Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — آل عمران 3:24 – آل عمران 3:44

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. آل عمران 3:24
  2. آل عمران 3:25
  3. آل عمران 3:26
  4. آل عمران 3:27
  5. آل عمران 3:28
  6. آل عمران 3:29
  7. آل عمران 3:30
  8. آل عمران 3:31
  9. آل عمران 3:32
  10. آل عمران 3:33
  11. آل عمران 3:34
  12. آل عمران 3:35
  13. آل عمران 3:36
  14. آل عمران 3:37
  15. آل عمران 3:38
  16. آل عمران 3:39
  17. آل عمران 3:40
  18. آل عمران 3:41
  19. آل عمران 3:42
  20. آل عمران 3:43
  21. آل عمران 3:44

آل عمران 3:24

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ [آل عمران: ٣٠] ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] . (p-٤١٦)غَرَّ، يَغُرُّ، غُرُورًا: خَدَعَ والغِرُّ: الصَّغِيرُ، والغَرِيرَةُ: الصَّغِيرَةُ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُما يَنْخَدِعانِ بِالعَجَلَةِ، والغِرَّةُ مِنهُ يُقالُ: أخَذَهُ عَلى غِرَّةٍ، أيْ: تَغَفُّلٍ وخِداعٍ، والغُرَّةُ: بَياضٌ في الوَجْهِ، يُقالُ مِنهُ: وجْهٌ أغَرُّ، ورَجُلٌ أغَرُّ، وامْرَأةٌ غَرّاءُ. والجَمْعُ عَلى القِياسِ فِيهِما غُرٌّ. قالُوا: ولَيْسَ بِقِياسٍ، وغُرّانٌ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طُهارى نَقِيَّةً وأوْجُهُهم عِنْدَ المَشاهِدِ غُرّانُ نَزَعَ يَنْزِعُ: جَذَبَ، وتَنازَعْنا الحَدِيثَ تَجاذَبْناهُ، ومِنهُ: نِزاعُ المَيِّتِ، ونَزَعَ إلى كَذا: مالَ إلَيْهِ وانْجَذَبَ، ثُمَّ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الزَّوالِ، يُقالُ: نَزَعَ اللَّهُ عَنْهُ الشَّرَّ: أزالَهُ. ولَجَ يَلِجُ وُلُوجًا ولِجَّةً ووَلْجًا، ووَلَجَ تَوَلُّجًا، واتَّلَجَ اتِّلاجًا؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنَّ القَوافِيَ يَتَّلِجْنَ مَوالِجًا ∗∗∗ تَضايَقُ عَنْها أنْ تَوَلَّجَها الإبَرْ الأمَدُ: غايَةُ الشَّيْءِ، ومُنْتَهاهُ، وجَمْعُهُ آمادٌ. اللَّهُمَّ: هو اللَّهُ، إلّا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ فَلا يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ، وهَذِهِ المِيمُ الَّتِي لَحِقَتْهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ النِّداءِ، ولِذَلِكَ لا تَدَخُلَ عَلَيْهِ إلّا في الضَّرُورَةِ. وعِنْدَ الفَرّاءِ: هي مِن قَوْلِهِ: يا اللَّهُ أمِّنّا بِخَيْرٍ، وقَدْ أبْطَلُوا هَذا النَّصْبَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وكَبُرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ حَتّى حَذَفُوا مِنها: ألْ، فَقالُوا: لا هُمَّ، بِمَعْنى: اللَّهُمَّ. قالَ الزّاجِرُ: ؎لا هم إنِّي عامِرُ بْنُ جَهْمِ ∗∗∗ أحْرَمَ حَجًّا في ثِيابٍ دُسْمِ وخُفِّفَتْ مِيمُها في بَعْضِ اللُّغاتِ قالَ: ؎كَحَلْفَةٍ مِن أبِي رِياحٍ ∗∗∗ يَسْمَعُها اللَّهُمَ الكُبارُ الصَّدْرُ: مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ: صُدُورٌ. ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: «دَعا النَّبِيُّ ﷺ اليَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَقالَ لَهُ النُّعْمانُ بْنُ أبِي أوْفى: هَلُمَّ نُخاصِمُكَ إلى الأحْبارِ، فَقالَ: ”بَلْ إلى كِتابِ اللَّهِ“ . فَقالَ: بَلْ إلى الأحْبارِ» . فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «دَخَلَ ﷺ إلى المَدارِسِ عَلى اليَهُودِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، فَقالَ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ ؟ فَقالَ: ”عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ“ . قالا: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. فَقالَ: ”فَهَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ“ . فَأبَيا عَلَيْهِ»، فَنَزَلَتْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: «زَنى رَجُلٌ مِنهم بِامْرَأةٍ، ولَمْ يَكُنْ بَعْدُ في دِينِنا الرَّجْمُ، فَتَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَخْفِيفًا لِلزّانِيَيْنِ لِشَرَفِهِما، فَقالَ: ”إنَّما أحْكُمُ بِكِتابِكم“ . فَأنْكَرُوا الرَّجْمَ، فَجِيءَ بِالتَّوْراةِ، فَوَضَعَ حَبْرُهم ابْنُ صُورِيا يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: جاوَزَها يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأظْهَرَها فَرُجِما» . وقالَ النَّقّاشُ: نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ، فَقالَ لَهم: «هَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ فَفِيها صِفَتِي» . وقالَ مُقاتِلٌ: دَعا جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَحْنُ أحَقُّ بِالهُدى مِنكَ، وما أرْسَلَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ: «فَأخْرِجُوا التَّوْراةَ فَإنِّي مَكْتُوبٌ فِيها أنِّي نَبِيٌّ» فَأبَوْا، فَنَزَلَتْ (والَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ) هُمُ اليَهُودُ، والكِتابُ التَّوْراةُ. وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ جِنْسٌ لِلْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وبَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومِن: تَبْعِيضٌ. وفي قَوْلِهِ: نَصِيبًا، أيْ: طَرَفًا، وظاهِرُ بَعْضِ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ إذْ هم لَمْ يَحْفَظُوهُ، ولَمْ يَعْلَمُوا جَمِيعَ ما فِيهِ. ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ هو: التَّوْراةُ، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: القُرْآنُ. ويُدْعَوْنَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الَّذِينَ، والعامِلُ: تَرَ، والمَعْنى: ألا تَعْجَبُ مِن هَؤُلاءِ مَدْعُوِّينَ إلى كِتابِ اللَّهِ ؟ أيْ: في حالِ أنْ يُدْعَوْا إلى كِتابِ اللَّهِ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لِيَحْكُمَ الكِتابُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: لِيُحْكَمَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (p-٤١٧)والمَحْكُومُ فِيهِ هو ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ هَذا اسْتِبْعادٌ لِتَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ؛ بِأنَّ الرُّجُوعَ إلى كِتابِ اللَّهِ واجِبٌ، ونَسَبَ التَّوَلِّي إلى فَرِيقٍ مِنهم، لا إلى جَمِيعِ المُبْعَدِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ ولَمْ يَتَوَلَّ كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ. ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ هو الإعْراضُ، أوْ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ التَّوَلِّي عَنِ الدّاعِي والإعْراضِ عَمّا دَعا إلَيْهِ، فَيَكُونُ المُتَعَلِّقُ مُخْتَلِفًا، أوْ لِكَوْنِ التَّوَلِّي بِالبَدَنِ والإعْراضِ بِالقَلْبِ، أوْ لِكَوْنِ التَّوَلِّي مِن عُلَمائِهِمْ والإعْراضِ مِن أتْباعِهِمْ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَزالُ الإعْراضُ عَنِ الحَقِّ وأتْباعِهِ مِن شَأْنِهِمْ وعادَتِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: (بَيْنَهم) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُتَنازَعَ فِيهِ كانَ بَيْنَهم واقِعًا لا بَيْنُهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو خِلافُ ما ذُكِرَ في أسْبابِ النُّزُولِ، فَإنْ صَحَّ سَبَبٌ مِنها كانَ المَعْنى: لِيَحْكُمَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ لَمْ يَصِحَّ حُمِلَ عَلى الِاخْتِلافِ الواقِعِ بَيْنَ مَن أسْلَمَ مِن أحْبارِهِمْ، وبَيْنَ مَن لَمْ يُسْلِمْ، فَدُعُوا إلى التَّوْراةِ الَّتِي لا اخْتِلافَ في صِحَّتِها عِنْدَكم؛ لِيَحْكُمَ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، فَتَوَلّى مَن لَمْ يُسْلِمْ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم ولَوْلا عِلْمُهم بِما ادَّعاهُ في كُتُبِهِمْ مِن نَعْتِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، لَما أعْرَضُوا وتَسارَعُوا إلى مُوافَقَةِ ما في كُتُبِهِمْ، حَتّى يُنَبَّئُوا عَنْ بُطْلانِ دَعْواهُ. وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن دَعاهُ خَصْمُهُ إلى الحُكْمِ الحَقِّ لَزِمَتْهُ إجابَتُهُ؛ لِأنَّهُ دَعاهُ إلى كِتابِ اللَّهِ، ويُعَضِّدُهُ: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] . قالَ القُرْطُبِيُّ: وإذا دُعِيَ إلى كِتابِ اللَّهِ وخالَفَ تَعَيَّنَ زَجْرُهُ بِالأدَبِ عَلى قَدْرِ المُخالِفِ والمُخالَفِ. وهَذا الحُكْمُ جارٍ عِنْدَنا بِالأنْدَلُسِ وبِلادِ المَغْرِبِ، ولَيْسَ بِالدِّيارِ المِصْرِيَّةِ. قالَ ابْنُ خُوَيْزِمَندادْ المالِكِيُّ: واجِبٌ عَلى مَن دُعِيَ إلى مَجْلِسِ الحُكْمِ أنْ يُجِيبَ ما لَمْ يَعْلَمْ أنَّ الحاكِمَ فاسِقٌ. ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى التَّوَلِّي، أيْ: ذَلِكَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ هَذِهِ الأقْوالِ الباطِلَةِ، وتَسْهِيلِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمُ العَذابَ، وطَمَعِهِمْ في الخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ أيّامٍ قَلائِلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَما طَمِعَتِ الجَبْرِيَّةُ والحَشْوِيَّةُ. ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءُ يَشْفَعُونَ لَهم، كَما غَرّى أُولَئِكَ بِشَفاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في كَبائِرِهِمُ انْتَهى كَلامُهُ. وهو عَلى عادَتِهِ مِنَ اللَّهَجِ بِسَبِّ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ورَمْيِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ، والخُرُوجِ إلى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ بِأيِّ طَرِيقٍ أمْكَنَهُ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الأيّامِ المَعْدُوداتِ، في سُورَةِ البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، إلّا أنَّهُ جاءَ هُناكَ: مَعْدُودَةٌ، وهُنا: مَعْدُوداتٌ، وهُما طَرِيقانِ فَصِيحانِ تَقُولُ: جِبالٌ شامِخَةٌ، وجِبالٌ شامِخاتٌ. فَتَجْعَلُ صِفَةَ جَمْعِ التَّكْسِيرِ لِلْمُذَكَّرِ الَّذِي لا يَعْقِلُ تارَةً لِصِفَةِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، وتارَةً لِصِفَةِ المُؤَنَّثاتِ. فَكَما تَقُولُ: نِساءٌ قائِماتٌ، كَذَلِكَ تَقُولُ: جِبالٌ راسِياتٌ، وذَلِكَ مَقِيسٌ مُطَّرِدٌ فِيهِ. ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي افْتَرَوْهُ هو قَوْلُهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وقالَ قَتادَةُ: قَوْلُهم: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وقِيلَ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وقِيلَ: مَجْمُوعُ هَذِهِ الأقْوالِ. وارْتَفَعَ: ذَلِكَ، بِالِابْتِداءِ، وبِأنَّهم: هو الخَبَرُ، أيْ ذَلِكَ الإعْراضُ والتَّوَلِّي كائِنٌ لَهم وحاصِلٌ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلُهم: إنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا أيّامًا قَلائِلَ، يَحْصُرُها العَدَدُ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: شَأْنُهم ذَلِكَ، أيِ التَّوَلِّي والإعْراضُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وعَلى هَذا يَكُونُ: بِأنَّهم، في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مَصْحُوبًا بِهَذا القَوْلِ، وما في: ما كانُوا، مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، واسْتِعْظامٌ لِعِظَمِ مَقالَتِهِمْ حِينَ اخْتَلَفَتْ مَطامِعُهم، وظَهَرَ كَذِبُ دَعْواهم؛ إذْ صارُوا إلى عَذابٍ ما لَهم حِيلَةٌ في دَفْعِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] هَذا الكَلامُ يُقالُ عِنْدَ التَّعْظِيمِ لِحالِ الشَّيْءِ، فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ؟ وقالَ الشّاعِرُ:(p-٤١٨) ؎فَكَيْفَ بِنَفْسٍ كُلَّما قُلْتُ أشْرَفَتْ ∗∗∗ عَلى البُرْءِ مِن دَهْماءَ هِيضَ انْدِمالُها وقالَ: ؎فَكَيْفَ وكُلٌّ لَيْسَ يَعْدُو حِمامَهُ ∗∗∗ وما لِامْرِئٍ عَمّا قَضى اللَّهُ مُرْحَلُ وانْتِصابُ: فَكَيْفَ، قِيلَ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ ؟ وقَدَّرَهُ الحُوفِيُّ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم ؟ فَإنْ أرادَ كانَ التّامَّةَ كانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وإنْ كانَتِ النّاقِصَةَ كانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ كانَ، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى: التَّقْدِيرُ: كَيْفَ حالُهم ؟ والعامِلُ في: إذا، ذَلِكَ الفِعْلُ الَّذِي قَدَّرَهُ، والعامِلُ في: كَيْفَ، إذا كانَتْ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ إنْ قُلْنا إنَّ انْتِصابَها انْتِصابُ الظُّرُوفِ، وإنْ قُلْنا إنَّها اسْمٌ غَيْرُ ظَرْفٍ، فَيَكُونُ العامِلُ في: إذا، المُبْتَدَأ الَّذِي قَدَّرْناهُ، أيْ: فَكَيْفَ حالُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لا يَحْتاجُ إلى جَوابٍ، وكَذا أكْثَرُ اسْتِفْهاماتِ القُرْآنِ؛ لِأنَّها مِن عالَمِ الشَّهادَةِ، وإنَّما اسْتِفْهامُهُ تَعالى تَقْرِيعٌ. واللّامُ، تَتَعَلَّقُ: بِجَمَعْناهم، والمَعْنى: لِقَضاءِ يَوْمٍ وجَزائِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ [آل عمران: ٩] قالَ النَّقّاشُ: اليَوْمَ، هُنا الوَقْتُ، وكَذَلِكَ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ و﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] و﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] إنَّما هي عِبارَةٌ عَنْ أوْقاتٍ، فَإنَّما الأيّامُ واللَّيالِي عِنْدَنا في الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ في يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ يَوْمٌ، لِأنَّهُ قَبْلَهُ لَيْلَةٌ وفِيهِ شَمْسٌ. ومَعْنى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ في نَفْسِ الأمْرِ، أوْ عِنْدَ المُؤْمِنِ، أوْ عِنْدَ المُخْبَرِ عَنْهُ، أوْ حِينَ يَجْمَعُهم فِيهِ، أوْ مَعْناهُ: الأمْرُ خَمْسَةُ أقْوالٍ. ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في البَقَرَةِ، آخِرَ آياتِ الرِّبا. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] قالَ الكَلْبِيُّ: ظَهَرَتْ صَخْرَةٌ في الخَنْدَقِ، فَضَرَبَها ﷺ فَبَرَقَ بَرْقٌ فَكَبَّرَ، وكَذا في الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَقالَ: ”في الأُولى: قُصُورُ العَجَمِ، وفي الثّانِيَةِ: قُصُورُ الرُّومِ. وفي الثّالِثَةِ: قُصُورُ اليَمَنِ. فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ: أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلى الكُلِّ“ . فَعَيَّرَهُ المُنافِقُونَ بِأنَّهُ يَضْرِبُ المِعْوَلَ، ويَحْفُرُ الخَنْدَقَ فَرْقًا، ويَتَمَنّى مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، فَنَزَلَتْ. اخْتَصَرَهُ السَّجاوَنْدِيُّ هَكَذا، وهو سَبَبٌ مُطَوَّلٌ جِدًّا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ، وخافُوا فَتْحَ العَجَمِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: هم أعَزُّ وأمْنَعُ، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ: لَمّا فَتَحَ ﷺ مَكَّةَ، وعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: بَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ فَقالُوَ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ فَنَزَلَتْ، فَذُلُّوا وطَلَبُوا المُواصَمَةَ. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ ﷺ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ لِأُمَّتِهِ، فَنَزَلَتْ عَلى لَفْظِ النَّهْيِ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: واللَّهُ لا نُطِيعُ رَجُلًا جاءَ بِنَقْلِ النُّبُوَّةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ رَدًّا عَلى نَصارى نَجْرانَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ عِيسى هو اللَّهُ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْصافِ. والمُلْكُ هُنا ظاهِرُهُ السُّلْطانُ والغَلَبَةُ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ جاءَتْ أسْبابُ النُّزُولِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ النُّبُوَّةُ، وهَذا يَتَنَزَّلُ عَلى نَقْلِ أبِي مُسْلِمٍ في سَبَبِ النُّزُولِ. وقِيلَ: المالُ والعَبِيدُ، وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مالِكُ العِبادِ وما مَلَكُوا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: تَمَلُّكُ جِنْسِ المُلْكِ؛ فَتَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فِيما يَمْلِكُونَ. وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقَدْ تَكَلَّمَ في لَفْظَةِ: اللَّهُمَّ، مِن جِهَةِ النَّحْوِ، فَقالَ: أجْمَعُوا عَلى أنَّها مَضْمُومَةُ الهاءِ، مُشَدَّدَةُ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، وأنَّها مُنادى انْتَهى. وما ذُكِرَ مِنَ الإجْماعِ عَلى تَشْدِيدِ المِيمِ. قَدْ نَقَلَ الفَرّاءُ تَخْفِيفَ مِيمِها في بَعْضِ اللُّغاتِ، قالَ: وأنْشَدَ بَعْضُهم: ؎كَحْلَفةٍ مِن أبِي رِياحٍ ∗∗∗ يَسْمَعُها اللَّهُمَ الكُبارُ قالَ الرّادُّ عَلَيْهِ: تَخْفِيفُ المِيمِ خَطَأٌ فاحِشٌ خُصُوصًا عند الفَرّاءِ، لِأنَّ عِنْدَهُ هي الَّتِي في أمِّنّا، إذْ لا يَحْتَمِلُ التَّخْفِيفُ أنْ تَكُونَ المِيمُ فِيهِ بَقِيَّةَ ”أمِّنّا“ . قالَ: والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ ”يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبارُ“ انْتَهى. وإنْ (p-٤١٩)صَحَّ هَذا البَيْتُ عَنِ العَرَبِ كانَ فِيهِ شُذُوذٌ آخَرُ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُهُ في غَيْرِ النِّداءِ، ألا تَرى أنَّهُ جَعَلَهُ في هَذا البَيْتِ فاعِلًا بِالفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟ قالَ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: هَذِهِ المِيمُ تَجْمَعُ سَبْعِينَ اسْمًا مِن أسْمائِهِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَن قالَ اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعا اللَّهَ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ كُلِّها. وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُمَّ: مَجْمَعُ الدُّعاءِ. ومَعْنى قَوْلِ النَّضْرِ: إنَّ اللَّهُمَّ هو اللَّهُ زِيدَتْ فِيهِ المِيمُ، فَهو الِاسْمُ العَلَمُ المُتَضَمِّنُ لِجَمِيعِ أوْصافِ الذّاتِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ، فَقَدْ ذَكَرْتَ الِاسْمَ الخاصَّ، فَهو مُتَضَمِّنٌ جَمِيعَ أوْصافِهِ الَّتِي هي فِيهِ مِن شُهْلَةٍ أوْ طُولٍ أوْ جُودٍ أوْ شَجاعَةٍ، أوِ أضْدادِها وما أشْبَهَ ذَلِكَ. وانْتِصابُ: مالِكَ المُلْكِ، عَلى أنَّهُ مُنادًى ثانٍ أيْ: يا مالِكَ المُلْكِ، ولا يُوصَفُ اللَّهُمَّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وأجازَ أبُو العَبّاسِ وأبُو إسْحاقَ وصْفَهُ، فَهو عِنْدَهُما صِفَةٌ ”لِلاهم“، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوُ. ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الظّاهِرُ أنَّ المُلْكَ هو السُّلْطانُ والغَلَبَةُ، كَما أنَّ ظاهِرَ المُلْكِ الأوَّلِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الأوَّلُ عامًّا، وهَذانِ خاصَّيْنِ. والمَعْنى: إنَّكَ تُعْطِي مَن شِئْتَ قِسْمًا مِنَ المُلْكِ، وتَنْزِعُ مِمَّنْ شِئْتَ قِسْمًا مِنَ المُلْكِ، وقَدْ فَسَّرَ المُلْكَ هُنا بِالنُّبُوَّةِ أيْضًا، ولا يَتَأتّى هَذا التَّفْسِيرُ في: تَنْزِعُ المُلْكَ، لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُؤْتِ النُّبُوَّةَ لِأحَدٍ ثُمَّ نَزَعَها مِنهُ إلّا أنْ يَكُونَ تَنْزِعُ مَجازًا بِمَعْنى: تَمْنَعُ النُّبُوَّةَ مِمَّنْ تَشاءُ، فَيُمْكِنُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: هو مُلْكُ النَّفْسِ ومَنعُها مِنِ اتِّباعِ الهَوى. وقِيلَ: العافِيَةُ، وقِيلَ: القَناعَةُ. وقِيلَ: الغَلَبَةُ بِالدِّينِ والطّاعَةِ. وقِيلَ: قِيامُ اللَّيْلِ. وقالَ الشِّبْلِيُّ: هو الِاسْتِغْناءُ بِالمُكَوِّنِ عَنِ الكَوْنَيْنِ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: هو قَهْرُ إبْلِيسَ، كَما كانَ يَفِرُّ مِن ظِلِّ عُمَرَ، وعَكْسُهُ مَن كانَ يَجْرِي الشَّيْطانُ مِنهُ مَجْرى الدَّمِ. وقِيلَ: مُلْكُ المَعْرِفَةِ بِلا عِلَّةِ، كَما أتى سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ، ونَزَعَ مِن بَلْعامَ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: هو تَوْفِيقُ الإيمانِ. وإذا حَمَلْناهُ عَلى الأظْهَرِ: وهو السَّلْطَنَةُ والغَلَبَةُ، وكَوْنُ المُؤْتى هو الآمِرَ المُتَّبَعَ، فالَّذِي آتاهُ المُلْكَ هو مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ، والمَنزُوعُ مِنهم فارِسُ والرُّومُ. وقِيلَ: المَنزُوعُ مِنهُ أبُو جَهْلٍ وصَنادِيدُ قُرَيْشٍ. وقِيلَ: العَرَبُ وخُلَفاءُ الإسْلامِ ومُلُوكُهُ، والمَنزُوعُ فارِسُ والرُّومُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأنْبِياءُ؛ أُمِرَ النّاسُ بِطاعَتِهِمْ، والمَنزُوعُ مِنهُ الجَبّارُونَ؛ أُمِرَ النّاسُ بِخِلافِهِمْ. وقِيلَ: آدَمُ ووَلَدُهُ، والمَنزُوعُ مِنهُ إبْلِيسُ وجُنُودُهُ. وقِيلَ: داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَنزُوعُ مِنهُ طالُوتُ. وقِيلَ: صَخْرٌ، والمَنزُوعُ مِنهُ سُلَيْمانُ أيّامَ مِحْنَتِهِ. وقِيلَ: المَعْنى تُؤْتِي المُلْكَ في الجَنَّةِ مَن تَشاءُ، وتَنْزِعُ المُلْكَ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ مِمَّنْ تَشاءُ. وقِيلَ: المُلْكُ العُزْلَةُ والِانْقِطاعُ، وسَمَّوْهُ المُلْكَ المَجْهُولَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُضْطَرِبَةٌ، وتَخْصِيصاتٌ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْها، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ في المُرادِ. ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] قِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ وأصْحابُهُ، حِينَ دَخَلُوا مَكَّةَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا ظاهِرِينَ عَلَيْها، وأذَلَّ أبا جَهْلٍ وصَنادِيدَ قُرَيْشٍ حَتّى حُزَّتْ رُءُوسُهم وأُلْقُوا في القَلِيبِ. وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والعِرْفانِ، وتُذِلُّ بِالخِذْلانِ. وقالَ عَطاءٌ: المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وتُذِلُّ فارِسَ والرُّومَ. وقِيلَ: بِالطّاعَةِ، وتُذِلُّ بِالمَعْصِيَةِ. وقِيلَ: بِالظَّفْرِ والغَنِيمَةِ، وتُذِلُّ بِالقَتْلِ والجِزْيَةِ. وقِيلَ: بِالإخْلاصِ، وتُذِلُّ بِالرِّياءِ. وقِيلَ بِالغِنى، وتُذِلُّ بِالفَقْرِ. وقِيلَ: بِالجَنَّةِ والرُّؤْيَةِ، وتُذِلُّ بِالحِجابِ والنّارِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ. وقِيلَ: بِقَهْرِ النَّفْسِ، وتُذِلُّ بِاتِّباعِ الخِزْيِ، قالَهُ الوَرّاقُ. وقِيلَ: بِقَهْرِ الشَّيْطانِ، وتُذِلُّ بِقَهْرِ الشَّيْطانِ إيّاهُ، قالَهُ الكَتّانِيُّ. وقِيلَ: بِالقَناعَةِ والرِّضا، وتُذِلُّ بِالحِرْصِ والطَّمَعِ. يَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ عَلى التَّمْثِيلِ لِأنَّهُ لا مُخَصِّصَ في الآيَةِ، بَلِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ العِزُّ والذُّلُّ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، ولِلْمُعْتَزِلَةِ هُنا كَلامٌ مُخالِفٌ لِكَلامِ أهْلِ السُّنَّةِ، قالَ الكَعْبِيُّ: تُؤْتِي المُلْكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْقاقِ مَن يَقُومُ بِهِ، ولا تَنْزِعُهُ إلّا مِمَّنْ فَسَقَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧] جَعَلَ الِاصْطِفاءَ سَبَبًا لِلْمُلْكِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُلْكُ الظّالِمِينَ بِإيتائِهِ وقَدْ يَكُونُ، وقَدْ ألْزَمَهم (p-٤٢٠)أنْ لا يَتَمَلَّكُوهُ، فَصَحَّ أنَّ المُلُوكَ العادِلِينَ هُمُ المَخْصُوصُونَ بِإيتاءِ اللَّهِ المُلْكَ، وأمّا الظّالِمُونَ فَلا. أمّا النَّزْعُ فَبِخِلافِهِ، فَكَما يَنْزِعُهُ مِنَ العادِلِ لِمَصْلَحَةٍ، فَقَدْ يَنْزِعُهُ مِنَ الظّالِمِ. وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: الإعْزازُ المُضافُ إلَيْهِ تَعالى يَكُونُ في الدِّينِ بِالإمْدادِ بِالألْطافِ ومَدْحِهِمْ وتَغَلُّبِهِمْ عَلى الأعْداءِ، ويَكُونُ في الدُّنْيا بِالمالِ وإعْطاءِ الهَيْبَةِ. وأشْرَفُ أنْواعِ العِزَّةِ في الدِّينِ هو الإيمانُ، وأذَلُّ الأشْياءِ المُوجِبَةِ لِلذِّلَّةِ هو الكُفْرُ، فَلَوْ كانَ حُصُولُ الإيمانِ والكُفْرِ مِنَ العَبْدِ، لَكانَ إعْزازُ العَبْدِ نَفْسَهُ بِالإيمانِ، وإذْلالُهُ نَفْسَهُ بِالكُفْرِ أعْظَمَ مِن إعْزازِ اللَّهِ إيّاهُ وإذْلالِهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ حَظُّهُ مِن هَذا الوَصْفِ أتَمَّ مِن حَظِّهِ - سُبْحانَهُ - وهو باطِلٌ قَطْعًا. وقالَ الجُبّائِيُّ: يُذِلُّ أعْداءَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا يُذِلُّ أوْلِياءَهُ وإنْ أفْقَرَهم، وأمْرَضَهم، وأخافَهم، وأحْوَجَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّ ذَلِكَ لِعِزِّهِمْ في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ، أوِ العِوَضِ فَصارَ كالفَصْدِ يُؤْلِمُ في الحالِ ويُعْقِبُ نَفْعًا. قالَ: ووُصْفُ الفَقْرِ بِكَوْنِهِ ذُلًّا مَجازًا، كَقَوْلِهِ ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وإذْلالُ اللَّهِ المُبْطِلُ بِوُجُوهٍ بِالذَّمِّ، واللَّعْنِ، وخِذْلانِهِمْ بِالحُجَّةِ والنُّصْرَةِ، وبِجَعْلِهِمْ لِأهْلِ دِينِهِ غَنِيمَةً، وبِعُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ.

آل عمران 3:25

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ [آل عمران: ٣٠] ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] . (p-٤١٦)غَرَّ، يَغُرُّ، غُرُورًا: خَدَعَ والغِرُّ: الصَّغِيرُ، والغَرِيرَةُ: الصَّغِيرَةُ، سُمِّيا بِذَلِكَ لِأنَّهُما يَنْخَدِعانِ بِالعَجَلَةِ، والغِرَّةُ مِنهُ يُقالُ: أخَذَهُ عَلى غِرَّةٍ، أيْ: تَغَفُّلٍ وخِداعٍ، والغُرَّةُ: بَياضٌ في الوَجْهِ، يُقالُ مِنهُ: وجْهٌ أغَرُّ، ورَجُلٌ أغَرُّ، وامْرَأةٌ غَرّاءُ. والجَمْعُ عَلى القِياسِ فِيهِما غُرٌّ. قالُوا: ولَيْسَ بِقِياسٍ، وغُرّانٌ. قالَ الشّاعِرُ: ؎ثِيابُ بَنِي عَوْفٍ طُهارى نَقِيَّةً وأوْجُهُهم عِنْدَ المَشاهِدِ غُرّانُ نَزَعَ يَنْزِعُ: جَذَبَ، وتَنازَعْنا الحَدِيثَ تَجاذَبْناهُ، ومِنهُ: نِزاعُ المَيِّتِ، ونَزَعَ إلى كَذا: مالَ إلَيْهِ وانْجَذَبَ، ثُمَّ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الزَّوالِ، يُقالُ: نَزَعَ اللَّهُ عَنْهُ الشَّرَّ: أزالَهُ. ولَجَ يَلِجُ وُلُوجًا ولِجَّةً ووَلْجًا، ووَلَجَ تَوَلُّجًا، واتَّلَجَ اتِّلاجًا؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎فَإنَّ القَوافِيَ يَتَّلِجْنَ مَوالِجًا ∗∗∗ تَضايَقُ عَنْها أنْ تَوَلَّجَها الإبَرْ الأمَدُ: غايَةُ الشَّيْءِ، ومُنْتَهاهُ، وجَمْعُهُ آمادٌ. اللَّهُمَّ: هو اللَّهُ، إلّا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنِّداءِ فَلا يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ، وهَذِهِ المِيمُ الَّتِي لَحِقَتْهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ النِّداءِ، ولِذَلِكَ لا تَدَخُلَ عَلَيْهِ إلّا في الضَّرُورَةِ. وعِنْدَ الفَرّاءِ: هي مِن قَوْلِهِ: يا اللَّهُ أمِّنّا بِخَيْرٍ، وقَدْ أبْطَلُوا هَذا النَّصْبَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وكَبُرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ حَتّى حَذَفُوا مِنها: ألْ، فَقالُوا: لا هُمَّ، بِمَعْنى: اللَّهُمَّ. قالَ الزّاجِرُ: ؎لا هم إنِّي عامِرُ بْنُ جَهْمِ ∗∗∗ أحْرَمَ حَجًّا في ثِيابٍ دُسْمِ وخُفِّفَتْ مِيمُها في بَعْضِ اللُّغاتِ قالَ: ؎كَحَلْفَةٍ مِن أبِي رِياحٍ ∗∗∗ يَسْمَعُها اللَّهُمَ الكُبارُ الصَّدْرُ: مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ: صُدُورٌ. ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: «دَعا النَّبِيُّ ﷺ اليَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَقالَ لَهُ النُّعْمانُ بْنُ أبِي أوْفى: هَلُمَّ نُخاصِمُكَ إلى الأحْبارِ، فَقالَ: ”بَلْ إلى كِتابِ اللَّهِ“ . فَقالَ: بَلْ إلى الأحْبارِ» . فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «دَخَلَ ﷺ إلى المَدارِسِ عَلى اليَهُودِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، فَقالَ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ ؟ فَقالَ: ”عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ“ . قالا: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. فَقالَ: ”فَهَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ“ . فَأبَيا عَلَيْهِ»، فَنَزَلَتْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: «زَنى رَجُلٌ مِنهم بِامْرَأةٍ، ولَمْ يَكُنْ بَعْدُ في دِينِنا الرَّجْمُ، فَتَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَخْفِيفًا لِلزّانِيَيْنِ لِشَرَفِهِما، فَقالَ: ”إنَّما أحْكُمُ بِكِتابِكم“ . فَأنْكَرُوا الرَّجْمَ، فَجِيءَ بِالتَّوْراةِ، فَوَضَعَ حَبْرُهم ابْنُ صُورِيا يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: جاوَزَها يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأظْهَرَها فَرُجِما» . وقالَ النَّقّاشُ: نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ، فَقالَ لَهم: «هَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ فَفِيها صِفَتِي» . وقالَ مُقاتِلٌ: دَعا جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَحْنُ أحَقُّ بِالهُدى مِنكَ، وما أرْسَلَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ: «فَأخْرِجُوا التَّوْراةَ فَإنِّي مَكْتُوبٌ فِيها أنِّي نَبِيٌّ» فَأبَوْا، فَنَزَلَتْ (والَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ) هُمُ اليَهُودُ، والكِتابُ التَّوْراةُ. وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وقِيلَ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ جِنْسٌ لِلْكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وبَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومِن: تَبْعِيضٌ. وفي قَوْلِهِ: نَصِيبًا، أيْ: طَرَفًا، وظاهِرُ بَعْضِ الكِتابِ، وفي ذَلِكَ إذْ هم لَمْ يَحْفَظُوهُ، ولَمْ يَعْلَمُوا جَمِيعَ ما فِيهِ. ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ هو: التَّوْراةُ، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: القُرْآنُ. ويُدْعَوْنَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الَّذِينَ، والعامِلُ: تَرَ، والمَعْنى: ألا تَعْجَبُ مِن هَؤُلاءِ مَدْعُوِّينَ إلى كِتابِ اللَّهِ ؟ أيْ: في حالِ أنْ يُدْعَوْا إلى كِتابِ اللَّهِ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: لِيَحْكُمَ الكِتابُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: لِيُحْكَمَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (p-٤١٧)والمَحْكُومُ فِيهِ هو ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ هَذا اسْتِبْعادٌ لِتَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ؛ بِأنَّ الرُّجُوعَ إلى كِتابِ اللَّهِ واجِبٌ، ونَسَبَ التَّوَلِّي إلى فَرِيقٍ مِنهم، لا إلى جَمِيعِ المُبْعَدِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ ولَمْ يَتَوَلَّ كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ. ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ هو الإعْراضُ، أوْ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ التَّوَلِّي عَنِ الدّاعِي والإعْراضِ عَمّا دَعا إلَيْهِ، فَيَكُونُ المُتَعَلِّقُ مُخْتَلِفًا، أوْ لِكَوْنِ التَّوَلِّي بِالبَدَنِ والإعْراضِ بِالقَلْبِ، أوْ لِكَوْنِ التَّوَلِّي مِن عُلَمائِهِمْ والإعْراضِ مِن أتْباعِهِمْ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَزالُ الإعْراضُ عَنِ الحَقِّ وأتْباعِهِ مِن شَأْنِهِمْ وعادَتِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: (بَيْنَهم) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُتَنازَعَ فِيهِ كانَ بَيْنَهم واقِعًا لا بَيْنُهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو خِلافُ ما ذُكِرَ في أسْبابِ النُّزُولِ، فَإنْ صَحَّ سَبَبٌ مِنها كانَ المَعْنى: لِيَحْكُمَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ لَمْ يَصِحَّ حُمِلَ عَلى الِاخْتِلافِ الواقِعِ بَيْنَ مَن أسْلَمَ مِن أحْبارِهِمْ، وبَيْنَ مَن لَمْ يُسْلِمْ، فَدُعُوا إلى التَّوْراةِ الَّتِي لا اخْتِلافَ في صِحَّتِها عِنْدَكم؛ لِيَحْكُمَ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، فَتَوَلّى مَن لَمْ يُسْلِمْ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم ولَوْلا عِلْمُهم بِما ادَّعاهُ في كُتُبِهِمْ مِن نَعْتِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، لَما أعْرَضُوا وتَسارَعُوا إلى مُوافَقَةِ ما في كُتُبِهِمْ، حَتّى يُنَبَّئُوا عَنْ بُطْلانِ دَعْواهُ. وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن دَعاهُ خَصْمُهُ إلى الحُكْمِ الحَقِّ لَزِمَتْهُ إجابَتُهُ؛ لِأنَّهُ دَعاهُ إلى كِتابِ اللَّهِ، ويُعَضِّدُهُ: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] . قالَ القُرْطُبِيُّ: وإذا دُعِيَ إلى كِتابِ اللَّهِ وخالَفَ تَعَيَّنَ زَجْرُهُ بِالأدَبِ عَلى قَدْرِ المُخالِفِ والمُخالَفِ. وهَذا الحُكْمُ جارٍ عِنْدَنا بِالأنْدَلُسِ وبِلادِ المَغْرِبِ، ولَيْسَ بِالدِّيارِ المِصْرِيَّةِ. قالَ ابْنُ خُوَيْزِمَندادْ المالِكِيُّ: واجِبٌ عَلى مَن دُعِيَ إلى مَجْلِسِ الحُكْمِ أنْ يُجِيبَ ما لَمْ يَعْلَمْ أنَّ الحاكِمَ فاسِقٌ. ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى التَّوَلِّي، أيْ: ذَلِكَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ هَذِهِ الأقْوالِ الباطِلَةِ، وتَسْهِيلِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمُ العَذابَ، وطَمَعِهِمْ في الخُرُوجِ مِنَ النّارِ بَعْدَ أيّامٍ قَلائِلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَما طَمِعَتِ الجَبْرِيَّةُ والحَشْوِيَّةُ. ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءُ يَشْفَعُونَ لَهم، كَما غَرّى أُولَئِكَ بِشَفاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في كَبائِرِهِمُ انْتَهى كَلامُهُ. وهو عَلى عادَتِهِ مِنَ اللَّهَجِ بِسَبِّ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ورَمْيِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ، والخُرُوجِ إلى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ بِأيِّ طَرِيقٍ أمْكَنَهُ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الأيّامِ المَعْدُوداتِ، في سُورَةِ البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، إلّا أنَّهُ جاءَ هُناكَ: مَعْدُودَةٌ، وهُنا: مَعْدُوداتٌ، وهُما طَرِيقانِ فَصِيحانِ تَقُولُ: جِبالٌ شامِخَةٌ، وجِبالٌ شامِخاتٌ. فَتَجْعَلُ صِفَةَ جَمْعِ التَّكْسِيرِ لِلْمُذَكَّرِ الَّذِي لا يَعْقِلُ تارَةً لِصِفَةِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، وتارَةً لِصِفَةِ المُؤَنَّثاتِ. فَكَما تَقُولُ: نِساءٌ قائِماتٌ، كَذَلِكَ تَقُولُ: جِبالٌ راسِياتٌ، وذَلِكَ مَقِيسٌ مُطَّرِدٌ فِيهِ. ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الَّذِي افْتَرَوْهُ هو قَوْلُهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وقالَ قَتادَةُ: قَوْلُهم: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وقِيلَ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وقِيلَ: مَجْمُوعُ هَذِهِ الأقْوالِ. وارْتَفَعَ: ذَلِكَ، بِالِابْتِداءِ، وبِأنَّهم: هو الخَبَرُ، أيْ ذَلِكَ الإعْراضُ والتَّوَلِّي كائِنٌ لَهم وحاصِلٌ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلُهم: إنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا أيّامًا قَلائِلَ، يَحْصُرُها العَدَدُ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: شَأْنُهم ذَلِكَ، أيِ التَّوَلِّي والإعْراضُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وعَلى هَذا يَكُونُ: بِأنَّهم، في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مَصْحُوبًا بِهَذا القَوْلِ، وما في: ما كانُوا، مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ، واسْتِعْظامٌ لِعِظَمِ مَقالَتِهِمْ حِينَ اخْتَلَفَتْ مَطامِعُهم، وظَهَرَ كَذِبُ دَعْواهم؛ إذْ صارُوا إلى عَذابٍ ما لَهم حِيلَةٌ في دَفْعِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] هَذا الكَلامُ يُقالُ عِنْدَ التَّعْظِيمِ لِحالِ الشَّيْءِ، فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ؟ وقالَ الشّاعِرُ:(p-٤١٨) ؎فَكَيْفَ بِنَفْسٍ كُلَّما قُلْتُ أشْرَفَتْ ∗∗∗ عَلى البُرْءِ مِن دَهْماءَ هِيضَ انْدِمالُها وقالَ: ؎فَكَيْفَ وكُلٌّ لَيْسَ يَعْدُو حِمامَهُ ∗∗∗ وما لِامْرِئٍ عَمّا قَضى اللَّهُ مُرْحَلُ وانْتِصابُ: فَكَيْفَ، قِيلَ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ ؟ وقَدَّرَهُ الحُوفِيُّ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم ؟ فَإنْ أرادَ كانَ التّامَّةَ كانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وإنْ كانَتِ النّاقِصَةَ كانَتْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ كانَ، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى: التَّقْدِيرُ: كَيْفَ حالُهم ؟ والعامِلُ في: إذا، ذَلِكَ الفِعْلُ الَّذِي قَدَّرَهُ، والعامِلُ في: كَيْفَ، إذا كانَتْ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ إنْ قُلْنا إنَّ انْتِصابَها انْتِصابُ الظُّرُوفِ، وإنْ قُلْنا إنَّها اسْمٌ غَيْرُ ظَرْفٍ، فَيَكُونُ العامِلُ في: إذا، المُبْتَدَأ الَّذِي قَدَّرْناهُ، أيْ: فَكَيْفَ حالُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ لا يَحْتاجُ إلى جَوابٍ، وكَذا أكْثَرُ اسْتِفْهاماتِ القُرْآنِ؛ لِأنَّها مِن عالَمِ الشَّهادَةِ، وإنَّما اسْتِفْهامُهُ تَعالى تَقْرِيعٌ. واللّامُ، تَتَعَلَّقُ: بِجَمَعْناهم، والمَعْنى: لِقَضاءِ يَوْمٍ وجَزائِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ [آل عمران: ٩] قالَ النَّقّاشُ: اليَوْمَ، هُنا الوَقْتُ، وكَذَلِكَ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ و﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] و﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] إنَّما هي عِبارَةٌ عَنْ أوْقاتٍ، فَإنَّما الأيّامُ واللَّيالِي عِنْدَنا في الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ في يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ يَوْمٌ، لِأنَّهُ قَبْلَهُ لَيْلَةٌ وفِيهِ شَمْسٌ. ومَعْنى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ في نَفْسِ الأمْرِ، أوْ عِنْدَ المُؤْمِنِ، أوْ عِنْدَ المُخْبَرِ عَنْهُ، أوْ حِينَ يَجْمَعُهم فِيهِ، أوْ مَعْناهُ: الأمْرُ خَمْسَةُ أقْوالٍ. ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في البَقَرَةِ، آخِرَ آياتِ الرِّبا. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] قالَ الكَلْبِيُّ: ظَهَرَتْ صَخْرَةٌ في الخَنْدَقِ، فَضَرَبَها ﷺ فَبَرَقَ بَرْقٌ فَكَبَّرَ، وكَذا في الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَقالَ: ”في الأُولى: قُصُورُ العَجَمِ، وفي الثّانِيَةِ: قُصُورُ الرُّومِ. وفي الثّالِثَةِ: قُصُورُ اليَمَنِ. فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ: أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلى الكُلِّ“ . فَعَيَّرَهُ المُنافِقُونَ بِأنَّهُ يَضْرِبُ المِعْوَلَ، ويَحْفُرُ الخَنْدَقَ فَرْقًا، ويَتَمَنّى مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، فَنَزَلَتْ. اخْتَصَرَهُ السَّجاوَنْدِيُّ هَكَذا، وهو سَبَبٌ مُطَوَّلٌ جِدًّا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ، وخافُوا فَتْحَ العَجَمِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: هم أعَزُّ وأمْنَعُ، فَنَزَلَتْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ: لَمّا فَتَحَ ﷺ مَكَّةَ، وعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: بَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ فَقالُوَ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ فَنَزَلَتْ، فَذُلُّوا وطَلَبُوا المُواصَمَةَ. وقالَ الحَسَنُ: سَألَ ﷺ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ لِأُمَّتِهِ، فَنَزَلَتْ عَلى لَفْظِ النَّهْيِ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: واللَّهُ لا نُطِيعُ رَجُلًا جاءَ بِنَقْلِ النُّبُوَّةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ رَدًّا عَلى نَصارى نَجْرانَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ عِيسى هو اللَّهُ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأوْصافِ. والمُلْكُ هُنا ظاهِرُهُ السُّلْطانُ والغَلَبَةُ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ جاءَتْ أسْبابُ النُّزُولِ. وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ النُّبُوَّةُ، وهَذا يَتَنَزَّلُ عَلى نَقْلِ أبِي مُسْلِمٍ في سَبَبِ النُّزُولِ. وقِيلَ: المالُ والعَبِيدُ، وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مالِكُ العِبادِ وما مَلَكُوا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: تَمَلُّكُ جِنْسِ المُلْكِ؛ فَتَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فِيما يَمْلِكُونَ. وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقَدْ تَكَلَّمَ في لَفْظَةِ: اللَّهُمَّ، مِن جِهَةِ النَّحْوِ، فَقالَ: أجْمَعُوا عَلى أنَّها مَضْمُومَةُ الهاءِ، مُشَدَّدَةُ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، وأنَّها مُنادى انْتَهى. وما ذُكِرَ مِنَ الإجْماعِ عَلى تَشْدِيدِ المِيمِ. قَدْ نَقَلَ الفَرّاءُ تَخْفِيفَ مِيمِها في بَعْضِ اللُّغاتِ، قالَ: وأنْشَدَ بَعْضُهم: ؎كَحْلَفةٍ مِن أبِي رِياحٍ ∗∗∗ يَسْمَعُها اللَّهُمَ الكُبارُ قالَ الرّادُّ عَلَيْهِ: تَخْفِيفُ المِيمِ خَطَأٌ فاحِشٌ خُصُوصًا عند الفَرّاءِ، لِأنَّ عِنْدَهُ هي الَّتِي في أمِّنّا، إذْ لا يَحْتَمِلُ التَّخْفِيفُ أنْ تَكُونَ المِيمُ فِيهِ بَقِيَّةَ ”أمِّنّا“ . قالَ: والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ ”يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبارُ“ انْتَهى. وإنْ (p-٤١٩)صَحَّ هَذا البَيْتُ عَنِ العَرَبِ كانَ فِيهِ شُذُوذٌ آخَرُ مِن حَيْثُ اسْتِعْمالُهُ في غَيْرِ النِّداءِ، ألا تَرى أنَّهُ جَعَلَهُ في هَذا البَيْتِ فاعِلًا بِالفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟ قالَ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: هَذِهِ المِيمُ تَجْمَعُ سَبْعِينَ اسْمًا مِن أسْمائِهِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَن قالَ اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعا اللَّهَ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ كُلِّها. وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُمَّ: مَجْمَعُ الدُّعاءِ. ومَعْنى قَوْلِ النَّضْرِ: إنَّ اللَّهُمَّ هو اللَّهُ زِيدَتْ فِيهِ المِيمُ، فَهو الِاسْمُ العَلَمُ المُتَضَمِّنُ لِجَمِيعِ أوْصافِ الذّاتِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَ زَيْدٌ، فَقَدْ ذَكَرْتَ الِاسْمَ الخاصَّ، فَهو مُتَضَمِّنٌ جَمِيعَ أوْصافِهِ الَّتِي هي فِيهِ مِن شُهْلَةٍ أوْ طُولٍ أوْ جُودٍ أوْ شَجاعَةٍ، أوِ أضْدادِها وما أشْبَهَ ذَلِكَ. وانْتِصابُ: مالِكَ المُلْكِ، عَلى أنَّهُ مُنادًى ثانٍ أيْ: يا مالِكَ المُلْكِ، ولا يُوصَفُ اللَّهُمَّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وأجازَ أبُو العَبّاسِ وأبُو إسْحاقَ وصْفَهُ، فَهو عِنْدَهُما صِفَةٌ ”لِلاهم“، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ النَّحْوُ. ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الظّاهِرُ أنَّ المُلْكَ هو السُّلْطانُ والغَلَبَةُ، كَما أنَّ ظاهِرَ المُلْكِ الأوَّلِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الأوَّلُ عامًّا، وهَذانِ خاصَّيْنِ. والمَعْنى: إنَّكَ تُعْطِي مَن شِئْتَ قِسْمًا مِنَ المُلْكِ، وتَنْزِعُ مِمَّنْ شِئْتَ قِسْمًا مِنَ المُلْكِ، وقَدْ فَسَّرَ المُلْكَ هُنا بِالنُّبُوَّةِ أيْضًا، ولا يَتَأتّى هَذا التَّفْسِيرُ في: تَنْزِعُ المُلْكَ، لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُؤْتِ النُّبُوَّةَ لِأحَدٍ ثُمَّ نَزَعَها مِنهُ إلّا أنْ يَكُونَ تَنْزِعُ مَجازًا بِمَعْنى: تَمْنَعُ النُّبُوَّةَ مِمَّنْ تَشاءُ، فَيُمْكِنُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: هو مُلْكُ النَّفْسِ ومَنعُها مِنِ اتِّباعِ الهَوى. وقِيلَ: العافِيَةُ، وقِيلَ: القَناعَةُ. وقِيلَ: الغَلَبَةُ بِالدِّينِ والطّاعَةِ. وقِيلَ: قِيامُ اللَّيْلِ. وقالَ الشِّبْلِيُّ: هو الِاسْتِغْناءُ بِالمُكَوِّنِ عَنِ الكَوْنَيْنِ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: هو قَهْرُ إبْلِيسَ، كَما كانَ يَفِرُّ مِن ظِلِّ عُمَرَ، وعَكْسُهُ مَن كانَ يَجْرِي الشَّيْطانُ مِنهُ مَجْرى الدَّمِ. وقِيلَ: مُلْكُ المَعْرِفَةِ بِلا عِلَّةِ، كَما أتى سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ، ونَزَعَ مِن بَلْعامَ. وقالَ أبُو عُثْمانَ: هو تَوْفِيقُ الإيمانِ. وإذا حَمَلْناهُ عَلى الأظْهَرِ: وهو السَّلْطَنَةُ والغَلَبَةُ، وكَوْنُ المُؤْتى هو الآمِرَ المُتَّبَعَ، فالَّذِي آتاهُ المُلْكَ هو مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ، والمَنزُوعُ مِنهم فارِسُ والرُّومُ. وقِيلَ: المَنزُوعُ مِنهُ أبُو جَهْلٍ وصَنادِيدُ قُرَيْشٍ. وقِيلَ: العَرَبُ وخُلَفاءُ الإسْلامِ ومُلُوكُهُ، والمَنزُوعُ فارِسُ والرُّومُ. وقالَ السُّدِّيُّ: الأنْبِياءُ؛ أُمِرَ النّاسُ بِطاعَتِهِمْ، والمَنزُوعُ مِنهُ الجَبّارُونَ؛ أُمِرَ النّاسُ بِخِلافِهِمْ. وقِيلَ: آدَمُ ووَلَدُهُ، والمَنزُوعُ مِنهُ إبْلِيسُ وجُنُودُهُ. وقِيلَ: داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَنزُوعُ مِنهُ طالُوتُ. وقِيلَ: صَخْرٌ، والمَنزُوعُ مِنهُ سُلَيْمانُ أيّامَ مِحْنَتِهِ. وقِيلَ: المَعْنى تُؤْتِي المُلْكَ في الجَنَّةِ مَن تَشاءُ، وتَنْزِعُ المُلْكَ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ مِمَّنْ تَشاءُ. وقِيلَ: المُلْكُ العُزْلَةُ والِانْقِطاعُ، وسَمَّوْهُ المُلْكَ المَجْهُولَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُضْطَرِبَةٌ، وتَخْصِيصاتٌ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْها، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لا الحَصْرِ في المُرادِ. ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] قِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ وأصْحابُهُ، حِينَ دَخَلُوا مَكَّةَ في اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا ظاهِرِينَ عَلَيْها، وأذَلَّ أبا جَهْلٍ وصَنادِيدَ قُرَيْشٍ حَتّى حُزَّتْ رُءُوسُهم وأُلْقُوا في القَلِيبِ. وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والعِرْفانِ، وتُذِلُّ بِالخِذْلانِ. وقالَ عَطاءٌ: المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وتُذِلُّ فارِسَ والرُّومَ. وقِيلَ: بِالطّاعَةِ، وتُذِلُّ بِالمَعْصِيَةِ. وقِيلَ: بِالظَّفْرِ والغَنِيمَةِ، وتُذِلُّ بِالقَتْلِ والجِزْيَةِ. وقِيلَ: بِالإخْلاصِ، وتُذِلُّ بِالرِّياءِ. وقِيلَ بِالغِنى، وتُذِلُّ بِالفَقْرِ. وقِيلَ: بِالجَنَّةِ والرُّؤْيَةِ، وتُذِلُّ بِالحِجابِ والنّارِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ. وقِيلَ: بِقَهْرِ النَّفْسِ، وتُذِلُّ بِاتِّباعِ الخِزْيِ، قالَهُ الوَرّاقُ. وقِيلَ: بِقَهْرِ الشَّيْطانِ، وتُذِلُّ بِقَهْرِ الشَّيْطانِ إيّاهُ، قالَهُ الكَتّانِيُّ. وقِيلَ: بِالقَناعَةِ والرِّضا، وتُذِلُّ بِالحِرْصِ والطَّمَعِ. يَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الأقاوِيلِ عَلى التَّمْثِيلِ لِأنَّهُ لا مُخَصِّصَ في الآيَةِ، بَلِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ العِزُّ والذُّلُّ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، ولِلْمُعْتَزِلَةِ هُنا كَلامٌ مُخالِفٌ لِكَلامِ أهْلِ السُّنَّةِ، قالَ الكَعْبِيُّ: تُؤْتِي المُلْكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْقاقِ مَن يَقُومُ بِهِ، ولا تَنْزِعُهُ إلّا مِمَّنْ فَسَقَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧] جَعَلَ الِاصْطِفاءَ سَبَبًا لِلْمُلْكِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُلْكُ الظّالِمِينَ بِإيتائِهِ وقَدْ يَكُونُ، وقَدْ ألْزَمَهم (p-٤٢٠)أنْ لا يَتَمَلَّكُوهُ، فَصَحَّ أنَّ المُلُوكَ العادِلِينَ هُمُ المَخْصُوصُونَ بِإيتاءِ اللَّهِ المُلْكَ، وأمّا الظّالِمُونَ فَلا. أمّا النَّزْعُ فَبِخِلافِهِ، فَكَما يَنْزِعُهُ مِنَ العادِلِ لِمَصْلَحَةٍ، فَقَدْ يَنْزِعُهُ مِنَ الظّالِمِ. وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: الإعْزازُ المُضافُ إلَيْهِ تَعالى يَكُونُ في الدِّينِ بِالإمْدادِ بِالألْطافِ ومَدْحِهِمْ وتَغَلُّبِهِمْ عَلى الأعْداءِ، ويَكُونُ في الدُّنْيا بِالمالِ وإعْطاءِ الهَيْبَةِ. وأشْرَفُ أنْواعِ العِزَّةِ في الدِّينِ هو الإيمانُ، وأذَلُّ الأشْياءِ المُوجِبَةِ لِلذِّلَّةِ هو الكُفْرُ، فَلَوْ كانَ حُصُولُ الإيمانِ والكُفْرِ مِنَ العَبْدِ، لَكانَ إعْزازُ العَبْدِ نَفْسَهُ بِالإيمانِ، وإذْلالُهُ نَفْسَهُ بِالكُفْرِ أعْظَمَ مِن إعْزازِ اللَّهِ إيّاهُ وإذْلالِهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ حَظُّهُ مِن هَذا الوَصْفِ أتَمَّ مِن حَظِّهِ - سُبْحانَهُ - وهو باطِلٌ قَطْعًا. وقالَ الجُبّائِيُّ: يُذِلُّ أعْداءَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا يُذِلُّ أوْلِياءَهُ وإنْ أفْقَرَهم، وأمْرَضَهم، وأخافَهم، وأحْوَجَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّ ذَلِكَ لِعِزِّهِمْ في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ، أوِ العِوَضِ فَصارَ كالفَصْدِ يُؤْلِمُ في الحالِ ويُعْقِبُ نَفْعًا. قالَ: ووُصْفُ الفَقْرِ بِكَوْنِهِ ذُلًّا مَجازًا، كَقَوْلِهِ ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وإذْلالُ اللَّهِ المُبْطِلُ بِوُجُوهٍ بِالذَّمِّ، واللَّعْنِ، وخِذْلانِهِمْ بِالحُجَّةِ والنُّصْرَةِ، وبِجَعْلِهِمْ لِأهْلِ دِينِهِ غَنِيمَةً، وبِعُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ.

آل عمران 3:26

﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ أيْ: بِقُدْرَتِكَ وتَصْدِيقِكَ وقَعَ الخَيْرُ، ويَسْتَحِيلُ وُجُودُ اليَدِ بِمَعْنى الجارِحَةِ لِلَّهِ تَعالى. قِيلَ: المَعْنى والشَّرُّ، نَحْوَ: تَقِيكُمُ الحُرَّ، أيْ والبَرْدَ. وحَذْفُ المَعْطُوفِ جائِزٌ لِفَهْمِ المَعْنى، إذْ أحَدُ الضِّدَّيْنِ يُفْهَمُ مِنهُ الآخَرُ، وهو تَعالى قَدْ ذَكَرَ إيتاءَ المُلْكِ ونَزْعَهُ، والإعْزازَ والإذْلالَ، وذَلِكَ خَيْرٌ لِناسٍ وشَرٌّ لِآخَرِينَ، فَلِذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ: بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَّرُّ، ثُمَّ خَتَمَها بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَجاءَ بِهَذا العامِ المُنْدَرِجِ تَحْتَهُ الأوْصافُ السّابِقَةُ، وجَمَعَ الخُيُورَ والشُّرُورَ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ تَعْلِيمٌ لَنا كَيْفَ نَمْدَحُ ؟ بِأنْ نَذْكُرَ أفْضَلَ الخِصالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالَ ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ فَذَكَرَ الخَيْرَ دُونَ الشَّرِّ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ في الخَيْرِ الَّذِي يَسُوقُهُ إلى المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي أنْكَرَتْهُ الكَفَرَةُ، فَقالَ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تُؤْتِيهِ أوْلِياءَكَ عَلى رَغْمِ أعْدائِكَ؛ ولِأنَّ كُلَّ أفْعالِ اللَّهِ مِن نافِعٍ وضارٍّ صادِرٌ عَنِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ فَهو خَيْرٌ كُلُّهُ انْتَهى كَلامُهُ، وهو يُدافِعُ آخِرُهُ أوَّلَهُ، لِأنَّهُ ذَكَرَ في السُّؤالِ؛ لِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ ؟ وأجابَ بِالجَوابِ الأوَّلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ بِيَدِهِ تَعالى الخَيْرَ والشَّرَّ، وإنَّما كانَ اقْتِصارُهُ عَلى الخَيْرِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ فِيما يَسُوقُهُ تَعالى مِنَ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَناسَبَ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ فَقَطْ. وأجابَ بِالجَوابِ الثّانِي: وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَمِيعُ أفْعالِهِ خَيْرٌ لَيْسَ فِيها شَرٌّ، وهَذا الجَوابُ يُناقِضُ الأوَّلَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ، وهو تَعالى بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٌ؛ إذِ الآيَةُ في مَعْنى دُعاءٍ ورَغْبَةٍ، فَكانَ المَعْنى: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ فَأجْزِلْ حَظِي مِنهُ. وقالَ الرّاغِبُ: لَمّا كانَتْ في الحَمْدِ والشُّكْرِ لا لِلْحُكْمِ، ذَكَرَ الخَيْرَ إذْ هو المَشْكُورُ عَلَيْهِ. وقالَ الرّازِيُّ: الخَيْرُ فِيهِ الألِفُ واللّامُ الدّالَّةُ عَلى العُمُومِ، وتَقْدِيمُ: بِيَدِكَ، يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ، فَدَلَّ عَلى أنْ لا خَيْرَ إلّا بِيَدِهِ، وأفْضَلُ الخَيْراتِ الإيمانُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ. ولِأنَّ فاعِلَ الأشْرَفِ أشْرَفُ، والإيمانُ أشْرَفُ. ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ (p-٤٢١)عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى ما يَنْتَقِصُ مِنَ النَّهارِ يَزِيدُ في اللَّيْلِ، وما يَنْتَقِصُ مِنَ اللَّيْلِ يَزِيدُ في النَّهارِ، دَأْبًا كُلُّ فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ، قِيلَ: حَتّى يَصِيرَ النّاقِصُ تِسْعَ ساعاتٍ، والزّائِدُ خَمْسَ عَشْرَةَ ساعَةً. وذَكَرَ بَعْضُ مُعاصِرِينا: أجْمَعَ أرْبابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ، عَلى أنَّ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّيادَةُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ بِأخْذِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ ثَلاثِينَ دَرَجَةً، فَتَنْتَهِي زِيادَةُ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ إلى أرْبَعَ عَشْرَةَ ساعَةً، وكَذَلِكَ العَكْسُ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ المَعْنى في الوُلُوجِ هُنا تَغْطِيَةُ اللَّيْلِ بِالنَّهارِ إذا أقْبَلَ، وتَغْطِيَةُ النَّهارِ بِاللَّيْلِ إذا أقْبَلَ، فَصَيْرُورَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في زَمانِ الآخَرِ كالوُلُوجِ فِيهِ، وأوْرَدَ هَذا القَوْلَ احْتِمالًا ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ فِيها تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكانَ زَوالُ أحَدِهِما وُلُوجَ الآخَرِ. ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ مَعْنى الإخْراجِ: التَّكْوِينُ هُنا، والإخْراجُ حَقِيقَةً: هو إخْراجُ الشَّيْءِ مِنَ الظَّرْفِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالَةَ إبْراهِيمَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. تُخْرِجُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ وهي مَيِّتَةٌ إذا انْفَصَلَتِ النُّطْفَةُ مِنَ الحَيَوانِ، وتُخْرِجُ النُّطْفَةَ وهي مَيِّتَةٌ مِنَ الرَّجُلِ وهو حَيٌّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَوْتُ مَجازًا إذِ النُّطْفَةُ لَمْ يَسْبِقْ لَها حَياةٌ، ويَكُونُ المَعْنى: وتُخْرِجُ الحَيَّ مِن ما لا تَحِلُّهُ الحَياةُ، وتُخْرِجُ ما لا تَحِلُّهُ الحَياةُ مِنَ الحَيِّ، والإخْراجُ عِبارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الحالِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ؛ أيِ: الفَرْخَ مِنَ البَيْضَةِ، والبَيْضَةَ مِنَ الطَّيْرِ، والمَوْتُ أيْضًا هُنا مَجازٌ، والإخْراجُ حَقِيقَةٌ. وقالَ أبُو مالِكٍ: النَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ، والسُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ، والنَّواةَ مِنَ النَّخْلَةِ، والحَبَّةَ مِنَ السُّنْبُلَةِ، والمَوْتُ والحَياةُ في هَذا مَجازٌ. وقالَ الحَسَنُ: ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ: تُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وهُما أيْضًا مَجازٌ. وفي الحَدِيثِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«سُبْحانَ اللَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ“ . وقَدْ رَأى امْرَأةً صالِحَةً ماتَ أبُوها كافِرًا»، وهي خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الحَبِّ، ويُخْرِجُ الحَبَّ اليابِسَ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ. وقِيلَ: الطَّيِّبَ مِنَ الخَبِيثِ، والخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: ويُحْتَمَلُ: يُخْرِجُ الجَلْدَ الفَطِنَ مِنَ البَلِيدِ العاجِزِ، والعَكْسُ؛ لِأنَّ الفِطْنَةَ حَياةُ الحِسِّ، والبَلادَةَ مَوْتُهُ. وقِيلَ: يُخْرِجُ الحِكْمَةَ مِن قَلْبِ الفاجِرِ؛ لِأنَّها لا تَسْتَقِرُّ فِيهِ، والسَّقْطَةُ مِن لِسانِ العارِفِ، وهَذِهِ كُلُّها مَجازاتٌ بَعِيدَةٌ. والأظْهَرُ في قَوْلِهِ ﴿الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ تَصَوُّرُ اثْنَيْنِ. وقِيلَ: عَنى بِذَلِكَ شَيْئًا واحِدًا يَتَغَيَّرُ بِهِ الحالُ، فَيَكُونُ مَيِّتًا ثُمَّ يَحْيا، وحَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ. نَحْوَ قَوْلِكَ: جاءَ مِن فُلانٍ أسَدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الحَياةَ والمَوْتَ هُنا حَقِيقَتانِ لا اسْتِعارَةَ فِيهِما، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المَثَلِ الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ، وذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَوْلَ عِكْرِمَةَ المُتَقَدِّمَيْنِ، ولا يُمْكِنُ الحَمْلُ إذْ ذاكَ عَلى الحَقِيقَةِ أصْلًا، وكَذَلِكَ في المَوْتِ، وشَدَّدَ حَفْصٌ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: المَيِّتُ، في هَذِهِ الآيَةِ. وفي الأنْعامِ، والأعْرافِ، ويُونُسَ، والرُّومِ، وفاطِرٍ، زادَ نافِعٌ تَشْدِيدَ الياءِ في: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] في الأنْعامِ و﴿الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] في يس ﴿لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] في الحُجُراتِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفَ ذَلِكَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ التَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ في الِاسْتِعْمالِ، كَما تَقُولُ: لَيِّنٌ ولَيْنٌ، وهَيِّنٌ وهَيْنٌ. ومَن زَعَمَ أنَّ المُخَفَّفَ لِما قَدْ ماتَ، والمُشَدَّدَ لِما قَدْ ماتَ ولِما لَمْ يَمُتْ فَيَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ. ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ، فَذَكَرَ حالَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في المُعاقَبَةِ بَيْنَهُما، وحالَ الحَيِّ والمَيِّتِ في إخْراجِ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ بِغَيْرِ حِسابٍ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ العَظِيمَةِ المُحَيِّرَةِ لِلْأفْهامِ، ثُمَّ قَدَرَ أنْ يَرْزُقَ بِغَيْرِ حِسابٍ (p-٤٢٢)مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَنْزِعَ المُلْكَ مِنَ العَجَمِ ويُذِلَّهم، ويُؤْتِيَهُ العَرَبُ ويُعِزَّهُمُ انْتَهى. وهو حَسَنٌ. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ، والبَلاغَةِ، والبَدِيعِ. الِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ التَّعَجُّبُ في ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ [آل عمران: ٢٣] . والإشارَةُ في ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] فَإدْخالُ: مِن، يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يُحِيطُوا بِالتَّوْراةِ عِلْمًا، ولا حِفْظًا، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإزْراءِ بِهِمْ، وتَنْقِيصِ قَدْرِهِمْ وذَمِّهِمْ؛ إذْ يَزْعُمُونَ أنَّهم أخْيارٌ وهم بِخِلافِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٤] إشارَةٌ إلى تَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمُ اللَّذَيْنِ سَبَبُهُما افْتِراؤُهم، وفي ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [آل عمران: ٢٥] إشارَةٌ إلى أنَّ جَزاءَ أعْمالِهِمْ لا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ. والتَّكْرارُ في ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] إمّا في اللَّفْظِ والمَعْنى إنْ كانَ المَدْلُولُ واحِدًا، وإمّا في اللَّفْظِ إنْ كانَ مُخْتَلِفًا. وفي التَّوَلِّي والإعْراضِ إنْ كانا بِمَعْنًى واحِدٍ. وفي: ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ﴾ ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ﴾ وتَكْرارُهُ في جُمَلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، إنْ كانَ المُرادُ واحِدًا، وإنِ اخْتَلَفَ كانَ مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ فَقَطْ، وتَكْرارُ ﴿مَن تَشاءُ﴾ وفي (تُولِجُ) وفي (تُخْرِجُ) وفي مُتَعَلِّقَيْهِما. والِاتِّساعُ في جَعْلِ في بِمَعْنى عَلى، عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ أيْ: عَلى النَّهارِ، ﴿وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: عَلى اللَّيْلِ. وعَبَّرَ بِالإيلاجِ عَنِ العُلُوِّ والتَّغْشِيَةِ. والنَّفْيُ المُتَضَمِّنُ الأمْرَ في ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ، أيْ: لا تَرْتابُوا فِيهِ، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ والطِّباقُ: في: تُؤْتِي وتَنْزِعُ، وتُعِزُّ وتُذِلُّ، وفي اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفي الحَيِّ والمَيِّتِ. ورَدُّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ في: تُولِجُ، وما بَعْدَهُ، والحَذْفُ وهو في مَواضِعَ مِمّا يَتَوَقَّفُ فَهْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِها. كَقَوْلِهِ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ أيْ: مَن تَشاءُ أنْ تُؤْتِيَهُ. والإسْنادُ المَجازِيُّ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣] أسْنَدَ الحُكْمَ إلى الكِتابِ؛ لِأنَّهُ يُبَيِّنُ الأحْكامَ فَهو سَبَبُ الحُكْمِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: «إنَّ مَن أرادَ قَضاءَ دَيْنِهِ قَرَأ كُلَّ يَوْمٍ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلى ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وبُقُولِ: رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُما، تُعْطِي مِنهُما مَن تَشاءُ اقْضِ عَنِّي دَيْنِي. فَلَوْ كانَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَأدّاهُ اللَّهُ» . ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] قِيلَ: نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ؛ كانَ لَهُ حُلَفاءُ مِنَ اليَهُودِ فَأرادَ أنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ. وقِيلَ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ كانُوا يَتَوالَوْنَ اليَهُودَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، وهُمُ: الحَجّاجُ بْنُ عُمَرَ، وكَهْمَسُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، وقَيْسُ بْنُ يَزِيدَ، كانُوا يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ يَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ فَنَهاهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وقالُوا: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ، فَأبَوْا، فَنَزَلَتْ، هَذِهِ الأقْوالُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: في حاطِبِ بْنِ بَلْتَعَةَ وغَيْرِهِ كانُوا يُظْهِرُونَ المَوَدَّةَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ. ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ اللُّطْفُ بِهِمْ في المُعاشَرَةِ؛ وذَلِكَ لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ، قَبْلَ الإسْلامِ، أوْ يَدٍ سابِقَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا فِيما يَظْهَرُ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وأمّا أنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ونِيَّتِهِ فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ، والمَنهِيُّونَ هُنا قَدْ قَرَّرَ لَهُمُ الإيمانَ، فالنَّهْيُ هُنا إنَّما مَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ اللُّطْفِ بِهِمْ والمَيْلِ إلَيْهِمْ، واللُّطْفُ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْصارِ، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا في القُرْآنِ. ويَكْفِيكَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآيَةَ، والمَحَبَّةُ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ [آل عمران: ٢٨]، عَلى النَّهْيِ، وقَرَأ الضَّبِّيُّ بِرَفْعِ الذّالِ عَلى النَّفْيِ، والمُرادُ بِهِ النَّهْيُ، وقَدْ أجازَ الكِسائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ كَقِراءَةِ الضَّبِّيِّ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى - لَمّا ذَكَرَ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤَمِنُ عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ بِالأفْعالِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها، ذَكَرَ ما يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ مِن مُعامَلَةِ الخَلْقِ، وكانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ في الكُفّارِ فَنُهُوا عَنْ مُوالاتِهِمْ، وأُمِرُوا بِالرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ وعِنْدَ أوْلِيائِهِ دُونَ أعْدائِهِ؛ إذْ هو تَعالى مالِكُ المُلْكِ. وظاهِرُ الآيَةِ تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ مُوالاتِهِمْ إلّا ما فَسَحَ لَنا فِيهِ مِنَ اتِّخاذِهِمْ عَبِيدًا، والِاسْتِعانَةِ بِهِمُ اسْتِعانَةَ العَزِيزِ بِالذَّلِيلِ، والأرْفَعِ بِالأوْضَعِ، والنِّكاحِ فِيهِمْ. فَهَذا كُلُّهُ ضَرْبٌ (p-٤٢٣)مِنَ المُوالاةِ أُذِنَ لَنا فِيهِ، ولَسْنا مَمْنُوعِينَ مِنهُ، فالنَّهْيُ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ. ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: مِن دُونِ، في قَوْلِهِ ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. و”يَتَّخِذِ“، هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، ومِن دُونِ: مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ”لا يَتَّخِذِ“؛ ومِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ. قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: أيْ لا تَجْعَلُوا ابْتِداءَ الوِلايَةِ مِن مَكانٍ دُونَ مَكانِ المُؤْمِنِينَ.

آل عمران 3:27

﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ أيْ: بِقُدْرَتِكَ وتَصْدِيقِكَ وقَعَ الخَيْرُ، ويَسْتَحِيلُ وُجُودُ اليَدِ بِمَعْنى الجارِحَةِ لِلَّهِ تَعالى. قِيلَ: المَعْنى والشَّرُّ، نَحْوَ: تَقِيكُمُ الحُرَّ، أيْ والبَرْدَ. وحَذْفُ المَعْطُوفِ جائِزٌ لِفَهْمِ المَعْنى، إذْ أحَدُ الضِّدَّيْنِ يُفْهَمُ مِنهُ الآخَرُ، وهو تَعالى قَدْ ذَكَرَ إيتاءَ المُلْكِ ونَزْعَهُ، والإعْزازَ والإذْلالَ، وذَلِكَ خَيْرٌ لِناسٍ وشَرٌّ لِآخَرِينَ، فَلِذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ: بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَّرُّ، ثُمَّ خَتَمَها بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَجاءَ بِهَذا العامِ المُنْدَرِجِ تَحْتَهُ الأوْصافُ السّابِقَةُ، وجَمَعَ الخُيُورَ والشُّرُورَ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ تَعْلِيمٌ لَنا كَيْفَ نَمْدَحُ ؟ بِأنْ نَذْكُرَ أفْضَلَ الخِصالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالَ ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ فَذَكَرَ الخَيْرَ دُونَ الشَّرِّ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ في الخَيْرِ الَّذِي يَسُوقُهُ إلى المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي أنْكَرَتْهُ الكَفَرَةُ، فَقالَ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تُؤْتِيهِ أوْلِياءَكَ عَلى رَغْمِ أعْدائِكَ؛ ولِأنَّ كُلَّ أفْعالِ اللَّهِ مِن نافِعٍ وضارٍّ صادِرٌ عَنِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ فَهو خَيْرٌ كُلُّهُ انْتَهى كَلامُهُ، وهو يُدافِعُ آخِرُهُ أوَّلَهُ، لِأنَّهُ ذَكَرَ في السُّؤالِ؛ لِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ ؟ وأجابَ بِالجَوابِ الأوَّلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ بِيَدِهِ تَعالى الخَيْرَ والشَّرَّ، وإنَّما كانَ اقْتِصارُهُ عَلى الخَيْرِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ فِيما يَسُوقُهُ تَعالى مِنَ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَناسَبَ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ فَقَطْ. وأجابَ بِالجَوابِ الثّانِي: وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَمِيعُ أفْعالِهِ خَيْرٌ لَيْسَ فِيها شَرٌّ، وهَذا الجَوابُ يُناقِضُ الأوَّلَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ، وهو تَعالى بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٌ؛ إذِ الآيَةُ في مَعْنى دُعاءٍ ورَغْبَةٍ، فَكانَ المَعْنى: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ فَأجْزِلْ حَظِي مِنهُ. وقالَ الرّاغِبُ: لَمّا كانَتْ في الحَمْدِ والشُّكْرِ لا لِلْحُكْمِ، ذَكَرَ الخَيْرَ إذْ هو المَشْكُورُ عَلَيْهِ. وقالَ الرّازِيُّ: الخَيْرُ فِيهِ الألِفُ واللّامُ الدّالَّةُ عَلى العُمُومِ، وتَقْدِيمُ: بِيَدِكَ، يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ، فَدَلَّ عَلى أنْ لا خَيْرَ إلّا بِيَدِهِ، وأفْضَلُ الخَيْراتِ الإيمانُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ. ولِأنَّ فاعِلَ الأشْرَفِ أشْرَفُ، والإيمانُ أشْرَفُ. ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ قالَ ابْنُ (p-٤٢١)عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى ما يَنْتَقِصُ مِنَ النَّهارِ يَزِيدُ في اللَّيْلِ، وما يَنْتَقِصُ مِنَ اللَّيْلِ يَزِيدُ في النَّهارِ، دَأْبًا كُلُّ فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ، قِيلَ: حَتّى يَصِيرَ النّاقِصُ تِسْعَ ساعاتٍ، والزّائِدُ خَمْسَ عَشْرَةَ ساعَةً. وذَكَرَ بَعْضُ مُعاصِرِينا: أجْمَعَ أرْبابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ، عَلى أنَّ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّيادَةُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ بِأخْذِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ ثَلاثِينَ دَرَجَةً، فَتَنْتَهِي زِيادَةُ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ إلى أرْبَعَ عَشْرَةَ ساعَةً، وكَذَلِكَ العَكْسُ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ المَعْنى في الوُلُوجِ هُنا تَغْطِيَةُ اللَّيْلِ بِالنَّهارِ إذا أقْبَلَ، وتَغْطِيَةُ النَّهارِ بِاللَّيْلِ إذا أقْبَلَ، فَصَيْرُورَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في زَمانِ الآخَرِ كالوُلُوجِ فِيهِ، وأوْرَدَ هَذا القَوْلَ احْتِمالًا ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ فِيها تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكانَ زَوالُ أحَدِهِما وُلُوجَ الآخَرِ. ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ مَعْنى الإخْراجِ: التَّكْوِينُ هُنا، والإخْراجُ حَقِيقَةً: هو إخْراجُ الشَّيْءِ مِنَ الظَّرْفِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالَةَ إبْراهِيمَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. تُخْرِجُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ وهي مَيِّتَةٌ إذا انْفَصَلَتِ النُّطْفَةُ مِنَ الحَيَوانِ، وتُخْرِجُ النُّطْفَةَ وهي مَيِّتَةٌ مِنَ الرَّجُلِ وهو حَيٌّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَوْتُ مَجازًا إذِ النُّطْفَةُ لَمْ يَسْبِقْ لَها حَياةٌ، ويَكُونُ المَعْنى: وتُخْرِجُ الحَيَّ مِن ما لا تَحِلُّهُ الحَياةُ، وتُخْرِجُ ما لا تَحِلُّهُ الحَياةُ مِنَ الحَيِّ، والإخْراجُ عِبارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الحالِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ؛ أيِ: الفَرْخَ مِنَ البَيْضَةِ، والبَيْضَةَ مِنَ الطَّيْرِ، والمَوْتُ أيْضًا هُنا مَجازٌ، والإخْراجُ حَقِيقَةٌ. وقالَ أبُو مالِكٍ: النَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ، والسُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ، والنَّواةَ مِنَ النَّخْلَةِ، والحَبَّةَ مِنَ السُّنْبُلَةِ، والمَوْتُ والحَياةُ في هَذا مَجازٌ. وقالَ الحَسَنُ: ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ: تُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وهُما أيْضًا مَجازٌ. وفي الحَدِيثِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«سُبْحانَ اللَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ“ . وقَدْ رَأى امْرَأةً صالِحَةً ماتَ أبُوها كافِرًا»، وهي خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الحَبِّ، ويُخْرِجُ الحَبَّ اليابِسَ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ. وقِيلَ: الطَّيِّبَ مِنَ الخَبِيثِ، والخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: ويُحْتَمَلُ: يُخْرِجُ الجَلْدَ الفَطِنَ مِنَ البَلِيدِ العاجِزِ، والعَكْسُ؛ لِأنَّ الفِطْنَةَ حَياةُ الحِسِّ، والبَلادَةَ مَوْتُهُ. وقِيلَ: يُخْرِجُ الحِكْمَةَ مِن قَلْبِ الفاجِرِ؛ لِأنَّها لا تَسْتَقِرُّ فِيهِ، والسَّقْطَةُ مِن لِسانِ العارِفِ، وهَذِهِ كُلُّها مَجازاتٌ بَعِيدَةٌ. والأظْهَرُ في قَوْلِهِ ﴿الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ تَصَوُّرُ اثْنَيْنِ. وقِيلَ: عَنى بِذَلِكَ شَيْئًا واحِدًا يَتَغَيَّرُ بِهِ الحالُ، فَيَكُونُ مَيِّتًا ثُمَّ يَحْيا، وحَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ. نَحْوَ قَوْلِكَ: جاءَ مِن فُلانٍ أسَدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الحَياةَ والمَوْتَ هُنا حَقِيقَتانِ لا اسْتِعارَةَ فِيهِما، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المَثَلِ الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ، وذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَوْلَ عِكْرِمَةَ المُتَقَدِّمَيْنِ، ولا يُمْكِنُ الحَمْلُ إذْ ذاكَ عَلى الحَقِيقَةِ أصْلًا، وكَذَلِكَ في المَوْتِ، وشَدَّدَ حَفْصٌ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: المَيِّتُ، في هَذِهِ الآيَةِ. وفي الأنْعامِ، والأعْرافِ، ويُونُسَ، والرُّومِ، وفاطِرٍ، زادَ نافِعٌ تَشْدِيدَ الياءِ في: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] في الأنْعامِ و﴿الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] في يس ﴿لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] في الحُجُراتِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفَ ذَلِكَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ التَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ في الِاسْتِعْمالِ، كَما تَقُولُ: لَيِّنٌ ولَيْنٌ، وهَيِّنٌ وهَيْنٌ. ومَن زَعَمَ أنَّ المُخَفَّفَ لِما قَدْ ماتَ، والمُشَدَّدَ لِما قَدْ ماتَ ولِما لَمْ يَمُتْ فَيَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ. ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ، فَذَكَرَ حالَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في المُعاقَبَةِ بَيْنَهُما، وحالَ الحَيِّ والمَيِّتِ في إخْراجِ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ بِغَيْرِ حِسابٍ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ العَظِيمَةِ المُحَيِّرَةِ لِلْأفْهامِ، ثُمَّ قَدَرَ أنْ يَرْزُقَ بِغَيْرِ حِسابٍ (p-٤٢٢)مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَنْزِعَ المُلْكَ مِنَ العَجَمِ ويُذِلَّهم، ويُؤْتِيَهُ العَرَبُ ويُعِزَّهُمُ انْتَهى. وهو حَسَنٌ. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ، والبَلاغَةِ، والبَدِيعِ. الِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ التَّعَجُّبُ في ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ [آل عمران: ٢٣] . والإشارَةُ في ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] فَإدْخالُ: مِن، يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يُحِيطُوا بِالتَّوْراةِ عِلْمًا، ولا حِفْظًا، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإزْراءِ بِهِمْ، وتَنْقِيصِ قَدْرِهِمْ وذَمِّهِمْ؛ إذْ يَزْعُمُونَ أنَّهم أخْيارٌ وهم بِخِلافِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٤] إشارَةٌ إلى تَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمُ اللَّذَيْنِ سَبَبُهُما افْتِراؤُهم، وفي ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [آل عمران: ٢٥] إشارَةٌ إلى أنَّ جَزاءَ أعْمالِهِمْ لا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ. والتَّكْرارُ في ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] إمّا في اللَّفْظِ والمَعْنى إنْ كانَ المَدْلُولُ واحِدًا، وإمّا في اللَّفْظِ إنْ كانَ مُخْتَلِفًا. وفي التَّوَلِّي والإعْراضِ إنْ كانا بِمَعْنًى واحِدٍ. وفي: ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ﴾ ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ﴾ وتَكْرارُهُ في جُمَلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، إنْ كانَ المُرادُ واحِدًا، وإنِ اخْتَلَفَ كانَ مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ فَقَطْ، وتَكْرارُ ﴿مَن تَشاءُ﴾ وفي (تُولِجُ) وفي (تُخْرِجُ) وفي مُتَعَلِّقَيْهِما. والِاتِّساعُ في جَعْلِ في بِمَعْنى عَلى، عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ أيْ: عَلى النَّهارِ، ﴿وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: عَلى اللَّيْلِ. وعَبَّرَ بِالإيلاجِ عَنِ العُلُوِّ والتَّغْشِيَةِ. والنَّفْيُ المُتَضَمِّنُ الأمْرَ في ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ، أيْ: لا تَرْتابُوا فِيهِ، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ والطِّباقُ: في: تُؤْتِي وتَنْزِعُ، وتُعِزُّ وتُذِلُّ، وفي اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفي الحَيِّ والمَيِّتِ. ورَدُّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ في: تُولِجُ، وما بَعْدَهُ، والحَذْفُ وهو في مَواضِعَ مِمّا يَتَوَقَّفُ فَهْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِها. كَقَوْلِهِ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ أيْ: مَن تَشاءُ أنْ تُؤْتِيَهُ. والإسْنادُ المَجازِيُّ في ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣] أسْنَدَ الحُكْمَ إلى الكِتابِ؛ لِأنَّهُ يُبَيِّنُ الأحْكامَ فَهو سَبَبُ الحُكْمِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: «إنَّ مَن أرادَ قَضاءَ دَيْنِهِ قَرَأ كُلَّ يَوْمٍ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلى ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وبُقُولِ: رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُما، تُعْطِي مِنهُما مَن تَشاءُ اقْضِ عَنِّي دَيْنِي. فَلَوْ كانَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَأدّاهُ اللَّهُ» . ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] قِيلَ: نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ؛ كانَ لَهُ حُلَفاءُ مِنَ اليَهُودِ فَأرادَ أنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ. وقِيلَ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ كانُوا يَتَوالَوْنَ اليَهُودَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، وهُمُ: الحَجّاجُ بْنُ عُمَرَ، وكَهْمَسُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، وقَيْسُ بْنُ يَزِيدَ، كانُوا يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ يَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ فَنَهاهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وقالُوا: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ، فَأبَوْا، فَنَزَلَتْ، هَذِهِ الأقْوالُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: في حاطِبِ بْنِ بَلْتَعَةَ وغَيْرِهِ كانُوا يُظْهِرُونَ المَوَدَّةَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ. ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ اللُّطْفُ بِهِمْ في المُعاشَرَةِ؛ وذَلِكَ لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ، قَبْلَ الإسْلامِ، أوْ يَدٍ سابِقَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا فِيما يَظْهَرُ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وأمّا أنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ونِيَّتِهِ فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ، والمَنهِيُّونَ هُنا قَدْ قَرَّرَ لَهُمُ الإيمانَ، فالنَّهْيُ هُنا إنَّما مَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ اللُّطْفِ بِهِمْ والمَيْلِ إلَيْهِمْ، واللُّطْفُ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْصارِ، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا في القُرْآنِ. ويَكْفِيكَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآيَةَ، والمَحَبَّةُ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ [آل عمران: ٢٨]، عَلى النَّهْيِ، وقَرَأ الضَّبِّيُّ بِرَفْعِ الذّالِ عَلى النَّفْيِ، والمُرادُ بِهِ النَّهْيُ، وقَدْ أجازَ الكِسائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ كَقِراءَةِ الضَّبِّيِّ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى - لَمّا ذَكَرَ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤَمِنُ عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ بِالأفْعالِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها، ذَكَرَ ما يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ مِن مُعامَلَةِ الخَلْقِ، وكانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ في الكُفّارِ فَنُهُوا عَنْ مُوالاتِهِمْ، وأُمِرُوا بِالرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ وعِنْدَ أوْلِيائِهِ دُونَ أعْدائِهِ؛ إذْ هو تَعالى مالِكُ المُلْكِ. وظاهِرُ الآيَةِ تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ مُوالاتِهِمْ إلّا ما فَسَحَ لَنا فِيهِ مِنَ اتِّخاذِهِمْ عَبِيدًا، والِاسْتِعانَةِ بِهِمُ اسْتِعانَةَ العَزِيزِ بِالذَّلِيلِ، والأرْفَعِ بِالأوْضَعِ، والنِّكاحِ فِيهِمْ. فَهَذا كُلُّهُ ضَرْبٌ (p-٤٢٣)مِنَ المُوالاةِ أُذِنَ لَنا فِيهِ، ولَسْنا مَمْنُوعِينَ مِنهُ، فالنَّهْيُ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ. ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: مِن دُونِ، في قَوْلِهِ ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. و”يَتَّخِذِ“، هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، ومِن دُونِ: مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ”لا يَتَّخِذِ“؛ ومِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ. قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: أيْ لا تَجْعَلُوا ابْتِداءَ الوِلايَةِ مِن مَكانٍ دُونَ مَكانِ المُؤْمِنِينَ.

آل عمران 3:28

﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في تَرْكِ المُوالاةِ، إذْ نَفى عَنْ مُتَوَلِّيهِمْ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلَيْسَ مِن وِلايَةِ اللَّهِ في شَيْءٍ. وقِيلَ: مِن دِينِهِ. وقِيلَ: مِن عِبادَتِهِ. وقِيلَ: مِن حِزْبِهِ. وخَبَرُ: لَيْسَ، هو ما اسْتَقَلَّتْ بِهِ الفائِدَةُ، وهي: في شَيْءٍ، ومِنَ اللَّهِ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِشَيْءٍ، والتَّقْدِيرُ: فَلَيْسَ في شَيْءٍ مِن وِلايَةِ اللَّهِ. و”مِن“: تَبْعِيضِيَّةٌ، نَفى وِلايَةَ اللَّهِ عَنْ مَنِ اتَّخَذَ عَدُوَّهُ ولِيًّا؛ لِأنَّ الوِلايَتَيْنِ مُتَنافِيَتانِ، قالَ: ؎تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبِ وتَشْبِيهُ مَن شَبَّهَ الآيَةَ بِبَيْتِ النّابِغَةِ: ؎إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ∗∗∗ فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ: مِنكَ ومِنِّي، خَبَرُ لَيْسَ، وتَسْتَقِلُّ بِهِ الفائِدَةُ. وفي الآيَةِ الخَبَرُ قَوْلُهُ: في شَيْءٍ، فَلَيْسَ البَيْتُ كالآيَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ مَعْناهُ في شَيْءٍ مَرْضِيٍّ عَلى الكَمالِ والصَّوابِ، وهَذا كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» . وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ والتَّزَلُّفِ، ونَحْوُ هَذا مَقُولُهُ: في شَيْءٍ، هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ مُضْطَرِبٌ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ، يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ مِنَ اللَّهِ خَبَرًا لِلَيْسَ، إذْ لا يَسْتَقِلُّ. فَقَوْلُهُ: في شَيْءٍ، هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونُ خَبَرًا، فَيَبْقى: لَيْسَ، عَلى قَوْلِهِ لا يَكُونُ لَها خَبَرٌ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. وتَشْبِيهُهُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما بَيَّنّاهُ مِنَ الفَرْقِ في بَيْتِ النّابِغَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الآيَةِ. ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُفَرَّعٌ مِنَ المَفْعُولِ لَهُ، والمَعْنى لا يَتَّخِذُوا كافِرًا ولِيًّا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِسَبَبِ التَّقِيَّةِ، فَيَجُوزُ إظْهارُ المُوالاةِ بِاللَّفْظِ والفِعْلِ دُونَ ما يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ القَلْبُ والضَّمِيرُ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: التَّقِيَّةُ المُشارُ إلَيْها مُداراةٌ ظاهِرَةٌ. وقالَ: يَكُونُ مَعَ الكُفّارِ أوْ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَيَتَّقِيهِمْ بِلِسانِهِ، ولا مَوَدَّةَ لَهم في قَلْبِهِ. وقالَ قَتادَةُ: إذا كانَ الكُفّارُ غالِبِينَ، أوْ يَكُونُ المُؤْمِنُونَ في قَوْمٍ كُفّارٍ فَيَخافُونَهم، فَلَهم أنْ يُحالِفُوهم ويُدارُوهم دَفْعًا لِلشَّرِّ، وقَلْبُهم مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: خالِطُوا النّاسَ، وزايِلُوهم وعامِلُوهم بِما يَشْتَهُونَ، ودِينُكم فَلا تُثْلِمُوهُ. وقالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحانَ لِأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: خالِصِ المُؤْمِنَ وخالِقِ الكافِرِ، إنَّ الكافِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ. وقالَ الصّادِقُ: التَّقِيَّةُ واجِبَةٌ، إنِّي لَأسْمَعُ الرَّجُلَ في المَسْجِدِ يَشْتُمُنِي فَأسْتَتِرُ مِنهُ بِالسّارِيَةِ؛ لِئَلّا يَرانِي. وقالَ: الرِّياءُ مَعَ المُؤْمِنِ شِرْكٌ، ومَعَ المُنافِقِ عِبادَةٌ. وقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، ومُجاهِدٌ: كانَتِ التَّقِيَّةُ في جَدَّةِ الإسْلامِ قَبْلَ اسْتِحْكامِ الدِّينِ وقُوَّةِ المُسْلِمِينَ، فَأمّا اليَوْمَ فَقَدْ أعَزَّ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنْ يَتَّقُوهم بِأنْ يَتَّقُوا مِن عَدُوِّهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولا تَقِيَّةَ في القَتْلِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تَتَّقُوا قَطِيعَةَ الرَّحِمِ فَخالِطُوهم في الدُّنْيا. وفِي قَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا﴾ التِفاتٌ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ولَوْ جاءَ عَلى نَظْمِ الأوَّلِ لَكانَ: إلّا أنْ يَتَّقُوا، بِالياءِ المُعْجَمَةِ مِن أسْفَلَ، وهَذا النَّوْعُ في غايَةِ الفَصاحَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ نُهُوا عَنْ فِعْلِ ما لا يَجُوزُ، جَعَلَ ذَلِكَ في اسْمٍ غائِبٍ، فَلَمْ يُواجَهُوا بِالنَّهْيِ، ولَمّا وقَعَتِ المُسامَحَةُ والإذْنُ في بَعْضِ ذَلِكَ ووُجِّهُوا (p-٤٢٤)بِذَلِكَ إيذانًا بِلُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ، وتَشْرِيفًا بِخِطابِهِ إيّاهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُقاةً، وأصْلُهُ: وُقِيَّةً، فَأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً، كَما أبْدَلُوها في: تُجاهٍ، وتُكاهٍ، وانْقَلَبَتِ الياءُ ألِفًا؛ لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وهو مَصْدَرٌ عَلى فِعْلَةٍ: كالتُّؤْدَةِ والتُّخْمَةِ، والمَصْدَرُ عَلى فِعْلٍ أوْ فِعْلَةٍ جاءَ قَلِيلًا. وجاءَ مَصْدَرًا عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، إذْ لَوْ جاءَ عَلى المَقِيسِ لَكانَ: اتِّقاءُ ونَظِيرُهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ولاحَ بِجانِبِ الجَبَلَيْنِ مِنهُ ∗∗∗ رُكامٌ يَحْفُرُ الأرْضَ احْتِفارًا والمَعْنى: إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم خَوْفًا. وأمالَ الكِسائِيُّ: تُقاةً، وحَقَّ تُقاتِهِ، ووافَقَهُ حَمْزَةُ هُنا وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وفَتَحَ الباقُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا أنْ تَخافُوا مِن جِهَتِهِمْ أمْرًا يَجِبُ اتِّقاؤُهُ. وقُرِئَ: تَقِيَّةً. وقِيلَ لِلْمُتَّقِي: تُقاةٌ وتَقِيَّةٌ، كَقَوْلِهِمْ: ضَرْبُ الأمِيرِ لِمَضْرُوبِهِ انْتَهى. فَجَعَلَ تُقاةً، مَصْدَرًا في مَوْضِعِ اسْمِ المَفْعُولِ، فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، لا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ إلّا أنْ تَخافُوا أمْرًا. وقالَ أبُو عَلِيِّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: تُقاةً، مِثْلَ: رُماةً، حالًا مِن: تَتَّقُوا، وهو جَمْعُ فاعِلٍ، وإنْ كانَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ فاعِلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ تَقِيٍّ انْتَهى كَلامُهُ. وتَكُونُ الحالُ مُؤَكِّدَةً؛ لِأنَّهُ قَدْ فَهِمَ مَعْناها مِن قَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهُمْ﴾ وتَجْوِيزُ كَوْنِهِ جَمْعًا ضَعِيفٌ جِدًّا، ولَوْ كانَ جَمْعُ: تَقِيٍّ، لَكانَ أتْقِياءً، كَغَنِيٍّ وأغْنِياءَ، وقَوْلُهم: كَمِيٌّ وكَماةٌ، شاذٌّ فَلا يُخَرَّجُ عَلَيْهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ المَصْدَرِيَّةِ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] المَعْنى حَقَّ اتِّقائِهِ، وحَسُنَ مَجِيءُ المَصْدَرِ هَكَذا ثُلاثِيًّا أنَّهم قَدْ حَذَفُوا: اتَّقى، حَتّى صارَ: تَقِيَ يَتَّقِي تَقِ اللَّهَ فَصارَ كَأنَّهُ مَصْدَرٌ لِثُلاثِيٍّ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وأبُو حَيْوَةَ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ، وحُمَيْدُ ابْنُ قَيْسٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: تَقِيَّةً، عَلى وزْنِ مَطِيَّةٍ وجَنِيَّةٍ، وهو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، وهو قَلِيلٌ نَحْوَ النَّمِيمَةِ. وكَوْنُهُ مِنِ افْتَعَلَ نادِرٌ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي جَوازَ مُوالاتِهِمْ عِنْدَ الخَوْفِ مِنهم، وقَدْ تَكَلَّمَ المُفَسِّرُونَ هُنا في التَّقِيَّةِ، إذْ لَها تَعَلُّقٌ بِالآيَةِ، فَقالُوا: أمّا المُوالاةُ بِالقَلْبِ فَلا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ في تَحْرِيمِها، وكَذَلِكَ المُوالاةُ بِالقَوْلِ والفِعْلِ مِن غَيْرِ تَقِيَّةٍ، ونُصُوصُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، والنَّظَرُ في التَّقِيَّةِ يَكُونُ فِيمَن يُتَّقى مِنهُ ؟ وفِيما يُبِيحُها ؟ وبِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ؟ فَأمّا مَن يُتَّقى مِنهُ فَكُلُّ قادِرٍ غالِبٍ يُكْرَهُ بِجَوْرٍ مِنهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الكُفّارُ، وجَوَرَةُ الرُّؤَساءِ، والسَّلّابَةُ، وأهْلُ الجاهِ في الحَواضِرِ. قالَ مالِكٌ: وزَوْجُ المَرْأةِ قَدْ يُكْرَهُ؛ وأمّا ما يُبِيحُهُا فالقَتْلُ، والخَوْفُ عَلى الجَوارِحِ، والضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، والوَعِيدُ، وعَداوَةُ أهْلِ الجاهِ الجَوْرَةِ. وأمّا بِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنَ الأقْوالِ ؟ فَبِالكُفْرِ فَما دُونَهُ مِن: بَيْعٍ، وهِبَةٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وأمّا مِنَ الأفْعالِ: فَكُلُّ مُحَرَّمٍ. وقالَ مَسْرُوقٌ: إنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ دَخْلَ النّارَ، وهَذا شاذٌّ. وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: التَّقِيَّةُ تَكُونُ في الأقْوالِ دُونَ الأفْعالِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والرَّبِيعِ، والضَّحّاكِ. وقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ: التَّقِيَّةُ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَرْكُها أفْضَلُ، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتّى قُتِلَ فَهو أفْضَلُ مِمَّنْ أظْهَرَ، وكَذَلِكَ كُلُّ أمْرٍ فِيهِ إعْزازُ الدِّينِ فالإقْدامُ عَلَيْهِ حَتّى يُقْتَلَ أفْضَلُ مِنَ الأخْذِ بِالرُّخْصَةِ. قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: إنْ عُرِضْتَ عَلى السَّيْفِ تُجِيبُ ؟ قالَ: لا. وقالَ: إذا أجابَ العالِمُ تَقِيَّةً، والجاهِلُ يَجْهَلُ، فَمَتى يَتَبَيَّنُ الحَقُّ ؟ والَّذِي نَقَلَ إلَيْنا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ أنَّ الصَّحابَةَ وتابِعِيَهم بَذَلُوا أنْفُسَهم في ذاتِ اللَّهِ. وأنَّهم لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ ولا سَطْوَةَ جَبّارٍ ظالِمٍ. وقالَ الرّازِيُّ: إنَّما تَجُوزُ التَّقِيَّةُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ الحَقِّ والدِّينِ، وأمّا ما يَرْجِعُ ضَرُورَةً إلى الغَيْرِ: كالقَتْلِ، والزِّنا، وغَصْبِ الأمْوالِ، والشَّهادَةِ بِالزُّورِ، وقَذْفِ المُحْصَناتِ، واطِّلاعِ الكُفّارِ عَلى عَوْراتِ المُسْلِمِينَ فَغَيْرُ جائِزٍ البَتَّةَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها مَعَ الكُفّارِ الغالِبِينَ، إلّا أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ: أنَّ الحالَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إذا شاكَلَتِ الحالَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ (p-٤٢٥)جازَتِ التَّقِيَّةُ مُحاماةً عَنِ النَّفْسِ، وهي جائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ والمالِ انْتَهى. قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا وِلايَةَ لِكافِرٍ عَلى مُسْلِمٍ في شَيْءٍ، فَإذا كانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ مُسْلِمٌ بِإسْلامِ أُمِّهِ فَلا وِلايَةَ لَهُ عَلَيْهِ في تَصَرُّفٍ، ولا تَزَوُّجٍ ولا غَيْرِهِ. قِيلَ: وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ لا يَعْقِلُ جِنايَةَ المُسْلِمِ، وكَذَلِكَ المُسْلِمُ لا يَعْقِلُ جِنايَتَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المُوالاةِ والنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ. ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَطْشَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: نَفْسَهُ أيْ: إيّاهُ تَعالى، كَما قالَ الأعْشى: ؎يَوْمًا بِأجْوَدَ نائِلًا مِنهُ إذا ∗∗∗ نَفْسُ الجَبانِ تَجَهَّمَتْ سُؤالُهُا أرادَ: إذا البَخِيلُ تَجَهَّمَ سُؤالُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ عَلى مَعْهُودِ ما يَفْهَمُهُ البَشَرُ، والنَّفْسُ في مِثْلِ هَذا راجِعٌ إلى الذّاتِ. وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ لِأنَّ التَّحْذِيرَ إنَّما هو مِن عِقابٍ وتَنْكِيلٍ ونَحْوِهِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ عِقابَهُ انْتَهى كَلامُهُ. ولَمّا نَهاهم تَعالى عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ، حَذَّرَهم مِن مُخالَفَتِهِ بِمُوالاةِ أعَدائِهِ. قالَ: ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ أيْ: صَيْرُورَتُكم ورُجُوعُكم؛ فَيُجازِيكم إنِ ارْتَكَبْتُمْ مُوالاتِهم بَعْدَ النَّهْيِ. وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ.

آل عمران 3:29

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ آيِ البَقَرَةِ، وهُناكَ قُدِّمَ الإبْداءُ عَلى الإخْفاءِ، وهُنا قُدِّمَ الإخْفاءُ عَلى الإبْداءِ، وجَعَلَ مَحَلَّهُما ما في الصُّدُورِ، وأتى جَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ وذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ. والمَفْهُومُ أنَّ البارِيَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما في الضَّمائِرِ، لا يَتَفاوَتُ عِلْمُهُ تَعالى بِخَفاياها، وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما فِيها الثَّوابُ والعِقابُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شرًا فَشَرٌّ. وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِعَدَمِ المُوالاةِ، وتَحْذِيرٌ مِن ذَلِكَ. ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هَذا دَلِيلٌ عَلى سَعَةِ عِلْمِهِ، وذِكْرِ عُمُومٍ بَعْدَ خُصُوصٍ، فَصارَ عِلْمُهُ بِما في صُدُورِهِمْ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أحَدُهُما: بِالخُصُوصِ، والآخَرُ: بِالعُمُومِ، إذْ هم مِمَّنْ في الأرْضِ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ مِنَ المُجازاةِ عَلى ما أكَنَّتْهُ صُدُورُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لِأنَّ نَفْسَهُ، وهي ذاتُهُ المُتَمَيِّزَةُ مِن سائِرِ الذَّواتِ، مُتَّصِفَةٌ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ لا يَخْتَصُّ بِمَعْلُومٍ دُونَ مَعْلُومٍ، فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها وبِقُدْرَةٍ ذاتِيَّةٍ لا تَخْتَصُّ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، فَهي قادِرَةٌ عَلى المَقْدُوراتِ كُلِّها، فَكانَ حَقُّها أنْ تُحْذَرَ وتُتَّقى، فَلا يَجْسُرُ أحَدٌ عَلى قَبِيحٍ، ولا يُقَصِّرُ عَنْ واجِبٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مُطَّلَعٌ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، فَلاحِقٌ بِهِ العَذابُ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِإثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ، والقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعالى، وهو خِلافُ ما عَلَيْهِ أشْياخُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ومُوافَقَةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ الصِّفاتِ. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ (p-٤٢٦)اخْتُلِفَ في العامِلِ في: ”يَوْمَ“، فَقالَ الزَّجّاجُ: العامِلُ فِيهِ: ويُحَذِّرُكم، ورَجَّحَهُ. وقالَ أيْضًا: العامِلُ فِيهِ: المَصِيرُ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العامِلُ فِيهِ: قَدِيرٌ، وقالَ أيْضًا: فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ، اذْكُرْ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا، ويَضْعُفُ نَصْبُهُ بِقَوْلِهِ: ويُحَذِّرُكم؛ لِطُولِ الفَصْلِ. هَذا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، وأمّا مِن جِهَةِ المَعْنى فَلِأنَّ التَّحْذِيرَ مَوْجُودٌ، واليَوْمَ مَوْعُودٌ، فَلا يَصِحُّ لَهُ العَمَلُ فِيهِ، ويَضْعُفُ انْتِصابُهُ بِالمَصِيرِ؛ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ، ويَضْعُفُ نَصْبُهُ بِقَدِيرٍ؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا تَخْتَصُّ بِيَوْمٍ دُونَ يَوْمٍ، بَلْ هو تَعالى مُتَّصِفٌ بِالقُدْرَةِ دائِمًا. وأمّا نَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ، فالإضْمارُ عَلى خِلافِ الأصْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مَنصُوبُ: بِـ ”تَوَدُّ“، والضَّمِيرُ في: بَيْنَهُ، لِيَوْمِ القِيامَةِ، حِينَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ خَيْرَها وشَرَّها حاضِرَيْنِ، تَتَمَنّى لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ وهو لَهُ أمَدًا بَعِيدًا انْتَهى هَذا التَّخْرِيجُ. والظّاهِرُ: في بادِئِ النَّظَرِ حُسْنُهُ وتَرْجِيحُهُ، إذْ يَظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن مُضْعِفاتِ الأقْوالِ السّابِقَةِ، لَكِنْ في جَوازِ هَذِهِ المَسْألَةِ ونَظائِرِها خِلافٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ، وهي: إذا كانَ الفاعِلُ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِالمَعْمُولِ لِلْفِعْلِ، نَحْوَ: غُلامَ هِنْدٍ ضَرَبْتُ، وثَوْبَيْ أخَوَيْكَ يَلْبَسانِ، ومالُ زَيْدٍ أُخِذَ، فَذَهَبَ الكِسائِيُّ، وهِشامٌ، وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ إلى جَوازِ هَذِهِ المَسائِلِ. ومِنها الآيَةُ عَلى تَخْرِيجِ الزَّمَخْشَرِيِّ، لِأنَّ الفاعِلَ: بِـ ”تَوَدُّ“، هو ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِمَعْمُولِ: تَوَدُّ، وهو: ”يَوْمَ“، لِأنَّ: ”يَوْمَ“، مُضافٌ إلى: تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وُجْدانِ كُلِّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا، وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ. وذَهَبَ الفَرّاءُ، وأبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ هَذِهِ المَسائِلَ وأمْثالَها لا تَجُوزُ؛ لِأنَّ هَذا المَعْمُولَ فَضْلَةٌ، فَيَجُوزُ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى ما اتَّصَلَ بِهِ في هَذِهِ المَسائِلِ يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ ذِكْرُ المَعْمُولِ؛ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ الفاعِلُ عَلى ما اتَّصَلَ بِهِ، ولِهَذِهِ العِلَّةِ امْتَنَعَ: زَيْدًا ضَرَبَ، وزَيْدًا ظَنَّ قائِمًا. والصَّحِيحُ جَوازُ ذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٢٧) ؎أجَلُ المَرْءِ يُسْتَحَثُّ ولا يَدْ رِي إذا يَبْتَغِي حُصُولَ الأمانِي أيِ: المَرْءُ في وقْتِ ابْتِغائِهِ حُصُولَ الأمانِي يَسْتَحِثُّ أجْلَهُ ولا يَشْعُرُ. وتَجِدُ: الظّاهِرُ أنَّها مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ وهو: ما عَمِلَتْ، فَيَكُونُ بِمَعْنى نَصِيبٍ، ويَكُونُ: مُحْضَرًا، مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقِيلَ: تَجِدُ، هُنا بِمَعْنى: تَعْلَمُ، فَتَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ويَنْتَصِبُ: مُحْضَرًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَها، وما، في: ما عَمِلَتْ، مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ عَلَيْها مِنَ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: عَمَلُها، ويُرادُ بِهِ إذْ ذاكَ اسْمُ المَفْعُولِ، أيْ: مَعْمُولُها، فَقَوْلُهُ: ما عَمِلَتْ، هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ وثَوابَهُ. قِيلَ: ومَعْنى: مُحْضَرًا عَلى هَذا مُوَفَّرًا غَيْرَ مَبْخُوسٍ. وقِيلَ: تَرى ما عَمِلَتْ مَكْتُوبًا في الصُّحُفِ مُحْضَرًا إلَيْها تَبْشِيرًا لَها؛ لِيَكُونَ الثَّوابُ بَعْدَ مُشاهَدَةِ العَمَلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُحْضَرًا، بِفَتْحِ الضّادِ، اسْمُ مَفْعُولٍ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ”مُحْضِرًا“ بِكَسْرِ الضّادِ، أيْ مُحْضِرًا الجَنَّةَ أوْ مُحْضِرًا مُسْرِعًا بِهِ إلى الجَنَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: أحْضَرَ الفَرَسَ، إذا جَرى وأسْرَعَ. وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، مَعْطُوفًا عَلى: ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي إنْ كانَ: تَجِدُ، مُتَعَدِّيَةً إلَيْهِما، أوِ الحالُ إنْ كانَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ مَحْذُوفًا، أيْ: وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا. وذَلِكَ نَحْوَ: ظَنَنْتُ زَيْدًا قائِمًا وعَمْرًا، إذا أرَدْتَ: وعَمْرًا قائِمًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، مُسْتَأْنَفًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: وادَّةٌ تُباعِدُ ما بَيْنَها، وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في بَيْنَهُ عائِدًا عَلى ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، وأبْعَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ في عَوْدِهِ عَلى اليَوْمِ، لِأنَّ أحَدَ القِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ أُحْضِرا لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ هو: الخَيْرُ الَّذِي عَمِلَهُ، ولا يُطْلَبُ تَباعُدُ وقْتِ إحْضارِ الخَيْرِ إلّا بِتَجَوُّزٍ؛ إذا كانَ يَشْتَمِلُ عَلى إحْضارِ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَتَوَدُّ تَباعُدُهُ لِتَسْلَمَ مِنَ الشَّرِّ، ودَعْهُ لا يَحْصُلُ لَهُ الخَيْرُ. والأوْلى عَوْدُهُ عَلى ما عَمِلَتْ مِنَ السُّوءِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى أنَّ السُّوءَ يَتَمَنّى في ذَلِكَ اليَوْمِ التَّباعُدَ مِنهُ، وإلى عَطْفِ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، عَلى ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، وكَوْنِ تَوَدُّ، في مَوْضِعِ الحالِ ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ. وتَوَدُّ: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ: لِما، التَّقْدِيرُ: والَّذِي عَمِلَتْهُ مِن سُوءٍ تَوَدُّ هي لَوْ تَباعَدَ ما بَيْنَها وبَيْنَهُ، وبِهَذا الوَجْهِ بَدَأ (p-٤٢٨)الزَّمَخْشَرِيُّ وثَنى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، واتَّفَقا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، شَرْطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِارْتِفاعِ ”تَوَدُّ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ مَرْفُوعٌ يَقْتَضِي جَزْمُهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَهي تَوَدُّ، وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ انْتَهى كَلامُهُ. وظَهَرَ مِن كَلامَيْهِما امْتِناعُ الشَّرْطِ لِأجْلِ رَفْعِ: تَوَدُّ، وهَذِهِ المَسْألَةُ كانَ سَألَنِي عَنْها قاضِي القُضاةِ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الغَنِيِّ السُّرُوجِيُّ الحَنَفِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، واسْتَشْكَلَ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ: يَنْبَغِي أنَّ يَجُوزَ؛ غايَةُ ما في هَذا أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِ زُهَيْرِ: ؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ وكَتَبْتُ جَوابَ ما سَألَنِي عَنْهُ في كِتابِي الكَبِيرِ المُسَمّى (بِالتَّذْكِرَةِ)، ونَذْكُرُ هُنا ما تَمَسُّ إلَيْهِ الحاجَةُ مِن ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نُقَدِّمَ ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا، وما بَعْدَهُ مُضارِعٌ تُتِمُّ بِهِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ والجَزاءِ، جازَ في ذَلِكَ المُضارِعِ الجَزْمُ، وجازَ فِيهِ الرَّفْعُ، مِثالُ ذَلِكَ: إنْ قامَ زَيْدٌ يَقُومُ عَمْرٌو، وإنْ قامَ زَيْدٌ يَقُمْ عَمْرٌو. فَأمّا الجَزْمُ فَعَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، ولا نَعْلَمُ في جَوازِ ذَلِكَ خِلافًا، وأنَّهُ فَصِيحٌ، (p-٤٢٩)إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ (الإعْرابِ) عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كانَ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِها. وظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، ونَصِّ الجَماعَةِ، أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَكانِ، بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُ كانَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتِ تَوْغِيرِ وقالَ أيْضًا: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وأمّا الرَّفْعُ فَإنَّهُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ كَثِيرٌ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وهو أحْسَنُ مِنَ الجَزْمِ، ومِنهُ بَيْتُ زُهَيْرٍ السّابِقُ إنْشادُهُ، وهو قَوْلُهُ أيْضًا: ؎وإنْ سُلَّ رَيْعانُ الجَمِيعِ مَخافَةً ∗∗∗ يَقُولُ جِهارًا ويْلَكم لا تَنْفِرُوا وقالَ أبُو صَخْرٍ: ؎ولا بِالَّذِي إنْ بانَ عَنْهُ حَبِيبُهُ ∗∗∗ يَقُولُ ويُخْفِي الصَّبْرَ: إنِّي لَجازِعُ وقالَ الآخَرُ: ؎وإنْ بَعُدُوا لا يَأْمَنُونَ اقْتِرابَهُ ∗∗∗ تَشَوُّفَ أهِلِ الغائِبِ المُتَنَظَرْ وقالَ الآخَرُ: ؎وإنْ كانَ لا يُرْضِيكَ حَتّى تَرُدَّنِي ∗∗∗ إلى قُطْرِي لا إخالَكَ راضِيًا وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ يُسْألُوا الخَيْرَ يُعْطُوهُ وإنْ خُبِّرُوا ∗∗∗ في الجَهْدِ أُدْرِكَ مِنهم طِيبُ أخْبارِ فَهَذا الرَّفْعُ، كَما رَأيْتَ كَثِيرٌ، ونُصُوصُ الأئِمَّةِ عَلى جَوازِهِ في الكَلامِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ تَأْوِيلاتُهم كَما سَنَذْكُرُهُ. وقالَ صاحِبُنا أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ رَشِيدٍ المالِقِيُّ، وهو مُصَنِّفُ (وصْفِ المَبانِي) - رَحِمَهُ اللَّهُ: لا أعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا جاءَ في الكَلامِ، وإذا جاءَ فَقِياسُهُ الجَزْمُ لِأنَّهُ أصْلُ العَمَلِ في المُضارِعِ، تَقَدَّمَ الماضِي أوْ تَأخَّرَ، وتَأوَّلَ هَذا المَسْمُوعُ عَلى إضْمارِ الفاءِ، وجَعْلِهِ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ عَلى مَذْهَبِ مَن جَعَلَ الفاءَ مِنهُ مَحْذُوفَةً. وأمّا المُتَقَدِّمُونَ: فاخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِ الرَّفْعِ، فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيمِ. وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ فَهو مَحْذُوفٌ عِنْدَهُ. وذَهَبُ الكُوفِيُّونَ، وأبُو العَبّاسِ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ حُذِفَتْ مِنهُ الفاءُ، وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى أنَّهُ لَمّا لَمْ يَظْهَرْ لِأداةِ الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ في فِعْلِ الشَّرْطِ، لِكَوْنِهِ ماضِيًا، ضَعُفَ عَنِ العَمَلِ في فِعْلِ الجَوابِ، وهو عِنْدَهُ جَوابٌ لا عَلى إضْمارِ الفاءِ، ولا عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وهَذا والمَذْهَبُ الَّذِي قَبْلَهُ ضَعِيفانِ. وتَلَخَّصَ مِن هَذا الَّذِي قُلْناهُ أنَّ رَفْعَ المُضارِعِ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ شَرْطًا، لَكِنِ امْتَنَعَ (p-٤٣٠)أنْ يَكُونَ: وما عَمِلَتْ، شَرْطًا لِعِلَّةٍ أُخْرى، لا لِكَوْنِ: تَوَدُّ مَرْفُوعًا، وذَلِكَ عَلى ما نُقَرِّرُهُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ النِّيَّةَ بِالمَرْفُوعِ التَّقْدِيمُ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ لا نَفْسَ الجَوابِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ: تَوَدُّ، مَنوِيًّا بِهِ التَّقْدِيمُ أدّى إلى تَقَدُّمِ المُضْمَرِ عَلى ظاهِرِهِ في غَيْرِ الأبْوابِ المُسْتَثْناةِ في العَرَبِيَّةِ. ألا تَرى أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: وبَيْنَهُ، عائِدٌ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ الَّذِي هو: ما، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ؟ فَيَلْزَمُ مِن هَذا التَّقْدِيرِ تَقَدُّمُ المُضْمَرِ عَلى الظّاهِرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ قَدْ تَأخَّرَ عَنِ اسْمِ الشَّرْطِ ؟ فَإنْ كانَ نِيَّتُهُ التَّقْدِيمَ فَقَدْ حَصَلَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الِاسْمِ الظّاهِرِ قَبْلَهُ، وذَلِكَ نَظِيرُ: ضَرَبَ زَيْدًا غُلامُهُ، فالفاعِلُ رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ، ووَجَبَ تَأْخِيرُهُ لِصِحَّةِ عَوْدِ الضَّمِيرِ. فالجَوابُ: إنَّ اشْتِمالَ الدَّلِيلِ عَلى ضَمِيرِ اسْمِ الشَّرْطِ يُوجِبُ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ اقْتِضاءُ جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِجُمْلَةِ الدَّلِيلِ، وجُمْلَةُ الشَّرْطِ إنَّما تَقْتَضِي جُمْلَةَ الجَزاءِ لا جُمْلَةَ دَلِيلِهِ، ألا تَرى أنَّها لَيْسَتْ بِعامِلَةٍ في جُمْلَةِ الدَّلِيلِ، بَلْ إنَّما تَعْمَلُ في جُمْلَةِ الجَزاءِ وجُمْلَةُ الدَّلِيلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ تَدافَعَ الأمْرُ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ هي جُمْلَةُ دَلِيلٍ لا يَقْتَضِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، ومِن حَيْثُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ اقْتَضَتْها، فَتَدافَعا. وهَذا بِخِلافِ ضَرَبَ زَيْدًا غُلامُهُ، هي جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والفِعْلُ عامِلٌ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْتَضِي صاحِبَهُ، ولِذَلِكَ جازَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: ضَرَبَ غُلامُها هِنْدًا، لِاشْتِراكِ الفاعِلِ المُضافِ لِلضَّمِيرِ والمَفْعُولِ الَّذِي عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في العامِلِ، وامْتَنَعَ: ضَرَبَ غُلامُها جارَ هِنْدٍ؛ لِعَدَمِ الِاشْتِراكِ في العامِلِ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ المَسْألَتَيْنِ. ولا يُحْفَظُ مِن لِسانِ العَرَبِ: أوَدُّ لَوْ أنِّي أُكْرِمُهُ أيًّا ضَرَبَتْ هِنْدٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَقْدِيمُ المُضْمَرِ عَلى مُفَسِّرِهِ في غَيْرِ المَواضِعِ الَّتِي ذَكَرَها النَّحْوِيُّونَ، فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مِن سُوءٍ ودَّتْ لَوْ أنَّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ: ما، شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَعَمِلَتْ. أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ الهاءِ في: عَمِلَتْ، عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ، إذْ يُجِيزُ ذَلِكَ في اسْمِ الشَّرْطِ في فَصِيحِ الكَلامِ، وتَكُونُ: ودَّتْ، جَزاءَ الشَّرْطِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَكِنَّ الحَمْلَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أوْقَعُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ حِكايَةُ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأثْبَتُ لِمُوافَقَةِ قِراءَةِ العامَّةِ انْتَهى. و: لَوْ، هُنا حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ، ومَفْعُولُ: تَوَدُّ، مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَوَدُّ تَباعُدَ ما بَيْنَهُما لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا لَسَرَتْ بِذَلِكَ، وهَذا الإعْرابُ والتَّقْدِيرُ هو عَلى المَشْهُورِ في: لَوْ، وأنَّ: وما بَعْدَها في مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وفي مَوْضِعِ فاعِلٍ عَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ. وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يَذْهَبُ إلى أنَّ: لَوْ، بِمَعْنى: أنْ، وأنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فَهو بَعِيدٌ هُنا؛ لِوِلايَتِها أنَّ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، ولا يُباشِرُ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ حَرْفًا مصدريًّا إلّا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] والَّذِي يَقْتَضِيهُ المَعْنى أنَّ: لَوْ أنَّ، وما يَلِيها هو مَعْمُولُ: لِتَوَدُّ، في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ. قالَ الحَسَنُ: يُسَرُّ أحَدُهم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، ذَلِكَ مَعْناهُ. ومَعْنى أمَدًا بَعِيدًا: غايَةٌ طَوِيلَةٌ، وقِيلَ: مِقْدارُ أجْلِهِ، وقِيلَ: قَدْرُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ . كَرَّرَ التَّحْذِيرَ لِلتَّوْكِيدِ والتَّحْرِيضِ عَلى الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، بِحَيْثُ يَكُونُونَ مُمْتَثِلِي أمْرَهُ ونَهْيَهُ. ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ التَّخْوِيفِ وكَرَّرَها، كانَ ذَلِكَ مُزْعِجًا لِلْقُلُوبِ، ومُنَبِّهًا عَلى إيقاعِ المَحْذُورِ مَعَ ما قَرَنَ بِذَلِكَ مِنَ اطِّلاعِهِ عَلى خَفايا الأعْمالِ وإحْضارِهِ لَها يَوْمَ الحِسابِ، وهَذا هو الِاتِّصافُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، اللَّذَيْنِ يَجِبُ أنْ يُحَذِّرَ لِأجْلِهِما، فَذَكَرَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ؛ لِيُطْمَعَ في إحْسانِهِ، ولِيُبْسَطَ الرَّجاءُ في أفْضالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ ما إذا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الأمْرِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أبْلَغَ في الوَصْفِ مِن جُمْلَةِ (p-٤٣١)التَّخْوِيفِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ التَّخْوِيفِ جاءَتْ بِالفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي المُطْلَقَ ولَمْ يَتَكَرَّرْ فِيها اسْمُ اللَّهِ، وجاءَ المُحَذَّرُ مَخْصُوصًا بِالمُخاطَبِ فَقَطْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جاءَتِ اسْمِيَّةً، فَتَكَرَّرَ فِيها اسْمُ اللَّهِ، إذِ الوَصْفُ مُحْتَمِلٌ ضَمِيرَهُ تَعالى وجاءَ المَحْكُومُ بِهِ عَلى وزْنِ ”فَعُولٍ“ المُقْتَضِي لِلْمُبالَغَةِ والتَّكْثِيرِ، وجاءَ بِأخَصِّ ألْفاظِ الرَّحْمَةِ وهو: رَءُوفٌ، وجاءَ مُتَعَلِّقُهُ عامًّا؛ لِيَشْمَلَ المُخاطَبَ وغَيْرَهُ، وبِلَفْظِ العِبادِ؛ لِيَدُلَّ عَلى الإحْسانِ التّامِّ، لِأنَّ المالِكَ مُحْسِنٌ لِعَبْدِهِ وناظِرٌ لَهُ أحْسَنَ نَظَرٍ، إذْ هو مِلْكُهُ. قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى التَّحْذِيرِ، أيْ: إنَّ تَحْذِيرَهُ نَفْسَهُ، وتَعْرِيفَهُ حالَها مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ مِنَ الرَّأْفَةِ العَظِيمَةِ بِالعِبادِ؛ لِأنَّهم إذا عَرَفُوهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ وحَذَرُوا؛ دَعاهم ذَلِكَ إلى طَلَبِ رِضاهُ، واجْتِنابِ سُخْطِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ أنْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ، وقالَ الحُوفِيُّ: جَعَلَ تَحْذِيرَهم نَفْسَهُ إيّاهُ، وتَخْوِيفَهم عِقابَهُ رَأْفَةً بِهِمْ، ولَمْ يَجْعَلْهم في عَمًى مِن أمْرِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا المَعْنى أيْضًا، والكَلامُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، لَكِنَّ الأظْهَرَ الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ إعْلامِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ والإطْماعِ؛ لِئَلّا يُفْرِطَ الوَعِيدَ عَلى قَلْبِ المُؤْمِنِ. ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] أوْ: في قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] قالُوا ذَلِكَ، وقَدْ نَصَبَتْ قُرَيْشٌ أصْنامَها يَسْجُدُونَ لَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ» وكِلا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: في قَوْمٍ، قالُوا: إنّا لَنُحِبُّ رَبَّنا حُبًّا شَدِيدًا. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: في وفْدِ نَجْرانَ حَيْثُ قالُوا: إنّا نُعَظِّمُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ انْتَهى. ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ كُلَّ مَنِ ادَّعى مَحَبَّةَ اللَّهِ، فَمَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ عِبارَةٌ عَنْ مَيْلِ قَلْبِهِ إلى ما حَدَّهُ لَهُ تَعالى وأمَرَهُ بِهِ، والعَمَلُ بِهِ واخْتِصاصُهُ إيّاهُ بِالعِبادَةِ، ومَحَبَّتُهُ تَعالى لِلْعَبْدِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، وهَلْ هي مِن صِفاتِ الذّاتِ أمْ مِن صِفاتِ الفِعْلِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. رَتَّبَ تَعالى عَلى مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، اتِّباعَ رَسُولِهِ مَحَبَّتُهُ لَهم، وذَلِكَ أنَّ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى رِضاهُ تَعالى إنَّما هو مُسْتَفادٌ مِن نَبِيِّهِ، فَإنَّهُ هو المُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ، إذْ لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلى مَعْرِفَةِ أحْكامِ اللَّهِ في العِباداتِ ولا في غَيْرِها، بَلْ رَسُولُهُ ﷺ هو المُوَضِّحُ لِذَلِكَ، فَكانَ اتِّباعُهُ فِيما أتى بِهِ، احْتِماءً لِمَن يُحِبُّ أنْ يَعْمَلَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُحِبُّونَ، ويُحْبِبْكُمُ، مِن أحَبِّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: تَحِبُّونَ ويَحْبِبْكُمُ، بِفَتْحِ التّاءِ، والياءِ، مِن ”حَبَّ“، وهُما لُغَتانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قُرِئَ: يَحُبُّكُمُ، بِفَتْحِ الياءِ، والإدْغامِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: فاتَّبَعُونِّي، بِتَشْدِيدِ النُّونِ، ألْحَقَ فِعْلَ الأمْرِ نُونَ التَّوْكِيدِ، وأدْغَمَها في نُونِ الوِقايَةِ، ولَمْ يَحْذِفِ الواوَ شَبَهًا: بِـ ”أتَحاجُّونِّي“، وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنْ يَجْعَلَ لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِن عَمَلٍ، فَمَنِ ادَّعى مَحَبَّتَهُ، وخالَفَ سُنَّةَ رَسُولِهِ، فَهو كَذّابٌ، وكِتابُ اللَّهِ يُكَذِّبُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَن يَذْكُرُ مَحَبَّةَ اللَّهِ، ويُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ مَعَ ذِكْرِها، ويَطْرَبُ، ويَنْعَرُ، ويُصَفِّقُ، وقُبِّحَ مَن فِعْلُهُ هَذا، وزَرى عَلى فاعِلِ ذَلِكَ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ إدْغامُ راءِ، ويَغْفِرْ لَكم: في لامِ: لَكم، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ وغَلَطٌ مِمَّنْ رَواها عَنْ أبِي عَمْرٍو، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وذَكَرْنا أنَّ رُؤَساءَ الكُوفَةِ: أبا جَعْفَرٍ الرَّواسِيَّ، والكِسائِيَّ، والفَرّاءَ رَوَوْا ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ، ورَأْسانِ مِنَ البَصْرِيِّينَ وهُما: أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، قَرَءا بِذَلِكَ ورَوَياهُ، فَلا التِفاتَ لِمَن خالَفَ في ذَلِكَ. ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ هَذا تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: فاتَّبِعُونِي، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ، كَطاعَةِ اللَّهِ، ويَأْمُرُ بِأنَّ نَحْبَهُ، كَما أحَبَّتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ . ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: تَوَلَّوْا، ماضِيًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-٤٣٢)مُضارِعًا حُذِفَتْ مِنهُ التّاءُ، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا، والمَعْنى: فَإنْ تَوَلَّوْا عَمّا أُمِرُوا بِهِ، مِنِ اتِّباعِهِ، وطاعَتِهِ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ كافِرًا. وجَعَلَ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ ولَمْ يُطِعْهُ كافِرًا، وتَقْيِيدُ انْتِفاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِي هو الكُفْرُ مُشْعِرٌ بِالعَلِيَّةِ، فالمُؤْمِنُ العاصِي لا يَنْدَرِجُ في ذَلِكَ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآياتِ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ، وفُنُونِ البَلاغَةِ. الخِطابُ العامُّ الَّذِي سَبَبُهُ خاصٌّ، في قَوْلِهِ ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] والتَّكْرارُ، في قَوْلِهِ: المُؤْمِنُونَ، مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ﴿وإلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٨] وفي: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، (ويَعْلَمُ) وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، ﴿واللَّهُ عَلى﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ما عَمِلَتْ﴾، ﴿وما عَمِلَتْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، (واللَّهُ) وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، (واللَّهُ غَفُورٌ)، ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾، ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ . والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: تُحِبُّونَ، ويُحْبِبْكُمُ، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ، في: ﴿تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، وفي يَغْفِرْ لَكم، وغَفُورٌ. والطِّباقُ في: تُخْفُوا، وتُبْدُوهُ، وفي: مِن خَيْرٍ، ومِن سُوءٍ، وفي: مُحْضَرًا، وبَعِيدًا. والتَّعْبِيرُ بِالمَحَلِّ عَنِ الشَّيْءِ، في قَوْلِهِ: ما في صُدُورِكم، عَبَّرَ بِها عَنِ القُلُوبِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦] الآيَةَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، الآيَةَ. أشارَ إلى انْسِلاخِهِمْ مِن وِلايَةِ اللَّهِ. والِاخْتِصاصُ في قَوْلِهِ: ﴿ما في صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ والتَّأْنِيسُ بَعْدَ الإيحاشِ، في قَوْلِهِ: واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ، والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في التَّفْسِيرِ.

آل عمران 3:30

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ آيِ البَقَرَةِ، وهُناكَ قُدِّمَ الإبْداءُ عَلى الإخْفاءِ، وهُنا قُدِّمَ الإخْفاءُ عَلى الإبْداءِ، وجَعَلَ مَحَلَّهُما ما في الصُّدُورِ، وأتى جَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ وذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ. والمَفْهُومُ أنَّ البارِيَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما في الضَّمائِرِ، لا يَتَفاوَتُ عِلْمُهُ تَعالى بِخَفاياها، وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما فِيها الثَّوابُ والعِقابُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شرًا فَشَرٌّ. وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِعَدَمِ المُوالاةِ، وتَحْذِيرٌ مِن ذَلِكَ. ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هَذا دَلِيلٌ عَلى سَعَةِ عِلْمِهِ، وذِكْرِ عُمُومٍ بَعْدَ خُصُوصٍ، فَصارَ عِلْمُهُ بِما في صُدُورِهِمْ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أحَدُهُما: بِالخُصُوصِ، والآخَرُ: بِالعُمُومِ، إذْ هم مِمَّنْ في الأرْضِ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ مِنَ المُجازاةِ عَلى ما أكَنَّتْهُ صُدُورُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لِأنَّ نَفْسَهُ، وهي ذاتُهُ المُتَمَيِّزَةُ مِن سائِرِ الذَّواتِ، مُتَّصِفَةٌ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ لا يَخْتَصُّ بِمَعْلُومٍ دُونَ مَعْلُومٍ، فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها وبِقُدْرَةٍ ذاتِيَّةٍ لا تَخْتَصُّ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، فَهي قادِرَةٌ عَلى المَقْدُوراتِ كُلِّها، فَكانَ حَقُّها أنْ تُحْذَرَ وتُتَّقى، فَلا يَجْسُرُ أحَدٌ عَلى قَبِيحٍ، ولا يُقَصِّرُ عَنْ واجِبٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مُطَّلَعٌ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، فَلاحِقٌ بِهِ العَذابُ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِإثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ، والقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعالى، وهو خِلافُ ما عَلَيْهِ أشْياخُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ومُوافَقَةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ الصِّفاتِ. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ (p-٤٢٦)اخْتُلِفَ في العامِلِ في: ”يَوْمَ“، فَقالَ الزَّجّاجُ: العامِلُ فِيهِ: ويُحَذِّرُكم، ورَجَّحَهُ. وقالَ أيْضًا: العامِلُ فِيهِ: المَصِيرُ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العامِلُ فِيهِ: قَدِيرٌ، وقالَ أيْضًا: فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ، اذْكُرْ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا، ويَضْعُفُ نَصْبُهُ بِقَوْلِهِ: ويُحَذِّرُكم؛ لِطُولِ الفَصْلِ. هَذا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، وأمّا مِن جِهَةِ المَعْنى فَلِأنَّ التَّحْذِيرَ مَوْجُودٌ، واليَوْمَ مَوْعُودٌ، فَلا يَصِحُّ لَهُ العَمَلُ فِيهِ، ويَضْعُفُ انْتِصابُهُ بِالمَصِيرِ؛ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ، ويَضْعُفُ نَصْبُهُ بِقَدِيرٍ؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا تَخْتَصُّ بِيَوْمٍ دُونَ يَوْمٍ، بَلْ هو تَعالى مُتَّصِفٌ بِالقُدْرَةِ دائِمًا. وأمّا نَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ، فالإضْمارُ عَلى خِلافِ الأصْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مَنصُوبُ: بِـ ”تَوَدُّ“، والضَّمِيرُ في: بَيْنَهُ، لِيَوْمِ القِيامَةِ، حِينَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ خَيْرَها وشَرَّها حاضِرَيْنِ، تَتَمَنّى لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ وهو لَهُ أمَدًا بَعِيدًا انْتَهى هَذا التَّخْرِيجُ. والظّاهِرُ: في بادِئِ النَّظَرِ حُسْنُهُ وتَرْجِيحُهُ، إذْ يَظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن مُضْعِفاتِ الأقْوالِ السّابِقَةِ، لَكِنْ في جَوازِ هَذِهِ المَسْألَةِ ونَظائِرِها خِلافٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ، وهي: إذا كانَ الفاعِلُ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِالمَعْمُولِ لِلْفِعْلِ، نَحْوَ: غُلامَ هِنْدٍ ضَرَبْتُ، وثَوْبَيْ أخَوَيْكَ يَلْبَسانِ، ومالُ زَيْدٍ أُخِذَ، فَذَهَبَ الكِسائِيُّ، وهِشامٌ، وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ إلى جَوازِ هَذِهِ المَسائِلِ. ومِنها الآيَةُ عَلى تَخْرِيجِ الزَّمَخْشَرِيِّ، لِأنَّ الفاعِلَ: بِـ ”تَوَدُّ“، هو ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِمَعْمُولِ: تَوَدُّ، وهو: ”يَوْمَ“، لِأنَّ: ”يَوْمَ“، مُضافٌ إلى: تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وُجْدانِ كُلِّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا، وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ. وذَهَبَ الفَرّاءُ، وأبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ هَذِهِ المَسائِلَ وأمْثالَها لا تَجُوزُ؛ لِأنَّ هَذا المَعْمُولَ فَضْلَةٌ، فَيَجُوزُ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى ما اتَّصَلَ بِهِ في هَذِهِ المَسائِلِ يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ ذِكْرُ المَعْمُولِ؛ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ الفاعِلُ عَلى ما اتَّصَلَ بِهِ، ولِهَذِهِ العِلَّةِ امْتَنَعَ: زَيْدًا ضَرَبَ، وزَيْدًا ظَنَّ قائِمًا. والصَّحِيحُ جَوازُ ذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٢٧) ؎أجَلُ المَرْءِ يُسْتَحَثُّ ولا يَدْ رِي إذا يَبْتَغِي حُصُولَ الأمانِي أيِ: المَرْءُ في وقْتِ ابْتِغائِهِ حُصُولَ الأمانِي يَسْتَحِثُّ أجْلَهُ ولا يَشْعُرُ. وتَجِدُ: الظّاهِرُ أنَّها مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ وهو: ما عَمِلَتْ، فَيَكُونُ بِمَعْنى نَصِيبٍ، ويَكُونُ: مُحْضَرًا، مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقِيلَ: تَجِدُ، هُنا بِمَعْنى: تَعْلَمُ، فَتَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ويَنْتَصِبُ: مُحْضَرًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَها، وما، في: ما عَمِلَتْ، مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ عَلَيْها مِنَ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: عَمَلُها، ويُرادُ بِهِ إذْ ذاكَ اسْمُ المَفْعُولِ، أيْ: مَعْمُولُها، فَقَوْلُهُ: ما عَمِلَتْ، هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ وثَوابَهُ. قِيلَ: ومَعْنى: مُحْضَرًا عَلى هَذا مُوَفَّرًا غَيْرَ مَبْخُوسٍ. وقِيلَ: تَرى ما عَمِلَتْ مَكْتُوبًا في الصُّحُفِ مُحْضَرًا إلَيْها تَبْشِيرًا لَها؛ لِيَكُونَ الثَّوابُ بَعْدَ مُشاهَدَةِ العَمَلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُحْضَرًا، بِفَتْحِ الضّادِ، اسْمُ مَفْعُولٍ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ”مُحْضِرًا“ بِكَسْرِ الضّادِ، أيْ مُحْضِرًا الجَنَّةَ أوْ مُحْضِرًا مُسْرِعًا بِهِ إلى الجَنَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: أحْضَرَ الفَرَسَ، إذا جَرى وأسْرَعَ. وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، مَعْطُوفًا عَلى: ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي إنْ كانَ: تَجِدُ، مُتَعَدِّيَةً إلَيْهِما، أوِ الحالُ إنْ كانَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ مَحْذُوفًا، أيْ: وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا. وذَلِكَ نَحْوَ: ظَنَنْتُ زَيْدًا قائِمًا وعَمْرًا، إذا أرَدْتَ: وعَمْرًا قائِمًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، مُسْتَأْنَفًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: وادَّةٌ تُباعِدُ ما بَيْنَها، وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في بَيْنَهُ عائِدًا عَلى ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، وأبْعَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ في عَوْدِهِ عَلى اليَوْمِ، لِأنَّ أحَدَ القِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ أُحْضِرا لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ هو: الخَيْرُ الَّذِي عَمِلَهُ، ولا يُطْلَبُ تَباعُدُ وقْتِ إحْضارِ الخَيْرِ إلّا بِتَجَوُّزٍ؛ إذا كانَ يَشْتَمِلُ عَلى إحْضارِ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَتَوَدُّ تَباعُدُهُ لِتَسْلَمَ مِنَ الشَّرِّ، ودَعْهُ لا يَحْصُلُ لَهُ الخَيْرُ. والأوْلى عَوْدُهُ عَلى ما عَمِلَتْ مِنَ السُّوءِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى أنَّ السُّوءَ يَتَمَنّى في ذَلِكَ اليَوْمِ التَّباعُدَ مِنهُ، وإلى عَطْفِ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، عَلى ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، وكَوْنِ تَوَدُّ، في مَوْضِعِ الحالِ ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ. وتَوَدُّ: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ: لِما، التَّقْدِيرُ: والَّذِي عَمِلَتْهُ مِن سُوءٍ تَوَدُّ هي لَوْ تَباعَدَ ما بَيْنَها وبَيْنَهُ، وبِهَذا الوَجْهِ بَدَأ (p-٤٢٨)الزَّمَخْشَرِيُّ وثَنى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، واتَّفَقا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، شَرْطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِارْتِفاعِ ”تَوَدُّ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ مَرْفُوعٌ يَقْتَضِي جَزْمُهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَهي تَوَدُّ، وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ انْتَهى كَلامُهُ. وظَهَرَ مِن كَلامَيْهِما امْتِناعُ الشَّرْطِ لِأجْلِ رَفْعِ: تَوَدُّ، وهَذِهِ المَسْألَةُ كانَ سَألَنِي عَنْها قاضِي القُضاةِ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الغَنِيِّ السُّرُوجِيُّ الحَنَفِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، واسْتَشْكَلَ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ: يَنْبَغِي أنَّ يَجُوزَ؛ غايَةُ ما في هَذا أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِ زُهَيْرِ: ؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ وكَتَبْتُ جَوابَ ما سَألَنِي عَنْهُ في كِتابِي الكَبِيرِ المُسَمّى (بِالتَّذْكِرَةِ)، ونَذْكُرُ هُنا ما تَمَسُّ إلَيْهِ الحاجَةُ مِن ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نُقَدِّمَ ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا، وما بَعْدَهُ مُضارِعٌ تُتِمُّ بِهِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ والجَزاءِ، جازَ في ذَلِكَ المُضارِعِ الجَزْمُ، وجازَ فِيهِ الرَّفْعُ، مِثالُ ذَلِكَ: إنْ قامَ زَيْدٌ يَقُومُ عَمْرٌو، وإنْ قامَ زَيْدٌ يَقُمْ عَمْرٌو. فَأمّا الجَزْمُ فَعَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، ولا نَعْلَمُ في جَوازِ ذَلِكَ خِلافًا، وأنَّهُ فَصِيحٌ، (p-٤٢٩)إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ (الإعْرابِ) عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كانَ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِها. وظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، ونَصِّ الجَماعَةِ، أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَكانِ، بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُ كانَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتِ تَوْغِيرِ وقالَ أيْضًا: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وأمّا الرَّفْعُ فَإنَّهُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ كَثِيرٌ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وهو أحْسَنُ مِنَ الجَزْمِ، ومِنهُ بَيْتُ زُهَيْرٍ السّابِقُ إنْشادُهُ، وهو قَوْلُهُ أيْضًا: ؎وإنْ سُلَّ رَيْعانُ الجَمِيعِ مَخافَةً ∗∗∗ يَقُولُ جِهارًا ويْلَكم لا تَنْفِرُوا وقالَ أبُو صَخْرٍ: ؎ولا بِالَّذِي إنْ بانَ عَنْهُ حَبِيبُهُ ∗∗∗ يَقُولُ ويُخْفِي الصَّبْرَ: إنِّي لَجازِعُ وقالَ الآخَرُ: ؎وإنْ بَعُدُوا لا يَأْمَنُونَ اقْتِرابَهُ ∗∗∗ تَشَوُّفَ أهِلِ الغائِبِ المُتَنَظَرْ وقالَ الآخَرُ: ؎وإنْ كانَ لا يُرْضِيكَ حَتّى تَرُدَّنِي ∗∗∗ إلى قُطْرِي لا إخالَكَ راضِيًا وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ يُسْألُوا الخَيْرَ يُعْطُوهُ وإنْ خُبِّرُوا ∗∗∗ في الجَهْدِ أُدْرِكَ مِنهم طِيبُ أخْبارِ فَهَذا الرَّفْعُ، كَما رَأيْتَ كَثِيرٌ، ونُصُوصُ الأئِمَّةِ عَلى جَوازِهِ في الكَلامِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ تَأْوِيلاتُهم كَما سَنَذْكُرُهُ. وقالَ صاحِبُنا أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ رَشِيدٍ المالِقِيُّ، وهو مُصَنِّفُ (وصْفِ المَبانِي) - رَحِمَهُ اللَّهُ: لا أعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا جاءَ في الكَلامِ، وإذا جاءَ فَقِياسُهُ الجَزْمُ لِأنَّهُ أصْلُ العَمَلِ في المُضارِعِ، تَقَدَّمَ الماضِي أوْ تَأخَّرَ، وتَأوَّلَ هَذا المَسْمُوعُ عَلى إضْمارِ الفاءِ، وجَعْلِهِ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ عَلى مَذْهَبِ مَن جَعَلَ الفاءَ مِنهُ مَحْذُوفَةً. وأمّا المُتَقَدِّمُونَ: فاخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِ الرَّفْعِ، فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيمِ. وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ فَهو مَحْذُوفٌ عِنْدَهُ. وذَهَبُ الكُوفِيُّونَ، وأبُو العَبّاسِ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ حُذِفَتْ مِنهُ الفاءُ، وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى أنَّهُ لَمّا لَمْ يَظْهَرْ لِأداةِ الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ في فِعْلِ الشَّرْطِ، لِكَوْنِهِ ماضِيًا، ضَعُفَ عَنِ العَمَلِ في فِعْلِ الجَوابِ، وهو عِنْدَهُ جَوابٌ لا عَلى إضْمارِ الفاءِ، ولا عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وهَذا والمَذْهَبُ الَّذِي قَبْلَهُ ضَعِيفانِ. وتَلَخَّصَ مِن هَذا الَّذِي قُلْناهُ أنَّ رَفْعَ المُضارِعِ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ شَرْطًا، لَكِنِ امْتَنَعَ (p-٤٣٠)أنْ يَكُونَ: وما عَمِلَتْ، شَرْطًا لِعِلَّةٍ أُخْرى، لا لِكَوْنِ: تَوَدُّ مَرْفُوعًا، وذَلِكَ عَلى ما نُقَرِّرُهُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ النِّيَّةَ بِالمَرْفُوعِ التَّقْدِيمُ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ لا نَفْسَ الجَوابِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ: تَوَدُّ، مَنوِيًّا بِهِ التَّقْدِيمُ أدّى إلى تَقَدُّمِ المُضْمَرِ عَلى ظاهِرِهِ في غَيْرِ الأبْوابِ المُسْتَثْناةِ في العَرَبِيَّةِ. ألا تَرى أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: وبَيْنَهُ، عائِدٌ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ الَّذِي هو: ما، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ؟ فَيَلْزَمُ مِن هَذا التَّقْدِيرِ تَقَدُّمُ المُضْمَرِ عَلى الظّاهِرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ قَدْ تَأخَّرَ عَنِ اسْمِ الشَّرْطِ ؟ فَإنْ كانَ نِيَّتُهُ التَّقْدِيمَ فَقَدْ حَصَلَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الِاسْمِ الظّاهِرِ قَبْلَهُ، وذَلِكَ نَظِيرُ: ضَرَبَ زَيْدًا غُلامُهُ، فالفاعِلُ رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ، ووَجَبَ تَأْخِيرُهُ لِصِحَّةِ عَوْدِ الضَّمِيرِ. فالجَوابُ: إنَّ اشْتِمالَ الدَّلِيلِ عَلى ضَمِيرِ اسْمِ الشَّرْطِ يُوجِبُ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ اقْتِضاءُ جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِجُمْلَةِ الدَّلِيلِ، وجُمْلَةُ الشَّرْطِ إنَّما تَقْتَضِي جُمْلَةَ الجَزاءِ لا جُمْلَةَ دَلِيلِهِ، ألا تَرى أنَّها لَيْسَتْ بِعامِلَةٍ في جُمْلَةِ الدَّلِيلِ، بَلْ إنَّما تَعْمَلُ في جُمْلَةِ الجَزاءِ وجُمْلَةُ الدَّلِيلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ تَدافَعَ الأمْرُ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ هي جُمْلَةُ دَلِيلٍ لا يَقْتَضِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، ومِن حَيْثُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ اقْتَضَتْها، فَتَدافَعا. وهَذا بِخِلافِ ضَرَبَ زَيْدًا غُلامُهُ، هي جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والفِعْلُ عامِلٌ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْتَضِي صاحِبَهُ، ولِذَلِكَ جازَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: ضَرَبَ غُلامُها هِنْدًا، لِاشْتِراكِ الفاعِلِ المُضافِ لِلضَّمِيرِ والمَفْعُولِ الَّذِي عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في العامِلِ، وامْتَنَعَ: ضَرَبَ غُلامُها جارَ هِنْدٍ؛ لِعَدَمِ الِاشْتِراكِ في العامِلِ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ المَسْألَتَيْنِ. ولا يُحْفَظُ مِن لِسانِ العَرَبِ: أوَدُّ لَوْ أنِّي أُكْرِمُهُ أيًّا ضَرَبَتْ هِنْدٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَقْدِيمُ المُضْمَرِ عَلى مُفَسِّرِهِ في غَيْرِ المَواضِعِ الَّتِي ذَكَرَها النَّحْوِيُّونَ، فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مِن سُوءٍ ودَّتْ لَوْ أنَّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ: ما، شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَعَمِلَتْ. أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ الهاءِ في: عَمِلَتْ، عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ، إذْ يُجِيزُ ذَلِكَ في اسْمِ الشَّرْطِ في فَصِيحِ الكَلامِ، وتَكُونُ: ودَّتْ، جَزاءَ الشَّرْطِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَكِنَّ الحَمْلَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أوْقَعُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ حِكايَةُ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأثْبَتُ لِمُوافَقَةِ قِراءَةِ العامَّةِ انْتَهى. و: لَوْ، هُنا حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ، ومَفْعُولُ: تَوَدُّ، مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَوَدُّ تَباعُدَ ما بَيْنَهُما لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا لَسَرَتْ بِذَلِكَ، وهَذا الإعْرابُ والتَّقْدِيرُ هو عَلى المَشْهُورِ في: لَوْ، وأنَّ: وما بَعْدَها في مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وفي مَوْضِعِ فاعِلٍ عَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ. وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يَذْهَبُ إلى أنَّ: لَوْ، بِمَعْنى: أنْ، وأنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فَهو بَعِيدٌ هُنا؛ لِوِلايَتِها أنَّ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، ولا يُباشِرُ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ حَرْفًا مصدريًّا إلّا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] والَّذِي يَقْتَضِيهُ المَعْنى أنَّ: لَوْ أنَّ، وما يَلِيها هو مَعْمُولُ: لِتَوَدُّ، في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ. قالَ الحَسَنُ: يُسَرُّ أحَدُهم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، ذَلِكَ مَعْناهُ. ومَعْنى أمَدًا بَعِيدًا: غايَةٌ طَوِيلَةٌ، وقِيلَ: مِقْدارُ أجْلِهِ، وقِيلَ: قَدْرُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ . كَرَّرَ التَّحْذِيرَ لِلتَّوْكِيدِ والتَّحْرِيضِ عَلى الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، بِحَيْثُ يَكُونُونَ مُمْتَثِلِي أمْرَهُ ونَهْيَهُ. ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ التَّخْوِيفِ وكَرَّرَها، كانَ ذَلِكَ مُزْعِجًا لِلْقُلُوبِ، ومُنَبِّهًا عَلى إيقاعِ المَحْذُورِ مَعَ ما قَرَنَ بِذَلِكَ مِنَ اطِّلاعِهِ عَلى خَفايا الأعْمالِ وإحْضارِهِ لَها يَوْمَ الحِسابِ، وهَذا هو الِاتِّصافُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، اللَّذَيْنِ يَجِبُ أنْ يُحَذِّرَ لِأجْلِهِما، فَذَكَرَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ؛ لِيُطْمَعَ في إحْسانِهِ، ولِيُبْسَطَ الرَّجاءُ في أفْضالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ ما إذا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الأمْرِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أبْلَغَ في الوَصْفِ مِن جُمْلَةِ (p-٤٣١)التَّخْوِيفِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ التَّخْوِيفِ جاءَتْ بِالفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي المُطْلَقَ ولَمْ يَتَكَرَّرْ فِيها اسْمُ اللَّهِ، وجاءَ المُحَذَّرُ مَخْصُوصًا بِالمُخاطَبِ فَقَطْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جاءَتِ اسْمِيَّةً، فَتَكَرَّرَ فِيها اسْمُ اللَّهِ، إذِ الوَصْفُ مُحْتَمِلٌ ضَمِيرَهُ تَعالى وجاءَ المَحْكُومُ بِهِ عَلى وزْنِ ”فَعُولٍ“ المُقْتَضِي لِلْمُبالَغَةِ والتَّكْثِيرِ، وجاءَ بِأخَصِّ ألْفاظِ الرَّحْمَةِ وهو: رَءُوفٌ، وجاءَ مُتَعَلِّقُهُ عامًّا؛ لِيَشْمَلَ المُخاطَبَ وغَيْرَهُ، وبِلَفْظِ العِبادِ؛ لِيَدُلَّ عَلى الإحْسانِ التّامِّ، لِأنَّ المالِكَ مُحْسِنٌ لِعَبْدِهِ وناظِرٌ لَهُ أحْسَنَ نَظَرٍ، إذْ هو مِلْكُهُ. قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى التَّحْذِيرِ، أيْ: إنَّ تَحْذِيرَهُ نَفْسَهُ، وتَعْرِيفَهُ حالَها مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ مِنَ الرَّأْفَةِ العَظِيمَةِ بِالعِبادِ؛ لِأنَّهم إذا عَرَفُوهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ وحَذَرُوا؛ دَعاهم ذَلِكَ إلى طَلَبِ رِضاهُ، واجْتِنابِ سُخْطِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ أنْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ، وقالَ الحُوفِيُّ: جَعَلَ تَحْذِيرَهم نَفْسَهُ إيّاهُ، وتَخْوِيفَهم عِقابَهُ رَأْفَةً بِهِمْ، ولَمْ يَجْعَلْهم في عَمًى مِن أمْرِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا المَعْنى أيْضًا، والكَلامُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، لَكِنَّ الأظْهَرَ الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ إعْلامِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ والإطْماعِ؛ لِئَلّا يُفْرِطَ الوَعِيدَ عَلى قَلْبِ المُؤْمِنِ. ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] أوْ: في قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] قالُوا ذَلِكَ، وقَدْ نَصَبَتْ قُرَيْشٌ أصْنامَها يَسْجُدُونَ لَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ» وكِلا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: في قَوْمٍ، قالُوا: إنّا لَنُحِبُّ رَبَّنا حُبًّا شَدِيدًا. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: في وفْدِ نَجْرانَ حَيْثُ قالُوا: إنّا نُعَظِّمُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ انْتَهى. ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ كُلَّ مَنِ ادَّعى مَحَبَّةَ اللَّهِ، فَمَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ عِبارَةٌ عَنْ مَيْلِ قَلْبِهِ إلى ما حَدَّهُ لَهُ تَعالى وأمَرَهُ بِهِ، والعَمَلُ بِهِ واخْتِصاصُهُ إيّاهُ بِالعِبادَةِ، ومَحَبَّتُهُ تَعالى لِلْعَبْدِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، وهَلْ هي مِن صِفاتِ الذّاتِ أمْ مِن صِفاتِ الفِعْلِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. رَتَّبَ تَعالى عَلى مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، اتِّباعَ رَسُولِهِ مَحَبَّتُهُ لَهم، وذَلِكَ أنَّ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى رِضاهُ تَعالى إنَّما هو مُسْتَفادٌ مِن نَبِيِّهِ، فَإنَّهُ هو المُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ، إذْ لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلى مَعْرِفَةِ أحْكامِ اللَّهِ في العِباداتِ ولا في غَيْرِها، بَلْ رَسُولُهُ ﷺ هو المُوَضِّحُ لِذَلِكَ، فَكانَ اتِّباعُهُ فِيما أتى بِهِ، احْتِماءً لِمَن يُحِبُّ أنْ يَعْمَلَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُحِبُّونَ، ويُحْبِبْكُمُ، مِن أحَبِّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: تَحِبُّونَ ويَحْبِبْكُمُ، بِفَتْحِ التّاءِ، والياءِ، مِن ”حَبَّ“، وهُما لُغَتانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قُرِئَ: يَحُبُّكُمُ، بِفَتْحِ الياءِ، والإدْغامِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: فاتَّبَعُونِّي، بِتَشْدِيدِ النُّونِ، ألْحَقَ فِعْلَ الأمْرِ نُونَ التَّوْكِيدِ، وأدْغَمَها في نُونِ الوِقايَةِ، ولَمْ يَحْذِفِ الواوَ شَبَهًا: بِـ ”أتَحاجُّونِّي“، وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنْ يَجْعَلَ لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِن عَمَلٍ، فَمَنِ ادَّعى مَحَبَّتَهُ، وخالَفَ سُنَّةَ رَسُولِهِ، فَهو كَذّابٌ، وكِتابُ اللَّهِ يُكَذِّبُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَن يَذْكُرُ مَحَبَّةَ اللَّهِ، ويُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ مَعَ ذِكْرِها، ويَطْرَبُ، ويَنْعَرُ، ويُصَفِّقُ، وقُبِّحَ مَن فِعْلُهُ هَذا، وزَرى عَلى فاعِلِ ذَلِكَ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ إدْغامُ راءِ، ويَغْفِرْ لَكم: في لامِ: لَكم، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ وغَلَطٌ مِمَّنْ رَواها عَنْ أبِي عَمْرٍو، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وذَكَرْنا أنَّ رُؤَساءَ الكُوفَةِ: أبا جَعْفَرٍ الرَّواسِيَّ، والكِسائِيَّ، والفَرّاءَ رَوَوْا ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ، ورَأْسانِ مِنَ البَصْرِيِّينَ وهُما: أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، قَرَءا بِذَلِكَ ورَوَياهُ، فَلا التِفاتَ لِمَن خالَفَ في ذَلِكَ. ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ هَذا تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: فاتَّبِعُونِي، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ، كَطاعَةِ اللَّهِ، ويَأْمُرُ بِأنَّ نَحْبَهُ، كَما أحَبَّتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ . ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: تَوَلَّوْا، ماضِيًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-٤٣٢)مُضارِعًا حُذِفَتْ مِنهُ التّاءُ، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا، والمَعْنى: فَإنْ تَوَلَّوْا عَمّا أُمِرُوا بِهِ، مِنِ اتِّباعِهِ، وطاعَتِهِ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ كافِرًا. وجَعَلَ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ ولَمْ يُطِعْهُ كافِرًا، وتَقْيِيدُ انْتِفاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِي هو الكُفْرُ مُشْعِرٌ بِالعَلِيَّةِ، فالمُؤْمِنُ العاصِي لا يَنْدَرِجُ في ذَلِكَ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآياتِ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ، وفُنُونِ البَلاغَةِ. الخِطابُ العامُّ الَّذِي سَبَبُهُ خاصٌّ، في قَوْلِهِ ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] والتَّكْرارُ، في قَوْلِهِ: المُؤْمِنُونَ، مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ﴿وإلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٨] وفي: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، (ويَعْلَمُ) وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، ﴿واللَّهُ عَلى﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ما عَمِلَتْ﴾، ﴿وما عَمِلَتْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، (واللَّهُ) وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، (واللَّهُ غَفُورٌ)، ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾، ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ . والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: تُحِبُّونَ، ويُحْبِبْكُمُ، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ، في: ﴿تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، وفي يَغْفِرْ لَكم، وغَفُورٌ. والطِّباقُ في: تُخْفُوا، وتُبْدُوهُ، وفي: مِن خَيْرٍ، ومِن سُوءٍ، وفي: مُحْضَرًا، وبَعِيدًا. والتَّعْبِيرُ بِالمَحَلِّ عَنِ الشَّيْءِ، في قَوْلِهِ: ما في صُدُورِكم، عَبَّرَ بِها عَنِ القُلُوبِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦] الآيَةَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، الآيَةَ. أشارَ إلى انْسِلاخِهِمْ مِن وِلايَةِ اللَّهِ. والِاخْتِصاصُ في قَوْلِهِ: ﴿ما في صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ والتَّأْنِيسُ بَعْدَ الإيحاشِ، في قَوْلِهِ: واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ، والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في التَّفْسِيرِ.

آل عمران 3:31

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ آيِ البَقَرَةِ، وهُناكَ قُدِّمَ الإبْداءُ عَلى الإخْفاءِ، وهُنا قُدِّمَ الإخْفاءُ عَلى الإبْداءِ، وجَعَلَ مَحَلَّهُما ما في الصُّدُورِ، وأتى جَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ وذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ. والمَفْهُومُ أنَّ البارِيَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما في الضَّمائِرِ، لا يَتَفاوَتُ عِلْمُهُ تَعالى بِخَفاياها، وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما فِيها الثَّوابُ والعِقابُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شرًا فَشَرٌّ. وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِعَدَمِ المُوالاةِ، وتَحْذِيرٌ مِن ذَلِكَ. ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هَذا دَلِيلٌ عَلى سَعَةِ عِلْمِهِ، وذِكْرِ عُمُومٍ بَعْدَ خُصُوصٍ، فَصارَ عِلْمُهُ بِما في صُدُورِهِمْ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أحَدُهُما: بِالخُصُوصِ، والآخَرُ: بِالعُمُومِ، إذْ هم مِمَّنْ في الأرْضِ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ مِنَ المُجازاةِ عَلى ما أكَنَّتْهُ صُدُورُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لِأنَّ نَفْسَهُ، وهي ذاتُهُ المُتَمَيِّزَةُ مِن سائِرِ الذَّواتِ، مُتَّصِفَةٌ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ لا يَخْتَصُّ بِمَعْلُومٍ دُونَ مَعْلُومٍ، فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها وبِقُدْرَةٍ ذاتِيَّةٍ لا تَخْتَصُّ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، فَهي قادِرَةٌ عَلى المَقْدُوراتِ كُلِّها، فَكانَ حَقُّها أنْ تُحْذَرَ وتُتَّقى، فَلا يَجْسُرُ أحَدٌ عَلى قَبِيحٍ، ولا يُقَصِّرُ عَنْ واجِبٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مُطَّلَعٌ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، فَلاحِقٌ بِهِ العَذابُ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِإثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ، والقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعالى، وهو خِلافُ ما عَلَيْهِ أشْياخُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ومُوافَقَةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ الصِّفاتِ. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ (p-٤٢٦)اخْتُلِفَ في العامِلِ في: ”يَوْمَ“، فَقالَ الزَّجّاجُ: العامِلُ فِيهِ: ويُحَذِّرُكم، ورَجَّحَهُ. وقالَ أيْضًا: العامِلُ فِيهِ: المَصِيرُ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العامِلُ فِيهِ: قَدِيرٌ، وقالَ أيْضًا: فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ، اذْكُرْ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا، ويَضْعُفُ نَصْبُهُ بِقَوْلِهِ: ويُحَذِّرُكم؛ لِطُولِ الفَصْلِ. هَذا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، وأمّا مِن جِهَةِ المَعْنى فَلِأنَّ التَّحْذِيرَ مَوْجُودٌ، واليَوْمَ مَوْعُودٌ، فَلا يَصِحُّ لَهُ العَمَلُ فِيهِ، ويَضْعُفُ انْتِصابُهُ بِالمَصِيرِ؛ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ، ويَضْعُفُ نَصْبُهُ بِقَدِيرٍ؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا تَخْتَصُّ بِيَوْمٍ دُونَ يَوْمٍ، بَلْ هو تَعالى مُتَّصِفٌ بِالقُدْرَةِ دائِمًا. وأمّا نَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ، فالإضْمارُ عَلى خِلافِ الأصْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مَنصُوبُ: بِـ ”تَوَدُّ“، والضَّمِيرُ في: بَيْنَهُ، لِيَوْمِ القِيامَةِ، حِينَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ خَيْرَها وشَرَّها حاضِرَيْنِ، تَتَمَنّى لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ وهو لَهُ أمَدًا بَعِيدًا انْتَهى هَذا التَّخْرِيجُ. والظّاهِرُ: في بادِئِ النَّظَرِ حُسْنُهُ وتَرْجِيحُهُ، إذْ يَظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن مُضْعِفاتِ الأقْوالِ السّابِقَةِ، لَكِنْ في جَوازِ هَذِهِ المَسْألَةِ ونَظائِرِها خِلافٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ، وهي: إذا كانَ الفاعِلُ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِالمَعْمُولِ لِلْفِعْلِ، نَحْوَ: غُلامَ هِنْدٍ ضَرَبْتُ، وثَوْبَيْ أخَوَيْكَ يَلْبَسانِ، ومالُ زَيْدٍ أُخِذَ، فَذَهَبَ الكِسائِيُّ، وهِشامٌ، وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ إلى جَوازِ هَذِهِ المَسائِلِ. ومِنها الآيَةُ عَلى تَخْرِيجِ الزَّمَخْشَرِيِّ، لِأنَّ الفاعِلَ: بِـ ”تَوَدُّ“، هو ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِمَعْمُولِ: تَوَدُّ، وهو: ”يَوْمَ“، لِأنَّ: ”يَوْمَ“، مُضافٌ إلى: تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وُجْدانِ كُلِّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا، وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ. وذَهَبَ الفَرّاءُ، وأبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ هَذِهِ المَسائِلَ وأمْثالَها لا تَجُوزُ؛ لِأنَّ هَذا المَعْمُولَ فَضْلَةٌ، فَيَجُوزُ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى ما اتَّصَلَ بِهِ في هَذِهِ المَسائِلِ يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ ذِكْرُ المَعْمُولِ؛ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ الفاعِلُ عَلى ما اتَّصَلَ بِهِ، ولِهَذِهِ العِلَّةِ امْتَنَعَ: زَيْدًا ضَرَبَ، وزَيْدًا ظَنَّ قائِمًا. والصَّحِيحُ جَوازُ ذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٢٧) ؎أجَلُ المَرْءِ يُسْتَحَثُّ ولا يَدْ رِي إذا يَبْتَغِي حُصُولَ الأمانِي أيِ: المَرْءُ في وقْتِ ابْتِغائِهِ حُصُولَ الأمانِي يَسْتَحِثُّ أجْلَهُ ولا يَشْعُرُ. وتَجِدُ: الظّاهِرُ أنَّها مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ وهو: ما عَمِلَتْ، فَيَكُونُ بِمَعْنى نَصِيبٍ، ويَكُونُ: مُحْضَرًا، مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقِيلَ: تَجِدُ، هُنا بِمَعْنى: تَعْلَمُ، فَتَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ويَنْتَصِبُ: مُحْضَرًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَها، وما، في: ما عَمِلَتْ، مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ عَلَيْها مِنَ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: عَمَلُها، ويُرادُ بِهِ إذْ ذاكَ اسْمُ المَفْعُولِ، أيْ: مَعْمُولُها، فَقَوْلُهُ: ما عَمِلَتْ، هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ وثَوابَهُ. قِيلَ: ومَعْنى: مُحْضَرًا عَلى هَذا مُوَفَّرًا غَيْرَ مَبْخُوسٍ. وقِيلَ: تَرى ما عَمِلَتْ مَكْتُوبًا في الصُّحُفِ مُحْضَرًا إلَيْها تَبْشِيرًا لَها؛ لِيَكُونَ الثَّوابُ بَعْدَ مُشاهَدَةِ العَمَلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُحْضَرًا، بِفَتْحِ الضّادِ، اسْمُ مَفْعُولٍ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ”مُحْضِرًا“ بِكَسْرِ الضّادِ، أيْ مُحْضِرًا الجَنَّةَ أوْ مُحْضِرًا مُسْرِعًا بِهِ إلى الجَنَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: أحْضَرَ الفَرَسَ، إذا جَرى وأسْرَعَ. وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، مَعْطُوفًا عَلى: ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي إنْ كانَ: تَجِدُ، مُتَعَدِّيَةً إلَيْهِما، أوِ الحالُ إنْ كانَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ مَحْذُوفًا، أيْ: وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا. وذَلِكَ نَحْوَ: ظَنَنْتُ زَيْدًا قائِمًا وعَمْرًا، إذا أرَدْتَ: وعَمْرًا قائِمًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، مُسْتَأْنَفًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: وادَّةٌ تُباعِدُ ما بَيْنَها، وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في بَيْنَهُ عائِدًا عَلى ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، وأبْعَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ في عَوْدِهِ عَلى اليَوْمِ، لِأنَّ أحَدَ القِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ أُحْضِرا لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ هو: الخَيْرُ الَّذِي عَمِلَهُ، ولا يُطْلَبُ تَباعُدُ وقْتِ إحْضارِ الخَيْرِ إلّا بِتَجَوُّزٍ؛ إذا كانَ يَشْتَمِلُ عَلى إحْضارِ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَتَوَدُّ تَباعُدُهُ لِتَسْلَمَ مِنَ الشَّرِّ، ودَعْهُ لا يَحْصُلُ لَهُ الخَيْرُ. والأوْلى عَوْدُهُ عَلى ما عَمِلَتْ مِنَ السُّوءِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى أنَّ السُّوءَ يَتَمَنّى في ذَلِكَ اليَوْمِ التَّباعُدَ مِنهُ، وإلى عَطْفِ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، عَلى ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، وكَوْنِ تَوَدُّ، في مَوْضِعِ الحالِ ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ. وتَوَدُّ: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ: لِما، التَّقْدِيرُ: والَّذِي عَمِلَتْهُ مِن سُوءٍ تَوَدُّ هي لَوْ تَباعَدَ ما بَيْنَها وبَيْنَهُ، وبِهَذا الوَجْهِ بَدَأ (p-٤٢٨)الزَّمَخْشَرِيُّ وثَنى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، واتَّفَقا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، شَرْطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِارْتِفاعِ ”تَوَدُّ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ مَرْفُوعٌ يَقْتَضِي جَزْمُهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَهي تَوَدُّ، وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ انْتَهى كَلامُهُ. وظَهَرَ مِن كَلامَيْهِما امْتِناعُ الشَّرْطِ لِأجْلِ رَفْعِ: تَوَدُّ، وهَذِهِ المَسْألَةُ كانَ سَألَنِي عَنْها قاضِي القُضاةِ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الغَنِيِّ السُّرُوجِيُّ الحَنَفِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، واسْتَشْكَلَ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ: يَنْبَغِي أنَّ يَجُوزَ؛ غايَةُ ما في هَذا أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِ زُهَيْرِ: ؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ وكَتَبْتُ جَوابَ ما سَألَنِي عَنْهُ في كِتابِي الكَبِيرِ المُسَمّى (بِالتَّذْكِرَةِ)، ونَذْكُرُ هُنا ما تَمَسُّ إلَيْهِ الحاجَةُ مِن ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نُقَدِّمَ ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا، وما بَعْدَهُ مُضارِعٌ تُتِمُّ بِهِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ والجَزاءِ، جازَ في ذَلِكَ المُضارِعِ الجَزْمُ، وجازَ فِيهِ الرَّفْعُ، مِثالُ ذَلِكَ: إنْ قامَ زَيْدٌ يَقُومُ عَمْرٌو، وإنْ قامَ زَيْدٌ يَقُمْ عَمْرٌو. فَأمّا الجَزْمُ فَعَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، ولا نَعْلَمُ في جَوازِ ذَلِكَ خِلافًا، وأنَّهُ فَصِيحٌ، (p-٤٢٩)إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ (الإعْرابِ) عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كانَ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِها. وظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، ونَصِّ الجَماعَةِ، أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَكانِ، بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُ كانَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتِ تَوْغِيرِ وقالَ أيْضًا: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وأمّا الرَّفْعُ فَإنَّهُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ كَثِيرٌ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وهو أحْسَنُ مِنَ الجَزْمِ، ومِنهُ بَيْتُ زُهَيْرٍ السّابِقُ إنْشادُهُ، وهو قَوْلُهُ أيْضًا: ؎وإنْ سُلَّ رَيْعانُ الجَمِيعِ مَخافَةً ∗∗∗ يَقُولُ جِهارًا ويْلَكم لا تَنْفِرُوا وقالَ أبُو صَخْرٍ: ؎ولا بِالَّذِي إنْ بانَ عَنْهُ حَبِيبُهُ ∗∗∗ يَقُولُ ويُخْفِي الصَّبْرَ: إنِّي لَجازِعُ وقالَ الآخَرُ: ؎وإنْ بَعُدُوا لا يَأْمَنُونَ اقْتِرابَهُ ∗∗∗ تَشَوُّفَ أهِلِ الغائِبِ المُتَنَظَرْ وقالَ الآخَرُ: ؎وإنْ كانَ لا يُرْضِيكَ حَتّى تَرُدَّنِي ∗∗∗ إلى قُطْرِي لا إخالَكَ راضِيًا وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ يُسْألُوا الخَيْرَ يُعْطُوهُ وإنْ خُبِّرُوا ∗∗∗ في الجَهْدِ أُدْرِكَ مِنهم طِيبُ أخْبارِ فَهَذا الرَّفْعُ، كَما رَأيْتَ كَثِيرٌ، ونُصُوصُ الأئِمَّةِ عَلى جَوازِهِ في الكَلامِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ تَأْوِيلاتُهم كَما سَنَذْكُرُهُ. وقالَ صاحِبُنا أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ رَشِيدٍ المالِقِيُّ، وهو مُصَنِّفُ (وصْفِ المَبانِي) - رَحِمَهُ اللَّهُ: لا أعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا جاءَ في الكَلامِ، وإذا جاءَ فَقِياسُهُ الجَزْمُ لِأنَّهُ أصْلُ العَمَلِ في المُضارِعِ، تَقَدَّمَ الماضِي أوْ تَأخَّرَ، وتَأوَّلَ هَذا المَسْمُوعُ عَلى إضْمارِ الفاءِ، وجَعْلِهِ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ عَلى مَذْهَبِ مَن جَعَلَ الفاءَ مِنهُ مَحْذُوفَةً. وأمّا المُتَقَدِّمُونَ: فاخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِ الرَّفْعِ، فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيمِ. وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ فَهو مَحْذُوفٌ عِنْدَهُ. وذَهَبُ الكُوفِيُّونَ، وأبُو العَبّاسِ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ حُذِفَتْ مِنهُ الفاءُ، وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى أنَّهُ لَمّا لَمْ يَظْهَرْ لِأداةِ الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ في فِعْلِ الشَّرْطِ، لِكَوْنِهِ ماضِيًا، ضَعُفَ عَنِ العَمَلِ في فِعْلِ الجَوابِ، وهو عِنْدَهُ جَوابٌ لا عَلى إضْمارِ الفاءِ، ولا عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وهَذا والمَذْهَبُ الَّذِي قَبْلَهُ ضَعِيفانِ. وتَلَخَّصَ مِن هَذا الَّذِي قُلْناهُ أنَّ رَفْعَ المُضارِعِ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ شَرْطًا، لَكِنِ امْتَنَعَ (p-٤٣٠)أنْ يَكُونَ: وما عَمِلَتْ، شَرْطًا لِعِلَّةٍ أُخْرى، لا لِكَوْنِ: تَوَدُّ مَرْفُوعًا، وذَلِكَ عَلى ما نُقَرِّرُهُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ النِّيَّةَ بِالمَرْفُوعِ التَّقْدِيمُ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ لا نَفْسَ الجَوابِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ: تَوَدُّ، مَنوِيًّا بِهِ التَّقْدِيمُ أدّى إلى تَقَدُّمِ المُضْمَرِ عَلى ظاهِرِهِ في غَيْرِ الأبْوابِ المُسْتَثْناةِ في العَرَبِيَّةِ. ألا تَرى أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: وبَيْنَهُ، عائِدٌ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ الَّذِي هو: ما، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ؟ فَيَلْزَمُ مِن هَذا التَّقْدِيرِ تَقَدُّمُ المُضْمَرِ عَلى الظّاهِرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ قَدْ تَأخَّرَ عَنِ اسْمِ الشَّرْطِ ؟ فَإنْ كانَ نِيَّتُهُ التَّقْدِيمَ فَقَدْ حَصَلَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الِاسْمِ الظّاهِرِ قَبْلَهُ، وذَلِكَ نَظِيرُ: ضَرَبَ زَيْدًا غُلامُهُ، فالفاعِلُ رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ، ووَجَبَ تَأْخِيرُهُ لِصِحَّةِ عَوْدِ الضَّمِيرِ. فالجَوابُ: إنَّ اشْتِمالَ الدَّلِيلِ عَلى ضَمِيرِ اسْمِ الشَّرْطِ يُوجِبُ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ اقْتِضاءُ جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِجُمْلَةِ الدَّلِيلِ، وجُمْلَةُ الشَّرْطِ إنَّما تَقْتَضِي جُمْلَةَ الجَزاءِ لا جُمْلَةَ دَلِيلِهِ، ألا تَرى أنَّها لَيْسَتْ بِعامِلَةٍ في جُمْلَةِ الدَّلِيلِ، بَلْ إنَّما تَعْمَلُ في جُمْلَةِ الجَزاءِ وجُمْلَةُ الدَّلِيلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ تَدافَعَ الأمْرُ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ هي جُمْلَةُ دَلِيلٍ لا يَقْتَضِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، ومِن حَيْثُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ اقْتَضَتْها، فَتَدافَعا. وهَذا بِخِلافِ ضَرَبَ زَيْدًا غُلامُهُ، هي جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والفِعْلُ عامِلٌ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْتَضِي صاحِبَهُ، ولِذَلِكَ جازَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: ضَرَبَ غُلامُها هِنْدًا، لِاشْتِراكِ الفاعِلِ المُضافِ لِلضَّمِيرِ والمَفْعُولِ الَّذِي عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في العامِلِ، وامْتَنَعَ: ضَرَبَ غُلامُها جارَ هِنْدٍ؛ لِعَدَمِ الِاشْتِراكِ في العامِلِ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ المَسْألَتَيْنِ. ولا يُحْفَظُ مِن لِسانِ العَرَبِ: أوَدُّ لَوْ أنِّي أُكْرِمُهُ أيًّا ضَرَبَتْ هِنْدٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَقْدِيمُ المُضْمَرِ عَلى مُفَسِّرِهِ في غَيْرِ المَواضِعِ الَّتِي ذَكَرَها النَّحْوِيُّونَ، فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مِن سُوءٍ ودَّتْ لَوْ أنَّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ: ما، شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَعَمِلَتْ. أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ الهاءِ في: عَمِلَتْ، عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ، إذْ يُجِيزُ ذَلِكَ في اسْمِ الشَّرْطِ في فَصِيحِ الكَلامِ، وتَكُونُ: ودَّتْ، جَزاءَ الشَّرْطِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَكِنَّ الحَمْلَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أوْقَعُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ حِكايَةُ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأثْبَتُ لِمُوافَقَةِ قِراءَةِ العامَّةِ انْتَهى. و: لَوْ، هُنا حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ، ومَفْعُولُ: تَوَدُّ، مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَوَدُّ تَباعُدَ ما بَيْنَهُما لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا لَسَرَتْ بِذَلِكَ، وهَذا الإعْرابُ والتَّقْدِيرُ هو عَلى المَشْهُورِ في: لَوْ، وأنَّ: وما بَعْدَها في مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وفي مَوْضِعِ فاعِلٍ عَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ. وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يَذْهَبُ إلى أنَّ: لَوْ، بِمَعْنى: أنْ، وأنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فَهو بَعِيدٌ هُنا؛ لِوِلايَتِها أنَّ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، ولا يُباشِرُ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ حَرْفًا مصدريًّا إلّا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] والَّذِي يَقْتَضِيهُ المَعْنى أنَّ: لَوْ أنَّ، وما يَلِيها هو مَعْمُولُ: لِتَوَدُّ، في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ. قالَ الحَسَنُ: يُسَرُّ أحَدُهم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، ذَلِكَ مَعْناهُ. ومَعْنى أمَدًا بَعِيدًا: غايَةٌ طَوِيلَةٌ، وقِيلَ: مِقْدارُ أجْلِهِ، وقِيلَ: قَدْرُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ . كَرَّرَ التَّحْذِيرَ لِلتَّوْكِيدِ والتَّحْرِيضِ عَلى الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، بِحَيْثُ يَكُونُونَ مُمْتَثِلِي أمْرَهُ ونَهْيَهُ. ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ التَّخْوِيفِ وكَرَّرَها، كانَ ذَلِكَ مُزْعِجًا لِلْقُلُوبِ، ومُنَبِّهًا عَلى إيقاعِ المَحْذُورِ مَعَ ما قَرَنَ بِذَلِكَ مِنَ اطِّلاعِهِ عَلى خَفايا الأعْمالِ وإحْضارِهِ لَها يَوْمَ الحِسابِ، وهَذا هو الِاتِّصافُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، اللَّذَيْنِ يَجِبُ أنْ يُحَذِّرَ لِأجْلِهِما، فَذَكَرَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ؛ لِيُطْمَعَ في إحْسانِهِ، ولِيُبْسَطَ الرَّجاءُ في أفْضالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ ما إذا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الأمْرِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أبْلَغَ في الوَصْفِ مِن جُمْلَةِ (p-٤٣١)التَّخْوِيفِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ التَّخْوِيفِ جاءَتْ بِالفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي المُطْلَقَ ولَمْ يَتَكَرَّرْ فِيها اسْمُ اللَّهِ، وجاءَ المُحَذَّرُ مَخْصُوصًا بِالمُخاطَبِ فَقَطْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جاءَتِ اسْمِيَّةً، فَتَكَرَّرَ فِيها اسْمُ اللَّهِ، إذِ الوَصْفُ مُحْتَمِلٌ ضَمِيرَهُ تَعالى وجاءَ المَحْكُومُ بِهِ عَلى وزْنِ ”فَعُولٍ“ المُقْتَضِي لِلْمُبالَغَةِ والتَّكْثِيرِ، وجاءَ بِأخَصِّ ألْفاظِ الرَّحْمَةِ وهو: رَءُوفٌ، وجاءَ مُتَعَلِّقُهُ عامًّا؛ لِيَشْمَلَ المُخاطَبَ وغَيْرَهُ، وبِلَفْظِ العِبادِ؛ لِيَدُلَّ عَلى الإحْسانِ التّامِّ، لِأنَّ المالِكَ مُحْسِنٌ لِعَبْدِهِ وناظِرٌ لَهُ أحْسَنَ نَظَرٍ، إذْ هو مِلْكُهُ. قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى التَّحْذِيرِ، أيْ: إنَّ تَحْذِيرَهُ نَفْسَهُ، وتَعْرِيفَهُ حالَها مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ مِنَ الرَّأْفَةِ العَظِيمَةِ بِالعِبادِ؛ لِأنَّهم إذا عَرَفُوهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ وحَذَرُوا؛ دَعاهم ذَلِكَ إلى طَلَبِ رِضاهُ، واجْتِنابِ سُخْطِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ أنْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ، وقالَ الحُوفِيُّ: جَعَلَ تَحْذِيرَهم نَفْسَهُ إيّاهُ، وتَخْوِيفَهم عِقابَهُ رَأْفَةً بِهِمْ، ولَمْ يَجْعَلْهم في عَمًى مِن أمْرِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا المَعْنى أيْضًا، والكَلامُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، لَكِنَّ الأظْهَرَ الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ إعْلامِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ والإطْماعِ؛ لِئَلّا يُفْرِطَ الوَعِيدَ عَلى قَلْبِ المُؤْمِنِ. ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] أوْ: في قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] قالُوا ذَلِكَ، وقَدْ نَصَبَتْ قُرَيْشٌ أصْنامَها يَسْجُدُونَ لَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ» وكِلا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: في قَوْمٍ، قالُوا: إنّا لَنُحِبُّ رَبَّنا حُبًّا شَدِيدًا. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: في وفْدِ نَجْرانَ حَيْثُ قالُوا: إنّا نُعَظِّمُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ انْتَهى. ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ كُلَّ مَنِ ادَّعى مَحَبَّةَ اللَّهِ، فَمَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ عِبارَةٌ عَنْ مَيْلِ قَلْبِهِ إلى ما حَدَّهُ لَهُ تَعالى وأمَرَهُ بِهِ، والعَمَلُ بِهِ واخْتِصاصُهُ إيّاهُ بِالعِبادَةِ، ومَحَبَّتُهُ تَعالى لِلْعَبْدِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، وهَلْ هي مِن صِفاتِ الذّاتِ أمْ مِن صِفاتِ الفِعْلِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. رَتَّبَ تَعالى عَلى مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، اتِّباعَ رَسُولِهِ مَحَبَّتُهُ لَهم، وذَلِكَ أنَّ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى رِضاهُ تَعالى إنَّما هو مُسْتَفادٌ مِن نَبِيِّهِ، فَإنَّهُ هو المُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ، إذْ لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلى مَعْرِفَةِ أحْكامِ اللَّهِ في العِباداتِ ولا في غَيْرِها، بَلْ رَسُولُهُ ﷺ هو المُوَضِّحُ لِذَلِكَ، فَكانَ اتِّباعُهُ فِيما أتى بِهِ، احْتِماءً لِمَن يُحِبُّ أنْ يَعْمَلَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُحِبُّونَ، ويُحْبِبْكُمُ، مِن أحَبِّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: تَحِبُّونَ ويَحْبِبْكُمُ، بِفَتْحِ التّاءِ، والياءِ، مِن ”حَبَّ“، وهُما لُغَتانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قُرِئَ: يَحُبُّكُمُ، بِفَتْحِ الياءِ، والإدْغامِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: فاتَّبَعُونِّي، بِتَشْدِيدِ النُّونِ، ألْحَقَ فِعْلَ الأمْرِ نُونَ التَّوْكِيدِ، وأدْغَمَها في نُونِ الوِقايَةِ، ولَمْ يَحْذِفِ الواوَ شَبَهًا: بِـ ”أتَحاجُّونِّي“، وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنْ يَجْعَلَ لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِن عَمَلٍ، فَمَنِ ادَّعى مَحَبَّتَهُ، وخالَفَ سُنَّةَ رَسُولِهِ، فَهو كَذّابٌ، وكِتابُ اللَّهِ يُكَذِّبُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَن يَذْكُرُ مَحَبَّةَ اللَّهِ، ويُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ مَعَ ذِكْرِها، ويَطْرَبُ، ويَنْعَرُ، ويُصَفِّقُ، وقُبِّحَ مَن فِعْلُهُ هَذا، وزَرى عَلى فاعِلِ ذَلِكَ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ إدْغامُ راءِ، ويَغْفِرْ لَكم: في لامِ: لَكم، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ وغَلَطٌ مِمَّنْ رَواها عَنْ أبِي عَمْرٍو، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وذَكَرْنا أنَّ رُؤَساءَ الكُوفَةِ: أبا جَعْفَرٍ الرَّواسِيَّ، والكِسائِيَّ، والفَرّاءَ رَوَوْا ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ، ورَأْسانِ مِنَ البَصْرِيِّينَ وهُما: أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، قَرَءا بِذَلِكَ ورَوَياهُ، فَلا التِفاتَ لِمَن خالَفَ في ذَلِكَ. ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ هَذا تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: فاتَّبِعُونِي، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ، كَطاعَةِ اللَّهِ، ويَأْمُرُ بِأنَّ نَحْبَهُ، كَما أحَبَّتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ . ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: تَوَلَّوْا، ماضِيًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-٤٣٢)مُضارِعًا حُذِفَتْ مِنهُ التّاءُ، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا، والمَعْنى: فَإنْ تَوَلَّوْا عَمّا أُمِرُوا بِهِ، مِنِ اتِّباعِهِ، وطاعَتِهِ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ كافِرًا. وجَعَلَ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ ولَمْ يُطِعْهُ كافِرًا، وتَقْيِيدُ انْتِفاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِي هو الكُفْرُ مُشْعِرٌ بِالعَلِيَّةِ، فالمُؤْمِنُ العاصِي لا يَنْدَرِجُ في ذَلِكَ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآياتِ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ، وفُنُونِ البَلاغَةِ. الخِطابُ العامُّ الَّذِي سَبَبُهُ خاصٌّ، في قَوْلِهِ ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] والتَّكْرارُ، في قَوْلِهِ: المُؤْمِنُونَ، مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ﴿وإلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٨] وفي: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، (ويَعْلَمُ) وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، ﴿واللَّهُ عَلى﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ما عَمِلَتْ﴾، ﴿وما عَمِلَتْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، (واللَّهُ) وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، (واللَّهُ غَفُورٌ)، ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾، ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ . والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: تُحِبُّونَ، ويُحْبِبْكُمُ، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ، في: ﴿تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، وفي يَغْفِرْ لَكم، وغَفُورٌ. والطِّباقُ في: تُخْفُوا، وتُبْدُوهُ، وفي: مِن خَيْرٍ، ومِن سُوءٍ، وفي: مُحْضَرًا، وبَعِيدًا. والتَّعْبِيرُ بِالمَحَلِّ عَنِ الشَّيْءِ، في قَوْلِهِ: ما في صُدُورِكم، عَبَّرَ بِها عَنِ القُلُوبِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦] الآيَةَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، الآيَةَ. أشارَ إلى انْسِلاخِهِمْ مِن وِلايَةِ اللَّهِ. والِاخْتِصاصُ في قَوْلِهِ: ﴿ما في صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ والتَّأْنِيسُ بَعْدَ الإيحاشِ، في قَوْلِهِ: واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ، والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في التَّفْسِيرِ.

آل عمران 3:32

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ آيِ البَقَرَةِ، وهُناكَ قُدِّمَ الإبْداءُ عَلى الإخْفاءِ، وهُنا قُدِّمَ الإخْفاءُ عَلى الإبْداءِ، وجَعَلَ مَحَلَّهُما ما في الصُّدُورِ، وأتى جَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ وذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ. والمَفْهُومُ أنَّ البارِيَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما في الضَّمائِرِ، لا يَتَفاوَتُ عِلْمُهُ تَعالى بِخَفاياها، وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما فِيها الثَّوابُ والعِقابُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شرًا فَشَرٌّ. وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِعَدَمِ المُوالاةِ، وتَحْذِيرٌ مِن ذَلِكَ. ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هَذا دَلِيلٌ عَلى سَعَةِ عِلْمِهِ، وذِكْرِ عُمُومٍ بَعْدَ خُصُوصٍ، فَصارَ عِلْمُهُ بِما في صُدُورِهِمْ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أحَدُهُما: بِالخُصُوصِ، والآخَرُ: بِالعُمُومِ، إذْ هم مِمَّنْ في الأرْضِ. ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ مِنَ المُجازاةِ عَلى ما أكَنَّتْهُ صُدُورُهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لِأنَّ نَفْسَهُ، وهي ذاتُهُ المُتَمَيِّزَةُ مِن سائِرِ الذَّواتِ، مُتَّصِفَةٌ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ لا يَخْتَصُّ بِمَعْلُومٍ دُونَ مَعْلُومٍ، فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها وبِقُدْرَةٍ ذاتِيَّةٍ لا تَخْتَصُّ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، فَهي قادِرَةٌ عَلى المَقْدُوراتِ كُلِّها، فَكانَ حَقُّها أنْ تُحْذَرَ وتُتَّقى، فَلا يَجْسُرُ أحَدٌ عَلى قَبِيحٍ، ولا يُقَصِّرُ عَنْ واجِبٍ، فَإنَّ ذَلِكَ مُطَّلَعٌ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، فَلاحِقٌ بِهِ العَذابُ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِإثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ، والقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعالى، وهو خِلافُ ما عَلَيْهِ أشْياخُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ومُوافَقَةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في إثْباتِ الصِّفاتِ. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ (p-٤٢٦)اخْتُلِفَ في العامِلِ في: ”يَوْمَ“، فَقالَ الزَّجّاجُ: العامِلُ فِيهِ: ويُحَذِّرُكم، ورَجَّحَهُ. وقالَ أيْضًا: العامِلُ فِيهِ: المَصِيرُ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العامِلُ فِيهِ: قَدِيرٌ، وقالَ أيْضًا: فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ، اذْكُرْ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا، ويَضْعُفُ نَصْبُهُ بِقَوْلِهِ: ويُحَذِّرُكم؛ لِطُولِ الفَصْلِ. هَذا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، وأمّا مِن جِهَةِ المَعْنى فَلِأنَّ التَّحْذِيرَ مَوْجُودٌ، واليَوْمَ مَوْعُودٌ، فَلا يَصِحُّ لَهُ العَمَلُ فِيهِ، ويَضْعُفُ انْتِصابُهُ بِالمَصِيرِ؛ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ، ويَضْعُفُ نَصْبُهُ بِقَدِيرٍ؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا تَخْتَصُّ بِيَوْمٍ دُونَ يَوْمٍ، بَلْ هو تَعالى مُتَّصِفٌ بِالقُدْرَةِ دائِمًا. وأمّا نَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ، فالإضْمارُ عَلى خِلافِ الأصْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مَنصُوبُ: بِـ ”تَوَدُّ“، والضَّمِيرُ في: بَيْنَهُ، لِيَوْمِ القِيامَةِ، حِينَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ خَيْرَها وشَرَّها حاضِرَيْنِ، تَتَمَنّى لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ وهو لَهُ أمَدًا بَعِيدًا انْتَهى هَذا التَّخْرِيجُ. والظّاهِرُ: في بادِئِ النَّظَرِ حُسْنُهُ وتَرْجِيحُهُ، إذْ يَظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن مُضْعِفاتِ الأقْوالِ السّابِقَةِ، لَكِنْ في جَوازِ هَذِهِ المَسْألَةِ ونَظائِرِها خِلافٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ، وهي: إذا كانَ الفاعِلُ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِالمَعْمُولِ لِلْفِعْلِ، نَحْوَ: غُلامَ هِنْدٍ ضَرَبْتُ، وثَوْبَيْ أخَوَيْكَ يَلْبَسانِ، ومالُ زَيْدٍ أُخِذَ، فَذَهَبَ الكِسائِيُّ، وهِشامٌ، وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ إلى جَوازِ هَذِهِ المَسائِلِ. ومِنها الآيَةُ عَلى تَخْرِيجِ الزَّمَخْشَرِيِّ، لِأنَّ الفاعِلَ: بِـ ”تَوَدُّ“، هو ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِمَعْمُولِ: تَوَدُّ، وهو: ”يَوْمَ“، لِأنَّ: ”يَوْمَ“، مُضافٌ إلى: تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وُجْدانِ كُلِّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا، وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ. وذَهَبَ الفَرّاءُ، وأبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ هَذِهِ المَسائِلَ وأمْثالَها لا تَجُوزُ؛ لِأنَّ هَذا المَعْمُولَ فَضْلَةٌ، فَيَجُوزُ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى ما اتَّصَلَ بِهِ في هَذِهِ المَسائِلِ يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ ذِكْرُ المَعْمُولِ؛ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ الفاعِلُ عَلى ما اتَّصَلَ بِهِ، ولِهَذِهِ العِلَّةِ امْتَنَعَ: زَيْدًا ضَرَبَ، وزَيْدًا ظَنَّ قائِمًا. والصَّحِيحُ جَوازُ ذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٢٧) ؎أجَلُ المَرْءِ يُسْتَحَثُّ ولا يَدْ رِي إذا يَبْتَغِي حُصُولَ الأمانِي أيِ: المَرْءُ في وقْتِ ابْتِغائِهِ حُصُولَ الأمانِي يَسْتَحِثُّ أجْلَهُ ولا يَشْعُرُ. وتَجِدُ: الظّاهِرُ أنَّها مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ وهو: ما عَمِلَتْ، فَيَكُونُ بِمَعْنى نَصِيبٍ، ويَكُونُ: مُحْضَرًا، مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقِيلَ: تَجِدُ، هُنا بِمَعْنى: تَعْلَمُ، فَتَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ويَنْتَصِبُ: مُحْضَرًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَها، وما، في: ما عَمِلَتْ، مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ عَلَيْها مِنَ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: عَمَلُها، ويُرادُ بِهِ إذْ ذاكَ اسْمُ المَفْعُولِ، أيْ: مَعْمُولُها، فَقَوْلُهُ: ما عَمِلَتْ، هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: جَزاءَ ما عَمِلَتْ وثَوابَهُ. قِيلَ: ومَعْنى: مُحْضَرًا عَلى هَذا مُوَفَّرًا غَيْرَ مَبْخُوسٍ. وقِيلَ: تَرى ما عَمِلَتْ مَكْتُوبًا في الصُّحُفِ مُحْضَرًا إلَيْها تَبْشِيرًا لَها؛ لِيَكُونَ الثَّوابُ بَعْدَ مُشاهَدَةِ العَمَلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُحْضَرًا، بِفَتْحِ الضّادِ، اسْمُ مَفْعُولٍ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ”مُحْضِرًا“ بِكَسْرِ الضّادِ، أيْ مُحْضِرًا الجَنَّةَ أوْ مُحْضِرًا مُسْرِعًا بِهِ إلى الجَنَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: أحْضَرَ الفَرَسَ، إذا جَرى وأسْرَعَ. وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، مَعْطُوفًا عَلى: ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، فَيَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي إنْ كانَ: تَجِدُ، مُتَعَدِّيَةً إلَيْهِما، أوِ الحالُ إنْ كانَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ مَحْذُوفًا، أيْ: وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا. وذَلِكَ نَحْوَ: ظَنَنْتُ زَيْدًا قائِمًا وعَمْرًا، إذا أرَدْتَ: وعَمْرًا قائِمًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، مُسْتَأْنَفًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: وادَّةٌ تُباعِدُ ما بَيْنَها، وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في بَيْنَهُ عائِدًا عَلى ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، وأبْعَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ في عَوْدِهِ عَلى اليَوْمِ، لِأنَّ أحَدَ القِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ أُحْضِرا لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ هو: الخَيْرُ الَّذِي عَمِلَهُ، ولا يُطْلَبُ تَباعُدُ وقْتِ إحْضارِ الخَيْرِ إلّا بِتَجَوُّزٍ؛ إذا كانَ يَشْتَمِلُ عَلى إحْضارِ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَتَوَدُّ تَباعُدُهُ لِتَسْلَمَ مِنَ الشَّرِّ، ودَعْهُ لا يَحْصُلُ لَهُ الخَيْرُ. والأوْلى عَوْدُهُ عَلى ما عَمِلَتْ مِنَ السُّوءِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، لِأنَّ المَعْنى أنَّ السُّوءَ يَتَمَنّى في ذَلِكَ اليَوْمِ التَّباعُدَ مِنهُ، وإلى عَطْفِ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، عَلى ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ، وكَوْنِ تَوَدُّ، في مَوْضِعِ الحالِ ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ. وتَوَدُّ: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ: لِما، التَّقْدِيرُ: والَّذِي عَمِلَتْهُ مِن سُوءٍ تَوَدُّ هي لَوْ تَباعَدَ ما بَيْنَها وبَيْنَهُ، وبِهَذا الوَجْهِ بَدَأ (p-٤٢٨)الزَّمَخْشَرِيُّ وثَنى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، واتَّفَقا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، شَرْطًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِارْتِفاعِ ”تَوَدُّ“ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ مَرْفُوعٌ يَقْتَضِي جَزْمُهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَهي تَوَدُّ، وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ انْتَهى كَلامُهُ. وظَهَرَ مِن كَلامَيْهِما امْتِناعُ الشَّرْطِ لِأجْلِ رَفْعِ: تَوَدُّ، وهَذِهِ المَسْألَةُ كانَ سَألَنِي عَنْها قاضِي القُضاةِ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الغَنِيِّ السُّرُوجِيُّ الحَنَفِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، واسْتَشْكَلَ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ: يَنْبَغِي أنَّ يَجُوزَ؛ غايَةُ ما في هَذا أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِ زُهَيْرِ: ؎وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ وكَتَبْتُ جَوابَ ما سَألَنِي عَنْهُ في كِتابِي الكَبِيرِ المُسَمّى (بِالتَّذْكِرَةِ)، ونَذْكُرُ هُنا ما تَمَسُّ إلَيْهِ الحاجَةُ مِن ذَلِكَ بَعْدَ أنْ نُقَدِّمَ ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا، وما بَعْدَهُ مُضارِعٌ تُتِمُّ بِهِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ والجَزاءِ، جازَ في ذَلِكَ المُضارِعِ الجَزْمُ، وجازَ فِيهِ الرَّفْعُ، مِثالُ ذَلِكَ: إنْ قامَ زَيْدٌ يَقُومُ عَمْرٌو، وإنْ قامَ زَيْدٌ يَقُمْ عَمْرٌو. فَأمّا الجَزْمُ فَعَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، ولا نَعْلَمُ في جَوازِ ذَلِكَ خِلافًا، وأنَّهُ فَصِيحٌ، (p-٤٢٩)إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ (الإعْرابِ) عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ لا يَجِيءُ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَ كانَ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥] لِأنَّها أصْلُ الأفْعالِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِها. وظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، ونَصِّ الجَماعَةِ، أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَكانِ، بَلْ سائِرُ الأفْعالِ في ذَلِكَ مِثْلُ كانَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: ؎دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتِ تَوْغِيرِ وقالَ أيْضًا: ؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ وأمّا الرَّفْعُ فَإنَّهُ مَسْمُوعٌ مِن لِسانِ العَرَبِ كَثِيرٌ. وقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وهو أحْسَنُ مِنَ الجَزْمِ، ومِنهُ بَيْتُ زُهَيْرٍ السّابِقُ إنْشادُهُ، وهو قَوْلُهُ أيْضًا: ؎وإنْ سُلَّ رَيْعانُ الجَمِيعِ مَخافَةً ∗∗∗ يَقُولُ جِهارًا ويْلَكم لا تَنْفِرُوا وقالَ أبُو صَخْرٍ: ؎ولا بِالَّذِي إنْ بانَ عَنْهُ حَبِيبُهُ ∗∗∗ يَقُولُ ويُخْفِي الصَّبْرَ: إنِّي لَجازِعُ وقالَ الآخَرُ: ؎وإنْ بَعُدُوا لا يَأْمَنُونَ اقْتِرابَهُ ∗∗∗ تَشَوُّفَ أهِلِ الغائِبِ المُتَنَظَرْ وقالَ الآخَرُ: ؎وإنْ كانَ لا يُرْضِيكَ حَتّى تَرُدَّنِي ∗∗∗ إلى قُطْرِي لا إخالَكَ راضِيًا وقالَ الآخَرُ: ؎إنْ يُسْألُوا الخَيْرَ يُعْطُوهُ وإنْ خُبِّرُوا ∗∗∗ في الجَهْدِ أُدْرِكَ مِنهم طِيبُ أخْبارِ فَهَذا الرَّفْعُ، كَما رَأيْتَ كَثِيرٌ، ونُصُوصُ الأئِمَّةِ عَلى جَوازِهِ في الكَلامِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ تَأْوِيلاتُهم كَما سَنَذْكُرُهُ. وقالَ صاحِبُنا أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ رَشِيدٍ المالِقِيُّ، وهو مُصَنِّفُ (وصْفِ المَبانِي) - رَحِمَهُ اللَّهُ: لا أعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا جاءَ في الكَلامِ، وإذا جاءَ فَقِياسُهُ الجَزْمُ لِأنَّهُ أصْلُ العَمَلِ في المُضارِعِ، تَقَدَّمَ الماضِي أوْ تَأخَّرَ، وتَأوَّلَ هَذا المَسْمُوعُ عَلى إضْمارِ الفاءِ، وجَعْلِهِ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ عَلى مَذْهَبِ مَن جَعَلَ الفاءَ مِنهُ مَحْذُوفَةً. وأمّا المُتَقَدِّمُونَ: فاخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِ الرَّفْعِ، فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيمِ. وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ فَهو مَحْذُوفٌ عِنْدَهُ. وذَهَبُ الكُوفِيُّونَ، وأبُو العَبّاسِ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ حُذِفَتْ مِنهُ الفاءُ، وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى أنَّهُ لَمّا لَمْ يَظْهَرْ لِأداةِ الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ في فِعْلِ الشَّرْطِ، لِكَوْنِهِ ماضِيًا، ضَعُفَ عَنِ العَمَلِ في فِعْلِ الجَوابِ، وهو عِنْدَهُ جَوابٌ لا عَلى إضْمارِ الفاءِ، ولا عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وهَذا والمَذْهَبُ الَّذِي قَبْلَهُ ضَعِيفانِ. وتَلَخَّصَ مِن هَذا الَّذِي قُلْناهُ أنَّ رَفْعَ المُضارِعِ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ شَرْطًا، لَكِنِ امْتَنَعَ (p-٤٣٠)أنْ يَكُونَ: وما عَمِلَتْ، شَرْطًا لِعِلَّةٍ أُخْرى، لا لِكَوْنِ: تَوَدُّ مَرْفُوعًا، وذَلِكَ عَلى ما نُقَرِّرُهُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ النِّيَّةَ بِالمَرْفُوعِ التَّقْدِيمُ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ لا نَفْسَ الجَوابِ، فَنَقُولُ: إذا كانَ: تَوَدُّ، مَنوِيًّا بِهِ التَّقْدِيمُ أدّى إلى تَقَدُّمِ المُضْمَرِ عَلى ظاهِرِهِ في غَيْرِ الأبْوابِ المُسْتَثْناةِ في العَرَبِيَّةِ. ألا تَرى أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: وبَيْنَهُ، عائِدٌ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ الَّذِي هو: ما، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ؟ فَيَلْزَمُ مِن هَذا التَّقْدِيرِ تَقَدُّمُ المُضْمَرِ عَلى الظّاهِرِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ قَدْ تَأخَّرَ عَنِ اسْمِ الشَّرْطِ ؟ فَإنْ كانَ نِيَّتُهُ التَّقْدِيمَ فَقَدْ حَصَلَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الِاسْمِ الظّاهِرِ قَبْلَهُ، وذَلِكَ نَظِيرُ: ضَرَبَ زَيْدًا غُلامُهُ، فالفاعِلُ رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ، ووَجَبَ تَأْخِيرُهُ لِصِحَّةِ عَوْدِ الضَّمِيرِ. فالجَوابُ: إنَّ اشْتِمالَ الدَّلِيلِ عَلى ضَمِيرِ اسْمِ الشَّرْطِ يُوجِبُ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ اقْتِضاءُ جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِجُمْلَةِ الدَّلِيلِ، وجُمْلَةُ الشَّرْطِ إنَّما تَقْتَضِي جُمْلَةَ الجَزاءِ لا جُمْلَةَ دَلِيلِهِ، ألا تَرى أنَّها لَيْسَتْ بِعامِلَةٍ في جُمْلَةِ الدَّلِيلِ، بَلْ إنَّما تَعْمَلُ في جُمْلَةِ الجَزاءِ وجُمْلَةُ الدَّلِيلِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ تَدافَعَ الأمْرُ؛ لِأنَّها مِن حَيْثُ هي جُمْلَةُ دَلِيلٍ لا يَقْتَضِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، ومِن حَيْثُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ اقْتَضَتْها، فَتَدافَعا. وهَذا بِخِلافِ ضَرَبَ زَيْدًا غُلامُهُ، هي جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والفِعْلُ عامِلٌ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْتَضِي صاحِبَهُ، ولِذَلِكَ جازَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: ضَرَبَ غُلامُها هِنْدًا، لِاشْتِراكِ الفاعِلِ المُضافِ لِلضَّمِيرِ والمَفْعُولِ الَّذِي عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في العامِلِ، وامْتَنَعَ: ضَرَبَ غُلامُها جارَ هِنْدٍ؛ لِعَدَمِ الِاشْتِراكِ في العامِلِ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ المَسْألَتَيْنِ. ولا يُحْفَظُ مِن لِسانِ العَرَبِ: أوَدُّ لَوْ أنِّي أُكْرِمُهُ أيًّا ضَرَبَتْ هِنْدٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَقْدِيمُ المُضْمَرِ عَلى مُفَسِّرِهِ في غَيْرِ المَواضِعِ الَّتِي ذَكَرَها النَّحْوِيُّونَ، فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: مِن سُوءٍ ودَّتْ لَوْ أنَّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ: ما، شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَعَمِلَتْ. أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ الهاءِ في: عَمِلَتْ، عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ، إذْ يُجِيزُ ذَلِكَ في اسْمِ الشَّرْطِ في فَصِيحِ الكَلامِ، وتَكُونُ: ودَّتْ، جَزاءَ الشَّرْطِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَكِنَّ الحَمْلَ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أوْقَعُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ حِكايَةُ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأثْبَتُ لِمُوافَقَةِ قِراءَةِ العامَّةِ انْتَهى. و: لَوْ، هُنا حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ، ومَفْعُولُ: تَوَدُّ، مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَوَدُّ تَباعُدَ ما بَيْنَهُما لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا لَسَرَتْ بِذَلِكَ، وهَذا الإعْرابُ والتَّقْدِيرُ هو عَلى المَشْهُورِ في: لَوْ، وأنَّ: وما بَعْدَها في مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وفي مَوْضِعِ فاعِلٍ عَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ. وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يَذْهَبُ إلى أنَّ: لَوْ، بِمَعْنى: أنْ، وأنَّها مَصْدَرِيَّةٌ فَهو بَعِيدٌ هُنا؛ لِوِلايَتِها أنَّ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، ولا يُباشِرُ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ حَرْفًا مصدريًّا إلّا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] والَّذِي يَقْتَضِيهُ المَعْنى أنَّ: لَوْ أنَّ، وما يَلِيها هو مَعْمُولُ: لِتَوَدُّ، في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ. قالَ الحَسَنُ: يُسَرُّ أحَدُهم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، ذَلِكَ مَعْناهُ. ومَعْنى أمَدًا بَعِيدًا: غايَةٌ طَوِيلَةٌ، وقِيلَ: مِقْدارُ أجْلِهِ، وقِيلَ: قَدْرُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ . كَرَّرَ التَّحْذِيرَ لِلتَّوْكِيدِ والتَّحْرِيضِ عَلى الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، بِحَيْثُ يَكُونُونَ مُمْتَثِلِي أمْرَهُ ونَهْيَهُ. ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ التَّخْوِيفِ وكَرَّرَها، كانَ ذَلِكَ مُزْعِجًا لِلْقُلُوبِ، ومُنَبِّهًا عَلى إيقاعِ المَحْذُورِ مَعَ ما قَرَنَ بِذَلِكَ مِنَ اطِّلاعِهِ عَلى خَفايا الأعْمالِ وإحْضارِهِ لَها يَوْمَ الحِسابِ، وهَذا هو الِاتِّصافُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، اللَّذَيْنِ يَجِبُ أنْ يُحَذِّرَ لِأجْلِهِما، فَذَكَرَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ؛ لِيُطْمَعَ في إحْسانِهِ، ولِيُبْسَطَ الرَّجاءُ في أفْضالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ ما إذا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الأمْرِ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧] وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أبْلَغَ في الوَصْفِ مِن جُمْلَةِ (p-٤٣١)التَّخْوِيفِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ التَّخْوِيفِ جاءَتْ بِالفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي المُطْلَقَ ولَمْ يَتَكَرَّرْ فِيها اسْمُ اللَّهِ، وجاءَ المُحَذَّرُ مَخْصُوصًا بِالمُخاطَبِ فَقَطْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جاءَتِ اسْمِيَّةً، فَتَكَرَّرَ فِيها اسْمُ اللَّهِ، إذِ الوَصْفُ مُحْتَمِلٌ ضَمِيرَهُ تَعالى وجاءَ المَحْكُومُ بِهِ عَلى وزْنِ ”فَعُولٍ“ المُقْتَضِي لِلْمُبالَغَةِ والتَّكْثِيرِ، وجاءَ بِأخَصِّ ألْفاظِ الرَّحْمَةِ وهو: رَءُوفٌ، وجاءَ مُتَعَلِّقُهُ عامًّا؛ لِيَشْمَلَ المُخاطَبَ وغَيْرَهُ، وبِلَفْظِ العِبادِ؛ لِيَدُلَّ عَلى الإحْسانِ التّامِّ، لِأنَّ المالِكَ مُحْسِنٌ لِعَبْدِهِ وناظِرٌ لَهُ أحْسَنَ نَظَرٍ، إذْ هو مِلْكُهُ. قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى التَّحْذِيرِ، أيْ: إنَّ تَحْذِيرَهُ نَفْسَهُ، وتَعْرِيفَهُ حالَها مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ مِنَ الرَّأْفَةِ العَظِيمَةِ بِالعِبادِ؛ لِأنَّهم إذا عَرَفُوهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ وحَذَرُوا؛ دَعاهم ذَلِكَ إلى طَلَبِ رِضاهُ، واجْتِنابِ سُخْطِهِ. وعَنِ الحَسَنِ: مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ أنْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ، وقالَ الحُوفِيُّ: جَعَلَ تَحْذِيرَهم نَفْسَهُ إيّاهُ، وتَخْوِيفَهم عِقابَهُ رَأْفَةً بِهِمْ، ولَمْ يَجْعَلْهم في عَمًى مِن أمْرِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا المَعْنى أيْضًا، والكَلامُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، لَكِنَّ الأظْهَرَ الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ إعْلامِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ والإطْماعِ؛ لِئَلّا يُفْرِطَ الوَعِيدَ عَلى قَلْبِ المُؤْمِنِ. ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] أوْ: في قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] قالُوا ذَلِكَ، وقَدْ نَصَبَتْ قُرَيْشٌ أصْنامَها يَسْجُدُونَ لَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ» وكِلا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: في قَوْمٍ، قالُوا: إنّا لَنُحِبُّ رَبَّنا حُبًّا شَدِيدًا. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: في وفْدِ نَجْرانَ حَيْثُ قالُوا: إنّا نُعَظِّمُ المَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ انْتَهى. ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ كُلَّ مَنِ ادَّعى مَحَبَّةَ اللَّهِ، فَمَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ عِبارَةٌ عَنْ مَيْلِ قَلْبِهِ إلى ما حَدَّهُ لَهُ تَعالى وأمَرَهُ بِهِ، والعَمَلُ بِهِ واخْتِصاصُهُ إيّاهُ بِالعِبادَةِ، ومَحَبَّتُهُ تَعالى لِلْعَبْدِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، وهَلْ هي مِن صِفاتِ الذّاتِ أمْ مِن صِفاتِ الفِعْلِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. رَتَّبَ تَعالى عَلى مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، اتِّباعَ رَسُولِهِ مَحَبَّتُهُ لَهم، وذَلِكَ أنَّ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى رِضاهُ تَعالى إنَّما هو مُسْتَفادٌ مِن نَبِيِّهِ، فَإنَّهُ هو المُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ، إذْ لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلى مَعْرِفَةِ أحْكامِ اللَّهِ في العِباداتِ ولا في غَيْرِها، بَلْ رَسُولُهُ ﷺ هو المُوَضِّحُ لِذَلِكَ، فَكانَ اتِّباعُهُ فِيما أتى بِهِ، احْتِماءً لِمَن يُحِبُّ أنْ يَعْمَلَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُحِبُّونَ، ويُحْبِبْكُمُ، مِن أحَبِّ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: تَحِبُّونَ ويَحْبِبْكُمُ، بِفَتْحِ التّاءِ، والياءِ، مِن ”حَبَّ“، وهُما لُغَتانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قُرِئَ: يَحُبُّكُمُ، بِفَتْحِ الياءِ، والإدْغامِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: فاتَّبَعُونِّي، بِتَشْدِيدِ النُّونِ، ألْحَقَ فِعْلَ الأمْرِ نُونَ التَّوْكِيدِ، وأدْغَمَها في نُونِ الوِقايَةِ، ولَمْ يَحْذِفِ الواوَ شَبَهًا: بِـ ”أتَحاجُّونِّي“، وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنْ يَجْعَلَ لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِن عَمَلٍ، فَمَنِ ادَّعى مَحَبَّتَهُ، وخالَفَ سُنَّةَ رَسُولِهِ، فَهو كَذّابٌ، وكِتابُ اللَّهِ يُكَذِّبُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَن يَذْكُرُ مَحَبَّةَ اللَّهِ، ويُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ مَعَ ذِكْرِها، ويَطْرَبُ، ويَنْعَرُ، ويُصَفِّقُ، وقُبِّحَ مَن فِعْلُهُ هَذا، وزَرى عَلى فاعِلِ ذَلِكَ بِما يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ إدْغامُ راءِ، ويَغْفِرْ لَكم: في لامِ: لَكم، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ وغَلَطٌ مِمَّنْ رَواها عَنْ أبِي عَمْرٍو، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ، وذَكَرْنا أنَّ رُؤَساءَ الكُوفَةِ: أبا جَعْفَرٍ الرَّواسِيَّ، والكِسائِيَّ، والفَرّاءَ رَوَوْا ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ، ورَأْسانِ مِنَ البَصْرِيِّينَ وهُما: أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، قَرَءا بِذَلِكَ ورَوَياهُ، فَلا التِفاتَ لِمَن خالَفَ في ذَلِكَ. ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ هَذا تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: فاتَّبِعُونِي، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ، كَطاعَةِ اللَّهِ، ويَأْمُرُ بِأنَّ نَحْبَهُ، كَما أحَبَّتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَنَزَلَ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ . ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: تَوَلَّوْا، ماضِيًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-٤٣٢)مُضارِعًا حُذِفَتْ مِنهُ التّاءُ، أيْ: فَإنْ تَتَوَلَّوْا، والمَعْنى: فَإنْ تَوَلَّوْا عَمّا أُمِرُوا بِهِ، مِنِ اتِّباعِهِ، وطاعَتِهِ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ كافِرًا. وجَعَلَ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ ولَمْ يُطِعْهُ كافِرًا، وتَقْيِيدُ انْتِفاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِي هو الكُفْرُ مُشْعِرٌ بِالعَلِيَّةِ، فالمُؤْمِنُ العاصِي لا يَنْدَرِجُ في ذَلِكَ. قِيلَ: وفي هَذِهِ الآياتِ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ، وفُنُونِ البَلاغَةِ. الخِطابُ العامُّ الَّذِي سَبَبُهُ خاصٌّ، في قَوْلِهِ ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] والتَّكْرارُ، في قَوْلِهِ: المُؤْمِنُونَ، مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ﴿وإلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٨] وفي: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، (ويَعْلَمُ) وفي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، ﴿واللَّهُ عَلى﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ما عَمِلَتْ﴾، ﴿وما عَمِلَتْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، (واللَّهُ) وفي قَوْلِهِ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، (واللَّهُ غَفُورٌ)، ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾، ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ . والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: تُحِبُّونَ، ويُحْبِبْكُمُ، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ، في: ﴿تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، وفي يَغْفِرْ لَكم، وغَفُورٌ. والطِّباقُ في: تُخْفُوا، وتُبْدُوهُ، وفي: مِن خَيْرٍ، ومِن سُوءٍ، وفي: مُحْضَرًا، وبَعِيدًا. والتَّعْبِيرُ بِالمَحَلِّ عَنِ الشَّيْءِ، في قَوْلِهِ: ما في صُدُورِكم، عَبَّرَ بِها عَنِ القُلُوبِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ [الحج: ٤٦] الآيَةَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، الآيَةَ. أشارَ إلى انْسِلاخِهِمْ مِن وِلايَةِ اللَّهِ. والِاخْتِصاصُ في قَوْلِهِ: ﴿ما في صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ والتَّأْنِيسُ بَعْدَ الإيحاشِ، في قَوْلِهِ: واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ، والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في التَّفْسِيرِ.

آل عمران 3:33

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [آل عمران: ٤١] . نُوحٌ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَصْرُوفٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وإنْ كانَ فِيهِ ما كانَ يَقْتَضِي مَنعَ صَرْفِهِ، وهو: العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ الشَّخْصِيَّةُ؛ وذَلِكَ لِخِفَّةِ البِناءِ بِكَوْنِهِ ثُلاثِيًّا ساكِنَ الوَسَطِ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ سَبَبٌ آخَرُ، ومَن جَوَّزَ فِيهِ الوَجْهَيْنِ فَبِالقِياسِ عَلى هَذا لا بِالسَّماعِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّواحِ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، لِأنَّ العُجْمَةَ لا يَدْخُلُ فِيها الِاشْتِقاقُ العَرَبِيُّ إلّا أنِ ادَّعى أنَّهُ مِمّا اتَّفَقَتْ فِيهِ لُغَةُ العَرَبِ ولُغَةُ العَجَمِ، فَيُمْكِنُ ذَلِكَ. ويُسَمّى آدَمَ الثّانِيَ، واسْمُهُ السَّكَنُ، قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وهو ابْنٌ لِمَلِكِ بْنِ مُتَوَشْلَخَ بْنِ أخْنُوخَ بْنِ سارِدَ بْنِ مَهْلابِيلَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ. عِمْرانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا لامْتَنَعَ أيْضًا لِلْعَلَمِيَّةِ، وزِيادَةُ الألِفِ والنُّونِ؛ إذْ كانَ يَكُونُ اشْتِقاقُهُ مِنَ العُمْرِ واضِحًا. مُحَرَّرًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن ”حَرَّرَ“، ويَأْتِي اخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ، في مَدْلُولِهِ في الآيَةِ، والتَّحْرِيرُ: العِتْقُ، وهو تَصْيِيرُ المَمْلُوكِ حُرًّا. الوَضْعُ: الحَطُّ والإلْقاءُ، تَقُولُ: وضَعَ يَضَعُ وضْعًا وضَعَةً، ومِنهُ المَوْضِعُ. الأُنْثى والذَّكَرُ: مَعْرُوفانِ، وألِفُ أُنْثى لِلتَّأْنِيثِ، وجُمِعَتْ عَلى إناثٍ، كَرُبى ورَبابٍ، وقِياسُ الجَمْعِ: أُناثى، كَحُبْلى وحُبالى. وجَمْعُ الذَّكَرِ: ذُكُورٌ وذُكْرانٌ. مَرْيَمُ: اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وقِيلَ عَرَبِيٌّ جاءَ شاذًّا: كَمَدْيَنَ، وقِياسُهُ: مَرامٍ كَمَنالٍ، ومَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ الَّتِي تُغازِلُ الفِتْيانَ، قالَ (p-٤٣٣)الرّاجِزُ: . ؎قُلْتُ لِزَيْدٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ عاذَ بِكَذا: اعْتَصَمَ بِهِ، عَوْذًا وعِياذًا أوْ مُعاذًا أوْ مُعاذَةً ومَعْناهُ: التَجَأ واعْتَصَمَ. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ العَوْذِ، وهو: عَوْذٌ يَلْجَأُ إلَيْهِ الحَشِيشُ في مَهَبِّ الرِّيحِ. رَجَمَ: رَمى وقَذَفَ، ومِنهُ ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] أيْ: رَمْيًا بِهِ مِن غَيْرِ تَيَقُّنٍ، والحَدِيثُ المُرْجَمُ هو: المَظْنُونُ لَيْسَ فِيهِ يَقِينٌ. والرَّجِيمُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ مِن فاعِلٍ، أيْ: إنَّهُ يَرْمِي ويَقْذِفُ بِالشَّرِّ والعِصْيانِ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: مَرْجُومٌ، أيْ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ أوْ يُبْعَدُ ويُطْرَدُ. الكَفالَةُ: الضَّمانُ، يُقالُ: كَفَلَ يَكْفُلُ فَهو كافِلٌ وكَفِيلٌ، هَذا أصْلُهُ ثُمَّ يُسْتَعارُ لِلضَّمِّ والقِيامِ عَلى الشَّيْءِ. زَكَرِيّا: أعْجَمِيٌّ شُبِّهَ بِما فِيهِ الألِفُ المَمْدُودَةُ والألِفُ المَقْصُورَةُ فَهو مَمْدُودٌ ومَقْصُورٌ، ولِذَلِكَ يَمْتَنِعُ صَرْفُهُ نَكِرَةً، وهاتانِ اللُّغَتانِ فِيهِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، ولَوْ كانَ امْتِناعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ انْصَرَفَ نَكِرَةً. وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ أبُو حاتِمٍ، وهو غَلَطٌ مِنهُ، ويُقالُ: ذِكْرى بِحَذْفِ الألِفِ، وفي آخِرِهِ ياءٌ كَياءِ بُخْتِيٍّ، مُنَوَّنَةٌ فَهو مُنْصَرِفٌ، وهي لُغَةُ نَجْدَ، ووَجْهُهُ فِيما قالَ أبُو عَلِيٍّ؛ إنَّهُ حَذَفَ ياءَيِ المَمْدُودِ والمَقْصُورِ، وألْحَقَهُ ياءَيِ النَّسَبِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ صَرْفُهُ، ولَوْ كانَتِ الياءانِ هُما اللَّتَيْنِ كانَتا في زَكَرِيّا؛ لَوَجَبَ أنْ لا يَصْرَفَ لِلْعُجْمَةِ والتَّعْرِيفِ انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ حُكِيَ: ذُكَرُ عَلى وزْنِ: عُمَرُ، وحَكاها الأخْفَشُ. المِحْرابُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَيِّدُ المَجالِسِ وأشْرَفُها ومُقَدِّمُها، وكَذَلِكَ هو مِنَ المَسْجِدِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الغُرْفَةُ؛ وقالَ: ؎وماذا عَلَيْهِ إنْ ذُكِّرْتُ أوْ أنْسا ∗∗∗ كَغِزْلانِ رَمْلٍ في مَحارِيبِ أقْيالِ شَرَحَهُ الشُّرّاحُ في غُرَفٍ أقْيالٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَوْضِعُ العالِي الشَّرِيفُ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: القَصْرُ، لِشَرَفِهِ وعُلُوِّهِ. وقِيلَ: المَسْجِدُ. وقِيلَ: مِحْرابُهُ المَعْهُودُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِتَحارُبِ النّاسِ عَلَيْهِ وتَنافُسِهِمْ فِيهِ، وهو مَقامُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ. هُنا: اسْمُ إشارَةٍ لِلْمَكانِ القَرِيبِ، والتَزَمَ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ إلّا أنَّهُ يُجَرُّ بِحَرْفِ الجَرِّ، فَإنْ ألْحَقْتَهُ كافَ الخِطابِ دَلَّ عَلى المَكانِ البَعِيدِ. وبَنُو تَمِيمٍ تَقُولُ: هُناكَ، ويَصِحُّ دُخُولُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ إذا لَمْ تَكُنْ فِيهِ اللّامُ، وقَدْ يُرادُ بِها ظَرْفُ الزَّمانِ. النِّداءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وفُلانٌ أنْدى صَوْتًا، أيْ: أرْفَعُ، ودارُ النَّدْوَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا تَرْتَفِعُ أصْواتُهم بِها، والمُنْتَدى والنّادِي مُجْتَمَعُ القَوْمِ مِنهُ، ويُقالُ: نادى مُناداةً ونِداءً ونُداءً، بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّها، قِيلَ: فَبِالكَسْرِ المَصْدَرُ، وبِالضَّمِّ اسْمٌ، وأكْثَرُ ما جاءَتِ الأصْواتُ عَلى الضَّمِّ: كالدُّعاءِ والرُّغاءِ والصُّراخِ، وقالَ يَعْقُوبُ: يُمَدُّ مَعَ كَسْرِ النُّونِ، ويُقْصَرُ مَعَ ضَمِّها. والنَّدى: المَطَرُ، يُقالُ مِنهُ: نَدى يَنْدى نَدًى. يَحْيى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ امْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ، وهو فِعْلٌ مُضارِعٌ مِن: حَيِيَ، سُمِّيَ بِهِ فامْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وعَلى القَوْلَيْنِ يُجْمَعُ عَلى: يَحْيَوْنَ، بِحَذْفِ الألِفِ وفَتْحِ ما قَبْلَها، عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ ونُقِلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ: إنْ كانَ عَرَبِيًّا فُتِحْتِ الياءُ، وإنْ كانَ أعْجَمِيًّا ضُمَّتِ الياءُ. سَيِّدٌ: فَيْعِلٌ مِن سادَ، أيْ فاقَ في الشَّرَفِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذا، وجَمْعُهُ عَلى فَعْلَةٍ، فَقالُوا: سادَةٌ، شاذٌّ. وقالَ الرّاغِبُ: هو السّايِسُ بِسَوادِ النّاسِ، أيْ: مُعْظَمِهِمْ، ولِهَذا يُقالُ: سَيِّدُ العَبْدِ، ولا يُقالُ سَيِّدُ الثَّوْبِ انْتَهى. الحَصُورُ: فَعُولٌ مِنَ الحَصْرِ، وهو لِلْمُبالَغَةِ مِن حاصَرَ. وقِيلَ: فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَحْصُورٍ، وهو في الآيَةِ بِمَعْنى الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ. الغُلامُ: الشّابُّ مِنَ النّاسِ، وهو الَّذِي طَرَّ شارِبَهُ، ويُطْلَقُ عَلى الطِّفْلِ، عَلى سَبِيلِ التَّفاؤُلِ، وعَلى الكَهْلِ. ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ: ؎شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي ∗∗∗ بِها غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها تَسْمِيَةٌ بِما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الكُهُولَةِ، وهو مِنَ الغُلْمَةِ والِاغْتِلامِ، وذَلِكَ شِدَّةُ طَلَبِ النِّكاحِ. ويُقالُ: اغْتَلَمَ الفَحْلُ: هاجَ مِن شِدَّةِ شَهْوَةِ الضِّرابِ، واغْتَلَمَ البَحْرُ: هاجَ وتَلاطَمَتْ أمْواجُهُ، وجَمْعُهُ عَلى غُلْمَةٍ شاذٌّ، (p-٤٣٤)وقِياسُهُ في القِلَّةِ: أغْلِمَةٌ، وجُمِعَ في الكَثْرَةِ عَلى: غِلْمانٍ، وهو قِياسُهُ: الكِبَرُ، مَصْدَرُ: كَبُرَ يَكْبُرُ مِنَ السِّنِّ قالَ: ؎صَغِيرَيْنِ نَرْعى البُهْمَ يا لَيْتَ إنَّنا ∗∗∗ إلى اليَوْمِ لَمْ نَكْبُرْ ولَمْ تَكْبُرِ البُهْمُ العاقِرُ: مَن لا يُوَلَدُ لَهُ مِن رَجُلٍ أوِ امْرَأةٍ، وفِعْلُهُ لازِمٌ، والعاقِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن عَقَرَ؛ أيْ: قَتَلَ، وهو مُتَعَدٍّ. الرَّمْزُ: الإشارَةُ بِاليَدِ أوْ بِالرَّأْسِ أوْ بِغَيْرِهِما، وأصْلُهُ: التَّحَرُّكُ؛ يُقالُ ارْتَمَزَ: تَحَرَّكَ ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ: الرّامُوزُ. العَشِيُّ: مُفْرَدُ عَشِيَّةٍ كَرَكِيٍّ. ورَكِيَّةٍ، والعَشِيَّةُ: أواخِرُ النَّهارِ، ولامُها واوَ، فَهي كَمَطِيٍّ. الإبْكارُ: مَصْدَرُ أبْكَرَ، يُقالُ أبْكَرَ: خَرَجَ بُكْرَةً. ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ. ونَحْنُ عَلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: في نَصارى نَجْرانَ لَمّا غَلَوْا في عِيسى، وجَعَلُوهُ ابْنَ اللَّهِ تَعالى، واتَّخَذُوهُ إلَهًا، نَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وإعْلامًا أنَّ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ البَشَرِ المُتَنَقِّلِينَ في الأطْوارِ المُسْتَحِيلَةِ عَلى الإلَهِ، واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى وِلادَةِ أُمِّهِ، ثُمَّ إلى وِلادَتِهِ هو، وهَذِهِ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآياتِ لِما قَبْلَها. وأيْضًا. لِما قُدِّمَ قَبْلُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ووَلِيَهُ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢] وخَتَمَها بِأنَّهُ ﴿لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ذَكَرَ المُصْطَفَيْنَ الَّذِينَ يُحِبُّ اتِّباعَهم، فَبَدَأ أوَّلًا بِأوَّلِهِمْ وُجُودًا وأصْلِهِمْ، وثَنى بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو آدَمُ الأصْغَرُ لَيْسَ أحَدٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ إلّا مِن نَسْلِهِ، ثُمَّ أتى ثالِثًا بِآلِ إبْراهِيمَ، فانْدَرَجَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَأْمُورُ بِاتِّباعِهِ وطاعَتِهِ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ أتى رابِعًا بِآلِ عِمْرانَ، فانْدَرَجَ في آلِهِ مَرْيَمُ وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ، ونَصَّ عَلى آلِ إبْراهِيمَ لِخُصُوصِيَّةِ اليَهُودِ بِهِمْ، وعَلى آلِ عِمْران لِخُصُوصِيَّةِ النَّصارى بِهِمْ، فَذَكَرَ تَعالى جَعْلَ هَؤُلاءِ صَفْوَةً أيْ: مُخْتارِينَ نَقاوَةً. والمَعْنى أنَّهُ نَقّاهم مِنَ الكَدَرِ. وهَذا مِن تَمْثِيلِ المَعْلُومِ بِالمَحْسُوسِ. . واصْطِفاءُ آدَمَ بِوُجُوهٍ. مِنها خَلْقُهُ أوَّلَ هَذا الجِنْسِ الشَّرِيفِ، وجَعْلُهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ، وإسْجادُ المَلائِكَةِ لَهُ، وإسْكانُهُ جَنَّتَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شَرَّفَهُ بِهِ. واصْطِفاءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأشْياءَ، مِنها: أنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى أهْلِ الأرْضِ بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ، وسائِرِ ذَوِي المَحارِمِ، وأنَّهُ أبُ النّاسِ بَعْدَ آدَمَ وغَيْرُ ذَلِكَ، واصْطِفاءُ آلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ جَعَلَ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ والكِتابَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: آلُ إبْراهِيمَ مَن كانَ عَلى دِينِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: آلُهُ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ والأسْباطُ. وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ إبْراهِيمُ نَفْسُهُ. وتَقَدَّمَ لَنا شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] . وعِمْرانُ هَذا المُضافُ إلَيْهِ: ”آلُ“، قِيلَ هو: عِمْرانُ بْنُ ماثانَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، وهو أبُو مَرْيَمَ البَتُولِ، أُمِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ: الحَسَنُ، ووَهْبٌ. وقِيلَ: هو عِمْرانُ أبُو مُوسى وهارُونَ، وهو عِمْرانُ بْنُ نُصَيْرٍ قالَهُ مُقاتِلٌ. فَعَلى الأوَّلِ آلُهُ عِيسى، قالَهُ الحَسَنُ، وعَلى الثّانِي آلُهُ مُوسى وهارُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ عِمْرانَ عِمْرانُ نَفْسُهُ، والظّاهِرُ في عِمْرانَ أنَّهُ أبُو مَرْيَمَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَرْيَمَ وابْنِها عِيسى، ونَصَّ عَلى أنَّ اللَّهَ اصْطَفاها بِقَوْلِهِ ﴿قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] كالشَّرْحِ لِكَيْفِيَّةِ الِاصْطِفاءِ، لِقَوْلِهِ: وآلَ عِمْرانَ، وصارَ نَظِيرَ تَكْرارِ الِاسْمِ في جُمْلَتَيْنِ، فَيَسْبِقُ الذِّهْنُ إلى أنَّ الثّانِيَ هو الأوَّلُ، نَحْوَ: أكْرَمَ زَيْدًا رَجُلٌ صالِحٌ. وإذا كانَ المُرادُ بِالثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ، كانَ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى السّامِعِ. وقَدْ رُجِّحَ القَوْلُ الآخَرُ بِأنَّ مُوسى يُقْرَنُ بِإبْراهِيمَ كَثِيرًا في الذِّكْرِ، ولا يَتَطَرَّقُ الفَهْمُ إلى أنَّ عِمْرانَ الثّانِيَ هو أبُو مُوسى وهارُونَ، وإنْ كانَتْ لَهُ بِنْتٌ تُسَمّى مَرْيَمَ، وكانَتْ أكْبَرَ مِن مُوسى وهارُونَ سِنًّا، لِلنَّصِّ عَلى أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ ولَدَتْ عِيسى، وأنَّ زَكَرِيّا كَفَلَ مَرْيَمَ أُمَّ عِيسى، وكانَ زَكَرِيّا قَدْ تَزَوَّجَ أُخْتَ مَرْيَمَ إمْشاعَ ابْنَةَ عِمْرانَ بْنِ (p-٤٣٥)ماثانَ، فَكانَ يَحْيى وعِيسى ابْنَيْ خالَةٍ، وبَيْنَ العِمْرانَيْنِ ‌‌والمَرْيَمَيْنِ أعْصارٌ كَثِيرَةٌ. قِيلَ: بَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفُ سَنَةٍ، وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ. والظّاهِرُ: أنَّ الآلَ: مَن يَئُولُ إلى الشَّخْصِ في قَرابَةٍ أوْ مَذْهَبٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ نَصَّ عَلى هَؤُلاءِ هُنا في الِاصْطِفاءِ لِلْمَزايا الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ. وذَهَبَ قاضِي القُضاةِ بِالأنْدَلُسِ أبُو الحَكَمِ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ ورِضى عَنْهُ، إلى أنَّ ذِكْرَ آدَمَ ونُوحٍ تَضَمَّنَ الإشارَةَ إلى المُؤْمِنِينَ مِن بَيْنِهِما، وأنَّ الآلَ الأتْباعُ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ اصْطَفى المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم، ولِأنَّ الكَلامَ في قِصَّةِ بَعْضِهِمُ. انْتَهى ما قالَ مُلَخَّصًا، وقَوْلُهُ شَبِيهٌ في المَعْنى بِقَوْلِ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ ”آدَمَ“، وما بَعْدَهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أنَّ اللَّهَ اصْطَفى دِينَ آدَمَ. ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المُرادُ اصْطَفى دِينَهم عَلى سائِرِ الأدْيانِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ثَمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ لَكانَ: ونُوحٍ مَجْرُورًا، لِأنَّ آدَمَ مَحَلُّهُ الجَرُّ بِالإضافَةِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَوْلا تَسْطِيرُهُ في الكُتُبِ ما ذَكَرْتُهُ. لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يُجَرَّ المُضافُ إلَيْهِ إذا حُذِفَ المُضافُ، فَيَلْزَمُ جَرُّ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، بَلْ يُعْرَبُ المُضافُ إلَيْهِ بِإعْرابِ المُضافِ المَحْذُوفِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ؟ وأمّا إقْرارُهُ مَجْرُورًا فَلا يَجُوزُ إلّا بِشَرْطٍ ذُكِرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”اصْطَفى“، ضَمَّنَهُ مَعْنى فَضَّلَ، فَعَدّاهُ بِعَلى. ولَوْ لَمْ يُضَمِّنْهُ مَعْنى فَضَّلَ لَعُدِّيَ بِمِن. قِيلَ: والمَعْنى عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، واللَّفْظُ عامٌّ، والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ كَما قالَ جَرِيرٌ: ؎ويَضْحى العالَمُونَ لَهُ عِيالًا وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎أراحَ اللَّهُ مِنكَ العالَمِينا وكَما تَئُولُ في ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] . وقالَ القَتِبِيُّ: لِكُلِّ دَهْرٍ عالَمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُخَصَّ بِمَن سِوى هَؤُلاءِ، ويَكُونُ قَدِ انْدَرَجَ في قَوْلِهِ: ”وآلَ إبْراهِيمَ“ مُحَمَّدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ فُضِّلُوا عَلى مَن سِواهم مِنَ العالَمِينَ. واشْتِراكُهم في القَدْرِ المُشْتَرَكِ مِنَ التَّفْضِيلِ لا يَدُلُّ عَلى التَّساوِي في مَراتِبِ التَّفْضِيلِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ وعُمَرُ وخالِدٌ أغْنِياءٌ، فاشْتِراكُهم في القَدْرِ المُشْتَرَكِ مِنَ الغِنى، لا يَدُلُّ عَلى التَّساوِي في مَراتِبِ الغِنى، وإذا حَمَلْنا: العالَمِينَ، عَلى مَن سِوى هَؤُلاءِ، كانَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى تَفْضِيلِ البَشَرِ عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مِن سِوى هَؤُلاءِ المُصْطَفَيْنَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى ذَلِكَ. ولا يُمْكِنُ حَمْلُ العالَمِينَ، عَلى عُمُومِهِ لِأجْلِ التَّناقُضِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ الكَثِيرَ إذا وُصِفُوا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلُ مِن كُلِّ العالَمِينَ، يَلْزَمُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ، وهو مُحالٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وآلَ مُحَمَّدٍ عَلى العالَمِينَ. ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أجازُوا في نَصْبِ: ”ذَرِّيَّةً“، وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بَدَلًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ؛ يَعْنِي أنَّ الآلَيْنِ ذَرِّيَّةٌ واحِدَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ بَدَلٌ مِن نُوحٍ، ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ. قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن آدَمَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِذُرِّيَّةٍ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَسُوغُ أنْ تَقُولَ في والِدِ هَذا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الذَّرِّيَّةُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والأصْلِ والنَّسْلِ. كَقَوْلِهِ: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] أيْ آباءَهم، ويُقالُ لِلنِّساءِ: الذَّرارِي. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الآيَةُ تُوجِبُ أنْ تَكُونَ الآباءُ ذَرِّيَّةً لِلْأبْناءِ، والأبْناءُ ذَرِّيَّةً لِلْآباءِ، وجازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، فالأبُ ذُرِئَ مِنهُ الوَلَدُ، والوَلَدُ ذُرِئَ مِنَ الأبِ. وقالَ مَعْناهُ النَّقّاشُ، فَعَلى قَوْلِ الرّاغِبِ وصاحِبِ النَّظْمِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”ذَرِّيَّةً“، بَدَلًا مِن: آدَمَ، ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ. وأجازُوا أيْضًا نَصْبَ ”ذَرِّيَّةً“، عَلى الحالِ، وهو الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوَجْهَيْنِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: وهو أظْهَرُ مِنَ البَدَلِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذُرِّيَّةٍ دَلالَةً واشْتِقاقًا ووَزْنًا، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.

آل عمران 3:34

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [آل عمران: ٤١] . نُوحٌ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَصْرُوفٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وإنْ كانَ فِيهِ ما كانَ يَقْتَضِي مَنعَ صَرْفِهِ، وهو: العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ الشَّخْصِيَّةُ؛ وذَلِكَ لِخِفَّةِ البِناءِ بِكَوْنِهِ ثُلاثِيًّا ساكِنَ الوَسَطِ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ سَبَبٌ آخَرُ، ومَن جَوَّزَ فِيهِ الوَجْهَيْنِ فَبِالقِياسِ عَلى هَذا لا بِالسَّماعِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّواحِ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، لِأنَّ العُجْمَةَ لا يَدْخُلُ فِيها الِاشْتِقاقُ العَرَبِيُّ إلّا أنِ ادَّعى أنَّهُ مِمّا اتَّفَقَتْ فِيهِ لُغَةُ العَرَبِ ولُغَةُ العَجَمِ، فَيُمْكِنُ ذَلِكَ. ويُسَمّى آدَمَ الثّانِيَ، واسْمُهُ السَّكَنُ، قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وهو ابْنٌ لِمَلِكِ بْنِ مُتَوَشْلَخَ بْنِ أخْنُوخَ بْنِ سارِدَ بْنِ مَهْلابِيلَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ. عِمْرانُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا لامْتَنَعَ أيْضًا لِلْعَلَمِيَّةِ، وزِيادَةُ الألِفِ والنُّونِ؛ إذْ كانَ يَكُونُ اشْتِقاقُهُ مِنَ العُمْرِ واضِحًا. مُحَرَّرًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن ”حَرَّرَ“، ويَأْتِي اخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ، في مَدْلُولِهِ في الآيَةِ، والتَّحْرِيرُ: العِتْقُ، وهو تَصْيِيرُ المَمْلُوكِ حُرًّا. الوَضْعُ: الحَطُّ والإلْقاءُ، تَقُولُ: وضَعَ يَضَعُ وضْعًا وضَعَةً، ومِنهُ المَوْضِعُ. الأُنْثى والذَّكَرُ: مَعْرُوفانِ، وألِفُ أُنْثى لِلتَّأْنِيثِ، وجُمِعَتْ عَلى إناثٍ، كَرُبى ورَبابٍ، وقِياسُ الجَمْعِ: أُناثى، كَحُبْلى وحُبالى. وجَمْعُ الذَّكَرِ: ذُكُورٌ وذُكْرانٌ. مَرْيَمُ: اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وقِيلَ عَرَبِيٌّ جاءَ شاذًّا: كَمَدْيَنَ، وقِياسُهُ: مَرامٍ كَمَنالٍ، ومَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ الَّتِي تُغازِلُ الفِتْيانَ، قالَ (p-٤٣٣)الرّاجِزُ: . ؎قُلْتُ لِزَيْدٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ عاذَ بِكَذا: اعْتَصَمَ بِهِ، عَوْذًا وعِياذًا أوْ مُعاذًا أوْ مُعاذَةً ومَعْناهُ: التَجَأ واعْتَصَمَ. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ العَوْذِ، وهو: عَوْذٌ يَلْجَأُ إلَيْهِ الحَشِيشُ في مَهَبِّ الرِّيحِ. رَجَمَ: رَمى وقَذَفَ، ومِنهُ ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] أيْ: رَمْيًا بِهِ مِن غَيْرِ تَيَقُّنٍ، والحَدِيثُ المُرْجَمُ هو: المَظْنُونُ لَيْسَ فِيهِ يَقِينٌ. والرَّجِيمُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ مِن فاعِلٍ، أيْ: إنَّهُ يَرْمِي ويَقْذِفُ بِالشَّرِّ والعِصْيانِ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: مَرْجُومٌ، أيْ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ أوْ يُبْعَدُ ويُطْرَدُ. الكَفالَةُ: الضَّمانُ، يُقالُ: كَفَلَ يَكْفُلُ فَهو كافِلٌ وكَفِيلٌ، هَذا أصْلُهُ ثُمَّ يُسْتَعارُ لِلضَّمِّ والقِيامِ عَلى الشَّيْءِ. زَكَرِيّا: أعْجَمِيٌّ شُبِّهَ بِما فِيهِ الألِفُ المَمْدُودَةُ والألِفُ المَقْصُورَةُ فَهو مَمْدُودٌ ومَقْصُورٌ، ولِذَلِكَ يَمْتَنِعُ صَرْفُهُ نَكِرَةً، وهاتانِ اللُّغَتانِ فِيهِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، ولَوْ كانَ امْتِناعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ انْصَرَفَ نَكِرَةً. وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ أبُو حاتِمٍ، وهو غَلَطٌ مِنهُ، ويُقالُ: ذِكْرى بِحَذْفِ الألِفِ، وفي آخِرِهِ ياءٌ كَياءِ بُخْتِيٍّ، مُنَوَّنَةٌ فَهو مُنْصَرِفٌ، وهي لُغَةُ نَجْدَ، ووَجْهُهُ فِيما قالَ أبُو عَلِيٍّ؛ إنَّهُ حَذَفَ ياءَيِ المَمْدُودِ والمَقْصُورِ، وألْحَقَهُ ياءَيِ النَّسَبِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ صَرْفُهُ، ولَوْ كانَتِ الياءانِ هُما اللَّتَيْنِ كانَتا في زَكَرِيّا؛ لَوَجَبَ أنْ لا يَصْرَفَ لِلْعُجْمَةِ والتَّعْرِيفِ انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ حُكِيَ: ذُكَرُ عَلى وزْنِ: عُمَرُ، وحَكاها الأخْفَشُ. المِحْرابُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَيِّدُ المَجالِسِ وأشْرَفُها ومُقَدِّمُها، وكَذَلِكَ هو مِنَ المَسْجِدِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الغُرْفَةُ؛ وقالَ: ؎وماذا عَلَيْهِ إنْ ذُكِّرْتُ أوْ أنْسا ∗∗∗ كَغِزْلانِ رَمْلٍ في مَحارِيبِ أقْيالِ شَرَحَهُ الشُّرّاحُ في غُرَفٍ أقْيالٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَوْضِعُ العالِي الشَّرِيفُ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: القَصْرُ، لِشَرَفِهِ وعُلُوِّهِ. وقِيلَ: المَسْجِدُ. وقِيلَ: مِحْرابُهُ المَعْهُودُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِتَحارُبِ النّاسِ عَلَيْهِ وتَنافُسِهِمْ فِيهِ، وهو مَقامُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ. هُنا: اسْمُ إشارَةٍ لِلْمَكانِ القَرِيبِ، والتَزَمَ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ إلّا أنَّهُ يُجَرُّ بِحَرْفِ الجَرِّ، فَإنْ ألْحَقْتَهُ كافَ الخِطابِ دَلَّ عَلى المَكانِ البَعِيدِ. وبَنُو تَمِيمٍ تَقُولُ: هُناكَ، ويَصِحُّ دُخُولُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ إذا لَمْ تَكُنْ فِيهِ اللّامُ، وقَدْ يُرادُ بِها ظَرْفُ الزَّمانِ. النِّداءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وفُلانٌ أنْدى صَوْتًا، أيْ: أرْفَعُ، ودارُ النَّدْوَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا تَرْتَفِعُ أصْواتُهم بِها، والمُنْتَدى والنّادِي مُجْتَمَعُ القَوْمِ مِنهُ، ويُقالُ: نادى مُناداةً ونِداءً ونُداءً، بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّها، قِيلَ: فَبِالكَسْرِ المَصْدَرُ، وبِالضَّمِّ اسْمٌ، وأكْثَرُ ما جاءَتِ الأصْواتُ عَلى الضَّمِّ: كالدُّعاءِ والرُّغاءِ والصُّراخِ، وقالَ يَعْقُوبُ: يُمَدُّ مَعَ كَسْرِ النُّونِ، ويُقْصَرُ مَعَ ضَمِّها. والنَّدى: المَطَرُ، يُقالُ مِنهُ: نَدى يَنْدى نَدًى. يَحْيى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ امْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ، وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ، وهو فِعْلٌ مُضارِعٌ مِن: حَيِيَ، سُمِّيَ بِهِ فامْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وعَلى القَوْلَيْنِ يُجْمَعُ عَلى: يَحْيَوْنَ، بِحَذْفِ الألِفِ وفَتْحِ ما قَبْلَها، عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ ونُقِلَ عَنِ الكُوفِيِّينَ: إنْ كانَ عَرَبِيًّا فُتِحْتِ الياءُ، وإنْ كانَ أعْجَمِيًّا ضُمَّتِ الياءُ. سَيِّدٌ: فَيْعِلٌ مِن سادَ، أيْ فاقَ في الشَّرَفِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِ هَذا، وجَمْعُهُ عَلى فَعْلَةٍ، فَقالُوا: سادَةٌ، شاذٌّ. وقالَ الرّاغِبُ: هو السّايِسُ بِسَوادِ النّاسِ، أيْ: مُعْظَمِهِمْ، ولِهَذا يُقالُ: سَيِّدُ العَبْدِ، ولا يُقالُ سَيِّدُ الثَّوْبِ انْتَهى. الحَصُورُ: فَعُولٌ مِنَ الحَصْرِ، وهو لِلْمُبالَغَةِ مِن حاصَرَ. وقِيلَ: فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَحْصُورٍ، وهو في الآيَةِ بِمَعْنى الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ. الغُلامُ: الشّابُّ مِنَ النّاسِ، وهو الَّذِي طَرَّ شارِبَهُ، ويُطْلَقُ عَلى الطِّفْلِ، عَلى سَبِيلِ التَّفاؤُلِ، وعَلى الكَهْلِ. ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ: ؎شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي ∗∗∗ بِها غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها تَسْمِيَةٌ بِما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الكُهُولَةِ، وهو مِنَ الغُلْمَةِ والِاغْتِلامِ، وذَلِكَ شِدَّةُ طَلَبِ النِّكاحِ. ويُقالُ: اغْتَلَمَ الفَحْلُ: هاجَ مِن شِدَّةِ شَهْوَةِ الضِّرابِ، واغْتَلَمَ البَحْرُ: هاجَ وتَلاطَمَتْ أمْواجُهُ، وجَمْعُهُ عَلى غُلْمَةٍ شاذٌّ، (p-٤٣٤)وقِياسُهُ في القِلَّةِ: أغْلِمَةٌ، وجُمِعَ في الكَثْرَةِ عَلى: غِلْمانٍ، وهو قِياسُهُ: الكِبَرُ، مَصْدَرُ: كَبُرَ يَكْبُرُ مِنَ السِّنِّ قالَ: ؎صَغِيرَيْنِ نَرْعى البُهْمَ يا لَيْتَ إنَّنا ∗∗∗ إلى اليَوْمِ لَمْ نَكْبُرْ ولَمْ تَكْبُرِ البُهْمُ العاقِرُ: مَن لا يُوَلَدُ لَهُ مِن رَجُلٍ أوِ امْرَأةٍ، وفِعْلُهُ لازِمٌ، والعاقِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن عَقَرَ؛ أيْ: قَتَلَ، وهو مُتَعَدٍّ. الرَّمْزُ: الإشارَةُ بِاليَدِ أوْ بِالرَّأْسِ أوْ بِغَيْرِهِما، وأصْلُهُ: التَّحَرُّكُ؛ يُقالُ ارْتَمَزَ: تَحَرَّكَ ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ: الرّامُوزُ. العَشِيُّ: مُفْرَدُ عَشِيَّةٍ كَرَكِيٍّ. ورَكِيَّةٍ، والعَشِيَّةُ: أواخِرُ النَّهارِ، ولامُها واوَ، فَهي كَمَطِيٍّ. الإبْكارُ: مَصْدَرُ أبْكَرَ، يُقالُ أبْكَرَ: خَرَجَ بُكْرَةً. ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ. ونَحْنُ عَلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: في نَصارى نَجْرانَ لَمّا غَلَوْا في عِيسى، وجَعَلُوهُ ابْنَ اللَّهِ تَعالى، واتَّخَذُوهُ إلَهًا، نَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وإعْلامًا أنَّ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ البَشَرِ المُتَنَقِّلِينَ في الأطْوارِ المُسْتَحِيلَةِ عَلى الإلَهِ، واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى وِلادَةِ أُمِّهِ، ثُمَّ إلى وِلادَتِهِ هو، وهَذِهِ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآياتِ لِما قَبْلَها. وأيْضًا. لِما قُدِّمَ قَبْلُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ووَلِيَهُ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢] وخَتَمَها بِأنَّهُ ﴿لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ذَكَرَ المُصْطَفَيْنَ الَّذِينَ يُحِبُّ اتِّباعَهم، فَبَدَأ أوَّلًا بِأوَّلِهِمْ وُجُودًا وأصْلِهِمْ، وثَنى بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو آدَمُ الأصْغَرُ لَيْسَ أحَدٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ إلّا مِن نَسْلِهِ، ثُمَّ أتى ثالِثًا بِآلِ إبْراهِيمَ، فانْدَرَجَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَأْمُورُ بِاتِّباعِهِ وطاعَتِهِ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ أتى رابِعًا بِآلِ عِمْرانَ، فانْدَرَجَ في آلِهِ مَرْيَمُ وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ، ونَصَّ عَلى آلِ إبْراهِيمَ لِخُصُوصِيَّةِ اليَهُودِ بِهِمْ، وعَلى آلِ عِمْران لِخُصُوصِيَّةِ النَّصارى بِهِمْ، فَذَكَرَ تَعالى جَعْلَ هَؤُلاءِ صَفْوَةً أيْ: مُخْتارِينَ نَقاوَةً. والمَعْنى أنَّهُ نَقّاهم مِنَ الكَدَرِ. وهَذا مِن تَمْثِيلِ المَعْلُومِ بِالمَحْسُوسِ. . واصْطِفاءُ آدَمَ بِوُجُوهٍ. مِنها خَلْقُهُ أوَّلَ هَذا الجِنْسِ الشَّرِيفِ، وجَعْلُهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ، وإسْجادُ المَلائِكَةِ لَهُ، وإسْكانُهُ جَنَّتَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شَرَّفَهُ بِهِ. واصْطِفاءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأشْياءَ، مِنها: أنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى أهْلِ الأرْضِ بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ، وسائِرِ ذَوِي المَحارِمِ، وأنَّهُ أبُ النّاسِ بَعْدَ آدَمَ وغَيْرُ ذَلِكَ، واصْطِفاءُ آلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ جَعَلَ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ والكِتابَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: آلُ إبْراهِيمَ مَن كانَ عَلى دِينِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: آلُهُ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ والأسْباطُ. وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ إبْراهِيمُ نَفْسُهُ. وتَقَدَّمَ لَنا شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] . وعِمْرانُ هَذا المُضافُ إلَيْهِ: ”آلُ“، قِيلَ هو: عِمْرانُ بْنُ ماثانَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، وهو أبُو مَرْيَمَ البَتُولِ، أُمِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ: الحَسَنُ، ووَهْبٌ. وقِيلَ: هو عِمْرانُ أبُو مُوسى وهارُونَ، وهو عِمْرانُ بْنُ نُصَيْرٍ قالَهُ مُقاتِلٌ. فَعَلى الأوَّلِ آلُهُ عِيسى، قالَهُ الحَسَنُ، وعَلى الثّانِي آلُهُ مُوسى وهارُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ عِمْرانَ عِمْرانُ نَفْسُهُ، والظّاهِرُ في عِمْرانَ أنَّهُ أبُو مَرْيَمَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] فَذَكَرَ قِصَّةَ مَرْيَمَ وابْنِها عِيسى، ونَصَّ عَلى أنَّ اللَّهَ اصْطَفاها بِقَوْلِهِ ﴿قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] كالشَّرْحِ لِكَيْفِيَّةِ الِاصْطِفاءِ، لِقَوْلِهِ: وآلَ عِمْرانَ، وصارَ نَظِيرَ تَكْرارِ الِاسْمِ في جُمْلَتَيْنِ، فَيَسْبِقُ الذِّهْنُ إلى أنَّ الثّانِيَ هو الأوَّلُ، نَحْوَ: أكْرَمَ زَيْدًا رَجُلٌ صالِحٌ. وإذا كانَ المُرادُ بِالثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ، كانَ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى السّامِعِ. وقَدْ رُجِّحَ القَوْلُ الآخَرُ بِأنَّ مُوسى يُقْرَنُ بِإبْراهِيمَ كَثِيرًا في الذِّكْرِ، ولا يَتَطَرَّقُ الفَهْمُ إلى أنَّ عِمْرانَ الثّانِيَ هو أبُو مُوسى وهارُونَ، وإنْ كانَتْ لَهُ بِنْتٌ تُسَمّى مَرْيَمَ، وكانَتْ أكْبَرَ مِن مُوسى وهارُونَ سِنًّا، لِلنَّصِّ عَلى أنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ ولَدَتْ عِيسى، وأنَّ زَكَرِيّا كَفَلَ مَرْيَمَ أُمَّ عِيسى، وكانَ زَكَرِيّا قَدْ تَزَوَّجَ أُخْتَ مَرْيَمَ إمْشاعَ ابْنَةَ عِمْرانَ بْنِ (p-٤٣٥)ماثانَ، فَكانَ يَحْيى وعِيسى ابْنَيْ خالَةٍ، وبَيْنَ العِمْرانَيْنِ ‌‌والمَرْيَمَيْنِ أعْصارٌ كَثِيرَةٌ. قِيلَ: بَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفُ سَنَةٍ، وثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ. والظّاهِرُ: أنَّ الآلَ: مَن يَئُولُ إلى الشَّخْصِ في قَرابَةٍ أوْ مَذْهَبٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ نَصَّ عَلى هَؤُلاءِ هُنا في الِاصْطِفاءِ لِلْمَزايا الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ. وذَهَبَ قاضِي القُضاةِ بِالأنْدَلُسِ أبُو الحَكَمِ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ ورِضى عَنْهُ، إلى أنَّ ذِكْرَ آدَمَ ونُوحٍ تَضَمَّنَ الإشارَةَ إلى المُؤْمِنِينَ مِن بَيْنِهِما، وأنَّ الآلَ الأتْباعُ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ اصْطَفى المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم، ولِأنَّ الكَلامَ في قِصَّةِ بَعْضِهِمُ. انْتَهى ما قالَ مُلَخَّصًا، وقَوْلُهُ شَبِيهٌ في المَعْنى بِقَوْلِ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ ”آدَمَ“، وما بَعْدَهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أنَّ اللَّهَ اصْطَفى دِينَ آدَمَ. ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المُرادُ اصْطَفى دِينَهم عَلى سائِرِ الأدْيانِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ثَمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ لَكانَ: ونُوحٍ مَجْرُورًا، لِأنَّ آدَمَ مَحَلُّهُ الجَرُّ بِالإضافَةِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ولَوْلا تَسْطِيرُهُ في الكُتُبِ ما ذَكَرْتُهُ. لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يُجَرَّ المُضافُ إلَيْهِ إذا حُذِفَ المُضافُ، فَيَلْزَمُ جَرُّ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، بَلْ يُعْرَبُ المُضافُ إلَيْهِ بِإعْرابِ المُضافِ المَحْذُوفِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ؟ وأمّا إقْرارُهُ مَجْرُورًا فَلا يَجُوزُ إلّا بِشَرْطٍ ذُكِرَ في عِلْمِ النَّحْوِ. ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”اصْطَفى“، ضَمَّنَهُ مَعْنى فَضَّلَ، فَعَدّاهُ بِعَلى. ولَوْ لَمْ يُضَمِّنْهُ مَعْنى فَضَّلَ لَعُدِّيَ بِمِن. قِيلَ: والمَعْنى عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، واللَّفْظُ عامٌّ، والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ كَما قالَ جَرِيرٌ: ؎ويَضْحى العالَمُونَ لَهُ عِيالًا وقالَ الحُطَيْئَةُ: ؎أراحَ اللَّهُ مِنكَ العالَمِينا وكَما تَئُولُ في ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] . وقالَ القَتِبِيُّ: لِكُلِّ دَهْرٍ عالَمٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُخَصَّ بِمَن سِوى هَؤُلاءِ، ويَكُونُ قَدِ انْدَرَجَ في قَوْلِهِ: ”وآلَ إبْراهِيمَ“ مُحَمَّدٌ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ فُضِّلُوا عَلى مَن سِواهم مِنَ العالَمِينَ. واشْتِراكُهم في القَدْرِ المُشْتَرَكِ مِنَ التَّفْضِيلِ لا يَدُلُّ عَلى التَّساوِي في مَراتِبِ التَّفْضِيلِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ وعُمَرُ وخالِدٌ أغْنِياءٌ، فاشْتِراكُهم في القَدْرِ المُشْتَرَكِ مِنَ الغِنى، لا يَدُلُّ عَلى التَّساوِي في مَراتِبِ الغِنى، وإذا حَمَلْنا: العالَمِينَ، عَلى مَن سِوى هَؤُلاءِ، كانَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى تَفْضِيلِ البَشَرِ عَلى المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مِن سِوى هَؤُلاءِ المُصْطَفَيْنَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى ذَلِكَ. ولا يُمْكِنُ حَمْلُ العالَمِينَ، عَلى عُمُومِهِ لِأجْلِ التَّناقُضِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ الكَثِيرَ إذا وُصِفُوا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلُ مِن كُلِّ العالَمِينَ، يَلْزَمُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الآخَرِ، وهو مُحالٌ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: وآلَ مُحَمَّدٍ عَلى العالَمِينَ. ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أجازُوا في نَصْبِ: ”ذَرِّيَّةً“، وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بَدَلًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ؛ يَعْنِي أنَّ الآلَيْنِ ذَرِّيَّةٌ واحِدَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ بَدَلٌ مِن نُوحٍ، ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ. قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن آدَمَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِذُرِّيَّةٍ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا يَسُوغُ أنْ تَقُولَ في والِدِ هَذا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الذَّرِّيَّةُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والأصْلِ والنَّسْلِ. كَقَوْلِهِ: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] أيْ آباءَهم، ويُقالُ لِلنِّساءِ: الذَّرارِي. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: الآيَةُ تُوجِبُ أنْ تَكُونَ الآباءُ ذَرِّيَّةً لِلْأبْناءِ، والأبْناءُ ذَرِّيَّةً لِلْآباءِ، وجازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، فالأبُ ذُرِئَ مِنهُ الوَلَدُ، والوَلَدُ ذُرِئَ مِنَ الأبِ. وقالَ مَعْناهُ النَّقّاشُ، فَعَلى قَوْلِ الرّاغِبِ وصاحِبِ النَّظْمِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”ذَرِّيَّةً“، بَدَلًا مِن: آدَمَ، ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ. وأجازُوا أيْضًا نَصْبَ ”ذَرِّيَّةً“، عَلى الحالِ، وهو الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوَجْهَيْنِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: وهو أظْهَرُ مِنَ البَدَلِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذُرِّيَّةٍ دَلالَةً واشْتِقاقًا ووَزْنًا، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.

آل عمران 3:35

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والضَّحّاكُ: ”ذِرِّيَّةً“، بِكَسْرِ الذّالِ، والجُمْهُورُ بِالضَّمِّ. ﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”ذُرِّيَّةً“ (p-٤٣٦)ومِن: لِلتَّبْعِيضِ حَقِيقَةً أيْ: مُتَشَعِّبَةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ في التَّناسُلِ، فَإنْ فُسِّرَ ”عِمْرانَ“ بِوالِدِ مُوسى وهارُونَ فَهُما مِنهُ، وهو مِن يَصْهَرَ، ويَصْهَرُ مِن قاهِثَ، وقاهِثُ مِن لاوى، ولاوى مِن يَعْقُوبَ، ويَعْقُوبُ مِن إسْحاقَ، وإسْحاقُ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وإنْ فُسِّرَ ”عِمْرانَ“ بِوالِدِ مَرْيَمَ أُمِّ عِيسى، فَعِيسى مِن مَرْيَمَ، ومَرْيَمُ مِن عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وهو مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، و سُلَيْمانُ مِن ولَدِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وقَدْ دَخَلَ في آلِ إبْراهِيمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقِيلَ: مِن، لِلتَّبْعِيضِ مَجازًا أيْ: مِن بَعْضٍ في الإيمانِ والطّاعَةِ والإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ، وإلى نَحْوٍ مِن هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ، قالَ: مِن بَعْضٍ في تَناصُرِ الدِّينِ، وقالَ أبُورُوتُ: بَعْضُها عَلى دِينِ بَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ: في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ. ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] أيْ: سَمِيعٌ لِما يَقُولُهُ الخَلْقُ، عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ. أوْ: سَمِيعٌ لِما تَقُولُهُ امْرَأةُ عِمْرانَ، عَلِيمٌ بِما تَقْصِدُ. أوْ: سَمِيعٌ لِما تَقُولُهُ الذُّرِّيَّةُ، عَلِيمٌ بِما تُضْمِرُهُ. ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلِيمٌ بِمَن يَصْلُحُ لِلِاصْطِفاءِ، أوْ: يَعْلَمُ أنَّ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ في الدِّينِ انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ خَتْمَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ ﴿وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٣] لِأنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لِإلَهِهِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] وحَمَدَ رَبَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] وقالَ مُخْبِرًا عَنْ رَبِّهِ: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلاةِ وذُرِّيَّتَهُ، وقالَ حِينَ بَنى هو و إسْماعِيلُ الكَعْبَةَ ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البقرة: ١٢٧] إلى سائِرِ ما دَعا بِهِ حَتّى قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩] ولِذا قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ» . فَلَمّا تَقَدَّمَتْ مِن إبْراهِيمَ تَضَرُّعاتٌ، وأدْعِيَةٌ لِرَبِّهِ تَعالى في آلِهِ وذُرِّيَّتِهِ، ناسَبَ أنْ يُخْتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] وكَذَلِكَ آلُ عِمْرانَ، دَعَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ بِقَبُولِ ما كانَتْ نَذَرَتْهُ لِلَّهِ تَعالى، فَناسَبَ أيْضًا ذِكْرَ الوَصْفَيْنِ، ولِذَلِكَ حِينَ ذَكَرَتِ النَّذْرَ ودَعَتْ بِتَقَبُّلِهِ، أخْبَرَتْ عَنْ رَبِّها بِأنَّهُ ﴿السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيِ: السَّمِيعُ لِدُعائِها، العَلِيمُ بِصِدْقِ نِيَّتِها بِنَذْرِها ما في بَطْنِها لِلَّهِ تَعالى. ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ﴾ الآيَةَ، لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى اصْطَفى آلَ عِمْرانَ، وكانَ مُعْظَمُ صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ في أمْرِ النَّصارى وفْدَ نَجْرانَ، ذَكَرَ ابْتِداءً حالَ آلِ عِمْرانَ، وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها: حَنَّةُ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ المُشَدَّدَةِ مَفْتُوحَتَيْنِ وآخِرُها تاءُ تَأْنِيثٍ، وهو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وهي حَنَّةُ بِنْتُ فاقُودَ، و دَيْرُ حَنَّةَ بِالشّامِ مَعْرُوفٌ، وثَمَّ دَيْرٌ آخَرُ يُعْرَفُ بِدَيْرِ حَنَّةَ، وقَدْ ذَكَرَ أبُو نَواحٍ دَيْرَ حَنَّةَ في شِعْرِهِ فَقالَ: ؎يا دَيْرَ حَنَّةَ مِن ذاتِ الأكَيْراحِ مَن يَصْحُ عَنْكِ فَإنِّي لَسْتُ بِالصّاحِ وقَبْرُ حَنَّةَ، جَدَّةُ عِيسى، بِظاهِرِ دِمَشْقَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لا يُعْرَفُ في العَرَبِيِّ اسْمُ امْرَأةٍ حَنَّةُ، وذَكَرَ عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الحافِظُ: حَنَّةُ أُمُّ عُمَرَ ويَرْوِي حَدِيثَها ابْنُ جُرَيْجٍ. ويُسْتَفادُ حَنَّةُ مَعَ حَبَّةَ، بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وباءٍ بِواحِدَةٍ مِن أسْفَلَ، وحَيَّةُ: بِالحاءِ المُهْمَلَةِ وياءٍ بِاثْنَتَيْنِ مِن أسْفَلَ، وهُما اسْمانِ لِناسٍ، ومَعَ خَبَّةَ، بِالخاءِ المُعْجَمَةِ والباءِ بِواحِدَةٍ مِن أسْفَلَ، وهي خَبَّةُ بِنْتُ يَحْيى بْنِ أكْثَمَ القاضِي، أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، ومَعَ جَنَّةَ بِجِيمٍ ونُونٍ، وهو أبُو جَنَّةَ خالُ ذِي الرُّمَّةِ الشّاعِرِ، لا نَعْرِفُ سِواهُ. ولَمْ تَكْتَفِ حَنَّةُ بِنِيَّةِ النَّذْرِ حَتّى أظْهَرَتْهُ بِاللَّفْظِ، وخاطَبَتْ بِهِ اللَّهَ تَعالى، وقَدَّمَتْ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ نِداءَها لَهُ تَعالى بِلَفْظِ الرَّبِّ. الَّذِي هو مالِكُها ومالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وتَقَدَّمَ مَعْنى ”النَّذْرِ“ وهو اسْتِدْفاعُ المُخَوِّفِ بِما يَعْقِدُهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مِن أعْمالِ البِرِّ. وقِيلَ: ما أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بِشَرِيطَةٍ، وبِغَيْرِ شَرِيطَةٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎فَلَيْتَ رِجالًا فِيكَ قَدْ نَذَرُوا دَمِي ∗∗∗ وهَمُّوا بِقَتْلِي يا بُثَيْنَ لَقُونِي (p-٤٣٧)ولَكَ، اللّامُ فِيهِ لامُ السَّبَبِ، وهو عَلى حَذْفِ التَّقْدِيرِ: لِخِدْمَةِ بَيْتِكَ، أوْ لِلِاحْتِباسِ عَلى طاعَتِكَ. ﴿ما في بَطْنِي﴾ جَزَمَتِ النَّذْرَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ذَكَرًا، أوْ لِرَجاءٍ مِنها أنْ يَكُونَ ذَكَرًا. (مُحَرَّرًا) مَعْناهُ عَتِيقًا مِن كُلِّ شُغْلٍ مِن أشْغالِ الدُّنْيا، فَهو مِن لَفْظِ الحُرِّيَّةِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أوْ خادِمًا لِلْبِيعَةِ. قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ: مُخْلِصًا لِلْعِبادَةِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. ورَواهُ خُصَيْفٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، وأتى بِلَفْظِ: ما، دُونَ: مِن؛ لِأنَّ الحَمْلَ إذْ ذاكَ لَمْ يَتَّصِفْ بِالعَقْلِ، أوْ لِأنَّ: ما، مُبْهَمَةٌ تَقَعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَيَجُوزُ أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ: مِن. ونُسِبَ هَذا إلى سِيبَوَيْهِ. ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ دَعَتِ اللَّهَ تَعالى بِأنْ يَقْبَلَ مِنها ما نَذَرَتْهُ لَهُ، والتَّقَبُّلُ: أخْذُ الشَّيْءِ عَلى الرِّضا بِهِ، وأصْلُهُ المُقابَلَةُ بِالجَزاءِ، وتَقَبَّلْ: هُنا بِمَعْنى: قَبِلَ، فَهو مِمّا ”تَفَعَّلَ“ فِيهِ بِمَعْنى ”الفِعْلِ“ المُجَرَّدِ، كَقَوْلِهِمْ: تَعَدّى الشَّيْءَ وعَدّاهُ، وهو أحَدُ المَعانِي الَّتِي جاءَتْ لَها ”تَفَعَّلَ“ . ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ خُتِمَتْ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّها اعْتَقَدَتِ النَّذْرَ، وعَقَدَتْهُ بَنِيَّتِها، وتَلَفَّظَتْ بِهِ، ودَعَتْ بِقَبُولِهِ، فَناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. والعامِلُ في: إذْ، مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أذْكُرُ، قالَهُ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ، أوْ مَعْنى الِاصْطِفاءُ، التَّقْدِيرُ: واصْطَفى آلَ عِمْرانَ. قالَهُ الزَّجّاجُ، وعَلى هَذا يُجْعَلُ (و آلَ عِمْرانَ) مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن بابِ عَطْفِ المُفْرَداتِ، لِأنَّهُ إنْ جُعِلَ مِن بابِ عَطْفِ المُفْرَداتِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ اصْطَفى آدَمَ، ولا يَسُوغُ ذَلِكَ لِتَغايُرِ زَمانِ هَذا الِاصْطِفاءِ وزَمانِ قَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ، فَلا يَصِحُّ عَمَلُهُ فِيهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ العامِلَ فِيهِ: سَمِيعٌ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ، أوْ: سَمِيعٌ عَلِيمٌ، لِقَوْلِ امْرَأةِ عِمْرانَ ونِيَّتِها، وإذْ: مَنصُوبٌ بِهِ انْتَهى. ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: عَلِيمٌ، إمّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ وصْفًا لِقَوْلِهِ: سَمِيعٌ، فَإنْ كانَ خَبَرًا فَلا يَجُوزُ الفَصْلُ بِهِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ لِأنَّهُ أجْنَبِيٌّ مِنهُما، وإنْ كانَ وصْفًا فَلا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ: سَمِيعٌ، في الظَّرْفِ، لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ. واسْمُ الفاعِلِ وما جَرى مَجْراهُ إذا وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مَعْمُولِهِ، لا يَجُوزُ لَهُ إذْ ذاكَ أنْ يَعْمَلَ عَلى خِلافٍ لِبَعْضِ الكُوفِيِّينَ في ذَلِكَ، ولِأنَّ اتِّصافَهُ تَعالى بِسَمِيعٍ عَلِيمٍ، لا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ الوَقْتِ. وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى أنَّ ”إذْ“ زائِدَةٌ، المَعْنى: قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ لَهُ نَظِيرُ هَذا القَوْلِ في مَواضِعَ، وكانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ في النَّحْوِ. وانْتَصَبَ ”مُحَرَّرًا“، عَلى الحالِ. قِيلَ: مِن ”ما“، فالعامِلُ: نَذَرْتُ، وقِيلَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في: اسْتَقَرَّ، العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ، فالعامِلُ في هَذا: اسْتَقَرَّ، وقالَ مَكِّيُّ فَمَن نَصَبَهُ عَلى النَّعْتِ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ يُقَدِّرُهُ: غُلامًا مُحَرَّرًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، يَعْنِي أنَّ: ”نَذَرَ“، قَدْ أخَذَ مَفْعُولَهُ، وهو: ما في بَطْنِي، فَلا يَتَعَدّى إلى آخِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ مُحَرَّرًا، عَلى أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَعْنى تَحْرِيرًا، لِأنَّ المَصْدَرَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى زِنَةِ المَفْعُولِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا التَّقْدِيرُ: تَسْرِيحِي القَوافِي، ويَكُونُ إذْ ذاكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: نَذَرَ تَحْرِيرًا، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن مَعْنى نَذَرْتُ، لِأنَّ مَعْنى: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ حَرَّرْتُ لَكَ بِالنَّذْرِ ما في بَطْنِي. والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو أنْ يَكُونَ حالًا مِن: ما، ويَكُونَ، إذْ ذاكَ حالًا مُقَدَّرَةً إنْ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: مُحَرَّرًا، خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وحالًا مُصاحِبَةً إنْ كانَ المُرادُ عَتِيقًا، لِأنَّ عِتْقَ ما في البَطْنِ يَجُوزُ. وكَتَبُوا: امْرَأةُ عِمْرانَ، بِالتّاءِ، لا بِالهاءِ، وكَذَلِكَ امْرَأةُ العَزِيزِ في مَوْضِعَيْنِ، وامْرَأةُ نُوحٍ، وامْرَأةُ لُوطٍ، وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ. سَبْعَةُ مَواضِعَ، فَأهْلُ المَدِينَةِ يَقِفُونَ بِالتّاءِ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ؛ مَعَ أنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ يَقِفُونَ عَلى طَلْحَةَ طَلَحَتْ، بِالتّاءِ. ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: بِالهاءِ ولَمْ يَتْبَعُوا رَسْمَ المُصْحَفِ في ذَلِكَ، وهي لُغَةُ أكْثَرِ العَرَبِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ سَبَبَ هَذا الحَمْلِ الَّذِي اتَّفَقَلِامْرَأةِ عِمْرانَ، فَرُوِيَ أنَّها كانَتْ عاقِرًا، وكانُوا أهْلَ (p-٤٣٨)بَيْتٍ لَهم عِنْدَ اللَّهِ مَكانَةٌ، فَبَيْنا هي يَوْمًا في ظِلِّ شَجَرَةٍ، نَظَرَتْ إلى طائِرٍ يَذُقْ فَرْخًا لَهُ، فَتَحَرَّكَتْ بِهِ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا. فَحَمَلَتْ. وماتَ عِمْرانُ زَوْجُها وهي حامِلٌ، فَحَسِبَتِ الحَمْلَ ولَدًا فَنَذَرَتْهُ لِلَّهِ حَبِيسًا لِخِدْمَةِ الكَنِيسَةِ أوْ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَ مِن عادَتِهِمُ التَّقَرُّبُ بِهِبَةِ أوْلادِهِمْ لِبُيُوتِ عِباداتِهِمْ، وكانَ بَنُو ماثانَ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ ومُلُوكَهم وأحْبارَهم، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنهم إلّا ومِن نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ لِبَيْتِ المَقْدِسِ مِنَ الغِلْمانِ، وكانَتِ الجارِيَةُ لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، وكانَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِمْ، وكانَ عَلى أوْلادِهِمْ أنْ يُطِيعُوهم، فَإذا حُرِّرَ خَدَمُ الكَنِيسَةِ بِالكَنْسِ والإسْراجِ حَتّى يَبْلُغَ، فَيُخَيَّرُ، فَإنْ أحَبَّ أنْ يُقِيمَ في الكَنِيسَةِ أقامَ فِيها، ولَيْسَ لَهُ الخُرُوجُ بَعْدَ ذَلِكَ، وإنْ أحَبَّ أنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ حَيْثُ شاءَ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ إلّا ومِن نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ لِبَيْتِ المَقْدِسِ. ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] أُنِّثَ الضَّمِيرُ في وضَعَتْها حَمْلًا عَلى المَعْنى في ما، لِأنَّ ما في بَطْنِها كانَ أُنْثى في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَمْلًا عَلى المَوْجُدَةِ، ورَفْعًا لِلَفْظِ: ما، في قَوْلِها: ما في بَطْنِي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى تَأْوِيلِ الجِبِلَّةِ، أوِ النَّفْسِ، أوِ النَّسَمَةِ. جَوابٌ لِما، هو: قالَتْ وخاطَبَتْ رَبَّها عَلى سَبِيلِ التَّحَسُّرِ عَلى ما فاتَها مِن رَجائِها، وخِلافُ ما قَدَّرَتْ؛ لِأنَّها كانَتْ تَرْجُو أنْ تَلِدَ ذَكَرًا يَصْلُحُ لِلْخِدْمَةِ، ولِذَلِكَ نَذَرَتْهُ مُحَرَّرًا. وجاءَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي وضَعْتُها﴾ [آل عمران: ٣٦] الضَّمِيرُ مُؤَنَّثًا، فَإنْ كانَ عَلى مَعْنى النَّسَمَةِ أوِ النَّفْسِ فَظاهِرٌ، إذْ تَكُونُ الحالُ في قَوْلِهِ أُنْثى، مُبَيِّنَةً؛ إذِ النَّسَمَةُ والنَّفْسُ تَنْطَلِقُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ انْتِصابُ أُنْثى حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في وضَعْتُها؛ وهو كَقَوْلِكَ: وضَعَتِ الأُنْثى أُنْثى ؟ . قُلْتُ: الأصْلُ وضَعَتْهُ أُنْثى، وإنَّما أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الحالِ لِأنَّ الحالَ، وذا الحالِ شَيْءٌ واحِدٌ، كَما أُنِّثَ الِاسْمُ في: مَن كانَتْ أُمَّكَ ؟ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] انْتَهى. وآلَ قَوْلُهُ إلى أنَّ أُنْثى (p-٤٣٩)تَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً، لا يُخْرِجُهُ تَأْنِيثُهُ لِتَأْنِيثِ الحالِ مِن أنْ يَكُونَ الحالُ مُؤَكِّدَةً. وأمّا تَشْبِيهُهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مَن كانَتْ أُمَّكَ، حَيْثُ عادَ الضَّمِيرُ عَلى مَعْنى مَن، فَلَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ: وضَعْتُها أُنْثى؛ لِأنَّ ذَلِكَ حَمْلٌ عَلى مَعْنى مَن، إذِ المَعْنى: أيَّةُ امْرَأةٍ كانَتْ أُمَّكَ، أيْ: كانَتْ هي أيُّ المَرْأةِ أُمُّكَ، فالتَّأْنِيثُ لَيْسَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وإنَّما هو مِن بابِ الحَمْلِ عَلى مَعْنى مَن، ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ تَأْنِيثٌ لِلِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، لَمْ يَكُنْ نَظِيرَ وضَعْتُها أُنْثى؛ لِأنَّ الخَبَرَ مُخَصَّصٌ بِالإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ، فَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ الخَبَرِ ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الِاسْمِ بِخِلافِ أُنْثى، فَإنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ. وأمّا تَنْظِيرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] فَيَعْنِي أنَّهُ ثَنّى بِالِاسْمِ لِتَثْنِيَةِ الخَبَرِ، والكَلامُ عَلَيْهِ يَأْتِي في مَكانِهِ، فَإنَّهُ مِنَ المُشْكِلاتِ، فالأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ في: وضَعْتُها أُنْثى، عائِدًا عَلى النَّسَمَةِ، أوِ النَّفْسِ، فَتَكُونُ الحالُ مَبْنِيَّةً لا مُؤَكِّدَةً. وقِيلَ: خاطَبَتِ اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِذارِ، والتَّنَصُّلِ مِن نَذْرِ ما لا يَصْلُحُ لِسَدانَةِ البَيْتِ؛ إذْ كانَتِ الأُنْثى لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ في شَرِيعَتِهِمْ. وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ أجْمَلَ نِساءِ زَمانِها، وأكْمَلَهُنَّ.

آل عمران 3:36

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ويَعْقُوبُ: بِضَمِّ التّاءِ، ويَكُونُ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ أُمِّ مَرْيَمَ، وكَأنَّها خاطَبَتْ نَفْسَها بِقَوْلِها: واللَّهُ أعْلَمُ. ولَمْ تَأْتِ عَلى لَفْظِ: رَبِّ، إذْ لَوْ أتَتْ عَلى لَفْظِهِ، لَقالَتْ: وأنْتَ أعْلَمُ بِما وضَعْتُ. ولَكِنْ خاطَبَتْ نَفْسَها عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ عَنِ الذَّكَرِ، وأنَّ عِلْمَ اللَّهِ وسابِقَ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ التَّحَسُّرِ والتَّحَذُّرِ عَلى ما فاتَنِي مِنَ المَقْصِدِ، إذْ مُرادُهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرادَ، ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبْتُهُ ورَجَوْتُهُ مِثْلَ الأُنْثى الَّتِي عَلِمَها وأرادَها وقَضى بِها. ولَعَلَّ هَذِهِ الأُنْثى تَكُونُ خَيْرًا مِنَ الذَّكَرِ، إذْ أرادَها اللَّهُ، سَلَّتْ بِذَلِكَ نَفْسَها. وتَكُونُ الألِفُ واللّامُ في ”الذَّكَرُ“، لِلْعَهْدِ فَيَكُونُ مَقْصُودُها تَرْجِيحَ هَذِهِ الأُنْثى الَّتِي هي مَوْهُوبَةُ اللَّهِ عَلى ما كانَ قَدْ رَجَتْ مِن أنَّهُ يَكُونُ ذَكَرًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودُها، أنَّهُ لَيْسَ كالأُنْثى في الفَضْلِ والدَّرَجَةِ والمَزِيَّةِ؛ لِأنَّ الذَّكَرَ يَصْلُحُ لِلتَّحْرِيرِ، والِاسْتِمْرارِ عَلى خِدْمَةِ مَوْضِعِ العِبادَةِ، ولِأنَّهُ أقْوى عَلى الخِدْمَةِ، ولا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ في الخِدْمَةِ والِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ ولا تُهْمَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كالأُنْثى، في امْتِناعِ نَذْرِهِ إذِ الأُنْثى تَحِيضُ ولا تَصْلُحُ لِصُحْبَةِ الرُّهْبانِ ؟ قالَهُ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهم. وبَدَأتْ بِذِكْرِ الأهَمِّ في نَفْسِها، وإلّا فَسِياقُ الكَلامِ أنْ تَقُولَ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ، فَتَضَعُ حَرْفَ النَّفْيِ مَعَ الشَّيْءِ الَّذِي عِنْدَها، وانْتَفَتْ عَنْهُ صِفاتُ الكَمالِ لِلْغَرَضِ المُرادِ انْتَهى. وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ تَكُونُ الألِفُ واللّامُ في: ”الذَّكَرُ“، لِلْجِنْسِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِما وضَعَتْ، بِتاءِ التَّأْنِيثِ السّاكِنَةِ، عَلى أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ أعْلَمُ بِالَّذِي وضَعَتْهُ. أيْ: بِحالِهِ، وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ هَذِهِ الأُنْثى، فَإنَّ قَوْلَها: وضَعْتُها أُنْثى، يَدُلُّ عَلى أنَّها لَمْ تَعْلَمْ مِن حالِها إلّا عَلى هَذا القَدْرِ مِن كَوْنِ هَذِهِ النَّسَمَةِ جاءَتْ أُنْثى لا تَصْلُحُ لِلتَّحْرِيرِ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ أعْلَمُ بِهَذِهِ المَوْضُوعَةِ، فَأتى بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعِلْمِ بِتَفاصِيلِ الأحْوالِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِهَذِهِ المَوْضُوعَةِ، والإعْلامُ بِما عَلِقَ بِها وبِابْنِها مِن عَظِيمِ الأُمُورِ، إذْ جَعَلَها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ. ووالِدَتُها جاهِلَةٌ بِذَلِكَ لا تَعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما وضَعْتِ، بِكَسْرِ تاءِ الخِطابِ، خاطَبَها اللَّهُ بِذَلِكَ أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذِهِ المَوْهُوبَةِ، وما عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن عِظَمِ شَأْنِها وعُلُوِّ قَدْرِها. وما: مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي أوِ الَّتِي، وأتى بِلَفْظِ ما، كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥] والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ عَلى كُلِّ قِراءَةٍ. ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ مَرْيَمُ في لُغَتِهِمْ مَعْناهُ: العابِدَةُ، أرادَتْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ التَّفاؤُلَ لَها بِالخَيْرِ، والتَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ - تَعالى -، والتَّضَرُّعَ إلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِاسْمِها، وأنْ تَصْدُقَ فِيها ظَنَّها بِها. ألا تَرى إلى إعاذَتِها بِاللَّهِ، وإعاذَةِ ذُرِّيَّتِها مِنَ الشَّيْطانِ ؟ وخاطَبَتِ اللَّهَ بِهَذا الكَلامِ لِتَرَتُّبِ الِاسْتِعاذَةِ عَلَيْهِ، واسْتِبْدادُها بِالتَّسْمِيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أباها عِمْرانَ كانَ قَدْ ماتَ، كَما نُقِلَ أنَّهُ ماتَ وهي حامِلٌ، عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ مِن حَيْثُ هي أُنْثى أنْ تَسْتَبِدَّ الأُمُّ (p-٤٤٠)بِالتَّسْمِيَةِ لِكَراهَةِ الرِّجالِ البَناتِ، وفي الآيَةِ تَسْمِيَةُ الطِّفْلِ قُرْبَ الوِلادَةِ، وفي الحَدِيثِ: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ باسِمِ أبِي إبْراهِيمَ» . وفي الحَدِيثِ أنَّهُ: «يُعَقُّ عَنِ المَوْلُودِ في السّابِعِ ويُسَمّى» . وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِن كَلامِها، وهي كُلُّها داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: بِما وضَعْتُ، بِضَمِّ التّاءِ. وأمّا مَن قَرَأ: بِما وضَعَتْ، بِسُكُونِ التّاءِ، أوْ بِالكَسْرِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مَعْطُوفَةٌ عَلى: إنِّي وضَعْتُها أُنْثى، وما بَيْنَهُما جُمْلَتانِ مُعْتَرِضانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ مِن أنَّهُما جُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَهُ ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ في هَذِهِ القِراءَةِ مِن كَلامِها، ويَكُونُ المُعْتَرِضُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَما كانَ مِن كَلامِها في قِراءَةِ مَن قَرَأ: وضَعْتُ، بِضَمِّ التّاءِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا المُتَعَيَّنُ لِثُبُوتِ كَوْنِهِ مِن كَلامِها في هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ في اعْتِراضِ جُمْلَتَيْنِ خِلافًا لِمَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ: أنَّهُ لا يَعْتَرِضُ جُمْلَتانِ وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. وأيْضًا تَشْبِيهُهُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اعْتُرِضَ بِهِما بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَلى زَعْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] لَيْسَ تَشْبِيهًا مُطابِقًا لِلْآيَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَعْتَرِضْ جُمْلَتانِ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ، بَلِ اعْتَرَضَ بَيْنَ القَسَمِ الَّذِي هو: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وجَوابِهِ الَّذِي هو: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] بِجُمْلَةٍ واحِدَةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] لَكِنَّهُ جاءَ في جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ بَيْنَ بَعْضِ أجْزائِهِ وبَعْضٍ، اعْتِراضٌ بِجُمْلَةٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٧٦] اعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ المَنعُوتِ الَّذِي هو: ”لَقَسَمٌ“، وبَيْنَ نَعْتِهِ الَّذِي هو: ”عَظِيمٌ“، فَهَذا اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، فَلَيْسَ فَصْلًا بِجُمْلَتَيِ اعْتِراضٍ لِقَوْلِهِ واللَّهُ أعْلَمُ: ﴿بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ وسَمّى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَدّى إلى واحِدٍ بِنَفْسِها، وإلى آخَرَ بِحَرْفِ الجَرِّ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ، وإثْباتُهُ هو الأصْلُ، يَقُولُ سَمَّيْتُ ابْنِي بِزَيْدٍ، وسَمَّيْتُهُ زَيْدًا. قالَ: ؎وسَمَّيْتُ كَعْبًا بِشْرَ العِظامِ وكانَ أبُوكَ يُسَمّى الجَعْلَ أيْ: وسُمِّيتُ بِكَعْبٍ، ويُسَمّى: بِالجَعْلِ، وهو بابٌ مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ، وفِيهِ خِلافٌ عَنِ الأخْفَشِ الصَّغِيرِ، وتَحْرِيرُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أتى خَبَرُ إنَّ، مُضارِعًا وهو: أُعِيذُها؛ لِأنَّ مَقْصُودَها دَيْمُومَةُ الِاسْتِعاذَةِ، والتَّكْرارُ بِخِلافِ: وضَعْتُها، وسَمَّيْتُها، فَإنَّهُما ماضِيانِ قَدِ انْقَطَعا، وقَدَّمَتْ ذِكْرَ المُعاذِ بِهِ عَلى المَعْطُوفِ عَلى الضَّمِيرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ذِكْرَ ذُرِّيَّتِها، ومُناجاتِها اللَّهَ بِالخِطابِ السّابِقِ، إنَّما هو وسِيلَةٌ إلى هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ، كَما يُقَدِّمُ الإنْسانُ بَيْنَ يَدَيْ مَقْصُودِهِ ما يَسْتَنْزِلُ بِهِ إحْسانَ مَن يَقْصِدُهُ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ بِالمَقْصُودِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ، مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ مِن بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وبِها يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ وابْنِها، فَإنَّ أُمَّها قالَتْ حِينَ وضَعَتْها: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . فَضُرِبَ بَيْنَهُما حِجابٌ فَطَعَنَ الشَّيْطانُ في الحِجابِ» . وقَدِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ هَذا الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ، والمَعْنى واحِدٌ. وطَعَنَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في هَذا الحَدِيثِ، قالَ: لِأنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ، وإنَّما (p-٤٤١)كانَ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَدْعُو إلى الشَّرِّ مَن يَعْرِفُ الشَّرَّ والخَيْرَ، والصَّبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، ولِأنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا المَسِّ لَفَعَلَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، مِن إهْلاكِ الصّالِحِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ خَصَّ فِيهِ مَرْيَمَ وابْنَها عِيسى دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ، ولِأنَّهُ لَوْ وجَدَ المَسَّ لَنُفِيَ أثَرُهُ، ولَوْ نُفِيَ لَدامَ الصُّراخُ والبُكاءُ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا بُطْلانَ هَذا الحَدِيثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما يُرْوى في الحَدِيثِ: «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إيّاهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها» . فاللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، فَإنْ صَحَّ فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطانُ في إغْوائِهِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها، فَإنَّهُما كانا مَعْصُومَيْنِ. وكَذَلِكَ كُلُّ مَن كانَ في صِفَتِهِما لِقَوْلِهِ: ﴿ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] واسْتِهْلالُهُ صارِخًا مِن مَسِّهِ، تَخْيِيلٌ وتَصْوِيرٌ؛ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأنَّهُ يَمَسُّهُ ويَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ، ويَقُولُ: هَذا مِمَّنْ أغْوِيهِ، ونَحْوُهُ مِنَ التَّخْيِيلِ، قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ: ؎لِما تُؤْذِنُ الدُّنْيا بِهِ مِن صُرُوفِها ∗∗∗ يَكُونُ بُكاءُ الطِّفْلِ ساعَةَ يُولَدُ وأمّا حَقِيقَةُ المَسِّ والنَّخْسِ، كَما يَتَوَهَّمُ أهْلُ الحَشْوِ فَكَلّا، ولَوْ سُلِّطَ إبْلِيسُ عَلى النّاسِ بِنَخْسِهِمْ؛ لامْتَلَأتِ الدُّنْيا صُراخًا وعِياطًا مِمّا يَبْلُونا بِهِ مِن نَخْسِهِ انْتَهى كَلامُهُ. وهو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ أهْلِ الِاعْتِزالِ، وقَدْ مَرَّ لَنا شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ فَتَقَبَّلَها بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ، ولَكِنْ ”قَبُولٍ“ مَحْمُولٌ عَلى: قَبِلَها قَبُولًا، يُقالُ: قَبِلَ الشَّيْءَ قَبُولًا، إذا رَضِيَهُ، والقِياسُ فِيهِ الضَّمُّ: كالدُّخُولِ والخُرُوجِ، ولَكِنَّهُ جاءَ بِالفَتْحِ، وأجازَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، ضَمَّ القافِ، ونَقَلَها ابْنُ الأعْرابِيِّ فَقالَ: قَبِلْتُهُ قَبُولًا وقُبُولًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ سَلَكَ بِها طَرِيقَ السُّعَداءِ، وقالَ قَوْمٌ: تَكَفَّلَ بِتَرْبِيَتِها والقِيامِ بِشَأْنِها. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَمْ يُعَذِّبْها ساعَةً قَطُّ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ ”تَقَبَّلَ“ بِمَعْنى ”اسْتَقْبَلَ“، فَيَكُونُ ”تَفَعَّلَ“ بِمَعْنى ”اسْتَفْعَلَ“، أيِ: اسْتَقْبَلَها رَبُّها، نَحْوَ: تَعَجَّلْتُ الشَّيْءَ فاسْتَعْجَلْتُهُ، وتَقَصَّيْتُ الشَّيْءَ واسْتَقْصَيْتُهُ، مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَقْبَلَ الأمْرَ أيْ: أخَذَهُ بِأوَّلِهِ. قالَ: ؎وخَيْرُ الأمْرِ ما اسْتَقْبَلْتَ مِنهُ ∗∗∗ ولَيْسَ بِأنْ تَتَبَّعَهُ اتِّباعا أيْ: أخَذَها في أوَّلِ أمْرِها حِينَ وُلِدَتْ. وقِيلَ: المَعْنى فَقَبِلَها أيْ: رَضِيَ بِها في النَّذْرِ، مَكانَ الذَّكَرِ في النَّذْرِ كَما نَذَرَتْ أُمُّها وسَنى لَها الأمَلُ في ذَلِكَ، وقَبِلَ دُعاءَها في قَوْلِها: فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ولَمْ تُقْبَلْ أُنْثى قَبْلَ مَرْيَمَ في ذَلِكَ، ويَكُونُ: تَفَعَّلَ، بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ نَحْوَ: تَعَجَّبَ وعَجِبَ، وتَبَرَّأ وبَرِئَ. والباءُ في: ”بِقَبُولٍ“، قِيلَ: زائِدَةٌ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ يَنْتَصِبُ انْتِصابَ المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ. والقَبُولُ: اسْمٌ لِما يُقْبَلُ بِهِ الشَّيْءُ: كالسَّعُوطِ واللَّدُودِ لِما يُسْعَطُ بِهِ ويَلِدُ، وهو اخْتِصاصُهُ لَها بِإقامَتِها مَقامَ الذَّكَرِ في النَّذْرِ، أوْ مَصْدَرٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ أيْ بِذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، أيْ بِأمْرٍ ذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، وهو الِاخْتِصاصُ. ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ عِبارَةٌ عَنْ حُسْنِ النَّشْأةِ، والجَوْدَةِ في خَلْقٍ وخَلْقٍ، فَأنْشَأها عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ صامَتْ مِنَ النَّهارِ، وقامَتِ اللَّيْلَ حَتّى أرْبَتْ عَلى الأحْبارِ. وقِيلَ: لَمْ تَجْرِ عَلَيْها خَطِيئَةٌ. قالَقَتادَةُ: حُدِّثْنا أنَّها كانَتْ لا تُصِيبُ الذُّنُوبَ كَما يُصِيبُ بَنُو آدَمَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ أيْ: جَعَلَ ثَمَرَتَها مِثْلَ عِيسى. وانْتَصَبَ: نَباتًا، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَنَبَتَتْ نَباتًا حَسَنًا، ويُقالُ: القَبُولُ: تَرْبِيَتُها عَلى نَعْتِ العِصْمَةِ حَتّى قالَتْ: ﴿أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] والنَّباتُ الحَسَنُ: الِاسْتِقامَةُ عَلى الطّاعَةِ، وإيثارُ رِضا اللَّهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ قالَ قَتادَةُ: ضَمَّها إلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَمِنَ (p-٤٤٢)القِيامَ بِها، ومِنَ القَبُولِ الحَسَنِ والنَّباتِ الحَسَنِ أنْ جَعَلَ تَعالى كافِلَها والقَيِّمَ بِأمْرِها وحِفْظِها نَبِيًّا. أوْحى اللَّهُ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا رَأيْتَ لِي طالِبًا فَكُنْ لَهُ خادِمًا. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: وكَفَّلَها، بِتَشْدِيدِ الفاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتَخْفِيفِها. وأُبَيٌّ: وأكْفَلَها، ومُجاهِدٌ: فَتَقَبَّلْها؛ بِسُكُونِ اللّامِ، رَبَّها، بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ، وأنْبِتْها: بِكَسْرِ الباءِ، وسُكُونِ التّاءِ، وكَفِّلْها: بِكَسْرِ الفاءِ مُشَدَّدَةً، وسُكُونِ اللّامِ عَلى الدُّعاءِ مِن أُمِّ مَرْيَمَ، لِمَرْيَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ المُزَنِيُّ: وكَفِلَها، بَكَسْرِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ يُقالُ: كَفِلَ يَكْفَلُ وكَفَلَ يَكْفُلُ، كَعَلِمَ يَعْلَمُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: ”زَكَرِيّا“، مَقْصُورًا، وباقِي السَّبْعَةِ مَمْدُودًا. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ اللُّغاتِ فِيهِ. رُوِيَ أنَّ حَنَّةَ حِينَ ولَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْها في خِرْقَةٍ، وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ فَوَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ أبْناءِ هارُونَ، وهم في بَيْتِ المَقْدِسِ كالحَجَبَةِ في الكَعْبَةِ، فَقالَتْ لَهم: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةُ فَتَنافَسُوا فِيها؛ لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، وكانَتْ بَنُو ماثانَ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ، وأحْبارَهم ومُلُوكَهم، فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها، عِنْدِي خالَتُها. فَقالُوا: لا، حَتّى نَقْتَرِعَ عَلَيْها. فانْطَلَقُوا، وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ، إلى نَهْرٍ. قِيلَ: هو نَهْرُ الأُرْدُنْ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: في عَيْنِ ماءٍ كانَتْ هُناكَ، فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهم، فارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيّا، ورَسَبَتْ أقْلامُهم فَتَكَفَّلَها. قِيلَ: واسْتَرْضَعَ لَها. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْقَوْا أقْلامَهم فَجَرى قَلَمُ زَكَرِيّا عَكْسَ جَرْيَةِ الماءِ، ومَضَتْ أقْلامُهم مَعَ جَرْيَةِ الماءِ. وقِيلَ: عامَتْ مَعَ الماءِ مَعْرُوضَةً، وبَقِيَ قَلَمُ زَكَرِيّا واقِفًا، كَأنَّما رَكَزَ في طِينٍ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ زَكَرِيّا كانَ تَزَوَّجَ خالَتَها؛ لِأنَّهُ وعِمْرانَ كانا سِلْفَيْنِ عَلى أُخْتَيْنِ، ولَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ووَلَدَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ مَرْيَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، وغَيْرُهُ: كانَ زَكَرِيّا تَزَوَّجَ ابْنَةً أُخْرى لِعِمْرانَ. ويُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ، «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في يَحْيى وعِيسى: ابْنا الخالَةِ» . وقِيلَ: إنَّما كَفَلَها لِأنَّ أُمَّها هَلَكَتْ، وكانَ أبُوها قَدْ هَلَكَ وهي في بَطْنِ أُمِّها. وقِيلَ: كانَ زَكَرِيّا ابْنَ عَمِّها، وكانَتْ أُخْتُها تَحْتَهُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: تَرَعْرَعَتْ وأصابَ بَنِي إسْرائِيلَ مَجاعَةٌ، فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: إنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ إنْفاقِ مَرْيَمَ، فاقْتَرَعُوا عَلى مَن يَكْفُلُها، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ، فَجَعَلَ يُنْفِقُ عَلَيْها، وهَذا اسْتِهامٌ غَيْرُ الأوَّلِ، هَذا المُرادُ مِنهُ دَفَعَها لِلْإنْفاقِ عَلَيْها، والأوَّلُ المُرادُ مِنهُ: أخَذَها، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ زَكَرِيّا قَدْ كَفَلَها مِن لَدُنِ الطُّفُولَةِ دُونَ اسْتِهامٍ، والَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّ زَكَرِيّا إنَّما كَفَلَها بِالِاسْتِهامِ، ولَمْ يَدُلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ غَيْرَ زَكَرِيّا كَفَلَها، وكانَ زَكَرِيّا أوْلى بِكَفالَتِها؛ لِأنَّهُ مِن أقْرِبائِها مِن جِهَةِ أبِيها، ولِأنَّ خالَتَها أوْ أُخْتَها تَحْتَهُ، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ، ولِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا، فَهو أوْلى بِها لِعِصْمَتِهِ. وزَكَرِيّا هو ابْنُ أذْنِ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وذَكَرَ النَّقِيبُ أبُو البَرَكاتِ الجَوّانِيُّ النَّسّابَةُ: أنَّ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، واليَسَعَ، وإلْياسَ، والعُزَيْرَ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَلا يَكُونُ عَلى هَذا زَكَرِيّا مِن ولَدِ سُلَيْمانَ، ولا يَكُونُ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ، لِأنَّ مَرْيَمَ مِن ذُرِّيَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُلَيْمانُ مِن يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، و مُوسى و هارُونُ بْنُ لاوى بْنِ يَعْقُوبَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ضَمَّها إلى خالَتِها أُمِّ يَحْيى، حَتّى إذا شَبَّتْ، وبَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّساءِ، بَنى لَها مِحْرابًا في المَسْجِدِ، وجَعَلَ بابَهُ في وسَطِهِ لا يُرْقى إلَيْهِ إلّا بِسُلَّمٍ، مِثْلَ بابِ الكَعْبَةِ، ولا يَصْعَدُ إلَيْها غَيْرُهُ. وقِيلَ: كانَ يُغْلِقُ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ إذا خَرَجَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ يُغْلِقُ عَلَيْها البابَ ومَعَهُ المِفْتاحُ، لا يَأْمَنُ عَلَيْهِ أحَدًا، فَإذا حاضَتْ أخْرَجَها إلى مَنزِلَهِ تَكُونُ مَعَ خالَتِها أُمِّ يَحْيى أوْ أُخْتِها، فَإذا طَهُرَتْ رَدَّها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: كانَتْ مُطَهَّرَةً مِنَ الحَيْضِ. ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: وجَدَ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وقالَ الحَسَنُ: تَكَلَّمَتْ في المَهْدِ، ولَمْ تُلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ، وإنَّما كانَتْ يَأْتِيها (p-٤٤٣)رِزْقُها مِنَ الجَنَّةِ. والَّذِي ورَدَ في الصَّحِيحِ «أنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ في المَهْدِ ثَلاثَةٌ: عِيسى، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وابْنُ المَرْأةِ»، ووَرَدَ مِن طَرِيقٍ شاذٍّ: صاحِبُ الأُخْدُودِ. والأغْرَبُ أنَّ مَرْيَمَ مِنهم. وقِيلَ: كانَ جُرَيْجٌ النَّجّارُ، واسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ حِينَ كَفَلَها بِالقُرْعَةِ، وقَدْ ضَعُفَ زَكَرِيّا عَنِ القِيامِ بِها، يَأْتِيها مِن كَسْبِهِ بِشَيْءٍ لَطِيفٍ عَلى قَدْرِ وُسْعِهِ، فَيَزْكُو ذَلِكَ الطَّعامُ ويَكْثُرُ، فَيَدْخُلُ زَكَرِيّا عَلَيْها فَيَتَحَقَّقُ أنَّهُ لَيْسَ مِن وُسْعِ جُرَيْجٍ، فَيَسْألُها. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ أنْ كَبُرَتْ، وهو الأقْرَبُ لِلصَّوابِ. وقِيلَ: كانَتْ تُرْزَقُ مِن غَيْرِ رِزْقِ بِلادِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عِنَبًا في مِكْتَلٍ، ولَمْ يَكُنْ في تِلْكَ البِلادِ عِنَبٌ، وقالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: كانَ بَعْضُ الصّالِحِينَ يَأْتِيها بِالرِّزْقِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الَّذِي كَفَلَها بِالتَّرْبِيَةِ هو زَكَرِيّا لا غَيْرُهُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى كَفاهُ لَمّا كَفَلَها مُؤْنَةَ رِزْقِها، ووَضَعَ عَنْهُ بِحُسْنِ التَّكَفُّلِ مَشَقَّةَ التَّكَلُّفِ. وكُلَّما: تَقْتَضِي التَّكْرارَ، فَيَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ تَعَهُّدِهِ وتَفَقُّدِهِ لِأحْوالِها. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُودِ الرِّزْقِ عِنْدَها كُلَّ وقْتٍ يَدْخُلُ عَلَيْها، والمَعْنى: أنَّهُ غِذاءٌ يُتَغَذّى بِهِ لَمْ يَعْهَدْهُ عِنْدَها، ولَمْ يُوَجِّهْهُ هو. وأبْعَدَ مَن فَسَّرَ الرِّزْقَ هُنا بِأنَّهُ فَيْضٌ كانَ يَأْتِيها مِنَ اللَّهِ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ آدَمِيٍّ، فَسَمّاهُ رِزْقًا. قالَ الرّاغِبُ: واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ، انْتَهى. وهَذا شَبِيهٌ بِتَفْسِيرِ الباطِنِيَّةِ. ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ اسْتَغْرَبَ زَكَرِيّا وُجُودَ الرِّزْقِ عِنْدَها، وهو لَمْ يَكُنْ أتى بِهِ، وتَكَرَّرَ وُجُودُهُ عِنْدَها كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها، فَسَألَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن وُصُولِ الرِّزْقِ إلَيْها، وكَيْفَ أتى هَذا الرِّزْقُ ؟ وأنّى: سُؤالٌ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، وعَنِ المَكانِ، وعَنِ الزَّمانِ، والأظْهَرُ أنَّهُ: سُؤالٌ عَنِ الجِهَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن أيِّ جِهَةٍ لَكِ هَذا الرِّزْقُ ؟ ولِذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ مِن أيْنَ ؟ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ سُؤالًا عَنِ الكَيْفِيَّةِ، أيْ: كَيْفَ تَهَيَّأ وُصُولُ هَذا الرِّزْقِ إلَيْكِ ؟ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎أنّى ومِن أيْنَ أتاكَ الطَّرَبُ ∗∗∗ مِن حَيْثُ لا صَبْوَةٌ ولا طَرَبُ وجَوابُها سُؤالَهُ بِأنَّهُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ آدَمِيٌّ ألْبَتَّةَ، بَلْ هو رِزْقٌ يَتَعَهَّدُنِي بِهِ اللَّهُ - تَعالى - . وظاهِرُهُ أنَّهُ كانَ يَسْألُ كُلَّما وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا؛ لِأنَّ مِنَ الجائِزِ في الفِعْلِ أنْ يَكُونَ هَذا الثّانِي مِن جِهَةٍ غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، فَتُجِيبُهُ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتُحِيلُهُ عَلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، ومُبْرِزِ الأشْياءِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ إلى الوُجُودِ المَحْضِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَرِيحُ قَلْبُ زَكَرِيّا بِكَوْنِهِ لَمْ يَسْبِقْهُ أحَدٌ إلى تَعَهُّدِ مَرْيَمَ، وبِكَوْنِهِ يَشْهَدُ مَقامًا شَرِيفًا، واعْتِناءً لَطِيفًا بِمَنِ اخْتارَها اللَّهُ تَعالى بِأنْ جَعَلَها في كَفالَتِهِ. وهَذا الخارِقُ العَظِيمُ قِيلَ: هو بِدَعْوَةِ زَكَرِيّا لَها بِالرِّزْقِ، فَيَكُونُ مِن خَصائِصَ زَكَرِيّا، وقِيلَ: كانَ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّةِ ولَدِها عِيسى. وهَذانِ القَوْلانِ شَبِيهانِ بِأقْوالِ المُعْتَزِلَةِ؛ حَيْثُ يَنْفُونَ وُجُودَ الخارِقِ عَلى يَدِ غَيْرِ النَّبِيِّ، إلّا إنْ كانَ ذَلِكَ في زَمانِ نَبِيٍّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ. والظّاهِرُ أنَّها كَرامَةٌ خَصَّ اللَّهُ بِها مَرْيَمَ، ولَوْ كانَ خارِقًا لِأجْلِ زَكَرِيّا لَمْ يَسْألْ عَنْهُ زَكَرِيّا، وأمّا كَوْنُ ذَلِكَ لِأجْلِ نُبُوَّةِ عِيسى، فَهو كانَ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الخارِقُ مِنَ الآيَةِ الَّتِي قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وقالَ الجُبّائِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن مُعْجِزاتِ زَكَرِيّا، دَعا لَها عَلى الإجْمالِ. لِأنْ يُوَصِّلَ لَها رِزْقَها، ورُبَّما غَفَلَ عَنْ تَفاصِيلِ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأى شَيْئًا مُعَيَّنًا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، سَألَ عَنْهُ، فَعَلِمَ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ، فَدَعا بِهِ أوْ سَألَ عَنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ الآتِي بِهِ إنْسانًا، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ، وسَألَ لِئَلّا يَكُونَ عَلى وجْهٍ لا يَنْبَغِي. ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والظّاهِرُ أنَّها مِن كَلامِ مَرْيَمَ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ مِن كَلامِ مَرْيَمَ، وأنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ . «ورَوى جابِرٌ حَدِيثًا مُطَوَّلًا فِيهِ تَكْثِيرُ الخُبْزِ، واللَّحْمِ عَلى سَبِيلِ (p-٤٤٤)خَرْقِ العادَةِ، لِفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَألَها: مِن أيْنَ لَكِ هَذا ؟ فَقالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ. فَحَمِدَ اللَّهَ، وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةً بِسَيِّدَةِ نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ» . قِيلَ: وفي هَذِهِ الآياتِ أنْواعٌ مِنَ الفَصاحَةِ. العُمُومُ، الَّذِي يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في قَوْلِهِ: عَلى العالَمِينَ، والِاخْتِصاصُ في قَوْلِهِ: آدَمَ، ونُوحًا، وآلَ إبْراهِيمَ، وآلَ عِمْرانَ. وإطْلاقُ اسْمِ الفَرْعِ عَلى الأصْلِ، والمُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، في قَوْلِهِ: ”ذَرِّيَّةً“، فِيمَن قالَ المُرادُ: الآباءُ، والإبْهامُ في قَوْلِهِ: ما في بَطْنِي، لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْها الِاطِّلاعُ عَلى ما في بَطْنِها، أتَتْ بِلَفْظِ: ما، الَّذِي يَصْدُقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، والتَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] والخَبَرُ الَّذِي يُرادُ بِهِ الِاعْتِذارُ في قَوْلِها: وضَعْتُها أُنْثى، والِاعْتِراضُ في قَوْلِهِ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ، في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ التّاءَ، أوْ كَسَرَها، وتَلْوِينُ الخِطابِ، ومَعْدُولِهِ في قَوْلِهِ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتِ، في قِراءَةِ مَن كَسَرَ التّاءَ، خَرَجَ مِن خِطابِ الغَيْبَةِ، في قَوْلِها: فَلَمّا وضَعَتْها، إلى خِطابِ المُواجَهَةِ في قَوْلِهِ: بِما وضَعْتِ، والتَّكْرارُ في: وأنِّي، وفي: زَكَرِيّا، وزَكَرِيّا، وفي: مِن عِنْدِ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ، وأنْبَتَها نَباتًا، وفي: رِزْقًا ويَرْزُقُ، والإشارَةُ، وهو أنْ يُعَبِّرَ بِاللَّفْظِ الظّاهِرِ عَنِ المَعْنى الخَفِيِّ، في قَوْلِهِ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، أيْ هو رِزْقٌ لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا اللَّهُ. وفي قَوْلِهِ: رِزْقًا، أتى بِهِ مُنَكَّرًا مُشِيرًا إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، بَلْ مِن أجْناسٍ كَثِيرَةٍ، لِأنَّ النَّكِرَةَ تَقْتَضِي الشُّيُوعَ والكَثْرَةَ. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ لا يَصِحُّ المَعْنى إلّا بِاعْتِبارِها. ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ أصْلُ: هُنالِكَ، أنْ يَكُونَ إشارَةً لِلْمَكانِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ، وقِيلَ بِهِما في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ في ذَلِكَ المَكانِ دَعا زَكَرِيّا، أوْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمّا رَأى هَذا الخارِقَ العَظِيمَ لِمَرْيَمَ، وأنَّها مِمَّنِ اصْطَفاها اللَّهُ، ارْتاحَ إلى طَلَبِ الوَلَدِ، واحْتاجَ إلَيْهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، ولِأنْ يَرِثَ مِنهُ ومِن آلِ يَعْقُوبَ، كَما قَصَّهُ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ، ولَمْ يَمْنَعْهُ مِن طَلَبِهِ كَوْنُ امْرَأتِهِ عاقِرًا، إذْ رَأى مِن حالِ مَرْيَمَ أمْرًا خارِجًا عَنِ العادَةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ولَدًا مَعَ كَوْنِ امْرَأتِهِ كانَتْ عاقِرًا، إذْ كانَتْ حَنَّةُ قَدْ رُزِقَتْ مَرْيَمَ بَعْدَما أيِسَتْ مِنَ الوُلْدِ. وانْتِصابُ: هُنالِكَ، بِقَوْلِهِ: دَعا، ووَقَعَ في تَفْسِيرِ السَّجاوَنْدِيِّ: أنَّ هُناكَ في المَكانِ، وهُنالِكَ في الزَّمانِ، وهو وهْمٌ، بَلِ الأصْلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ سَواءٌ اتَّصَلَتْ بِهِ اللّامُ والكافُ، أوِ الكافُ فَقَطْ، أوْ لَمْ يَتَّصِلا. وقَدْ يَتَجَوَّزُ بِها عَنِ المَكانِ إلى الزَّمانِ، كَما أنَّ أصْلَ عِنْدَ، أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ، ثُمَّ يَتَجَوَّزُ بِها لِلزَّمانِ، كَما تَقُولُ: آتِيكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. قِيلَ: واللّامُ في: هُنالِكَ، دَلالَةٌ عَلى بُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ، فَإنَّهُ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ دُعائِهِ، وإجابَتِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً. وقِيلَ: دَخَلَتِ اللّامُ لِبُعْدِ مَنالِ هَذا الأمْرِ؛ لِكَوْنِهِ خارِقًا لِلْعادَةِ، كَما أُدْخِلَ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] لِبُعْدِ مَنالِهِ، وعِظَمِ ارْتِفاعِهِ، وشَرَفِهِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: كانَتْ نَفْسُهُ تُحَدِّثُهُ بِأنْ يَهِبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا يَبْقى بِهِ الذِّكْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدْعُو مُراعاةً لِلْأدَبِ، إذِ الأدَبُ أنْ لا يَدْعُوَ لِمُرادٍ إلّا فِيما هو مُعْتادُ الوُجُودِ، وإنْ كانَ اللَّهُ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمّا رَأى عِنْدَها ما هو ناقِضٌ لِلْعادَةِ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى الدُّعاءِ في طَلَبِ الوَلَدِ غَيْرِ المُعْتادِ انْتَهى. وقَوْلُهُ: كانَتْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ دَعا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنْ يَتَوَخّى العَبْدُ بِدُعائِهِ الأمْكِنَةَ المُبارَكَةَ، والأزْمِنَةَ المُشَرَّفَةَ. ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ شَرْحٌ لِلدُّعاءِ، وتَفْسِيرٌ لَهُ، وناداهُ بِلَفْظِ: رَبِّ؛ إذْ هو مُرَبِّيهِ ومُصْلِحُ حالِهِ، وجاءَ الطَّلَبُ بِلَفْظِ: ”هَبْ“، لِأنَّ الهِبَةَ إحْسانٌ مَحْضٌ لَيْسَ في مُقابَلَتِها شَيْءٌ يَكُونُ عِوَضًا لِلْواهِبِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَكادُ يَكُونُ عَلى سَبِيلِ ما لا تَسَبُّبَ فِيهِ: لا مِنَ الوالِدِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، ولا مِنَ الوالِدَةِ لِكَوْنِها عاقِرًا لا تَلِدُ، فَكانَ وجُودُهُ كالوُجُودِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، أتى هِبَةً مَحْضَةً مَنسُوبَةً إلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: مِن لَدُنْكَ، أيْ: مِن جِهَةِ مَحْضِ قُدْرَتِكَ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ. وتَقَدَّمَ أنَّ: (p-٤٤٥)لَدُنْ، لِما قَرُبَ، وعِنْدَ: لِما قَرُبَ ولِما بَعُدَ، وهي أقَلُّ إبْهامًا مِن لَدُنْ، ألا تَرى أنَّ عِنْدَ، تَقَعُ جَوابًا لِـ ”أيْنَ“، ولا تَقَعُ لَهُ جَوابًا لَدُنْ ؟ . (ومِن لَدُنْكَ) مُتَعَلِّقٌ: بِهَبْ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِن: ”ذَرِّيَّةً“؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، فَعَلى هَذا تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والذُّرِّيَّةُ: جِنْسٌ يَقَعُ عَلى واحِدٍ، فَأكْثَرَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ هُنا واحِدًا؛ دَلِيلُ ذَلِكَ طَلَبُهُ ولِيًّا، ولَمْ يَطْلُبْ أوْلِياءَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيما قالَهُ الطَّبَرِيُّ تَعَقُّبٌ، وإنَّما الذُّرِّيَّةُ والوَلِيُّ اسْما جِنْسٍ يَقَعانِ لِلْواحِدِ فَما زادَ، وهَكَذا كانَ طَلَبُ زَكَرِيّا انْتَهى. وفَسَّرَ: طَيِّبَةً، بِأنْ تَكُونَ سَلِيمَةً في الخُلُقِ وفي الدِّينِ تَقِيَّةً. وقالَ الرّاغِبُ: صالِحَةً، واسْتِعْمالُ الصّالِحِ في الطَّيِّبِ كاسْتِعْمالِ الخَبِيثِ في ضِدِّهِ، عَلى أنَّ في الطَّيِّبِ زِيادَةَ مَعْنًى عَلى الصّالِحِ. وقِيلَ: أرادَ: بِطَيِّبَةٍ، أنَّها تَبْلُغُ في الدِّينِ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ، فَإنْ كانَ أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ مَدْلُولَها مِن كَوْنِها اسْمَ جِنْسٍ، ولَمْ يُقَيَّدْ بِالوَحْدَةِ، فَوَصَفَها بِطَيِّبَةٍ، واضِحٌ وإنْ كانَ أرادَ ذَكَرًا واحِدًا، فَأنَّثَ لِتَأْنِيثِ اللَّفْظِ، كَما قالَ: ؎أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ سُكاتٍ إذا ما عَضَّ لَيْسَ بأدْرَدا وكَما قالَ: ؎أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ وفِي قَوْلِهِ: ﴿هَبْ لِي﴾ دَلالَةٌ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ الصّالِحِ، والدُّعاءِ بِحُصُولِهِ، وهي سُنَّةُ المُرْسَلِينَ والصِّدِّيقِينَ والصّالِحِينَ. ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لَمّا دَعا رَبَّهُ بِأنَّهُ يَهِبُ لَهُ ولَدًا صالِحًا، أخْبَرَ بِأنَّهُ تَعالى مُجِيبُ الدُّعاءِ. ولَيْسَ المَعْنى عَلى السَّماعِ المَعْهُودِ، بَلْ مِثْلُ قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. عَبَّرَ بِالسَّماعِ عَنِ الإجابَةِ إلى المَقْصِدِ، واقْتَفى في ذَلِكَ جَدَّهُ الأعْلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ ورَزَقَهُ عَلى الكِبَرِ، كَما رَزَقَ إبْراهِيمَ عَلى الكِبَرِ، وكانَ قَدْ تَعَوَّدَ مِنَ اللَّهِ إجابَةَ دُعائِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] ؟ . قِيلَ: وذَكَرَ تَعالى في كَيْفِيَّةِ دُعائِهِ ثَلاثَ صِيَغٍ: أحَدُهُا: هَذا، والثّانِي: ﴿إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] إلى آخِرِهِ. والثّالِثُ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] فَدَلَّ عَلى أنَّ الدُّعاءَ تَكَرَّرَ مِنهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، بِهَذِهِ الثَّلاثِ الصِّيَغِ، ودَلَّ عَلى أنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ زَمانًا انْتَهى. ولا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تَكْرِيرُ الدُّعاءِ، كَما قِيلَ: لِأنَّهُ حالَةُ الحِكايَةِ قَدْ يَكُونُ حُكِيَ في قَوْلِهِ ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء: ٨٩] عَلى سَبِيلِ الإيجازِ، وفي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى سَبِيلِ الإسْهابِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ. وهَذِهِ الحِكايَةُ في هَذِهِ الصِّيَغِ إنَّما هي بِالمَعْنى، إذْ لَمْ يَكُنْ لِسانُهم عَرَبِيًّا، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ دُعاءٌ واحِدٌ مُتَعَقَّبٌ بِالتَّبْشِيرِ، العَطْفُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] وفي قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] وظاهِرُ قَوْلِهِ في مَرْيَمَ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧] اعْتِقابُ التَّبْشِيرِ الدُّعاءُ لا تَأخُّرُهُ عَنْهُ.

آل عمران 3:37

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ويَعْقُوبُ: بِضَمِّ التّاءِ، ويَكُونُ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ أُمِّ مَرْيَمَ، وكَأنَّها خاطَبَتْ نَفْسَها بِقَوْلِها: واللَّهُ أعْلَمُ. ولَمْ تَأْتِ عَلى لَفْظِ: رَبِّ، إذْ لَوْ أتَتْ عَلى لَفْظِهِ، لَقالَتْ: وأنْتَ أعْلَمُ بِما وضَعْتُ. ولَكِنْ خاطَبَتْ نَفْسَها عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ عَنِ الذَّكَرِ، وأنَّ عِلْمَ اللَّهِ وسابِقَ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ التَّحَسُّرِ والتَّحَذُّرِ عَلى ما فاتَنِي مِنَ المَقْصِدِ، إذْ مُرادُهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرادَ، ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبْتُهُ ورَجَوْتُهُ مِثْلَ الأُنْثى الَّتِي عَلِمَها وأرادَها وقَضى بِها. ولَعَلَّ هَذِهِ الأُنْثى تَكُونُ خَيْرًا مِنَ الذَّكَرِ، إذْ أرادَها اللَّهُ، سَلَّتْ بِذَلِكَ نَفْسَها. وتَكُونُ الألِفُ واللّامُ في ”الذَّكَرُ“، لِلْعَهْدِ فَيَكُونُ مَقْصُودُها تَرْجِيحَ هَذِهِ الأُنْثى الَّتِي هي مَوْهُوبَةُ اللَّهِ عَلى ما كانَ قَدْ رَجَتْ مِن أنَّهُ يَكُونُ ذَكَرًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودُها، أنَّهُ لَيْسَ كالأُنْثى في الفَضْلِ والدَّرَجَةِ والمَزِيَّةِ؛ لِأنَّ الذَّكَرَ يَصْلُحُ لِلتَّحْرِيرِ، والِاسْتِمْرارِ عَلى خِدْمَةِ مَوْضِعِ العِبادَةِ، ولِأنَّهُ أقْوى عَلى الخِدْمَةِ، ولا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ في الخِدْمَةِ والِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ ولا تُهْمَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كالأُنْثى، في امْتِناعِ نَذْرِهِ إذِ الأُنْثى تَحِيضُ ولا تَصْلُحُ لِصُحْبَةِ الرُّهْبانِ ؟ قالَهُ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهم. وبَدَأتْ بِذِكْرِ الأهَمِّ في نَفْسِها، وإلّا فَسِياقُ الكَلامِ أنْ تَقُولَ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ، فَتَضَعُ حَرْفَ النَّفْيِ مَعَ الشَّيْءِ الَّذِي عِنْدَها، وانْتَفَتْ عَنْهُ صِفاتُ الكَمالِ لِلْغَرَضِ المُرادِ انْتَهى. وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ تَكُونُ الألِفُ واللّامُ في: ”الذَّكَرُ“، لِلْجِنْسِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِما وضَعَتْ، بِتاءِ التَّأْنِيثِ السّاكِنَةِ، عَلى أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ أعْلَمُ بِالَّذِي وضَعَتْهُ. أيْ: بِحالِهِ، وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ هَذِهِ الأُنْثى، فَإنَّ قَوْلَها: وضَعْتُها أُنْثى، يَدُلُّ عَلى أنَّها لَمْ تَعْلَمْ مِن حالِها إلّا عَلى هَذا القَدْرِ مِن كَوْنِ هَذِهِ النَّسَمَةِ جاءَتْ أُنْثى لا تَصْلُحُ لِلتَّحْرِيرِ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ أعْلَمُ بِهَذِهِ المَوْضُوعَةِ، فَأتى بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعِلْمِ بِتَفاصِيلِ الأحْوالِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِهَذِهِ المَوْضُوعَةِ، والإعْلامُ بِما عَلِقَ بِها وبِابْنِها مِن عَظِيمِ الأُمُورِ، إذْ جَعَلَها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ. ووالِدَتُها جاهِلَةٌ بِذَلِكَ لا تَعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما وضَعْتِ، بِكَسْرِ تاءِ الخِطابِ، خاطَبَها اللَّهُ بِذَلِكَ أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذِهِ المَوْهُوبَةِ، وما عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن عِظَمِ شَأْنِها وعُلُوِّ قَدْرِها. وما: مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي أوِ الَّتِي، وأتى بِلَفْظِ ما، كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥] والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ عَلى كُلِّ قِراءَةٍ. ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ مَرْيَمُ في لُغَتِهِمْ مَعْناهُ: العابِدَةُ، أرادَتْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ التَّفاؤُلَ لَها بِالخَيْرِ، والتَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ - تَعالى -، والتَّضَرُّعَ إلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِاسْمِها، وأنْ تَصْدُقَ فِيها ظَنَّها بِها. ألا تَرى إلى إعاذَتِها بِاللَّهِ، وإعاذَةِ ذُرِّيَّتِها مِنَ الشَّيْطانِ ؟ وخاطَبَتِ اللَّهَ بِهَذا الكَلامِ لِتَرَتُّبِ الِاسْتِعاذَةِ عَلَيْهِ، واسْتِبْدادُها بِالتَّسْمِيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أباها عِمْرانَ كانَ قَدْ ماتَ، كَما نُقِلَ أنَّهُ ماتَ وهي حامِلٌ، عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ مِن حَيْثُ هي أُنْثى أنْ تَسْتَبِدَّ الأُمُّ (p-٤٤٠)بِالتَّسْمِيَةِ لِكَراهَةِ الرِّجالِ البَناتِ، وفي الآيَةِ تَسْمِيَةُ الطِّفْلِ قُرْبَ الوِلادَةِ، وفي الحَدِيثِ: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ باسِمِ أبِي إبْراهِيمَ» . وفي الحَدِيثِ أنَّهُ: «يُعَقُّ عَنِ المَوْلُودِ في السّابِعِ ويُسَمّى» . وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِن كَلامِها، وهي كُلُّها داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: بِما وضَعْتُ، بِضَمِّ التّاءِ. وأمّا مَن قَرَأ: بِما وضَعَتْ، بِسُكُونِ التّاءِ، أوْ بِالكَسْرِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مَعْطُوفَةٌ عَلى: إنِّي وضَعْتُها أُنْثى، وما بَيْنَهُما جُمْلَتانِ مُعْتَرِضانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ مِن أنَّهُما جُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَهُ ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ في هَذِهِ القِراءَةِ مِن كَلامِها، ويَكُونُ المُعْتَرِضُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَما كانَ مِن كَلامِها في قِراءَةِ مَن قَرَأ: وضَعْتُ، بِضَمِّ التّاءِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا المُتَعَيَّنُ لِثُبُوتِ كَوْنِهِ مِن كَلامِها في هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ في اعْتِراضِ جُمْلَتَيْنِ خِلافًا لِمَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ: أنَّهُ لا يَعْتَرِضُ جُمْلَتانِ وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. وأيْضًا تَشْبِيهُهُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اعْتُرِضَ بِهِما بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَلى زَعْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] لَيْسَ تَشْبِيهًا مُطابِقًا لِلْآيَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَعْتَرِضْ جُمْلَتانِ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ، بَلِ اعْتَرَضَ بَيْنَ القَسَمِ الَّذِي هو: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وجَوابِهِ الَّذِي هو: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] بِجُمْلَةٍ واحِدَةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] لَكِنَّهُ جاءَ في جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ بَيْنَ بَعْضِ أجْزائِهِ وبَعْضٍ، اعْتِراضٌ بِجُمْلَةٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٧٦] اعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ المَنعُوتِ الَّذِي هو: ”لَقَسَمٌ“، وبَيْنَ نَعْتِهِ الَّذِي هو: ”عَظِيمٌ“، فَهَذا اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، فَلَيْسَ فَصْلًا بِجُمْلَتَيِ اعْتِراضٍ لِقَوْلِهِ واللَّهُ أعْلَمُ: ﴿بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ وسَمّى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَدّى إلى واحِدٍ بِنَفْسِها، وإلى آخَرَ بِحَرْفِ الجَرِّ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ، وإثْباتُهُ هو الأصْلُ، يَقُولُ سَمَّيْتُ ابْنِي بِزَيْدٍ، وسَمَّيْتُهُ زَيْدًا. قالَ: ؎وسَمَّيْتُ كَعْبًا بِشْرَ العِظامِ وكانَ أبُوكَ يُسَمّى الجَعْلَ أيْ: وسُمِّيتُ بِكَعْبٍ، ويُسَمّى: بِالجَعْلِ، وهو بابٌ مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ، وفِيهِ خِلافٌ عَنِ الأخْفَشِ الصَّغِيرِ، وتَحْرِيرُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أتى خَبَرُ إنَّ، مُضارِعًا وهو: أُعِيذُها؛ لِأنَّ مَقْصُودَها دَيْمُومَةُ الِاسْتِعاذَةِ، والتَّكْرارُ بِخِلافِ: وضَعْتُها، وسَمَّيْتُها، فَإنَّهُما ماضِيانِ قَدِ انْقَطَعا، وقَدَّمَتْ ذِكْرَ المُعاذِ بِهِ عَلى المَعْطُوفِ عَلى الضَّمِيرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ذِكْرَ ذُرِّيَّتِها، ومُناجاتِها اللَّهَ بِالخِطابِ السّابِقِ، إنَّما هو وسِيلَةٌ إلى هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ، كَما يُقَدِّمُ الإنْسانُ بَيْنَ يَدَيْ مَقْصُودِهِ ما يَسْتَنْزِلُ بِهِ إحْسانَ مَن يَقْصِدُهُ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ بِالمَقْصُودِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ، مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ مِن بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وبِها يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ وابْنِها، فَإنَّ أُمَّها قالَتْ حِينَ وضَعَتْها: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . فَضُرِبَ بَيْنَهُما حِجابٌ فَطَعَنَ الشَّيْطانُ في الحِجابِ» . وقَدِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ هَذا الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ، والمَعْنى واحِدٌ. وطَعَنَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في هَذا الحَدِيثِ، قالَ: لِأنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ، وإنَّما (p-٤٤١)كانَ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَدْعُو إلى الشَّرِّ مَن يَعْرِفُ الشَّرَّ والخَيْرَ، والصَّبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، ولِأنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا المَسِّ لَفَعَلَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، مِن إهْلاكِ الصّالِحِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ خَصَّ فِيهِ مَرْيَمَ وابْنَها عِيسى دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ، ولِأنَّهُ لَوْ وجَدَ المَسَّ لَنُفِيَ أثَرُهُ، ولَوْ نُفِيَ لَدامَ الصُّراخُ والبُكاءُ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا بُطْلانَ هَذا الحَدِيثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما يُرْوى في الحَدِيثِ: «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إيّاهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها» . فاللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، فَإنْ صَحَّ فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطانُ في إغْوائِهِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها، فَإنَّهُما كانا مَعْصُومَيْنِ. وكَذَلِكَ كُلُّ مَن كانَ في صِفَتِهِما لِقَوْلِهِ: ﴿ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] واسْتِهْلالُهُ صارِخًا مِن مَسِّهِ، تَخْيِيلٌ وتَصْوِيرٌ؛ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأنَّهُ يَمَسُّهُ ويَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ، ويَقُولُ: هَذا مِمَّنْ أغْوِيهِ، ونَحْوُهُ مِنَ التَّخْيِيلِ، قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ: ؎لِما تُؤْذِنُ الدُّنْيا بِهِ مِن صُرُوفِها ∗∗∗ يَكُونُ بُكاءُ الطِّفْلِ ساعَةَ يُولَدُ وأمّا حَقِيقَةُ المَسِّ والنَّخْسِ، كَما يَتَوَهَّمُ أهْلُ الحَشْوِ فَكَلّا، ولَوْ سُلِّطَ إبْلِيسُ عَلى النّاسِ بِنَخْسِهِمْ؛ لامْتَلَأتِ الدُّنْيا صُراخًا وعِياطًا مِمّا يَبْلُونا بِهِ مِن نَخْسِهِ انْتَهى كَلامُهُ. وهو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ أهْلِ الِاعْتِزالِ، وقَدْ مَرَّ لَنا شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ فَتَقَبَّلَها بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ، ولَكِنْ ”قَبُولٍ“ مَحْمُولٌ عَلى: قَبِلَها قَبُولًا، يُقالُ: قَبِلَ الشَّيْءَ قَبُولًا، إذا رَضِيَهُ، والقِياسُ فِيهِ الضَّمُّ: كالدُّخُولِ والخُرُوجِ، ولَكِنَّهُ جاءَ بِالفَتْحِ، وأجازَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، ضَمَّ القافِ، ونَقَلَها ابْنُ الأعْرابِيِّ فَقالَ: قَبِلْتُهُ قَبُولًا وقُبُولًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ سَلَكَ بِها طَرِيقَ السُّعَداءِ، وقالَ قَوْمٌ: تَكَفَّلَ بِتَرْبِيَتِها والقِيامِ بِشَأْنِها. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَمْ يُعَذِّبْها ساعَةً قَطُّ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ ”تَقَبَّلَ“ بِمَعْنى ”اسْتَقْبَلَ“، فَيَكُونُ ”تَفَعَّلَ“ بِمَعْنى ”اسْتَفْعَلَ“، أيِ: اسْتَقْبَلَها رَبُّها، نَحْوَ: تَعَجَّلْتُ الشَّيْءَ فاسْتَعْجَلْتُهُ، وتَقَصَّيْتُ الشَّيْءَ واسْتَقْصَيْتُهُ، مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَقْبَلَ الأمْرَ أيْ: أخَذَهُ بِأوَّلِهِ. قالَ: ؎وخَيْرُ الأمْرِ ما اسْتَقْبَلْتَ مِنهُ ∗∗∗ ولَيْسَ بِأنْ تَتَبَّعَهُ اتِّباعا أيْ: أخَذَها في أوَّلِ أمْرِها حِينَ وُلِدَتْ. وقِيلَ: المَعْنى فَقَبِلَها أيْ: رَضِيَ بِها في النَّذْرِ، مَكانَ الذَّكَرِ في النَّذْرِ كَما نَذَرَتْ أُمُّها وسَنى لَها الأمَلُ في ذَلِكَ، وقَبِلَ دُعاءَها في قَوْلِها: فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ولَمْ تُقْبَلْ أُنْثى قَبْلَ مَرْيَمَ في ذَلِكَ، ويَكُونُ: تَفَعَّلَ، بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ نَحْوَ: تَعَجَّبَ وعَجِبَ، وتَبَرَّأ وبَرِئَ. والباءُ في: ”بِقَبُولٍ“، قِيلَ: زائِدَةٌ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ يَنْتَصِبُ انْتِصابَ المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ. والقَبُولُ: اسْمٌ لِما يُقْبَلُ بِهِ الشَّيْءُ: كالسَّعُوطِ واللَّدُودِ لِما يُسْعَطُ بِهِ ويَلِدُ، وهو اخْتِصاصُهُ لَها بِإقامَتِها مَقامَ الذَّكَرِ في النَّذْرِ، أوْ مَصْدَرٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ أيْ بِذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، أيْ بِأمْرٍ ذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، وهو الِاخْتِصاصُ. ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ عِبارَةٌ عَنْ حُسْنِ النَّشْأةِ، والجَوْدَةِ في خَلْقٍ وخَلْقٍ، فَأنْشَأها عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ صامَتْ مِنَ النَّهارِ، وقامَتِ اللَّيْلَ حَتّى أرْبَتْ عَلى الأحْبارِ. وقِيلَ: لَمْ تَجْرِ عَلَيْها خَطِيئَةٌ. قالَقَتادَةُ: حُدِّثْنا أنَّها كانَتْ لا تُصِيبُ الذُّنُوبَ كَما يُصِيبُ بَنُو آدَمَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ أيْ: جَعَلَ ثَمَرَتَها مِثْلَ عِيسى. وانْتَصَبَ: نَباتًا، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَنَبَتَتْ نَباتًا حَسَنًا، ويُقالُ: القَبُولُ: تَرْبِيَتُها عَلى نَعْتِ العِصْمَةِ حَتّى قالَتْ: ﴿أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] والنَّباتُ الحَسَنُ: الِاسْتِقامَةُ عَلى الطّاعَةِ، وإيثارُ رِضا اللَّهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ قالَ قَتادَةُ: ضَمَّها إلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَمِنَ (p-٤٤٢)القِيامَ بِها، ومِنَ القَبُولِ الحَسَنِ والنَّباتِ الحَسَنِ أنْ جَعَلَ تَعالى كافِلَها والقَيِّمَ بِأمْرِها وحِفْظِها نَبِيًّا. أوْحى اللَّهُ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا رَأيْتَ لِي طالِبًا فَكُنْ لَهُ خادِمًا. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: وكَفَّلَها، بِتَشْدِيدِ الفاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتَخْفِيفِها. وأُبَيٌّ: وأكْفَلَها، ومُجاهِدٌ: فَتَقَبَّلْها؛ بِسُكُونِ اللّامِ، رَبَّها، بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ، وأنْبِتْها: بِكَسْرِ الباءِ، وسُكُونِ التّاءِ، وكَفِّلْها: بِكَسْرِ الفاءِ مُشَدَّدَةً، وسُكُونِ اللّامِ عَلى الدُّعاءِ مِن أُمِّ مَرْيَمَ، لِمَرْيَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ المُزَنِيُّ: وكَفِلَها، بَكَسْرِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ يُقالُ: كَفِلَ يَكْفَلُ وكَفَلَ يَكْفُلُ، كَعَلِمَ يَعْلَمُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: ”زَكَرِيّا“، مَقْصُورًا، وباقِي السَّبْعَةِ مَمْدُودًا. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ اللُّغاتِ فِيهِ. رُوِيَ أنَّ حَنَّةَ حِينَ ولَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْها في خِرْقَةٍ، وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ فَوَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ أبْناءِ هارُونَ، وهم في بَيْتِ المَقْدِسِ كالحَجَبَةِ في الكَعْبَةِ، فَقالَتْ لَهم: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةُ فَتَنافَسُوا فِيها؛ لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، وكانَتْ بَنُو ماثانَ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ، وأحْبارَهم ومُلُوكَهم، فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها، عِنْدِي خالَتُها. فَقالُوا: لا، حَتّى نَقْتَرِعَ عَلَيْها. فانْطَلَقُوا، وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ، إلى نَهْرٍ. قِيلَ: هو نَهْرُ الأُرْدُنْ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: في عَيْنِ ماءٍ كانَتْ هُناكَ، فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهم، فارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيّا، ورَسَبَتْ أقْلامُهم فَتَكَفَّلَها. قِيلَ: واسْتَرْضَعَ لَها. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْقَوْا أقْلامَهم فَجَرى قَلَمُ زَكَرِيّا عَكْسَ جَرْيَةِ الماءِ، ومَضَتْ أقْلامُهم مَعَ جَرْيَةِ الماءِ. وقِيلَ: عامَتْ مَعَ الماءِ مَعْرُوضَةً، وبَقِيَ قَلَمُ زَكَرِيّا واقِفًا، كَأنَّما رَكَزَ في طِينٍ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ زَكَرِيّا كانَ تَزَوَّجَ خالَتَها؛ لِأنَّهُ وعِمْرانَ كانا سِلْفَيْنِ عَلى أُخْتَيْنِ، ولَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ووَلَدَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ مَرْيَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، وغَيْرُهُ: كانَ زَكَرِيّا تَزَوَّجَ ابْنَةً أُخْرى لِعِمْرانَ. ويُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ، «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في يَحْيى وعِيسى: ابْنا الخالَةِ» . وقِيلَ: إنَّما كَفَلَها لِأنَّ أُمَّها هَلَكَتْ، وكانَ أبُوها قَدْ هَلَكَ وهي في بَطْنِ أُمِّها. وقِيلَ: كانَ زَكَرِيّا ابْنَ عَمِّها، وكانَتْ أُخْتُها تَحْتَهُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: تَرَعْرَعَتْ وأصابَ بَنِي إسْرائِيلَ مَجاعَةٌ، فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: إنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ إنْفاقِ مَرْيَمَ، فاقْتَرَعُوا عَلى مَن يَكْفُلُها، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ، فَجَعَلَ يُنْفِقُ عَلَيْها، وهَذا اسْتِهامٌ غَيْرُ الأوَّلِ، هَذا المُرادُ مِنهُ دَفَعَها لِلْإنْفاقِ عَلَيْها، والأوَّلُ المُرادُ مِنهُ: أخَذَها، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ زَكَرِيّا قَدْ كَفَلَها مِن لَدُنِ الطُّفُولَةِ دُونَ اسْتِهامٍ، والَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّ زَكَرِيّا إنَّما كَفَلَها بِالِاسْتِهامِ، ولَمْ يَدُلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ غَيْرَ زَكَرِيّا كَفَلَها، وكانَ زَكَرِيّا أوْلى بِكَفالَتِها؛ لِأنَّهُ مِن أقْرِبائِها مِن جِهَةِ أبِيها، ولِأنَّ خالَتَها أوْ أُخْتَها تَحْتَهُ، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ، ولِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا، فَهو أوْلى بِها لِعِصْمَتِهِ. وزَكَرِيّا هو ابْنُ أذْنِ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وذَكَرَ النَّقِيبُ أبُو البَرَكاتِ الجَوّانِيُّ النَّسّابَةُ: أنَّ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، واليَسَعَ، وإلْياسَ، والعُزَيْرَ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَلا يَكُونُ عَلى هَذا زَكَرِيّا مِن ولَدِ سُلَيْمانَ، ولا يَكُونُ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ، لِأنَّ مَرْيَمَ مِن ذُرِّيَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُلَيْمانُ مِن يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، و مُوسى و هارُونُ بْنُ لاوى بْنِ يَعْقُوبَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ضَمَّها إلى خالَتِها أُمِّ يَحْيى، حَتّى إذا شَبَّتْ، وبَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّساءِ، بَنى لَها مِحْرابًا في المَسْجِدِ، وجَعَلَ بابَهُ في وسَطِهِ لا يُرْقى إلَيْهِ إلّا بِسُلَّمٍ، مِثْلَ بابِ الكَعْبَةِ، ولا يَصْعَدُ إلَيْها غَيْرُهُ. وقِيلَ: كانَ يُغْلِقُ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ إذا خَرَجَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ يُغْلِقُ عَلَيْها البابَ ومَعَهُ المِفْتاحُ، لا يَأْمَنُ عَلَيْهِ أحَدًا، فَإذا حاضَتْ أخْرَجَها إلى مَنزِلَهِ تَكُونُ مَعَ خالَتِها أُمِّ يَحْيى أوْ أُخْتِها، فَإذا طَهُرَتْ رَدَّها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: كانَتْ مُطَهَّرَةً مِنَ الحَيْضِ. ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: وجَدَ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وقالَ الحَسَنُ: تَكَلَّمَتْ في المَهْدِ، ولَمْ تُلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ، وإنَّما كانَتْ يَأْتِيها (p-٤٤٣)رِزْقُها مِنَ الجَنَّةِ. والَّذِي ورَدَ في الصَّحِيحِ «أنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ في المَهْدِ ثَلاثَةٌ: عِيسى، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وابْنُ المَرْأةِ»، ووَرَدَ مِن طَرِيقٍ شاذٍّ: صاحِبُ الأُخْدُودِ. والأغْرَبُ أنَّ مَرْيَمَ مِنهم. وقِيلَ: كانَ جُرَيْجٌ النَّجّارُ، واسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ حِينَ كَفَلَها بِالقُرْعَةِ، وقَدْ ضَعُفَ زَكَرِيّا عَنِ القِيامِ بِها، يَأْتِيها مِن كَسْبِهِ بِشَيْءٍ لَطِيفٍ عَلى قَدْرِ وُسْعِهِ، فَيَزْكُو ذَلِكَ الطَّعامُ ويَكْثُرُ، فَيَدْخُلُ زَكَرِيّا عَلَيْها فَيَتَحَقَّقُ أنَّهُ لَيْسَ مِن وُسْعِ جُرَيْجٍ، فَيَسْألُها. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ أنْ كَبُرَتْ، وهو الأقْرَبُ لِلصَّوابِ. وقِيلَ: كانَتْ تُرْزَقُ مِن غَيْرِ رِزْقِ بِلادِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عِنَبًا في مِكْتَلٍ، ولَمْ يَكُنْ في تِلْكَ البِلادِ عِنَبٌ، وقالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: كانَ بَعْضُ الصّالِحِينَ يَأْتِيها بِالرِّزْقِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الَّذِي كَفَلَها بِالتَّرْبِيَةِ هو زَكَرِيّا لا غَيْرُهُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى كَفاهُ لَمّا كَفَلَها مُؤْنَةَ رِزْقِها، ووَضَعَ عَنْهُ بِحُسْنِ التَّكَفُّلِ مَشَقَّةَ التَّكَلُّفِ. وكُلَّما: تَقْتَضِي التَّكْرارَ، فَيَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ تَعَهُّدِهِ وتَفَقُّدِهِ لِأحْوالِها. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُودِ الرِّزْقِ عِنْدَها كُلَّ وقْتٍ يَدْخُلُ عَلَيْها، والمَعْنى: أنَّهُ غِذاءٌ يُتَغَذّى بِهِ لَمْ يَعْهَدْهُ عِنْدَها، ولَمْ يُوَجِّهْهُ هو. وأبْعَدَ مَن فَسَّرَ الرِّزْقَ هُنا بِأنَّهُ فَيْضٌ كانَ يَأْتِيها مِنَ اللَّهِ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ آدَمِيٍّ، فَسَمّاهُ رِزْقًا. قالَ الرّاغِبُ: واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ، انْتَهى. وهَذا شَبِيهٌ بِتَفْسِيرِ الباطِنِيَّةِ. ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ اسْتَغْرَبَ زَكَرِيّا وُجُودَ الرِّزْقِ عِنْدَها، وهو لَمْ يَكُنْ أتى بِهِ، وتَكَرَّرَ وُجُودُهُ عِنْدَها كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها، فَسَألَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن وُصُولِ الرِّزْقِ إلَيْها، وكَيْفَ أتى هَذا الرِّزْقُ ؟ وأنّى: سُؤالٌ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، وعَنِ المَكانِ، وعَنِ الزَّمانِ، والأظْهَرُ أنَّهُ: سُؤالٌ عَنِ الجِهَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن أيِّ جِهَةٍ لَكِ هَذا الرِّزْقُ ؟ ولِذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ مِن أيْنَ ؟ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ سُؤالًا عَنِ الكَيْفِيَّةِ، أيْ: كَيْفَ تَهَيَّأ وُصُولُ هَذا الرِّزْقِ إلَيْكِ ؟ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎أنّى ومِن أيْنَ أتاكَ الطَّرَبُ ∗∗∗ مِن حَيْثُ لا صَبْوَةٌ ولا طَرَبُ وجَوابُها سُؤالَهُ بِأنَّهُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ آدَمِيٌّ ألْبَتَّةَ، بَلْ هو رِزْقٌ يَتَعَهَّدُنِي بِهِ اللَّهُ - تَعالى - . وظاهِرُهُ أنَّهُ كانَ يَسْألُ كُلَّما وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا؛ لِأنَّ مِنَ الجائِزِ في الفِعْلِ أنْ يَكُونَ هَذا الثّانِي مِن جِهَةٍ غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، فَتُجِيبُهُ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتُحِيلُهُ عَلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، ومُبْرِزِ الأشْياءِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ إلى الوُجُودِ المَحْضِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَرِيحُ قَلْبُ زَكَرِيّا بِكَوْنِهِ لَمْ يَسْبِقْهُ أحَدٌ إلى تَعَهُّدِ مَرْيَمَ، وبِكَوْنِهِ يَشْهَدُ مَقامًا شَرِيفًا، واعْتِناءً لَطِيفًا بِمَنِ اخْتارَها اللَّهُ تَعالى بِأنْ جَعَلَها في كَفالَتِهِ. وهَذا الخارِقُ العَظِيمُ قِيلَ: هو بِدَعْوَةِ زَكَرِيّا لَها بِالرِّزْقِ، فَيَكُونُ مِن خَصائِصَ زَكَرِيّا، وقِيلَ: كانَ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّةِ ولَدِها عِيسى. وهَذانِ القَوْلانِ شَبِيهانِ بِأقْوالِ المُعْتَزِلَةِ؛ حَيْثُ يَنْفُونَ وُجُودَ الخارِقِ عَلى يَدِ غَيْرِ النَّبِيِّ، إلّا إنْ كانَ ذَلِكَ في زَمانِ نَبِيٍّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ. والظّاهِرُ أنَّها كَرامَةٌ خَصَّ اللَّهُ بِها مَرْيَمَ، ولَوْ كانَ خارِقًا لِأجْلِ زَكَرِيّا لَمْ يَسْألْ عَنْهُ زَكَرِيّا، وأمّا كَوْنُ ذَلِكَ لِأجْلِ نُبُوَّةِ عِيسى، فَهو كانَ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الخارِقُ مِنَ الآيَةِ الَّتِي قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وقالَ الجُبّائِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن مُعْجِزاتِ زَكَرِيّا، دَعا لَها عَلى الإجْمالِ. لِأنْ يُوَصِّلَ لَها رِزْقَها، ورُبَّما غَفَلَ عَنْ تَفاصِيلِ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأى شَيْئًا مُعَيَّنًا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، سَألَ عَنْهُ، فَعَلِمَ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ، فَدَعا بِهِ أوْ سَألَ عَنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ الآتِي بِهِ إنْسانًا، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ، وسَألَ لِئَلّا يَكُونَ عَلى وجْهٍ لا يَنْبَغِي. ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والظّاهِرُ أنَّها مِن كَلامِ مَرْيَمَ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ مِن كَلامِ مَرْيَمَ، وأنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ . «ورَوى جابِرٌ حَدِيثًا مُطَوَّلًا فِيهِ تَكْثِيرُ الخُبْزِ، واللَّحْمِ عَلى سَبِيلِ (p-٤٤٤)خَرْقِ العادَةِ، لِفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَألَها: مِن أيْنَ لَكِ هَذا ؟ فَقالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ. فَحَمِدَ اللَّهَ، وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةً بِسَيِّدَةِ نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ» . قِيلَ: وفي هَذِهِ الآياتِ أنْواعٌ مِنَ الفَصاحَةِ. العُمُومُ، الَّذِي يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في قَوْلِهِ: عَلى العالَمِينَ، والِاخْتِصاصُ في قَوْلِهِ: آدَمَ، ونُوحًا، وآلَ إبْراهِيمَ، وآلَ عِمْرانَ. وإطْلاقُ اسْمِ الفَرْعِ عَلى الأصْلِ، والمُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، في قَوْلِهِ: ”ذَرِّيَّةً“، فِيمَن قالَ المُرادُ: الآباءُ، والإبْهامُ في قَوْلِهِ: ما في بَطْنِي، لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْها الِاطِّلاعُ عَلى ما في بَطْنِها، أتَتْ بِلَفْظِ: ما، الَّذِي يَصْدُقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، والتَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] والخَبَرُ الَّذِي يُرادُ بِهِ الِاعْتِذارُ في قَوْلِها: وضَعْتُها أُنْثى، والِاعْتِراضُ في قَوْلِهِ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ، في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ التّاءَ، أوْ كَسَرَها، وتَلْوِينُ الخِطابِ، ومَعْدُولِهِ في قَوْلِهِ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتِ، في قِراءَةِ مَن كَسَرَ التّاءَ، خَرَجَ مِن خِطابِ الغَيْبَةِ، في قَوْلِها: فَلَمّا وضَعَتْها، إلى خِطابِ المُواجَهَةِ في قَوْلِهِ: بِما وضَعْتِ، والتَّكْرارُ في: وأنِّي، وفي: زَكَرِيّا، وزَكَرِيّا، وفي: مِن عِنْدِ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ، وأنْبَتَها نَباتًا، وفي: رِزْقًا ويَرْزُقُ، والإشارَةُ، وهو أنْ يُعَبِّرَ بِاللَّفْظِ الظّاهِرِ عَنِ المَعْنى الخَفِيِّ، في قَوْلِهِ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، أيْ هو رِزْقٌ لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا اللَّهُ. وفي قَوْلِهِ: رِزْقًا، أتى بِهِ مُنَكَّرًا مُشِيرًا إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، بَلْ مِن أجْناسٍ كَثِيرَةٍ، لِأنَّ النَّكِرَةَ تَقْتَضِي الشُّيُوعَ والكَثْرَةَ. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ لا يَصِحُّ المَعْنى إلّا بِاعْتِبارِها. ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ أصْلُ: هُنالِكَ، أنْ يَكُونَ إشارَةً لِلْمَكانِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ، وقِيلَ بِهِما في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ في ذَلِكَ المَكانِ دَعا زَكَرِيّا، أوْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمّا رَأى هَذا الخارِقَ العَظِيمَ لِمَرْيَمَ، وأنَّها مِمَّنِ اصْطَفاها اللَّهُ، ارْتاحَ إلى طَلَبِ الوَلَدِ، واحْتاجَ إلَيْهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، ولِأنْ يَرِثَ مِنهُ ومِن آلِ يَعْقُوبَ، كَما قَصَّهُ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ، ولَمْ يَمْنَعْهُ مِن طَلَبِهِ كَوْنُ امْرَأتِهِ عاقِرًا، إذْ رَأى مِن حالِ مَرْيَمَ أمْرًا خارِجًا عَنِ العادَةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ولَدًا مَعَ كَوْنِ امْرَأتِهِ كانَتْ عاقِرًا، إذْ كانَتْ حَنَّةُ قَدْ رُزِقَتْ مَرْيَمَ بَعْدَما أيِسَتْ مِنَ الوُلْدِ. وانْتِصابُ: هُنالِكَ، بِقَوْلِهِ: دَعا، ووَقَعَ في تَفْسِيرِ السَّجاوَنْدِيِّ: أنَّ هُناكَ في المَكانِ، وهُنالِكَ في الزَّمانِ، وهو وهْمٌ، بَلِ الأصْلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ سَواءٌ اتَّصَلَتْ بِهِ اللّامُ والكافُ، أوِ الكافُ فَقَطْ، أوْ لَمْ يَتَّصِلا. وقَدْ يَتَجَوَّزُ بِها عَنِ المَكانِ إلى الزَّمانِ، كَما أنَّ أصْلَ عِنْدَ، أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ، ثُمَّ يَتَجَوَّزُ بِها لِلزَّمانِ، كَما تَقُولُ: آتِيكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. قِيلَ: واللّامُ في: هُنالِكَ، دَلالَةٌ عَلى بُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ، فَإنَّهُ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ دُعائِهِ، وإجابَتِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً. وقِيلَ: دَخَلَتِ اللّامُ لِبُعْدِ مَنالِ هَذا الأمْرِ؛ لِكَوْنِهِ خارِقًا لِلْعادَةِ، كَما أُدْخِلَ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] لِبُعْدِ مَنالِهِ، وعِظَمِ ارْتِفاعِهِ، وشَرَفِهِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: كانَتْ نَفْسُهُ تُحَدِّثُهُ بِأنْ يَهِبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا يَبْقى بِهِ الذِّكْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدْعُو مُراعاةً لِلْأدَبِ، إذِ الأدَبُ أنْ لا يَدْعُوَ لِمُرادٍ إلّا فِيما هو مُعْتادُ الوُجُودِ، وإنْ كانَ اللَّهُ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمّا رَأى عِنْدَها ما هو ناقِضٌ لِلْعادَةِ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى الدُّعاءِ في طَلَبِ الوَلَدِ غَيْرِ المُعْتادِ انْتَهى. وقَوْلُهُ: كانَتْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ دَعا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنْ يَتَوَخّى العَبْدُ بِدُعائِهِ الأمْكِنَةَ المُبارَكَةَ، والأزْمِنَةَ المُشَرَّفَةَ. ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ شَرْحٌ لِلدُّعاءِ، وتَفْسِيرٌ لَهُ، وناداهُ بِلَفْظِ: رَبِّ؛ إذْ هو مُرَبِّيهِ ومُصْلِحُ حالِهِ، وجاءَ الطَّلَبُ بِلَفْظِ: ”هَبْ“، لِأنَّ الهِبَةَ إحْسانٌ مَحْضٌ لَيْسَ في مُقابَلَتِها شَيْءٌ يَكُونُ عِوَضًا لِلْواهِبِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَكادُ يَكُونُ عَلى سَبِيلِ ما لا تَسَبُّبَ فِيهِ: لا مِنَ الوالِدِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، ولا مِنَ الوالِدَةِ لِكَوْنِها عاقِرًا لا تَلِدُ، فَكانَ وجُودُهُ كالوُجُودِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، أتى هِبَةً مَحْضَةً مَنسُوبَةً إلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: مِن لَدُنْكَ، أيْ: مِن جِهَةِ مَحْضِ قُدْرَتِكَ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ. وتَقَدَّمَ أنَّ: (p-٤٤٥)لَدُنْ، لِما قَرُبَ، وعِنْدَ: لِما قَرُبَ ولِما بَعُدَ، وهي أقَلُّ إبْهامًا مِن لَدُنْ، ألا تَرى أنَّ عِنْدَ، تَقَعُ جَوابًا لِـ ”أيْنَ“، ولا تَقَعُ لَهُ جَوابًا لَدُنْ ؟ . (ومِن لَدُنْكَ) مُتَعَلِّقٌ: بِهَبْ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِن: ”ذَرِّيَّةً“؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، فَعَلى هَذا تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والذُّرِّيَّةُ: جِنْسٌ يَقَعُ عَلى واحِدٍ، فَأكْثَرَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ هُنا واحِدًا؛ دَلِيلُ ذَلِكَ طَلَبُهُ ولِيًّا، ولَمْ يَطْلُبْ أوْلِياءَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيما قالَهُ الطَّبَرِيُّ تَعَقُّبٌ، وإنَّما الذُّرِّيَّةُ والوَلِيُّ اسْما جِنْسٍ يَقَعانِ لِلْواحِدِ فَما زادَ، وهَكَذا كانَ طَلَبُ زَكَرِيّا انْتَهى. وفَسَّرَ: طَيِّبَةً، بِأنْ تَكُونَ سَلِيمَةً في الخُلُقِ وفي الدِّينِ تَقِيَّةً. وقالَ الرّاغِبُ: صالِحَةً، واسْتِعْمالُ الصّالِحِ في الطَّيِّبِ كاسْتِعْمالِ الخَبِيثِ في ضِدِّهِ، عَلى أنَّ في الطَّيِّبِ زِيادَةَ مَعْنًى عَلى الصّالِحِ. وقِيلَ: أرادَ: بِطَيِّبَةٍ، أنَّها تَبْلُغُ في الدِّينِ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ، فَإنْ كانَ أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ مَدْلُولَها مِن كَوْنِها اسْمَ جِنْسٍ، ولَمْ يُقَيَّدْ بِالوَحْدَةِ، فَوَصَفَها بِطَيِّبَةٍ، واضِحٌ وإنْ كانَ أرادَ ذَكَرًا واحِدًا، فَأنَّثَ لِتَأْنِيثِ اللَّفْظِ، كَما قالَ: ؎أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ سُكاتٍ إذا ما عَضَّ لَيْسَ بأدْرَدا وكَما قالَ: ؎أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ وفِي قَوْلِهِ: ﴿هَبْ لِي﴾ دَلالَةٌ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ الصّالِحِ، والدُّعاءِ بِحُصُولِهِ، وهي سُنَّةُ المُرْسَلِينَ والصِّدِّيقِينَ والصّالِحِينَ. ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لَمّا دَعا رَبَّهُ بِأنَّهُ يَهِبُ لَهُ ولَدًا صالِحًا، أخْبَرَ بِأنَّهُ تَعالى مُجِيبُ الدُّعاءِ. ولَيْسَ المَعْنى عَلى السَّماعِ المَعْهُودِ، بَلْ مِثْلُ قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. عَبَّرَ بِالسَّماعِ عَنِ الإجابَةِ إلى المَقْصِدِ، واقْتَفى في ذَلِكَ جَدَّهُ الأعْلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ ورَزَقَهُ عَلى الكِبَرِ، كَما رَزَقَ إبْراهِيمَ عَلى الكِبَرِ، وكانَ قَدْ تَعَوَّدَ مِنَ اللَّهِ إجابَةَ دُعائِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] ؟ . قِيلَ: وذَكَرَ تَعالى في كَيْفِيَّةِ دُعائِهِ ثَلاثَ صِيَغٍ: أحَدُهُا: هَذا، والثّانِي: ﴿إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] إلى آخِرِهِ. والثّالِثُ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] فَدَلَّ عَلى أنَّ الدُّعاءَ تَكَرَّرَ مِنهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، بِهَذِهِ الثَّلاثِ الصِّيَغِ، ودَلَّ عَلى أنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ زَمانًا انْتَهى. ولا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تَكْرِيرُ الدُّعاءِ، كَما قِيلَ: لِأنَّهُ حالَةُ الحِكايَةِ قَدْ يَكُونُ حُكِيَ في قَوْلِهِ ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء: ٨٩] عَلى سَبِيلِ الإيجازِ، وفي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى سَبِيلِ الإسْهابِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ. وهَذِهِ الحِكايَةُ في هَذِهِ الصِّيَغِ إنَّما هي بِالمَعْنى، إذْ لَمْ يَكُنْ لِسانُهم عَرَبِيًّا، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ دُعاءٌ واحِدٌ مُتَعَقَّبٌ بِالتَّبْشِيرِ، العَطْفُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] وفي قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] وظاهِرُ قَوْلِهِ في مَرْيَمَ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧] اعْتِقابُ التَّبْشِيرِ الدُّعاءُ لا تَأخُّرُهُ عَنْهُ.

آل عمران 3:38

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ويَعْقُوبُ: بِضَمِّ التّاءِ، ويَكُونُ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ مِن كَلامِ أُمِّ مَرْيَمَ، وكَأنَّها خاطَبَتْ نَفْسَها بِقَوْلِها: واللَّهُ أعْلَمُ. ولَمْ تَأْتِ عَلى لَفْظِ: رَبِّ، إذْ لَوْ أتَتْ عَلى لَفْظِهِ، لَقالَتْ: وأنْتَ أعْلَمُ بِما وضَعْتُ. ولَكِنْ خاطَبَتْ نَفْسَها عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ عَنِ الذَّكَرِ، وأنَّ عِلْمَ اللَّهِ وسابِقَ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ التَّحَسُّرِ والتَّحَذُّرِ عَلى ما فاتَنِي مِنَ المَقْصِدِ، إذْ مُرادُهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرادَ، ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبْتُهُ ورَجَوْتُهُ مِثْلَ الأُنْثى الَّتِي عَلِمَها وأرادَها وقَضى بِها. ولَعَلَّ هَذِهِ الأُنْثى تَكُونُ خَيْرًا مِنَ الذَّكَرِ، إذْ أرادَها اللَّهُ، سَلَّتْ بِذَلِكَ نَفْسَها. وتَكُونُ الألِفُ واللّامُ في ”الذَّكَرُ“، لِلْعَهْدِ فَيَكُونُ مَقْصُودُها تَرْجِيحَ هَذِهِ الأُنْثى الَّتِي هي مَوْهُوبَةُ اللَّهِ عَلى ما كانَ قَدْ رَجَتْ مِن أنَّهُ يَكُونُ ذَكَرًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودُها، أنَّهُ لَيْسَ كالأُنْثى في الفَضْلِ والدَّرَجَةِ والمَزِيَّةِ؛ لِأنَّ الذَّكَرَ يَصْلُحُ لِلتَّحْرِيرِ، والِاسْتِمْرارِ عَلى خِدْمَةِ مَوْضِعِ العِبادَةِ، ولِأنَّهُ أقْوى عَلى الخِدْمَةِ، ولا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ في الخِدْمَةِ والِاخْتِلاطِ بِالنّاسِ ولا تُهْمَةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كالأُنْثى، في امْتِناعِ نَذْرِهِ إذِ الأُنْثى تَحِيضُ ولا تَصْلُحُ لِصُحْبَةِ الرُّهْبانِ ؟ قالَهُ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وعِكْرِمَةُ، وغَيْرُهم. وبَدَأتْ بِذِكْرِ الأهَمِّ في نَفْسِها، وإلّا فَسِياقُ الكَلامِ أنْ تَقُولَ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ، فَتَضَعُ حَرْفَ النَّفْيِ مَعَ الشَّيْءِ الَّذِي عِنْدَها، وانْتَفَتْ عَنْهُ صِفاتُ الكَمالِ لِلْغَرَضِ المُرادِ انْتَهى. وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ تَكُونُ الألِفُ واللّامُ في: ”الذَّكَرُ“، لِلْجِنْسِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِما وضَعَتْ، بِتاءِ التَّأْنِيثِ السّاكِنَةِ، عَلى أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ أعْلَمُ بِالَّذِي وضَعَتْهُ. أيْ: بِحالِهِ، وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ هَذِهِ الأُنْثى، فَإنَّ قَوْلَها: وضَعْتُها أُنْثى، يَدُلُّ عَلى أنَّها لَمْ تَعْلَمْ مِن حالِها إلّا عَلى هَذا القَدْرِ مِن كَوْنِ هَذِهِ النَّسَمَةِ جاءَتْ أُنْثى لا تَصْلُحُ لِلتَّحْرِيرِ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ أعْلَمُ بِهَذِهِ المَوْضُوعَةِ، فَأتى بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعِلْمِ بِتَفاصِيلِ الأحْوالِ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِهَذِهِ المَوْضُوعَةِ، والإعْلامُ بِما عَلِقَ بِها وبِابْنِها مِن عَظِيمِ الأُمُورِ، إذْ جَعَلَها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ. ووالِدَتُها جاهِلَةٌ بِذَلِكَ لا تَعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما وضَعْتِ، بِكَسْرِ تاءِ الخِطابِ، خاطَبَها اللَّهُ بِذَلِكَ أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذِهِ المَوْهُوبَةِ، وما عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن عِظَمِ شَأْنِها وعُلُوِّ قَدْرِها. وما: مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي أوِ الَّتِي، وأتى بِلَفْظِ ما، كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥] والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ عَلى كُلِّ قِراءَةٍ. ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ مَرْيَمُ في لُغَتِهِمْ مَعْناهُ: العابِدَةُ، أرادَتْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ التَّفاؤُلَ لَها بِالخَيْرِ، والتَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ - تَعالى -، والتَّضَرُّعَ إلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِاسْمِها، وأنْ تَصْدُقَ فِيها ظَنَّها بِها. ألا تَرى إلى إعاذَتِها بِاللَّهِ، وإعاذَةِ ذُرِّيَّتِها مِنَ الشَّيْطانِ ؟ وخاطَبَتِ اللَّهَ بِهَذا الكَلامِ لِتَرَتُّبِ الِاسْتِعاذَةِ عَلَيْهِ، واسْتِبْدادُها بِالتَّسْمِيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أباها عِمْرانَ كانَ قَدْ ماتَ، كَما نُقِلَ أنَّهُ ماتَ وهي حامِلٌ، عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ مِن حَيْثُ هي أُنْثى أنْ تَسْتَبِدَّ الأُمُّ (p-٤٤٠)بِالتَّسْمِيَةِ لِكَراهَةِ الرِّجالِ البَناتِ، وفي الآيَةِ تَسْمِيَةُ الطِّفْلِ قُرْبَ الوِلادَةِ، وفي الحَدِيثِ: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ باسِمِ أبِي إبْراهِيمَ» . وفي الحَدِيثِ أنَّهُ: «يُعَقُّ عَنِ المَوْلُودِ في السّابِعِ ويُسَمّى» . وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِن كَلامِها، وهي كُلُّها داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: بِما وضَعْتُ، بِضَمِّ التّاءِ. وأمّا مَن قَرَأ: بِما وضَعَتْ، بِسُكُونِ التّاءِ، أوْ بِالكَسْرِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي مَعْطُوفَةٌ عَلى: إنِّي وضَعْتُها أُنْثى، وما بَيْنَهُما جُمْلَتانِ مُعْتَرِضانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] انْتَهى كَلامُهُ. ولا يَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ مِن أنَّهُما جُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَهُ ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ في هَذِهِ القِراءَةِ مِن كَلامِها، ويَكُونُ المُعْتَرِضُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَما كانَ مِن كَلامِها في قِراءَةِ مَن قَرَأ: وضَعْتُ، بِضَمِّ التّاءِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا المُتَعَيَّنُ لِثُبُوتِ كَوْنِهِ مِن كَلامِها في هَذِهِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ في اعْتِراضِ جُمْلَتَيْنِ خِلافًا لِمَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ: أنَّهُ لا يَعْتَرِضُ جُمْلَتانِ وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. وأيْضًا تَشْبِيهُهُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اعْتُرِضَ بِهِما بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَلى زَعْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] لَيْسَ تَشْبِيهًا مُطابِقًا لِلْآيَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَعْتَرِضْ جُمْلَتانِ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ، بَلِ اعْتَرَضَ بَيْنَ القَسَمِ الَّذِي هو: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] وجَوابِهِ الَّذِي هو: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] بِجُمْلَةٍ واحِدَةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] لَكِنَّهُ جاءَ في جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ بَيْنَ بَعْضِ أجْزائِهِ وبَعْضٍ، اعْتِراضٌ بِجُمْلَةٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٧٦] اعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ المَنعُوتِ الَّذِي هو: ”لَقَسَمٌ“، وبَيْنَ نَعْتِهِ الَّذِي هو: ”عَظِيمٌ“، فَهَذا اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ، فَلَيْسَ فَصْلًا بِجُمْلَتَيِ اعْتِراضٍ لِقَوْلِهِ واللَّهُ أعْلَمُ: ﴿بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ وسَمّى مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَدّى إلى واحِدٍ بِنَفْسِها، وإلى آخَرَ بِحَرْفِ الجَرِّ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ، وإثْباتُهُ هو الأصْلُ، يَقُولُ سَمَّيْتُ ابْنِي بِزَيْدٍ، وسَمَّيْتُهُ زَيْدًا. قالَ: ؎وسَمَّيْتُ كَعْبًا بِشْرَ العِظامِ وكانَ أبُوكَ يُسَمّى الجَعْلَ أيْ: وسُمِّيتُ بِكَعْبٍ، ويُسَمّى: بِالجَعْلِ، وهو بابٌ مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ، وفِيهِ خِلافٌ عَنِ الأخْفَشِ الصَّغِيرِ، وتَحْرِيرُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أتى خَبَرُ إنَّ، مُضارِعًا وهو: أُعِيذُها؛ لِأنَّ مَقْصُودَها دَيْمُومَةُ الِاسْتِعاذَةِ، والتَّكْرارُ بِخِلافِ: وضَعْتُها، وسَمَّيْتُها، فَإنَّهُما ماضِيانِ قَدِ انْقَطَعا، وقَدَّمَتْ ذِكْرَ المُعاذِ بِهِ عَلى المَعْطُوفِ عَلى الضَّمِيرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ذِكْرَ ذُرِّيَّتِها، ومُناجاتِها اللَّهَ بِالخِطابِ السّابِقِ، إنَّما هو وسِيلَةٌ إلى هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ، كَما يُقَدِّمُ الإنْسانُ بَيْنَ يَدَيْ مَقْصُودِهِ ما يَسْتَنْزِلُ بِهِ إحْسانَ مَن يَقْصِدُهُ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ بِالمَقْصُودِ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ، مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ مِن بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وبِها يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ وابْنِها، فَإنَّ أُمَّها قالَتْ حِينَ وضَعَتْها: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . فَضُرِبَ بَيْنَهُما حِجابٌ فَطَعَنَ الشَّيْطانُ في الحِجابِ» . وقَدِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ هَذا الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ، والمَعْنى واحِدٌ. وطَعَنَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ في هَذا الحَدِيثِ، قالَ: لِأنَّهُ خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ، وإنَّما (p-٤٤١)كانَ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَدْعُو إلى الشَّرِّ مَن يَعْرِفُ الشَّرَّ والخَيْرَ، والصَّبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، ولِأنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا المَسِّ لَفَعَلَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، مِن إهْلاكِ الصّالِحِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ خَصَّ فِيهِ مَرْيَمَ وابْنَها عِيسى دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ، ولِأنَّهُ لَوْ وجَدَ المَسَّ لَنُفِيَ أثَرُهُ، ولَوْ نُفِيَ لَدامَ الصُّراخُ والبُكاءُ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا بُطْلانَ هَذا الحَدِيثِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما يُرْوى في الحَدِيثِ: «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إيّاهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها» . فاللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، فَإنْ صَحَّ فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطانُ في إغْوائِهِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها، فَإنَّهُما كانا مَعْصُومَيْنِ. وكَذَلِكَ كُلُّ مَن كانَ في صِفَتِهِما لِقَوْلِهِ: ﴿ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] واسْتِهْلالُهُ صارِخًا مِن مَسِّهِ، تَخْيِيلٌ وتَصْوِيرٌ؛ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأنَّهُ يَمَسُّهُ ويَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ، ويَقُولُ: هَذا مِمَّنْ أغْوِيهِ، ونَحْوُهُ مِنَ التَّخْيِيلِ، قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ: ؎لِما تُؤْذِنُ الدُّنْيا بِهِ مِن صُرُوفِها ∗∗∗ يَكُونُ بُكاءُ الطِّفْلِ ساعَةَ يُولَدُ وأمّا حَقِيقَةُ المَسِّ والنَّخْسِ، كَما يَتَوَهَّمُ أهْلُ الحَشْوِ فَكَلّا، ولَوْ سُلِّطَ إبْلِيسُ عَلى النّاسِ بِنَخْسِهِمْ؛ لامْتَلَأتِ الدُّنْيا صُراخًا وعِياطًا مِمّا يَبْلُونا بِهِ مِن نَخْسِهِ انْتَهى كَلامُهُ. وهو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ أهْلِ الِاعْتِزالِ، وقَدْ مَرَّ لَنا شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ فَتَقَبَّلَها بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ، ولَكِنْ ”قَبُولٍ“ مَحْمُولٌ عَلى: قَبِلَها قَبُولًا، يُقالُ: قَبِلَ الشَّيْءَ قَبُولًا، إذا رَضِيَهُ، والقِياسُ فِيهِ الضَّمُّ: كالدُّخُولِ والخُرُوجِ، ولَكِنَّهُ جاءَ بِالفَتْحِ، وأجازَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، ضَمَّ القافِ، ونَقَلَها ابْنُ الأعْرابِيِّ فَقالَ: قَبِلْتُهُ قَبُولًا وقُبُولًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ سَلَكَ بِها طَرِيقَ السُّعَداءِ، وقالَ قَوْمٌ: تَكَفَّلَ بِتَرْبِيَتِها والقِيامِ بِشَأْنِها. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ لَمْ يُعَذِّبْها ساعَةً قَطُّ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ ”تَقَبَّلَ“ بِمَعْنى ”اسْتَقْبَلَ“، فَيَكُونُ ”تَفَعَّلَ“ بِمَعْنى ”اسْتَفْعَلَ“، أيِ: اسْتَقْبَلَها رَبُّها، نَحْوَ: تَعَجَّلْتُ الشَّيْءَ فاسْتَعْجَلْتُهُ، وتَقَصَّيْتُ الشَّيْءَ واسْتَقْصَيْتُهُ، مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَقْبَلَ الأمْرَ أيْ: أخَذَهُ بِأوَّلِهِ. قالَ: ؎وخَيْرُ الأمْرِ ما اسْتَقْبَلْتَ مِنهُ ∗∗∗ ولَيْسَ بِأنْ تَتَبَّعَهُ اتِّباعا أيْ: أخَذَها في أوَّلِ أمْرِها حِينَ وُلِدَتْ. وقِيلَ: المَعْنى فَقَبِلَها أيْ: رَضِيَ بِها في النَّذْرِ، مَكانَ الذَّكَرِ في النَّذْرِ كَما نَذَرَتْ أُمُّها وسَنى لَها الأمَلُ في ذَلِكَ، وقَبِلَ دُعاءَها في قَوْلِها: فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، ولَمْ تُقْبَلْ أُنْثى قَبْلَ مَرْيَمَ في ذَلِكَ، ويَكُونُ: تَفَعَّلَ، بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ نَحْوَ: تَعَجَّبَ وعَجِبَ، وتَبَرَّأ وبَرِئَ. والباءُ في: ”بِقَبُولٍ“، قِيلَ: زائِدَةٌ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ يَنْتَصِبُ انْتِصابَ المَصْدَرِ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ. والقَبُولُ: اسْمٌ لِما يُقْبَلُ بِهِ الشَّيْءُ: كالسَّعُوطِ واللَّدُودِ لِما يُسْعَطُ بِهِ ويَلِدُ، وهو اخْتِصاصُهُ لَها بِإقامَتِها مَقامَ الذَّكَرِ في النَّذْرِ، أوْ مَصْدَرٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ أيْ بِذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، أيْ بِأمْرٍ ذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، وهو الِاخْتِصاصُ. ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ عِبارَةٌ عَنْ حُسْنِ النَّشْأةِ، والجَوْدَةِ في خَلْقٍ وخَلْقٍ، فَأنْشَأها عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ صامَتْ مِنَ النَّهارِ، وقامَتِ اللَّيْلَ حَتّى أرْبَتْ عَلى الأحْبارِ. وقِيلَ: لَمْ تَجْرِ عَلَيْها خَطِيئَةٌ. قالَقَتادَةُ: حُدِّثْنا أنَّها كانَتْ لا تُصِيبُ الذُّنُوبَ كَما يُصِيبُ بَنُو آدَمَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ أيْ: جَعَلَ ثَمَرَتَها مِثْلَ عِيسى. وانْتَصَبَ: نَباتًا، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَنَبَتَتْ نَباتًا حَسَنًا، ويُقالُ: القَبُولُ: تَرْبِيَتُها عَلى نَعْتِ العِصْمَةِ حَتّى قالَتْ: ﴿أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] والنَّباتُ الحَسَنُ: الِاسْتِقامَةُ عَلى الطّاعَةِ، وإيثارُ رِضا اللَّهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ قالَ قَتادَةُ: ضَمَّها إلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَمِنَ (p-٤٤٢)القِيامَ بِها، ومِنَ القَبُولِ الحَسَنِ والنَّباتِ الحَسَنِ أنْ جَعَلَ تَعالى كافِلَها والقَيِّمَ بِأمْرِها وحِفْظِها نَبِيًّا. أوْحى اللَّهُ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا رَأيْتَ لِي طالِبًا فَكُنْ لَهُ خادِمًا. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: وكَفَّلَها، بِتَشْدِيدِ الفاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتَخْفِيفِها. وأُبَيٌّ: وأكْفَلَها، ومُجاهِدٌ: فَتَقَبَّلْها؛ بِسُكُونِ اللّامِ، رَبَّها، بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ، وأنْبِتْها: بِكَسْرِ الباءِ، وسُكُونِ التّاءِ، وكَفِّلْها: بِكَسْرِ الفاءِ مُشَدَّدَةً، وسُكُونِ اللّامِ عَلى الدُّعاءِ مِن أُمِّ مَرْيَمَ، لِمَرْيَمَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ المُزَنِيُّ: وكَفِلَها، بَكَسْرِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ يُقالُ: كَفِلَ يَكْفَلُ وكَفَلَ يَكْفُلُ، كَعَلِمَ يَعْلَمُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ: ”زَكَرِيّا“، مَقْصُورًا، وباقِي السَّبْعَةِ مَمْدُودًا. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ اللُّغاتِ فِيهِ. رُوِيَ أنَّ حَنَّةَ حِينَ ولَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْها في خِرْقَةٍ، وحَمَلَتْها إلى المَسْجِدِ فَوَضَعَتْها عِنْدَ الأحْبارِ أبْناءِ هارُونَ، وهم في بَيْتِ المَقْدِسِ كالحَجَبَةِ في الكَعْبَةِ، فَقالَتْ لَهم: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةُ فَتَنافَسُوا فِيها؛ لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وصاحِبِ قُرْبانِهِمْ، وكانَتْ بَنُو ماثانَ رُءُوسَ بَنِي إسْرائِيلَ، وأحْبارَهم ومُلُوكَهم، فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها، عِنْدِي خالَتُها. فَقالُوا: لا، حَتّى نَقْتَرِعَ عَلَيْها. فانْطَلَقُوا، وكانُوا سَبْعَةً وعِشْرِينَ، إلى نَهْرٍ. قِيلَ: هو نَهْرُ الأُرْدُنْ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: في عَيْنِ ماءٍ كانَتْ هُناكَ، فَألْقَوْا فِيهِ أقْلامَهم، فارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيّا، ورَسَبَتْ أقْلامُهم فَتَكَفَّلَها. قِيلَ: واسْتَرْضَعَ لَها. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: ألْقَوْا أقْلامَهم فَجَرى قَلَمُ زَكَرِيّا عَكْسَ جَرْيَةِ الماءِ، ومَضَتْ أقْلامُهم مَعَ جَرْيَةِ الماءِ. وقِيلَ: عامَتْ مَعَ الماءِ مَعْرُوضَةً، وبَقِيَ قَلَمُ زَكَرِيّا واقِفًا، كَأنَّما رَكَزَ في طِينٍ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ زَكَرِيّا كانَ تَزَوَّجَ خالَتَها؛ لِأنَّهُ وعِمْرانَ كانا سِلْفَيْنِ عَلى أُخْتَيْنِ، ولَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ووَلَدَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ مَرْيَمَ. وقالَ السُّدِّيُّ، وغَيْرُهُ: كانَ زَكَرِيّا تَزَوَّجَ ابْنَةً أُخْرى لِعِمْرانَ. ويُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ، «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في يَحْيى وعِيسى: ابْنا الخالَةِ» . وقِيلَ: إنَّما كَفَلَها لِأنَّ أُمَّها هَلَكَتْ، وكانَ أبُوها قَدْ هَلَكَ وهي في بَطْنِ أُمِّها. وقِيلَ: كانَ زَكَرِيّا ابْنَ عَمِّها، وكانَتْ أُخْتُها تَحْتَهُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: تَرَعْرَعَتْ وأصابَ بَنِي إسْرائِيلَ مَجاعَةٌ، فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: إنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ إنْفاقِ مَرْيَمَ، فاقْتَرَعُوا عَلى مَن يَكْفُلُها، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ، فَجَعَلَ يُنْفِقُ عَلَيْها، وهَذا اسْتِهامٌ غَيْرُ الأوَّلِ، هَذا المُرادُ مِنهُ دَفَعَها لِلْإنْفاقِ عَلَيْها، والأوَّلُ المُرادُ مِنهُ: أخَذَها، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ زَكَرِيّا قَدْ كَفَلَها مِن لَدُنِ الطُّفُولَةِ دُونَ اسْتِهامٍ، والَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّ زَكَرِيّا إنَّما كَفَلَها بِالِاسْتِهامِ، ولَمْ يَدُلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ غَيْرَ زَكَرِيّا كَفَلَها، وكانَ زَكَرِيّا أوْلى بِكَفالَتِها؛ لِأنَّهُ مِن أقْرِبائِها مِن جِهَةِ أبِيها، ولِأنَّ خالَتَها أوْ أُخْتَها تَحْتَهُ، عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ، ولِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا، فَهو أوْلى بِها لِعِصْمَتِهِ. وزَكَرِيّا هو ابْنُ أذْنِ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وذَكَرَ النَّقِيبُ أبُو البَرَكاتِ الجَوّانِيُّ النَّسّابَةُ: أنَّ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، واليَسَعَ، وإلْياسَ، والعُزَيْرَ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَلا يَكُونُ عَلى هَذا زَكَرِيّا مِن ولَدِ سُلَيْمانَ، ولا يَكُونُ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ، لِأنَّ مَرْيَمَ مِن ذُرِّيَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُلَيْمانُ مِن يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، و مُوسى و هارُونُ بْنُ لاوى بْنِ يَعْقُوبَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ضَمَّها إلى خالَتِها أُمِّ يَحْيى، حَتّى إذا شَبَّتْ، وبَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّساءِ، بَنى لَها مِحْرابًا في المَسْجِدِ، وجَعَلَ بابَهُ في وسَطِهِ لا يُرْقى إلَيْهِ إلّا بِسُلَّمٍ، مِثْلَ بابِ الكَعْبَةِ، ولا يَصْعَدُ إلَيْها غَيْرُهُ. وقِيلَ: كانَ يُغْلِقُ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ إذا خَرَجَ. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ يُغْلِقُ عَلَيْها البابَ ومَعَهُ المِفْتاحُ، لا يَأْمَنُ عَلَيْهِ أحَدًا، فَإذا حاضَتْ أخْرَجَها إلى مَنزِلَهِ تَكُونُ مَعَ خالَتِها أُمِّ يَحْيى أوْ أُخْتِها، فَإذا طَهُرَتْ رَدَّها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: كانَتْ مُطَهَّرَةً مِنَ الحَيْضِ. ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ . قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: وجَدَ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وقالَ الحَسَنُ: تَكَلَّمَتْ في المَهْدِ، ولَمْ تُلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ، وإنَّما كانَتْ يَأْتِيها (p-٤٤٣)رِزْقُها مِنَ الجَنَّةِ. والَّذِي ورَدَ في الصَّحِيحِ «أنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ في المَهْدِ ثَلاثَةٌ: عِيسى، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وابْنُ المَرْأةِ»، ووَرَدَ مِن طَرِيقٍ شاذٍّ: صاحِبُ الأُخْدُودِ. والأغْرَبُ أنَّ مَرْيَمَ مِنهم. وقِيلَ: كانَ جُرَيْجٌ النَّجّارُ، واسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ حِينَ كَفَلَها بِالقُرْعَةِ، وقَدْ ضَعُفَ زَكَرِيّا عَنِ القِيامِ بِها، يَأْتِيها مِن كَسْبِهِ بِشَيْءٍ لَطِيفٍ عَلى قَدْرِ وُسْعِهِ، فَيَزْكُو ذَلِكَ الطَّعامُ ويَكْثُرُ، فَيَدْخُلُ زَكَرِيّا عَلَيْها فَيَتَحَقَّقُ أنَّهُ لَيْسَ مِن وُسْعِ جُرَيْجٍ، فَيَسْألُها. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ أنْ كَبُرَتْ، وهو الأقْرَبُ لِلصَّوابِ. وقِيلَ: كانَتْ تُرْزَقُ مِن غَيْرِ رِزْقِ بِلادِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عِنَبًا في مِكْتَلٍ، ولَمْ يَكُنْ في تِلْكَ البِلادِ عِنَبٌ، وقالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: كانَ بَعْضُ الصّالِحِينَ يَأْتِيها بِالرِّزْقِ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الَّذِي كَفَلَها بِالتَّرْبِيَةِ هو زَكَرِيّا لا غَيْرُهُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى كَفاهُ لَمّا كَفَلَها مُؤْنَةَ رِزْقِها، ووَضَعَ عَنْهُ بِحُسْنِ التَّكَفُّلِ مَشَقَّةَ التَّكَلُّفِ. وكُلَّما: تَقْتَضِي التَّكْرارَ، فَيَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ تَعَهُّدِهِ وتَفَقُّدِهِ لِأحْوالِها. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُودِ الرِّزْقِ عِنْدَها كُلَّ وقْتٍ يَدْخُلُ عَلَيْها، والمَعْنى: أنَّهُ غِذاءٌ يُتَغَذّى بِهِ لَمْ يَعْهَدْهُ عِنْدَها، ولَمْ يُوَجِّهْهُ هو. وأبْعَدَ مَن فَسَّرَ الرِّزْقَ هُنا بِأنَّهُ فَيْضٌ كانَ يَأْتِيها مِنَ اللَّهِ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ آدَمِيٍّ، فَسَمّاهُ رِزْقًا. قالَ الرّاغِبُ: واللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ، انْتَهى. وهَذا شَبِيهٌ بِتَفْسِيرِ الباطِنِيَّةِ. ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ اسْتَغْرَبَ زَكَرِيّا وُجُودَ الرِّزْقِ عِنْدَها، وهو لَمْ يَكُنْ أتى بِهِ، وتَكَرَّرَ وُجُودُهُ عِنْدَها كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها، فَسَألَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن وُصُولِ الرِّزْقِ إلَيْها، وكَيْفَ أتى هَذا الرِّزْقُ ؟ وأنّى: سُؤالٌ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، وعَنِ المَكانِ، وعَنِ الزَّمانِ، والأظْهَرُ أنَّهُ: سُؤالٌ عَنِ الجِهَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن أيِّ جِهَةٍ لَكِ هَذا الرِّزْقُ ؟ ولِذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ مِن أيْنَ ؟ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ سُؤالًا عَنِ الكَيْفِيَّةِ، أيْ: كَيْفَ تَهَيَّأ وُصُولُ هَذا الرِّزْقِ إلَيْكِ ؟ وقالَ الكُمَيْتُ: ؎أنّى ومِن أيْنَ أتاكَ الطَّرَبُ ∗∗∗ مِن حَيْثُ لا صَبْوَةٌ ولا طَرَبُ وجَوابُها سُؤالَهُ بِأنَّهُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ آدَمِيٌّ ألْبَتَّةَ، بَلْ هو رِزْقٌ يَتَعَهَّدُنِي بِهِ اللَّهُ - تَعالى - . وظاهِرُهُ أنَّهُ كانَ يَسْألُ كُلَّما وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا؛ لِأنَّ مِنَ الجائِزِ في الفِعْلِ أنْ يَكُونَ هَذا الثّانِي مِن جِهَةٍ غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، فَتُجِيبُهُ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتُحِيلُهُ عَلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، ومُبْرِزِ الأشْياءِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ إلى الوُجُودِ المَحْضِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَرِيحُ قَلْبُ زَكَرِيّا بِكَوْنِهِ لَمْ يَسْبِقْهُ أحَدٌ إلى تَعَهُّدِ مَرْيَمَ، وبِكَوْنِهِ يَشْهَدُ مَقامًا شَرِيفًا، واعْتِناءً لَطِيفًا بِمَنِ اخْتارَها اللَّهُ تَعالى بِأنْ جَعَلَها في كَفالَتِهِ. وهَذا الخارِقُ العَظِيمُ قِيلَ: هو بِدَعْوَةِ زَكَرِيّا لَها بِالرِّزْقِ، فَيَكُونُ مِن خَصائِصَ زَكَرِيّا، وقِيلَ: كانَ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّةِ ولَدِها عِيسى. وهَذانِ القَوْلانِ شَبِيهانِ بِأقْوالِ المُعْتَزِلَةِ؛ حَيْثُ يَنْفُونَ وُجُودَ الخارِقِ عَلى يَدِ غَيْرِ النَّبِيِّ، إلّا إنْ كانَ ذَلِكَ في زَمانِ نَبِيٍّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ. والظّاهِرُ أنَّها كَرامَةٌ خَصَّ اللَّهُ بِها مَرْيَمَ، ولَوْ كانَ خارِقًا لِأجْلِ زَكَرِيّا لَمْ يَسْألْ عَنْهُ زَكَرِيّا، وأمّا كَوْنُ ذَلِكَ لِأجْلِ نُبُوَّةِ عِيسى، فَهو كانَ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الخارِقُ مِنَ الآيَةِ الَّتِي قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وقالَ الجُبّائِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن مُعْجِزاتِ زَكَرِيّا، دَعا لَها عَلى الإجْمالِ. لِأنْ يُوَصِّلَ لَها رِزْقَها، ورُبَّما غَفَلَ عَنْ تَفاصِيلِ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأى شَيْئًا مُعَيَّنًا في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، سَألَ عَنْهُ، فَعَلِمَ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ، فَدَعا بِهِ أوْ سَألَ عَنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ الآتِي بِهِ إنْسانًا، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ، وسَألَ لِئَلّا يَكُونَ عَلى وجْهٍ لا يَنْبَغِي. ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، والظّاهِرُ أنَّها مِن كَلامِ مَرْيَمَ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ مِن كَلامِ مَرْيَمَ، وأنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ . «ورَوى جابِرٌ حَدِيثًا مُطَوَّلًا فِيهِ تَكْثِيرُ الخُبْزِ، واللَّحْمِ عَلى سَبِيلِ (p-٤٤٤)خَرْقِ العادَةِ، لِفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَألَها: مِن أيْنَ لَكِ هَذا ؟ فَقالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ. فَحَمِدَ اللَّهَ، وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةً بِسَيِّدَةِ نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ» . قِيلَ: وفي هَذِهِ الآياتِ أنْواعٌ مِنَ الفَصاحَةِ. العُمُومُ، الَّذِي يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في قَوْلِهِ: عَلى العالَمِينَ، والِاخْتِصاصُ في قَوْلِهِ: آدَمَ، ونُوحًا، وآلَ إبْراهِيمَ، وآلَ عِمْرانَ. وإطْلاقُ اسْمِ الفَرْعِ عَلى الأصْلِ، والمُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، في قَوْلِهِ: ”ذَرِّيَّةً“، فِيمَن قالَ المُرادُ: الآباءُ، والإبْهامُ في قَوْلِهِ: ما في بَطْنِي، لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْها الِاطِّلاعُ عَلى ما في بَطْنِها، أتَتْ بِلَفْظِ: ما، الَّذِي يَصْدُقُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، والتَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥] والخَبَرُ الَّذِي يُرادُ بِهِ الِاعْتِذارُ في قَوْلِها: وضَعْتُها أُنْثى، والِاعْتِراضُ في قَوْلِهِ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ، في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ التّاءَ، أوْ كَسَرَها، وتَلْوِينُ الخِطابِ، ومَعْدُولِهِ في قَوْلِهِ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتِ، في قِراءَةِ مَن كَسَرَ التّاءَ، خَرَجَ مِن خِطابِ الغَيْبَةِ، في قَوْلِها: فَلَمّا وضَعَتْها، إلى خِطابِ المُواجَهَةِ في قَوْلِهِ: بِما وضَعْتِ، والتَّكْرارُ في: وأنِّي، وفي: زَكَرِيّا، وزَكَرِيّا، وفي: مِن عِنْدِ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ، وأنْبَتَها نَباتًا، وفي: رِزْقًا ويَرْزُقُ، والإشارَةُ، وهو أنْ يُعَبِّرَ بِاللَّفْظِ الظّاهِرِ عَنِ المَعْنى الخَفِيِّ، في قَوْلِهِ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، أيْ هو رِزْقٌ لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا اللَّهُ. وفي قَوْلِهِ: رِزْقًا، أتى بِهِ مُنَكَّرًا مُشِيرًا إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، بَلْ مِن أجْناسٍ كَثِيرَةٍ، لِأنَّ النَّكِرَةَ تَقْتَضِي الشُّيُوعَ والكَثْرَةَ. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ لا يَصِحُّ المَعْنى إلّا بِاعْتِبارِها. ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ أصْلُ: هُنالِكَ، أنْ يَكُونَ إشارَةً لِلْمَكانِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ، وقِيلَ بِهِما في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ في ذَلِكَ المَكانِ دَعا زَكَرِيّا، أوْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمّا رَأى هَذا الخارِقَ العَظِيمَ لِمَرْيَمَ، وأنَّها مِمَّنِ اصْطَفاها اللَّهُ، ارْتاحَ إلى طَلَبِ الوَلَدِ، واحْتاجَ إلَيْهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، ولِأنْ يَرِثَ مِنهُ ومِن آلِ يَعْقُوبَ، كَما قَصَّهُ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ، ولَمْ يَمْنَعْهُ مِن طَلَبِهِ كَوْنُ امْرَأتِهِ عاقِرًا، إذْ رَأى مِن حالِ مَرْيَمَ أمْرًا خارِجًا عَنِ العادَةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ولَدًا مَعَ كَوْنِ امْرَأتِهِ كانَتْ عاقِرًا، إذْ كانَتْ حَنَّةُ قَدْ رُزِقَتْ مَرْيَمَ بَعْدَما أيِسَتْ مِنَ الوُلْدِ. وانْتِصابُ: هُنالِكَ، بِقَوْلِهِ: دَعا، ووَقَعَ في تَفْسِيرِ السَّجاوَنْدِيِّ: أنَّ هُناكَ في المَكانِ، وهُنالِكَ في الزَّمانِ، وهو وهْمٌ، بَلِ الأصْلُ أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ سَواءٌ اتَّصَلَتْ بِهِ اللّامُ والكافُ، أوِ الكافُ فَقَطْ، أوْ لَمْ يَتَّصِلا. وقَدْ يَتَجَوَّزُ بِها عَنِ المَكانِ إلى الزَّمانِ، كَما أنَّ أصْلَ عِنْدَ، أنْ يَكُونَ لِلْمَكانِ، ثُمَّ يَتَجَوَّزُ بِها لِلزَّمانِ، كَما تَقُولُ: آتِيكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. قِيلَ: واللّامُ في: هُنالِكَ، دَلالَةٌ عَلى بُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ، فَإنَّهُ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ دُعائِهِ، وإجابَتِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً. وقِيلَ: دَخَلَتِ اللّامُ لِبُعْدِ مَنالِ هَذا الأمْرِ؛ لِكَوْنِهِ خارِقًا لِلْعادَةِ، كَما أُدْخِلَ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] لِبُعْدِ مَنالِهِ، وعِظَمِ ارْتِفاعِهِ، وشَرَفِهِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: كانَتْ نَفْسُهُ تُحَدِّثُهُ بِأنْ يَهِبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا يَبْقى بِهِ الذِّكْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدْعُو مُراعاةً لِلْأدَبِ، إذِ الأدَبُ أنْ لا يَدْعُوَ لِمُرادٍ إلّا فِيما هو مُعْتادُ الوُجُودِ، وإنْ كانَ اللَّهُ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمّا رَأى عِنْدَها ما هو ناقِضٌ لِلْعادَةِ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى الدُّعاءِ في طَلَبِ الوَلَدِ غَيْرِ المُعْتادِ انْتَهى. وقَوْلُهُ: كانَتْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ دَعا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنْ يَتَوَخّى العَبْدُ بِدُعائِهِ الأمْكِنَةَ المُبارَكَةَ، والأزْمِنَةَ المُشَرَّفَةَ. ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ شَرْحٌ لِلدُّعاءِ، وتَفْسِيرٌ لَهُ، وناداهُ بِلَفْظِ: رَبِّ؛ إذْ هو مُرَبِّيهِ ومُصْلِحُ حالِهِ، وجاءَ الطَّلَبُ بِلَفْظِ: ”هَبْ“، لِأنَّ الهِبَةَ إحْسانٌ مَحْضٌ لَيْسَ في مُقابَلَتِها شَيْءٌ يَكُونُ عِوَضًا لِلْواهِبِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَكادُ يَكُونُ عَلى سَبِيلِ ما لا تَسَبُّبَ فِيهِ: لا مِنَ الوالِدِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، ولا مِنَ الوالِدَةِ لِكَوْنِها عاقِرًا لا تَلِدُ، فَكانَ وجُودُهُ كالوُجُودِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، أتى هِبَةً مَحْضَةً مَنسُوبَةً إلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: مِن لَدُنْكَ، أيْ: مِن جِهَةِ مَحْضِ قُدْرَتِكَ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ. وتَقَدَّمَ أنَّ: (p-٤٤٥)لَدُنْ، لِما قَرُبَ، وعِنْدَ: لِما قَرُبَ ولِما بَعُدَ، وهي أقَلُّ إبْهامًا مِن لَدُنْ، ألا تَرى أنَّ عِنْدَ، تَقَعُ جَوابًا لِـ ”أيْنَ“، ولا تَقَعُ لَهُ جَوابًا لَدُنْ ؟ . (ومِن لَدُنْكَ) مُتَعَلِّقٌ: بِهَبْ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِن: ”ذَرِّيَّةً“؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، فَعَلى هَذا تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، والذُّرِّيَّةُ: جِنْسٌ يَقَعُ عَلى واحِدٍ، فَأكْثَرَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ هُنا واحِدًا؛ دَلِيلُ ذَلِكَ طَلَبُهُ ولِيًّا، ولَمْ يَطْلُبْ أوْلِياءَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيما قالَهُ الطَّبَرِيُّ تَعَقُّبٌ، وإنَّما الذُّرِّيَّةُ والوَلِيُّ اسْما جِنْسٍ يَقَعانِ لِلْواحِدِ فَما زادَ، وهَكَذا كانَ طَلَبُ زَكَرِيّا انْتَهى. وفَسَّرَ: طَيِّبَةً، بِأنْ تَكُونَ سَلِيمَةً في الخُلُقِ وفي الدِّينِ تَقِيَّةً. وقالَ الرّاغِبُ: صالِحَةً، واسْتِعْمالُ الصّالِحِ في الطَّيِّبِ كاسْتِعْمالِ الخَبِيثِ في ضِدِّهِ، عَلى أنَّ في الطَّيِّبِ زِيادَةَ مَعْنًى عَلى الصّالِحِ. وقِيلَ: أرادَ: بِطَيِّبَةٍ، أنَّها تَبْلُغُ في الدِّينِ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ، فَإنْ كانَ أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ مَدْلُولَها مِن كَوْنِها اسْمَ جِنْسٍ، ولَمْ يُقَيَّدْ بِالوَحْدَةِ، فَوَصَفَها بِطَيِّبَةٍ، واضِحٌ وإنْ كانَ أرادَ ذَكَرًا واحِدًا، فَأنَّثَ لِتَأْنِيثِ اللَّفْظِ، كَما قالَ: ؎أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ سُكاتٍ إذا ما عَضَّ لَيْسَ بأدْرَدا وكَما قالَ: ؎أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ وفِي قَوْلِهِ: ﴿هَبْ لِي﴾ دَلالَةٌ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ الصّالِحِ، والدُّعاءِ بِحُصُولِهِ، وهي سُنَّةُ المُرْسَلِينَ والصِّدِّيقِينَ والصّالِحِينَ. ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لَمّا دَعا رَبَّهُ بِأنَّهُ يَهِبُ لَهُ ولَدًا صالِحًا، أخْبَرَ بِأنَّهُ تَعالى مُجِيبُ الدُّعاءِ. ولَيْسَ المَعْنى عَلى السَّماعِ المَعْهُودِ، بَلْ مِثْلُ قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. عَبَّرَ بِالسَّماعِ عَنِ الإجابَةِ إلى المَقْصِدِ، واقْتَفى في ذَلِكَ جَدَّهُ الأعْلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ ورَزَقَهُ عَلى الكِبَرِ، كَما رَزَقَ إبْراهِيمَ عَلى الكِبَرِ، وكانَ قَدْ تَعَوَّدَ مِنَ اللَّهِ إجابَةَ دُعائِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] ؟ . قِيلَ: وذَكَرَ تَعالى في كَيْفِيَّةِ دُعائِهِ ثَلاثَ صِيَغٍ: أحَدُهُا: هَذا، والثّانِي: ﴿إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] إلى آخِرِهِ. والثّالِثُ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] فَدَلَّ عَلى أنَّ الدُّعاءَ تَكَرَّرَ مِنهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، بِهَذِهِ الثَّلاثِ الصِّيَغِ، ودَلَّ عَلى أنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ زَمانًا انْتَهى. ولا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تَكْرِيرُ الدُّعاءِ، كَما قِيلَ: لِأنَّهُ حالَةُ الحِكايَةِ قَدْ يَكُونُ حُكِيَ في قَوْلِهِ ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء: ٨٩] عَلى سَبِيلِ الإيجازِ، وفي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلى سَبِيلِ الإسْهابِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ. وهَذِهِ الحِكايَةُ في هَذِهِ الصِّيَغِ إنَّما هي بِالمَعْنى، إذْ لَمْ يَكُنْ لِسانُهم عَرَبِيًّا، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ دُعاءٌ واحِدٌ مُتَعَقَّبٌ بِالتَّبْشِيرِ، العَطْفُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] وفي قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] وظاهِرُ قَوْلِهِ في مَرْيَمَ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧] اعْتِقابُ التَّبْشِيرِ الدُّعاءُ لا تَأخُّرُهُ عَنْهُ.

آل عمران 3:39

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: النِّداءُ يُسْتَعْمَلُ في التَّبْشِيرِ، وفِيما يَنْبَغِي أنْ يُسْرَعَ بِهِ، ويَنْهى إلى نَفْسِ السّامِعِ لِيُسَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا إخْبارًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلى عُرْفِ الوَحْيِ، بَلْ نِداءٌ كَما نادى الرَّجُلُ الأنْصارِيُّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، مِن أعْلى الجَبَلِ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ. ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ، بَلِ المُناداةُ تَكُونُ لِتَبْشِيرٍ ولِتَحْزِينٍ؛ ولِغَيْرِ ذَلِكَ، كَما جاءَ. «‌يا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ بِلا مَوْتٍ» وجاءَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] وإنَّما فُهِمَتِ البِشارَةُ في الآيَةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ [آل عمران: ٤٥] لا أنَّ لَفْظَ نادَتْهُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، لا بِالوَضْعِ ولا بِالِاسْتِعْمالِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِداؤُهم إيّاهُ عَلى سَبِيلِ الوَحْيِ، أيْ: أُوحِيَ إلَيْهِمْ بِأنْ يُنادُوهُ، أوْ يَكُونَ نادَوْهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، كَما يُقالُ لَكَ: بَلِّغْ زَيْدًا كَذا وكَذا، فَتَقُولَ لَهُ: يا زَيْدُ جَرى كَذا وكَذا. وهُما قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَقَبَّلَ اللَّهُ دُعاءَهُ، ووَهَبَ لَهُ يَحْيى، وبَعَثَ إلَيْهِ المَلائِكَةَ بِذَلِكَ، فَنادَتْهُ. وذَكَرَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ دُعائِهِ والِاسْتِجابَةِ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والظّاهِرُ خِلافُ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ مُنادِيَهُ جَماعَةٌ مِنَ (p-٤٤٦)المَلائِكَةِ لِصِيغَةِ اللَّفْظِ، وقَدْ بَعَثَ تَعالى - مَلائِكَةً إلى قَوْمِ لُوطٍ، وإلى إبْراهِيمَ، وفي غَيْرِ ما قَصَّهُ. وذَكَرَ الجُمْهُورُ أنَّ المُنادِيَ هو جِبْرِيلُ وحْدَهُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ، ومُصْحَفُهُ: فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قِيلَ المَلائِكَةُ عَلى قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، يَعْنِي: إنَّ الَّذِي ناداهُ هو مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، لا يُرِيدُ خُصُوصِيَّةَ الجَمْعِ، كَما أنَّ قَوْلَهم: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ لا يُرِيدُ خُصُوصِيَّةَ الجَمْعِ، إنَّما يُرِيدُ مَرْكُوبَهُ مِن هَذا الجِنْسِ. وخَرَجَ عَلَيْهِ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ، وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ. وقالَ الفَضْلُ: الرَّئِيسُ يُخْبَرُ عَنْهُ أخْبارُ الجَمْعِ لِاجْتِماعِ أصْحابِهِ مَعَهُ، أوْ لِاجْتِماعِ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ فِيهِ، المُتَفَرِّقَةِ في غَيْرِهِ. فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَثْرَةِ لِذَلِكَ. قِيلَ: وجِبْرِيلُ رَئِيسُ المَلائِكَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَناداهُ، مُمالَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: فَنادَتْهُ، بِتاءِ التَّأْنِيثِ، والمَلائِكَةُ: جَمْعُ تَكْسِيرٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَلْحَقَ العَلامَةُ، وأنْ لا يَلْحَقَ. تَقُولُ: قامَ الرِّجالُ، وقامَتِ الرِّجالُ. وإلْحاقُ العَلامَةِ قِيلَ: أحْسَنُ، ألا تَرى: إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ؟ ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا ؟ ومُحَسَّنٌ الحَذْفُ هُنا الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ. ﴿وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ ذَكَرَ البَغَوِيُّ أنَّ زَكَرِيّا كانَ الحَبْرَ الكَبِيرَ الَّذِي يُقَرِّبُ القُرْبانَ، ويَفْتَحُ بابَ المَذْبَحِ، فَلا يَدْخُلُونَ حَتّى يُؤْذَنَ. فَبَيْنَما هو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ، يَعْنى المَسْجِدَ عِنْدَ المَذْبَحِ، والنّاسُ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُؤْذَنَ لَهم في الدُّخُولِ، إذا هو بِرَجُلٍ عَلَيْهِ ثِيابٌ بِيضٌ، فَفَزِعَ مِنهُ، فَناداهُ، وهو جِبْرِيلُ: يا زَكَرِيّا إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ. وقِيلَ: المِحْرابُ مَوْقِفُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ: القِبْلَةُ. والظّاهِرُ أنَّ المِحْرابَ، هو المِحْرابُ الَّذِي قَبْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ [آل عمران: ٣٧] فَفي المَكانِ الَّذِي رَأى فِيهِ خَرْقَ العادَةِ، فِيهِ دَعا، وفِيهِ جاءَتْهُ البِشارَةُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ في شَرِيعَتِهِمْ. وقِيلَ: الصَّلاةُ هُنا الدُّعاءُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نِداءِ المُتَلَبِّسِ بِالصَّلاةِ وتَكْلِيمِهِ، وإنْ كانَ في ذَلِكَ شَغْلٌ لَهُ عَنْ صَلاتِهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، أوْ مِنَ المَلائِكَةِ، ويُصَلِّي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً: لِـ ”قائِمٌ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في: ”قائِمٌ“، أوْ: مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، عَلى مَذْهَبِ مَن جَوَّزَ حالَيْنِ مِن ذِي حالٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا: لِـ ”هو“، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ. ويَتَعَلَّقُ: في المِحْرابِ، بِقَوْلِهِ: يُصَلِّي، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ: بِـ ”قائِمٌ“، في وجْهٍ مِنِ احْتِمالاتِ إعْرابِ: يُصَلِّي، إلّا في وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنْ يَكُونَ: يُصَلِّي، حالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي اسْتَكَنَّ في: ”قائِمٌ“، فَيَجُوزُ. لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَتَّحِدُ العامِلُ فِيهِ، وفي: يُصَلِّي، وهو: ”قائِمٌ“؛ لِأنَّ العامِلَ إذْ ذاكَ في الحالِ هو: ”قائِمٌ“، إذْ هو العامِلُ في ذِي الحالِ، وبِهِ يَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ قالُوا: دَلالَةٌ عَلى جَوازِ قِيامِ الإمامِ في مِحْرابِهِ، وقَدْ كَرِهَهُ أبُو حَنِيفَةَ، وقالَ: كانَ ذَلِكَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا. ورَقَّقَ ورْشٌ راءَ: ”المِحْرابِ“، وأمالَ الرّاءَ ابْنُ ذَكْوانَ إذا كانَ: ”المِحْرابِ“، مَجْرُورًا، ونَسَبَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ إلى ابْنِ عامِرٍ. ولَمْ يُقَيِّدْ بِالجَرِّ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: إنَّ اللَّهَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. فَعِنْدَ البَصْرِيِّينَ الكَسْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: وقالَتْ. وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ لا إضْمارَ؛ لِأنَّ غَيْرَ القَوْلِ مِمّا هو في مَعْناهُ: كالنِّداءِ والدُّعاءِ، يَجْرِي مَجْرى القَوْلِ في الحِكايَةِ، فَكُسِرَتْ ”بِنادَتْهُ“، لِأنَّ مَعْناهُ قالَتْ لَهُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو مَعْمُولٌ لِباءٍ مَحْذُوفَةٍ في الأصْلِ، أيْ بِتَبْشِيرٍ: وحِينَ حُذِفَتْ، فالمَوْضِعُ نَصْبٌ بِالفِعْلِ، أوْ جَرٌّ بِالباءِ المَحْذُوفَةِ، قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّما في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِن هَذا الكِتابِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: يا زَكَرِيّا إنَّ اللَّهَ. فَقَوْلُهُ: يا زَكَرِيّا، هو مَعْمُولُ النِّداءِ. فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ فَتْحُ: ”إنَّ“، عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، لِأنَّ الفِعْلَ قَدِ اسْتَوْفى مَفْعُولَيْهِ، وهُما: الضَّمِيرُ والمُنادى. وتَبْلِيغُ البِشارَةِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ لَيْسَتْ بِشارَةً مِنَ الرَّسُولِ، بَلْ مِنَ المُرْسِلِ. ألا تَرى إضافَةَ ذَلِكَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: يُبَشِّرُكَ ؟ . (p-٤٤٧)وقَدْ قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧] فَأسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: يُبَشِّرُكَ، في المَوْضِعَيْنِ في قِصَّةِ زَكَرِيّا، وقِصَّةِ مَرْيَمَ، وفي الإسْراءِ، وفي الكَهْفِ، وفي الشُّورى، مِن: بَشَرَ، مُخَفَّفًا. وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وفي الشُّورى زادَ حَمْزَةُ في الحِجْرِ: (ألا فَبِمَ تُبَشِّرُونِ ؟) و مَرْيَمَ، وقَرَأ الباقُونَ: يُبَشِّرُ، مِن بَشَّرَ المُضَعَّفِ العَيْنِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ يُبَشِّرُ في جَمِيعِ القُرْآنِ مِن أبْشَرَ، وهي لُغًى ثَلاثٌ، ذَكَرَها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎بَشَرْتُ عِيالِي إذْ رَأيْتُ صَحِيفَةً أتَتْكَ مِنَ الحَجّاجِ يُتْلى كِتابُها وقالَ الآخَرُ: ؎يا بِشْرُ حَقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشِيرُ ∗∗∗ هَلّا غَضِبْتَ لَنا وأنْتَ أمِيرُ بِيَحْيى، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: نُبَشِّرُكَ، والمَعْنى: بِوِلادَةِ يَحْيى مِنكَ، ومِنَ امْرَأتِكَ، فَإنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَمَنعُ صَرْفِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَلِلْعَلَمِيَّةِ، ووَزْنُ الفِعْلِ، كَيَعْمُرَ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذا. وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ لاحَظُوا فِيهِ مَعْنى الِاشْتِقاقِ مِنَ الحَياةِ. قالَ قَتادَةُ: سَمّاهُ اللَّهُ يَحْيى لِأنَّهُ أحْياهُ بِالإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ المُفَضَّلِ: حَيِيَ بِالعِصْمَةِ والطّاعَةِ، وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ اسْتُشْهِدَ، والشُّهَداءُ أحْياءٌ رُوِيَ في الحَدِيثِ: «مِن هَوانِ الدُّنْيا عَلى اللَّهِ أنَّ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا قَتَلَتْهُ امْرَأةٌ» وقالَ مُقاتِلٌ: سُمِّيَ يَحْيى؛ لِأنَّهُ أحْياهُ بَيْنَ شَيْخٍ، وعَجُوزٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ يَمُوتُ فَسُمِّيَ يَحْيى تَفاؤُلًا، كالمَفازَةِ، والسَّلِيمِ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ النّاسَ بِالهُدى. ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الكَلِمَةَ هو عِيسى، وسَيَأْتِي لِمَ سُمِّيَ كَلِمَةً ؟ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم. قالَ الرَّبِيعُ، وغَيْرُهُ: كانَ يَحْيى أوَّلَ مَن صَدَّقَ بِعِيسى، وشَهِدَ أنَّهُ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وكانَ يَحْيى أكْبَرَ مِن عِيسى بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، وقِيلَ: بِثَلاثِ سِنِينَ، وقُتِلَ قَبْلَ رَفْعِ عِيسى، وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ: إنِّي لَأجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَتَحَرَّكُ، وفي رِوايَةٍ: يَسْجُدُ، وفي رِوايَةٍ: يُومِي بِرَأْسِهِ لِما في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ، وهو أوَّلُ التَّصْدِيقِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ؛ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما، أوْقَعَ المُفْرَدَ مَوْقِعَ الجَمْعِ، فالكَلِمَةُ اسْمُ جِنْسٍ، وقَدْ سَمَّتِ العَرَبُ القَصِيدَةَ كَلِمَةً، رُوِيَ أنَّ الحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسّانٍ، فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، أيْ: قَصِيدَتَهُ. وفي الحَدِيثِ: ”«أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: ؎ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ ∗∗∗ وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ“ » وقِيلَ مَعْنى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هُنا أيْ: بِوَعْدٍ مِنَ اللَّهِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ العَدَوِيُّ: بِكِلْمَةٍ، بِكَسْرِ الكافِ، وسُكُونِ اللّامِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ مِثْلَ: كَتِفٌ، وكِتْفٌ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أتْبَعَ فاءَ الكَلِمَةِ لِعَيْنِها، فَيَقِلُّ اجْتِماعُ كَسْرَتَيْنِ، فَسَكَّنَ العَيْنَ. ومِنهم مَن يُسَكِّنُها مَعَ فَتْحِ الفاءِ اسْتِثْقالًا لِلْكَسْرَةِ في العَيْنِ. وانْتُصِبَ: مُصَدِّقًا، عَلى الحالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، بِحَسْبِ حالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وسَيِّدًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّيِّدُ: الكَرِيمُ، وقالَ قَتادَةُ: الحَلِيمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَيِّدٌ لا تَحِلُّ حَبْوَتُهُ ∗∗∗ بَوادِرَ الجاهِلِينَ إنْ جَهِلُوا وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن لا يَغْلِبُهُ الغَضَبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الحَسَنُ الخُلُقِ، وقالَ سالِمٌ: التَّقِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرِيفُ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ عاصِمٍ: الرّاضِي بِقَضاءِ اللَّهِ، وقالَ الخَلِيلُ: المُطاعُ الفائِقُ أقْرانَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: المُتَوَكِّلُ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: العَظِيمُ الهِمَّةِ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: السَّيِّدُ مَن لا يَحْسُدُ؛ مِن قَوْلِهِمُ: الحَسُودُ لا يَسُودُ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ في الخَيْرِ قَوْمَهُ. (p-٤٤٨)وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: السَّيِّدُ المالِكُ الَّذِي تَجِبُ طاعَتُهُ. ولِهَذا قِيلَ لِلزَّوْجِ: سَيِّدٌ، وقِيلَ: سَيِّدُ الغُلامِ، وقالَ سَلَمَةُ عَنِ الفَرّاءِ: السَّيِّدُ المالِكُ، والسَّيِّدُ الرَّئِيسُ، والسَّيِّدُ الحَكِيمُ، والسَّيِّدُ السَّخِيُّ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «السَّيِّدُ مَن أُعْطِيَ مالًا ورُزِقَ سَماحًا، فَأدْنى الفُقَراءَ، وقَلَّتْ شِكايَتُهُ في النّاسِ» . وفي مَعْناهُ: مَن بَذَلَ مَعْرُوفَهُ وكَفَّ أذاهُ، وقالَ في الحَدِيثِ لِبَنِي سَلِمَةَ، وقَدْ سَألَهم مَن سَيِّدُكم فَقالُوا: الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلى بُخْلِهِ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: «وأيُّ داءٍ أدْوى مِنَ البُخْلِ ؟ سَيِّدُكم عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ ”» . وسُمِّيَ أيْضًا سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ سَيِّدًا، في قَوْلِهِ:“ «قُومُوا إلى سَيِّدِكم» . أيْ: رَئِيسِكم، والمُطاعُ فِيكم. وسُمِّيَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: سَيِّدًا. في قَوْلِهِ: «إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّيِّدُ الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ أيْ: يَفُوقُها في الشَّرَفِ. وكانَ يَحْيى قائِمًا لِقَوْمِهِ، قائِمًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ في أنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ سَيِّئَةً قَطُّ، ويا لَها مِن سِيادَةٍ ؟ انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما مُلَخَّصُهُ: خَصَّهُ اللَّهُ بِذِكْرِ السُّؤْدُدِ، وهو الِاعْتِمالُ في رِضا النّاسِ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ، دُونَ أنْ يُوقَعَ في باطِلٍ، وتَفْصِيلُهُ: بَذْلُ النَّدى، وهو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى، وهي العِفَّةُ في الفَرْجِ واليَدِ واللِّسانِ، واحْتِمالُ العَظائِمِ، وهُنا هو الحُلْمُ مِن تَحَمُّلِ الغَراماتِ، وجَبْرُ الكَسِيرِ، والإنْقاذُ مِنَ الهَلَكاتِ. وقَدْ يُوجَدُ مِنَ الثِّقاةِ العُلَماءِ مَن لا يُبْرِزُ في هَذِهِ الخِصالِ، وقَدْ يُوجَدُ مَن يَبْرُزُ فِيها، فَيُسَمّى سَيِّدًا، وإنْ قَصَّرَ في مَندُوبٍ، ومُكافَحَةٍ في حَقٍّ وقِلَّةِ مُبالاةٍ بِاللّائِمَةِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: ما رَأيْتُ أسْوَدَ مِن مُعاوِيَةَ ؟ قِيلَ لَهُ: وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ ؟ قالَ: هُما خَيْرٌ مِنهُ، ومُعاوِيَةُ أسْوَدُ مِنهُما، انْتَهى كَلامُهُ. وهَذِهِ الأقْوالُ الَّتِي ذُكِرَتْ في تَفْسِيرِ السَّيِّدِ كُلُّها يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا في وصْفِ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ، وأحَقُّ النّاسِ بِصِفاتِ الكَمالِ هُمُ النَّبِيُّونَ. وفي قَوْلِهِ: وسَيِّدًا، دَلالَةٌ عَلى إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلى مَن فِيهِ سِيادَةٌ، وهو مِن أوْصافِ المَدْحِ. ولا يُقالُ ذَلِكَ لِلظّالِمِ، والمُنافِقِ، والكافِرِ. ووَرَدَ النَّهْيُ: «لا تَقُولُوا لِلْمُنافِقِ سَيِّدًا»، وما جاءَ مِن قَوْلِهِ ﴿أطَعْنا سادَتَنا﴾ [الأحزاب: ٦٧] فَعَلى ما في اعْتِقادِهِمْ وزَعْمِهِمْ. قِيلَ: وما «جاءَ في حَدِيثِ وفْدِ بَنِي عامِرٍ مِن قَوْلِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أنْتَ سَيِّدُنا، وذُو الطَّوْلِ عَلَيْنا، فَقالَ: ”السَّيِّدُ هو اللَّهُ، تَكَلَّمُوا بِكَلامِكم“»، فَمَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ رَآهم مُتَكَلِّفِينَ لِذَلِكَ، أوْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ سَيِّدُ البَشَرِ، وقَدْ سَمّى هو الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ سَيِّدًا، وكَذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وعَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ. ﴿وحَصُورًا﴾ هو الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وحَصُورًا لا يُرِيدُ نِكاحًا ∗∗∗ لا ولا يَبْتَغِي النِّساءَ الصِّباحا وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ تَزَوَّجَ مَعَ ذَلِكَ؛ لِيَكُونَ أغَضَّ لِبَصَرِهِ، وقِيلَ: الحاصِرُ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ، وقِيلَ: عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، وقِيلَ: الحَصُورُ الهَيُوبُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَّحّاكُ، والمُسَيَّبُ: هو العِنِّينُ الَّذِي لا ذَكَرَ لَهُ، يَتَأتّى بِهِ النِّكاحُ ولا يَنْزِلُ. وإيرادُ الحَصُورِ وصْفًا في مَعْرِضِ الثَّناءِ الجَمِيلِ إنَّما يَكُونُ عَنِ الفِعْلِ المُكْتَسَبِ دُونَ الجِبِلَّةِ في الغالِبِ، والَّذِي يَقْتَضِيهُ مَقامُ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ كانَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِن شَهَواتِ الدُّنْيا مِنَ النِّساءِ، وغَيْرِهِنَّ، ولَعَلَّ تَرْكَ النِّساءِ زَهادَةٌ فِيهِنَّ كانَ شَرْعُهم إذْ ذاكَ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَ طَعامُ يَحْيى العُشْبَ، وكانَ يَبْكِي مِن خَشْيَةِ اللَّهِ حَتّى لَوْ كانَ القارُ عَلى عَيْنَيْهِ لَخَرَقَهُ، وكانَ الدَّمْعُ اتَّخَذَ مَجْرًى في وجْهِهِ. قِيلَ: ومَن هَذا حالُهُ فَهو في شَغْلٍ عَنِ النِّساءِ، وغَيْرِهِنَّ مِن شَهَواتِ الدُّنْيا. وقِيلَ: الحَصُورُ الَّذِي لا يَدْخُلُ مَعَ القَوْمِ في المَيْسِرِ. قالَ الأخْطَلُ: ؎وشارِبٌ مُرْبِحٌ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَآرٍ فاسْتُعِيرَ لِمَن لا يَدْخُلُ في اللَّعِبِ واللَّهْوِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ: مَرَّ، وهو طِفْلٌ بِصِبْيانٍ فَدَعَوْهُ إلى اللَّعِبِ، فَقالَ: (p-٤٤٩)ما لِلَعِبٍ خُلِقْتُ. والحَصُورُ والحَصِرُ كاتِمُ السِّرِّ، قالَ جَرِيرُ: ؎ولَقَدْ تُساقِطُنِي الوُشاةُ فَصادَفُوا ∗∗∗ حَصِرًا بِسِرِّكَ يا أُمَيْمُ ضَنِينا وجاءَ في الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ العاصِي، ما مَعْناهُ: أنَّ يَحْيى لَمْ يَكُنْ لَهُ ما لِلرِّجالِ إلّا مِثْلَ هَذا العُودِ، يُشِيرُ إلى عُوَيْدٍ صَغِيرٍ. وفي رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: كانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هَذِهِ القَذاةِ، يُشِيرُ إلى قَذاةٍ مِنَ الأرْضِ أخَذَها. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﴿وحَصُورًا﴾ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّبَتُّلَ لِنَوافِلِ العِباداتِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، خِلافًا لِمَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّهُ بِالعَكْسِ. ﴿ونَبِيًّا﴾ هَذا الوَصْفُ الأشْرَفُ، وهو أعْلى الأوْصافِ، فَذَكَرَ أوَّلًا الوَصْفَ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ الأوْصافُ بَعْدَهُ، وهو: التَّصْدِيقُ الَّذِي هو الإيمانُ، ثُمَّ ذَكَرَ السِّيادَةَ، وهي الوَصْفُ يَفُوقُ بِهِ قَوْمَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الزَّهادَةَ، وخُصُوصًا فِيما لا يَكادُ يُزْهَدُ فِيهِ وذَلِكَ النِّساءُ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّتْبَةَ العُلْيا، وهي: رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ. وفي هَذِهِ الأوْصافِ تَشابُهٌ مِن أوْصافِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ، وذَلِكَ أنَّ زَكَرِيّا لَمّا رَأى ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مَرْيَمُ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وما خَصَّها اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الخَوارِقِ لِلْعادَةِ، دَعا رَبَّهُ أنْ يَهِبَ لَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ، ووَهَبَ لَهُ يَحْيى عَلى وفْقِ ما طَلَبَ، فالتَّصْدِيقُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَرْيَمَ ويَحْيى، وكانَتْ مَرْيَمُ سَيِّدَةَ بَنِي إسْرائِيلَ بِنَصِّ الرَّسُولِ في حَدِيثِ فاطِمَةَ، وكانَ يَحْيى سَيِّدًا، فاشْتَرَكا في هَذا الوَصْفِ. وكانَتْ مَرْيَمُ عَذْراءَ بَتُولًا لَمْ يَمْسَسْها بَشَرٌ، وكانَ يَحْيى لا يَقْرُبُ النِّساءَ. وكانَتْ مَرْيَمُ أتاها المَلَكُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وحاوَرَتاها عَنِ اللَّهِ بِمُحاوَراتٍ حَتّى زَعَمَ قَوْمٌ أنَّها كانَتْ نَبِيَّةً، وكانَ يَحْيى نَبِيًّا، وحَقِيقَةُ النُّبُوَّةِ هو أنَّ يُوحِيَ اللَّهُ إلَيْهِ، فَقَدِ اشْتَرَكا في هَذا الوَصْفِ. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى مِن أصْلابِ الأنْبِياءِ، كَما قالَ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وصالِحًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ. كَما قالَ تَعالى في وصْفِ إبْراهِيمَ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ مِن صالِحِي الحالِ عِنْدَ اللَّهِ قالَ الكِرْمانِيُّ: خُصَّ الأنْبِياءُ بِذِكْرِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَخَلَّلُ صَلاحَهم خِلافُ ذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: الصّالِحُ هو الَّذِي يُؤَدِّي ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ، وإلى النّاسِ حُقُوقَهُمُ انْتَهى. وقَدْ قالَ سُلَيْمانُ بَعْدَ حُصُولِ النُّبُوَّةِ لَهُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] قِيلَ: وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ لِلْأنْبِياءِ قَدْرًا مِنَ الصَّلاحِ لَوِ انْتَقَصَ لانْتَفَتِ النُّبُوَّةُ، ثُمَّ بَعْدَ اشْتِراكِهِمْ في ذَلِكَ القَدْرِ تَتَفاوَتُ دَرَجاتُهم في الزِّيادَةِ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ، فَمَن كانَ أكْثَرَ نَصِيبًا مِنَ الصَّلاحِ كانَ أعْلى قَدْرًا. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: الصَّلاحُ يَتَحَقَّقُ في كُلِّ نَبِيٍّ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وفي غَيْرِهِمْ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْضُها، وإنْ كانَ الِاسْمُ يَنْطَلِقُ عَلى الكُلِّ لَكِنَّ سَبَبَ اسْتِحْقاقِ الِاسْمِ في الأنْبِياءِ هو تَحْقِيقُ الصَّلاحِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وفي غَيْرِهِمْ مِن بَعْضِها، فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ حَتّى يَنْقَطِعَ احْتِمالُ جَوازِ النُّبُوَّةِ في مُطْلَقِ المُؤْمِنِينَ، فَكانَ تَقْيِيدُهُ بِاسْمِ الصَّلاحِ مُفِيدًا. وقِيلَ: مِنَ الصّالِحِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى الدَّوامِ عَلى الإيمانِ، والأمْنِ مِن خَوْفِ الخاتِمَةِ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ سُؤالُهُ رَبَّهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] فَلا شَكَّ في إمْكانِيَّةِ ذَلِكَ وجَوازِهِ: وإذا كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، وبَشَّرَتْهُ بِهِ المَلائِكَةُ، فَما وجْهُ هَذا الِاسْتِفْهامِ ؟ . وأُجِيبَ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سُؤالٌ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، والمَعْنى: أيُولَدُ لِي عَلى سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ وكَوْنِ امْرَأتِي عاقِرًا ؟ أيْ بَلَغَتْ سَنَّ مَن لا تَلِدُ، وكانَ قَدْ بَلَغَ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، وامْرَأتُهُ بَلَغَتْ ثَمانِيًا وتِسْعِينَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يَوْمَ بُشِّرَ ابْنَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وتِسْعِينَ سَنَةً. أمْ أُعادُ أنا وامْرَأتِي إلى سِنِّ الشَّبِيبَةِ، وهَيْئَةِ مَن يُولَدُ لَهُ ؟ فَأُجِيبَ: بِأنَّهُ يُولَدُ لَهُ عَلى هَذِهِ الحالِ. قالَ مَعْناهُ: الحَسَنُ، والأصَمُّ. الثّانِي: أنَّهُ لَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ اسْتَعْلَمَ: أيَكُونُ ذَلِكَ الوَلَدُ مِن (p-٤٥٠)صُلْبِهِ نَفْسِهِ أمْ مِن بَنِيهِ ؟ . الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ نَسِيَ السُّؤالَ، وكانَ بَيْنَ السُّؤالِ، والتَّبْشِيرِ أرْبَعُونَ سَنَةً، ونُقِلَ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما سِتُّونَ سَنَةً. الرّابِعُ: أنَّ هَذا الِاسْتِعْلامَ هو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْظامِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، يَحْدُثُ ذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ الآياتِ، وهو يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى ما قالَهُ بَعْضُهم: إنَّ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ، لِكَوْنِهِ كالمَدْهُوشِ عِنْدَ حُصُولِ ما كانَ مُسْتَعْبِدًا لَهُ عادَةً. الخامِسُ: إنَّما سَألَ لِأنَّهُ كانَ عاجِزًا عَنِ الجِماعِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، فَسَألَ رَبَّهُ: هَلْ يُقَوِّيهِ عَلى الجِماعِ، وامْرَأتُهُ عَلى القَبُولِ عَلى حالِ الكِبَرِ ؟ السّادِسُ: سَألَ هَلْ يُرْزَقُ الوَلَدُ مِنَ امْرَأتِهِ العاقِرِ، أمْ مِن غَيْرِها. السّابِعُ: أنَّهُ لَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ أتاهُ الشَّيْطانُ لِيُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقالَ لَهُ: هَلْ تَدْرِي مَن ناداكَ ؟ قالَ: مَلائِكَةُ رَبِّي، قالَ لَهُ: بَلْ ذَلِكَ الشَّيْطانُ، ولَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ رَبِّكَ لَأخْفاهُ لَكَ كَما أخْفَيْتَ نِداءَكَ، فَخالَطَتْ قَلْبَهُ وسْوَسَةٌ، فَقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ لِيُبَيِّنَ اللَّهُ لَهُ أنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. قالَ القاضِي: لَوِ اشْتَبَهَ عَلى الرُّسُلِ كَلامُ المَلَكِ بِكَلامِ الشَّيْطانِ لَمْ يَبْقَ الوُثُوقُ بِجَمِيعِ الشَّرائِعِ. وأُجِيبَ: بِأنَّ ما قالَهُ لا يَلْزَمُ لِاحْتِمالِ أنْ تَقُومَ المُعْجِزَةُ عَلى الوَحْيِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الدُّنْيا فَرُبَّما لا يُؤَكَّدُ بِالمُعْجِزَةِ، فَيَبْقى الِاحْتِمالُ، فَيَطْلُبُ زَوالَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتِبْعادٌ مِن حَيْثُ العادَةُ. كَما قالَتْ مَرْيَمُ انْتَهى. وعَلى ما قالَهُ: لَوْ كانَ اسْتِبْعادًا لَما سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] لِأنَّهُ لا يَسْألُ إلّا ما كانَ مُمْكِنًا لا سِيَّما الأنْبِياءُ، لِأنَّ خَرْقَ العادَةِ في حَقِّهِمْ كَثِيرُ الوُقُوعِ. و: يَكُونُ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تامَّةً وفاعِلُها غُلامٌ، أيْ: أنّى يَحْدُثُ لِي غُلامٌ ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً، ولا يَتَعَيَّنُ إذْ ذاكَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلى الِاسْمِ، لِأنَّهُ قِيلَ: دُخُولُ كانَ مُصَحِّحٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، إذْ تَقَدُّمُ أداةِ الِاسْتِفْهامِ مُسَوِّغٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، والجُمْلَتانِ بَعْدَ كُلٍّ مِنهُما حالٌ، والعامِلُ فِيهِما: يَكُونُ، إنْ كانَتْ تامَّةً، أوِ العامِلُ في: لِي، إنْ كانَتْ ناقِصَةً. وقِيلَ: ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ في: بَلَغَنِي، والعامِلُ بَلَغَنِي، وكانَتِ الجُمْلَةُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِأنَّ الكِبَرَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَمْ يَكُنْ وصْفًا لازِمًا، وكانَتِ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً والخَبَرُ: عاقِرٌ، لِأنَّهُ كَوْنُها عاقِرًا أمْرٌ لازِمٌ لَها لَمْ يَكُنْ وصْفًا طارِئًا عَلَيْها، فَناسَبَ لِذَلِكَ أنْ تَكُونَ الأُولى جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، وناسَبَ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، ومَعْنى: بَلَغَنِيَ الكِبَرُ، أثَّرَ فِيَّ: وحَقِيقَةُ البُلُوغِ في الأجْرامِ، وهو أنْ يَنْتَقِلَ البالِغُ إلى المَبْلُوغِ إلَيْهِ. وأسْنَدَ البُلُوغَ إلى الكِبَرِ تَوَسُّعًا في الكَلامِ، كَأنَّ الكِبَرَ طالِبٌ لَهُ، لِأنَّ الحَوادِثَ طارِئَةٌ عَلى الإنْسانِ، فَكَأنَّها طالِبَةٌ لَهُ وهو المَطْلُوبُ، وقِيلَ: هو مِنَ المَقْلُوبِ، كَما جاءَ: ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] وكَما قالَ: ؎مِثْلَ القَنافِذِ هَدّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ ∗∗∗ نَجْرانَ أوْ بَلَغَتْ سَوْءاتِهِمْ هَجَرُ وقالَ الرّاغِبُ: إذا بَلَغْتَ الكِبَرَ فَقَدْ بَلَغَكَ الكِبَرُ انْتَهى. وهُنا قَدَّمَ حالَ نَفْسِهِ، وأخَّرَ حالَ امْرَأتِهِ، وفي مَرْيَمَ عَكَسَ، فَقالَ الماتُرِيدِيُّ: لا تُراعى الألْفاظُ في الحِكايَةِ، إنَّما تُراعى المَعانِي المُدْرَجَةُ في الألْفاظِ. وقالَ غَيْرُهُ: صَدْرُ الآياتِ في مَرْيَمَ مُطابِقٌ لِهَذا التَّرْتِيبِ هُنا، لِأنَّهُ قَدَّمَ: أنَّهُ وهَنَ العَظْمُ مِنهُ، ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] . وقالَ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٥]، فَلَمّا أعادَ ذِكْرَها في الِاسْتِعْلامِ أخَّرَ ذِكْرَ الكِبَرِ لِيُوافِقَ عِتِيًّا رُؤْسَ الآيِ، وهو بابٌ مَقْصُودٌ في الفَصاحَةِ يَتَرَجَّحُ إذا لَمْ يُخِلَّ بِالمَعْنى، والعَطْفُ هُنا بِالواوِ، فَلَيْسَ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ مُشْعِرًا بِتَقَدُّمِ زَمانٍ، وإنَّما هَذا مِن بابِ تَقْدِيمِ المُناسِبِ في فَصاحَةِ الكَلامِ. ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ الكافُ: لِلتَّشْبِيهِ، وذَلِكَ: إشارَةٌ إلى الفِعْلِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو تَكَوُّنُ الوَلَدِ بَيْنَ الفانِي والعاقِرِ، يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الأفْعالِ الغَرِيبَةِ فَيَكُونُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الأشْياءَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها مَشِيئَتُهُ فِعْلًا، مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، بَلْ سَبَبُ إيجادِهِ هو تَعَلُّقُ الإرادَةِ: سَواءٌ كانَ مِنَ الأفْعالِ الجارِيَةِ عَلى العادَةِ، أمْ مِنَ الَّتِي لا تَجْرِي عَلى العادَةِ ؟ . (p-٤٥١)وإذا كانَ تَعالى يُوجِدُ الأشْياءَ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ بِلا مادَّةٍ ولا سَبَبٍ، فَكَيْفَ بِالأشْياءِ الَّتِي لَها مادَّةٌ وسَبَبٌ وإنْ كانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ العادَةِ ؟ وتَكُونُ الكافُ عَلى هَذا الوَجْهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فِعْلًا مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، أوْ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ: مِن ”يَفْعَلُ“، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا مِثْلُ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”كَذَلِكَ اللَّهُ“ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وذَلِكَ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: صُنْعُ اللَّهِ الغَرِيبُ مِثْلُ ذَلِكَ الصُّنْعِ، ويَكُونُ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ شَرْحًا لِلْإبْهامِ الَّذِي في اسْمِ الإشارَةِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الصِّفَةِ: اللَّهُ، قالَ: (ويَفْعَلُ ما يَشاءُ) بَيانٌ لَهُ، أيْ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: كَهَذِهِ القُدْرَةِ المُسْتَغْرَبَةِ هي قُدْرَةُ اللَّهِ انْتَهى. وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ، تَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ، والكَلامُ جُمْلَتانِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ: الكَلامُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ: واللَّفْظُ لِابْنِ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالِ زَكَرِيّا، وحالِ امْرَأتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ عَلى أيِّ وجْهٍ يَكُونُ لَنا غُلامٌ، ونَحْنُ بِحالِ كَذا ؟ فَقالَ لَهُ: كَما أنْتُما يَكُونُ لَكُما الغُلامُ. والكَلامُ تامٌّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ. جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُقَرِّرَةٌ في النَّفْسِ وُقُوعَ هَذا الأمْرِ المُسْتَغْرَبِ انْتَهى كَلامُهُ. فَيَكُونُ: كَذَلِكَ، مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، وشَرَحَ الرّاغِبُ المَعْنى فَقالَ: يَهِبُ لَكَ الوَلَدَ، وأنْتَ بِحالَتِكَ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ هو الأوَّلُ.

آل عمران 3:40

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: النِّداءُ يُسْتَعْمَلُ في التَّبْشِيرِ، وفِيما يَنْبَغِي أنْ يُسْرَعَ بِهِ، ويَنْهى إلى نَفْسِ السّامِعِ لِيُسَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا إخْبارًا مِنَ المَلائِكَةِ عَلى عُرْفِ الوَحْيِ، بَلْ نِداءٌ كَما نادى الرَّجُلُ الأنْصارِيُّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ، مِن أعْلى الجَبَلِ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ. ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ، بَلِ المُناداةُ تَكُونُ لِتَبْشِيرٍ ولِتَحْزِينٍ؛ ولِغَيْرِ ذَلِكَ، كَما جاءَ. «‌يا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ بِلا مَوْتٍ» وجاءَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] وإنَّما فُهِمَتِ البِشارَةُ في الآيَةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ [آل عمران: ٤٥] لا أنَّ لَفْظَ نادَتْهُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، لا بِالوَضْعِ ولا بِالِاسْتِعْمالِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِداؤُهم إيّاهُ عَلى سَبِيلِ الوَحْيِ، أيْ: أُوحِيَ إلَيْهِمْ بِأنْ يُنادُوهُ، أوْ يَكُونَ نادَوْهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، كَما يُقالُ لَكَ: بَلِّغْ زَيْدًا كَذا وكَذا، فَتَقُولَ لَهُ: يا زَيْدُ جَرى كَذا وكَذا. وهُما قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَقَبَّلَ اللَّهُ دُعاءَهُ، ووَهَبَ لَهُ يَحْيى، وبَعَثَ إلَيْهِ المَلائِكَةَ بِذَلِكَ، فَنادَتْهُ. وذَكَرَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ دُعائِهِ والِاسْتِجابَةِ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والظّاهِرُ خِلافُ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ مُنادِيَهُ جَماعَةٌ مِنَ (p-٤٤٦)المَلائِكَةِ لِصِيغَةِ اللَّفْظِ، وقَدْ بَعَثَ تَعالى - مَلائِكَةً إلى قَوْمِ لُوطٍ، وإلى إبْراهِيمَ، وفي غَيْرِ ما قَصَّهُ. وذَكَرَ الجُمْهُورُ أنَّ المُنادِيَ هو جِبْرِيلُ وحْدَهُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ، ومُصْحَفُهُ: فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قِيلَ المَلائِكَةُ عَلى قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، يَعْنِي: إنَّ الَّذِي ناداهُ هو مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، لا يُرِيدُ خُصُوصِيَّةَ الجَمْعِ، كَما أنَّ قَوْلَهم: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ لا يُرِيدُ خُصُوصِيَّةَ الجَمْعِ، إنَّما يُرِيدُ مَرْكُوبَهُ مِن هَذا الجِنْسِ. وخَرَجَ عَلَيْهِ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ، وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ. وقالَ الفَضْلُ: الرَّئِيسُ يُخْبَرُ عَنْهُ أخْبارُ الجَمْعِ لِاجْتِماعِ أصْحابِهِ مَعَهُ، أوْ لِاجْتِماعِ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ فِيهِ، المُتَفَرِّقَةِ في غَيْرِهِ. فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَثْرَةِ لِذَلِكَ. قِيلَ: وجِبْرِيلُ رَئِيسُ المَلائِكَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَناداهُ، مُمالَةٌ، وباقِي السَّبْعَةِ: فَنادَتْهُ، بِتاءِ التَّأْنِيثِ، والمَلائِكَةُ: جَمْعُ تَكْسِيرٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَلْحَقَ العَلامَةُ، وأنْ لا يَلْحَقَ. تَقُولُ: قامَ الرِّجالُ، وقامَتِ الرِّجالُ. وإلْحاقُ العَلامَةِ قِيلَ: أحْسَنُ، ألا تَرى: إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ؟ ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا ؟ ومُحَسَّنٌ الحَذْفُ هُنا الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ. ﴿وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ ذَكَرَ البَغَوِيُّ أنَّ زَكَرِيّا كانَ الحَبْرَ الكَبِيرَ الَّذِي يُقَرِّبُ القُرْبانَ، ويَفْتَحُ بابَ المَذْبَحِ، فَلا يَدْخُلُونَ حَتّى يُؤْذَنَ. فَبَيْنَما هو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ، يَعْنى المَسْجِدَ عِنْدَ المَذْبَحِ، والنّاسُ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُؤْذَنَ لَهم في الدُّخُولِ، إذا هو بِرَجُلٍ عَلَيْهِ ثِيابٌ بِيضٌ، فَفَزِعَ مِنهُ، فَناداهُ، وهو جِبْرِيلُ: يا زَكَرِيّا إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ. وقِيلَ: المِحْرابُ مَوْقِفُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ: القِبْلَةُ. والظّاهِرُ أنَّ المِحْرابَ، هو المِحْرابُ الَّذِي قَبْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ [آل عمران: ٣٧] فَفي المَكانِ الَّذِي رَأى فِيهِ خَرْقَ العادَةِ، فِيهِ دَعا، وفِيهِ جاءَتْهُ البِشارَةُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ في شَرِيعَتِهِمْ. وقِيلَ: الصَّلاةُ هُنا الدُّعاءُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نِداءِ المُتَلَبِّسِ بِالصَّلاةِ وتَكْلِيمِهِ، وإنْ كانَ في ذَلِكَ شَغْلٌ لَهُ عَنْ صَلاتِهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، أوْ مِنَ المَلائِكَةِ، ويُصَلِّي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً: لِـ ”قائِمٌ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في: ”قائِمٌ“، أوْ: مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، عَلى مَذْهَبِ مَن جَوَّزَ حالَيْنِ مِن ذِي حالٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا: لِـ ”هو“، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ. ويَتَعَلَّقُ: في المِحْرابِ، بِقَوْلِهِ: يُصَلِّي، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ: بِـ ”قائِمٌ“، في وجْهٍ مِنِ احْتِمالاتِ إعْرابِ: يُصَلِّي، إلّا في وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنْ يَكُونَ: يُصَلِّي، حالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي اسْتَكَنَّ في: ”قائِمٌ“، فَيَجُوزُ. لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَتَّحِدُ العامِلُ فِيهِ، وفي: يُصَلِّي، وهو: ”قائِمٌ“؛ لِأنَّ العامِلَ إذْ ذاكَ في الحالِ هو: ”قائِمٌ“، إذْ هو العامِلُ في ذِي الحالِ، وبِهِ يَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ قالُوا: دَلالَةٌ عَلى جَوازِ قِيامِ الإمامِ في مِحْرابِهِ، وقَدْ كَرِهَهُ أبُو حَنِيفَةَ، وقالَ: كانَ ذَلِكَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا. ورَقَّقَ ورْشٌ راءَ: ”المِحْرابِ“، وأمالَ الرّاءَ ابْنُ ذَكْوانَ إذا كانَ: ”المِحْرابِ“، مَجْرُورًا، ونَسَبَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ إلى ابْنِ عامِرٍ. ولَمْ يُقَيِّدْ بِالجَرِّ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: إنَّ اللَّهَ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. فَعِنْدَ البَصْرِيِّينَ الكَسْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: وقالَتْ. وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ لا إضْمارَ؛ لِأنَّ غَيْرَ القَوْلِ مِمّا هو في مَعْناهُ: كالنِّداءِ والدُّعاءِ، يَجْرِي مَجْرى القَوْلِ في الحِكايَةِ، فَكُسِرَتْ ”بِنادَتْهُ“، لِأنَّ مَعْناهُ قالَتْ لَهُ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو مَعْمُولٌ لِباءٍ مَحْذُوفَةٍ في الأصْلِ، أيْ بِتَبْشِيرٍ: وحِينَ حُذِفَتْ، فالمَوْضِعُ نَصْبٌ بِالفِعْلِ، أوْ جَرٌّ بِالباءِ المَحْذُوفَةِ، قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّما في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِن هَذا الكِتابِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: يا زَكَرِيّا إنَّ اللَّهَ. فَقَوْلُهُ: يا زَكَرِيّا، هو مَعْمُولُ النِّداءِ. فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ فَتْحُ: ”إنَّ“، عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، لِأنَّ الفِعْلَ قَدِ اسْتَوْفى مَفْعُولَيْهِ، وهُما: الضَّمِيرُ والمُنادى. وتَبْلِيغُ البِشارَةِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ لَيْسَتْ بِشارَةً مِنَ الرَّسُولِ، بَلْ مِنَ المُرْسِلِ. ألا تَرى إضافَةَ ذَلِكَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: يُبَشِّرُكَ ؟ . (p-٤٤٧)وقَدْ قالَ في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧] فَأسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: يُبَشِّرُكَ، في المَوْضِعَيْنِ في قِصَّةِ زَكَرِيّا، وقِصَّةِ مَرْيَمَ، وفي الإسْراءِ، وفي الكَهْفِ، وفي الشُّورى، مِن: بَشَرَ، مُخَفَّفًا. وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وفي الشُّورى زادَ حَمْزَةُ في الحِجْرِ: (ألا فَبِمَ تُبَشِّرُونِ ؟) و مَرْيَمَ، وقَرَأ الباقُونَ: يُبَشِّرُ، مِن بَشَّرَ المُضَعَّفِ العَيْنِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ يُبَشِّرُ في جَمِيعِ القُرْآنِ مِن أبْشَرَ، وهي لُغًى ثَلاثٌ، ذَكَرَها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎بَشَرْتُ عِيالِي إذْ رَأيْتُ صَحِيفَةً أتَتْكَ مِنَ الحَجّاجِ يُتْلى كِتابُها وقالَ الآخَرُ: ؎يا بِشْرُ حَقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشِيرُ ∗∗∗ هَلّا غَضِبْتَ لَنا وأنْتَ أمِيرُ بِيَحْيى، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: نُبَشِّرُكَ، والمَعْنى: بِوِلادَةِ يَحْيى مِنكَ، ومِنَ امْرَأتِكَ، فَإنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَمَنعُ صَرْفِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فَلِلْعَلَمِيَّةِ، ووَزْنُ الفِعْلِ، كَيَعْمُرَ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذا. وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ لاحَظُوا فِيهِ مَعْنى الِاشْتِقاقِ مِنَ الحَياةِ. قالَ قَتادَةُ: سَمّاهُ اللَّهُ يَحْيى لِأنَّهُ أحْياهُ بِالإيمانِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ المُفَضَّلِ: حَيِيَ بِالعِصْمَةِ والطّاعَةِ، وقالَ أبُو القاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ اسْتُشْهِدَ، والشُّهَداءُ أحْياءٌ رُوِيَ في الحَدِيثِ: «مِن هَوانِ الدُّنْيا عَلى اللَّهِ أنَّ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا قَتَلَتْهُ امْرَأةٌ» وقالَ مُقاتِلٌ: سُمِّيَ يَحْيى؛ لِأنَّهُ أحْياهُ بَيْنَ شَيْخٍ، وعَجُوزٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ يَمُوتُ فَسُمِّيَ يَحْيى تَفاؤُلًا، كالمَفازَةِ، والسَّلِيمِ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ النّاسَ بِالهُدى. ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الكَلِمَةَ هو عِيسى، وسَيَأْتِي لِمَ سُمِّيَ كَلِمَةً ؟ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم. قالَ الرَّبِيعُ، وغَيْرُهُ: كانَ يَحْيى أوَّلَ مَن صَدَّقَ بِعِيسى، وشَهِدَ أنَّهُ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وكانَ يَحْيى أكْبَرَ مِن عِيسى بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، وقِيلَ: بِثَلاثِ سِنِينَ، وقُتِلَ قَبْلَ رَفْعِ عِيسى، وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ: إنِّي لَأجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَتَحَرَّكُ، وفي رِوايَةٍ: يَسْجُدُ، وفي رِوايَةٍ: يُومِي بِرَأْسِهِ لِما في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ، وهو أوَّلُ التَّصْدِيقِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ؛ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما، أوْقَعَ المُفْرَدَ مَوْقِعَ الجَمْعِ، فالكَلِمَةُ اسْمُ جِنْسٍ، وقَدْ سَمَّتِ العَرَبُ القَصِيدَةَ كَلِمَةً، رُوِيَ أنَّ الحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسّانٍ، فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، أيْ: قَصِيدَتَهُ. وفي الحَدِيثِ: ”«أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: ؎ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ ∗∗∗ وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ“ » وقِيلَ مَعْنى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هُنا أيْ: بِوَعْدٍ مِنَ اللَّهِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ العَدَوِيُّ: بِكِلْمَةٍ، بِكَسْرِ الكافِ، وسُكُونِ اللّامِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ مِثْلَ: كَتِفٌ، وكِتْفٌ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أتْبَعَ فاءَ الكَلِمَةِ لِعَيْنِها، فَيَقِلُّ اجْتِماعُ كَسْرَتَيْنِ، فَسَكَّنَ العَيْنَ. ومِنهم مَن يُسَكِّنُها مَعَ فَتْحِ الفاءِ اسْتِثْقالًا لِلْكَسْرَةِ في العَيْنِ. وانْتُصِبَ: مُصَدِّقًا، عَلى الحالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، بِحَسْبِ حالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ﴿وسَيِّدًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّيِّدُ: الكَرِيمُ، وقالَ قَتادَةُ: الحَلِيمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَيِّدٌ لا تَحِلُّ حَبْوَتُهُ ∗∗∗ بَوادِرَ الجاهِلِينَ إنْ جَهِلُوا وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن لا يَغْلِبُهُ الغَضَبُ، وقالَ الضَّحّاكُ: الحَسَنُ الخُلُقِ، وقالَ سالِمٌ: التَّقِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرِيفُ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ عاصِمٍ: الرّاضِي بِقَضاءِ اللَّهِ، وقالَ الخَلِيلُ: المُطاعُ الفائِقُ أقْرانَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: المُتَوَكِّلُ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: العَظِيمُ الهِمَّةِ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: السَّيِّدُ مَن لا يَحْسُدُ؛ مِن قَوْلِهِمُ: الحَسُودُ لا يَسُودُ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ في الخَيْرِ قَوْمَهُ. (p-٤٤٨)وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: السَّيِّدُ المالِكُ الَّذِي تَجِبُ طاعَتُهُ. ولِهَذا قِيلَ لِلزَّوْجِ: سَيِّدٌ، وقِيلَ: سَيِّدُ الغُلامِ، وقالَ سَلَمَةُ عَنِ الفَرّاءِ: السَّيِّدُ المالِكُ، والسَّيِّدُ الرَّئِيسُ، والسَّيِّدُ الحَكِيمُ، والسَّيِّدُ السَّخِيُّ. وجاءَ في الحَدِيثِ: «السَّيِّدُ مَن أُعْطِيَ مالًا ورُزِقَ سَماحًا، فَأدْنى الفُقَراءَ، وقَلَّتْ شِكايَتُهُ في النّاسِ» . وفي مَعْناهُ: مَن بَذَلَ مَعْرُوفَهُ وكَفَّ أذاهُ، وقالَ في الحَدِيثِ لِبَنِي سَلِمَةَ، وقَدْ سَألَهم مَن سَيِّدُكم فَقالُوا: الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلى بُخْلِهِ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: «وأيُّ داءٍ أدْوى مِنَ البُخْلِ ؟ سَيِّدُكم عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ ”» . وسُمِّيَ أيْضًا سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ سَيِّدًا، في قَوْلِهِ:“ «قُومُوا إلى سَيِّدِكم» . أيْ: رَئِيسِكم، والمُطاعُ فِيكم. وسُمِّيَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: سَيِّدًا. في قَوْلِهِ: «إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّيِّدُ الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ أيْ: يَفُوقُها في الشَّرَفِ. وكانَ يَحْيى قائِمًا لِقَوْمِهِ، قائِمًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ في أنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ سَيِّئَةً قَطُّ، ويا لَها مِن سِيادَةٍ ؟ انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما مُلَخَّصُهُ: خَصَّهُ اللَّهُ بِذِكْرِ السُّؤْدُدِ، وهو الِاعْتِمالُ في رِضا النّاسِ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ، دُونَ أنْ يُوقَعَ في باطِلٍ، وتَفْصِيلُهُ: بَذْلُ النَّدى، وهو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى، وهي العِفَّةُ في الفَرْجِ واليَدِ واللِّسانِ، واحْتِمالُ العَظائِمِ، وهُنا هو الحُلْمُ مِن تَحَمُّلِ الغَراماتِ، وجَبْرُ الكَسِيرِ، والإنْقاذُ مِنَ الهَلَكاتِ. وقَدْ يُوجَدُ مِنَ الثِّقاةِ العُلَماءِ مَن لا يُبْرِزُ في هَذِهِ الخِصالِ، وقَدْ يُوجَدُ مَن يَبْرُزُ فِيها، فَيُسَمّى سَيِّدًا، وإنْ قَصَّرَ في مَندُوبٍ، ومُكافَحَةٍ في حَقٍّ وقِلَّةِ مُبالاةٍ بِاللّائِمَةِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: ما رَأيْتُ أسْوَدَ مِن مُعاوِيَةَ ؟ قِيلَ لَهُ: وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ ؟ قالَ: هُما خَيْرٌ مِنهُ، ومُعاوِيَةُ أسْوَدُ مِنهُما، انْتَهى كَلامُهُ. وهَذِهِ الأقْوالُ الَّتِي ذُكِرَتْ في تَفْسِيرِ السَّيِّدِ كُلُّها يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا في وصْفِ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ، وأحَقُّ النّاسِ بِصِفاتِ الكَمالِ هُمُ النَّبِيُّونَ. وفي قَوْلِهِ: وسَيِّدًا، دَلالَةٌ عَلى إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلى مَن فِيهِ سِيادَةٌ، وهو مِن أوْصافِ المَدْحِ. ولا يُقالُ ذَلِكَ لِلظّالِمِ، والمُنافِقِ، والكافِرِ. ووَرَدَ النَّهْيُ: «لا تَقُولُوا لِلْمُنافِقِ سَيِّدًا»، وما جاءَ مِن قَوْلِهِ ﴿أطَعْنا سادَتَنا﴾ [الأحزاب: ٦٧] فَعَلى ما في اعْتِقادِهِمْ وزَعْمِهِمْ. قِيلَ: وما «جاءَ في حَدِيثِ وفْدِ بَنِي عامِرٍ مِن قَوْلِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أنْتَ سَيِّدُنا، وذُو الطَّوْلِ عَلَيْنا، فَقالَ: ”السَّيِّدُ هو اللَّهُ، تَكَلَّمُوا بِكَلامِكم“»، فَمَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ رَآهم مُتَكَلِّفِينَ لِذَلِكَ، أوْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ سَيِّدُ البَشَرِ، وقَدْ سَمّى هو الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ سَيِّدًا، وكَذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وعَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ. ﴿وحَصُورًا﴾ هو الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، وأبُو الشَّعْثاءِ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وحَصُورًا لا يُرِيدُ نِكاحًا ∗∗∗ لا ولا يَبْتَغِي النِّساءَ الصِّباحا وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ تَزَوَّجَ مَعَ ذَلِكَ؛ لِيَكُونَ أغَضَّ لِبَصَرِهِ، وقِيلَ: الحاصِرُ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ، وقِيلَ: عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، وقِيلَ: الحَصُورُ الهَيُوبُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَّحّاكُ، والمُسَيَّبُ: هو العِنِّينُ الَّذِي لا ذَكَرَ لَهُ، يَتَأتّى بِهِ النِّكاحُ ولا يَنْزِلُ. وإيرادُ الحَصُورِ وصْفًا في مَعْرِضِ الثَّناءِ الجَمِيلِ إنَّما يَكُونُ عَنِ الفِعْلِ المُكْتَسَبِ دُونَ الجِبِلَّةِ في الغالِبِ، والَّذِي يَقْتَضِيهُ مَقامُ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ كانَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِن شَهَواتِ الدُّنْيا مِنَ النِّساءِ، وغَيْرِهِنَّ، ولَعَلَّ تَرْكَ النِّساءِ زَهادَةٌ فِيهِنَّ كانَ شَرْعُهم إذْ ذاكَ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَ طَعامُ يَحْيى العُشْبَ، وكانَ يَبْكِي مِن خَشْيَةِ اللَّهِ حَتّى لَوْ كانَ القارُ عَلى عَيْنَيْهِ لَخَرَقَهُ، وكانَ الدَّمْعُ اتَّخَذَ مَجْرًى في وجْهِهِ. قِيلَ: ومَن هَذا حالُهُ فَهو في شَغْلٍ عَنِ النِّساءِ، وغَيْرِهِنَّ مِن شَهَواتِ الدُّنْيا. وقِيلَ: الحَصُورُ الَّذِي لا يَدْخُلُ مَعَ القَوْمِ في المَيْسِرِ. قالَ الأخْطَلُ: ؎وشارِبٌ مُرْبِحٌ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَآرٍ فاسْتُعِيرَ لِمَن لا يَدْخُلُ في اللَّعِبِ واللَّهْوِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ: مَرَّ، وهو طِفْلٌ بِصِبْيانٍ فَدَعَوْهُ إلى اللَّعِبِ، فَقالَ: (p-٤٤٩)ما لِلَعِبٍ خُلِقْتُ. والحَصُورُ والحَصِرُ كاتِمُ السِّرِّ، قالَ جَرِيرُ: ؎ولَقَدْ تُساقِطُنِي الوُشاةُ فَصادَفُوا ∗∗∗ حَصِرًا بِسِرِّكَ يا أُمَيْمُ ضَنِينا وجاءَ في الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ العاصِي، ما مَعْناهُ: أنَّ يَحْيى لَمْ يَكُنْ لَهُ ما لِلرِّجالِ إلّا مِثْلَ هَذا العُودِ، يُشِيرُ إلى عُوَيْدٍ صَغِيرٍ. وفي رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: كانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هَذِهِ القَذاةِ، يُشِيرُ إلى قَذاةٍ مِنَ الأرْضِ أخَذَها. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﴿وحَصُورًا﴾ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ التَّبَتُّلَ لِنَوافِلِ العِباداتِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، خِلافًا لِمَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّهُ بِالعَكْسِ. ﴿ونَبِيًّا﴾ هَذا الوَصْفُ الأشْرَفُ، وهو أعْلى الأوْصافِ، فَذَكَرَ أوَّلًا الوَصْفَ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ الأوْصافُ بَعْدَهُ، وهو: التَّصْدِيقُ الَّذِي هو الإيمانُ، ثُمَّ ذَكَرَ السِّيادَةَ، وهي الوَصْفُ يَفُوقُ بِهِ قَوْمَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الزَّهادَةَ، وخُصُوصًا فِيما لا يَكادُ يُزْهَدُ فِيهِ وذَلِكَ النِّساءُ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّتْبَةَ العُلْيا، وهي: رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ. وفي هَذِهِ الأوْصافِ تَشابُهٌ مِن أوْصافِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ، وذَلِكَ أنَّ زَكَرِيّا لَمّا رَأى ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مَرْيَمُ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وما خَصَّها اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الخَوارِقِ لِلْعادَةِ، دَعا رَبَّهُ أنْ يَهِبَ لَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ، ووَهَبَ لَهُ يَحْيى عَلى وفْقِ ما طَلَبَ، فالتَّصْدِيقُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَرْيَمَ ويَحْيى، وكانَتْ مَرْيَمُ سَيِّدَةَ بَنِي إسْرائِيلَ بِنَصِّ الرَّسُولِ في حَدِيثِ فاطِمَةَ، وكانَ يَحْيى سَيِّدًا، فاشْتَرَكا في هَذا الوَصْفِ. وكانَتْ مَرْيَمُ عَذْراءَ بَتُولًا لَمْ يَمْسَسْها بَشَرٌ، وكانَ يَحْيى لا يَقْرُبُ النِّساءَ. وكانَتْ مَرْيَمُ أتاها المَلَكُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وحاوَرَتاها عَنِ اللَّهِ بِمُحاوَراتٍ حَتّى زَعَمَ قَوْمٌ أنَّها كانَتْ نَبِيَّةً، وكانَ يَحْيى نَبِيًّا، وحَقِيقَةُ النُّبُوَّةِ هو أنَّ يُوحِيَ اللَّهُ إلَيْهِ، فَقَدِ اشْتَرَكا في هَذا الوَصْفِ. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى مِن أصْلابِ الأنْبِياءِ، كَما قالَ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وصالِحًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ. كَما قالَ تَعالى في وصْفِ إبْراهِيمَ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ مِن صالِحِي الحالِ عِنْدَ اللَّهِ قالَ الكِرْمانِيُّ: خُصَّ الأنْبِياءُ بِذِكْرِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَخَلَّلُ صَلاحَهم خِلافُ ذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: الصّالِحُ هو الَّذِي يُؤَدِّي ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ، وإلى النّاسِ حُقُوقَهُمُ انْتَهى. وقَدْ قالَ سُلَيْمانُ بَعْدَ حُصُولِ النُّبُوَّةِ لَهُ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] قِيلَ: وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ لِلْأنْبِياءِ قَدْرًا مِنَ الصَّلاحِ لَوِ انْتَقَصَ لانْتَفَتِ النُّبُوَّةُ، ثُمَّ بَعْدَ اشْتِراكِهِمْ في ذَلِكَ القَدْرِ تَتَفاوَتُ دَرَجاتُهم في الزِّيادَةِ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ، فَمَن كانَ أكْثَرَ نَصِيبًا مِنَ الصَّلاحِ كانَ أعْلى قَدْرًا. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: الصَّلاحُ يَتَحَقَّقُ في كُلِّ نَبِيٍّ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وفي غَيْرِهِمْ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْضُها، وإنْ كانَ الِاسْمُ يَنْطَلِقُ عَلى الكُلِّ لَكِنَّ سَبَبَ اسْتِحْقاقِ الِاسْمِ في الأنْبِياءِ هو تَحْقِيقُ الصَّلاحِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وفي غَيْرِهِمْ مِن بَعْضِها، فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ حَتّى يَنْقَطِعَ احْتِمالُ جَوازِ النُّبُوَّةِ في مُطْلَقِ المُؤْمِنِينَ، فَكانَ تَقْيِيدُهُ بِاسْمِ الصَّلاحِ مُفِيدًا. وقِيلَ: مِنَ الصّالِحِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى الدَّوامِ عَلى الإيمانِ، والأمْنِ مِن خَوْفِ الخاتِمَةِ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ سُؤالُهُ رَبَّهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] فَلا شَكَّ في إمْكانِيَّةِ ذَلِكَ وجَوازِهِ: وإذا كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا، وبَشَّرَتْهُ بِهِ المَلائِكَةُ، فَما وجْهُ هَذا الِاسْتِفْهامِ ؟ . وأُجِيبَ بِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سُؤالٌ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، والمَعْنى: أيُولَدُ لِي عَلى سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ وكَوْنِ امْرَأتِي عاقِرًا ؟ أيْ بَلَغَتْ سَنَّ مَن لا تَلِدُ، وكانَ قَدْ بَلَغَ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، وامْرَأتُهُ بَلَغَتْ ثَمانِيًا وتِسْعِينَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يَوْمَ بُشِّرَ ابْنَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وتِسْعِينَ سَنَةً. أمْ أُعادُ أنا وامْرَأتِي إلى سِنِّ الشَّبِيبَةِ، وهَيْئَةِ مَن يُولَدُ لَهُ ؟ فَأُجِيبَ: بِأنَّهُ يُولَدُ لَهُ عَلى هَذِهِ الحالِ. قالَ مَعْناهُ: الحَسَنُ، والأصَمُّ. الثّانِي: أنَّهُ لَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ اسْتَعْلَمَ: أيَكُونُ ذَلِكَ الوَلَدُ مِن (p-٤٥٠)صُلْبِهِ نَفْسِهِ أمْ مِن بَنِيهِ ؟ . الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ نَسِيَ السُّؤالَ، وكانَ بَيْنَ السُّؤالِ، والتَّبْشِيرِ أرْبَعُونَ سَنَةً، ونُقِلَ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما سِتُّونَ سَنَةً. الرّابِعُ: أنَّ هَذا الِاسْتِعْلامَ هو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْظامِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، يَحْدُثُ ذَلِكَ عِنْدَ مُعايَنَةِ الآياتِ، وهو يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى ما قالَهُ بَعْضُهم: إنَّ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ، لِكَوْنِهِ كالمَدْهُوشِ عِنْدَ حُصُولِ ما كانَ مُسْتَعْبِدًا لَهُ عادَةً. الخامِسُ: إنَّما سَألَ لِأنَّهُ كانَ عاجِزًا عَنِ الجِماعِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، فَسَألَ رَبَّهُ: هَلْ يُقَوِّيهِ عَلى الجِماعِ، وامْرَأتُهُ عَلى القَبُولِ عَلى حالِ الكِبَرِ ؟ السّادِسُ: سَألَ هَلْ يُرْزَقُ الوَلَدُ مِنَ امْرَأتِهِ العاقِرِ، أمْ مِن غَيْرِها. السّابِعُ: أنَّهُ لَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ أتاهُ الشَّيْطانُ لِيُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقالَ لَهُ: هَلْ تَدْرِي مَن ناداكَ ؟ قالَ: مَلائِكَةُ رَبِّي، قالَ لَهُ: بَلْ ذَلِكَ الشَّيْطانُ، ولَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ رَبِّكَ لَأخْفاهُ لَكَ كَما أخْفَيْتَ نِداءَكَ، فَخالَطَتْ قَلْبَهُ وسْوَسَةٌ، فَقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ لِيُبَيِّنَ اللَّهُ لَهُ أنَّهُ مِنَ الوَحْيِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ. قالَ القاضِي: لَوِ اشْتَبَهَ عَلى الرُّسُلِ كَلامُ المَلَكِ بِكَلامِ الشَّيْطانِ لَمْ يَبْقَ الوُثُوقُ بِجَمِيعِ الشَّرائِعِ. وأُجِيبَ: بِأنَّ ما قالَهُ لا يَلْزَمُ لِاحْتِمالِ أنْ تَقُومَ المُعْجِزَةُ عَلى الوَحْيِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وأمّا ما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الدُّنْيا فَرُبَّما لا يُؤَكَّدُ بِالمُعْجِزَةِ، فَيَبْقى الِاحْتِمالُ، فَيَطْلُبُ زَوالَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتِبْعادٌ مِن حَيْثُ العادَةُ. كَما قالَتْ مَرْيَمُ انْتَهى. وعَلى ما قالَهُ: لَوْ كانَ اسْتِبْعادًا لَما سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] لِأنَّهُ لا يَسْألُ إلّا ما كانَ مُمْكِنًا لا سِيَّما الأنْبِياءُ، لِأنَّ خَرْقَ العادَةِ في حَقِّهِمْ كَثِيرُ الوُقُوعِ. و: يَكُونُ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تامَّةً وفاعِلُها غُلامٌ، أيْ: أنّى يَحْدُثُ لِي غُلامٌ ؟ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً، ولا يَتَعَيَّنُ إذْ ذاكَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلى الِاسْمِ، لِأنَّهُ قِيلَ: دُخُولُ كانَ مُصَحِّحٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، إذْ تَقَدُّمُ أداةِ الِاسْتِفْهامِ مُسَوِّغٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، والجُمْلَتانِ بَعْدَ كُلٍّ مِنهُما حالٌ، والعامِلُ فِيهِما: يَكُونُ، إنْ كانَتْ تامَّةً، أوِ العامِلُ في: لِي، إنْ كانَتْ ناقِصَةً. وقِيلَ: ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ في: بَلَغَنِي، والعامِلُ بَلَغَنِي، وكانَتِ الجُمْلَةُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِأنَّ الكِبَرَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَمْ يَكُنْ وصْفًا لازِمًا، وكانَتِ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً والخَبَرُ: عاقِرٌ، لِأنَّهُ كَوْنُها عاقِرًا أمْرٌ لازِمٌ لَها لَمْ يَكُنْ وصْفًا طارِئًا عَلَيْها، فَناسَبَ لِذَلِكَ أنْ تَكُونَ الأُولى جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، وناسَبَ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، ومَعْنى: بَلَغَنِيَ الكِبَرُ، أثَّرَ فِيَّ: وحَقِيقَةُ البُلُوغِ في الأجْرامِ، وهو أنْ يَنْتَقِلَ البالِغُ إلى المَبْلُوغِ إلَيْهِ. وأسْنَدَ البُلُوغَ إلى الكِبَرِ تَوَسُّعًا في الكَلامِ، كَأنَّ الكِبَرَ طالِبٌ لَهُ، لِأنَّ الحَوادِثَ طارِئَةٌ عَلى الإنْسانِ، فَكَأنَّها طالِبَةٌ لَهُ وهو المَطْلُوبُ، وقِيلَ: هو مِنَ المَقْلُوبِ، كَما جاءَ: ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] وكَما قالَ: ؎مِثْلَ القَنافِذِ هَدّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ ∗∗∗ نَجْرانَ أوْ بَلَغَتْ سَوْءاتِهِمْ هَجَرُ وقالَ الرّاغِبُ: إذا بَلَغْتَ الكِبَرَ فَقَدْ بَلَغَكَ الكِبَرُ انْتَهى. وهُنا قَدَّمَ حالَ نَفْسِهِ، وأخَّرَ حالَ امْرَأتِهِ، وفي مَرْيَمَ عَكَسَ، فَقالَ الماتُرِيدِيُّ: لا تُراعى الألْفاظُ في الحِكايَةِ، إنَّما تُراعى المَعانِي المُدْرَجَةُ في الألْفاظِ. وقالَ غَيْرُهُ: صَدْرُ الآياتِ في مَرْيَمَ مُطابِقٌ لِهَذا التَّرْتِيبِ هُنا، لِأنَّهُ قَدَّمَ: أنَّهُ وهَنَ العَظْمُ مِنهُ، ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] . وقالَ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٥]، فَلَمّا أعادَ ذِكْرَها في الِاسْتِعْلامِ أخَّرَ ذِكْرَ الكِبَرِ لِيُوافِقَ عِتِيًّا رُؤْسَ الآيِ، وهو بابٌ مَقْصُودٌ في الفَصاحَةِ يَتَرَجَّحُ إذا لَمْ يُخِلَّ بِالمَعْنى، والعَطْفُ هُنا بِالواوِ، فَلَيْسَ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ مُشْعِرًا بِتَقَدُّمِ زَمانٍ، وإنَّما هَذا مِن بابِ تَقْدِيمِ المُناسِبِ في فَصاحَةِ الكَلامِ. ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ الكافُ: لِلتَّشْبِيهِ، وذَلِكَ: إشارَةٌ إلى الفِعْلِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو تَكَوُّنُ الوَلَدِ بَيْنَ الفانِي والعاقِرِ، يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الأفْعالِ الغَرِيبَةِ فَيَكُونُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الأشْياءَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها مَشِيئَتُهُ فِعْلًا، مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، بَلْ سَبَبُ إيجادِهِ هو تَعَلُّقُ الإرادَةِ: سَواءٌ كانَ مِنَ الأفْعالِ الجارِيَةِ عَلى العادَةِ، أمْ مِنَ الَّتِي لا تَجْرِي عَلى العادَةِ ؟ . (p-٤٥١)وإذا كانَ تَعالى يُوجِدُ الأشْياءَ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ بِلا مادَّةٍ ولا سَبَبٍ، فَكَيْفَ بِالأشْياءِ الَّتِي لَها مادَّةٌ وسَبَبٌ وإنْ كانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ العادَةِ ؟ وتَكُونُ الكافُ عَلى هَذا الوَجْهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فِعْلًا مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، أوْ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ: مِن ”يَفْعَلُ“، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا مِثْلُ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”كَذَلِكَ اللَّهُ“ مُبْتَدَأً وخَبَرًا، وذَلِكَ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: صُنْعُ اللَّهِ الغَرِيبُ مِثْلُ ذَلِكَ الصُّنْعِ، ويَكُونُ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ شَرْحًا لِلْإبْهامِ الَّذِي في اسْمِ الإشارَةِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الصِّفَةِ: اللَّهُ، قالَ: (ويَفْعَلُ ما يَشاءُ) بَيانٌ لَهُ، أيْ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ: كَهَذِهِ القُدْرَةِ المُسْتَغْرَبَةِ هي قُدْرَةُ اللَّهِ انْتَهى. وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ، تَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ، والكَلامُ جُمْلَتانِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ: الكَلامُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ: واللَّفْظُ لِابْنِ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى حالِ زَكَرِيّا، وحالِ امْرَأتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ عَلى أيِّ وجْهٍ يَكُونُ لَنا غُلامٌ، ونَحْنُ بِحالِ كَذا ؟ فَقالَ لَهُ: كَما أنْتُما يَكُونُ لَكُما الغُلامُ. والكَلامُ تامٌّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ: اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ. جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُقَرِّرَةٌ في النَّفْسِ وُقُوعَ هَذا الأمْرِ المُسْتَغْرَبِ انْتَهى كَلامُهُ. فَيَكُونُ: كَذَلِكَ، مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، وشَرَحَ الرّاغِبُ المَعْنى فَقالَ: يَهِبُ لَكَ الوَلَدَ، وأنْتَ بِحالَتِكَ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ هو الأوَّلُ.

آل عمران 3:41

﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ قالَ الرَّبِيعُ، والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُما: إنَّ زَكَرِيّا قالَ: يا رَبِّ إنْ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ مِن قِبَلِكَ، والبِشارَةُ حَقٌّ، فاجْعَلْ لِي آيَةً عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ ذَلِكَ فَعُوقِبَ عَلى هَذا الشَّكِّ في أمْرِ اللَّهِ بِأنْ مُنِعَ الكَلامَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مَعَ النّاسِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمْ يَشُكَّ قَطُّ زَكَرِيّا، وإنَّما سَألَ عَنِ الجِهَةِ الَّتِي بِها يَكُونُ الوَلَدُ، وتَتِمُّ بِهِ البِشارَةُ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] سَألَ عَلامَةً عَلى وقْتِ الحَمْلِ؛ لِيَعْرِفَ مَتى يَكُونُ العُلُوقُ بِيَحْيى. واخْتَلَفُوا في مَنعِهِ الكَلامَ: هَلْ كانَ لِآفَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أمْ لِغَيْرِ آفَةٍ ؟ فَقالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: رَبا لِسانُهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ، ثُمَّ أطْلَقَهُ اللَّهُ بَعْدَ ثَلاثٍ. وقالَ الرَّبِيعُ، وغَيْرُهُ: أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِسانَهُ فَجُعِلَ لا يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ؛ مُعاقَبَةً عَلى سُؤالِ آيَةٍ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ لَهُ بِالبِشارَةِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمْ تَكُنْ آفَةً، ولَكِنَّهُ مُنِعَ مُجاوَرَةَ النّاسِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها، وكانَ يَقْدِرُ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ. قالَهُ الطَّبَرِيُّ، وذَكَرَ نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وكانَتِ الآيَةُ حَبْسَ اللِّسانِ لِتَخْلُصَ المُدَّةُ لِذِكْرِ اللَّهِ لا يَشْغَلُ لِسانَهُ بِغَيْرِهِ تَوَفُّرًا مِنهُ عَلى قَضاءِ حَقِّ تِلْكَ النِّعْمَةِ الجَسِيمَةِ وشُكْرِها، كَأنَّهُ لَمّا طَلَبَ الآيَةَ مِن أجْلِ الشُّكْرِ قِيلَ لَهُ: آيَتُكَ أنْ يُحْبَسَ لِسانُكَ إلّا عَنِ الشُّكْرِ. وأحْسَنُ الجَوابِ وأوْقَعُهُ ما كانَ مُشْتَقًّا مِنَ السُّؤالِ، ومُنْتَزَعًا مِنهُ، وكانَ الإعْجازُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن جِهَةِ قُدْرَتِهِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، وعَجْزِهِ عَنْ تَكْلِيمِ النّاسِ، مَعَ سَلامَةِ البِنْيَةِ، واعْتِدالِ المِزاجِ، ومِنهُ جِهَةُ وُقُوعِ العُلُوقِ، وحُصُولِهِ عَلى وفْقِ الأخْبارِ. وقِيلَ: أُمِرَ أنْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وكانُوا لا يَتَكَلَّمُونَ في صَوْمِهِمْ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: آيَتُكَ أنْ تَصِيرَ مَأْمُورًا بِأنْ لا تُكَلِّمَ الخَلْقَ، وأنْ تَشْتَغِلَ بِالذِّكْرِ شُكْرًا عَلى إعْطاءِ هَذِهِ المَوْهِبَةِ، وإذا أُمِرْتَ بِذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ. قِيلَ: فَسَألَ اللَّهَ أنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِ فَرْضًا يَجْعَلُهُ شُكْرًا لِذَلِكَ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ سَألَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُولَدُ لَهُ، فَأجابَهُ بِأنَّ آيَتَهُ انْتِفاءُ الكَلامِ مِنهُ مَعَ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا، وأُمِرَ بِالذِّكْرِ، والتَّسْبِيحِ، وانْتِفاءِ الكَلامِ قَدْ يَكُونُ لِمُتَكَلَّفٍ بِهِ، أوْ بِمَلْزُومِهِ في شَرِيعَتِهِمْ، وهو (p-٤٥٢)الصَّوْمُ، وقَدْ يَكُونُ لِمَنعٍ قَهْرِيٍّ مُدَّةً مُعَيَّنَةً لِآفَةٍ تَعْرِضُ في الجارِحَةِ، أوْ لِغَيْرِ آفَةٍ، قالُوا: مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الكَلامِ بِذِكْرِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِذَلِكَ قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ إلى آخِرِهِ، يَعْنِي في أيّامِ عَجْزِكَ عَنْ تَكْلِيمِ النّاسِ، وهي مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ لِما ذَكَرْناهُ مِنِ احْتِمالاتِ وُجُوهِ الِانْتِفاءِ، ولِأنَّ الأمْرَ بِالذِّكْرِ، والتَّسْبِيحِ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِالزَّمانِ الَّذِي لا يُكَلِّمُ النّاسَ، وعَلى تَقْدِيرِ تَقْيِيدِ ذَلِكَ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ والتَّسْبِيحُ بِالنُّطْقِ بِالكَلامِ، وظاهِرُ: اجْعَلْ، هُنا أنَّها بِمَعْنى صَيِّرْ، فَتَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ: الأوَّلُ آيَةٌ، والثّانِي المَجْرُورُ، قَبْلَهُ، وهو: لِي، وهو يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ، لِأنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ: اجْعَلْ، هو مُصَحِّحٌ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: أنْ لا تُكَلِّمُ، بِرَفْعِ المِيمِ عَلى أنَّ: أنْ، هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ أنَّهُ لا تُكَلِّمُ، واسْمُها مَحْذُوفٌ؛ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، أوْ عَلى إجْراءِ: أنْ، مَجْرى ما المَصْدَرِيَّةِ، وانْتِصابُ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، عَلى الظَّرْفِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ، إذْ زَعَمُوا أنَّهُ كانَ اسْمُ الزَّمانِ يَسْتَغْرِقُهُ الفِعْلُ، فَلَيْسَ بِظَرْفٍ، وإنَّما يَنْتَصِبُ انْتِصابَ المَفْعُولِ بِهِ نَحْوَ: صَمَتَ يَوْمًا، فانْتِصابُ ”ثَلاثَةَ أيّامٍ“ عِنْدَهم عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ الكَلامِ مِنهُ لِلنّاسِ كانَ واقِعًا في جَمِيعِ الثَّلاثَةِ، لَمْ يَخْلُ جُزْءٌ مِنها مِنِ انْتِفاءٍ فِيهِ. والمُرادُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ بِلَيالِيها، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿قالَ آيَتُكَ أنْ لا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] وهَذا يَضَعِّفُ تَأْوِيلَ مَن قالَ: أُمِرَ بِالصَّوْمِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وكانُوا لا يَتَكَلَّمُونَ في صَوْمِهِمْ، واللَّيالِي تَبْعُدُ مَشْرُوعِيَّةُ صَوْمِها، ولَمْ يُعَيِّنِ ابْتِداءَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، بَلْ أطْلَقَ فَقالَ: ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ بِتَكْلِيفٍ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلى اخْتِيارِهِ، يَمْتَنِعُ مِن تَكْلِيمِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ مَتى شاءَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن حِينِ الخِطابِ، وإنْ كانَ بِمَنعٍ قَهْرِيٍّ فَيَظْهَرُ أنَّهُ مِن حِينِ الخِطابِ. قِيلَ: وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى نَسْخِ القُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ قُدْرَةِ زَكَرِيّا عَلى الكَلامِ في تِلْكَ الأيّامِ الثَّلاثَةِ، وأنَّ شَرْعَهُ شَرْعٌ لَنا، وإنْ نَسَخَهُ قَوْلُهُ ﷺ: لا صَمْتَ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ. وقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ مَعْناهُ: لا صَمْتَ يَوْمٍ، أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وأمّا الصَّمْتُ عَمّا لا مَنفَعَةَ فِيهِ، فَحَسُنٌ. واسْتِثْناءُ الرَّمْزِ، قِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، إذا الرَّمْزُ لا يُدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيمِ، مِن أطْلَقَ الكَلامَ في اللُّغَةِ عَلى الإشارَةِ الدّالَّةِ عَلى ما في نَفْسِ المُشِيرِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا عَلى مَذْهَبِهِ. ولِذَلِكَ أنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ: ؎أرادَتْ كَلامًا فاتَّقَتْ مِن رَقِيبِها فَلَمْ يَكُ إلّا ومْؤُها بِالحَواجِبِ وقالَ: ؎إذا كَلَّمَتْنِي بِالعُيُونِ الفُواتِرِ ∗∗∗ رَدَدْتُ عَلَيْها بِالدُّمُوعِ البَوادِرِ واسْتَعْمَلَ المُوَلِّدُونَ هَذا المَعْنى. قالَ حَبِيبٌ: ؎كَلِمَتُهُ بِجُفُونٍ غَيْرِ ناطِقَةٍ ∗∗∗ فَكانَ مِن رَدِّهِ ما قالَ حاجِبُهُ وكَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ: لَمّا أدّى مُؤَدِّي الكَلامِ، وفَهِمَ مِنهُ ما يُفْهَمُ مِنهُ، سُمِّيَ كَلامًا. وأمّا ابْنُ عَطِيَّةَ فاخْتارَ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، قالَ: والكَلامُ المُرادُ بِهِ في الآيَةِ إنَّما هو النُّطْقُ بِاللِّسانِ لا الإعْلامُ بِما في النَّفْسِ، فَحَقِيقَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وبَدَأ بِهِ أوَّلًا، فَقالَ اسْتِثْناءُ الرَّمْزِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ قالَ: وذَهَبَ الفُقَهاءُ في الإشارَةِ ونَحْوِها إلى أنَّها في حُكْمِ الكَلامِ في الإيمانِ ونَحْوِها، فَعَلى هَذا يَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والرَّمْزُ هُنا: تَحْرِيكٌ بِالشَّفَتَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. أوْ: إشارَةٌ بِاليَدِ والرَّأْسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ. أوْ: إشارَةٌ بِاليَدِ، قالَهُ الحَسَنُ. أوْ: إيماءٌ، قالَهُ قَتادَةُ. فالإيماءُ هو الإشارَةُ لَكِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ بِماذا أشارَ ؟ . ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: إشارَةٌ بِاليَدِ أوْ إشارَةٌ بِالعَيْنِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وقِيلَ: رَمْزُهُ: الكِتابَةُ عَلى الأرْضِ. وقِيلَ: الإشارَةُ بِالإصْبَعِ المُسَبِّحَةِ. وقِيلَ: بِاللِّسانِ. ومِنهُ (p-٤٥٣)قَوْلُ الشّاعِرِ: ظَلَّ أيّامًا لَهُ مِن دَهْرِهِ يَرْمُزُ الأقْوالَ مِن غَيْرِ خُرْسٍ وقِيلَ: الرَّمْزُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ. وقَرَأ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: رُمُزًا، بِضَمِّ الرّاءِ والمِيمِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ رُمُوزٍ، كَرُسُلٍ، ورَسُولٍ، وعَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَرَمْزٍ جاءَ عَلى فِعْلٍ، وأتْبَعَتِ العَيْنُ الفاءَ كاليُسْرِ واليُسُرِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: رَمَزًا، بِفَتْحِ الرّاءِ والمِيمِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ رامِزٍ، كَخادِمٍ، وخَدَمٍ، وانْتِصابُهُ إذا كانَ جَمْعًا عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ، وهو الضَّمِيرُ في ”تُكَلِّمَ“، ومِنَ المَفْعُولِ، وهو: النّاسُ. كَما قالَ الشّاعِرُ: فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خالِيَيْنِ لَتَعْلَمَنَّ أيِّي وأيُّكَ فارِسُ الأحْزابِ أيْ: إلّا مُتَرامِزِينَ، كَما يُكَلِّمُ الأخْرَسُ النّاسَ ويُكَلِّمُونَهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إلّا رَمْزًا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإشارَةَ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الكَلامِ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ السُّنَّةِ. وفي الحَدِيثِ: ”أيْنَ اللَّهُ“ . فَأشارَتْ بِرَأْسِها إلى السَّماءِ، فَقالَ: ”أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ“ . فَأجازَ الإسْلامُ بِالإشارَةِ، وهو أصْلُ الدِّيانَةِ الَّتِي تَحْقِنُ الدَّمَ، وتَحْفَظُ المالَ وتُدْخِلُ الجَنَّةَ، فَتَكُونُ الإشارَةُ عامَّةً في جَمِيعِ الدِّياناتِ، وهو قَوْلُ عامَّةِ الفُقَهاءِ. ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ قِيلَ: الذِّكْرُ هُنا هو بِالقَلْبِ؛ لِأنَّهُ مُنِعَ مِنَ الكَلامِ. وقِيلَ: بِاللِّسانِ؛ لِأنَّهُ مُنِعَ مِنَ الكَلامِ مَعَ النّاسِ، ولَمْ يُمْنَعْ مِنَ الذِّكْرِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: واذْكُرْ عَطاءَ رَبِّكَ، وإجابَتَهُ دُعائِكَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَوْ رُخِّصَ لِأحَدٍ في تَرْكِ الذِّكْرِ لَرُخِّصَ لِزَكَرِيّا، ولِلرَّجُلِ في الحَرْبِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥] وأمَرَ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ؛ لِيَكْثُرَ ذِكْرُ اللَّهِ لَهُ بِنِعَمِهِ وألْطافِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] . وانْتِصابُ: كَثِيرًا، عَلى أنَّهُ نَعَتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ: اذْكُرُوا، عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. ﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أيْ: نَزِّهِ اللَّهَ عَنْ سِماتِ النَّقْصِ بِالنُّطْقِ بِاللِّسانِ بِقَوْلِكَ: سُبْحانَ اللَّهِ. وقِيلَ: مَعْنى ”وسَبِّحْ“: وصَلِّ، ومِنهُ: كانَ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحى أرْبَعًا، فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أمَرَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ: أوَّلَ الفَجْرِ، ووَقْتَ مَيْلِ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِالعَشِيِّ اللَّيْلَ، وبِالإبْكارِ النَّهارَ، فَعَبَّرَ بِجُزْءِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ جُمْلَتِهِ، وهو مَجازٌ حَسَنٌ. ومَفْعُولُ: ”وسَبِّحْ“، مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، لِأنَّ قَبْلَهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أيْ: وسَبِّحْ رَبَّكَ. والباءُ: في بِالعَشِيِّ، ظَرْفِيَّةٌ أيْ: في العَشِيِّ. وقُرِئَ شاذًّا؛ والأبْكارِ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو جَمْعُ بَكَرٍ بِفَتْحِ الباءِ والكافِ، تَقُولُ: أتَيْتُكَ بَكَرًا، وهو مِمّا يَلْتَزِمُ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ إذا كانَ مِن يَوْمٍ مُعَيَّنٍ ونَظِيرُهُ: سَحَرٌ وأسْحارٌ، وجَبَلٌ وأجْبالٌ. وهَذِهِ القِراءَةُ مُناسِبَةٌ لِلْعَشِيِّ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَهُ جَمْعَ عَشِيَّةً إذْ يَكُونُ فِيها تَقابُلٌ مِن حَيْثُ الجَمْعِيَّةُ، وكَذَلِكَ هي مُناسِبَةٌ إذا كانَ العَشِيُّ مُفْرَدًا، وكانَتِ الألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْعُمُومِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وأهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصُّفْرُ. وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: والإبْكارِ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَهو مَصْدَرٌ، فَيَكُونُ قَدْ قابَلَ العَشِيَّ الَّذِي هو وقْتٌ، بِالمَصْدَرِ، فَيَحْتاجُ إلى حَذْفٍ أيْ: بِالعَشِيِّ، ووَقْتَ الإبْكارِ. والظّاهِرُ في: بِالعَشِيِّ، والإبْكارِ، أنَّ الألِفَ واللّامَ فِيهِما لِلْعُمُومِ، ولا يُرادُ بِهِ عَشِيُّ تِلْكَ الثَّلاثَةِ الأيّامِ، ولا وقْتَ الإبْكارِ فِيها. وقالَ الرّاغِبُ: لَمْ يَعْنِ التَّسْبِيحَ طَرَفَيِ النَّهارِ فَقَطْ، بَلْ إدامَةَ العِبادَةِ في هَذِهِ الأيّامِ. وقالَ غَيْرُهُ: يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ، ذِكْرُهُ: العَشِيُّ والإبْكارُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: اذْكُرْ رَبَّكَ في جَمِيعِ هَذِهِ الأيّامِ واللَّيالِي، وصَلِّ طَرَفَيِ النَّهارِ انْتَهى. ويَتَعَلَّقُ: بِالعَشِيِّ، بِقَوْلِهِ: ”وسَبِّحْ“، ويَكُونُ عَلى إعْمالِ الثّانِي وهو الأوْلى، إذْ لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: واذْكُرْ رَبَّكَ، لَأُضْمِرَ في الثّانِي، إذْ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلّا في ضَرُورَةٍ. قِيلَ: أوْ في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ مِن بابِ (p-٤٥٤)الإعْمالِ، فَيَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِهَذَيْنِ الزَّمانَيْنِ. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن فُنُونِ الفَصاحَةِ أنْواعًا: الزِّيادَةُ في البِناءِ في قَوْلِهِ: هُنالِكَ، وقَدْ ذَكَرْتُ فائِدَتَهُ. والتَّكْرارُ: في رَبِّهِ: قالَ رَبِّ، وفي: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، وبِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ. وفي آيَةٍ: قالَ آيَتُكَ، وفي: يَكُونُ لِي غُلامٌ، وكانَتْ، وتَأْنِيثُ المُذَكَّرِ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ. وُفي: ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، والإسْنادُ المَجازِيُّ في: وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ، والسُّؤالُ والجَوابُ: قالَ رَبِّ أنّى ؟ قالَ كَذَلِكَ، قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً. قالَ آيَتُكَ. قالَ أرْبابُ الصِّناعَةِ: أُحْسَنُ هَذا النَّوْعِ ما كَثُرَتْ فِيهِ القَلْقَلَةُ، والحَذْفُ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:42

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥] ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨] ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩] ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠] ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] . القَلَمُ: مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وجَمْعُهُ: أقْلامٌ، ويَقَعُ عَلى السَّهْمِ الَّذِي يُقْتَرَعُ بِهِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّهُ يُقَلَّمُ أيْ: يُبْرى ويُسَوّى. وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ القُلامَةِ، وهي نَبْتٌ ضَعِيفٌ لِتَرْقِيقِهِ، والقُلامَةُ أيْضًا ما سَقَطَ مِنَ الظُّفْرِ إذا قُلِّمَ، وقَلَّمْتُ أظْفارَهُ أخَذْتُ مِنها وسَوَّيْتُها، قالَ زُهَيْرٌ: ؎لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ وقالَ بَعْضَ المُوَلِّدِينَ: ؎يُشَبَّهُ بِالهِلالِ وذاكَ نَقْصٌ ∗∗∗ قُلامَةُ ظَفْرِهِ شِبْهُ الهِلالِ الوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى في النَّفْسِ في خَفاءٍ، فَقَدْ يَكُونُ بِالمَلَكِ لِلرُّسُلِ، وبِالإلْهامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وبِالإشارَةِ، كَقَوْلِهِ. لَأوْحَتْ إلَيْنا والأنامِلُ رُسْلُها ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم: ١١] وبِالكِتابَةِ: قال زُهَيْرٌ: أتى العُجْمَ والآفاقَ مِنهُ قَصائِدُ بَقَيْنَ بَقاءَ الوَحْيِ في الحَجَرِ الأصَمْ والوَحْيُ: الكِتابُ قالَ: ؎فَمَدافِعُ الرَيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها ∗∗∗ خَلَقًا كَما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها وقِيلَ: الوُحِيُّ جَمْعُ وحْيٍ، وأمّا الفِعْلُ، فَيُقالُ أوْحى، ووَحى. المَسِيحُ: عِبْرانِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيِّ مَشِيحًا، بِالشِّينِ، عُرِّبَ بِالسِّينِ، كَما غُيِّرَتْ في مُوَشى، فَقِيلَ: مُوسى، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ المُبارَكُ، كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] وهو مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ، كالصِّدِّيقِ، والفارُوقِ، انْتَهى. وقِيلَ: المَسِيحُ عَرَبِيٌّ، واخْتُلِفَ: أهْوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّياحَةِ فَيَكُونُ وزْنُهُ مُفْعِلًا ؟ أوْ مِنَ المَسِيحِ فَيَكُونُ وزْنُهُ فَعِيلًا ؟ وهَلْ يَكُونُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوْ فاعِلٍ خِلافٌ، ويَتَبَيَّنُ في التَّفْسِيرِ لِمَ سُمِّيَ بِذَلِكَ. الكَهْلُ: الَّذِي بَلَغَ سِنَّ الكُهُولَةِ، وآخِرُها سِتُّونَ وقِيلَ: خَمْسُونَ، وقِيلَ: اثْنانِ وخَمْسُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ (p-٤٥٥)سِنَّ الشَّيْخُوخَةِ. واخْتُلِفَ في أوَّلِها فَقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: اثْنانِ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ. وقِيلَ: خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ عامًا. وهُوَ مِنِ اكْتَهَلَ النَّباتُ إذا قَوِيَ وعَلا، ومِنهُ: الكاهِلُ، وقالَ ابْنُ فارِسٍ: اكْتَهَلَ الرَّجُلُ وخَطَّهُ الشَّيْبُ، مِن قَوْلِهِمُ: اكْتَهَلَتِ الرَّوْضَةُ إذا عَمَّها النُّورُ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ: كَهِلَةٌ انْتَهى. ونُقِلَ عَنِ الأئِمَّةِ في تَرْتِيبِ سَنِّ المَوْلُودِ وتَنَقُّلِ أحْوالِهِ: أنَّهُ في الرَّحِمِ: جَنَيْنٌ، فَإذا وُلِدَ: فَوَلِيدٌ، فَإذا لَمْ يَسْتَتِمَّ الأُسْبُوعَ: فَصَدِيعٌ، وإذا دامَ يَرْضَعُ: فَرَضِيعٌ، وإذا فُطِمَ: فَفَطِيمٌ، وإذا لَمْ يَرْضَعْ: فَجَحُوشٌ، فَإذا دَبَّ ونَما: فَدارِجٌ، فَإذا سَقَطَتْ رَواضِعَهُ: فَمَثْغُورٌ، فَإذا نَبَتَتْ بَعْدَ السُّقُوطِ: فَمُتَّغِرٌ، بِالتّاءِ، والثّاءِ. فَإذا كانَ يُجاوِزُ العَشْرَ: فَمُتَرَعْرِعٌ وناشِئٌ، فَإذا كانَ يَبْلُغُ الحُلُمَ: فَيافِعٌ، ومُراهِقٌ، فَإذا احْتَلَمَ: فَمَحْزُورٌ، وهو في جَمِيعِ هَذِهِ الأحْوالِ: غُلامٌ. فَإذا اخْضَرَّ شارِبُهُ وسالَ عِذارُهُ: فَباقِلٌ، فَإذا صارَ ذاقِنًا: فَفَتى، وشارِخٌ، فَإذا كَمُلَتْ لِحْيَتُهُ: فَمُجْتَمَعٌ، ثُمَّ ما دامَ بَيْنَ الثَّلاثِينَ، والأرْبَعِينَ: فَهو شابٌّ، ثُمَّ هو كَهْلٌ: إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ السِتِّينَ. هَذا هو المَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ. الطِّينُ: مَعْرُوفٌ، ويُقالُ طانَهُ اللَّهُ عَلى كَذا، وطامَهُ بِإبْدالِ النُّونِ مِيمًا، جَبَلَهُ وخَلَقَهُ عَلى كَذا، ومُطَيَّنٌ لَقَبٌ لِمُحَدِّثٍ مَعْرُوفٍ. الهَيْئَةُ: الشَّكْلُ والصُّورَةُ، وأصْلُهُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: هاءَ الشَّيْءُ يَهاءُ هَيْأً، وهَيْئَةً إذا تَرَتَّبَ واسْتَقَرَّ عَلى حالٍ ما، وتَعَدِّيهِ بِالتَّضْعِيفِ، فَتَقُولُ: هَيَّأْتُهُ، قالَ ﴿ويُهَيِّئْ لَكُمْ﴾ [الكهف: ١٦] . النَّفْخُ: مَعْرُوفٌ. الإبْراءُ: إزالَةُ العِلَّةِ والمَرَضِ، يُقالُ: بَرِئَ الرَّجُلُ وبَرَأ مِنَ المَرَضِ، وأمّا مِنَ الذَّنْبِ، ومِنَ الدِّينِ فَبَرِيءٌ. الأكْمَهَ: العَمى يُولَدُ بِهِ الإنْسانُ وقَدْ يَعْرِضُ، يُقالُ: كَمَّهُ يُكِمُّهُ كَمَهًا: فَهو أكْمَهُ. وكَمَّهْتُها أنا أعْمَيْتُها قالَ سُوَيْدٌ: . ؎كَمَّهْتُ عَيْناهُ حَتّى ابْيَضَّتا وقالَ رُؤْبَةُ. ؎فارْتَدَّ عَنْها كارْتِدادِ الأكْمَهِ البَرَصُ: داءٌ مَعْرُوفٌ وهو بَياضٌ يَعْتَرِي الجِلْدَ، يُقالُ مِنهُ: بَرَصٌ فَهو أبْرَصُ، ويُسَمّى القَمَرُ أبْرَصَ لِبَياضِهِ، والوَزَغُ سامٌّ أبْرَصُ لِلْبَياضِ الَّذِي يَعْلُو جِلْدَهُ. ذَخَرَ: الشَّيْءَ يَذْخَرُهُ خَبَّأهُ، والذُّخْرُ المَذْخُورُ قالَ: ؎لَها أشارِيرُ مِن لَحْمٍ تُثَمِّرُهُ ∗∗∗ مِنَ الثَّعالِي وذُخْرٌ مِن أرانِبِها ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن قِصَّةِ زَكَرِيّا، وكانَ قَدِ اسْتَطْرَدَ مِن قِصَّةِ مَرْيَمَ إلَيْها، رَجَعَ إلى قِصَّةِ مَرْيَمَ، وهَكَذا عادَةُ أسالِيبِ العَرَبِ، مَتى ذَكَرُوا شَيْئًا اسْتَطْرَدُوا مِنهُ إلى غَيْرِهِ، ثُمَّ عادُوا إلى الأوَّلِ إنْ كانَ لَهم غَرَضٌ في العَوْدِ إلَيْهِ، والمَقْصُودُ تَبْرِئَةُ مَرْيَمَ عَنْ ما رَمَتْها بِهِ اليَهُودُ، وإظْهارُ اسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ عِيسى إلَهًا، فَذَكَرَ وِلادَتَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ ”المَلائِكَةُ“ أنَّهُ جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ ومِن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، لِأنَّهُ نُقِلَ أنَّهُ: لا يَنْزِلُ لِأمْرٍ إلّا ومَعَهُ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ وحْدَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: وإذْ قالَ المَلائِكَةُ، وفي نِداءِ المَلائِكَةِ لَها بِاسْمِها تَأْنِيسٌ لَها، وتَوْطِئَةٌ لِما تُلْقِيهِ إلَيْها، ومَعْمُولُ القَوْلِ الجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ: بِـ ”إنَّ“ . والظّاهِرُ: مُشافَهَةُ المَلائِكَةِ لَها بِالقَوْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رُوِيَ أنَّهم كَلَّمُوها شِفاهًا مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا، أوْ إرْهاصًا لِنُبُوَّةِ عِيسى انْتَهى. يَعْنِي بِالإرْهاصِ التَّقَدُّمَ، والدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّةِ عِيسى، وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ الخارِقَ لِلْعادَةِ عِنْدَهم لا يَكُونُ عَلى يَدٍ غَيْرَ نَبِيٍّ إلّا إنْ كانَ في وقْتِهِ نَبِيٌّ، أوِ انْتَظَرَ بَعْثَ نَبِيٍّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الخارِقُ مُقَدِّمَةً بَيْنَ يَدَيْ بَعْثَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ. ﴿وطَهَّرَكِ﴾ التَّطْهِيرُ هُنا مِنَ الحَيْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ السُّدِّيُّ: وكانَتْ مَرْيَمُ لا تَحِيضُ. وقالَ قَوْمٌ: مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مِن مَسِّ الرِّجالِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: عَمّا يَصِمُ النِّساءَ في خَلْقٍ وخُلُقٍ ودِينٍ، وعَنْهُ أيْضًا: مِنَ الرَّيْبِ والشُّكُوكِ. ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: كَرَّرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والمُبالَغَةِ، وقِيلَ: لا تَوْكِيدَ إذِ المُرادُ بِالِاصْطِفاءِ الأوَّلِ اصْطِفاءُ الوِلايَةِ، وبِالثّانِي اصْطِفاءُ وِلادَةِ عِيسى؛ لِأنَّها بِوِلادَتِهِ حَصَلَ لَها زِيادَةُ اصْطِفاءٍ وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ عَلى الأكْفاءِ، وقِيلَ: الِاصْطِفاءُ الأوَّلُ: اخْتِيارٌ، وعُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ صَوالِحُ مِنَ النِّساءِ، والثّانِي: اصْطِفاءٌ عَلى نِساءِ العالَمِينَ. (p-٤٥٦)وقِيلَ: لَمّا أُطْلِقَ الِاصْطِفاءُ الأوَّلُ، بَيَّنَ بِالثّانِي أنَّها مُصْطَفاةٌ عَلى النِّساءِ دُونَ الرِّجالِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اصْطَفاكِ أوَّلًا حِينَ تَقَبَّلَكِ مِن أُمِّكِ ورَبّاكِ، واخْتَصَّكِ بِالكَرامَةِ السَّنِيَّةِ، وطَهَّرَكِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الأفْعالِ، ومِمّا قَذَفَكِ بِهِ اليَهُودُ، واصْطَفاكِ آخِرًا عَلى نِساءِ العالَمِينَ بِأنْ وهَبَ لَكِ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِّساءِ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ويَكُونُ: نِساءِ العالَمِينَ، عَلى قَوْلِهِ عامًّا، ويَكُونُ الأمْرُ الَّذِي اصْطُفِيَتْ بِهِ مِن أجْلِهِ هو اخْتِصاصُها بِوِلادَةِ عِيسى، وقِيلَ: هو خِدْمَةُ البَيْتِ، وقِيلَ: التَّحْرِيرُ، ولَمْ تُحَرَّرْ أُنْثى غَيْرَ مَرْيَمَ، وقِيلَ: سَلامَتُها مِن نَخْسِ الشَّيْطانِ، وقِيلَ: نُبُوَّتُها، فَإنَّهُ قِيلَ إنَّها نُبِّئَتْ، وكانَتِ المَلائِكَةُ تَظْهَرُ لَها وتُخاطِبُها بِرِسالَةِ اللَّهِ لَها، وكانَ زَكَرِيّا يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: إنَّ لِمَرْيَمَ لَشَأْنًا. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنَبَّأِ امْرَأْةٌ، فالمَعْنى الَّذِي اصْطُفِيَتْ لِأجْلِهِ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، هو شَيْءٌ يَخُصُّها، فَهو اصْطِفاءٌ خاصٌّ إذْ سَبَبُهُ خاصٌّ، وقِيلَ: نِساءُ العالَمِينَ، خاصٌّ بِنِساءِ عالَمِ زَمانِها، فَيَكُونُ الِاصْطِفاءُ إذْ ذاكَ عامًّا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ» . ورُوِيَ: «خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ» ورُوِيَ: «خَيْرُ نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعُ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ» ورُوِيَ: «فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ» ورُوِيَ: «أنَّها مِنَ الكامِلاتِ مِنَ النِّساءِ» . وقَدْ رُوِيَ في الأحادِيثِ الصِّحاحِ تَفْضِيلُ مَرْيَمَ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى ظاهِرِ هَذا التَّفْضِيلِ، قالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: والَّذِي رَأيْتُ مِمَّنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُلَماءِ، أنَّهم يَنْقُلُونَ عَنْ أشْياخِهِمْ: أنَّ فاطِمَةَ أفْضَلُ النِّساءِ المُتَقَدِّماتِ والمُتَأخِّراتِ؛ لِأنَّها بَضْعَةٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ. ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُنادِيَ لَها بِذَلِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ، والمُرادُ بِالقُنُوتِ هُنا: العِبادَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. أوْ: طُولُ القِيامِ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَّبِيعُ، أوِ: الطّاعَةُ، أوِ: الإخْلاصُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. وفي قَوْلِهِ: لِرَبِّكِ، إشارَةٌ إلى أنْ تُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ وتُخَصِّصَهُ بِها، والجُمْهُورُ عَلى ما قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو المُناسِبُ في المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ ورَوى مُجاهِدٌ أنَّها: لَمّا خُوطِبَتْ بِهَذا قامَتْ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها. وقالَ الأوْزاعِيُّ: قامَتْ حَتّى سالَ الدَّمُ والقَيْحُ مِن قَدَمَيْها. ورُوِيَ: أنَّ الطَّيْرَ كانَتْ تَنْزِلُ عَلى رَأْسِها تَظُنُّها جَمادًا لِسُكُونِها في طُولِ قِيامِها. ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمَرَتْها المَلائِكَةُ بِفِعْلِ ثَلاثَةِ أشْياءَ مِن هَيْئاتِ الصَّلاةِ، فَإنْ أُرِيدَ ظاهِرُ الهَيْئاتِ فَهي مَعْطُوفَةٌ بِالواوِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ، فَلا يُسْألُ لِمَ قَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ إلّا مِن جِهَةِ عِلْمِ البَيانِ. والجَوابُ: أنَّ السُّجُودَ لَمّا كانَتِ الهَيْئَةُ الَّتِي هي أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ فِيها إلى اللَّهِ قُدِّمَ، وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرًا في الفِعْلِ عَلى الرُّكُوعِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ التَّقْدِيمُ بِالشَّرَفِ. وقِيلَ: كانَ السُّجُودُ مُقَدَّمًا عَلى الرُّكُوعِ في شَرْعِ زَكَرِيّا، وغَيْرِهِ مِنهم، ذَكَرَهُ أبُو مُوسى الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ: في كُلِّ المِلَلِ إلّا مِلَّةَ الإسْلامِ، فَجاءَ التَّقْدِيمُ مِن حَيْثُ الوُقُوعُ في ذَلِكَ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ التَّقْدِيمُ زَمانِيًّا مِن حَيْثُ الوُقُوعُ، وهَذا التَّقْدِيمُ أحَدُ الأنْواعِ الخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَها البَيانِيُّونَ، وكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَوارَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّهُ لا يُرادُ ظاهِرُ الهَيْئاتِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمِرَتْ بِالصَّلاةِ بِذِكْرِ القُنُوتِ والسُّجُودِ لِكَوْنِهِما مِن هَيْئاتِ الصَّلاةِ وأرْكانِها، ثُمَّ قِيلَ لَها ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ المَعْنى: ولْتَكُنْ صَلاتُكِ مَعَ المُصَلِّينَ أيْ في الجَماعَةِ، أيْ: وانْظُمِي نَفْسَكِ في جُمْلَةِ المُصَلِّينَ، وكُونِي مَعَهم وفي عِدادِهِمْ، ولا تَكُونِي في عِدادِ غَيْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القَوْلُ عِنْدِي في ذَلِكَ أنَّ مَرْيَمَ أُمِرَتْ بِفِعْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ (p-٤٥٧)مِن مَعالِمِ الصَّلاةِ، وهُما: طُولُ القِيامِ والسُّجُودِ، وخُصّا بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِما في أرْكانِ الصَّلاةِ. وهَذانِ يَخْتَصّانِ بِصَلاتِها مُنْفَرِدَةً، وإلّا فَمَن يُصَلِّي وراءَ إمامٍ لا يُقالُ لَهُ: أطِلْ قِيامَكَ، ثُمَّ أُمِرَتْ بَعْدُ بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ، فَقِيلَ لَها: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وقُصِدَ هُنا مَعْلَمٌ آخَرُ مِن مَعالِمِ الصَّلاةِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ لَفْظٌ. ولَمْ يَرِدْ بِالآيَةِ السُّجُودَ والرُّكُوعَ الَّذِي هو مُنْتَظِمٌ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ انْتَهى كَلامُهُ. ولا ضَرُورَةَ بِنا تُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنْ ظاهِرِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا مُناسِبَةً لِتَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلى الرُّكُوعِ، وقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا، فَقالَ: وهَذِهِ الآيَةُ أشَدُّ إشْكالًا مِن قَوْلِنا: قامَ زَيْدٌ وعَمْرٌو، لِأنَّ قِيامَ زَيْدٍ وعَمْرٍو، لَيْسَ لَهُ رُتْبَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ السُّجُودَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَكَيْفَ جاءَتِ الواوُ بِعَكْسِ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ ؟ انْتَهى. وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ، فَإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أنَّ الواوَ يَكُونُ مَعَها في العَطْفِ المَعِيَّةُ، وتَقْدِيمُ السّابِقِ، وتَقْدِيمُ اللّاحِقِ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ احْتِمالاتٍ سَواءً، فَلا يَتَرَجَّحُ أحَدُ الِاحْتِمالاتِ عَلى الآخَرِ، ولا التِفاتَ لِقَوْلِ بَعْضِ أصْحابِنا المُتَأخِّرِينَ في تَرْجِيحِ المَعِيَّةِ عَلى تَقْدِيمِ السّابِقِ، وعَلى تَقْدِيمِ اللّاحِقِ، ولا في تَرْجِيحِ تَقْدِيمِ السّابِقِ عَلى تَقْدِيمِ اللّاحِقِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَوْجِيهًا آخَرَ في تَأْخِيرِ الرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ، فَقالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في زَمانِها مَن كانَ يَقُومُ ويَسْجُدُ في صَلاتِهِ، ولا يَرْكَعُ، وفِيهِ مَن يَرْكَعُ، فَأُمِرَتْ بِأنَّ تَرْكَعَ مَعَ الرّاكِعِينَ، ولا تَكُونَ مَعَ مَن لا يَرْكَعُ انْتَهى. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْتَصِرِي عَلى القِيامِ والسُّجُودِ، بَلْ أضِيفِي إلى ذَلِكَ الرُّكُوعَ. وقِيلَ: المُرادُ: بِاقْنُتِي: أطِيعِي، وبِاسْجُدِي: صَلِّي، ومِنهُ ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] أيِ: الصَّلَواتِ، وبِـ ”ارْكَعِي“: اشْكُرِي مَعَ الشّاكِرِينَ، ومِنهُ: ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] ويُقَوِّي هَذا المَعْنى، ويَرُدُّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ تُشَرَّعْ صَلاةٌ إلّا والرُّكُوعُ فِيها مُقَدَّمٌ عَلى السُّجُودِ، فَإنَّ المُشاهَدَ مِن صَلاةِ اليَهُودِ والنَّصارى خُلُوُّها مِنَ الرُّكُوعِ، ويَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالرُّكُوعِ الِانْحِناءُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ مِنهُ إلى السُّجُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَرْكُ الرُّكُوعِ مِمّا غَيَّرَتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى مِن مَعالِمِ شَرِيعَتِهِمْ. ومَعَ: في قَوْلِهِ: مَعَ الرّاكِعِينَ، تَقْتَضِي الصُّحْبَةَ والِاجْتِماعَ في إيقاعِ الرُّكُوعِ مَعَ مَن يَرْكَعُ، فَتَكُونُ مَأْمُورَةً بِالصَّلاةِ في جَماعَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَجَوَّزَ في: مَعَ، فَتَكُونَ لِلْمُوافَقَةِ لِلْفِعْلِ فَقَطْ دُونَ اجْتِماعٍ، أيِ: افْعَلِي كَفِعْلِهِمْ، وإنْ لَمْ تُوقِعِي الصَّلاةَ مَعَهم، فَإنَّها كانَتْ تُصَلِّي في مِحْرابِها. وجاءَ: مَعَ الرّاكِعِينَ، دُونَ الرّاكِعاتِ؛ لِأنَّ هَذا الجَمْعَ أعَمُّ إذْ يَشْمَلُ الرِّجالَ والنِّساءَ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، ولِمُناسَبَةِ أواخِرِ الآياتِ قَبْلُ وبَعْدُ، ولِأنَّ الِاقْتِداءَ بِالرِّجالِ أفْضَلُ إنْ قُلْنا إنَّها مَأْمُورَةٌ بِصَلاةِ الجَماعَةِ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: ولَمْ تُكْرَهْ لَها الصَّلاةُ في الجَماعَةِ، وإنْ كانَتْ شابَّةً، لِأنَّهم كانُوا ذَوِي قَرابَةٍ مِنها ورَحِمٍ، ولِذَلِكَ اخْتُصُّوا في ضَمِّها وإمْساكِها انْتَهى. ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَصَصِ امْرَأةِ عِمْرانَ، وبِنْتِها مَرْيَمَ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ القَصَصَ وُصُولُها إلَيْكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ إذْ لَسْتَ مِمَّنْ دارَسَ الكُتُبَ، ولا صَحِبَ مَن يَعْرِفُ ذَلِكَ، وهو مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، فَمُدْرَكُ ذَلِكَ إنَّما هو الوَحْيُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى، وقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ أبْعَدِ النّاسِ زَمانًا مِن زَمانِهِ ﷺ، وهو نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتَوْفاها لَهُ في سُورَةِ هُودٍ أكْثَرَ مِمّا اسْتَوْفاها في غَيْرِها ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ [هود: ٤٩] وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ أخْبَرَ بِغُيُوبٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها إلّا مَن شاهَدَها، أوْ: مَن قَرَأها في الكُتُبِ السّابِقَةِ، أوْ: مَن أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِها، وقَدِ انْتَفى العِيانُ والقِراءَةُ، فَتَعَيَّنَ الثّالِثُ، وهو الوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والكافُ في: ذَلِكَ، وإلَيْكَ: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأً و”مِن أنْباءِ الغَيْبِ“: خَبَرَهُ. وأنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، ويَكُونَ الضَّمِيرُ في: نُوحِيهِ، عائِدًا عَلى الغَيْبِ، أيْ: شَأْنُنا أنَّنا نُوحِي إلَيْكَ الغَيْبَ (p-٤٥٨)ونُعْلِمُكَ بِهِ، ولِذَلِكَ أتى بِالمُضارِعِ، ويَكُونُ أكْثَرَ فائِدَةً مِن عَوْدِهِ عَلى: ذَلِكَ، إذْ يَشْتَمِلُ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَصَصِ، وغَيْرِها الَّتِي يُوحِيها إلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ، إذْ يَصِيرُ نَظِيرَ: زَيْدٌ يُطْعِمُ المَساكِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِالحالَةِ الدّائِمَةِ. والمُسْتَعْمَلُ في هَذا المَعْنى إنَّما هو المُضارِعُ، وإذْ يَلْزَمُ مِن عَوْدِهِ عَلى: ذَلِكَ، أنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، بِمَعْنى: أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، لِأنَّ الوَحْيَ بِهِ قَدْ وقَعَ وانْفَصَلَ، فَيَكُونُ أبْعَدَ في المَجازِ مِنهُ إذا كانَ شامِلًا لِهَذِهِ القَصَصِ، وغَيْرِها مِمّا سَيَأْتِي، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، خَبَرًا: لِـ ”ذَلِكَ“ و”مِن أنْباءِ“: حالٌ مِنَ الهاءِ، في: نُوحِيهِ، أوْ مُتَعَلِّقًا: بِـ ”نُوحِيهِ“ . ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] هَذا تَقْرِيرٌ وتَثْبِيتٌ أنَّ ما عَلِمَهُ مِن ذَلِكَ إنَّما هو بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والمُعْلَمُ بِهِ قِصَّتانِ: قِصَّةُ مَرْيَمَ، وقِصَّةُ زَكَرِيّا. فَنَبَّهَ عَلى قِصَّةِ مَرْيَمَ، إذْ هي المَقْصُودَةُ بِالإخْبارِ أوَّلًا، وإنَّما جاءَتْ قِصَّةُ زَكَرِيّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولِانْدِراجِ بَعْضِ قِصَّةِ زَكَرِيّا في ذِكْرِ مَن يَكْفُلُ، فَما خَلَتْ مِن تَنْبِيهٍ عَلى قِصَّةٍ ومَعْنى: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٤٤] أيْ: ما كُنْتَ مَعَهم بِحَضْرَتِهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم. ونُفِيَ المُشاهَدَةُ، وإنْ كانَتْ مُنْتَفِيَةً بِالعِلْمِ، ولَمْ تَنْتِفِ القِراءَةُ والتَّلَقِّي، مِن حُفّاظِ الأنْباءِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالمُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ، ولا مِمَّنْ يَنْقُلُ عَنِ الحُفّاظِ لِلْأخْبارِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ في قِصَّةِ مُوسى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦] وفي قِصَّةِ يُوسُفَ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] . والضَّمِيرُ، في: لَدَيْهِمْ، عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، بَلْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: وما كُنْتَ لَدى المُتَنازِعِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤] أيْ: بِالمَكانِ. والعامِلُ في: إذْ العامِلُ في: لَدَيْهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في: إذْ، ”كُنْتَ“ انْتَهى. ولا يُناسِبُ ذَلِكَ مَذْهَبُهُ في كانَ النّاقِصَةِ؛ لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّها سَلَبَتِ الدَّلالَةَ عَلى الحَدَثِ، وتَجَرَّدَتْ لِلزَّمانِ وما سَبِيلُهُ هَكَذا، فَكَيْفَ يَعْمَلُ في ظَرْفٍ ؟ لِأنَّ الظَّرْفَ وِعاءٌ لِلْحَدَثِ، ولا حَدَثَ فَلا يَعْمَلُ فِيهِ، والمُضارِعُ بَعْدَ: إذْ في مَعْنى الماضِي، أيْ: إذْ ألْقَوْا أقْلامَهم لِلِاسْتِهامِ عَلى مَرْيَمَ، والظّاهِرُ أنَّها الأقْلامُ الَّتِي لِلْكِتابَةِ. قِيلَ: كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ، فاخْتارُوها لِلْقُرْعَةِ تَبَرُّكًا بِها. وقِيلَ: الأقْلامُ هُنا الأزْلامُ، وهي: القِداحُ، ومَعْنى الإلْقاءِ هُنا الرَّمْيُ والطَّرْحُ، ولَمْ يَذْكُرْ في الآيَةِ ما الَّذِي ألْقَوْها فِيهِ، ولا كَيْفِيَّةَ حالِ (p-٤٥٩)الإلْقاءِ، وكَيْفَ خَرَجَ قَلَمُ زَكَرِيّا. وقَدْ ذَكَرْنا فِيما سَبَقَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ عَنِ المُفَسِّرِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّحِيحِ مِنها. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: كانَتِ الأُمَمُ يَكْتُبُونَ أسْماءَهم عَلى سِهامٍ عِنْدَ المُنازَعَةِ، فَمَن خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ سُلِّمَ لَهُ الأمْرُ، وهو شَبِيهٌ بِأمْرِ القِداحِ الَّتِي يُتَقاسَمُ بِها الجَزُورُ. وارْتُفِعَ ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ، وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَلى الحِكايَةِ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يَقُولُونَ أيُّهم يَكْفُلُ، ودَلَّ عَلى المَحْذُوفِ: ﴿يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤] وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ القُرْعَةِ، وهي مَسْألَةٌ فِقْهِيَّةٌ تُذْكَرُ في عِلْمِ الفِقْهِ.

آل عمران 3:43

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤] ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥] ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦] ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨] ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩] ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠] ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] . القَلَمُ: مَعْرُوفٌ، وهو الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وجَمْعُهُ: أقْلامٌ، ويَقَعُ عَلى السَّهْمِ الَّذِي يُقْتَرَعُ بِهِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّهُ يُقَلَّمُ أيْ: يُبْرى ويُسَوّى. وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ القُلامَةِ، وهي نَبْتٌ ضَعِيفٌ لِتَرْقِيقِهِ، والقُلامَةُ أيْضًا ما سَقَطَ مِنَ الظُّفْرِ إذا قُلِّمَ، وقَلَّمْتُ أظْفارَهُ أخَذْتُ مِنها وسَوَّيْتُها، قالَ زُهَيْرٌ: ؎لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ وقالَ بَعْضَ المُوَلِّدِينَ: ؎يُشَبَّهُ بِالهِلالِ وذاكَ نَقْصٌ ∗∗∗ قُلامَةُ ظَفْرِهِ شِبْهُ الهِلالِ الوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى في النَّفْسِ في خَفاءٍ، فَقَدْ يَكُونُ بِالمَلَكِ لِلرُّسُلِ، وبِالإلْهامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وبِالإشارَةِ، كَقَوْلِهِ. لَأوْحَتْ إلَيْنا والأنامِلُ رُسْلُها ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم: ١١] وبِالكِتابَةِ: قال زُهَيْرٌ: أتى العُجْمَ والآفاقَ مِنهُ قَصائِدُ بَقَيْنَ بَقاءَ الوَحْيِ في الحَجَرِ الأصَمْ والوَحْيُ: الكِتابُ قالَ: ؎فَمَدافِعُ الرَيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها ∗∗∗ خَلَقًا كَما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها وقِيلَ: الوُحِيُّ جَمْعُ وحْيٍ، وأمّا الفِعْلُ، فَيُقالُ أوْحى، ووَحى. المَسِيحُ: عِبْرانِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيِّ مَشِيحًا، بِالشِّينِ، عُرِّبَ بِالسِّينِ، كَما غُيِّرَتْ في مُوَشى، فَقِيلَ: مُوسى، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْناهُ المُبارَكُ، كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] وهو مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ، كالصِّدِّيقِ، والفارُوقِ، انْتَهى. وقِيلَ: المَسِيحُ عَرَبِيٌّ، واخْتُلِفَ: أهْوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّياحَةِ فَيَكُونُ وزْنُهُ مُفْعِلًا ؟ أوْ مِنَ المَسِيحِ فَيَكُونُ وزْنُهُ فَعِيلًا ؟ وهَلْ يَكُونُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوْ فاعِلٍ خِلافٌ، ويَتَبَيَّنُ في التَّفْسِيرِ لِمَ سُمِّيَ بِذَلِكَ. الكَهْلُ: الَّذِي بَلَغَ سِنَّ الكُهُولَةِ، وآخِرُها سِتُّونَ وقِيلَ: خَمْسُونَ، وقِيلَ: اثْنانِ وخَمْسُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ (p-٤٥٥)سِنَّ الشَّيْخُوخَةِ. واخْتُلِفَ في أوَّلِها فَقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: اثْنانِ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ. وقِيلَ: خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ عامًا. وهُوَ مِنِ اكْتَهَلَ النَّباتُ إذا قَوِيَ وعَلا، ومِنهُ: الكاهِلُ، وقالَ ابْنُ فارِسٍ: اكْتَهَلَ الرَّجُلُ وخَطَّهُ الشَّيْبُ، مِن قَوْلِهِمُ: اكْتَهَلَتِ الرَّوْضَةُ إذا عَمَّها النُّورُ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ: كَهِلَةٌ انْتَهى. ونُقِلَ عَنِ الأئِمَّةِ في تَرْتِيبِ سَنِّ المَوْلُودِ وتَنَقُّلِ أحْوالِهِ: أنَّهُ في الرَّحِمِ: جَنَيْنٌ، فَإذا وُلِدَ: فَوَلِيدٌ، فَإذا لَمْ يَسْتَتِمَّ الأُسْبُوعَ: فَصَدِيعٌ، وإذا دامَ يَرْضَعُ: فَرَضِيعٌ، وإذا فُطِمَ: فَفَطِيمٌ، وإذا لَمْ يَرْضَعْ: فَجَحُوشٌ، فَإذا دَبَّ ونَما: فَدارِجٌ، فَإذا سَقَطَتْ رَواضِعَهُ: فَمَثْغُورٌ، فَإذا نَبَتَتْ بَعْدَ السُّقُوطِ: فَمُتَّغِرٌ، بِالتّاءِ، والثّاءِ. فَإذا كانَ يُجاوِزُ العَشْرَ: فَمُتَرَعْرِعٌ وناشِئٌ، فَإذا كانَ يَبْلُغُ الحُلُمَ: فَيافِعٌ، ومُراهِقٌ، فَإذا احْتَلَمَ: فَمَحْزُورٌ، وهو في جَمِيعِ هَذِهِ الأحْوالِ: غُلامٌ. فَإذا اخْضَرَّ شارِبُهُ وسالَ عِذارُهُ: فَباقِلٌ، فَإذا صارَ ذاقِنًا: فَفَتى، وشارِخٌ، فَإذا كَمُلَتْ لِحْيَتُهُ: فَمُجْتَمَعٌ، ثُمَّ ما دامَ بَيْنَ الثَّلاثِينَ، والأرْبَعِينَ: فَهو شابٌّ، ثُمَّ هو كَهْلٌ: إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ السِتِّينَ. هَذا هو المَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ. الطِّينُ: مَعْرُوفٌ، ويُقالُ طانَهُ اللَّهُ عَلى كَذا، وطامَهُ بِإبْدالِ النُّونِ مِيمًا، جَبَلَهُ وخَلَقَهُ عَلى كَذا، ومُطَيَّنٌ لَقَبٌ لِمُحَدِّثٍ مَعْرُوفٍ. الهَيْئَةُ: الشَّكْلُ والصُّورَةُ، وأصْلُهُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: هاءَ الشَّيْءُ يَهاءُ هَيْأً، وهَيْئَةً إذا تَرَتَّبَ واسْتَقَرَّ عَلى حالٍ ما، وتَعَدِّيهِ بِالتَّضْعِيفِ، فَتَقُولُ: هَيَّأْتُهُ، قالَ ﴿ويُهَيِّئْ لَكُمْ﴾ [الكهف: ١٦] . النَّفْخُ: مَعْرُوفٌ. الإبْراءُ: إزالَةُ العِلَّةِ والمَرَضِ، يُقالُ: بَرِئَ الرَّجُلُ وبَرَأ مِنَ المَرَضِ، وأمّا مِنَ الذَّنْبِ، ومِنَ الدِّينِ فَبَرِيءٌ. الأكْمَهَ: العَمى يُولَدُ بِهِ الإنْسانُ وقَدْ يَعْرِضُ، يُقالُ: كَمَّهُ يُكِمُّهُ كَمَهًا: فَهو أكْمَهُ. وكَمَّهْتُها أنا أعْمَيْتُها قالَ سُوَيْدٌ: . ؎كَمَّهْتُ عَيْناهُ حَتّى ابْيَضَّتا وقالَ رُؤْبَةُ. ؎فارْتَدَّ عَنْها كارْتِدادِ الأكْمَهِ البَرَصُ: داءٌ مَعْرُوفٌ وهو بَياضٌ يَعْتَرِي الجِلْدَ، يُقالُ مِنهُ: بَرَصٌ فَهو أبْرَصُ، ويُسَمّى القَمَرُ أبْرَصَ لِبَياضِهِ، والوَزَغُ سامٌّ أبْرَصُ لِلْبَياضِ الَّذِي يَعْلُو جِلْدَهُ. ذَخَرَ: الشَّيْءَ يَذْخَرُهُ خَبَّأهُ، والذُّخْرُ المَذْخُورُ قالَ: ؎لَها أشارِيرُ مِن لَحْمٍ تُثَمِّرُهُ ∗∗∗ مِنَ الثَّعالِي وذُخْرٌ مِن أرانِبِها ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ لَمّا فَرَغَ مِن قِصَّةِ زَكَرِيّا، وكانَ قَدِ اسْتَطْرَدَ مِن قِصَّةِ مَرْيَمَ إلَيْها، رَجَعَ إلى قِصَّةِ مَرْيَمَ، وهَكَذا عادَةُ أسالِيبِ العَرَبِ، مَتى ذَكَرُوا شَيْئًا اسْتَطْرَدُوا مِنهُ إلى غَيْرِهِ، ثُمَّ عادُوا إلى الأوَّلِ إنْ كانَ لَهم غَرَضٌ في العَوْدِ إلَيْهِ، والمَقْصُودُ تَبْرِئَةُ مَرْيَمَ عَنْ ما رَمَتْها بِهِ اليَهُودُ، وإظْهارُ اسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ عِيسى إلَهًا، فَذَكَرَ وِلادَتَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ ”المَلائِكَةُ“ أنَّهُ جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: المُرادُ جِبْرِيلُ ومِن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، لِأنَّهُ نُقِلَ أنَّهُ: لا يَنْزِلُ لِأمْرٍ إلّا ومَعَهُ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ وحْدَهُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: وإذْ قالَ المَلائِكَةُ، وفي نِداءِ المَلائِكَةِ لَها بِاسْمِها تَأْنِيسٌ لَها، وتَوْطِئَةٌ لِما تُلْقِيهِ إلَيْها، ومَعْمُولُ القَوْلِ الجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ: بِـ ”إنَّ“ . والظّاهِرُ: مُشافَهَةُ المَلائِكَةِ لَها بِالقَوْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رُوِيَ أنَّهم كَلَّمُوها شِفاهًا مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا، أوْ إرْهاصًا لِنُبُوَّةِ عِيسى انْتَهى. يَعْنِي بِالإرْهاصِ التَّقَدُّمَ، والدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّةِ عِيسى، وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ الخارِقَ لِلْعادَةِ عِنْدَهم لا يَكُونُ عَلى يَدٍ غَيْرَ نَبِيٍّ إلّا إنْ كانَ في وقْتِهِ نَبِيٌّ، أوِ انْتَظَرَ بَعْثَ نَبِيٍّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الخارِقُ مُقَدِّمَةً بَيْنَ يَدَيْ بَعْثَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ. ﴿وطَهَّرَكِ﴾ التَّطْهِيرُ هُنا مِنَ الحَيْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ السُّدِّيُّ: وكانَتْ مَرْيَمُ لا تَحِيضُ. وقالَ قَوْمٌ: مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مِن مَسِّ الرِّجالِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: عَمّا يَصِمُ النِّساءَ في خَلْقٍ وخُلُقٍ ودِينٍ، وعَنْهُ أيْضًا: مِنَ الرَّيْبِ والشُّكُوكِ. ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: كَرَّرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والمُبالَغَةِ، وقِيلَ: لا تَوْكِيدَ إذِ المُرادُ بِالِاصْطِفاءِ الأوَّلِ اصْطِفاءُ الوِلايَةِ، وبِالثّانِي اصْطِفاءُ وِلادَةِ عِيسى؛ لِأنَّها بِوِلادَتِهِ حَصَلَ لَها زِيادَةُ اصْطِفاءٍ وعُلُوُّ مَنزِلَةٍ عَلى الأكْفاءِ، وقِيلَ: الِاصْطِفاءُ الأوَّلُ: اخْتِيارٌ، وعُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ صَوالِحُ مِنَ النِّساءِ، والثّانِي: اصْطِفاءٌ عَلى نِساءِ العالَمِينَ. (p-٤٥٦)وقِيلَ: لَمّا أُطْلِقَ الِاصْطِفاءُ الأوَّلُ، بَيَّنَ بِالثّانِي أنَّها مُصْطَفاةٌ عَلى النِّساءِ دُونَ الرِّجالِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اصْطَفاكِ أوَّلًا حِينَ تَقَبَّلَكِ مِن أُمِّكِ ورَبّاكِ، واخْتَصَّكِ بِالكَرامَةِ السَّنِيَّةِ، وطَهَّرَكِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الأفْعالِ، ومِمّا قَذَفَكِ بِهِ اليَهُودُ، واصْطَفاكِ آخِرًا عَلى نِساءِ العالَمِينَ بِأنْ وهَبَ لَكِ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِّساءِ انْتَهى. وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ويَكُونُ: نِساءِ العالَمِينَ، عَلى قَوْلِهِ عامًّا، ويَكُونُ الأمْرُ الَّذِي اصْطُفِيَتْ بِهِ مِن أجْلِهِ هو اخْتِصاصُها بِوِلادَةِ عِيسى، وقِيلَ: هو خِدْمَةُ البَيْتِ، وقِيلَ: التَّحْرِيرُ، ولَمْ تُحَرَّرْ أُنْثى غَيْرَ مَرْيَمَ، وقِيلَ: سَلامَتُها مِن نَخْسِ الشَّيْطانِ، وقِيلَ: نُبُوَّتُها، فَإنَّهُ قِيلَ إنَّها نُبِّئَتْ، وكانَتِ المَلائِكَةُ تَظْهَرُ لَها وتُخاطِبُها بِرِسالَةِ اللَّهِ لَها، وكانَ زَكَرِيّا يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: إنَّ لِمَرْيَمَ لَشَأْنًا. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنَبَّأِ امْرَأْةٌ، فالمَعْنى الَّذِي اصْطُفِيَتْ لِأجْلِهِ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، هو شَيْءٌ يَخُصُّها، فَهو اصْطِفاءٌ خاصٌّ إذْ سَبَبُهُ خاصٌّ، وقِيلَ: نِساءُ العالَمِينَ، خاصٌّ بِنِساءِ عالَمِ زَمانِها، فَيَكُونُ الِاصْطِفاءُ إذْ ذاكَ عامًّا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ» . ورُوِيَ: «خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ» ورُوِيَ: «خَيْرُ نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعُ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ» ورُوِيَ: «فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ» ورُوِيَ: «أنَّها مِنَ الكامِلاتِ مِنَ النِّساءِ» . وقَدْ رُوِيَ في الأحادِيثِ الصِّحاحِ تَفْضِيلُ مَرْيَمَ عَلى نِساءِ العالَمِينَ، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى ظاهِرِ هَذا التَّفْضِيلِ، قالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: والَّذِي رَأيْتُ مِمَّنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُلَماءِ، أنَّهم يَنْقُلُونَ عَنْ أشْياخِهِمْ: أنَّ فاطِمَةَ أفْضَلُ النِّساءِ المُتَقَدِّماتِ والمُتَأخِّراتِ؛ لِأنَّها بَضْعَةٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ. ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ لا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُنادِيَ لَها بِذَلِكَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ، والمُرادُ بِالقُنُوتِ هُنا: العِبادَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. أوْ: طُولُ القِيامِ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَّبِيعُ، أوِ: الطّاعَةُ، أوِ: الإخْلاصُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. وفي قَوْلِهِ: لِرَبِّكِ، إشارَةٌ إلى أنْ تُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ وتُخَصِّصَهُ بِها، والجُمْهُورُ عَلى ما قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو المُناسِبُ في المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾ ورَوى مُجاهِدٌ أنَّها: لَمّا خُوطِبَتْ بِهَذا قامَتْ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها. وقالَ الأوْزاعِيُّ: قامَتْ حَتّى سالَ الدَّمُ والقَيْحُ مِن قَدَمَيْها. ورُوِيَ: أنَّ الطَّيْرَ كانَتْ تَنْزِلُ عَلى رَأْسِها تَظُنُّها جَمادًا لِسُكُونِها في طُولِ قِيامِها. ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمَرَتْها المَلائِكَةُ بِفِعْلِ ثَلاثَةِ أشْياءَ مِن هَيْئاتِ الصَّلاةِ، فَإنْ أُرِيدَ ظاهِرُ الهَيْئاتِ فَهي مَعْطُوفَةٌ بِالواوِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ، فَلا يُسْألُ لِمَ قَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ إلّا مِن جِهَةِ عِلْمِ البَيانِ. والجَوابُ: أنَّ السُّجُودَ لَمّا كانَتِ الهَيْئَةُ الَّتِي هي أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ فِيها إلى اللَّهِ قُدِّمَ، وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرًا في الفِعْلِ عَلى الرُّكُوعِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ التَّقْدِيمُ بِالشَّرَفِ. وقِيلَ: كانَ السُّجُودُ مُقَدَّمًا عَلى الرُّكُوعِ في شَرْعِ زَكَرِيّا، وغَيْرِهِ مِنهم، ذَكَرَهُ أبُو مُوسى الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ: في كُلِّ المِلَلِ إلّا مِلَّةَ الإسْلامِ، فَجاءَ التَّقْدِيمُ مِن حَيْثُ الوُقُوعُ في ذَلِكَ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ التَّقْدِيمُ زَمانِيًّا مِن حَيْثُ الوُقُوعُ، وهَذا التَّقْدِيمُ أحَدُ الأنْواعِ الخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَها البَيانِيُّونَ، وكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَوارَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّهُ لا يُرادُ ظاهِرُ الهَيْئاتِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمِرَتْ بِالصَّلاةِ بِذِكْرِ القُنُوتِ والسُّجُودِ لِكَوْنِهِما مِن هَيْئاتِ الصَّلاةِ وأرْكانِها، ثُمَّ قِيلَ لَها ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ المَعْنى: ولْتَكُنْ صَلاتُكِ مَعَ المُصَلِّينَ أيْ في الجَماعَةِ، أيْ: وانْظُمِي نَفْسَكِ في جُمْلَةِ المُصَلِّينَ، وكُونِي مَعَهم وفي عِدادِهِمْ، ولا تَكُونِي في عِدادِ غَيْرِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القَوْلُ عِنْدِي في ذَلِكَ أنَّ مَرْيَمَ أُمِرَتْ بِفِعْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ (p-٤٥٧)مِن مَعالِمِ الصَّلاةِ، وهُما: طُولُ القِيامِ والسُّجُودِ، وخُصّا بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِما في أرْكانِ الصَّلاةِ. وهَذانِ يَخْتَصّانِ بِصَلاتِها مُنْفَرِدَةً، وإلّا فَمَن يُصَلِّي وراءَ إمامٍ لا يُقالُ لَهُ: أطِلْ قِيامَكَ، ثُمَّ أُمِرَتْ بَعْدُ بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ، فَقِيلَ لَها: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ وقُصِدَ هُنا مَعْلَمٌ آخَرُ مِن مَعالِمِ الصَّلاةِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ لَفْظٌ. ولَمْ يَرِدْ بِالآيَةِ السُّجُودَ والرُّكُوعَ الَّذِي هو مُنْتَظِمٌ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ انْتَهى كَلامُهُ. ولا ضَرُورَةَ بِنا تُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنْ ظاهِرِهِ. وقَدْ ذَكَرْنا مُناسِبَةً لِتَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلى الرُّكُوعِ، وقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا، فَقالَ: وهَذِهِ الآيَةُ أشَدُّ إشْكالًا مِن قَوْلِنا: قامَ زَيْدٌ وعَمْرٌو، لِأنَّ قِيامَ زَيْدٍ وعَمْرٍو، لَيْسَ لَهُ رُتْبَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ السُّجُودَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَكَيْفَ جاءَتِ الواوُ بِعَكْسِ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ ؟ انْتَهى. وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ، فَإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أنَّ الواوَ يَكُونُ مَعَها في العَطْفِ المَعِيَّةُ، وتَقْدِيمُ السّابِقِ، وتَقْدِيمُ اللّاحِقِ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ احْتِمالاتٍ سَواءً، فَلا يَتَرَجَّحُ أحَدُ الِاحْتِمالاتِ عَلى الآخَرِ، ولا التِفاتَ لِقَوْلِ بَعْضِ أصْحابِنا المُتَأخِّرِينَ في تَرْجِيحِ المَعِيَّةِ عَلى تَقْدِيمِ السّابِقِ، وعَلى تَقْدِيمِ اللّاحِقِ، ولا في تَرْجِيحِ تَقْدِيمِ السّابِقِ عَلى تَقْدِيمِ اللّاحِقِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَوْجِيهًا آخَرَ في تَأْخِيرِ الرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ، فَقالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في زَمانِها مَن كانَ يَقُومُ ويَسْجُدُ في صَلاتِهِ، ولا يَرْكَعُ، وفِيهِ مَن يَرْكَعُ، فَأُمِرَتْ بِأنَّ تَرْكَعَ مَعَ الرّاكِعِينَ، ولا تَكُونَ مَعَ مَن لا يَرْكَعُ انْتَهى. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْتَصِرِي عَلى القِيامِ والسُّجُودِ، بَلْ أضِيفِي إلى ذَلِكَ الرُّكُوعَ. وقِيلَ: المُرادُ: بِاقْنُتِي: أطِيعِي، وبِاسْجُدِي: صَلِّي، ومِنهُ ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] أيِ: الصَّلَواتِ، وبِـ ”ارْكَعِي“: اشْكُرِي مَعَ الشّاكِرِينَ، ومِنهُ: ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] ويُقَوِّي هَذا المَعْنى، ويَرُدُّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ تُشَرَّعْ صَلاةٌ إلّا والرُّكُوعُ فِيها مُقَدَّمٌ عَلى السُّجُودِ، فَإنَّ المُشاهَدَ مِن صَلاةِ اليَهُودِ والنَّصارى خُلُوُّها مِنَ الرُّكُوعِ، ويَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالرُّكُوعِ الِانْحِناءُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ مِنهُ إلى السُّجُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَرْكُ الرُّكُوعِ مِمّا غَيَّرَتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى مِن مَعالِمِ شَرِيعَتِهِمْ. ومَعَ: في قَوْلِهِ: مَعَ الرّاكِعِينَ، تَقْتَضِي الصُّحْبَةَ والِاجْتِماعَ في إيقاعِ الرُّكُوعِ مَعَ مَن يَرْكَعُ، فَتَكُونُ مَأْمُورَةً بِالصَّلاةِ في جَماعَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَجَوَّزَ في: مَعَ، فَتَكُونَ لِلْمُوافَقَةِ لِلْفِعْلِ فَقَطْ دُونَ اجْتِماعٍ، أيِ: افْعَلِي كَفِعْلِهِمْ، وإنْ لَمْ تُوقِعِي الصَّلاةَ مَعَهم، فَإنَّها كانَتْ تُصَلِّي في مِحْرابِها. وجاءَ: مَعَ الرّاكِعِينَ، دُونَ الرّاكِعاتِ؛ لِأنَّ هَذا الجَمْعَ أعَمُّ إذْ يَشْمَلُ الرِّجالَ والنِّساءَ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، ولِمُناسَبَةِ أواخِرِ الآياتِ قَبْلُ وبَعْدُ، ولِأنَّ الِاقْتِداءَ بِالرِّجالِ أفْضَلُ إنْ قُلْنا إنَّها مَأْمُورَةٌ بِصَلاةِ الجَماعَةِ. قالَ الماتُرِيدِيُّ: ولَمْ تُكْرَهْ لَها الصَّلاةُ في الجَماعَةِ، وإنْ كانَتْ شابَّةً، لِأنَّهم كانُوا ذَوِي قَرابَةٍ مِنها ورَحِمٍ، ولِذَلِكَ اخْتُصُّوا في ضَمِّها وإمْساكِها انْتَهى. ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَصَصِ امْرَأةِ عِمْرانَ، وبِنْتِها مَرْيَمَ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى، والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ القَصَصَ وُصُولُها إلَيْكَ مِن جِهَةِ الوَحْيِ إذْ لَسْتَ مِمَّنْ دارَسَ الكُتُبَ، ولا صَحِبَ مَن يَعْرِفُ ذَلِكَ، وهو مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، فَمُدْرَكُ ذَلِكَ إنَّما هو الوَحْيُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى، وقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ أبْعَدِ النّاسِ زَمانًا مِن زَمانِهِ ﷺ، وهو نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتَوْفاها لَهُ في سُورَةِ هُودٍ أكْثَرَ مِمّا اسْتَوْفاها في غَيْرِها ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ [هود: ٤٩] وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ أخْبَرَ بِغُيُوبٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها إلّا مَن شاهَدَها، أوْ: مَن قَرَأها في الكُتُبِ السّابِقَةِ، أوْ: مَن أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِها، وقَدِ انْتَفى العِيانُ والقِراءَةُ، فَتَعَيَّنَ الثّالِثُ، وهو الوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والكافُ في: ذَلِكَ، وإلَيْكَ: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأً و”مِن أنْباءِ الغَيْبِ“: خَبَرَهُ. وأنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، ويَكُونَ الضَّمِيرُ في: نُوحِيهِ، عائِدًا عَلى الغَيْبِ، أيْ: شَأْنُنا أنَّنا نُوحِي إلَيْكَ الغَيْبَ (p-٤٥٨)ونُعْلِمُكَ بِهِ، ولِذَلِكَ أتى بِالمُضارِعِ، ويَكُونُ أكْثَرَ فائِدَةً مِن عَوْدِهِ عَلى: ذَلِكَ، إذْ يَشْتَمِلُ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَصَصِ، وغَيْرِها الَّتِي يُوحِيها إلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ، إذْ يَصِيرُ نَظِيرَ: زَيْدٌ يُطْعِمُ المَساكِينَ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِالحالَةِ الدّائِمَةِ. والمُسْتَعْمَلُ في هَذا المَعْنى إنَّما هو المُضارِعُ، وإذْ يَلْزَمُ مِن عَوْدِهِ عَلى: ذَلِكَ، أنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، بِمَعْنى: أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، لِأنَّ الوَحْيَ بِهِ قَدْ وقَعَ وانْفَصَلَ، فَيَكُونُ أبْعَدَ في المَجازِ مِنهُ إذا كانَ شامِلًا لِهَذِهِ القَصَصِ، وغَيْرِها مِمّا سَيَأْتِي، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، خَبَرًا: لِـ ”ذَلِكَ“ و”مِن أنْباءِ“: حالٌ مِنَ الهاءِ، في: نُوحِيهِ، أوْ مُتَعَلِّقًا: بِـ ”نُوحِيهِ“ . ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] هَذا تَقْرِيرٌ وتَثْبِيتٌ أنَّ ما عَلِمَهُ مِن ذَلِكَ إنَّما هو بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والمُعْلَمُ بِهِ قِصَّتانِ: قِصَّةُ مَرْيَمَ، وقِصَّةُ زَكَرِيّا. فَنَبَّهَ عَلى قِصَّةِ مَرْيَمَ، إذْ هي المَقْصُودَةُ بِالإخْبارِ أوَّلًا، وإنَّما جاءَتْ قِصَّةُ زَكَرِيّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ، ولِانْدِراجِ بَعْضِ قِصَّةِ زَكَرِيّا في ذِكْرِ مَن يَكْفُلُ، فَما خَلَتْ مِن تَنْبِيهٍ عَلى قِصَّةٍ ومَعْنى: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٤٤] أيْ: ما كُنْتَ مَعَهم بِحَضْرَتِهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم. ونُفِيَ المُشاهَدَةُ، وإنْ كانَتْ مُنْتَفِيَةً بِالعِلْمِ، ولَمْ تَنْتِفِ القِراءَةُ والتَّلَقِّي، مِن حُفّاظِ الأنْباءِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالمُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ، ولا مِمَّنْ يَنْقُلُ عَنِ الحُفّاظِ لِلْأخْبارِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ في قِصَّةِ مُوسى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦] وفي قِصَّةِ يُوسُفَ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] . والضَّمِيرُ، في: لَدَيْهِمْ، عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، بَلْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: وما كُنْتَ لَدى المُتَنازِعِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤] أيْ: بِالمَكانِ. والعامِلُ في: إذْ العامِلُ في: لَدَيْهِمْ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في: إذْ، ”كُنْتَ“ انْتَهى. ولا يُناسِبُ ذَلِكَ مَذْهَبُهُ في كانَ النّاقِصَةِ؛ لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّها سَلَبَتِ الدَّلالَةَ عَلى الحَدَثِ، وتَجَرَّدَتْ لِلزَّمانِ وما سَبِيلُهُ هَكَذا، فَكَيْفَ يَعْمَلُ في ظَرْفٍ ؟ لِأنَّ الظَّرْفَ وِعاءٌ لِلْحَدَثِ، ولا حَدَثَ فَلا يَعْمَلُ فِيهِ، والمُضارِعُ بَعْدَ: إذْ في مَعْنى الماضِي، أيْ: إذْ ألْقَوْا أقْلامَهم لِلِاسْتِهامِ عَلى مَرْيَمَ، والظّاهِرُ أنَّها الأقْلامُ الَّتِي لِلْكِتابَةِ. قِيلَ: كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ، فاخْتارُوها لِلْقُرْعَةِ تَبَرُّكًا بِها. وقِيلَ: الأقْلامُ هُنا الأزْلامُ، وهي: القِداحُ، ومَعْنى الإلْقاءِ هُنا الرَّمْيُ والطَّرْحُ، ولَمْ يَذْكُرْ في الآيَةِ ما الَّذِي ألْقَوْها فِيهِ، ولا كَيْفِيَّةَ حالِ (p-٤٥٩)الإلْقاءِ، وكَيْفَ خَرَجَ قَلَمُ زَكَرِيّا. وقَدْ ذَكَرْنا فِيما سَبَقَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ عَنِ المُفَسِّرِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّحِيحِ مِنها. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: كانَتِ الأُمَمُ يَكْتُبُونَ أسْماءَهم عَلى سِهامٍ عِنْدَ المُنازَعَةِ، فَمَن خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ سُلِّمَ لَهُ الأمْرُ، وهو شَبِيهٌ بِأمْرِ القِداحِ الَّتِي يُتَقاسَمُ بِها الجَزُورُ. وارْتُفِعَ ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ، وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَلى الحِكايَةِ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يَقُولُونَ أيُّهم يَكْفُلُ، ودَلَّ عَلى المَحْذُوفِ: ﴿يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤] وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ القُرْعَةِ، وهي مَسْألَةٌ فِقْهِيَّةٌ تُذْكَرُ في عِلْمِ الفِقْهِ.

آل عمران 3:44

﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَرْيَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاخْتِصامُ هو الِاقْتِراعُ، وأنْ يَكُونَ اخْتِصامًا آخَرَ بَعْدَهُ، والمَقْصُودُ: شِدَّةُ رَغْبَتِهِمْ في التَّكَفُّلِ بِشَأْنِها. والعامِلُ في: إذْ، العامِلُ في: لَدَيْهِمْ، أوْ، كُنْتَ، عَلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ في: إذْ يُلْقُونَ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ التَّكْرارَ في: اصْطَفاكِ، وفي: يا مَرْيَمُ، وفي: ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. قِيلَ: والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: واسْجُدِي وارْكَعِي، عَلى بَعْضِ الأقْوالِ. والِاسْتِعارَةُ، فِيمَن جَعَلَ القُنُوتَ والسُّجُودَ والرُّكُوعَ لَيْسَ كِنايَةً عَنِ الهَيْئاتِ الَّتِي في الصَّلاةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ، والعُمُومُ المُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في: نِساءِ العالَمِينَ؛ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، والتَّشْبِيهُ في: أقْلامِهِمْ، إذا قُلْنا إنَّهُ أرادَ القِداحَ. والحَذْفُ عَلى عِدَّةِ مَواضِعَ. ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ العامِلُ في: إذا، اذْكُرْ، أوْ: يَخْتَصِمُونَ، أوْ إذْ، بَدَلٌ مِن إذْ، في قَوْلِهِ: إذْ يَخْتَصِمُونَ، أوْ مِن: وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، أقْوالٌ؛ يَلْزَمُ في القَوْلَيْنِ المُتَوَسِّطَيْنِ اتِّحادُ زَمانِ الِاخْتِصامِ، وزَمانِ قَوْلِ المَلائِكَةِ، وهو بَعِيدٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. ويَبْعُدُ الرّابِعُ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. والرّابِعُ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ وبِهِ بَدَأ. والخِلافُ في المَلائِكَةِ: أهم جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ جِبْرِيلُ وحْدَهُ عَلى ما سَبَقَ قَبْلُ في خِطابِهِمْ لِزَكَرِيّا ولِمَرْيَمَ ؟ وتَقَدَّمَ تَكْلِيمُ المَلائِكَةِ قَبْلَ هَذا التَّبْشِيرِ بِذِكْرِ الِاصْطِفاءِ، والتَّطْهِيرِ مِنَ اللَّهِ، وبِالأمْنِ بِالعِبادَةِ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ واللُّطْفِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِهَذا التَّبْشِيرِ بِهَذا الأمْرِ العَجِيبِ الخارِقِ الَّذِي لَمْ يَجْرِ لِامْرَأةٍ قَبْلَها، ولا يَجْرِي لِامْرَأةٍ بَعْدَها، وهو أنَّها تَحْمِلُ مِن غَيْرِ مَسِّ ذَكَرٍ لَها، وكانَ جَرْيُ ذَلِكَ الخارِقِ مِن رِزْقِ اللَّهِ لَها أيْضًا تَأْنِيسًا لِهَذا الخارِقِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ: وإذْ قالَ المَلائِكَةُ. والكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ هو عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ كَلِمَةً لِصُدُورِهِ بِكَلِمَةِ: كُنْ، بِلا أبٍ. قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: لِتَسْمِيَتِهِ المَسِيحَ، وهو كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ أيْ: مِن كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ في كِتابِهِ التَّوْراةِ والكُتُبِ السّابِقَةِ. وفي التَّوْراةِ: أتانا اللَّهُ مِن سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. و ساعِرٌ هو المَوْضِعُ الَّذِي بُعِثَ مِنهُ المَسِيحُ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ جاءَ عَلى وفْقِ كَلِمَةِ جِبْرِيلَ، وهو: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَجاءَ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي وُصِفَ. وقِيلَ: سَمّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ كَما سَمّى مَن شاءَ مِن سائِرِ خَلْقِهِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا عَلَمًا مَوْضُوعًا لَهُ لَمْ تُلْحَظْ فِيهِ جِهَةٌ مُناسِبَةٌ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ هُنا لا يُرادُ بِها عِيسى، بَلِ الكَلِمَةُ بِشارَةُ المَلائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِعِيسى. وقِيلَ: بِشارَةُ النَّبِيِّ لَها. ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ﴾ الضَّمِيرُ في اسْمِهِ، عائِدٌ عَلى: الكَلِمَةُ، عَلى مَعْنى: نُبَشِّرُكِ بِمُكَوِّنٍ مِنهُ، أوْ بِمَوْجُودٍ مِنَ اللَّهِ. وسُمِّيَ المَسِيحَ؛ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدٌ، وشَمِرٌ. أوْ: بِالدُّهْنِ ‌الَّذِي يُمْسَحُ بِهِ الأنْبِياءُ، خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِهِ، وهو دُهْنٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ إذا مُسِحَ بِهِ شَخْصٌ عُلِمَ أنَّهُ نَبِيٌّ. أوْ: بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ: بِمَسْحِ جِبْرِيلَ لَهُ بِجَناحِهِ، أوْ: لِمَسْحِ رِجْلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِما خَمْصٌ، والأخْمَصُ ما تَجافى عَنِ الأرْضِ مِن باطِنِ الرِّجْلِ، وكانَ عِيسى أمْسَحَ القَدَمِ لا أخْمُصَ لَهُ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٠) ؎باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزَّلَمْ خَدَلَّجُ السّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ أوْ: لِمَسْحِ الجِمالِ إيّاهُ، وهو ظُهُورُهُ عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎عَلى وجْهِ مَيٍّ مَسْحَةٌ مِن مَلاحَةٍ أوْ: لِمَسْحَةٍ مِنَ الأقْذارِ الَّتِي تَنالُ المَوْلُودِينَ؛ لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ لا تَحِيضُ، ولَمْ تُدَنَّسْ بِدَمِ نِفاسٍ. أقْوالٌ سَبْعَةٌ، ويَكُونُ: فَعِيلٌ، فِيها بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والألِفُ واللّامُ في المَسِيحِ لِلْغَلَبَةِ؛ مِثْلُها في: الدَّبَرانُ، والعَيُّوقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ بِيَدِهِ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِيءَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ: فَعِيلٌ مَبْنِيًّا لِلْمُبالَغَةِ: كَعَلِيمٍ، ويَكُونُ مِنَ الأمْثِلَةِ الَّتِي حُوِّلَتْ مِن فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: مِنَ المِساحَةِ، وكانَ يَجُولُ في الأرْضِ فَكَأنَّهُ كانَ يَمْسَحُها. وقِيلَ: هو مُفْعِلٌ مِن ساحَ يَسِيحُ مِنَ السِّياحَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ: المَسِيحُ: الصِّدِّيقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَسِيحُ: المَلِكُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَلَكَ إحْياءَ المَوْتى، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيحًا، فَغُيِّرَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ اسْمًا مُرْتَجَلًا لَيْسَ هو مُشْتَقًّا مِنَ المَسْحِ ولا مِنَ السِّياحَةِ ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الأبْناءُ يُنْسَبُونَ إلى الآباءِ، ونُسِبَ إلَيْها، وإنْ كانَ الخِطابُ لَها إعْلامًا أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَلا يُنْسَبُ إلّا إلَيْها. والظّاهِرُ أنَّ اسْمَهُ المَسِيحُ، فَيَكُونُ: اسْمُهُ المَسِيحُ: مُبْتَدَأً وخَبَرًا. وعِيسى: جَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ. ومَنَعَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ: كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أسْماهُ عَلى المَعْنى، أوْ أسْماها عَلى لَفْظِ الكَلِمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: عِيسى، خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْعُو إلى هَذا كَوْنُ قَوْلِهِ: ابْنُ مَرْيَمَ، صِفَةٌ: لِعِيسى، إذْ قَدْ أجْمَعَ النّاسُ عَلى كَتْبِهِ دُونَ الألِفِ. وأمّا عَلى البَدَلِ، أوْ عَطْفِ البَيانِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ابْنُ مَرْيَمَ، صِفَةً: لِعِيسى؛ لِأنَّ الِاسْمَ هُنا لَمْ يُرَدْ بِهِ الشَّخْصُ. هَذِهِ النَّزْعَةُ لِأبِي عَلِيٍّ، وفي صَدْرِ الكَلامِ نَظَرٌ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإنْ قُلْتَ لِمَ قِيلَ: ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ﴾ وهَذِهِ ثَلاثَةُ أشْياءَ الِاسْمُ مِنها: عِيسى، وأمّا: المَسِيحُ والِابْنُ: فَلَقَبٌ، وصِفَةٌ ؟ . قُلْتُ: الِاسْمُ لِلْمُسَمّى عَلامَةٌ يُعْرَفُ بِها، ويَتَمَيَّزُ مِن غَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ، ويَتَمَيَّزُ مِمَّنْ سِواهُ؛ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، انْتَهى كَلامُهُ. ويَظْهَرُ مِن كَلامِهِ أنَّ اسْمَهُ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَتَكُونُ الثَّلاثَةُ أخْبارًا عَنْ قَوْلِهِ: اسْمُهُ، ويَكُونُ مِن بابِ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وهَذا: أعْسَرُ يَسِرُ. فَلا يَكُونُ أحَدُها عَلى هَذا مُسْتَقِلًّا بِالخَبَرِيَّةِ. ونَظِيرُهُ في كَوْنِ الشَّيْئَيْنِ، أوِ الأشْياءِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَيْفَ أصْبَحْتَ كَيْفَ أمْسَيْتَ مِمّا ∗∗∗ يَزْرَعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَرِيمِ ؟ أيْ: مَجْمُوعُ هَذا مِمّا يَزْرَعُ الوِدُّ، فَلَمّا جازَ في المُبْتَدَأِ أنْ يَتَعَدَّدَ دُونَ حَرْفِ عَطْفٍ إذا كانَ المَعْنى عَلى المَجْمُوعِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ في الخَبَرِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ: ابْنُ مَرْيَمَ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو ابْنُ مَرْيَمَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِمّا قَبْلَهُ، ولا صِفَةً لِأنَّ: ابْنُ مَرْيَمَ، لَيْسَ بِاسْمٍ. ألا تَرى أنَّكَ لا تَقُولُ: اسْمُ هَذا الرَّجُلِ ابْنُ عَمْرٍو إلّا إذا كانَ عَلَمًا عَلَيْهِ ؟ انْتَهى. قالَ بَعْضُهم: ومَن قالَ إنَّ المَسِيحَ صِفَةٌ لِعِيسى، فَيَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: اسْمُهُ عِيسى المَسِيحُ، لِأنَّ الصِّفَةَ تابِعَةٌ لِمَوْصُوفِها انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَسِيحُ في هَذا التَّرْكِيبِ صِفَةً، لِأنَّ المُخْبَرَ بِهِ عَلى هَذا اللَّفْظِ والمَسِيحَ مِن صِفَةِ المَدْلُولِ، لا مِن صِفَةِ الدّالِ؛ إذْ لَفْظُ عِيسى لَيْسَ المَسِيحَ. ومَن قالَ: إنَّهُما اسْمانِ تَقَدَّمَ المَسِيحُ عَلى عِيسى لِشُهْرَتِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وإنَّما بَدَأ بِلَقَبِهِ لِأنَّ: المَسِيحَ، أشْهَرُ مِن: عِيسى، لِأنَّهُ قَلَّ أنْ يَقَعَ عَلى سَمِيٍّ يُشْتَبَهُ، وعِيسى قَدْ يَقَعُ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَدَّمَهُ لِشُهْرَتِهِ. ألا تَرى أنَّ ألْقابَ الخُلَفاءِ أشْهَرُ مِن أسْمائِهِمْ ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ عِنْدَ ابْنِ الأنْبارِيِّ لَقَبٌ لا اسْمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وعِيسى مُعَرَّبٌ مِنَ: ايْسُوعَ، وإنْ جَعَلْتَهُ عَرَبِيًّا لَمْ يَنْصَرِفْ في مَعْرِفَةٍ، ولا (p-٤٦١)نَكِرَةٍ؛ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ تَأْنِيثٍ، ويَكُونُ مُشْتَقًّا مِن: عاسَهُ يَعُوسُهُ، إذا ساسَهُ وقامَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العِيسِ، كالرَّقْمِ في الماءِ. ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوَجِيهُ ذُو الجاهِ، يُقالُ: وجُهَ الرَّجُلُ يُوجَهُ وجاهَةً. وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الوَجِيهُ المُحَبُّ المَقْبُولُ. وقالَ الأخْفَشُ: الشَّرِيفُ ذُو القَدْرِ والجاهِ. وقِيلَ: الكَرِيمُ عَلى مَن يَسْألُهُ، لِأنَّهُ لا يَرُدُّهُ لِكَرَمِ وجْهِهِ، ومَعْناهُ في حَقِّ عِيسى أنَّ وجاهَتَهُ في الدُّنْيا بِنُبُوَّتِهِ، وفي الآخِرَةِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالشَّفاعَةِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا بِإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكَمَةِ والأبْرَصِ، وفي الآخِرَةِ بِالشَّفاعَةِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا كَرِيمًا لا يُرَدُّ وجْهُهُ، وفي الآخِرَةِ في عِلْيَةِ المُرْسَلِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجاهَةُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ والتَّقَدُّمُ عَلى النّاسِ، وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ في الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاهَةُ عِيسى في الدُّنْيا نُبُوَّتُهُ وذَكَرُهُ ورَفَعَهُ، وفي الآخِرَةِ مَكانَتُهُ ونُعْمِيهُ وشَفاعَتُهُ. ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَوْنُهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ وصَحِبَتْهُ المَلائِكَةُ. وقالَ قَتادَةُ: ومِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: مِنَ النّاسِ بِالقَبُولِ والإجابَةِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: مَعْناهُ: المُبالَغُ في تَقْرِيبِهِمْ؛ لِأنَّ ”فَعُلَ“ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، فَقالَ: قَرَّبَهُ يُقَرِّبُهُ إذا بالَغَ في تَقْرِيبِهِ انْتَهى. ولَيْسَ ”فَعُلَ“ هُنا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ هُنا لِلتَّعْدِيَةِ، إنَّما يَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ في نَحْوِ: جَرَّحْتُ زَيْدًا، ومَوَّتَ النّاسَ. ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا، وتَقْدِيرُهُ: ومُقَرَّبًا مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِينَ. أعْلَمَ تَعالى أنَّ ثَمَّ مُقَرَّبِينَ، وأنَّ عِيسى مِنهم. ونَظِيرُ هَذا العَطْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧] فَقَوْلُهُ: وبِاللَّيْلِ، جارٌّ ومَجْرُورٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى: مُصْبِحِينَ، وجاءَتْ هَذِهِ الحالُ هَكَذا؛ لِأنَّها مِنَ الفَواصِلِ، فَلَوْ جاءَ: ومُقَرَّبًا، لَمْ تَكُنْ فاصِلَةً، وأيْضًا فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ عِيسى مُقَرَّبٌ مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِينَ، والتَّقْرِيبُ صِفَةٌ جَلِيلَةٌ عَظِيمَةٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] ؟ وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٨] وهو تَقْرِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَكانَةِ، والشَّرَفِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ. ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ وعَطَفَ: ويُكَلِّمُ، وهو حالٌ أيْضًا عَلى: وجِيهًا، ونَظِيرُهُ: ﴿إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ. وكَذَلِكَ: ويُكَلِّمُ، أيْ: ومُكَلِّمًا. وأتى في الحالِ الأُولى بِالِاسْمِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ هو لِلثُّبُوتِ، وجاءَتِ الحالُ الثّانِيَةُ جارًّا ومَجْرُورًا لِأنَّهُ يُقَيَّدُ بِالِاسْمِ. وجاءَتِ الحالَةُ الثّالِثَةُ جُمْلَةً؛ لِأنَّها في الرُّتْبَةِ الثّالِثَةِ. ألا تَرى أنَّ الحالَ وصْفٌ في المَعْنى ؟ فَكَما أنَّ الأحْسَنَ والأكْثَرَ في لِسانِ العَرَبِ، أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ أوْصافٌ مُتَغايِرَةٌ بُدِئَ بِالِاسْمِ، ثُمَّ الجارِّ والمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالجُمْلَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] فَكَذَلِكَ الحالُ، بُدِئَ بِالِاسْمِ، ثُمَّ الجارِّ والمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالجُمْلَةِ، وكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُضارِعِيَّةً لِأنَّ الفِعْلَ يُشْعِرُ بِالتَّجَدُّدِ، كَما أنَّ الِاسْمَ يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ، ويَتَعَلَّقُ: في المَهْدِ، بِمَحْذُوفٍ إذْ هو في مَوْضِعِ الحالِ، التَّقْدِيرُ: كائِنًا في المَهْدِ وكَهْلًا، مَعْطُوفٌ عَلى هَذِهِ الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: طِفْلًا وكَهْلًا، فَعُطِفَ صَرِيحُ الحالِ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي في مَوْضِعِ الحالِ. ونَظِيرُهُ عَكْسًا: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧] ومَن زَعَمَ أنَّ: وكَهْلًا، مَعْطُوفٌ عَلى: وجِيهًا، فَقَدْ أبْعَدَ. والمَهْدُ: مَقَرُّ الصَّبِيِّ في رِضاعِهِ، وأصْلُهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، يُقالُ: مَهَّدْتُ لِنَفْسِي بِتَخْفِيفِ الهاءِ وتَشْدِيدِها، أيْ: وطَّأْتُ، ويُقالُ: أمْهَدَ الشَّيْءُ: ارْتَفَعَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكَهْلِ لُغَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: الكَهْلُ الحَلِيمُ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ غالِبًا، لِأنَّ الكَهْلَ يَقْوى عَقْلُهُ وإدْراكُهُ وتَجْرِبَتُهُ، فَلا يَكُونُ في ذَلِكَ كالشّارِخِ، والعَرَبُ تَتَمَدَّحُ بِالكُهُولَةِ، قالَ: ؎وما ضَرَّ مَن كانَتْ بَقاياهُ مِثْلَنا ∗∗∗ شَبابٌ تَسامى لِلْعُلى وكُهُولُ ولِذَلِكَ خُصَّ هَذا السِّنُّ في الآيَةِ دُونَ سائِرِ العُمْرِ؛ لِأنَّها الحالَةُ الوُسْطى في اسْتِحْكامِ العَقْلِ وجَوْدَةِ الرَّأْيِ، وفي قَوْلِهِ: وكَهْلًا، تَبْشِيرٌ بِأنَّهُ يَعِيشُ إلى سِنِّ الكُهُولَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ، ويُقالُ: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْهُ لِثَمانِيَةِ (p-٤٦٢)أشْهُرٍ، ومَن وُلِدَ لِذَلِكَ لَمْ يَعِشْ، فَكانَ ذَلِكَ بِشارَةً لَها بِعَيْشِهِ إلى هَذا السِّنِّ. وقِيلَ: كانَتِ العادَةُ أنَّ مَن تَكَلَّمَ في المَهْدِ ماتَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي المَهْدِ وكَهْلًا﴾ إشارَةٌ إلى تَقَلُّبِ الأحْوالِ عَلَيْهِ، ورَدٌّ عَلى النَّصارى في دَعْواهم إلَهِيَّتِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ إعْلامًا بِهِ أنَّهُ يَكْتَهِلُ، فَإذا أُخْبِرَتْ بِهِ مَرْيَمُ عُلِمَ أنَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ. واخْتُلِفَ في كَلامِهِ: في المَهْدِ، أكانَ ساعَةً واحِدَةً، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى بَلَغَ مَبْلَغَ النُّطْقِ ؟ أوْ كانَ يَتَكَلَّمُ دائِمًا في المَهْدِ حَتّى بَلَغَ إبّانَ الكَلامِ ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ونَقَلَ الثَّعالِبِيُّ أشْياءَ مِن كَلامِهِ لِأُمِّهِ، وهو مُرْضَعٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ حِينَ كَلَّمَ النّاسَ في المَهْدِ نَبِيًّا لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] ولِظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ مِنهُ والتَّحَدِّي بِها. وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما كانَ الكَلامُ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] إخْبارًا عَمّا يَئُولُ إلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٣١] ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِوَقْتِ كَلامِهِ إذا كانَ كَهْلًا، فَقِيلَ: كَلامُهُ قَبْلَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ كَلَّمَهم بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ. وقِيلَ: يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَهْلًا ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، فَيَقُولُ لَهم: إنِّي عَبْدُ اللَّهِ، كَما قالَ في المَهْدِ، وهَذِهِ فائِدَةُ قَوْلِهِ: وكَهْلًا، أخْبَرَ أنَّهُ يَنْزِلُ عِنْدَ قَتْلِهِ الدَّجّالَ كَهْلًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: ويُكَلِّمُ النّاسَ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَ حالِ الطُّفُولَةِ، وحالِ الكُهُولَةِ الَّتِي يَسْتَحْكِمُ فِيها العَقْلُ، ويُنَبَّأُ فِيها الأنْبِياءُ انْتَهى. قِيلَ: وتَكَلَّمَ في المَهْدِ سَبْعَةٌ: عِيسى، ويَحْيى، و شاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ. وصَبِيُّ ماشِطَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وصاحِبُ الجَبّارِ، وصاحِبُ الأُخْدُودِ، وقَصَصُ هَؤُلاءِ مَرْوِيَّةٌ، ولا يُعارِضُ هَذا ما جاءَ مِن حَصْرِ مَن تَكَلَّمَ رَضِيعًا في ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ إخْبارًا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَ بِالباقِينَ، فَأخْبَرَ عَلى سَبِيلِ ما أعْلَمَ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ أعْلَمُ بِالباقِينَ. ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: وصالِحًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّلاحِ المَوْصُوفِ بِهِ الأنْبِياءُ. وانْتِصابُ: وجِيهًا، وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ مِنهُ، وحَسُنَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نَكِرَةً، كَوْنُهُ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: مِنهُ، وبِقَوْلِهِ: مِنهُ، وبِقَوْلِهِ: اسْمُهُ المَسِيحُ.