Al-Bahr Al-Muhit — آل عمران 3:45 – آل عمران 3:87
المحتويات
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
آل عمران 3:45
﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَرْيَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاخْتِصامُ هو الِاقْتِراعُ، وأنْ يَكُونَ اخْتِصامًا آخَرَ بَعْدَهُ، والمَقْصُودُ: شِدَّةُ رَغْبَتِهِمْ في التَّكَفُّلِ بِشَأْنِها. والعامِلُ في: إذْ، العامِلُ في: لَدَيْهِمْ، أوْ، كُنْتَ، عَلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ في: إذْ يُلْقُونَ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ التَّكْرارَ في: اصْطَفاكِ، وفي: يا مَرْيَمُ، وفي: ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. قِيلَ: والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: واسْجُدِي وارْكَعِي، عَلى بَعْضِ الأقْوالِ. والِاسْتِعارَةُ، فِيمَن جَعَلَ القُنُوتَ والسُّجُودَ والرُّكُوعَ لَيْسَ كِنايَةً عَنِ الهَيْئاتِ الَّتِي في الصَّلاةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ، والعُمُومُ المُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في: نِساءِ العالَمِينَ؛ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، والتَّشْبِيهُ في: أقْلامِهِمْ، إذا قُلْنا إنَّهُ أرادَ القِداحَ. والحَذْفُ عَلى عِدَّةِ مَواضِعَ.
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ العامِلُ في: إذا، اذْكُرْ، أوْ: يَخْتَصِمُونَ، أوْ إذْ، بَدَلٌ مِن إذْ، في قَوْلِهِ: إذْ يَخْتَصِمُونَ، أوْ مِن: وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، أقْوالٌ؛ يَلْزَمُ في القَوْلَيْنِ المُتَوَسِّطَيْنِ اتِّحادُ زَمانِ الِاخْتِصامِ، وزَمانِ قَوْلِ المَلائِكَةِ، وهو بَعِيدٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. ويَبْعُدُ الرّابِعُ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. والرّابِعُ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ وبِهِ بَدَأ. والخِلافُ في المَلائِكَةِ: أهم جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ جِبْرِيلُ وحْدَهُ عَلى ما سَبَقَ قَبْلُ في خِطابِهِمْ لِزَكَرِيّا ولِمَرْيَمَ ؟ وتَقَدَّمَ تَكْلِيمُ المَلائِكَةِ قَبْلَ هَذا التَّبْشِيرِ بِذِكْرِ الِاصْطِفاءِ، والتَّطْهِيرِ مِنَ اللَّهِ، وبِالأمْنِ بِالعِبادَةِ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ واللُّطْفِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِهَذا التَّبْشِيرِ بِهَذا الأمْرِ العَجِيبِ الخارِقِ الَّذِي لَمْ يَجْرِ لِامْرَأةٍ قَبْلَها، ولا يَجْرِي لِامْرَأةٍ بَعْدَها، وهو أنَّها تَحْمِلُ مِن غَيْرِ مَسِّ ذَكَرٍ لَها، وكانَ جَرْيُ ذَلِكَ الخارِقِ مِن رِزْقِ اللَّهِ لَها أيْضًا تَأْنِيسًا لِهَذا الخارِقِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ: وإذْ قالَ المَلائِكَةُ. والكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ هو عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ كَلِمَةً لِصُدُورِهِ بِكَلِمَةِ: كُنْ، بِلا أبٍ. قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: لِتَسْمِيَتِهِ المَسِيحَ، وهو كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ أيْ: مِن كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ في كِتابِهِ التَّوْراةِ والكُتُبِ السّابِقَةِ. وفي التَّوْراةِ: أتانا اللَّهُ مِن سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. و ساعِرٌ هو المَوْضِعُ الَّذِي بُعِثَ مِنهُ المَسِيحُ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ جاءَ عَلى وفْقِ كَلِمَةِ جِبْرِيلَ، وهو: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَجاءَ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي وُصِفَ. وقِيلَ: سَمّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ كَما سَمّى مَن شاءَ مِن سائِرِ خَلْقِهِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا عَلَمًا مَوْضُوعًا لَهُ لَمْ تُلْحَظْ فِيهِ جِهَةٌ مُناسِبَةٌ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ هُنا لا يُرادُ بِها عِيسى، بَلِ الكَلِمَةُ بِشارَةُ المَلائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِعِيسى. وقِيلَ: بِشارَةُ النَّبِيِّ لَها.
﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ﴾ الضَّمِيرُ في اسْمِهِ، عائِدٌ عَلى: الكَلِمَةُ، عَلى مَعْنى: نُبَشِّرُكِ بِمُكَوِّنٍ مِنهُ، أوْ بِمَوْجُودٍ مِنَ اللَّهِ. وسُمِّيَ المَسِيحَ؛ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدٌ، وشَمِرٌ. أوْ: بِالدُّهْنِ الَّذِي يُمْسَحُ بِهِ الأنْبِياءُ، خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِهِ، وهو دُهْنٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ إذا مُسِحَ بِهِ شَخْصٌ عُلِمَ أنَّهُ نَبِيٌّ. أوْ: بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ: بِمَسْحِ جِبْرِيلَ لَهُ بِجَناحِهِ، أوْ: لِمَسْحِ رِجْلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِما خَمْصٌ، والأخْمَصُ ما تَجافى عَنِ الأرْضِ مِن باطِنِ الرِّجْلِ، وكانَ عِيسى أمْسَحَ القَدَمِ لا أخْمُصَ لَهُ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٠)
؎باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزَّلَمْ خَدَلَّجُ السّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ
أوْ: لِمَسْحِ الجِمالِ إيّاهُ، وهو ظُهُورُهُ عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎عَلى وجْهِ مَيٍّ مَسْحَةٌ مِن مَلاحَةٍ
أوْ: لِمَسْحَةٍ مِنَ الأقْذارِ الَّتِي تَنالُ المَوْلُودِينَ؛ لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ لا تَحِيضُ، ولَمْ تُدَنَّسْ بِدَمِ نِفاسٍ. أقْوالٌ سَبْعَةٌ، ويَكُونُ: فَعِيلٌ، فِيها بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والألِفُ واللّامُ في المَسِيحِ لِلْغَلَبَةِ؛ مِثْلُها في: الدَّبَرانُ، والعَيُّوقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ بِيَدِهِ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِيءَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ: فَعِيلٌ مَبْنِيًّا لِلْمُبالَغَةِ: كَعَلِيمٍ، ويَكُونُ مِنَ الأمْثِلَةِ الَّتِي حُوِّلَتْ مِن فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: مِنَ المِساحَةِ، وكانَ يَجُولُ في الأرْضِ فَكَأنَّهُ كانَ يَمْسَحُها. وقِيلَ: هو مُفْعِلٌ مِن ساحَ يَسِيحُ مِنَ السِّياحَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ: المَسِيحُ: الصِّدِّيقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَسِيحُ: المَلِكُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَلَكَ إحْياءَ المَوْتى، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيحًا، فَغُيِّرَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ اسْمًا مُرْتَجَلًا لَيْسَ هو مُشْتَقًّا مِنَ المَسْحِ ولا مِنَ السِّياحَةِ ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الأبْناءُ يُنْسَبُونَ إلى الآباءِ، ونُسِبَ إلَيْها، وإنْ كانَ الخِطابُ لَها إعْلامًا أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَلا يُنْسَبُ إلّا إلَيْها.
والظّاهِرُ أنَّ اسْمَهُ المَسِيحُ، فَيَكُونُ: اسْمُهُ المَسِيحُ: مُبْتَدَأً وخَبَرًا. وعِيسى: جَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ. ومَنَعَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ: كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أسْماهُ عَلى المَعْنى، أوْ أسْماها عَلى لَفْظِ الكَلِمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: عِيسى، خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْعُو إلى هَذا كَوْنُ قَوْلِهِ: ابْنُ مَرْيَمَ، صِفَةٌ: لِعِيسى، إذْ قَدْ أجْمَعَ النّاسُ عَلى كَتْبِهِ دُونَ الألِفِ. وأمّا عَلى البَدَلِ، أوْ عَطْفِ البَيانِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ابْنُ مَرْيَمَ، صِفَةً: لِعِيسى؛ لِأنَّ الِاسْمَ هُنا لَمْ يُرَدْ بِهِ الشَّخْصُ. هَذِهِ النَّزْعَةُ لِأبِي عَلِيٍّ، وفي صَدْرِ الكَلامِ نَظَرٌ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإنْ قُلْتَ لِمَ قِيلَ: ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ﴾ وهَذِهِ ثَلاثَةُ أشْياءَ الِاسْمُ مِنها: عِيسى، وأمّا: المَسِيحُ والِابْنُ: فَلَقَبٌ، وصِفَةٌ ؟ . قُلْتُ: الِاسْمُ لِلْمُسَمّى عَلامَةٌ يُعْرَفُ بِها، ويَتَمَيَّزُ مِن غَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ، ويَتَمَيَّزُ مِمَّنْ سِواهُ؛ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، انْتَهى كَلامُهُ. ويَظْهَرُ مِن كَلامِهِ أنَّ اسْمَهُ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَتَكُونُ الثَّلاثَةُ أخْبارًا عَنْ قَوْلِهِ: اسْمُهُ، ويَكُونُ مِن بابِ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وهَذا: أعْسَرُ يَسِرُ. فَلا يَكُونُ أحَدُها عَلى هَذا مُسْتَقِلًّا بِالخَبَرِيَّةِ. ونَظِيرُهُ في كَوْنِ الشَّيْئَيْنِ، أوِ الأشْياءِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَيْفَ أصْبَحْتَ كَيْفَ أمْسَيْتَ مِمّا ∗∗∗ يَزْرَعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَرِيمِ ؟
أيْ: مَجْمُوعُ هَذا مِمّا يَزْرَعُ الوِدُّ، فَلَمّا جازَ في المُبْتَدَأِ أنْ يَتَعَدَّدَ دُونَ حَرْفِ عَطْفٍ إذا كانَ المَعْنى عَلى المَجْمُوعِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ في الخَبَرِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ: ابْنُ مَرْيَمَ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو ابْنُ مَرْيَمَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِمّا قَبْلَهُ، ولا صِفَةً لِأنَّ: ابْنُ مَرْيَمَ، لَيْسَ بِاسْمٍ. ألا تَرى أنَّكَ لا تَقُولُ: اسْمُ هَذا الرَّجُلِ ابْنُ عَمْرٍو إلّا إذا كانَ عَلَمًا عَلَيْهِ ؟ انْتَهى.
قالَ بَعْضُهم: ومَن قالَ إنَّ المَسِيحَ صِفَةٌ لِعِيسى، فَيَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: اسْمُهُ عِيسى المَسِيحُ، لِأنَّ الصِّفَةَ تابِعَةٌ لِمَوْصُوفِها انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَسِيحُ في هَذا التَّرْكِيبِ صِفَةً، لِأنَّ المُخْبَرَ بِهِ عَلى هَذا اللَّفْظِ والمَسِيحَ مِن صِفَةِ المَدْلُولِ، لا مِن صِفَةِ الدّالِ؛ إذْ لَفْظُ عِيسى لَيْسَ المَسِيحَ. ومَن قالَ: إنَّهُما اسْمانِ تَقَدَّمَ المَسِيحُ عَلى عِيسى لِشُهْرَتِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وإنَّما بَدَأ بِلَقَبِهِ لِأنَّ: المَسِيحَ، أشْهَرُ مِن: عِيسى، لِأنَّهُ قَلَّ أنْ يَقَعَ عَلى سَمِيٍّ يُشْتَبَهُ، وعِيسى قَدْ يَقَعُ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَدَّمَهُ لِشُهْرَتِهِ. ألا تَرى أنَّ ألْقابَ الخُلَفاءِ أشْهَرُ مِن أسْمائِهِمْ ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ عِنْدَ ابْنِ الأنْبارِيِّ لَقَبٌ لا اسْمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وعِيسى مُعَرَّبٌ مِنَ: ايْسُوعَ، وإنْ جَعَلْتَهُ عَرَبِيًّا لَمْ يَنْصَرِفْ في مَعْرِفَةٍ، ولا (p-٤٦١)نَكِرَةٍ؛ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ تَأْنِيثٍ، ويَكُونُ مُشْتَقًّا مِن: عاسَهُ يَعُوسُهُ، إذا ساسَهُ وقامَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العِيسِ، كالرَّقْمِ في الماءِ.
﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوَجِيهُ ذُو الجاهِ، يُقالُ: وجُهَ الرَّجُلُ يُوجَهُ وجاهَةً. وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الوَجِيهُ المُحَبُّ المَقْبُولُ. وقالَ الأخْفَشُ: الشَّرِيفُ ذُو القَدْرِ والجاهِ. وقِيلَ: الكَرِيمُ عَلى مَن يَسْألُهُ، لِأنَّهُ لا يَرُدُّهُ لِكَرَمِ وجْهِهِ، ومَعْناهُ في حَقِّ عِيسى أنَّ وجاهَتَهُ في الدُّنْيا بِنُبُوَّتِهِ، وفي الآخِرَةِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالشَّفاعَةِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا بِإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكَمَةِ والأبْرَصِ، وفي الآخِرَةِ بِالشَّفاعَةِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا كَرِيمًا لا يُرَدُّ وجْهُهُ، وفي الآخِرَةِ في عِلْيَةِ المُرْسَلِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجاهَةُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ والتَّقَدُّمُ عَلى النّاسِ، وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ في الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاهَةُ عِيسى في الدُّنْيا نُبُوَّتُهُ وذَكَرُهُ ورَفَعَهُ، وفي الآخِرَةِ مَكانَتُهُ ونُعْمِيهُ وشَفاعَتُهُ.
﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَوْنُهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ وصَحِبَتْهُ المَلائِكَةُ. وقالَ قَتادَةُ: ومِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: مِنَ النّاسِ بِالقَبُولِ والإجابَةِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: مَعْناهُ: المُبالَغُ في تَقْرِيبِهِمْ؛ لِأنَّ ”فَعُلَ“ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، فَقالَ: قَرَّبَهُ يُقَرِّبُهُ إذا بالَغَ في تَقْرِيبِهِ انْتَهى. ولَيْسَ ”فَعُلَ“ هُنا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ هُنا لِلتَّعْدِيَةِ، إنَّما يَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ في نَحْوِ: جَرَّحْتُ زَيْدًا، ومَوَّتَ النّاسَ.
﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا، وتَقْدِيرُهُ: ومُقَرَّبًا مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِينَ. أعْلَمَ تَعالى أنَّ ثَمَّ مُقَرَّبِينَ، وأنَّ عِيسى مِنهم. ونَظِيرُ هَذا العَطْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧] فَقَوْلُهُ: وبِاللَّيْلِ، جارٌّ ومَجْرُورٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى: مُصْبِحِينَ، وجاءَتْ هَذِهِ الحالُ هَكَذا؛ لِأنَّها مِنَ الفَواصِلِ، فَلَوْ جاءَ: ومُقَرَّبًا، لَمْ تَكُنْ فاصِلَةً، وأيْضًا فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ عِيسى مُقَرَّبٌ مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِينَ، والتَّقْرِيبُ صِفَةٌ جَلِيلَةٌ عَظِيمَةٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] ؟ وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٨] وهو تَقْرِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَكانَةِ، والشَّرَفِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ.
﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ وعَطَفَ: ويُكَلِّمُ، وهو حالٌ أيْضًا عَلى: وجِيهًا، ونَظِيرُهُ: ﴿إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ. وكَذَلِكَ: ويُكَلِّمُ، أيْ: ومُكَلِّمًا. وأتى في الحالِ الأُولى بِالِاسْمِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ هو لِلثُّبُوتِ، وجاءَتِ الحالُ الثّانِيَةُ جارًّا ومَجْرُورًا لِأنَّهُ يُقَيَّدُ بِالِاسْمِ. وجاءَتِ الحالَةُ الثّالِثَةُ جُمْلَةً؛ لِأنَّها في الرُّتْبَةِ الثّالِثَةِ. ألا تَرى أنَّ الحالَ وصْفٌ في المَعْنى ؟ فَكَما أنَّ الأحْسَنَ والأكْثَرَ في لِسانِ العَرَبِ، أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ أوْصافٌ مُتَغايِرَةٌ بُدِئَ بِالِاسْمِ، ثُمَّ الجارِّ والمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالجُمْلَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] فَكَذَلِكَ الحالُ، بُدِئَ بِالِاسْمِ، ثُمَّ الجارِّ والمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالجُمْلَةِ، وكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُضارِعِيَّةً لِأنَّ الفِعْلَ يُشْعِرُ بِالتَّجَدُّدِ، كَما أنَّ الِاسْمَ يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ، ويَتَعَلَّقُ: في المَهْدِ، بِمَحْذُوفٍ إذْ هو في مَوْضِعِ الحالِ، التَّقْدِيرُ: كائِنًا في المَهْدِ وكَهْلًا، مَعْطُوفٌ عَلى هَذِهِ الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: طِفْلًا وكَهْلًا، فَعُطِفَ صَرِيحُ الحالِ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي في مَوْضِعِ الحالِ. ونَظِيرُهُ عَكْسًا: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧] ومَن زَعَمَ أنَّ: وكَهْلًا، مَعْطُوفٌ عَلى: وجِيهًا، فَقَدْ أبْعَدَ.
والمَهْدُ: مَقَرُّ الصَّبِيِّ في رِضاعِهِ، وأصْلُهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، يُقالُ: مَهَّدْتُ لِنَفْسِي بِتَخْفِيفِ الهاءِ وتَشْدِيدِها، أيْ: وطَّأْتُ، ويُقالُ: أمْهَدَ الشَّيْءُ: ارْتَفَعَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكَهْلِ لُغَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: الكَهْلُ الحَلِيمُ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ غالِبًا، لِأنَّ الكَهْلَ يَقْوى عَقْلُهُ وإدْراكُهُ وتَجْرِبَتُهُ، فَلا يَكُونُ في ذَلِكَ كالشّارِخِ، والعَرَبُ تَتَمَدَّحُ بِالكُهُولَةِ، قالَ:
؎وما ضَرَّ مَن كانَتْ بَقاياهُ مِثْلَنا ∗∗∗ شَبابٌ تَسامى لِلْعُلى وكُهُولُ
ولِذَلِكَ خُصَّ هَذا السِّنُّ في الآيَةِ دُونَ سائِرِ العُمْرِ؛ لِأنَّها الحالَةُ الوُسْطى في اسْتِحْكامِ العَقْلِ وجَوْدَةِ الرَّأْيِ، وفي قَوْلِهِ: وكَهْلًا، تَبْشِيرٌ بِأنَّهُ يَعِيشُ إلى سِنِّ الكُهُولَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ، ويُقالُ: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْهُ لِثَمانِيَةِ (p-٤٦٢)أشْهُرٍ، ومَن وُلِدَ لِذَلِكَ لَمْ يَعِشْ، فَكانَ ذَلِكَ بِشارَةً لَها بِعَيْشِهِ إلى هَذا السِّنِّ. وقِيلَ: كانَتِ العادَةُ أنَّ مَن تَكَلَّمَ في المَهْدِ ماتَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي المَهْدِ وكَهْلًا﴾ إشارَةٌ إلى تَقَلُّبِ الأحْوالِ عَلَيْهِ، ورَدٌّ عَلى النَّصارى في دَعْواهم إلَهِيَّتِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ إعْلامًا بِهِ أنَّهُ يَكْتَهِلُ، فَإذا أُخْبِرَتْ بِهِ مَرْيَمُ عُلِمَ أنَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ. واخْتُلِفَ في كَلامِهِ: في المَهْدِ، أكانَ ساعَةً واحِدَةً، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى بَلَغَ مَبْلَغَ النُّطْقِ ؟ أوْ كانَ يَتَكَلَّمُ دائِمًا في المَهْدِ حَتّى بَلَغَ إبّانَ الكَلامِ ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ونَقَلَ الثَّعالِبِيُّ أشْياءَ مِن كَلامِهِ لِأُمِّهِ، وهو مُرْضَعٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ حِينَ كَلَّمَ النّاسَ في المَهْدِ نَبِيًّا لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] ولِظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ مِنهُ والتَّحَدِّي بِها. وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما كانَ الكَلامُ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] إخْبارًا عَمّا يَئُولُ إلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٣١] ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِوَقْتِ كَلامِهِ إذا كانَ كَهْلًا، فَقِيلَ: كَلامُهُ قَبْلَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ كَلَّمَهم بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ.
وقِيلَ: يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَهْلًا ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، فَيَقُولُ لَهم: إنِّي عَبْدُ اللَّهِ، كَما قالَ في المَهْدِ، وهَذِهِ فائِدَةُ قَوْلِهِ: وكَهْلًا، أخْبَرَ أنَّهُ يَنْزِلُ عِنْدَ قَتْلِهِ الدَّجّالَ كَهْلًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: ويُكَلِّمُ النّاسَ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَ حالِ الطُّفُولَةِ، وحالِ الكُهُولَةِ الَّتِي يَسْتَحْكِمُ فِيها العَقْلُ، ويُنَبَّأُ فِيها الأنْبِياءُ انْتَهى.
قِيلَ: وتَكَلَّمَ في المَهْدِ سَبْعَةٌ: عِيسى، ويَحْيى، و شاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ. وصَبِيُّ ماشِطَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وصاحِبُ الجَبّارِ، وصاحِبُ الأُخْدُودِ، وقَصَصُ هَؤُلاءِ مَرْوِيَّةٌ، ولا يُعارِضُ هَذا ما جاءَ مِن حَصْرِ مَن تَكَلَّمَ رَضِيعًا في ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ إخْبارًا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَ بِالباقِينَ، فَأخْبَرَ عَلى سَبِيلِ ما أعْلَمَ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ أعْلَمُ بِالباقِينَ.
﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: وصالِحًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّلاحِ المَوْصُوفِ بِهِ الأنْبِياءُ. وانْتِصابُ: وجِيهًا، وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ مِنهُ، وحَسُنَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نَكِرَةً، كَوْنُهُ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: مِنهُ، وبِقَوْلِهِ: مِنهُ، وبِقَوْلِهِ: اسْمُهُ المَسِيحُ.
آل عمران 3:46
﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَرْيَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاخْتِصامُ هو الِاقْتِراعُ، وأنْ يَكُونَ اخْتِصامًا آخَرَ بَعْدَهُ، والمَقْصُودُ: شِدَّةُ رَغْبَتِهِمْ في التَّكَفُّلِ بِشَأْنِها. والعامِلُ في: إذْ، العامِلُ في: لَدَيْهِمْ، أوْ، كُنْتَ، عَلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ في: إذْ يُلْقُونَ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ التَّكْرارَ في: اصْطَفاكِ، وفي: يا مَرْيَمُ، وفي: ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. قِيلَ: والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: واسْجُدِي وارْكَعِي، عَلى بَعْضِ الأقْوالِ. والِاسْتِعارَةُ، فِيمَن جَعَلَ القُنُوتَ والسُّجُودَ والرُّكُوعَ لَيْسَ كِنايَةً عَنِ الهَيْئاتِ الَّتِي في الصَّلاةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ، والعُمُومُ المُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في: نِساءِ العالَمِينَ؛ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، والتَّشْبِيهُ في: أقْلامِهِمْ، إذا قُلْنا إنَّهُ أرادَ القِداحَ. والحَذْفُ عَلى عِدَّةِ مَواضِعَ.
﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ العامِلُ في: إذا، اذْكُرْ، أوْ: يَخْتَصِمُونَ، أوْ إذْ، بَدَلٌ مِن إذْ، في قَوْلِهِ: إذْ يَخْتَصِمُونَ، أوْ مِن: وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، أقْوالٌ؛ يَلْزَمُ في القَوْلَيْنِ المُتَوَسِّطَيْنِ اتِّحادُ زَمانِ الِاخْتِصامِ، وزَمانِ قَوْلِ المَلائِكَةِ، وهو بَعِيدٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. ويَبْعُدُ الرّابِعُ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. والرّابِعُ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ وبِهِ بَدَأ. والخِلافُ في المَلائِكَةِ: أهم جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ جِبْرِيلُ وحْدَهُ عَلى ما سَبَقَ قَبْلُ في خِطابِهِمْ لِزَكَرِيّا ولِمَرْيَمَ ؟ وتَقَدَّمَ تَكْلِيمُ المَلائِكَةِ قَبْلَ هَذا التَّبْشِيرِ بِذِكْرِ الِاصْطِفاءِ، والتَّطْهِيرِ مِنَ اللَّهِ، وبِالأمْنِ بِالعِبادَةِ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ واللُّطْفِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِهَذا التَّبْشِيرِ بِهَذا الأمْرِ العَجِيبِ الخارِقِ الَّذِي لَمْ يَجْرِ لِامْرَأةٍ قَبْلَها، ولا يَجْرِي لِامْرَأةٍ بَعْدَها، وهو أنَّها تَحْمِلُ مِن غَيْرِ مَسِّ ذَكَرٍ لَها، وكانَ جَرْيُ ذَلِكَ الخارِقِ مِن رِزْقِ اللَّهِ لَها أيْضًا تَأْنِيسًا لِهَذا الخارِقِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ: وإذْ قالَ المَلائِكَةُ. والكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ هو عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، سُمِّيَ كَلِمَةً لِصُدُورِهِ بِكَلِمَةِ: كُنْ، بِلا أبٍ. قالَهُ قَتادَةُ. وقِيلَ: لِتَسْمِيَتِهِ المَسِيحَ، وهو كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ أيْ: مِن كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ في كِتابِهِ التَّوْراةِ والكُتُبِ السّابِقَةِ. وفي التَّوْراةِ: أتانا اللَّهُ مِن سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. و ساعِرٌ هو المَوْضِعُ الَّذِي بُعِثَ مِنهُ المَسِيحُ. وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ جاءَ عَلى وفْقِ كَلِمَةِ جِبْرِيلَ، وهو: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] فَجاءَ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي وُصِفَ. وقِيلَ: سَمّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ كَما سَمّى مَن شاءَ مِن سائِرِ خَلْقِهِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا عَلَمًا مَوْضُوعًا لَهُ لَمْ تُلْحَظْ فِيهِ جِهَةٌ مُناسِبَةٌ. وقِيلَ: الكَلِمَةُ هُنا لا يُرادُ بِها عِيسى، بَلِ الكَلِمَةُ بِشارَةُ المَلائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِعِيسى. وقِيلَ: بِشارَةُ النَّبِيِّ لَها.
﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ﴾ الضَّمِيرُ في اسْمِهِ، عائِدٌ عَلى: الكَلِمَةُ، عَلى مَعْنى: نُبَشِّرُكِ بِمُكَوِّنٍ مِنهُ، أوْ بِمَوْجُودٍ مِنَ اللَّهِ. وسُمِّيَ المَسِيحَ؛ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدٌ، وشَمِرٌ. أوْ: بِالدُّهْنِ الَّذِي يُمْسَحُ بِهِ الأنْبِياءُ، خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِهِ، وهو دُهْنٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ إذا مُسِحَ بِهِ شَخْصٌ عُلِمَ أنَّهُ نَبِيٌّ. أوْ: بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، أوْ: بِمَسْحِ جِبْرِيلَ لَهُ بِجَناحِهِ، أوْ: لِمَسْحِ رِجْلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِما خَمْصٌ، والأخْمَصُ ما تَجافى عَنِ الأرْضِ مِن باطِنِ الرِّجْلِ، وكانَ عِيسى أمْسَحَ القَدَمِ لا أخْمُصَ لَهُ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦٠)
؎باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزَّلَمْ خَدَلَّجُ السّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ
أوْ: لِمَسْحِ الجِمالِ إيّاهُ، وهو ظُهُورُهُ عَلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎عَلى وجْهِ مَيٍّ مَسْحَةٌ مِن مَلاحَةٍ
أوْ: لِمَسْحَةٍ مِنَ الأقْذارِ الَّتِي تَنالُ المَوْلُودِينَ؛ لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ لا تَحِيضُ، ولَمْ تُدَنَّسْ بِدَمِ نِفاسٍ. أقْوالٌ سَبْعَةٌ، ويَكُونُ: فَعِيلٌ، فِيها بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والألِفُ واللّامُ في المَسِيحِ لِلْغَلَبَةِ؛ مِثْلُها في: الدَّبَرانُ، والعَيُّوقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ بِيَدِهِ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِيءَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ: فَعِيلٌ مَبْنِيًّا لِلْمُبالَغَةِ: كَعَلِيمٍ، ويَكُونُ مِنَ الأمْثِلَةِ الَّتِي حُوِّلَتْ مِن فاعِلٍ إلى فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ. وقِيلَ: مِنَ المِساحَةِ، وكانَ يَجُولُ في الأرْضِ فَكَأنَّهُ كانَ يَمْسَحُها. وقِيلَ: هو مُفْعِلٌ مِن ساحَ يَسِيحُ مِنَ السِّياحَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ: المَسِيحُ: الصِّدِّيقُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المَسِيحُ: المَلِكُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَلَكَ إحْياءَ المَوْتى، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيحًا، فَغُيِّرَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ اسْمًا مُرْتَجَلًا لَيْسَ هو مُشْتَقًّا مِنَ المَسْحِ ولا مِنَ السِّياحَةِ ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الأبْناءُ يُنْسَبُونَ إلى الآباءِ، ونُسِبَ إلَيْها، وإنْ كانَ الخِطابُ لَها إعْلامًا أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَلا يُنْسَبُ إلّا إلَيْها.
والظّاهِرُ أنَّ اسْمَهُ المَسِيحُ، فَيَكُونُ: اسْمُهُ المَسِيحُ: مُبْتَدَأً وخَبَرًا. وعِيسى: جَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا، وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ. ومَنَعَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ: كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أسْماهُ عَلى المَعْنى، أوْ أسْماها عَلى لَفْظِ الكَلِمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: عِيسى، خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْعُو إلى هَذا كَوْنُ قَوْلِهِ: ابْنُ مَرْيَمَ، صِفَةٌ: لِعِيسى، إذْ قَدْ أجْمَعَ النّاسُ عَلى كَتْبِهِ دُونَ الألِفِ. وأمّا عَلى البَدَلِ، أوْ عَطْفِ البَيانِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ابْنُ مَرْيَمَ، صِفَةً: لِعِيسى؛ لِأنَّ الِاسْمَ هُنا لَمْ يُرَدْ بِهِ الشَّخْصُ. هَذِهِ النَّزْعَةُ لِأبِي عَلِيٍّ، وفي صَدْرِ الكَلامِ نَظَرٌ، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإنْ قُلْتَ لِمَ قِيلَ: ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ﴾ وهَذِهِ ثَلاثَةُ أشْياءَ الِاسْمُ مِنها: عِيسى، وأمّا: المَسِيحُ والِابْنُ: فَلَقَبٌ، وصِفَةٌ ؟ . قُلْتُ: الِاسْمُ لِلْمُسَمّى عَلامَةٌ يُعْرَفُ بِها، ويَتَمَيَّزُ مِن غَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ، ويَتَمَيَّزُ مِمَّنْ سِواهُ؛ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، انْتَهى كَلامُهُ. ويَظْهَرُ مِن كَلامِهِ أنَّ اسْمَهُ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَتَكُونُ الثَّلاثَةُ أخْبارًا عَنْ قَوْلِهِ: اسْمُهُ، ويَكُونُ مِن بابِ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وهَذا: أعْسَرُ يَسِرُ. فَلا يَكُونُ أحَدُها عَلى هَذا مُسْتَقِلًّا بِالخَبَرِيَّةِ. ونَظِيرُهُ في كَوْنِ الشَّيْئَيْنِ، أوِ الأشْياءِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كَيْفَ أصْبَحْتَ كَيْفَ أمْسَيْتَ مِمّا ∗∗∗ يَزْرَعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَرِيمِ ؟
أيْ: مَجْمُوعُ هَذا مِمّا يَزْرَعُ الوِدُّ، فَلَمّا جازَ في المُبْتَدَأِ أنْ يَتَعَدَّدَ دُونَ حَرْفِ عَطْفٍ إذا كانَ المَعْنى عَلى المَجْمُوعِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ في الخَبَرِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ: ابْنُ مَرْيَمَ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو ابْنُ مَرْيَمَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِمّا قَبْلَهُ، ولا صِفَةً لِأنَّ: ابْنُ مَرْيَمَ، لَيْسَ بِاسْمٍ. ألا تَرى أنَّكَ لا تَقُولُ: اسْمُ هَذا الرَّجُلِ ابْنُ عَمْرٍو إلّا إذا كانَ عَلَمًا عَلَيْهِ ؟ انْتَهى.
قالَ بَعْضُهم: ومَن قالَ إنَّ المَسِيحَ صِفَةٌ لِعِيسى، فَيَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: اسْمُهُ عِيسى المَسِيحُ، لِأنَّ الصِّفَةَ تابِعَةٌ لِمَوْصُوفِها انْتَهى. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَسِيحُ في هَذا التَّرْكِيبِ صِفَةً، لِأنَّ المُخْبَرَ بِهِ عَلى هَذا اللَّفْظِ والمَسِيحَ مِن صِفَةِ المَدْلُولِ، لا مِن صِفَةِ الدّالِ؛ إذْ لَفْظُ عِيسى لَيْسَ المَسِيحَ. ومَن قالَ: إنَّهُما اسْمانِ تَقَدَّمَ المَسِيحُ عَلى عِيسى لِشُهْرَتِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وإنَّما بَدَأ بِلَقَبِهِ لِأنَّ: المَسِيحَ، أشْهَرُ مِن: عِيسى، لِأنَّهُ قَلَّ أنْ يَقَعَ عَلى سَمِيٍّ يُشْتَبَهُ، وعِيسى قَدْ يَقَعُ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَدَّمَهُ لِشُهْرَتِهِ. ألا تَرى أنَّ ألْقابَ الخُلَفاءِ أشْهَرُ مِن أسْمائِهِمْ ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ عِنْدَ ابْنِ الأنْبارِيِّ لَقَبٌ لا اسْمٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وعِيسى مُعَرَّبٌ مِنَ: ايْسُوعَ، وإنْ جَعَلْتَهُ عَرَبِيًّا لَمْ يَنْصَرِفْ في مَعْرِفَةٍ، ولا (p-٤٦١)نَكِرَةٍ؛ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ تَأْنِيثٍ، ويَكُونُ مُشْتَقًّا مِن: عاسَهُ يَعُوسُهُ، إذا ساسَهُ وقامَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العِيسِ، كالرَّقْمِ في الماءِ.
﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوَجِيهُ ذُو الجاهِ، يُقالُ: وجُهَ الرَّجُلُ يُوجَهُ وجاهَةً. وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الوَجِيهُ المُحَبُّ المَقْبُولُ. وقالَ الأخْفَشُ: الشَّرِيفُ ذُو القَدْرِ والجاهِ. وقِيلَ: الكَرِيمُ عَلى مَن يَسْألُهُ، لِأنَّهُ لا يَرُدُّهُ لِكَرَمِ وجْهِهِ، ومَعْناهُ في حَقِّ عِيسى أنَّ وجاهَتَهُ في الدُّنْيا بِنُبُوَّتِهِ، وفي الآخِرَةِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا بِالطّاعَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالشَّفاعَةِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا بِإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكَمَةِ والأبْرَصِ، وفي الآخِرَةِ بِالشَّفاعَةِ. وقِيلَ: في الدُّنْيا كَرِيمًا لا يُرَدُّ وجْهُهُ، وفي الآخِرَةِ في عِلْيَةِ المُرْسَلِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الوَجاهَةُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ والتَّقَدُّمُ عَلى النّاسِ، وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ في الجَنَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاهَةُ عِيسى في الدُّنْيا نُبُوَّتُهُ وذَكَرُهُ ورَفَعَهُ، وفي الآخِرَةِ مَكانَتُهُ ونُعْمِيهُ وشَفاعَتُهُ.
﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مَعْناهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَوْنُهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ وصَحِبَتْهُ المَلائِكَةُ. وقالَ قَتادَةُ: ومِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: مِنَ النّاسِ بِالقَبُولِ والإجابَةِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. وقِيلَ: مَعْناهُ: المُبالَغُ في تَقْرِيبِهِمْ؛ لِأنَّ ”فَعُلَ“ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، فَقالَ: قَرَّبَهُ يُقَرِّبُهُ إذا بالَغَ في تَقْرِيبِهِ انْتَهى. ولَيْسَ ”فَعُلَ“ هُنا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ هُنا لِلتَّعْدِيَةِ، إنَّما يَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ في نَحْوِ: جَرَّحْتُ زَيْدًا، ومَوَّتَ النّاسَ.
﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا، وتَقْدِيرُهُ: ومُقَرَّبًا مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِينَ. أعْلَمَ تَعالى أنَّ ثَمَّ مُقَرَّبِينَ، وأنَّ عِيسى مِنهم. ونَظِيرُ هَذا العَطْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧] فَقَوْلُهُ: وبِاللَّيْلِ، جارٌّ ومَجْرُورٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى: مُصْبِحِينَ، وجاءَتْ هَذِهِ الحالُ هَكَذا؛ لِأنَّها مِنَ الفَواصِلِ، فَلَوْ جاءَ: ومُقَرَّبًا، لَمْ تَكُنْ فاصِلَةً، وأيْضًا فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ عِيسى مُقَرَّبٌ مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِينَ، والتَّقْرِيبُ صِفَةٌ جَلِيلَةٌ عَظِيمَةٌ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] ؟ وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٨] وهو تَقْرِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَكانَةِ، والشَّرَفِ وعُلُوِّ المَنزِلَةِ.
﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ وعَطَفَ: ويُكَلِّمُ، وهو حالٌ أيْضًا عَلى: وجِيهًا، ونَظِيرُهُ: ﴿إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: وقابِضاتٍ. وكَذَلِكَ: ويُكَلِّمُ، أيْ: ومُكَلِّمًا. وأتى في الحالِ الأُولى بِالِاسْمِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ هو لِلثُّبُوتِ، وجاءَتِ الحالُ الثّانِيَةُ جارًّا ومَجْرُورًا لِأنَّهُ يُقَيَّدُ بِالِاسْمِ. وجاءَتِ الحالَةُ الثّالِثَةُ جُمْلَةً؛ لِأنَّها في الرُّتْبَةِ الثّالِثَةِ. ألا تَرى أنَّ الحالَ وصْفٌ في المَعْنى ؟ فَكَما أنَّ الأحْسَنَ والأكْثَرَ في لِسانِ العَرَبِ، أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ أوْصافٌ مُتَغايِرَةٌ بُدِئَ بِالِاسْمِ، ثُمَّ الجارِّ والمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالجُمْلَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] فَكَذَلِكَ الحالُ، بُدِئَ بِالِاسْمِ، ثُمَّ الجارِّ والمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالجُمْلَةِ، وكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُضارِعِيَّةً لِأنَّ الفِعْلَ يُشْعِرُ بِالتَّجَدُّدِ، كَما أنَّ الِاسْمَ يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ، ويَتَعَلَّقُ: في المَهْدِ، بِمَحْذُوفٍ إذْ هو في مَوْضِعِ الحالِ، التَّقْدِيرُ: كائِنًا في المَهْدِ وكَهْلًا، مَعْطُوفٌ عَلى هَذِهِ الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: طِفْلًا وكَهْلًا، فَعُطِفَ صَرِيحُ الحالِ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي في مَوْضِعِ الحالِ. ونَظِيرُهُ عَكْسًا: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧] ومَن زَعَمَ أنَّ: وكَهْلًا، مَعْطُوفٌ عَلى: وجِيهًا، فَقَدْ أبْعَدَ.
والمَهْدُ: مَقَرُّ الصَّبِيِّ في رِضاعِهِ، وأصْلُهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، يُقالُ: مَهَّدْتُ لِنَفْسِي بِتَخْفِيفِ الهاءِ وتَشْدِيدِها، أيْ: وطَّأْتُ، ويُقالُ: أمْهَدَ الشَّيْءُ: ارْتَفَعَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكَهْلِ لُغَةً. وقالَ مُجاهِدٌ: الكَهْلُ الحَلِيمُ، وهَذا تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ غالِبًا، لِأنَّ الكَهْلَ يَقْوى عَقْلُهُ وإدْراكُهُ وتَجْرِبَتُهُ، فَلا يَكُونُ في ذَلِكَ كالشّارِخِ، والعَرَبُ تَتَمَدَّحُ بِالكُهُولَةِ، قالَ:
؎وما ضَرَّ مَن كانَتْ بَقاياهُ مِثْلَنا ∗∗∗ شَبابٌ تَسامى لِلْعُلى وكُهُولُ
ولِذَلِكَ خُصَّ هَذا السِّنُّ في الآيَةِ دُونَ سائِرِ العُمْرِ؛ لِأنَّها الحالَةُ الوُسْطى في اسْتِحْكامِ العَقْلِ وجَوْدَةِ الرَّأْيِ، وفي قَوْلِهِ: وكَهْلًا، تَبْشِيرٌ بِأنَّهُ يَعِيشُ إلى سِنِّ الكُهُولَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ، ويُقالُ: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْهُ لِثَمانِيَةِ (p-٤٦٢)أشْهُرٍ، ومَن وُلِدَ لِذَلِكَ لَمْ يَعِشْ، فَكانَ ذَلِكَ بِشارَةً لَها بِعَيْشِهِ إلى هَذا السِّنِّ. وقِيلَ: كانَتِ العادَةُ أنَّ مَن تَكَلَّمَ في المَهْدِ ماتَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِي المَهْدِ وكَهْلًا﴾ إشارَةٌ إلى تَقَلُّبِ الأحْوالِ عَلَيْهِ، ورَدٌّ عَلى النَّصارى في دَعْواهم إلَهِيَّتِهِ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ إعْلامًا بِهِ أنَّهُ يَكْتَهِلُ، فَإذا أُخْبِرَتْ بِهِ مَرْيَمُ عُلِمَ أنَّهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ. واخْتُلِفَ في كَلامِهِ: في المَهْدِ، أكانَ ساعَةً واحِدَةً، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى بَلَغَ مَبْلَغَ النُّطْقِ ؟ أوْ كانَ يَتَكَلَّمُ دائِمًا في المَهْدِ حَتّى بَلَغَ إبّانَ الكَلامِ ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ونَقَلَ الثَّعالِبِيُّ أشْياءَ مِن كَلامِهِ لِأُمِّهِ، وهو مُرْضَعٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ حِينَ كَلَّمَ النّاسَ في المَهْدِ نَبِيًّا لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] ولِظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ مِنهُ والتَّحَدِّي بِها. وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما كانَ الكَلامُ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] إخْبارًا عَمّا يَئُولُ إلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٣١] ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِوَقْتِ كَلامِهِ إذا كانَ كَهْلًا، فَقِيلَ: كَلامُهُ قَبْلَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ كَلَّمَهم بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ.
وقِيلَ: يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَهْلًا ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، فَيَقُولُ لَهم: إنِّي عَبْدُ اللَّهِ، كَما قالَ في المَهْدِ، وهَذِهِ فائِدَةُ قَوْلِهِ: وكَهْلًا، أخْبَرَ أنَّهُ يَنْزِلُ عِنْدَ قَتْلِهِ الدَّجّالَ كَهْلًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: ويُكَلِّمُ النّاسَ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ كَلامَ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَ حالِ الطُّفُولَةِ، وحالِ الكُهُولَةِ الَّتِي يَسْتَحْكِمُ فِيها العَقْلُ، ويُنَبَّأُ فِيها الأنْبِياءُ انْتَهى.
قِيلَ: وتَكَلَّمَ في المَهْدِ سَبْعَةٌ: عِيسى، ويَحْيى، و شاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ. وصَبِيُّ ماشِطَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وصاحِبُ الجَبّارِ، وصاحِبُ الأُخْدُودِ، وقَصَصُ هَؤُلاءِ مَرْوِيَّةٌ، ولا يُعارِضُ هَذا ما جاءَ مِن حَصْرِ مَن تَكَلَّمَ رَضِيعًا في ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ إخْبارًا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَ بِالباقِينَ، فَأخْبَرَ عَلى سَبِيلِ ما أعْلَمَ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ أعْلَمُ بِالباقِينَ.
﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: وصالِحًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّلاحِ المَوْصُوفِ بِهِ الأنْبِياءُ. وانْتِصابُ: وجِيهًا، وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ مِنهُ، وحَسُنَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نَكِرَةً، كَوْنُهُ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: مِنهُ، وبِقَوْلِهِ: مِنهُ، وبِقَوْلِهِ: اسْمُهُ المَسِيحُ.
آل عمران 3:47
﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لَمّا أخْبَرَتْها المَلائِكَةُ أنَّ اللَّهَ بَشَّرَها بِالمَسِيحِ، نادَتْ رَبَّها، وهو اللَّهُ، مُسْتَفْهِمَةً عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِن حُدُوثِ الوَلَدِ مِن غَيْرِ أبٍ؛ إذْ ذاكَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلتَّعَجُّبِ، وهَذِهِ القَضِيَّةُ أعْجَبُ مِن قَضِيَّةِ زَكَرِيّا، لِأنَّ قَضِيَّةَ زَكَرِيّا حَدَثَ مِنها الوَلَدُ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، وهُنا حَدَثَ مِنِ امْرَأةٍ بِغَيْرِ واسِطَةِ بَشَرٍ، ولِذَلِكَ قالَتْ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ .
وقِيلَ: اسْتَفْهَمَتْ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، كَما سَألَ زَكَرِيّا عَنِ الكَيْفِيَّةِ، تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى جَرْيِ العادَةِ بِتَقَدُّمِ وطْءٍ ؟ أمْ بِأمْرٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ ؟ . وقالَ الأنْبارِيُّ: لَمّا خاطَبَها جِبْرِيلُ ظَنَّتْهُ آدَمِيًّا يُرِيدُ بِها سُوءًا، ولِهَذا قالَتْ: ﴿أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] فَلَمّا بَشَّرَها لَمْ تَتَيَقَّنْ صِحَّةَ قَوْلِهِ؛ لِأنَّها لَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ مَلَكٌ، فَقالَتْ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ ؟
ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَها: رَبِّ، وقَوْلَ زَكَرِيّا: رَبِّ، إنَّما هو نِداءٌ لِجِبْرِيلَ لَمّا بَشَّرَهُما، ومَعْناهُ: يا سَيِّدِي فَقَدْ أبْعَدَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ، ويَكُونُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّاقِصَةَ والتّامَّةَ، كَما سَبَقَ في قِصَّةِ زَكَرِيّا. ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمَسِيسُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ، وهَذا نَفْيٌ عامٌّ أنْ يَكُونَ باشَرَها أحَدٌ بِأيِّ نَوْعٍ كانَ مِن تَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ، والبَشَرُ: يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والمُرادُ هُنا النَّفْيُ العامُّ، وسُمِّيَ بَشَرًا لِظُهُورِ بَشْرَتِهِ وهو جِلْدُهُ، وبَشَرْتُ الأدِيمَ قَشَّرْتُ وجْهَهُ، وأبْشَرَتِ الأرْضُ أخْرَجَتْ نَباتَها، وتَباشِيرُ الصُّبْحِ أوَّلُ ما يَبْدُو مِن نُورِهِ.
﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِها في قِصَّةِ زَكَرِيّا، إلّا أنَّ في قِصَّتِهِ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] مِن حَيْثُ إنَّ أمْرَ زَكَرِيّا داخِلٌ في الإمْكانِ العادِيِّ الَّذِي يَتَعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وفي قِصَّةِ مَرْيَمَ: يَخْلُقُ، لِأنَّهُ لا يَتَعارَفُ مِثْلُهُ، وهو وُجُودُ ولَدٍ مِن غَيْرِ والِدٍ، فَهو إيجادٌ واخْتِراعٌ مِن غَيْرِ سَبَبٍ عادِيٍّ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِلَفْظِ: يَخْلُقُ، الدّالُّ عَلى هَذا المَعْنى. وقَدْ ألْغَزَ بَعْضُ العَرَبِ المُسْتَشْهَدُ بِكَلامِها فَقالَ:(p-٤٦٣)
؎ألا رُبَّ مَوْلُودٍ ولَيْسَ لَهُ أبٌ وذِي ولَدٍ لَمْ يَلِدْهُ أبَوانِ
يُرِيدُ: عِيسى وآدَمَ.
﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ: لُغَةً، وتَفْسِيرًا، وقِراءَةً، وإعْرابًا، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ.
﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الكِتابُ هُنا مَصْدَرٌ، أيْ: يُعَلِّمُهُ الخَطَّ بِاليَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ. وقِيلَ: الكِتابُ هو كِتابٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، عَلَّمَهُ اللَّهُ عِيسى مَعَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ. والألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ. وقِيلَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. قالُوا: وتَكُونُ الواوُ في: والتَّوْراةُ، مُقْحَمَةٌ، والكِتابُ عِبارَةٌ عَنِ المَكْتُوبِ، وتَعْلِيمُهُ إيّاها، قِيلَ: بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالوَحْيِ، وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ لِلتَّعَلُّمِ. والحِكْمَةُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وفُسِّرَتْ هُنا بِسُنَنِ الأنْبِياءِ، وبِما شَرَعَهُ مِنَ الدِّينِ، وبِالنُّبُوَّةِ، وبِالصَّوابِ في القَوْلِ والعَمَلِ، وبِالعَقْلِ، وبِأنْواعِ العِلْمِ، وبِمَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ أقْوالٌ سَبْعَةٌ.
رُوِيَ أنَّ عِيسى كانَ يَسْتَظْهِرُ التَّوْراةَ، ويُقالُ: لَمْ يَحْفَظْها عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَيْرُ مُوسى، ويُوشَعَ، وعُزَيْرٍ، وعِيسى. وذُكِرَ الإنْجِيلُ لِمَرْيَمَ وهو لَمْ يُنَزَّلْ بَعْدُ، لا كانَ كِتابًا مَذْكُورًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ، وأنَّهُ سَيَنْزِلُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ: ويُعَلِّمُهُ، بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ هو مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ المَقُولَةِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: قالَ كَذَلِكِ، الضَّمِيرُ في: قالَ، عائِدٌ عَلى الرَّبِّ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ هي المَقُولَةُ، وسَواءٌ كانَ لَفْظُ اللَّهِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ فِيما قَبْلَهُ لَزِمَ مُبْتَدَأً وخَبَرَهُ يَخْلُقُ عَلى ما مَرَّ إعْرابُهُ في: ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] فَيَكُونُ هَذا مِنَ المَقُولِ لِمَرْيَمَ، أمْ عَلى سَبِيلِ الِاغْتِباطِ والتَّبْشِيرِ بِهَذا الوَلَدِ الَّذِي يُوجِدُهُ اللَّهُ مِنها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: يَخْلُقُ، سَواءٌ كانَتْ خَبَرًا عَنِ اللَّهِ أمْ تَفْسِيرًا لِما قَبْلَها، إذا أعْرَبْتَ لَفْظَ ”اللَّهُ“ مُبْتَدَأً، وما قَبْلَهُ الخَبَرَ، وهَذا ظاهِرٌ كُلُّهُ عَلى قِراءَةِ الياءِ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ النُّونِ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِالتِفاتِ، خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الفَخامَةِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وغَيْرُهُ عَطْفٌ: ويُعَلِّمُهُ، عَلى: يُبَشِّرُكِ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: ويُكَلِّمُ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: وجِيهًا، فَيَكُونُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وفِيما أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“، وهَذانِ القَوْلانِ بِعِيدانِ أيْضًا؛ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولا يَقَعُ مِثْلُهُ في لِسانِ العَرَبِ.
وقالَ بَعْضُهم: ونُعَلِّمُهُ؛ بِالنُّونِ؛ حَمَلَهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] فَإنْ عُنِيَ بِالحَمْلِ العَطْفُ فَلا شَيْءَ أبْعَدُ مِن هَذا التَّقْدِيرِ، وإنْ عُنِيَ بِالحَمْلِ أنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ فَهو صَحِيحٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ: ونُعَلِّمُهُ، وذَلِكَ أنَّهُ أجازَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى يُبَشِّرُكِ، وعَلى ”وجِيهًا“، وعَلى ”يَخْلُقُ“، ثُمَّ قالَ أوْ هو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَعْنِي: أنَّهُ لا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الَّتِي ذُكِرَتْ، فَإنْ عُنِيَ أنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنِ اللَّهِ، أوْ مِنَ اللَّهِ، عَلى اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ، فَمِن حَيْثُ ثُبُوتُ الواوِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، فَلا يَكُونُ ابْتِداءُ كَلامٍ إلّا أنْ يَدَّعِيَ زِيادَةَ الواوِ في: ويُعَلِّمُهُ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ، وإنْ عُنِيَ أنَّهُ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى ما ذُكِرَ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُبَيِّنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ ابْتِداءَ كَلامٍ حَتّى يَكُونَ المَعْطُوفُ كَذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: قِراءَةُ الياءِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ وقِراءَةُ النُّونِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ الَّذِي (p-٤٦٤)قالَهُ في الوَجْهَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى، انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنِ ابْنُ عَطِيَّةَ جِهَةَ إفْسادِ المَعْنى، أمّا قِراءَةُ النُّونِ فَظاهِرٌ فَسادُ عَطْفِهِ عَلى: نُوحِيهِ، مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، ومِن حَيْثُ المَعْنى، أمّا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ فَمِثْلُهُ لا يَقَعُ في لِسانِ العَرَبِ لِبُعْدِ الفَصْلِ المُفْرِطِ، وتَعْقِيدِ التَّرْكِيبِ، وتَنافُرِ الكَلامِ. وأمّا مِن حَيْثُ المَعْنى، فَإنَّ المَعْطُوفَ بِالواوِ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ أيْ: إخْبارُكُ يا مُحَمَّدُ بِقِصَّةِ امْرَأةِ عِمْرانَ، ووِلادَتِها لِمَرْيَمَ، وكَفالَةِ زَكَرِيّا، وقِصَّتِهِ في وِلادَةِ يَحْيى لَهُ، وتَبْشِيرِ المَلائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِالِاصْطِفاءِ والتَّطْهِيرِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن أخْبارِ الغَيْبِ، نُعَلِّمُهُ، أيْ: نُعَلِّمُ عِيسى الكِتابَ، فَهَذا كَلامٌ لا يَنْتَظِمُ مَعْناهُ مَعَ مَعْنى ما قَبْلَهُ. وأمّا قِراءَةُ الياءِ، وعَطْفُ: ويُعَلِّمُهُ، عَلى: يَخْلُقُ، فَلَيْسَتْ مُفْسِدَةً لِلْمَعْنى، بَلْ هو أوْلى، وأصَحُّ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ عَطْفُ: ويُعَلِّمُهُ، لِقُرْبِ لَفْظِهِ، وصِحَّةِ مَعْناهُ. وقَدْ ذَكَرْنا جَوازَهُ قَبْلُ، ويَكُونُ اللَّهُ قَدْ أخْبَرَ مَرْيَمَ بِأنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الأشْياءَ الغَرِيبَةَ الَّتِي لَمْ تَجْرِ بِها عادَةٌ، مِثْلَ ما خَلَقَ لَكِ ولَدًا مِن غَيْرِ أبٍ، وأنَّهُ تَعالى يُعَلِّمُ هَذا الوَلَدَ الَّذِي يَخْلُقُهُ لَكِ ما لَمْ يُعَلِّمْهُ قَبْلَهُ مِنَ الكِتابِ، والحِكْمَةِ، والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَيَكُونُ في هَذا الإخْبارِ أعْظَمُ تَبْشِيرٍ لَها بِهَذا الوَلَدِ، وإظْهارِ بَرَكَتِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ مُشْبِهًا أوْلادَ النّاسِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ هو مُخالِفٌ لَهم في أصْلِ النَّشْأةِ، وفِيما يُعَلِّمُهُ تَعالى مِنَ العِلْمِ، وهَذا يَظْهَرُ لِي أنَّهُ أحْسَنُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ عَطْفُ: ويُعَلِّمُهُ.
آل عمران 3:48
﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لَمّا أخْبَرَتْها المَلائِكَةُ أنَّ اللَّهَ بَشَّرَها بِالمَسِيحِ، نادَتْ رَبَّها، وهو اللَّهُ، مُسْتَفْهِمَةً عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِن حُدُوثِ الوَلَدِ مِن غَيْرِ أبٍ؛ إذْ ذاكَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلتَّعَجُّبِ، وهَذِهِ القَضِيَّةُ أعْجَبُ مِن قَضِيَّةِ زَكَرِيّا، لِأنَّ قَضِيَّةَ زَكَرِيّا حَدَثَ مِنها الوَلَدُ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، وهُنا حَدَثَ مِنِ امْرَأةٍ بِغَيْرِ واسِطَةِ بَشَرٍ، ولِذَلِكَ قالَتْ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ .
وقِيلَ: اسْتَفْهَمَتْ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، كَما سَألَ زَكَرِيّا عَنِ الكَيْفِيَّةِ، تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى جَرْيِ العادَةِ بِتَقَدُّمِ وطْءٍ ؟ أمْ بِأمْرٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ ؟ . وقالَ الأنْبارِيُّ: لَمّا خاطَبَها جِبْرِيلُ ظَنَّتْهُ آدَمِيًّا يُرِيدُ بِها سُوءًا، ولِهَذا قالَتْ: ﴿أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] فَلَمّا بَشَّرَها لَمْ تَتَيَقَّنْ صِحَّةَ قَوْلِهِ؛ لِأنَّها لَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ مَلَكٌ، فَقالَتْ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ ؟
ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَها: رَبِّ، وقَوْلَ زَكَرِيّا: رَبِّ، إنَّما هو نِداءٌ لِجِبْرِيلَ لَمّا بَشَّرَهُما، ومَعْناهُ: يا سَيِّدِي فَقَدْ أبْعَدَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ، ويَكُونُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّاقِصَةَ والتّامَّةَ، كَما سَبَقَ في قِصَّةِ زَكَرِيّا. ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمَسِيسُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ، وهَذا نَفْيٌ عامٌّ أنْ يَكُونَ باشَرَها أحَدٌ بِأيِّ نَوْعٍ كانَ مِن تَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ، والبَشَرُ: يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والمُرادُ هُنا النَّفْيُ العامُّ، وسُمِّيَ بَشَرًا لِظُهُورِ بَشْرَتِهِ وهو جِلْدُهُ، وبَشَرْتُ الأدِيمَ قَشَّرْتُ وجْهَهُ، وأبْشَرَتِ الأرْضُ أخْرَجَتْ نَباتَها، وتَباشِيرُ الصُّبْحِ أوَّلُ ما يَبْدُو مِن نُورِهِ.
﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِها في قِصَّةِ زَكَرِيّا، إلّا أنَّ في قِصَّتِهِ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] مِن حَيْثُ إنَّ أمْرَ زَكَرِيّا داخِلٌ في الإمْكانِ العادِيِّ الَّذِي يَتَعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وفي قِصَّةِ مَرْيَمَ: يَخْلُقُ، لِأنَّهُ لا يَتَعارَفُ مِثْلُهُ، وهو وُجُودُ ولَدٍ مِن غَيْرِ والِدٍ، فَهو إيجادٌ واخْتِراعٌ مِن غَيْرِ سَبَبٍ عادِيٍّ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِلَفْظِ: يَخْلُقُ، الدّالُّ عَلى هَذا المَعْنى. وقَدْ ألْغَزَ بَعْضُ العَرَبِ المُسْتَشْهَدُ بِكَلامِها فَقالَ:(p-٤٦٣)
؎ألا رُبَّ مَوْلُودٍ ولَيْسَ لَهُ أبٌ وذِي ولَدٍ لَمْ يَلِدْهُ أبَوانِ
يُرِيدُ: عِيسى وآدَمَ.
﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في البَقَرَةِ: لُغَةً، وتَفْسِيرًا، وقِراءَةً، وإعْرابًا، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ.
﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الكِتابُ هُنا مَصْدَرٌ، أيْ: يُعَلِّمُهُ الخَطَّ بِاليَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ. وقِيلَ: الكِتابُ هو كِتابٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، عَلَّمَهُ اللَّهُ عِيسى مَعَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ. والألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ. وقِيلَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. قالُوا: وتَكُونُ الواوُ في: والتَّوْراةُ، مُقْحَمَةٌ، والكِتابُ عِبارَةٌ عَنِ المَكْتُوبِ، وتَعْلِيمُهُ إيّاها، قِيلَ: بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالوَحْيِ، وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ لِلتَّعَلُّمِ. والحِكْمَةُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وفُسِّرَتْ هُنا بِسُنَنِ الأنْبِياءِ، وبِما شَرَعَهُ مِنَ الدِّينِ، وبِالنُّبُوَّةِ، وبِالصَّوابِ في القَوْلِ والعَمَلِ، وبِالعَقْلِ، وبِأنْواعِ العِلْمِ، وبِمَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ أقْوالٌ سَبْعَةٌ.
رُوِيَ أنَّ عِيسى كانَ يَسْتَظْهِرُ التَّوْراةَ، ويُقالُ: لَمْ يَحْفَظْها عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَيْرُ مُوسى، ويُوشَعَ، وعُزَيْرٍ، وعِيسى. وذُكِرَ الإنْجِيلُ لِمَرْيَمَ وهو لَمْ يُنَزَّلْ بَعْدُ، لا كانَ كِتابًا مَذْكُورًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ، وأنَّهُ سَيَنْزِلُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ: ويُعَلِّمُهُ، بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالنُّونِ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ هو مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ المَقُولَةِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: قالَ كَذَلِكِ، الضَّمِيرُ في: قالَ، عائِدٌ عَلى الرَّبِّ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ هي المَقُولَةُ، وسَواءٌ كانَ لَفْظُ اللَّهِ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ فِيما قَبْلَهُ لَزِمَ مُبْتَدَأً وخَبَرَهُ يَخْلُقُ عَلى ما مَرَّ إعْرابُهُ في: ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] فَيَكُونُ هَذا مِنَ المَقُولِ لِمَرْيَمَ، أمْ عَلى سَبِيلِ الِاغْتِباطِ والتَّبْشِيرِ بِهَذا الوَلَدِ الَّذِي يُوجِدُهُ اللَّهُ مِنها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: يَخْلُقُ، سَواءٌ كانَتْ خَبَرًا عَنِ اللَّهِ أمْ تَفْسِيرًا لِما قَبْلَها، إذا أعْرَبْتَ لَفْظَ ”اللَّهُ“ مُبْتَدَأً، وما قَبْلَهُ الخَبَرَ، وهَذا ظاهِرٌ كُلُّهُ عَلى قِراءَةِ الياءِ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ النُّونِ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِالتِفاتِ، خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الفَخامَةِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وغَيْرُهُ عَطْفٌ: ويُعَلِّمُهُ، عَلى: يُبَشِّرُكِ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: ويُكَلِّمُ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: وجِيهًا، فَيَكُونُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وفِيما أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيُّ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“، وهَذانِ القَوْلانِ بِعِيدانِ أيْضًا؛ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولا يَقَعُ مِثْلُهُ في لِسانِ العَرَبِ.
وقالَ بَعْضُهم: ونُعَلِّمُهُ؛ بِالنُّونِ؛ حَمَلَهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] فَإنْ عُنِيَ بِالحَمْلِ العَطْفُ فَلا شَيْءَ أبْعَدُ مِن هَذا التَّقْدِيرِ، وإنْ عُنِيَ بِالحَمْلِ أنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ فَهو صَحِيحٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ هو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ: ونُعَلِّمُهُ، وذَلِكَ أنَّهُ أجازَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى يُبَشِّرُكِ، وعَلى ”وجِيهًا“، وعَلى ”يَخْلُقُ“، ثُمَّ قالَ أوْ هو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَعْنِي: أنَّهُ لا يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الَّتِي ذُكِرَتْ، فَإنْ عُنِيَ أنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنِ اللَّهِ، أوْ مِنَ اللَّهِ، عَلى اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ، فَمِن حَيْثُ ثُبُوتُ الواوِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى شَيْءٍ قَبْلَهُ، فَلا يَكُونُ ابْتِداءُ كَلامٍ إلّا أنْ يَدَّعِيَ زِيادَةَ الواوِ في: ويُعَلِّمُهُ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ، وإنْ عُنِيَ أنَّهُ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى ما ذُكِرَ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُبَيِّنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ ابْتِداءَ كَلامٍ حَتّى يَكُونَ المَعْطُوفُ كَذَلِكَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: قِراءَةُ الياءِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ وقِراءَةُ النُّونِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ الَّذِي (p-٤٦٤)قالَهُ في الوَجْهَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى، انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنِ ابْنُ عَطِيَّةَ جِهَةَ إفْسادِ المَعْنى، أمّا قِراءَةُ النُّونِ فَظاهِرٌ فَسادُ عَطْفِهِ عَلى: نُوحِيهِ، مِن حَيْثُ اللَّفْظُ، ومِن حَيْثُ المَعْنى، أمّا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ فَمِثْلُهُ لا يَقَعُ في لِسانِ العَرَبِ لِبُعْدِ الفَصْلِ المُفْرِطِ، وتَعْقِيدِ التَّرْكِيبِ، وتَنافُرِ الكَلامِ. وأمّا مِن حَيْثُ المَعْنى، فَإنَّ المَعْطُوفَ بِالواوِ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ أيْ: إخْبارُكُ يا مُحَمَّدُ بِقِصَّةِ امْرَأةِ عِمْرانَ، ووِلادَتِها لِمَرْيَمَ، وكَفالَةِ زَكَرِيّا، وقِصَّتِهِ في وِلادَةِ يَحْيى لَهُ، وتَبْشِيرِ المَلائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِالِاصْطِفاءِ والتَّطْهِيرِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن أخْبارِ الغَيْبِ، نُعَلِّمُهُ، أيْ: نُعَلِّمُ عِيسى الكِتابَ، فَهَذا كَلامٌ لا يَنْتَظِمُ مَعْناهُ مَعَ مَعْنى ما قَبْلَهُ. وأمّا قِراءَةُ الياءِ، وعَطْفُ: ويُعَلِّمُهُ، عَلى: يَخْلُقُ، فَلَيْسَتْ مُفْسِدَةً لِلْمَعْنى، بَلْ هو أوْلى، وأصَحُّ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ عَطْفُ: ويُعَلِّمُهُ، لِقُرْبِ لَفْظِهِ، وصِحَّةِ مَعْناهُ. وقَدْ ذَكَرْنا جَوازَهُ قَبْلُ، ويَكُونُ اللَّهُ قَدْ أخْبَرَ مَرْيَمَ بِأنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الأشْياءَ الغَرِيبَةَ الَّتِي لَمْ تَجْرِ بِها عادَةٌ، مِثْلَ ما خَلَقَ لَكِ ولَدًا مِن غَيْرِ أبٍ، وأنَّهُ تَعالى يُعَلِّمُ هَذا الوَلَدَ الَّذِي يَخْلُقُهُ لَكِ ما لَمْ يُعَلِّمْهُ قَبْلَهُ مِنَ الكِتابِ، والحِكْمَةِ، والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَيَكُونُ في هَذا الإخْبارِ أعْظَمُ تَبْشِيرٍ لَها بِهَذا الوَلَدِ، وإظْهارِ بَرَكَتِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ مُشْبِهًا أوْلادَ النّاسِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ هو مُخالِفٌ لَهم في أصْلِ النَّشْأةِ، وفِيما يُعَلِّمُهُ تَعالى مِنَ العِلْمِ، وهَذا يَظْهَرُ لِي أنَّهُ أحْسَنُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ عَطْفُ: ويُعَلِّمُهُ.
آل عمران 3:49
﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا في: رَسُولًا، هُنا فَقِيلَ: هو وصْفٌ بِمَعْنى المُرْسَلِ عَلى ظاهِرِ ما يُفْهَمُ مِنهُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ، إذْ قَدْ ثَبَتَ أنَّ رَسُولًا يَكُونُ بِمَعْنى رِسالَةٍ، ومِمَّنْ جَوَّزَ ذَلِكَ فِيهِ هَنا الحُوفِيُّ، وأبُو البَقاءِ، وقالا: هو مَعْطُوفٌ عَلى الكِتابِ، أيْ: ويُعَلِّمُهُ رِسالَةً إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَتَكُونُ رِسالَةٌ، داخِلًا في ما يُعَلِّمُهُ اللَّهُ عِيسى. وأجازَ أبُو البَقاءِ في هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ. وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَقالُوا في إعْرابِهِ وُجُوهًا.
أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، قالُوا: فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ:
؎يا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
أيْ: ومُعْتَقِلًا رُمْحًا. لَمّا لَمْ يُمْكِنْ تَشْرِيكُهُ مَعَ المَنصُوباتِ قَبْلَهُ في العامِلِ الَّذِي هو: يُعَلِّمُهُ، أُضْمِرَ لَهُ فِعْلٌ ناصِبٌ يَصِحُّ بِهِ المَعْنى، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: يُعَلِّمُهُ، فَيَكُونَ حالًا، إذِ التَّقْدِيرُ: ومُعَلِّمًا الكِتابَ، فَهَذا كُلُّهُ عَطْفٌ بِالمَعْنى عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وثَنى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وبَدَأ بِهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى إعْرابِ: ويُعَلِّمُهُ. وقَدْ بَيَّنّا ضَعْفَ إعْرابِ مَن يَقُولُ: إنَّ ”ويُعَلِّمُهُ“، مَعْطُوفٌ عَلى: وجِيهًا، لِلْفَصْلِ المُفْرِطِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في: ويُكَلِّمُ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: وكَهْلًا، أيْ: ويُكَلِّمُ النّاسَ طِفْلًا وكَهْلًا، ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً، ويَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ: ويُعَلِّمُهُ، قالَهُ الأخْفَشُ، وهو ضَعِيفٌ لِزِيادَةِ الواوِ، لا يُوجَدُ في كَلامِهِمْ: جاءَ زَيْدٌ وضاحِكًا، أيْ: ضاحِكًا. الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِ ”رَسُولًا“، ويَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مِن عِيسى، التَّقْدِيرُ: وتَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، واحْتاجَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ كُلِّهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٠]، إذْ لا يَصِحُّ في الظّاهِرِ حَمْلُهُ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المَنصُوباتِ لِاخْتِلافِ الضَّمائِرِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ ضَمِيرُ غائِبٍ، وهَذانِ ضَمِيرُ مُتَكَلِّمٍ، فاحْتاجَ إلى هَذا الإضْمارِ لِتَصْحِيحِ المَعْنى. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ: هو مِنَ المَضايِقِ، يَعْنِي مِنَ المَواضِعِ الَّتِي فِيها إشْكالٌ. وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ، إذْ فِيهِ إضْمارُ القَوْلِ ومَعْمُولِهِ الَّذِي هو: أُرْسِلْتُ، والِاسْتِغْناءُ عَنْهُما بِاسْمٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ، إذْ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: وأُرْسِلْتُ، أنَّهُ رَسُولٌ، فَهي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ في إعْرابِ: ورَسُولًا، أوْلاها (p-٤٦٥)الأوَّلُ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا إضْمارُ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولًا لِـ ”رَسُولًا“، أيْ: ناطِقًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم، عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ومَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ الهَمْزَةَ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، أيْ: قائِلًا إنِّي قَدْ جِئْتُكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا بِقَوْلِهِ: ورَسُولًا، لِأنَّهُ في مَعْنى القَوْلِ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ. وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: ورَسُولٍ، بِالجَرِّ، وخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى: بِكَلِمَةٍ مِنهُ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ في القِياسِ؛ لِطُولِ البُعْدِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ. وأُرْسِلَ عِيسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُبَيِّنًا حُكْمَ التَّوْراةِ، وداعِيًا إلى العَمَلِ بِها، ومُحَلِّلًا أشْياءَ مِمّا حُرِّمَ فِيها: كالثُّرُوبِ، ولُحُومِ الإبِلِ، وأشْياءَ مِنَ الحِيتانِ، والطَّيْرِ، وكانَ عِيسى قَدْ هَرَبَتْ بِهِ أُمُّهُ مِن قَوْمِها إلى مِصْرَ حِينَ عَزَلُوا أوْلادَهم، ونَهَوْهم عَنْ مُخالَطَتِهِ، وحَبَسُوهم في بَيْتٍ، فَجاءَ عِيسى يَطْلُبُهم فَقالُوا: لَيْسُوا هاهُنا، فَقالَ: ما في هَذا البَيْتِ ؟ قالُوا: خَنازِيرُ، قالَ: كَذَلِكَ يَكُونُونَ، فَفَتَحُوا عَنْهم فَإذا هم خَنازِيرُ. فَفَشا ذَلِكَ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَهَمُّوا بِهِ، فَهَرَبَتْ بِهِ أُمُّهُ إلى أرْضِ مِصْرَ. فَلَمّا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أوْحى اللَّهُ إلَيْها: أنِ انْطَلِقِي إلى الشّامِ، فَفَعَلَتْ حَتّى إذا بَلَغَ ثَلاثِينَ سَنَةً جاءَهُ الوَحْيُ عَلى رَأْسِ الثَّلاثِينَ، فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينٍ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ. وكانَ أوَّلَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ يُوسُفُ، وقِيلَ: مُوسى، وآخِرَهم عِيسى.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ (مُسْتَقِيمٌ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ومَعْمُولٌ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ القَوْلِ السّابِقِ. والخِطابُ لِمَرْيَمَ بِقَوْلِهِ: قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ، فَتَكُونُ مَرْيَمُ قَدْ بُشِّرَتْ بِأشْياءَ مِمّا يَفْعَلُها اللَّهُ لِوَلَدِها عِيسى مِن تَعْلِيمِهِ ما ذَكَرَ، ومِن جَعْلِهِ رَسُولًا ناطِقًا بِما يَكُونُ مِنهُ إذا أُرْسِلَ؛ مِن مَجِيئِهِ بِالآياتِ، وإظْهارِ الخَوارِقِ عَلى يَدَيْهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ إلى قَوْلِهِ: مُسْتَقِيمٌ. ويَكُونُ بَعْدَ قَوْلِهِ: مُسْتَقِيمٌ. وقِيلَ قَوْلُهُ: فَلَمّا أحَسَّ، مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وتَضْطَرُّ إلى تَقْدِيرِهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى بَنِي إسْرائِيلَ، ورَسُولًا، فَقالَ لَهم ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وأتى بِالخَوارِقِ الَّتِي قالَها، فَكَفَرُوا بِهِ وتَمالَئُوا عَلى قَتْلِهِ وإذايَتِهِ، ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢] .
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولا يَكُونَ ﴿إنّى قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، ولا داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ والخِطابُ لِمَرْيَمَ، ويَكُونُ المَحْذُوفُ هُنا: لا بَعْدَ قَوْلِهِ: مُسْتَقِيمٌ، والتَّقْدِيرُ: فَجاءَ عِيسى كَما بَشَّرَ اللَّهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِأنَّهُ، عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ في ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: بِآياتٍ، عَلى الجَمْعِ في المَوْضِعَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: مِن رَبِّكم، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، لِأنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ: بِـ ”وجِئْتُكم“، أيْ: جِئْتُكم مِن رَبِّكم بِآيَةٍ.
﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: أنِّي أخْلُقُ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن: آيَةٍ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَرٍّ، أوْ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: أنِّي قَدْ جِئْتُكم، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ جَرٍّ عَلى الخِلافِ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي، أيِ: الآيَةُ أنِّي أخْلُقُ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ. وقَرَأ نافِعٌ بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى التَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ. كَما فَسَّرَ المَثَلَ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] ومَعْنى: أخْلُقُ: أُقَدِّرُ وأُهَيِّءُ، والخَلْقُ يَكُونُ بِمَعْنى الإنْشاءِ، وإبْرازِ العَيْنِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ إلى الوُجُودِ. وهَذا لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ تَعالى. ويَكُونُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّصْوِيرِ، ولِذَلِكَ يُسَمُّونَ صانِعَ الأدِيمِ ونَحْوَهُ الخالِقَ، لِأنَّهُ يُقَدِّرُ، وأصْلُهُ في الأجْرامِ، وقَدْ نَقَلُوهُ إلى المَعانِي قالَ تَعالى ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] ومِمّا جاءَ الخُلُقُ فِيهِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] أيِ: المُقَدَّرَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎ولَأنْتَ تَغْرِي ما خَلَقْتَ ∗∗∗ وبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يُغْرِي
(p-٤٦٦)واللّامُ في: لَكم، مَعْناها التَّعْلِيلُ، ومِنَ الطِّينِ: تَقْيِيدٌ بِأنَّهُ لا يُوجَدُ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ، بَلْ ذَكَرَ المادَّةَ الَّتِي يُشَكِّلُ مِنها صُورَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كَهَيْئَةِ، عَلى وزْنِ: جَيْئَةِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: كَهِيَّةِ، بِكَسْرٍ الهاءِ، وياءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، بَعْدَها تاءُ التَّأْنِيثِ، والكافُ مِن: كَهَيْئَةِ، اسْمٌ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ، فَهي مَفْعُولَةٌ: بِـ ”أخْلُقُ“، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: يَكُونُ، صِفَةً لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَيْئَةٌ مِثْلُ هَيْئَةٍ، ويَكُونُ: هَيْئَةُ، مَصْدَرًا في مَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: مِثالًا مُهَيَّأً مِثْلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الطَّيْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: كَهَيْئَةِ الطّائِرِ، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ: فَأنْفُخُ فِيهِ. الضَّمِيرُ في: فِيهِ، يَعُودُ عَلى: الكافِ، أوْ عَلى مَوْصُوفِها عَلى القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: فَأنْفُخُها، أعادَ الضَّمِيرَ عَلى الهَيْئَةِ المَحْذُوفَةِ، إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: هَيْئَةٌ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، أوْ: عَلى الكافِ عَلى المَعْنى، إذْ هي بِمَعْنى مُماثِلَةٍ هَيْئَةَ الطَّيْرِ، فَيَكُونُ التَّأْنِيثُ هُنا كَما هو في المائِدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ [المائدة: ١١٠] ويَكُونُ في هَذِهِ القِراءَةِ قَدْ حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ. كَما قالَ:
؎ما شُقَّ جَيْبٌ ولا ناحَتْكَ نائِحَةٌ ∗∗∗ ولا بَكَتْكَ جِيادٌ عِندَ أسْلابِ
يُرِيدُ: ولا قامَتْ عَلَيْكَ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ نَقَلَها الفَرّاءُ. وقالَ النّابِغَةُ:
؎كالهِبْرَقِيِّ تَنَحّى يَنْفُخُ الفَحْماءَ ∗∗∗ كالبَرْقِيِّ تَنَحّى يَنْفُخُ الفَحْماءَ
فَعَدّى: نَفَخَ، لِمَنصُوبٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى التَّضْمِينِ، أيْ: يُضْرِمُ بِالنَّفْخِ الفَحْمَ، فَيَكُونُ هُنا ناقِصَةٌ عَلى بابِها، أوْ بِمَعْنى: تَصِيرُ.
وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ هُنا، وفي المائِدَةِ: طائِرًا، وقَرَأ الباقُونَ: طَيْرًا، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”يَكُونُ“، ومَن جَعَلَ: يَكُونُ، هُنا تامَّةٌ، وطائِرًا: حالًا فَقَدْ أبْعَدَ. وتَعَلُّقُ ”بِإذْنِ اللَّهِ“: قِيلَ بِـ ”يَكُونُ“ . وقِيلَ: بِطائِرٍ، ومَعْنى: بِإذْنِ اللَّهِ، أيْ بِتَمْكِينِهِ وعِلْمِهِ بِأنِّي أفْعَلُ، وتَعاطِي عِيسى التَّصْوِيرَ بِيَدِهِ، والنَّفْخَ في تِلْكَ الصُّورَةِ تَبْيِينٌ لِتَلَبُّسِهِ بِالمُعْجِزَةِ، وتَوْضِيحُ أنَّها مِن قِبَلِهِ، وأمّا خَلْقُ الحَياةِ في تِلْكَ الصُّورَةِ الطِّينِيَّةِ فَمِنَ اللَّهِ - وحْدَهُ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَهُ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِاقْتِراحٍ مِنهم، بَلْ هَذِهِ الخَوارِقُ جاءَتْ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ بِاقْتِراحٍ مِنهم، طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَخْلُقَ لَهم خُفّاشًا عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ جَرْيًا عَلى عاداتِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، وخَصُّوا الخُفّاشَ؛ لِأنَّهُ عَجِيبُ الخَلْقِ، وهو أكْمَلُ الطَّيْرِ خَلْقًا، لَهُ: ثَدْيٌ، وأسْنانٌ، وآذانٌ، وضَرْعٌ، يَخْرُجُ مِنهُ اللَّبَنُ، ولا يُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ، ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، إنَّما يَرى في ساعَتَيْنِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ساعَةٍ وبَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ساعَةٍ، قَبْلَ أنْ يُسْفِرَ جِدًّا، ويَضْحَكُ كَما يَضْحَكُ الإنْسانَ، ويَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، وتَحِيضُ أُنْثاهُ وتَلِدُ.
رُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّهُ قالَ لَهم: ماذا تُرِيدُونَ ؟ قالُوا: الخُفّاشُ. فَسَألُوهُ أشَدَّ الطَّيْرِ خَلْقًا لِأنَّهُ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، ويُقالُ: ما صَنَعَ غَيْرَ الخُفّاشِ، ويُقالُ: فَعَلَ ذَلِكَ أوَّلًا وهو مَعَ مُعَلِّمِهِ في الكِتابِ، وتَواطَأ النَّقْلُ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الطّائِرَ الَّذِي خَلَقَهُ عِيسى كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلِ المَخْلُوقِ مِن فِعْلِ الخالِقِ، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ مَعَ مُعايَنَتِهِمْ لِذَلِكَ الطّائِرِ يَطِيرُ يَقُولُونَ في عِيسى: هَذا ساحِرٌ.
﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في المُفْرَداتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الأكْمَهُ هو الأعْشى. وقالَ عِكْرِمَةُ: هو الأعْمَشُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الَّذِي وُلِدَ أعْمى. وقِيلَ: هو المَمْسُوحُ العَيْنِ، ولَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأُمَّةِ أكْمَهُ غَيْرَ قَتادَةَ بْنِ دِعامَةِ السُّدُوسَيِّ، صاحِبِ التَّفْسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ: هو الأعْمى عَلى الإطْلاقِ. وحَكى النَّقّاشُ: أنَّ الأكْمَهَ هو الأبْكَمُ الَّذِي لا يُفْهَمُ ولا يَفْهَمُ، المَيِّتُ الفُؤادِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وقَتادَةُ: هو الَّذِي يُولَدُ أعْمى مَضْمُومَ العَيْنَيْنِ.
قِيلَ: وقَدْ كانَ عِيسى يُبْرِئُ بِدُعائِهِ، والمَسْحِ بِيَدِهِ، كُلَّ عِلَّةٍ. ولَكِنْ لا يَقُومُ الحُجَّةَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في مَعْنى النُّبُوَّةِ إلّا بِالإبْراءِ مِنَ (p-٤٦٧)العِلَلِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْ إبْرائِها الأطِبّاءُ، حَتّى يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ خارِقًا لِلْعاداتِ. والإبْراءُ مِنَ العَشى، والعَمَشِ، لَيْسَ بِخارِقٍ، وأمّا العَمى فالأبْلَغُ الإبْراءُ مِن عَمى المَمْسُوحِ العَيْنِ. رُوِيَ أنَّهُ رُبَّما اجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ ألْفًا مِنَ المَرْضى، مَن أطاقَ مِنهم أتاهُ، ومَن لَمْ يُطِقْ أتاهُ عِيسى، وما كانَتْ مُداواتُهُ إلّا بِالدُّعاءِ وحْدَهُ، وخَصَّ بِالذِّكْرِ الكَمَهَ والبَرَصَ؛ لِأنَّهُما داءانِ مُعْضِلانِ لا يَقْدِرُ عَلى الإبْراءِ مِنهُما، إلّا اللَّهُ تَعالى، وكانَ الغالِبُ عَلى زَمانِ عِيسى الطِّبَّ، فَأراهُمُ اللَّهُ المُعْجِزَةَ في جِنْسِ عِلْمِهِمْ، كَما أرى قَوْمَ مُوسى إذْ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمُ السِّحْرَ، المُعْجِزَةَ بِالعَصا واليَدِ البَيْضاءِ، وكَما أرى العَرَبَ، إذْ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمُ البَلاغَةَ، المُعْجِزَةَ بِالقُرْآنِ. رُوِيَ أنَّ جالِينُوسَ كانَ في زَمانِ عِيسى، وأنَّهُ رَحَلَ إلَيْهِ مِن رُومِيَّةَ إلى الشّامِ لِيَلْقاهُ، فَماتَ في طَرِيقِهِ.
﴿وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ نَقَلَ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ أحْيا أرْبَعَةً: عاذِرَ، وكانَ صَدِيقًا لَهُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ. فَقامَ مِن قَبْرِهِ يَقْطُرُ ودَكُهُ، وبَقِيَ إلى أنْ وُلِدَ لَهُ. وابْنَ العَجُوزِ: وهو عَلى سَرِيرِهِ، فَنَزَلَ عَنْ أعْناقِ الرِّجالِ، وحَمَلَ سَرِيرَهُ وبَقِيَ إلى أنْ وُلِدَ لَهُ، وبِنْتَ العاشِرِ: مُتِّعَتْ بِوَلَدِها بَعْدَما حَيِيَتْ، وسَألُوهُ أنْ يُحْيِيَ سامَ بْنَ نُوحٍ؛ لِيُخْبِرَهم عَنْ حالِ السَّفِينَةِ، فَخَرَجَ مِن قَبْرِهِ فَقالَ: أقَدْ قامَتِ السّاعَةُ ؟ وقَدْ شابَ نِصْفُ رَأْسِهِ، وكانَ شابًّا ابْنَ خَمْسِمِائَةٍ، فَقالَ: شَيَّبَنِي هَوْلُ يَوْمِ القِيامَةِ. ورُوِيَ أنَّهُ في إحْيائِهِ المَوْتى كانَ يَضْرِبُ بِعَصاهُ المَيِّتَ، أوِ القَبْرَ، أوِ الجُمْجُمَةَ، فَيُحْيِي الإنْسانَ ويُكَلِّمُهُ ويَعِيشُ. وقِيلَ: تَمُوتُ سَرِيعًا.
ورُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ عِيسى خَرَجَ هو ومَن مَعَهُ مِن حَوارِيِّيهِ، حَتّى بَلَغَ الأنْدَلُسَ، وذَكَرَ قِصَّةً فِيها طُولٌ، مَضْمُونُها: أنَّهُ أحْيا بِها مَيِّتًا، وسَألُوهُ فَإذا هو مِن قَوْمِ عادٍ. ووَرَدَتْ قَصَصٌ في إحْياءِ خَلْقٍ كَثِيرٍ عَلى يَدِ عِيسى، وذَكَرُوا أشْياءَ مِمّا كانَ يَدْعُو بِها إذا أحْيا، اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها.
﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وابْنُ إسْحاقَ: كانَ عِيسى مِن لَدُنْ طُفُولِيَّتِهِ، وهو في الكُتّابِ يُخْبِرُ الصِّبْيانَ بِما يَفْعَلُ آباؤُهم، وبِما يَؤْكَلُ مِنَ الطَّعامِ، وما يُدَّخَرُ إلى أنْ نُبِّئَ، ويَقُولُ لِمَن سَألَهُ: أكَلْتَ البارِحَةَ كَذا، وادَّخَرْتَ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَمّا أحْيا لَهُمُ المَوْتى، طَلَبُوا مِنهُ آيَةً أُخْرى، وقالُوا: أخْبِرْنا بِما نَأْكُلُ، وما نَدَّخِرُ لِلْغَدِ، فَأخْبَرَهم. وقالَ قَتادَةُ: كانَ ذَلِكَ في نُزُولِ المائِدَةِ، عَهِدَ إلَيْهِمْ أنْ يَأْكُلُوا مِنها ولا يُخَبِّئُوا ولا يَدَّخِرُوا، فَخالَفُوا، فَكانَ عِيسى يُخْبِرُهم بِما أكَلُوهُ، وما ادَّخَرُوا في بُيُوتِهِمْ، وعُوقِبُوا عَلى ذَلِكَ. وأتى بِهَذِهِ الخَوارِقِ الأرْبَعِ مُصَدَّرَةً بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ، والحالَةِ الدّائِمَةِ، وبَدَأ بِالخَلْقِ؛ إذْ هو أعْظَمُ في الإعْجازِ، وثَنى بِإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وأتى ثالِثًا بِإحْياءِ المَوْتى، وهو خارِقٌ شارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وكَرَّرَ: بِإذْنِ اللَّهِ، دَفْعًا لِمَن يَتَوَهَّمُ فِيهِ الأُلُوهِيَّةَ، وكانَ، بِإذْنِ اللَّهِ، عَقِبَ قَوْلِهِ: أنِّي أخْلُقُ، وعَطَفَ عَلَيْهِ: وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ولَمْ يَذْكُرْ: بِإذْنِ اللَّهِ، اكْتِفاءً بِهِ في الخارِقِ الأعْظَمِ، وعَقَّبَ قَوْلَهُ: وأُحْيِي المَوْتى، بِقَوْلِهِ: بِإذْنِ اللَّهِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ: وأُنَبِّئُكم، ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ، بِإذْنِ اللَّهِ، لِأنَّ إحْياءَ الأمْواتِ أعْظَمُ مِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ، فاكْتَفى بِهِ في الخارِقِ الأعْظَمِ أيْضًا، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الخارِقَيْنِ الأعْظَمَيْنِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: بِإذْنِ اللَّهِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى ذَلِكَ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِما اكْتِفاءً بِالأوَّلِ إذْ كُلُّ هَذِهِ الخَوارِقِ لا تَكُونُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.
و: ما، في: ما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ، مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، وهو الظّاهِرُ. وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَدَّخِرُونَ، بِدالٍ مُشَدَّدَةٍ، وأصْلُهُ: اذْتَخَرَ، مِنَ الذُّخْرِ، أُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا، فَصارَ: اذْدَخَرَ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الذّالُ في الدّالِ، فَقِيلَ: ادَّخَرَ، كَما قِيلَ: ادَّكَرَهُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ، وأبُو السَّمّالِ: تَذْخَرُونَ، بِذالٍ ساكِنَةٍ، وخاءٍ مَفْتُوحَةٍ. وقَرَأ أبُو شُعَيْبٍ السُّوسِيُّ، في رِوايَةٍ عَنْهُ: وما تَذْدَخِرُونَ، بِذالٍ ساكِنَةٍ، ودالٍ مَفْتُوحَةٍ، مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وهَذا الفَكُّ جائِزٌ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالإدْغامِ أجْوَدُ، ويَجُوزُ جَعْلُ الدّالِ ذالًا، والإدْغامُ (p-٤٦٨)فَتَقُولُ: اذَّخَرَ، بِالذّالِ المُعْجَمَةِ المُشَدَّدَةِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّها مِن كَلامِ عِيسى؛ لِاحْتِفافِها بِكَلامِهِ مِن قَبْلِها، ومِن بَعْدِها، حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، اسْتِئْنافٌ صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ، وأُشِيرَ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن جَعْلِ الطِّينِ طائِرًا، والإبْراءِ والإحْياءِ والإنْباءِ. وتَقَدَّمَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَآياتٍ، عَلى الجَمْعِ، فَمَن أفْرَدَ أرادَ الجِنْسَ، وهو صالِحٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، ويُعَيِّنُ المُرادَ القَرائِنُ اللَّفْظِيَّةُ والمَعْنَوِيَّةُ والحالِيَّةُ، ومَن جَمَعَ فَعَلى الأصْلِ، إذْ هي: آياتٌ، وهي: آيَةٌ في نَفْسِها، آمَنُوا أوْ كَفَرُوا، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ حَتّى يَتَّجِهَ التَّعْلِيقُ بِهَذا الشَّرِّ، أيْ: لَآيَةً نافِعَةً هادِئَةً لَكم إنْ آمَنتُمْ، ويَكُونَ خِطابًا لِمَن لَمْ يُؤْمِن بَعْدُ، وإنْ كانَ خِطابًا لِمَن آمَنَ فَذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّثْبِيتِ، وتَطْمِينِ النَّفْسِ وهَزِّها. كَما تَقُولُ لِابْنِكَ: أطِعْنِي إنْ كُنْتَ ابْنِي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ ابْنُكَ، ولَكِنْ تُرِيدُ أنْ تَهُزَّهُ بِذِكْرِ ما هو مُحَقَّقٌ. ذَكَرَ ما جُعِلَ مُعَلَّقًا بِهِ ما قَبْلَهُ عَلى سَبِيلِ أنْ يَحْصُلَ.
آل عمران 3:50
﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عَطَفَ ”ومُصَدِّقًا“: عَلى قَوْلِهِ: ”بِآيَةٍ“ إذِ الباءُ فِيهِ لِلْحالِ، ولا تَكُونُ لِلتَّعْدِيَةِ لِفَسادِ المَعْنى، فالمَعْنى: وجِئْتُكم مَصْحُوبًا بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ، ومَنَعُوا أنْ يَكُونَ: ومُصَدِّقًا، مَعْطُوفًا عَلى: رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ولا عَلى: وجِيهًا، لِما يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيَّ، غائِبًا. فَكانَ يَكُونُ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ يَجُوزُ في قَوْلِهِ: ورَسُولًا، أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وأُرْسِلْتُ رَسُولًا، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ: ومُصَدِّقًا، مَعْطُوفًا عَلى: ورَسُولًا. ومَعْنى تَصْدِيقِهِ لِلتَّوْراةِ الإيمانُ بِها، وإنْ كانَتْ شَرِيعَتُهُ تُخالِفُ في أشْياءَ. قالَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يُسَّبِتُ، ويُسْتَقْبَلُ بَيْتُ المَقْدِسِ.
﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أحَلَّ لَهم لُحُومَ الإبِلِ، والشُّحُومَ. وقالَ الرَّبِيعُ: وأشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وما لا ضَئْضَئَةَ لَهُ مِنَ الطَّيْرِ، وكانَ ذَلِكَ في التَّوْراةِ مُحَرَّمًا. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: حُرِّمَ عَلَيْكم، إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَهُ الأحْبارُ بَعْدَ مُوسى، وشَرَّعُوهُ، فَكَأنَّ عِيسى رَدَّ أحْكامَ التَّوْراةِ إلى حَقائِقِها الَّتِي نَزَلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ انْتَهى كَلامُهُ. واخْتَلَفُوا في إحْلالِهِ لَهُمُ السَّبْتَ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ما حَرَّمَ عَلَيْكم، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما، مِن قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيَّ، أوْ يَعُودُ عَلى اللَّهِ مُنْزِلِ التَّوْراةِ، أوْ عَلى مُوسى صاحِبِ التَّوْراةِ. والظّاهِرُ الأوَّلُ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ. وقَرَأ: حَرُمَ، بِوَزْنِ: كَرُمَ، إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والمُرادُ بِبَعْضِ مَدْلُولِها المُتَعارَفِ، وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا مَعْنى كُلِّ خَطَأٍ، لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ يُحِلَّ لَهُمُ القَتْلَ، والزِّنا، والسَّرِقَةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ، واسْتِدْلالُهُ عَلى أنَّ بَعْضًا، تَأْتِي بِمَعْنى كُلٍّ، بِقَوْلِ لَبِيدٍ:
؎تَرّاكُ أمكِنَةً إذا لَمْ أرْضَها أوْ تَرْتَبِطْ بَعْضَ النُفوسِ حِمامُها
لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ بَعْضًا عَلى مَدْلُولِهِ، إذْ يُرِيدُ نَفْسَهُ، فَهو تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وكَذَلِكَ اسْتِدْلالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
لِصِحَّةِ التَّبْعِيضِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ما دَبَّرَهُ الأحْداثُ يَكُونُ فِيهِ الخَلَلُ. وقالَ بَعْضُهم: لا يَقُومُ بَعْضٌ مَقامَ كُلٍّ إلّا إذا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ
يُرِيدُ: بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن كُلِّهِ انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَظَرٌ، واللّامُ في: ولِأُحِلَّ لَكم، لامُ كَيْ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُسَوِّغُ عَطْفَهُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، فَقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى، إذِ المَعْنى في: ومُصَدِّقًا، أيْ: لِأُصَدِّقَ ما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأُحِلَّ لَكم. وهَذا هو العَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ، ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ مَعْقُولِيَّةَ الحالِ مُخالِفَةٌ لِمَعْقُولِيَّةِ التَّعْلِيلِ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُتَّحِدًا في المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
(p-٤٦٩)ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: فَأصَّدَّقَ وأكُنْ؛ كَيْفَ اتَّحَدَ المَعْنى مِن حَيْثُ الصَّلاحِيَةُ لِجَوابِ التَّحْضِيضِ ؟ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
؎تَقِيٌّ نَقِيٌّ لَمْ يُكْثِرْ غَنِيمَةً ∗∗∗ بِنَكْهَةِ ذِي قُرْبى ولا بِخَفْلَدِ
كَيْفَ اتَّحَدَ مَعْنى النَّفْيِ في قَوْلِهِ: لَمْ يُكْثِرْ، ولا في قَوْلِهِ: ولا بِخَفْلَدِ ؟ أيْ: لَيْسَ بِمُكْثِرٍ ولا بِخَفْلَدِ. وكَذَلِكَ ما جاءَ مِن هَذا النَّوْعِ. وقِيلَ: اللّامُ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَ الواوِ يُفَسِّرُهُ المَعْنى: أيْ وجِئْتُكم لِأُحِلَّ لَكم. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ اللّامُ بِقَوْلِهِ: وأطِيعُونِ، والمَعْنى: واتَّبِعُونِ لِأُحِلَّ لَكم، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وقالَ أبُو البَقاءِ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِأُخَفِّفَ عَنْكم، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِأُحِلَّ، رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، لِأنَّ: بِآيَةٍ، في مَوْضِعِ حالٍ، ولِأُحِلَّ: تَعْلِيلٌ ولا يَصِحُّ عَطْفُ التَّعْلِيلِ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ العَطْفَ بِالحَرْفِ المُشْتَرِكِ في الحُكْمِ يُوجِبُ التَّشْرِيكَ في جِنْسِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنْ عَطَفْتَ عَلى مَصْدَرٍ، أوْ مَفْعُولٍ بِهِ، أوْ ظَرْفٍ، أوْ حالٍ، أوْ تَعْلِيلٍ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ شارَكَهُ في ذَلِكَ المَعْطُوفِ.
﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ لِلتَّأْسِيسِ، لا لِلتَّوْكِيدِ، لِقَوْلِهِ: قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ شاهِدٌ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ، إذْ جَمِيعُ الرُّسُلِ كانُوا عَلَيْهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وجُعِلَ هَذا القَوْلُ آيَةً وعَلامَةً؛ لِأنَّهُ رَسُولٌ كَسائِرِ الرُّسُلِ، حَيْثُ هَداهُ لِلنَّظَرِ في أدِلَّةِ العَقْلِ والِاسْتِدْلالِ. وكَسْرُ: إنَّ، عَلى هَذا القَوْلِ لِأنَّ قَوْلًا قَبْلَها مَحْذُوفٌ، وذَلِكَ القَوْلُ بَدَلٌ مِنَ الآيَةِ، فَهو مَعْمُولٌ لِلْبَدَلِ. ومَن قَرَأ بِفَتْحِ: ”أنَّ“، فَعَلى جِهَةِ البَدَلِ مِن آيَةٍ، ولا تَكُونُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: إنَّ، بِالكَسْرِ مُسْتَأْنَفَةً عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِن إضْمارِ القَوْلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ.
وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٩] هي مُعْجِزَةٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ هي الآيَةُ مِنَ الإنْجِيلِ، فاخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُ المَجِيءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ كُرِّرَتْ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أيْ جِئْتُكم بِآيَةٍ بَعْدَ أُخْرى مِمّا ذَكَرْتُ لَكم مِن خَلْقِ الطَّيْرِ، والإبْراءِ، والإحْياءِ، والإنْباءِ بِالخَفِيّاتِ، وبِغَيْرِهِ مِن وِلادَتِي مِن غَيْرِ أبٍ، ومِن كَلامِي في المَهْدِ، وسائِرِ الآياتِ. فَعَلى هَذا مَن كَسَرَ: إنَّ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، ومِن فَتَحَ فَقِيلَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكَ فاعْبُدُوهُ، فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: فاعْبُدُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] ثُمَّ قالَ: (فَلْيَعْبُدُوا) فَقَدَّمَ أنَّ عَلى عامِلِها. ومِن جَوَّزَ أنْ تَتَقَدَّمَ أنَّ، ويَتَأخَّرَ عَنْها العامِلُ، في نَحْوِ: هَذا غَيْرُ مُصِيبٍ؛ لا يَجُوزُ: أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ عَرَفْتُ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وجِئْتُكم بِآيَةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: التَّقْدِيرُ: أطِيعُونِ؛ لِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، انْتَهى. ولَيْسَ قَوْلُهُ بِظاهِرٍ.
والأمْرُ بِالتَّقْوى، والطّاعَةِ، تَحْذِيرٌ ودُعاءٌ، والمَعْنى أنَّهُ: تَظاهَرَ بِالحُجَجِ، والخَوارِقِ في صِدْقِهِ، فاتَّقُوا اللَّهَ في خِلافِي، وأطِيعُونِ في أمْرِي، ونَهْيِي. وقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ فِيما أمَرَكم بِهِ، ونَهاكم عَنْهُ في كِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلىمُوسى، وأطِيعُونِ فِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ، مِن تَصْدِيقِي فِيما أرْسَلَنِي بِهِ إلَيْكم. وتَكْرارُ: رَبِّي ورَبُّكم، أبْلَغُ في التِزامِ العُبُودِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: رَبُّنا، وأدَلُّ عَلى التَّبَرِّي مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ.
﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: طَرِيقٌ واضِحٌ لِمَن يَسْلُكُهُ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ: إفْرادُ اللَّهِ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ، هو الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ، ولَفْظُ العِبادَةِ يَجْمَعُ الإيمانَ والطّاعاتِ.
وفِي هَذِهِ الآياتِ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ: إسْنادُ الفِعْلِ لِلْآمِرِ بِهِ لا لِفاعِلِهِ، في قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، إذْ هُمُ المُشافِهُونَ بِالبِشارَةِ، واللَّهُ الآمِرُ بِها. ومِثْلُهُ: نادى السُّلْطانُ في البَلَدِ بِكَذا، وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ في قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ مِنهُ، عَلى (p-٤٧٠)الخِلافِ الَّذِي في تَفْسِيرِ: كَلِمَةٍ.
والِاحْتِراسُ: في قَوْلِهِ: وكَهْلًا، مِن ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ أنَّ مَن تَكَلَّمَ في حالِ الطُّفُولَةِ لا يَعِيشُ.
والكِنايَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]، كَنَّتْ بِالمَسِّ عَنِ الوَطْءِ، كَما كَنّى عَنْهُ: بِالحَرْثِ، واللِّباسِ، والمُباشَرَةِ.
والسُّؤالُ والجَوابُ في: قالَتِ المَلائِكَةُ، وفي أنّى يَكُونُ ؟ . والتَّكْرارُ في: جِئْتُكم بِآيَةٍ. وفي: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] . وفي: الطَّيْرِ، وفي: بِإذْنِ اللَّهِ؛ وفي: رَبِّي ورَبُّكم، وفي ما في قَوْلِهِ: بِما تَأْكُلُونَ وما.
والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ في الآيَةِ، وفي الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وفي: إذا قَضى أمْرًا.
والطِّباقُ في: وأُحْيِي المَوْتى، وفي: لِأُحِلَّ، وحُرِّمَ. والِالتِفاتُ في: ونُعَلِّمُهُ، فِيمَن قَرَأ بِالنُّونِ. والتَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ في: مَن قالَ: الكِتابُ مُبْهَمٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ تَفْسِيرٌ لَهُ، والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
آل عمران 3:51
﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عَطَفَ ”ومُصَدِّقًا“: عَلى قَوْلِهِ: ”بِآيَةٍ“ إذِ الباءُ فِيهِ لِلْحالِ، ولا تَكُونُ لِلتَّعْدِيَةِ لِفَسادِ المَعْنى، فالمَعْنى: وجِئْتُكم مَصْحُوبًا بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ، ومَنَعُوا أنْ يَكُونَ: ومُصَدِّقًا، مَعْطُوفًا عَلى: رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ولا عَلى: وجِيهًا، لِما يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيَّ، غائِبًا. فَكانَ يَكُونُ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ يَجُوزُ في قَوْلِهِ: ورَسُولًا، أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وأُرْسِلْتُ رَسُولًا، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ: ومُصَدِّقًا، مَعْطُوفًا عَلى: ورَسُولًا. ومَعْنى تَصْدِيقِهِ لِلتَّوْراةِ الإيمانُ بِها، وإنْ كانَتْ شَرِيعَتُهُ تُخالِفُ في أشْياءَ. قالَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يُسَّبِتُ، ويُسْتَقْبَلُ بَيْتُ المَقْدِسِ.
﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أحَلَّ لَهم لُحُومَ الإبِلِ، والشُّحُومَ. وقالَ الرَّبِيعُ: وأشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وما لا ضَئْضَئَةَ لَهُ مِنَ الطَّيْرِ، وكانَ ذَلِكَ في التَّوْراةِ مُحَرَّمًا. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: حُرِّمَ عَلَيْكم، إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَهُ الأحْبارُ بَعْدَ مُوسى، وشَرَّعُوهُ، فَكَأنَّ عِيسى رَدَّ أحْكامَ التَّوْراةِ إلى حَقائِقِها الَّتِي نَزَلَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ انْتَهى كَلامُهُ. واخْتَلَفُوا في إحْلالِهِ لَهُمُ السَّبْتَ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: ما حَرَّمَ عَلَيْكم، مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما، مِن قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيَّ، أوْ يَعُودُ عَلى اللَّهِ مُنْزِلِ التَّوْراةِ، أوْ عَلى مُوسى صاحِبِ التَّوْراةِ. والظّاهِرُ الأوَّلُ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ. وقَرَأ: حَرُمَ، بِوَزْنِ: كَرُمَ، إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والمُرادُ بِبَعْضِ مَدْلُولِها المُتَعارَفِ، وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا مَعْنى كُلِّ خَطَأٍ، لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ يُحِلَّ لَهُمُ القَتْلَ، والزِّنا، والسَّرِقَةَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ، واسْتِدْلالُهُ عَلى أنَّ بَعْضًا، تَأْتِي بِمَعْنى كُلٍّ، بِقَوْلِ لَبِيدٍ:
؎تَرّاكُ أمكِنَةً إذا لَمْ أرْضَها أوْ تَرْتَبِطْ بَعْضَ النُفوسِ حِمامُها
لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ بَعْضًا عَلى مَدْلُولِهِ، إذْ يُرِيدُ نَفْسَهُ، فَهو تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وكَذَلِكَ اسْتِدْلالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ:
؎إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا
لِصِحَّةِ التَّبْعِيضِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ما دَبَّرَهُ الأحْداثُ يَكُونُ فِيهِ الخَلَلُ. وقالَ بَعْضُهم: لا يَقُومُ بَعْضٌ مَقامَ كُلٍّ إلّا إذا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ
يُرِيدُ: بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن كُلِّهِ انْتَهى. وفي ذَلِكَ نَظَرٌ، واللّامُ في: ولِأُحِلَّ لَكم، لامُ كَيْ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُسَوِّغُ عَطْفَهُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، فَقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى، إذِ المَعْنى في: ومُصَدِّقًا، أيْ: لِأُصَدِّقَ ما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، ولِأُحِلَّ لَكم. وهَذا هو العَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ، ولَيْسَ هَذا مِنهُ؛ لِأنَّ مَعْقُولِيَّةَ الحالِ مُخالِفَةٌ لِمَعْقُولِيَّةِ التَّعْلِيلِ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُتَّحِدًا في المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
(p-٤٦٩)ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: فَأصَّدَّقَ وأكُنْ؛ كَيْفَ اتَّحَدَ المَعْنى مِن حَيْثُ الصَّلاحِيَةُ لِجَوابِ التَّحْضِيضِ ؟ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
؎تَقِيٌّ نَقِيٌّ لَمْ يُكْثِرْ غَنِيمَةً ∗∗∗ بِنَكْهَةِ ذِي قُرْبى ولا بِخَفْلَدِ
كَيْفَ اتَّحَدَ مَعْنى النَّفْيِ في قَوْلِهِ: لَمْ يُكْثِرْ، ولا في قَوْلِهِ: ولا بِخَفْلَدِ ؟ أيْ: لَيْسَ بِمُكْثِرٍ ولا بِخَفْلَدِ. وكَذَلِكَ ما جاءَ مِن هَذا النَّوْعِ. وقِيلَ: اللّامُ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَ الواوِ يُفَسِّرُهُ المَعْنى: أيْ وجِئْتُكم لِأُحِلَّ لَكم. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ اللّامُ بِقَوْلِهِ: وأطِيعُونِ، والمَعْنى: واتَّبِعُونِ لِأُحِلَّ لَكم، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وقالَ أبُو البَقاءِ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِأُخَفِّفَ عَنْكم، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِأُحِلَّ، رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، لِأنَّ: بِآيَةٍ، في مَوْضِعِ حالٍ، ولِأُحِلَّ: تَعْلِيلٌ ولا يَصِحُّ عَطْفُ التَّعْلِيلِ عَلى الحالِ؛ لِأنَّ العَطْفَ بِالحَرْفِ المُشْتَرِكِ في الحُكْمِ يُوجِبُ التَّشْرِيكَ في جِنْسِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنْ عَطَفْتَ عَلى مَصْدَرٍ، أوْ مَفْعُولٍ بِهِ، أوْ ظَرْفٍ، أوْ حالٍ، أوْ تَعْلِيلٍ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ شارَكَهُ في ذَلِكَ المَعْطُوفِ.
﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ لِلتَّأْسِيسِ، لا لِلتَّوْكِيدِ، لِقَوْلِهِ: قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ شاهِدٌ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ، إذْ جَمِيعُ الرُّسُلِ كانُوا عَلَيْهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وجُعِلَ هَذا القَوْلُ آيَةً وعَلامَةً؛ لِأنَّهُ رَسُولٌ كَسائِرِ الرُّسُلِ، حَيْثُ هَداهُ لِلنَّظَرِ في أدِلَّةِ العَقْلِ والِاسْتِدْلالِ. وكَسْرُ: إنَّ، عَلى هَذا القَوْلِ لِأنَّ قَوْلًا قَبْلَها مَحْذُوفٌ، وذَلِكَ القَوْلُ بَدَلٌ مِنَ الآيَةِ، فَهو مَعْمُولٌ لِلْبَدَلِ. ومَن قَرَأ بِفَتْحِ: ”أنَّ“، فَعَلى جِهَةِ البَدَلِ مِن آيَةٍ، ولا تَكُونُ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: إنَّ، بِالكَسْرِ مُسْتَأْنَفَةً عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِن إضْمارِ القَوْلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ.
وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٩] هي مُعْجِزَةٌ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ﴾ هي الآيَةُ مِنَ الإنْجِيلِ، فاخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُ المَجِيءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ كُرِّرَتْ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أيْ جِئْتُكم بِآيَةٍ بَعْدَ أُخْرى مِمّا ذَكَرْتُ لَكم مِن خَلْقِ الطَّيْرِ، والإبْراءِ، والإحْياءِ، والإنْباءِ بِالخَفِيّاتِ، وبِغَيْرِهِ مِن وِلادَتِي مِن غَيْرِ أبٍ، ومِن كَلامِي في المَهْدِ، وسائِرِ الآياتِ. فَعَلى هَذا مَن كَسَرَ: إنَّ، فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، ومِن فَتَحَ فَقِيلَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكَ فاعْبُدُوهُ، فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: فاعْبُدُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] ثُمَّ قالَ: (فَلْيَعْبُدُوا) فَقَدَّمَ أنَّ عَلى عامِلِها. ومِن جَوَّزَ أنْ تَتَقَدَّمَ أنَّ، ويَتَأخَّرَ عَنْها العامِلُ، في نَحْوِ: هَذا غَيْرُ مُصِيبٍ؛ لا يَجُوزُ: أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ عَرَفْتُ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وجِئْتُكم بِآيَةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: التَّقْدِيرُ: أطِيعُونِ؛ لِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، انْتَهى. ولَيْسَ قَوْلُهُ بِظاهِرٍ.
والأمْرُ بِالتَّقْوى، والطّاعَةِ، تَحْذِيرٌ ودُعاءٌ، والمَعْنى أنَّهُ: تَظاهَرَ بِالحُجَجِ، والخَوارِقِ في صِدْقِهِ، فاتَّقُوا اللَّهَ في خِلافِي، وأطِيعُونِ في أمْرِي، ونَهْيِي. وقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ فِيما أمَرَكم بِهِ، ونَهاكم عَنْهُ في كِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلىمُوسى، وأطِيعُونِ فِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ، مِن تَصْدِيقِي فِيما أرْسَلَنِي بِهِ إلَيْكم. وتَكْرارُ: رَبِّي ورَبُّكم، أبْلَغُ في التِزامِ العُبُودِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: رَبُّنا، وأدَلُّ عَلى التَّبَرِّي مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ.
﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: طَرِيقٌ واضِحٌ لِمَن يَسْلُكُهُ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ: إفْرادُ اللَّهِ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ، هو الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ، ولَفْظُ العِبادَةِ يَجْمَعُ الإيمانَ والطّاعاتِ.
وفِي هَذِهِ الآياتِ مِن ضُرُوبِ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ: إسْنادُ الفِعْلِ لِلْآمِرِ بِهِ لا لِفاعِلِهِ، في قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، إذْ هُمُ المُشافِهُونَ بِالبِشارَةِ، واللَّهُ الآمِرُ بِها. ومِثْلُهُ: نادى السُّلْطانُ في البَلَدِ بِكَذا، وإطْلاقُ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ في قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ مِنهُ، عَلى (p-٤٧٠)الخِلافِ الَّذِي في تَفْسِيرِ: كَلِمَةٍ.
والِاحْتِراسُ: في قَوْلِهِ: وكَهْلًا، مِن ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ أنَّ مَن تَكَلَّمَ في حالِ الطُّفُولَةِ لا يَعِيشُ.
والكِنايَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]، كَنَّتْ بِالمَسِّ عَنِ الوَطْءِ، كَما كَنّى عَنْهُ: بِالحَرْثِ، واللِّباسِ، والمُباشَرَةِ.
والسُّؤالُ والجَوابُ في: قالَتِ المَلائِكَةُ، وفي أنّى يَكُونُ ؟ . والتَّكْرارُ في: جِئْتُكم بِآيَةٍ. وفي: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] . وفي: الطَّيْرِ، وفي: بِإذْنِ اللَّهِ؛ وفي: رَبِّي ورَبُّكم، وفي ما في قَوْلِهِ: بِما تَأْكُلُونَ وما.
والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ في الآيَةِ، وفي الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وفي: إذا قَضى أمْرًا.
والطِّباقُ في: وأُحْيِي المَوْتى، وفي: لِأُحِلَّ، وحُرِّمَ. والِالتِفاتُ في: ونُعَلِّمُهُ، فِيمَن قَرَأ بِالنُّونِ. والتَّفْسِيرُ بَعْدَ الإبْهامِ في: مَن قالَ: الكِتابُ مُبْهَمٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ تَفْسِيرٌ لَهُ، والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
آل عمران 3:52
﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥] ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦] ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧] ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] .
الإحْساسُ: الإدْراكُ بِبَعْضِ الحَواسِّ الخَمْسِ، وهي: السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ. يُقالُ: أحْسَسْتُ الشَّيْءَ، وحَسَسْتُ بِهِ. وتُبْدَلُ سِينُهُ ياءً فَيُقالُ: حَسَيْتُ بِهِ، أوْ تُحْذَفُ أُولى سِينَيْهِ في أحْسَسْتُ فَيَقُولُ: أحَسْتُ. قالَ:
؎سِوى أنَّ العِتاقَ مِنَ المَطايا أحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ
وقالَ سِيبَوَيْهِ: وما شَذَّ مِنَ المُضاعَفِ، يَعْنِي في الحَذْفِ، فَشَبِيهٌ بِبابِ: أقَمْتُ، وذَلِكَ قَوْلُهم: ”أحَسْتُ“ و”أحَسْنَ“ يُرِيدُونَ: أحْسَسْتُ، وأحْسَسْنَ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِكُلِّ بِناءٍ تُبْنى لامُ الفِعْلِ فِيهِ عَلى السُّكُونِ، ولا تَصِلُ إلَيْهِ الحَرَكَةُ، فَإذا قُلْتَ لَمْ أُحِسَّ لَمْ تُحْذَفْ.
الحَوارِيُّ: صَفْوَةُ الرَّجُلِ وخاصَّتُهُ. ومِنهُ قِيلَ: الحَضَرِيّاتُ الحَوارِيّاتُ؛ لِخُلُوصِ ألْوانِهِنَّ ونَظافَتِهِنَّ قالَ أبُو جَلْذَةَ اليَشْكُرِيُّ:
؎فَقُلْ لِلْحَوارِيّاتِ تُبْكِينَ غَيْرَنا ∗∗∗ ولا تُبْكِنا إلّا الكِلابُ النَّوابِحُ
ومِثْلُهُ في الوَزْنِ: الحَوالِي، لِلْكَثِيرِ الحِيلَةِ، ولَيْسَتِ الياءُ فِيهِما لِلنَّسَبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الحَوَرِ، وهو البَياضُ. حَوَّرْتُ الثَّوْبَ بَيَّضْتُهُ. المَكْرُ: الخِداعُ والخُبْثُ، وأصْلُهُ السَّتْرُ، يُقالُ: مَكَرَ اللَّيْلُ إذا أظْلَمَ، واشْتِقاقُهُ مِنَ المَكْرِ، وهو شَجَرٌ مُلْتَفٌّ، فَكانَ المَمْكُورُ بِهِ يَلْتَفُّ بِهِ المَكْرُ، ويَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: امْرَأةٌ مَمْكُورَةٌ إذا كانَتْ مُلْتَفَّةَ الخَلْقِ. والمَكْرُ: ضَرْبٌ مِنَ النَّباتِ.
تَعالى: تَفاعَلَ مِنَ العُلُوِّ، وهو فِعْلٌ، لِاتِّصالِ الضَّمائِرِ المَرْفُوعَةِ بِهِ، ومَعْناهُ: اسْتِدْعاءُ المَدْعُوِّ مِن مَكانِهِ إلى مَكانِ داعِيهِ، وهي كَلِمَةٌ قُصِدَ بِها أوَّلًا تَحْسِينُ الأدَبِ مَعَ المَدْعُوِّ، ثُمَّ اطُّرِدَتْ حَتّى يَقُولَها الإنْسانُ لِعَدُوِّهِ، ولِبَهِيمَتِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ.
الِابْتِهالُ: قَوْلُهُ بَهْلَةُ اللَّهِ عَلى الكاذِبِ، والبَهْلَةُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ: اللَّعْنَةُ، ويُقالُ بَهَلَهُ اللَّهُ: لَعَنَهُ وأبْعَدَهُ، مِن قَوْلِكَ أبْهَلَهُ، إذا أهْمَلَهُ، وناقَةٌ باهِلَةٌ لا ضِرارَ عَلَيْها، وأصْلُ الِابْتِهالِ هَذا، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ دُعاءٍ يُجْتَهَدُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ التِعانًا. وقالَ لَبِيدٌ:
؎مِن قُرُومِ سادَةٍ مِن قَوْمِهِمْ ∗∗∗ نَظَرَ الدَّهْرُ إلَيْهِمْ فابْتَهَلْ
(p-٤٧١)﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ تَقَدَّمَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الكَلامِ، وهَلِ الحَذْفُ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] أوْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩] وذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩] .
قالَ مُقاتِلٌ: أحَسَّ، هُنا رَأى مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ أوِ القَلْبِ. وقالَ الفَرّاءُ: أحَسَّ وجَدَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَرَفَ. وقِيلَ: عَلِمَ. وقِيلَ: خافَ. والكُفْرُ: هُنا جُحُودُ نُبُوَّتِهِ، وإنْكارُ مُعْجِزاتِهِ، ومِنهم: مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أحَسَّ“، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكُفْرِ.
﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ لَمّا أرادُوا قَتْلَهُ اسْتَنْصَرَ عَلَيْهِمْ، قالَ مُجاهِدٌ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ اسْتَنْصَرَ لَمّا كَفَرُوا بِهِ وأخْرَجُوهُ مِن قَرْيَتِهِمْ وقِيلَ: اسْتَنْصَرَهم لِإقامَةِ الحَقِّ.
قالَ المَغْرِبِيُّ: إنَّما قالَ عِيسى: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ بَعْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ، وعَوْدِهِ إلى الأرْضِ، وجَمَعَ الحَوارِيِّينَ الِاثْنى عَشَرَ، وبَثَّهم في الآفاقِ يَدْعُونَ إلى الحَقِّ، وما قالَهُ مِن أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ كانَ بَعْدَ ما ذَكَرَ بَعِيدٌ جِدًّا، لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ بَلِ المَنقُولِ. والظّاهِرُ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ. قالَ السُّدِّيُّ: مَن أعْوانِي مَعَ اللَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: مَن أنْصارِي في السَّبِيلِ إلى اللَّهِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ مَعْنى: إلى اللَّهِ: لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] أيْ لِلْحَقِّ وقِيلَ: مَن يَنْصُرُنِي إلى نَصْرِ اللَّهِ. وقِيلَ: مَن يَنْقَطِعُ مَعِي إلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ، وقِيلَ: مَن يَنْصُرُنِي إلى أنْ أُبَيِّنَ أمْرَ اللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَن أعْوانِي في ذاتِ اللَّهِ ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أنْصارِي إلى اللَّهِ. عِبارَةٌ عَنْ حالِ عِيسى في طَلَبِهِ مَن يَقُومُ بِالدِّينِ، ويُؤْمِنُ بِالشَّرْعِ ويَحْمِيهِ، كَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ، ويَتَعَرَّضُ لِلْأحْياءِ في المَواسِمِ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وإلى اللَّهِ مِن صِلَةِ أنْصارِي ؟ مُضَمَّنًا مَعْنى الإضافَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَنِ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أنْفُسَهم إلى اللَّهِ يَنْصُرُونَنِي كَما يَنْصُرُنِي ؟ أوْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ حالًا مِنَ الياءِ، أيْ: مَن أنْصارِي ذاهِبًا إلى اللَّهِ مُلْتَجِئًا إلَيْهِ ؟ انْتَهى.
﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ أيْ أصْفِياءُ عِيسى. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ: خَواصُّهُ، قالَهُ الفَرّاءُ. أوِ البِيضُ الثِّيابِ، رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ القَصّارُونَ، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يُجَوِّدُونَ الثِّيابَ، أيْ يُبَيِّضُونَها، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. أوِ: المُجاهِدُونَ، أوِ: الصَّيّادُونَ، قالَ لَهم عِيسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ - السَّلامُ: ألا تَمْشُونَ مَعِي تَصْطادُونَ النّاسَ لِلَّهِ ؟ فَأجابُوا. قالَ مُصْعَبٌ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا يَسِيحُونَ مَعَهُ، يَخْرُجُ لَهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، فَقالُوا: مَن أفْضَلُ مِنّا ؟ نَأْكُلُ مِن أيْنَ شِئْنا. فَقالَ عِيسى: مَن يَعْمَلُ بِيَدِهِ ؟ ويَأْكُلُ مِن كَسْبِهِ ؟ فَصارُوا قَصّارِينَ وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ: الحَوارِيُّونَ: المُلُوكُ، وقالَ الضَّحّاكُ، وأبُو أرْطاةَ: الغَسّالُونَ، وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الحَوارُ النُّورُ، ونُسِبُوا إلَيْهِ لِما كانَ في وُجُوهِهِمْ مِن سِيما العِبادَةِ ونُورِها، وقالَ تاجُ القُرّاءِ: الحَوارِيُّ: الصِّدِّيقُ.
قِيلَ: لَمّا أراهُمُ الآياتِ وضَعَ لَهم ألْوانًا شَتّى مِن حَبٍّ واحِدٍ آمَنُوا بِهِ واتَّبَعُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: الحَوارِيُّونَ، بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وأبُو بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ، بِتَخْفِيفِ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والعَرَبُ تَسْتَثْقِلُ ضَمَّةَ الياءِ المَكْسُورَ ما قَبْلَها في مِثْلِ: القاضِيُونَ، فَتَنْقِلُ الضَّمَّةَ إلى ما قَبْلَها، وتَحْذِفُ الياءَ لِالتِقائِها ساكِنَةً مَعَ السّاكِنِ بَعْدَها، فَكانَ القِياسُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: الحَوارُونَ، لَكِنْ أُقِرَّتِ الضَّمَّةُ، ولَمْ تَنْقُلْ دَلالَةً عَلى أنَّ التَّشْدِيدَ مُرادٌ، إذِ التَّشْدِيدُ يَحْتَمِلُ الضَّمَّةَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ في: يَسْتَهْزِئُونَ، إذْ أبْدَلَ الهَمْزَةَ ياءً، وحَمَلَتِ الضَّمَّةَ تَذَكُّرًا لِحالِ الهَمْزَةِ المُرادِ فِيها.
﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ: أنْصارُ دِينِهِ وشَرْعِهِ والدّاعِي إلَيْهِ.
﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ لَمّا ذَكَرُوا أنَّهم أنْصارُ اللَّهِ، ذَكَرُوا مُسْتَنَدَ هَذِهِ النِّسْبَةِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ، واسْتَدْعَوْا مِن عِيسى أنْ يَشْهَدَ بِإسْلامِهِمْ؛ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّثْبِيتِ لِإيمانِهِمْ؛ لِأنَّ انْقِيادَ الجَوارِحِ تابِعَةٌ لِانْقِيادِ القَلْبِ وتَصْدِيقِهِ، والرُّسُلُ تَشْهَدُ يَوْمَ القِيامَةِ لِقَوْمِهِمْ، وعَلَيْهِمْ. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ عَلى دِينِ الإسْلامِ، بَرَّأهُ اللَّهُ مِن سائِرِ الأدْيانِ كَما بَرَّأ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] (p-٤٧٢)الآيَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: واشْهَدْ، خِطابًا لِلَّهِ تَعالى أيْ: واشْهَدْ يا رَبَّنا، وفي هَذا تَوْبِيخٌ لِنَصارى نَجْرانَ، إذْ حَكى اللَّهُ مَقالَةَ أسْلافِهِمُ المُؤْمِنِينَ لِ عِيسى، فَلَيْسَ كَمَقالِهِمْ فِيهِ، ودَعْوى الإلَهِيَّةِ لَهُ.
آل عمران 3:53
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ أيْ: مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِكَ، أوْ: بِما أنْزَلْتَ مِن كَلامِكَ عَلى الرُّسُلِ، أوْ بِالإنْجِيلِ.
﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ هو عِيسى عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ.
﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ هم: مُحَمَّدٌ ﷺ وأمَّتُهُ، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ لَهم بِالصِّدْقِ. رَوى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ: مَن آمَنَ قَبْلَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ. أوِ الصّادِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوِ الشّاهِدُونَ لِلْأنْبِياءِ بِالتَّصْدِيقِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوِ الشّاهِدُونَ لِنُصْرَةِ رُسُلِكَ، أوِ الشّاهِدُونَ بِالحَقِّ عِنْدَكَ، رَغِبُوا في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ الشّاهِدِينَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، وعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِهِمْ بِلَفْظِ: فاكْتُبْنا، إذْ كانَتِ الكِتابَةُ تُقَيِّدُ وتَضْبُطُ ما يَحْتاجُ إلى تَحْقِيقِهِ وعِلْمِهِ في ثانِي حالٍ.
﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ في: مَكَرُوا، عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢] وهم: بَنُو إسْرائِيلَ، ومَكْرُهم، هو احْتِيالُهم في قَتْلِ عِيسى، بِأنْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً، وسَيَأْتِي ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ حَصْرِهِ، وحَصْرِ أصْحابِهِ في مَكانٍ، ورَوْمِهِمْ قَتْلَهُ، وإلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى رَجُلٍ، وقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وصَلْبِهِ في مَكانِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ.
﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ مُجازاتِهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ سَمّى ذَلِكَ مَكْرًا؛ لِأنَّ المُجازاةَ لَهم ناشِئَةٌ عَنِ المَكْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] وكَثِيرًا ما تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هو رَدُّهم عَمّا أرادُوا بِرَفْعِ عِيسى إلى السَّماءِ، وإلْقاءِ شَبَهِهِ عَلى مَن أرادَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ. وقالَ الأصَمُّ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أهْلَ فارِسٍ فَقَتَلُوهم وسَبَوْا ذَرارِيهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنَّ اليَهُودَ غَزَوُا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، فَأخَذُوهم وعَذَّبُوهم، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ، فَأنْقَذَهم ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ، وصارَ نَصْرانِيًّا، ولَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ. ثمَ ولِيَ مَلِكٌ آخَرُ بَعْدُ، وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ حَجْرًا عَلى آخَرَ، وخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ.
وقالَ المُفَضَّلُ: ودَبَّرُوا، ودَبَّرَ اللَّهُ، والمَكْرُ: لُطْفُ التَّدْبِيرِ، وقالَ ابْنُ عِيسى: المَكْرُ قَبِيحٌ، وإنَّما جازَ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ إعْلاءُ دِينِهِ، وقَهْرُهم بِالذُّلِّ، ومَكْرُهم: لُزُومُهم إبْطالَ دِينِهِ. والمَكْرُ عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِيالِ في إيصالِ الشَّرِّ في خُفْيَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. وقِيلَ: المَكْرُ الأخْذُ بِالغَفْلَةِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ، وسَألَ رَجُلٌ الجُنَيْدَ، فَقالَ: كَيْفَ رَضِيَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِنَفْسِهِ المَكْرَ، وقَدْ عابَ بِهِ غَيْرَهُ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَكِنْ أنْشَدَنِي فُلانٌ الظَّهْرانِيُّ:
؎ويُقَبِّحُ مَن سِواكَ الفِعْلَ عِنْدِي فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنكَ ذاكا
ثُمَّ قالَ: قَدْ أجَبْتُكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ.
﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ مَعْناهُ أيِ: المُجازِينَ أهْلِ الخَيْرِ بِالفَضْلِ، وأهْلِ الجَوْرِ بِالعَدْلِ، لِأنَّهُ فاعِلُ حَقٍّ في ذَلِكَ، والماكِرُ مِنَ البَشَرِ فاعِلُ باطِلٍ في الأغْلَبِ، وقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] . وقِيلَ: خَيْرُ، هُنا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، بَلْ هي: كَهي في قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقالَ حَسّانُ:
؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِن ضُرُوبِ البَلاغَةِ: الِاسْتِعارَةُ في أحَسَّ: إذْ لا يُحِسُّ إلّا ما كانَ مُتَجَسَّدًا، والكُفْرُ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، وإنَّما يُعْلَمُ، ويُفْطَنُ بِهِ، ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ إلّا إنْ كانَ أحَسَّ، بِمَعْنى رَأى، أوْ بِمَعْنى سَمِعَ مِنهم كَلِمَةَ الكُفْرِ، فَيَكُونُ أحَسَّ لا اسْتِعارَةَ فِيهِ، إذْ يَكُونُ أدْرَكَ ذَلِكَ مِنهم بِحاسَّةِ البَصَرِ، أوْ بِحاسَّةِ الأُذُنِ، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ثَمَرَتِهِ. قالَ الجُمْهُورُ: أحَسَّ مِنهُمُ القَتْلَ، وقَتْلُ نَبِيٍّ مِن أعْظَمِ ثَمَراتِ الكُفْرِ.
والسُّؤالُ والجَوابُ في: قالَ ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] (p-٤٧٣)والتَّكْرارُ في: مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ، وأنْصارُ اللَّهِ، وآمَنّا بِاللَّهِ، وآمَنّا بِما أنْزَلْتَ، ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ، والماكِرِينَ، وفي هَذا التَّجْنِيسُ المُماثِلُ، والمُغايِرُ، والحَذْفُ في مَواضِعَ.
﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ العامِلُ في: إذْ، ومَكَرَ اللَّهُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، أوِ اذْكُرْ، قالَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، أوْ: خَيْرُ الماكِرِينَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وهَذا القَوْلُ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ، لِأنَّ عِيسى لَيْسَ بِمُكَلِّمٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ومُتَوَفِّيكَ: هي وفاةُ يَوْمَ رَفَعَهُ اللَّهُ في مَنامِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ: ورافِعُكَ، وأنْتَ نائِمٌ، حَتّى لا يَلْحَقَكَ خَوْفٌ، وتَسْتَيْقِظَ وأنْتَ في السَّماءِ آمِنٌ مُقَرَّبٌ. أوْ: وفاةُ مَوْتٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ وهْبٌ: ماتَ ثَلاثَ ساعاتٍ، ورَفَعَهُ فِيها ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ في السَّماءِ، وفي بَعْضِ الكُتُبِ: سَبْعَ ساعاتٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هي وفاةُ مَوْتٍ، ولَكِنَّ المَعْنى: مُتَوَفِّيكَ في آخِرِ أمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ، وقَتْلِكَ الدَّجّالَ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْتَوْفِي أجَلَكَ، ومَعْناهُ أيْ: عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُؤَخِّرُكَ إلى أجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ، لا قَتْلًا بِأيْدِيِهِمْ. وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ مِن غَيْرِ مَوْتٍ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، و مَطَرٌ الوَرّاقِ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، مِن تَوَفَّيْتُ مالِي عَلى فُلانٍ إذا اسْتَوْفَيْتَهُ.
وقِيلَ: أجْعَلُكَ كالمُتَوَفّى؛ لِأنَّهُ بِالرَّفْعِ يُشْبِهُهُ. وقِيلَ: آخُذُكَ وافِيًا بِرُوحِكَ وبَدَنِكَ. وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: مُتَقَبِّلُ عَمَلِكَ، ويَضْعُفُ هَذا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الواسِطِيُّ: مُتَوَفِّيكَ عَنْ شَهَواتِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ مِن: ”أنَّ عِيسى في السَّماءِ حَيٌّ، وأنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَفِيضُ العَدْلُ، وتَظْهَرُ بِهِ المِلَّةُ، مِلَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ويَحُجُّ البَيْتَ، ويَعْتَمِرُ، ويَبْقى في الأرْضِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً“ وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً انْتَهى.
﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ الرَّفْعُ نَقْلٌ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ، وإلَيَّ: إضافَةُ تَشْرِيفٍ. والمَعْنى: إلى سَمائِي ومَقَرِّ مَلائِكَتِي. وقَدْ عُلِمَ أنَّ البارِيَ تَعالى لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذا المُشَبِّهَةُ في ثُبُوتِ المَكانِ لَهُ تَعالى وقِيلَ: إلى مَكانٍ لا يَمْلِكُ الحُكْمَ فِيهِ في الحَقِيقَةِ، ولا في الظّاهِرِ إلّا أنا، بِخِلافِ الأرْضِ، فَإنَّهُ قَدْ يَتَوَلّى المَخْلُوقُونَ فِيها الأحْكامَ ظاهِرًا. وقِيلَ: إلى مَحَلِّ ثَوابِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَفْعُهُ إلى السَّماءِ، سَماءُ الدُّنْيا، فَهو فِيها يَسْبَحُ مَعَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ يُهْبِطُهُ اللَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ الدَّجّالِ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قِيلَ: كانَ عِيسى عَلى طُورِ سَيْناءَ، وهَبَّتْ رِيحٌ فَهَرْوَلَ عِيسى، فَرَفَعَهُ اللَّهُ في هَرْوَلَتِهِ، وعَلَيْهِ مَدْرَعَةٌ مِن شِعْرٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عِيسى في بَيْتٍ لَهُ كُوَّةٌ، فَدَخَلَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَهُ، فَرُفِعَ عِيسى مِنَ البَيْتِ، وخَرَجَ الرَّجُلُ في شَبَهِ عِيسى يُخْبِرُهم أنَّ عِيسى لَيْسَ في البَيْتِ، فَقَتَلُوهُ. ورَوَيَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى مِن رَوْزَنَةٍ كانَتْ في البَيْتِ.
﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا دَنِسًا، ونَجِسًا فَطَهَّرَهُ مِنهم؛ لِأنَّ صُحْبَةَ الأشْرارِ وخَلْطَةَ الفُجّارِ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الدَّنَسِ في الثَّوْبِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُخَلِّصُهُ مِنهم، فَكَنّى عَنْ إخْراجِهِ مِنهم وتَخْلِيصِهِ بِالتَّطْهِيرِ، وأتى بِلَفْظِ الظّاهِرِ لا بِالضَّمِيرِ، وهو الَّذِينَ كَفَرُوا، إشارَةً إلى عِلَّةِ الدَّنَسِ والنَّجَسِ، وهو الكُفْرُ، كَما قالَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وكَما جاءَ في الحَدِيثِ: «المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ» فَجَعَلَ عِلَّةَ تَطْهِيرِهِ الإيمانَ.
وقِيلَ: مُطَهِّرُكَ مِن أذى الكَفَرَةِ. وقِيلَ: مِنَ الكُفْرِ والفَواحِشِ. وقِيلَ: مِمّا قالُوهُ فِيكَ، وفي أُمِّكَ. وقِيلَ: ومُطَهِّرُكَ؛ أيْ: مُطَهِّرٌ بِكَ وجْهَ النّاسِ مِن نَجاسَةِ الكُفْرِ والعِصْيانِ. وقالَ الرّاغِبُ: مُتَوَفِّيكَ: آخِذُكَ عَنْ هَواكَ، ورافِعُكَ إلَيَّ عَنْ شَهَواتِكَ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَفْعًا مَكانِيًّا، وإنَّما هو رِفْعَةُ المَحَلِّ، وإنْ كانَ قَدْ رُفِعَ إلى السَّماءِ، وتَطْهِيرُهُ مِنَ الكافِرِينَ إخْراجُهُ مِن بَيْنِهِمْ. وقِيلَ: تَخْلِيصُهُ مِن قَتْلِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَجَسٌ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنهُ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: التَّخْلِيصُ والتَّطْهِيرُ واحِدٌ، إلّا أنَّ لَفْظَ التَّطْهِيرِ (p-٤٧٤)فِيهِ رِفْعَةٌ لِلْمُخاطَبِ، كَما أنَّ الشُّهُودَ والحُضُورَ واحِدٌ، وفي الشُّهُودِ رِفْعَةٌ. ولِهَذا ذَكَرَهُ اللَّهُ في المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ الحُضُورَ والإحْضارَ في الكافِرِينَ.
﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ الكافُ: ضَمِيرُ عِيسى كالكافِ السّابِقَةِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ انْتَهى هَذا القَوْلُ، ولا يَظْهَرُ. ومَعْنى اتَّبَعُوكَ: أيْ في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ؛ لِأنَّهم مُتَّبِعُوهُ في أصْلِ الإسْلامِ، وإنِ اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ.
﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْلُونَهم بِالحُجَّةِ، وفي أكْثَرِ الأحْوالِ بِها وبِالسَّيْفِ، والَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وكَذَبُوا عَلَيْهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، بِتَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ في كَلامِهِ.
فالفَوْقِيَّةُ هُنا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، قالَهُ الحَسَنُ. أوْ: بِالعِزِّ والمَنَعَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَهم فَوْقَ اليَهُودِ، فَلا تَكُونُ لَهم مَمْلَكةٌ كَما لِلنَّصارى. فالآيَةُ، عَلى قَوْلِهِ مُخْبِرَةٌ عَنْ إذْلالِ اليَهُودِ وعُقُوبَتِهِمْ بِأنَّ النَّصارى فَوْقَهم في جَمِيعِ أقْطارِ الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ المُتَّبِعِينَ والكافِرِينَ، وجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فَضِيلَةَ فِيهِ لِلْمُتَّبَعِينَ الكُفّارِ، بَلْ كَوْنُهم فَوْقَ اليَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ. وقالَ الجُمْهُورُ بِعُمُومِ المُتَّبِعِينَ، فَتَدْخُلُ في ذَلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَصَّ عَلَيْهِ قَتادَةُ، وبِعُمُومِ الكافِرِينَ.
والآيَةُ تَقْتَضِي إعْلامَ عِيسى أنَّ أهْلَ الإيمانِ بِهِ كَما يُحِبُّ هم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ والعِزَّةِ والمَنَعَةِ والغَلَبَةِ، ويَظْهَرُ عَنْ عِبارَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المُتَّبِعِينَ لَهُ هم في وقْتِ اسْتِنْصارِهِ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ شَرَّفَهم، وأبْقى لَهم في الصّالِحِينَ ذِكْرًا، فَهم فَوْقَهم بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، وما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن رِضْوانِ اللَّهِ.
وقِيلَ: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ القِيامَةِ في الجَنَّةِ، إذْ هم في الغُرُفاتِ، والَّذِينَ كَفَرُوا في أسْفَلِ سافِلِينَ في الدَّرَكاتِ. وتُلُخِّصَ مِن أقْوالِ هَؤُلاءِ المُفَسِّرِينَ أنَّ مُتَّبِعِيهِ، هم مُتَّبِعُوهُ في أصْلِ الإسْلامِ، فَيَكُونُ عامًّا في المُسْلِمِينَ، وعامًّا في الكافِرِينَ، أوْ هم مُتَّبِعُوهُ في الِانْتِماءِ إلى شَرِيعَتِهِ، وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوها حَقِيقَةً، ويَكُونُ الكافِرُونَ خاصًّا بِاليَهُودِ، أوْ مُتَّبِعُوهُ هُمُ الحَوارِيُّونَ، والكافِرُونَ: مَن كَفَرَ بِهِ. وأمّا الفَوْقِيَّةُ فَإمّا حَقِيقَةً، وذَلِكَ بِالجَنَّةِ والنّارِ، وإمّا مَجازًا أيْ: بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دِينِيًّا، وإمّا: بِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دُنْيَوِيًّا، وإمّا بِهِما.
﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ: إلى، تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهو العامِلُ في: فَوْقَ، وهو المَفْعُولُ الثّانِي: لِـ ”جاعِلُ“، إذْ مَعْنى ”جاعِلُ“ هُنا: مُصَيِّرُ، فالمَعْنى كائِنِينَ فَوْقَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا عَلى أنَّ الفَوْقِيَّةَ مَجازٌ، وأمّا إنْ كانَتِ الفَوْقِيَّةُ حَقِيقَةً، وهي الفَوْقِيَّةُ بِالجَنَّةِ، فَلا تَتَعَلَّقُ: إلى، بِذَلِكَ المَحْذُوفِ، بَلْ بِما تَقَدَّمَ مِن: مُتَوَفِّيكَ، أوْ مِن: رافِعُكَ، أوْ مِن: مُطَهِّرُكَ، إذْ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها، إمّا بِرافِعُكَ أوْ مُطَهِّرُكَ، فَظاهَرٌ. وإمّا بِمُتَوَفِّيكَ فَعَلى بَعْضِ الأقْوالِ. وهَذِهِ الأخْبارُ الأرْبَعَةُ تَرْتِيبُها في غايَةِ الفَصاحَةِ، بَدَأ أوَّلًا: بِإخْبارِهِ تَعالى لِ عِيسى أنَّهُ مُتَوَفِّيهِ، فَلَيْسَ لِلْماكِرِينَ بِهِ تَسَلُّطٌ عَلَيْهِ، ولا تَوَصُّلٌ إلَيْهِ، ثُمَّ بَشَّرَهُ ثانِيًا بِرَفْعِهِ إلى سَمائِهِ، وسُكْناهُ مَعَ مَلائِكَتِهِ وعِبادَتِهِ فِيها، وطُولِ عُمْرِهِ في عِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ ثالِثًا بِرَفْعِهِ إلى سَمائِهِ بِتَطْهِيرِهِ مِنَ الكُفّارِ، فَعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ زَمانِهِ حِينَ رَفَعَهُ، وحِينَ يُنْزِلُهُ في آخِرِ الدُّنْيا، فَهي بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُ أنَّهُ مُطَهَّرٌ مِنَ الكُفّارِ أوَّلًا وآخِرًا. ولَمّا كانَ التَّوَفِّي والرَّفْعُ كُلٌّ مِنهُما خاصٌّ بِزَمانٍ، بُدِئَ بِهِما. ولَمّا كانَ التَّطْهِيرُ عامًّا يَشْمَلُ سائِرَ الأزْمانِ أُخِّرَ عَنْهُما، ولَمّا بَشَّرَهُ بِهَذِهِ البَشائِرِ الثَّلاثِ، وهي أوْصافٌ لَهُ في نَفْسِهِ، بَشَّرَهُ بِرِفْعَةِ أتْباعِهِ فَوْقَ كُلِّ كافِرٍ، لِتُقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُهُ، ويُسَرَّ قَلْبُهُ.
ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ مِنِ اعْتِلاءِ تابِعِيهِ عَلى الكُفّارِ مِن أوْصافِ تابِعِيهِ، تَأخَّرَ عَنِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الَّتِي لِنَفْسِهِ، إذِ البَداءَةُ بِالأوْصافِ الَّتِي لِلنَّفْسِ أهَمُّ، ثُمَّ أتْبَعَ بِهَذا الوَصْفِ الرّابِعِ عَلى سَبِيلِ التَّبْشِيرِ بِحالِ تابِعِيهِ في الدُّنْيا، لِيُكْمِلَ بِذَلِكَ سُرُورَهُ بِما أُوتِيهِ، وأُوتِيَ تابِعُوهُ مِنَ الخَيْرِ.
﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ بِالحَشْرِ والبَعْثِ، والمَعْنى (p-٤٧٥)ثُمَّ إلى حُكْمِي، وهَذا عِنْدِي مِنَ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ ذِكْرَ مُكَذِّبِيهِ وهُمُ اليَهُودُ، وذِكْرَ مَن آمَنَ بِهِ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ. وأعْقَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَذَكَرَ مُتَّبِعِيهِ والكافِرِينَ، فَلَوْ جاءَ عَلى نَمَطِ هَذا السّابِقِ لَكانَ التَّرْكِيبُ: ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُهم، ولَكِنَّهُ التَفَتَ عَلى سَبِيلِ الخِطابِ لِلْجَمِيعِ، لِيَكُونَ الإخْبارُ أبْلَغَ في التَّهْدِيدِ، وأشَدَّ زَجْرًا لِمَن يَزْدَجِرُ. ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَةَ: إلَيَّ، ولَفْظَةَ: فَأحْكُمُ، بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لِيُعْلَمَ أنَّ الحاكِمَ هُناكَ مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وذَكَرَ أنَّهُ يَحْكُمُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن أمْرِ الأنْبِياءِ واتِّباعِ شَرائِعِهِمْ، وأتى بِالحُكْمِ مُبْهَمًا، ثُمَّ فَصَّلَ المَحْكُومَ بَيْنَهم إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، وذَكَرَ جَزاءَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَرْجِعُكم، الخِطابُ لِ عِيسى، والمُرادُ الإخْبارُ بِالقِيامَةِ والحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جاءَ اللَّفْظُ عامًّا مِن حَيْثُ الأمْرُ في نَفْسِهِ لا يَخُصُّ عِيسى وحْدَهُ، فَخاطَبَهُ كَما يُخاطِبُ الجَماعَةَ، إذْ هو أحَدُها، وإذْ هي مُرادَةٌ في المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ. والأوْلى عِنْدِي أنْ يَكُونَ مِنَ الِالتِفاتِ كَما ذَكَرْتُهُ.
آل عمران 3:54
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ أيْ: مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِكَ، أوْ: بِما أنْزَلْتَ مِن كَلامِكَ عَلى الرُّسُلِ، أوْ بِالإنْجِيلِ.
﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ هو عِيسى عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ.
﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ هم: مُحَمَّدٌ ﷺ وأمَّتُهُ، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ لَهم بِالصِّدْقِ. رَوى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ: مَن آمَنَ قَبْلَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ. أوِ الصّادِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوِ الشّاهِدُونَ لِلْأنْبِياءِ بِالتَّصْدِيقِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوِ الشّاهِدُونَ لِنُصْرَةِ رُسُلِكَ، أوِ الشّاهِدُونَ بِالحَقِّ عِنْدَكَ، رَغِبُوا في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ الشّاهِدِينَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، وعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِهِمْ بِلَفْظِ: فاكْتُبْنا، إذْ كانَتِ الكِتابَةُ تُقَيِّدُ وتَضْبُطُ ما يَحْتاجُ إلى تَحْقِيقِهِ وعِلْمِهِ في ثانِي حالٍ.
﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ في: مَكَرُوا، عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢] وهم: بَنُو إسْرائِيلَ، ومَكْرُهم، هو احْتِيالُهم في قَتْلِ عِيسى، بِأنْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً، وسَيَأْتِي ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ حَصْرِهِ، وحَصْرِ أصْحابِهِ في مَكانٍ، ورَوْمِهِمْ قَتْلَهُ، وإلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى رَجُلٍ، وقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وصَلْبِهِ في مَكانِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ.
﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ مُجازاتِهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ سَمّى ذَلِكَ مَكْرًا؛ لِأنَّ المُجازاةَ لَهم ناشِئَةٌ عَنِ المَكْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] وكَثِيرًا ما تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هو رَدُّهم عَمّا أرادُوا بِرَفْعِ عِيسى إلى السَّماءِ، وإلْقاءِ شَبَهِهِ عَلى مَن أرادَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ. وقالَ الأصَمُّ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أهْلَ فارِسٍ فَقَتَلُوهم وسَبَوْا ذَرارِيهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنَّ اليَهُودَ غَزَوُا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، فَأخَذُوهم وعَذَّبُوهم، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ، فَأنْقَذَهم ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ، وصارَ نَصْرانِيًّا، ولَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ. ثمَ ولِيَ مَلِكٌ آخَرُ بَعْدُ، وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ حَجْرًا عَلى آخَرَ، وخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ.
وقالَ المُفَضَّلُ: ودَبَّرُوا، ودَبَّرَ اللَّهُ، والمَكْرُ: لُطْفُ التَّدْبِيرِ، وقالَ ابْنُ عِيسى: المَكْرُ قَبِيحٌ، وإنَّما جازَ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ إعْلاءُ دِينِهِ، وقَهْرُهم بِالذُّلِّ، ومَكْرُهم: لُزُومُهم إبْطالَ دِينِهِ. والمَكْرُ عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِيالِ في إيصالِ الشَّرِّ في خُفْيَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. وقِيلَ: المَكْرُ الأخْذُ بِالغَفْلَةِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ، وسَألَ رَجُلٌ الجُنَيْدَ، فَقالَ: كَيْفَ رَضِيَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِنَفْسِهِ المَكْرَ، وقَدْ عابَ بِهِ غَيْرَهُ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَكِنْ أنْشَدَنِي فُلانٌ الظَّهْرانِيُّ:
؎ويُقَبِّحُ مَن سِواكَ الفِعْلَ عِنْدِي فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنكَ ذاكا
ثُمَّ قالَ: قَدْ أجَبْتُكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ.
﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ مَعْناهُ أيِ: المُجازِينَ أهْلِ الخَيْرِ بِالفَضْلِ، وأهْلِ الجَوْرِ بِالعَدْلِ، لِأنَّهُ فاعِلُ حَقٍّ في ذَلِكَ، والماكِرُ مِنَ البَشَرِ فاعِلُ باطِلٍ في الأغْلَبِ، وقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] . وقِيلَ: خَيْرُ، هُنا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، بَلْ هي: كَهي في قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقالَ حَسّانُ:
؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِن ضُرُوبِ البَلاغَةِ: الِاسْتِعارَةُ في أحَسَّ: إذْ لا يُحِسُّ إلّا ما كانَ مُتَجَسَّدًا، والكُفْرُ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، وإنَّما يُعْلَمُ، ويُفْطَنُ بِهِ، ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ إلّا إنْ كانَ أحَسَّ، بِمَعْنى رَأى، أوْ بِمَعْنى سَمِعَ مِنهم كَلِمَةَ الكُفْرِ، فَيَكُونُ أحَسَّ لا اسْتِعارَةَ فِيهِ، إذْ يَكُونُ أدْرَكَ ذَلِكَ مِنهم بِحاسَّةِ البَصَرِ، أوْ بِحاسَّةِ الأُذُنِ، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ثَمَرَتِهِ. قالَ الجُمْهُورُ: أحَسَّ مِنهُمُ القَتْلَ، وقَتْلُ نَبِيٍّ مِن أعْظَمِ ثَمَراتِ الكُفْرِ.
والسُّؤالُ والجَوابُ في: قالَ ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] (p-٤٧٣)والتَّكْرارُ في: مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ، وأنْصارُ اللَّهِ، وآمَنّا بِاللَّهِ، وآمَنّا بِما أنْزَلْتَ، ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ، والماكِرِينَ، وفي هَذا التَّجْنِيسُ المُماثِلُ، والمُغايِرُ، والحَذْفُ في مَواضِعَ.
﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ العامِلُ في: إذْ، ومَكَرَ اللَّهُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، أوِ اذْكُرْ، قالَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، أوْ: خَيْرُ الماكِرِينَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وهَذا القَوْلُ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ، لِأنَّ عِيسى لَيْسَ بِمُكَلِّمٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ومُتَوَفِّيكَ: هي وفاةُ يَوْمَ رَفَعَهُ اللَّهُ في مَنامِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ: ورافِعُكَ، وأنْتَ نائِمٌ، حَتّى لا يَلْحَقَكَ خَوْفٌ، وتَسْتَيْقِظَ وأنْتَ في السَّماءِ آمِنٌ مُقَرَّبٌ. أوْ: وفاةُ مَوْتٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ وهْبٌ: ماتَ ثَلاثَ ساعاتٍ، ورَفَعَهُ فِيها ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ في السَّماءِ، وفي بَعْضِ الكُتُبِ: سَبْعَ ساعاتٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هي وفاةُ مَوْتٍ، ولَكِنَّ المَعْنى: مُتَوَفِّيكَ في آخِرِ أمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ، وقَتْلِكَ الدَّجّالَ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْتَوْفِي أجَلَكَ، ومَعْناهُ أيْ: عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُؤَخِّرُكَ إلى أجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ، لا قَتْلًا بِأيْدِيِهِمْ. وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ مِن غَيْرِ مَوْتٍ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، و مَطَرٌ الوَرّاقِ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، مِن تَوَفَّيْتُ مالِي عَلى فُلانٍ إذا اسْتَوْفَيْتَهُ.
وقِيلَ: أجْعَلُكَ كالمُتَوَفّى؛ لِأنَّهُ بِالرَّفْعِ يُشْبِهُهُ. وقِيلَ: آخُذُكَ وافِيًا بِرُوحِكَ وبَدَنِكَ. وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: مُتَقَبِّلُ عَمَلِكَ، ويَضْعُفُ هَذا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الواسِطِيُّ: مُتَوَفِّيكَ عَنْ شَهَواتِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ مِن: ”أنَّ عِيسى في السَّماءِ حَيٌّ، وأنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَفِيضُ العَدْلُ، وتَظْهَرُ بِهِ المِلَّةُ، مِلَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ويَحُجُّ البَيْتَ، ويَعْتَمِرُ، ويَبْقى في الأرْضِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً“ وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً انْتَهى.
﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ الرَّفْعُ نَقْلٌ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ، وإلَيَّ: إضافَةُ تَشْرِيفٍ. والمَعْنى: إلى سَمائِي ومَقَرِّ مَلائِكَتِي. وقَدْ عُلِمَ أنَّ البارِيَ تَعالى لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذا المُشَبِّهَةُ في ثُبُوتِ المَكانِ لَهُ تَعالى وقِيلَ: إلى مَكانٍ لا يَمْلِكُ الحُكْمَ فِيهِ في الحَقِيقَةِ، ولا في الظّاهِرِ إلّا أنا، بِخِلافِ الأرْضِ، فَإنَّهُ قَدْ يَتَوَلّى المَخْلُوقُونَ فِيها الأحْكامَ ظاهِرًا. وقِيلَ: إلى مَحَلِّ ثَوابِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَفْعُهُ إلى السَّماءِ، سَماءُ الدُّنْيا، فَهو فِيها يَسْبَحُ مَعَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ يُهْبِطُهُ اللَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ الدَّجّالِ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قِيلَ: كانَ عِيسى عَلى طُورِ سَيْناءَ، وهَبَّتْ رِيحٌ فَهَرْوَلَ عِيسى، فَرَفَعَهُ اللَّهُ في هَرْوَلَتِهِ، وعَلَيْهِ مَدْرَعَةٌ مِن شِعْرٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عِيسى في بَيْتٍ لَهُ كُوَّةٌ، فَدَخَلَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَهُ، فَرُفِعَ عِيسى مِنَ البَيْتِ، وخَرَجَ الرَّجُلُ في شَبَهِ عِيسى يُخْبِرُهم أنَّ عِيسى لَيْسَ في البَيْتِ، فَقَتَلُوهُ. ورَوَيَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى مِن رَوْزَنَةٍ كانَتْ في البَيْتِ.
﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا دَنِسًا، ونَجِسًا فَطَهَّرَهُ مِنهم؛ لِأنَّ صُحْبَةَ الأشْرارِ وخَلْطَةَ الفُجّارِ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الدَّنَسِ في الثَّوْبِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُخَلِّصُهُ مِنهم، فَكَنّى عَنْ إخْراجِهِ مِنهم وتَخْلِيصِهِ بِالتَّطْهِيرِ، وأتى بِلَفْظِ الظّاهِرِ لا بِالضَّمِيرِ، وهو الَّذِينَ كَفَرُوا، إشارَةً إلى عِلَّةِ الدَّنَسِ والنَّجَسِ، وهو الكُفْرُ، كَما قالَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وكَما جاءَ في الحَدِيثِ: «المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ» فَجَعَلَ عِلَّةَ تَطْهِيرِهِ الإيمانَ.
وقِيلَ: مُطَهِّرُكَ مِن أذى الكَفَرَةِ. وقِيلَ: مِنَ الكُفْرِ والفَواحِشِ. وقِيلَ: مِمّا قالُوهُ فِيكَ، وفي أُمِّكَ. وقِيلَ: ومُطَهِّرُكَ؛ أيْ: مُطَهِّرٌ بِكَ وجْهَ النّاسِ مِن نَجاسَةِ الكُفْرِ والعِصْيانِ. وقالَ الرّاغِبُ: مُتَوَفِّيكَ: آخِذُكَ عَنْ هَواكَ، ورافِعُكَ إلَيَّ عَنْ شَهَواتِكَ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَفْعًا مَكانِيًّا، وإنَّما هو رِفْعَةُ المَحَلِّ، وإنْ كانَ قَدْ رُفِعَ إلى السَّماءِ، وتَطْهِيرُهُ مِنَ الكافِرِينَ إخْراجُهُ مِن بَيْنِهِمْ. وقِيلَ: تَخْلِيصُهُ مِن قَتْلِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَجَسٌ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنهُ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: التَّخْلِيصُ والتَّطْهِيرُ واحِدٌ، إلّا أنَّ لَفْظَ التَّطْهِيرِ (p-٤٧٤)فِيهِ رِفْعَةٌ لِلْمُخاطَبِ، كَما أنَّ الشُّهُودَ والحُضُورَ واحِدٌ، وفي الشُّهُودِ رِفْعَةٌ. ولِهَذا ذَكَرَهُ اللَّهُ في المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ الحُضُورَ والإحْضارَ في الكافِرِينَ.
﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ الكافُ: ضَمِيرُ عِيسى كالكافِ السّابِقَةِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ انْتَهى هَذا القَوْلُ، ولا يَظْهَرُ. ومَعْنى اتَّبَعُوكَ: أيْ في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ؛ لِأنَّهم مُتَّبِعُوهُ في أصْلِ الإسْلامِ، وإنِ اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ.
﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْلُونَهم بِالحُجَّةِ، وفي أكْثَرِ الأحْوالِ بِها وبِالسَّيْفِ، والَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وكَذَبُوا عَلَيْهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، بِتَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ في كَلامِهِ.
فالفَوْقِيَّةُ هُنا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، قالَهُ الحَسَنُ. أوْ: بِالعِزِّ والمَنَعَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَهم فَوْقَ اليَهُودِ، فَلا تَكُونُ لَهم مَمْلَكةٌ كَما لِلنَّصارى. فالآيَةُ، عَلى قَوْلِهِ مُخْبِرَةٌ عَنْ إذْلالِ اليَهُودِ وعُقُوبَتِهِمْ بِأنَّ النَّصارى فَوْقَهم في جَمِيعِ أقْطارِ الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ المُتَّبِعِينَ والكافِرِينَ، وجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فَضِيلَةَ فِيهِ لِلْمُتَّبَعِينَ الكُفّارِ، بَلْ كَوْنُهم فَوْقَ اليَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ. وقالَ الجُمْهُورُ بِعُمُومِ المُتَّبِعِينَ، فَتَدْخُلُ في ذَلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَصَّ عَلَيْهِ قَتادَةُ، وبِعُمُومِ الكافِرِينَ.
والآيَةُ تَقْتَضِي إعْلامَ عِيسى أنَّ أهْلَ الإيمانِ بِهِ كَما يُحِبُّ هم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ والعِزَّةِ والمَنَعَةِ والغَلَبَةِ، ويَظْهَرُ عَنْ عِبارَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المُتَّبِعِينَ لَهُ هم في وقْتِ اسْتِنْصارِهِ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ شَرَّفَهم، وأبْقى لَهم في الصّالِحِينَ ذِكْرًا، فَهم فَوْقَهم بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، وما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن رِضْوانِ اللَّهِ.
وقِيلَ: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ القِيامَةِ في الجَنَّةِ، إذْ هم في الغُرُفاتِ، والَّذِينَ كَفَرُوا في أسْفَلِ سافِلِينَ في الدَّرَكاتِ. وتُلُخِّصَ مِن أقْوالِ هَؤُلاءِ المُفَسِّرِينَ أنَّ مُتَّبِعِيهِ، هم مُتَّبِعُوهُ في أصْلِ الإسْلامِ، فَيَكُونُ عامًّا في المُسْلِمِينَ، وعامًّا في الكافِرِينَ، أوْ هم مُتَّبِعُوهُ في الِانْتِماءِ إلى شَرِيعَتِهِ، وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوها حَقِيقَةً، ويَكُونُ الكافِرُونَ خاصًّا بِاليَهُودِ، أوْ مُتَّبِعُوهُ هُمُ الحَوارِيُّونَ، والكافِرُونَ: مَن كَفَرَ بِهِ. وأمّا الفَوْقِيَّةُ فَإمّا حَقِيقَةً، وذَلِكَ بِالجَنَّةِ والنّارِ، وإمّا مَجازًا أيْ: بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دِينِيًّا، وإمّا: بِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دُنْيَوِيًّا، وإمّا بِهِما.
﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ: إلى، تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهو العامِلُ في: فَوْقَ، وهو المَفْعُولُ الثّانِي: لِـ ”جاعِلُ“، إذْ مَعْنى ”جاعِلُ“ هُنا: مُصَيِّرُ، فالمَعْنى كائِنِينَ فَوْقَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا عَلى أنَّ الفَوْقِيَّةَ مَجازٌ، وأمّا إنْ كانَتِ الفَوْقِيَّةُ حَقِيقَةً، وهي الفَوْقِيَّةُ بِالجَنَّةِ، فَلا تَتَعَلَّقُ: إلى، بِذَلِكَ المَحْذُوفِ، بَلْ بِما تَقَدَّمَ مِن: مُتَوَفِّيكَ، أوْ مِن: رافِعُكَ، أوْ مِن: مُطَهِّرُكَ، إذْ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها، إمّا بِرافِعُكَ أوْ مُطَهِّرُكَ، فَظاهَرٌ. وإمّا بِمُتَوَفِّيكَ فَعَلى بَعْضِ الأقْوالِ. وهَذِهِ الأخْبارُ الأرْبَعَةُ تَرْتِيبُها في غايَةِ الفَصاحَةِ، بَدَأ أوَّلًا: بِإخْبارِهِ تَعالى لِ عِيسى أنَّهُ مُتَوَفِّيهِ، فَلَيْسَ لِلْماكِرِينَ بِهِ تَسَلُّطٌ عَلَيْهِ، ولا تَوَصُّلٌ إلَيْهِ، ثُمَّ بَشَّرَهُ ثانِيًا بِرَفْعِهِ إلى سَمائِهِ، وسُكْناهُ مَعَ مَلائِكَتِهِ وعِبادَتِهِ فِيها، وطُولِ عُمْرِهِ في عِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ ثالِثًا بِرَفْعِهِ إلى سَمائِهِ بِتَطْهِيرِهِ مِنَ الكُفّارِ، فَعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ زَمانِهِ حِينَ رَفَعَهُ، وحِينَ يُنْزِلُهُ في آخِرِ الدُّنْيا، فَهي بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُ أنَّهُ مُطَهَّرٌ مِنَ الكُفّارِ أوَّلًا وآخِرًا. ولَمّا كانَ التَّوَفِّي والرَّفْعُ كُلٌّ مِنهُما خاصٌّ بِزَمانٍ، بُدِئَ بِهِما. ولَمّا كانَ التَّطْهِيرُ عامًّا يَشْمَلُ سائِرَ الأزْمانِ أُخِّرَ عَنْهُما، ولَمّا بَشَّرَهُ بِهَذِهِ البَشائِرِ الثَّلاثِ، وهي أوْصافٌ لَهُ في نَفْسِهِ، بَشَّرَهُ بِرِفْعَةِ أتْباعِهِ فَوْقَ كُلِّ كافِرٍ، لِتُقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُهُ، ويُسَرَّ قَلْبُهُ.
ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ مِنِ اعْتِلاءِ تابِعِيهِ عَلى الكُفّارِ مِن أوْصافِ تابِعِيهِ، تَأخَّرَ عَنِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الَّتِي لِنَفْسِهِ، إذِ البَداءَةُ بِالأوْصافِ الَّتِي لِلنَّفْسِ أهَمُّ، ثُمَّ أتْبَعَ بِهَذا الوَصْفِ الرّابِعِ عَلى سَبِيلِ التَّبْشِيرِ بِحالِ تابِعِيهِ في الدُّنْيا، لِيُكْمِلَ بِذَلِكَ سُرُورَهُ بِما أُوتِيهِ، وأُوتِيَ تابِعُوهُ مِنَ الخَيْرِ.
﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ بِالحَشْرِ والبَعْثِ، والمَعْنى (p-٤٧٥)ثُمَّ إلى حُكْمِي، وهَذا عِنْدِي مِنَ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ ذِكْرَ مُكَذِّبِيهِ وهُمُ اليَهُودُ، وذِكْرَ مَن آمَنَ بِهِ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ. وأعْقَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَذَكَرَ مُتَّبِعِيهِ والكافِرِينَ، فَلَوْ جاءَ عَلى نَمَطِ هَذا السّابِقِ لَكانَ التَّرْكِيبُ: ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُهم، ولَكِنَّهُ التَفَتَ عَلى سَبِيلِ الخِطابِ لِلْجَمِيعِ، لِيَكُونَ الإخْبارُ أبْلَغَ في التَّهْدِيدِ، وأشَدَّ زَجْرًا لِمَن يَزْدَجِرُ. ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَةَ: إلَيَّ، ولَفْظَةَ: فَأحْكُمُ، بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لِيُعْلَمَ أنَّ الحاكِمَ هُناكَ مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وذَكَرَ أنَّهُ يَحْكُمُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن أمْرِ الأنْبِياءِ واتِّباعِ شَرائِعِهِمْ، وأتى بِالحُكْمِ مُبْهَمًا، ثُمَّ فَصَّلَ المَحْكُومَ بَيْنَهم إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، وذَكَرَ جَزاءَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَرْجِعُكم، الخِطابُ لِ عِيسى، والمُرادُ الإخْبارُ بِالقِيامَةِ والحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جاءَ اللَّفْظُ عامًّا مِن حَيْثُ الأمْرُ في نَفْسِهِ لا يَخُصُّ عِيسى وحْدَهُ، فَخاطَبَهُ كَما يُخاطِبُ الجَماعَةَ، إذْ هو أحَدُها، وإذْ هي مُرادَةٌ في المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ. والأوْلى عِنْدِي أنْ يَكُونَ مِنَ الِالتِفاتِ كَما ذَكَرْتُهُ.
آل عمران 3:55
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ أيْ: مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِكَ، أوْ: بِما أنْزَلْتَ مِن كَلامِكَ عَلى الرُّسُلِ، أوْ بِالإنْجِيلِ.
﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ هو عِيسى عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ.
﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ هم: مُحَمَّدٌ ﷺ وأمَّتُهُ، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ لَهم بِالصِّدْقِ. رَوى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ: مَن آمَنَ قَبْلَهم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. أوِ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ. أوِ الصّادِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. أوِ الشّاهِدُونَ لِلْأنْبِياءِ بِالتَّصْدِيقِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوِ الشّاهِدُونَ لِنُصْرَةِ رُسُلِكَ، أوِ الشّاهِدُونَ بِالحَقِّ عِنْدَكَ، رَغِبُوا في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ الشّاهِدِينَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، وعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِهِمْ بِلَفْظِ: فاكْتُبْنا، إذْ كانَتِ الكِتابَةُ تُقَيِّدُ وتَضْبُطُ ما يَحْتاجُ إلى تَحْقِيقِهِ وعِلْمِهِ في ثانِي حالٍ.
﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ في: مَكَرُوا، عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢] وهم: بَنُو إسْرائِيلَ، ومَكْرُهم، هو احْتِيالُهم في قَتْلِ عِيسى، بِأنْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً، وسَيَأْتِي ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ حَصْرِهِ، وحَصْرِ أصْحابِهِ في مَكانٍ، ورَوْمِهِمْ قَتْلَهُ، وإلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى رَجُلٍ، وقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وصَلْبِهِ في مَكانِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ.
﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ مُجازاتِهِمْ عَلى مَكْرِهِمْ سَمّى ذَلِكَ مَكْرًا؛ لِأنَّ المُجازاةَ لَهم ناشِئَةٌ عَنِ المَكْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] وكَثِيرًا ما تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هو رَدُّهم عَمّا أرادُوا بِرَفْعِ عِيسى إلى السَّماءِ، وإلْقاءِ شَبَهِهِ عَلى مَن أرادَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ. وقالَ الأصَمُّ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أهْلَ فارِسٍ فَقَتَلُوهم وسَبَوْا ذَرارِيهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنَّ اليَهُودَ غَزَوُا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، فَأخَذُوهم وعَذَّبُوهم، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وكانَ مَلِكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ، فَأنْقَذَهم ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ، وصارَ نَصْرانِيًّا، ولَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ. ثمَ ولِيَ مَلِكٌ آخَرُ بَعْدُ، وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى بِنَحْوٍ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ حَجْرًا عَلى آخَرَ، وخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ.
وقالَ المُفَضَّلُ: ودَبَّرُوا، ودَبَّرَ اللَّهُ، والمَكْرُ: لُطْفُ التَّدْبِيرِ، وقالَ ابْنُ عِيسى: المَكْرُ قَبِيحٌ، وإنَّما جازَ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ. وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ إعْلاءُ دِينِهِ، وقَهْرُهم بِالذُّلِّ، ومَكْرُهم: لُزُومُهم إبْطالَ دِينِهِ. والمَكْرُ عِبارَةٌ عَنِ الِاحْتِيالِ في إيصالِ الشَّرِّ في خُفْيَةٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. وقِيلَ: المَكْرُ الأخْذُ بِالغَفْلَةِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ، وسَألَ رَجُلٌ الجُنَيْدَ، فَقالَ: كَيْفَ رَضِيَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لِنَفْسِهِ المَكْرَ، وقَدْ عابَ بِهِ غَيْرَهُ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَكِنْ أنْشَدَنِي فُلانٌ الظَّهْرانِيُّ:
؎ويُقَبِّحُ مَن سِواكَ الفِعْلَ عِنْدِي فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنكَ ذاكا
ثُمَّ قالَ: قَدْ أجَبْتُكَ إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ.
﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ مَعْناهُ أيِ: المُجازِينَ أهْلِ الخَيْرِ بِالفَضْلِ، وأهْلِ الجَوْرِ بِالعَدْلِ، لِأنَّهُ فاعِلُ حَقٍّ في ذَلِكَ، والماكِرُ مِنَ البَشَرِ فاعِلُ باطِلٍ في الأغْلَبِ، وقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤] . وقِيلَ: خَيْرُ، هُنا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، بَلْ هي: كَهي في قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقالَ حَسّانُ:
؎فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِن ضُرُوبِ البَلاغَةِ: الِاسْتِعارَةُ في أحَسَّ: إذْ لا يُحِسُّ إلّا ما كانَ مُتَجَسَّدًا، والكُفْرُ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، وإنَّما يُعْلَمُ، ويُفْطَنُ بِهِ، ولا يُدْرَكُ بِالحِسِّ إلّا إنْ كانَ أحَسَّ، بِمَعْنى رَأى، أوْ بِمَعْنى سَمِعَ مِنهم كَلِمَةَ الكُفْرِ، فَيَكُونُ أحَسَّ لا اسْتِعارَةَ فِيهِ، إذْ يَكُونُ أدْرَكَ ذَلِكَ مِنهم بِحاسَّةِ البَصَرِ، أوْ بِحاسَّةِ الأُذُنِ، وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ثَمَرَتِهِ. قالَ الجُمْهُورُ: أحَسَّ مِنهُمُ القَتْلَ، وقَتْلُ نَبِيٍّ مِن أعْظَمِ ثَمَراتِ الكُفْرِ.
والسُّؤالُ والجَوابُ في: قالَ ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] (p-٤٧٣)والتَّكْرارُ في: مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ، وأنْصارُ اللَّهِ، وآمَنّا بِاللَّهِ، وآمَنّا بِما أنْزَلْتَ، ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ، والماكِرِينَ، وفي هَذا التَّجْنِيسُ المُماثِلُ، والمُغايِرُ، والحَذْفُ في مَواضِعَ.
﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ العامِلُ في: إذْ، ومَكَرَ اللَّهُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، أوِ اذْكُرْ، قالَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، أوْ: خَيْرُ الماكِرِينَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وهَذا القَوْلُ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ، لِأنَّ عِيسى لَيْسَ بِمُكَلِّمٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ومُتَوَفِّيكَ: هي وفاةُ يَوْمَ رَفَعَهُ اللَّهُ في مَنامِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ: ورافِعُكَ، وأنْتَ نائِمٌ، حَتّى لا يَلْحَقَكَ خَوْفٌ، وتَسْتَيْقِظَ وأنْتَ في السَّماءِ آمِنٌ مُقَرَّبٌ. أوْ: وفاةُ مَوْتٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ وهْبٌ: ماتَ ثَلاثَ ساعاتٍ، ورَفَعَهُ فِيها ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ في السَّماءِ، وفي بَعْضِ الكُتُبِ: سَبْعَ ساعاتٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هي وفاةُ مَوْتٍ، ولَكِنَّ المَعْنى: مُتَوَفِّيكَ في آخِرِ أمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ، وقَتْلِكَ الدَّجّالَ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْتَوْفِي أجَلَكَ، ومَعْناهُ أيْ: عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُؤَخِّرُكَ إلى أجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ، لا قَتْلًا بِأيْدِيِهِمْ. وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ مِن غَيْرِ مَوْتٍ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، و مَطَرٌ الوَرّاقِ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، مِن تَوَفَّيْتُ مالِي عَلى فُلانٍ إذا اسْتَوْفَيْتَهُ.
وقِيلَ: أجْعَلُكَ كالمُتَوَفّى؛ لِأنَّهُ بِالرَّفْعِ يُشْبِهُهُ. وقِيلَ: آخُذُكَ وافِيًا بِرُوحِكَ وبَدَنِكَ. وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: مُتَقَبِّلُ عَمَلِكَ، ويَضْعُفُ هَذا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الواسِطِيُّ: مُتَوَفِّيكَ عَنْ شَهَواتِكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ مِن: ”أنَّ عِيسى في السَّماءِ حَيٌّ، وأنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَفِيضُ العَدْلُ، وتَظْهَرُ بِهِ المِلَّةُ، مِلَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ويَحُجُّ البَيْتَ، ويَعْتَمِرُ، ويَبْقى في الأرْضِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً“ وقِيلَ: أرْبَعِينَ سَنَةً انْتَهى.
﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ الرَّفْعُ نَقْلٌ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ، وإلَيَّ: إضافَةُ تَشْرِيفٍ. والمَعْنى: إلى سَمائِي ومَقَرِّ مَلائِكَتِي. وقَدْ عُلِمَ أنَّ البارِيَ تَعالى لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذا المُشَبِّهَةُ في ثُبُوتِ المَكانِ لَهُ تَعالى وقِيلَ: إلى مَكانٍ لا يَمْلِكُ الحُكْمَ فِيهِ في الحَقِيقَةِ، ولا في الظّاهِرِ إلّا أنا، بِخِلافِ الأرْضِ، فَإنَّهُ قَدْ يَتَوَلّى المَخْلُوقُونَ فِيها الأحْكامَ ظاهِرًا. وقِيلَ: إلى مَحَلِّ ثَوابِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَفْعُهُ إلى السَّماءِ، سَماءُ الدُّنْيا، فَهو فِيها يَسْبَحُ مَعَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ يُهْبِطُهُ اللَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ الدَّجّالِ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قِيلَ: كانَ عِيسى عَلى طُورِ سَيْناءَ، وهَبَّتْ رِيحٌ فَهَرْوَلَ عِيسى، فَرَفَعَهُ اللَّهُ في هَرْوَلَتِهِ، وعَلَيْهِ مَدْرَعَةٌ مِن شِعْرٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ عِيسى في بَيْتٍ لَهُ كُوَّةٌ، فَدَخَلَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَهُ، فَرُفِعَ عِيسى مِنَ البَيْتِ، وخَرَجَ الرَّجُلُ في شَبَهِ عِيسى يُخْبِرُهم أنَّ عِيسى لَيْسَ في البَيْتِ، فَقَتَلُوهُ. ورَوَيَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسى مِن رَوْزَنَةٍ كانَتْ في البَيْتِ.
﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا دَنِسًا، ونَجِسًا فَطَهَّرَهُ مِنهم؛ لِأنَّ صُحْبَةَ الأشْرارِ وخَلْطَةَ الفُجّارِ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الدَّنَسِ في الثَّوْبِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُخَلِّصُهُ مِنهم، فَكَنّى عَنْ إخْراجِهِ مِنهم وتَخْلِيصِهِ بِالتَّطْهِيرِ، وأتى بِلَفْظِ الظّاهِرِ لا بِالضَّمِيرِ، وهو الَّذِينَ كَفَرُوا، إشارَةً إلى عِلَّةِ الدَّنَسِ والنَّجَسِ، وهو الكُفْرُ، كَما قالَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وكَما جاءَ في الحَدِيثِ: «المُؤْمِنُ لا يَنْجُسُ» فَجَعَلَ عِلَّةَ تَطْهِيرِهِ الإيمانَ.
وقِيلَ: مُطَهِّرُكَ مِن أذى الكَفَرَةِ. وقِيلَ: مِنَ الكُفْرِ والفَواحِشِ. وقِيلَ: مِمّا قالُوهُ فِيكَ، وفي أُمِّكَ. وقِيلَ: ومُطَهِّرُكَ؛ أيْ: مُطَهِّرٌ بِكَ وجْهَ النّاسِ مِن نَجاسَةِ الكُفْرِ والعِصْيانِ. وقالَ الرّاغِبُ: مُتَوَفِّيكَ: آخِذُكَ عَنْ هَواكَ، ورافِعُكَ إلَيَّ عَنْ شَهَواتِكَ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَفْعًا مَكانِيًّا، وإنَّما هو رِفْعَةُ المَحَلِّ، وإنْ كانَ قَدْ رُفِعَ إلى السَّماءِ، وتَطْهِيرُهُ مِنَ الكافِرِينَ إخْراجُهُ مِن بَيْنِهِمْ. وقِيلَ: تَخْلِيصُهُ مِن قَتْلِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَجَسٌ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنهُ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: التَّخْلِيصُ والتَّطْهِيرُ واحِدٌ، إلّا أنَّ لَفْظَ التَّطْهِيرِ (p-٤٧٤)فِيهِ رِفْعَةٌ لِلْمُخاطَبِ، كَما أنَّ الشُّهُودَ والحُضُورَ واحِدٌ، وفي الشُّهُودِ رِفْعَةٌ. ولِهَذا ذَكَرَهُ اللَّهُ في المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ الحُضُورَ والإحْضارَ في الكافِرِينَ.
﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ الكافُ: ضَمِيرُ عِيسى كالكافِ السّابِقَةِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ انْتَهى هَذا القَوْلُ، ولا يَظْهَرُ. ومَعْنى اتَّبَعُوكَ: أيْ في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ؛ لِأنَّهم مُتَّبِعُوهُ في أصْلِ الإسْلامِ، وإنِ اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ.
﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْلُونَهم بِالحُجَّةِ، وفي أكْثَرِ الأحْوالِ بِها وبِالسَّيْفِ، والَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وكَذَبُوا عَلَيْهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، بِتَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ في كَلامِهِ.
فالفَوْقِيَّةُ هُنا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، قالَهُ الحَسَنُ. أوْ: بِالعِزِّ والمَنَعَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَهم فَوْقَ اليَهُودِ، فَلا تَكُونُ لَهم مَمْلَكةٌ كَما لِلنَّصارى. فالآيَةُ، عَلى قَوْلِهِ مُخْبِرَةٌ عَنْ إذْلالِ اليَهُودِ وعُقُوبَتِهِمْ بِأنَّ النَّصارى فَوْقَهم في جَمِيعِ أقْطارِ الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ المُتَّبِعِينَ والكافِرِينَ، وجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فَضِيلَةَ فِيهِ لِلْمُتَّبَعِينَ الكُفّارِ، بَلْ كَوْنُهم فَوْقَ اليَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ. وقالَ الجُمْهُورُ بِعُمُومِ المُتَّبِعِينَ، فَتَدْخُلُ في ذَلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَصَّ عَلَيْهِ قَتادَةُ، وبِعُمُومِ الكافِرِينَ.
والآيَةُ تَقْتَضِي إعْلامَ عِيسى أنَّ أهْلَ الإيمانِ بِهِ كَما يُحِبُّ هم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ والعِزَّةِ والمَنَعَةِ والغَلَبَةِ، ويَظْهَرُ عَنْ عِبارَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المُتَّبِعِينَ لَهُ هم في وقْتِ اسْتِنْصارِهِ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ شَرَّفَهم، وأبْقى لَهم في الصّالِحِينَ ذِكْرًا، فَهم فَوْقَهم بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، وما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن رِضْوانِ اللَّهِ.
وقِيلَ: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ القِيامَةِ في الجَنَّةِ، إذْ هم في الغُرُفاتِ، والَّذِينَ كَفَرُوا في أسْفَلِ سافِلِينَ في الدَّرَكاتِ. وتُلُخِّصَ مِن أقْوالِ هَؤُلاءِ المُفَسِّرِينَ أنَّ مُتَّبِعِيهِ، هم مُتَّبِعُوهُ في أصْلِ الإسْلامِ، فَيَكُونُ عامًّا في المُسْلِمِينَ، وعامًّا في الكافِرِينَ، أوْ هم مُتَّبِعُوهُ في الِانْتِماءِ إلى شَرِيعَتِهِ، وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوها حَقِيقَةً، ويَكُونُ الكافِرُونَ خاصًّا بِاليَهُودِ، أوْ مُتَّبِعُوهُ هُمُ الحَوارِيُّونَ، والكافِرُونَ: مَن كَفَرَ بِهِ. وأمّا الفَوْقِيَّةُ فَإمّا حَقِيقَةً، وذَلِكَ بِالجَنَّةِ والنّارِ، وإمّا مَجازًا أيْ: بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دِينِيًّا، وإمّا: بِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دُنْيَوِيًّا، وإمّا بِهِما.
﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ: إلى، تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وهو العامِلُ في: فَوْقَ، وهو المَفْعُولُ الثّانِي: لِـ ”جاعِلُ“، إذْ مَعْنى ”جاعِلُ“ هُنا: مُصَيِّرُ، فالمَعْنى كائِنِينَ فَوْقَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا عَلى أنَّ الفَوْقِيَّةَ مَجازٌ، وأمّا إنْ كانَتِ الفَوْقِيَّةُ حَقِيقَةً، وهي الفَوْقِيَّةُ بِالجَنَّةِ، فَلا تَتَعَلَّقُ: إلى، بِذَلِكَ المَحْذُوفِ، بَلْ بِما تَقَدَّمَ مِن: مُتَوَفِّيكَ، أوْ مِن: رافِعُكَ، أوْ مِن: مُطَهِّرُكَ، إذْ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها، إمّا بِرافِعُكَ أوْ مُطَهِّرُكَ، فَظاهَرٌ. وإمّا بِمُتَوَفِّيكَ فَعَلى بَعْضِ الأقْوالِ. وهَذِهِ الأخْبارُ الأرْبَعَةُ تَرْتِيبُها في غايَةِ الفَصاحَةِ، بَدَأ أوَّلًا: بِإخْبارِهِ تَعالى لِ عِيسى أنَّهُ مُتَوَفِّيهِ، فَلَيْسَ لِلْماكِرِينَ بِهِ تَسَلُّطٌ عَلَيْهِ، ولا تَوَصُّلٌ إلَيْهِ، ثُمَّ بَشَّرَهُ ثانِيًا بِرَفْعِهِ إلى سَمائِهِ، وسُكْناهُ مَعَ مَلائِكَتِهِ وعِبادَتِهِ فِيها، وطُولِ عُمْرِهِ في عِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ ثالِثًا بِرَفْعِهِ إلى سَمائِهِ بِتَطْهِيرِهِ مِنَ الكُفّارِ، فَعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ زَمانِهِ حِينَ رَفَعَهُ، وحِينَ يُنْزِلُهُ في آخِرِ الدُّنْيا، فَهي بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُ أنَّهُ مُطَهَّرٌ مِنَ الكُفّارِ أوَّلًا وآخِرًا. ولَمّا كانَ التَّوَفِّي والرَّفْعُ كُلٌّ مِنهُما خاصٌّ بِزَمانٍ، بُدِئَ بِهِما. ولَمّا كانَ التَّطْهِيرُ عامًّا يَشْمَلُ سائِرَ الأزْمانِ أُخِّرَ عَنْهُما، ولَمّا بَشَّرَهُ بِهَذِهِ البَشائِرِ الثَّلاثِ، وهي أوْصافٌ لَهُ في نَفْسِهِ، بَشَّرَهُ بِرِفْعَةِ أتْباعِهِ فَوْقَ كُلِّ كافِرٍ، لِتُقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُهُ، ويُسَرَّ قَلْبُهُ.
ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ مِنِ اعْتِلاءِ تابِعِيهِ عَلى الكُفّارِ مِن أوْصافِ تابِعِيهِ، تَأخَّرَ عَنِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الَّتِي لِنَفْسِهِ، إذِ البَداءَةُ بِالأوْصافِ الَّتِي لِلنَّفْسِ أهَمُّ، ثُمَّ أتْبَعَ بِهَذا الوَصْفِ الرّابِعِ عَلى سَبِيلِ التَّبْشِيرِ بِحالِ تابِعِيهِ في الدُّنْيا، لِيُكْمِلَ بِذَلِكَ سُرُورَهُ بِما أُوتِيهِ، وأُوتِيَ تابِعُوهُ مِنَ الخَيْرِ.
﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ بِالحَشْرِ والبَعْثِ، والمَعْنى (p-٤٧٥)ثُمَّ إلى حُكْمِي، وهَذا عِنْدِي مِنَ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ ذِكْرَ مُكَذِّبِيهِ وهُمُ اليَهُودُ، وذِكْرَ مَن آمَنَ بِهِ، وهُمُ الحَوارِيُّونَ. وأعْقَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَذَكَرَ مُتَّبِعِيهِ والكافِرِينَ، فَلَوْ جاءَ عَلى نَمَطِ هَذا السّابِقِ لَكانَ التَّرْكِيبُ: ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُهم، ولَكِنَّهُ التَفَتَ عَلى سَبِيلِ الخِطابِ لِلْجَمِيعِ، لِيَكُونَ الإخْبارُ أبْلَغَ في التَّهْدِيدِ، وأشَدَّ زَجْرًا لِمَن يَزْدَجِرُ. ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَةَ: إلَيَّ، ولَفْظَةَ: فَأحْكُمُ، بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، لِيُعْلَمَ أنَّ الحاكِمَ هُناكَ مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وذَكَرَ أنَّهُ يَحْكُمُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن أمْرِ الأنْبِياءِ واتِّباعِ شَرائِعِهِمْ، وأتى بِالحُكْمِ مُبْهَمًا، ثُمَّ فَصَّلَ المَحْكُومَ بَيْنَهم إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، وذَكَرَ جَزاءَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَرْجِعُكم، الخِطابُ لِ عِيسى، والمُرادُ الإخْبارُ بِالقِيامَةِ والحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جاءَ اللَّفْظُ عامًّا مِن حَيْثُ الأمْرُ في نَفْسِهِ لا يَخُصُّ عِيسى وحْدَهُ، فَخاطَبَهُ كَما يُخاطِبُ الجَماعَةَ، إذْ هو أحَدُها، وإذْ هي مُرادَةٌ في المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ. والأوْلى عِنْدِي أنْ يَكُونَ مِنَ الِالتِفاتِ كَما ذَكَرْتُهُ.
آل عمران 3:56
﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خاصًّا، أيْ: كَفَرُوا بِكَ، وجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ.
﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وُصِفَ العَذابُ بِالشِّدَّةِ؛ لِتَضاعُفِهِ وازْدِيادِهِ. وقِيلَ: لِاخْتِلافِ أجْناسِهِ.
﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُّلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِن هَذا فَهو عَلى وجَلٍ، إذْ يَعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يَطْلُبُهُ.
(والآخِرَةِ) بِعَذابِ النّارِ. وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِما يَفْعَلُ بِالكافِرِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ في دُنْياهُ إلى آخِرِ أمْرِهِ في عُقْباهُ.
﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ بَدَأ أوَّلًا بِقِسْمِ الكُفّارِ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ حُكْمِهِ تَعالى بَيْنَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والوَعِيدِ لِلْكَفّارِ، والإخْبارِ بِجَزائِهِمْ، فَناسَبَتِ البَداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] وبِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِ عِيسى ورامُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ أتى ثانِيًا بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، وعَلَّقَ هُناكَ العَذابَ عَلى مُجَرَّدِ الكُفْرِ، وهُنا عَلَّقَ تَوْفِيَةَ الأجْرِ عَلى الإيمانِ، وعَمِلَ الصّالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ، ودُعاءً إلَيْها. والتَّوْفِيَةُ: دَفْعُ الشَّيْءِ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، والأُجُورُ: ثَوابُ الأعْمالِ، شَبَّهَهُ بِالعامِلِ الَّذِي يُوَفّى أجْرَهُ عِنْدَ تَمامِ عَمَلِهِ. وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي: قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ بِحَسَبِ الأعْمالِ عَلى ما رَتَّبَها تَعالى، وفي الآيَةِ قَبْلَها قالَ: (فَأُعَذِّبُهم) أسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، وذَلِكَ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥] وفي هَذِهِ الآيَةِ قالَ: فَيُوَفِّيهِمْ، بِالياءِ عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ، ورُوَيْسٍ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والخُرُوجِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِلتَّنَوُّعِ في الفَصاحَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ، بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ شَأْنُهُ، ولَمْ يَأْتِ بِالهَمْزَةِ كَما في تِلْكَ الآيَةِ لِيُخالِفَ في الإخْبارِ بَيْنَ النِّسْبَةِ الإسْنادِيَّةِ فِيما يَفْعَلُهُ بِالكافِرِ وبِالمُؤْمِنِ، كَما خالَفَ في الفِعْلِ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ العامِلَ لِلصّالِحاتِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَناسَبَهُ الإخْبارُ عَنِ المَجازِيِّ بِنُونِ العَظَمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ آمَنُوا، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُ ما بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] فِيمَن نَصَبَ الدّالَ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ما يُشْبِهُ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، لِأنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ مُحِبٌّ لَهُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الأفْعالِ، وإنَّما تُخالِفُ المُحِبَّةُ الإرادَةَ إذا عُلِّقَتا بِالأشْخاصِ، فَيُقالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، ولا يُقالُ: أُرِيدُهُ، وأمّا الأفْعالُ فَهُما فِيها واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: لا يُحِبُّ: لا يُرِيدُ ظُلْمَ الظّالِمِينَ، هَكَذا قَرَّرَهُ عَبْدُ الجَبّارِ، وعِنْدَ أصْحابِنا المَحَبَّةُ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ إيصالِ الخَيْرِ لَهُ، فَهو تَعالى، وإنْ أرادَ كُفْرَ الكافِرِ، لا يُرِيدُ إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِ.
(p-٤٧٦)﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن خَبَرِ عِيسى وزَكَرِيّا، وغَيْرِهِما، ونَتْلُوهُ: نَسْرِدُهُ ونَذْكُرُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وأضافَ التِّلاوَةَ إلى نَفْسِهِ، وإنْ كانَ المَلِكُ هو التّالِيَ تَشْرِيفًا لَهُ، جَعَلَ تِلاوَةَ المَأْمُورِ تِلاوَةَ الآمِرِ، وفي: نَتْلُوهُ، التِفاتٌ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ضَمِيرَ غائِبٍ في قَوْلِهِ: لا يُحِبُّ، ونَتْلُوهُ: مَعْناهُ تَلَوْناهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ظاهِرُهُ مِنَ الحالِ؛ لِأنَّ قِصَّةَ عِيسى لَمْ يَفْرَغْ مِنها، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَعْنى هَذا.
والآياتُ هُنا، الظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ بِها آياتُ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها المُعْجِزاتُ والمُسْتَغْرَباتُ، أيْ: نَأْتِيهِمْ بِهَذِهِ الغُيُوبِ مِن قِبَلِنا، وبِسَبَبِ تِلاوَتِنا، وأنْتَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ، ولا تَصْحَبُ أهْلَ الكِتابِ، فَهي آياتٌ لِنُبُوَّتِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: والذِّكْرُ القُرْآنُ، والحَكِيمُ أيِ الحاكِمُ، أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيهِ، ووَصَفَ بِصِفَةِ مَن هو مِن سَبَبِهِ وهو اللَّهُ تَعالى، أوْ: كَأنَّهُ يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ لِكَثْرَةِ حُكْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّهُ ذُو حِكْمَةٍ في تَأْلِيفِهِ ونَظْمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُحْكِمِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أحْكَمَ عَنْ طُرُقِ الخَلَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] ويَكُونُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، وهو قَلِيلٌ، ومِنهُ أعْقَدْتُ العَسَلَ فَهو مُعْقَدٌ وعَقِيدٌ، وأحْبَسْتُ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَهو مُحْبَسٌ وحَبِيسٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي مِنهُ نُقِلَتْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، أخْبَرَ أنَّهُ أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ مِمّا كُتِبَ هُناكَ.
وذَلِكَ: مُبْتَدَأٌ، ونَتْلُوهُ: خَبَرٌ. ومِنَ الآياتِ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنًا مِنَ الآياتِ. و”مِن“: لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ هَذا المَتْلُوَّ بَعْضُ الآياتِ والذِّكْرِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: مِنَ الآياتِ، خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ، إذا كانَ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، ولَمْ يَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: مِن، لِبَيانِ الجِنْسِ، وذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ أنْ تَكُونَ: مِن، لِبَيانِ الجِنْسِ. ولا يَتَأتّى ذَلِكَ هُنا مِن جِهَةِ المَعْنى إلّا بِمَجازٍ، لِأنَّ تَقْدِيرَ مِنَ البَيانِيَّةِ بِالمَوْصُولِ. ولَوْ قُلْتَ: ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ الَّذِي هو الآياتُ والذِّكْرُ الحَكِيمُ، لاحْتِيجَ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ هَذا المُشارَ إلَيْهِ مِن نَبَأِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ لَيْسَ هو جَمِيعَ الآياتِ، والذِّكْرُ الحَكِيمُ إنَّما هو بَعْضُ الآياتِ، فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ أنَّهُ جَعَلَ بَعْضَ الآياتِ، والذِّكْرُ هو الآياتُ، والذِّكْرُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّها لِبَيانِ الجِنْسِ: أبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، وبَدَأ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، أيْ: نَتْلُو ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ، والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أفْصَحُ؛ لِأنَّهُ عَرِيَ مِن مُرَجِّحِ النَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ؛ فَزَيْدٌ ضَرَبْتَهُ، أفْصَحُ مِن: زَيْدًا ضَرَبْتَهُ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا، وعَلى هَذا الإعْرابِ يَكُونُ: نَتْلُوهُ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، لِأنَّهُ مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَكُونُ: مِنَ الآياتِ، حالًا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في: نَتْلُوهُ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي، ونَتْلُوهُ: صِلَتَهُ. ومِنَ الآياتِ الخَبَرُ. وقالَهُ الزَّجّاجُ قَبْلَهُ، وهَذِهِ نَزْعَةٌ كُوفِيَّةٌ، يُجِيزُونَ في أسْماءِ الإشارَةِ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، إلّا في ذا، وحْدَها إذا سَبَقَها ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاتِّفاقٍ، أوْ مَنِ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاخْتِلافٍ. وتَقْرِيرُ هَذا في عِلْمِ النَّحْوِ. وجَوَّزُوا (p-٤٧٧)أيْضًا أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأً و”مِنَ الآياتِ“: خَبَرٌ. ونَتْلُوهُ: حالٌ. وأنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. ونَتْلُوهُ: حالٌ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الآياتِ، ومَن جَعَلَها لِلْقَسَمِ وجَوابَ القَسَمِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ [آل عمران: ٥٩] فَقَدْ أبْعَدَ.
آل عمران 3:57
﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خاصًّا، أيْ: كَفَرُوا بِكَ، وجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ.
﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وُصِفَ العَذابُ بِالشِّدَّةِ؛ لِتَضاعُفِهِ وازْدِيادِهِ. وقِيلَ: لِاخْتِلافِ أجْناسِهِ.
﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُّلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِن هَذا فَهو عَلى وجَلٍ، إذْ يَعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يَطْلُبُهُ.
(والآخِرَةِ) بِعَذابِ النّارِ. وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِما يَفْعَلُ بِالكافِرِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ في دُنْياهُ إلى آخِرِ أمْرِهِ في عُقْباهُ.
﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ بَدَأ أوَّلًا بِقِسْمِ الكُفّارِ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ حُكْمِهِ تَعالى بَيْنَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والوَعِيدِ لِلْكَفّارِ، والإخْبارِ بِجَزائِهِمْ، فَناسَبَتِ البَداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] وبِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِ عِيسى ورامُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ أتى ثانِيًا بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، وعَلَّقَ هُناكَ العَذابَ عَلى مُجَرَّدِ الكُفْرِ، وهُنا عَلَّقَ تَوْفِيَةَ الأجْرِ عَلى الإيمانِ، وعَمِلَ الصّالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ، ودُعاءً إلَيْها. والتَّوْفِيَةُ: دَفْعُ الشَّيْءِ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، والأُجُورُ: ثَوابُ الأعْمالِ، شَبَّهَهُ بِالعامِلِ الَّذِي يُوَفّى أجْرَهُ عِنْدَ تَمامِ عَمَلِهِ. وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي: قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ بِحَسَبِ الأعْمالِ عَلى ما رَتَّبَها تَعالى، وفي الآيَةِ قَبْلَها قالَ: (فَأُعَذِّبُهم) أسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، وذَلِكَ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥] وفي هَذِهِ الآيَةِ قالَ: فَيُوَفِّيهِمْ، بِالياءِ عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ، ورُوَيْسٍ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والخُرُوجِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِلتَّنَوُّعِ في الفَصاحَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ، بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ شَأْنُهُ، ولَمْ يَأْتِ بِالهَمْزَةِ كَما في تِلْكَ الآيَةِ لِيُخالِفَ في الإخْبارِ بَيْنَ النِّسْبَةِ الإسْنادِيَّةِ فِيما يَفْعَلُهُ بِالكافِرِ وبِالمُؤْمِنِ، كَما خالَفَ في الفِعْلِ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ العامِلَ لِلصّالِحاتِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَناسَبَهُ الإخْبارُ عَنِ المَجازِيِّ بِنُونِ العَظَمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ آمَنُوا، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُ ما بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] فِيمَن نَصَبَ الدّالَ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ما يُشْبِهُ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، لِأنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ مُحِبٌّ لَهُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الأفْعالِ، وإنَّما تُخالِفُ المُحِبَّةُ الإرادَةَ إذا عُلِّقَتا بِالأشْخاصِ، فَيُقالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، ولا يُقالُ: أُرِيدُهُ، وأمّا الأفْعالُ فَهُما فِيها واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: لا يُحِبُّ: لا يُرِيدُ ظُلْمَ الظّالِمِينَ، هَكَذا قَرَّرَهُ عَبْدُ الجَبّارِ، وعِنْدَ أصْحابِنا المَحَبَّةُ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ إيصالِ الخَيْرِ لَهُ، فَهو تَعالى، وإنْ أرادَ كُفْرَ الكافِرِ، لا يُرِيدُ إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِ.
(p-٤٧٦)﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن خَبَرِ عِيسى وزَكَرِيّا، وغَيْرِهِما، ونَتْلُوهُ: نَسْرِدُهُ ونَذْكُرُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وأضافَ التِّلاوَةَ إلى نَفْسِهِ، وإنْ كانَ المَلِكُ هو التّالِيَ تَشْرِيفًا لَهُ، جَعَلَ تِلاوَةَ المَأْمُورِ تِلاوَةَ الآمِرِ، وفي: نَتْلُوهُ، التِفاتٌ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ضَمِيرَ غائِبٍ في قَوْلِهِ: لا يُحِبُّ، ونَتْلُوهُ: مَعْناهُ تَلَوْناهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ظاهِرُهُ مِنَ الحالِ؛ لِأنَّ قِصَّةَ عِيسى لَمْ يَفْرَغْ مِنها، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَعْنى هَذا.
والآياتُ هُنا، الظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ بِها آياتُ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها المُعْجِزاتُ والمُسْتَغْرَباتُ، أيْ: نَأْتِيهِمْ بِهَذِهِ الغُيُوبِ مِن قِبَلِنا، وبِسَبَبِ تِلاوَتِنا، وأنْتَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ، ولا تَصْحَبُ أهْلَ الكِتابِ، فَهي آياتٌ لِنُبُوَّتِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: والذِّكْرُ القُرْآنُ، والحَكِيمُ أيِ الحاكِمُ، أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيهِ، ووَصَفَ بِصِفَةِ مَن هو مِن سَبَبِهِ وهو اللَّهُ تَعالى، أوْ: كَأنَّهُ يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ لِكَثْرَةِ حُكْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّهُ ذُو حِكْمَةٍ في تَأْلِيفِهِ ونَظْمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُحْكِمِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أحْكَمَ عَنْ طُرُقِ الخَلَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] ويَكُونُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، وهو قَلِيلٌ، ومِنهُ أعْقَدْتُ العَسَلَ فَهو مُعْقَدٌ وعَقِيدٌ، وأحْبَسْتُ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَهو مُحْبَسٌ وحَبِيسٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي مِنهُ نُقِلَتْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، أخْبَرَ أنَّهُ أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ مِمّا كُتِبَ هُناكَ.
وذَلِكَ: مُبْتَدَأٌ، ونَتْلُوهُ: خَبَرٌ. ومِنَ الآياتِ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنًا مِنَ الآياتِ. و”مِن“: لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ هَذا المَتْلُوَّ بَعْضُ الآياتِ والذِّكْرِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: مِنَ الآياتِ، خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ، إذا كانَ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، ولَمْ يَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: مِن، لِبَيانِ الجِنْسِ، وذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ أنْ تَكُونَ: مِن، لِبَيانِ الجِنْسِ. ولا يَتَأتّى ذَلِكَ هُنا مِن جِهَةِ المَعْنى إلّا بِمَجازٍ، لِأنَّ تَقْدِيرَ مِنَ البَيانِيَّةِ بِالمَوْصُولِ. ولَوْ قُلْتَ: ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ الَّذِي هو الآياتُ والذِّكْرُ الحَكِيمُ، لاحْتِيجَ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ هَذا المُشارَ إلَيْهِ مِن نَبَأِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ لَيْسَ هو جَمِيعَ الآياتِ، والذِّكْرُ الحَكِيمُ إنَّما هو بَعْضُ الآياتِ، فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ أنَّهُ جَعَلَ بَعْضَ الآياتِ، والذِّكْرُ هو الآياتُ، والذِّكْرُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّها لِبَيانِ الجِنْسِ: أبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، وبَدَأ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، أيْ: نَتْلُو ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ، والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أفْصَحُ؛ لِأنَّهُ عَرِيَ مِن مُرَجِّحِ النَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ؛ فَزَيْدٌ ضَرَبْتَهُ، أفْصَحُ مِن: زَيْدًا ضَرَبْتَهُ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا، وعَلى هَذا الإعْرابِ يَكُونُ: نَتْلُوهُ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، لِأنَّهُ مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَكُونُ: مِنَ الآياتِ، حالًا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في: نَتْلُوهُ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي، ونَتْلُوهُ: صِلَتَهُ. ومِنَ الآياتِ الخَبَرُ. وقالَهُ الزَّجّاجُ قَبْلَهُ، وهَذِهِ نَزْعَةٌ كُوفِيَّةٌ، يُجِيزُونَ في أسْماءِ الإشارَةِ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، إلّا في ذا، وحْدَها إذا سَبَقَها ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاتِّفاقٍ، أوْ مَنِ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاخْتِلافٍ. وتَقْرِيرُ هَذا في عِلْمِ النَّحْوِ. وجَوَّزُوا (p-٤٧٧)أيْضًا أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأً و”مِنَ الآياتِ“: خَبَرٌ. ونَتْلُوهُ: حالٌ. وأنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. ونَتْلُوهُ: حالٌ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الآياتِ، ومَن جَعَلَها لِلْقَسَمِ وجَوابَ القَسَمِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ [آل عمران: ٥٩] فَقَدْ أبْعَدَ.
آل عمران 3:58
﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خاصًّا، أيْ: كَفَرُوا بِكَ، وجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ.
﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ وُصِفَ العَذابُ بِالشِّدَّةِ؛ لِتَضاعُفِهِ وازْدِيادِهِ. وقِيلَ: لِاخْتِلافِ أجْناسِهِ.
﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُّلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِن هَذا فَهو عَلى وجَلٍ، إذْ يَعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يَطْلُبُهُ.
(والآخِرَةِ) بِعَذابِ النّارِ. وهَذا إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِما يَفْعَلُ بِالكافِرِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ في دُنْياهُ إلى آخِرِ أمْرِهِ في عُقْباهُ.
﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ بَدَأ أوَّلًا بِقِسْمِ الكُفّارِ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ حُكْمِهِ تَعالى بَيْنَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والوَعِيدِ لِلْكَفّارِ، والإخْبارِ بِجَزائِهِمْ، فَناسَبَتِ البَداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] وبِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِ عِيسى ورامُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ أتى ثانِيًا بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، وعَلَّقَ هُناكَ العَذابَ عَلى مُجَرَّدِ الكُفْرِ، وهُنا عَلَّقَ تَوْفِيَةَ الأجْرِ عَلى الإيمانِ، وعَمِلَ الصّالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ، ودُعاءً إلَيْها. والتَّوْفِيَةُ: دَفْعُ الشَّيْءِ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، والأُجُورُ: ثَوابُ الأعْمالِ، شَبَّهَهُ بِالعامِلِ الَّذِي يُوَفّى أجْرَهُ عِنْدَ تَمامِ عَمَلِهِ. وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي: قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ بِحَسَبِ الأعْمالِ عَلى ما رَتَّبَها تَعالى، وفي الآيَةِ قَبْلَها قالَ: (فَأُعَذِّبُهم) أسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، وذَلِكَ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ: ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥] وفي هَذِهِ الآيَةِ قالَ: فَيُوَفِّيهِمْ، بِالياءِ عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ، ورُوَيْسٍ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، والخُرُوجِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِلتَّنَوُّعِ في الفَصاحَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ، بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ شَأْنُهُ، ولَمْ يَأْتِ بِالهَمْزَةِ كَما في تِلْكَ الآيَةِ لِيُخالِفَ في الإخْبارِ بَيْنَ النِّسْبَةِ الإسْنادِيَّةِ فِيما يَفْعَلُهُ بِالكافِرِ وبِالمُؤْمِنِ، كَما خالَفَ في الفِعْلِ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ العامِلَ لِلصّالِحاتِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَناسَبَهُ الإخْبارُ عَنِ المَجازِيِّ بِنُونِ العَظَمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: الَّذِينَ آمَنُوا، مُبْتَدَأً، ويَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُ ما بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] فِيمَن نَصَبَ الدّالَ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ما يُشْبِهُ هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ والمَعاصِيَ، لِأنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ مُحِبٌّ لَهُ إذا كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الأفْعالِ، وإنَّما تُخالِفُ المُحِبَّةُ الإرادَةَ إذا عُلِّقَتا بِالأشْخاصِ، فَيُقالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، ولا يُقالُ: أُرِيدُهُ، وأمّا الأفْعالُ فَهُما فِيها واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: لا يُحِبُّ: لا يُرِيدُ ظُلْمَ الظّالِمِينَ، هَكَذا قَرَّرَهُ عَبْدُ الجَبّارِ، وعِنْدَ أصْحابِنا المَحَبَّةُ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ إيصالِ الخَيْرِ لَهُ، فَهو تَعالى، وإنْ أرادَ كُفْرَ الكافِرِ، لا يُرِيدُ إيصالَ الثَّوابِ إلَيْهِ.
(p-٤٧٦)﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن خَبَرِ عِيسى وزَكَرِيّا، وغَيْرِهِما، ونَتْلُوهُ: نَسْرِدُهُ ونَذْكُرُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وأضافَ التِّلاوَةَ إلى نَفْسِهِ، وإنْ كانَ المَلِكُ هو التّالِيَ تَشْرِيفًا لَهُ، جَعَلَ تِلاوَةَ المَأْمُورِ تِلاوَةَ الآمِرِ، وفي: نَتْلُوهُ، التِفاتٌ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ضَمِيرَ غائِبٍ في قَوْلِهِ: لا يُحِبُّ، ونَتْلُوهُ: مَعْناهُ تَلَوْناهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ظاهِرُهُ مِنَ الحالِ؛ لِأنَّ قِصَّةَ عِيسى لَمْ يَفْرَغْ مِنها، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَعْنى هَذا.
والآياتُ هُنا، الظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ بِها آياتُ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها المُعْجِزاتُ والمُسْتَغْرَباتُ، أيْ: نَأْتِيهِمْ بِهَذِهِ الغُيُوبِ مِن قِبَلِنا، وبِسَبَبِ تِلاوَتِنا، وأنْتَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ، ولا تَصْحَبُ أهْلَ الكِتابِ، فَهي آياتٌ لِنُبُوَّتِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: والذِّكْرُ القُرْآنُ، والحَكِيمُ أيِ الحاكِمُ، أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيهِ، ووَصَفَ بِصِفَةِ مَن هو مِن سَبَبِهِ وهو اللَّهُ تَعالى، أوْ: كَأنَّهُ يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ لِكَثْرَةِ حُكْمِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّهُ ذُو حِكْمَةٍ في تَأْلِيفِهِ ونَظْمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُحْكِمِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، أحْكَمَ عَنْ طُرُقِ الخَلَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] ويَكُونُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، وهو قَلِيلٌ، ومِنهُ أعْقَدْتُ العَسَلَ فَهو مُعْقَدٌ وعَقِيدٌ، وأحْبَسْتُ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَهو مُحْبَسٌ وحَبِيسٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي مِنهُ نُقِلَتْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، أخْبَرَ أنَّهُ أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ مِمّا كُتِبَ هُناكَ.
وذَلِكَ: مُبْتَدَأٌ، ونَتْلُوهُ: خَبَرٌ. ومِنَ الآياتِ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنًا مِنَ الآياتِ. و”مِن“: لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ هَذا المَتْلُوَّ بَعْضُ الآياتِ والذِّكْرِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: مِنَ الآياتِ، خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ، إذا كانَ لِمُبْتَدَأٍ واحِدٍ، ولَمْ يَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: مِن، لِبَيانِ الجِنْسِ، وذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ أنْ تَكُونَ: مِن، لِبَيانِ الجِنْسِ. ولا يَتَأتّى ذَلِكَ هُنا مِن جِهَةِ المَعْنى إلّا بِمَجازٍ، لِأنَّ تَقْدِيرَ مِنَ البَيانِيَّةِ بِالمَوْصُولِ. ولَوْ قُلْتَ: ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ الَّذِي هو الآياتُ والذِّكْرُ الحَكِيمُ، لاحْتِيجَ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ هَذا المُشارَ إلَيْهِ مِن نَبَأِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ لَيْسَ هو جَمِيعَ الآياتِ، والذِّكْرُ الحَكِيمُ إنَّما هو بَعْضُ الآياتِ، فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ أنَّهُ جَعَلَ بَعْضَ الآياتِ، والذِّكْرُ هو الآياتُ، والذِّكْرُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّها لِبَيانِ الجِنْسِ: أبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، وبَدَأ بِهِ، ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، أيْ: نَتْلُو ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ، والرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أفْصَحُ؛ لِأنَّهُ عَرِيَ مِن مُرَجِّحِ النَّصْبِ عَلى الِاشْتِغالِ؛ فَزَيْدٌ ضَرَبْتَهُ، أفْصَحُ مِن: زَيْدًا ضَرَبْتَهُ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا، وعَلى هَذا الإعْرابِ يَكُونُ: نَتْلُوهُ، لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، لِأنَّهُ مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَكُونُ: مِنَ الآياتِ، حالًا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في: نَتْلُوهُ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي، ونَتْلُوهُ: صِلَتَهُ. ومِنَ الآياتِ الخَبَرُ. وقالَهُ الزَّجّاجُ قَبْلَهُ، وهَذِهِ نَزْعَةٌ كُوفِيَّةٌ، يُجِيزُونَ في أسْماءِ الإشارَةِ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، إلّا في ذا، وحْدَها إذا سَبَقَها ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاتِّفاقٍ، أوْ مَنِ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاخْتِلافٍ. وتَقْرِيرُ هَذا في عِلْمِ النَّحْوِ. وجَوَّزُوا (p-٤٧٧)أيْضًا أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأً و”مِنَ الآياتِ“: خَبَرٌ. ونَتْلُوهُ: حالٌ. وأنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ. ونَتْلُوهُ: حالٌ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الآياتِ، ومَن جَعَلَها لِلْقَسَمِ وجَوابَ القَسَمِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ [آل عمران: ٥٩] فَقَدْ أبْعَدَ.
آل عمران 3:59
﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: «جادَلَ وفْدُ نَجْرانَ» النَّبِيَّ ﷺ في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا، وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، ورُوحٌ مِنهُ“ . فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أوْ سَمِعْتَ بِهِ ؟ فَخَرَجُوا، فَنَزَلَتْ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم قالُوا: فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنا مِثْلَهُ فَنَزَلَتْ.
ورَوَيَ وكِيعٌ عَنْ مُبارَكٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «جاءَ راهِبا نَجْرانَ فَعَرَضَ عَلَيْهِما الإسْلامَ، فَقالَ أحَدُهُما: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، فَقالَ: ”كَذَبْتُما، يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ: عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وقَوْلُكُما لِلَّهِ ولَدٌ. قالا: مَن أبُو عِيسى ؟ وكانَ لا يَعْجَلُ حَتّى يَأْمُرَهُ رَبُّهُ. فَأنْزَلَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾» وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِمْ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ شَأْنَ عِيسى وحالَهُ الغَرِيبَةَ كَشَأْنِ آدَمَ، فَجَعَلَ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ. وهو راجِعٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: المَثَلُ هُنا الصِّفَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] وفي هَذا إقْرارُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ عَلى مَعْناها التَّشْبِيهِيِّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في قَوْلِ مَن قالَ إنَّ المَثَلَ هُنا بِمَعْنى الصِّفَةِ ما نَصُّهُ: وهَذا عِنْدِي خَطَأٌ وضَعْفٌ في فَهْمِ الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُّفُوسُ والعُقُولُ، مِن عِيسى فَهو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ النّاسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ. وكَذَلِكَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها. وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى. والكافُ في ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ.
ولا يَظْهَرُ لِي فَرْقٌ بَيْنَ كَلامِهِ هَذا وكَلامِ مَن جَعَلَ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ. أوْ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وفي (رَيِّ الظَّمْآنِ) قِيلَ: المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وقَوْلُكَ صِفَةُ عِيسى كَصِفَةِ آدَمَ كَلامٌ مُطَّرِدٌ، عَلى هَذا جُلَّ اللُّغَوِيِّينَ والمُفَسِّرِينَ، وخالَفَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ الجَمِيعَ، وقالَ: المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ لا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ في اللُّغَةِ، إنَّما المَثَلُ الشَّبَهُ. عَلى هَذا تَدُورُ تَصارِيفُ الكَلِمَةِ، ولا مَعْنى لِلْوَصْفِيَّةِ في التَّشابُهِ. والمَثَلُ كَلِمَةٌ يُرْسِلُها قائِلُها لِحِكْمَةٍ يُشَبِّهُ بِها الأُمُورَ، ويُقابِلُ بِها الأحْوالَ انْتَهى.
ومَن جَعَلَ المَثَلَ هُنا مُرادِفًا لِلْمِثْلِ، كالشَّبَهِ والشِّبْهِ. قالَ: جَمَعَ بَيْنَ أداتَيْ تَشْبِيهٍ عَلى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ لِلشَّبَهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ خَطَرِهِ وقَدْرِهِ. وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: الكافُ زائِدَةٌ. وقالَ بَعْضُهم:“ مَثَلَ ”: زائِدَةٌ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المِثْلَ هُنا مِن ضَرْبِ الأمْثالِ. وقالَ: العَرَبُ تَضْرِبُ الأمْثالَ لِبَيانِ ما خَفِيَ مَعْناهُ ودَقَّ إيضاحُهُ، لَمّا خَفِيَ سِرُّ وِلادَةِ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ؛ لِأنَّهُ خالَفَ المَعْرُوفَ، ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ بِآدَمَ الَّذِي اسْتَقَرَّ في الأذْهانِ. وعُلِمَ أنَّهُ أُوجِدَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، كَذَلِكَ خَلْقُ عِيسى بِلا أبٍ، ولا بُدَّ مِن مُشارَكَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ بَيْنَ مَن ضَرَبَ بِهِ المَثَلَ، وبَيْنَ مَن ضَرَبَ لَهُ المَثَلَ، مِن وجْهٍ واحِدٍ، أوْ مِن وُجُوهٍ لا يُشْتَرَطُ الِاشْتِراكُ في سائِرِ الصِّفاتِ. والمَعْنى الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ المُشارَكَةُ بَيْنَ آدَمَ وعِيسى كَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما خُلِقَ مِن غَيْرِ أبٍ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المُشارَكَةُ بَيْنَ آدَمَ وعِيسى في خَمْسَةَ عَشَرَ وصْفًا: في التَّكْوِينِ، وفي الخَلْقِ مِنَ العَناصِرِ الَّتِي رَكَّبَ اللَّهُ مِنها الدُّنْيا، وفي العُبُودِيَّةِ، وفي النُّبُوَّةِ، وفي المِحْنَةِ عِيسى بِاليَهُودِ، و آدَمُ بِإبْلِيسَ، وفي أكْلِهِما الطَّعامِ والشَّرابِ، وفي الفَقْرِ إلى اللَّهِ، وفي الصُّورَةِ، وفي الرَّفْعِ إلى السَّماءِ والإنْزالِ مِنها إلى الأرْضِ، وفي الإلْهامِ، عَطَسَ آدَمُ فَأُلْهِمَ، فَقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ. وأُلْهِمَ عِيسى حِينَ أُخْرِجَ مِن بَطْنِ أُمَّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] وفي العِلْمِ، قالَ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ [البقرة: ٣١] وقالَ: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ٤٨] وفي نَفْخِ (p-٤٧٨)الرُّوحِ فِيهِما (فَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي) ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] وفي المَوْتِ، وفي فَقْدِ الأبِ، ومَعْنى: عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ عِنْدَ مَن يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الأمْرِ، وكَيْفَ هو؛ أيْ هَكَذا هو الأمْرُ فِيما غابَ عَنْكم، ولَمْ تَطَّلِعُوا عَلى كُنْهِهِ. والعامِلُ في عِنْدَ، العامِلُ في كافِ التَّشْبِيهِ، وهَذا التَّشْبِيهُ هو مِن أحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وهو الوُجُودُ مِن غَيْرِ أبٍ، وهُما نَظِيرانِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما أوْجَدَهُ اللَّهُ خارِجًا عَمّا اسْتَقَرَّ واسْتَمَرَّ في العادَةِ مِن خَلْقِ الإنْسانِ مُتَوَلِّدًا مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] والوُجُودُ مِن غَيْرِ أبٍ وأُمٍّ أغْرَبُ في العادَةِ مِن وُجُودٍ مِن غَيْرِ أبٍ، فَشَبَّهَ الغَرِيبَ بِالأغْرَبِ؛ لِيَكُونَ أقْطَعَ لِلْخَصْمِ وأحْسَمَ لِمادَةِ شُبْهَتِهِ إذا نَظَرَ فِيما هو أغْرَبُ مِمّا اسْتَغْرَبَهُ، وأُسِرَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالرُّومِ فَقالَ لَهم لِمَ تَعْبُدُونَ عِيسى ؟ قالُوا: لِأنَّهُ لا أبَ لَهُ. قالَ: فَآدَمُ أوْلى لِأنَّهُ لا أبَوَيْنِ لَهُ. قالُوا: كانَ يُحْيِي المَوْتى، قالَ: فَحِزْقِيلُ أوْلى؛ لِأنَّ عِيسى أحْيا أرْبَعَةَ نَفَرٍ، وأحْيا حِزْقِيلُ ثَمانِيَةَ آلافٍ. فَقالُوا: كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ. قالَ: فَجِرْجِيسُ أوْلى لِأنَّهُ طُحِنَ وأُحْرِقَ، ثُمَّ قامَ سالِمًا انْتَهى.
وصَحَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ عَيْنَ قَتادَةَ بَعْدَما قُلِعَتْ، ورَدَّ اللَّهُ نُورَها، وصَحَّ أنَّ أعْمى دَعا لَهُ فَرَدَّ اللَّهُ لَهُ بَصَرَهُ.
وفِي حَدِيثِ الشّابِّ الَّذِي أُتِيَ بِهِ لِيَتَعَلَّمَ مِن سِحْرِ السّاحِرِ، فَتَرَكَ السّاحِرَ، ودَخَلَ في دِينِ عِيسى وتَعَبَّدَ بِهِ، فَصارَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وفِيهِ أنَّهُ دَعا لِجَلِيسِ المَلِكِ وابْنِ عَمِّهِ، وكانَ أعْمى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ.
﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ هي مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ باسِمِ أصْلِهِ. كَقَوْلِهِ (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ) كانَ تُرابًا ثُمَّ صارَ طِينًا، وخَلَقَ مِنهُ آدَمَ. كَما قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وقالَ تَعالى: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] وقالَ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في: خَلَقَهُ عائِدٌ عَلى آدَمَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ لِـ“ كَمَثَلِ آدَمَ ”، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ الحالِ، وقُدِّرَ مَعَ خَلَقَهُ مَقْدِرَةً، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّشْبِيهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهُ صِفَةً لِآدَمَ، ولا حالًا مِنهُ. قالَ الزَّجّاجُ: إذِ الماضِي لا يَكُونُ حالًا أنْتَ فِيها، بَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ مِنهُ مُضَمِّنُهُ تَفْسِيرُ المَثَلِ انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ نَظَرٌ، والمَعْنى: قَدَّرَهُ جَسَدًا مِن طِينٍ ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ أنْشَأهُ بَشَرًا، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وسَبَقَهُ إلى مَعْناهُ أبُو مُسْلِمٍ. قُلْنا: ولَوْ كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى الإنْشاءِ. لا بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، لَمْ يَأْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ لِأنَّ ما خُلِقَ لا يُقالُ لَهُ كُنْ، ولا يَنْشَأُ إلّا إنْ كانَ مَعْنى ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ عِبارَةً عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وقالَهُ عَبْدُ الجَبّارِ. فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِمَعْنى أنْشَأهُ لا بِمَعْنى قَدَّرَهُ. قِيلَ: أوْ يَكُونَ: كُنْ، عِبارَةً عَنْ كَوْنِهِ لَحْمًا ودَمًا، وقَوْلُهُ: فَيَكُونُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ولا قَوْلَ هُناكَ حَقِيقَةً، وإنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وكِنايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ الخَلْقِ، والتَّمَكُّنِ مِن إيجادِ ما يُرِيدُ تَعالى إيجادَهُ، إذِ المَعْدُومُ لا يُمْكِنُ أنْ يُؤْمَرَ.
و: ثُمَّ، قِيلَ لِتَرْتِيبِ الخَبَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: كُنْ، لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ“ خَلَقَهُ ”، وإنَّما هو في المَعْنى تَفْسِيرٌ لِلْخَلْقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ أيْ: أنْشَأهُ أوَّلًا مِن طِينٍ، ثُمَّ بَعْدَ زَمانٍ أوْجَدَ فِيهِ الرُّوحَ، أيْ: صَيَّرَهُ لَحْمًا ودَمًا عَلى مَن قالَ ذَلِكَ. وقالَ الرّاغِبُ: ومَعْنى: كُنْ. بَعْدَ: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ: كُنْ إنْسانًا حَيًّا ناطِقًا، وهو لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ كانَ دَهْرًا مُلْقًى لا رُوحَ فِيهِ، ثُمَّ جَعَلَ لَهُ الرُّوحَ. وقَوْلُهُ: كُنْ؛ عِبارَةٌ عَنْ إيجادِ الصُّورَةِ الَّتِي صارَ بِها الإنْسانُ إنْسانًا انْتَهى.
والضَّمِيرُ في: لَهُ، عائِدٌ عَلى آدَمَ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّهُ عائِدٌ عَلى عِيسى، وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ خُلِقَ بِكُنْ، وهو قَوْلُ الحُوفِيِّ.
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ الحَقَّ، وهو الشَّيْءُ الثّابِتُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، هو وارِدٌ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ، فَجَمِيعُ ما أنْبَأكَ بِهِ حَقٌّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ قِصَّةُ عِيسى وآدَمَ وجَمِيعِ أنْبائِهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: الحَقُّ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو. أيْ: خَبَرُ عِيسى في كَوْنِهِ خُلِقَ مِن أُمٍّ فَقَطْ هو الحَقُّ، ومِن رَبِّكَ: حالٌ، أوْ: خَبَرٌ ثانٍ، وأخْبَرَ عَنْ قِصَّةِ عِيسى بِأنَّها حَقٌّ. ومَعَ كَوْنِها حَقًّا فَهي (p-٤٧٩)إخْبارٌ صادِرٌ عَنِ اللَّهِ.
﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ بِهَذا لِكُلِّ سامِعٍ قِصَّةَ عِيسى والأخْبارَ الوارِدَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَّةُ مَن ظاهِرُ الخِطابِ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَهْيُهُ عَنِ الِامْتِراءِ وجَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ مُمْتَرِيًا، مِن بابِ التَّهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَّباتِ والطُّمَأْنِينَةِ، وأنْ يَكُونَ لُطْفًا لِغَيْرِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الِامْتِراءُ اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ لِلشَّكِّ العارِضِ، ويُجْعَلُ عِبارَةً عَنِ الشَّكِّ، وقالَ: فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ، ولَمْ يَكُنْ مُمْتَرِيًا لِيَكُونَ فِيهِ ذَمٌّ مِن شَكٍّ في عِيسى.
﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] أيْ: مَن نازَعَكَ وجادَلَكَ، وهو مِن بابِ المُفاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَ وفْدِ نَجْرانَ. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى عِيسى؛ لِأنَّ المُنازَعَةَ كانَتْ فِيهِ، ولِأنَّ تَصْدِيرَ الآيَةِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ وما بَعْدَهُ جاءَ مِن تَمامِ أمْرِهِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحَقِّ، وظاهِرٌ مِنَ العُمُومِ في كُلِّ مَن يُحاجُّ في أمْرِ عِيسى. وقِيلَ: المُرادُ وفْدُ نَجْرانَ.
و: مَن، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، والعِلْمُ هُنا: الوَحْيُ الَّذِي جاءَ بِهِ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ في أمْرِ عِيسى، المُوجِبَةُ لِلْعَمَلِ. و“ ما ”في: ما جاءَكَ، مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وفي: جاءَكَ، ضَمِيرُ الفاعِلِ يَعُودُ عَلَيْها. ومِنَ العِلْمِ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنًا مِنَ العِلْمِ. وتَكُونُ: مِن تَبْعِيضِيَّةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ، قالَ بَعْضُهم، ويَخْرُجُ عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ: أنْ تَكُونَ ما، مَصْدَرِيَّةً، ومِن: زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: مِن بَعْدِ مَجِيءِ العِلْمِ إيّاكَ.
﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ [آل عمران: ٦١] قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ، وهو الأصْلُ والقِياسُ، إذِ التَّقْدِيرُ تَفاعَلَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ وأصْلُها واوٌ، فَإذا أمَرْتَ الواحِدَ قُلْتَ: تَعالَ، كَما تَقُولُ: اخْشَ واسْعَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو واقِدٍ، وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهم أنَّ أصْلَهُ: تَعالَيُوا، كَما تَقُولُ: تَجادَلُوا، نَقَلَ الضَّمَّةَ مِنَ الياءِ إلى اللّامِ بَعْدَ حَذْفِ فَتْحَتِها، فَبَقِيَتِ الياءُ ساكِنَةً، وواوُ الضَّمِيرِ ساكِنَةً، فَحُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهَذا تَعْلِيلُ شُذُوذٍ.
﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] أيْ: يَدْعُ كُلٌّ مِنِّي ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ إلى المُباهَلَةِ. وظاهِرُ هَذا أنَّ الدُّعاءَ والمُباهَلَةَ بَيْنَ المُخاطَبِ: بِـ“ قُلْ ”وبَيْنَ“ مَن حاجَّهُ ”، وفُسِّرَ عَلى هَذا الوَجْهِ الأبْناءُ بِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وبِنِسائِهِ فاطِمَةَ، والأنْفُسُ: بِعَلِيٍّ. قالَ الشَّعْبِيُّ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَعَ مَن حاجَّهُ ما ثَبَتَ في صَحِيح مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فاطِمَةَ و حَسَنًا وحُسَيْنًا، فَقالَ:“ اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي ”» .
وقالَ قَوْمٌ: المُباهَلَةُ كانَتْ عَلَيْهِ، وعَلى المُسْلِمِينَ، بِدَلِيلِ ظاهِرِ قَوْلِهِ“ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] " عَلى الجَمْعِ، ولَمّا دَعاهم دَعا بِأهْلِهِ الَّذِينَ في حَوْزَتِهِ، ولَوْ عَزَمَ نَصارى نَجْرانَ عَلى المُباهَلَةِ وجاءُوا لَها، لَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ أنْ يَخْرُجُوا بِأهالِيهِمْ لِمُباهَلَتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِأنْفُسِنا، الإخْوانُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أيْ: إخْوانَكم. وقِيلَ: أهْلَ دِينِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ: الأزْواجَ، وقِيلَ: أرادَ القَرابَةَ القَرِيبَةَ، ذَكَرَهُما عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: ٦١] أيْ: نَدْعُ بِالِالتِعانِ. وقِيلَ: نَتَضَرَّعْ إلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: نُخْلِصُ في الدُّعاءِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نُجْهِدُ في الدُّعاءِ. وقِيلَ: نَتَداعى بِالهَلاكِ.
آل عمران 3:60
﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: «جادَلَ وفْدُ نَجْرانَ» النَّبِيَّ ﷺ في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا، وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، ورُوحٌ مِنهُ“ . فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أوْ سَمِعْتَ بِهِ ؟ فَخَرَجُوا، فَنَزَلَتْ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم قالُوا: فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنا مِثْلَهُ فَنَزَلَتْ.
ورَوَيَ وكِيعٌ عَنْ مُبارَكٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «جاءَ راهِبا نَجْرانَ فَعَرَضَ عَلَيْهِما الإسْلامَ، فَقالَ أحَدُهُما: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، فَقالَ: ”كَذَبْتُما، يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ: عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وقَوْلُكُما لِلَّهِ ولَدٌ. قالا: مَن أبُو عِيسى ؟ وكانَ لا يَعْجَلُ حَتّى يَأْمُرَهُ رَبُّهُ. فَأنْزَلَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾» وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِمْ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ شَأْنَ عِيسى وحالَهُ الغَرِيبَةَ كَشَأْنِ آدَمَ، فَجَعَلَ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ. وهو راجِعٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: المَثَلُ هُنا الصِّفَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] وفي هَذا إقْرارُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ عَلى مَعْناها التَّشْبِيهِيِّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في قَوْلِ مَن قالَ إنَّ المَثَلَ هُنا بِمَعْنى الصِّفَةِ ما نَصُّهُ: وهَذا عِنْدِي خَطَأٌ وضَعْفٌ في فَهْمِ الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُّفُوسُ والعُقُولُ، مِن عِيسى فَهو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ النّاسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ. وكَذَلِكَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها. وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى. والكافُ في ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ.
ولا يَظْهَرُ لِي فَرْقٌ بَيْنَ كَلامِهِ هَذا وكَلامِ مَن جَعَلَ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ. أوْ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وفي (رَيِّ الظَّمْآنِ) قِيلَ: المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وقَوْلُكَ صِفَةُ عِيسى كَصِفَةِ آدَمَ كَلامٌ مُطَّرِدٌ، عَلى هَذا جُلَّ اللُّغَوِيِّينَ والمُفَسِّرِينَ، وخالَفَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ الجَمِيعَ، وقالَ: المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ لا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ في اللُّغَةِ، إنَّما المَثَلُ الشَّبَهُ. عَلى هَذا تَدُورُ تَصارِيفُ الكَلِمَةِ، ولا مَعْنى لِلْوَصْفِيَّةِ في التَّشابُهِ. والمَثَلُ كَلِمَةٌ يُرْسِلُها قائِلُها لِحِكْمَةٍ يُشَبِّهُ بِها الأُمُورَ، ويُقابِلُ بِها الأحْوالَ انْتَهى.
ومَن جَعَلَ المَثَلَ هُنا مُرادِفًا لِلْمِثْلِ، كالشَّبَهِ والشِّبْهِ. قالَ: جَمَعَ بَيْنَ أداتَيْ تَشْبِيهٍ عَلى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ لِلشَّبَهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ خَطَرِهِ وقَدْرِهِ. وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: الكافُ زائِدَةٌ. وقالَ بَعْضُهم:“ مَثَلَ ”: زائِدَةٌ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المِثْلَ هُنا مِن ضَرْبِ الأمْثالِ. وقالَ: العَرَبُ تَضْرِبُ الأمْثالَ لِبَيانِ ما خَفِيَ مَعْناهُ ودَقَّ إيضاحُهُ، لَمّا خَفِيَ سِرُّ وِلادَةِ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ؛ لِأنَّهُ خالَفَ المَعْرُوفَ، ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ بِآدَمَ الَّذِي اسْتَقَرَّ في الأذْهانِ. وعُلِمَ أنَّهُ أُوجِدَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، كَذَلِكَ خَلْقُ عِيسى بِلا أبٍ، ولا بُدَّ مِن مُشارَكَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ بَيْنَ مَن ضَرَبَ بِهِ المَثَلَ، وبَيْنَ مَن ضَرَبَ لَهُ المَثَلَ، مِن وجْهٍ واحِدٍ، أوْ مِن وُجُوهٍ لا يُشْتَرَطُ الِاشْتِراكُ في سائِرِ الصِّفاتِ. والمَعْنى الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ المُشارَكَةُ بَيْنَ آدَمَ وعِيسى كَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما خُلِقَ مِن غَيْرِ أبٍ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المُشارَكَةُ بَيْنَ آدَمَ وعِيسى في خَمْسَةَ عَشَرَ وصْفًا: في التَّكْوِينِ، وفي الخَلْقِ مِنَ العَناصِرِ الَّتِي رَكَّبَ اللَّهُ مِنها الدُّنْيا، وفي العُبُودِيَّةِ، وفي النُّبُوَّةِ، وفي المِحْنَةِ عِيسى بِاليَهُودِ، و آدَمُ بِإبْلِيسَ، وفي أكْلِهِما الطَّعامِ والشَّرابِ، وفي الفَقْرِ إلى اللَّهِ، وفي الصُّورَةِ، وفي الرَّفْعِ إلى السَّماءِ والإنْزالِ مِنها إلى الأرْضِ، وفي الإلْهامِ، عَطَسَ آدَمُ فَأُلْهِمَ، فَقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ. وأُلْهِمَ عِيسى حِينَ أُخْرِجَ مِن بَطْنِ أُمَّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] وفي العِلْمِ، قالَ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ [البقرة: ٣١] وقالَ: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ٤٨] وفي نَفْخِ (p-٤٧٨)الرُّوحِ فِيهِما (فَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي) ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] وفي المَوْتِ، وفي فَقْدِ الأبِ، ومَعْنى: عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ عِنْدَ مَن يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الأمْرِ، وكَيْفَ هو؛ أيْ هَكَذا هو الأمْرُ فِيما غابَ عَنْكم، ولَمْ تَطَّلِعُوا عَلى كُنْهِهِ. والعامِلُ في عِنْدَ، العامِلُ في كافِ التَّشْبِيهِ، وهَذا التَّشْبِيهُ هو مِن أحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وهو الوُجُودُ مِن غَيْرِ أبٍ، وهُما نَظِيرانِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما أوْجَدَهُ اللَّهُ خارِجًا عَمّا اسْتَقَرَّ واسْتَمَرَّ في العادَةِ مِن خَلْقِ الإنْسانِ مُتَوَلِّدًا مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] والوُجُودُ مِن غَيْرِ أبٍ وأُمٍّ أغْرَبُ في العادَةِ مِن وُجُودٍ مِن غَيْرِ أبٍ، فَشَبَّهَ الغَرِيبَ بِالأغْرَبِ؛ لِيَكُونَ أقْطَعَ لِلْخَصْمِ وأحْسَمَ لِمادَةِ شُبْهَتِهِ إذا نَظَرَ فِيما هو أغْرَبُ مِمّا اسْتَغْرَبَهُ، وأُسِرَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالرُّومِ فَقالَ لَهم لِمَ تَعْبُدُونَ عِيسى ؟ قالُوا: لِأنَّهُ لا أبَ لَهُ. قالَ: فَآدَمُ أوْلى لِأنَّهُ لا أبَوَيْنِ لَهُ. قالُوا: كانَ يُحْيِي المَوْتى، قالَ: فَحِزْقِيلُ أوْلى؛ لِأنَّ عِيسى أحْيا أرْبَعَةَ نَفَرٍ، وأحْيا حِزْقِيلُ ثَمانِيَةَ آلافٍ. فَقالُوا: كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ. قالَ: فَجِرْجِيسُ أوْلى لِأنَّهُ طُحِنَ وأُحْرِقَ، ثُمَّ قامَ سالِمًا انْتَهى.
وصَحَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ عَيْنَ قَتادَةَ بَعْدَما قُلِعَتْ، ورَدَّ اللَّهُ نُورَها، وصَحَّ أنَّ أعْمى دَعا لَهُ فَرَدَّ اللَّهُ لَهُ بَصَرَهُ.
وفِي حَدِيثِ الشّابِّ الَّذِي أُتِيَ بِهِ لِيَتَعَلَّمَ مِن سِحْرِ السّاحِرِ، فَتَرَكَ السّاحِرَ، ودَخَلَ في دِينِ عِيسى وتَعَبَّدَ بِهِ، فَصارَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وفِيهِ أنَّهُ دَعا لِجَلِيسِ المَلِكِ وابْنِ عَمِّهِ، وكانَ أعْمى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ.
﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ هي مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ باسِمِ أصْلِهِ. كَقَوْلِهِ (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ) كانَ تُرابًا ثُمَّ صارَ طِينًا، وخَلَقَ مِنهُ آدَمَ. كَما قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وقالَ تَعالى: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] وقالَ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في: خَلَقَهُ عائِدٌ عَلى آدَمَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ لِـ“ كَمَثَلِ آدَمَ ”، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ الحالِ، وقُدِّرَ مَعَ خَلَقَهُ مَقْدِرَةً، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّشْبِيهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهُ صِفَةً لِآدَمَ، ولا حالًا مِنهُ. قالَ الزَّجّاجُ: إذِ الماضِي لا يَكُونُ حالًا أنْتَ فِيها، بَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ مِنهُ مُضَمِّنُهُ تَفْسِيرُ المَثَلِ انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ نَظَرٌ، والمَعْنى: قَدَّرَهُ جَسَدًا مِن طِينٍ ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ أنْشَأهُ بَشَرًا، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وسَبَقَهُ إلى مَعْناهُ أبُو مُسْلِمٍ. قُلْنا: ولَوْ كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى الإنْشاءِ. لا بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، لَمْ يَأْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ لِأنَّ ما خُلِقَ لا يُقالُ لَهُ كُنْ، ولا يَنْشَأُ إلّا إنْ كانَ مَعْنى ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ عِبارَةً عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وقالَهُ عَبْدُ الجَبّارِ. فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِمَعْنى أنْشَأهُ لا بِمَعْنى قَدَّرَهُ. قِيلَ: أوْ يَكُونَ: كُنْ، عِبارَةً عَنْ كَوْنِهِ لَحْمًا ودَمًا، وقَوْلُهُ: فَيَكُونُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ولا قَوْلَ هُناكَ حَقِيقَةً، وإنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وكِنايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ الخَلْقِ، والتَّمَكُّنِ مِن إيجادِ ما يُرِيدُ تَعالى إيجادَهُ، إذِ المَعْدُومُ لا يُمْكِنُ أنْ يُؤْمَرَ.
و: ثُمَّ، قِيلَ لِتَرْتِيبِ الخَبَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: كُنْ، لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ“ خَلَقَهُ ”، وإنَّما هو في المَعْنى تَفْسِيرٌ لِلْخَلْقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ أيْ: أنْشَأهُ أوَّلًا مِن طِينٍ، ثُمَّ بَعْدَ زَمانٍ أوْجَدَ فِيهِ الرُّوحَ، أيْ: صَيَّرَهُ لَحْمًا ودَمًا عَلى مَن قالَ ذَلِكَ. وقالَ الرّاغِبُ: ومَعْنى: كُنْ. بَعْدَ: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ: كُنْ إنْسانًا حَيًّا ناطِقًا، وهو لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ كانَ دَهْرًا مُلْقًى لا رُوحَ فِيهِ، ثُمَّ جَعَلَ لَهُ الرُّوحَ. وقَوْلُهُ: كُنْ؛ عِبارَةٌ عَنْ إيجادِ الصُّورَةِ الَّتِي صارَ بِها الإنْسانُ إنْسانًا انْتَهى.
والضَّمِيرُ في: لَهُ، عائِدٌ عَلى آدَمَ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّهُ عائِدٌ عَلى عِيسى، وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ خُلِقَ بِكُنْ، وهو قَوْلُ الحُوفِيِّ.
﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ الحَقَّ، وهو الشَّيْءُ الثّابِتُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، هو وارِدٌ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ، فَجَمِيعُ ما أنْبَأكَ بِهِ حَقٌّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ قِصَّةُ عِيسى وآدَمَ وجَمِيعِ أنْبائِهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: الحَقُّ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو. أيْ: خَبَرُ عِيسى في كَوْنِهِ خُلِقَ مِن أُمٍّ فَقَطْ هو الحَقُّ، ومِن رَبِّكَ: حالٌ، أوْ: خَبَرٌ ثانٍ، وأخْبَرَ عَنْ قِصَّةِ عِيسى بِأنَّها حَقٌّ. ومَعَ كَوْنِها حَقًّا فَهي (p-٤٧٩)إخْبارٌ صادِرٌ عَنِ اللَّهِ.
﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ بِهَذا لِكُلِّ سامِعٍ قِصَّةَ عِيسى والأخْبارَ الوارِدَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَّةُ مَن ظاهِرُ الخِطابِ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَهْيُهُ عَنِ الِامْتِراءِ وجَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ مُمْتَرِيًا، مِن بابِ التَّهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَّباتِ والطُّمَأْنِينَةِ، وأنْ يَكُونَ لُطْفًا لِغَيْرِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الِامْتِراءُ اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ لِلشَّكِّ العارِضِ، ويُجْعَلُ عِبارَةً عَنِ الشَّكِّ، وقالَ: فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ، ولَمْ يَكُنْ مُمْتَرِيًا لِيَكُونَ فِيهِ ذَمٌّ مِن شَكٍّ في عِيسى.
﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] أيْ: مَن نازَعَكَ وجادَلَكَ، وهو مِن بابِ المُفاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَ وفْدِ نَجْرانَ. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى عِيسى؛ لِأنَّ المُنازَعَةَ كانَتْ فِيهِ، ولِأنَّ تَصْدِيرَ الآيَةِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ وما بَعْدَهُ جاءَ مِن تَمامِ أمْرِهِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحَقِّ، وظاهِرٌ مِنَ العُمُومِ في كُلِّ مَن يُحاجُّ في أمْرِ عِيسى. وقِيلَ: المُرادُ وفْدُ نَجْرانَ.
و: مَن، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، والعِلْمُ هُنا: الوَحْيُ الَّذِي جاءَ بِهِ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ في أمْرِ عِيسى، المُوجِبَةُ لِلْعَمَلِ. و“ ما ”في: ما جاءَكَ، مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وفي: جاءَكَ، ضَمِيرُ الفاعِلِ يَعُودُ عَلَيْها. ومِنَ العِلْمِ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنًا مِنَ العِلْمِ. وتَكُونُ: مِن تَبْعِيضِيَّةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ، قالَ بَعْضُهم، ويَخْرُجُ عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ: أنْ تَكُونَ ما، مَصْدَرِيَّةً، ومِن: زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: مِن بَعْدِ مَجِيءِ العِلْمِ إيّاكَ.
﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ [آل عمران: ٦١] قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ، وهو الأصْلُ والقِياسُ، إذِ التَّقْدِيرُ تَفاعَلَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ وأصْلُها واوٌ، فَإذا أمَرْتَ الواحِدَ قُلْتَ: تَعالَ، كَما تَقُولُ: اخْشَ واسْعَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو واقِدٍ، وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهم أنَّ أصْلَهُ: تَعالَيُوا، كَما تَقُولُ: تَجادَلُوا، نَقَلَ الضَّمَّةَ مِنَ الياءِ إلى اللّامِ بَعْدَ حَذْفِ فَتْحَتِها، فَبَقِيَتِ الياءُ ساكِنَةً، وواوُ الضَّمِيرِ ساكِنَةً، فَحُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهَذا تَعْلِيلُ شُذُوذٍ.
﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] أيْ: يَدْعُ كُلٌّ مِنِّي ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ إلى المُباهَلَةِ. وظاهِرُ هَذا أنَّ الدُّعاءَ والمُباهَلَةَ بَيْنَ المُخاطَبِ: بِـ“ قُلْ ”وبَيْنَ“ مَن حاجَّهُ ”، وفُسِّرَ عَلى هَذا الوَجْهِ الأبْناءُ بِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وبِنِسائِهِ فاطِمَةَ، والأنْفُسُ: بِعَلِيٍّ. قالَ الشَّعْبِيُّ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَعَ مَن حاجَّهُ ما ثَبَتَ في صَحِيح مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فاطِمَةَ و حَسَنًا وحُسَيْنًا، فَقالَ:“ اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي ”» .
وقالَ قَوْمٌ: المُباهَلَةُ كانَتْ عَلَيْهِ، وعَلى المُسْلِمِينَ، بِدَلِيلِ ظاهِرِ قَوْلِهِ“ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] " عَلى الجَمْعِ، ولَمّا دَعاهم دَعا بِأهْلِهِ الَّذِينَ في حَوْزَتِهِ، ولَوْ عَزَمَ نَصارى نَجْرانَ عَلى المُباهَلَةِ وجاءُوا لَها، لَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ أنْ يَخْرُجُوا بِأهالِيهِمْ لِمُباهَلَتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِأنْفُسِنا، الإخْوانُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أيْ: إخْوانَكم. وقِيلَ: أهْلَ دِينِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ: الأزْواجَ، وقِيلَ: أرادَ القَرابَةَ القَرِيبَةَ، ذَكَرَهُما عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: ٦١] أيْ: نَدْعُ بِالِالتِعانِ. وقِيلَ: نَتَضَرَّعْ إلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: نُخْلِصُ في الدُّعاءِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نُجْهِدُ في الدُّعاءِ. وقِيلَ: نَتَداعى بِالهَلاكِ.
آل عمران 3:61
﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ أيْ: (p-٤٨٠)يَقُولُ كُلٌّ مِنّا: لَعَنَ اللَّهُ الكاذِبَ مِنّا في أمْرِ عِيسى، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اللَّعْنِ لِمَن أقامَ عَلى كُفْرِهِ، وقَدْ لَعَنَ ﷺ اليَهُودَ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ ابْنا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ أبُو أحْمَدَ بْنُ عَيْلانَ: كانا إذْ ذاكَ مُكَلَّفَيْنِ؛ لِأنَّ المُباهَلَةَ عِنْدَهُ لا تَصِحُّ إلّا مِن مُكَلَّفٍ. وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ بِما رَوَوْا في قِصَّةِ المُباهَلَةِ، ومُضَمَّنُها أنَّهُ دَعاهم إلى المُباهَلَةِ، وخَرَجَ بِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وفاطِمَةَ و عَلِيٍّ، إلى المِيعادِ، وأنَّهم كَفُّوا عَنْ ذَلِكَ، ورَضُوا بِالإقامَةِ عَلى دِينِهِمْ وأنْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وأخْبَرَهم أحْبارُهم أنَّهم إنْ باهَلُوا عُذِّبُوا، وأخْبَرَ هو ﷺ أنَّهم إنْ باهَلُوا عُذِّبُوا، وفي تَرْكِ النَّصارى المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ شاهِدٌ عَظِيمٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما كانَ دُعاؤُهُ إلى المُباهَلَةِ، إلّا لِتَبْيِينِ الكاذِبِ مِنهُ، ومِن خَصْمِهِ، وذَلِكَ أمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ، وبِمَن يُكاذِبُهُ، فَما مَعْنى ضَمِّ الأبْناءِ والنِّساءِ ؟ .
قُلْتُ: ذَلِكَ آكَدُ في الدَّلالَةِ عَلى ثِقَتِهِ بِحالِهِ، واسْتِيقانِهِ بِصِدْقِهِ، حَيْثُ اسْتَجْرَأ عَلى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لَهُ، وعَلى ثِقَتِهِ بِكَذِبِ خَصْمِهِ حَتّى يُهْلِكَ خَصْمَهُ مَعَ أحِبَّتِهِ وأعِزَّتِهِ، هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ إنْ تَمَّتِ المُباهَلَةُ. وخَصَّ الأبْناءَ والنِّساءَ؛ لِأنَّهم أعَزُّ الأهْلِ، وألْصَقُهم بِالقُلُوبِ. ورُبَّما فَداهُمُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ، وحارَبَ دُونَهم حَتّى يُقْتَلَ، ومِن ثَمَّ كانُوا يَسُوقُونَ مَعَ أنْفُسِهِمُ الظَّعائِنَ في الحُرُوبِ لِتَمْنَعَهم مِنَ الهَرَبِ، ويُسَمُّونَ الذّادَةَ عَنْها بِأرْواحِهِمْ حُماةَ الحَقائِقِ، وقَدَّمَهم في الذِّكْرِ عَلى الأنْفُسِ؛ لِيُنَبِّهَ عَلى لُطْفِ مَكانِهِمْ، وقُرْبِ مَنزِلَتِهِمْ، ولِيُؤْذِنَ بِأنَّهم مُقَدَّمُونَ عَلى الأنْفُسِ يُفْدَوْنَ بِها، وفِيهِ دَلِيلٌ لا شَيْءَ أقْوى مِنهُ عَلى فَضْلِ أصْحابِ الكِساءِ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفِيهِ بُرْهانٌ واضِحٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ لَمْ يَرَ واحِدٌ مِن مُوافِقٍ، ولا مُخالِفٍ أنَّهم أجابُوا إلى ذَلِكَ انْتَهى كَلامُهُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما رَواهُ الرُّواةُ مِن أنَّهم تَرَكُوا المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ أحَجُّ لَنا عَلى سائِرِ الكَفَرَةِ، وألْيَقُ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ ودُعاءُ النِّساءِ والأبْناءِ لِلْمُلاعَنَةِ أهَزُّ لِلنُّفُوسِ، وأدْعى لِرَحْمَةِ اللَّهِ أوْ لِغَضَبِهِ عَلى المُبْطِلِينَ، وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جاءَهم بِما يَخُصُّهُ، ولَوْ عَزَمُوا اسْتَدْعى المُؤْمِنِينَ بِأبْنائِهِمْ، ونِسائِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ، وخاصَّتِهِ فَقَطِ انْتَهى.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المُظاهَرَةِ بِطَرِيقِ الإعْجازِ عَلى مَن يَدَّعِي الباطِلَ بَعْدَ وُضُوحِ البُرْهانِ بِطَرِيقِ القِياسِ، ومِن أغْرَبِ الِاسْتِدْلالِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ مِنَ الآيَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الحِمْصِيُّ، وكانَ مُتَكَلِّمًا عَلى طَرِيقِ الإثْنى عَشْرِيَّةَ. عَلى أنَّ عَلِيًّا أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ: وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ لَيْسَ المُرادُ نَفْسَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٤٨١)وسَلَّمَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَدْعُو نَفْسَهُ، بَلِ المُرادُ غَيْرُهُ. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الَّذِي هو غَيْرُهُ: عَلِيٌّ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ نَفْسَهُ نَفْسُ الرَّسُولِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَيْنَها، فالمُرادُ مِثْلُها، وذَلِكَ يَقْتَضِي العُمُومَ إلّا أنَّهُ تَرَكَ في حَقِّ النُّبُوَّةِ الفَضْلَ؛ لِقِيامِ الدَّلِيلِ، ودَلَّ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ كانَ ﷺ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ كَذَلِكَ.
قالَ: ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ الحَدِيثُ المَنقُولُ عَنْهُ مِنَ المُوافِقِ والمُخالِفِ: «مَن أرادَ أنْ يَرى آدَمَ في عِلْمِهِ، و نُوحًا في طاعَتِهِ، وإبْراهِيمَ في حِلْمِهِ، ومُوسى في قَوْمِهِ، وعِيسى في صَفْوَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ» . فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ.
قالَ: وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ والصَّحابَةِ. وأجابَ الرّازِيُّ: بِأنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وعَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّهُ مَخْصُوصٌ في حَقِّ جَمِيعِ الأنْبِياءِ.
وقالَ الرّازِيُّ: اسْتِدْلالُ الحِمْصِيِّ فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ: مِنها قَوْلُهُ: إنَّ الإنْسانَ لا يَدْعُو نَفْسَهُ، بَلْ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَدْعُوَ نَفْسَهُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعَوْتُ نَفْسِي إلى كَذا فَلَمْ تُجِبْنِي، وهَذا يُسَمِّيهِ أبُو عَلِيٍّ بِالتَّجْرِيدِ.
ومِنها قَوْلُهُ: وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الَّذِي هو غَيْرُهُ هو عَلِيٌّ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بِدَلِيلِ الأقْوالِ الَّتِي سِيقَتْ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: وأنْفُسَنا.
ومِنها قَوْلُهُ: فَيَكُونُ نَفْسُهُ مِثْلَ نَفْسِهِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ المُماثَلَةِ أنْ تَكُونَ في جَمِيعِ الأشْياءِ، بَلْ تَكْفِي المُماثَلَةُ في شَيْءٍ ما، هَذا الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ، لا الَّذِي يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ: مِن أنَّ المُماثَلَةَ تَكُونُ في جَمِيعِ صِفاتِ النَّفْسِ، هَذا اصْطِلاحٌ مِنهم لا لُغَةٌ. فَعَلى هَذا تَكْفِي المُماثَلَةُ في صِفَةٍ واحِدَةٍ، وهي كَوْنُهُ مِن بَنِي هاشِمٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا مِن أنْفُسِنا، أيْ: مِن قَبِيلَتِنا. وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ فَمَوْضُوعٌ لا أصْلَ لَهُ. وهَذِهِ النَّزْغَةُ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْها هَذا الحِمْصِيُّ مِن كَوْنِ عَلِيٍّ أفْضَلَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ وتَلَقَّفَها بَعْضُ مَن يَنْتَحِلُ كَلامَ الصُّوفِيَّةِ، ووَسَّعَ المَجالَ فِيها، فَزَعَمَ أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، ولَمْ يَقْصُرْ ذَلِكَ عَلى ولِيٍّ واحِدٍ، كَما قَصَرَ ذَلِكَ الحِمْصِيُّ، بَلْ زَعَمَ أنَّ رُتْبَةَ الوِلايَةِ الَّتِي لا نُبُوَّةَ مَعَها أفْضَلُ مِن رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ. قالَ: لِأنَّ الوَلِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ والنَّبِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِواسِطَةٍ، ومَن أخَذَ بِلا واسِطَةٍ أفْضَلُ مِمَّنْ أخَذَ بِواسِطَةٍ. وهَذِهِ المَقالَةُ مُخالِفَةٌ لِمَقالاتِ أهْلِ الإسْلامِ. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ، ولا أحَدَ أكْذَبُ مِمَّنْ يَدَّعِي أنَّ الوَلِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، لَقَدْ يَقْشَعِرُّ المُؤْمِنُ مِن سَماعِ هَذا الِافْتِراءِ، وحَكى لِي مَن لا أتَّهِمُهُ عَنْ بَعْضِ المُنْتَمِينَ، إلى أنَّهُ مِن أهْلِ الصَّلاحِ، أنَّهُ رُؤِيَ في يَدِهِ كِتابٌ يَنْظُرُ فِيهِ، فَسُئِلَ عَنْهُ. فَقالَ: فِيهِ ما أخَذْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وفِيهِ ما أخَذْتُهُ عَنِ اللَّهِ شَفاهًا أوْ شافَهَنِي بِهِ، الشَّكُّ مِنَ السّامِعِ. فانْظُرْ إلى جَراءَةِ هَذا الكاذِبِ عَلى اللَّهِ حَيْثُ ادَّعى مَقامَ مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ كَمُوسى و مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما - الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَلى سائِرِ الأنْبِياءِ.
قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ ضُرُوبٌ مِنَ البَلاغَةِ: مِنها إسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ، وهو: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى﴾ [آل عمران: ٥٥] واللَّهُ لَمْ يُشافِهْهُ بِذَلِكَ، بَلْ بِإخْبارِ جِبْرِيلَ أوْ غَيْرِهِ مِنَ المَلائِكَةِ. والِاسْتِعارَةُ في: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] وفي: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] والتَّفْصِيلُ لِما أُجْمِلَ في: ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ﴾ [آل عمران: ٥٥] بِقَوْلِهِ: فَأمّا، وأمّا، والزِّيادَةُ لِزِيادَةِ المَعْنى في ﴿مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦] أوِ: المَثَلُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ [آل عمران: ٥٩] . والتَّجَوُّزُ بِوَضْعِ المُضارِعِ مَوْضِعَ الماضِي في قَوْلِهِ ﴿نَتْلُوهُ﴾ [آل عمران: ٥٨] وفي (فَيَكُونُ) وبِالجَمْعِ بَيْنَ أداتَيْ تَشْبِيهٍ عَلى قَوْلٍ في ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] وبِالتَّجَوُّزِ بِتَسْمِيَةِ الشَّيْءِ، بِاسْمِ أصْلِهِ في ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] . وخِطابُ العَيْنِ، والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ، في ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] . والعامُّ يُرادُ بِهِ الخاصُّ في ﴿نَدْعُ أبْناءَنا﴾ الآيَةَ، والتَّجَوُّزُ بِإقامَةِ ابْنِ العَمِّ مَقامَ النَّفْسِ عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ، والحَذْفُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
آل عمران 3:62
﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ هَذا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ، جَزْمٌ مُؤَكَّدٌ، فُصِلَ بِهِ بَيْنَ المُخْتَصِمِينَ، والإشارَةُ إلى القُرْآنِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، والظّاهِرُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن أخْبارِ عِيسى، وكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِن غَيْرِ أبٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهم. أيْ: هَذا هو الحَقُّ (p-٤٨٢)لا ما يَدَّعِيهِ النَّصارى فِيهِ مِن كَوْنِهِ إلَهًا أوِ ابْنَ اللَّهِ، ولا ما تَدَّعِيهِ اليَهُودُ فِيهِ، وقِيلَ: هَذا إشارَةٌ إلى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾ ويَضْعُفُ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ بِقَصَصٍ، وبِوُجُودِ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ: ”وما“ قالَ بَعْضُهم إلّا إنْ أرادَ بِالقَصَصِ الخَبَرَ، فَيَصِحُّ عَلى هَذا، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنَّ الخَبَرَ الحَقَّ أنَّهُ ما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ انْتَهى. لَكِنْ يَمْنَعُ مِن هَذا التَّقْدِيرِ وُجُودُ واوِ العَطْفِ واللّامِ في: لَهو، دَخَلَتْ عَلى الفَصْلِ، و”القَصَصُ“ خَبَرُ ”إنَّ“، و”الحَقُّ“ صِفَةٌ لَهُ، والقَصَصُ مَصْدَرٌ، أوْ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ: المَقْصُوصِ؛ كالقَبْضِ بِمَعْنى المَقْبُوضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: هو مُبْتَدَأً والقَصَصُ: خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ ”إنَّ“، ووَصْفُ القَصَصِ بِالحَقِّ إشارَةٌ إلى القَصَصِ المَكْذُوبِ الَّذِي أتى بِهِ نَصارى نَجْرانَ، وغَيْرُهم، في أمْرِ عِيسى وإلاهِيَّتِهِ.
﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾ أيِ: المُخْتَصُّ بِالإلَهِيَّةِ هو اللَّهُ وحْدَهُ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى الثَّنَوِيَّةِ والنَّصارى، وكُلُّ مَن يَدَّعِي غَيْرَ اللَّهِ إلَهًا.
و: ”مِن“، زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، و”إلَهٍ“: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، و”اللَّهُ“: بَدَلٌ مِنهُ عَلى المَوْضِعِ، ولا يَجُوزُ البَدَلُ عَلى اللَّفْظِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ زِيادَةُ: مِن، في الواجِبِ، ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ نَصْبُ ما بَعْدَ إلّا، نَحْوَ ما مِن شُجاعٍ إلّا زَيْدًا، ولَمْ يُقْرَأْ بِالنَّصْبِ في هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ كانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ.
﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى وصْفَيِ الإلَهِيَّةِ، وهُما: القُدْرَةُ النّاشِئَةُ عَنِ الغَلَبَةِ فَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، والعِلْمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالحِكْمَةِ فِيما صَنَعَ، والإتْقانُ لِما اخْتَرَعَ، فَلا يَخْفى عَنْهُ شَيْءٌ. وهاتانِ الصِّفَتانِ مَنفِيَّتانِ عَنْ عِيسى. ويَجُوزُ في: لَهو، مِنَ الإعْرابِ ما جازَ في: لَهو القَصَصُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ فائِدَةِ الفَصْلِ.
آل عمران 3:63
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ المُلاعَنَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَنِ البَيانِ الَّذِي أبانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: عَنِ الإقْرارِ بِالوَحْدانِيَّةِ، والتَّنْزِيهِ عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ. وقالَ المُرْسِيُّ: عَنْ هَذا الذِّكْرِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ.
و: تَوَلَّوْا، ماضٍ أوْ مُضارِعٌ حُذِفَتْ تاؤُهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ في الظّاهِرِ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾، والمَعْنى: ما يَتَرَتَّبُ عَلى عِلْمِهِ بِالمُفْسِدِينَ مِن مُعاقَبَتِهِ لَهم، فَعَبَّرَ عَنِ العِقابِ بِالعِلْمِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ عِقابُهم، ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ الَّتِي تُوجِبُ العِقابَ، وهي الإفْسادُ، ولِذَلِكَ أتى بِالِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ، وأتى بِهِ جَمْعًا؛ لِيَدُلَّ عَلى العُمُومِ الشّامِلِ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا ولِغَيْرِهِمْ، ولِكَوْنِهِ رَأْسَ آيَةٍ، ودَلَّ عَلى أنَّ تَوَلِّيَهم إفْسادٌ أيُّ إفْسادٍ.
آل عمران 3:64
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أبى أهْلُ نَجْرانَ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُلاعَنَةِ، دُعُوا إلى أيْسَرَ مِن ذَلِكَ، وهي الكَلِمَةُ السَّواءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ، بَعَثَ بِها النَّبِيُّ ﷺ إلى جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ بِالحَبَشَةِ، فَقَرَأها جَعْفَرٌ، والنَّجاشِيُّ جالِسٌ وأشْرافُ الحَبَشَةِ. وقالَ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: في يَهُودِ المَدِينَةِ، وهُمُ الَّذِينَ حاجُّوا في إبْراهِيمَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما تُرِيدُ إلّا أنْ نَقُولَ فِيكَ ما قالَتِ اليَهُودُ في عُزَيْرٍ ؟
ولَفْظُ: يا أهْلَ الكِتابِ، يَعُمُّ كُلَّ مَن أُوتِيَ كِتابًا، ولِذَلِكَ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ بِالآيَةِ، والأقْرَبُ حَمْلُهُ عَلى النَّصارى؛ لِأنَّ الدَّلالَةَ ورَدَتْ عَلَيْهِمْ، والمُباهَلَةَ مَعَهم، وخاطَبَهم: بِـ ”يا أهْلَ الكِتابِ، هَزًّا لَهم في اسْتِماعِ ما يُلْقى إلَيْهِمْ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن كانَ أهْلَ كِتابٍ مِنَ اللَّهِ يَنْبَغِي أنْ يَتْبَعَ كِتابَ اللَّهِ، ولَمّا قَطَعَهم بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ فَلَمْ يُذْعِنُوا، ودَعاهم إلى المُباهَلَةِ فامْتَنَعُوا، عَدَلَ إلى نَوْعٍ مِنَ التَّلَطُّفِ، وهو دُعاؤُهم إلى كَلِمَةٍ فِيها إنْصافٌ بَيْنَهم. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: كَلْمَةٍ، كَضَرْبَةٍ، وكِلْمَةٍ: كَسِدْرَةٍ، وتَقَدَّمَ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٣٩] والكَلِمَةُ هي ما فُسِّرَتْ بِهِ بَعْدُ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ)، وهَذا تَفْسِيرُ المَعْنى. وعَبَّرَ بِالكَلِمَةِ عَنِ الكَلِماتِ؛ لِأنَّ الكَلِمَةَ قَدْ تُطْلِقُها العَرَبُ عَلى الكَلامِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، إمّا لِوَضْعِ المُفْرَدِ (p-٤٨٣)مَوْضِعَ الجَمْعِ، كَما قالَ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
وإمّا لِكَوْنِ الكَلِماتِ مُرْتَبِطَةً بَعْضِها بِبَعْضٍ، فَصارَتْ في قُوَّةِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ إذا اخْتَلَّ جُزْءٌ مِنها اخْتَلَّتِ الكَلِمَةُ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، هي كَلِماتٌ لا تَتِمُّ النِّسْبَةُ المَقْصُودَةُ فِيها مِن حَصْرِ الإلَهِيَّةِ في اللَّهِ إلّا بِمَجْمُوعِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: سَواءٍ، بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: سَواءً، بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ الحُوفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَعْنى اسْتَوَتِ اسْتِواءً، فَيَكُونُ:“ سَواءٍ ”، بِمَعْنى اسْتِواءٍ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ مِن:“ كَلِمَةٍ ”، وإنْ كانَ نَكِرَةً ذا الحالِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ وقاسَهُ، والحالُ والصِّفَةُ مُتَلاقِيانِ مِن حَيْثُ المَعْنى، والمَصْدَرُ يَحْتاجُ إلى إضْمارِ عامِلٍ، وإلى تَأْوِيلِ: سَواءٍ، بِمَعْنى اسْتِواءٍ، والأشْهَرُ اسْتِعْمالُ: سَواءٍ، بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيْ: مُسْتَوٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى سَواءٍ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وقالَ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ، والزَّجّاجُ: هُنا يَعْنِي بِالسَّواءِ العَدْلَ، وهو مِنِ اسْتَوى الشَّيْءُ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎أرُونِي خُطَّةً لا ضَيْمَ فِيها ∗∗∗ يُسَوِّي بَيْنَنا فِيها السَّواءُ
والمَعْنى: إلى كَلِمَةٍ عادِلَةٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ دَعاكَ فُلانٌ إلى سَواءٍ فاقْبَلْ مِنهُ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: كَلِمَةٍ مُسْتَوِيَةٍ، أيْ: مُسْتَقِيمَةٍ. وقِيلَ: إلى كَلِمَةِ قَصْدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي أقُولُهُ في لَفْظَةِ: سَواءٍ، أنَّها يَنْبَغِي أنْ تُفَسَّرَ بِتَفْسِيرٍ خاصٍّ بِها في هَذا المَوْضِعِ، وهو أنَّهُ دَعاهم إلى مَعانٍ جَمِيعُ النّاسِ فِيها مُسْتَوُونَ، صَغِيرُهم وكَبِيرُهم، وقَدْ كانَتْ سِيرَةُ المَدْعُوِّينَ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا أرْبابًا، فَلَمْ يَكُونُوا عَلى اسْتِواءِ حالٍ، فَدَعاهم بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ما يَأْلَفُ النُّفُوسُ مِن حَقٍّ لا يَتَفاضَلُ النّاسُ فِيهِ، فَسَواءٌ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِآخَرَ: هَذا شَرِيكِي في مالٍ سَواءٍ بَيْنِي وبَيْنَهُ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا التَّفْسِيرِ، وبَيْنَ تَفْسِيرِ لَفْظَةِ العَدْلِ، أنَّكَ لَوْ دَعَوْتَ أسِيرًا عِنْدَكَ إلى أنْ يُسْلِمَ، أوْ تَضْرِبَ عُنُقَهُ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَّواءِ الَّذِي هو العَدْلُ، عَلى هَذا الحَدِّ جاءَتْ لَفْظَةُ: سَواءٍ، في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] عَلى بَعْضِ التَّأْوِيلاتِ، وإنْ دَعَوْتَ أسِيرَكَ إلى أنْ يُؤْمِنَ فَيَكُونَ حُرًّا مُقاسِمًا لَكَ، في عَيْشِكِ لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَّواءِ الَّذِي هو اسْتِواءُ الحالِ عَلى ما فَسَّرْتُهُ، واللَّفْظَةُ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فِيها مَعْنى العَدْلِ، ولَكِنِّي لَمْ أرَ لِمُتَقَدِّمٍ أنْ يَكُونَ في اللَّفْظَةِ مَعْنى قَصْدِ اسْتِواءِ الحالِ، وهو عِنْدِي حَسَنٌ، لِأنَّ النُّفُوسَ تَأْلَفُهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ انْتَهى كَلامُهُ، وهو تَكْثِيرٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ، والظّاهِرُ انْتِصابُ الظَّرْفِ بِسَواءٍ.
(أنْ لا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ) مَوْضِعُ:“ أنْ ”، جَرٌّ عَلى البَدَلِ مِن: كَلِمَةٍ، بَدَلَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي أنْ لا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: سَواءٍ، وارْتِفاعُ: أنْ لا نَعْبُدَ، عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: بَيْنَنا وبَيْنَكم. قالُوا: والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، وهَذا وهْمٌ؛ لِعُرُوِّ الجُمْلَةِ مِن رابِطٍ يَرْبُطُها بِالمَوْصُوفِ، وجَوَّزُوا أيْضًا ارْتِفاعَ: أنْ لا نَعْبُدَ، بِالظَّرْفِ، ولا يَصِحُّ إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ، حَيْثُ أجازُوا إعْمالَ الظَّرْفِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ، و البَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ، وجَوَّزَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إلى كَلِمَةٍ مُسْتَوٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم فِيها الِامْتِناعُ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ: أنْ لا نَعْبُدَ، في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِ بِسَواءٍ، إلّا أنَّ فِيهِ إضْمارَ الرّابِطِ، وهو فِيها، وهو ضَعِيفٌ.
والمَعْنى: أنْ نُفْرِدَ اللَّهَ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ، ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، أيْ: لا نَجْعَلَ لَهُ شَرِيكًا. و“ شَيْئًا ”يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أيْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ، والفِعْلُ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَعُمُّ مُتَعَلِّقاتِهِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ، ومَصْدَرٍ، وزَمانٍ، ومَكانٍ وهَيْئَةٍ.
(p-٤٨٤)﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ لا نَتَّخِذَهم أرْبابًا، فَنَعْتَقِدَ فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ، ونَعْبُدَهم عَلى ذَلِكَ: كَعُزَيْرٍ وعِيسى، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ، وعِكْرِمَةُ.
وقِيلَ عَنْهُ: إنَّهُ سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أوْ لا نُطِيعُ الأساقِفَةَ والرُّؤَساءَ، فِيما أمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ونَجْعَلُ طاعَتَهم شَرْعًا. قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١] وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ:“ ألَيْسَ كانُوا يُحِلُّونَ لَكم ويُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ ”؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ:“ هو ذاكَ "» . وفي قَوْلِهِ: بَعْضُنا بَعْضًا، إشارَةٌ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ البَعْضِيَّةَ تُنافِي الإلَهِيَّةَ إذْ هي تُماثِلُ في البَشَرِيَّةِ، وما كانَ مِثْلَكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ إلَهًا، وإذا كانُوا قَدِ اسْتَبْعَدُوا اتِّباعَ مَن شارَكَهم في البَشَرِيَّةِ لِلِاخْتِصاصِ بِالنُّبُوَّةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [إبراهيم: ١٠] ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١] ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧] فادِّعاءُ الإلَهِيَّةِ فِيهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا فِيهِ أشَدَّ اسْتِبْعادًا: وهَذِهِ الأفْعالُ الدّاخِلُ عَلَيْها أداةُ النَّفْيِ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، يُؤَكِّدُ بَعْضُها بَعْضًا، إذِ اخْتِصاصُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الِاشْتِراكِ، ونَفْيَ اتِّخاذِ الأرْبابِ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ تَأْكِيدٍ وإسْهابٍ ونَشْرِ كَلامٍ؛ لِأنَّهم كانُوا مُبالِغِينَ في التَّمَسُّكِ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَناسَبَ ذَلِكَ التَّوْكِيدَ في انْتِفاءِ ذَلِكَ، والنَّصارى جَمَعُوا بَيْنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ: عَبَدُوا عِيسى، وأشْرَكُوا بِقَوْلِهِمْ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، واتَّخَذُوا أحْبارَهم أرْبابًا في الطّاعَةِ لَهم في تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، وفي السُّجُودِ لَهم.
قالَ الطَّبَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أنْزَلُوهم مَنزِلَةَ رَبِّهِمْ في قَبُولِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، لِما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، ولَمْ يُحِلُّهُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالِاسْتِحْسانِ المُجَرَّدِ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ إلى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، كَتَقْدِيراتٍ دُونَ مُسْتَنَدٍ، والقَوْلُ بِوُجُوبِ قَبُولِ قَوْلِ الإمامِ دُونَ إبانَةِ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الرَّوافِضُ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ.
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ الكَلِمَةِ السَّواءِ، فَأشْهِدُوهم أنَّكم مُنْقادُونَ إلَيْها، وهَذا مُبالَغَةٌ في المُبايَنَةِ لَهم، أيْ: إذا كُنْتُمْ مُتَوَلِّينَ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَإنّا قابِلُونَ لَها ومُطِيعُونَ. وعَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالشَّهادَةِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، إذْ خَرَجَ ذَلِكَ مِن حَيِّزِ المَعْقُولِ إلى حَيِّزِ المَشْهُودِ، وهو المُحْضَرُ في الحِسِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا أمْرٌ بِإعْلامٍ بِمُخالَفَتِهِمْ ومُواجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ، وإشْهادِهِمْ عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ، أيْ سَتَرَوْنَ أنْتُمْ أيُّها المُتَوَلُّونَ عاقِبَةَ تَوَلِّيكم كَيْفَ يَكُونُ ؟ انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ، فَوَجَبَ عَلَيْكم أنْ تَعْتَرِفُوا وتُسَلِّمُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ دُونَكم، كَما يَقُولُ الغالِبُ لِلْمَغْلُوبِ في جِدالٍ أوْ صِراعٍ، أوْ غَيْرِهِما: اعْتَرِفْ بِأنِّي أنا الغالِبُ، وسَلِّمْ لِي الغَلَبَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّعْرِيضِ، ومَعْناهُ: اشْهَدُوا واعْتَرِفُوا بِأنَّكم كافِرُونَ حَيْثُ تَوَلَّيْتُمْ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ انْتَهى. وهَذِهِ الآيَةُ في الكِتابِ الَّذِي وجَّهَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِحْيَةَ إلى عَظِيمِ بُصْرى، فَدَفَعَهُ إلى هِرَقْلَ.
آل عمران 3:65
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. أنَّ اليَهُودَ قالُوا: كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا، وأنَّ النَّصارى قالُوا: كانَ نَصْرانِيًّا. فَأنْزَلَها اللَّهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كانَ إبْراهِيمُ سَألَ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَهُ لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ فاسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ حَتّى ادَّعَتْهُ كُلُّ فِرْقَةٍ.
و: ما، في قَوْلِهِ: لِمَ، اسْتِفْهامِيَّةٌ حُذِفَتْ ألِفُها مَعَ حَرْفِ الجَرِّ، ولِذَلِكَ عِلَّةٌ ذُكِرَتْ في النَّحْوِ، وتَتَعَلَّقُ: اللّامُ بِـ ”تُحاجُّونَ“، ومَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارُ، ومَعْنى: في إبْراهِيمَ، في شَرْعِهِ ودِينِهِ، وما كانَ عَلَيْهِ، ومَعْنى المُحاجَّةِ، ادِّعاءُ كُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ أنَّهُ مِنها، وجِدالُهم في ذَلِكَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّ شَرِيعَةَ اليَهُودِ والنَّصارى مُتَأخِّرَةٌ عَنْ إبْراهِيمَ، وهو مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِما، ومُحالٌ أنْ يُنْسَبَ المُتَقَدِّمُ إلى المُتَأخِّرِ، ولِظُهُورِ فَسادِ هَذِهِ الدَّعْوى قالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: هَذا كَلامُ مَن لا يَعْقِلُ، إذِ العَقْلُ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ.
ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُوافِقًا لَهم، لا في العَقائِدِ ولا في الأحْكامِ. أمّا في العَقائِدِ فَعِبادَتُهم (p-٤٨٥)عِيسى، وادِّعاؤُهم أنَّهُ اللَّهُ، أوِ ابْنُ اللَّهِ، أوْ ثالِثُ ثَلاثَةٍ. وادِّعاءُ اليَهُودِ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، ولَمْ يَكُونا مَوْجُودَيْنِ في زَمانِ إبْراهِيمَ.
وأمّا الأحْكامُ فَإنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ فِيهِما أحْكامٌ مُخالِفَةٌ لِلْأحْكامِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] وغَيْرُ ذَلِكَ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلى دِينٍ حَدَثَ بَعْدَهُ بِأزْمِنَةٍ مُتَطاوِلَةٍ. ذَكَرَ المُؤَرِّخُونَ أنَّ بَيْنَ إبْراهِيمَ ومُوسى ألْفَ سَنَةٍ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ عِيسى ألْفانِ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ ومُوسى خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وخَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، وبَيْنَ مُوسى وعِيسى ألْفُ سَنَةٍ وسِتُّمِائَةٍ واثْنانِ وثَلاثُونَ سَنَةً.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ ومُوسى خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وخَمْسٌ وسِتُّونَ سَنَةً، وبَيْنَ مُوسى وعِيسى ألْفٌ وتِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ. والواوُ في: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ﴾ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، هَكَذا ذَكَرُوا. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها لِلْحالِ، كَهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] وقَوْلِهِ ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] ثُمَّ قالَ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] وقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] أنْكَرَ عَلَيْهِمُ ادِّعاءَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَلى شَرِيعَةِ اليَهُودِ، أوِ النَّصارى، والحالُ أنَّ شَرِيعَتَيْهِما مُتَأخِّرَتانِ عَنْهُ في الوُجُودِ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْها مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْها ؟ وأمّا الحَنِيفِيَّةُ والإسْلامُ فَمِنَ الأوْصافِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها كُلُّ ذِي دِينٍ حَقٍّ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] إذِ الحَنِيفُ هو المائِلُ لِلْحَقِّ، والمُسْلِمُ هو المُسْتَسْلِمُ لِلْحَقِّ، وقَدْ أخْبَرَ القُرْآنُ بِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْبِيخٌ عَلى اسْتِحالَةِ مَقالَتِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى ما يَظْهَرُ بِهِ غَلَطُهم ومُكابَرَتُهم.
آل عمران 3:66
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ الَّذِي لَهم بِهِ عِلْمٌ هو دِينُهُمُ الَّذِي وجَدُوهُ في كُتُبِهِمْ وثَبَتَ عِنْدَهم صِحَّتُهُ، والَّذِي لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ هو أمْرُ إبْراهِيمَ ودِينُهُ، لَيْسَ مَوْجُودًا في كُتُبِهِمْ، ولا أتَتْهم بِهِ أنْبِياؤُهم، ولا شاهَدُوهُ فَيَعْلَمُوهُ. قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، وغَيْرُهم. وهو الظّاهِرُ لِما حُفَّ بِهِ، مِن قَبْلِهِ ومِن بَعْدِهِ، مِنَ الحَدِيثِ في إبْراهِيمَ، ونَسَبَ هَذا القَوْلَ إلى الطَّبَرِيِّ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ: ذَهَبَ عَنْهُ أنَّ ما كانَ هَكَذا فَلا يَحْتاجُ مَعَهم فِيهِ إلى مُحاجَّةٍ؛ لِأنَّهم يَجِدُونَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما كانَ هُنالِكَ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وقِيلَ: الَّذِي لَهم بِهِ عِلْمٌ هو أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهم وجَدُوا نَعْتَهُ في كُتُبِهِمْ، فَجادَلُوا بِالباطِلِ. والَّذِي لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ هو أمْرُ إبْراهِيمَ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ إثْباتُ العِلْمِ لَهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ عَلى زَعْمِكم، وإنَّما المَعْنى: فِيما يُشْبِهُ دَعْواكم، ويَكُونُ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ يَرُدُّ عَلَيْكم. وقالَقَتادَةُ أيْضًا: حاجَجْتُمْ فِيما شَهِدْتُمْ ورَأيْتُمْ، فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَمْ تُشاهِدُوا ولَمْ تَعْلَمُوا ؟ وقالَ الرّازِيُّ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ. أيْ: زَعَمْتُمْ أنَّ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُخالِفَةٌ لِشَرِيعَةِ القُرْآنِ، فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ ؟ وهو ادِّعاؤُهم أنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ مُخالِفَةٌ لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: تَدَّعُونَ عِلْمَهُ، لا أنَّهُ وصَفَهم بِالعِلْمِ حَقِيقَةً، فَكَيْفَ يُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَهم بِهِ ألْبَتَّةَ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، و ابْنُ عامِرٍ، والبَزِّيُّ: ها أنْتُمْ، بِألِفٍ بَعْدَ الهاءِ بَعْدَها هَمْزَةٌ: أنْتُمْ، مُحَقَّقَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: بَهاءٍ بَعْدَها ألِفٌ بَعْدَها هَمْزَةٌ مُسَهَّلَةٌ بَيْنَ بَيْنَ، وأبْدَلَ أُناسٌ هَذِهِ الهَمْزَةَ ألِفًا مَحْضَةً لِوَرْشٍ: ها، لِلتَّنْبِيهِ؛ لِأنَّهُ يَكْثُرُ وُجُودُها مَعَ المُضْمَراتِ المَرْفُوعَةِ مَفْصُولًا بَيْنَها، وبَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ حَيْثُ لا اسْتِفْهامَ، وأصْلُها أنْ تُباشِرَ اسْمَ الإشارَةِ، لَكِنِ اعْتُنِيَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، فَقُدِّمَ، وذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ العَرَبِ: ها أنا ذا قائِمًا، وها أنْتَ ذا تَصْنَعُ كَذا. وها هو ذا قائِمًا. ولَمْ يُنَبِّهِ المُخاطَبَ هُنا عَلى وُجُودِ ذاتِهِ، بَلْ نَبَّهَ عَلى حالٍ غَفَلَ عَنْها لِشَغَفِهِ بِما التَبَسَ بِهِ، وتِلْكَ الحالَةُ هي أنَّهم حاجُّوا فِيما لا يَعْلَمُونَ، ولَمْ تَرِدْ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، فَتَقُولُ لَهم: هَبْ أنَّكم تَحْتَجُّونَ فِيما تَدَّعُونَ أنْ قَدْ ورَدَ بِهِ كُتُبُ اللَّهِ المُتَقَدِّمَةُ، فَلِمَ تَحْتَجُّونَ فِيما لَيْسَ كَذَلِكَ ؟ وتَكُونُ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةً (p-٤٨٦)وهُوَ الأصْلُ، لِأنَّهُ قَدْ صَدَرَتْ مِنهُمُ المُحاجَّةُ فِيما يَعْلَمُونَ، ولِذاكَ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ المُحاجَّةِ فِيما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ، وعَلى هَذا يَكُونُ: ها، قَدْ أُعِيدَتْ مَعَ اسْمِ الإشارَةِ تَوْكِيدًا، وتَكُونُ في قِراءَةِ قُنْبُلٍ قَدْ حَذَفَ ألِفَ: ها، كَما حَذَفَها مَن وقَفَ عَلى: (أيُّهَ الثَّقَلانِ) يا أيُّهْ بِالسُّكُونِ، ولَيْسَ الحَذْفُ فِيها يَقْوى في القِياسِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو ابْنُ العَلاءِ، وأبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: الأصْلُ في: ها أنْتُمْ، أأنْتُمْ. فَأُبْدِلَ مِنَ الهَمْزَةِ الأُولى الَّتِي لِلِاسْتِفْهامِ هاءٌ؛ لِأنَّها أُخْتُها، واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. وإبْدالُ الهَمْزَةِ هاءً مَسْمُوعٌ في كَلِماتٍ ولا يَنْقاسُ، ولَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، لا يُحْفَظُ مِن كَلامِهِمْ: هَتَضْرِبُ زَيْدًا، بِمَعْنى: زَيْدًا إلّا في بَيْتٍ نادِرٍ جاءَتْ فِيهِ: ها، بَدَلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وهو:
؎وأتَتْ صَواحِبُها وقُلْنَ هَذا الَّذِي مَنَحَ المَوَدَّةَ غَيْرَنا وجَفانا
ثُمَّ الفَصْلُ بَيْنَ الهاءِ المُبْدَلَةِ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أنْتُمْ، لا يُناسِبُ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُفْصَلُ لِاسْتِثْقالِ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ، وهُنا قَدْ زالَ الِاسْتِثْقالُ بِإبْدالِ الأُولى هاءً، ألا تَرى أنَّهم حَذَفُوا الهَمْزَةَ في نَحْوِ: أُرِيقُهُ، إذْ أصْلُهُ: أأُرِيقُهُ ؟ فَلَمّا أبْدَلُوها هاءً لَمْ يَحْذِفُوا، بَلْ قالُوا: أهْرِيقُهُ. وقَدْ وجَّهُوا قِراءَةَ قُنْبُلٍ عَلى أنَّ الهاءَ بَدَلٌ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِكَوْنِها هاءً لا ألِفَ بَعْدَها، وعَلى هَذا مَن أثْبَتَ الألِفَ، فَيَكُونُ عِنْدَهُ فاصِلَةً بَيْنَ الهاءِ المُبْدَلَةِ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وبَيْنَ هَمْزَةِ أنْتُمْ، أجْرى البَدَلَ في الفَصْلِ مَجْرى المُبْدَلِ مِنهُ، والِاسْتِفْهامُ عَلى هَذا مَعْناهُ التَّعَجُّبُ مِن حَماقَتِهِمْ. وأمّا مَن سَهَّلَ، فَلِأنَّها هَمْزَةٌ بَعْدَ ألِفٍ عَلى حَدِّ تَسْهِيلِهِمْ إيّاها في هَيَّأهُ. وأمّا تَحْقِيقُها فَهو الأصْلُ، وأمّا إبْدالُها ألِفًا فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] .
و: أنْتُمْ، مُبْتَدَأٌ، وهَؤُلاءِ: الخَبَرُ. وحاجَجْتُمْ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. كَقَوْلِ: ها أنْتَ ذا قائِمًا. وهي مِنَ الأحْوالِ الَّتِي لَيْسَتْ يُسْتَغْنى عَنْها، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ في إعْرابِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”أنْتُمْ“ مُبْتَدَأٌ، وهَؤُلاءِ: خَبَرُهُ، وحاجَجْتُمْ: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، يَعْنِي: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الأشْخاصُ الحَمْقى، وبَيانُ حَماقَتِكم، وقِلَّةِ عُقُولِكم، أنَّكم حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ مِمّا نَطَقَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ولا ذِكْرٌ لَهُ في كِتابَيْكم مِن دِينِ إبْراهِيمَ ؟ انْتَهى.
وأجازُوا أنْ يَكُونَ: هَؤُلاءِ بَدَلًا وعَطْفَ بَيانٍ، والخَبَرُ: حاجَجْتُمْ، وأجازُوا أنْ يَكُونَ: هَؤُلاءِ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أوْ: حاجَجْتُمْ صِلَتَهُ. وهَذا عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ. وأجازُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ مُنادى أيْ: يا هَؤُلاءِ، وحُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ النِّداءِ مِنَ المُشارِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، ويَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ جاءَ في الشِّعْرِ حَذْفُهُ، وهو قَلِيلٌ، نَحْوُ قَوْلِ رَجُلٍ مِن طَيِّئٍ:
؎إنَّ الأُلى وصَفُوا قَوْمِي لَهم فَهم ∗∗∗ هَذا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَن عاداكَ مَخْذُولا
وقالَ:
؎لا يَغُرُّنَّكم أُولاءِ مِنَ القَوْ ∗∗∗ مِ جُنُوحٌ لِلسِّلْمِ فَهو خِداعُ
يُرِيدُ: يا هَذا اعْتَصِمْ، ويا أُولاءِ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُ دِينَ إبْراهِيمَ الَّذِي حاجَجْتُمْ فِيهِ، وكَيْفَ حالُ الشَّرائِعِ في المُوافَقَةِ والمُخالَفَةِ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ العِلْمِ عَنْهم في شَأْنِ إبْراهِيمَ، وفي قَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ، اسْتِدْعاءٌ لَهم أنْ يَسْمَعُوا، كَما تَقُولُ لِمَن تُخْبِرُهُ بِشَيْءٍ لا يَعْلَمُهُ: اسْمَعْ فَإنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُ.
آل عمران 3:67
﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أعْلَمَ تَعالى بَراءَةَ إبْراهِيمَ مِن هَذِهِ الأدْيانِ، وبَدَأ بِانْتِفاءِ اليَهُودِيَّةِ؛ لِأنَّ شَرِيعَةَ اليَهُودِ أقْدَمُ مِن شَرِيعَةِ النَّصارى، وكَرَّرَ لا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الدِّينَيْنِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ ووَقَعَتْ ”لَكِنْ“ هُنا أحْسَنَ مَوْقِعِها، إذْ هي واقِعَةٌ بَيْنَ (p-٤٨٧)النَّقِيضَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى اعْتِقادِ الحَقِّ والباطِلِ. ولَمّا كانَ الكَلامُ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى، كانَ الِاسْتِدْراكُ بَعْدَ ذِكْرِ الِانْتِفاءِ عَنْ شَرِيعَتِهِما، ثُمَّ نَفى عَلى سَبِيلِ التَّكْمِيلِ؛ لِلتَّبَرِّي مِن سائِرِ الأدْيانِ كَوْنَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، وهم: عَبَدَةُ الأصْنامِ، كالعَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، وكالمَجُوسِ عَبَدَةِ النّارِ، وكالصّابِئَةِ عَبَدَةِ الكَواكِبِ، ولَمْ يَنُصَّ عَلى تَفْصِيلِهِمْ، لِأنَّ الإشْراكَ يَجْمَعُهم.
وقِيلَ: أرادَ بِالمُشْرِكِينَ اليَهُودَ والنَّصارى؛ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا و المَسِيحَ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ وجاءَ: مِنَ المُشْرِكِينَ، ولَمْ يَجِئْ: وما كانَ مُشْرِكًا، فَيُناسِبَ النَّفْيَ قَبْلَهُ، لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَفى عَنْهُ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ والإشْراكَ الَّذِي هو عِبادَةُ الأوْثانِ؛ ودَخَلَ في ذَلِكَ الإشْراكُ الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ، وجاءَ تَرْتِيبُ النَّفْيِ عَلى غايَةِ الفَصاحَةِ، نَفى نَفْسَ المِلَلِ، وقَرَّرَ الحالَ الحَسَنَةَ، ثُمَّ نَفى نَفْيًا بَيَّنَ بِهِ أنَّ تِلْكَ المِلَلَ فِيها هَذا الفَسادُ الَّذِي هو الشِّرْكُ، وهَذا كَما تَقُولُ: ما أخَذْتُ لَكَ مالًا، بَلْ حَفِظْتُهُ. وما كُنْتُ سارِقًا، فَنَفَيْتَ أقْبَحَ ما يَكُونُ في الأخْذِ انْتَهى كَلامُهُ.
وتَلَخَّصَ بِما تَقَدَّمَ أنَّ قَوْلَهُ.
﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أنَّ المُشْرِكِينَ عَبَدَةُ الأصْنامِ والنّارِ والكَواكِبِ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. والثّالِثُ: عَبَدَةُ الأوْثانِ واليَهُودُ والنَّصارى.
وقالَ عَبْدُ الجَبّارِ: مَعْنى ﴿ما كانَ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ لَمْ يَكُنْ عَلى الدِّينِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ هَؤُلاءِ المُحاجُّونَ، ولَكِنْ كانَ عَلى جِهَةِ الدِّينِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ المُسْلِمُونَ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى وعِيسى لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: لا يُوصَفُ إبْراهِيمُ بِأنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا، ولا نَصْرانِيًّا؛ لِأنَّهُما صِفَتا ذَمٍّ لِاخْتِصاصِهِما بِفِرْقَتَيْنِ ضالَّتَيْنِ، وهُما طَرِيقانِ مُحَرَّفانِ عَنْ دِينِ مُوسى وعِيسى، وكَوْنُهُ مُسْلِمًا لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ كانَ عَلى جِهَةِ الإسْلامِ.
والحَنِيفُ: اسْمٌ لِمَن يَسْتَقْبِلُ في صَلاتِهِ الكَعْبَةَ، ويَحُجُّ إلَيْها، ويُضَحِّي، ويَخْتَتِنُ. ثُمَّ سُمِّيَ مَن كانَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا انْتَهى.
وفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: أنَّهُ خَرَجَ إلى الشّامِ يَسْألُ عَنِ الدِّينِ، وأنَّهُ لَقِيَ عالِمًا مِنَ اليَهُودِ، ثُمَّ عالِمًا مِنَ النَّصارى، فَقالَ لَهُ اليَهُودِيُّ: لَنْ تَكُونَ عَلى دِينِنا حَتّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِن غَضَبِ اللَّهِ. وقالَ لَهُ النَّصْرانِيُّ: لَنْ تَكُونَ عَلى دِينِنا حَتّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ. فَقالَ زَيْدٌ: ما أفِرُّ إلّا مِن غَضَبِ اللَّهِ، ومِن لَعْنَتِهِ. فَهَلْ تَدُلّانِي عَلى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذا ؟ قالا: ما نَعْلَمَهُ إلّا أنْ تَكُونَ حَنِيفًا. قالَ: وما الحَنِيفُ ؟ قالَ: دِينُ إبْراهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا، وكانَ لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ وحْدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ رافِعًا يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ أنِّي عَلى دِينِ إبْراهِيمَ.
وقالَ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: إنَّ النَّفْيَ إنْ كانَ في الأُصُولِ، فَتَكُونُ في المُوافَقَةِ لِيَهُودِ زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَصاراهُ؛ لِأنَّهم غَيَّرُوا فَقالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. لا في الأُصُولِ الَّتِي كانَ عَلَيْها اليَهُودُ والنَّصارى، الَّذِينَ كانُوا عَلى ما جاءَ بِهِ مُوسى وعِيسى، وجَمِيعُ الأنْبِياءِ مُتَوافِقُونَ في الأُصُولِ، وإنْ كانَ في الفُرُوعِ فَلِأنَّ اللَّهَ نَسَخَ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ بِشَرِيعَةِ مُوسى وعِيسى، وأمّا مُوافَقَتُهُ لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنْ كانَ في الأُصُولِ فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ في الفُرُوعِ فَتَكُونُ المُوافَقَةُ في الأكْثَرِ، وإنْ خالَفَ في الأقَلِّ فَلَمْ يَقْدَحْ في المُوافَقَةِ.
آل عمران 3:68
﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتْ رُؤَساءُ اليَهُودِ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنّا أوْلى النّاسِ بِدِينِ إبْراهِيمَ مِنكَ، ومِن غَيْرِكَ، وإنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا، وما بِكَ إلّا الحَسَدُ. فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ في اجْتِماعِ جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ، وعَمْرِو بْنِ العاصِ وأصْحابِهِ بِالنَّجاشِيِّ، وفِيهِ: أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ: لا دَهْوَرَةَ اليَوْمَ عَلى حِزْبِ إبْراهِيمَ. أيْ: لا خَوْفَ ولا تَبِعَةَ، فَقالَ عَمْرٌو: مَن حِزْبُ إبْراهِيمَ ؟ فَقالَ النَّجاشِيُّ: هَؤُلاءِ الرَّهْطُ وصاحِبُهم، يَعْنِي جَعْفَرًا (p-٤٨٨)وأصْحابَهُ، ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وإنَّ ولِيِّي مِنهم أبِي وخَلِيلُ رَبِّي إبْراهِيمُ“ . ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. ومَعْنى: أوْلى النّاسِ: أخَصُّهم بِهِ وأقْرَبُهم مِنهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ. والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ يَشْمَلُ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَهُ في زَمانِهِ وغَيْرِ زَمانِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مُتَّبِعُوهُ في زَمانِ الفَتَراتِ. وعُنِيَ بِالأتْباعِ أتْباعُهُ في شَرِيعَتِهِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: أحَقُّهم بِنُصْرَتِهِ أيْ: بِالمَعُونَةِ وبِالحُجَّةِ، فَمَن تَبِعَهُ في زَمانِهِ نَصَرَهُ بِمَعُونَتِهِ عَلى مُخالَفَتِهِ. ومُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ نَصَرُوهُ بِالحُجَّةِ لَهُ أنَّهُ كانَ مُحِقًّا سالِمًا مِنَ المَطاعِنِ، ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِن سائِرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لِتَخْصِيصِهِ بِالشَّرَفِ والفَضِيلَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] .
﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ قِيلَ: آمَنُوا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وخُصُّوا أيْضًا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم، إذْ هم أفْضَلُ الأتْباعِ لِلرُّسُلِ، كَما أنَّ رَسُولَهم أفْضَلُ الرُّسُلِ. وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ في كُلِّ زَمانٍ. وعُطِفَ ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“، ومَن أعْرَبَ (وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: هُمُ المُتَّبِعُونَ لَهُ، فَقَدْ تَكَلَّفَ إضْمارًا لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ.
وقُرِئَ: وهَذا النَّبِيَّ، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى: الهاءِ، في ”اتَّبَعُوهُ“، فَيَكُونُ مُتَّبَعًا، لا مَتَّبِعًا: أيْ: أحَقُّ النّاسِ بِإبْراهِيمَ مَنِ اتَّبَعَهُ ومُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ - ويَكُونُ: والَّذِينَ آمَنُوا، عَطْفًا عَلى خَبَرِ: إنَّ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ.
وقُرِئَ: وهَذا النَّبِيِّ، بِالجَرِّ، ووُجِّهَ عَلى أنَّهُ عُطِفَ عَلى: إبْراهِيمَ، أيْ: إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ، وبِهَذا النَّبِيِّ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوا إبْراهِيمَ. والنَّبِيُّ: قالُوا: بَدَلٌ مِن هَذا، أوْ نَعْتٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ اللَّهُ ولِيًّا لِعِبادِهِ، وهو: الإيمانُ. فَقالَ: ولِيُّ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَقُلْ: ولِيُّهم. وهَذا وعْدٌ لَهم بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، وبِالفَوْزِ في الآخِرَةِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] .
قِيلَ: وجَمَعَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَلاغَةِ التَّنْبِيهَ والإشارَةَ والجَمْعَ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، وبِالفَصْلِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢] وفي: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ﴾ [آل عمران: ٦٢] والِاخْتِصاصِ في: ﴿عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٦٣] وفي: ﴿ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ والتَّجَوُّزِ بِإطْلاقِ اسْمِ الواحِدِ عَلى الجَمْعِ في: ﴿إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] وبِإطْلاقِ اسْمِ الجِنْسِ عَلى نَوْعِهِ في: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧٠] إذا فُسِّرَ بِاليَهُودِ. والتَّكْرارِ في: إلّا اللَّهُ، وإنَّ اللَّهَ. وفي: يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا، يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ. وفي إبْراهِيمَ، وما كانَ إبْراهِيمُ، وإنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ. والتَّشْبِيهِ في: أرْبابًا، لَمّا أطاعُوهم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وأذْعَنُوا إلَيْهِمْ أطْلَقَ عَلَيْهِ: أرْبابًا تَشْبِيهًا بِالرَّبِّ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ والرُّبُوبِيَّةِ، والإجْمالِ في الخِطابِ في: يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا، يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: يا أبَتِ، يا أبَتِ. وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا لا تَنْبِشُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎بَنِي عَمِّنا لا تَنْبِشُوا الشَّرَّ بَيْنَنا ∗∗∗ فَكَمْ مِن رَمادٍ صارَ مِنهُ لَهِيبُ
والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: أوْلى ووَلِيٍّ.
آل عمران 3:69
﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في مُعاذٍ، وحُذَيْفَةَ، وعَمّارٍ، دَعاهم يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ، و قُرَيْظَةَ، وقَيْنُقاعَ، إلى دِينِهِمْ. وقِيلَ: دَعاهم جَماعَةٌ مِن أهْلِ نَجْرانَ ومِن يَهُودَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ، قالُوا لِمُعاذٍ وعَمّارٍ تَرَكْتُما دِينَكُما واتَّبَعْتُما دِينَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: عَيَّرَتْهُمُ اليَهُودُ بِوَقْعَةِ أُحُدٍ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: ”ودَّ“ بِمَعْنى: تَمَنّى، فَتُسْتَعْمَلُ مَعَها: لَوْ وأنْ، ورُبَّما جُمِعَ بَيْنَهُما، فَيُقالُ: ودِدْتُ أنْ لَوْ فَعَلَ، ومَصْدَرُهُ: الوِدادَةُ، والِاسْمُ مِنهُ: وُدٌّ، وقَدْ يَتَداخَلانِ في المَصْدَرِ والِاسْمِ. وقالَ الرّاغِبُ: إذا كانَ ودَّ، بِمَعْنى أحَبَّ لا يَجُوزُ إدْخالُ ”لَوْ“ فِيهِ أبَدًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إذا كانَ ودَّ بِمَعْنى: تَمَنّى، صَلَحَ لِلْماضِي والحالِ والمُسْتَقْبَلِ، وإذا كانَ بِمَعْنى المَحَبَّةِ والإرادَةِ لَمْ يَصْلُحْ لِلْماضِي؛ لِأنَّ الإرادَةَ كاسْتِدْعاءِ الفِعْلِ. وإذا كانَ لِلْحالِ والمُسْتَقْبَلِ جازَ: أنْ ولَوْ، وإذا كانَ لِلْماضِي لَمْ يَجُزْ: أنْ، لِأنَّ: أنْ، لِلْمُسْتَقْبَلِ. وما قالَ فِيهِ نَظَرٌ، ألا تَرى أنَّ أنْ، تُوصَلُ بِالفِعْلِ الماضِي نَحْوَ: سَرَّنِي أنْ قُمْتَ ؟ .
(p-٤٨٩)﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”طائِفَةٌ“، والطّائِفَةُ رُؤَساؤُهم وأحْبارُهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ: مِن، أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وتَكُونُ الطّائِفَةُ جَمِيعَ أهْلِ الكِتابِ، وما قالَهُ يَبْعُدُ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ، ولَوْ هُنا قالُوا بِمَعْنى: أنْ، فَتَكُونُ مَصْدَرِيَّةً، ولا يَقُولُ بِذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، والأوْلى إقْرارُها عَلى وضْعِها. ومَفْعُولُ: ودَّ، مَحْذُوفٌ، وجَوابُ: لَوْ، مَحْذُوفٌ، حُذِفَ مِن كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ما يَدُلُّ المَعْنى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: ودُّوا إضْلالَكم لَوْ يُضِلُّونَكم لَسُرُّوا بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في نَظِيرِ هَذا مُشَبَّعًا في قَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] فَيُطالَعُ هُناكَ. ومَعْنى: يُضِلُّونَكم، يَرُدُّونَكم إلى كُفْرِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: يُهْلِكُونَكم، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والدِّمَشْقِيُّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واسْتَدَلَّ يَعْنِي ابْنَ جَرِيرِ الطَّبَرِيَّ بِبَيْتِ جَرِيرٍ:
؎كُنْتَ القَذى في مَوجِ أخْضَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا
وبِقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَينِ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ وغودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
وهُوَ تَفْسِيرٌ غَيْرُ مُخَلِّصٍ، ولا خاصٍّ بِاللَّفْظَةِ، وإنَّما اطَّرَدَ لَهُ؛ لِأنَّ هَذا الضَّلالَ في الآيَةِ في البَيْتَيْنِ اقْتَرَنَ بِهِ هَلاكٌ، وأمّا أنْ يُفَسِّرَ لَفْظَةَ الضَّلالَ بِالهَلاكِ فَغَيْرُ قَوِيمٍ انْتَهى.
وقالَ غَيْرُ ابْنِ عَطِيَّةَ: أضَلُّ الضَّلالِ في اللُّغَةِ الهَلاكُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ، إذا صارَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ يُوقِعُونَكم في الضَّلالِ، ويُلْقُونَ إلَيْكم ما يُشَكِّكُونَكم بِهِ في دِينِكم، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.
﴿وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ إنْ كانَ مَعْناهُ الإهْلاكَ فالمَعْنى أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم وأشْياعَهم، لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِإيثارِهِمْ إهْلاكَ المُؤْمِنِينَ سُخْطُ اللَّهِ وغَضَبُهُ، وإنْ كانَ المَعْنى الإخْراجَ عَنِ الدِّينِ فَذَلِكَ حاصِلٌ لَهم بِجَحْدِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَغْيِيرِ صِفَتِهِ صارُوا بِذَلِكَ كُفّارًا، وخَرَجُوا عَنْ مِلَّةِ مُوسى وعِيسى. وإنْ كانَ المَعْنى الإيقاعَ في الضَّلالِ، فَذَلِكَ حاصِلٌ لَهم مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنِ اتِّباعِ الهُدى بِإيضاحِ الحُجَجِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إعْلامٌ أنَّ سُوءَ فِعْلِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ يُبْعِدُهم عَنِ الإسْلامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما يَعُودُ وبالُ الضَّلالِ إلّا عَلَيْهِمْ، لِأنَّ العَذابَ يُضاعَفُ لَهم بِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ، أوْ: وما يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ المُسْلِمِينَ، وإنَّما يُضِلُّونَ أمْثالَهم مِن أشْياعِهِمُ انْتَهى.
﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ إنَّ ذَلِكَ الضَّلالَ هو مُخْتَصٌّ بِهِمْ أيْ: لا يَفْطِنُونَ لِذَلِكَ لَمّا دَقَّ أمْرُهُ وخَفِيَ عَلَيْهِمْ لِما اعْتَرى قُلُوبَهم مِنَ القَساوَةِ، فَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُضِلُّونَ أنْفُسَهم. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن أخْطَأ الحَقَّ جاهِلًا كانَ ضالًّا، أوْ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلى إضْلالِكم، أوْ: لا يَفْطِنُونَ بِصِحَّةِ الإسْلامِ، وواجِبٌ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْلَمُوا لِظُهُورِ البَراهِينِ والحُجَجِ، ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ. أوْ: ما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّهَ يَدُلُّ المُسْلِمِينَ عَلى حالِهِمْ، ويُطْلِعُهم عَلى مَكْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ. وفي قَوْلِهِ: ما يَشْعُرُونَ، مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ حَيْثُ فَقَدُوا المَنفَعَةَ بِحَواسِّهِمْ.
آل عمران 3:70
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي التَّوْراةُ والإنْجِيلُ مِن وصْفِ النَّبِيِّ ﷺ والإيمانِ بِهِ، كَما بَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. أوِ القُرْآنُ مِن جِهَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ﴾ [الفرقان: ٤] ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] والآياتُ الَّتِي أظْهَرَها عَلى يَدَيْهِ مِنِ انْشِقاقِ القَمَرِ، وحَنِينِ الجِذْعِ، وتَسْبِيحِ الحَصى، وغَيْرِ ذَلِكَ. أوْ مُحَمَّدٌ والإسْلامُ، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ ما تَلاهُ مِن أسْرارِ كُتُبِهِمْ وغَرِيبِ أخْبارِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ أوْ كُتُبُ اللَّهِ، أوِ الآياتُ الَّتِي يُبَيِّنُ لَهم فِيها صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، وأُمِرُوا فِيها بِاتِّباعِهِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.
﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ وهم يَشْهَدُونَ (p-٤٩٠)أنَّها آياتُ اللَّهِ، ومُتَعَلِّقُ الشَّهادَةِ مَحْذُوفٌ، يُقَدَّرُ عَلى حَسَبِ تَفْسِيرِ الآياتِ، فَيُقَدَّرُ بِما يُناسِبُ ما فُسِّرَتْ بِهِ، فَلِذَلِكَ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها مِن كِتابِكُمُ الَّذِي فِيهِ البِشارَةُ.
وقِيلَ: تَشْهَدُونَ بِمِثْلِها مِن آياتِ الأنْبِياءِ الَّتِي تُقِرُّونَ بِها، وقِيلَ: بِما عَلَيْكم فِيهِ مِنَ الحُجَّةِ. وقِيلَ: إنَّ كُتُبَكم حَقٌّ، ولا تَتَّبِعُونَ ما أُنْزِلَ فِيها. وقِيلَ: بِصِحَّتِها إذا خَلَوْتُمْ. فَيَكُونُ: تَشْهَدُونَ، بِمَعْنى: تُقِرُّونَ وتَعْتَرِفُونَ. وقالَ الرّاغِبُ: أوْ عَنى ما يَكُونُ مِن شَهادَتِهِمْ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم.
وقِيلَ: تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ: تُنْكِرُونَ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا، ثُمَّ تَشْهَدُونَ بِقُلُوبِكم وعُقُولِكم أنَّهُ مُعْجِزٌ.
آل عمران 3:71
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] وفُسِّرَ اللَّبْسُ بِالخَلْطِ والتَّغْطِيَةِ، وتَكَلَّمَ المُفَسِّرُونَ هُنا، فَفَسَّرُوا الحَقَّ بِما يَجِدُونَهُ في كُتُبِهِمْ مِن صِفَةِ الرَّسُولِ، والباطِلَ الَّذِي يَكْتُبُونَهُ بِأيْدِيهِمْ ويُحَرِّفُونَهُ: قالَ (p-٤٩١)مَعْناهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: إظْهارُ الإسْلامِ، وإبْطالُ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ جَرِيرٍ والثَّعْلَبِيُّ. وقِيلَ: الإيمانُ بِمُوسى وعِيسى، والكَفْرُ بِالرَّسُولِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَتَأوَّلُونَ الآياتِ الَّتِي فِيها الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى خِلافِ تَأْوِيلِها، لِيَظْهَرَ مِنها لِلْعَوامِّ خِلافُ ما هي عَلَيْهِ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ بُطْلانَ ما تَقُولُونَ. وقِيلَ: هو ما ذَكَرَهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ﴾ [آل عمران: ٧٢] وقِيلَ: إقْرارُهم بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . والباطِلُ: كِتْمانُهم لِبَعْضِ أمْرِهِ، وهَذانِ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إقْرارُهم بِنُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ، والباطِلُ قَوْلُ أحْبارِهِمْ: لَيْسَ رَسُولًا إلَيْنا، بَلْ شَرِيعَتُنا مُؤَبَّدَةٌ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: تَلْبَسُونَ، بِفَتْحِ الباءِ مُضارِعُ لَبِسَ، جَعَلَ الحَقَّ كَأنَّهُ ثَوْبٌ لَبِسُوهُ، والباءُ في: بِالباطِلِ، لِلْحالِ أيْ مَصْحُوبًا بِالباطِلِ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: تُلَبِّسُونَ، بِضَمِّ التّاءِ، وكَسْرِ الباءِ المُشَدَّدَةِ، والتَّشْدِيدُ هُنا لِلتَّكْثِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: جَرَّحْتُ وقَتَّلْتُ، وأجازَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ في: ويَكْتُمُونَ، النَّصْبَ، فَتُسْقَطُ النُّونُ مِن حَيْثُ العَرَبِيَّةُ عَلى قَوْلِكَ: لِمَ تَجْمَعُونَ ذا وذا ؟ فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الصَّرْفِ في قَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وبِإضْمارِ: أنْ، في قَوْلِ البَصْرِيِّينَ. وأنْكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ: الِاسْتِفْهامُ وقَعَ عَلى اللَّبْسِ فَحَسْبُ. وأمّا يَكْتُمُونَ، فَخَبَرٌ حَتْمًا لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الرَّفْعُ، بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى تَلْبِسُونَ، بَلْ هو اسْتِئْنافٌ، خَبَرٌ عَنْهم أنَّهم يَكْتُمُونَ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ حَقٌّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: الصَّرْفُ هاهُنا يَقْبُحُ، وكَذَلِكَ إضْمارُ: أنْ، لِأنَّ يَكْتُمُونَ، مَعْطُوفٌ عَلى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، ولَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ، وإنَّما اسْتُفْهِمَ عَنِ السَّبَبِ في اللَّبْسِ، واللَّبْسُ مُوجَبٌ، فَلَيْسَتِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، وبِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: أتَقُومُ فَأقُومَ ؟ والعَطْفُ عَلى المُوجَبِ المُقَرَّرِ قَبِيحٌ مَتى نُصِبَ، إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، كَما رُوِيَ:
؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: في قَوْلِكَ: أسِرْتَ حَتّى تَدْخُلَها، لا يَجُوزُ إلّا النَّصْبُ، (p-٤٩٢)فِي: تَدْخُلَ، لِأنَّ السَّيْرَ مُسْتَفْهَمٌ عَنْهُ غَيْرُ مُوجَبٍ. وإذا قُلْنا: أيُّهم سارَ حَتّى يَدْخُلُها، رُفِعَتْ؛ لِأنَّ السَّيْرَ مُوجَبٌ، والِاسْتِفْهامُ إنَّما وقَعَ عَنْ غَيْرِهِ انْتَهى ما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ. والظّاهِرُ تَعارُضُ ما نُقِلَ مَعَ ما قَبْلَهُ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ فِيهِ: أنَّ الِاسْتِفْهامَ وقَعَ عَلى اللَّبْسِ فَحَسْبُ، وأمّا: يَكْتُمُونَ، فَخَبَرٌ حَتْمًا لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الرَّفْعُ، وفِيما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ: يَكْتُمُونَ، مَعْطُوفٌ عَلى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، ولَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ، فَيَدُلُّ العَطْفُ عَلى اشْتِراكِهِما في الِاسْتِفْهامِ عَنْ سَبَبِ اللَّبْسِ وسَبَبِ الكَتْمِ المُوجَبَيْنِ، وفَرَّقَ بَيْنَ هَذا المَعْنى وبَيْنَ أنْ يَكُونَ: ويَكْتُمُونَ، إخْبارًا مَحْضًا لَمْ يَشْتَرِكْ مَعَ اللَّبْسِ في السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ مِن أنَّ الِاسْتِفْهامَ إذا تَضَمَّنَ وُقُوعَ الفِعْلِ لا يَنْتَصِبُ الفِعْلُ بِإضْمارِ أنْ في جَوابِهِ، تَبِعَهُ في ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ. فَقالَ في (التَّسْهِيلِ) حِينَ عَدَّ ما يُضْمِرُ أنْ، لُزُومًا في الجَوابِ، فَقالَ: أوْ لِاسْتِفْهامٍ لا يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الفِعْلِ، فَإنْ تَضَمَّنَ وقْعَ الفِعْلِ لَمْ يَجُزِ النَّصْبُ عِنْدَهُ، نَحْوَ: لِمَ ضَرَبْتَ زَيْدًا، فَيُجازِيكَ ؟ لِأنَّ الضَّرْبَ قَدْ وقَعَ، ولَمْ نَرَ أحَدًا مِن أصْحابِنا يَشْتَرِطُ هَذا الشَّرْطَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ، وتَبِعَهُ فِيهِ ابْنُ مالِكٍ في الِاسْتِفْهامِ، بَلْ إذا تَعَذَّرَ سَبْكُ مَصْدَرٍ مِمّا قَبْلَهُ، إمّا لِكَوْنِهِ لَيْسَ ثَمَّ فِعْلٌ، ولا ما في مَعْناهُ يَنْسَبِكُ مِنهُ، وإمّا لِاسْتِحالَةِ سَبْكِ مَصْدَرٍ، مُرادٍ اسْتِقْبالُهُ، لِأجْلِ مُضِيِّ الفِعْلِ، فَإنَّما يُقَدَّرُ فِيهِ مَصْدَرُ اسْتِقْبالِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، فَإذا قالَ: لِمَ ضَرَبْتَ زَيْدًا فَأضْرِبُكَ ؟ . أيْ: لِيَكُنْ مِنكَ تَعْرِيفٌ بِضَرْبِ زَيْدٍ فَضَرْبٌ مِنّا، وما رَدَّ بِهِ أبُو عَلِيٍّ، عَلى أبِي إسْحاقَ لَيْسَ بِمُتَّجَهٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ﴾ لَيْسَ نَصًّا عَلى أنَّ المُضارِعَ أُرِيدَ بِهِ الماضِي حَقِيقَةً، إذْ قَدْ يُنْكَرُ المُسْتَقْبَلُ لِتَحَقُّقِ صُدُورِهِ، لا سِيَّما عَلى الشَّخْصِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنهُ وُجُودُ أمْثالِهِ. ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ ماضٍ حَقِيقَةً، فَلا رَدَّ فِيهِ عَلى أبِي إسْحاقَ، لِأنَّهُ كَما قَرَّرْنا قَبْلُ: إذا لَمْ يُمْكِنْ سَبْكُ مَصْدَرٍ مُسْتَقْبَلٍ مِنَ الجُمْلَةِ، سَبَكْناهُ مِن لازِمِ الجُمْلَةِ.
وقَدْ حَكى أبُو الحَسَنِ بْنُ كَيْسانَ نَصْبَ الفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ، نَحْوَ: أيْنَ ذَهَبَ زَيْدٌ فَنَتْبَعَهُ ؟ وكَذَلِكَ في: كَمْ مالُكَ فَنَعْرِفَهُ ؟ ومَن أبُوكَ فَنُكْرِمَهُ ؟ لَكِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: لِيَكُنْ مِنكَ إعْلامٌ بِذَهابِ زَيْدٍ فاتِّباعٌ مِنّا. ولْيَكُنْ: مِنكَ إعْلامٌ بِقَدْرِ مالِكَ فَمَعْرِفَةٌ مِنّا. ولْيَكُنْ مِنكَ إعْلامٌ بِأبِيكَ فَإكْرامٌ مِنّا لَهُ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لِمَ تَلْبِسُوا، وتَكْتُمُوا، بِحَذْفِ النُّونِ فِيهِما، قالُوا: وذَلِكَ جَزْمٌ، قالُوا: ولا وجْهَ لَهُ سِوى ما ذَهَبَ إلَيْهِ شُذُوذٌ مِنَ النُّحاةِ في إلْحاقِ: لِمَ، بِـ ”لَمْ“ في عَمَلِ الجَزْمِ. وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: ولا وجْهَ لَهُ إلّا أنَّ: لِمَ، تَجْزِمُ الفِعْلَ عِنْدَ قَوْمٍ كُلَّمٍ انْتَهى. والثّابِتُ في لِسانِ العَرَبِ أنَّ لِمَ، لا يَنْجَزِمُ ما بَعْدَها، ولَمْ أرَ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَ أنَّ ”لِمَ“ تَجْرِي مَجْرى: ”لَمْ“ في الجَزْمِ إلّا ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ هُنا، وإنَّما هَذا عِنْدِي مِن بابِ حَذْفِ النُّونِ حالَةَ الرَّفْعِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في النَّثْرِ قَلِيلًا جِدًّا، وذَلِكَ في قِراءَةِ أبِي عُمَرَ، ومِن بَعْضِ طُرُقِهِ قالُوا: ساحِرانِ تَظّاهَرانِ، بِتَشْدِيدِ الظّاءِ، أيْ: أنْتُما ساحِرانِ تَتَظاهَرانَ فَأدْغَمَ التّاءَ في الظّاءِ، وحَذَفَ النُّونَ، وأمّا في النَّظْمِ، فَنَحْوَ قَوْلِ الرّاجِزِ:
؎أبِيتُ أُسَرِّي وتَبِيتِي تُدَلِّكِي
يُرِيدُ: وتَبِيتِينَ تُدَلِّكِينَ. وقالَ:
؎فَإنْ يَكُ قَوْمٌ سَرَّهم ما صَنَعْتُمُو ∗∗∗ سَتَحْتَلِبُوها لاقِحًا غَيْرَ باهِلِ
والظّاهِرُ: أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ لُبْسَ الحَقِّ بِالباطِلِ، وكَتْمَ الحَقِّ، وكَأنَّ الحَقَّ مُنْقَسِمٌ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ خَلَطُوا فِيهِ الباطِلَ حَتّى لا يَتَمَيَّزَ، وقِسْمٌ كَتَمُوهُ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَظْهَرَ.
﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تَنْعِي عَلَيْهِمْ ما التَبَسُوا بِهِ مِن لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ وكِتْمانِهِ، أيْ: لا يُناسِبُ مَن عَلِمَ الحَقَّ أنْ يَكْتُمَهُ، ولا أنْ يَخْلِطَهُ بِالباطِلِ، والسُّؤالُ عَنِ السَّبَبِ، سُؤالٌ عَنِ المُسَبِّبِ، فَإذا أنْكَرَ السَّبَبَ فَبِالأوْلى أنْ يُنْكِرَ المُسَبِّبَ، وخُتِمَتِ الآيَةُ قَبْلَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] وهَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ المُنْكَرَ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ هو الكُفْرُ (p-٤٩٣)بِآياتِ اللَّهِ، وهي أخَصُّ مِنَ الحَقِّ، لِأنَّ آياتِ اللَّهِ بَعْضُ الحَقِّ، والشَّهادَةُ أخَصُّ مِنَ العِلْمِ، فَناسَبَ الأخَصُّ الأخَصَّ، وهُنا الحَقُّ أعَمُّ مِنَ الآياتِ وغَيْرِها، والعِلْمُ أعَمُّ مِنَ الشَّهادَةِ، فَناسَبَ الأعَمُّ الأعَمَّ. وقالُوا في قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّهُ نَبِيٌّ حَقٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ. وقِيلَ: قالَ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لِيَتَبَيَّنَ لَهُمُ الأمْرُ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ التَّكْلِيفُ، ويَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ. وقِيلَ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الحَقَّ بِما عَرَفْتُمُوهُ مِن كُتُبِكم وما سَمِعْتُمُوهُ مِن ألْسِنَةِ أنْبِيائِكم. وفي هَذِهِ الآياتِ أنْواعٌ مِنَ البَدِيعِ: الطِّباقُ في قَوْلِهِ: الحَقَّ بِالباطِلِ، والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في قَوْلِهِ: (لِمَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ) لِأنَّ الشَّهادَةَ إقْرارٌ وإظْهارٌ، والكُفْرُ سَتْرٌ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: يُضِلُّونَكم ومايُضِلُّونَ. والتَّكْرارُ في: أهْلِ الكِتابِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ قَدْ بُيِّنَتْ.
آل عمران 3:72
﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ قالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ: تَواطَأ اثْنا عَشَرَ حَبْرًا مِن يَهُودِ خَيْبَرَ، وقُرى عَرِينَةَ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا في دِينِ مُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ بِاللِّسانِ دُونَ الِاعْتِقادِ، واكْفُرُوا بِهِ في آخِرِ النَّهارِ، وقُولُوا إنّا نَظَرْنا في كُتُبِنا، وشاوَرْنا عُلَماءَنا، فَوَجَدْنا مُحَمَّدًا لَيْسَ كَذَلِكَ، وظَهَرَ لَنا كَذِبُهُ وبُطَلانُ دِينِهِ، فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ شَكَّ أصْحابُهُ في دِينِهِمْ، وقالُوا: هم أهْلُ الكِتابِ فَهم أعْلَمُ مِنّا، فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ إلى دِينِكم، فَنَزَلَتْ.
وقالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هَذا في شَأْنِ القِبْلَةِ، لَمّا صُرِفَتْ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وأصْحابُهُ: صَلُّوا إلَيْها أوَّلَ النَّهارِ، وارْجِعُوا إلى كَعْبَتِكُمُ الصَّخْرَةِ آخِرَهُ، فَنَزَلَتْ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ رَجَعُوا آخِرَ النَّهارِ، فَصَلَّوْا صَلاتَهم؛ لِيَرى النّاسُ أنَّهُ قَدْ بَدَتْ لَهم مِنهُ ضَلالَةٌ بَعْدَ أنْ كانُوا اتَّبَعُوهُ، فَنَزَلَتْ.
وقالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ لِسَفَلَتِهِمْ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ، فَإذا كانَ بِالعَشِيِّ قُولُوا: قَدْ عَرَّفَنا عُلَماؤُنا أنَّكم لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنِ الحَسَنِ: أنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ قالَتْ ذَلِكَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ انْتَهى. جَعَلَتِ اليَهُودُ هَذا سَبَبًا إلى خَدِيعَةِ المُسْلِمِينَ. والمَقُولُ لَهم مَحْذُوفٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ هَذِهِ الطّائِفَةِ لِبَعْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقُولُ لَهم لَيْسُوا مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ، والمُرادُ: بِـ ”آمِنُوا“، أظْهِرُوا الإيمانَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّصْدِيقُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حَذْفٌ أيْ: عَلى زَعْمِهِمْ، وإلّا فَهم يَكْذِبُونَ، ولا يُصَدِّقُونَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ شَيْئًا عَلى المُؤْمِنِينَ.
وانْتَصَبَ: وجْهَ النَّهارِ، عَلى الظَّرْفِ، ومَعْناهُ: أوَّلَ النَّهارِ، شُبِّهَ بِوَجْهِ الإنْسانِ إذْ هو أوَّلُ ما يُواجَهُ مِنهُ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ العَبْسِيُّ في مالِكِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ العَبْسِيِّ:
؎مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ
والضَّمِيرُ في: آخِرَهُ، عائِدٌ عَلى النَّهارِ، أيْ: آخِرَ النَّهارِ. والنّاصِبُ لِلظَّرْفِ الأوَّلِ: آمِنُوا، ولِلْآخِرِ: اكْفُرُوا. وقِيلَ: النّاصِبُ لِقَوْلِهِ: وجْهَ النَّهارِ، أُنْزِلَ. أيْ: بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا في أوَّلِ النَّهارِ، والضَّمِيرُ في: آخِرَهُ، يَعُودُ عَلى الَّذِي أُنْزِلَ، أيْ: واكْفُرُوا آخِرَ المُنَزَّلِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ ومُخالَفَةٌ لِأسْبابِ النُّزُولِ، ومُتَعَلِّقُ الرُّجُوعِ مَحْذُوفٌ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ.
وظاهِرُ الآيَةِ الدَّلالَةُ عَلى هَذا القَوْلِ، وأمّا امْتِثالُ الأمْرِ مِمَّنْ أُمِرُ بِهِ فَسُكُوتٌ عَنْ وُقُوعِهِ، وأسْبابُ النُّزُولِ تَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ، وهَذا القَوْلُ طَمِعُوا أنْ يَنْخَدِعَ العَرَبُ بِهِ، أوْ يَقُولَ قائِلُهم: هَؤُلاءِ أهْلُ الكِتابِ القَدِيمِ، وجَوْدَةِ النَّظَرِ والِاطِّلاعِ، دَخَلُوا في هَذا (p-٤٩٤)الأمْرِ ورَجَعُوا عَنْهُ، وفِيهِ تَثْبِيتٌ أيْضًا لِضُعَفائِهِمْ عَلى دِينِهِمْ.
آل عمران 3:73
﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ اللّامُ في: لِمَن، قِيلَ: زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] أيْ: رَدِفَكم، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ما كُنْتُ أُخْدَعُ لِلْخَلِيلِ بِخِلِّهِ حَتّى يَكُونَ لِيَ الخَلِيلُ خَدُوعا
أرادَ: ما كُنْتُ أخْدَعُ الخَلِيلَ، والأجْوَدُ أنْ لا تَكُونَ اللّامُ زائِدَةً، بَلْ ضَمَّنَ، آمَنَ مَعْنى: أقَرَّ واعْتَرَفَ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ تَعَدّى ”آمَنَ“ بِاللّامِ في قَوْلِهِ ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ [يونس: ٨٣] (وآمَنتُمْ لَهُ) ﴿ويُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] انْتَهى. والأجْوَدُ ما ذَكَرْناهُ، مِن أنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الِاعْتِرافِ، والمُؤْمِنُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ طائِفَةِ اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى كَلامِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ أنَّ هَذا القَوْلَ مِن كَلامِ الطّائِفَةِ انْتَهى. ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ مِن كَلامِ اللَّهِ، يُثَبِّتُ بِهِ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَشُكُّوا عِنْدَ تَلْبِيسِ اليَهُودِ، وتَزْوِيرِهِمْ، فَأمّا إذا كانَ مِن كَلامِ طائِفَةِ اليَهُودِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ انْقَطَعَ كَلامُهم إذْ لا خِلافَ، ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ مُخاطِبًا لِنَبِيِّهِ ﷺ وما بَعْدَهُ يَظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، وأنَّهُ مِن جُمْلَةِ قَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ. وأنْ يُؤْتى مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ اليَهُودِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، لا ما رُمْتُمْ مِنَ الخِداعِ بِتِلْكَ المَقالَةِ وذاكَ الفِعْلِ لِمَخافَةِ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قُلْتُمْ ذَلِكَ القَوْلَ ودَبَّرْتُمْ تِلْكَ المَكِيدَةَ، أيْ: فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَسَدًا، وخَوْفًا مِن أنْ تَذْهَبَ رِئاسَتُكم، ويُشارِكَكم أحَدٌ فِيما أُوتِيتُمْ مِن فَضْلِ العِلْمِ، أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، أيْ: يُقِيمُونَ الحُجَّةَ عَلَيْكم عِنْدَ اللَّهِ إذْ كِتابُكم طافِحٌ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومُلْزِمٌ لَكم أنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وتَتَّبِعُوهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ إلى آخِرِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى أيْضًا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ أنْ يُؤْتى عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ، والتَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ، والِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ الإنْكارُ هو مُثْبَتٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، أيْ ألِمَخافَةِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ؟ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم قُلْتُمْ ذَلِكَ وفَعَلْتُمُوهُ ؟ ويَكُونُ: أوْ يُحاجُّوكم، مَعْطُوفًا عَلى يُؤْتى، وأوْ لِلتَّنْوِيعِ، وأجازُوا أنْ يَكُونَ: هُدى اللَّهِ، بَدَلًا مِنَ الهُدى، لا خَبَرًا لِإنَّ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ أيْ إنَّ هُدى اللَّهِ إيتاءُ أحَدٍ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ، ويَكُونُ: أوْ يُحاجُّوكم، مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ، بَعْدَ أوْ بِمَعْنى حَتّى، أيْ حَتّى يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم فَيَغْلِبُوكم ويَدْحَضُوا حُجَّتَكم عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّكم تَعْلَمُونَ صِحَّةَ دِينِ الإسْلامِ، وأنَّهُ يَلْزَمُكُمُ اتِّباعُ هَذا النَّبِيِّ، ولا يَكُونُ: أوْ يُحاجُّوكم، مَعْطُوفًا عَلى يُؤْتى، وداخِلًا في خَبَرِ ”إنَّ“، وأحَدٌ: في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لَيْسَ الَّذِي يَأْتِي في العُمُومِ مُخْتَصًّا بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ في نَفْيٍ، أوْ في خَبَرِ نَفْيٍ، بَلْ أحَدٌ هُنا بِمَعْنى واحِدٌ، وهو مُفْرِدٌ، إذْ عُنِيَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ في: يُحاجُّوكم؛ لِأنَّهُ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ وأتْباعِهِ، لِأنَّ الرِّسالَةَ تَدُلُّ عَلى الِاتِّباعِ.
(p-٤٩٥)وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ هُنا لِلنَّفْي بِمَعْنى لا، التَّقْدِيرُ: لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ونُقِلَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الفَرّاءِ، وتَكُونُ أوْ، بِمَعْنى إلّا، والمَعْنى إذْ ذاكَ: لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا أنْ يُحاجُّوكم، فَإنَّ إيتاءَهُ ما أُوتِيتُمْ مَقْرُونٌ بِمُغالَبَتِكم ومُحاجَّتِكم عِنْدَ رَبِّكم؛ لِأنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ الوَحْيَ لا بُدَّ أنْ يُحاجَّهم عِنْدَ رَبِّهِمْ في كَوْنِهِمْ لا يَتَّبِعُونَهُ، فَقَوْلُهُ: أوْ يُحاجُّوكم، حالٌ مِن جِهَةِ المَعْنى لازِمَةٌ، إذْ لا يُوحِي اللَّهُ إلى رَسُولٍ إلّا وهو مُحاجٍّ مُخالِفِيهِ. وفي هَذا القَوْلِ يَكُونُ، أحَدٌ، هو الَّذِي لِلْعُمُومِ؛ لِتَقَدُّمِ النَّفْيِ عَلَيْهِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ في: يُحاجُّوكم، حَمْلًا عَلى مَعْنى: أحَدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] جَمَعَ ”حاجِزِينَ“ حَمْلًا عَلى مَعْنى أحَدٍ، لا عَلى لَفْظِهِ، إذْ لَوْ حُمِلَ عَلى لَفْظِهِ لَأُفْرِدَ، لَكِنْ في هَذا القَوْلِ القَوْلُ بِأنَّ أنِ المَفْتُوحَةَ تَأْتِي لِلنَّفْيِ بِمَعْنى لا، ولَمْ يَقُمْ عَلى ذَلِكَ دَلِيلٌ مِن كَلامِ العَرَبِ. والخِطابُ في: أُوتِيتُمْ، وفي: يُحاجُّوكم، عَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ لِلطّائِفَةِ السّابِقَةِ، القائِلَةِ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ﴾ [آل عمران: ٧٢] وأجازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ لا يُؤْتى أحَدٌ، وحُذِفَتْ: لا، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى الحَذْفِ. قالَ كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ: أنْ لا تَضِلُّوا. ورَدَّ ذَلِكَ أبُو العَبّاسِ، وقالَ: لا تُحْذَفُ: لا، وإنَّما المَعْنى: كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا، وكَذَلِكَ هُنا: كَراهَةَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أيْ: مِمَّنْ خالَفَ دِينَ الإسْلامِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، فَهُدى اللَّهِ بَعِيدٌ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ.
والخِطابُ في: أُوتِيتُمْ، ويُحاجُّوكم، لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَلى هَذا: أنْ يُؤْتى، مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ عَلى حَذْفِ ”كَراهَةَ“، ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ عامِلٍ فِيهِ، ويَصْعُبُ تَقْدِيرُهُ، إذْ قَبْلَهُ جُمْلَةٌ لا يَظْهَرُ تَعْلِيلُ النِّسْبَةِ فِيها بِكَراهَةِ الإيتاءِ المَذْكُورِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أنْ يُؤْتى، بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: هُدى اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وهو أنْ يُؤْتى أحَدٌ كالَّذِي جاءَنا نَحْنُ. ويَكُونُ قَوْلُهُ: أوْ يُحاجُّوكم، بِمَعْنى: أوْ فَلْيُحاجُّوكم، فَإنَّهم يَغْلِبُونَكُمُ انْتَهى هَذا القَوْلُ. وفِيهِ الجَزْمُ بِلامِ الأمْرِ وهي مَحْذُوفَةٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ إلّا في الضَّرُورَةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ: أنْ يُؤْتى، بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ فَلا تَنْكَرُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتُوا انْتَهى كَلامُهُ. وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ حَرْفِ النَّهْيِ ومَعْمُولِهِ، ولَمْ يُحْفَظْ ذَلِكَ مِن لِسانِهِمْ. وأجازُوا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: قُلْ، بَلْ هو مِن تَمامِ قَوْلِ الطّائِفَةِ، مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ جُمْلَةً اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ ما قَبْلَها وما بَعْدَها.
ويَحْتَمِلُ هَذا القَوْلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا، وتُؤْمِنُوا إلّا لِمَن جاءَ بِمِثْلِ دِينِكم، مَخافَةَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِنَ النُّبُوَّةِ والكَرامَةِ، مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ومَخافَةَ أنْ يُحاجُّوكم بِتَصْدِيقِكم إيّاهم عِنْدَ رَبِّكم إذا لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ، وهَذا القَوْلُ، عَلى هَذا المَعْنى، ثَمَرَةُ الحَسَدِ والكُفْرِ مَعَ المَعْرِفَةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أنْ لا يُؤْتى، فَحُذِفَتْ لا، لِدَلالَةِ الكَلامِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مُنْتَفِيًا داخِلًا في حَيِّزِ: إلّا، لا مُقَدَّرًا دُخُولُهُ قَبْلَها، والمَعْنى: ولا تُؤْمِنُوا لِأحَدٍ بِشَيْءٍ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، بِانْتِفاءِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وانْتِفاءِ أنْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم أيْ: إلّا بِانْتِفاءِ كَذا.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بِأنْ يُؤْتى، ويَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ ”تُؤْمِنُوا“، ولا يَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ ”إلّا“، والمَعْنى: ولا تُؤْمِنُوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، وجاءَ بِمِثْلِهِ، وعاضِدًا لَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُؤْتاهُ غَيْرُكم. ويَكُونُ مَعْنى: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكم، كَما تَقُولُ: أنا لا أتْرُكُكَ أوْ تَقْضِينِي حَقِّي، وهَذا القَوْلُ عَلى هَذا المَعْنى ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى اعْتِقادٍ مِنهم أنَّ النُّبُوَّةَ لا تَكُونُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ. الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، وتُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ إذْ قَدْ عَلِمْتُمْ صِحَّتَها إلّا لِلْيَهُودِ الَّذِينَ هم مِنكم، (p-٤٩٦)و﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ صِفَةٌ لِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فالمَعْنى: تَسَتَّرُوا بِإقْرارِكم أنَّ قَدْ أُوتِيَ أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أوْ فَإنَّهم يَعْنُونَ العَرَبَ، يُحاجُّونَكم بِالإقْرارِ عِنْدَ رَبِّكم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا الوَجْهِ، وبَدَأ بِهِ ما نَصُّهُ: ولا تُؤْمِنُوا، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أنْ يُؤْتى أحَدٌ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، أيْ: ولا تُظْهِرُوا إيمانَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، إلّا لِأهْلِ دِينِكم دُونَ غَيْرِهِمْ، أرادُوا: أسِرُّوا تَصْدِيقَكم بِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أُوتُوا مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ولا تُفْشُوهُ إلّا لِأشْياعِكم وحْدِهِمْ دُونَ المُسْلِمِينَ، لِئَلّا يَزِيدَهم ثَباتًا، ودُونَ المُشْرِكِينَ؛ لِئَلّا يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿أنْ يُؤْتى﴾ والضَّمِيرُ في: يُحاجُّوكم، لِـ ”أحَدٌ“؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمِيعِ بِمَعْنى: ولا تُؤْمِنُوا لِغَيْرِ أتْباعِكم أنَّ المُسْلِمِينَ يُحاجُّونَكم يَوْمَ القِيامَةِ بِالحَقِّ، ويُغالِبُونَكم عِنْدَ اللَّهِ بِالحُجَّةِ انْتَهى كَلامُهُ.
وأمّا: أحَدٌ، عَلى هَذِهِ الأقْوالِ فَإنْ كانَ الَّذِي لِلْعُمُومِ، وكانَ ما قَبْلَهُ مُقَدَّرًا بِالنَّفْي، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ المَعْنى: لا يُؤْتى، أوْ: إنَّ المَعْنى: أنْ لا يُؤْتى أحَدٌ، فَهو جارٍ عَلى المَأْلُوفِ في لِسانِ العَرَبِ مِن أنَّهُ لا يَأْتِي إلّا في النَّفْيِ، أوْ ما أشْبَهَ النَّفْيَ كالنَّهْيِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ مُثْبَتًا يَدْخُلُ هُنا؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ النَّفْيُ في أوَّلِ الكَلامِ، كَما دَخَلَتْ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] لِلنَّفْيِ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ﴾ [البقرة: ١٠٥] . ومَعْنى الِاعْتِراضِ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ أنَّهُ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ ما رامُوا مِنَ الكَيْدِ والخِداعِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ﴾ [آل عمران: ٧٢] الآيَةَ، لا يُجْدِي شَيْئًا، ولا يَصُدُّ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَ اللَّهُ إيمانَهُ، لِأنَّ الهُدى هو هُدى اللَّهِ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُحَصِّلَهُ لِأحَدٍ، ولا أنْ يَنْفِيَهُ عَنْ أحَدٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: أنْ يُؤْتى أحَدٌ ؟ بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وخَرَّجَهُ أبُو عَلِيٍّ عَلى أنَّهُ مِن قَوْلِ الطّائِفَةِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قاطِعٌ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُصَدِّقُونَ بِهِ، أوْ تَعْتَرِفُونَ، أوْ تَذْكُرُونَهُ لِغَيْرِكم، ونَحْوَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ. ويُحاجُّوكم: مَعْطُوفٌ عَلى: أنْ يُؤْتى. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ: أنْ نَصْبًا، فَيَكُونَ المَعْنى: أتُشِيعُونَ، أوْ: أتَذْكُرُونَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ؟ ويَكُونُ بِمَعْنى: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم ؟ فَعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مَعْنى الآيَةِ تَوْبِيخٌ مِنَ الأحْبارِ لِلْأتْباعِ عَلى تَصْدِيقِهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، ويَكُونُ: أوْ يُحاجُّوكم، في تَأْوِيلِ نَصْبِ ”أنْ“ بِمَعْنى: أوْ تُرِيدُونَ أنْ يُحاجُّوكم ؟ . قالَ أبُو عَلِيٍّ وأحَدٌ، عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ هو الَّذِي لا يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وقَدْ مَنَعَ الِاسْتِفْهامُ القاطِعُ مِن أنْ يَشِيعَ لِامْتِناعِ دُخُولِهِ في النَّفْيِ الَّذِي في أوَّلِ الكَلامِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ أحَدٌ، الَّذِي في قَوْلِكَ: أحَدٌ وعِشْرُونَ، وهو يَقَعُ في الإيجابِ، لِأنَّهُ في مَعْنى: واحِدٌ، وجُمِعَ ضَمِيرُهُ في قَوْلِهِ: أوْ يُحاجُّوكم، حَمْلًا عَلى المَعْنى، إذْ لِـ ”أحَدٌ“، المُرادُ بِمِثْلِ النُّبُوَّةِ أتْباعٌ، فَهو في المَعْنى لِلْكَثْرَةِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أنْ تُرَجَّحَ فِيهِ قِراءَةُ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُفْرَدَةَ لَيْسَ بِالمُسْتَمِرِّ أنْ يَدُلَّ عَلى الكَثْرَةِ انْتَهى تَخْرِيجُ أبِي عَلِيٍّ لِقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُ قِراءَتِهِ عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أنْ يُؤْتى، مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، عَلى أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ مِن قَوْلِ الطّائِفَةِ، وهو أظْهَرُ مِن جَعْلِهِ مِن قَوْلِ الطّائِفَةِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ السُّدِّيُّ، وغَيْرُهُ إلى أنَّ الكَلامَ كُلَّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَقُولَهُ لِأُمَّتِهِ.
وذَهَبَ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ: إلى أنَّ هَذا كُلَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ، أمَرَهُ أنْ يَقُولَهُ لِلطّائِفَةِ الَّتِي قالَتْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ وذَهَبَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ إلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ كُلَّهُ مِن قَوْلِ الطّائِفَةِ لِأتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ ما قَبْلَهُ، وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِ الطّائِفَةِ لِأتْباعِهِمْ. وذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ الَّذِي هو: قُلْ، يَقُولُهُ الرَّسُولُ لِلْيَهُودِ، وتَمَّ مَقُولُهُ في قَوْلِهِ: أُوتِيتُمْ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فَهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ الطّائِفَةِ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ وعَلى هَذِهِ الأنْحاءِ تَرْتِيبُ الأوْجُهِ السّابِقَةِ.
(p-٤٩٧)وقَرَأ الأعْمَشُ وشُعَيْبُ بْنُ أُبَيٍّ ”إنْ يُؤْتى“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِثْلَ ما أعْطَيْتُمْ مِنَ الكَرامَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ خِطابًا مِنَ الطّائِفَةِ القائِلَةِ ؟ ويَكُونُ قَوْلُها: أوْ يُحاجُّوكم، بِمَعْنى: أوْ فَلْيُحاجُّوكم، وهَذا عَلى التَّصْمِيمِ عَلى أنَّهُ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيَ، أوْ يَكُونُ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكم، وهَذا عَلى تَجْوِيزِ: أنْ يُؤْتى أحَدٌ ذَلِكَ إذا قامَتِ الحُجَّةُ لَهُ. هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ لِهَذِهِ القِراءَةِ، وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الطّائِفَةِ.
وقالَ أيْضًا في تَفْسِيرِها: كَأنَّهُ ﷺ يُخْبِرُ أُمَّتَهُ أنَّ اللَّهَ لا يُعْطِي أحَدًا، ولا أعْطى فِيما سَلَفَ مِثْلَ ما أعْطى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مِن كَوْنِها وسَطًا، فَهَذا التَّفْسِيرُ عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأُمَّتِهِ، ومُنْدَرِجٌ تَحْتَ: قُلْ. وعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ فَسَّرَها الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وقُرِئَ: ”أنْ يُؤْتى أحَدٌ“ عَلى: أنِ النّافِيَةِ، وهو مُتَّصِلٌ بِكَلامِ أهْلِ الكِتابِ أيْ: ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، وقُولُوا لَهم ما يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ حَتّى يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، أيْ: ما يُؤْتُونَ مِثْلَهُ فَلا يُحاجُّوكم.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ الحَسَنُ: ”أنْ يُؤْتِيَ أحَدٌ“، بِكَسْرِ التّاءِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى: ”أحَدٌ“، والمَعْنى أنَّ إنْعامَ اللَّهِ لا يُشْبِهُهُ إنْعامُ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ، وأظْهَرُ ما في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِن مُحَمَّدٍ ﷺ لِأُمَّتِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أنْ يُؤْتِيَ أحَدٌ أحَدًا انْتَهى. ولَمْ يَتَعَرَّضِ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلَفْظِ: أنْ، في هَذِهِ القِراءَةِ: أهِيَ بِالكَسْرِ، أمْ بِالفَتْحِ ؟ .
وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: وقَرَأ الأعْمَشُ: ”أنْ يُؤْتِيَ“، والحَسَنُ: ”أنْ يُؤْتِيَ أحَدًا“، جَعَلا ”أنْ“ نافِيَةً، وإنْ لَمْ تَكُنْ بَعْدَ إلّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] وأوْ بِمَعْنى: إلّا أنْ، وهَذا يَحْتَمِلُ قَوْلَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ومَعَ اعْتِراضٍ: قُلْ قَوْلَ اليَهُودِ انْتَهى.
وفِي مَعْنى: الهُدى، هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما أُوتِيَهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: التَّوْفِيقُ والدَّلالَةُ إلى الخَيْرِ حَتّى يُسْلِمَ، أوْ يَثْبُتَ عَلى الإسْلامِ.
ويَحْتَمِلُ: عِنْدَ رَبِّكم، وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. والثّانِي: عِنْدَ كُتُبِ رَبِّكُمُ الشّاهِدَةِ عَلَيْكم ولَكم، وأضافَ ”ذَلِكَ“ إلى ”الرَّبِّ“ تَشْرِيفًا، وكانَ المَعْنى: أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ الحَقِّ، وعَلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ تَدُورُ تَفاسِيرُ الآيَةِ، فَيُحْمَلُ كُلٌّ مِنها عَلى ما يُناسِبُ مِن هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ.
* *
﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ هَذا تَوْكِيدٌ لِمَعْنى ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ وفي ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ حَيْثُ قالُوا: شَرِيعَةُ مُوسى مُؤَبَّدَةٌ، ولَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أحَدًا مِثْلَ ما أُوتِيَ بَنُو إسْرائِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فالفَضْلُ هو بِيَدِ اللَّهِ. أيْ: مُتَصَرِّفٌ فِيهِ، كالشَّيْءِ في اليَدِ، وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ قُدْرَةِ التَّصَرُّفِ، والتَّمَكُّنِ فِيها، والبارِي تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ يُعْطِيهِ مَن أرادَ، فاخْتِصاصُهُ بِالفَضْلِ مَن شاءَ، إنَّما سَبَبُهُ الإرادَةُ فَقَطْ، وفُسِّرَ الفَضْلُ هُنا بِالنُّبُوَّةِ وهو أعَمُّ، والنُّبُوَّةُ أشْرَفُ أفْرادِهِ.
﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
آل عمران 3:74
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ: يُفْرِدُ بِنُبُوَّتِهِ مَن يَشاءُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بِالإسْلامِ والقُرْآنِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ: الإسْلامُ. وقِيلَ: كَثْرَةُ الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعالى.
﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا، وتَفْسِيرُ ما قَبْلَهُ في آخِرِ آيَةِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَدِيعِ التَّجْنِيسَ المُماثِلَ، والتَّكْرارَ في: آمَنُوا وآمِنُوا، وفي الهُدى، هُدى اللَّهِ، وفي: يُؤْتى، وأُوتِيتُمْ، وفي: إنَّ الفَضْلَ، وذُو الفَضْلِ، والتَّكْرارَ أيْضًا في اسْمِ اللَّهِ، في أرْبَعَةِ مَواضِعَ. والطِّباقَ: في آمِنُوا، واكْفُرُوا، وفي: وجْهَ النَّهارِ، وفي: آخِرَهُ، والِاخْتِصاصَ في: وجْهَ النَّهارِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ يُراءُونَهم، و”آخِرَهُ“ لِأنَّهُ وقْتُ خَلْوَتِهِمْ بِأمْثالِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، والحَذْفُ في مَواضِعَ.
آل عمران 3:75
(p-٤٩٨)﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] .
الدِّينارُ: مَعْرُوفٌ، وهو أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا، والقِيراطُ: ثَلاثُ حَبّاتٍ مِن وسَطِ الشَّعِيرِ، فَمَجْمُوعُهُ: اثْنَتانِ وسَبْعُونَ حَبَّةً، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وفاؤُهُ بَدَلٌ مِن نُونٍ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجَمْعِ، قالُوا: دَنانِيرُ، وأصْلُهُ: دِنّارِ، أُبْدِلَ مِن أوَّلِ المِثْلَيْنِ، كَما أبْدَلُوا مِنَ النُّونِ في ثالِثِ الأمْثالِ ياءً في: تَظَنَّيْتُ. أصْلُهُ تَظَنَّنْتُ؛ لِأنَّهُ مِنَ الظَّنِّ، وهو بَدَلٌ مَسْمُوعٌ، والدِّينارُ: لَفْظٌ أعْجَمِيٌّ تَصَرَّفَتْ فِيهِ العَرَبُ، وألْحَقَتْهُ بِمُفْرَداتِ كَلامِها.
دامَ: ثَبَتَ، والمُضارِعُ: يَدُومُ، فَوَزْنُهُ: فَعَلَ، نَحْوَ قالَ: يَقُولُ، قالَ الفَرّاءُ: هَذِهِ لُغَةُ الحِجازِ وتَمِيمٍ، تَقُولُ: دِمْتَ، بِكَسْرِ الدّالِ. قالَ: ويَجْتَمِعُونَ في المُضارِعِ، يَقُولُونَ: يَدُومُ. وقالَ أبُو إسْحاقَ يَقُولُ: دُمْتَ تَدامُ، مِثْلَ: نِمْتَ تَنامُ، وهي لُغَةٌ، فَعَلى هَذا يَكُونُ وزْنُ ”دامَ“: ”فَعِلَ“ بِكَسْرِ العَيْنِ، نَحْوَ: خافَ يَخافُ. والتَّدْوِيمُ الِاسْتِدارَةُ حَوْلَ الشَّيْءِ. ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎والشَّمْسُ حَيْرى لَها في الجَوِّ تَدْوِيمُ
وقالَ عَلْقَمَةُ في وصْفِ خَمْرٍ:
؎تَشْفِي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيكَ صالِبُها ∗∗∗ ولا يُخالِطُها في الرَّأْسِ تَدْوِيمُ
والدَّوامُ: الدَّوّارُ، يَأْخُذُ في رَأْسِ الإنْسانِ فَيَرى الأشْياءَ تَدُورُ بِهِ. وتَدْوِيمُ الطّائِرِ في السَّماءِ ثُبُوتُهُ إذا صَفَّ واسْتَدارَ. ومِنهُ: الماءُ الدّائِمُ، كَأنَّهُ يَسْتَدِيرُ حَوْلَ مَرْكَزِهِ. لَوى الحَبْلَ والتَوى: فَتَلَهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإراغَةِ في الحُجَجِ والخُصُوماتِ، ومِنهُ: لِيانُ الغَرِيمِ: وهو دَفْعُهُ، ومَطْلُهُ، ومِنهُ: خَصْمٌ ألْوى: شَدِيدُ الخُصُومَةِ، شُبِّهَتِ المَعانِي بِالأجْرامِ.
اللِّسانُ: الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ. قالَ أبُو عَمْرٍو: اللِّسانُ، يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَمَن ذَكَّرَ جَمَعَهُ: ألْسِنَةً؛ ومَن أنَّثَ جَمَعَهُ: ألْسُنًا. وقالَ الفَرّاءُ: اللِّسانُ بِعَيْنِهِ لَمْ نَسْمَعْهُ مِنَ العَرَبِ إلّا مُذَكَّرًا انْتَهى. ويُعَبَّرُ بِاللِّسانِ عَنِ الكَلامِ، وهو أيْضًا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ إذا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ.
الرَّبّانِيُّ: مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ، وزِيدَتِ الألِفُ والنُّونُ مُبالَغَةً. كَما قالُوا: لَحْيانِيٌّ، وشَعْرانِيٌّ، ورَقْبانِيٌّ. فَلا يُفْرِدُونَ هَذِهِ الزِّيادَةَ عَنْ ياءِ النِّسْبَةِ. وقالَ قَوْمٌ: هو مَنسُوبٌ إلى رَبّانَ، وهو مُعَلِّمُ النّاسِ وسائِسُهم، والألِفُ والنُّونُ فِيهِ كَهي في غَضْبانَ، وعَطْشانَ، ثُمَّ نُسِبَ إلَيْهِ فَقالُوا: رَبّانِيٌّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِنَ النَّسَبِ في الوَصْفِ، كَما قالُوا: أحَمَرِيٌّ، في أحْمَرَ، ودَوّارِيٌّ في دَوّارِ، وكِلا القَوْلَيْنِ شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ. دَرَسَ الكِتابَ يَدْرُسُهُ: أدْمَنَ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ، ودَرَسَ المَنزِلُ: عَفا، وطَلَلٌ دارِسٌ: عافٍ.
﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَمِّ الخَوَنَةِ مِنهم، فَظاهِرُهُ أنَّ في اليَهُودِ والنَّصارى مَن يُؤْتَمَنُ فَيَفِي، ومَن يُؤْتَمَنُ فَيَخُونُ. وقِيلَ: أهْلُ الكِتابِ عَنى بِهِ أهْلَ القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وهَذا (p-٤٩٩)ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ: اليَهُودُ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ لَمْ يَقُلْهُ ولا يَعْتَقِدُهُ إلّا اليَهُودُ.
وقِيلَ: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ هُمُ النَّصارى؛ لِغَلَبَةِ الأمانَةِ عَلَيْهِمْ. و﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ﴾ هُمُ اليَهُودُ؛ لِغَلَبَةِ الخِيانَةِ عَلَيْهِمْ. وعُيِّنَ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ. وقِيلَ: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ هم مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ. و﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ﴾ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِنهم.
ورُوِيَ أنَّهُ بايَعَ بَعْضُ العَرَبِ بَعْضَ اليَهُودِ، وأوْدَعُوهم فَخانُوا مَن أسْلَمَ، وقالُوا: قَدْ خَرَجْتُمْ عَنْ دِينِكُمُ الَّذِي عَلَيْهِ بايَعْناكم، وفي كِتابِنا: لا حُرْمَةَ لِأمْوالِكم، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى. قِيلَ: وهَذا سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ﴾ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةً ذَهَبًا، فَأدّاهُ إلَيْهِ. و﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ﴾ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ، اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ دِينارًا فَجَحَدَهُ وخانَهُ انْتَهى. ولا يَنْحَصِرُ الشَّرْطُ في ذَيْنِكَ المُعَيَّنَيْنِ، بَلْ كُلٌّ مِنهُما فَرْدٌ مِمَّنْ يَنْدَرِجُ تَحْتَ: مَن. ألا تَرى كَيْفَ جُمِعَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا﴾ قالُوا، والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ”تَأْمَنهُ“، هو النَّبِيُّ ﷺ بِلا خِلافٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السّامِعُ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وبَيَّنَهُ قَوْلُهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ فَجَمَعَ الأُمِّيِّينَ، وهم أتْباعُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: تِئْمَنهُ، في الحَرْفَيْنِ، وتِئْمَنّا: في يُوسُفَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، و الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ، و ابْنُ وثّابٍ: تِيمَنهُ، بِتاءٍ مَكْسُورَةٍ، وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها، قالَ الدّانِيُّ: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. وأمّا إبْدالُ الهَمْزَةِ ياءً في: تِئْمَنهُ، فَلِكَسْرَةِ ما قَبْلَها كَما أبْدَلُوا في بِئْرٍ.
وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ عَلى حُرُوفِ المُضارَعَةِ مِن فِعْلٍ، ومِن ما أوَّلَهُ هَمْزَةُ وصْلٍ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، حِينَ ذَكَرَ قِراءَةَ أُبَيٍّ: وما أراها إلّا لُغَةً قُرَشِيَّةً، وهي كَسْرُ نُونِ الجَماعَةِ: كَنَسْتَعِينَ، وألِفُ المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لا إخالَهُ، وتاءِ المُخاطَبِ كَهَذِهِ الآيَةِ، ولا يَكْسِرُونَ الياءَ في الغائِبِ، وبِها قَرَأ أُبَيٌّ في: ”تِئْمَنهُ“ انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ ما يُكْسَرُ فِيهِ حُرُوفُ المُضارَعَةِ بِقانُونٍ كُلِّيٍّ، وما ظَنَّهُ مِن أنَّها لُغَةٌ قُرَشِيَّةٌ لَيْسَ كَما ظَنَّ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القِنْطارِ، في قَوْلِهِ: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُؤَدِّهِ، بِكَسْرِ الهاءِ، ووَصْلِها بِياءٍ. وقَرَأ قالُونَ بِاخْتِلاسِ الحَرَكَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، بِالسُّكُونِ. قالَ أبُو إسْحاقَ: وهَذا الإسْكانُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ هَؤُلاءِ غَلَطٌ بَيِّنٌ؛ لِأنَّ الهاءَ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْزَمَ، وإذا لَمْ تُجْزَمْ فَلا يَجُوزُ أنْ تَسْكُنَ في الوَصْلِ. وأمّا أبُو عَمْرٍو فَأراهُ كانَ يَخْتَلِسُ الكَسْرَةَ، فَغَلَطٌ عَلَيْهِ، كَما غَلِطَ عَلَيْهِ في: بارِئِكم، وقَدْ حَكى عَنْهُ سِيبَوَيْهِ، وهو ضابِطٌ لِمِثْلِ هَذا، أنَّهُ كانَ يَكْسِرُ كَسْرًا خَفِيفًا انْتَهى كَلامُ ابْنِ إسْحاقَ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو إسْحاقَ مِن أنَّ الإسْكانَ غَلَطٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ هي قِراءَةٌ في السَّبْعَةِ، وهي مُتَواتِرَةٌ، وكَفى أنَّها مَنقُولَةٌ مِن إمامِ البَصْرِيِّينَ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، فَإنَّهُ عَرَبِيٌّ صَرِيحٌ، وسامِعُ لُغَةٍ، وإمامٌ في النَّحْوِ، ولَمْ يَكُنْ لِيَذْهَبَ عَنْهُ جَوازُ مِثْلِ هَذا.
وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الفَرّاءُ، وهو إمامٌ في النَّحْوِ واللُّغَةِ. وحَكى ذَلِكَ لُغَةً لِبَعْضِ العَرَبِ تَجْزِمُ في الوَصْلِ والقَطْعِ. وقَدْ رَوى الكِسائِيُّ أنَّ لُغَةَ عَقِيلٍ وكِلابٍ: أنَّهم يَخْتَلِسُونَ الحَرَكَةَ في هَذِهِ الهاءِ إذا كانَتْ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ، وأنَّهم يُسَكِّنُونَ أيْضًا. قالَ الكِسائِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابَ عَقِيلٍ وكِلابٍ يَقُولُونَ: ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] بِالجَزْمِ، و”لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ“، بِغَيْرٍ تَمامٍ، ولَهُ مالٌ، وغَيْرُ عَقِيلٍ وكِلابٍ، لا يُوجَدُ في كَلامِهِمُ اخْتِلاسٌ ولا سُكُونٌ في لَهُ وشَبَهِهِ إلّا في ضَرُورَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ.
؎لَهُ زَجَلٌ كَأنَّهُ صَوْتٌ حادٌّ
وقالَ:
؎إلّا لِأنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وادِيها
ونَصَّ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى أنَّ حَرَكَةَ هَذِهِ الهاءِ، بَعْدَ الفِعْلِ الذّاهِبِ مِنهُ حَرْفٌ لِوَقْفٍ أوْ جَزْمٍ، يَجُوزُ فِيها الإشْباعُ، ويَجُوزُ الِاخْتِلاسُ، ويَجُوزُ السُّكُونُ. وأبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ، يُقالُ عَنْهُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ إمامًا في اللُّغَةِ، ولِذَلِكَ أنْكَرَ عَلى ثَعْلَبٍ في كِتابِهِ: (الفَصِيحُ) مَواضِعَ زَعَمَ أنَّ العَرَبَ لا (p-٥٠٠)تَقُولُها، ورَدَّ النّاسُ عَلى أبِي إسْحاقَ في إنْكارِهِ، ونَقَلُوها مِن لُغَةِ العَرَبِ. ومِمَّنْ رَدَّ عَلَيْهِ: أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ، وكانَ ثَعْلَبُ إمامًا في اللُّغَةِ، وإمامًا في النَّحْوِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، ونَقَلُوا أيْضًا قِراءَتَيْنِ: إحْداهُما ضَمُّ الهاءِ ووَصْلُها بِواوٍ، وهي قِراءَةُ الزُّهْرِيِّ، والأُخْرى: ضَمُّها دُونَ وصْلٍ، وبِها قَرَأ سَلّامٌ.
والباءُ في: بِقِنْطارٍ، وفي: بِدِينارٍ، قِيلَ: لِلْإلْصاقِ. وقِيلَ: بِمَعْنى ”عَلى“، إذِ الأصْلُ أنْ تَتَعَدّى بِعَلى، كَما قالَ مالِكٌ: ﴿لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقالَ: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ﴾ [يوسف: ٦٤] وقِيلَ: بِمَعْنى ”في“، أيْ: في حِفْظِ قِنْطارٍ، وفي حِفْظِ دِينارٍ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ القِنْطارَ والدِّينارَ، مِثالانِ لِلْكَثِيرِ والقَلِيلِ، فَيَدْخُلُ أكْثَرُ مِنَ القِنْطارِ وأقَلُّ، وفي الدِّينارِ أقَلُّ مِنهُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ طِبْقَهُ يَعْنِي: في الدِّينارِ لا يَجُوزُ إلّا في دِينارٍ فَما زادَ، ولَمْ يَعْنِ بِذِكْرِ الخائِنِينَ في: أقَلَّ، إذْ هم طُغّامٌ حُثالَةٌ. انْتَهى.
* *
ومَعْنى: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مُتَقاضِيًا بِأنْواعِ التَّقاضِي مِنَ الخَفْرِ، والمُرافَعَةِ إلى الحُكّامِ، فَلَيْسَ المُرادُ هَيْئَةَ القِيامِ، إنَّما هو مِن قِيامِ المَرْءِ عَلى أشْغالِهِ، أيِ: اجْتِهادِهِ فِيها.
وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: قائِمًا عَلى رَأْسِهِ وهي الهَيْئَةُ المَعْرُوفَةُ وذَلِكَ نِهايَةُ الخَفْرِ؛ لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ في صَدَدِ شُغْلٍ آخَرَ يُرِيدُ أنْ يَسْتَقْبِلَهُ. وذَهَبَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ، وانْتَزَعُوا مِنَ الآيَةِ جَوازَ السِّجْنِ، لِأنَّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ غَرِيمُهُ هو يَمْنَعُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ في غَيْرِ القَضاءِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ المَنعِ مِنَ التَّصَرُّفاتِ، وبَيْنَ السِّجْنِ. وقِيلَ: قائِمًا بِوَجْهِكَ فِيها بِكَ ويَسْتَحِي مِنكَ. وقِيلَ: مَعْنى: دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا، أيْ: مُسْتَعْلِيًا، فَإنِ اسْتَلانَ جانِبُكَ لَمْ يُؤَدِّ إلَيْكَ أمانَتَكَ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ، وطَلْحَةُ، وغَيْرُهم: دِمْتَ، بِكَسْرِ الدّالِّ، وتَقَدَّمَ أنَّها لُغَةُ تَمِيمٍ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في مُضارِعِهِ. و”ما“ في: ”ما دُمْتَ“، مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ. ودُمْتَ: ناقِصَةٌ فَخَبَرُها: ”قائِمًا“، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَقَطْ لا ظَرْفِيَّةً، فَتَتَقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ، وذَلِكَ المَصْدَرُ يَنْتَصِبُ عَلى الحالِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مِنَ الأحْوالِ، لا مِنَ الأزْمانِ. قالَ: والتَّقْدِيرُ إلّا في حالِ مُلازَمَتِكَ لَهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ: قائِمًا، مَنصُوبًا عَلى الحالِ، لا خَبَرًا لَـ ”دامَ“، لِأنَّ شَرْطَ نَقْصِ دامَ، أنْ يَكُونَ صِلَةً لِـ ”ما“ المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ.
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ اسْتِحْلالَ أمْوالِ العَرَبِ؛ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ أوْثانٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ، وأسْلَمَ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ، بَقِيَ اليَهُودُ فِيهِمْ عَلى ذَلِكَ المُعْتَقَدِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مانِعَةً مِن ذَلِكَ. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«كُلُّ شَيْءٍ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ فَهو تَحْتَ قَدَمِي، إلّا الأمانَةُ فَإنَّها مُوادَّةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ» .“ والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى تَرْكِ الأداءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لا يُؤَدِّهِ، أيْ: كَوْنُهم لا يُؤَدُّونَ الأمانَةَ كانَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ.
والضَّمِيرُ في: بِأنَّهم، قِيلَ: عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وقِيلَ: عائِدٌ عَلى لَفِيفِ بَنِي إسْرائِيلَ. والأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى: مَن، في قَوْلِهِ: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى، أيْ: تَرَكَ الأداءَ في الدِّينارِ فَما دُونَهُ، وفَما فَوْقَهُ كائِنٌ بِسَبَبِ قَوْلِ المانِعِ لِلْأداءِ الخائِنِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ العَرَبُ. وتَقَدَّمَ كَوْنُهم سُمُّوا أُمِّيِّينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والسَّبِيلُ، قِيلَ: العِتابُ والذَّمُّ، وقِيلَ: الحُجَّةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:
؎وهَلْ أنا إنْ عَلَلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ مِنَ السَّرْحِ مَسْدُودٌ عَلَيَّ طَرِيقُ
وقَوْلُهُ: فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ مِن هَذا المَعْنى، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وكَلامِ العَرَبِ، وقِيلَ: السَّبِيلُ هُنا الفِعْلُ المُؤَدِّي إلى الإثْمِ. والمَعْنى: لَيْسَ عَلَيْهِمْ طَرِيقٌ فِيما يَسْتَحِلُّونَ مِن أمْوالِ المُؤْمِنِينَ الأُمِّيِّينَ. قالَ: وسَبَبُ اسْتِباحَتِهِمْ لِأمْوالِ الأُمِّيِّينَ، أنَّهم عِنْدَهم مُشْرِكُونَ، وهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ باقُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِتَكْذِيبِ اليَهُودِ لِلْقُرْآنِ، ولِلنَّبِيِّ ﷺ وقِيلَ: لِأنَّهُمُ انْتُقِضَ العَهْدُ الَّذِي كانَ (p-٥٠١)بَيْنَهم بِسَبَبِ إسْلامِهِمْ، فَصارُوا كالمُحارِبِينَ، فاسْتَحَلُّوا أمْوالَهم، وقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ مُباحٌ في كِتابِهِمْ أخْذُ مالِ مَن خالَفَهم.
وقالَ الكَلْبِيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: الأمْوالُ كُلُّها كانَتْ لَنا، فَما في أيْدِي العَرَبِ مِنها فَهو لَنا، وأنَّهم ظَلَمُونا وغَصَبُونا، فَلا سَبِيلَ عَلَيْنا في أخْذِ أمْوالِنا مِنهم. ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أبِي إسْحاقَ الهَمْدانِيِّ، عَنْ صَعْصَعَةَ، أنَّ رَجُلًا قالَ لِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنّا نُصِيبُ في الغَزْوِ مِن أمْوالِ أهْلِ الذِّمَّةِ الشّاةَ والدَّجاجَةَ، ويَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَيْنا بِذَلِكَ بَأْسٌ، فَقالَ لَهُ: هَذا كَما قالَ أهْلُ الكِتابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أنَّهم إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكم أمْوالُهم إلّا عَنْ طِيبِ أنْفُسِهِمْ. وذَكَرَ هَذا الأثَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وفِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ الشّاةِ أوِ الدَّجاجَةِ، قالَ: فَيَقُولُونَ ماذا قالَ ؟ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْنا في ذَلِكَ بَأْسٌ.
* *
﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيِ: القَوْلَ الكَذِبَ يَفْتَرُونَهُ عَلى اللَّهِ بِادِّعائِهِمْ أنَّ ذَلِكَ في كِتابِهِمْ. قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُما: ادَّعَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ أنَّ في التَّوْراةِ إحْلالًا لَهم أمْوالَ الأُمِّيِّينَ كَذِبًا مِنها وهي عالِمَةٌ بِكَذِبِها، فَيَكُونُ الكَذِبُ المَقُولُ هُنا هو هَذا الكَذِبَ المَخْصُوصَ في هَذا الفَصْلِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أعَمُّ مِن هَذا، فَيَنْدَرِجُ هَذا فِيهِ، أيْ: هم يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وهم عُلَماءُ بِمَوْضِعِ الصِّدْقِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ: عَلَيْنا، خَبَرَ: لَيْسَ، وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ: في الأُمِّيِّينَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى عَمَلِ: لَيْسَ، في الجارِّ، فَيَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَتَعَلَّقَ بِها.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ: ”سَبِيلٌ“، بِـ ”عَلَيْنا“، وفي: لَيْسَ، ضَمِيرُ الأمْرِ، ويَتَعَلَّقُ: عَلى اللَّهِ، بِـ ”يَقُولُونَ“ بِمَعْنى: يَفْتَرُونَ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكَذِبِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، ولا يَتَعَلَّقُ بِالكَذِبِ. قِيلَ: لِأنَّ الصِّلَةَ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ.
﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تَنْعِي عَلَيْهِمْ قَبِيحَ ما يَرْتَكِبُونَ مِنَ الكَذِبِ، أيْ: إنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ يَبْعُدُ ويَقْبُحُ أنْ يُكْذَبَ فِيهِ، فَكِذْبُهم لَيْسَ عَنْ غَفْلَةٍ ولا جَهْلٍ، إنَّما هو عَنْ عِلْمٍ.
آل عمران 3:76
(بَلى) جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وهَذا مُناقِضٌ لِدَعْواهِمْ، والمَعْنى: بَلى عَلَيْهِمْ في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في: بَلى، في قَوْلِهِ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ مَن أوْفى بِالعَهْدِ، واتَّقى اللَّهَ في نَقْضِهِ فَهو مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اتَّقى هُنا مَعْناهُ اتَّقى الشِّرْكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ بَعْدَ بَلى، ومَن: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والأظْهَرُ أنَّها شَرْطِيَّةٌ، وأوْفى: لُغَةُ الحِجازِ، و”وفى“ خَفِيفَةٌ: لُغَةُ نَجْدٍ. و”وفّى“ مُشَدَّدَةٌ: لُغَةٌ أيْضًا. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ اللُّغاتِ. والظّاهِرُ في: ”بِعَهْدِهِ“، أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى: مَن. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويَدْخُلُ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ، العَهْدُ الأعْظَمُ مِن ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَواءٌ أُضِيفَ العَهْدُ إلى: مَن، أوْ: إلى اللَّهِ، والشَّرائِطُ لِلْجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، أوِ الجَزائِيَّةِ بِمَن هو العُمُومُ الَّذِي في المُتَّقِينَ، أوْ ما قَبْلَهُ، فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: يُحِبُّهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ وأتى بِلَفْظِ: المُتَّقِينَ، عامًّا تَشْرِيفًا لِلتَّقْوى وحَضًّا عَلَيْها.
آل عمران 3:77
﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ: أبِي رافِعٍ، وكِنانَةَ بْنِ أبِي الحَقِيقِ، وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. أوْ: فِيمَن حَرَّفَ نَعْتَهُ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ الحَسَنُ. أوْ: في خُصُومَةِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مَعَ يَهُودِيٍّ، أوْ مَعَ بَعْضِ قَرابَتِهِ. أوْ: في رَجُلٍ حَلَفَ عَلى سِلْعَةٍ مَساءً لَأُعْطِي بِها أوَّلَ النَّهارِ كَذا، يَمِينًا كاذِبَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ.
والإضافَةُ في ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إمّا لِلْفاعِلِ وإمّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: بِعَهْدِ اللَّهِ إيّاهُ مِنَ الإيمانِ بِالرَّسُولِ الَّذِي بُعِثَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، وبِأيْمانِهِمُ الَّتِي حَلَفُوها لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ، ولَنَنْصُرَنَّهُ، أوْ بِعَهْدِ اللَّهِ. والِاشْتِراءُ هُنا مَجازٌ، والثَّمَنُ القَلِيلُ: مَتاعُ الدُّنْيا مِنَ الرُّشى، والتَّراؤُشِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّها في أهْلِ الكِتابِ لِما احْتَفَّ بِها مِنَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها، والآياتِ الَّتِي بَعْدِها.
﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾ أيْ: لا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ، اعْتاضُوا بِالقَلِيلِ الفانِي عَنِ (p-٥٠٢)النَّعِيمِ الباقِي، ونَعْنِي: لا نَصِيبَ لَهُ مِنَ الخَيْرِ، نَفْيَ نَصِيبِ الخَيْرِ عَنْهُ.
﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: أيْ بِما يَسُرُّهم. وقالَ غَيْرُهُ: لا يُكَلِّمُهم جُمْلَةً، وإنَّما تُحاسِبُهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ قَوْمٌ: هو عِبارَةٌ عَنِ الغَضَبِ، أيْ: لا يَحْفَلُ بِهِمْ، ولا يَرْضى عَنْهم، وقالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ شَرْحُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤] .
﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ مَجازٌ عَنِ الِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، والسُّخْطِ عَلَيْهِمْ، تَقُولُ: فُلانٌ لا يَنْظُرُ إلى فُلانٍ، يُرِيدُ نَفْيَ اعْتِدادِهِ بِهِ وإحْسانِهِ إلَيْهِ. فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ اسْتِعْمالِهِ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ، وفِيمَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ؟ .
قُلْتُ أصْلُهُ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ الكِنايَةُ، لِأنَّ مَنِ اعْتَدَّ بِالإنْسانِ التَفَتَ إلَيْهِ، وأعارَهُ نَظَرَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ عِبارَةً عَنِ الِاعْتِدادِ والإحْسانِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَظَرٌ، ثُمَّ جاءَ فِيمَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مُجَرَّدًا لِمَعْنى الإحْسانِ مَجازًا عَمّا وقَعَ كِنايَةً عَنْهُ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ غَيْرُهُ: ولا يَنْظُرُ أيْ: لا يَرْحَمُ قالَ:
؎فَقُلْتُ انْظُرِي يا أحْسَنَ النّاسِ كُلِّهِمُ لِذِي غَلَّةِ صَدْيانَ قَدْ شَفَّهُ الوَجْدُ
﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، أوْ لا يُنَمِّي أعْمالَهم، فَهي تَنْمِيَةٌ لَهم، أوْ لا يُطَهِّرُهم مِنَ الذُّنُوبِ. أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، وتَقَدَّمَ شَرْحُهُ في البَقَرَةِ.
﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ أيْضًا.
آل عمران 3:78
﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ الحَسَنُ: أوْ: مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ غَيَّرُوا التَّوْراةَ وكَتَبُوا كِتابًا بَدَّلُوا فِيهِ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أخَذَتْ قُرَيْظَةُ ما كَتَبُوهُ فَخَلَطُوهُ بِالكِتابِ الَّذِي عِنْدَهم.
﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: يَفْتِلُونَها بِقِراءَتِهِ عَنِ الصَّحِيحِ إلى المُحَرَّفِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحَرِّفُونَ (p-٥٠٣)ويَتَحَيَّلُونَ لِتَبْدِيلِ المَعانِي مِن جِهَةِ اشْتِباهِ الألْفاظِ واشْتِراكِها، وتَشَعُّبِ التَّأْوِيلاتِ فِيها، ومِثالُ ذَلِكَ قَوْلُهم: راعِنا، واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، ونَحْوَ ذَلِكَ، ولَيْسَ التَّبْدِيلَ المَحْضَ انْتَهى.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللَّيَّ وقَعَ بِالكِتابِ، أيْ: بِألْفاظِهِ لا بِمَعانِيهِ وحْدَها، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ النّاسِ، بَلِ التَّحْرِيفُ والتَّبْدِيلُ وقَعَ في الألْفاظِ، والمَعانِي تَبَعٌ لِلْألْفاظِ، ومَن طالَعَ التَّوْراةَ عَلِمَ يَقِينًا أنَّ التَّبْدِيلَ في الألْفاظِ والمَعانِي؛ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ أشْياءَ يَجْزِمُ العاقِلُ أنَّها لَيْسَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولا أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ في كِتابٍ إلَهِيٍّ مِن كَثْرَةِ التَّناقُضِ في الأخْبارِ والأعْدادِ، ونِسْبَةِ أشْياءَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الأكْلِ والمُصارَعَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، ونِسْبَةِ أشْياءَ إلى الأنْبِياءِ مِنَ الكَذِبِ والسُّكْرِ مِنَ الخَمْرِ، والزِّنا بِبَناتِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي يُنَزِّهُ العاقِلُ نَفْسَهُ عَنْ أنْ يَتَّصِفَ بِشَيْءٍ مِنها، فَضْلًا عَنْ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ.
وقَدْ صَنَّفَ الشَّيْخُ عَلاءُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَطّابٍ الباجِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، كِتابًا في (السُّؤالاتِ عَلى ألْفاظِ التَّوْراةِ ومَعانِيهِ) ومَن طالَعَ ذَلِكَ الكِتابَ رَأى فِيهِ عَجائِبَ وغَرائِبَ، وجَزَمَ بِالتَّبْدِيلِ لِألْفاظِ التَّوْراةِ ومَعانِيها، هَذا مَعَ خُلُوِّها مِن ذِكْرِ الآخِرَةِ، والبَعْثِ، والحَشْرِ، والنَّشْرِ، والعَذابِ والنَّعِيمِ الأُخْرَوِيَّيْنِ، والتَّبْشِيرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأيْنَ هَذا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقَوْلِهِ تَعالى، وقَدْ ذَكَرَ رَسُولَهُ وصَحابَتَهُ.
﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ [الفتح: ٢٩] .
وقَدْ نَصَّ تَعالى في القُرْآنِ عَلى ما يَقْتَضِي إخْفاءَهم لِكَثِيرٍ مِنَ التَّوْراةِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] وقالَ تَعالى ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ١٥] فَدَلَّتْ هاتانِ الآيَتانِ عَلى أنَّ الَّذِي أخْفَوْهُ مِنَ الكِتابِ كَثِيرٌ، ودَلَّ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ أنَّ الَّذِي أبْدَوْهُ مِنَ الكِتابِ قَلِيلٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَلْوُونَ، مُضارِعُ: لَوى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ نافِعٍ: يُلَوُّونَ، بِالتَّشْدِيدِ، مُضارِعُ: لَوّى، مُشَدَّدًا. ونَسَبَها الزَّمَخْشَرِيُّ لِأهْلِ المَدِينَةِ، والتَّضْعِيفُ لِلْمُبالَغَةِ والتَّكْثِيرُ في الفِعْلِ، لا لِلتَّعْدِيَةِ، وقَرَأ حُمَيْدٌ: يَلُونَ، بِضَمِّ اللّامِ، ونَسَبَها الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّها رِوايَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، ووُجِّهَتْ عَلى أنَّ الأصْلَ: يَلْوُونَ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الواوُ هَمْزَةً، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى السّاكِنِ قَبْلَها، وحُذِفَتْ هي. والكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، والمُخاطَبُ في: لِتَحْسَبُوهُ، المُسْلِمُونَ، وقُرِئَ: لِيَحْسَبُوهُ، بِالياءِ، وهو يَعُودُ عَلى الَّذِينَ يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم لَهم، أيْ: لِيَحْسَبَهُ المُسْلِمُونَ، والضَّمِيرُ المَفْعُولُ في: لِيَحْسَبُوهُ، عائِدٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِنَ المُحَرَّفِ، أيْ لِيَحْسَبُوا المُحَرَّفَ مِنَ الكِتابِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِالكِتابِ، عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِشِبْهِ الكِتابِ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المُضافِ المَحْذُوفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ﴾ [النور: ٤٠] أيْ: أوْ كَذِي ظُلُماتٍ، فَأعادَ المَفْعُولَ في: يَغْشاهُ، عَلى: ذِي، المَحْذُوفِ.
﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: وما المُحَرَّفُ والمُبَدَّلُ الَّذِي لَوُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ مِنَ التَّوْراةِ، فَلا تَظُنُّوا ذَلِكَ أنَّهُ مِنَ التَّوْراةِ.
﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَصَدُوهُ مِن حُسْبانِ المُسْلِمِينَ أنَّهُ مِنَ الكِتابِ، وافْتِراءٍ عَظِيمٍ عَلى اللَّهِ، إذْ لَمْ يَكْتَفُوا بِهَذا الفِعْلِ القَبِيحِ مِنَ التَّبْدِيلِ، والتَّحْرِيفِ حَتّى عَضَّدُوا ذَلِكَ بِالقَوْلِ لِيُطابِقَ الفِعْلُ القَوْلَ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لا يَعْرِضُونَ، ولا يَوَدُّونَ في ذَلِكَ، بَلْ يُصَرِّحُونَ بِأنَّهُ في التَّوْراةِ هَكَذا، وقَدْ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُوسى كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِفَرْطِ جَرْءَتِهِمْ عَلى اللَّهِ، ويَأْسِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ.
﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في إخْبارِهِمْ بِالكَذِبِ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ نَفْيٌ أوَّلًا أخَصُّ، إذِ التَّعْلِيلُ كانَ لِأخَصَّ، ونَفْيٌ هُنا أعَمُّ، لِأنَّ الدَّعْوى مِنهم كانَتْ لِأعَمَّ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مِن عِنْدِ (p-٥٠٤)اللَّهِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ في التَّوْراةِ أوْ غَيْرِها.
قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَعاصِيَ لَيْسَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولا مِن فِعْلِهِ، لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِن فِعْلِهِ كانَتْ مِن عِنْدِهِ، وقَدْ نَفى اللَّهُ تَعالى نَفْيًا عامًّا لِكَوْنِ المَعاصِي مِن عِنْدِهِ انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وكانَ الرّازِيُّ يَجْنَحُ إلى مَذْهَبِهِمْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ نَفى أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا كَما ادَّعَوْا، وهو مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ والإيجادِ، ومِنهم بِالتَّكَسُّبِ. ولَمْ تَعْنِ الآيَةُ إلّا مَعْنى التَّنْزِيلِ، فَبَطُلَ تَعَلُّقُ القَدَرِيَّةِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ .
﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا آنِفًا.
آل عمران 3:79
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَأْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ رُوِيَ «أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِن يَهُودَ، والوَفْدُ مِن نَصارى نَجْرانَ»: يا مُحَمَّدُ إنَّما تُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ إلَهًا كَما عَبَدَتِ النَّصارى عِيسى، فَقالَ الرَّئِيسُ مِن نَصارى نَجْرانَ: أوَذاكَ تُرِيدُ يا مُحَمَّدُ، وإلَيْهِ تَدْعُونا ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”مَعاذَ اللَّهِ ما بِذَلِكَ أمَرْتُ، ولا إلَيْهِ دَعَوْتُ“، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ ؟ قالَ: ”لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم، واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ“ .
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ إلى مَن هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَّبِيعُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وجَماعَةٌ: الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وذَكَرُوا سَبَبَ النُّزُولِ المَذْكُورَ.
وقالَ النَّقّاشُ، وغَيْرُهُ: الإشارَةُ إلى عِيسى، والآيَةُ رادَّةٌ عَلى النَّصارى الَّذِينَ قالُوا: عِيسى إلَهٌ، وادَّعَوْا أنَّ عِبادَتَهُ هي شِرْعَةٌ مُسْتَنَدَةٌ إلى أوامِرِهِ، ومَعْنى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ وما جاءَ نَحْوَهُ أنَّهُ يَنْفِي عَنْهُ الكَوْنَ، والمُرادُ نَفْيُ الخَبَرِ، وذَلِكَ عَلى قِسْمَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الِانْتِفاءُ مِن حَيْثُ العَقْلُ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّفْيِ التّامِّ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ الِانْتِفاءُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِانْتِفاءِ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّفْيِ غَيْرِ التّامِّ، ومِثالُهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يَتَقَدَّمَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ومُدْرَكُ القِسْمَيْنِ إنَّما يُعْرَفُ بِسِياقِ الكَلامِ الَّذِي النَّفْيُ فِيهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، لِأنّا نَعْلَمُ أنَّهُ اللَّهُ لا يُعْطِي الكَذَبَةَ والمُدَّعِينَ النُّبُوَّةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والكِتابُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ، والحُكْمُ قِيلَ: بِمَعْنى الحِكْمَةِ، ومِنهُ «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا» . وقِيلَ: الحُكْمُ هُنا السَّنَةُ، يَعْنُونَ لِمُقابَلَتِهِ الكِتابَ، والظّاهِرُ أنَّ الحُكْمَ هُنا القَضاءُ والفَصْلُ بَيْنَ النّاسِ، وهَذا مِن بابِ التَّرَقِّي، بَدَأ أوَّلًا بِالكِتابِ وهو العِلْمُ، ثُمَّ تَرَقّى إلى التَّمْكِينِ وهو الفَصْلُ بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ تَرَقّى إلى الرُّتْبَةِ العُلْيا وهي النُّبُوَّةُ وهي مَجْمَعُ الخَيْرِ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ.
أتى بِلَفْظِ ثُمَّ الَّتِي هي لِلْمُهْلَةِ تَعْظِيمًا لِهَذا القَوْلِ، وإذا انْتَفى هَذا القَوْلُ بَعْدَ المُهْلَةِ كانَ انْتِفاؤُهُ بِدُونِها أوْلى وأحْرى، أيْ: إنَّ هَذا الإيتاءَ العَظِيمَ لا يُجامِعُ هَذا القَوْلَ، وإنْ كانَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ العَظِيمِ.
﴿كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عِبادًا جَمْعُ عَبْدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن جُمُوعِهِ: عَبِيدٌ وعِبَدّى. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هَذِهِ الجُمُوعُ (p-٥٠٥)كُلُّها بِمَعْنًى. وقالَ قَوْمٌ: العِبادُ لِلَّهِ، والعَبِيدُ لِلْبَشَرِ. وقالَ قَوْمٌ: العِبَدّى إنَّما يُقالُ في العَبِيدِ بَنِي العَبِيدِ، كَأنَّهُ مُبالَغَةٌ تَقْتَضِي الِاسْتِغْراقَ في العُبُودِيَّةِ.
والَّذِي اسْتُقْرِئَتْ في لَفْظَةِ العِبادِ أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، مَتى سِيقَتِ اللَّفْظَةُ في مِضْمارِ التَّرْفِيعِ، والدَّلالَةِ عَلى الطّاعَةِ دُونَ أنْ يَقْتَرِنَ بِها مَعْنى التَّحْقِيرِ وتَصْغِيرِ الشَّأْنِ، فانْظُرْ قَوْلَهُ - تَعالى -: (واللَّهُ رَؤُوفٌ بِالعِبادِ) (وعِبادٌ مُكْرَمُونَ) و﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] وقَوْلَ عِيسى في مَعْنى الشَّفاعَةِ والتَّعْرِيضِ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] . وأمّا العَبِيدُ، فَيُسْتَعْمَلُ في التَّحْقِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ما غَرَّكم بِالأسَدِ الباسِلِ
ومِنهُ قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: وهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي، ومِنهُ ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] لِأنَّهُ مَكانُ تَشْقِيقٍ وإعْلامٍ بِقِلَّةِ انْتِصارِهِمْ ومَقْدِرَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ، ولَمّا كانَتْ لَفْظَةُ العِبادِ تَقْتَضِي الطّاعَةَ، لَمْ يَقَعْ هُنا، ولِذَلِكَ أُنِسَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] فَهَذا النَّوْعُ مِنَ النَّظَرِ يَسْلُكُ بِكَ سَبِيلَ العَجائِبِ في حَيِّزِ فَصاحَةِ القُرْآنِ العَزِيزِ عَلى الطَّرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ السَّلِيمَةِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ اعْبُدُونِي واجْعَلُونِي إلَهًا انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وفِيهِ بَعْضُ مُناقَشَةٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ومِن جُمُوعِهِ: عَبِيدٌ، وعِبَدّى، أمّا عَبِيدٌ فالأصَحُّ أنَّهُ جَمْعٌ. وقِيلَ: اسْمُ جَمْعٍ، وأمّا عِبَدّى، فاسْمُ جَمْعٍ، وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ. وأمّا ما اسْتَقْرَأهُ أنَّ عِبادًا يُساقُ في مِضْمارِ التَّرْفِيعِ والدَّلالَةِ عَلى الطّاعَةِ دُونَ أنْ يَقْتَرِنَ بِها مَعْنى التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ، وإيرادِهِ ألْفاظًا في القُرْآنِ بِلَفْظِ العِبادِ، وقَوْلُهُ: وأمّا العَبِيدُ فَيُسْتَعْمَلُ في تَحْقِيرٍ، وأنْشَدَ بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ، وقَوْلَ حَمْزَةَ، وقَوْلَهُ تَعالى ﴿بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] فَلَيْسَ بِاسْتِقْراءٍ صَحِيحٍ، وإنَّما كَثُرَ اسْتِعْمالُ عِبادٍ، دُونَ عَبِيدٍ؛ لِأنَّ فِعالًا في جَمْعِ فَعْلٍ غَيْرِ اليائِيِّ العَيْنِ قِياسٌ مُطَّرِدٌ، وجَمْعُ فَعْلٍ عَلى فَعِيلٍ لا يَطَّرِدُ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ورُبَّما جاءَ فَعِيلًا، وهو قَلِيلٌ، نَحْوَ: الكُلَيْبُ والعَبِيدُ انْتَهى. فَلَمّا كانَ فِعالٌ هو (p-٥٠٦)المَقِيسَ في جَمْعِ عَبْدٍ، جاءَ عِبادٌ كَثِيرًا. وأمّا ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] فَحَسُنَ مَجِيئُهُ هُنا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقِيسًا أنَّهُ جاءَ لِتَواخِي الفَواصِلِ، ألا تَرى أنَّ قَبْلَهُ ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وبَعْدَهُ ﴿قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧] فَحَسُنَ مَجِيئُهُ بِلَفْظِ ”العَبِيدِ“ مُواخاةَ هاتَيْنِ الفاصِلَتَيْنِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ في سُورَةِ ق: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] لِأنَّ قَبْلَهُ (قالَ ﴿قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧]) وبَعْدَهُ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وأمّا مَدْلُولُهُ فَمَدْلُولُ عِبادٍ سَواءً.
وأمّا بَيْتُ امْرِئِ القَيْسِ فَلَمْ يُفْهَمِ التَّحْقِيرُ مِن لَفْظِ عَبِيدٍ، إنَّما فُهِمَ مِن إضافَتِهِمْ إلى العَصا، ومِن مَجْمُوعِ البَيْتِ. وكَذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ، إنَّما فُهِمَ مِنهُ مَعْنى التَّحْقِيرِ مِن قَرِينَةِ الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، وأتى في البَيْتِ، وفي وقَوْلِ حَمْزَةَ عَلى أحَدِ الجائِزَيْنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ثُمَّ يَقُولَ، بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى: أنْ يُؤْتِيَهُ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ أيْ: ثُمَّ هو يَقُولُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”عِبادًا لِي“، بِتَسْكِينِ ياءِ الإضافَةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بِفَتْحِها.
﴿ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ هَذا عَلى إضْمارِ القَوْلِ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ يَقُولُ كُونُوا رَبّانِيِّينَ، والرَّبّانِيُّ، الحَكِيمُ العالِمُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ. أوِ الفَقِيهُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. أوِ العالِمُ الحَلِيمُ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. أوِ الحَكِيمُ الفَقِيهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ الفَقِيهُ العالِمُ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ. أوْ والِي الأمْرِ يُرَبِّيهِمْ، ويُصْلِحُهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. أوِ الحَكِيمُ التَّقِيُّ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. أوِ المُعَلِّمُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوِ العالِمُ، قالَهُ المِبْرَدُ. أوِ التّائِبُ لِرَبِّهِ، قالَه المُؤَرِّجُ. أوِ الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. أوِ العالِمُ الحَكِيمُ النّاصِحُ لِلَّهِ في خَلْقِهِ، قالَهُ عَطاءٌ. أوِ العالِمُ العامِلُ بِعِلْمِهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. أوِ العالِمُ المُعَلِّمُ، قالَهُ بَعْضُهم. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.
ولِلصُّوفِيَّةِ في تَفْسِيرٍ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَّبّانِيُّ فَوْقَ الحَبْرِ؛ لِأنَّ الحَبْرَ هو العالِمُ، والرَّبّانِيَّ الَّذِي جَمَعَ إلى العِلْمِ والفِقْهِ النَّظَرَ بِالسِّياسَةِ والتَّدْبِيرِ، والقِيامَ بِأُمُورِ الرَّعِيَّةِ، وما يُصْلِحُهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم. وفي البُخارِيِّ: الرَّبّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النّاسَ بِصَغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَجُمْلَةُ ما يُقالُ في الرَّبّانِيِّ: إنَّهُ العالِمُ المُصِيبُ في التَّقْدِيرِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي يُحاوِلُها في النّاسِ انْتَهى. ولَمّا ماتَ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: اليَوْمَ ماتَ رَبّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ الباءُ لِلسَّبَبِ، وما: الظّاهِرُ أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، وتَعْلَمُونَ: مُتَعَدٍ لِواحِدٍ عَلى قِراءَةِ الحَرَمَيْنِ وأبِي عَمْرٍو؛ إذْ قَرَءُوا بِالتَّخْفِيفِ مُضارِعُ عَلِمَ، فَأمّا قِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّ التّاءِ، وفَتَحِ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ المَكْسُورَةِ، فَيَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، إذْ هي مَنقُولَةٌ بِالتَّضْعِيفِ مِنَ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ، وأوَّلُ المَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُعَلِّمُونَ النّاسَ الكِتابَ. وتَكَلَّمُوا في تَرْجِيحِ أحَدِ القِراءَتَيْنِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ تَقَدَّمَ أنِّي لا أرى شَيْئًا مِن هَذِهِ التَّراجِيحِ؛ لِأنَّها كُلَّها مَنقُولَةٌ مُتَواتِرَةٌ قُرْءانًا، فَلا تَرْجِيحَ في إحْدى القِراءَتَيْنِ عَلى الأُخْرى.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ: تَعَلَّمُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ، والعَيْنِ، واللّامِ المُشَدَّدَةِ، وهو مُضارِعٌ حُذِفَتْ مِنهُ التّاءُ، التَّقْدِيرُ: تَتَعَلَّمُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في المَحْذُوفِ مِنهُما.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تَدْرِسُونَ بِكَسْرِ الرّاءِ. ورُوِيَ عَنْهُ: تُدَرِّسُونَ، بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ الدّالِّ، وكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ أيْ: تُدَرِّسُونَ غَيْرَكُمُ العِلْمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ. وقُرِئَ: تَدْرُسُونَ، مِن أدْرَسَ بِمَعْنى دَرَّسَ نَحْوَ: أكْرَمَ وكَرَّمَ، وأنْزَلَ نَزَّلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْجَبَ أنْ تَكُونَ الرِّئاسَةُ الَّتِي هي قُوَّةُ التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ مُسَبَّبَةً عَنِ العِلْمِ، والدِّراسَةِ، وكَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى خَيْبَةِ سَعْيِ مَن جَهَدَ نَفْسَهُ، وكَدَّ رُوحَهُ في جَمْعِ العِلْمِ، ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْهُ ذَرِيعَةً إلى العَمَلِ، فَكانَ مِثْلَ مَن غَرَسَ شَجَرَةً حَسْناءَ تُونِقُهُ بِمَنظَرِها، ولا تَنْفَعُهُ بِثَمَرِها، ثُمَّ قالَ أيْضًا بَعْدَ أسْطُرٍ: وفِيهِ أنَّ مَن عَلِمَ ودَرَسَ العِلْمَ، ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ، وأنَّ السَّبَبَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ مُنْقَطِعٌ حَيْثُ لَمْ تَثْبُتِ النِّسْبَةُ إلَيْهِ إلّا لِلْمُتَمَسِّكِينَ بِطاعَتِهِ انْتَهى (p-٥٠٧)كَلامُهُ. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وهو أنَّهُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا عالِمًا إلّا بِالعَمَلِ، وأنَّ العَمَلَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ.
آل عمران 3:80
﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ قَرَأ الحَرَمِيّانِ، والنَّحْوِيّانِ، والأعْشى والبَرْجَمِيُّ: بِرَفْعِ الرّاءِ عَلى القَطْعِ، ويَخْتَلِسُ أبُو عَمْرٍو الحَرَكَةَ عَلى أصْلِهِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ في ”يَأْمُرُ“ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عائِدٌ عَلى: ”بَشَرٍ“، المَوْصُوفِ بِما سَبَقَ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّهُ لا يَقَعُ مِن بَشَرٍ مَوْصُوفٍ بِما وُصِفَ بِهِ أنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ رَبًّا فَيُعْبَدَ، ولا هو أيْضًا يَأْمُرُ بِاتِّخاذِ غَيْرِهِ مِن مَلائِكَةٍ وأنْبِياءَ أرْبابًا، فانْتَفى أنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ. وإنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى اللَّهِ فَيَكُونُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ أنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، فانْتَفى أمْرُ اللَّهِ بِذَلِكَ وأمْرُ أنْبِيائِهِ.
وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: ولا يَأْمُرَكم، بِنَصْبِ الرّاءِ، وخَرَّجَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا لَهُ أنْ يَأْمُرَكم، فَقَدَّرُوا أنْ مُضْمَرَةً بَعْدَ لا، وتَكُونُ لا، مُؤَكِّدَةً مَعْنى النَّفْيِ السّابِقِ، كَما تَقُولُ: ما كانَ مِن زَيْدٍ إتْيانٌ ولا قِيامٌ. وأنْتَ تُرِيدُ انْتِفاءَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ زَيْدٍ، فَلا لِلتَّوْكِيدِ في النَّفْيِ السّابِقِ، وصارَ المَعْنى: ما كانَ مِن زَيْدٍ إتْيانٌ ولا مِنهُ قِيامٌ.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: قَوْلُهُ: ولا يَأْمُرَكم، بِالنَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ثُمَّ يَقُولَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا خَطَأٌ لا يَلْتَئِمُ بِهِ المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ. ولَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الخَطَأِ، ولا عَدَمَ التِئامِ المَعْنى بِهِ، ووَجْهُ الخَطَأِ أنَّهُ إذا كانَ مَعْطُوفًا عَلى: ثُمَّ يَقُولَ، وكانَتْ ”لا“ لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ، فَلا يُمْكِنُ إلّا أنْ يُقَدَّرَ العامِلُ قَبْلَ لا، وهو أنْ، فَيَنْسَبِكُ مِن: أنْ والفِعْلِ المَنفِيِّ مَصْدَرٌ مُنْتَفٍ فَيَصِيرُ المَعْنى: ما كانَ لِبَشَرٍ مَوْصُوفٍ بِما وُصِفَ بِهِ انْتِفاءُ أمْرِهِ بِاتِّخاذِ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ الِانْتِفاءُ كانَ لَهُ الثُّبُوتُ، فَصارَ آمِرًا بِاتِّخاذِهِمْ أرْبابًا، وهو خَطَأٌ، فَإذا جَعَلْتَ ”لا“ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ السّابِقِ كانَ النَّفْيُ مُنْسَحِبًا عَلى المَصْدَرَيْنِ المُقَدَّرِ ثُبُوتُهُما، فَيَنْتَفِي قَوْلُهُ: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ [آل عمران: ٧٩] وأمَرُهُ بِاتِّخاذِ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى وضْعُ غَيْرٍ، مَوْضِعَ لا، فَإذا قُلْتَ: ما لِزَيْدٍ فِقْهٌ، ولا نَحْوٌ، كانَتْ: لا، لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وانْتَفى عَنْهُ الوَصْفانِ، ولَوْ جَعَلْتَ لا، لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ كانَتْ بِمَعْنى غَيْرٍ، فَيَصِيرُ المَعْنى انْتِفاءَ الفِقْهِ عَنْهُ، وثُبُوتَ النَّحْوِ لَهُ، إذْ لَوْ قُلْتَ: ما لِزَيْدٍ فِقْهٌ، وغَيْرُ نَحْوٍ، كانَ في ذَلِكَ إثْباتُ النَّحْوِ لَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ما لَهُ غَيْرُ نَحْوٍ. ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: جِئْتُ بِلا زادٍ، كانَ المَعْنى: جِئْتُ بِغَيْرِ زادٍ، وإذا قُلْتَ: ما جِئْتُ بِغَيْرِ زادٍ، مَعْناهُ: أنَّكَ جِئْتَ بِزادٍ ؟ لِأنَّ لا، هُنا لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ، وأنْ يَكُونَ مَن عَطَفَ المَنفِيَّ بِـ ”لا“ عَلى المُثْبَتِ الدّاخِلِ عَلَيْهِ النَّفْيُ، نَحْوَ: ما أُرِيدُ أنْ تَجْهَلَ، وأنْ لا تَتَعَلَّمَ، تُرِيدُ: ما أُرِيدُ أنْ لا تَتَعَلَّمَ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ: لا، لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ، فَذَكَرَ أوَّلًا كَوْنَها زائِدَةً لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، ثُمَّ قالَ: والثّانِي أنْ يَجْعَلَ لا، غَيْرَ مَزِيدَةٍ، والمَعْنى: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ، واليَهُودَ والنَّصارى عَنْ عِبادَةِ عُزَيْرٍ والمَسِيحِ، فَلَمّا قالُوا لَهُ: أنَتَّخِذُكَ رَبًّا، قِيلَ لَهم: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَسْتَنْبِئَهُ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ، ويَنْهاكم عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ.
قالَ: والقِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى ابْتِداءِ الكَلامِ أظْهَرُ، ويَنْصُرُها قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ولَنْ يَأْمُرَكم، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، وكَوْنُهُ بَعْدَ كَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ أفْحَشُ وأقْبَحُ، إذِ الأمْرُ بِالكُفْرِ عَلى كُلِّ حالٍ مُنْكَرٍ، ومَعْناهُ: أنَّهُ لا يَأْمُرُ بِكُفْرٍ، لا بَعْدَ الإسْلامِ ولا قَبْلَهُ، سَواءٌ كانَ الآمِرُ اللَّهَ، أمِ الَّذِي اسْتَنْبَأهُ اللَّهُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُسْلِمِينَ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ مِلَّةٌ واحِدَةٌ؛ إذِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا المَلائِكَةَ أرْبابًا ثُمَّ الصّابِئَةَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والَّذِينَ اتَّخَذُوا النَّبِيِّينَ أرْبابًا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، ومَعَ هَذا الِاخْتِلافِ سَمّى اللَّهُ الجَمِيعَ كُفْرًا. و”بَعْدَ“: يَنْتَصِبُ بِالكُفْرِ، أوْ: بِـ ”يَأْمُرَكم“، و”إذْ“، مُضافَةٌ لِلْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ كَقَوْلِهِ: (p-٥٠٨)﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] وأُضِيفَ إلَيْها: بَعْدَ، ولا يُضافُ إلَيْها إلّا ظَرْفُ زَمانٍ.
آل عمران 3:81
﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى: لَمّا نَفى عَنْ أهْلِ الكِتابِ قَبائِحَ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وكانَ مِمّا ذَكَرَ أخِيرًا اشْتِراءَهم بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وما يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ في الآخِرَةِ، وإنَّ مِنهم مَن بَدَّلَ في كِتابِهِ وغَيَّرَ، وصَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ونَزَّهَ رَسُولَهُ عَنِ الأمْرِ بِأنْ يَعْبُدَ هو أوْ غَيْرُهُ، بَلْ تَفَرَّدَ اللَّهُ تَعالى بِالعِبادَةِ، أخَذَ تَعالى يُقِيمُ الحُجَّةَ عَلى أهْلِ الكِتابِ، وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ ودِينَهُ، فَذَكَرَ أخْذَ المِيثاقِ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والتَّصْدِيقِ لَهُ، والقِيامِ بِنُصْرَتِهِ، وإقْرارِهِمْ بِذَلِكَ، وشَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ، وشَهادَتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وهَذا العَهْدُ مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ وشاهِدٌ بِذَلِكَ أنْبِياؤُهم.
وقَرَأ أُبَيٌّ، وعَبْدُ اللَّهِ: مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، بَدَلَ: النَّبِيِّينَ، وكَذا هو في مُصْحَفَيْهِما. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هَكَذا هو القُرْآنُ، وإثْباتُ النَّبِيِّينَ خَطَأٌ مِنَ الكاتِبِ، وهَذا لا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأنَّ الرُّواةَ الثِّقاتَ نَقَلُوا عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ”النَّبِيِّينَ“ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ وغَيْرِهِ، وإنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، فَهو خَطَأٌ مَرْدُودٌ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ.
والخِطابُ بِقَوْلِهِ: وإذْ أخَذَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يُذَكِّرَ أهْلَ الكِتابِ بِما هو في كُتُبِهِمْ مِن أخْذِ المِيثاقِ عَلى النَّبِيِّينَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى أهْلِ الكِتابِ أُمِرُوا أنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ، وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ العامِلُ: اذْكُرْ، أوِ اذْكُرُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في: إذْ، ”قالَ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ وهو حَسَنٌ، إذْ لا تَكَلُّفَ فِيهِ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن لَفْظِ ”إذْ“، والعامِلُ فِيها: اصْطَفى، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا. وظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ هو الآخِذُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وطاوُسَ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ: أنَّ الَّذِينَ أخَذَ مِيثاقَهم هُمُ الأنْبِياءُ دُونَ أُمَمِهِمْ، أخَذَ عَلَيْهِمْ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَنْصُرَ بَعْضُهم بَعْضًا، ونُصْرَةُ كُلِّ نَبِيٍّ لِمَن بَعْدَهُ تَوْصِيَةُ مَن آمَنَ بِهِ أنْ يَنْصُرَهُ إذا أدْرَكَ زَمانَهُ. ويَنْبُو عَنْ هَذا المَعْنى لَفْظُ: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ﴾ إلى آخِرِ الكَلامِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا فِيما رُوِيَ عَنْهُ: (p-٥٠٩)أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ وأُمَمِهِمْ عَلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ونَصْرِهِ، واجْتَزَأ بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ مِن ذِكْرِ أُمَمِها؛ لِأنَّ الأُمَمَ أتْباعٌ لِلْأنْبِياءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا أخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ في مُحَمَّدٍ ﷺ وأمَرَهُ بِأخْذِ العَهْدِ عَلى قَوْمِهِ فِيهِ، بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ ويَنْصُرُوهُ إنْ أدْرَكُوا زَمانَهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن صُلْبِهِ أخَذَ المِيثاقَ عَلى جَمِيعِ المُرْسَلِينَ أنْ يُقِرُّوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ﴾ عُنِيَ بِهِ واحِدٌ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ ولا يَكُونُ جِنْسًا. ويَبْعُدُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المِيثاقَ كانَ حِينَ أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ كالذَّرِّ.
قَرَأ حَمْزَةُ: لَما آتَيْناكم، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ إيتاءِ الكِتابِ والحِكْمَةِ. ومِيثاقَ: مُضافٌ إلى النَّبِيِّينَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّونَ هُمُ المُوَثِّقُونَ لِلْعَهْدِ عَلى أُمَمِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا هُمُ المُوَثَّقُ عَلَيْهِمْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةَ، وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ﴾ هو مُحَمَّدٌ ﷺ ولِذَلِكَ جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم. وكَثِيرًا ما وُصِفَ بِهَذا الوَصْفِ في القُرْآنِ رَسُولُنا مُحَمَّدٌ ﷺ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ [البقرة: ١٠١] ؟ وكَذَلِكَ وصْفُ كِتابِهِ بِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما في كُتُبِهِمْ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا كانَ المَجازُ في صَدْرِ الآيَةِ فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ أتْباعِ النَّبِيِّينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ مِيثاقَ أوْلادِ النَّبِيِّينَ، فَيُوافِقُ صَدْرَ الآيَةِ ما بَعْدَها، وجَعَلَ ذَلِكَ مِيثاقًا لِلنَّبِيِّينَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِهَذا المِيثاقِ، أوْ يَكُونُ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ مُقَدَّرًا بَعْدَ النَّبِيِّينَ، التَّقْدِيرُ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى أُمَمِهِمْ. ويُبَيِّنُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ أُبَيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ: مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، ويُبَيِّنُ أيْضًا أنَّ المِيثاقَ كانَ عَلى الأُمَمِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] ومُحالٌ هَذا الفَرْضُ في حَقِّ النَّبِيِّينَ، وإنَّما ذَلِكَ في حَقِّ الأتْباعِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: لَما، بِفَتْحِ اللّامِ، وتَخْفِيفِ المِيمِ وقَرَأ حَمْزَةُ: لِما، بِكَسْرِ اللّامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ: لَمّا، بِتَشْدِيدِ المِيمِ. فَأمّا تَوْجِيهُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ ما، شَرْطِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِ بِالفِعْلِ بَعْدَها، واللّامُ قَبْلَها مُوَطِّئَةٌ لِمَجِيءِ ”ما“ بَعْدَها جَوابًا لِلْقَسَمِ، وهو ”أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ“ . و”مِن“ في قَوْلِهِ: مِن كِتابٍ، كَهي، في قَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] والفِعْلُ بَعْدَ ما، ماضٍ مَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ لِتَقَدُّمِ ما الشَّرْطِيَّةِ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ثُمَّ جاءَكم، مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ بَعْدَ ما، فَهو في حَيِّزِ الشَّرْطِ، ويَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ: ثُمَّ جاءَكم، رابِطٌ يَرْبُطُها بِما عُطِفَتْ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ جاءَكم، مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ بَعْدَ ما، ولَتُؤْمِنُنَّ بِهِ: جَوابٌ لِقَوْلِهِ ﴿أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ ونَظِيرُهُ مِنَ الكَلامِ في التَّرْكِيبِ: أُقْسِمُ لَأيُّهم صَحِبْتُ، ثُمَّ أحْسَنَ إلَيْهِ رَجُلٌ تَمِيمِيٌّ، لَأُحْسِنَنَّ إلَيْهِ، تُرِيدُ لَأُحْسِنَنَّ إلى الرَّجُلِ التَّمِيمِيِّ. فَلَأُحْسِنَنَّ جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ في الآيَةِ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ في: بِهِ، عائِدٌ عَلى: ”رَسُولٌ“ وهَذا القَوْلُ، وهو أنَّ ما شَرْطِيَّةٌ هو قَوْلُ الكِسائِيِّ. وسَألَ سِيبَوَيْهِ (p-٥١٠)الخَلِيلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ ما نَصُّهُ: ما، هَهُنا بِمَنزِلَةِ الَّذِي، ودَخَلَتِ اللّامُ كَما دَخَلَتْ عَلى إنْ، حِينَ قُلْتَ: واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَأفْعَلَنَّ، فاللّامُ في ما، كَهَذِهِ الَّتِي في: إنْ، واللّامُ الَّتِي في الفِعْلِ كَهَذِهِ الَّتِي في الفِعْلِ هُنا انْتَهى. ثُمَّ قالَسِيبَوَيْهِ: ومِثْلُ ذَلِكَ ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨] إنَّما دَخَلَتِ اللّامُ عَلى نِيَّةِ اليَمِينِ انْتَهى. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يُرِدِ الخَلِيلُ بِقَوْلِهِ: بِمَنزِلَةِ الَّذِي أنَّها مَوْصُولَةٌ، بَلْ أنَّها اسْمٌ، كَما أنَّ الَّذِي اسْمٌ، وأقَرَّ أنْ تَكُونَ حَرْفًا كَما جاءَتْ حَرْفًا: ﴿كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] وفي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ﴾ [الزخرف: ٣٥] انْتَهى. وتَحَصَّلَ مِن كَلام الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ ما، في: لَما آتَيْتُكم شَرْطِيَّةٌ، وقَدْ خَرَّجَها عَلى الشُّرْطِيَّةِ غَيْرُ هَؤُلاءِ: كالمازِنِيِّ، والزَّجّاجِ، وأبِي عَلِيٍّ، والزَّمَخْشَرِيِّ، وابْنِ عَطِيَّةَ، وفِيهِ خَدْشٌ لَطِيفٌ جِدًّا، وهو أنَّهُ: إذا كانَتْ شَرْطِيَّةً كانَ الجَوابُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَحْذُوفُ مِن جِنْسِ المُثْبَتِ، ومُتَعَلِّقاتُهُ مُتَعَلِّقاتُهُ، فَإذا قُلْتَ: واللَّهِ لَمَن جاءَنِي لَأُكْرِمَنَّهُ، فَجَوابُ: مَن، مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: مَن جاءَنِي أُكْرِمْهُ. وفي الآيَةِ اسْمُ الشَّرْطِ: ما، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ مِن جِنْسِ جَوابِ القَسَمِ، وهو الفِعْلُ المُقْسَمُ عَلَيْهِ، ومُتَعَلِّقُ الفِعْلِ هو ضَمِيرُ الرَّسُولِ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ لا ضَمِيرُ ما المُقَدَّرُ، فَجَوابُ ما، المُقَدَّرُ إنْ كانَ مِن جِنْسِ جَوابِ القَسَمِ فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأنَّهُ تَعَدٍّ. والجُمْلَةُ الجَوابِيَّةُ إذْ ذاكَ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى اسْمِ (p-٥١١)الشَّرْطِ، وإنْ كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِ جَوابِ القَسَمِ، فَكَيْفَ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ، وهو مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وهو لا يُحْذَفُ إلّا إذا كانَ مِن جِنْسِ جَوابِ القَسَمِ ؟ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: واللَّهِ لَئِنْ ضَرَبَنِي زَيْدٌ لَأضْرِبَنَّهُ ؟ فَكَيْفَ تُقَدِّرُهُ: إنْ ضَرَبَنِي زَيْدٌ أضْرِبُهُ ؟ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: واللَّهِ إنْ ضَرَبَنِي زَيْدٌ أشْكُهُ لَأضْرِبَنَّهُ؛ لِأنَّ: لَأضْرِبَنَّهُ، لا يَدُلُّ عَلى أشْكُهُ، فَهَذا ما يَرُدُّ عَلى قَوْلِ مَن خَرَّجَ ما، عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ.
وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ولَتُؤْمِنُنَّ، سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ جَمِيعًا، فَقَوْلٌ ظاهِرُهُ مُخالِفٌ لِقَوْلِ مَن جَعَلَ ما شَرْطِيَّةً؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إنْ عَنى أنَّهُ مِن حَيْثُ تَفْسِيرُ المَعْنى لا تَفْسِيرُ الإعْرابِ يَسُدُّ مَسَدَّهُما، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ؛ وأمّا مِن حَيْثُ تَفْسِيرُ الإعْرابِ فَلا يَصِحُّ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما، أعْنِي الشَّرْطَ والقَسَمَ، يَطْلُبُ جَوابًا عَلى حِدَةٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا مَحْمُولًا عَلَيْهِما؛ لِأنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِيهِ عَلى جِهَةِ العَمَلِ فِيهِ، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، والقَسَمُ يَطْلُبُهُ عَلى جِهَةِ التَّعَلُّقِ المَعْنَوِيِّ بِهِ بِغَيْرِ عَمَلٍ فِيهِ، فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. ومُحالٌ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الواحِدُ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ ولا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ، وهو: أنْ تَكُونَ: ما، مَوْصُولَةً مُبْتَدَأةً، وصِلَتُها: آتَيْناكم، والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: آتَيْناكُمُوهُ، وثُمَّ جاءَكم: مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ، والعائِدُ مِنها عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ بِهِ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، هَكَذا خَرَّجُوهُ، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وخَرَّجُوهُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ: أنَّ الرَّبْطَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ العارِيَةِ عَنِ الضَّمِيرِ حَصَلَ بِقَوْلِهِ: لِما مَعَكم؛ لِأنَّهُ هو المَوْصُولُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَهُ، وقَدْ جاءَ الرَّبْطُ في الصِّلَةِ بِغَيْرِ الضَّمِيرِ، إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ، رَوى مِن كَلامِهِمْ أبُو سَعِيدٍ الَّذِي رَوَيْتُ عَنِ الخُدْرِيِّ، يُرِيدُونَ: رَوَيْتُ عَنْهُ، وقالَ:
؎فَيا رَبَّ لَيْلى أنْتَ في كُلِّ مَوْطِنٍ وأنْتَ الَّذِي في رَحْمَةِ اللَّهِ أطْمَعُ
يُرِيدُ: في رَحْمَتِهِ أطْمَعُ. وخَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو ما، الجُمْلَةُ مِنَ القَسَمِ المَحْذُوفِ وجَوابِهِ، وهو: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، والضَّمِيرُ في: بِهِ، عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ المُبْتَدَأِ، ولا يَعُودُ عَلى: ”رَسُولٌ“؛ لِئَلّا تَخْلُو الجُمْلَةُ الَّتِي وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ مِن رابِطٍ يَرْبُطُها بِهِ، والجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي هي: لَما آتَيْناكم، إلى آخِرِهِ هي الجُمْلَةُ المُتَلَقِّي بِها ما أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ .
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وهو أنْ تَكُونَ ما، مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِفِعْلِ جَوابِ القَسَمِ، التَّقْدِيرُ: لَتَبْلُغُنَّ ما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ، قالَ: إلّا أنَّهُ حَذَفَ: لَتَبْلُغُنَّ، لِدَلالَةٍ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لامَ القَسَمِ إنَّما تَقَعُ عَلى الفِعْلِ، فَلَمّا دَلَّتْ هَذِهِ اللّامُ عَلى هَذا الفِعْلِ حُذِفَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْتَقِيمُ النَّظْمُ، انْتَهى. ويَعْنِي يَكُونُ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا لا يُحْفَظُ مِن كَلامِهِمْ، واللَّهِ لَزَيْدًا تُرِيدُ، لَيَضْرِبَنَّ زَيْدًا.
والقَوْلُ الرّابِعُ: قالَهُ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وهو: أنْ يَكُونَ: لَما، تَخْفِيفَ لَمّا، والتَّقْدِيرُ: حِينَ آتَيْناكم، ويَأْتِي تَوْجِيهُ قِراءَةِ التَّشْدِيدِ. وأمّا تَوْجِيهُ قِراءَةِحَمْزَةَ: فاللّامُ هي لِلتَّعْلِيلِ، وما مَوْصُولَةٌ بِـ ”آتَيْناكم“، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. وثُمَّ جاءَكم مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ، والرّابِطُ لَها بِالمَوْصُولِ، إمّا إضْمارُ بِهِ، عَلى ما نُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ، وإمّا هَذا الظّاهِرُ الَّذِي هو لِما مَعَكم، لِأنَّهُ في المَعْنى هو المَوْصُولُ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ.
وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَجَوابُ: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، هو لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، والضَّمِيرُ في: بِهِ، عائِدٌ عَلى ”رَسُولٌ“، ويَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، بِمِثْلِ هَذا الجارِّ والمَجْرُورِ، لَوْ قُلْتَ: أقْسَمْتُ لِلْخَبَرِ الَّذِي بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ ولَأُحْسِنَنَّ إلَيْهِ، جازَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قِراءَةِ حَمْزَةَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وبَدَأ بِهِ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ، قالَ: ومَعْناهُ لِأجَلِ إيتائِي إيّاكم (p-٥١٢)بَعْضَ الكِتابِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ لِمَجِيءِ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، والفِعْلانِ مَعَها أعْنِي آتَيْناكم وجاءَكم، في مَعْنى المَصْدَرَيْنِ، واللّامُ داخِلَةٌ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مَعْنى: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهم، لِيُؤْمِنُنَّ بِالرَّسُولِ، ولِيَنْصُرُنَّهُ؛ لِأجْلِ أنَّ آتَيْتُكُمُ الحِكْمَةَ، وأنَّ الرَّسُولَ الَّذِي أمَرْتُكم بِالإيمانِ بِهِ، ونَصَرْتُهُ مُوافِقٌ لَكم غَيْرُ مُخالِفٍ انْتَهى كَلامُهُ. إلّا أنَّ ظاهِرَ هَذا التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ، أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْفِعْلِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، فَإنْ عُنِيَ هَذا الظّاهِرُ فَهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِأخْذِ المِيثاقِ لا لِمُتَعَلَّقِهِ، وهو الإيمانُ. فاللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”أخَذَ“، وعَلى ظاهِرِ تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، ويَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللّامَ المُتَلَقّى بِها القَسَمُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها. تَقُولُ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا، فَلا يَجُوزُ: واللَّهِ زَيْدًا لَأضْرِبَنَّ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ في لَما، بِقَوْلِهِ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ. وقَدْ أجازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ في مَعْمُولِ الجَوابِ، إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا، تَقَدَّمَهُ، وجُعِلَ مِن ذَلِكَ عِوَضُ ”لا نَتَفَرَّقُ“، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وفي هَذِهِ المَسْألَةِ تَفْصِيلٌ يُذْكَرُ في عِلْمِ النَّحْوِ.
وذَكَرَ السَّجاوَنْدِيُّ، عَنْ صاحِبِ النَّظْمِ أنَّ هَذِهِ اللّامَ في قِراءَةِ حَمْزَةَ هي بِمَعْنى بَعْدَ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
؎تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ∗∗∗ لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ
فَعَلى ذا لا تَكُونُ اللّامُ في: لَما، لِلتَّعْلِيلِ. وأمّا تَوْجِيهُ قِراءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ: لَمّا، فَقالَ أبُو إسْحاقَ: أيْ: لَمّا آتاكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ أخَذَ المِيثاقَ، وتَكُونُ: لَمّا، تَؤُولُ إلى الجَزاءِ كَما تَقُولُ: لَمّا جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ انْتَهى كَلامُهُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ لَمّا هَذِهِ هي الظَّرْفِيَّةُ، أيْ: لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ النّاسِ وأماثِلَهم، أخَذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقَ، إذْ عَلى القادَةِ يُؤْخَذُ، فَيَجِيءُ عَلى هَذا المَعْنى كالمَعْنى في قِراءَةِ حَمْزَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا، بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى: حِينَ آتَيْتُكم بَعْضَ الكِتابِ والحِكْمَةِ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ، وجَبَ عَلَيْكُمُ الإيمانُ بِهِ ونُصْرَتُهُ انْتَهى. فاتَّفَقَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّ لَمّا ظَرْفِيَّةٌ، واخْتَلَفا في تَقْدِيرِ الجَوابِ العامِلِ في لَمّا، عَلى زَعْمِهِما. فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنَ القَسَمِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن جَوابِ القَسَمِ، وكِلا قَوْلَيْهِما مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في لَمّا المُقْتَضِيَةِ جَوابًا، فَإنَّها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، ولَيْسَتْ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى حِينَ، ولا بِمَعْنى غَيْرِهِ، وإنَّما ذَهَبَ إلى ظَرْفِيَّتِها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَلِكَ كَلامًا مُشَبَّعًا في كِتابِ (التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ) وبَيَّنّا أنَّ الصَّحِيحَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. وذَهَبَ ابْنُ جِنِّي في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ إلى أنَّ أصْلَها: لَمِن ما، وزِيدَتْ مِن، في الواجِبِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ كَما يَجِبُ في مِثْلِ هَذا، فَجاءَ: لَمَمّا، فَثَقُلَ اجْتِماعُ ثَلاثِ مِيماتٍ، فَحُذِفَتِ المِيمُ الأُولى فَبَقِيَ لَمّا.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَفْسِيرُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى هَذا التَّوْجِيهِ المُلْحَقِ تَفْسِيرَ لَما، بِفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ انْتَهى. وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ مِن، في قَوْلِهِ: لَمِن ما، زائِدَةٌ في الواجِبِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وقَدْ ذَكَرَ هَذا التَّقْدِيرَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ: لَمّا، بِالتَّشْدِيدِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَنْسِبْهُ إلى أحَدٍ، فَقالَ: وقِيلَ أصْلُهُ لَمِن ما، فاسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ ثَلاثِ مِيماتٍ، وهي: المِيمانِ والنُّونُ المُنْقَلِبَةُ مِيمًا بِإدْغامِها في المِيمِ، فَحَذَفُوا إحْداها، فَصارَتْ: لَمّا، ومَعْناهُ: لَمِن أجْلِ ما آتَيْناكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وهَذا نَحْوٌ مِن قِراءَةِ حَمْزَةَ في المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ. وهو مُخالِفٌ لِكَلامِ ابْنِ جِنِّي في: مِن، المُقَدَّرِ دُخُولُها عَلى ما، فَإنَّ ظاهِرَ كَلامِ ابْنِ جِنِّي أنَّها زائِدَةٌ، وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّها لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ؛ لِأنَّهُ جَعَلَها لِلتَّعْلِيلِ.
وفِي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَحَذَفُوا إحْداها، إبْهامٌ في المَحْذُوفِ، وقَدْ عَيَّنَها ابْنُ جِنِّي: بِأنَّ المَحْذُوفَةَ هي الأُولى، وهَذا التَّوْجِيهُ في قِراءَةِ التَّشْدِيدِ في غايَةِ البُعْدِ، ويُنَزَّهُ كَلامُ العَرَبِ أنْ يَأْتِيَ فِيهِ مِثْلُهُ، فَكَيْفَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى ؟ وكانَ ابْنُ جِنِّي كَثِيرَ التَّحَمُّلِ في كَلامِ العَرَبِ. (p-٥١٣)ويَلْزَمُ في: لَمّا هَذِهِ، عَلى ما قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ اللّامُ في: لَمِن ما آتَيْناكم، زائِدَةً، ولا تَكُونُ اللّامَ المُوَطِّئَةَ؛ لِأنَّ اللّامَ المُوَطَّئَةِ إنَّما تَدْخُلُ عَلى أدَواتِ الشَّرْطِ لا عَلى حَرْفِ الجَرِّ، لَوْ قُلْتَ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَمِن أجْلِكَ لَأضْرِبَنَّ عَمْرًا، لَمْ يَجُزْ، وإنَّما سُمِّيَتْ مُوَطِّئَةً؛ لِأنَّها تُوَطِّئُ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ لِلْقَسَمِ، فَيَصِيرُ جَوابُ الشَّرْطِ إذْ ذاكَ مَحْذُوفًا، لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ.
وقَرَأ نافِعٌ: آتَيْناكم، عَلى التَّعْظِيمِ، وتَنْزِيلُ الواحِدِ مَنزِلَةَ الجَمْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: آتَيْتُكم، عَلى الإفْرادِ، وهو المُوافِقُ لِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، إذْ تَقَدَّمَهُ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ وجاءَ بَعْدَهُ ﴿إصْرِي﴾ .
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: رَسُولٌ مُصَدِّقًا، نَصْبَهُ عَلى الحالِ، وهو جائِزٌ مِنَ النَّكِرَةِ، وإنْ تَقَدَّمَتِ النَّكِرَةُ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ سِيبَوَيْهِ قاسَهُ، ويُحَسِّنُ هَذِهِ القِراءَةَ أنَّهُ نَكِرَةٌ في اللَّفْظِ، مُعَرَّفَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنِيَّ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقَوْلُهُ: لَما آتَيْتُكم، إنْ أُرِيدَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، وهو ظاهِرُ اللَّفْظِ، فَإنْ أُرِيدَ بِالإيتاءِ الإنْزالَ فَلَيْسَ كُلُّهم أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ مِن خِطابِ الكُلِّ بِخِطابِ أشْرَفِ أنْواعِهِ، ويَكُونُ التَّعْمِيمُ في الأنْبِياءِ مَجازًا، وإنْ أُرِيدَ بِالإيتاءِ كَوْنُهُ مُهْتَدًى بِهِ، وداعِيًا إلى العَمَلِ بِهِ، صَحَّ ذَلِكَ في جَمِيعِ الأنْبِياءِ، ويَكُونُ التَّعْمِيمُ حَقِيقَةً. وكَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِالأنْبِياءِ المَجازُ، وهو أُمَمُهم، يَكُونُ إيتاؤُهُمُ الكِتابَ كَوْنُهُ تَعالى جَعَلَهُ هادِيًا لَهم وداعِيًا.
* *
﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ أيْ: ثُمَّ جاءَ في زَمانِكم. ومَعْنى التَّصْدِيقِ كَوْنُهُ مُوافِقًا في التَّوْحِيدِ والنُّبُوّاتِ وأُصُولِ الشَّرائِعِ، وجَمِيعُهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ الحَقَّ في زَمانِ كُلِّ نَبِيٍّ شَرْعُهُ، وفي قَوْلِ: ”رَسُولٌ“، دَلالَةٌ عَلى أنَّ المِيثاقَ المَأْخُوذَ هو ما قُرِّرَ في العُقُولِ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تُوجِبُ الِانْقِيادَ لِأمْرِ اللَّهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المِيثاقَ هو شَرْحُهُ لِصِفاتِ الرَّسُولِ في كُتُبِ الأنْبِياءِ، فَهَذانِ الوَجْهانِ مُحْتَمَلانِ، وأوْجَبَ الإيمانَ أوَّلًا، والنُّصْرَةَ ثانِيًا، وهو تَرْتِيبٌ ظاهِرٌ.
﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ ظاهِرُهُ أنَّ الضَّمِيرَ في: قالَ، عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفي: أأقْرَرْتُمْ، خُوطِبَ بِهِ الأنْبِياءُ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ عَلى الخِلافِ، أهُوَ عَلى ظاهِرِهِ ؟ أمْ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ ؟ أمْ هو مِمّا حُذِفَ بَعْدَ النَّبِيِّينَ، وتَقْدِيرُهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى أُمَمِهِمْ ؟ لَمْ يَكْتَفِ بِأخْذِ المِيثاقِ حَتّى اسْتَنْطَقَهُ بِالإقْرارٍ بِالإيمانِ بِهِ، والنُّصْرَةِ لَهُ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في: قالَ، عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، أيْ: قالَ كُلُّ نَبِيٍّ لِأُمَّتِهِ: أأقْرَرْتُمْ ؟ ومَعْنى هَذا القَوْلِ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ الإثْباتُ والتَّأْكِيدُ، لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أخْذِ المِيثاقِ عَلى الأُمَمِ، بَلْ طالَبُوهم بِالإقْرارِ بِالقَبُولِ.
ويَكُونُ إصْرِي، عَلى الظّاهِرِ مُضافًا إلى اللَّهِ - تَعالى -، وعَلى هَذا القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ مُضافًا إلى النَّبِيِّ. والإصْرُ: العَهْدُ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُؤْصَرُ أيْ يُشَدُّ ويُعْقَدُ. وقُرِئَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لُغَةً في: أصَرَّ، كَما قالُوا: ناقَةُ أسْفارٍ عُبْرٌ، وعُبْرُ أسْفارٍ، وهي المُعَدَّةُ لِلْأسْفارِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِآصارٍ، كَإزارٍ وأُزُرٍ، ومَعْنى الأخْذِ هُنا القَبُولُ.
﴿قالُوا أقْرَرْنا﴾ مَعْناهُ أقْرَرْنا بِالإيمانِ بِهِ وبِنُصْرَتِهِ، وقَبِلْنا ذَلِكَ والتَزَمْناهُ. وثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ: أقْرَرْنا وأخَذْنا عَلى ذَلِكَ الإصْرَ، وحُذِفَتْ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْها.
﴿قالَ فاشْهَدُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى قالَ لِلنَّبِيِّينَ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ: فاشْهَدُوا، ومَعْناهُ مِنَ الشَّهادَةِ أيْ: لِيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِالإقْرارِ، وأخْذِ الإصْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: فاشْهَدُوا هو خِطابٌ لِلْمَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ المُسَيَّبِ. وقِيلَ: مَعْنى فاشْهَدُوا، بَيِّنُوا هَذا المِيثاقَ لِلْخاصِّ والعامِّ؛ لِكَيْلا يَبْقى لِأحَدٍ عُذْرٌ في الجَهْلِ بِهِ، وأصْلُهُ: أنَّ الشّاهِدَ هو الَّذِي يُبَيِّنُ صِدْقَ الدَّعْوى، قالَهُ الزَّجّاجُ، ويَكُونُ: اشْهَدُوا، بِمَعْنى أدُّوا، لا بِمَعْنى تَحَمَّلُوا. وقِيلَ: مَعْناهُ اسْتَيْقِنُوا ما قَرَّرْتُهُ عَلَيْكم مِن هَذا المِيثاقِ، وكُونُوا فِيهِ كالمُشاهِدِ لِلشَّيْءِ المُعايِنِ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: فاشْهَدُوا، خِطابٌ لِلْأنْبِياءِ إذا قُلْنا: إنَّ أخْذَ المِيثاقِ كانَ عَلى أتْباعِهِمْ، أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا شاهِدِينَ عَلى أُمَمِهِمْ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
(p-٥١٤)وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المَعْنى في: قالَ أأقْرَرْتُمْ، أيْ قالَ كُلُّ نَبِيٍّ، يَكُونُ المَعْنى عَلى كُلِّ نَبِيٍّ لِأُمَّتِهِ، فاشْهَدُوا، أيْ: لِيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ. وقَوْلُهُ: فاشْهَدُوا، مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ، قالَ: أأقْرَرْتُمْ فاشْهَدُوا، فالفاءُ دَخَلَتْ لِلْعَطْفِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ألَقِيتَ زَيْدًا ؟ قالَ: لَقِيتُهُ، قالَ: فَأحْسِنْ إلَيْهِ. التَّقْدِيرُ: لَقِيتَ زَيْدًا فَأحْسِنْ إلَيْهِ، فَما فِيهِ الفاءُ بَعْضُ المَقُولِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلَّ المَقُولِ؛ لِأجْلِ الفاءِ، ألا تَرى قالَ أأقْرَرْتُمْ، وقَوْلُهُ: قالُوا أقْرَرْنا ؟ لَمّا كانَ كُلَّ المَقُولِ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ.
﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً.
آل عمران 3:82
﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيْ: مَن أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِهَذا الرَّسُولِ، وعَنْ نُصْرَتِهِ بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ والإقْرارِ والتِزامِ العَهْدِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وغَيْرُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بَعْدَ الشَّهادَةِ عِنْدَ الأُمَمِ بِهَذا المِيثاقِ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: فاشْهَدُوا، أمْرٌ بِالأداءِ. ومِنَ الظّاهِرِ أنَّها شَرْطٌ، والجُمْلَةُ مِن: فَأُولَئِكَ، وما بَعْدَهُ جَزاءٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وأعادَ الضَّمِيرَ في: تَوَلّى، مُفْرَدًا عَلى لَفْظِ: مَن، وجَمَعَ في: فَأُولَئِكَ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أُخِذَ مِنهُمُ المِيثاقَ هم أتْباعُ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّهُ حَكَمَ تَعالى بِالفِسْقِ عَلى مَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا الحُكْمُ لا يَلِيقُ إلّا بِأُمَمِ الأنْبِياءِ، وأيْضًا فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كانُوا أمْواتًا عِنْدَ مَبْعَثِهِ، يُعْلِمُنا أنَّ المَأْخُوذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ هم أُمُمُهم. وذَكَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ. مِنها: الطِّباقُ في بِقِنْطارٍ، وبِدِينارٍ، إذْ أُرِيدَ بِهِما القَلِيلُ والكَثِيرُ، وفي: يُؤَدِّهِ ولا يُؤَدِّهِ؛ لِأنَّ الأداءَ مَعْناهُ الدَّفْعُ، وعَدَمَهُ مَعْناهُ المَنعُ، وهُما ضِدّانِ، وفي قَوْلِهِ: بِالكُفْرِ، ومُسْلِمُونَ، والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: اتَّقى، والمُتَّقِينَ، وفي: فاشْهَدُوا، والشّاهِدِينَ، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: ولا يَأْمُرَكم، أيَأْمُرُكم، وفي: أأقْرَرْتُمْ، وأقْرَرْنا. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ذَلِكَ بِأنَّهم، وفي: أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم. والسُّؤالُ والجَوابُ، وهو في: قالَ أأقْرَرْتُمْ ؟ ثُمَّ: قالُوا أقْرَرْنا. والِاخْتِصاصُ في: يُحِبُّ المُتَّقِينَ، وفي يَوْمِ القِيامَةِ، اخْتَصَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ مُجازاةُ الأعْمالِ. والتَّكْرارُ في: يُؤَدِّهِ، ولا يُؤَدِّهِ، وفي اسْمِ اللَّهِ في مَواضِعَ، وفي: مِنَ الكِتابِ، وما هو مِنَ الكِتابِ. والِاسْتِعارَةُ في: يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ. والِالتِفاتُ في: لَما آتَيْتُكم، وهو خِطابٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: النَّبِيِّينَ، وهو لَفْظٌ غائِبٌ. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ تَقَدَّمَتْ.
آل عمران 3:83
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٧] ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: ٨٨] ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١] .
المِلْءُ: مِقْدارُ ما يُمْلَأُ، وهو اسْمٌ يُثَنّى ويُجْمَعُ يُقالُ: مِلْءَ القَدَحِ، ومِلْأهُ، وثَلاثَةَ أمْلائِهِ، وبِفَتْحِ المِيمِ المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَأْتُ الشَّيْءَ امْلَأهُ مَلْأً، والمُلاءَةُ الَّتِي تُلْبَسُ، وهي المُلْحَفَةُ بِضَمِّ المِيمِ والهَمْزِ. وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في شَرْحِ المَلَأِ.
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: اخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابِ، فَزَعَمَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أنَّها أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ كِلا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ، فَغَضِبُوا. وقالُوا: واللَّهِ ما نَرْضى بِقَضائِكَ، ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . ومُناسَبَةُ هَذِهِ (p-٥١٥)الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرٌ جِدًّا.
والهَمْزَةُ في: أفَغَيْرَ ؟ لِلْإنْكارِ والتَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ في التَّوَلِّي والإعْراضِ، وأُضِيفَ الدِّينُ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي شَرَعَهُ وتَعَبَّدَ بِهِ الخَلْقَ، ومَعْنى: تَبْغُونَ، تَطْلُبُونَ، وهو هُنا بِمَعْنى: تَدِينُونَ؛ لِأنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِدِينٍ غَيْرِ دِينِ اللَّهِ لا طالِبُوهُ، وعَبَّرَ بِالطَّلَبِ إشْعارًا بِأنَّهم في كُلِّ الوَقْتِ باحِثُونَ عَنْهُ، ومُسْتَخْرِجُوهُ ومُبْتَغُوهُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: (فَإنْ قِيلَ) كُلُّ عاقِلٍ يَبْتَغِي دِينَ اللَّهِ، ويَدَّعِي أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ دِينُ اللَّهِ. قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قَصَّرَ في الطَّلَبِ جُعِلَ في المَعْنى كَأنَّهُ باغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، إذْ لَوْ كانَ باغِيًا لَبالَغَ في الطَّلَبِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يُوصَلُ إلَيْهِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ باغِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى، ولَكِنَّهُ مِن حَيْثُ الصُّورَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ قَدْ بانَ لِلْبَعْضِ في الِابْتِغاءِ ما هو الحَقُّ لِظُهُورِ الحُجَجِ والآياتِ، ولَكِنْ أبى إلّا العِنادَ، فَهو باغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، فَتَكُونُ الآيَةُ في المُعانِدِينَ انْتَهى كَلامُهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ، وعَيّاشٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ: يَبْغُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، ويَنْسُبُها ابْنُ عَطِيَّةَ لِأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ بِكَمالِهِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، فالياءُ عَلى نَسَقِ: هُمُ الفاسِقُونَ، والتّاءُ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والفاءُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقُدِّمَتِ الهَمْزَةُ اعْتِناءً بِالِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: فَأغَيْرَ ؟ وجَوَّزَ هَذا الوَجْهَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُ جَمِيعِ النُّحاةِ قَبْلَهُ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أيَتَوَلُّونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا والكَلامُ عَلى مَذْهَبِهِ في ذَلِكَ، وأمْعَنّا الكَلامَ عَلَيْهِ في كِتابِ (التَّكْمِيلِ) مِن تَأْلِيفِنا.
وانْتَصَبَ: غَيْرَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”يَبْغُونَ“، وقُدِّمَ عَلى فِعْلِهِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن حَيْثُ إنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْبُودِ بِالباطِلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ولا تَحْقِيقَ فِيهِ؛ لِأنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ لا يَتَوَجَّهُ إلى الذَّواتِ، إنَّما يَتَوَجَّهُ إلى الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فالَّذِي أُنْكِرَ إنَّما هو الِابْتِغاءُ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وإنَّما جاءَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ هُنا مِن بابِ الِاتِّساعِ، وشَبَّهَ: يَبْغُونَ، بِالفاصِلَةِ بِآخِرِ الفِعْلِ.
﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أسْلَمَ عِنْدَ الجُمْهُورِ: اسْتَسْلَمَ وانْقادَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْلَمَ طَوْعًا بِحالَتِهِ النّاطِقَةِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِ، وكَرْهًا عِنْدَ دُعاءِ الأنْبِياءِ لَهم إلى الإسْلامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: سُجُودُ ظِلِّ المُؤْمِنِ طائِعًا، وسُجُودُ ظَلِّ الكافِرِ كارِهًا. كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وأبُو العالِيَةِ، والشَّعْبِيُّ ما يُقارِبُ مَعْناهُ: أسْلَمَ أقَرَّ بِالخالِقِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن أشْرَكَ في العِبادَةِ، فَمَن أشْرَكُ أسْلَمَ كَرْهًا. ومَن أخْلَصَ أسْلَمَ طَوْعًا. وقالَ الحَسَنُ: أسْلَمَ قَوْمٌ طَوْعًا، وقَوْمٌ خَوْفَ السَّيْفِ. وقالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ طَوْعًا وكَذَلِكَ الأنْصارُ، و بَنُو سُلَيْمٍ، وعَبْدِ القَيْسِ، وأسْلَمَ سائِرُ النّاسِ كَرْهًا حَذِرَ القِتالِ والسَّيْفِ. وأسْلَمَ عَلى هَذا القَوْلِ في ضِمْنِهِ الإيمانُ. وقالَ قَتادَةُ: الإسْلامُ كَرْهًا هو إسْلامُ الكافِرِ عِنْدَ المَوْتِ والمُعايَنَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّ كُلَّ كافِرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ إلّا في أفْرادٍ انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: طَوْعًا بِاضْطِرارِ الحُجَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طَوْعًا بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ، والإنْصافِ مِن نَفْسِهِ، وكَرْهًا بِالسَّيْفِ، أوْ بِمُعايَنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ، كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وإدْراكِ الغَرَقِ فِرْعَوْنَ، والإشْفاءِ عَلى المَوْتِ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] انْتَهى. فَلَفَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَفْسِيرَ: طَوْعًا، مِن قَوْلِ عِكْرِمَةَ، وتَفْسِيرَ قَوْلِهِ: وكَرْهًا، مِن قَوْلِ مَطَرٍ الوَرّاقِ، وقَوْلِ قَتادَةَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: طَوْعًا بِالوِلادَةِ عَلى الإسْلامِ، وكَرْهًا بِالسَّيْفِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى: ولَهُ خَضَعَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فِيما صَوَّرَهم فِيهِ ودَبَرَهم عَلَيْهِ، وما يُحْدِثُ فِيهِمْ فَهم لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ كَرِهُوا ذَلِكَ، أوْ أحَبُّوهُ، رَضُوا بِذَلِكَ أوْ سَخَطُوهُ؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ: إنَّ الإسْلامَ هُنا الخُضُوعُ (p-٥١٦)لِنُفُوذِ أمْرِهِ في جِبِلَّتِهِمْ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْتَنِعَ مِمّا جُبِلَ عَلَيْهِ، ولا أنْ يُغَيِّرَهُ، والَّذِي يَظْهَرُ عُمُومُ مَن في السَّماواتِ، وخُصُوصُ مَن في الأرْضِ. والطَّوْعُ هو الَّذِي لا تُكَلُّفَ فِيهِ، والكَرْهُ ما فِيهِ مَشَقَّةٌ، فَإسْلامُ مَن في السَّماواتِ طَوْعٌ صِرْفٌ؛ إذْ هم خالُونَ مِنَ الشَّهَواتِ الدّاعِيَةِ إلى المُخالَفَةِ، وإسْلامُ مَن في الأرْضِ، مَن كانَ مِنهم مَعْصُومًا كانَ طَوْعًا، ومَن كانَ غَيْرَ مَعْصُومٍ كانَ كَرْهًا، بِمَعْنى أنَّهُ في مَشَقَّةٍ؛ لِأنَّ التَّكالِيفَ جاءَتْ عَلى مُخالَفَةِ الشَّهَواتِ النَّفْسانِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَأْتِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ مُبَشِّرٌ بِالثَّوابِ، ومُنْذِرٌ بِالعِقابِ، لَمْ يَلْتَزِمِ الإنْسانُ شَيْئًا مِنَ التَّكالِيفِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ لا تُخْرِجُ أسْلَمَ فِيها عَنْ أنْ يُحْمَلَ عَلى الِاسْتِسْلامِ، وعَلى الِاعْتِقادِ، وعَلى الإقْرارِ بِاللِّسانِ، وعَلى التِزامِ الأحْكامِ. وقَدْ قِيلَ بِهَذا كُلِّهِ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾ حالِيَّةٌ. وطَوْعًا وكَرْهًا، مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: طائِعِينَ وكارِهِينَ. وقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ عَلى خِلافِ الصَّدْرِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها.
﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِمَنِ اتَّبَعَ وابْتَغى غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى الرُّجُوعِ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾ فَيَكُونُ مُشارِكًا لَهُ في الحالِيَّةِ، وكَأنَّهُ نَعى عَلَيْهِمُ ابْتِغاءَ غَيْرِ دِينِ مَنِ انْقادَ إلَيْهِ المُكَلَّفُونَ كُلُّهم ومَن إلَيْهِ مَرْجِعُهم، فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ. والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا يَبْتَغِي دِينًا غَيْرَ دِينِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وإخْبارًا بِأنَّهُ تَعالى إلَيْهِ مَصِيرُهم، ومُنْقَلَبُهم فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ.
وقَرَأ حَفْصٌ، وعَبّاسٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ: يَرْجِعُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى مَن أسْلَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى غَيْرِ ضَمِيرِ ”يَبْغُونَ“، فَيَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: تَبْغُونَ بِالتّاءِ؛ إذْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالتّاءِ، فَإنْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى مَن كانَ التِفاتًا، أوْ عَلى ضَمِيرِ تَبْغُونَ، كانَ التِفاتًا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: يَبْغُونَ بِالياءِ، أوْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ.
﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُوافِقَةٌ لِما في البَقَرَةِ إلّا في: قُلْ، وفي: عَلَيْنا، وفي: عِيسى والنَّبِيُّونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ما في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، إلّا ما وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، فَنَقُولُ: الظّاهِرُ في قُلْ أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أُمِرَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ، وعَنْ أُمَّتِهِ بِقَوْلِهِ: آمَنّا بِهِ، ويُقَوِّي أنَّهُ إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْ أُمَّتِهِ قَوْلُهُ أخِيرًا: ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وأفْرَدَهُ بِالخِطابِ بِقَوْلِهِ: قُلْ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في أخْذِ المِيثاقِ في قَوْلِهِ: ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ، فَعَيَّنَهُ في هَذا التَّكْلِيفِ لِيُظْهِرَ فِيهِ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِما مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ. وقالَ: آمَنّا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مِن خَواصِّهِ، بَلْ هو لازِمٌ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ. قالَ تَعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ) بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ويَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ كَما يَتَكَلَّمُ المُلُوكُ؛ إجْلالًا مِنَ اللَّهِ لِقَدْرِ نَبِيِّهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى قُلْ يا مُحَمَّدُ، أنْتَ وأُمَّتُكَ آمَنّا بِاللَّهِ، فَيَظْهَرُ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ ثَمَّ مَعْطُوفًا حُذِفَ، وأنَّ ثَمَّ الأمْرَ مُتَوَجَّهٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ. وأمّا تَعْدِيَةُ ”أُنْزِلَ“ هُنا بِـ ”عَلى“، وفي البَقَرَةِ بِـ ”إلى“، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الإنْزالُ عَلى نَبِيِّ الأُمَّةِ إنْزالٌ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنَّ قُلْتَ) لِمَ عَدّى ”أُنْزِلَ“ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، وفِيما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِها بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ ؟ .
(قُلْتُ) لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الوَحْيَ يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، ويَنْتَهِي إلى الرُّسُلِ، فَجاءَ تارَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ، وأُخْرى بِالآخَرِ. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّما قالَ هُنا: عَلى؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وكانَ واصِلًا إلَيْهِ مِنَ المَلَأِ الأعْلى بِلا واسِطَةِ بِشْرٍ، كانَ لَفْظُ ”عَلى“ المُخْتَصِّ بِالعُلُوِّ أوْلى بِهِ، وهُناكَ لَمّا كانَ خِطابًا لِلْأُمَّةِ، وقَدْ (p-٥١٧)وصَلَ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ لَفْظُ ”إلى“، المُخْتَصِّ بِالإيصالِ أوْلى، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ، إنَّما عَلى ما أُمِرَ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَ غَيْرَهُ، وأُنْزِلَ إلَيْهِ عَلى ما خُصَّ بِهِ في نَفْسِهِ. وإلَيْهِ نِهايَةُ الإنْزالِ، وعَلى ذَلِكَ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] . وقالَ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] خُصَّ هُنا بِـ ”إلى“ لَمّا كانَ مَخْصُوصًا بِالذِّكْرِ، الَّذِي هو بَيانُ المُنَزَّلِ، وهَذا كَلامٌ في الأوْلى، لا في الوُجُوبِ انْتَهى كَلامُهُ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ مَن قالَ هَذا الفَرْقَ فَقَدْ تَعَسَّفَ، قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ [المائدة: ٤٨] وإلى قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] ؟ انْتَهى. وأمّا إعادَةُ لَفْظِ: وما أُوتِيَ؛ فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ لَفْظُ الخِطابِ عامًّا، ومِن حِكَمِ خِطابِ العامِّ البَسْطُ دُونَ الإيجازِ، ولَمّا كانَ الخِطابُ هُنا خاصًّا اكْتَفى فِيهِ بِالإيجازِ.
﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ الإسْلامُ هُنا قِيلَ: هو الِاسْتِسْلامُ إلى اللَّهِ، والتَّفْوِيضُ إلَيْهِ، وهو مَطْلُوبٌ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ وشَرِيعَةٍ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّوْحِيدِ وإسْلامِ الوَجْهِ لِلَّهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإسْلامِ شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن تَحَرّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ شَرِيعَةً غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهُ، وهو الدِّينُ الَّذِي وافَقَ في مُعْتَقَداتِهِ دِينَ مَن ذَكَرَ مِنَ الأنْبِياءِ.
قِيلَ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى﴾ [البقرة: ٦٢] الآيَةَ، أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَها: ﴿ومَن يَبْتَغِ﴾ الآيَةَ. وهَذا إشارَةٌ إلى نَسْخِ (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) . وعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمّا نَزَلَتْ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ ونَحْنُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: حُجَّهم يامُحَمَّدُ، وأنْزَلَ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَحَجَّ المُسْلِمُونَ، وقَعَدَ الكُفّارُ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، وسَتَأْتِي قِصَّتُهُ بَعْدَ هَذا. وقَبُولُ العَمَلِ هو رِضاهُ وإثابَةُ فاعِلِهِ عَلَيْهِ. وانْتَصَبَ دِينًا عَلى التَّمْيِيزِ: لِـ ”غَيْرَ“؛ لِأنَّ ”غَيْرَ“ مُبْهَمَةٌ، فَفُسِّرَتْ بِدِينٍ، كَما أنَّ مِثْلًا مُبْهَمَةٌ فَتُفَسَّرُ أيْضًا. وهَذا كَقَوْلِهِمْ: لَنا غَيْرُها إبِلًا وشاءَ، ومَفْعُولُ ”يَبْتَغِ“ هو: غَيْرَ، وقِيلَ: ”دِينًا“ مَفْعُولٌ، وغَيْرَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ كانَ نَعْتًا وقِيلَ: ”دِينًا“ بَدَلٌ مِن ”غَيْرَ“، والجُمْهُورُ عَلى إظْهارِ الغَيْنَيْنِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الإدْغامُ.
﴿وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الخُسْرانُ في الآخِرَةِ هو حِرْمانُ الثَّوابِ وحُصُولُ العِقابِ، شُبِّهَ في تَضْيِيعِ زَمانِهِ في الدُّنْيا بِاتِّباعِ غَيْرِ الإسْلامِ بِالَّذِي خَسِرَ في بِضاعَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ قَدْ عُطِفَتْ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلى ابْتِغاءِ غَيْرِ الإسْلامِ دِينًا، عَدَمُ القَبُولِ والخُسْرانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ بَلْ هي اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِ في الآخِرَةِ.
و”في الآخِرَةِ“ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: وهو خاسِرٌ في الآخِرَةِ، أوْ: بِإضْمارِ ”أعْنِي“، أوْ: بِـ ”الخاسِرِينَ“ عَلى أنَّ الألِفَ واللّامَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً، بَلْ لِلتَّعْرِيفِ، كَهي في الرَّجُلِ، أوْ بِهِ عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، وتُسُومِحَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، وكُلٌّ مَنقُولٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا نَظِيرُهُ.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، آمَنُوا بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفِيهِما ذِكْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَغَيَّرُوهُ وكَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ ورَوى عَطِيَّةُ قَرِيبًا مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: في عَشَرَةِ رَهْطٍ ارْتَدُّوا فِيهِمُ الحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ الأنْصارِيُّ، فَنَدِمَ ورَجَعَ، ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: أنَّ الحَرْثَ كانَ يُظْهِرُ الإسْلامَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَتَلَ المُجَدَّرَ بْنَ زِيادٍ بِدَمٍ كانَ لَهُ عَلَيْهِ، وقَتَلَ زَيْدَ بْنَ قَيْسٍ، وارْتَدَّ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ أنْ يَقْتُلَهُ إنْ ظَفَرَ بِهِ، فَفاتَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إلى أخِيهِ مِن مَكَّةَ يَطْلُبُ التَّوْبَةَ، فَنَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [آل عمران: ٨٩] فَكَتَبَ بِها قَوْمُهُ، إلَيْهِ فَرَجَعَ تائِبًا.
ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ، ولَمْ يَذْكُرْ سِوى أنَّهُ رَجُلٌ مِنَ (p-٥١٨)الأنْصارِ ارْتَدَّ، فَلَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، وخَرَّجَهُ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلًا. وقِيلَ: لَحِقَ بِالرُّومِ. وقِيلَ: ارْتَدَّ الحَرْثُ في أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وسَمّى مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ، والحَرْثَ بْنَ سُوَيْدٍ بْنِ الصّامِتِ، ووَحْوَحَ بْنَ الأسْلَتِ، وذَكَرَ عِكْرِمَةُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وسَمّى مِنهم: أبا عامِرٍ الرّاهِبَ، والحَرْثَ ووُجُوهًا. وقالَ النَّقّاشُ: نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ. ألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّ كُلَّ مَن ذُكِرَ وغَيْرَهم. وقِيلَ: هي في عامَّةِ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَمَلَ الآياتِ إلى الحَرْثِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحَرْثُ: إنَّكَ واللَّهِ ما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى - لَأصْدَقُ الثَّلاثَةِ. قالَ فَرَجَعَ الحَرْثُ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
كَيْفَ: سُؤالٌ عَنِ الأحْوالِ، وهي هُنا لِلتَّعْجِيبِ والتَّعْظِيمِ؛ لِكُفْرِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، أيْ: كَيْفَ يَسْتَحِقُّ الهِدايَةَ مَن أتى بِما يُنافِيها بَعْدَ التِباسِهِ بِها، ووُضُوحِها لَهُ ؟ فاسْتُبْعِدَ حُصُولُها لَهم مَعَ شِدَّةِ الجَرائِمِ، كَما قالَ: «كَيْفَ تَفْلَحُ أُمَّةٌ أدْمَتْ وجْهَ نَبِيِّها» ؟ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَيْفَ يَلْطُفُ بِهِمْ، ولَيْسُوا مَن أهْلِ اللُّطْفِ لِما عَلِمَ اللَّهُ مِن تَصْمِيمِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ؟ انْتَهى. وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عِنْدَهُ أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الهِدايَةَ فِيهِمْ، كَما لا يَخْلُقُ الضَّلالَ فِيهِمْ، بَلْ هُما مَخْلُوقانِ لِلْعَبْدِ.
وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ هُنا يُرادُ بِهِ الجَحْدُ، والمَعْنى: لَيْسَ بِهَدْيٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَهَذِي سُيُوفٌ يا صَدِيُّ بْنَ مالِكٍ كَثِيرٌ ولَكِنْ أيْنَ بِالسَّيْفِ ضارِبُ ؟
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎كَيْفَ نَوْمِي عَلى الفِراشِ ولَمّا ∗∗∗ يَشْمَلُ الشّامَ غارَةٌ شَعْواءُ ؟
والهِدايَةُ هُنا هي إلى الإيمانِ، واتِّباعِ الحَقِّ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ المَعْنى: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ إلّا إنْ تَجَوَّزَ، فَأطْلَقَ المُسَبِّبَ عَلى السَّبَبِ، لِأنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مُسَبَّبٌ عَنِ الإيمانِ، فَيَعُودُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ. وشَهِدُوا: ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ كَفَرُوا، وبِهِ قالَ الحُوفِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، ورَدَّهُ مَكِّيٌّ. وقالَ: لا يَجُوزُ عَطْفُ: شَهِدُوا، عَلى: كَفَرُوا؛ لِفَسادِ المَعْنى، ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ جِهَةٍ فَسادُ المَعْنى، وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ التَّرْتِيبَ، فَلِذَلِكَ فَسَدَ المَعْنى عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى مَفْهُومٌ أنَّ الشَّهادَةَ قَبْلَ الكُفْرِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ، وأجازَ قَوْمٌ مِنهم مَكِّيٌّ والزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما في إيمانِهِمْ مِن مَعْنى الفِعْلِ، إذِ المَعْنى: بَعْدَ أنْ آمَنُوا وشَهِدُوا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ لا لِلْعَطْفِ، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، وقَدْ شَهِدُوا، والعامِلُ فِيهِ: كَفَرُوا. والرَّسُولُ هُنا مُحَمَّدٌ ﷺ قالَهُ الجُمْهُورُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ هُنا بِمَعْنى الرِّسالَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ.
والبَيِّناتُ: هي شَواهِدُ القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ الَّتِي تَأْتِي بِمِثْلِها الأنْبِياءُ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا يَخْلُقُ في قُلُوبِهِمُ الهِدايَةَ. والظّالِمِينَ: عامٌّ مَعْناهُ الخُصُوصُ أيْ: لا يَهْدِي مَن قَضى عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ عَنْ أنَّ الظّالِمَ في ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلى هُدًى مِنَ اللَّهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عامَّةً تامَّةَ العُمُومِ انْتَهى. وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّالِمِينَ: المُعانِدِينَ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ اللُّطْفَ لا يَنْفَعُهُمُ انْتَهى. وتَفْسِيرُهُ عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ.
آل عمران 3:84
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٧] ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: ٨٨] ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١] .
المِلْءُ: مِقْدارُ ما يُمْلَأُ، وهو اسْمٌ يُثَنّى ويُجْمَعُ يُقالُ: مِلْءَ القَدَحِ، ومِلْأهُ، وثَلاثَةَ أمْلائِهِ، وبِفَتْحِ المِيمِ المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَأْتُ الشَّيْءَ امْلَأهُ مَلْأً، والمُلاءَةُ الَّتِي تُلْبَسُ، وهي المُلْحَفَةُ بِضَمِّ المِيمِ والهَمْزِ. وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في شَرْحِ المَلَأِ.
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: اخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابِ، فَزَعَمَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أنَّها أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ كِلا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ، فَغَضِبُوا. وقالُوا: واللَّهِ ما نَرْضى بِقَضائِكَ، ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . ومُناسَبَةُ هَذِهِ (p-٥١٥)الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرٌ جِدًّا.
والهَمْزَةُ في: أفَغَيْرَ ؟ لِلْإنْكارِ والتَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ في التَّوَلِّي والإعْراضِ، وأُضِيفَ الدِّينُ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي شَرَعَهُ وتَعَبَّدَ بِهِ الخَلْقَ، ومَعْنى: تَبْغُونَ، تَطْلُبُونَ، وهو هُنا بِمَعْنى: تَدِينُونَ؛ لِأنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِدِينٍ غَيْرِ دِينِ اللَّهِ لا طالِبُوهُ، وعَبَّرَ بِالطَّلَبِ إشْعارًا بِأنَّهم في كُلِّ الوَقْتِ باحِثُونَ عَنْهُ، ومُسْتَخْرِجُوهُ ومُبْتَغُوهُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: (فَإنْ قِيلَ) كُلُّ عاقِلٍ يَبْتَغِي دِينَ اللَّهِ، ويَدَّعِي أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ دِينُ اللَّهِ. قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قَصَّرَ في الطَّلَبِ جُعِلَ في المَعْنى كَأنَّهُ باغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، إذْ لَوْ كانَ باغِيًا لَبالَغَ في الطَّلَبِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يُوصَلُ إلَيْهِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ باغِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى، ولَكِنَّهُ مِن حَيْثُ الصُّورَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ قَدْ بانَ لِلْبَعْضِ في الِابْتِغاءِ ما هو الحَقُّ لِظُهُورِ الحُجَجِ والآياتِ، ولَكِنْ أبى إلّا العِنادَ، فَهو باغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، فَتَكُونُ الآيَةُ في المُعانِدِينَ انْتَهى كَلامُهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ، وعَيّاشٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ: يَبْغُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، ويَنْسُبُها ابْنُ عَطِيَّةَ لِأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ بِكَمالِهِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، فالياءُ عَلى نَسَقِ: هُمُ الفاسِقُونَ، والتّاءُ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والفاءُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقُدِّمَتِ الهَمْزَةُ اعْتِناءً بِالِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: فَأغَيْرَ ؟ وجَوَّزَ هَذا الوَجْهَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُ جَمِيعِ النُّحاةِ قَبْلَهُ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أيَتَوَلُّونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا والكَلامُ عَلى مَذْهَبِهِ في ذَلِكَ، وأمْعَنّا الكَلامَ عَلَيْهِ في كِتابِ (التَّكْمِيلِ) مِن تَأْلِيفِنا.
وانْتَصَبَ: غَيْرَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”يَبْغُونَ“، وقُدِّمَ عَلى فِعْلِهِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن حَيْثُ إنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْبُودِ بِالباطِلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ولا تَحْقِيقَ فِيهِ؛ لِأنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ لا يَتَوَجَّهُ إلى الذَّواتِ، إنَّما يَتَوَجَّهُ إلى الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فالَّذِي أُنْكِرَ إنَّما هو الِابْتِغاءُ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وإنَّما جاءَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ هُنا مِن بابِ الِاتِّساعِ، وشَبَّهَ: يَبْغُونَ، بِالفاصِلَةِ بِآخِرِ الفِعْلِ.
﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أسْلَمَ عِنْدَ الجُمْهُورِ: اسْتَسْلَمَ وانْقادَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْلَمَ طَوْعًا بِحالَتِهِ النّاطِقَةِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِ، وكَرْهًا عِنْدَ دُعاءِ الأنْبِياءِ لَهم إلى الإسْلامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: سُجُودُ ظِلِّ المُؤْمِنِ طائِعًا، وسُجُودُ ظَلِّ الكافِرِ كارِهًا. كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وأبُو العالِيَةِ، والشَّعْبِيُّ ما يُقارِبُ مَعْناهُ: أسْلَمَ أقَرَّ بِالخالِقِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن أشْرَكَ في العِبادَةِ، فَمَن أشْرَكُ أسْلَمَ كَرْهًا. ومَن أخْلَصَ أسْلَمَ طَوْعًا. وقالَ الحَسَنُ: أسْلَمَ قَوْمٌ طَوْعًا، وقَوْمٌ خَوْفَ السَّيْفِ. وقالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ طَوْعًا وكَذَلِكَ الأنْصارُ، و بَنُو سُلَيْمٍ، وعَبْدِ القَيْسِ، وأسْلَمَ سائِرُ النّاسِ كَرْهًا حَذِرَ القِتالِ والسَّيْفِ. وأسْلَمَ عَلى هَذا القَوْلِ في ضِمْنِهِ الإيمانُ. وقالَ قَتادَةُ: الإسْلامُ كَرْهًا هو إسْلامُ الكافِرِ عِنْدَ المَوْتِ والمُعايَنَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّ كُلَّ كافِرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ إلّا في أفْرادٍ انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: طَوْعًا بِاضْطِرارِ الحُجَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طَوْعًا بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ، والإنْصافِ مِن نَفْسِهِ، وكَرْهًا بِالسَّيْفِ، أوْ بِمُعايَنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ، كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وإدْراكِ الغَرَقِ فِرْعَوْنَ، والإشْفاءِ عَلى المَوْتِ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] انْتَهى. فَلَفَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَفْسِيرَ: طَوْعًا، مِن قَوْلِ عِكْرِمَةَ، وتَفْسِيرَ قَوْلِهِ: وكَرْهًا، مِن قَوْلِ مَطَرٍ الوَرّاقِ، وقَوْلِ قَتادَةَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: طَوْعًا بِالوِلادَةِ عَلى الإسْلامِ، وكَرْهًا بِالسَّيْفِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى: ولَهُ خَضَعَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فِيما صَوَّرَهم فِيهِ ودَبَرَهم عَلَيْهِ، وما يُحْدِثُ فِيهِمْ فَهم لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ كَرِهُوا ذَلِكَ، أوْ أحَبُّوهُ، رَضُوا بِذَلِكَ أوْ سَخَطُوهُ؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ: إنَّ الإسْلامَ هُنا الخُضُوعُ (p-٥١٦)لِنُفُوذِ أمْرِهِ في جِبِلَّتِهِمْ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْتَنِعَ مِمّا جُبِلَ عَلَيْهِ، ولا أنْ يُغَيِّرَهُ، والَّذِي يَظْهَرُ عُمُومُ مَن في السَّماواتِ، وخُصُوصُ مَن في الأرْضِ. والطَّوْعُ هو الَّذِي لا تُكَلُّفَ فِيهِ، والكَرْهُ ما فِيهِ مَشَقَّةٌ، فَإسْلامُ مَن في السَّماواتِ طَوْعٌ صِرْفٌ؛ إذْ هم خالُونَ مِنَ الشَّهَواتِ الدّاعِيَةِ إلى المُخالَفَةِ، وإسْلامُ مَن في الأرْضِ، مَن كانَ مِنهم مَعْصُومًا كانَ طَوْعًا، ومَن كانَ غَيْرَ مَعْصُومٍ كانَ كَرْهًا، بِمَعْنى أنَّهُ في مَشَقَّةٍ؛ لِأنَّ التَّكالِيفَ جاءَتْ عَلى مُخالَفَةِ الشَّهَواتِ النَّفْسانِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَأْتِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ مُبَشِّرٌ بِالثَّوابِ، ومُنْذِرٌ بِالعِقابِ، لَمْ يَلْتَزِمِ الإنْسانُ شَيْئًا مِنَ التَّكالِيفِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ لا تُخْرِجُ أسْلَمَ فِيها عَنْ أنْ يُحْمَلَ عَلى الِاسْتِسْلامِ، وعَلى الِاعْتِقادِ، وعَلى الإقْرارِ بِاللِّسانِ، وعَلى التِزامِ الأحْكامِ. وقَدْ قِيلَ بِهَذا كُلِّهِ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾ حالِيَّةٌ. وطَوْعًا وكَرْهًا، مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: طائِعِينَ وكارِهِينَ. وقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ عَلى خِلافِ الصَّدْرِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها.
﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِمَنِ اتَّبَعَ وابْتَغى غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى الرُّجُوعِ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾ فَيَكُونُ مُشارِكًا لَهُ في الحالِيَّةِ، وكَأنَّهُ نَعى عَلَيْهِمُ ابْتِغاءَ غَيْرِ دِينِ مَنِ انْقادَ إلَيْهِ المُكَلَّفُونَ كُلُّهم ومَن إلَيْهِ مَرْجِعُهم، فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ. والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا يَبْتَغِي دِينًا غَيْرَ دِينِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وإخْبارًا بِأنَّهُ تَعالى إلَيْهِ مَصِيرُهم، ومُنْقَلَبُهم فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ.
وقَرَأ حَفْصٌ، وعَبّاسٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ: يَرْجِعُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى مَن أسْلَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى غَيْرِ ضَمِيرِ ”يَبْغُونَ“، فَيَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: تَبْغُونَ بِالتّاءِ؛ إذْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالتّاءِ، فَإنْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى مَن كانَ التِفاتًا، أوْ عَلى ضَمِيرِ تَبْغُونَ، كانَ التِفاتًا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: يَبْغُونَ بِالياءِ، أوْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ.
﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُوافِقَةٌ لِما في البَقَرَةِ إلّا في: قُلْ، وفي: عَلَيْنا، وفي: عِيسى والنَّبِيُّونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ما في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، إلّا ما وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، فَنَقُولُ: الظّاهِرُ في قُلْ أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أُمِرَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ، وعَنْ أُمَّتِهِ بِقَوْلِهِ: آمَنّا بِهِ، ويُقَوِّي أنَّهُ إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْ أُمَّتِهِ قَوْلُهُ أخِيرًا: ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وأفْرَدَهُ بِالخِطابِ بِقَوْلِهِ: قُلْ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في أخْذِ المِيثاقِ في قَوْلِهِ: ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ، فَعَيَّنَهُ في هَذا التَّكْلِيفِ لِيُظْهِرَ فِيهِ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِما مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ. وقالَ: آمَنّا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مِن خَواصِّهِ، بَلْ هو لازِمٌ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ. قالَ تَعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ) بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ويَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ كَما يَتَكَلَّمُ المُلُوكُ؛ إجْلالًا مِنَ اللَّهِ لِقَدْرِ نَبِيِّهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى قُلْ يا مُحَمَّدُ، أنْتَ وأُمَّتُكَ آمَنّا بِاللَّهِ، فَيَظْهَرُ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ ثَمَّ مَعْطُوفًا حُذِفَ، وأنَّ ثَمَّ الأمْرَ مُتَوَجَّهٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ. وأمّا تَعْدِيَةُ ”أُنْزِلَ“ هُنا بِـ ”عَلى“، وفي البَقَرَةِ بِـ ”إلى“، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الإنْزالُ عَلى نَبِيِّ الأُمَّةِ إنْزالٌ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنَّ قُلْتَ) لِمَ عَدّى ”أُنْزِلَ“ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، وفِيما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِها بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ ؟ .
(قُلْتُ) لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الوَحْيَ يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، ويَنْتَهِي إلى الرُّسُلِ، فَجاءَ تارَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ، وأُخْرى بِالآخَرِ. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّما قالَ هُنا: عَلى؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وكانَ واصِلًا إلَيْهِ مِنَ المَلَأِ الأعْلى بِلا واسِطَةِ بِشْرٍ، كانَ لَفْظُ ”عَلى“ المُخْتَصِّ بِالعُلُوِّ أوْلى بِهِ، وهُناكَ لَمّا كانَ خِطابًا لِلْأُمَّةِ، وقَدْ (p-٥١٧)وصَلَ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ لَفْظُ ”إلى“، المُخْتَصِّ بِالإيصالِ أوْلى، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ، إنَّما عَلى ما أُمِرَ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَ غَيْرَهُ، وأُنْزِلَ إلَيْهِ عَلى ما خُصَّ بِهِ في نَفْسِهِ. وإلَيْهِ نِهايَةُ الإنْزالِ، وعَلى ذَلِكَ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] . وقالَ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] خُصَّ هُنا بِـ ”إلى“ لَمّا كانَ مَخْصُوصًا بِالذِّكْرِ، الَّذِي هو بَيانُ المُنَزَّلِ، وهَذا كَلامٌ في الأوْلى، لا في الوُجُوبِ انْتَهى كَلامُهُ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ مَن قالَ هَذا الفَرْقَ فَقَدْ تَعَسَّفَ، قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ [المائدة: ٤٨] وإلى قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] ؟ انْتَهى. وأمّا إعادَةُ لَفْظِ: وما أُوتِيَ؛ فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ لَفْظُ الخِطابِ عامًّا، ومِن حِكَمِ خِطابِ العامِّ البَسْطُ دُونَ الإيجازِ، ولَمّا كانَ الخِطابُ هُنا خاصًّا اكْتَفى فِيهِ بِالإيجازِ.
﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ الإسْلامُ هُنا قِيلَ: هو الِاسْتِسْلامُ إلى اللَّهِ، والتَّفْوِيضُ إلَيْهِ، وهو مَطْلُوبٌ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ وشَرِيعَةٍ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّوْحِيدِ وإسْلامِ الوَجْهِ لِلَّهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإسْلامِ شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن تَحَرّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ شَرِيعَةً غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهُ، وهو الدِّينُ الَّذِي وافَقَ في مُعْتَقَداتِهِ دِينَ مَن ذَكَرَ مِنَ الأنْبِياءِ.
قِيلَ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى﴾ [البقرة: ٦٢] الآيَةَ، أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَها: ﴿ومَن يَبْتَغِ﴾ الآيَةَ. وهَذا إشارَةٌ إلى نَسْخِ (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) . وعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمّا نَزَلَتْ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ ونَحْنُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: حُجَّهم يامُحَمَّدُ، وأنْزَلَ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَحَجَّ المُسْلِمُونَ، وقَعَدَ الكُفّارُ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، وسَتَأْتِي قِصَّتُهُ بَعْدَ هَذا. وقَبُولُ العَمَلِ هو رِضاهُ وإثابَةُ فاعِلِهِ عَلَيْهِ. وانْتَصَبَ دِينًا عَلى التَّمْيِيزِ: لِـ ”غَيْرَ“؛ لِأنَّ ”غَيْرَ“ مُبْهَمَةٌ، فَفُسِّرَتْ بِدِينٍ، كَما أنَّ مِثْلًا مُبْهَمَةٌ فَتُفَسَّرُ أيْضًا. وهَذا كَقَوْلِهِمْ: لَنا غَيْرُها إبِلًا وشاءَ، ومَفْعُولُ ”يَبْتَغِ“ هو: غَيْرَ، وقِيلَ: ”دِينًا“ مَفْعُولٌ، وغَيْرَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ كانَ نَعْتًا وقِيلَ: ”دِينًا“ بَدَلٌ مِن ”غَيْرَ“، والجُمْهُورُ عَلى إظْهارِ الغَيْنَيْنِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الإدْغامُ.
﴿وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الخُسْرانُ في الآخِرَةِ هو حِرْمانُ الثَّوابِ وحُصُولُ العِقابِ، شُبِّهَ في تَضْيِيعِ زَمانِهِ في الدُّنْيا بِاتِّباعِ غَيْرِ الإسْلامِ بِالَّذِي خَسِرَ في بِضاعَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ قَدْ عُطِفَتْ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلى ابْتِغاءِ غَيْرِ الإسْلامِ دِينًا، عَدَمُ القَبُولِ والخُسْرانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ بَلْ هي اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِ في الآخِرَةِ.
و”في الآخِرَةِ“ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: وهو خاسِرٌ في الآخِرَةِ، أوْ: بِإضْمارِ ”أعْنِي“، أوْ: بِـ ”الخاسِرِينَ“ عَلى أنَّ الألِفَ واللّامَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً، بَلْ لِلتَّعْرِيفِ، كَهي في الرَّجُلِ، أوْ بِهِ عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، وتُسُومِحَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، وكُلٌّ مَنقُولٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا نَظِيرُهُ.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، آمَنُوا بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفِيهِما ذِكْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَغَيَّرُوهُ وكَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ ورَوى عَطِيَّةُ قَرِيبًا مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: في عَشَرَةِ رَهْطٍ ارْتَدُّوا فِيهِمُ الحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ الأنْصارِيُّ، فَنَدِمَ ورَجَعَ، ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: أنَّ الحَرْثَ كانَ يُظْهِرُ الإسْلامَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَتَلَ المُجَدَّرَ بْنَ زِيادٍ بِدَمٍ كانَ لَهُ عَلَيْهِ، وقَتَلَ زَيْدَ بْنَ قَيْسٍ، وارْتَدَّ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ أنْ يَقْتُلَهُ إنْ ظَفَرَ بِهِ، فَفاتَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إلى أخِيهِ مِن مَكَّةَ يَطْلُبُ التَّوْبَةَ، فَنَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [آل عمران: ٨٩] فَكَتَبَ بِها قَوْمُهُ، إلَيْهِ فَرَجَعَ تائِبًا.
ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ، ولَمْ يَذْكُرْ سِوى أنَّهُ رَجُلٌ مِنَ (p-٥١٨)الأنْصارِ ارْتَدَّ، فَلَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، وخَرَّجَهُ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلًا. وقِيلَ: لَحِقَ بِالرُّومِ. وقِيلَ: ارْتَدَّ الحَرْثُ في أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وسَمّى مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ، والحَرْثَ بْنَ سُوَيْدٍ بْنِ الصّامِتِ، ووَحْوَحَ بْنَ الأسْلَتِ، وذَكَرَ عِكْرِمَةُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وسَمّى مِنهم: أبا عامِرٍ الرّاهِبَ، والحَرْثَ ووُجُوهًا. وقالَ النَّقّاشُ: نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ. ألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّ كُلَّ مَن ذُكِرَ وغَيْرَهم. وقِيلَ: هي في عامَّةِ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَمَلَ الآياتِ إلى الحَرْثِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحَرْثُ: إنَّكَ واللَّهِ ما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى - لَأصْدَقُ الثَّلاثَةِ. قالَ فَرَجَعَ الحَرْثُ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
كَيْفَ: سُؤالٌ عَنِ الأحْوالِ، وهي هُنا لِلتَّعْجِيبِ والتَّعْظِيمِ؛ لِكُفْرِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، أيْ: كَيْفَ يَسْتَحِقُّ الهِدايَةَ مَن أتى بِما يُنافِيها بَعْدَ التِباسِهِ بِها، ووُضُوحِها لَهُ ؟ فاسْتُبْعِدَ حُصُولُها لَهم مَعَ شِدَّةِ الجَرائِمِ، كَما قالَ: «كَيْفَ تَفْلَحُ أُمَّةٌ أدْمَتْ وجْهَ نَبِيِّها» ؟ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَيْفَ يَلْطُفُ بِهِمْ، ولَيْسُوا مَن أهْلِ اللُّطْفِ لِما عَلِمَ اللَّهُ مِن تَصْمِيمِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ؟ انْتَهى. وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عِنْدَهُ أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الهِدايَةَ فِيهِمْ، كَما لا يَخْلُقُ الضَّلالَ فِيهِمْ، بَلْ هُما مَخْلُوقانِ لِلْعَبْدِ.
وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ هُنا يُرادُ بِهِ الجَحْدُ، والمَعْنى: لَيْسَ بِهَدْيٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَهَذِي سُيُوفٌ يا صَدِيُّ بْنَ مالِكٍ كَثِيرٌ ولَكِنْ أيْنَ بِالسَّيْفِ ضارِبُ ؟
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎كَيْفَ نَوْمِي عَلى الفِراشِ ولَمّا ∗∗∗ يَشْمَلُ الشّامَ غارَةٌ شَعْواءُ ؟
والهِدايَةُ هُنا هي إلى الإيمانِ، واتِّباعِ الحَقِّ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ المَعْنى: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ إلّا إنْ تَجَوَّزَ، فَأطْلَقَ المُسَبِّبَ عَلى السَّبَبِ، لِأنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مُسَبَّبٌ عَنِ الإيمانِ، فَيَعُودُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ. وشَهِدُوا: ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ كَفَرُوا، وبِهِ قالَ الحُوفِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، ورَدَّهُ مَكِّيٌّ. وقالَ: لا يَجُوزُ عَطْفُ: شَهِدُوا، عَلى: كَفَرُوا؛ لِفَسادِ المَعْنى، ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ جِهَةٍ فَسادُ المَعْنى، وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ التَّرْتِيبَ، فَلِذَلِكَ فَسَدَ المَعْنى عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى مَفْهُومٌ أنَّ الشَّهادَةَ قَبْلَ الكُفْرِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ، وأجازَ قَوْمٌ مِنهم مَكِّيٌّ والزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما في إيمانِهِمْ مِن مَعْنى الفِعْلِ، إذِ المَعْنى: بَعْدَ أنْ آمَنُوا وشَهِدُوا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ لا لِلْعَطْفِ، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، وقَدْ شَهِدُوا، والعامِلُ فِيهِ: كَفَرُوا. والرَّسُولُ هُنا مُحَمَّدٌ ﷺ قالَهُ الجُمْهُورُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ هُنا بِمَعْنى الرِّسالَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ.
والبَيِّناتُ: هي شَواهِدُ القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ الَّتِي تَأْتِي بِمِثْلِها الأنْبِياءُ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا يَخْلُقُ في قُلُوبِهِمُ الهِدايَةَ. والظّالِمِينَ: عامٌّ مَعْناهُ الخُصُوصُ أيْ: لا يَهْدِي مَن قَضى عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ عَنْ أنَّ الظّالِمَ في ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلى هُدًى مِنَ اللَّهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عامَّةً تامَّةَ العُمُومِ انْتَهى. وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّالِمِينَ: المُعانِدِينَ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ اللُّطْفَ لا يَنْفَعُهُمُ انْتَهى. وتَفْسِيرُهُ عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ.
آل عمران 3:85
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٧] ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: ٨٨] ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١] .
المِلْءُ: مِقْدارُ ما يُمْلَأُ، وهو اسْمٌ يُثَنّى ويُجْمَعُ يُقالُ: مِلْءَ القَدَحِ، ومِلْأهُ، وثَلاثَةَ أمْلائِهِ، وبِفَتْحِ المِيمِ المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَأْتُ الشَّيْءَ امْلَأهُ مَلْأً، والمُلاءَةُ الَّتِي تُلْبَسُ، وهي المُلْحَفَةُ بِضَمِّ المِيمِ والهَمْزِ. وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في شَرْحِ المَلَأِ.
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: اخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابِ، فَزَعَمَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أنَّها أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ كِلا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ، فَغَضِبُوا. وقالُوا: واللَّهِ ما نَرْضى بِقَضائِكَ، ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . ومُناسَبَةُ هَذِهِ (p-٥١٥)الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرٌ جِدًّا.
والهَمْزَةُ في: أفَغَيْرَ ؟ لِلْإنْكارِ والتَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ في التَّوَلِّي والإعْراضِ، وأُضِيفَ الدِّينُ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي شَرَعَهُ وتَعَبَّدَ بِهِ الخَلْقَ، ومَعْنى: تَبْغُونَ، تَطْلُبُونَ، وهو هُنا بِمَعْنى: تَدِينُونَ؛ لِأنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِدِينٍ غَيْرِ دِينِ اللَّهِ لا طالِبُوهُ، وعَبَّرَ بِالطَّلَبِ إشْعارًا بِأنَّهم في كُلِّ الوَقْتِ باحِثُونَ عَنْهُ، ومُسْتَخْرِجُوهُ ومُبْتَغُوهُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: (فَإنْ قِيلَ) كُلُّ عاقِلٍ يَبْتَغِي دِينَ اللَّهِ، ويَدَّعِي أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ دِينُ اللَّهِ. قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قَصَّرَ في الطَّلَبِ جُعِلَ في المَعْنى كَأنَّهُ باغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، إذْ لَوْ كانَ باغِيًا لَبالَغَ في الطَّلَبِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يُوصَلُ إلَيْهِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ باغِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى، ولَكِنَّهُ مِن حَيْثُ الصُّورَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ قَدْ بانَ لِلْبَعْضِ في الِابْتِغاءِ ما هو الحَقُّ لِظُهُورِ الحُجَجِ والآياتِ، ولَكِنْ أبى إلّا العِنادَ، فَهو باغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، فَتَكُونُ الآيَةُ في المُعانِدِينَ انْتَهى كَلامُهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ، وعَيّاشٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ: يَبْغُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، ويَنْسُبُها ابْنُ عَطِيَّةَ لِأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ بِكَمالِهِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، فالياءُ عَلى نَسَقِ: هُمُ الفاسِقُونَ، والتّاءُ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والفاءُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقُدِّمَتِ الهَمْزَةُ اعْتِناءً بِالِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: فَأغَيْرَ ؟ وجَوَّزَ هَذا الوَجْهَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُ جَمِيعِ النُّحاةِ قَبْلَهُ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أيَتَوَلُّونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا والكَلامُ عَلى مَذْهَبِهِ في ذَلِكَ، وأمْعَنّا الكَلامَ عَلَيْهِ في كِتابِ (التَّكْمِيلِ) مِن تَأْلِيفِنا.
وانْتَصَبَ: غَيْرَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”يَبْغُونَ“، وقُدِّمَ عَلى فِعْلِهِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن حَيْثُ إنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْبُودِ بِالباطِلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ولا تَحْقِيقَ فِيهِ؛ لِأنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ لا يَتَوَجَّهُ إلى الذَّواتِ، إنَّما يَتَوَجَّهُ إلى الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فالَّذِي أُنْكِرَ إنَّما هو الِابْتِغاءُ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وإنَّما جاءَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ هُنا مِن بابِ الِاتِّساعِ، وشَبَّهَ: يَبْغُونَ، بِالفاصِلَةِ بِآخِرِ الفِعْلِ.
﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أسْلَمَ عِنْدَ الجُمْهُورِ: اسْتَسْلَمَ وانْقادَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْلَمَ طَوْعًا بِحالَتِهِ النّاطِقَةِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِ، وكَرْهًا عِنْدَ دُعاءِ الأنْبِياءِ لَهم إلى الإسْلامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: سُجُودُ ظِلِّ المُؤْمِنِ طائِعًا، وسُجُودُ ظَلِّ الكافِرِ كارِهًا. كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وأبُو العالِيَةِ، والشَّعْبِيُّ ما يُقارِبُ مَعْناهُ: أسْلَمَ أقَرَّ بِالخالِقِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن أشْرَكَ في العِبادَةِ، فَمَن أشْرَكُ أسْلَمَ كَرْهًا. ومَن أخْلَصَ أسْلَمَ طَوْعًا. وقالَ الحَسَنُ: أسْلَمَ قَوْمٌ طَوْعًا، وقَوْمٌ خَوْفَ السَّيْفِ. وقالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ طَوْعًا وكَذَلِكَ الأنْصارُ، و بَنُو سُلَيْمٍ، وعَبْدِ القَيْسِ، وأسْلَمَ سائِرُ النّاسِ كَرْهًا حَذِرَ القِتالِ والسَّيْفِ. وأسْلَمَ عَلى هَذا القَوْلِ في ضِمْنِهِ الإيمانُ. وقالَ قَتادَةُ: الإسْلامُ كَرْهًا هو إسْلامُ الكافِرِ عِنْدَ المَوْتِ والمُعايَنَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّ كُلَّ كافِرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ إلّا في أفْرادٍ انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: طَوْعًا بِاضْطِرارِ الحُجَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طَوْعًا بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ، والإنْصافِ مِن نَفْسِهِ، وكَرْهًا بِالسَّيْفِ، أوْ بِمُعايَنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ، كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وإدْراكِ الغَرَقِ فِرْعَوْنَ، والإشْفاءِ عَلى المَوْتِ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] انْتَهى. فَلَفَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَفْسِيرَ: طَوْعًا، مِن قَوْلِ عِكْرِمَةَ، وتَفْسِيرَ قَوْلِهِ: وكَرْهًا، مِن قَوْلِ مَطَرٍ الوَرّاقِ، وقَوْلِ قَتادَةَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: طَوْعًا بِالوِلادَةِ عَلى الإسْلامِ، وكَرْهًا بِالسَّيْفِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى: ولَهُ خَضَعَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فِيما صَوَّرَهم فِيهِ ودَبَرَهم عَلَيْهِ، وما يُحْدِثُ فِيهِمْ فَهم لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ كَرِهُوا ذَلِكَ، أوْ أحَبُّوهُ، رَضُوا بِذَلِكَ أوْ سَخَطُوهُ؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ: إنَّ الإسْلامَ هُنا الخُضُوعُ (p-٥١٦)لِنُفُوذِ أمْرِهِ في جِبِلَّتِهِمْ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْتَنِعَ مِمّا جُبِلَ عَلَيْهِ، ولا أنْ يُغَيِّرَهُ، والَّذِي يَظْهَرُ عُمُومُ مَن في السَّماواتِ، وخُصُوصُ مَن في الأرْضِ. والطَّوْعُ هو الَّذِي لا تُكَلُّفَ فِيهِ، والكَرْهُ ما فِيهِ مَشَقَّةٌ، فَإسْلامُ مَن في السَّماواتِ طَوْعٌ صِرْفٌ؛ إذْ هم خالُونَ مِنَ الشَّهَواتِ الدّاعِيَةِ إلى المُخالَفَةِ، وإسْلامُ مَن في الأرْضِ، مَن كانَ مِنهم مَعْصُومًا كانَ طَوْعًا، ومَن كانَ غَيْرَ مَعْصُومٍ كانَ كَرْهًا، بِمَعْنى أنَّهُ في مَشَقَّةٍ؛ لِأنَّ التَّكالِيفَ جاءَتْ عَلى مُخالَفَةِ الشَّهَواتِ النَّفْسانِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَأْتِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ مُبَشِّرٌ بِالثَّوابِ، ومُنْذِرٌ بِالعِقابِ، لَمْ يَلْتَزِمِ الإنْسانُ شَيْئًا مِنَ التَّكالِيفِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ لا تُخْرِجُ أسْلَمَ فِيها عَنْ أنْ يُحْمَلَ عَلى الِاسْتِسْلامِ، وعَلى الِاعْتِقادِ، وعَلى الإقْرارِ بِاللِّسانِ، وعَلى التِزامِ الأحْكامِ. وقَدْ قِيلَ بِهَذا كُلِّهِ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾ حالِيَّةٌ. وطَوْعًا وكَرْهًا، مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: طائِعِينَ وكارِهِينَ. وقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ عَلى خِلافِ الصَّدْرِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها.
﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِمَنِ اتَّبَعَ وابْتَغى غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى الرُّجُوعِ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾ فَيَكُونُ مُشارِكًا لَهُ في الحالِيَّةِ، وكَأنَّهُ نَعى عَلَيْهِمُ ابْتِغاءَ غَيْرِ دِينِ مَنِ انْقادَ إلَيْهِ المُكَلَّفُونَ كُلُّهم ومَن إلَيْهِ مَرْجِعُهم، فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ. والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا يَبْتَغِي دِينًا غَيْرَ دِينِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وإخْبارًا بِأنَّهُ تَعالى إلَيْهِ مَصِيرُهم، ومُنْقَلَبُهم فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ.
وقَرَأ حَفْصٌ، وعَبّاسٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ: يَرْجِعُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى مَن أسْلَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى غَيْرِ ضَمِيرِ ”يَبْغُونَ“، فَيَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: تَبْغُونَ بِالتّاءِ؛ إذْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالتّاءِ، فَإنْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى مَن كانَ التِفاتًا، أوْ عَلى ضَمِيرِ تَبْغُونَ، كانَ التِفاتًا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: يَبْغُونَ بِالياءِ، أوْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ.
﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُوافِقَةٌ لِما في البَقَرَةِ إلّا في: قُلْ، وفي: عَلَيْنا، وفي: عِيسى والنَّبِيُّونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ما في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، إلّا ما وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، فَنَقُولُ: الظّاهِرُ في قُلْ أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أُمِرَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ، وعَنْ أُمَّتِهِ بِقَوْلِهِ: آمَنّا بِهِ، ويُقَوِّي أنَّهُ إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْ أُمَّتِهِ قَوْلُهُ أخِيرًا: ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وأفْرَدَهُ بِالخِطابِ بِقَوْلِهِ: قُلْ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في أخْذِ المِيثاقِ في قَوْلِهِ: ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ، فَعَيَّنَهُ في هَذا التَّكْلِيفِ لِيُظْهِرَ فِيهِ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِما مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ. وقالَ: آمَنّا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مِن خَواصِّهِ، بَلْ هو لازِمٌ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ. قالَ تَعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ) بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ويَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ كَما يَتَكَلَّمُ المُلُوكُ؛ إجْلالًا مِنَ اللَّهِ لِقَدْرِ نَبِيِّهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى قُلْ يا مُحَمَّدُ، أنْتَ وأُمَّتُكَ آمَنّا بِاللَّهِ، فَيَظْهَرُ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ ثَمَّ مَعْطُوفًا حُذِفَ، وأنَّ ثَمَّ الأمْرَ مُتَوَجَّهٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ. وأمّا تَعْدِيَةُ ”أُنْزِلَ“ هُنا بِـ ”عَلى“، وفي البَقَرَةِ بِـ ”إلى“، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الإنْزالُ عَلى نَبِيِّ الأُمَّةِ إنْزالٌ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنَّ قُلْتَ) لِمَ عَدّى ”أُنْزِلَ“ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، وفِيما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِها بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ ؟ .
(قُلْتُ) لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الوَحْيَ يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، ويَنْتَهِي إلى الرُّسُلِ، فَجاءَ تارَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ، وأُخْرى بِالآخَرِ. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّما قالَ هُنا: عَلى؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وكانَ واصِلًا إلَيْهِ مِنَ المَلَأِ الأعْلى بِلا واسِطَةِ بِشْرٍ، كانَ لَفْظُ ”عَلى“ المُخْتَصِّ بِالعُلُوِّ أوْلى بِهِ، وهُناكَ لَمّا كانَ خِطابًا لِلْأُمَّةِ، وقَدْ (p-٥١٧)وصَلَ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ لَفْظُ ”إلى“، المُخْتَصِّ بِالإيصالِ أوْلى، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ، إنَّما عَلى ما أُمِرَ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَ غَيْرَهُ، وأُنْزِلَ إلَيْهِ عَلى ما خُصَّ بِهِ في نَفْسِهِ. وإلَيْهِ نِهايَةُ الإنْزالِ، وعَلى ذَلِكَ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] . وقالَ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] خُصَّ هُنا بِـ ”إلى“ لَمّا كانَ مَخْصُوصًا بِالذِّكْرِ، الَّذِي هو بَيانُ المُنَزَّلِ، وهَذا كَلامٌ في الأوْلى، لا في الوُجُوبِ انْتَهى كَلامُهُ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ مَن قالَ هَذا الفَرْقَ فَقَدْ تَعَسَّفَ، قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ [المائدة: ٤٨] وإلى قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] ؟ انْتَهى. وأمّا إعادَةُ لَفْظِ: وما أُوتِيَ؛ فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ لَفْظُ الخِطابِ عامًّا، ومِن حِكَمِ خِطابِ العامِّ البَسْطُ دُونَ الإيجازِ، ولَمّا كانَ الخِطابُ هُنا خاصًّا اكْتَفى فِيهِ بِالإيجازِ.
﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ الإسْلامُ هُنا قِيلَ: هو الِاسْتِسْلامُ إلى اللَّهِ، والتَّفْوِيضُ إلَيْهِ، وهو مَطْلُوبٌ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ وشَرِيعَةٍ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّوْحِيدِ وإسْلامِ الوَجْهِ لِلَّهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإسْلامِ شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن تَحَرّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ شَرِيعَةً غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهُ، وهو الدِّينُ الَّذِي وافَقَ في مُعْتَقَداتِهِ دِينَ مَن ذَكَرَ مِنَ الأنْبِياءِ.
قِيلَ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى﴾ [البقرة: ٦٢] الآيَةَ، أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَها: ﴿ومَن يَبْتَغِ﴾ الآيَةَ. وهَذا إشارَةٌ إلى نَسْخِ (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) . وعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمّا نَزَلَتْ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ ونَحْنُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: حُجَّهم يامُحَمَّدُ، وأنْزَلَ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَحَجَّ المُسْلِمُونَ، وقَعَدَ الكُفّارُ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، وسَتَأْتِي قِصَّتُهُ بَعْدَ هَذا. وقَبُولُ العَمَلِ هو رِضاهُ وإثابَةُ فاعِلِهِ عَلَيْهِ. وانْتَصَبَ دِينًا عَلى التَّمْيِيزِ: لِـ ”غَيْرَ“؛ لِأنَّ ”غَيْرَ“ مُبْهَمَةٌ، فَفُسِّرَتْ بِدِينٍ، كَما أنَّ مِثْلًا مُبْهَمَةٌ فَتُفَسَّرُ أيْضًا. وهَذا كَقَوْلِهِمْ: لَنا غَيْرُها إبِلًا وشاءَ، ومَفْعُولُ ”يَبْتَغِ“ هو: غَيْرَ، وقِيلَ: ”دِينًا“ مَفْعُولٌ، وغَيْرَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ كانَ نَعْتًا وقِيلَ: ”دِينًا“ بَدَلٌ مِن ”غَيْرَ“، والجُمْهُورُ عَلى إظْهارِ الغَيْنَيْنِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الإدْغامُ.
﴿وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الخُسْرانُ في الآخِرَةِ هو حِرْمانُ الثَّوابِ وحُصُولُ العِقابِ، شُبِّهَ في تَضْيِيعِ زَمانِهِ في الدُّنْيا بِاتِّباعِ غَيْرِ الإسْلامِ بِالَّذِي خَسِرَ في بِضاعَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ قَدْ عُطِفَتْ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلى ابْتِغاءِ غَيْرِ الإسْلامِ دِينًا، عَدَمُ القَبُولِ والخُسْرانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ بَلْ هي اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِ في الآخِرَةِ.
و”في الآخِرَةِ“ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: وهو خاسِرٌ في الآخِرَةِ، أوْ: بِإضْمارِ ”أعْنِي“، أوْ: بِـ ”الخاسِرِينَ“ عَلى أنَّ الألِفَ واللّامَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً، بَلْ لِلتَّعْرِيفِ، كَهي في الرَّجُلِ، أوْ بِهِ عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، وتُسُومِحَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، وكُلٌّ مَنقُولٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا نَظِيرُهُ.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، آمَنُوا بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفِيهِما ذِكْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَغَيَّرُوهُ وكَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ ورَوى عَطِيَّةُ قَرِيبًا مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: في عَشَرَةِ رَهْطٍ ارْتَدُّوا فِيهِمُ الحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ الأنْصارِيُّ، فَنَدِمَ ورَجَعَ، ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: أنَّ الحَرْثَ كانَ يُظْهِرُ الإسْلامَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَتَلَ المُجَدَّرَ بْنَ زِيادٍ بِدَمٍ كانَ لَهُ عَلَيْهِ، وقَتَلَ زَيْدَ بْنَ قَيْسٍ، وارْتَدَّ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ أنْ يَقْتُلَهُ إنْ ظَفَرَ بِهِ، فَفاتَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إلى أخِيهِ مِن مَكَّةَ يَطْلُبُ التَّوْبَةَ، فَنَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [آل عمران: ٨٩] فَكَتَبَ بِها قَوْمُهُ، إلَيْهِ فَرَجَعَ تائِبًا.
ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ، ولَمْ يَذْكُرْ سِوى أنَّهُ رَجُلٌ مِنَ (p-٥١٨)الأنْصارِ ارْتَدَّ، فَلَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، وخَرَّجَهُ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلًا. وقِيلَ: لَحِقَ بِالرُّومِ. وقِيلَ: ارْتَدَّ الحَرْثُ في أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وسَمّى مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ، والحَرْثَ بْنَ سُوَيْدٍ بْنِ الصّامِتِ، ووَحْوَحَ بْنَ الأسْلَتِ، وذَكَرَ عِكْرِمَةُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وسَمّى مِنهم: أبا عامِرٍ الرّاهِبَ، والحَرْثَ ووُجُوهًا. وقالَ النَّقّاشُ: نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ. ألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّ كُلَّ مَن ذُكِرَ وغَيْرَهم. وقِيلَ: هي في عامَّةِ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَمَلَ الآياتِ إلى الحَرْثِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحَرْثُ: إنَّكَ واللَّهِ ما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى - لَأصْدَقُ الثَّلاثَةِ. قالَ فَرَجَعَ الحَرْثُ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
كَيْفَ: سُؤالٌ عَنِ الأحْوالِ، وهي هُنا لِلتَّعْجِيبِ والتَّعْظِيمِ؛ لِكُفْرِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، أيْ: كَيْفَ يَسْتَحِقُّ الهِدايَةَ مَن أتى بِما يُنافِيها بَعْدَ التِباسِهِ بِها، ووُضُوحِها لَهُ ؟ فاسْتُبْعِدَ حُصُولُها لَهم مَعَ شِدَّةِ الجَرائِمِ، كَما قالَ: «كَيْفَ تَفْلَحُ أُمَّةٌ أدْمَتْ وجْهَ نَبِيِّها» ؟ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَيْفَ يَلْطُفُ بِهِمْ، ولَيْسُوا مَن أهْلِ اللُّطْفِ لِما عَلِمَ اللَّهُ مِن تَصْمِيمِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ؟ انْتَهى. وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عِنْدَهُ أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الهِدايَةَ فِيهِمْ، كَما لا يَخْلُقُ الضَّلالَ فِيهِمْ، بَلْ هُما مَخْلُوقانِ لِلْعَبْدِ.
وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ هُنا يُرادُ بِهِ الجَحْدُ، والمَعْنى: لَيْسَ بِهَدْيٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَهَذِي سُيُوفٌ يا صَدِيُّ بْنَ مالِكٍ كَثِيرٌ ولَكِنْ أيْنَ بِالسَّيْفِ ضارِبُ ؟
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎كَيْفَ نَوْمِي عَلى الفِراشِ ولَمّا ∗∗∗ يَشْمَلُ الشّامَ غارَةٌ شَعْواءُ ؟
والهِدايَةُ هُنا هي إلى الإيمانِ، واتِّباعِ الحَقِّ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ المَعْنى: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ إلّا إنْ تَجَوَّزَ، فَأطْلَقَ المُسَبِّبَ عَلى السَّبَبِ، لِأنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مُسَبَّبٌ عَنِ الإيمانِ، فَيَعُودُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ. وشَهِدُوا: ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ كَفَرُوا، وبِهِ قالَ الحُوفِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، ورَدَّهُ مَكِّيٌّ. وقالَ: لا يَجُوزُ عَطْفُ: شَهِدُوا، عَلى: كَفَرُوا؛ لِفَسادِ المَعْنى، ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ جِهَةٍ فَسادُ المَعْنى، وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ التَّرْتِيبَ، فَلِذَلِكَ فَسَدَ المَعْنى عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى مَفْهُومٌ أنَّ الشَّهادَةَ قَبْلَ الكُفْرِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ، وأجازَ قَوْمٌ مِنهم مَكِّيٌّ والزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما في إيمانِهِمْ مِن مَعْنى الفِعْلِ، إذِ المَعْنى: بَعْدَ أنْ آمَنُوا وشَهِدُوا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ لا لِلْعَطْفِ، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، وقَدْ شَهِدُوا، والعامِلُ فِيهِ: كَفَرُوا. والرَّسُولُ هُنا مُحَمَّدٌ ﷺ قالَهُ الجُمْهُورُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ هُنا بِمَعْنى الرِّسالَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ.
والبَيِّناتُ: هي شَواهِدُ القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ الَّتِي تَأْتِي بِمِثْلِها الأنْبِياءُ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا يَخْلُقُ في قُلُوبِهِمُ الهِدايَةَ. والظّالِمِينَ: عامٌّ مَعْناهُ الخُصُوصُ أيْ: لا يَهْدِي مَن قَضى عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ عَنْ أنَّ الظّالِمَ في ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلى هُدًى مِنَ اللَّهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عامَّةً تامَّةَ العُمُومِ انْتَهى. وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّالِمِينَ: المُعانِدِينَ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ اللُّطْفَ لا يَنْفَعُهُمُ انْتَهى. وتَفْسِيرُهُ عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ.
آل عمران 3:86
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٧] ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: ٨٨] ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١] .
المِلْءُ: مِقْدارُ ما يُمْلَأُ، وهو اسْمٌ يُثَنّى ويُجْمَعُ يُقالُ: مِلْءَ القَدَحِ، ومِلْأهُ، وثَلاثَةَ أمْلائِهِ، وبِفَتْحِ المِيمِ المَصْدَرُ، يُقالُ: مَلَأْتُ الشَّيْءَ امْلَأهُ مَلْأً، والمُلاءَةُ الَّتِي تُلْبَسُ، وهي المُلْحَفَةُ بِضَمِّ المِيمِ والهَمْزِ. وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في شَرْحِ المَلَأِ.
﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: اخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابِ، فَزَعَمَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أنَّها أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ كِلا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ، فَغَضِبُوا. وقالُوا: واللَّهِ ما نَرْضى بِقَضائِكَ، ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . ومُناسَبَةُ هَذِهِ (p-٥١٥)الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرٌ جِدًّا.
والهَمْزَةُ في: أفَغَيْرَ ؟ لِلْإنْكارِ والتَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ في التَّوَلِّي والإعْراضِ، وأُضِيفَ الدِّينُ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي شَرَعَهُ وتَعَبَّدَ بِهِ الخَلْقَ، ومَعْنى: تَبْغُونَ، تَطْلُبُونَ، وهو هُنا بِمَعْنى: تَدِينُونَ؛ لِأنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِدِينٍ غَيْرِ دِينِ اللَّهِ لا طالِبُوهُ، وعَبَّرَ بِالطَّلَبِ إشْعارًا بِأنَّهم في كُلِّ الوَقْتِ باحِثُونَ عَنْهُ، ومُسْتَخْرِجُوهُ ومُبْتَغُوهُ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: (فَإنْ قِيلَ) كُلُّ عاقِلٍ يَبْتَغِي دِينَ اللَّهِ، ويَدَّعِي أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ دِينُ اللَّهِ. قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قَصَّرَ في الطَّلَبِ جُعِلَ في المَعْنى كَأنَّهُ باغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، إذْ لَوْ كانَ باغِيًا لَبالَغَ في الطَّلَبِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يُوصَلُ إلَيْهِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ باغِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى، ولَكِنَّهُ مِن حَيْثُ الصُّورَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ قَدْ بانَ لِلْبَعْضِ في الِابْتِغاءِ ما هو الحَقُّ لِظُهُورِ الحُجَجِ والآياتِ، ولَكِنْ أبى إلّا العِنادَ، فَهو باغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، فَتَكُونُ الآيَةُ في المُعانِدِينَ انْتَهى كَلامُهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ، وعَيّاشٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ: يَبْغُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، ويَنْسُبُها ابْنُ عَطِيَّةَ لِأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ بِكَمالِهِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالتّاءِ، عَلى الخِطابِ، فالياءُ عَلى نَسَقِ: هُمُ الفاسِقُونَ، والتّاءُ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والفاءُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقُدِّمَتِ الهَمْزَةُ اعْتِناءً بِالِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: فَأغَيْرَ ؟ وجَوَّزَ هَذا الوَجْهَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو قَوْلُ جَمِيعِ النُّحاةِ قَبْلَهُ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أيَتَوَلُّونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا والكَلامُ عَلى مَذْهَبِهِ في ذَلِكَ، وأمْعَنّا الكَلامَ عَلَيْهِ في كِتابِ (التَّكْمِيلِ) مِن تَأْلِيفِنا.
وانْتَصَبَ: غَيْرَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”يَبْغُونَ“، وقُدِّمَ عَلى فِعْلِهِ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ مِن حَيْثُ إنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْبُودِ بِالباطِلِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ولا تَحْقِيقَ فِيهِ؛ لِأنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ لا يَتَوَجَّهُ إلى الذَّواتِ، إنَّما يَتَوَجَّهُ إلى الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فالَّذِي أُنْكِرَ إنَّما هو الِابْتِغاءُ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وإنَّما جاءَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ هُنا مِن بابِ الِاتِّساعِ، وشَبَّهَ: يَبْغُونَ، بِالفاصِلَةِ بِآخِرِ الفِعْلِ.
﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أسْلَمَ عِنْدَ الجُمْهُورِ: اسْتَسْلَمَ وانْقادَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْلَمَ طَوْعًا بِحالَتِهِ النّاطِقَةِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِ، وكَرْهًا عِنْدَ دُعاءِ الأنْبِياءِ لَهم إلى الإسْلامِ. وقالَ مُجاهِدٌ: سُجُودُ ظِلِّ المُؤْمِنِ طائِعًا، وسُجُودُ ظَلِّ الكافِرِ كارِهًا. كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وأبُو العالِيَةِ، والشَّعْبِيُّ ما يُقارِبُ مَعْناهُ: أسْلَمَ أقَرَّ بِالخالِقِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن أشْرَكَ في العِبادَةِ، فَمَن أشْرَكُ أسْلَمَ كَرْهًا. ومَن أخْلَصَ أسْلَمَ طَوْعًا. وقالَ الحَسَنُ: أسْلَمَ قَوْمٌ طَوْعًا، وقَوْمٌ خَوْفَ السَّيْفِ. وقالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ طَوْعًا وكَذَلِكَ الأنْصارُ، و بَنُو سُلَيْمٍ، وعَبْدِ القَيْسِ، وأسْلَمَ سائِرُ النّاسِ كَرْهًا حَذِرَ القِتالِ والسَّيْفِ. وأسْلَمَ عَلى هَذا القَوْلِ في ضِمْنِهِ الإيمانُ. وقالَ قَتادَةُ: الإسْلامُ كَرْهًا هو إسْلامُ الكافِرِ عِنْدَ المَوْتِ والمُعايَنَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّ كُلَّ كافِرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ إلّا في أفْرادٍ انْتَهى. وقالَ عِكْرِمَةُ: طَوْعًا بِاضْطِرارِ الحُجَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طَوْعًا بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ، والإنْصافِ مِن نَفْسِهِ، وكَرْهًا بِالسَّيْفِ، أوْ بِمُعايَنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ، كَنَتْقِ الجَبَلِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وإدْراكِ الغَرَقِ فِرْعَوْنَ، والإشْفاءِ عَلى المَوْتِ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] انْتَهى. فَلَفَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَفْسِيرَ: طَوْعًا، مِن قَوْلِ عِكْرِمَةَ، وتَفْسِيرَ قَوْلِهِ: وكَرْهًا، مِن قَوْلِ مَطَرٍ الوَرّاقِ، وقَوْلِ قَتادَةَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: طَوْعًا بِالوِلادَةِ عَلى الإسْلامِ، وكَرْهًا بِالسَّيْفِ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى: ولَهُ خَضَعَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، فِيما صَوَّرَهم فِيهِ ودَبَرَهم عَلَيْهِ، وما يُحْدِثُ فِيهِمْ فَهم لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ كَرِهُوا ذَلِكَ، أوْ أحَبُّوهُ، رَضُوا بِذَلِكَ أوْ سَخَطُوهُ؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ: إنَّ الإسْلامَ هُنا الخُضُوعُ (p-٥١٦)لِنُفُوذِ أمْرِهِ في جِبِلَّتِهِمْ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْتَنِعَ مِمّا جُبِلَ عَلَيْهِ، ولا أنْ يُغَيِّرَهُ، والَّذِي يَظْهَرُ عُمُومُ مَن في السَّماواتِ، وخُصُوصُ مَن في الأرْضِ. والطَّوْعُ هو الَّذِي لا تُكَلُّفَ فِيهِ، والكَرْهُ ما فِيهِ مَشَقَّةٌ، فَإسْلامُ مَن في السَّماواتِ طَوْعٌ صِرْفٌ؛ إذْ هم خالُونَ مِنَ الشَّهَواتِ الدّاعِيَةِ إلى المُخالَفَةِ، وإسْلامُ مَن في الأرْضِ، مَن كانَ مِنهم مَعْصُومًا كانَ طَوْعًا، ومَن كانَ غَيْرَ مَعْصُومٍ كانَ كَرْهًا، بِمَعْنى أنَّهُ في مَشَقَّةٍ؛ لِأنَّ التَّكالِيفَ جاءَتْ عَلى مُخالَفَةِ الشَّهَواتِ النَّفْسانِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَأْتِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ مُبَشِّرٌ بِالثَّوابِ، ومُنْذِرٌ بِالعِقابِ، لَمْ يَلْتَزِمِ الإنْسانُ شَيْئًا مِنَ التَّكالِيفِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ لا تُخْرِجُ أسْلَمَ فِيها عَنْ أنْ يُحْمَلَ عَلى الِاسْتِسْلامِ، وعَلى الِاعْتِقادِ، وعَلى الإقْرارِ بِاللِّسانِ، وعَلى التِزامِ الأحْكامِ. وقَدْ قِيلَ بِهَذا كُلِّهِ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾ حالِيَّةٌ. وطَوْعًا وكَرْهًا، مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: طائِعِينَ وكارِهِينَ. وقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ عَلى خِلافِ الصَّدْرِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ، والجُمْهُورُ بِفَتْحِها.
﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِمَنِ اتَّبَعَ وابْتَغى غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى الرُّجُوعِ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾ فَيَكُونُ مُشارِكًا لَهُ في الحالِيَّةِ، وكَأنَّهُ نَعى عَلَيْهِمُ ابْتِغاءَ غَيْرِ دِينِ مَنِ انْقادَ إلَيْهِ المُكَلَّفُونَ كُلُّهم ومَن إلَيْهِ مَرْجِعُهم، فَيُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ. والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا يَبْتَغِي دِينًا غَيْرَ دِينِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وإخْبارًا بِأنَّهُ تَعالى إلَيْهِ مَصِيرُهم، ومُنْقَلَبُهم فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ.
وقَرَأ حَفْصٌ، وعَبّاسٌ، ويَعْقُوبُ، وسَهْلٌ: يَرْجِعُونَ، بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى مَن أسْلَمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى غَيْرِ ضَمِيرِ ”يَبْغُونَ“، فَيَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: تَبْغُونَ بِالتّاءِ؛ إذْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِن خِطابٍ إلى غَيْبَةٍ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالتّاءِ، فَإنْ عادَ الضَّمِيرُ عَلى مَن كانَ التِفاتًا، أوْ عَلى ضَمِيرِ تَبْغُونَ، كانَ التِفاتًا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: يَبْغُونَ بِالياءِ، أوْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ.
﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُوافِقَةٌ لِما في البَقَرَةِ إلّا في: قُلْ، وفي: عَلَيْنا، وفي: عِيسى والنَّبِيُّونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ما في البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، إلّا ما وقَعَ فِيهِ الخِلافُ، فَنَقُولُ: الظّاهِرُ في قُلْ أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أُمِرَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ، وعَنْ أُمَّتِهِ بِقَوْلِهِ: آمَنّا بِهِ، ويُقَوِّي أنَّهُ إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْ أُمَّتِهِ قَوْلُهُ أخِيرًا: ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وأفْرَدَهُ بِالخِطابِ بِقَوْلِهِ: قُلْ؛ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في أخْذِ المِيثاقِ في قَوْلِهِ: ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ، فَعَيَّنَهُ في هَذا التَّكْلِيفِ لِيُظْهِرَ فِيهِ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِما مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ. وقالَ: آمَنّا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مِن خَواصِّهِ، بَلْ هو لازِمٌ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ. قالَ تَعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ) بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ويَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ بِأنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ كَما يَتَكَلَّمُ المُلُوكُ؛ إجْلالًا مِنَ اللَّهِ لِقَدْرِ نَبِيِّهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى قُلْ يا مُحَمَّدُ، أنْتَ وأُمَّتُكَ آمَنّا بِاللَّهِ، فَيَظْهَرُ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ ثَمَّ مَعْطُوفًا حُذِفَ، وأنَّ ثَمَّ الأمْرَ مُتَوَجَّهٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ. وأمّا تَعْدِيَةُ ”أُنْزِلَ“ هُنا بِـ ”عَلى“، وفي البَقَرَةِ بِـ ”إلى“، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الإنْزالُ عَلى نَبِيِّ الأُمَّةِ إنْزالٌ عَلَيْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنَّ قُلْتَ) لِمَ عَدّى ”أُنْزِلَ“ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، وفِيما تَقَدَّمَ مِن مِثْلِها بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ ؟ .
(قُلْتُ) لِوُجُودِ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الوَحْيَ يَنْزِلُ مِن فَوْقُ، ويَنْتَهِي إلى الرُّسُلِ، فَجاءَ تارَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ، وأُخْرى بِالآخَرِ. وقالَ الرّاغِبُ: إنَّما قالَ هُنا: عَلى؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وكانَ واصِلًا إلَيْهِ مِنَ المَلَأِ الأعْلى بِلا واسِطَةِ بِشْرٍ، كانَ لَفْظُ ”عَلى“ المُخْتَصِّ بِالعُلُوِّ أوْلى بِهِ، وهُناكَ لَمّا كانَ خِطابًا لِلْأُمَّةِ، وقَدْ (p-٥١٧)وصَلَ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ لَفْظُ ”إلى“، المُخْتَصِّ بِالإيصالِ أوْلى، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ، إنَّما عَلى ما أُمِرَ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَ غَيْرَهُ، وأُنْزِلَ إلَيْهِ عَلى ما خُصَّ بِهِ في نَفْسِهِ. وإلَيْهِ نِهايَةُ الإنْزالِ، وعَلى ذَلِكَ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] . وقالَ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] خُصَّ هُنا بِـ ”إلى“ لَمّا كانَ مَخْصُوصًا بِالذِّكْرِ، الَّذِي هو بَيانُ المُنَزَّلِ، وهَذا كَلامٌ في الأوْلى، لا في الوُجُوبِ انْتَهى كَلامُهُ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ مَن قالَ هَذا الفَرْقَ فَقَدْ تَعَسَّفَ، قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ [المائدة: ٤٨] وإلى قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] ؟ انْتَهى. وأمّا إعادَةُ لَفْظِ: وما أُوتِيَ؛ فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ لَفْظُ الخِطابِ عامًّا، ومِن حِكَمِ خِطابِ العامِّ البَسْطُ دُونَ الإيجازِ، ولَمّا كانَ الخِطابُ هُنا خاصًّا اكْتَفى فِيهِ بِالإيجازِ.
﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ الإسْلامُ هُنا قِيلَ: هو الِاسْتِسْلامُ إلى اللَّهِ، والتَّفْوِيضُ إلَيْهِ، وهو مَطْلُوبٌ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ وشَرِيعَةٍ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّوْحِيدِ وإسْلامِ الوَجْهِ لِلَّهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإسْلامِ شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن تَحَرّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ شَرِيعَةً غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهُ، وهو الدِّينُ الَّذِي وافَقَ في مُعْتَقَداتِهِ دِينَ مَن ذَكَرَ مِنَ الأنْبِياءِ.
قِيلَ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى﴾ [البقرة: ٦٢] الآيَةَ، أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَها: ﴿ومَن يَبْتَغِ﴾ الآيَةَ. وهَذا إشارَةٌ إلى نَسْخِ (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) . وعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمّا نَزَلَتْ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ ونَحْنُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: حُجَّهم يامُحَمَّدُ، وأنْزَلَ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَحَجَّ المُسْلِمُونَ، وقَعَدَ الكُفّارُ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، وسَتَأْتِي قِصَّتُهُ بَعْدَ هَذا. وقَبُولُ العَمَلِ هو رِضاهُ وإثابَةُ فاعِلِهِ عَلَيْهِ. وانْتَصَبَ دِينًا عَلى التَّمْيِيزِ: لِـ ”غَيْرَ“؛ لِأنَّ ”غَيْرَ“ مُبْهَمَةٌ، فَفُسِّرَتْ بِدِينٍ، كَما أنَّ مِثْلًا مُبْهَمَةٌ فَتُفَسَّرُ أيْضًا. وهَذا كَقَوْلِهِمْ: لَنا غَيْرُها إبِلًا وشاءَ، ومَفْعُولُ ”يَبْتَغِ“ هو: غَيْرَ، وقِيلَ: ”دِينًا“ مَفْعُولٌ، وغَيْرَ: مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ كانَ نَعْتًا وقِيلَ: ”دِينًا“ بَدَلٌ مِن ”غَيْرَ“، والجُمْهُورُ عَلى إظْهارِ الغَيْنَيْنِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الإدْغامُ.
﴿وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الخُسْرانُ في الآخِرَةِ هو حِرْمانُ الثَّوابِ وحُصُولُ العِقابِ، شُبِّهَ في تَضْيِيعِ زَمانِهِ في الدُّنْيا بِاتِّباعِ غَيْرِ الإسْلامِ بِالَّذِي خَسِرَ في بِضاعَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ قَدْ عُطِفَتْ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلى ابْتِغاءِ غَيْرِ الإسْلامِ دِينًا، عَدَمُ القَبُولِ والخُسْرانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ بَلْ هي اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِ في الآخِرَةِ.
و”في الآخِرَةِ“ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: وهو خاسِرٌ في الآخِرَةِ، أوْ: بِإضْمارِ ”أعْنِي“، أوْ: بِـ ”الخاسِرِينَ“ عَلى أنَّ الألِفَ واللّامَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً، بَلْ لِلتَّعْرِيفِ، كَهي في الرَّجُلِ، أوْ بِهِ عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، وتُسُومِحَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ؛ لِأنَّهُ يَتَّسِعُ فِيهِما ما لا يَتَّسِعُ في غَيْرِهِما، وكُلٌّ مَنقُولٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا نَظِيرُهُ.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، آمَنُوا بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفِيهِما ذِكْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَغَيَّرُوهُ وكَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ ورَوى عَطِيَّةُ قَرِيبًا مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: في عَشَرَةِ رَهْطٍ ارْتَدُّوا فِيهِمُ الحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ الأنْصارِيُّ، فَنَدِمَ ورَجَعَ، ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: أنَّ الحَرْثَ كانَ يُظْهِرُ الإسْلامَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَتَلَ المُجَدَّرَ بْنَ زِيادٍ بِدَمٍ كانَ لَهُ عَلَيْهِ، وقَتَلَ زَيْدَ بْنَ قَيْسٍ، وارْتَدَّ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأمْرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ أنْ يَقْتُلَهُ إنْ ظَفَرَ بِهِ، فَفاتَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إلى أخِيهِ مِن مَكَّةَ يَطْلُبُ التَّوْبَةَ، فَنَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [آل عمران: ٨٩] فَكَتَبَ بِها قَوْمُهُ، إلَيْهِ فَرَجَعَ تائِبًا.
ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ، ولَمْ يَذْكُرْ سِوى أنَّهُ رَجُلٌ مِنَ (p-٥١٨)الأنْصارِ ارْتَدَّ، فَلَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، وخَرَّجَهُ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُطَوَّلًا. وقِيلَ: لَحِقَ بِالرُّومِ. وقِيلَ: ارْتَدَّ الحَرْثُ في أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وسَمّى مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ، والحَرْثَ بْنَ سُوَيْدٍ بْنِ الصّامِتِ، ووَحْوَحَ بْنَ الأسْلَتِ، وذَكَرَ عِكْرِمَةُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وسَمّى مِنهم: أبا عامِرٍ الرّاهِبَ، والحَرْثَ ووُجُوهًا. وقالَ النَّقّاشُ: نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ. ألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّ كُلَّ مَن ذُكِرَ وغَيْرَهم. وقِيلَ: هي في عامَّةِ المُشْرِكِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَمَلَ الآياتِ إلى الحَرْثِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحَرْثُ: إنَّكَ واللَّهِ ما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى - لَأصْدَقُ الثَّلاثَةِ. قالَ فَرَجَعَ الحَرْثُ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
كَيْفَ: سُؤالٌ عَنِ الأحْوالِ، وهي هُنا لِلتَّعْجِيبِ والتَّعْظِيمِ؛ لِكُفْرِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، أيْ: كَيْفَ يَسْتَحِقُّ الهِدايَةَ مَن أتى بِما يُنافِيها بَعْدَ التِباسِهِ بِها، ووُضُوحِها لَهُ ؟ فاسْتُبْعِدَ حُصُولُها لَهم مَعَ شِدَّةِ الجَرائِمِ، كَما قالَ: «كَيْفَ تَفْلَحُ أُمَّةٌ أدْمَتْ وجْهَ نَبِيِّها» ؟ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَيْفَ يَلْطُفُ بِهِمْ، ولَيْسُوا مَن أهْلِ اللُّطْفِ لِما عَلِمَ اللَّهُ مِن تَصْمِيمِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ؟ انْتَهى. وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عِنْدَهُ أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الهِدايَةَ فِيهِمْ، كَما لا يَخْلُقُ الضَّلالَ فِيهِمْ، بَلْ هُما مَخْلُوقانِ لِلْعَبْدِ.
وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ هُنا يُرادُ بِهِ الجَحْدُ، والمَعْنى: لَيْسَ بِهَدْيٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَهَذِي سُيُوفٌ يا صَدِيُّ بْنَ مالِكٍ كَثِيرٌ ولَكِنْ أيْنَ بِالسَّيْفِ ضارِبُ ؟
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎كَيْفَ نَوْمِي عَلى الفِراشِ ولَمّا ∗∗∗ يَشْمَلُ الشّامَ غارَةٌ شَعْواءُ ؟
والهِدايَةُ هُنا هي إلى الإيمانِ، واتِّباعِ الحَقِّ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّ المَعْنى: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ إلّا إنْ تَجَوَّزَ، فَأطْلَقَ المُسَبِّبَ عَلى السَّبَبِ، لِأنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مُسَبَّبٌ عَنِ الإيمانِ، فَيَعُودُ إلى القَوْلِ الأوَّلِ. وشَهِدُوا: ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ كَفَرُوا، وبِهِ قالَ الحُوفِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، ورَدَّهُ مَكِّيٌّ. وقالَ: لا يَجُوزُ عَطْفُ: شَهِدُوا، عَلى: كَفَرُوا؛ لِفَسادِ المَعْنى، ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ جِهَةٍ فَسادُ المَعْنى، وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ التَّرْتِيبَ، فَلِذَلِكَ فَسَدَ المَعْنى عِنْدَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى مَفْهُومٌ أنَّ الشَّهادَةَ قَبْلَ الكُفْرِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ، وأجازَ قَوْمٌ مِنهم مَكِّيٌّ والزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما في إيمانِهِمْ مِن مَعْنى الفِعْلِ، إذِ المَعْنى: بَعْدَ أنْ آمَنُوا وشَهِدُوا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ لا لِلْعَطْفِ، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، وقَدْ شَهِدُوا، والعامِلُ فِيهِ: كَفَرُوا. والرَّسُولُ هُنا مُحَمَّدٌ ﷺ قالَهُ الجُمْهُورُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ هُنا بِمَعْنى الرِّسالَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ.
والبَيِّناتُ: هي شَواهِدُ القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ الَّتِي تَأْتِي بِمِثْلِها الأنْبِياءُ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا يَخْلُقُ في قُلُوبِهِمُ الهِدايَةَ. والظّالِمِينَ: عامٌّ مَعْناهُ الخُصُوصُ أيْ: لا يَهْدِي مَن قَضى عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ عَنْ أنَّ الظّالِمَ في ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلى هُدًى مِنَ اللَّهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عامَّةً تامَّةَ العُمُومِ انْتَهى. وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ الآيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الظّالِمِينَ: المُعانِدِينَ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ اللُّطْفَ لا يَنْفَعُهُمُ انْتَهى. وتَفْسِيرُهُ عَلى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزالِيَّةِ.
آل عمران 3:87
﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وتَوْجِيهُ قِراءَةِ الحَسَنِ: والنّاسُ أجْمَعُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِمْ، وهُناكَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١]؛ لِأنَّ هُناكَ جاءَ الإخْبارُ عَنْ مَن ماتَ كافِرًا، فَلِذَلِكَ تَحَتَّمَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ألا تَرى إلى سَبَبِ النُّزُولِ ؟ وأنَّ أكْثَرَ الأقْوالِ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا ثُمَّ راجَعُوا الإسْلامَ ؟ ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (p-٥١٩)أيْ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ الكُفْرِ العَظِيمِ.
(وأصْلَحُوا) أيْ: ما أفْسَدُوا، أوْ: دَخَلُوا في الصَّلاحِ، كَما تَقُولُ: أمْسى زَيْدٌ أيْ: دَخَلَ في المَساءِ. وقِيلَ: مَعْنى أصْلَحُوا: أظْهَرُوا أنَّهم كانُوا عَلى ضَلالٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] .
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غَفُورٌ أيْ لِكُفْرِهِمْ، رَحِيمٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وهُما صِيغَتا مُبالَغَةٍ دالَّتانِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِ عِيسى وبِالإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنَعْتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ. وقِيلَ: في اليَهُودِ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ، وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَّوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الِافْتِراءِ، والبُهْتِ، والسَّعْيِ عَلى الإسْلامِ قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوْ مَعْنى: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، تُمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ اليَهُودُ، والمُرْتَدُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ نَحْوَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن ماتَ عَلى الكُفْرِ مِن أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَإنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِبَكَّةَ ونَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
ويُفَسَّرُ بِهَذِهِ الأقْوالِ مَعْنى ازْدِيادِ الكُفْرِ، وهو بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ، إذِ الإيمانُ والكُفْرُ في التَّحْقِيقِ لا يَزْدادانِ ولا يَنْقُصانِ، وإنَّما تَحْصُلُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لِلْمُتَعَلِّقاتِ، فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَيْهِما عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وازْدادُوا: افْتَعَلُوا، مِنَ الزِّيادَةِ، وانْتِصابُ ”كُفْرًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، المَعْنى: ثُمَّ ازْدادَ كَفْرُهم، والدّالُ الأُولى بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ.
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَكُونُ مِنهم تَوْبَةٌ، ولا تُقْبَلُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ، وازْدادَ كُفْرًا، أمْ كانَ كافِرًا أوَّلَ مَرَّةٍ. فاحْتِيجَ في ذَلِكَ إلى تَخْصِيصٍ، فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: نَفْيُ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِالحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾؛ لِأنَّها تَوْبَةٌ غَيْرُ خالِصَةٍ، إذْ هم مُرْتَدُّونَ، وعَزَمُوا عَلى إظْهارِ التَّوْبَةِ؛ لِسَتْرِ أحْوالِهِمْ وفي ضَمائِرِهِمُ الكُفْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم بَعْدَ المَوْتِ إذا ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمُ الَّتِي تابُوها قَبْلَ أنْ كَفَرُوا؛ لِأنَّ الكُفْرَ قَدْ أحْبَطَها. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم إذا تابُوا مِن كُفْرٍ إلى كُفْرٍ، وإنَّما تُقْبَلُ إذا تابُوا إلى الإسْلامِ. وفاصِلُ هَذا التَّخْصِيصِ أنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالزَّمانِ، أوْ يُوصَفُ في التَّوْبَةِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَوْبَةَ لَهم فَتُقْبَلَ، فَنَفى القَبُولَ، والمُرادُ نَفْيُ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ.
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنارِهِ
أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، حَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ أيْ: لَيْسَتْ لَهم تَوْبَةٌ، فَهم لا مَحالَةَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. ولَمْ تُدْخُلِ الفاءُ في ”لَنْ تُقْبَلَ“ هُنا، ودَخَلَتْ في ”فَلَنْ تُقْبَلَ“؛ لِأنَّ الفاءَ مُؤْذِنَةٌ بِالِاسْتِحْقاقِ بِالوَصْفِ السّابِقِ، وهُناكَ قالَ: وماتُوا وهم كُفّارٌ، وهُنا لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا القَيْدِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) فَحِينَ كانَ مَعْنى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ بِمَعْنى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ فَهَلّا جُعِلَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ مُسَبَّبًا عَنِ ارْتِدادِهِمْ، وازْدِيادِهِمُ الكُفْرَ لِما في ذَلِكَ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ، ورُكُوبِ الرَّيْنِ، وجَرِّهِ إلى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ ؟ .
قُلْتُ: لِأنَّهُ كَمْ مِن مُرْتَدٍ ازْدادَ الكُفْرَ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، ولا يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ ؟ . فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذِهِ الكِنايَةِ: أعْنِي إنْ كَنّى عَنِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ بِامْتِناعِ قَبُولِ التَّوْبَةِ ؟ . (قُلْتُ) الفائِدَةُ فِيها جَلِيلَةٌ، وهي التَّغْلِيظُ في شَأْنِ أُولَئِكَ الفَرِيقِ مِنَ الكُفّارِ، وإبْرازِ حالِهِمْ (p-٥٢٠)فِي صُورَةِ حالِ الآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي أغْلَظُ الأحْوالِ، وأشَدُّها. ألا تَرى أنَّ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ إنَّما يُخافُ مِن أجْلِ اليَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ ؟ انْتَهى كَلامُهُ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ: لَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ تَوْبَتَهم بِالنَّصْبِ، والضّالُّونَ: المُخْطِئُونَ طَرِيقَ الحَقِّ والنَّجاةِ في الآخِرَةِ، أوِ: الهالِكُونَ؛ مِن ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ إذا صارَ هالِكًا. والواوُ في: وأُولَئِكَ لِلْعَطْفِ إمّا عَلى خَبَرِ إنَّ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وإمّا عَلى الجُمْلَةِ مِن إنَّ ومَطْلُوبَيْها، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.
وذَكَرَ الرّاغِبُ قَوْلًا: إنَّ الواوَ في وأُولَئِكَ واوُ الحالِ، والمَعْنى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ في حالِ أنَّهم ضالُّونَ، فالتَّوْبَةُ والضَّلالُ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ انْتَهى هَذا القَوْلُ. ويَنْبُو عَنْ هَذا المَعْنى هَذا التَّرْكِيبُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَمْ يُؤْتَ بِاسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ في هُمُ الفَصْلُ، والِابْتِداءُ، والبَدَلُ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ قَرَأ عِكْرِمَةُ: فَلَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقُرِئَ: فَلَنْ يَقْبَلَ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ فَلَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ. ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو السَّمّالِ: مِلَّ الأرْضِ، بِدُونِ هَمْزٍ. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، ووَجْهُهُ، أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ قَبْلُ، وهو اللّامُ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، وهو قِياسٌ في كُلِّ ما كانَ نَحْوَ هَذا، وأتى بِلَفْظِ أحَدِهِمْ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ مِنهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ وأنَصُّ في المَقْصُودِ، إذْ كانَ مِنهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِقَيْدِ الجَمِيعِ. وانْتِصابُ ذَهَبًا عَلى التَّمْيِيزِ، وفي ناصِبِ التَّمْيِيزِ خِلافٌ، وسَمّاهُ الفَرّاءُ تَفْسِيرًا؛ لِأنَّ المِقْدارَ مَعْلُومٌ، والمُقَدَّرُ بِهِ مُجْمَلٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: نُصِبَ عَلى إضْمارِ ”مِن“ أيْ: مِن ذَهَبٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] أيْ مِن صِيامٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ذَهَبٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَدٌّ عَلى ”مِلْءَ“ كَما يُقالُ: عِنْدِي عِشْرُونَ نَفْسًا رِجالٌ انْتَهى. ويَعْنِي بِالرَّدِّ البَدَلَ، ويَكُونُ مِن بَدَلِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ مِلْءَ الأرْضِ مَعْرِفَةٌ، ولِذَلِكَ ضَبَطَ الحُذّاقُ قَوْلَهُ: «لَكَ الحَمْدُ مِلْءُ السَّماواتِ والأرْضِ» بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِلْحَمْدِ، واسْتَعَفُّوا نَصْبَهُ عَلى الحالِ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً.
﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: لَوِ افْتَدى بِهِ دُونَ واوٍ، ولَوْ هُنا هي بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ لا لَوِ الَّتِي هي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ لَوْ هُنا مُعَلَّقَةٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، وهو: فَلَنْ يُقْبَلَ، وتِلْكَ مُعَلَّقَةٌ بِالماضِي. فَأمّا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ فَإنَّهُ جَعَلَ الِافْتِداءَ شَرْطًا في عَدَمِ القَبُولِ فَلَمْ يَتَعَمَّمْ نَفْيُ وُجُودِ القَبُولِ، وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالواوِ فَقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ، وهو ضَعِيفٌ، ويَكُونُ المَعْنى إذْ ذاكَ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ، ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ (p-٥٢١)الأرْضِ ذَهَبًا انْتَهى. وهَذا المَعْنى يَنْبُو عَنْهُ هَذا التَّرْكِيبُ ولا يَحْتَمِلُهُ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذا التَّرْكِيبُ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ مَن ماتَ كافِرًا لا يُقْبَلَ مِنهُ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مَن ذَهَبٍ عَلى كُلِّ حالٍ يَقْصِدُها، ولَوْ في حالَةِ الِافْتِداءِ بِهِ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّ حالَةَ الِافْتِداءِ هي حالٌ لا يَمْتَنَّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ لِلْمُفْتَدِي، وقَدْ قَرَّرْنا في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ: ”لَوْ“ تَأْتِي مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها، كَقَوْلِهِ: «أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، ورُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» كَأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مِمّا كانَ لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتى بِها؛ لِأنَّ كَوْنَ السّائِلِ عَلى فَرَسٍ يَشْعُرُ بِغِناهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُقْبَلَ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَكِنَّهُ لا يُقْبَلُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يُصَدِّقَهم عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالَةِ صِدْقِهِمْ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّقُوا فِيها. فَلَفَظُ: ”ولَوْ“ هُنا لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ، والتَّأْكِيدِ لَهُ. وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَةَ مَجِيئِها. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ المَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ إنْفاقُهُ وتَقَرُّباتُهُ في الدُّنْيا، ولَوْ أنْفَقَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا، ولَوِ افْتَدى أيْضًا بِهِ في الآخِرَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ. قالَ: فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَقْبَلَ مِنهُمُ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا كانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهِ، ولَوِ افْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ انْتَهى. وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَيِّدِ الِافْتِداءَ بِالآخِرَةِ. وحَكى صاحِبُ (رَيِّ الظَّمْآنِ)، وغَيْرُهُ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: لَوِ افْتَدى بِهِ في الدُّنْيا مَعَ إقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ لَنْ يُقْبَلَ مِنهُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ انْتِفاءَ القَبُولِ، ولَوْ عَلى سَبِيلِ الفِدْيَةِ، إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وبَيَّنَهُ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يُحاسَبُ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهُ: قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ» . وهَذا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ (p-٥٢٢)هُوَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرِ أيْ: لَوْ أنَّ الكافِرَ قَدَرَ عَلى أعَزِّ الأشْياءِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلى بَذْلِهِ، لَعَجَزَ أنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّهم آيِسُونَ مِن تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ. فَهو نَظِيرُ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٧] ونَظِيرُ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ [المعارج: ١١] الآيَتَيْنِ، وعَلى هَذا يَبْعُدُ ما قالَهُ الزَّجّاجُ مِن أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم لَوْ أنْفَقُوا في الدُّنْيا مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الطّاعَةَ مَعَ الكُفْرِ لا تَكُونُ مَقْبُولَةً.
وافْتَدى: افْتَعَلَ مِنَ الفِدْيَةِ. قِيلَ: وهو بِمَعْنى فَعَلَ، كَشَوى واشْتَوى، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، ويَحْتاجُ في تَعْدِيَةِ افْتَدى إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى مِلْءِ الأرْضِ، وهو مِقْدارُ ما يَمْلَؤُها، ويُوجَدُ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المِلْءِ، أوْ عَلى الذَّهَبِ. فَقِيلَ عَلى الذَّهَبِ غَلَطٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ [الزمر: ٤٧] والمِثْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ ضَرْبِهِ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ تُرِيدُ مِثْلَهُ.
؎ولا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ
وقَضِيَّةُ ولا أبا حَسَنٍ لَها، تُرِيدُ ولا هَيْثَمَ، ولا مِثْلَ أبِي حَسَنٍ، كَما أنَّهُ يُرادُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ: أنْتَ وذَلِكَ أنَّ المِثْلَيْنِ يَسُدُّ أحَدُهُما مَسَدَّ الآخَرِ، فَكانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“ في قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخَيَّلَ أنَّ ما نُفِيَ أنْ يُقْبَلَ لا يُمْكِنُ أنْ يُفْتَدى بِهِ، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ حَتّى يُغايِرَ بَيْنَ ما نُفِيَ قَبُولُهُ، وبَيْنَ ما يُفْتَدى بِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَما ذَكَرْناهُ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: إذْ لا يُمْكِنُ عادَةً أنَّ أحَدًا يَمْلِكُ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا بِحَيْثُ لَوْ بَذَلَهُ عَلى أيِّ جِهَةٍ بَذْلُهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، بَلْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“، لِأنَّهُ نَفى قَبُولَهُ حَتّى في حالَةِ الِافْتِداءِ، ولَيْسَ ما قُدِّرَ في الآيَةِ نَظِيرَ ما مَثَّلَ بِهِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا مَعْنى لَهُ، ولا في اللَّفْظِ ولا المَعْنى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلا يُقَدَّرُ. وأمّا فِيما مَثَّلَ بِهِ مِن: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، فَبِضَرُورَةِ العَقْلِ نَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ: ”مِثْلَ“، إذْ ضَرْبُكَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ضَرْبُ زَيْدٍ، وذاتُ أبِي يُوسُفَ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ ذاتَ أبِي حَنِيفَةَ. وأمّا:
؎لا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ
يَدُلُّ عَلى حَذْفٍ، مِثْلَ ما تَقَرَّرَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّ لا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ لا تَدْخُلُ عَلى الأعْلامِ فَتُؤَثِّرُ فِيها، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ لِتَبْقى عَلى ما تَقَرَّرَ فِيها، إذْ تَقَرَّرَ أنَّها لا تَعْمَلُ إلّا في الجِنْسِ؛ لِأنَّ العَلَمِيَّةَ تُنافِي عُمُومَ الجِنْسِ. وأمّا قَوْلُهُ: كَما أنْ يُزادَ في: مِثْلِكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ أنْتَ، فَهَذا قَوْلٌ قَدْ قِيلَ، ولَكِنَّ المُخْتارَ عِنْدَ حُذّاقُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الأسْماءَ لا تُزادُ، ولِتَقْرِيرِ أنَّ مِثْلَكَ لا يَفْعَلُ كَذا، لَيْسَتْ فِيهِ ”مِثْلَ“ زائِدَةً مَكانَ غَيْرِ هَذا.
﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هَذا إخْبارٌ ثانٍ عَمَّنْ ماتَ، وهو كافِرٌ لَمّا بَيَّنَ تَعالى في الإخْبارِ الأوَّلِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يُخَلِّصَ بِهِ نَفْسَهُ، بَيَّنَ في هَذا الإخْبارِ ما لَهُ مِنَ العَذابِ المَوْصُوفِ بِالمُبالَغَةِ في الآلامِ لَهُ، إذِ الِافْتِداءُ وبَذْلُ الأمْوالِ إنَّما يَكُونُ لِما يَلْحَقُ المُفْتَدِيَ مِنَ الآلامِ حَتّى يَبْذُلَ في الخَلاصِ مِن ذَلِكَ أعَزَّ الأشْياءِ. كَما قالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ، وارْتِفاعُ ”عَذابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ عَلى أُولَئِكَ، لِكَوْنِهِ خَبَرًا عَنْهُ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُهُ عَلى الِابْتِداءِ.
﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهَذا إخْبارٌ ثالِثٌ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنَ العَذابِ بِبَذْلِ المالِ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنهُ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ، وانْدَرَجَ فِيها النُّصْرَةُ بِالمُغالَبَةِ، والنُّصْرَةُ بِالشَّفاعَةِ.
وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْنافِ البَدِيعِ الطِّباقَ في قَوْلِهِ: طَوْعًا وكَرْهًا، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، في مَوْضِعَيْنِ. والتَّكْرارَ في: يَهْدِي ولا يَهْدِي، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، والتَّجْنِيسَ المُغايِرَ: في كَفَرُوا وكَفَرُوا. والتَّأْكِيدُ بِلَفْظٍ هم في (p-٥٢٣)قَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ، قِيلَ: والتَّشْبِيهَ في: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، شَبَّهَ تَمادِيَهم عَلى كُفْرِهِمْ وإجْرامِهِمْ بِالأجْرامِ الَّتِي يُزادُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والعُدُولَ مِن مِفْعَلٍ إلى فَعِيلٍ، في: عَذابٌ ألِيمٌ، لِما في فَعِيلٍ مِنَ المُبالَغَةِ. والحَذْفَ في مَواضِعَ.