Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — البقرة 2:267 – البقرة 2:286

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. البقرة 2:267
  2. البقرة 2:268
  3. البقرة 2:269
  4. البقرة 2:270
  5. البقرة 2:271
  6. البقرة 2:272
  7. البقرة 2:273
  8. البقرة 2:274
  9. البقرة 2:275
  10. البقرة 2:276
  11. البقرة 2:277
  12. البقرة 2:278
  13. البقرة 2:279
  14. البقرة 2:280
  15. البقرة 2:281
  16. البقرة 2:282
  17. البقرة 2:283
  18. البقرة 2:284
  19. البقرة 2:285
  20. البقرة 2:286

البقرة 2:267

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨] ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣] التَّيَمُّمُ: القَصْدُ، يُقالُ: أمَّ كَرَدَّ، وأُمَمٌ كَأُخَرَ، وتَيَمَّمَ بِالتّاءِ والياءِ، وتَأمَّمَ بِالتّاءِ والهَمْزَةِ، وكُلُّها بِمَعْنًى. وقالَ الخَلِيلُ: أمَمْتُهُ قَصَدْتُ أمامَهُ، ويَمَّمْتُهُ قَصَدْتُهُ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَتْ. (الخَبِيثَ) الرَّدِيءَ، وهو ضِدُّ الطَّيِّبِ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَبُثَ. الإغْماضُ: التَّساهُلُ، يُقالُ: أغْمَضَ في حَقِّهِ تَساهَلَ فِيهِ ورَضِيَ بِهِ، والإغْماضُ تَغْمِيضُ العَيْنِ، وهو كالإغْضاءِ، وأغْمَضَ الرَّجُلُ أتى غامِضًا مِنَ الأمْرِ، كَما يُقالُ: أعْمَنَ وأعْرَقَ وأنْجَدَ أيْ: أتى عُمانَ والعِراقَ ونَجْدًا، وأصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الغُمُوضِ وهو: الخَفاءُ، غَمَضَ الشَّيْءُ يَغْمُضُ غُمُوضًا خَفِيَ، وإطْباقُ الجَفْنِ إخْفاءٌ لِلْعَيْنِ، والغَمْضُ المُتَطامِنُ الخَفِيُّ مِنَ الأرْضِ. الحَمِيدُ: المَحْمُودُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ولا يَنْقاسُ، وتَقَدَّمَتْ أقْسامُ فَعِيلٍ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وتَفْسِيرُ الحَمْدِ في أوَّلِ سُورَتِهِ. النَّذْرُ: تَقَدَّمَتْ مادَّتُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] وهو عَقْدُ الإنْسانِ ضَمِيرَهُ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ والتِزامِهِ، وأصْلُهُ مِنَ الخَوْفِ، والفِعْلُ مِنهُ نَذَرَ يَنْذِرُ ويَنْذُرُ، بِضَمِّ الذّالِ وكَسْرِها، وكانَتِ النُّذُورُ مِن سِيرَةِ العَرَبِ يُكْثِرُونَ مِنها فِيما يَرْجُونَ وُقُوعَهُ، وكانُوا أيْضًا يَنْذُرُونَ قَتْلَ أعْدائِهِمْ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎الشّاتِمِي عِرْضِي، ولَمْ أشْتِمْهُما والنّاذِرَيْنِ إذا لَقِيتُهُما دَمِي (p-٣١٦)وأمّا عَلى ما يَنْطَلِقُ شَرْعًا فَسَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. (نِعِمَّ): أصْلُها نِعْمَ، وهي مُقابِلَةُ بِئْسَ، وأحْكامُها مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في: بِئْسَ، في قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠] . التَّعَفُّفُ: تَفَعُّلٌ مِنَ العِفَّةِ، عَفَّ عَنِ الشَّيْءِ أمْسَكَ عَنْهُ، وتَنَزَّهَ عَنْ طَلَبِهِ، مَن عَشِقَ فَعَفَّ فَماتَ ماتَ شَهِيدًا، أيْ: كَفَّ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: ؎فَعَفَّ عَنْ أسْرارِها بَعْدَ الغَسَقِ ∗∗∗ ولَمْ يَدَعْها بَعْدَ فَرْكٍ وعِشْقِ السِّيما: العَلامَةُ، ويُمَدُّ، ويُقالُ: بِالسِّيمْياءِ، كالكِيمْياءِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎غُلامٌ رَماهُ اللَّهُ بِالحُسْنِ يافِعًا ∗∗∗ لَهُ سِيمْياءُ لا تَشُقُّ عَلى البَصَرِ وهُوَ مِنَ الوَسْمِ، والسِّمَةُ العَلامَةُ، جُعِلَتْ فاؤُهُ مَكانَ عَيْنِهِ، وعَيْنُهُ مَكانَ فائِهِ، وإذا مُدَّ: سِيمْياءُ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإلْحاقِ لا لِلتَّأْنِيثِ. الإلْحافُ: الإلْحاحُ واللَّجاجُ في السُّؤالِ، ويُقالُ: ألْحَفَ وأحْفى، واشْتِقاقُ الإلْحافِ، مِنَ اللِّحافِ؛ لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى وُجُوهِ الطَّلَبِ في كُلِّ حالٍ، وقِيلَ: مِن ألْحَفَ الشَّيْءُ إذا غَطّاهُ وعَمَّهُ بِالتَّغْطِيَةِ، ومِنهُ اللِّحافُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ: ؎يَظَلُّ يَحُفُّهُنَّ بِقَفْقَفَيْهِ ∗∗∗ ويُلْحِفْهُنَّ هَفْهافًا ثَخِينا يَصِفُ ذَكَرَ النَّعامِ يَحْضُنَّ بَيْضًا بِجَناحَيْهِ، ويَجْعَلُ جَناحَهُ كاللِّحافِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ثُمَّ راحُوا عَبِقَ المِسْكُ بِهِمْ ∗∗∗ يُلْحِفُونَ الأرْضَ هُدّابَ الأُزُرْ أيْ: يَجْعَلُونَها كاللِّحافِ لِلْأرْضِ، أيْ يُلْبِسُونَها إيّاها، وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِن لَحَفَ الجَبَلُ لِما فِيهِ مِنَ الخُشُونَةِ، وقِيلَ: مِن قَوْلِهِمْ: لَحَّفَنِي مِن فَضْلِ لِحافِهِ، أيْ: أعْطانِي مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ تَظافَرَتِ النُّصُوصُ في الحَدِيثِ عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ كانُوا يَأْتُونَ بِالأقْناءِ مِنَ التَّمْرِ فَيُعَلِّقُونَها في المَسْجِدِ لِيَأْكُلَ مِنها المَحاوِيجُ، فَجاءَ بَعْضُ الصَّحابَةِ بِحَشَفٍ، وفي بَعْضِ الطُّرُقِ بِشِيصٍ، وفي بَعْضِها بِرَدِيءٍ، وهو يَرى أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، فَنَزَلَتْ، وهَذا الخِطابُ بِالأمْرِ بِالإنْفاقِ عامٌّ لِجَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَعَلِيٌّ، وعُبَيْدَةُ السَّلْمانِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ: هي في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، وأنَّهُ كَما يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِالقَلِيلِ فَلَهُ أنْ يَتَطَوَّعَ بِنازِلٍ في القَدْرِ، ودِرْهَمٌ زائِفٌ خَيْرٌ مِن تَمْرَةٍ، فالأمْرُ عَلى هَذا لِلْوُجُوبِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ: أنَّها في التَّطَوُّعِ، وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ نَدَبُوا إلى أنْ لا يَتَطَوَّعُوا إلّا بِجَيِّدٍ مُخْتارٍ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ فَضْلَ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ وحَثَّ عَلَيْها، وقَبَّحَ المِنَّةَ ونَهى عَنْها، ثُمَّ ذَكَرَ القَصْدَ فِيها مِنَ الرِّياءِ وابْتِغاءِ رِضا اللَّهِ، ذَكَرَ هُنا وصْفَ المُنْفِقِ مِنَ المُخْتارِ، وسَواءٌ كانَ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ أوْ لِلنَّدْبِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ: ﴿طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ هو الجَيِّدُ المُخْتارُ، وأنَّ الخَبِيثَ هو الرَّدِيءُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: (مِن طَيِّباتِ) أيْ: الحَلالِ و(الخَبِيثَ) الحَرامَ. وقالَ عَلِيٌّ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أمْوالُ التِّجارَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَوْلُهُ: (مِن طَيِّباتِ) يُحْتَمَلُ أنْ لا يُقْصَدَ بِهِ لا الحِلُّ ولا الجَيِّدُ، لَكِنْ يَكُونُ المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: أنْفِقُوا مِمّا كَسَبْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى الإنْفاقِ فَقَطْ، ثُمَّ دَخَلَ ذِكْرُ الطَّيِّبِ تَبْيِينًا لِصِفَةِ حُسْنِهِ في المَكْسُوبِ عامًّا، وتَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، كَما تَقُولُ: أطْعَمْتُ فُلانًا مِن مَشْبَعِ الخُبْزِ، وسَقَيْتُهُ مِن مَرْوِيِّ الماءِ، والطَّيِّبُ عَلى هَذِهِ الجِهَةِ يَعُمُّ الجَوْدَةَ والحِلَّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قالَ: لَيْسَ في مالِ المُؤْمِنِ مِن خَبِيثٍ، انْتَهى كَلامُهُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: (ما كَسَبْتُمْ) عُمُومُ كُلِّ ما حَصَلَ بِكَسْبٍ مِنَ الإنْسانِ المُنْفِقِ، وسِعايَةٍ وتَحْصِيلٍ بِتَعَبٍ بِبَدَنٍ أوْ بِمُقاوَلَةٍ في تِجارَةٍ. وقِيلَ: هو ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ المُلْكُ مِن حادِثٍ أوْ قَدِيمٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المالُ المَوْرُوثُ؛ لِأنَّهُ مَكْسُوبٌ لِلْمَوْرُوثِ عَنْهُ، والضَّمِيرُ في (كَسَبْتُمْ) إنَّما هو لِنَوْعِ الإنْسانِ أوِ المُؤْمِنِينَ، وهو الظّاهِرُ. وقالَ الرّاغِبُ: (p-٣١٧)تَخْصِيصُ المُكْتَسَبِ دُونَ المَوْرُوثِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بِما يَكْتَسِبُهُ أضَنُّ بِهِ مِمّا يَرِثُهُ، فَإذْنُ المَوْرُوثِ مَعْقُولٌ مِن فَحْواهُ، انْتَهى. وهو حَسَنٌ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، وهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، و(ما) في (ما كَسَبْتُمْ) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَيُحْتاجُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مُؤَوَّلًا بِالمَفْعُولِ، تَقْدِيرُهُ: مِن طَيِّباتِ كَسْبِكم، أيْ: مَكْسُوبِكم، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالإنْفاقِ عامٌّ في جَمِيعِ أصْنافِ الأمْوالِ الطَّيِّبَةِ، مُجْمَلٌ في المِقْدارِ الواجِبِ فِيها، مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ بِذِكْرِ المَقادِيرِ، فَيَصِحُّ الاحْتِجاجُ بِها في إيجابِ الحَقِّ فِيما وقَعَ الخِلافُ فِيهِ، نَحْوُ: أمْوالِ التِّجارَةِ، وصَدَقَةِ الخَيْلِ، وزَكاةِ مالِ الصَّبِيِّ، والحُلِيِّ المُباحِ اللَّبْسِ غَيْرِ المُعَدِّ لِلتِّجارَةِ، والعُرُوضِ، والغَنَمِ، والبَقَرِ المَعْلُوفَةِ، والدَّيْنِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اخْتُلِفَ فِيهِ. وقالَ خُوَيْزُ مِندادُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أكْلِ الوالِدِ مِن مالِ الوَلَدِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أوْلادُكم مِن طِيبِ أكْسابِكم فَكُلُوا مَن مالَ أوْلادِكم هَنِئًا» انْتَهى. ورَوَتْ عائِشَةُ عَنْهُ ﷺ: «إنَّ أطْيَبَ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ» . ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي مِن أنْواعِ الحُبُوبِ والثِّمارِ والمَعادِنِ والرِّكازِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أخْرَجْنا لَكُمْ﴾ امْتِنانٌ وتَنْبِيهٌ عَلى الإحْسانِ التّامِّ كَقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] والمُرادُ: مِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وكَرَّرَ حَرْفَ الجَرِّ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أوْ إشْعارًا بِتَقْدِيرِ عامِلٍ آخَرَ، حَتّى يَكُونَ الأمْرُ مَرَّتَيْنِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ الزَّكاةِ فِيما تُخْرِجُهُ الأرْضُ مِن قَلِيلٍ وكَثِيرٍ مِن سائِرِ الأصْنافِ لِعُمُومِ الآيَةِ، إذْ قُلْنا إنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، وبَيْنَ العُلَماءِ خِلافٌ في مَسائِلَ كَثِيرَةٍ مِمّا أخْرَجَتِ الأرْضُ تُذْكَرُ في كُتُبِ الفِقْهِ. ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ هَذا مُؤَكِّدٌ لِلْأمْرِ، إذْ هو مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ وفي هَذا طِباقٌ بِذِكْرِ الطَّيِّباتِ والخَبِيثِ، وقَرَأ البَزِّيُّ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا﴾ بِتَشْدِيدِ التّاءِ، أصْلُهُ: تَتَيَمَّمُوا، فَأدْغَمَ التّاءَ في التّاءِ، وذَلِكَ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، وقَدْ حَصَرْتُها في قَصِيدَتِي في القِراءاتِ المُسَمّاةِ (عِقْدُ اللَّآلِئِ) وذَلِكَ في أبْياتٍ وهي: ؎تَوَلَّوْا بِأنْفالٍ وهُودٍ هُما مَعًا ∗∗∗ ونُورٍ وفي المِحْنَةِ بِهِمْ قَدْ تَوَصَّلا ؎تَنَزَّلُ في حِجْرٍ وفي الشُّعْرا مَعًا ∗∗∗ وفي القَدْرِ في الأحْزابِ لا أنْ تَبَدَّلا ؎تَبَرَّجْنَ مَعَ تَناصَرُونَ تَنازَعُوا ∗∗∗ تَكَلَّمُ مَعَ تَيَمَّمُوا قَبْلَهُنَّ لا ؎تَلْقَفُ أنّى كانَ مَعَ لِتَعارَفُوا ∗∗∗ وصاحِبَتَيْها فَتَفَرَّقَ حَصِّلا ؎بِعِمْرانَ لا تَفَرَّقُوا بِالنِّساءِ أتى ∗∗∗ تَوَفّاهم تَخَيَّرُونَ لَهُ انْجَلا ؎تَلَهّى تَلَقَّوْنَهُ تَلَظّى تَرَبَّصُو ∗∗∗ نَ زِدْ لا تَعارَفُوا تَمَيَّزُ تَكْمُلا ؎ثَلاثِينَ مَعَ إحْدى وفي اللّاتَ خَلْفَهُ ∗∗∗ تَمَنَّوْنَ مَعَ ما بَعْدَ ظَلْتُمْ تَنَزَّلا ؎وفِي بَدْئِهِ خَفِّفْ وإنْ كانَ قَبْلَها ∗∗∗ لَدى الوَصْلِ حَرْفُ المَدِّ مُدَّ وطُوِّلا ورُوِيَ عَنْ أبِي رَبِيعَةَ عَنِ البَزِّيِّ: تَخْفِيفُ التّاءِ كَباقِي القُرّاءِ، وهَذِهِ التّاءاتُ مِنها ما قَبْلَهُ مُتَحَرِّكٌ، نَحْوَ: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ﴾ [الأعراف: ١١٧] ومِنها ما قَبْلَهُ ساكِنٌ مِن حَرْفِ المَدِّ واللِّينِ نَحْوَ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا﴾ ومِنها ما قَبْلَهُ ساكِنٌ غَيْرُ حَرْفِ مَدٍّ ولِينٍ، نَحْوُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: ٣٢] ﴿نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: ١٥] ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] قالَ صاحِبُ (المُمْتِعِ): لا يُجِيزُ سِيبَوَيْهِ إسْكانَ هَذِهِ التّاءِ في يَتَكَلَّمُونَ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّها إذا سَكَنَتِ احْتِيجَ لَها ألِفُ وصْلٍ، وألِفُ الوَصْلِ لا تَلْحَقُ الفِعْلَ المُضارِعَ، فَإذا اتَّصَلَتْ بِما قَبْلَها جازَ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى هَمْزَةِ وصْلٍ، إلّا أنَّ مِثْلَ (إنْ تَوَلَّوْا) و﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: ١٥] لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ عَلى حالٍ لِما في ذَلِكَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ، ولَيْسَ السّاكِنُ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ ولِينٍ، انْتَهى كَلامُهُ. وقِراءَةُ البَزِّيِّ ثابِتَةٌ تَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ، ولَيْسَ العِلْمُ مَحْصُورًا ولا (p-٣١٨)مَقْصُورًا عَلى ما نَقَلَهُ وقالَهُ البَصْرِيُّونَ، فَلا تَنْظُرُ إلى قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (ولا تَأمَّمُوا) مِن: أمَمْتُ، أيْ: قَصَدْتُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والزُّهْرِيُّ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: (تَيَمَّمُوا) وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولا تَأُمُّوا) مِن: أمَمْتُ، أيْ: قَصَدْتُ، والخَبِيثُ والطَّيِّبُ صِفَتانِ غالِبَتانِ لا يُذْكَرُ مَعَهُما المَوْصُوفُ إلّا قَلِيلًا، ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النور: ٢٦] وجاءَ: ﴿والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ﴾ [النور: ٢٦] وقالَ تَعالى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقالَ ﷺ: «أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الخُبْثِ والخَبائِثِ» . ومِنهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (تُنْفِقُونَ) والضَّمِيرُ في (مِنهُ) عائِدٌ عَلى الخَبِيثِ، و(تُنْفِقُونَ) حالٌ مِنَ الفاعِلِ في: تَيَمَّمُوا، قِيلَ: وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأنَّ الإنْفاقَ مِنهُ يَقَعُ بَعْدَ القَصْدِ إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ؛ لِأنَّ في الكَلامِ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَيْهِ، وأجازَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (الخَبِيثَ) ثُمَّ ابْتَدَأ خَبَرًا آخَرَ في وصْفِ الخَبِيثِ، فَقالَ: تُنْفِقُونَ مِنهُ وأنْتُمْ لا تَأْخُذُونَهُ إلّا إذا أغْمَضْتُمْ، أيْ: تَساهَلْتُمْ، كَأنَّ هَذا المَعْنى عِتابٌ لِلنّاسِ وتَقْرِيعٌ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هو القَصْدُ لِلرَّدِيءِ مِن جُمْلَةِ ما في يَدِهِ، فَيَخُصُّهُ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأمّا إنْفاقُ الرَّدِيءِ لِمَن لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، أوْ لِمَن لا يَقْصِدُهُ، فَغَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ. ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ، فالجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. قالَ البَراءُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وغَيْرُهم: مَعْناهُ: ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ في دُيُونِكم وحُقُوقِكم عِنْدَ النّاسِ، إلّا بِأنْ تَساهَلُوا في ذَلِكَ، وتَتْرُكُونَ مِن حُقُوقِكم وتَكْرَهُونَهُ ولا تَرْضَوْنَهُ، أيْ: فَلا تَفْعَلُوا مَعَ اللَّهِ ما لا تَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِكم. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ لَوْ وجَدْتُمُوهُ في السُّوقِ يُباعُ إلّا أنْ يُهْضَمَ لَكم مِن ثَمَنِهِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ، وقالَ البَراءُ أيْضًا: مَعْناهُ: ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ لَوْ أُهْدِيَ لَكم إلّا أنْ تُغْمِضُوا، أيْ: تَسْتَحُوا مِنَ المُهْدِي أنْ تَقْبَلُوا مِنهُ ما لا حاجَةَ لَكم بِهِ، ولا قَدْرَ لَهُ في نَفْسِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ولَسْتُمْ بِآخِذِي الحَرامَ إلّا أنْ تُغْمِضُوا في مَكْرُوهِهِ، والظّاهِرُ عُمُومُ نَفِيِ الأخْذِ بِأيِّ طَرِيقٍ أُخِذَ الخَبِيثُ، مِن أخْذِ حَقٍّ، أوْ هِبَةٍ. والهاءُ في (بِآخِذِيهِ) عائِدَةٌ عَلى الخَبِيثِ، وهي مَجْرُورَةٌ بِالإضافَةِ، وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ المَعْنى مَفْعُولَةً. قالَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ: والهاءُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (آخِذِينَ) والهاءُ والنُّونُ لا يَجْتَمِعانِ؛ لِأنَّ النُّونَ زائِدَةٌ، وهاءَ الضَّمِيرِ زائِدَةٌ ومُتَّصِلَةٌ كاتِّصالِ النُّونِ، فَهي لا تَجْتَمِعُ مَعَ المُضْمَرِ المُتَّصِلِ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو قَوْلُ الأخْفَشِ: أنَّ التَّنْوِينَ والنُّونَ قَدْ تَسْقُطانِ لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ لا لِلْإضافَةِ، وذَلِكَ في نَحْوِ: ضارِبُكَ، فالكافُ ضَمِيرُ نَصْبٍ، ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ أنَّهُ لا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنها لِلَطافَةِ الضَّمِيرِ، وهَذا مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، وقَدْ أجازَ هِشامٌ: ضارَبَنْكَ، بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ الضَّمِيرِ، وقِياسُهُ جَوازُ إثْباتِ النُّونِ مَعَ الضَّمِيرِ، ويُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ: ؎هُمُ الفاعِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ وقَوْلِهِ: ؎ولَمْ يَرْتَفِقْ والنّاسُ مُحْتَضِرُونَهُ ﴿إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ مَوْضِعُ (أنْ) نَصْبٌ أوْ خَفْضٌ عِنْدَ مَن قَدَّرَهُ: إلّا بِأنْ تُغْمِضُوا، فُحِذَفَ الحَرْفُ، إذْ حَذْفُهُ جائِزٌ مُطَّرِدٌ، وقِيلَ: نُصِبَ بِـ (تُغْمِضُوا) وهو مَوْضِعُ الحالِ، وقَدْ قَدَّمْنا قَبْلُ، أنَّ سِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ انْتِصابَ أنْ والفِعْلِ مُقَدَّرًا بِالمَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ إنْ أغْمَضْتُمْ أخَذْتُمْ، ولَكِنْ (إلّا) وقَعَتْ عَلى أنْ فَفَتَحَتْها، ومِثْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَخافا﴾ [البقرة: ٢٢٩] و﴿إلّا أنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هَذا كُلُّهُ جَزاءٌ، وأنْكَرَ أبُو العَبّاسِ وغَيْرُهُ قَوْلَ الفَرّاءِ، وقالُوا: (أنْ) هَذِهِ لَمْ تَكُنْ مَكْسُورَةً قَطُّ، وهي الَّتِي تَتَقَدَّرُ هي وما بَعْدَها بِالمَصْدَرِ، وهي مَفْتُوحَةٌ عَلى كُلِّ حالٍ، والمَعْنى: إلّا بِإغْماضِكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُغْمِضُوا) مِن أغْمَضَ، وجَعَلُوهُ مِمّا حُذِفَ مَفْعُولُهُ، أيْ: تُغَمِّضُوا، بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الغَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، ومَعْناها مَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ورُوِيَ عَنْهُ: تَغْمِضُوا، بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الغَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ، مُضارِعُ: غَمِضَ، وهي لُغَةٌ في أغْمَضَ، ورُوِيَتْ (p-٣١٩)عَنِ اليَزِيدِيِّ (تَغْمُضُوا) بِفَتْحِ وضَمِّ المِيمِ، ومَعْناهُ: إلّا أنْ يَخْفى عَلَيْكم رَأْيُكم فِيهِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ (تُغَمَّضُوا) مُشَدَّدَةَ المِيمِ مَفْتُوحَةً. وقَرَأ قَتادَةُ (تُغْمَضُوا) بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ الغَيْنِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفًا، ومَعْناهُ: إلّا أنْ يُغْمَضَ لَكم. وقالَ أبُو الفَتْحِ: مَعْناهُ إلّا أنْ تُوجَدُوا قَدْ أغَمَضْتُمْ في الأمْرِ بِتَأوُّلِكم أوْ بِتَساهُلِكم، كَما تَقُولُ: أحْمَدَ الرَّجُلُ أُصِيبَ مَحْمُودًا، وقِيلَ: مَعْنى قِراءَةِ قَتادَةَ: إلّا أنْ تَدْخُلُوا فِيهِ وتُجْذَبُوا إلَيْهِ. ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ صَدَقاتِكم، وإنَّما هي أعْمالُكم تُرَدُّ عَلَيْكم، حَمِيدٌ أيْ: مَحْمُودٌ عَلى كُلِّ حالٍ، إذْ هو مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ، وقالَ الحَسَنُ: يَسْتَحْمِدُ إلى خَلْقِهِ، أيْ: يُعْطِيهِمْ نِعَمًا يَسْتَدْعِي بِها حَمْدَهم، وقِيلَ: مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ عَلى ما تَعَبَّدَكم بِهِ.

البقرة 2:268

﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ أيْ: يُخَوِّفُكم بِالفَقْرِ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ: أمْسِكْ فَإنْ تَصَدَّقْتَ افْتَقَرْتَ، ورَوى أبُو حَيْوَةَ عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ الرِّباطِ أنَّهُ قَرَأ: (الفُقْرَ) بِضَمِّ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ (الفَقَرَ) بِفَتْحَتَيْنِ. ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيْ: يُغْرِيكم بِها إغْراءَ الآمِرِ، والفَحْشاءُ: البُخْلُ وتَرْكُ الصَّدَقَةِ، أوِ المَعاصِي مُطْلَقًا، أوِ الزِّنا، أقْوالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفَحْشاءُ الكَلِمَةُ السَّيِّئَةُ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولا يَنْطِقُ الفَحْشاءَ مَن كانَ مِنهم إذا جَلَسُوا مِنّا ولا مِن سِوائِنا وكَأنَّ الشَّيْطانَ يَعِدُ الفَقْرَ لِمَن أرادَ أنْ يَتَصَدَّقَ، ويَأْمُرُهُ - إذْ مَنَعَ - بِالرَّدِّ القَبِيحِ عَلى السّائِلِ، وبَّخَهُ وأقْهَرَهُ بِالكَلامِ السَّيْءِ، ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنْ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنِ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَتَعَوَّذْ. وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَوَعْدٌ بِالحَقِّ وتَصْدِيقٌ بِالخَيْرِ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ“ . ثُمَّ قَرَأ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ الآيَةَ» . وتَقَدَّمَ وعْدُ الشَّيْطانِ عَلى أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ بِالوَعْدِ يَحْصُلُ الِاطْمِئْنانُ إلَيْهِ، فَإذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ وخافَ الفَقْرَ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِالأمْرِ، إذِ الأمْرُ اسْتِعْلاءٌ عَلى المَأْمُورِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ البَخِيلُ، وقالَ أيْضًا: ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ ومَنعِ الصَّدَقاتِ، انْتَهى. فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ كالتَّوْكِيدِ لِلْأُولى، ونَظَرْنا إلى ما شَرَحَهُ الشُّرّاحُ في الفاحِشِ في نَحْوِ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎حَتّى تَأْوى إلى لا فاحِشٍ بَرَمٍ ∗∗∗ ولا شَحِيحٍ إذا أصْحابُهُ غَنِمُوا وقالَ الآخَرُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ فَقالُوا: الفاحِشُ السَّيْءُ الخُلُقِ، ولَوْ كانَ الفاحِشُ هو البَخِيلَ لَكانَ قَوْلُهُ: ولا شَحِيحَ، مِن بابِ التَّوْكِيدِ، وقالَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وجَيْدٌ كَجَيْدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ إنَّ مَعْناهُ لَيْسَ بِقَبِيحٍ، ووافَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ أبا مُسْلِمٍ في تَفْسِيرِ الفاحِشِ بِالبَخِيلِ، والفَحْشاءِ بِالبُخْلِ، قالَ بَعْضُهم. وأنْشَدَ أبُو مُسْلِمٍ قَوْلَ طُرْفَةَ: ؎عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ قالَ: والأغْلَبُ في كَلامِ العَرَبِ، وفي تَفْسِيرِ البَيْتِ الَّذِي أُنْشِدُهُ أنَّ الفاحِشَ السَّيْءُ الرَّدِّ لِضِيفانِهِ، وسُؤالِهِ، قالَ: وقَدْ وجَدْنا بَعْدَ ذَلِكَ شِعْرًا يَشْهَدُ لِتَأْوِيلِ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الفَحْشاءَ البُخْلُ، وقالَ راجِزٌ مِن طَيِّءٍ: قَدْ أخَذَ المُجِدُّ كَما أرادا لَيْسَ بِفَحّاشٍ يُصِرُّ الزّادا انْتَهى. ولا حُجَّةَ في هَذا البَيْتِ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالفَحّاشِ البَخِيلَ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى السَّيْءِ الخُلُقِ، أوِ السَّيْءِ الرَّدِّ، ويَفْهَمُ البَخِيلُ مِن قَوْلِهِ: يُصِرُّ الزّادا. ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ أيْ: سَتْرًا لِذُنُوبِكم مُكافَأةً لِلْبَذْلِ، (وفَضْلًا) زِيادَةٌ عَلى مُقْتَضى ثَوابِ البَذْلِ، وقِيلَ: وفَضْلًا، أنْ يُخْلِفَ عَلَيْكم أفْضَلَ مِمّا أنْفَقْتُمْ، أوْ وثَوابًا عَلَيْهِ في (p-٣٢٠)الآخِرَةِ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وكانَ الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ إنَّما هو الشُّحُّ والبُخْلُ بِالجَيِّدِ الَّذِي مُثِيرُهُ الشَّيْطانُ، بُدِئَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ وإنَّ ما تَصَدَّقْتُمْ مِنَ الخَبِيثِ إنَّما ذَلِكَ مِن نَزَغاتِ الشَّيْطانِ لِيُقَبِّحَ لَهم ما ارْتَكَبُوهُ مِن ذَلِكَ بِنِسْبَتِهِ إلى الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى في مُقابَلَةِ وعْدِ الشَّيْطانِ وعْدَ اللَّهِ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: السَّتْرُ لِما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ. والثّانِي: الفَضْلُ وهو زِيادَةُ الرِّزْقِ والتَّوْسِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، رُوِيَ أنَّ في التَّوْراةِ: عَبْدِي، أنْفِقْ مِن رِزْقِي أبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ عَلى كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ. وفي كِتابِ اللَّهِ مِصْداقُهُ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ [سبإ: ٣٩] . ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: واسْعٌ بِالجُودِ والفَضْلِ عَلى مَن أنْفَقَ، عَلِيمٌ بِنِيّاتِ مَن أنْفَقَ، وقِيلَ: عَلِيمٌ أيْنَ يَضَعُ فَضْلَهُ، ووَرَدَتِ الأحادِيثُ بِتَفْضِيلِ الإنْفاقِ والسَّماحَةِ وذَمِّ البُخْلِ، مِنها حَدِيثُ البَراءِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الإنْفاقَ ويُبْغِضُ الإقْتارَ، فَكُلْ وأطْعِمْ ولا تُصْرِرْ، فَيَعْسُرُ عَلَيْكَ الطَّلَبُ» . وقَوْلُهُ ﷺ: «وأيُّ داءٍ أرْدَأُ مِنَ البُخْلِ» . ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ قَرَأ الرَّبِيعُ بْنُ ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌خَيْثَمٍ بِالتّاءِ في (تُؤْتِي) وفي: تَشاءُ، عَلى الخِطابِ، وهو التِفاتٌ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، والحِكْمَةُ: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ: مَعْرِفَةُ ناسِخِ القُرْآنِ ومَنسُوخِهِ، ومُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، ومُقَدَّمِهُ ومُؤَخَّرِهِ، وقالَ فِيما رَواهُ عَنْهُ أبُو صالِحٍ: النُّبُوَّةُ، وقالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ إبْراهِيمُ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: الفَهْمُ في القُرْآنِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقالَ الحَسَنُ: الوَرَعُ في دِينِ اللَّهِ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الخَشْيَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وأبُوهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: العَقْلُ في أمْرِ اللَّهِ، وقالَ شَرِيكٌ: الفَهْمُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العِلْمُ والعَمَلُ، لا يُسَمّى حَكِيمًا حَتّى يَجْمَعَهُما. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الكِتابَةُ. وقالَ ابْنُ المُقَفَّعِ: ما يَشْهَدُ العَقْلُ بِصِحَّتِهِ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقالَ فِيما رَوى عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ: التَّفَكُّرُ في أمْرِ اللَّهِ والِاتِّباعِ لَهُ، وقالَ أيْضًا: طاعَةُ اللَّهِ والفِقْهُ والدِّينُ والعَمَلُ بِهِ. وقالَ عَطاءٌ: المَغْفِرَةُ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: نُورٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الوَسْواسِ والمَقامِ. ووُجِدَتْ في نُسْخَةٍ: والإلْهامُ بَدَلُ المَقامِ. وقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أنْ يَحْكُمَ عَلَيْكَ خاطَرُ الحَقِّ دُونَ شَهْوَتِكَ. وقالَ بُنْدارُ بْنُ الحُسَيْنِ: سُرْعَةُ الجَوابِ مَعَ إصابَةِ الصَّوابِ. وقالَ المُفَضَّلُ: الرَّدُّ إلى الصَّوابِ. وقالَ الكَتّانِيُّ: ما تَسْكُنُ إلَيْهِ الأرْواحُ. وقِيلَ: إشارَةٌ بِلا عِلَّةٍ، وقِيلَ: إشْهادُ الحَقِّ عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ. وقِيلَ: صَلاحُ الدِّينِ وإصْلاحُ الدُّنْيا. وقِيلَ: العِلْمُ اللَّدُنِّيُّ. وقِيلَ: تَجْرِيدُ السِّرِّ لِوُرُودِ الإلْهامِ. وقِيلَ: التَّفَكُّرُ في اللَّهِ تَعالى، والِاتِّباعُ لَهُ. وقِيلَ: مَجْمُوعُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: فَهَذِهِ تِسْعٌ وعِشْرُونَ مَقالَةً لِأهْلِ العِلْمِ في تَفْسِيرِ الحِكْمَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقَدْ ذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأقْوالِ في تَفْسِيرِ الحِكْمَةِ ما نَصُّهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها، ما عَدا قَوْلَ السُّدِّيِّ، قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ مَصْدَرٌ مِنَ الإحْكامِ وهو الإتْقانُ في عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ، وكِتابُ اللَّهِ حِكْمَةٌ، وسُنَّةُ نَبِيِّهِ حِكْمَةٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ فَهو جُزْءٌ مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي هي الجِنْسُ، انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحِكْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] فَكانَ يُغْنِي عَنْ إعادَةِ تَفْسِيرِها هُنا، إلّا أنَّهُ ذُكِرَتْ هُنا أقاوِيلُ لَمْ يَذْكُرْها المُفَسِّرُونَ هُناكَ، فَلِذَلِكَ فُسِّرَتْ هُنا. ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو ضَمِيرُ (مَن) وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ (يُؤْتَ) وقَرَأ يَعْقُوبُ (ومَن يُؤْتِ) بِكَسْرِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَعْنى ومَن يُؤْتِهِ اللَّهُ، انْتَهى. فَإنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ تَفْسِيرَ الإعْرابِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَيْسَ في (يُؤْتَ) ضَمِيرُ نَصْبٍ حُذِفَ، بَلْ مَفْعُولُهُ مُقَدَّمٌ بِفِعْلِ الشَّرْطِ، كَما تَقُولُ: أيًّا تُعْطَ دِرْهَمًا أعْطِهِ دِرْهَمًا. وقَرَأ (p-٣٢١)الأعْمَشُ (ومَن يُؤْتِهُ الحِكْمَةَ) بِإثْباتِ الضَّمِيرِ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ (يُؤْتَ) والفاعِلُ في هَذِهِ القِراءَةِ ضَمِيرٌ مَسْتَكِنٌ في (يُؤْتَ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وكَرَّرَ ذِكْرُ الحِكْمَةِ ولَمْ يُضْمِرْها لِكَوْنِها في جُمْلَةٍ أُخْرى، ولِلِاعْتِناءِ بِها، والتَّنْبِيهِ عَلى شَرَفِها وفَضْلِها وخِصالِها. ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ، والفِعْلُ الماضِي المَصْحُوبُ بِقَدْ، الواقِعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ في الظّاهِرِ قَدْ يَكُونُ ماضِيَ اللَّفْظِ، مُسْتَقْبَلَ المَعْنى، كَهَذا، فَهو الجَوابُ حَقِيقَةً، وقَدْ يَكُونُ ماضِيَ اللَّفْظِ والمَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] فَتَكْذِيبُ الرُّسُلِ واقِعٌ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ مُسْتَقْبَلٌ، وما تَرَتَّبَ عَلى المُسْتَقْبَلِ مُسْتَقْبَلٌ، فالجَوابُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو مَحْذُوفٌ، ودَلَّ هَذا عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَتَسَلَّ، فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ، فَحالُكَ مَعَ قَوْمِكَ كَحالِهِمْ مَعَ قَوْمِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ و﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَقَدْ أُوتِيَ أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ، انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ يَسْتَدْعِي أنَّ في لِسانِ العَرَبِ تَنْكِيرَ تَعْظِيمٍ، ويَحْتاجُ إلى الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِهِ، وتَقْدِيرُهُ: أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ، إنَّما هو عَلى أنْ يَجْعَلَ (خَيْرًا) صِفَةً لِخَيْرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا، أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ، ويَحْتاجُ إلى إثْباتِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مِن لِسانِ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّ المَحْفُوظَ أنَّهُ إذا وُصِفَ بِأيٍّ؛ فَإنَّما تُضافُ لِلَفْظٍ مِثْلِ المَوْصُوفِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلِ أيِّ رَجُلٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ امْرَأً أيَّ امْرِئٍ، فَأجابَنِي ∗∗∗ وكُنْتُ وإيّاهُ مَلاذًا ومَوْئِلا وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَهَلْ يَجُوزُ وصْفُ ما يُضافُ إلَيْهِ ؟ أيْ: إذا كانَتْ صِفَةً، فَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أيِّ رَجُلٍ كَرِيمٍ، أوْ لا يَجُوزُ ؟ يَحْتاجُ جَوابُ ذَلِكَ إلى دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وأيْضًا فَفي تَقْدِيرِهِ: أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ، حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ (أيَّ) الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في نَدُورٍ، لا تَقُولُ: رَأيْتُ أيَّ رَجُلٍ، تُرِيدُ رَجُلًا أيَّ رَجُلٍ إلّا في نَدُورٍ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إذا حارَبَ الحَجّاجُ أيَّ مُنافِقٍ ∗∗∗ عَلاهُ بِسَيْفٍ كُلَّما هُزَّ يَقْطَعُ يُرِيدُ مُنافِقًا، أيَّ مُنافِقٍ، وأيْضًا فَفي تَقْدِيرِهِ: خَيْرًا كَثِيرًا أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ، حَذَفَ (أيَّ) الصِّفَةَ، وإقامَةُ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَها، وقَدْ حَذَفَ المَوْصُوفَ بِهِ، أيْ: فاجْتَمَعَ حَذْفُ المَوْصُوفِ بِهِ وحَذْفُ الصِّفَةِ، وهَذا كُلُّهُ يَحْتاجُ في إثْباتِهِ إلى دَلِيلٍ. ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ أصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ، فَأُدْغِمَ التّاءُ في الذّالِ، و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ هم أصْحابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ، وفي هَذا حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِطاعَةِ اللَّهِ، والِامْتِثالِ لِما أمَرَ بِهِ مِنَ الإنْفاقِ، ونَهى عَنْهُ مِنَ التَّصَدُّقِ بِالخَبِيثِ، وتَحْذِيرٌ مِن وعْدِ الشَّيْطانِ وأمْرِهِ، ووُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ هي العَقْلُ المُمَيَّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وذَكَرَ التَّذَكُّرَ لِما قَدْ يَعْرِضُ لِلْعاقِلِ مِنَ الغَفْلَةِ في بَعْضِ الأحْيانِ، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ ما بِهِ صَلاحُ دِينِهِ ودُنْياهُ فَيَعْمَلُ عَلَيْهِ.

البقرة 2:269

﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ أيْ: يُخَوِّفُكم بِالفَقْرِ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ: أمْسِكْ فَإنْ تَصَدَّقْتَ افْتَقَرْتَ، ورَوى أبُو حَيْوَةَ عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ الرِّباطِ أنَّهُ قَرَأ: (الفُقْرَ) بِضَمِّ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ (الفَقَرَ) بِفَتْحَتَيْنِ. ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيْ: يُغْرِيكم بِها إغْراءَ الآمِرِ، والفَحْشاءُ: البُخْلُ وتَرْكُ الصَّدَقَةِ، أوِ المَعاصِي مُطْلَقًا، أوِ الزِّنا، أقْوالٌ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفَحْشاءُ الكَلِمَةُ السَّيِّئَةُ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ولا يَنْطِقُ الفَحْشاءَ مَن كانَ مِنهم إذا جَلَسُوا مِنّا ولا مِن سِوائِنا وكَأنَّ الشَّيْطانَ يَعِدُ الفَقْرَ لِمَن أرادَ أنْ يَتَصَدَّقَ، ويَأْمُرُهُ - إذْ مَنَعَ - بِالرَّدِّ القَبِيحِ عَلى السّائِلِ، وبَّخَهُ وأقْهَرَهُ بِالكَلامِ السَّيْءِ، ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنْ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنِ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَتَعَوَّذْ. وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَوَعْدٌ بِالحَقِّ وتَصْدِيقٌ بِالخَيْرِ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ“ . ثُمَّ قَرَأ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ الآيَةَ» . وتَقَدَّمَ وعْدُ الشَّيْطانِ عَلى أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ بِالوَعْدِ يَحْصُلُ الِاطْمِئْنانُ إلَيْهِ، فَإذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ وخافَ الفَقْرَ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِالأمْرِ، إذِ الأمْرُ اسْتِعْلاءٌ عَلى المَأْمُورِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ البَخِيلُ، وقالَ أيْضًا: ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ ومَنعِ الصَّدَقاتِ، انْتَهى. فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ كالتَّوْكِيدِ لِلْأُولى، ونَظَرْنا إلى ما شَرَحَهُ الشُّرّاحُ في الفاحِشِ في نَحْوِ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎حَتّى تَأْوى إلى لا فاحِشٍ بَرَمٍ ∗∗∗ ولا شَحِيحٍ إذا أصْحابُهُ غَنِمُوا وقالَ الآخَرُ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ فَقالُوا: الفاحِشُ السَّيْءُ الخُلُقِ، ولَوْ كانَ الفاحِشُ هو البَخِيلَ لَكانَ قَوْلُهُ: ولا شَحِيحَ، مِن بابِ التَّوْكِيدِ، وقالَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وجَيْدٌ كَجَيْدِ الرِّيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ إنَّ مَعْناهُ لَيْسَ بِقَبِيحٍ، ووافَقَ الزَّمَخْشَرِيُّ أبا مُسْلِمٍ في تَفْسِيرِ الفاحِشِ بِالبَخِيلِ، والفَحْشاءِ بِالبُخْلِ، قالَ بَعْضُهم. وأنْشَدَ أبُو مُسْلِمٍ قَوْلَ طُرْفَةَ: ؎عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ قالَ: والأغْلَبُ في كَلامِ العَرَبِ، وفي تَفْسِيرِ البَيْتِ الَّذِي أُنْشِدُهُ أنَّ الفاحِشَ السَّيْءُ الرَّدِّ لِضِيفانِهِ، وسُؤالِهِ، قالَ: وقَدْ وجَدْنا بَعْدَ ذَلِكَ شِعْرًا يَشْهَدُ لِتَأْوِيلِ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الفَحْشاءَ البُخْلُ، وقالَ راجِزٌ مِن طَيِّءٍ: قَدْ أخَذَ المُجِدُّ كَما أرادا لَيْسَ بِفَحّاشٍ يُصِرُّ الزّادا انْتَهى. ولا حُجَّةَ في هَذا البَيْتِ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالفَحّاشِ البَخِيلَ، بَلْ يُحْمَلُ عَلى السَّيْءِ الخُلُقِ، أوِ السَّيْءِ الرَّدِّ، ويَفْهَمُ البَخِيلُ مِن قَوْلِهِ: يُصِرُّ الزّادا. ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ أيْ: سَتْرًا لِذُنُوبِكم مُكافَأةً لِلْبَذْلِ، (وفَضْلًا) زِيادَةٌ عَلى مُقْتَضى ثَوابِ البَذْلِ، وقِيلَ: وفَضْلًا، أنْ يُخْلِفَ عَلَيْكم أفْضَلَ مِمّا أنْفَقْتُمْ، أوْ وثَوابًا عَلَيْهِ في (p-٣٢٠)الآخِرَةِ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وكانَ الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ إنَّما هو الشُّحُّ والبُخْلُ بِالجَيِّدِ الَّذِي مُثِيرُهُ الشَّيْطانُ، بُدِئَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ وإنَّ ما تَصَدَّقْتُمْ مِنَ الخَبِيثِ إنَّما ذَلِكَ مِن نَزَغاتِ الشَّيْطانِ لِيُقَبِّحَ لَهم ما ارْتَكَبُوهُ مِن ذَلِكَ بِنِسْبَتِهِ إلى الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى في مُقابَلَةِ وعْدِ الشَّيْطانِ وعْدَ اللَّهِ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: السَّتْرُ لِما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ. والثّانِي: الفَضْلُ وهو زِيادَةُ الرِّزْقِ والتَّوْسِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، رُوِيَ أنَّ في التَّوْراةِ: عَبْدِي، أنْفِقْ مِن رِزْقِي أبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ عَلى كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ. وفي كِتابِ اللَّهِ مِصْداقُهُ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ [سبإ: ٣٩] . ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: واسْعٌ بِالجُودِ والفَضْلِ عَلى مَن أنْفَقَ، عَلِيمٌ بِنِيّاتِ مَن أنْفَقَ، وقِيلَ: عَلِيمٌ أيْنَ يَضَعُ فَضْلَهُ، ووَرَدَتِ الأحادِيثُ بِتَفْضِيلِ الإنْفاقِ والسَّماحَةِ وذَمِّ البُخْلِ، مِنها حَدِيثُ البَراءِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الإنْفاقَ ويُبْغِضُ الإقْتارَ، فَكُلْ وأطْعِمْ ولا تُصْرِرْ، فَيَعْسُرُ عَلَيْكَ الطَّلَبُ» . وقَوْلُهُ ﷺ: «وأيُّ داءٍ أرْدَأُ مِنَ البُخْلِ» . ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ قَرَأ الرَّبِيعُ بْنُ ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌خَيْثَمٍ بِالتّاءِ في (تُؤْتِي) وفي: تَشاءُ، عَلى الخِطابِ، وهو التِفاتٌ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، والحِكْمَةُ: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ: مَعْرِفَةُ ناسِخِ القُرْآنِ ومَنسُوخِهِ، ومُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، ومُقَدَّمِهُ ومُؤَخَّرِهِ، وقالَ فِيما رَواهُ عَنْهُ أبُو صالِحٍ: النُّبُوَّةُ، وقالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ إبْراهِيمُ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ: الفَهْمُ في القُرْآنِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وقالَ الحَسَنُ: الوَرَعُ في دِينِ اللَّهِ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الخَشْيَةُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وأبُوهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: العَقْلُ في أمْرِ اللَّهِ، وقالَ شَرِيكٌ: الفَهْمُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العِلْمُ والعَمَلُ، لا يُسَمّى حَكِيمًا حَتّى يَجْمَعَهُما. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الكِتابَةُ. وقالَ ابْنُ المُقَفَّعِ: ما يَشْهَدُ العَقْلُ بِصِحَّتِهِ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: وقالَ فِيما رَوى عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ: التَّفَكُّرُ في أمْرِ اللَّهِ والِاتِّباعِ لَهُ، وقالَ أيْضًا: طاعَةُ اللَّهِ والفِقْهُ والدِّينُ والعَمَلُ بِهِ. وقالَ عَطاءٌ: المَغْفِرَةُ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: نُورٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الوَسْواسِ والمَقامِ. ووُجِدَتْ في نُسْخَةٍ: والإلْهامُ بَدَلُ المَقامِ. وقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أنْ يَحْكُمَ عَلَيْكَ خاطَرُ الحَقِّ دُونَ شَهْوَتِكَ. وقالَ بُنْدارُ بْنُ الحُسَيْنِ: سُرْعَةُ الجَوابِ مَعَ إصابَةِ الصَّوابِ. وقالَ المُفَضَّلُ: الرَّدُّ إلى الصَّوابِ. وقالَ الكَتّانِيُّ: ما تَسْكُنُ إلَيْهِ الأرْواحُ. وقِيلَ: إشارَةٌ بِلا عِلَّةٍ، وقِيلَ: إشْهادُ الحَقِّ عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ. وقِيلَ: صَلاحُ الدِّينِ وإصْلاحُ الدُّنْيا. وقِيلَ: العِلْمُ اللَّدُنِّيُّ. وقِيلَ: تَجْرِيدُ السِّرِّ لِوُرُودِ الإلْهامِ. وقِيلَ: التَّفَكُّرُ في اللَّهِ تَعالى، والِاتِّباعُ لَهُ. وقِيلَ: مَجْمُوعُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: فَهَذِهِ تِسْعٌ وعِشْرُونَ مَقالَةً لِأهْلِ العِلْمِ في تَفْسِيرِ الحِكْمَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقَدْ ذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الأقْوالِ في تَفْسِيرِ الحِكْمَةِ ما نَصُّهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها، ما عَدا قَوْلَ السُّدِّيِّ، قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ مَصْدَرٌ مِنَ الإحْكامِ وهو الإتْقانُ في عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ، وكِتابُ اللَّهِ حِكْمَةٌ، وسُنَّةُ نَبِيِّهِ حِكْمَةٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ فَهو جُزْءٌ مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي هي الجِنْسُ، انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحِكْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] فَكانَ يُغْنِي عَنْ إعادَةِ تَفْسِيرِها هُنا، إلّا أنَّهُ ذُكِرَتْ هُنا أقاوِيلُ لَمْ يَذْكُرْها المُفَسِّرُونَ هُناكَ، فَلِذَلِكَ فُسِّرَتْ هُنا. ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهو ضَمِيرُ (مَن) وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ (يُؤْتَ) وقَرَأ يَعْقُوبُ (ومَن يُؤْتِ) بِكَسْرِ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَعْنى ومَن يُؤْتِهِ اللَّهُ، انْتَهى. فَإنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ، وإنْ أرادَ تَفْسِيرَ الإعْرابِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَيْسَ في (يُؤْتَ) ضَمِيرُ نَصْبٍ حُذِفَ، بَلْ مَفْعُولُهُ مُقَدَّمٌ بِفِعْلِ الشَّرْطِ، كَما تَقُولُ: أيًّا تُعْطَ دِرْهَمًا أعْطِهِ دِرْهَمًا. وقَرَأ (p-٣٢١)الأعْمَشُ (ومَن يُؤْتِهُ الحِكْمَةَ) بِإثْباتِ الضَّمِيرِ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ (يُؤْتَ) والفاعِلُ في هَذِهِ القِراءَةِ ضَمِيرٌ مَسْتَكِنٌ في (يُؤْتَ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وكَرَّرَ ذِكْرُ الحِكْمَةِ ولَمْ يُضْمِرْها لِكَوْنِها في جُمْلَةٍ أُخْرى، ولِلِاعْتِناءِ بِها، والتَّنْبِيهِ عَلى شَرَفِها وفَضْلِها وخِصالِها. ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ، والفِعْلُ الماضِي المَصْحُوبُ بِقَدْ، الواقِعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ في الظّاهِرِ قَدْ يَكُونُ ماضِيَ اللَّفْظِ، مُسْتَقْبَلَ المَعْنى، كَهَذا، فَهو الجَوابُ حَقِيقَةً، وقَدْ يَكُونُ ماضِيَ اللَّفْظِ والمَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] فَتَكْذِيبُ الرُّسُلِ واقِعٌ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ مُسْتَقْبَلٌ، وما تَرَتَّبَ عَلى المُسْتَقْبَلِ مُسْتَقْبَلٌ، فالجَوابُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو مَحْذُوفٌ، ودَلَّ هَذا عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَتَسَلَّ، فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ، فَحالُكَ مَعَ قَوْمِكَ كَحالِهِمْ مَعَ قَوْمِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ و﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَقَدْ أُوتِيَ أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ، انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ يَسْتَدْعِي أنَّ في لِسانِ العَرَبِ تَنْكِيرَ تَعْظِيمٍ، ويَحْتاجُ إلى الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِهِ، وتَقْدِيرُهُ: أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ، إنَّما هو عَلى أنْ يَجْعَلَ (خَيْرًا) صِفَةً لِخَيْرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا، أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ، ويَحْتاجُ إلى إثْباتِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مِن لِسانِ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّ المَحْفُوظَ أنَّهُ إذا وُصِفَ بِأيٍّ؛ فَإنَّما تُضافُ لِلَفْظٍ مِثْلِ المَوْصُوفِ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلِ أيِّ رَجُلٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎دَعَوْتُ امْرَأً أيَّ امْرِئٍ، فَأجابَنِي ∗∗∗ وكُنْتُ وإيّاهُ مَلاذًا ومَوْئِلا وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَهَلْ يَجُوزُ وصْفُ ما يُضافُ إلَيْهِ ؟ أيْ: إذا كانَتْ صِفَةً، فَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أيِّ رَجُلٍ كَرِيمٍ، أوْ لا يَجُوزُ ؟ يَحْتاجُ جَوابُ ذَلِكَ إلى دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وأيْضًا فَفي تَقْدِيرِهِ: أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ، حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ (أيَّ) الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في نَدُورٍ، لا تَقُولُ: رَأيْتُ أيَّ رَجُلٍ، تُرِيدُ رَجُلًا أيَّ رَجُلٍ إلّا في نَدُورٍ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إذا حارَبَ الحَجّاجُ أيَّ مُنافِقٍ ∗∗∗ عَلاهُ بِسَيْفٍ كُلَّما هُزَّ يَقْطَعُ يُرِيدُ مُنافِقًا، أيَّ مُنافِقٍ، وأيْضًا فَفي تَقْدِيرِهِ: خَيْرًا كَثِيرًا أيَّ خَيْرٍ كَثِيرٍ، حَذَفَ (أيَّ) الصِّفَةَ، وإقامَةُ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَها، وقَدْ حَذَفَ المَوْصُوفَ بِهِ، أيْ: فاجْتَمَعَ حَذْفُ المَوْصُوفِ بِهِ وحَذْفُ الصِّفَةِ، وهَذا كُلُّهُ يَحْتاجُ في إثْباتِهِ إلى دَلِيلٍ. ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ أصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ، فَأُدْغِمَ التّاءُ في الذّالِ، و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ هم أصْحابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ، وفي هَذا حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِطاعَةِ اللَّهِ، والِامْتِثالِ لِما أمَرَ بِهِ مِنَ الإنْفاقِ، ونَهى عَنْهُ مِنَ التَّصَدُّقِ بِالخَبِيثِ، وتَحْذِيرٌ مِن وعْدِ الشَّيْطانِ وأمْرِهِ، ووُثُوقٌ بِوَعْدِ اللَّهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ هي العَقْلُ المُمَيَّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وذَكَرَ التَّذَكُّرَ لِما قَدْ يَعْرِضُ لِلْعاقِلِ مِنَ الغَفْلَةِ في بَعْضِ الأحْيانِ، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ ما بِهِ صَلاحُ دِينِهِ ودُنْياهُ فَيَعْمَلُ عَلَيْهِ.

البقرة 2:270

﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (p-٣٢٢)ظاهِرُهُ العُمُومُ في كُلِّ صَدَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ سَبِيلِ الشَّيْطانِ، وكَذَلِكَ النَّذْرُ عامٌّ في طاعَةِ اللَّهِ أوْ مَعْصِيَتِهِ، وأتى بِالمُمَيِّزِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن نَفَقَةٍ﴾ ﴿ومِن نَذْرٍ﴾ وإنْ كانَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ لِتَأْكِيدِ انْدِراجِ القَلِيلِ والكَثِيرِ في ذَلِكَ، ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً، وقِيلَ: تَخْتَصُّ النَّفَقَةُ بِالزَّكاةِ لِعَطْفِ الواجِبِ عَلَيْهِ وهو النَّذْرُ، والنَّذْرُ عَلى قِسْمَيْنِ: مُحَرَّمٍ وهو كُلُّ نَذْرٍ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، ومُعْظَمُ نُذُورِ الجاهِلِيَّةِ كانَتْ عَلى ذَلِكَ؛ ومُباحٍ مَشْرُوطٍ وغَيْرِ مَشْرُوطٍ، وكِلاهُما مُفَسِّرٌ، نَحْوُ: إنْ عُوفِيتُ مَن مَرِضِ كَذا فَعَلَيَّ صَدَقَةُ دِينارٍ، ونَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وغَيْرُ مُفَسِّرٍ، نَحْوُ: إنْ عُوفِيتُ فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ أوْ نَذْرٌ، وأحْكامُ النَّذْرِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى (يَعْلَمُهُ) يُحْصِيهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُجازِي عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَحْفَظُهُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ وعْدًا ووَعِيدًا بِتَرْتِيبِ عِلْمِ اللَّهِ عَلى ما أنْفَقُوا أوْ نَذَرُوا (ومِن نَفَقَةٍ) (ومِن نَذْرٍ) تَقَدَّمَ نَظائِرُها في الإعْرابِ فَلا تُعادُ، وفي قَوْلِهِ: (مِن نَذْرٍ) دَلالَةٌ عَلى حَذْفِ مَوْصُولٍ قَبْلَ قَوْلِهِ: (نَذَرْتُمْ) تَقْدِيرُهُ: أوْ ما نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ؛ لِأنَّ (مِن نَذْرٍ) تَفْسِيرٌ وتَوْضِيحٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِدَلالَةِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ﴾ عَلَيْهِ، كَما حُذِفَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ؎أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ التَّقْدِيرُ: ومَن يَمْدَحُهُ، فَحَذْفُهُ لِدَلالَةِ: مَن، المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ مِن حَذْفِ المَوْصُولِ، فَجاءَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ لِأنَّ العَطْفَ بِأوْ، وإذا كانَ العَطْفُ بِأوْ كانَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا؛ لِأنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ هو أحَدُهُما، وتارَةً يُراعى بِهِ الأوَّلُ في الذِّكْرِ، نَحْوَ: زَيْدٌ أوْ هِنْدٌ مُنْطَلِقٌ، وتارَةً يُراعى بِهِ الثّانِي، نَحْوَ: زَيْدٌ أوْ هِنْدٌ مُنْطَلِقَةٌ، وأمّا أنْ يَأْتِيَ مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ في التَّثْنِيَةِ أوِ الجَمْعِ فَلا، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ النَّحْوِيُّونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ في عِلْمِ النَّحْوِ، وعَلى المَهْيَعِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] كَما جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولَمّا عَزَبَتْ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الأحْكامِ عَنْ جَماعَةٍ مِمَّنْ تَكَلَّمَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، جَعَلُوا إفْرادَ الضَّمِيرِ مِمّا يَتَأوَّلُ، فَحُكِيَ عَنِ النَّحاسِ أنَّهُ قالَ: التَّقْدِيرُ: وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُها، أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، ثُمَّ حُذِفَ، قالَ: وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ [التوبة: ٣٤] وقَوْلِهِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] وقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٢٣) ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي التَّقْدِيرُ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا راضُونَ، وكُنْتُ مِنهُ بَرِيئًا، ووالِدِي بَرِيئًا، انْتَهى. فَأجْرى أوْ مَجْرى الواوِ في ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ووَحَّدَ الضَّمِيرَ في (يَعْلَمُهُ) وقَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ مِن حَيْثُ أرادَ ما ذَكَرَ أوْ نَصَّ، انْتَهى. وقالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا حَسَنٌ، فَإنَّ الضَّمِيرَ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ المَذْكُورِ، وإنْ كَثُرَ، انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ حُكْمِ أوْ، وهي مُخالِفَةٌ لِلْواوِ في ذَلِكَ، ولا يُحْتاجُ لِتَأْوِيلِ ابْنِ عَطِيَّةَ؛ لِأنَّهُ جاءَ عَلى الحُكْمِ المُسْتَقِرِّ في لِسانِ العَرَبِ في: أوْ. ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، فَكُلُّ ظالِمٍ لا يَجِدُ لَهُ مَن يَنْصُرُهُ ويَمْنَعُهُ مِنَ اللَّهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ المُشْرِكُونَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هُمُ المُنْفِقُونَ بِالمَنِّ والأذى والرِّياءِ، والمُبَذِّرُونَ في المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: المُنْفِقُو الحَرامَ. والأنْصارُ: الأعْوانُ جَمْعُ نَصِيرٍ، كَحَبِيبٍ وأحْبابٍ، وشَرِيفٍ وأشْرافٍ، أوْ ناصِرٍ، كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، وجاءَ جَمْعًا بِاعْتِبارِ أنَّ ما قَبْلَهُ جَمْعٌ، كَما جاءَ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٢] والمُفْرَدُ يُناسِبُ المُفْرَدَ نَحْوُ: ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] لا يُقالُ: انْتِفاءُ الجَمْعِ لا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ المُفْرَدِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في مَعْرِضِ نَفْيِ النَّفْعِ والإغْناءِ، وحُصُولِ الِاسْتِعانَةِ، فَإذا لَمْ يَجِدِ الجَمْعُ ولَمْ يُغْنِ، فَأحْرى أنْ لا يُجْدِيَ ولا يُغْنِيَ الواحِدُ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى فَضْلَ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ وحَثَّ عَلَيْهِ، وحَذَّرَنا مِنَ الجُنُوحِ إلى نَزَغاتِ الشَّيْطانِ، وذَكَّرَنا بِوَعْدِ اللَّهِ الجامِعِ لِسَعادَةِ الآخِرَةِ والدُّنْيا مِنَ المَغْفِرَةِ والفَضْلِ، وبَيَّنَ أنَّ هَذا الأمْرَ والفَرْقَ بَيْنَ الوَعْدَيْنِ لا يُدْرِكُهُ إلّا مَن تَخَصَّصَ بِالحِكْمَةِ الَّتِي يُؤْتِيها اللَّهُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، رَجَعَ إلى ذِكْرِ النَّفَقَةِ والحَثِّ عَلَيْها، وأنَّها مَوْضُوعَةٌ عِنْدَ مَن لا يَنْسى ولا يَسْهُو، وصارَ ذِكْرُ الحِكْمَةِ مَعَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِما تَقَدَّمَ كالِاسْتِطْرادِ، والتَّنْوِيهِ بِذِكْرِها، والحَثِّ عَلى مَعْرِفَتِها. ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ أيْ: إنْ تُظْهِرُوا إعْطاءَ الصَّدَقاتِ، قالَ الكَلْبِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ الآيَةَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أصَدَقَةُ السِّرِّ أفْضَلُ أمْ صَدَقَةُ العَلانِيَةِ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾» وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: نَزَلَتْ في الصَّدَقَةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، وكانَ يَأْمُرُ بِقِسْمِ الزَّكاةِ في السِّرِّ، و(الصَّدَقاتِ) ظاهِرُ العُمُومِ، فَيَشْمَلُ المَفْرُوضَةَ والمُتَطَوَّعَ بِها. وقِيلَ الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، فَتُصْرَفُ إلى المَفْرُوضَةِ، فَإنَّ الزَّكاةَ نَسَخَتْ كُلَّ الصَّدَقاتِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا صَدَقاتُ التَّطَوُّعِ دُونَ الفَرْضِ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وقالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ. وقَدِ اخْتَلَفُوا: هَلِ الأفْضَلُ إظْهارُ المَفْرُوضَةِ أمْ إخْفاؤُها ؟ فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وآخَرُونَ إلى أنَّ إظْهارَها أفْضَلُ مِن إخْفائِها، وحَكى الطَّبَرِيُّ الإجْماعَ عَلَيْهِ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى، وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ: إخْفاءُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أفْضَلُ مِن إظْهارِها، ورُوِيَ عَنْهُ: صَدَقاتُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفَضُلُ عَلانِيَتَها بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا. قالَ القُرْطُبِيُّ: ومِثْلُ هَذا لا يُقالُ بِالرَّأْيِ، وإنَّما هو تَوْقِيفٌ، وقالَ قَتادَةُ: كِلاهُما إخْفاؤُهُ أفْضَلُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ إخْفاءُ الزَّكاةِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحْسَنَ، فَأمّا اليَوْمُ فالنّاسُ مُسِيئُونَ الظَّنَّ فَإظْهارُها أفْضَلُ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لَيْسَ في تَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ، ولا صَدَقَةِ العَلانِيَةِ عَلى صَدَقَةِ السِّرِّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾ الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، ونِعِمْ فِعْلٌ لا يَتَصَرَّفُ، فاحْتِيجَ في الجَوابِ إلى الفاءِ، والفاعِلُ بِنِعِمْ مُضْمَرٌ مُفَسَّرٌ بِنَكِرَةٍ لا تَكُونُ مُفْرَدَةً في الوُجُودِ نَحْوُ: شَمْسٍ وقَمَرٍ، ولا مُتَوَغِّلَةً في الإبْهامِ نَحْوُ غَيْرِ، ولا أفْعَلَ (p-٣٢٤)التَّفْضِيلِ نَحْوُ أفْضَلِ مِنكَ، وذَلِكَ نَحْوُ: نِعْمَ رَجُلًا كَزَيْدٍ، والمُضْمَرُ مُفْرَدٌ، وإنْ كانَ تَمْيِيزُهُ مُثَنًّى أوْ مَجْمُوعًا، وقَدْ أعْرَبُوا: ما، هُنا تَمْيِيزًا لِذَلِكَ المُضْمَرِ الَّذِي في نِعِمْ، وقَدَّرُوهُ بِـ (شَيْئًا) فَـ (ما) نَكِرَةٌ تامَّةٌ لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً ولا مَوْصُولَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى: ما، اللّاحِقَةِ لِهَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ، أعَنى: نِعْمَ وبِئْسَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا﴾ [البقرة: ٩٠] وقَدْ ذَكَرْنا مَذاهِبَ النّاسِ فِيها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وهي: ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الصَّدَقاتِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: فَنِعِمّا إبْداؤُها، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، بَلْ يَعُودُ عَلى الصَّدَقاتِ بِقَيْدِ وصْفِ الإبْداءِ، والتَّقْدِيرُ في (فَنِعِمّا هي) فَنِعِمّا الصَّدَقاتُ المَبْداةُ وهي مُبْتَدَأٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وجُمْلَةُ المَدْحِ خَبَرٌ عَنْهُ، والرّابِطُ هو العُمُومُ الَّذِي في المُضْمَرِ المُسْتَكِنِّ في (نِعْمَ) وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ووَرْشٌ، وحَفْصٌ: (فَنِعِمّا) بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ هُنا وفي النِّساءِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ عَلى لُغَةِ مَن يُحَرِّكُ العَيْنَ، فَيَقُولُ: نِعِمْ، ويُتْبِعُ حَرَكَةَ النُّونِ بِحَرَكَةِ العَيْنِ، وتَحْرِيكُ العَيْنِ هو الأصْلُ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن أسْكَنَ العَيْنَ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ مِثْلَ: ”جِسْم مّالِكٍ“، وهو لا يَجُوزُ إدْغامُهُ عَلى ما ذَكَرُوا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (فَنَعِمّا) فِيهِما بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ وزْنَهُ عَلى فَعِلَ، وقالَ قَوْمٌ: يَحْتَمِلُ قِراءَةُ كَسْرِ العَيْنِ أنْ يَكُونَ عَلى لُغَةِ مَن أسْكَنَ، فَلَمّا دَخَلَتْ ما وأُدْغِمَتْ حُرِّكَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وقالُونُ، وأبُو بَكْرٍ: بِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُمُ الإسْكانُ، والأوَّلُ أقْيَسُ وأشْهَرُ، ووَجْهُ الإخْفاءِ طَلَبُ الخِفَّةِ، وأمّا الإسْكانُ فاخْتارَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ: الإسْكانُ، فِيما يُرْوى، لُغَةُ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا اللَّفْظِ، قالَ لِعَمْرِو ابْنِ العاصِ: «نِعِمّا المالُ الصّالِحُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ» . وأنْكَرَ الإسْكانُ أبُو العَبّاسِ، وأبُو إسْحاقَ، وأبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ. أبُو العَبّاسِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ، وإنَّما يَرُومُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ ويُحَرَّكُ ولا يَأْتِيهِ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: لَمْ تَضْبُطِ الرُّواةُ اللَّفْظَ في الحَدِيثِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَعَلَّ أبا عَمْرٍو أخْفى، فَظَنَّهُ السّامِعُ إسْكانًا وقَدْ أتى عَنْ أكْثَرِ القُرّاءِ ما أنْكَرَ، فَمِن ذَلِكَ الإسْكانُ في هَذا المَوْضِعِ، وفي بَعْضِ تاءاتِ البَزِّيِّ، وفي (اسْطاعُوا) وفي (يَخِصِّمُونَ) انْتَهى ما لَخَّصَ مِن كَلامِهِمْ. وإنْكارُ هَؤُلاءِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ أئِمَّةَ القِراءَةِ لَمْ يَقْرَءُوا إلّا بِنَقْلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَتى تَطَرَّقَ إلَيْهِمُ الغَلَطُ فِيما نَقَلُوهُ مِن مِثْلِ هَذا، تَطَرَّقَ إلَيْهِمْ فِيما سِواهُ، والَّذِي نَخْتارُهُ ونَقُولُهُ: إنَّ نَقْلَ القِراءاتِ السَّبْعِ مُتَواتِرٌ لا يُمْكِنُ وُقُوعُ الغَلَطِ فِيهِ. ﴿وإنْ تُخْفُوها﴾ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿تُخْفُوها﴾ عائِدٌ عَلى الصَّدَقاتِ، لَفْظًا ومَعْنًى، بِأيِّ تَفْسِيرٍ فُسِّرَتِ الصَّدَقاتُ، وقِيلَ: الصَّدَقاتُ المُبْداةُ هي الفَرِيضَةُ، والمُخْفاةُ هي التَّطَوُّعُ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى الصَّدَقاتِ لَفْظًا لا مَعْنًى، فَيَصِيرُ نَظِيرَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ: نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، كَذَلِكَ ﴿وإنْ تُخْفُوها﴾ تَقْدِيرُهُ: وإنْ تُخْفُوا الصَّدَقاتِ غَيْرَ الأُولى، وهي صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ، والأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وإنَّما احْتَجْنا في: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، إلى أنْ نَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الدِّرْهَمِ لَفْظًا لا مَعْنًى لِاضْطِرارِ المَعْنى إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قائِلَ ذَلِكَ لا يُرِيدُ أنَّ عِنْدَهُ دِرْهَمًا ونِصْفَ هَذا الدِّرْهَمِ الَّذِي عِنْدَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ ثِيابَ راكِبِهِ بِرِيحٍ ∗∗∗ خَرِيقٍ وهي ساكِنَةُ الهُبُوبِ يُرِيدُ: رِيحًا أُخْرى ساكِنَةَ الهُبُوبِ. ﴿وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَطَلُّبِ مَصارِفِها وتَحَقُّقِ ذَلِكَ وهُمُ الفُقَراءُ. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، وهو ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُخْفُوها﴾ التَّقْدِيرُ: فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) هُنا أُرِيدَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، و(لَكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ (p-٣٢٥)وهُوَ الإبْداءُ، والتَّقْدِيرُ: فَهو خَيْرٌ لَكم مِن إبْدائِها، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ إخْفاءَ الصَّدَقاتِ عَلى الإطْلاقِ أفْضَلُ، سَواءٌ كانَتْ فَرْضًا أوْ نَقْلًا، وإنَّما كانَ ذَلِكَ أفْضَلَ لِبُعْدِ المُتَصَدِّقِ فِيها عَنِ الرِّياءِ والمَنِّ والأذى، ولَوْ لَمْ يُعْلِمِ الفَقِيرَ بِنَفْسِهِ، وأخْفى عَنْهُ الصَّدَقَةَ أنْ يَعْرِفَ، كانَ أحْسَنَ وأجْمَلَ بِخُلُوصِ النِّيَّةِ في ذَلِكَ. قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: إذا اصْطَنَعْتَ المَعْرُوفَ فاسْتُرْهُ، وإذا اصْطُنِعَ إلَيْكَ فانْشُرْهُ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ: لا يَتِمُّ المَعْرُوفُ إلّا بِثَلاثِ خِصالٍ: تَعْجِيلِهِ، وتَصْغِيرِهِ في نَفْسِكَ، وسَتْرِهِ، فَإذا عَجَّلْتَهُ هَنَّيْتَهُ، وإذا صَغَرْتَهُ عَظَّمْتَهُ، وإذا سَتَرْتَهُ أتْمَمْتَهُ. وقالَ سَهْلُ بْنُ هارُونَ: ؎يُخْفِي صَنائِعَهُ واللَّهُ يُظْهِرُها ∗∗∗ إنَّ الجَمِيلَ إذا أخْفَيْتَهُ ظَهَرا وفِي الإبْداءِ والإخْفاءِ طِباقٌ لَفْظِيٌّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ طِباقٌ مَعْنَوِيٌ؛ لِأنَّهُ لا يُؤْتِي الصَّدَقاتِ إلّا الأغْنِياءُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ يَبْدُ الصَّدَقاتِ الأغْنِياءُ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ حَقٌّ لِلْفَقِيرِ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يُفِرِّقَ الصَّدَقَةَ بِنَفْسِهِ. ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ قَرَأ بِالواوِ الجُمْهُورُ في (ويُكَفِّرُ) وبِإسْقاطِها وبِالياءِ والتّاءِ والنُّونِ، وبِكَسْرِ الفاءِ وفَتْحِها، وبِرَفْعِ الرّاءِ وجَزْمِها ونَصْبِها، فَإسْقاطُ الواوِ رَواهُ أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ، ونَقَلَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالياءِ وجَزْمِ الرّاءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ بَدَلٌ عَلى المَوْضِعِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ في جَزْمٍ، وكَأنَّ المَعْنى: يَكُنْ لَكُمُ الإخْفاءُ خَيْرًا مِنَ الإبْداءِ، أوْ عَلى إضْمارِ حَرْفِ العَطْفِ، أيْ: ويُكَفِّرُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالياءِ ورَفْعِ الرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالياءِ وجَزْمِ الرّاءِ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ ونَصْبِ الرّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِالتّاءِ وجَزْمِ الرّاءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عِكْرِمَةُ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الفاءَ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ، فِيما حَكى عَنْهُ الَمَهَدَوِيُّ بِالتّاءِ ورَفْعِ الرّاءِ، وحُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: بِالتّاءِ ونَصْبِ الرّاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ بِالنُّونِ ورَفْعِ الرّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالنُّونِ والجَزْمِ، ورُوِيَ الخَفْضُ عَنِ الأعْمَشِ بِالنُّونِ ونَصْبِ الرّاءِ فِيمَن قَرَأ بِالياءِ. فالأظْهَرُ أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ونُكَفِّرُ، بِالنُّونِ فَإنَّهُ ضَمِيرٌ لِلَّهِ تَعالى بِلا شَكٍّ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الصَّرْفِ، أيْ: صَرْفِ الصَّدَقاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّلَ عَلى الإخْفاءِ أيْ: ويُكَفِّرُ إخْفاءَ الصَّدَقاتِ، ونَسَبَ التَّكْفِيرَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ التَّكْفِيرِ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فالضَّمِيرُ في الفِعْلِ لِلصَّدَقاتِ، ومَن رَفَعَ الرّاءَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ونَحْنُ نُكَفِّرُ، أيْ: وهو يُكَفِّرُ، أيِ: اللَّهُ. أوِ الإخْفاءُ أيْ: وهي تُكَفِّرُ أيِ: الصَّدَقَةُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وتَكُونُ الواوُ عَطَفَتْ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ ما بَعْدَ الفاءِ، إذْ لَوْ وقَعَ مُضارِعٌ بَعْدَها لَكانَ مَرْفُوعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥] ومَن جَزَمَ الرّاءَ فَعَلى مُراعاةِ الجُمْلَةِ الَّتِي وقَعَتْ جَزاءً؛ إذْ هي في مَوْضِعِ جَزْمٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] . ونَذَرْهم، في قِراءَةِ مَن جَزَمَ، ونَذَرَهم، ومَن نَصَبَ الرّاءَ فَبِإضْمارِ (أنْ)، وهو عَطْفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بِنَصْبِ الرّاءِ، إلّا أنَّهُ هُنا يَعْسُرُ تَقْدِيرُ ذَلِكَ المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ مِن قَوْلِهِ: فَهو خَيْرٌ لَكم، فَيَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ: (يُحاسِبْكم) فَإنَّهُ يُقَدِّرُ تَقَعُ مُحاسَبَةٌ فَغُفْرانٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ وإنْ تُخْفُوها يَكُنْ خَيْرًا لَكم، وأنْ نُكَفِّرَ عَنْكم، انْتَهى. وظاهِرُ كَلامِهِ هَذا أنَّ تَقْدِيرَهُ؛ وأنْ نُكَفِّرَ، يَكُونُ مُقَدَّرًا بِمَصْدَرٍ، ويَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى (خَيْرًا) خَبَرُ يَكُنِ الَّتِي قَدَّرَها كَأنَّهُ قالَ: يَكُنِ الإخْفاءُ خَيْرًا لَكم وتَكْفِيرًا، فَيَكُونُ (أنْ يُكَفِّرَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ. والَّذِي تَقَرَّرَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنَّ هَذا المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِن أنِ المُضْمَرَةَ مَعَ الفِعْلِ المَنصُوبِ بِها هو مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ مَرْفُوعٍ، تَقْدِيرُهُ مِنَ المَعْنى، فَإذا قُلْتَ: ما تَأْتِينا فَتُحَدِّثُنا، فالتَّقْدِيرُ: ما يَكُونُ مِنكَ إتْيانٌ (p-٣٢٦)فَحَدِيثٌ، وكَذَلِكَ إنْ تَجِئْ وتُحْسِنْ إلَيَّ أُحْسِنُ إلَيْكَ، التَّقْدِيرُ إنْ يَكُنْ مِنكَ مَجِيءٌ وإحْسانٌ أُحْسِنُ إلَيْكَ، وكَذَلِكَ ما جاءَ بَعْدَ جَوابِ الشَّرْطِ، كالتَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرْناهُ في ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ (فَيَغْفِرَ) فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ يَكُنْ زِيادَةُ خَيْرٍ لِلْإخْفاءِ عَلى خَيْرٍ لِلْإبْداءِ وتَكْفِيرٌ. وقالَ الَمَهَدَوِيُّ: في نَصْبِ الرّاءِ: هو مُشَبَّهٌ بِالنَّصْبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، إذِ الجَزاءُ يَجِبُ بِهِ الشَّيْءُ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ كالِاسْتِفْهامِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الجَزْمُ في الرّاءِ أفْصَحُ هَذِهِ القِراءاتِ؛ لِأنَّها تُؤْذِنُ بِدُخُولِ التَّكْفِيرِ في الجَزاءِ، وكَوْنِهِ مَشْرُوطًا إنْ وقَعَ الإخْفاءُ، وأمّا رَفْعُ الرّاءِ فَلَيْسَ فِيهِ هَذا المَعْنى، انْتَهى. ونَقُولُ: إنَّ الرَّفْعَ أبْلَغُ وأعَمُّ؛ لِأنَّ الجَزْمَ يَكُونُ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، والرَّفْعُ بَدَلٌ عَلى أنَّ التَّكْفِيرَ مُتَرَتِّبٌ مِن جِهَةِ المَعْنى عَلى بَذْلِ الصَّدَقاتِ، أبْدَيْتَ أوْ أخْفَيْتَ؛ لِأنّا نَعْلَمُ أنَّ هَذا التَّكْفِيرَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، ويَخْتَصُّ التَّكْفِيرُ بِالإخْفاءِ فَقَطْ، والجَزْمُ يُخَصِّصُهُ بِهِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِي يُبْدِي الصَّدَقاتِ لا يُكَفِّرُ مِن سَيِّئَآتِهِ، فَقَدْ صارَ التَّكْفِيرُ شامِلًا لِلنَّوْعَيْنِ مِن إبْداءِ الصَّدَقاتِ وإخْفائِها، وإنْ كانَ الإخْفاءُ خَيْرًا مِنَ الإبْداءِ. ومِن، في قَوْلِهِ ﴿مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ لا تُكَفِّرُ جَمِيعَ السَّيِّئاتِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ فِرْقَةٍ قالَتْ: (مِن) زائِدَةٌ في هَذا المَوْضِعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ مِنهم خَطَأٌ، وقَوْلُ مَن جَعَلَها سَبَبِيَّةً وقَدَّرَ: مِن أجْلِ ذُنُوبِكم ضَعِيفٌ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ خَتَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى العِلْمِ بِما لَطُفَ مِنَ الأشْياءِ وخَفِيَ، فَناسَبَ الإخْفاءُ خَتْمَها بِالصِّفَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما خُفِيَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:271

﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (p-٣٢٢)ظاهِرُهُ العُمُومُ في كُلِّ صَدَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ سَبِيلِ الشَّيْطانِ، وكَذَلِكَ النَّذْرُ عامٌّ في طاعَةِ اللَّهِ أوْ مَعْصِيَتِهِ، وأتى بِالمُمَيِّزِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن نَفَقَةٍ﴾ ﴿ومِن نَذْرٍ﴾ وإنْ كانَ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ لِتَأْكِيدِ انْدِراجِ القَلِيلِ والكَثِيرِ في ذَلِكَ، ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً، وقِيلَ: تَخْتَصُّ النَّفَقَةُ بِالزَّكاةِ لِعَطْفِ الواجِبِ عَلَيْهِ وهو النَّذْرُ، والنَّذْرُ عَلى قِسْمَيْنِ: مُحَرَّمٍ وهو كُلُّ نَذْرٍ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، ومُعْظَمُ نُذُورِ الجاهِلِيَّةِ كانَتْ عَلى ذَلِكَ؛ ومُباحٍ مَشْرُوطٍ وغَيْرِ مَشْرُوطٍ، وكِلاهُما مُفَسِّرٌ، نَحْوُ: إنْ عُوفِيتُ مَن مَرِضِ كَذا فَعَلَيَّ صَدَقَةُ دِينارٍ، ونَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وغَيْرُ مُفَسِّرٍ، نَحْوُ: إنْ عُوفِيتُ فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ أوْ نَذْرٌ، وأحْكامُ النَّذْرِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى (يَعْلَمُهُ) يُحْصِيهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُجازِي عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَحْفَظُهُ. وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ وعْدًا ووَعِيدًا بِتَرْتِيبِ عِلْمِ اللَّهِ عَلى ما أنْفَقُوا أوْ نَذَرُوا (ومِن نَفَقَةٍ) (ومِن نَذْرٍ) تَقَدَّمَ نَظائِرُها في الإعْرابِ فَلا تُعادُ، وفي قَوْلِهِ: (مِن نَذْرٍ) دَلالَةٌ عَلى حَذْفِ مَوْصُولٍ قَبْلَ قَوْلِهِ: (نَذَرْتُمْ) تَقْدِيرُهُ: أوْ ما نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ؛ لِأنَّ (مِن نَذْرٍ) تَفْسِيرٌ وتَوْضِيحٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ، وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِدَلالَةِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ﴾ عَلَيْهِ، كَما حُذِفَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ؎أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ التَّقْدِيرُ: ومَن يَمْدَحُهُ، فَحَذْفُهُ لِدَلالَةِ: مَن، المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا الَّذِي تَقَرَّرَ مِن حَذْفِ المَوْصُولِ، فَجاءَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ لِأنَّ العَطْفَ بِأوْ، وإذا كانَ العَطْفُ بِأوْ كانَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا؛ لِأنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ هو أحَدُهُما، وتارَةً يُراعى بِهِ الأوَّلُ في الذِّكْرِ، نَحْوَ: زَيْدٌ أوْ هِنْدٌ مُنْطَلِقٌ، وتارَةً يُراعى بِهِ الثّانِي، نَحْوَ: زَيْدٌ أوْ هِنْدٌ مُنْطَلِقَةٌ، وأمّا أنْ يَأْتِيَ مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ في التَّثْنِيَةِ أوِ الجَمْعِ فَلا، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ النَّحْوِيُّونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ في عِلْمِ النَّحْوِ، وعَلى المَهْيَعِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] كَما جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولَمّا عَزَبَتْ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الأحْكامِ عَنْ جَماعَةٍ مِمَّنْ تَكَلَّمَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، جَعَلُوا إفْرادَ الضَّمِيرِ مِمّا يَتَأوَّلُ، فَحُكِيَ عَنِ النَّحاسِ أنَّهُ قالَ: التَّقْدِيرُ: وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُها، أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، ثُمَّ حُذِفَ، قالَ: وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ [التوبة: ٣٤] وقَوْلِهِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] وقَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٣٢٣) ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي التَّقْدِيرُ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا راضُونَ، وكُنْتُ مِنهُ بَرِيئًا، ووالِدِي بَرِيئًا، انْتَهى. فَأجْرى أوْ مَجْرى الواوِ في ذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ووَحَّدَ الضَّمِيرَ في (يَعْلَمُهُ) وقَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ مِن حَيْثُ أرادَ ما ذَكَرَ أوْ نَصَّ، انْتَهى. وقالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا حَسَنٌ، فَإنَّ الضَّمِيرَ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ المَذْكُورِ، وإنْ كَثُرَ، انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ حُكْمِ أوْ، وهي مُخالِفَةٌ لِلْواوِ في ذَلِكَ، ولا يُحْتاجُ لِتَأْوِيلِ ابْنِ عَطِيَّةَ؛ لِأنَّهُ جاءَ عَلى الحُكْمِ المُسْتَقِرِّ في لِسانِ العَرَبِ في: أوْ. ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، فَكُلُّ ظالِمٍ لا يَجِدُ لَهُ مَن يَنْصُرُهُ ويَمْنَعُهُ مِنَ اللَّهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ المُشْرِكُونَ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هُمُ المُنْفِقُونَ بِالمَنِّ والأذى والرِّياءِ، والمُبَذِّرُونَ في المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: المُنْفِقُو الحَرامَ. والأنْصارُ: الأعْوانُ جَمْعُ نَصِيرٍ، كَحَبِيبٍ وأحْبابٍ، وشَرِيفٍ وأشْرافٍ، أوْ ناصِرٍ، كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، وجاءَ جَمْعًا بِاعْتِبارِ أنَّ ما قَبْلَهُ جَمْعٌ، كَما جاءَ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٢] والمُفْرَدُ يُناسِبُ المُفْرَدَ نَحْوُ: ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] لا يُقالُ: انْتِفاءُ الجَمْعِ لا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ المُفْرَدِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في مَعْرِضِ نَفْيِ النَّفْعِ والإغْناءِ، وحُصُولِ الِاسْتِعانَةِ، فَإذا لَمْ يَجِدِ الجَمْعُ ولَمْ يُغْنِ، فَأحْرى أنْ لا يُجْدِيَ ولا يُغْنِيَ الواحِدُ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى فَضْلَ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ وحَثَّ عَلَيْهِ، وحَذَّرَنا مِنَ الجُنُوحِ إلى نَزَغاتِ الشَّيْطانِ، وذَكَّرَنا بِوَعْدِ اللَّهِ الجامِعِ لِسَعادَةِ الآخِرَةِ والدُّنْيا مِنَ المَغْفِرَةِ والفَضْلِ، وبَيَّنَ أنَّ هَذا الأمْرَ والفَرْقَ بَيْنَ الوَعْدَيْنِ لا يُدْرِكُهُ إلّا مَن تَخَصَّصَ بِالحِكْمَةِ الَّتِي يُؤْتِيها اللَّهُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، رَجَعَ إلى ذِكْرِ النَّفَقَةِ والحَثِّ عَلَيْها، وأنَّها مَوْضُوعَةٌ عِنْدَ مَن لا يَنْسى ولا يَسْهُو، وصارَ ذِكْرُ الحِكْمَةِ مَعَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِما تَقَدَّمَ كالِاسْتِطْرادِ، والتَّنْوِيهِ بِذِكْرِها، والحَثِّ عَلى مَعْرِفَتِها. ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ أيْ: إنْ تُظْهِرُوا إعْطاءَ الصَّدَقاتِ، قالَ الكَلْبِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ الآيَةَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أصَدَقَةُ السِّرِّ أفْضَلُ أمْ صَدَقَةُ العَلانِيَةِ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾» وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: نَزَلَتْ في الصَّدَقَةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، وكانَ يَأْمُرُ بِقِسْمِ الزَّكاةِ في السِّرِّ، و(الصَّدَقاتِ) ظاهِرُ العُمُومِ، فَيَشْمَلُ المَفْرُوضَةَ والمُتَطَوَّعَ بِها. وقِيلَ الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، فَتُصْرَفُ إلى المَفْرُوضَةِ، فَإنَّ الزَّكاةَ نَسَخَتْ كُلَّ الصَّدَقاتِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا صَدَقاتُ التَّطَوُّعِ دُونَ الفَرْضِ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وقالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ. وقَدِ اخْتَلَفُوا: هَلِ الأفْضَلُ إظْهارُ المَفْرُوضَةِ أمْ إخْفاؤُها ؟ فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وآخَرُونَ إلى أنَّ إظْهارَها أفْضَلُ مِن إخْفائِها، وحَكى الطَّبَرِيُّ الإجْماعَ عَلَيْهِ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى، وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ: إخْفاءُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أفْضَلُ مِن إظْهارِها، ورُوِيَ عَنْهُ: صَدَقاتُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفَضُلُ عَلانِيَتَها بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا. قالَ القُرْطُبِيُّ: ومِثْلُ هَذا لا يُقالُ بِالرَّأْيِ، وإنَّما هو تَوْقِيفٌ، وقالَ قَتادَةُ: كِلاهُما إخْفاؤُهُ أفْضَلُ. وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ إخْفاءُ الزَّكاةِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحْسَنَ، فَأمّا اليَوْمُ فالنّاسُ مُسِيئُونَ الظَّنَّ فَإظْهارُها أفْضَلُ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: لَيْسَ في تَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ، ولا صَدَقَةِ العَلانِيَةِ عَلى صَدَقَةِ السِّرِّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾ الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، ونِعِمْ فِعْلٌ لا يَتَصَرَّفُ، فاحْتِيجَ في الجَوابِ إلى الفاءِ، والفاعِلُ بِنِعِمْ مُضْمَرٌ مُفَسَّرٌ بِنَكِرَةٍ لا تَكُونُ مُفْرَدَةً في الوُجُودِ نَحْوُ: شَمْسٍ وقَمَرٍ، ولا مُتَوَغِّلَةً في الإبْهامِ نَحْوُ غَيْرِ، ولا أفْعَلَ (p-٣٢٤)التَّفْضِيلِ نَحْوُ أفْضَلِ مِنكَ، وذَلِكَ نَحْوُ: نِعْمَ رَجُلًا كَزَيْدٍ، والمُضْمَرُ مُفْرَدٌ، وإنْ كانَ تَمْيِيزُهُ مُثَنًّى أوْ مَجْمُوعًا، وقَدْ أعْرَبُوا: ما، هُنا تَمْيِيزًا لِذَلِكَ المُضْمَرِ الَّذِي في نِعِمْ، وقَدَّرُوهُ بِـ (شَيْئًا) فَـ (ما) نَكِرَةٌ تامَّةٌ لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً ولا مَوْصُولَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى: ما، اللّاحِقَةِ لِهَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ، أعَنى: نِعْمَ وبِئْسَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا﴾ [البقرة: ٩٠] وقَدْ ذَكَرْنا مَذاهِبَ النّاسِ فِيها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وهي: ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الصَّدَقاتِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: فَنِعِمّا إبْداؤُها، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، بَلْ يَعُودُ عَلى الصَّدَقاتِ بِقَيْدِ وصْفِ الإبْداءِ، والتَّقْدِيرُ في (فَنِعِمّا هي) فَنِعِمّا الصَّدَقاتُ المَبْداةُ وهي مُبْتَدَأٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وجُمْلَةُ المَدْحِ خَبَرٌ عَنْهُ، والرّابِطُ هو العُمُومُ الَّذِي في المُضْمَرِ المُسْتَكِنِّ في (نِعْمَ) وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ووَرْشٌ، وحَفْصٌ: (فَنِعِمّا) بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ هُنا وفي النِّساءِ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ عَلى لُغَةِ مَن يُحَرِّكُ العَيْنَ، فَيَقُولُ: نِعِمْ، ويُتْبِعُ حَرَكَةَ النُّونِ بِحَرَكَةِ العَيْنِ، وتَحْرِيكُ العَيْنِ هو الأصْلُ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن أسْكَنَ العَيْنَ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ مِثْلَ: ”جِسْم مّالِكٍ“، وهو لا يَجُوزُ إدْغامُهُ عَلى ما ذَكَرُوا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (فَنَعِمّا) فِيهِما بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ وزْنَهُ عَلى فَعِلَ، وقالَ قَوْمٌ: يَحْتَمِلُ قِراءَةُ كَسْرِ العَيْنِ أنْ يَكُونَ عَلى لُغَةِ مَن أسْكَنَ، فَلَمّا دَخَلَتْ ما وأُدْغِمَتْ حُرِّكَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وقالُونُ، وأبُو بَكْرٍ: بِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُمُ الإسْكانُ، والأوَّلُ أقْيَسُ وأشْهَرُ، ووَجْهُ الإخْفاءِ طَلَبُ الخِفَّةِ، وأمّا الإسْكانُ فاخْتارَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ: الإسْكانُ، فِيما يُرْوى، لُغَةُ النَّبِيِّ ﷺ في هَذا اللَّفْظِ، قالَ لِعَمْرِو ابْنِ العاصِ: «نِعِمّا المالُ الصّالِحُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ» . وأنْكَرَ الإسْكانُ أبُو العَبّاسِ، وأبُو إسْحاقَ، وأبُو عَلِيٍّ؛ لِأنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ. أبُو العَبّاسِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْطِقَ بِهِ، وإنَّما يَرُومُ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ ويُحَرَّكُ ولا يَأْتِيهِ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: لَمْ تَضْبُطِ الرُّواةُ اللَّفْظَ في الحَدِيثِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَعَلَّ أبا عَمْرٍو أخْفى، فَظَنَّهُ السّامِعُ إسْكانًا وقَدْ أتى عَنْ أكْثَرِ القُرّاءِ ما أنْكَرَ، فَمِن ذَلِكَ الإسْكانُ في هَذا المَوْضِعِ، وفي بَعْضِ تاءاتِ البَزِّيِّ، وفي (اسْطاعُوا) وفي (يَخِصِّمُونَ) انْتَهى ما لَخَّصَ مِن كَلامِهِمْ. وإنْكارُ هَؤُلاءِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ أئِمَّةَ القِراءَةِ لَمْ يَقْرَءُوا إلّا بِنَقْلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَتى تَطَرَّقَ إلَيْهِمُ الغَلَطُ فِيما نَقَلُوهُ مِن مِثْلِ هَذا، تَطَرَّقَ إلَيْهِمْ فِيما سِواهُ، والَّذِي نَخْتارُهُ ونَقُولُهُ: إنَّ نَقْلَ القِراءاتِ السَّبْعِ مُتَواتِرٌ لا يُمْكِنُ وُقُوعُ الغَلَطِ فِيهِ. ﴿وإنْ تُخْفُوها﴾ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿تُخْفُوها﴾ عائِدٌ عَلى الصَّدَقاتِ، لَفْظًا ومَعْنًى، بِأيِّ تَفْسِيرٍ فُسِّرَتِ الصَّدَقاتُ، وقِيلَ: الصَّدَقاتُ المُبْداةُ هي الفَرِيضَةُ، والمُخْفاةُ هي التَّطَوُّعُ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ قَدْ عادَ عَلى الصَّدَقاتِ لَفْظًا لا مَعْنًى، فَيَصِيرُ نَظِيرَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ: نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، كَذَلِكَ ﴿وإنْ تُخْفُوها﴾ تَقْدِيرُهُ: وإنْ تُخْفُوا الصَّدَقاتِ غَيْرَ الأُولى، وهي صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ، والأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ، وإنَّما احْتَجْنا في: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، إلى أنْ نَقُولَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الدِّرْهَمِ لَفْظًا لا مَعْنًى لِاضْطِرارِ المَعْنى إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قائِلَ ذَلِكَ لا يُرِيدُ أنَّ عِنْدَهُ دِرْهَمًا ونِصْفَ هَذا الدِّرْهَمِ الَّذِي عِنْدَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَأنَّ ثِيابَ راكِبِهِ بِرِيحٍ ∗∗∗ خَرِيقٍ وهي ساكِنَةُ الهُبُوبِ يُرِيدُ: رِيحًا أُخْرى ساكِنَةَ الهُبُوبِ. ﴿وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَطَلُّبِ مَصارِفِها وتَحَقُّقِ ذَلِكَ وهُمُ الفُقَراءُ. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، وهو ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُخْفُوها﴾ التَّقْدِيرُ: فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) هُنا أُرِيدَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، و(لَكم) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ (p-٣٢٥)وهُوَ الإبْداءُ، والتَّقْدِيرُ: فَهو خَيْرٌ لَكم مِن إبْدائِها، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ إخْفاءَ الصَّدَقاتِ عَلى الإطْلاقِ أفْضَلُ، سَواءٌ كانَتْ فَرْضًا أوْ نَقْلًا، وإنَّما كانَ ذَلِكَ أفْضَلَ لِبُعْدِ المُتَصَدِّقِ فِيها عَنِ الرِّياءِ والمَنِّ والأذى، ولَوْ لَمْ يُعْلِمِ الفَقِيرَ بِنَفْسِهِ، وأخْفى عَنْهُ الصَّدَقَةَ أنْ يَعْرِفَ، كانَ أحْسَنَ وأجْمَلَ بِخُلُوصِ النِّيَّةِ في ذَلِكَ. قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: إذا اصْطَنَعْتَ المَعْرُوفَ فاسْتُرْهُ، وإذا اصْطُنِعَ إلَيْكَ فانْشُرْهُ. وقالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ: لا يَتِمُّ المَعْرُوفُ إلّا بِثَلاثِ خِصالٍ: تَعْجِيلِهِ، وتَصْغِيرِهِ في نَفْسِكَ، وسَتْرِهِ، فَإذا عَجَّلْتَهُ هَنَّيْتَهُ، وإذا صَغَرْتَهُ عَظَّمْتَهُ، وإذا سَتَرْتَهُ أتْمَمْتَهُ. وقالَ سَهْلُ بْنُ هارُونَ: ؎يُخْفِي صَنائِعَهُ واللَّهُ يُظْهِرُها ∗∗∗ إنَّ الجَمِيلَ إذا أخْفَيْتَهُ ظَهَرا وفِي الإبْداءِ والإخْفاءِ طِباقٌ لَفْظِيٌّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ طِباقٌ مَعْنَوِيٌ؛ لِأنَّهُ لا يُؤْتِي الصَّدَقاتِ إلّا الأغْنِياءُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ يَبْدُ الصَّدَقاتِ الأغْنِياءُ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ حَقٌّ لِلْفَقِيرِ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يُفِرِّقَ الصَّدَقَةَ بِنَفْسِهِ. ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ قَرَأ بِالواوِ الجُمْهُورُ في (ويُكَفِّرُ) وبِإسْقاطِها وبِالياءِ والتّاءِ والنُّونِ، وبِكَسْرِ الفاءِ وفَتْحِها، وبِرَفْعِ الرّاءِ وجَزْمِها ونَصْبِها، فَإسْقاطُ الواوِ رَواهُ أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ، ونَقَلَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالياءِ وجَزْمِ الرّاءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ بَدَلٌ عَلى المَوْضِعِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ في جَزْمٍ، وكَأنَّ المَعْنى: يَكُنْ لَكُمُ الإخْفاءُ خَيْرًا مِنَ الإبْداءِ، أوْ عَلى إضْمارِ حَرْفِ العَطْفِ، أيْ: ويُكَفِّرُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالياءِ ورَفْعِ الرّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ بِالياءِ وجَزْمِ الرّاءِ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ بِالياءِ ونَصْبِ الرّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِالتّاءِ وجَزْمِ الرّاءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عِكْرِمَةُ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الفاءَ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ، فِيما حَكى عَنْهُ الَمَهَدَوِيُّ بِالتّاءِ ورَفْعِ الرّاءِ، وحُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: بِالتّاءِ ونَصْبِ الرّاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ بِالنُّونِ ورَفْعِ الرّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالنُّونِ والجَزْمِ، ورُوِيَ الخَفْضُ عَنِ الأعْمَشِ بِالنُّونِ ونَصْبِ الرّاءِ فِيمَن قَرَأ بِالياءِ. فالأظْهَرُ أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ونُكَفِّرُ، بِالنُّونِ فَإنَّهُ ضَمِيرٌ لِلَّهِ تَعالى بِلا شَكٍّ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الصَّرْفِ، أيْ: صَرْفِ الصَّدَقاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَوَّلَ عَلى الإخْفاءِ أيْ: ويُكَفِّرُ إخْفاءَ الصَّدَقاتِ، ونَسَبَ التَّكْفِيرَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ التَّكْفِيرِ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فالضَّمِيرُ في الفِعْلِ لِلصَّدَقاتِ، ومَن رَفَعَ الرّاءَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ونَحْنُ نُكَفِّرُ، أيْ: وهو يُكَفِّرُ، أيِ: اللَّهُ. أوِ الإخْفاءُ أيْ: وهي تُكَفِّرُ أيِ: الصَّدَقَةُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وتَكُونُ الواوُ عَطَفَتْ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ ما بَعْدَ الفاءِ، إذْ لَوْ وقَعَ مُضارِعٌ بَعْدَها لَكانَ مَرْفُوعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥] ومَن جَزَمَ الرّاءَ فَعَلى مُراعاةِ الجُمْلَةِ الَّتِي وقَعَتْ جَزاءً؛ إذْ هي في مَوْضِعِ جَزْمٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] . ونَذَرْهم، في قِراءَةِ مَن جَزَمَ، ونَذَرَهم، ومَن نَصَبَ الرّاءَ فَبِإضْمارِ (أنْ)، وهو عَطْفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بِنَصْبِ الرّاءِ، إلّا أنَّهُ هُنا يَعْسُرُ تَقْدِيرُ ذَلِكَ المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ مِن قَوْلِهِ: فَهو خَيْرٌ لَكم، فَيَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ: (يُحاسِبْكم) فَإنَّهُ يُقَدِّرُ تَقَعُ مُحاسَبَةٌ فَغُفْرانٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ وإنْ تُخْفُوها يَكُنْ خَيْرًا لَكم، وأنْ نُكَفِّرَ عَنْكم، انْتَهى. وظاهِرُ كَلامِهِ هَذا أنَّ تَقْدِيرَهُ؛ وأنْ نُكَفِّرَ، يَكُونُ مُقَدَّرًا بِمَصْدَرٍ، ويَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى (خَيْرًا) خَبَرُ يَكُنِ الَّتِي قَدَّرَها كَأنَّهُ قالَ: يَكُنِ الإخْفاءُ خَيْرًا لَكم وتَكْفِيرًا، فَيَكُونُ (أنْ يُكَفِّرَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ. والَّذِي تَقَرَّرَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنَّ هَذا المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِن أنِ المُضْمَرَةَ مَعَ الفِعْلِ المَنصُوبِ بِها هو مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ مَرْفُوعٍ، تَقْدِيرُهُ مِنَ المَعْنى، فَإذا قُلْتَ: ما تَأْتِينا فَتُحَدِّثُنا، فالتَّقْدِيرُ: ما يَكُونُ مِنكَ إتْيانٌ (p-٣٢٦)فَحَدِيثٌ، وكَذَلِكَ إنْ تَجِئْ وتُحْسِنْ إلَيَّ أُحْسِنُ إلَيْكَ، التَّقْدِيرُ إنْ يَكُنْ مِنكَ مَجِيءٌ وإحْسانٌ أُحْسِنُ إلَيْكَ، وكَذَلِكَ ما جاءَ بَعْدَ جَوابِ الشَّرْطِ، كالتَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرْناهُ في ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ (فَيَغْفِرَ) فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ يَكُنْ زِيادَةُ خَيْرٍ لِلْإخْفاءِ عَلى خَيْرٍ لِلْإبْداءِ وتَكْفِيرٌ. وقالَ الَمَهَدَوِيُّ: في نَصْبِ الرّاءِ: هو مُشَبَّهٌ بِالنَّصْبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، إذِ الجَزاءُ يَجِبُ بِهِ الشَّيْءُ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ كالِاسْتِفْهامِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الجَزْمُ في الرّاءِ أفْصَحُ هَذِهِ القِراءاتِ؛ لِأنَّها تُؤْذِنُ بِدُخُولِ التَّكْفِيرِ في الجَزاءِ، وكَوْنِهِ مَشْرُوطًا إنْ وقَعَ الإخْفاءُ، وأمّا رَفْعُ الرّاءِ فَلَيْسَ فِيهِ هَذا المَعْنى، انْتَهى. ونَقُولُ: إنَّ الرَّفْعَ أبْلَغُ وأعَمُّ؛ لِأنَّ الجَزْمَ يَكُونُ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي، والرَّفْعُ بَدَلٌ عَلى أنَّ التَّكْفِيرَ مُتَرَتِّبٌ مِن جِهَةِ المَعْنى عَلى بَذْلِ الصَّدَقاتِ، أبْدَيْتَ أوْ أخْفَيْتَ؛ لِأنّا نَعْلَمُ أنَّ هَذا التَّكْفِيرَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، ويَخْتَصُّ التَّكْفِيرُ بِالإخْفاءِ فَقَطْ، والجَزْمُ يُخَصِّصُهُ بِهِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِي يُبْدِي الصَّدَقاتِ لا يُكَفِّرُ مِن سَيِّئَآتِهِ، فَقَدْ صارَ التَّكْفِيرُ شامِلًا لِلنَّوْعَيْنِ مِن إبْداءِ الصَّدَقاتِ وإخْفائِها، وإنْ كانَ الإخْفاءُ خَيْرًا مِنَ الإبْداءِ. ومِن، في قَوْلِهِ ﴿مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ لا تُكَفِّرُ جَمِيعَ السَّيِّئاتِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ فِرْقَةٍ قالَتْ: (مِن) زائِدَةٌ في هَذا المَوْضِعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ مِنهم خَطَأٌ، وقَوْلُ مَن جَعَلَها سَبَبِيَّةً وقَدَّرَ: مِن أجْلِ ذُنُوبِكم ضَعِيفٌ. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ خَتَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى العِلْمِ بِما لَطُفَ مِنَ الأشْياءِ وخَفِيَ، فَناسَبَ الإخْفاءُ خَتْمَها بِالصِّفَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما خُفِيَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:272

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ اخْتَلَفَ النَّقْلُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ومَضْمُونُها أنَّ مَن أسْلَمَ كَرِهَ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلى قَرِيبِهِ المُشْرِكِ، أوْ عَلى المُشْرِكِينَ، أوْ نَهاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ، أوِ امْتَنَعَ هو مِن ذَلِكَ، وقَدْ سَألَهُ يَهُودِيٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وظاهِرُ الهُدى أنَّهُ مُقابِلُ الضَّلالِ، وهو مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَهْدِيَهم، أيْ: خَلْقَ الهُدى في قُلُوبِهِمْ، وأمّا الهُدى بِمَعْنى الدُّعاءِ فَهو عَلَيْهِ، ولَيْسَ بِمُرادٍ هُنا، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو نَظِيرُ: ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] فالمَعْنى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدى مَن خالَفَكَ حَتّى تَمْنَعَهُ الصَّدَقَةَ لِأجْلِ أنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهِمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، (هُداهم) لَيْسَ إلَيْكَ. وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا الهُدى لَيْسَ مُقابِلًا لِلضَّلالِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الكُفْرُ، فَقالَ: لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَهم مَهْدِيِّينَ إلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ مِنَ المَنِّ والأذى والإنْفاقِ مِنَ الخَبِيثِ وغَيْرِهِ، وما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَهُمُ النَّواهِيَ فَحَسْبُ، ويُبْعِدُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ فَظاهِرُهُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ هُدى الإيمانِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ تَلَطُفٌ بِمَن يَعْلَمُ أنَّ اللُّطْفَ يَنْفَعُ فِيهِ، فَيَنْتَهِي عَمّا نُهِيَ عَنْهُ، انْتَهى، فَلَمْ يَحْمِلِ الهُدى في المَوْضِعَيْنِ عَلى الإيمانِ المُقابِلِ لِلضَّلالِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى هُدًى خاصٍّ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، كَما قُلْنا. وقِيلَ: الهِدايَةُ هُنا الغِنى أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تُغْنِيَهم، وإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُواسِيَهم، فَإنَّ اللَّهَ يُغْنِي مَن يَشاءُ. وتَسْمِيَةُ الغِنى هِدايَةٌ، عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ: رَشَدْتُ واهْتَدَيْتُ، لِمَن ظَفِرَ، وغَوَيْتُ لِمَن خابَ وخَسِرَ، وعَلى هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمُ عَلى الغَيِّ لائِمًا وتَفْسِيرُ الهُدى بِالغِنى أبْعَدُ مِن تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وفي قَوْلِهِ: (هُداهم) طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، إذِ المَعْنى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدى الضّالِّينَ، وظاهِرُ الخِطابِ في: لَيْسَ عَلَيْكَ، أنَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ . ومُناسَبَةُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] الآيَةَ اقْتَضى أنْهُ لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ، فانْقَسَمَ النّاسُ مِن مَفْهُومِ هَذا إلى قِسْمَيْنِ: مَن آتاهُ (p-٣٢٧)اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهو يَعْمَلُ بِها، ومَن لَمْ يُؤْتِهِ إيّاها فَهو يَخْبِطُ عَشْواءً في الضَّلالِ، فَنَبَّهَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا القِسْمَ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم، بَلِ الهِدايَةُ وإيتاءُ الحِكْمَةِ إنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى، لِيَتَسَلّى بِذَلِكَ في كَوْنِ هَذا القِسْمِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، ولِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهم وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُهْتَدِينَ، تَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى في: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ هو لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تُلْجِئَهم إلى الهُدى بِواسِطَةِ أنْ تَقِفَ صَدَقَتَكَ عَلى إيمانِهِمْ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الإيمانِ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، بَلِ المَطْلُوبُ مِنهُمُ الإيمانُ عَلى سَبِيلِ الطَّوْعِ والِاخْتِيارِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ، وتَجْنِيسٌ مُغايِرٌ إذْ: هُداهُمُ اسْمٌ، ويَهْدِي فِعْلٌ. ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: فَهو لِأنْفُسِكم، لا يَعُودُ نَفْعُهُ ولا جَدْواهُ إلّا عَلَيْكم، فَلا تَمَنُّوا بِهِ، ولا تُؤْذُوا الفُقَراءَ، ولا تُبالُوا بِمَن صادَفْتُمْ مِن مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ، فَإنَّ ثَوابَهُ إنَّما هو لَكم، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْنى فَلِأنْفُسِكم، فَلِأهْلِ دِينِكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أيْ: أهْلُ دِينِكم، نَبَّهَ عَلى أنَّ حُكْمَ الفَرْضِ مِنَ الصَّدَقَةِ بِخِلافِ حُكْمِ التَّطَوُّعِ، فَإنَّ الفَرْضَ لِأهْلِ دِينِكم دُونَ الكُفّارِ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ كانَ يَصْنَعُ كَثِيرًا مِنَ المَعْرُوفِ، ثُمَّ يَحْلِفُ أنَّهُ ما فَعَلَ مَعَ أحَدٍ خَيْرًا قَطُّ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّما فَعَلْتُ مَعَ نَفْسِي، ويَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما أحْسَنْتُ إلى أحَدٍ قَطُّ، ولا أسَأْتُ لَهُ ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] . ﴿وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ أيْ: وما تُنْفِقُونَ النَّفَقَةَ المُعْتَدَّ لَكم قَبُولُها إلّا ما كانَ إنْفاقُهُ لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ، فَإذا عَرِيَتْ مِن هَذا القَصْدِ فَلا يُعْتَدُّ بِها، فَهَذا خَبَرُ شَرْطٍ فِيهِ مَحْذُوفٍ أيْ: وما تُنْفِقُونَ النَّفَقَةَ المُعْتَدَّةَ القَبُولَ، فَيَكُونُ هَذا الخِطابُ لِلْأُمَّةِ، وقِيلَ: هو خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ أنَّ نَفَقَتَهم أيْ: نَفَقَةَ الصَّحابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، ما وقَعَتْ إلّا عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ مِنِ ابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ، فَتَكُونُ هَذِهِ شَهادَةً لَهم مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ، وتَبْشِيرًا بِقَبُولِها، إذْ قَصَدُوا بِها وجْهَ اللَّهِ تَعالى، فَخَرَجَ هَذا الكَلامُ مَخْرَجَ المَدْحِ والثَّناءِ، فَيَكُونُ هَذا الخِطابُ خاصًّا بِالصَّحابَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ، ولِطَلَبِ ما عِنْدَهُ، فَما لَكم تَمُنُّونَ بِها وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ الَّذِي لا يُوَجَّهُ مِثْلُهُ إلى اللَّهِ ؟ وهَذا فِيهِ إشارَةٌ إلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، مِن أنَّ الصَّدَقَةَ وقَعَتْ صَحِيحَةً، ثُمَّ عَرَضَ لَها الإبْطالُ، بِخِلافِ قَوْلِ غَيْرِهِمْ: إنَّ المَنَّ والأذى قارَنَها، وقِيلَ: هو نَفْيُ مَعْناهُ النَّهْيُ، أيْ: ولا تُنْفِقُوا إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، ومَجازُهُ أنَّهُ لَمّا نَهى عَنْ أنْ يَقَعَ الإنْفاقُ إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ، حَصَلَ الِامْتِثالُ، وإذا حَصَلَ الِامْتِثالُ، فَلا يَقَعُ الإنْفاقُ إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ، فَعَبَّرَ عَنِ النَّهْيِ بِالنَّفْيِ لِهَذا المَعْنى، وانْتِصابُ (ابْتِغاءَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ تَقْدِيرُهُ: مُبْتَغِينَ، وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الرِّضا، كَما قالَ: ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ، وذَلِكَ عَلى عادَةِ العَرَبِ، وتَنَزُّهِ اللَّهِ عَنِ الوَجْهِ بِمَعْنى الجارِحَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نِسْبَةِ الوَجْهِ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] مُسْتَوْفًى، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: يُوَفَّرُ عَلَيْكم جَزاؤُهُ مُضاعَفًا، وفي هَذا، وفِيما قَبْلَهُ، قَطْعُ عُذْرِهِمْ في عَدَمِ الإنْفاقِ، إذِ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ هو لَهم حَيْثُ يَكُونُونَ مُحْتاجِينَ إلَيْهِ، فَيُوَفُّونَهُ كامِلًا مُوَفَّرًا، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إنْفاقُهم عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وأفْضَلِها، وقَدْ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «إذا تَصَدَّقَ العَبْدُ بِالصَّدَقَةِ وقَعَتْ في يَدِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ تَقَعَ في يَدِ السّائِلِ، فَيُرَبِّيها لِأحَدِكم كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلْوَهُ، أوْ فَصِيلَهُ، حَتّى إنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ» . والضَّمِيرُ في (يُوَفَّ) عائِدٌ عَلى: ما (p-٣٢٨)ومَعْنى تَوْفِيَتُهُ: إجْزالُ ثَوابِهِ. ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، العامِلُ فِيها ﴿يُوَفَّ﴾ والمَعْنى: أنَّكم لا تُنْفِقُونَ شَيْئًا مِن ثَوابِ إنْفاقِكم.

البقرة 2:273

﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: هم أهْلُ الصُّفَّةِ حَبَسُوا أنْفُسَهم عَلى طاعَةِ اللَّهِ، ولَمْ يَكُنْ لَهم شَيْءٌ، وكانُوا نَحْوًا مِن أرْبَعِمِائَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: هم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ مِن قُرَيْشٍ، ثُمَّ يَتَناوَلُ مَن كانَ بِصِفَةِ الفَقْرِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هم قَوْمٌ أصابَتْهم جِراحاتٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَصارُوا زَمْنى، واخْتارَ هَذا الكِسائِيُّ، وقالَ: أُحْصِرُوا مِنَ المَرَضِ، ولَوْ أرادَ الحَبْسَ مِنَ العَدُوِّ لَقالَ: حَصَرُوا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الإحْصارِ والحَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وثَبَتَ مِنَ اللُّغَةِ هُناكَ أنَّهُ يُقالُ في كُلٍّ مِنهُما أُحْصِرَ وحُصِرَ، وحَكاهُ ابْنُ سِيدَهْ. وقالَ السُّدِّيُّ: أُحْصِرُوا مِن خَوْفِ الكُفّارِ، إذْ أحاطُوا بِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: حَبَسُوا أنْفُسَهم لِلْغَزْوِ، ومَنَعَهُمُ الفَقْرُ مِنَ الغَزْوِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ: مَنَعَهم عُلُوُّ هِمَّتِهِمْ عَنْ رَفْعِ حاجَتِهِمْ إلّا إلى اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أحْصَرَهُمُ الجِهادُ، لا يَسْتَطِيعُونَ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ ضَرْبًا في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، انْتَهى. و﴿لِلْفُقَراءِ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وكَأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَن هَذِهِ الصَّدَقاتُ المَحْثُوثُ عَلى فِعْلِها ؟ فَقِيلَ: لِلْفُقَراءِ، أيْ: هي لِلْفُقَراءِ، فَبَيَّنَ مَصْرِفَ النَّفَقَةِ، وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ اللّامُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أعَجِبُوا لِلْفُقَراءِ، أوِ اعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ، واجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَ لِلْفُقَراءِ، وأبْعَدَ القَفّالُ في تَقْدِيرِ: إنْ تَبْدُوا الصَّدَقاتِ لِلْفُقَراءِ، وكَذَلِكَ مَن عَلَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ وكَذَلِكَ مَن جَعَلَ (لِلْفُقَراءِ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (فَلِأنْفُسِكم) لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ المانِعَةِ مِن ذَلِكَ. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ أيْ تَصَرُّفًا فِيها، إمّا لِزَمِنِهِمْ وإمّا لِخَوْفِهِمْ مِنَ العَدُوِّ لِقِلَّتِهِمْ، فَقِلَّتُهم تَمْنَعُهم مِنَ الِاكْتِسابِ بِالجِهادِ، وإنْكارُ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ إسْلامَهم يَمْنَعُهم مِنَ التَّصَرُّفِ في التِّجارَةِ، فَبَقُوا فُقَراءَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: أحُصِرُوا عاجِزِينَ عَنِ التَّصَرُّفِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، بِفَتْحِ السِّينِ حَيْثُ وقَعَ، وهو القِياسُ؛ لِأنَّ ماضِيَهُ عَلى فَعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، وهو مَسْمُوعٌ في ألْفاظٍ مِنها: عَمَدَ يَعْمُدُ ويَعْمِدُ، وقَدْ ذَكَرَها النَّحْوِيُّونَ، والفَتْحُ في السِّينِ لُغَةُ تَمِيمٍ، والكَسْرُ لُغَةُ الحِجازِ، والمَعْنى: أنَّهم لِفَرْطِ انْقِباضِهِمْ، وتَرْكِ المَسْألَةِ، واعْتِمادِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، يَحْسَبُهم مَن جَهِلَ أحْوالَهم أغْنِياءَ، و(مِن) سَبَبِيَّةٌ، أيِ: الحامِلُ عَلى حُسْبانِهِمْ أغْنِياءَ هو تَعَفُّفُهم؛ لِأنَّ عادَةَ مَن كانَ غَنِيَّ مالٍ أنْ يَتَعَفَّفَ ولا يَسْألُ، ويَتَعَلَّقُ (يَحْسَبُهم) وجُرَّ المَفْعُولُ لَهُ هُناكَ بِحَرْفِ السَّبَبِ، لِانْخِرامِ شَرْطٍ مِن شُرُوطِ المَفْعُولِ لَهُ مِن أجْلِهِ وهو اتِّحادُ الفاعِلِ؛ لِأنَّ فاعِلَ يَحْسَبُ هو الجاهِلُ، وفاعِلَ التَّعَفُّفِ هو الفُقَراءُ، وهَذا الشَّرْطُ هو عَلى الأصَحِّ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا الشَّرْطُ مُنْخَرِمًا لَكانَ الجَرُّ بِحَرْفِ السَّبَبِ أحْسَنُ في هَذا المَفْعُولِ لَهُ؛ لِأنَّهُ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّامِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ حَرْفُ السَّبَبِ، وإنْ كانَ يَجُوزُ نَصْبُهُ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ كَما أنْشَدُوا. ؎لا أقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجاءِ أيْ: لِلْجُبْنِ، وإنَّما عُرِّفَ المَفْعُولُ لَهُ هُنا؛ لِأنَّهُ سَبَقَ مِنهُمُ التَّعَفُّفُ مِرارًا، فَصارَ مَعْهُودًا مِنهم، وقِيلَ: (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: مِن تَعَفُّفِهِمُ ابْتَدَأتْ مَحْسَبَتُهُ؛ لِأنَّ الجاهِلَ بِهِمْ لا يَحْسَبُهم أغْنِياءَ غِنى تَعَفَّفٍ، وإنَّما يَحْسَبُهم أغْنِياءَ مالٍ، فَمَحْسَبَتُهُ مِنَ التَّعَفُّفِ ناشِئَةٌ، وهَذا عَلى أنَّهم مُتَعَفِّفُونَ عِفَّةً تامَّةً مِنَ المَسْألَةِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وكَوْنُها لِلسَّبَبِ أظْهَرُ، ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ: (مِن) بِأغْنِياءَ؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ إلى ضِدِّ المَقْصُودِ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنى: حالُهم يَخْفى عَلى الجاهِلِ بِهِمْ، فَيَظُنُّ أنَّهم أغْنِياءُ، وعَلى تَعْلِيقِ (مِن) بِأغْنِياءَ يَصِيرُ المَعْنى: أنَّ الجاهِلَ يَظُنُّ أنَّهم أغْنِياءُ، ولَكِنْ بِالتَّعَفُّفِ، والغَنِيُّ بِالتَّعَفُّفِ فَقِيرٌ مِنَ المالِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ تَكُونَ (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، قالَ: يَكُونُ التَّعَفُّفُ داخِلًا في (p-٣٢٩)المَحْسَبَةِ، أيْ: أنَّهم لا يَظْهَرُ لَهم سُؤالٌ، بَلْ هو قَلِيلٌ، وبِإجْمالٍ فالجاهِلُ بِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِفَقْرِهِمْ يَحْسَبُهم أغْنِياءَ عِفَّةٍ، فَمِن، لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، انْتَهى. ولَيْسَ ما قالَهُ مِن أنْ (مِن) هَذِهِ في هَذا المَعْنى لِبَيانِ الجِنْسِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في بَيانِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ لَها اعْتِبارًا عِنْدَ مَن قالَ بِهَذا المَعْنى لِمَن يَتَقَدَّرُ بِمَوْصُولٍ، وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ يَحْصُلُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، نَحْوَ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] التَّقْدِيرُ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ، ولَوْ قُلْتَ هُنا: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ الَّذِي هو التَّعَفُّفُ، لَمْ يَصِحَّ هَذا التَّقْدِيرُ، وكَأنَّهُ سَمّى الجِهَةَ الَّتِي هم أغْنِياءُ بِها بَيانَ الجِنْسِ، أيْ: بَيَّنَتْ بِأيِّ جِنْسٍ وقَعَ غِناهم بِالتَّعَفُّفِ، لا غِنى بِالمالِ، فَتُسَمّى (مِن) الدّاخِلَةُ عَلى ما يُبَيِّنُ جِهَةَ الغِنى لِبَيانِ الجِنْسِ، ولَيْسَ المُصْطَلَحُ عَلَيْهِ كَما قَدَّمْناهُ، وهَذا المَعْنى يُؤَوَّلُ إلى أنَّ (مِن) سَبَبِيَّةٌ، لَكِنَّها تَتَعَلَّقُ (بِأغْنِياءَ) لا بِـ (يَحْسَبُهم) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَحْسَبُهم) جُمْلَةً حالِيَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ الخِطابُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمَعْنى: أنَّكَ تَعْرِفُ أعْيانَهم بِالسِّيما الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تَعْرِفُ فَقْرَهَمْ بِالسِّيما الَّتِي تَدُلُّ عَلى الفَقْرِ، مِن: رَثاثَةِ الأطْمارِ، وشُحُوبِ الألْوانِ لِأجْلِ الفَقْرِ. وقالَ مُجاهِدٌ: السِّيما الخُشُوعُ والتَّواضُعُ، وقالَ السُّدِّيُّ: الفاقَةُ، والجُوعُ في وُجُوهِهِمْ، وقِلَّةُ النِّعْمَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رَثاثَةُ أثْوابِهِمْ، وصُفْرَةُ وُجُوهِهِمْ، وقِيلَ: أثَرُ السُّجُودِ، واسْتَحْسَنَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: لِأنَّهم كانُوا مُتَفَرِّغِينَ لِلْعِبادَةِ، فَكانَ الأغْلَبُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هَذا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلّا إنْ كانَ يَكُونُ أثَرُ السُّجُودِ في هَؤُلاءِ أكْثَرَ، وأمّا مَن فَسَّرَ السِّيما بِالخُشُوعِ، فالخُشُوعُ مَحَلُّهُ القَلْبُ، ويَشْتَرِكُ فِيهِ الغَنِيُّ والفَقِيرُ، والَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ ظاهِرًا إنَّما هو: رَثاثَةُ الحالِ، وشُحُوبُ الألْوانِ. ولِلصُّوفِيَّةِ في تَفْسِيرِ السِّيما مَقالاتٌ، قالَ المُرْتَعِشُ: عِزَّتُهم عَلى الفَقْرِ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: فَرَحُهم بِالفَقْرِ، وقالَ أبُو عُثْمانَ: إيثارُ ما عِنْدَهم مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقِيلَ: تِيهُهم عَلى الغَنِيِّ، وقِيلَ: طِيبُ القَلْبِ وبَشاشَةُ الوَجْهِ. والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ: بِـ (تَعْرِفُهم)، وهي لِلسَّبَبِ، وجَوَّزُوا في هَذِهِ الجُمْلَةِ ما جَوَّزُوا في الجُمَلِ قَبْلَها، مِنَ الحالِيَّةِ، ومِنَ الِاسْتِئْنافِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ طِباقٌ في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما: في قَوْلِهِ: (أُحْصِرُوا) و﴿ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ والثّانِي: في قَوْلِهِ: (لِلْفُقَراءِ) و(أغْنِياءَ) . ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ إذا نُفِيَ حُكْمٌ عَنْ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِقَيْدٍ، فالأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ انْصِرافُ النَّفْيِ لِذَلِكَ القَيْدِ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا ثُبُوتَ سُؤالِهِمْ، ونَفْيَ الإلْحاحِ أيْ: وإنْ وقَعَ مِنهم سُؤالٌ، فَإنَّما يَكُونُ بِتَلَطُّفٍ وتَسَتُّرٍ لا بِإلْحاحٍ، ويَجُوزُ أنْ يَنْفِيَ ذَلِكَ الحُكْمَ فَيَنْتَفِي ذَلِكَ القَيْدُ، فَيَكُونُ عَلى هَذا نَفْيُ السُّؤالِ ونَفْيُ الإلْحاحِ، فَلا يَكُونُ النَّفْيُ عَلى هَذا مُنْصَبًّا عَلى القَيْدِ فَقَطْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْألُونَ إلْحافًا ولا غَيْرَ إلْحافٍ، ونَظِيرُ هَذا: ما تَأْتِينا فَتُحَدِّثَنا، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: ما تَأْتِينا مُحَدِّثًا، إنَّما تَأْتِي ولا تُحَدِّثُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي: ما يَكُونُ مِنكَ إتْيانٌ فَلا يَكُونُ (p-٣٣٠)حَدِيثٌ، وكَذَلِكَ هَذا لا يَقَعُ مِنهم سُؤالٌ البَتَّةَ فَلا يَقَعُ إلْحاحٌ، ونَبَّهَ عَلى نَفْيِ الإلْحاحِ دُونَ غَيْرِ الإلْحاحِ لِقُبْحِ هَذا الوَصْفِ، ولا يُرادُ بِهِ نَفْيُ هَذا الوَصْفِ وحْدَهُ ووُجُودُ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَصِيرُ المَعْنى الأوَّلُ وإنَّما يُرادُ بِنَفْيِ مِثْلِ هَذا الوَصْفِ نَفْيُ المُتَرَتِّباتِ عَلى المَنفِيِّ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ نَفى الأوَّلَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ، فَتُنْفى مُتَرَتِّباتُهُ، كَما أنَّكَ إذا نَفَيْتَ الإتْيانَ فانْتَفى الحَدِيثُ انْتَفَتْ جَمِيعُ مُتَرَتِّباتِ الإتْيانِ مِنَ: المُجالَسَةِ والمُشاهَدَةِ والكَيْنُونَةِ في مَحَلٍّ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ بِذِكْرِ مُتَرَتِّبٍ واحِدٍ لِغَرَضٍ ما عَنْ سائِرِ المُتَرَتِّباتِ، وتَشْبِيهُ الزَّجّاجِ هَذا المَعْنى في الآيَةِ، بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدَي بِمَنارِهِ إنَّما هو مُطْلَقَ انْتِفاءِ الشَّيْئَيْنِ، أيْ: لا سُؤالَ ولا إلْحافَ، وكَذَلِكَ: هَذا لا مَنارَ ولا هِدايَةَ، لا أنَّهُ مِثْلُهُ في خُصُوصِيَّةِ النَّفْيِ، إذْ كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا إلْحافَ، فَلا سُؤالَ، ولَيْسَ تَرْكِيبُ الآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى، ولا يَصِحُّ: لا إلْحافَ فَلا سُؤالَ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مَن نَفْيِ الخاصِّ نَفْيُ العامِّ، كَما لَزِمَ مِن نَفْيِ المَنارِ نَفْيُ الهِدايَةِ الَّتِي هي مِن بَعْضِ لَوازِمِهِ، وإنَّما يُؤَدِّي مَعْنى النَّفْيِ عَلى طَرِيقَةِ النَّفْيِ في البَيْتِ أنْ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ: لا يُلْحِفُونَ النّاسَ سُؤالًا؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن نَفْيِ السُّؤالِ نَفْيُ الإلْحافِ، إذْ نَفِيُ العامِّ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الخاصِّ، فَتَلَخَّصَ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ نَفْيَ الشَّيْئَيْنِ تارَةً يُدْخِلُ حَرْفَ النَّفْيِ عَلى شَيْءٍ فَتَنْتَفِي جَمِيعُ عَوارِضِهِ، ونَبَّهَ عَلى بَعْضِها بِالذِّكْرِ لِغَرَضٍ ما، وتَراهُ يُدْخِلُ حَرْفَ النَّفْيِ عَلى عارِضٍ مِن عَوارِضِهِ، والمَقْصُودُ نَفْيُهُ، فَيَنْتَفِي لِنَفْيِهِ عَوارِضَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَشْبِيهُهُ - يَعْنِي الزَّجّاجَ - الآيَةَ بِبَيْتِ امْرِئِ القَيْسِ غَيْرُ صَحِيحٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ انْتِفاءَ صِحَّةِ التَّشْبِيهِ مِن جِهَةِ أنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ في خُصُوصِيَّةِ النَّفْيِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ المَنارِ في البَيْتِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الهِدايَةِ، ولَيْسَ انْتِفاءُ الإلْحاحِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ السُّؤالِ، وأطالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَقْرِيرِ هَذا، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ تَشْبِيهَ الزَّجّاجِ إنَّما هو في مُطْلَقِ انْتِفاءِ الشَّيْئَيْنِ، وقَرَّرْنا ذَلِكَ. وقِيلَ: مَعْنى (إلْحافًا) أنَّهُ السُّؤالُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ بِهِ المالُ لِكَثْرَةِ تَلَطُّفِهِ، أيْ: لا يَسْألُونَ النّاسَ بِالرِّفْقِ والتَّلَطُّفِ، وإذا لَمْ يُوجَدْ هَذا، فَلِأنْ لا يُوجَدَ بِطَرِيقِ العُنْفِ أوْلى، وقِيلَ: مَعْنى إلْحافًا أنَّهم يُلْحِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في تَرْكِ السُّؤالِ، أيْ: لا يَسْألُونَ لِإلْحاحِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ في تَرْكِهِمُ السُّؤالَ، ومَنعُهم ذَلِكَ بِالتَّكْلِيفِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: مَن سَألَ، فَلا بُدَّ أنْ يُلِحَّ، فَنَفْيُ الإلْحاحِ عَنْهم مُطْلَقًا مُوجِبٌ لِنَفْيِ السُّؤالِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إظْهارِ آثارِ الفَقْرِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَضُمُّونَ إلى السُّكُونِ مِن رَثاثَةِ الحالِ والِانْكِسارِ، وما يَقُومُ مَقامَ السُّؤالِ المُلِحِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالًا، وأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، ومَن جَوَّزَ الحالَ في هَذِهِ الجُمَلِ وذُو الحالِ واحِدٌ، إنَّما هو عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعَدَّدَ الحالِ لِذِي حالٍ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ وتَفْصِيلٍ مَذْكُورٍ في عِلْمِ النَّحْوِ. وجَوَّزُوا في إعْرابِ ﴿إلْحافًا﴾ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (يَسْألُونَ) فَكَأنَّهُ قالَ: لا يُلْحِفُونَ، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ تَقْدِيرُهُ: لا يَسْألُونَ مُلْحِفِينَ. ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ، والتَّأْكِيدِ، بَلْ كُلٌّ مِنهُما مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ قَيْدِ الآخَرِ، فالأوَّلُ: ذَكَرَ أنَّ الخَيْرَ الَّذِي يَعْمَلُهُ مَعَ غَيْرِهِ إنَّما هو لِنَفْسِهِ، وأنَّهُ عائِدٌ إلَيْهِ جَزاؤُهُ، والثّانِي: ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ النّاشِيءَ عَنِ الخَيْرِ يُوَفّاهُ كامِلًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ ولا بَخْسٍ، والثّالِثُ: ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِما يُنْفِقُهُ الإنْسانُ مِنَ الخَيْرِ، ومِقْدارِهِ، وكَيْفِيَّةِ جِهاتِهِ المُؤْثِرَةِ في تُرَتِّبِ الثَّوابِ، فَأتى بِالوَصْفِ المُطَّلِعِ عَلى ذَلِكَ وهو: العِلْمُ.

البقرة 2:274

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ قالَ أبُو ذَرٍّ، وأبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو أُمامَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِشْرٍ الغافِقِيُّ، ومَكْحُولٌ، ورَباحُ بْنُ بُرَيْدٍ، والأوْزاعِيُّ: هي في عَلَفِ الخَيْلِ المُرْتَبِطَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومُرْتَبَطِها، وكانَ أبُو هُرَيْرَةَ إذا مَرَّ بِفَرَسٍ سَمِينٍ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، كانَتْ عِنْدَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، (p-٣٣١)قالَ الكَلْبِيُّ: لَمْ يَمْلُكْ غَيْرَها، فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا، وبِدِرْهَمٍ نَهارًا، وبِدِرْهَمٍ سِرًا، وبِدِرْهَمٍ عَلانِيَةً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: نَزَلَتْ في عَلِيٍّ؛ بَعَثَ بِوَسَقِ تَمْرٍ إلى أهْلِ الصُّفَّةِ لَيْلًا، وفي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ بَعَثَ إلَيْهِمْ بِدَراهِمَ كَثِيرَةٍ نَهارًا. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في المُنْفِقِينَ مِن غَيْرِ تَبْذِيرٍ ولا تَقْتِيرٍ، انْتَهى. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بِكْرٍ؛ تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ: عَشَرَةٌ بِاللَّيْلِ، وعَشَرَةٌ بِالنَّهارِ وعَشَرَةٌ في السِّرِّ، وعَشَرَةٌ في الجَهْرِ. والآيَةُ، وإنْ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَهي عامَّةٌ في جَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ألْفاظُ الآيَةِ، والمَعْنى أنَّهم فِيما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعُمُّونَ الأوْقاتِ والأحْوالَ بِالصَّدَقَةِ لِحِرْصِهِمْ عَلى الخَيْرِ، فَكُلَّما نَزَلَتْ بِهِمْ حاجَةُ مُحْتاجٍ عَجَّلُوا قَضاءَها، ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ، ولَمْ يَتَعَلَّلُوا بِوَقْتٍ ولا حالٍ، انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ في هَذِهِ الآيَةِ أفْضَلِيَّةَ الصَّدَقَةِ في أحَدِ الزَّمانَيْنِ، ولا في إحْدى الحالَتَيْنِ اعْتِمادًا عَلى الآيَةِ قَبْلَها، وهي: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] أوْ جاءَ تَفْصِيلًا عَلى حَسَبِ الواقِعِ مِن صَدَقَةِ أبِي بَكْرٍ، وصَدَقَةِ عَلِيٍّ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ تَقْدِيمَ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ، والسِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ يَدُلُّ عَلى تِلْكَ الأفْضَلِيَّةِ، واللَّيْلُ مَظِنَّةُ صَدَقَةِ السِّرِّ، فَقَدَّمَ الوَقْتَ الَّذِي كانَتِ الصَّدَقَةُ فِيهِ أفْضَلَ، والحالُ الَّتِي كانَتْ فِيها أفْضَلَ. والباءُ في (بِاللَّيْلِ) ظَرْفِيَّةٌ، وانْتِصابُ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُسَرِّينَ ومُعْلِنِينَ، أوْ عَلى أنَّهُما حالانِ مِن ضَمِيرِ الإنْفاقِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، أوْ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إنْفاقًا سِرًّا، عَلى مَشْهُورِ الإعْرابِ في: قُمْتُ طَوِيلًا، أيْ قِيامًا طَوِيلًا. ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا فَلا نُعِيدُهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ في (فَلَهم) لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ لِعُمُومِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما يُوجَدُ الشَّبَهُ، يَعْنِي بَيْنَ المَوْصُولِ واسْمِ الشَّرْطِ، إذا كانَ (الَّذِي) مَوْصُولًا بِفِعْلٍ، وإذا لَمْ يَدْخُلْ عَلى (الَّذِي) عامِلٌ يُغَيِّرُ مَعْناهُ، انْتَهى، فَحَصَرَ الشَّبَهَ فِيما إذا كانَ (الَّذِي) مَوْصُولًا بِفِعْلٍ، وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ، إذْ ما ذُكِرَ لَهُ قُيُودٌ. أوَّلُها: أنَّ ذَلِكَ لا يَخْتَصُّ بِالَّذِي بَلْ كُلُّ مَوْصُولٍ غَيْرُ الألِفِ واللّامِ حُكْمُهُ في ذَلِكَ حُكْمُ الَّذِي بَلا خِلافٍ، وفي الألِفِ واللّامِ خِلافٌ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ المَنعُ مِن دُخُولِ الفاءِ، الثّانِي: قَوْلُهُ مَوْصُولًا بِفِعْلٍ، فَأطْلَقَ في الفِعْلِ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ شَرْطُ الفِعْلِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِأداةِ الشَّرْطِ، فَلَوْ قُلْتَ: الَّذِي يَأْتِينِي، أوْ لَمّا يَأْتِينِي، أوْ ما يَأْتِينِي، أوْ لَيْسَ يَأْتِينِي، فَلَهُ دِرْهَمٌ، لَمْ يَجُزْ لِأداةِ الشَّرْطِ، لا يُصْلِحُ أنْ تَدْخُلَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأمّا الِاقْتِصارُ عَلى الفِعْلِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الظَّرْفُ والجارُّ والمَجْرُورُ كالفِعْلِ في ذَلِكَ، فَمَتى كانَتِ الصِّلَةُ واحِدًا مِنهُما جازَ دُخُولُ الفاءِ، وقَوْلُهُ: وإذا لَمْ يَدْخُلْ عَلى (الَّذِي) عامِلٌ يُغَيِّرُ عِبارَةً غَيْرَ مُخَلِّصَةٍ؛ لِأنَّ العامِلَ الدّاخِلَ عَلَيْهِ كائِنًا ما كانَ لا يُغَيِّرُ مَعْنى المَوْصُولِ، إنَّما يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: مَعْنى جُمْلَةِ الِابْتِداءِ في المَوْصُولِ وخَبَرُهُ، فَيُخْرِجُهُ إلى تَغْيِيرِ المَعْنى الِابْتِدائِيِّ مِن: تَمَنٍّ، أوْ تَشْبِيهٍ، أوْ ظَنٍّ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. لَوْ قُلْتَ: الَّذِي يَزُورُنا فَيُحْسِنُ إلَيْنا لَمْ يَجُزْ، وكانَ يَنْبَغِي أيْضًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَذْكُرَ أنَّ شَرْطَ دُخُولِ الفاءِ في الخَبَرِ أنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا بِالصِّلَةِ، نَحْوَ ما جاءَ في الآيَةِ؛ لِأنَّ تَرَتُّبَ الأجْرِ إنَّما هو عَلى الإنْفاقِ، ومَسْألَةُ دُخُولِ الفاءِ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ يَسْتَدْعِي كَلامًا طَوِيلًا، وفي بَعْضِ مَسائِلِها خِلافٌ وتَفْصِيلٌ، قَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في كِتابِ (التَّذْكِرَةِ) مِن تَأْلِيفِنا. * * ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿ا لَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] الرِّبا: الزِّيادَةُ يُقالُ: رَبا يَرْبُو وأرْباهُ غَيْرُهُ: وأرْبى الرَّجُلُ، عامَلَ بِالرِّبا، ومِنهُ الرَّبْوَةُ والرّابِيَةُ، وقالَ حاتِمٌ:(p-٣٣٢) ؎وأسْمَرَ خَطِّيًّا كَأنَّ كُعُوبَهُ نَوى القَسْبُ قَدْ أرْبى ذِراعًا عَلى العَشْرِ وكُتِبَ في القُرْآنِ بِالواوِ والألِفِ بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ يُكْتَبَ بِالياءِ لِلْكَسْرَةِ، وبِالألِفِ، وتُبْدَلُ الباءُ مِيمًا قالُوا: (الرِّما) كَما أبْدَلُوها في كَتَبَ قالُوا: كَتَمَ، ويُثَنّى: رِبَوانِ، بِالواوِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ ألِفَهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْها، وقالَ الكُوفِيُّونَ: ويُكْتَبُ بِالياءِ، وكَذَلِكَ الثُّلاثِيُّ المَضْمُومُ الأوَّلُ نَحْوُ: ضُحى، فَتَقُولُ: رِبَيانِ وضَحْيانِ، فَإنْ كانَ مَفْتُوحًا نَحْوَ: صَفا، فاتَّفَقُوا عَلى الواوِ، وأمّا الرِّبا الشَّرْعِيُّ فَهو مَحْدُودٌ في كُتُبِ الفُقَهاءِ عَلى حَسَبِ اخْتِلافِ مَذاهِبِهِمْ. تَخَبَّطَ: تَفَعَّلَ مِنَ الخَبْطِ وهو الضَّرْبُ عَلى غَيْرِ اسْتِواءٍ، وخَبَطَ البَعِيرُ الأرْضَ بِأخْفافِهِ، ويُقالُ لِلَّذِي يَتَصَرَّفُ ولا يَهْتَدِي: خَبْطَ عَشْواءَ، وتَوَرَّطَ في عَمْياءَ وقَوْلُ عَلْقَمَةَ: ؎وفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ أيْ: أعْطَيْتَ مَن أرَدْتَ بِلا تَمْيِيزٍ كَرَمًا. سَلَفَ: مَضى وانْقَضى، ومِنهُ سالِفُ الدَّهْرِ أيْ: ماضِيهِ. عادَ عَوْدًا: رَجَعَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى صارَ، وأنْشَدَ: ؎تَعُدُّ فِيكُمُ جَزْرَ الجَزُورِ رِماحُنا ∗∗∗ ويَرْجِعْنَ بِالأسْيافِ مُنْكَسِراتِ المَحْقُ: نُقْصانُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، ومِنهُ: المَحاقُ في الهِلالِ، يُقالُ: مَحَقَهُ اللَّهُ فانْمَحَقَ وامْتَحَقَ أنْشَدَ اللَّيْثُ: ؎يَزْدادُ حَتّى إذا ما تَمَّ أعْقَبَهُ ∗∗∗ كَرُّ الجَدِيدَيْنِ نَقْصًا ثُمَّ يَنْمَحِقُّ

البقرة 2:275

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ (p-٣٣٣)الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها وارِدٌ في تَفْضِيلِ الإنْفاقِ والصَّدَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مِن طِيبِ ما كَسَبَ، ولا يَكُونُ مِنَ الخَبِيثِ، فَذُكِرَ نَوْعٌ غالِبٌ عَلَيْهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، وهو خَبِيثٌ، وهو: الرِّبا، حَتّى يَمْتَنِعَ مِنَ الصَّدَقَةِ بِما كانَ مِن رِبًا، وأيْضًا فَتَظْهَرُ مُناسَبَةٌ أُخْرى، وذَلِكَ أنَّ الصَّدَقاتِ فِيها نُقْصانُ مالٍ، والرِّبا فِيهِ زِيادَةُ مالٍ، فاسْتَطْرَدَ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ إلى ذِكْرِ المَنهِيِّ عَنْهُ لِما بَيْنَهُما مِن مُناسَبَةِ ذِكْرِ التَّضادِّ، وأبْدى لِأكْلِ الرِّبا صُورَةً تَسْتَبْشِعُها العَرَبُ عَلى عادَتِها في ذِكْرِ ما اسْتَغْرَبَتْهُ واسْتَوْحَشَتْ مِنهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎خَيْلًا كَأمْثالِ السَّعالِي شُرَّبًا وقَوْلِ الآخَرِ: ؎بَخِيلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ والأكْلُ هُنا قِيلَ عَلى ظاهِرِهِ مِن خُصُوصِ الأكْلِ، وأنَّ الخَبَرَ عَنْهم مُخْتَصٌّ بِالآكِلِ الرِّبى، وقِيلَ: عَبَّرَ عَنْ مُعامَلَةِ الرِّبا وأخْذِهِ بِالأكْلِ؛ لِأنَّ الأكْلَ غالِبُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا﴾ [النساء: ١٦١] وقِيلَ: الرِّبا هُنا كِنايَةٌ عَنِ الحَرامِ، لا يَخُصُّ الرِّبا الَّذِي في الجاهِلِيَّةِ، ولا الرِّبا الشَّرْعِيِّ، وقَرَأ العَدَوِيُّ (الرَّبْوُ) بِالواوِ، وقِيلَ: وهي لُغَةُ الحِيرَةِ، ولِذَلِكَ كَتَبَها أهْلُ الحِجازِ بِالواوِ؛ لِأنَّهم تَعَلَّمُوا الخَطَّ مِن أهْلِ الحِيرَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ عَلى لُغَةِ مَن وقَفَ عَلى أفْعى بِالواوِ، فَقالَ: هَذِهِ أفْعُو، فَأجْرى هَذا القارِئُ الوَصْلَ إجْراءَ الوَقْفِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ: أنَّ بَعْضَهم قَرَأ بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّ الباءِ وواوٍ ساكِنَةٍ، وهي قِراءَةٌ بَعِيدَةٌ؛ لِأنْ لا يُوجَدَ في لِسانِ العَرَبِ اسْمٌ آخِرُهُ واوٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ، بَلْ مَتى أدّى التَّصْرِيفُ إلى ذَلِكَ قُلِبَتْ تِلْكَ الواوُ ياءً وتِلْكَ الضَّمَّةُ كَسْرَةً، وقَدْ أُوِّلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّها عَلى لُغَةِ مَن قالَ: في أفْعى: أفْعُو، في الوَقْفِ. وأنَّ القارِئَ إمّا أنَّهُ لَمْ يَضْبُطْ حَرَكَةَ الباءِ، أوْ سَمّى قُرْبَها مِنَ الضَّمَّةِ ضَمًّا. و﴿لا يَقُومُونَ﴾ خَبَرٌ عَنْ (الَّذِينَ) ووَقَعَ في بَعْضِ التَّصانِيفِ أنَّها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا؛ إذْ يُتَكَلَّفُ إضْمارُ خَبَرٍ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وظاهِرُ هَذا الإخْبارِ أنَّهُ عَنِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، وقِيلَ: هو إخْبارٌ ووَعِيدٌ عَنِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا مُسْتَحِلِّينَ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ومَنِ اخْتارَ حَرْبَ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهو كافِرٌ، وهَذا القِيامُ الَّذِي في الآيَةِ قِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجُبَيْرٌ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ لا يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ في البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا كالمَجانِينِ، عُقُوبَةً لَهم وتَمْقِيتًا عِنْدَ جَمْعِ المَحْشَرِ، ويَكُونُ ذَلِكَ سِيَمًا لَهم يُعْرَفُونَ بِها، ويُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ) وقالَ بَعْضُهم: يُجْعَلُ مَعَهُ شَيْطانٌ يَخْنُقُهُ كَأنَّهُ يَخْبِطُ في المُعامَلاتِ في الدُّنْيا، فَجُوزِيَ في الآخِرَةِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، وقَدْ أُثِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى أكْلَةَ الرِّبا، كُلُّ رَجُلٍ مِنهم بَطْنُهُ مِثْلُ البَيْتِ الضَّخْمِ، وذَكَرَ حالَهم أنَّهم إذا قامُوا تَمِيلُ بِهِمْ بُطُونُهم فَيُصْرَعُونَ، وفي طَرِيقٍ أنَّهُ رَأى بُطُونَهم كالبُيُوتِ فِيها الحَيّاتُ تُرى مِن خارِجِ بُطُونِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا ألْفاظُ الآيَةِ فَيُحْتَمَلُ تَشْبِيهُ حالِ القائِمِ بِحِرْصٍ وجَشَعٍ إلى تِجارَةِ الرِّبا بِقِيامِ المَجْنُونِ؛ لِأنَّ الطَّمَعَ والرَّغْبَةَ يَسْتَفِزُّهُ حَتّى تَضْطَرِبَ أعْضاؤُهُ، كَما يَقُومُ المُسْرِعُ في مَشْيِهِ يَخْلِطُ في هَيْئَةِ حَرَكاتِهِ، إمّا مِن فَزَعٍ أوْ غَيْرِهِ قَدْ جُنَّ، هَذا وقَدْ شَبَّهَ الأعْشى ناقَتَهُ في نَشاطِها بِالجُنُونِ في قَوْلِهِ: ؎وتُصْبِحُ عَنْ غَبِّ السُّرى وكَأنَّها ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ لَكِنْ ما جاءَتْ بِهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وتَظاهَرَتْ بِهِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ يُضَعِّفُ هَذا التَّأْوِيلَ، انْتَهى كَلامُهُ. (p-٣٣٤)وهُوَ حَسَنٌ إلّا كَما يَقُومُ الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ عَلى الخِلافِ المُتَقَدِّمِ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ، وتَقَدَّمَ في مَواضِعَ. و(ما) الظّاهِرُ أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: كَقِيامِ الَّذِي، وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إلّا كَما يَقُومُهُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ، قِيلَ: مَعْناهُ كالسَّكْرانِ الَّذِي يَسْتَجِرْهُ الشَّيْطانُ فَيَقَعُ ظَهْرَ البَطْنِ، ونَسَبَهُ إلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ في سُكْرِهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الشَّيْطانَ يَتَخَبَّطُ الإنْسانَ، فَقِيلَ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ هو مِن فِعْلِ الشَّيْطانِ بِتَمْكِينِ اللَّهِ تَعالى لَهُ مِن ذَلِكَ في بَعْضِ النّاسِ، ولَيْسَ في العَقْلِ ما يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: ذَلِكَ مِن فِعْلِ اللَّهِ لِما يُحْدِثُهُ فِيهِ مِن غَلَبَةِ السُّوءِ أوِ انْحِرافِ الكَيْفِيّاتِ واحْتِدادِها فَتَصْرَعُهُ، فَنُسِبَ إلى الشَّيْطانِ مَجازًا تَشْبِيهًا بِما يَفْعَلُهُ أعْوانُهُ مَعَ الَّذِينَ يَصْرَعُونَهم، وقِيلَ: أُضِيفَ إلى الشَّيْطانِ عَلى زَعَماتِ العَرَبِ أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيَصْرَعُهُ، فَوَرَدَ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَمْسُوسٌ، وجُنَّ الرَّجُلُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَأيْتُهم لَهم في الجِنِّ قِصَصٌ وأخْبارٌ وعَجائِبُ، وإنْكارُ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَإنْكارِ المُشاهَداتِ، انْتَهى. وتَخَبَّطَ هُنا: تَفَعَّلَ، مُوافِقٌ لِلْمُجَرَّدِ، وهو خَبَطَ، وهو أحَدُ مَعانِي: تَفَعَّلَ، نَحْوَ: تَعَدّى الشَّيْءَ وعَدّاهُ إذا جاوَزَهُ، مِنَ المَسِّ، المَسُّ الجُنُونُ يُقالُ: مَسَّ فَهو مَمْسُوسٌ وبِهِ مَسٌّ، أنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ؎أُعَلِّلُ نَفْسِي بِما لا يَكُونُ ∗∗∗ كَذِي المَسِّ جُنَّ ولَمْ يَخْنُقِ وأصْلُهُ مِنَ المَسِّ بِاليَدِ، كَأنَّ الشَّيْطانَ يَمَسُّ الإنْسانَ فَيُجِنُّهُ، وسُمِّيَ الجُنُونُ مَسًّا كَما أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُهُ ويَطَأُهُ بِرِجْلِهِ فَيُخَيِّلُهُ، فَسُمِّيَ الجُنُونُ خَبْطَةٌ، فالتَّخَبُّطُ بِالرِّجْلِ والمَسُّ بِاليَدِ، ويَتَعَلَّقُ: مِنَ المَسِّ، بِقَوْلِهِ: (يَتَخَبَّطُهُ) وهو عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ورَفْعِ ما يَحْتَمِلُهُ يَتَخَبَّطُهُ مِنَ المَجازِ إذْ هو ظاهَرٌ في أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ المَسِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالتَّخَبُّطِ الإغْواءُ وتَزْيِينُ المَعاصِي، فَأزالَ قَوْلُهُ (مِنَ المَسِّ) هَذا الِاحْتِمالَ، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ (يَقُومُ) أيْ: كَما يَقُومُ مِن جُنُونِهِ المَصْرُوعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ (مِنَ المَسِّ) ؟ قُلْتُ: بِـ ﴿لا يَقُومُونَ﴾، أيْ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ إلّا كَما يَقُومُ المَصْرُوعُ، انْتَهى. وكانَ قَدْ قَدَّمَ في شَرْحِ المَسِّ أنَّهُ الجُنُونُ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ في تَعَلُّقِ (مِنَ المَسِّ) بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَقُومُونَ﴾ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ شَرَحَ المَسَّ بِالجُنُونِ، وكانَ قَدْ شَرَحَ أنَّ قِيامَهم لا يَكُونُ إلّا في الآخِرَةِ، وهُناكَ لَيْسَ بِهِمْ جُنُونٌ ولا مَسٌّ، ويَبْعُدُ أنْ يُكَنّى بِالمَسِّ الَّذِي هو الجُنُونُ عَنْ أكْلِ الرِّبا في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ مِن قُبُورِهِمْ مِن أجْلِ أكْلِ الرِّبا إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَكانَ التَّصْرِيحُ بِهِ أوْلى مِنَ الكِنايَةِ عَنْهُ بِلَفْظِ المَسِّ، إذِ التَّصْرِيحُ بِهِ أبْلَغُ في الزَّجْرِ والرَّدْعِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ، وهَذا لَيْسَ في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ، ولِذَلِكَ مَنَعُوا أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤] بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ [النحل: ٤٣] وأنَّ التَّقْدِيرَ: ما أرْسَلْنا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا. ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ذَلِكَ القِيامِ المَخْصُوصِ بِهِمْ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ مُبْتَدَأً، والمَجْرُورُ الخَبَرُ، أيْ: ذَلِكَ القِيامُ كائِنٌ بِسَبِ أنَّهم، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: قِيامُهم ذَلِكَ إلّا أنَّ في هَذا الوَجْهِ فَصْلًا بَيْنَ المَصْدَرِ ومُتَعَلِّقِهِ الَّذِي هو (بِأنَّهم) عَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ لِحَذْفِ المَصْدَرِ، فَلَمْ يَظْهَرْ قُبْحٌ بِالفَصْلِ بِالخَبَرِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَلِكَ العِقابُ بِسَبَبِ أنَّهم، والعِقابُ هو ذَلِكَ القِيامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أكْلِهِمُ الرِّبا، أيْ: ذَلِكَ الأكْلِ الَّذِي اسْتَحَلُّوهُ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّ البَيْعَ مِثْلُ الرِّبا، أيْ: مُسْتَنَدُهم في ذَلِكَ التَّسْوِيَةُ عِنْدَهم بَيْنَ الرِّبا والبَيْعِ، وشَبَّهُوا البَيْعَ وهو المُجْمَعُ عَلى جَوازِهِ بِالرِّبا وهو مُحَرَّمٌ، ولَمْ يَعْكِسُوا تَنْزِيلًا لِهَذا الَّذِي يَفْعَلُونَهُ مِنَ الرِّبا مَنزِلَةَ الأصْلِ المُماثِلِ لَهُ البَيْعُ، وهَذا مِن (p-٣٣٥)عَكْسِ التَّشْبِيهِ، وهو مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎ورَمْلٌ كَأوْراكِ العَذارى قَطَعْتُهُ وهُوَ كَثِيرٌ في أشْعارِ المُوَلِّدِيَنَ، كَما قالَ أبُو القاسِمِ بْنُ هانِئٍ: ؎كَأنَّ ضِياءَ الشَّمْسِ غُرَّةُ جَعْفَرٍ ∗∗∗ رَأى القِرْنَ فازْدادَتْ طَلاقَتُهُ ضِعْفًا وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا حَلَّ دَيْنُهُ عَلى غَرِيمِهِ طالَبَهُ، فَيَقُولُ: زِدْنِي في الأجَلِ وأزِيدُكَ في المالِ، فَيَفْعَلانِ ذَلِكَ ويَقُولانِ: سَواءٌ عَلَيْنا الزِّيادَةُ في أوَّلِ البَيْعِ بِالرِّبْحِ، أوْ عِنْدَ المَحَلِّ لِأجْلِ التَّأْخِيرِ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: كانَتْ ثَقِيفُ أكْثَرَ العَرَبِ رِبًا، فَلَمّا نُهُوا عَنْهُ قالُوا: إنَّما هو مِثْلُ البَيْعِ. ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ إذْ ساوَوْا بَيْنَهُما، والحُكْمُ في الأشْياءِ إنَّما هو إلى اللَّهِ تَعالى، لا يُعارَضُ في حُكْمِهِ ولا يُخالَفُ في أمْرِهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ القِياسَ في مُقابَلَةِ النَّصِّ لا يَصِحُّ، إذْ جَعَلَ تَعالى الدَّلِيلَ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ هو: أنَّ اللَّهَ أحَلَّ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قِياسُهم فاسِدٌ؛ لِأنَّ البَيْعَ عِوَضٌ ومُعَوَّضٌ لا غَبْنٌ فِيهِ، والرِّبا فِيهِ التَّغابُنُ وأكْلُ المالِ الباطِلُ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ لا مُقابِلَ لَها مِن جِنْسِها، بِخِلافِ البَيْعِ، فَإنَّ الثَّمَنَ مُقابَلٌ بِالمُثَمَّنِ. قالَ جَعْفَرُ الصّادِقُ: حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا لِيَتَقارَضَ النّاسُ، وقِيلَ: حَرَّمَ لِأنَّهُ مُتْلِفٌ لِلْأمْوالِ، مُهْلِكٌ لِلنّاسِ، وقالَ بَعْضُهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ مِن كَلامِهِمْ، فَكانُوا قَدْ عَرَفُوا تَحْرِيمَ اللَّهِ الرِّبا فَعارَضُوهُ بِآرائِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ كُفْرًا مِنهم، والظّاهِرُ: عُمُومُ البَيْعِ والرِّبا في كُلِّ بَيْعٍ، وفي كُلٍّ رِبًا، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ البُيُوعِ وإحْلالِ بَعْضِ الرِّبا، وقِيلَ: هُما مُجْمَلانِ، فَلا يُقْدَمُ عَلى تَحْلِيلِ بَيْعٍ ولا تَحْرِيمِ رِبًا إلّا بِبَيانٍ، وهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ العامِ والمُجْمَلِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، ومُجْمَلٌ دَخَلَهُ التَّفْسِيرُ، وتَقاسِيمُ البَيْعِ والرِّبا وتَفاصِيلُهُما مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ كَما قالُوا في الكُفّارِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ لِأنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ بِالرِّبا لَيْسَ لَهُ ما سَلَفَ، بَلْ يَنْقُضُ ويَرُدُّ فِعْلُهُ، وإنْ كانَ جاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، لَكِنَّهُ يَأْخُذُ بِطَرَفٍ مِن وعِيدِ هَذِهِ الآيَةِ. ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ حَذْفُ تاءِ التَّأْنِيثِ مِن: جاءَتْهُ، لِلْفَصْلِ، ولِأنَّ تَأْنِيثَ المَوْعِظَةِ مَجازِيٌّ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والحَسَنُ (فَمَن جاءَتْهُ) بِالتّاءِ عَلى الأصْلِ، وتَلَتْ عائِشَةُ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ سَألَتْها العالِيَةُ بِنْتُ أبْقَعَ - زَوْجُ أبِي إسْحاقَ السَّبِيعِيِّ - عَنْ شِرائِها جارِيَةً بِسِتِّمائَةِ دِرْهَمٍ نَقْدًا مِن زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، وكانَتْ قَدْ باعَتْهُ إيّاها بِثَمانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلى عَطائِهِ، فَقالَتْ عائِشَةُ: بِئْسَما شَرَيْتِ وما اشْتَرَيْتِ، فَأبْلِغِي زَيْدًا أنَّهُ أبْطَلَ جِهادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا أنْ يَتُوبَ، فَقالَتِ العالِيَةُ: أرَأيْتِ إنْ لَمْ آخُذْ مِنهُ إلّا رَأْسَ مالِي ؟ فَتَلَتِ الآيَةَ عائِشَةُ. والمَوْعِظَةُ: التَّحْرِيمُ، أوِ الوَعِيدُ، أوِ القُرْآنُ، أقْوالٌ، ويَتَعَلَّقُ (مِن رَبِّهِ) بِـ (جاءَتْهُ) أوْ بِمَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ صِفَةً لِمَوْعِظَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرِ فِيهِ تَعْظِيمُ المَوْعِظَةِ إذْ جاءَتْهُ مِن رَبِّهِ، النّاظِرُ لَهُ في مَصالِحِهِ، وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تَأْنِيسٌ لِقَبُولِ المَوْعِظَةِ، إذِ الرَّبُّ فِيهِ إشْعارٌ بِإصْلاحِ عَبْدِهِ، فانْتَهى تَبَعَ النَّهْيِ، ورَجَعَ عَنِ المُعامَلَةِ بِالرِّبا، أوْ عَنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ مِنَ الِاكْتِسابِ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ: ما تَقَدَّمَ لَهُ أخْذُهُ مِنَ الرِّبا لِاتِّباعِهِ عَلَيْهِ مِنهُ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وهَذا حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ لِمَن أسْلَمَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ، ومَن كانَ يَتَّجِرُ هُنالِكَ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالكُفّارِ، ومَن قالَ: إنَّها عامَّةٌ فَمَعْناهُ: فَلَهُ ما سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (أمْرُهُ) عائِدٌ عَلى المُنْتَهِي، إذْ سِياقُ الكَلامِ مَعَهُ، وهو بِمَعْنى التَّأْنِيسِ لَهُ وبَسْطِ أمَلِهِ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ: أمْرُهُ إلى طاعَةٍ وخَيْرٍ، ومَوْضِعِ رَجاءٍ، والأمْرُ هُنا لَيْسَ في الرِّبا خاصَّةً، بَلْ وجُمْلَةُ أمُورِهِ، وقِيلَ: في الجَزاءِ والمُحاسَبَةِ. وقِيلَ: في العَفْوِ والعُقُوبَةِ. وقِيلَ: أمْرُهُ إلى اللَّهِ يَحْكُمُ في شَأْنِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، لا إلى (p-٣٣٦)الَّذِينَ عامَلَهم، فَلا يُطالِبُونَهُ بِشَيْءٍ. وقِيلَ: المَعْنى فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ لِقَبُولِهِ المَوْعِظَةَ، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى (ما سَلَفَ) أيْ: في العَفْوِ عَنْهُ، وإسْقاطُ التَّبَعَةِ فِيهِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ذِي الرِّبا، أيْ: في أنْ يُثَبِّتَهُ عَلى الِانْتِهاءِ، أوْ يُعِيدَهُ إلى المَعْصِيَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الرِّبا أيْ: في إمْرارِ تَحْرِيمِهِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: في عَفْوِ اللَّهِ مَن شاءَ مِنهُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. (ومَن عادَ) إلى فِعْلِ الرِّبا، والقَوْلِ بِأنَّ البَيْعَ مِثْلُ الرِّبا، قالَ سُفْيانُ: ومَن عادَ إلى فِعْلِ الرِّبا حَتّى يَمُوتَ فَلَهُ الخُلُودُ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِمَن، وحَمْلُ (فِيها) عَلى المَعْنى بَعْدَ الحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، فَإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فالخُلُودُ خُلُودُ تَأْبِيدٍ، أوْ في مُسْلِمٍ عاصٍ فَخُلُودُهُ دَوامُ مُكْثِهِ لا التَّأْبِيدُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى تَخْلِيدِ الفُسّاقِ، انْتَهى، وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في: أنَّ الفاسِقَ يُخَلَّدُ في النّارِ أبَدًا ولا يَخْرُجُ مِنها، ووَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصَحَّ «أنَّ أكْلَ الرِّبا مِنَ السَّبْعِ المُوبِقاتِ»، ورُوِيَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أبِيهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ آكِلَ الرِّبا ومُوكِّلَهُ»، وسَألَ مالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَجُلٌ رَأى سَكْرانَ يَتَقافَزُ، يُرِيدُ أنْ يَأْخُذَ القَمَرَ، فَقالَ: امْرَأتُهُ طالِقٌ إنْ كانَ يَدْخُلُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ شَرٌّ مِنَ الخَمْرِ، أتُطَلَّقُ امْرَأتُهُ ؟ فَقالَ لَهُ مالِكٌ، بَعْدَ أنْ رَدَّهُ مَرَّتَيْنِ: امْرَأتُكَ طالِقٌ، تَصَفَّحْتُ كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ نَبِيِّهِ فَلَمْ أرَ شَيْئًا أشَرَّ مِنَ الرِّبا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ آذَنَ فِيهِ بِالحَرْبِ. (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا) أيْ: يَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ ويَذْهَبُ المالُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ الرِّبا وإنْ كَثُرَ، فَعاقِبَتُهُ إلى قَلٍّ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنعَبّاسٍ أنَّ مِحاقَهُ إبْطالُ ما يَكُونُ مِنهُ مِن صَدَقَةٍ وصِلَةِ رَحِمٍ وجِهادٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ قِيلَ: الإرْباءُ حَقِيقَةٌ وهو أنَّهُ يَزِيدُها ويُنَمِّيها في الدُّنْيا بِالبَرَكَةِ، وكَثْرَةِ الأرْباحِ في المالِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ الصَّدَقَةُ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ مَعْنَوِيَّةٌ، وهي تَضاعُفُ الحَسَناتِ والأُجُورِ الحاصِلَةِ بِالصَّدَقَةِ، كَما جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (يُمَحِّقُ ويُرَبِّي) مِن: مَحَقَ ورَبّى مُشَدَّدًا. وفي ذِكْرِ المَحْقِ والإرْباءِ بَدِيعُ الطِّباقِ، وفي ذِكْرِ الرِّبا ويُرَبّى بَدِيعُ التَّجْنِيسِ المُغايِرِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ فِيهِ تَغْلِيظُ أمْرِ الرِّبا وإيذانٌ أنَّهُ مِن فِعْلِ الكُفّارِ لا مِن فِعْلِ أهْلِ الإسْلامِ، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في الكافِرِ والآثِمِ، وإنْ كانَ تَعالى لا يُحِبُّ الكافِرَ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ أمْرِ الرِّبا ومُخالَفَةِ اللَّهِ، وقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وأنَّهُ لا يَقُولُ ذَلِكَ، ويُسَوِّي بَيْنَ البَيْعِ والرِّبا لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى أكْلِ الرِّبا إلّا مُبالِغٌ في الكُفْرِ، مَبالِغٌ في الإثْمِ، وذَكَرَ الأثِيمَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ والتَّوْكِيدِ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: ذَكَرَ الأثِيمَ لِيَزُولَ الِاشْتِراكُ الَّذِي في (كَفّارٍ) إذْ يَقَعُ عَلى الزّارِعِ الَّذِي يَسْتُرُ الأرْضَ، انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، إطْلاقُ القُرْآنِ: الكافِرَ (والكافِرُونَ)، والكَفّارَ، إنَّما هو عَلى مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، وأمّا إطْلاقُهُ عَلى الزّارِعِ فَبِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] . وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: ومَعْنى الآيَةِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ مُحْسِنًا صالِحًا، بَلْ يُرِيدُهُ مُسِيئًا فاجِرًا، ويَحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واللَّهُ لا يُحِبُّ تَوْفِيقَ الكُفّارِ الأثِيمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ تَأْوِيلاتٌ مُسْتَكْرَهَةٌ: أمّا الأوَّلُ فَأفْرَطَ في تَعْدِيَةِ الفِعْلِ، وحَمَّلَهُ مِنَ المَعْنى ما لا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، وأمّا الثّانِي فَغَيْرُ صَحِيحِ المَعْنى، بَلِ اللَّهُ تَعالى يُحِبُّ التَّوْفِيقَ عَلى العُمُومِ ويُحَبِّبُهُ، والمُحِبُّ في الشّاهِدِ يَكُونُ مِنهُ مَيْلٌ إلى المَحْبُوبِ، ولُطْفٌ بِهِ، وحِرْصٌ عَلى حِفْظِهِ وتَظْهَرُ دَلائِلُ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى يُرِيدُ وُجُودَ ظُهُورِ الكافِرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، ولَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ مَزِيَّةُ الحُبِّ بِأفْعالٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِ، نَحْوَ ما ذَكَرْناهُ في الشّاهِدِ، وتِلْكَ المَزِيَّةُ مَوْجُودَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، انْتَهى كَلامُهُ. والحُبُّ حَقِيقَةٌ، وهو المَيْلُ الطَّبِيعِيُّ، مُنْتَفٍ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وابْنُ فُورَكٍ جَعَلَهُ بِمَعْنى (p-٣٣٧)الإرادَةِ، فَيَكُونُ صِفَةَ ذاتٍ، وابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَهُ بِمَعْنى اللُّطْفِ وإظْهارِ الدَّلائِلِ، فَيَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ.

البقرة 2:276

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ (p-٣٣٣)الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ ما قَبْلَها وارِدٌ في تَفْضِيلِ الإنْفاقِ والصَّدَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ مِن طِيبِ ما كَسَبَ، ولا يَكُونُ مِنَ الخَبِيثِ، فَذُكِرَ نَوْعٌ غالِبٌ عَلَيْهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، وهو خَبِيثٌ، وهو: الرِّبا، حَتّى يَمْتَنِعَ مِنَ الصَّدَقَةِ بِما كانَ مِن رِبًا، وأيْضًا فَتَظْهَرُ مُناسَبَةٌ أُخْرى، وذَلِكَ أنَّ الصَّدَقاتِ فِيها نُقْصانُ مالٍ، والرِّبا فِيهِ زِيادَةُ مالٍ، فاسْتَطْرَدَ مِنَ المَأْمُورِ بِهِ إلى ذِكْرِ المَنهِيِّ عَنْهُ لِما بَيْنَهُما مِن مُناسَبَةِ ذِكْرِ التَّضادِّ، وأبْدى لِأكْلِ الرِّبا صُورَةً تَسْتَبْشِعُها العَرَبُ عَلى عادَتِها في ذِكْرِ ما اسْتَغْرَبَتْهُ واسْتَوْحَشَتْ مِنهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] وقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ وقَوْلِ الآخَرِ: ؎خَيْلًا كَأمْثالِ السَّعالِي شُرَّبًا وقَوْلِ الآخَرِ: ؎بَخِيلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ والأكْلُ هُنا قِيلَ عَلى ظاهِرِهِ مِن خُصُوصِ الأكْلِ، وأنَّ الخَبَرَ عَنْهم مُخْتَصٌّ بِالآكِلِ الرِّبى، وقِيلَ: عَبَّرَ عَنْ مُعامَلَةِ الرِّبا وأخْذِهِ بِالأكْلِ؛ لِأنَّ الأكْلَ غالِبُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ فِيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا﴾ [النساء: ١٦١] وقِيلَ: الرِّبا هُنا كِنايَةٌ عَنِ الحَرامِ، لا يَخُصُّ الرِّبا الَّذِي في الجاهِلِيَّةِ، ولا الرِّبا الشَّرْعِيِّ، وقَرَأ العَدَوِيُّ (الرَّبْوُ) بِالواوِ، وقِيلَ: وهي لُغَةُ الحِيرَةِ، ولِذَلِكَ كَتَبَها أهْلُ الحِجازِ بِالواوِ؛ لِأنَّهم تَعَلَّمُوا الخَطَّ مِن أهْلِ الحِيرَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ عَلى لُغَةِ مَن وقَفَ عَلى أفْعى بِالواوِ، فَقالَ: هَذِهِ أفْعُو، فَأجْرى هَذا القارِئُ الوَصْلَ إجْراءَ الوَقْفِ. وحَكى أبُو زَيْدٍ: أنَّ بَعْضَهم قَرَأ بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّ الباءِ وواوٍ ساكِنَةٍ، وهي قِراءَةٌ بَعِيدَةٌ؛ لِأنْ لا يُوجَدَ في لِسانِ العَرَبِ اسْمٌ آخِرُهُ واوٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ، بَلْ مَتى أدّى التَّصْرِيفُ إلى ذَلِكَ قُلِبَتْ تِلْكَ الواوُ ياءً وتِلْكَ الضَّمَّةُ كَسْرَةً، وقَدْ أُوِّلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّها عَلى لُغَةِ مَن قالَ: في أفْعى: أفْعُو، في الوَقْفِ. وأنَّ القارِئَ إمّا أنَّهُ لَمْ يَضْبُطْ حَرَكَةَ الباءِ، أوْ سَمّى قُرْبَها مِنَ الضَّمَّةِ ضَمًّا. و﴿لا يَقُومُونَ﴾ خَبَرٌ عَنْ (الَّذِينَ) ووَقَعَ في بَعْضِ التَّصانِيفِ أنَّها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا؛ إذْ يُتَكَلَّفُ إضْمارُ خَبَرٍ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وظاهِرُ هَذا الإخْبارِ أنَّهُ عَنِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، وقِيلَ: هو إخْبارٌ ووَعِيدٌ عَنِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا مُسْتَحِلِّينَ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ومَنِ اخْتارَ حَرْبَ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهو كافِرٌ، وهَذا القِيامُ الَّذِي في الآيَةِ قِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجُبَيْرٌ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ لا يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ في البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا كالمَجانِينِ، عُقُوبَةً لَهم وتَمْقِيتًا عِنْدَ جَمْعِ المَحْشَرِ، ويَكُونُ ذَلِكَ سِيَمًا لَهم يُعْرَفُونَ بِها، ويُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ) وقالَ بَعْضُهم: يُجْعَلُ مَعَهُ شَيْطانٌ يَخْنُقُهُ كَأنَّهُ يَخْبِطُ في المُعامَلاتِ في الدُّنْيا، فَجُوزِيَ في الآخِرَةِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، وقَدْ أُثِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى أكْلَةَ الرِّبا، كُلُّ رَجُلٍ مِنهم بَطْنُهُ مِثْلُ البَيْتِ الضَّخْمِ، وذَكَرَ حالَهم أنَّهم إذا قامُوا تَمِيلُ بِهِمْ بُطُونُهم فَيُصْرَعُونَ، وفي طَرِيقٍ أنَّهُ رَأى بُطُونَهم كالبُيُوتِ فِيها الحَيّاتُ تُرى مِن خارِجِ بُطُونِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا ألْفاظُ الآيَةِ فَيُحْتَمَلُ تَشْبِيهُ حالِ القائِمِ بِحِرْصٍ وجَشَعٍ إلى تِجارَةِ الرِّبا بِقِيامِ المَجْنُونِ؛ لِأنَّ الطَّمَعَ والرَّغْبَةَ يَسْتَفِزُّهُ حَتّى تَضْطَرِبَ أعْضاؤُهُ، كَما يَقُومُ المُسْرِعُ في مَشْيِهِ يَخْلِطُ في هَيْئَةِ حَرَكاتِهِ، إمّا مِن فَزَعٍ أوْ غَيْرِهِ قَدْ جُنَّ، هَذا وقَدْ شَبَّهَ الأعْشى ناقَتَهُ في نَشاطِها بِالجُنُونِ في قَوْلِهِ: ؎وتُصْبِحُ عَنْ غَبِّ السُّرى وكَأنَّها ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ لَكِنْ ما جاءَتْ بِهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وتَظاهَرَتْ بِهِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ يُضَعِّفُ هَذا التَّأْوِيلَ، انْتَهى كَلامُهُ. (p-٣٣٤)وهُوَ حَسَنٌ إلّا كَما يَقُومُ الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ عَلى الخِلافِ المُتَقَدِّمِ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ، وتَقَدَّمَ في مَواضِعَ. و(ما) الظّاهِرُ أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: كَقِيامِ الَّذِي، وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إلّا كَما يَقُومُهُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ، قِيلَ: مَعْناهُ كالسَّكْرانِ الَّذِي يَسْتَجِرْهُ الشَّيْطانُ فَيَقَعُ ظَهْرَ البَطْنِ، ونَسَبَهُ إلى الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ في سُكْرِهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الشَّيْطانَ يَتَخَبَّطُ الإنْسانَ، فَقِيلَ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ هو مِن فِعْلِ الشَّيْطانِ بِتَمْكِينِ اللَّهِ تَعالى لَهُ مِن ذَلِكَ في بَعْضِ النّاسِ، ولَيْسَ في العَقْلِ ما يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: ذَلِكَ مِن فِعْلِ اللَّهِ لِما يُحْدِثُهُ فِيهِ مِن غَلَبَةِ السُّوءِ أوِ انْحِرافِ الكَيْفِيّاتِ واحْتِدادِها فَتَصْرَعُهُ، فَنُسِبَ إلى الشَّيْطانِ مَجازًا تَشْبِيهًا بِما يَفْعَلُهُ أعْوانُهُ مَعَ الَّذِينَ يَصْرَعُونَهم، وقِيلَ: أُضِيفَ إلى الشَّيْطانِ عَلى زَعَماتِ العَرَبِ أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيَصْرَعُهُ، فَوَرَدَ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَمْسُوسٌ، وجُنَّ الرَّجُلُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَأيْتُهم لَهم في الجِنِّ قِصَصٌ وأخْبارٌ وعَجائِبُ، وإنْكارُ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَإنْكارِ المُشاهَداتِ، انْتَهى. وتَخَبَّطَ هُنا: تَفَعَّلَ، مُوافِقٌ لِلْمُجَرَّدِ، وهو خَبَطَ، وهو أحَدُ مَعانِي: تَفَعَّلَ، نَحْوَ: تَعَدّى الشَّيْءَ وعَدّاهُ إذا جاوَزَهُ، مِنَ المَسِّ، المَسُّ الجُنُونُ يُقالُ: مَسَّ فَهو مَمْسُوسٌ وبِهِ مَسٌّ، أنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ؎أُعَلِّلُ نَفْسِي بِما لا يَكُونُ ∗∗∗ كَذِي المَسِّ جُنَّ ولَمْ يَخْنُقِ وأصْلُهُ مِنَ المَسِّ بِاليَدِ، كَأنَّ الشَّيْطانَ يَمَسُّ الإنْسانَ فَيُجِنُّهُ، وسُمِّيَ الجُنُونُ مَسًّا كَما أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُهُ ويَطَأُهُ بِرِجْلِهِ فَيُخَيِّلُهُ، فَسُمِّيَ الجُنُونُ خَبْطَةٌ، فالتَّخَبُّطُ بِالرِّجْلِ والمَسُّ بِاليَدِ، ويَتَعَلَّقُ: مِنَ المَسِّ، بِقَوْلِهِ: (يَتَخَبَّطُهُ) وهو عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، ورَفْعِ ما يَحْتَمِلُهُ يَتَخَبَّطُهُ مِنَ المَجازِ إذْ هو ظاهَرٌ في أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ المَسِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالتَّخَبُّطِ الإغْواءُ وتَزْيِينُ المَعاصِي، فَأزالَ قَوْلُهُ (مِنَ المَسِّ) هَذا الِاحْتِمالَ، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِـ (يَقُومُ) أيْ: كَما يَقُومُ مِن جُنُونِهِ المَصْرُوعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ (مِنَ المَسِّ) ؟ قُلْتُ: بِـ ﴿لا يَقُومُونَ﴾، أيْ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ إلّا كَما يَقُومُ المَصْرُوعُ، انْتَهى. وكانَ قَدْ قَدَّمَ في شَرْحِ المَسِّ أنَّهُ الجُنُونُ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ في تَعَلُّقِ (مِنَ المَسِّ) بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَقُومُونَ﴾ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ شَرَحَ المَسَّ بِالجُنُونِ، وكانَ قَدْ شَرَحَ أنَّ قِيامَهم لا يَكُونُ إلّا في الآخِرَةِ، وهُناكَ لَيْسَ بِهِمْ جُنُونٌ ولا مَسٌّ، ويَبْعُدُ أنْ يُكَنّى بِالمَسِّ الَّذِي هو الجُنُونُ عَنْ أكْلِ الرِّبا في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ مِن قُبُورِهِمْ مِن أجْلِ أكْلِ الرِّبا إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَكانَ التَّصْرِيحُ بِهِ أوْلى مِنَ الكِنايَةِ عَنْهُ بِلَفْظِ المَسِّ، إذِ التَّصْرِيحُ بِهِ أبْلَغُ في الزَّجْرِ والرَّدْعِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ، وهَذا لَيْسَ في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ، ولِذَلِكَ مَنَعُوا أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤] بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ [النحل: ٤٣] وأنَّ التَّقْدِيرَ: ما أرْسَلْنا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ إلّا رِجالًا. ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ذَلِكَ القِيامِ المَخْصُوصِ بِهِمْ في الآخِرَةِ، ويَكُونُ مُبْتَدَأً، والمَجْرُورُ الخَبَرُ، أيْ: ذَلِكَ القِيامُ كائِنٌ بِسَبِ أنَّهم، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفِ تَقْدِيرُهُ: قِيامُهم ذَلِكَ إلّا أنَّ في هَذا الوَجْهِ فَصْلًا بَيْنَ المَصْدَرِ ومُتَعَلِّقِهِ الَّذِي هو (بِأنَّهم) عَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ جَوازُ ذَلِكَ لِحَذْفِ المَصْدَرِ، فَلَمْ يَظْهَرْ قُبْحٌ بِالفَصْلِ بِالخَبَرِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَلِكَ العِقابُ بِسَبَبِ أنَّهم، والعِقابُ هو ذَلِكَ القِيامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أكْلِهِمُ الرِّبا، أيْ: ذَلِكَ الأكْلِ الَّذِي اسْتَحَلُّوهُ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّ البَيْعَ مِثْلُ الرِّبا، أيْ: مُسْتَنَدُهم في ذَلِكَ التَّسْوِيَةُ عِنْدَهم بَيْنَ الرِّبا والبَيْعِ، وشَبَّهُوا البَيْعَ وهو المُجْمَعُ عَلى جَوازِهِ بِالرِّبا وهو مُحَرَّمٌ، ولَمْ يَعْكِسُوا تَنْزِيلًا لِهَذا الَّذِي يَفْعَلُونَهُ مِنَ الرِّبا مَنزِلَةَ الأصْلِ المُماثِلِ لَهُ البَيْعُ، وهَذا مِن (p-٣٣٥)عَكْسِ التَّشْبِيهِ، وهو مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎ورَمْلٌ كَأوْراكِ العَذارى قَطَعْتُهُ وهُوَ كَثِيرٌ في أشْعارِ المُوَلِّدِيَنَ، كَما قالَ أبُو القاسِمِ بْنُ هانِئٍ: ؎كَأنَّ ضِياءَ الشَّمْسِ غُرَّةُ جَعْفَرٍ ∗∗∗ رَأى القِرْنَ فازْدادَتْ طَلاقَتُهُ ضِعْفًا وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا حَلَّ دَيْنُهُ عَلى غَرِيمِهِ طالَبَهُ، فَيَقُولُ: زِدْنِي في الأجَلِ وأزِيدُكَ في المالِ، فَيَفْعَلانِ ذَلِكَ ويَقُولانِ: سَواءٌ عَلَيْنا الزِّيادَةُ في أوَّلِ البَيْعِ بِالرِّبْحِ، أوْ عِنْدَ المَحَلِّ لِأجْلِ التَّأْخِيرِ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: كانَتْ ثَقِيفُ أكْثَرَ العَرَبِ رِبًا، فَلَمّا نُهُوا عَنْهُ قالُوا: إنَّما هو مِثْلُ البَيْعِ. ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِهِمْ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ إذْ ساوَوْا بَيْنَهُما، والحُكْمُ في الأشْياءِ إنَّما هو إلى اللَّهِ تَعالى، لا يُعارَضُ في حُكْمِهِ ولا يُخالَفُ في أمْرِهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ القِياسَ في مُقابَلَةِ النَّصِّ لا يَصِحُّ، إذْ جَعَلَ تَعالى الدَّلِيلَ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ هو: أنَّ اللَّهَ أحَلَّ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قِياسُهم فاسِدٌ؛ لِأنَّ البَيْعَ عِوَضٌ ومُعَوَّضٌ لا غَبْنٌ فِيهِ، والرِّبا فِيهِ التَّغابُنُ وأكْلُ المالِ الباطِلُ؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ لا مُقابِلَ لَها مِن جِنْسِها، بِخِلافِ البَيْعِ، فَإنَّ الثَّمَنَ مُقابَلٌ بِالمُثَمَّنِ. قالَ جَعْفَرُ الصّادِقُ: حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا لِيَتَقارَضَ النّاسُ، وقِيلَ: حَرَّمَ لِأنَّهُ مُتْلِفٌ لِلْأمْوالِ، مُهْلِكٌ لِلنّاسِ، وقالَ بَعْضُهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ مِن كَلامِهِمْ، فَكانُوا قَدْ عَرَفُوا تَحْرِيمَ اللَّهِ الرِّبا فَعارَضُوهُ بِآرائِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ كُفْرًا مِنهم، والظّاهِرُ: عُمُومُ البَيْعِ والرِّبا في كُلِّ بَيْعٍ، وفي كُلٍّ رِبًا، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ البُيُوعِ وإحْلالِ بَعْضِ الرِّبا، وقِيلَ: هُما مُجْمَلانِ، فَلا يُقْدَمُ عَلى تَحْلِيلِ بَيْعٍ ولا تَحْرِيمِ رِبًا إلّا بِبَيانٍ، وهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ العامِ والمُجْمَلِ، وقِيلَ: هو عُمُومٌ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، ومُجْمَلٌ دَخَلَهُ التَّفْسِيرُ، وتَقاسِيمُ البَيْعِ والرِّبا وتَفاصِيلُهُما مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ كَما قالُوا في الكُفّارِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ لِأنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ بِالرِّبا لَيْسَ لَهُ ما سَلَفَ، بَلْ يَنْقُضُ ويَرُدُّ فِعْلُهُ، وإنْ كانَ جاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، لَكِنَّهُ يَأْخُذُ بِطَرَفٍ مِن وعِيدِ هَذِهِ الآيَةِ. ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ حَذْفُ تاءِ التَّأْنِيثِ مِن: جاءَتْهُ، لِلْفَصْلِ، ولِأنَّ تَأْنِيثَ المَوْعِظَةِ مَجازِيٌّ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والحَسَنُ (فَمَن جاءَتْهُ) بِالتّاءِ عَلى الأصْلِ، وتَلَتْ عائِشَةُ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ سَألَتْها العالِيَةُ بِنْتُ أبْقَعَ - زَوْجُ أبِي إسْحاقَ السَّبِيعِيِّ - عَنْ شِرائِها جارِيَةً بِسِتِّمائَةِ دِرْهَمٍ نَقْدًا مِن زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، وكانَتْ قَدْ باعَتْهُ إيّاها بِثَمانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلى عَطائِهِ، فَقالَتْ عائِشَةُ: بِئْسَما شَرَيْتِ وما اشْتَرَيْتِ، فَأبْلِغِي زَيْدًا أنَّهُ أبْطَلَ جِهادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا أنْ يَتُوبَ، فَقالَتِ العالِيَةُ: أرَأيْتِ إنْ لَمْ آخُذْ مِنهُ إلّا رَأْسَ مالِي ؟ فَتَلَتِ الآيَةَ عائِشَةُ. والمَوْعِظَةُ: التَّحْرِيمُ، أوِ الوَعِيدُ، أوِ القُرْآنُ، أقْوالٌ، ويَتَعَلَّقُ (مِن رَبِّهِ) بِـ (جاءَتْهُ) أوْ بِمَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ صِفَةً لِمَوْعِظَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرِ فِيهِ تَعْظِيمُ المَوْعِظَةِ إذْ جاءَتْهُ مِن رَبِّهِ، النّاظِرُ لَهُ في مَصالِحِهِ، وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تَأْنِيسٌ لِقَبُولِ المَوْعِظَةِ، إذِ الرَّبُّ فِيهِ إشْعارٌ بِإصْلاحِ عَبْدِهِ، فانْتَهى تَبَعَ النَّهْيِ، ورَجَعَ عَنِ المُعامَلَةِ بِالرِّبا، أوْ عَنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ مِنَ الِاكْتِسابِ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ: ما تَقَدَّمَ لَهُ أخْذُهُ مِنَ الرِّبا لِاتِّباعِهِ عَلَيْهِ مِنهُ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وهَذا حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ لِمَن أسْلَمَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ، ومَن كانَ يَتَّجِرُ هُنالِكَ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالكُفّارِ، ومَن قالَ: إنَّها عامَّةٌ فَمَعْناهُ: فَلَهُ ما سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (أمْرُهُ) عائِدٌ عَلى المُنْتَهِي، إذْ سِياقُ الكَلامِ مَعَهُ، وهو بِمَعْنى التَّأْنِيسِ لَهُ وبَسْطِ أمَلِهِ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ: أمْرُهُ إلى طاعَةٍ وخَيْرٍ، ومَوْضِعِ رَجاءٍ، والأمْرُ هُنا لَيْسَ في الرِّبا خاصَّةً، بَلْ وجُمْلَةُ أمُورِهِ، وقِيلَ: في الجَزاءِ والمُحاسَبَةِ. وقِيلَ: في العَفْوِ والعُقُوبَةِ. وقِيلَ: أمْرُهُ إلى اللَّهِ يَحْكُمُ في شَأْنِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، لا إلى (p-٣٣٦)الَّذِينَ عامَلَهم، فَلا يُطالِبُونَهُ بِشَيْءٍ. وقِيلَ: المَعْنى فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ لِقَبُولِهِ المَوْعِظَةَ، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى (ما سَلَفَ) أيْ: في العَفْوِ عَنْهُ، وإسْقاطُ التَّبَعَةِ فِيهِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ذِي الرِّبا، أيْ: في أنْ يُثَبِّتَهُ عَلى الِانْتِهاءِ، أوْ يُعِيدَهُ إلى المَعْصِيَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الرِّبا أيْ: في إمْرارِ تَحْرِيمِهِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: في عَفْوِ اللَّهِ مَن شاءَ مِنهُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. (ومَن عادَ) إلى فِعْلِ الرِّبا، والقَوْلِ بِأنَّ البَيْعَ مِثْلُ الرِّبا، قالَ سُفْيانُ: ومَن عادَ إلى فِعْلِ الرِّبا حَتّى يَمُوتَ فَلَهُ الخُلُودُ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِمَن، وحَمْلُ (فِيها) عَلى المَعْنى بَعْدَ الحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، فَإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فالخُلُودُ خُلُودُ تَأْبِيدٍ، أوْ في مُسْلِمٍ عاصٍ فَخُلُودُهُ دَوامُ مُكْثِهِ لا التَّأْبِيدُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى تَخْلِيدِ الفُسّاقِ، انْتَهى، وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في: أنَّ الفاسِقَ يُخَلَّدُ في النّارِ أبَدًا ولا يَخْرُجُ مِنها، ووَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصَحَّ «أنَّ أكْلَ الرِّبا مِنَ السَّبْعِ المُوبِقاتِ»، ورُوِيَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أبِيهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ آكِلَ الرِّبا ومُوكِّلَهُ»، وسَألَ مالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَجُلٌ رَأى سَكْرانَ يَتَقافَزُ، يُرِيدُ أنْ يَأْخُذَ القَمَرَ، فَقالَ: امْرَأتُهُ طالِقٌ إنْ كانَ يَدْخُلُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ شَرٌّ مِنَ الخَمْرِ، أتُطَلَّقُ امْرَأتُهُ ؟ فَقالَ لَهُ مالِكٌ، بَعْدَ أنْ رَدَّهُ مَرَّتَيْنِ: امْرَأتُكَ طالِقٌ، تَصَفَّحْتُ كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ نَبِيِّهِ فَلَمْ أرَ شَيْئًا أشَرَّ مِنَ الرِّبا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ آذَنَ فِيهِ بِالحَرْبِ. (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا) أيْ: يَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ ويَذْهَبُ المالُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ الرِّبا وإنْ كَثُرَ، فَعاقِبَتُهُ إلى قَلٍّ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنعَبّاسٍ أنَّ مِحاقَهُ إبْطالُ ما يَكُونُ مِنهُ مِن صَدَقَةٍ وصِلَةِ رَحِمٍ وجِهادٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ قِيلَ: الإرْباءُ حَقِيقَةٌ وهو أنَّهُ يَزِيدُها ويُنَمِّيها في الدُّنْيا بِالبَرَكَةِ، وكَثْرَةِ الأرْباحِ في المالِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ الصَّدَقَةُ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ مَعْنَوِيَّةٌ، وهي تَضاعُفُ الحَسَناتِ والأُجُورِ الحاصِلَةِ بِالصَّدَقَةِ، كَما جاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (يُمَحِّقُ ويُرَبِّي) مِن: مَحَقَ ورَبّى مُشَدَّدًا. وفي ذِكْرِ المَحْقِ والإرْباءِ بَدِيعُ الطِّباقِ، وفي ذِكْرِ الرِّبا ويُرَبّى بَدِيعُ التَّجْنِيسِ المُغايِرِ. ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ فِيهِ تَغْلِيظُ أمْرِ الرِّبا وإيذانٌ أنَّهُ مِن فِعْلِ الكُفّارِ لا مِن فِعْلِ أهْلِ الإسْلامِ، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في الكافِرِ والآثِمِ، وإنْ كانَ تَعالى لا يُحِبُّ الكافِرَ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ أمْرِ الرِّبا ومُخالَفَةِ اللَّهِ، وقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وأنَّهُ لا يَقُولُ ذَلِكَ، ويُسَوِّي بَيْنَ البَيْعِ والرِّبا لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى أكْلِ الرِّبا إلّا مُبالِغٌ في الكُفْرِ، مَبالِغٌ في الإثْمِ، وذَكَرَ الأثِيمَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ والتَّوْكِيدِ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: ذَكَرَ الأثِيمَ لِيَزُولَ الِاشْتِراكُ الَّذِي في (كَفّارٍ) إذْ يَقَعُ عَلى الزّارِعِ الَّذِي يَسْتُرُ الأرْضَ، انْتَهى، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، إطْلاقُ القُرْآنِ: الكافِرَ (والكافِرُونَ)، والكَفّارَ، إنَّما هو عَلى مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، وأمّا إطْلاقُهُ عَلى الزّارِعِ فَبِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] . وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: ومَعْنى الآيَةِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ مُحْسِنًا صالِحًا، بَلْ يُرِيدُهُ مُسِيئًا فاجِرًا، ويَحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واللَّهُ لا يُحِبُّ تَوْفِيقَ الكُفّارِ الأثِيمِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ تَأْوِيلاتٌ مُسْتَكْرَهَةٌ: أمّا الأوَّلُ فَأفْرَطَ في تَعْدِيَةِ الفِعْلِ، وحَمَّلَهُ مِنَ المَعْنى ما لا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، وأمّا الثّانِي فَغَيْرُ صَحِيحِ المَعْنى، بَلِ اللَّهُ تَعالى يُحِبُّ التَّوْفِيقَ عَلى العُمُومِ ويُحَبِّبُهُ، والمُحِبُّ في الشّاهِدِ يَكُونُ مِنهُ مَيْلٌ إلى المَحْبُوبِ، ولُطْفٌ بِهِ، وحِرْصٌ عَلى حِفْظِهِ وتَظْهَرُ دَلائِلُ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى يُرِيدُ وُجُودَ ظُهُورِ الكافِرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، ولَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ مَزِيَّةُ الحُبِّ بِأفْعالٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِ، نَحْوَ ما ذَكَرْناهُ في الشّاهِدِ، وتِلْكَ المَزِيَّةُ مَوْجُودَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، انْتَهى كَلامُهُ. والحُبُّ حَقِيقَةٌ، وهو المَيْلُ الطَّبِيعِيُّ، مُنْتَفٍ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وابْنُ فُورَكٍ جَعَلَهُ بِمَعْنى (p-٣٣٧)الإرادَةِ، فَيَكُونُ صِفَةَ ذاتٍ، وابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَهُ بِمَعْنى اللُّطْفِ وإظْهارِ الدَّلائِلِ، فَيَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامَ عَلى ذَلِكَ.

البقرة 2:277

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ آكِلِ الرِّبا، وحالَ مَن عادَ بَعْدَ مَجِيءِ المَوْعِظَةِ، وأنَّهُ كافِرٌ أثِيمٌ، ذَكَرَ ضِدَّ هَؤُلاءِ لِيُبَيِّنَ فَرْقَ ما بَيْنَ الحالَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقالَ مَكِّيٌّ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ تابُوا مِن أكْلِ الرِّبا وآمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، انْتَهى. ونَصَّ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وإنْ كانا مُنْدَرَجَيْنِ في عُمُومِ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، وألْفاظُ الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ مِن ثَقِيفٍ، كانَتْ لَهم دُيُونُ رِبًا عَلى بَنِي المُغِيرَةِ مَن بَنِي مَخْزُومٍ، وقِيلَ: في عَبّاسٍ، وقِيلَ: في عُثْمانَ، وقالَ السُّدِّيُّ: في عَبّاسٍ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسْلِفانِ في الرِّبا، ومُلَخَّصُهُ أنَّهم أرادُوا أنْ يَتَقاضَوْا رِباهم فَنَزَلَتْ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكانَ المَعْنى: فَلَهُ ما سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أيْ: لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيما أخَذَهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَوْلَهُ: (ما سَلَفَ) أيْ: ما تَقَدَّمَ العَقْدُ عَلَيْهِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ مِنهُ وبَيْنَ ما في الذِّمَّةِ، وإنَّما يَمْنَعُ إنْشاءَ عَقْدٍ رِبَوِيٍّ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، أزالَ تَعالى هَذا الاحْتِمالَ بِأنْ أمَرَ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا في العُقُودِ السّابِقَةِ، قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وأنَّ ما بَقِيَ في الذِّمَّةِ مِنَ الرِّبا هو كالمُنْشَأِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، وناداهم بِاسْمِ الإيمانِ تَحْرِيضًا لَهم عَلى قَبُولِ الأمْرِ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، وبَدَأ أوَّلًا بِالأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ، إذْ هي أصْلُ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ أمَرَ ثانِيًا بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا. وفُتِحَتْ عَيْنُ: وذَرُوا، حَمْلًا عَلى: دَعَوْا، وفُتِحَتْ عَيْنُ: دَعَوْا، حَمْلًا عَلى: يَدَعُ، وفُتِحَتْ في يَدَعُ، وقِياسُها الكَسْرُ، إذْ لامُهُ حَرْفُ حَلْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: ما بَقا، بِقَلْبِ الياءِ ألِفًا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّءٍ، ولِبَعْضِ العَرَبِ، وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ التَّمِيمِيُّ: ؎زَها الشَّوْقُ حَتّى ظَلَّ إنْسانَ عَيْنِهِ يَفِيضُ بِمَغْمُورٍ مِنَ الماءِ مُتَّأقِ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ (ما بَقِي) بِإسْكانِ الياءِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما أخْشى التَّصَعْلُكَ ما بَقى ∗∗∗ عَلى الأرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأباعِرا وقالَ جَرِيرٌ: ؎هُوَ الخَلِيفَةُ فارْضُوا ما رَضِيَ لَكم ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَقَدَّمَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِخِطابِ اللَّهِ تَعالى لَهم: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وجَمَعَ بَيْنَهُما بِأنَّهُ شَرْطٌ مَجازِيٌّ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ إقامَةَ نَفْسِهِ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ بِأنَّ المَعْنى: إنْ صَحَّ إيمانُكم، يَعْنِي أنَّ دَلِيلَ صِحَّةِ الإيمانِ وثَباتِهِ امْتِثالُ ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن ذَلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّهُ إذا تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الإيمانِ عَلى تَرْكِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ فَلا يُجامِعُها الصِّحَّةُ مَعَ فِعْلِها، وإذا لَمْ يَصِحَّ إيمانُهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، وهو مُدَّعى المُعْتَزِلَةِ، وقِيلَ: إنَّ بِمَعْنى إذْ أيْ: إذْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ، وهو قَوْلٌ لِبَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ (إنَّ) تَكُونُ بِمَعْنى: إذْ، وهو ضَعِيفٌ (p-٣٣٨)مَرْدُودٌ ولا يَثْبُتُ في اللُّغَةِ، وقِيلَ: هو شَرْطٌ يُرادُ بِهِ الِاسْتِدامَةُ، وقِيلَ: يُرادُ بِهِ الكَمالُ، وكَأنَّ الإيمانَ لا يَتَكامَلُ إذا أصَرَّ الإنْسانُ عَلى كَبِيرَةٍ، وإنَّما يَصِيرُ مُؤْمِنًا بِالإطْلاقِ إذا اجْتَنَبَ الكَبائِرَ، هَذا وإنْ كانَتِ الدَّلائِلُ قَدْ قامَتْ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ لا يَدْخُلُ العَمَلُ في مُسَمّاها، وقِيلَ: الإيمانُ مُتَغايِرٌ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، فَمَعْنى الأوَّلِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] بِألْسِنَتِهِمْ، ومَعْنى الثّانِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِقُلُوبِكم، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمَن قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الأنْبِياءِ، ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ؛ إذْ لا يَنْفَعُ الأوَّلُ إلّا بِهَذا، قالَهُ ابْنُ فُورَكٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ بِما رُوِيَ في سَبَبِ الآيَةِ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّها نَزَلَتْ في عَبّاسٍ، وعُثْمانَ، أوْ في عَبّاسٍ، وخالِدٍ، أوْ فِيمَن أسْلَمَ مِن ثَقِيفٍ ولَمْ يَكُونُوا هَؤُلاءِ قَبْلَ الإيمانِ آمَنُوا بِأنْبِياءَ، وقِيلَ: هو شَرْطٌ مَحْضٌ في ثَقِيفٍ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ، انْتَهى. وعَلى هَذا لَيْسَ بِشَرْطٍ صَحِيحٍ إلّا عَلى تَأْوِيلِ اسْتِدامَةِ الإيمانِ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ أبا السَّماكِ، وهو العَدَوِيُّ، قَرَأ هُنا (مِنَ الرِّبُو) بِكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ وضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الواوِ، وقَدْ ذَكَرْنا قِراءَتَهُ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وشَيْئًا مِنَ الكَلامِ عَلَيْها. وقالَ أبُو الفَتْحِ: شُذَّ هَذا الحَرْفُ في أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: الخُرُوجُ مِنَ الكَسْرِ إلى الضَّمِّ بِناءً لازِمًا، والآخَرُ: وُقُوعُ الواوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ في آخِرِ الِاسْمِ، وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ إلّا في الفِعْلِ، نَحْوَ: يَغْزُو، ويَدْعُو. وأمّا ذُو الطّائِيَّةُ، بِمَعْنى: الَّذِي فَشاذَّةٌ جَدًّا، ومِنهم مَن يُغَيِّرُ واوَها إذا فارَقَ الرَّفْعَ، فَتَقُولُ: رَأيْتُ ذا قامَ، وجْهُ القِراءَةِ أنَّهُ فَخَّمَ الألِفَ انْتَحى بِها الواوُ الَّتِي الألِفُ بَدَلٌ مِنها عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: الصَّلاةُ والزَّكاةُ وهي بِالجُمْلَةِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ، انْتَهى كَلامُ أبِي الفَتْحِ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: بِناءً لازِمًا، أنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عارِضًا نَحْوَ: الحِبْكُ، فَكَسْرَةُ الحاءِ لَيْسَتْ لازِمَةً، ومِن قَوْلِهِمُ: الرِّدْءُ، في الوَقْفِ، فَضَمَّةُ الدّالِ لَيْسَتْ لازِمَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ في أبْنِيَةِ كَلامِهِمْ فِعْلٌ لا في اسْمٍ ولا فِعْلٍ، وأمّا قَوْلُهُ: وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ إلّا في الفِعْلِ، نَحْوُ: يَغْزُو، فَهَذا كَما ذَكَرَ إلّا أنَّهُ جاءَ ذَلِكَ في الأسْماءِ السِّتَّةِ في حالَةِ الرَّفْعِ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لازِمًا في النَّصْبِ والجَرِّ، لَمْ يَكُنْ ناقِضًا لِما ذَكَرُوا، ونَقُولُ: إنَّ الضَّمَّةَ الَّتِي فِيما قَبْلَ الآخِرِ إمّا هي لِلِاتِّباعِ، فَلَيْسَ ضَمَّةٌ تَكُونُ في أصْلِ بِنْيَةِ الكَلِمَةِ كَضَمَّةِ يَغْزُو. ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ظاهِرُهُ: فَإنْ لَمْ تَتْرُكُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، وسُمِّيَ التَّرْكُ فِعْلًا، وإذا أُمِرُوا بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا مِن ذَلِكَ الأمْرِ بِتَرْكِ إنْشاءِ الرِّبا عَلى طَرِيقِ الأوْلى والأحْرى، وقالَ الرّازِيُّ: فَإنْ لَمْ تَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِتَحْرِيمِهِ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كَفَرَ بِشَرِيعَةٍ واحِدَةٍ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ خَرَجَ مِنَ المِلَّةِ كَما لَوْ كَفَرَ بِجَمِيعِها. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ في غَيْرِ رِوايَةٍ البُرْجُمِيِّ، وابْنِ غالِبٍ عَنْهُ (فَآذَنُوا) أمْرٌ مِن: آذَنَ الرُّباعِيِّ بِمَعْنى: أعْلَمُ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (فَأْذَنُوا) أمْرٌ مِن: أذِنَ، الثُّلاثِيِّ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبإ: ٣٨]، وقَرَأ الحَسَنُ (فَأيْقِنُوا بِحَرْبٍ) والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ هو لِمَن صَدَرَتِ الآيَةُ بِذِكْرِهِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ الرِّبا، فَعَلى هَذا المُحارَبَةُ ظاهِرَةٌ، وعَلى الأوَّلِ فالإعْلامُ أوِ العِلْمُ بِالحَرْبِ جاءَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ دُونَ حَقِيقَةِ الحَرْبِ، كَما جاءَ: ”مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدَ آذَنَنِي بِالمُحارَبَةِ“ . وقِيلَ: المُرادُ نَفْسُ الحَرْبِ. ونَقُولُ: الإصْرارُ عَلى الرِّبا إنْ كانَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الإمامُ، قَبَضَ عَلَيْهِ الإمامُ وعَزَّرَهُ وحَبَسَهُ إلى أنْ يَظْهَرَ مِنهُ التَّوْبَةُ، أوْ مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، حارَبَهُ كَما تُحارَبُ الفِئَةُ الباغِيَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن عامَلَ بِالرِّبا يُسْتَتابُ، فَإنْ تابَ وإلّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ. ويُحْمَلُ قَوْلُهُ هَذا عَلى مَن يَكُونُ مُسْتَبِيحًا لِلرِّبا، مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ، ومَعْنى الآيَةِ: فَإنْ لَمْ تَنْتَهُوا حارَبَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ وقِيلَ: المَعْنى: فَأنْتُمْ حَرْبُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، (p-٣٣٩)أيْ: أعْداءٌ، والحَرْبُ داعِيَةُ القَتْلِ، وقالُوا: حَرْبُ اللَّهِ النّارُ، وحَرْبُ رَسُولِهِ السَّيْفُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ: ”يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِآكِلِ الرِّبا: خُذْ سِلاحَكَ لِلْحَرْبِ“ والباءُ في بِحَرْبٍ عَلى قِراءَةِ القَصْرِ لِلْإلْصاقِ، تَقُولُ: أذِنَ بِكَذا، أيْ: عَلِمَ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المَعْنى فاسْتَيْقِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو مِنَ الأُذُنِ، وهو الِاسْتِماعُ؛ لِأنَّهُ مِن طَرِيقِ العِلْمِ، انْتَهى. وقِراءَةُ الحَسَنِ تُقَوِّي قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِالقَصْرِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي عِنْدِي مِنَ الإذْنِ، وإذا أذِنَ المَرْءُ في شَيْءٍ فَقَدْ قَرَّرَهُ وبَنى مَعَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: قَرِّرُوا الحَرْبَ بَيْنَكم وبَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ويَلْزَمُهم مِن لَفْظِ الآيَةِ أنَّهم مُسْتَدْعَو الحَرْبَ والباغُونَ، إذْ هُمُ الآذِنُونَ فِيها وبِها، ويَنْدَرِجُ في هَذا عِلْمُهم بِأنَّهُ حَرْبُ اللَّهِ، وتَيَقُّنُهم لِذَلِكَ، انْتَهى كَلامُهُ. فَيَظْهَرُ مِنهُ أنَّ الباءَ في: (بِحَرْبٍ) ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: فَأْذَنُوا في حَرْبٍ، كَما تَقُولُ: أُذِنَ في كَذا، ومَعْناهُ أنَّهُ سَوَّغَهُ ومَكَّنَ مِنهُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن قَرَأ (فَآذَنُوا) بِالمَدِّ، فَتَقْدِيرُهُ: فَأعْلِمُوا مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذَلِكَ بِحَرْبٍ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَ هَذا المَفْعُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] وإذا أُمِرُوا بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ عَلِمُوا هم لا مَحالَةَ، قالَ: فَفي إعْلامِهِمْ عَلِمَهم، ولَيْسَ في عِلْمِهِمْ إعْلامُهم غَيْرَهم، فَقِراءَةُ المَدِّ أرْجَحُ؛ لِأنَّها أبْلُغُ وآكُدُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: قِراءَةُ القَصْرِ أرْجَحُ؛ لِأنَّها تَخْتَصُّ بِهِمْ، وإنَّما أُمِرُوا عَلى قِراءَةِ المَدِّ بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقِراءَتانِ عِنْدِي سَواءٌ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ مَحْصُورٌ، لِأنَّهُ كُلُّ مَن لَمْ يَذَرْ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، فَإنْ قِيلَ: فَأْذَنُوا، فَقَدْ عَمَّهُمُ الأمْرُ، وإنْ قِيلَ: فَآذِنُوا، بِالمَدِّ فالمَعْنى: أنْفُسَكم، أوْ بَعْضَكم بَعْضًا، وكَأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تَقْتَضِي فَسَحًا لَهم في الِارْتِياءِ والتَّثَبُّتِ، فَأعْلِمُوا نُفُوسَكم هَذا، ثُمَّ انْظُرُوا في الأرْجَحِ لَكم: تَرْكِ الرِّبا أوِ الحَرْبِ، انْتَهى، ورُوِيَ: أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ ثَقِيفٌ: لا يَدَ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ومِن، في قَوْلِهِ: (مِنَ اللَّهِ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ عَظِيمٌ، إذِ الحَرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِن نَبِيِّهِ ﷺ لا يُطِيقُهُ أحَدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن حُرُوبِ اللَّهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ: بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ؟ قُلْتُ: كانَ هَذا أبْلَغَ؛ لِأنَّ المَعْنى: فَأْذَنُوا بِنَوْعٍ مِنَ الحَرْبِ عَظِيمٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، انْتَهى. وإنَّما كانَ أبْلَغَ؛ لِأنَّ فِيها نَصًّا بِأنَّ الحَرْبَ مِنَ اللَّهِ لَهم، فاللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُحارِبُهم، ولَوْ قِيلَ: بِحَرْبِ اللَّهِ، لاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الحَرْبُ مُضافَةً لِلْفاعِلِ، فَيَكُونُ اللَّهُ هو المُحارِبَ لَهم، وأنْ تَكُونَ مُضافَةً لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونُوا هُمُ المُحارِبِينَ اللَّهَ، فَكَوْنُ اللَّهِ مُحارِبَهم أبْلَغُ وأزْجَرُ في المَوْعِظَةِ مِن كَوْنِهِمْ مُحارِبِينَ اللَّهَ. ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ أيْ: إنْ تُبْتُمْ مِنَ الرِّبا، ورُءُوسُ الأمْوالِ: أُصُولُها، وأمّا الأرْباحُ فَزَوائِدُ وطَوارِئُ عَلَيْها. قالَ بَعْضُهم: إنْ لَمْ يَتُوبُوا كَفَرُوا بِرَدِّ حُكْمِ اللَّهِ واسْتِحْلالِ ما حَرَّمَ اللَّهُ، فَيَصِيرُ مالُهم فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى رُءُوسِ الأمْوالِ مَعَ ما قَبْلَهُ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهم إلّا ذَلِكَ، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّهُ: إنْ لَمْ يَتُوبُوا فَلَيْسَ لَهم رُءُوسُ أمْوالِهِمْ، وتَسْمِيَةُ أصْلِ المالِ رَأْسًا مَجازٌ. ﴿لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ الأوَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والثّانِي مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا تَظْلِمُونَ الغَرِيمَ بِطَلَبِ زِيادَةٍ عَلى رَأْسِ المالِ، ولا تُظْلَمُونَ أنْتُمْ بِنُقْصانِ رَأْسِ المالِ، وقِيلَ: بِالمَطْلِ، وقَرَأ أبانُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ الأوَّلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والثّانِي مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ الجَماعَةِ بِأنَّها تُناسِبُ قَوْلَهُ: وإنْ تُبْتُمْ، في إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الفاعِلِ، فَتَظْلِمُونَ بِفَتْحِ التّاءِ أُشَكِلَ بِما قَبْلَهُ، والجُمْلَةُ يَظْهَرُ أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وإخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّهم إذا اقْتَصَرُوا عَلى رُءُوسِ الأمْوالِ كانَ ذَلِكَ نَصَفَةً، وقِيلَ: الجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَجْرُورِ في: لَكم، والعامِلُ في الحالِ ما في حَرْفِ الجَرِّ مِن شَوْبِ الفِعْلِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

البقرة 2:278

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ آكِلِ الرِّبا، وحالَ مَن عادَ بَعْدَ مَجِيءِ المَوْعِظَةِ، وأنَّهُ كافِرٌ أثِيمٌ، ذَكَرَ ضِدَّ هَؤُلاءِ لِيُبَيِّنَ فَرْقَ ما بَيْنَ الحالَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقالَ مَكِّيٌّ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ تابُوا مِن أكْلِ الرِّبا وآمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، انْتَهى. ونَصَّ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وإنْ كانا مُنْدَرَجَيْنِ في عُمُومِ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، وألْفاظُ الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ مِن ثَقِيفٍ، كانَتْ لَهم دُيُونُ رِبًا عَلى بَنِي المُغِيرَةِ مَن بَنِي مَخْزُومٍ، وقِيلَ: في عَبّاسٍ، وقِيلَ: في عُثْمانَ، وقالَ السُّدِّيُّ: في عَبّاسٍ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسْلِفانِ في الرِّبا، ومُلَخَّصُهُ أنَّهم أرادُوا أنْ يَتَقاضَوْا رِباهم فَنَزَلَتْ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكانَ المَعْنى: فَلَهُ ما سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أيْ: لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيما أخَذَهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَوْلَهُ: (ما سَلَفَ) أيْ: ما تَقَدَّمَ العَقْدُ عَلَيْهِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ مِنهُ وبَيْنَ ما في الذِّمَّةِ، وإنَّما يَمْنَعُ إنْشاءَ عَقْدٍ رِبَوِيٍّ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، أزالَ تَعالى هَذا الاحْتِمالَ بِأنْ أمَرَ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا في العُقُودِ السّابِقَةِ، قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وأنَّ ما بَقِيَ في الذِّمَّةِ مِنَ الرِّبا هو كالمُنْشَأِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، وناداهم بِاسْمِ الإيمانِ تَحْرِيضًا لَهم عَلى قَبُولِ الأمْرِ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، وبَدَأ أوَّلًا بِالأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ، إذْ هي أصْلُ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ أمَرَ ثانِيًا بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا. وفُتِحَتْ عَيْنُ: وذَرُوا، حَمْلًا عَلى: دَعَوْا، وفُتِحَتْ عَيْنُ: دَعَوْا، حَمْلًا عَلى: يَدَعُ، وفُتِحَتْ في يَدَعُ، وقِياسُها الكَسْرُ، إذْ لامُهُ حَرْفُ حَلْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: ما بَقا، بِقَلْبِ الياءِ ألِفًا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّءٍ، ولِبَعْضِ العَرَبِ، وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ التَّمِيمِيُّ: ؎زَها الشَّوْقُ حَتّى ظَلَّ إنْسانَ عَيْنِهِ يَفِيضُ بِمَغْمُورٍ مِنَ الماءِ مُتَّأقِ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ (ما بَقِي) بِإسْكانِ الياءِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما أخْشى التَّصَعْلُكَ ما بَقى ∗∗∗ عَلى الأرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأباعِرا وقالَ جَرِيرٌ: ؎هُوَ الخَلِيفَةُ فارْضُوا ما رَضِيَ لَكم ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَقَدَّمَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِخِطابِ اللَّهِ تَعالى لَهم: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وجَمَعَ بَيْنَهُما بِأنَّهُ شَرْطٌ مَجازِيٌّ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ إقامَةَ نَفْسِهِ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ بِأنَّ المَعْنى: إنْ صَحَّ إيمانُكم، يَعْنِي أنَّ دَلِيلَ صِحَّةِ الإيمانِ وثَباتِهِ امْتِثالُ ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن ذَلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّهُ إذا تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الإيمانِ عَلى تَرْكِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ فَلا يُجامِعُها الصِّحَّةُ مَعَ فِعْلِها، وإذا لَمْ يَصِحَّ إيمانُهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، وهو مُدَّعى المُعْتَزِلَةِ، وقِيلَ: إنَّ بِمَعْنى إذْ أيْ: إذْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ، وهو قَوْلٌ لِبَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ (إنَّ) تَكُونُ بِمَعْنى: إذْ، وهو ضَعِيفٌ (p-٣٣٨)مَرْدُودٌ ولا يَثْبُتُ في اللُّغَةِ، وقِيلَ: هو شَرْطٌ يُرادُ بِهِ الِاسْتِدامَةُ، وقِيلَ: يُرادُ بِهِ الكَمالُ، وكَأنَّ الإيمانَ لا يَتَكامَلُ إذا أصَرَّ الإنْسانُ عَلى كَبِيرَةٍ، وإنَّما يَصِيرُ مُؤْمِنًا بِالإطْلاقِ إذا اجْتَنَبَ الكَبائِرَ، هَذا وإنْ كانَتِ الدَّلائِلُ قَدْ قامَتْ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ لا يَدْخُلُ العَمَلُ في مُسَمّاها، وقِيلَ: الإيمانُ مُتَغايِرٌ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، فَمَعْنى الأوَّلِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] بِألْسِنَتِهِمْ، ومَعْنى الثّانِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِقُلُوبِكم، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمَن قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الأنْبِياءِ، ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ؛ إذْ لا يَنْفَعُ الأوَّلُ إلّا بِهَذا، قالَهُ ابْنُ فُورَكٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ بِما رُوِيَ في سَبَبِ الآيَةِ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّها نَزَلَتْ في عَبّاسٍ، وعُثْمانَ، أوْ في عَبّاسٍ، وخالِدٍ، أوْ فِيمَن أسْلَمَ مِن ثَقِيفٍ ولَمْ يَكُونُوا هَؤُلاءِ قَبْلَ الإيمانِ آمَنُوا بِأنْبِياءَ، وقِيلَ: هو شَرْطٌ مَحْضٌ في ثَقِيفٍ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ، انْتَهى. وعَلى هَذا لَيْسَ بِشَرْطٍ صَحِيحٍ إلّا عَلى تَأْوِيلِ اسْتِدامَةِ الإيمانِ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ أبا السَّماكِ، وهو العَدَوِيُّ، قَرَأ هُنا (مِنَ الرِّبُو) بِكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ وضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الواوِ، وقَدْ ذَكَرْنا قِراءَتَهُ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وشَيْئًا مِنَ الكَلامِ عَلَيْها. وقالَ أبُو الفَتْحِ: شُذَّ هَذا الحَرْفُ في أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: الخُرُوجُ مِنَ الكَسْرِ إلى الضَّمِّ بِناءً لازِمًا، والآخَرُ: وُقُوعُ الواوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ في آخِرِ الِاسْمِ، وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ إلّا في الفِعْلِ، نَحْوَ: يَغْزُو، ويَدْعُو. وأمّا ذُو الطّائِيَّةُ، بِمَعْنى: الَّذِي فَشاذَّةٌ جَدًّا، ومِنهم مَن يُغَيِّرُ واوَها إذا فارَقَ الرَّفْعَ، فَتَقُولُ: رَأيْتُ ذا قامَ، وجْهُ القِراءَةِ أنَّهُ فَخَّمَ الألِفَ انْتَحى بِها الواوُ الَّتِي الألِفُ بَدَلٌ مِنها عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: الصَّلاةُ والزَّكاةُ وهي بِالجُمْلَةِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ، انْتَهى كَلامُ أبِي الفَتْحِ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: بِناءً لازِمًا، أنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عارِضًا نَحْوَ: الحِبْكُ، فَكَسْرَةُ الحاءِ لَيْسَتْ لازِمَةً، ومِن قَوْلِهِمُ: الرِّدْءُ، في الوَقْفِ، فَضَمَّةُ الدّالِ لَيْسَتْ لازِمَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ في أبْنِيَةِ كَلامِهِمْ فِعْلٌ لا في اسْمٍ ولا فِعْلٍ، وأمّا قَوْلُهُ: وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ إلّا في الفِعْلِ، نَحْوُ: يَغْزُو، فَهَذا كَما ذَكَرَ إلّا أنَّهُ جاءَ ذَلِكَ في الأسْماءِ السِّتَّةِ في حالَةِ الرَّفْعِ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لازِمًا في النَّصْبِ والجَرِّ، لَمْ يَكُنْ ناقِضًا لِما ذَكَرُوا، ونَقُولُ: إنَّ الضَّمَّةَ الَّتِي فِيما قَبْلَ الآخِرِ إمّا هي لِلِاتِّباعِ، فَلَيْسَ ضَمَّةٌ تَكُونُ في أصْلِ بِنْيَةِ الكَلِمَةِ كَضَمَّةِ يَغْزُو. ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ظاهِرُهُ: فَإنْ لَمْ تَتْرُكُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، وسُمِّيَ التَّرْكُ فِعْلًا، وإذا أُمِرُوا بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا مِن ذَلِكَ الأمْرِ بِتَرْكِ إنْشاءِ الرِّبا عَلى طَرِيقِ الأوْلى والأحْرى، وقالَ الرّازِيُّ: فَإنْ لَمْ تَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِتَحْرِيمِهِ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كَفَرَ بِشَرِيعَةٍ واحِدَةٍ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ خَرَجَ مِنَ المِلَّةِ كَما لَوْ كَفَرَ بِجَمِيعِها. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ في غَيْرِ رِوايَةٍ البُرْجُمِيِّ، وابْنِ غالِبٍ عَنْهُ (فَآذَنُوا) أمْرٌ مِن: آذَنَ الرُّباعِيِّ بِمَعْنى: أعْلَمُ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (فَأْذَنُوا) أمْرٌ مِن: أذِنَ، الثُّلاثِيِّ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبإ: ٣٨]، وقَرَأ الحَسَنُ (فَأيْقِنُوا بِحَرْبٍ) والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ هو لِمَن صَدَرَتِ الآيَةُ بِذِكْرِهِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ الرِّبا، فَعَلى هَذا المُحارَبَةُ ظاهِرَةٌ، وعَلى الأوَّلِ فالإعْلامُ أوِ العِلْمُ بِالحَرْبِ جاءَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ دُونَ حَقِيقَةِ الحَرْبِ، كَما جاءَ: ”مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدَ آذَنَنِي بِالمُحارَبَةِ“ . وقِيلَ: المُرادُ نَفْسُ الحَرْبِ. ونَقُولُ: الإصْرارُ عَلى الرِّبا إنْ كانَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الإمامُ، قَبَضَ عَلَيْهِ الإمامُ وعَزَّرَهُ وحَبَسَهُ إلى أنْ يَظْهَرَ مِنهُ التَّوْبَةُ، أوْ مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، حارَبَهُ كَما تُحارَبُ الفِئَةُ الباغِيَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن عامَلَ بِالرِّبا يُسْتَتابُ، فَإنْ تابَ وإلّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ. ويُحْمَلُ قَوْلُهُ هَذا عَلى مَن يَكُونُ مُسْتَبِيحًا لِلرِّبا، مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ، ومَعْنى الآيَةِ: فَإنْ لَمْ تَنْتَهُوا حارَبَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ وقِيلَ: المَعْنى: فَأنْتُمْ حَرْبُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، (p-٣٣٩)أيْ: أعْداءٌ، والحَرْبُ داعِيَةُ القَتْلِ، وقالُوا: حَرْبُ اللَّهِ النّارُ، وحَرْبُ رَسُولِهِ السَّيْفُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ: ”يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِآكِلِ الرِّبا: خُذْ سِلاحَكَ لِلْحَرْبِ“ والباءُ في بِحَرْبٍ عَلى قِراءَةِ القَصْرِ لِلْإلْصاقِ، تَقُولُ: أذِنَ بِكَذا، أيْ: عَلِمَ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المَعْنى فاسْتَيْقِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو مِنَ الأُذُنِ، وهو الِاسْتِماعُ؛ لِأنَّهُ مِن طَرِيقِ العِلْمِ، انْتَهى. وقِراءَةُ الحَسَنِ تُقَوِّي قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِالقَصْرِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي عِنْدِي مِنَ الإذْنِ، وإذا أذِنَ المَرْءُ في شَيْءٍ فَقَدْ قَرَّرَهُ وبَنى مَعَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: قَرِّرُوا الحَرْبَ بَيْنَكم وبَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ويَلْزَمُهم مِن لَفْظِ الآيَةِ أنَّهم مُسْتَدْعَو الحَرْبَ والباغُونَ، إذْ هُمُ الآذِنُونَ فِيها وبِها، ويَنْدَرِجُ في هَذا عِلْمُهم بِأنَّهُ حَرْبُ اللَّهِ، وتَيَقُّنُهم لِذَلِكَ، انْتَهى كَلامُهُ. فَيَظْهَرُ مِنهُ أنَّ الباءَ في: (بِحَرْبٍ) ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: فَأْذَنُوا في حَرْبٍ، كَما تَقُولُ: أُذِنَ في كَذا، ومَعْناهُ أنَّهُ سَوَّغَهُ ومَكَّنَ مِنهُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن قَرَأ (فَآذَنُوا) بِالمَدِّ، فَتَقْدِيرُهُ: فَأعْلِمُوا مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذَلِكَ بِحَرْبٍ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَ هَذا المَفْعُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] وإذا أُمِرُوا بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ عَلِمُوا هم لا مَحالَةَ، قالَ: فَفي إعْلامِهِمْ عَلِمَهم، ولَيْسَ في عِلْمِهِمْ إعْلامُهم غَيْرَهم، فَقِراءَةُ المَدِّ أرْجَحُ؛ لِأنَّها أبْلُغُ وآكُدُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: قِراءَةُ القَصْرِ أرْجَحُ؛ لِأنَّها تَخْتَصُّ بِهِمْ، وإنَّما أُمِرُوا عَلى قِراءَةِ المَدِّ بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقِراءَتانِ عِنْدِي سَواءٌ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ مَحْصُورٌ، لِأنَّهُ كُلُّ مَن لَمْ يَذَرْ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، فَإنْ قِيلَ: فَأْذَنُوا، فَقَدْ عَمَّهُمُ الأمْرُ، وإنْ قِيلَ: فَآذِنُوا، بِالمَدِّ فالمَعْنى: أنْفُسَكم، أوْ بَعْضَكم بَعْضًا، وكَأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تَقْتَضِي فَسَحًا لَهم في الِارْتِياءِ والتَّثَبُّتِ، فَأعْلِمُوا نُفُوسَكم هَذا، ثُمَّ انْظُرُوا في الأرْجَحِ لَكم: تَرْكِ الرِّبا أوِ الحَرْبِ، انْتَهى، ورُوِيَ: أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ ثَقِيفٌ: لا يَدَ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ومِن، في قَوْلِهِ: (مِنَ اللَّهِ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ عَظِيمٌ، إذِ الحَرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِن نَبِيِّهِ ﷺ لا يُطِيقُهُ أحَدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن حُرُوبِ اللَّهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ: بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ؟ قُلْتُ: كانَ هَذا أبْلَغَ؛ لِأنَّ المَعْنى: فَأْذَنُوا بِنَوْعٍ مِنَ الحَرْبِ عَظِيمٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، انْتَهى. وإنَّما كانَ أبْلَغَ؛ لِأنَّ فِيها نَصًّا بِأنَّ الحَرْبَ مِنَ اللَّهِ لَهم، فاللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُحارِبُهم، ولَوْ قِيلَ: بِحَرْبِ اللَّهِ، لاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الحَرْبُ مُضافَةً لِلْفاعِلِ، فَيَكُونُ اللَّهُ هو المُحارِبَ لَهم، وأنْ تَكُونَ مُضافَةً لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونُوا هُمُ المُحارِبِينَ اللَّهَ، فَكَوْنُ اللَّهِ مُحارِبَهم أبْلَغُ وأزْجَرُ في المَوْعِظَةِ مِن كَوْنِهِمْ مُحارِبِينَ اللَّهَ. ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ أيْ: إنْ تُبْتُمْ مِنَ الرِّبا، ورُءُوسُ الأمْوالِ: أُصُولُها، وأمّا الأرْباحُ فَزَوائِدُ وطَوارِئُ عَلَيْها. قالَ بَعْضُهم: إنْ لَمْ يَتُوبُوا كَفَرُوا بِرَدِّ حُكْمِ اللَّهِ واسْتِحْلالِ ما حَرَّمَ اللَّهُ، فَيَصِيرُ مالُهم فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى رُءُوسِ الأمْوالِ مَعَ ما قَبْلَهُ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهم إلّا ذَلِكَ، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّهُ: إنْ لَمْ يَتُوبُوا فَلَيْسَ لَهم رُءُوسُ أمْوالِهِمْ، وتَسْمِيَةُ أصْلِ المالِ رَأْسًا مَجازٌ. ﴿لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ الأوَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والثّانِي مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا تَظْلِمُونَ الغَرِيمَ بِطَلَبِ زِيادَةٍ عَلى رَأْسِ المالِ، ولا تُظْلَمُونَ أنْتُمْ بِنُقْصانِ رَأْسِ المالِ، وقِيلَ: بِالمَطْلِ، وقَرَأ أبانُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ الأوَّلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والثّانِي مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ الجَماعَةِ بِأنَّها تُناسِبُ قَوْلَهُ: وإنْ تُبْتُمْ، في إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الفاعِلِ، فَتَظْلِمُونَ بِفَتْحِ التّاءِ أُشَكِلَ بِما قَبْلَهُ، والجُمْلَةُ يَظْهَرُ أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وإخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّهم إذا اقْتَصَرُوا عَلى رُءُوسِ الأمْوالِ كانَ ذَلِكَ نَصَفَةً، وقِيلَ: الجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَجْرُورِ في: لَكم، والعامِلُ في الحالِ ما في حَرْفِ الجَرِّ مِن شَوْبِ الفِعْلِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

البقرة 2:279

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ آكِلِ الرِّبا، وحالَ مَن عادَ بَعْدَ مَجِيءِ المَوْعِظَةِ، وأنَّهُ كافِرٌ أثِيمٌ، ذَكَرَ ضِدَّ هَؤُلاءِ لِيُبَيِّنَ فَرْقَ ما بَيْنَ الحالَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ، وقالَ مَكِّيٌّ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ تابُوا مِن أكْلِ الرِّبا وآمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، انْتَهى. ونَصَّ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وإنْ كانا مُنْدَرَجَيْنِ في عُمُومِ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، وألْفاظُ الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ مِن ثَقِيفٍ، كانَتْ لَهم دُيُونُ رِبًا عَلى بَنِي المُغِيرَةِ مَن بَنِي مَخْزُومٍ، وقِيلَ: في عَبّاسٍ، وقِيلَ: في عُثْمانَ، وقالَ السُّدِّيُّ: في عَبّاسٍ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسْلِفانِ في الرِّبا، ومُلَخَّصُهُ أنَّهم أرادُوا أنْ يَتَقاضَوْا رِباهم فَنَزَلَتْ، ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكانَ المَعْنى: فَلَهُ ما سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أيْ: لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيما أخَذَهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَوْلَهُ: (ما سَلَفَ) أيْ: ما تَقَدَّمَ العَقْدُ عَلَيْهِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ مِنهُ وبَيْنَ ما في الذِّمَّةِ، وإنَّما يَمْنَعُ إنْشاءَ عَقْدٍ رِبَوِيٍّ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، أزالَ تَعالى هَذا الاحْتِمالَ بِأنْ أمَرَ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا في العُقُودِ السّابِقَةِ، قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وأنَّ ما بَقِيَ في الذِّمَّةِ مِنَ الرِّبا هو كالمُنْشَأِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، وناداهم بِاسْمِ الإيمانِ تَحْرِيضًا لَهم عَلى قَبُولِ الأمْرِ بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، وبَدَأ أوَّلًا بِالأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ، إذْ هي أصْلُ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ أمَرَ ثانِيًا بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا. وفُتِحَتْ عَيْنُ: وذَرُوا، حَمْلًا عَلى: دَعَوْا، وفُتِحَتْ عَيْنُ: دَعَوْا، حَمْلًا عَلى: يَدَعُ، وفُتِحَتْ في يَدَعُ، وقِياسُها الكَسْرُ، إذْ لامُهُ حَرْفُ حَلْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: ما بَقا، بِقَلْبِ الياءِ ألِفًا، وهي لُغَةٌ لِطَيِّءٍ، ولِبَعْضِ العَرَبِ، وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ التَّمِيمِيُّ: ؎زَها الشَّوْقُ حَتّى ظَلَّ إنْسانَ عَيْنِهِ يَفِيضُ بِمَغْمُورٍ مِنَ الماءِ مُتَّأقِ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ (ما بَقِي) بِإسْكانِ الياءِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرُكَ ما أخْشى التَّصَعْلُكَ ما بَقى ∗∗∗ عَلى الأرْضِ قَيْسِيٌّ يَسُوقُ الأباعِرا وقالَ جَرِيرٌ: ؎هُوَ الخَلِيفَةُ فارْضُوا ما رَضِيَ لَكم ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَقَدَّمَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِخِطابِ اللَّهِ تَعالى لَهم: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وجَمَعَ بَيْنَهُما بِأنَّهُ شَرْطٌ مَجازِيٌّ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ إقامَةَ نَفْسِهِ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ بِأنَّ المَعْنى: إنْ صَحَّ إيمانُكم، يَعْنِي أنَّ دَلِيلَ صِحَّةِ الإيمانِ وثَباتِهِ امْتِثالُ ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن ذَلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ؛ لِأنَّهُ إذا تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الإيمانِ عَلى تَرْكِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ فَلا يُجامِعُها الصِّحَّةُ مَعَ فِعْلِها، وإذا لَمْ يَصِحَّ إيمانُهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، وهو مُدَّعى المُعْتَزِلَةِ، وقِيلَ: إنَّ بِمَعْنى إذْ أيْ: إذْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ، وهو قَوْلٌ لِبَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ (إنَّ) تَكُونُ بِمَعْنى: إذْ، وهو ضَعِيفٌ (p-٣٣٨)مَرْدُودٌ ولا يَثْبُتُ في اللُّغَةِ، وقِيلَ: هو شَرْطٌ يُرادُ بِهِ الِاسْتِدامَةُ، وقِيلَ: يُرادُ بِهِ الكَمالُ، وكَأنَّ الإيمانَ لا يَتَكامَلُ إذا أصَرَّ الإنْسانُ عَلى كَبِيرَةٍ، وإنَّما يَصِيرُ مُؤْمِنًا بِالإطْلاقِ إذا اجْتَنَبَ الكَبائِرَ، هَذا وإنْ كانَتِ الدَّلائِلُ قَدْ قامَتْ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ لا يَدْخُلُ العَمَلُ في مُسَمّاها، وقِيلَ: الإيمانُ مُتَغايِرٌ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، فَمَعْنى الأوَّلِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] بِألْسِنَتِهِمْ، ومَعْنى الثّانِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِقُلُوبِكم، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمَن قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الأنْبِياءِ، ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ؛ إذْ لا يَنْفَعُ الأوَّلُ إلّا بِهَذا، قالَهُ ابْنُ فُورَكٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ بِما رُوِيَ في سَبَبِ الآيَةِ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّها نَزَلَتْ في عَبّاسٍ، وعُثْمانَ، أوْ في عَبّاسٍ، وخالِدٍ، أوْ فِيمَن أسْلَمَ مِن ثَقِيفٍ ولَمْ يَكُونُوا هَؤُلاءِ قَبْلَ الإيمانِ آمَنُوا بِأنْبِياءَ، وقِيلَ: هو شَرْطٌ مَحْضٌ في ثَقِيفٍ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ، انْتَهى. وعَلى هَذا لَيْسَ بِشَرْطٍ صَحِيحٍ إلّا عَلى تَأْوِيلِ اسْتِدامَةِ الإيمانِ، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ أبا السَّماكِ، وهو العَدَوِيُّ، قَرَأ هُنا (مِنَ الرِّبُو) بِكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ وضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الواوِ، وقَدْ ذَكَرْنا قِراءَتَهُ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وشَيْئًا مِنَ الكَلامِ عَلَيْها. وقالَ أبُو الفَتْحِ: شُذَّ هَذا الحَرْفُ في أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: الخُرُوجُ مِنَ الكَسْرِ إلى الضَّمِّ بِناءً لازِمًا، والآخَرُ: وُقُوعُ الواوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ في آخِرِ الِاسْمِ، وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ إلّا في الفِعْلِ، نَحْوَ: يَغْزُو، ويَدْعُو. وأمّا ذُو الطّائِيَّةُ، بِمَعْنى: الَّذِي فَشاذَّةٌ جَدًّا، ومِنهم مَن يُغَيِّرُ واوَها إذا فارَقَ الرَّفْعَ، فَتَقُولُ: رَأيْتُ ذا قامَ، وجْهُ القِراءَةِ أنَّهُ فَخَّمَ الألِفَ انْتَحى بِها الواوُ الَّتِي الألِفُ بَدَلٌ مِنها عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: الصَّلاةُ والزَّكاةُ وهي بِالجُمْلَةِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ، انْتَهى كَلامُ أبِي الفَتْحِ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: بِناءً لازِمًا، أنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عارِضًا نَحْوَ: الحِبْكُ، فَكَسْرَةُ الحاءِ لَيْسَتْ لازِمَةً، ومِن قَوْلِهِمُ: الرِّدْءُ، في الوَقْفِ، فَضَمَّةُ الدّالِ لَيْسَتْ لازِمَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ في أبْنِيَةِ كَلامِهِمْ فِعْلٌ لا في اسْمٍ ولا فِعْلٍ، وأمّا قَوْلُهُ: وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ إلّا في الفِعْلِ، نَحْوُ: يَغْزُو، فَهَذا كَما ذَكَرَ إلّا أنَّهُ جاءَ ذَلِكَ في الأسْماءِ السِّتَّةِ في حالَةِ الرَّفْعِ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لازِمًا في النَّصْبِ والجَرِّ، لَمْ يَكُنْ ناقِضًا لِما ذَكَرُوا، ونَقُولُ: إنَّ الضَّمَّةَ الَّتِي فِيما قَبْلَ الآخِرِ إمّا هي لِلِاتِّباعِ، فَلَيْسَ ضَمَّةٌ تَكُونُ في أصْلِ بِنْيَةِ الكَلِمَةِ كَضَمَّةِ يَغْزُو. ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ظاهِرُهُ: فَإنْ لَمْ تَتْرُكُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، وسُمِّيَ التَّرْكُ فِعْلًا، وإذا أُمِرُوا بِتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا مِن ذَلِكَ الأمْرِ بِتَرْكِ إنْشاءِ الرِّبا عَلى طَرِيقِ الأوْلى والأحْرى، وقالَ الرّازِيُّ: فَإنْ لَمْ تَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِتَحْرِيمِهِ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن ذَهَبَ إلى هَذا قالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن كَفَرَ بِشَرِيعَةٍ واحِدَةٍ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ خَرَجَ مِنَ المِلَّةِ كَما لَوْ كَفَرَ بِجَمِيعِها. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ في غَيْرِ رِوايَةٍ البُرْجُمِيِّ، وابْنِ غالِبٍ عَنْهُ (فَآذَنُوا) أمْرٌ مِن: آذَنَ الرُّباعِيِّ بِمَعْنى: أعْلَمُ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (فَأْذَنُوا) أمْرٌ مِن: أذِنَ، الثُّلاثِيِّ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبإ: ٣٨]، وقَرَأ الحَسَنُ (فَأيْقِنُوا بِحَرْبٍ) والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ هو لِمَن صَدَرَتِ الآيَةُ بِذِكْرِهِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ الرِّبا، فَعَلى هَذا المُحارَبَةُ ظاهِرَةٌ، وعَلى الأوَّلِ فالإعْلامُ أوِ العِلْمُ بِالحَرْبِ جاءَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ دُونَ حَقِيقَةِ الحَرْبِ، كَما جاءَ: ”مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدَ آذَنَنِي بِالمُحارَبَةِ“ . وقِيلَ: المُرادُ نَفْسُ الحَرْبِ. ونَقُولُ: الإصْرارُ عَلى الرِّبا إنْ كانَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الإمامُ، قَبَضَ عَلَيْهِ الإمامُ وعَزَّرَهُ وحَبَسَهُ إلى أنْ يَظْهَرَ مِنهُ التَّوْبَةُ، أوْ مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، حارَبَهُ كَما تُحارَبُ الفِئَةُ الباغِيَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن عامَلَ بِالرِّبا يُسْتَتابُ، فَإنْ تابَ وإلّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ. ويُحْمَلُ قَوْلُهُ هَذا عَلى مَن يَكُونُ مُسْتَبِيحًا لِلرِّبا، مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ، ومَعْنى الآيَةِ: فَإنْ لَمْ تَنْتَهُوا حارَبَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ وقِيلَ: المَعْنى: فَأنْتُمْ حَرْبُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، (p-٣٣٩)أيْ: أعْداءٌ، والحَرْبُ داعِيَةُ القَتْلِ، وقالُوا: حَرْبُ اللَّهِ النّارُ، وحَرْبُ رَسُولِهِ السَّيْفُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ: ”يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِآكِلِ الرِّبا: خُذْ سِلاحَكَ لِلْحَرْبِ“ والباءُ في بِحَرْبٍ عَلى قِراءَةِ القَصْرِ لِلْإلْصاقِ، تَقُولُ: أذِنَ بِكَذا، أيْ: عَلِمَ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المَعْنى فاسْتَيْقِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو مِنَ الأُذُنِ، وهو الِاسْتِماعُ؛ لِأنَّهُ مِن طَرِيقِ العِلْمِ، انْتَهى. وقِراءَةُ الحَسَنِ تُقَوِّي قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِالقَصْرِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي عِنْدِي مِنَ الإذْنِ، وإذا أذِنَ المَرْءُ في شَيْءٍ فَقَدْ قَرَّرَهُ وبَنى مَعَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: قَرِّرُوا الحَرْبَ بَيْنَكم وبَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ويَلْزَمُهم مِن لَفْظِ الآيَةِ أنَّهم مُسْتَدْعَو الحَرْبَ والباغُونَ، إذْ هُمُ الآذِنُونَ فِيها وبِها، ويَنْدَرِجُ في هَذا عِلْمُهم بِأنَّهُ حَرْبُ اللَّهِ، وتَيَقُّنُهم لِذَلِكَ، انْتَهى كَلامُهُ. فَيَظْهَرُ مِنهُ أنَّ الباءَ في: (بِحَرْبٍ) ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: فَأْذَنُوا في حَرْبٍ، كَما تَقُولُ: أُذِنَ في كَذا، ومَعْناهُ أنَّهُ سَوَّغَهُ ومَكَّنَ مِنهُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن قَرَأ (فَآذَنُوا) بِالمَدِّ، فَتَقْدِيرُهُ: فَأعْلِمُوا مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذَلِكَ بِحَرْبٍ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَ هَذا المَفْعُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] وإذا أُمِرُوا بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ عَلِمُوا هم لا مَحالَةَ، قالَ: فَفي إعْلامِهِمْ عَلِمَهم، ولَيْسَ في عِلْمِهِمْ إعْلامُهم غَيْرَهم، فَقِراءَةُ المَدِّ أرْجَحُ؛ لِأنَّها أبْلُغُ وآكُدُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: قِراءَةُ القَصْرِ أرْجَحُ؛ لِأنَّها تَخْتَصُّ بِهِمْ، وإنَّما أُمِرُوا عَلى قِراءَةِ المَدِّ بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقِراءَتانِ عِنْدِي سَواءٌ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ مَحْصُورٌ، لِأنَّهُ كُلُّ مَن لَمْ يَذَرْ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا، فَإنْ قِيلَ: فَأْذَنُوا، فَقَدْ عَمَّهُمُ الأمْرُ، وإنْ قِيلَ: فَآذِنُوا، بِالمَدِّ فالمَعْنى: أنْفُسَكم، أوْ بَعْضَكم بَعْضًا، وكَأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تَقْتَضِي فَسَحًا لَهم في الِارْتِياءِ والتَّثَبُّتِ، فَأعْلِمُوا نُفُوسَكم هَذا، ثُمَّ انْظُرُوا في الأرْجَحِ لَكم: تَرْكِ الرِّبا أوِ الحَرْبِ، انْتَهى، ورُوِيَ: أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ ثَقِيفٌ: لا يَدَ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. ومِن، في قَوْلِهِ: (مِنَ اللَّهِ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ عَظِيمٌ، إذِ الحَرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِن نَبِيِّهِ ﷺ لا يُطِيقُهُ أحَدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن حُرُوبِ اللَّهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ: بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ؟ قُلْتُ: كانَ هَذا أبْلَغَ؛ لِأنَّ المَعْنى: فَأْذَنُوا بِنَوْعٍ مِنَ الحَرْبِ عَظِيمٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، انْتَهى. وإنَّما كانَ أبْلَغَ؛ لِأنَّ فِيها نَصًّا بِأنَّ الحَرْبَ مِنَ اللَّهِ لَهم، فاللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُحارِبُهم، ولَوْ قِيلَ: بِحَرْبِ اللَّهِ، لاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الحَرْبُ مُضافَةً لِلْفاعِلِ، فَيَكُونُ اللَّهُ هو المُحارِبَ لَهم، وأنْ تَكُونَ مُضافَةً لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونُوا هُمُ المُحارِبِينَ اللَّهَ، فَكَوْنُ اللَّهِ مُحارِبَهم أبْلَغُ وأزْجَرُ في المَوْعِظَةِ مِن كَوْنِهِمْ مُحارِبِينَ اللَّهَ. ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ أيْ: إنْ تُبْتُمْ مِنَ الرِّبا، ورُءُوسُ الأمْوالِ: أُصُولُها، وأمّا الأرْباحُ فَزَوائِدُ وطَوارِئُ عَلَيْها. قالَ بَعْضُهم: إنْ لَمْ يَتُوبُوا كَفَرُوا بِرَدِّ حُكْمِ اللَّهِ واسْتِحْلالِ ما حَرَّمَ اللَّهُ، فَيَصِيرُ مالُهم فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى رُءُوسِ الأمْوالِ مَعَ ما قَبْلَهُ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهم إلّا ذَلِكَ، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ أنَّهُ: إنْ لَمْ يَتُوبُوا فَلَيْسَ لَهم رُءُوسُ أمْوالِهِمْ، وتَسْمِيَةُ أصْلِ المالِ رَأْسًا مَجازٌ. ﴿لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ الأوَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والثّانِي مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا تَظْلِمُونَ الغَرِيمَ بِطَلَبِ زِيادَةٍ عَلى رَأْسِ المالِ، ولا تُظْلَمُونَ أنْتُمْ بِنُقْصانِ رَأْسِ المالِ، وقِيلَ: بِالمَطْلِ، وقَرَأ أبانُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ الأوَّلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والثّانِي مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ الجَماعَةِ بِأنَّها تُناسِبُ قَوْلَهُ: وإنْ تُبْتُمْ، في إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الفاعِلِ، فَتَظْلِمُونَ بِفَتْحِ التّاءِ أُشَكِلَ بِما قَبْلَهُ، والجُمْلَةُ يَظْهَرُ أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وإخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّهم إذا اقْتَصَرُوا عَلى رُءُوسِ الأمْوالِ كانَ ذَلِكَ نَصَفَةً، وقِيلَ: الجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَجْرُورِ في: لَكم، والعامِلُ في الحالِ ما في حَرْفِ الجَرِّ مِن شَوْبِ الفِعْلِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

البقرة 2:280

﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ شَكا بَنُو المُغِيرَةِ العُسْرَةَ وقالُوا: أخِّرُونا إلى أنْ تُدْرَكَ الغَلّاتُ، فَأبَوْا أنْ يُؤَخَّرُوا، فَنَزَلَتْ، قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن (p-٣٤٠)بَيْعِ مَن أعْسَرَ بِدَيْنٍ، وقِيلَ: أُمِرَ بِهِ في صَدْرِ الإسْلامِ، فَإنْ ثَبَتَ هَذا فَهو نَسْخٌ، وإلّا فَلَيْسَ بِنَسْخٍ والعُسْرَةُ ضِيقُ الحالِ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ، ومِنهُ: جَيْشُ العُسْرَةِ، والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ، والمَيْسَرَةُ: اليُسْرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو عُسْرَةٍ، عَلى أنَّ: كانَ تامَّةٌ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأبِي عَلِيٍّ، وإنْ وقَعَ غَرِيمٌ مِن غُرَمائِكم ذُو عُسْرَةٍ، وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ: كانَ، ناقِصَةً هُنا، وقُدِّرَ الخَبَرُ: وإنْ كانَ مِن غُرَمائِكم ذُو عُسْرَةٍ فَحُذِفَ المَجْرُورُ الَّذِي هو الخَبَرُ، وقُدِّرَ أيْضًا: وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ لَكم عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَذْفُ خَبَرِ كانَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا، لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا لِعِلَّةٍ ذَكَرُوها في النَّحْوِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ (ذا عُسْرَةٍ) وقَرَأ الأعْمَشُ (مُعْسِرًا) وحَكى الدّانِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أبِي عَلِيٍّ إنَّ في كانَ اسْمُها ضَمِيرًا تَقْدِيرُهُ: هو، أيْ: الغَرِيمُ، يَدُلُّ عَلى إضْمارِهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ المُرابِيَ لا بُدَّ لَهُ مِمَّنْ يُرابِيهِ. وقُرِئَ (ومَن كانَ ذا عُسْرَةٍ) وهي قِراءَةُ أبانَ بْنِ عُثْمانَ، وحَكى الَمَهْدَوِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ (فَإنْ كانَ) بِالفاءِ، فَمَن نَصَبَ ذا عُسْرَةٍ أوْ قَرَأ مُعْسِرًا، وذَلِكَ بَعْدَ ﴿وإنْ كانَ﴾ فَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِأهْلِ الرِّبا، ومَن رَفَعَ فَهو عامٌّ في جَمِيعِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ ولَيْسَ بِلازِمٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما سِيقَتْ في أهْلِ الرِّبا، وفِيهِمْ نَزَلَتْ، وقِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ الإيسارُ، وأنَّ العَدَمَ طارِئٌ جاذِبٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُثْبَتَ. ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ عَلى وزْنٍ نَبِقَةٍ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ: بِسُكُونِ الظّاءِ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، يَقُولُونَ في: كَبَدَ كَبِدَ. وقَرَأ عَطاءُ (فَناظِرَةٌ) عَلى وزْنِ: فاعِلَةٌ وخَرَّجَهُ الزَّجّاجُ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] وكَقَوْلِهِ: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] وقالَ: قَرَأ عَطاءُ (فَناظِرَةٌ) بِمَعْنى: فَصاحِبُ الحَقِّ ناظِرَهُ، أيْ: مُنْتَظِرُهُ، أوْ صاحِبُ نَظِرَتِهِ، عَلى طَرِيقَةِ النَّسَبِ، كَقَوْلِهِمْ: مَكانٌ عاشِبٌ، وباقِلٌ، بِمَعْنى: ذُو عُشْبٍ وذُو بَقْلٍ، وعَنْهُ: فَناظِرَهُ، عَلى الأمْرِ بِمَعْنى: فَسامَحَهُ بِالنَّظِرَةِ، وباشَرَهُ بِها، انْتَهى، ونَقَلَها ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: جَعَلاهُ أمْرًا، والهاءُ ضَمِيرُ الغَرِيمِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (فَناظِرُوهُ) أيْ: فَأنْتُمْ ناظِرُوهُ، أيْ: فَأنْتُمْ مُنْتَظِرُوهُ، فَهَذِهِ سِتُّ قِراءاتٍ، ومَن جَعَلَهُ اسْمَ مَصْدَرٍ أوْ مَصْدَرًا فَهو يَرْتَفِعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فالأمْرُ والواجِبُ عَلى صاحِبِ الدَّيْنِ نَظِرَةٌ مِنهُ لِطَلَبِ الدَّيْنِ مِنَ المَدِينِ إلى مَيْسَرَةٍ مِنهُ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ (مَيْسُرَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ، والضَّمُّ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وهو قَلِيلٌ؛ كَمَقْبُرَةٍ، ومَشْرُفَةٍ، ومَسْرُبَةٍ، والكَثِيرُ مَفْعَلَةٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى اللُّغَةِ الكَثِيرَةِ، وهي لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إلى مَيْسُورِهِ) عَلى وزْنِ مَفْعُولٍ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الغَرِيمِ، وهو عِنْدَ الأخْفَشِ مَصْدَرٌ كالمَعْقُولِ والمَجْلُودِ في قَوْلِهِمْ: مالُهُ مَعْقُولٌ ولا مَجْلُودٌ، أيْ: عَقْلٌ وجَلْدٌ، ولَمْ يُثْبِتْ سِيبَوَيْهِ مَفْعُولًا مُصَدَّرًا، وقَرَأ عَطاءُ ومُجاهِدٌ (إلى مَيْسُرِهِ) بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِ الرّاءِ بَعْدَها ضَمِيرُ الغَرِيمِ. وقُرِئَ كَذَلِكَ بِفَتْحِ السِّينِ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ التّاءِ لِأجْلِ الإضافَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎وأخْلَفُوكَ عِدَّ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا أيْ: عِدَّةَ، وهَذا - أعْنِي حَذْفَ التّاءِ - لِأجْلِ الإضافَةِ، هو مَذْهَبُ الفَرّاءِ وبَعْضِ المُتَأخِّرِينَ، وأدّاهم إلى هَذا التَّأْوِيلِ: أنْ مُفْعَلًا لَيْسَ في الأسْماءِ المُفْرَدَةِ، فَأمّا في الجَمْعِ فَقَدْ ذَكَرُوا ذَلِكَ في قَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎أبْلِغِ النُّعْمانَ عَنى مَأْلُكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي وفِي قَوْلِ جَمِيلٍ: ؎بُثَيْنَ الزَمِي لا إنَّ لا إنْ لَزِمْتِهِ ∗∗∗ عَلى كَثْرَةِ الواشِينَ أيُّ مَعُونِ فَمَأْلُكٌ ومَعُونٌ جَمْعُ مَأْلُكَةٍ ومَعُونَةٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ؎لِيَوْمِ رَوْعٍ أوْ فِعالِ مَكْرُمِ هَذا تَأْوِيلُ أبِي عَلِيٍّ، وتَأوَّلَ أبُو الفَتْحِ عَلى أنَّها مُفْرَدَةٌ حُذِفَ مِنها التّاءُ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَ في (p-٣٤١)الكَلامِ مَفْعِلٌ، يَعْنِي في الآحادِ، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، وحُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ: مَهْلَكٌ، مُثَلَّثُ اللّامِ، وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ: مَفْعِلٌ واحِدًا ولا يُخالِفُ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ، إذْ يُقالُ: لَيْسَ في الكَلامِ كَذا، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ مِنهُ حَرْفٌ أوْ حَرْفانِ، كَأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِالقَلِيلِ، ولا يُجْعَلُ لَهُ حُكْمٌ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنَ الإشارَةِ إلى الخِلافِ: أهَذا الإنْظارُ يَخْتَصُّ بِدَيْنِ الرِّبا ؟ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وشُرَيْحٍ، أمْ ذَلِكَ عامٌّ في كُلِّ مُعْسِرٍ بِدَيْنِ رَبًا أوْ غَيْرِهِ ؟ وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ، والرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، وعامَّةِ الفُقَهاءِ. وقَدْ جاءَ في فَضْلِ إنْظارِ المُعْسِرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها: «مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا، ووَضَعَ عَنْهُ، أظَلَّهُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظَلَّهُ» . ومِنها: «يُؤْتى بِالعَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما عَمِلْتُ لَكَ خَيْرًا قَطُّ أُرِيدُكَ بِهِ إلّا أنَّكَ رَزَقْتَنِي مالًا فَكُنْتُ أُوسِعُ عَلى المُقْتِرِ، وأنْظُرُ المُعْسِرَ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا أحَقُّ بِذَلِكَ مِنكَ، فَتَجاوَزُوا عَنْ عَبْدِي» . ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا عَلى الغَرِيمِ بِرَأْسِ المالِ أوْ بِبَعْضِهِ خَيْرٌ مِنَ الإنْظارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيٌّ، وابْنُ زَيْدٍ، والجُمْهُورُ، وقِيلَ: وأنْ تَصَدَّقُوا فالإنْظارُ خَيْرٌ لَكم مِنَ المُطالَبَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإنْظارَ لِلْمُعْسِرِ واجِبٌ عَلى رَبِّ الدَيْنِ، فالحَمْلُ عَلى فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ أوْلى، ولِأنَّ: أفْعَلَ التَّفْضِيلِ باقِيَةٌ عَلى أصْلِ وصْفِها، والمُرادُ بِالخَيْرِ: حُصُولُ الثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا والأجْرِ الجَزِيلِ في الآخِرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: نَدَبُوا إلى أنْ يَتَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وقَرَأ عاصِمٌ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بِحَذْفِ التّاءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (تَتَصَدَّقُوا) بِتاءَيْنِ وهو الأصْلُ، والإدْغامُ تَخْفِيفٌ، والحَذْفُ أكْثَرُ تَخْفِيفًا. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: يُرِيدُ العَمَلَ، فَجَعَلَهُ مِن لَوازِمَ العِلْمِ، وقِيلَ: تَعْلَمُونَ فَضْلَ التَّصَدُّقِ عَلى الإنْظارِ والقَبْضِ، وقِيلَ: تَعْلَمُونَ أنَّ ما أمَرَكم بِهِ رَبُّكم أصْلُحُ لَكم. قِيلَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبا، قالَهُ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ويُحْمَلُ عَلى أنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ؛ لِأنَّهُ الجُمْهُورُ قالُوا: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ فَقِيلَ: قَبْلَ مَوْتِهِ بِتِسْعِ لَيالٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ. ورُوِيَ: بِثَلاثِ ساعاتٍ، وقِيلَ: عاشَ بَعْدَها أحَدًا وثَمانِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: أحَدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ أيّامٍ، ورَوِيَ أنَّهُ قالَ: ”اجْعَلُوها بَيْنَ آيَةِ الرِّبا وآيَةِ الدَّيْنِ“ . ورُوِيَ أنَّهُ قالَ، عَلَيْهِ السَّلامُ: جاءَنِي جِبْرِيلُ فَقالَ: اجْعَلْها عَلى رَأْسِ مِائَتَيْنِ وثَمانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى: واتَّقُوا يَوْمًا، في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ١٢٣] . وقَرَأ يَعْقُوبُ، وأبُو عَمْرٍو (تُرْجَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وخَبَرُ عَبّاسٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الحَسَنُ (يُرْجَعُونَ) عَلى مَعْنى يَرْجِعُ جَمِيعُ النّاسِ، وهو مِن بابِ الِالتِفاتِ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: كانَ اللَّهُ تَعالى رَفَقَ بِالمُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يُواجِهَهم بِذِكْرِ الرَّجْعَةِ إذْ هي مِمّا تَتَفَطَّرُ لَهُ القُلُوبُ، فَقالَ لَهم: ﴿واتَّقُوا﴾ ثُمَّ رَجَعَ في ذِكْرِ الرَّجْعَةِ إلى الغَيْبَةِ رِفْقًا بِهِمْ، انْتَهى، وقَرَأ أُبَيٌّ (تُرَدُّونَ) بِضَمِّ التّاءِ، حَكاهُ عَنْهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (يَرُدُّونَ) وقَرَأ أُبَيٌّ (تَصِيرُونَ) انْتَهى. قالَ الجُمْهُورُ: والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ قَوْمٌ: هو يَوْمُ المَوْتِ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ والمَعْنى إلى حُكْمِ اللَّهِ وفَصْلِ قَضائِهِ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: تُعْطى وافِيًا جَزاءً (ما كَسَبَتْ) مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وفِيهِ نَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ الجَزاءِ بِالكَسْبِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ. ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِمّا يَكُونُ جَزاءَ العَمَلِ الصّالِحِ مِنَ الثَّوابِ، ولا يُزادُونَ عَلى جَزاءِ العَمَلِ السَّيْءِ مِنَ العِقابِ، وأعادَ الضَّمِيرَ أوَلًا في (كَسَبَتْ) عَلى لَفْظِ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ عَلى المَعْنى لِأجْلِ فاصِلَةِ الآيِ، إذْ لَوْ أتى وهي لا تُظْلَمُ لَمْ تَكُنْ فاصِلَةٌ، ومَن قَرَأ (يُرْجَعُونَ) بِالياءِ فَتَجِيءُ (وهم) عَلَيْهِ غائِبًا مَجْمُوعًا لِغائِبٍ مَجْمُوعٍ.

البقرة 2:281

﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ شَكا بَنُو المُغِيرَةِ العُسْرَةَ وقالُوا: أخِّرُونا إلى أنْ تُدْرَكَ الغَلّاتُ، فَأبَوْا أنْ يُؤَخَّرُوا، فَنَزَلَتْ، قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن (p-٣٤٠)بَيْعِ مَن أعْسَرَ بِدَيْنٍ، وقِيلَ: أُمِرَ بِهِ في صَدْرِ الإسْلامِ، فَإنْ ثَبَتَ هَذا فَهو نَسْخٌ، وإلّا فَلَيْسَ بِنَسْخٍ والعُسْرَةُ ضِيقُ الحالِ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ، ومِنهُ: جَيْشُ العُسْرَةِ، والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ، والمَيْسَرَةُ: اليُسْرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ذُو عُسْرَةٍ، عَلى أنَّ: كانَ تامَّةٌ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وأبِي عَلِيٍّ، وإنْ وقَعَ غَرِيمٌ مِن غُرَمائِكم ذُو عُسْرَةٍ، وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ: كانَ، ناقِصَةً هُنا، وقُدِّرَ الخَبَرُ: وإنْ كانَ مِن غُرَمائِكم ذُو عُسْرَةٍ فَحُذِفَ المَجْرُورُ الَّذِي هو الخَبَرُ، وقُدِّرَ أيْضًا: وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ لَكم عَلَيْهِ حَقٌّ، وحَذْفُ خَبَرِ كانَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أصْحابِنا، لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا لِعِلَّةٍ ذَكَرُوها في النَّحْوِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ (ذا عُسْرَةٍ) وقَرَأ الأعْمَشُ (مُعْسِرًا) وحَكى الدّانِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أبِي عَلِيٍّ إنَّ في كانَ اسْمُها ضَمِيرًا تَقْدِيرُهُ: هو، أيْ: الغَرِيمُ، يَدُلُّ عَلى إضْمارِهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ المُرابِيَ لا بُدَّ لَهُ مِمَّنْ يُرابِيهِ. وقُرِئَ (ومَن كانَ ذا عُسْرَةٍ) وهي قِراءَةُ أبانَ بْنِ عُثْمانَ، وحَكى الَمَهْدَوِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ (فَإنْ كانَ) بِالفاءِ، فَمَن نَصَبَ ذا عُسْرَةٍ أوْ قَرَأ مُعْسِرًا، وذَلِكَ بَعْدَ ﴿وإنْ كانَ﴾ فَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِأهْلِ الرِّبا، ومَن رَفَعَ فَهو عامٌّ في جَمِيعِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ ولَيْسَ بِلازِمٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما سِيقَتْ في أهْلِ الرِّبا، وفِيهِمْ نَزَلَتْ، وقِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ الإيسارُ، وأنَّ العَدَمَ طارِئٌ جاذِبٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُثْبَتَ. ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ عَلى وزْنٍ نَبِقَةٍ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ: بِسُكُونِ الظّاءِ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، يَقُولُونَ في: كَبَدَ كَبِدَ. وقَرَأ عَطاءُ (فَناظِرَةٌ) عَلى وزْنِ: فاعِلَةٌ وخَرَّجَهُ الزَّجّاجُ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] وكَقَوْلِهِ: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] وقالَ: قَرَأ عَطاءُ (فَناظِرَةٌ) بِمَعْنى: فَصاحِبُ الحَقِّ ناظِرَهُ، أيْ: مُنْتَظِرُهُ، أوْ صاحِبُ نَظِرَتِهِ، عَلى طَرِيقَةِ النَّسَبِ، كَقَوْلِهِمْ: مَكانٌ عاشِبٌ، وباقِلٌ، بِمَعْنى: ذُو عُشْبٍ وذُو بَقْلٍ، وعَنْهُ: فَناظِرَهُ، عَلى الأمْرِ بِمَعْنى: فَسامَحَهُ بِالنَّظِرَةِ، وباشَرَهُ بِها، انْتَهى، ونَقَلَها ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: جَعَلاهُ أمْرًا، والهاءُ ضَمِيرُ الغَرِيمِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (فَناظِرُوهُ) أيْ: فَأنْتُمْ ناظِرُوهُ، أيْ: فَأنْتُمْ مُنْتَظِرُوهُ، فَهَذِهِ سِتُّ قِراءاتٍ، ومَن جَعَلَهُ اسْمَ مَصْدَرٍ أوْ مَصْدَرًا فَهو يَرْتَفِعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فالأمْرُ والواجِبُ عَلى صاحِبِ الدَّيْنِ نَظِرَةٌ مِنهُ لِطَلَبِ الدَّيْنِ مِنَ المَدِينِ إلى مَيْسَرَةٍ مِنهُ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ (مَيْسُرَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ، والضَّمُّ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وهو قَلِيلٌ؛ كَمَقْبُرَةٍ، ومَشْرُفَةٍ، ومَسْرُبَةٍ، والكَثِيرُ مَفْعَلَةٍ بِفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى اللُّغَةِ الكَثِيرَةِ، وهي لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إلى مَيْسُورِهِ) عَلى وزْنِ مَفْعُولٍ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الغَرِيمِ، وهو عِنْدَ الأخْفَشِ مَصْدَرٌ كالمَعْقُولِ والمَجْلُودِ في قَوْلِهِمْ: مالُهُ مَعْقُولٌ ولا مَجْلُودٌ، أيْ: عَقْلٌ وجَلْدٌ، ولَمْ يُثْبِتْ سِيبَوَيْهِ مَفْعُولًا مُصَدَّرًا، وقَرَأ عَطاءُ ومُجاهِدٌ (إلى مَيْسُرِهِ) بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِ الرّاءِ بَعْدَها ضَمِيرُ الغَرِيمِ. وقُرِئَ كَذَلِكَ بِفَتْحِ السِّينِ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ التّاءِ لِأجْلِ الإضافَةِ، كَقَوْلِهِ: ؎وأخْلَفُوكَ عِدَّ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا أيْ: عِدَّةَ، وهَذا - أعْنِي حَذْفَ التّاءِ - لِأجْلِ الإضافَةِ، هو مَذْهَبُ الفَرّاءِ وبَعْضِ المُتَأخِّرِينَ، وأدّاهم إلى هَذا التَّأْوِيلِ: أنْ مُفْعَلًا لَيْسَ في الأسْماءِ المُفْرَدَةِ، فَأمّا في الجَمْعِ فَقَدْ ذَكَرُوا ذَلِكَ في قَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎أبْلِغِ النُّعْمانَ عَنى مَأْلُكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي وفِي قَوْلِ جَمِيلٍ: ؎بُثَيْنَ الزَمِي لا إنَّ لا إنْ لَزِمْتِهِ ∗∗∗ عَلى كَثْرَةِ الواشِينَ أيُّ مَعُونِ فَمَأْلُكٌ ومَعُونٌ جَمْعُ مَأْلُكَةٍ ومَعُونَةٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ؎لِيَوْمِ رَوْعٍ أوْ فِعالِ مَكْرُمِ هَذا تَأْوِيلُ أبِي عَلِيٍّ، وتَأوَّلَ أبُو الفَتْحِ عَلى أنَّها مُفْرَدَةٌ حُذِفَ مِنها التّاءُ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَ في (p-٣٤١)الكَلامِ مَفْعِلٌ، يَعْنِي في الآحادِ، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، وحُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ: مَهْلَكٌ، مُثَلَّثُ اللّامِ، وأجازَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ: مَفْعِلٌ واحِدًا ولا يُخالِفُ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ، إذْ يُقالُ: لَيْسَ في الكَلامِ كَذا، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ مِنهُ حَرْفٌ أوْ حَرْفانِ، كَأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِالقَلِيلِ، ولا يُجْعَلُ لَهُ حُكْمٌ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنَ الإشارَةِ إلى الخِلافِ: أهَذا الإنْظارُ يَخْتَصُّ بِدَيْنِ الرِّبا ؟ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وشُرَيْحٍ، أمْ ذَلِكَ عامٌّ في كُلِّ مُعْسِرٍ بِدَيْنِ رَبًا أوْ غَيْرِهِ ؟ وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ، والرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، وعامَّةِ الفُقَهاءِ. وقَدْ جاءَ في فَضْلِ إنْظارِ المُعْسِرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها: «مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا، ووَضَعَ عَنْهُ، أظَلَّهُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظَلَّهُ» . ومِنها: «يُؤْتى بِالعَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما عَمِلْتُ لَكَ خَيْرًا قَطُّ أُرِيدُكَ بِهِ إلّا أنَّكَ رَزَقْتَنِي مالًا فَكُنْتُ أُوسِعُ عَلى المُقْتِرِ، وأنْظُرُ المُعْسِرَ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا أحَقُّ بِذَلِكَ مِنكَ، فَتَجاوَزُوا عَنْ عَبْدِي» . ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: تَصَدَّقُوا عَلى الغَرِيمِ بِرَأْسِ المالِ أوْ بِبَعْضِهِ خَيْرٌ مِنَ الإنْظارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيٌّ، وابْنُ زَيْدٍ، والجُمْهُورُ، وقِيلَ: وأنْ تَصَدَّقُوا فالإنْظارُ خَيْرٌ لَكم مِنَ المُطالَبَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإنْظارَ لِلْمُعْسِرِ واجِبٌ عَلى رَبِّ الدَيْنِ، فالحَمْلُ عَلى فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ أوْلى، ولِأنَّ: أفْعَلَ التَّفْضِيلِ باقِيَةٌ عَلى أصْلِ وصْفِها، والمُرادُ بِالخَيْرِ: حُصُولُ الثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا والأجْرِ الجَزِيلِ في الآخِرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: نَدَبُوا إلى أنْ يَتَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وقَرَأ عاصِمٌ ﴿تَصَدَّقُوا﴾ بِحَذْفِ التّاءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (تَتَصَدَّقُوا) بِتاءَيْنِ وهو الأصْلُ، والإدْغامُ تَخْفِيفٌ، والحَذْفُ أكْثَرُ تَخْفِيفًا. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: يُرِيدُ العَمَلَ، فَجَعَلَهُ مِن لَوازِمَ العِلْمِ، وقِيلَ: تَعْلَمُونَ فَضْلَ التَّصَدُّقِ عَلى الإنْظارِ والقَبْضِ، وقِيلَ: تَعْلَمُونَ أنَّ ما أمَرَكم بِهِ رَبُّكم أصْلُحُ لَكم. قِيلَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبا، قالَهُ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ويُحْمَلُ عَلى أنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ؛ لِأنَّهُ الجُمْهُورُ قالُوا: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ فَقِيلَ: قَبْلَ مَوْتِهِ بِتِسْعِ لَيالٍ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ. ورُوِيَ: بِثَلاثِ ساعاتٍ، وقِيلَ: عاشَ بَعْدَها أحَدًا وثَمانِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: أحَدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ أيّامٍ، ورَوِيَ أنَّهُ قالَ: ”اجْعَلُوها بَيْنَ آيَةِ الرِّبا وآيَةِ الدَّيْنِ“ . ورُوِيَ أنَّهُ قالَ، عَلَيْهِ السَّلامُ: جاءَنِي جِبْرِيلُ فَقالَ: اجْعَلْها عَلى رَأْسِ مِائَتَيْنِ وثَمانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى: واتَّقُوا يَوْمًا، في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ [البقرة: ١٢٣] . وقَرَأ يَعْقُوبُ، وأبُو عَمْرٍو (تُرْجَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وخَبَرُ عَبّاسٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وقَرَأ الحَسَنُ (يُرْجَعُونَ) عَلى مَعْنى يَرْجِعُ جَمِيعُ النّاسِ، وهو مِن بابِ الِالتِفاتِ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: كانَ اللَّهُ تَعالى رَفَقَ بِالمُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يُواجِهَهم بِذِكْرِ الرَّجْعَةِ إذْ هي مِمّا تَتَفَطَّرُ لَهُ القُلُوبُ، فَقالَ لَهم: ﴿واتَّقُوا﴾ ثُمَّ رَجَعَ في ذِكْرِ الرَّجْعَةِ إلى الغَيْبَةِ رِفْقًا بِهِمْ، انْتَهى، وقَرَأ أُبَيٌّ (تُرَدُّونَ) بِضَمِّ التّاءِ، حَكاهُ عَنْهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (يَرُدُّونَ) وقَرَأ أُبَيٌّ (تَصِيرُونَ) انْتَهى. قالَ الجُمْهُورُ: والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ قَوْمٌ: هو يَوْمُ المَوْتِ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ والمَعْنى إلى حُكْمِ اللَّهِ وفَصْلِ قَضائِهِ. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: تُعْطى وافِيًا جَزاءً (ما كَسَبَتْ) مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وفِيهِ نَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ الجَزاءِ بِالكَسْبِ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ. ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِمّا يَكُونُ جَزاءَ العَمَلِ الصّالِحِ مِنَ الثَّوابِ، ولا يُزادُونَ عَلى جَزاءِ العَمَلِ السَّيْءِ مِنَ العِقابِ، وأعادَ الضَّمِيرَ أوَلًا في (كَسَبَتْ) عَلى لَفْظِ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ عَلى المَعْنى لِأجْلِ فاصِلَةِ الآيِ، إذْ لَوْ أتى وهي لا تُظْلَمُ لَمْ تَكُنْ فاصِلَةٌ، ومَن قَرَأ (يُرْجَعُونَ) بِالياءِ فَتَجِيءُ (وهم) عَلَيْهِ غائِبًا مَجْمُوعًا لِغائِبٍ مَجْمُوعٍ.

البقرة 2:282

(p-٣٤٢)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] تَدايَنَ: تَفاعَلَ مِنَ الدَّيْنِ، يُقالُ: دايَنْتُ الرَّجُلَ عامَلْتُهُ بِدَيْنٍ مُعْطِيًا أوْ آخِذًا، كَما تَقُولُ: بايَعْتُهُ إذا بِعْتَهُ أوْ باعَكَ قالَ رُؤْبَةُ: ؎دايَنْتُ أرَوى والدُّيُونُ تُقْضى فَمَطَلَتْ بَعْضًا وأدَّتْ بَعْضًا ويُقالُ: دِنْتُ الرَّجُلَ إذا بِعْتَهُ بَدَيْنٍ، وادَّنْتُ أنا أيْ: أخَذْتُ بِدَيْنٍ. أمْلَ وأمْلى لُغَتانِ: الأُولى لِأهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ، والثّانِيَةُ لِتَمِيمٍ، يُقالُ: أمْلَيْتُ وأمْلَلْتُ عَلى الرَّجُلِ أيْ: ألْقَيْتُ عَلَيْهِ ما يَكْتُبُهُ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الإعادَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا دِيارَ الحَيِّ بِالسَّبُعانِ ∗∗∗ أمَلَّ عَلَيْها بِالبِلى المَلَوانِ وقِيلَ: الأصْلُ أمْلَلْتُ، أبْدَلَ مِنَ اللّامِ ياءً لِأنَّها أخَفُّ. البَخْسُ: النَّقْصُ، يُقالُ مِنهُ: بَخَسَ يَبْخَسُ، ويُقالُ: بِالصّادِّ، والبَخْسُ: إصابَةُ العَيْنِ، ومِنهُ: اسْتُعِيرَ بَخْسُ حَقِّهِ، كَقَوْلِهِمْ: عَوَّرَ حَقَّهُ، وتَباخَسُوا في البَيْعِ تَغابَنُوا، كانَ كُلُّ واحِدٍ يَبْخَسُ صاحِبَهُ عَنْ ما يُرِيدُهُ مِنهُ بِاحْتِيالِهِ. السَّأمُ والسَّآمَةُ: المَلَلُ مِنَ الشَّيْءِ والضَّجَرُ مِنهُ، يُقالُ مِنهُ: سَئِمَ يَسْأمُ. الصَّغِيرُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن صَغُرَ يَصْغُرُ، ومَعْناهُ قِلَّةُ الجُرْمِ، ويُسْتَعْمَلُ في المَعانِي أيْضًا. القِسْطُ: بِكَسْرِ القافِ: العَدْلُ، يُقالُ مِنهُ: أقْسَطَ الرَّجُلُ أيْ: عَدَلَ، وبِفَتْحِ القافِ: الجَوْرُ، ويُقالُ مِنهُ: قَسَطَ الرَّجُلُ أيْ: جارَ، والقِسْطُ بِالكَسْرِ أيْضًا: النَّصِيبُ. الرَّهْنُ: ما دُفِعَ إلى الدّائِنِ عَلى اسْتِيثاقِ دَيْنِهِ، ويُقالُ: رَهَنَ يَرْهَنُ رَهْنًا، ثُمَّ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَرْهُونِ، ويُقالُ: رَهَنَ الشَّيْءَ دامَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎اللَّحْمُ والخُبْزُ لَهم راهِنٌ ∗∗∗ وقَهْوَةٌ راوُوقُها ساكِبُ وأرْهَنُ لَهُمُ الشَّرابَ: دامَ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: ورَهَنَهُ، أيْ: أدامَهُ، ويُقالُ: أرْهَنَ في السِّلْعَةِ إذا غالى بِها حَتّى أخَذَها بِكَثِيرِ الثَّمَنِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يَطْوِي ابْنُ سَلْمى بِها مِن راكِبٍ بَعْرًا ∗∗∗ عِيدِيَّةٌ أُرْهِنَتْ فِيها الدَّنانِيرُ العِيدُ: بَطْنٌ مِن مَهْرٍ، وإبِلٌ مَهَرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِالنَّجابَةِ، ويُقالُ، مِنَ الرَّهْنِ الَّذِي هو مِنَ التَّوْثِقَةِ: أرْهَنَ إرْهانًا، قالَ هَمّامُ بْنُ مُرَّةَ: ؎فَلَمّا خَشِيتُ أظافِيرَهم ∗∗∗ نَجَوْتُ وأرْهَنْتُهم مالِكا (p-٣٤٣)وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ، والزَّجّاجُ: يُقالُ في الرَّهْنِ رَهَنْتُ وأرْهَنْتُ، وقالَ الأعْشى: ؎حَتّى يُفِيدَكَ مِن بَنِيهِ رَهِينَةً ∗∗∗ نَعْشٌ ويَرْهَنُكَ السِّماكُ الفَرْقَدا وتَقُولُ: رَهَنْتُ لِسانِي بِكَذا، ولا يُقالُ فِيهِ: أرْهَنْتُ، ولَمّا أُطْلِقَ الرَّهْنُ عَلى المَرْهُونِ صارَ اسْمًا، فَكُسِرَ تَكْسِيرَ الأسْماءِ وانْتَصَبَ بِفِعْلِهِ نَصْبَ المَفاعِيلِ، فَرَهَنْتُ رَهْنًا كَرَهَنْتُ ثَوْبًا. الإصْرُ: الأمْرُ الغَلِيظُ الصَّعْبُ، والآصِرَةُ في اللُّغَةِ: الأمْرُ الرّابِطُ مِن ذِمامٍ أوْ قَرابَةٍ، أوْ عَهْدٍ، ونَحْوُهُ، والإصارُ: الحَبْلُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ الأحْمالُ ونَحْوُها، يُقالُ: أصَرَ يَأْصِرُ أصْرًا، والإصْرُ، بِكَسْرٍ الهَمْزَةِ، الِاسْمُ مِن ذَلِكَ، ورَوِيَ الأُصْرُ بِضَمِّها وقَدْ قُرِئَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا مانِعَ الضَّيْمِ أنْ يَغْشى سَراتَهم ∗∗∗ والحامِلَ الإصْرَ عَنْهم بَعْدَما عَرِقُوا ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في السَّلَمِ خاصَّةً، يَعْنى: أنَّ سَلَمَ أهْلِ المَدِينَةِ كانَ السَّبَبَ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ جَمِيعَ الدُّيُونِ بِالإجْماعِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وبِتَرْكِ الرِّبا، وكِلاهُما يَحْصُلُ بِهِ تَنْقِيصُ المالِ، نَبَّهَ عَلى طَرِيقٍ حَلالٍ في تَنْمِيَةِ المالِ وزِيادَتِهِ، وأكَّدَ في كَيْفِيَّةِ حِفْظِهِ، وبَسَطَ في هَذِهِ الآيَةِ وأمَرَ فِيها بِعِدَّةِ أوامِرَ عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ. وذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿بِدَيْنٍ﴾ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ وإنْ كانَ مَفْهُومًا مِن: تَدايَنْتُمْ، أوْ لِإزالَةِ اشْتِراكِ تَدايَنَ، فَإنَّهُ يُقالُ: تُدايِنُوا، أيْ: جازى بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا قالَ: ﴿بِدَيْنٍ﴾ دَلَّ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى، أوْ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِيَدُلَّ عَلى أيِّ دَيْنٍ كانَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، وعَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مِن سَلَمٍ أوْ بَيْعٍ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لَيْسَ هَذا الوَصْفُ احْتِرازًا مِن أنَّ الدَّيْنَ لا يَكُونُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، بَلْ لا يَقَعُ الدَّيْنُ إلّا إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَأمّا الآجالُ المَجْهُولَةُ فَلا يَجُوزُ، والمُرادُ بِالمُسَمّى المُوَقَّتُ المَعْلُومُ، نَحْوُ: التَّوْقِيتُ بِالسَّنَةِ والأشْهُرِ والأيّامِ، ولَوْ قالَ: إلى الحَصادِ، أوْ إلى الدِّياسِ، أوْ رُجُوعِ الحاجِّ، لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ، وإلى أجَلٍ، مُتَعَلِّقٌ: بِتَدايَنْتُمْ، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿بِدَيْنٍ﴾ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ. ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ أمَرَ تَعالى بِكِتابَتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أوْثَقُ وآمَنُ مِنَ النِّسْيانِ، وأبْعَدُ مِنَ الجُحُودِ، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ الطَّبَرِيُّ، وأهَّلُ الظّاهِرِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو أمْرُ نَدْبٍ يُحْفَظُ بِهِ المالُ، وتُزالُ بِهِ الرِّيبَةَ، وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَلى الِاعْتِرافِ بِهِ وحِفْظِهِ، فَإنَّ الكِتابَ خَلِيفَةُ اللِّسانِ، واللِّسانَ خَلِيفَةُ القَلْبِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، والشَّعْبِيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ وقالَ الرَّبِيعُ وجَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ ثُمَّ خُفِّفَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ وهَذا الأمْرُ قِيلَ: عَلى الوُجُوبِ عَلى الكِفايَةِ كالجِهادِ، قالَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ: يَجِبُ عَلى الكاتِبِ أنْ يَكْتُبَ عَلى كُلِّ حالٍ، وقالَ الشَّعْبِيُّ، أيْضًا: إذا لَمْ يُوجَدْ كاتِبٌ سِواهُ فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو واجِبٌ مَعَ الفَراغِ، واخْتارَ الرّاغِبُ أنَّ الصَّحِيحَ كَوْنُ الكِتابَةِ فَرْضًا عَلى الكِفايَةِ، وقالَ: الكِتابَةُ فِيما بَيْنَ المُتَبايِعَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً، فَقَدْ تَجِبُ عَلى الكاتَبِ إذا أتَوْهُ، كَما أنَّ الصَّلاةَ النّافِلَةَ، وإنْ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً عَلى فاعِلِها، فَقَدْ يَجِبُ عَلى العالِمِ تَبْيِينُها إذا أتاهُ مُسْتَفْتٍ. ومَعْنى: بَيْنَكم، أيْ: بَيْنَ صاحِبِ الدَّيْنِ والمُسْتَدِينِ، والبائِعِ والمُشْتَرِي، والمُقْرِضِ والمُسْتَقْرِضِ، والتَّثْنِيَةُ تَقْتَضِي أنْ لا يَنْفَرِدَ أحَدُ المُتَعامِلِينَ؛ لِأنَّهُ يُتَّهَمُ في الكِتابَةِ، فَإذا كانَتْ واقِعَةً بَيْنَهُما كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُطَّلِعًا عَلى ما سَطَرَهُ الكاتِبُ. * * ومَعْنى: بِالعَدْلِ، أيْ: بِالحَقِّ والإنْصافِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ في قَلْبِهِ ولا في قَلَمِهِ مَيْلٌ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ. واخْتُلِفَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿بِالعَدْلِ﴾ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِالعَدْلِ، مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿كاتِبٌ﴾ صِفَةٌ لَهُ، أيْ: بِكاتِبٍ مَأْمُونٍ عَلى ما يَكْتُبُ، يَكْتُبُ بِالسَّوِيَّةِ والِاحْتِياطِ، لا يَزِيدُ عَلى ما يَجِبُ أنْ يَكْتُبَ، ولا يَنْقُصُ، وفِيهِ أنْ يَكُونَ الكاتِبُ (p-٣٤٤)فَقِيهًا عالِمًا بِالشُّرُوطِ، حَتّى يَجِيءَ مَكْتُوبُهُ مُعَدَّلًا بِالشَّرْعِ، وهو أمْرٌ لِلْمُتَدايِنَيْنِ بِتَخَيُّرِ الكاتِبِ، وأنْ لا يَسْتَكْتِبُوا إلّا فَقِيهًا دَيِّنًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَكْتُبْ﴾ ولَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِكاتِبٍ؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَكْتُبَ وثِيقَةً إلّا العَدْلُ في نَفْسِهِ، وقَدْ يَكْتُبُها الصَّبِيُّ والعَبْدُ والمُتَحَوِّطُ إذا أقامُوا فِقْهَها، أمّا أنَّ المُنْتَخَبِينَ لِكَتْبِها لا يَجُوزُ لِلْوُلاةِ أنْ يَتْرُكُوهم إلّا عُدُولًا مَرْضِيِّينَ، وقِيلَ: الباءُ زائِدَةٌ، أيْ: فَلْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبُ العَدْلِ. وقالَ القَفّالُ في مَعْنى (بِالعَدْلِ): أنْ يَكُونَ ما يَكْتُبُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، لا يُرْفَعُ إلى قاضٍ فَيَجِدُ سَبِيلًا إلى إبْطالِهِ بِألْفاظٍ لا يَتَّسِعُ فِيها التَّأْوِيلُ، فَيَحْتاجُ الحاكِمُ إلى التَّوَقُّفِ، وقَرَأ الحَسَنُ ﴿ولْيَكْتُبْ﴾ بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ، والكَسْرُ الأصْلُ. ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ نَهى الكاتِبُ عَنِ الِامْتِناعِ مِنَ الكِتابَةِ، و﴿كاتِبٌ﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّهْيِ، فَتَعُمُّ، و(أنْ يَكْتُبَ) مَفْعُولُ (ولا يَأْبَ) ومَعْنى ﴿كَما عَلَّمَهُ﴾ اللَّهُ، أيْ: مِثْلَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِن كِتابَةِ الوَثائِقِ، لا يُبَدِّلُ ولا يُغَيِّرُ، وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَلى بَذْلِ جُهْدِهِ في مُراعاةِ شُرُوطِهِ مِمّا قَدْ لا يَعْرِفُهُ المُسْتَكْتِبُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى المِنَّةِ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ. وقِيلَ: المَعْنى كَما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الحَقِّ، فَيَكُونُ: عَلَّمَ، بِمَعْنى: أعْلَمَ، وقِيلَ: المَعْنى كَما فَضَّلَهُ اللَّهُ بِالكِتابِ، فَتَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: لِأجْلِ ما فَضَّلَهُ اللَّهُ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] أيْ: لِأجْلِ إحْسانِ اللَّهِ إلَيْكَ. والظّاهِرُ تَعَلُّقُ الكافِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَكْتُبَ﴾ وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَكْتُبَ﴾ وتَتَعَلَّقَ الكافُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾، وهو قَلَقٌ لِأجْلِ الفاءِ، ولِأجْلِ أنَّهُ لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ لَكانَ النَّظْمُ: فَلْيَكْتُبْ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيمِ ما هو مُتَأخِّرٌ في المَعْنى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (كَما) مُتَعَلِّقًا بِما في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ﴾ أيْ: كَما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعِلْمِ الكِتابَةِ فَلا يَأْبَ هو، ولِيُفَضِلْ كَما أُفَضِلَ عَلَيْهِ، انْتَهى، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وتَكُونُ الكافُ في هَذا القَوْلِ لِلتَّعْلِيلِ، وإذا كانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَكْتُبَ﴾ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ﴾ نَهْيًا عَنِ الِامْتِناعِ مِنَ الكِتابَةِ المُقَيَّدَةِ، ثُمَّ أمَرَ بِتِلْكَ الكِتابَةِ، لا يُعْدَلُ عَنْها، أمْرَ تَوْكِيدٍ، وإذا كانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ كانَ ذَلِكَ نَهْيًا عَنِ الِامْتِناعِ مِنَ الكِتابَةِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ أمَرَ بِالكِتابَةِ المُقَيَّدَةِ. وقالَ الرَّبِيعُ، والضَّحّاكُ: ﴿ولا يَأْبَ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ . ﴿فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ أيْ: فَلْيَكْتُبِ الكاتِبُ، ولْيُمْلِلْ مَن وجَبَ عَلَيْهِ الحَقُّ؛ لِأنَّهُ هو المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِأنَّ الدَّيْنَ في ذِمَّتِهِ، والمُسْتَوْثِقُ مِنهُ بِالكِتابَةِ. ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، فِيما يُمْلِيهِ ويُقَرِّبُهُ، وجُمِعَ بَيْنَ اسْمِ الذّاتِ وهو: اللَّهُ، وبَيْنَ هَذا الوَصْفِ الَّذِي هو: الرَّبُّ، وإنْ كانَ اسْمُ الذّاتِ مَنطُوقًا عَلى جَمِيعِ الأوْصافِ، لِيَذْكُرَهُ تَعالى كَوْنَهُ مُرَبِّيًا لَهُ، مُصْلِحًا لِأمْرِهِ، باسِطًا عَلَيْهِ نِعَمَهُ، وقُدِّمَ لَفْظُ (اللَّهَ) لِأنَّ مُراقَبَتَهُ مِن جِهَةِ العُبُودِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ أسْبَقُ مِن جِهَةِ النِّعَمِ. ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَنْقُصْ بِالمُخادَعَةِ أوِ المُدافَعَةِ، والمَأْمُورُ بِالإمْلالِ هو المالِكُ لِنَفْسِهِ، وفَكُّ المُضاعَّفَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيُمْلِلِ﴾ لُغَةُ الحِجازِ، وذَلِكَ في ما سَكَنَ آخِرُهُ بِجَزْمٍ، نَحْوُ هَذا، أوْ وقْفٍ نَحْوُ: أمْلِلْ، ولا يُفَكُّ في رَفْعٍ ولا نَصْبٍ وقُرِئَ: شَيًّا، بِالتَّشْدِيدِ. ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو الجاهِلُ بِالأُمُورِ والإمْلاءِ، وقالَ الحَسَنُ: الصَّبِيُّ والمَرْأةُ، وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: الصَّغِيرُ. وضُعِّفَ هَذا لِأنَّهُ قَدْ يَصْدُقُ السَّفِيهُ عَلى الكَبِيرِ، وذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى: أنَّهُ المُبَذِّرُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: المُبَذِّرُ لِمالِهِ المُفْسِدِ لِدِينِهِ، ورَوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُ الأحْمَقُ، وقِيلَ: الَّذِي يَجْهَلُ قَدْرَ المالِ فَلا يَمْتَنِعُ مِن تَبْذِيرِهِ ولا يَرْغَبُ في تَثْمِيرِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجاهِلُ بِالإسْلامِ. ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ العاجِزُ، والأخْرَسُ، ومَن بِهِ حُمْقٌ، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: الأحْمَقُ. وذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى، وغَيْرُهُ: أنَّهُ الصَّغِيرُ. وقِيلَ: المَدْخُولُ العَقْلِ، النّاقِصُ الفِطْرَةِ. وقالَ الشَّيْخُ: الكَبِيرُ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: العاجِزُ عَنِ الإمْلاءِ لِعَيٍّ أوْ لِخَرَسٍ. (p-٣٤٥)﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِعَيٍّ أوْ خَرَسٍ أوْ غَيْبَةٍ، وقِيلَ: بِجُنُونٍ، وقِيلَ: بِجَهْلٍ بِما لَهُ أوْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: لِصِغَرٍ، والَّذِي يَظْهَرُ تَبايُنُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، فَمَن زَعَمَ زِيادَةَ (أوْ) في قَوْلِهِ: ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾ أوْ زِيادَتَها في هَذا، وفي قَوْلِهِ: ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ﴾ فَقَوْلُهُ ساقِطٌ؛ إذْ (أوْ) لا تُزادُ، وأنَّ السَّفَهَ هو تَبْذِيرُ المالِ والجَهْلُ بِالتَّصَرُّفِ، وأنَّ الضَّعْفَ هو في البَدَنِ لِصِغَرٍ أوْ إفْراطِ شَيْخٍ يَنْقُصُ مَعَهُ التَّصَرُّفُ، وأنَّ عَدَمَ اسْتِطاعَتِهِ الإمْلاءَ لِعَيٍّ أوْ خَرَسٍ؛ لِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ هي القُدْرَةُ عَلى الإمْلالِ، وهَذا الشَّرْحُ أكْثَرُهُ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ تَعالى ثَلاثَةَ أنْواعٍ تَقَعُ نَوازِلُهم في كُلِّ زَمانٍ، ويَتَرَتَّبُ الحَقُّ لَهم في كُلِّ جِهاتٍ سِوى المُعامَلاتِ: كالمَوارِيثِ إذا قُسِّمَتْ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والسَّفِيهُ المُهَلْهَلِ الرَّأْيِ في المالِ الَّذِي لا يُحْسِنُ الأخْذَ والإعْطاءَ، وهَذِهِ الصِّفَةُ لا تَخْلُو مِن حَجْرِ ولِيٍّ أوْ وصِيٍّ، وذَلِكَ ولَيُّهُ. والضَّعِيفُ المَدْخُولُ العَقْلِ النّاقِصُ الفِطْرَةِ، ووَلِيُّهُ وصِيٌّ أوْ أبٌ، والَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو الغائِبَ عَنْ مَوْضِعِ الإشْهادِ إمّا لِمَرَضٍ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، ووَلِيُّهُ وكِيلُهُ، والأخْرَسُ مِنَ الضُّعَفاءِ، والأوْلى أنَّهُ مِمَّنْ لا يَسْتَطِيعُ، ورُبَّما اجْتَمَعَ اثْنانِ أوِ الثَّلاثَةُ في شَخْصٍ، انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وهو تَوْكِيدُ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنُ في: أنْ يُمِلَّ، وفِيهِ مِنَ الفَصاحَةِ ما لا يَخْفى؛ لِأنَّ في التَّأْكِيدِ بِهِ رَفْعُ المَجازِ الَّذِي كانَ يَحْتَمِلُهُ إسْنادُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ، والتَّنْصِيصُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ بِنَفْسِهِ. وقُرِئَ شاذًّا بِإسْكانِ هاءِ (هو) وإنْ كانَ قَدْ سَبَقَها ما يَنْفَصِلُ؛ إجْراءً لِلْمُنْفَصِلِ مَجْرى المُتَّصِلِ بِالواوِ والفاءِ واللّامِ، نَحْوُ: وهو، فَهو، لَهو، وهَذا أشَذُّ مِن قِراءَةِ مَن قَرَأ: (ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ) لِأنَّ ثُمَّ شارَكَتْ في كَوْنِهِ لِلْعَطْفِ، وأنَّها لا يُوقَفُ عَلَيْها فَيَتِمُّ المَعْنى. ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿ولِيُّهُ﴾ عائِدٌ عَلى أحَدِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ابْنَ عَطِيَّةَ لِلْوَلِيِّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِي يَلِي أمْرَهُ مِن وصِيٍّ إنْ كانَ سَفِيهًا أوْ صَبِيًّا، أوْ وكِيلٍ إنْ كانَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ، أوْ تُرْجُمانَ يُمِلُّ عَنْهُ، وهو يُصَدِّقُهُ، وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ولِيِّهِ يَعُودُ عَلى الحَقِّ، فَيَكُونُ الوَلِيُّ هو الَّذِي لَهُ الحَقُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والرَّبِيعِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَيْفَ تَشْهَدُ البَيِّنَةُ عَلى شَيْءٍ ويُدْخِلُ مالًا في ذِمَّةِ السَّفِيهِ، بِإمْلاءِ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ، هَذا شَيْءٌ لَيْسَ في الشَّرِيعَةِ. قالَ الرّاغِبُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ولِيَّ الحَقِّ كَما قالَ بَعْضُهم؛ لِأنَّ قَوْلَهُ لا يُؤَثِّرُ إذْ هو مُدَّعٍ. و(بِالعَدْلِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيُمْلِلْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْحالِ، وفي قَوْلِهِ: (بِالعَدْلِ) حَثٌّ عَلى تَحَرِّيهِ لِصاحِبِ الحَقِّ، والمَوْلى عَلَيْهِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ الحَجْرِ عَلى الصَّغِيرِ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى جَوازِ تَصَرُّفِ السَّفِيهِ، وعَلى قِيامِ وِلايَةِ التَّصَرُّفاتِ لَهُ في نَفْسِهِ وأمْوالِهِ. * * ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ أيْ: اطْلُبُوا لِلْإشْهادِ شَهِيدَيْنِ، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ لِلطَّلَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُوافِقَةُ أفْعَلَ أيْ: وأشْهِدُوا، نَحْوُ: اسْتَيْقَنَ مُوافِقُ أيْقَنَ، واسْتَعْجَلَهُ بِمَعْنى أعْجَلَهُ، ولَفَظُ شَهِيدٍ، لِلْمُبالَغَةِ، وكَأنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يَسْتَشْهِدُوا مَن كَثُرَتْ مِنهُ الشَّهادَةُ، فَهو عالِمٌ بِمَواقِعِ الشَّهادَةِ وما يَشْهَدُ فِيهِ لِتَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهُ، فَأُمِرُوا بِطَلَبِ الأكْمَلِ، وكانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى العَدالَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنَ الشَّخْصِ عِنْدَ الحُكّامِ إلّا وهو مَقْبُولٌ عِنْدَهم. ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهُمُ المُصَدَّرُ بِهِمُ الآيَةُ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُسْتَشْهَدُ الكافِرُ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِشَهادَةِ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وأجازَ ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ، وإنِ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهم، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى اشْتِراطِ البُلُوغِ، واشْتِراطِ الذُّكُورَةِ في الشّاهِدَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ: يَجُوزُ شَهادَةُ العَبْدِ، وهو مَذْهَبُ شُرَيْحٍ، وابْنِ سِيرِينَ، وابْنِ شُبْرُمَةَ، وعُثْمانَ البَتِّيِّ، وقِيلَ عَنْهُ: يَجُوزُ شَهادَتُهُ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: شَهادَةُ العَبْدِ عَلى العَبْدِ جارِيَةٌ جائِزَةٌ، ورَوى المُغِيرَةُ عَنْ إبْراهِيمَ أنَّهُ كانَ يُجِيزُ شَهادَةَ المَمْلُوكِ في الشَّيْءِ التّافِهِ، ورُوِيَ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: ما أعْلَمُ أنَّ أحَدًا رَدَّ شَهادَةَ العَبْدِ، وقالَ الجُمْهُورُ: (p-٣٤٦)أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ، وابْنُ شُبْرُمَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ، ومالِكٌ، وابْنُ صالِحٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والشّافِعِيُّ: لا تُقْبَلُ شَهادَةُ العَبْدِ في شَيْءٍ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ شَهادَةَ الصِّبْيانِ لا تُعْتَبَرُ، وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ الثَّلاثَةُ، وابْنُ شُبْرُمَةَ، والشّافِعِيُّ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: تَجُوزُ شَهادَةُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، قالَ مالِكٌ: تَجُوزُ شَهادَتُهم في الجِراحِ وحْدَها بِشُرُوطٍ ذُكِرَتْ عَنْهُ في كُتُبِ الفِقْهِ. وظاهِرُ الآيَةِ اشْتِراطُ الرُّجُولِيَّةِ فَقَطْ في الشّاهِدَيْنِ، فَلَوْ كانَ الشّاهِدُ أعْمى، فَفي جَوازِ شَهادَتِهِ خِلافٌ، ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٌ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ بِحالٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرِ، وإياسِ ابْنِ مُعاوِيَةَ، وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو يُوسُفَ، والشّافِعِيُّ: إذا عَلِمَ قَبْلَ العَمى جازَتْ، أوْ بَعْدَهُ فَلا. وقالَ زُفَرُ: لا يَجُوزُ إلّا في النَّسَبِ يَشْهَدُ أنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ، وقالَ شُرَيْحٌ والشَّعْبِيُّ: شَهادَتُهُ جائِزَةٌ، وقالَ مالِكٌ: يَجُوزُ وإنْ عَلِمَهُ حالَ العَمى إذا عَرَفَ الصَّوْتَ في الطَّلاقِ والإقْرارِ ونَحْوِهِ، وإنْ شَهِدَ بِزِنا أوْ حَدِّ قَذْفٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُ، ولَوْ كانَ الشّاهِدُ أخْرَسَ، فَقِيلَ: تُقْبَلُ شَهادَتُهُ بِإشارَةٍ، وسَواءٌ كانَ طارِئًا أمْ أصْلِيًّا، وقِيلَ: لا تُقْبَلُ. وإنْ كانَ أصَمَّ، فَلا تُقْبَلُ في الأقْوالِ، وتُقْبَلُ فِيما عَدا ذَلِكَ مِنَ الحَواسِّ. ولَوْ شَهِدَ بَدَوِيٌّ عَلى قَرَوِيٍّ، فَرَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ أنَّها لا تَجُوزُ إلّا في الجِراحِ، ورَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ: لا تَجُوزُ في الحَضَرِ إلّا في وصِيَّةِ القَرَوِيِّ في السَّفَرِ وفي البَيْعِ. ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَّهِيدَيْنِ أيْ: فَإنْ لَمْ يَكُنِ الشَّهِيدانِ رَجُلَيْنِ، والمَعْنى أنَّهُ: إنْ أغْفَلَ ذَلِكَ صاحِبُ الحَقِّ، أوْ قَصَدَ أنْ لا يَشْهَدَ رَجُلَيْنِ لِغَرَضٍ لَهُ، وكانَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ناقِصَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: بَلِ المَعْنى: فَإنْ لَمْ يُوجَدْ رَجُلانِ، ولا يَجُوزُ اسْتِشْهادُ المَرْأتَيْنِ إلّا مَعَ عَدَمِ الرِّجالِ، وهَذا لا يَتِمُّ إلّا عَلى اعْتِقادِ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿يَكُونا﴾ عائِدٌ عَلى شَهِيدَيْنِ، بِوَصْفِ الرُّجُولِيَّةِ، وتَكُونُ كانَ تامَّةً، ويَكُونُ (رَجُلَيْنِ) مَنصُوبًا عَلى الحالِ المُؤَكَّدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] عَلى أحْسَنِ الوَجْهَيْنِ. ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ ارْتِفاعُ رَجُلٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فالشّاهِدُ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ يَشْهَدُونَ، أوْ فاعِلٌ، أيْ: فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ، أوْ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: فَلْيُسْتَشْهَدْ، وقِيلَ: المَحْذُوفُ فَلْيَكُنْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تامَّةً، فَيَكُونُ رَجُلٌ فاعِلًا، وأنْ تَكُونَ ناقِصَةً، ويَكُونُ خَبَرُها مَحْذُوفًا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أصْحابَنا لا يُجِيزُونَ حَذْفَ خَبَرِ كانَ لا اقْتِصارًا ولا اخْتِصارًا. وقُرِئَ شاذًّا ﴿وامْرَأتانِ﴾ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وهو عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ويُمْكِنُ أنْ سَكَّنَها تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ تَوالِي الحَرَكاتِ وجاءَ نَظِيرُ تَخْفِيفِ هَذِهِ الهَمْزَةِ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يَقُولُونَ جَهْلًا لَيْسَ لِلشَّيْخِ عَيِّلٌ لَعَمْرِي لَقَدْ أعْيَلْتُ وأنَّ رَقُوبُ يُرِيدُ: وأنا رَقُوبٌ، قِيلَ: خَفَّفَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها ألِفًا ثُمَّ هَمْزَةً بَعْدَ ذَلِكَ، قالُوا: الخَأتَمُ، والعَأْمُ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي جَوازُ شَهادَةِ المَرْأتَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ في سائِرِ عُقُودِ المُدايَناتِ، وهي كُلُّ عَقْدٍ وقَعَ عَلى دَيْنٍ سَواءٌ كانَ بَدَلًا أمْ بُضْعًا، أمْ مَنافِعَ أمْ دَمَ عَمْدٍ، فَمَنِ ادَّعى خُرُوجَ شَيْءٍ مِنَ العُقُودِ مِنَ الظّاهِرِ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ في غَيْرِ الأمْوالِ، ولا يَجُوزُ في الوَصِيَّةِ إلّا الرَّجُلُ، ويَجُوزُ في الوَصِيَّةِ بِالمالِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ في الوَصِيَّةِ والعِتْقُ، ولا تَجُوزُ في النِّكاحِ ولا الطَّلاقِ ولا قَتْلِ العَمْدِ الَّذِي يُقادُ مِنهُ. وقالالأوْزاعِيُّ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ في نِكاحٍ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ حُيَيٍّ: لا تَجُوزُ شَهادَتُهُنَّ في الحُدُودِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: تَجُوزُ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا الحُدُودَ. وقالَ مالِكٌ: لا تَجُوزُ في الحُدُودِ ولا القِصاصِ، ولا الطَّلاقِ ولا النِّكاحِ، ولا الأنْسابِ ولا الوَلاءِ ولا الإحْصانِ، وتَجُوزُ في الوِكالَةِ والوَصِيَّةِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها عِتْقٌ. وقالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ: لا تَجُوزُ (p-٣٤٧)شَهادَتُهُنَّ إلّا في الدَّيْنِ. وقالَ عُمَرُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ في الطَّلاقِ. وقالَ شُرَيْحٌ: تَجُوزُ في العِتْقِ، وقالَ عُمَرُ، وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: تَجُوزُ شَهادَةُ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ في النِّكاحِ. وقالَ عَلِيٌّ تَجُوزُ في العَقْدِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ: لا تُقْبَلُ شَهادَةُ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ في الحُدُودِ والقِصاصِ، وتُقْبَلُ فِيما سِوى ذَلِكَ مِن سائِرِ الحُقُوقِ. وأدِلَّةُ هَذِهِ الأقْوالِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وأمّا قَبُولُ شَهادَتِهِنَّ مُفْرَداتٍ فَلا خِلافَ في قَبُولِها في: الوِلادَةِ، والبَكارَةِ، والِاسْتِهْلالِ، وفي عُيُوبِ النِّساءِ الإماءِ وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ مِمّا هو مَخْصُوصٌ بِالنِّساءِ، وأجازَ أبُو حَنِيفَةَ شَهادَةَ الواحِدَةِ العَدْلَةِ في رُؤْيَةِ الهِلالِ، إذْ هو عِنْدَهُ مِن بابِ الإخْبارِ، وكَذَلِكَ شَهادَةُ القابِلَةِ مُفْرَدَةٌ. ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ قِيلَ: هَذا في مَوْضِعِ الصَّفِّ لِقَوْلِهِ: ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (رِجالِكم) عَلى تَكْرِيرِ العامِلِ، وهُما ضَعِيفانِ؛ لِأنَّ الوَصْفَ يُشْعِرُ بِاخْتِصاصِهِ بِالمَوْصُوفِ، فَيَكُونُ قَدِ انْتَفى هَذا الوَصْفُ عَنْ شَهِيدَيْنِ، ولِأنَّ البَدَلَ يُؤْذِنُ بِالِاخْتِصاصِ بِالشَّهِيدَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَعَرِيَ عَنْهُ (رَجُلٌ وامْرَأتانِ) والَّذِي يَظْهُرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (واسْتَشْهِدُوا) أيْ: واسْتَشْهِدُوا مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ، لِيَكُونَ قَيْدًا في الجَمِيعِ، ولِذَلِكَ جاءَ مُتَأخِّرًا بَعْدَ ذِكْرِ الجَمِيعِ، والخِطابُ في ﴿تَرْضَوْنَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ في الشُّهُودِ مَن لا يَرْضى، فَيَدُلُّ هَذا عَلى أنَّهم لَيْسُوا مَحْمُولِينَ عَلى العَدالَةِ حَيْثُ تَثْبُتُ لَهم. وقالَ ابْنُ بِكِيرٍ وغَيْرُهُ: الخِطابُ لِلْحُكّامِ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ الظّاهِرُ، وإنْ كانَ المُتَلَبِّسُ بِهَذِهِ القَضايا هُمُ الحُكّامُ، ولَكِنْ يَجِيءُ الخِطابُ عامًّا ويَتَلَبَّسُ بِهِ بَعْضُ النّاسِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِأصْحابِ الدَّيْنِ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أهْلِ الفَضْلِ والدِّينِ والكَفاءَةِ، وقالَ الشَّعْبِيُّ: مِمَّنْ لَمْ يَطْعَنْ في فَرْجٍ ولا بَطْنٍ، وفَسَّرَ قَوْلُهُ بِأنَّهُ لَمْ يَقْذِفِ امْرَأةً ولا رَجُلًا، ولَمْ يَطْعَنْ في نَسَبٍ. ورُوِيَ: مَن لَمْ يُطْعَنْ عَلَيْهِ في فَرْجٍ ولا بَطْنٍ، ومَعْناهُ: لا يُنْسَبُ إلى رِيبَةٍ، ولا يُقالُ: إنَّهُ ابْنُ زِنا. وقالَ الحَسَنُ: مَن لَمْ تُعْرَفْ لَهُ خَرِبَةٌ. وقالَ النَّخَعِيُّ: مَن لا رِيبَةَ فِيهِ. وقالَ الخَصّافُ: مَن غَلَبَتْ حَسَناتُهُ سَيِّآتِهِ مَعَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ. وقِيلَ: المَرَضِيُّ مِنَ الشُّهُودِ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ عَشْرُ خِصالٍ: أنْ يَكُونَ حُرًّا، بالِغًا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، عالِمًا بِما يَشْهَدُ بِهِ، لا يَجُرُّ بِشَهادَتِهِ مَنفَعَةً لِنَفْسِهِ، ولا يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ مَضَرَّةً، ولا يَكُونُ مَعْرُوفًا بِكَثْرَةِ الغَلَطِ، ولا بِتَرْكِ المُرُوءَةِ، ولا يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَشْهَدُ عَلَيْهِ عَداوَةٌ. وذَكَرَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ: أنَّ مَن سَلِمَ مِنَ الفَواحِشِ الَّتِي يَجِبُ فِيها الحُدُودُ، وما يَجِبُ فِيها مِنَ العَظائِمِ، وأدّى الفَرائِضَ وأخْلاقُ البِرِّ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ المَعاصِي الصِّغارِ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَسْلَمُ عَبْدٌ مِن ذَنْبٍ، ولا تُقْبَلْ شَهادَةُ مَن ذُنُوبُهُ أكْثَرُ مِن أخْلاقِ البِرِّ، ولا مَن يَلْعَبُ بِالشَّطْرَنْجِ يُقامِرُ عَلَيْها، ولا مَن يَلْعَبُ بِالحَمامِ ويُطَيِّرُها، ولا تارِكِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ في جَماعَةٍ اسْتِخْفافًا أوْ مَجانَةً أوْ فِسْقًا، لا أنْ تَرَكَها عَلى تَأْوِيلٍ، وكانَ عَدْلًا، ومَن يُكْثِرُ الحَلِفَ بِالكَذِبِ، ولا مُداوِمٍ عَلى تَرْكِ رَكْعَتِيِ الفَجْرِ، ولا مَعْرُوفٍ بِالكَذِبِ الفاحِشِ، ولا مُظْهِرِ شَتِيمَةَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا شَتّامِ النّاسِ والجِيرانِ، ولا مَنِ اتَّهَمَهُ النّاسُ بِالفِسْقِ والفُجُورِ، ولا مُتَّهَمٍ بِسَبِّ الصَّحابَةِ حَتّى يَقُولُوا: سَمِعْناهُ يَشْتُمُ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ: تُقْبَلُ شَهادَةُ أهْلِ الأهْواءِ العُدُولِ، إلّا صِنْفًا مِنَ الرّافِضَةِ وهُمُ الخَطّابِيَّةُ. وقالَ مُحَمَّدٌ: لا أقْبَلُ شَهادَةَ الخَوارِجِ، وأقْبَلُ شَهادَةَ الحَرُورِيَّةِ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَحِلُّونَ أمْوالَنا، فَإذا خَرَجُوا اسْتَحَلُّوا. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ: لا يَجُوزُ شَهادَةُ البَخِيلِ. وعَنْ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ لا يُجِيزُ شَهادَةَ الأشْرافِ بِالعِراقِ ولا البُخَلاءِ، ولا التُّجّارِ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ، وعَنْ بِلالِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ، وكانَ عَلى البَصْرَةِ، أنَّهُ لا يُجِيزُ شَهادَةَ مَن يَأْكُلُ الطِّينَ ويَنْتِفُ لِحْيَتَهُ، ورَدَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ شَهادَةَ مَن يَنْتِفُ عُنْفَقَتَهُ ويُخْفِي لِحْيَتَهُ، ورَدَّ شُرَيْحٌ شَهادَةَ (p-٢٤٨)رَجُلٍ اسْمُهُ رَبِيعَةُ ويُلَقَّبُ بِالكُوَيْفِرِ، فَدُعِيَ: يا رَبِيعَةُ، فَلَمْ يُجِبْ، فَدُعِيَ: يا رَبِيعَةُ الكُوَيْفِرُ، فَأجابَ، فَقالَ لَهُ شُرَيْحٌ: دُعِيتَ بِاسْمِكَ فَلَمْ تُجِبْ، فَلَمّا دُعِيتَ بِالكُفْرِ أجَبْتَ فَقالَ: أصْلَحَكَ اللَّهُ، إنَّما هو لَقَبٌ، فَقالَ لَهُ: قُمْ، وقالَ لِصاحِبِهِ: هاتِ غَيْرَهُ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: لا يَجُوزُ شَهادَةُ أصْحابِ الحُمْرِ، يَعْنِي: النَّخّاسِينَ. وعَنْ شُرَيْحٍ: لا يُجِيزُ شَهادَةَ صاحِبِ حَمّامٍ، ولا حَمّالٍ، ولا ضَيِّقِ كُمِ القَباءِ، ولا مَن قالَ: أشْهَدُ بِشَهادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنْ مُحَمَّدٍ: لا تُقْبَلُ شَهادَةُ مَن ظَهَرَتْ مِنهُ مَجانَةٌ، ولا شَهادَةُ مُخَنَّثٍ، ولا لاعِبٍ بِالحَمامِ يُطَيِّرُهُنَّ، ورَدَّ ابْنُ أبِي لَيْلى شَهادَةَ الفَقِيرِ، وقالَ: لا يُؤْمَنُ أنْ يَحْمِلَهُ فَقْرُهُ عَلى الرَّغْبَةِ في المالِ. وقالَ مالِكٌ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ السُّؤالِ في الشَّيْءِ الكَثِيرِ، وتَجُوزُ في الشَّيْءِ التّافِهِ. وعَنِ الشّافِعِيِّ: إذا كانَ الأغْلَبُ مِن حالِهِ المَعْصِيَةَ وعَدَمَ المُرُوءَةِ رُدَّتْ شَهادَتُهُ، وعَنْهُ: إذا كانَ أكْثَرُ أمْرِهِ الطّاعَةَ، ولَمْ يُقْدِمْ عَلى كَبِيرَةٍ، فَهو عَدْلٌ، ويَنْبَغِي أنْ تُفَسَّرَ المُرُوءَةُ بِالتَّصاوُنِ، والسَّمْتِ الحَسَنِ، وحِفْظِ الحُرْمَةِ، وتَجَنُّبِ السَّخْفِ، والمُجُونِ، لا تُفَسَّرُ بِنَظافَةِ الثَّوْبِ، وفَراهَةِ المَرْكُوبِ، وجَوْدَةِ الآلَةِ، والشّارَةِ الحَسَنَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مِن شَرائِطَ الشَّهادَةِ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ. واخْتَلَفُوا في حُكْمِ مَن لَمْ تَظْهَرْ مِنهُ رِيبَةٌ، هَلْ يَسْألُ عَنْهُ الحاكِمُ إذا شَهِدَ ؟ فَفي كِتابِ عُمَرَ لِأبِي مُوسى: والمُسْلِمُونَ عُدُولٌ، بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا مَجْلُودًا في حَدٍّ، أوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهادَةُ زُورٍ، أوْ ظِنِّينًا أوْ قَرابَةً، وكانَ الحَسَنُ، لَمّا ولِيَ القَضاءَ، يُجِيزُ شَهادَةَ المُسْلِمِينَ إلّا أنْ يَكُونَ الخَصْمُ يَجْرَحُ الشّاهِدَ. وقالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: إنْ طَعَنَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ فِيهِمْ سَألْتُ عَنْهم في السِّرِّ والعَلانِيَةِ. وقالَ مُحَمَّدٌ، وأبُو يُوسُفَ: يُسْألُ عَنْهم، وإنْ لَمْ يُطْعَنْ فِيهِمْ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وقالَ مالِكٌ: لا يُقْضى بِشَهادَةِ الشُّهُودِ حَتّى يَسْألَ عَنْهم في السِّرِّ. وقالَ اللَّيْثُ: إنَّما كانَ الوالِيُّ يَقُولُ لِلْخَصْمِ: إنْ كانَ عِنْدَكَ مَن يُخْرِجُ شَهادَتَهم فَأْتِ بِهِ، وإلّا أجَزْنا شَهادَتَهم عَلَيْكَ. وقالالشّافِعِيُّ: يُسْألُ عَنْهُ في السِّرِّ، فَإذا عَدَلَ سَألَ عَنْ تَعْدِيلِهِ في العَلانِيَةِ. وأمّا ما ذُكِرَ مِنِ اعْتِبارِ نَفِيِ التُّهْمَةِ عَنِ الشّاهِدِ إذا كانَ عَدْلًا، فاتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى بُطْلانِ شَهادَةِ الشّاهِدِ لِوَلَدِهِ ووالِدِهِ إلّا ما حُكِيَ عَنِ البَتِّيِّ، قالَ: تَجُوزُ شَهادَةُ الوَلَدِ لِوالِدَيْهِ، والأبُ لِابْنِهِ وامْرَأتِهِ، وعَنْ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ أنَّهُ أجازَ شَهادَةَ رَجُلٍ لِابْنِهِ. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، واللَّيْثُ إلى أنَّهُ: لا يَجُوزُ شَهادَةُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ. وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ الأجِيرِ الخاصِّ لِمُسْتَأْجِرِهِ، وتَجُوزُ شَهادَةُ الأجِيرِ المُشْتَرِكِ لَهُ. وقالَ مالِكٌ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ أجِيرٍ لِمَنِ اسْتَأْجَرَهُ إلّا أنْ يَكُونَ مُبْرِزًا في العَدالَةِ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: لا تَجُوزُ مُطْلَقًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ: تَجُوزُ إذا كانَ لا يَجُرُّ إلى نَفْسِهِ مَنفَعَةً. ومَن ورَدَتْ شَهادَتُهُ لِمَعْنًى، ثُمَّ زالَ ذَلِكَ المَعْنى، فَهَلْ تُقْبَلُ تِلْكَ الشَّهادَةُ فِيهِ ؟ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ: لا تُقْبَلُ إذا رُدَّتْ لِفِسْقٍ أوْ زَوْجِيَّةٍ، وتُقْبَلُ إذا رُدَّتْ لِرِقٍّ أوْ كُفْرٍ أوْ صَبِيٍّ. وقالَ مالِكٌ: لا تُقْبَلُ إنْ رُدَّتْ لِرِقٍّ أوْ صَبِيٍّ. ورُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ مِثْلَ هَذا. وظاهِرُ الآيَةِ: أنَّ الشُّهُودَ في الدُّيُونِ رَجُلانِ، أوْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، مِمَّنْ تَرْضَوْنَ، فَلا يُقْضى بِشاهِدٍ واحِدٍ ويَمِينٍ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وابْنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيِّ والحَكَمِ، والأوْزاعِيِّ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وقالَ: أوَّلُ مَن قَضى بِهِ عَبْدُ المَلِكِ ابْنُ مَرْوانَ، وقالَ الحَكَمُ: أوَّلُ مَن حَكَمَ بِهِ مُعاوِيَةُ. واخْتُلِفَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقِيلَ: قالَ: هَذا شَيْءٌ أحْدَثَهُ النّاسُ لا بُدَّ مِن شَهِيدَيْنِ، وقالَ أيْضًا: ما أعْرِفُهُ، وإنَّها البِدْعَةُ، وأوَّلُ مَن قَضاهُ مُعاوِيَةَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ أوَّلُ ما ولِيَ القَضاءَ حَكَمَ بِشاهِدٍ ويَمِينٍ وقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ وأتْباعُهُما، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ: يُحْكَمُ بِهِ في الأمْوالِ خاصَّةً، وعَلَيْهِ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ وهو عَمَلُ أهْلِ المَدِينَةِ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومُعاوِيَةَ، وأبِي سَلَمَةَ، وأبِي الزِّيادِ، ورَبِيعَةَ. * * ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ قَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ (إنْ تَضِلْ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، جَعَلَها حَرْفَ شَرْطٍ (فَتُذَكِّرُ) بِالتَّشْدِيدِ ورَفْعِ الرّاءِ وجَعْلِهِ جَوابَ الشَّرْطِ، وقَرَأ (p-٣٤٩)الباقُونَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنْ) وهي النّاصِبَةُ، وفَتْحِ راءِ (فَتُذَكِّرَ) عَطْفًا عَلى: أنْ تَضِلَّ، وسَكَّنَ الذّالَ وخَفَّفَ الكافَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وفَتَحَ الذّالَ وشَدَّدَ الكافَ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ. وقَرَأ الجُحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عِمْرانَ (تُضَلُّ) بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الضّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، بِمَعْنى: تَنْسى، كَذا حَكى عَنْهُما الدّانِيُّ، وحَكى النِّقاشُ عَنِ الجُحْدَرِيِّ ﴿أنْ تَضِلَّ﴾ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الضّادِ، بِمَعْنى أنْ تَضِلَّ الشَّهادَةُ، تَقُولُ: أضْلَلَتِ الفَرَسُ والبَعِيرُ إذا ذَهَبا فَلَمْ تَجِدْهُما. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ومُجاهِدٌ ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ بِتَخْفِيفِ الكافِ المَكْسُورَةِ، ورَفَعِ الرّاءِ، أيْ: فَهي تُذْكِرُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ أسْلَمٍ (فَتُذاكِرَ) مِنَ الذّاكِرَةِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ﴾ عَلى قِراءَةِ الأعْمَشِ وحَمْزَةَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِكَوْنِهِ صِفَةً لِلْمُذَكِّرِ، وهُما المَرْأتانِ، انْتَهى، كانَ قَدْ قُدِّمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ فَصارَ نَظِيرَ: جاءَنِي رَجُلٌ وامْرَأتانِ عُقَلاءَ حُبْلَيانِ، وفي جَوازِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ نَظَرٌ، بَلِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأقْيِسَةُ تَقْدِيَمَ حُبْلَيانِ عَلى عُقَلاءَ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن أعْرَبَ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ بَدَلًا مِن (رِجالِكم) وعَلى ما اخْتَرْناهُ مِن تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا﴾ فَلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ الشَّرْطِ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وامْرَأتانِ﴾ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِأجْنَبِيٍّ، وأمّا ﴿أنْ تَضِلَّ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أيْ: لِأنْ تَضِلَّ عَلى تَنْزِيلِ السَّبَبِ - وهو الإضْلالُ - مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ عَنْهُ، وهو الإذْكارُ، كَما يَنْزِلُ المُسَبِّبُ مَنزِلَةَ السَّبَبِ لِالتِباسِهِما واتِّصالِهِما، فَهو كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، أيْ: لِأنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى إنْ ضَلَّتْ، ونَظِيرُهُ: أعْدَدْتُ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ فَأُدَعِّمَهُ، وأعْدَدْتُ السِّلاحَ أنْ يَطْرُقَ العَدُوُّ فَأدْفَعَهُ، لَيْسَ إعْدادُ الخَشَبَةِ لِأجْلِ المَيْلِ إنَّما إعْدادُها لِإدْعامِ الحائِطِ إذا مالَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مُخالَفَةَ أنْ تَضِلَّ، لِأجْلِ عَطْفٍ ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ عَلَيْهِ. وقالَ النَّحاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَحْكِي عَنْ أبِي العَبّاسِ أنَّ التَّقْدِيرَ: كَراهَةَ أنْ تَضِلَّ، قالَ أبُو جَعْفَرٍ: وهَذا غَلَطٌ، إذْ يَصِيرُ المَعْنى كَراهَةَ أنْ تُذْكَرَ، ومَعْنى الضَّلالِ هُنا هو عَدَمُ الِاهْتِداءِ لِلشَّهادَةِ لِنِسْيانٍ أوْ غَفْلَةٍ، ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ وهو مِنَ الذِّكْرِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مِن أنَّ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ (فَتُذَكِرُ) مَعْناهُ: تُصَيِّرُها ذَكَرًا في الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ شَهادَةَ امْرَأةٍ نِصْفُ شَهادَةٍ، فَإذا شَهِدَتا صارَ مَجْمُوعُ شَهادَتِهِما كَشَهادَةِ ذَكَرٍ، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، ولا يُحْسَنُ في مُقابَلَةِ الضَّلالِ إلّا الذِّكْرُ، انْتَهى. وما قالاهُ صَحِيحٌ، ويَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ مِن جِهَةِ اللُّغَةِ ومِن جِهَةِ المَعْنى، أمّا مِن جِهَةِ اللُّغَةِ فَإنَّ المَحْفُوظَ أنَّ هَذا الفِعْلَ لا يَتَعَدّى، تَقُولُ: أذْكَرَتِ المَرْأةُ فَهي مُذَكِّرٌ إذا وُلَدَتِ الذُّكُورَ، وأمّا: أذَكَرَتِ المَرْأةُ، أيْ: صَيَّرَتْها كالذَّكَرِ، فَغَيْرُ مَحْفُوظٍ، وأمّا مِن جِهَةِ المَعْنى، فَإنَّ لَوْ سُلِّمَ أنَّ: أُذَكِّرُ، بِمَعْنى صَيَّرَها ذَكَرًا فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ التَّصْيِيرَ ذَكَرًا شامِلٌ لِلْمَرْأتَيْنِ، إذْ تَرْكُ شَهادَتِهِما بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ ذَكَرٍ فَلَيْسَتْ إحْداهُما أذْكَرَتِ الأُخْرى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ، إذْ لَمْ تَصِيرُ شَهادَتُهُما وحْدَها بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ ذَكَرٍ. ولَمّا أُبْهِمَ الفاعِلُ في ﴿أنْ تَضِلَّ﴾ بِقَوْلِهِ: (إحْداهُما) أُبْهِمَ الفاعِلُ في: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ بِقَوْلِهِ: (إحْداهُما) إذْ كُلٌّ مِنَ المَرْأتَيْنِ يَجُوزُ عَلَيْها الضَّلالُ، والإذْكارُ، فَلَمْ يُرِدْ بِـ (إحْداهُما) مُعَيَّنَةً، والمَعْنى: إنْ ضَلَّتْ هَذِهِ أذْكَرَتْها هَذِهِ، وإنْ ضَلَّتْ هَذِهِ أذْكَرَتْها هَذِهِ، فَدَخَلَ الكَلامُ مَعْنى العُمُومِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: مَن ضَلَّ مِنهُما أذَكَرَتْها الأُخْرى، ولَوْ لَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ الفاعِلَ مُظْهَرًا لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ أضْمَرَ المَفْعُولَ لِيُكُونَ عائِدًا عَلى (إحْداهُما) الفاعِلِ بِـ (تَضِلَّ) ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ (الأُخْرى) هو الفاعِلُ، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: فَتُذَكِّرَها الأُخْرى، وأمّا عَلى التَّرْكِيبِ القُرْآنِيِّ فالمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ (إحْداهُما) فاعِلُ (تُذَكِّرَ) و(الأُخْرى) هو المَفْعُولُ، ويُرادُ بِهِ الضّالَّةُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الِاسْمَيْنِ مَقْصُورٌ، فالسّابِقُ هو الفاعِلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إحْداهُما) (p-٣٥٠)مَفْعُولًا، والفاعِلُ هو الأُخْرى لِزَوالِ اللَّبْسِ، إذْ مَعْلُومٌ أنَّ المُذَكِّرَةَ لَيْسَتِ النّاسِيَةَ، فَجازَ أنْ يَتَقَدَّمَ المَفْعُولُ ويَتَأخَّرَ الفاعِلُ، فَيَكُونُ نَحْوُ: كَسَرَ العَصا مُوسى، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَدْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ المَفْعُولِ، فَيَتَعَيَّنُ إذْ ذاكَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ هو (الأُخْرى) ومَن قَرَأ (أنْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، و(فَتُذَكِرُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، قِيلَ: وقالَ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ المَعْنى: أنَّ النِّسْيانَ غالِبٌ عَلى طِباعِ النِّساءِ لِكَثْرَةِ البَرْدِ والرُّطُوبَةِ، واجْتِماعُ المَرْأتَيْنِ عَلى النِّسْيانِ أبْعَدُ في العَقْلِ مِن صُدُورِ النِّسْيانِ عَنِ المَرْأةِ الواحِدَةِ، فَأُقِيمَتِ المَرْأتانِ مَقامَ الرَّجُلِ، حَتّى إنَّ إحْداهُما لَوْ نَسِيَتْ ذَكَّرَتْها الأُخْرى، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَفْضِيلِ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ. و(تُذَكِّرَ) يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ، والثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى الشَّهادَةَ، وفي قَوْلِهِ ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِن شَرْطِ جَوازِ إقامَةِ الشَّهادَةِ ذِكْرُ الشّاهِدِ لَها، وأنَّهُ لا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ فِيها عَلى الخَطِّ، إذِ الخَطُّ والكِتابَةُ مَأْمُورٌ بِهِ لِتَذَكُّرِ الشَّهادَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وإذا لَمْ يَذْكُرْها فَهو غَيْرُ عالِمٍ بِها. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، والشّافِعِيُّ: إذا كَتَبَ خَطَّهُ بِالشَّهادَةِ فَلا يَشْهَدُ حَتّى يَذْكُرَها، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي لَيْلى: إذا عَرَفَ خَطَّهُ وسِعَهُ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها، وقالَ الثَّوْرِيُّ: إذا ذَكَرَ أنَّهُ شَهِدَ، ولا يَذْكُرُ عَدَدَ الدَّراهِمِ، فَإنَّهُ لا يَشْهَدُ. ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ قالَ قَتادَةُ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَطُوفُ في الحِراءِ العَظِيمِ، فِيهِ القَوْمُ، فَلا يَتْبَعُهُ مِنهم أحَدٌ، فَأنْزَلَها اللَّهُ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ المَعْنى: ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ مِن تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ إذا ما دُعُوا لَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ وغَيْرُهم، وهَذا النَّهْيُ لَيْسَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، فَلَهُ أنْ يَشْهَدَ، ولَهُ أنْ لا يَشْهَدَ، قالَهُ عَطاءٌ، والحَسَنُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أنْ يَشْهَدَ، وإنْ وُجِدَ فَهو مُخَيَّرٌ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا لِأداءِ الشَّهادَةِ إذا كانُوا قَدْ شَهِدُوا قَبْلَ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وإبْراهِيمُ، ولاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ زَيْدٍ. ورَوى النِّقاشُ: هَكَذا فَسَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَوْ صَحَّ هَذا عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ فَيَكُونُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ: هي في التَّحَمُّلِ والإقامَةِ إذا كانَ فارِغًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والآيَةُ كَما قالَ الحَسَنُ، جَمَعَتِ الأمْرَيْنِ، والمُسْلِمُونَ مَندُوبُونَ إلى مُعاوَنَةِ إخْوانِهِمْ، فَإذا كانَتِ الفُسْحَةُ في كَثْرَةِ الشُّهُودِ، والأمْنِ مِن تَعْطِيلِ الحَقِّ، فالمَدْعُوُّ مَندُوبٌ، ولَهُ أنْ يَتَخَلَّفَ لِأدْنى عُذْرٍ وأنْ يَتَخَلَّفَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، ولا إثْمَ عَلَيْهِ، وإذا كانَتِ الضَّرُورَةُ، وخِيفَ تَعْطِيلُ الحَقِّ أدْنى خَوْفٍ، قَوِيَ النَّدْبُ وقَرُبَ مِنَ الوُجُوبِ، وإذا عُلِمَ أنَّ الحَقَّ يَذْهَبُ ويَتْلَفُ بِتَأخُّرِ الشّاهِدِ عَنِ الشَّهادَةِ، فَواجِبٌ عَلَيْهِ القِيامُ بِها، لا سِيَّما إنْ كانَتْ مُحَصَّلَةً، وكانَ الدُّعاءُ إلى أدائِها، فَإنَّ هَذا الطَّرَفَ آكَدُ؛ لِأنَّها قِلادَةٌ في العُنُقِ وأمانَةٌ تَقْتَضِي الأداءَ، انْتَهى. * * ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾ لَمّا نَهى عَنِ امْتِناعِ الشُّهُودِ إذا ما دُعُوا لِلشَّهادَةِ، نَهى أيْضًا عَنِ السَّآمَةِ في كِتابَةِ الدَّيْنِ، كُلُّ ذَلِكَ ضَبْطٌ لِأمْوالِ النّاسِ، وتَحْرِيضٌ عَلى أنْ لا يَقَعَ النِّزاعُ؛ لِأنَّهُ مَتى ضُبِطَ بِالكِتابَةِ والشَّهادَةِ قَلَّ أنْ يَحْصُلَ وهْمٌ فِيهِ أوْ إنْكارٌ، أوْ مُنازَعَةٌ في مِقْدارٍ أوْ أجَلٍ أوْ وصْفٍ، وقُدِّمَ الصَّغِيرُ اهْتِمامًا بِهِ، وانْتِقالًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ونَصَّ عَلى الأجَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ ذِكْرِهِ، فَكُتِبَ كَما يُكْتَبُ أصْلُ الدَّيْنِ ومَحَلُّهُ إنْ كانَ مِمّا يُحْتاجُ فِيهِ إلى ذِكْرِ المَحَلِّ، ونَبَّهَ بِذِكْرِ الأجَلِ عَلى صِفَةِ الدَّيْنِ ومِقْدارِهِ؛ لِأنَّ الأجَلَ بَعْضُ أوْصافِهِ، والأجْلُ هُنا هو الوَقْتُ الَّذِي اتَّفَقَ المُتَدايِنانِ عَلى تَسْمِيَتِهِ. وقالَ الماتِرِيدِيُّ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ السَلَمِ في الثِّيابِ؛ لِأنَّ ما يُؤْكَلُ أوْ يُوزَنُ لا يُقالُ فِيهِ الصَّغِيرُ والكَبِيرُ، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في العَدَدِيِّ والذَّرْعِيِّ، انْتَهى. ولا يَظْهَرُ ما قالَ: إذِ الصِّغَرُ، والكَبِيرُ هُنا لا يُرادُ بِهِ الجُرْمُ، وإنَّما هو عِبارَةٌ عَنِ القَلِيلِ (p-٣٥١)والكَثِيرِ، فَمَن أسْلَمَ في مِقْدارٍ ويْبَةٍ، أوْ في مِقْدارِ عِشْرِينَ أرَدْبًا، صَدَقَ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ حُقٌّ صَغِيرٌ ودَيْنٌ صَغِيرٌ، وعَلى الثّانِي أنَّهُ دَيْنٌ كَبِيرٌ وحُقٌّ كَبِيرٌ. قِيلَ: ومَعْنى: ولا تَسْأمُوا، أيْ: لا تَكْسَلُوا، وعَبَّرَ بِالسَّأمِ عَنِ الكَسَلِ؛ لِأنَّ الكَسَلَ صِفَةُ المُنافِقِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «لا يَقُلِ المُؤْمِنُ: كَسَلْتُ» وكَأنَّهُ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي نَسَبَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ [النساء: ١٤٢] وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَضْجَرُوا، و(أنْ تَكْتُبُوا) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ سَئِمَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ ومَن يَعِشْ ثَمانِينَ عامًا لا أبا لَكَ يَسْأمِ وقِيلَ: يَتَعَدّى سَئِمَ بِحَرْفِ جَرٍّ، فَيَكُونُ: أنْ تَكْتُبُوهُ، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ، أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى الخِلافِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ سَئِمَ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرِّ قَوْلُهُ: ؎ولَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الحَياةِ وطُولِها ∗∗∗ وسُؤالِ هَذا النّاسِ كَيْفَ لَبِيدُ وضَمِيرُ النَّصْبِ في ﴿تَكْتُبُوهُ﴾ عائِدٌ عَلى الدَّيْنِ، لِسَبْقِهِ، أوْ عَلى الحَقِّ لِقُرْبِهِ، والدَّيْنُ هو الحَقُّ مِن حَيْثُ المَعْنى، وكانَ مَن كَثُرَتْ دُيُونُهُ يَمَلُّ مِنَ الكِتابَةِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْكِتابِ، و﴿أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ مُخْتَصَرًا أوْ مُشَبَّعًا، ولا يُخَلُّ بِكِتابَتِهِ، انْتَهى، وهَذا الَّذِي قالَهُ فِيهِ بُعْدٌ. وقَرَأ السَّلْمِيُّ (ولا يَسْأمُوا) بِالياءِ، وكَذَلِكَ (أنْ يَكْتُبُوهُ) والظّاهِرُ في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى الشُّهَداءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، فَيَعُودُ عَلى المُتَعامِلِينَ أوْ عَلى الكِتابِ، وانْتِصابُ: ﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا﴾ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ في ﴿أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ وأجازَ السَّجاوَنْدِيُّ نَصْبُ (صَغِيرًا) عَلى أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِكانَ مُضْمَرَةً، أيْ: كانَ صَغِيرًا، ولَيْسَ مَوْضِعَ إضْمارِ كانَ، ويَتَعَلَّقُ ﴿إلى أجَلِهِ﴾ بِمَحْذُوفٍ لا تَكْتُبُوهُ لِعَدَمِ اسْتِمْرارِ الكِتابَةِ إلى أجَلِ الدَّيْنِ؛ إذْ يَنْقَضِي في زَمَنٍ يَسِيرٍ، فَلَيْسَ نَظِيرَ: سِرْتُ إلى الكُوفَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنْ تَكْتُبُوهُ مُسْتَقِرًّا في الذِّمَّةِ إلى أجَلِ حُلُولِهِ. ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الإشارَةُ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو الكِتابَةُ، وقِيلَ: الكِتابَةُ والِاسْتِشْهادُ وجَمِيعُ ما تَقَدَّمَ مِمّا يَحْصُلُ بِهِ الضَّبْطُ، و(أقْسَطُ) أعْدَلُ، قِيلَ: وفِيهِ شُذُوذٌ؛ لِأنَّهُ مِنَ الرُّباعِيِّ الَّذِي عَلى وزْنِ: أفْعَلَ، يُقالُ: أقْسَطَ الرَّجُلُ أيْ: عَدْلَ، ومِنهُ: (وأقْسِطُوا) وقَدْ رامُوا خُرُوجَهُ عَنِ الشُّذُوذِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، بِأنْ يَكُونَ (أقْسَطُ) مِن قاسِطٍ عَلى طَرِيقَةِ النَّسَبِ بِمَعْنى: ذِي قِسْطٍ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: انْظُرْ هَلْ هو مِن قَسُطَ بِضَمِّ السِّينِ، كَما تَقُولُ: أكْرَمُ مِن كَرُمَ، انْتَهى. وقِيلَ: مِنَ القِسْطِ بِالكَسْرِ، وهو العَدْلُ، وهو مَصْدَرٌ لَمْ يَشْتَقْ مِنهُ فِعْلٌ، ولَيْسَ مِنَ الإقْساطِ؛ لِأنَّ أفْعَلَ لا يُبْنى مِنَ الإفْعالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: مِمَّ بُنِيَ أفْعَلا التَّفْضِيلِ ؟ أعْنِي: أقْسَطَ وأقْوَمُ، قُلْتُ: يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونا مَبْنِيَّيْنِ مِن أقْسَطَ وأقامَ، انْتَهى. لَمْ يَنُصْ سِيبَوَيْهِ عَلى أنْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يُبْنى مَن أفْعَلَ، إنَّما يُؤْخَذُ ذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهُ نَصَّ في أوَّلِ كِتابِهِ عَلى أنَّ بِناءَ أفْعَلَ لِلتَّعَجُّبِ يَكُونُ مِن: فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ وأفْعَلَ، فَظاهِرُ هَذا أنَّ أفْعَلَ الَّذِي لِلتَّعَجُّبِ يُبْنى مِن أفْعَلَ، ونَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ ما يُبْنى مِنهُ أفْعَلُ لِلتَّعَجُّبِ يُبْنى مِنهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، فَما انْقاسَ في التَّعَجُّبِ انْقاسَ في التَّفْضِيلِ، وما شُذَّ فِيهِ شُذَّ فِيهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في بِناءِ أفْعَلَ لِلتَّعَجُّبِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: الجَوازِ، والمَنعِ، والتَّفْصِيلِ. بَيْنَ أنْ يَكُونَ الهَمْزَةُ لِلنَّقْلِ فَلا يُبْنى مِنهُ أفْعَلُ لِلتَّعَجُّبِ، أوْ لا تَكُونُ لِلنَّقْلِ، فَيُبْنى مِنهُ، وزُعِمَ أنَّ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وتُئُوِلَ قَوْلُهُ: وأفْعَلَ عَلى أنَّهُ أفْعَلَ الَّذِي هَمْزَتُهُ لِغَيْرِ النَّقْلِ، ومَنَ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا ضَبَطَ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ: وأفْعَلَ عَلى أنَّهُ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، ويَعْنِي أنَّهُ يَكُونُ فِعْلُ التَّعَجُّبِ عَلى أفْعَلَ، وبِناؤُهُ مِن: فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ وعَلى أفْعَلَ، وحُجَجُ هَذِهِ المَذاهِبِ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ أقْسَطَ هو أنْ يَكُونَ (p-٣٥٢)مَبْنِيًّا مِن قَسَطَ الثُّلاثِيِّ بِمَعْنى عَدَلَ، قالَ ابْنُ السَّيِّدِ في (الِاقْتِضابِ) ما نَصُّهُ: حَكى ابْنُ السَّكِّيتِ في كِتابِ الأضْدادِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: قَسَطَ جارَ، وقَسَطَ عَدَلَ، وأقْسَطَ، بِالألِفِ، عَدَلَ لا غَيْرَ. وقالَ ابْنُ القَطّاعِ: قَسَطَ قُسُوطًا وقِسْطًا، جارَ وعَدَلَ ضِدَّ، فَعَلى هَذا لا يَكُونُ شاذًّا، ومَعْنى ﴿أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعْدَلُ في حُكْمِ اللَّهِ أنْ لا يَقَعَ التَّظالُمُ. ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ إنْ كانَ مَن أقامَ فَفِيهِ شُذُوذٌ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، ومَن جَعَلَهُ مَبْنِيًّا مِن قامَ بِمَعْنى اعْتَدَلَ فَلا شُذُوذَ فِيهِ، وتَقَدَّمَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّهُ جائِزٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ مِن أقامَ، وقالَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى النَّسَبِ مِن قَوِيِّمٍ، انْتَهى. وعَدَّ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ في التَّعَجُّبِ ما أقْوَمَهُ في الشُّذُوذِ، وجَعَلَهُ مَبْنِيًّا مَنِ اسْتَقامَ، ويَتَعَلَّقُ (لِلشَّهادَةِ) بِـ (أقْوَمُ) وهو مِن حَيْثُ المَعْنى مَفْعُولٌ، كَما تَقُولُ: زِيدٌ أضْرَبُ لِعَمْرٍو مِن خالِدٍ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ هَذِهِ اللّامِ والنَّصْبُ إلّا في الشِّعْرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا وقَدْ تُؤَوَّلُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: تَضْرِبُ القَوانِسَ، ومَعْنى ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ أثْبَتُ وأصَحُّ. ﴿وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ أيْ: أقْرَبُ لِانْتِفاءِ الرِّيبَةِ، وقَرَأ السَّلْمِيُّ (أنْ لا يَرْتابُوا) بِالياءِ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، وحَسَّنَ حَذْفُهُ كَوْن أفْعَلَ الَّذِي لِلتَّفْضِيلِ وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، وتَقْدِيُرُهُ: الكَتْبُ أقْسَطُ وأقْوَمُ وأدْنى لِكَذا مِن عَدَمِ الكَتْبِ، وقُدِّرَ: أدْنى لِأنْ لا تَرْتابُوا، وإلى أنْ لا تَرْتابُوا، ومِن أنْ لا تَرْتابُوا، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ فَبَقِيَ مَنصُوبًا أوْ مَجْرُورًا عَلى الخِلافِ الَّذِي سَبَقَ. ونَسَقُ هَذِهِ الأخْبارِ في غايَةِ الحُسْنِ، إذْ بُدِئَ أوَّلًا بِالأشْرَفِ، وهو قَوْلُهُ ﴿أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِ اللَّهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَتْبِعَ ما أُمِرَ بِهِ، إذِ اتِّباعُهُ هو مُتَعَلِّقُ الدِّينِ الإسْلامِيِّ، وبُنِيَ لِقَوْلِهِ: ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ لِأنَّ ما بَعْدَ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ هو الشَّهادَةُ بَعْدَ الكِتابَةِ، وجاءَ بِالياءِ (وأدْنى ألّا يَرْتابُوا) لِأنَّ انْتِفاءَ الرِّيبَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ في الكِتابَةِ والإشْهادِ، فَعَنْهُما تَنْشَأُ أقْرَبِيَّةُ انْتِفاءِ الرِّيبَةِ، إذْ ذَلِكَ هو الغايَةُ في أنْ لا يَقَعَ رِيبَةٌ، وذَلِكَ لا يَتَحَصَّلُ إلّا بِالكَتْبِ والإشْهادِ غالِبًا، فَيُثْلِجُ الصَّدْرَ بِما كَتَبَ وأشْهَدَ عَلَيْهِ. و(تَرْتابُوا) بُنِيَ افْتَعَلَ مِنَ الرِّيبَةِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] قِيلَ: والمَعْنى: أنْ لا تَرْتابُوا بِمَن عَلَيْهِ الحَقَّ أنْ يُنْكِرَ، وقِيلَ: أنْ لا تَرْتابُوا بِالشّاهِدِ أنْ يَضِلَّ، وقِيلَ: في الشَّهادَةِ ومَبْلَغِ الحَقِّ والأجْلِ، وقِيلَ: المَعْنى أقْرَبُ لِنَفْيِ الشَّكِّ لِلشّاهِدِ والحاكِمِ والمُتَعامِلِينَ، وما ضُبِطَ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ لا يَكادُ يَقَعُ فِيهِ شَكٌّ ولا لَبْسٌ ولا نِزاعٌ. * * ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها﴾ في التِّجارَةِ الحاضِرَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما يُعَجَّلُ ولا يَدْخُلُهُ أجْلٌ مَن بَيْعٍ وثَمَنٍ. والثّانِي: ما يُجَوِّزُهُ المُشْتَرِي مِنَ العُرُوضِ (p-٣٥٣)المَنقُولَةِ، وذَلِكَ في الأغْلَبِ إنَّما هو في قَلِيلٍ: كالمَطْعُومِ، بِخِلافِ الأمْلاكِ، ولِهَذا قالَ السُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ: هَذا فِيما إذا كانَ يَدًا بِيَدٍ تَأْخُذُهُ وتُعْطِي. وفي مَعْنى الإدارَةِ، قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَناوَلُونَها مِن يَدٍ إلى يَدٍ، والثّانِي: يَتَبايَعُونَها في كُلِّ وقْتٍ، والإدارَةُ تَقْتَضِي التَّقابُضَ والذَّهابَ بِالمَقْبُوضِ، ولَمّا كانَتِ الرِّباعُ والأرْضُ، وكَثِيرُ مِنَ الحَيَوانِ لا تُقَوِّي البَيْنُونَةَ، ولا يُعابُ عَلَيْها حُسْنُ الكَتْبِ والإشْهادِ فِيها، ولَحِقَتْ بِمُبايَعَةِ الدِّيُونِ، ولَمّا كانَتِ الكِتابَةُ في التِّجارَةِ الحاضِرَةِ الدّائِرَةِ بَيْنَهم شاقَّةً، رُفِعَ الجُناحُ عَنْهم في تَرْكِها؛ ولِأنَّ ما بِيعَ نَقْدًا يَدًا بِيَدٍ لا يَكادُ يَحْتاجُ إلى كِتابَةٍ، إذْ مَشْرُوعِيَّةُ الكِتابَةِ إنَّما هي لِضَبْطِ الدِّيُونِ، إذْ بِتَأْجِيلِها يَقَعُ الوَهْمُ في مِقْدارِها وصِفَتِها وأجْلِها، وهَذا مَفْقُودٌ في مُبايَعَةِ التّاجِرِ يَدًا بِيَدٍ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ﴾ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ ما بِيعَ لِغَيْرِ أجْلِ مُناجَزَةٍ لَمْ يَنْدَرِجْ تَحْتَ الدِّيُونِ المُؤَجَّلَةِ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وهو راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ إلّا أنْ يَكُونَ الأجَلُ قَرِيبًا، وهو المُرادُ مِنَ التِّجارَةِ الحاضِرَةِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ ﴿تِجارَةً حاضِرَةً﴾ بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ كانَ ناقِصَةً، التَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ هي أيْ: التِّجارَةُ. وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِهِما عَلى أنْ يَكُونَ (تَكُونَ) تامَّةً، و(تِجارَةٌ) فاعِلٌ بِـ (تَكُونَ) وأجازَ بَعْضُهم أنَّ (تَكُونَ) ناقِصَةٌ وخَبُرُها الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (تُدِيرُونَها بَيْنَكم) ونَفْيُ الجُناحِ هُنا مَعْناهُ لا مَضَرَّةَ عَلَيْكم في تَرْكِ الكِتابَةِ، هَذا عَلى مَذْهَبِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ إذِ الكِتابَةُ عِنْدَهم لَيْسَتْ واجِبَةٌ، ومَن ذَهَبَ إلى الوُجُوبِ فَمَعْنى (لا جُناحَ) لا إثْمَ. ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ هَذا أمْرٌ بِالإشْهادِ عَلى التَّبايُعِ مُطْلَقًا، ناجِزًا أوْ كالِئًا؛ لِأنَّهُ أحْوَطُ وأبْعَدُ مِمّا عَسى أنْ يَقَعَ في ذَلِكَ مِنِ الِاخْتِلافِ، وقِيلَ: يَعُودُ إلى التِّجارَةِ الحاضِرَةِ، لَمّا رُخِّصَ في تَرْكِ الكِتابَةِ أُمِرُوا بِالإشْهادِ. قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُحْدَرِيِّ، والحَسَنِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، والحَكَمِ، وقِيلَ: هي مُحْكَمَةٌ، والأمْرُ في ذَلِكَ عَلى الوُجُوبِ قالَ ذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنُ عُمَرَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وإبْراهِيمُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخْعِيُّ، وداوُدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُهُ أبُو بَكْرٍ، والطَّبَرِيُّ. قالَ الضَّحّاكُ: هي عَزِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ ولَوْ عَلى باقَةِ بَقْلٍ. وقالَ عَطاءٌ: أشْهِدْ إذا بِعْتَ أوِ اشْتَرَيْتَ بِدِرْهَمٍ، أوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ، أوْ ثَلاثِ دَراهِمَ، أوْ أقَلَّ مِن ذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لا يَحْلُ لِمُسْلِمٍ إذا باعَ وإذا اشْتَرى إلّا أنْ يَشْهَدَ، وإلّا كانَ مُخالِفًا لِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وذَهَبَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ إلى أنَّ هَذا الأمْرَ عَلى النَّدْبِ والإرْشادِ لا عَلى الحَتْمِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا قَوْلُ الكافَّةِ. ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ هَذا نَهْيٌ، ولِذَلِكَ فُتِحَتِ الرّاءُ؛ لِأنَّهُ مَجْزُومٌ، والمُشَدَّدُ إذا كانَ مَجْزُومًا كَهَذا كانَتْ حَرَكَتُهُ الفُتْحَةَ لِخِفَّتِها؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أُدْغِمَ لَزِمَ تَحْرِيكُهُ، فَلَوْ فُكَّ ظَهَرَ فِيهِ الجَزْمُ، واحْتَمَلَ هَذا الفِعْلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ الكاتِبُ والشَّهِيدُ قَدْ نُهِيا أنْ يَضارّا أحَدًا؛ بِأنْ يَزِيدَ الكاتِبُ في الكِتابَةِ أوْ يُحَرِّفَ، وبِأنْ يَكْتُمَ الشّاهِدُ الشَّهادَةَ، أوْ يُغَيِّرَها أوْ يَمْتَنِعَ مِن أدائِها، قالَ مَعْناهُ الحَسَنُ، وطاوُسُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ واخْتارَهُ: الزَّجّاجُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ لِأنَّ اسْمَ الفِسْقِ بِمَن يُحَرِّفُ الكِتابَةَ، ويَمْتَنِعُ مِنَ الشَّهادَةِ، حَتّى يُبْطِلَ الحَقَّ بِالكُلِّيَّةِ أوْلى مِنهُ بِمَن أبْرَمَ الكاتِبُ والشَّهِيدُ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ، فِيمَن يَمْتَنِعُ مِن أداءِ الشَّهادَةِ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والآثِمُ والفاسِقُ مُتَقارِبانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ: بِأنْ يَقُولا: عَلَيْنا شُغْلٌ ولَنا حاجَةٌ. واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَنُهِيَ أنْ يُضارَّهُما أحَدٌ بِأنْ يُعَنَّتا، ويَشُقَّ عَلَيْهِما في تَرْكِ أشْغالِهِما، ويُطْلَبُ مِنهُما ما لا يَلِيقُ في الكِتابَةِ والشَّهادَةِ، قالَ مَعْناهُ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطاوُسُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ويُقَوِّي هَذا الِاحْتِمالَ قِراءَةُ عُمَرَ: (p-٣٥٤)(ولا يُضارَرْ) بِالفَكِّ وفَتْحِ الرّاءِ الأُولى، رَواها الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ؛ لِأنَّ الخِطابَ مِن أوَّلِ الآياتِ إنَّما هو لِلْمَكْتُوبِ لَهُ، ولِلْمَشْهُودِ لَهُ، ولَيْسَ لِلشّاهِدِ والكاتِبِ خَطّابٌ تَقَدَّمَ، إنَّما رَدَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابَةِ والشَّهادَةِ، فالنَّهْيُ لَهم أبْيَنُ أنْ لا يُضارَّ الكاتِبُ والشَّهِيدُ فَيَشْغَلُونَهُما عَنْ شُغْلِهِما، وهم يَجِدُونَ غَيْرَهُما، ورُجِّحَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ خِطابًا لِلْكاتِبِ والشَّهِيدِ لَقِيلَ: وإنْ تَفْعَلا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُما، وإذا كانَ خِطابًا لِلْمُدايِنِينَ فالمَنهِيُّونَ عَنِ الضِّرارِ هم، وحَكى أبُو عَمْرٍو الذّانِّي عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ: أنَّ الرّاءَ الأُولى مَكْسُورَةٌ، وحَكى عَنْهم أيْضًا فَتْحَها، وفَكَّ الفِعْلِ، والفَكُّ لُغَةُ الحِجازِ، والإدْغامُ لُغَةِ تَمِيمٍ. وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: ولا (يُضارْ) بِجَزْمِ الرّاءِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ في التَّقْدِيرِ جَمَعَ بَيْنَ ثَلاثِ سَواكِنَ، لَكِنَّ الألِفَ لِمَدِّها يَجْرِي مَجْرى المُتَحَرِّكِ، فَكَأنَّهُ بَقِيَ ساكِنانِ، والوَقْفُ عَلَيْهِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ أجْرَيا الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ (ولا يُضارِرْ) بِكَسْرِ الرّاءِ الأوْلى والفَكِّ (كاتِبًا ولا شَهِيدًا) بِالنُّصْبِ أيْ: لا يَبْدَأْهُما صاحِبُ الحَقِّ بِضَرَرٍ. ووُجُوهُ المُضارَّةِ لا تَنْحَصِرُ، ورَوى مُقْسَمٌ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ (ولا يُضارِّ) بِالإدْغامِ وكَسْرِ الرّاءِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (ولا يُضارُّ) بِرَفْعِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ، وهي نَفْيٌ مَعْناهُ النَّهْيُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْسِينُ مَجِيءُ النَّهْيِ بِصُورَةِ النَّفْيِ، وذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ إنَّما يَكُونُ عَنْ ما يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، فَإذا بَرَزَ في صُورَةِ النَّفْيِ كانَ أبْلَغُ؛ لِأنَّهُ صارَ مِمّا لا يَقَعُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ. ﴿وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ مَفْعُولَ (تَفْعَلُوا) المَحْذُوفَ راجِعٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا يُضارَّ﴾ وإنْ تَفْعَلُوا لِمُضارَّةٍ أوِ الضِّرارِ فَإنَّهُ - أيْ: الضِّرارِ - فُسُوقٌ بِكم، أيْ: مُلْتَبِسٌ بِكم، أوْ تَكُونُ الباءُ ظَرْفِيَّةً، أيْ: فِيكم، وهَذا أبْلَغُ؛ إذْ جُعِلُوا مَحَلًّا لِلْفِسْقِ. والخِطابُ في (تَفْعَلُوا) عائِدٌ عَلى الكاتِبِ والشّاهِدِ، إذْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُضارَّ﴾ قَدْ قُدِّرَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وأمّا إذا قُدِّرَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فالخِطابُ لِلْمَشْهُودِ لَهم، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى ما وقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ، والمَعْنى: وإنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا مِمّا نَهَيْتُكم عَنْهُ، أوْ تَتْرُكُوا شَيْئًا مِمّا أمَرْتُكم بِهِ، فَهو عامٌّ في جَمِيعِ التَّكالِيفِ، فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم، أيْ: خُرُوجٌ عَنْ أمْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ. ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في تَرْكِ الضِّرارِ، أوْ في جَمِيعِ أوامِرِهِ ونَواهِيِهِ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ خِطابًا عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ، أمَرَ بِتَقْوى اللَّهِ حَتّى لا يَقَعَ في الفِسْقِ. ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ هَذِهِ جُمْلَةُ تَذْكِرٍ بِنِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أشْرَفَها: التَّعْلِيمُ لِلْعُلُومِ، وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ في (واتَّقُوا) تَقْدِيرُهُ: واتَّقُوا اللَّهَ مَضْمُونًا لَكُمُ التَّعْلِيمُ والهِدايَةُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، انْتَهى. وهَذا القَوْلُ - أعْنِي: الحالَ _ ضَعِيفٌ جَدًّا؛ لِأنَّ المُضارِعَ الواقِعُ حالًا، لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ إلّا فِيما شَذَّ مِن نَحْوِ: قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَهُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ عَلى الشُّذُوذِ. ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى إحاطَتِهِ تَعالى بِالمَعْلُوماتِ، فَلا يَشِذُّ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، وفِيها إشْعارٌ بِالمُجازاةِ لِلْفاسِقِ والمُتَّقِي، وأُعِيدَ لَفْظُ اللَّهِ في هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ عَلى طَرِيقِ تَعْظِيمِ الأمْرِ، جُعِلَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها لا تَحْتاجُ إلى رَبْطٍ بِالضَّمِيرِ، بَلِ اكْتُفِيَ فِيها بِرَبْطِ حَرْفِ العَطْفِ، ولَيْسَتْ في مَعْنى واحِدٍ، فالأُولى: حَثٌّ عَلى التَّقْوى. والثّانِيَةُ: تَذَكُّرٌ بِالنِّعَمِ. والثّالِثَةُ: تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ والوَعِيدَ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ الوَعْدُ، فَإنَّ مَنِ اتَّقى عَلَّمَهُ اللَّهُ، وكَثِيرًا ما يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ بَعْضُ المُتَطَوِّعَةِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ يَتَجافَوُنَّ عَنِ الِاشْتِغالِ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ، مِنَ الفِقْهِ وغَيْرِهِ، إذا ذُكِرَ لَهُ العِلْمُ، والِاشْتِغالُ بِهِ، قالُوا: قالَ اللَّهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ومِن أيْنَ تُعْرَفُ التَّقْوى ؟ وهَلْ تُعْرَفُ إلًّا بِالعِلْمِ ؟ .

البقرة 2:283

﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ مَفْهُومُ الشَّرْطِ يَقْتَضِي امْتِناعَ الِاسْتِيثاقِ بِالرَّهْنِ، وأخْذَهُ في الحَضَرِ، وعِنْدَ وِجْدانِ الكاتِبِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ جَوازَ ذَلِكَ عَلى وُجُودِ (p-٣٥٥)السَّفَرِ وفُقْدانِ الكاتِبِ، وقَدْ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: إلى أنَّ الرَّهْنَ والِائْتِمانَ إنَّما هو في السَّفَرِ، وأمّا في الحَضَرِ فَلا يَنْبَغِي شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ونُقِلَ عَنْهُما أنَّهُما لا يُجَوِّزانِ الِارْتِهانَ إلّا في حالِ السَّفَرِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ الرَّهْنِ في الحَضَرِ، ومَعَ وُجُودِ الكاتِبِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ السَّفَرَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِلْإعْذارِ؛ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ فُقْدانِ الكاتِبِ، وإعْوازِ الإشْهادِ، فَأقامَ التَّوَثُّقَ بِالرَّهْنِ مَقامَ الكِتابَةِ والشَّهادَةِ، ونَبِّهْ بِالسَّفَرِ عَلى كُلِّ عُذْرٍ، وقَدْ يَتَعَذَّرُ الكاتِبُ في الحَضَرِ، كَأوْقاتِ الِاشْتِغالِ واللَّيْلِ. وقَدْ صَحَّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَهْنَ دِرْعَهُ في الحَضَرِ»، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الشَّرْطَ لا يُرادُ مَفْهُومُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (كاتِبًا) عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ (كَتْبًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ جَمْعُ كاتِبٍ، كَصاحِبٍ وصِحابٍ، ونَفْيُ الكاتِبِ يَقْتَضِي نَفْيُ الكِتابَةِ، ونَفْيُ الكِتابَةِ يَقْتَضِي أيْضًا نُفِيَ الكُتُبِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ (كُتّابًا) عَلى الجَمْعِ اعْتِبارًا بِأنَّ كُلَّ نازِلَةٍ لَها كاتِبٌ، ورَوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ (كُتُبًا) جَمْعُ كِتابٍ، وجُمِعَ اعْتِبارًا بِالنَّوازِلِ أيْضًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَرِهانٌ) جَمْعُ رَهْنٍ نَحْوُ: كَعْبٍ وكِعابٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (فَرُهُنٌ) بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ، ورَوِيَ عَنْهُما تَسْكِينُ الهاءِ، وقَرَأ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما جَماعَةٌ غَيْرُهُما، فَقِيلَ: هو جَمْعُ رِهانٍ، ورِهانٌ جَمْعُ رَهَنٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ: وجَمْعُ الجَمْعِ لا يَطَّرِدُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ رَهْنٍ، كَسَقْفٍ، ومَن قَرَأ بِسُكُونِ الهاءِ فَهو تَخْفِيفٌ مِن رُهُنٍ، وهي لُغَةٌ في هَذا البابِ، نَحْوُ: كُتْبٍ في كُتُبٍ، واخْتارَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: لا أعْرِفُ الرِّهانَ إلّا في الخَيْلِ لا غَيْرَ، وقالَ يُونُسُ: الرُّهْنُ والرِّهانُ عَرَبِيّانِ، والرُّهْنُ في الرُّهُنِ أكْثَرُ، والرِّهانُ في الخَيْلِ أكْثَرُ، انْتَهى. وجَمْعُ فُعُلٍ عَلى فُعْلٍ قَلِيلٌ، ومِمّا جاءَ فِيهِ رُهْنٌ قَوْلُ الأعْشى: ؎آلَيْتُ لا يُعْطِيهِ مِن أبْنائِنا رُهْنًا فَيُفْسِدَهم كَرُهْنٍ أفْسَدا وقالَ بِكَسْرِ رِهْنٍ عَلى أقَلَّ العَدَدِ لَمْ أعْلَمْهُ جاءَ، وقِياسُهُ: أفْعُلٍ، فَكَأنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا بِالكَثِيرِ عَنِ القَلِيلِ، انْتَهى، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ اشْتِراطُ القَبْضِ، وأجْمَعَ النّاسُ عَلى صِحَّةِ قَبَضِ المُرْتَهِنِ، وقَبَضِ وكِيلِهِ، وأمّا قَبْضُ عَدْلٍ يُوضَعُ الرَّهْنُ عَلى يَدَيْهِ، فَقالَ الجُمْهُورُ بِهِ. وقالَ عَطاءٌ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: لَيْسَ بِقَبْضٍ، فَإنْ وقْعَ الرَّهْنُ بِالإيجابِ والقَبُولِ، ولَمْ يَقَعِ القَبْضُ، فالظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَصِحُّ إلّا بِالقَبْضِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ، وقالَتِ المالِكِيَّةُ: يَلْزَمُ الرَّهْنُ بِالعَقْدِ، ويُجْبَرُ الرّاهِنُ عَلى دَفْعِ الرَّهْنِ لِيَحُوزَهُ المُرْتَهِنُ، فالقَبْضُ عِنْدَ مالِكٍ شَرْطٌ في كَمالِ فائِدَتِهِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ شَرْطٌ في صِحَّتِهِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا بِالقَبْضِ. واخْتَلَفُوا في اسْتِمْرارِهِ، فَقالَ مالِكٌ: إذا رَدَّهُ بِعارِيَةٍ أوْ غَيْرِها بَطَلَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إنْ رَدَّهُ بِعارِيَةٍ أوْ ودِيعَةٍ لَمْ يَبْطُلْ، وقالَ الشّافِعِيُّ: يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ إلى يَدِ الرّاهِنِ مُطْلَقًا. والظّاهِرُ مِنِ اشْتِراطِ القَبْضِ أنْ يَكُونَ المَرْهُونُ ذاتًا مُتَقَوِّمَةً يَصِحُّ بَيْعُها وشِراؤُها، ويَتَهَيَّأُ فِيها القَبْضُ أوِ التَّخْلِيَةُ، فَقالَ الجُمْهُورُ: لا يَجُوزُ رَهْنُ ما في الذِّمَّةِ، وقالَتِ المالِكِيَّةُ: يَجُوزُ، وقالَ الجُمْهُورُ: لا يَصِحُّ رَهْنُ الغَرَرِ، مِثْلُ: العَبْدِ الآبِقِ، والبَعِيرِ الشّارِدِ، والأجِنَّةِ في بُطُونِ أُمَّهاتِها، والسَّمَكِ في الماءِ، والثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وقالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ. واخْتَلَفُوا في رَهْنِ المَشاعِ، فَقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: يَصِحُّ فِيما يُقَسَّمُ وفِيما لا يُقَسَّمُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَصِحُّ مُطْلَقًا. وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: يَجُوزُ فِيما لا يُقَسَّمُ، ولا يَجُوزُ فِيما يُقَسَّمُ. ومَعْنى ﴿عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ: مُسافِرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِهِ في آيَةِ الصِّيامِ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تَجِدُوا﴾ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى خَبَرِ كانَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الخَبَرِ خَبَرٌ، وارْتِفاعُ ﴿فَرِهانٌ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: (p-٣٥٦)فالوَثِيقَةُ رِهانٌ مَقْبُوضَةٌ. ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ أيْ: إنْ وثِقَ رَبُّ الدَّيْنِ بِأمانَةِ الغَرِيمِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ مالَهُ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا إشْهادٍ ولا رَهْنٍ، فَلْيُؤَدِّ الغَرِيمُ أمانَتَهُ، أيْ: ما ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ رَبُّ المالِ، وقَرَأ أُبَيٌّ (فَإنْ أُومِنَ) رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: آمَنَهُ النّاسُ، هَكَذا نَقَلَ هَذِهِ القِراءَةِ عَنْ أبِيِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ. وقَرَأ أُبَيٌّ: فَإنِ ائْتَمَنَ، افْتَعَلَ مِنَ الأمْنِ، أيْ: وثَقَ بِلا وثِيقَةِ صَكٍّ، ولا رَهْنٍ. والضَّمِيرُ في (أمانَتَهُ) يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى رَبِّ الدَّيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِي اؤْتُمِنَ، والأمانَةُ: هو مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي في الذِّمَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ نَفْسُ المَصْدَرِ، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَلْيُؤَدِّ دَيْنَ أمانَتِهِ، واللّامُ في ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ لِلْأمْرِ، وهو لِلْوُجُوبِ، وأجْمَعُوا عَلى وُجُوبِ أداءِ الدُّيُونِ، وثُبُوتِ حُكْمِ الحاكِمِ بِهِ، وجَبْرِهِ الغُرَماءَ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ إبْدالُ هَمْزَةِ ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ واوًا نَحْوُ: يُوَجَلُ ويُوَخَّرُ ويُواخَذُ، لِضَمَّةِ ما قَبْلَها. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (الَّذِي اؤْتُمِنَ) بِرَفْعِ الألِفِ، ويُشِيرُ بِالضَّمَّةِ إلى الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهَذِهِ التَّرْجَمَةُ غَلَطٌ. ورَوى سُلَيْمٌ عَنْ حَمْزَةَ إشْمامَ الهَمْزَةِ الضَّمَّ، وفي الإشارَةِ والإشْمامِ المَذْكُورَيْنِ نَظَرٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَرْشٌ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً، كَما أُبْدِلَتْ في بِئْرٍ وذِئْبٍ، وأصْلُ هَذا الفِعْلِ أُؤْتُمِنَ، بِهَمْزَتَيْنِ: الأُولى هَمْزَةُ الوَصْلِ، وهي مَضْمُومَةٌ. والثّانِيَةُ: فاءُ الكَلِمَةِ، وهي ساكِنَةٌ، فَتُبَدَلُ هَذِهِ واوًا لِضَمَّةِ ما قَبْلَها، ولِاسْتِثْقالِ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ، فَإذا اتَّصَلَتِ الكَلِمَةُ بِما قَبْلَها رَجَعَتِ الواوُ إلى أصْلِها مِنَ الهَمْزَةِ، لِزَوالِ ما أوْجَبَ إبْدالَها، وهي هَمْزَةُ الوَصْلِ، فَإذا كانَ قَبْلَها كَسْرَةٌ جازَ إبْدالُها ياءً لِذَلِكَ. وقَرَأ عاصِمٌ في شاذِّهِ (الِلَّذِتُّمِنَ) بِإدْغامِ التّاءِ المُبَدَلَةِ مِنَ الهَمْزَةِ قِياسًا عَلى اتَّسَرَ، في الِافْتِعالِ مِنَ اليُسْرِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ التّاءَ المُنْقَلِبَةَ عَنِ الهَمْزَةِ في حُكْمِ الهَمْزَةِ، واتَّزَرَ عامِّيٌّ، وكَذَلِكَ رُيّا في رُؤْيا، انْتَهى كَلامُهُ. وما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وأنَّ اتَّزَرَ عامِّيٌّ يَعْنِي: أنَّهُ مِن إحْداثِ العامَّةِ، لا أصْلَ لَهُ في اللُّغَةِ، قَدْ ذَكَّرَهُ غَيْرُهُ، أنَّ بَعْضَهم أبَدَلَ وأدْغَمَ، فَقالَ: اتَّمَنَ واتَّزَرَ، وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، وأمّا قَوْلُهُ: وكَذَلِكَ رُيّا في رُؤْيا، فَهَذا التَّشْبِيهُ إمّا أنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ: واتَّرَزَ عامِّيٌّ، فَيَكُونُ إدْغامُ رُيّا عامِّيًّا، وإمّا أنْ يَعُودَ إلى قَوْلِهِ: فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، أيْ: وكَذَلِكَ إدْغامُ رُيّا، لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وقَدْ حَكى الإدْغامَ في رُيّا الكِسائِيُّ. ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أيْ: عَذابَ اللَّهِ في أداءِ ما ائْتَمَنَهُ رَبُّ المالِ، وجَمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ رَبَّهُ﴾ تَأْكِيدًا لْأمْرِ التَّقْوى في أداءِ الدَّيْنِ كَما جَمَعَهُما في قَوْلِهِ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَأمَرَ بِالتَّقْوى حِينَ الإقْرارِ بِالحَقِّ، وحِينَ أداءِ ما لَزِمَهُ مِنَ الدَّيْنِ، فاكْتَنَفَهُ الأمْرُ بِالتَّقْوى حِينَ الأخْذِ وحِينَ الوَفاءِ. ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ هَذا نَهْيُ تَحْرِيمٍ، ألا تَرى إلى الوَعِيدِ لِمَن كَتَمَها ؟ ومَوْضِعُ النَّهْيِ حَيْثُ يَخافُ الشّاهِدُ ضَياعَ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى الشّاهِدِ أنْ يَشْهَدَ حَيْثُ ما اسْتُشْهِدَ، ويُخْبِرَ حَيْثُ ما اسْتُخْبِرَ، ولا تَقُلْ: أخْبِرْ بِها عَنِ الأمِيرِ، بَلْ أخْبِرْهُ بِها لَعَلَّهُ يَرْجِعُ ويَرْعَوِي. وقَرَأ السَّلْمِيُّ (ولا يَكْتُمُوا) بِالياءِ عَلى (p-٣٥٧)الغَيْبَةِ. ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ كَتْمُ الشَّهادَةِ هو إخْفاؤُها بِالِامْتِناعِ مِن أدائِها، والكَتْمُ مِن مَعاصِي القَلْبِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ عِلْمٌ قامَ بِالقَلْبِ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَ الإثْمَ بِهِ، وهو مِنَ التَّعْبِيرِ بِالبَعْضِ عَنِ الكُلِّ (ألا إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ) وإسْنادُ الفِعْلِ إلى الجارِحَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِها أبْلَغُ وآكَدُ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أبْصَرَتْهُ عَيْنِي ؟ وسَمِعَتْهُ أُذُنِي ؟ ووَعاهُ قَلْبِي ؟ فَأُسْنِدَ الإثْمُ إلى القَلْبِ؛ إذْ هو مُتَعَلِّقُ الإثْمِ، ومَكانُ اقْتِرافِهِ، وعَنْهُ يُتَرْجِمُ اللِّسانُ، ولِئَلّا يُظَنَّ أنَّ الكِتْمانَ مِنَ الآثامِ المُتَعَلِّقَةِ بِاللِّسانِ فَقَطْ، وأفْعالُ القُلُوبِ أعْظَمُ مِن أفْعالِ سائِرِ الجَوارِحِ، وهي لَها كالأُصُولِ الَّتِي تَتَشَعَّبُ مِنها، لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوارِحُهُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿آثِمٌ﴾ اسْمُ فاعِلٍ مِن: أثِمَ قَلْبُهُ، و(قَلْبُهُ) مَرْفُوعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، و﴿آثِمٌ﴾ خَبَرُ: إنَّ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ﴿آثِمٌ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا، و(قَلْبُهُ) مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ، وهَذا الوَجْهُ لا يُجِيزُهُ الكُوفِيُّونَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - يَعْنِي: آثِمٌ - ابْتِداءً و(قَلْبُهُ) فاعِلٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، انْتَهى. وهَذا لا يَصِحُّ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلى أداةِ نَفْيٍ ولا أداةِ اسْتِفْهامٍ، نَحْوُ: أقائِمٌ الزَّيْدانِ ؟ وأقائِمٌ الزَّيْدُونَ ؟ وما قائِمٌ الزَّيْدانِ ؟ لَكِنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ؛ إذْ يُجِيزُ: قائِمٌ الزَّيْدانِ ؟ فَيَرْفَعُ الزَّيْدانِ باسِمِ الفاعِلِ دُونَ اعْتِمادٍ عَلى أداةِ نَفْيٍ ولا اسْتِفْهامٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَلْبُهُ) بَدَلًا عَلى بَدَلِ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، يَعْنِي: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَكِنِ في (آثِمٌ) والإعْرابُ الأوَّلُ هو الوَجْهُ. وقَرَأ قَوْمٌ (قَلْبَهُ) بِالنَّصْبِ، ونَسَبَها ابْنُ عَطِيَّةَ إلى ابْنِ أبِي عَبْلَةَ، وقالَ: قالَ مَكِّيٌّ: هو عَلى التَّفْسِيرِ، يَعْنِي التَّمْيِيزَ، ثُمَّ ضُعِّفَ مِن أجْلِ أنَّهُ مَعْرِفَةٌ، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ مَجِيءَ التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً، وقَدْ خَرَّجَهُ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٍ وجْهِهِ ومَثَلِهِ ما أنْشَدَ الكِسائِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ؎أنْعَتُها إنِّيَ مِن نُعاتِها ∗∗∗ مُدارَةَ الأخْفافِ مُجْمَراتِها ؎غُلِبَ الذَّفارِ وعَفْرَ نَياتِها ∗∗∗ كَوْمُ الذُّرى وادِقَّةُ سِراتِها وهَذا التَّخْرِيجُ هو عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ جائِزٌ، وعَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ مَمْنُوعٌ، وعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ جائِزٌ في الشِّعْرِ لا في الكَلامِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى البَدَلِ مِنَ اسْمِ إنَّ بَدَلِ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ولا مُبالاةَ بِالفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالخَبَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ فَصَلُوا بِالخَبَرِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، نَحْوُ: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ العاقِلُ، نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، مَعَ أنَّ العامِلَ في النَّعْتِ والمَنعُوتَ واحِدٌ، فَأحْرى في البَدَلِ؛ لِأنَّ الأصَحَّ أنَّ العامِلَ فِيهِ هو غَيْرُ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ. ونَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: أنَّ ابْنَ أبِي عَبْلَةَ قَرَأ (أثَمَ قَلْبَهُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ والمِيمِ وتَشْدِيدِ الثّاءِ، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا، و(قَلْبَهُ) بِفَتْحِ الباءِ نَصْبًا عَلى المَفْعُولِ بِـ (أثَمَ) أيْ:: جَعَلَهُ آثِمًا. ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ بِما تَعْمَلُونَ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْمالِ، فَيَدْخُلُ فِيها كِتْمانُ الشَّهادَةِ (p-٣٥٨)وأداؤُها عَلى وجْهِها، وفي الجُمْلَةِ تَوَعُّدٌ شَدِيدٌ لِكاتِمِ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ بِها يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ المُجازاةُ، وإنْ كانَ لَفْظُ العِلْمِ يَعُمُّ الوَعْدَ والوَعِيدَ، وقَرَأ السَّلْمِيُّ (بِما يَعْمَلُونَ) بِالياءِ جَرْيًا عَلى قِراءَتِهِ (ولا يَكْتُمُوا) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ التَّجْنِيسَ المُغايِرَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾، والتَّجْنِيسَ المُماثِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها﴾ والتَّأْكِيدَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إذْ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَدايَنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَوْلُهُ: ﴿بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ومِن قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَوْلُهُ: ﴿كاتِبٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والطِّباقَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لِأنَّ الضَّلالَ هُنا بِمَعْنى النِّسْيانِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والِاخْتِصاصَ في قَوْلِهِ: ﴿كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والتَّكْرارَ في قَوْلِهِ: (فاكْتُبُوهُ، ولْيَكْتُبْ، وأنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ، ولا يَأْبَ كاتِبٌ)، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] كَرَّرَ الحَقَّ لِلدُّعاءِ إلى اتِّباعِهِ، وأتى بِلَفْظَةِ عَلى؛ لِلْإعْلامِ أنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالًا واسْتِعْلاءً، وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفي قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والحَذْفَ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] حَذَفَ مُتَعَلِّقَ الإيمانِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] أيْ: بَيْنِكم فَلْيَكْتُبِ الكاتِبُ، أنْ يَكْتُبَ الكِتابَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ الكِتابَةَ والخَطَّ، فَلْيَكْتُبْ كِتابَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في إمْلائِهِ سَفِيهًا في الرَّأْيِ أوْ ضَعِيفًا في البَيِّنَةِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَمَلَّ هو لَخَرَسٍ أوْ بُكْمٍ فَلْيَمْلَلِ الدَّينَ ولِيُّهُ عَلى الكاتِبِ، واسْتَشْهِدُوا إذا تَعامَلْتُمْ مِن رِجالِكُمُ المُعَيَّنِينَ لِلشَّهادَةِ المَرَضِيِّينَ، فَرَجُلٌ مَرْضِيٌّ وامْرَأتانِ مَرْضِيَّتانِ مِنَ الشُّهَداءِ المَرْضِيِّينَ فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى الشَّهادَةَ، ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ مِن تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ أوْ مِن أدائِها عِنْدَ الحاكِمِ إذا ما دُعُوا، أيْ: دُعائِهِمْ صاحِبَ الحَقِّ لِلتَّحَمُّلِ، أوْ لِلْأداءِ إلى أجَلِهِ المَضْرُوبِ بَيْنَكم، ذَلِكُمُ الكِتابُ أقْسَطُ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ المَرَضِيَّةِ أنْ لا تَرْتابُوا في الشَّهادَةِ، تُدِيرُونَها بَيْنَكم، ولا تَحْتاجُونَ إلى الكُتُبِ والإشْهادِ فِيها، وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ شاهِدَيْنِ، أوْ رَجُلًا وامْرَأتَيْنِ، ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ أيْ: صاحِبِ الحَقِّ، أوْ لا يُضارُّ صاحِبُ الحَقِّ كاتِبًا ولا شَهِيدًا، ثُمَّ حُذِفَ وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ، وأنْ تَفْعَلُوا الضَّرَرَ، واتَّقَوْا عَذابَ اللَّهِ، ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ الصَّوابَ، وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَبِيلِ سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا يُتَوَثَّقُ بِكِتابَتِهِ، فالوَثِيقَةُ رَهْنٌ، أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا، فَأعْطاهُ مالًا بِلا إشْهادٍ ولا رَهْنٍ، أمانَتَهُ مِن غَيْرِ حَيْفٍ ولا مَطَلٍ، ولْيَتَّقِ عَذابَ اللَّهِ، ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ عَنْ طالِبِها. وتَلْوِينَ الخِطابِ، وهو الِانْتِقالُ مِنَ الحُضُورِ إلى الغَيْبَةِ، في قَوْلِهِ: (فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ) ومِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ في قَوْلِهِ: (ولا يَأْبَ كاتِبٌ، وأشْهِدُوا)، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الغَيْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُضارَّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثُمَّ إلى الحُضُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾، ثُمَّ إلى الغَيْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْتُمْها﴾، ثُمَّ إلى الحُضُورِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ . والعُدُولُ مِن فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ، في قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ﴿ولْيُمْلِلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أوِ الإمْلالُ، بِتَقْدِيمِ الكِتابَةِ قَبْلُ، ومِن ذَلِكَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، التَّقْدِيرُ: واسْتَشْهِدُوا مِمَّنْ تَرْضَوْنَ، ومِنهُ وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ. انْتَهى ما لَخَّصْناهُ مِمّا ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ. مِن أنْواعِ الفَصاحَةِ. وفِيها مِنَ التَّأْكِيدِ في حِفْظِ الأمْوالِ في المُعامَلاتِ ما لا يَخْفى مِنَ الأمْرِ بِالكِتابَةِ لِلْمُتَدايِنِينَ، ومِنَ الأمْرِ لِلْكاتِبِ بِالكِتابَةِ بِالعَدْلِ، ومِنَ النَّهْيِ عَنِ الِامْتِناعِ مِنَ الكِتابَةِ، ومِن أمْرِهِ ثانِيًا بِالكِتابَةِ، ومِنَ الأمْرِ لِمَن عَلَيْهِ الحَقُّ بِالإمْلالِ إنْ أمْكَنَ، أوْ لِوَلِيِّهِ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، ومِنَ الأمْرِ (p-٣٥٩)بِالِاسْتِشْهادِ، ومِنَ الِاحْتِياطِ في مَن يَشْهَدُ وفي وصْفِهِ، ومِنَ النَّهْيِ لِلشُّهُودِ عَنِ الِامْتِناعِ مِنَ الشَّهادَةِ إذا ما دُعُوا إلَيْها، ومِنَ النَّهْيِ عَنِ المَلَلِ في كِتابَةِ الدَّيْنِ وإنْ كانَ حَقِيرًا، ومِنَ الثَّناءِ عَلى الضَّبْطِ بِالكِتابَةِ، ومِنَ الأمْرِ بِالإشْهادِ عِنْدَ التَّبايُعِ، ومِنَ النَّهْيِ لِلْكاتِبِ والشّاهِدِ عَنْ ضِرارِ مَن يَشْهَدُ لَهُ ويَكْتُبُ، ومِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الضِّرارَ في مِثْلِ هَذا هو فُسُوقٌ، ومِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى، ومِنَ الإذْكارِ بِنِعْمَةِ التَّعَلُّمِ، ومِنَ التَّهْدِيدِ بَعْدَ ذَلِكَ، ومِنِ الِاسْتِيثاقِ في السَّفَرِ وعَدَمِ الكاتِبِ بِالرَّهْنِ المَقْبُوضِ، ومِنَ الأمْرِ بِأداءِ أمانَةِ مَن لَمْ يَسْتَوْثِقْ بِكاتِبٍ وشاهِدٍ ورَهْنٍ، ومِنَ الأمْرِ لِمَنِ اسْتَوْثَقَ بِتَقْوى اللَّهِ المانِعَةِ مِنَ الإخْلالِ بِالأمانَةِ، ومِنَ النَّهْيِ عَنْ كَتْمِ الشَّهادَةِ، ومِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنْ كاتَمَها مُرْتَكِبُ الإثْمِ، ومِنَ التَّهْدِيدِ آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فانْظُرْ إلى هَذِهِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ في حِفْظِ الأمْوالِ وصِيانَتِها عَنِ الضَّياعِ، وقَدْ قَرَنَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنُّفُوسِ والدِّماءِ، فَقالَ: «”مَن قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهو شَهِيدٌ“» وقالَ: «”إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم حَرامٌ عَلَيْكم“» . ولِصِيانَتِها والمَنعِ مِن إضاعَتِها، ومِنَ التَّبْذِيرِ فِيها كانَ حَجْرُ الإفْلاسِ، وحَجْرُ الجُنُونِ، وحَجْرُ الصِّغَرِ، وحَجْرُ الرِّقِّ، وحَجْرُ المَرَضِ، وحَجْرُ الِارْتِدادِ. ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قالَ الشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في كِتْمانِ الشَّهادَةِ وإقامَتِها، ورَواهُ مُجاهِدٌ ومُقْسِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ مُقاتِلٌ، والواقِدِيُّ: نَزَلَتْ فِيمَن يَتَوَلّى الكافِرِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ومُناسَبَتُها ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ مَن كَتَمَ الشَّهادَةَ فَإنَّ قَلْبَهُ آثِمٌ، ذَكَرَ ما انْطَوى عَلَيْهِ الضَّمِيرُ، فَكَتَمَهُ أوْ أبْداهُ، فَإنَّ اللَّهَ يُحاسِبُهُ بِهِ، فَفِيهِ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ لِمَن كَتَمَ الشَّهادَةَ، ولَمّا عَلَّقَ الإثْمَ بِالقَلْبِ ذَكَرَ هُنا الأنْفُسَ، فَقالَ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وناسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ خاتِمَةً لِهَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ضَمَّنَها أكْثَرَ عِلْمِ الأُصُولِ والفُرُوعِ مِن: دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والنُّبُوَّةِ، والمَعادِ، والصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والقِصاصِ، والصَّوْمِ، والحَجِّ، والجِهادِ، والحَيْضِ، والطَّلاقِ، والعِدَّةِ، والخُلْعِ، والإيلاءِ، والرَّضاعَةِ، والرِّبا، والبَيْعِ، وكَيْفِيَّةِ المُدايَنَةِ، فَناسَبَ تَكْلِيفُهُ إيّانا بِهَذِهِ الشَّرائِعِ أنْ يَذَكَرَ أنَّهُ تَعالى مالِكٌ لِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، فَهو يُلْزِمُ مَن شاءَ مِن مَمْلُوكاتِهِ بِما شاءَ مِن تَعَبُّداتِهِ وتَكْلِيفاتِهِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ التَّكالِيفُ مَحَلَّ اعْتِقادِها إنَّما هو الأنْفَسُ، وما تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ النِّيّاتِ، وثَوابَ مُلْتَزِمِها وعِقابَ تارِكِها إنَّما يَظْهَرُ في الدّارِ الآخِرَةِ، نَبَّهَ عَلى صِفَةِ العِلْمِ الَّتِي بِها تَقَعُ المُحاسَبَةُ في الدّارِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فَصِفَةُ المُلْكِ تَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، وذِكْرُ المُحاسَبَةِ يَدُلُّ عَلى العِلْمِ المُحِيطِ بِالجَلِيلِ والحَقِيرِ، فَحَصَلَ‌ بِذِكْرِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ غايَةُ الوَعْدِ لِلْمُطِيعِينَ، وغايَةُ الوَعِيدِ لِلْعاصِينَ. والظّاهِرُ في: اللّامُ، أنَّها لِلْمُلْكِ، وكانَ مَلِكًا لَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو المُنْشِئُ لَهُ، الخالِقُ، وقِيلَ: المَعْنى لِلَّهِ تَدْبِيرُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ ما يُرى مِنَ المَخْلُوقاتِ، وقَدَّمَ السَّماواتِ لِعِظَمِها، وجاءَ بِلَفْظِ: ما، تَغْلِيبًا لِما لا يَعْقِلُ عَلى مَن يَعْقِلُ؛ لِأنَّ الغالِبَ فِيما حَوَتْهُ إنَّما هو جَمادٌ وحَيَوانٌ، لا يَعْقِلُ، وأجْناسُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وأمّا العاقِلُ فَأجْناسُهُ قَلِيلَةٌ؛ إذْ هي ثَلاثَةٌ: إنْسٌ، وجِنٌّ، ومَلائِكَةٌ.

البقرة 2:284

﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ ظاهِرُ: ما العُمُومُ، والمَعْنى: أنَّ الحالَتَيْنِ مِنَ الإخْفاءِ والإبْداءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى سَواءٌ، وإنَّما يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ إبْداءً وإخْفاءً بِالنِّسْبَةِ إلى المَخْلُوقِينَ لا إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّ عِلْمَهُ لَيْسَ ناشِئًا عَنْ وُجُودِ الأشْياءِ، بَلْ هو سابِقٌ بِعِلْمِ الأشْياءِ قَبْلَ الإيجادِ، وبَعْدَ الإيجادِ، وبَعْدَ الإعْدامِ، بِخِلافِ عِلْمِ المَخْلُوقِ، فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلّا بَعْدَ إيجادِهِ، فَعِلْمُهُ مُحَدَّثٌ، وقَدْ خُصِّصَ هَذا العُمُومُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هو في مَعْنى الشَّهادَةٍ أعْلَمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكاتِمَ لَها المَخْفِي ما في نَفْسِهِ مُحاسَبٌ، وقِيلَ: مِنَ الِاحْتِيالِ لِلرِّبا، وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الشَّكِّ واليَقِينِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤاخِذُ (p-٣٦٠)بِما تَجْنِ القُلُوبُ، قَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] . وبَعْدُ فَإنَّ المَحَبَّةَ والإرادَةَ والعِلْمَ والجَهْلَ أفْعالُ القَلْبِ وهي مِن أعْظَمِ أفْعالِ العِبادِ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: بَيَّنَ أنَّ أفْعالَ القُلُوبِ كَأفْعالِ الجَوارِحِ في أنَّ الوَعِيدَ يَتَناوَلُها، ويَعْنِي ما يَلْزَمُ إظْهارُهُ إذا خَفِيَ، وما يَلْزَمُ كِتْمانُهُ إذا ظَهَرَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُقُوقُ، ولَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ ما يَخْطُرُ بِالقَلْبِ مِمّا قَدْ رَفَعَ فِيهِ المَأْثَمَ، انْتَهى كَلامُهُ. وإلى ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ أشارَ، واللَّهُ أعْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوُزَ لِأُمَّتَي ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ولَمْ تَعْمَلْ بِهِ وتَكَلُّمْ» وقالَ: إنْ تُظْهِرُوا العَمَلَ أوْ تُسِرُّوهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحاسِبُ عِبادَهُ عَلى ما يُخْفُونَ مِن أعْمالِهِمْ وعَلى ما يُبْدُونَهُ، فَيَغْفِرُ لِلْمُسْتَحِقِّ ويُعَذِّبُ المُسْتَحِقَّ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ الثَّوابَ والعِقابَ يُسْتَحَقّانِ بِالعَزْمِ وسائِرِ أفْعالِ القُلُوبِ إذا كانَتْ طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ السُّوءِ وهَذا حَسَنٌ لِأنَّهُ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ذِكْرُ الغُفْرانِ والتَّعْذِيبِ، لَكِنْ ذَيَّلَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ لِمَنِ اسْتَوْجَبَ المَغْفِرَةَ بِالتَّوْبَةِ مِمّا أُظْهِرَ مِنهُ أوْ أُضْمِرَ، ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ مَنِ اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ بِالإصْرارِ، انْتَهى، وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، وأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ الغُفْرانَ قَدْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمَن ماتَ مُصِرًّا عَلى المَعْصِيَةِ ولَمْ يَتُبْ، فَهو في المَشِيئَةِ، إنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . ثُمَّ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَدْخُلُ فِيما يُخْفِيهِ الإنْسانُ الوَسْواسُ، وحَدِيثُ النَّفْسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ في وُسْعِهِ الخُلُوُّ مِنهُ، ولَكِنْ ما اعْتَقَدَهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أنَّهُ تَلاها فَقالَ: لَئِنْ أخَذَنا اللَّهُ بِهَذا لَنَهْلَكَنَّ، ثُمَّ بَكى حَتّى سُمِعَ نَشَجُهُ، فَذُكِرَ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَدْ وجَدَ المُسْلِمُونَ مِنها مِثْلَ ما وجَدَ، فَنَزَلَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] انْتَهى كَلامُهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في أنْفُسِكم، يَقْتَضِي قُوَّةَ اللَّفْظِ أنَّهُ ما تَقَرَّرَ في النَّفْسِ واعْتُقِدَ واسْتَصْحَبَ الفِكْرَ فِيهِ، وأمّا الخَواطِرُ الَّتِي لا يُمْكِنُ دَفْعُها فَلَيْسَتْ في النَّفْسِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ، انْتَهى. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] ويَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَ هَذا تَخْصِيصًا إذا قُلْنا: إنَّ الوَسْوَسَةَ والهَواجِسَ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ ما في قَوْلِهِ: ﴿ما في أنْفُسِكُمْ﴾ والأصَحُّ أنَّها مُحَكَمَةٌ، وأنَّهُ تَعالى يُحاسِبُهم عَلى ما عَمِلُوا وما لَمْ يَعْمَلُوا مِمّا ثَبَتَ في نُفُوسِهِمْ ونَوُوهُ وأرادُوهُ، فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَأْخُذُ بِهِ أهْلَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، وقِيلَ: العَذابُ الَّذِي يَكُونُ جَزاءً لِلْخَواطِرِ هو مَصائِبُ الدُّنْيا وآلامُها وسائِرُ مَكارِهِها، ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ عائِشَةَ، ولَمّا كانَ اللَّفْظُ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ الخَواطِرُ، أشْفَقَ الصَّحابَةُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ ما أرادَ بِها وخَصَّصَها، ونَصَّ عَلى حُكْمِهِ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، والخَواطِرُ لَيْسَ دَفْعُها في الوُسْعِ، وكانَ في هَذا فَرَجُهم وكَشْفُ كَرْبِهِمْ. والآيَةُ خَبَرٌ، والنَّسْخُ لا يُدْخَلُ الأخْبارَ، وانْجَزَمَ (يُحاسِبُكم) عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، وقِيلَ: عَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالمُحاسَبَةِ إذْ مِن جُمْلَةِ تَفاسِيرِ الحَسِيبِ: العالِمُ، فالمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّرائِرِ والضَّمائِرِ، وقِيلَ: الجَزاءُ مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ أوْ بِعَدَمِ المُحاسَبَةِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: يُحاسِبُكم إنْ شاءَ أوْ يُحاسِبُكم إنْ لَمْ يَسْمَحْ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، ويَزِيدُ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ﴾ بِالرَّفْعِ فِيهِما عَلى القَطْعِ، ويَجُوزُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُجْعَلَ الفِعْلُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والآخَرُ: أنْ يُعْطَفَ جُمْلَةٌ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ عَلى ما تَقَدَّمَ وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى الجَوابِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ بِالنَّصْبِ فِيهِما عَلى إضْمارِ: إنْ، فَيَنْسَبِكُ مِنها مَعَ ما بَعْدَها مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ مِنَ الحِسابِ، تَقْدِيرُهُ: يَكُنْ مُحاسَبَةٌ فَمَغْفِرَةٌ وتَعْذِيبٌ، وهَذِهِ الأوْجُهُ قَدْ جاءَتْ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ(p-٣٦١) ؎ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجِبِّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ يُرْوى بِجَزْمِ: ونَأْخُذُ، ورَفْعِهِ ونَصْبِهِ وقَرَأ الجَعْفِيُّ، وخَلّادٌ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (يُغْفَرُ لِمَن يَشاءُ) ويُرْوى أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: هي عَلى البَدَلِ مِن (يُحاسِبُكم) فَهي تَفْسِيرٌ لِلْمُحاسَبَةِ، انْتَهى. ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ، بَلْ هُما مُتَرَتِّبانِ عَلى المُحاسَبَةِ، ومِثالُ الجَزْمِ عَلى البَدَلِ مِنَ الجَزاءِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾ [الفرقان: ٦٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى هَذا البَدَلِ التَّفْصِيلُ لِجُمْلَةِ الحِسابِ؛ لِأنَّ التَّفْصِيلَ أوْضَحُ مِنَ المُفَصَّلِ، فَهو جارٍ مَجْرى بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، أوْ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأسَهُ، وأُحِبُّ زَيْدًا عَقْلَهَ، وهَذا البَدَلُ واقِعٌ في الأفْعالِ وُقُوعِهِ في الأسْماءِ لِحاجَةِ القَبِيلَيْنِ إلى البَيانِ، انْتَهى كَلامُهُ، وفِيهِ بَعْضُ مُناقَشَةٍ، أمّا أوَّلًا: فَلِقَوْلِهِ: ومَعْنى هَذا البَدَلِ التَّفْصِيلُ لِجُمْلَةِ الحِسابِ، ولَيْسَ الغُفْرانُ والعَذابُ تَفْصِيلًا لِجُمْلَةِ الحِسابِ؛ لِأنَّ الحِسابَ إنَّما هو تِعْدادُ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ وحُصْرِها، بِحَيْثُ لا يَشُذُّ شَيْءٌ مِنها، والغُفْرانُ والعَذابُ مُتَرَتِّبانِ عَلى المُحاسَبَةِ، فَلَيْسَتِ المُحاسَبَةُ تَفْصِلُ الغُفْرانِ والعَذابِ. وأمّا ثانِيًا: فَلِقَوْلِهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ بَدَلَ البَعْضِ والكُلِّ وبَدَلَ الِاشْتِمالِ: هَذا البَدَلُ وُقُوعُهُ في الأسْماءِ لِحاجَةِ القَبِيلَيْنِ إلى البَيانِ، أمّا بَدَلُ الِاشْتِمالِ فَهو يُمْكِنُ، وقَدْ جاءَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ بِما هو يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ يَكُونُ تَحْتَهُ أنْواعٌ يَشْتَمِلُ عَلَيْها، ولِذَلِكَ إذا وقَعَ عَلَيْهِ النَّفْيُ انْتَفَتْ جَمِيعُ أنْواعِ ذَلِكَ الجِنْسِ، وأمّا بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ فَلا يُمْكِنُ في الفِعْلِ، إذِ الفِعْلُ لا يَقْبَلُ التَّجَزِي، فَلا يُقالُ في الفِعْلِ: لَهُ كُلٌّ وبَعْضٌ إلًّا بِمَجازٍ بَعِيدٍ، فَلَيْسَ كالِاسْمِ في ذَلِكَ، ولِذَلِكَ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ بِالنِّسْبَةِ لِلَّهِ تَعالى؛ إذِ البارِي تَعالى واحِدٌ فَلا يَنْقَسِمُ ولا يَتَبَعَّضُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ ذَكَرَ قِراءَةَ الجَزْمِ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَقْرَأُ الجازِمُ ؟ قُلْتُ: يُظْهَرُ الرّاءَ ويُدْغِمُ الباءَ، ومُدْغِمُ الرّاءِ في اللّامِ لاحِنٌ مُخْطِئٌ خَطَأً فاحِشًا، وراوِيهِ عَنْ أبِي عَمْرٍو مُخْطِئٌ مَرَّتَيْنِ؛ لِأنَّهُ يُلْحِنُ ويَنْسُبُ إلى أعْلَمِ النّاسِ بِالعَرَبِيَّةِ ما يُؤْذِنُ بِجَهْلٍ عَظِيمٍ، والسَّبَبُ في نَحْوِ هَذِهِ الرِّواياتِ قِلَّةُ ضَبْطِ الرُّواةِ، والسَّبَبُ في قِلَّةِ الضَّبْطِ قِلَّةُ الدِّرايَةِ، ولا يَضْبُطُ نَحْوَ هَذا إلّا أهْلُ النَّحْوِ، انْتَهى كَلامُهُ. وذَلِكَ عَلى عادَتِهِ في الطَّعْنِ عَلى القُرّاءِ، وأمّا ما ذَكَرَ أنَّ (p-٣٦٢)مُدْغِمُ الرّاءِ في اللّامِ لاحِنٌ مُخْطِئٌ خَطَأً فاحِشًا إلى آخِرِهِ، فَهَذِهِ مَسْألَةٌ اخْتَلَفَ فِيها النَّحْوِيُّونَ، فَذَهَبَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ وأصْحابُهُ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إدْغامُ الرّاءِ في اللّامِ مِن أجْلِ التَّكْرِيرِ الَّذِي فِيها، ولا في النُّونِ. قالَ أبُو سَعِيدٍ: ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَهُ إلّا يَعْقُوبَ الحَضْرَمِيُّ، وإلّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأنَّهُ كانَ يُدْغِمُ الرّاءَ في اللّامِ، مُتَحَرِّكَةٌ مُتَحَرِّكًا ما قَبْلَها، نَحْوُ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن﴾ [آل عمران: ١٢٩] ﴿العُمُرِ لِكَيْ لا﴾ [النحل: ٧٠]، ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] فَإنَّ سَكَنَ ما قَبْلَ الرّاءِ أدْغَمَها في اللّامِ في مَوْضِعِ الضَّمِّ والكَسْرِ، نَحْوُ ﴿الأنْهارُ لَهُمْ﴾ [النحل: ٣١] و(النّارُ لِيَجْزِيَ) فَإنِ انْفَتَحَتْ وكانَ ما قَبْلَها حَرْفُ مَدٍّ ولِينٍ أوْ غَيْرِهِ لَمْ يَدْغِمْ نَحْوُ ﴿مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ﴾ [يوسف: ٢١] و﴿الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣] و﴿لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ [فاطر: ٢٩] و﴿الحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨] فَإنْ سَكَنَتِ الرّاءُ أدْغَمَها في اللّامِ بِلا خِلافٍ عَنْهُ إلّا ما رَوى أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِلا خِلافٍ عَنْهُ، عَنِ اليَزِيدِيِّ، عَنْهُ: أنَّهُ أظْهَرَها، وذَلِكَ إذا قَرَأ بِإظْهارِ المِثْلَيْنِ، والمُتَقارِبَيْنِ المُتَحَرِّكَيْنِ لا غَيْرَ، عَلى أنَّ المَعْمُولَ في مَذْهَبِهِ بِالوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَلى الإدْغامِ نَحْوُ: (ويَغْفِرْ لَكم) انْتَهى، وأجازَ ذَلِكَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وحَكَياهُ سَماعًا، ووافَقَهُما عَلى سَماعِهِ رِوايَةً وإجازَةً أبُو جَعْفَرٍ الرَّواسِيُّ، وهو إمامٌ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ والعَرَبِيَّةِ مِنَ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ وافَقَهم أبُو عَمْرٍو عَلى الإدْغامِ رِوايَةً وإجازَةً، كَما ذَكَرْناهُ، وتابَعَهُ يَعْقُوبُ كَما ذَكَرْناهُ، وذَلِكَ مِن رِوايَةِ الوَلِيدِ بْنِ حَسّانَ، والإدْغامُ وجْهٌ مِنَ القِياسِ، ذَكَرْناهُ في كِتابِ (التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ) مِن تَأْلِيفِنا، وقَدِ اعْتَمَدَ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى أنَّ ما رُوِيَ عَنِ القُرّاءِ مِنَ الإدْغامِ الَّذِي مَنَعَهُ البَصْرِيُّونَ يَكُونُ ذَلِكَ إخْفاءً لا إدْغامًا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ في القُرّاءِ أنَّهم غَلَطُوا، وما ضَبَطُوا، ولا فَرَّقُوا بَيْنَ الإخْفاءِ والإدْغامِ، وعَقْدَ هَذا الرَّجُلُ بابًا قالَ: هَذا بابٌ يَذْكُرُ فِيهِ ما أدْغَمَتِ القُرّاءُ مِمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يَجُوزُ إدْغامُهُ، وهَذا لا يَنْبَغِي، فَإنَّ لِسانَ العَرَبِ لَيْسَ مَحْصُورًا فِيما نَقَلَهُ البَصْرِيُّونَ فَقَطْ، والقِراءاتُ لا تَجِيءُ عَلى ما عَلِمَهُ البَصْرِيُّونَ ونَقَلُوهُ، بَلِ القُرّاءُ مِنَ الكُوفِيِّينَ يَكادُونَ يَكُونُونَ (p-٣٦٣)مِثْلَ قُرّاءِ البَصْرَةِ، وقَدِ اتَّفَقَ عَلى نَقْلِ إدْغامِ الرّاءِ في اللّامِ كَبِيرُ البَصْرِيِّينَ ورَأْسُهم: أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ، وكُبَراءُ أهْلِ الكُوفَةِ: الرَّوّاسِيُّ، والكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأجازُوهُ ورَوُوهُ عَنِ العَرَبِ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ والرُّجُوعُ فِيهِ إلى عِلْمِهِمْ ونَقْلِهِمْ؛ إذْ مَن عَلِمَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَعْلَمْ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ راوِي ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو مُخْطِئٌ مَرَّتَيْنِ، فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ صَوابٌ، والَّذِي رَوى ذَلِكَ عَنْهُ الرُّواةُ، ومِنهم: أبُو مُحَمَّدٍ اليَزِيدِيُّ وهو إمامٌ في النَّحْوِ، إمامٌ في القِراءاتِ، إمامٌ في اللُّغاتِ. قالَ النِّقاشُ: يَغْفِرُ لِمَن يَنْزَعُ عَنْهُ، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ إنْ أقامَ عَلَيْهِ. وقالَ الثَّوْرِيُّ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ العَظِيمَ، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ عَلى الصَّغِيرِ. وقَدْ تَعَلَّقَ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ في جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وقالُوا: كَلَّفُوا أمْرَ الخَواطِرِ، وذَلِكَ مِمّا لا يُطاقُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا غَيْرُ بَيِّنٍ، وإنَّما كانَ مِنَ الخَواطِرِ تَأْوِيلًا تَأوَّلَهُ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يُثْبِتْ تَكْلِيفًا. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ المَغْفِرَةَ والتَّعْذِيبَ لِمَن يَشاءُ، عَقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ القُدْرَةِ، إذْ ما ذُكِرَ جُزْءٌ مِن مُتَعَلِّقاتِ القُدْرَةِ.

البقرة 2:285

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآيَةَ أشْفَقُوا مِنها، ثُمَّ تَقَرَّرَ الأمْرُ عَلى أنْ ﴿قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النساء: ٤٦] فَرَجَعُوا إلى التَّضَرُّعِ والِاسْتِكانَةِ، فَمَدَحَهُمُ اللَّهُ وأثْنى عَلَيْهِمْ، وقَدَّمَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رِفْقِهِ بِهِمْ، وكَشْفِهِ لِذَلِكَ الكَرْبِ الَّذِي أوْجَبَهُ تَأْوِلَهم، فَجَمَعَ لَهم، تَعالى، التَّشْرِيفَ بِالمَدْحِ والثَّناءِ ورَفَعِ المَشَقَّةَ في أمَرِ الخَواطِرِ، وهَذِهِ ثَمَرَةُ الطّاعَةِ والِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى، كَما جَرى لِبَنِي إسْرائِيلَ ضِدَّ ذَلِكَ مِن ذَمِّهِمْ وتَحْمِيلِهِمُ المَشَقّاتِ مِنَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والجَلاءِ، إذْ ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] وهَذِهِ ثَمَرَةُ العِصْيانِ والتَّمَرُّدِ عَلى اللَّهِ، أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مَن نِقَمِهِ، انْتَهى هَذا، وهو كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وظَهَرَ بِسَبَبِ النُّزُولِ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، ولِما كانَ مُفْتَتَحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ الكِتابِ المُنَزَّلِ، وأنَّهُ هَدًى لِلْمُتَّقِينَ المَوْصُوفِينَ بِما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الإيمانِ بِالغَيْبِ، وبِما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ وإلى مَن قَبْلَهُ، كانَ مُخْتَتَمُها أيْضًا مُوافِقًا لِمُفْتَتَحِها. وقَدْ تَتَبَّعْتُ أوائِلَ السُّوَرِ المُطَوَّلَةِ فَوَجَدْتُها يُناسِبُها أواخِرُها، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَنْخَرِمُ مِنها شَيْءٌ، وسَأُبَيِّنُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ في آخِرِ كُلِّ سُورَةٍ سُورَةٍ، وذَلِكَ مِن أبْدَعِ الفَصاحَةِ، حَيْثُ يَتَلاقى آخِرُ الكَلامِ (p-٣٦٤)المُفْرِطُ في الطُّولِ بِأوَّلِهِ، وهي عادَةٌ لِلْعَرَبِ في كَثِيرٍ مِن نُظُمِهِمْ، يَكُونُ أحَدُهم آخِذًا في شَيْءٍ، ثُمَّ يَسْتَطْرِدُ مِنهُ إلى شَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ إلى آخَرَ، هَكَذا طَوِيلًا، ثُمَّ يَعُودُ إلى ما كانَ آخِذًا فِيهِ أوَّلًا، ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ في ذَلِكَ سَهَلَ عَلَيْهِ مُناسَبَةُ ما يَظْهَرُ بِبادِئِ النَّظَرِ أنَّهُ لا مُناسَبَةَ لَهُ، فَبَيَّنَ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ المَرْوَزِيُّ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لَمْ يَنْزِلْ بِهِما جِبْرِيلُ، وسَمِعَهُما ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ بِلا واسِطَةٍ، والبَقَرَةُ مَدَنِيَّةٌ إلّا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أُخْرى، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وعَطاءٌ: إنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ بِهِما بِالمَدِينَةِ، وهي رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ في إيمانِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَهِدَ بِإيمانِ المُؤْمِنِينَ، فالشَّكُّ فِيهِ شَكٌّ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، انْتَهى كَلامُهُ. والألِفُ واللّامُ في (الرَّسُولُ) هي لِلْعَهْدِ، وهو رَسُولُنا مُحَمَّدٌ ﷺ وقَدْ كَثُرَ في القُرْآنِ تَسْمِيَتُهُ مِنَ اللَّهِ بِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ، وما أنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ شامِلٌ لِجَمِيعِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى: مِنَ العَقائِدِ، وأنْواعِ الشَّرائِعِ، وأقْسامِ الأحْكامِ في القُرْآنِ، وفي غَيْرِهِ، آمَنَ بِأنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ وصَلَ إلَيْهِ، وقَدَّمَ الرَّسُولَ لِأنَّ إيمانَهُ هو المُتَقَدِّمُ وإيمانَ المُؤْمِنِينَ مُتَأخِّرٌ عَنْ إيمانِهِ، إذْ هو المَتْبُوعُ وهُمُ التّابِعُونَ في ذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ، قالَ: يَحِقُّ لَهُ أنْ يُؤْمِنَ» . والظّاهِرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (والمُؤْمِنُونَ) مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (الرَّسُولُ) ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ (وآمَنَ المُؤْمِنُونَ) فَأظْهَرَ الفِعْلُ الَّذِي أضْمَرَهُ غَيْرُهُ مِنَ القُرّاءِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ (كُلٌّ) لِشُمُولِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الوَقْفُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: (مِن رَبِّهِ) ويَكُونُ (المُؤْمِنُونَ) مُبْتَدَأً، و(كُلٌّ) مُبْتَدَأً ثانٍ لِشُمُولِ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، و(آمَنَ بِاللَّهِ) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ (كُلٌّ) والجُمْلَةُ مِن: (كُلٌّ) وخَبَرِهِ، في مَوْضِعِ خَبَرِ المُؤْمِنِينَ، والرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمُبْتَدَأِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ تَقْدِيرُهُ: كُلٌّ مِنهم آمَنَ، كَقَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانٌ بِدِرْهَمٍ، يُرِيدُونَ: مِنهُ بِدِرْهَمٍ، والإيمانُ بِاللَّهِ هو: التَّصْدِيقُ بِهِ، وبِصِفاتِهِ، ورَفَضُ الأصْنامِ، وكُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ. والإيمانُ بِمَلائِكَتِهِ هو اعْتِقادُ وجُودِهِمْ، وأنَّهم عِبادُ اللَّهِ، ورَفْضِ مُعْتَقَداتِ الجاهِلِيَّةِ فِيهِمْ، والإيمانُ بِكُتُبِهِ هو التَّصْدِيقُ بِكُلِّ ما أنْزَلَ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ تَضَمَّنَهم كِتابُ اللَّهِ، وما أخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن ذَلِكَ، والإيمانُ بِرُسُلِهِ هو التَّصْدِيقُ بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَهم لِعِبادِهِ. وهَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الفَصاحَةِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ هي المَرْتَبَةُ الأوْلى، وهي الَّتِي يَسْتَبِدُّ بِها العَقْلُ؛ إذْ وُجُودُ الصّانِعِ يُقِرُّ بِهِ كُلٌّ عاقِلٍ، والإيمانُ بِمَلائِكَتِهِ هي المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ؛ لِأنَّهم كالوَسائِطِ بَيْنَ اللَّهِ وعِبادِهِ، والإيمانُ بِالكُتُبِ هو الوَحْيُ الَّذِي يَتَلَقَّنُهُ المَلَكُ مِنَ اللَّهِ، يُوصِلُهُ إلى البِشْرِ، هي المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ، والإيمانُ بِالرُّسُلِ الَّذِينَ يَقْتَبِسُونَ أنْوارَ الوَحْيِ فَهم مُتَأخِّرُونَ في الدَّرَجَةِ عَنِ الكُتُبِ، هي المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامَ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا التَّرْتِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٩٨] وقِيلَ: الكَلامُ في عِرْفانِ الحَقِّ لِذاتِهِ، وعُرْفانِ الخَيْرِ لِلْعَمَلِ بِهِ، واسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالعِلْمِ والقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، بِفِعْلِ الخَيِّراتِ، والأُولى أشْرَفُ، فَبُدِئَ بِها، وهو: الإيمانُ المَذْكُورُ، والثّانِيَةُ هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ وقِيلَ: لِلْإنْسانِ مَبْدَأٌ وحالٌ ومَعادٍ، فالإيمانُ إشارَةٌ إلى المَبْدَأِ، و(سَمِعْنا وأطَعْنا) إشارَةٌ إلى الحالِ، و(غُفْرانَكَ) وما بَعْدَهُ إشارَةٌ إلى المَعادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (: وكِتابِهِ) عَلى التَّوْحِيدِ، وباقِي السَّبْعَةِ (وكُتُبِهِ) عَلى الجَمْعِ، فَمَن وحَّدَ أرادَ كُلَّ مَكْتُوبٍ، سُمِّيَ المَفْعُولُ بِالمَصْدَرِ، كَقَوْلِهِمْ: نَسْجُ اليَمَنِ أيْ: مَنسُوجُهُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ أنَّ هَذا الإفْرادَ لَيْسَ كَإفْرادِ المَصادِرِ، وإنْ أُرِيدَ بِها الكَثِيرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] ولَكِنَّهُ، كَما تُفْرَدُ الأسْماءَ الَّتِي يُرادُ بِها الكَثْرَةُ، نَحْوُ: كَثُرَ الدِّينارُ والدِّرْهَمُ، ومَجِيئُها بِالألِفِ واللّامِ أكْثَرُ مِن مَجِيئِها مُضافَةً، ومِنَ الإضافَةِ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] (p-٣٦٥)وفِي الحَدِيثِ: «مَنَعَتِ العِراقُ دِرْهَمَها وقَفِيزَها» يُرادُ بِهِ: الكَثِيرُ، كَما يُرادُ بِما فِيهِ لامُ التَّعْرِيفِ، انْتَهى مُلَخَّصًا، ومَعْناهُ أنَّ المُفْرَدَ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ يَعُمُّ أكْثَرَ مِنَ المُفْرَدِ المُضافِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (وكِتِابِهِ) يُرِيدُ القُرْآنَ، أوِ الجِنْسَ، وعَنْهُ: الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ الواحِدُ أكْثَرَ مِنَ الجَمْعِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالواحِدِ الجِنْسُ، والجِنْسِيَّةُ قائِمَةٌ في وحَدانِ الجِنْسِ كُلِّها، لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ شَيْءٌ، وأمّا الجَمْعُ فَلا يُدْخِلُ تَحْتَهُ إلّا ما فِيهِ الجِنْسِيَّةُ مِنَ الجُمُوعِ، انْتَهى كَلامُهُ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ الجَمْعَ إذا أُضِيفَ أوْ دَخَلَتْهُ الألِفُ واللّامُ الجِنْسِيَّةُ صارَ عامًّا، ودَلالَةُ العامِّ دَلالَةٌ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَلَوْ قالَ: أعْتَقْتُ عَبِيدِي، يَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ عَبْدٍ عَبْدٍ، ودَلالَةُ الجَمْعِ أظْهَرُ في العُمُومِ مِنَ الواحِدِ، سَواءٌ كانَتْ فِيهِ الألِفُ واللّامُ أمِ الإضافَةُ، بَلْ لا يُذْهَبُ إلى العُمُومِ في الواحِدِ إلّا بِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ، كَأنْ يُسْتَثْنى مِنهُ، أوْ يُوَصَفُ بِالجَمْعِ، نَحْوُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٣] وأهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصُّفْرُ والدِّرْهَمُ البِيضُ، أوْ قَرِينَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ نَحْوُ: نِيَّةُ المُؤْمِنِ أبْلَغُ مِن عَمَلِهِ، وأقْصى حالِهِ أنْ يَكُونَ مِثْلَ الجَمْعِ العامِّ إذا أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، وحُمِلَ عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: (آمَنَ) فَأُفْرِدَ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] . وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ (وكُتْبِهِ ورُسْلِهِ، بِإسْكانِ التّاءِ والسِّينِ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنْ نافِعٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( ورُسْلِهِ) بِإسْكانِ السِّينِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (وكِتابِهِ ولِقائِهِ ورُسُلِهِ) ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ، وقَدَّرَهُ: يَقُولُونَ لا نُفَرِّقُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَقُولُ لا نُفَرِّقُ؛ لِأنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ، وعَنْ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ: يَقُولُ، عَلى اللَّفْظِ، ويَقُولُونَ، عَلى المَعْنى بَعْدَ الحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَمَوْضِعُ هَذا المُقَدَّرِ نَصْبٌ عَلى الحالِ، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِـ (كُلٌّ) . وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، ويَعْقُوبُ، ونَصُّ رُوايَةِ أبِي عَمْرٍو (ولا يُفَرِّقُ) بِالياءِ عَلى لَفْظِ (كُلٌّ) قالَ هارُونُ: وهي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ (لا يُفَرِّقُونَ) حُمِلَ عَلى مَعْنى (كُلٌّ) بَعْدَ الحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، والمَعْنى: أنَّهم لَيْسُوا كاليَهُودِ والنَّصارى يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إثْباتُ النُّبُوَّةِ، وهو ظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلى وِفْقِ الدَّعْوى، فاخْتِصاصُ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مُتَناقِضٌ، لا ما ادَّعاهُ بَعْضُهم مِن أنَّ المَقْصُودَ هو عَدَمُ التَّفْضِيلِ بَيْنَهم، و(أحَدٍ) هُنا هي المُخْتَصَّةُ بِالنَّفْيِ، وما أشْبَهَهُ ؟ فَهي لِلْعُمُومِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتْ (مِن) عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] والمَعْنى بَيْنَ آحادِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎إذا أُمُورُ النّاسِ دِيكَتْ دَوْكًا لا يَرْهَبُونَ أحَدًا رَأوْكا قالَ بَعْضُهم: و(أحَدٍ) قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى جَمِيعٍ، والتَّقْدِيرُ: بَيْنَ جَمِيعِ رُسُلِهِ، ويَبْعُدُ عِنْدِي هَذا التَّقْدِيرُ؛ لِأنَّهُ لا يُنافِي كَوْنَهم مُفَرِّقِينَ بَيْنَ بَعْضِ الرُّسُلِ، والمَقْصُودُ بِالنَّفْيِ وهَذا؛ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى ما كانُوا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ كُلِّ الرُّسُلِ، بَلِ البَعْضُ، وهو مُحَمَّدٌ، فَثَبَتَ أنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ باطِلٌ، بَلْ مَعْنى الآيَةِ: لا يُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وبَيْنَ غَيْرِهِ في النُّبُوَّةِ، انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، ولا يَعْنِي مَن فَسَّرَها: بِجَمِيعِ، أوْ قالَ: هي في مَعْنى الجَمِيعِ، إلّا أنَّهُ يُرِيدُ بِها العُمُومَ نَحْوُ: ما قامَ أحَدٌ، أيْ: ما قامَ فَرْدٌ فَرْدٌ مِنَ الرِّجالِ مَثَلًا، ولا فَرْدٌ فَرْدٌ مِنَ النِّساءِ، لا أنَّهُ نَفى القِيامَ عَنِ الجَمِيعِ، فَيَثْبُتُ لِبَعْضٍ، ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المَعْطُوفُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: لا يُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وبَيْنَ أحَدٍ، فَيَكُونُ (أحَدٍ) هُنا بِمَعْنى واحِدٍ، لا أنَّهُ اللَّفْظُ المَوْضُوعُ لِلْعُمُومِ في النَّفْيِ، ومِن حَذْفِ المَعْطُوفِ: (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ) أيْ: والبَرْدَ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ ∗∗∗ جاءَ سالِمًا أبُو حُجُرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ (p-٣٦٦)أيْ: بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي فَحَذَفَ، وبَيْنِي لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ. ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وأطَعْنا أمْرَكَ، ولا يُرادُ مُجَرَّدُ السَّماعِ، بَلِ القَبُولُ والإجابَةُ، وقَدَّمَ (سَمِعْنا) عَلى (وأطَعْنا) لِأنَّ التَّكْلِيفَ طَرِيقُهُ السَّمْعُ، والطّاعَةُ بَعْدَهُ، ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ قائِلًا هَذا دَهْرَهَ. ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ أيْ: مِنَ التَّقْصِيرِ في حَقِّكَ، أوْ لِأنَّ عِبادَتَنا، وإنْ كانَتْ في نِهايَةِ الكَمالِ، فَهي بِالنِّسْبَةِ إلى جَلالِكَ تَقْصِيرٌ. ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ إقْرارٌ بِالمَعادِ، أيْ: وإلى جَزائِكَ المَرْجِعُ، وانْتِصابُ ﴿غُفْرانَكَ﴾ عَلى المَصْدَرِ، وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي يَعْمَلُ فِيها الفِعْلُ مُضْمَرًا، التَّقْدِيرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: اغْفِرْ لَنا غُفْرانَكَ، قالَ السَّجاوَنْدِيُّ: ونَسَبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلزَّجّاجِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿غُفْرانَكَ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلِهِ، يُقالُ: غُفْرانَكَ لا كُفْرانَكَ، أيْ: نَسْتَغْفِرُكَ ولا نَكْفُرُكَ، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ: الجُمْلَةُ طَلَبِيَّةٌ، وعَلى الثّانِي: خَبَرِيَّةٌ. واضْطَرَبَ قَوْلُ ابْنِ عُصْفُورٍ فِيهِ، فَمَرَّةٌ قالَ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يَجُوزُ إظْهارُهُ، ومَرَّةٌ قالَ: هو مَنصُوبٌ يُلْتَزَمُ إضْمارُهُ، وعَدَّهُ مَعَ: سُبْحانَ اللَّهِ، وأخَواتِها، وأجازَ بَعْضُهُمُ انْتِصابَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: نَطْلُبُ أوْ نَسْألُ غُفْرانَكَ، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الرَّفْعَ فِيهِ عَلى أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، أيْ: غُفْرانُكَ بُغْيَتُنا. و(المَصِيرُ) اسْمُ مَصْدَرٍ مَن صارَ يَصِيرُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى: مَفْعِلٍ، بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَدِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في بِناءِ المَفْعِلِ مِمّا عَيْنُهُ ياءٌ نَحْوُ: ( يَبِيتُ، ويَعِيشُ، ويَحِيضُ، ويَقِيلُ، ويَصِيرُ، فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ كالصَّحِيحِ، نَحْوُ: يَضْرِبُ، يَكُونُ لِلْمَصْدَرِ بِالفَتْحِ، ولِلْمَكانِ والزَّمانِ نَحْوُ: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبإ: ١١] أيْ: عَيْشًا، فَيَكُونُ: المَحِيضُ بِمَعْنى الحَيْضِ، والمَصِيرُ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ، عَلى هَذا شاذًّا، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى التَّخْيِيرِ في المَصْدَرِ بَيْنَ أنْ تَبْنِيَهُ عَلى مَفْعِلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ، أوْ مَفْعَلٍ بِفَتْحِها، وأمّا الزَّمانُ والمَكانُ فَبِالكَسْرِ، ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الزَّجّاجُ، ورَدَّهُ عَلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الِاقْتِصارِ عَلى السَّماعِ، فَحَيْثُ بَنَتِ العَرَبُ المَصْدَرَ عَلى مَفْعِلٍ أوْ مَفْعَلٍ اتَّبَعْناهُ، وهَذا المَذْهَبُ أحْوَطُ. ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ، خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أخْبَرَ بِهِ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ العِبادَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ إلّا ما هو في وُسْعِ المُكَلَّفِ، ومُقْتَضى إدْراكِهِ وبِنِيَّتِهِ، وانْجَلى بِهَذا أمْرُ الخَواطِرِ الَّذِي تَأوَّلَهُ المُسْلِمُونَ في قَوْلِهِ: (إنْ تُبْدُوا) الآيَةَ، وظَهَرَ تَأْوِيلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا يَصِحُّ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ما يُكَلِّفُها إلّا ما يَتَّسِعُ فِيهِ طَوْقَها، ويَتَيَسَّرُ عَلَيْها دُونَ مَدى الطّاقَةِ والمَجْهُودِ، وهَذا إخْبارٌ عَنْ عَدْلِهِ ورَحْمَتِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لِأنَّهُ كانَ في إمْكانِ الإنْسانِ وطاقَتِهِ أنْ يُصَلِّيَ أكْثَرَ مِنَ الخَمْسِ، ويَصُومَ أكْثَرَ مِنَ الشَّهْرِ، ويَحُجَّ أكْثَرَ مِن حِجَّةٍ، وقِيلَ: هَذا مِن كَلامِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أيْ: وقالُوا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] والمَعْنى: أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ قالُوا: كَيْفَ لا نَسْمَعُ ذَلِكَ، ولا نُطِيعُ ؟ وهو تَعالى لا يُكَلِّفُنا إلّا ما في وُسْعِنا ؟ والوُسْعُ دُونَ المَجْهُودِ في المَشَقَّةِ، وهو ما يَتَّسِعُ لَهُ قُدْرَةُ الإنْسانِ. وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (يُكَلِّفُ) وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُكَلِّفُ، يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عِبادَةً أوْ شَيْئًا، انْتَهى، فَإنْ عَنى أنَّ أصْلَهُ كَذا، فَهو صَحِيحٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (إلّا وُسْعَها) اسْتِثْناءٌ مُفْرَغٌ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، وإنْ عَنى أنَّهُ مَحْذُوفٌ في الصِّناعَةِ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الثّانِي هو (وُسْعَها) نَحْوُ: ما أعْطَيْتُ زَيْدًا إلّا دِرْهَمًا، ونَحْوُ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا، هَذا في الصِّناعَةِ هو المَفْعُولُ، وإنْ كانَ أصْلُهُ: ما أعْطَيْتُ زَيْدًا شَيْئًا إلّا دِرْهَمًا، وما ضَرَبْتُ أحَدًا إلّا زَيْدًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (إلّا وسَعَها) جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا، وأوَّلُوهُ عَلى إضْمارِ: ما المَوْصُولَةِ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَوْصُولُ المَفْعُولَ الثّانِي لِيُكَلِّفَ، كَما أنَّ (وُسْعَها) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ هو المَفْعُولُ الثّانِي، وفِيهِ ضَعْفٌ مِن حَيْثُ حَذْفُ المَوْصُولِ دُونَ أنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَوْصُولٌ آخَرُ يُقابِلُهُ، كَقَوْلِ حَسّانَ:(p-٣٦٧) ؎فَمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ∗∗∗ ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ أيْ: ومَن يَنْصُرُهُ، فَحَذَفَ: مِن، لِدَلالَةِ: مِنَ المُتَقَدِّمَةِ، ويَنْبَغِي أنْ لا يُقاسَ حَذْفُ المَوْصُولِ؛ لِأنَّهُ وصِلَتَهُ كالجُزْءِ الواحِدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ (يُكَلِّفُ) الثّانِي مَحْذُوفًا، لِفَهْمِ المَعْنى، ويَكُونَ (وُسْعَها) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، التَّقْدِيرُ: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا شَيْئًا إلّا وسْعَها، أيْ: وقَدْ وسِعَها، وهَذا التَّقْدِيرُ أوْلى مِن حَذْفِ المَوْصُولِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا يُشِيرُ إلى قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ، فِيهِ تَجَوُّزٌ لِأنَّهُ مَقْلُوبٌ، وكانَ وجْهُ اللَّفْظِ: إلّا وسِعَتْهُ، كَما قالَ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] ولَكِنْ يَجِيءُ هَذا مِن بابِ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وفَمِي في الحَجَرِ، انْتَهى. وتَكَلَّمَ ابْنُ عَطِيَّةَ هُنا في تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وهي مَسْألَةٌ يُبْحَثُ فِيها في أُصُولِ الدِّينِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ. ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أيْ: ما كَسَبَتْ مِنَ الحَسَناتِ واكْتَسَبَتْ مِنَ السَّيِّئاتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ، لا خِلافَ في ذَلِكَ، والخَواطِرُ لَيْسَتْ مِن كَسْبِ الإنْسانِ، والصَّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الكَسْبَ والِاكْتِسابَ واحِدٌ، والقُرْآنَ ناطِقٌ بِذَلِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقالَ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقالَ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] وقالَ: ﴿بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨] . ومِنهم مَن فَرَّقَ فَقالَ: الِاكْتِسابُ أخَصُّ مِنَ الكَسْبِ؛ لِأنَّ الكَسْبَ يَنْقَسِمُ إلى كَسْبٍ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ، والِاكْتِسابُ لا يَكُونُ إلّا لِنَفْسِهِ، يُقالُ: كاسِبُ أهْلِهِ، ولا يُقالُ: مُكْتَسِبُ أهْلِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألْقَيْتَ كاسِبَهَمْ في قَعْرٍ مُظْلِمَةٍ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَعُها ما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ، ويَضُرُّها ما اكْتَسَبَتْ مِن شَرٍّ، لا يُؤاخِذُ غَيْرَها بِذَنْبِها ولا يُثابُ غَيْرُها بِطاعَتِها، فَإنْ قُلْتَ: لِمَ خَصَّ الخَيْرَ بِالكَسْبِ والشَّرَّ بِالِاكْتِسابِ ؟ قُلْتُ: في الِاكْتِسابِ اعْتِمالٌ، فَلَمّا كانَ الشَّرُّ مِمّا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ، وهي مُنْجَذِبَةٌ إلَيْهِ، وأمّارَةٌ بِهِ، كانَتْ في تَحْصِيلِهِ أعْمَلُ وأجَدُّ، فَجُعِلَتْ لِذَلِكَ مُكْتَسَبَةً فِيهِ، ولَمّا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ في بابِ الخَيْرِ وصُفِتْ بِما لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الِاعْتِمالِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَرَّرَ فِعْلَ الكَسْبِ، فَخالَفَ بَيْنَ التَّصْرِيفِ حُسْنًا لِنَمَطِ الكَلامِ، كَما قالَ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] هَذا وجْهٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي في هَذا أنَّ الحَسَناتِ هي مِمّا تُكْتَسَبُ دُونَ تَكَلُّفٍ، إذْ كاسِبُها عَلى جادَّةِ أمْرِ اللَّهِ ورَسْمِ شَرْعِهِ، والسَّيِّئاتُ تُكْتَسَبُ بِبِناءِ المُبالِغَةِ؛ إذْ كاسِبُها يَتَكَلَّفُ في أمْرِها خَرْقَ حِجابِ نَهَيِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَخَطّاهُ إلَيْها، فَيَحْسُنُ في الآيَةِ مَجِيءُ التَّصْرِيفَيْنِ احْتِرازًا لِهَذا المَعْنى، انْتَهى كَلامُهُ. وحَصَلَ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وابْنِ عَطِيَّةَ: أنَّ الشَّرَّ والسَّيِّئاتَ فِيها اعْتِمالٌ، لَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ: إنَّ سَبَبَ الِاعْتِمالِ هو اشْتِهاءُ النَّفْسِ وانْجِذابُها إلى ما تُرِيدُهُ، وابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: إنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هو أنَّهُ مُتَكَلِّفٌ، خَرَقَ حِجابَ نَهْيِ اللَّهِ تَعالى، فَهو لا يَأْتِي المَعْصِيَةَ إلّا بِتَكَلُّفٍ، ونَحا السَّجاوَنْدِيُّ قَرِيبًا مِن مَنحى ابْنِ عَطِيَّةَ، وقالَ: الِافْتِعالُ الِالتِزامُ، وشَرُّهُ يَلْزَمُهُ، والخَيْرُ يُشْرِكُ فِيهِ غَيْرَهُ بِالهِدايَةِ والشَّفاعَةِ. والِافْتِعالُ: الِانْكِماشُ، والنَّفْسُ تَنْكَمِشُ في الشَّرِّ، انْتَهى، وجاءَ: في الخَيْرِ بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُفْرَحُ بِهِ ويُسَرُّ، فَأُضِيفَ إلى مُلْكِهِ، وجاءَ: في الشَّرِّ، بِعَلى مِن حَيْثُ هو أوْزارُ وأثْقالُ، فَجَعَلَتْ قَدْ عَلَتْهُ وصارَ تَحْتَها يَحْمِلُها، وهَذا كَما تَقُولُ: لِي مالٌ وعَلَيَّ دَيْنٌ.

البقرة 2:286

﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ هَذا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: قُولُوا في دُعائِكم: (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا) والدُّعاءُ مُخُّ العِبادَةِ؛ إذِ الدّاعِي يُشاهِدُ نَفْسَهُ في مَقامِ الحاجَةِ والذِّلَّةِ والِافْتِقارِ، ويُشاهِدُ رَبَّهُ بِعَيْنِ الِاسْتِغْناءِ والإفْضالِ، فَلِذَلِكَ خُتِمَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وافْتُتِحَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنها بِقَوْلِهِمْ: (رَبَّنا) إيذانًا مِنهم بِأنَّهم يَرْغَبُونَ مِن رَبِّهِمُ الَّذِي هو مُرَبِّيهِمْ، ومُصْلِحُ أحْوالِهِمْ، ولِأنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّهم مَرْبُوبُونَ داخِلُونَ تَحْتَ رِقِّ العُبُودِيَّةِ والِافْتِقارِ، ولَمْ يَأْتِ لَفْظُ (رَبَّنا)، في الجُمَلِ الطَّلَبِيَّةِ أخِيرًا؛ لِأنَّها نَتائِجُ ما تَقَدَّمَ (p-٣٦٨)مِنَ الجُمَلِ الَّتِي دَعَوْا فِيها: بِرَبِّنا، وجاءَتْ مُقابَلَةُ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنَ الثَّلاثِ السَّوابِقِ جُمْلَةٌ، فَقابَلَ ﴿لا تُؤاخِذْنا﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْفُ عَنّا﴾ وقابَلَ ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ بِقَوْلِهِ: (واغْفِرْ لَنا) وقابَلَ قَوْلَهَ ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ بِقَوْلِهِ: (وارْحَمْنا) لِأنَّ مِن آثارِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِالنِّسْيانِ والخَطَأِ العَفْوَ، ومِن آثارِ عَدَمِ حَمْلِ الإصْرِ عَلَيْهِمُ المَغْفِرَةُ، ومِن آثارِ عَدَمِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ الرَّحْمَةُ. ومَعْنى: المُؤاخَذَةُ، العاقِبَةُ، وفاعِلُ هُنا بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ نَحْوُ: أخَذَ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها فاعِلٌ، وقِيلَ: جاءَ بِلَفْظِ المُفاعَلَةِ، وهو فِعْلٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ المُسِيءَ قَدْ أمْكَنَ مِن نَفْسِهِ، وطَرَقَ السَّبِيلَ إلَيْها بِفِعْلِهِ، فَصارَ مَن يُعاقِبُ تَذَنُّبَهُ كالمُعِينِ لِنَفْسِهِ في إيذائِها، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى يَأْخُذُ المُذْنِبَ بِالعُقُوبَةِ، والمُذْنِبَ كَأنَّهُ يَأْخُذُ رَبَّهُ بِالمُطالَبَةِ بِالعَفْوِ والكَرَمِ؛ إذْ لا يَجِدُ مَن يُخَلِّصُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا هو تَعالى، فَلِذَلِكَ يَتَمَسَّكُ العَبْدُ عِنْدَ الخَوْفِ مِنهُ بِهِ، فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ بِلَفْظِ المُؤاخَذَةِ والنِّسْيانِ الَّذِي هو: عَدَمُ الذِّكْرِ، والخَطَأِ مَوْضُوعانِ عَنِ المُكَلَّفِ لا يُؤاخَذُ بِهِما، فَقالَ عَطاءٌ: (نَسِينا) جَهِلْنا، و(أخْطَأْنا) تَعَمَّدْنا، وقالَ قُطْرُبٌ، والطَّبَرِيُّ: (نَسِينا) تَرْكَنا، و(أخْطَأْنا) قالَ الطَّبَرِيُّ: قَصَدْنا، وقالَ قُطْرُبٌ: أخْطَأْنا في التَّأْوِيلِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ أخْطَأ: سَها وخَطِئَ تَعَمَّدَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎والنّاسُ يَلْحُونَ الأمِيرَ إذا هم خَطَئُوا الصَّوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ النِّسْيانَ هُنا والأخْطاءَ عَلى ظاهِرِهِما، وهُما اللَّذانِ لا يُؤاخَذُ المُكَلَّفُ بِهِما، وتَجَوَّزَ عَنْهُما إنْ صَدَرا مِنهُ، وإيّاهُ أجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في آخِرِ كَلامِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَكَرَ النِّسْيانَ والخَطَأ والمُرادُ بِهِما ما هُما مَنسِيّانِ عَنْهُ مِنَ التَّفْرِيطِ والإغْفالِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ [الكهف: ٦٣] ؟ والشَّيْطانُ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِ النِّسْيانِ، وإنَّما يُوَسْوِسُ، فَتَكُونُ وسْوَسَتُهُ سَبَبًا لِلتَّفْرِيطِ الَّذِي مِنهُ النِّسْيانُ، ولِأنَّهم كانُوا مُتَّقِينَ لِلَّهِ حَقَّ تُقاتِهِ، فَما كانَتْ تَفْرُطُ مِنهم فَرْطَةٌ إلّا عَلى وجْهِ النِّسْيانِ والخَطَأِ، فَكانَ وصْفُهم بِالدُّعاءِ بِذَلِكَ إيذانًا بِبَراءَةِ ساحَتِهِمْ عَمّا يُؤاخَذُونَ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانَ النِّسْيانُ والخَطَأُ مِمّا يُؤاخَذُ بِهِ فَما مِنهم سَبَبُ مُؤاخَذَةٍ إلّا الخَطَأُ والنِّسْيانُ، ويَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ بِما عَلِمَ أنَّهُ حاصِلٌ لَهُ قَبْلَ الدُّعاءِ مِن فَضْلِ اللَّهِ، لِاسْتِدامَتِهِ والِاعْتِدادِ بِالنِّعْمَةِ فِيهِ، انْتَهى كَلامُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الدُّعاءَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو في النِّسْيانِ الغالِبِ والخَطَأِ عَنِ المَقْصُودِ، وهَذا هو الصَّحِيحُ. قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: بَلَغَنِي أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَنْ نِسْيانِها وخَطَئِها» . وقالَ السُّدِّيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَغالُوا، قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: قَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ» . فَظاهِرُ قَوْلَيْهِما، يَعْنِي قَتادَةَ والسُّدِّيَّ ما صَحَّحَتْهُ، وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لِما كُشِفَ عَنْهم ما خافُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أُمِرُوا بِالدُّعاءِ في دَفْعِ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي لَيْسَ مِن طاقَةِ الإنْسانِ دَفْعُهُ، وذَلِكَ في النِّسْيانِ والخَطَأِ، انْتَهى كَلامُهُ. وقِيلَ: النِّسْيانُ فِيهِ ومِنهُ ما لا يُعْذَرُ، فالأوَّلُ كَنِسْيانِ النَّجاسَةِ في الثَّوْبِ بَعْدَ العِلْمِ بِها، فَمِثْلُ هَذا هو المَطْلُوبُ عَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِهِ، وهو ما إذا تُرِكَ التَّحَفُّظَ وأُعْرِضَ عَنْ أسْبابِ الذِّكْرِ، وقِيلَ: هَذا دُعاءٌ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ كانَ النِّسْيانُ مِمّا تَجُوزُ المُؤاخَذَةُ بِهِ فَلا تُؤاخَذُ بِهِ، وقِيلَ: المُؤاخَذَةُ بِهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَقْلًا، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّهُ مُؤاخَذٌ بِهِ اسْتَدامَ التَّذَكُّرَ، فَحِينَئِذٍ لا يَصْدُرُ عَنْهُ إلّا اسْتِدامَةُ التَّذَكُّرِ، وذَلِكَ فِعْلٌ شاقٌّ عَلى النَّفْسِ، فَحَسُنَ الدُّعاءُ بِتَرْكِ المُؤاخَذَةِ بِهِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وقِيلَ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ حَمْلَ النِّسْيانِ والخَطَأِ عَلى ما لا يُؤاخَذُ بِهِ قَبِيحٌ طَلَبُهُ والدُّعاءُ بِهِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما كانَ فِيهِ العَمْدُ إلى المَعْصِيَةِ، فَيَكُونُ النِّسْيانُ تَرْكَ الفِعْلِ، (p-٣٦٩)والخَطَأُ الفِعْلَ، وقَدْ أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِهِما، فَهو أمْرٌ مِنهُ لَهم أنْ يَطْلُبُوا مِنهُ أنْ لا يُعَذِّبَهم عَلى المَعاصِي، وهَذا دَلِيلٌ عَلى إعْطائِهِ إيّاهم هَذا المَطْلُوبَ. ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَّبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ: الإصْرُ العَهْدُ والمِيثاقُ الغَلِيظُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: الإصْرُ الذَّنْبُ الَّذِي لا كَفّارَةَ فِيهِ ولا تَوْبَةَ مِنهُ، وقالَ مالِكٌ: الإصْرُ الأمْرُ الغَلِيظُ الصَّعْبُ، وقالَ عَطاءٌ: الإصْرُ المَسْخُ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: الإثْمُ، حَكاهُ ثَعْلَبٌ، وقِيلَ: فَرْضٌ يَصْعُبُ أداؤُهُ، وقِيلَ: تَعْجِيلُ العُقُوبَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وقالَ الزَّجّاجُ: مِحْنَةٌ تَفْتِنُنا كالقَتْلِ والجَرْحِ في بَنِي إسْرائِيلَ، والجَعْلِ لِمَن يَكْفُرُ سَقْفًا مِن فِضَّةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العِبْءُ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ، أيْ يَحْبِسُهُ مَكانَهُ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ، اسْتُعِيرَ لِلتَّكْلِيفِ الشّاقِّ مِن نَحْوِ: قَتْلِ النَّفْسِ، وقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ مِنَ الجِلْدِ والثَّوْبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، انْتَهى. قالَ القَفّالُ: مَن نَظَرَ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنَ التَّوْراةِ الَّتِي يَدَّعِيها هَؤُلاءِ اليَهُودُ، وقَفَ عَلى ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِن غَلِيظِ العُهُودِ والمَواثِيقِ، ورَأى الأعاجِيبَ الكَثِيرَةَ. وقَرَأ أُبَيٌّ (ولا تُحَمِّلْ) بِالتَّشْدِيدِ، و(آصارًا) بِالجَمْعِ، ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: (أُصْرًا) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، و(الَّذِينَ مِن قَبْلِنا) المُرادُ بِهِ اليَهُودُ، وقالَ الضَّحّاكُ: والنَّصارى. ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قالَ قَتادَةُ: لا تُشَدِّدْ عَلَيْنا كَما شَدَّدَتْ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا، وقالَ الضَّحّاكُ: لا تُحَمِّلْنا مِنَ الأعْمالِ ما لا نُطِيقُ، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَمْسَخْنا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقالَ مَكْحُولٌ، وسَلّامُ بْنُ سابُورَ: الَّذِي لا طاقَةَ لَنا بِهِ الغُلْمَةُ، وحَكاهُ النَّقّاشُ عَنْ مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ومَكْحُولٍ. ورُوِيَ أنَّ أبا الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ في دُعائِهِ: وأعُوذُ بِكَ مِن غُلْمَةٍ لَيْسَ لَها عِدَّةٌ. وقالَ النَّخَعِيُّ: الحُبُّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهّابِ: العِشْقُ، وقِيلَ: القَطِيعَةُ. وقِيلَ: شَماتَةُ الأعْداءِ. رَوى وهَبٌ أنَّ أيُّوبَ، عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ السَّلامُ، قِيلَ لَهُ: ما كانَ أشَقُّ عَلَيْكَ في بَلائِكَ ؟ قالَ: شَماتَةُ الأعْداءِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎أشْمَتِّ بِيَ الأعْداءَ حِينَ هَجَرْتِنِي ∗∗∗ والمَوْتُ دُونَ شَماتَةِ الأعْداءِ وقالَ السُّدِّيُّ: التَّغْلِيظُ والأغْلالُ الَّتِي كانَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّحْرِيمِ، وقِيلَ: عَذابُ النّارِ، وقِيلَ: وساوِسُ النَّفْسِ، ويَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ التَّفاسِيرُ عَلى أنَّها عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، لا عَلى سَبِيلِ تَخْصِيصِ العُمُومِ. و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ عامٌّ، وهَذا أعَمُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ في الآيَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ في تِلْكَ: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ فَشَبَّهَ الإصْرَ بِالإصْرِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى مَن قَبْلَهم، وهُنا سَألُوا أنْ لا يُحَمِّلَهم ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وهو أعَمُّ مِنَ الإصْرِ السّابِقِ لِتَخْصِيصِهِ بِالتَّشْبِيهِ، وعُمُومِ هَذا، والتَّشْدِيدُ في (ولا تُحَمِّلْنا) لِلتَّعْدِيَةِ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ لِلتَّكْثِيرِ في حَمَّلَ: كَجَرَحْتُ زَيْدًا وجَرَّحْتُهُ، وقِيلَ: ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ مِنَ العُقُوباتِ النّازِلَةِ بِمَن قَبْلَنا، طَلَبُوا أوَّلًا أنْ يُعْفِيَهم مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ ثُمَّ ثانِيًا طَلَبُوا أنْ يُعْفِيَهم عَمّا نَزَلَ عَلى أُولَئِكَ مِنَ العُقُوباتِ عَلى تَفْرِيطِهِمْ في المُحافَظَةِ عَلَيْها، انْتَهى. والطّاقَةُ القُدْرَةُ عَلى الشَّيْءِ، وهي مَصْدَرٌ جاءَ عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصادِرِ، والقِياسُ طاقَةٌ، فَهو نَحْوُ: جابَةٍ مِن أجابَ، وغارَةٍ مِن أغارَ، في ألْفاظٍ سُمِعَتْ لا يُقاسُ عَلَيْها، فَلا يُقالُ: أطالَ طالَةً، وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَعْنِيَ بِما لا طاقَةَ، ما لا قُدْرَةَ لَهم عَلَيْهِ ألْبَتَّةَ، ولَيْسَ في وُسْعِهِمْ، وهو المَعْنى الَّذِي وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، والثّانِي: أنْ يَعْنِيَ بِالطّاقَةِ ما فِيهِ المَشَقَّةُ الفادِحَةُ، وإنْ كانَ مُسْتَطاعًا حَمْلُها. فَبِالمَعْنى الأوَّلِ يَرْجِعُ إلى العُقُوباتِ، وما أشْبَهَها، وبِالمَعْنى الثّانِي يَرْجِعُ إلى التَّكالِيفِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى لا تُحَمِّلْنا حَمْلًا يَثْقُلُ عَلَيْنا أداؤُهُ، وإنْ كُنّا مُطِيقِينَ لَهُ عَلى تَجَشُّمٍ وتَحَمُّلٍ مَكْرُوهٍ، خاطَبَ العَرَبَ عَلى حَسَبِ ما يُعْقَلُ، فَإنَّ الرَّجُلَ مِنهم يَقُولُ لِلرَّجُلِ يُبْغِضُهُ: ما أُطِيقُ النَّظَرَ إلَيْهِ، وهو مُطِيقٌ لِلنَّظَرِ (p-٣٧٠)إلَيْهِ لَكِنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠] . ﴿واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العَفْوِ والغُفْرانِ والرَّحْمَةِ، طَلَبُوا العَفْوَ وهو الصَّفْحُ عَنِ الذَّنْبِ وإسْقاطُ العِقابِ، ثُمَّ سَتْرُهُ عَلَيْهِمْ صَوْنًا لَهم مِن عَذابِ التَّخْجِيلِ؛ لِأنَّ العَفْوَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي سَتْرَهُ فَيُقالُ: عَفا عَنْهُ إذا وقَّفَهُ عَلى الذَّنْبِ ثُمَّ أسْقَطَ عَنْهُ عُقُوبَةَ ذَلِكَ الذَّنْبِ، فَسَألُوا الإسْقاطَ لِلْعُقُوبَةِ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ الأهَمُّ، إذْ فِيهِ التَّعْذِيبُ الجُسْمانِيُّ والنَّعِيمُ الرُّوحانِيُّ بِتَجَلِّي البارِئِ تَعالى لَهم، وقالَ الرّاغِبُ: العَفْوُ إزالَةُ الذَّنْبِ بِتَرْكِ عُقُوبَتِهِ، والغُفْرانُ سَتْرُ الذَّنْبِ وإظْهارُ الإحْسانِ بَدَلَهُ، فَكَأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ تَغْطِيَةِ ذَنْبِهِ، وكَشْفِ الإحْسانِ الَّذِي غَطّى بِهِ، والرَّحْمَةُ إفاضَةُ الإحْسانِ إلَيْهِ، فالثّانِي أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ، والثّالِثُ أبْلَغُ مِنَ الثّانِي، انْتَهى، وقِيلَ: واعْفُ عَنّا مِنَ المَسْخِ، واغْفِرْ لَنا عَنِ الخَسْفِ مِنَ القَذْفِ، وقِيلَ: اعْفُ عَنّا مِنَ الأفْعالِ، واغْفِرْ لَنا مِنَ الأقْوالِ، وارْحَمْنا بِثِقَلِ المِيزانِ. وقِيلَ: واعْفُ عَنّا في سَكَراتِ المَوْتِ، واغْفِرْ لَنا في ظُلْمَةِ القَبْرِ، وارْحَمْنا في أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ. وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ تَخْصِيصاتٌ لا دَلِيلَ عَلَيْها. ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ المَوْلى مَفْعَلٌ مِن ولِيَ يَلِي، يَكُونُ لِلْمَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، أمّا إذا أُرِيدَ بِهِ مالِكُ التَّدْبِيرِ والتَّصْرِيفِ في وُجُوهِ الضُّرِّ والنَّفْعِ، أوِ السَّيِّدُ، أوِ النّاصِرُ، أوِ ابْنُ العَمِّ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِن مُحامِلِهِ، فَأصْلُهُ المَصْدَرُ، سُمِّيَ بِهِ وغَلَبَتْ عَلَيْهِ الاسْمِيَّةُ، ووَلِيَتْهُ العَوامِلُ. ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أدْخَلَ الفاءَ إيذانًا بِالسَّبَبِيَّةِ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى مَوْلاهم، ومالِكَ تَدْبِيرِهِمْ وأمْرِهِمْ، يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ النُّصْرَةُ لَهم عَلى أعْدائِهِمْ، كَما تَقُولُ: أنْتَ الشُّجاعُ فَقاتِلْ، وأنْتَ الكَرِيمُ فَجُدْ عَلَيَّ، أيْ: أظْهِرْنا عَلَيْهِمْ بِما تُحْدِثُ في قُلُوبِنا مِنَ الجُرْأةِ والقُوَّةِ، وفي قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَوْرِ والجُبْنِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أنْواعِ الفَصاحَةِ وضُرُوبِ البَلاغَةِ أشْياءَ، مِنها: الطِّباقُ في ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ لِأنَّ (لَها) إشارَةٌ إلى ما يَحْصُلُ بِهِ نَفْعٌ، و(عَلَيْها) إشارَةٌ إلى ما يَحْصُلُ بِهِ ضَرَرٌ، والتَّكْرارُ في قَوْلِهِ: وما في الأرْضِ كَرَّرَ (ما) تَنْبِيهًا وتَوْكِيدًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وفي قَوْلِهِ: ما كَسَبَتْ وما اكْتَسَبَتْ إذا قُلْنا أنِّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، إذْ كانَ يَعْنِي ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في آمَنَ والمُؤْمِنُونَ والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ، واللَّهُ أعْلَمُ.