ مَوْضُوعُهُ عِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ، فَيُبْحَثُ في ذَلِكَ كُلِّهِ فِيهِ. وهَكَذا جَرَتْ عادَتُنا: أنَّ كُلَّ قاعِدَةٍ في عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ يُرْجَعُ في تَقْرِيرِها إلى ذَلِكَ العِلْمِ، ونَأْخُذُها في عِلْمِ التَّفْسِيرِ مُسَلَّمَةً مِن ذَلِكَ العِلْمِ، ولا نُطَوِّلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ، فَنَخْرُجَ عَنْ طَرِيقَةِ التَّفْسِيرِ، كَما فَعَلَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ، المَعْرُوفُ بِابْنِ خَطِيبِ الرَّيِّ، فَإنَّهُ جَمَعَ في كِتابِهِ في التَّفْسِيرِ أشْياءَ كَثِيرَةً طَوِيلَةً، لا حاجَةَ بِها في عِلْمِ التَّفْسِيرِ. ولِذَلِكَ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ المُتَطَرِّفِينَ مِنَ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا التَّفْسِيرَ. وقَدْ ذَكَرْنا في الخُطْبَةِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ عِلْمُ التَّفْسِيرِ. فَمَن زادَ عَلى ذَلِكَ، فَهو فُضُولٌ في هَذا العِلْمِ، ونَظِيرُ ما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ النَّحْوِيَّ مَثَلًا يَكُونُ قَدْ شَرَعَ في وضْعِ كِتابٍ في النَّحْوِ، فَشَرَعَ يَتَكَلَّمُ في الألِفِ المُنْقَلِبَةِ، فَذَكَرَ أنَّ الألِفَ في اللَّهِ، أهِيَ مُنْقَلِبَةٌ مِن ياءٍ أوْ واوٍ ؟ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى الكَلامِ في اللَّهِ تَعالى، فِيما يَجِبُ لَهُ ويَجُوزُ عَلَيْهِ ويَسْتَحِيلُ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى جَوازِ إرْسالِ الرُّسُلِ مِنهُ تَعالى إلى النّاسِ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى أوْصافِ الرَّسُولِ ﷺ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى إعْجازِ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ وصِدْقِ ما تَضَمَّنَهُ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ إلى أنَّ مِن مَضْمُونِهِ البَعْثَ والجَزاءَ بِالثَّوابِ والعِقابِ. ثُمَّ المُثابُونَ في الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهم، والمُعاقَبُونَ في النّارِ لا يَنْقَطِعُ عَذابُهم. فَبَيْنا هو في عِلْمِهِ يَبْحَثُ في الألِفِ المُنْقَلِبَةِ، إذا هو يَتَكَلَّمُ في الجَنَّةِ والنّارِ، ومَن هَذا سَبِيلُهُ في العِلْمِ، فَهو مِنَ التَّخْلِيطِ والتَّخْبِيطِ في أقْصى الدَّرَجَةِ، وكانَ أُسْتاذُنا العَلّامَةُ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ الثَّقَفِيُّ - قَدَّسَ (p-٣٤٢)اللَّهُ تُرْبَتَهُ - يَقُولُ ما مَعْناهُ: مَتى رَأيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِلُ مِن فَنٍّ إلى فَنٍّ في البَحْثِ أوِ التَّصْنِيفِ، فاعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ، إمّا لِقُصُورِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ الفَنِّ، أوْ لِتَخْلِيطِ ذِهْنِهِ وعَدَمِ إدْراكِهِ، حَيْثُ يَظُنُّ أنَّ المُتَغايِراتِ مُتَماثِلاتٌ. وإنَّما أمْعَنْتُ الكَلامَ في هَذا الفَصْلِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ، ولِئَلّا يَعْتَقِدَ أنّا لَمْ نَطَّلِعْ عَلى ما أوْدَعَهُ النّاسُ في كُتُبِهِمْ في التَّفْسِيرِ، بَلْ إنَّما تَرَكْنا ذَلِكَ عَمْدًا، واقْتَصَرْنا عَلى ما يَلِيقُ بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ. وأسْألُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِلصَّوابِ. وما مِن قَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ﴾، شَرْطِيَّةٌ، وهي مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، وفي (نَنْسَخْ) التِفاتٌ، إذْ هو خُرُوجٌ مِن غائِبٍ إلى مُتَكَلِّمٍ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ﴾ ؟ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ﴾ ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَنْسَخْ مِن نَسَخَ، بِمَعْنى أزالَ، فَهو عامٌّ في إزالَةِ اللَّفْظِ والحُكْمِ مَعًا، أوْ إزالَةِ اللَّفْظِ فَقَطْ، أوِ الحُكْمِ فَقَطْ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ وابْنُ عامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ: ما نُنْسِخْ مِنَ الإنْساخِ، وقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَقالَ: لَيْسَتْ لُغَةً؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ نَسَخَ وأنْسَخَ بِمَعْنًى، ولا هي لِلتَّعْدِيَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَجِيءُ: ما يُكْتَبْ مِن آيَةٍ، أيْ ما يَنْزِلْ مِن آيَةٍ، فَيَجِيءُ القُرْآنُ كُلُّهُ عَلى هَذا مَنسُوخًا. ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما نَجِدُهُ مَنسُوخًا، كَما يُقالُ: أحَمَدْتُ الرَّجُلَ إذا وجَدْتَهُ مَحْمُودًا، وأبْخَلْتُهُ إذا وجَدْتَهُ بَخِيلًا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَ نَجِدُهُ مَنسُوخًا إلّا بِأنْ يَنْسَخَهُ، فَتَتَّفِقَ القِراءاتُ في المَعْنى، وإنِ اخْتَلَفا في اللَّفْظِ. انْتَهى كَلامُهُ. فَجَعَلَ الهَمْزَةَ في النَّسْخِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وإنَّما أفْعَلَ لِوُجُودِ الشَّيْءِ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ، وهَذا أحَدُ مَعانِي أفْعَلَ المَذْكُورَةِ فِيهِ فاتِحَةُ الكِتابِ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ قالَ: وإنْساخُها الأمْرُ بِنَسْخِها، وهو أنْ يَأْمُرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يَجْعَلَها مَنسُوخَةً، بِالإعْلامِ بِنَسْخِها، وهَذا تَثْبِيجٌ في العِبارَةِ عَنْ مَعْنى كَوْنِ الهَمْزَةِ لِلتَّعْدِيَةِ. وإيضاحُهُ أنَّ نَسَخَ يَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَلَمّا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى لِاثْنَيْنِ. تَقُولُ: نَسَخَ زَيْدٌ الشَّيْءَ، أيْ أزالَهُ، وأنْسَخُهُ إيّاهُ عَمْرٌو: أيْ جَعَلَ عَمْرٌو زَيْدًا يَنْسَخُ الشَّيْءَ، أيْ يُزِيلُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: التَّقْدِيرُ ما نَنْسَخُكَ مِن آيَةٍ، أيْ ما نُبِيحُ لَكَ نَسْخُهُ، كَأنَّهُ لَمّا نَسَخَهُ اللَّهُ أباحَ لِنَبِيِّهِ تَرْكَها بِذَلِكَ النَّسْخِ، فَسَمّى تِلْكَ الإباحَةَ إنْساخًا. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا هو جَعْلُ الهَمْزَةِ لِلتَّعْدِيَةِ، لَكِنَّهُ والزَّمَخْشَرِيَّ اخْتَلَفا في المَفْعُولِ الأوَّلِ المَحْذُوفِ، أهْوَ جِبْرِيلَ أمِ النَّبِيُّ ﷺ ؟ وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الإنْساَخَ هو الأمْرَ بِالنَّسْخِ. وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ الإنْساخَ إباحَةَ التَّرْكِ بِالنَّسْخِ. وخَرَّجَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ عَلى تَخْرِيجٍ آخَرَ وهو: أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ أيْضًا، وهو مِن نَسْخِ الكِتابِ، وهو نَقْلُهُ مِن غَيْرِ إزالَةٍ لَهُ، قالَ: ويَكُونُ المَعْنى ما نَكْتُبْ ونُنَزِّلْ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ ما نُؤَخِّرْ فِيهِ ونَتْرُكْ فَلا نُنَزِّلْهُ، أيَّ ذَلِكَ فَعَلْنا، فَإنّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ المُؤَخَّرِ المَتْرُوكِ، أوْ بِمِثْلِهِ، فَتَجِيءُ الضَّمِيراتُ في مِنها وبِمِثْلِها عائِدِينَ عَلى الضَّمِيرِ في ”نَنْسَأْها“ . انْتَهى كَلامُهُ. وذُهِلَ عَنِ القاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ، وهي أنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لا بُدَّ في جَوابِهِ مِن عائِدٍ عَلَيْهِ. وما في قَوْلِهِ: ما نَنْسَخْ شَرْطِيَّةٌ، وقَوْلُهُ: أوْ ”نَنْسَأْها“، عائِدٌ عَلى الآيَةِ، وإنْ كانَ المَعْنى لَيْسَ عائِدًا عَلَيْها نَفْسِها مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، إنَّما يَعُودُ عَلَيْها لَفْظًا لا مَعْنًى، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، فَهو في الحَقِيقَةِ عَلى إضْمارِ ما الشَّرْطِيَّةِ. التَّقْدِيرُ: أوْ ما نَنْسَأْ مِن آيَةٍ، ضَرُورَةَ أنَّ المَنسُوخَ هو غَيْرُ المَنسُوءِ، لَكِنْ يَبْقى قَوْلُهُ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ مُفْلِتًا مِنَ الجَوابِ، إذْ لا رابِطَ فِيهِ مِنهُ لَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَبَطَلَ هَذا المَعْنى. مِن آيَةٍ، مِن: هُنا لِلتَّبْعِيضِ، وآيَةٌ مُفْرَدٌ وقَعَ مَوْقِعَ الجَمْعِ، ونَظِيرُهُ فارِسٌ في قَوْلِكَ: هَذا أوَّلُ فارِسٍ، التَّقْدِيرُ: أوَّلُ الفَوارِسِ. والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ مِنَ الآياتِ. وكَذَلِكَ ما جاءَ مِن هَذا النَّحْوِ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ تَخْرِيجُهُ هَكَذا، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ﴾ [النحل: ٥٣]، وقَوْلِهِمْ: مَن يَضْرِبْ مِن رَجُلٍ أضْرِبْهُ. ويَتَّضِحُ بِهَذا المَجْرُورِ ما كانَ مَعْمُولًا لِفِعْلِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ مُخَصِّصٌ لَهُ، إذْ في اسْمِ الشَّرْطِ عُمُومٌ، إذْ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِالمَجْرُورِ لَحُمِلَ عَلى العُمُومِ. لَوْ قُلْتَ: مَن يَضْرِبْ أضْرِبْ، كانَ عامًّا في مَدْلُولِ مَن. فَإذا قُلْتَ: مِن رَجُلٍ، اخْتُصَّ جِنْسُ الرِّجالِ بِذَلِكَ، (p-٣٤٣)ولَمْ يَدْخُلْ فِيهِ النِّساءُ، وإنْ كانَ مَدْلُولُ مِن عامًّا لِلنَّوْعَيْنِ. ولِهَذا المَعْنى جَعَلَ بَعْضُهم مِن آيَةٍ، وما أشْبَهَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ: والمُمَيَّزُ ما قالَ، والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ نُسِخَ مِن آيَةٍ. قالَ: ولا يَحْسُنُ أنْ يُقَدَّرَ أيُّ آيَةٍ نَنْسَخْ، لِأنَّكَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ آيَةٍ وبَيْنَ المُمَيَّزِ بِآيَةٍ. لا تَقُولُ: أيَّ آيَةٍ نَنْسَخْ مِن آيَةٍ، ولا أيُّ رَجُلٍ يَضْرِبْ مِن رَجُلٍ أضْرِبْهُ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ تَكُونَ مِن زائِدَةً، و”آيَةٍ“ حالًا. والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَنْسَخُ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا. قالُوا: وقَدْ جاءَتِ الآيَةُ حالًا في قَوْلِهِ تَعالى هَذِهِ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ الحالَ لا يُجَرُّ بِمِن وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرًا، و”آيَةٍ“ مَفْعُولًا بِهِ، التَّقْدِيرُ: أيَّ نَسْخٍ نَنْسَخُ آيَةً، ومَجِيءُ ما الشَّرْطِيَّةِ مَصْدَرًا جائِزٌ، تَقُولُ: ما تَضْرِبْ زَيْدًا أضْرِبْ مِثْلَهُ، التَّقْدِيرُ: أيَّ ضَرْبٍ تَضْرَبُ زَيْدًا أضْرِبُ مِثْلَهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَعَبَ الغُرابُ فَقُلْتُ بَيْنٌ عاجِلٌ ما شِئْتَ إذْ ظَعَنُوا لِبَيْنٍ فانْعَبِ وهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّ ما إذا جَعَلْتَها لِلنَّسْخِ، عُرِّيَ الجَوابُ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَيْها، ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: أيَّ ضَرْبٍ يَضْرِبْ هِنْدًا أضْرِبْ أحْسَنَ مِنها، لَمْ يَجُزْ لِعُرُوِّ جُمْلَةِ الجَزاءِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ في مِنها عائِدٌ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي هو هِنْدٌ، لا عَلى ”أيَّ ضَرْبٍ“ الَّذِي هو اسْمُ الشَّرْطِ، ولِأنَّ المَفْعُولَ بِهِ لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ ”مِن“ الزّائِدَةُ إلّا بِشَرْطِ أنْ يَتَقَدَّمَهُ غَيْرُ مُوجَبٍ، وأنْ يَكُونَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ نَكِرَةً، وهَذا عَلى الجادَّةِ مِن مَشْهُورِ مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. والشَّرْطُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ غَيْرِ المُوجَبِ، فَلا يَجُوزُ: إنْ قامَ مِن رَجُلٍ أقُمْ مَعَهُ، وفي هَذا خِلافٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ البَصْرِيِّينَ. (أوْ نَنْسَأْها): قَرَأ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيُّ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ومِنَ السَّبْعَةِ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: أوْ نَنْسَأْها، بِفَتْحِ نُونِ المُضارَعَةِ والسِّينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ. وقَرَأتْ طائِفَةٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وذَكَرَ أبُو عَبِيدٍ البَكْرِيُّ في كِتابِ: (اللَّآلِئُ) ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وأراهُ وهْمٌ، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ تَنْساها بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ وسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ يَعْمَرَ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم هَمَزُوا. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ضَمَّ التّاءَ. وقَرَأ سَعِيدٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، نُنْسِها، بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّها هَمَزَتْ بَعْدَ السِّينِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وأبُو رَجاءٍ: بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ السِّينِ وبِلا هَمْزٍ. وقَرَأ أُبَيٌّ: أوْ نُنْسِكَ، بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وسُكُونِ الثّانِيَةِ وكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِكافٍ لِلْخِطابِ بَدَلَ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. وفي مُصْحَفِ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الضَّمِيرَيْنِ، وهي قِراءَةُ أبِي حُذَيْفَةَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها نَجِئْ بِمِثْلِها. وهَكَذا ثَبَتَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، فَتَحْصُلُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ - دُونَ قِراءَةِ الأعْمَشِ - إحْدى عَشْرَةَ قِراءَةً: فَمَعَ الهَمْزَةِ: نَنْسَأْها ونَنْسِئْها ونُنْسِأْها وتَنْسَأْها، وبِلا هَمْزٍ: نَنْسَها ونُنْسِها وتَنْسَها وتُنْسِها ونُنْسِكَ ونُنْسِكَها. وفُسِّرَ النَّسْخُ هُنا بِالتَّبْدِيلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والزَّجّاجُ، أوْ تَبْدِيلِ الحُكْمِ مَعَ ثُبُوتِ الخَطِّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ الرَّفْعِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وأمّا قَوْلُهُ: أوْ نُنْسِها بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَإنْ كانَ مِنَ النِّسْيانِ ضِدِّ الذِّكْرِ، فالمَعْنى: نُنْسِكَها إذا كانَ مِن أفْعَلَ، أوْ نُنْسِها إذا كانَ مَن فَعَلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وإنْ كانَ مِنَ التَّرْكِ، فالمَعْنى: أوْ نَتْرُكْ إنْزالَها، قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ نَمْحُها، فَلا نَتْرُكْ لَها لَفْظًا يُتْلى ولا حُكْمًا يُلْزِمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوْ نَأْمُرْ بِتَرْكِها، يُقالُ: أنْسَيْتُهُ الشَّيْءَ: أيْ أمَرْتُ بِتَرْكِهِ، ونَسِيتُهُ: تَرَكْتُهُ، قالَ: ؎إنَّ عَلَيَّ عُقْبَةً أقْضِيها ∗∗∗ لَسْتُ بِناسِيها ولا مُنْسِيها أيْ لا آمُرُ بِتَرْكِها. وقالَ الزَّجّاجُ: قِراءَةُ نُنْسِها، بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ النُّونِ الثّانِيَةِ وكَسْرِ السِّينِ، لا يَتَوَجَّهُ فِيها مَعْنى التَّرْكِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: أُنْسِيَ بِمَعْنى تَرَكَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ مُتَّجِهٌ؛ لِأنَّهُ (p-٣٤٤)بِمَعْنى نَجْعَلُكَ تَتْرُكُها. وكَذَلِكَ ضَعَّفَ الزَّجّاجُ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى النِّسْيانِ الَّذِي هو ضِدُّ الذِّكْرِ، وقالَ: إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولا نَسِيَ قُرْآنًا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ وقَعَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تُرْفَعَ الآيَةُ بِنَسْخٍ أوْ بِنَسْئِهِ. واحْتَجَّ الزَّجّاجُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]، أيْ لَمْ نَفْعَلْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ لَمْ نَذْهَبْ بِالجَمِيعِ، وحَكى الطَّبَرِيُّ قَوْلَ الزَّجّاجِ عَنْ أقْدَمَ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّحِيحُ في هَذا أنَّ نِسْيانَ النَّبِيِّ ﷺ لِما أرادَ اللَّهُ أنْ يَنْساهُ، ولَمْ يُرِدْ أنْ يُثْبِتَهُ قُرْآنًا جائِزٌ. وأمّا النِّسْيانُ الَّذِي هو آفَةٌ في البَشَرِ، فالنَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِنهُ، قَبْلَ التَّبْلِيغِ، وبَعْدَ التَّبْلِيغِ، ما لَمْ يَحْفَظْهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وأمّا بَعْدَ أنْ يُحْفَظَ، فَجائِزٌ عَلَيْهِ ما يَجُوزُ عَلى البَشَرِ؛ لِأنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وأدّى الأمانَةَ، ومِنهُ الحَدِيثُ، حِينَ أسْقَطَ آيَةً، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قالَ: «أفِي القَوْمِ أُبَيٌّ ؟ ”قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ:“ فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي ؟ ”قالَ: خَشِيتُ أنَّها رُفِعَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“ لَمْ تُرْفَعْ ولَكِنِّي نَسِيتُها» . انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وأمّا مَن قَرَأ بِالهَمْزِ فَهو مِنَ التَّأْخِيرِ، تَقُولُ العَرَبُ: نَسَأْتُ الإبِلَ عَنِ الحَوْضِ، وأنْسَأ الإبِلَ عَنْ ظَمَئِها يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ أوْ أكْثَرَ، أخَّرَها عَنِ الوِرْدِ. وأمّا في الآيَةِ فالمَعْنى: نُؤَخِّرْ نَسْخَها أوْ نُزُولَها، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ، أوْ نَمْحُها لَفْظًا وحُكْمًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوَنُمْضِها فَلا نَنْسَخْها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهَذا يُضْعِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾؛ لِأنَّ ما أُمْضِيَ وأُقِرَّ، لا يُقالُ فِيهِ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: ما نُبَدِّلْ مِن حُكْمِ آيَةٍ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها، أيْ أنْفَعَ مِنها لَكم، أوْ مِثْلِها. ثُمَّ قالَ: أوْ نَنْسَأْها، أيْ نُؤَخِّرْها، فَلا نَنْسَخْها ولا نُبَدِّلْها. وهَذِهِ الحِكايَةُ لا تَصِحُّ عَنْ ذَلِكَ الحَبْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، إذْ هي مُحِيلَةٌ لِنَظْمِ القُرْآنِ. (نَأْتِ): هو جَوابُ الشَّرْطِ، واسْمُ الشَّرْطِ هُنا جاءَ بَعْدَهُ الشَّرْطُ والجَزاءُ مُضارِعَيْنِ، وهَذا أحْسَنُ التَّراكِيبِ في فِعْلَيِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهو أنْ يَكُونا مُضارِعَيْنِ. (بِخَيْرٍ مِنها): الظّاهِرُ أنَّ خَيْرًا هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والخَيْرِيَّةُ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ المُأْتى بِهِ، إنْ كانَ أخَفَّ مِنَ المَنسُوخِ أوِ المَنسُوءِ، فَخَيْرِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِسُقُوطِ أعْباءِ التَّكْلِيفِ، وإنْ كانَ أثْقَلَ، فَخَيْرِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِزِيادَةِ الثَّوابِ. (أوْ مِثْلِها): أوْ مُساوٍ لَها في التَّكْلِيفِ والثَّوابِ، وذَلِكَ كَنَسْخِ التَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ خَيْرًا هُنا لَيْسَ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وإنَّما هو خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، كَخَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾، فَهو عِنْدَهم مَصْدَرٌ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. ويَصِيرُ المَعْنى: أنَّهُ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُؤَخِّرْها، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الخُيُورِ مِن جِهَةِ المَنسُوخِ أوِ المَنسُوءِ، لَكِنْ يُبْعِدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: (أوْ مِثْلِها)، فَإنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى قَوْلِهِ: (بِخَيْرٍ) عَلى هَذا المَعْنى، إلّا إنْ أُطْلِقَ الخَيْرُ عَلى عَدَمِ التَّكْلِيفِ، فَيَكُونُ المَعْنى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الخُيُورِ، وهو عَدَمُ التَّكْلِيفِ، أوْ نَأْتِ بِمِثْلِ المَنسُوخِ أوِ المَنسُوءِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُؤَخِّرْها، فَإلى غَيْرِ بَدَلٍ، أوْ إلى بَدَلٍ مُماثِلٍ، والَّذِي إلى غَيْرِ بَدَلٍ هو خَيْرٌ أتاكم مِن جِهَةِ الآيَةِ المَنسُوخَةِ أوِ المَنسُوءَةِ، إذْ هو راحَتُكم مِنَ التَّكالِيفِ. وأمّا عَطْفُ مِثْلِها عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في مِنها فَيَضْعُفُ لِعَدَمِ إعادَةِ الجارِّ. ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ المَحْضُ، فالمُعادِلُ هُنا عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ: أمْ تُرِيدُونَ. وقالَ قَوْمٌ: أمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، فالمُعادِلُ عَلى قَوْلِهِمْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أمْ عَلِمْتُمْ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ القَصْدَ بِمُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ مُخاطَبَةُ أُمَّتِهِ، وأمّا إنْ كانَ هو المُخاطَبَ وحْدَهُ، فالمُعادِلُ مَحْذُوفٌ لا غَيْرُ، وكِلا القَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ. انْتَهى كَلامُهُ ونَقْلُهُ. وما قالُوهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، فَلا يَحْتاجُ إلى مُعادِلٍ ألْبَتَّةَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ السّامِعَ، والِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ جِدًّا، خُصُوصًا إذا دَخَلَ عَلى النَّفْيِ: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠] ؟ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] ؟ ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] ؟ (p-٣٤٥)﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] ؟ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ؟ فَهَذا كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى مُعادِلٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ. والمَعْنى: قَدْ عَلِمْتَ أيُّها المُخاطَبُ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ في تَكالِيفِ عِبادِهِ، بِمَحْوِ وإثْباتِ وإبْدالِ حُكْمٍ بِحُكْمٍ، وبِأنْ يَأْتِيَ بِالأخِيرِ لَكم وبِالمُماثِلِ. وحِكْمَةُ إفْرادِ المُخاطَبِ: أنَّهُ ما مِن شَخْصٍ إلّا يَتَوَهَّمُ أنَّهُ المُخاطَبُ بِذَلِكَ، والمُنَبَّهُ بِهِ، والمُقَرَّرُ عَلى شَيْءٍ ثابِتٍ عِنْدَهُ، وهو أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةٌ بِالأشْياءِ، فَلَنْ يُعْجِزَهُ شَيْءٌ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُنْكَرِ النَّسْخُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ، ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، لا رادَّ لِأمْرِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾، فِيهِ خُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ جَمْعٍ مُخاطَبٍ وهو: ﴿مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾، إلى ضَمِيرٍ مُخاطَبٍ مُفْرَدٍ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي بَيَّنّاها، وخُرُوجٌ مِن ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ مُعَظِّمٍ نَفْسَهُ، إلى اسْمٍ ظاهِرٍ غائِبٍ وهو اللَّهُ، إذْ هو الِاسْمُ العَلَمُ الجامِعُ لِسائِرِ الصِّفاتِ، فَفي ضِمْنِهِ صِفَةُ القُدْرَةِ، فَهو أبْلَغُ في نِسْبَةِ القُدْرَةِ إلَيْهِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظِّمِ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّنا إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ.

البقرة 2:108

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧] ؟ هَذا أيْضًا اسْتِفْهامٌ دَخَلَ عَلى النَّفْيِ فَهو تَقْرِيرٌ، فَلَيْسَ لَهُ مُعادِلٌ؛ لِأنَّ التَّقْرِيرَ مَعْناهُ: الإيجابُ، أيْ قَدْ عَلِمْتَ أيُّها المُخاطَبُ أنَّ اللَّهَ لَهُ سُلْطانُ السَّماواتِ والأرْضِ والِاسْتِيلاءُ عَلَيْهِما، فَهو يَمْلِكُ أُمُورَكم ويُدَبِّرُها، ويُجْرِيها عَلى ما يَخْتارُهُ لَكم مِن نَسْخٍ وغَيْرِهِ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ بِالمُلْكِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ، ولِأنَّهُما قَدِ اشْتَمَلا عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ. وإذا كانَ اسْتِيلاؤُهُ عَلى الطَّرَفَيْنِ، كانَ مُسْتَوْلِيًا عَلى ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ مَخْلُوقاتِهِ العُلْوِيَّةِ بِالسَّماواتِ، والسُّفْلِيَّةِ بِالأرْضِ. وتَضَمَّنَتْ هاتانِ الجُمْلَتانِ التَّقْرِيرَ عَلى الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِما كَمالُ التَّصَرُّفِ، وهُما: القُدْرَةُ والِاسْتِيلاءُ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَكُونُ قادِرًا، بِمَعْنى أنَّ لَهُ اسْتِطاعَةً عَلى فِعْلِ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِيلاءٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيُنَفِّذَ فِيهِ ما يَسْتَطِيعُ أنْ يَفْعَلَ. فَإذا اجْتَمَعَتِ الِاسْتِطاعَةُ وعَدَمُ المانِعِيَّةِ، كَمُلَ بِذَلِكَ التَّصَرُّفُ مَعَ الإرادَةِ. وبَدَأ بِالتَّقْرِيرِ عَلى وصْفِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ آكَدُ مِن وصْفِ الِاسْتِيلاءِ والسُّلْطانِ. ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧]: انْتَقَلَ مِن ضَمِيرِ الإفْرادِ في الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ، وناسَبَ الجَمْعَ هُنا؛ لِأنَّ المَنفِيَّ بِدُخُولِ مِن عَلَيْهِ صارَ نَصًّا في العُمُومِ، فَناسَبَ كَوْنَ المَنفِيِّ عَنْهُ يَكُونُ عامًّا أيْضًا، كانَ المَعْنى: وما لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنكم فَرْدٌ فَرْدٌ. ﴿مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]: وأتى بِصِيغَةِ ولِيٍّ، وهو فَعِيلٌ، لِلْمُبالَغَةِ، ولِأنَّهُ أكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ (والٍ) إلّا في سُورَةِ الرَّعْدِ، لِمُواخاةِ الفَواصِلِ، وأتى بِنَصِيرٍ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، لِمُناسَبَةِ ولِيٍّ في كَوْنِهِما عَلى فَعِيلٍ، ولِمُناسَبَةِ أواخِرِ الآيِ، ولِأنَّهُ أبْلَغُ مِن فاعِلٍ. ومِن زائِدَةٌ في قَوْلِهِ: (مِن ولِيٍّ)، فَلا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ. ومِن في: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧] مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ الَّذِي هو لَكم، وهو يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، إذْ هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ في ما هَذِهِ أنْ تَكُونَ تَمِيمِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حِجازِيَّةً عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَقَدُّمَ خَبَرِها، إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا. أمّا مَن مَنعَ ذَلِكَ فَلا يَجُوزُ في ما أنْ تَكُونَ حِجازِيَّةً، ومَعْنى ”مِن“ الأُولى ابْتِداءُ الغايَةِ. وتَكَرَّرَ اسْمُ اللَّهِ ظاهِرًا في هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ، ولَمْ يُضْمَرْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها، وأنَّها لَمْ تُجْعَلْ مُرْتَبِطَةً بَعْضُها بِبَعْضٍ ارْتِباطَ ما يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارٍ. ولَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ الأُولَيانِ لِلتَّقْرِيرِ - وهو إيجابٌ مِن حَيْثُ المَعْنى - ناسَبَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الثّالِثَةُ نَفْيًا لِلْوَلِيِّ والنّاصِرِ، أيْ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي هي تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ واسْتِيلائِهِ، فاللَّهُ تَعالى لا يَحْجِزُهُ عَمّا يُرِيدُ بِها شَيْءٌ، ولا مُغالِبَ لَهُ تَعالى فِيما يُرِيدُ. ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾: اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ ورَهْطٍ مِن قُرَيْشٍ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ اجْعَلِ الصَّفا ذَهَبًا، ووَسِّعْ لَنا أرْضَ مَكَّةَ، (p-٣٤٦)وفَجِّرِ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا، ونُؤْمِن لَكَ. وقِيلَ: تَمَنّى اليَهُودُ وغَيْرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَمِن قائِلٍ: ائْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما أتى مُوسى بِالتَّوْراةِ. ومِن قائِلٍ: ائْتِنِي بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ، إنِّي قَدْ أرْسَلْتُ مُحَمَّدًا إلى النّاسِ. ومِن قائِلٍ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا. وقِيلَ: إنَّ رافِعَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ووَهْبَ بْنَ زَيْدٍ قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ائْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ، وفَجِّرْ لَنا أنْهارًا، نَتَّبِعْكَ. وقِيلَ: إنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَيْتَ ذُنُوبَنا جَرَتْ مَجْرى ذُنُوبِ بَنِي إسْرائِيلَ في تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ”كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَتْهم خَطِيئَةٌ وجَدُوها مَكْتُوبَةً عَلى بابِ الخاطِئِ، فَإنْ كَفَّرَها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يُكَفِّرْها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الآخِرَةِ“ . وقِيلَ: اليَهُودُ وكُفّارُ قُرَيْشٍ سَألُوا رَدَّ الصَّفا ذَهَبًا، وقِيلَ لَهم: خُذُوهُ كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأبَوْا ونَكَصُوا. وقِيلَ: سَألَ قَوْمٌ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذاتَ أنْواطٍ، كَما كانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ، وهي شَجَرَةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها ويُعَلِّقُونَ عَلَيْها الثَّمَرَةَ وغَيْرَها مِنَ المَأْكُولاتِ وأسْلِحَتَهم. كَما سَألَ بَنُو إسْرائِيلَ مُوسى فَقالُوا: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أسْبابًا في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ طَوَّلْنا بِذِكْرِ هَذِهِ الأسْبابِ، وذَلِكَ بِخِلافِ مَقْصِدِنا في هَذا الكِتابِ. وأمْ: هُنا مُنْقَطِعَةٌ، وتَتَقَدَّرُ المُنْقَطِعَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، فالمَعْنى: بَلْ أتُرِيدُونَ، فَبَلْ تُفِيدُ الإضْرابُ عَمّا قَبْلَهُ، ومَعْنى الإضْرابِ هُنا: هو الِانْتِقالُ مِن جُمْلَةٍ إلى جُمْلَةٍ، لا عَلى سَبِيلِ إبْطالِ الأُولى. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَن جَعَلَ أمْ هُنا مُعادِلَةً لِلِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ. وقَدْ بَيَّنّا ضَعْفَ ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ”أمْ“ اسْتِفْهامٌ مَقْطُوعٌ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قالَ: أتُرِيدُونَ. وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ. والَّذِي تَقَرَّرَ أنَّ أمْ تَكُونُ مُتَّصِلَةً ومُنْفَصِلَةً. فالمُتَّصِلَةُ: شَرَطُها أنْ يَتَقَدَّمَها لَفْظُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنْ يَكُونَ بَعْدَها مُفْرَدٌ، أوْ في تَقْدِيرِ المُفْرَدِ. والمُنْفَصِلَةُ: ما انْخَرَمَ الشَّرْطانِ فِيها أوْ أحَدُهُما، ويَتَقَدَّرُ إذْ ذاكَ بِبَلْ والهَمْزَةِ مَعًا، وأمّا مَجِيئُها مُرادِفَةً لِلْهَمْزَةِ فَقَطْ، أوْ مُرادِفَةً لِبَلْ فَقَطْ، أوْ زائِدَةً، فَأقْوالٌ: ضَعِيفَةٌ. وعَلى الخِلافِ في المُخاطَبِينَ، يَجِيءُ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (رَسُولَكم) . فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ والجِبائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ، فَيَكُونُ ”رَسُولَكم“ جاءَ عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ، وعَلى ما أقَرُّوا بِهِ مِن رِسالَتِهِ. وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ، كانَتْ إضافَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ عَلى حَسَبِ الأمْرِ في نَفْسِهِ، لا عَلى إقْرارِهِمْ بِهِ. ورُجِّحَ كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾، وهَذا الكَلامُ لا يَصِحُّ إلّا في حَقِّ المُؤْمِنِ، وبِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤]، أيْ هَلْ تَفْعَلُونَ ما أُمِرْتُمْ، أمْ تُرِيدُونَ ؟ ورُجِّحَ أنَّهُمُ اليَهُودُ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ الكَلامُ في الحِكاياتِ عَنْهم ما قالُوا، ولِأنَّ المُؤْمِنَ بِالرَّسُولِ لا يَكادُ يَسْألُهُ ما يَكُونُ كُفْرًا. (كَما سُئِلَ): الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَعَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ: عَلى الحالِ، وعَلى المَشْهُورِ مِن مَذاهِبِ المُعْرِبِينَ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، فَيُقَدَّرُ عَلى قَوْلِهِمْ: سُؤالًا كَما سُئِلَ، ويُقَدَّرُ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ: أنْ تَسْألُوهُ، أيِ السُّؤالَ كَما سُئِلَ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، التَّقْدِيرُ: كَسُؤالِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، التَّقْدِيرُ: الَّذِي سُئِلَهُ مُوسى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وسِيلَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو السَّمّالِ: بِكَسْرِ السِّينِ وياءٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ: بِإشْمامِ السِّينِ وياءٍ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ وضَمِّ السِّينِ. وهَذِهِ القِراءاتُ مَبْنِيَّةٌ عَلى اللُّغَتَيْنِ في سَألَ، وهو أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ مُقَرَّةً مَفْتُوحَةً، فَتَقُولَ سَألَ. فَعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ تَكُونُ قِراءَةُ الجُمْهُورِ وقِراءَةُ مَن سَهَّلَ الهَمْزَ بَيْنَ بَيْنَ. واللُّغَةُ الثّانِيَةُ أنْ تَكُونَ عَيْنُ الكَلِمَةِ واوًا، وتَكُونَ عَلى فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ فَتَقُولَ: سِلْتُ أسالُ، كَخِفْتُ أخافُ، أصْلُهُ: سُوِلْتُ. وعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ تَكُونُ قِراءَةُ الحَسَنِ، وقِراءَةُ مَن أشَمَّ. وتَخْرِيجُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ أوْلى مِنَ التَّخْرِيجِ عَلى أنَّ أصْلَ الألِفِ الهَمْزُ، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ ألِفًا، فَصارَ مِثْلَ: قالَ وباعَ، فَقِيلَ فِيهِ: سِيلَ بِالكَسْرِ المَحْضِ، أوِ الإشْمامِ؛ لِأنَّ هَذا الإبْدالَ (p-٣٤٧)شاذٌّ ولا يَنْقاسُ. وتِلْكَ لُغَةٌ ثانِيَةٌ، فَكانَ الحَمْلُ عَلى ما كانَ لُغَةً أوْلى مِنَ الحَمْلِ عَلى الشّاذِّ غَيْرِ المُطَّرِدِ. وحُذِفَ الفاعِلُ هُنا لِلْعِلْمِ بِهِ، التَّقْدِيرُ: كَما سَألَ قَوْمُ مُوسى مُوسى مِن قَبْلُ. ﴿مُوسى مِن قَبْلُ﴾: يَتَعَلَّقُ هَذا الجارُّ بِقَوْلِهِ: سُئِلَ، وقَبْلُ مَقْطُوعَةٌ عَنِ الإضافَةِ لَفْظًا، وذَلِكَ أنَّ المُضافَ إلَيْهِ مَعْرِفَةٌ مَحْذُوفٌ. فَلِذَلِكَ بُنِيَتْ قَبْلُ عَلى الضَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ سُؤالِكم، وهَذا تَوْكِيدٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّ سُؤالَ بَنِي إسْرائِيلَ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُتَقَدِّمٌ عَلى سُؤالِ هَؤُلاءِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وسُؤالُ قَوْمِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو قَوْلُهم: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨] . فَأرادَ تَعالى أنْ يُوَبِّخَهم عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِمْ بِسُؤالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنْ يَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ، إذْ هم يَكْفِيهِمْ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ. وشَبَّهَ سُؤالَهم بِسُؤالِ ما اقْتَرَحَهُ آباءُ اليَهُودِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مَصِيرُها إلى الوَبالِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّؤالَ لَمْ يَقَعْ مِنهم. ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا﴾ ؟ فَوَبَّخَهم عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِمْ بِالسُّؤالِ، إذْ لَوْ كانَ السُّؤالُ قَدْ وقَعَ، لَكانَ التَّوْبِيخُ عَلَيْهِ، لا عَلى إرادَتِهِ، وكانَ يَكُونُ اللَّفْظُ: أتَسْألُونَ رَسُولَكم ؟ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا يُؤَدِّي مَعْنى وُقُوعِ السُّؤالِ، لَكِنْ تَظافَرَتْ نُقُولُهم في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في التَّعْيِينِ عَلى أنَّ السُّؤالَ قَدْ وقَعَ. * * ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ ؟ تَقَدَّمَ الكَلامُ في التَّبْدِيلِ، أيْ: مَن يَأْخُذِ الكُفْرَ بَدَلَ الإيمانِ، وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ والإقْبالِ عَلى الكُفْرِ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] . وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا بِأنْ قالَ: ومَن تَرَكَ الثِّقَةَ بِالآياتِ المُنَزَّلَةِ وشَكَّ فِيها واقْتَرَحَ غَيْرَها. وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكُفْرُ هُنا: الشِّدَّةُ، والإيمانُ: الرَّخاءُ. وهَذا فِيهِ ضَعْفٌ، إلّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُما مُسْتَعارانِ في الشِّدَّةِ عَلى نَفْسِهِ والرَّخاءِ لَها عَنِ العَذابِ والنَّعِيمِ. وأمّا المَعْرُوفُ مِن شِدَّةِ أُمُورِ الدُّنْيا ورَخائِها، فَلا تُفَسَّرُ الآيَةُ بِذَلِكَ، والظّاهِرُ حَمْلُ الكُفْرِ والإيمانِ عَلى حَقِيقَتِهِما الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأنَّ مَن سَألَ الرَّسُولَ ما سَألَ مَعَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ ووُضُوحِ الدَّلائِلِ عَلى صِدْقِهِ، كانَ سُؤالُهُ تَعَنُّتًا وإنْكارًا، وذَلِكَ كُفْرٌ. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾: هَذا جَوابُ الشَّرْطِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الضَّلالِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وعَلى ”سَواءَ“ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، وأنَّ ”سَواءٌ“ يَكُونُ بِمَعْنى مُسْتَوٍ. ولِذَلِكَ يَتَحَمَّلُ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءٍ هو والعَدَمُ، ويُوصَفُ بِهِ: ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ويُفَسَّرُ بِمَعْنى العَدْلِ والنَّصَفَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَوٍ، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎أرُونا خُطَّةً لا عَيْبَ فِيها يُسَوِّي بَيْنَنا فِيها السَّواءُ ويُفَسَّرُ بِمَعْنى الوَسَطِ. قالَ تَعالى: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أيْ في وسَطِها. وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: كَتَبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سِوايَ، وقالَ حَسّانُ: ؎يا ويْحَ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ وبِذَلِكَ فَسَّرَ السَّواءَ في الآيَةِ أبُو عُبَيْدَةَ، وفَسَّرَهُ الفَرّاءُ بِالقَصْدِ. ولَمّا كانَتِ الشَّرِيعَةُ تُوَصِّلُ سالِكَها إلى رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، كَنّى عَنْها بِالسَّبِيلِ، وجَعَلَ مَن حادَ عَنْها: كالضّالِّ عَنِ الطَّرِيقِ، وكَنّى عَنْ سُؤالِهِمْ نَبِيَّهم ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ بِتَبَدُّلِ الكُفْرِ بِالإيمانِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ في صُورَةٍ شَرْطِيَّةٍ، وصُورَةُ الشَّرْطِ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ تَنْفِيرًا عَنْ ذَلِكَ، وتَبْعِيدًا مِنهُ. فَوَبَّخَهم أوَّلًا عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِمْ بِسُؤالِ ما لَيْسَ لَهم سُؤالُهُ، وخاطَبَهم بِذَلِكَ، ثُمَّ أدْرَجَهم في عُمُومِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ. وأنَّ مِثْلَ هَذا يَنْبَغِي أنْ لا يَقَعَ؛ لِأنَّهُ ضَلالٌ عَنِ المَنهَجِ القَوِيمِ، فَصارَ صَدْرُ الآيَةِ إنْكارًا وتَوْبِيخًا، وعَجُزُها تَكْفِيرًا وضَلالًا. وما أدّى إلى هَذا فَيَنْبَغِي أنْ لا يَتَعَلَّقَ بِهِ غَرَضٌ ولا طَلَبٌ ولا إرادَةٌ. وإدْغامُ الدّالِ في الضّادِ مِنَ الإدْغامِ الجائِزِ. وقَدْ قُرِئَ: (فَقَدْ ضَلَّ)، بِالإدْغامِ وبِالإظْهارِ في السَّبْعَةِ. ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾: المَعْنِيُّ بِكَثِيرٍ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، أوْ حُيَّيُّ بْنُ (p-٣٤٨)أخْطَبَ وأخُوهُ أبُو ياسِرٍ، أوْ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ حاوَلُوا المُسْلِمِينَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ أنْ يَرْجِعُوا إلى دِينِهِمْ، أوْ فِنْحاصُ بْنُ عاذُوراءَ وزَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ونَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ حاوَلُوا حُذَيْفَةَ وعَمّارًا في رُجُوعِهِما إلى دِينِهِمْ، أقْوالٌ. والقُرْآنُ لَمْ يُعَيِّنْ أحَدًا، إنَّما أخْبَرَ بِوِدادَةِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الكِتابِ. والخِلافُ في سَبَبِ النُّزُولِ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في تَفْسِيرِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وتَخَصَّصَتِ الصِّفَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، فَلِذَلِكَ حَسُنَ حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِّفَةِ مُقامَهُ. والكِتابُ هُنا: التَّوْراةُ. ﴿لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾: الكَلامُ في لَوْ هُنا، كالكَلامِ عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] . فَمَن قالَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: لَوْ، والفِعْلُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وهو مَفْعُولُ ودَّ: أيْ ودَّ رَدَّكم، ومَن جَعَلَها حَرْفًا لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، جَعَلَ الجَوابَ مَحْذُوفًا، وجَعَلَ مَفْعُولَ ودَّ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ودَّ رَدَّكم كُفّارًا، لَوْ يَرُدُّونَكم كُفّارًا لَسُرُّوا بِذَلِكَ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ تَقْدِيرُهُ: لَوْ يَرُدُّونَكم كُفّارًا لَوَدُّوا ذَلِكَ. فَوَدَّ دالَّةٌ عَلى الجَوابِ، ولا يَجُوزُ لِوَدَّ الأُولى أنْ تَكُونَ هي الجَوابَ؛ لِأنَّ شَرْطَ لَوْ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى الجَوابِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّكَ إذا جَعَلْتَ جَوابَ لَوْ قَوْلَهُ: لَوَدُّوا ذَلِكَ، كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّ الوِدادَةَ لَمْ تَقَعْ؛ لِأنَّهُ جَوابٌ لِلَوْ، وهو لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فامْتَنَعَ وُقُوعُ الوِدادَةِ، لِامْتِناعِ وُقُوعِ الرَّدِّ. والغَرَضُ أنَّ الوِدادَةَ قَدْ وقَعَتْ. ألا تَرى إلى أقْوالِ المُفَسِّرِينَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ؟ وهي وإنِ اخْتَلَفَتْ فاتَّفَقُوا عَلى وُقُوعِ الوِدادَةِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم بِمَن وقَعَتْ، وتَقْدِيرُ جَوابِ لَوْ لَوَدُّوا ذَلِكَ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الوِدادَةَ لَمْ تَقَعْ، فَلِذَلِكَ كانَ تَقْدِيرُهُ لَسُرُّوا أوْ لَفَرِحُوا بِذَلِكَ هو المُتَعَيَّنُ، إذا جَعَلْتَ لَوْ تَقْتَضِي جَوابًا. ويَرُدُّ هُنا بِمَعْنى يُصَيِّرُ، فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: الأوَّلُ هو ضَمِيرُ الخِطابِ، والثّانِي كُفّارًا، وقَدْ أعْرَبَهُ بَعْضُهم حالًا، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الحالَ مُسْتَغْنًى عَنْها في أكْثَرِ مَوارِدِها، وهَذا لا بُدَّ مِنهُ في هَذا المَكانِ. ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِيَرُدُّ، وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وظاهِرُ الواوِ في يَرُدُّونَكم أنَّها لِلْجَمْعِ، ومَن فَسَّرَ كَثِيرًا بِواحِدٍ أوْ بِاثْنَيْنِ، فَجَعَلَ الواوَ لَهُ أوْ لَهُما، لَيْسَ عَلى الأصْلِ. ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾: انْتِصابُ حَسَدًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والعامِلُ فِيهِ ودَّ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى وِدادَةِ رَدِّكم كُفّارًا هو الحَسَدُ، وجَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى الحالِ، أيْ حاسِدِينَ، ولَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ جَعْلَ المَصْدَرِ حالًا لا يَنْقاسُ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: حَسَدُوكم حَسَدًا. والأظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شَرائِطُ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ. ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ الَّذِي هو: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾، إمّا بِمَلْفُوظٍ بِهِ وهو ودَّ، أيْ ودُّوا ذَلِكَ مِن قِبَلِ شَهْوَتِهِمْ، لا أنَّ وِدادَتَهم ذَلِكَ هي مِن جِهَةِ التَّدَيُّنِ واتِّباعِ الحَقِّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ ؟ وإمّا بِمُقَدَّرٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، التَّقْدِيرُ: حَسَدًا كائِنًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ تَوْكِيدًا، أيْ وِدادَتُهم أوْ حَسَدُهم مِن تِلْقائِهِمْ. ألا تَرى أنَّ وِدادَةَ الكُفْرِ والحَسَدَ عَلى الإيمانِ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ؟ فَهو نَظِيرُ، ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ بِقَوْلِهِ: يَرُدُّونَكم، ومِن سَبَبِيَّةٌ، أيْ يَكُونُ الرَّدُّ مِن تَلْقائِهِمْ وبِإغْوائِهِمْ وتَزْيِينِهِمْ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾: تَتَعَلَّقُ مِن هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ودَّ، أيْ وِدادَتُهم كُفْرَكم لِلْحَسَدِ المُنْبَعِثِ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ. وتِلْكَ الوِدادَةُ ابْتَدَأتْ مِن زَمانِ وُضُوحِ الحَقِّ وتَبَيُّنِهِ لَهم، فَلَيْسُوا مِن أهْلِ الغَباوَةِ الَّذِينَ قَدْ يَعْزُبُ عَلَيْهِمْ وُضُوحُ الحَقِّ، بَلْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ والعِنادِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ يَكُونُ عِنادًا. ألا تَرى إلى ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واخْتَلَفَ أهْلُ السُّنَّةِ في جَوازِ ذَلِكَ. والصَّحِيحُ عِنْدِي جَوازُهُ عَقْلًا، وبُعْدُهُ وُقُوعًا، ويَتَرَتَّبُ في كُلِّ آيَةٍ تَقْتَضِيهِ أنَّ المَعْرِفَةَ تُسْلَبُ مِن ثانِي (p-٣٤٩)حالٍ مِنَ العِنادِ. انْتَهى كَلامُهُ، والألِفُ واللّامُ في الحَقِّ، إمّا لِلْعَهْدِ، ويُرادُ بِهِ الإيمانُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ جَرَيانُهُ قَبْلَ هَذا، أوِ الألِفُ واللّامُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ مِن بَعْدِ ما اتَّضَحَتْ لَهم وُجُوهُ الحَقِّ وأنْواعُهُ. ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] . وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ هَذا حَدَّ المَنسُوخِ؛ لِأنَّ هَذا في نَفْسِ الأمْرِ كانَ لِلتَّوْقِيفِ عَلى مُدَّتِهِ. ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾: غَيّا العَفْوَ والصَّفْحَ بِهَذِهِ الغايَةِ، وهَذِهِ مُوادَعَةٌ إلى أنْ أتى أمْرُ اللَّهُ بِقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ وإذْلالِهِمْ بِالجِزْيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أتى مِن أحْكامِ الشَّرْعِ فِيهِمْ وتَرْكِ العَفْوِ والصَّفْحِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هو إسْلامُ بَعْضٍ واصْطِلامُ بَعْضٍ. وقِيلَ: آجالُ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: القِيامَةُ، وقِيلَ: المُجازاةُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: قُوَّةُ الرِّسالَةِ وكَثْرَةُ الأُمَّةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الأمْرُ بِالقِتالِ. وعَنِ الباقِرِ: أنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالٍ حَتّى نَزَلَ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩]، والأمْرُ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ هو أنْ لا يُقاتِلُوا وأنْ يُعْرَضَ عَنْ جَوابِهِمْ فَيَكُونَ أدْعى لِتَسْكِينِ الثّائِرَةِ وإطْفاءِ الفِتْنَةِ وإسْلامِ بَعْضِهِمْ، لا أنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الرِّضا؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِالِانْتِقامِ مِنَ الكُفّارِ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ والتَّمْكِينِ. ألا تَرى أنَّهُ أمَرَ بِالمُوادَعَةِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، وغَيّا ذَلِكَ إلى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ؟ .

البقرة 2:109

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧] ؟ هَذا أيْضًا اسْتِفْهامٌ دَخَلَ عَلى النَّفْيِ فَهو تَقْرِيرٌ، فَلَيْسَ لَهُ مُعادِلٌ؛ لِأنَّ التَّقْرِيرَ مَعْناهُ: الإيجابُ، أيْ قَدْ عَلِمْتَ أيُّها المُخاطَبُ أنَّ اللَّهَ لَهُ سُلْطانُ السَّماواتِ والأرْضِ والِاسْتِيلاءُ عَلَيْهِما، فَهو يَمْلِكُ أُمُورَكم ويُدَبِّرُها، ويُجْرِيها عَلى ما يَخْتارُهُ لَكم مِن نَسْخٍ وغَيْرِهِ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ بِالمُلْكِ، لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ، ولِأنَّهُما قَدِ اشْتَمَلا عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ. وإذا كانَ اسْتِيلاؤُهُ عَلى الطَّرَفَيْنِ، كانَ مُسْتَوْلِيًا عَلى ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ مَخْلُوقاتِهِ العُلْوِيَّةِ بِالسَّماواتِ، والسُّفْلِيَّةِ بِالأرْضِ. وتَضَمَّنَتْ هاتانِ الجُمْلَتانِ التَّقْرِيرَ عَلى الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِما كَمالُ التَّصَرُّفِ، وهُما: القُدْرَةُ والِاسْتِيلاءُ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَكُونُ قادِرًا، بِمَعْنى أنَّ لَهُ اسْتِطاعَةً عَلى فِعْلِ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِيلاءٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيُنَفِّذَ فِيهِ ما يَسْتَطِيعُ أنْ يَفْعَلَ. فَإذا اجْتَمَعَتِ الِاسْتِطاعَةُ وعَدَمُ المانِعِيَّةِ، كَمُلَ بِذَلِكَ التَّصَرُّفُ مَعَ الإرادَةِ. وبَدَأ بِالتَّقْرِيرِ عَلى وصْفِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ آكَدُ مِن وصْفِ الِاسْتِيلاءِ والسُّلْطانِ. ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧]: انْتَقَلَ مِن ضَمِيرِ الإفْرادِ في الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ، وناسَبَ الجَمْعَ هُنا؛ لِأنَّ المَنفِيَّ بِدُخُولِ مِن عَلَيْهِ صارَ نَصًّا في العُمُومِ، فَناسَبَ كَوْنَ المَنفِيِّ عَنْهُ يَكُونُ عامًّا أيْضًا، كانَ المَعْنى: وما لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنكم فَرْدٌ فَرْدٌ. ﴿مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]: وأتى بِصِيغَةِ ولِيٍّ، وهو فَعِيلٌ، لِلْمُبالَغَةِ، ولِأنَّهُ أكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ (والٍ) إلّا في سُورَةِ الرَّعْدِ، لِمُواخاةِ الفَواصِلِ، وأتى بِنَصِيرٍ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، لِمُناسَبَةِ ولِيٍّ في كَوْنِهِما عَلى فَعِيلٍ، ولِمُناسَبَةِ أواخِرِ الآيِ، ولِأنَّهُ أبْلَغُ مِن فاعِلٍ. ومِن زائِدَةٌ في قَوْلِهِ: (مِن ولِيٍّ)، فَلا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ. ومِن في: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٧] مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ الَّذِي هو لَكم، وهو يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، إذْ هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ في ما هَذِهِ أنْ تَكُونَ تَمِيمِيَّةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حِجازِيَّةً عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَقَدُّمَ خَبَرِها، إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا. أمّا مَن مَنعَ ذَلِكَ فَلا يَجُوزُ في ما أنْ تَكُونَ حِجازِيَّةً، ومَعْنى ”مِن“ الأُولى ابْتِداءُ الغايَةِ. وتَكَرَّرَ اسْمُ اللَّهِ ظاهِرًا في هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ، ولَمْ يُضْمَرْ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنها، وأنَّها لَمْ تُجْعَلْ مُرْتَبِطَةً بَعْضُها بِبَعْضٍ ارْتِباطَ ما يُحْتاجُ فِيهِ إلى إضْمارٍ. ولَمّا كانَتِ الجُمْلَتانِ الأُولَيانِ لِلتَّقْرِيرِ - وهو إيجابٌ مِن حَيْثُ المَعْنى - ناسَبَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الثّالِثَةُ نَفْيًا لِلْوَلِيِّ والنّاصِرِ، أيْ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي هي تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ واسْتِيلائِهِ، فاللَّهُ تَعالى لا يَحْجِزُهُ عَمّا يُرِيدُ بِها شَيْءٌ، ولا مُغالِبَ لَهُ تَعالى فِيما يُرِيدُ. ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾: اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ ورَهْطٍ مِن قُرَيْشٍ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ اجْعَلِ الصَّفا ذَهَبًا، ووَسِّعْ لَنا أرْضَ مَكَّةَ، (p-٣٤٦)وفَجِّرِ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا، ونُؤْمِن لَكَ. وقِيلَ: تَمَنّى اليَهُودُ وغَيْرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَمِن قائِلٍ: ائْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً، كَما أتى مُوسى بِالتَّوْراةِ. ومِن قائِلٍ: ائْتِنِي بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ، إنِّي قَدْ أرْسَلْتُ مُحَمَّدًا إلى النّاسِ. ومِن قائِلٍ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا. وقِيلَ: إنَّ رافِعَ بْنَ خُزَيْمَةَ، ووَهْبَ بْنَ زَيْدٍ قالا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ائْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ، وفَجِّرْ لَنا أنْهارًا، نَتَّبِعْكَ. وقِيلَ: إنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَيْتَ ذُنُوبَنا جَرَتْ مَجْرى ذُنُوبِ بَنِي إسْرائِيلَ في تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا، فَقالَ: ”كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَتْهم خَطِيئَةٌ وجَدُوها مَكْتُوبَةً عَلى بابِ الخاطِئِ، فَإنْ كَفَّرَها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يُكَفِّرْها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الآخِرَةِ“ . وقِيلَ: اليَهُودُ وكُفّارُ قُرَيْشٍ سَألُوا رَدَّ الصَّفا ذَهَبًا، وقِيلَ لَهم: خُذُوهُ كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأبَوْا ونَكَصُوا. وقِيلَ: سَألَ قَوْمٌ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذاتَ أنْواطٍ، كَما كانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ، وهي شَجَرَةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها ويُعَلِّقُونَ عَلَيْها الثَّمَرَةَ وغَيْرَها مِنَ المَأْكُولاتِ وأسْلِحَتَهم. كَما سَألَ بَنُو إسْرائِيلَ مُوسى فَقالُوا: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ كُلُّها أسْبابًا في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ طَوَّلْنا بِذِكْرِ هَذِهِ الأسْبابِ، وذَلِكَ بِخِلافِ مَقْصِدِنا في هَذا الكِتابِ. وأمْ: هُنا مُنْقَطِعَةٌ، وتَتَقَدَّرُ المُنْقَطِعَةُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، فالمَعْنى: بَلْ أتُرِيدُونَ، فَبَلْ تُفِيدُ الإضْرابُ عَمّا قَبْلَهُ، ومَعْنى الإضْرابِ هُنا: هو الِانْتِقالُ مِن جُمْلَةٍ إلى جُمْلَةٍ، لا عَلى سَبِيلِ إبْطالِ الأُولى. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَن جَعَلَ أمْ هُنا مُعادِلَةً لِلِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ. وقَدْ بَيَّنّا ضَعْفَ ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ”أمْ“ اسْتِفْهامٌ مَقْطُوعٌ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قالَ: أتُرِيدُونَ. وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ. والَّذِي تَقَرَّرَ أنَّ أمْ تَكُونُ مُتَّصِلَةً ومُنْفَصِلَةً. فالمُتَّصِلَةُ: شَرَطُها أنْ يَتَقَدَّمَها لَفْظُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنْ يَكُونَ بَعْدَها مُفْرَدٌ، أوْ في تَقْدِيرِ المُفْرَدِ. والمُنْفَصِلَةُ: ما انْخَرَمَ الشَّرْطانِ فِيها أوْ أحَدُهُما، ويَتَقَدَّرُ إذْ ذاكَ بِبَلْ والهَمْزَةِ مَعًا، وأمّا مَجِيئُها مُرادِفَةً لِلْهَمْزَةِ فَقَطْ، أوْ مُرادِفَةً لِبَلْ فَقَطْ، أوْ زائِدَةً، فَأقْوالٌ: ضَعِيفَةٌ. وعَلى الخِلافِ في المُخاطَبِينَ، يَجِيءُ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (رَسُولَكم) . فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ والجِبائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ، فَيَكُونُ ”رَسُولَكم“ جاءَ عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ، وعَلى ما أقَرُّوا بِهِ مِن رِسالَتِهِ. وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ، كانَتْ إضافَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ عَلى حَسَبِ الأمْرِ في نَفْسِهِ، لا عَلى إقْرارِهِمْ بِهِ. ورُجِّحَ كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾، وهَذا الكَلامُ لا يَصِحُّ إلّا في حَقِّ المُؤْمِنِ، وبِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤]، أيْ هَلْ تَفْعَلُونَ ما أُمِرْتُمْ، أمْ تُرِيدُونَ ؟ ورُجِّحَ أنَّهُمُ اليَهُودُ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ الكَلامُ في الحِكاياتِ عَنْهم ما قالُوا، ولِأنَّ المُؤْمِنَ بِالرَّسُولِ لا يَكادُ يَسْألُهُ ما يَكُونُ كُفْرًا. (كَما سُئِلَ): الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَعَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ: عَلى الحالِ، وعَلى المَشْهُورِ مِن مَذاهِبِ المُعْرِبِينَ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، فَيُقَدَّرُ عَلى قَوْلِهِمْ: سُؤالًا كَما سُئِلَ، ويُقَدَّرُ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ: أنْ تَسْألُوهُ، أيِ السُّؤالَ كَما سُئِلَ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، التَّقْدِيرُ: كَسُؤالِ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً بِمَعْنى الَّذِي، التَّقْدِيرُ: الَّذِي سُئِلَهُ مُوسى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وسِيلَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو السَّمّالِ: بِكَسْرِ السِّينِ وياءٍ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والزُّهْرِيُّ: بِإشْمامِ السِّينِ وياءٍ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ وضَمِّ السِّينِ. وهَذِهِ القِراءاتُ مَبْنِيَّةٌ عَلى اللُّغَتَيْنِ في سَألَ، وهو أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ مُقَرَّةً مَفْتُوحَةً، فَتَقُولَ سَألَ. فَعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ تَكُونُ قِراءَةُ الجُمْهُورِ وقِراءَةُ مَن سَهَّلَ الهَمْزَ بَيْنَ بَيْنَ. واللُّغَةُ الثّانِيَةُ أنْ تَكُونَ عَيْنُ الكَلِمَةِ واوًا، وتَكُونَ عَلى فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ فَتَقُولَ: سِلْتُ أسالُ، كَخِفْتُ أخافُ، أصْلُهُ: سُوِلْتُ. وعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ تَكُونُ قِراءَةُ الحَسَنِ، وقِراءَةُ مَن أشَمَّ. وتَخْرِيجُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ أوْلى مِنَ التَّخْرِيجِ عَلى أنَّ أصْلَ الألِفِ الهَمْزُ، فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ ألِفًا، فَصارَ مِثْلَ: قالَ وباعَ، فَقِيلَ فِيهِ: سِيلَ بِالكَسْرِ المَحْضِ، أوِ الإشْمامِ؛ لِأنَّ هَذا الإبْدالَ (p-٣٤٧)شاذٌّ ولا يَنْقاسُ. وتِلْكَ لُغَةٌ ثانِيَةٌ، فَكانَ الحَمْلُ عَلى ما كانَ لُغَةً أوْلى مِنَ الحَمْلِ عَلى الشّاذِّ غَيْرِ المُطَّرِدِ. وحُذِفَ الفاعِلُ هُنا لِلْعِلْمِ بِهِ، التَّقْدِيرُ: كَما سَألَ قَوْمُ مُوسى مُوسى مِن قَبْلُ. ﴿مُوسى مِن قَبْلُ﴾: يَتَعَلَّقُ هَذا الجارُّ بِقَوْلِهِ: سُئِلَ، وقَبْلُ مَقْطُوعَةٌ عَنِ الإضافَةِ لَفْظًا، وذَلِكَ أنَّ المُضافَ إلَيْهِ مَعْرِفَةٌ مَحْذُوفٌ. فَلِذَلِكَ بُنِيَتْ قَبْلُ عَلى الضَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ سُؤالِكم، وهَذا تَوْكِيدٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ أنَّ سُؤالَ بَنِي إسْرائِيلَ مُوسى - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُتَقَدِّمٌ عَلى سُؤالِ هَؤُلاءِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وسُؤالُ قَوْمِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو قَوْلُهم: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨] . فَأرادَ تَعالى أنْ يُوَبِّخَهم عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِمْ بِسُؤالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنْ يَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ، إذْ هم يَكْفِيهِمْ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ. وشَبَّهَ سُؤالَهم بِسُؤالِ ما اقْتَرَحَهُ آباءُ اليَهُودِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مَصِيرُها إلى الوَبالِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّؤالَ لَمْ يَقَعْ مِنهم. ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا﴾ ؟ فَوَبَّخَهم عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِمْ بِالسُّؤالِ، إذْ لَوْ كانَ السُّؤالُ قَدْ وقَعَ، لَكانَ التَّوْبِيخُ عَلَيْهِ، لا عَلى إرادَتِهِ، وكانَ يَكُونُ اللَّفْظُ: أتَسْألُونَ رَسُولَكم ؟ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا يُؤَدِّي مَعْنى وُقُوعِ السُّؤالِ، لَكِنْ تَظافَرَتْ نُقُولُهم في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في التَّعْيِينِ عَلى أنَّ السُّؤالَ قَدْ وقَعَ. * * ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ ؟ تَقَدَّمَ الكَلامُ في التَّبْدِيلِ، أيْ: مَن يَأْخُذِ الكُفْرَ بَدَلَ الإيمانِ، وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ والإقْبالِ عَلى الكُفْرِ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] . وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا بِأنْ قالَ: ومَن تَرَكَ الثِّقَةَ بِالآياتِ المُنَزَّلَةِ وشَكَّ فِيها واقْتَرَحَ غَيْرَها. وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكُفْرُ هُنا: الشِّدَّةُ، والإيمانُ: الرَّخاءُ. وهَذا فِيهِ ضَعْفٌ، إلّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُما مُسْتَعارانِ في الشِّدَّةِ عَلى نَفْسِهِ والرَّخاءِ لَها عَنِ العَذابِ والنَّعِيمِ. وأمّا المَعْرُوفُ مِن شِدَّةِ أُمُورِ الدُّنْيا ورَخائِها، فَلا تُفَسَّرُ الآيَةُ بِذَلِكَ، والظّاهِرُ حَمْلُ الكُفْرِ والإيمانِ عَلى حَقِيقَتِهِما الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأنَّ مَن سَألَ الرَّسُولَ ما سَألَ مَعَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ ووُضُوحِ الدَّلائِلِ عَلى صِدْقِهِ، كانَ سُؤالُهُ تَعَنُّتًا وإنْكارًا، وذَلِكَ كُفْرٌ. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾: هَذا جَوابُ الشَّرْطِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الضَّلالِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وعَلى ”سَواءَ“ في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، وأنَّ ”سَواءٌ“ يَكُونُ بِمَعْنى مُسْتَوٍ. ولِذَلِكَ يَتَحَمَّلُ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءٍ هو والعَدَمُ، ويُوصَفُ بِهِ: ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ويُفَسَّرُ بِمَعْنى العَدْلِ والنَّصَفَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَوٍ، وقالَ زُهَيْرٌ: ؎أرُونا خُطَّةً لا عَيْبَ فِيها يُسَوِّي بَيْنَنا فِيها السَّواءُ ويُفَسَّرُ بِمَعْنى الوَسَطِ. قالَ تَعالى: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أيْ في وسَطِها. وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: كَتَبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سِوايَ، وقالَ حَسّانُ: ؎يا ويْحَ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ وبِذَلِكَ فَسَّرَ السَّواءَ في الآيَةِ أبُو عُبَيْدَةَ، وفَسَّرَهُ الفَرّاءُ بِالقَصْدِ. ولَمّا كانَتِ الشَّرِيعَةُ تُوَصِّلُ سالِكَها إلى رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، كَنّى عَنْها بِالسَّبِيلِ، وجَعَلَ مَن حادَ عَنْها: كالضّالِّ عَنِ الطَّرِيقِ، وكَنّى عَنْ سُؤالِهِمْ نَبِيَّهم ما لَيْسَ لَهم أنْ يَسْألُوهُ بِتَبَدُّلِ الكُفْرِ بِالإيمانِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ في صُورَةٍ شَرْطِيَّةٍ، وصُورَةُ الشَّرْطِ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ تَنْفِيرًا عَنْ ذَلِكَ، وتَبْعِيدًا مِنهُ. فَوَبَّخَهم أوَّلًا عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِمْ بِسُؤالِ ما لَيْسَ لَهم سُؤالُهُ، وخاطَبَهم بِذَلِكَ، ثُمَّ أدْرَجَهم في عُمُومِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ. وأنَّ مِثْلَ هَذا يَنْبَغِي أنْ لا يَقَعَ؛ لِأنَّهُ ضَلالٌ عَنِ المَنهَجِ القَوِيمِ، فَصارَ صَدْرُ الآيَةِ إنْكارًا وتَوْبِيخًا، وعَجُزُها تَكْفِيرًا وضَلالًا. وما أدّى إلى هَذا فَيَنْبَغِي أنْ لا يَتَعَلَّقَ بِهِ غَرَضٌ ولا طَلَبٌ ولا إرادَةٌ. وإدْغامُ الدّالِ في الضّادِ مِنَ الإدْغامِ الجائِزِ. وقَدْ قُرِئَ: (فَقَدْ ضَلَّ)، بِالإدْغامِ وبِالإظْهارِ في السَّبْعَةِ. ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾: المَعْنِيُّ بِكَثِيرٍ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، أوْ حُيَّيُّ بْنُ (p-٣٤٨)أخْطَبَ وأخُوهُ أبُو ياسِرٍ، أوْ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ حاوَلُوا المُسْلِمِينَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ أنْ يَرْجِعُوا إلى دِينِهِمْ، أوْ فِنْحاصُ بْنُ عاذُوراءَ وزَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ونَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ حاوَلُوا حُذَيْفَةَ وعَمّارًا في رُجُوعِهِما إلى دِينِهِمْ، أقْوالٌ. والقُرْآنُ لَمْ يُعَيِّنْ أحَدًا، إنَّما أخْبَرَ بِوِدادَةِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الكِتابِ. والخِلافُ في سَبَبِ النُّزُولِ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في تَفْسِيرِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، وتَخَصَّصَتِ الصِّفَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، فَلِذَلِكَ حَسُنَ حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ الصِّفَةِ مُقامَهُ. والكِتابُ هُنا: التَّوْراةُ. ﴿لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾: الكَلامُ في لَوْ هُنا، كالكَلامِ عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] . فَمَن قالَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: لَوْ، والفِعْلُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وهو مَفْعُولُ ودَّ: أيْ ودَّ رَدَّكم، ومَن جَعَلَها حَرْفًا لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، جَعَلَ الجَوابَ مَحْذُوفًا، وجَعَلَ مَفْعُولَ ودَّ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ودَّ رَدَّكم كُفّارًا، لَوْ يَرُدُّونَكم كُفّارًا لَسُرُّوا بِذَلِكَ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ تَقْدِيرُهُ: لَوْ يَرُدُّونَكم كُفّارًا لَوَدُّوا ذَلِكَ. فَوَدَّ دالَّةٌ عَلى الجَوابِ، ولا يَجُوزُ لِوَدَّ الأُولى أنْ تَكُونَ هي الجَوابَ؛ لِأنَّ شَرْطَ لَوْ أنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلى الجَوابِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّكَ إذا جَعَلْتَ جَوابَ لَوْ قَوْلَهُ: لَوَدُّوا ذَلِكَ، كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّ الوِدادَةَ لَمْ تَقَعْ؛ لِأنَّهُ جَوابٌ لِلَوْ، وهو لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فامْتَنَعَ وُقُوعُ الوِدادَةِ، لِامْتِناعِ وُقُوعِ الرَّدِّ. والغَرَضُ أنَّ الوِدادَةَ قَدْ وقَعَتْ. ألا تَرى إلى أقْوالِ المُفَسِّرِينَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ؟ وهي وإنِ اخْتَلَفَتْ فاتَّفَقُوا عَلى وُقُوعِ الوِدادَةِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم بِمَن وقَعَتْ، وتَقْدِيرُ جَوابِ لَوْ لَوَدُّوا ذَلِكَ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الوِدادَةَ لَمْ تَقَعْ، فَلِذَلِكَ كانَ تَقْدِيرُهُ لَسُرُّوا أوْ لَفَرِحُوا بِذَلِكَ هو المُتَعَيَّنُ، إذا جَعَلْتَ لَوْ تَقْتَضِي جَوابًا. ويَرُدُّ هُنا بِمَعْنى يُصَيِّرُ، فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: الأوَّلُ هو ضَمِيرُ الخِطابِ، والثّانِي كُفّارًا، وقَدْ أعْرَبَهُ بَعْضُهم حالًا، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الحالَ مُسْتَغْنًى عَنْها في أكْثَرِ مَوارِدِها، وهَذا لا بُدَّ مِنهُ في هَذا المَكانِ. ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِيَرُدُّ، وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وظاهِرُ الواوِ في يَرُدُّونَكم أنَّها لِلْجَمْعِ، ومَن فَسَّرَ كَثِيرًا بِواحِدٍ أوْ بِاثْنَيْنِ، فَجَعَلَ الواوَ لَهُ أوْ لَهُما، لَيْسَ عَلى الأصْلِ. ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾: انْتِصابُ حَسَدًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والعامِلُ فِيهِ ودَّ، أيِ الحامِلُ لَهم عَلى وِدادَةِ رَدِّكم كُفّارًا هو الحَسَدُ، وجَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى الحالِ، أيْ حاسِدِينَ، ولَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ جَعْلَ المَصْدَرِ حالًا لا يَنْقاسُ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: حَسَدُوكم حَسَدًا. والأظْهَرُ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شَرائِطُ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ. ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ الَّذِي هو: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾، إمّا بِمَلْفُوظٍ بِهِ وهو ودَّ، أيْ ودُّوا ذَلِكَ مِن قِبَلِ شَهْوَتِهِمْ، لا أنَّ وِدادَتَهم ذَلِكَ هي مِن جِهَةِ التَّدَيُّنِ واتِّباعِ الحَقِّ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ ؟ وإمّا بِمُقَدَّرٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، التَّقْدِيرُ: حَسَدًا كائِنًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ تَوْكِيدًا، أيْ وِدادَتُهم أوْ حَسَدُهم مِن تِلْقائِهِمْ. ألا تَرى أنَّ وِدادَةَ الكُفْرِ والحَسَدَ عَلى الإيمانِ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ؟ فَهو نَظِيرُ، ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ بِقَوْلِهِ: يَرُدُّونَكم، ومِن سَبَبِيَّةٌ، أيْ يَكُونُ الرَّدُّ مِن تَلْقائِهِمْ وبِإغْوائِهِمْ وتَزْيِينِهِمْ. ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾: تَتَعَلَّقُ مِن هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ودَّ، أيْ وِدادَتُهم كُفْرَكم لِلْحَسَدِ المُنْبَعِثِ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ. وتِلْكَ الوِدادَةُ ابْتَدَأتْ مِن زَمانِ وُضُوحِ الحَقِّ وتَبَيُّنِهِ لَهم، فَلَيْسُوا مِن أهْلِ الغَباوَةِ الَّذِينَ قَدْ يَعْزُبُ عَلَيْهِمْ وُضُوحُ الحَقِّ، بَلْ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ والعِنادِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ يَكُونُ عِنادًا. ألا تَرى إلى ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واخْتَلَفَ أهْلُ السُّنَّةِ في جَوازِ ذَلِكَ. والصَّحِيحُ عِنْدِي جَوازُهُ عَقْلًا، وبُعْدُهُ وُقُوعًا، ويَتَرَتَّبُ في كُلِّ آيَةٍ تَقْتَضِيهِ أنَّ المَعْرِفَةَ تُسْلَبُ مِن ثانِي (p-٣٤٩)حالٍ مِنَ العِنادِ. انْتَهى كَلامُهُ، والألِفُ واللّامُ في الحَقِّ، إمّا لِلْعَهْدِ، ويُرادُ بِهِ الإيمانُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ جَرَيانُهُ قَبْلَ هَذا، أوِ الألِفُ واللّامُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ مِن بَعْدِ ما اتَّضَحَتْ لَهم وُجُوهُ الحَقِّ وأنْواعُهُ. ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] . وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ هَذا حَدَّ المَنسُوخِ؛ لِأنَّ هَذا في نَفْسِ الأمْرِ كانَ لِلتَّوْقِيفِ عَلى مُدَّتِهِ. ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾: غَيّا العَفْوَ والصَّفْحَ بِهَذِهِ الغايَةِ، وهَذِهِ مُوادَعَةٌ إلى أنْ أتى أمْرُ اللَّهُ بِقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ وإذْلالِهِمْ بِالجِزْيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أتى مِن أحْكامِ الشَّرْعِ فِيهِمْ وتَرْكِ العَفْوِ والصَّفْحِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هو إسْلامُ بَعْضٍ واصْطِلامُ بَعْضٍ. وقِيلَ: آجالُ بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: القِيامَةُ، وقِيلَ: المُجازاةُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: قُوَّةُ الرِّسالَةِ وكَثْرَةُ الأُمَّةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الأمْرُ بِالقِتالِ. وعَنِ الباقِرِ: أنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالٍ حَتّى نَزَلَ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩]، والأمْرُ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ هو أنْ لا يُقاتِلُوا وأنْ يُعْرَضَ عَنْ جَوابِهِمْ فَيَكُونَ أدْعى لِتَسْكِينِ الثّائِرَةِ وإطْفاءِ الفِتْنَةِ وإسْلامِ بَعْضِهِمْ، لا أنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الرِّضا؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِالِانْتِقامِ مِنَ الكُفّارِ، ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ والتَّمْكِينِ. ألا تَرى أنَّهُ أمَرَ بِالمُوادَعَةِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، وغَيّا ذَلِكَ إلى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ؟ .

البقرة 2:110

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: لَمّا أمَرَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، أمَرَ بِالمُواظَبَةِ عَلى عَمُودَيِ الإسْلامِ: العِبادَةِ البَدَنِيَّةِ، والعِبادَةِ المالِيَّةِ، إذِ الصَّلاةُ فِيها مُناجاةُ اللَّهِ تَعالى والتَّلَذُّذُ بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والزَّكاةُ فِيها الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالإيثارِ عَلى النَّفْسِ، فَأُمِرُوا بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الحَقِّ وبِالإحْسانِ إلى الخَلْقِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّما أمَرَ اللَّهِ هُنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِيَحُطَّ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى قَوْلِ اليَهُودِ: راعِنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ نَوْعِهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما يَحُطُّهُ. انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الظُّهُورُ. ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: لَمّا قَدَّمَ الأمْرَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ أتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عامَّةً لِجَمِيعِ أنْواعِ الخَيْرِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها الصَّلاةُ والزَّكاةُ وغَيْرُهُما. والقَوْلُ في إعْرابِ ما ومِن خَيْرٍ، كالقَوْلِ في إعْرابِ: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ، مِن أنَّهم قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَفْعُولَةً، ومِن خَيْرٍ: حالٌ أوْ مَصْدَرٌ، ومِن خَيْرٍ: مَفْعُولٌ، أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ: تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ، تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وهو الَّذِي اخْتَرْناهُ. لِأنْفُسِكم: مُتَعَلِّقٌ بِتُقَدِّمُوا، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِنَجاةِ أنْفُسِكم وحَياتِها، قالَ تَعالى: ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] . وقَدْ فُسِّرَ الخَيْرُ هُنا بِالزَّكاةِ والصَّدَقَةِ، والأظْهَرُ العُمُومُ، تَجِدُوهُ جَوابُ الشَّرْطِ، والهاءُ عائِدَةٌ عَلى ما، والخُيُورُ المُتَقَدِّمَةُ هي أفْعالٌ مُنْقَضِيَةٌ. ونَفْسُ ذَلِكَ المُنْقَضِي لا يُوجَدُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ تَجِدُوا ثَوابَهُ. فَجَعَلَ وُجُوبَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وُجُودًا لَهُ، وتَجِدُوهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الإصابَةِ. والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾، إمّا نَفْسُ الفِعْلِ، أوْ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ في مَعْنى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ تَجِدُوهُ مُدَّخَرًا ومُعَدًّا عِنْدَ اللَّهِ. والظَّرْفِيَّةُ هُنا المُكاتَبَةُ مُمْتَنِعَةٌ، وإنَّما هي مَجازٌ بِمَعْنى القَبْلِ، كَما تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي يَدٌ، أيْ في قَبْلِي، أوْ بِمَعْنى في عِلْمِ اللَّهِ نَحْوُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧]، أيْ في عِلْمِهِ وقَضائِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ بِالإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: المَجِيءُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ يَدُلُّ عَلى اسْتِقْلالِ الجُمَلِ، فَلِذَلِكَ جاءَ إنَّ اللَّهَ، ولَمْ يَجِئْ إنَّهُ، مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ في الكَلامِ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ ظاهِرَةُ التَّناسُبِ في خَتْمِ ما قَبْلَها بِها، تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ. وكَنّى بِقَوْلِهِ: بَصِيرٌ عَنْ عِلْمِ المُشاهَدِ، أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ عَمَلَ عامِلٍ ولا يُضَيِّعُهُ، ومَن كانَ مُبْصِرًا لِفِعْلِكَ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، هَلْ هو خَيْرٌ أوْ شَرٌّ، وأتى بِلَفْظِ ”بَصِيرٌ“ دُونَ مُبْصِرٍ، إمّا لِأنَّهُ مِن بَصُرَ، فَهو يَدُلُّ عَلى التَّمَكُّنِ والسَّجِيَّةِ في حَقِّ الإنْسانِ، أوْ لِأنَّهُ فَعِيلٌ لِلْمُبالِغَةِ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ. (p-٣٥٠)ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ، قالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: عَلى المُرِيدِ إقامَةَ المُواصَلاتِ وإدامَةَ التَّوَسُّلِ بِفُنُونِ القُرُباتِ، واثِقًا بِأنَّ ما قَدَّمَهُ مِن صِدْقِ المُجاهَداتِ سَتَزْكُو ثَمَرَتُهُ في آخِرِ الحالاتِ، وأنْشَدُوا: ؎سابِقْ إلى الخَيْرِ وبادِرْ بِهِ فَإنَّما خَلْفَكَ ما تَعْلَمُ ؎وقَدِّمِ الخَيْرَ فَكُلُّ امْرِئٍ ∗∗∗ عَلى الَّذِي قَدَّمَهُ يَقْدُمُ ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾: سَبَبُ نُزُولِها اخْتِصامُ نَصارى نَجْرانَ ويَهُودِ المَدِينَةِ، وتُناظُرُهم بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَتِ اليَهُودُ: ﴿لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]، وقالَتِ النَّصارى: ﴿لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]، وكَفَرُوا بِالتَّوْراةِ ومُوسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والضَّمِيرُ في: وقالُوا عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولَهم في القَوْلِ، لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ القَوْلَ صَدَرَ مِنَ الجَمِيعِ، بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهُما قالَ ذَلِكَ، لا أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ قالَ ذَلِكَ حاكِمًا عَلى أنَّ حَصْرَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولِذَلِكَ جاءَ في العَطْفِ بِـ ”أوْ“ الَّتِي هي لِلتَّفْصِيلِ والتَّنْوِيعِ، وأوْضَحَ ذَلِكَ العِلْمَ بِمُعاداةِ الفَرِيقَيْنِ، وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فامْتَنَعَ أنْ يَحْكُمَ كُلُّ فَرِيقٍ عَلى الآخَرِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، ونَظِيرُهُ في لَفِّ الضَّمِيرِ، وفي كَوْنِ أوْ لِلتَّفْصِيلِ قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ اليَهُودِيَّ لا يَأْمُرُ بِالنَّصْرانِيَّةِ، ولا النَّصْرانِيَّ يَأْمُرُ بِاليَهُودِيَّةِ، ولَمّا كانَ دُخُولُ الجَنَّةِ مُتَأخِّرًا، جاءَ النَّفْيُ بِـ ”لَنْ“ المُخَلِّصَةِ لِلِاسْتِقْبالِ، ومَن فاعِلَةٌ بِـ ”يَدْخُلَ“، وهو مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ، والمَعْنى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ إلّا مَن. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ بَدَلًا، أوْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، إذْ يُجِيزُ أنْ يُراعِيَ ذَلِكَ المَحْذُوفَ، ويَجْعَلَهُ هو الفاعِلَ، ويَحْذِفَهُ، وهو لَوْ كانَ مَلْفُوظًا بِهِ لَجازَ البَدَلُ والنَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، فَكَذَلِكَ إذا كانَ مَحْذُوفًا وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن، فَأُفْرِدَ الضَّمِيرُ في كانَ، ثُمَّ حُمِلَ عَلى المَعْنى، فَجُمِعَ في خَبَرِ كانَ فَقالَ: ﴿هُودًا أوْ نَصارى﴾ . وهُودٌ: جَمْعُ هائِدٍ، كَعائِدٍ وعُودٍ. وتَقَدَّمَ مُفْرَدُ النَّصارى ما هو أنَصْرانٌ أمْ نَصْرِيٌّ. وفي جَوازِ مِثْلِ هَذَيْنِ الحَمْلَيْنِ خِلافٌ، أعْنِي أنْ يَكُونَ الخَبَرُ غَيْرَ فِعْلٍ، بَلْ صِفَةً يُفْصَلُ بَيْنَ مُذَكَّرِها ومُؤَنَّثِها بِالتّاءِ نَحْوُ: مَن كانَ قائِمِينَ الزَّيْدُونَ، ومَن كانَ قائِمِينَ الزَّيْدانِ. فَمَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ وكَثِيرٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ جَوازُ ذَلِكَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى المَنعِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو العَبّاسِ، وهم مَحْجُوجُونَ بِثُبُوتِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ هُودًا في الأظْهَرِ جَمْعُ هائِدٍ، وهو مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يُفْصَلُ بَيْنَها وبَيْنَ مُؤَنَّثِها بِالتّاءِ، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وأيْقَظَ مَن كانَ مِنكم نِيامًا فَنِيامٌ: جَمْعُ نائِمٍ، وهو مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يُفْصَلُ بَيْنَ مُذَكَّرِها ومُؤَنَّثِها بِالتّاءِ، وقَدَّمَ هُودًا عَلى نَصارى لِتَقَدُّمِها في الزَّمانِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، فَحَمَلَ الِاسْمَ والخَبَرَ مَعًا عَلى اللَّفْظِ، وهو الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ. ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾: جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وطَلَبَ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ دَعْواهم. وتِلْكَ يُشارُ بِها إلى الواحِدَةِ المُفْرَدَةِ، وإلى الجَمْعِ غَيْرِ المُسَلَّمِ مِنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، فَحَمَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الجَمْعِ قالَ: أُشِيرَ بِها إلى الأمانِيِّ المَذْكُورَةِ، وهي أُمْنِيَّتُهم أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأُمْنِيَّتُهم أنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأُمْنِيَّتُهم أنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهم، أيْ تِلْكَ الأمانِيُّ الباطِلَةُ أمانِيُّهم. انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ ذُكِرَ فِيها وِدُّهم لِشَيْءٍ، فَقَدِ انْفَصَلَتْ وكُمِّلَتْ واسْتَقَلَّتْ في النُّزُولِ، فَيَبْعُدُ أنْ يُشارَ إلَيْها. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الوَجْهِ الثّانِي فَفِيهِ مَجازُ الحَذْفِ، وفِيهِ قَلْبُ الوَضْعِ، إذِ الأصْلُ أنْ يَكُونَ تِلْكَ مُبْتَدَأً، وأمانِيُّهم خَبَرًا. فَقَلَبَ هو الوَضْعَ، إذْ قالَ: أنَّ أمانِيَّهم في البُطْلانِ مِثْلُ أُمْنِيَّتِهِمْ هَذِهِ. وفِيهِ أنَّهُ مَتى كانَ الخَبَرُ مُشَبَّهًا بِهِ المُبْتَدَأُ، فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، مِثْلُ زَيْدٍ، زُهَيْرٌ: نَصَّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ. فَإنَّ تَقَدُّمَ (p-٣٥١)ما هو أصْلٌ في أنْ يُشَبَّهَ بِهِ، كانَ مِن عَكْسِ التَّشْبِيهِ ومِن بابِ المُبالَغَةِ، إذْ جُعِلَ الفَرْعُ أصْلًا والأصْلُ فَرْعًا كَقَوْلِكَ: الأسَدُ زَيْدٌ شَجاعَةً، والأظْهَرُ أنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى مَقالَتِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾، أيْ تِلْكَ المَقالَةُ أمانِيُّهم، أيْ لَيْسَ ذَلِكَ عَنْ تَحْقِيقٍ ولا دَلِيلٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، ولا مِن أخْبارٍ مِن رَسُولٍ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمَنِّي. وإنْ كانُوا هم جازِمِينَ بِمَقالَتِهِمْ، لَكِنَّها لَمّا لَمْ تَكُنْ عَنْ بُرْهانٍ، كانَتْ أمانِيَّ، والتَّمَنِّي يَقَعُ بِالجائِزِ والمُمْتَنِعِ. فَهَذا مِنَ المُمْتَنِعِ، ولِذَلِكَ أتى بِلَفْظِ الأمانِيِّ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ مَرْجُوّاتِهِمْ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ يَتَعَلَّقُ بِالجائِزِ، تَقُولُ: لَيْتَنِي طائِرٌ، ولا يَجُوزُ، لَعَلَّنِي طائِرٌ، وإنَّما أُفْرِدَ المُبْتَدَأُ لَفْظًا؛ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ المَقالَةِ، والمَقالَةُ مَصْدَرٌ يَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، فَأُرِيدَ بِها هُنا الكَثِيرُ بِاعْتِبارِ القائِلِينَ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الخَيْرُ، فَطابَقَ مِن حَيْثُ المَعْنى في الجَمْعِيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الأمانِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تِلْكَ أكاذِيبُهم وأباطِيلُهم، أوْ تِلْكَ مُخْتاراتُهم وشَهَواتُهم، أوْ تِلْكَ تِلاواتُهم. ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ مِنهُمُ الدَّعْوى بِأنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن ذَكَرُوا، طُولِبُوا بِالدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ دَعْواهم. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى نَفْيًا أوْ إثْباتًا، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ. وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، وهو قَبُولُ الشَّيْءِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا أهْدَمُ شَيْءٍ لِمَذْهَبِ المُقَلِّدِينَ، وإنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَهو باطِلٌ. إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَهاتُوا بُرْهانَكم، أيْ أوْضِحُوا دَعْوَتَكم. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّدْقِ هو دَعْواهم أنَّهم مُخْتَصُّونَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: صادِقِينَ في إيمانِكم. وقِيلَ: في أمانِيِّكم. وقِيلَ مَعْنى صادِقِينَ: صالِحِينَ كَما زَعَمْتُمْ، وكُلُّ ما أُضِيفَ إلى الصَّلاحِ والخَيْرِ أُضِيفَ إلى الصِّدْقِ. تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ، وصَدِيقُ صِدْقٍ، ودالَّةُ صِدْقٍ، ومِنهُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . وقِيلَ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهُ وعُهُودَهُ، ومِنهُ: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] . (بَلى): رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، وقَبْلَ ذَلِكَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وكِلاهُما فِيهِ نَفْيٌ وإيجابٌ، إلّا أنَّ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأزْمانِ، وهَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الفاعِلِينَ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ بَلى رَدٌّ لِما تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ مِنَ النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ لا بُرْهانَ لَكم عَلى صِدْقِ دَعْواكم، فَأثْبَتَ بِبِلى أنَّ لِمَن أسْلَمَ وجْهَهُ بُرْهانًا، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ. ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾: الكَلامُ في: مَن، كالكَلامِ في: مَن، مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، والأظْهَرُ أنَّها مُبْتَدَأةٌ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ فاعِلَةً، أيْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ، وإذا كانَتْ مُبْتَدَأةً، فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً. (p-٣٥٢)فالجُمْلَةُ بَعْدَها هي الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ (فَلَهُ أجْرُهُ) . وإذا كانَتْ مَوْصُولَةً، فالجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والخَبَرُ هو ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ مِنَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ، وإذا كانَتْ مَن فاعِلَةً فَقَوْلُهُ: (فَلَهُ أجْرُهُ) جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ الرّافِعِ لِمَن. والوَجْهُ هُنا يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجارِحَةُ خُصَّ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، أوْ لِأنَّهُ فِيهِ أكْثَرُ الحَواسِّ، أوْ لِأنَّهُ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الذّاتِ ومِنهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِهَةُ، والمَعْنى: أخْلَصَ طَرِيقَتَهُ في الدِّينِ لِلَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أخْلَصَ دِينَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْلَصَ عَمَلَهُ لِلَّهِ. وقِيلَ: قَصْدَهُ. وقِيلَ: فَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: خَضَعَ وتَواضَعَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وإنَّما يَقُولُها السَّلَفُ عَلى ضَرْبِ المِثالِ، لا عَلى أنَّها مُتَعَيَّنَةٌ يُخالِفُ بَعْضُها بَعْضًا. وهَذا نَظِيرُ ما يَقُولُهُ النَّحْوِيُّ: الفاعِلُ زَيْدٌ مِن قَوْلِكَ، قامَ زَيْدٌ، وآخَرُ يَقُولُ: جَعْفَرٌ مِن خَرَجَ جَعْفَرٌ، وآخَرُ يَقُولُ: عَمْرٌو مِنِ انْطَلَقَ عَمْرٌو، وهَذا أحْسَنُ ما يُظَنُّ بِالسَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فِيما جاءَ عَنْهم مِن هَذا النَّوْعِ. ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهي مُؤَكِّدَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ فَهو مُحْسِنٌ. وقَدْ قَيَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ الإحْسانَ بِالعَمَلِ؛ وجَعَلَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾: مَن أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ، لا يُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، وهو مُحْسِنٌ في عَمَلِهِ، فَصارَتِ الحالُ هُنا مُبَيِّنَةً، إذْ مَن لا يُشْرِكُ قِسْمانِ: مُحْسِنٌ في عَمَلِهِ، وغَيْرُ مُحْسِنٍ، وذَلِكَ مِنهُ جُنُوحٌ إلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ مِن أنَّ العَمَلَ لا بُدَّ مِنهُ، وأنَّهُ بِهِما يَسْتَوْجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾ الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ، وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقِيقَةَ الإحْسانِ الشَّرْعِيِّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ماهِيَّتِهِ فَقالَ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . وقَدْ فُسِّرَ هُنا الإحْسانُ بِالإخْلاصِ، وفُسِّرَ بِالإيمانِ، وفُسِّرَ بِالقِيامِ بِالأوامِرِ، والِانْتِهاءِ عَنِ المَناهِي. ﴿فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: العامِلُ في عِنْدَ هو العامِلُ في لَهُ، أيْ فَأجْرُهُ مُسْتَقِرٌّ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، ولَمّا أحالَ أجْرَهُ عَلى اللَّهِ أضافَ الظَّرْفَ إلى لَفْظَةِ رَبِّهِ، أيِ النّاظِرِ في مَصالِحِهِ ومُرَبِّيهِ ومُدَبِّرِ أحْوالِهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أطْمَعَ لَهُ، فَلِذَلِكَ أتى بِصِفَةِ الرَّبِّ، ولَمْ يَأْتِ بِالضَّمِيرِ العائِدِ عَلى اللَّهِ في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، ولا بِالظّاهِرِ بِلَفْظِ اللَّهِ. فَلَمْ يَأْتِ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَهُ، لِما ذَكَرْناهُ، ولِقَلَقِ الإتْيانِ بِهَذِهِ الضَّمائِرِ، ولَمْ يَأْتِ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، لِما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الرَّبِّ. ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾: جُمِعَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، وهَذا هو الأفْصَحُ، وهو أنْ يُبْدَأ أوَّلًا بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى المَعْنى. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقِراءَةِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: فَلا خَوْفُ، بِرَفْعِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، بِاخْتِلافٍ عَنْهُ. وقِراءَةِ الزُّهْرِيِّ وعِيسى الثَّقَفِيِّ ويَعْقُوبَ وغَيْرِهِمْ: فَلا خَوْفَ، بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وتَوْجِيهُ ذَلِكَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

البقرة 2:111

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: لَمّا أمَرَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، أمَرَ بِالمُواظَبَةِ عَلى عَمُودَيِ الإسْلامِ: العِبادَةِ البَدَنِيَّةِ، والعِبادَةِ المالِيَّةِ، إذِ الصَّلاةُ فِيها مُناجاةُ اللَّهِ تَعالى والتَّلَذُّذُ بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والزَّكاةُ فِيها الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالإيثارِ عَلى النَّفْسِ، فَأُمِرُوا بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الحَقِّ وبِالإحْسانِ إلى الخَلْقِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّما أمَرَ اللَّهِ هُنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِيَحُطَّ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى قَوْلِ اليَهُودِ: راعِنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ نَوْعِهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما يَحُطُّهُ. انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الظُّهُورُ. ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: لَمّا قَدَّمَ الأمْرَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ أتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عامَّةً لِجَمِيعِ أنْواعِ الخَيْرِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها الصَّلاةُ والزَّكاةُ وغَيْرُهُما. والقَوْلُ في إعْرابِ ما ومِن خَيْرٍ، كالقَوْلِ في إعْرابِ: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ، مِن أنَّهم قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَفْعُولَةً، ومِن خَيْرٍ: حالٌ أوْ مَصْدَرٌ، ومِن خَيْرٍ: مَفْعُولٌ، أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ: تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ، تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وهو الَّذِي اخْتَرْناهُ. لِأنْفُسِكم: مُتَعَلِّقٌ بِتُقَدِّمُوا، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِنَجاةِ أنْفُسِكم وحَياتِها، قالَ تَعالى: ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] . وقَدْ فُسِّرَ الخَيْرُ هُنا بِالزَّكاةِ والصَّدَقَةِ، والأظْهَرُ العُمُومُ، تَجِدُوهُ جَوابُ الشَّرْطِ، والهاءُ عائِدَةٌ عَلى ما، والخُيُورُ المُتَقَدِّمَةُ هي أفْعالٌ مُنْقَضِيَةٌ. ونَفْسُ ذَلِكَ المُنْقَضِي لا يُوجَدُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ تَجِدُوا ثَوابَهُ. فَجَعَلَ وُجُوبَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وُجُودًا لَهُ، وتَجِدُوهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الإصابَةِ. والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾، إمّا نَفْسُ الفِعْلِ، أوْ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ في مَعْنى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ تَجِدُوهُ مُدَّخَرًا ومُعَدًّا عِنْدَ اللَّهِ. والظَّرْفِيَّةُ هُنا المُكاتَبَةُ مُمْتَنِعَةٌ، وإنَّما هي مَجازٌ بِمَعْنى القَبْلِ، كَما تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي يَدٌ، أيْ في قَبْلِي، أوْ بِمَعْنى في عِلْمِ اللَّهِ نَحْوُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧]، أيْ في عِلْمِهِ وقَضائِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ بِالإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: المَجِيءُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ يَدُلُّ عَلى اسْتِقْلالِ الجُمَلِ، فَلِذَلِكَ جاءَ إنَّ اللَّهَ، ولَمْ يَجِئْ إنَّهُ، مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ في الكَلامِ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ ظاهِرَةُ التَّناسُبِ في خَتْمِ ما قَبْلَها بِها، تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ. وكَنّى بِقَوْلِهِ: بَصِيرٌ عَنْ عِلْمِ المُشاهَدِ، أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ عَمَلَ عامِلٍ ولا يُضَيِّعُهُ، ومَن كانَ مُبْصِرًا لِفِعْلِكَ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، هَلْ هو خَيْرٌ أوْ شَرٌّ، وأتى بِلَفْظِ ”بَصِيرٌ“ دُونَ مُبْصِرٍ، إمّا لِأنَّهُ مِن بَصُرَ، فَهو يَدُلُّ عَلى التَّمَكُّنِ والسَّجِيَّةِ في حَقِّ الإنْسانِ، أوْ لِأنَّهُ فَعِيلٌ لِلْمُبالِغَةِ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ. (p-٣٥٠)ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ، قالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: عَلى المُرِيدِ إقامَةَ المُواصَلاتِ وإدامَةَ التَّوَسُّلِ بِفُنُونِ القُرُباتِ، واثِقًا بِأنَّ ما قَدَّمَهُ مِن صِدْقِ المُجاهَداتِ سَتَزْكُو ثَمَرَتُهُ في آخِرِ الحالاتِ، وأنْشَدُوا: ؎سابِقْ إلى الخَيْرِ وبادِرْ بِهِ فَإنَّما خَلْفَكَ ما تَعْلَمُ ؎وقَدِّمِ الخَيْرَ فَكُلُّ امْرِئٍ ∗∗∗ عَلى الَّذِي قَدَّمَهُ يَقْدُمُ ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾: سَبَبُ نُزُولِها اخْتِصامُ نَصارى نَجْرانَ ويَهُودِ المَدِينَةِ، وتُناظُرُهم بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَتِ اليَهُودُ: ﴿لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]، وقالَتِ النَّصارى: ﴿لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]، وكَفَرُوا بِالتَّوْراةِ ومُوسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والضَّمِيرُ في: وقالُوا عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولَهم في القَوْلِ، لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ القَوْلَ صَدَرَ مِنَ الجَمِيعِ، بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهُما قالَ ذَلِكَ، لا أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ قالَ ذَلِكَ حاكِمًا عَلى أنَّ حَصْرَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولِذَلِكَ جاءَ في العَطْفِ بِـ ”أوْ“ الَّتِي هي لِلتَّفْصِيلِ والتَّنْوِيعِ، وأوْضَحَ ذَلِكَ العِلْمَ بِمُعاداةِ الفَرِيقَيْنِ، وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فامْتَنَعَ أنْ يَحْكُمَ كُلُّ فَرِيقٍ عَلى الآخَرِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، ونَظِيرُهُ في لَفِّ الضَّمِيرِ، وفي كَوْنِ أوْ لِلتَّفْصِيلِ قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ اليَهُودِيَّ لا يَأْمُرُ بِالنَّصْرانِيَّةِ، ولا النَّصْرانِيَّ يَأْمُرُ بِاليَهُودِيَّةِ، ولَمّا كانَ دُخُولُ الجَنَّةِ مُتَأخِّرًا، جاءَ النَّفْيُ بِـ ”لَنْ“ المُخَلِّصَةِ لِلِاسْتِقْبالِ، ومَن فاعِلَةٌ بِـ ”يَدْخُلَ“، وهو مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ، والمَعْنى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ إلّا مَن. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ بَدَلًا، أوْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، إذْ يُجِيزُ أنْ يُراعِيَ ذَلِكَ المَحْذُوفَ، ويَجْعَلَهُ هو الفاعِلَ، ويَحْذِفَهُ، وهو لَوْ كانَ مَلْفُوظًا بِهِ لَجازَ البَدَلُ والنَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، فَكَذَلِكَ إذا كانَ مَحْذُوفًا وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن، فَأُفْرِدَ الضَّمِيرُ في كانَ، ثُمَّ حُمِلَ عَلى المَعْنى، فَجُمِعَ في خَبَرِ كانَ فَقالَ: ﴿هُودًا أوْ نَصارى﴾ . وهُودٌ: جَمْعُ هائِدٍ، كَعائِدٍ وعُودٍ. وتَقَدَّمَ مُفْرَدُ النَّصارى ما هو أنَصْرانٌ أمْ نَصْرِيٌّ. وفي جَوازِ مِثْلِ هَذَيْنِ الحَمْلَيْنِ خِلافٌ، أعْنِي أنْ يَكُونَ الخَبَرُ غَيْرَ فِعْلٍ، بَلْ صِفَةً يُفْصَلُ بَيْنَ مُذَكَّرِها ومُؤَنَّثِها بِالتّاءِ نَحْوُ: مَن كانَ قائِمِينَ الزَّيْدُونَ، ومَن كانَ قائِمِينَ الزَّيْدانِ. فَمَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ وكَثِيرٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ جَوازُ ذَلِكَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى المَنعِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو العَبّاسِ، وهم مَحْجُوجُونَ بِثُبُوتِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ هُودًا في الأظْهَرِ جَمْعُ هائِدٍ، وهو مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يُفْصَلُ بَيْنَها وبَيْنَ مُؤَنَّثِها بِالتّاءِ، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وأيْقَظَ مَن كانَ مِنكم نِيامًا فَنِيامٌ: جَمْعُ نائِمٍ، وهو مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يُفْصَلُ بَيْنَ مُذَكَّرِها ومُؤَنَّثِها بِالتّاءِ، وقَدَّمَ هُودًا عَلى نَصارى لِتَقَدُّمِها في الزَّمانِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، فَحَمَلَ الِاسْمَ والخَبَرَ مَعًا عَلى اللَّفْظِ، وهو الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ. ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾: جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وطَلَبَ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ دَعْواهم. وتِلْكَ يُشارُ بِها إلى الواحِدَةِ المُفْرَدَةِ، وإلى الجَمْعِ غَيْرِ المُسَلَّمِ مِنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، فَحَمَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الجَمْعِ قالَ: أُشِيرَ بِها إلى الأمانِيِّ المَذْكُورَةِ، وهي أُمْنِيَّتُهم أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأُمْنِيَّتُهم أنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأُمْنِيَّتُهم أنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهم، أيْ تِلْكَ الأمانِيُّ الباطِلَةُ أمانِيُّهم. انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ ذُكِرَ فِيها وِدُّهم لِشَيْءٍ، فَقَدِ انْفَصَلَتْ وكُمِّلَتْ واسْتَقَلَّتْ في النُّزُولِ، فَيَبْعُدُ أنْ يُشارَ إلَيْها. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الوَجْهِ الثّانِي فَفِيهِ مَجازُ الحَذْفِ، وفِيهِ قَلْبُ الوَضْعِ، إذِ الأصْلُ أنْ يَكُونَ تِلْكَ مُبْتَدَأً، وأمانِيُّهم خَبَرًا. فَقَلَبَ هو الوَضْعَ، إذْ قالَ: أنَّ أمانِيَّهم في البُطْلانِ مِثْلُ أُمْنِيَّتِهِمْ هَذِهِ. وفِيهِ أنَّهُ مَتى كانَ الخَبَرُ مُشَبَّهًا بِهِ المُبْتَدَأُ، فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، مِثْلُ زَيْدٍ، زُهَيْرٌ: نَصَّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ. فَإنَّ تَقَدُّمَ (p-٣٥١)ما هو أصْلٌ في أنْ يُشَبَّهَ بِهِ، كانَ مِن عَكْسِ التَّشْبِيهِ ومِن بابِ المُبالَغَةِ، إذْ جُعِلَ الفَرْعُ أصْلًا والأصْلُ فَرْعًا كَقَوْلِكَ: الأسَدُ زَيْدٌ شَجاعَةً، والأظْهَرُ أنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى مَقالَتِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾، أيْ تِلْكَ المَقالَةُ أمانِيُّهم، أيْ لَيْسَ ذَلِكَ عَنْ تَحْقِيقٍ ولا دَلِيلٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، ولا مِن أخْبارٍ مِن رَسُولٍ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمَنِّي. وإنْ كانُوا هم جازِمِينَ بِمَقالَتِهِمْ، لَكِنَّها لَمّا لَمْ تَكُنْ عَنْ بُرْهانٍ، كانَتْ أمانِيَّ، والتَّمَنِّي يَقَعُ بِالجائِزِ والمُمْتَنِعِ. فَهَذا مِنَ المُمْتَنِعِ، ولِذَلِكَ أتى بِلَفْظِ الأمانِيِّ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ مَرْجُوّاتِهِمْ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ يَتَعَلَّقُ بِالجائِزِ، تَقُولُ: لَيْتَنِي طائِرٌ، ولا يَجُوزُ، لَعَلَّنِي طائِرٌ، وإنَّما أُفْرِدَ المُبْتَدَأُ لَفْظًا؛ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ المَقالَةِ، والمَقالَةُ مَصْدَرٌ يَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، فَأُرِيدَ بِها هُنا الكَثِيرُ بِاعْتِبارِ القائِلِينَ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الخَيْرُ، فَطابَقَ مِن حَيْثُ المَعْنى في الجَمْعِيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الأمانِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تِلْكَ أكاذِيبُهم وأباطِيلُهم، أوْ تِلْكَ مُخْتاراتُهم وشَهَواتُهم، أوْ تِلْكَ تِلاواتُهم. ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ مِنهُمُ الدَّعْوى بِأنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن ذَكَرُوا، طُولِبُوا بِالدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ دَعْواهم. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى نَفْيًا أوْ إثْباتًا، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ. وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، وهو قَبُولُ الشَّيْءِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا أهْدَمُ شَيْءٍ لِمَذْهَبِ المُقَلِّدِينَ، وإنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَهو باطِلٌ. إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَهاتُوا بُرْهانَكم، أيْ أوْضِحُوا دَعْوَتَكم. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّدْقِ هو دَعْواهم أنَّهم مُخْتَصُّونَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: صادِقِينَ في إيمانِكم. وقِيلَ: في أمانِيِّكم. وقِيلَ مَعْنى صادِقِينَ: صالِحِينَ كَما زَعَمْتُمْ، وكُلُّ ما أُضِيفَ إلى الصَّلاحِ والخَيْرِ أُضِيفَ إلى الصِّدْقِ. تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ، وصَدِيقُ صِدْقٍ، ودالَّةُ صِدْقٍ، ومِنهُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . وقِيلَ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهُ وعُهُودَهُ، ومِنهُ: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] . (بَلى): رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، وقَبْلَ ذَلِكَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وكِلاهُما فِيهِ نَفْيٌ وإيجابٌ، إلّا أنَّ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأزْمانِ، وهَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الفاعِلِينَ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ بَلى رَدٌّ لِما تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ مِنَ النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ لا بُرْهانَ لَكم عَلى صِدْقِ دَعْواكم، فَأثْبَتَ بِبِلى أنَّ لِمَن أسْلَمَ وجْهَهُ بُرْهانًا، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ. ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾: الكَلامُ في: مَن، كالكَلامِ في: مَن، مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، والأظْهَرُ أنَّها مُبْتَدَأةٌ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ فاعِلَةً، أيْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ، وإذا كانَتْ مُبْتَدَأةً، فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً. (p-٣٥٢)فالجُمْلَةُ بَعْدَها هي الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ (فَلَهُ أجْرُهُ) . وإذا كانَتْ مَوْصُولَةً، فالجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والخَبَرُ هو ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ مِنَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ، وإذا كانَتْ مَن فاعِلَةً فَقَوْلُهُ: (فَلَهُ أجْرُهُ) جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ الرّافِعِ لِمَن. والوَجْهُ هُنا يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجارِحَةُ خُصَّ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، أوْ لِأنَّهُ فِيهِ أكْثَرُ الحَواسِّ، أوْ لِأنَّهُ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الذّاتِ ومِنهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِهَةُ، والمَعْنى: أخْلَصَ طَرِيقَتَهُ في الدِّينِ لِلَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أخْلَصَ دِينَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْلَصَ عَمَلَهُ لِلَّهِ. وقِيلَ: قَصْدَهُ. وقِيلَ: فَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: خَضَعَ وتَواضَعَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وإنَّما يَقُولُها السَّلَفُ عَلى ضَرْبِ المِثالِ، لا عَلى أنَّها مُتَعَيَّنَةٌ يُخالِفُ بَعْضُها بَعْضًا. وهَذا نَظِيرُ ما يَقُولُهُ النَّحْوِيُّ: الفاعِلُ زَيْدٌ مِن قَوْلِكَ، قامَ زَيْدٌ، وآخَرُ يَقُولُ: جَعْفَرٌ مِن خَرَجَ جَعْفَرٌ، وآخَرُ يَقُولُ: عَمْرٌو مِنِ انْطَلَقَ عَمْرٌو، وهَذا أحْسَنُ ما يُظَنُّ بِالسَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فِيما جاءَ عَنْهم مِن هَذا النَّوْعِ. ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهي مُؤَكِّدَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ فَهو مُحْسِنٌ. وقَدْ قَيَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ الإحْسانَ بِالعَمَلِ؛ وجَعَلَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾: مَن أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ، لا يُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، وهو مُحْسِنٌ في عَمَلِهِ، فَصارَتِ الحالُ هُنا مُبَيِّنَةً، إذْ مَن لا يُشْرِكُ قِسْمانِ: مُحْسِنٌ في عَمَلِهِ، وغَيْرُ مُحْسِنٍ، وذَلِكَ مِنهُ جُنُوحٌ إلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ مِن أنَّ العَمَلَ لا بُدَّ مِنهُ، وأنَّهُ بِهِما يَسْتَوْجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾ الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ، وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقِيقَةَ الإحْسانِ الشَّرْعِيِّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ماهِيَّتِهِ فَقالَ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . وقَدْ فُسِّرَ هُنا الإحْسانُ بِالإخْلاصِ، وفُسِّرَ بِالإيمانِ، وفُسِّرَ بِالقِيامِ بِالأوامِرِ، والِانْتِهاءِ عَنِ المَناهِي. ﴿فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: العامِلُ في عِنْدَ هو العامِلُ في لَهُ، أيْ فَأجْرُهُ مُسْتَقِرٌّ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، ولَمّا أحالَ أجْرَهُ عَلى اللَّهِ أضافَ الظَّرْفَ إلى لَفْظَةِ رَبِّهِ، أيِ النّاظِرِ في مَصالِحِهِ ومُرَبِّيهِ ومُدَبِّرِ أحْوالِهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أطْمَعَ لَهُ، فَلِذَلِكَ أتى بِصِفَةِ الرَّبِّ، ولَمْ يَأْتِ بِالضَّمِيرِ العائِدِ عَلى اللَّهِ في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، ولا بِالظّاهِرِ بِلَفْظِ اللَّهِ. فَلَمْ يَأْتِ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَهُ، لِما ذَكَرْناهُ، ولِقَلَقِ الإتْيانِ بِهَذِهِ الضَّمائِرِ، ولَمْ يَأْتِ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، لِما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الرَّبِّ. ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾: جُمِعَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، وهَذا هو الأفْصَحُ، وهو أنْ يُبْدَأ أوَّلًا بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى المَعْنى. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقِراءَةِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: فَلا خَوْفُ، بِرَفْعِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، بِاخْتِلافٍ عَنْهُ. وقِراءَةِ الزُّهْرِيِّ وعِيسى الثَّقَفِيِّ ويَعْقُوبَ وغَيْرِهِمْ: فَلا خَوْفَ، بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وتَوْجِيهُ ذَلِكَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

البقرة 2:112

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: لَمّا أمَرَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، أمَرَ بِالمُواظَبَةِ عَلى عَمُودَيِ الإسْلامِ: العِبادَةِ البَدَنِيَّةِ، والعِبادَةِ المالِيَّةِ، إذِ الصَّلاةُ فِيها مُناجاةُ اللَّهِ تَعالى والتَّلَذُّذُ بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والزَّكاةُ فِيها الإحْسانُ إلى الخَلْقِ بِالإيثارِ عَلى النَّفْسِ، فَأُمِرُوا بِالوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الحَقِّ وبِالإحْسانِ إلى الخَلْقِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّما أمَرَ اللَّهِ هُنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِيَحُطَّ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى قَوْلِ اليَهُودِ: راعِنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ نَوْعِهِ، ثُمَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما يَحُطُّهُ. انْتَهى كَلامُهُ. ولَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الظُّهُورُ. ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: لَمّا قَدَّمَ الأمْرَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ أتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عامَّةً لِجَمِيعِ أنْواعِ الخَيْرِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها الصَّلاةُ والزَّكاةُ وغَيْرُهُما. والقَوْلُ في إعْرابِ ما ومِن خَيْرٍ، كالقَوْلِ في إعْرابِ: ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ، مِن أنَّهم قالُوا: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَفْعُولَةً، ومِن خَيْرٍ: حالٌ أوْ مَصْدَرٌ، ومِن خَيْرٍ: مَفْعُولٌ، أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ: تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولَةٌ، ومِن خَيْرٍ، تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وهو الَّذِي اخْتَرْناهُ. لِأنْفُسِكم: مُتَعَلِّقٌ بِتُقَدِّمُوا، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لِنَجاةِ أنْفُسِكم وحَياتِها، قالَ تَعالى: ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] . وقَدْ فُسِّرَ الخَيْرُ هُنا بِالزَّكاةِ والصَّدَقَةِ، والأظْهَرُ العُمُومُ، تَجِدُوهُ جَوابُ الشَّرْطِ، والهاءُ عائِدَةٌ عَلى ما، والخُيُورُ المُتَقَدِّمَةُ هي أفْعالٌ مُنْقَضِيَةٌ. ونَفْسُ ذَلِكَ المُنْقَضِي لا يُوجَدُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ تَجِدُوا ثَوابَهُ. فَجَعَلَ وُجُوبَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وُجُودًا لَهُ، وتَجِدُوهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الإصابَةِ. والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾، إمّا نَفْسُ الفِعْلِ، أوْ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ في مَعْنى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ تَجِدُوهُ مُدَّخَرًا ومُعَدًّا عِنْدَ اللَّهِ. والظَّرْفِيَّةُ هُنا المُكاتَبَةُ مُمْتَنِعَةٌ، وإنَّما هي مَجازٌ بِمَعْنى القَبْلِ، كَما تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي يَدٌ، أيْ في قَبْلِي، أوْ بِمَعْنى في عِلْمِ اللَّهِ نَحْوُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧]، أيْ في عِلْمِهِ وقَضائِهِ، أوْ بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ بِالإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: المَجِيءُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ يَدُلُّ عَلى اسْتِقْلالِ الجُمَلِ، فَلِذَلِكَ جاءَ إنَّ اللَّهَ، ولَمْ يَجِئْ إنَّهُ، مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ في الكَلامِ. وهَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ ظاهِرَةُ التَّناسُبِ في خَتْمِ ما قَبْلَها بِها، تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ. وكَنّى بِقَوْلِهِ: بَصِيرٌ عَنْ عِلْمِ المُشاهَدِ، أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ عَمَلَ عامِلٍ ولا يُضَيِّعُهُ، ومَن كانَ مُبْصِرًا لِفِعْلِكَ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، هَلْ هو خَيْرٌ أوْ شَرٌّ، وأتى بِلَفْظِ ”بَصِيرٌ“ دُونَ مُبْصِرٍ، إمّا لِأنَّهُ مِن بَصُرَ، فَهو يَدُلُّ عَلى التَّمَكُّنِ والسَّجِيَّةِ في حَقِّ الإنْسانِ، أوْ لِأنَّهُ فَعِيلٌ لِلْمُبالِغَةِ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ. (p-٣٥٠)ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ، قالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: عَلى المُرِيدِ إقامَةَ المُواصَلاتِ وإدامَةَ التَّوَسُّلِ بِفُنُونِ القُرُباتِ، واثِقًا بِأنَّ ما قَدَّمَهُ مِن صِدْقِ المُجاهَداتِ سَتَزْكُو ثَمَرَتُهُ في آخِرِ الحالاتِ، وأنْشَدُوا: ؎سابِقْ إلى الخَيْرِ وبادِرْ بِهِ فَإنَّما خَلْفَكَ ما تَعْلَمُ ؎وقَدِّمِ الخَيْرَ فَكُلُّ امْرِئٍ ∗∗∗ عَلى الَّذِي قَدَّمَهُ يَقْدُمُ ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾: سَبَبُ نُزُولِها اخْتِصامُ نَصارى نَجْرانَ ويَهُودِ المَدِينَةِ، وتُناظُرُهم بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَتِ اليَهُودُ: ﴿لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]، وقالَتِ النَّصارى: ﴿لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]، وكَفَرُوا بِالتَّوْراةِ ومُوسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والضَّمِيرُ في: وقالُوا عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولَهم في القَوْلِ، لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ القَوْلَ صَدَرَ مِنَ الجَمِيعِ، بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهُما قالَ ذَلِكَ، لا أنَّ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ قالَ ذَلِكَ حاكِمًا عَلى أنَّ حَصْرَ دُخُولِ الجَنَّةِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولِذَلِكَ جاءَ في العَطْفِ بِـ ”أوْ“ الَّتِي هي لِلتَّفْصِيلِ والتَّنْوِيعِ، وأوْضَحَ ذَلِكَ العِلْمَ بِمُعاداةِ الفَرِيقَيْنِ، وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فامْتَنَعَ أنْ يَحْكُمَ كُلُّ فَرِيقٍ عَلى الآخَرِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، ونَظِيرُهُ في لَفِّ الضَّمِيرِ، وفي كَوْنِ أوْ لِلتَّفْصِيلِ قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ اليَهُودِيَّ لا يَأْمُرُ بِالنَّصْرانِيَّةِ، ولا النَّصْرانِيَّ يَأْمُرُ بِاليَهُودِيَّةِ، ولَمّا كانَ دُخُولُ الجَنَّةِ مُتَأخِّرًا، جاءَ النَّفْيُ بِـ ”لَنْ“ المُخَلِّصَةِ لِلِاسْتِقْبالِ، ومَن فاعِلَةٌ بِـ ”يَدْخُلَ“، وهو مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ، والمَعْنى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ إلّا مَن. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ بَدَلًا، أوْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ، إذْ يُجِيزُ أنْ يُراعِيَ ذَلِكَ المَحْذُوفَ، ويَجْعَلَهُ هو الفاعِلَ، ويَحْذِفَهُ، وهو لَوْ كانَ مَلْفُوظًا بِهِ لَجازَ البَدَلُ والنَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، فَكَذَلِكَ إذا كانَ مَحْذُوفًا وحُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ مَن، فَأُفْرِدَ الضَّمِيرُ في كانَ، ثُمَّ حُمِلَ عَلى المَعْنى، فَجُمِعَ في خَبَرِ كانَ فَقالَ: ﴿هُودًا أوْ نَصارى﴾ . وهُودٌ: جَمْعُ هائِدٍ، كَعائِدٍ وعُودٍ. وتَقَدَّمَ مُفْرَدُ النَّصارى ما هو أنَصْرانٌ أمْ نَصْرِيٌّ. وفي جَوازِ مِثْلِ هَذَيْنِ الحَمْلَيْنِ خِلافٌ، أعْنِي أنْ يَكُونَ الخَبَرُ غَيْرَ فِعْلٍ، بَلْ صِفَةً يُفْصَلُ بَيْنَ مُذَكَّرِها ومُؤَنَّثِها بِالتّاءِ نَحْوُ: مَن كانَ قائِمِينَ الزَّيْدُونَ، ومَن كانَ قائِمِينَ الزَّيْدانِ. فَمَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ وكَثِيرٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ جَوازُ ذَلِكَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى المَنعِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو العَبّاسِ، وهم مَحْجُوجُونَ بِثُبُوتِ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ هُودًا في الأظْهَرِ جَمْعُ هائِدٍ، وهو مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يُفْصَلُ بَيْنَها وبَيْنَ مُؤَنَّثِها بِالتّاءِ، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وأيْقَظَ مَن كانَ مِنكم نِيامًا فَنِيامٌ: جَمْعُ نائِمٍ، وهو مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يُفْصَلُ بَيْنَ مُذَكَّرِها ومُؤَنَّثِها بِالتّاءِ، وقَدَّمَ هُودًا عَلى نَصارى لِتَقَدُّمِها في الزَّمانِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، فَحَمَلَ الِاسْمَ والخَبَرَ مَعًا عَلى اللَّفْظِ، وهو الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ. ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾: جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وطَلَبَ الدَّلِيلَ عَلى صِحَّةِ دَعْواهم. وتِلْكَ يُشارُ بِها إلى الواحِدَةِ المُفْرَدَةِ، وإلى الجَمْعِ غَيْرِ المُسَلَّمِ مِنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، فَحَمَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الجَمْعِ قالَ: أُشِيرَ بِها إلى الأمانِيِّ المَذْكُورَةِ، وهي أُمْنِيَّتُهم أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأُمْنِيَّتُهم أنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأُمْنِيَّتُهم أنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهم، أيْ تِلْكَ الأمانِيُّ الباطِلَةُ أمانِيُّهم. انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ لَيْسَ بِظاهِرٍ؛ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ ذُكِرَ فِيها وِدُّهم لِشَيْءٍ، فَقَدِ انْفَصَلَتْ وكُمِّلَتْ واسْتَقَلَّتْ في النُّزُولِ، فَيَبْعُدُ أنْ يُشارَ إلَيْها. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الوَجْهِ الثّانِي فَفِيهِ مَجازُ الحَذْفِ، وفِيهِ قَلْبُ الوَضْعِ، إذِ الأصْلُ أنْ يَكُونَ تِلْكَ مُبْتَدَأً، وأمانِيُّهم خَبَرًا. فَقَلَبَ هو الوَضْعَ، إذْ قالَ: أنَّ أمانِيَّهم في البُطْلانِ مِثْلُ أُمْنِيَّتِهِمْ هَذِهِ. وفِيهِ أنَّهُ مَتى كانَ الخَبَرُ مُشَبَّهًا بِهِ المُبْتَدَأُ، فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، مِثْلُ زَيْدٍ، زُهَيْرٌ: نَصَّ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ. فَإنَّ تَقَدُّمَ (p-٣٥١)ما هو أصْلٌ في أنْ يُشَبَّهَ بِهِ، كانَ مِن عَكْسِ التَّشْبِيهِ ومِن بابِ المُبالَغَةِ، إذْ جُعِلَ الفَرْعُ أصْلًا والأصْلُ فَرْعًا كَقَوْلِكَ: الأسَدُ زَيْدٌ شَجاعَةً، والأظْهَرُ أنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى مَقالَتِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾، أيْ تِلْكَ المَقالَةُ أمانِيُّهم، أيْ لَيْسَ ذَلِكَ عَنْ تَحْقِيقٍ ولا دَلِيلٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، ولا مِن أخْبارٍ مِن رَسُولٍ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمَنِّي. وإنْ كانُوا هم جازِمِينَ بِمَقالَتِهِمْ، لَكِنَّها لَمّا لَمْ تَكُنْ عَنْ بُرْهانٍ، كانَتْ أمانِيَّ، والتَّمَنِّي يَقَعُ بِالجائِزِ والمُمْتَنِعِ. فَهَذا مِنَ المُمْتَنِعِ، ولِذَلِكَ أتى بِلَفْظِ الأمانِيِّ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ مَرْجُوّاتِهِمْ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ يَتَعَلَّقُ بِالجائِزِ، تَقُولُ: لَيْتَنِي طائِرٌ، ولا يَجُوزُ، لَعَلَّنِي طائِرٌ، وإنَّما أُفْرِدَ المُبْتَدَأُ لَفْظًا؛ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ المَقالَةِ، والمَقالَةُ مَصْدَرٌ يَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، فَأُرِيدَ بِها هُنا الكَثِيرُ بِاعْتِبارِ القائِلِينَ، ولِذَلِكَ جُمِعَ الخَيْرُ، فَطابَقَ مِن حَيْثُ المَعْنى في الجَمْعِيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الأمانِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تِلْكَ أكاذِيبُهم وأباطِيلُهم، أوْ تِلْكَ مُخْتاراتُهم وشَهَواتُهم، أوْ تِلْكَ تِلاواتُهم. ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ مِنهُمُ الدَّعْوى بِأنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن ذَكَرُوا، طُولِبُوا بِالدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ دَعْواهم. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى نَفْيًا أوْ إثْباتًا، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ. وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، وهو قَبُولُ الشَّيْءِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا أهْدَمُ شَيْءٍ لِمَذْهَبِ المُقَلِّدِينَ، وإنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَهو باطِلٌ. إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَهاتُوا بُرْهانَكم، أيْ أوْضِحُوا دَعْوَتَكم. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّدْقِ هو دَعْواهم أنَّهم مُخْتَصُّونَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. وقِيلَ: صادِقِينَ في إيمانِكم. وقِيلَ: في أمانِيِّكم. وقِيلَ مَعْنى صادِقِينَ: صالِحِينَ كَما زَعَمْتُمْ، وكُلُّ ما أُضِيفَ إلى الصَّلاحِ والخَيْرِ أُضِيفَ إلى الصِّدْقِ. تَقُولُ: رَجُلُ صِدْقٍ، وصَدِيقُ صِدْقٍ، ودالَّةُ صِدْقٍ، ومِنهُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . وقِيلَ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهُ وعُهُودَهُ، ومِنهُ: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] . (بَلى): رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، وقَبْلَ ذَلِكَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وكِلاهُما فِيهِ نَفْيٌ وإيجابٌ، إلّا أنَّ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأزْمانِ، وهَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الفاعِلِينَ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ بَلى رَدٌّ لِما تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ مِنَ النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ لا بُرْهانَ لَكم عَلى صِدْقِ دَعْواكم، فَأثْبَتَ بِبِلى أنَّ لِمَن أسْلَمَ وجْهَهُ بُرْهانًا، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ. ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾: الكَلامُ في: مَن، كالكَلامِ في: مَن، مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، والأظْهَرُ أنَّها مُبْتَدَأةٌ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ فاعِلَةً، أيْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ، وإذا كانَتْ مُبْتَدَأةً، فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً. (p-٣٥٢)فالجُمْلَةُ بَعْدَها هي الخَبَرُ، وجَوابُ الشَّرْطِ (فَلَهُ أجْرُهُ) . وإذا كانَتْ مَوْصُولَةً، فالجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والخَبَرُ هو ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ مِنَ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ، وإذا كانَتْ مَن فاعِلَةً فَقَوْلُهُ: (فَلَهُ أجْرُهُ) جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ الرّافِعِ لِمَن. والوَجْهُ هُنا يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجارِحَةُ خُصَّ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، أوْ لِأنَّهُ فِيهِ أكْثَرُ الحَواسِّ، أوْ لِأنَّهُ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الذّاتِ ومِنهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِهَةُ، والمَعْنى: أخْلَصَ طَرِيقَتَهُ في الدِّينِ لِلَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: أخْلَصَ دِينَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْلَصَ عَمَلَهُ لِلَّهِ. وقِيلَ: قَصْدَهُ. وقِيلَ: فَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: خَضَعَ وتَواضَعَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وإنَّما يَقُولُها السَّلَفُ عَلى ضَرْبِ المِثالِ، لا عَلى أنَّها مُتَعَيَّنَةٌ يُخالِفُ بَعْضُها بَعْضًا. وهَذا نَظِيرُ ما يَقُولُهُ النَّحْوِيُّ: الفاعِلُ زَيْدٌ مِن قَوْلِكَ، قامَ زَيْدٌ، وآخَرُ يَقُولُ: جَعْفَرٌ مِن خَرَجَ جَعْفَرٌ، وآخَرُ يَقُولُ: عَمْرٌو مِنِ انْطَلَقَ عَمْرٌو، وهَذا أحْسَنُ ما يُظَنُّ بِالسَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فِيما جاءَ عَنْهم مِن هَذا النَّوْعِ. ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهي مُؤَكِّدَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ فَهو مُحْسِنٌ. وقَدْ قَيَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ الإحْسانَ بِالعَمَلِ؛ وجَعَلَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾: مَن أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ، لا يُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، وهو مُحْسِنٌ في عَمَلِهِ، فَصارَتِ الحالُ هُنا مُبَيِّنَةً، إذْ مَن لا يُشْرِكُ قِسْمانِ: مُحْسِنٌ في عَمَلِهِ، وغَيْرُ مُحْسِنٍ، وذَلِكَ مِنهُ جُنُوحٌ إلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ مِن أنَّ العَمَلَ لا بُدَّ مِنهُ، وأنَّهُ بِهِما يَسْتَوْجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾ الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ، وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقِيقَةَ الإحْسانِ الشَّرْعِيِّ حِينَ سُئِلَ عَنْ ماهِيَّتِهِ فَقالَ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» . وقَدْ فُسِّرَ هُنا الإحْسانُ بِالإخْلاصِ، وفُسِّرَ بِالإيمانِ، وفُسِّرَ بِالقِيامِ بِالأوامِرِ، والِانْتِهاءِ عَنِ المَناهِي. ﴿فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: العامِلُ في عِنْدَ هو العامِلُ في لَهُ، أيْ فَأجْرُهُ مُسْتَقِرٌّ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، ولَمّا أحالَ أجْرَهُ عَلى اللَّهِ أضافَ الظَّرْفَ إلى لَفْظَةِ رَبِّهِ، أيِ النّاظِرِ في مَصالِحِهِ ومُرَبِّيهِ ومُدَبِّرِ أحْوالِهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أطْمَعَ لَهُ، فَلِذَلِكَ أتى بِصِفَةِ الرَّبِّ، ولَمْ يَأْتِ بِالضَّمِيرِ العائِدِ عَلى اللَّهِ في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، ولا بِالظّاهِرِ بِلَفْظِ اللَّهِ. فَلَمْ يَأْتِ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَهُ، لِما ذَكَرْناهُ، ولِقَلَقِ الإتْيانِ بِهَذِهِ الضَّمائِرِ، ولَمْ يَأْتِ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ، لِما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الرَّبِّ. ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾: جُمِعَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ حَمْلًا عَلى مَعْنى مَن، وحُمِلَ أوَّلًا عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، وهَذا هو الأفْصَحُ، وهو أنْ يُبْدَأ أوَّلًا بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى المَعْنى. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وقِراءَةِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: فَلا خَوْفُ، بِرَفْعِ الفاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، بِاخْتِلافٍ عَنْهُ. وقِراءَةِ الزُّهْرِيِّ وعِيسى الثَّقَفِيِّ ويَعْقُوبَ وغَيْرِهِمْ: فَلا خَوْفَ، بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وتَوْجِيهُ ذَلِكَ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

البقرة 2:113

﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾، قِيلَ: المُرادُ عامَّةُ اليَهُودِ وعامَّةُ النَّصارى، فَهَذا مِنَ الإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وتَكُونُ ألْ لِلْجِنْسِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ تَقْرِيعٌ لِمَن بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وتَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ إذْ كَذَّبُوا بِالرُّسُلِ وبِالكُتُبِ قَبْلَهُ. وقِيلَ: المُرادُ يَهُودُ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ، حَيْثُ تَمارَوْا عِنْدَ الرَّسُولِ وتَسابُّوا، وأنْكَرَتِ اليَهُودُ الإنْجِيلَ ونُبُوَّةَ عِيسى، وأنْكَرَتِ النَّصارى التَّوْراةَ ونُبُوَّةَ مُوسى. فَتَكُونُ حِكايَةَ حالٍ، وألْ لِلْعَهْدِ، أوِ المُرادُ بِذَلِكَ رَجُلانِ: رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، يُقالُ لَهُ نافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ، قالَ لِنَصارى نَجْرانَ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، وقالَ رَجُلٌ مِن نَصارى نَجْرانَ لِلْيَهُودِ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، فَيَكُونُ قَدْ نُسِبَ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ، حَيْثُ وقَعَ مِن بَعْضِهِمْ، كَما يُقالُ: قَتَلَ بَنُو تَمِيمٍ فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ والتَّوَسُّعِ ونِسْبَةِ الحُكْمِ الصّادِرِ مِنَ الواحِدِ إلى الجَمْعِ. وهو طَرِيقٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ في كَلامِها، (p-٣٥٣)نَثْرِها ونَظْمِها. ولَمّا جَمَعَهم في المَقالَةِ الأُولى، وهي: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، فَصَلَهم في هَذِهِ الآيَةِ، وبَيَّنَ قَوْلَ كُلِّ فَرِيقٍ في الآخَرِ. وعَلى شَيْءٍ: في مَوْضِعِ خَبَرِ لَيْسَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ في الدِّينِ، فَيَكُونَ مِن بابِ حَذْفِ الصِّفَةِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ: ؎لَقَدْ وقَعْتُ عَلى لَحْمٍ أيْ لَحْمٍ مَنِيعٍ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ، أيْ مِن أهْلِكَ النّاجِينَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ كُلًّا مِنهم عَلى شَيْءٍ، أوْ يَكُونَ ذَلِكَ نَفْيًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ العَظِيمَةِ، إذْ جَعَلَ ما هُما عَلَيْهِ، وإنْ كانَ شَيْئًا كَلا شَيْءٍ. هَذا والشَّيْءُ يُطْلَقُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَلى المَعْدُومِ والمُسْتَحِيلِ، فَإذا نُفِيَ إطْلاقُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلى ما هم عَلَيْهِ، كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ، وصارَ كَقَوْلِهِمْ أقَلُّ مِن لا شَيْءٍ. ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ وهم عالِمُونَ بِما في كُتُبِهِمْ، تالُونَ لَهُ. وهَذا نَعْيٌ عَلَيْهِمْ في مَقالَتِهِمْ تِلْكَ، إذِ الكِتابُ ناطِقٌ بِخِلافِ ما يَقُولُونَهُ، شاهِدَةٌ تَوْراتُهم بِبِشارَةِ عِيسى ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - وصِحَّةُ نُبُوَّتِهِما. وإنْجِيلُهم شاهِدٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى ومُحَمَّدٍ ﷺ إذْ كُتُبُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا. وفي هَذا تَنْبِيهٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أنَّ مَن كانَ عالِمًا بِالقُرْآنِ، يَكُونُ واقِفًا عِنْدَهُ، عامِلًا بِما فِيهِ، قائِلًا بِما تَضَمَّنَهُ، لا أنْ يُخالِفَ قَوْلَهُ ما هو شاهِدٌ عَلى مُخالَفَتِهِ مِنهُ، فَيَكُونَ في ذَلِكَ كاليَهُودِ والنَّصارى. والكِتابُ هُنا قِيلَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وقِيلَ: التَّوْراةُ؛ لِأنَّ النَّصارى تُمَثِّلُها. * * ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ. وقالَ عَطاءٌ: هم أُمَمٌ كانُوا قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ اليَهُودُ، وكَأنَّهُ أُعِيدَ قَوْلُهم: أيْ قالَ اليَهُودُ مِثْلَ قَوْلِ النَّصارى، ونُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ فَجُعِلُوا لا يَعْلَمُونَ. والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتَ عَلى ذَلِكَ المِنهاجِ. قالَ الجَهَلَةُ الَّذِينَ لا عِلْمَ عِنْدَهم ولا كِتابَ، كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والمُعَطِّلَةِ ونَحْوِهِمْ قالُوا: لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ، وهو تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لَهم، حَيْثُ نَظَمُوا أنْفُسَهم - مَعَ عِلْمِهِمْ - في سِلْكِ مَن لا يَعْلَمُ. والظّاهِرُ أنَّ الكافَ مِن كَذَلِكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ، إمّا عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ، ﴿لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، أوْ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَصْدَرِ المَعْرِفَةِ المُضْمَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ قالَ، التَّقْدِيرُ: مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ قالَهُ، أيْ قالَ القَوْلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، وهَذا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ. وعَلى الوَجْهَيْنِ تَنْتَصِبُ الكافُ بِقالَ، وانْتَصَبَ عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ الكافِ. وقِيلَ: يَنْتَصِبُ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِيَعْلَمُونَ، أيِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ مَقالَةِ اليَهُودِ والنَّصارى، قالُوا مِثْلَ مَقالَتِهِمْ، أيْ تَوافَقَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مَقالاتِ النَّصارى واليَهُودِ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى، في ذَلِكَ أنَّ مَن جَهِلَ قَوْلَ اليَهُودِ والنَّصارى وافَقَهم في مِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِثْلَ ذَلِكَ قالَهُ الَّذِينَ. ولا يَجُوزُ لِقالَ أنْ يَنْصِبَ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ نَصْبَ المَفْعُولِ؛ لِأنَّ قالَ قَدْ أخَذَ مَفْعُولَهُ، وهو الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ، فَيَنْتَصِبُ إذْ ذاكَ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِيَعْلَمُونِ، أيْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ - يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى - قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ اعْتِقادَ اليَهُودِ والنَّصارى. انْتَهى ما قالُوهُ في هَذا الوَجْهِ، وهو ضَعِيفٌ لِاسْتِعْمالِ الكافِ اسْمًا، وذَلِكَ عِنْدَنا لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ تُئُوِّلُ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ، وأجازَ ذَلِكَ - أعْنِي أنْ تَكُونَ اسْمًا في الكَلامِ، ويُحْذَفَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ المَنصُوبِ بِالفِعْلِ الَّذِي لَوْ قُدِّرَ خُلُوُّهُ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ لَتَسَلَّطَ عَلى الظّاهِرِ قَبْلَهُ فَنَصَبَهُ، وذَلِكَ نَحْوُ: زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ، نَصُّ أصْحابِنا عَلى أنَّ هَذا الضَّمِيرَ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلّا في الشِّعْرِ، وأنْشَدُوا:(p-٣٥٤) ؎وخالِدٌ يَحْمَدُ ساداتِنا بِالحَقِّ لا يَحْمَدُ بِالباطِلِ أيْ: يَحْمَدُهُ ساداتُنا. وعَنْ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ في جَوازِ حَذْفِ نَحْوِ هَذا الضَّمِيرِ تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. * * ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أيْ يَفْصِلُ، والفَصْلُ: الحُكْمُ، أوْ يُرِيهِمْ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ عِيانًا، ومَن يَدْخُلُ النّارَ عِيانًا، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ يُكَذِّبُهم جَمِيعًا ويُدْخِلُهُمُ النّارَ، أوْ يُثِيبُ مَن كانَ عَلى حَقٍّ، ويُعَذِّبُ مَن كانَ عَلى باطِلٍ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. والظَّرْفانِ والجارُّ الأوَّلِ مَعْمُولانِ لِـ ”يَحْكُمُ“، وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِيَخْتَلِفُونَ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ أشْياءَ مِنها: افْتِتاحُها بِحُسْنِ النِّداءِ، وإثْباتُ وصْفِ الإيمانِ لَهم، وتَنْبِيهُهم عَلى تَعَلُّمِ أدَبٍ مِن آدابِ الشَّرِيعَةِ، بِأنْ نُهُوا عَنْ قَوْلِ لَفْظٍ لِإيهامٍ ما، إلى لَفْظٍ أنَصَّ في المَقْصُودِ، وأصْرَحَ في المَطْلُوبِ. ثُمَّ ذَكَرَ ما لِلْمُخالِفِ مِنَ العَذابِ الَّذِي يُذِلُّهُ ويُهِينُهُ. ثُمَّ نَبَّهْ عَلى أنَّ هَذا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ هو خَيْرٌ، وأنَّ الكُفّارَ لا يَوَدُّونَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ راجِعًا لِشَهَواتِهِمْ، ولا لِتَمَنِّيهِمْ، بَلْ ذَلِكَ أمْرٌ إلَهِيٌّ يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ، وأنَّهُ تَعالى هو صاحِبُ الفَضْلِ الواسِعِ. ولَمّا كانَ صَدْرُ الآيَةِ فِيهِ انْتِقالٌ مِن لَفْظٍ إلى لَفْظٍ، وأنَّ الثّانِيَ صارَ أنَصَّ في المَقْصُودِ بَيَّنَ أنَّ ما يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النَّسْخِ، فَإنَّما ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ مِنهُ، فَيَأْتِي بِأفْضَلَ مِمّا نَسَخَ أوْ بِما ماثَلَهُ. وأنَّ مَن كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ بِما يُرِيدُ مَن نَسْخٍ وغَيْرِهِ. ونَبَّهَ المُخاطَبَ عَلى عِلْمِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وبِمُلْكِهِ الشّامِلِ لِسائِرِ المَخْلُوقاتِ، وإنَّما نَحْنُ ما لَنا مِن دُونِهِ مِن مانِعٍ يَمْنَعُنا مِنهُ. فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا، ثُمَّ أنْكَرَ عَلى مَن تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِأنْ يَسْألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُؤالًا غَيْرَ جائِزٍ، كَسُؤالاتِ قَوْمِ مُوسى لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن آثَرَ الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ قَصْدِ المَنهَجِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الكَثِيرَ مِن أهْلِ الكِتابِ يَوَدُّونَ ارْتِدادَكم، وأنَّ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ الحَسَدُ. ثُمَّ أُمِرُوا بِالمُوادَعَةِ والصَّفْحِ، وغَيّا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ، فَإذا أتى أمْرُ اللَّهِ ارْتَفَعَ الأمْرُ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ. ثُمَّ اخْتَتَمَ الآيَةَ بِذِكْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ وعْدًا بِتَغْيِيرِ حالٍ، فَناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرُ القُدْرَةِ. ثُمَّ أمَرَهم بِما يَقْطَعُ عَنْهم تَلَفُّتَ أقْوالِ الكُفّارِ، وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وأخْبَرَ أنَّ ما قَدَّمْتُمُوهُ مِنَ الخَيْرِ فَإنَّهُ لا يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ، بَلْ تَجِدُوهُ مَذْخُورًا لَكم. ثُمَّ اخْتَتَمَ ذَلِكَ حَيْثُ نَبَّهَ عَلى أنَّ ما عُمِلَ مِنَ الخَيْرِ هو عِنْدَ اللَّهِ، بِذِكْرِ صِفَةِ البَصَرِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى مُشاهَدَةِ الأشْياءِ ومُعايَنَتِها. ثُمَّ نَعى عَلى اليَهُودِ والنَّصارى مِن دَعْواهم أنَّهم مُخْتَصُّونَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، وأنَّ ذَلِكَ أُكْذُوبَةٌ مِن أكاذِيبِهِمُ المَعْرُوفَةِ، وأنَّهم طُولِبُوا بِإقامَةِ البُرْهانِ عَلى دَعْوى الِاخْتِصاصِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَنِ انْقادَ ظاهِرًا وباطِنًا لِلَّهِ تَعالى فَلَهُ أجْرُهُ وهو آمِنٌ، فَلا يَخافُ مِمّا يَأْتِي ولا يَحْزَنُ عَلى ما مَضى. ثُمَّ أخَذَ يَذْكُرُ مَقالاتِ النَّصارى واليَهُودِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، وأنَّها مَقالَةُ مَن أظْهَرَ التَّبَرُّؤَ مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وأفْصَحَتْ عَنْهُ الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وذَلِكَ كُلُّهُ عَلى جِهَةِ العِنادِ، لِأنَّهم تالُونَ لِلْكُتُبِ عالِمُونَ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ، فَصارُوا في الحَياةِ الدُّنْيا عَلى مِثْلِ حالِهِمْ في الآخِرَةِ. كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] . ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَقالَتَهم تِلْكَ، وإنْ كانُوا عالِمِينَ، فَهي مُماثِلَةٌ لِمَقالَةِ مَن لا يَعْلَمُ، ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الحُكْمَ وفَصْلَ الباطِلِ مِنَ الحَقِّ، وأنَّهُ تَعالى هو المُتَوَلِّي ذَلِكَ لِيُجازِيَهم عَلى كُفْرِهِمْ.

البقرة 2:114

(p-٣٥٥)﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥] ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١] . المَنعَ: الحَيْلُولَةُ بَيْنَ المُرِيدِ ومُرادِهِ. ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يُمْنَعُ صِيانَةً، صارَ المَنعُ مُتَعارَفًا في المُتَنافَسِ فِيهِ؛ قالَهُ الرّاغِبُ. وفِعْلُهُ: مَنَعَ يَمْنَعُ، بِفَتْحِ النُّونِ، وهو القِياسُ؛ لِأنَّ لامَ الفِعْلِ أحَدُ حُرُوفِ الحَلْقِ. المَساجِدُ: مَعْرُوفَةٌ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى المُفْرَدِ أوَّلَ ما يُذْكَرُ في القُرْآنِ، إنْ شاءَ اللَّهُ. السَّعْيُ: المَشْيُ بِسُرْعَةٍ، وهو دُونَ العَدْوِ، ثُمَّ يُطْلَقُ عَلى الطَّلَبِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَلَوْ أنَّ ما أسْعى لِأدْنى مَعِيشَةٍ كَفانِي ولَمْ أطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المالِ ؎ولَكِنَّما أسْعى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ∗∗∗ وقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أمْثالِي فَسَّرَهُ الشُّرّاحُ بِالطَّلَبِ. الخَرابُ: ضِدُّ العِمارَةِ، وهو مَصْدَرُ خَرِبَ الشَّيْءُ يَخْرَبُ خَرابًا، ويُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: مَنزِلٌ خَرابٌ، واسْمُ الفاعِلِ: خَرِبٌ، كَما قالَ أبُو تَمّامٍ: ؎ما رَبْعُ مَيَّةَ مَعْمُورًا يُطِيفُ بِهِ ∗∗∗ غَيْلانُ أبْهى رُبًى مِن رَبْعِها الخَرِبِ والخَرَبُ: ذَكَرُ الحُبارى، يَجْمَعُ عَلى خِرْبانٍ. المَشْرِقُ والمَغْرِبُ: مَكانُ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ، وهُما مِنَ الألْفاظِ الَّتِي جاءَتْ عَلى مَفْعِلٍ، بِكَسْرِ العَيْنِ شُذُوذًا، والقِياسُ الفَتْحُ؛ لِأنَّ كُلَّ فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ لَمْ تُكْسَرْ عَيْنُ مُضارِعِهِ، فَقِياسُ صَوْغِ المَصْدَرِ مِنهُ والزَّمانِ والمَكانِ مَفْعَلٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ. أيْنَ: مِن ظُرُوفِ المَكانِ، وهو مَبْنِيٌّ لِتَضَمُّنِهِ في الِاسْتِفْهامِ مَعْنى حَرْفِهِ، وفي الشَّرْطِ مَعْنى حَرْفِهِ، وإذا كانَ لِلشَّرْطِ جازَ أنْ تَزِيدَ بَعْدَهُ ما، ومِمّا جاءَ فِيهِ شَرْطًا بِغَيْرِ ما قَوْلُهُ: ؎أيْنَ تَضْرِبْ بِنا العُداةُ تَجِدْنا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَ أيْنَ: السُّؤالُ عَنِ الأمْكِنَةِ. ثَمَّ: ظَرْفُ مَكانٍ يُشارُ بِهِ لِلْبَعِيدِ، وهو مَبْنِيٌّ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإشارَةِ، وهو لازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ، لَمْ يُتَصَرَّفْ فِيهِ بِغَيْرِ مِن يَقُولُ: مِن ثَمَّ كانَ كَذا. وقَدْ وهَمَ مَن أعْرَبَها مَفْعُولًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] . بَلْ: مَفْعُولُ رَأيْتَ مَحْذُوفٌ. واسِعٌ: اسْمُ فاعِلٍ مِن وسِعَ يَسَعُ سَعَةً ووُسْعًا، ومُقابِلُهُ ضاقَ، إلّا أنَّ وسِعَ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . الوَلَدُ: مَعْرُوفٌ، وهو فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالقَبْضِ والنَّقْضِ، ولا يَنْقاسُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وفِعْلُهُ: ولَدَ يَلِدُ وِلادَةً ووَلِيدِيَّةً، وهَذا المَصْدَرُ الثّانِي غَرِيبٌ. القُنُوتُ: القِيامُ، ومِنهُ أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ، أيِ القِيامِ، والطّاعَةُ والعِبادَةُ والدُّعاءُ. قَنَتَ شَهْرًا: دَعا. البَدِيعُ: النّادِرُ الغَرِيبُ الشَّكْلِ. بَدُعَ يَبْدُعُ بَداعَةً فَهو بَدِيعٌ، إذا كانَ نادِرًا غَرِيبَ الصُّورَةِ في الحُسْنِ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى الِابْتِداعِ، وهو الِاخْتِراعُ والإنْشاءُ. قَضى: قَدَّرَ، ويَجِيءُ بِمَعْنى أمْضى. قَضى يَقْضِي قَضاءً. قالَ: ؎سَأغْسِلُ عَنِّي العارَ بِالسَّيْفِ جالِبًا ∗∗∗ عَلَيَّ قَضاءُ اللَّهِ ما كانَ جالِبا قالَ الأزْهَرِيُّ: قَضى عَلى وُجُوهٍ، مَرْجِعُها إلى انْقِطاعِ الشَّيْءِ وتَمامِهِ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنِعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ وقالَ الشَّمّاخُ في عُمَرَ: ؎قَضَيْتُ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتُ بَعْدَها ∗∗∗ بَوائِقَ في أكْمامِها لَمْ تُفَتَّقِ فَيَكُونُ بِمَعْنى خَلَقَ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وأعْلَمَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤]، وأمَرَ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وألْزَمَ، مِنهُ: قَضى القاضِي، ووَفّى: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩]، وأرادَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧] . (p-٣٥٦)لَوْلا: حَرْفُ تَحْضِيضٍ، وجاءَ ذَلِكَ في القُرْآنِ كَثِيرًا، وحُكْمُها حُكْمُ هَلّا، وتَأْتِي أيْضًا حَرْفَ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وأحْكامُها بِمَعْنَيَيْها مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ، ومِنها أنَّ التَّحْضِيضِيَّةَ لا يَلِيها إلّا الفِعْلُ ظاهِرًا أوْ مُضْمَرًا، وتِلْكَ لا يَلِيها إلّا الِاسْمُ، عَلى خِلافٍ في إعْرابِهِ. الجَحِيمُ: إحْدى طَبَقاتِ النّارِ - أعاذَنا اللَّهُ مِنها - وقالَ الفَرّاءُ: الجَحِيمُ: النّارُ عَلى النّارِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: النّارُ المُسْتَحْكِمَةُ المُتَلَظِّيَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الوَقُودِ، يُقالُ جَحَمَتِ النّارُ تَجْحَمُ: اشْتَدَّ وقُودُها. وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ يَقْرُبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. وقالابْنُ فارِسٍ: الجاحِمُ: المَكانُ الشَّدِيدُ الحَرِّ، ويُقالُ لِعَيْنِ الأسَدِ: جُحْمَةٌ، لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها، ويُقالُ لِشِدَّةِ الحَرِّ: جاحِمٌ، قالَ: ؎والحَرْبُ لا يَبْقى لِجا ∗∗∗ حِمِها التَّخَيُّلُ والمَراحُ الرِّضا: مَعْرُوفٌ، ويُقابِلُهُ الغَضَبُ، وفِعْلُهُ رَضِيَ يَرْضى رِضًا بِالقَصْرِ، ورِضاءً بِالمَدِّ، ورِضْوانًا، فَياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الرِّضْوانُ، والأكْثَرُ تَعْدِيَتُهُ بِعَنْ وقَدْ جاءَ تَعْدِيَتُهُ بِعَلى، قالَ: ؎إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ وخُرِّجَ عَلى أنْ يَكُونَ عَلى بِمَعْنى عَنْ، أوْ عَلى تَضْمِينِ رَضِيَ مَعْنى عَطَفَ، فَعُدِّيَ بِعَلى كَما تَعَدّى عَطَفَ. المِلَّةُ: الطَّرِيقَةُ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُها بِمَعْنى الشَّرِيعَةِ، فَقِيلَ: الِاشْتِقاقُ مِن أمْلَلْتُ؛ لِأنَّ الشَّرِيعَةَ تُبْتَنى عَلى مَتْلُوٍّ ومَسْمُوعٍ. وقِيلَ: مِن قَوْلِهِمْ طَرِيقٌ مُمَلٌّ، أيْ قَدْ أثَّرَ المَشْيُ فِيهِ. الخُسْرانُ والخَسارَةُ: هو النَّقْصُ مِن رَأْسِ المالِ في التِّجارَةِ، هَذا أصْلُهُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في النَّقْصِ مُطْلَقًا، وفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ، كَما أنَّ مُقابِلَهُ مُتَعَدٍّ، وهو الرِّبْحُ. تَقُولُ: خَسِرَ دِرْهَمًا، كَما تَقُولُ: رَبِحَ دِرْهَمًا. وقالَ: ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ﴾ [الزمر: ١٥] . * * ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾: نَزَلَتْ في نَطُّوسَ بْنِ اسْبِيسْيانُوسَ الرُّومِيِّ، الَّذِي خَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ولَمْ يَزَلْ خَرابًا إلى أنْ عُمِّرَ في زَمانِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقِيلَ في مُشْرِكِي العَرَبِ: مَنَعُوا (p-٣٥٧)المُسْلِمِينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ في المَسْجِدِ الحَرامِ، قالَهُ عَطاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ في النَّصارى، كانُوا يَوَدُّونَ خَرابَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويَطْرَحُونَ بِهِ الأقْذارَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: في الرُّومِ الَّذِينَ أعانُوا بُخْتَ نَصَّرَ عَلى تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ: حِينَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا - عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّ عَهْدَ بُخْتَ نَصَّرَ كانَ قَبْلَ مَوْلِدِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِدَهْرٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ في بُخْتَ نَصَّرَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ كُفّارُ قُرَيْشٍ حِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ. وعَلى اخْتِلافِ هَذِهِ الأقْوالِ يَجِيءُ الِاخْتِلافُ في تَفْسِيرِ المانِعِ والمَساجِدِ. وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ في كُلِّ مانِعٍ وفي كُلِّ مَسْجِدٍ، والعُمُومُ وإنْ كانَ سَبَبُ نُزُولِهِ خاصًّا، فالعِبْرَةُ بِهِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ جَرى ذِكْرُ النَّصارى في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]، وجَرى ذِكْرُ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣]، وفي أيٍّ نَزَلَتْ مِنهم كانَ ذَلِكَ مُناسِبًا لِذِكْرِها تَلِي ما قَبْلَها. ومَن: اسْتِفْهامٌ، وهو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ. وأظْلَمُ: أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وهو خَبَرٌ عَنْ مَن. ولا يُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ هُنا حَقِيقَتُهُ، وإنَّما هو بِمَعْنى النَّفْيِ، كَما قالَ: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ؟ أيْ ما يُهْلَكُ. ومَعْنى هَذا: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ. وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا اللَّفْظُ في القُرْآنِ، وهَذا أوَّلُ مَوارِدِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] . وقالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٧] ؟ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ [الكهف: ٥٧] ؟ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ النَّفْيُ كانَ خَبَرًا، ولَمّا كانَ خَبَرًا تَوَهَّمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّهُ إذا أُخِذَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى ظَواهِرِها سَبَقَ إلى ذِهْنِهِ التَّناقُضُ فِيها؛ لِأنَّهُ قالَ المُتَأوِّلُ في هَذا: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، وقالَ في أُخْرى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى، وفي أُخْرى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها. فَتَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى أنْ خُصَّ كُلُّ واحِدٍ بِمَعْنى صِلَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أحَدَ مِنَ المانِعِينَ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، ولا أحَدَ مِنَ المُفْتَرِينَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، وكَذَلِكَ باقِيها. فَإذا تَخَصَّصَتْ بِالصِّلاتِ زالَ عِنْدَهُ التَّناقُضُ. وقالَ غَيْرُهُ: التَّخْصِيصُ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّبْقِ، لَمّا لَمْ يَسْبِقْ أحَدٌ إلى مِثْلِهِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أظْلَمُ مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم سالِكًا طَرِيقَتَهم في ذَلِكَ، وهَذا يَئُولُ مَعْناهُ إلى السَّبْقِ في المانِعِيَّةِ، أوِ الِافْتِرائِيَّةِ. وهَذا كُلُّهُ بُعْدٌ عَنْ مَدْلُولِ الكَلامِ ووَضْعِهِ العَرَبِيِّ، وعُجْمَةٌ في اللِّسانِ يَتْبَعُها اسْتِعْجامُ المَعْنى. وإنَّما هَذا نَفْيٌ لِلْأظْلَمِيَّةِ، ونَفْيُ الأظْلَمِيَّةِ لا يَسْتَدْعِي نَفْيَ الظّالِمِيَّةِ؛ لِأنَّ نَفْيَ المُقَيَّدِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ المُطْلَقِ. لَوْ قُلْتَ: ما في الدّارِ رَجُلٌ ظَرِيفٌ، لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى نَفْيِ مُطْلَقِ رَجُلٍ، وإذا لَمْ يَدُلَّ عَلى نَفْيِ الظّالِمِيَّةِ لَمْ يَكُنْ تَناقُضًا؛ لِأنَّ فِيها إثْباتَ التَّسْوِيَةِ في الأظْلَمِيَّةِ. وإذا ثَبَتَتِ التَّسْوِيَةُ في الأظْلَمِيَّةِ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ وُصِفَ بِذَلِكَ يَزِيدُ عَلى الآخَرِ، لِأنَّهم يَتَساوَوْنَ في الأظْلَمِيَّةِ. وصارَ المَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ، ومِمَّنِ افْتَرى، ومِمَّنْ ذُكِّرَ. ولا إشْكالَ في تَساوِي هَؤُلاءِ في الأظْلَمِيَّةِ. ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَ هَؤُلاءِ أظْلَمُ مِنَ الآخَرِ. كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا أحَدَ أفْقَهُ مِن زَيْدٍ وعَمْرٍو وخالِدٍ، لا يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهم أفْقَهُ مِنَ الآخَرِ، بَلْ نَفْيُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أفْقَهَ مِنهم. لا يُقالُ: إنَّ مَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ، وسَعى في خَرابِها، ولَمْ يَفْتَرِ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، أقَلُّ ظُلْمًا مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَهُما، فَلا يَكُونُ مُساوِيًا في الأظْلَمِيَّةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ كُلَّها إنَّما هي في الكُفّارِ، فَهم مُتَساوُونَ في الأظْلَمِيَّةِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ طُرُقُ الأظْلَمِيَّةِ. فَكُلُّها صائِرَةٌ إلى الكُفْرِ، فَهو شَيْءٌ واحِدٌ لا يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيادَةُ بِالنِّسْبَةِ لِأفْرادِ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ، وإنَّما تُمْكِنُ الزِّيادَةُ في الظُّلْمِ بِالنِّسْبَةِ لَهم، ولِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكُوا فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ، فَنَقُولُ: الكافِرُ أظْلَمُ مِنَ المُؤْمِنِ، ونَقُولُ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنَ الكافِرِ. ومَعْناهُ: أنَّ ظُلْمَ الكافِرِ يَزِيدُ عَلى ظُلْمِ غَيْرِهِ. ومَن في قَوْلِهِ: مِمَّنْ مَنَعَ، (p-٣٥٨)مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً. أنْ يُذْكَرَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِمَنَعَ، أوْ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، فَيَتَعَيَّنَ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ دُخُولَ مَساجِدِ اللَّهِ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، أوْ بَدَلًا مِن مَساجِدَ بَدَلَ اشْتِمالٍ، أيْ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ فِيها، أوْ مَفْعُولًا عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ مِن أنْ يُذْكَرَ. فَلَمّا حُذِفَتْ ”مَن“ انْتَصَبَ عَلى رَأْيٍ، أوْ بَقِيَ مَجْرُورًا عَلى رَأْيٍ. وكَنّى بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَمّا يُوقَعُ في المَساجِدِ مِنَ الصَّلَواتِ والتَّقَرُّباتِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالأفْعالِ القَلْبِيَّةِ والقالِبِيَّةِ، مِن تِلاوَةِ كُتُبِهِ، وحَرَكاتِ الجِسْمِ مِنَ القِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقُعُودِ الَّذِي تُعُبِّدَ بِهِ، أوْ إنَّما ذُكِرَ تَعَلُّقُ المَنعِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مَنَعُوا مِن أيْسَرِ الأشْياءِ، وهو التَّلَفُّظُ بِاسْمِ اللَّهِ. فَمَنعُهم لِما سِواهُ أوْلى. وحُذِفَ الفاعِلُ هُنا اخْتِصارًا، لِأنَّهم عالَمٌ لا يُحْصَوْنَ. وجاءَ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ لِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ قَبْلُ هي مَساجِدُ اللَّهِ، وهي في اللَّفْظِ مَذْكُورَةٌ قَبْلَ اسْمِ اللَّهِ، فَناسَبَ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِذَلِكَ. وأُضِيفَتِ المَساجِدُ لِلَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، وخُصَّ بِلَفْظِ المَسْجِدِ، وإنْ كانَ الَّذِي يُوقَعُ فِيهِ أفْعالًا كَثِيرَةً مِنَ القِيامِ والرُّكُوعِ والقُعُودِ والعُكُوفِ. وكُلُّ هَذا مُتَعَبَّدٌ بِهِ، ولَمْ يَقُلْ مَقامٌ ولا مَرْكَعٌ ولا مَقْعَدٌ ولا مَعْكَفٌ؛ لِأنَّ السُّجُودَ أعْظَمُ الهَيْئاتِ الدّالَّةِ عَلى الخُضُوعِ والخُشُوعِ والطَّواعِيَةِ التّامَّةِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﷺ: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ» ؟ وهي حالَةٌ يُلْقِي فِيها الإنْسانُ نَفْسَهُ لِلِانْقِيادِ التّامِّ، ويُباشِرُ بِأفْضَلِ ما فِيهِ وأعْلاهُ - وهو الوَجْهُ - التُّرابَ الَّذِي هو مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن مَسْجِدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ خَرَّبَ مَدِينَةَ إسْلامٍ، لِأنَّها مَساجِدُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْقُوفَةً، إذِ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قِيلَ ”مَساجِدَ اللَّهِ“ ؟ وإنَّما وقَعَ المَنعُ والتَّخْرِيبُ عَلى مَسْجِدٍ واحِدٍ وهو بَيْتُ المَقْدِسِ، أوِ المَسْجِدِ الحَرامِ ؟ قُلْتُ: لا بَأْسَ أنْ يَجِيءَ الحُكْمُ عامًّا، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، كَما تَقُولُ لِمَن آذى صالِحًا واحِدًا، ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ آذى الصّالِحِينَ ؟ وكَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، والمَنزُولُ فِيهِ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ غَيْرُهُ: جُمِعَتْ لِأنَّها قِبْلَةُ المَساجِدِ كُلِّها، يَعْنِي الكَعْبَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، وبَيْتَ المَقْدِسِ لِغَيْرِهِ. ﴿وسَعى في خَرابِها﴾: إمّا حَقِيقَةً، كَتَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، أوْ مَجازًا بِانْقِطاعِ الذِّكْرِ فِيها ومَنعِ قاصِدِيها مِنها، إذْ ذَلِكَ يَئُولُ بِها إلى الخَرابِ. فَجُعِلَ المَنعُ خَرابًا، كَما جُعِلَ التَّعاهُدُ بِالذِّكْرِ والصَّلاةِ عِمارَةً، وذَلِكَ مَجازٌ. وقالَ المَرْوَزِيُّ: قالَ ومَن أظْلَمُ لِيُعْلِمَ أنَّ قُبْحَ الِاعْتِقادِ يُورِثُ تَخْرِيبَ المَساجِدِ، كَما أنَّ حُسْنَ الِاعْتِقادِ يُورِثُ عِمارَةَ المَساجِدِ. ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾: هَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ قالُوا تَدُلُّ عَلى ما يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ مِن مُعْجِزِ القُرْآنِ، إذْ هو مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ. وفِيها بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِعُلُوِّ كَلِمَةِ الإسْلامِ وقَهْرِ مَن عاداهُ. إلّا خائِفِينَ: نَصْبٌ عَلى الحالِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأحْوالِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: إلّا خُيَّفًا، وهو جَمْعُ خائِفٍ، كَنائِمٍ ونُوَّمٍ، ولَمْ يَجْعَلْها فاصِلَةً، فَلِذَلِكَ جُمِعَتْ جَمْعَ التَّكْسِيرِ. وإبْدالُ الواوِ ياءً، إذِ الأصْلُ خَوْفٌ، وذَلِكَ جائِزٌ كَقَوْلِهِمْ، في صُوَّمٍ صُيَّمٍ، وخَوْفُهم: هو ما يَلْحَقُهم مِنَ الصَّغارِ والذُّلِّ والجِزْيَةِ، أوْ مِن أنْ يَبْطِشَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ، أوْ في المُحاكَمَةِ، وهي تَتَضَمَّنُ الخَوْفَ، أوْ ضَرْبًا مُوجِعًا؛ لِأنَّ النَّصارى لا يَدْخُلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا خائِفِينَ مِنَ الضَّرْبِ، أقْوالٌ. والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: أُولَئِكَ ما يَنْبَغِي لَهم أنْ يَدْخُلُوا مَساجِدَ اللَّهِ إلّا وهم خائِفُونَ مِنَ اللَّهِ وجِلُونَ مِن عِقابِهِ. فَكَيْفَ لَهم أنْ يَلْتَبِسُوا بِمَنعِها مِن ذِكْرِ اللَّهِ والسَّعْيِ في تَخْرِيبِها، إذْ هي بُيُوتٌ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبَّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ؟ وما هَذِهِ سَبِيلُهُ يَنْبَغِي أنْ يُعَظَّمَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ، ويُسْعى في عِمارَتِهِ، ولا يَدْخُلَهُ الإنْسانُ إلّا وجِلًا خائِفًا، إذْ هو بَيْتُ اللَّهِ أمَرَ بِالمُثُولِ فِيهِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِلْعِبادَةِ. ونَظِيرُ الآيَةِ أنْ يَقُولَ: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ قَتَلَ ولِيًّا لِلَّهِ تَعالى ؟ (p-٣٥٩)ما كانَ لَهُ أنْ يَلْقاهُ إلّا مُعَظِّمًا لَهُ مُكْرِمًا أيْ هَذِهِ حالَةُ مَن يَلْقى ولِيًّا لِلَّهِ، لا أنْ يُباشِرَهُ بِالقَتْلِ. فَفي ذَلِكَ تَقْبِيحٌ عَظِيمٌ عَلى ما وقَعَ مِنهُ، إذْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ ضِدُّهُ، وهو التَّبْجِيلُ والتَّعْظِيمُ. ولَمّا لَمْ يَقَعْ هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ لِلْمُفَسِّرِينَ، اخْتَلَفُوا في الآيَةِ عَلى تِلْكَ الأقْوالِ الَّتِي ذَكَرْناها عَنْهم. ولَوْ أُرِيدَ ما ذَكَرُوهُ، لَكانَ اللَّفْظُ: أُولَئِكَ ما يَدْخُلُونَها إلّا خائِفِينَ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ: ”ما كانَ لَهم“، الدّالَّةِ عَلى نَفْيِ الِابْتِغاءِ. وقِيلَ المَعْنى: ما كانَ لَهم في حُكْمِ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ وكَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ ويُقَوِّيهِمْ حَتّى لا يَدْخُلَ المَساجِدَ الكُفّارُ إلّا خائِفِينَ. قالَ بَعْضُ النّاسِ: وفِيها دَلالَةٌ عَلى جَوازِ دُخُولِ الكُفّارِ المَساجِدَ عَلى صِفَةِ الخَوْفِ، ولَيْسَ كَما قالَ، إذْ قَدْ ذَكَرْنا ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها﴾: أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الخَبَرِ ومَعْناهُ الأمْرُ لَنا بِأنْ نُخِيفَهم، وإنَّما ذُهِبَ إلى ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ أنَّهم سَيَدْخُلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والغَلَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]، ولِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخْبَرَ أنَّ ذا السَّوِيقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ يَهْدِمُ الكَعْبَةَ حَجَرًا حَجَرًا. فَلَمّا رَأى أنَّ هَذا يُعارِضُ الآيَةَ إذا جَعَلْناها خَبَرًا لَفْظًا ومَعْنًى حَمْلِها عَلى الأمْرِ، ودَلالَتُها عَلى الأمْرِ لَنا بِالإخافَةِ لَهم بَعِيدَةٌ جِدًّا، وإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما ذَكَرْناهُ، بَطَلَتْ هَذِهِ الأقْوالُ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧]، فَلَيْسَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ في مَوْضِعِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾، حُمِلَ عَلى مَعْنى مَن في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾، ولا يَخْتَصُّ الحَمْلُ فِيها عَلى اللَّفْظِ وعَلى المَعْنى بِكَوْنِها مَوْصُولَةً، بَلْ هي كَذَلِكَ في سائِرِ مَعانِيها مِنَ الوَصْلِ والشَّرْطِ والِاسْتِفْهامِ، وكِلاهُما مَوْجُودٌ فِيها في سائِرِ مَعانِيها في كَلامِ العَرَبِ. أمّا إذا كانَتْ مَوْصُوفَةً نَحْوَ: مَرَرْتُ بِمَن مُحْسِنٌ لَكَ، فَلَيْسَ في مَحْفُوظِي مِن كَلامِ العَرَبِ مُراعاةُ المَعْنى فِيها. وقَدْ تَكَلَّمْنا قَبْلُ عَلى كَوْنِها مَوْصُوفَةً. وقالَ بَعْضُ النّاسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾: الآيَةَ، دَلِيلٌ عَلى مَنعِ دُخُولِ الكافِرِ المَسْجِدَ، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ في ذَلِكَ، وهي مَسْألَةٌ تُذْكَرُ في عِلْمِ الفِقْهِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَهُ عَلى ما فَهِمْنا نَحْنُ مِنَ الآيَةِ. * * ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾: هَذا الجَزاءُ مُناسِبٌ لِما صَدَرَ مِنهم. أمّا الخِزْيُ في الدُّنْيا فَهو الهَوانُ والإذْلالُ، وهو مُناسِبٌ لِلْوَصْفِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ فِيهِ إخْمالَ المَساجِدِ بِعَدَمِ ذِكْرِ اللَّهِ وتَعْطِيلِها مِن ذَلِكَ، فَجُوزُوا عَلى ذَلِكَ بِالإذْلالِ والهَوانِ. وأمّا العَذابُ العَظِيمُ في الآخِرَةِ، فَهو العَذابُ بِالنّارِ، وهو إتْلافٌ لِهَياكِلِهِمْ وصُوَرِهِمْ، وتَخْرِيبٌ لَها بَعْدَ تَخْرِيبٍ ﴿نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] . وهو مُناسِبٌ لِلْوَصْفِ الثّانِي، وهو سَعْيُهم في تَخْرِيبِ المَساجِدِ، فَجُوزُوا عَلى ذَلِكَ بِتَخْرِيبِ صُوَرِهِمْ وتَمْزِيقِها بِالعَذابِ. ولَمّا كانَ الخِزْيُ الَّذِي يَلْحَقُهم في الدُّنْيا لا يَتَفاوَتُونَ فِيهِ حُكْمًا، سَواءٌ فَسَّرْتَهُ بِقَتْلٍ أوْ سَبْيٍ لِلْحَرْبِيِّ، أوْ جِزْيَةٍ لِلذِّمِّيِّ، لَمْ يَحْتَجْ إلى وصْفٍ. ولَمّا كانَ العَذابُ مُتَفاوِتًا - أعْنِي عَذابَ الكافِرِ وعَذابَ المُؤْمِنِ - وُصِفَ عَذابُ الكافِرِ بِالعِظَمِ لِيَتَمَيَّزَ مِن عَذابِ المُؤْمِنِ. وقِيلَ: الخِزْيُ هو الفَتْحُ الإسْلامِيُّ، كالقُسْطَنْطِينِيَّةِ وعَمُّورِيَّةَ ورُومِيَّةَ، وقِيلَ: جِزْيَةُ الذِّمِّيِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: طَرْدُهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقِيلَ: قَتْلُ المَهْدِيِّ إيّاهم إذا خَرَجَ، قالَهُ المَرْوَزِيُّ، وقِيلَ: مَنعُهم مِنَ المَساجِدِ. قالَ بَعْضُ مُعاصِرِينا: إنَّ عَلى كُلِّ طائِفَةٍ مِنَ الكُفّارِ في الدُّنْيا خِزْيًا. أمّا اليَهُودُ والنَّصارى، فَقَتْلُ قُرَيْظَةَ، وإجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ، وقَتْلُ النَّصارى وفَتْحُ حُصُونِهِمْ وبِلادِهِمْ، وإجْراءُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، والسِّيما الَّتِي التَزَمُوها، وما شَرَطَهُ عُمَرُ عَلَيْهِمْ. وأمّا مُشْرِكُو العَرَبِ، فَقَتْلُ أبْطالِهِمْ وأقْيالِهِمْ، وكَسْرُ أصْنامِهِمْ، وتَسْفِيهُ أحْلامِهِمْ، وإخْراجُهم مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ الَّتِي هي دارُ قَرارِهِمْ ومَسْقَطُ رُءُوسِهِمْ، وإلْزامُهم خُطَّةَ الهَلاكِ مِنَ القَتْلِ إلّا أنْ يُسْلِمُوا. وقالَ (p-٣٦٠)الفَرّاءُ: مَعْناهُ في آخِرِ الدُّنْيا، وهو ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ مِن فَتْحِ الرُّومِ، ولَمْ يَكُنْ بَعْدُ. قالَ القُشَيْرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: (ومَن أظْلَمُ) الآيَةَ، إشارَةٌ إلى ظُلْمِ مَن خَرَّبَ أوْطانَ المَعْرِفَةِ بِالمُنى والعَلاقاتِ، وهي قُلُوبُ العارِفِينَ وأوْطانَ العِبادَةِ بِالشَّهَواتِ، وهي نُفُوسُ العِبادِ، وأوْطانَ المَحَبَّةِ بِالحُظُوظِ والمُساكَناتِ، وهي أرْواحُ الواجِدِينَ، وأوْطانَ المُشاهَداتِ بِالِالتِفاتِ إلى القُرُباتِ، وهي أسْرارُ المُوَحِّدِينَ. ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾: ذُلُّ الحِجابِ، وفي الآخِرَةِ عَذابٌ لِاقْتِناعِهِمْ بِالدَّرَجاتِ. انْتَهى، وبَعْضُهُ مُلَخَّصٌ. وهَذا تَفْسِيرٌ عَجِيبٌ يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ القُرْآنِ، وكَذا أكْثَرُ ما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ القَوْمُ.

البقرة 2:115

﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أباحَ لَهم في الِابْتِداءِ أنْ يُصَلُّوا حَيْثُ شاءُوا، فَنُسِخَ ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مَعْناها إشارَةٌ إلى الكَعْبَةِ، أيْ حَيْثُما كُنْتُمْ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَأنْتُمْ قادِرُونَ عَلى التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ. فَعَلى هَذا هي ناسِخَةٌ لِبَيْتِ المَقْدِسِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ جَوابًا لِمَن عَيَّرَ مِنَ اليَهُودِ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ دابَّتُهُ. وقِيلَ: جَوابٌ لِمَن قالَ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ ؟ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: في الصَّلاةِ عَلى النَّجاشِيِّ، حَيْثُ قالُوا: لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي إلى قِبْلَتِنا. وقِيلَ: فِيمَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ القِبْلَةُ في لَيْلَةٍ مُتَغَيِّمَةٍ، فَصَلُّوا بِالتَّحَرِّي إلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ عَنْ جابِرٍ، أنَّ ذَلِكَ وقَعَ لِسَرِّيَّةٍ، وعَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أنَّ ذَلِكَ جَرى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في السَّفَرِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ، لَمْ يُعْدَلْ إلى سِواهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ المُخْتَلِفَةِ المُضْطَرِبَةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: الآيَةُ عامَّةٌ، أيْنَما تُوَلُّوا في مُتَصَرَّفاتِكم ومَساعِيكم. وقِيلَ: نَزَلَتْ حِينَ صَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَيْتِ. وهَذِهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وظاهِرُهُا التَّعارُضُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ مِنها إلّا ما صَحَّ، وقَدْ شَحَنَ المُفَسِّرُونَ كُتُبَهم بِنَقْلِها. وقَدْ صَنَّفَ الواحِدِيُّ في ذَلِكَ كِتابًا قَلَّما يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يُشْتَغَلَ بِنَقْلِ ذَلِكَ إلّا ما صَحَّ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ انْتِظامَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَنعَ المَساجِدِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ والسَّعْيِ في تَخْرِيبِها، نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أداءِ الصَّلَواتِ، ولا مِن ذِكْرِ اللَّهِ، إذِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ لِلَّهِ تَعالى، فَأيُّ جِهَةٍ أدَّيْتُمْ فِيها العِبادَةَ فَهي لِلَّهِ يُثِيبُ عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْتَصُّ مَكانُ التَّأْدِيَةِ بِالمَسْجِدِ. والمَعْنى: ولِلَّهِ بِلادُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما. فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ وما بَيْنَهُما، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مَعْطُوفٍ، أوِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِما تَشْرِيفًا لَهُما، حَيْثُ أُضِيفا لِلَّهِ، وإنْ كانَتِ الأشْياءُ كُلُّها لِلَّهِ، كَما شَرَّفَ البَيْتَ الحَرامَ وغَيْرَهُ مِنَ الأماكِنِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى. وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ أسْمى مَكانٍ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما اسْما مَصْدَرٍ، والمَعْنى أنْ لِلَّهِ تَوَلِّيَ إشْراقِ الشَّمْسِ مِن مَشْرِقِها وإغْرابِها مِن مَغْرِبِها، فَيَكُونانِ - إذْ ذاكَ - بِمَعْنى الشُّرُوقِ والغُرُوبِ. ويُبَعِّدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ . وأفْرَدَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ بِاعْتِبارِ النّاحِيَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ المَصْدَرِ الواقِعِ في النّاحِيَةِ. وأمّا الجَمْعُ فَبِاعْتِبارِ اخْتِلافِ المَغارِبِ والمَطالِعِ كُلَّ يَوْمٍ. وأمّا التَّثْنِيَةُ فَبِاعْتِبارِ مَشْرِقَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ومُغْرِبَيْهِما. ومَعْنى التَّوْلِيَةِ: الِاسْتِقْبالُ بِالوُجُوهِ. وقِيلَ: مَعْناها الِاسْتِدْبارُ مِن قَوْلِكَ: ولَّيْتُ عَنْ فُلانٍ إذا اسْتَدْبَرْتَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَأيُّ جِهَةٍ ولَّيْتُمْ عَنْها واسْتَقْبَلْتُمْ غَيْرَها فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ. وقِيلَ: لَيْسَتْ في الصَّلاةِ، بَلْ هو خِطابٌ لِلَّذِينِ يُخَرِّبُونَ المَساجِدَ، أيْ أيْنَما تَوَلَّوْا هارِبِينَ عَنِّي فَإنِّي ألْحَظُهم. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ الحَسَنِ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾، جَعَلَهُ لِلْغائِبِ، فَجَرى عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، وعَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾، فَجَرَتِ الضَّمائِرُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَفي أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمُ التَّوْلِيَةَ، يَعْنِي تَوْلِيَةَ وُجُوهِكم شَطْرَ القِبْلَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، (p-٣٦١)انْتَهى. فَقَيَّدَ التَّوْلِيَةَ الَّتِي هي مُطْلَقَةٌ بِالتَّوْلِيَةِ الَّتِي هي شَطْرَ القِبْلَةِ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ مَسائِلَ مَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ، مِنها: مَن صَلّى في ظُلْمَةٍ مُجْتَهِدًا إلى جِهَةٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّهُ صَلّى لِغَيْرِ القِبْلَةِ، ومَسْألَةُ مَن صَلّى عَلى ظَهْرِ الدّابَّةِ فَرْضًا لِمَرَضٍ أوْ نَفْلًا، ومَسْألَةُ الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ الغائِبِ، إذا قُلْنا نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ، وشَحَنَ كِتابَهُ بِذِكْرِ هَذِهِ المَسائِلِ، وذِكْرِ الخِلافِ فِيها، وبَعْضِ دَلائِلِها ومَوْضُوعِها، كَما ذَكَرْناهُ هو عِلْمُ الفِقْهِ. ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾، هَذا جَوابُ الشَّرْطِ، وهي جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، فَقِيلَ: مَعْناهُ فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ، فَيَكُونُ الوَجْهُ بِمَعْنى الجِهَةِ، وأُضِيفَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ حَيْثُ أمَرَ بِاسْتِقْبالِها، فَهي الجِهَةُ الَّتِي فِيها رِضا اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: الوَجْهُ هُنا صِلَةٌ، والمَعْنى فَثَمَّ اللَّهُ أيْ عِلْمُهُ وحُكْمُهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ: أوْ عَبَّرَ عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقِيلَ: المَعْنى العَمَلُ لِلَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ: ؎أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبُّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالوَجْهِ هُنا: الجاهُ، كَما يُقالُ: فُلانٌ وجْهُ القَوْمِ، أيْ مَوْضِعُ شَرَفِهِمْ، ولِفُلانٍ وجْهٌ عِنْدَ النّاسِ: أيْ جاهٌ وشَرَفٌ. والتَّقْدِيرُ: فَثَمَّ جَلالُ اللَّهِ وعَظَمَتُهُ، قالَهُ أبُو مَنصُورٍ في المُقْنِعِ. وحَيْثُ جاءَ الوَجْهُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، فَلَهُ مَحْمَلٌ في لِسانِ العَرَبِ، إذْ هو لَفْظٌ يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى العُضْوِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أشْهَرَ فِيهِ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ تِلْكَ صِفَةٌ ثابِتَةٌ لِلَّهِ بِالسَّمْعِ، زائِدَةٌ عَلى ما تُوجِبُهُ العُقُولُ مِن صِفاتِ القَدِيمِ تَعالى. وضَعَّفَ أبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ فِيهِ الجَزْمَ بِإثْباتِ صِفَةٍ لِلَّهِ تَعالى بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ، وهي صِفَةٌ لا يُدْرى ما هي، ولا يُعْقَلُ مَعْناها في اللِّسانِ العَرَبِيِّ، فَوَجَبَ اطِّراحُ هَذا القَوْلِ والِاعْتِمادُ عَلى ما لَهُ مَحْمَلٌ في لِسانِ العَرَبِ. إذا كانَ لِلَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى التَّجْسِيمِ فَنَحْمِلُهُ إمّا عَلى ما يُسَوَّغُ فِيهِ مِنَ الحَقِيقَةِ الَّتِي يَصِحُّ نِسْبَتُها إلى اللَّهِ تَعالى إنْ كانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا، أوْ مِنَ المَجازِ إنْ كانَ اللَّفْظُ غَيْرَ مُشْتَرَكٍ. والمَجازُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن رَمْلِ يَبْرِينَ ونَهْرِ فِلَسْطِينَ. فالوُقُوفُ مَعَ ظاهِرِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى التَّجْسِيمِ غَباوَةٌ وجَهْلٌ بِلِسانِ العَرَبِ وأنْحائِها ومُتَصَرِّفاتِهِا في كَلامِها، وحُجَجِ العُقُولِ الَّتِي مَرْجِعُ حَمْلِ الألْفاظِ المُشْكِلَةِ إلَيْها. ونَعُوذُ بِاللَّهِ أنْ نَكُونَ كالكَرّامِيَّةِ ومَن سَلَكَ مَسْلَكَهم في إثْباتِ التَّجْسِيمِ ونِسْبَةِ الأعْضاءِ لِلَّهِ - تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ المُفْتَرُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - وفي قَوْلِهِ: ﴿تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّهُ في حَيِّزٍ وجِهَةٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا خُيِّرَ في اسْتِقْبالِ جَمِيعِ الجِهاتِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في جِهَةٍ ولا حَيِّزٍ، ولَوْ كانَ في حَيِّزٍ لَكانَ اسْتِقْبالُهُ والتَّوَجُّهُ إلَيْهِ أحَقَّ مِن جَمِيعِ الأماكِنِ. فَحَيْثُ لَمْ يُخَصِّصْ مَكانًا، عَلِمْنا أنَّهُ لا في جِهَةٍ ولا حَيِّزٍ، بَلْ جَمِيعُ الجِهاتِ في مُلْكِهِ وتَحْتَ مُلْكِهِ، فَأيُّ جِهَةٍ تَوَجَّهْنا إلَيْهِ فِيها عَلى وجْهِ الخُضُوعِ كُنّا مُعَظِّمِينَ لَهُ مُمْتَثِلِينَ لِأمْرِهِ. * * ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾: وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِصِفَةِ الواسِعِ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِسَعَةِ مَغْفِرَتِهِ. وجاءَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ: لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ. وقِيلَ: واسِعُ العَطاءِ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ: غَنِيٌّ، ومَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ: جَوادٌ. وقِيلَ: مَعْناهُ عالِمٌ، مِن قَوْلِهِ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، عَلى أحَدِ التَّفاسِيرِ، وجُمِعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَلِيمٍ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ. وقِيلَ: واسِعُ القُدْرَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ يُوَسِّعُ عَلى عِبادِهِ في الحُكْمِ، دِينُهُ يُسْرٌ. عَلِيمٌ: أيْ بِمَصالِحِهِمْ أوْ بِنِيّاتِ القُلُوبِ الَّتِي هي مِلاكُ العَمَلِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ ظَواهِرُها في قِبْلَةٍ وغَيْرِها. وهَذِهِ التَّفاسِيرُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أمْرِ القِبْلَةِ. وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ فِيها ذِكْرُ القِبْلَةِ والصَّلاةِ، وإنَّما أخْبَرَهم تَعالى عَنْ عِلْمِهِ بِهِمْ، وطَوَّقَ سُلْطانَهُ إيّاهم حَيْثُ كانُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣]، الآيَةَ، (p-٣٦٢)وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ، ويَكُونُ في هَذا تَهْدِيدٌ لِمَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ مِنَ الذِّكْرِ، وسَعى في خَرابِها، أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهُ مِنَ اللَّهِ ولا مَفَرَّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢]، وكَما قالَ: ؎فَإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هو مُدْرِكِي وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عَنْكَ واسِعُ وقالَ: ؎ولَمْ يَكُنِ المُغْتَرُّ بِاللَّهِ إذْ سَرى ∗∗∗ لِيُعْجِزَ والمُعْتَزُّ بِاللَّهِ طالِبُهْ وقالَ: ؎أيْنَ المَفَرُّ ولا مَفَرَّ لِهارِبٍ ∗∗∗ ولَهُ البَسِيطانِ الثَّرى والماءُ وعَلى هَذا المَعْنى يَكُونُ الخِطابُ عامًّا يَنْدَرِجُ فِيهِ مَن مَنَعَ المَساجِدَ مِنَ الذِّكْرِ وغَيْرِهِ. وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكَّدَةً بِإنَّ مُصَرَّحًا بِاسْمِ اللَّهِ فِيها دالَّةً عَلى الِاسْتِقْلالِ. وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]، وكَقَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وذَلِكَ أفْخَمُ وأجْزَلُ مِنَ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يُشْعِرُ بِقُوَّةِ التَّعَلُّقِ، والظّاهِرَ يُشْعِرُ بِالِاسْتِقْلالِ. ألا تَرى أنَّهُ يَصِحُّ الِابْتِداءُ بِهِ، وإنْ لَمْ يُلْحَظْ ما قَبْلَهُ ؟ بِخِلافِ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ رابِطٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي هو فِيها بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. ألا تَرى إلى أنَّ أكْثَرَ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ إنَّما جاءَ بِالظّاهِرِ ؟ كَما مَثَّلْناهُ، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ﴾ [النساء: ١٠٣]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠]، وقالَ: ؎لَيْتَ شِعْرِي وأيْنَ مِنِّي لَيْتٌ ∗∗∗ إنَّ لَيْتًا وإنَّ لَوًّا عَناءُ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، إذْ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، أوْ في النَّصارى، إذْ قالُوا: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، أوْ في المُشْرِكِينَ، إذْ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، أوْ في النَّصارى والمُشْرِكِينَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، والأخِيرُ قالَهُ الزَّجّاجُ. ولِاخْتِلافِهِمْ في سَبَبِ النُّزُولِ، اخْتَلَفُوا في الضَّمِيرِ في و”قالُوا“، عَلى مَن يَعُودُ ؟ فَقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ. فَإنَّ كُلًّا مِنهم قَدْ جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ: وقالُوا بِالواوِ، وهو آكَدُ في الرَّبْطِ، فَيَكُونُ عَطَفَ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً عَلى جُمْلَةٍ مِثْلِها. وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وسَعى في خَرابِها﴾ [البقرة: ١١٤]، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى مَعْطُوفٍ عَلى الصِّلَةِ، وفُصِلَ بَيْنَهُما بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْ مِثْلِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ وغَيْرُهُما: قالُوا بِغَيْرِ واوٍ، ويَكُونُ عَلى اسْتِئْنافِ الكَلامِ، أوْ مَلْحُوظًا فِيهِ مَعْنى العَطْفِ، واكْتَفى بِالضَّمِيرِ والرَّبْطِ بِهِ عَنِ الرَّبْطِ بِالواوِ. وقالَ الفارِسِيُّ: وبِغَيْرِ واوٍ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ. تَقَدَّمَ أنَّ اتَّخَذَ: افْتَعَلَ مِنَ الأخْذِ، وأنَّها تارَةً تَتَعَدّى إلى واحِدٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، قالُوا: مَعْناهُ صَنَعَتْ وعَمِلَتْ، وإلى اثْنَيْنِ فَتَكُونُ بِمَعْنى: صَيَّرَ. وكِلا الوَجْهَيْنِ يُحْتَمَلُ هُنا. وكُلٌّ مِنَ الوَجْهَيْنِ يَقْتَضِي تَصَوُّرَهُ بِاسْتِحالَةِ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَكُونُ مِن جِنْسِ الوالِدِ. فَإنْ جَعَلْتَ اتَّخَذَ بِمَعْنى عَمِلَ وصَنَعَ، اسْتَحالَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ البارِيَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحُدُوثِ، قَدِيمٌ، لا أوَّلِيَّةَ لِقِدَمِهِ، وما عَمِلَهُ مُحْدَثٌ، فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ ولَدٌ لَهُ. وإنْ جَعَلْتَ اتَّخَذَ بِمَعْنى صَيَّرَ، اسْتَحالَ أيْضًا؛ لِأنَّ التَّصْيِيرَ هو نَقْلٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا فِيما يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ، وفَرْضِيَّةُ الوَلَدِ بِهِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الوالِدِ لا تَقْتَضِي التَّغْيِيرَ، فَقَدِ اسْتَحالَ ذَلِكَ. وإذا جَعَلْتَ اتَّخَذَ بِمَعْنى صَيَّرَ، كانَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: وقالُوا اتَّخَذَ بَعْضَ المَوْجُوداتِ ولَدًا. والَّذِي جاءَ في القُرْآنِ إنَّما ظاهِرُهُ التَّعَدِّي إلى واحِدٍ، قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨]، ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] . وقالَ القُشَيْرِيُّ: أتى بِالوَلَدِ، وهو أحَدِيُّ الذّاتِ، لا جُزْءَ لِذاتِهِ، ولا تَجُوزُ الشَّهْوَةُ في صِفاتِهِ. انْتَهى. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِن أفْسَدِ الأشْياءِ وأوْضَحِها في الِاسْتِحالَةِ، أتى بِاللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ والبَراءَةَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، قَبْلَ أنْ يَضْرِبَ عَنْ مَقالَتِهِمْ ويَسْتَدِلَّ عَلى بُطْلانِ دَعْواهم. وكانَ ذِكْرُ التَّنْزِيهِ أسْبَقَ؛ لِأنَّ فِيهِ رَدْعًا لِمُدَّعِي ذَلِكَ، وأنَّهُمُ ادَّعَوْا أمْرًا تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْهُ وتَقَدَّسَ، ثُمَّ أخَذَ في إبْطالِ تِلْكَ المَقالَةِ فَقالَ: (p-٣٦٣)﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ جَمِيعُ ذَلِكَ مَمْلُوكٌ لَهُ، ومِن جُمْلَتِهِمْ مَنِ ادَّعَوْا أنَّهُ ولَدَ اللَّهُ. والوِلادَةُ تُنافِي المِلْكِيَّةَ؛ لِأنَّ الوالِدَ لا يَمْلِكُ ولَدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هُنا مَسْألَةَ مَنِ اشْتَرى والِدًا أوْ ولَدَهُ أوْ أحَدًا مِن ذَوِي رَحِمِهِ، ومَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّ الكُلَّ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ تَعالى، ذَكَرَ أنَّهم كُلَّهم قانِتُونَ لَهُ، أيْ مُطِيعُونَ خاضِعُونَ لَهُ. وهَذِهِ عادَةُ المَمْلُوكِ، أنْ يَكُونَ طائِعًا لِمالِكِهِ، مُمْتَثِلًا لِما يُرِيدُهُ مِنهُ. واسْتُدِلَّ بِنَتِيجَةِ الطَّواعِيَةِ عَلى ثُبُوتِ المِلْكِيَّةِ. ومَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُجانِسِ الوالِدَ، إذِ الوَلَدُ يَكُونُ مِن جِنْسِ الوالِدِ. وأتى بِلَفْظِ ما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وإنْ كانَتْ لِما لا يَعْقِلُ؛ لِأنَّ ما لا يَعْقِلُ إذا اخْتَلَطَ بِمَن يَعْقِلُ جازَ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ الجَمِيعِ بِما. ولِذَلِكَ قالَ سِيبَوَيْهِ: وأمّا ما، فَإنَّها مُبْهَمَةٌ تَقَعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ويُدَلُّ عَلى انْدِراجِ مَن يَعْقِلُ تَحْتَ مَدْلُولِ ”ما“ جَمْعُ الخَبَرِ بِالواوِ والنُّونِ، الَّتِي هي حَقِيقَةٌ فِيما يَعْقِلُ، وانْدَرَجَ فِيهِ ما لا يَعْقِلُ عَلى حُكْمِ تَغْلِيبِ مَن يَعْقِلُ. فَحِينَ ذَكَرَ المُلْكَ، أتى بِلَفْظَةِ ما، وحِينَ ذَكَرَ القُنُوتَ، أتى بِجَمْعِ ما يَعْقِلُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ شامِلٌ لِمَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جاءَ بِما الَّذِي لِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ مَعَ قَوْلِهِ: قانِتُونَ ؟ قُلْتُ: هو كَقَوْلِهِ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لَنا، وكَأنَّهُ جاءَ بِـ ”ما“ دُونَ ”مَن“، تَحْقِيرًا لَهم وتَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] . انْتَهى كَلامُهُ، وهو جُنُوحٌ مِنهُ إلى أنَّ ما وقَعَتْ عَلى مَن يَعْلَمُ، ولِذَلِكَ جَعَلَهُ كَقَوْلِهِ: ما سَخَّرَكُنَّ لَنا. يُرِيدُ أنَّ المَعْنى: سُبْحانَ مَن سَخَّرَكُنَّ لَنا، لِأنَّها يُرادُ بِها اللَّهُ تَعالى. وما عِنْدَنا لا يَقَعُ إلّا لِما لا يَعْقِلُ، إلّا إذا اخْتَلَطَ بِمَن يَعْقِلُ، فَيَقَعُ عَلَيْهِما، كَما ذَكَرْناهُ، أوْ كانَ واقِعًا عَلى صِفاتِ مَن يَعْقِلُ، فَيُعَبَّرُ عَنْها بِما. وأمّا أنْ يَقَعَ لِمَن يَعْقِلُ خاصَّةً حالَةَ إفْرادِهِ أوْ غَيْرِ إفْرادِهِ، فَلا. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وهو مَذْهَبٌ لا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، إذْ جَمِيعُ ما احْتُجَّ بِهِ لِهَذا المَذْهَبِ مُحْتَمَلٌ، وقَدْ يُئَوَّلُ، فَيُئَوَّلُ قَوْلُهُ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ، عَلى أنَّ سُبْحانَ غَيْرُ مُضافٍ، وأنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى التَّسْبِيحِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ؎سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وما: ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ مُدَّةَ تَسْخِيرِكُنَّ لَنا. والفاعِلُ بِسَخَّرَ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ المَعْنى وسِياقُ الكَلامِ، إذْ مَعْلُومٌ أنْ مُسَخِّرَهُنَّ هو اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: وكَأنَّهُ جاءَ بِما دُونَ مَن، تَحْقِيرًا لَهم وتَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، لَيْسَتْ ما هُنا مُخْتَصَّةً بِمَن يَعْقِلُ، فَتَقُولَ عَبَّرَ عَنْهم بِما الَّتِي لِما لا يَعْقِلُ تَحْقِيرًا لَهم، وإنَّما هي عامَّةٌ لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ. ومَعْنى قانِتُونَ: قائِمُونَ بِالشَّهادَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ في القِيامَةِ لِلْعَرْضِ، قالَهُ الرَّبِيعُ، أوْ مُطِيعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وقِيلَ: قائِمُونَ بِاللَّهِ. وأُورِدَ عَلى مَن يَقُولُ: القُنُوتُ: القِيامُ لِلَّهِ بِالشَّهادَةِ والعُبُودِيَّةِ، أنَّهُ: كَيْفَ عَمَّ بِهَذا القَوْلِ وكَثِيرٌ لَيْسَ بِمُطِيعٍ ؟ وأُجِيبَ: أنَّ ظاهِرَهُ العُمُومُ، والمَعْنى الخُصُوصُ، أيْ أهْلُ كُلِّ طاعَةٍ لَهُ قانِتُونَ، وبِأنَّ الكُفّارَ يَسْجُدُ ضُلّالُهم، وبِظُهُورِ أثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِ، وجَرْيِ أحْكامِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَذَلُّلِـهِ لِلَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. (وكُلٌّ لَهُ): مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، والمُضافُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وهو عِبارَةٌ عَنْ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وهو المَحْكُومُ عَلَيْهِمْ بِالمِلْكِيَّةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّ مَن جَعَلُوهُ لِلَّهِ ولَدًا، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ المَجْعُولَ لِلَّهِ ولَدًا لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ، ولِأنَّ الخَبَرَ يَشْتَرِكُ فِيهِ المَجْعُولُ ولَدًا وغَيْرُهُ. و﴿قانِتُونَ﴾: خَبَرٌ عَنْ ”كُلٌّ“، وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى. وكُلُّ إذا حُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، جازَ فِيها مُراعاةُ المَعْنى فَتُجْمَعُ، ومُراعاةُ اللَّفْظِ فَتُفْرَدُ. وإنَّما حَسُنَتْ مُراعاةُ الجَمْعِ هُنا، لِأنَّها فاصِلَةُ رَأْسِ آيَةٍ، ولِأنَّ الأكْثَرَ في لِسانِهِمْ أنَّهُ إذا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ كانَ مُراعاةُ المَعْنى أكْثَرَ وأحْسَنَ. قالَ تَعالى: ﴿وكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤]، ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، و﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] . وقَدْ جاءَ إفْرادُ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: (p-٣٦٤)﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هُناكَ ذِكْرُ مُحَسِّنِ إفْرادِ الخَبَرِ.

البقرة 2:116

﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أباحَ لَهم في الِابْتِداءِ أنْ يُصَلُّوا حَيْثُ شاءُوا، فَنُسِخَ ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مَعْناها إشارَةٌ إلى الكَعْبَةِ، أيْ حَيْثُما كُنْتُمْ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَأنْتُمْ قادِرُونَ عَلى التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ. فَعَلى هَذا هي ناسِخَةٌ لِبَيْتِ المَقْدِسِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ جَوابًا لِمَن عَيَّرَ مِنَ اليَهُودِ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ دابَّتُهُ. وقِيلَ: جَوابٌ لِمَن قالَ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ ؟ قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: في الصَّلاةِ عَلى النَّجاشِيِّ، حَيْثُ قالُوا: لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي إلى قِبْلَتِنا. وقِيلَ: فِيمَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ القِبْلَةُ في لَيْلَةٍ مُتَغَيِّمَةٍ، فَصَلُّوا بِالتَّحَرِّي إلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ عَنْ جابِرٍ، أنَّ ذَلِكَ وقَعَ لِسَرِّيَّةٍ، وعَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أنَّ ذَلِكَ جَرى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في السَّفَرِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ، لَمْ يُعْدَلْ إلى سِواهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ المُخْتَلِفَةِ المُضْطَرِبَةِ. وقالَ النَّخَعِيُّ: الآيَةُ عامَّةٌ، أيْنَما تُوَلُّوا في مُتَصَرَّفاتِكم ومَساعِيكم. وقِيلَ: نَزَلَتْ حِينَ صَدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَيْتِ. وهَذِهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وظاهِرُهُا التَّعارُضُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ مِنها إلّا ما صَحَّ، وقَدْ شَحَنَ المُفَسِّرُونَ كُتُبَهم بِنَقْلِها. وقَدْ صَنَّفَ الواحِدِيُّ في ذَلِكَ كِتابًا قَلَّما يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يُشْتَغَلَ بِنَقْلِ ذَلِكَ إلّا ما صَحَّ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ انْتِظامَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَنعَ المَساجِدِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ والسَّعْيِ في تَخْرِيبِها، نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِن أداءِ الصَّلَواتِ، ولا مِن ذِكْرِ اللَّهِ، إذِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ لِلَّهِ تَعالى، فَأيُّ جِهَةٍ أدَّيْتُمْ فِيها العِبادَةَ فَهي لِلَّهِ يُثِيبُ عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْتَصُّ مَكانُ التَّأْدِيَةِ بِالمَسْجِدِ. والمَعْنى: ولِلَّهِ بِلادُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما. فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ وما بَيْنَهُما، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مَعْطُوفٍ، أوِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِما تَشْرِيفًا لَهُما، حَيْثُ أُضِيفا لِلَّهِ، وإنْ كانَتِ الأشْياءُ كُلُّها لِلَّهِ، كَما شَرَّفَ البَيْتَ الحَرامَ وغَيْرَهُ مِنَ الأماكِنِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى. وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ أسْمى مَكانٍ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما اسْما مَصْدَرٍ، والمَعْنى أنْ لِلَّهِ تَوَلِّيَ إشْراقِ الشَّمْسِ مِن مَشْرِقِها وإغْرابِها مِن مَغْرِبِها، فَيَكُونانِ - إذْ ذاكَ - بِمَعْنى الشُّرُوقِ والغُرُوبِ. ويُبَعِّدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ . وأفْرَدَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ بِاعْتِبارِ النّاحِيَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ المَصْدَرِ الواقِعِ في النّاحِيَةِ. وأمّا الجَمْعُ فَبِاعْتِبارِ اخْتِلافِ المَغارِبِ والمَطالِعِ كُلَّ يَوْمٍ. وأمّا التَّثْنِيَةُ فَبِاعْتِبارِ مَشْرِقَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ومُغْرِبَيْهِما. ومَعْنى التَّوْلِيَةِ: الِاسْتِقْبالُ بِالوُجُوهِ. وقِيلَ: مَعْناها الِاسْتِدْبارُ مِن قَوْلِكَ: ولَّيْتُ عَنْ فُلانٍ إذا اسْتَدْبَرْتَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَأيُّ جِهَةٍ ولَّيْتُمْ عَنْها واسْتَقْبَلْتُمْ غَيْرَها فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ. وقِيلَ: لَيْسَتْ في الصَّلاةِ، بَلْ هو خِطابٌ لِلَّذِينِ يُخَرِّبُونَ المَساجِدَ، أيْ أيْنَما تَوَلَّوْا هارِبِينَ عَنِّي فَإنِّي ألْحَظُهم. ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ الحَسَنِ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾، جَعَلَهُ لِلْغائِبِ، فَجَرى عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ [البقرة: ١١٤]، وعَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾، فَجَرَتِ الضَّمائِرُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَفي أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمُ التَّوْلِيَةَ، يَعْنِي تَوْلِيَةَ وُجُوهِكم شَطْرَ القِبْلَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، (p-٣٦١)انْتَهى. فَقَيَّدَ التَّوْلِيَةَ الَّتِي هي مُطْلَقَةٌ بِالتَّوْلِيَةِ الَّتِي هي شَطْرَ القِبْلَةِ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ مَسائِلَ مَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ، مِنها: مَن صَلّى في ظُلْمَةٍ مُجْتَهِدًا إلى جِهَةٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّهُ صَلّى لِغَيْرِ القِبْلَةِ، ومَسْألَةُ مَن صَلّى عَلى ظَهْرِ الدّابَّةِ فَرْضًا لِمَرَضٍ أوْ نَفْلًا، ومَسْألَةُ الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ الغائِبِ، إذا قُلْنا نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ، وشَحَنَ كِتابَهُ بِذِكْرِ هَذِهِ المَسائِلِ، وذِكْرِ الخِلافِ فِيها، وبَعْضِ دَلائِلِها ومَوْضُوعِها، كَما ذَكَرْناهُ هو عِلْمُ الفِقْهِ. ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾، هَذا جَوابُ الشَّرْطِ، وهي جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، فَقِيلَ: مَعْناهُ فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ، فَيَكُونُ الوَجْهُ بِمَعْنى الجِهَةِ، وأُضِيفَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ حَيْثُ أمَرَ بِاسْتِقْبالِها، فَهي الجِهَةُ الَّتِي فِيها رِضا اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: الوَجْهُ هُنا صِلَةٌ، والمَعْنى فَثَمَّ اللَّهُ أيْ عِلْمُهُ وحُكْمُهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ: أوْ عَبَّرَ عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقِيلَ: المَعْنى العَمَلُ لِلَّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ: ؎أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبُّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالوَجْهِ هُنا: الجاهُ، كَما يُقالُ: فُلانٌ وجْهُ القَوْمِ، أيْ مَوْضِعُ شَرَفِهِمْ، ولِفُلانٍ وجْهٌ عِنْدَ النّاسِ: أيْ جاهٌ وشَرَفٌ. والتَّقْدِيرُ: فَثَمَّ جَلالُ اللَّهِ وعَظَمَتُهُ، قالَهُ أبُو مَنصُورٍ في المُقْنِعِ. وحَيْثُ جاءَ الوَجْهُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، فَلَهُ مَحْمَلٌ في لِسانِ العَرَبِ، إذْ هو لَفْظٌ يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى العُضْوِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أشْهَرَ فِيهِ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ تِلْكَ صِفَةٌ ثابِتَةٌ لِلَّهِ بِالسَّمْعِ، زائِدَةٌ عَلى ما تُوجِبُهُ العُقُولُ مِن صِفاتِ القَدِيمِ تَعالى. وضَعَّفَ أبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ فِيهِ الجَزْمَ بِإثْباتِ صِفَةٍ لِلَّهِ تَعالى بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ، وهي صِفَةٌ لا يُدْرى ما هي، ولا يُعْقَلُ مَعْناها في اللِّسانِ العَرَبِيِّ، فَوَجَبَ اطِّراحُ هَذا القَوْلِ والِاعْتِمادُ عَلى ما لَهُ مَحْمَلٌ في لِسانِ العَرَبِ. إذا كانَ لِلَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى التَّجْسِيمِ فَنَحْمِلُهُ إمّا عَلى ما يُسَوَّغُ فِيهِ مِنَ الحَقِيقَةِ الَّتِي يَصِحُّ نِسْبَتُها إلى اللَّهِ تَعالى إنْ كانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا، أوْ مِنَ المَجازِ إنْ كانَ اللَّفْظُ غَيْرَ مُشْتَرَكٍ. والمَجازُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن رَمْلِ يَبْرِينَ ونَهْرِ فِلَسْطِينَ. فالوُقُوفُ مَعَ ظاهِرِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى التَّجْسِيمِ غَباوَةٌ وجَهْلٌ بِلِسانِ العَرَبِ وأنْحائِها ومُتَصَرِّفاتِهِا في كَلامِها، وحُجَجِ العُقُولِ الَّتِي مَرْجِعُ حَمْلِ الألْفاظِ المُشْكِلَةِ إلَيْها. ونَعُوذُ بِاللَّهِ أنْ نَكُونَ كالكَرّامِيَّةِ ومَن سَلَكَ مَسْلَكَهم في إثْباتِ التَّجْسِيمِ ونِسْبَةِ الأعْضاءِ لِلَّهِ - تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ المُفْتَرُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - وفي قَوْلِهِ: ﴿تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّهُ في حَيِّزٍ وجِهَةٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا خُيِّرَ في اسْتِقْبالِ جَمِيعِ الجِهاتِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في جِهَةٍ ولا حَيِّزٍ، ولَوْ كانَ في حَيِّزٍ لَكانَ اسْتِقْبالُهُ والتَّوَجُّهُ إلَيْهِ أحَقَّ مِن جَمِيعِ الأماكِنِ. فَحَيْثُ لَمْ يُخَصِّصْ مَكانًا، عَلِمْنا أنَّهُ لا في جِهَةٍ ولا حَيِّزٍ، بَلْ جَمِيعُ الجِهاتِ في مُلْكِهِ وتَحْتَ مُلْكِهِ، فَأيُّ جِهَةٍ تَوَجَّهْنا إلَيْهِ فِيها عَلى وجْهِ الخُضُوعِ كُنّا مُعَظِّمِينَ لَهُ مُمْتَثِلِينَ لِأمْرِهِ. * * ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾: وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِصِفَةِ الواسِعِ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِسَعَةِ مَغْفِرَتِهِ. وجاءَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢]، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ: لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ. وقِيلَ: واسِعُ العَطاءِ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ: غَنِيٌّ، ومَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ: جَوادٌ. وقِيلَ: مَعْناهُ عالِمٌ، مِن قَوْلِهِ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، عَلى أحَدِ التَّفاسِيرِ، وجُمِعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَلِيمٍ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ. وقِيلَ: واسِعُ القُدْرَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ يُوَسِّعُ عَلى عِبادِهِ في الحُكْمِ، دِينُهُ يُسْرٌ. عَلِيمٌ: أيْ بِمَصالِحِهِمْ أوْ بِنِيّاتِ القُلُوبِ الَّتِي هي مِلاكُ العَمَلِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ ظَواهِرُها في قِبْلَةٍ وغَيْرِها. وهَذِهِ التَّفاسِيرُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أمْرِ القِبْلَةِ. وقالَ القَفّالُ: لَيْسَ فِيها ذِكْرُ القِبْلَةِ والصَّلاةِ، وإنَّما أخْبَرَهم تَعالى عَنْ عِلْمِهِ بِهِمْ، وطَوَّقَ سُلْطانَهُ إيّاهم حَيْثُ كانُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣]، الآيَةَ، (p-٣٦٢)وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ، ويَكُونُ في هَذا تَهْدِيدٌ لِمَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ مِنَ الذِّكْرِ، وسَعى في خَرابِها، أنَّهُ لا مَهْرَبَ لَهُ مِنَ اللَّهِ ولا مَفَرَّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أيْنَ المَفَرُّ﴾ [القيامة: ١٠] ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢]، وكَما قالَ: ؎فَإنَّكَ كاللَّيْلِ الَّذِي هو مُدْرِكِي وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتَأى عَنْكَ واسِعُ وقالَ: ؎ولَمْ يَكُنِ المُغْتَرُّ بِاللَّهِ إذْ سَرى ∗∗∗ لِيُعْجِزَ والمُعْتَزُّ بِاللَّهِ طالِبُهْ وقالَ: ؎أيْنَ المَفَرُّ ولا مَفَرَّ لِهارِبٍ ∗∗∗ ولَهُ البَسِيطانِ الثَّرى والماءُ وعَلى هَذا المَعْنى يَكُونُ الخِطابُ عامًّا يَنْدَرِجُ فِيهِ مَن مَنَعَ المَساجِدَ مِنَ الذِّكْرِ وغَيْرِهِ. وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكَّدَةً بِإنَّ مُصَرَّحًا بِاسْمِ اللَّهِ فِيها دالَّةً عَلى الِاسْتِقْلالِ. وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]، وكَقَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وذَلِكَ أفْخَمُ وأجْزَلُ مِنَ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يُشْعِرُ بِقُوَّةِ التَّعَلُّقِ، والظّاهِرَ يُشْعِرُ بِالِاسْتِقْلالِ. ألا تَرى أنَّهُ يَصِحُّ الِابْتِداءُ بِهِ، وإنْ لَمْ يُلْحَظْ ما قَبْلَهُ ؟ بِخِلافِ الضَّمِيرِ، فَإنَّهُ رابِطٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي هو فِيها بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. ألا تَرى إلى أنَّ أكْثَرَ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذَلِكَ إنَّما جاءَ بِالظّاهِرِ ؟ كَما مَثَّلْناهُ، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ﴾ [النساء: ١٠٣]، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠]، وقالَ: ؎لَيْتَ شِعْرِي وأيْنَ مِنِّي لَيْتٌ ∗∗∗ إنَّ لَيْتًا وإنَّ لَوًّا عَناءُ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، إذْ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، أوْ في النَّصارى، إذْ قالُوا: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، أوْ في المُشْرِكِينَ، إذْ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، أوْ في النَّصارى والمُشْرِكِينَ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ، والأخِيرُ قالَهُ الزَّجّاجُ. ولِاخْتِلافِهِمْ في سَبَبِ النُّزُولِ، اخْتَلَفُوا في الضَّمِيرِ في و”قالُوا“، عَلى مَن يَعُودُ ؟ فَقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ. فَإنَّ كُلًّا مِنهم قَدْ جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ: وقالُوا بِالواوِ، وهو آكَدُ في الرَّبْطِ، فَيَكُونُ عَطَفَ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً عَلى جُمْلَةٍ مِثْلِها. وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وسَعى في خَرابِها﴾ [البقرة: ١١٤]، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى مَعْطُوفٍ عَلى الصِّلَةِ، وفُصِلَ بَيْنَهُما بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْ مِثْلِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ وغَيْرُهُما: قالُوا بِغَيْرِ واوٍ، ويَكُونُ عَلى اسْتِئْنافِ الكَلامِ، أوْ مَلْحُوظًا فِيهِ مَعْنى العَطْفِ، واكْتَفى بِالضَّمِيرِ والرَّبْطِ بِهِ عَنِ الرَّبْطِ بِالواوِ. وقالَ الفارِسِيُّ: وبِغَيْرِ واوٍ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ. تَقَدَّمَ أنَّ اتَّخَذَ: افْتَعَلَ مِنَ الأخْذِ، وأنَّها تارَةً تَتَعَدّى إلى واحِدٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، قالُوا: مَعْناهُ صَنَعَتْ وعَمِلَتْ، وإلى اثْنَيْنِ فَتَكُونُ بِمَعْنى: صَيَّرَ. وكِلا الوَجْهَيْنِ يُحْتَمَلُ هُنا. وكُلٌّ مِنَ الوَجْهَيْنِ يَقْتَضِي تَصَوُّرَهُ بِاسْتِحالَةِ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَكُونُ مِن جِنْسِ الوالِدِ. فَإنْ جَعَلْتَ اتَّخَذَ بِمَعْنى عَمِلَ وصَنَعَ، اسْتَحالَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ البارِيَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحُدُوثِ، قَدِيمٌ، لا أوَّلِيَّةَ لِقِدَمِهِ، وما عَمِلَهُ مُحْدَثٌ، فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ ولَدٌ لَهُ. وإنْ جَعَلْتَ اتَّخَذَ بِمَعْنى صَيَّرَ، اسْتَحالَ أيْضًا؛ لِأنَّ التَّصْيِيرَ هو نَقْلٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا فِيما يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ، وفَرْضِيَّةُ الوَلَدِ بِهِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الوالِدِ لا تَقْتَضِي التَّغْيِيرَ، فَقَدِ اسْتَحالَ ذَلِكَ. وإذا جَعَلْتَ اتَّخَذَ بِمَعْنى صَيَّرَ، كانَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: وقالُوا اتَّخَذَ بَعْضَ المَوْجُوداتِ ولَدًا. والَّذِي جاءَ في القُرْآنِ إنَّما ظاهِرُهُ التَّعَدِّي إلى واحِدٍ، قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨]، ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] . وقالَ القُشَيْرِيُّ: أتى بِالوَلَدِ، وهو أحَدِيُّ الذّاتِ، لا جُزْءَ لِذاتِهِ، ولا تَجُوزُ الشَّهْوَةُ في صِفاتِهِ. انْتَهى. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِن أفْسَدِ الأشْياءِ وأوْضَحِها في الِاسْتِحالَةِ، أتى بِاللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ والبَراءَةَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا تَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، قَبْلَ أنْ يَضْرِبَ عَنْ مَقالَتِهِمْ ويَسْتَدِلَّ عَلى بُطْلانِ دَعْواهم. وكانَ ذِكْرُ التَّنْزِيهِ أسْبَقَ؛ لِأنَّ فِيهِ رَدْعًا لِمُدَّعِي ذَلِكَ، وأنَّهُمُ ادَّعَوْا أمْرًا تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْهُ وتَقَدَّسَ، ثُمَّ أخَذَ في إبْطالِ تِلْكَ المَقالَةِ فَقالَ: (p-٣٦٣)﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ جَمِيعُ ذَلِكَ مَمْلُوكٌ لَهُ، ومِن جُمْلَتِهِمْ مَنِ ادَّعَوْا أنَّهُ ولَدَ اللَّهُ. والوِلادَةُ تُنافِي المِلْكِيَّةَ؛ لِأنَّ الوالِدَ لا يَمْلِكُ ولَدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هُنا مَسْألَةَ مَنِ اشْتَرى والِدًا أوْ ولَدَهُ أوْ أحَدًا مِن ذَوِي رَحِمِهِ، ومَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّ الكُلَّ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ تَعالى، ذَكَرَ أنَّهم كُلَّهم قانِتُونَ لَهُ، أيْ مُطِيعُونَ خاضِعُونَ لَهُ. وهَذِهِ عادَةُ المَمْلُوكِ، أنْ يَكُونَ طائِعًا لِمالِكِهِ، مُمْتَثِلًا لِما يُرِيدُهُ مِنهُ. واسْتُدِلَّ بِنَتِيجَةِ الطَّواعِيَةِ عَلى ثُبُوتِ المِلْكِيَّةِ. ومَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُجانِسِ الوالِدَ، إذِ الوَلَدُ يَكُونُ مِن جِنْسِ الوالِدِ. وأتى بِلَفْظِ ما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وإنْ كانَتْ لِما لا يَعْقِلُ؛ لِأنَّ ما لا يَعْقِلُ إذا اخْتَلَطَ بِمَن يَعْقِلُ جازَ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ الجَمِيعِ بِما. ولِذَلِكَ قالَ سِيبَوَيْهِ: وأمّا ما، فَإنَّها مُبْهَمَةٌ تَقَعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ويُدَلُّ عَلى انْدِراجِ مَن يَعْقِلُ تَحْتَ مَدْلُولِ ”ما“ جَمْعُ الخَبَرِ بِالواوِ والنُّونِ، الَّتِي هي حَقِيقَةٌ فِيما يَعْقِلُ، وانْدَرَجَ فِيهِ ما لا يَعْقِلُ عَلى حُكْمِ تَغْلِيبِ مَن يَعْقِلُ. فَحِينَ ذَكَرَ المُلْكَ، أتى بِلَفْظَةِ ما، وحِينَ ذَكَرَ القُنُوتَ، أتى بِجَمْعِ ما يَعْقِلُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ شامِلٌ لِمَن يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جاءَ بِما الَّذِي لِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ مَعَ قَوْلِهِ: قانِتُونَ ؟ قُلْتُ: هو كَقَوْلِهِ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لَنا، وكَأنَّهُ جاءَ بِـ ”ما“ دُونَ ”مَن“، تَحْقِيرًا لَهم وتَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] . انْتَهى كَلامُهُ، وهو جُنُوحٌ مِنهُ إلى أنَّ ما وقَعَتْ عَلى مَن يَعْلَمُ، ولِذَلِكَ جَعَلَهُ كَقَوْلِهِ: ما سَخَّرَكُنَّ لَنا. يُرِيدُ أنَّ المَعْنى: سُبْحانَ مَن سَخَّرَكُنَّ لَنا، لِأنَّها يُرادُ بِها اللَّهُ تَعالى. وما عِنْدَنا لا يَقَعُ إلّا لِما لا يَعْقِلُ، إلّا إذا اخْتَلَطَ بِمَن يَعْقِلُ، فَيَقَعُ عَلَيْهِما، كَما ذَكَرْناهُ، أوْ كانَ واقِعًا عَلى صِفاتِ مَن يَعْقِلُ، فَيُعَبَّرُ عَنْها بِما. وأمّا أنْ يَقَعَ لِمَن يَعْقِلُ خاصَّةً حالَةَ إفْرادِهِ أوْ غَيْرِ إفْرادِهِ، فَلا. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وهو مَذْهَبٌ لا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، إذْ جَمِيعُ ما احْتُجَّ بِهِ لِهَذا المَذْهَبِ مُحْتَمَلٌ، وقَدْ يُئَوَّلُ، فَيُئَوَّلُ قَوْلُهُ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ، عَلى أنَّ سُبْحانَ غَيْرُ مُضافٍ، وأنَّهُ عَلَمٌ لِمَعْنى التَّسْبِيحِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ؎سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وما: ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ مُدَّةَ تَسْخِيرِكُنَّ لَنا. والفاعِلُ بِسَخَّرَ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ المَعْنى وسِياقُ الكَلامِ، إذْ مَعْلُومٌ أنْ مُسَخِّرَهُنَّ هو اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: وكَأنَّهُ جاءَ بِما دُونَ مَن، تَحْقِيرًا لَهم وتَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، لَيْسَتْ ما هُنا مُخْتَصَّةً بِمَن يَعْقِلُ، فَتَقُولَ عَبَّرَ عَنْهم بِما الَّتِي لِما لا يَعْقِلُ تَحْقِيرًا لَهم، وإنَّما هي عامَّةٌ لِمَن يَعْقِلُ ولِما لا يَعْقِلُ. ومَعْنى قانِتُونَ: قائِمُونَ بِالشَّهادَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ في القِيامَةِ لِلْعَرْضِ، قالَهُ الرَّبِيعُ، أوْ مُطِيعُونَ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وقِيلَ: قائِمُونَ بِاللَّهِ. وأُورِدَ عَلى مَن يَقُولُ: القُنُوتُ: القِيامُ لِلَّهِ بِالشَّهادَةِ والعُبُودِيَّةِ، أنَّهُ: كَيْفَ عَمَّ بِهَذا القَوْلِ وكَثِيرٌ لَيْسَ بِمُطِيعٍ ؟ وأُجِيبَ: أنَّ ظاهِرَهُ العُمُومُ، والمَعْنى الخُصُوصُ، أيْ أهْلُ كُلِّ طاعَةٍ لَهُ قانِتُونَ، وبِأنَّ الكُفّارَ يَسْجُدُ ضُلّالُهم، وبِظُهُورِ أثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِ، وجَرْيِ أحْكامِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَذَلُّلِـهِ لِلَّهِ تَعالى، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. (وكُلٌّ لَهُ): مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، والمُضافُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وهو عِبارَةٌ عَنْ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وهو المَحْكُومُ عَلَيْهِمْ بِالمِلْكِيَّةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّ مَن جَعَلُوهُ لِلَّهِ ولَدًا، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأنَّ المَجْعُولَ لِلَّهِ ولَدًا لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ، ولِأنَّ الخَبَرَ يَشْتَرِكُ فِيهِ المَجْعُولُ ولَدًا وغَيْرُهُ. و﴿قانِتُونَ﴾: خَبَرٌ عَنْ ”كُلٌّ“، وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى. وكُلُّ إذا حُذِفَ ما تُضافُ إلَيْهِ، جازَ فِيها مُراعاةُ المَعْنى فَتُجْمَعُ، ومُراعاةُ اللَّفْظِ فَتُفْرَدُ. وإنَّما حَسُنَتْ مُراعاةُ الجَمْعِ هُنا، لِأنَّها فاصِلَةُ رَأْسِ آيَةٍ، ولِأنَّ الأكْثَرَ في لِسانِهِمْ أنَّهُ إذا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ كانَ مُراعاةُ المَعْنى أكْثَرَ وأحْسَنَ. قالَ تَعالى: ﴿وكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤]، ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، و﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] . وقَدْ جاءَ إفْرادُ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: (p-٣٦٤)﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هُناكَ ذِكْرُ مُحَسِّنِ إفْرادِ الخَبَرِ.

البقرة 2:117

﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ مالِكٌ لِجَمِيعِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهم كُلٌّ قانِتُونَ لَهُ، وهُمُ المَظْرُوفُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ذَكَرَ الظَّرْفَيْنِ وخَصَّهُما بِالبَداعَةِ، لِأنَّهُما أعْظَمُ ما نُشاهِدُهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ. وارْتِفاعُ ”بَدِيعُ“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الفاعِلِ. فالمَجْرُورُ مُشَبَّهٌ بِالمَفْعُولِ، وأصْلُهُ الأوَّلُ بَدِيعُ سَماواتِهِ، ثُمَّ شَبَّهَ الوَصْفَ فَأضْمَرَ فِيهِ، فَنَصَبَ السَّماواتِ، ثُمَّ جَرَّ مَن نَصَبَ. وفِيهِ أيْضًا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ المَعْنى في الأصْلِ أنَّهُ تَعالى بُدِعَتْ سَماواتُهُ، أيْ جاءَتْ في الخَلْقِ عَلى شَكْلٍ مُبْتَدَعٍ لَمْ يَسْبِقْ نَظِيرُهُ. وهَذا الوَجْهُ ابْتَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، إلّا أنَّهُ قالَ: وبَدِيعُ السَّماواتِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها، وهَذا لَيْسَ عِنْدَنا. كَذَلِكَ بَلْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى مَنصُوبِها. والصِّفَةُ عِنْدَنا لا تَكُونُ مُشَبَّهَةً حَتّى تَنْصِبَ أوْ تَخْفِضَ، وأمّا إذا رَفَعَتْ ما بَعْدَها فَلَيْسَ - عِنْدَنا - صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ؛ لِأنَّ عَمَلَ الرَّفْعِ في الفاعِلِ يَسْتَوِي فِيهِ الصِّفاتُ المُتَعَدِّيَةُ وغَيْرُ المُتَعَدِّيَةِ. فَإذا قُلْنا: زَيْدٌ قائِمٌ أبُوهُ، فَقائِمٌ رافِعٌ لِلْأبِ عَلى حَدِّ رَفْعِ ضارِبٍ لَهُ. إذا قُلْتَ: زَيْدٌ ضارِبٌ أبُوهُ عَمْرًا، لا تَقُولُ: إنَّ قائِمًا هُنا مِن حَيْثُ عَمِلَ الرَّفْعَ شُبِّهَ بِضارِبٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَإضافَةُ اسْمِ الفاعِلِ إلى مَرْفُوعِهِ لا يَجُوزُ لِما تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، إلّا إنْ أخَذْنا كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى التَّجَوُّزِ فَيُمْكِنُ، ويَكُونُ المَعْنى مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى ما كانَ فاعِلًا بِها قَبْلَ أنْ يُشَبَّهَ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ وجْهًا ثانِيًا قالَ: وقِيلَ البَدِيعُ بِمَعْنى المُبْدِعِ، كَما أنَّ السَّمِيعَ في قَوْلِ عَمْرٍو: ؎أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ بِمَعْنى المُسْمِعِ، وفِيهِ نَظَرٌ. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا الوَجْهُ لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَهُ، قالَ: وبَدِيعٌ مَصْرُوفٌ مِن مُبْدِعٍ، كَبَصِيرٍ مِن مُبْصِرٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: ؎أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ يُرِيدُ: المُسْمِعُ والمُبْدِعُ والمُنْشِئُ، ومِنهُ أصْحابُ البِدَعِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في صَلاةِ رَمَضانَ: نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ، انْتَهى. والنَّظَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ لا يَنْقاسُ مَعَ أنَّ بَيْتَ عَمْرٍو مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ لِمَفْعُولِهِ. وقَرَأ المَنصُورُ: بَدِيعًا بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهُ. * * ﴿وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما دَلَّ عَلى الِاخْتِراعِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى طَواعِيَةِ المُخْتَرِعِ وسُرْعَةِ تَكْوِينِهِ. ومَعْنى قَضى هُنا: أرادَ، أيْ إذا أرادَ إنْشاءَ أمْرٍ واخْتِراعَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَضى: مَعْناهُ قَدَّرَ، وقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى: أمْضى. ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ المَعْنَيانِ. فَعَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ: قَدَّرَ في الأزَلِ وأمْضى فِيهِ، وعَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ: أمْضى عِنْدَ الخَلْقِ والإيجادِ. والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، ولَيْسَ هُنا مَصْدَرَ أمَرَ يَأْمُرُ. والمُعْتَقَدُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ آمِرًا لِلْمَعْدُوماتِ بِشَرْطِ وُجُودِها، قادِرًا مَعَ تَأخُّرِ المَقْدُوراتِ، عالِمًا مَعَ تَأخُّرِ وُقُوعِ المَعْلُوماتِ. وكُلُّ ما في الآيَةِ مِمّا يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ فَهو بِحَسَبِ المَأْمُوراتِ، إذِ المُحْدَثاتُ تَجِيءُ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، وكُلُّ ما اسْتَنَدَ إلى اللَّهِ مِن قُدْرَةٍ وعِلْمٍ فَهو قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ. انْتَهى ما نَقَلْناهُ هُنا مِن كَلامِهِ. وقالَ الَمَهْدَوِيُّ: ﴿وإذا قَضى أمْرًا﴾، أيْ أتْقَنَهُ وأحْكَمَهُ وفَرَغَ مِنهُ. ومَعْنى: ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَقُولُ مِن أجْلِهِ. وقِيلَ: قالَ لَهُ كُنْ، وهو مَعْدُومٌ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَوْجُودِ، إذْ هو عِنْدَهُ مَعْلُومٌ. قالَ الطَّبَرِيُّ: أمْرُهُ لِلشَّيْءِ بِكُنْ لا يَتَقَدَّمُ الوُجُودَ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ، فَلا يَكُونُ الشَّيْءُ مَأْمُورًا بِالوُجُودِ إلّا وهو مَوْجُودٌ بِالأمْرِ، ولا مَوْجُودًا (p-٣٦٥)بِالأمْرِ إلّا وهو مَأْمُورٌ بِالوُجُودِ. قالَ: ونَظِيرُهُ قِيامُ الأمْواتِ مِن قُبُورِهِمْ لا يَتَقَدَّمُ دُعاءَ اللَّهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] . فالهاءُ في لَهُ تَعُودُ عَلى الأمْرِ، أوْ عَلى القَضاءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَضى، أوْ عَلى المُرادِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ. انْتَهى ما نَقَلْناهُ مِن كِتابِهِ. وقالَ مَكِّيٌّ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ عالِمٌ بِما سَيَكُونُ وما هو كائِنٌ، فَقَوْلُهُ: كُنْ، إنَّما هو لِلْمَوْجُودِ في عِلْمِهِ لِيُخْرِجَهُ إلى العِيانِ لَنا. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُنْ فَيَكُونُ، مِن كانَ التّامَّةِ، أيِ احْدُثْ فَيَحْدُثُ، وهَذا مَجازٌ مِنَ الكَلامِ وتَمْثِيلٌ ولا قَوْلٌ، ثُمَّ كَما لا قَوْلَ في قَوْلِهِ: ؎إذْ قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقِ وإنَّما المَعْنى: ما قَضاهُ مِنَ الأُمُورِ وأرادَ كَوْنَهُ، فَإنَّما يَتَكَوَّنُ ويَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ ولا تَوَقُّفٍ. كَما أنَّ المَأْمُورَ المُطِيعَ الَّذِي يُؤْمَرُ فَيَمْتَثِلُ، لا يَتَوَقَّفُ ولا يَمْتَنِعُ، ولا يَكُونُ مِنهُ الإباءُ. أكَّدَ بِهَذا اسْتِبْعادَ الوِلادَةِ؛ لِأنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ القُدْرَةِ، كانَتْ حالُهُ مُبايِنَةً لِأحْوالِ الأجْسامِ في تَوالُدِها. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: كُنْ عَلى التَّمْثِيلِ لِنَفاذِ الأمْرِ، قالَ: ؎فَقالَتْ لَهُ العَيْنانُ سَمْعًا وطاعَةً ∗∗∗ وإلّا فالمَعْدُومُ كَيْفَ يُخاطَبُ أوْ عَلامَةٌ لِلْمَلائِكَةِ بِحُدُوثِ المَوْجُودِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ ما تُصُوِّرَ كَوْنُهُ في عِلْمِهِ، أوْ مَخْصُوصٍ في تَحْوِيلِ المَوْجُودِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ولَوْ كانَ كُنْ مَخْلُوقًا، لاحْتاجَ إلى أُخْرى ولا يَتَناهى، فَدَلَّ عَلى أنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. انْتَهى كَلامُهُ. قالَ الَمَهْدَوِيُّ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَخْلُوقًا لَكانَ قائِلًا لَهُ: كُنْ، ولَكانَ قائِلًا: لِكُنْ كُنْ، حَتّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إلى ما لا يَتَناهى، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ مَعَ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ذَلِكَ مِن أنَّهُ لا يُوجَدُ مِنَ اللَّهِ فِعْلٌ ألْبَتَّةَ، إذْ لا بُدَّ أنْ يُوجَدَ قَبْلَهُ أفْعالٌ، هي أقاوِيلُ لا غايَةَ لَها، وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ. ولا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَجازِ، إذْ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الجَماداتِ، ولا يَكُونُ فِيمَن يَصِحُّ مِنهُ القَوْلُ إلّا بِدَلِيلٍ. ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ فِيهِ الَّذِي هو ”قَوْلُنا“ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وُكِّدَ بِمَصْدَرٍ آخَرَ، وهو أنْ نَقُولَ، وأهْلُ العَرَبِيَّةِ مُجْمِعُونَ، عَلى أنَّهم إذا أكَّدُوا الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ كانَ حَقِيقَةً، ولِذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] إذْ كانَ اللَّهُ تَعالى مُتَوَلِّيَ تَكْلِيمِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بِكَوْنِهِ. انْتَهى كَلامُ الَمَهْدَوِيِّ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: كُنْ فَيَكُونُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ كُنْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ، فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: - وهو الأقْوى - أنَّ المُرادَ نَفاذُ سُرْعَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الأشْياءِ، وإنَّما يَخْلُقُها لا لِفِكْرَةٍ، ونَظِيرُهُ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . الثّانِي: أنَّها عَلامَةٌ يَعْقِلُها المَلائِكَةُ، إذا سَمِعُوها عَلِمُوا أنَّهُ أحْدَثَ أمْرًا، قالَهُ أبُو الهُذَيْلِ. الثّالِثُ: أنَّهُ جاءَ لِلْمَوْجُودِينَ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، ومَن جَرى مَجْراهم، وهو قَوْلُ الأصَمِّ. الرّابِعُ: أنَّهُ أمْرٌ لِلْأحْياءِ بِالمَوْتِ، ولِلْمَوْتى بِالحَياةِ، والكُلُّ ضَعِيفٌ، والقَوِيُّ هو الأوَّلُ. انْتَهى كَلامُهُ. هَذا ما نَقَلْناهُ مِن كَلامِ أهْلِ التَّفْسِيرِ في الآيَةِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أرادَ إحْداثَ شَيْءٍ قالَ لَهُ: كُنْ، تُبَيِّنُهُ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] . لَكِنَّ دَلِيلَ العَقْلِ صَدَّ عَنِ اعْتِقادِ مُخاطَبَةِ المَعْدُومِ، وصَدَّ عَنْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى مَحَلًّا لِلْحَوادِثِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ كُنْ مُحْدَثَةٌ، ومَن يَعْقِلْ مَدْلُولَ اللَّفْظِ وكَوْنَهُ يَسْبِقُ بَعْضُ حُرُوفِهِ بَعْضًا لَمْ يَدْخُلْهُ شَكٌّ في حُدُوثِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلا خِطابَ ولا قَوْلَ لَفْظِيًّا، وإنَّما ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ سُرْعَةِ الإيجادِ وعَدَمِ اعْتِياصِهِ، فَهو مِن مَجازِ التَّمْثِيلِ، وكَأنَّهُ قَدَّرَ أنَّ المَعْدُومَ مَوْجُودٌ يَقْبَلُ الأمْرَ ويَمْتَثِلُهُ بِسُرْعَةٍ، بِحَيْثُ لا يَتَأخَّرُ عَنِ امْتِثالِ ما أُمِرَ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَيَكُونُ بِالرَّفْعِ، ووُجِّهَ عَلى أنَّهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ فَهو يَكُونُ، وعُزِيَ إلى سِيبَوَيْهِ. (p-٣٦٦)وقالَ غَيْرُهُ: فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى يَقُولُ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ وقَرَّرَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو خَطَأٌ مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القَوْلَ مَعَ التَّكْوِينِ حادِثٌ، وقَدِ انْتَهى ما رَدَّهُ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ. ومَعْنى رَدِّهِ: أنَّ الأمْرَ عِنْدَهُ قَدْ تَمَّ، والتَّكْوِينَ حادِثٌ، وقَدْ نَسَقَ عَلَيْهِ بِالفاءِ، فَهو مَعَهُ، أيْ يَعْتَقِبُهُ، فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ القَدِيمَ لا يَعْتَقِبُهُ الحادِثُ. وتَقْرِيرُ الطَّبَرِيِّ لَهُ هو ما تَقَدَّمَ في أوائِلِ الكَلامِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ، مِن أنَّ الأمْرَ لا يَتَقَدَّمُ الوُجُودَ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ. وما رَدَّهُ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ لا يَتِمُّ إلّا بِأنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى أنَّ ثَمَّ قَوْلًا وأمْرًا قَدِيمًا. أمّا إذا كانَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ المَجازِ، ومِن بابِ التَّمْثِيلِ، فَيَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى نَقُولُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”فَيَكُونَ“ بِالنَّصْبِ، وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ونُعَلِّمُهُ، وفي النَّحْلِ، وفي مَرْيَمَ، وفي يس، وفي المُؤْمِنِ. ووافَقَهُ الكِسائِيُّ في النَّحْلِ ويس، ولَمْ يَخْتَلِفْ في ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ﴿الحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٠] في آلِ عِمْرانَ. ﴿كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣] في الأنْعامِ أنَّهُ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنَّهُ جَوابٌ عَلى لَفْظِ كُنْ؛ لِأنَّهُ جاءَ بِلَفْظِ الأمْرِ، فَشُبِّهَ بِالأمْرِ الحَقِيقِيِّ. ولا يَصِحُّ نَصْبُهُ عَلى جَوابِ الأمْرِ الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عَلى فِعْلَيْنِ يَنْتَظِمُ مِنهُما شَرْطٌ وجَزاءٌ نَحْوُهُ: ائْتِنِي فَأُكْرِمْكَ، إذِ المَعْنى: إنْ تَأْتِنِي أُكْرِمْكَ. وهُنا لا يَنْتَظِمُ ذَلِكَ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى: إنْ يَكُنْ يَكُنْ، فَلا بُدَّ مِنِ اخْتِلافٍ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، إمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الفاعِلِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ في نَفْسِهِ، أوْ في شَيْءٍ مِن مُتَعَلِّقاتِهِ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى، في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: أنَّها لَحْنٌ، وهَذا قَوْلٌ خَطَأٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ في السَّبْعَةِ، فَهي قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، ثُمَّ هي بَعْدُ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وهو رَجُلٌ عَرَبِيٌّ، لَمْ يَكُنْ لِيَلْحَنَ. وقِراءَةُ الكِسائِيِّ في بَعْضِ المَواضِعِ، وهو إمامُ الكُوفِيِّينَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، فالقَوْلُ بِأنَّها لَحْنٌ مِن أقْبَحِ الخَطَأِ المُؤَثِّمِ الَّذِي يَجُرُّ قائِلَهُ إلى الكُفْرِ، إذْ هو طَعَنٌ عَلى ما عُلِمَ نَقْلُهُ بِالتَّواتُرِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى.

البقرة 2:118

﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في كُفّارِ العَرَبِ حِينَ طَلَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ وغَيْرُهُ ذَلِكَ. وقالَ مُجاهِدٌ: في النَّصارى، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ، لِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ أوَّلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ رافِعُ بْنُ خُزَيْمَةَ مِنَ اليَهُودِ: إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَقُلْ لِلَّهِ يُكَلِّمُنا حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وقالَ قَتادَةُ: مُشْرِكُو مَكَّةَ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى جَمِيعِ هَذِهِ الطَّوائِفِ، لِأنَّهم كُلَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، واخْتِلافُهم في المَوْصُولِ مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِلافِهِمْ في السَّبَبِ. فَإنْ كانَ المَوْصُولُ الجَهَلَةَ مِنَ العَرَبِ، فَنَفى عَنْهُمُ العِلْمَ، لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ، ولا هم أتْباعُ نُبُوَّةٍ، وإنْ كانَ المَوْصُولُ اليَهُودَ والنَّصارى، فَنَفى عَنْهُمُ العِلْمَ، لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ، وهو الِاتِّباعُ لَهُ والعَمَلُ بِمُقْتَضاهُ. وحَذَفَ مَفْعُولَ العِلْمِ هُنا اقْتِصارًا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو نَفْيُ نِسْبَةِ العِلْمِ إلَيْهِمْ، لا نَفْيُ عِلْمِهِمْ بِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وقالَ الَّذِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ لَهُ سَجِيَّةٌ في العِلْمِ لِفَرْطِ غَباوَتِهِ، فَهي مَقالَةٌ صَدَرَتْ مِمَّنْ لا يَتَّصِفُ بِتَمْيِيزٍ ولا إدْراكٍ. ومَعْمُولُ القَوْلِ الجُمْلَةُ التَّخْصِيصِيَّةُ وهي: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ، وكَما كَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالُوا ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِكْبارِ والعُتُوِّ، ﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾، أيْ هَلّا يَكُونُ أحَدُ هَذَيْنِ، إمّا التَّكَلُّمُ، وإمّا إتْيانُ آيَةٍ ؟ قالُوا ذَلِكَ جُحُودًا لِأنْ يَكُونَ ما أتاهم آيَةً واسْتِهانَةً بِها. ولَمّا حَكى عَنْهم نِسْبَةَ الوَلَدِ إلى اللَّهِ تَعالى، أعْقَبَ ذَلِكَ بِمَقالَةٍ أُخْرى لَهم تَدُلُّ عَلى تَعَنُّتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِما يَجِبُ لِلَّهِ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ وعَدَمِ الِاقْتِراحِ عَلى أنْبِيائِهِ. ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في إعْرابِ كَذَلِكَ، وفي تَبْيِينِ وُقُوعِ ”مِن قَبْلِهِمْ“ صِلَةً لِلَّذِينَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. إنْ فُسِّرَ المَوْصُولُ في الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ بِكُفّارِ العَرَبِ، أوْ مُشْرِكِي مَكَّةَ، فالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ هُمُ الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ مِن أسْلافِهِمْ وغَيْرِهِمْ. وإنْ فُسِّرَ بِاليَهُودِ أوِ النَّصارى، فالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أسْلافُهم، (p-٣٦٧)وانْتِصابُ ”مِثْلَ قَوْلِهِمْ“ عَلى البَدَلِ مِن مَوْضِعِ الكافِ. ولا تَدُلُّ المِثْلِيَّةُ عَلى التَّماثُلِ في نَفْسِ المَقُولِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنَّ مَن قَبْلَهُمُ اقْتَرَحُوا غَيْرَ ذَلِكَ، وأنَّ المِثْلِيَّةَ وقَعَتْ في اقْتِراحِ ما لا يَلِيقُ سُؤالُهُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسَ تِلْكَ المَقالَةِ، إذِ المِثْلِيَّةُ تَصْدُقُ بِهَذا المَعْنى. ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١] . لَمّا ذَكَرَ تَماثُلَ المَقالاتِ، وهي صادِرَةٌ عَنِ الأهْواءِ والقُلُوبِ، ذَكَرَ تَماثُلَ قُلُوبِهِمْ في العَمى والجَهْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣] . قِيلَ: تَشابَهَتْ قُلُوبُهم في الكُفْرِ. وقِيلَ: في القَسْوَةِ. وقِيلَ: في التَّعَنُّتِ والِاقْتِراحِ. وقِيلَ: في المُحالِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ: تَشّابَهَتْ، بِتَشْدِيدِ الشِّينِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، يَعْنِي أنَّ اجْتِماعَ التّاءَيْنِ المَزِيدَتَيْنِ لا يَكُونُ في الماضِي، إنَّما يَكُونُ في المُضارِعِ نَحْوُ: تَتَشابَهُ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ فِيهِ الإدْغامُ. أمّا الماضِي فَلَيْسَ أصْلُهُ تَتَشابَهُ. وقَدْ مَرَّ نَظِيرُ هَذِهِ القِراءَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٧٠]، وخَرَّجْنا ذَلِكَ عَلى تَأْوِيلٍ لا يُمْكِنُ هُنا، فَيُتَطَلَّبُ هُنا تَأْوِيلٌ لِهَذِهِ القِراءَةِ. ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: أيْ أوْضَحْنا الآياتِ، فاقْتِراحُ آيَةٍ مَعَ تَقَدُّمِ مَجِيءِ آياتٍ وإيضاحِها، إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ. هَذا وهي آياتٌ مُبَيَّناتٌ، لا لَبْسَ فِيها، ولا شُبْهَةَ، لِشِدَّةِ إيضاحِها. لَكِنْ لا يَظْهَرُ كَوْنُها آياتٍ إلّا لِمَن كانَ مُوقِنًا، أمّا مَن كانَ في ارْتِيابٍ، أوْ شَكٍّ، أوْ تَغافُلٍ، أوْ جَهْلٍ، فَلا يَنْفَعُ فِيهِ الآياتُ، ولَوْ كانَتْ في غايَةِ الوُضُوحِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥] ؟ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ، وقَدْ سَألَ أهْلَ البَوادِي الوافِدِينَ إلى مَكَّةَ عَنِ انْشِقاقِ القَمَرِ، فَأخْبَرُوهُ بِهِ، فَقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّ اقْتِراحَ ما تَقَدَّمَ إنَّما هو مِن أهْواءِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، قالَ في آخِرِها: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . والإيقانُ: وصْفٌ في العِلْمِ يُبْلَغُ بِهِ نِهايَةُ الوِثاقَةِ في العِلْمِ، أيْ مَن كانَ مُوقِنًا، فَقَدْ أوْضَحْنا لَهُ الآياتِ، فَآمَنَ بِها، ووَضَحَتْ عِنْدَهُ، وقامَتْ بِهِ الحُجَّةُ عَلى غَيْرِهِ. وفي جَمِيعِ الآياتِ رَدٌّ عَلى مَنِ اقْتَرَحَ آيَةً، إذِ الآياتُ قَدْ بُيِّنَتْ، فَلَمْ يَكُنْ آيَةً واحِدَةً، فَيُمْكِنَ أنْ يُدَّعى الِالتِباسُ فِيها، بَلْ ذَلِكَ جَمْعُ آياتٍ بَيِّناتٍ، لَكِنْ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّبَصُّرِ واليَقِينِ.

البقرة 2:119

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾: بَشِيرًا لِمَن آمَنَ، ونَذِيرًا لِمَن كَفَرَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ لِتَمادِيهِمْ عَلى ضَلالِهِمْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ بَيَّنَ الآياتِ ذَكَرَ مَن بُيِّنَتْ عَلى يَدَيْهِ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِ وخاطَبَهُ ﷺ لِيَعْلَمَ أنَّهُ هو صاحِبُ الآياتِ فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾، أيْ بِالآياتِ الواضِحَةِ، وفُسِّرَ الحَقُّ هُنا بِالصِّدْقِ وبِالقُرْآنِ وبِالإسْلامِ. وبِالحَقِّ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ أرْسَلْناكَ ومَعَكَ الحَقُّ لا يُزايِلُكَ. وانْتِصابُ بَشِيرًا ونَذِيرًا عَلى الحالِ مِنَ الكافِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الحَقِّ؛ لِأنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ يَتَّصِفُ أيْضًا بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ. والأظْهَرُ الأوَّلُ. وعَدَلَ إلى فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِفاتِ السَّجايا، والعَدْلُ في بَشِيرٍ لِلْمُبالَغَةِ مَقِيسٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، إذا جَعَلْناهُ مِن بَشَّرَ لِأنَّهم قالُوا: بِشْرٌ مُخَفَّفًا، ولَيْسَ مَقِيسًا في نَذِيرٍ لِأنَّهُ مِن أنْذَرَ، ولَعَلَّ مُحَسِّنَ العَدْلِ فِيهِ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى ما يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَسُوغُ في الكَلِمَةِ مَعَ الِاجْتِماعِ مَعَ ما يُقابِلُها ما لا يَسُوغُ فِيها لَوِ انْفَرَدَتْ، كَما قالُوا: أخَذَهُ ما قَدَّمَ وما حَدَثَ وشِبْهُهُ. ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ: بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: وما تُسْألُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ولَنْ تُسْألَ، وهَذا كُلُّهُ خَبَرٌ. فالقِراءَةُ الأُولى، وقِراءَةُ أُبَيٍّ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وهو الأظْهَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَيَتَعَيَّنُ فِيها الِاسْتِئْنافُ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِئْنافِ أنَّكَ لا تُسْألُ عَنِ الكُفّارِ ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْكَ، ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] . وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ وتَخْفِيفُ ما كانَ يَجِدُهُ مِن عِنادِهِمْ، (p-٣٦٨)فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَسْتَ مَسْئُولًا عَنْهم، فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهم. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أحَدًا لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِ أحَدٍ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وأمّا الحالُ فَعَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الحالِ، أيْ وغَيْرُ مَسْئُولٍ عَنِ الكُفّارِ ما لَهم لا يُؤْمِنُونَ، فَيَكُونُ قَيْدًا في الإرْسالِ، بِخِلافِ الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ: ولا تَسْألْ بِفَتْحِ التّاءِ وجَزْمِ اللّامِ، وذَلِكَ عَلى النَّهْيِ، وظاهِرُهُ: أنَّهُ نَهْيٌ حَقِيقَةً، «نُهِيَ ﷺ أنْ يَسْألَ عَنْ أحْوالِ الكُفّارِ» . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ» فَنَزَلَتْ، واسْتُبْعِدَ في المُنْتَخَبِ هَذا؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُما. وقَدْ ذَكَرَ عِياضٌ أنَّهُما أُحْيِيا لَهُ فَأسْلَما. وقَدْ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أذِنَ لَهُ في زِيارَتِهِما، واسْتُبْعِدَ أيْضًا ذَلِكَ؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ، الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وكَفَرُوا عِنادًا، وأصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ. وكَذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ [البقرة: ١٢٠] إلّا إنْ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِانْقِطاعِ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، ويَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ وهو بَعِيدٌ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ نَهْيًا حَقِيقَةً، بَلْ جاءَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ تَعْظِيمِ ما وقَعَ فِيهِ أهْلُ الكُفْرِ مِنَ العَذابِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ حالُ فُلانٍ، إذا كانَ قَدْ وقَعَ في بَلِيَّةٍ، فَيُقالُ لَكَ: لا تَسْألْ عَنْهُ. ووَجْهُ التَّعْظِيمِ: أنَّ المُسْتَخْبِرَ يَجْزَعُ أنْ يَجْرِيَ عَلى لِسانِهِ ما ذَلِكَ الشَّخْصُ فِيهِ لِفَظاعَتِهِ، فَلا تَسْألْهُ ولا تُكَلِّفْهُ ما يُضْجِرُهُ، أوْ أنْتَ يا مُسْتَخْبِرُ لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِماعِ خَبَرِهِ لِإيحاشِهِ السّامِعَ وإضْجارِهِ، فَلا تَسْألْ، فَيَكُونُ مَعْنى التَّعْظِيمِ إمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُجِيبِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المُجابِ، ولا يُرادُ بِذَلِكَ حَقِيقَةُ النَّهْيِ.

البقرة 2:120

﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الهُدْنَةَ، ووَعَدُوهُ أنْ يَتَّبِعُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ خِداعًا مِنهم، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى سِرِّ خِداعِهِمْ، فَنَزَلَتْ، نَفى اللَّهُ رِضاهم عَنْهُ إلّا بِمُتابَعَةِ دِينِهِمْ، وذَلِكَ بَيانُ أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ الَّذِينَ هم أصْحابُها، لا يُطْمَعُ في إسْلامِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَّقَ رِضاهم عَنْهُ بِأمْرٍ مُسْتَحِيلِ الوُقُوعِ مِنهُ ﷺ وهو اتِّباعُ مِلَّتِهِمْ. والمُعَلَّقُ بِالمُسْتَحِيلِ مُسْتَحِيلٌ، سَواءٌ فَسَّرْنا المِلَّةَ بِالشَّرِيعَةِ، أوْ فَسَّرْناها بِالقِبْلَةِ، أوْ فَسَّرْناها بِالقُرْآنِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ، وهو تَأْدِيبٌ لِأُمَّتِهِ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وإنَّما ذَلِكَ لِيَتَأدَّبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، فَلا يُوالُونَ الكافِرِينَ، فَإنَّهم لا يُرْضِيهِمْ مِنهم إلّا اتِّباعُ دِينِهِمْ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لَهُ، والمُرادُ أُمَّتُهُ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ لا يُمْكِنُ ما خُوطِبَ بِهِ أنْ يَقَعَ مِنهُ، فَيُصْرَفُ ذَلِكَ إلى مَن يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ويَكُونُ تَنْبِيهًا مِنَ اللَّهِ عَلى أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يُخادِعُونَكم بِما يُظْهِرُونَ مِنَ المَيْلِ وطَلَبِ المُهادَنَةِ والوَعْدِ بِالمُوافَقَةِ، ولا يَقَعُ رِضاهم إلّا بِاتِّباعِ مِلَّتِهِمْ. ووُحِّدَتِ المِلَّةُ، وإنْ كانَ لَهم مِلَّتانِ، لِأنَّهُما يَجْمَعُهُما الكُفْرُ، فَهي واحِدَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ، أوْ لِلْإيجازِ فَيَكُونُ مِن بابِ الجَمْعِ في الضَّمِيرِ، نَظِيرُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١٣٥]؛ لِأنَّ المَعْلُومَ أنَّ النَّصارى لَنْ تَرْضى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم، واليَهُودَ لَنْ تَرْضى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الكُفْرِ، أهُوَ مِلَّةٌ واحِدَةٌ أوْ مِلَلٌ ؟ وثَمَرَةُ الخِلافِ تَظْهَرُ في الِارْتِدادِ مِن مِلَّةٍ إلى مِلَّةٍ، وفي المِيراثِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في الفِقْهِ. ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾: أمَرَهُ أنْ يُخاطِبَهم بِأنَّ هُدى اللَّهِ، أيِ الَّذِي هو مُضافٌ إلى اللَّهِ، وهو الإسْلامُ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ هو الهُدى أيِ النّافِعُ التّامُّ الَّذِي لا هُدى وراءَهُ، وما أُمِرْتُمْ بِاتِّباعِهِ هو هَوًى لا هُدًى، ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] . وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِأنْ وبِالفَصْلِ الَّذِي قَبْلُ، فَدَلَّ عَلى الِاخْتِصاصِ والحَصْرِ، وجاءَ الهُدى مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ، وهو مِمّا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ، فَإذا قُلْتَ: زَيْدٌ العالِمُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هو المَخْصُوصُ بِالعِلْمِ والمَحْصُورُ فِيهِ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ ما هم عَلَيْهِ إنَّما هي أهْواءٌ وضَلالاتٌ ناشِئَةٌ عَنْ شَهَواتِهِمْ ومُيُولِهِمْ (p-٣٦٩)فَقالَ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾: وهو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى الأقْوالِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ . واللّامُ في لَئِنْ تُسَمّى المُوطِئَةَ والمُؤْذِنَةَ، وهي تُشْعِرُ بِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَها، ولِذَلِكَ يُبْنى ما بَعْدَ الشَّرْطِ عَلى القَسَمِ لا عَلى الشَّرْطِ، إذْ لَوْ بُنِيَ عَلى الشَّرْطِ لَدَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَكَ﴾ . والأهْواءُ: جَمْعُ هَوًى، وكانَ الجَمْعُ دَلِيلًا عَلى كَثْرَةِ اخْتِلافِهِمْ، إذْ لَوْ كانُوا عَلى حَقٍّ لَكانَ طَرِيقًا واحِدًا، ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . وأضافَ الأهْواءَ إلَيْهِمْ لِأنَّها بِدَعُهم وضَلالاتُهم، ولِذَلِكَ سُمِّيَ أصْحابُ البِدَعِ أرْبابَ الأهْواءِ. ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾: أيْ مِنَ الدِّينِ، وجَعَلَهُ عِلْمًا؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ بِالبَراهِينِ الصَّحِيحَةِ، وتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أُمُورٍ مِنها: أنَّ مَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ لا يَفْعَلُ الشَّيْءَ، يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ بِالوَعِيدِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ الصّارِفُ لَهُ ذَلِكَ الوَعِيدَ، أوْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَعِيدُ أحَدَ الصَّوارِفِ، ونَظِيرُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . ومِنها أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَعِيدُ إلّا بَعْدَ المَعْذِرَةِ أوَّلًا، فَيَبْطُلُ بِذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ. ومِنها: أنَّ اتِّباعَ الهَوى باطِلٌ، فَيَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ. وقَدْ فُسِّرَ العِلْمُ هُنا بِالقُرْآنِ، وبِالعِلْمِ بِضَلالِ القَوْمِ، وبِالبَيانِ بِأنَّ دِينَ اللَّهِ هو الإسْلامُ، وبِالتَّحَوُّلِ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ قَطْعٌ لِأطْماعِهِمْ أنْ تَتِّبَعَ أهْواءَهم؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا ولِيَّ لَهُ ولا نَصِيرَ يَنْفَعُهُ إذا ارْتَكَبَ شَيْئًا كانَ أبْعَدَ في أنْ لا يَرْتَكِبَهُ، وذَلِكَ إياسٌ لَهم في أنْ يَتَّبِعَ أهْواءَهم أحَدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الوَلِيِّ والنَّصِيرِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.