Al-Bahr Al-Muhit — آل عمران 3:1 – آل عمران 3:23
المحتويات
آل عمران 3:1
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٠] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [آل عمران: ١١]
(التَّوْراةُ): اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وقَدْ تَكَلَّفَ النُّحاةُ في اشْتِقاقِها وفي وزْنِها، وذَلِكَ بَعْدَ تَقْرِيرِ النُّحاةِ أنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا يَدْخُلُها اشْتِقاقٌ، وأنَّها لا تُوزَنُ، يَعْنُونَ اشْتِقاقًا عَرَبِيًّا. (p-٣٧١)فَأمّا اشْتِقاقُ (التَّوْراةَ) فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّها مِن: ورى الزَّنْدُ يَرى، إذا قَدَحَ وظَهَرَ مِنهُ النّارُ، فَكَأنَّ التَّوْراةَ ضِياءٌ مِنَ الضَّلالِ، وهَذا الِاشْتِقاقُ قَوْلُ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ أبُو فَيْدٍ مُوَرَّجٌ السَّدُوسِيُّ إلى أنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن: ورّى، كَما رُوِيَ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ سَفَرًا ورّى بِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ التَّوْراةِ تَلْوِيحٌ. وأمّا وزْنُها فَذَهَبَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وسائِرُ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ وزْنَها: فَوْعَلَةٌ، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، كَما أُبْدِلَتْ في: تُولِجُ، فالأصْلُ فِيها ووَزْنُهُ ووَلَجَ؛ لِأنَّهُما مِن ورّى، ومِن ولَجَ، فَهي: كَحَوْقَلَةَ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ وزْنَها: تَفْعِلَةٌ، كَتَوْصِيَةٍ، ثُمَّ أُبْدِلَتْ كَسْرَةُ العَيْنِ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا، كَما قالُوا في: ناصِيَةٍ، وجارِيَةٍ: ناصاهُ وجاراهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّهُ يُجِيزُ في تَوْصِيَةٍ تَوْصاهَ، وهَذا غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ إلى أنَّ وزْنَها: تَفْعَلَةٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ مِن: ورَّيْتُ بِكَ زَنادِيَّ، وتَجُوزُ إمالَةُ التَّوْراةِ وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
(الإنْجِيلَ) اسْمٌ عِبْرانِيٌّ أيْضًا، ويَنْبَغِي أنْ لا يَدْخُلَهُ اشْتِقاقٌ، وأنَّهُ لا يُوزَنُ، وقَدْ قالُوا: وزْنُهُ: إفْعِيلُ كَإجْفِيلَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْلِ، وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ. قالَ الخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الأرْضُ نِجالًا، وبِها نِجالٌ، إذا خَرَجَ مِنها الماءُ، والنَّجْلُ أيْضًا: الوَلَدُ والنَّسْلُ، قالَهُ الخَلِيلُ، وغَيْرُهُ، ونَجَلَهُ أبُوهُ أيْ: ولَدَهُ، وحَكى أبُو القاسِمِ الزَّجّاجِيُّ في نَوادِرِهِ: أنَّ الوَلَدَ يُقالُ لَهُ: نَجْلٌ، وأنَّ اللَّفْظَةَ مِنَ الأضْدادِ، والنَّجْلُ أيْضًا: الرَّمْيُ بِالشَّيْءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْلِ، وهو الأصْلُ، فَهَذا يَنْحُو إلى ما حَكاهُ الزَّجّاجِيُّ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: فَهو مِن نَجَلَ إذا ظَهَرَ ولَدُهُ، أوْ مِن ظُهُورِ الماءِ مِنَ الأرْضِ، فَهو مُسْتَخْرَجٌ إمّا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وإمّا مِنَ التَّوْراةِ، وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ التَّناجُلِ، وهو التَّنازُعُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتُنازِعِ النّاسِ فِيهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وتَكَلَّفَ اشْتِقاقُهُما مِنَ الوَرْيِ والنَّجْلِ، ووَزْنُهُما مُتَفْعَلَةٌ وإفْعِيلٌ: إنَّما يَصِحُّ بَعْدَ كَوْنِهِما عَرَبِيَّيْنِ، انْتَهى، وكَلامُهُ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ في كَلامِهِ اسْتِدْراكًا في قَوْلِهِ: مُتَفْعَلَةٌ، ولَمْ يَذْكُرْ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ في أنَّ وزْنَها: فَوْعَلَةٌ، ولَمْ يُنَبِّهْ في: تَفْعَلَةٍ، عَلى أنَّها مَكْسُورَةُ العَيْنِ، أوْ مَفْتُوحَتُها، وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِن نَجَلَ العَيْنَ، كَأنَّهُ وسَّعَ فِيهِ ما ضَيَّقَ في التَّوْراةِ.
الِانْتِقامُ: افْتِعالٌ مِنَ النِّقْمَةِ، وهو السَّطْوَةُ والِانْتِصارُ، وقِيلَ: هي المُعاقَبَةُ عَلى الذَّنْبِ مُبالَغَةً في ذَلِكَ، ويُقالُ: نَقَمَ ونَقِمَ إذا أنْكَرَ، وانْتَقَمَ عاقَبَ.
صَوَّرَ: جَعَلَ لَهُ صُورَةً، قِيلَ: وهو بِناءٌ لِلْمُبالَغَةِ مَن صارَ يُصَوِّرُ، إذا أمالَ، وثَنى إلى حالٍ، ولَمّا كانَ التَّصْوِيرُ إمالَةً إلى حالٍ وإثْباتًا فِيها، جاءَ بِناؤُهُ عَلى المُبالَغَةِ، والصُّورَةُ: الهَيْئَةُ يَكُونُ عَلَيْها الشَّيْءُ بِالتَّأْلِيفِ. وقالَ المَرْوَزِيُّ: التَّصْوِيرُ إنَّهُ ابْتِداءُ مِثالٍ مِن غَيْرِ أنْ يَسْبِقَهُ مِثْلُهُ.
الزَّيْغُ: المَيْلُ، ومِنهُ: زاغَتِ الشَّمْسُ (وزاغَتِ الأبْصارُ) وقالَ الرّاغِبُ: الزَّيْغُ: المَيْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، وزاغَ وزالَ وما يَتَقارَبُ، لَكِنْ زاغَ لا يُقالُ إلّا فِيما كانَ مِن حَقٍّ إلى باطِلٍ.
التَّأْوِيلُ: مَصْدَرُ أوَّلَ، ومَعْناهُ: آخِرُ الشَّيْءِ ومَآلُهُ، قالَهُ الرّاغِبُ، وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْوِيلُ المَرَدُّ والمَرْجِعُ، قالَ:
؎أؤَوِّلُ الحُكْمَ عَلى وجْهِهِ لَيْسَ قَضائِي بِالهَوى الجائِرِ
الرُّسُوخُ: الثُّبُوتُ، قالَ:
؎لَقَدْ رَسَخَتْ في القَلْبِ مَنِّي مَوَدَّةٌ ∗∗∗ لِلَيْلى أبَتْ أيّامُها أنْ تُغَيَّرا
الهِبَةُ: العَطِيَّةُ المُتَبَرَّعِ بِها، يُقالُ: وهَبَ يَهَبُ هِبَةً، وأصْلُهُ: أنْ يَأْتِيَ المُضارِعُ عَلى يَفْعِلُ، بِكَسْرِ العَيْنِ، ولِذَلِكَ حُذِفَتِ الواوُ لِوُقُوعِها بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ، لَكِنْ لَمّا كانَتِ العَيْنُ حَرْفَ حَلْقٍ فُتِحَتْ مَعَ مُراعاةِ الكَسْرَةِ المُقَدَّرَةِ، وهو نَحْوُ: وضَعَ يَضَعُ، إلّا أنَّ هَذا فُتِحَ لِكَوْنِ لامِهِ حَرْفَ حَلْقٍ، والأصْلُ فِيهِما: يُوهِبُ ويُوضِعُ، ويَكُونُ: وهَبَ، بِمَعْنى جَعَلَ، ويَتَعَدّى إذْ ذاكَ إلى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ العَرَبُ: وهَبَنِي اللَّهُ فِداكَ، أيْ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ، وهي في هَذا الوَجْهِ لا تَتَصَرَّفُ، فَلا تُسْتَعْمَلُ مِنها بِهَذا المَعْنى إلّا الفِعْلُ الماضِي خاصَّةً.
لَدُنْ: (p-٣٧٢)ظَرْفٌ، وقَلَّ أنْ تُفارِقَها: مِن، قالَهُ ابْنُ جِنِّي، ومَعْناها: ابْتِداءُ الغايَةِ في زَمانٍ أوْ مَكانٍ، أوْ غَيْرِهِ مِنَ الذَّواتِ غَيْرِ المَكانِيَّةِ، وهي مَبْنِيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ العَرَبِ، وإعْرابُها لُغَةٌ قَيْسِيَّةٌ، وذَلِكَ إذا كانَتْ مَفْتُوحَةَ اللّامِ مَضْمُومَةَ الدّالِ، بَعْدَها النُّونُ، فَمَن بَناها قِيلَ: فَلِشِبْهِها بِالحُرُوفِ في لُزُومِ اسْتِعْمالٍ واحِدٍ، وامْتِناعِ الإخْبارِ بِها، بِخِلافِ: عِنْدَ، ولَدَيَّ، فَإنَّهُما لا يَلْزَمانِ اسْتِعْمالًا واحِدًا فَإنَّهُما يَكُونانِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ويُسْتَعْمَلانِ فَضْلَةً وعُمْدَةً، فالفَضْلَةُ كَثِيرٌ، ومِنَ العُمْدَةِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٦٢] وأوْضَحَ بَعْضُهم عِلَّةَ البِناءِ فَقالَ: عِلَّةُ البِناءِ كَوْنُها تَدُلُّ عَلى المُلاصَقَةِ لِلشَّيْءِ وتَخْتَصُّ بِها، بِخِلافِ (عِنْدَ) فَإنَّها لا تَخْتَصُّ بِالمُلاصَقَةِ، فَصارَ فِيها مَعْنًى لا يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ، بَلْ هو مِن قَبِيلِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَرْفُ، فَهي كَأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلْحَرْفِ الَّذِي كانَ يَنْبَغِي أنْ يُوضَعَ دَلِيلًا عَلى القُرْبِ، ومِثْلُهُ: ثُمَّ وهَنا؛ لِأنَّهُما بُنِيا لَمّا تَضَمَّنا مَعْنى الحَرْفِ الَّذِي كانَ يَنْبَغِي أنْ يُوضَعَ لِيَدُلَّ عَلى الإشارَةِ، ومَن أعْرَبَها، وهم قَيْسٌ، فَتَشْبِيهًا بِعِنْدَ لِكَوْنِ مَوْضِعِها صالِحًا لِعِنْدَ، وفِيها تِسْعُ لُغاتٍ غَيْرُ الأُولى: لَدُنْ، ولَدْنٌ، ولَدِنٌ، ولُدْنٌ، ولَدِنِ، ولَدْ ولُدْ، ولُدُ ولَتْ، بِإبْدالِ الدّالِّ تاءً، وتُضافُ إلى المُفْرَدِ لَفْظًا كَثِيرًا، وإلى الجُمْلَةِ قَلِيلًا، فَمِن إضافَتِها إلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَرِيعُ غَوانٍ راقَهُنَّ ورُقْنَهُ ∗∗∗ لَدُنْ شَبَّ حَتّى شابَ سُودُ الذَّوائِبِ
وقالَ الآخَرُ:
؎لَزِمْنا لَدُنْ سَألْتُمُونا وفاقَكم ∗∗∗ فَلا يَكُ مِنكم لِلْخِلافِ جُنُوحُ
ومِن إضافَتِها إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذْكُرُ نَعَّماهُ لَدُنْ أنْتَ يافِعُ ∗∗∗ إلى أنْتَ ذُو فَوْدَيْنِ أبْيَضُ كالنَّسْرِ
وجاءَ إضافَتُها إلى: أنْ والفِعْلِ، قالَ:
؎ولَيْتَ فَلَمْ يَقْطَعْ لَدُنْ أنْ ولَيْتَنا ∗∗∗ قُرابَةُ ذِي قُرْبى ولا حَقُّ مُسْلِمِ
وأحْكامُ لَدُنْ كَثِيرَةٌ، ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ.
الإغْناءُ: الدَّفْعُ والنَّفْعُ، وفُلانٌ عَظِيمُ الغِنى، أيِ: الدَّفْعُ والنَّفْعُ. الدَّأْبُ: العادَةُ، دَأبَ عَلى كَذا: واظَبَ عَلَيْهِ وأدْمَنَ، قالَ زُهَيْرُ:
؎لَأرْتَحِلَنَّ بِالفَجْرِ ثُمَّ لَأدْأبَنَّ ∗∗∗ إلى اللَّيْلِ إلّا أنْ يُعَرِّجَنِي طِفْلُ
الذَّنْبُ: التِّلْوُ؛ لِأنَّ العِقابَ يَتْلُوهُ، ومِنهُ الذَّنْبُ والذُّنُوبُ لِأنَّهُ يَتْبَعُ الجاذِبَ.
(p-٣٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ، سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، وتُسَمّى: الزَّهْراءَ، والأمانَ، والكَنْزَ، والمُعِينَةَ، والمُجادِلَةَ، وسُورَةَ الِاسْتِغْفارِ، وطِيبَةَ، وهي مَدَنِيَّةٌ، الآياتُ سِتِّينَ، وسَبَبُ نُزُولِها فِيما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ: «أنَّهُ وفَدَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفْدُ نَصارى نَجْرانَ، وكانُوا سِتِّينَ راكِبًا، فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ مِن أشْرافِهِمْ، مِنهم ثَلاثَةٌ إلَيْهِمْ يَئُولُ أمْرُهم، أمِيرُهُمُ العاقِبُ عَبْدُ المَسِيحِ، وصاحِبُ رَحْلِهِمُ السَّيِّدُ الأيْهَمُ، وعالِمُهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، وذَكَرَ مِن جَلالَتِهِمْ، وحُسْنُ شارَتِهِمْ (p-٣٧٤)وهَيْئَتِهِمْ، وأقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في عِيسى، ويَزْعُمُونَ تارَةً أنَّهُ اللَّهُ، وتارَةً ولَدُ الإلَهِ، وتارَةً: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ لَهم أشْياءَ مِن صِفاتِ البارِي تَعالى، وانْتِفاءَها عَنْ عِيسى، وهم يُوافِقُونَهُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ أبَوْا إلّا جُحُودًا، ثُمَّ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحٌ مِنهُ ؟ قالَ: ”بَلى“ قالُوا: فَحَسْبُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها، إلى أنْ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الِابْتِهالِ» .
وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ المُبْغِضِينَ لِعِيسى، القاذِفِينَ لِأُمِّهِ، المُنْكِرِينَ لِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الإنْجِيلِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ آخِرَ البَقَرَةِ ﴿أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى الكافِرِينَ، حَيْثُ ناظَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِالبَراهِينِ السّاطِعَةِ، والحُجَجِ القاطِعَةِ، فَقَصَّ تَعالى أحْوالَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ في اعْتِقادِهِمْ، وذَكَرَ تَنْزِيهَهَ تَعالى عَمّا يَقُولُونَ، وبَداءَةَ خَلْقِ مَرْيَمَ وابْنِها المَسِيحِ إلى آخَرِ ما رَدَّ عَلَيْهِمْ، ولَمّا كانَ مُفْتَتَحُ آيَةِ آخِرِ البَقَرَةِ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَكَأنَّ في ذَلِكَ الإيمانَ بِاللَّهِ وبِالكُتُبِ، ناسَبَ ذِكْرَ أوْصافِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ ما أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ، وذَكَرَ المُنَزَّلَ عَلى غَيْرِهِ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
قَرَأ السَّبْعَةُ: الم اللَّهُ، بِفَتْحِ المِيمِ، وألْفُ الوَصْلِ ساقِطَةٌ، ورَوى أبُو بَكْرٍ في بَعْضِ طُرُقِهِ، عَنْ عاصِمٍ: سُكُونَ المِيمِ، وقَطْعَ الألِفِ، وذَكَرَها الفَرّاءُ عَنْ عاصِمٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الحَسَنِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، والرَّواسِيِّ، والأعْمَشِ، والبُرْجُمِيِّ، وابْنِ القَعْقاعِ: وقَفُوا عَلى المِيمِ، كَما وقَفُوا عَلى الألِفِ واللّامِ، وحَقُّها ذَلِكَ، وأنْ يُبْدَأ بَعْدَها كَما تَقُولُ: واحِدٌ اثْنانِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِ المِيمِ، ونَسَبُها ابْنُ عَطِيَّةَ إلى الرَّواسِيِّ، ونَسَبَها الزَّمَخْشَرِيُّ إلى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وقالَ: تَوَهَّمَ التَّحْرِيكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وما هي بِمَقْبُولَةٍ، يَعْنِي: هَذِهِ القِراءَةَ، انْتَهى، وقالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ رَدِيءٌ؛ لِأنَّ الياءَ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والصَّوابُ الفَتْحُ، قِراءَةُ جُمْهُورِ النّاسِ، انْتَهى، وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ الم اللَّهُ، بِكَسْرِ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ، ولا تَقُولُهُ العَرَبُ لِثِقْلِهِ.
واخْتَلَفُوا في فَتْحَةِ المِيمِ: فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّها حُرِّكَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، كَما حَرَّكُوا: مِنَ اللَّهِ، وهَمْزَةُ الوَصْلِ ساقِطَةٌ لِلدَّرَجِ كَما سَقَطَتْ في نَحْوِ: مِنَ الرَّجُلِ، وكانَ الفَتْحُ أوْلى مِنَ الكَسْرِ لِأجْلِ الياءِ، كَما قالُوا: أيْنَ وكَيْفَ، ولِزِيادَةِ الكَسْرَةِ قَبْلَ الياءِ، فَزالَ الثِّقَلُ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّها حَرَكَةُ نَقْلٍ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ؛ لِأنَّ حُرُوفَ الهِجاءِ يُنْوى بِها الوَقْفُ، فَيُنْوى بِما بَعْدَها الِاسْتِئْنافُ، فَكَأنَّ الهَمْزَةَ في حُكْمِ الثَّباتِ كَما في أنْصافِ الأبْياتِ نَحْوُ:
؎لَتَسْمَعَنَّ وشِيكًا في دِيارِكُمُ ∗∗∗ أللَّهُ أكْبَرُ يا ثاراتِ عُثْمانا
وضَعُفَ هَذا المَذْهَبُ بِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَّعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ، وما يَسْقُطُ لا تُلْقى حَرَكَتُهُ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَدِ اخْتارَ مَذْهَبَ الفَرّاءِ في أنَّ الفَتْحَةَ في المِيمِ هي حَرَكَةُ الهَمْزَةِ حِينَ (p-٣٧٥)أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأوْرَدَ أسْئِلَةً وأجابَ عَنْها، فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ إلْقاءُ حَرَكَتِها عَلَيْها وهي هَمْزَةُ وصْلٍ لا تَثْبُتُ في دَرَجِ الكَلامِ، فَلا تَثْبُتُ حَرَكَتُها؛ لِأنَّ ثَباتَ حَرَكَتِها كَثَباتِها ؟ قُلْتُ: لَيْسَ هَذا بِدَرَجٍ؛ لِأنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ والسُّكُونِ، والهَمْزَةَ في حُكْمِ الثّابِتِ، وإنَّما حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها لِتَدُلَّ عَلَيْها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: واحِدِ اثْنانِ، بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ، انْتَهى هَذا السُّؤالُ وجَوابُهُ، ولَيْسَ جَوابُهُ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ ادَّعى أنَّ المِيمَ حِينَ حُرِّكَتْ مَوْقُوفَةً عَلَيْها، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَرَجٍ، بَلْ هو وقْفٌ، وهَذا خِلافٌ لِما أجْمَعَتِ العَرَبُ والنُّحاةُ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يُوقَفُ عَلى مُتَحَرِّكٍ ألْبَتَّةَ، سَواءٌ كانَتْ حَرَكَتُهُ إعْرابِيَّةً، أوْ بِنائِيَّةً، أوْ نَقْلِيَّةً، أوْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ لِلْحِكايَةِ، أوْ لِلِاتِّباعِ، فَلا يَجُوزُ في: قَدْ أفْلَحَ، إذا حُذِفَتِ الهَمْزَةُ، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى دالِ قَدْ، أنْ تَقِفَ عَلى دالِ قَدْ، بِالفَتْحَةِ، بَلْ تَسْكُنُها قَوْلًا واحِدًا.
وأمّا قَوْلُهُ: ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهم: واحِدِ اثْنانِ بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ، فَإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أنَّهم يُشِمُّونَ آخِرَ واحِدٍ لِتَمَكُّنِهِ، ولَمْ يَحْكِ الكَسْرَ لُغَةً، فَإنْ صَحَّ الكَسْرُ فَلَيْسَ واحِدٌ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، كَما زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولا حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ نَقْلٍ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ، ولَكِنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِمْ: اثْنانِ، فالتَقى ساكِنانِ، دالُ واحِدٍ، وثاءُ اثْنَيْنِ، فَكُسِرَتِ الدّالُ لِالتِقائِهِما، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ؛ لِأنَّها لا تَثْبُتُ في الوَصْلِ، وأمّا ما اسْتَدَلَّ بِهِ الفَرّاءُ مِن قَوْلِهِمْ: ثَلاثَةٌ أرْبَعَةٌ، بِإلْقاءِ الهَمْزَةِ عَلى الهاءِ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ أرْبَعَةَ هَمْزَةُ قَطْعٍ في حالِ الوَصْلِ بِما قَبْلَها وابْتِدائِها، ولَيْسَ كَذَلِكَ هَمْزَةُ الوَصْلِ نَحْوُ: مِنَ اللَّهِ، وأيْضًا، فَقَوْلُهم: ثَلاثَةٌ أرْبَعَةٌ بِالنَّقْلِ لَيْسَ فِيهِ وقَفٌ عَلى ثَلاثَةٍ، إذْ لَوْ وُقِفَ عَلَيْها لَمْ تَكُنْ تَقْبَلُ الحَرَكَةَ، ولَكِنْ أُقِرَّتْ في الوَصْلِ هاءً اعْتِبارًا بِما آلَتْ إلَيْهِ في حالٍ ما، لا أنَّها مَوْقُوفٌ عَلَيْها.
ثُمَّ أوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ سُؤالًا ثانِيًا، فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ هَلّا زَعَمْتَ أنَّها حُرِّكَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ لا نُبالِي بِهِ في بابِ الوَقْفِ، وذَلِكَ كَقَوْلِكَ: هَذا إبْراهِيمُ، وداوُدُ، وإسْحاقُ، ولَوْ كانَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ في حالِ الوَقْفِ مُوجِبُ التَّحْرِيكِ لَحُرِّكَ المِيمانِ في ألِفْ لامْ مِيمْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَمّا انْتَظَرَ ساكِنٌ آخَرُ، انْتَهى هَذا السُّؤالُ وجَوابُهُ، وهو سُؤالٌ صَحِيحٌ، وجَوابٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّ الَّذِي قالَ: إنَّ الحَرَكَةَ هي لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لا يَتَوَهَّمُ أنَّهُ أرادَ التِقاءَ الياءِ والمِيمِ مِن ألِفْ لامْ مِيمْ في الوَقْفِ، وإنَّما عَنى التِقاءَ السّاكِنَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما: مِيمْ مِيمِ الأخِيرَةِ، ولامُ التَّعْرِيفِ، كالتِقاءِ نُونِ مِن ولامِ الرَّجُلِ، إذا قُلْتَ: مِنَ الرَّجُلِ.
ثُمَّ أوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ سُؤالًا ثالِثًا، فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: إنَّما لَمْ يُحَرِّكُوا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ في مِيمْ؛ لِأنَّهم أرادُوا (p-٣٧٦)الوَقْفَ، وأمْكَنَهُمُ النُّطْقُ بِساكِنَيْنِ، فَإذا جاءَ بِساكِنٍ ثالِثٍ لَمْ يُمْكِنْ إلّا التَّحْرِيكُ فَحَرَّكُوا ؟ قُلْتُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ لَيْسَتِ لِمُلاقاةِ السّاكِنِ أنَّهم كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: واحِدْ اثْنانِ، بِسُكُونِ الدّالِ مَعَ طَرْحِ الهَمْزَةِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ ساكِنَيْنِ، كَما قالُوا: أصْيَمْ ومَدْيَقْ، فَلَمّا حَرَّكُوا الدّالَّ عُلِمَ أنَّ حَرَكَتَها هي حَرَكَةُ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ لا غَيْرَ، ولَيْسَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، انْتَهى هَذا السُّؤالُ وجَوابُهُ، وفي سُؤالِهِ تَعْمِيَةٌ في قَوْلِهِ: فَإنْ قُلْتَ: إنَّما لَمْ يُحَرِّكُوا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ؟ ويَعْنِي بِالسّاكِنَيْنِ: الياءَ والمِيمَ في مِيمْ، وحِينَئِذٍ يَجِيءُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: لِأنَّهم أرادُوا الوَقْفَ وأمْكَنَهُمُ النُّطْقُ بِساكِنَيْنِ، يَعْنِي الياءَ والمِيمَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ جاءَ بِساكِنٍ ثالِثٍ، يَعْنِي لامَ التَّعْرِيفِ، لَمْ يُمْكِنْ إلّا التَّحْرِيكُ، يَعْنِي في المِيمِ، فَحَرَّكُوا - يَعْنِي المِيمَ - لِالتِقائِها ساكِنَةً مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ، إذْ لَوْ لَمْ يُحَرِّكُوا لاجْتَمَعَ ثَلاثَةُ سَواكِنَ، وهو لا يُمْكِنُ، هَذا شَرْحُ السُّؤالِ.
وأمّا جَوابُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَنْ سُؤالِهِ، فَلا يُطابِقُ؛ لِأنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ لَيْسَتْ لِمُلاقاةِ ساكِنٍ بِإمْكانِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في قَوْلِهِمْ: واحِدِ اثْنانِ، بِأنْ يُسَكِّنُوا الدّالَ، والثّاءُ ساكِنَةٌ، وتَسْقُطُ الهَمْزَةُ، فَعَدَلُوا عَنْ هَذا الإمْكانِ إلى نَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى الدّالِ، وهَذِهِ مُكابَرَةٌ في المَحْسُوسِ، لا يُمْكِنُ ذَلِكَ أصْلًا، ولا هو في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَجْمَعُوا في النُّطْقِ بَيْنَ سُكُونِ الدّالِ وسُكُونِ الثّاءِ، وطَرْحِ الهَمْزَةِ.
وأمّا قَوْلُهُ: فَجَمَعُوا بَيْنَ ساكِنَيْنِ، فَلا يُمْكِنُ الجَمْعُ كَما قُلْناهُ، وأمّا قَوْلُهُ: كَما قالُوا: أصْيَمْ ومَدْيَقْ، فَهَذا مُمْكِنٌ كَما هو في: رادْ وضال؛ لِأنَّ في ذَلِكَ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى حَدِّهِما المَشْرُوطِ في النَّحْوِ، فَأمْكَنَ النُّطْقُ بِهِ، ولَيْسَ مِثْلَ: واحِدِ اثْنانِ؛ لِأنَّ السّاكِنَ الأوَّلَ لَيْسَ حَرْفَ عِلَّةٍ، ولا الثّاءَ في مُدْغَمٍ، فَلا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما.
وأمّا قَوْلُهُ: فَلَمّا حَرَّكُوا الدّالَ عُلِمَ أنَّ حَرَكَتَها هي حَرَكَةُ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ لا غَيْرَ، ولَيْسَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، لِما بُنِيَ عَلى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ في واحِدِ اثْنانِ مُمْكِنٌ، وحَرَكَةُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ إنَّما هي لا يُمْكِنُ أنْ يَجْتَمِعا فِيهِ في اللَّفْظِ، ادَّعى أنَّ حَرَكَةَ الدّالِّ هي حَرَكَةُ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَدْ ذَكَرْنا عَدَمَ إمْكانِ ذَلِكَ، فَإنَّ صَحَّ كَسْرُ الدّالِ، كَما نَقَلَ هَذا الرَّجُلُ، فَتَكُونُ حَرَكَتُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لا لِنَقْلٍ، وقَدْ رُدَّ قَوْلُ الفَرّاءِ، واخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ إيّاهُ بِأنْ قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حَرَكَةَ المِيمِ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلَيْها، لِما في ذَلِكَ مِنَ الفَسادِ والتَّدافُعِ، وذَلِكَ أنَّ سُكُونَ آخَرِ مِيمْ إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ عَلَيْها، وإلْقاءَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَصْلِ، ونِيَّةُ الوَصْلِ تُوجِبُ حَذْفَ الهَمْزَةِ، ونِيَّةُ الوَقْفِ عَلى ما قَبْلَها تُوجِبُ ثَباتَها وقَطْعَها، وهَذا مُتَناقِضٌ، انْتَهى، وهو رَدٌّ صَحِيحٌ.
والَّذِي تَحَرَّرَ في هَذِهِ الكَلِماتِ: أنَّ العَرَبَ مَتى سَرَدَتْ أسْماءَ مُسَكَّنَةَ الآخِرِ وصْلًا ووَقْفًا، فَلَوِ التَقى آخِرُ مُسَكَّنٍ مِنها، بِساكِنٍ آخَرَ، حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَهَذِهِ الحَرَكَةُ الَّتِي في مِيمِ: الم اللَّهُ، هي حَرَكَةُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
والكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] تَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ، واخْتِلافُ النّاسِ في ذَلِكَ الِاخْتِلافَ المُنْتَشِرَ الَّذِي لا يُوقَفُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ وتَفْسِيرِ أمْثالِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ.
والكَلامُ عَلى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ تَقَدَّمَ في آيَةِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ﴾ [البقرة: ١٦٣] وفي أوَّلِ آيَةِ الكُرْسِيِّ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ القاضِي الجُرْجانِيِّ أنَّهُ ذَهَبَ في النَّظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ ﴿الم﴾ إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ، أوْ نَحْوُ هَذا.
ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ، مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وتَرَكَ الجَوابَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٧٧)
؎فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكم ولَكِنَّ خامِرِي أُمَّ عامِرِ
أيْ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: خامِرِي أُمَّ عامِرٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ نَزَلَ خَبَرُ قَوْلِهِ: (اللَّهُ) حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الجُرْجانِيُّ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ مِثْلِيَّتَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَّبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ ﴿الم﴾ لا يُضَمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا، جُمْلَةٌ رادَّةٌ عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وقالُوا: إنَّهُ اللَّهُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَوْضِعُ (الم) نَصْبٌ، والتَّقْدِيرُ: اقْرَءُوا الم، وعَلَيْكُمُ الم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى: هَذا الم، وذَلِكَ الم، وتَقَدَّمَ مِن قَوْلِ الجُرْجانِيِّ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ (القَيّامُ) وقالَ خارِجَةٌ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (القَيَّمُ) ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ.
(اللَّهُ) رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: (لا إلَهَ إلّا هو) و﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (نَزَّلَ) هو الخَبَرُ، و(لا إلَهَ إلّا هو) جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، وتَقَدَّمَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ اسْتِقْصاءُ إعْرابِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وقالَ الرّازِيُّ: مَطْلَعُ هَذِهِ السُّورَةِ عَجِيبٌ؛ لِأنَّهم لَمّا نازَعُوا كَأنَّهُ قِيلَ: إمّا أنْ تُنازِعُوا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، أوْ في النُّبُوَّةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ: حَيٌّ قَيُّومٌ، والحَيُّ القَيُّومُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وإنْ كانَ في الثّانِي فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي عَرَفْتُمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، هو بِعَيْنِهِ قائِمٌ هُنا، وذَلِكَ هو المُعْجِزَةُ.
آل عمران 3:2
سُورَةُ آلِ عِمْرانَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ [آل عمران: ٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٠] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [آل عمران: ١١]
(التَّوْراةُ): اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وقَدْ تَكَلَّفَ النُّحاةُ في اشْتِقاقِها وفي وزْنِها، وذَلِكَ بَعْدَ تَقْرِيرِ النُّحاةِ أنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا يَدْخُلُها اشْتِقاقٌ، وأنَّها لا تُوزَنُ، يَعْنُونَ اشْتِقاقًا عَرَبِيًّا. (p-٣٧١)فَأمّا اشْتِقاقُ (التَّوْراةَ) فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّها مِن: ورى الزَّنْدُ يَرى، إذا قَدَحَ وظَهَرَ مِنهُ النّارُ، فَكَأنَّ التَّوْراةَ ضِياءٌ مِنَ الضَّلالِ، وهَذا الِاشْتِقاقُ قَوْلُ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ أبُو فَيْدٍ مُوَرَّجٌ السَّدُوسِيُّ إلى أنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن: ورّى، كَما رُوِيَ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ سَفَرًا ورّى بِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ التَّوْراةِ تَلْوِيحٌ. وأمّا وزْنُها فَذَهَبَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وسائِرُ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ وزْنَها: فَوْعَلَةٌ، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، كَما أُبْدِلَتْ في: تُولِجُ، فالأصْلُ فِيها ووَزْنُهُ ووَلَجَ؛ لِأنَّهُما مِن ورّى، ومِن ولَجَ، فَهي: كَحَوْقَلَةَ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ وزْنَها: تَفْعِلَةٌ، كَتَوْصِيَةٍ، ثُمَّ أُبْدِلَتْ كَسْرَةُ العَيْنِ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا، كَما قالُوا في: ناصِيَةٍ، وجارِيَةٍ: ناصاهُ وجاراهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّهُ يُجِيزُ في تَوْصِيَةٍ تَوْصاهَ، وهَذا غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ إلى أنَّ وزْنَها: تَفْعَلَةٌ، بِفَتْحِ العَيْنِ مِن: ورَّيْتُ بِكَ زَنادِيَّ، وتَجُوزُ إمالَةُ التَّوْراةِ وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
(الإنْجِيلَ) اسْمٌ عِبْرانِيٌّ أيْضًا، ويَنْبَغِي أنْ لا يَدْخُلَهُ اشْتِقاقٌ، وأنَّهُ لا يُوزَنُ، وقَدْ قالُوا: وزْنُهُ: إفْعِيلُ كَإجْفِيلَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْلِ، وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ. قالَ الخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الأرْضُ نِجالًا، وبِها نِجالٌ، إذا خَرَجَ مِنها الماءُ، والنَّجْلُ أيْضًا: الوَلَدُ والنَّسْلُ، قالَهُ الخَلِيلُ، وغَيْرُهُ، ونَجَلَهُ أبُوهُ أيْ: ولَدَهُ، وحَكى أبُو القاسِمِ الزَّجّاجِيُّ في نَوادِرِهِ: أنَّ الوَلَدَ يُقالُ لَهُ: نَجْلٌ، وأنَّ اللَّفْظَةَ مِنَ الأضْدادِ، والنَّجْلُ أيْضًا: الرَّمْيُ بِالشَّيْءِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْلِ، وهو الأصْلُ، فَهَذا يَنْحُو إلى ما حَكاهُ الزَّجّاجِيُّ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: فَهو مِن نَجَلَ إذا ظَهَرَ ولَدُهُ، أوْ مِن ظُهُورِ الماءِ مِنَ الأرْضِ، فَهو مُسْتَخْرَجٌ إمّا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وإمّا مِنَ التَّوْراةِ، وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ التَّناجُلِ، وهو التَّنازُعُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتُنازِعِ النّاسِ فِيهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وتَكَلَّفَ اشْتِقاقُهُما مِنَ الوَرْيِ والنَّجْلِ، ووَزْنُهُما مُتَفْعَلَةٌ وإفْعِيلٌ: إنَّما يَصِحُّ بَعْدَ كَوْنِهِما عَرَبِيَّيْنِ، انْتَهى، وكَلامُهُ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ في كَلامِهِ اسْتِدْراكًا في قَوْلِهِ: مُتَفْعَلَةٌ، ولَمْ يَذْكُرْ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ في أنَّ وزْنَها: فَوْعَلَةٌ، ولَمْ يُنَبِّهْ في: تَفْعَلَةٍ، عَلى أنَّها مَكْسُورَةُ العَيْنِ، أوْ مَفْتُوحَتُها، وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِن نَجَلَ العَيْنَ، كَأنَّهُ وسَّعَ فِيهِ ما ضَيَّقَ في التَّوْراةِ.
الِانْتِقامُ: افْتِعالٌ مِنَ النِّقْمَةِ، وهو السَّطْوَةُ والِانْتِصارُ، وقِيلَ: هي المُعاقَبَةُ عَلى الذَّنْبِ مُبالَغَةً في ذَلِكَ، ويُقالُ: نَقَمَ ونَقِمَ إذا أنْكَرَ، وانْتَقَمَ عاقَبَ.
صَوَّرَ: جَعَلَ لَهُ صُورَةً، قِيلَ: وهو بِناءٌ لِلْمُبالَغَةِ مَن صارَ يُصَوِّرُ، إذا أمالَ، وثَنى إلى حالٍ، ولَمّا كانَ التَّصْوِيرُ إمالَةً إلى حالٍ وإثْباتًا فِيها، جاءَ بِناؤُهُ عَلى المُبالَغَةِ، والصُّورَةُ: الهَيْئَةُ يَكُونُ عَلَيْها الشَّيْءُ بِالتَّأْلِيفِ. وقالَ المَرْوَزِيُّ: التَّصْوِيرُ إنَّهُ ابْتِداءُ مِثالٍ مِن غَيْرِ أنْ يَسْبِقَهُ مِثْلُهُ.
الزَّيْغُ: المَيْلُ، ومِنهُ: زاغَتِ الشَّمْسُ (وزاغَتِ الأبْصارُ) وقالَ الرّاغِبُ: الزَّيْغُ: المَيْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، وزاغَ وزالَ وما يَتَقارَبُ، لَكِنْ زاغَ لا يُقالُ إلّا فِيما كانَ مِن حَقٍّ إلى باطِلٍ.
التَّأْوِيلُ: مَصْدَرُ أوَّلَ، ومَعْناهُ: آخِرُ الشَّيْءِ ومَآلُهُ، قالَهُ الرّاغِبُ، وقالَ غَيْرُهُ: التَّأْوِيلُ المَرَدُّ والمَرْجِعُ، قالَ:
؎أؤَوِّلُ الحُكْمَ عَلى وجْهِهِ لَيْسَ قَضائِي بِالهَوى الجائِرِ
الرُّسُوخُ: الثُّبُوتُ، قالَ:
؎لَقَدْ رَسَخَتْ في القَلْبِ مَنِّي مَوَدَّةٌ ∗∗∗ لِلَيْلى أبَتْ أيّامُها أنْ تُغَيَّرا
الهِبَةُ: العَطِيَّةُ المُتَبَرَّعِ بِها، يُقالُ: وهَبَ يَهَبُ هِبَةً، وأصْلُهُ: أنْ يَأْتِيَ المُضارِعُ عَلى يَفْعِلُ، بِكَسْرِ العَيْنِ، ولِذَلِكَ حُذِفَتِ الواوُ لِوُقُوعِها بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ، لَكِنْ لَمّا كانَتِ العَيْنُ حَرْفَ حَلْقٍ فُتِحَتْ مَعَ مُراعاةِ الكَسْرَةِ المُقَدَّرَةِ، وهو نَحْوُ: وضَعَ يَضَعُ، إلّا أنَّ هَذا فُتِحَ لِكَوْنِ لامِهِ حَرْفَ حَلْقٍ، والأصْلُ فِيهِما: يُوهِبُ ويُوضِعُ، ويَكُونُ: وهَبَ، بِمَعْنى جَعَلَ، ويَتَعَدّى إذْ ذاكَ إلى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ العَرَبُ: وهَبَنِي اللَّهُ فِداكَ، أيْ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِداكَ، وهي في هَذا الوَجْهِ لا تَتَصَرَّفُ، فَلا تُسْتَعْمَلُ مِنها بِهَذا المَعْنى إلّا الفِعْلُ الماضِي خاصَّةً.
لَدُنْ: (p-٣٧٢)ظَرْفٌ، وقَلَّ أنْ تُفارِقَها: مِن، قالَهُ ابْنُ جِنِّي، ومَعْناها: ابْتِداءُ الغايَةِ في زَمانٍ أوْ مَكانٍ، أوْ غَيْرِهِ مِنَ الذَّواتِ غَيْرِ المَكانِيَّةِ، وهي مَبْنِيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ العَرَبِ، وإعْرابُها لُغَةٌ قَيْسِيَّةٌ، وذَلِكَ إذا كانَتْ مَفْتُوحَةَ اللّامِ مَضْمُومَةَ الدّالِ، بَعْدَها النُّونُ، فَمَن بَناها قِيلَ: فَلِشِبْهِها بِالحُرُوفِ في لُزُومِ اسْتِعْمالٍ واحِدٍ، وامْتِناعِ الإخْبارِ بِها، بِخِلافِ: عِنْدَ، ولَدَيَّ، فَإنَّهُما لا يَلْزَمانِ اسْتِعْمالًا واحِدًا فَإنَّهُما يَكُونانِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ويُسْتَعْمَلانِ فَضْلَةً وعُمْدَةً، فالفَضْلَةُ كَثِيرٌ، ومِنَ العُمْدَةِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٦٢] وأوْضَحَ بَعْضُهم عِلَّةَ البِناءِ فَقالَ: عِلَّةُ البِناءِ كَوْنُها تَدُلُّ عَلى المُلاصَقَةِ لِلشَّيْءِ وتَخْتَصُّ بِها، بِخِلافِ (عِنْدَ) فَإنَّها لا تَخْتَصُّ بِالمُلاصَقَةِ، فَصارَ فِيها مَعْنًى لا يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ، بَلْ هو مِن قَبِيلِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الحَرْفُ، فَهي كَأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلْحَرْفِ الَّذِي كانَ يَنْبَغِي أنْ يُوضَعَ دَلِيلًا عَلى القُرْبِ، ومِثْلُهُ: ثُمَّ وهَنا؛ لِأنَّهُما بُنِيا لَمّا تَضَمَّنا مَعْنى الحَرْفِ الَّذِي كانَ يَنْبَغِي أنْ يُوضَعَ لِيَدُلَّ عَلى الإشارَةِ، ومَن أعْرَبَها، وهم قَيْسٌ، فَتَشْبِيهًا بِعِنْدَ لِكَوْنِ مَوْضِعِها صالِحًا لِعِنْدَ، وفِيها تِسْعُ لُغاتٍ غَيْرُ الأُولى: لَدُنْ، ولَدْنٌ، ولَدِنٌ، ولُدْنٌ، ولَدِنِ، ولَدْ ولُدْ، ولُدُ ولَتْ، بِإبْدالِ الدّالِّ تاءً، وتُضافُ إلى المُفْرَدِ لَفْظًا كَثِيرًا، وإلى الجُمْلَةِ قَلِيلًا، فَمِن إضافَتِها إلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎صَرِيعُ غَوانٍ راقَهُنَّ ورُقْنَهُ ∗∗∗ لَدُنْ شَبَّ حَتّى شابَ سُودُ الذَّوائِبِ
وقالَ الآخَرُ:
؎لَزِمْنا لَدُنْ سَألْتُمُونا وفاقَكم ∗∗∗ فَلا يَكُ مِنكم لِلْخِلافِ جُنُوحُ
ومِن إضافَتِها إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَذْكُرُ نَعَّماهُ لَدُنْ أنْتَ يافِعُ ∗∗∗ إلى أنْتَ ذُو فَوْدَيْنِ أبْيَضُ كالنَّسْرِ
وجاءَ إضافَتُها إلى: أنْ والفِعْلِ، قالَ:
؎ولَيْتَ فَلَمْ يَقْطَعْ لَدُنْ أنْ ولَيْتَنا ∗∗∗ قُرابَةُ ذِي قُرْبى ولا حَقُّ مُسْلِمِ
وأحْكامُ لَدُنْ كَثِيرَةٌ، ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ.
الإغْناءُ: الدَّفْعُ والنَّفْعُ، وفُلانٌ عَظِيمُ الغِنى، أيِ: الدَّفْعُ والنَّفْعُ. الدَّأْبُ: العادَةُ، دَأبَ عَلى كَذا: واظَبَ عَلَيْهِ وأدْمَنَ، قالَ زُهَيْرُ:
؎لَأرْتَحِلَنَّ بِالفَجْرِ ثُمَّ لَأدْأبَنَّ ∗∗∗ إلى اللَّيْلِ إلّا أنْ يُعَرِّجَنِي طِفْلُ
الذَّنْبُ: التِّلْوُ؛ لِأنَّ العِقابَ يَتْلُوهُ، ومِنهُ الذَّنْبُ والذُّنُوبُ لِأنَّهُ يَتْبَعُ الجاذِبَ.
(p-٣٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ، سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، وتُسَمّى: الزَّهْراءَ، والأمانَ، والكَنْزَ، والمُعِينَةَ، والمُجادِلَةَ، وسُورَةَ الِاسْتِغْفارِ، وطِيبَةَ، وهي مَدَنِيَّةٌ، الآياتُ سِتِّينَ، وسَبَبُ نُزُولِها فِيما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ: «أنَّهُ وفَدَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفْدُ نَصارى نَجْرانَ، وكانُوا سِتِّينَ راكِبًا، فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ مِن أشْرافِهِمْ، مِنهم ثَلاثَةٌ إلَيْهِمْ يَئُولُ أمْرُهم، أمِيرُهُمُ العاقِبُ عَبْدُ المَسِيحِ، وصاحِبُ رَحْلِهِمُ السَّيِّدُ الأيْهَمُ، وعالِمُهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، وذَكَرَ مِن جَلالَتِهِمْ، وحُسْنُ شارَتِهِمْ (p-٣٧٤)وهَيْئَتِهِمْ، وأقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في عِيسى، ويَزْعُمُونَ تارَةً أنَّهُ اللَّهُ، وتارَةً ولَدُ الإلَهِ، وتارَةً: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ لَهم أشْياءَ مِن صِفاتِ البارِي تَعالى، وانْتِفاءَها عَنْ عِيسى، وهم يُوافِقُونَهُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ أبَوْا إلّا جُحُودًا، ثُمَّ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحٌ مِنهُ ؟ قالَ: ”بَلى“ قالُوا: فَحَسْبُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها، إلى أنْ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الِابْتِهالِ» .
وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ المُبْغِضِينَ لِعِيسى، القاذِفِينَ لِأُمِّهِ، المُنْكِرِينَ لِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الإنْجِيلِ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ آخِرَ البَقَرَةِ ﴿أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى الكافِرِينَ، حَيْثُ ناظَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِالبَراهِينِ السّاطِعَةِ، والحُجَجِ القاطِعَةِ، فَقَصَّ تَعالى أحْوالَهم، ورَدَّ عَلَيْهِمْ في اعْتِقادِهِمْ، وذَكَرَ تَنْزِيهَهَ تَعالى عَمّا يَقُولُونَ، وبَداءَةَ خَلْقِ مَرْيَمَ وابْنِها المَسِيحِ إلى آخَرِ ما رَدَّ عَلَيْهِمْ، ولَمّا كانَ مُفْتَتَحُ آيَةِ آخِرِ البَقَرَةِ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَكَأنَّ في ذَلِكَ الإيمانَ بِاللَّهِ وبِالكُتُبِ، ناسَبَ ذِكْرَ أوْصافِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ ما أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ، وذَكَرَ المُنَزَّلَ عَلى غَيْرِهِ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
قَرَأ السَّبْعَةُ: الم اللَّهُ، بِفَتْحِ المِيمِ، وألْفُ الوَصْلِ ساقِطَةٌ، ورَوى أبُو بَكْرٍ في بَعْضِ طُرُقِهِ، عَنْ عاصِمٍ: سُكُونَ المِيمِ، وقَطْعَ الألِفِ، وذَكَرَها الفَرّاءُ عَنْ عاصِمٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الحَسَنِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، والرَّواسِيِّ، والأعْمَشِ، والبُرْجُمِيِّ، وابْنِ القَعْقاعِ: وقَفُوا عَلى المِيمِ، كَما وقَفُوا عَلى الألِفِ واللّامِ، وحَقُّها ذَلِكَ، وأنْ يُبْدَأ بَعْدَها كَما تَقُولُ: واحِدٌ اثْنانِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِ المِيمِ، ونَسَبُها ابْنُ عَطِيَّةَ إلى الرَّواسِيِّ، ونَسَبَها الزَّمَخْشَرِيُّ إلى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وقالَ: تَوَهَّمَ التَّحْرِيكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وما هي بِمَقْبُولَةٍ، يَعْنِي: هَذِهِ القِراءَةَ، انْتَهى، وقالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ رَدِيءٌ؛ لِأنَّ الياءَ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والصَّوابُ الفَتْحُ، قِراءَةُ جُمْهُورِ النّاسِ، انْتَهى، وقالَ الأخْفَشُ: يَجُوزُ الم اللَّهُ، بِكَسْرِ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ، ولا تَقُولُهُ العَرَبُ لِثِقْلِهِ.
واخْتَلَفُوا في فَتْحَةِ المِيمِ: فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّها حُرِّكَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، كَما حَرَّكُوا: مِنَ اللَّهِ، وهَمْزَةُ الوَصْلِ ساقِطَةٌ لِلدَّرَجِ كَما سَقَطَتْ في نَحْوِ: مِنَ الرَّجُلِ، وكانَ الفَتْحُ أوْلى مِنَ الكَسْرِ لِأجْلِ الياءِ، كَما قالُوا: أيْنَ وكَيْفَ، ولِزِيادَةِ الكَسْرَةِ قَبْلَ الياءِ، فَزالَ الثِّقَلُ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّها حَرَكَةُ نَقْلٍ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ؛ لِأنَّ حُرُوفَ الهِجاءِ يُنْوى بِها الوَقْفُ، فَيُنْوى بِما بَعْدَها الِاسْتِئْنافُ، فَكَأنَّ الهَمْزَةَ في حُكْمِ الثَّباتِ كَما في أنْصافِ الأبْياتِ نَحْوُ:
؎لَتَسْمَعَنَّ وشِيكًا في دِيارِكُمُ ∗∗∗ أللَّهُ أكْبَرُ يا ثاراتِ عُثْمانا
وضَعُفَ هَذا المَذْهَبُ بِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَّعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ، وما يَسْقُطُ لا تُلْقى حَرَكَتُهُ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَدِ اخْتارَ مَذْهَبَ الفَرّاءِ في أنَّ الفَتْحَةَ في المِيمِ هي حَرَكَةُ الهَمْزَةِ حِينَ (p-٣٧٥)أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأوْرَدَ أسْئِلَةً وأجابَ عَنْها، فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ إلْقاءُ حَرَكَتِها عَلَيْها وهي هَمْزَةُ وصْلٍ لا تَثْبُتُ في دَرَجِ الكَلامِ، فَلا تَثْبُتُ حَرَكَتُها؛ لِأنَّ ثَباتَ حَرَكَتِها كَثَباتِها ؟ قُلْتُ: لَيْسَ هَذا بِدَرَجٍ؛ لِأنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ والسُّكُونِ، والهَمْزَةَ في حُكْمِ الثّابِتِ، وإنَّما حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها لِتَدُلَّ عَلَيْها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: واحِدِ اثْنانِ، بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ، انْتَهى هَذا السُّؤالُ وجَوابُهُ، ولَيْسَ جَوابُهُ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ ادَّعى أنَّ المِيمَ حِينَ حُرِّكَتْ مَوْقُوفَةً عَلَيْها، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَرَجٍ، بَلْ هو وقْفٌ، وهَذا خِلافٌ لِما أجْمَعَتِ العَرَبُ والنُّحاةُ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يُوقَفُ عَلى مُتَحَرِّكٍ ألْبَتَّةَ، سَواءٌ كانَتْ حَرَكَتُهُ إعْرابِيَّةً، أوْ بِنائِيَّةً، أوْ نَقْلِيَّةً، أوْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ لِلْحِكايَةِ، أوْ لِلِاتِّباعِ، فَلا يَجُوزُ في: قَدْ أفْلَحَ، إذا حُذِفَتِ الهَمْزَةُ، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى دالِ قَدْ، أنْ تَقِفَ عَلى دالِ قَدْ، بِالفَتْحَةِ، بَلْ تَسْكُنُها قَوْلًا واحِدًا.
وأمّا قَوْلُهُ: ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهم: واحِدِ اثْنانِ بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ، فَإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أنَّهم يُشِمُّونَ آخِرَ واحِدٍ لِتَمَكُّنِهِ، ولَمْ يَحْكِ الكَسْرَ لُغَةً، فَإنْ صَحَّ الكَسْرُ فَلَيْسَ واحِدٌ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، كَما زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولا حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ نَقْلٍ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ، ولَكِنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِمْ: اثْنانِ، فالتَقى ساكِنانِ، دالُ واحِدٍ، وثاءُ اثْنَيْنِ، فَكُسِرَتِ الدّالُ لِالتِقائِهِما، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ؛ لِأنَّها لا تَثْبُتُ في الوَصْلِ، وأمّا ما اسْتَدَلَّ بِهِ الفَرّاءُ مِن قَوْلِهِمْ: ثَلاثَةٌ أرْبَعَةٌ، بِإلْقاءِ الهَمْزَةِ عَلى الهاءِ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ أرْبَعَةَ هَمْزَةُ قَطْعٍ في حالِ الوَصْلِ بِما قَبْلَها وابْتِدائِها، ولَيْسَ كَذَلِكَ هَمْزَةُ الوَصْلِ نَحْوُ: مِنَ اللَّهِ، وأيْضًا، فَقَوْلُهم: ثَلاثَةٌ أرْبَعَةٌ بِالنَّقْلِ لَيْسَ فِيهِ وقَفٌ عَلى ثَلاثَةٍ، إذْ لَوْ وُقِفَ عَلَيْها لَمْ تَكُنْ تَقْبَلُ الحَرَكَةَ، ولَكِنْ أُقِرَّتْ في الوَصْلِ هاءً اعْتِبارًا بِما آلَتْ إلَيْهِ في حالٍ ما، لا أنَّها مَوْقُوفٌ عَلَيْها.
ثُمَّ أوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ سُؤالًا ثانِيًا، فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ هَلّا زَعَمْتَ أنَّها حُرِّكَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ لا نُبالِي بِهِ في بابِ الوَقْفِ، وذَلِكَ كَقَوْلِكَ: هَذا إبْراهِيمُ، وداوُدُ، وإسْحاقُ، ولَوْ كانَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ في حالِ الوَقْفِ مُوجِبُ التَّحْرِيكِ لَحُرِّكَ المِيمانِ في ألِفْ لامْ مِيمْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَمّا انْتَظَرَ ساكِنٌ آخَرُ، انْتَهى هَذا السُّؤالُ وجَوابُهُ، وهو سُؤالٌ صَحِيحٌ، وجَوابٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّ الَّذِي قالَ: إنَّ الحَرَكَةَ هي لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لا يَتَوَهَّمُ أنَّهُ أرادَ التِقاءَ الياءِ والمِيمِ مِن ألِفْ لامْ مِيمْ في الوَقْفِ، وإنَّما عَنى التِقاءَ السّاكِنَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما: مِيمْ مِيمِ الأخِيرَةِ، ولامُ التَّعْرِيفِ، كالتِقاءِ نُونِ مِن ولامِ الرَّجُلِ، إذا قُلْتَ: مِنَ الرَّجُلِ.
ثُمَّ أوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ سُؤالًا ثالِثًا، فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: إنَّما لَمْ يُحَرِّكُوا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ في مِيمْ؛ لِأنَّهم أرادُوا (p-٣٧٦)الوَقْفَ، وأمْكَنَهُمُ النُّطْقُ بِساكِنَيْنِ، فَإذا جاءَ بِساكِنٍ ثالِثٍ لَمْ يُمْكِنْ إلّا التَّحْرِيكُ فَحَرَّكُوا ؟ قُلْتُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ لَيْسَتِ لِمُلاقاةِ السّاكِنِ أنَّهم كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: واحِدْ اثْنانِ، بِسُكُونِ الدّالِ مَعَ طَرْحِ الهَمْزَةِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ ساكِنَيْنِ، كَما قالُوا: أصْيَمْ ومَدْيَقْ، فَلَمّا حَرَّكُوا الدّالَّ عُلِمَ أنَّ حَرَكَتَها هي حَرَكَةُ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ لا غَيْرَ، ولَيْسَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، انْتَهى هَذا السُّؤالُ وجَوابُهُ، وفي سُؤالِهِ تَعْمِيَةٌ في قَوْلِهِ: فَإنْ قُلْتَ: إنَّما لَمْ يُحَرِّكُوا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ؟ ويَعْنِي بِالسّاكِنَيْنِ: الياءَ والمِيمَ في مِيمْ، وحِينَئِذٍ يَجِيءُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: لِأنَّهم أرادُوا الوَقْفَ وأمْكَنَهُمُ النُّطْقُ بِساكِنَيْنِ، يَعْنِي الياءَ والمِيمَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ جاءَ بِساكِنٍ ثالِثٍ، يَعْنِي لامَ التَّعْرِيفِ، لَمْ يُمْكِنْ إلّا التَّحْرِيكُ، يَعْنِي في المِيمِ، فَحَرَّكُوا - يَعْنِي المِيمَ - لِالتِقائِها ساكِنَةً مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ، إذْ لَوْ لَمْ يُحَرِّكُوا لاجْتَمَعَ ثَلاثَةُ سَواكِنَ، وهو لا يُمْكِنُ، هَذا شَرْحُ السُّؤالِ.
وأمّا جَوابُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَنْ سُؤالِهِ، فَلا يُطابِقُ؛ لِأنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ لَيْسَتْ لِمُلاقاةِ ساكِنٍ بِإمْكانِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في قَوْلِهِمْ: واحِدِ اثْنانِ، بِأنْ يُسَكِّنُوا الدّالَ، والثّاءُ ساكِنَةٌ، وتَسْقُطُ الهَمْزَةُ، فَعَدَلُوا عَنْ هَذا الإمْكانِ إلى نَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى الدّالِ، وهَذِهِ مُكابَرَةٌ في المَحْسُوسِ، لا يُمْكِنُ ذَلِكَ أصْلًا، ولا هو في قُدْرَةِ البَشَرِ أنْ يَجْمَعُوا في النُّطْقِ بَيْنَ سُكُونِ الدّالِ وسُكُونِ الثّاءِ، وطَرْحِ الهَمْزَةِ.
وأمّا قَوْلُهُ: فَجَمَعُوا بَيْنَ ساكِنَيْنِ، فَلا يُمْكِنُ الجَمْعُ كَما قُلْناهُ، وأمّا قَوْلُهُ: كَما قالُوا: أصْيَمْ ومَدْيَقْ، فَهَذا مُمْكِنٌ كَما هو في: رادْ وضال؛ لِأنَّ في ذَلِكَ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى حَدِّهِما المَشْرُوطِ في النَّحْوِ، فَأمْكَنَ النُّطْقُ بِهِ، ولَيْسَ مِثْلَ: واحِدِ اثْنانِ؛ لِأنَّ السّاكِنَ الأوَّلَ لَيْسَ حَرْفَ عِلَّةٍ، ولا الثّاءَ في مُدْغَمٍ، فَلا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما.
وأمّا قَوْلُهُ: فَلَمّا حَرَّكُوا الدّالَ عُلِمَ أنَّ حَرَكَتَها هي حَرَكَةُ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ لا غَيْرَ، ولَيْسَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، لِما بُنِيَ عَلى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ في واحِدِ اثْنانِ مُمْكِنٌ، وحَرَكَةُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ إنَّما هي لا يُمْكِنُ أنْ يَجْتَمِعا فِيهِ في اللَّفْظِ، ادَّعى أنَّ حَرَكَةَ الدّالِّ هي حَرَكَةُ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَدْ ذَكَرْنا عَدَمَ إمْكانِ ذَلِكَ، فَإنَّ صَحَّ كَسْرُ الدّالِ، كَما نَقَلَ هَذا الرَّجُلُ، فَتَكُونُ حَرَكَتُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لا لِنَقْلٍ، وقَدْ رُدَّ قَوْلُ الفَرّاءِ، واخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ إيّاهُ بِأنْ قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حَرَكَةَ المِيمِ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلَيْها، لِما في ذَلِكَ مِنَ الفَسادِ والتَّدافُعِ، وذَلِكَ أنَّ سُكُونَ آخَرِ مِيمْ إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ عَلَيْها، وإلْقاءَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَصْلِ، ونِيَّةُ الوَصْلِ تُوجِبُ حَذْفَ الهَمْزَةِ، ونِيَّةُ الوَقْفِ عَلى ما قَبْلَها تُوجِبُ ثَباتَها وقَطْعَها، وهَذا مُتَناقِضٌ، انْتَهى، وهو رَدٌّ صَحِيحٌ.
والَّذِي تَحَرَّرَ في هَذِهِ الكَلِماتِ: أنَّ العَرَبَ مَتى سَرَدَتْ أسْماءَ مُسَكَّنَةَ الآخِرِ وصْلًا ووَقْفًا، فَلَوِ التَقى آخِرُ مُسَكَّنٍ مِنها، بِساكِنٍ آخَرَ، حُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَهَذِهِ الحَرَكَةُ الَّتِي في مِيمِ: الم اللَّهُ، هي حَرَكَةُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
والكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] تَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ، واخْتِلافُ النّاسِ في ذَلِكَ الِاخْتِلافَ المُنْتَشِرَ الَّذِي لا يُوقَفُ مِنهُ عَلى شَيْءٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِهِ وتَفْسِيرِ أمْثالِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ.
والكَلامُ عَلى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ تَقَدَّمَ في آيَةِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ﴾ [البقرة: ١٦٣] وفي أوَّلِ آيَةِ الكُرْسِيِّ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ القاضِي الجُرْجانِيِّ أنَّهُ ذَهَبَ في النَّظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ ﴿الم﴾ إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ، أوْ نَحْوُ هَذا.
ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ عَلى ما تُرِكَ ذِكْرُهُ، مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وتَرَكَ الجَوابَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:(p-٣٧٧)
؎فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكم ولَكِنَّ خامِرِي أُمَّ عامِرِ
أيْ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: خامِرِي أُمَّ عامِرٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ نَزَلَ خَبَرُ قَوْلِهِ: (اللَّهُ) حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الجُرْجانِيُّ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ مِثْلِيَّتَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَّبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ ﴿الم﴾ لا يُضَمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا، جُمْلَةٌ رادَّةٌ عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وقالُوا: إنَّهُ اللَّهُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَوْضِعُ (الم) نَصْبٌ، والتَّقْدِيرُ: اقْرَءُوا الم، وعَلَيْكُمُ الم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى: هَذا الم، وذَلِكَ الم، وتَقَدَّمَ مِن قَوْلِ الجُرْجانِيِّ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ (القَيّامُ) وقالَ خارِجَةٌ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (القَيَّمُ) ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ.
(اللَّهُ) رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: (لا إلَهَ إلّا هو) و﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (نَزَّلَ) هو الخَبَرُ، و(لا إلَهَ إلّا هو) جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، وتَقَدَّمَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ اسْتِقْصاءُ إعْرابِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وقالَ الرّازِيُّ: مَطْلَعُ هَذِهِ السُّورَةِ عَجِيبٌ؛ لِأنَّهم لَمّا نازَعُوا كَأنَّهُ قِيلَ: إمّا أنْ تُنازِعُوا في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، أوْ في النُّبُوَّةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ العَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ: حَيٌّ قَيُّومٌ، والحَيُّ القَيُّومُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وإنْ كانَ في الثّانِي فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي عَرَفْتُمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، هو بِعَيْنِهِ قائِمٌ هُنا، وذَلِكَ هو المُعْجِزَةُ.
آل عمران 3:3
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ (الكِتابَ) هُنا: القُرْآنُ، بِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ، وتَكَرَّرَ كَثِيرًا، والمُرادُ القُرْآنُ، فَصارَ عِلْمًا، بِالغَلَبَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزَّلَ) مُشَدَّدًا و(الكِتابَ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و(الكِتابُ) بِالرَّفْعِ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً، والثّانِي: أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها، أيْ: نَزَلَ الكِتابُ عَلَيْكَ مِن عِنْدِهِ، وأتى هُنا بِذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ) ولَمْ يَأْتِ بِذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ التَّوْراةُ، ولا المُنَزَّلُ عَلَيْهِ الإنْجِيلُ، تَخْصِيصًا لَهُ وتَشْرِيفًا بِالذِّكْرِ، وجاءَ بِذِكْرِ الخِطابِ لِما في الخِطابِ مِنَ المُؤانَسَةِ، وأتى بِلَفْظَةِ: عَلى، لِما فِيها مِنِ الِاسْتِعْلاءِ، كَأنَّ الكِتابَ تَجَلَّلَهُ وتَغَشّاهُ ﷺ، ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالعَدْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَدْلُ فِيما اسْتَحَقَّهُ عَلَيْكَ مَن حَمْلِ أثْقالِ النُّبُوَّةِ، الثّانِي: بِالعَدْلِ فِيما اخْتَصَّكَ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ.
وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما اخْتُلِفَ فِيهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأخْبارِ عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ، وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ومِنَ الوَعِيدِ بِالعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: مَعْنى (بِالحَقِّ) بِالحُجَجِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ.
والباءُ تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ أيْ: بِسَبَبِ إثْباتِ الحَقِّ، وتَحْتَمِلُ الحالَ، أيْ: مُحِقًّا نَحْوُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أيْ مُتَسَلِّحًا.
﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ، وتَصْدِيقُهُ إيّاها أنَّها أخْبَرَتْ بِمَجِيئِهِ، ووُقُوعُ المُخْبَرِ بِهِ يَجْعَلُ المُخْبِرَ صادِقًا، وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُوافِقْها، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ، إلّا بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، والإيمانِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأمْرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، والشَّرائِعِ الَّتِي هي صَلاحُ أهْلِ كُلِّ زَمانٍ، فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الكُتُبِ في كُلِّ ذَلِكَ، والقُرْآنُ، وإنْ كانَ ناسِخًا لِشَرائِعِ أكْثَرِ الكُتُبِ، فَهي مُبَشِّرَةٌ بِالقُرْآنِ وبِالرَّسُولِ، ودالَّةٌ عَلى أنَّ أحْكامَها تَثْبُتُ إلى حِينِ بِعْثَةِ اللَّهِ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ وأنَّها تَصِيرُ مَنسُوخَةً عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَقَدْ وافَقَتِ القُرْآنَ، وكانَ مُصَدِّقًا لَها؛ لِأنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِيَّةِ لا تَخْتَلِفُ. وانْتِصابُ (مُصَدِّقًا) عَلى الحالِ مِنَ (p-٣٧٨)الكِتابِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهي لازِمَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهو كَما قالَ:
؎أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِهِ نَسَبِي وهَلْ بِدارَةَ يا لِلنّاسِ مِن عارِ
وقِيلَ: انْتِصابُ (مُصَدِّقًا) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ (بِالحَقِّ) وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، و(لِما) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُصَدِّقًا) واللّامُ لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ؛ إذْ: مُصَدِّقًا، يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، والمَعْنى هُنا بِقَوْلِهِ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ المُتَقَدِّمُ في الزَّمانِ، وأصْلُ هَذا أنْ يُقالَ لِما يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، كالشَّيْءِ الَّذِي يَحْتَوِي عَلَيْهِ، ويُقالُ: هو بَيْنَ يَدَيْهِ إذا كانَ قُدّامُهُ غَيْرَ بَعِيدٍ.
﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ﴾ فَخَّمَ راءَ (التَّوْراةَ) ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ، وأضْجَعَها أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ، وقَرَأها بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ حَمْزَةُ ونافِعٌ، ورَوى المُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ فَتْحَها، وقَرَأ الحَسَنُ (والأنْجِيلَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْجَمِيٌّ؛ لِأنَّ أفْعِيلًا لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ كَلامِ العَرَبِ، بِخِلافِ إفْعِيلٍ، فَإنَّهُ مَوْجُودٌ في أبْنِيَتِهِمْ: كَإخْرِيطٍ، وإصْلِيتٍ.
وتَعَلَّقَ (مِن قَبْلُ) بِقَوْلِهِ: (وأنْزَلَ) والمُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ هو الكِتابُ المَذْكُورُ، أيْ: مِن قَبْلُ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْكَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ مِن قَبْلِكَ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ ضَمِيرَ الرَّسُولِ، وغايَرَ بَيْنَ نَزَّلَ وأنْزَلَ، وإنْ كانا بِمَعْنًى واحِدٍ؛ إذِ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَما أنَّ الهَمْزَةَ لِلتَّعْدِيَةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قِيلَ: نَزَّلَ الكِتابَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ؟ قُلْتُ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا، ونَزَلَ الكِتابانِ جُمْلَةً، انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلى هَذا القَوْلِ، وأنَّ التَّعْدِيَةَ بِالتَّضْعِيفِ لا تَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ، ولا التَّنْجِيمِ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ: نَزَّلَ وأنْزَلَ، قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] و﴿وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ قِراءَةُ مَن قَرَأ (ما كانَ مِمَّنْ يَنْزِلُ) مُشَدِّدًا بِالتَّخْفِيفِ، إلّا ما اسْتُثْنِيَ، فَلَوْ كانَ أحَدُهُما يَدُلُّ عَلى التَّنْجِيمِ، والآخَرُ يَدُلُّ عَلى النُّزُولِ دُفْعَةً واحِدَةً، لِتَناقُضِ الإخْبارِ، وهو مُحالٌ.
﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ قِيلَ: هو قَيْدٌ في الكِتابِ والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ قَيْدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ولَمْ يُثَنَّ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقِيلَ: هو قَيْدٌ في الإنْجِيلِ وحْدَهُ، وحُذِفَ مِنَ التَّوْراةِ، ودَلَّ عَلَيْهِ هَذا القَوْلُ الَّذِي لِلْإنْجِيلِ وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (مِن قَبْلُ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ فَيَكُونُ الهُدى لِلْفُرْقانِ فَحَسْبُ، ويَكُونُ عَلى هَذا (الفُرْقانَ) القُرْآنَ، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (هُدًى) إذْ ذاكَ يَكُونُ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (وأنْزَلَ الفُرْقانَ هُدًى) وما بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا، مُجَرَّدَةً وضَرَبْتُ هِنْدًا، تُرِيدُ وضَرَبْتُ هِنْدًا مُجَرَّدَةً لَمْ يَجُزْ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والهُدى: هو البَيانُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ هُدًى بِالفِعْلِ، فَيَكُونُ النّاسُ هُنا مَخْصُوصًا، إذْ لَمْ تَقَعِ الهِدايَةُ لِكُلِّ النّاسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّهُما هُدًى في ذاتِهِما، وأنَّهُما داعِيانِ لِلْهُدى، فَيَكُونُ النّاسُ عامًّا، أيْ: هُما مَنصُوبانِ وداعِيانِ لِمَنِ اهْتَدى بِهِما، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ وُقُوعُ الهِدايَةِ بِالفِعْلِ لِجَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: النّاسُ قَوْمُ مُوسى وعِيسى، وقِيلَ: نَحْنُ مُتَعَبِّدُونَ بِشَرائِعَ مَن قَبْلَنا، فالنّاسُ عامٌّ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ عَمِيٌّ عَلى الكافِرِ، ولَيْسَ هُدًى لَهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] أنَّهم عِنْدَ نُزُولِهِ اخْتارُوا العَمى عَلى وجْهِ المَجازِ، لِقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] انْتَهى.
قِيلَ: وخَصَّ الهُدى بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ هُنا، وإنْ كانَ القُرْآنُ هُدًى؛ لِأنَّ المُناظَرَةَ كانَتْ مَعَ النَّصارى وهم لا يَهْتَدُونَ بِالقُرْآنِ، بَلْ وصَفَ بِأنَّهُ حَقٌّ في نَفْسِهِ، قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ، وأمّا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ فَهم يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُما، فَلِذَلِكَ اخْتُصّا في الذِّكْرِ بِالهُدى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ هُنا لِلنّاسِ، وقالَ في القُرْآنِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ؛ لِأنَّ هَذا خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، و(هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) خَبَرٌ مُقْتَرِنٌ بِهِ الِاسْتِدْعاءُ، والصَّرْفُ إلى الإيمانِ، فَحَسُنَتِ الصِّفَةُ لِيَقَعَ مِنَ السّامِعِ النَّشاطُ والبِدارُ، وذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو إيجادُ الهِدايَةِ في (p-٣٧٩)القَلْبِ، وهُنا إنَّما ذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو الدُّعاءُ، أوِ الهُدى الَّذِي هو في نَفْسِهِ مُعَدٌّ أنْ يَهْتَدِيَ بِهِ النّاسُ، فَسُمِّيَ هُدًى بِذَلِكَ.
قالَ ابْنُ فُورَكَ: التَّقْدِيرُ هَنا هُدًى لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، ويُرَدُّ هَذا العامُّ إلى ذَلِكَ الخاصِّ، وفي هَذا نَظَرٌ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ، ومُلَخَّصُهُ: أنَّهُ غايَرَ بَيْنَ مَدْلُولَيِ الهُدى، فَحَيْثُ كانَ بِالفِعْلِ ذُكِرَ المُتَّقُونَ، وحَيْثُ كانَ بِمَعْنى الدُّعاءِ، أوْ بِمَعْنى أنَّهُ هُدًى في ذاتِهِ، ذُكِرَ العامُّ.
وأمّا المَوْضِعانِ فَكِلاهُما خَبَرٌ لا فَرْقَ في الخَبَرِيَّةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ .
﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ (الفُرْقانَ): جِنْسُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ؛ لِأنَّها كُلَّها فُرْقانٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، مِن كُتُبِهِ أوْ مِن هَذِهِ الكُتُبِ، أوْ أرادَ الكِتابَ الرّابِعَ، وهو الزَّبُورُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] أوِ (الفُرْقانَ): القُرْآنُ، وكَرَّرَ ذِكْرَهُ بِما هو نَعْتٌ لَهُ ومَدْحٌ مِن كَوْنِهِ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، بَعْدَما ذَكَرَهُ بِاسْمِ الجِنْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وإظْهارًا لِفَضْلِهِ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، الَّذِي جادَلَ فِيهِ الوَفْدَ، وقالَ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ، وغَيْرُهُما: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أحْكامِ الشَّرائِعِ، وفي الحَلالِ والحَرامِ، ونَحْوِهِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ: كُلُّ أمْرٍ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما قَدُمَ وحَدَثَ، فَدَخَلَ في هَذا التَّأْوِيلِ: طُوفانُ نُوحٍ، وفَرْقُ البَحْرِ لِغَرَقِ فِرْعَوْنَ، ويَوْمُ بَدْرٍ، وسائِرُ أفْعالِ اللَّهِ المُفَرِّقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وقِيلَ: (الفُرْقانَ) النَّصْرُ، وقالَ الرّازِيُّ: المُخْتارُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (الفُرْقانَ) هُنا المُعْجِزاتِ الَّتِي قَرَنَها اللَّهُ بِإنْزالِ هَذِهِ الكُتُبِ؛ لِأنَّهم إذا ادَّعُوا أنَّها نازِلَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ افْتَقَرُوا إلى تَصْحِيحِ دَعْواهم بِالمُعْجِزاتِ، وكانَتْ هي الفُرْقانَ؛ لِأنَّها تُفَرِّقُ بَيْنَ دَعْوى الصّادِقِ والكاذِبِ، فَلَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أنْزَلَها، أنْزَلَ مَعَها ما هو الفُرْقانُ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أنْزَلَ بِإنْزالِ القُرْآنِ الفَصْلَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما اخْتَلَفَ فِيهِ الأحْزابُ وأهْلُ المِلَلِ، وقِيلَ: (الفُرْقانَ) هُنا الأحْكامُ الَّتِي بَيَّنَها اللَّهُ لِيُفَرِّقَ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
فَهَذِهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ في تَفْسِيرِ (الفُرْقانَ)، و(الفُرْقانَ) مَصْدَرٌ في الأصْلِ، وهَذِهِ التَّفاسِيرُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفاعِلِ، أيِ: الفارِقُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَفْرُوقُ، قالَ تَعالى: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لَمّا قَرَّرَ تَعالى أمْرَ الإلَهِيَّةِ، وأمْرَ النُّبُوَّةِ بِذِكْرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، تَوَعَّدَ مَن كَفَرَ بِآياتِ اللَّهِ مِن كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وغَيْرِها، بِالعَذابِ الشَّدِيدِ مِن عَذابِ الدُّنْيا، كالقَتْلِ، والأسْرِ، والغَلَبَةِ، وعَذابِ الآخِرَةِ: كالنّارِ، و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عامٌّ داخِلٌ فِيهِ مَن نَزَلَتِ الآياتُ بِسَبَبِهِمْ، وهم نَصارى وفْدِ نَجْرانَ، وقالَ النَّقّاشُ: إشارَةٌ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، وبَنِي أخْطَبَ وغَيْرِهِمْ.
﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ أيْ: مُمْتَنِعٌ أوْ غالِبٌ لا يُغْلَبُ، أوْ مُنْتَصِرٌ ذُو عُقُوبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الوَصْفَ بِذُو أبْلَغُ مِنَ الوَصْفِ بِصاحِبٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ في صِفاتِ اللَّهِ صاحِبٌ، وأشارَ بِالعِزَّةِ إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ الَّتِي هي مِن صِفاتِ الذّاتِ، وأشارَ بِذِي انْتِقامٍ، إلى كَوْنِهِ فاعِلًا لِلْعِقابِ، وهي مِن صِفاتِ الفِعْلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ذُو انْتِقامٍ) لَهُ انْتِقامٌ شَدِيدٌ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ مُنْتَقِمٌ، انْتَهى. ولا يَدُلُّ عَلى هَذا الوَصْفِ لَفْظُ: ذُو انْتِقامٍ، إنَّما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن خارِجِ اللَّفْظِ.
آل عمران 3:4
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ (الكِتابَ) هُنا: القُرْآنُ، بِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ، وتَكَرَّرَ كَثِيرًا، والمُرادُ القُرْآنُ، فَصارَ عِلْمًا، بِالغَلَبَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَزَّلَ) مُشَدَّدًا و(الكِتابَ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (نَزَلَ) مُخَفَّفًا، و(الكِتابُ) بِالرَّفْعِ، وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً، والثّانِي: أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها، أيْ: نَزَلَ الكِتابُ عَلَيْكَ مِن عِنْدِهِ، وأتى هُنا بِذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ) ولَمْ يَأْتِ بِذِكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ التَّوْراةُ، ولا المُنَزَّلُ عَلَيْهِ الإنْجِيلُ، تَخْصِيصًا لَهُ وتَشْرِيفًا بِالذِّكْرِ، وجاءَ بِذِكْرِ الخِطابِ لِما في الخِطابِ مِنَ المُؤانَسَةِ، وأتى بِلَفْظَةِ: عَلى، لِما فِيها مِنِ الِاسْتِعْلاءِ، كَأنَّ الكِتابَ تَجَلَّلَهُ وتَغَشّاهُ ﷺ، ومَعْنى (بِالحَقِّ) بِالعَدْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَدْلُ فِيما اسْتَحَقَّهُ عَلَيْكَ مَن حَمْلِ أثْقالِ النُّبُوَّةِ، الثّانِي: بِالعَدْلِ فِيما اخْتَصَّكَ بِهِ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ.
وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما اخْتُلِفَ فِيهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الأخْبارِ عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ، وقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ومِنَ الوَعِيدِ بِالعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: مَعْنى (بِالحَقِّ) بِالحُجَجِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ.
والباءُ تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ أيْ: بِسَبَبِ إثْباتِ الحَقِّ، وتَحْتَمِلُ الحالَ، أيْ: مُحِقًّا نَحْوُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، أيْ مُتَسَلِّحًا.
﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ، وتَصْدِيقُهُ إيّاها أنَّها أخْبَرَتْ بِمَجِيئِهِ، ووُقُوعُ المُخْبَرِ بِهِ يَجْعَلُ المُخْبِرَ صادِقًا، وهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُوافِقْها، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ، إلّا بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، والإيمانِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والأمْرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، والشَّرائِعِ الَّتِي هي صَلاحُ أهْلِ كُلِّ زَمانٍ، فالقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الكُتُبِ في كُلِّ ذَلِكَ، والقُرْآنُ، وإنْ كانَ ناسِخًا لِشَرائِعِ أكْثَرِ الكُتُبِ، فَهي مُبَشِّرَةٌ بِالقُرْآنِ وبِالرَّسُولِ، ودالَّةٌ عَلى أنَّ أحْكامَها تَثْبُتُ إلى حِينِ بِعْثَةِ اللَّهِ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ وأنَّها تَصِيرُ مَنسُوخَةً عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَقَدْ وافَقَتِ القُرْآنَ، وكانَ مُصَدِّقًا لَها؛ لِأنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِيَّةِ لا تَخْتَلِفُ. وانْتِصابُ (مُصَدِّقًا) عَلى الحالِ مِنَ (p-٣٧٨)الكِتابِ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهي لازِمَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهو كَما قالَ:
؎أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِهِ نَسَبِي وهَلْ بِدارَةَ يا لِلنّاسِ مِن عارِ
وقِيلَ: انْتِصابُ (مُصَدِّقًا) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ (بِالحَقِّ) وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، و(لِما) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُصَدِّقًا) واللّامُ لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ؛ إذْ: مُصَدِّقًا، يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، والمَعْنى هُنا بِقَوْلِهِ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ المُتَقَدِّمُ في الزَّمانِ، وأصْلُ هَذا أنْ يُقالَ لِما يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، كالشَّيْءِ الَّذِي يَحْتَوِي عَلَيْهِ، ويُقالُ: هو بَيْنَ يَدَيْهِ إذا كانَ قُدّامُهُ غَيْرَ بَعِيدٍ.
﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ﴾ فَخَّمَ راءَ (التَّوْراةَ) ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ، وأضْجَعَها أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ، وقَرَأها بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ حَمْزَةُ ونافِعٌ، ورَوى المُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ فَتْحَها، وقَرَأ الحَسَنُ (والأنْجِيلَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْجَمِيٌّ؛ لِأنَّ أفْعِيلًا لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ كَلامِ العَرَبِ، بِخِلافِ إفْعِيلٍ، فَإنَّهُ مَوْجُودٌ في أبْنِيَتِهِمْ: كَإخْرِيطٍ، وإصْلِيتٍ.
وتَعَلَّقَ (مِن قَبْلُ) بِقَوْلِهِ: (وأنْزَلَ) والمُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ هو الكِتابُ المَذْكُورُ، أيْ: مِن قَبْلُ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْكَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ مِن قَبْلِكَ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ ضَمِيرَ الرَّسُولِ، وغايَرَ بَيْنَ نَزَّلَ وأنْزَلَ، وإنْ كانا بِمَعْنًى واحِدٍ؛ إذِ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَما أنَّ الهَمْزَةَ لِلتَّعْدِيَةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قِيلَ: نَزَّلَ الكِتابَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ؟ قُلْتُ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا، ونَزَلَ الكِتابانِ جُمْلَةً، انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلى هَذا القَوْلِ، وأنَّ التَّعْدِيَةَ بِالتَّضْعِيفِ لا تَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ، ولا التَّنْجِيمِ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ: نَزَّلَ وأنْزَلَ، قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] و﴿وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ قِراءَةُ مَن قَرَأ (ما كانَ مِمَّنْ يَنْزِلُ) مُشَدِّدًا بِالتَّخْفِيفِ، إلّا ما اسْتُثْنِيَ، فَلَوْ كانَ أحَدُهُما يَدُلُّ عَلى التَّنْجِيمِ، والآخَرُ يَدُلُّ عَلى النُّزُولِ دُفْعَةً واحِدَةً، لِتَناقُضِ الإخْبارِ، وهو مُحالٌ.
﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ قِيلَ: هو قَيْدٌ في الكِتابِ والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ قَيْدٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ولَمْ يُثَنَّ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وقِيلَ: هو قَيْدٌ في الإنْجِيلِ وحْدَهُ، وحُذِفَ مِنَ التَّوْراةِ، ودَلَّ عَلَيْهِ هَذا القَوْلُ الَّذِي لِلْإنْجِيلِ وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (مِن قَبْلُ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ فَيَكُونُ الهُدى لِلْفُرْقانِ فَحَسْبُ، ويَكُونُ عَلى هَذا (الفُرْقانَ) القُرْآنَ، وهَذا لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ (هُدًى) إذْ ذاكَ يَكُونُ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: (وأنْزَلَ الفُرْقانَ هُدًى) وما بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا، مُجَرَّدَةً وضَرَبْتُ هِنْدًا، تُرِيدُ وضَرَبْتُ هِنْدًا مُجَرَّدَةً لَمْ يَجُزْ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والهُدى: هو البَيانُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ هُدًى بِالفِعْلِ، فَيَكُونُ النّاسُ هُنا مَخْصُوصًا، إذْ لَمْ تَقَعِ الهِدايَةُ لِكُلِّ النّاسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ أنَّهُما هُدًى في ذاتِهِما، وأنَّهُما داعِيانِ لِلْهُدى، فَيَكُونُ النّاسُ عامًّا، أيْ: هُما مَنصُوبانِ وداعِيانِ لِمَنِ اهْتَدى بِهِما، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ وُقُوعُ الهِدايَةِ بِالفِعْلِ لِجَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: النّاسُ قَوْمُ مُوسى وعِيسى، وقِيلَ: نَحْنُ مُتَعَبِّدُونَ بِشَرائِعَ مَن قَبْلَنا، فالنّاسُ عامٌّ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ عَمِيٌّ عَلى الكافِرِ، ولَيْسَ هُدًى لَهُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] أنَّهم عِنْدَ نُزُولِهِ اخْتارُوا العَمى عَلى وجْهِ المَجازِ، لِقَوْلِ نُوحٍ: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] انْتَهى.
قِيلَ: وخَصَّ الهُدى بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ هُنا، وإنْ كانَ القُرْآنُ هُدًى؛ لِأنَّ المُناظَرَةَ كانَتْ مَعَ النَّصارى وهم لا يَهْتَدُونَ بِالقُرْآنِ، بَلْ وصَفَ بِأنَّهُ حَقٌّ في نَفْسِهِ، قَبِلُوهُ أوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ، وأمّا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ فَهم يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُما، فَلِذَلِكَ اخْتُصّا في الذِّكْرِ بِالهُدى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ هُنا لِلنّاسِ، وقالَ في القُرْآنِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ؛ لِأنَّ هَذا خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، و(هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) خَبَرٌ مُقْتَرِنٌ بِهِ الِاسْتِدْعاءُ، والصَّرْفُ إلى الإيمانِ، فَحَسُنَتِ الصِّفَةُ لِيَقَعَ مِنَ السّامِعِ النَّشاطُ والبِدارُ، وذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو إيجادُ الهِدايَةِ في (p-٣٧٩)القَلْبِ، وهُنا إنَّما ذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو الدُّعاءُ، أوِ الهُدى الَّذِي هو في نَفْسِهِ مُعَدٌّ أنْ يَهْتَدِيَ بِهِ النّاسُ، فَسُمِّيَ هُدًى بِذَلِكَ.
قالَ ابْنُ فُورَكَ: التَّقْدِيرُ هَنا هُدًى لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، ويُرَدُّ هَذا العامُّ إلى ذَلِكَ الخاصِّ، وفي هَذا نَظَرٌ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ، ومُلَخَّصُهُ: أنَّهُ غايَرَ بَيْنَ مَدْلُولَيِ الهُدى، فَحَيْثُ كانَ بِالفِعْلِ ذُكِرَ المُتَّقُونَ، وحَيْثُ كانَ بِمَعْنى الدُّعاءِ، أوْ بِمَعْنى أنَّهُ هُدًى في ذاتِهِ، ذُكِرَ العامُّ.
وأمّا المَوْضِعانِ فَكِلاهُما خَبَرٌ لا فَرْقَ في الخَبَرِيَّةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ .
﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ (الفُرْقانَ): جِنْسُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ؛ لِأنَّها كُلَّها فُرْقانٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، مِن كُتُبِهِ أوْ مِن هَذِهِ الكُتُبِ، أوْ أرادَ الكِتابَ الرّابِعَ، وهو الزَّبُورُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] أوِ (الفُرْقانَ): القُرْآنُ، وكَرَّرَ ذِكْرَهُ بِما هو نَعْتٌ لَهُ ومَدْحٌ مِن كَوْنِهِ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، بَعْدَما ذَكَرَهُ بِاسْمِ الجِنْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وإظْهارًا لِفَضْلِهِ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ الأخِيرَ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، الَّذِي جادَلَ فِيهِ الوَفْدَ، وقالَ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ، وغَيْرُهُما: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أحْكامِ الشَّرائِعِ، وفي الحَلالِ والحَرامِ، ونَحْوِهِ، وقِيلَ: الفُرْقانُ: كُلُّ أمْرٍ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما قَدُمَ وحَدَثَ، فَدَخَلَ في هَذا التَّأْوِيلِ: طُوفانُ نُوحٍ، وفَرْقُ البَحْرِ لِغَرَقِ فِرْعَوْنَ، ويَوْمُ بَدْرٍ، وسائِرُ أفْعالِ اللَّهِ المُفَرِّقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وقِيلَ: (الفُرْقانَ) النَّصْرُ، وقالَ الرّازِيُّ: المُخْتارُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (الفُرْقانَ) هُنا المُعْجِزاتِ الَّتِي قَرَنَها اللَّهُ بِإنْزالِ هَذِهِ الكُتُبِ؛ لِأنَّهم إذا ادَّعُوا أنَّها نازِلَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ افْتَقَرُوا إلى تَصْحِيحِ دَعْواهم بِالمُعْجِزاتِ، وكانَتْ هي الفُرْقانَ؛ لِأنَّها تُفَرِّقُ بَيْنَ دَعْوى الصّادِقِ والكاذِبِ، فَلَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أنْزَلَها، أنْزَلَ مَعَها ما هو الفُرْقانُ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أنْزَلَ بِإنْزالِ القُرْآنِ الفَصْلَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما اخْتَلَفَ فِيهِ الأحْزابُ وأهْلُ المِلَلِ، وقِيلَ: (الفُرْقانَ) هُنا الأحْكامُ الَّتِي بَيَّنَها اللَّهُ لِيُفَرِّقَ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
فَهَذِهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ في تَفْسِيرِ (الفُرْقانَ)، و(الفُرْقانَ) مَصْدَرٌ في الأصْلِ، وهَذِهِ التَّفاسِيرُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفاعِلِ، أيِ: الفارِقُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَفْرُوقُ، قالَ تَعالى: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] .
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لَمّا قَرَّرَ تَعالى أمْرَ الإلَهِيَّةِ، وأمْرَ النُّبُوَّةِ بِذِكْرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، تَوَعَّدَ مَن كَفَرَ بِآياتِ اللَّهِ مِن كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وغَيْرِها، بِالعَذابِ الشَّدِيدِ مِن عَذابِ الدُّنْيا، كالقَتْلِ، والأسْرِ، والغَلَبَةِ، وعَذابِ الآخِرَةِ: كالنّارِ، و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عامٌّ داخِلٌ فِيهِ مَن نَزَلَتِ الآياتُ بِسَبَبِهِمْ، وهم نَصارى وفْدِ نَجْرانَ، وقالَ النَّقّاشُ: إشارَةٌ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، وبَنِي أخْطَبَ وغَيْرِهِمْ.
﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ أيْ: مُمْتَنِعٌ أوْ غالِبٌ لا يُغْلَبُ، أوْ مُنْتَصِرٌ ذُو عُقُوبَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الوَصْفَ بِذُو أبْلَغُ مِنَ الوَصْفِ بِصاحِبٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ في صِفاتِ اللَّهِ صاحِبٌ، وأشارَ بِالعِزَّةِ إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ الَّتِي هي مِن صِفاتِ الذّاتِ، وأشارَ بِذِي انْتِقامٍ، إلى كَوْنِهِ فاعِلًا لِلْعِقابِ، وهي مِن صِفاتِ الفِعْلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ذُو انْتِقامٍ) لَهُ انْتِقامٌ شَدِيدٌ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ مُنْتَقِمٌ، انْتَهى. ولا يَدُلُّ عَلى هَذا الوَصْفِ لَفْظُ: ذُو انْتِقامٍ، إنَّما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن خارِجِ اللَّفْظِ.
آل عمران 3:5
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ (شَيْءٌ) نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ العِلْمِ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ العالَمِ بِالأرْضِ والسَّماءِ؛ إذْ هُما أعْظَمُ ما نُشاهِدُهُ، والتَّصْوِيرُ عَلى ما شاءَ مِنَ الهَيْئاتِ دالٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وبِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَتِمُّ مَعْنى القَيُّومِيَّةِ؛ إذْ هو القائِمُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ ومُهِمّاتِهِمْ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى النَّصارى، إذْ شُبْهَتُهم في ادِّعاءِ إلَهِيَّةِ عِيسى كَوْنُهُ يُخْبِرُ بِالغُيُوبِ، وهَذا راجِعٌ إلى العِلْمِ، وكَوْنُهُ: يُحْيِي المَوْتى، وهو راجِعٌ إلى القُدْرَةِ، فَنَبَّهَتِ الآيَةُ (p-٣٨٠)عَلى أنَّ الإلَهَ هو العالِمُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ عِيسى عالِمًا بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ أنْ يَكُونَ إلَهًا، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِيسى لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ونَبَّهَتْ عَلى أنَّ الإلَهَ هو ذُو القُدْرَةِ التّامَّةِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ عِيسى قادِرًا عَلى الإحْياءِ في بَعْضِ الصُّوَرِ أنْ يَكُونَ إلَهًا، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِيسى لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى تَرْكِيبِ الصُّوَرِ وإحْيائِها، بَلْ إنْباؤُهُ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ، وخَلْقُهُ وإحْياؤُهُ بَعْضَ الصُّوَرِ، إنَّما كانَ ذَلِكَ بِإنْباءِ اللَّهِ لَهُ عَلى سَبِيلِ الوَحْيِ، وإقْدارِهِ تَعالى لَهُ عَلى ذَلِكَ، وكُلُّها عَلى سَبِيلِ المُعْجِزَةِ الَّتِي أجْراها وأمْثالَها عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، وفي ذِكْرِ التَّصْوِيرِ في الرَّحِمِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ عِيسى إلَهٌ؛ إذْ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ صُوِّرَ في الرَّحِمِ.
وقِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَتِهِ سِرًّا وجَهْرًا، ووَعِيدٌ بِالمُجازاةِ، وقِيلَ: المَعْنى شَيْءٌ مِمّا يَقُولُونَهُ في أمْرِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُطَّلِعٌ عَلى كُفْرِ مَن كَفَرَ، وإيمانِ مَن آمَنَ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، وقالَ الماتُرِيدِيُّ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ عَنِ الخَلْقِ، فَكَيْفَ تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكُمُ الَّتِي هي ظاهِرَةٌ عِنْدَكم ؟ وكُلُّ هَذِهِ تَخْصِيصاتٌ، واللَّفْظُ عامٌّ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ هَذا كُلُّهُ، وقالَ الرّاغِبُ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أبْلَغُ مِن (يَعْلَمُ) في الأصْلِ، وإنْ كانَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظَيْنِ فِيهِ يُفِيدانِ مَعْنًى واحِدًا.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، والرَّبِيعُ، في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَّبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً (كَيْفَ يَشاءُ) قالَ الماتُرِيدِيُّ: فِيهِ إبْطالُ قَوْلِ مَن يَجْعَلُ قَوْلَ القائِفِ حُجَّةً في دَعْوى النَّسَبِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ عِلْمَ التَّصْوِيرِ في الأرْحامِ لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَعْرِفُ القائِفُ أنَّهُ صَوَّرَهُ مِن مائِهِ عِنْدَ قِيامِ التَّشابُهِ في الصُّوَرِ ؟ انْتَهى، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمَلُ مُسْتَقِلَّةً، فَتَكُونُ الأُولى إخْبارًا عَنْهُ تَعالى بِالعِلْمِ التّامِّ، والثّانِيَةُ إخْبارًا بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ وبِالإرادَةِ، والثّالِثَةُ بِالِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ: إنَّ.
وقالَ الرّاغِبُ، هُنا (يُصَوِّرُكم) بِلَفْظِ الحالِ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ (فَصَوَّرَكم) لِأنَّهُ لا اعْتِبارَ بِالأزْمِنَةِ في أفْعالِهِ، وإنَّما اسْتُعْمِلَتِ الألْفاظُ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الأزْمِنَةِ بِحَسَبِ اللُّغاتِ، وأيْضًا (فَصَوَّرَكم) إنَّما هو عَلى نِسْبَةِ التَّقْدِيرِ، وإنَّ فِعْلَهُ تَعالى في حُكْمِ ما قَدْ فَرَعَ مِنهُ (ويُصَوِّرُكم) عَلى حَسَبِ ما يَظْهَرُ لَنا حالًا فَحالًا، انْتَهى.
وقَرَأ طاوُسٌ (تَصَوَّرَكم) أيْ: صَوَّرَكم لِنَفْسِهِ ولِتَعَبُّدِهِ، كَقَوْلِكَ: أثَلْتُ مالًا، أيْ: جَعَلْتُهُ أثْلَةً، أيْ: أصْلًا، وتَأثَّلْتُهُ إذا أثَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ وتَأْتِي: تَفَعَّلَ بِمَعْنى: فَعَّلَ، نَحْوُ: تَوَلّى، بِمَعْنى: ولّى.
ومَعْنى ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الطُّولِ والقِصَرِ، واللَّوْنِ، والذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِسَبَبٍ وبِغَيْرِ سَبَبٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ فَقَطْ.
و(كَيْفَ) هُنا لِلْجَزاءِ، لَكِنَّها لا تَجْزِمُ، ومَفْعُولُ (يَشاءُ) مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَشاءُ أنْ يُصَوِّرَكم، كَقَوْلِهِ: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] أيْ: كَيْفَ يَشاءُ أنْ يُنْفِقَ، و(كَيْفَ) مَنصُوبٌ: بِـ (يَشاءُ) والمَعْنى: عَلى أيِّ حالٍ شاءَ أنْ يُصَوِّرَكم صَوَّرَكم، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، وحَذْفُ فِعْلِ الجَزاءِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، التَّقْدِيرُ: أنْتَ ظالِمٌ، إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ، ولا مَوْضِعَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، فَتَعَلُّقُها كَتَعَلُّقِ إنْ فَعَلْتَ، كَقَوْلِهِ: أنْتَ ظالِمٌ.
وتَفْكِيكُ هَذا الكَلامِ وإعْرابُهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ، لا يُهْتَدى لَهُ إلّا بَعْدَ تَمَرُّنٍ في الإعْرابِ، واسْتِحْضارٍ لِلَطائِفِ النَّحْوِ.
وقالَ بَعْضُهم: ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، مَعْمُولُ (يُصَوِّرُكم) ومَعْنى الحالِ أيْ: يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ قادِرًا عَلى تَصْوِيرِكم مالِكًا ذَلِكَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ في هَذِهِ الحالِ: يُصَوِّرُكم عَلى مَشِيئَتِهِ، أيْ: مُرِيدًا، فَيَكُونُ حالًا مِن ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: يُصَوِّرُكم مُنْقَلِبِينَ عَلى مَشِيئَتِهِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، المَعْنى: يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ تَصْوِيرَ المَشِيئَةِ، وكَما يَشاءُ.
﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ كَرَّرَ هَذِهِ (p-٣٨١)الجُمْلَةَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى، وانْحِصارِها فِيهِ، تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٢] ورَدًّا عَلى مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ عِيسى، وناسَبَ مَجِيئَها بَعْدَ الوَصْفَيْنِ السّابِقَيْنِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ، إذْ مَن هَذانِ الوَصْفانِ لَهُ هو المُتَّصِفُ بِالإلَهِيَّةِ لا غَيْرُهُ، ثُمَّ أتى بِوَصْفِ العِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ النَّظِيرِ، والحِكْمَةِ المُوجِبَةِ لِتَصْوِيرِ الأشْياءِ عَلى الإتْقانِ التّامِّ.
﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] مُناسَبَةُ هَذا لِما قَبْلَهُ أنَّهُ: لَمّا ذَكَرَ تَعْدِيلَ البِنْيَةِ وتَصْوِيرَها عَلى ما يَشاءُ مِنَ الأشْكالِ الحَسَنَةِ، وهَذا أمْرٌ جُسْمانِيٌّ، اسْتَطْرَدَ إلى العِلْمِ، وهو أمْرٌ رُوحانِيٌّ، وكانَ قَدْ جَرى لِوَفْدِ نَجْرانَ أنَّ مِن شُبَهِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] فَبَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ مِنهُ مُحْكَمُ العِبارَةِ قَدْ صِينَتْ مِنَ الِاحْتِمالِ، ومِنهُ مُتَشابِهٌ، وهو ما احْتَمَلَ وُجُوهًا.
ونَذْكُرُ أقاوِيلَ المُفَسِّرِينَ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، وقَدْ جاءَ وصْفُ القُرْآنِ بِأنَّ آياتِهِ مُحْكَمَةٌ، بِمَعْنى كَوْنِهِ كامِلًا، ولَفْظُهُ أفْصَحُ، ومَعْناهُ أصَحُّ، لا يُساوِيهِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ كَلامٌ، وجاءَ وصْفُهُ بِالتَّشابُهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] مَعْناهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الجِنْسِ والتَّصْدِيقِ، وأمّا هُنا فالتَّشابُهُ ما احْتَمَلَ وعَجَزَ الذِّهْنُ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما، نَحْوُ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٧٠] ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] أيْ: مُخْتَلِفَ الطُّعُومِ مُتَّفِقَ المَنظَرِ، ومِنهُ: اشْتَبَهَ الأمْرانِ، إذا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُما، ويُقالُ لِأصْحابِ المَخارِيقِ: أصْحابُ الشُّبَهِ، وتَقُولُ: الكَلِمَةُ المَوْضُوعَةُ لِمَعْنًى لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ نَصٌّ، أوْ يَحْتَمِلُ راجِحًا أحَدُ الِاحْتِمالَيْنِ عَلى الآخَرِ، فَبِالنِّسْبَةِ إلى الرّاجِحِ ظاهِرٌ، وإلى المَرْجُوحِ مُؤَوَّلٌ، أوْ يَحْتَمِلُ مِن غَيْرِ رُجْحانٍ، فَمُشْتَرَكٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما، ومُجْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ النَّصِّ والظّاهِرِ هو المُحْكَمُ، والمُشْتَرَكُ بَيْنَ المُجْمَلِ والمُؤَوَّلِ هو المُتَشابِهُ؛ لِأنَّ عَدَمَ الفَهْمِ حاصِلٌ في القِسْمَيْنِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والضَّحّاكُ: المُحْكَمُ النّاسِخُ، والمُتَشابِهُ المَنسُوخُ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: المُحْكَمُ ما بَيَّنَ تَعالى حَلالَهَ وحَرامَهُ فَلَمْ تَشْتَبِهْ مَعانِيهِ، والمُتَشابِهُ: ما اشْتَبَهَتْ مَعانِيهِ، وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، والشّافِعِيُّ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا وجْهًا واحِدًا، والمُتَشابِهُ ما احْتَمَلَ مِنَ التَّأْوِيلِ أوْجُهًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُحْكَمُ ما لَمْ تَتَكَرَّرْ ألْفاظُهُ، والمُتَشابِهُ: ما تَكَرَّرَتْ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ ذِئابٍ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِما: المُحْكَمُ ما فَهِمَ العُلَماءُ تَفْسِيرَهُ، والمُتَشابِهُ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ: كَقِيامِ السّاعَةِ، وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجِ عِيسى.
وقالَ أبُو عُثْمانَ: المُحْكَمُ الفاتِحَةُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ: سُورَةُ الإخْلاصِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها إلّا التَّوْحِيدُ فَقَطْ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: المُحْكَماتُ ما لَيْسَ لَها تَصْرِيفٌ ولا تَحْرِيفٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُحْكَماتُ خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ؛ لِأنَّها تُبَسِّطُ مَعانِيها، فَكانَتْ أُمَّ فُرُوعٍ قِيسَتْ عَلَيْها وتَوَلَّدَتْ مِنها، كالأُمِّ يَحْدُثُ مِنها الوَلَدُ، ولِذَلِكَ سَمّاها أُمَّ الكِتابِ، والمُتَشابِهُ: القِصَصُ والأمْثالُ.
وقالَ يَحيْيَ بْنُ يَعْمَرَ: المُحْكَمُ الفَرائِضُ، والوَعْدُ والوَعِيدُ؛ والمُتَشابِهُ: القِصَصُ والأمْثالُ، وقِيلَ: المُحْكَمُ ما قامَ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى اسْتِدْلالٍ، والمُتَشابِهُ ما كانَ مَعانِي أحْكامِهِ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ، كَأعْدادِ الصَّلَواتِ، واخْتِصاصِ الصَّوْمِ بِشَهْرِ رَمَضانَ دُونَ شَعْبانَ. وقِيلَ: المُحْكَمُ ما تَقَرَّرَ مِنَ القِصَصِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، والمُتَشابِهُ ما اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] و﴿قُلْنا احْمِلْ﴾ [هود: ٤٠] و﴿فاسْلُكْ﴾ [المؤمنون: ٢٧] .
وقالَ أبُو فاخِتَةَ: المُحْكَماتُ فَواتِحُ السُّوَرِ المُسْتَخْرَجِ مِنها السُّوَرُ: كَـ (الم) و(المر) وقِيلَ: المُتَشابِهُ فَواتِحُ السُّوَرِ، بِعَكْسِ الأوَّلِ. وقِيلَ: المُحْكَماتُ: الَّتِي في سُورَةِ الأنْعامِ إلى آخِرِ الآياتِ الثَّلاثِ، والمُتَشابِهاتُ (الم) و(المر) وما اشْتَبَهَ عَلى اليَهُودِ مِن هَذِهِ ونَحْوِها، حِينَ سَمِعُوا (الم) فَقالُوا: هَذِهِ بِالجَمْلِ: أحَدٌ وسَبْعُونَ، فَهو غايَةُ أجَلِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَلَمّا سَمِعُوا (الر) وغَيْرَها، اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمْ، أوْ ما اشْتَبَهَ مِنَ النَّصارى مِن قَوْلِهِ: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] .
وقِيلَ: المُتَشابِهاتُ ما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ، كَصِفَةِ الوَجْهِ، واليَدَيْنِ، واليَدِ، والِاسْتِواءِ. وقِيلَ: المُحْكَمُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ: (p-٣٨٢)﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١] الآياتِ، ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] الآياتِ، وما سِوى المُحْكَمِ مُتَشابِهٌ، وقالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: المُحْكَماتُ الَّتِي أُحْكِمَتْ بِالإبانَةِ، فَإذا سَمِعَها السّامِعُ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَأْوِيلِها؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، والمُتَشابِهاتُ: ما خالَفَتْ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: المُحْكَمُ ما فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ: المُتَشابِهُ ما لَهُ وُجُوهٌ واخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ، كالآيَتَيْنِ في الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ يَقُولانِ: تَعْتَدُّ أقْصى الأجَلَيْنِ، وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ: وضْعُ الحَمْلِ، وخِلافُهم في النَّسْخِ. وكالِاخْتِلافِ في الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِ هَلْ نُسِخَتْ أمْ لا، ونَحْوُ تَعارُضِ الآيَتَيْنِ أيُّهُما أوْلى أنْ يُقَدَّمَ إذا لَمْ يُعْرَفِ النَّسْخُ ؟ نَحْوُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ الأقارِبِ بِمِلْكِ اليَمِينِ ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ ؟
ومَعْنى (أُمُّ الكِتابِ) مُعْظَمُ الكِتابِ، إذِ المُحْكَمُ في آياتِ اللَّهِ كَثِيرٌ قَدْ فُصِّلَ، وقالَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: هَذا كَما يُقالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ القُرى، ولِمَرْوَ: أُمُّ خُراسانَ، وأُمُّ الرَّأْسِ: لِمُجْتَمَعِ الشُّئُونِ؛ إذْ هو أخْطَرُ مَكانٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جِماعُ الكِتابِ، ولَمْ يَقُلْ: أُمَّهاتٌ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ المُحْكَماتِ في تَقْدِيرِ شَيْءٍ واحِدٍ، ومَجْمُوعُ المُتَشابِهاتِ في تَقْدِيرِ شَيْءٍ وآخَرَ، وأحَدُهُما أُمٌّ لِلْآخَرِ، ونَظِيرُهُ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] ولَمْ يَقُلِ: اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (هُنَّ) أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ، نَحْوُ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أفْرَدَ في مَوْضِعِ الجَمْعِ، نَحْوُ: ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (أُمُّ الكِتابِ) أيْ: أصْلُ الكِتابِ، تُحْمَلُ المُتَشابِهاتُ عَلَيْها، وتُرَدُّ إلَيْها، ومِثالُ ذَلِكَ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، ﴿لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]، ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ [الإسراء: ١٦] انْتَهى، وهَذا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في أنَّ اللَّهَ لا يُرى، فَجَعَلَ المُحْكَمَ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ، والمُتَشابِهَ قَوْلَهُ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْكِسُونَ هَذا، أوْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإدْراكِ والرُّؤْيَةِ، وذُكِرَ مِنَ المُحْكَمِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ومُتَشابِهِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ظاهِرُ النِّسْيانِ ضِدُّ العِلْمِ، ومَرْجُوحُهُ التَّرْكُ، وأرْبابُ المَذاهِبِ مُخْتَلِفُونَ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، فَما وافَقَ المَذْهَبَ فَهو عِنْدَهم مُحْكَمٌ، وما خالَفَ فَهو مُتَشابِهٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مُحْكَمٌ ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] مُتَشابِهٌ، وغَيْرُهم بِالعَكْسِ.
وصَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الرّاجِحِ إلى المَرْجُوحِ لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَإنْ كانَ لَفْظِيًّا فَلا يَتِمُّ إلّا بِحُصُولِ التَّعارُضِ، ولَيْسَ الحَمْلُ عَلى أحَدِهِما أوْلى مِنَ العَكْسِ، ولا قَطْعَ في الدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ، سَواءٌ كانَ نَصًّا أوْ أُرْجِحَ لِتَوَقُّفِهِ عَلى أُمُورٍ ظَنِّيَّةٍ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ في المَسائِلِ الأُصُولِيَّةِ، فَإذَنِ المَصِيرُ إلى المَرْجُوحِ لا يَكُونُ بِواسِطَةِ الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ، وإذا عُلِمَ صَرْفُهُ عَنْ ظاهِرِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ المُرادِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَرْجِيحَ مَجازٍ عَلى مَجازٍ، وتَأْوِيلٍ عَلى تَأْوِيلٍ.
ومِنَ المَلاحِدَةِ مَن طَعَنَ في القُرْآنِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَشابِهِ وقالَ: يَقُولُونَ إنَّ تَكالِيفَ الخَلْقِ مُرْتَبِطَةٌ بِهَذا القُرْآنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ إنّا نَراهُ يَتَمَسَّكُ بِهِ صاحِبُ كُلِّ مَذْهَبٍ عَلى مَذْهَبِهِ، فالجَبْرِيُّ يَتَمَسَّكُ بِآياتِ الجَبْرِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ [الأنعام: ٢٥]، ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥]، والقَدَرِيُّ يَقُولُ: هَذا مَذْهَبُ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] .
ومُثْبِتُو الرُّؤْيَةِ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] والآخَرُونَ، بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ومُثْبِتُو الجِهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وبِقَوْلِهِ: ﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] والآخَرُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُحْكَمِ أنْ يَرْجِعَ إلى المَرْجُوحِ إلَيْهِ هَكَذا ؟ انْتَهى كَلامُ الفَخْرِ الرّازِيِّ، وبَعْضُهُ مُلَخَّصٌ.
وقَدْ ذَكَرَ العُلَماءُ لِمَجِيءِ المُتَشابِهِ فَوائِدَ، وأحْسَنُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا كانَ القُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمًا ؟ قُلْتُ: لَوْ كانَ كُلُّهُ مُحْكَمًا لَتَعَلَّقَ النّاسُ بِهِ لِسُهُولَةِ مَأْخَذِهِ، ولَأعْرَضُوا عَمّا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى الفَحْصِ والتَّأمُّلِ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَعَطَّلُوا الطَّرِيقَ الَّذِي لا يُتَوَصَّلُ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ (p-٣٨٣)وتَوْحِيدِهِ إلّا بِهِ، ولِما في المُتَشابِهِ مِنَ الِابْتِلاءِ والتَّمْيِيزِ بَيْنَ الثّابِتِ عَلى الحَقِّ والمُتَزَلْزِلِ فِيهِ، ولِما في تَقادُحِ العُلَماءِ وإتْقانِهِمُ القَرائِحَ في اسْتِخْراجِ مَعانِيهِ، ورَدِّهِ إلى المُحْكَمِ مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ، والعُلُومِ الجَمَّةِ، ونَيْلِ الدَّرَجاتِ عِنْدَ اللَّهِ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ - المُعْتَقِدَ أنْ لا مُناقَضَةَ في كَلامِ اللَّهِ ولا اخْتِلافَ - إذا رَأى فِيهِ ما يَتَناقَضُ في ظاهِرِهِ، وأهَمَّهُ طَلَبُ ما يُوَفِّقُ بَيْنَهُ ويُجْرِيهِ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ، فَفَكَّرَ وراجَعَ نَفْسَهُ وغَيَّرَهُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَبَيَّنَ مُطابَقَةَ المُتَشابِهِ المُحْكَمِ، ازْدادَ طُمَأْنِينَةً إلى مُعْتَقَدِهِ، وقُوَّةً في إتْقانِهِ، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو مُؤَلَّفٌ مِمّا قالَهُ النّاسُ في فائِدَةِ المَجِيءِ بِالمُتَشابِهِ في القُرْآنِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أوَّلَ السُّورَةِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٢] ذَكَرَ هُنا كَيْفِيَّةَ الكِتابِ، وأتى بِالمَوْصُولِ، إذْ في صِلَتِهِ حِوالَةٌ عَلى التَّنْزِيلِ السّابِقِ، وعَهْدٌ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] إلى آخِرِهِ، في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تَرَكَهُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، وارْتَفَعَ (آياتٌ)، عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتُمِدَ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، ووَصْفُ الآياتِ بِالإحْكامِ صادِقٌ عَلى أنَّ كُلَّ آيَةٍ مُحْكَمَةٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فَأُخَرُ صِفَةٌ لِآياتٍ مَحْذُوفَةٍ، والوَصْفُ بِالتَّشابُهِ لا يَصِحُّ في مُفْرَدِ أُخَرَ، لَوْ قُلْتَ: وأُخْرى مُتَشابِهَةٌ لَمْ يَصِحَّ إلّا بِمَعْنى أنَّ بَعْضَها يُشْبِهُ بَعْضًا، ولَيْسَ المُرادُ هُنا هَذا المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ التَّشابُهَ المَقْصُودَ هُنا لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا، فَلِذَلِكَ صَحَّ هَذا الوَصْفُ مَعَ الجَمْعِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن مُفْرَداتِهِ يُشابِهُ الباقِيَ، وإنْ كانَ الواحِدُ لا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ، فَهو نَظِيرُ ﴿رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] وإنْ كانَ لا يُقالُ: رَجُلٌ يَقْتَتِلُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أُخَرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الَمَهْدَوِيَّ خَلَطَ في مَسْألَةِ: أُخَرَ، وأفْسَدَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ، فَتَوَقَّفَ عَلى ذَلِكَ مِن كَلامِ الَمَهْدَوِيِّ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] هم نَصارى نَجْرانَ لِتُعَرُّضِهِمْ لِلْقُرْآنِ في أمْرِ عِيسى، قالَهُ الرَّبِيعُ، أوِ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ؛ لِأنَّهم طَلَبُوا بَقاءَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، والزَّيْغُ: عِنادُهم.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو الأشْبَهُ، وذَكَرَ مُحاوَرَةَ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وأصْحابِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مُدَّةِ مِلَّتِهِ، واسْتِخْراجَ ذَلِكَ مِنَ الفَواتِحِ، وانْتِقالَهم مِن عَدَدٍ إلى عَدَدٍ إلى أنْ قالُوا: خَلَطَتْ عَلَيْنا فَلا نَدْرِي بِكَثِيرٍ نَأْخُذُ أمْ بِقَلِيلٍ ؟ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِهَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] الآيَةَ، وفَسَّرَ الزَّيْغَ: بِالمَيْلِ عَنِ الهُدى، ابْنُ مَسْعُودٍ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، ومُجاهِدٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وغَيْرُهم.
وقالَ قَتادَةُ: هم مُنْكِرُو البَعْثِ، فَإنَّهُ قالَ في آخِرِها ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وما ذاكَ إلّا يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّهُ أخْفاهُ عَنْ جَمِيعِ الخَلْقِ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: هُمُ الحَرُورِيَّةُ، وهُمُ الخَوارِجُ، ومَن تَأوَّلَ آيَةً لا في مَحَلِّها، وقالَ أيْضًا: إنْ لَمْ تَكُنِ الحَرُورِيَّةُ هُمُ الخَوارِجُ السَّبائِيَّةُ، فَلا أدْرِي مَن هم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ: هم جَمِيعُ المُبْتَدِعَةِ.
وظاهِرُ اللَّفْظِ العُمُومُ في الزّائِغِينَ عَنِ الحَقِّ، وكُلُّ طائِفَةٍ مِمَّنْ ذَكَرَ زائِغَةٌ عَنِ الحَقِّ، فاللَّفْظُ يَشْمَلُهم وإنْ كانَ نَزَلَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٧] قالَ القُرْطُبِيُّ: مُتَّبِعُو المُتَشابِهِ إمّا طالِبُو تَشْكِيكٍ وتَناقُضٍ وتَكْرِيرٍ، وإمّا طالِبُو ظَواهِرِ المُتَشابِهِ: كالمُجَسِّمَةِ إذْ أثْبَتُوا أنَّهُ جِسْمٌ وصُورَةٌ ذاتُ وجْهٍ وعَيْنٍ ويَدٍ وجَنْبٍ ورِجْلٍ وأُصْبُعٍ، وإمّا مُتَّبِعُو إبْداءِ تَأْوِيلٍ وإيضاحِ مُعايَنَةٍ، كَما سَألَ رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ أشْياءَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ في القُرْآنِ، مِمّا ظاهِرُها التَّعارُضُ، نَحْوُ: ﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونَحْوُ ذَلِكَ، وأجابَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِما أزالَ عَنْهُ التَّعارُضَ، وإمّا مُتَّبِعُوهُ وسائِلُونَ عَنْهُ سُؤالَ تَعَنُّتٍ، كَما جَرى لِأُصَيْبِغَ مَعَ عُمَرَ، فَضَرَبَ عُمَرُ رَأْسَهُ حَتّى جَرى دَمُهُ عَلى وجْهِهِ، انْتَهى كَلامُهُ مُلَخَّصًا.
﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] عَلَّلَ اتِّباعَهم لِلْمُتَشابِهِ بِعِلَّتَيْنِ: إحْداهُما: ابْتِغاءُ (p-٣٨٤)الفِتْنَةِ، قالَ السُّدِّيُّ، ورَبِيعٌ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الكُفْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشُّبُهاتُ واللَّبْسُ. وقالَ الزَّجّاجُ: إفْسادُ ذاتِ البَيِّنِ. وقِيلَ: الشُّبُهاتُ الَّتِي حاجَّ بِها وفْدَ نَجْرانَ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ: ابْتِغاءُ التَّأْوِيلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ابْتَغَوْا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وقِيلَ: التَّأْوِيلُ: التَّفْسِيرُ، نَحْوُ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: طَلَبُوا مَرْجِعَ أمْرِ المُؤْمِنِينَ، ومَآلَ كِتابِهِمْ ودِينِهِمْ وشَرِيعَتِهِمْ، والعاقِبَةَ المُنْتَظَرَةَ، وقالَ الزَّجّاجُ: طَلَبُوا تَأْوِيلَ بَعْثِهِمْ وإحْيائِهِمْ، فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ، ووَقْتَهُ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] مِنَ البَعْثِ والعَذابِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: تَرَكُوهُ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: قَدْ رَأيْنا تَأْوِيلَ ما أنْبَأتْنا بِهِ الرُّسُلُ، وقالَ السُّدِّيُّ: أرادُوا أنْ يَعْلَمُوا عَواقِبَ القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُهُ مَتى يُنْسَخُ مِنهُ شَيْءٌ، وقِيلَ: (تَأْوِيلَهُ) طَلَبُ كُنْهِ حَقِيقَتِهِ وعُمْقِ مَعانِيهِ، وقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ كَلامًا مُلَخَّصُهُ: إنَّ المُرادَ بِالتَّأْوِيلِ ما لَيْسَ في الكِتابِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، مِثْلُ: مَتى السّاعَةُ ؟ ومَقادِيرُ الثَّوابِ والعِقابِ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ.
وقالَ: الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] هم أهْلُ البِدَعِ، فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ، فَيَتَعَلَّقُونَ بِالمُتَشابِهِ الَّذِي يَحْتَمِلُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ المُبْتَدِعُ مِمّا لا يُطابِقُ المُحْكَمَ، ويَحْتَمِلُ ما يُطابِقُهُ مِن قَوْلِ أهْلِ الحَقِّ، (ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ) طَلَبَ أنْ يَفْتِنُوا النّاسَ عَنْ دِينِهِمْ ويُضِلُّوهم، و(ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) طَلَبَ أنْ يُؤَوِّلُوُهُ التَّأْوِيلَ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ، انْتَهى كَلامُهُ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.
آل عمران 3:6
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ (شَيْءٌ) نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ، وهي دالَّةٌ عَلى كَمالِ العِلْمِ بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ العالَمِ بِالأرْضِ والسَّماءِ؛ إذْ هُما أعْظَمُ ما نُشاهِدُهُ، والتَّصْوِيرُ عَلى ما شاءَ مِنَ الهَيْئاتِ دالٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وبِالعِلْمِ والقُدْرَةِ يَتِمُّ مَعْنى القَيُّومِيَّةِ؛ إذْ هو القائِمُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ ومُهِمّاتِهِمْ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى النَّصارى، إذْ شُبْهَتُهم في ادِّعاءِ إلَهِيَّةِ عِيسى كَوْنُهُ يُخْبِرُ بِالغُيُوبِ، وهَذا راجِعٌ إلى العِلْمِ، وكَوْنُهُ: يُحْيِي المَوْتى، وهو راجِعٌ إلى القُدْرَةِ، فَنَبَّهَتِ الآيَةُ (p-٣٨٠)عَلى أنَّ الإلَهَ هو العالِمُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ عِيسى عالِمًا بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ أنْ يَكُونَ إلَهًا، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِيسى لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ونَبَّهَتْ عَلى أنَّ الإلَهَ هو ذُو القُدْرَةِ التّامَّةِ، فَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ عِيسى قادِرًا عَلى الإحْياءِ في بَعْضِ الصُّوَرِ أنْ يَكُونَ إلَهًا، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ عِيسى لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى تَرْكِيبِ الصُّوَرِ وإحْيائِها، بَلْ إنْباؤُهُ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ، وخَلْقُهُ وإحْياؤُهُ بَعْضَ الصُّوَرِ، إنَّما كانَ ذَلِكَ بِإنْباءِ اللَّهِ لَهُ عَلى سَبِيلِ الوَحْيِ، وإقْدارِهِ تَعالى لَهُ عَلى ذَلِكَ، وكُلُّها عَلى سَبِيلِ المُعْجِزَةِ الَّتِي أجْراها وأمْثالَها عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، وفي ذِكْرِ التَّصْوِيرِ في الرَّحِمِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ عِيسى إلَهٌ؛ إذْ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ صُوِّرَ في الرَّحِمِ.
وقِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَتِهِ سِرًّا وجَهْرًا، ووَعِيدٌ بِالمُجازاةِ، وقِيلَ: المَعْنى شَيْءٌ مِمّا يَقُولُونَهُ في أمْرِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُطَّلِعٌ عَلى كُفْرِ مَن كَفَرَ، وإيمانِ مَن آمَنَ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، وقالَ الماتُرِيدِيُّ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ عَنِ الخَلْقِ، فَكَيْفَ تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكُمُ الَّتِي هي ظاهِرَةٌ عِنْدَكم ؟ وكُلُّ هَذِهِ تَخْصِيصاتٌ، واللَّفْظُ عامٌّ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ هَذا كُلُّهُ، وقالَ الرّاغِبُ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أبْلَغُ مِن (يَعْلَمُ) في الأصْلِ، وإنْ كانَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظَيْنِ فِيهِ يُفِيدانِ مَعْنًى واحِدًا.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، والرَّبِيعُ، في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَّبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً (كَيْفَ يَشاءُ) قالَ الماتُرِيدِيُّ: فِيهِ إبْطالُ قَوْلِ مَن يَجْعَلُ قَوْلَ القائِفِ حُجَّةً في دَعْوى النَّسَبِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ عِلْمَ التَّصْوِيرِ في الأرْحامِ لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَعْرِفُ القائِفُ أنَّهُ صَوَّرَهُ مِن مائِهِ عِنْدَ قِيامِ التَّشابُهِ في الصُّوَرِ ؟ انْتَهى، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمَلُ مُسْتَقِلَّةً، فَتَكُونُ الأُولى إخْبارًا عَنْهُ تَعالى بِالعِلْمِ التّامِّ، والثّانِيَةُ إخْبارًا بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ وبِالإرادَةِ، والثّالِثَةُ بِالِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ: إنَّ.
وقالَ الرّاغِبُ، هُنا (يُصَوِّرُكم) بِلَفْظِ الحالِ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ (فَصَوَّرَكم) لِأنَّهُ لا اعْتِبارَ بِالأزْمِنَةِ في أفْعالِهِ، وإنَّما اسْتُعْمِلَتِ الألْفاظُ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الأزْمِنَةِ بِحَسَبِ اللُّغاتِ، وأيْضًا (فَصَوَّرَكم) إنَّما هو عَلى نِسْبَةِ التَّقْدِيرِ، وإنَّ فِعْلَهُ تَعالى في حُكْمِ ما قَدْ فَرَعَ مِنهُ (ويُصَوِّرُكم) عَلى حَسَبِ ما يَظْهَرُ لَنا حالًا فَحالًا، انْتَهى.
وقَرَأ طاوُسٌ (تَصَوَّرَكم) أيْ: صَوَّرَكم لِنَفْسِهِ ولِتَعَبُّدِهِ، كَقَوْلِكَ: أثَلْتُ مالًا، أيْ: جَعَلْتُهُ أثْلَةً، أيْ: أصْلًا، وتَأثَّلْتُهُ إذا أثَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ وتَأْتِي: تَفَعَّلَ بِمَعْنى: فَعَّلَ، نَحْوُ: تَوَلّى، بِمَعْنى: ولّى.
ومَعْنى ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ الطُّولِ والقِصَرِ، واللَّوْنِ، والذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِسَبَبٍ وبِغَيْرِ سَبَبٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ فَقَطْ.
و(كَيْفَ) هُنا لِلْجَزاءِ، لَكِنَّها لا تَجْزِمُ، ومَفْعُولُ (يَشاءُ) مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، التَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَشاءُ أنْ يُصَوِّرَكم، كَقَوْلِهِ: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] أيْ: كَيْفَ يَشاءُ أنْ يُنْفِقَ، و(كَيْفَ) مَنصُوبٌ: بِـ (يَشاءُ) والمَعْنى: عَلى أيِّ حالٍ شاءَ أنْ يُصَوِّرَكم صَوَّرَكم، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، وحَذْفُ فِعْلِ الجَزاءِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، التَّقْدِيرُ: أنْتَ ظالِمٌ، إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ، ولا مَوْضِعَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، فَتَعَلُّقُها كَتَعَلُّقِ إنْ فَعَلْتَ، كَقَوْلِهِ: أنْتَ ظالِمٌ.
وتَفْكِيكُ هَذا الكَلامِ وإعْرابُهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ، لا يُهْتَدى لَهُ إلّا بَعْدَ تَمَرُّنٍ في الإعْرابِ، واسْتِحْضارٍ لِلَطائِفِ النَّحْوِ.
وقالَ بَعْضُهم: ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، مَعْمُولُ (يُصَوِّرُكم) ومَعْنى الحالِ أيْ: يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ قادِرًا عَلى تَصْوِيرِكم مالِكًا ذَلِكَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ في هَذِهِ الحالِ: يُصَوِّرُكم عَلى مَشِيئَتِهِ، أيْ: مُرِيدًا، فَيَكُونُ حالًا مِن ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: يُصَوِّرُكم مُنْقَلِبِينَ عَلى مَشِيئَتِهِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، المَعْنى: يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ تَصْوِيرَ المَشِيئَةِ، وكَما يَشاءُ.
﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ كَرَّرَ هَذِهِ (p-٣٨١)الجُمْلَةَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى، وانْحِصارِها فِيهِ، تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٢] ورَدًّا عَلى مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ عِيسى، وناسَبَ مَجِيئَها بَعْدَ الوَصْفَيْنِ السّابِقَيْنِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ، إذْ مَن هَذانِ الوَصْفانِ لَهُ هو المُتَّصِفُ بِالإلَهِيَّةِ لا غَيْرُهُ، ثُمَّ أتى بِوَصْفِ العِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ النَّظِيرِ، والحِكْمَةِ المُوجِبَةِ لِتَصْوِيرِ الأشْياءِ عَلى الإتْقانِ التّامِّ.
﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] مُناسَبَةُ هَذا لِما قَبْلَهُ أنَّهُ: لَمّا ذَكَرَ تَعْدِيلَ البِنْيَةِ وتَصْوِيرَها عَلى ما يَشاءُ مِنَ الأشْكالِ الحَسَنَةِ، وهَذا أمْرٌ جُسْمانِيٌّ، اسْتَطْرَدَ إلى العِلْمِ، وهو أمْرٌ رُوحانِيٌّ، وكانَ قَدْ جَرى لِوَفْدِ نَجْرانَ أنَّ مِن شُبَهِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] فَبَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ مِنهُ مُحْكَمُ العِبارَةِ قَدْ صِينَتْ مِنَ الِاحْتِمالِ، ومِنهُ مُتَشابِهٌ، وهو ما احْتَمَلَ وُجُوهًا.
ونَذْكُرُ أقاوِيلَ المُفَسِّرِينَ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، وقَدْ جاءَ وصْفُ القُرْآنِ بِأنَّ آياتِهِ مُحْكَمَةٌ، بِمَعْنى كَوْنِهِ كامِلًا، ولَفْظُهُ أفْصَحُ، ومَعْناهُ أصَحُّ، لا يُساوِيهِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ كَلامٌ، وجاءَ وصْفُهُ بِالتَّشابُهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] مَعْناهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الجِنْسِ والتَّصْدِيقِ، وأمّا هُنا فالتَّشابُهُ ما احْتَمَلَ وعَجَزَ الذِّهْنُ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما، نَحْوُ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٧٠] ﴿وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] أيْ: مُخْتَلِفَ الطُّعُومِ مُتَّفِقَ المَنظَرِ، ومِنهُ: اشْتَبَهَ الأمْرانِ، إذا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُما، ويُقالُ لِأصْحابِ المَخارِيقِ: أصْحابُ الشُّبَهِ، وتَقُولُ: الكَلِمَةُ المَوْضُوعَةُ لِمَعْنًى لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ نَصٌّ، أوْ يَحْتَمِلُ راجِحًا أحَدُ الِاحْتِمالَيْنِ عَلى الآخَرِ، فَبِالنِّسْبَةِ إلى الرّاجِحِ ظاهِرٌ، وإلى المَرْجُوحِ مُؤَوَّلٌ، أوْ يَحْتَمِلُ مِن غَيْرِ رُجْحانٍ، فَمُشْتَرَكٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما، ومُجْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، والقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ النَّصِّ والظّاهِرِ هو المُحْكَمُ، والمُشْتَرَكُ بَيْنَ المُجْمَلِ والمُؤَوَّلِ هو المُتَشابِهُ؛ لِأنَّ عَدَمَ الفَهْمِ حاصِلٌ في القِسْمَيْنِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والضَّحّاكُ: المُحْكَمُ النّاسِخُ، والمُتَشابِهُ المَنسُوخُ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: المُحْكَمُ ما بَيَّنَ تَعالى حَلالَهَ وحَرامَهُ فَلَمْ تَشْتَبِهْ مَعانِيهِ، والمُتَشابِهُ: ما اشْتَبَهَتْ مَعانِيهِ، وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، والشّافِعِيُّ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا وجْهًا واحِدًا، والمُتَشابِهُ ما احْتَمَلَ مِنَ التَّأْوِيلِ أوْجُهًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُحْكَمُ ما لَمْ تَتَكَرَّرْ ألْفاظُهُ، والمُتَشابِهُ: ما تَكَرَّرَتْ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ ذِئابٍ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ والثَّوْرِيِّ وغَيْرِهِما: المُحْكَمُ ما فَهِمَ العُلَماءُ تَفْسِيرَهُ، والمُتَشابِهُ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ: كَقِيامِ السّاعَةِ، وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجِ عِيسى.
وقالَ أبُو عُثْمانَ: المُحْكَمُ الفاتِحَةُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ: سُورَةُ الإخْلاصِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها إلّا التَّوْحِيدُ فَقَطْ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: المُحْكَماتُ ما لَيْسَ لَها تَصْرِيفٌ ولا تَحْرِيفٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: المُحْكَماتُ خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ؛ لِأنَّها تُبَسِّطُ مَعانِيها، فَكانَتْ أُمَّ فُرُوعٍ قِيسَتْ عَلَيْها وتَوَلَّدَتْ مِنها، كالأُمِّ يَحْدُثُ مِنها الوَلَدُ، ولِذَلِكَ سَمّاها أُمَّ الكِتابِ، والمُتَشابِهُ: القِصَصُ والأمْثالُ.
وقالَ يَحيْيَ بْنُ يَعْمَرَ: المُحْكَمُ الفَرائِضُ، والوَعْدُ والوَعِيدُ؛ والمُتَشابِهُ: القِصَصُ والأمْثالُ، وقِيلَ: المُحْكَمُ ما قامَ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى اسْتِدْلالٍ، والمُتَشابِهُ ما كانَ مَعانِي أحْكامِهِ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ، كَأعْدادِ الصَّلَواتِ، واخْتِصاصِ الصَّوْمِ بِشَهْرِ رَمَضانَ دُونَ شَعْبانَ. وقِيلَ: المُحْكَمُ ما تَقَرَّرَ مِنَ القِصَصِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، والمُتَشابِهُ ما اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] و﴿قُلْنا احْمِلْ﴾ [هود: ٤٠] و﴿فاسْلُكْ﴾ [المؤمنون: ٢٧] .
وقالَ أبُو فاخِتَةَ: المُحْكَماتُ فَواتِحُ السُّوَرِ المُسْتَخْرَجِ مِنها السُّوَرُ: كَـ (الم) و(المر) وقِيلَ: المُتَشابِهُ فَواتِحُ السُّوَرِ، بِعَكْسِ الأوَّلِ. وقِيلَ: المُحْكَماتُ: الَّتِي في سُورَةِ الأنْعامِ إلى آخِرِ الآياتِ الثَّلاثِ، والمُتَشابِهاتُ (الم) و(المر) وما اشْتَبَهَ عَلى اليَهُودِ مِن هَذِهِ ونَحْوِها، حِينَ سَمِعُوا (الم) فَقالُوا: هَذِهِ بِالجَمْلِ: أحَدٌ وسَبْعُونَ، فَهو غايَةُ أجَلِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَلَمّا سَمِعُوا (الر) وغَيْرَها، اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمْ، أوْ ما اشْتَبَهَ مِنَ النَّصارى مِن قَوْلِهِ: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] .
وقِيلَ: المُتَشابِهاتُ ما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ، كَصِفَةِ الوَجْهِ، واليَدَيْنِ، واليَدِ، والِاسْتِواءِ. وقِيلَ: المُحْكَمُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كُلِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ: (p-٣٨٢)﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١] الآياتِ، ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] الآياتِ، وما سِوى المُحْكَمِ مُتَشابِهٌ، وقالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: المُحْكَماتُ الَّتِي أُحْكِمَتْ بِالإبانَةِ، فَإذا سَمِعَها السّامِعُ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَأْوِيلِها؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، والمُتَشابِهاتُ: ما خالَفَتْ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: المُحْكَمُ ما فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِندادَ: المُتَشابِهُ ما لَهُ وُجُوهٌ واخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ، كالآيَتَيْنِ في الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ يَقُولانِ: تَعْتَدُّ أقْصى الأجَلَيْنِ، وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ: وضْعُ الحَمْلِ، وخِلافُهم في النَّسْخِ. وكالِاخْتِلافِ في الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِ هَلْ نُسِخَتْ أمْ لا، ونَحْوُ تَعارُضِ الآيَتَيْنِ أيُّهُما أوْلى أنْ يُقَدَّمَ إذا لَمْ يُعْرَفِ النَّسْخُ ؟ نَحْوُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ الأقارِبِ بِمِلْكِ اليَمِينِ ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ ؟
ومَعْنى (أُمُّ الكِتابِ) مُعْظَمُ الكِتابِ، إذِ المُحْكَمُ في آياتِ اللَّهِ كَثِيرٌ قَدْ فُصِّلَ، وقالَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: هَذا كَما يُقالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ القُرى، ولِمَرْوَ: أُمُّ خُراسانَ، وأُمُّ الرَّأْسِ: لِمُجْتَمَعِ الشُّئُونِ؛ إذْ هو أخْطَرُ مَكانٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جِماعُ الكِتابِ، ولَمْ يَقُلْ: أُمَّهاتٌ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ المُحْكَماتِ في تَقْدِيرِ شَيْءٍ واحِدٍ، ومَجْمُوعُ المُتَشابِهاتِ في تَقْدِيرِ شَيْءٍ وآخَرَ، وأحَدُهُما أُمٌّ لِلْآخَرِ، ونَظِيرُهُ ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] ولَمْ يَقُلِ: اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (هُنَّ) أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ، نَحْوُ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم. قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أفْرَدَ في مَوْضِعِ الجَمْعِ، نَحْوُ: ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (أُمُّ الكِتابِ) أيْ: أصْلُ الكِتابِ، تُحْمَلُ المُتَشابِهاتُ عَلَيْها، وتُرَدُّ إلَيْها، ومِثالُ ذَلِكَ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، ﴿لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]، ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ [الإسراء: ١٦] انْتَهى، وهَذا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في أنَّ اللَّهَ لا يُرى، فَجَعَلَ المُحْكَمَ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ، والمُتَشابِهَ قَوْلَهُ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، وأهْلُ السُّنَّةِ يَعْكِسُونَ هَذا، أوْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإدْراكِ والرُّؤْيَةِ، وذُكِرَ مِنَ المُحْكَمِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] ومُتَشابِهِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ظاهِرُ النِّسْيانِ ضِدُّ العِلْمِ، ومَرْجُوحُهُ التَّرْكُ، وأرْبابُ المَذاهِبِ مُخْتَلِفُونَ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، فَما وافَقَ المَذْهَبَ فَهو عِنْدَهم مُحْكَمٌ، وما خالَفَ فَهو مُتَشابِهٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مُحْكَمٌ ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] مُتَشابِهٌ، وغَيْرُهم بِالعَكْسِ.
وصَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الرّاجِحِ إلى المَرْجُوحِ لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَإنْ كانَ لَفْظِيًّا فَلا يَتِمُّ إلّا بِحُصُولِ التَّعارُضِ، ولَيْسَ الحَمْلُ عَلى أحَدِهِما أوْلى مِنَ العَكْسِ، ولا قَطْعَ في الدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ، سَواءٌ كانَ نَصًّا أوْ أُرْجِحَ لِتَوَقُّفِهِ عَلى أُمُورٍ ظَنِّيَّةٍ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ في المَسائِلِ الأُصُولِيَّةِ، فَإذَنِ المَصِيرُ إلى المَرْجُوحِ لا يَكُونُ بِواسِطَةِ الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ، وإذا عُلِمَ صَرْفُهُ عَنْ ظاهِرِهِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ المُرادِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَرْجِيحَ مَجازٍ عَلى مَجازٍ، وتَأْوِيلٍ عَلى تَأْوِيلٍ.
ومِنَ المَلاحِدَةِ مَن طَعَنَ في القُرْآنِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَشابِهِ وقالَ: يَقُولُونَ إنَّ تَكالِيفَ الخَلْقِ مُرْتَبِطَةٌ بِهَذا القُرْآنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ إنّا نَراهُ يَتَمَسَّكُ بِهِ صاحِبُ كُلِّ مَذْهَبٍ عَلى مَذْهَبِهِ، فالجَبْرِيُّ يَتَمَسَّكُ بِآياتِ الجَبْرِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ [الأنعام: ٢٥]، ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥]، والقَدَرِيُّ يَقُولُ: هَذا مَذْهَبُ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] .
ومُثْبِتُو الرُّؤْيَةِ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] والآخَرُونَ، بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ومُثْبِتُو الجِهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وبِقَوْلِهِ: ﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] والآخَرُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُحْكَمِ أنْ يَرْجِعَ إلى المَرْجُوحِ إلَيْهِ هَكَذا ؟ انْتَهى كَلامُ الفَخْرِ الرّازِيِّ، وبَعْضُهُ مُلَخَّصٌ.
وقَدْ ذَكَرَ العُلَماءُ لِمَجِيءِ المُتَشابِهِ فَوائِدَ، وأحْسَنُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا كانَ القُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمًا ؟ قُلْتُ: لَوْ كانَ كُلُّهُ مُحْكَمًا لَتَعَلَّقَ النّاسُ بِهِ لِسُهُولَةِ مَأْخَذِهِ، ولَأعْرَضُوا عَمّا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى الفَحْصِ والتَّأمُّلِ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَعَطَّلُوا الطَّرِيقَ الَّذِي لا يُتَوَصَّلُ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ (p-٣٨٣)وتَوْحِيدِهِ إلّا بِهِ، ولِما في المُتَشابِهِ مِنَ الِابْتِلاءِ والتَّمْيِيزِ بَيْنَ الثّابِتِ عَلى الحَقِّ والمُتَزَلْزِلِ فِيهِ، ولِما في تَقادُحِ العُلَماءِ وإتْقانِهِمُ القَرائِحَ في اسْتِخْراجِ مَعانِيهِ، ورَدِّهِ إلى المُحْكَمِ مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ، والعُلُومِ الجَمَّةِ، ونَيْلِ الدَّرَجاتِ عِنْدَ اللَّهِ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ - المُعْتَقِدَ أنْ لا مُناقَضَةَ في كَلامِ اللَّهِ ولا اخْتِلافَ - إذا رَأى فِيهِ ما يَتَناقَضُ في ظاهِرِهِ، وأهَمَّهُ طَلَبُ ما يُوَفِّقُ بَيْنَهُ ويُجْرِيهِ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ، فَفَكَّرَ وراجَعَ نَفْسَهُ وغَيَّرَهُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وتَبَيَّنَ مُطابَقَةَ المُتَشابِهِ المُحْكَمِ، ازْدادَ طُمَأْنِينَةً إلى مُعْتَقَدِهِ، وقُوَّةً في إتْقانِهِ، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو مُؤَلَّفٌ مِمّا قالَهُ النّاسُ في فائِدَةِ المَجِيءِ بِالمُتَشابِهِ في القُرْآنِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أوَّلَ السُّورَةِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٢] ذَكَرَ هُنا كَيْفِيَّةَ الكِتابِ، وأتى بِالمَوْصُولِ، إذْ في صِلَتِهِ حِوالَةٌ عَلى التَّنْزِيلِ السّابِقِ، وعَهْدٌ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] إلى آخِرِهِ، في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تَرَكَهُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، وارْتَفَعَ (آياتٌ)، عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتُمِدَ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، ووَصْفُ الآياتِ بِالإحْكامِ صادِقٌ عَلى أنَّ كُلَّ آيَةٍ مُحْكَمَةٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فَأُخَرُ صِفَةٌ لِآياتٍ مَحْذُوفَةٍ، والوَصْفُ بِالتَّشابُهِ لا يَصِحُّ في مُفْرَدِ أُخَرَ، لَوْ قُلْتَ: وأُخْرى مُتَشابِهَةٌ لَمْ يَصِحَّ إلّا بِمَعْنى أنَّ بَعْضَها يُشْبِهُ بَعْضًا، ولَيْسَ المُرادُ هُنا هَذا المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ التَّشابُهَ المَقْصُودَ هُنا لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا، فَلِذَلِكَ صَحَّ هَذا الوَصْفُ مَعَ الجَمْعِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن مُفْرَداتِهِ يُشابِهُ الباقِيَ، وإنْ كانَ الواحِدُ لا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ، فَهو نَظِيرُ ﴿رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] وإنْ كانَ لا يُقالُ: رَجُلٌ يَقْتَتِلُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أُخَرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الَمَهْدَوِيَّ خَلَطَ في مَسْألَةِ: أُخَرَ، وأفْسَدَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ، فَتَوَقَّفَ عَلى ذَلِكَ مِن كَلامِ الَمَهْدَوِيِّ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] هم نَصارى نَجْرانَ لِتُعَرُّضِهِمْ لِلْقُرْآنِ في أمْرِ عِيسى، قالَهُ الرَّبِيعُ، أوِ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ؛ لِأنَّهم طَلَبُوا بَقاءَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، والزَّيْغُ: عِنادُهم.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو الأشْبَهُ، وذَكَرَ مُحاوَرَةَ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وأصْحابِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مُدَّةِ مِلَّتِهِ، واسْتِخْراجَ ذَلِكَ مِنَ الفَواتِحِ، وانْتِقالَهم مِن عَدَدٍ إلى عَدَدٍ إلى أنْ قالُوا: خَلَطَتْ عَلَيْنا فَلا نَدْرِي بِكَثِيرٍ نَأْخُذُ أمْ بِقَلِيلٍ ؟ ونَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِهَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] الآيَةَ، وفَسَّرَ الزَّيْغَ: بِالمَيْلِ عَنِ الهُدى، ابْنُ مَسْعُودٍ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، ومُجاهِدٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وغَيْرُهم.
وقالَ قَتادَةُ: هم مُنْكِرُو البَعْثِ، فَإنَّهُ قالَ في آخِرِها ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وما ذاكَ إلّا يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّهُ أخْفاهُ عَنْ جَمِيعِ الخَلْقِ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: هُمُ الحَرُورِيَّةُ، وهُمُ الخَوارِجُ، ومَن تَأوَّلَ آيَةً لا في مَحَلِّها، وقالَ أيْضًا: إنْ لَمْ تَكُنِ الحَرُورِيَّةُ هُمُ الخَوارِجُ السَّبائِيَّةُ، فَلا أدْرِي مَن هم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ: هم جَمِيعُ المُبْتَدِعَةِ.
وظاهِرُ اللَّفْظِ العُمُومُ في الزّائِغِينَ عَنِ الحَقِّ، وكُلُّ طائِفَةٍ مِمَّنْ ذَكَرَ زائِغَةٌ عَنِ الحَقِّ، فاللَّفْظُ يَشْمَلُهم وإنْ كانَ نَزَلَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٧] قالَ القُرْطُبِيُّ: مُتَّبِعُو المُتَشابِهِ إمّا طالِبُو تَشْكِيكٍ وتَناقُضٍ وتَكْرِيرٍ، وإمّا طالِبُو ظَواهِرِ المُتَشابِهِ: كالمُجَسِّمَةِ إذْ أثْبَتُوا أنَّهُ جِسْمٌ وصُورَةٌ ذاتُ وجْهٍ وعَيْنٍ ويَدٍ وجَنْبٍ ورِجْلٍ وأُصْبُعٍ، وإمّا مُتَّبِعُو إبْداءِ تَأْوِيلٍ وإيضاحِ مُعايَنَةٍ، كَما سَألَ رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ أشْياءَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ في القُرْآنِ، مِمّا ظاهِرُها التَّعارُضُ، نَحْوُ: ﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونَحْوُ ذَلِكَ، وأجابَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِما أزالَ عَنْهُ التَّعارُضَ، وإمّا مُتَّبِعُوهُ وسائِلُونَ عَنْهُ سُؤالَ تَعَنُّتٍ، كَما جَرى لِأُصَيْبِغَ مَعَ عُمَرَ، فَضَرَبَ عُمَرُ رَأْسَهُ حَتّى جَرى دَمُهُ عَلى وجْهِهِ، انْتَهى كَلامُهُ مُلَخَّصًا.
﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] عَلَّلَ اتِّباعَهم لِلْمُتَشابِهِ بِعِلَّتَيْنِ: إحْداهُما: ابْتِغاءُ (p-٣٨٤)الفِتْنَةِ، قالَ السُّدِّيُّ، ورَبِيعٌ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الكُفْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: الشُّبُهاتُ واللَّبْسُ. وقالَ الزَّجّاجُ: إفْسادُ ذاتِ البَيِّنِ. وقِيلَ: الشُّبُهاتُ الَّتِي حاجَّ بِها وفْدَ نَجْرانَ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ: ابْتِغاءُ التَّأْوِيلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ابْتَغَوْا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وقِيلَ: التَّأْوِيلُ: التَّفْسِيرُ، نَحْوُ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: طَلَبُوا مَرْجِعَ أمْرِ المُؤْمِنِينَ، ومَآلَ كِتابِهِمْ ودِينِهِمْ وشَرِيعَتِهِمْ، والعاقِبَةَ المُنْتَظَرَةَ، وقالَ الزَّجّاجُ: طَلَبُوا تَأْوِيلَ بَعْثِهِمْ وإحْيائِهِمْ، فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ، ووَقْتَهُ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] مِنَ البَعْثِ والعَذابِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: تَرَكُوهُ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: قَدْ رَأيْنا تَأْوِيلَ ما أنْبَأتْنا بِهِ الرُّسُلُ، وقالَ السُّدِّيُّ: أرادُوا أنْ يَعْلَمُوا عَواقِبَ القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُهُ مَتى يُنْسَخُ مِنهُ شَيْءٌ، وقِيلَ: (تَأْوِيلَهُ) طَلَبُ كُنْهِ حَقِيقَتِهِ وعُمْقِ مَعانِيهِ، وقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ كَلامًا مُلَخَّصُهُ: إنَّ المُرادَ بِالتَّأْوِيلِ ما لَيْسَ في الكِتابِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، مِثْلُ: مَتى السّاعَةُ ؟ ومَقادِيرُ الثَّوابِ والعِقابِ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ.
وقالَ: الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] هم أهْلُ البِدَعِ، فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ، فَيَتَعَلَّقُونَ بِالمُتَشابِهِ الَّذِي يَحْتَمِلُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ المُبْتَدِعُ مِمّا لا يُطابِقُ المُحْكَمَ، ويَحْتَمِلُ ما يُطابِقُهُ مِن قَوْلِ أهْلِ الحَقِّ، (ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ) طَلَبَ أنْ يَفْتِنُوا النّاسَ عَنْ دِينِهِمْ ويُضِلُّوهم، و(ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) طَلَبَ أنْ يُؤَوِّلُوُهُ التَّأْوِيلَ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ، انْتَهى كَلامُهُ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ.
آل عمران 3:7
﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: إلّا اللَّهُ، ومَعْناهُ أنَّ اللَّهَ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، والحَسَنِ، وعُرْوَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وأبِي نَهِيكٍ الأسَدِيِّ، ومالِكِ بْنِ أنَسٍ، والكِسائِيِّ، والفَرّاءِ، والجُبّائِيِّ، والأخْفَشِ، وأبِي عُبَيْدٍ، واخْتارَهُ: الخَطّابِيُّ والفَخْرُ الرّازِيُّ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿والرّاسِخُونَ﴾ مُبْتَدَأً، و(يَقُولُونَ) خَبَرٌ عَنْهُ، وقِيلَ: (والرّاسِخُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى اللَّهِ (وهم يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ) و(يَقُولُونَ) حالٌ مِنهم أيْ: قائِلِينَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٍ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وأكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ الدَّلِيلَ إذا دَلَّ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ عُلِمَ أنَّ المُرادَ بَعْضُ المَجازاتِ، ولَيْسَ التَّرْجِيحُ لِبَعْضٍ إلّا بِالأدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ، وهي ظَنِّيَّةٌ، والظَّنُّ لا يَكْفِي في القَطْعِيّاتِ، ولِأنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَمِّ طالِبِ المُتَشابِهِ، ولَوْ كانَ جائِزًا لَما ذُمَّ بِأنَّ طَلَبَ وقْتِ السّاعَةِ تَخْصِيصُ بَعْضِ المُتَشابِهاتِ، وهو تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، ولا يَجُوزُ، ولِأنَّهُ مَدَحَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ بِأنَّهم قالُوا ﴿آمَنّا بِهِ﴾ ولَوْ كانُوا عالِمِينَ بِتَأْوِيلِ المُتَشابِهِ عَلى التَّفْصِيلِ لَما كانَ في الإيمانِ بِهِ مَدْحٌ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ شَيْئًا عَلى التَّفْصِيلِ لا بُدَّ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، وإنَّما الرّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أنَّ المُرادَ غَيْرُ الظّاهِرِ، ويُفَوِّضُونَ تَعْيِينَ المُرادِ إلى عِلْمِهِ تَعالى، وقَطَعُوا أنَّهُ الحَقُّ، ولَمْ يَحْمِلْهم عَدَمُ التَّعْيِينِ عَلى تَرْكِ الإيمانِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ (الرّاسِخُونَ)، مَعْطُوفًا عَلى (اللَّهُ) لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ (يَقُولُونَ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وتَقْدِيرُهُ: هَؤُلاءِ أوْ هم، فَيَلْزَمُ الإضْمارُ، أوْ حالًا، والمُتَقَدِّمُ (اللَّهُ والرّاسِخُونَ) فَيَكُونُ حالًا مِنَ الرّاسِخِينَ فَقَطْ، وفِيهِ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ يَقْتَضِي فائِدَةً، وهو أنَّهم آمَنُوا بِما عَرَفُوا بِتَفْصِيلِهِ وما لَمْ يَعْرِفُوهُ، ولَوْ كانُوا عالِمِينَ بِالتَّفْصِيلِ في الكُلِّ عُرِّيَ عَنِ الفائِدَةِ، ولَمّا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ تَفْسِيرَ القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
تَفْسِيرٌ لا يَقَعُ جَهْلُهُ.
وتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها.
وتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ العُلَماءُ.
وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.
وسُئِلَ مالِكٌ، فَقالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدَعَةٌ، انْتَهى ما رُجِّحَ بِهِ القَوْلُ الأوَّلُ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ أُبَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، فِيما رَواهُ طاوُسٌ عَنْهُ ﴿إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ إنَّ تَأْوِيلَهُ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ) . ورَجَّحَ ابْنُ فُورَكَ القَوْلَ الثّانِيَ وأطْنَبَ في ذَلِكَ.
وفِي قَوْلِهِ (p-٣٨٥)ﷺ - لِابْنِ عَبّاسٍ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» ما يُبَيِّنُ ذَلِكَ، أيْ: عَلِّمْهُ مَعانِيَ كِتابِكَ، وكانَ عُمَرُ إذا وقَعَ مُشْكِلٌ في كِتابِ اللَّهِ يَسْتَدْعِيهِ ويَقُولُ لَهُ: غَصَّ غَوّاصٍ، ويَجْمَعُ أبْناءَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ويَأْمُرُهم بِالنَّظَرِ في مَعانِي الكِتابِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إذا تَأمَّلْتَ قُرْبَ الخِلافِ مِنَ الِاتِّفاقِ، وذَلِكَ أنَّ الكِتابَ مُحْكَمٌ ومُتَشابِهٌ، فالمُحَكَمُ المُتَّضِحُ لِمَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ، ولا لَبْسٍ فِيهِ، ويَسْتَوِي فِيهِ الرّاسِخُ وغَيْرُهُ، والمُتَشابِهُ مِنهُ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، كَأمْرِ الرُّوحِ، وآمادِ المُغَيَّباتِ المُخْبَرِ بِوُقُوعِها، وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما يُحْمَلُ عَلى وُجُوهٍ في اللُّغَةِ، فَيَتَأوَّلُ عَلى الِاسْتِقامَةِ كَقَوْلِهِ في عِيسى: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يُسَمّى راسِخًا إلّا مَن يَعْلَمُ مِن هَذا النَّوْعِ كَثِيرًا بِحَسَبِ ما قُدِّرَ لَهُ، وإلّا فَمَن لا يَعْلَمُ سِوى المُحْكَمِ فَلَيْسَ بِراسِخٍ.
فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا اللَّهُ﴾ مُقْتَضٍ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ عَلى اسْتِيفاءِ نَوْعَيْهِ جَمِيعًا، والرّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ النَّوْعَ الثّانِي، والكَلامُ مُسْتَقِيمٌ عَلى فَصاحَةِ العَرَبِ، ودَخَلُوا بِالعَطْفِ في عِلْمِ التَّأْوِيلِ كَما تَقُولُ: ما قامَ لِنَصْرِي إلّا فُلانٌ وفُلانٌ، وأحَدُهُما نَصَرَكَ بِأنْ ضارَبَ مَعَكَ، والآخَرُ أعانَكَ بِكَلامٍ فَقَطْ.
وإنْ جَعْلَنا ﴿والرّاسِخُونَ﴾ مُبْتَدَأً مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، فَتَسْمِيَتُهم راسِخِينَ يَقْتَضِي أنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي اسْتَوى في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، وفي أيِّ شَيْءٍ رُسُوخُهم إذا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ما يَعْلَمُ الجَمِيعُ ؟ وما الرُّسُوخُ إلّا المَعْرِفَةُ بِتَصارِيفِ الكَلامِ، ومَوارِدِ الأحْكامِ، ومَواقِعِ المَواعِظِ ؟
وإعْرابُ: الرّاسِخِينَ، يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِهِما، ومَن فَسَّرَ المُتَشابِهَ بِأنَّهُ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَقَطْ، فَتَفْسِيرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ المُتَشابِهِ، انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وفِيهِ اخْتِيارُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (اللَّهُ) وإيّاهُ اخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: لا يَهْتَدِي إلى تَأْوِيلِهِ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ وعِبادُهُ الَّذِينَ رَسَخُوا في العِلْمِ، أيْ ثَبَتُوا فِيهِ وتَمَكَّنُوا، وعَضُّوا فِيهِ بِضِرْسٍ قاطِعٍ، و(يَقُولُونَ) كَلامٌ مُسْتَأنَفٌ مُوَضِّحٌ لِحالِ الرّاسِخِينَ، بِمَعْنى: هَؤُلاءِ العالَمُونَ بِالتَّأْوِيلِ يَقُولُونَ: (آمَنّا بِهِ) أيْ: بِالمُتَشابِهِ، انْتَهى كَلامُهُ.
وتَلَخَّصَ في إعْرابِ ﴿والرّاسِخُونَ﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (اللَّهُ) ويَكُونُ في إعْرابِ (يَقُولُونَ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والثّانِي: أنَّهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الرّاسِخِينَ، كَما تَقُولُ: ما قامَ إلّا زَيْدٌ وهِنْدٌ ضاحِكَةً.
والثّانِي مِن إعْرابِ (والرّاسِخُونَ) أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ: (يَقُولُونَ) خَبَرًا عَنْهُ، ويَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ.
وقِيلَ: ﴿الرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ [النساء: ١٦٢] مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلّامٍ وأصْحابِهِ، بِدَلِيلِ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ [النساء: ١٦٢] يَعْنَي الرّاسِخِينَ في عِلْمِ التَّوْراةِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ، وقَدْ فُسِّرَ الرُّسُوخُ في العِلْمِ بِما لا تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ، وإنَّما هي أشْياءُ نَشَأتْ عَنِ الرُّسُوخِ في العِلْمِ، كَقَوْلِ نافِعٍ: الرّاسِخُ المُتَواضِعُ لِلَّهِ، وكَقَوْلِ مالِكٍ: الرّاسِخُ في العِلْمِ العامِلُ بِما يَعْلَمُ، المُتَّبِعُ.
﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ هَذا مِنَ المَقُولِ، ومَفْعُولُ (يَقُولُونَ) قَوْلُهُ: ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ وجُعِلَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ كَأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ بِالقَوْلِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَكْ بَيْنَهُما بِحَرْفِ العَطْفِ، أوْ جُعِلا مُمْتَزِجَيْنِ في القَوْلِ امْتِزاجَ الجُمْلَةِ الواحِدَةِ، نَحْوُ قَوْلِهِ:
؎كَيْفَ أصْبَحْتَ كَيْفَ أمْسَيْتَ مِمّا يَزْرَعُ الوِدَّ في فُؤادِ الكَرِيمِ
كَأنَّهُ قالَ: هَذا الكَلامُ مِمّا يَزْرَعُ الوِدَّ، والضَّمِيرُ في: بِهِ، يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى المُتَشابِهِ، وهو الظّاهِرُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الكِتابِ. والتَّنْوِينُ في (كُلٌّ) لِلْعِوَضِ مِنَ المَحْذُوفِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الكِتابِ، أيْ: كُلُّهُ مِن عِنْدِ رَبِّنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيُرُ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإذا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلا تَناقُضَ ولا اخْتِلافَ، وهو حَقٌّ يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، وأضافَ العِنْدِيَّةَ إلى قَوْلِهِ: (رَبِّنا) لا إلى غَيْرِهِ مِن أسْمائِهِ تَعالى لِما في الإشْعارِ بِلَفْظَةِ الرَّبِّ مِنَ النَّظَرِ في مَصْلَحَةِ عَبِيدِهِ، فَلَوْلا أنَّ في المُتَشابِهِ مَصْلَحَةً ما (p-٣٨٦)أنْزَلَهُ تَعالى، ولَجَعَلَ كِتابَهُ كُلُّهُ مُحْكَمًا.
﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: وما يَتَّعِظُ بِنُزُولِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ إلّا أصْحابُ العُقُولِ؛ إذْ هُمُ المُدْرِكُونَ لِحَقائِقِ الأشْياءِ، ووَضْعِ الكَلامِ مَواضِعِهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما أشْتَبَهَ مِنَ القُرْآنِ فَلا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهِ بِالعَقْلِ الَّذِي جُعِلَ مُمَيِّزًا لِإدْراكِ الواجِبِ والجائِزِ والمُسْتَحِيلِ، فَلا يُوقَفُ مَعَ دَلالَةِ ظاهِرِ اللَّفْظِ، بَلْ يُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ الفِكْرُ حَتّى لا يُنْسَبَ إلى البارِئِ تَعالى، ولا إلى ما شَرَعَ مِن أحْكامِهِ ما لا يَجُوزُ في العَقْلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ، ما يَقُولُ هَذا ويُؤْمِنُ بِهِ، ويَقِفُ حَيْثُ وقَفَ، ويَدَعِ اتِّباعَ المُتَشابِهِ إلّا ذُو لُبٍّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَدْحٌ لِلرّاسِخِينَ بِإلْقاءِ الذِّهْنِ وحُسْنِ التَّأمُّلِ.
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن جُمْلَةِ المَقُولِ أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا، وكَأنَّهم لَمّا رَأوُا انْقِسامَ النّاسِ إلى زائِغٍ، ومُتَذَكِّرٍ مُؤْمِنٍ، دَعَوُا اللَّهَ تَعالى بِلَفْظِ الرَّبِّ أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم بَعْدَ هِدايَتِهِمْ، فَيَلْحَقُوا بِمَن في قَلْبِهِ زَيْغٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعالى عَلَّمَهم هَذا الدُّعاءَ، والتَّقْدِيرُ: قُولُوا رَبَّنا.
ومَعْنى الإزاغَةِ هُنا الضَّلالَةُ، وفي نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ لا يُضِلُّ، إذْ لَوْ لَمْ تَكُنِ الإزاغَةُ مِن قِبَلِهِ تَعالى لَما جازَ أنْ يُدْعى في رَفْعِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُكَلِّفْنا عِبادَةً ثَقِيلَةً تَزِيغُ بِها قُلُوبُنا، وهَذا القَوْلُ فِيهِ التَّحَفُّظُ مِن خَلْقِ اللَّهِ الزَّيْغَ والضَّلالَةَ في قَلْبِ أحَدٍ مِنَ العِبادِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: سَألُوا أنْ لا يَزِيغُوا، فَيُزِيغَ اللَّهُ قُلُوبَهم، نَحْوُ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] أيْ: ثَبِّتْنا عَلى هِدايَتِكَ، وأنْ لا نَزِيغَ، فَنَسْتَحِقَّ أنْ تُزِيغَ قُلُوبَنا، وهَذِهِ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٍ، كَما قالَ الجُبّائِيُّ: لا تَمْنَعْها الألْطافَ الَّتِي بِها يَسْتَمِرُّ القَلْبُ عَلى صِفَةِ الإيمانِ، ولَمّا مَنَعَهُمُ الألْطافَ لِاسْتِحْقاقِهِمْ مَنَعَ ذَلِكَ، جازَ أنْ يُقالَ: أزاغَهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: فَلَمّا زاغُوا، وقالَ الجُبّائِيُّ أيْضًا: لا تُزِغْنا عَنْ جَنَّتِكَ وثَوابِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: احْرُسْنا مِنَ الشَّيْطانِ وشَرِّ أنْفُسِنا حَتّى لا نَزِيغَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تُبْلِنا بِبَلايا تَزِيغُ فِيها قُلُوبُنا، أوْ لا تَمْنَعْنا ألْطافَكَ بَعْدَ أنْ لَطَفْتَ بِنا، انْتَهى.
آل عمران 3:8
وهَذِهِ مَسْألَةٌ كَلامِيَّةٌ: هَلِ اللَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما هو خالِقُ الخَيْرِ ؟ أوْ لا يَخْلُقُ الشَّرَّ ؟ فالأوَّلُ: قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وكُلٌّ يُفَسِّرُ عَلى مَذْهَبِهِ.
وقَرَأ الصِّدِّيقُ، وأبُو قائِلَةَ، والجَرّاحُ (لا تَزُغْ قُلُوبُنا) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ الباءِ وقَرَأ بَعْضُهم (لا يَزُغْ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً، ورَفْعِ باءِ (قُلُوبُنا) جَعَلَهُ مِن زاغَ، وأسْنَدَهُ إلى القُلُوبِ، وظاهِرُهُ نَهْيُ القُلُوبِ عَنِ الزَّيْغِ، وإنَّما هو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، و
؎لا أعْرِفَنَّ رَبْرَبًا حُوَّرًا مَدامِعُهُ
أيْ: لا تُزِغْنا فَتَزِيغَ قُلُوبُنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، ظاهِرُهُ الهِدايَةُ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الضَّلالِ، وقِيلَ: بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا لِلْعِلْمِ بِالمُحْكَمِ، والتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشابِهِ مِن كِتابِكَ، و(إذْ) أصْلُها أنْ تَكُونَ ظَرْفًا، وهُنا أُضِيفَ إلَيْها (بَعْدَ) فَصارَتِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وهي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ تُضافُ إلى الجُمْلَةِ، واسْتُصْحِبَ فِيها حالُها مِنَ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ، ولَيْسَتِ الإضافَةُ إلَيْها تُخْرِجُها عَنْ هَذا الحُكْمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] ؟ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الإنفطار: ١٩] في قِراءَةِ مَن رَفَعَ (يَوْمُ) وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا
عَلى حِينَ مَن تُكْتَبُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ عَلى حِينَ الكِرامِ قَلِيلُ ألا لَيْتَ أيّامَ الصَّفاءِ جَدِيدُ كَيْفَ خَرَجَ الظَّرْفُ هُنا عَنْ بابِهِ، واسْتُعْمِلَ خَبَرًا ومَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ، واسْمَ لَيْتَ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ ؟
﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ سَألُوا بِلَفْظِ الهِبَةِ المُشْعِرَةِ بِالتَّفَضُّلِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ولا عَمَلٍ ولا مُعاوَضَةٍ؛ لِأنَّ الهِبَةَ كَذَلِكَ تَكُونُ، وخَصُّوها بِأنَّها مِن عِنْدِهِ، والرَّحْمَةُ إنْ كانَتْ مِن صِفاتِ الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ فِيها الهِبَةُ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: نَعِيمًا، أوْ ثَوابًا صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، ولَمّا كانَ المَسْئُولُ صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، صَحَّ أنْ يَسْألُوا الرَّحْمَةَ إجْراءً لِلسَّبَبِ مَجْرى المُسَبِّبِ، وقِيلَ: مَعْنى (رَحْمَةً) تَوْفِيقًا وسَدادًا وتَثْبِيتًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهُدى.
﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ هَذا كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ: وهَبْ (p-٣٨٧)لَنا، كَقَوْلِكَ: حِلَّ هَذا المُشْكِلَ إنَّكَ أنْتَ العالِمُ بِالمُشْكِلاتِ، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي عَلى فَعّالٍ، وإنْ كانُوا قَدْ قالُوا: وهُوبٌ، لِمُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ، ويَجُوزُ في (أنْتَ) التَّوْكِيدُ لِلضَّمِيرِ، والفَصْلُ، والِابْتِداءُ.
﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا سَألُوهُ تَعالى أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم بَعْدَ الهِدايَةِ، وكانَتْ ثَمَرَةُ انْتِفاءِ الزَّيْغِ والهِدايَةِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أخْبَرُوا أنَّهم مُوقِنُونَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، والبَعْثِ فِيهِ لِلْمُجازاةِ، وأنَّ اعْتِقادَ صِحَّةِ الوَعْدِ بِهِ هو الَّذِي هَداهم إلى سُؤالِ أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم، ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، ومَعْنى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ في وُجُودِهِ لِصِدْقِ مَن أخْبَرَ بِهِ، وإنْ كانَ يَقَعُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ رَيْبٌ فَهو بِحالِ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ فِيهِ.
وقِيلَ: اللّامُ، بِمَعْنى في، أيْ: في يَوْمٍ، ويَكُونُ المَجْمُوعُ لِأجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ، وظاهِرُ هَذا الجَمْعِ أنَّهُ الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ لِلْمُجازاةِ، فَهو اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ قِراءَةُ أبِي حاتِمٍ (جامِعٌ النّاسَ) بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (النّاسَ)
وقِيلَ: مَعْنى الجَمْعُ هُنا أنَّهُ يَجْمَعُهم في القُبُورِ، وكَأنَّ اللّامَ تَكُونُ بِمَعْنى إلى لِلْغايَةِ، أيْ: جامِعُهم في القُبُورِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويَكُونُ اسْمُ الفاعِلِ هُنا لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الزَّمانُ؛ إذْ مِنَ النّاسِ مَن ماتَ، ومِنهم مَن لَمْ يَمُتْ، فَنُسِبَ الجَمْعُ إلى اللَّهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الزَّمانِ، والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى اليَوْمِ؛ إذِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لَهُ، ومَن أعادَهُ عَلى الجَمْعِ المَفْهُومِ مِن (جامِعُ) أوْ عَلى الجَزاءِ الدّالِّ عَلَيْهِ المَعْنى، فَقَدْ أبْعَدَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ظاهِرُ العُدُولِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِ الرّاسِخِينَ الدّاعِينَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ أنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي خَلْفَ المِيعادِ، كَقَوْلِكَ: إنَّ الجَوادَ لا يَخِيبُ سائِلُهُ، و(المِيعادَ) المَوْعِدُ، انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: إنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي خَلْفَ المِيعادِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ مُطْلَقًا، وهو عِنْدَنا مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ، كَما اتَّفَقْنا نَحْنُ وهَمَ عَلى أنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، والشَّرْطانِ يُثْبَتانِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولَئِنْ سَلَّمْنا ما يَقُولُونَهُ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الوَعِيدَ يَدْخُلُ تَحْتَ الوَعْدِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مِيعادِ الأوْلِياءِ دُونَ وعِيدِ الأعْداءِ؛ لِأنَّ خَلْفَ الوَعِيدِ كَرَمٌ عِنْدَ العَرَبِ، ولِذَلِكَ يَمْدَحُونَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا وعَدَ السَّرّاءَ أنْجَزَ وعْدَهُ ∗∗∗ وإنْ وعَدَ الضَّرّاءَ فالعَفْوُ مانِعُهْ
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِ الدّاعِينَ، ويَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غِيبَةٍ لِما في ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ والهَيْبَةِ، وكَأنَّهم لَمّا والَوُا الدُّعاءَ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا، أخْبَرُوا عَنِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ الوَفِيُّ بِالوَعْدِ، وتَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ الإيمانَ بِالبَعْثِ والمُجازاةِ والإيفاءِ بِما وعَدَ تَعالى.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قِيلَ: المُرادُ وفْدُ نَجْرانَ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ أبا حارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ قالَ لِأخِيهِ: إنِّي أعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَكِنِّي إنْ أظْهَرْتُ ذَلِكَ أخَذَ مُلُوكُ الرُّومِ مِنِّي ما أعْطَوْنِي مِنَ المالِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِأمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهي عامَّةٌ تَتَناوَلُ كُلَّ كافِرٍ.
ومَعْنى (مِنَ اللَّهِ) أيْ: مِن عَذابِهِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، ومَعْنى أغْنى عَنْهُ، دَفْعَ عَنْهُ ومَنعَهُ، ولَمّا كانَ المالُ في بابِ المُدافَعَةِ والتَّقَرُّبِ والفِتْنَةِ أبْلَغُ مِنَ الأوْلادِ، قُدِّمَ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبإ: ٣٧] وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الحديد: ٢٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] إلى آخِرِها، فَإنَّهُ ذَكَرَ هُنا حُبَّ الشَّهَواتِ، فَقَدَّمَ فِيهِ النِّساءَ والبَنِينَ عَلى ذِكْرِ الأمْوالِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (p-٣٨٨)(لَنْ يُغْنِيَ) بِالياءِ عَلى تَذْكِيرِ العَلامَةِ، وقَرَأ عَلِيٌّ (لَنْ يُغْنِي) بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ (لَنْ يُغْنِي) بِالياءِ أوَّلًا وبِالياءِ السّاكِنَةِ آخِرًا، وذَلِكَ لِاسْتِثْقالِ الحَرَكَةِ في حَرْفِ اللِّينِ، وإجْراءِ المَنصُوبِ مَجْرى المَرْفُوعِ، وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَخُصُّ هَذا بِالضَّرُورَةِ، ويَنْبَغِي أنْ لا يَخُصَّ بِها، إذْ كَثُرَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ.
و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ عِنْدَ المُبَرِّدِ، وبِمَعْنى عِنْدَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وجَعَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] قالَ: مَعْناهُ عِنْدَ جُوعٍ وعِنْدَ خَوْفٍ، وكَوْنُ (مِن) بِمَعْنى عِنْدَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّهِ) مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] والمَعْنى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِن طاعَةِ اللَّهِ شَيْئًا، أيْ: بَدَلَ رَحْمَتِهِ وطاعَتِهِ، وبَدَلَ الحَقِّ، ومِنهُ: ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ أيْ: لا يَنْفَعُهُ جَدُّهُ وحَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا بِذَلِكَ، أيْ: بَدَلَ طاعَتِكَ وعِبادَتِكَ، وما عِنْدَكَ، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبإ: ٣٧] انْتَهى كَلامُهُ.
وإثْباتُ البَدَلِيَّةِ: لِمِن، فِيهِ خِلافٌ أصْحابُنا يُنْكِرُونَهُ، وغَيْرُهم قَدْ أثْبَتَهُ، وزَعَمَ أنَّها تَأْتِي بِمَعْنى البَدَلِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ وبَدَلَكم، وقالَ الشّاعِرُ:
؎أخَذُوا المَخاضَ مِنَ الفَصِيلِ غُلُبَّةً ∗∗∗ ظُلْمًا ويُكْتَبُ لِلْأمِيرِ أفِيلا
أيْ: بَدَلَ الفَصِيلِ، وشَيْئًا يَنْتَصِبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ شَيْئًا مِنَ الضَّرْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ مَعْنى (لَنْ تُغْنِيَ) لَنْ تَدْفَعَ أوْ تَمْنَعَ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مِن) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شَيْئًا) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، وتَكُونُ (مِن) إذْ ذاكَ لِلتَّبْعِيضِ.
فَتُلَخَّصُ في (مِن) أرْبَعَةُ أقْوالٍ: ابْتِداءُ الغايَةِ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ، والكَلْبِيِّ، وكَوْنُها بِمَعْنى (عِنْدَ) وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، والبَدَلِيَّةُ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، والتَّبْعِيضُ، وهو الَّذِي قَرَّرْناهُ.
﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ لَمّا قَدَّمَ إنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم كَثْرَةُ أمْوالِهِمْ، ولا تَناصُرُ أوْلادِهِمْ، أخْبَرَ بِمَآلِهِمْ، وأنَّ غايَةَ مَن كَفَرَ، ومُنْتَهى مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ النّارُ، فاحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّ، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، وأشارَ: بِأُولَئِكَ إلى بُعْدِهِمْ، وأتى بِلَفْظِ: هم، المُشْعِرَةُ بِالِاخْتِصاصِ، وجَعَلَهم نَفْسَ الوَقُودِ مُبالَغَةً في الِاحْتِراقِ، كَأنَّ النّارَ لَيْسَ لَها ما يُضْرِمُها إلّا هم، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الوَقُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما (وُقُودُ) بِضَمِّ الواوِ، وهو مَصْدَرُ: وقَدَتِ النّارُ تَقِدُ وُقُودًا، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أهْلُ وقُودِ النّارِ، أوْ حَطَبُ وقُودٍ، أوْ جَعَلَهم نَفْسَ الوَقُودِ مُبالَغَةً، كَما تَقُولُ: زَيْدُ رِضًا.
وقَدْ قِيلَ في المَصْدَرِ أيْضًا: وقُودُ، بِفَتْحِ الواوِ، وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعُولٍ بِفَتْحِ الواوِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ مَن كَفَرَ وكَذَّبَ بِاللَّهِ مَآلُهُ إلى النّارِ، ولَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ (p-٣٨٩)مالُهُ ولا ولَدُهُ، ذَكَرَ أنَّ شَأْنَ هَؤُلاءِ في تَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرَتُّبَ العَذابِ عَلى كُفْرِهِمْ، كَشَأْنِ مَن تَقَدَّمَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، أُخِذُوا بِذُنُوبِهِمْ، وعُذِّبُوا عَلَيْها، ونَبَّهَ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم يَعْرِفُونَ ما جَرى لَهم حِينَ كَذَّبُوا بِمُوسى مِن إغْراقِهِمْ وتَصْيِيرِهِمْ آخِرًا إلى النّارِ، وظُهُورِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمْ، وتَوْرِيثِهِمْ أماكِنَ مُلْكِهِمْ، فَفي هَذا كُلِّهِ بِشارَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِمَن آمَنَ بِهِ، أنَّ الكُفّارَ مَآلُهم في الدُّنْيا إلى الِاسْتِئْصالِ، وفي الآخِرَةِ إلى النّارِ، كَما جَرى لِآلِ فِرْعَوْنَ، أُهْلِكُوا في الدُّنْيا وصارُوا إلى النّارِ.
واخْتَلَفُوا في إعْرابِ (كَدَأْبِ) فَقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: دَأْبُهم كَدَأْبِ، وبِهِ بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقُودُ) أيْ: تُوقَدُ النّارُ بِهِمْ، كَما تُوقَدُ بِآلِ فِرْعَوْنَ، كَما تَقُولُ: إنَّكَ لَتَظْلِمُ النّاسَ كَدَأْبِ أبِيكَ، تُرِيدُ: كَظُلْمِ أبِيكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقِيلَ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِ الوَقُودِ، ويَكُونُ التَّشْبِيهُ في نَفْسِ الِاحْتِراقِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: مِن مَعْناهُ أيْ: عُذِّبُوا تَعْذِيبًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وقُودُ النّارِ.
وقِيلَ: بِـ (لَنْ تُغْنِيَ) أيْ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم مِثْلُ ما لَمْ تُغْنِ عَنْ أُولَئِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ عَلى أيِّ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدَّرْناهُما، فِيها مِن أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّ، أوْ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ بِإنَّ، فَإنْ قَدَّرْتَها اعْتِراضِيَّةً، وهو بَعِيدٌ، جازَ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ: بِفِعْلٍ مَنصُوبٍ مِن مَعْنى (لَنْ تُغْنِيَ) أيْ: بَطَلَ انْتِفاعُهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ بُطْلانًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ والعامِلُ فِيهِ (كَفَرُوا) قالَهُ الفَرّاءُ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْمُولًا لِلصِّلَةِ كانَ مِنَ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبَرَ عَنِ المَوْصُولِ حَتّى يَسْتَوْفِيَ صِلَتَهُ ومُتَعَلَّقاتِها، وهُنا قَدْ أخْبَرَ، فَلا تَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما في الصِّلَةِ، وقِيلَ: بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: كَفَرُوا، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا كُفْرًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: العامِلُ في الكافِ كَذَّبُوا بِآياتِنا، والضَّمِيرُ في (كَذَّبُوا) عَلى هَذا لِكُفّارِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ: كَذَّبُوا تَكْذِيبًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: أخَذَهم أخْذًا كَما أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ العاطِفَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وحَكى بَعْضُ أصْحابِنا عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم أجازُوا: زَيْدًا قُمْتُ فَضَرَبْتُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ هَذا القَوْلُ. فَهَذِهِ عَشَرَةُ أقْوالٍ في العامِلِ في الكافِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّأْبُ، بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، مَصْدَرُ دَأبَ يَدْأبُ، إذا لازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ ودامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، ويُقالُ لِلْعادَةِ: دَأْبٌ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ يَعْقُوبَ يَذْكُرُ (كَدَأبِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقالَ لِي: وأنا غُلَيْمٌ عَلى أيِّ شَيْءٍ يَجُوزُ كَدَأبِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أظُنُّهُ مِن دَئِبَ يَدْأبُ دَأبًا، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي، وتَعَجَّبَ مِن جَوْدَةِ تَقْدِيرِي عَلى صِغَرِي، ولا أدْرِي: أيُقالُ أمْ لا ؟ قالَ النَّحّاسُ: لا يُقالُ دَئِبَ ألْبَتَّةَ، وإنَّما يُقالُ: دَأبَ يَدْأبُ دُؤُبًا هَكَذا حَكى النَّحْوِيُّونَ، مِنهُمُ الفَرّاءُ، حَكاهُ في كِتابِ (المَصادِرِ) .
و(آلِ فِرْعَوْنَ) أشْياعُهُ وأتْباعُهُ.
﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هم كُفّارُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ، وغَيْرِهِمْ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وهم مُعاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَوْضِعُ (والَّذِينَ) جَرٌّ عَطْفًا عَلى آلِ فِرْعَوْنَ.
﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلدَّأْبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلُوا ؟ وما فُعِلَ بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِآياتِنا، فَهي كَأنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُكَذِّبِينَ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا﴾ فَيَكُونُ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ، و(كَذَّبُوا) خَبَرُهُ وفي قَوْلِهِ: (بِآياتِنا) التِفاتٌ؛ إذْ قَبْلَهُ (مِنَ اللَّهِ)، فَهو اسْمُ غَيْبَةٍ، فانْتَقَلَ مِنهُ إلى التَّكَلُّمِ.
والآياتُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَتْلُوَّةَ في كُتُبِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٠)أنْ تَكُونَ العَلاماتِ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ أنْبِيائِهِ.
﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ رَجَعَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ، ومَعْنى الأخْذِ بِالذَّنْبِ: العِقابُ عَلَيْهِ، والباءُ في بِذُنُوبِهِمْ لِلسَّبَبِ.
﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى سَطْوَةِ اللَّهِ عَلى مَن كَفَرَ بِآياتِهِ وكَذَّبَ بِها، قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ حُسْنَ الإبْهامِ، وهو فِيما افْتُتِحَتْ بِهِ، لِيُنَبِّهَ الفِكْرَ إلى النَّظَرِ فِيما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ.
ومَجازُ التَّشْبِيهِ في مَواضِعَ مِنها ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وحَقِيقَةُ النُّزُولِ طَرْحُ جَرْمٍ مِن عُلُّوٍ إلى أسْفَلَ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلَمّا أُثْبِتَ في القَلْبِ صارَ بِمَنزِلَةِ جِرْمٍ أُلْقِيَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ فَشُبِّهَ بِهِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الإنْزالِ وفي قَوْلِهِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] القُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ، شُبِّهَ بِالإنْسانِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ يَنالُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٣] أقامَ المَصْدَرَ فِيهِ مَقامَ اسْمِ الفاعِلِ، فَجَعَلَ التَّوْراةَ كالرَّجُلِ الَّذِي يُوَرِّي عَنْكَ أمْرًا، أيْ: يَسْتُرُهُ لِما فِيها مِنَ المَعانِي الغامِضَةِ، والإنْجِيلُ شُبِّهَ لِما فِيهِ مِنَ اتِّساعِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والمَواعِظِ والخُضُوعِ بِالعَيْنِ النَّجْلاءِ، وجَعَلَ ذَلِكَ هُدًى لِما فِيهِ مِنَ الإرْشادِ، كالطَّرِيقِ الَّذِي يَهْدِيكَ إلى المَكانِ الَّذِي تَرُومُهُ، وشَبَّهَ الفُرْقانَ بِالجِرْمِ الفارِقِ بَيْنَ جِرْمَيْنِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٤] شَبَّهَ ما يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِن ضِيقِ العَذابِ وألَمِهِ بِالمَشْدُودِ المُوَثقِ المُضَيَّقِ عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ [آل عمران: ٦] شَبَّهَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: كُنْ أوْ تَعَلُّقَ إرادَتِهِ بِكَوْنِهِ جاءَ عَلى غايَةٍ مِنَ الإحْكامِ والصُّنْعِ بِمُصَوِّرٍ يُمَثِّلُ شَيْئًا، فَيَضُمُّ جِرْمًا إلى جِرْمٍ، ويُصَوِّرُ مِنهُ صُورَةً وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] جَعَلَ ما اتَّضَحَ مِن مَعانِي كِتابِهِ، وظَهَرَتْ آثارُ الحِكْمَةِ عَلَيْهِ مُحْكَمًا، وشَبَّهَ المُحْكَمُ لِما فِيهِ مِن أُصُولِ المَعانِي الَّتِي تَتَفَرَّعُ مِنها فُرُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُرْجَعُ إلَيْها بِالأُمِّ الَّتِي تَرْجِعُ إلَيْها ما تَفَرَّعَ مِن نَسْلِها ويَؤُمُّونَها، وشَبَّهَ ما خَفِيَتْ مَعانِيهِ لِاخْتِلافِ أنْحائِهِ كالفَواتِحِ، والألْفاظَ المُحْتَمِلَةَ مَعانِيَ شَتّى، والآياتِ الدّالَّةَ عَلى أمْرِ المَعادِ والحِسابِ بِالشَّيْءِ المُشْتَبَهِ المُلْبَسِ أمْرُهُ الَّذِي وجَمَ العَقْلُ عَنْ تَكْيِيفِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] شَبَّهَ القَلْبَ المائِلَ عَنِ القَصْدِ بِالشَّيْءِ الزّائِغِ عَنْ مَكانِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ شَبَّهَ المَعْقُولَ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ بِالمَحْسُوسِ مِنَ الأجْرامِ مِنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ في الهِبَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وقُودُ النّارِ﴾ شَبَّهَهم بِالحَطَبِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ إلّا في الوَقُودِ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] والحَصَبُ الحَطَبُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ شَبَّهَ إحاطَةَ عَذابِهِ بِهِمْ بِالمَأْخُوذِ بِاليَدِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ بِحُكْمِ إرادَةِ الأخْذِ.
وقِيلَ: هَذِهِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ، ولا تَشْبِيهَ فِيها إلّا ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فَإنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ أداةِ التَّشْبِيهِ.
والِاخْتِصاصُ في مَواضِعَ، مِنها في قَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] إلى ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] عَلى مَن فَسَّرَهُ بِالزَّبُورِ، واخْتَصَّ الأرْبَعَةَ دُونَ بَقِيَّةِ ما أنْزَلَ؛ لِأنَّ أصْحابَ الكُتُبِ إذْ ذاكَ: المُؤْمِنُونَ، واليَهُودُ، والنَّصارى، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] خَصَّهُما لِأنَّهُما أكْبَرُ مَخْلُوقاتِهِ الظّاهِرَةِ لَنا، ولِأنَّهُما مَحَلّانِ لِلْعُقَلاءِ، ولِأنَّ مِنهُما أكْثَرَ المَنافِعِ المُخْتَصَّةِ بِعِبادِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] اخْتَصَّهم بِخُصُوصِيَّةِ الرُّسُوخِ في العِلْمِ بِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] لِأنَّ العُقَلاءَ لَهم خُصُوصِيَّةُ التَّمْيِيزِ، والنَّظَرِ، والِاعْتِبارِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ اخْتَصَّ القُلُوبَ لِأنَّ بِها صَلاحَ الجَسَدِ وفَسادِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَقِيَّةُ الأعْضاءِ، ولِأنَّها مَحَلُّ الإيمانِ ومَحَلُّ العَقْلِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ وهو جامِعُهم في الدُّنْيا عَلى وجْهِ الأرْضِ أحْياءً وفي بَطْنِها أمْواتًا؛ لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ الجَمْعَ الأكْبَرَ، وهو الحَشْرُ، ولا يَكُونُ إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا جامِعَ إلّا هو تَعالى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ اخْتَصَّ الكُفّارَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ تُغْنِي عَنْهم أمْوالُهُمُ الَّتِي يُنْفِقُونَها في وُجُوهِ البِرِّ، فَهم يَجْنُونَ ثَمَرَتَها في الآخِرَةِ، وتَنْفَعُهم (p-٣٩١)أوْلادُهم في الآخِرَةِ، يَسْقُونَهم ويَكُونُونَ لَهم حِجابًا مِنَ النّارِ، ويُشَفَّعُونَ فِيهِمْ إذا ماتُوا صِغارًا، ويَنْفَعُونَهم بِالدُّعاءِ الصّالِحِ كِبارًا. وكُلُّ هَذا ورَدَ بِهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ، وقَدَّمَهم؛ لِأنَّهم أكْثَرُ الأُمَمِ طُغْيانًا، وأعْظَمُهم تَعَنُّتًا عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ عَذابًا.
والحَذْفُ في مَواضِعَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: مِنَ الكُتُبِ، و﴿أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: وأنْزَلَ الإنْجِيلَ؛ لِأنَّ الإنْزالَيْنِ في زَمانَيْنِ.
﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٤] أيِ: الَّذِينَ أرادَ هُداهم.
﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٤]: أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] أيْ: مِمَّنْ أرادَ عُقُوبَتَهُ.
﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] أيْ: ولا في غَيْرِهِما (العَزِيزُ) أيْ: في مُلْكِهِ. (الحَكِيمُ) أيْ: في صُنْعِهِ. (وأُخَرُ) أيْ: آياتٌ أُخَرُ.
﴿زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَنِ الحَقِّ.
﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: لَكم.
﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المُرادِ مِنهُ، ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ المَطْلُوبَةِ. (رَبَّنا) أيْ: يا رَبَّنا، ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ أيْ: إلَيْهِ، ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ: المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، أوِ المَنصُوباتِ عَلَمًا عَلى التَّوْحِيدِ، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيِ: السّالِفَةِ.
والتَّكْرارُ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ، وأنْزَلَ الفُرْقانَ. كُرِّرَ لِاخْتِلافِ الإنْزالِ، وكَيْفِيَّتِهِ، وزَمانِهِ. بِآياتِ اللَّهِ، واللَّهُ كَرَّرَ اسْمَهَ تَعالى تَفْخِيمًا؛ لِأنَّ في ذِكْرِ المُظْهَرِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لَيْسَ في المُضْمَرِ.
﴿لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ﴾ [آل عمران: ٦] . كَرَّرَ الجُمْلَةَ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْرارِ ذَلِكَ في النُّفُوسِ، ورَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّ مَعَهُ إلَهًا غَيْرَهُ. (ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ)، ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] كُرِّرَ لِاخْتِلافِ التَّأْوِيلَيْنِ، أوْ لِلتَّفْخِيمِ لِشَأْنِ التَّأْوِيلِ.
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ﴾، ﴿رَبَّنا إنَّكَ﴾ . كَرَّرَ الدُّعاءَ؛ تَنْبِيهًا عَلى مُلازَمَتِهِ، وتَحْذِيرًا مِنَ الغَفْلَةِ عَنْهُ، لِما فِيهِ مِن إظْهارِ الِافْتِقارِ.
والتَّقْدِيِمُ والتَّأْخِيرُ وذَلِكَ في ذِكْرِ إنْزالِ الكُتُبِ، لَمْ يَجِيءِ الإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الزَّمانِ، إذِ التَّوْراةُ أوَّلًا، ثُمَّ الزَّبُورُ، ثُمَّ الإنْجِيلُ، ثُمَّ القُرْآنُ. وقُدِّمَ القُرْآنُ؛ لِشَرَفِهِ، وعِظَمِ ثَوابِهِ، ونَسْخِهِ لِما تَقَدَّمَ، وبَقائِهِ، واسْتِمْرارِ حُكْمِهِ إلى آخِرِ الزَّمانِ. وثَنى بِالتَّوْراةِ؛ لِما فِيها مِنَ الأحْكامِ الكَثِيرَةِ، والقَصَصِ، وخَفايا الِاسْتِنْباطِ.
ورَوى المُفَضَّلُ: أنَّ التَّوْراةَ حِينَ نَزَلَتْ كانَتْ سَبْعِينَ وسْقًا، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالإنْجِيلِ؛ لِأنَّهُ كِتابٌ فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والحِكَمِ ما لا يُحْصى، ثُمَّ تَلاهُ بِالزَّبُورِ؛ لِأنَّ فِيهِ مَواعِظَ وحِكَمًا لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الإنْجِيلِ، وهَذا إذا قُلْنا إنَّ الفُرْقانَ هو الزَّبُورُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] قَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ، وإنْ كانَتِ السَّماءُ أكْثَرَ في العَوالِمِ، وأكْبَرَ في الأجْرامِ، وأكْبَرَ في الدَّلائِلِ والآياتِ، وأجْزَلَ في الفَضائِلِ لِطَهارَةِ سُكّانِها، بِخِلافِ سُكّانِ الأرْضِ؛ لِيُعْلِمَهُمُ اطِّلاعَهُ عَلى خَفايا أُمُورِهِمْ، فاهْتَمَّ بِتَقْدِيمِ مَحَلِّهِمْ عَسى أنْ يَزْدَجِرُوا عَنْ قَبِيحِ أفْعالِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا أنْبَهَ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أمْرِهِ، اسْتَحْيا مِنهُ.
والِالتِفاتُ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ﴾ ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ) وفي قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
والتَّأْكِيدُ: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ فَأكَّدَ بِلَفْظَةِ: هم، وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ [آل عمران: ٦] قَوْلَهُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٦] وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] قَوْلَهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] .
والتَّوَسُّعُ بِإقامَةِ المَصْدَرِ، مَقامَ اسْمِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: هُدًى، والفَرْقانِ، أيْ: هادِيًا، والفارِقُ. وبِإقامَةِ الحَرْفِ مَقامَ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ، أيْ: عِنْدَ اللَّهِ، عَلى قَوْلِ مَن أوَّلَ مِن: بِمَعْنى ”عِنْدَ“ . والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في قَوْلِهِ: وهَبْ، والوَهّابُ.
آل عمران 3:9
وهَذِهِ مَسْألَةٌ كَلامِيَّةٌ: هَلِ اللَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما هو خالِقُ الخَيْرِ ؟ أوْ لا يَخْلُقُ الشَّرَّ ؟ فالأوَّلُ: قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وكُلٌّ يُفَسِّرُ عَلى مَذْهَبِهِ.
وقَرَأ الصِّدِّيقُ، وأبُو قائِلَةَ، والجَرّاحُ (لا تَزُغْ قُلُوبُنا) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ الباءِ وقَرَأ بَعْضُهم (لا يَزُغْ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً، ورَفْعِ باءِ (قُلُوبُنا) جَعَلَهُ مِن زاغَ، وأسْنَدَهُ إلى القُلُوبِ، وظاهِرُهُ نَهْيُ القُلُوبِ عَنِ الزَّيْغِ، وإنَّما هو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، و
؎لا أعْرِفَنَّ رَبْرَبًا حُوَّرًا مَدامِعُهُ
أيْ: لا تُزِغْنا فَتَزِيغَ قُلُوبُنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، ظاهِرُهُ الهِدايَةُ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الضَّلالِ، وقِيلَ: بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا لِلْعِلْمِ بِالمُحْكَمِ، والتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشابِهِ مِن كِتابِكَ، و(إذْ) أصْلُها أنْ تَكُونَ ظَرْفًا، وهُنا أُضِيفَ إلَيْها (بَعْدَ) فَصارَتِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وهي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ تُضافُ إلى الجُمْلَةِ، واسْتُصْحِبَ فِيها حالُها مِنَ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ، ولَيْسَتِ الإضافَةُ إلَيْها تُخْرِجُها عَنْ هَذا الحُكْمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] ؟ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الإنفطار: ١٩] في قِراءَةِ مَن رَفَعَ (يَوْمُ) وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا
عَلى حِينَ مَن تُكْتَبُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ عَلى حِينَ الكِرامِ قَلِيلُ ألا لَيْتَ أيّامَ الصَّفاءِ جَدِيدُ كَيْفَ خَرَجَ الظَّرْفُ هُنا عَنْ بابِهِ، واسْتُعْمِلَ خَبَرًا ومَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ، واسْمَ لَيْتَ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ ؟
﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ سَألُوا بِلَفْظِ الهِبَةِ المُشْعِرَةِ بِالتَّفَضُّلِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ولا عَمَلٍ ولا مُعاوَضَةٍ؛ لِأنَّ الهِبَةَ كَذَلِكَ تَكُونُ، وخَصُّوها بِأنَّها مِن عِنْدِهِ، والرَّحْمَةُ إنْ كانَتْ مِن صِفاتِ الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ فِيها الهِبَةُ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: نَعِيمًا، أوْ ثَوابًا صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، ولَمّا كانَ المَسْئُولُ صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، صَحَّ أنْ يَسْألُوا الرَّحْمَةَ إجْراءً لِلسَّبَبِ مَجْرى المُسَبِّبِ، وقِيلَ: مَعْنى (رَحْمَةً) تَوْفِيقًا وسَدادًا وتَثْبِيتًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهُدى.
﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ هَذا كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ: وهَبْ (p-٣٨٧)لَنا، كَقَوْلِكَ: حِلَّ هَذا المُشْكِلَ إنَّكَ أنْتَ العالِمُ بِالمُشْكِلاتِ، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي عَلى فَعّالٍ، وإنْ كانُوا قَدْ قالُوا: وهُوبٌ، لِمُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ، ويَجُوزُ في (أنْتَ) التَّوْكِيدُ لِلضَّمِيرِ، والفَصْلُ، والِابْتِداءُ.
﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا سَألُوهُ تَعالى أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم بَعْدَ الهِدايَةِ، وكانَتْ ثَمَرَةُ انْتِفاءِ الزَّيْغِ والهِدايَةِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أخْبَرُوا أنَّهم مُوقِنُونَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، والبَعْثِ فِيهِ لِلْمُجازاةِ، وأنَّ اعْتِقادَ صِحَّةِ الوَعْدِ بِهِ هو الَّذِي هَداهم إلى سُؤالِ أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم، ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، ومَعْنى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ في وُجُودِهِ لِصِدْقِ مَن أخْبَرَ بِهِ، وإنْ كانَ يَقَعُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ رَيْبٌ فَهو بِحالِ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ فِيهِ.
وقِيلَ: اللّامُ، بِمَعْنى في، أيْ: في يَوْمٍ، ويَكُونُ المَجْمُوعُ لِأجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ، وظاهِرُ هَذا الجَمْعِ أنَّهُ الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ لِلْمُجازاةِ، فَهو اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ قِراءَةُ أبِي حاتِمٍ (جامِعٌ النّاسَ) بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (النّاسَ)
وقِيلَ: مَعْنى الجَمْعُ هُنا أنَّهُ يَجْمَعُهم في القُبُورِ، وكَأنَّ اللّامَ تَكُونُ بِمَعْنى إلى لِلْغايَةِ، أيْ: جامِعُهم في القُبُورِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويَكُونُ اسْمُ الفاعِلِ هُنا لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الزَّمانُ؛ إذْ مِنَ النّاسِ مَن ماتَ، ومِنهم مَن لَمْ يَمُتْ، فَنُسِبَ الجَمْعُ إلى اللَّهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الزَّمانِ، والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى اليَوْمِ؛ إذِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لَهُ، ومَن أعادَهُ عَلى الجَمْعِ المَفْهُومِ مِن (جامِعُ) أوْ عَلى الجَزاءِ الدّالِّ عَلَيْهِ المَعْنى، فَقَدْ أبْعَدَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ظاهِرُ العُدُولِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِ الرّاسِخِينَ الدّاعِينَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ أنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي خَلْفَ المِيعادِ، كَقَوْلِكَ: إنَّ الجَوادَ لا يَخِيبُ سائِلُهُ، و(المِيعادَ) المَوْعِدُ، انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: إنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي خَلْفَ المِيعادِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ مُطْلَقًا، وهو عِنْدَنا مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ، كَما اتَّفَقْنا نَحْنُ وهَمَ عَلى أنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، والشَّرْطانِ يُثْبَتانِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولَئِنْ سَلَّمْنا ما يَقُولُونَهُ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الوَعِيدَ يَدْخُلُ تَحْتَ الوَعْدِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مِيعادِ الأوْلِياءِ دُونَ وعِيدِ الأعْداءِ؛ لِأنَّ خَلْفَ الوَعِيدِ كَرَمٌ عِنْدَ العَرَبِ، ولِذَلِكَ يَمْدَحُونَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا وعَدَ السَّرّاءَ أنْجَزَ وعْدَهُ ∗∗∗ وإنْ وعَدَ الضَّرّاءَ فالعَفْوُ مانِعُهْ
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِ الدّاعِينَ، ويَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غِيبَةٍ لِما في ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ والهَيْبَةِ، وكَأنَّهم لَمّا والَوُا الدُّعاءَ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا، أخْبَرُوا عَنِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ الوَفِيُّ بِالوَعْدِ، وتَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ الإيمانَ بِالبَعْثِ والمُجازاةِ والإيفاءِ بِما وعَدَ تَعالى.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قِيلَ: المُرادُ وفْدُ نَجْرانَ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ أبا حارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ قالَ لِأخِيهِ: إنِّي أعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَكِنِّي إنْ أظْهَرْتُ ذَلِكَ أخَذَ مُلُوكُ الرُّومِ مِنِّي ما أعْطَوْنِي مِنَ المالِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِأمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهي عامَّةٌ تَتَناوَلُ كُلَّ كافِرٍ.
ومَعْنى (مِنَ اللَّهِ) أيْ: مِن عَذابِهِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، ومَعْنى أغْنى عَنْهُ، دَفْعَ عَنْهُ ومَنعَهُ، ولَمّا كانَ المالُ في بابِ المُدافَعَةِ والتَّقَرُّبِ والفِتْنَةِ أبْلَغُ مِنَ الأوْلادِ، قُدِّمَ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبإ: ٣٧] وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الحديد: ٢٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] إلى آخِرِها، فَإنَّهُ ذَكَرَ هُنا حُبَّ الشَّهَواتِ، فَقَدَّمَ فِيهِ النِّساءَ والبَنِينَ عَلى ذِكْرِ الأمْوالِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (p-٣٨٨)(لَنْ يُغْنِيَ) بِالياءِ عَلى تَذْكِيرِ العَلامَةِ، وقَرَأ عَلِيٌّ (لَنْ يُغْنِي) بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ (لَنْ يُغْنِي) بِالياءِ أوَّلًا وبِالياءِ السّاكِنَةِ آخِرًا، وذَلِكَ لِاسْتِثْقالِ الحَرَكَةِ في حَرْفِ اللِّينِ، وإجْراءِ المَنصُوبِ مَجْرى المَرْفُوعِ، وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَخُصُّ هَذا بِالضَّرُورَةِ، ويَنْبَغِي أنْ لا يَخُصَّ بِها، إذْ كَثُرَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ.
و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ عِنْدَ المُبَرِّدِ، وبِمَعْنى عِنْدَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وجَعَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] قالَ: مَعْناهُ عِنْدَ جُوعٍ وعِنْدَ خَوْفٍ، وكَوْنُ (مِن) بِمَعْنى عِنْدَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّهِ) مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] والمَعْنى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِن طاعَةِ اللَّهِ شَيْئًا، أيْ: بَدَلَ رَحْمَتِهِ وطاعَتِهِ، وبَدَلَ الحَقِّ، ومِنهُ: ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ أيْ: لا يَنْفَعُهُ جَدُّهُ وحَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا بِذَلِكَ، أيْ: بَدَلَ طاعَتِكَ وعِبادَتِكَ، وما عِنْدَكَ، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبإ: ٣٧] انْتَهى كَلامُهُ.
وإثْباتُ البَدَلِيَّةِ: لِمِن، فِيهِ خِلافٌ أصْحابُنا يُنْكِرُونَهُ، وغَيْرُهم قَدْ أثْبَتَهُ، وزَعَمَ أنَّها تَأْتِي بِمَعْنى البَدَلِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ وبَدَلَكم، وقالَ الشّاعِرُ:
؎أخَذُوا المَخاضَ مِنَ الفَصِيلِ غُلُبَّةً ∗∗∗ ظُلْمًا ويُكْتَبُ لِلْأمِيرِ أفِيلا
أيْ: بَدَلَ الفَصِيلِ، وشَيْئًا يَنْتَصِبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ شَيْئًا مِنَ الضَّرْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ مَعْنى (لَنْ تُغْنِيَ) لَنْ تَدْفَعَ أوْ تَمْنَعَ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مِن) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شَيْئًا) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، وتَكُونُ (مِن) إذْ ذاكَ لِلتَّبْعِيضِ.
فَتُلَخَّصُ في (مِن) أرْبَعَةُ أقْوالٍ: ابْتِداءُ الغايَةِ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ، والكَلْبِيِّ، وكَوْنُها بِمَعْنى (عِنْدَ) وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، والبَدَلِيَّةُ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، والتَّبْعِيضُ، وهو الَّذِي قَرَّرْناهُ.
﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ لَمّا قَدَّمَ إنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم كَثْرَةُ أمْوالِهِمْ، ولا تَناصُرُ أوْلادِهِمْ، أخْبَرَ بِمَآلِهِمْ، وأنَّ غايَةَ مَن كَفَرَ، ومُنْتَهى مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ النّارُ، فاحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّ، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، وأشارَ: بِأُولَئِكَ إلى بُعْدِهِمْ، وأتى بِلَفْظِ: هم، المُشْعِرَةُ بِالِاخْتِصاصِ، وجَعَلَهم نَفْسَ الوَقُودِ مُبالَغَةً في الِاحْتِراقِ، كَأنَّ النّارَ لَيْسَ لَها ما يُضْرِمُها إلّا هم، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الوَقُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما (وُقُودُ) بِضَمِّ الواوِ، وهو مَصْدَرُ: وقَدَتِ النّارُ تَقِدُ وُقُودًا، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أهْلُ وقُودِ النّارِ، أوْ حَطَبُ وقُودٍ، أوْ جَعَلَهم نَفْسَ الوَقُودِ مُبالَغَةً، كَما تَقُولُ: زَيْدُ رِضًا.
وقَدْ قِيلَ في المَصْدَرِ أيْضًا: وقُودُ، بِفَتْحِ الواوِ، وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعُولٍ بِفَتْحِ الواوِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ مَن كَفَرَ وكَذَّبَ بِاللَّهِ مَآلُهُ إلى النّارِ، ولَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ (p-٣٨٩)مالُهُ ولا ولَدُهُ، ذَكَرَ أنَّ شَأْنَ هَؤُلاءِ في تَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرَتُّبَ العَذابِ عَلى كُفْرِهِمْ، كَشَأْنِ مَن تَقَدَّمَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، أُخِذُوا بِذُنُوبِهِمْ، وعُذِّبُوا عَلَيْها، ونَبَّهَ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم يَعْرِفُونَ ما جَرى لَهم حِينَ كَذَّبُوا بِمُوسى مِن إغْراقِهِمْ وتَصْيِيرِهِمْ آخِرًا إلى النّارِ، وظُهُورِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمْ، وتَوْرِيثِهِمْ أماكِنَ مُلْكِهِمْ، فَفي هَذا كُلِّهِ بِشارَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِمَن آمَنَ بِهِ، أنَّ الكُفّارَ مَآلُهم في الدُّنْيا إلى الِاسْتِئْصالِ، وفي الآخِرَةِ إلى النّارِ، كَما جَرى لِآلِ فِرْعَوْنَ، أُهْلِكُوا في الدُّنْيا وصارُوا إلى النّارِ.
واخْتَلَفُوا في إعْرابِ (كَدَأْبِ) فَقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: دَأْبُهم كَدَأْبِ، وبِهِ بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقُودُ) أيْ: تُوقَدُ النّارُ بِهِمْ، كَما تُوقَدُ بِآلِ فِرْعَوْنَ، كَما تَقُولُ: إنَّكَ لَتَظْلِمُ النّاسَ كَدَأْبِ أبِيكَ، تُرِيدُ: كَظُلْمِ أبِيكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقِيلَ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِ الوَقُودِ، ويَكُونُ التَّشْبِيهُ في نَفْسِ الِاحْتِراقِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: مِن مَعْناهُ أيْ: عُذِّبُوا تَعْذِيبًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وقُودُ النّارِ.
وقِيلَ: بِـ (لَنْ تُغْنِيَ) أيْ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم مِثْلُ ما لَمْ تُغْنِ عَنْ أُولَئِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ عَلى أيِّ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدَّرْناهُما، فِيها مِن أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّ، أوْ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ بِإنَّ، فَإنْ قَدَّرْتَها اعْتِراضِيَّةً، وهو بَعِيدٌ، جازَ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ: بِفِعْلٍ مَنصُوبٍ مِن مَعْنى (لَنْ تُغْنِيَ) أيْ: بَطَلَ انْتِفاعُهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ بُطْلانًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ والعامِلُ فِيهِ (كَفَرُوا) قالَهُ الفَرّاءُ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْمُولًا لِلصِّلَةِ كانَ مِنَ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبَرَ عَنِ المَوْصُولِ حَتّى يَسْتَوْفِيَ صِلَتَهُ ومُتَعَلَّقاتِها، وهُنا قَدْ أخْبَرَ، فَلا تَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما في الصِّلَةِ، وقِيلَ: بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: كَفَرُوا، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا كُفْرًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: العامِلُ في الكافِ كَذَّبُوا بِآياتِنا، والضَّمِيرُ في (كَذَّبُوا) عَلى هَذا لِكُفّارِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ: كَذَّبُوا تَكْذِيبًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: أخَذَهم أخْذًا كَما أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ العاطِفَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وحَكى بَعْضُ أصْحابِنا عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم أجازُوا: زَيْدًا قُمْتُ فَضَرَبْتُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ هَذا القَوْلُ. فَهَذِهِ عَشَرَةُ أقْوالٍ في العامِلِ في الكافِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّأْبُ، بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، مَصْدَرُ دَأبَ يَدْأبُ، إذا لازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ ودامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، ويُقالُ لِلْعادَةِ: دَأْبٌ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ يَعْقُوبَ يَذْكُرُ (كَدَأبِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقالَ لِي: وأنا غُلَيْمٌ عَلى أيِّ شَيْءٍ يَجُوزُ كَدَأبِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أظُنُّهُ مِن دَئِبَ يَدْأبُ دَأبًا، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي، وتَعَجَّبَ مِن جَوْدَةِ تَقْدِيرِي عَلى صِغَرِي، ولا أدْرِي: أيُقالُ أمْ لا ؟ قالَ النَّحّاسُ: لا يُقالُ دَئِبَ ألْبَتَّةَ، وإنَّما يُقالُ: دَأبَ يَدْأبُ دُؤُبًا هَكَذا حَكى النَّحْوِيُّونَ، مِنهُمُ الفَرّاءُ، حَكاهُ في كِتابِ (المَصادِرِ) .
و(آلِ فِرْعَوْنَ) أشْياعُهُ وأتْباعُهُ.
﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هم كُفّارُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ، وغَيْرِهِمْ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وهم مُعاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَوْضِعُ (والَّذِينَ) جَرٌّ عَطْفًا عَلى آلِ فِرْعَوْنَ.
﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلدَّأْبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلُوا ؟ وما فُعِلَ بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِآياتِنا، فَهي كَأنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُكَذِّبِينَ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا﴾ فَيَكُونُ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ، و(كَذَّبُوا) خَبَرُهُ وفي قَوْلِهِ: (بِآياتِنا) التِفاتٌ؛ إذْ قَبْلَهُ (مِنَ اللَّهِ)، فَهو اسْمُ غَيْبَةٍ، فانْتَقَلَ مِنهُ إلى التَّكَلُّمِ.
والآياتُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَتْلُوَّةَ في كُتُبِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٠)أنْ تَكُونَ العَلاماتِ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ أنْبِيائِهِ.
﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ رَجَعَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ، ومَعْنى الأخْذِ بِالذَّنْبِ: العِقابُ عَلَيْهِ، والباءُ في بِذُنُوبِهِمْ لِلسَّبَبِ.
﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى سَطْوَةِ اللَّهِ عَلى مَن كَفَرَ بِآياتِهِ وكَذَّبَ بِها، قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ حُسْنَ الإبْهامِ، وهو فِيما افْتُتِحَتْ بِهِ، لِيُنَبِّهَ الفِكْرَ إلى النَّظَرِ فِيما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ.
ومَجازُ التَّشْبِيهِ في مَواضِعَ مِنها ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وحَقِيقَةُ النُّزُولِ طَرْحُ جَرْمٍ مِن عُلُّوٍ إلى أسْفَلَ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلَمّا أُثْبِتَ في القَلْبِ صارَ بِمَنزِلَةِ جِرْمٍ أُلْقِيَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ فَشُبِّهَ بِهِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الإنْزالِ وفي قَوْلِهِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] القُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ، شُبِّهَ بِالإنْسانِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ يَنالُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٣] أقامَ المَصْدَرَ فِيهِ مَقامَ اسْمِ الفاعِلِ، فَجَعَلَ التَّوْراةَ كالرَّجُلِ الَّذِي يُوَرِّي عَنْكَ أمْرًا، أيْ: يَسْتُرُهُ لِما فِيها مِنَ المَعانِي الغامِضَةِ، والإنْجِيلُ شُبِّهَ لِما فِيهِ مِنَ اتِّساعِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والمَواعِظِ والخُضُوعِ بِالعَيْنِ النَّجْلاءِ، وجَعَلَ ذَلِكَ هُدًى لِما فِيهِ مِنَ الإرْشادِ، كالطَّرِيقِ الَّذِي يَهْدِيكَ إلى المَكانِ الَّذِي تَرُومُهُ، وشَبَّهَ الفُرْقانَ بِالجِرْمِ الفارِقِ بَيْنَ جِرْمَيْنِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٤] شَبَّهَ ما يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِن ضِيقِ العَذابِ وألَمِهِ بِالمَشْدُودِ المُوَثقِ المُضَيَّقِ عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ [آل عمران: ٦] شَبَّهَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: كُنْ أوْ تَعَلُّقَ إرادَتِهِ بِكَوْنِهِ جاءَ عَلى غايَةٍ مِنَ الإحْكامِ والصُّنْعِ بِمُصَوِّرٍ يُمَثِّلُ شَيْئًا، فَيَضُمُّ جِرْمًا إلى جِرْمٍ، ويُصَوِّرُ مِنهُ صُورَةً وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] جَعَلَ ما اتَّضَحَ مِن مَعانِي كِتابِهِ، وظَهَرَتْ آثارُ الحِكْمَةِ عَلَيْهِ مُحْكَمًا، وشَبَّهَ المُحْكَمُ لِما فِيهِ مِن أُصُولِ المَعانِي الَّتِي تَتَفَرَّعُ مِنها فُرُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُرْجَعُ إلَيْها بِالأُمِّ الَّتِي تَرْجِعُ إلَيْها ما تَفَرَّعَ مِن نَسْلِها ويَؤُمُّونَها، وشَبَّهَ ما خَفِيَتْ مَعانِيهِ لِاخْتِلافِ أنْحائِهِ كالفَواتِحِ، والألْفاظَ المُحْتَمِلَةَ مَعانِيَ شَتّى، والآياتِ الدّالَّةَ عَلى أمْرِ المَعادِ والحِسابِ بِالشَّيْءِ المُشْتَبَهِ المُلْبَسِ أمْرُهُ الَّذِي وجَمَ العَقْلُ عَنْ تَكْيِيفِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] شَبَّهَ القَلْبَ المائِلَ عَنِ القَصْدِ بِالشَّيْءِ الزّائِغِ عَنْ مَكانِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ شَبَّهَ المَعْقُولَ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ بِالمَحْسُوسِ مِنَ الأجْرامِ مِنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ في الهِبَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وقُودُ النّارِ﴾ شَبَّهَهم بِالحَطَبِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ إلّا في الوَقُودِ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] والحَصَبُ الحَطَبُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ شَبَّهَ إحاطَةَ عَذابِهِ بِهِمْ بِالمَأْخُوذِ بِاليَدِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ بِحُكْمِ إرادَةِ الأخْذِ.
وقِيلَ: هَذِهِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ، ولا تَشْبِيهَ فِيها إلّا ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فَإنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ أداةِ التَّشْبِيهِ.
والِاخْتِصاصُ في مَواضِعَ، مِنها في قَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] إلى ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] عَلى مَن فَسَّرَهُ بِالزَّبُورِ، واخْتَصَّ الأرْبَعَةَ دُونَ بَقِيَّةِ ما أنْزَلَ؛ لِأنَّ أصْحابَ الكُتُبِ إذْ ذاكَ: المُؤْمِنُونَ، واليَهُودُ، والنَّصارى، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] خَصَّهُما لِأنَّهُما أكْبَرُ مَخْلُوقاتِهِ الظّاهِرَةِ لَنا، ولِأنَّهُما مَحَلّانِ لِلْعُقَلاءِ، ولِأنَّ مِنهُما أكْثَرَ المَنافِعِ المُخْتَصَّةِ بِعِبادِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] اخْتَصَّهم بِخُصُوصِيَّةِ الرُّسُوخِ في العِلْمِ بِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] لِأنَّ العُقَلاءَ لَهم خُصُوصِيَّةُ التَّمْيِيزِ، والنَّظَرِ، والِاعْتِبارِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ اخْتَصَّ القُلُوبَ لِأنَّ بِها صَلاحَ الجَسَدِ وفَسادِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَقِيَّةُ الأعْضاءِ، ولِأنَّها مَحَلُّ الإيمانِ ومَحَلُّ العَقْلِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ وهو جامِعُهم في الدُّنْيا عَلى وجْهِ الأرْضِ أحْياءً وفي بَطْنِها أمْواتًا؛ لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ الجَمْعَ الأكْبَرَ، وهو الحَشْرُ، ولا يَكُونُ إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا جامِعَ إلّا هو تَعالى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ اخْتَصَّ الكُفّارَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ تُغْنِي عَنْهم أمْوالُهُمُ الَّتِي يُنْفِقُونَها في وُجُوهِ البِرِّ، فَهم يَجْنُونَ ثَمَرَتَها في الآخِرَةِ، وتَنْفَعُهم (p-٣٩١)أوْلادُهم في الآخِرَةِ، يَسْقُونَهم ويَكُونُونَ لَهم حِجابًا مِنَ النّارِ، ويُشَفَّعُونَ فِيهِمْ إذا ماتُوا صِغارًا، ويَنْفَعُونَهم بِالدُّعاءِ الصّالِحِ كِبارًا. وكُلُّ هَذا ورَدَ بِهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ، وقَدَّمَهم؛ لِأنَّهم أكْثَرُ الأُمَمِ طُغْيانًا، وأعْظَمُهم تَعَنُّتًا عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ عَذابًا.
والحَذْفُ في مَواضِعَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: مِنَ الكُتُبِ، و﴿أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: وأنْزَلَ الإنْجِيلَ؛ لِأنَّ الإنْزالَيْنِ في زَمانَيْنِ.
﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٤] أيِ: الَّذِينَ أرادَ هُداهم.
﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٤]: أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] أيْ: مِمَّنْ أرادَ عُقُوبَتَهُ.
﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] أيْ: ولا في غَيْرِهِما (العَزِيزُ) أيْ: في مُلْكِهِ. (الحَكِيمُ) أيْ: في صُنْعِهِ. (وأُخَرُ) أيْ: آياتٌ أُخَرُ.
﴿زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَنِ الحَقِّ.
﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: لَكم.
﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المُرادِ مِنهُ، ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ المَطْلُوبَةِ. (رَبَّنا) أيْ: يا رَبَّنا، ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ أيْ: إلَيْهِ، ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ: المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، أوِ المَنصُوباتِ عَلَمًا عَلى التَّوْحِيدِ، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيِ: السّالِفَةِ.
والتَّكْرارُ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ، وأنْزَلَ الفُرْقانَ. كُرِّرَ لِاخْتِلافِ الإنْزالِ، وكَيْفِيَّتِهِ، وزَمانِهِ. بِآياتِ اللَّهِ، واللَّهُ كَرَّرَ اسْمَهَ تَعالى تَفْخِيمًا؛ لِأنَّ في ذِكْرِ المُظْهَرِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لَيْسَ في المُضْمَرِ.
﴿لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ﴾ [آل عمران: ٦] . كَرَّرَ الجُمْلَةَ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْرارِ ذَلِكَ في النُّفُوسِ، ورَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّ مَعَهُ إلَهًا غَيْرَهُ. (ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ)، ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] كُرِّرَ لِاخْتِلافِ التَّأْوِيلَيْنِ، أوْ لِلتَّفْخِيمِ لِشَأْنِ التَّأْوِيلِ.
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ﴾، ﴿رَبَّنا إنَّكَ﴾ . كَرَّرَ الدُّعاءَ؛ تَنْبِيهًا عَلى مُلازَمَتِهِ، وتَحْذِيرًا مِنَ الغَفْلَةِ عَنْهُ، لِما فِيهِ مِن إظْهارِ الِافْتِقارِ.
والتَّقْدِيِمُ والتَّأْخِيرُ وذَلِكَ في ذِكْرِ إنْزالِ الكُتُبِ، لَمْ يَجِيءِ الإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الزَّمانِ، إذِ التَّوْراةُ أوَّلًا، ثُمَّ الزَّبُورُ، ثُمَّ الإنْجِيلُ، ثُمَّ القُرْآنُ. وقُدِّمَ القُرْآنُ؛ لِشَرَفِهِ، وعِظَمِ ثَوابِهِ، ونَسْخِهِ لِما تَقَدَّمَ، وبَقائِهِ، واسْتِمْرارِ حُكْمِهِ إلى آخِرِ الزَّمانِ. وثَنى بِالتَّوْراةِ؛ لِما فِيها مِنَ الأحْكامِ الكَثِيرَةِ، والقَصَصِ، وخَفايا الِاسْتِنْباطِ.
ورَوى المُفَضَّلُ: أنَّ التَّوْراةَ حِينَ نَزَلَتْ كانَتْ سَبْعِينَ وسْقًا، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالإنْجِيلِ؛ لِأنَّهُ كِتابٌ فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والحِكَمِ ما لا يُحْصى، ثُمَّ تَلاهُ بِالزَّبُورِ؛ لِأنَّ فِيهِ مَواعِظَ وحِكَمًا لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الإنْجِيلِ، وهَذا إذا قُلْنا إنَّ الفُرْقانَ هو الزَّبُورُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] قَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ، وإنْ كانَتِ السَّماءُ أكْثَرَ في العَوالِمِ، وأكْبَرَ في الأجْرامِ، وأكْبَرَ في الدَّلائِلِ والآياتِ، وأجْزَلَ في الفَضائِلِ لِطَهارَةِ سُكّانِها، بِخِلافِ سُكّانِ الأرْضِ؛ لِيُعْلِمَهُمُ اطِّلاعَهُ عَلى خَفايا أُمُورِهِمْ، فاهْتَمَّ بِتَقْدِيمِ مَحَلِّهِمْ عَسى أنْ يَزْدَجِرُوا عَنْ قَبِيحِ أفْعالِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا أنْبَهَ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أمْرِهِ، اسْتَحْيا مِنهُ.
والِالتِفاتُ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ﴾ ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ) وفي قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
والتَّأْكِيدُ: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ فَأكَّدَ بِلَفْظَةِ: هم، وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ [آل عمران: ٦] قَوْلَهُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٦] وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] قَوْلَهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] .
والتَّوَسُّعُ بِإقامَةِ المَصْدَرِ، مَقامَ اسْمِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: هُدًى، والفَرْقانِ، أيْ: هادِيًا، والفارِقُ. وبِإقامَةِ الحَرْفِ مَقامَ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ، أيْ: عِنْدَ اللَّهِ، عَلى قَوْلِ مَن أوَّلَ مِن: بِمَعْنى ”عِنْدَ“ . والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في قَوْلِهِ: وهَبْ، والوَهّابُ.
آل عمران 3:10
وهَذِهِ مَسْألَةٌ كَلامِيَّةٌ: هَلِ اللَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما هو خالِقُ الخَيْرِ ؟ أوْ لا يَخْلُقُ الشَّرَّ ؟ فالأوَّلُ: قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وكُلٌّ يُفَسِّرُ عَلى مَذْهَبِهِ.
وقَرَأ الصِّدِّيقُ، وأبُو قائِلَةَ، والجَرّاحُ (لا تَزُغْ قُلُوبُنا) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ الباءِ وقَرَأ بَعْضُهم (لا يَزُغْ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً، ورَفْعِ باءِ (قُلُوبُنا) جَعَلَهُ مِن زاغَ، وأسْنَدَهُ إلى القُلُوبِ، وظاهِرُهُ نَهْيُ القُلُوبِ عَنِ الزَّيْغِ، وإنَّما هو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، و
؎لا أعْرِفَنَّ رَبْرَبًا حُوَّرًا مَدامِعُهُ
أيْ: لا تُزِغْنا فَتَزِيغَ قُلُوبُنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، ظاهِرُهُ الهِدايَةُ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الضَّلالِ، وقِيلَ: بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا لِلْعِلْمِ بِالمُحْكَمِ، والتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشابِهِ مِن كِتابِكَ، و(إذْ) أصْلُها أنْ تَكُونَ ظَرْفًا، وهُنا أُضِيفَ إلَيْها (بَعْدَ) فَصارَتِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وهي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ تُضافُ إلى الجُمْلَةِ، واسْتُصْحِبَ فِيها حالُها مِنَ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ، ولَيْسَتِ الإضافَةُ إلَيْها تُخْرِجُها عَنْ هَذا الحُكْمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] ؟ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الإنفطار: ١٩] في قِراءَةِ مَن رَفَعَ (يَوْمُ) وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا
عَلى حِينَ مَن تُكْتَبُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ عَلى حِينَ الكِرامِ قَلِيلُ ألا لَيْتَ أيّامَ الصَّفاءِ جَدِيدُ كَيْفَ خَرَجَ الظَّرْفُ هُنا عَنْ بابِهِ، واسْتُعْمِلَ خَبَرًا ومَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ، واسْمَ لَيْتَ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ ؟
﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ سَألُوا بِلَفْظِ الهِبَةِ المُشْعِرَةِ بِالتَّفَضُّلِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ولا عَمَلٍ ولا مُعاوَضَةٍ؛ لِأنَّ الهِبَةَ كَذَلِكَ تَكُونُ، وخَصُّوها بِأنَّها مِن عِنْدِهِ، والرَّحْمَةُ إنْ كانَتْ مِن صِفاتِ الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ فِيها الهِبَةُ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: نَعِيمًا، أوْ ثَوابًا صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، ولَمّا كانَ المَسْئُولُ صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، صَحَّ أنْ يَسْألُوا الرَّحْمَةَ إجْراءً لِلسَّبَبِ مَجْرى المُسَبِّبِ، وقِيلَ: مَعْنى (رَحْمَةً) تَوْفِيقًا وسَدادًا وتَثْبِيتًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهُدى.
﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ هَذا كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ: وهَبْ (p-٣٨٧)لَنا، كَقَوْلِكَ: حِلَّ هَذا المُشْكِلَ إنَّكَ أنْتَ العالِمُ بِالمُشْكِلاتِ، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي عَلى فَعّالٍ، وإنْ كانُوا قَدْ قالُوا: وهُوبٌ، لِمُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ، ويَجُوزُ في (أنْتَ) التَّوْكِيدُ لِلضَّمِيرِ، والفَصْلُ، والِابْتِداءُ.
﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا سَألُوهُ تَعالى أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم بَعْدَ الهِدايَةِ، وكانَتْ ثَمَرَةُ انْتِفاءِ الزَّيْغِ والهِدايَةِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أخْبَرُوا أنَّهم مُوقِنُونَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، والبَعْثِ فِيهِ لِلْمُجازاةِ، وأنَّ اعْتِقادَ صِحَّةِ الوَعْدِ بِهِ هو الَّذِي هَداهم إلى سُؤالِ أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم، ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، ومَعْنى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ في وُجُودِهِ لِصِدْقِ مَن أخْبَرَ بِهِ، وإنْ كانَ يَقَعُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ رَيْبٌ فَهو بِحالِ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ فِيهِ.
وقِيلَ: اللّامُ، بِمَعْنى في، أيْ: في يَوْمٍ، ويَكُونُ المَجْمُوعُ لِأجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ، وظاهِرُ هَذا الجَمْعِ أنَّهُ الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ لِلْمُجازاةِ، فَهو اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ قِراءَةُ أبِي حاتِمٍ (جامِعٌ النّاسَ) بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (النّاسَ)
وقِيلَ: مَعْنى الجَمْعُ هُنا أنَّهُ يَجْمَعُهم في القُبُورِ، وكَأنَّ اللّامَ تَكُونُ بِمَعْنى إلى لِلْغايَةِ، أيْ: جامِعُهم في القُبُورِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويَكُونُ اسْمُ الفاعِلِ هُنا لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الزَّمانُ؛ إذْ مِنَ النّاسِ مَن ماتَ، ومِنهم مَن لَمْ يَمُتْ، فَنُسِبَ الجَمْعُ إلى اللَّهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الزَّمانِ، والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى اليَوْمِ؛ إذِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لَهُ، ومَن أعادَهُ عَلى الجَمْعِ المَفْهُومِ مِن (جامِعُ) أوْ عَلى الجَزاءِ الدّالِّ عَلَيْهِ المَعْنى، فَقَدْ أبْعَدَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ظاهِرُ العُدُولِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِ الرّاسِخِينَ الدّاعِينَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ أنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي خَلْفَ المِيعادِ، كَقَوْلِكَ: إنَّ الجَوادَ لا يَخِيبُ سائِلُهُ، و(المِيعادَ) المَوْعِدُ، انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: إنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي خَلْفَ المِيعادِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ مُطْلَقًا، وهو عِنْدَنا مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ، كَما اتَّفَقْنا نَحْنُ وهَمَ عَلى أنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، والشَّرْطانِ يُثْبَتانِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولَئِنْ سَلَّمْنا ما يَقُولُونَهُ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الوَعِيدَ يَدْخُلُ تَحْتَ الوَعْدِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مِيعادِ الأوْلِياءِ دُونَ وعِيدِ الأعْداءِ؛ لِأنَّ خَلْفَ الوَعِيدِ كَرَمٌ عِنْدَ العَرَبِ، ولِذَلِكَ يَمْدَحُونَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا وعَدَ السَّرّاءَ أنْجَزَ وعْدَهُ ∗∗∗ وإنْ وعَدَ الضَّرّاءَ فالعَفْوُ مانِعُهْ
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِ الدّاعِينَ، ويَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غِيبَةٍ لِما في ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ والهَيْبَةِ، وكَأنَّهم لَمّا والَوُا الدُّعاءَ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا، أخْبَرُوا عَنِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ الوَفِيُّ بِالوَعْدِ، وتَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ الإيمانَ بِالبَعْثِ والمُجازاةِ والإيفاءِ بِما وعَدَ تَعالى.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قِيلَ: المُرادُ وفْدُ نَجْرانَ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ أبا حارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ قالَ لِأخِيهِ: إنِّي أعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَكِنِّي إنْ أظْهَرْتُ ذَلِكَ أخَذَ مُلُوكُ الرُّومِ مِنِّي ما أعْطَوْنِي مِنَ المالِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِأمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهي عامَّةٌ تَتَناوَلُ كُلَّ كافِرٍ.
ومَعْنى (مِنَ اللَّهِ) أيْ: مِن عَذابِهِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، ومَعْنى أغْنى عَنْهُ، دَفْعَ عَنْهُ ومَنعَهُ، ولَمّا كانَ المالُ في بابِ المُدافَعَةِ والتَّقَرُّبِ والفِتْنَةِ أبْلَغُ مِنَ الأوْلادِ، قُدِّمَ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبإ: ٣٧] وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الحديد: ٢٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] إلى آخِرِها، فَإنَّهُ ذَكَرَ هُنا حُبَّ الشَّهَواتِ، فَقَدَّمَ فِيهِ النِّساءَ والبَنِينَ عَلى ذِكْرِ الأمْوالِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (p-٣٨٨)(لَنْ يُغْنِيَ) بِالياءِ عَلى تَذْكِيرِ العَلامَةِ، وقَرَأ عَلِيٌّ (لَنْ يُغْنِي) بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ (لَنْ يُغْنِي) بِالياءِ أوَّلًا وبِالياءِ السّاكِنَةِ آخِرًا، وذَلِكَ لِاسْتِثْقالِ الحَرَكَةِ في حَرْفِ اللِّينِ، وإجْراءِ المَنصُوبِ مَجْرى المَرْفُوعِ، وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَخُصُّ هَذا بِالضَّرُورَةِ، ويَنْبَغِي أنْ لا يَخُصَّ بِها، إذْ كَثُرَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ.
و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ عِنْدَ المُبَرِّدِ، وبِمَعْنى عِنْدَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وجَعَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] قالَ: مَعْناهُ عِنْدَ جُوعٍ وعِنْدَ خَوْفٍ، وكَوْنُ (مِن) بِمَعْنى عِنْدَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّهِ) مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] والمَعْنى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِن طاعَةِ اللَّهِ شَيْئًا، أيْ: بَدَلَ رَحْمَتِهِ وطاعَتِهِ، وبَدَلَ الحَقِّ، ومِنهُ: ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ أيْ: لا يَنْفَعُهُ جَدُّهُ وحَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا بِذَلِكَ، أيْ: بَدَلَ طاعَتِكَ وعِبادَتِكَ، وما عِنْدَكَ، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبإ: ٣٧] انْتَهى كَلامُهُ.
وإثْباتُ البَدَلِيَّةِ: لِمِن، فِيهِ خِلافٌ أصْحابُنا يُنْكِرُونَهُ، وغَيْرُهم قَدْ أثْبَتَهُ، وزَعَمَ أنَّها تَأْتِي بِمَعْنى البَدَلِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ وبَدَلَكم، وقالَ الشّاعِرُ:
؎أخَذُوا المَخاضَ مِنَ الفَصِيلِ غُلُبَّةً ∗∗∗ ظُلْمًا ويُكْتَبُ لِلْأمِيرِ أفِيلا
أيْ: بَدَلَ الفَصِيلِ، وشَيْئًا يَنْتَصِبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ شَيْئًا مِنَ الضَّرْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ مَعْنى (لَنْ تُغْنِيَ) لَنْ تَدْفَعَ أوْ تَمْنَعَ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مِن) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شَيْئًا) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، وتَكُونُ (مِن) إذْ ذاكَ لِلتَّبْعِيضِ.
فَتُلَخَّصُ في (مِن) أرْبَعَةُ أقْوالٍ: ابْتِداءُ الغايَةِ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ، والكَلْبِيِّ، وكَوْنُها بِمَعْنى (عِنْدَ) وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، والبَدَلِيَّةُ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، والتَّبْعِيضُ، وهو الَّذِي قَرَّرْناهُ.
﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ لَمّا قَدَّمَ إنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم كَثْرَةُ أمْوالِهِمْ، ولا تَناصُرُ أوْلادِهِمْ، أخْبَرَ بِمَآلِهِمْ، وأنَّ غايَةَ مَن كَفَرَ، ومُنْتَهى مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ النّارُ، فاحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّ، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، وأشارَ: بِأُولَئِكَ إلى بُعْدِهِمْ، وأتى بِلَفْظِ: هم، المُشْعِرَةُ بِالِاخْتِصاصِ، وجَعَلَهم نَفْسَ الوَقُودِ مُبالَغَةً في الِاحْتِراقِ، كَأنَّ النّارَ لَيْسَ لَها ما يُضْرِمُها إلّا هم، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الوَقُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما (وُقُودُ) بِضَمِّ الواوِ، وهو مَصْدَرُ: وقَدَتِ النّارُ تَقِدُ وُقُودًا، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أهْلُ وقُودِ النّارِ، أوْ حَطَبُ وقُودٍ، أوْ جَعَلَهم نَفْسَ الوَقُودِ مُبالَغَةً، كَما تَقُولُ: زَيْدُ رِضًا.
وقَدْ قِيلَ في المَصْدَرِ أيْضًا: وقُودُ، بِفَتْحِ الواوِ، وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعُولٍ بِفَتْحِ الواوِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ مَن كَفَرَ وكَذَّبَ بِاللَّهِ مَآلُهُ إلى النّارِ، ولَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ (p-٣٨٩)مالُهُ ولا ولَدُهُ، ذَكَرَ أنَّ شَأْنَ هَؤُلاءِ في تَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرَتُّبَ العَذابِ عَلى كُفْرِهِمْ، كَشَأْنِ مَن تَقَدَّمَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، أُخِذُوا بِذُنُوبِهِمْ، وعُذِّبُوا عَلَيْها، ونَبَّهَ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم يَعْرِفُونَ ما جَرى لَهم حِينَ كَذَّبُوا بِمُوسى مِن إغْراقِهِمْ وتَصْيِيرِهِمْ آخِرًا إلى النّارِ، وظُهُورِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمْ، وتَوْرِيثِهِمْ أماكِنَ مُلْكِهِمْ، فَفي هَذا كُلِّهِ بِشارَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِمَن آمَنَ بِهِ، أنَّ الكُفّارَ مَآلُهم في الدُّنْيا إلى الِاسْتِئْصالِ، وفي الآخِرَةِ إلى النّارِ، كَما جَرى لِآلِ فِرْعَوْنَ، أُهْلِكُوا في الدُّنْيا وصارُوا إلى النّارِ.
واخْتَلَفُوا في إعْرابِ (كَدَأْبِ) فَقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: دَأْبُهم كَدَأْبِ، وبِهِ بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقُودُ) أيْ: تُوقَدُ النّارُ بِهِمْ، كَما تُوقَدُ بِآلِ فِرْعَوْنَ، كَما تَقُولُ: إنَّكَ لَتَظْلِمُ النّاسَ كَدَأْبِ أبِيكَ، تُرِيدُ: كَظُلْمِ أبِيكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقِيلَ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِ الوَقُودِ، ويَكُونُ التَّشْبِيهُ في نَفْسِ الِاحْتِراقِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: مِن مَعْناهُ أيْ: عُذِّبُوا تَعْذِيبًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وقُودُ النّارِ.
وقِيلَ: بِـ (لَنْ تُغْنِيَ) أيْ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم مِثْلُ ما لَمْ تُغْنِ عَنْ أُولَئِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ عَلى أيِّ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدَّرْناهُما، فِيها مِن أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّ، أوْ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ بِإنَّ، فَإنْ قَدَّرْتَها اعْتِراضِيَّةً، وهو بَعِيدٌ، جازَ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ: بِفِعْلٍ مَنصُوبٍ مِن مَعْنى (لَنْ تُغْنِيَ) أيْ: بَطَلَ انْتِفاعُهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ بُطْلانًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ والعامِلُ فِيهِ (كَفَرُوا) قالَهُ الفَرّاءُ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْمُولًا لِلصِّلَةِ كانَ مِنَ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبَرَ عَنِ المَوْصُولِ حَتّى يَسْتَوْفِيَ صِلَتَهُ ومُتَعَلَّقاتِها، وهُنا قَدْ أخْبَرَ، فَلا تَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما في الصِّلَةِ، وقِيلَ: بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: كَفَرُوا، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا كُفْرًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: العامِلُ في الكافِ كَذَّبُوا بِآياتِنا، والضَّمِيرُ في (كَذَّبُوا) عَلى هَذا لِكُفّارِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ: كَذَّبُوا تَكْذِيبًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: أخَذَهم أخْذًا كَما أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ العاطِفَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وحَكى بَعْضُ أصْحابِنا عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم أجازُوا: زَيْدًا قُمْتُ فَضَرَبْتُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ هَذا القَوْلُ. فَهَذِهِ عَشَرَةُ أقْوالٍ في العامِلِ في الكافِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّأْبُ، بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، مَصْدَرُ دَأبَ يَدْأبُ، إذا لازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ ودامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، ويُقالُ لِلْعادَةِ: دَأْبٌ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ يَعْقُوبَ يَذْكُرُ (كَدَأبِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقالَ لِي: وأنا غُلَيْمٌ عَلى أيِّ شَيْءٍ يَجُوزُ كَدَأبِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أظُنُّهُ مِن دَئِبَ يَدْأبُ دَأبًا، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي، وتَعَجَّبَ مِن جَوْدَةِ تَقْدِيرِي عَلى صِغَرِي، ولا أدْرِي: أيُقالُ أمْ لا ؟ قالَ النَّحّاسُ: لا يُقالُ دَئِبَ ألْبَتَّةَ، وإنَّما يُقالُ: دَأبَ يَدْأبُ دُؤُبًا هَكَذا حَكى النَّحْوِيُّونَ، مِنهُمُ الفَرّاءُ، حَكاهُ في كِتابِ (المَصادِرِ) .
و(آلِ فِرْعَوْنَ) أشْياعُهُ وأتْباعُهُ.
﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هم كُفّارُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ، وغَيْرِهِمْ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وهم مُعاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَوْضِعُ (والَّذِينَ) جَرٌّ عَطْفًا عَلى آلِ فِرْعَوْنَ.
﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلدَّأْبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلُوا ؟ وما فُعِلَ بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِآياتِنا، فَهي كَأنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُكَذِّبِينَ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا﴾ فَيَكُونُ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ، و(كَذَّبُوا) خَبَرُهُ وفي قَوْلِهِ: (بِآياتِنا) التِفاتٌ؛ إذْ قَبْلَهُ (مِنَ اللَّهِ)، فَهو اسْمُ غَيْبَةٍ، فانْتَقَلَ مِنهُ إلى التَّكَلُّمِ.
والآياتُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَتْلُوَّةَ في كُتُبِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٠)أنْ تَكُونَ العَلاماتِ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ أنْبِيائِهِ.
﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ رَجَعَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ، ومَعْنى الأخْذِ بِالذَّنْبِ: العِقابُ عَلَيْهِ، والباءُ في بِذُنُوبِهِمْ لِلسَّبَبِ.
﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى سَطْوَةِ اللَّهِ عَلى مَن كَفَرَ بِآياتِهِ وكَذَّبَ بِها، قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ حُسْنَ الإبْهامِ، وهو فِيما افْتُتِحَتْ بِهِ، لِيُنَبِّهَ الفِكْرَ إلى النَّظَرِ فِيما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ.
ومَجازُ التَّشْبِيهِ في مَواضِعَ مِنها ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وحَقِيقَةُ النُّزُولِ طَرْحُ جَرْمٍ مِن عُلُّوٍ إلى أسْفَلَ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلَمّا أُثْبِتَ في القَلْبِ صارَ بِمَنزِلَةِ جِرْمٍ أُلْقِيَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ فَشُبِّهَ بِهِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الإنْزالِ وفي قَوْلِهِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] القُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ، شُبِّهَ بِالإنْسانِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ يَنالُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٣] أقامَ المَصْدَرَ فِيهِ مَقامَ اسْمِ الفاعِلِ، فَجَعَلَ التَّوْراةَ كالرَّجُلِ الَّذِي يُوَرِّي عَنْكَ أمْرًا، أيْ: يَسْتُرُهُ لِما فِيها مِنَ المَعانِي الغامِضَةِ، والإنْجِيلُ شُبِّهَ لِما فِيهِ مِنَ اتِّساعِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والمَواعِظِ والخُضُوعِ بِالعَيْنِ النَّجْلاءِ، وجَعَلَ ذَلِكَ هُدًى لِما فِيهِ مِنَ الإرْشادِ، كالطَّرِيقِ الَّذِي يَهْدِيكَ إلى المَكانِ الَّذِي تَرُومُهُ، وشَبَّهَ الفُرْقانَ بِالجِرْمِ الفارِقِ بَيْنَ جِرْمَيْنِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٤] شَبَّهَ ما يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِن ضِيقِ العَذابِ وألَمِهِ بِالمَشْدُودِ المُوَثقِ المُضَيَّقِ عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ [آل عمران: ٦] شَبَّهَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: كُنْ أوْ تَعَلُّقَ إرادَتِهِ بِكَوْنِهِ جاءَ عَلى غايَةٍ مِنَ الإحْكامِ والصُّنْعِ بِمُصَوِّرٍ يُمَثِّلُ شَيْئًا، فَيَضُمُّ جِرْمًا إلى جِرْمٍ، ويُصَوِّرُ مِنهُ صُورَةً وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] جَعَلَ ما اتَّضَحَ مِن مَعانِي كِتابِهِ، وظَهَرَتْ آثارُ الحِكْمَةِ عَلَيْهِ مُحْكَمًا، وشَبَّهَ المُحْكَمُ لِما فِيهِ مِن أُصُولِ المَعانِي الَّتِي تَتَفَرَّعُ مِنها فُرُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُرْجَعُ إلَيْها بِالأُمِّ الَّتِي تَرْجِعُ إلَيْها ما تَفَرَّعَ مِن نَسْلِها ويَؤُمُّونَها، وشَبَّهَ ما خَفِيَتْ مَعانِيهِ لِاخْتِلافِ أنْحائِهِ كالفَواتِحِ، والألْفاظَ المُحْتَمِلَةَ مَعانِيَ شَتّى، والآياتِ الدّالَّةَ عَلى أمْرِ المَعادِ والحِسابِ بِالشَّيْءِ المُشْتَبَهِ المُلْبَسِ أمْرُهُ الَّذِي وجَمَ العَقْلُ عَنْ تَكْيِيفِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] شَبَّهَ القَلْبَ المائِلَ عَنِ القَصْدِ بِالشَّيْءِ الزّائِغِ عَنْ مَكانِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ شَبَّهَ المَعْقُولَ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ بِالمَحْسُوسِ مِنَ الأجْرامِ مِنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ في الهِبَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وقُودُ النّارِ﴾ شَبَّهَهم بِالحَطَبِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ إلّا في الوَقُودِ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] والحَصَبُ الحَطَبُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ شَبَّهَ إحاطَةَ عَذابِهِ بِهِمْ بِالمَأْخُوذِ بِاليَدِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ بِحُكْمِ إرادَةِ الأخْذِ.
وقِيلَ: هَذِهِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ، ولا تَشْبِيهَ فِيها إلّا ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فَإنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ أداةِ التَّشْبِيهِ.
والِاخْتِصاصُ في مَواضِعَ، مِنها في قَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] إلى ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] عَلى مَن فَسَّرَهُ بِالزَّبُورِ، واخْتَصَّ الأرْبَعَةَ دُونَ بَقِيَّةِ ما أنْزَلَ؛ لِأنَّ أصْحابَ الكُتُبِ إذْ ذاكَ: المُؤْمِنُونَ، واليَهُودُ، والنَّصارى، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] خَصَّهُما لِأنَّهُما أكْبَرُ مَخْلُوقاتِهِ الظّاهِرَةِ لَنا، ولِأنَّهُما مَحَلّانِ لِلْعُقَلاءِ، ولِأنَّ مِنهُما أكْثَرَ المَنافِعِ المُخْتَصَّةِ بِعِبادِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] اخْتَصَّهم بِخُصُوصِيَّةِ الرُّسُوخِ في العِلْمِ بِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] لِأنَّ العُقَلاءَ لَهم خُصُوصِيَّةُ التَّمْيِيزِ، والنَّظَرِ، والِاعْتِبارِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ اخْتَصَّ القُلُوبَ لِأنَّ بِها صَلاحَ الجَسَدِ وفَسادِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَقِيَّةُ الأعْضاءِ، ولِأنَّها مَحَلُّ الإيمانِ ومَحَلُّ العَقْلِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ وهو جامِعُهم في الدُّنْيا عَلى وجْهِ الأرْضِ أحْياءً وفي بَطْنِها أمْواتًا؛ لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ الجَمْعَ الأكْبَرَ، وهو الحَشْرُ، ولا يَكُونُ إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا جامِعَ إلّا هو تَعالى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ اخْتَصَّ الكُفّارَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ تُغْنِي عَنْهم أمْوالُهُمُ الَّتِي يُنْفِقُونَها في وُجُوهِ البِرِّ، فَهم يَجْنُونَ ثَمَرَتَها في الآخِرَةِ، وتَنْفَعُهم (p-٣٩١)أوْلادُهم في الآخِرَةِ، يَسْقُونَهم ويَكُونُونَ لَهم حِجابًا مِنَ النّارِ، ويُشَفَّعُونَ فِيهِمْ إذا ماتُوا صِغارًا، ويَنْفَعُونَهم بِالدُّعاءِ الصّالِحِ كِبارًا. وكُلُّ هَذا ورَدَ بِهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ، وقَدَّمَهم؛ لِأنَّهم أكْثَرُ الأُمَمِ طُغْيانًا، وأعْظَمُهم تَعَنُّتًا عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ عَذابًا.
والحَذْفُ في مَواضِعَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: مِنَ الكُتُبِ، و﴿أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: وأنْزَلَ الإنْجِيلَ؛ لِأنَّ الإنْزالَيْنِ في زَمانَيْنِ.
﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٤] أيِ: الَّذِينَ أرادَ هُداهم.
﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٤]: أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] أيْ: مِمَّنْ أرادَ عُقُوبَتَهُ.
﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] أيْ: ولا في غَيْرِهِما (العَزِيزُ) أيْ: في مُلْكِهِ. (الحَكِيمُ) أيْ: في صُنْعِهِ. (وأُخَرُ) أيْ: آياتٌ أُخَرُ.
﴿زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَنِ الحَقِّ.
﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: لَكم.
﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المُرادِ مِنهُ، ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ المَطْلُوبَةِ. (رَبَّنا) أيْ: يا رَبَّنا، ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ أيْ: إلَيْهِ، ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ: المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، أوِ المَنصُوباتِ عَلَمًا عَلى التَّوْحِيدِ، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيِ: السّالِفَةِ.
والتَّكْرارُ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ، وأنْزَلَ الفُرْقانَ. كُرِّرَ لِاخْتِلافِ الإنْزالِ، وكَيْفِيَّتِهِ، وزَمانِهِ. بِآياتِ اللَّهِ، واللَّهُ كَرَّرَ اسْمَهَ تَعالى تَفْخِيمًا؛ لِأنَّ في ذِكْرِ المُظْهَرِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لَيْسَ في المُضْمَرِ.
﴿لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ﴾ [آل عمران: ٦] . كَرَّرَ الجُمْلَةَ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْرارِ ذَلِكَ في النُّفُوسِ، ورَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّ مَعَهُ إلَهًا غَيْرَهُ. (ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ)، ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] كُرِّرَ لِاخْتِلافِ التَّأْوِيلَيْنِ، أوْ لِلتَّفْخِيمِ لِشَأْنِ التَّأْوِيلِ.
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ﴾، ﴿رَبَّنا إنَّكَ﴾ . كَرَّرَ الدُّعاءَ؛ تَنْبِيهًا عَلى مُلازَمَتِهِ، وتَحْذِيرًا مِنَ الغَفْلَةِ عَنْهُ، لِما فِيهِ مِن إظْهارِ الِافْتِقارِ.
والتَّقْدِيِمُ والتَّأْخِيرُ وذَلِكَ في ذِكْرِ إنْزالِ الكُتُبِ، لَمْ يَجِيءِ الإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الزَّمانِ، إذِ التَّوْراةُ أوَّلًا، ثُمَّ الزَّبُورُ، ثُمَّ الإنْجِيلُ، ثُمَّ القُرْآنُ. وقُدِّمَ القُرْآنُ؛ لِشَرَفِهِ، وعِظَمِ ثَوابِهِ، ونَسْخِهِ لِما تَقَدَّمَ، وبَقائِهِ، واسْتِمْرارِ حُكْمِهِ إلى آخِرِ الزَّمانِ. وثَنى بِالتَّوْراةِ؛ لِما فِيها مِنَ الأحْكامِ الكَثِيرَةِ، والقَصَصِ، وخَفايا الِاسْتِنْباطِ.
ورَوى المُفَضَّلُ: أنَّ التَّوْراةَ حِينَ نَزَلَتْ كانَتْ سَبْعِينَ وسْقًا، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالإنْجِيلِ؛ لِأنَّهُ كِتابٌ فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والحِكَمِ ما لا يُحْصى، ثُمَّ تَلاهُ بِالزَّبُورِ؛ لِأنَّ فِيهِ مَواعِظَ وحِكَمًا لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الإنْجِيلِ، وهَذا إذا قُلْنا إنَّ الفُرْقانَ هو الزَّبُورُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] قَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ، وإنْ كانَتِ السَّماءُ أكْثَرَ في العَوالِمِ، وأكْبَرَ في الأجْرامِ، وأكْبَرَ في الدَّلائِلِ والآياتِ، وأجْزَلَ في الفَضائِلِ لِطَهارَةِ سُكّانِها، بِخِلافِ سُكّانِ الأرْضِ؛ لِيُعْلِمَهُمُ اطِّلاعَهُ عَلى خَفايا أُمُورِهِمْ، فاهْتَمَّ بِتَقْدِيمِ مَحَلِّهِمْ عَسى أنْ يَزْدَجِرُوا عَنْ قَبِيحِ أفْعالِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا أنْبَهَ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أمْرِهِ، اسْتَحْيا مِنهُ.
والِالتِفاتُ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ﴾ ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ) وفي قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
والتَّأْكِيدُ: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ فَأكَّدَ بِلَفْظَةِ: هم، وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ [آل عمران: ٦] قَوْلَهُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٦] وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] قَوْلَهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] .
والتَّوَسُّعُ بِإقامَةِ المَصْدَرِ، مَقامَ اسْمِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: هُدًى، والفَرْقانِ، أيْ: هادِيًا، والفارِقُ. وبِإقامَةِ الحَرْفِ مَقامَ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ، أيْ: عِنْدَ اللَّهِ، عَلى قَوْلِ مَن أوَّلَ مِن: بِمَعْنى ”عِنْدَ“ . والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في قَوْلِهِ: وهَبْ، والوَهّابُ.
آل عمران 3:11
وهَذِهِ مَسْألَةٌ كَلامِيَّةٌ: هَلِ اللَّهُ تَعالى خالِقُ الشَّرِّ كَما هو خالِقُ الخَيْرِ ؟ أوْ لا يَخْلُقُ الشَّرَّ ؟ فالأوَّلُ: قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وكُلٌّ يُفَسِّرُ عَلى مَذْهَبِهِ.
وقَرَأ الصِّدِّيقُ، وأبُو قائِلَةَ، والجَرّاحُ (لا تَزُغْ قُلُوبُنا) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ الباءِ وقَرَأ بَعْضُهم (لا يَزُغْ) بِالياءِ مَفْتُوحَةً، ورَفْعِ باءِ (قُلُوبُنا) جَعَلَهُ مِن زاغَ، وأسْنَدَهُ إلى القُلُوبِ، وظاهِرُهُ نَهْيُ القُلُوبِ عَنِ الزَّيْغِ، وإنَّما هو مِن بابِ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، و
؎لا أعْرِفَنَّ رَبْرَبًا حُوَّرًا مَدامِعُهُ
أيْ: لا تُزِغْنا فَتَزِيغَ قُلُوبُنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، ظاهِرُهُ الهِدايَةُ الَّتِي هي مُقابَلَةُ الضَّلالِ، وقِيلَ: بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا لِلْعِلْمِ بِالمُحْكَمِ، والتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشابِهِ مِن كِتابِكَ، و(إذْ) أصْلُها أنْ تَكُونَ ظَرْفًا، وهُنا أُضِيفَ إلَيْها (بَعْدَ) فَصارَتِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وهي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ تُضافُ إلى الجُمْلَةِ، واسْتُصْحِبَ فِيها حالُها مِنَ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ، ولَيْسَتِ الإضافَةُ إلَيْها تُخْرِجُها عَنْ هَذا الحُكْمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] ؟ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الإنفطار: ١٩] في قِراءَةِ مَن رَفَعَ (يَوْمُ) وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا
عَلى حِينَ مَن تُكْتَبُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ عَلى حِينَ الكِرامِ قَلِيلُ ألا لَيْتَ أيّامَ الصَّفاءِ جَدِيدُ كَيْفَ خَرَجَ الظَّرْفُ هُنا عَنْ بابِهِ، واسْتُعْمِلَ خَبَرًا ومَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ، واسْمَ لَيْتَ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ ؟
﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ سَألُوا بِلَفْظِ الهِبَةِ المُشْعِرَةِ بِالتَّفَضُّلِ والإحْسانِ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ولا عَمَلٍ ولا مُعاوَضَةٍ؛ لِأنَّ الهِبَةَ كَذَلِكَ تَكُونُ، وخَصُّوها بِأنَّها مِن عِنْدِهِ، والرَّحْمَةُ إنْ كانَتْ مِن صِفاتِ الذّاتِ فَلا يُمْكِنُ فِيها الهِبَةُ، بَلْ يَكُونُ المَعْنى: نَعِيمًا، أوْ ثَوابًا صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، ولَمّا كانَ المَسْئُولُ صادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، صَحَّ أنْ يَسْألُوا الرَّحْمَةَ إجْراءً لِلسَّبَبِ مَجْرى المُسَبِّبِ، وقِيلَ: مَعْنى (رَحْمَةً) تَوْفِيقًا وسَدادًا وتَثْبِيتًا لِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهُدى.
﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ هَذا كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ: وهَبْ (p-٣٨٧)لَنا، كَقَوْلِكَ: حِلَّ هَذا المُشْكِلَ إنَّكَ أنْتَ العالِمُ بِالمُشْكِلاتِ، وأتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي عَلى فَعّالٍ، وإنْ كانُوا قَدْ قالُوا: وهُوبٌ، لِمُناسَبَةِ رُءُوسِ الآيِ، ويَجُوزُ في (أنْتَ) التَّوْكِيدُ لِلضَّمِيرِ، والفَصْلُ، والِابْتِداءُ.
﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا سَألُوهُ تَعالى أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم بَعْدَ الهِدايَةِ، وكانَتْ ثَمَرَةُ انْتِفاءِ الزَّيْغِ والهِدايَةِ إنَّما تَظْهَرُ في يَوْمِ القِيامَةِ، أخْبَرُوا أنَّهم مُوقِنُونَ بِيَوْمِ القِيامَةِ، والبَعْثِ فِيهِ لِلْمُجازاةِ، وأنَّ اعْتِقادَ صِحَّةِ الوَعْدِ بِهِ هو الَّذِي هَداهم إلى سُؤالِ أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَهم، ومَعْنى ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لِجَزاءِ يَوْمٍ، ومَعْنى ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شَكَّ في وُجُودِهِ لِصِدْقِ مَن أخْبَرَ بِهِ، وإنْ كانَ يَقَعُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ رَيْبٌ فَهو بِحالِ ما لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ فِيهِ.
وقِيلَ: اللّامُ، بِمَعْنى في، أيْ: في يَوْمٍ، ويَكُونُ المَجْمُوعُ لِأجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ، وظاهِرُ هَذا الجَمْعِ أنَّهُ الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ لِلْمُجازاةِ، فَهو اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ قِراءَةُ أبِي حاتِمٍ (جامِعٌ النّاسَ) بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (النّاسَ)
وقِيلَ: مَعْنى الجَمْعُ هُنا أنَّهُ يَجْمَعُهم في القُبُورِ، وكَأنَّ اللّامَ تَكُونُ بِمَعْنى إلى لِلْغايَةِ، أيْ: جامِعُهم في القُبُورِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويَكُونُ اسْمُ الفاعِلِ هُنا لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الزَّمانُ؛ إذْ مِنَ النّاسِ مَن ماتَ، ومِنهم مَن لَمْ يَمُتْ، فَنُسِبَ الجَمْعُ إلى اللَّهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الزَّمانِ، والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى اليَوْمِ؛ إذِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لَهُ، ومَن أعادَهُ عَلى الجَمْعِ المَفْهُومِ مِن (جامِعُ) أوْ عَلى الجَزاءِ الدّالِّ عَلَيْهِ المَعْنى، فَقَدْ أبْعَدَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ظاهِرُ العُدُولِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى الِاسْمِ الغائِبِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِ الرّاسِخِينَ الدّاعِينَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ أنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي خَلْفَ المِيعادِ، كَقَوْلِكَ: إنَّ الجَوادَ لا يَخِيبُ سائِلُهُ، و(المِيعادَ) المَوْعِدُ، انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: إنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي خَلْفَ المِيعادِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ مُطْلَقًا، وهو عِنْدَنا مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ، كَما اتَّفَقْنا نَحْنُ وهَمَ عَلى أنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، والشَّرْطانِ يُثْبَتانِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولَئِنْ سَلَّمْنا ما يَقُولُونَهُ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الوَعِيدَ يَدْخُلُ تَحْتَ الوَعْدِ.
وقالَ الواحِدِيُّ: يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى مِيعادِ الأوْلِياءِ دُونَ وعِيدِ الأعْداءِ؛ لِأنَّ خَلْفَ الوَعِيدِ كَرَمٌ عِنْدَ العَرَبِ، ولِذَلِكَ يَمْدَحُونَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا وعَدَ السَّرّاءَ أنْجَزَ وعْدَهُ ∗∗∗ وإنْ وعَدَ الضَّرّاءَ فالعَفْوُ مانِعُهْ
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِ الدّاعِينَ، ويَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ إذْ هو خُرُوجٌ مِن خِطابٍ إلى غِيبَةٍ لِما في ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ والهَيْبَةِ، وكَأنَّهم لَمّا والَوُا الدُّعاءَ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا، أخْبَرُوا عَنِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ الوَفِيُّ بِالوَعْدِ، وتَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ الإيمانَ بِالبَعْثِ والمُجازاةِ والإيفاءِ بِما وعَدَ تَعالى.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قِيلَ: المُرادُ وفْدُ نَجْرانَ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ أبا حارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ قالَ لِأخِيهِ: إنِّي أعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَكِنِّي إنْ أظْهَرْتُ ذَلِكَ أخَذَ مُلُوكُ الرُّومِ مِنِّي ما أعْطَوْنِي مِنَ المالِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِأمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهي عامَّةٌ تَتَناوَلُ كُلَّ كافِرٍ.
ومَعْنى (مِنَ اللَّهِ) أيْ: مِن عَذابِهِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، ومَعْنى أغْنى عَنْهُ، دَفْعَ عَنْهُ ومَنعَهُ، ولَمّا كانَ المالُ في بابِ المُدافَعَةِ والتَّقَرُّبِ والفِتْنَةِ أبْلَغُ مِنَ الأوْلادِ، قُدِّمَ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبإ: ٣٧] وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الحديد: ٢٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] إلى آخِرِها، فَإنَّهُ ذَكَرَ هُنا حُبَّ الشَّهَواتِ، فَقَدَّمَ فِيهِ النِّساءَ والبَنِينَ عَلى ذِكْرِ الأمْوالِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (p-٣٨٨)(لَنْ يُغْنِيَ) بِالياءِ عَلى تَذْكِيرِ العَلامَةِ، وقَرَأ عَلِيٌّ (لَنْ يُغْنِي) بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ (لَنْ يُغْنِي) بِالياءِ أوَّلًا وبِالياءِ السّاكِنَةِ آخِرًا، وذَلِكَ لِاسْتِثْقالِ الحَرَكَةِ في حَرْفِ اللِّينِ، وإجْراءِ المَنصُوبِ مَجْرى المَرْفُوعِ، وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَخُصُّ هَذا بِالضَّرُورَةِ، ويَنْبَغِي أنْ لا يَخُصَّ بِها، إذْ كَثُرَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ.
و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ عِنْدَ المُبَرِّدِ، وبِمَعْنى عِنْدَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وجَعَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] قالَ: مَعْناهُ عِنْدَ جُوعٍ وعِنْدَ خَوْفٍ، وكَوْنُ (مِن) بِمَعْنى عِنْدَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّهِ) مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] والمَعْنى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِن طاعَةِ اللَّهِ شَيْئًا، أيْ: بَدَلَ رَحْمَتِهِ وطاعَتِهِ، وبَدَلَ الحَقِّ، ومِنهُ: ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ أيْ: لا يَنْفَعُهُ جَدُّهُ وحَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا بِذَلِكَ، أيْ: بَدَلَ طاعَتِكَ وعِبادَتِكَ، وما عِنْدَكَ، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبإ: ٣٧] انْتَهى كَلامُهُ.
وإثْباتُ البَدَلِيَّةِ: لِمِن، فِيهِ خِلافٌ أصْحابُنا يُنْكِرُونَهُ، وغَيْرُهم قَدْ أثْبَتَهُ، وزَعَمَ أنَّها تَأْتِي بِمَعْنى البَدَلِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أيْ: بَدَلَ الآخِرَةِ وبَدَلَكم، وقالَ الشّاعِرُ:
؎أخَذُوا المَخاضَ مِنَ الفَصِيلِ غُلُبَّةً ∗∗∗ ظُلْمًا ويُكْتَبُ لِلْأمِيرِ أفِيلا
أيْ: بَدَلَ الفَصِيلِ، وشَيْئًا يَنْتَصِبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ شَيْئًا مِنَ الضَّرْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ؛ لِأنَّ مَعْنى (لَنْ تُغْنِيَ) لَنْ تَدْفَعَ أوْ تَمْنَعَ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مِن) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شَيْئًا) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، وتَكُونُ (مِن) إذْ ذاكَ لِلتَّبْعِيضِ.
فَتُلَخَّصُ في (مِن) أرْبَعَةُ أقْوالٍ: ابْتِداءُ الغايَةِ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ، والكَلْبِيِّ، وكَوْنُها بِمَعْنى (عِنْدَ) وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، والبَدَلِيَّةُ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، والتَّبْعِيضُ، وهو الَّذِي قَرَّرْناهُ.
﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ لَمّا قَدَّمَ إنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم كَثْرَةُ أمْوالِهِمْ، ولا تَناصُرُ أوْلادِهِمْ، أخْبَرَ بِمَآلِهِمْ، وأنَّ غايَةَ مَن كَفَرَ، ومُنْتَهى مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ النّارُ، فاحْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّ، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، وأشارَ: بِأُولَئِكَ إلى بُعْدِهِمْ، وأتى بِلَفْظِ: هم، المُشْعِرَةُ بِالِاخْتِصاصِ، وجَعَلَهم نَفْسَ الوَقُودِ مُبالَغَةً في الِاحْتِراقِ، كَأنَّ النّارَ لَيْسَ لَها ما يُضْرِمُها إلّا هم، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الوَقُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما (وُقُودُ) بِضَمِّ الواوِ، وهو مَصْدَرُ: وقَدَتِ النّارُ تَقِدُ وُقُودًا، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أهْلُ وقُودِ النّارِ، أوْ حَطَبُ وقُودٍ، أوْ جَعَلَهم نَفْسَ الوَقُودِ مُبالَغَةً، كَما تَقُولُ: زَيْدُ رِضًا.
وقَدْ قِيلَ في المَصْدَرِ أيْضًا: وقُودُ، بِفَتْحِ الواوِ، وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعُولٍ بِفَتْحِ الواوِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ مَن كَفَرَ وكَذَّبَ بِاللَّهِ مَآلُهُ إلى النّارِ، ولَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ (p-٣٨٩)مالُهُ ولا ولَدُهُ، ذَكَرَ أنَّ شَأْنَ هَؤُلاءِ في تَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرَتُّبَ العَذابِ عَلى كُفْرِهِمْ، كَشَأْنِ مَن تَقَدَّمَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، أُخِذُوا بِذُنُوبِهِمْ، وعُذِّبُوا عَلَيْها، ونَبَّهَ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم يَعْرِفُونَ ما جَرى لَهم حِينَ كَذَّبُوا بِمُوسى مِن إغْراقِهِمْ وتَصْيِيرِهِمْ آخِرًا إلى النّارِ، وظُهُورِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمْ، وتَوْرِيثِهِمْ أماكِنَ مُلْكِهِمْ، فَفي هَذا كُلِّهِ بِشارَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِمَن آمَنَ بِهِ، أنَّ الكُفّارَ مَآلُهم في الدُّنْيا إلى الِاسْتِئْصالِ، وفي الآخِرَةِ إلى النّارِ، كَما جَرى لِآلِ فِرْعَوْنَ، أُهْلِكُوا في الدُّنْيا وصارُوا إلى النّارِ.
واخْتَلَفُوا في إعْرابِ (كَدَأْبِ) فَقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: دَأْبُهم كَدَأْبِ، وبِهِ بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (وقُودُ) أيْ: تُوقَدُ النّارُ بِهِمْ، كَما تُوقَدُ بِآلِ فِرْعَوْنَ، كَما تَقُولُ: إنَّكَ لَتَظْلِمُ النّاسَ كَدَأْبِ أبِيكَ، تُرِيدُ: كَظُلْمِ أبِيكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقِيلَ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِن لَفْظِ الوَقُودِ، ويَكُونُ التَّشْبِيهُ في نَفْسِ الِاحْتِراقِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: مِن مَعْناهُ أيْ: عُذِّبُوا تَعْذِيبًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وقُودُ النّارِ.
وقِيلَ: بِـ (لَنْ تُغْنِيَ) أيْ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم مِثْلُ ما لَمْ تُغْنِ عَنْ أُولَئِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ عَلى أيِّ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدَّرْناهُما، فِيها مِن أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِ إنَّ، أوْ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ بِإنَّ، فَإنْ قَدَّرْتَها اعْتِراضِيَّةً، وهو بَعِيدٌ، جازَ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيلَ: بِفِعْلٍ مَنصُوبٍ مِن مَعْنى (لَنْ تُغْنِيَ) أيْ: بَطَلَ انْتِفاعُهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ بُطْلانًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ والعامِلُ فِيهِ (كَفَرُوا) قالَهُ الفَرّاءُ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْمُولًا لِلصِّلَةِ كانَ مِنَ الصِّلَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبَرَ عَنِ المَوْصُولِ حَتّى يَسْتَوْفِيَ صِلَتَهُ ومُتَعَلَّقاتِها، وهُنا قَدْ أخْبَرَ، فَلا تَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما في الصِّلَةِ، وقِيلَ: بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: كَفَرُوا، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا كُفْرًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: العامِلُ في الكافِ كَذَّبُوا بِآياتِنا، والضَّمِيرُ في (كَذَّبُوا) عَلى هَذا لِكُفّارِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أيْ: كَذَّبُوا تَكْذِيبًا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: أخَذَهم أخْذًا كَما أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ العاطِفَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وحَكى بَعْضُ أصْحابِنا عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم أجازُوا: زَيْدًا قُمْتُ فَضَرَبْتُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ هَذا القَوْلُ. فَهَذِهِ عَشَرَةُ أقْوالٍ في العامِلِ في الكافِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والدَّأْبُ، بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، مَصْدَرُ دَأبَ يَدْأبُ، إذا لازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ ودامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، ويُقالُ لِلْعادَةِ: دَأْبٌ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ يَعْقُوبَ يَذْكُرُ (كَدَأبِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقالَ لِي: وأنا غُلَيْمٌ عَلى أيِّ شَيْءٍ يَجُوزُ كَدَأبِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أظُنُّهُ مِن دَئِبَ يَدْأبُ دَأبًا، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي، وتَعَجَّبَ مِن جَوْدَةِ تَقْدِيرِي عَلى صِغَرِي، ولا أدْرِي: أيُقالُ أمْ لا ؟ قالَ النَّحّاسُ: لا يُقالُ دَئِبَ ألْبَتَّةَ، وإنَّما يُقالُ: دَأبَ يَدْأبُ دُؤُبًا هَكَذا حَكى النَّحْوِيُّونَ، مِنهُمُ الفَرّاءُ، حَكاهُ في كِتابِ (المَصادِرِ) .
و(آلِ فِرْعَوْنَ) أشْياعُهُ وأتْباعُهُ.
﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هم كُفّارُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ، وغَيْرِهِمْ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وهم مُعاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَوْضِعُ (والَّذِينَ) جَرٌّ عَطْفًا عَلى آلِ فِرْعَوْنَ.
﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلدَّأْبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلُوا ؟ وما فُعِلَ بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِآياتِنا، فَهي كَأنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُكَذِّبِينَ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا﴾ فَيَكُونُ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ، و(كَذَّبُوا) خَبَرُهُ وفي قَوْلِهِ: (بِآياتِنا) التِفاتٌ؛ إذْ قَبْلَهُ (مِنَ اللَّهِ)، فَهو اسْمُ غَيْبَةٍ، فانْتَقَلَ مِنهُ إلى التَّكَلُّمِ.
والآياتُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَتْلُوَّةَ في كُتُبِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ (p-٣٩٠)أنْ تَكُونَ العَلاماتِ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِدْقِ أنْبِيائِهِ.
﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ رَجَعَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ، ومَعْنى الأخْذِ بِالذَّنْبِ: العِقابُ عَلَيْهِ، والباءُ في بِذُنُوبِهِمْ لِلسَّبَبِ.
﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى سَطْوَةِ اللَّهِ عَلى مَن كَفَرَ بِآياتِهِ وكَذَّبَ بِها، قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ حُسْنَ الإبْهامِ، وهو فِيما افْتُتِحَتْ بِهِ، لِيُنَبِّهَ الفِكْرَ إلى النَّظَرِ فِيما بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ.
ومَجازُ التَّشْبِيهِ في مَواضِعَ مِنها ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وحَقِيقَةُ النُّزُولِ طَرْحُ جَرْمٍ مِن عُلُّوٍ إلى أسْفَلَ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلَمّا أُثْبِتَ في القَلْبِ صارَ بِمَنزِلَةِ جِرْمٍ أُلْقِيَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ فَشُبِّهَ بِهِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الإنْزالِ وفي قَوْلِهِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] القُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ، شُبِّهَ بِالإنْسانِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ يَنالُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٣] أقامَ المَصْدَرَ فِيهِ مَقامَ اسْمِ الفاعِلِ، فَجَعَلَ التَّوْراةَ كالرَّجُلِ الَّذِي يُوَرِّي عَنْكَ أمْرًا، أيْ: يَسْتُرُهُ لِما فِيها مِنَ المَعانِي الغامِضَةِ، والإنْجِيلُ شُبِّهَ لِما فِيهِ مِنَ اتِّساعِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والمَواعِظِ والخُضُوعِ بِالعَيْنِ النَّجْلاءِ، وجَعَلَ ذَلِكَ هُدًى لِما فِيهِ مِنَ الإرْشادِ، كالطَّرِيقِ الَّذِي يَهْدِيكَ إلى المَكانِ الَّذِي تَرُومُهُ، وشَبَّهَ الفُرْقانَ بِالجِرْمِ الفارِقِ بَيْنَ جِرْمَيْنِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٤] شَبَّهَ ما يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِن ضِيقِ العَذابِ وألَمِهِ بِالمَشْدُودِ المُوَثقِ المُضَيَّقِ عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ [آل عمران: ٦] شَبَّهَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: كُنْ أوْ تَعَلُّقَ إرادَتِهِ بِكَوْنِهِ جاءَ عَلى غايَةٍ مِنَ الإحْكامِ والصُّنْعِ بِمُصَوِّرٍ يُمَثِّلُ شَيْئًا، فَيَضُمُّ جِرْمًا إلى جِرْمٍ، ويُصَوِّرُ مِنهُ صُورَةً وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] جَعَلَ ما اتَّضَحَ مِن مَعانِي كِتابِهِ، وظَهَرَتْ آثارُ الحِكْمَةِ عَلَيْهِ مُحْكَمًا، وشَبَّهَ المُحْكَمُ لِما فِيهِ مِن أُصُولِ المَعانِي الَّتِي تَتَفَرَّعُ مِنها فُرُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُرْجَعُ إلَيْها بِالأُمِّ الَّتِي تَرْجِعُ إلَيْها ما تَفَرَّعَ مِن نَسْلِها ويَؤُمُّونَها، وشَبَّهَ ما خَفِيَتْ مَعانِيهِ لِاخْتِلافِ أنْحائِهِ كالفَواتِحِ، والألْفاظَ المُحْتَمِلَةَ مَعانِيَ شَتّى، والآياتِ الدّالَّةَ عَلى أمْرِ المَعادِ والحِسابِ بِالشَّيْءِ المُشْتَبَهِ المُلْبَسِ أمْرُهُ الَّذِي وجَمَ العَقْلُ عَنْ تَكْيِيفِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] شَبَّهَ القَلْبَ المائِلَ عَنِ القَصْدِ بِالشَّيْءِ الزّائِغِ عَنْ مَكانِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ شَبَّهَ المَعْقُولَ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ بِالمَحْسُوسِ مِنَ الأجْرامِ مِنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ في الهِبَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وقُودُ النّارِ﴾ شَبَّهَهم بِالحَطَبِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ إلّا في الوَقُودِ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] والحَصَبُ الحَطَبُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ شَبَّهَ إحاطَةَ عَذابِهِ بِهِمْ بِالمَأْخُوذِ بِاليَدِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ بِحُكْمِ إرادَةِ الأخْذِ.
وقِيلَ: هَذِهِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ، ولا تَشْبِيهَ فِيها إلّا ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فَإنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ أداةِ التَّشْبِيهِ.
والِاخْتِصاصُ في مَواضِعَ، مِنها في قَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] إلى ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] عَلى مَن فَسَّرَهُ بِالزَّبُورِ، واخْتَصَّ الأرْبَعَةَ دُونَ بَقِيَّةِ ما أنْزَلَ؛ لِأنَّ أصْحابَ الكُتُبِ إذْ ذاكَ: المُؤْمِنُونَ، واليَهُودُ، والنَّصارى، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] خَصَّهُما لِأنَّهُما أكْبَرُ مَخْلُوقاتِهِ الظّاهِرَةِ لَنا، ولِأنَّهُما مَحَلّانِ لِلْعُقَلاءِ، ولِأنَّ مِنهُما أكْثَرَ المَنافِعِ المُخْتَصَّةِ بِعِبادِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] اخْتَصَّهم بِخُصُوصِيَّةِ الرُّسُوخِ في العِلْمِ بِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] لِأنَّ العُقَلاءَ لَهم خُصُوصِيَّةُ التَّمْيِيزِ، والنَّظَرِ، والِاعْتِبارِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ اخْتَصَّ القُلُوبَ لِأنَّ بِها صَلاحَ الجَسَدِ وفَسادِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَقِيَّةُ الأعْضاءِ، ولِأنَّها مَحَلُّ الإيمانِ ومَحَلُّ العَقْلِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ وهو جامِعُهم في الدُّنْيا عَلى وجْهِ الأرْضِ أحْياءً وفي بَطْنِها أمْواتًا؛ لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ الجَمْعَ الأكْبَرَ، وهو الحَشْرُ، ولا يَكُونُ إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا جامِعَ إلّا هو تَعالى، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ اخْتَصَّ الكُفّارَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ تُغْنِي عَنْهم أمْوالُهُمُ الَّتِي يُنْفِقُونَها في وُجُوهِ البِرِّ، فَهم يَجْنُونَ ثَمَرَتَها في الآخِرَةِ، وتَنْفَعُهم (p-٣٩١)أوْلادُهم في الآخِرَةِ، يَسْقُونَهم ويَكُونُونَ لَهم حِجابًا مِنَ النّارِ، ويُشَفَّعُونَ فِيهِمْ إذا ماتُوا صِغارًا، ويَنْفَعُونَهم بِالدُّعاءِ الصّالِحِ كِبارًا. وكُلُّ هَذا ورَدَ بِهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ، وقَدَّمَهم؛ لِأنَّهم أكْثَرُ الأُمَمِ طُغْيانًا، وأعْظَمُهم تَعَنُّتًا عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ عَذابًا.
والحَذْفُ في مَواضِعَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: مِنَ الكُتُبِ، و﴿أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] أيْ: وأنْزَلَ الإنْجِيلَ؛ لِأنَّ الإنْزالَيْنِ في زَمانَيْنِ.
﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٤] أيِ: الَّذِينَ أرادَ هُداهم.
﴿عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٤]: أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] أيْ: مِمَّنْ أرادَ عُقُوبَتَهُ.
﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] أيْ: ولا في غَيْرِهِما (العَزِيزُ) أيْ: في مُلْكِهِ. (الحَكِيمُ) أيْ: في صُنْعِهِ. (وأُخَرُ) أيْ: آياتٌ أُخَرُ.
﴿زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَنِ الحَقِّ.
﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: لَكم.
﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المُرادِ مِنهُ، ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ المَطْلُوبَةِ. (رَبَّنا) أيْ: يا رَبَّنا، ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ أيْ: إلَيْهِ، ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ: المُنَزَّلَةِ عَلى الرُّسُلِ، أوِ المَنصُوباتِ عَلَمًا عَلى التَّوْحِيدِ، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيِ: السّالِفَةِ.
والتَّكْرارُ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ، وأنْزَلَ الفُرْقانَ. كُرِّرَ لِاخْتِلافِ الإنْزالِ، وكَيْفِيَّتِهِ، وزَمانِهِ. بِآياتِ اللَّهِ، واللَّهُ كَرَّرَ اسْمَهَ تَعالى تَفْخِيمًا؛ لِأنَّ في ذِكْرِ المُظْهَرِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لَيْسَ في المُضْمَرِ.
﴿لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ﴾ [آل عمران: ٦] . كَرَّرَ الجُمْلَةَ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْرارِ ذَلِكَ في النُّفُوسِ، ورَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّ مَعَهُ إلَهًا غَيْرَهُ. (ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ)، ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] كُرِّرَ لِاخْتِلافِ التَّأْوِيلَيْنِ، أوْ لِلتَّفْخِيمِ لِشَأْنِ التَّأْوِيلِ.
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ﴾، ﴿رَبَّنا إنَّكَ﴾ . كَرَّرَ الدُّعاءَ؛ تَنْبِيهًا عَلى مُلازَمَتِهِ، وتَحْذِيرًا مِنَ الغَفْلَةِ عَنْهُ، لِما فِيهِ مِن إظْهارِ الِافْتِقارِ.
والتَّقْدِيِمُ والتَّأْخِيرُ وذَلِكَ في ذِكْرِ إنْزالِ الكُتُبِ، لَمْ يَجِيءِ الإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الزَّمانِ، إذِ التَّوْراةُ أوَّلًا، ثُمَّ الزَّبُورُ، ثُمَّ الإنْجِيلُ، ثُمَّ القُرْآنُ. وقُدِّمَ القُرْآنُ؛ لِشَرَفِهِ، وعِظَمِ ثَوابِهِ، ونَسْخِهِ لِما تَقَدَّمَ، وبَقائِهِ، واسْتِمْرارِ حُكْمِهِ إلى آخِرِ الزَّمانِ. وثَنى بِالتَّوْراةِ؛ لِما فِيها مِنَ الأحْكامِ الكَثِيرَةِ، والقَصَصِ، وخَفايا الِاسْتِنْباطِ.
ورَوى المُفَضَّلُ: أنَّ التَّوْراةَ حِينَ نَزَلَتْ كانَتْ سَبْعِينَ وسْقًا، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالإنْجِيلِ؛ لِأنَّهُ كِتابٌ فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والحِكَمِ ما لا يُحْصى، ثُمَّ تَلاهُ بِالزَّبُورِ؛ لِأنَّ فِيهِ مَواعِظَ وحِكَمًا لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الإنْجِيلِ، وهَذا إذا قُلْنا إنَّ الفُرْقانَ هو الزَّبُورُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [آل عمران: ٥] قَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ، وإنْ كانَتِ السَّماءُ أكْثَرَ في العَوالِمِ، وأكْبَرَ في الأجْرامِ، وأكْبَرَ في الدَّلائِلِ والآياتِ، وأجْزَلَ في الفَضائِلِ لِطَهارَةِ سُكّانِها، بِخِلافِ سُكّانِ الأرْضِ؛ لِيُعْلِمَهُمُ اطِّلاعَهُ عَلى خَفايا أُمُورِهِمْ، فاهْتَمَّ بِتَقْدِيمِ مَحَلِّهِمْ عَسى أنْ يَزْدَجِرُوا عَنْ قَبِيحِ أفْعالِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا أنْبَهَ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أمْرِهِ، اسْتَحْيا مِنهُ.
والِالتِفاتُ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ﴾ ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ) وفي قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .
والتَّأْكِيدُ: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ فَأكَّدَ بِلَفْظَةِ: هم، وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ [آل عمران: ٦] قَوْلَهُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٦] وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] قَوْلَهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] .
والتَّوَسُّعُ بِإقامَةِ المَصْدَرِ، مَقامَ اسْمِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: هُدًى، والفَرْقانِ، أيْ: هادِيًا، والفارِقُ. وبِإقامَةِ الحَرْفِ مَقامَ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ، أيْ: عِنْدَ اللَّهِ، عَلى قَوْلِ مَن أوَّلَ مِن: بِمَعْنى ”عِنْدَ“ . والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في قَوْلِهِ: وهَبْ، والوَهّابُ.
آل عمران 3:12
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .
العِبْرَةُ: الِاتِّعاظُ يُقالُ مِنهُ: اعْتَبَرَ، وهو الِاسْتِدْلالُ بِشَيْءٍ عَلى شَيْءٍ يُشْبِهُهُ، واشْتِقاقُها مِنَ العُبُورِ، وهو مُجاوَزَةُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ: عِبْرُ النَّهْرِ، وهو شَطُّهُ، والمِعْبَرُ: السَّفِينَةُ، والعِبارَةُ يُعَبِّرُ بِها إلى (p-٣٩٢)المُخاطَبِ بِالمَعانِي، وعَبَرْتَ الرُّؤْيا مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا: نَقَلْتَ ما عِنْدَكَ مِن عِلْمِها إلى الرّائِي أوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجْهَلُ. وكانَ الِاعْتِبارُ انْتِقالًا عَنْ مَنزِلَةِ الجَهْلِ إلى مَنزِلَةِ العِلْمِ، ومِنهُ العَبْرَةُ: وهي الدَّمْعُ؛ لِأنَّها تُجاوِزُ العَيْنَ.
الشَّهْوَةُ: ما تَدْعُوَ النَّفْسُ إلَيْهِ، والفِعْلُ مِنهُ: اشْتَهى، ويُجْمَعُ بِالألِفِ والتّاءِ فَيُقالُ: شَهَواتٍ، ووَجَدْتُ أنا في شِعْرِ العَرَبِ جَمْعَها عَلى: شُهًى، نَحْوَ: نَزْوَةٌ ونُزًى، وكَوَّةٌ وكُوًى، عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ: كُوًى جَمْعُ كَوَّةٍ، بِفَتْحِ الكافِ، وهَذا مَعَ: قَرْيَةٍ وقُرًى، ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِمّا جاءَ عَلى وزْنِ ”فَعْلَةٍ“ مُعْتَلِّ اللّامِ، وجُمِعَ عَلى ”فُعَلٍ“، واسْتَدْرَكْتُ أنا: شُهًى، وقالَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي نَضْرِ بْنِ مُعاوِيَةَ:
؎فَلَوْلا الشُّهى واللَّهِ كُنْتُ جَدِيرَةً بِأنْ أتْرُكَ اللَّذّاتِ في كُلِّ مَشْهَدِ
القِنْطارُ: فِنْعالُ نُونُهُ زائِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، فَيَكُونُ وزْنُهُ: فِنْعالًا مِن: قَطَرَ يَقْطُرُ. وقِيلَ: أصْلٌ؛ ووَزْنُ ”فِعْلالٍ“، فِيهِ خِلافٌ: أهْوَ واقِعٌ عَلى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ ؟ أمْ هو وزْنٌ لا يُحَدُّ ولا يُحْصَرُ ؟ والقائِلُونَ بِأنَّهُ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ العَدَدِ، ويَأْتِي ذَلِكَ في التَّفْسِيرِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ويُقالُ مِنهُ: قَنْطَرَ لِرَجُلٍ إذا كانَ عِنْدَهُ قَناطِيرُ، أوْ قِنْطارٌ مِنَ المالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ، عَقَدْتُهُ وأحْكَمْتُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القَنْطَرَةَ لِإحْكامِها؛ وقِيلَ: قَنْطَرْتُهُ: عَبَّيْتُهُ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، ومِنهُ سُمِّيَ القَنْطَرَةَ. فَشَبِهَ المالَ الكَثِيرَ الَّذِي يُعَبّى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ بِالقَنْطَرَةِ.
الذَّهَبُ: مَعْرُوفٌ، وهو مُؤَنَّثٌ، يُجْمَعُ عَلى ذِهابٍ وذُهُوبٍ. وقِيلَ: الذَّهَبُ جَمْعُ ذَهَبَةٍ.
والفِضَّةُ: مَعْرُوفَةٌ، وجَمْعُها فِضَضٌ، فالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهابِ، والفِضَّةُ مِنِ انْفَضَّ الشَّيْءُ: تَفَرَّقَ، ومِنهُ: فَضَضْتُ القَوْمَ.
الخَيْلُ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، بَلْ واحِدُهُ: فَرَسٌ؛ وقِيلَ: واحِدُهُ: خايِلٌ، كَراكِبٍ ورَكْبٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاخْتِيالِها في مَشْيِها. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ التَّخَيُّلِ، لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ في صُورَةِ مَن هو أعْظَمُ مِنهُ. وقِيلَ: الِاخْتِيالُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخَيُّلِ.
النَّعَمُ: الإبِلُ فَقَطْ، قالَ الفَرّاءُ: وهو مُذَكَّرٌ، ولا يُؤَنَّثُ، يَقُولُونَ هَذا نَعَمٌ وارِدٌ. وقالَ الهَرَوِيُّ: النَّعَمُ: يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وإذا جُمِعَ انْطَلَقَ عَلى الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأنْعامُ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، واحِدُها نَعَمٌ، وهو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِنُعُومَةِ مَسِّها وهو لِينُها، ومِنهُ: النّاعِمُ، والنَّعامَةُ، والنَّعامِيُّ: الجَنُوبُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلِينِ هُبُوبِها.
المَآبُ: مَفْعَلٌ مِن: آبَ يَئُوبُ إيابًا. أيْ: رَجَعَ، يَكُونُ لِلْمَصْدَرِ، والمَكانِ والزَّمانِ.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقاعَ قالُوا بَعْدَ وقْعَةِ بِدْرٍ: إنَّ قُرَيْشًا كانُوا أغْمارًا، ولَوْ حارَبْتَنا لَرَأيْتَ رِجالًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ قَبْلَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ، فَحَقَّقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ. وقِيلَ: لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ، قالَتِ اليَهُودُ: هو النَّبِيُّ المَبْعُوثُ الَّذِي في كِتابِنا، لا تُهْزَمُ لَهُ رايَةٌ. فَقالَتْ لَهم شَياطِينُهم: لا تَعْجَلُوا حَتّى نَرى أمْرَهُ في وقْعَةٍ أُخْرى. فَلَمّا كانَتْ أُحُدٌ كَفَرُوا جَمِيعُهم؛ وقالُوا: لَيْسَ بِالنَّبِيِّ المَنصُورِ.
وقِيلَ: في أبِي سُفْيانَ وقَوْمِهِ، جَمَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، بَعْدَ بَدْرٍ، فَنَزَلَتْ. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى قَبْلُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم وأنَّهم وقُودُ النّارِ، ناسَبَ ذَلِكَ الوَعْدُ الصّادِقُ اتِّباعَهُ هَذا الوَعْدَ الصّادِقَ، وهو كالتَّوْكِيدِ لِما قَبْلَهُ، فالغَلَبَةُ تَحْصُلُ بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، والحَشْرُ لِجَهَنَّمَ مَبْدَأُ كَوْنِهِمْ يَكُونُونَ لَها وقُودًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: سَيَغْلَبُونَ ويَحْشَرُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِالتّاءِ، خِطابًا، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْمُولًا لِلْقَوْلِ. ومَن قَرَأ بِالياءِ فالظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إذْ ذاكَ لَيْسَتْ مَحْكِيَّةً بِقُلْ، بَلْ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ آخَرَ، التَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم قَوْلِي سَيُغْلَبُونَ، وإخْبارِي أنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِمُ الغَلَبَةُ والهَزِيمَةُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] فَبِالتّاءِ أخْبَرَهم؛ بِمَعْنى ما أخْبَرَ بِهِ مِن أنَّهم سَيُغْلَبُونَ، وبِالياءِ أخْبَرَهم بِاللَّفْظِ (p-٣٩٣)الَّذِي أخْبَرَ بِهِ أنَّهم سَيُغْلَبُونَ، وأجازَ بَعْضُهم، وهو: الفَرّاءُ، وأحْمَدُ بْنُ يَحْيى، وأوْرَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في: سَيُغْلَبُونَ، في قِراءَةِ التّاءِ عَلى قُرَيْشٍ، أيْ: قُلْ لِلْيَهُودِ سَتُغْلَبُ قُرَيْشٌ، وفِيهِ بُعْدٌ.
والظّاهِرُ أنَّ: الَّذِينَ كَفَرُوا، يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ، وكُلٌّ قَدْ غُلِبَ بِالسَّيْفِ، والجِزْيَةِ، والذِّلَّةِ، وظُهُورِ الدَّلائِلِ والحُجَجِ، وإلى مَعْناها الغايَةُ، وإنَّ جَهَنَّمَ مُنْتَهى حَشْرِهِمْ؛ وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ”إلى“ في مَعْنى ”في“، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّهم يُجْمَعُونَ في جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ كَلامٍ مِنهُ تَعالى، قالَهُ الرّاغِبُ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: وبِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ. وكَثِيرًا ما يُحْذَفُ لِفَهْمِ المَعْنى، وهَذا مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ الَّتِي قَبِلَهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ إذْ لَوْ كانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ لَلَزِمَ مِن ذَلِكَ حَذْفُ الجُمْلَةِ بِرَأْسِها مِن غَيْرِ أنْ يَبْقى ما يَدُلُّ عَلَيْها، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، لِأنَّ حَذْفَ المُفْرَدِ أسْهَلُ مِن حَذْفِ الجُمْلَةِ. وأمّا مَن جَعَلَ ”المِهادُ“: ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، أيْ: بِئْسَما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، وكانَ المَعْنى عِنْدَهُ، وبِئْسَ: فِعْلُهُمُ الَّذِي أدّاهم إلى جَهَنَّمَ، فَفِيهِ بُعْدٌ، ويُرْوى عَنْ مُجاهِدٍ.
﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ قالَ في (رَيِّ الظَّمْآنِ): أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها وقْعَةُ بَدْرٍ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ. فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ تَثْبِيتُ النُّفُوسِ وتَشْجِيعُها، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ ما قالَ؛ أمْكَنَ أنْ يَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ، وبَعْضُ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ مَن قالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أمْوالَ كِسْرى وقَيْصَرَ؛ ونَحْنُ لا نَأْمَنُ عَلى النِّساءِ في المَذْهَبِ، وكَما قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ حِينَ أخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالأمْنَةِ الَّتِي تَأْتِي، فَقُلْتُ في نَفْسِي: فَأيْنَ دُعّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا البِلادَ ؟ الحَدِيثَ بِكَمالِهِ.
وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكافِرِينَ، وهو ظاهِرٌ، ولا سِيَّما عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ سَتُغْلَبُونَ، بِالتّاءِ، ويُخَرَّجُ ذَلِكَ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهم؛ وإعْلامًا بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُ دِينَهُ، وقَدْ أراكم في ذَلِكَ مِثالًا بِما جَرى لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ مِنَ الخِذْلانِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقِيلَ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ جَرِيرٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهم؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَغْتَرُّوا بِدُرْبَتِكم في الحَرْبِ، ومَنَعَةِ حُصُونِكم، ومُجالَبَتِكم لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَإنَّ اللَّهَ غالِبُكم؛ وقَدْ عَلِمْتُمْ ما حَلَّ بِأهْلِ بَدْرٍ، ولَمْ يُلْحِقِ التّاءَ كانَ، وإنْ كانَ قَدْ أُسْنِدَ إلى مُؤَنَّثٍ، وهو الآيَةُ، لِأجْلٍ أنَّهُ تَأْنِيثٌ مَجازِيٌّ؛ وازْدادَ حُسْنًا بِالفَصْلِ، وإذا كانَ الفَصْلُ مُحَسَّنًا في المُؤَنَّثِ الحَقِيقِيِّ، فَهو أوْلى في المُؤَنَّثِ المَجازِيِّ، ومِن كَلامِهِمْ: حَضَرَ القاضِي امْرَأةً وقالَ:
؎إنَّ امْرَأً غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ ∗∗∗ بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيا لَمَغْرُورُ
وقِيلَ: ذُكِرَ لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ البَيانُ، فَهو كَما قالَ:
؎بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصَةٌ ∗∗∗ كَخُرْعُوبَةِ البانَةِ المُنْفَطِرْ
ذَهَبَ إلى القَضِيبِ، وفي قَوْلِهِ ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: في قِصَّةِ فِئَتَيْنِ، ومَعْنى: التَقَتا، أيْ لِلْحَرْبِ والقِتالِ.
﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ أيْ: فِئَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفِئَةٌ أُخْرى تُقاتِلُ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، فَحَذَفَ مِنَ الأُولى ما أثْبَتَ مُقابِلَهُ في الثّانِيَةِ، ومِنَ الثّانِيَةِ ما أثْبَتَ نَظِيرَهُ في الأُولى، فَذَكَرَ في الأُولى لازِمَ الإيمانِ، وهو القِتالُ في سَبِيلِ اللَّهِ. وذَكَرَ في الثّانِيَةِ مَلْزُومَ القِتالِ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، وهو الكُفْرُ.
والجُمْهُورُ بِرَفْعِ ”فِئَةٌ“، عَلى القَطْعِ، التَّقْدِيرُ: إحْداهُما، فَيَكُونُ: فِئَةٌ، عَلى هَذا خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوِ التَّقْدِيرُ: مِنهُما، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ.
وقِيلَ: الرَّفْعُ، عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”التَقَتا“ .
وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ وحُمَيْدٌ: فِئَةٍ، بِالجَرِّ، عَلى البَدَلِ التَّفْصِيلِيِّ، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، كَما قالَ:
؎وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنٍ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورِجْلٍ رَمى فِيها الزَّمانُ فَشُلَّتِ
(p-٣٩٤)ومِنهم مَن رَفَعَ: كافِرَةٌ، ومِنهم مَن خَفَضَها عَلى العَطْفِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ: فِئَةٌ الأُولى، بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ أيْ: فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وتَرْتَفِعُ أُخْرى عَلى وجْهَيِ القَطْعِ إمّا عَلى الِابْتِداءِ، وإمّا عَلى الخَبَرِ.
وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْقِعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: فِئَةً، بِالنَّصْبِ، قالُوا: عَلى المَدْحِ، وتَمامُ هَذا القَوْلِ: إنَّهُ انْتَصَبَ الأوَّلُ عَلى المَدْحِ، والثّانِي عَلى الذَّمِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: أمْدَحُ فِئَةً تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأذُمُّ أُخْرى كافِرَةً.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّصْبُ في: فِئَةٍ، عَلى الِاخْتِصاصِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ المَنصُوبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ نَكِرَةً، ولا مُبْهَمًا، وأجازَ هو وغَيْرُهُ قَبْلَهُ كالزَّجّاجِ: أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”التَقَتا“، وذَكَرَ فِئَةً: عَلى سَبِيلِ التَّوْطِئَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُقاتِلُ، بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الفِئَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: يُقاتِلُ بِالياءِ، عَلى التَّذْكِيرِ، قالُوا: لِأنَّ مَعْنى الفِئَةِ القَوْمُ فَرُدَّ إلَيْهِ، وجَرى عَلى لَفْظِهِ.
﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ قَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ، ”تَرَوْنَهم“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ: تُرَوْنَهم بِضَمِّ التّاءِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ عَلى الغَيْبَةِ، فَأمّا مَن قَرَأ بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ فَهو جارٍ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الخِطابِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في ”لَكم“: لِلْمُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ”تَرَوْنَهم“: لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا. وضَمِيرُ النَّصْبِ في تَرَوْنَهم: وضَمِيرُ الجَرِّ في ”مِثْلَيْهِمْ“: عائِدٌ عَلى الكافِرِينَ، والتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ في العَدَدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في الآيَةِ؛ أنَّهم رَأوُا الكُفّارَ في مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ وأوْقَعَ المُسْلِمُونُ بِهِمْ. وهَذِهِ حَقِيقَةُ التَّأْيِيدِ بِالنَّصْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]
واسْتُبْعِدَ هَذا المَعْنى؛ لِأنَّهم جَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ، وآيَةَ الأنْفالِ، قِصَّةً واحِدَةً، وهُناكَ نَصٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَلَّلَ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ، فَلا يُجامِعُ هَذا التَّكْثِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ؛ ويُحْتَمَلُ عَلى مَن قَرَأ بِتاءِ الخِطابِ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في: تَرَوْنَهم لِلْكافِرِينَ، والمَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، واسْتُبْعِدَ هَذا إذْ كانَ التَّرْكِيبُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ: تَرَوْنَهم مِثْلَيْكم.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِنَ الِالتِفاتِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في: مِثْلَيْهِمْ، عَلى الفِئَةِ المُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ: تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيِ الفِئَةِ المُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهم أنْفُسُهم، والمَعْنى: تَرَوْنَهم مِثْلَيْكم، وهَذا تَقْلِيلٌ، إذا كانُوا نَيِّفًا عَلى ألْفٍ، والمُسْلِمُونَ في تَقْدِيرِ ثُلُثٍ مِنهم؛ فَأرى اللَّهُ المُسْلِمِينَ الكافِرِينَ في ضِعْفَيِ المُسْلِمِينَ عَلى ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] لِتَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ.
وإذَنْ كانَ الضَّمِيرُ في لَكم: لِلْكافِرِينَ، وفي ”تَرَوْنَهم“: الخِطابُ لَهم، والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أيُّها الكافِرُونَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدًا عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ، أيْ: مِثْلَيِ الفِئَةِ الكافِرَةِ وهم أنْفُسُهم، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى قَدْ أرى المُشْرِكِينَ المُؤْمِنِينَ أضْعافَ أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ، أوْ أضْعافَ الكافِرِينَ عَلى قِلَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِيَهابُوهم ويَجْبُنُوا عَنْهم، وكانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ مَدَدًا مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَما أمَدَّهم تَعالى بِالمَلائِكَةِ، فَإنْ كانَتْ هَذِهِ، وآيَةُ الأنْفالِ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، فالجَمْعُ بَيْنَ هَذا التَّكْثِيرِ، وذاكَ التَّقْلِيلِ بِاعْتِبارِ حالَيْنِ، قُلِّلُوا أوَّلًا في أعْيُنِ الكُفّارِ حَتّى يَجْتَرِئُوا عَلى مُلاقاةِ المُؤْمِنِينَ، وكُثِّرُوا حالَةَ المُلاقاةِ حَتّى قَهَرُوا وغَلَبُوا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنبِهِ إنسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] وأمّا مَن قَرَأ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ، فالظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ تَكُونُ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ وضَمِيرُ الرَّفْعِ عائِدٌ عَلَيْها، عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ عادَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ؛ تَراهم، وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ عَلى: فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وضَمِيرُ الجَرِّ في: مِثْلَيْهِمْ، عائِدٌ عَلى فِئَةٍ أيْضًا، وذَلِكَ عَلى مَعْنى الفِئَةِ، (p-٣٩٥)إذْ لَوْ عادَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ التَّرْكِيبُ: تَراها مِثْلَيْها، أيْ تَرى الفِئَةُ الكافِرَةُ الفِئَةَ المُؤْمِنَةَ في مِثْلَيْ عَدَدِ نَفْسِها. أيْ: سِتِّمِائَةٍ ونَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أوْ مِثْلَيْ أنْفُسِ الفِئَةِ الكافِرَةِ، أيْ: ألْفَيْنِ، أوْ قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى الفِئَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى المَعْنى، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ والمَجْرُورُ عائِدًا عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ عَلى المَعْنى، أيْ: تَرى الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيْ نَفْسِها.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ، أيْ: مِثْلَيِ الفِئَةِ الكافِرَةِ. والجُمْلَةُ إذْ ذاكَ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: وأُخْرى كافِرَةٌ، فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ الرّابِطُ: الواوَ، وفي هَذا الوَجْهِ الرّابِطُ ضَمِيرُ النَّصْبِ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ في: لَكم لِلْيَهُودِ؛ فالآيَةُ كَما أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ؛ وتَثْبِيتًا لِصُورَةِ الوَعْدِ السّابِقِ مِن أنَّ الكُفّارَ: سَيُغْلَبُونَ. فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ كانَ مَعْناهُ: لَوْ حَضَرْتُمْ، أوْ إنْ كُنْتُمْ حَضَرْتُمْ، وساغَ هَذا الخِطابُ لِوُضُوحِ الأمْرِ في نَفْسِهِ، ووُقُوعِ اليَقِينِ بِهِ، لِكُلِّ إنْسانٍ في ذَلِكَ العَصْرِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَضَمِيرُ الفاعِلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْفِئَةِ المُؤْمِنَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْفِئَةِ الكافِرَةِ عَلى ما تَقَرَّرَ قَبْلُ.
والرُّؤْيَةُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ بَصَرِيَّةٌ تَتَعَدّى لِواحِدٍ، وانْتَصَبَ مِثْلَيْهِمْ، عَلى الحالِ. قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، ومَكِّيٌّ، والمَهْدَوِيُّ. ويُقَوِّي ذَلِكَ ظاهِرُ قَوْلِهِ: رَأْيَ العَيْنِ، وانْتِصابُهُ عَلى هَذا انْتِصابُ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رُؤْيَةٌ ظاهِرَةٌ مَكْشُوفَةٌ، لا لَبْسَ فِيها مُعايَنَةٌ كَسائِرِ المُعايَناتِ. وقِيلَ: الرُّؤْيَةُ هُنا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، والثّانِي هو: مِثْلَيْهِمْ. ورُدَّ هَذا بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: رَأْيَ العَيْنِ، والثّانِي: أنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ عِلْمٌ، ومُحالٌ أنْ يُعْلَمَ الشَّيْءُ شَيْئَيْنِ.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّ انْتِصابَهُ انْتِصابُ المَصْدَرِ التَّشْبِيهِيِّ، أيْ: رَأْيًا مِثْلَ رَأْيِ العَيْنِ؛ أيْ: يُشْبِهُ رَأْيَ العَيْنِ ولَيْسَ في التَّحْقِيقِ بِهِ، وعَنِ الثّانِي: بِأنَّ مَعْنى الرُّؤْيَةِ هُنا الِاعْتِقادُ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مُحالًا، وإذا كانُوا قَدْ أطْلَقُوا العِلْمَ في اللُّغَةِ عَلى الِاعْتِقادِ دُونَ اليَقِينِ، فَلِأنْ يُطْلِقُوا الرَّأْيَ عَلَيْهِ أوْلى. قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أيْ: فَإنِ اعْتَقَدْتُمْ إيمانَهُنَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ: تَرَوْنَهم، بِضَمِّ التّاءِ، أوِ الياءِ. قالُوا: فَكانَ المَعْنى أنَّ اعْتِقادَ التَّضْعِيفِ في جَمْعِ الكُفّارِ، أوِ المُؤْمِنِينَ كانَ تَخْمِينًا وظَنًّا، لا يَقِينًا.
فَلِذَلِكَ تُرِكَ في العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ الشَّكِّ، وذَلِكَ أنْ أُرِيَ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، تَقَوُّلُها فِيما عِنْدَكَ فِيهِ نَظَرٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكَما اسْتَحالَ أنْ يُحْمَلَ الرَّأْيُ هُنا عَلى العِلْمِ، يَسْتَحِيلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى النَّظَرِ بِالعَيْنِ، لِأنَّهُ كَما لا يَقَعُ العِلْمُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْمَعْلُومِ، كَذَلِكَ لا يَقَعُ النَّظَرُ البَصَرِيُّ مُخالِفًا لِلْمَنظُورِ إلَيْهِ؛ فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّخْمِينِ والظَّنِّ، وإنَّهُ لِتَمَكُّنِ ذَلِكَ في اعْتِقادِهِمْ؛ شُبِّهَ بِرُؤْيَةِ العَيْنِ، والرَّأْيُ مَصْدَرُ: رَأى، يُقالُ: رَأى رَأْيًا ورُؤْيَةً ورُؤْيا، ويَغْلِبُ رُؤْيا في المَنامِ؛ ورُؤْيَةً في البَصَرِيَّةِ يَقَظَةً، ورَأْيًا في الِاعْتِقادِ، يُقالُ: هَذا رَأْيُ فُلانٍ، قالَ:
؎رَأى النّاسُ إلّا مَن رَأى مِثْلَ رَأْيِهِ ∗∗∗ خَوارِجَ تَرّاكِينَ قَصْدَ المَخارِجِ
ومَعْنى: مِثْلَيْهِمْ، قَدْرُهم مَرَّتَيْنِ. وزَعْمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْنى: يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ، ثَلاثَةُ أمْثالِهِمْ كَقَوْلِ القائِلِ: عِنْدِي ألْفٌ وأنا مُحْتاجٌ إلى مِثْلَيْها. وغَلَّطَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: إنَّما مِثْلُ الشَّيْءِ مُساوٍ لَهُ ومِثْلاهُ مُساوِيِهِ مَرَّتَيْنِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: أوْقَعَ الفَرّاءُ في هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَتَوَهَّمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا يَرَوْنَهم إلّا عَلى عِدَّتِهِمْ، وهَذا بَعِيدٌ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وإنَّما المَعْنى أراهُمُ اللَّهُ عَلى غَيْرِ عِدَّتِهِمْ بِجِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّهُ رَأى الصَّلاحَ في ذَلِكَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَقْوى قُلُوبُهم بِذَلِكَ؛ والأُخْرى: أنَّهُ آيَةُ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَيْسانَ.
وتَظاهَرَتِ الرِّواياتِ أنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ بِبَدْرٍ كانُوا نَحْوَ الألْفِ أوْ تِسْعِمِائَةٍ، والمُؤْمِنِينَ ثَلاثِمِائَةٍ وأرْبَعَةَ عَشَرَ. وقِيلَ: وثَلاثَةَ عَشْرَةَ، لَكِنْ رَجَعَ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، ورَجَعَ طالِبُ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأتْباعٌ وناسٌ كَثِيرٌ (p-٣٩٦)حَتّى بَقِيَ لِلْقِتالِ مَن يَقْرُبُ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَذَكَرَ اللَّهُ المِثْلَيْنِ، إذْ أمْرُهُما مُتَيَقَّنٌ لَمْ يَدْفَعْهُ أحَدٌ. وحُكِيَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا في قِتالِ بَدْرٍ سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ، وقَدْ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّهم كانُوا نَحْوَ الألْفِ.
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«يَوْمَ بَدْرٍ القَوْمُ ألْفٌ“» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا، ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَما رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا. وقالَ في رِوايَةٍ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا حَتّى لَقَدْ قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جانِبِي تَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: أراهم مِائَةً، فَأسَرْنا مِنهم رَجُلًا فَقُلْنا: كَمْ كُنْتُمْ ؟ قالَ: ألْفًا. ونُقِلَ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أُسِرُوا، قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: كَمْ كُنْتُمْ ؟ قالُوا: كُنّا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشْرَةَ، قالُوا: ما كُنّا نَراكم إلّا تَضْعُفُونَ عَلَيْنا، وتَكْثِيرُ كُلِّ طائِفَةٍ في عَيْنِ الأُخْرى، وتَقْلِيلُها بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتَيْنِ جائِزٌ، فَلا يَمْتَنِعُ.
﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُقَوِّيهِ بِعَوْنِهِ. وقِيلَ: النَّصْرُ الحُجَّةُ. ونِسْبَةُ التَّأْيِيدِ إلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤَيَّدَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَفْعُولُ: مَن يَشاءُ، مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن يَشاءُ نَصْرَهُ.
(إنَّ في ذَلِكَ) أيَ: النَّصْرِ. وقِيلَ: رُؤْيَةُ الجَيْشِ مِثْلَيْهِمْ، (لَعِبْرَةً) أيِ: اتِّعاظًا ودَلالَةً.
﴿لِأُولِي الأبْصارِ﴾ إنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً، فالمَعْنى: لِلَّذِينَ أبْصَرُوا الجَمْعَيْنِ، وإنْ كانَتِ اعْتِقادِيَّةً، فالمَعْنى: لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ القابِلَةِ لِلِاعْتِبارِ.
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: زُيِّنَ؛ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: هو اللَّهُ تَعالى، قالَهُ عُمَرُ؛ لِأنَّهُ قالَ حِينَ نَزَلَتِ: الآنَ يا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَها، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] الآيَةَ، ومَعْنى التَّزْيِينِ: خَلْقُها وإنْشاءُ الجِبِلَّةِ عَلى المَيْلِ إلَيْها، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧] فَزَيَّنَها تَعالى لِلِابْتِلاءِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ: زَيَّنَ لِلنّاسِ حُبُّ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ .
وقِيلَ: المُزَيِّنُ الشَّيْطانُ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ، قالَ: مَن زَيَّنَها ؟ ما أحَدٌ أشَدُّ ذَمًّا لَها مِن خالِقِها، ويَصِحُّ إسْنادُ التَّزْيِينِ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِالإيجادِ والتَّهْيِئَةِ لِلِانْتِفاعِ، ونِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ، وتَحْصِيلِها مِن غَيْرِ وجْهِها. وأشارَتِ الآيَةُ إلى تَوْبِيخِ مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمُ، المَفْتُونِينَ بِالدُّنْيا، وأضافَ المَصْدَرَ إلى المَفْعُولِ، وهو الكَثِيرُ في القُرْآنِ، وعَبَّرَ عَنِ المُشْتَهَياتِ بِالشَّهَواتِ مُبالَغَةً؛ إذْ جَعَلَها نَفْسَ الأعْيانِ، وتَنْبِيهًا عَلى خِسَّتِها، لِأنَّ الشَّهْوَةَ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ العُقَلاءِ، يُذَمُّ مُتْبِعُها ويُشْهَدُ لَهُ بِالِانْتِظامِ في البَهائِمِ، وناهِيكَ لَها ذَمًّا قَوْلُهُ ﷺ: «حُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ وحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ»
وأتى بِذِكْرِ الشَّهَواتِ أوَّلًا مَجْمُوعَةً عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ثُمَّ أخَذَ في تَفْسِيرِها شَهْوَةً شَهْوَةً؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُزَيَّنَ ما هو إلّا شَهْوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لا غَيْرَ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْها، وذَمٌّ لِطالِبِها ولِلَّذِي يَخْتارُها عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ، وبَدَأ في تَفْصِيلِها بِالأهَمِّ فالأهَمِّ، بَدَأ بِالنِّساءِ لِأنَّهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ وأقْرَبُ وأكْثَرُ امْتِزاجًا: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ»، «ما رَأيْتُ مِن ناقِصاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحازِمِ مِنكُنَّ» . ويُقالُ: فِيهِنَّ فِتْنَتانِ؛ قَطْعُ الرَّحِمِ وجَمْعُ المالِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وفي البَنِينَ فِتْنَةٌ واحِدَةٌ وهي جَمْعُ المالِ. وثَنى بِالبَنِينَ لِأنَّهم مِن ثَمَراتِ النِّساءِ، وفُرُوعٌ عَنْهُنَّ، وشَقائِقُ النِّساءِ في الفِتَنِ؛ «الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» .
؎وإنَّما أوْلادُنا بَيْنَنا ∗∗∗ أكْبادُنا تَمْشِي عَلى الأرْضِ
؎لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلى بَعْضِهِمْ ∗∗∗ لامْتَنَعَتْ عَيْنِي مِنَ الغَمْضِ
المَرْءُ مَفْتُونٌ بِابْنِهِ وبِشِعْرِهِ، وقُدِّمُوا عَلى الأمْوالِ لِأنَّ حُبَّ الإنْسانِ ولَدَهُ أكْثَرُ مِن حُبِّهِ مالَهُ؛ وحَيْثُ ذَكَرَ الِامْتِنانَ والإنْعامَ أوِ الِاسْتِعانَةَ والغَلَبَةَ، قُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ ”والبَنِينَ“: الذُّكْرانِ. وقِيلَ: يَشْمَلُ الإناثَ، وغَلَبَ التَّذْكِيرُ.
﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ ثُلِّثَ بِالأمْوالِ (p-٣٩٧)لِما في المالِ مِنَ الفِتْنَةِ، ولِأنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ غالِبُ الشَّهَواتِ، ولِأنَّ المَرْءَ يَرْتَكِبُ الأخْطارَ في تَحْصِيلِهِ لِلْوَلَدِ. واخْتُلِفَ في القِنْطارِ، أهْوَ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ، أمْ لَيْسَ كَذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ، وقِيلَ: ألْفٌ ومِائَتا دِينارٍ. وكُلُّ هَذِهِ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الأوَّلُ: رَواهُ أُبَيٌّ، وقالَ بِهِ مُعاذٌ، وابْنُ عُمَرَ، وعاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ. والثّانِي: رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ وقالَ بِهِ. والثّالِثُ: رَواهُ الحَسَنُ، ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، أوْ ألْفُ دِينارٍ ذَهَبًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: ثَمانُونَ ألْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ، وهي مِائَةُ رِطْلٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: ألْفُ مِثْقالِ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ، أوْ ثَمانُونَ ألْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الفِضَّةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: مِائَةُ ألْفٍ، ومِائَةُ مَنٍّ، ومِائَةُ رِطْلٍ، ومِائَةُ مِثْقالٍ، ومِائَةُ دِرْهَمٍ. ولَقَدْ جاءَ الإسْلامُ يَوْمَ جاءَ، وبِمَكَّةَ مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ قَنْطَرُوا. وقِيلَ: أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ وقالَهُ ابْنُ سِيدَهْ في (المُحْكَمِ) . وقِيلَ: ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ، وهي مِائَةُ رِطْلٍ.
وقالَ ابْنُ سِيدَهْ في (المُحْكَمِ) القِنْطارُ: بِلُغَةِ بَرْبَرَ: ألْفُ مِثْقالٍ. ورَوى أنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَفْسِيرِ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ [النساء: ٢٠] قالَ: ألْفَ دِينارٍ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ القِنْطارَ هو رِطْلُ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأظُنُّهُ وهْمًا، وإنَّ القَوْلَ مِائَةُ رِطْلٍ، فَسَقَطَتْ مِائَةٌ لِلنّاقِلِ، انْتَهى. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: القِنْطارُ بِلِسانِ أفْرِيقِيَّةَ والأنْدَلُسِ: ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ، وهَذا يَكُونُ في الزَّمانِ الأوَّلِ. وأمّا الآنَ فَهو عِنْدَنا: مِائَةُ رِطْلٍ، والرِّطْلُ عِنْدَنا، سِتَّةَ عَشَرَ أُوقِيَّةً. وقالَ أبُو بَصْرَةَ، وأبُو عُبَيْدَةَ: مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: وكَذا هو بِالسُّرْيانِيَّةِ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: وكَذا هو بِلُغَةِ الرُّومِ.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المالُ العَظِيمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القِنْطارُ عِنْدَ العَرَبِ وزْنٌ لا يُحَدُّ، وقالَ الحَكَمُ: القِنْطارُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن مالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القِنْطارُ مِعْيارٌ يُوزَنُ بِهِ، كَما أنَّ الرِّطْلَ مِعْيارٌ.
ويُقالُ: لَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الوَزْنُ قِنْطارًا، أيْ: يَعْدِلُ القِنْطارَ، وأصَحُّ الأقْوالِ الأوَّلُ، والقِنْطارُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ البِلادِ في قَدْرِ الأُوقِيَّةِ انْتَهى.
والمُقَنْطَرَةُ: مُفَعْلَلَةُ، أوْ مُفَيْعَلَةُ مِنَ القِنْطارِ. ومَعْناهُ المُجْتَمِعَةُ، كَما يَقُولُ: الأُلُوفُ المُؤَلَّفَةُ، والبَدْرَةُ المُبَدَّرَةُ. اشْتَقُّوا مِنها وصْفًا لِلتَّوْكِيدِ. وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المُضَعَّفَةُ، قالَهُ قَتادَةُ والطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ تِسْعَةُ قَناطِيرَ، لِأنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، قالَهُ النَّقّاشُ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أقَلَّ مِن تِسْعَةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: لا تَكُونُ أكْثَرَ مِن تِسْعَةٍ، وهَذا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: المُقَنْطَرَةُ المَضْرُوبَةُ دَنانِيرَ، أوْ دَراهِمَ. وقالَ الرَّبِيعُ والضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ الَّذِي بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ: المَخْزُونَةُ المَدْخُورَةُ. وقالَ يَمانٌ: المَدْفُونَةُ المَكْنُوزَةُ. وقِيلَ: الحاضِرَةُ العَتِيدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: ما المالُ إلّا ما حازَتْهُ العِيانُ
﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ تَبْيِينٌ لِلْقَناطِيرِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنها، أيْ كائِنًا مِنَ الذَّهَبِ ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ أيِ: الرّاعِيَةِ في المُرُوجِ، سامَتْ: سَرَحَتْ، وأخَذَتْ سَوْمَها مِنَ الرَّعْيِ؛ أيْ: غايَةَ جَهْدِها، ولَمْ تُقْصَرْ عَلى حالٍ دُونَ حالٍ، فَيَكُونُ قَدْ عُدِّيَ الفِعْلُ بِالتَّضْعِيفِ، كَما عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ في قَوْلِهِمْ: ”أسْمَتْها“ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى، ومُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها المُطَهَّمَةُ الحِسانُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الرّائِقَةُ مِن سِيما الحَسَنِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَوْمُها: الحُسْنُ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. مِن قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ وسِيمٌ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إلّا إنِ ادَّعى القَلْبَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ: المُعَلَّمَةُ بِالشِّياتِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مِنَ السُّومَةِ، وهي العَلامَةُ قالَ أبُو طالِبٍ: (p-٣٩٨)
؎أمِينٌ مُحِبٌّ لِلْعِبادِ مُسَوَّمِ ∗∗∗ بِخاتَمِ رَبٍّ طاهِرٍ لِلْخَواتِمِ
قالَ أبُو زَيْدٍ: أصْلُ ذَلِكَ أنْ تَجْعَلَ عَلَيْها صُوفَةً أوْ عَلامَةً تُخالِفُ سائِرَ جَسَدِها؛ لِتَبِينَ مِن غَيْرِها في المَرْعى. وقالَ ابْنُ فارِسَ في (المُجْمَلِ) المُسَوَّمَةُ: هي المُرْسَلُ عَلَيْها رُكْبانُها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ. وقالَ ابْنُ المُبَرِّدِ: المَعْرُوفَةُ في البُلْدانِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: البَلْقُ. وقِيلَ: ذَواتُ الأوْضاحِ مِنَ الغُرَّةِ والتَّحْجِيلِ. وقِيلَ: هي الهَمالِيجُ.
﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعاطِيفُ مِن قَوْلِهِ: والقَناطِيرُ، إلى آخِرِها. غَيْرَ ما أتى تَبْيِينًا مَعْطُوفًا عَلى الشَّهَواتِ، أيْ: وحُبُّ القَناطِيرِ وكَذا وكَذا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: مِنَ النِّساءِ، فَيَكُونُ مُنْدَرِجًا في الشَّهَواتِ؛ ولَمْ يَجْمَعِ الحَرْثَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ. وقِيلَ: يُرادُ بِهِ المَفْعُولُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] .
﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أشارَ: بِذَلِكَ، وهو مُفْرَدٌ إلى الأشْياءِ السّابِقَةِ وهي كَثِيرَةٌ، لِأنَّهُ أرادَ ذَلِكَ المَذْكُورَ، أوِ المُتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والمَعْنى: تَحْقِيرُ أمْرِ الدُّنْيا، والإشارَةُ إلى فَنائِها وفَناءِ ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِيها، وأدْغَمَ أبُو عُمَرَ؛ وفي الإدْغامِ الكَبِيرِ ثاءٌ؛ والحَرْثُ: في ذالِ ذَلِكَ، واسْتُضْعِفَ لِصِحَّةِ السّاكِنِ قَبْلَ الثّاءِ.
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ أيِ: المَرْجِعُ، وهو إشارَةٌ إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ الَّذِي لا يَفْنى ولا يَنْقَطِعُ.
ومِن غَرِيبِ ما اسْتُنْبِطَ مِنَ الأحْكامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِيها دَلالَةً عَلى إيجابِ الصَّدَقَةِ في الخَيْلِ السّائِمَةِ لِذِكْرِها مَعَ ما تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ أوِ النَّفَقَةُ، فالنِّساءُ والبَنُونَ فِيهِمُ النَّفَقَةُ، وباقِيها فِيها الصَّدَقَةُ، قالَهُ الماتُرِيدِيُّ.
وذَكَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، الخِطابُ العامُّ، ويُرادُ بِهِ الخاصُّ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى قَوْلِ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ هُمُ اليَهُودُ.
وهَذا مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، والتَّجْنِيسِ المُغايِرِ في (تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأيَ العَيْنِ)، والِاحْتِراسُ في ﴿رَأيَ العَيْنِ﴾ قالُوا: لِئَلّا يُعْتَقَدَ أنَّهُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَهو مِن بابِ الحَزْرِ وغَلَبَةِ الظَّنِّ، والإبْهامُ في زُيِّنَ لِلنّاسِ، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ والحَذْفُ في مَواضِعَ، وهي كُلُّ مَوْضِعٍ يُضْطَرُّ فِيهِ إلى تَصْحِيحِ المَعْنى بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ.
آل عمران 3:13
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .
العِبْرَةُ: الِاتِّعاظُ يُقالُ مِنهُ: اعْتَبَرَ، وهو الِاسْتِدْلالُ بِشَيْءٍ عَلى شَيْءٍ يُشْبِهُهُ، واشْتِقاقُها مِنَ العُبُورِ، وهو مُجاوَزَةُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ: عِبْرُ النَّهْرِ، وهو شَطُّهُ، والمِعْبَرُ: السَّفِينَةُ، والعِبارَةُ يُعَبِّرُ بِها إلى (p-٣٩٢)المُخاطَبِ بِالمَعانِي، وعَبَرْتَ الرُّؤْيا مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا: نَقَلْتَ ما عِنْدَكَ مِن عِلْمِها إلى الرّائِي أوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجْهَلُ. وكانَ الِاعْتِبارُ انْتِقالًا عَنْ مَنزِلَةِ الجَهْلِ إلى مَنزِلَةِ العِلْمِ، ومِنهُ العَبْرَةُ: وهي الدَّمْعُ؛ لِأنَّها تُجاوِزُ العَيْنَ.
الشَّهْوَةُ: ما تَدْعُوَ النَّفْسُ إلَيْهِ، والفِعْلُ مِنهُ: اشْتَهى، ويُجْمَعُ بِالألِفِ والتّاءِ فَيُقالُ: شَهَواتٍ، ووَجَدْتُ أنا في شِعْرِ العَرَبِ جَمْعَها عَلى: شُهًى، نَحْوَ: نَزْوَةٌ ونُزًى، وكَوَّةٌ وكُوًى، عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ: كُوًى جَمْعُ كَوَّةٍ، بِفَتْحِ الكافِ، وهَذا مَعَ: قَرْيَةٍ وقُرًى، ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِمّا جاءَ عَلى وزْنِ ”فَعْلَةٍ“ مُعْتَلِّ اللّامِ، وجُمِعَ عَلى ”فُعَلٍ“، واسْتَدْرَكْتُ أنا: شُهًى، وقالَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي نَضْرِ بْنِ مُعاوِيَةَ:
؎فَلَوْلا الشُّهى واللَّهِ كُنْتُ جَدِيرَةً بِأنْ أتْرُكَ اللَّذّاتِ في كُلِّ مَشْهَدِ
القِنْطارُ: فِنْعالُ نُونُهُ زائِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، فَيَكُونُ وزْنُهُ: فِنْعالًا مِن: قَطَرَ يَقْطُرُ. وقِيلَ: أصْلٌ؛ ووَزْنُ ”فِعْلالٍ“، فِيهِ خِلافٌ: أهْوَ واقِعٌ عَلى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ ؟ أمْ هو وزْنٌ لا يُحَدُّ ولا يُحْصَرُ ؟ والقائِلُونَ بِأنَّهُ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ العَدَدِ، ويَأْتِي ذَلِكَ في التَّفْسِيرِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ويُقالُ مِنهُ: قَنْطَرَ لِرَجُلٍ إذا كانَ عِنْدَهُ قَناطِيرُ، أوْ قِنْطارٌ مِنَ المالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ، عَقَدْتُهُ وأحْكَمْتُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القَنْطَرَةَ لِإحْكامِها؛ وقِيلَ: قَنْطَرْتُهُ: عَبَّيْتُهُ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، ومِنهُ سُمِّيَ القَنْطَرَةَ. فَشَبِهَ المالَ الكَثِيرَ الَّذِي يُعَبّى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ بِالقَنْطَرَةِ.
الذَّهَبُ: مَعْرُوفٌ، وهو مُؤَنَّثٌ، يُجْمَعُ عَلى ذِهابٍ وذُهُوبٍ. وقِيلَ: الذَّهَبُ جَمْعُ ذَهَبَةٍ.
والفِضَّةُ: مَعْرُوفَةٌ، وجَمْعُها فِضَضٌ، فالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهابِ، والفِضَّةُ مِنِ انْفَضَّ الشَّيْءُ: تَفَرَّقَ، ومِنهُ: فَضَضْتُ القَوْمَ.
الخَيْلُ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، بَلْ واحِدُهُ: فَرَسٌ؛ وقِيلَ: واحِدُهُ: خايِلٌ، كَراكِبٍ ورَكْبٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاخْتِيالِها في مَشْيِها. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ التَّخَيُّلِ، لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ في صُورَةِ مَن هو أعْظَمُ مِنهُ. وقِيلَ: الِاخْتِيالُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخَيُّلِ.
النَّعَمُ: الإبِلُ فَقَطْ، قالَ الفَرّاءُ: وهو مُذَكَّرٌ، ولا يُؤَنَّثُ، يَقُولُونَ هَذا نَعَمٌ وارِدٌ. وقالَ الهَرَوِيُّ: النَّعَمُ: يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وإذا جُمِعَ انْطَلَقَ عَلى الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأنْعامُ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، واحِدُها نَعَمٌ، وهو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِنُعُومَةِ مَسِّها وهو لِينُها، ومِنهُ: النّاعِمُ، والنَّعامَةُ، والنَّعامِيُّ: الجَنُوبُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلِينِ هُبُوبِها.
المَآبُ: مَفْعَلٌ مِن: آبَ يَئُوبُ إيابًا. أيْ: رَجَعَ، يَكُونُ لِلْمَصْدَرِ، والمَكانِ والزَّمانِ.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقاعَ قالُوا بَعْدَ وقْعَةِ بِدْرٍ: إنَّ قُرَيْشًا كانُوا أغْمارًا، ولَوْ حارَبْتَنا لَرَأيْتَ رِجالًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ قَبْلَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ، فَحَقَّقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ. وقِيلَ: لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ، قالَتِ اليَهُودُ: هو النَّبِيُّ المَبْعُوثُ الَّذِي في كِتابِنا، لا تُهْزَمُ لَهُ رايَةٌ. فَقالَتْ لَهم شَياطِينُهم: لا تَعْجَلُوا حَتّى نَرى أمْرَهُ في وقْعَةٍ أُخْرى. فَلَمّا كانَتْ أُحُدٌ كَفَرُوا جَمِيعُهم؛ وقالُوا: لَيْسَ بِالنَّبِيِّ المَنصُورِ.
وقِيلَ: في أبِي سُفْيانَ وقَوْمِهِ، جَمَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، بَعْدَ بَدْرٍ، فَنَزَلَتْ. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى قَبْلُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم وأنَّهم وقُودُ النّارِ، ناسَبَ ذَلِكَ الوَعْدُ الصّادِقُ اتِّباعَهُ هَذا الوَعْدَ الصّادِقَ، وهو كالتَّوْكِيدِ لِما قَبْلَهُ، فالغَلَبَةُ تَحْصُلُ بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، والحَشْرُ لِجَهَنَّمَ مَبْدَأُ كَوْنِهِمْ يَكُونُونَ لَها وقُودًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: سَيَغْلَبُونَ ويَحْشَرُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِالتّاءِ، خِطابًا، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْمُولًا لِلْقَوْلِ. ومَن قَرَأ بِالياءِ فالظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إذْ ذاكَ لَيْسَتْ مَحْكِيَّةً بِقُلْ، بَلْ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ آخَرَ، التَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم قَوْلِي سَيُغْلَبُونَ، وإخْبارِي أنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِمُ الغَلَبَةُ والهَزِيمَةُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] فَبِالتّاءِ أخْبَرَهم؛ بِمَعْنى ما أخْبَرَ بِهِ مِن أنَّهم سَيُغْلَبُونَ، وبِالياءِ أخْبَرَهم بِاللَّفْظِ (p-٣٩٣)الَّذِي أخْبَرَ بِهِ أنَّهم سَيُغْلَبُونَ، وأجازَ بَعْضُهم، وهو: الفَرّاءُ، وأحْمَدُ بْنُ يَحْيى، وأوْرَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في: سَيُغْلَبُونَ، في قِراءَةِ التّاءِ عَلى قُرَيْشٍ، أيْ: قُلْ لِلْيَهُودِ سَتُغْلَبُ قُرَيْشٌ، وفِيهِ بُعْدٌ.
والظّاهِرُ أنَّ: الَّذِينَ كَفَرُوا، يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ، وكُلٌّ قَدْ غُلِبَ بِالسَّيْفِ، والجِزْيَةِ، والذِّلَّةِ، وظُهُورِ الدَّلائِلِ والحُجَجِ، وإلى مَعْناها الغايَةُ، وإنَّ جَهَنَّمَ مُنْتَهى حَشْرِهِمْ؛ وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ”إلى“ في مَعْنى ”في“، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّهم يُجْمَعُونَ في جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ كَلامٍ مِنهُ تَعالى، قالَهُ الرّاغِبُ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: وبِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ. وكَثِيرًا ما يُحْذَفُ لِفَهْمِ المَعْنى، وهَذا مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ الَّتِي قَبِلَهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ إذْ لَوْ كانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ لَلَزِمَ مِن ذَلِكَ حَذْفُ الجُمْلَةِ بِرَأْسِها مِن غَيْرِ أنْ يَبْقى ما يَدُلُّ عَلَيْها، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، لِأنَّ حَذْفَ المُفْرَدِ أسْهَلُ مِن حَذْفِ الجُمْلَةِ. وأمّا مَن جَعَلَ ”المِهادُ“: ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، أيْ: بِئْسَما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، وكانَ المَعْنى عِنْدَهُ، وبِئْسَ: فِعْلُهُمُ الَّذِي أدّاهم إلى جَهَنَّمَ، فَفِيهِ بُعْدٌ، ويُرْوى عَنْ مُجاهِدٍ.
﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ قالَ في (رَيِّ الظَّمْآنِ): أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها وقْعَةُ بَدْرٍ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ. فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ تَثْبِيتُ النُّفُوسِ وتَشْجِيعُها، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ ما قالَ؛ أمْكَنَ أنْ يَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ، وبَعْضُ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ مَن قالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أمْوالَ كِسْرى وقَيْصَرَ؛ ونَحْنُ لا نَأْمَنُ عَلى النِّساءِ في المَذْهَبِ، وكَما قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ حِينَ أخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالأمْنَةِ الَّتِي تَأْتِي، فَقُلْتُ في نَفْسِي: فَأيْنَ دُعّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا البِلادَ ؟ الحَدِيثَ بِكَمالِهِ.
وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكافِرِينَ، وهو ظاهِرٌ، ولا سِيَّما عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ سَتُغْلَبُونَ، بِالتّاءِ، ويُخَرَّجُ ذَلِكَ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهم؛ وإعْلامًا بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُ دِينَهُ، وقَدْ أراكم في ذَلِكَ مِثالًا بِما جَرى لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ مِنَ الخِذْلانِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقِيلَ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ جَرِيرٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهم؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَغْتَرُّوا بِدُرْبَتِكم في الحَرْبِ، ومَنَعَةِ حُصُونِكم، ومُجالَبَتِكم لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَإنَّ اللَّهَ غالِبُكم؛ وقَدْ عَلِمْتُمْ ما حَلَّ بِأهْلِ بَدْرٍ، ولَمْ يُلْحِقِ التّاءَ كانَ، وإنْ كانَ قَدْ أُسْنِدَ إلى مُؤَنَّثٍ، وهو الآيَةُ، لِأجْلٍ أنَّهُ تَأْنِيثٌ مَجازِيٌّ؛ وازْدادَ حُسْنًا بِالفَصْلِ، وإذا كانَ الفَصْلُ مُحَسَّنًا في المُؤَنَّثِ الحَقِيقِيِّ، فَهو أوْلى في المُؤَنَّثِ المَجازِيِّ، ومِن كَلامِهِمْ: حَضَرَ القاضِي امْرَأةً وقالَ:
؎إنَّ امْرَأً غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ ∗∗∗ بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيا لَمَغْرُورُ
وقِيلَ: ذُكِرَ لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ البَيانُ، فَهو كَما قالَ:
؎بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصَةٌ ∗∗∗ كَخُرْعُوبَةِ البانَةِ المُنْفَطِرْ
ذَهَبَ إلى القَضِيبِ، وفي قَوْلِهِ ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: في قِصَّةِ فِئَتَيْنِ، ومَعْنى: التَقَتا، أيْ لِلْحَرْبِ والقِتالِ.
﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ أيْ: فِئَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفِئَةٌ أُخْرى تُقاتِلُ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، فَحَذَفَ مِنَ الأُولى ما أثْبَتَ مُقابِلَهُ في الثّانِيَةِ، ومِنَ الثّانِيَةِ ما أثْبَتَ نَظِيرَهُ في الأُولى، فَذَكَرَ في الأُولى لازِمَ الإيمانِ، وهو القِتالُ في سَبِيلِ اللَّهِ. وذَكَرَ في الثّانِيَةِ مَلْزُومَ القِتالِ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، وهو الكُفْرُ.
والجُمْهُورُ بِرَفْعِ ”فِئَةٌ“، عَلى القَطْعِ، التَّقْدِيرُ: إحْداهُما، فَيَكُونُ: فِئَةٌ، عَلى هَذا خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوِ التَّقْدِيرُ: مِنهُما، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ.
وقِيلَ: الرَّفْعُ، عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”التَقَتا“ .
وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ وحُمَيْدٌ: فِئَةٍ، بِالجَرِّ، عَلى البَدَلِ التَّفْصِيلِيِّ، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، كَما قالَ:
؎وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنٍ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورِجْلٍ رَمى فِيها الزَّمانُ فَشُلَّتِ
(p-٣٩٤)ومِنهم مَن رَفَعَ: كافِرَةٌ، ومِنهم مَن خَفَضَها عَلى العَطْفِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ: فِئَةٌ الأُولى، بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ أيْ: فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وتَرْتَفِعُ أُخْرى عَلى وجْهَيِ القَطْعِ إمّا عَلى الِابْتِداءِ، وإمّا عَلى الخَبَرِ.
وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْقِعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: فِئَةً، بِالنَّصْبِ، قالُوا: عَلى المَدْحِ، وتَمامُ هَذا القَوْلِ: إنَّهُ انْتَصَبَ الأوَّلُ عَلى المَدْحِ، والثّانِي عَلى الذَّمِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: أمْدَحُ فِئَةً تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأذُمُّ أُخْرى كافِرَةً.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّصْبُ في: فِئَةٍ، عَلى الِاخْتِصاصِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ المَنصُوبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ نَكِرَةً، ولا مُبْهَمًا، وأجازَ هو وغَيْرُهُ قَبْلَهُ كالزَّجّاجِ: أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”التَقَتا“، وذَكَرَ فِئَةً: عَلى سَبِيلِ التَّوْطِئَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُقاتِلُ، بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الفِئَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: يُقاتِلُ بِالياءِ، عَلى التَّذْكِيرِ، قالُوا: لِأنَّ مَعْنى الفِئَةِ القَوْمُ فَرُدَّ إلَيْهِ، وجَرى عَلى لَفْظِهِ.
﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ قَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ، ”تَرَوْنَهم“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ: تُرَوْنَهم بِضَمِّ التّاءِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ عَلى الغَيْبَةِ، فَأمّا مَن قَرَأ بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ فَهو جارٍ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الخِطابِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في ”لَكم“: لِلْمُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ”تَرَوْنَهم“: لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا. وضَمِيرُ النَّصْبِ في تَرَوْنَهم: وضَمِيرُ الجَرِّ في ”مِثْلَيْهِمْ“: عائِدٌ عَلى الكافِرِينَ، والتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ في العَدَدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في الآيَةِ؛ أنَّهم رَأوُا الكُفّارَ في مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ وأوْقَعَ المُسْلِمُونُ بِهِمْ. وهَذِهِ حَقِيقَةُ التَّأْيِيدِ بِالنَّصْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]
واسْتُبْعِدَ هَذا المَعْنى؛ لِأنَّهم جَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ، وآيَةَ الأنْفالِ، قِصَّةً واحِدَةً، وهُناكَ نَصٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَلَّلَ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ، فَلا يُجامِعُ هَذا التَّكْثِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ؛ ويُحْتَمَلُ عَلى مَن قَرَأ بِتاءِ الخِطابِ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في: تَرَوْنَهم لِلْكافِرِينَ، والمَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، واسْتُبْعِدَ هَذا إذْ كانَ التَّرْكِيبُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ: تَرَوْنَهم مِثْلَيْكم.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِنَ الِالتِفاتِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في: مِثْلَيْهِمْ، عَلى الفِئَةِ المُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ: تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيِ الفِئَةِ المُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهم أنْفُسُهم، والمَعْنى: تَرَوْنَهم مِثْلَيْكم، وهَذا تَقْلِيلٌ، إذا كانُوا نَيِّفًا عَلى ألْفٍ، والمُسْلِمُونَ في تَقْدِيرِ ثُلُثٍ مِنهم؛ فَأرى اللَّهُ المُسْلِمِينَ الكافِرِينَ في ضِعْفَيِ المُسْلِمِينَ عَلى ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] لِتَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ.
وإذَنْ كانَ الضَّمِيرُ في لَكم: لِلْكافِرِينَ، وفي ”تَرَوْنَهم“: الخِطابُ لَهم، والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أيُّها الكافِرُونَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدًا عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ، أيْ: مِثْلَيِ الفِئَةِ الكافِرَةِ وهم أنْفُسُهم، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى قَدْ أرى المُشْرِكِينَ المُؤْمِنِينَ أضْعافَ أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ، أوْ أضْعافَ الكافِرِينَ عَلى قِلَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِيَهابُوهم ويَجْبُنُوا عَنْهم، وكانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ مَدَدًا مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَما أمَدَّهم تَعالى بِالمَلائِكَةِ، فَإنْ كانَتْ هَذِهِ، وآيَةُ الأنْفالِ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، فالجَمْعُ بَيْنَ هَذا التَّكْثِيرِ، وذاكَ التَّقْلِيلِ بِاعْتِبارِ حالَيْنِ، قُلِّلُوا أوَّلًا في أعْيُنِ الكُفّارِ حَتّى يَجْتَرِئُوا عَلى مُلاقاةِ المُؤْمِنِينَ، وكُثِّرُوا حالَةَ المُلاقاةِ حَتّى قَهَرُوا وغَلَبُوا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنبِهِ إنسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] وأمّا مَن قَرَأ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ، فالظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ تَكُونُ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ وضَمِيرُ الرَّفْعِ عائِدٌ عَلَيْها، عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ عادَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ؛ تَراهم، وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ عَلى: فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وضَمِيرُ الجَرِّ في: مِثْلَيْهِمْ، عائِدٌ عَلى فِئَةٍ أيْضًا، وذَلِكَ عَلى مَعْنى الفِئَةِ، (p-٣٩٥)إذْ لَوْ عادَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ التَّرْكِيبُ: تَراها مِثْلَيْها، أيْ تَرى الفِئَةُ الكافِرَةُ الفِئَةَ المُؤْمِنَةَ في مِثْلَيْ عَدَدِ نَفْسِها. أيْ: سِتِّمِائَةٍ ونَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أوْ مِثْلَيْ أنْفُسِ الفِئَةِ الكافِرَةِ، أيْ: ألْفَيْنِ، أوْ قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى الفِئَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى المَعْنى، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ والمَجْرُورُ عائِدًا عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ عَلى المَعْنى، أيْ: تَرى الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيْ نَفْسِها.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ، أيْ: مِثْلَيِ الفِئَةِ الكافِرَةِ. والجُمْلَةُ إذْ ذاكَ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: وأُخْرى كافِرَةٌ، فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ الرّابِطُ: الواوَ، وفي هَذا الوَجْهِ الرّابِطُ ضَمِيرُ النَّصْبِ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ في: لَكم لِلْيَهُودِ؛ فالآيَةُ كَما أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ؛ وتَثْبِيتًا لِصُورَةِ الوَعْدِ السّابِقِ مِن أنَّ الكُفّارَ: سَيُغْلَبُونَ. فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ كانَ مَعْناهُ: لَوْ حَضَرْتُمْ، أوْ إنْ كُنْتُمْ حَضَرْتُمْ، وساغَ هَذا الخِطابُ لِوُضُوحِ الأمْرِ في نَفْسِهِ، ووُقُوعِ اليَقِينِ بِهِ، لِكُلِّ إنْسانٍ في ذَلِكَ العَصْرِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَضَمِيرُ الفاعِلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْفِئَةِ المُؤْمِنَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْفِئَةِ الكافِرَةِ عَلى ما تَقَرَّرَ قَبْلُ.
والرُّؤْيَةُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ بَصَرِيَّةٌ تَتَعَدّى لِواحِدٍ، وانْتَصَبَ مِثْلَيْهِمْ، عَلى الحالِ. قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، ومَكِّيٌّ، والمَهْدَوِيُّ. ويُقَوِّي ذَلِكَ ظاهِرُ قَوْلِهِ: رَأْيَ العَيْنِ، وانْتِصابُهُ عَلى هَذا انْتِصابُ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رُؤْيَةٌ ظاهِرَةٌ مَكْشُوفَةٌ، لا لَبْسَ فِيها مُعايَنَةٌ كَسائِرِ المُعايَناتِ. وقِيلَ: الرُّؤْيَةُ هُنا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، والثّانِي هو: مِثْلَيْهِمْ. ورُدَّ هَذا بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: رَأْيَ العَيْنِ، والثّانِي: أنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ عِلْمٌ، ومُحالٌ أنْ يُعْلَمَ الشَّيْءُ شَيْئَيْنِ.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّ انْتِصابَهُ انْتِصابُ المَصْدَرِ التَّشْبِيهِيِّ، أيْ: رَأْيًا مِثْلَ رَأْيِ العَيْنِ؛ أيْ: يُشْبِهُ رَأْيَ العَيْنِ ولَيْسَ في التَّحْقِيقِ بِهِ، وعَنِ الثّانِي: بِأنَّ مَعْنى الرُّؤْيَةِ هُنا الِاعْتِقادُ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مُحالًا، وإذا كانُوا قَدْ أطْلَقُوا العِلْمَ في اللُّغَةِ عَلى الِاعْتِقادِ دُونَ اليَقِينِ، فَلِأنْ يُطْلِقُوا الرَّأْيَ عَلَيْهِ أوْلى. قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أيْ: فَإنِ اعْتَقَدْتُمْ إيمانَهُنَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ: تَرَوْنَهم، بِضَمِّ التّاءِ، أوِ الياءِ. قالُوا: فَكانَ المَعْنى أنَّ اعْتِقادَ التَّضْعِيفِ في جَمْعِ الكُفّارِ، أوِ المُؤْمِنِينَ كانَ تَخْمِينًا وظَنًّا، لا يَقِينًا.
فَلِذَلِكَ تُرِكَ في العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ الشَّكِّ، وذَلِكَ أنْ أُرِيَ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، تَقَوُّلُها فِيما عِنْدَكَ فِيهِ نَظَرٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكَما اسْتَحالَ أنْ يُحْمَلَ الرَّأْيُ هُنا عَلى العِلْمِ، يَسْتَحِيلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى النَّظَرِ بِالعَيْنِ، لِأنَّهُ كَما لا يَقَعُ العِلْمُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْمَعْلُومِ، كَذَلِكَ لا يَقَعُ النَّظَرُ البَصَرِيُّ مُخالِفًا لِلْمَنظُورِ إلَيْهِ؛ فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّخْمِينِ والظَّنِّ، وإنَّهُ لِتَمَكُّنِ ذَلِكَ في اعْتِقادِهِمْ؛ شُبِّهَ بِرُؤْيَةِ العَيْنِ، والرَّأْيُ مَصْدَرُ: رَأى، يُقالُ: رَأى رَأْيًا ورُؤْيَةً ورُؤْيا، ويَغْلِبُ رُؤْيا في المَنامِ؛ ورُؤْيَةً في البَصَرِيَّةِ يَقَظَةً، ورَأْيًا في الِاعْتِقادِ، يُقالُ: هَذا رَأْيُ فُلانٍ، قالَ:
؎رَأى النّاسُ إلّا مَن رَأى مِثْلَ رَأْيِهِ ∗∗∗ خَوارِجَ تَرّاكِينَ قَصْدَ المَخارِجِ
ومَعْنى: مِثْلَيْهِمْ، قَدْرُهم مَرَّتَيْنِ. وزَعْمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْنى: يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ، ثَلاثَةُ أمْثالِهِمْ كَقَوْلِ القائِلِ: عِنْدِي ألْفٌ وأنا مُحْتاجٌ إلى مِثْلَيْها. وغَلَّطَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: إنَّما مِثْلُ الشَّيْءِ مُساوٍ لَهُ ومِثْلاهُ مُساوِيِهِ مَرَّتَيْنِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: أوْقَعَ الفَرّاءُ في هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَتَوَهَّمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا يَرَوْنَهم إلّا عَلى عِدَّتِهِمْ، وهَذا بَعِيدٌ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وإنَّما المَعْنى أراهُمُ اللَّهُ عَلى غَيْرِ عِدَّتِهِمْ بِجِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّهُ رَأى الصَّلاحَ في ذَلِكَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَقْوى قُلُوبُهم بِذَلِكَ؛ والأُخْرى: أنَّهُ آيَةُ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَيْسانَ.
وتَظاهَرَتِ الرِّواياتِ أنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ بِبَدْرٍ كانُوا نَحْوَ الألْفِ أوْ تِسْعِمِائَةٍ، والمُؤْمِنِينَ ثَلاثِمِائَةٍ وأرْبَعَةَ عَشَرَ. وقِيلَ: وثَلاثَةَ عَشْرَةَ، لَكِنْ رَجَعَ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، ورَجَعَ طالِبُ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأتْباعٌ وناسٌ كَثِيرٌ (p-٣٩٦)حَتّى بَقِيَ لِلْقِتالِ مَن يَقْرُبُ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَذَكَرَ اللَّهُ المِثْلَيْنِ، إذْ أمْرُهُما مُتَيَقَّنٌ لَمْ يَدْفَعْهُ أحَدٌ. وحُكِيَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا في قِتالِ بَدْرٍ سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ، وقَدْ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّهم كانُوا نَحْوَ الألْفِ.
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«يَوْمَ بَدْرٍ القَوْمُ ألْفٌ“» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا، ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَما رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا. وقالَ في رِوايَةٍ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا حَتّى لَقَدْ قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جانِبِي تَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: أراهم مِائَةً، فَأسَرْنا مِنهم رَجُلًا فَقُلْنا: كَمْ كُنْتُمْ ؟ قالَ: ألْفًا. ونُقِلَ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أُسِرُوا، قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: كَمْ كُنْتُمْ ؟ قالُوا: كُنّا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشْرَةَ، قالُوا: ما كُنّا نَراكم إلّا تَضْعُفُونَ عَلَيْنا، وتَكْثِيرُ كُلِّ طائِفَةٍ في عَيْنِ الأُخْرى، وتَقْلِيلُها بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتَيْنِ جائِزٌ، فَلا يَمْتَنِعُ.
﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُقَوِّيهِ بِعَوْنِهِ. وقِيلَ: النَّصْرُ الحُجَّةُ. ونِسْبَةُ التَّأْيِيدِ إلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤَيَّدَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَفْعُولُ: مَن يَشاءُ، مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن يَشاءُ نَصْرَهُ.
(إنَّ في ذَلِكَ) أيَ: النَّصْرِ. وقِيلَ: رُؤْيَةُ الجَيْشِ مِثْلَيْهِمْ، (لَعِبْرَةً) أيِ: اتِّعاظًا ودَلالَةً.
﴿لِأُولِي الأبْصارِ﴾ إنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً، فالمَعْنى: لِلَّذِينَ أبْصَرُوا الجَمْعَيْنِ، وإنْ كانَتِ اعْتِقادِيَّةً، فالمَعْنى: لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ القابِلَةِ لِلِاعْتِبارِ.
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: زُيِّنَ؛ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: هو اللَّهُ تَعالى، قالَهُ عُمَرُ؛ لِأنَّهُ قالَ حِينَ نَزَلَتِ: الآنَ يا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَها، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] الآيَةَ، ومَعْنى التَّزْيِينِ: خَلْقُها وإنْشاءُ الجِبِلَّةِ عَلى المَيْلِ إلَيْها، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧] فَزَيَّنَها تَعالى لِلِابْتِلاءِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ: زَيَّنَ لِلنّاسِ حُبُّ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ .
وقِيلَ: المُزَيِّنُ الشَّيْطانُ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ، قالَ: مَن زَيَّنَها ؟ ما أحَدٌ أشَدُّ ذَمًّا لَها مِن خالِقِها، ويَصِحُّ إسْنادُ التَّزْيِينِ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِالإيجادِ والتَّهْيِئَةِ لِلِانْتِفاعِ، ونِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ، وتَحْصِيلِها مِن غَيْرِ وجْهِها. وأشارَتِ الآيَةُ إلى تَوْبِيخِ مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمُ، المَفْتُونِينَ بِالدُّنْيا، وأضافَ المَصْدَرَ إلى المَفْعُولِ، وهو الكَثِيرُ في القُرْآنِ، وعَبَّرَ عَنِ المُشْتَهَياتِ بِالشَّهَواتِ مُبالَغَةً؛ إذْ جَعَلَها نَفْسَ الأعْيانِ، وتَنْبِيهًا عَلى خِسَّتِها، لِأنَّ الشَّهْوَةَ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ العُقَلاءِ، يُذَمُّ مُتْبِعُها ويُشْهَدُ لَهُ بِالِانْتِظامِ في البَهائِمِ، وناهِيكَ لَها ذَمًّا قَوْلُهُ ﷺ: «حُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ وحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ»
وأتى بِذِكْرِ الشَّهَواتِ أوَّلًا مَجْمُوعَةً عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ثُمَّ أخَذَ في تَفْسِيرِها شَهْوَةً شَهْوَةً؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُزَيَّنَ ما هو إلّا شَهْوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لا غَيْرَ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْها، وذَمٌّ لِطالِبِها ولِلَّذِي يَخْتارُها عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ، وبَدَأ في تَفْصِيلِها بِالأهَمِّ فالأهَمِّ، بَدَأ بِالنِّساءِ لِأنَّهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ وأقْرَبُ وأكْثَرُ امْتِزاجًا: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ»، «ما رَأيْتُ مِن ناقِصاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحازِمِ مِنكُنَّ» . ويُقالُ: فِيهِنَّ فِتْنَتانِ؛ قَطْعُ الرَّحِمِ وجَمْعُ المالِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وفي البَنِينَ فِتْنَةٌ واحِدَةٌ وهي جَمْعُ المالِ. وثَنى بِالبَنِينَ لِأنَّهم مِن ثَمَراتِ النِّساءِ، وفُرُوعٌ عَنْهُنَّ، وشَقائِقُ النِّساءِ في الفِتَنِ؛ «الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» .
؎وإنَّما أوْلادُنا بَيْنَنا ∗∗∗ أكْبادُنا تَمْشِي عَلى الأرْضِ
؎لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلى بَعْضِهِمْ ∗∗∗ لامْتَنَعَتْ عَيْنِي مِنَ الغَمْضِ
المَرْءُ مَفْتُونٌ بِابْنِهِ وبِشِعْرِهِ، وقُدِّمُوا عَلى الأمْوالِ لِأنَّ حُبَّ الإنْسانِ ولَدَهُ أكْثَرُ مِن حُبِّهِ مالَهُ؛ وحَيْثُ ذَكَرَ الِامْتِنانَ والإنْعامَ أوِ الِاسْتِعانَةَ والغَلَبَةَ، قُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ ”والبَنِينَ“: الذُّكْرانِ. وقِيلَ: يَشْمَلُ الإناثَ، وغَلَبَ التَّذْكِيرُ.
﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ ثُلِّثَ بِالأمْوالِ (p-٣٩٧)لِما في المالِ مِنَ الفِتْنَةِ، ولِأنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ غالِبُ الشَّهَواتِ، ولِأنَّ المَرْءَ يَرْتَكِبُ الأخْطارَ في تَحْصِيلِهِ لِلْوَلَدِ. واخْتُلِفَ في القِنْطارِ، أهْوَ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ، أمْ لَيْسَ كَذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ، وقِيلَ: ألْفٌ ومِائَتا دِينارٍ. وكُلُّ هَذِهِ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الأوَّلُ: رَواهُ أُبَيٌّ، وقالَ بِهِ مُعاذٌ، وابْنُ عُمَرَ، وعاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ. والثّانِي: رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ وقالَ بِهِ. والثّالِثُ: رَواهُ الحَسَنُ، ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، أوْ ألْفُ دِينارٍ ذَهَبًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: ثَمانُونَ ألْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ، وهي مِائَةُ رِطْلٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: ألْفُ مِثْقالِ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ، أوْ ثَمانُونَ ألْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الفِضَّةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: مِائَةُ ألْفٍ، ومِائَةُ مَنٍّ، ومِائَةُ رِطْلٍ، ومِائَةُ مِثْقالٍ، ومِائَةُ دِرْهَمٍ. ولَقَدْ جاءَ الإسْلامُ يَوْمَ جاءَ، وبِمَكَّةَ مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ قَنْطَرُوا. وقِيلَ: أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ وقالَهُ ابْنُ سِيدَهْ في (المُحْكَمِ) . وقِيلَ: ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ، وهي مِائَةُ رِطْلٍ.
وقالَ ابْنُ سِيدَهْ في (المُحْكَمِ) القِنْطارُ: بِلُغَةِ بَرْبَرَ: ألْفُ مِثْقالٍ. ورَوى أنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَفْسِيرِ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ [النساء: ٢٠] قالَ: ألْفَ دِينارٍ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ القِنْطارَ هو رِطْلُ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأظُنُّهُ وهْمًا، وإنَّ القَوْلَ مِائَةُ رِطْلٍ، فَسَقَطَتْ مِائَةٌ لِلنّاقِلِ، انْتَهى. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: القِنْطارُ بِلِسانِ أفْرِيقِيَّةَ والأنْدَلُسِ: ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ، وهَذا يَكُونُ في الزَّمانِ الأوَّلِ. وأمّا الآنَ فَهو عِنْدَنا: مِائَةُ رِطْلٍ، والرِّطْلُ عِنْدَنا، سِتَّةَ عَشَرَ أُوقِيَّةً. وقالَ أبُو بَصْرَةَ، وأبُو عُبَيْدَةَ: مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: وكَذا هو بِالسُّرْيانِيَّةِ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: وكَذا هو بِلُغَةِ الرُّومِ.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المالُ العَظِيمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القِنْطارُ عِنْدَ العَرَبِ وزْنٌ لا يُحَدُّ، وقالَ الحَكَمُ: القِنْطارُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن مالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القِنْطارُ مِعْيارٌ يُوزَنُ بِهِ، كَما أنَّ الرِّطْلَ مِعْيارٌ.
ويُقالُ: لَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الوَزْنُ قِنْطارًا، أيْ: يَعْدِلُ القِنْطارَ، وأصَحُّ الأقْوالِ الأوَّلُ، والقِنْطارُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ البِلادِ في قَدْرِ الأُوقِيَّةِ انْتَهى.
والمُقَنْطَرَةُ: مُفَعْلَلَةُ، أوْ مُفَيْعَلَةُ مِنَ القِنْطارِ. ومَعْناهُ المُجْتَمِعَةُ، كَما يَقُولُ: الأُلُوفُ المُؤَلَّفَةُ، والبَدْرَةُ المُبَدَّرَةُ. اشْتَقُّوا مِنها وصْفًا لِلتَّوْكِيدِ. وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المُضَعَّفَةُ، قالَهُ قَتادَةُ والطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ تِسْعَةُ قَناطِيرَ، لِأنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، قالَهُ النَّقّاشُ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أقَلَّ مِن تِسْعَةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: لا تَكُونُ أكْثَرَ مِن تِسْعَةٍ، وهَذا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: المُقَنْطَرَةُ المَضْرُوبَةُ دَنانِيرَ، أوْ دَراهِمَ. وقالَ الرَّبِيعُ والضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ الَّذِي بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ: المَخْزُونَةُ المَدْخُورَةُ. وقالَ يَمانٌ: المَدْفُونَةُ المَكْنُوزَةُ. وقِيلَ: الحاضِرَةُ العَتِيدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: ما المالُ إلّا ما حازَتْهُ العِيانُ
﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ تَبْيِينٌ لِلْقَناطِيرِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنها، أيْ كائِنًا مِنَ الذَّهَبِ ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ أيِ: الرّاعِيَةِ في المُرُوجِ، سامَتْ: سَرَحَتْ، وأخَذَتْ سَوْمَها مِنَ الرَّعْيِ؛ أيْ: غايَةَ جَهْدِها، ولَمْ تُقْصَرْ عَلى حالٍ دُونَ حالٍ، فَيَكُونُ قَدْ عُدِّيَ الفِعْلُ بِالتَّضْعِيفِ، كَما عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ في قَوْلِهِمْ: ”أسْمَتْها“ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى، ومُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها المُطَهَّمَةُ الحِسانُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الرّائِقَةُ مِن سِيما الحَسَنِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَوْمُها: الحُسْنُ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. مِن قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ وسِيمٌ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إلّا إنِ ادَّعى القَلْبَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ: المُعَلَّمَةُ بِالشِّياتِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مِنَ السُّومَةِ، وهي العَلامَةُ قالَ أبُو طالِبٍ: (p-٣٩٨)
؎أمِينٌ مُحِبٌّ لِلْعِبادِ مُسَوَّمِ ∗∗∗ بِخاتَمِ رَبٍّ طاهِرٍ لِلْخَواتِمِ
قالَ أبُو زَيْدٍ: أصْلُ ذَلِكَ أنْ تَجْعَلَ عَلَيْها صُوفَةً أوْ عَلامَةً تُخالِفُ سائِرَ جَسَدِها؛ لِتَبِينَ مِن غَيْرِها في المَرْعى. وقالَ ابْنُ فارِسَ في (المُجْمَلِ) المُسَوَّمَةُ: هي المُرْسَلُ عَلَيْها رُكْبانُها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ. وقالَ ابْنُ المُبَرِّدِ: المَعْرُوفَةُ في البُلْدانِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: البَلْقُ. وقِيلَ: ذَواتُ الأوْضاحِ مِنَ الغُرَّةِ والتَّحْجِيلِ. وقِيلَ: هي الهَمالِيجُ.
﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعاطِيفُ مِن قَوْلِهِ: والقَناطِيرُ، إلى آخِرِها. غَيْرَ ما أتى تَبْيِينًا مَعْطُوفًا عَلى الشَّهَواتِ، أيْ: وحُبُّ القَناطِيرِ وكَذا وكَذا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: مِنَ النِّساءِ، فَيَكُونُ مُنْدَرِجًا في الشَّهَواتِ؛ ولَمْ يَجْمَعِ الحَرْثَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ. وقِيلَ: يُرادُ بِهِ المَفْعُولُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] .
﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أشارَ: بِذَلِكَ، وهو مُفْرَدٌ إلى الأشْياءِ السّابِقَةِ وهي كَثِيرَةٌ، لِأنَّهُ أرادَ ذَلِكَ المَذْكُورَ، أوِ المُتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والمَعْنى: تَحْقِيرُ أمْرِ الدُّنْيا، والإشارَةُ إلى فَنائِها وفَناءِ ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِيها، وأدْغَمَ أبُو عُمَرَ؛ وفي الإدْغامِ الكَبِيرِ ثاءٌ؛ والحَرْثُ: في ذالِ ذَلِكَ، واسْتُضْعِفَ لِصِحَّةِ السّاكِنِ قَبْلَ الثّاءِ.
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ أيِ: المَرْجِعُ، وهو إشارَةٌ إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ الَّذِي لا يَفْنى ولا يَنْقَطِعُ.
ومِن غَرِيبِ ما اسْتُنْبِطَ مِنَ الأحْكامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِيها دَلالَةً عَلى إيجابِ الصَّدَقَةِ في الخَيْلِ السّائِمَةِ لِذِكْرِها مَعَ ما تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ أوِ النَّفَقَةُ، فالنِّساءُ والبَنُونَ فِيهِمُ النَّفَقَةُ، وباقِيها فِيها الصَّدَقَةُ، قالَهُ الماتُرِيدِيُّ.
وذَكَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، الخِطابُ العامُّ، ويُرادُ بِهِ الخاصُّ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى قَوْلِ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ هُمُ اليَهُودُ.
وهَذا مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، والتَّجْنِيسِ المُغايِرِ في (تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأيَ العَيْنِ)، والِاحْتِراسُ في ﴿رَأيَ العَيْنِ﴾ قالُوا: لِئَلّا يُعْتَقَدَ أنَّهُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَهو مِن بابِ الحَزْرِ وغَلَبَةِ الظَّنِّ، والإبْهامُ في زُيِّنَ لِلنّاسِ، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ والحَذْفُ في مَواضِعَ، وهي كُلُّ مَوْضِعٍ يُضْطَرُّ فِيهِ إلى تَصْحِيحِ المَعْنى بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ.
آل عمران 3:14
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .
العِبْرَةُ: الِاتِّعاظُ يُقالُ مِنهُ: اعْتَبَرَ، وهو الِاسْتِدْلالُ بِشَيْءٍ عَلى شَيْءٍ يُشْبِهُهُ، واشْتِقاقُها مِنَ العُبُورِ، وهو مُجاوَزَةُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ: عِبْرُ النَّهْرِ، وهو شَطُّهُ، والمِعْبَرُ: السَّفِينَةُ، والعِبارَةُ يُعَبِّرُ بِها إلى (p-٣٩٢)المُخاطَبِ بِالمَعانِي، وعَبَرْتَ الرُّؤْيا مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا: نَقَلْتَ ما عِنْدَكَ مِن عِلْمِها إلى الرّائِي أوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجْهَلُ. وكانَ الِاعْتِبارُ انْتِقالًا عَنْ مَنزِلَةِ الجَهْلِ إلى مَنزِلَةِ العِلْمِ، ومِنهُ العَبْرَةُ: وهي الدَّمْعُ؛ لِأنَّها تُجاوِزُ العَيْنَ.
الشَّهْوَةُ: ما تَدْعُوَ النَّفْسُ إلَيْهِ، والفِعْلُ مِنهُ: اشْتَهى، ويُجْمَعُ بِالألِفِ والتّاءِ فَيُقالُ: شَهَواتٍ، ووَجَدْتُ أنا في شِعْرِ العَرَبِ جَمْعَها عَلى: شُهًى، نَحْوَ: نَزْوَةٌ ونُزًى، وكَوَّةٌ وكُوًى، عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ: كُوًى جَمْعُ كَوَّةٍ، بِفَتْحِ الكافِ، وهَذا مَعَ: قَرْيَةٍ وقُرًى، ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِمّا جاءَ عَلى وزْنِ ”فَعْلَةٍ“ مُعْتَلِّ اللّامِ، وجُمِعَ عَلى ”فُعَلٍ“، واسْتَدْرَكْتُ أنا: شُهًى، وقالَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي نَضْرِ بْنِ مُعاوِيَةَ:
؎فَلَوْلا الشُّهى واللَّهِ كُنْتُ جَدِيرَةً بِأنْ أتْرُكَ اللَّذّاتِ في كُلِّ مَشْهَدِ
القِنْطارُ: فِنْعالُ نُونُهُ زائِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، فَيَكُونُ وزْنُهُ: فِنْعالًا مِن: قَطَرَ يَقْطُرُ. وقِيلَ: أصْلٌ؛ ووَزْنُ ”فِعْلالٍ“، فِيهِ خِلافٌ: أهْوَ واقِعٌ عَلى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ ؟ أمْ هو وزْنٌ لا يُحَدُّ ولا يُحْصَرُ ؟ والقائِلُونَ بِأنَّهُ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ العَدَدِ، ويَأْتِي ذَلِكَ في التَّفْسِيرِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ويُقالُ مِنهُ: قَنْطَرَ لِرَجُلٍ إذا كانَ عِنْدَهُ قَناطِيرُ، أوْ قِنْطارٌ مِنَ المالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ، عَقَدْتُهُ وأحْكَمْتُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القَنْطَرَةَ لِإحْكامِها؛ وقِيلَ: قَنْطَرْتُهُ: عَبَّيْتُهُ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ، ومِنهُ سُمِّيَ القَنْطَرَةَ. فَشَبِهَ المالَ الكَثِيرَ الَّذِي يُعَبّى بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ بِالقَنْطَرَةِ.
الذَّهَبُ: مَعْرُوفٌ، وهو مُؤَنَّثٌ، يُجْمَعُ عَلى ذِهابٍ وذُهُوبٍ. وقِيلَ: الذَّهَبُ جَمْعُ ذَهَبَةٍ.
والفِضَّةُ: مَعْرُوفَةٌ، وجَمْعُها فِضَضٌ، فالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهابِ، والفِضَّةُ مِنِ انْفَضَّ الشَّيْءُ: تَفَرَّقَ، ومِنهُ: فَضَضْتُ القَوْمَ.
الخَيْلُ: جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، بَلْ واحِدُهُ: فَرَسٌ؛ وقِيلَ: واحِدُهُ: خايِلٌ، كَراكِبٍ ورَكْبٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاخْتِيالِها في مَشْيِها. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ التَّخَيُّلِ، لِأنَّهُ يُتَخَيَّلُ في صُورَةِ مَن هو أعْظَمُ مِنهُ. وقِيلَ: الِاخْتِيالُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخَيُّلِ.
النَّعَمُ: الإبِلُ فَقَطْ، قالَ الفَرّاءُ: وهو مُذَكَّرٌ، ولا يُؤَنَّثُ، يَقُولُونَ هَذا نَعَمٌ وارِدٌ. وقالَ الهَرَوِيُّ: النَّعَمُ: يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وإذا جُمِعَ انْطَلَقَ عَلى الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأنْعامُ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، واحِدُها نَعَمٌ، وهو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِنُعُومَةِ مَسِّها وهو لِينُها، ومِنهُ: النّاعِمُ، والنَّعامَةُ، والنَّعامِيُّ: الجَنُوبُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلِينِ هُبُوبِها.
المَآبُ: مَفْعَلٌ مِن: آبَ يَئُوبُ إيابًا. أيْ: رَجَعَ، يَكُونُ لِلْمَصْدَرِ، والمَكانِ والزَّمانِ.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقاعَ قالُوا بَعْدَ وقْعَةِ بِدْرٍ: إنَّ قُرَيْشًا كانُوا أغْمارًا، ولَوْ حارَبْتَنا لَرَأيْتَ رِجالًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ قَبْلَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ، فَحَقَّقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ. وقِيلَ: لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ، قالَتِ اليَهُودُ: هو النَّبِيُّ المَبْعُوثُ الَّذِي في كِتابِنا، لا تُهْزَمُ لَهُ رايَةٌ. فَقالَتْ لَهم شَياطِينُهم: لا تَعْجَلُوا حَتّى نَرى أمْرَهُ في وقْعَةٍ أُخْرى. فَلَمّا كانَتْ أُحُدٌ كَفَرُوا جَمِيعُهم؛ وقالُوا: لَيْسَ بِالنَّبِيِّ المَنصُورِ.
وقِيلَ: في أبِي سُفْيانَ وقَوْمِهِ، جَمَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، بَعْدَ بَدْرٍ، فَنَزَلَتْ. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى قَبْلُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم وأنَّهم وقُودُ النّارِ، ناسَبَ ذَلِكَ الوَعْدُ الصّادِقُ اتِّباعَهُ هَذا الوَعْدَ الصّادِقَ، وهو كالتَّوْكِيدِ لِما قَبْلَهُ، فالغَلَبَةُ تَحْصُلُ بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، والحَشْرُ لِجَهَنَّمَ مَبْدَأُ كَوْنِهِمْ يَكُونُونَ لَها وقُودًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: سَيَغْلَبُونَ ويَحْشَرُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِالتّاءِ، خِطابًا، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْمُولًا لِلْقَوْلِ. ومَن قَرَأ بِالياءِ فالظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إذْ ذاكَ لَيْسَتْ مَحْكِيَّةً بِقُلْ، بَلْ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ آخَرَ، التَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم قَوْلِي سَيُغْلَبُونَ، وإخْبارِي أنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِمُ الغَلَبَةُ والهَزِيمَةُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] فَبِالتّاءِ أخْبَرَهم؛ بِمَعْنى ما أخْبَرَ بِهِ مِن أنَّهم سَيُغْلَبُونَ، وبِالياءِ أخْبَرَهم بِاللَّفْظِ (p-٣٩٣)الَّذِي أخْبَرَ بِهِ أنَّهم سَيُغْلَبُونَ، وأجازَ بَعْضُهم، وهو: الفَرّاءُ، وأحْمَدُ بْنُ يَحْيى، وأوْرَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في: سَيُغْلَبُونَ، في قِراءَةِ التّاءِ عَلى قُرَيْشٍ، أيْ: قُلْ لِلْيَهُودِ سَتُغْلَبُ قُرَيْشٌ، وفِيهِ بُعْدٌ.
والظّاهِرُ أنَّ: الَّذِينَ كَفَرُوا، يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ، وكُلٌّ قَدْ غُلِبَ بِالسَّيْفِ، والجِزْيَةِ، والذِّلَّةِ، وظُهُورِ الدَّلائِلِ والحُجَجِ، وإلى مَعْناها الغايَةُ، وإنَّ جَهَنَّمَ مُنْتَهى حَشْرِهِمْ؛ وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ”إلى“ في مَعْنى ”في“، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّهم يُجْمَعُونَ في جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ كَلامٍ مِنهُ تَعالى، قالَهُ الرّاغِبُ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: وبِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ. وكَثِيرًا ما يُحْذَفُ لِفَهْمِ المَعْنى، وهَذا مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ الَّتِي قَبِلَهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ إذْ لَوْ كانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ لَلَزِمَ مِن ذَلِكَ حَذْفُ الجُمْلَةِ بِرَأْسِها مِن غَيْرِ أنْ يَبْقى ما يَدُلُّ عَلَيْها، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، لِأنَّ حَذْفَ المُفْرَدِ أسْهَلُ مِن حَذْفِ الجُمْلَةِ. وأمّا مَن جَعَلَ ”المِهادُ“: ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، أيْ: بِئْسَما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، وكانَ المَعْنى عِنْدَهُ، وبِئْسَ: فِعْلُهُمُ الَّذِي أدّاهم إلى جَهَنَّمَ، فَفِيهِ بُعْدٌ، ويُرْوى عَنْ مُجاهِدٍ.
﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ قالَ في (رَيِّ الظَّمْآنِ): أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها وقْعَةُ بَدْرٍ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ. فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ تَثْبِيتُ النُّفُوسِ وتَشْجِيعُها، لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ ما قالَ؛ أمْكَنَ أنْ يَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ، وبَعْضُ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ مَن قالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أمْوالَ كِسْرى وقَيْصَرَ؛ ونَحْنُ لا نَأْمَنُ عَلى النِّساءِ في المَذْهَبِ، وكَما قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ حِينَ أخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالأمْنَةِ الَّتِي تَأْتِي، فَقُلْتُ في نَفْسِي: فَأيْنَ دُعّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا البِلادَ ؟ الحَدِيثَ بِكَمالِهِ.
وقِيلَ: الخِطابُ لِلْكافِرِينَ، وهو ظاهِرٌ، ولا سِيَّما عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ سَتُغْلَبُونَ، بِالتّاءِ، ويُخَرَّجُ ذَلِكَ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهم؛ وإعْلامًا بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُ دِينَهُ، وقَدْ أراكم في ذَلِكَ مِثالًا بِما جَرى لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ مِنَ الخِذْلانِ والقَتْلِ والأسْرِ.
وقِيلَ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ وابْنُ جَرِيرٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهم؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَغْتَرُّوا بِدُرْبَتِكم في الحَرْبِ، ومَنَعَةِ حُصُونِكم، ومُجالَبَتِكم لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَإنَّ اللَّهَ غالِبُكم؛ وقَدْ عَلِمْتُمْ ما حَلَّ بِأهْلِ بَدْرٍ، ولَمْ يُلْحِقِ التّاءَ كانَ، وإنْ كانَ قَدْ أُسْنِدَ إلى مُؤَنَّثٍ، وهو الآيَةُ، لِأجْلٍ أنَّهُ تَأْنِيثٌ مَجازِيٌّ؛ وازْدادَ حُسْنًا بِالفَصْلِ، وإذا كانَ الفَصْلُ مُحَسَّنًا في المُؤَنَّثِ الحَقِيقِيِّ، فَهو أوْلى في المُؤَنَّثِ المَجازِيِّ، ومِن كَلامِهِمْ: حَضَرَ القاضِي امْرَأةً وقالَ:
؎إنَّ امْرَأً غَرَّهُ مِنكُنَّ واحِدَةٌ ∗∗∗ بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيا لَمَغْرُورُ
وقِيلَ: ذُكِرَ لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ البَيانُ، فَهو كَما قالَ:
؎بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصَةٌ ∗∗∗ كَخُرْعُوبَةِ البانَةِ المُنْفَطِرْ
ذَهَبَ إلى القَضِيبِ، وفي قَوْلِهِ ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: في قِصَّةِ فِئَتَيْنِ، ومَعْنى: التَقَتا، أيْ لِلْحَرْبِ والقِتالِ.
﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ أيْ: فِئَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفِئَةٌ أُخْرى تُقاتِلُ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، فَحَذَفَ مِنَ الأُولى ما أثْبَتَ مُقابِلَهُ في الثّانِيَةِ، ومِنَ الثّانِيَةِ ما أثْبَتَ نَظِيرَهُ في الأُولى، فَذَكَرَ في الأُولى لازِمَ الإيمانِ، وهو القِتالُ في سَبِيلِ اللَّهِ. وذَكَرَ في الثّانِيَةِ مَلْزُومَ القِتالِ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، وهو الكُفْرُ.
والجُمْهُورُ بِرَفْعِ ”فِئَةٌ“، عَلى القَطْعِ، التَّقْدِيرُ: إحْداهُما، فَيَكُونُ: فِئَةٌ، عَلى هَذا خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوِ التَّقْدِيرُ: مِنهُما، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ.
وقِيلَ: الرَّفْعُ، عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”التَقَتا“ .
وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ وحُمَيْدٌ: فِئَةٍ، بِالجَرِّ، عَلى البَدَلِ التَّفْصِيلِيِّ، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، كَما قالَ:
؎وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنٍ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورِجْلٍ رَمى فِيها الزَّمانُ فَشُلَّتِ
(p-٣٩٤)ومِنهم مَن رَفَعَ: كافِرَةٌ، ومِنهم مَن خَفَضَها عَلى العَطْفِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ: فِئَةٌ الأُولى، بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ أيْ: فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وتَرْتَفِعُ أُخْرى عَلى وجْهَيِ القَطْعِ إمّا عَلى الِابْتِداءِ، وإمّا عَلى الخَبَرِ.
وقَرَأ ابْنُ السُّمَيْقِعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: فِئَةً، بِالنَّصْبِ، قالُوا: عَلى المَدْحِ، وتَمامُ هَذا القَوْلِ: إنَّهُ انْتَصَبَ الأوَّلُ عَلى المَدْحِ، والثّانِي عَلى الذَّمِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: أمْدَحُ فِئَةً تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأذُمُّ أُخْرى كافِرَةً.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّصْبُ في: فِئَةٍ، عَلى الِاخْتِصاصِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ المَنصُوبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ نَكِرَةً، ولا مُبْهَمًا، وأجازَ هو وغَيْرُهُ قَبْلَهُ كالزَّجّاجِ: أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”التَقَتا“، وذَكَرَ فِئَةً: عَلى سَبِيلِ التَّوْطِئَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُقاتِلُ، بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الفِئَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ: يُقاتِلُ بِالياءِ، عَلى التَّذْكِيرِ، قالُوا: لِأنَّ مَعْنى الفِئَةِ القَوْمُ فَرُدَّ إلَيْهِ، وجَرى عَلى لَفْظِهِ.
﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ قَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ، ”تَرَوْنَهم“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ: تُرَوْنَهم بِضَمِّ التّاءِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ الياءِ عَلى الغَيْبَةِ، فَأمّا مَن قَرَأ بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ فَهو جارٍ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الخِطابِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في ”لَكم“: لِلْمُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ”تَرَوْنَهم“: لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا. وضَمِيرُ النَّصْبِ في تَرَوْنَهم: وضَمِيرُ الجَرِّ في ”مِثْلَيْهِمْ“: عائِدٌ عَلى الكافِرِينَ، والتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ في العَدَدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في الآيَةِ؛ أنَّهم رَأوُا الكُفّارَ في مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ وأوْقَعَ المُسْلِمُونُ بِهِمْ. وهَذِهِ حَقِيقَةُ التَّأْيِيدِ بِالنَّصْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]
واسْتُبْعِدَ هَذا المَعْنى؛ لِأنَّهم جَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ، وآيَةَ الأنْفالِ، قِصَّةً واحِدَةً، وهُناكَ نَصٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَلَّلَ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ، فَلا يُجامِعُ هَذا التَّكْثِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ؛ ويُحْتَمَلُ عَلى مَن قَرَأ بِتاءِ الخِطابِ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في: تَرَوْنَهم لِلْكافِرِينَ، والمَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، واسْتُبْعِدَ هَذا إذْ كانَ التَّرْكِيبُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ: تَرَوْنَهم مِثْلَيْكم.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِنَ الِالتِفاتِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في: مِثْلَيْهِمْ، عَلى الفِئَةِ المُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ: تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيِ الفِئَةِ المُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهم أنْفُسُهم، والمَعْنى: تَرَوْنَهم مِثْلَيْكم، وهَذا تَقْلِيلٌ، إذا كانُوا نَيِّفًا عَلى ألْفٍ، والمُسْلِمُونَ في تَقْدِيرِ ثُلُثٍ مِنهم؛ فَأرى اللَّهُ المُسْلِمِينَ الكافِرِينَ في ضِعْفَيِ المُسْلِمِينَ عَلى ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] لِتَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ.
وإذَنْ كانَ الضَّمِيرُ في لَكم: لِلْكافِرِينَ، وفي ”تَرَوْنَهم“: الخِطابُ لَهم، والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والتَّقْدِيرُ: تَرَوْنَ أيُّها الكافِرُونَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدًا عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ، أيْ: مِثْلَيِ الفِئَةِ الكافِرَةِ وهم أنْفُسُهم، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى قَدْ أرى المُشْرِكِينَ المُؤْمِنِينَ أضْعافَ أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ، أوْ أضْعافَ الكافِرِينَ عَلى قِلَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِيَهابُوهم ويَجْبُنُوا عَنْهم، وكانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ مَدَدًا مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَما أمَدَّهم تَعالى بِالمَلائِكَةِ، فَإنْ كانَتْ هَذِهِ، وآيَةُ الأنْفالِ في قِصَّةٍ واحِدَةٍ، فالجَمْعُ بَيْنَ هَذا التَّكْثِيرِ، وذاكَ التَّقْلِيلِ بِاعْتِبارِ حالَيْنِ، قُلِّلُوا أوَّلًا في أعْيُنِ الكُفّارِ حَتّى يَجْتَرِئُوا عَلى مُلاقاةِ المُؤْمِنِينَ، وكُثِّرُوا حالَةَ المُلاقاةِ حَتّى قَهَرُوا وغَلَبُوا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنبِهِ إنسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] وأمّا مَن قَرَأ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ، فالظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ تَكُونُ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ وضَمِيرُ الرَّفْعِ عائِدٌ عَلَيْها، عَلى المَعْنى، إذْ لَوْ عادَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ؛ تَراهم، وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ عَلى: فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وضَمِيرُ الجَرِّ في: مِثْلَيْهِمْ، عائِدٌ عَلى فِئَةٍ أيْضًا، وذَلِكَ عَلى مَعْنى الفِئَةِ، (p-٣٩٥)إذْ لَوْ عادَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ التَّرْكِيبُ: تَراها مِثْلَيْها، أيْ تَرى الفِئَةُ الكافِرَةُ الفِئَةَ المُؤْمِنَةَ في مِثْلَيْ عَدَدِ نَفْسِها. أيْ: سِتِّمِائَةٍ ونَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أوْ مِثْلَيْ أنْفُسِ الفِئَةِ الكافِرَةِ، أيْ: ألْفَيْنِ، أوْ قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى الفِئَةِ المُؤْمِنَةِ عَلى المَعْنى، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ والمَجْرُورُ عائِدًا عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ عَلى المَعْنى، أيْ: تَرى الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيْ نَفْسِها.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ، أيْ: مِثْلَيِ الفِئَةِ الكافِرَةِ. والجُمْلَةُ إذْ ذاكَ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: وأُخْرى كافِرَةٌ، فَفي الوَجْهِ الأوَّلِ الرّابِطُ: الواوَ، وفي هَذا الوَجْهِ الرّابِطُ ضَمِيرُ النَّصْبِ. وإذا كانَ الضَّمِيرُ في: لَكم لِلْيَهُودِ؛ فالآيَةُ كَما أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ؛ وتَثْبِيتًا لِصُورَةِ الوَعْدِ السّابِقِ مِن أنَّ الكُفّارَ: سَيُغْلَبُونَ. فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ كانَ مَعْناهُ: لَوْ حَضَرْتُمْ، أوْ إنْ كُنْتُمْ حَضَرْتُمْ، وساغَ هَذا الخِطابُ لِوُضُوحِ الأمْرِ في نَفْسِهِ، ووُقُوعِ اليَقِينِ بِهِ، لِكُلِّ إنْسانٍ في ذَلِكَ العَصْرِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ فَضَمِيرُ الفاعِلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْفِئَةِ المُؤْمِنَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْفِئَةِ الكافِرَةِ عَلى ما تَقَرَّرَ قَبْلُ.
والرُّؤْيَةُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ بَصَرِيَّةٌ تَتَعَدّى لِواحِدٍ، وانْتَصَبَ مِثْلَيْهِمْ، عَلى الحالِ. قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، ومَكِّيٌّ، والمَهْدَوِيُّ. ويُقَوِّي ذَلِكَ ظاهِرُ قَوْلِهِ: رَأْيَ العَيْنِ، وانْتِصابُهُ عَلى هَذا انْتِصابُ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رُؤْيَةٌ ظاهِرَةٌ مَكْشُوفَةٌ، لا لَبْسَ فِيها مُعايَنَةٌ كَسائِرِ المُعايَناتِ. وقِيلَ: الرُّؤْيَةُ هُنا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، والثّانِي هو: مِثْلَيْهِمْ. ورُدَّ هَذا بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: رَأْيَ العَيْنِ، والثّانِي: أنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ عِلْمٌ، ومُحالٌ أنْ يُعْلَمَ الشَّيْءُ شَيْئَيْنِ.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّ انْتِصابَهُ انْتِصابُ المَصْدَرِ التَّشْبِيهِيِّ، أيْ: رَأْيًا مِثْلَ رَأْيِ العَيْنِ؛ أيْ: يُشْبِهُ رَأْيَ العَيْنِ ولَيْسَ في التَّحْقِيقِ بِهِ، وعَنِ الثّانِي: بِأنَّ مَعْنى الرُّؤْيَةِ هُنا الِاعْتِقادُ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مُحالًا، وإذا كانُوا قَدْ أطْلَقُوا العِلْمَ في اللُّغَةِ عَلى الِاعْتِقادِ دُونَ اليَقِينِ، فَلِأنْ يُطْلِقُوا الرَّأْيَ عَلَيْهِ أوْلى. قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أيْ: فَإنِ اعْتَقَدْتُمْ إيمانَهُنَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ: تَرَوْنَهم، بِضَمِّ التّاءِ، أوِ الياءِ. قالُوا: فَكانَ المَعْنى أنَّ اعْتِقادَ التَّضْعِيفِ في جَمْعِ الكُفّارِ، أوِ المُؤْمِنِينَ كانَ تَخْمِينًا وظَنًّا، لا يَقِينًا.
فَلِذَلِكَ تُرِكَ في العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ الشَّكِّ، وذَلِكَ أنْ أُرِيَ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، تَقَوُّلُها فِيما عِنْدَكَ فِيهِ نَظَرٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكَما اسْتَحالَ أنْ يُحْمَلَ الرَّأْيُ هُنا عَلى العِلْمِ، يَسْتَحِيلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى النَّظَرِ بِالعَيْنِ، لِأنَّهُ كَما لا يَقَعُ العِلْمُ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْمَعْلُومِ، كَذَلِكَ لا يَقَعُ النَّظَرُ البَصَرِيُّ مُخالِفًا لِلْمَنظُورِ إلَيْهِ؛ فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّخْمِينِ والظَّنِّ، وإنَّهُ لِتَمَكُّنِ ذَلِكَ في اعْتِقادِهِمْ؛ شُبِّهَ بِرُؤْيَةِ العَيْنِ، والرَّأْيُ مَصْدَرُ: رَأى، يُقالُ: رَأى رَأْيًا ورُؤْيَةً ورُؤْيا، ويَغْلِبُ رُؤْيا في المَنامِ؛ ورُؤْيَةً في البَصَرِيَّةِ يَقَظَةً، ورَأْيًا في الِاعْتِقادِ، يُقالُ: هَذا رَأْيُ فُلانٍ، قالَ:
؎رَأى النّاسُ إلّا مَن رَأى مِثْلَ رَأْيِهِ ∗∗∗ خَوارِجَ تَرّاكِينَ قَصْدَ المَخارِجِ
ومَعْنى: مِثْلَيْهِمْ، قَدْرُهم مَرَّتَيْنِ. وزَعْمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْنى: يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ، ثَلاثَةُ أمْثالِهِمْ كَقَوْلِ القائِلِ: عِنْدِي ألْفٌ وأنا مُحْتاجٌ إلى مِثْلَيْها. وغَلَّطَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: إنَّما مِثْلُ الشَّيْءِ مُساوٍ لَهُ ومِثْلاهُ مُساوِيِهِ مَرَّتَيْنِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: أوْقَعَ الفَرّاءُ في هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَتَوَهَّمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا يَرَوْنَهم إلّا عَلى عِدَّتِهِمْ، وهَذا بَعِيدٌ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وإنَّما المَعْنى أراهُمُ اللَّهُ عَلى غَيْرِ عِدَّتِهِمْ بِجِهَتَيْنِ: إحْداهُما: أنَّهُ رَأى الصَّلاحَ في ذَلِكَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَقْوى قُلُوبُهم بِذَلِكَ؛ والأُخْرى: أنَّهُ آيَةُ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَيْسانَ.
وتَظاهَرَتِ الرِّواياتِ أنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ بِبَدْرٍ كانُوا نَحْوَ الألْفِ أوْ تِسْعِمِائَةٍ، والمُؤْمِنِينَ ثَلاثِمِائَةٍ وأرْبَعَةَ عَشَرَ. وقِيلَ: وثَلاثَةَ عَشْرَةَ، لَكِنْ رَجَعَ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، ورَجَعَ طالِبُ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأتْباعٌ وناسٌ كَثِيرٌ (p-٣٩٦)حَتّى بَقِيَ لِلْقِتالِ مَن يَقْرُبُ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَذَكَرَ اللَّهُ المِثْلَيْنِ، إذْ أمْرُهُما مُتَيَقَّنٌ لَمْ يَدْفَعْهُ أحَدٌ. وحُكِيَ عَنِابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا في قِتالِ بَدْرٍ سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ، وقَدْ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّهم كانُوا نَحْوَ الألْفِ.
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«يَوْمَ بَدْرٍ القَوْمُ ألْفٌ“» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا، ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَما رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا. وقالَ في رِوايَةٍ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا حَتّى لَقَدْ قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جانِبِي تَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: أراهم مِائَةً، فَأسَرْنا مِنهم رَجُلًا فَقُلْنا: كَمْ كُنْتُمْ ؟ قالَ: ألْفًا. ونُقِلَ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أُسِرُوا، قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: كَمْ كُنْتُمْ ؟ قالُوا: كُنّا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشْرَةَ، قالُوا: ما كُنّا نَراكم إلّا تَضْعُفُونَ عَلَيْنا، وتَكْثِيرُ كُلِّ طائِفَةٍ في عَيْنِ الأُخْرى، وتَقْلِيلُها بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتَيْنِ جائِزٌ، فَلا يَمْتَنِعُ.
﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يُقَوِّيهِ بِعَوْنِهِ. وقِيلَ: النَّصْرُ الحُجَّةُ. ونِسْبَةُ التَّأْيِيدِ إلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤَيَّدَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَفْعُولُ: مَن يَشاءُ، مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن يَشاءُ نَصْرَهُ.
(إنَّ في ذَلِكَ) أيَ: النَّصْرِ. وقِيلَ: رُؤْيَةُ الجَيْشِ مِثْلَيْهِمْ، (لَعِبْرَةً) أيِ: اتِّعاظًا ودَلالَةً.
﴿لِأُولِي الأبْصارِ﴾ إنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً، فالمَعْنى: لِلَّذِينَ أبْصَرُوا الجَمْعَيْنِ، وإنْ كانَتِ اعْتِقادِيَّةً، فالمَعْنى: لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ القابِلَةِ لِلِاعْتِبارِ.
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: زُيِّنَ؛ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: هو اللَّهُ تَعالى، قالَهُ عُمَرُ؛ لِأنَّهُ قالَ حِينَ نَزَلَتِ: الآنَ يا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَها، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] الآيَةَ، ومَعْنى التَّزْيِينِ: خَلْقُها وإنْشاءُ الجِبِلَّةِ عَلى المَيْلِ إلَيْها، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧] فَزَيَّنَها تَعالى لِلِابْتِلاءِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ: زَيَّنَ لِلنّاسِ حُبُّ، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ .
وقِيلَ: المُزَيِّنُ الشَّيْطانُ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ، قالَ: مَن زَيَّنَها ؟ ما أحَدٌ أشَدُّ ذَمًّا لَها مِن خالِقِها، ويَصِحُّ إسْنادُ التَّزْيِينِ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِالإيجادِ والتَّهْيِئَةِ لِلِانْتِفاعِ، ونِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ، وتَحْصِيلِها مِن غَيْرِ وجْهِها. وأشارَتِ الآيَةُ إلى تَوْبِيخِ مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمُ، المَفْتُونِينَ بِالدُّنْيا، وأضافَ المَصْدَرَ إلى المَفْعُولِ، وهو الكَثِيرُ في القُرْآنِ، وعَبَّرَ عَنِ المُشْتَهَياتِ بِالشَّهَواتِ مُبالَغَةً؛ إذْ جَعَلَها نَفْسَ الأعْيانِ، وتَنْبِيهًا عَلى خِسَّتِها، لِأنَّ الشَّهْوَةَ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ العُقَلاءِ، يُذَمُّ مُتْبِعُها ويُشْهَدُ لَهُ بِالِانْتِظامِ في البَهائِمِ، وناهِيكَ لَها ذَمًّا قَوْلُهُ ﷺ: «حُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ وحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ»
وأتى بِذِكْرِ الشَّهَواتِ أوَّلًا مَجْمُوعَةً عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ثُمَّ أخَذَ في تَفْسِيرِها شَهْوَةً شَهْوَةً؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُزَيَّنَ ما هو إلّا شَهْوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لا غَيْرَ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْها، وذَمٌّ لِطالِبِها ولِلَّذِي يَخْتارُها عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ، وبَدَأ في تَفْصِيلِها بِالأهَمِّ فالأهَمِّ، بَدَأ بِالنِّساءِ لِأنَّهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ وأقْرَبُ وأكْثَرُ امْتِزاجًا: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ»، «ما رَأيْتُ مِن ناقِصاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحازِمِ مِنكُنَّ» . ويُقالُ: فِيهِنَّ فِتْنَتانِ؛ قَطْعُ الرَّحِمِ وجَمْعُ المالِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وفي البَنِينَ فِتْنَةٌ واحِدَةٌ وهي جَمْعُ المالِ. وثَنى بِالبَنِينَ لِأنَّهم مِن ثَمَراتِ النِّساءِ، وفُرُوعٌ عَنْهُنَّ، وشَقائِقُ النِّساءِ في الفِتَنِ؛ «الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» .
؎وإنَّما أوْلادُنا بَيْنَنا ∗∗∗ أكْبادُنا تَمْشِي عَلى الأرْضِ
؎لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلى بَعْضِهِمْ ∗∗∗ لامْتَنَعَتْ عَيْنِي مِنَ الغَمْضِ
المَرْءُ مَفْتُونٌ بِابْنِهِ وبِشِعْرِهِ، وقُدِّمُوا عَلى الأمْوالِ لِأنَّ حُبَّ الإنْسانِ ولَدَهُ أكْثَرُ مِن حُبِّهِ مالَهُ؛ وحَيْثُ ذَكَرَ الِامْتِنانَ والإنْعامَ أوِ الِاسْتِعانَةَ والغَلَبَةَ، قُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ ”والبَنِينَ“: الذُّكْرانِ. وقِيلَ: يَشْمَلُ الإناثَ، وغَلَبَ التَّذْكِيرُ.
﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ ثُلِّثَ بِالأمْوالِ (p-٣٩٧)لِما في المالِ مِنَ الفِتْنَةِ، ولِأنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ غالِبُ الشَّهَواتِ، ولِأنَّ المَرْءَ يَرْتَكِبُ الأخْطارَ في تَحْصِيلِهِ لِلْوَلَدِ. واخْتُلِفَ في القِنْطارِ، أهْوَ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ، أمْ لَيْسَ كَذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ، وقِيلَ: ألْفٌ ومِائَتا دِينارٍ. وكُلُّ هَذِهِ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الأوَّلُ: رَواهُ أُبَيٌّ، وقالَ بِهِ مُعاذٌ، وابْنُ عُمَرَ، وعاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ. والثّانِي: رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ وقالَ بِهِ. والثّالِثُ: رَواهُ الحَسَنُ، ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، أوْ ألْفُ دِينارٍ ذَهَبًا، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: ثَمانُونَ ألْفًا. وقالَ مُجاهِدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ، وهي مِائَةُ رِطْلٍ. وقالَ الكَلْبِيُّ: ألْفُ مِثْقالِ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ. وقالَ قَتادَةُ: مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ، أوْ ثَمانُونَ ألْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الفِضَّةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: مِائَةُ ألْفٍ، ومِائَةُ مَنٍّ، ومِائَةُ رِطْلٍ، ومِائَةُ مِثْقالٍ، ومِائَةُ دِرْهَمٍ. ولَقَدْ جاءَ الإسْلامُ يَوْمَ جاءَ، وبِمَكَّةَ مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ قَنْطَرُوا. وقِيلَ: أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ وقالَهُ ابْنُ سِيدَهْ في (المُحْكَمِ) . وقِيلَ: ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ، وهي مِائَةُ رِطْلٍ.
وقالَ ابْنُ سِيدَهْ في (المُحْكَمِ) القِنْطارُ: بِلُغَةِ بَرْبَرَ: ألْفُ مِثْقالٍ. ورَوى أنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَفْسِيرِ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ [النساء: ٢٠] قالَ: ألْفَ دِينارٍ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ القِنْطارَ هو رِطْلُ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأظُنُّهُ وهْمًا، وإنَّ القَوْلَ مِائَةُ رِطْلٍ، فَسَقَطَتْ مِائَةٌ لِلنّاقِلِ، انْتَهى. وقالَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ: القِنْطارُ بِلِسانِ أفْرِيقِيَّةَ والأنْدَلُسِ: ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ، وهَذا يَكُونُ في الزَّمانِ الأوَّلِ. وأمّا الآنَ فَهو عِنْدَنا: مِائَةُ رِطْلٍ، والرِّطْلُ عِنْدَنا، سِتَّةَ عَشَرَ أُوقِيَّةً. وقالَ أبُو بَصْرَةَ، وأبُو عُبَيْدَةَ: مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: وكَذا هو بِالسُّرْيانِيَّةِ. وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: وكَذا هو بِلُغَةِ الرُّومِ.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المالُ العَظِيمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القِنْطارُ عِنْدَ العَرَبِ وزْنٌ لا يُحَدُّ، وقالَ الحَكَمُ: القِنْطارُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن مالٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القِنْطارُ مِعْيارٌ يُوزَنُ بِهِ، كَما أنَّ الرِّطْلَ مِعْيارٌ.
ويُقالُ: لَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الوَزْنُ قِنْطارًا، أيْ: يَعْدِلُ القِنْطارَ، وأصَحُّ الأقْوالِ الأوَّلُ، والقِنْطارُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ البِلادِ في قَدْرِ الأُوقِيَّةِ انْتَهى.
والمُقَنْطَرَةُ: مُفَعْلَلَةُ، أوْ مُفَيْعَلَةُ مِنَ القِنْطارِ. ومَعْناهُ المُجْتَمِعَةُ، كَما يَقُولُ: الأُلُوفُ المُؤَلَّفَةُ، والبَدْرَةُ المُبَدَّرَةُ. اشْتَقُّوا مِنها وصْفًا لِلتَّوْكِيدِ. وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المُضَعَّفَةُ، قالَهُ قَتادَةُ والطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ تِسْعَةُ قَناطِيرَ، لِأنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، قالَهُ النَّقّاشُ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أقَلَّ مِن تِسْعَةٍ. وقالَ الفَرّاءُ: لا تَكُونُ أكْثَرَ مِن تِسْعَةٍ، وهَذا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: المُقَنْطَرَةُ المَضْرُوبَةُ دَنانِيرَ، أوْ دَراهِمَ. وقالَ الرَّبِيعُ والضَّحّاكُ: المُنَضَّدُ الَّذِي بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ: المَخْزُونَةُ المَدْخُورَةُ. وقالَ يَمانٌ: المَدْفُونَةُ المَكْنُوزَةُ. وقِيلَ: الحاضِرَةُ العَتِيدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: ما المالُ إلّا ما حازَتْهُ العِيانُ
﴿مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ تَبْيِينٌ لِلْقَناطِيرِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنها، أيْ كائِنًا مِنَ الذَّهَبِ ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ أيِ: الرّاعِيَةِ في المُرُوجِ، سامَتْ: سَرَحَتْ، وأخَذَتْ سَوْمَها مِنَ الرَّعْيِ؛ أيْ: غايَةَ جَهْدِها، ولَمْ تُقْصَرْ عَلى حالٍ دُونَ حالٍ، فَيَكُونُ قَدْ عُدِّيَ الفِعْلُ بِالتَّضْعِيفِ، كَما عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ في قَوْلِهِمْ: ”أسْمَتْها“ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى، ومُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها المُطَهَّمَةُ الحِسانُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي الرّائِقَةُ مِن سِيما الحَسَنِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَوْمُها: الحُسْنُ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ. مِن قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ وسِيمٌ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، إلّا إنِ ادَّعى القَلْبَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ: المُعَلَّمَةُ بِالشِّياتِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مِنَ السُّومَةِ، وهي العَلامَةُ قالَ أبُو طالِبٍ: (p-٣٩٨)
؎أمِينٌ مُحِبٌّ لِلْعِبادِ مُسَوَّمِ ∗∗∗ بِخاتَمِ رَبٍّ طاهِرٍ لِلْخَواتِمِ
قالَ أبُو زَيْدٍ: أصْلُ ذَلِكَ أنْ تَجْعَلَ عَلَيْها صُوفَةً أوْ عَلامَةً تُخالِفُ سائِرَ جَسَدِها؛ لِتَبِينَ مِن غَيْرِها في المَرْعى. وقالَ ابْنُ فارِسَ في (المُجْمَلِ) المُسَوَّمَةُ: هي المُرْسَلُ عَلَيْها رُكْبانُها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ. وقالَ ابْنُ المُبَرِّدِ: المَعْرُوفَةُ في البُلْدانِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: البَلْقُ. وقِيلَ: ذَواتُ الأوْضاحِ مِنَ الغُرَّةِ والتَّحْجِيلِ. وقِيلَ: هي الهَمالِيجُ.
﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعاطِيفُ مِن قَوْلِهِ: والقَناطِيرُ، إلى آخِرِها. غَيْرَ ما أتى تَبْيِينًا مَعْطُوفًا عَلى الشَّهَواتِ، أيْ: وحُبُّ القَناطِيرِ وكَذا وكَذا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: مِنَ النِّساءِ، فَيَكُونُ مُنْدَرِجًا في الشَّهَواتِ؛ ولَمْ يَجْمَعِ الحَرْثَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ. وقِيلَ: يُرادُ بِهِ المَفْعُولُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] .
﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أشارَ: بِذَلِكَ، وهو مُفْرَدٌ إلى الأشْياءِ السّابِقَةِ وهي كَثِيرَةٌ، لِأنَّهُ أرادَ ذَلِكَ المَذْكُورَ، أوِ المُتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والمَعْنى: تَحْقِيرُ أمْرِ الدُّنْيا، والإشارَةُ إلى فَنائِها وفَناءِ ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِيها، وأدْغَمَ أبُو عُمَرَ؛ وفي الإدْغامِ الكَبِيرِ ثاءٌ؛ والحَرْثُ: في ذالِ ذَلِكَ، واسْتُضْعِفَ لِصِحَّةِ السّاكِنِ قَبْلَ الثّاءِ.
﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ أيِ: المَرْجِعُ، وهو إشارَةٌ إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ الَّذِي لا يَفْنى ولا يَنْقَطِعُ.
ومِن غَرِيبِ ما اسْتُنْبِطَ مِنَ الأحْكامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِيها دَلالَةً عَلى إيجابِ الصَّدَقَةِ في الخَيْلِ السّائِمَةِ لِذِكْرِها مَعَ ما تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ أوِ النَّفَقَةُ، فالنِّساءُ والبَنُونَ فِيهِمُ النَّفَقَةُ، وباقِيها فِيها الصَّدَقَةُ، قالَهُ الماتُرِيدِيُّ.
وذَكَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، الخِطابُ العامُّ، ويُرادُ بِهِ الخاصُّ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى قَوْلِ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ هُمُ اليَهُودُ.
وهَذا مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، والتَّجْنِيسِ المُغايِرِ في (تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأيَ العَيْنِ)، والِاحْتِراسُ في ﴿رَأيَ العَيْنِ﴾ قالُوا: لِئَلّا يُعْتَقَدَ أنَّهُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَهو مِن بابِ الحَزْرِ وغَلَبَةِ الظَّنِّ، والإبْهامُ في زُيِّنَ لِلنّاسِ، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ والحَذْفُ في مَواضِعَ، وهي كُلُّ مَوْضِعٍ يُضْطَرُّ فِيهِ إلى تَصْحِيحِ المَعْنى بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ.
آل عمران 3:15
﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] . الرِّضْوانُ: مَصْدَرُ رَضِيَ، وكَسْرُ رائِهِ لُغَةُ الحِجازِ، وضَمُّها لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ، وقَيْسٍ، وغَيْلانَ. وقِيلَ: الكَسْرُ لِلِاسْمِ، ومِنهُ: رِضْوانٌ خازِنُ الجَنَّةِ، والضَّمُّ لِلْمَصْدَرِ.
السَّحَرُ: بِفَتْحِ الحاءِ، وسُكُونِها، قالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: الوَقْتُ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ يُقالُ: تَسَحَّرَ أكْلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واسْتَحَرَ: سارَ فِيهِ قالَ.
؎بَكَّرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرَتْ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
واسْتَحَرَ الطّائِرُ: صاحَ وتَحَرَّكَ فِيهِ قالَ:
؎يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيابِها ∗∗∗ إذا غَرَّدَ الطّائِرُ المُسْتَحِرْ
وأسْحَرَ الرَّجُلُ واسْتَحَرَ: دَخَلَ في السَّحَرِ قالَ:
؎وأدْلَجَ مِن طِيبَةَ مُسْرِعًا ∗∗∗ فَجاءَ إلَيْنا وقَدْ أسْحَرا
وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ السِّحْرُ: مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخَرِ إلى الفَجْرِ، وجاءَ في بَعْضِ الأشْعارِ عَنِ العَرَبِ أنَّ السَّحَرَ يَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ فِيما بَعْدُ الفَجْرِ. وقِيلَ: السَّحَرُ عِنْدَ العَرَبِ يَكُونُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَسْتَمِرُّ إلى الإسْفارِ. وأصْلُ السَّحَرِ الخَفاءُ لِلِطْفَةٍ، ومِنهُ السِّحْرُ والسَّحْرُ.
﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ نَزَلَتْ (p-٣٩٩)حِينَ قالَ عُمَرُ عِنْدَما نَزَلَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] يا رَبِّ الآنَ حِينَ زَيَّنْتَها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ذَكَرَ المَآبَ وأنَّهُ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، لِأنَّهُ خَيْرٌ خالٍ مِن شَوْبِ المَضارِّ؛ وباقٍ لا يَنْقَطِعُ. والهَمْزَةُ في: أؤُنَبِّئُكم، الأُولى هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى هَمْزَةِ المُضارَعَةِ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَحْقِيقِهِما، وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَيْنَهُما. ونَقَلَ ورْشٌ الحَرَكَةَ إلى اللّامِ، وحَذَفَ الهَمْزَةَ. وبِتَسْهِيلِها وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا، وتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تارِكِها، وتَشْرِيفٌ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَمّا قالَ: ذَلِكَ مَتاعُ، فَأفْرَدَ، جاءَ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، فَأفْرَدَ اسْمَ الإشارَةِ، وإنْ كانَ هُناكَ مُشارًا بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو كَثِيرٌ. فَهَذا مُشارٌ بِهِ إلى ما أُشِيرَ بِذَلِكَ، وخَيْرٌ، هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، ويَكُونُ: مِن ذَلِكم، صِفَةً لِما يَلْزَمُ في ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ ما رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا مِمّا زَهِدُوا فِيهِ.
﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، وجَنّاتٌ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو جَنّاتٌ، فَتَكُونُ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ يَعْقُوبَ: جَنّاتٍ، بِالجَرِّ بَدَلًا مِن: بِخَيْرٍ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلِ زَيْدٍ، بِالرَّفْعِ، وزَيْدٍ بِالجَرِّ، وجَوَّزَ في قِراءَةِ يَعْقُوبَ أنْ يَكُونَ: جَنّاتٌ، مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ: أعْنِي، ومَنصُوبًا عَلى البَدَلِ عَلى مَوْضِعِ بِخَيْرٍ، لِأنَّهُ نُصِبَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: لِلَّذِينَ، خَبَرًا لِجَنّاتٍ، عَلى أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ثُمَّ بَيْنَ ذَلِكَ الخَيْرَ لِمَن هو؛ فَعَلى هَذا العامِلِ في: عِنْدَ رَبِّهِمْ، العامِلُ في: لِلَّذِينَ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ العامِلِ فِيهِ قَوْلُهُ: بِخَيْرٍ.
﴿خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما قَبْلُهُ.
﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ المَقِرِّ، وهو الجَنّاتُ الَّتِي قالَ فِيها ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] «فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعْتُ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٌ» ثُمَّ انْتَقَلَ مِن ذِكْرِها إلى ذِكْرِ ما يَحْصُلُ بِهِ الأُنْسُ التّامُّ مِنَ الأزْواجِ المُطَهَّرَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى ما هو أعْظَمُ الأشْياءِ وهو رِضا اللَّهِ عَنْهم، فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ والفَرَحِ الرَّوْحانِيِّ، حَيْثُ عَلِمَ بِرِضا اللَّهِ عَنْهُ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى: ”«يَسْألُ أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيمْ ؟ فَيَقُولُونَ: ما لَنا لا نَرْضى يا رَبِّ وقَدْ أعْطَيْتِنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ ؟ فَيَقُولُ: ألا أُعْطِيَكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبِّ وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ قالَ: أحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا» . فَفي هَذِهِ الآيَةِ الِانْتِقالُ مِن عالٍ إلى أعْلى مِنهُ، ولِذَلِكَ جاءَ في سُورَةِ بَراءَةَ، قَدْ ذَكَرَ تَعالى الجَنّاتَ والمَساكِنَ الطَّيِّبَةَ فَقالَ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] يُعْنى: أكْبَرُ مِمّا ذَكَرَ مِنَ الجَنّاتِ والمَساكِنِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أهْلُ الجَنَّةِ مُطَهَّرُونَ؛ لِأنَّ العُيُوبَ في الأشْياءِ عِلْمُ الفَناءِ، وهم خُلِقُوا لِلْبَقاءِ، وخَصَّ النِّساءَ بِالطُّهْرِ لِما فِيهِنَّ في الدُّنْيا مِن فَضْلِ المَعايِبِ والأذى. وقالَ أبُو بَكْرٍ: ورِضْوانٌ، بِالضَّمِّ حَيْثُ وقَعَ إلّا في ثانِي العُقُودِ، فَعَنْهُ خِلافٌ. وباقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُما لُغَتانِ.
* *
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: بَصِيرٌ بِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، فَيُجازِي كُلًا بِعَمَلِهِ؛ فَتَضَمَّنَتِ الوَعْدَ والوَعِيدَ. ولَمّا ذَكَرَ المُتَّقِينَ أفْهَمُ مُقابِلَهم فَخَتَمَ الآيَةَ بِهَذا.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ ذَكَرَ شَيْئًا مِن صِفاتِهِمْ، فَبَدَأ بِالإيمانِ الَّذِي هو رَأْسُ التَّقْوى، وذَكَرَ دُعاءَهم رَبَّهم عِنْدَ الإخْبارِ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ، وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِأنَّ مُبالَغَةً في الإخْبارِ، ثُمَّ سَألُوا الغُفْرانَ ووِقايَتَهم مِنَ العَذابِ؛ مُرَتِّبًا ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الإيمانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ المَغْفِرَةُ، ولا يَكُونُ الإيمانُ عِبارَةً عَنْ سائِرِ الطّاعاتِ، كَما يَذْهَبُ إلَيْهِ بَعْضُهم، لِأنَّ مَن تابَ وأطاعَ اللَّهَ؛ لا يُدْخِلُهُ النّارَ بِوَعْدِهِ (p-٤٠٠)الصّادِقِ، فَكانَ يَكُونُ السُّؤالُ في أنْ لا يَفْعَلَهُ مِمّا لا يَنْبَغِي، ونَظِيرُها، ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣] الآيَةَ، فالصِّفاتُ الآتِيَةُ بَعْدَ هَذا لَيْسَتْ شَرائِطَ، بَلْ هي صِفاتٌ تَقْتَضِي كَمالَ الدَّرَجاتِ.
وقالَ الماتُرِيدِيُّ: مَدَحَهم تَعالى بِهَذا القَوْلِ، وفِيهِ تَزْكِيَةُ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ، واللَّهُ تَعالى نَهى عَنْ تَزْكِيَةِ الأنْفُسِ بِالطّاعاتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] فَلَوْ كانَ الإيمانُ اسْمًا لِجَمِيعِ الطّاعاتِ؛ لَمْ يَرْضَ مِنهُمُ التَّزْكِيَةَ بِالإيمانِ، كَما لَمْ يَرْضَها بِسائِرِ الطّاعاتِ، فالآيَةُ حُجَّةُ مَن جَعَلَ الطّاعاتِ مِنَ الإيمانِ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ إدْخالَ الِاسْتِثْناءِ في الإيمانِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ رَضِيَهُ مِنهم دُونَ اسْتِثْناءٍ انْتَهى. قِيلَ: ولا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِنَ التَّزْكِيَةِ، ولا مِنَ الِاسْتِثْناءِ، لِأنَّ قَوْلَهم: آمَنّا، هو اعْتِرافٌ بِما أُمِرُوا بِهِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ تَزْكِيَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ، ولِأنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما هو فِيما يَمُوتُ عَلَيْهِ المَرْءُ، لا فِيما هو مُتَّصِفٌ بِهِ، ولا قائِلٌ بِأنَّ الإيمانَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ العَبْدُ يَجُوزُ الِاسْتِثْناءُ فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَقْلًا. وأُعْرِبَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ، صِفَةً وبَدَلًا، ومَقْطُوعًا لِرَفْعٍ، أوْ لِنَصْبٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن تَوابِعِ: (الَّذِينَ اتَّقَوْا) أوْ مِن تَوابِعِ: العِبادِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ لَمّا ذَكَرَ الإيمانَ بِالقَوْلِ، أخْبَرَ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى حَبْسِ النَّفْسِ عَلى ما هو شاقٌّ عَلَيْها مِنَ التَّكالِيفِ؛ فَصَبَرُوا عَلى أداءِ الطّاعَةِ، وعَنِ اجْتِنابِ المَحارِمِ، ثُمَّ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى مُطابَقَةِ الِاعْتِقادِ في القَلْبِ لِلَّفْظِ النّاطِقِ بِهِ اللِّسانُ، فَهم صادِقُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ وفي جَمِيعِ ما يُخْبِرُونَ.
وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ صَدَقَتْ نِيّاتُهم، واسْتَقامَتْ قُلُوبُهم وألْسِنَتُهم في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وهَذا راجِعٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ ثُمَّ بِوَصْفِ القُنُوتِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، ثُمَّ بِوَصْفِ الإنْفاقِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ هو مِنَ الأوْصافِ الَّتِي نَفْعُها مُقْتَصِرٌ عَلى المُتَّصِفِ بِها، لا يَتَعَدّى، فَأتى في هَذا بِالوَصْفِ المُتَعَدِّي إلى غَيْرِهِ، وهو الإنْفاقُ، وحُذِفَتْ مُتَعَلِّقاتُ هَذِهِ الأوْصافِ لِلْعِلْمِ بِها، فالمَعْنى: الصّابِرِينَ عَلى تَكالِيفِ رَبِّهِمْ، والصّادِقِينَ في أقْوالِهِمْ، والقانِتِينَ لِرَبِّهِمْ، والمُنْفِقِينَ أمْوالَهم في طاعَتِهِ، والمُسْتَغْفِرِينَ اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ في الأسْحارِ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم رَتَّبُوا طَلَبَ المَغْفِرَةِ عَلى الإيمانِ الَّذِي هو أصْلُ التَّقْوى، أخْبَرَ أيْضًا عَنْهم، أنَّهم عِنْدَ اتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ، هم مُسْتَغْفِرُونَ بِالأسْحارِ، فَلَيْسُوا يَرَوْنَ اتِّصافَهم بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ مِمّا يُسْقِطُ عَنْهم طَلَبَ المَغْفِرَةِ، وخَصَّ السَّحَرَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانُوا مُسْتَغْفِرِينَ دائِمًا، لِأنَّهُ مَظِنَّةٌ الإجابَةِ، كَما صَحَّ في الحَدِيثِ: «أنَّهُ تَعالى، تَنَزَّهَ عَنْ سِماتِ الحُدُوثِ، يَنْزِلُ حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخَرِ يَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ ؟ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلَعَ الفَجْرُ» . وكانَتِ الصَّحابَةُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وغَيْرُهم يَتَحَرَّوْنَ الأسْحارَ لِيَسْتَغْفِرُوا فِيها؛ وكانَ السَّحَرُ مُسْتَحَبًّا فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَقُّ، ألا تَراهم يَقُولُونَ: إنَّ إغْفاءَةَ الفَجْرِ مِن ألَذِّ النَّوْمِ ؟ ولِأنَّ النَّفْسَ تَكُونُ إذْ ذاكَ أصْفى، والبَدَنَ أقَلُّ تَعَبًا، والذِّهْنَ أرَقُّ وأحَدُّ، إذْ قَدْ أجَمَّ عَنِ الأشْياءِ الشّاقَّةِ الجُسْمانِيَّةِ والقَلْبِيَّةِ بِسُكُونِ بَدَنِهِ، وتَرَكَ فِكْرَهُ بِانْغِمارِهِ في وارِدِ النَّوْمِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كانُوا يُقَدِّمُونَ قِيامَ اللَّيْلِ، فَيَحْسُنُ طَلَبُ الحاجَةِ فِيهِ.
﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] انْتَهى. ومَعْناهُ، عَنِ الحَسَنِ: وهَذِهِ الأوْصافُ الخَمْسَةُ هي لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ وهُمُ: المُؤْمِنُونَ، وعُطِفَتْ بِالواوِ ولَمْ تُتْبَعْ دُونَ عَطْفٍ لِتَبايُنِ كُلِّ صِفَةٍ مِن صِفَةٍ، إذْ لَيْسَتْ في مَعْنًى واحِدٍ، فَيَنْزِلُ تَغايُرُ الصِّفاتِ وتَبايُنُها مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ فَعُطِفَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الصِّفاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِهِمْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، انْتَهى. ولا نَعْلَمُ العَطْفَ في الصِّفَةِ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ في الصّابِرِينَ: صَبَرُوا عَنِ المَعاصِي. وقِيلَ: ثَبَتُوا عَلى العَهْدِ الأوَّلِ. وقِيلَ: هُمُ الصّائِمُونَ. وقالُوا: في الصّادِقِينَ: في الأقْوالِ. وقِيلَ: في القَوْلِ، والفِعْلِ، والنِّيَّةِ. وقِيلَ: في السِّرِّ والعَلانِيَةِ.
(p-٤٠١)وقالُوا في القانِتِينَ: الحافِظِينَ لِلْغَيْبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: القائِمِينَ عَلى العِبادَةِ. وقِيلَ: القائِمِينَ بِالحَقِّ. وقِيلَ: الدّاعِينَ المُتَضَرِّعِينَ. وقِيلَ: الخاشِعِينَ. وقِيلَ: المُصَلِّينَ. وقالُوا في المُنْفِقِينَ: المُخْرِجِينَ المالَ عَلى وجْهٍ مَشْرُوعٍ. وقِيلَ: في الجِهادِ. وقِيلَ: في جَمِيعِ أنْواعِ البِرِّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في الصَّدَقاتِ. قالُوا في المُسْتَغْفِرِينَ: السّائِلِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ وقَتادَةُ: السّائِلِينَ المَغْفِرَةَ وقْتَ فَراغِ البالِ، وخِفَّةِ الأشْغالِ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: المُصَلِّينَ بِالأسْحارِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُصَلِّينَ الصُّبْحَ في جَماعَةٍ. وهَذا الَّذِي فَسَّرُوهُ كُلُّهُ مُتَقارِبٌ.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] . سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ حَبْرَيْنِ مِنَ الشّامِ قَدِما المَدِينَةَ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ما أشْبَهَ هَذِهِ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ الخارِجِ في آخِرِ الزَّمانِ ! ثُمَّ عَرَفا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالنَّعْتِ، فَقالا: أنْتَ مُحَمَّدٌ ؟ قالَ:“ نَعَمْ ”. فَقالا: أنْتَ أحْمَدُ ؟ فَقالَ:“ نَعَمْ ”. فَقالا: نَسْألُكَ عَنْ شَهادَةٍ إنْ أخْبَرْتَنا بِها آمَنّا. فَقالَ:“ سَلانِي فَقالَ أحَدُهُما: أخْبِرْنا عَنْ (p-٤٠٢)أعْظَمِ الشَّهادَةِ في كِتابِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ وأسْلَما» .
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ حَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خَرَّتْ سُجَّدًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ؛ لَمّا حاجُّوا في أمْرِ عِيسى. وقِيلَ: في اليَهُودِ والنَّصارى، لَمّا تَرَكُوا اسْمَ الإسْلامِ، وتُسَمَّوْا بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. وقِيلَ: إنَّهم قالُوا: دِينُنا أفْضَلُ مِن دِينِكَ، فَنَزَلَتْ. وأصْلُ: شَهِدَ، حَضَرَ، ثُمَّ صُرِفَتِ الكَلِمَةُ في أداءِ ما تَقَرَّرَ عِلْمُهُ في النَّفْسِ، فَأيُّ وجْهٍ تَقَرَّرَ مِن حُضُورٍ أوْ غَيْرِهِ. فَقِيلَ: مَعْنى: شَهِدَ، هُنا: أعْلَمَ. قالَهُ المُفَضَّلُ وغَيْرُهُ، وقالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: قَضى، وقالَ مُجاهِدٌ: حَكَمَ، وقِيلَ: بَيَّنَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: شَهِدَ بِإظْهارِ صُنْعِهِ.
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهَتْ دَلالَتُهُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِأفْعالِهِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وبِما أوْحى مِن آياتِهِ النّاطِقَةِ بِالتَّوْحِيدِ، كَسُورَةِ الإخْلاصِ، وآيَةِ الكُرْسِيِّ، وغَيْرِهِما. بِشَهادَةِ الشّاهِدِ في البَيانِ والكَشْفِ، وكَذَلِكَ إقْرارُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ بِذَلِكَ، واحْتِجاجُهم عَلَيْهِ انْتَهى. وهو حَسَنٌ.
وقالَ المَرْوَزِيُّ: ذِكْرُ شَهادَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِشَهادَةِ مَن ذُكِرَ بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] انْتَهى.
آل عمران 3:16
﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] . الرِّضْوانُ: مَصْدَرُ رَضِيَ، وكَسْرُ رائِهِ لُغَةُ الحِجازِ، وضَمُّها لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ، وقَيْسٍ، وغَيْلانَ. وقِيلَ: الكَسْرُ لِلِاسْمِ، ومِنهُ: رِضْوانٌ خازِنُ الجَنَّةِ، والضَّمُّ لِلْمَصْدَرِ.
السَّحَرُ: بِفَتْحِ الحاءِ، وسُكُونِها، قالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: الوَقْتُ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ يُقالُ: تَسَحَّرَ أكْلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واسْتَحَرَ: سارَ فِيهِ قالَ.
؎بَكَّرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرَتْ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
واسْتَحَرَ الطّائِرُ: صاحَ وتَحَرَّكَ فِيهِ قالَ:
؎يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيابِها ∗∗∗ إذا غَرَّدَ الطّائِرُ المُسْتَحِرْ
وأسْحَرَ الرَّجُلُ واسْتَحَرَ: دَخَلَ في السَّحَرِ قالَ:
؎وأدْلَجَ مِن طِيبَةَ مُسْرِعًا ∗∗∗ فَجاءَ إلَيْنا وقَدْ أسْحَرا
وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ السِّحْرُ: مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخَرِ إلى الفَجْرِ، وجاءَ في بَعْضِ الأشْعارِ عَنِ العَرَبِ أنَّ السَّحَرَ يَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ فِيما بَعْدُ الفَجْرِ. وقِيلَ: السَّحَرُ عِنْدَ العَرَبِ يَكُونُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَسْتَمِرُّ إلى الإسْفارِ. وأصْلُ السَّحَرِ الخَفاءُ لِلِطْفَةٍ، ومِنهُ السِّحْرُ والسَّحْرُ.
﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ نَزَلَتْ (p-٣٩٩)حِينَ قالَ عُمَرُ عِنْدَما نَزَلَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] يا رَبِّ الآنَ حِينَ زَيَّنْتَها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ذَكَرَ المَآبَ وأنَّهُ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، لِأنَّهُ خَيْرٌ خالٍ مِن شَوْبِ المَضارِّ؛ وباقٍ لا يَنْقَطِعُ. والهَمْزَةُ في: أؤُنَبِّئُكم، الأُولى هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى هَمْزَةِ المُضارَعَةِ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَحْقِيقِهِما، وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَيْنَهُما. ونَقَلَ ورْشٌ الحَرَكَةَ إلى اللّامِ، وحَذَفَ الهَمْزَةَ. وبِتَسْهِيلِها وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا، وتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تارِكِها، وتَشْرِيفٌ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَمّا قالَ: ذَلِكَ مَتاعُ، فَأفْرَدَ، جاءَ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، فَأفْرَدَ اسْمَ الإشارَةِ، وإنْ كانَ هُناكَ مُشارًا بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو كَثِيرٌ. فَهَذا مُشارٌ بِهِ إلى ما أُشِيرَ بِذَلِكَ، وخَيْرٌ، هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، ويَكُونُ: مِن ذَلِكم، صِفَةً لِما يَلْزَمُ في ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ ما رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا مِمّا زَهِدُوا فِيهِ.
﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، وجَنّاتٌ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو جَنّاتٌ، فَتَكُونُ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ يَعْقُوبَ: جَنّاتٍ، بِالجَرِّ بَدَلًا مِن: بِخَيْرٍ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلِ زَيْدٍ، بِالرَّفْعِ، وزَيْدٍ بِالجَرِّ، وجَوَّزَ في قِراءَةِ يَعْقُوبَ أنْ يَكُونَ: جَنّاتٌ، مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ: أعْنِي، ومَنصُوبًا عَلى البَدَلِ عَلى مَوْضِعِ بِخَيْرٍ، لِأنَّهُ نُصِبَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: لِلَّذِينَ، خَبَرًا لِجَنّاتٍ، عَلى أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ثُمَّ بَيْنَ ذَلِكَ الخَيْرَ لِمَن هو؛ فَعَلى هَذا العامِلِ في: عِنْدَ رَبِّهِمْ، العامِلُ في: لِلَّذِينَ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ العامِلِ فِيهِ قَوْلُهُ: بِخَيْرٍ.
﴿خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما قَبْلُهُ.
﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ المَقِرِّ، وهو الجَنّاتُ الَّتِي قالَ فِيها ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] «فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعْتُ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٌ» ثُمَّ انْتَقَلَ مِن ذِكْرِها إلى ذِكْرِ ما يَحْصُلُ بِهِ الأُنْسُ التّامُّ مِنَ الأزْواجِ المُطَهَّرَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى ما هو أعْظَمُ الأشْياءِ وهو رِضا اللَّهِ عَنْهم، فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ والفَرَحِ الرَّوْحانِيِّ، حَيْثُ عَلِمَ بِرِضا اللَّهِ عَنْهُ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى: ”«يَسْألُ أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيمْ ؟ فَيَقُولُونَ: ما لَنا لا نَرْضى يا رَبِّ وقَدْ أعْطَيْتِنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ ؟ فَيَقُولُ: ألا أُعْطِيَكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبِّ وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ قالَ: أحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا» . فَفي هَذِهِ الآيَةِ الِانْتِقالُ مِن عالٍ إلى أعْلى مِنهُ، ولِذَلِكَ جاءَ في سُورَةِ بَراءَةَ، قَدْ ذَكَرَ تَعالى الجَنّاتَ والمَساكِنَ الطَّيِّبَةَ فَقالَ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] يُعْنى: أكْبَرُ مِمّا ذَكَرَ مِنَ الجَنّاتِ والمَساكِنِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أهْلُ الجَنَّةِ مُطَهَّرُونَ؛ لِأنَّ العُيُوبَ في الأشْياءِ عِلْمُ الفَناءِ، وهم خُلِقُوا لِلْبَقاءِ، وخَصَّ النِّساءَ بِالطُّهْرِ لِما فِيهِنَّ في الدُّنْيا مِن فَضْلِ المَعايِبِ والأذى. وقالَ أبُو بَكْرٍ: ورِضْوانٌ، بِالضَّمِّ حَيْثُ وقَعَ إلّا في ثانِي العُقُودِ، فَعَنْهُ خِلافٌ. وباقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُما لُغَتانِ.
* *
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: بَصِيرٌ بِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، فَيُجازِي كُلًا بِعَمَلِهِ؛ فَتَضَمَّنَتِ الوَعْدَ والوَعِيدَ. ولَمّا ذَكَرَ المُتَّقِينَ أفْهَمُ مُقابِلَهم فَخَتَمَ الآيَةَ بِهَذا.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ ذَكَرَ شَيْئًا مِن صِفاتِهِمْ، فَبَدَأ بِالإيمانِ الَّذِي هو رَأْسُ التَّقْوى، وذَكَرَ دُعاءَهم رَبَّهم عِنْدَ الإخْبارِ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ، وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِأنَّ مُبالَغَةً في الإخْبارِ، ثُمَّ سَألُوا الغُفْرانَ ووِقايَتَهم مِنَ العَذابِ؛ مُرَتِّبًا ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الإيمانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ المَغْفِرَةُ، ولا يَكُونُ الإيمانُ عِبارَةً عَنْ سائِرِ الطّاعاتِ، كَما يَذْهَبُ إلَيْهِ بَعْضُهم، لِأنَّ مَن تابَ وأطاعَ اللَّهَ؛ لا يُدْخِلُهُ النّارَ بِوَعْدِهِ (p-٤٠٠)الصّادِقِ، فَكانَ يَكُونُ السُّؤالُ في أنْ لا يَفْعَلَهُ مِمّا لا يَنْبَغِي، ونَظِيرُها، ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣] الآيَةَ، فالصِّفاتُ الآتِيَةُ بَعْدَ هَذا لَيْسَتْ شَرائِطَ، بَلْ هي صِفاتٌ تَقْتَضِي كَمالَ الدَّرَجاتِ.
وقالَ الماتُرِيدِيُّ: مَدَحَهم تَعالى بِهَذا القَوْلِ، وفِيهِ تَزْكِيَةُ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ، واللَّهُ تَعالى نَهى عَنْ تَزْكِيَةِ الأنْفُسِ بِالطّاعاتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] فَلَوْ كانَ الإيمانُ اسْمًا لِجَمِيعِ الطّاعاتِ؛ لَمْ يَرْضَ مِنهُمُ التَّزْكِيَةَ بِالإيمانِ، كَما لَمْ يَرْضَها بِسائِرِ الطّاعاتِ، فالآيَةُ حُجَّةُ مَن جَعَلَ الطّاعاتِ مِنَ الإيمانِ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ إدْخالَ الِاسْتِثْناءِ في الإيمانِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ رَضِيَهُ مِنهم دُونَ اسْتِثْناءٍ انْتَهى. قِيلَ: ولا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِنَ التَّزْكِيَةِ، ولا مِنَ الِاسْتِثْناءِ، لِأنَّ قَوْلَهم: آمَنّا، هو اعْتِرافٌ بِما أُمِرُوا بِهِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ تَزْكِيَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ، ولِأنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما هو فِيما يَمُوتُ عَلَيْهِ المَرْءُ، لا فِيما هو مُتَّصِفٌ بِهِ، ولا قائِلٌ بِأنَّ الإيمانَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ العَبْدُ يَجُوزُ الِاسْتِثْناءُ فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَقْلًا. وأُعْرِبَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ، صِفَةً وبَدَلًا، ومَقْطُوعًا لِرَفْعٍ، أوْ لِنَصْبٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن تَوابِعِ: (الَّذِينَ اتَّقَوْا) أوْ مِن تَوابِعِ: العِبادِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ لَمّا ذَكَرَ الإيمانَ بِالقَوْلِ، أخْبَرَ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى حَبْسِ النَّفْسِ عَلى ما هو شاقٌّ عَلَيْها مِنَ التَّكالِيفِ؛ فَصَبَرُوا عَلى أداءِ الطّاعَةِ، وعَنِ اجْتِنابِ المَحارِمِ، ثُمَّ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى مُطابَقَةِ الِاعْتِقادِ في القَلْبِ لِلَّفْظِ النّاطِقِ بِهِ اللِّسانُ، فَهم صادِقُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ وفي جَمِيعِ ما يُخْبِرُونَ.
وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ صَدَقَتْ نِيّاتُهم، واسْتَقامَتْ قُلُوبُهم وألْسِنَتُهم في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وهَذا راجِعٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ ثُمَّ بِوَصْفِ القُنُوتِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، ثُمَّ بِوَصْفِ الإنْفاقِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ هو مِنَ الأوْصافِ الَّتِي نَفْعُها مُقْتَصِرٌ عَلى المُتَّصِفِ بِها، لا يَتَعَدّى، فَأتى في هَذا بِالوَصْفِ المُتَعَدِّي إلى غَيْرِهِ، وهو الإنْفاقُ، وحُذِفَتْ مُتَعَلِّقاتُ هَذِهِ الأوْصافِ لِلْعِلْمِ بِها، فالمَعْنى: الصّابِرِينَ عَلى تَكالِيفِ رَبِّهِمْ، والصّادِقِينَ في أقْوالِهِمْ، والقانِتِينَ لِرَبِّهِمْ، والمُنْفِقِينَ أمْوالَهم في طاعَتِهِ، والمُسْتَغْفِرِينَ اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ في الأسْحارِ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم رَتَّبُوا طَلَبَ المَغْفِرَةِ عَلى الإيمانِ الَّذِي هو أصْلُ التَّقْوى، أخْبَرَ أيْضًا عَنْهم، أنَّهم عِنْدَ اتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ، هم مُسْتَغْفِرُونَ بِالأسْحارِ، فَلَيْسُوا يَرَوْنَ اتِّصافَهم بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ مِمّا يُسْقِطُ عَنْهم طَلَبَ المَغْفِرَةِ، وخَصَّ السَّحَرَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانُوا مُسْتَغْفِرِينَ دائِمًا، لِأنَّهُ مَظِنَّةٌ الإجابَةِ، كَما صَحَّ في الحَدِيثِ: «أنَّهُ تَعالى، تَنَزَّهَ عَنْ سِماتِ الحُدُوثِ، يَنْزِلُ حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخَرِ يَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ ؟ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلَعَ الفَجْرُ» . وكانَتِ الصَّحابَةُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وغَيْرُهم يَتَحَرَّوْنَ الأسْحارَ لِيَسْتَغْفِرُوا فِيها؛ وكانَ السَّحَرُ مُسْتَحَبًّا فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَقُّ، ألا تَراهم يَقُولُونَ: إنَّ إغْفاءَةَ الفَجْرِ مِن ألَذِّ النَّوْمِ ؟ ولِأنَّ النَّفْسَ تَكُونُ إذْ ذاكَ أصْفى، والبَدَنَ أقَلُّ تَعَبًا، والذِّهْنَ أرَقُّ وأحَدُّ، إذْ قَدْ أجَمَّ عَنِ الأشْياءِ الشّاقَّةِ الجُسْمانِيَّةِ والقَلْبِيَّةِ بِسُكُونِ بَدَنِهِ، وتَرَكَ فِكْرَهُ بِانْغِمارِهِ في وارِدِ النَّوْمِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كانُوا يُقَدِّمُونَ قِيامَ اللَّيْلِ، فَيَحْسُنُ طَلَبُ الحاجَةِ فِيهِ.
﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] انْتَهى. ومَعْناهُ، عَنِ الحَسَنِ: وهَذِهِ الأوْصافُ الخَمْسَةُ هي لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ وهُمُ: المُؤْمِنُونَ، وعُطِفَتْ بِالواوِ ولَمْ تُتْبَعْ دُونَ عَطْفٍ لِتَبايُنِ كُلِّ صِفَةٍ مِن صِفَةٍ، إذْ لَيْسَتْ في مَعْنًى واحِدٍ، فَيَنْزِلُ تَغايُرُ الصِّفاتِ وتَبايُنُها مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ فَعُطِفَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الصِّفاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِهِمْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، انْتَهى. ولا نَعْلَمُ العَطْفَ في الصِّفَةِ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ في الصّابِرِينَ: صَبَرُوا عَنِ المَعاصِي. وقِيلَ: ثَبَتُوا عَلى العَهْدِ الأوَّلِ. وقِيلَ: هُمُ الصّائِمُونَ. وقالُوا: في الصّادِقِينَ: في الأقْوالِ. وقِيلَ: في القَوْلِ، والفِعْلِ، والنِّيَّةِ. وقِيلَ: في السِّرِّ والعَلانِيَةِ.
(p-٤٠١)وقالُوا في القانِتِينَ: الحافِظِينَ لِلْغَيْبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: القائِمِينَ عَلى العِبادَةِ. وقِيلَ: القائِمِينَ بِالحَقِّ. وقِيلَ: الدّاعِينَ المُتَضَرِّعِينَ. وقِيلَ: الخاشِعِينَ. وقِيلَ: المُصَلِّينَ. وقالُوا في المُنْفِقِينَ: المُخْرِجِينَ المالَ عَلى وجْهٍ مَشْرُوعٍ. وقِيلَ: في الجِهادِ. وقِيلَ: في جَمِيعِ أنْواعِ البِرِّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في الصَّدَقاتِ. قالُوا في المُسْتَغْفِرِينَ: السّائِلِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ وقَتادَةُ: السّائِلِينَ المَغْفِرَةَ وقْتَ فَراغِ البالِ، وخِفَّةِ الأشْغالِ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: المُصَلِّينَ بِالأسْحارِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُصَلِّينَ الصُّبْحَ في جَماعَةٍ. وهَذا الَّذِي فَسَّرُوهُ كُلُّهُ مُتَقارِبٌ.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] . سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ حَبْرَيْنِ مِنَ الشّامِ قَدِما المَدِينَةَ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ما أشْبَهَ هَذِهِ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ الخارِجِ في آخِرِ الزَّمانِ ! ثُمَّ عَرَفا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالنَّعْتِ، فَقالا: أنْتَ مُحَمَّدٌ ؟ قالَ:“ نَعَمْ ”. فَقالا: أنْتَ أحْمَدُ ؟ فَقالَ:“ نَعَمْ ”. فَقالا: نَسْألُكَ عَنْ شَهادَةٍ إنْ أخْبَرْتَنا بِها آمَنّا. فَقالَ:“ سَلانِي فَقالَ أحَدُهُما: أخْبِرْنا عَنْ (p-٤٠٢)أعْظَمِ الشَّهادَةِ في كِتابِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ وأسْلَما» .
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ حَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خَرَّتْ سُجَّدًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ؛ لَمّا حاجُّوا في أمْرِ عِيسى. وقِيلَ: في اليَهُودِ والنَّصارى، لَمّا تَرَكُوا اسْمَ الإسْلامِ، وتُسَمَّوْا بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. وقِيلَ: إنَّهم قالُوا: دِينُنا أفْضَلُ مِن دِينِكَ، فَنَزَلَتْ. وأصْلُ: شَهِدَ، حَضَرَ، ثُمَّ صُرِفَتِ الكَلِمَةُ في أداءِ ما تَقَرَّرَ عِلْمُهُ في النَّفْسِ، فَأيُّ وجْهٍ تَقَرَّرَ مِن حُضُورٍ أوْ غَيْرِهِ. فَقِيلَ: مَعْنى: شَهِدَ، هُنا: أعْلَمَ. قالَهُ المُفَضَّلُ وغَيْرُهُ، وقالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: قَضى، وقالَ مُجاهِدٌ: حَكَمَ، وقِيلَ: بَيَّنَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: شَهِدَ بِإظْهارِ صُنْعِهِ.
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهَتْ دَلالَتُهُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِأفْعالِهِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وبِما أوْحى مِن آياتِهِ النّاطِقَةِ بِالتَّوْحِيدِ، كَسُورَةِ الإخْلاصِ، وآيَةِ الكُرْسِيِّ، وغَيْرِهِما. بِشَهادَةِ الشّاهِدِ في البَيانِ والكَشْفِ، وكَذَلِكَ إقْرارُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ بِذَلِكَ، واحْتِجاجُهم عَلَيْهِ انْتَهى. وهو حَسَنٌ.
وقالَ المَرْوَزِيُّ: ذِكْرُ شَهادَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِشَهادَةِ مَن ذُكِرَ بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] انْتَهى.
آل عمران 3:17
﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] . الرِّضْوانُ: مَصْدَرُ رَضِيَ، وكَسْرُ رائِهِ لُغَةُ الحِجازِ، وضَمُّها لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ، وقَيْسٍ، وغَيْلانَ. وقِيلَ: الكَسْرُ لِلِاسْمِ، ومِنهُ: رِضْوانٌ خازِنُ الجَنَّةِ، والضَّمُّ لِلْمَصْدَرِ.
السَّحَرُ: بِفَتْحِ الحاءِ، وسُكُونِها، قالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّجّاجُ: الوَقْتُ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ومِنهُ يُقالُ: تَسَحَّرَ أكْلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واسْتَحَرَ: سارَ فِيهِ قالَ.
؎بَكَّرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرَتْ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
واسْتَحَرَ الطّائِرُ: صاحَ وتَحَرَّكَ فِيهِ قالَ:
؎يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيابِها ∗∗∗ إذا غَرَّدَ الطّائِرُ المُسْتَحِرْ
وأسْحَرَ الرَّجُلُ واسْتَحَرَ: دَخَلَ في السَّحَرِ قالَ:
؎وأدْلَجَ مِن طِيبَةَ مُسْرِعًا ∗∗∗ فَجاءَ إلَيْنا وقَدْ أسْحَرا
وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ السِّحْرُ: مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخَرِ إلى الفَجْرِ، وجاءَ في بَعْضِ الأشْعارِ عَنِ العَرَبِ أنَّ السَّحَرَ يَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ فِيما بَعْدُ الفَجْرِ. وقِيلَ: السَّحَرُ عِنْدَ العَرَبِ يَكُونُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَسْتَمِرُّ إلى الإسْفارِ. وأصْلُ السَّحَرِ الخَفاءُ لِلِطْفَةٍ، ومِنهُ السِّحْرُ والسَّحْرُ.
﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ نَزَلَتْ (p-٣٩٩)حِينَ قالَ عُمَرُ عِنْدَما نَزَلَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] يا رَبِّ الآنَ حِينَ زَيَّنْتَها. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] ذَكَرَ المَآبَ وأنَّهُ خَيْرٌ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، لِأنَّهُ خَيْرٌ خالٍ مِن شَوْبِ المَضارِّ؛ وباقٍ لا يَنْقَطِعُ. والهَمْزَةُ في: أؤُنَبِّئُكم، الأُولى هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى هَمْزَةِ المُضارَعَةِ، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَحْقِيقِهِما، وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما، وبِتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَيْنَهُما. ونَقَلَ ورْشٌ الحَرَكَةَ إلى اللّامِ، وحَذَفَ الهَمْزَةَ. وبِتَسْهِيلِها وإدْخالِ ألِفٍ بَيْنَهُما. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا، وتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تارِكِها، وتَشْرِيفٌ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَمّا قالَ: ذَلِكَ مَتاعُ، فَأفْرَدَ، جاءَ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، فَأفْرَدَ اسْمَ الإشارَةِ، وإنْ كانَ هُناكَ مُشارًا بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو كَثِيرٌ. فَهَذا مُشارٌ بِهِ إلى ما أُشِيرَ بِذَلِكَ، وخَيْرٌ، هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، ويَكُونُ: مِن ذَلِكم، صِفَةً لِما يَلْزَمُ في ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ ما رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا مِمّا زَهِدُوا فِيهِ.
﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، وجَنّاتٌ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو جَنّاتٌ، فَتَكُونُ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ يَعْقُوبَ: جَنّاتٍ، بِالجَرِّ بَدَلًا مِن: بِخَيْرٍ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلِ زَيْدٍ، بِالرَّفْعِ، وزَيْدٍ بِالجَرِّ، وجَوَّزَ في قِراءَةِ يَعْقُوبَ أنْ يَكُونَ: جَنّاتٌ، مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ: أعْنِي، ومَنصُوبًا عَلى البَدَلِ عَلى مَوْضِعِ بِخَيْرٍ، لِأنَّهُ نُصِبَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: لِلَّذِينَ، خَبَرًا لِجَنّاتٍ، عَلى أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ثُمَّ بَيْنَ ذَلِكَ الخَيْرَ لِمَن هو؛ فَعَلى هَذا العامِلِ في: عِنْدَ رَبِّهِمْ، العامِلُ في: لِلَّذِينَ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ العامِلِ فِيهِ قَوْلُهُ: بِخَيْرٍ.
﴿خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما قَبْلُهُ.
﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ بَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ المَقِرِّ، وهو الجَنّاتُ الَّتِي قالَ فِيها ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] «فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعْتُ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٌ» ثُمَّ انْتَقَلَ مِن ذِكْرِها إلى ذِكْرِ ما يَحْصُلُ بِهِ الأُنْسُ التّامُّ مِنَ الأزْواجِ المُطَهَّرَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى ما هو أعْظَمُ الأشْياءِ وهو رِضا اللَّهِ عَنْهم، فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ اللَّذَّةِ الجُسْمانِيَّةِ والفَرَحِ الرَّوْحانِيِّ، حَيْثُ عَلِمَ بِرِضا اللَّهِ عَنْهُ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى: ”«يَسْألُ أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيمْ ؟ فَيَقُولُونَ: ما لَنا لا نَرْضى يا رَبِّ وقَدْ أعْطَيْتِنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ ؟ فَيَقُولُ: ألا أُعْطِيَكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبِّ وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ قالَ: أحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا» . فَفي هَذِهِ الآيَةِ الِانْتِقالُ مِن عالٍ إلى أعْلى مِنهُ، ولِذَلِكَ جاءَ في سُورَةِ بَراءَةَ، قَدْ ذَكَرَ تَعالى الجَنّاتَ والمَساكِنَ الطَّيِّبَةَ فَقالَ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] يُعْنى: أكْبَرُ مِمّا ذَكَرَ مِنَ الجَنّاتِ والمَساكِنِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أهْلُ الجَنَّةِ مُطَهَّرُونَ؛ لِأنَّ العُيُوبَ في الأشْياءِ عِلْمُ الفَناءِ، وهم خُلِقُوا لِلْبَقاءِ، وخَصَّ النِّساءَ بِالطُّهْرِ لِما فِيهِنَّ في الدُّنْيا مِن فَضْلِ المَعايِبِ والأذى. وقالَ أبُو بَكْرٍ: ورِضْوانٌ، بِالضَّمِّ حَيْثُ وقَعَ إلّا في ثانِي العُقُودِ، فَعَنْهُ خِلافٌ. وباقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُما لُغَتانِ.
* *
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ: بَصِيرٌ بِأعْمالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْها، فَيُجازِي كُلًا بِعَمَلِهِ؛ فَتَضَمَّنَتِ الوَعْدَ والوَعِيدَ. ولَمّا ذَكَرَ المُتَّقِينَ أفْهَمُ مُقابِلَهم فَخَتَمَ الآيَةَ بِهَذا.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ ذَكَرَ شَيْئًا مِن صِفاتِهِمْ، فَبَدَأ بِالإيمانِ الَّذِي هو رَأْسُ التَّقْوى، وذَكَرَ دُعاءَهم رَبَّهم عِنْدَ الإخْبارِ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ، وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِأنَّ مُبالَغَةً في الإخْبارِ، ثُمَّ سَألُوا الغُفْرانَ ووِقايَتَهم مِنَ العَذابِ؛ مُرَتِّبًا ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الإيمانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ المَغْفِرَةُ، ولا يَكُونُ الإيمانُ عِبارَةً عَنْ سائِرِ الطّاعاتِ، كَما يَذْهَبُ إلَيْهِ بَعْضُهم، لِأنَّ مَن تابَ وأطاعَ اللَّهَ؛ لا يُدْخِلُهُ النّارَ بِوَعْدِهِ (p-٤٠٠)الصّادِقِ، فَكانَ يَكُونُ السُّؤالُ في أنْ لا يَفْعَلَهُ مِمّا لا يَنْبَغِي، ونَظِيرُها، ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣] الآيَةَ، فالصِّفاتُ الآتِيَةُ بَعْدَ هَذا لَيْسَتْ شَرائِطَ، بَلْ هي صِفاتٌ تَقْتَضِي كَمالَ الدَّرَجاتِ.
وقالَ الماتُرِيدِيُّ: مَدَحَهم تَعالى بِهَذا القَوْلِ، وفِيهِ تَزْكِيَةُ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ، واللَّهُ تَعالى نَهى عَنْ تَزْكِيَةِ الأنْفُسِ بِالطّاعاتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] فَلَوْ كانَ الإيمانُ اسْمًا لِجَمِيعِ الطّاعاتِ؛ لَمْ يَرْضَ مِنهُمُ التَّزْكِيَةَ بِالإيمانِ، كَما لَمْ يَرْضَها بِسائِرِ الطّاعاتِ، فالآيَةُ حُجَّةُ مَن جَعَلَ الطّاعاتِ مِنَ الإيمانِ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ إدْخالَ الِاسْتِثْناءِ في الإيمانِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ رَضِيَهُ مِنهم دُونَ اسْتِثْناءٍ انْتَهى. قِيلَ: ولا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِنَ التَّزْكِيَةِ، ولا مِنَ الِاسْتِثْناءِ، لِأنَّ قَوْلَهم: آمَنّا، هو اعْتِرافٌ بِما أُمِرُوا بِهِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ تَزْكِيَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ، ولِأنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما هو فِيما يَمُوتُ عَلَيْهِ المَرْءُ، لا فِيما هو مُتَّصِفٌ بِهِ، ولا قائِلٌ بِأنَّ الإيمانَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ العَبْدُ يَجُوزُ الِاسْتِثْناءُ فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَقْلًا. وأُعْرِبَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ، صِفَةً وبَدَلًا، ومَقْطُوعًا لِرَفْعٍ، أوْ لِنَصْبٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن تَوابِعِ: (الَّذِينَ اتَّقَوْا) أوْ مِن تَوابِعِ: العِبادِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ لَمّا ذَكَرَ الإيمانَ بِالقَوْلِ، أخْبَرَ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى حَبْسِ النَّفْسِ عَلى ما هو شاقٌّ عَلَيْها مِنَ التَّكالِيفِ؛ فَصَبَرُوا عَلى أداءِ الطّاعَةِ، وعَنِ اجْتِنابِ المَحارِمِ، ثُمَّ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى مُطابَقَةِ الِاعْتِقادِ في القَلْبِ لِلَّفْظِ النّاطِقِ بِهِ اللِّسانُ، فَهم صادِقُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ وفي جَمِيعِ ما يُخْبِرُونَ.
وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ صَدَقَتْ نِيّاتُهم، واسْتَقامَتْ قُلُوبُهم وألْسِنَتُهم في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وهَذا راجِعٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ ثُمَّ بِوَصْفِ القُنُوتِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، ثُمَّ بِوَصْفِ الإنْفاقِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ هو مِنَ الأوْصافِ الَّتِي نَفْعُها مُقْتَصِرٌ عَلى المُتَّصِفِ بِها، لا يَتَعَدّى، فَأتى في هَذا بِالوَصْفِ المُتَعَدِّي إلى غَيْرِهِ، وهو الإنْفاقُ، وحُذِفَتْ مُتَعَلِّقاتُ هَذِهِ الأوْصافِ لِلْعِلْمِ بِها، فالمَعْنى: الصّابِرِينَ عَلى تَكالِيفِ رَبِّهِمْ، والصّادِقِينَ في أقْوالِهِمْ، والقانِتِينَ لِرَبِّهِمْ، والمُنْفِقِينَ أمْوالَهم في طاعَتِهِ، والمُسْتَغْفِرِينَ اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ في الأسْحارِ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم رَتَّبُوا طَلَبَ المَغْفِرَةِ عَلى الإيمانِ الَّذِي هو أصْلُ التَّقْوى، أخْبَرَ أيْضًا عَنْهم، أنَّهم عِنْدَ اتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ، هم مُسْتَغْفِرُونَ بِالأسْحارِ، فَلَيْسُوا يَرَوْنَ اتِّصافَهم بِهَذِهِ الأوْصافِ الشَّرِيفَةِ مِمّا يُسْقِطُ عَنْهم طَلَبَ المَغْفِرَةِ، وخَصَّ السَّحَرَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانُوا مُسْتَغْفِرِينَ دائِمًا، لِأنَّهُ مَظِنَّةٌ الإجابَةِ، كَما صَحَّ في الحَدِيثِ: «أنَّهُ تَعالى، تَنَزَّهَ عَنْ سِماتِ الحُدُوثِ، يَنْزِلُ حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخَرِ يَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ ؟ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلَعَ الفَجْرُ» . وكانَتِ الصَّحابَةُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وغَيْرُهم يَتَحَرَّوْنَ الأسْحارَ لِيَسْتَغْفِرُوا فِيها؛ وكانَ السَّحَرُ مُسْتَحَبًّا فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَقُّ، ألا تَراهم يَقُولُونَ: إنَّ إغْفاءَةَ الفَجْرِ مِن ألَذِّ النَّوْمِ ؟ ولِأنَّ النَّفْسَ تَكُونُ إذْ ذاكَ أصْفى، والبَدَنَ أقَلُّ تَعَبًا، والذِّهْنَ أرَقُّ وأحَدُّ، إذْ قَدْ أجَمَّ عَنِ الأشْياءِ الشّاقَّةِ الجُسْمانِيَّةِ والقَلْبِيَّةِ بِسُكُونِ بَدَنِهِ، وتَرَكَ فِكْرَهُ بِانْغِمارِهِ في وارِدِ النَّوْمِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم كانُوا يُقَدِّمُونَ قِيامَ اللَّيْلِ، فَيَحْسُنُ طَلَبُ الحاجَةِ فِيهِ.
﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] انْتَهى. ومَعْناهُ، عَنِ الحَسَنِ: وهَذِهِ الأوْصافُ الخَمْسَةُ هي لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ وهُمُ: المُؤْمِنُونَ، وعُطِفَتْ بِالواوِ ولَمْ تُتْبَعْ دُونَ عَطْفٍ لِتَبايُنِ كُلِّ صِفَةٍ مِن صِفَةٍ، إذْ لَيْسَتْ في مَعْنًى واحِدٍ، فَيَنْزِلُ تَغايُرُ الصِّفاتِ وتَبايُنُها مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ فَعُطِفَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الصِّفاتِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِهِمْ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، انْتَهى. ولا نَعْلَمُ العَطْفَ في الصِّفَةِ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ في الصّابِرِينَ: صَبَرُوا عَنِ المَعاصِي. وقِيلَ: ثَبَتُوا عَلى العَهْدِ الأوَّلِ. وقِيلَ: هُمُ الصّائِمُونَ. وقالُوا: في الصّادِقِينَ: في الأقْوالِ. وقِيلَ: في القَوْلِ، والفِعْلِ، والنِّيَّةِ. وقِيلَ: في السِّرِّ والعَلانِيَةِ.
(p-٤٠١)وقالُوا في القانِتِينَ: الحافِظِينَ لِلْغَيْبِ. وقالَ الزَّجّاجُ: القائِمِينَ عَلى العِبادَةِ. وقِيلَ: القائِمِينَ بِالحَقِّ. وقِيلَ: الدّاعِينَ المُتَضَرِّعِينَ. وقِيلَ: الخاشِعِينَ. وقِيلَ: المُصَلِّينَ. وقالُوا في المُنْفِقِينَ: المُخْرِجِينَ المالَ عَلى وجْهٍ مَشْرُوعٍ. وقِيلَ: في الجِهادِ. وقِيلَ: في جَمِيعِ أنْواعِ البِرِّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: في الصَّدَقاتِ. قالُوا في المُسْتَغْفِرِينَ: السّائِلِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ وقَتادَةُ: السّائِلِينَ المَغْفِرَةَ وقْتَ فَراغِ البالِ، وخِفَّةِ الأشْغالِ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: المُصَلِّينَ بِالأسْحارِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُصَلِّينَ الصُّبْحَ في جَماعَةٍ. وهَذا الَّذِي فَسَّرُوهُ كُلُّهُ مُتَقارِبٌ.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] . سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ حَبْرَيْنِ مِنَ الشّامِ قَدِما المَدِينَةَ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ما أشْبَهَ هَذِهِ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ الخارِجِ في آخِرِ الزَّمانِ ! ثُمَّ عَرَفا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالنَّعْتِ، فَقالا: أنْتَ مُحَمَّدٌ ؟ قالَ:“ نَعَمْ ”. فَقالا: أنْتَ أحْمَدُ ؟ فَقالَ:“ نَعَمْ ”. فَقالا: نَسْألُكَ عَنْ شَهادَةٍ إنْ أخْبَرْتَنا بِها آمَنّا. فَقالَ:“ سَلانِي فَقالَ أحَدُهُما: أخْبِرْنا عَنْ (p-٤٠٢)أعْظَمِ الشَّهادَةِ في كِتابِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ وأسْلَما» .
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ حَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خَرَّتْ سُجَّدًا. وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ؛ لَمّا حاجُّوا في أمْرِ عِيسى. وقِيلَ: في اليَهُودِ والنَّصارى، لَمّا تَرَكُوا اسْمَ الإسْلامِ، وتُسَمَّوْا بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. وقِيلَ: إنَّهم قالُوا: دِينُنا أفْضَلُ مِن دِينِكَ، فَنَزَلَتْ. وأصْلُ: شَهِدَ، حَضَرَ، ثُمَّ صُرِفَتِ الكَلِمَةُ في أداءِ ما تَقَرَّرَ عِلْمُهُ في النَّفْسِ، فَأيُّ وجْهٍ تَقَرَّرَ مِن حُضُورٍ أوْ غَيْرِهِ. فَقِيلَ: مَعْنى: شَهِدَ، هُنا: أعْلَمَ. قالَهُ المُفَضَّلُ وغَيْرُهُ، وقالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: قَضى، وقالَ مُجاهِدٌ: حَكَمَ، وقِيلَ: بَيَّنَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: شَهِدَ بِإظْهارِ صُنْعِهِ.
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهَتْ دَلالَتُهُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِأفْعالِهِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وبِما أوْحى مِن آياتِهِ النّاطِقَةِ بِالتَّوْحِيدِ، كَسُورَةِ الإخْلاصِ، وآيَةِ الكُرْسِيِّ، وغَيْرِهِما. بِشَهادَةِ الشّاهِدِ في البَيانِ والكَشْفِ، وكَذَلِكَ إقْرارُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ بِذَلِكَ، واحْتِجاجُهم عَلَيْهِ انْتَهى. وهو حَسَنٌ.
وقالَ المَرْوَزِيُّ: ذِكْرُ شَهادَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِشَهادَةِ مَن ذُكِرَ بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] انْتَهى.
آل عمران 3:18
ومُشارَكَةُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى في الشَّهادَةِ، مِن حَيْثُ عُطِفا عَلَيْهِ لِصِحَّةِ نِسْبَةِ الإعْلامِ، أوْ صِحَّةِ نِسْبَةِ الإظْهارِ والبَيانِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّةُ الإظْهارِ والبَيانِ، مِن حَيْثُ إنَّ إظْهارَهُ تَعالى بِخَلْقِ الدَّلائِلِ، وإظْهارَ المَلائِكَةِ بِتَقْرِيرِها لِلرُّسُلِ، والرُّسُلِ لِأُولِي العِلْمِ. وقالَ الواحِدِيُّ: شَهادَةُ اللَّهِ: بَيانُهُ وإظْهارُهُ، والشّاهِدُ هو العالِمُ الَّذِي بَيَّنَ ما عَلِمَهُ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ دَلالاتِ التَّوْحِيدِ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ، وشَهادَةُ المَلائِكَةِ بِمَعْنى الإقْرارِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ [الأنعام: ١٣٠] أيْ: أقْرَرْنا. فَنَسَّقَ شَهادَةَ المَلائِكَةِ عَلى شَهادَةِ اللَّهِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ مَعْنًى، لِتَماثُلِهِما لَفْظًا. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] لِأنَّها مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، ومِنَ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، والدُّعاءُ، وشَهادَةُ أُولِي العِلْمِ يَحْتَمِلُ الإقْرارَ، ويَحْتَمِلُ التَّبْيِينَ؛ لِأنَّهم أقَرُّوا وبَيَّنُوا انْتَهى. وقالَ المُؤَرِّجُ: شَهِدَ اللَّهُ، بِلُغَةِ قَيْسِ بْنِ غَيْلانَ. و﴿أُولُوا العِلْمِ﴾ قِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ. وقِيلَ: العُلَماءُ، وقِيلَ: مُؤْمِنُوَ أهْلِ الكِتابِ.
وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ. وقِيلَ: عُلَماءُ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الحَسَنُ: المُؤْمِنُونَ. والمُرادُ بِأُولِي العِلْمِ: مَن كانَ مِنَ البَشَرِ عالِمًا، لِأنَّهم (p-٤٠٣)يَنْقَسِمُونَ إلى عالِمٍ وجاهِلٍ، بِخِلافِ المَلائِكَةِ، فَإنَّهم في العِلْمِ سَواءٌ. و﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾: مَفْعُولُ شَهِدَ، وفَصَلَ بِهِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ؛ لِيَدُلَّ عَلى الِاعْتِناءِ بِذِكْرِ المَفْعُولِ، ولِيَدُلَّ عَلى تَفاوُتِ دَرَجَةِ المُتَعاطِفَيْنِ، بِحَيْثُ لا يُنَسَّقانِ مُتَجاوِرَيْنِ. وقَدَّمَ المَلائِكَةَ عَلى أُولِي العِلْمِ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّهُمُ المَلَأُ الأعْلى، وعِلْمُهم كُلُّهُ ضَرُورِيٌّ، بِخِلافِ البَشَرِ، فَإنَّ عِلْمَهم ضَرُورِيٌّ واكْتِسابِيٌّ. وقَرَأ أبُو الشَّعْثاءِ: شُهِدَ، بِضَمِّ الشِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونُ: أنَّهُ، في مَوْضِعِ البَدَلِ أيْ: شَهِدَ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وأُلُوهِيَّتَهُ. وارْتِفاعُ: المَلائِكَةُ، عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: والمَلائِكَةُ وأُولُوَ العِلْمِ يَشْهَدُونَ. وحَذَفَ الخَبَرَ لِدَلالِ المَعْنى عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِإضْمارِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ لِدَلالَةِ ”شَهِدَ“ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إذا بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ فَإنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ كانَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والتَّقْدِيرُ: وشَهِدَ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ، وأُولُو العِلْمِ. وقَرَأ أبُو المُهَلَّبِ، عَمُّ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ: شُهَداءَ اللَّهِ، عَلى وزْنِ: فُعَلاءَ، جَمْعًا مَنصُوبًا.
قالَ ابْنُ جِنِّي: عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في المُسْتَغْفِرِينَ. وقِيلَ: نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وهو جَمْعُ شُهَداءَ، وجَمْعُ شاهِدٍ: كَظُرَفاءَ وعُلَماءَ. ورُوِيَ عَنْهُ، وعَنْ أبِي نَهِيكٍ: شُهَداءُ اللَّهِ، بِالرَّفْعِ أيْ: هم شُهَداءُ اللَّهِ. وفي القِراءَتَيْنِ: شُهَداءُ، مُضافٌ إلى اسْمِ اللَّهِ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي المُهَلَّبِ: شُهُدٌ بِضَمِّ الشِّينِ والهاءِ، جَمْعُ: شَهِيدٍ، كَنَذِيرٍ ونُذُرٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، واسْمُ اللَّهِ مَنصُوبٌ. وذَكَرَ النَّقّاشُ: أنَّهُ قُرِئَ كَذَلِكَ بِضَمِّ الدّالِ، وبِفَتْحِها مُضافًا لِاسْمِ اللَّهِ في القِراءَتَيْنِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، أنَّهُ قُرِئَ: شُهَداءُ لِلَّهِ، بِرَفْعِ الهَمْزَةِ ونَصْبِها، وبِلامِ الجَرِّ داخِلَةٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ المَذْكُورِينَ، والرَّفْعِ عَلى إضْمارِهِمْ، ووَجْهُ رَفْعِ المَلائِكَةِ عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَسْتَكِنِّ في شُهَداءَ، وجازَ ذَلِكَ الوُقُوعُ الفاصِلُ بَيْنَهُما، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ رَفْعِ المَلائِكَةِ إمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ، وإمّا عَلى الِابْتِداءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ بِإدْغامِ، واوٍ، وهو في: واوِ ”والمَلائِكَةُ“ . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (إنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ في: إنَّهُ، وخَرَّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أجْرى شَهِدَ مَجْرى قالَ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ في مَعْنى القَوْلِ، فَلِذَلِكَ كَسَرَ إنَّ، أوْ عَلى أنَّ مَعْمُولَ شَهِدَ، هو أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ، إذْ فِيها تَسْدِيدٌ لِمَعْنى الكَلامِ وتَقْوِيَةٌ؛ هَكَذا خَرَّجُوهُ والضَّمِيرُ في: أنَّهُ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى: اللَّهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (شَهِدَ اللَّهُ أنْ لا إلَهَ إلّا هو) فَفي هَذِهِ القِراءَةِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ إذا خَفَّفْتَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، لِأنَّها إذا خُفِّفَتْ لَمْ تَعْمَلْ في غَيْرِهِ إلّا ضَرُورَةً، وإذا عَمِلَتْ فِيهِ لَزِمَ حَذْفُهُ. قالُوا: وانْتُصِبَ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن هو، أوْ مِنَ الجَمِيعِ، عَلى اعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ، أوْ عَلى المَدْحِ، أوْ صِفَةٌ لِلْمَنفِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا إلَهَ قائِمًا بِالقِسْطِ إلّا هو. أوْ: عَلى القَطْعِ، لِأنَّ أصْلَهُ: القائِمُ، وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] أيِ: الواصِبُ. وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ: قَيِّمًا، وانْتِصابُهُ عَلى ما ذُكِرَ.
وذَكَرَ السَّجاوَنْدِيُّ: أنَّ قِراءَةَ عَبْدِ اللَّهِ: قائِمٌ، فَأمّا انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ فَعامِلُها شَهِدَ، إذْ هو العامِلُ في الحالِ، وهي في هَذا الوَجْهِ حالٌ لازِمَةٌ، لِأنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ وصْفٌ ثابِتٌ لِلَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنهُ، أيْ: مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] انْتَهى. ولَيْسَ مِنَ الحالِ المُؤَكِّدَةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ مِن بابِ: ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٥] ولا مِن بابِ: أنا عَبْدُ اللَّهِ شُجاعًا. فَلَيْسَ ”قائِمًا بِالقِسْطِ“ (p-٤٠٤)بِمَعْنى شَهِدَ، ولَيْسَ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ في نَحْوِ: أنا عَبْدُ اللَّهِ شُجاعًا، وهو زَيْدٌ شُجاعًا. لَكِنْ في هَذا التَّخْرِيجِ قَلَقٌ في التَّرْكِيبِ، إذْ يَصِيرُ كَقَوْلِكَ: أكَلَ زَيْدٌ طَعامًا، وعائِشَةُ وفاطِمَةُ جائِعًا.
فَيَفْصِلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ بِالمَفْعُولِ، وبَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ بِالمَفْعُولِ والمَعْطُوفِ، لَكِنْ بِمَشِيئَةِ كَوْنِها كُلِّها مَعُمُولَةً لِعامِلٍ واحِدٍ، وأمّا انْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي هو: هو، فَجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ جَعَلْتُهُ حالًا مِن فاعِلِ: شَهِدَ، فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ حالًا مِن: هو، في: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لِأنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والحالُ المُؤَكِّدَةُ لا تَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ في الجُمْلَةِ الَّتِي هي زِيادَةٌ في فائِدَتِها عامِلٌ فِيها، كَقَوْلِهِ: أنا عَبْدُ اللَّهِ شُجاعًا انْتَهى. ويَعْنِي. أنَّ الحالَ المُؤَكِّدَةَ لا يَكُونُ العامِلُ فِيها النَّصْبَ شَيْئًا مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ قَبْلَها، وإنَّما يَنْتَصِبُ بِعامِلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أحَقُّ، أوْ نَحْوُهُ مُضْمَرًا بَعْدَ الجُمْلَةِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. والحالُ المُؤَكِّدَةُ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، هي الدّالَّةُ عَلى مَعْنًى مُلازِمٍ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ الحُكْمُ، أوْ شَبِيهٍ بِالمُلازِمِ، فَإنْ كانَ المُتَكَلِّمُ بِالجُمْلَةِ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ، فَيُقَدَّرُ الفِعْلُ: أُحَقُّ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، نَحْوَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ شُجاعًا، أيْ: أُحَقُّ شُجاعًا. وإنْ كانَ مُخْبِرًا عَنْ غَيْرِهِ نَحْوَ: هو زَيْدٌ شُجاعًا، فَتَقْدِيرُهُ: أُحَقُّهُ شُجاعًا. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ العامِلَ في هَذِهِ الحالِ هو الخَبَرُ بِما ضُمِّنَ مِن مَعْنى المُسَمّى، وذَهَبَ ابْنُ خَرُوفٍ إلى أنَّهُ المُبْتَدَأُ بِما ضُمِّنَ مِن مَعْنى التَّنْبِيهِ. وأمّا مَن جَعَلَهُ حالًا مِنَ الجَمِيعِ، عَلى ما ذُكِرَ، فَرُدَّ بِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ: جاءَ القَوْمُ راكِبًا، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهم. وهَذا لا تَقُولُهُ العَرَبُ. وأمّا انْتِصابُهُ عَلى المَدْحِ، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) ألَيْسَ مِن حَقِّ المُنْتَصِبِ عَلى المَدْحِ أنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً، كَقَوْلِكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمِيدِ، ”«إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ»
؎إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نُدْعى لِأبٍ
“ قُلْتُ: قَدْ جاءَ نَكِرَةً في قَوْلِ الهُذَلِيِّ:
؎ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطُلٍ ∗∗∗ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مِثْلِ السَّعالِي
(p-٤٠٥)انْتَهى سُؤالُهُ وجَوابُهُ. وفي ذَلِكَ تَخْلِيطٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المَنصُوبِ عَلى المَدْحِ، أوِ الذَّمِّ، أوِ التَّرَحُّمِ، وبَيْنَ المَنصُوبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، وجَعَلَ حُكْمَهُما واحِدًا، وأوْرَدَ مِثالًا مِنَ المَنصُوبِ عَلى المَدْحِ وهو: الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمِيدِ، ومِثالَيْنِ في المَنصُوبِ عَلى الِاخْتِصاصِ وهُما: «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» .
؎إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نُدْعى لِأبٍ
والَّذِي ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ المَنصُوبَ عَلى المَدْحِ أوِ الذَّمِّ أوِ التَّرَحُّمِ قَدْ يَكُونُ مَعْرِفَةً، وقَبْلَهُ مَعْرِفَةٌ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَها، وقَدْ لا يَصْلُحُ، وقَدْ يَكُونُ نَكِرَةً كَذَلِكَ، وقَدْ يَكُونُ نَكِرَةً وقَبْلَها مَعْرِفَةٌ، فَلا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لَها نَحْوَ قَوْلِ النّابِغَةِ:
؎أقارِعُ عَوْفٍ لا أُحاوِلُ غَيْرَها ∗∗∗ وُجُوهَ قُرُودٍ تَبْتَغِي مَن تُجادِعُ
فانْتَصَبَ: وُجُوهَ قُرُودٍ، عَلى الذَّمِّ. وقَبْلَهُ مَعْرِفَةٌ وهو قَوْلُهُ: أقارِعُ عَوْفٍ. وأمّا المَنصُوبُ عَلى الِاخْتِصاصِ فَنَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ نَكِرَةً ولا مُبْهَمًا، ولا يَكُونُ إلّا مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ، أوْ بِالإضافَةِ، أوْ بِالعَلَمِيَّةِ، أوْ بِأيٍّ، ولا يَكُونُ إلّا بَعْدَ ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ، أوْ مُشارِكٍ فِيهِ، ورُبَّما أتى بَعْدَ ضَمِيرِ مُخاطَبٍ. وأمّا انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَنفِيِّ فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَنفِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لا إلَهَ قائِمًا بِالقِسْطِ إلّا هو ؟ قُلْتُ: لا يَبْعُدُ، فَقَدْ رَأيْناهم يَتَّسِعُونَ في الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ثُمَّ قالَ: وهو أوْجَهُ مِنِ انْتِصابِهِ عَنْ فاعِلِ: شَهِدَ، وكَذَلِكَ انْتِصابُهُ عَلى المَدْحِ، انْتَهى. وكانَ قَدْ مَثَّلَ في الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: لا رَجُلَ إلّا عَبْدُ اللَّهِ شُجاعًا. ويَعْنِي أنَّ انْتِصابَ قائِمًا، عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: إلَهَ، أوْ لِكَوْنِهِ انْتَصَبَ عَلى المَدْحِ أوْجَهُ مِنِ انْتِصابِهِ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ شَهِدَ، وهو اللَّهُ.
وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَجُوزُ، لِأنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو المَعْطُوفانِ اللَّذانِ هُما: المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، ولَيْسا مَعْمُولَيْنِ مِن جُمْلَةِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ بَلْ هُما مَعْمُولانِ: لِـ ”شَهِدَ“، وهو نَظِيرُ: عَرَفَ زَيْدٌ أنَّ هِنْدًا خارِجَةٌ وعَمْرٌو وجَعْفَرٌ التَّمِيمِيَّةَ. فَيَفْصِلُ بَيْنَ هِنْدًا والتَّمِيمِيَّةَ بِأجْنَبِيٍّ لَيْسَ داخِلًا فِيما عَمِلَ فِيها، وفي خَبَرِها بِأجْنَبِيٍّ وهُما: عَمْرٌو وجَعْفَرٌ، المَرْفُوعانِ بِعَرَفَ المَعْطُوفانِ عَلى زَيْدٍ. وأمّا المِثالُ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ وهو: لا رَجُلَ إلّا عَبْدُ اللَّهِ شُجاعًا، فَلَيْسَ نَظِيرَ تَخْرِيجِهِ في الآيَةِ، لِأنَّ قَوْلَكَ: إلّا عَبْدُ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلى المَوْضِعِ مِن: لا رَجُلَ، فَهو تابِعٌ عَلى المَوْضِعِ، فَلَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ. عَلى أنَّ في جَوازِ هَذا التَّرْكِيبِ نَظَرًا، لِأنَّهُ بَدَلٌ، وشُجاعًا وصْفٌ، والقاعِدَةُ أنَّهُ: إذا اجْتَمَعَ البَدَلُ والوَصْفُ قُدِّمَ الوَصْفُ عَلى البَدَلِ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ عَلى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ، فَصارَ مِن جُمْلَةٍ أُخْرى عَلى المَذْهَبِ. وأمّا انْتِصابُهُ عَلى القَطْعِ، فَلا يَجِيءُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ أبْطَلَهُ البَصْرِيُّونَ.
والأوْلى مِن هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، والعامِلُ فِيهِ: شَهِدَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وأمّا قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: القائِمُ بِالقِسْطِ، فَرَفْعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو القائِمُ بِالقِسْطِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن: هو، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِأجْنَبِيٍّ. وهو المَعْطُوفانِ، لِأنَّهُما مَعْمُولانِ لِغَيْرِ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ، ولَوْ كانَ العامِلُ في المَعْطُوفِ هو العامِلَ في المُبْدَلِ مِنهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ أيْضًا، لِأنَّهُ إذا (p-٤٠٦)اجْتَمَعَ العَطْفُ والبَدَلُ، قُدِّمَ البَدَلُ عَلى العَطْفِ، لَوْ قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ وعائِشَةُ أخُوكَ، لَمْ يَجُزْ. إنَّما الكَلامُ: جاءَ زَيْدٌ أخُوكَ وعائِشَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإنْ قُلْتَ: لِمَ جازَ إفْرادُهُ بِنَصْبِ الحالِ دُونَ المَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، ولَوْ قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ وعُمَرُ وراكِبًا لَمْ يَجُزْ ؟ قُلْتُ: إنَّما جازَ هَذا لِعَدَمِ الإلْباسِ، كَما جازَ في قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] إنِ انْتَصَبَ نافِلَةً حالًا، عَنْ يَعْقُوبَ، ولَوْ قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ وهِنْدٌ راكِبًا، جازَ لِتَمَيُّزِهِ بِالذُّكُورَةِ انْتَهى كَلامُهُ.
وما ذَكَرَ مِن قَوْلِهِ في: جاءَنِي زَيْدٌ وعَمْرٌو راكِبًا، أنَّهُ لا يَجُوزُ لَيْسَ كَما ذَكَرَ، بَلْ هَذا جائِزٌ، لِأنَّ الحالَ قُيِّدَ فِيمَن وقَعَ مِنهُ، أوْ بِهِ الفِعْلُ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وإذا كانَ قَيْدًا فَإنَّهُ يُحْمَلُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، ويَكُونُ راكِبًا حالًا مِمّا يَلِيهِ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الحالِ والصِّفَةِ، لَوْ قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ وعَمْرٌو الطَّوِيلُ. لَكانَ: ”الطَّوِيلُ“ صِفَةً: لِعَمْرٍو، ولا تَقُولُ: لا تَجُوزُ هَذِهِ المَسْألَةُ، لِأنَّهُ يَلْبَسُ بَلْ لا لَبْسَ في هَذا، وهو جائِزٌ فَكَذَلِكَ الحالُ.
وأمّا قَوْلُهُ: في: نافِلَةً، إنَّهُ انْتَصَبَ حالًا عَنْ: يَعْقُوبَ، فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ: يَعْقُوبَ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: نافِلَةً مَصْدَرًا كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ. ومَعْناهُ: زِيادَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ شامِلًا لِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، لِأنَّهُما زِيدا لِإبْراهِيمَ بَعْدَ ابْنِهِ إسْماعِيلَ وغَيْرِهِ، إذْ كانَ إنَّما جاءَ لَهُ إسْحاقُ عَلى الكِبَرِ، وبَعْدَ أنْ عَجَزَتْ سارَّةُ وأيِسَتْ مِنَ الوِلادَةِ، وأوْلادُ إبْراهِيمَ غَيْرَ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ مَدْيانُ، ويُقالُ: مَدْيَنُ، ويُشْناقُ، وشُواحُ وهو خاضِعُ، ورَمْرانُ وهو مَحْدانُ، ومَدْنُ، ويَقْشانُ، وهو مُصْعَبُ، فَهَؤُلاءِ ولَدُ إبْراهِيمَ لِصُلْبِهِ. والعَقِبُ الباقِي مِنهم لِإسْماعِيلَ وإسْحاقَ لا غَيْرُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما المُرادُ بِأُولِي العِلْمِ، الَّذِينَ عَظَّمَهم هَذا التَّعْظِيمَ حَيْثُ جَمَعَهم مَعَهُ، ومَعَ المَلائِكَةِ في الشَّهادَةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وعَدْلِهِ ؟ قُلْتُ: هُمُ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ وحْدانِيَّتَهُ وعَدْلَهُ بِالحُجَجِ القاطِعَةِ، والبَراهِينِ السّاطِعَةِ، وهم عُلَماءُ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، انْتَهى.
ويَعْنِي بِعُلَماءِ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ المُعْتَزِلَةَ، وهم يُسَمُّونَ أنْفُسَهم بِهَذا الِاسْمِ كَما أنْشَدَنا شَيْخُنا الإمامُ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ المُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْياطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقِراءَتِي عَلَيْهِ. قالَ: أنْشَدَنا الصّاحِبُ أبُو حامِدٍ عَبْدُ الحُمَيْدِ بْنُ هِبَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي الحَدِيدِ المُعْتَزِلِيُّ بِبَغْدادَ لِنَفْسِهِ:
؎لَوْلا ثَلاثٌ لَمْ أُخْفِ صُرْعَتِي ∗∗∗ لَيْسَتْ كَما قالَ فَتى العَبْدِ
؎أنْ أنْصُرَ التَّوْحِيدَ والعَدْلَ في ∗∗∗ كُلِّ مَقامٍ باذِلًا جُهْدِي
؎وأنْ أُناجِيَ اللَّهَ مُسْتَمْتِعًا ∗∗∗ بِخَلْوَةٍ أحْلى مِنَ الشَّهْدِ
؎وإنَّ أتْيَهُ الدَّهْرَ كِبْرًا عَلى ∗∗∗ كُلِّ لَئِيمٍ أصْعَرِ الخَدِّ
؎لِذاكَ أهْوى لا فَتاةَ ولا ∗∗∗ خَمْرَ ولا ذِي مَيْعَةٍ نَهْدِ
﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ كُرِّرَ التَّهْلِيلُ تَوْكِيدًا وقِيلَ: الأوَّلُ شَهادَةُ اللَّهِ، والثّانِي شَهادَةُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى قَطْعِ المَلائِكَةِ عَنِ العَطْفِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى إضْمارِ فِعْلٍ رافِعٍ، أوْ عَلى جَعْلِهِمْ مُبْتَدَأً، وعَلى الفَصْلِ بَيْنَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ وبَيْنَ التَّهْلِيلِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ وقِيلَ: الأوَّلُ جارٍ مَجْرى الشَّهادَةِ والثّانِي جارٍ مَجْرى الحُكْمِ. وقِيلَ: هَذا الكَلامُ يَنْطَوِي عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ، وهَذا هو نَتِيجَتُهُما، فَكَأنَّهُ قالَ: شَهِدَ اللَّهُ والمَلائِكَةُ، وأُولُو العِلْمِ، وما شَهِدُوا بِهِ حَقٌّ، فَلا إلَهَ إلّا هو حَقٌّ، فَحَذَفَ إحْدى المُقَدِّمَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وهَذا التَّقْدِيرُ كُلُّهُ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّما كَرَّرَ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾؛ لِأنَّ صِفاتِ التَّنْزِيهِ أشْرَفُ مِن صِفاتِ التَّمْجِيدِ؛ لِأنَّ أكْثَرَها مُشارِكٌ في ألْفاظِها العَبِيدُ، فَيَصِحُّ وصْفُهم بِها، وكَذَلِكَ ورَدَتْ ألْفاظُ التَّنْزِيهِ في حَقِّهِ أكْثَرَ، وأبْلَغُ ما وُصِفَ بِهِ مِنَ التَّنْزِيهِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَتَكْرِيرُهُ هُنا لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِكَوْنِ الثّانِي قَطْعًا لِلْحُكْمِ، كَقَوْلِكَ: (p-٤٠٧)أشْهَدُ أنْ زَيْدًا خارِجٌ، وهو خارِجٌ. والثّانِي: لِئَلّا يَسْبِقَ بِذِكْرِ العَزِيزِ الحَكِيمِ إلى قَلْبِ السّامِعِ تَشْبِيهٌ، إذْ قَدْ يُوصَفُ بِهِما المَخْلُوقُ، انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَتانِ مُقَرِّرَتانِ لِما وصَفَ بِهِ ذاتَهُ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ، والعَدْلِ، يَعْنِي: أنَّهُ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالِبُهُ إلَهٌ آخَرُ، الحَكِيمُ الَّذِي لا يَعْدِلُ عَنِ العَدْلِ في أفْعالِهِ. انْتَهى.
وهُوَ تَحْوِيمٌ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ. وارْتَفَعَ: العَزِيزُ، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو العَزِيزُ، عَلى الِاسْتِئْنافِ. قِيلَ: ولَيْسَ بِوَصْفٍ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يُوصَفُ، ولَيْسَ هَذا بِالجَمْعِ عَلَيْهِ، بَلْ ذَهَبَ الكِسائِيُّ إلى أنَّ ضَمِيرَ الغائِبِ كَهَذا يُوصَفُ.
وجَوَّزُوا في إعْرابِ: العَزِيزُ، أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن: هو. ورُوِيَ في حَدِيثٍ عَنِ الأعْمَشِ، أنَّهُ قامَ يَتَهَجَّدُ، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: وأنا أشْهَدُ بِما شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهادَةَ، وهي لِي عِنْدَ اللَّهِ ودِيعَةٌ، إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ قالَها مِرارًا، فَسُئِلَ، فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُو وائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُجاءُ بِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ، وأنا أحَقُّ مَن وفى، أدْخِلُوا عَبْدِي الجَنَّةَ» .
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ: العَزِيزُ، إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، والحَكِيمُ: إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، وهُما الصِّفَتانِ اللَّتانِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الإلَهِيَّةِ إلّا مَعَهُما؛ لِأنَّ كَوْنَهُ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِمَقادِيرِ الحاجاتِ، فَكانَ قادِرًا عَلى تَحْصِيلِ المُهِمّاتِ، وقُدِّمَ العَزِيزُ في الذِّكْرِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا، مُتَقَدِّمٌ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا في طَرِيقِ المَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلالِيَّةِ، وهَذا الخِطابُ مَعَ المُسْتَدِلِّ انْتَهى كَلامُهُ.
آل عمران 3:19
﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ أيِ: المِلَّةُ والشَّرْعُ، والمَعْنى: إنَّ الدِّينَ المَقْبُولَ أوِ النّافِعَ أوِ المُقَرَّرَ. قَرَأ الجُمْهُورُ: إنَّ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكِسائِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ: أنَّ، بِالفَتْحِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: شَهِدَ اللَّهُ إنَّهُ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةٌ هَذا التَّوْكِيدِ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنَّ قَوْلَهُ: لا إلَهَ إلّا هو: تَوْحِيدٌ، وقَوْلَهُ: قائِمًا بِالقِسْطِ، تَعْدِيلٌ، فَإذا أرْدَفَهُ قَوْلُهُ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، فَقَدْ أذِنَ أنَّ الإسْلامَ هو العَدْلُ والتَّوْحِيدُ، وهو الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ، وما عَداهُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وفِيهِ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى تَشْبِيهٍ، أوْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، كَإجازَةِ الرُّؤْيَةِ، أوْ ذَهَبَ إلى الجَبْرِ الَّذِي هو مَحْضُ الجَوْرِ، لَمْ يَكُنْ عَلى دِينٍ لِلَّهِ الَّذِي هو الإسْلامُ، وهَذا بَيِّنٌ جَلِيٌّ كَما تَرى، انْتَهى كَلامُهُ. وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ مِن إنْكارِ الرُّؤْيَةِ، وقَوْلُهم: إنَّ أفْعالَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ لا لِلَّهِ تَعالى. وأمّا قِراءَةُ الكِسائِيِّ ومَن وافَقَهُ في نَصْبِ: أنَّهُ، وأنَّ، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِن بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ (p-٤٠٨)الشَّيْءِ وهو هو، ألا تَرى أنَّ الدِّينَ الَّذِي هو الإسْلامُ يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ والعَدْلَ، وهو هو في المَعْنى ؟ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَشْتَمِلُ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ.
وقالَ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ القِسْطِ، لِأنَّ الدِّينَ الَّذِي هو الإسْلامُ قِسْطٌ وعَدْلٌ، فَيَكُونُ أيْضًا مِن بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ. انْتَهَتْ تَخْرِيجاتُ أبِي عَلِيٍّ، وهو مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ يَشْتَمِلُ كَلامُهُ عَلى لَفْظِ المُعْتَزِلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ، وعَلى البَدَلِ مِن أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، خَرَّجَهُ غَيْرُهُ أيْضًا ولَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَرْكِيبٍ بَعِيدٍ أنْ يَأْتِيَ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ، وهو: عَرَفَ زَيْدٌ أنَّهُ لا شُجاعَ إلّا هو، وبَنُو تَمِيمٍ، وبَنُو دارِمٍ مُلاقِيًا لِلْحُرُوبِ لا شُجاعَ إلّا هو البَطَلُ المُحامِي، إنَّ الخَصْلَةَ الحَمِيدَةَ هي البَسالَةُ. وتَقْرِيبُ هَذا المِثالِ: ضَرَبَ زَيْدٌ عائِشَةَ، والعُمَرانِ حَنَقا أُخْتَكَ. فَحَنَقا: حالٌ مِن زَيْدٍ، وأُخْتَكَ: بَدَلٌ مِن عائِشَةَ، فَفَصَلَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِالعَطْفِ، وهو لا يَجُوزُ. وبِالحالِ لِغَيْرِ المُبْدَلِ مِنهُ، وهو لا يَجُوزُ، لِأنَّهُ فَصْلٌ بِأجْنَبِيٍّ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ. وخَرَّجَها الطَّبَرِيُّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ، التَّقْدِيرُ: وأنَّ الدِّينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ ضَعْفِهِ، ووَجْهُ ضَعْفِهِ أنَّهُ مُتَنافِرُ التَّرْكِيبِ مَعَ إضْمارِ حَرْفِ العَطْفِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ (p-٤٠٩)المَرْفُوعَيْنِ بِالمَنصُوبِ المَفْعُولِ، وبَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ المَنصُوبَيْنِ بِالمَرْفُوعِ المُشارِكِ الفاعِلَ في الفاعِلِيَّةِ، وبِجُمْلَتَيِ الِاعْتِراضِ، وصارَ في التَّرْكِيبِ دُونَ مُراعاةِ الفَصْلِ، نَحْوَ: أكَلَ زَيْدٌ خُبْزًا وعَمْرٌو وسَمَكًا. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أكَلَ زَيْدٌ وعَمْرٌو خُبْزًا وسَمَكًا. فَإنْ فَصَلْنا بَيْنَ قَوْلِكَ: وعَمْرٌوَ، وبَيْنَ قَوْلِكَ: وسَمَكًا، يَحْصُلُ شَنَعِ التَّرْكِيبِ، وإضْمارُ حَرْفِ العَطْفِ لا يَجُوزُ عَلى الأصَحِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَتا مَفْتُوحَتَيْنِ عَلى أنَّ الثّانِيَ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، والبَدَلُ هو المُبْدَلُ مِنهُ في المَعْنى، فَكانَ بَيانًا صَرِيحًا، لِأنَّ دِينَ الإسْلامِ هو التَّوْحِيدُ والعَدْلُ انْتَهى. وهَذا نَقْلُ كَلامِ أبِي عَلِيٍّ دُونَ اسْتِيفاءٍ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ؛ هو مَعْمُولُ شَهِدَ، ويَكُونُ في الكَلامِ اعْتِراضانِ: أحَدُهُما بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ وهو ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] والثّانِي: بَيْنَ المَعْطُوفِ والحالِ، وبَيْنَ المَفْعُولِ لِـ ”شَهِدَ“ وهو ﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] وإذا أعْرَبْنا: العَزِيزُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كانَ ذَلِكَ ثَلاثَ اعْتِراضاتٍ، فانْظُرْ إلى هَذِهِ التَّوْجِيهاتِ البَعِيدَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَأْتِيَ لَها بِنَظِيرٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما حُمِّلَ عَلى ذَلِكَ العُجْمَةُ، وعَدَمُ الإمْعانِ في تَراكِيبِ كَلامِ العَرَبِ، وحِفْظِ أشْعارِها.
وكَما أشَرْنا إلَيْهِ في خُطْبَةِ هَذا الكِتابِ: أنَّهُ لا يَكْفِي النَّحْوُ وحْدَهُ في عِلْمِ الفَصِيحِ مِن كَلامِ العَرَبِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى كَلامِ العَرَبِ، والتَّطَبُّعِ بِطِباعِها، والِاسْتِكْثارِ مِن ذَلِكَ، والَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ قِراءَةُ: أنَّ الدِّينَ، بِالفَتْحِ هو أنْ يَكُونَ الكَلامُ في مَوْضِعِ المَعْمُولِ: لِلْحَكِيمِ، عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنَّ، لِأنَّ الحَكِيمَ فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ: كالعَلِيمِ والسَّمِيعِ والخَبِيرِ، كَما قالَ تَعالى ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] وقالَ ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] والتَّقْدِيرُ: لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحاكِمُ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ. ولَمّا شَهِدَ تَعالى لِنَفْسِهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، وشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ، حُكِمَ أنَّ الدِّينَ المَقْبُولَ عِنْدَ اللَّهِ هو الإسْلامُ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَعْدِلَ عَنْهُ، ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] وعَدَلَ عَنْ صِيغَةِ الحاكِمِ إلى الحَكِيمِ لِأجْلِ المُبالَغَةِ، ولِمُناسَبَةِ العَزِيزِ، ومَعْنى المُبالَغَةِ تَكْرارُ حُكْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّرائِعِ إنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ هو الإسْلامُ، إذْ حَكَمَ في كُلِّ شَرِيعَةٍ بِذَلِكَ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ حَمَلْتَ الحَكِيمَ عَلى أنَّهُ مُحَوَّلٌ مِن فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وهَلّا جَعَلْتَهُ فَعَيْلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ، فَيَكُونَ مَعْناهُ المُحْكِمَ، كَما قالُوا في ألِيمٍ: إنَّهُ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ، وفي سَمِيعٍ مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ
أيِ المُسْمِعِ ؟
فالجَوابُ: إنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ فَعِيلًا يَأْتِي بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وقَدْ يُؤَوَّلُ ألِيمٌ وسَمِيعٌ، عَلى غَيْرِ مُفْعِلٍ، ولَئِنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَهو مِنَ النُّدُورِ (p-٤١٠)والشُّذُوذِ والقِلَّةِ بِحَيْثُ لا يَنْقاسُ، وأمّا فَعِيلٌ المُحَوَّلُ مِن فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ فَهو مُنْقاسٌ كَثِيرٌ جِدًّا، خارِجٌ عَنِ الحَصْرِ: كَعَلِيمٍ، وسَمِيعٍ، وقَدِيرٍ، وخَبِيرٍ، وحَفِيظٍ، في ألْفاظٍ لا تُحْصى، وأيْضًا فَإنَّ العَرَبِيَّ القُحَّ الباقِيَ عَلى سَلِيقَتِهِ لَمْ يَفْهَمْ مِن حَكِيمٍ إلّا أنَّهُ مُحَوَّلٌ لِلْمُبالَغَةِ مِن حاكِمٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْكَرَ أنْ تَكُونَ فاصِلَةُ هَذا التَّرْكِيبِ السّابِقِ: واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَقِيلَ لَهُ التِّلاوَةُ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] فَقالَ: هَكَذا يَكُونُ عَزَّ فَحَكَمَ، فَفَهِمَ مِن حَكِيمٍ أنَّهُ مُحَوَّلٌ لِلْمُبالَغَةِ مِن حاكِمٍ، وفَهِمَ هَذا العَرَبِيُّ حُجَّةً قاطِعَةً بِما قُلْناهُ، وهَذا تَخْرِيجٌ سَهْلٌ سائِغٌ جِدًّا، يُزِيلُ تِلْكَ التَّكَلُّفاتِ والتَّرْكِيباتِ العُقْدَةِ الَّتِي يُنَزَّهُ كِتابُ اللَّهِ عَنْها. وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ فَكَذَلِكَ نَقُولُ: ولا نَجْعَلُ أنَّ الدِّينَ مَعْمُولًا: لَـ ”شَهِدَ“، كَما فَهِمُوا، وأنَّ: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، اعْتِراضٌ، وأنَّهُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والحالِ وبَيْنَ: أنَّ الدِّينَ، اعْتِراضٌ آخَرُ، أوِ اعْتِراضانِ، بَلْ نَقُولُ: مَعْمُولُ شَهِدَ، إنَّهُ بِالكَسْرِ عَلى تَخْرِيجِ مَن خَرَّجَ أنَّ ”شَهِدَ“، لَمّا كانَ بِمَعْنى القَوْلِ كُسِرَ ما بَعْدَها إجْراءً لَها مَجْرى القَوْلِ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ مَعْمُولُها، وعُلِّقَتْ: ولَمْ تَدْخُلِ اللّامُ في الخَبَرِ لِأنَّهُ مَنفِيٌّ بِخِلافٍ أنْ لَوْ كانَ مُثْبَتًا، فَإنَّكَ تَقُولُ: شَهِدْتُ إنَّ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ، فَيُعَلَّقُ بِإنَّ مَعَ وُجُودِ اللّامِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ اللّامُ لَفُتِحَتْ إنَّ فَقُلْتَ: شَهِدْتُ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ، فَمَن قَرَأ بِفَتْحِ: أنَّهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَنْوِ التَّعْلِيقَ، ومَن كَسَرَ فَإنَّهُ نَوى التَّعْلِيقَ. ولَمْ تَدْخُلِ اللّامُ في الخَبَرِ لِأنَّهُ مَنفِيٌّ كَما ذَكَرْنا.
والإسْلامُ هُنا الإيمانُ والطّاعاتُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ، وعَبَّرَ عَنْهُ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالإيمانِ ومُرادُهُما أنَّهُ مَعَ الأعْمالِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، أنَّ هَذا كَلامٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ، أدْخَلَهُ بَعْضُ مَن يَنْقُلُ الحَدِيثَ في القِراءاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الإسْلامِ والإيمانِ: أهُما شَيْءٌ واحِدٌ أمْ هُما مُخْتَلِفانِ ؟ والفَرْقُ ظاهِرٌ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ.
﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيِ: اليَهُودُ والنَّصارى، أوْ هُما والمَجُوسُ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ: فَعَلى أنَّهُمُ اليَهُودُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في التَّوْراةِ. قالَ: لَمّا حَضَرَتْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الوَفاةُ، اسْتَوْدَعَ سَبْعِينَ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ التَّوْراةَ عِنْدَ كُلِّ حَبْرٍ جُزْءٌ، واسْتَخْلَفَ يُوشَعُ، فَلَمّا مَضى ثَلاثَةُ قُرُونٍ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهم. وقِيلَ: الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في نُبُوَّةِ نَبِيِّنا ﷺ فَقالَ بَعْضُهم: بُعِثَ إلى العَرَبِ خاصَّةً، وقالَ بَعْضُهم: لَيْسَ بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ لِأنَّ ذَلِكَ حُقِّقَ في بَنِي إسْحاقَ. وعَلى أنَّهُمُ النَّصارى، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فالَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ: (p-٤١١)دِينُهم، أوْ أمْرُ عِيسى، أوْ دِينُ الإسْلامِ. ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، واخْتَلَفُوا أنَّهم تَرَكُوا الإسْلامَ وهو التَّوْحِيدُ، والعَدْلُ مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، فَثَلَّثَتِ النَّصارى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] وقالُوا: كُنّا أحَقَّ بِأنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ فِينا مِن قُرَيْشٍ لِأنَّهم أُمِّيُّونَ، ونَحْنُ أهْلُ كِتابٍ، وهَذا تَجْوِيرٌ لِلَّهِ تَعالى انْتَهى. ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: اخْتِلافُهم في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ آمَنَ بِهِ بَعْضٌ وكَفَرَ بَعْضٌ، وقِيلَ: اخْتِلافُهم في الإيمانِ بِالأنْبِياءِ فَمِنهم مَن آمَنَ بِمُوسى، ومِنهم مَن آمَنَ بِعِيسى انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ وأنَّ المُخْتَلَفَ فِيهِ هو الإسْلامُ، لِأنَّهُ تَعالى قَرَّرَ أنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: في الإسْلامِ حَتّى تُنَكِّبُوهُ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ.
﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ الَّذِي هو سَبَبٌ لِاتِّباعِ الإسْلامِ، والِاتِّفاقِ عَلى اعْتِقادِهِ، والعَمَلِ بِهِ، لَكِنْ عَمُوا عَنْ طَرِيقِ العِلْمِ وسُلُوكِهِ بِالبَغْيِ الواقِعِ بَيْنَهم مِنَ الحَسَدِ، والِاسْتِئْثارِ بِالرِّياسَةِ، وذَهابِ كُلٍّ مِنهم مَذْهَبًا يُخالِفُ الإسْلامَ حَتّى يَصِيرَ رَأْسًا يُتْبَعُ فِيهِ؛ فَكانُوا مِمَّنْ ضَلَّ عَلى عِلْمٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُشْبِهُ هَذا مِن قَوْلِهِ ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وإعْرابُ: بَغْيًا، فَإنَّهُ أتى بَعْدَ إلّا شَيْئانِ ظاهِرَهُما أنَّهُما مُسْتَثْنَيانِ، وتَخْرِيجُ ذَلِكَ: فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ هَذا عامٌّ في كُلِّ كافِرٍ بِآياتِ اللَّهِ، فَلا يُخَصُّ بِالمُخْتَلِفِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وإنْ جاءَتِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ. وآياتُهُ هُنا قِيلَ: حُجَجُهُ، وقِيلَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ وما فِيهِما مِن وصْفِ نَبِيِّنا ﷺ . وقِيلَ: القُرْآنُ، وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أيْ: مِنَ المُخْتَلِفِينَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: سَرِيعُ الحِسابِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ والعائِدِ مِنها عَلى اسْمِ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: سَرِيعُ الحِسابِ لَهُ.
آل عمران 3:20
﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ الضَّمِيرُ في: حاجُّوكَ، الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٩] وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَعُودُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى نَصارى نَجْرانَ، قَدِمُوا المَدِينَةَ لِلْمُحاجَّةِ. وظاهِرُ المِحاجِّ فِيهِ أنَّهُ دِينُ الإسْلامِ؛ لِأنَّهُ السّابِقُ. وجَوابُ الشَّرْطِ هو: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ والمَعْنى: انْقَدْتُ وأطَعْتُ وخَضَعْتُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنْ جَمِيعِ ذاتِهِ، لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ الأعْضاءِ، وإذا خَضَعَ الوَجْهُ فَما سِواهُ أخْضَعُ وقالَ المَرْوَزِيُّ، وسَبَقَهُ الفَرّاءُ إلى مَعْناهُ: مَعْنى أسْلَمْتُ وجْهِيَ، أيْ: دِينِيَ؛ لِأنَّ الإيمانَ كالوَجْهِ بَيْنَ الأعْمالِ إذْ هو الأصْلُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أقْوالٌ: أقُولُ لَكم، كَما قالَ ابْنُ نُعَيْمٍ: وقَدْ أجْمَعْتُمْ عَلى أنَّهُ مُحِقٌّ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأسْلَمْتُ وجْهِيَ، أيْ: أخْلَصْتُ نَفْسِيَ وعَمَلِيَ لِلَّهِ وحْدَهُ، لَمْ أجْعَلْ لَهُ شَرِيكًا بِأنْ أعْبُدَهُ وأدْعُوَ إلَهًا مَعَهُ، يَعْنِي أنَّ دِينِي التَّوْحِيدُ، وهو الدِّينُ القَدِيمُ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَكم صِحَّتُهُ، كَما ثَبَتَ عِنْدِي. وما جِئْتُ بِشَيْءٍ بَدِيعٍ حَتّى تُجادِلُونِي فِيهِ، ونَحْوِهِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآيَةَ، فَهو دَفْعٌ لِلْمُجادَلَةِ انْتَهى.
وفِي تَفْسِيرِهِ أطْلَقَ الوَجْهَ عَلى النَّفْسِ والعَمَلِ مَعًا، إلّا إنْ كانَ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى لا تَفْسِيرَ اللَّفْظِ، فَيَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ. وقالَ الرّازِيُّ: في كَيْفِيَّةِ إيرادِ هَذا الكَلامِ طَرِيقانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ إعْراضٌ عَنِ المُحاجَّةِ، إذْ قَدْ أظْهَرَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى صِدْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وذَلِكَ بِإظْهارِ بِالمُعْجِزاتِ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِ، وقَدْ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى في إلَهِيَّةِ عِيسى، وبِقَوْلِهِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٣] عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وذَكَرَ شُبَهَ القَوْمِ وأجابَ عَنْها، وذَكَرَ مُعْجِزاتٍ أُخْرى، وهي ما شاهَدُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وبَيْنَ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ: شَهِدَ اللَّهُ. والطَّرِيقُ الثّانِي: أنَّهُ إظْهارٌ لِلدَّلِيلِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِالصّانِعِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ (p-٤١٢)فَكَأنَّهُ قالَ: أنا مُتَمَسِّكٌ بِهَذا القَدْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، والخُلْفُ فِيما وراءَهُ، وعَلى المُدَّعِي الإثْباتُ. وأيْضًا كانُوا مُعَظِّمِينَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ كانَ مُحِقًّا، وقَدْ أُمِرَ أنْ يَتْبَعَ مِلَّتَهُ، وهُنا أُمِرَ أنْ يَقُولَ كَقَوْلِهِ، فَيَكُونُ هَذا مِن بابِ الإلْزامِ، أيْ: أنا مُتَمَسِّكٌ بِطَرِيقِ مَن هو عِنْدَكم مُحِقٌّ، وهَذا قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وأيْضًا لِما تَقَدَّمَ أنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ، قِيلَ لَهُ: إنْ نازَعُوكَ فَقُلِ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنِّي أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ، فَهَذا تَمامُ الوَفاءِ بِلُزُومِ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فَصَحَّ أنَّ الدِّينَ الكامِلَ الإسْلامُ، وأيْضًا فالآيَةُ مُناسِبَةٌ لِقَوْلِإبْراهِيمَ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] أيْ: لا تَجُوزُ العِبادَةُ إلّا لِمَن يَكُونُ نافِعًا وضارًّا وقادِرًا عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ، وعِيسى لَيْسَ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ انْتَهى ما لُخِّصَ مِن كَلامِ الرّازِيِّ. ولَيْسَ أواخِرُ كَلامِهِ بِظاهِرَةٍ مِن مُرادِ الآيَةِ ومَدْلُولِها. وفَتَحَ الياءَ مِن ”وجْهِيَ“ هُنا، وفي الأنْعامِ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وسَكَّنَها الباقُونَ.
﴿ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ قِيلَ: مَن، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ. ومَعْناهُ: جَعَلْتُ مَقْصِدِي بِالإيمانِ بِهِ، والطّاعَةِ لَهُ، ولِمَنِ اتَّبَعَنِي بِالحِفْظِ لَهُ، والتَّحَفِّي بِتَعَلُّمِهِ وصِحَّتِهِ. فَأمّا الرَّفْعُ فَعَطْفًا عَلى الفاعِلِ في أسْلَمْتُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ قالَ: وحَسَنٌ لِلْفاصِلِ، يَعْنِي أنَّهُ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المَرْفُوعِ إلّا في الشِّعْرِ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ. إلّا أنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الضَّمِيرِ والمَعْطُوفِ، فَيَحْسُنُ. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا، وبَدَأ بِهِ. ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ إذا عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ في نَحْوِ: أكَلْتُ رَغِيفًا وزَيْدٌ، لَزِمَ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونا شَرِيكَيْنِ في أكْلِ الرَّغِيفِ، وهُنا لا يُسَوَّغُ ذَلِكَ، لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى أنَّهم أسْلَمُوا هم وهو ﷺ وجْهَهُ لِلَّهِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّهُ ﷺ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، وهم أسْلَمُوا وُجُوهَهم لِلَّهِ، فالَّذِي يَقْوى في الإعْرابِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ مِنهُ المَفْعُولُ، لا مُشارِكَ في مَفْعُولِ: أسْلَمْتُ، التَّقْدِيرُ: ومَنِ اتَّبَعْنِي وجْهَهُ. أوْ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، ومَنِ اتَّبَعَنِي كَذَلِكَ، أيْ: أسْلَمُوا وُجُوهَهم لِلَّهِ، كَما تَقُولُ: قَضى زَيْدٌ نَحْبَهُ وعَمْرٌو، أيْ: وعَمْرٌو كَذَلِكَ. أيْ: قَضى نَحْبَهُ. ومِنَ الجِهَةِ الَّتِي امْتَنَعَ عَطْفُ ”ومَن“، عَلى الضَّمِيرِ، إذا حَمَلَ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ يَمْتَنِعُ كَوْنُ مَن، مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: أكَلْتُ رَغِيفًا وعَمْرًا، أيْ: مَعَ عَمْرٍو، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مُشارِكٌ لَكَ في أكْلِ الرَّغِيفِ، وقَدْ أجازَ هَذا الوَجْهَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو لا يَجُوزُ لِما ذَكَرْنا عَلى كُلِّ حالٍ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ تَأْوِيلُ حَذْفِ المَفْعُولِ مَعَ كَوْنِ الواوِ واوَ المَعِيَّةِ. وأثْبَتَ ياءَ اتَّبَعَنِي في الوَصْلِ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَذْفَها الباقُونَ، وحَذْفُها أحْسَنُ لِمُوافَقَةِ خَطِّ المُصْحَفِ، ولِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ كَقَوْلِهِ: أكْرَمَنِ وأهانَنِ، فَتُشْبِهُ قَوافِيَ الشَّعْرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادُ البِلا دِ مِن حَذَرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنِ
(p-٤١٣)﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هُمُ: اليَهُودُ والنَّصارى بِاتِّفاقٍ ﴿والأُمِّيِّينَ﴾ هم مُشْرِكُو العَرَبِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ كُلُّ مَن لا كِتابَ لَهُ.
﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ تَقْدِيرٌ في ضِمْنِهِ الأمْرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: تَهْديِدٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أحْسَنُ، لِأنَّ المَعْنى: أأسْلَمْتُمْ لَهُ أمْ لا ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّهُ قَدْ أتاكم مِنَ البَيِّناتِ ما يُوجِبُ الإسْلامَ، ويَقْتَضِي حُصُولَهُ لا مَحالَةَ، فَهَلْ أسْلَمْتُمْ أمْ أنْتُمْ عَلى كُفْرِكم ؟ وهَذا كَقَوْلِكم لِمَن لَخَّصْتَ لَهُ المَسْألَةَ، ولَمْ تُبْقِ مِن طُرُقِ البَيانِ والكَشْفِ طَرِيقًا إلّا سَلَكْتَهُ، هَلْ فَهِمْتَها لا أُمَّ لَكَ ؟ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] بَعْدَما ذَكَرَ الصَّوارِفَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ اسْتِقْصارٌ وتَغْيِيرٌ بِالمُعانَدَةِ وقِلَّةِ الإنْصافِ؛ لِأنَّ المُنْصِفَ إذا تَجَلَّتْ لَهُ الحُجَّةُ، ولَمْ يَتَوَقَّفْ إذْعانُهُ لِلْحَقِّ، ولِلْمُعانِدِ بَعْدَ تَجَلِّي الحُجَّةِ، ما يَضْرِبُ أسَدادًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الإذْعانِ، وكَذَلِكَ في: هَلْ فَهِمْتَها ؟ تَوْبِيخٌ بِالبَلادَةِ وكَلَّةِ القَرِيحَةِ، وفي ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] بِالتَّقاعُدِ عَنِ الِانْتِهاءِ، والحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى تَعاطِي المَنهِيِّ عَنْهُ انْتَهى كَلامُهُ. وهو حَسَنٌ، وأكْثَرُهُ مِن بابِ الخَطابَةِ.
﴿فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أيْ: إنْ دَخَلُوا في الإسْلامِ فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ الماضِي المَصْحُوبِ بِـ ”قَدْ“ الدّالَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ مُبالَغَةً في الإخْبارِ بِوُقُوعِ الهُدى، ومِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ انْتَهى.
﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ: هم لا يَضُرُّونَكَ بِتَوَلِّيهِمْ، وما عَلَيْكَ أنْتَ إلّا تَنْبِيهُهم بِما تُبَلِّغُهُ إلَيْهِمْ مِن طَلَبِ إسْلامِهِمْ، وانْتِظامِهِمْ في عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وقِيلَ: إنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وتَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ تارِيخِ النُّزُولِ، وإذا نَظَرْتَ إلى سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وهو وُفُودُ وفْدِ نَجْرانَ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ بِقِتالٍ وغَيْرِهِ.
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ . فِيهِ: وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن تَوَلّى عَنِ الإسْلامِ، ووَعْدٌ بِالخَيْرِ لِمَن أسْلَمَ؛ إذْ مَعْناهُ: إنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِ عَبِيدِهِ فَيُجازِيهِمْ بِما تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ.
آل عمران 3:21
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ الآيَةَ: هي في اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُ، وصَفَ مَن تَوَلّى عَنِ الإسْلامِ، وكَفَرَ بِثَلاثِ صِفاتٍ: إحْداها: كُفْرُهُ بِآياتِ اللَّهِ وهم مُقِرُّونَ بِالصّانِعِ، جَعَلَ كُفْرَهم بِبَعْضٍ مِثْلَ كُفْرِهِمْ بِالجَمِيعِ، أوْ يَجْعَلُ بِآياتِ اللَّهِ مَخْصُوصًا بِما يَسْبِقُ إلَيْهِ الفَهْمُ مِنَ القُرْآنِ والرَّسُولِ ﷺ . الثّانِيَةُ: قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ قَتْلِهِمْ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] والألِفُ واللّامُ في: النَّبِيِّينَ، لِلْعَهْدِ. والثّالِثَةُ: قَتْلُ مَن أمَرَ بِالعَدْلِ. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ؛ بُدِئَ فِيها بِالأعْظَمِ فالأعْظَمِ، وبِما هو سَبَبٌ لِلْآخَرِ فَأوَّلُها: الكُفْرُ بِآياتِ اللَّهِ، وهو أقْوى الأسْبابِ في عَدَمِ المُبالاةِ بِما يَقَعُ مِنَ الأفْعالِ القَبِيحَةِ. وثانِيها: قَتْلُ مَن أظْهَرَ آياتِ اللَّهِ واسْتَدَلَّ بِها.
والثّالِثُ: قَتْلُ أتْباعِهِمْ مِمَّنْ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ. وهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ وعِيدًا لِمَن كانَ في زَمانِهِ ﷺ ولِذَلِكَ جاءَتِ الصِّلَةُ بِالمُسْتَقْبَلِ، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ ”إنَّ“ لِأنَّ المَوْصُولَ ضُمِّنَ مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ، ولَمّا كانُوا عَلى طَرِيقَةِ أسْلافِهِمْ في ذَلِكَ، نُسِبَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ ولِأنَّهم أرادُوا قَتْلَهُ ﷺ فَقَتْلَ أتْباعِهِ، فَأطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجازًا أيْ: مِن شَأْنِهِمْ وإرادَتِهِمْ ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفاءُ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ، وتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حِكايَةً عَنْ حالِ آبائِهِمْ وما فَعَلُوهُ في غابِرِ الدَّهْرِ مِن هَذِهِ الأوْصافِ القَبِيحَةِ، ويَكُونَ في ذَلِكَ إرْذالٌ لِمَنِ انْتَصَبَ لِعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ هم سالِكُونَ في ذَلِكَ طَرِيقَةَ آبائِهِمْ. والمَعْنى: إنَّ آباءَكُمُ الَّذِينَ أنْتُمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِدِينِهِمْ كانُوا عَلى الحالَةِ الَّتِي أنْتُمْ عالِمُونَ بِها مِنَ الِاتِّصافِ بِهَذِهِ الأوْصافِ، فَيَنْبَغِي لَكم أنْ تَسْلُكُوا غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى حَقٍّ. فَذَكَرَ تَقْبِيحَ الأوْصافِ، والتَّوَعُّدَ عَلَيْها بِالعِقابِ، مِمّا يُنَفِّرُ عَنْها، ويَحْمِلُ عَلى التَّحَلِّي بِنَقائِضِها مِنَ الإيمانِ بِآياتِ اللَّهِ، وإجْلالِ رُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ.
وقَرَأ الحَسَنُ: ويُقَتِّلُونَ النَّبِيِّينَ، بِالتَّشْدِيدِ، والتَّشْدِيدُ هُنا لِلتَّكْثِيرِ بِحَسْبِ المَحَلِّ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وجَماعَةٌ (p-٤١٤)مِن غَيْرِ السَّبْعَةِ: ويُقاتِلُونَ الثّانِيَ. وقَرَأها الأعْمَشُ: وقاتَلُوا الَّذِينَ، وكَذا هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ، ومَن غايَرَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ فَمَعْناهُ واضِحٌ إذا لَمْ يَذْكُرْ أحَدَهُما عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ومَن حَذَفَ اكْتَفى بِذِكْرِ فِعْلٍ واحِدٍ لِاشْتِراكِهِمْ في القَتْلِ، ومَن كَرَّرَ الفِعْلَ فَذَلِكَ عَلى سَبِيلِ عَطْفِ الجُمَلِ وإبْرازِ كُلِّ جُمْلَةٍ في صُورَةِ التَّشْنِيعِ والتَّفْظِيعِ؛ لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، أوْ لِاخْتِلافِ تَرَتُّبِ العَذابِ بِالنِّسْبَةِ عَلى مَن وقَعَ بِهِ الفِعْلُ، فَقَتْلُ الأنْبِياءِ أعْظَمُ مِن قَتْلِ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ الأنْبِياءِ؛ فَجُعِلَ القَتْلُ بِسَبَبِ اخْتِلافِ مَرْتَبَتِهِ كَأنَّهُما فِعْلانِ مُخْتَلِفانِ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِأحَدِ القَتْلَيْنِ تَفْوِيتُ الرُّوحِ، وبِالآخَرِ الإهانَةُ وإماتَةُ الذِّكْرِ، فَيَكُونانِ إذْ ذاكَ مُخْتَلِفَيْنِ. وجاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ، وفي البَقَرَةِ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ هُنا أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، وهو عامٌّ لا يَتَخَصَّصُ، فَناسَبَ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ حَتّى يَكُونَ عامًّا، وفي البَقَرَةِ جاءَ ذَلِكَ في صُورَةِ الخَبَرِ عَنْ ناسٍ مَعْهُودِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] فَناسَبَ أنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ، لِأنَّ الحَقَّ الَّذِي كانَ يُسْتَباحُ بِهِ قَتْلُ الأنْفُسِ عِنْدَهم كانَ مَعْرُوفًا، كَقَوْلِهِ ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فالحَقُّ هُنا الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ الأنْفُسُ مَعْهُودٌ مَعْرُوفٌ، بِخِلافِ ما في هَذِهِ السُّورَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] هي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، إذْ لا يَقَعُ قَتْلُ نَبِيٍّ إلّا بِغَيْرِ الحَقِّ، وأوْضَحْنا لَكَ ذَلِكَ. فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ وإيضاحِهِ هُنا. ومَعْنى: مِنَ النّاسِ، أيْ: غَيْرِ الأنْبِياءِ، إذْ لَوْ قالَ: ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ، لَكانَ مُنْدَرِجًا في ذَلِكَ الأنْبِياءُ لِصِدْقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ، فَجاءَ مِنَ النّاسِ بِمَعْنى: مِن غَيْرِ الأنْبِياءِ. قالَ الحَسَنُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ القائِمَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ تَلِي مَنزِلَتُهُ في العِظَمِ مَنزِلَةَ الأنْبِياءِ. وعَنْ أبِيهِ عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: ”رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ ونَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ“» . ثُمَّ قَرَأها. ثُمَّ قالَ: «يا عُبَيْدَةُ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا قَتَلَتَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ» .
﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مُعاصِرُوهُ لا آباؤُهم، فَيَكُونُ إطْلاقُ قَتْلِ الأنْبِياءِ مَجازًا؛ لِأنَّهم لَمْ يَقْتُلُوا أنْبِياءَ لَكِنَّهم رَضُوا ذَلِكَ ورامُوهُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي خَبَرُ إنَّ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما يَتَضَمَّنُ المَوْصُولُ مِن مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ كَما قَدَّمْناهُ، ولَمْ يُعَبْ بِهَذا النّاسِخِ لِأنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ مَعْنى الِابْتِداءِ، أعْنِي إنَّ. ومَعَ ذَلِكَ في المَسْألَةِ خِلافٌ: الصَّحِيحُ جَوازُ دُخُولِ الفاءِ في خَبَرِ إنَّ، إذا كانَ اسْمُها مُضَمَّنًا مَعْنى الشَّرْطِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ شُرُوطُ جَوازِ دُخُولِ الفاءِ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وتِلْكَ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ هُنا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في دُخُولِ الفاءِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٣] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠] . ومَن مَنَعَ ذَلِكَ جَعَلَ الفاءَ زائِدَةً، ولَمْ يَقِسْ زِيادَتَها. وتَقَدَّمَ أنَّ البِشارَةَ هي أوَّلُ خَبَرٍ سارٍّ، فَإذا اسْتُعْمِلَتْ مَعَ ما لَيْسَ بِسارٍّ، فَقِيلَ: ذَلِكَ هو عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ كَقَوْلِهِ:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ
أيِ: القائِمُ لَهم مَقامَ الخَبَرِ السّارِّ هو العَذابُ الألِيمُ، وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى تَأثُّرِ البُشْرَةِ مِن ذَلِكَ، فَلَمْ يُؤْخَذْ فِيهِ قَيْدُ السُّرُورِ، بَلْ لُوحِظَ مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
آل عمران 3:22
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ . تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو السَّمّالِ: حَبَطَتْ، بِفَتْحِ الباءِ وهي لُغَةٌ.
﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ مَجِيءُ الجَمْعِ هُنا أحْسَنُ مِن مَجِيءِ الإفْرادِ؛ لِأنَّهُ (p-٤١٥)رَأْسُ آيَةٍ، ولِأنَّهُ بِإزاءِ مَن لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الشُّفَعاءِ الَّذِينَ هُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ وصالِحُو المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ لَهم كَأمْثالِ هَؤُلاءِ، والمَعْنى: بِانْتِفاءِ النّاصِرِينَ انْتِفاءَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى النَّصْرِ مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ، وإذا انْتَفَتْ مِن جَمْعٍ فانْتِفاؤُها مِن واحِدٍ أوْلى؛ وإذا كانَ جَمْعٌ لا يَنْصُرُ فَأحْرى أنْ لا يَنْصُرَ واحِدٌ، ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعْصِيَتِهِمْ بِثَلاثَةِ أوْصافٍ ناسَبَ أنْ يَكُونَ جَزاؤُهم بِثَلاثَةٍ، لِيُقابِلَ كُلَّ وصْفٍ بِمُناسَبَةٍ، ولَمّا كانَ الكُفْرُ بِآياتِ اللَّهِ أعْظَمَ؛ كانَ التَّبْشِيرُ بِالعَذابِ الألِيمِ أعْظَمَ، وقابَلَ قَتْلَ الأنْبِياءِ بِحُبُوطِ العَمَلِ في الدُّنْيا والأخَرَةِ، فَفي الدُّنْيا بِالقَتْلِ والسَّبْيِ وأخْذِ المالِ والِاسْتِرْقاقِ، وفي الآخِرَةِ بِالعِقابِ الدّائِمِ، وقابَلَ قَتْلَ الآمِرِينَ بِالقِسْطِ، بِانْتِفاءِ النّاصِرِينَ عَنْهم إذا حَلَّ بِهِمُ العَذابُ، كَما لَمْ يَكُنْ لِلْآمِرِينَ بِالقِسْطِ مَن يَنْصُرُهم حِينَ حَلَّ بِهِمْ قَتْلُ المُعْتَدِينَ، كَذَلِكَ المُعْتَدُونَ لا ناصِرَ لَهم إذا حَلَّ بِهِمُ العَذابُ. وفي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ، وأُخْبِرَ عَنْهُ بِالَّذِينَ، إذْ هو أبْلَغُ مِنَ الخَبَرِ بِالفِعْلِ، ولِأنَّ فِيهِ نَوْعَ انْحِصارٍ، ولِأنَّ جَعْلَ الفِعْلِ صِلَةً يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مَعْلُومَةً لِلسّامِعِ، مَعْهُودَةً عِنْدَهُ، فَإذا أخْبَرْتَ بِالمَوْصُولِ عَنِ اسْمٍ اسْتَفادَ المُخاطَبُ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ المَعْهُودَ المَعْلُومَ عِنْدَهُ المَعْهُودَ هو مَنسُوبٌ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ، بِخِلافِ الإخْبارِ بِالفِعْلِ، فَإنَّكَ تُخْبِرُ المُخاطَبَ بِصُدُودِهِ عَنْ مَن أخْبَرْتَ بِهِ عَنْهُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ الفِعْلُ مَعْلُومًا عِنْدَهُ، فَإنْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ جَعَلْتَهُ صِلَةً، وأخْبَرْتَ بِالمَوْصُولِ عَنِ الِاسْمِ. قِيلَ: وجَمَعَتْ هَذِهِ الآياتُ ضُرُوبًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ. أحَدُهُما: التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ التَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، ولِذَلِكَ قَرَأ ”إنَّهُ“ بِالكَسْرِ: وأنَّ الدِّينَ، بِالفَتْحِ.
وأطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ في قَوْلِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩] عَبَّرَ بِالعِلْمِ عَنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أوِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى الخِلافِ الَّذِي سَبَقَ. وإسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ في: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ وأصْحابُ النّارِ. والإيماءُ في قَوْلِهِ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩] فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ النَّفْيَ دائِرٌ شائِعٌ فِيهِمْ، وكُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم تُجاذِبُ طَرْفًا مِنهُ. والتَّعْبِيرُ بِبَعْضٍ عَنْ كُلٍّ في: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ [آل عمران: ٢٠] . والِاسْتِفْهامُ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ أوِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠] . والطِّباقُ المُقَدَّرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠] ووَجْهُهُ: أنَّ الإسْلامَ: الِانْقِيادُ إلى الإسْلامِ، والإقْبالُ عَلَيْهِ، والتَّوَلِّي ضِدُّ الإقْبالِ. والتَّقْدِيرُ: وإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ ضَلُّوا، والضَّلالَةُ ضِدُّ الهِدايَةِ. والحَشْوُ الحَسَنُ في قَوْلِهِ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١] فَإنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ قَطُّ نَبِيٌّ بِحَقٍّ؛ وإنَّما أتى بِهَذِهِ الحَشْوَةِ لِيَتَأكَّدَ قُبْحُ قَتْلِ الأنْبِياءِ، ويَعْظُمَ أمْرُهُ في قَلْبِ العازِمِ عَلَيْهِ. والتَّكْرارُ في ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ﴾ [آل عمران: ٢١] تَأْكِيدًا لِقُبْحِ ذَلِكَ الفِعْلِ. والزِّيادَةُ في (فَبَشِّرْهم) زادَ الفاءَ؛ إيذانًا بِأنَّ المَوْصُولَ ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ قَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْها فِيما سَبَقَ.
آل عمران 3:23
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ [آل عمران: ٣٠] ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] .
(p-٤١٦)غَرَّ، يَغُرُّ، غُرُورًا: خَدَعَ والغِرُّ: الصَّغِيرُ، والغَرِيرَةُ: الصَّغِيرَةُ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُما يَنْخَدِعانِ بِالعَجَلَةِ، والغِرَّةُ مِنهُ يُقالُ: أخَذَهُ عَلى غِرَّةٍ، أيْ: تَغَفُّلٍ وخِداعٍ، والغُرَّةُ: بَياضٌ في الوَجْهِ، يُقالُ مِنهُ: وجْهٌ أغَرُّ، ورَجُلٌ أغَرُّ، وامْرَأةٌ غَرّاءُ. والجَمْعُ عَلى القِياسِ فِيهِما غُرٌّ. قالُوا: ولَيْسَ بِقِياسٍ، وغُرّانٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طُهارى نَقِيَّةً وأوْجُهُهم عِنْدَ المَشاهِدِ غُرّانُ
نَزَعَ يَنْزِعُ: جَذَبَ، وتَنازَعْنا الحَدِيثَ تَجاذَبْناهُ، ومِنهُ: نِزاعُ المَيِّتِ، ونَزَعَ إلى كَذا: مالَ إلَيْهِ وانْجَذَبَ، ثُمَّ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الزَّوالِ، يُقالُ: نَزَعَ اللَّهُ عَنْهُ الشَّرَّ: أزالَهُ.
ولَجَ يَلِجُ وُلُوجًا ولِجَّةً ووَلْجًا، ووَلَجَ تَوَلُّجًا، واتَّلَجَ اتِّلاجًا؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎فَإنَّ القَوافِيَ يَتَّلِجْنَ مَوالِجًا ∗∗∗ تَضايَقُ عَنْها أنْ تَوَلَّجَها الإبَرْ
الأمَدُ: غايَةُ الشَّيْءِ، ومُنْتَهاهُ، وجَمْعُهُ آمادٌ.
اللَّهُمَّ: هو اللَّهُ، إلّا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ فَلا يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ، وهَذِهِ المِيمُ الَّتِي لَحِقَتْهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ النِّداءِ، ولِذَلِكَ لا تَدَخُلَ عَلَيْهِ إلّا في الضَّرُورَةِ. وعِنْدَ الفَرّاءِ: هي مِن قَوْلِهِ: يا اللَّهُ أمِّنّا بِخَيْرٍ، وقَدْ أبْطَلُوا هَذا النَّصْبَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وكَبُرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ حَتّى حَذَفُوا مِنها: ألْ، فَقالُوا: لا هُمَّ، بِمَعْنى: اللَّهُمَّ. قالَ الزّاجِرُ:
؎لا هم إنِّي عامِرُ بْنُ جَهْمِ ∗∗∗ أحْرَمَ حَجًّا في ثِيابٍ دُسْمِ
وخُفِّفَتْ مِيمُها في بَعْضِ اللُّغاتِ قالَ:
؎كَحَلْفَةٍ مِن أبِي رِياحٍ ∗∗∗ يَسْمَعُها اللَّهُمَ الكُبارُ
الصَّدْرُ: مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ: صُدُورٌ.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: «دَعا النَّبِيُّ ﷺ اليَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَقالَ لَهُ النُّعْمانُ بْنُ أبِي أوْفى: هَلُمَّ نُخاصِمُكَ إلى الأحْبارِ، فَقالَ: ”بَلْ إلى كِتابِ اللَّهِ“ . فَقالَ: بَلْ إلى الأحْبارِ» . فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «دَخَلَ ﷺ إلى المَدارِسِ عَلى اليَهُودِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، فَقالَ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ ؟ فَقالَ: ”عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ“ . قالا: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. فَقالَ: ”فَهَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ“ . فَأبَيا عَلَيْهِ»، فَنَزَلَتْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: «زَنى رَجُلٌ مِنهم بِامْرَأةٍ، ولَمْ يَكُنْ بَعْدُ في دِينِنا الرَّجْمُ، فَتَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَخْفِيفًا لِلزّانِيَيْنِ لِشَرَفِهِما، فَقالَ: ”إنَّما أحْكُمُ بِكِتابِكم“ . فَأنْكَرُوا الرَّجْمَ، فَجِيءَ بِالتَّوْراةِ، فَوَضَعَ حَبْرُهم ابْنُ صُورِيا يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: جاوَزَها يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأظْهَرَها فَرُجِما» .
وقالَ النَّقّاشُ: نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ، فَقالَ لَهم: «هَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ فَفِيها صِفَتِي» . وقالَ مُقاتِلٌ: دَعا جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَحْنُ أحَقُّ بِالهُدى مِنكَ، وما أرْسَلَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ: «فَأخْرِجُوا التَّوْراةَ فَإنِّي مَكْتُوبٌ فِيها أنِّي نَبِيٌّ» فَأبَوْا، فَنَزَلَتْ (والَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ) هُمُ اليَهُودُ، والكِتابُ التَّوْراةُ. وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ جِنْسٌ لِلْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وبَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومِن: تَبْعِيضٌ. وفي قَوْلِهِ: نَصِيبًا، أيْ: طَرَفًا، وظاهِرُ بَعْضِ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ إذْ هم لَمْ يَحْفَظُوهُ، ولَمْ يَعْلَمُوا جَمِيعَ ما فِيهِ.
﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ هو: التَّوْراةُ، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: القُرْآنُ. ويُدْعَوْنَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الَّذِينَ، والعامِلُ: تَرَ، والمَعْنى: ألا تَعْجَبُ مِن هَؤُلاءِ مَدْعُوِّينَ إلى كِتابِ اللَّهِ ؟ أيْ: في حالِ أنْ يُدْعَوْا إلى كِتابِ اللَّهِ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لِيَحْكُمَ الكِتابُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: لِيُحْكَمَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (p-٤١٧)والمَحْكُومُ فِيهِ هو ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ هَذا اسْتِبْعادٌ لِتَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ؛ بِأنَّ الرُّجُوعَ إلى كِتابِ اللَّهِ واجِبٌ، ونَسَبَ التَّوَلِّي إلى فَرِيقٍ مِنهم، لا إلى جَمِيعِ المُبْعَدِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ ولَمْ يَتَوَلَّ كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ.
﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ هو الإعْراضُ، أوْ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ التَّوَلِّي عَنِ الدّاعِي والإعْراضِ عَمّا دَعا إلَيْهِ، فَيَكُونُ المُتَعَلِّقُ مُخْتَلِفًا، أوْ لِكَوْنِ التَّوَلِّي بِالبَدَنِ والإعْراضِ بِالقَلْبِ، أوْ لِكَوْنِ التَّوَلِّي مِن عُلَمائِهِمْ والإعْراضِ مِن أتْباعِهِمْ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَزالُ الإعْراضُ عَنِ الحَقِّ وأتْباعِهِ مِن شَأْنِهِمْ وعادَتِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: (بَيْنَهم) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُتَنازَعَ فِيهِ كانَ بَيْنَهم واقِعًا لا بَيْنُهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو خِلافُ ما ذُكِرَ في أسْبابِ النُّزُولِ، فَإنْ صَحَّ سَبَبٌ مِنها كانَ المَعْنى: لِيَحْكُمَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ لَمْ يَصِحَّ حُمِلَ عَلى الِاخْتِلافِ الواقِعِ بَيْنَ مَن أسْلَمَ مِن أحْبارِهِمْ، وبَيْنَ مَن لَمْ يُسْلِمْ، فَدُعُوا إلى التَّوْراةِ الَّتِي لا اخْتِلافَ في صِحَّتِها عِنْدَكم؛ لِيَحْكُمَ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، فَتَوَلّى مَن لَمْ يُسْلِمْ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم ولَوْلا عِلْمُهم بِما ادَّعاهُ في كُتُبِهِمْ مِن نَعْتِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، لَما أعْرَضُوا وتَسارَعُوا إلى مُوافَقَةِ ما في كُتُبِهِمْ، حَتّى يُنَبَّئُوا عَنْ بُطْلانِ دَعْواهُ. وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن دَعاهُ خَصْمُهُ إلى الحُكْمِ الحَقِّ لَزِمَتْهُ إجابَتُهُ؛ لِأنَّهُ دَعاهُ إلى كِتابِ اللَّهِ، ويُعَضِّدُهُ: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] .
قالَ القُرْطُبِيُّ: وإذا دُعِيَ إلى كِتابِ اللَّهِ وخالَفَ تَعَيَّنَ زَجْرُهُ بِالأدَبِ عَلى قَدْرِ المُخالِفِ والمُخالَفِ. وهَذا الحُكْمُ جارٍ عِنْدَنا بِالأنْدَلُسِ وبِلادِ المَغْرِبِ، ولَيْسَ بِالدِّيارِ المِصْرِيَّةِ. قالَ ابْنُ خُوَيْزِمَندادْ المالِكِيُّ: واجِبٌ عَلى مَن دُعِيَ إلى مَجْلِسِ الحُكْمِ أنْ يُجِيبَ ما لَمْ يَعْلَمْ أنَّ الحاكِمَ فاسِقٌ.
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى التَّوَلِّي، أيْ: ذَلِكَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ هَذِهِ الأقْوالِ الباطِلَةِ، وتَسْهِيلِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمُ العَذابَ، وطَمَعِهِمْ في الخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ أيّامٍ قَلائِلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَما طَمِعَتِ الجَبْرِيَّةُ والحَشْوِيَّةُ.
﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءُ يَشْفَعُونَ لَهم، كَما غَرّى أُولَئِكَ بِشَفاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في كَبائِرِهِمُ انْتَهى كَلامُهُ. وهو عَلى عادَتِهِ مِنَ اللَّهَجِ بِسَبِّ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ورَمْيِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ، والخُرُوجِ إلى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ بِأيِّ طَرِيقٍ أمْكَنَهُ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الأيّامِ المَعْدُوداتِ، في سُورَةِ البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، إلّا أنَّهُ جاءَ هُناكَ: مَعْدُودَةٌ، وهُنا: مَعْدُوداتٌ، وهُما طَرِيقانِ فَصِيحانِ تَقُولُ: جِبالٌ شامِخَةٌ، وجِبالٌ شامِخاتٌ. فَتَجْعَلُ صِفَةَ جَمْعِ التَّكْسِيرِ لِلْمُذَكَّرِ الَّذِي لا يَعْقِلُ تارَةً لِصِفَةِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، وتارَةً لِصِفَةِ المُؤَنَّثاتِ. فَكَما تَقُولُ: نِساءٌ قائِماتٌ، كَذَلِكَ تَقُولُ: جِبالٌ راسِياتٌ، وذَلِكَ مَقِيسٌ مُطَّرِدٌ فِيهِ.
﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي افْتَرَوْهُ هو قَوْلُهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وقالَ قَتادَةُ: قَوْلُهم: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وقِيلَ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وقِيلَ: مَجْمُوعُ هَذِهِ الأقْوالِ. وارْتَفَعَ: ذَلِكَ، بِالِابْتِداءِ، وبِأنَّهم: هو الخَبَرُ، أيْ ذَلِكَ الإعْراضُ والتَّوَلِّي كائِنٌ لَهم وحاصِلٌ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلُهم: إنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا أيّامًا قَلائِلَ، يَحْصُرُها العَدَدُ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: شَأْنُهم ذَلِكَ، أيِ التَّوَلِّي والإعْراضُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وعَلى هَذا يَكُونُ: بِأنَّهم، في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مَصْحُوبًا بِهَذا القَوْلِ، وما في: ما كانُوا، مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ.
﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، واسْتِعْظامٌ لِعِظَمِ مَقالَتِهِمْ حِينَ اخْتَلَفَتْ مَطامِعُهم، وظَهَرَ كَذِبُ دَعْواهم؛ إذْ صارُوا إلى عَذابٍ ما لَهم حِيلَةٌ في دَفْعِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] هَذا الكَلامُ يُقالُ عِنْدَ التَّعْظِيمِ لِحالِ الشَّيْءِ، فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ؟ وقالَ الشّاعِرُ:(p-٤١٨)
؎فَكَيْفَ بِنَفْسٍ كُلَّما قُلْتُ أشْرَفَتْ ∗∗∗ عَلى البُرْءِ مِن دَهْماءَ هِيضَ انْدِمالُها
وقالَ:
؎فَكَيْفَ وكُلٌّ لَيْسَ يَعْدُو حِمامَهُ ∗∗∗ وما لِامْرِئٍ عَمّا قَضى اللَّهُ مُرْحَلُ
وانْتِصابُ: فَكَيْفَ، قِيلَ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ ؟ وقَدَّرَهُ الحُوفِيُّ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم ؟ فَإنْ أرادَ كانَ التّامَّةَ كانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وإنْ كانَتِ النّاقِصَةَ كانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ كانَ، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى: التَّقْدِيرُ: كَيْفَ حالُهم ؟ والعامِلُ في: إذا، ذَلِكَ الفِعْلُ الَّذِي قَدَّرَهُ، والعامِلُ في: كَيْفَ، إذا كانَتْ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ إنْ قُلْنا إنَّ انْتِصابَها انْتِصابُ الظُّرُوفِ، وإنْ قُلْنا إنَّها اسْمٌ غَيْرُ ظَرْفٍ، فَيَكُونُ العامِلُ في: إذا، المُبْتَدَأ الَّذِي قَدَّرْناهُ، أيْ: فَكَيْفَ حالُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لا يَحْتاجُ إلى جَوابٍ، وكَذا أكْثَرُ اسْتِفْهاماتِ القُرْآنِ؛ لِأنَّها مِن عالَمِ الشَّهادَةِ، وإنَّما اسْتِفْهامُهُ تَعالى تَقْرِيعٌ. واللّامُ، تَتَعَلَّقُ: بِجَمَعْناهم، والمَعْنى: لِقَضاءِ يَوْمٍ وجَزائِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ [آل عمران: ٩] قالَ النَّقّاشُ: اليَوْمَ، هُنا الوَقْتُ، وكَذَلِكَ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ و﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] و﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] إنَّما هي عِبارَةٌ عَنْ أوْقاتٍ، فَإنَّما الأيّامُ واللَّيالِي عِنْدَنا في الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ في يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ يَوْمٌ، لِأنَّهُ قَبْلَهُ لَيْلَةٌ وفِيهِ شَمْسٌ. ومَعْنى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ في نَفْسِ الأمْرِ، أوْ عِنْدَ المُؤْمِنِ، أوْ عِنْدَ المُخْبَرِ عَنْهُ، أوْ حِينَ يَجْمَعُهم فِيهِ، أوْ مَعْناهُ: الأمْرُ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في البَقَرَةِ، آخِرَ آياتِ الرِّبا.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] قالَ الكَلْبِيُّ: ظَهَرَتْ صَخْرَةٌ في الخَنْدَقِ، فَضَرَبَها ﷺ فَبَرَقَ بَرْقٌ فَكَبَّرَ، وكَذا في الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَقالَ: ”في الأُولى: قُصُورُ العَجَمِ، وفي الثّانِيَةِ: قُصُورُ الرُّومِ. وفي الثّالِثَةِ: قُصُورُ اليَمَنِ. فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ: أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلى الكُلِّ“ . فَعَيَّرَهُ المُنافِقُونَ بِأنَّهُ يَضْرِبُ المِعْوَلَ، ويَحْفُرُ الخَنْدَقَ فَرْقًا، ويَتَمَنّى مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، فَنَزَلَتْ. اخْتَصَرَهُ السَّجاوَنْدِيُّ هَكَذا، وهو سَبَبٌ مُطَوَّلٌ جِدًّا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ، وخافُوا فَتْحَ العَجَمِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: هم أعَزُّ وأمْنَعُ، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ: لَمّا فَتَحَ ﷺ مَكَّةَ، وعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: بَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ فَقالُوَ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ فَنَزَلَتْ، فَذُلُّوا وطَلَبُوا المُواصَمَةَ. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ ﷺ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ لِأُمَّتِهِ، فَنَزَلَتْ عَلى لَفْظِ النَّهْيِ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: واللَّهُ لا نُطِيعُ رَجُلًا جاءَ بِنَقْلِ النُّبُوَّةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ رَدًّا عَلى نَصارى نَجْرانَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ عِيسى هو اللَّهُ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْصافِ.
والمُلْكُ هُنا ظاهِرُهُ السُّلْطانُ والغَلَبَةُ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ جاءَتْ أسْبابُ النُّزُولِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ النُّبُوَّةُ، وهَذا يَتَنَزَّلُ عَلى نَقْلِ أبِي مُسْلِمٍ في سَبَبِ النُّزُولِ. وقِيلَ: المالُ والعَبِيدُ، وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مالِكُ العِبادِ وما مَلَكُوا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: تَمَلُّكُ جِنْسِ المُلْكِ؛ فَتَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فِيما يَمْلِكُونَ. وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقَدْ تَكَلَّمَ في لَفْظَةِ: اللَّهُمَّ، مِن جِهَةِ النَّحْوِ، فَقالَ: أجْمَعُوا عَلى أنَّها مَضْمُومَةُ الهاءِ، مُشَدَّدَةُ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، وأنَّها مُنادى انْتَهى. وما ذُكِرَ مِنَ الإجْماعِ عَلى تَشْدِيدِ المِيمِ. قَدْ نَقَلَ الفَرّاءُ تَخْفِيفَ مِيمِها في بَعْضِ اللُّغاتِ، قالَ: وأنْشَدَ بَعْضُهم:
؎كَحْلَفةٍ مِن أبِي رِياحٍ ∗∗∗ يَسْمَعُها اللَّهُمَ الكُبارُ
قالَ الرّادُّ عَلَيْهِ: تَخْفِيفُ المِيمِ خَطَأٌ فاحِشٌ خُصُوصًا عند الفَرّاءِ، لِأنَّ عِنْدَهُ هي الَّتِي في أمِّنّا، إذْ لا يَحْتَمِلُ التَّخْفِيفُ أنْ تَكُونَ المِيمُ فِيهِ بَقِيَّةَ ”أمِّنّا“ . قالَ: والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ ”يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبارُ“ انْتَهى. وإنْ (p-٤١٩)صَحَّ هَذا البَيْتُ عَنِ العَرَبِ كانَ فِيهِ شُذُوذٌ آخَرُ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُهُ في غَيْرِ النِّداءِ، ألا تَرى أنَّهُ جَعَلَهُ في هَذا البَيْتِ فاعِلًا بِالفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟ قالَ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: هَذِهِ المِيمُ تَجْمَعُ سَبْعِينَ اسْمًا مِن أسْمائِهِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَن قالَ اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعا اللَّهَ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ كُلِّها. وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُمَّ: مَجْمَعُ الدُّعاءِ. ومَعْنى قَوْلِ النَّضْرِ: إنَّ اللَّهُمَّ هو اللَّهُ زِيدَتْ فِيهِ المِيمُ، فَهو الِاسْمُ العَلَمُ المُتَضَمِّنُ لِجَمِيعِ أوْصافِ الذّاتِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ، فَقَدْ ذَكَرْتَ الِاسْمَ الخاصَّ، فَهو مُتَضَمِّنٌ جَمِيعَ أوْصافِهِ الَّتِي هي فِيهِ مِن شُهْلَةٍ أوْ طُولٍ أوْ جُودٍ أوْ شَجاعَةٍ، أوِ أضْدادِها وما أشْبَهَ ذَلِكَ.
وانْتِصابُ: مالِكَ المُلْكِ، عَلى أنَّهُ مُنادًى ثانٍ أيْ: يا مالِكَ المُلْكِ، ولا يُوصَفُ اللَّهُمَّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وأجازَ أبُو العَبّاسِ وأبُو إسْحاقَ وصْفَهُ، فَهو عِنْدَهُما صِفَةٌ ”لِلاهم“، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوُ.
﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الظّاهِرُ أنَّ المُلْكَ هو السُّلْطانُ والغَلَبَةُ، كَما أنَّ ظاهِرَ المُلْكِ الأوَّلِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الأوَّلُ عامًّا، وهَذانِ خاصَّيْنِ. والمَعْنى: إنَّكَ تُعْطِي مَن شِئْتَ قِسْمًا مِنَ المُلْكِ، وتَنْزِعُ مِمَّنْ شِئْتَ قِسْمًا مِنَ المُلْكِ، وقَدْ فَسَّرَ المُلْكَ هُنا بِالنُّبُوَّةِ أيْضًا، ولا يَتَأتّى هَذا التَّفْسِيرُ في: تَنْزِعُ المُلْكَ، لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُؤْتِ النُّبُوَّةَ لِأحَدٍ ثُمَّ نَزَعَها مِنهُ إلّا أنْ يَكُونَ تَنْزِعُ مَجازًا بِمَعْنى: تَمْنَعُ النُّبُوَّةَ مِمَّنْ تَشاءُ، فَيُمْكِنُ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: هو مُلْكُ النَّفْسِ ومَنعُها مِنِ اتِّباعِ الهَوى. وقِيلَ: العافِيَةُ، وقِيلَ: القَناعَةُ. وقِيلَ: الغَلَبَةُ بِالدِّينِ والطّاعَةِ. وقِيلَ: قِيامُ اللَّيْلِ. وقالَ الشِّبْلِيُّ: هو الِاسْتِغْناءُ بِالمُكَوِّنِ عَنِ الكَوْنَيْنِ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: هو قَهْرُ إبْلِيسَ، كَما كانَ يَفِرُّ مِن ظِلِّ عُمَرَ، وعَكْسُهُ مَن كانَ يَجْرِي الشَّيْطانُ مِنهُ مَجْرى الدَّمِ. وقِيلَ: مُلْكُ المَعْرِفَةِ بِلا عِلَّةِ، كَما أتى سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ، ونَزَعَ مِن بَلْعامَ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: هو تَوْفِيقُ الإيمانِ. وإذا حَمَلْناهُ عَلى الأظْهَرِ: وهو السَّلْطَنَةُ والغَلَبَةُ، وكَوْنُ المُؤْتى هو الآمِرَ المُتَّبَعَ، فالَّذِي آتاهُ المُلْكَ هو مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ، والمَنزُوعُ مِنهم فارِسُ والرُّومُ. وقِيلَ: المَنزُوعُ مِنهُ أبُو جَهْلٍ وصَنادِيدُ قُرَيْشٍ. وقِيلَ: العَرَبُ وخُلَفاءُ الإسْلامِ ومُلُوكُهُ، والمَنزُوعُ فارِسُ والرُّومُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأنْبِياءُ؛ أُمِرَ النّاسُ بِطاعَتِهِمْ، والمَنزُوعُ مِنهُ الجَبّارُونَ؛ أُمِرَ النّاسُ بِخِلافِهِمْ. وقِيلَ: آدَمُ ووَلَدُهُ، والمَنزُوعُ مِنهُ إبْلِيسُ وجُنُودُهُ. وقِيلَ: داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَنزُوعُ مِنهُ طالُوتُ. وقِيلَ: صَخْرٌ، والمَنزُوعُ مِنهُ سُلَيْمانُ أيّامَ مِحْنَتِهِ. وقِيلَ: المَعْنى تُؤْتِي المُلْكَ في الجَنَّةِ مَن تَشاءُ، وتَنْزِعُ المُلْكَ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ مِمَّنْ تَشاءُ. وقِيلَ: المُلْكُ العُزْلَةُ والِانْقِطاعُ، وسَمَّوْهُ المُلْكَ المَجْهُولَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُضْطَرِبَةٌ، وتَخْصِيصاتٌ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْها، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ في المُرادِ.
﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] قِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ وأصْحابُهُ، حِينَ دَخَلُوا مَكَّةَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا ظاهِرِينَ عَلَيْها، وأذَلَّ أبا جَهْلٍ وصَنادِيدَ قُرَيْشٍ حَتّى حُزَّتْ رُءُوسُهم وأُلْقُوا في القَلِيبِ. وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والعِرْفانِ، وتُذِلُّ بِالخِذْلانِ. وقالَ عَطاءٌ: المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وتُذِلُّ فارِسَ والرُّومَ. وقِيلَ: بِالطّاعَةِ، وتُذِلُّ بِالمَعْصِيَةِ. وقِيلَ: بِالظَّفْرِ والغَنِيمَةِ، وتُذِلُّ بِالقَتْلِ والجِزْيَةِ. وقِيلَ: بِالإخْلاصِ، وتُذِلُّ بِالرِّياءِ. وقِيلَ بِالغِنى، وتُذِلُّ بِالفَقْرِ. وقِيلَ: بِالجَنَّةِ والرُّؤْيَةِ، وتُذِلُّ بِالحِجابِ والنّارِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ. وقِيلَ: بِقَهْرِ النَّفْسِ، وتُذِلُّ بِاتِّباعِ الخِزْيِ، قالَهُ الوَرّاقُ. وقِيلَ: بِقَهْرِ الشَّيْطانِ، وتُذِلُّ بِقَهْرِ الشَّيْطانِ إيّاهُ، قالَهُ الكَتّانِيُّ. وقِيلَ: بِالقَناعَةِ والرِّضا، وتُذِلُّ بِالحِرْصِ والطَّمَعِ.
يَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ عَلى التَّمْثِيلِ لِأنَّهُ لا مُخَصِّصَ في الآيَةِ، بَلِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ العِزُّ والذُّلُّ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، ولِلْمُعْتَزِلَةِ هُنا كَلامٌ مُخالِفٌ لِكَلامِ أهْلِ السُّنَّةِ، قالَ الكَعْبِيُّ: تُؤْتِي المُلْكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْقاقِ مَن يَقُومُ بِهِ، ولا تَنْزِعُهُ إلّا مِمَّنْ فَسَقَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧] جَعَلَ الِاصْطِفاءَ سَبَبًا لِلْمُلْكِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُلْكُ الظّالِمِينَ بِإيتائِهِ وقَدْ يَكُونُ، وقَدْ ألْزَمَهم (p-٤٢٠)أنْ لا يَتَمَلَّكُوهُ، فَصَحَّ أنَّ المُلُوكَ العادِلِينَ هُمُ المَخْصُوصُونَ بِإيتاءِ اللَّهِ المُلْكَ، وأمّا الظّالِمُونَ فَلا. أمّا النَّزْعُ فَبِخِلافِهِ، فَكَما يَنْزِعُهُ مِنَ العادِلِ لِمَصْلَحَةٍ، فَقَدْ يَنْزِعُهُ مِنَ الظّالِمِ. وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: الإعْزازُ المُضافُ إلَيْهِ تَعالى يَكُونُ في الدِّينِ بِالإمْدادِ بِالألْطافِ ومَدْحِهِمْ وتَغَلُّبِهِمْ عَلى الأعْداءِ، ويَكُونُ في الدُّنْيا بِالمالِ وإعْطاءِ الهَيْبَةِ. وأشْرَفُ أنْواعِ العِزَّةِ في الدِّينِ هو الإيمانُ، وأذَلُّ الأشْياءِ المُوجِبَةِ لِلذِّلَّةِ هو الكُفْرُ، فَلَوْ كانَ حُصُولُ الإيمانِ والكُفْرِ مِنَ العَبْدِ، لَكانَ إعْزازُ العَبْدِ نَفْسَهُ بِالإيمانِ، وإذْلالُهُ نَفْسَهُ بِالكُفْرِ أعْظَمَ مِن إعْزازِ اللَّهِ إيّاهُ وإذْلالِهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ حَظُّهُ مِن هَذا الوَصْفِ أتَمَّ مِن حَظِّهِ - سُبْحانَهُ - وهو باطِلٌ قَطْعًا. وقالَ الجُبّائِيُّ: يُذِلُّ أعْداءَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا يُذِلُّ أوْلِياءَهُ وإنْ أفْقَرَهم، وأمْرَضَهم، وأخافَهم، وأحْوَجَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّ ذَلِكَ لِعِزِّهِمْ في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ، أوِ العِوَضِ فَصارَ كالفَصْدِ يُؤْلِمُ في الحالِ ويُعْقِبُ نَفْعًا. قالَ: ووُصْفُ الفَقْرِ بِكَوْنِهِ ذُلًّا مَجازًا، كَقَوْلِهِ ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وإذْلالُ اللَّهِ المُبْطِلُ بِوُجُوهٍ بِالذَّمِّ، واللَّعْنِ، وخِذْلانِهِمْ بِالحُجَّةِ والنُّصْرَةِ، وبِجَعْلِهِمْ لِأهْلِ دِينِهِ غَنِيمَةً، وبِعُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ.