Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — آل عمران 3:88 – آل عمران 3:117

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. آل عمران 3:88
  2. آل عمران 3:89
  3. آل عمران 3:90
  4. آل عمران 3:91
  5. آل عمران 3:92
  6. آل عمران 3:93
  7. آل عمران 3:94
  8. آل عمران 3:95
  9. آل عمران 3:96
  10. آل عمران 3:97
  11. آل عمران 3:98
  12. آل عمران 3:99
  13. آل عمران 3:100
  14. آل عمران 3:101
  15. آل عمران 3:102
  16. آل عمران 3:103
  17. آل عمران 3:104
  18. آل عمران 3:105
  19. آل عمران 3:106
  20. آل عمران 3:107
  21. آل عمران 3:108
  22. آل عمران 3:109
  23. آل عمران 3:110
  24. آل عمران 3:111
  25. آل عمران 3:112
  26. آل عمران 3:113
  27. آل عمران 3:114
  28. آل عمران 3:115
  29. آل عمران 3:116
  30. آل عمران 3:117

آل عمران 3:88

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وتَوْجِيهُ قِراءَةِ الحَسَنِ: والنّاسُ أجْمَعُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِمْ، وهُناكَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١]؛ لِأنَّ هُناكَ جاءَ الإخْبارُ عَنْ مَن ماتَ كافِرًا، فَلِذَلِكَ تَحَتَّمَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ألا تَرى إلى سَبَبِ النُّزُولِ ؟ وأنَّ أكْثَرَ الأقْوالِ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا ثُمَّ راجَعُوا الإسْلامَ ؟ ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (p-٥١٩)أيْ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ الكُفْرِ العَظِيمِ. (وأصْلَحُوا) أيْ: ما أفْسَدُوا، أوْ: دَخَلُوا في الصَّلاحِ، كَما تَقُولُ: أمْسى زَيْدٌ أيْ: دَخَلَ في المَساءِ. وقِيلَ: مَعْنى أصْلَحُوا: أظْهَرُوا أنَّهم كانُوا عَلى ضَلالٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] . ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غَفُورٌ أيْ لِكُفْرِهِمْ، رَحِيمٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وهُما صِيغَتا مُبالَغَةٍ دالَّتانِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِ عِيسى وبِالإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنَعْتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ. وقِيلَ: في اليَهُودِ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ، وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَّوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الِافْتِراءِ، والبُهْتِ، والسَّعْيِ عَلى الإسْلامِ قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوْ مَعْنى: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، تُمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ اليَهُودُ، والمُرْتَدُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ نَحْوَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن ماتَ عَلى الكُفْرِ مِن أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَإنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِبَكَّةَ ونَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ. ويُفَسَّرُ بِهَذِهِ الأقْوالِ مَعْنى ازْدِيادِ الكُفْرِ، وهو بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ، إذِ الإيمانُ والكُفْرُ في التَّحْقِيقِ لا يَزْدادانِ ولا يَنْقُصانِ، وإنَّما تَحْصُلُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لِلْمُتَعَلِّقاتِ، فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَيْهِما عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وازْدادُوا: افْتَعَلُوا، مِنَ الزِّيادَةِ، وانْتِصابُ ”كُفْرًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، المَعْنى: ثُمَّ ازْدادَ كَفْرُهم، والدّالُ الأُولى بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَكُونُ مِنهم تَوْبَةٌ، ولا تُقْبَلُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ، وازْدادَ كُفْرًا، أمْ كانَ كافِرًا أوَّلَ مَرَّةٍ. فاحْتِيجَ في ذَلِكَ إلى تَخْصِيصٍ، فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: نَفْيُ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِالحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾؛ لِأنَّها تَوْبَةٌ غَيْرُ خالِصَةٍ، إذْ هم مُرْتَدُّونَ، وعَزَمُوا عَلى إظْهارِ التَّوْبَةِ؛ لِسَتْرِ أحْوالِهِمْ وفي ضَمائِرِهِمُ الكُفْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم بَعْدَ المَوْتِ إذا ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمُ الَّتِي تابُوها قَبْلَ أنْ كَفَرُوا؛ لِأنَّ الكُفْرَ قَدْ أحْبَطَها. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم إذا تابُوا مِن كُفْرٍ إلى كُفْرٍ، وإنَّما تُقْبَلُ إذا تابُوا إلى الإسْلامِ. وفاصِلُ هَذا التَّخْصِيصِ أنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالزَّمانِ، أوْ يُوصَفُ في التَّوْبَةِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَوْبَةَ لَهم فَتُقْبَلَ، فَنَفى القَبُولَ، والمُرادُ نَفْيُ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ. عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، حَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ أيْ: لَيْسَتْ لَهم تَوْبَةٌ، فَهم لا مَحالَةَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. ولَمْ تُدْخُلِ الفاءُ في ”لَنْ تُقْبَلَ“ هُنا، ودَخَلَتْ في ”فَلَنْ تُقْبَلَ“؛ لِأنَّ الفاءَ مُؤْذِنَةٌ بِالِاسْتِحْقاقِ بِالوَصْفِ السّابِقِ، وهُناكَ قالَ: وماتُوا وهم كُفّارٌ، وهُنا لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا القَيْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) فَحِينَ كانَ مَعْنى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ بِمَعْنى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ فَهَلّا جُعِلَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ مُسَبَّبًا عَنِ ارْتِدادِهِمْ، وازْدِيادِهِمُ الكُفْرَ لِما في ذَلِكَ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ، ورُكُوبِ الرَّيْنِ، وجَرِّهِ إلى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ ؟ . قُلْتُ: لِأنَّهُ كَمْ مِن مُرْتَدٍ ازْدادَ الكُفْرَ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، ولا يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ ؟ . فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذِهِ الكِنايَةِ: أعْنِي إنْ كَنّى عَنِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ بِامْتِناعِ قَبُولِ التَّوْبَةِ ؟ . (قُلْتُ) الفائِدَةُ فِيها جَلِيلَةٌ، وهي التَّغْلِيظُ في شَأْنِ أُولَئِكَ الفَرِيقِ مِنَ الكُفّارِ، وإبْرازِ حالِهِمْ (p-٥٢٠)فِي صُورَةِ حالِ الآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي أغْلَظُ الأحْوالِ، وأشَدُّها. ألا تَرى أنَّ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ إنَّما يُخافُ مِن أجْلِ اليَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ ؟ انْتَهى كَلامُهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: لَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ تَوْبَتَهم بِالنَّصْبِ، والضّالُّونَ: المُخْطِئُونَ طَرِيقَ الحَقِّ والنَّجاةِ في الآخِرَةِ، أوِ: الهالِكُونَ؛ مِن ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ إذا صارَ هالِكًا. والواوُ في: وأُولَئِكَ لِلْعَطْفِ إمّا عَلى خَبَرِ إنَّ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وإمّا عَلى الجُمْلَةِ مِن إنَّ ومَطْلُوبَيْها، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. وذَكَرَ الرّاغِبُ قَوْلًا: إنَّ الواوَ في وأُولَئِكَ واوُ الحالِ، والمَعْنى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ في حالِ أنَّهم ضالُّونَ، فالتَّوْبَةُ والضَّلالُ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ انْتَهى هَذا القَوْلُ. ويَنْبُو عَنْ هَذا المَعْنى هَذا التَّرْكِيبُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَمْ يُؤْتَ بِاسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ في هُمُ الفَصْلُ، والِابْتِداءُ، والبَدَلُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ قَرَأ عِكْرِمَةُ: فَلَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقُرِئَ: فَلَنْ يَقْبَلَ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ فَلَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ. ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو السَّمّالِ: مِلَّ الأرْضِ، بِدُونِ هَمْزٍ. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، ووَجْهُهُ، أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ قَبْلُ، وهو اللّامُ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، وهو قِياسٌ في كُلِّ ما كانَ نَحْوَ هَذا، وأتى بِلَفْظِ أحَدِهِمْ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ مِنهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ وأنَصُّ في المَقْصُودِ، إذْ كانَ مِنهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِقَيْدِ الجَمِيعِ. وانْتِصابُ ذَهَبًا عَلى التَّمْيِيزِ، وفي ناصِبِ التَّمْيِيزِ خِلافٌ، وسَمّاهُ الفَرّاءُ تَفْسِيرًا؛ لِأنَّ المِقْدارَ مَعْلُومٌ، والمُقَدَّرُ بِهِ مُجْمَلٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: نُصِبَ عَلى إضْمارِ ”مِن“ أيْ: مِن ذَهَبٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] أيْ مِن صِيامٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ذَهَبٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَدٌّ عَلى ”مِلْءَ“ كَما يُقالُ: عِنْدِي عِشْرُونَ نَفْسًا رِجالٌ انْتَهى. ويَعْنِي بِالرَّدِّ البَدَلَ، ويَكُونُ مِن بَدَلِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ مِلْءَ الأرْضِ مَعْرِفَةٌ، ولِذَلِكَ ضَبَطَ الحُذّاقُ قَوْلَهُ: «لَكَ الحَمْدُ مِلْءُ السَّماواتِ والأرْضِ» بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِلْحَمْدِ، واسْتَعَفُّوا نَصْبَهُ عَلى الحالِ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً. ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: لَوِ افْتَدى بِهِ دُونَ واوٍ، ولَوْ هُنا هي بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ لا لَوِ الَّتِي هي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ لَوْ هُنا مُعَلَّقَةٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، وهو: فَلَنْ يُقْبَلَ، وتِلْكَ مُعَلَّقَةٌ بِالماضِي. فَأمّا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ فَإنَّهُ جَعَلَ الِافْتِداءَ شَرْطًا في عَدَمِ القَبُولِ فَلَمْ يَتَعَمَّمْ نَفْيُ وُجُودِ القَبُولِ، وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالواوِ فَقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ، وهو ضَعِيفٌ، ويَكُونُ المَعْنى إذْ ذاكَ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ، ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ (p-٥٢١)الأرْضِ ذَهَبًا انْتَهى. وهَذا المَعْنى يَنْبُو عَنْهُ هَذا التَّرْكِيبُ ولا يَحْتَمِلُهُ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذا التَّرْكِيبُ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ مَن ماتَ كافِرًا لا يُقْبَلَ مِنهُ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مَن ذَهَبٍ عَلى كُلِّ حالٍ يَقْصِدُها، ولَوْ في حالَةِ الِافْتِداءِ بِهِ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّ حالَةَ الِافْتِداءِ هي حالٌ لا يَمْتَنَّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ لِلْمُفْتَدِي، وقَدْ قَرَّرْنا في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ: ”لَوْ“ تَأْتِي مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها، كَقَوْلِهِ: «أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، ورُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» كَأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مِمّا كانَ لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتى بِها؛ لِأنَّ كَوْنَ السّائِلِ عَلى فَرَسٍ يَشْعُرُ بِغِناهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُقْبَلَ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَكِنَّهُ لا يُقْبَلُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يُصَدِّقَهم عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالَةِ صِدْقِهِمْ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّقُوا فِيها. فَلَفَظُ: ”ولَوْ“ هُنا لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ، والتَّأْكِيدِ لَهُ. وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَةَ مَجِيئِها. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ المَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ إنْفاقُهُ وتَقَرُّباتُهُ في الدُّنْيا، ولَوْ أنْفَقَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا، ولَوِ افْتَدى أيْضًا بِهِ في الآخِرَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ. قالَ: فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَقْبَلَ مِنهُمُ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا كانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهِ، ولَوِ افْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ انْتَهى. وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَيِّدِ الِافْتِداءَ بِالآخِرَةِ. وحَكى صاحِبُ (رَيِّ الظَّمْآنِ)، وغَيْرُهُ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: لَوِ افْتَدى بِهِ في الدُّنْيا مَعَ إقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ لَنْ يُقْبَلَ مِنهُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ انْتِفاءَ القَبُولِ، ولَوْ عَلى سَبِيلِ الفِدْيَةِ، إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وبَيَّنَهُ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يُحاسَبُ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهُ: قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ» . وهَذا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ (p-٥٢٢)هُوَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرِ أيْ: لَوْ أنَّ الكافِرَ قَدَرَ عَلى أعَزِّ الأشْياءِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلى بَذْلِهِ، لَعَجَزَ أنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّهم آيِسُونَ مِن تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ. فَهو نَظِيرُ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٧] ونَظِيرُ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ [المعارج: ١١] الآيَتَيْنِ، وعَلى هَذا يَبْعُدُ ما قالَهُ الزَّجّاجُ مِن أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم لَوْ أنْفَقُوا في الدُّنْيا مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الطّاعَةَ مَعَ الكُفْرِ لا تَكُونُ مَقْبُولَةً. وافْتَدى: افْتَعَلَ مِنَ الفِدْيَةِ. قِيلَ: وهو بِمَعْنى فَعَلَ، كَشَوى واشْتَوى، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، ويَحْتاجُ في تَعْدِيَةِ افْتَدى إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى مِلْءِ الأرْضِ، وهو مِقْدارُ ما يَمْلَؤُها، ويُوجَدُ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المِلْءِ، أوْ عَلى الذَّهَبِ. فَقِيلَ عَلى الذَّهَبِ غَلَطٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ [الزمر: ٤٧] والمِثْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ ضَرْبِهِ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ تُرِيدُ مِثْلَهُ. ؎ولا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ وقَضِيَّةُ ولا أبا حَسَنٍ لَها، تُرِيدُ ولا هَيْثَمَ، ولا مِثْلَ أبِي حَسَنٍ، كَما أنَّهُ يُرادُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ: أنْتَ وذَلِكَ أنَّ المِثْلَيْنِ يَسُدُّ أحَدُهُما مَسَدَّ الآخَرِ، فَكانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“ في قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخَيَّلَ أنَّ ما نُفِيَ أنْ يُقْبَلَ لا يُمْكِنُ أنْ يُفْتَدى بِهِ، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ حَتّى يُغايِرَ بَيْنَ ما نُفِيَ قَبُولُهُ، وبَيْنَ ما يُفْتَدى بِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَما ذَكَرْناهُ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: إذْ لا يُمْكِنُ عادَةً أنَّ أحَدًا يَمْلِكُ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا بِحَيْثُ لَوْ بَذَلَهُ عَلى أيِّ جِهَةٍ بَذْلُهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، بَلْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“، لِأنَّهُ نَفى قَبُولَهُ حَتّى في حالَةِ الِافْتِداءِ، ولَيْسَ ما قُدِّرَ في الآيَةِ نَظِيرَ ما مَثَّلَ بِهِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا مَعْنى لَهُ، ولا في اللَّفْظِ ولا المَعْنى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلا يُقَدَّرُ. وأمّا فِيما مَثَّلَ بِهِ مِن: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، فَبِضَرُورَةِ العَقْلِ نَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ: ”مِثْلَ“، إذْ ضَرْبُكَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ضَرْبُ زَيْدٍ، وذاتُ أبِي يُوسُفَ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ ذاتَ أبِي حَنِيفَةَ. وأمّا: ؎لا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ يَدُلُّ عَلى حَذْفٍ، مِثْلَ ما تَقَرَّرَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّ لا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ لا تَدْخُلُ عَلى الأعْلامِ فَتُؤَثِّرُ فِيها، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ لِتَبْقى عَلى ما تَقَرَّرَ فِيها، إذْ تَقَرَّرَ أنَّها لا تَعْمَلُ إلّا في الجِنْسِ؛ لِأنَّ العَلَمِيَّةَ تُنافِي عُمُومَ الجِنْسِ. وأمّا قَوْلُهُ: كَما أنْ يُزادَ في: مِثْلِكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ أنْتَ، فَهَذا قَوْلٌ قَدْ قِيلَ، ولَكِنَّ المُخْتارَ عِنْدَ حُذّاقُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الأسْماءَ لا تُزادُ، ولِتَقْرِيرِ أنَّ مِثْلَكَ لا يَفْعَلُ كَذا، لَيْسَتْ فِيهِ ”مِثْلَ“ زائِدَةً مَكانَ غَيْرِ هَذا. ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هَذا إخْبارٌ ثانٍ عَمَّنْ ماتَ، وهو كافِرٌ لَمّا بَيَّنَ تَعالى في الإخْبارِ الأوَّلِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يُخَلِّصَ بِهِ نَفْسَهُ، بَيَّنَ في هَذا الإخْبارِ ما لَهُ مِنَ العَذابِ المَوْصُوفِ بِالمُبالَغَةِ في الآلامِ لَهُ، إذِ الِافْتِداءُ وبَذْلُ الأمْوالِ إنَّما يَكُونُ لِما يَلْحَقُ المُفْتَدِيَ مِنَ الآلامِ حَتّى يَبْذُلَ في الخَلاصِ مِن ذَلِكَ أعَزَّ الأشْياءِ. كَما قالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ، وارْتِفاعُ ”عَذابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ عَلى أُولَئِكَ، لِكَوْنِهِ خَبَرًا عَنْهُ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُهُ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهَذا إخْبارٌ ثالِثٌ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنَ العَذابِ بِبَذْلِ المالِ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنهُ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ، وانْدَرَجَ فِيها النُّصْرَةُ بِالمُغالَبَةِ، والنُّصْرَةُ بِالشَّفاعَةِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْنافِ البَدِيعِ الطِّباقَ في قَوْلِهِ: طَوْعًا وكَرْهًا، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، في مَوْضِعَيْنِ. والتَّكْرارَ في: يَهْدِي ولا يَهْدِي، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، والتَّجْنِيسَ المُغايِرَ: في كَفَرُوا وكَفَرُوا. والتَّأْكِيدُ بِلَفْظٍ هم في (p-٥٢٣)قَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ، قِيلَ: والتَّشْبِيهَ في: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، شَبَّهَ تَمادِيَهم عَلى كُفْرِهِمْ وإجْرامِهِمْ بِالأجْرامِ الَّتِي يُزادُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والعُدُولَ مِن مِفْعَلٍ إلى فَعِيلٍ، في: عَذابٌ ألِيمٌ، لِما في فَعِيلٍ مِنَ المُبالَغَةِ. والحَذْفَ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:89

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وتَوْجِيهُ قِراءَةِ الحَسَنِ: والنّاسُ أجْمَعُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِمْ، وهُناكَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١]؛ لِأنَّ هُناكَ جاءَ الإخْبارُ عَنْ مَن ماتَ كافِرًا، فَلِذَلِكَ تَحَتَّمَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ألا تَرى إلى سَبَبِ النُّزُولِ ؟ وأنَّ أكْثَرَ الأقْوالِ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا ثُمَّ راجَعُوا الإسْلامَ ؟ ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (p-٥١٩)أيْ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ الكُفْرِ العَظِيمِ. (وأصْلَحُوا) أيْ: ما أفْسَدُوا، أوْ: دَخَلُوا في الصَّلاحِ، كَما تَقُولُ: أمْسى زَيْدٌ أيْ: دَخَلَ في المَساءِ. وقِيلَ: مَعْنى أصْلَحُوا: أظْهَرُوا أنَّهم كانُوا عَلى ضَلالٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] . ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غَفُورٌ أيْ لِكُفْرِهِمْ، رَحِيمٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وهُما صِيغَتا مُبالَغَةٍ دالَّتانِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِ عِيسى وبِالإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنَعْتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ. وقِيلَ: في اليَهُودِ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ، وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَّوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الِافْتِراءِ، والبُهْتِ، والسَّعْيِ عَلى الإسْلامِ قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوْ مَعْنى: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، تُمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ اليَهُودُ، والمُرْتَدُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ نَحْوَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن ماتَ عَلى الكُفْرِ مِن أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَإنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِبَكَّةَ ونَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ. ويُفَسَّرُ بِهَذِهِ الأقْوالِ مَعْنى ازْدِيادِ الكُفْرِ، وهو بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ، إذِ الإيمانُ والكُفْرُ في التَّحْقِيقِ لا يَزْدادانِ ولا يَنْقُصانِ، وإنَّما تَحْصُلُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لِلْمُتَعَلِّقاتِ، فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَيْهِما عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وازْدادُوا: افْتَعَلُوا، مِنَ الزِّيادَةِ، وانْتِصابُ ”كُفْرًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، المَعْنى: ثُمَّ ازْدادَ كَفْرُهم، والدّالُ الأُولى بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَكُونُ مِنهم تَوْبَةٌ، ولا تُقْبَلُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ، وازْدادَ كُفْرًا، أمْ كانَ كافِرًا أوَّلَ مَرَّةٍ. فاحْتِيجَ في ذَلِكَ إلى تَخْصِيصٍ، فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: نَفْيُ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِالحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾؛ لِأنَّها تَوْبَةٌ غَيْرُ خالِصَةٍ، إذْ هم مُرْتَدُّونَ، وعَزَمُوا عَلى إظْهارِ التَّوْبَةِ؛ لِسَتْرِ أحْوالِهِمْ وفي ضَمائِرِهِمُ الكُفْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم بَعْدَ المَوْتِ إذا ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمُ الَّتِي تابُوها قَبْلَ أنْ كَفَرُوا؛ لِأنَّ الكُفْرَ قَدْ أحْبَطَها. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم إذا تابُوا مِن كُفْرٍ إلى كُفْرٍ، وإنَّما تُقْبَلُ إذا تابُوا إلى الإسْلامِ. وفاصِلُ هَذا التَّخْصِيصِ أنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالزَّمانِ، أوْ يُوصَفُ في التَّوْبَةِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَوْبَةَ لَهم فَتُقْبَلَ، فَنَفى القَبُولَ، والمُرادُ نَفْيُ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ. عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، حَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ أيْ: لَيْسَتْ لَهم تَوْبَةٌ، فَهم لا مَحالَةَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. ولَمْ تُدْخُلِ الفاءُ في ”لَنْ تُقْبَلَ“ هُنا، ودَخَلَتْ في ”فَلَنْ تُقْبَلَ“؛ لِأنَّ الفاءَ مُؤْذِنَةٌ بِالِاسْتِحْقاقِ بِالوَصْفِ السّابِقِ، وهُناكَ قالَ: وماتُوا وهم كُفّارٌ، وهُنا لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا القَيْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) فَحِينَ كانَ مَعْنى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ بِمَعْنى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ فَهَلّا جُعِلَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ مُسَبَّبًا عَنِ ارْتِدادِهِمْ، وازْدِيادِهِمُ الكُفْرَ لِما في ذَلِكَ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ، ورُكُوبِ الرَّيْنِ، وجَرِّهِ إلى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ ؟ . قُلْتُ: لِأنَّهُ كَمْ مِن مُرْتَدٍ ازْدادَ الكُفْرَ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، ولا يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ ؟ . فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذِهِ الكِنايَةِ: أعْنِي إنْ كَنّى عَنِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ بِامْتِناعِ قَبُولِ التَّوْبَةِ ؟ . (قُلْتُ) الفائِدَةُ فِيها جَلِيلَةٌ، وهي التَّغْلِيظُ في شَأْنِ أُولَئِكَ الفَرِيقِ مِنَ الكُفّارِ، وإبْرازِ حالِهِمْ (p-٥٢٠)فِي صُورَةِ حالِ الآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي أغْلَظُ الأحْوالِ، وأشَدُّها. ألا تَرى أنَّ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ إنَّما يُخافُ مِن أجْلِ اليَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ ؟ انْتَهى كَلامُهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: لَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ تَوْبَتَهم بِالنَّصْبِ، والضّالُّونَ: المُخْطِئُونَ طَرِيقَ الحَقِّ والنَّجاةِ في الآخِرَةِ، أوِ: الهالِكُونَ؛ مِن ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ إذا صارَ هالِكًا. والواوُ في: وأُولَئِكَ لِلْعَطْفِ إمّا عَلى خَبَرِ إنَّ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وإمّا عَلى الجُمْلَةِ مِن إنَّ ومَطْلُوبَيْها، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. وذَكَرَ الرّاغِبُ قَوْلًا: إنَّ الواوَ في وأُولَئِكَ واوُ الحالِ، والمَعْنى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ في حالِ أنَّهم ضالُّونَ، فالتَّوْبَةُ والضَّلالُ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ انْتَهى هَذا القَوْلُ. ويَنْبُو عَنْ هَذا المَعْنى هَذا التَّرْكِيبُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَمْ يُؤْتَ بِاسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ في هُمُ الفَصْلُ، والِابْتِداءُ، والبَدَلُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ قَرَأ عِكْرِمَةُ: فَلَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقُرِئَ: فَلَنْ يَقْبَلَ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ فَلَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ. ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو السَّمّالِ: مِلَّ الأرْضِ، بِدُونِ هَمْزٍ. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، ووَجْهُهُ، أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ قَبْلُ، وهو اللّامُ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، وهو قِياسٌ في كُلِّ ما كانَ نَحْوَ هَذا، وأتى بِلَفْظِ أحَدِهِمْ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ مِنهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ وأنَصُّ في المَقْصُودِ، إذْ كانَ مِنهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِقَيْدِ الجَمِيعِ. وانْتِصابُ ذَهَبًا عَلى التَّمْيِيزِ، وفي ناصِبِ التَّمْيِيزِ خِلافٌ، وسَمّاهُ الفَرّاءُ تَفْسِيرًا؛ لِأنَّ المِقْدارَ مَعْلُومٌ، والمُقَدَّرُ بِهِ مُجْمَلٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: نُصِبَ عَلى إضْمارِ ”مِن“ أيْ: مِن ذَهَبٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] أيْ مِن صِيامٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ذَهَبٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَدٌّ عَلى ”مِلْءَ“ كَما يُقالُ: عِنْدِي عِشْرُونَ نَفْسًا رِجالٌ انْتَهى. ويَعْنِي بِالرَّدِّ البَدَلَ، ويَكُونُ مِن بَدَلِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ مِلْءَ الأرْضِ مَعْرِفَةٌ، ولِذَلِكَ ضَبَطَ الحُذّاقُ قَوْلَهُ: «لَكَ الحَمْدُ مِلْءُ السَّماواتِ والأرْضِ» بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِلْحَمْدِ، واسْتَعَفُّوا نَصْبَهُ عَلى الحالِ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً. ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: لَوِ افْتَدى بِهِ دُونَ واوٍ، ولَوْ هُنا هي بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ لا لَوِ الَّتِي هي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ لَوْ هُنا مُعَلَّقَةٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، وهو: فَلَنْ يُقْبَلَ، وتِلْكَ مُعَلَّقَةٌ بِالماضِي. فَأمّا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ فَإنَّهُ جَعَلَ الِافْتِداءَ شَرْطًا في عَدَمِ القَبُولِ فَلَمْ يَتَعَمَّمْ نَفْيُ وُجُودِ القَبُولِ، وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالواوِ فَقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ، وهو ضَعِيفٌ، ويَكُونُ المَعْنى إذْ ذاكَ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ، ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ (p-٥٢١)الأرْضِ ذَهَبًا انْتَهى. وهَذا المَعْنى يَنْبُو عَنْهُ هَذا التَّرْكِيبُ ولا يَحْتَمِلُهُ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذا التَّرْكِيبُ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ مَن ماتَ كافِرًا لا يُقْبَلَ مِنهُ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مَن ذَهَبٍ عَلى كُلِّ حالٍ يَقْصِدُها، ولَوْ في حالَةِ الِافْتِداءِ بِهِ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّ حالَةَ الِافْتِداءِ هي حالٌ لا يَمْتَنَّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ لِلْمُفْتَدِي، وقَدْ قَرَّرْنا في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ: ”لَوْ“ تَأْتِي مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها، كَقَوْلِهِ: «أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، ورُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» كَأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مِمّا كانَ لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتى بِها؛ لِأنَّ كَوْنَ السّائِلِ عَلى فَرَسٍ يَشْعُرُ بِغِناهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُقْبَلَ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَكِنَّهُ لا يُقْبَلُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يُصَدِّقَهم عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالَةِ صِدْقِهِمْ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّقُوا فِيها. فَلَفَظُ: ”ولَوْ“ هُنا لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ، والتَّأْكِيدِ لَهُ. وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَةَ مَجِيئِها. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ المَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ إنْفاقُهُ وتَقَرُّباتُهُ في الدُّنْيا، ولَوْ أنْفَقَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا، ولَوِ افْتَدى أيْضًا بِهِ في الآخِرَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ. قالَ: فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَقْبَلَ مِنهُمُ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا كانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهِ، ولَوِ افْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ انْتَهى. وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَيِّدِ الِافْتِداءَ بِالآخِرَةِ. وحَكى صاحِبُ (رَيِّ الظَّمْآنِ)، وغَيْرُهُ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: لَوِ افْتَدى بِهِ في الدُّنْيا مَعَ إقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ لَنْ يُقْبَلَ مِنهُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ انْتِفاءَ القَبُولِ، ولَوْ عَلى سَبِيلِ الفِدْيَةِ، إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وبَيَّنَهُ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يُحاسَبُ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهُ: قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ» . وهَذا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ (p-٥٢٢)هُوَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرِ أيْ: لَوْ أنَّ الكافِرَ قَدَرَ عَلى أعَزِّ الأشْياءِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلى بَذْلِهِ، لَعَجَزَ أنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّهم آيِسُونَ مِن تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ. فَهو نَظِيرُ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٧] ونَظِيرُ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ [المعارج: ١١] الآيَتَيْنِ، وعَلى هَذا يَبْعُدُ ما قالَهُ الزَّجّاجُ مِن أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم لَوْ أنْفَقُوا في الدُّنْيا مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الطّاعَةَ مَعَ الكُفْرِ لا تَكُونُ مَقْبُولَةً. وافْتَدى: افْتَعَلَ مِنَ الفِدْيَةِ. قِيلَ: وهو بِمَعْنى فَعَلَ، كَشَوى واشْتَوى، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، ويَحْتاجُ في تَعْدِيَةِ افْتَدى إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى مِلْءِ الأرْضِ، وهو مِقْدارُ ما يَمْلَؤُها، ويُوجَدُ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المِلْءِ، أوْ عَلى الذَّهَبِ. فَقِيلَ عَلى الذَّهَبِ غَلَطٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ [الزمر: ٤٧] والمِثْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ ضَرْبِهِ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ تُرِيدُ مِثْلَهُ. ؎ولا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ وقَضِيَّةُ ولا أبا حَسَنٍ لَها، تُرِيدُ ولا هَيْثَمَ، ولا مِثْلَ أبِي حَسَنٍ، كَما أنَّهُ يُرادُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ: أنْتَ وذَلِكَ أنَّ المِثْلَيْنِ يَسُدُّ أحَدُهُما مَسَدَّ الآخَرِ، فَكانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“ في قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخَيَّلَ أنَّ ما نُفِيَ أنْ يُقْبَلَ لا يُمْكِنُ أنْ يُفْتَدى بِهِ، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ حَتّى يُغايِرَ بَيْنَ ما نُفِيَ قَبُولُهُ، وبَيْنَ ما يُفْتَدى بِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَما ذَكَرْناهُ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: إذْ لا يُمْكِنُ عادَةً أنَّ أحَدًا يَمْلِكُ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا بِحَيْثُ لَوْ بَذَلَهُ عَلى أيِّ جِهَةٍ بَذْلُهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، بَلْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“، لِأنَّهُ نَفى قَبُولَهُ حَتّى في حالَةِ الِافْتِداءِ، ولَيْسَ ما قُدِّرَ في الآيَةِ نَظِيرَ ما مَثَّلَ بِهِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا مَعْنى لَهُ، ولا في اللَّفْظِ ولا المَعْنى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلا يُقَدَّرُ. وأمّا فِيما مَثَّلَ بِهِ مِن: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، فَبِضَرُورَةِ العَقْلِ نَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ: ”مِثْلَ“، إذْ ضَرْبُكَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ضَرْبُ زَيْدٍ، وذاتُ أبِي يُوسُفَ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ ذاتَ أبِي حَنِيفَةَ. وأمّا: ؎لا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ يَدُلُّ عَلى حَذْفٍ، مِثْلَ ما تَقَرَّرَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّ لا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ لا تَدْخُلُ عَلى الأعْلامِ فَتُؤَثِّرُ فِيها، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ لِتَبْقى عَلى ما تَقَرَّرَ فِيها، إذْ تَقَرَّرَ أنَّها لا تَعْمَلُ إلّا في الجِنْسِ؛ لِأنَّ العَلَمِيَّةَ تُنافِي عُمُومَ الجِنْسِ. وأمّا قَوْلُهُ: كَما أنْ يُزادَ في: مِثْلِكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ أنْتَ، فَهَذا قَوْلٌ قَدْ قِيلَ، ولَكِنَّ المُخْتارَ عِنْدَ حُذّاقُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الأسْماءَ لا تُزادُ، ولِتَقْرِيرِ أنَّ مِثْلَكَ لا يَفْعَلُ كَذا، لَيْسَتْ فِيهِ ”مِثْلَ“ زائِدَةً مَكانَ غَيْرِ هَذا. ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هَذا إخْبارٌ ثانٍ عَمَّنْ ماتَ، وهو كافِرٌ لَمّا بَيَّنَ تَعالى في الإخْبارِ الأوَّلِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يُخَلِّصَ بِهِ نَفْسَهُ، بَيَّنَ في هَذا الإخْبارِ ما لَهُ مِنَ العَذابِ المَوْصُوفِ بِالمُبالَغَةِ في الآلامِ لَهُ، إذِ الِافْتِداءُ وبَذْلُ الأمْوالِ إنَّما يَكُونُ لِما يَلْحَقُ المُفْتَدِيَ مِنَ الآلامِ حَتّى يَبْذُلَ في الخَلاصِ مِن ذَلِكَ أعَزَّ الأشْياءِ. كَما قالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ، وارْتِفاعُ ”عَذابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ عَلى أُولَئِكَ، لِكَوْنِهِ خَبَرًا عَنْهُ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُهُ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهَذا إخْبارٌ ثالِثٌ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنَ العَذابِ بِبَذْلِ المالِ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنهُ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ، وانْدَرَجَ فِيها النُّصْرَةُ بِالمُغالَبَةِ، والنُّصْرَةُ بِالشَّفاعَةِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْنافِ البَدِيعِ الطِّباقَ في قَوْلِهِ: طَوْعًا وكَرْهًا، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، في مَوْضِعَيْنِ. والتَّكْرارَ في: يَهْدِي ولا يَهْدِي، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، والتَّجْنِيسَ المُغايِرَ: في كَفَرُوا وكَفَرُوا. والتَّأْكِيدُ بِلَفْظٍ هم في (p-٥٢٣)قَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ، قِيلَ: والتَّشْبِيهَ في: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، شَبَّهَ تَمادِيَهم عَلى كُفْرِهِمْ وإجْرامِهِمْ بِالأجْرامِ الَّتِي يُزادُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والعُدُولَ مِن مِفْعَلٍ إلى فَعِيلٍ، في: عَذابٌ ألِيمٌ، لِما في فَعِيلٍ مِنَ المُبالَغَةِ. والحَذْفَ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:90

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وتَوْجِيهُ قِراءَةِ الحَسَنِ: والنّاسُ أجْمَعُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِمْ، وهُناكَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١]؛ لِأنَّ هُناكَ جاءَ الإخْبارُ عَنْ مَن ماتَ كافِرًا، فَلِذَلِكَ تَحَتَّمَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ألا تَرى إلى سَبَبِ النُّزُولِ ؟ وأنَّ أكْثَرَ الأقْوالِ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا ثُمَّ راجَعُوا الإسْلامَ ؟ ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (p-٥١٩)أيْ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ الكُفْرِ العَظِيمِ. (وأصْلَحُوا) أيْ: ما أفْسَدُوا، أوْ: دَخَلُوا في الصَّلاحِ، كَما تَقُولُ: أمْسى زَيْدٌ أيْ: دَخَلَ في المَساءِ. وقِيلَ: مَعْنى أصْلَحُوا: أظْهَرُوا أنَّهم كانُوا عَلى ضَلالٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] . ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غَفُورٌ أيْ لِكُفْرِهِمْ، رَحِيمٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وهُما صِيغَتا مُبالَغَةٍ دالَّتانِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِ عِيسى وبِالإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنَعْتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ. وقِيلَ: في اليَهُودِ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ، وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَّوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الِافْتِراءِ، والبُهْتِ، والسَّعْيِ عَلى الإسْلامِ قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوْ مَعْنى: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، تُمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ اليَهُودُ، والمُرْتَدُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ نَحْوَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن ماتَ عَلى الكُفْرِ مِن أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَإنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِبَكَّةَ ونَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ. ويُفَسَّرُ بِهَذِهِ الأقْوالِ مَعْنى ازْدِيادِ الكُفْرِ، وهو بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ، إذِ الإيمانُ والكُفْرُ في التَّحْقِيقِ لا يَزْدادانِ ولا يَنْقُصانِ، وإنَّما تَحْصُلُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لِلْمُتَعَلِّقاتِ، فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَيْهِما عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وازْدادُوا: افْتَعَلُوا، مِنَ الزِّيادَةِ، وانْتِصابُ ”كُفْرًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، المَعْنى: ثُمَّ ازْدادَ كَفْرُهم، والدّالُ الأُولى بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَكُونُ مِنهم تَوْبَةٌ، ولا تُقْبَلُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ، وازْدادَ كُفْرًا، أمْ كانَ كافِرًا أوَّلَ مَرَّةٍ. فاحْتِيجَ في ذَلِكَ إلى تَخْصِيصٍ، فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: نَفْيُ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِالحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾؛ لِأنَّها تَوْبَةٌ غَيْرُ خالِصَةٍ، إذْ هم مُرْتَدُّونَ، وعَزَمُوا عَلى إظْهارِ التَّوْبَةِ؛ لِسَتْرِ أحْوالِهِمْ وفي ضَمائِرِهِمُ الكُفْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم بَعْدَ المَوْتِ إذا ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمُ الَّتِي تابُوها قَبْلَ أنْ كَفَرُوا؛ لِأنَّ الكُفْرَ قَدْ أحْبَطَها. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم إذا تابُوا مِن كُفْرٍ إلى كُفْرٍ، وإنَّما تُقْبَلُ إذا تابُوا إلى الإسْلامِ. وفاصِلُ هَذا التَّخْصِيصِ أنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالزَّمانِ، أوْ يُوصَفُ في التَّوْبَةِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَوْبَةَ لَهم فَتُقْبَلَ، فَنَفى القَبُولَ، والمُرادُ نَفْيُ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ. عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، حَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ أيْ: لَيْسَتْ لَهم تَوْبَةٌ، فَهم لا مَحالَةَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. ولَمْ تُدْخُلِ الفاءُ في ”لَنْ تُقْبَلَ“ هُنا، ودَخَلَتْ في ”فَلَنْ تُقْبَلَ“؛ لِأنَّ الفاءَ مُؤْذِنَةٌ بِالِاسْتِحْقاقِ بِالوَصْفِ السّابِقِ، وهُناكَ قالَ: وماتُوا وهم كُفّارٌ، وهُنا لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا القَيْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) فَحِينَ كانَ مَعْنى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ بِمَعْنى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ فَهَلّا جُعِلَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ مُسَبَّبًا عَنِ ارْتِدادِهِمْ، وازْدِيادِهِمُ الكُفْرَ لِما في ذَلِكَ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ، ورُكُوبِ الرَّيْنِ، وجَرِّهِ إلى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ ؟ . قُلْتُ: لِأنَّهُ كَمْ مِن مُرْتَدٍ ازْدادَ الكُفْرَ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، ولا يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ ؟ . فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذِهِ الكِنايَةِ: أعْنِي إنْ كَنّى عَنِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ بِامْتِناعِ قَبُولِ التَّوْبَةِ ؟ . (قُلْتُ) الفائِدَةُ فِيها جَلِيلَةٌ، وهي التَّغْلِيظُ في شَأْنِ أُولَئِكَ الفَرِيقِ مِنَ الكُفّارِ، وإبْرازِ حالِهِمْ (p-٥٢٠)فِي صُورَةِ حالِ الآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي أغْلَظُ الأحْوالِ، وأشَدُّها. ألا تَرى أنَّ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ إنَّما يُخافُ مِن أجْلِ اليَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ ؟ انْتَهى كَلامُهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: لَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ تَوْبَتَهم بِالنَّصْبِ، والضّالُّونَ: المُخْطِئُونَ طَرِيقَ الحَقِّ والنَّجاةِ في الآخِرَةِ، أوِ: الهالِكُونَ؛ مِن ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ إذا صارَ هالِكًا. والواوُ في: وأُولَئِكَ لِلْعَطْفِ إمّا عَلى خَبَرِ إنَّ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وإمّا عَلى الجُمْلَةِ مِن إنَّ ومَطْلُوبَيْها، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. وذَكَرَ الرّاغِبُ قَوْلًا: إنَّ الواوَ في وأُولَئِكَ واوُ الحالِ، والمَعْنى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ في حالِ أنَّهم ضالُّونَ، فالتَّوْبَةُ والضَّلالُ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ انْتَهى هَذا القَوْلُ. ويَنْبُو عَنْ هَذا المَعْنى هَذا التَّرْكِيبُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَمْ يُؤْتَ بِاسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ في هُمُ الفَصْلُ، والِابْتِداءُ، والبَدَلُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ قَرَأ عِكْرِمَةُ: فَلَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقُرِئَ: فَلَنْ يَقْبَلَ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ فَلَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ. ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو السَّمّالِ: مِلَّ الأرْضِ، بِدُونِ هَمْزٍ. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، ووَجْهُهُ، أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ قَبْلُ، وهو اللّامُ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، وهو قِياسٌ في كُلِّ ما كانَ نَحْوَ هَذا، وأتى بِلَفْظِ أحَدِهِمْ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ مِنهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ وأنَصُّ في المَقْصُودِ، إذْ كانَ مِنهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِقَيْدِ الجَمِيعِ. وانْتِصابُ ذَهَبًا عَلى التَّمْيِيزِ، وفي ناصِبِ التَّمْيِيزِ خِلافٌ، وسَمّاهُ الفَرّاءُ تَفْسِيرًا؛ لِأنَّ المِقْدارَ مَعْلُومٌ، والمُقَدَّرُ بِهِ مُجْمَلٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: نُصِبَ عَلى إضْمارِ ”مِن“ أيْ: مِن ذَهَبٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] أيْ مِن صِيامٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ذَهَبٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَدٌّ عَلى ”مِلْءَ“ كَما يُقالُ: عِنْدِي عِشْرُونَ نَفْسًا رِجالٌ انْتَهى. ويَعْنِي بِالرَّدِّ البَدَلَ، ويَكُونُ مِن بَدَلِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ مِلْءَ الأرْضِ مَعْرِفَةٌ، ولِذَلِكَ ضَبَطَ الحُذّاقُ قَوْلَهُ: «لَكَ الحَمْدُ مِلْءُ السَّماواتِ والأرْضِ» بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِلْحَمْدِ، واسْتَعَفُّوا نَصْبَهُ عَلى الحالِ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً. ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: لَوِ افْتَدى بِهِ دُونَ واوٍ، ولَوْ هُنا هي بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ لا لَوِ الَّتِي هي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ لَوْ هُنا مُعَلَّقَةٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، وهو: فَلَنْ يُقْبَلَ، وتِلْكَ مُعَلَّقَةٌ بِالماضِي. فَأمّا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ فَإنَّهُ جَعَلَ الِافْتِداءَ شَرْطًا في عَدَمِ القَبُولِ فَلَمْ يَتَعَمَّمْ نَفْيُ وُجُودِ القَبُولِ، وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالواوِ فَقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ، وهو ضَعِيفٌ، ويَكُونُ المَعْنى إذْ ذاكَ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ، ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ (p-٥٢١)الأرْضِ ذَهَبًا انْتَهى. وهَذا المَعْنى يَنْبُو عَنْهُ هَذا التَّرْكِيبُ ولا يَحْتَمِلُهُ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذا التَّرْكِيبُ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ مَن ماتَ كافِرًا لا يُقْبَلَ مِنهُ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مَن ذَهَبٍ عَلى كُلِّ حالٍ يَقْصِدُها، ولَوْ في حالَةِ الِافْتِداءِ بِهِ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّ حالَةَ الِافْتِداءِ هي حالٌ لا يَمْتَنَّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ لِلْمُفْتَدِي، وقَدْ قَرَّرْنا في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ: ”لَوْ“ تَأْتِي مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها، كَقَوْلِهِ: «أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، ورُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» كَأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مِمّا كانَ لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتى بِها؛ لِأنَّ كَوْنَ السّائِلِ عَلى فَرَسٍ يَشْعُرُ بِغِناهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُقْبَلَ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَكِنَّهُ لا يُقْبَلُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يُصَدِّقَهم عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالَةِ صِدْقِهِمْ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّقُوا فِيها. فَلَفَظُ: ”ولَوْ“ هُنا لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ، والتَّأْكِيدِ لَهُ. وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَةَ مَجِيئِها. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ المَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ إنْفاقُهُ وتَقَرُّباتُهُ في الدُّنْيا، ولَوْ أنْفَقَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا، ولَوِ افْتَدى أيْضًا بِهِ في الآخِرَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ. قالَ: فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَقْبَلَ مِنهُمُ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا كانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهِ، ولَوِ افْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ انْتَهى. وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَيِّدِ الِافْتِداءَ بِالآخِرَةِ. وحَكى صاحِبُ (رَيِّ الظَّمْآنِ)، وغَيْرُهُ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: لَوِ افْتَدى بِهِ في الدُّنْيا مَعَ إقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ لَنْ يُقْبَلَ مِنهُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ انْتِفاءَ القَبُولِ، ولَوْ عَلى سَبِيلِ الفِدْيَةِ، إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وبَيَّنَهُ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يُحاسَبُ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهُ: قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ» . وهَذا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ (p-٥٢٢)هُوَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرِ أيْ: لَوْ أنَّ الكافِرَ قَدَرَ عَلى أعَزِّ الأشْياءِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلى بَذْلِهِ، لَعَجَزَ أنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّهم آيِسُونَ مِن تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ. فَهو نَظِيرُ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٧] ونَظِيرُ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ [المعارج: ١١] الآيَتَيْنِ، وعَلى هَذا يَبْعُدُ ما قالَهُ الزَّجّاجُ مِن أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم لَوْ أنْفَقُوا في الدُّنْيا مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الطّاعَةَ مَعَ الكُفْرِ لا تَكُونُ مَقْبُولَةً. وافْتَدى: افْتَعَلَ مِنَ الفِدْيَةِ. قِيلَ: وهو بِمَعْنى فَعَلَ، كَشَوى واشْتَوى، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، ويَحْتاجُ في تَعْدِيَةِ افْتَدى إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى مِلْءِ الأرْضِ، وهو مِقْدارُ ما يَمْلَؤُها، ويُوجَدُ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المِلْءِ، أوْ عَلى الذَّهَبِ. فَقِيلَ عَلى الذَّهَبِ غَلَطٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ [الزمر: ٤٧] والمِثْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ ضَرْبِهِ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ تُرِيدُ مِثْلَهُ. ؎ولا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ وقَضِيَّةُ ولا أبا حَسَنٍ لَها، تُرِيدُ ولا هَيْثَمَ، ولا مِثْلَ أبِي حَسَنٍ، كَما أنَّهُ يُرادُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ: أنْتَ وذَلِكَ أنَّ المِثْلَيْنِ يَسُدُّ أحَدُهُما مَسَدَّ الآخَرِ، فَكانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“ في قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخَيَّلَ أنَّ ما نُفِيَ أنْ يُقْبَلَ لا يُمْكِنُ أنْ يُفْتَدى بِهِ، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ حَتّى يُغايِرَ بَيْنَ ما نُفِيَ قَبُولُهُ، وبَيْنَ ما يُفْتَدى بِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَما ذَكَرْناهُ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: إذْ لا يُمْكِنُ عادَةً أنَّ أحَدًا يَمْلِكُ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا بِحَيْثُ لَوْ بَذَلَهُ عَلى أيِّ جِهَةٍ بَذْلُهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، بَلْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“، لِأنَّهُ نَفى قَبُولَهُ حَتّى في حالَةِ الِافْتِداءِ، ولَيْسَ ما قُدِّرَ في الآيَةِ نَظِيرَ ما مَثَّلَ بِهِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا مَعْنى لَهُ، ولا في اللَّفْظِ ولا المَعْنى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلا يُقَدَّرُ. وأمّا فِيما مَثَّلَ بِهِ مِن: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، فَبِضَرُورَةِ العَقْلِ نَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ: ”مِثْلَ“، إذْ ضَرْبُكَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ضَرْبُ زَيْدٍ، وذاتُ أبِي يُوسُفَ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ ذاتَ أبِي حَنِيفَةَ. وأمّا: ؎لا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ يَدُلُّ عَلى حَذْفٍ، مِثْلَ ما تَقَرَّرَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّ لا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ لا تَدْخُلُ عَلى الأعْلامِ فَتُؤَثِّرُ فِيها، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ لِتَبْقى عَلى ما تَقَرَّرَ فِيها، إذْ تَقَرَّرَ أنَّها لا تَعْمَلُ إلّا في الجِنْسِ؛ لِأنَّ العَلَمِيَّةَ تُنافِي عُمُومَ الجِنْسِ. وأمّا قَوْلُهُ: كَما أنْ يُزادَ في: مِثْلِكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ أنْتَ، فَهَذا قَوْلٌ قَدْ قِيلَ، ولَكِنَّ المُخْتارَ عِنْدَ حُذّاقُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الأسْماءَ لا تُزادُ، ولِتَقْرِيرِ أنَّ مِثْلَكَ لا يَفْعَلُ كَذا، لَيْسَتْ فِيهِ ”مِثْلَ“ زائِدَةً مَكانَ غَيْرِ هَذا. ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هَذا إخْبارٌ ثانٍ عَمَّنْ ماتَ، وهو كافِرٌ لَمّا بَيَّنَ تَعالى في الإخْبارِ الأوَّلِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يُخَلِّصَ بِهِ نَفْسَهُ، بَيَّنَ في هَذا الإخْبارِ ما لَهُ مِنَ العَذابِ المَوْصُوفِ بِالمُبالَغَةِ في الآلامِ لَهُ، إذِ الِافْتِداءُ وبَذْلُ الأمْوالِ إنَّما يَكُونُ لِما يَلْحَقُ المُفْتَدِيَ مِنَ الآلامِ حَتّى يَبْذُلَ في الخَلاصِ مِن ذَلِكَ أعَزَّ الأشْياءِ. كَما قالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ، وارْتِفاعُ ”عَذابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ عَلى أُولَئِكَ، لِكَوْنِهِ خَبَرًا عَنْهُ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُهُ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهَذا إخْبارٌ ثالِثٌ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنَ العَذابِ بِبَذْلِ المالِ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنهُ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ، وانْدَرَجَ فِيها النُّصْرَةُ بِالمُغالَبَةِ، والنُّصْرَةُ بِالشَّفاعَةِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْنافِ البَدِيعِ الطِّباقَ في قَوْلِهِ: طَوْعًا وكَرْهًا، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، في مَوْضِعَيْنِ. والتَّكْرارَ في: يَهْدِي ولا يَهْدِي، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، والتَّجْنِيسَ المُغايِرَ: في كَفَرُوا وكَفَرُوا. والتَّأْكِيدُ بِلَفْظٍ هم في (p-٥٢٣)قَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ، قِيلَ: والتَّشْبِيهَ في: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، شَبَّهَ تَمادِيَهم عَلى كُفْرِهِمْ وإجْرامِهِمْ بِالأجْرامِ الَّتِي يُزادُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والعُدُولَ مِن مِفْعَلٍ إلى فَعِيلٍ، في: عَذابٌ ألِيمٌ، لِما في فَعِيلٍ مِنَ المُبالَغَةِ. والحَذْفَ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:91

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وتَوْجِيهُ قِراءَةِ الحَسَنِ: والنّاسُ أجْمَعُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِمْ، وهُناكَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١]؛ لِأنَّ هُناكَ جاءَ الإخْبارُ عَنْ مَن ماتَ كافِرًا، فَلِذَلِكَ تَحَتَّمَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ألا تَرى إلى سَبَبِ النُّزُولِ ؟ وأنَّ أكْثَرَ الأقْوالِ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا ثُمَّ راجَعُوا الإسْلامَ ؟ ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (p-٥١٩)أيْ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ الكُفْرِ العَظِيمِ. (وأصْلَحُوا) أيْ: ما أفْسَدُوا، أوْ: دَخَلُوا في الصَّلاحِ، كَما تَقُولُ: أمْسى زَيْدٌ أيْ: دَخَلَ في المَساءِ. وقِيلَ: مَعْنى أصْلَحُوا: أظْهَرُوا أنَّهم كانُوا عَلى ضَلالٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] . ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غَفُورٌ أيْ لِكُفْرِهِمْ، رَحِيمٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وهُما صِيغَتا مُبالَغَةٍ دالَّتانِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِ عِيسى وبِالإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنَعْتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ. وقِيلَ: في اليَهُودِ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ، وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَّوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الِافْتِراءِ، والبُهْتِ، والسَّعْيِ عَلى الإسْلامِ قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوْ مَعْنى: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، تُمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ اليَهُودُ، والمُرْتَدُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ نَحْوَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن ماتَ عَلى الكُفْرِ مِن أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَإنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِبَكَّةَ ونَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ. ويُفَسَّرُ بِهَذِهِ الأقْوالِ مَعْنى ازْدِيادِ الكُفْرِ، وهو بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ، إذِ الإيمانُ والكُفْرُ في التَّحْقِيقِ لا يَزْدادانِ ولا يَنْقُصانِ، وإنَّما تَحْصُلُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لِلْمُتَعَلِّقاتِ، فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَيْهِما عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وازْدادُوا: افْتَعَلُوا، مِنَ الزِّيادَةِ، وانْتِصابُ ”كُفْرًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، المَعْنى: ثُمَّ ازْدادَ كَفْرُهم، والدّالُ الأُولى بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَكُونُ مِنهم تَوْبَةٌ، ولا تُقْبَلُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ، وازْدادَ كُفْرًا، أمْ كانَ كافِرًا أوَّلَ مَرَّةٍ. فاحْتِيجَ في ذَلِكَ إلى تَخْصِيصٍ، فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: نَفْيُ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِالحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾؛ لِأنَّها تَوْبَةٌ غَيْرُ خالِصَةٍ، إذْ هم مُرْتَدُّونَ، وعَزَمُوا عَلى إظْهارِ التَّوْبَةِ؛ لِسَتْرِ أحْوالِهِمْ وفي ضَمائِرِهِمُ الكُفْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم بَعْدَ المَوْتِ إذا ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمُ الَّتِي تابُوها قَبْلَ أنْ كَفَرُوا؛ لِأنَّ الكُفْرَ قَدْ أحْبَطَها. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم إذا تابُوا مِن كُفْرٍ إلى كُفْرٍ، وإنَّما تُقْبَلُ إذا تابُوا إلى الإسْلامِ. وفاصِلُ هَذا التَّخْصِيصِ أنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالزَّمانِ، أوْ يُوصَفُ في التَّوْبَةِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَوْبَةَ لَهم فَتُقْبَلَ، فَنَفى القَبُولَ، والمُرادُ نَفْيُ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ. عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنارِهِ أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، حَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ أيْ: لَيْسَتْ لَهم تَوْبَةٌ، فَهم لا مَحالَةَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. ولَمْ تُدْخُلِ الفاءُ في ”لَنْ تُقْبَلَ“ هُنا، ودَخَلَتْ في ”فَلَنْ تُقْبَلَ“؛ لِأنَّ الفاءَ مُؤْذِنَةٌ بِالِاسْتِحْقاقِ بِالوَصْفِ السّابِقِ، وهُناكَ قالَ: وماتُوا وهم كُفّارٌ، وهُنا لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا القَيْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) فَحِينَ كانَ مَعْنى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ بِمَعْنى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ فَهَلّا جُعِلَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ مُسَبَّبًا عَنِ ارْتِدادِهِمْ، وازْدِيادِهِمُ الكُفْرَ لِما في ذَلِكَ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ، ورُكُوبِ الرَّيْنِ، وجَرِّهِ إلى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ ؟ . قُلْتُ: لِأنَّهُ كَمْ مِن مُرْتَدٍ ازْدادَ الكُفْرَ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، ولا يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ ؟ . فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذِهِ الكِنايَةِ: أعْنِي إنْ كَنّى عَنِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ بِامْتِناعِ قَبُولِ التَّوْبَةِ ؟ . (قُلْتُ) الفائِدَةُ فِيها جَلِيلَةٌ، وهي التَّغْلِيظُ في شَأْنِ أُولَئِكَ الفَرِيقِ مِنَ الكُفّارِ، وإبْرازِ حالِهِمْ (p-٥٢٠)فِي صُورَةِ حالِ الآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي أغْلَظُ الأحْوالِ، وأشَدُّها. ألا تَرى أنَّ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ إنَّما يُخافُ مِن أجْلِ اليَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ ؟ انْتَهى كَلامُهُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: لَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ تَوْبَتَهم بِالنَّصْبِ، والضّالُّونَ: المُخْطِئُونَ طَرِيقَ الحَقِّ والنَّجاةِ في الآخِرَةِ، أوِ: الهالِكُونَ؛ مِن ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ إذا صارَ هالِكًا. والواوُ في: وأُولَئِكَ لِلْعَطْفِ إمّا عَلى خَبَرِ إنَّ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وإمّا عَلى الجُمْلَةِ مِن إنَّ ومَطْلُوبَيْها، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. وذَكَرَ الرّاغِبُ قَوْلًا: إنَّ الواوَ في وأُولَئِكَ واوُ الحالِ، والمَعْنى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ في حالِ أنَّهم ضالُّونَ، فالتَّوْبَةُ والضَّلالُ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ انْتَهى هَذا القَوْلُ. ويَنْبُو عَنْ هَذا المَعْنى هَذا التَّرْكِيبُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَمْ يُؤْتَ بِاسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ في هُمُ الفَصْلُ، والِابْتِداءُ، والبَدَلُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ قَرَأ عِكْرِمَةُ: فَلَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقُرِئَ: فَلَنْ يَقْبَلَ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ فَلَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ. ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو السَّمّالِ: مِلَّ الأرْضِ، بِدُونِ هَمْزٍ. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، ووَجْهُهُ، أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ قَبْلُ، وهو اللّامُ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، وهو قِياسٌ في كُلِّ ما كانَ نَحْوَ هَذا، وأتى بِلَفْظِ أحَدِهِمْ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ مِنهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ وأنَصُّ في المَقْصُودِ، إذْ كانَ مِنهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِقَيْدِ الجَمِيعِ. وانْتِصابُ ذَهَبًا عَلى التَّمْيِيزِ، وفي ناصِبِ التَّمْيِيزِ خِلافٌ، وسَمّاهُ الفَرّاءُ تَفْسِيرًا؛ لِأنَّ المِقْدارَ مَعْلُومٌ، والمُقَدَّرُ بِهِ مُجْمَلٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: نُصِبَ عَلى إضْمارِ ”مِن“ أيْ: مِن ذَهَبٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] أيْ مِن صِيامٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ذَهَبٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَدٌّ عَلى ”مِلْءَ“ كَما يُقالُ: عِنْدِي عِشْرُونَ نَفْسًا رِجالٌ انْتَهى. ويَعْنِي بِالرَّدِّ البَدَلَ، ويَكُونُ مِن بَدَلِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ مِلْءَ الأرْضِ مَعْرِفَةٌ، ولِذَلِكَ ضَبَطَ الحُذّاقُ قَوْلَهُ: «لَكَ الحَمْدُ مِلْءُ السَّماواتِ والأرْضِ» بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِلْحَمْدِ، واسْتَعَفُّوا نَصْبَهُ عَلى الحالِ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً. ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: لَوِ افْتَدى بِهِ دُونَ واوٍ، ولَوْ هُنا هي بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ لا لَوِ الَّتِي هي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ لَوْ هُنا مُعَلَّقَةٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، وهو: فَلَنْ يُقْبَلَ، وتِلْكَ مُعَلَّقَةٌ بِالماضِي. فَأمّا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ فَإنَّهُ جَعَلَ الِافْتِداءَ شَرْطًا في عَدَمِ القَبُولِ فَلَمْ يَتَعَمَّمْ نَفْيُ وُجُودِ القَبُولِ، وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالواوِ فَقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ، وهو ضَعِيفٌ، ويَكُونُ المَعْنى إذْ ذاكَ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ، ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ (p-٥٢١)الأرْضِ ذَهَبًا انْتَهى. وهَذا المَعْنى يَنْبُو عَنْهُ هَذا التَّرْكِيبُ ولا يَحْتَمِلُهُ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذا التَّرْكِيبُ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ مَن ماتَ كافِرًا لا يُقْبَلَ مِنهُ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مَن ذَهَبٍ عَلى كُلِّ حالٍ يَقْصِدُها، ولَوْ في حالَةِ الِافْتِداءِ بِهِ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّ حالَةَ الِافْتِداءِ هي حالٌ لا يَمْتَنَّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ لِلْمُفْتَدِي، وقَدْ قَرَّرْنا في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ: ”لَوْ“ تَأْتِي مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها، كَقَوْلِهِ: «أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، ورُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» كَأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مِمّا كانَ لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتى بِها؛ لِأنَّ كَوْنَ السّائِلِ عَلى فَرَسٍ يَشْعُرُ بِغِناهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُقْبَلَ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَكِنَّهُ لا يُقْبَلُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يُصَدِّقَهم عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالَةِ صِدْقِهِمْ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّقُوا فِيها. فَلَفَظُ: ”ولَوْ“ هُنا لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ، والتَّأْكِيدِ لَهُ. وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَةَ مَجِيئِها. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ المَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ إنْفاقُهُ وتَقَرُّباتُهُ في الدُّنْيا، ولَوْ أنْفَقَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا، ولَوِ افْتَدى أيْضًا بِهِ في الآخِرَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ. قالَ: فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَقْبَلَ مِنهُمُ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا كانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهِ، ولَوِ افْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ انْتَهى. وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَيِّدِ الِافْتِداءَ بِالآخِرَةِ. وحَكى صاحِبُ (رَيِّ الظَّمْآنِ)، وغَيْرُهُ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: لَوِ افْتَدى بِهِ في الدُّنْيا مَعَ إقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ لَنْ يُقْبَلَ مِنهُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ انْتِفاءَ القَبُولِ، ولَوْ عَلى سَبِيلِ الفِدْيَةِ، إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وبَيَّنَهُ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يُحاسَبُ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهُ: قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ» . وهَذا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ (p-٥٢٢)هُوَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرِ أيْ: لَوْ أنَّ الكافِرَ قَدَرَ عَلى أعَزِّ الأشْياءِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلى بَذْلِهِ، لَعَجَزَ أنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّهم آيِسُونَ مِن تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ. فَهو نَظِيرُ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٧] ونَظِيرُ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ [المعارج: ١١] الآيَتَيْنِ، وعَلى هَذا يَبْعُدُ ما قالَهُ الزَّجّاجُ مِن أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم لَوْ أنْفَقُوا في الدُّنْيا مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الطّاعَةَ مَعَ الكُفْرِ لا تَكُونُ مَقْبُولَةً. وافْتَدى: افْتَعَلَ مِنَ الفِدْيَةِ. قِيلَ: وهو بِمَعْنى فَعَلَ، كَشَوى واشْتَوى، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، ويَحْتاجُ في تَعْدِيَةِ افْتَدى إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى مِلْءِ الأرْضِ، وهو مِقْدارُ ما يَمْلَؤُها، ويُوجَدُ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المِلْءِ، أوْ عَلى الذَّهَبِ. فَقِيلَ عَلى الذَّهَبِ غَلَطٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ [الزمر: ٤٧] والمِثْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ ضَرْبِهِ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ تُرِيدُ مِثْلَهُ. ؎ولا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ وقَضِيَّةُ ولا أبا حَسَنٍ لَها، تُرِيدُ ولا هَيْثَمَ، ولا مِثْلَ أبِي حَسَنٍ، كَما أنَّهُ يُرادُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ: أنْتَ وذَلِكَ أنَّ المِثْلَيْنِ يَسُدُّ أحَدُهُما مَسَدَّ الآخَرِ، فَكانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“ في قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخَيَّلَ أنَّ ما نُفِيَ أنْ يُقْبَلَ لا يُمْكِنُ أنْ يُفْتَدى بِهِ، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ حَتّى يُغايِرَ بَيْنَ ما نُفِيَ قَبُولُهُ، وبَيْنَ ما يُفْتَدى بِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَما ذَكَرْناهُ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: إذْ لا يُمْكِنُ عادَةً أنَّ أحَدًا يَمْلِكُ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا بِحَيْثُ لَوْ بَذَلَهُ عَلى أيِّ جِهَةٍ بَذْلُهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، بَلْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“، لِأنَّهُ نَفى قَبُولَهُ حَتّى في حالَةِ الِافْتِداءِ، ولَيْسَ ما قُدِّرَ في الآيَةِ نَظِيرَ ما مَثَّلَ بِهِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا مَعْنى لَهُ، ولا في اللَّفْظِ ولا المَعْنى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلا يُقَدَّرُ. وأمّا فِيما مَثَّلَ بِهِ مِن: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، فَبِضَرُورَةِ العَقْلِ نَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ: ”مِثْلَ“، إذْ ضَرْبُكَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ضَرْبُ زَيْدٍ، وذاتُ أبِي يُوسُفَ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ ذاتَ أبِي حَنِيفَةَ. وأمّا: ؎لا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ يَدُلُّ عَلى حَذْفٍ، مِثْلَ ما تَقَرَّرَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّ لا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ لا تَدْخُلُ عَلى الأعْلامِ فَتُؤَثِّرُ فِيها، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ لِتَبْقى عَلى ما تَقَرَّرَ فِيها، إذْ تَقَرَّرَ أنَّها لا تَعْمَلُ إلّا في الجِنْسِ؛ لِأنَّ العَلَمِيَّةَ تُنافِي عُمُومَ الجِنْسِ. وأمّا قَوْلُهُ: كَما أنْ يُزادَ في: مِثْلِكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ أنْتَ، فَهَذا قَوْلٌ قَدْ قِيلَ، ولَكِنَّ المُخْتارَ عِنْدَ حُذّاقُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الأسْماءَ لا تُزادُ، ولِتَقْرِيرِ أنَّ مِثْلَكَ لا يَفْعَلُ كَذا، لَيْسَتْ فِيهِ ”مِثْلَ“ زائِدَةً مَكانَ غَيْرِ هَذا. ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هَذا إخْبارٌ ثانٍ عَمَّنْ ماتَ، وهو كافِرٌ لَمّا بَيَّنَ تَعالى في الإخْبارِ الأوَّلِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يُخَلِّصَ بِهِ نَفْسَهُ، بَيَّنَ في هَذا الإخْبارِ ما لَهُ مِنَ العَذابِ المَوْصُوفِ بِالمُبالَغَةِ في الآلامِ لَهُ، إذِ الِافْتِداءُ وبَذْلُ الأمْوالِ إنَّما يَكُونُ لِما يَلْحَقُ المُفْتَدِيَ مِنَ الآلامِ حَتّى يَبْذُلَ في الخَلاصِ مِن ذَلِكَ أعَزَّ الأشْياءِ. كَما قالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ، وارْتِفاعُ ”عَذابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ عَلى أُولَئِكَ، لِكَوْنِهِ خَبَرًا عَنْهُ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُهُ عَلى الِابْتِداءِ. ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهَذا إخْبارٌ ثالِثٌ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنَ العَذابِ بِبَذْلِ المالِ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنهُ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ، وانْدَرَجَ فِيها النُّصْرَةُ بِالمُغالَبَةِ، والنُّصْرَةُ بِالشَّفاعَةِ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْنافِ البَدِيعِ الطِّباقَ في قَوْلِهِ: طَوْعًا وكَرْهًا، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، في مَوْضِعَيْنِ. والتَّكْرارَ في: يَهْدِي ولا يَهْدِي، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، والتَّجْنِيسَ المُغايِرَ: في كَفَرُوا وكَفَرُوا. والتَّأْكِيدُ بِلَفْظٍ هم في (p-٥٢٣)قَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ، قِيلَ: والتَّشْبِيهَ في: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، شَبَّهَ تَمادِيَهم عَلى كُفْرِهِمْ وإجْرامِهِمْ بِالأجْرامِ الَّتِي يُزادُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والعُدُولَ مِن مِفْعَلٍ إلى فَعِيلٍ، في: عَذابٌ ألِيمٌ، لِما في فَعِيلٍ مِنَ المُبالَغَةِ. والحَذْفَ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:92

﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [آل عمران: ٩٤] ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥] ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] . النَّيْلُ: لُحُوقُ الشَّيْءِ وإدْراكُهُ، الفِعْلُ مِنهُ: نالَ يَنالُ. قِيلَ: والنَّيْلُ العَطِيَّةُ. الوَضْعُ: الإلْقاءُ. وضَعَ الشَّيْءَ ألْقاهُ، ووَضَعَتْ ما في بَطْنِها ألْقَتْهُ، والفِعْلُ: وضَعَ يَضَعُ وضْعًا وضِعَةً، والمَوْضِعُ: مَحَلُّ إلْقاءِ الشَّيْءِ. وفُلانٌ يَضَعُ الحَدِيثَ أيْ: يُلْقِيهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ نَقْلٍ، يَخْتَلِقُهُ. بَكَّةُ: مُرادِفٌ لِمَكَّةَ قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والعَرَبُ تُعاقِبُ بَيْنَ الباءِ والمِيمِ قالُوا: لازِمٌ وراتِمٌ والنُّمَيْطُ، وبِالباءِ فِيها. وقِيلَ: اسْمٌ لِبَطْنِ مَكَّةَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِمَكانِ البَيْتِ، قالَهُ النَّخَعِيُّ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَسْجِدِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ البَكَّ هو دَفْعُ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وازْدِحامُهم، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ في المَسْجِدِ عِنْدَ الطَّوافِ لا في سائِرِ المَواضِعِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لَفْظِ مَكَّةَ إنْ شاءَ اللَّهُ. البَرَكَةُ: الزِّيادَةُ، والفِعْلُ مِنهُ: بارَكَ، وهو مُتَعَدٍّ، ومِنهُ ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ [النمل: ٨] ويُضَمَّنُ مَعْنى ما تَعَدّى بِـ ”عَلى“، لِقَوْلِهِ: «وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ»، وتَبارَكَ: لازِمٌ. العِوَجُ: المَيْلُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الدِّينِ والكَلامِ والعَمَلِ، وبِالفَتْحِ في الحائِطِ والجِذْعِ. وقالَ الزَّجّاجُ بِمَعْناهُ. قالَ: فِيما لا نَرى لَهُ شَخْصًا، وبِالفَتْحِ فِيما لَهُ شَخْصٌ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: بِالفَتْحِ في كُلِّ مُنْتَصِبٍ كالحائِطِ. والعِوَجُ: ما كانَ في بِساطٍ، أوْ دِينٍ، أوْ أرْضٍ، أوْ مَعاشٍ. العَصْمُ: المَنعُ، واعْتَصَمَ واسْتَعْصَمَ: امْتَنَعَ، واعْتَصَمْتُ فُلانًا هَيَّأْتُ لَهُ ما يَعْتَصِمُ بِهِ، وكُلُّ مُتَمَسِّكٍ بِشَيْءٍ مُعْتَصِمٌ، وكُلُّ مانِعِ شَيْءٍ عاصِمٌ، ويَرْجِعُ لِهَذا المَعْنى الأعْصَمُ، والمِعْصَمُ، والعِصامُ. ويُسَمّى الخُبْزُ عاصِمًا لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الجُوعِ. ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، هو أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَمَّنْ ماتَ كافِرًا أنَّهُ لا يَقْبَلُ ما أنْفَقَ في الدُّنْيا، أوْ ما أحْضَرَهُ لِتَخْلِيصَ نَفْسِهِ في الآخِرَةِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي سَبَقَ، حَضَّ المُؤْمِنَ عَلى الصَّدَقَةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ لَنْ يُدْرِكَ البِرَّ حَتّى يُنْفِقَ مِمّا يُحِبُّ. والبِرُّ هُنا، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: البِرُّ الجَنَّةُ. وقالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ: الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: الخَيْرُ كُلُّهُ. وقِيلَ: الصِّدْقُ. وقِيلَ: أشْرَفُ الدِّينِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الطّاعَةُ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: التَّقْوى. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما تُقُرِّبَ بِهِ إلى اللَّهِ مِن عَمَلٍ خَيْرٍ. وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ولَهُ مَواضِعُ، فَيُقالُ: الصِّدْقُ البِرُّ، ومِنهُ: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ، وكِرامٌ بَرَرَةٌ، والإحْسانُ: ومِنهُ بَرَرْتُ والِدَيَّ، واللُّطْفُ والتَّعاهُدُ ومِنهُ: يَبِرُّ أصْحابَهُ إذا كانَ يَزُورُهم ويَتَعاهَدُهم، والهِبَةُ والصَّدَقَةُ: بَرَّهُ بِكَذا إذا وهَبَهُ لَهُ. وقالَ: ويُحْتَمَلُ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ بِكم أيْ: رَحْمَتَهُ ولُطْفَهُ انْتَهى. وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ (p-٥٢٤)الوَرّاقِ، قالَ: مَعْنى الآيَةِ لَنْ تَنالُوا بِرِّي بِكم إلّا بِبِرِّكم بِإخْوانِكم، والإنْفاقِ عَلَيْهِمْ مِن أمْوالِكم وجاهِكم. ورَوى نَحْوَهُ عَلِيُّ بْنُ جَرِيرٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا دَرَجَةَ الكَمالِ مِن فِعْلِ البِرِّ حَتّى تَكُونُوا أبْرارًا إلّا بِالإنْفاقِ المُضافِ إلى سائِرِ أعْمالِكم، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ البِرِّ في قَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] ولَكِنْ فَعَلْنا ما قالَ النّاسُ في خُصُوصِيَّةِ هَذا المَوْضِعِ. و”مَن“ في: مِمّا تُحِبُّونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: حَتّى تُنْفِقُوا بَعْضَ ما تُحِبُّونَ. و”ما“ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. والظّاهِرُ أنَّ المَحَبَّةَ هُنا هو مَيْلُ النَّفْسِ وتَعَلُّقُها التَّعَلُّقَ التّامَّ بِالمُنْفِقِ، فَيَكُونُ إخْراجُهُ عَلى النَّفْسِ أشَقَّ وأصْعَبَ مِن إخْراجِ ما لا تَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ بِأنَّهُ مَحْبُوبُ المالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] لِذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ أنَّهم لِهَذِهِ الآيَةِ تَصَدَّقُوا بِأحَبِّ شَيْءٍ إلَيْهِمْ، فَتَصَدَّقَ أبُو طَلْحَةَ بِبَيْرَحاءَ، وتَصَدَّقَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ لَهُ كانَ يُحِبُّها، وابْنُ عُمَرَ بِالسُّكَّرِ واللَّوْزِ؛ لِأنَّهُ كانَ يُحِبُّهُ، وأبُو ذَرٍّ بِفَحْلِ خَيْرِ إبِلِهِ وبِبُرْنُسٍ عَلى مَقْرُورٍ، وتَلا الآيَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ بِالسُّكَّرِ لِحُبِّهِ لَهُ، وأعْتَقَ عُمَرُ جارِيَةً أعْجَبَتْهُ، وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ جارِيَةً كانَتْ أعْجَبَ شَيْءٍ إلَيْهِ. وقِيلَ: مَعْنى مِمّا تُحِبُّونَ، نَفائِسُ المالِ، وطِيِّبُهُ لا رَدِيئُهُ وخَبِيثُهُ. وقِيلَ: ما يَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِ. وقِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ المُسْلِمُ مِن مالِهِ يَطْلُبُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ. ولَفْظَةُ ”تُحِبُّونَ“ تَنْبُوُ عَنْ هَذِهِ الأقْوالِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الإنْفاقَ هو في النَّدْبِ؛ لِأنَّ المُزَكِّيَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُخْرِجَ أشْرَفَ أمْوالِهِ ولا أحَبَّها إلَيْهِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ؛ لِأنَّ التَّرْغِيبَ في النَّدْبِ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُنافِي الزَّكاةَ. قالَ بَعْضُهم: وتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكَلامَ يَصِيرُ شِعْرًا بِأشْياءَ مِنها: قَصْدُ المُتَكَلِّمِ إلى أنْ يَكُونَ شِعْرًا؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عَلى وزْنِ بَيْتِ الرَّمَلِ، يُسَمّى المُجَزَّ والمُسَبَّعَ، وهو: ؎يا خَلِيلِيَّ ارْبَعا واسْتَخْبِرا لِـ مَنزِلِ الدّارِسِ عَنْ حَيِّ حَلال ؎رَسْمًا بِعُسْفانْ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ في القُرْآنِ شِعْرًا. ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا.

آل عمران 3:93

(p-٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ قالَ أبُو رَوْقٍ وابْنُ السّائِبِ: نَزَلَتْ حِينَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ“ فَقالَتِ اليَهُودُ: فَكَيْفَ وأنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها ؟ فَقالَ ﷺ: ”ذَلِكَ حَلالٌ لِأبِي إبْراهِيمَ، ونَحْنُ نُحِلُّهُ“ فَقالَتِ اليَهُودُ: كُلُّ شَيْءٍ أصْبَحْنا اليَوْمَ نُحَرِّمُهُ فَإنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ حَتّى انْتَهى إلَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهم» . ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها والجامِعُ بَيْنَهُما أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ لا يَنالُ المَرْءُ البِرَّ إلّا بِالإنْفاقِ مِمّا يُحِبُّ. ونَبِيُّ اللَّهِ إسْرائِيلُ رُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَطالَ سَقَمُهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا إنْ عافاهُ اللَّهُ مِن سَقَمِهِ أنْ يُحَرِّمَ، أوْ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَيْهِ، وكانَ أحَبُّ الطَّعامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وأحَبُّ الشَّرابِ ألْبانَها، فَفَعَلَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ» . فَقَدِ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما قَبْلَها في أنَّ كُلًّا مِنهُما فِيما تَرَكَ ما يُحِبُّهُ الإنْسانُ وما يُؤْثِرُهُ عَلى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ بِهِ لِلَّهِ تَعالى. وكُلٌّ مِن صِيَغِ العُمُومِ. والطَّعامُ: أصْلُهُ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ المَفْعُولِ، وهو اسْمٌ لِكُلِّ ما يُطْعَمُ ويُؤْكَلُ. وزَعَمَ بَعْضُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ اسْمٌ لِلْبُرِّ خاصَّةً. قالَ الرّازِيُّ: والآيَةُ تُبْطِلُهُ؛ لِأنَّهُ اسْتَثْنى مِنهُ ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ. واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ شَيْءٌ سِوى الحِنْطَةِ، وسِوى ما يُتَّخَذُ مِنها. ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ في الماءِ: ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ. وقالَ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وأرادَ الذَّبائِحَ، انْتَهى. ويُجابُ عَنِ الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ، فَلا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الطَّعامِ. وقالَ القَفّالُ: لَمْ يَبْلُغْنا أنَّ المَيْتَةَ والخِنْزِيرَ كانا مُباحَيْنِ لَهم مَعَ أنَّهُما طَعامٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى الأطْعِمَةِ الَّتِي كانَتِ اليَهُودُ في وقْتِ الرَّسُولِ ﷺ تَدَّعِي أنَّها كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى إبْراهِيمَ، فَيَزُولُ الإشْكالُ، يَعْنِي إشْكالَ (p-٣)العُمُومِ. والحِلُّ: الحَلالُ، وهو مَصْدَرُ حَلَّ، نَحْوُ عَزَّ عِزًّا ومِنهُ ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] أيْ حَلالٌ بِهِ. وفي الحَدِيثِ عَنْ عائِشَةَ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحِلِّهِ ولِحُرْمِهِ» ولِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. قالَ: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وهي كالحُرُمِ، أيِ الحَرامِ. واللُّبْسُ، أيِ اللِّباسُ. وإسْرائِيلُ هو يَعْقُوبُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ، وتَقَدَّمَ أنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ هو لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ في آخَرِينَ. وقِيلَ: العُرُوقُ. رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ أيْضًا، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، وأبِي مِجْلَزٍ في آخَرِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَرَضَتْ لَهُ الآنِساءُ فَأضْنَتْهُ، فَجَعَلَ لِلَّهِ إنْ شَفاهُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَطْعَمَ عِرْقًا. قالَ: فَلِذَلِكَ اليَهُودُ تَنْزِعُ العُرُوقَ مِنَ اللَّحْمِ، ولَيْسَ في تَحْرِيمِ العُرُوقِ قُرْبَةٌ فِيما يَظْهَرُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَرَّمَ العُرُوقَ ولُحُومَ الإبِلِ. وقِيلَ: زِيادَتا الكَبِدِ والكُلْيَتانِ والشَّحْمُ إلّا ما عَلى الظَّهْرِ. قالَهُ عِكْرِمَةُ. وتَقَدَّمَ سَبَبُ تَحْرِيمِهِ لِما حَرَّمَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَمْ يُخْتَلَفْ - فِيما عَلِمْتُ - أنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ هو بِمَرَضٍ أصابَهُ، فَجَعَلَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى إنْ شُفِيَ. وقِيلَ: هو وجَعُ عِرْقِ النَّسا. وهَذا الِاسْتِثْناءُ يَحْتَمِلُ الِاتِّصالَ والِانْقِطاعَ، فَإنْ كانَ مُتَّصِلًا كانَ التَّقْدِيرُ: إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، فَلَيْسَتْ فِيها الزَّوائِدُ الَّتِي افْتَرَوْها وادَّعَوْا تَحْرِيمَها. وإنْ كانَ مُنْقَطِعًا كانَ التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً، ولَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. والِاتِّصالُ أظْهَرُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”﴿عَلى نَفْسِهِ﴾“ أنَّ ذَلِكَ بِاجْتِهادٍ مِنهُ لا بِتَحْرِيمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ لِلْأنْبِياءِ أنْ يُحَرِّمُوا بِالِاجْتِهادِ. وقِيلَ: كانَ تَحْرِيمُهُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ في شَرْعِهِ كالنَّذْرِ في شَرْعِنا. وقالَ الأصَمُّ: لَعَلَّ نَفْسَهُ كانَتْ مائِلَةً إلى تِلْكَ الأنْواعِ، فامْتَنَعَ مِن أكْلِها؛ قَهْرًا لِلنَّفْسِ وطَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ، كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الزُّهّادِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الِامْتِناعِ بِالتَّحْرِيمِ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ التَّحْرِيمِ لِلطَّعامِ الَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى بَنِيهِ ومَن بَعْدَهم مِنَ اليَهُودِ، وهَذا إذا قُلْنا بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ. أمّا إذا كانَ مُنْقَطِعًا فَلَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَرَّمَها عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ إسْرائِيلَ، ولَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا في التَّوْراةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ يَعْقُوبَ قالَ: ”إنْ عافانِي اللَّهُ لا يَأْكُلُهُ لِي ولَدٌ“ . وقالَ الضَّحّاكُ: وافَقُوا أباهم في تَحْرِيمِهِ، لا أنَّهُ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْعِ، ثُمَّ أضافُوا تَحْرِيمَهُ إلى الشَّرْعِ فَأكْذَبُهُمُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْراةِ لا فِيها، وكانُوا إذا أصابُوا ذَنْبًا عَظِيمًا حَرُمَ بِهِ عَلَيْهِمْ طَعامٌ طَيِّبٌ، أوْ صُبَّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ، ويُؤَكِّدُهُ (فَبِظُلْمٍ) الآيَةَ. وقِيلَ: لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ ولا بَعْدَها، ولا بِتَحْرِيمِ إسْرائِيلَ عَلَيْهِمْ، ولا لِمُوافَقَتِهِ، بَلْ قالُوا ذَلِكَ تَخَرُّضًا وافْتِراءً. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ التَّوْراةَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ما كانُوا يُحَرِّمُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ قَبْلَ نُزُولِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ المَطاعِمَ كُلَّها لَمْ تَزَلْ حَلالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبْلِ إنْزالِ التَّوْراةِ وتَحْرِيمِ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنها؛ لِظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ، لَمْ يَحْرُمْ مِنها شَيْءٌ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرُ المَطْعُومِ الواحِدِ الَّذِي حَرَّمَهُ أبُوهم إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَتَبِعُوهُ عَلى تَحْرِيمِهِ، وهو رَدٌّ عَلى اليَهُودِ وتَكْذِيبٌ لَهم حَيْثُ أرادُوا بَراءَةَ ساحَتِهِمْ بِما نُعِيَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] الآيَةَ. وجُحُودَ ما غاظَهم واشْمَأزُّوا مِنهُ وامْتَغَصُوا، فِيما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ لِبَغْيِهِمْ وظُلْمِهِمْ فَقالُوا: لَسْنا بِأوَّلِ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وما هو إلّا تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ، كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وهَلُمَّ جَرًّا، إلى أنِ انْتَهى التَّحْرِيمُ إلَيْنا فَحَرُمَتْ عَلَيْنا كَما حَرُمَتْ عَلى مَن قَبْلَنا. وغَرَضُهم تَكْذِيبُ شَهادَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالبَغْيِ، والظُّلْمِ، والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وأكْلِ الرِّبا، وأخْذِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، (p-٤)وما عُدِّدَ مِن مَساوِيهِمُ الَّتِي كُلَّما ارْتَكَبُوا مِنها كَبِيرَةً حَرُمَ عَلَيْهِمْ نَوْعٌ مِنَ الطَّيِّباتِ عُقُوبَةً لَهم. انْتَهى كَلامُهُ. ”﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾“ قالَ أبُو البَقاءِ: ”مِن“ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”حَرَّمَ“، يَعْنِي في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ . ويَبْعُدُ ذَلِكَ، إذْ هو مِنَ الإخْبارِ بِالواضِحِ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ هو مِن قَبْلِ إنْزالِ التَّوْراةِ ضَرُورَةً لِتَباعُدِ ما بَيْنَ وُجُودِ إسْرائِيلَ وإنْزالِ التَّوْراةِ. ويَظْهَرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، وفُصِلَ بِالِاسْتِثْناءِ، إذْ هو فَصْلٌ جائِزٌ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ وأبِي الحَسَنِ في جَوازِ أنْ يَعْمَلَ ما قَبْلَ ”إلّا“ فِيما بَعْدَها إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا أوْ حالًا نَحْوَ: ما حُبِسَ إلّا زَيْدٌ عِنْدَكَ، وما أوى إلّا عَمْرٌو إلَيْكَ، وما جاءَ إلّا زَيْدٌ ضاحِكًا. وأجازَ الكِسائِيُّ ذَلِكَ في مَنصُوبٍ مُطْلَقًا نَحْوِ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا، وأجازَ هو وابْنُ الأنْبارِيِّ ذَلِكَ في مَرْفُوعٍ نَحْوِ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدًا عَمْرٌو، وأمّا تَخْرِيجُهُ عَلى مَذْهَبِ غَيْرِ الكِسائِيِّ وأبِي الحَسَنِ فَيُقَدَّرُ لَهُ عامِلٌ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ تَقْدِيرُهُ هُنا: حِلٌّ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ”قُلْ“: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وقِيلَ: فَأْتُوا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هَذا الحَقُّ، لا زَعْمُكم مَعْشَرَ اليَهُودِ. ”فَأْتُوا“ وهَذِهِ أعْظَمُ مُحاجَّةٍ، أنْ يُؤْمَرُوا بِإحْضارِ كِتابِهِمُ الَّذِي فِيهِ شَرِيعَتُهم، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما ادَّعَوْهُ، بَلْ هو مُصَدِّقٌ لِما أخْبَرَ بِهِ ﷺ مِن أنَّ تِلْكَ المَطاعِمَ كانَتْ حَلالًا لَهم مِن قَدِيمٍ، وأنَّ التَّحْرِيمَ هو حادِثٌ. ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يَتَجاسَرُوا عَلى الإتْيانِ بِالتَّوْراةِ؛ لِظُهُورِ افْتِضاحِهِمْ بِإتْيانِها، بَلْ بُهِتُوا وذَلِكَ كَعادَتِهِمْ في كَثِيرٍ مِن أحْوالِهِمْ. وفي اسْتِدْعاءِ التَّوْراةِ مِنهم وتِلاوَتِها الحُجَّةُ الواضِحَةُ عَلى صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأِ الكُتُبَ، ولا عَرَفَ أخْبارَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، ثُمَّ أخَذَ يُحاجُّهم ويَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ ولا يَجِدُونَ مِن إنْكارِهِ مَحِيصًا. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ النَّسْخِ في الشَّرائِعِ، وهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. وخَرَجَ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ مُخْرَجَ المُمْكِنِ، وهم مَعْلُومٌ كَذِبُهم. وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ بِهِمْ، كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ شُجاعًا فالقَنِي، ومَعْلُومٌ عِنْدَكَ أنَّهُ لَيْسَ بِشُجاعٍ، ولَكِنْ هَزُأْتَ بِهِ، إذْ جَعَلْتَ هَذا الوَصْفَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُتَّصَفَ بِهِ.

آل عمران 3:94

﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ، وافْتِراؤُهُ الكَذِبَ هو زَعْمُهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ مُحَرَّمًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ إنْزالِ التَّوْراةِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ قِيلَ يُحْتَمَلُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ إلى التِّلاوَةِ؛ إذْ مُضَمَّنُها بَيانُ مَذْهَبِهِمْ وقِيامُ الحُجَّةِ البالِغَةِ القاطِعَةِ، ويَكُونُ افْتِراءُ الكَذِبِ أنْ يُنْسَبَ إلى كُتُبِ اللَّهِ ما لَيْسَ فِيها. والثّانِي: أنْ يَكُونَ إلى اسْتِقْرارِ التَّحْرِيمِ في التَّوْراةِ. إذِ المَعْنى: إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ حَرَّمَتْهُ التَّوْراةُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهم. وافْتِراءُ الكَذِبِ أنْ يَزِيدَ في المُحَرَّماتِ ما لَيْسَ فِيها. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ إلى الحالِ بَعْدَ تَحْرِيمِ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ وقَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ مِن سَنَنِ يَعْقُوبَ، وشُرِعَ ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] الآيَةَ. فَنَصَّ عَلى أنَّهُ كانَ لَهم ظُلْمٌ في مَعْنى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وكانُوا يُشَدِّدُونَ فَيُشَدِّدُ عَلَيْهِمُ اللَّهُ كَما فَعَلُوا في أمْرِ البَقَرَةِ. وجاءَتْ شَرِيعَتُنا بِخِلافِ هَذا، ”دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ، يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ“ . ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] والأظْهَرُ في ”مِن“ أنَّها شَرْطِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً. وجُمِعَ في فَأُولَئِكَ حَمْلًا عَلى المَعْنى. وهم: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ فَصْلًا، ومُبْتَدَأً، وبَدَلًا. والظُّلْمُ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وقِيلَ: هو هُنا الكُفْرُ.

آل عمران 3:95

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَصْدَعَ بِخِلافِهِمْ، أيِ الأمْرُ الصِّدْقُ هو ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ لا ما افْتَرَوْهُ مِنَ الكَذِبِ. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ [آل عمران: ٩٣] وسائِرُ ما تَقَدَّمَ صِدْقٌ، وأنَّهُ مِلَّةُ (p-٥)إبْراهِيمَ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾“ أيْ في جَمِيعِ ما أخْبَرَ بِهِ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ. وقِيلَ: في أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإبْراهِيمُ كانَ مُسْلِمًا. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ”﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ [آل عمران: ٩٣]“ الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقِيلَ: في أنَّهُ ما كانَ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا. قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَقالَ: ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ الَّتِي عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ، فَيَخْلُصُونَ مِن مِلَّةِ اليَهُودِيَّةِ. وعَرَّضَ بِقَوْلِهِ: وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ: إلى أنَّهم مُشْرِكُونَ في اتِّخاذِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْسِيرًا وإعْرابًا، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ ”﴿قُلْ صَدَقَ﴾“: بِإدْغامِ اللّامِ في الصّادِ، و”﴿قُلْ سِيرُوا﴾ [الأنعام: ١١]“ بِإدْغامِ اللّامِ في السِّينِ. وأدْغَمَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وهِشامٌ ”﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ [يوسف: ١٨]“ . قالَ ابْنُ جِنِّي: عِلَّةُ ذَلِكَ فُشُوُ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في الفَمِ وانْتِشارُ الصَّوْتِ المُثْبَتِ عَنْهُما، فَقارَبَتا بِذَلِكَ مَخْرَجَ اللّامِ، فَجازَ إدْغامُها فِيهِما، انْتَهى. وهو راجِعٌ لِمَعْنى كَلامِ سِيبَوَيْهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: والإدْغامُ يَعْنِي إدْغامَ اللّامِ مَعَ الطّاءِ والصّادِ وأخَواتِهِما، جائِزٌ، ولَيْسَ كَكَثْرَتِهِ مَعَ الرّاءِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ تَراخَيْنَ عَنْها، وهي مِنَ الثَّنايا. قالَ: وجَوازُ الإدْغامِ لِأنَّ آخِرَ مَخْرَجِ اللّامِ قَرِيبٌ مِن مَخْرَجِها. انْتَهى كَلامُهُ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ تَفاخَرَ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ وأعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ؛ لِأنَّها مُهاجَرُ الأنْبِياءِ، وفي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ. وقالَ المُسْلِمُونَ: بَلِ الكَعْبَةُ أفْضَلُ، فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهو أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - وكانَ حَجُّ البَيْتِ مِن أعْظَمِ شَعائِرِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ومِن خُصُوصِيّاتِ دِينِهِ - أخَذَ في ذِكْرِ البَيْتِ وفَضائِلِهِ لِيَبْنِيَ عَلى ذَلِكَ ذِكْرَ الحَجِّ ووُجُوبِهِ. وأيْضًا فَإنَّ اليَهُودَ حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ وأحَقُّ بِالِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّهُ وُضِعَ قَبْلَ الكَعْبَةِ، وهو أرْضُ المَحْشَرِ، وقِبْلَةُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ”﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾“ كَما أكْذَبَهم في دَعْواهم قَبْلُ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ما كانَ مُحَرَّمًا عَلى يَعْقُوبَ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، وأيْضًا فَإنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى زَعَمَتْ أنَّها عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن شَعائِرِ مِلَّتِهِ حَجُّ الكَعْبَةِ، وهم لا يَحُجُّونَها، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في دَعْواهم تِلْكَ، والأوَّلُ هو الفَرْدُ السّابِقُ غَيْرَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ ”أوَّلَ“ في قَوْلِهِ: ”﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]“ ووُضِعَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. واخْتُلِفَ في مَعْنى كَوْنِهِ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ. فَقِيلَ: هو أوَّلُ بَيْتٍ ظَهَرَ عَلى وجْهِ الماءِ حِينَ خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، خَلَقُهُ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ، وكانَ زُبْدَةً بَيْضاءَ عَلى الماءِ، فَدُحِيَتِ الأرْضُ تَحْتَهُ. وقِيلَ: هو أوَّلُ بَيْتٍ بَناهُ آدَمُ في الأرْضِ. وقِيلَ: لَمّا أُهْبِطَ آدَمُ قالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: طُفْ حَوْلَ هَذا البَيْتِ، فَلَقَدْ طُفْنا قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ، وكانَ في مَوْضِعِهِ قَبْلَ آدَمَ بَيْتٌ يُقالُ لَهُ: الضُّراحُ، فَرُفِعَ في الطُّوفانِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ يَطُوفُ بِهِ مَلائِكَةُ السَّماواتِ. وذَكَرَ الشَّرِيفُ أبُو البَرَكاتِ أسْعَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ أبِي الغَنائِمِ الحُسَيْنِيُّ الجُوانِيُّ النَّسّابَةُ: أنْ شِيثَ بْنَ آدَمَ هو الَّذِي بَنى الكَعْبَةَ بِالطِّينِ والحِجارَةِ عَلى مَوْضِعِ الخَيْمَةِ الَّتِي كانَ اللَّهُ وضَعَها لِآدَمَ مِنَ الجَنَّةِ، فَعَلى هَذِهِ الأقاوِيلِ يَكُونُ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ عَلى ظاهِرِهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ حُجَّ بَعْدَ الطُّوفانِ، فَتَكُونُ الأوَّلِيَّةُ بِاعْتِبارِ هَذا الوَصْفِ مِنَ الحَجِّ، إذْ كانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: أهُوَ أوَّلُ بَيْتٍ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: لا، قَدْ كانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، ولَكِنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ مُبارَكًا، فِيهِ الهُدى والرَّحْمَةُ والبَرَكَةُ، فَأخَذَ الأوَّلِيَّةَ بِقَيْدِ هَذِهِ الحالِ. وقِيلَ: أوَّلُ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ ثُمَّ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِن جُرْهُمٍ، ثُمَّ هُدِمَ فَبَنَتْهُ العَمالِقَةُ، ثُمَّ هُدِمَ (p-٦)فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ. وقالَ أبُو ذَرٍّ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلَ ؟ قالَ: ”المَسْجِدُ الحَرامُ“ قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قالَ: ”المَسْجِدُ الأقْصى“ قُلْتُ: كَمْ كانَ بَيْنَهُما ؟ قالَ: ”أرْبَعُونَ سَنَةً“» وظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ مِن وضْعِ إبْراهِيمَ، وهو مُعارِضٌ لِما ذُكِرَ في الأقْوالِ السّابِقَةِ، إلّا إنْ حُمِلَ الوَضْعُ عَلى التَّجْدِيدِ، فَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما. وظاهِرُ حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ يُضَعِّفُ قَوْلَ الزَّجّاجِ: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ هو مِن بِناءِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - بَلْ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ مِن وضْعِ إبْراهِيمَ، فَكَما وضَعَ الكَعْبَةَ وضَعَ بَيْتَ المَقْدِسِ. وقَدْ بَيَّنَ ﷺ أنَّ بَيْنَ الوَضْعَيْنِ أرْبَعِينَ سَنَةً ”وأيْنَ زَمانُ إبْراهِيمَ مِن زَمانِ سُلَيْمانَ ! ومَعْنى وُضِعَ لِلنّاسِ: أيْ مُتَعَبَّدًا يَسْتَوِي في التَّعَبُّدِ فِيهِ النّاسُ، إذْ غَيْرُهُ مِنَ البُيُوتِ يُخْتَصُّ بِأصْحابِها، والمُشْتَرَكُ فِيهِ النّاسُ هو مَحَلُّ طاعَتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ وقِبْلَتِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ“ وُضِعَ ”مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ السَّمَيْقَعِ“ وضَعَ ”مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى اللَّهِ، واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى إبْراهِيمَ، وهو أقْرَبُ في الذِّكْرِ وألْيَقُ وأوْفَقُ لِحَدِيثِ أبِي ذَرٍّ. ولِلنّاسِ: مُتَعَلِّقٌ بِوَضَعَ، واللّامُ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ، ولِلَّذِي بِبَكَّةَ: خَبَرُ إنَّ. والمَعْنى: لِلْبَيْتِ الَّذِي بِبَكَّةَ. وأُكِّدَتِ النِّسْبَةُ بِتَأْكِيدَيْنِ: إنَّ واللّامِ. وأخْبَرَ هُنا عَنِ النَّكِرَةِ وهو“ ﴿أوَّلَ بَيْتٍ﴾ ”لِتَخَصُّصِها بِالإضافَةِ وبِالصِّفَةِ الَّتِي هي وضْعٌ، إمّا لَها وإمّا لِما أُضِيفَتْ إلَيْهِ، إذْ تَخْصِيصُهُ تَخْصِيصٌ لَها بِالمَعْرِفَةِ وهو لِلَّذِي بِبَكَّةَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ عَنْ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ويُحَسِّنُ الإخْبارَ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ دُخُولُ“ إنَّ ”. ومِن أمْثِلَةِ سِيبَوَيْهِ: أنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدٌ. تُخَصَّصُ“ قَرِيبٌ ”بِلَفْظِ مِنكَ، فَحَسُنَ الإخْبارُ عَنْهُ. وقَدْ جاءَ بِغَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو جائِزٌ في الِاخْتِيارِ قالَ: ؎وإنَّ حَرامًا أنْ أسُبَّ مُجاشِعًا بِآبائِيَ الشُّمِّ الكِرامِ الخَضارِمِ والباءُ في بِبَكَّةَ ظَرْفِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ بِالبَصْرَةِ. ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ بَكَّةُ هي المَسْجِدُ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ ظَرْفًا لِنَفْسِهِ، وهو لا يَصِحُّ. ﴿مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ أمّا بَرَكَتُهُ فَلِما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الثَّوابِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ لِمَن حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ وطافَ بِهِ وعَكَفَ عِنْدَهُ. وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَرَكَتُهُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ:“ ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ”. وقِيلَ: بَرَكَتُهُ دَوامُ العِبادَةِ فِيهِ ولُزُومُها؛ لِأنَّ البَرَكَةَ لَها مَعْنَيانِ: أحَدُهُما النُّمُوُّ، والآخَرُ: الثُّبُوتُ، ومِنهُ البَرَكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها. والبَرْكُ: الصَّدْرُ؛ لِثُبُوتِ الحِفْظِ فِيهِ، والبَراكاءُ الثُّبُوتُ في القِتالِ، وتَبارَكَ اللَّهُ ثَبَتَ ولَمْ يَزَلْ. وقِيلَ: بَرَكَتُهُ تَضْعِيفُ الثَّوابِ فِيهِ. رَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «“ مَن طافَ بِالبَيْتِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمًا ولَمْ يَضَعْ أُخْرى إلّا كَتَبَ اللَّهُ بِها لَهُ حَسَنَةً ورَفَعَ لَهُ بِها دَرَجَةً ”» . وقالَ الفَرّاءُ: سُمِّيَ مُبارَكًا لِأنَّهُ مَغْفِرَةٌ لِلذُّنُوبِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بَرَكَتُهُ تَطْهِيرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بَرَكَتُهُ أنَّ مَن دَخَلَهُ أمِنَ حَتّى الوَحْشَ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الظَّبْيُ والكَلْبُ. وأمّا كَوْنُهُ هُدًى؛ فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ مُقَوِّمًا مُصْلِحًا كانَ فِيهِ إرْشادٌ. وبُولِغَ بِكَوْنِهِ هُدًى، أوْ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: وذا هُدًى. قِيلَ: ومَعْنى هُدًى أيْ قِبْلَةً. وقِيلَ: رَحْمَةٌ. وقِيلَ: صَلاحٌ. وقِيلَ: بَيانٌ ودَلالَةٌ عَلى اللَّهِ بِما فِيهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ هُنا هُدًى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الدُّعاءِ، أيْ مِن حَيْثُ دَعا العالَمُونَ إلَيْهِ، وانْتِصابُ مُبارَكًا عَلى الحالِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي اسْتَكَنَّ في“ وُضِعَ ”، والعامِلُ فِيها“ وُضِعَ ”أيْ أنَّ أوَّلَ بَيْتٍ مُبارَكًا، أيْ في هَذِهِ الحالِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ. وهَذا التَّقْدِيرُ لَيْسَ بِجائِزٍ؛ لِأنَّكَ فَصَلْتَ بَيْنَ العامِلِ في الحالِ وبَيْنَ الحالِ بِأجْنَبِيٍّ وهو الخَبَرُ؛ لِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِأنَّ، خَبَرٌ لَها، فَإنْ أضْمَرْتَ“ وُضِعَ " بَعْدَ الخَبَرِ أمْكَنَ أنْ يَعْمَلَ في الحالِ، وكانَ تَقْدِيرُهُ: لَلَّذِي بِبَكَّةَ وُضِعَ مُبارَكًا. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ السّابِقِ ذِكْرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ كَوْنِ هَذا البَيْتِ أوَّلًا، إذْ كانَ قَدْ لاحَظَ في هَذا البَيْتِ كَوْنَهُ وُضِعَ أوَّلًا بِقَيْدِ هَذِهِ الحالِ. (p-٧)وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ العامِلُ في بِبَكَّةَ، أيِ اسْتَقَرَّ بِبَكَّةَ في حالِ بَرَكَتِهِ. وهو وجْهٌ ظاهِرُ الجَوازِ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. وأمّا هُدًى فَظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُبارَكًا، والمَعْطُوفُ عَلى الحالِ حالٌ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ وهو هُدًى، ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ هَذا الإضْمارِ.

آل عمران 3:96

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَصْدَعَ بِخِلافِهِمْ، أيِ الأمْرُ الصِّدْقُ هو ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ لا ما افْتَرَوْهُ مِنَ الكَذِبِ. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ [آل عمران: ٩٣] وسائِرُ ما تَقَدَّمَ صِدْقٌ، وأنَّهُ مِلَّةُ (p-٥)إبْراهِيمَ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾“ أيْ في جَمِيعِ ما أخْبَرَ بِهِ في كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ. وقِيلَ: في أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وإبْراهِيمُ كانَ مُسْلِمًا. وقِيلَ في قَوْلِهِ: ”﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ [آل عمران: ٩٣]“ الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقِيلَ: في أنَّهُ ما كانَ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا. قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَقالَ: ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ الَّتِي عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ، فَيَخْلُصُونَ مِن مِلَّةِ اليَهُودِيَّةِ. وعَرَّضَ بِقَوْلِهِ: وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ: إلى أنَّهم مُشْرِكُونَ في اتِّخاذِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْسِيرًا وإعْرابًا، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ ”﴿قُلْ صَدَقَ﴾“: بِإدْغامِ اللّامِ في الصّادِ، و”﴿قُلْ سِيرُوا﴾ [الأنعام: ١١]“ بِإدْغامِ اللّامِ في السِّينِ. وأدْغَمَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وهِشامٌ ”﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ [يوسف: ١٨]“ . قالَ ابْنُ جِنِّي: عِلَّةُ ذَلِكَ فُشُوُ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في الفَمِ وانْتِشارُ الصَّوْتِ المُثْبَتِ عَنْهُما، فَقارَبَتا بِذَلِكَ مَخْرَجَ اللّامِ، فَجازَ إدْغامُها فِيهِما، انْتَهى. وهو راجِعٌ لِمَعْنى كَلامِ سِيبَوَيْهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: والإدْغامُ يَعْنِي إدْغامَ اللّامِ مَعَ الطّاءِ والصّادِ وأخَواتِهِما، جائِزٌ، ولَيْسَ كَكَثْرَتِهِ مَعَ الرّاءِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ تَراخَيْنَ عَنْها، وهي مِنَ الثَّنايا. قالَ: وجَوازُ الإدْغامِ لِأنَّ آخِرَ مَخْرَجِ اللّامِ قَرِيبٌ مِن مَخْرَجِها. انْتَهى كَلامُهُ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ تَفاخَرَ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ وأعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ؛ لِأنَّها مُهاجَرُ الأنْبِياءِ، وفي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ. وقالَ المُسْلِمُونَ: بَلِ الكَعْبَةُ أفْضَلُ، فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهو أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - وكانَ حَجُّ البَيْتِ مِن أعْظَمِ شَعائِرِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ومِن خُصُوصِيّاتِ دِينِهِ - أخَذَ في ذِكْرِ البَيْتِ وفَضائِلِهِ لِيَبْنِيَ عَلى ذَلِكَ ذِكْرَ الحَجِّ ووُجُوبِهِ. وأيْضًا فَإنَّ اليَهُودَ حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ وأحَقُّ بِالِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّهُ وُضِعَ قَبْلَ الكَعْبَةِ، وهو أرْضُ المَحْشَرِ، وقِبْلَةُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ”﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾“ كَما أكْذَبَهم في دَعْواهم قَبْلُ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ما كانَ مُحَرَّمًا عَلى يَعْقُوبَ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، وأيْضًا فَإنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى زَعَمَتْ أنَّها عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن شَعائِرِ مِلَّتِهِ حَجُّ الكَعْبَةِ، وهم لا يَحُجُّونَها، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في دَعْواهم تِلْكَ، والأوَّلُ هو الفَرْدُ السّابِقُ غَيْرَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ ”أوَّلَ“ في قَوْلِهِ: ”﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]“ ووُضِعَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. واخْتُلِفَ في مَعْنى كَوْنِهِ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ. فَقِيلَ: هو أوَّلُ بَيْتٍ ظَهَرَ عَلى وجْهِ الماءِ حِينَ خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، خَلَقُهُ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ، وكانَ زُبْدَةً بَيْضاءَ عَلى الماءِ، فَدُحِيَتِ الأرْضُ تَحْتَهُ. وقِيلَ: هو أوَّلُ بَيْتٍ بَناهُ آدَمُ في الأرْضِ. وقِيلَ: لَمّا أُهْبِطَ آدَمُ قالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: طُفْ حَوْلَ هَذا البَيْتِ، فَلَقَدْ طُفْنا قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ، وكانَ في مَوْضِعِهِ قَبْلَ آدَمَ بَيْتٌ يُقالُ لَهُ: الضُّراحُ، فَرُفِعَ في الطُّوفانِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ يَطُوفُ بِهِ مَلائِكَةُ السَّماواتِ. وذَكَرَ الشَّرِيفُ أبُو البَرَكاتِ أسْعَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ أبِي الغَنائِمِ الحُسَيْنِيُّ الجُوانِيُّ النَّسّابَةُ: أنْ شِيثَ بْنَ آدَمَ هو الَّذِي بَنى الكَعْبَةَ بِالطِّينِ والحِجارَةِ عَلى مَوْضِعِ الخَيْمَةِ الَّتِي كانَ اللَّهُ وضَعَها لِآدَمَ مِنَ الجَنَّةِ، فَعَلى هَذِهِ الأقاوِيلِ يَكُونُ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ عَلى ظاهِرِهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ حُجَّ بَعْدَ الطُّوفانِ، فَتَكُونُ الأوَّلِيَّةُ بِاعْتِبارِ هَذا الوَصْفِ مِنَ الحَجِّ، إذْ كانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: أهُوَ أوَّلُ بَيْتٍ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: لا، قَدْ كانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، ولَكِنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ مُبارَكًا، فِيهِ الهُدى والرَّحْمَةُ والبَرَكَةُ، فَأخَذَ الأوَّلِيَّةَ بِقَيْدِ هَذِهِ الحالِ. وقِيلَ: أوَّلُ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ ثُمَّ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِن جُرْهُمٍ، ثُمَّ هُدِمَ فَبَنَتْهُ العَمالِقَةُ، ثُمَّ هُدِمَ (p-٦)فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ. وقالَ أبُو ذَرٍّ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلَ ؟ قالَ: ”المَسْجِدُ الحَرامُ“ قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قالَ: ”المَسْجِدُ الأقْصى“ قُلْتُ: كَمْ كانَ بَيْنَهُما ؟ قالَ: ”أرْبَعُونَ سَنَةً“» وظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ مِن وضْعِ إبْراهِيمَ، وهو مُعارِضٌ لِما ذُكِرَ في الأقْوالِ السّابِقَةِ، إلّا إنْ حُمِلَ الوَضْعُ عَلى التَّجْدِيدِ، فَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما. وظاهِرُ حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ يُضَعِّفُ قَوْلَ الزَّجّاجِ: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ هو مِن بِناءِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - بَلْ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ مِن وضْعِ إبْراهِيمَ، فَكَما وضَعَ الكَعْبَةَ وضَعَ بَيْتَ المَقْدِسِ. وقَدْ بَيَّنَ ﷺ أنَّ بَيْنَ الوَضْعَيْنِ أرْبَعِينَ سَنَةً ”وأيْنَ زَمانُ إبْراهِيمَ مِن زَمانِ سُلَيْمانَ ! ومَعْنى وُضِعَ لِلنّاسِ: أيْ مُتَعَبَّدًا يَسْتَوِي في التَّعَبُّدِ فِيهِ النّاسُ، إذْ غَيْرُهُ مِنَ البُيُوتِ يُخْتَصُّ بِأصْحابِها، والمُشْتَرَكُ فِيهِ النّاسُ هو مَحَلُّ طاعَتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ وقِبْلَتِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ“ وُضِعَ ”مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ السَّمَيْقَعِ“ وضَعَ ”مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى اللَّهِ، واحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى إبْراهِيمَ، وهو أقْرَبُ في الذِّكْرِ وألْيَقُ وأوْفَقُ لِحَدِيثِ أبِي ذَرٍّ. ولِلنّاسِ: مُتَعَلِّقٌ بِوَضَعَ، واللّامُ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ، ولِلَّذِي بِبَكَّةَ: خَبَرُ إنَّ. والمَعْنى: لِلْبَيْتِ الَّذِي بِبَكَّةَ. وأُكِّدَتِ النِّسْبَةُ بِتَأْكِيدَيْنِ: إنَّ واللّامِ. وأخْبَرَ هُنا عَنِ النَّكِرَةِ وهو“ ﴿أوَّلَ بَيْتٍ﴾ ”لِتَخَصُّصِها بِالإضافَةِ وبِالصِّفَةِ الَّتِي هي وضْعٌ، إمّا لَها وإمّا لِما أُضِيفَتْ إلَيْهِ، إذْ تَخْصِيصُهُ تَخْصِيصٌ لَها بِالمَعْرِفَةِ وهو لِلَّذِي بِبَكَّةَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ عَنْ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ويُحَسِّنُ الإخْبارَ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ دُخُولُ“ إنَّ ”. ومِن أمْثِلَةِ سِيبَوَيْهِ: أنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدٌ. تُخَصَّصُ“ قَرِيبٌ ”بِلَفْظِ مِنكَ، فَحَسُنَ الإخْبارُ عَنْهُ. وقَدْ جاءَ بِغَيْرِ تَخْصِيصٍ، وهو جائِزٌ في الِاخْتِيارِ قالَ: ؎وإنَّ حَرامًا أنْ أسُبَّ مُجاشِعًا بِآبائِيَ الشُّمِّ الكِرامِ الخَضارِمِ والباءُ في بِبَكَّةَ ظَرْفِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ بِالبَصْرَةِ. ويَضْعُفُ أنْ يَكُونَ بَكَّةُ هي المَسْجِدُ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ ظَرْفًا لِنَفْسِهِ، وهو لا يَصِحُّ. ﴿مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ أمّا بَرَكَتُهُ فَلِما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الثَّوابِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ لِمَن حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ وطافَ بِهِ وعَكَفَ عِنْدَهُ. وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَرَكَتُهُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ:“ ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ”. وقِيلَ: بَرَكَتُهُ دَوامُ العِبادَةِ فِيهِ ولُزُومُها؛ لِأنَّ البَرَكَةَ لَها مَعْنَيانِ: أحَدُهُما النُّمُوُّ، والآخَرُ: الثُّبُوتُ، ومِنهُ البَرَكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها. والبَرْكُ: الصَّدْرُ؛ لِثُبُوتِ الحِفْظِ فِيهِ، والبَراكاءُ الثُّبُوتُ في القِتالِ، وتَبارَكَ اللَّهُ ثَبَتَ ولَمْ يَزَلْ. وقِيلَ: بَرَكَتُهُ تَضْعِيفُ الثَّوابِ فِيهِ. رَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «“ مَن طافَ بِالبَيْتِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمًا ولَمْ يَضَعْ أُخْرى إلّا كَتَبَ اللَّهُ بِها لَهُ حَسَنَةً ورَفَعَ لَهُ بِها دَرَجَةً ”» . وقالَ الفَرّاءُ: سُمِّيَ مُبارَكًا لِأنَّهُ مَغْفِرَةٌ لِلذُّنُوبِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بَرَكَتُهُ تَطْهِيرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: بَرَكَتُهُ أنَّ مَن دَخَلَهُ أمِنَ حَتّى الوَحْشَ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الظَّبْيُ والكَلْبُ. وأمّا كَوْنُهُ هُدًى؛ فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ مُقَوِّمًا مُصْلِحًا كانَ فِيهِ إرْشادٌ. وبُولِغَ بِكَوْنِهِ هُدًى، أوْ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: وذا هُدًى. قِيلَ: ومَعْنى هُدًى أيْ قِبْلَةً. وقِيلَ: رَحْمَةٌ. وقِيلَ: صَلاحٌ. وقِيلَ: بَيانٌ ودَلالَةٌ عَلى اللَّهِ بِما فِيهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ هُنا هُدًى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الدُّعاءِ، أيْ مِن حَيْثُ دَعا العالَمُونَ إلَيْهِ، وانْتِصابُ مُبارَكًا عَلى الحالِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي اسْتَكَنَّ في“ وُضِعَ ”، والعامِلُ فِيها“ وُضِعَ ”أيْ أنَّ أوَّلَ بَيْتٍ مُبارَكًا، أيْ في هَذِهِ الحالِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ. وهَذا التَّقْدِيرُ لَيْسَ بِجائِزٍ؛ لِأنَّكَ فَصَلْتَ بَيْنَ العامِلِ في الحالِ وبَيْنَ الحالِ بِأجْنَبِيٍّ وهو الخَبَرُ؛ لِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِأنَّ، خَبَرٌ لَها، فَإنْ أضْمَرْتَ“ وُضِعَ " بَعْدَ الخَبَرِ أمْكَنَ أنْ يَعْمَلَ في الحالِ، وكانَ تَقْدِيرُهُ: لَلَّذِي بِبَكَّةَ وُضِعَ مُبارَكًا. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ السّابِقِ ذِكْرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ كَوْنِ هَذا البَيْتِ أوَّلًا، إذْ كانَ قَدْ لاحَظَ في هَذا البَيْتِ كَوْنَهُ وُضِعَ أوَّلًا بِقَيْدِ هَذِهِ الحالِ. (p-٧)وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ العامِلُ في بِبَكَّةَ، أيِ اسْتَقَرَّ بِبَكَّةَ في حالِ بَرَكَتِهِ. وهو وجْهٌ ظاهِرُ الجَوازِ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. وأمّا هُدًى فَظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُبارَكًا، والمَعْطُوفُ عَلى الحالِ حالٌ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ وهو هُدًى، ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ هَذا الإضْمارِ.

آل عمران 3:97

﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ أيْ عَلاماتٌ واضِحاتٌ مِنها: مَقامُ إبْراهِيمَ، والحَجَرُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ، والحَجَرُ الأسْوَدُ، وهو: مِن حِجارَةِ الكَعْبَةِ، وهو يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ يَشْهَدُ لِمَن مَسَّهُ - والحَطِيمُ، وزَمْزَمُ، وأمْنُ الخائِفِ، وهَيْبَتُهُ وتَعْظِيمُهُ في قُلُوبِ النّاسِ، وأمْرُ الفِيلِ، ورَمْيُ طَيْرِ اللَّهِ عَنْهُ بِحِجارَةِ السِّجِّيلِ، وكَفُّ الجَبابِرَةِ عَنْهُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، وإذْعانُ نُفُوسِ العَرَبِ لِتَوْقِيرِ هَذِهِ البُقْعَةِ دُونَ ناهٍ ولا زاجِرٍ، وجِبايَةُ الأرْزاقِ إلَيْهِ - وهو بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ - وحِمايَتُهُ مِنَ السُّيُولِ. ودَلالَةُ عُمُومِ المَطَرِ إيّاهُ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ عَلى خِصْبِ آفاقِ الأرْضِ، فَإنْ كانَ المَطَرُ مِن جانِبٍ أخْصَبَ الأُفُقُ الَّذِي يَلِيهِ. وذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ أنَّ مِن آياتِهِ كَوْنَ الطَّيْرِ لا يَعْلُو عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، والطَّيْرُ يُعايَنُ بِعُلُوِّهِ، وقَدْ عَلَتْهُ العُقابُ الَّتِي أخَذَتِ الحَيَّةَ المُشْرِفَةَ عَلى جِدارِهِ، وتِلْكَ كانَتْ مِن آياتِهِ، انْتَهى. وأيُّ عَبْدٍ عَلا عَلَيْهِ عَتَقَ. وتَعْجِيلُ العُقُوبَةِ لِمَن عَتا فِيهِ، وإجابَةُ دُعاءِ مَن دَعا تَحْتَ المِيزابِ، ومُضاعَفَةُ أجْرِ المُصَلِّي، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ: ”﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾“، الضَّمِيرُ في ”فِيهِ“ عائِدٌ عَلى البَيْتِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يُذْكَرَ مِنَ الآياتِ إلّا ما كانَ في البَيْتِ. لَكِنَّهم تَوَسَّعُوا في الظَّرْفِيَّةِ، إذْ لا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنَّ الآياتِ تَكُونُ داخِلَ الجُدْرانِ. ووَجْهُ التَّوَسُّعِ أنَّ البَيْتَ وُضِعَ بِحَرَمِهِ وجَمِيعِ فَضائِلِهِ، فَهي فِيهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ ولِذَلِكَ عَدَّ المُفَسِّرُونَ آياتٍ في الحَرَمِ وأشْياءَ مِمّا التُزِمَتْ في شَرِيعَتِنا مِن تَحْرِيمِ قَطْعِ شَجَرِهِ، ومَنعِ الِاصْطِيادِ فِيهِ. والَّذِي تَعَرَّضَتْ لَهُ الآيَةُ هو مَقامُ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ آيَةٌ باقِيَةٌ عَلى مَرِّ الأعْصارِ. وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا قامَ إبْراهِيمُ عَلى حَجَرِ المَقامِ وقْتَ رَفْعِهِ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ طالَ لَهُ البِناءُ، فَكُلَّما عَلا الجِدارُ ارْتَفَعَ الحَجَرُ بِهِ في الهَواءِ، فَما زالَ يَبْنِي وهو قائِمٌ عَلَيْهِ وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ والطِّينَ حَتّى كَمُلَ الجِدارُ. ثُمَّ أرادَ اللَّهُ إبْقاءَ ذَلِكَ آيَةً لِلْعالَمِينَ، لَيَّنَ الحَجَرَ فَغَرِقَتْ فِيهِ قَدَما إبْراهِيمَ كَأنَّها في طِينٍ، فَذَلِكَ (p-٨)الأثَرُ باقٍ إلى اليَوْمِ. وقَدْ نَقَلَتْ كافَّةُ العَرَبِ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ عَلى مُرُورِ الأعْصارِ. وقالَ في ذَلِكَ أبُو طالِبٍ: ؎ومَوْطِئِ إبْراهِيمَ في الصَّخْرِ رَطْبَةٍ عَلى قَدَمَيْهِ حافِيًا غَيْرَ ناعِلِ فَما حُفِظَ أنَّ أحَدًا مِنَ النّاسِ نازَعَ في هَذا القَوْلِ. وقِيلَ: سَبَبُ أثَرِ قَدَمَيْهِ في هَذا الحَجَرِ أنَّهُ وافى مَكَّةَ زائِرًا مِنَ الشّامِ، فَقالَتْ لَهُ زَوْجَةُ إسْماعِيلَ: انْزِلْ حَتّى أغْسِلَ رَأْسَكَ، فَأبى أنْ يَنْزِلَ، فَجاءَتْ بِهَذا الحَجَرِ مِن جِهَةِ شِقِّهِ الأيْمَنِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ حَتّى غَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ، ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إلى شِقِّهِ الأيْسَرِ حَتّى غَسَلَتِ الشِّقَّ الآخَرَ، فَبَقِيَ أثَرُ قَدَمَيْهِ فِيهِ. وارْتِفاعُ ”آياتٌ“ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ، وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو الحالُ حَقِيقَةً. ونِسْبَةُ الحالِيَّةِ إلى الظَّرْفِ والمَجْرُورِ مَجازٌ كَنِسْبَةِ الخَبَرِ إلَيْها إذا قُلْتَ: زَيْدٌ في الدّارِ أوْ عِنْدَكَ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: وما يُعْزى لِلظَّرْفِ مِن خَبَرِيَّةٍ وعَمَلٍ، فالأصَحُّ كَوْنُهُ لِعامِلِهِ، وكَوْنُ ”فِيهِ“ في مَوْضِعِ حالٍ مُقَدَّرَةٍ، سَواءٌ كانَ العامِلُ فِيها هو العامِلُ في ”﴿بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]“، أمْ كانَ العامِلُ فِيها هو ”وُضِعَ“ عَلى ما أعْرَبُوهُ، أوْ عَلى ما أعْرَبْناهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيهِ آياتٍ بَيِّناتٍ. ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ مَقامٌ: مَفْعَلٌ مِنَ القِيامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ عَلى الجَمْعِ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَمْرُو بْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةِ قُتَيْبَةَ ”آيَةٌ بَيِّنَةٌ“ عَلى التَّوْحِيدِ. فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أعْرَبُوا مَقامَ إبْراهِيمَ بَدَلًا، وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، مِن قَوْلِهِ: آياتٌ، وأعْرَبُوهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُنَّ مَقامُ إبْراهِيمَ. وعَلى ما أعْرَبُوهُ فَكَيْفَ يُبْدَلُ المُفْرَدُ مِنَ الجَمْعِ، أوْ يُخْبَرُ بِهِ عَنِ الجَمْعِ ؟ وأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُجْعَلَ وحْدَهُ بِمَنزِلَةِ آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ لِظُهُورِ شَأْنِهِ وقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ ونُبُوَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَأْثِيرِ قَدَمِهِ في حَجَرٍ صَلْدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] والثّانِي: اشْتِمالُهُ عَلى آياتٍ؛ لِأنَّ أثَرَ القَدَمِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ آيَةٌ، وغَوْصَهُ فِيها إلى الكَعْبَيْنِ آيَةٌ، وإلانَةَ بَعْضِ الصَّخْرَةِ دُونَ بَعْضٍ آيَةٌ، وإبْقاءَهُ دُونَ سائِرِ آياتِ الأنْبِياءِ آيَةٌ لِإبْراهِيمَ خاصَّةً، وحِفْظَهُ مَعَ كَثْرَةِ أعْدائِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ والمَلاحِدَةِ أُلُوفَ سِنِينٍ آيَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ وأمْنُ مَن دَخَلَهُ؛ لِأنَّ الآيَتَيْنِ نَوْعٌ مِنَ الجَمْعِ كالثَّلاثَةِ والأرْبَعَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُتَرَجِّحُ عِنْدِي أنَّ المَقامَ وأمْنَ الدّاخِلِ جُعِلا مِثالًا مِمّا في حَرَمِ اللَّهِ مِنَ الآياتِ، وخُصّا بِالذِّكْرِ لِعِظَمِهِما، وأنَّهُما تَقُومُ بِهِما الحُجَّةُ عَلى الكُفّارِ؛ إذْ هم مُدْرِكُونَ لِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِحَواسِّهِمْ. فَظاهِرُ كَلامِهِ وكَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَبْلَهُ أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ وأمْنَ الدّاخِلِ تَفْسِيرٌ لِلْآياتِ، وهي جِمْعٌ، ولَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ أمْنُ الدّاخِلِ في الآيَةِ تَفْسِيرًا صِناعِيًّا، إنَّما جاءَ ”﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾“ جُمْلَةً مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ، أوْ مُبْتَدَأٍ أوْ خَبَرٍ، لا عَلى سَبِيلِ أنْ يَكُونَ اسْمًا مُفْرَدًا يُعْطَفُ عَلى قَوْلِهِ: مَقامُ إبْراهِيمَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا صِناعِيًّا. بَلْ لَمْ يَأْتِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ سِوى مُفْرَدٍ وهو ”﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾“، فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ أجَزْتَ أنْ يَكُونَ ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ والأمْنُ عَطْفَ بَيانٍ، وقَوْلُهُ: ومَن دَخَلَهُ (p-٩)كانَ آمِنًا جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، إمّا ابْتِدائِيَّةٌ وإمّا شَرْطِيَّةٌ ؟ قُلْتُ: أجَزْتُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾“ دَلَّ عَلى أمْنِ داخِلِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ، مَقامُ إبْراهِيمَ، وأمْنُ داخِلِهِ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ، مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا - صَحَّ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى: فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ، أمْنُ مَن دَخَلَهُ. انْتَهى سُؤالُهُ وجَوابُهُ، ولَيْسَ بِواضِحٍ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ وأمْنُ الدّاخِلِ، هو مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى مَقامِ إبْراهِيمَ، وفَسَّرَ بِهِما الآياتِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾“ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، فَتَدافَعا، إلّا إنِ اعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، فَيُمْكِنُ التَّوْجِيهُ. فَلا يُجْعَلُ قَوْلُهُ: ”﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾“ في مَعْنى: وأمْنِ داخِلِهِ، إلّا مِن حَيْثُ تَفْسِيرِ المَعْنى لا تَفْسِيرِ الإعْرابِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ويُطْوى ذِكْرُ غَيْرِهِما دَلالَةً عَلى تَكاثُرِ الآياتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ وأمْنُ مَن دَخَلَهُ، وكَثِيرٌ سِواهُما. ونَحْوُهُ في طَيِّ الذِّكْرِ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎كانَتْ حَنِيفَةُ أثْلاثًا فَثُلُثُهُمُ ∗∗∗ مِنَ العَبِيدِ وثُلُثٌ مِن مَوالِيها ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ: الطِّيبُ، والنِّساءُ، وقُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةُ» انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ حَذْفُ مَعْطُوفَيْنِ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ في إعْرابِ ”﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾“ إلّا أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ”﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾“ . ورُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ”آياتٌ“ نَكِرَةٌ، و”﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾“ مَعْرِفَةٌ، ولا يَجُوزُ التَّخالُفُ في عَطْفِ البَيانِ. وقَوْلُهُ مُخالِفٌ لِإجْماعِ الكُوفِيِّينَ والبَصْرِيِّينَ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وحُكْمُ عَطْفِ البَيانِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ حُكْمُ النَّعْتِ، فَتَتْبَعُ النَّكِرَةُ النَّكِرَةَ والمَعْرِفَةُ المَعْرِفَةَ، وقَدْ تَبِعَهم في ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. وأمّا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فَلا يَجُوزُ إلّا أنْ يَكُونا مَعْرِفَتَيْنِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونا نَكِرَتَيْنِ. وما أعْرَبَهُ الكُوفِيُّونَ ومَن وافَقَهم: عَطْفُ بَيانٍ وهو نَكِرَةٌ عَلى النَّكِرَةِ قَبْلَهُ، أعْرَبَهُ البَصْرِيُّونَ بَدَلًا، ولَمْ يَقُمْ لَهم دَلِيلٌ عَلى تَعْيِينِ عَطْفِ البَيانِ في النَّكِرَةِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ. والأوْلى والأصْوَبُ في إعْرابِ مَقامِ إبْراهِيمَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أحَدُها، أيْ أحَدُ تِلْكَ الآياتِ البَيِّناتِ مَقامُ إبْراهِيمَ. أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ تَقْدِيرُهُ مِنها، أيْ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ مَقامُ إبْراهِيمَ. ويَكُونُ ذِكْرُ المَقامِ لِعِظَمِهِ ولِشُهْرَتِهِ عِنْدَهم، ولِكَوْنِهِ مُشاهَدًا لَهم لَمْ يَتَغَيَّرْ، ولِإذْكارِهِ إيّاهم دِينَ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ. وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: آيَةٌ بَيِّنَةٌ بِالتَّوْحِيدِ، فَإعْرابُهُ بَدَلٌ، وهو بَدَلُ مَعْرِفَةٍ مِن نَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢] ويَكُونُ اللَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ وحْدَها وهي مَقامُ إبْراهِيمَ؛ لِما ذَكَرْناهُ، وإنْ كانَ في البَيْتِ آياتٌ كَثِيرَةٌ. واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ مَقامِ إبْراهِيمَ. فَقالَ الجُمْهُورُ: هو الحَجَرُ المَعْرُوفُ. وقالَ قَوْمٌ: البَيْتُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ بَناهُ، وقامَ في جَمِيعِ أقْطارِهِ. وقالَ قَوْمٌ: مَكَّةُ كُلُّها مَقامُ إبْراهِيمَ. وقالَ قَوْمٌ: الحَرَمُ كُلُّهُ. والحَرَمُ مِمّا يَلِي المَدِينَةَ نَحْوًا مِن أرْبَعَةِ أمْيالٍ إلى مُنْتَهى التَّنْعِيمِ، ومِمّا يَلِي العِراقَ نَحْوًا مِن ثَمانِيَةِ أمْيالٍ يُقالُ لَهُ المَقْطَعُ، ومِمّا يَلِي عَرَفَةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ إلى مُنْتَهى الحُدَيْبِيَةِ. ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ الضَّمِيرُ في ”ومَن دَخَلَهُ“ عائِدٌ عَلى البَيْتِ؛ إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ، والمُقَيَّدُ بِتِلْكَ القُيُودِ مِنَ البَرَكَةِ والهُدى والآياتِ البَيِّناتِ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِ. ولا يُمْكِنُ أنْ يَعُودَ عَلى مَقامِ إبْراهِيمَ إذا فَسَّرْناهُ بِالحَجَرِ. وظاهِرُ الآيَةِ وسِياقُ الكَلامِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي مُفَسِّرَةٌ لِبَعْضِ آياتِ البَيْتِ، ومُذَكِّرَةٌ لِلْعَرَبِ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنِ احْتِرامِ هَذا البَيْتِ، وأمْنِ مَن دَخَلَهُ مِن ذَوِي الجَرائِمِ. وكانَتِ العَرَبُ يُغِيرُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ ويُتَخَطَّفُ النّاسُ بِالقَتْلِ، وأخْذِ الأمْوالِ، وأنْواعِ الظُّلْمِ، إلّا في الحَرَمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وذَلِكَ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] فَأمّا في الإسْلامِ فَمَن أصابَ حَدًّا فَإنَّ (p-١٠)الحَرَمَ لا يُعِيذُهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُ. فَمَن زَنى، أوْ سَرَقَ، أوْ قَتَلَ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ واسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ مِمَّنْ قالَ هَذا القَوْلَ أنْ يَخْرُجَ مَن وجَبَ عَلَيْهِ القَتْلُ إلى الحِلِّ فَيُقْتَلَ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أحْدَثَ حَدَثًا واسْتَجارَ بِالبَيْتِ فَهو آمِنٌ. والأمْرُ في الإسْلامِ عَلى ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَلا يَعْرِضُ أحَدٌ لِقاتِلِ ولِيِّهِ. إلّا أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ لا يُبايِعُوهُ، ولا يُكَلِّمُوهُ، ولا يُئْوُوهُ حَتّى يَتَبَرَّمَ فَيَخْرُجَ مِنَ الحَرَمِ، فَيُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ. وقالَ بِمِثْلِ هَذا عَطاءٌ أيْضًا، والشَّعْبِيُّ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهم، إلّا أنَّ أكْثَرَهم، قالُوا: هَذا فِيمَن يُقْتَلُ خارِجَ الحَرَمِ ثُمَّ يَعُوذُ بِالحَرَمِ، أمّا مَن قُتِلَ فِيهِ فَيُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ فِيهِ. واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ: إذا جَنى في غَيْرِ الحَرَمِ ثُمَّ التَجَأ إلَيْهِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ، والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ، وأحْمَدٌ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ عَنْهُ: إنْ كانَتِ الجِنايَةُ في النَّفْسِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنهُ ولا يُخالَطْ، أوْ فِيما دُونَ النَّفْسِ اقْتُصَّ مِنهُ في الحَرَمِ. وقالَ مالِكٌ في رِوايَةٍ: لا يُقْتَصُّ مِنهُ فِيهِ، لا بِقَتْلٍ ولا فِيما دُونَ النَّفْسِ، ولا يُخالَطُ. قالُوا: وانْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّ مَن جَنى فِيهِ لا يُؤَمَّنُ؛ لِأنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ ورَدَّ الأمانَ. فَبَقِيَ حُكْمُ الآيَةِ فِيمَن جَنى خارِجًا مِنهُ ثُمَّ التَجَأ إلَيْهِ. وقالُوا: هَذا خَبَرٌ مَعْناهُ الأمْرُ. أيْ ومَن دَخَلَهُ فَأمِّنُوهُ. وهو عامٌّ فِيمَن جَنى فِيهِ أوْ في غَيْرِهِ ثُمَّ دَخَلَهُ، لَكِنْ صَدَّ الإجْماعَ عَنِ العَمَلِ بِهِ فِيمَن جَنى فِيهِ وبَقِيَ حُكْمُ الآيَةِ مُخْتَصًّا بِمَن جَنى خارِجًا مِنهُ ثُمَّ دَخَلَهُ. وقالَ يَحْيَـى بْنُ جَعْدَةَ في آخَرِينَ: آمِنًا مِنَ النّارِ، ولا بُدَّ مِن قَيْدٍ في ”﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾“، أيْ ومَن دَخَلَهُ حاجًّا، أوْ مَن دَخَلَهُ مُخْلِصًا في دُخُولِهِ. وقِيلَ المَعْنى: ومَن دَخَلَهُ عامَ عُمْرَةِ القَضاءِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: مَن دَخَلَهُ ورَقى عَلى الصَّفا أمِنَ أمْنَ الأنْبِياءِ. وظاهِرُ الآيَةِ ما بَدَأْنا بِهِ أوَّلًا، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ سِواهُ مُتَكَلَّفاتٌ، ويَنْبُو اللَّفْظُ عَنْها، ويُخالِفُ بَعْضُها ظَواهِرَ الآياتِ وقَواعِدَ الشَّرِيعَةِ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ رَوى عِكْرِمَةُ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ”﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]“ قالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ عَلى الإسْلامِ فَنَزَلَتْ: ”﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾“ الآيَةَ، قِيلَ لَهُ: حُجَّهم يا مُحَمَّدُ إنْ كانُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ الَّتِي هي الإسْلامُ، فَلْيَحُجُّوا إنْ كانُوا مُسْلِمِينَ. فَقالَتِ اليَهُودُ: لا نَحُجُّهُ أبَدًا» . ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَأْكِيدِ فَرْضِ الحَجِّ، إذْ جاءَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ”ولِلَّهِ“، فَيُشْعِرُ بِأنَّ ذَلِكَ لَهُ تَعالى، وجاءَ بِـ ”عَلى“ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ، وجاءَ مُتَعَلِّقًا بِالنّاسِ بِلَفْظِ العُمُومِ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ الخُصُوصَ لِيَكُونَ مَن وجَبَ عَلَيْهِ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا الكَلامِ أنْواعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ. فَمِنها قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ في رِقابِ النّاسِ، لا يَنْفَكُّونَ عَنْ أدائِهِ والخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ. ومِنها أنَّهُ ذَكَرَ ”النّاسَ“ ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ ”﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾“، وفِيهِ ضَرْبانِ مِنَ التَّأْكِيدِ، أحَدُهُما: أنَّ الإبْدالَ تَنْبِيهٌ لِلْمُرادِ وتَكْرِيرٌ لَهُ. والثّانِي: أنَّ الإيضاحَ بَعْدَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلَ بَعْدَ الإجْمالِ إيرادٌ لَهُ في صُورَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ”حِجٌّ“، بِكَسْرِ الحاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ: الكَسْرُ لُغَةُ نَجْدٍ، والفَتْحُ لُغَةُ أهْلِ العالِيَةِ. وجَعَلَ سِيبَوَيْهِ الحِجَّ بِالكَسْرِ مَصْدَرًا نَحْوَ: ذَكَرَ ذِكْرًا. وجَعَلَهُ الزَّجّاجُ اسْمَ العَمَلِ. ولَمْ يَخْتَلِفُوا في الفَتْحِ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وحَجٌّ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ في المَجْرُورِ الَّذِي هو ”ولِلَّهِ“، وعَلى النّاسِ مُتَعَلِّقٌ بِالعامِلِ في الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي هو خَبَرٌ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى النّاسِ حالًا، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ الحَجِّ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ولِلَّهِ“ حالًا؛ لِما يَلْزَمُ في ذَلِكَ مِن تَقَدُّمِها عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ. و”حَجُّ“ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ الَّذِي هو البَيْتُ، والألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ”﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]“ هَذا الأصْلُ ثُمَّ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ. فَمَتى ذُكِرَ البَيْتُ لا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ إلّا أنَّهُ الكَعْبَةُ، (p-١١)وكَأنَّهُ صارَ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا وقالَ الشّاعِرُ: ؎لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أهْلَهُ ∗∗∗ وأقْعُدُ في أفَنائِهِ بِالأصائِلِ ولَمْ يُشْتَرَطْ في هَذِهِ الآيَةِ في وُجُوبِهِ إلّا الِاسْتِطاعَةُ. وذَكَرُوا أنَّ شُرُوطَهُ: العَقْلُ، والبُلُوغُ، والحُرِّيَّةُ، والإسْلامُ، والِاسْتِطاعَةُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ﴾ وُجُوبُهُ عَلى العَبْدِ، وهو مُخاطَبٌ بِهِ، وقالَ بِذَلِكَ داوُدُ. وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ مُخاطَبًا بِهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٌ، إذِ السَّيِّدُ يَمْنَعُهُ عَنْ هَذِهِ العِبادَةِ لِحُقُوقِهِ. قالُوا: وكَذَلِكَ الصَّغِيرُ. فَلَوْ حَجَّ العَبْدُ في حالِ رِقِّهِ، والصَّبِيُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ، ثُمَّ عَتَقَ وبَلَغَ فَعَلَيْهِما حَجَّةُ الإسْلامِ. وظاهِرُهُ الِاكْتِفاءُ بِحَجَّةٍ واحِدَةٍ، وعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْماعُ الجُمْهُورِ خِلافًا لِبَعْضِ أهْلِ الظّاهِرِ إذْ قالَ: يَجِبُ في كُلِّ خَمْسَةِ أعْوامٍ مَرَّةً، والحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَرُدُّ عَلَيْهِ. والظّاهِرُ أنَّ شَرْطَهُ القُدْرَةُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ بِأيِّ طَرِيقٍ قَدَرَ عَلَيْهِ مِن مَشْيٍ، وتَكَفُّفٍ، ورُكُوبِ بَحْرٍ، وإيجارِ نَفْسِهِ لِلْخِدْمَةِ. الرِّجالُ والنِّساءُ في ذَلِكَ سَواءٌ، والمَشْرُوطُ مُطْلَقُ الِاسْتِطاعَةِ. ولَيْسَتْ في الآيَةِ مِنَ المُجْمَلاتِ فَتَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِوُجُوبِ الحَجِّ عَلى الفَوْرِ، ولا عَلى التَّراخِي، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ يَجِبُ في وقْتِ حُصُولِ الِاسْتِطاعَةِ. والقَوْلانِ عَنِ الحَنَفِيَّةِ والمالِكِيَّةِ. وقالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: ويَدُلُّ عَلى التَّراخِي إجْماعُ العُلَماءِ عَلى تَرْكِ تَفْسِيقِ القادِرِ عَلى الحَجِّ إذا أخَّرَهُ العامَ الواجِبَ عَلَيْهِ في وقْتِهِ، بِخِلافِ مَن فَوَّتَ صَلاةً حَتّى خَرَجَ وقْتُها فَقَضاها. وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يُقالُ لِمَن حَجَّ بَعْدَ أعْوامٍ مِن وقْتِ اسْتِطاعَتِهِ أنْتَ قاضٍ. وكُلُّ مَن قالَ بِالتَّراخِي لا يَجِدُ في ذَلِكَ حَدًّا إلّا ما رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ أنَّهُ إذا زادَ عَلى السِّتِّينَ وهو قادِرٌ وتَرَكَ، فَسَقَ. ورُوِيَ قَرِيبٌ مِن هَذا عَنِ ابْنِ القاسِمِ. وفِي إعْرابِ ”مَن“ خِلافٌ، ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّهُ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، فَتَكُونُ ”مَن“ مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ جَرٍّ، وبَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، فَهو مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا مِنهم. وقالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ: ”مِن“ شَرْطِيَّةٌ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ. ويَلْزَمُ حَذْفُ الضَّمِيرِ الرّابِطِ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها وحَذْفُ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا مِنهم فَعَلَيْهِ الحَجُّ، أوْ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ. والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِقِلَّةِ الحَذْفِ فِيهِ وكَثْرَتِهِ في هَذا. ويُناسِبُ الشَّرْطَ مَجِيءُ الشَّرْطِ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ وقِيلَ: ”مَن“ مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هم مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: ”مَن“ مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو حَجٌّ، فَيَكُونُ المَصْدَرُ قَدْ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ ورُفِعَ بِهِ الفاعِلُ نَحْوَ: عَجِبْتُ مِن شُرْبِ العَسَلِ زَيْدٌ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ والمَعْنى. أمّا مِن حَيْثُ اللَّفْظِ فَإنَّ إضافَةَ المَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعَ الفاعِلِ بِهِ قَلِيلٌ في الكَلامِ، ولا يَكادُ يُحْفَظُ في كَلامِ العَرَبِ إلّا في الشِّعْرِ، حَتّى زَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ. وأمّا مِن حَيْثُ المَعْنى فَإنَّهُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلى النّاسِ مُسْتَطِيعِهِمْ وغَيْرِ مُسْتَطِيعِهِمْ أنْ يَحُجَّ البَيْتَ المُسْتَطِيعُ. ومُتَعَلِّقُ الوُجُوبِ إنَّما هو المُسْتَطِيعُ لا النّاسُ عَلى العُمُومِ، والضَّمِيرُ في ”إلَيْهِ“ يَعُودُ عَلى البَيْتِ، وقِيلَ: عَلى الحَجِّ. و”إلَيْهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”اسْتَطاعَ“، و”سَبِيلًا“ مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ: ”اسْتَطاعَ“؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ. قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٧] وكُلُّ مُوصِلٍ إلى شَيْءٍ، فَهو سَبِيلٌ إلَيْهِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الحَجِّ عَلى مَنِ اسْتَطاعَ إلى البَيْتِ سَبِيلًا، ولَيْسَتِ الِاسْتِطاعَةُ مِن بابِ المُجْمَلاتِ كَما قَدَّمْنا. وقالَ عُمَرُ، وابْنُهُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هي حالُ الَّذِي يَجِدُ زادًا وراحِلَةً، وعَلى هَذا أكْثَرُ العُلَماءِ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ والضَّحّاكُ: إذا كانَ مُسْتَطِيعًا غَيْرَ شاقٍّ عَلى نَفْسِهِ وجَبَ عَلَيْهِ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا قَدَرَ أنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ فَهو مُسْتَطِيعٌ، وقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: إنْ كانَ لِبَعْضِهِمْ مِيراثٌ بِمَكَّةَ، أكانَ يَتْرُكُهُ ؟ بَلْ كانَ يَنْطَلِقُ إلَيْهِ ولَوْ حَبْوًا فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الحَجُّ. (p-١٢)وقالَ الحَسَنُ: مَن وجَدَ شَيْئًا يُبْلِغُهُ فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: اسْتِطاعَةُ السَّبِيلِ: الصِّحَّةُ. ومَذْهَبُ مالِكٍ أنَّ الرَّجُلَ إذا وثِقَ بِقُوَّتِهِ لَزِمَهُ، وعَنْهُ ذَلِكَ عَلى قَدْرِ الطّاقَةِ. وقَدْ يَجِدُ الزّادَ والرّاحِلَةَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى السَّفَرِ، وقَدْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَن لا راحِلَةَ ولا زادَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن مَلَكَ ثَلاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَهو السَّبِيلُ إلَيْهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: الِاسْتِطاعَةُ عَلى وجْهَيْنِ بِنَفْسِهِ أوَّلًا: فَمَن مَنَعَهُ مَرَضٌ أوْ عُذْرٌ ولَهُ مالٌ فَعَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ مَن يَحُجُّ عَنْهُ وهو مُسْتَطِيعٌ لِذَلِكَ. واخْتَلَفَ قَوْلُ مالِكٍ فِيمَن سَألَ ذاهِبًا وآيِبًا مِمَّنْ لَيْسَتْ عادَتُهُ ذَلِكَ في إقامَتِهِ. فَرَوى عَنْهُ ابْنُ وهْبٍ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ. ورَوى عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ: لا أرى ذَلِكَ، ولا يَخْرُجُ إلى الحَجِّ والغَزْوِ سائِلًا. وكَرِهَ مالِكٌ أنْ تَحُجَّ النِّساءُ في البَحْرِ. واخْتُلِفَ عَنْهُ في حَجِّ النِّساءِ ماشِياتٍ إذا قَدِرْنَ عَلى ذَلِكَ. ولا حَجَّ عَلى المَرْأةِ إلّا إذا كانَ مَعَها ذُو مَحْرَمٍ، واخْتُلِفَ إذا عَدِمَتْهُ، فَقالَ الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ: المَحْرَمُ مِنَ السَّبِيلِ ولا حَجَّ عَلَيْها إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ. قالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا كانَ بَيْنَها وبَيْنَ مَكَّةَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَصاعِدًا، وإذا وجَدَتْ مَحْرَمًا فَهَلْ لِزَوْجِها أنْ يَمْنَعَها في الفَرْضِ ؟ قالَ الشّافِعِيُّ: لَهُ أنْ يَمْنَعَها، وعَنْ مالِكٍ رِوايَتانِ: المَنعُ، وعَدَمُهُ. والمَحْرَمُ مَن لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُها عَلى التَّأْبِيدِ بِقَرابَةٍ، أوْ رَضاعٍ، أوْ صِهْرٍ، والحُرُّ والعَبْدُ والمُسْلِمُ والذِّمِّيُّ في ذَلِكَ سَواءٌ، إلّا أنْ يَكُونَ مَجُوسِيًّا يَعْتَقِدُ إباحَةَ نِكاحِها أوْ مُسْلِمًا غَيْرَ مَأْمُونٍ، فَلا تَخْرُجُ ولا تُسافِرُ مَعَهُ. وقالَ مالِكٌ: تَخْرُجُ مَعَ جَماعَةِ نِساءٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ: مَعَ حُرَّةٍ ثِقَةٍ مُسْلِمَةٍ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: مَعَ رَجُلٍ ثِقَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: مَعَ قَوْمٍ عُدُولٍ، وتَتَّخِذُ سُلَّمًا تَصْعَدُ عَلَيْهِ وتَنْزِلُ، ولا يَقْرَبُها رَجُلٌ. واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الحَجِّ مَعَ وُجُودِ المُكُوسِ والغَرامَةِ. فَقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: إذا كانَ المُكْسُ ولَوْ دِرْهَمًا سَقَطَ فَرْضُ الحَجِّ عَنِ النّاسِ. وقالَ عَبْدُ الوَهّابِ: إذا كانَتِ الغَرامَةُ كَثِيرَةً مُجْحِفَةً سَقَطَ الفَرْضُ. فَظاهِرُ كَلامِهِ هَذا أنَّها إذا كانَتْ كَثِيرَةً غَيْرَ مُجْحِفَةٍ بِهِ لِسِعَةِ مالِهِ فَلا يَسْقُطُ، وعَلى هَذا جَماعَةُ أهْلِ العِلْمِ، وعَلَيْهِ مَضَتِ الأعْصارُ. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المَرِيضَ والمَعْضُوبَ لا يَلْزَمُهُما المَسِيرُ إلى الحَجِّ. فَقالَ مالِكٌ: يَسْقُطُ عَنِ المَعْضُوبِ فَرْضُ الحَجِّ، ولا يُحَجُّ عَنْهُ في حالِ حَياتِهِ. فَإنْ وصّى أنْ يُحَجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ حُجَّ مِنَ الثُّلُثِ، وكانَ تَطَوُّعًا. وقالَ الثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ، وابْنُ المُبارَكِ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ: إذا كانَ قادِرًا عَلى مالٍ يَسْتَأْجِرُ بِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وإذا بَذَلَ أحَدٌ لَهُ الطّاعَةَ والنِّيابَةَ لَزِمَهُ ذَلِكَ بِبَذْلِ الطّاعَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَلْزَمُهُ الحَجُّ بِبَذْلِ الطّاعَةِ، ولَوْ بَذَلَ لَهُ مالًا فالصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ. ومَسائِلُ فُرُوعِ الِاسْتِطاعَةِ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. * * ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِوُجُوبِ الحَجِّ، فَمَن زَعَمَ أنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَيْهِ فَقَدْ كَفَرَ. وقالَ مِثْلَهُ: الضَّحّاكُ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِمْرانُ القَطّانُ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهُ: ومَن كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ومَن كَفَرَ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي في البَيْتِ. وقالَ السُّدِّيُّ وجَماعَةٌ: ومَن كَفَرَ بِأنْ وجَدَ ما يَحُجُّ بِهِ فَلَمْ يَحُجَّ، فَهَذا كُفْرُ مَعْصِيَةٍ، بِخِلافِ القَوْلِ الأوَّلِ فَإنَّهُ كُفْرُ جُحُودٍ. ويَصِيرُ عَلى قَوْلِ السُّدِّيِّ؛ لِقَوْلِهِ: «مَن تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ»، «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ» . عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِنها - يَعْنِي مِن أنْواعِ التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ - قَوْلُهُ: ومَن كَفَرَ، مَكانَ ومَن لَمْ يَحُجَّ، تَغْلِيظًا عَلى تارِكِ الحَجِّ؛ ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إنْ شاءَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا» ونَحْوُهُ مِنَ التَّغْلِيظِ: مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ. انْتَهى كَلامُهُ، وهو مِن مَعْنى كَلامِ السُّدِّيِّ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: ومَن كَفَرَ بِكَوْنِ البَيْتِ قِبْلَةَ الحَقِّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ راجِعًا إلى اليَهُودِ الَّذِينَ قالُوا حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] وكَفَرُوا بِها وقالُوا: لا نَحُجُّ إلَيْها أبَدًا. و”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، (p-١٣)وجَوابُ الشَّرْطِ الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالفاءِ، والرّابِطُ لَها بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ هو العُمُومُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ العالَمِينَ﴾ إذْ مَن كَفَرَ فَهو مُنْدَرِجٌ تَحْتَ هَذا العُمُومِ. وفي هَذا اللَّفْظِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن كَفَرَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والقَصْدُ بِالكَلامِ: فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم، ولَكِنْ عَمَّ اللَّفْظُ لِيَبْرَعَ المَعْنى ويَتَنَبَّهَ الفِكْرُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وسُلْطانِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنْ جَمِيعِ الوُجُوهِ، حَتّى لَيْسَ بِهِ افْتِقارٌ إلى شَيْءٍ، لا رَبَّ سِواهُ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِنها - يَعْنِي مِن أنْواعِ التَّأْكِيدِ - ذِكْرُ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ، وذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى المَقْتِ والسُّخْطِ والخِذْلانِ. ومِنها قَوْلُهُ: عَنِ العالَمِينَ، ولَمْ يَقُلْ عَنْهُ، وما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِبُرْهانٍ؛ لِأنَّهُ إذا اسْتَغْنى عَنِ العالَمِينَ تَناوَلَهُ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ لا مَحالَةَ، ولِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِغْناءِ الكامِلِ، فَكانَ أدَلَّ عَلى عِظَمِ السُّخْطِ الَّذِي وقَعَ عِبارَةً عَنْهُ. وقِيلَ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ حَجِّ العالَمِينَ.

آل عمران 3:98

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: سَبَبُ نُزُولِها ونُزُولِ ما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ حاوَلَ الإغْراءَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، واسْمُهُ: شاسُ بْنُ قَيْسٍ، وكانَ أعْمًى شَدِيدَ الضَّغَنِ والحَسَدِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَرَأى ائْتِلافَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، فَقالَ: ما لَنا مِن قَرارٍ بِهَذِهِ البِلادِ مَعَ اجْتِماعِ مَلَإ بَنِي قَيْلَةَ، فَأمَرَ شابًّا مِنَ اليَهُودِ أنْ يُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثٍ وما جَرى فِيهِ مِنَ الحَرْبِ وما قالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ، فَفَعَلَ، فَتَكَلَّمُوا حَتّى ثارُوا إلى السِّلاحِ بِالحَرَّةِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم» ؟ ووَعَظَهم، فَرَجَعُوا، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، هَذا مُلَخَّصُهُ وذَكَرُوهُ مُطَوَّلًا. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ بِأنْ يَقُولُوا لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِالمَوْصُوفِ في كِتابِنا، والظّاهِرُ نِداءُ أهْلِ الكِتابِ عُمُومًا والعامَّةِ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا، فالحُجَّةُ قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ كَقِيامِها عَلى الخاصَّةِ. وكَأنَّهم بِتَرْكِ الِاسْتِدْلالِ والعُدُولِ إلى التَّقْلِيدِ بِمَنزِلَةِ مَن عَلِمَ ثُمَّ أنْكَرَهُ. وقِيلَ: المُرادُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ عَلِمُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ”﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ [آل عمران: ٩٩]“ . انْتَهى هَذا القَوْلُ. وخَصَّ أهْلَ الكِتابِ بِالذِّكْرِ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم هُمُ المُخاطَبُونَ في صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ، المُورَدُ الدَّلائِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُجابُونَ عَنْ شُبَهِهِمْ في ذَلِكَ؛ ولِأنَّ مَعْرِفَتَهم بِآياتِ اللَّهِ أقْوى لِتَقَدُّمِ اعْتِرافِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ وأصْلِ النُّبُوَّةِ، ولِمَعْرِفَتِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الشَّهادَةِ لِلرَّسُولِ والبِشارَةِ بِهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ في البَيْتِ آياتٌ بَيِّناتٌ وأوْجَبَ حَجَّهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ناسَبَ أنْ يُنْكِرَ عَلى الكُفّارِ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ، فَناداهم بِـ ”﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾“؛ لِيُنَبِّهَهم عَلى أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، فَلا يُناسِبُ مَن يَعْتَزِي إلى كِتابِ اللَّهِ أنْ يَكْفُرَ بِآياتِهِ، بَلْ يَنْبَغِي طَواعِيَتُهُ وإيمانُهُ بِها؛ إذْ لَهُ مَرْجِعٌ مِنَ العِلْمِ يَصِيرُ إلَيْهِ إذا اعْتَرَتْهُ شُبْهَةٌ. والآياتُ: هي العَلاماتُ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ دَلالَةً عَلى الحَقِّ. وقِيلَ: آياتُ اللَّهِ هي آياتٌ مِنَ التَّوْراةِ فِيها صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . ويُحْتَمَلُ القُرْآنُ ومُعْجِزَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ فِيها تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. أيْ إنَّ مَن كانَ اللَّهُ مُطَّلِعًا عَلى أعْمالِهِ مُشاهِدًا لَهُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ لا يُناسِبُهُ أنْ يَكْفُرَ بِآياتِهِ، فَلا يُجامِعُ العِلْمَ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى جَمِيعِ أعْمالِ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مَن تَيَقَّنَ أنَّ اللَّهَ مُجازِيهِ لا يَكادُ يَقَعُ مِنهُ الكُفْرُ الَّذِي هو أعْظَمُ الكَبائِرِ. وأتَتْ صِيغَةُ ”شَهِيدٌ“ لِتَدُلَّ عَلى المُبالَغَةِ بِحَسَبِ المُتَعَلِّقِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ يُرادُ بِها العِلْمُ في حَقِّ اللَّهِ وصِفاتِهِ تَعالى مِن حَيْثُ هي هي لا تَقْبَلُ التَّفاوُتَ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ. فَإذا جاءَتِ الصِّفَةُ مِن أوْصافِهِ لِلْمُبالَغَةِ فَذَلِكَ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”لِمَ“ وحَذْفِ الألِفِ مِن ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ إذا دَخَلَ عَلَيْها الجارُّ. وقَوْلُهُ: ”﴿عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: شَهِيدٌ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ. وجَوَّزُوا (p-١٤)أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ عَلى عَمَلِكم.

آل عمران 3:99

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ كُفْرَهم في أنْفُسِهِمْ وضَلالَهم، ولَمْ يَكْتَفُوا حَتّى سَعَوْا في إضْلالِ مَن آمَنَ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَعالى ذَلِكَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ: مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَها. و”صَدَّ“: لازِمٌ ومُتَعَدٍّ. يُقالُ: صَدَّ عَنْ كَذا، وصَدَّ غَيْرَهُ عَنْ كَذا. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: يَصُدُّونَ ثُلاثِيًّا، وهو مُتَعَدٍّ، ومَفْعُولُهُ ”مَن آمَنَ“ . وقَرَأ الحَسَنُ: تَصُدُّونَ مِن أصَدَّ، عَدّى صَدَّ اللّازِمَ بِالهَمْزِ، وهُما لُغَتانِ. وقالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎أُناسٌ أصَدُّوا النّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ ومَعْنى صَدَّ هُنا: صَرَفَ. وسَبِيلُ اللَّهِ: هو دِينُ اللَّهِ، وطَرِيقُ شَرْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّها تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. ومِنَ التَّأْنِيثِ قَوْلُهُ: ؎فَلا تَبْعُدْ فَكُلُّ فَتى أُناسٍ ∗∗∗ سَيُصْبِحُ سالِكًا تِلْكَ السَّبِيلًا قالَ الرّاغِبُ: وقَدْ جاءَ ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٩٨] دُونَ ”قُلْ“، وجاءَ هُنا ”قُلْ“، فَبِدُونِ ”قُلْ“ هو اسْتِدْعاءٌ مِنهُ تَعالى لَهم إلى الحَقِّ، فَجَعَلَ خِطابَهم مِنهُ اسْتِلانَةً لِلْقَوْمِ؛ لِيَكُونُوا أقْرَبَ إلى الِانْقِيادِ. ولَمّا قَصَدَ الغَضَّ مِنهم ذَكَرَ ”قُلْ“ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ أنْ يُخاطِبَهم بِنَفْسِهِ، وإنْ كانَ كِلا الخِطابَيْنِ وصَلَ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ . وأطْلَقَ ”أهْلَ الكِتابِ“ عَلى المَدْحِ تارَةً، وعَلى الذَّمِّ أُخْرى. وأهْلُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ لا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى المَدْحِ؛ لِأنَّ الكِتابَ قَدْ يُرادُ بِهِ ما افْتَعَلُوهُ دُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، نَحْوَ: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] وقَدْ يُرادُ بِهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. وأيْضًا فَقَدْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ والتَّهَكُّمِ، كَما لَوْ قِيلَ: يا أهْلَ الكِتابِ، لِمَن لا يَعْمَلُ بِمُقْتَضاهُ. انْتَهى ما لُخِّصَ مِن كَلامِهِ. والهاءُ في ”يَبْغُونَها“ عائِدَةٌ عَلى السَّبِيلِ. قالَ الزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ: يَطْلُبُونَ لَها اعْوِجاجًا. تَقُولُ العَرَبُ: ابْغِنِي كَذا - بِوَصْلِ الألِفِ - أيِ اطْلُبْهُ. أيْ وأبْغِنِي - بِقَطْعِ الألِفِ - أعِنِّي عَلى طَلَبِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ يَبْغُونَها عِوَجًا وهو مُحالٌ ؟ (قُلْتُ) فِيهِ مَعْنَيانِ، أحَدُهُما: أنَّكم تَلْبِسُونَ عَلى النّاسِ حَتّى تُوهِمُوهم أنَّ فِيها عِوَجًا بِقَوْلِكم: إنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُنْسَخُ، وبِتَغْيِيرِكم صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ وجْهِها، ونَحْوِ ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّكم تُتْعِبُونَ أنْفُسَكم في إخْفاءِ الحَقِّ وابْتِغاءِ ما لا يَتَأتّى لَكم مِن وُجُودِ العِوَجِ فِيما هو أقْوَمُ مِن كُلِّ مُسْتَقِيمٍ. انْتَهى. وقِيلَ: يَبْغُونَ هُنا مِنَ البَغْيِ، وهو التَّعَدِّي. أيْ يَتَعَدَّوْنَ عَلَيْها، أوْ فِيها. ويَكُونُ عِوَجًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ نَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”تَبْغُونَ“، أيْ عِوَجًا مِنكم وعَدَمَ اسْتِقامَةٍ. انْتَهى. وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ عِوَجًا مَفْعُولًا بِهِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ”﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾“ تَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في تَصُدُّونَ أوْ مِن سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ فِيها ضَمِيرَيْنِ يَرْجِعانِ إلَيْهِما. وأنْتُمْ شُهَداءُ، أيْ بِالعَقْلِ نَحْوَ: ”﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]“ أيْ عارِفٌ بِعَقْلِهِ، وتارَةً بِالفِعْلِ نَحْوَ: ”﴿قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]“، وتارَةً بِإقامَةِ ذَلِكَ، أيْ شَهِدْتُمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ بَعْثِهِ عَلى ما في التَّوْراةِ مِن صِفَتِهِ وصِدْقِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأنْتُمْ شُهَداءُ أنَّها سَبِيلُ اللَّهِ الَّتِي لا يَصُدُّ عَنْها إلّا ضالٌّ مُضِلٌّ. أوْ وأنْتُمْ شُهَداءُ بَيْنَ أهْلِ دِينِكم، عُدُولٌ يَثِقُونَ بِأقْوالِكم، ويَسْتَشْهِدُونَ في عِظامِ أُمُورِهِمْ، وهُمُ الأحْبارُ. انْتَهى. قِيلَ: وفي قَوْلِهِ: وأنْتُمْ شُهَداءُ دَلالَةٌ عَلى أنَّ شَهادَةَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ جائِزَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى سَمّاهم شُهَداءَ، ولا يَصْدُقُ هَذا الِاسْمُ إلّا عَلى مَن يَكُونُ لَهُ شَهادَةٌ. وشَهادَتُهم عَلى المُسْلِمِينَ لا تَجُوزُ بِإجْماعٍ، فَتَعَيَّنَ وصْفُهم بِأنْ تَجُوزَ شَهادَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وجَماعَةٍ. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ شَهادَتَهم لا تُقْبَلُ بِحالٍ، وأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ الشَّهادَةِ. ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.

آل عمران 3:100

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ لَمّا أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ صَدَّهم عَنِ الإسْلامِ المُؤْمِنِينَ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن إغْواءِ الكُفّارِ وإضْلالِهِمْ وناداهم بِوَصْفِ (p-١٥)الإيمانِ؛ تَنْبِيهًا عَلى تَبايُنِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ ”قُلْ“ لِيَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا مِنهُ تَعالى لَهم وتَأْنِيسًا لَهم. وأبْرَزَ نَهْيَهُ عَنْ مُوافَقَتِهِمْ وطَواعِيَّتِهِمْ في صُورَةٍ شَرْطِيَّةٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَقَعْ طاعَتُهم لَهم. والإشارَةُ بِـ ”﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾“ إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ، بِسَبَبِ ثائِرَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ. وأطْلَقَ الطَّواعِيَةَ لِتَدُلَّ عَلى عُمُومِ البَدَلِ، أيْ أنْ يَصْدُرَ مِنكم طَواعِيَةٌ ما في أيِّ شَيْءٍ كانَ مِمّا يُحاوِلُونَهُ مِن إضْلالِكم، ولَمْ يُقَيِّدِ الطّاعَةَ بِقِصَّةِ الأوْسِ والخَزْرَجِ عَلى ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ. والرَّدُّ هُنا التَّصْيِيرُ، أيْ يُصَيِّرُونَكم. والكُفْرُ المُشارُ إلَيْهِ هُنا لَيْسَ بِكُفْرٍ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو في إلْقاءِ العَداوَةِ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. ولَوْ وقَعَتْ لَكانَتْ مَعْصِيَةً لا كُفْرًا، إلّا أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ مُسْتَحِبِّينَ لَهُ. وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِتَحْسِينِ أهْلِ الكِتابِ لَهم مَنهِيًّا بَعْدَ مَنهِيٍّ، واسْتِدْراجُهم شَيْئًا فَشَيْئًا إلى أنْ يَخْرُجُوا عَنِ الإسْلامِ ويَصِيرُوا كافِرِينَ حَقِيقَةً. وانْتِصابُ كافِرِينَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”يَرُدَّ“؛ لِأنَّها هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ، كَقَوْلِهِ: ؎فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًا وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ. ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١] هَذا سُؤالُ اسْتِبْعادِ وُقُوعِ الكُفْرِ مِنهم مَعَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ وهُما: تِلاوَةُ كِتابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وهو القُرْآنُ الظّاهِرُ الإعْجازِ، وكَيْنُونَةُ الرَّسُولِ فِيهِمُ الظّاهِرُ عَلى يَدَيْهِ الخَوارِقُ. ووُجُودُ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ تُنافِي الكُفْرَ ولا تُجامِعُهُ، فَلا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِمْ كُفْرٌ مَعَ ذَلِكَ. ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ وقَعَ مِنهُمُ الكُفْرُ، فَوُبِّخُوا عَلى وُقُوعِهِ؛ لِأنَّهم مُؤْمِنُونَ؛ ولِذَلِكَ نُودُوا بِقَوْلِهِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. فَلَيْسَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ [البقرة: ٢٨] والرَّسُولُ هُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ بِلا خِلافٍ. والخِطابُ قالَ الزَّجّاجُ: لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ فِيهِمْ وهم يُشاهِدُونَهُ. وقِيلَ: لِجَمِيعِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ آثارَهُ وسُنَّتَهُ فِيهِمْ، وإنْ لَمْ يُشاهِدُوهُ. قالَ قَتادَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ عَلَمانِ بَيِّنانِ: كِتابُ اللَّهِ، ونَبِيُّ اللَّهِ. فَأمّا نَبِيُّ اللَّهِ فَقَدْ مَضى، وأمّا كِتابُ اللَّهِ فَأبْقاهُ اللَّهُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ رَحْمَةً مِنهُ ونِعْمَةً فِيهِ، حَلالُهُ وحَرامُهُ، وطاعَتُهُ ومَعْصِيَتُهُ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ الَّذِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم عَلى ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تُتْلى“ بِالتّاءِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: ”يُتْلى“ بِالياءِ؛ لِأجْلِ الفَصْلِ، ولِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ الآياتِ هي القُرْآنُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفِيكم رَسُولُهُ هي ظَرْفِيَّةُ الحُضُورِ والمُشاهَدَةِ لِشَخْصِهِ ﷺ وهو في أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِأقْوالِهِ وآثارِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَيْفَ تَكْفُرُونَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فِيهِ الإنْكارُ والتَّعْجِيبُ، والمَعْنى: مِن أيْنَ يَتَطَرَّقُ إلَيْكُمُ الكُفْرُ، والحالُ أنَّ آياتِ اللَّهِ وهي القُرْآنُ المُعْجِزُ تُتْلى عَلَيْكم عَلى لِسانِ الرَّسُولِ غَضَّةً طَرِيَّةً وبَيْنَ أظْهُرِكِمْ رَسُولُ اللَّهِ يُنَبِّهُكم ويَعِظُكم ويُزِيحُ شُبَهَكم ؟ .

آل عمران 3:101

﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدَ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ. ويُناسِبُ هَذا القَوْلُ قَوْلَهُ: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ . وقِيلَ: يَسْتَمْسِكُ بِالقُرْآنِ. وقِيلَ: يَلْتَجِئُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا القَوْلِ حَقًّا عَلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ في دَفْعِ شُرُورِ الكُفّارِ. وجَوابُ ”مِن“ ”فَقَدَ هُدِيَ“ وهو ماضِي اللَّفْظِ مُسْتَقْبَلُ المَعْنى، ودَخَلَتْ ”قَدْ“ لِلتَّوَقُّعِ؛ لِأنَّ المُعْتَصِمَ بِاللَّهِ مُتَوَقِّعٌ لِلْهُدى. وذَكَرُوا في هَذِهِ الآياتِ مِن فُنُونِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ: الِاسْتِفْهامَ الَّذِي يُرادُ بِهِ الإنْكارُ في ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٩] ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ والتَّكْرارُ في ”﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٩٨]“، وفي اسْمِ اللَّهِ في مَواضِعَ، وفِيما يَعْمَلُونَ، والطِّباقُ في ”الإيمانِ والكُفْرِ، وفي الكُفْرِ - إذْ هو ضَلالٌ - والهِدايَةِ، وفي العِوَجِ والِاسْتِقامَةِ، والتَّجَوُّزُ: بِإطْلاقِ اسْمِ الجَمْعِ في“ ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] " فَقِيلَ: هو يَهُودِيٌّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ. وقِيلَ: هو شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ. وإطْلاقُ العُمُومِ (p-١٦)والمُرادُ الخُصُوصُ في: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:102

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢] . أصْبَحَ: مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ لِاتِّصافِ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ وقْتَ الصَّباحِ. وقَدْ تَأْتِي بِمَعْنى صارَ وهي ناقِصَةٌ أيْضًا، وتَأْتِي أيْضًا لازِمَةً تَقُولُ: أصْبَحْتُ أيْ دَخَلْتُ في الصَّباحِ. وتَقُولُ: أصْبَحَ زَيْدٌ، أيْ أقامَ في الصَّباحِ، ومِنهُ: إذا سَمِعْتَ بِسُرى القَيْنِ فاعْلَمْ أنَّهُ مُصَبِّحٌ، أيْ مُقِيمٌ في الصَّباحِ. شَفا الشَّيْءُ: طَرْفُهُ وحَرْفُهُ، وهو مِن ذَواتِ الواوِ، وتَثْنِيَتُهُ: شَفَوانِ، وهو حَرْفُ كُلِّ جُرْفٍ لَهُ مَهْوًى، كالحُفْرَةِ والبِئْرِ والجُرْفِ والسَّقْفِ والجِدارِ. ويُضافُ في الِاسْتِعْمالِ إلى الأعْلى نَحْوَ: شَفا جُرُفٍ. وإلى الأسْفَلِ نَحْوَ: شَفا حُفْرَةٍ. ويُقالُ: أشَفى عَلى كَذا أيْ أشْرَفَ. ومِنهُ أشَفى المَرِيضُ عَلى المَوْتِ. قالَ يَعْقُوبُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ عِنْدَ مَوْتِهِ ولِلْقَمَرِ عِنْدَ مُحاقِهِ ولِلشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها: ما بَقِيَ مِنهُ أوْ مِنها إلّا شَفا: أيْ قَلِيلٌ. الحُفْرَةُ: مَعْرُوفَةٌ وهي واحِدَةُ الحُفَرِ، فِعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، كَغُرْفَةٍ مِنَ الماءِ. أنْقَذَ: خَلَّصَ. الِابْيِضاضُ والِاسْوِدادُ مَعْرُوفانِ، ويُقالُ: بَيَّضَ فَهو أبْيَضُ. وسَوَّدَ: فَهو أسْوَدُ، ويُقالُ: هُما أصْلُ الألْوانِ. ذاقَ الشَّيْءَ: اسْتَطْعَمَهُ، وأصْلُهُ بِالفَمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ ما يُحَسُّ ويُدْرَكُ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ بِالَّذِي يُعْرَفُ عِنْدَ الطَّعْمِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ ذُقْتُ مِن إكْرامِ فُلانٍ ما يُرَغِّبُنِي في قَصْدِهِ. ويَقُولُونَ: ذُقِ الفَرْقَ واعْرِفْ ما عِنْدَهُ. وقالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ: ؎أوْ كاهْتِزازِ رُدَيْنَيٍ تَذاوَقَهُ أيْدِي التِّجارِ فَزادُوا مَتْنَهُ لِينا وقالَ آخَرُ: ؎وإنَّ اللَّهَ ذاقَ حُلُومَ قَيْسٍ ∗∗∗ فَلَمّا راءَ خِفَّتَها قَلاها يَعْنُونَ بِالذَّوْقِ العِلْمَ، إمّا بِالحاسَّةِ، وإمّا بِغَيْرِها. ثَقِفْتُ الرَّجُلَ: غَلَبْتُهُ وظَفِرْتُ بِهِ. ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ لَمّا حَذَّرَهم تَعالى مِن إضْلالِ مَن يُرِيدُ إضْلالَهم، أمَرَهم بِمَجامِعِ الطّاعاتِ، فَرَهَّبَهم (p-١٧)أوَّلًا بِقَوْلِهِ: اتَّقَوُا اللَّهَ، إذِ التَّقْوى إشارَةٌ إلى التَّخْوِيفِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ جَعَلَها سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالِاعْتِصامِ بِدِينِ اللَّهِ، ثُمَّ أرْدَفَ الرَّهْبَةَ بِالرَّغْبَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] وأعْقَبَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والأمْرَ بِالِاعْتِصامِ بِنَهْيٍ آخَرَ هو مِن تَمامِ الِاعْتِصامِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَّبِيعُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: حَقَّ تُقاتِهِ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ويَشْكُرَ فَلا يُكْفَرَ. ورُوِيَ مَرْفُوعًا. وقِيلَ: حَقَّ تُقاتِهِ اتِّقاءَ جَمِيعَ مَعاصِيهِ. وقالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والرَّبِيعُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] أُمِرُوا أوَّلًا بِغايَةِ التَّقْوى حَتّى لا يَقَعَ إخْلالٌ بِشَيْءٍ ثُمَّ نُسِخَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ: هي مُحْكَمَةٌ. ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] بَيانٌ لِقَوْلِهِ: اتَّقَوُا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. وقِيلَ: هو أنْ لا تَأْخُذَهُ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، ويَقُومُ بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى نَفْسِهِ أوِ ابْنِهِ أوْ أبِيهِ. وقِيلَ: لا يَتَّقِي اللَّهَ عَبْدٌ حَقَّ تُقاتِهِ حَتّى يَخْزُنَ لِسانَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى جاهَدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: وفي حَرْفِ حَفْصَةَ: ”اعْبُدُوا اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ“ . وتُقاةٌ هُنا مَصْدَرٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ التُّقاةُ في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعُ فاعِلٍ وإنْ كانَ لَمْ يَتَصَرَّفْ مِنهُ، فَيَكُونُ: كَرُماةٍ ورامٍ، أوْ يَكُونُ جَمْعُ تَقِيٍّ، إذْ فَعِيلٌ وفاعِلٌ بِمَنزِلَةٍ. والمَعْنى عَلى هَذا: اتَّقَوُا اللَّهَ كَما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ مُتَّقُوهُ المُخْتَصُّونَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ أُضِيفُوا إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى كَلامُهُ. وهَذا المَعْنى يَنْبُو عَنْهُ هَذا اللَّفْظُ؛ إذِ الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ”﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾“ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى مَوْصُوفِها، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا شَدِيدَ الضَّرْبِ، أيِ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ. فَكَذَلِكَ هَذا، أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ الِاتِّقاءَ الحَقَّ، أيِ الواجِبَ الثّابِتَ. أمّا إذا جُعِلَتِ التُّقاةُ جَمْعًا فَإنَّ التَّرْكِيبَ يَصِيرُ مِثْلَ: اضْرِبْ زَيْدًا حَقَّ ضِرابِهِ، فَلا يَدُلُّ هَذا التَّرْكِيبُ عَلى مَعْنى: اضْرِبْ زَيْدًا كَما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ ضِرابُهُ. بَلْ لَوْ صَرَّحَ بِهَذا التَّرْكِيبِ لاحْتِيجَ في فَهْمِ مَعْناهُ إلى تَقْدِيرِ أشْياءَ يَصِحُّ بِها المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: اضْرِبْ زَيْدًا ضَرْبًا حَقًّا كَما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ ضَرْبُ ضِرابِهِ. ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى تَحْمِيلِ اللَّفْظِ غَيْرَ ظاهِرِهِ، وتَكَلُّفِ تَقادِيرٍ يَصِحُّ بِها مَعْنًى لا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ. ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ظاهِرُهُ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَمُوتُوا إلّا وهم مُتَلَبِّسُونَ بِالإسْلامِ. والمَعْنى: دُومُوا عَلى الإسْلامِ حَتّى يُوافِيَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ. ونَظِيرُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، وإنَّما المُرادُ لا تَكُنْ هُنا فَتَكُونُ رُؤْيَتِي لَكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى هَذا المَعْنى مُسْتَوْفًى في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة: ١٣٢] الآيَةَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ حالِيَّةٌ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّعٌ مِنَ الأحْوالِ. التَّقْدِيرُ: ولا تَمُوتُنَّ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا عَلى حالَةِ الإسْلامِ. ومَجِيئُها اسْمِيَّةٌ أبْلَغُ لِتَكَرُّرِ الضَّمِيرِ، ولِلْمُواجَهَةِ فِيها بِالخِطابِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأظْهَرَ في الجُمْلَةِ أنْ يَكُونَ الحالُ حاصِلَةٌ قَبْلُ، ومُسْتَصْحِبَةٌ. وأمّا لَوْ قِيلَ: مُسْلِمِينَ، لَدَلَّ عَلى الِاقْتِرانِ بِالمَوْتِ لا مُتَقَدِّمًا ولا مُتَأخِّرًا.

آل عمران 3:103

﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ اسْتَمْسِكُوا وتَحَصَّنُوا. وحَبْلُ اللَّهِ: العَهْدُ، أوِ القُرْآنُ، أوِ الدِّينُ، أوِ الطّاعَةُ، أوْ إخْلاصُ التَّوْبَةِ، أوِ الجَماعَةُ، أوْ إخْلاصُ التَّوْحِيدِ، أوِ الإسْلامُ. أقْوالٌ لِلسَّلَفِ يَقْرُبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”كِتابُ اللَّهِ هو حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ“» . ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، لا تَنْقَضِي عَجائِبُهُ، ولا تَخْلُقُ عَلى كَثْرَةِ الرَّدِّ، مَن قالَ بِهِ صَدَقَ، ومَن عَمِلَ بِهِ رَشَدَ، ومَنِ اعْتَصَمَ بِهِ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» وقَوْلُهم: اعْتَصَمْتُ بِحَبْلِ فُلانٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، مِثْلَ اسْتِظْهارِهِ بِهِ ووُثُوقِهِ بِإمْساكِ المُتَدَلِّي مِن مَكانٍ مُرْتَفِعٍ بِحَبْلٍ وثِيقٍ يَأْمَنُ انْقِطاعَهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، اسْتَعارَ الحَبْلَ لِلْعَهْدِ (p-١٨)والِاعْتِصامَ لِلْوُثُوقِ بِالعَهْدِ، وانْتِصابُ ”جَمِيعًا“ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (واعْتَصِمُوا) . ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ نُهُوا عَنِ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ والِاخْتِلافِ فِيهِ كَما اخْتَلَفَ اليَهُودُ والنَّصارى. وقِيلَ: عَنِ المُخاصَمَةِ والمُعاداةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ. وقِيلَ: عَنْ إحْداثِ ما يُوجِبُ التَّفَرُّقَ ويَزُولُ مَعَهُ الِاجْتِماعُ. وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَرِيقانِ: نُفاةُ القِياسِ والِاجْتِهادِ كالنَّظّامِ وأمْثالِهِ مِنَ الشِّيعَةِ، ومُثْبِتُو القِياسِ والِاجْتِهادِ. قالَ الأوَّلُونَ: غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ التَّفَرُّقُ والِاخْتِلافُ دِينًا لِلَّهِ تَعالى مَعَ نَهْيِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ. وقالَ الآخَرُونَ: التَّفَرُّقُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو في أُصُولِ الدِّينِ والإسْلامِ. ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ الخِطابُ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ يَعْنِي مَن آمَنَ مِنهم، إذْ كانَ القَوِيُّ يَسْتَبِيحُ الضَّعِيفَ. وقِيلَ: لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ. ورَجَّحَ هَذا بِأنَّ العَرَبَ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ تَكُنْ مُجْتَمِعَةً عَلى الإسْلامِ، ولا مُؤْتَلِفَةَ القُلُوبِ عَلَيْهِ، وكانَتِ الأوْسُ والخَزْرَجُ قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلى الإسْلامِ وتَألَّفَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ العَداوَةِ المُفْرِطَةِ والحُرُوبِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم، ولِما تَقَدَّمَ أنَّهُ أمَرَهم بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ وهو الدِّينُ، ونَهاهم عَنِ التَّفَرُّقِ، وهو أمْرٌ ونَهْيٌ، بِدَيْمُومَةِ ما هم عَلَيْهِ، إذْ كانُوا مُعْتَصِمِينَ ومُؤْتَلِفِينَ، ذَكَّرَهم بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِصامِ بِدِينِ الإسْلامِ وائْتِلافِ القُلُوبِ إنَّما كانَ سَبَبُهُ إنْعامُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، إذْ حَصَلَ مِنهُ تَعالى خَلْقُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمُ المُسْتَلْزَمَةِ بِحُصُولِ الفِعْلِ، فَذَكَّرَ بِالنِّعْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ. أمّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَتَألُّفُ قُلُوبِهِمْ وصَيْرُورَتُهم إخْوَةً في اللَّهِ مُتَراحِمِينَ بَعْدَما أقامُوا مُتَحارِبِينَ مُتَقاتِلِينَ نَحْوًا مِن مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةٍ إلى أنْ ألَّفَ اللَّهُ بَيْنَهم بِالإسْلامِ. وكانَ - أعْنِي الأوْسَ والخَزْرَجَ - جَدّاهم أخَوانِ لِأبٍ وأُمٍّ. وأمّا الأُخْرَوِيَّةُ فَإنْقاذُهم مِنَ النّارِ بَعْدَ أنْ كانُوا أشَفَوْا عَلى دُخُولِها. وبَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِ النِّعْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ لِأنَّها أسْبَقُ بِالفِعْلِ، ولِاتِّصالِها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ وصارَ نَظِيرَ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ومَعْنى فَأصْبَحْتُمْ، أيْ صِرْتُمْ. وأصْبَحَ كَما ذَكَرْنا في المُفْرَداتِ تُسْتَعْمَلُ لِاتِّصافِ المَوْصُوفِ بِصِفَتِهِ وقْتَ الصَّباحِ، وتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى صارَ، فَلا يُلْحَظُ فِيها وقْتُ الصَّباحِ، بَلْ مُطْلَقُ الِانْتِقالِ والصَّيْرُورَةِ مِن حالٍ إلى حالٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَأصْبَحْتُمْ عِبارَةً عَنْ الِاسْتِمْرارِ، وإنْ كانَتِ اللَّفْظَةُ مَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ ما، وإنَّما خُصَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ بِهَذا المَعْنى مِن حَيْثُ هي مُبْتَدَأُ النَّهارِ، وفِيها مَبْدَأُ الأعْمالِ. فالحالُ الَّتِي يَحْسَبُها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ فِيها هي الحالُ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها يَوْمُهُ في الأغْلَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ: ؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا (p-١٩)وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن أنَّ أصْبَحَ لِلِاسْتِمْرارِ، وعَلَّلَهُ بِما ذَكَرَهُ - لا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَهَبَ إلَيْهِ، إنَّما ذَكَرُوا أنَّها تُسْتَعْمَلُ عَلى الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُهُما. وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ في ”إذْ“ أنْ يَنْتَصِبَ بِـ ”اذْكُرُوا“، وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَنْتَصِبَ بِـ ”نِعْمَةَ“، أيْ إنْعامِ اللَّهِ، وبِالعامِلِ في ”عَلَيْكم“ . إذْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِن ”نِعْمَةَ“، وجَوَّزُوا أيْضًا تَعَلُّقَ عَلَيْكم بِـ ”نِعْمَةَ“، وجَوَّزُوا في أصْبَحْتُمْ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً والخَبَرُ ”بِنِعْمَتِهِ“، والباءُ ظَرْفِيَّةٌ، و”إخْوانًا“ حالٌ يَعْمَلُ فِيها أصْبَحَ، أوْ ما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ. وأنْ يَكُونَ ”إخْوانًا“ خَبَرُ أصْبَحَ، والجارُّ حالٌ يَعْمَلُ فِيهِ أصْبَحَ، أوْ حالٌ مِن ”إخْوانًا“؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ لَهُ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ، أوِ العامِلُ فِيهِ ما فِيهِ مِن مَعْنى تَآخَيْتُمْ بِنِعْمَتِهِ. وأنْ يَكُونَ ”أصْبَحْتُمْ“ تامَّةً، و”بِنِعْمَتِهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ”أصْبَحْتُمْ“ أوْ مِن ”إخْوانًا“، و”إخْوانًا“ حالٌ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ أصْبَحَ ناقِصَةٌ و”إخْوانًا“ خَبَرٌ، و”بِنِعْمَتِهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أصْبَحْتُمْ“، والباءُ لِلسَّبَبِ لا ظَرْفِيَّةٍ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: الأخُ في الدِّينِ يُجْمَعُ إخْوانًا، ومِنَ النَّسَبِ إخْوَةٌ، هَكَذا كَثُرَ اسْتِعْمالُهم. وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] والصَّحِيحُ أنَّهُما يُقالانِ مِنَ النَّسَبِ وفي الدِّينِ. وجَمْعُ أخٍ عَلى إخْوَةٍ لا يَراهُ سِيبَوَيْهِ، بَلْ إخْوَةٌ عِنْدَهُ اسْمُ جَمْعٍ؛ لِأنَّ ”فِعْلالًا“ يُجْمَعُ عَلى ”فِعْلَةٍ“ . وابْنُ السَّرّاجِ يَرى ”فِعْلَةً“ إذا فُهِمَ مِنهُ الجَمْعُ اسْمُ جَمْعٍ؛ لِأنَّ ”فِعْلَةً“ لَمْ يَطَّرِدْ جَمْعًا لِشَيْءٍ. والضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى النّارِ، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ، أوْ عَلى الحُفْرَةِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: يَعُودُ عَلى الشَّفا، وأُنِّثَ ”مِن“ حَيْثُ كانَ الشَّفا مُضافًا إلى مُؤَنَّثٍ. كَما قالَ جَرِيرٌ: ؎أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرُوا؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ في الآيَةِ إلى هَذِهِ الصِّناعَةِ، إلّا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَعادًا لِلضَّمِيرِ إلّا الشَّفا. وهُنا مَعَنا لَفْظُ مُؤَنَّثٍ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ، ويُعَضِّدُهُ المَعْنى المُتَكَلَّمُ فِيهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى تِلْكَ الصِّناعَةِ. انْتَهى. وأقُولُ: لا يَحْسُنُ عَوْدُهُ إلّا عَلى الشَّفا؛ لِأنَّ كَيْنُونَتَهم عَلى الشَّفا هو أحَدُ جُزْأيِ الإسْنادِ، فالضَّمِيرُ لا يَعُودُ إلّا عَلَيْهِ. وأمّا ذِكْرُ الحُفْرَةِ فَإنَّما جاءَتْ عَلى سَبِيلِ الإضافَةِ إلَيْها، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ غُلامَ جَعْفَرٍ، لَمْ يَكُنْ جَعْفَرٌ مُحَدِّثًا عَنْهُ، ولَيْسَ أحَدُ جُزْأيِ الإسْنادِ. وكَذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: ضَرَبَ زَيْدٌ غُلامَ هِنْدٍ، لَمْ تَحَدَّثْ عَنْ هِنْدٍ بِشَيْءٍ، وإنَّما ذَكَرْتَ جَعْفَرًا وهِنْدًا مُخَصِّصًا لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ. أمّا ذِكْرُ النّارِ فَإنَّما جِيءَ بِها لِتَخْصِيصِ الحُفْرَةِ، ولَيْسَتْ أيْضًا أحَدَ جُزْأيِ الإسْنادِ، لا مُحَدَّثًا عَنْها. وأيْضًا فالإنْقاذُ مِنَ الشَّفا أبْلَغُ مِنَ الإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ ومِنَ النّارِ؛ لِأنَّ الإنْقاذَ مِنهُ يَسْتَلْزِمُ الإنْقاذَ مِنَ الحُفْرَةِ ومِنَ النّارِ، والإنْقاذُ مِنهُما لا يَسْتَلْزِمُ الإنْقاذَ مِنَ الشَّفا. فَعَوْدُهُ عَلى الشَّفا هو الظّاهِرُ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ ومِن حَيْثُ المَعْنى. ومُثِّلَتْ حَياتُهُمُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ بَعْدَها الوُقُوعُ في النّارِ بِالقُعُودِ عَلى جُرْفِها مُشْفِينَ عَلى الوُقُوعِ فِيها. وقِيلَ: شَبَّهَ تَعالى كُفْرَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ وحَرْبَهُمُ المَدِينَةَ مِنَ المَوْتِ بِالشَّفا؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْقُطُونَ في جَهَنَّمَ دَأبًا، فَأنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ أعْرابِيٌّ لِابْنِ عَبّاسٍ وهو يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ: واللَّهِ ما أنْقَذَهم مِنها، وهو يُرِيدُ أنْ يُوقِعَهم فِيها. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُذُوها مِن غَيْرِ فَقِيهٍ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا قِصَّةَ ابْتِداءِ إسْلامِ الأنْصارِ، وما شَجَرَ بَيْنَهم بَعْدَ الإسْلامِ، وزَوالِ ذَلِكَ بِبَرَكاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، إلّا أنَّ آخِرَ هَذِهِ مُخْتَتَمٌ بِالهِدايَةِ لِمُناسَبَةِ ما قَبْلَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾“ إرادَةُ أنْ تَزْدادُوا هُدًى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ مَن تَأمَّلَ مِنكُمُ الحالَ رَجاءَ الِاهْتِداءِ. فالزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ التَّرَجِّيَ مَجازًا عَنْ إرادَةِ اللَّهِ زِيادَةَ الهُدى، وابْنُ عَطِيَّةَ أبْقى التَّرَجِّيَ عَلى حَقِيقَتِهِ، لَكِنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ (p-٢٠)لا إلى اللَّهِ تَعالى؛ إذْ يَسْتَحِيلُ التَّرَجِّي مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي كِلا القَوْلَيْنِ المَجازُ. أمّا في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ فَحَيْثُ جَعَلَ التَّرَجِّيَ بِمَعْنى إرادَةِ اللَّهِ، وأمّا في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ فَحَيْثُ أسْنَدَ ما ظاهِرُهُ الإسْنادُ إلَيْهِ تَعالى إلى البَشَرِ.

آل عمران 3:104

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الأمْرُ مُتَوَجِّهٌ لِمَن يَتَوَجَّهُ الخِطابُ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ عَلى ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ. وأمْرُهُ لَهم بِذَلِكَ أمْرٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن تابَعَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهو مِنَ الخِطابِ الخاصِّ الَّذِي يُرادُ بِهِ العُمُومُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ عامًّا فَيَدْخُلُ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (مِنكم) يَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وقالَهُ الضَّحّاكُ والطَّبَرِيُّ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، لا يَصْلُحُ إلّا لِمَن عَلِمَ المَعْرُوفَ والمُنْكَرَ، وكَيْفَ يُرَتِّبُ الأمْرَ في إقامَتِهِ، وكَيْفَ يُباشِرُ ؟ فَإنَّ الجاهِلَ رُبَّما أمَرَ بِمُنْكَرٍ ونَهى عَنْ مَعْرُوفٍ، ورُبَّما عَرَفَ حُكْمًا في مَذْهَبِهِ مُخالِفًا لِمَذْهَبِ غَيْرِهِ، فَيَنْهى عَنْ غَيْرِ مُنْكَرٍ ويَأْمُرُ بِغَيْرِ مَعْرُوفٍ، وقَدْ يُغْلِظُ في مَواضِعِ اللِّينِ، وبِالعَكْسِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ بِبَعْضِ الأُمَّةِ، وهُمُ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ. وذَهَبَ الزُّجاجُ إلى أنَّ ”مِن“ لِبَيانِ الجِنْسِ، وأتى عَلى زَعْمِهِ بِنَظائِرَ مِنَ القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ جَمِيعَ الأُمَّةِ، يَكُونُونَ يَدْعُونَ جَمِيعَ العالَمِ إلى الخَيْرِ، الكُفّارَ إلى الإسْلامِ، والعُصاةَ إلى الطّاعَةِ. وظاهِرُ هَذا الأمْرِ الفَرْضِيَّةُ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ، فَإذا قامَ بِهِ بَعْضٌ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ، فَيَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَتى قَدَرَ عَلى ذَلِكَ وتَمَكَّنَ مِنهُ. واخْتَلَفُوا في الَّذِي يُسْقِطُ الوُجُوبَ. فَقالَ قَوْمٌ: الخَشْيَةُ عَلى النَّفْسِ، وما عَدا ذَلِكَ لا يُسْقِطُهُ. وقالَ قَوْمٌ: إذا تَحَقَّقَ ضَرْبًا أوْ حَبْسًا أوْ إهانَةً سَقَطَ عَنْهُ الفَرْضُ، وانْتَقَلَ إلى النَّدْبِ والأمْرِ والنَّهْيِ، وإنْ كانا مُطْلَقَيْنِ في القُرْآنِ فَقَدْ تَقَيَّدَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ» ولَمْ يَدْفَعْ أحَدٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ سَلَفِها وخَلَفِها وُجُوبَ ذَلِكَ الأقْوَمَ مِنَ الحَشَوِيَّةِ وجُهّالِ أهْلِ الحَدِيثِ، فَإنَّهم أنْكَرُوا فِعالَ الفِئَةِ الباغِيَةِ، والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِالسِّلاحِ، مَعَ ما سَمِعُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وزَعَمُوا أنَّ السُّلْطانَ لا يُنْكَرُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ والجَوْرُ وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وإنَّما يُنْكَرُ عَلى غَيْرِ السُّلْطانِ بِالقَوْلِ أوْ بِاليَدِ بِغَيْرِ سِلاحٍ. وقَدْ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِهِ فَصْلًا مُشْبَعًا في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ذَكَرَ فِيهِ أنَّ دِماءَ أصْحابِ الضَّرائِبِ والمُكُوسِ مُباحَةٌ، وأنَّهُ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ قَتْلُهم، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلَ مَن قَدَرَ عَلَيْهِ مِنهم مَن غَيْرِ إنْذارٍ لَهُ ولا تَقَدُّمٍ بِالقَوْلِ. يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ: هو الإسْلامُ. قالَهُ مُقاتِلٌ، أوِ العَمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، أوِ الجِهادُ والإسْلامُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولْتَكُنْ“ بِسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها، وعِلَّةُ بِنائِها عَلى الكَسْرِ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ. وجَوَّزُوا في ”ولْتَكُنْ“ أنْ تَكُونَ تامَّةً، فَيَكُونُ ”مِنكم“ مُتَعَلِّقًا بِها، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأُمَّةٍ. وأنْ تَكُونَ ناقِصَةً، و”يَدْعُونَ“ الخَبَرَ، وتُعَلَّقَ مِن عَلى الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ ”مِنكم“ الخَبَرَ، و”يَدْعُونَ“ صِفَةً. ومَحَطُّ الفائِدَةِ إنَّما هو في يَدْعُونَ فَهو الخَبَرُ. و﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] ذُكِرَ أوَّلًا الدُّعاءُ إلى الخَيْرِ، وهو عامٌّ في التَّكالِيفِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ، ثُمَّ جِيءَ بِالخاصِّ إعْلامًا بِفَضْلِهِ وشَرَفِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المَعْرُوفَ بِالتَّوْحِيدِ، والمُنْكَرَ بِالكُفْرِ. ولا شَكَّ أنَّ التَّوْحِيدَ رَأْسُ المَعْرُوفِ، والكَفْرَ رَأْسُ (p-٢١)المُنْكَرِ. ولَكِنَّ الظّاهِرَ العُمُومُ في كُلِّ مَعْرُوفٍ مَأْمُورٍ بِهِ في الشَّرْعِ، وفي كُلِّ مَنهِيٍّ نُهِيَ عَنْهُ في الشَّرْعِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أحادِيثَ مَرْوِيَّةً في فَضْلِ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، وفي إثْمِ مَن تَرَكَ ذَلِكَ، وآثارًا عَنِ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ في ذَلِكَ، وما طَرِيقُ الوُجُوبِ، هَلِ السَّمْعُ وحْدَهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِأبُو هاشِمٍ ؟ أمِ السَّمْعُ والعَقْلُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُوهُ أبُو عَلِيٍّ ؟ وهَذا عَلى آراءِ المُعْتَزِلَةِ. وأمّا شَرائِطُ النَّهْيِ والوُجُوبِ، ومَن يُباشِرُ، وكَيْفِيَّةِ المُباشَرَةِ، وهَلْ يَنْهى عَمّا يَرْتَكِبُهُ - لَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ومَوْضُوعُ هَذا كُلِّهِ عِلْمُ الفِقْهِ. وقَرَأ عُثْمانُ، وعَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ: ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، ويَسْتَعِينُونَ اللَّهَ عَلى ما أصابَهم. ولَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ في سَوادِ المُصْحَفِ، فَلا يَكُونُ قُرْآنًا. وفِيها إشارَةٌ إلى ما يُصِيبُ الآمِرَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهِيَ عَنِ المُنْكَرِ مِنَ الأذى، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] . ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ. وهو تَبْشِيرٌ عَظِيمٌ، ووَعْدٌ كَرِيمٌ لِمَنِ اتَّصَفَ بِما قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ. ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ هَذِهِ والآيَةُ قَبْلَها كالشَّرْحِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] فَشَرَحَ الِاعْتِصامَ بِحَبْلِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ ولا سِيَّما عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ. وشَرَحَ ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الأُمَمُ السّالِفَةُ الَّتِي افْتَرَقَتْ في الدِّينِ. وقالَ الحَسَنُ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى اخْتَلَفُوا وصارُوا فِرَقًا. وقالَ: قَتادَةُ هم أصْحابُ البِدَعِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. زادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهُمُ المُشَبِّهَةُ، والمُجَبِّرَةُ، والحَشَوِيَّةُ، وأشْباهُهم. وقالَ أبُو أُمامَةَ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ، قالَ بَعْضُ مُعاصِرِينا: في قَوْلِ قَتادَةَ وأبِي أُمامَةَ نَظَرٌ، فَإنَّ مُبْتَدِعَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ والحَرُورِيَّةَ لَمْ يَكُونُوا إلّا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَمانٍ، وكَيْفَ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا كَمَثَلِ قَوْمٍ ما ظَهَرَ تَفَرُّقُهم ولا بِدَعُهم إلّا بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ ومَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَإنَّكَ لا تَنْهى زَيْدًا أنْ يَكُونَ مِثْلَ عَمْرٍو إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ جَرى مِن عَمْرٍو، ولَيْسَ لِقَوْلَيْهِما وجْهٌ إلّا أنْ يَكُونَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنَ الماضِي الَّذِي أرادَ بِهِ المُسْتَقْبَلَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولا تَكُونُوا كالَّذِينِ يَتَفَرَّقُونَ ويَخْتَلِفُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن إعْجازِ القُرْآنِ وإخْبارِهِ بِما لَمْ يَقَعْ ثُمَّ وقَعَ. انْتَهى كَلامُهُ. والبَيِّناتُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: آياتُ اللَّهِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى أهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ. وعَلى قَوْلِ الحَسَنِ: التَّوْراةُ. وعَلى قَوْلِ قَتادَةَ وأبِي أُمامَةَ: القُرْآنُ. ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَتَّصِفُ عَذابُ اللَّهِ بِالعَظِيمِ، إذْ هو أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَتَفاوَتُ فِيهِ رُتَبُ المُعَذَّبِينَ، كَعَذابِ أبِي طالِبٍ، وعَذابِ العُصاةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الجُمْهُورُ عَلى أنَّ ابْيِضاضَ الوُجُوهِ واسْوِدادَها عَلى حَقِيقَةِ اللَّوْنِ. والبَياضُ مِنَ النُّورِ، والسَّوادُ مِنَ الظُّلْمَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمَن كانَ مِن أهْلِ نُورِ الدِّينِ وُسِمَ بِبَياضِ اللَّوْنِ وإسْفارِهِ وإشْراقِهِ، وابْيَضَّتْ صَحِيفَتُهُ وأشْرَقَتْ، وسَعى النُّورُ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِيَمِينِهِ. ومَن كانَ مِن أهْلِ ظَلَمَةِ الباطِلِ وُسِمَ بِسَوادِ اللَّوْنِ وكُسُوفِهِ وكَمَدِهِ، واسْوَدَّتْ صَحِيفَتُهُ وأظْلَمَتْ، وأحاطَتْ بِهِ الظُّلْمَةُ مِن كُلِّ جانِبٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَياضُ الوُجُوهِ عِبارَةٌ عَنْ إشْراقِها واسْتِنارَتِها وبِشْرِها بِرَحْمَةِ اللَّهِ. قالَهُ الزُّجاجُ وغَيْرُهُ. ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ كَما قالَ: «أنْتُمُ الغَرُّ المُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ» . وأمّا سَوادُ الوُجُوهِ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هو عِبارَةٌ عَنِ ارْتِدادِها وإظْلامِها بِغَمَمِ العَذابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْوِيدًا يُنَزِّلُهُ اللَّهُ بِهِمْ عَلى جِهَةِ التَّشْوِيهِ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، عَلى نَحْوِ حَشْرِهِمْ زُرْقًا، وهَذِهِ أقْبَحُ طَلْعَةٍ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بِشارٍ:(p-٢٢) ؎ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوْجُهٌ سُودُ انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ قَوْمٌ: البَياضُ والسَّوادُ مَثَلانِ عُبِّرَ بِهِما عَنِ السُّرُورِ والحُزْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨] وكَقَوْلِ العَرَبِ لِمَن نالَ أُمْنِيَّتَهُ: ابْيَضَّ وجْهُهُ. ولِمَن جاءَ خائِبًا: جاءَ مُسْوَدَّ الوَجْهِ. وقالَ أبُو طالِبٍ: ؎وأبْيَضُ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎وأوْجُهُهم عِنْدَ المَشاهِدِ غُرّانُ وقالَ زُهَيْرٌ: ؎وأبْيَضُ فَيّاضٌ يَـداهُ غَمامَـةٌ وبَدَأ بِالبَياضِ؛ لِشَرَفِهِ وأنَّهُ الحالَةُ المُثْلى. وأسْنَدَ الِابْيِضاضَ والِاسْوِدادَ إلى الوُجُوهِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الجَسَدِ أبْيَضَ أوْ أسْوَدَ؛ لِأنَّ الوَجْهَ أوَّلُ ما يَلْقاكَ مِنَ الشَّخْصِ وتَراهُ، وهو أشْرَفُ أعْضائِهِ. والمُرادُ: وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ ووُجُوهُ الكافِرِينَ. قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وقِيلَ: وُجُوهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ووُجُوهُ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وقِيلَ: وُجُوهُ أهْلِ السُّنَّةِ، ووُجُوهُ أهْلِ البِدْعَةِ. وقالَ عَطاءٌ: وُجُوهُ المُخْلِصِينَ، ووُجُوهُ المُنافِقِينَ. وقِيلَ: وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ، ووُجُوهُ أهْلِ الكِتابِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: وُجُوهُ المُجاهِدِينَ، ووُجُوهُ الفُرّارِ مِنَ الزَّحْفِ. وقِيلَ: تَبْيَضُّ بِالقَناعَةِ، وتَسْوَدُّ بِالطَّمَعِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: تَسْفُرُ وُجُوهُ مَن قَدَرَ عَلى السُّجُودِ إذا دُعُوا إلَيْهِ، وتَسْوَدُّ وُجُوهُ مَن لَمْ يَقْدِرْ. واخْتَلَفُوا في وقْتِ ابْيِضاضِ الوُجُوهِ واسْوِدادِها، فَقِيلَ: وقْتُ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: وقْتُ قِراءَةِ الصُّحُفِ. وقِيلَ: وقْتُ رُجْحانِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ في المِيزانِ. وقِيلَ: عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] وقِيلَ: وقْتُ أنْ يُؤْمَرَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأنْ يَتْبَعَ مَعْبُودَهُ. والعامِلُ في: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ما يَتَعَلَّقُ بِهِ. ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ أيْ وعَذابٌ عَظِيمٌ كائِنٌ لَهم يَوْمَ تَبْيَضُّ وجُوهٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ، أيْ: يُعَذَّبُونَ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِإضْمارِ اذْكُرُوا، أوْ بِالظَّرْفِ وهو لَهم. وقالَ قَوْمٌ: العامِلُ عَظِيمٌ، وضَعُفَ مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ عِظَمَ العَذابِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ ”عَذابٌ“؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ: تَبْيَضُّ وتَسْوَدُّ بِكَسْرِ التّاءِ فِيهِما، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ: وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: تَبْياضُّ وتَسْوادُّ، بِألِفٍ فِيهِما. ويَجُوزُ كَسْرُ التّاءِ في تَبْياضُّ وتَسْوادُّ، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ قُرِئَ بِذَلِكَ.

آل عمران 3:105

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الأمْرُ مُتَوَجِّهٌ لِمَن يَتَوَجَّهُ الخِطابُ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ عَلى ما ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ. وأمْرُهُ لَهم بِذَلِكَ أمْرٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن تابَعَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهو مِنَ الخِطابِ الخاصِّ الَّذِي يُرادُ بِهِ العُمُومُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ عامًّا فَيَدْخُلُ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (مِنكم) يَدُلُّ عَلى التَّبْعِيضِ، وقالَهُ الضَّحّاكُ والطَّبَرِيُّ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، لا يَصْلُحُ إلّا لِمَن عَلِمَ المَعْرُوفَ والمُنْكَرَ، وكَيْفَ يُرَتِّبُ الأمْرَ في إقامَتِهِ، وكَيْفَ يُباشِرُ ؟ فَإنَّ الجاهِلَ رُبَّما أمَرَ بِمُنْكَرٍ ونَهى عَنْ مَعْرُوفٍ، ورُبَّما عَرَفَ حُكْمًا في مَذْهَبِهِ مُخالِفًا لِمَذْهَبِ غَيْرِهِ، فَيَنْهى عَنْ غَيْرِ مُنْكَرٍ ويَأْمُرُ بِغَيْرِ مَعْرُوفٍ، وقَدْ يُغْلِظُ في مَواضِعِ اللِّينِ، وبِالعَكْسِ. فَعَلى هَذا تَكُونُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ بِبَعْضِ الأُمَّةِ، وهُمُ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ. وذَهَبَ الزُّجاجُ إلى أنَّ ”مِن“ لِبَيانِ الجِنْسِ، وأتى عَلى زَعْمِهِ بِنَظائِرَ مِنَ القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ جَمِيعَ الأُمَّةِ، يَكُونُونَ يَدْعُونَ جَمِيعَ العالَمِ إلى الخَيْرِ، الكُفّارَ إلى الإسْلامِ، والعُصاةَ إلى الطّاعَةِ. وظاهِرُ هَذا الأمْرِ الفَرْضِيَّةُ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ، فَإذا قامَ بِهِ بَعْضٌ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ، فَيَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَتى قَدَرَ عَلى ذَلِكَ وتَمَكَّنَ مِنهُ. واخْتَلَفُوا في الَّذِي يُسْقِطُ الوُجُوبَ. فَقالَ قَوْمٌ: الخَشْيَةُ عَلى النَّفْسِ، وما عَدا ذَلِكَ لا يُسْقِطُهُ. وقالَ قَوْمٌ: إذا تَحَقَّقَ ضَرْبًا أوْ حَبْسًا أوْ إهانَةً سَقَطَ عَنْهُ الفَرْضُ، وانْتَقَلَ إلى النَّدْبِ والأمْرِ والنَّهْيِ، وإنْ كانا مُطْلَقَيْنِ في القُرْآنِ فَقَدْ تَقَيَّدَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ» ولَمْ يَدْفَعْ أحَدٌ مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ سَلَفِها وخَلَفِها وُجُوبَ ذَلِكَ الأقْوَمَ مِنَ الحَشَوِيَّةِ وجُهّالِ أهْلِ الحَدِيثِ، فَإنَّهم أنْكَرُوا فِعالَ الفِئَةِ الباغِيَةِ، والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِالسِّلاحِ، مَعَ ما سَمِعُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وزَعَمُوا أنَّ السُّلْطانَ لا يُنْكَرُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ والجَوْرُ وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وإنَّما يُنْكَرُ عَلى غَيْرِ السُّلْطانِ بِالقَوْلِ أوْ بِاليَدِ بِغَيْرِ سِلاحٍ. وقَدْ ذَكَرَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِهِ فَصْلًا مُشْبَعًا في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ذَكَرَ فِيهِ أنَّ دِماءَ أصْحابِ الضَّرائِبِ والمُكُوسِ مُباحَةٌ، وأنَّهُ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ قَتْلُهم، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلَ مَن قَدَرَ عَلَيْهِ مِنهم مَن غَيْرِ إنْذارٍ لَهُ ولا تَقَدُّمٍ بِالقَوْلِ. يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ: هو الإسْلامُ. قالَهُ مُقاتِلٌ، أوِ العَمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، أوِ الجِهادُ والإسْلامُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولْتَكُنْ“ بِسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها، وعِلَّةُ بِنائِها عَلى الكَسْرِ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ. وجَوَّزُوا في ”ولْتَكُنْ“ أنْ تَكُونَ تامَّةً، فَيَكُونُ ”مِنكم“ مُتَعَلِّقًا بِها، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأُمَّةٍ. وأنْ تَكُونَ ناقِصَةً، و”يَدْعُونَ“ الخَبَرَ، وتُعَلَّقَ مِن عَلى الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ. وجَوَّزُوا أيْضًا أنْ يَكُونَ ”مِنكم“ الخَبَرَ، و”يَدْعُونَ“ صِفَةً. ومَحَطُّ الفائِدَةِ إنَّما هو في يَدْعُونَ فَهو الخَبَرُ. و﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] ذُكِرَ أوَّلًا الدُّعاءُ إلى الخَيْرِ، وهو عامٌّ في التَّكالِيفِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ، ثُمَّ جِيءَ بِالخاصِّ إعْلامًا بِفَضْلِهِ وشَرَفِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] ﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ المَعْرُوفَ بِالتَّوْحِيدِ، والمُنْكَرَ بِالكُفْرِ. ولا شَكَّ أنَّ التَّوْحِيدَ رَأْسُ المَعْرُوفِ، والكَفْرَ رَأْسُ (p-٢١)المُنْكَرِ. ولَكِنَّ الظّاهِرَ العُمُومُ في كُلِّ مَعْرُوفٍ مَأْمُورٍ بِهِ في الشَّرْعِ، وفي كُلِّ مَنهِيٍّ نُهِيَ عَنْهُ في الشَّرْعِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أحادِيثَ مَرْوِيَّةً في فَضْلِ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، وفي إثْمِ مَن تَرَكَ ذَلِكَ، وآثارًا عَنِ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ في ذَلِكَ، وما طَرِيقُ الوُجُوبِ، هَلِ السَّمْعُ وحْدَهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِأبُو هاشِمٍ ؟ أمِ السَّمْعُ والعَقْلُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُوهُ أبُو عَلِيٍّ ؟ وهَذا عَلى آراءِ المُعْتَزِلَةِ. وأمّا شَرائِطُ النَّهْيِ والوُجُوبِ، ومَن يُباشِرُ، وكَيْفِيَّةِ المُباشَرَةِ، وهَلْ يَنْهى عَمّا يَرْتَكِبُهُ - لَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ومَوْضُوعُ هَذا كُلِّهِ عِلْمُ الفِقْهِ. وقَرَأ عُثْمانُ، وعَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ: ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، ويَسْتَعِينُونَ اللَّهَ عَلى ما أصابَهم. ولَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ في سَوادِ المُصْحَفِ، فَلا يَكُونُ قُرْآنًا. وفِيها إشارَةٌ إلى ما يُصِيبُ الآمِرَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهِيَ عَنِ المُنْكَرِ مِنَ الأذى، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] . ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ. وهو تَبْشِيرٌ عَظِيمٌ، ووَعْدٌ كَرِيمٌ لِمَنِ اتَّصَفَ بِما قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ. ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ هَذِهِ والآيَةُ قَبْلَها كالشَّرْحِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] فَشَرَحَ الِاعْتِصامَ بِحَبْلِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ ولا سِيَّما عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ. وشَرَحَ ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الأُمَمُ السّالِفَةُ الَّتِي افْتَرَقَتْ في الدِّينِ. وقالَ الحَسَنُ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى اخْتَلَفُوا وصارُوا فِرَقًا. وقالَ: قَتادَةُ هم أصْحابُ البِدَعِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. زادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهُمُ المُشَبِّهَةُ، والمُجَبِّرَةُ، والحَشَوِيَّةُ، وأشْباهُهم. وقالَ أبُو أُمامَةَ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ، قالَ بَعْضُ مُعاصِرِينا: في قَوْلِ قَتادَةَ وأبِي أُمامَةَ نَظَرٌ، فَإنَّ مُبْتَدِعَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ والحَرُورِيَّةَ لَمْ يَكُونُوا إلّا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِزَمانٍ، وكَيْفَ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا كَمَثَلِ قَوْمٍ ما ظَهَرَ تَفَرُّقُهم ولا بِدَعُهم إلّا بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ ومَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَإنَّكَ لا تَنْهى زَيْدًا أنْ يَكُونَ مِثْلَ عَمْرٍو إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ جَرى مِن عَمْرٍو، ولَيْسَ لِقَوْلَيْهِما وجْهٌ إلّا أنْ يَكُونَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنَ الماضِي الَّذِي أرادَ بِهِ المُسْتَقْبَلَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولا تَكُونُوا كالَّذِينِ يَتَفَرَّقُونَ ويَخْتَلِفُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن إعْجازِ القُرْآنِ وإخْبارِهِ بِما لَمْ يَقَعْ ثُمَّ وقَعَ. انْتَهى كَلامُهُ. والبَيِّناتُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: آياتُ اللَّهِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى أهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ. وعَلى قَوْلِ الحَسَنِ: التَّوْراةُ. وعَلى قَوْلِ قَتادَةَ وأبِي أُمامَةَ: القُرْآنُ. ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يَتَّصِفُ عَذابُ اللَّهِ بِالعَظِيمِ، إذْ هو أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَتَفاوَتُ فِيهِ رُتَبُ المُعَذَّبِينَ، كَعَذابِ أبِي طالِبٍ، وعَذابِ العُصاةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الجُمْهُورُ عَلى أنَّ ابْيِضاضَ الوُجُوهِ واسْوِدادَها عَلى حَقِيقَةِ اللَّوْنِ. والبَياضُ مِنَ النُّورِ، والسَّوادُ مِنَ الظُّلْمَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَمَن كانَ مِن أهْلِ نُورِ الدِّينِ وُسِمَ بِبَياضِ اللَّوْنِ وإسْفارِهِ وإشْراقِهِ، وابْيَضَّتْ صَحِيفَتُهُ وأشْرَقَتْ، وسَعى النُّورُ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِيَمِينِهِ. ومَن كانَ مِن أهْلِ ظَلَمَةِ الباطِلِ وُسِمَ بِسَوادِ اللَّوْنِ وكُسُوفِهِ وكَمَدِهِ، واسْوَدَّتْ صَحِيفَتُهُ وأظْلَمَتْ، وأحاطَتْ بِهِ الظُّلْمَةُ مِن كُلِّ جانِبٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبَياضُ الوُجُوهِ عِبارَةٌ عَنْ إشْراقِها واسْتِنارَتِها وبِشْرِها بِرَحْمَةِ اللَّهِ. قالَهُ الزُّجاجُ وغَيْرُهُ. ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ كَما قالَ: «أنْتُمُ الغَرُّ المُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ» . وأمّا سَوادُ الوُجُوهِ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هو عِبارَةٌ عَنِ ارْتِدادِها وإظْلامِها بِغَمَمِ العَذابِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْوِيدًا يُنَزِّلُهُ اللَّهُ بِهِمْ عَلى جِهَةِ التَّشْوِيهِ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، عَلى نَحْوِ حَشْرِهِمْ زُرْقًا، وهَذِهِ أقْبَحُ طَلْعَةٍ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بِشارٍ:(p-٢٢) ؎ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوْجُهٌ سُودُ انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ قَوْمٌ: البَياضُ والسَّوادُ مَثَلانِ عُبِّرَ بِهِما عَنِ السُّرُورِ والحُزْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨] وكَقَوْلِ العَرَبِ لِمَن نالَ أُمْنِيَّتَهُ: ابْيَضَّ وجْهُهُ. ولِمَن جاءَ خائِبًا: جاءَ مُسْوَدَّ الوَجْهِ. وقالَ أبُو طالِبٍ: ؎وأبْيَضُ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎وأوْجُهُهم عِنْدَ المَشاهِدِ غُرّانُ وقالَ زُهَيْرٌ: ؎وأبْيَضُ فَيّاضٌ يَـداهُ غَمامَـةٌ وبَدَأ بِالبَياضِ؛ لِشَرَفِهِ وأنَّهُ الحالَةُ المُثْلى. وأسْنَدَ الِابْيِضاضَ والِاسْوِدادَ إلى الوُجُوهِ، وإنْ كانَ جَمِيعُ الجَسَدِ أبْيَضَ أوْ أسْوَدَ؛ لِأنَّ الوَجْهَ أوَّلُ ما يَلْقاكَ مِنَ الشَّخْصِ وتَراهُ، وهو أشْرَفُ أعْضائِهِ. والمُرادُ: وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ ووُجُوهُ الكافِرِينَ. قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وقِيلَ: وُجُوهُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، ووُجُوهُ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وقِيلَ: وُجُوهُ أهْلِ السُّنَّةِ، ووُجُوهُ أهْلِ البِدْعَةِ. وقالَ عَطاءٌ: وُجُوهُ المُخْلِصِينَ، ووُجُوهُ المُنافِقِينَ. وقِيلَ: وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ، ووُجُوهُ أهْلِ الكِتابِ والمُنافِقِينَ. وقِيلَ: وُجُوهُ المُجاهِدِينَ، ووُجُوهُ الفُرّارِ مِنَ الزَّحْفِ. وقِيلَ: تَبْيَضُّ بِالقَناعَةِ، وتَسْوَدُّ بِالطَّمَعِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: تَسْفُرُ وُجُوهُ مَن قَدَرَ عَلى السُّجُودِ إذا دُعُوا إلَيْهِ، وتَسْوَدُّ وُجُوهُ مَن لَمْ يَقْدِرْ. واخْتَلَفُوا في وقْتِ ابْيِضاضِ الوُجُوهِ واسْوِدادِها، فَقِيلَ: وقْتُ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: وقْتُ قِراءَةِ الصُّحُفِ. وقِيلَ: وقْتُ رُجْحانِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ في المِيزانِ. وقِيلَ: عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] وقِيلَ: وقْتُ أنْ يُؤْمَرَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأنْ يَتْبَعَ مَعْبُودَهُ. والعامِلُ في: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ما يَتَعَلَّقُ بِهِ. ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ أيْ وعَذابٌ عَظِيمٌ كائِنٌ لَهم يَوْمَ تَبْيَضُّ وجُوهٌ. وقالَ الحَوْفِيُّ: العامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ، أيْ: يُعَذَّبُونَ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِإضْمارِ اذْكُرُوا، أوْ بِالظَّرْفِ وهو لَهم. وقالَ قَوْمٌ: العامِلُ عَظِيمٌ، وضَعُفَ مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ عِظَمَ العَذابِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ ”عَذابٌ“؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وأبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ: تَبْيَضُّ وتَسْوَدُّ بِكَسْرِ التّاءِ فِيهِما، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ: وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: تَبْياضُّ وتَسْوادُّ، بِألِفٍ فِيهِما. ويَجُوزُ كَسْرُ التّاءِ في تَبْياضُّ وتَسْوادُّ، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ قُرِئَ بِذَلِكَ.

آل عمران 3:106

﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا تَفْصِيلٌ لِأحْكامِ مَن تَبْيَضُّ وُجُوهُهم وتَسْوَدُّ. وابْتُدِئَ بِالَّذِينِ اسْوَدَّتْ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّحْذِيرِ مِن حالِهِمْ، ولِمُجاوَرَةِ قَوْلِهِ: وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ولِلِابْتِداءِ بِالمُؤْمِنِينَ والِاخْتِتامِ بِحُكْمِهِمْ. فَيَكُونُ مَطْلَعُ الكَلامِ ومَقْطَعُهُ شَيْئًا يَسُرُّ الطَّبْعَ، ويَشْرَحُ الصَّدْرَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”أمّا“ في أوَّلِ البَقَرَةِ وأنَّها حَرْفُ شَرْطٍ يَقْتَضِي جَوابًا؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ بَعْدَها، والخَبَرُ هُنا مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ ؟ كَما حُذِفَ القَوْلُ في (p-٢٣)مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أيْ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم. ولَمّا حُذِفَ الخَبَرُ حُذِفَتِ الفاءُ، وإنْ كانَ حَذْفُها في غَيْرِ هَذا لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎فَأمّا القِتالُ لا قِتالَ لَدَيْكُمُ ولَكِنَّ سَيْرًا في عِراضِ المِواكِبِ يُرِيدُ: فَلا قِتالَ، وقالَ الشَّيْخُ كَمالُ الدِّينِ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الأنْصارِيُّ في كِتابِهِ المَوْسُومِ بِـ ”نِهايَةِ التَّأْمِيلِ في أسْرارِ التَّنْزِيلِ“: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ في قَوْلِهِمْ لِما حُذِفَ: يُقالُ: حُذِفَتِ الفاءُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١] تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“، ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ. فَلَمّا بَطَلَ هَذا تَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ جَوابًا لَهُ. ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، ومِن نَظْمِ العَرَبِ إذا ذَكَرُوا حَرْفًا يَقْتَضِي جَوابًا لَهُ أنْ يَكْتَفُوا عَنْ جَوابِهِ حَتّى يَذْكُرُوا حَرْفًا آخَرَ يَقْتَضِي جَوابًا، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لَهُما جَوابًا واحِدًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] فَقَوْلُهُ: فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ، ولَيْسَ ”أفَلَمْ“ جَوابَ ”أمّا“، بَلِ الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: (p-٢٤)أأهْمَلْتُكم، فَلَمْ أتْلُ عَلَيْكم آياتِي. انْتَهى ما نُقِلَ عَنْ هَذا الرَّجُلِ وهو كَلامُ أدِيبٍ لا كَلامَ نَحْوِيٍّ. أمّا قَوْلُهُ: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ، فَيَكْفِي في بُطْلانِ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّهُ اعْتِراضٌ عَلى جَمِيعِ النُّحاةِ؛ لِأنَّهُ ما مِن نَحْوِيٍّ إلّا خَرَّجَ الآيَةَ عَلى إضْمارٍ، فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ، وقالُوا: هَذا هو فَحْوى الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ في الكَلامِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ لا يَسْتَغْنِي المَعْنى عَنْهُ، فالقَوْلُ بِخِلافِهِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ، فَلا التِفاتَ إلَيْهِ. وأمّا ما اعْتَرَضَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ [الجاثية: ٣١] وأنَّهم قَدَّرُوهُ فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“ ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ - فَدَلَّ عَلى بُطْلانِ هَذا التَّقْدِيرِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ هَذِهِ الفاءُ الَّتِي بَعْدَ الهَمْزَةِ في ”أفَلَمْ“ لَيْسَتْ فاءَ ”فَيُقالُ“ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“ حَتّى يُقالَ: حُذِفَ ”فَيُقالُ“ وبَقِيَتِ الفاءُ، بَلِ الفاءُ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“، و”يُقالُ“ بَعْدَها مَحْذُوفٌ. وفاءُ ”أفَلَمْ“ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ زائِدَةً. وقَدْ أنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ عَلى زِيادَةِ الفاءِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎يَمُوتُ أُناسٌ أوْ يَشِيبُ فَتاهُمُ ∗∗∗ ويَحْدُثُ ناسٌ والصَّغِيرُ فَيَكْبُرُ يُرِيدُ: يَكْبُرُ، وقَوْلَ الآخَرِ: ؎لَمّا اتَّقى بِيَدٍ عَظِيمٍ جُرْمُها ∗∗∗ فَتَرَكْتُ ضاحِيَ جِلْدِها يَتَذَبْذَبُ يُرِيدُ: تَرَكْتُ. وقالَ زُهَيْرٌ: ؎أرانِي إذا ما بِتُّ بِتُّ عَلى هَوًى ∗∗∗ فَثُمَّ إذا أصْبَحْتُ أصْبَحْتُ غادِيًا يُرِيدُ: ثُمَّ. وقَوْلُ الأخْفَشِ: وزَعَمُوا أنَّهم يَقُولُونَ أخُوكَ فَوُجِدَ، يُرِيدُونَ أخُوكَ وُجِدَ. والوَجْهُ الثّانِي - أو الخاطِئُ: مُتَعَمَّدُهُ. - و ”مع الخَواطِئِ سَهْمٌ صائِبٌ“: يُضُرَبُ لِمَن يُكْثِرُ الخَطَأ، ويُصِيبُ أحْيانًا. - وخَطَأتِ القِدْر بِزَبَدِها، كَمحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأُمَّةٍ. وأنْ تَكُو: أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْسِيرِيَّةً، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فَيُقالُ لَهم ما يَسُوؤُهم: فَألَمْ تَكُنْ آياتِي، ثُمَّ اعْتُنِيَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ فَتَقَدَّمَتْ عَلى الفاءِ التَّفْسِيرِيَّةِ، كَما تُقَدَّمُ عَلى الفاءِ الَّتِي لِلتَّعْقِيبِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٩] وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يُثْبِتُ أنَّ الفاءَ تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً نَحْوَ: تَوَضَّأ زَيْدٌ، فَغَسَلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ. . . إلى آخِرِ أفْعالِ الوُضُوءِ. فالفاءُ هُنا لَيْسَتْ مُرَتِّبَةً، وإنَّما هي مُفَسِّرَةٌ لِلْوُضُوءِ. كَذَلِكَ تَكُونُ في ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١] مُفَسِّرَةً لِلْقَوْلِ الَّذِي يَسُوؤُهم. وقَوْلُ هَذا الرَّجُلِ: فَلَمّا بَطَلَ هَذا يَعْنِي - أنْ يَكُونَ الجَوابُ فَذُوقُوا - أيْ تَعَيَّنُ بُطْلانُ حَذْفِ ما قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِن قَوْلِهِ: فَيُقالُ لَهم؛ لِوُجُودِ هَذا الفاءِ في ”أفَلَمْ تَكُنْ“، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ لَمْ يَبْطُلْ، وأنَّهُ سَواءٌ في الآيَتَيْنِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَجَوابُ ”أمّا“ هو ”فَيُقالُ“ في المَوْضِعَيْنِ، ومَعْنى الكَلامِ عَلَيْهِ. وأمّا تَقْدِيرُهُ: أأهْمَلْتُكم فَلَمْ تَكُنْ آياتِي، فَهَذِهِ نَزْعَةٌ زَمَخْشَرِيَّةٌ، وذَلِكَ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ يُقَدِّرُ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وبَيْنَ الفاءِ فِعْلًا يَصِحُّ عَطْفُ ما بَعْدَها عَلَيْهِ، ولا يُعْتَقَدُ أنَّ الفاءَ والواوَ وثُمَّ إذا دَخَلَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ أصْلُهُنَّ التَّقْدِيمُ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنِ اعْتُنِيَ بِالِاسْتِفْهامِ، فَقُدِّمَ عَلى حُرُوفِ العَطْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ أخِيرًا إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في ذَلِكَ، وبُطْلانُ قَوْلِهِ الأوَّلِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا الكِتابِ حِكايَةُ مَذْهَبِهِ في ذَلِكَ. وعَلى تَقْدِيرِ قَوْلِ هَذا الرَّجُلِ: أأهْمَلْتُكم، فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ القَوْلِ وتَقْدِيرِهِ، فَيُقالُ: أأهْمَلْتُكم؛ لِأنَّ هَذا المُقَدَّرَ هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والفاءُ جَوابُ أمّا. وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، ويَقْتَضِيهِ ضَرُورَةً. وقَوْلُ هَذا الرَّجُلِ: فَوَقَعَ ذَلِكَ جَوابًا لَهُ ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، يَعْنِي أنَّ ”﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾“ جَوابٌ لَـ ”أمّا“ ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ ؟ والِاسْتِفْهامُ هُنا لا جَوابَ لَهُ، إنَّما هو اسْتِفْهامٌ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والإرْذالِ بِهِمْ. وأمّا قَوْلُ هَذا الرَّجُلِ: ومِن نَظْمِ العَرَبِ إلى آخِرِهِ، فَلَيْسَ كَلامُ العَرَبِ عَلى ما زَعَمَ، بَلْ (p-٢٥)يُجْعَلُ لِكُلِّ جَوابٍ إنْ لا يَكُنْ ظاهِرًا فَمُقَدَّرٌ، ولا يَجْعَلُونَ لَهُما جَوابًا واحِدًا، وأمّا دَعْواهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ. وزَعْمُهُ أنَّ قَوْلَهَ تَعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ، فَقَوْلٌ رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ. وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فاتَّبِعُوهُ. والصَّحِيحُ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ وجَوابَهُ هو جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ. وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ. والهَمْزَةُ في (أكَفَرْتُمْ) لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ. والخِطابُ في أكَفَرْتُمْ إلى آخِرِهِ يَتَفَرَّعُ عَلى الِاخْتِلافِ في الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم، فَإنْ كانُوا الكُفّارَ فالتَّقْدِيرُ: بَعْدَ أنْ آمَنتُمْ حِينَ أُخِذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقُ وأنْتُمْ في صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، وإنْ كانُوا أهْلَ البِدَعِ فَتَكُونُ البِدْعَةَ المُخْرِجَةَ عَنِ الإيمانِ. وإنْ كانُوا قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ فَيَكُونُ إيمانُهم بِهِ قَبْلَ بَعْثِهِ، وكُفْرِهِمْ بِهِ بَعْدَهُ، أوْ إيمانُهم بِالتَّوْراةِ وما جاءَ فِيها مِن نُبُوَّتِهِ ووَصْفِهِ والأمْرِ بِاتِّباعِهِ، وإنْ كانُوا المُنافِقِينَ فالمُرادُ بِالكُفْرِ كُفْرُهم بِقُلُوبِهِمْ، وبِالإيمانِ الإيمانُ بِألْسِنَتِهِمْ. وإنْ كانُوا الحَرُورِيَّةَ أوِ المُرْتَدِّينَ فَقَدْ كانَ حَصَلَ مِنهم (p-٢٦)الإيمانُ حَقِيقَةً، وفي قَوْلِهِ: (أكَفَرْتُمْ) قالُوا: تَلْوِينُ الخِطابِ، وهو أحَدُ أنْواعِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ غَيْبَةٌ، وأكَفَرْتُمْ مُواجَهَةٌ. ”بِما كُنْتُمْ“ الباءُ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ انْظُرْ تَفاوُتَ ما بَيْنَ التَّقْسِيمَيْنِ، هُناكَ جَمْعٌ لِمَنِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم بَيْنَ التَّعْنِيفِ بِالقَوْلِ والعَذابِ، وهُنا جَعَلَهم مُسْتَقِرِّينَ في الرَّحْمَةِ، فالرَّحْمَةُ ظَرْفٌ لَهم وهي شامِلَتُهم. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في رَحْمَةِ اللَّهِ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارَ هو عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ، لا زَوالَ مِنهُ ولا انْتِقالَ، وأشارَ بِلَفْظِ الرَّحْمَةِ إلى سابِقِ عِنايَتِهِ بِهِمْ، وأنَّ العَبْدَ وإنْ كَثُرَتْ طاعَتُهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا الجَنَّةُ، وذَكَرَ الخُلُودَ لِلْمُؤْمِنِ ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِلْكافِرِ؛ إشْعارًا بِأنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ. وأضافَ الرَّحْمَةَ هُنا إلَيْهِ، ولَمْ يُضِفِ العَذابَ إلى نَفْسِهِ، بَلْ قالَ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ عَلَّلَهُ بِفِعْلِهِمْ، ولَمْ يَنُصَّ هُنا عَلى سَبَبِ كَوْنِهِمْ في الرَّحْمَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وابْنُ يَعْمُرَ: فَأمّا الَّذِينَ اسْوادَّتْ، وأمّا الَّذِينَ ابْياضَّتْ بِألِفٍ. وأصْلُ افْعَلَّ هَذا افْعَلَلَ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ اسْوَدَدَتْ واحْمَرَرَتْ، وأنْ يَكُونَ لِلَوْنٍ أوْ عَيْبٍ حِسِّيٍّ، كَأسْوَدَ، وأعْوَجَ، وأعْوَزَ. وأنْ لا يَكُونَ مِن مُضَعَّفٍ كَأحَمَّ، ولا مُعْتَلِّ لامٍ كَألْمى، وأنْ لا يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ. ونَدَرَ نَحْوُ: انْقَضَّ الحائِطُ، وابْهارَّ اللَّيْلُ، واشْعارَّ الرَّجُلُ بِفَرْقِ شَعْرِهِ، وشَذَّ ارَعْوى؛ لِكَوْنِهِ مُعْتَلَّ اللّامِ بِغَيْرِ لَوْنٍ ولا عَيْبٍ مُطاوِعًا لَرَعْوَتُهُ بِمَعْنى كَفَفْتُهُ. وأمّا دُخُولُ الألِفِ فالأكْثَرُ أنْ يُقْصَدَ عُرُوضُ المَعْنى إذا جِيءَ بِها، ولُزُومُهُ إذا لَمْ يُجَأْ بِهِما. وقَدْ يَكُونُ العَكْسُ. فَمِن قَصْدِ اللُّزُومِ مَعَ ثُبُوتِ الألِفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ومِن قَصْدِ العُرُوضِ مَعَ عَدَمِ الألِفِ قَوْلُهُ تَعالى: تَزَوَّرَ عَنْ كَهْفِهِمْ: واحْمَرَّ خَجَلًا. وجَوابُ ”أمّا“ فَفي الجَنَّةِ، والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أيْ فَمُسْتَقِرُّونَ في الجَنَّةِ. ”وهم فِيها خالِدُونَ“ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، لَمْ تَدْخُلْ في حَيِّزِ أمّا، ولا في إعْرابِ ما بَعْدَهُ. دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارَ هو عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ”﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]“ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ ؟ (قُلْتُ) مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ. كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها ؟ فَقِيلَ: هم فِيها خالِدُونَ، لا يَظْعَنُونَ عَنْها ولا يَمُوتُونَ. انْتَهى. وهو حَسَنٌ. وقِيلَ: جَوابُ ”أمّا“ فَفي الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ، و”﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]“ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ. وخالِدُونَ العامِلُ في الظَّرْفَيْنِ، وكُرِّرَ عَلى طَرِيقِ التَّوْكِيدِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِدْعاءِ والتَّشْوِيقِ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ.

آل عمران 3:107

﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا تَفْصِيلٌ لِأحْكامِ مَن تَبْيَضُّ وُجُوهُهم وتَسْوَدُّ. وابْتُدِئَ بِالَّذِينِ اسْوَدَّتْ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّحْذِيرِ مِن حالِهِمْ، ولِمُجاوَرَةِ قَوْلِهِ: وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ولِلِابْتِداءِ بِالمُؤْمِنِينَ والِاخْتِتامِ بِحُكْمِهِمْ. فَيَكُونُ مَطْلَعُ الكَلامِ ومَقْطَعُهُ شَيْئًا يَسُرُّ الطَّبْعَ، ويَشْرَحُ الصَّدْرَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”أمّا“ في أوَّلِ البَقَرَةِ وأنَّها حَرْفُ شَرْطٍ يَقْتَضِي جَوابًا؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ بَعْدَها، والخَبَرُ هُنا مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ ؟ كَما حُذِفَ القَوْلُ في (p-٢٣)مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أيْ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم. ولَمّا حُذِفَ الخَبَرُ حُذِفَتِ الفاءُ، وإنْ كانَ حَذْفُها في غَيْرِ هَذا لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎فَأمّا القِتالُ لا قِتالَ لَدَيْكُمُ ولَكِنَّ سَيْرًا في عِراضِ المِواكِبِ يُرِيدُ: فَلا قِتالَ، وقالَ الشَّيْخُ كَمالُ الدِّينِ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الأنْصارِيُّ في كِتابِهِ المَوْسُومِ بِـ ”نِهايَةِ التَّأْمِيلِ في أسْرارِ التَّنْزِيلِ“: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ في قَوْلِهِمْ لِما حُذِفَ: يُقالُ: حُذِفَتِ الفاءُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١] تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“، ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ. فَلَمّا بَطَلَ هَذا تَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ جَوابًا لَهُ. ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، ومِن نَظْمِ العَرَبِ إذا ذَكَرُوا حَرْفًا يَقْتَضِي جَوابًا لَهُ أنْ يَكْتَفُوا عَنْ جَوابِهِ حَتّى يَذْكُرُوا حَرْفًا آخَرَ يَقْتَضِي جَوابًا، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لَهُما جَوابًا واحِدًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] فَقَوْلُهُ: فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ، ولَيْسَ ”أفَلَمْ“ جَوابَ ”أمّا“، بَلِ الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: (p-٢٤)أأهْمَلْتُكم، فَلَمْ أتْلُ عَلَيْكم آياتِي. انْتَهى ما نُقِلَ عَنْ هَذا الرَّجُلِ وهو كَلامُ أدِيبٍ لا كَلامَ نَحْوِيٍّ. أمّا قَوْلُهُ: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ، فَيَكْفِي في بُطْلانِ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّهُ اعْتِراضٌ عَلى جَمِيعِ النُّحاةِ؛ لِأنَّهُ ما مِن نَحْوِيٍّ إلّا خَرَّجَ الآيَةَ عَلى إضْمارٍ، فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ، وقالُوا: هَذا هو فَحْوى الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ في الكَلامِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ لا يَسْتَغْنِي المَعْنى عَنْهُ، فالقَوْلُ بِخِلافِهِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ، فَلا التِفاتَ إلَيْهِ. وأمّا ما اعْتَرَضَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ [الجاثية: ٣١] وأنَّهم قَدَّرُوهُ فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“ ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ - فَدَلَّ عَلى بُطْلانِ هَذا التَّقْدِيرِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ هَذِهِ الفاءُ الَّتِي بَعْدَ الهَمْزَةِ في ”أفَلَمْ“ لَيْسَتْ فاءَ ”فَيُقالُ“ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“ حَتّى يُقالَ: حُذِفَ ”فَيُقالُ“ وبَقِيَتِ الفاءُ، بَلِ الفاءُ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“، و”يُقالُ“ بَعْدَها مَحْذُوفٌ. وفاءُ ”أفَلَمْ“ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ زائِدَةً. وقَدْ أنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ عَلى زِيادَةِ الفاءِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎يَمُوتُ أُناسٌ أوْ يَشِيبُ فَتاهُمُ ∗∗∗ ويَحْدُثُ ناسٌ والصَّغِيرُ فَيَكْبُرُ يُرِيدُ: يَكْبُرُ، وقَوْلَ الآخَرِ: ؎لَمّا اتَّقى بِيَدٍ عَظِيمٍ جُرْمُها ∗∗∗ فَتَرَكْتُ ضاحِيَ جِلْدِها يَتَذَبْذَبُ يُرِيدُ: تَرَكْتُ. وقالَ زُهَيْرٌ: ؎أرانِي إذا ما بِتُّ بِتُّ عَلى هَوًى ∗∗∗ فَثُمَّ إذا أصْبَحْتُ أصْبَحْتُ غادِيًا يُرِيدُ: ثُمَّ. وقَوْلُ الأخْفَشِ: وزَعَمُوا أنَّهم يَقُولُونَ أخُوكَ فَوُجِدَ، يُرِيدُونَ أخُوكَ وُجِدَ. والوَجْهُ الثّانِي - أو الخاطِئُ: مُتَعَمَّدُهُ. - و ”مع الخَواطِئِ سَهْمٌ صائِبٌ“: يُضُرَبُ لِمَن يُكْثِرُ الخَطَأ، ويُصِيبُ أحْيانًا. - وخَطَأتِ القِدْر بِزَبَدِها، كَمحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأُمَّةٍ. وأنْ تَكُو: أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْسِيرِيَّةً، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فَيُقالُ لَهم ما يَسُوؤُهم: فَألَمْ تَكُنْ آياتِي، ثُمَّ اعْتُنِيَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ فَتَقَدَّمَتْ عَلى الفاءِ التَّفْسِيرِيَّةِ، كَما تُقَدَّمُ عَلى الفاءِ الَّتِي لِلتَّعْقِيبِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٩] وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يُثْبِتُ أنَّ الفاءَ تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً نَحْوَ: تَوَضَّأ زَيْدٌ، فَغَسَلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ. . . إلى آخِرِ أفْعالِ الوُضُوءِ. فالفاءُ هُنا لَيْسَتْ مُرَتِّبَةً، وإنَّما هي مُفَسِّرَةٌ لِلْوُضُوءِ. كَذَلِكَ تَكُونُ في ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١] مُفَسِّرَةً لِلْقَوْلِ الَّذِي يَسُوؤُهم. وقَوْلُ هَذا الرَّجُلِ: فَلَمّا بَطَلَ هَذا يَعْنِي - أنْ يَكُونَ الجَوابُ فَذُوقُوا - أيْ تَعَيَّنُ بُطْلانُ حَذْفِ ما قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِن قَوْلِهِ: فَيُقالُ لَهم؛ لِوُجُودِ هَذا الفاءِ في ”أفَلَمْ تَكُنْ“، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ لَمْ يَبْطُلْ، وأنَّهُ سَواءٌ في الآيَتَيْنِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَجَوابُ ”أمّا“ هو ”فَيُقالُ“ في المَوْضِعَيْنِ، ومَعْنى الكَلامِ عَلَيْهِ. وأمّا تَقْدِيرُهُ: أأهْمَلْتُكم فَلَمْ تَكُنْ آياتِي، فَهَذِهِ نَزْعَةٌ زَمَخْشَرِيَّةٌ، وذَلِكَ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ يُقَدِّرُ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وبَيْنَ الفاءِ فِعْلًا يَصِحُّ عَطْفُ ما بَعْدَها عَلَيْهِ، ولا يُعْتَقَدُ أنَّ الفاءَ والواوَ وثُمَّ إذا دَخَلَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ أصْلُهُنَّ التَّقْدِيمُ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنِ اعْتُنِيَ بِالِاسْتِفْهامِ، فَقُدِّمَ عَلى حُرُوفِ العَطْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ أخِيرًا إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في ذَلِكَ، وبُطْلانُ قَوْلِهِ الأوَّلِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا الكِتابِ حِكايَةُ مَذْهَبِهِ في ذَلِكَ. وعَلى تَقْدِيرِ قَوْلِ هَذا الرَّجُلِ: أأهْمَلْتُكم، فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ القَوْلِ وتَقْدِيرِهِ، فَيُقالُ: أأهْمَلْتُكم؛ لِأنَّ هَذا المُقَدَّرَ هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والفاءُ جَوابُ أمّا. وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، ويَقْتَضِيهِ ضَرُورَةً. وقَوْلُ هَذا الرَّجُلِ: فَوَقَعَ ذَلِكَ جَوابًا لَهُ ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، يَعْنِي أنَّ ”﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾“ جَوابٌ لَـ ”أمّا“ ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ ؟ والِاسْتِفْهامُ هُنا لا جَوابَ لَهُ، إنَّما هو اسْتِفْهامٌ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والإرْذالِ بِهِمْ. وأمّا قَوْلُ هَذا الرَّجُلِ: ومِن نَظْمِ العَرَبِ إلى آخِرِهِ، فَلَيْسَ كَلامُ العَرَبِ عَلى ما زَعَمَ، بَلْ (p-٢٥)يُجْعَلُ لِكُلِّ جَوابٍ إنْ لا يَكُنْ ظاهِرًا فَمُقَدَّرٌ، ولا يَجْعَلُونَ لَهُما جَوابًا واحِدًا، وأمّا دَعْواهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ. وزَعْمُهُ أنَّ قَوْلَهَ تَعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ، فَقَوْلٌ رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ. وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فاتَّبِعُوهُ. والصَّحِيحُ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ وجَوابَهُ هو جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ. وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ. والهَمْزَةُ في (أكَفَرْتُمْ) لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ. والخِطابُ في أكَفَرْتُمْ إلى آخِرِهِ يَتَفَرَّعُ عَلى الِاخْتِلافِ في الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم، فَإنْ كانُوا الكُفّارَ فالتَّقْدِيرُ: بَعْدَ أنْ آمَنتُمْ حِينَ أُخِذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقُ وأنْتُمْ في صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، وإنْ كانُوا أهْلَ البِدَعِ فَتَكُونُ البِدْعَةَ المُخْرِجَةَ عَنِ الإيمانِ. وإنْ كانُوا قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ فَيَكُونُ إيمانُهم بِهِ قَبْلَ بَعْثِهِ، وكُفْرِهِمْ بِهِ بَعْدَهُ، أوْ إيمانُهم بِالتَّوْراةِ وما جاءَ فِيها مِن نُبُوَّتِهِ ووَصْفِهِ والأمْرِ بِاتِّباعِهِ، وإنْ كانُوا المُنافِقِينَ فالمُرادُ بِالكُفْرِ كُفْرُهم بِقُلُوبِهِمْ، وبِالإيمانِ الإيمانُ بِألْسِنَتِهِمْ. وإنْ كانُوا الحَرُورِيَّةَ أوِ المُرْتَدِّينَ فَقَدْ كانَ حَصَلَ مِنهم (p-٢٦)الإيمانُ حَقِيقَةً، وفي قَوْلِهِ: (أكَفَرْتُمْ) قالُوا: تَلْوِينُ الخِطابِ، وهو أحَدُ أنْواعِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ غَيْبَةٌ، وأكَفَرْتُمْ مُواجَهَةٌ. ”بِما كُنْتُمْ“ الباءُ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ انْظُرْ تَفاوُتَ ما بَيْنَ التَّقْسِيمَيْنِ، هُناكَ جَمْعٌ لِمَنِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم بَيْنَ التَّعْنِيفِ بِالقَوْلِ والعَذابِ، وهُنا جَعَلَهم مُسْتَقِرِّينَ في الرَّحْمَةِ، فالرَّحْمَةُ ظَرْفٌ لَهم وهي شامِلَتُهم. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في رَحْمَةِ اللَّهِ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارَ هو عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ، لا زَوالَ مِنهُ ولا انْتِقالَ، وأشارَ بِلَفْظِ الرَّحْمَةِ إلى سابِقِ عِنايَتِهِ بِهِمْ، وأنَّ العَبْدَ وإنْ كَثُرَتْ طاعَتُهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا الجَنَّةُ، وذَكَرَ الخُلُودَ لِلْمُؤْمِنِ ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِلْكافِرِ؛ إشْعارًا بِأنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ. وأضافَ الرَّحْمَةَ هُنا إلَيْهِ، ولَمْ يُضِفِ العَذابَ إلى نَفْسِهِ، بَلْ قالَ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ عَلَّلَهُ بِفِعْلِهِمْ، ولَمْ يَنُصَّ هُنا عَلى سَبَبِ كَوْنِهِمْ في الرَّحْمَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وابْنُ يَعْمُرَ: فَأمّا الَّذِينَ اسْوادَّتْ، وأمّا الَّذِينَ ابْياضَّتْ بِألِفٍ. وأصْلُ افْعَلَّ هَذا افْعَلَلَ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ اسْوَدَدَتْ واحْمَرَرَتْ، وأنْ يَكُونَ لِلَوْنٍ أوْ عَيْبٍ حِسِّيٍّ، كَأسْوَدَ، وأعْوَجَ، وأعْوَزَ. وأنْ لا يَكُونَ مِن مُضَعَّفٍ كَأحَمَّ، ولا مُعْتَلِّ لامٍ كَألْمى، وأنْ لا يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ. ونَدَرَ نَحْوُ: انْقَضَّ الحائِطُ، وابْهارَّ اللَّيْلُ، واشْعارَّ الرَّجُلُ بِفَرْقِ شَعْرِهِ، وشَذَّ ارَعْوى؛ لِكَوْنِهِ مُعْتَلَّ اللّامِ بِغَيْرِ لَوْنٍ ولا عَيْبٍ مُطاوِعًا لَرَعْوَتُهُ بِمَعْنى كَفَفْتُهُ. وأمّا دُخُولُ الألِفِ فالأكْثَرُ أنْ يُقْصَدَ عُرُوضُ المَعْنى إذا جِيءَ بِها، ولُزُومُهُ إذا لَمْ يُجَأْ بِهِما. وقَدْ يَكُونُ العَكْسُ. فَمِن قَصْدِ اللُّزُومِ مَعَ ثُبُوتِ الألِفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ومِن قَصْدِ العُرُوضِ مَعَ عَدَمِ الألِفِ قَوْلُهُ تَعالى: تَزَوَّرَ عَنْ كَهْفِهِمْ: واحْمَرَّ خَجَلًا. وجَوابُ ”أمّا“ فَفي الجَنَّةِ، والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أيْ فَمُسْتَقِرُّونَ في الجَنَّةِ. ”وهم فِيها خالِدُونَ“ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، لَمْ تَدْخُلْ في حَيِّزِ أمّا، ولا في إعْرابِ ما بَعْدَهُ. دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارَ هو عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ”﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]“ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ ؟ (قُلْتُ) مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ. كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها ؟ فَقِيلَ: هم فِيها خالِدُونَ، لا يَظْعَنُونَ عَنْها ولا يَمُوتُونَ. انْتَهى. وهو حَسَنٌ. وقِيلَ: جَوابُ ”أمّا“ فَفي الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ، و”﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]“ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ. وخالِدُونَ العامِلُ في الظَّرْفَيْنِ، وكُرِّرَ عَلى طَرِيقِ التَّوْكِيدِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِدْعاءِ والتَّشْوِيقِ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ.

آل عمران 3:108

﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ هَذا تَفْصِيلٌ لِأحْكامِ مَن تَبْيَضُّ وُجُوهُهم وتَسْوَدُّ. وابْتُدِئَ بِالَّذِينِ اسْوَدَّتْ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّحْذِيرِ مِن حالِهِمْ، ولِمُجاوَرَةِ قَوْلِهِ: وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ولِلِابْتِداءِ بِالمُؤْمِنِينَ والِاخْتِتامِ بِحُكْمِهِمْ. فَيَكُونُ مَطْلَعُ الكَلامِ ومَقْطَعُهُ شَيْئًا يَسُرُّ الطَّبْعَ، ويَشْرَحُ الصَّدْرَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”أمّا“ في أوَّلِ البَقَرَةِ وأنَّها حَرْفُ شَرْطٍ يَقْتَضِي جَوابًا؛ ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ بَعْدَها، والخَبَرُ هُنا مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ ؟ كَما حُذِفَ القَوْلُ في (p-٢٣)مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أيْ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم. ولَمّا حُذِفَ الخَبَرُ حُذِفَتِ الفاءُ، وإنْ كانَ حَذْفُها في غَيْرِ هَذا لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ؎فَأمّا القِتالُ لا قِتالَ لَدَيْكُمُ ولَكِنَّ سَيْرًا في عِراضِ المِواكِبِ يُرِيدُ: فَلا قِتالَ، وقالَ الشَّيْخُ كَمالُ الدِّينِ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الأنْصارِيُّ في كِتابِهِ المَوْسُومِ بِـ ”نِهايَةِ التَّأْمِيلِ في أسْرارِ التَّنْزِيلِ“: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ في قَوْلِهِمْ لِما حُذِفَ: يُقالُ: حُذِفَتِ الفاءُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١] تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“، ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ. فَلَمّا بَطَلَ هَذا تَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ: فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ جَوابًا لَهُ. ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، ومِن نَظْمِ العَرَبِ إذا ذَكَرُوا حَرْفًا يَقْتَضِي جَوابًا لَهُ أنْ يَكْتَفُوا عَنْ جَوابِهِ حَتّى يَذْكُرُوا حَرْفًا آخَرَ يَقْتَضِي جَوابًا، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لَهُما جَوابًا واحِدًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] فَقَوْلُهُ: فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ، ولَيْسَ ”أفَلَمْ“ جَوابَ ”أمّا“، بَلِ الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: (p-٢٤)أأهْمَلْتُكم، فَلَمْ أتْلُ عَلَيْكم آياتِي. انْتَهى ما نُقِلَ عَنْ هَذا الرَّجُلِ وهو كَلامُ أدِيبٍ لا كَلامَ نَحْوِيٍّ. أمّا قَوْلُهُ: قَدِ اعْتُرِضَ عَلى النُّحاةِ، فَيَكْفِي في بُطْلانِ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّهُ اعْتِراضٌ عَلى جَمِيعِ النُّحاةِ؛ لِأنَّهُ ما مِن نَحْوِيٍّ إلّا خَرَّجَ الآيَةَ عَلى إضْمارٍ، فَيُقالُ لَهم: أكَفَرْتُمْ، وقالُوا: هَذا هو فَحْوى الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ في الكَلامِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ لا يَسْتَغْنِي المَعْنى عَنْهُ، فالقَوْلُ بِخِلافِهِ مُخالِفٌ لِلْإجْماعِ، فَلا التِفاتَ إلَيْهِ. وأمّا ما اعْتَرَضَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي﴾ [الجاثية: ٣١] وأنَّهم قَدَّرُوهُ فَيُقالُ لَهم: أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي، فَحُذِفَ ”فَيُقالُ“ ولَمْ تُحْذَفِ الفاءُ - فَدَلَّ عَلى بُطْلانِ هَذا التَّقْدِيرِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ هَذِهِ الفاءُ الَّتِي بَعْدَ الهَمْزَةِ في ”أفَلَمْ“ لَيْسَتْ فاءَ ”فَيُقالُ“ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“ حَتّى يُقالَ: حُذِفَ ”فَيُقالُ“ وبَقِيَتِ الفاءُ، بَلِ الفاءُ الَّتِي هي جَوابُ ”أمّا“، و”يُقالُ“ بَعْدَها مَحْذُوفٌ. وفاءُ ”أفَلَمْ“ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ زائِدَةً. وقَدْ أنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ عَلى زِيادَةِ الفاءِ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎يَمُوتُ أُناسٌ أوْ يَشِيبُ فَتاهُمُ ∗∗∗ ويَحْدُثُ ناسٌ والصَّغِيرُ فَيَكْبُرُ يُرِيدُ: يَكْبُرُ، وقَوْلَ الآخَرِ: ؎لَمّا اتَّقى بِيَدٍ عَظِيمٍ جُرْمُها ∗∗∗ فَتَرَكْتُ ضاحِيَ جِلْدِها يَتَذَبْذَبُ يُرِيدُ: تَرَكْتُ. وقالَ زُهَيْرٌ: ؎أرانِي إذا ما بِتُّ بِتُّ عَلى هَوًى ∗∗∗ فَثُمَّ إذا أصْبَحْتُ أصْبَحْتُ غادِيًا يُرِيدُ: ثُمَّ. وقَوْلُ الأخْفَشِ: وزَعَمُوا أنَّهم يَقُولُونَ أخُوكَ فَوُجِدَ، يُرِيدُونَ أخُوكَ وُجِدَ. والوَجْهُ الثّانِي - أو الخاطِئُ: مُتَعَمَّدُهُ. - و ”مع الخَواطِئِ سَهْمٌ صائِبٌ“: يُضُرَبُ لِمَن يُكْثِرُ الخَطَأ، ويُصِيبُ أحْيانًا. - وخَطَأتِ القِدْر بِزَبَدِها، كَمحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأُمَّةٍ. وأنْ تَكُو: أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْسِيرِيَّةً، وتَقَدَّمَ الكَلامُ فَيُقالُ لَهم ما يَسُوؤُهم: فَألَمْ تَكُنْ آياتِي، ثُمَّ اعْتُنِيَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ فَتَقَدَّمَتْ عَلى الفاءِ التَّفْسِيرِيَّةِ، كَما تُقَدَّمُ عَلى الفاءِ الَّتِي لِلتَّعْقِيبِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٩] وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يُثْبِتُ أنَّ الفاءَ تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً نَحْوَ: تَوَضَّأ زَيْدٌ، فَغَسَلَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ. . . إلى آخِرِ أفْعالِ الوُضُوءِ. فالفاءُ هُنا لَيْسَتْ مُرَتِّبَةً، وإنَّما هي مُفَسِّرَةٌ لِلْوُضُوءِ. كَذَلِكَ تَكُونُ في ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١] مُفَسِّرَةً لِلْقَوْلِ الَّذِي يَسُوؤُهم. وقَوْلُ هَذا الرَّجُلِ: فَلَمّا بَطَلَ هَذا يَعْنِي - أنْ يَكُونَ الجَوابُ فَذُوقُوا - أيْ تَعَيَّنُ بُطْلانُ حَذْفِ ما قَدَّرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِن قَوْلِهِ: فَيُقالُ لَهم؛ لِوُجُودِ هَذا الفاءِ في ”أفَلَمْ تَكُنْ“، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ لَمْ يَبْطُلْ، وأنَّهُ سَواءٌ في الآيَتَيْنِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَجَوابُ ”أمّا“ هو ”فَيُقالُ“ في المَوْضِعَيْنِ، ومَعْنى الكَلامِ عَلَيْهِ. وأمّا تَقْدِيرُهُ: أأهْمَلْتُكم فَلَمْ تَكُنْ آياتِي، فَهَذِهِ نَزْعَةٌ زَمَخْشَرِيَّةٌ، وذَلِكَ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ يُقَدِّرُ بَيْنَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وبَيْنَ الفاءِ فِعْلًا يَصِحُّ عَطْفُ ما بَعْدَها عَلَيْهِ، ولا يُعْتَقَدُ أنَّ الفاءَ والواوَ وثُمَّ إذا دَخَلَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ أصْلُهُنَّ التَّقْدِيمُ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنِ اعْتُنِيَ بِالِاسْتِفْهامِ، فَقُدِّمَ عَلى حُرُوفِ العَطْفِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ أخِيرًا إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في ذَلِكَ، وبُطْلانُ قَوْلِهِ الأوَّلِ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا الكِتابِ حِكايَةُ مَذْهَبِهِ في ذَلِكَ. وعَلى تَقْدِيرِ قَوْلِ هَذا الرَّجُلِ: أأهْمَلْتُكم، فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ القَوْلِ وتَقْدِيرِهِ، فَيُقالُ: أأهْمَلْتُكم؛ لِأنَّ هَذا المُقَدَّرَ هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والفاءُ جَوابُ أمّا. وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، ويَقْتَضِيهِ ضَرُورَةً. وقَوْلُ هَذا الرَّجُلِ: فَوَقَعَ ذَلِكَ جَوابًا لَهُ ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ، يَعْنِي أنَّ ”﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾“ جَوابٌ لَـ ”أمّا“ ولِقَوْلِهِ: أكَفَرْتُمْ ؟ والِاسْتِفْهامُ هُنا لا جَوابَ لَهُ، إنَّما هو اسْتِفْهامٌ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ والإرْذالِ بِهِمْ. وأمّا قَوْلُ هَذا الرَّجُلِ: ومِن نَظْمِ العَرَبِ إلى آخِرِهِ، فَلَيْسَ كَلامُ العَرَبِ عَلى ما زَعَمَ، بَلْ (p-٢٥)يُجْعَلُ لِكُلِّ جَوابٍ إنْ لا يَكُنْ ظاهِرًا فَمُقَدَّرٌ، ولا يَجْعَلُونَ لَهُما جَوابًا واحِدًا، وأمّا دَعْواهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ. وزَعْمُهُ أنَّ قَوْلَهَ تَعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] جَوابٌ لِلشَّرْطَيْنِ، فَقَوْلٌ رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ. وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فاتَّبِعُوهُ. والصَّحِيحُ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ وجَوابَهُ هو جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ. وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ. والهَمْزَةُ في (أكَفَرْتُمْ) لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ. والخِطابُ في أكَفَرْتُمْ إلى آخِرِهِ يَتَفَرَّعُ عَلى الِاخْتِلافِ في الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم، فَإنْ كانُوا الكُفّارَ فالتَّقْدِيرُ: بَعْدَ أنْ آمَنتُمْ حِينَ أُخِذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقُ وأنْتُمْ في صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، وإنْ كانُوا أهْلَ البِدَعِ فَتَكُونُ البِدْعَةَ المُخْرِجَةَ عَنِ الإيمانِ. وإنْ كانُوا قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ فَيَكُونُ إيمانُهم بِهِ قَبْلَ بَعْثِهِ، وكُفْرِهِمْ بِهِ بَعْدَهُ، أوْ إيمانُهم بِالتَّوْراةِ وما جاءَ فِيها مِن نُبُوَّتِهِ ووَصْفِهِ والأمْرِ بِاتِّباعِهِ، وإنْ كانُوا المُنافِقِينَ فالمُرادُ بِالكُفْرِ كُفْرُهم بِقُلُوبِهِمْ، وبِالإيمانِ الإيمانُ بِألْسِنَتِهِمْ. وإنْ كانُوا الحَرُورِيَّةَ أوِ المُرْتَدِّينَ فَقَدْ كانَ حَصَلَ مِنهم (p-٢٦)الإيمانُ حَقِيقَةً، وفي قَوْلِهِ: (أكَفَرْتُمْ) قالُوا: تَلْوِينُ الخِطابِ، وهو أحَدُ أنْواعِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ غَيْبَةٌ، وأكَفَرْتُمْ مُواجَهَةٌ. ”بِما كُنْتُمْ“ الباءُ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ. ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ انْظُرْ تَفاوُتَ ما بَيْنَ التَّقْسِيمَيْنِ، هُناكَ جَمْعٌ لِمَنِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم بَيْنَ التَّعْنِيفِ بِالقَوْلِ والعَذابِ، وهُنا جَعَلَهم مُسْتَقِرِّينَ في الرَّحْمَةِ، فالرَّحْمَةُ ظَرْفٌ لَهم وهي شامِلَتُهم. ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في رَحْمَةِ اللَّهِ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارَ هو عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ، لا زَوالَ مِنهُ ولا انْتِقالَ، وأشارَ بِلَفْظِ الرَّحْمَةِ إلى سابِقِ عِنايَتِهِ بِهِمْ، وأنَّ العَبْدَ وإنْ كَثُرَتْ طاعَتُهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا الجَنَّةُ، وذَكَرَ الخُلُودَ لِلْمُؤْمِنِ ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِلْكافِرِ؛ إشْعارًا بِأنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ. وأضافَ الرَّحْمَةَ هُنا إلَيْهِ، ولَمْ يُضِفِ العَذابَ إلى نَفْسِهِ، بَلْ قالَ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ العَذابَ عَلَّلَهُ بِفِعْلِهِمْ، ولَمْ يَنُصَّ هُنا عَلى سَبَبِ كَوْنِهِمْ في الرَّحْمَةِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وابْنُ يَعْمُرَ: فَأمّا الَّذِينَ اسْوادَّتْ، وأمّا الَّذِينَ ابْياضَّتْ بِألِفٍ. وأصْلُ افْعَلَّ هَذا افْعَلَلَ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ اسْوَدَدَتْ واحْمَرَرَتْ، وأنْ يَكُونَ لِلَوْنٍ أوْ عَيْبٍ حِسِّيٍّ، كَأسْوَدَ، وأعْوَجَ، وأعْوَزَ. وأنْ لا يَكُونَ مِن مُضَعَّفٍ كَأحَمَّ، ولا مُعْتَلِّ لامٍ كَألْمى، وأنْ لا يَكُونَ لِلْمُطاوَعَةِ. ونَدَرَ نَحْوُ: انْقَضَّ الحائِطُ، وابْهارَّ اللَّيْلُ، واشْعارَّ الرَّجُلُ بِفَرْقِ شَعْرِهِ، وشَذَّ ارَعْوى؛ لِكَوْنِهِ مُعْتَلَّ اللّامِ بِغَيْرِ لَوْنٍ ولا عَيْبٍ مُطاوِعًا لَرَعْوَتُهُ بِمَعْنى كَفَفْتُهُ. وأمّا دُخُولُ الألِفِ فالأكْثَرُ أنْ يُقْصَدَ عُرُوضُ المَعْنى إذا جِيءَ بِها، ولُزُومُهُ إذا لَمْ يُجَأْ بِهِما. وقَدْ يَكُونُ العَكْسُ. فَمِن قَصْدِ اللُّزُومِ مَعَ ثُبُوتِ الألِفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ومِن قَصْدِ العُرُوضِ مَعَ عَدَمِ الألِفِ قَوْلُهُ تَعالى: تَزَوَّرَ عَنْ كَهْفِهِمْ: واحْمَرَّ خَجَلًا. وجَوابُ ”أمّا“ فَفي الجَنَّةِ، والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، أيْ فَمُسْتَقِرُّونَ في الجَنَّةِ. ”وهم فِيها خالِدُونَ“ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، لَمْ تَدْخُلْ في حَيِّزِ أمّا، ولا في إعْرابِ ما بَعْدَهُ. دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارَ هو عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ”﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]“ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ ؟ (قُلْتُ) مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ. كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها ؟ فَقِيلَ: هم فِيها خالِدُونَ، لا يَظْعَنُونَ عَنْها ولا يَمُوتُونَ. انْتَهى. وهو حَسَنٌ. وقِيلَ: جَوابُ ”أمّا“ فَفي الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ، و”﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]“ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ. وخالِدُونَ العامِلُ في الظَّرْفَيْنِ، وكُرِّرَ عَلى طَرِيقِ التَّوْكِيدِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِدْعاءِ والتَّشْوِيقِ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ.

آل عمران 3:109

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] الإشارَةُ بِتِلْكَ قِيلَ: إلى القُرْآنِ كُلُّهُ. وقِيلَ: إلى ما أُنْزِلَ مِنَ الآياتِ في أمْرِ الأوْسِ والخَزْرَجِ واليَهُودِ الَّذِينَ مَكَرُوا بِهِمْ، والتَّقَدُّمُ إلَيْهِمْ بِتَجَنُّبِ الِافْتِراقِ. وكَشَفَ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ حالِهِمْ وحالِ أعْدائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقِيلَ: تِلْكَ بِمَعْنى هَذِهِ، لَمّا انْقَضَتْ صارَتْ كَأنَّها بَعُدَتْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ الوارِدَةُ في الوَعْدِ والوَعِيدِ، وكَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: الإشارَةُ بِتِلْكَ إلى هَذِهِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ المُتَضَمِّنَةِ تَعْذِيبَ الكُفّارَ وتَنْعِيمَ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”نَتْلُوها“ بِالنُّونِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ؛ لِما في إسْنادِ التِّلاوَةِ لِلْمُعَظَّمِ ذاتُهُ مِنَ الفَخامَةِ والشَّرَفِ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ بِالياءِ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ”نَتْلُوها“ في هَذِهِ القِراءَةِ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، لِيَتَّحِدَ الضَّمِيرُ. ولَيْسَ فِيهِ التِفاتٌ؛ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ غائِبٌ عادَ عَلى اسْمٍ غائِبٍ. ومَعْنى التِّلاوَةِ: القِراءَةُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وإسْنادُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، إذِ التّالِي هو جِبْرِيلُ لَمّا أمَرَهُ بِالتِّلاوَةِ كانَ كَأنَّهُ هو التّالِي تَعالى. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى يَتْلُوها: يُنَزِّلُها مُتَوالِيَةً شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وجَوَّزُوا في قِراءَةِ أبِي نَهِيكٍ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدًا عَلى جِبْرِيلَ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ بِهِ. ومَعْنى بِالحَقِّ أيْ بِإخْبارِ الصِّدْقِ. وقِيلَ: المَعْنى مُتَضَمِّنَةُ الأفاعِيلَ الَّتِي هي أنْفُسُها حَقٌّ مِن كَرامَةِ قَوْمٍ وتَعْذِيبِ (p-٢٧)آخَرِينَ. وتِلْكَ مُبْتَدَأٌ أوْ آياتُ اللَّهِ خَبَرُهُ، ونَتْلُوها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ. قالُوا: والعامِلُ فِيها اسْمُ الإشارَةِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ آياتُ اللَّهِ بَدَلًا، والخَبَرُ نَتْلُوها. وقالَ الزَّجّاجُ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ المَذْكُورَةُ حُجَجُ اللَّهِ ودَلائِلُهُ. انْتَهى. فَعَلى هَذا الَّذِي قَدَّرَهُ يَكُونُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ بِهَذا التَّقْدِيرِ يَتِمُّ مَعْنى الآيَةِ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المَحْذُوفِ؛ إذِ الكَلامُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ تامٌّ بِنَفْسِهِ. والباءُ في ”بِالحَقِّ“ باءُ المُصاحَبَةِ، فَهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُلْتَبِسَةٌ بِالحَقِّ والعَدْلِ مِن جَزاءِ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِما يَسْتَوْجِبانِهِ. انْتَهى. فَدَسَّ في قَوْلِهِ بِما يَسْتَوْجِبانِهِ دَسِيسَةً اعْتِزالِيَّةً. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ، وإذا لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ لِأحَدٍ. فَما وقَعَ مِنهُ تَعالى مِن تَنْعِيمِ قَوْمٍ وتَعْذِيبٍ آخَرَيْنِ لَيْسَ مِن بابِ الظُّلْمِ، والظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. رَوى أبُو ذَرٍّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ قالَ: «يا عِبادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلى نَفْسِي وجَعَلْتُهُ بَيْنَكم مُحَرَّمًا، فَلا تَظالَمُوا» . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أيْضًا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ في الدُّنْيا ما عَمِلَ لِلَّهِ بِها، فَإذا أفْضى إلى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزى بِها» . وقِيلَ: المَعْنى لا يَزِيدُ في إساءَةِ المُسِيءِ ولا يُنِقُصُ مِن إحْسانِ المُحْسِنِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَسْوِيدَ الوُجُوهِ عَدْلٌ. انْتَهى. ولِلْعالَمِينَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو ظُلْمٌ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ مَعَ المَصْدَرِ، التَّقْدِيرُ: ظُلْمُهُ، والعائِدُ هو ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى أيْ: لَيْسَ اللَّهُ مُرِيدًا أنْ يَظْلِمَ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ. ونَكَّرَ ظُلْمًا؛ لِأنَّهُ في سِياقِ النَّفْيِ، فَهو يَعُمُّ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ظُلْمَ العالَمِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. واللَّفْظُ يَنْبُو عَنْ هَذا المَعْنى؛ إذْ لَوْ كانَ هَذا المَعْنى مُرادًا لَكانَ ”مِن“ أحَقَّ بِهِ مِنَ الكَلامِ، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ: وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا مِنَ العالَمِينَ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا فَيَأْخُذُ أحَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ، أوْ يَزِيدُ في عِقابِ مُجْرِمٍ، أوْ يُنْقِصُ مِن ثَوابِ مُحْسِنٍ، ثُمَّ قالَ: فَسُبْحانَ مَن يَحْلُمُ عَنْ مَن يَصِفُهُ بِإرادَةِ القَبائِحِ والرِّضا بِها. انْتَهى كَلامُهُ جارِيًا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. ونَقُولُ لَهُ: فَسُبْحانُ مَن يَحْلُمُ عَمَّنْ يَصِفُهُ بِأنْ يَكُونَ في مُلْكِهِ ما لا يُرِيدُ، وأنَّ إرادَةَ العَبْدِ تَغْلِبُ إرادَةَ الرَّبِّ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ يَخْتَصُّ بِعَمَلِ مَن آمَنَ فَيَرْحَمُهم بِهِ، ويَخْتَصُّ بِعَمَلِ مَن كَفَرَ فَيُعَذِّبُهم، نَبَّهَ عَلى أنَّ هَذا التَّصَرُّفَ هو فِيما يَمْلِكُهُ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ تَعالى. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى اتِّساعِ مُلْكِهِ، ومَرْجِعُ الأُمُورِ كُلِّها إلَيْهِ، فَهو غَنِيٌّ عَنِ الظُّلْمِ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ إنَّما يَكُونُ فِيما كانَ مُخْتَصًّا بِهِ عَنِ الظّالِمِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ. قالُوا: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الطِّباقَ في: (تَبْيَضُّ) (وتَسْوَدُّ)، وفي اسْوَدَّتْ وابْيَضَّتْ، وفي أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم، وفي بِالحَقِّ وُظُلْمًا. والتَّفْصِيلَ: في فَأمّا وأمّا. والتَّجْنِيسَ المُماثِلَ في: أكَفَرْتُمْ وتَكْفُرُونَ. وتَأْكِيدَ المُظْهَرِ بِالمُضْمَرِ في: فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ. والتَّكْرارَ في لَفْظِ اللَّهِ، ومُحَسِّنُهُ: أنَّهُ في جُمَلٍ مُتَغايِرَةِ المَعْنى، والمَعْرُوفُ في لِسانِ العَرَبِ إذا اخْتَلَفَتِ الجُمَلُ أعادَتِ المُظْهَرَ لا المُضْمَرَ؛ لِأنَّ في ذِكْرِهِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ: ؎لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَـيْءٌ لِاتِّحادِ الجُمْلَةِ. لَكِنَّهُ قَدْ يُؤْتى في الجُمْلَةِ الواحِدَةِ بِالمُظْهَرِ قَصْدًا لِلتَّفْخِيمِ. والإشارَةَ في قَوْلِهِ: تِلْكَ، وتَلْوِينَ الخِطابِ في: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، والتَّشْبِيهَ والتَّمْثِيلَ في: ﴿تَبْيَضُّ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ﴿وتَسْوَدُّ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، إذا كانَ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ الطَّلاقَةِ والكَآبَةِ. والحَذْفَ في مَواضِعَ.

آل عمران 3:110

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ: (p-٢٨)نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وقَدْ قالَ لَهم بَعْضُ اليَهُودِ: دِينُنا خَيْرٌ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ، ونَحْنُ خَيْرٌ وأفْضَلُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها مِن تَمامِ الخِطابِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وتَوالَتْ بَعْدَ هَذا مُخاطَباتُ المُؤْمِنِينَ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، وكانَ قَدِ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ لِذِكْرِ مَن يَبْيَضُّ وجْهُهُ ويَسْوَدُّ، وشَيْءٍ مِن أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ، ثُمَّ عادَ إلى الخِطابِ الأوَّلِ، فَقالَ تَعالى: ”﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾“ تَحْرِيضًا بِهَذا الإخْبارِ عَلى الِانْقِيادِ والطَّواعِيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ هو لِمَن وقَعَ الخِطابُ لَهُ أوَّلًا وهم: أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَكُونُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ”أُمَّةٍ“ إلى أُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وهي أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فالصَّحابَةُ هم خَيْرُها. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ بِأنَّهم خَيْرُ الأُمَمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ كَوْنُهم ﴿شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقَوْلُهُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ» . الحَدِيثُ. وقَوْلُهُ: «نَحْنُ نُكَمِّلُ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةٍ نَحْنُ آخِرُها وخَيْرُها» . وظاهِرُ كانَ هُنا أنَّها النّاقِصَةُ، و”﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾“ هو الخَبَرُ. ولا يُرادُ بِها هُنا الدَّلالَةُ عَلى مُضِيِّ الزَّمانِ وانْقِطاعِ النِّسْبَةِ نَحْوِ قَوْلِكَ: كانَ زَيْدٌ قائِمًا، بَلِ المُرادُ دَوامُ النِّسْبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] وكَوْنُ كانَ تَدُلُّ عَلى الدَّوامِ ومُرادِفُهُ، لَمْ يَزَلْ قَوْلًا مَرْجُوحًا، بَلِ الأصَحُّ أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ تَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ، ثُمَّ قَدْ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يُرادُ الِانْقِطاعُ. وقِيلَ: كانَ هُنا بِمَعْنى صارَ، أيْ صِرْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. وقِيلَ: كانَ هُنا تامَّةٌ، (وخَيْرُ أُمَّةٍ) حالٌ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها زائِدَةٌ؛ لِأنَّ الزّائِدَةَ لا تَكُونُ أوَّلَ كَلامٍ، ولا عَمَلَ لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ عِبارَةً عَنْ وُجُودِ الشَّيْءِ في زَمَنٍ ماضٍ عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ، ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمٍ سابِقٍ، ولا عَلى انْقِطاعٍ طارِئٍ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٦] . ومِنهُ قَوْلُهُ: ”﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾“ كَأنَّهُ قِيلَ: وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. انْتَهى كَلامُهُ. فَقَوْلُهُ: إنَّها لا تَدُلُّ عَلى عَدَمٍ سابِقٍ، هَذا إذا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنى صارَ، فَإذا كانَتْ بِمَعْنى صارَ دَلَّتْ عَلى عَدَمٍ سابِقٍ. فَإذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا، بِمَعْنى صارَ، دَلَّتْ عَلى أنَّهُ انْتَقَلَ مِن حالَةِ الجَهْلِ إلى حالَةِ العِلْمِ. وقَوْلُهُ: ولا عَلى انْقِطاعٍ طارِئٍ، قَدْ ذَكَرْنا قَبْلُ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ، يَدُلُّ لَفْظُ المُضِيِّ مِنها عَلى الِانْقِطاعِ، ثُمَّ قَدْ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يَكُونُ انْقِطاعٌ. وفَرْقٌ بَيْنَ الدَّلالَةِ والِاسْتِعْمالِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: هَذا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلى العُمُومِ ؟ ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لا يُرادُ العُمُومُ، بَلِ المُرادُ الخُصُوصُ. وقَوْلُهُ: كَأنَّهُ قالَ: وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، هَذا يُعارِضُ أنَّها مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ وُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّها تامَّةٌ، وأنَّ ”﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾“ حالٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٦] لاشَكَّ أنَّها هُنا النّاقِصَةُ، فَتَعارَضا. وقِيلَ: المَعْنى: كُنْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ. وقِيلَ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: فِيما أُخْبِرَ بِهِ الأُمَمُ قَدِيمًا عَنْكم. وقِيلَ: هو عَلى الحِكايَةِ، وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] أيْ فَيُقالُ لَهم في القِيامَةِ: كُنْتُمْ في الدُّنْيا خَيْرَ أُمَّةٍ، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِن سِياقِ الكَلامِ. وخَيْرٌ مُضافٌ لِلنَّكِرَةِ، وهي أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، فَيَجِبُ إفْرادُها وتَذْكِيرُها، وإنْ كانَتْ جارِيَةً عَلى (p-٢٩)جَمْعٍ. والمَعْنى: أنَّ الأُمَمَ إذا فُضِّلُوا أُمَّةً أُمَّةً كانَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ خَيْرَها. وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الخَيْرِيَّةِ في اللَّفْظِ، وهي سَبْقُهم إلى الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِدارِهِمْ إلى نُصْرَتِهِ، ونَقْلِهِمْ عَنْهُ عِلْمَ الشَّرِيعَةِ، وافْتِتاحِهِمُ البِلادَ. وهَذِهِ فَضائِلُ اخْتُصُّوا بِها مَعَ ما لَهم مِنَ الفَضائِلِ. وكُلُّ مَن عَمِلَ بَعْدَهم حَسَنَةً فَلَهم مِثْلُ أجْرِها؛ لِأنَّهم سَبَبٌ في إيجادِها، إذْ هُمُ الَّذِينَ سَنُّوها، وأوْضَحُوا طَرِيقَها «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أجْرِهِمْ شَيْئًا» . ومَعْنى أُخْرِجَتْ: أُظْهِرَتْ وأُبْرِزَتْ، ومُخْرِجُها هو اللَّهُ تَعالى، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُخْرِجَتْ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأُمَّةٍ، أيْ خَيْرُ أُمَّةٍ مُخْرَجَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِخَيْرِ أُمَّةٍ، فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مُخْرَجَةٌ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَدْ رُوعِيَ هُنا لَفْظُ الغَيْبَةِ، ولَمْ يُراعَ لَفْظُ الخِطابِ. وهُما طَرِيقانِ لِلْعَرَبِ، إذا تَقَدَّمَ ضَمِيرٌ حاضِرٌ لِمُتَكَلِّمٍ أوْ مُخاطَبٌ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ خَبَرُهُ اسْمًا، ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ وصْفًا، فَتارَةً يُراعى حالُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الصّالِحُ لِلْوَصْفِ عَلى حَسَبِ الضَّمِيرِ، فَتَقُولُ: أنا رَجُلٌ آمِرٌ بِالمَعْرُوفِ، وأنْتَ رَجُلٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ. ومِنهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] و”«إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ» . ؎وأنْتَ امْرُؤٌ قَدْ كَثَأتْ لَكَ لِحْيَةٌ كَأنَّكَ مِنها قاعِدٌ في جَوالِقِ وتارَةً يُراعى حالُ ذَلِكَ الِاسْمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الصّالِحُ لِلْوَصْفِ عَلى حَسَبِهِ مِنَ الغَيْبَةِ. فَتَقُولُ: أنا رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وأنْتَ امْرُؤٌ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ. ومِنهُ:“ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ ”. ولَوْ جاءَ أُخْرِجْتُمْ، فَيُراعى ضَمِيرُ الخِطابِ في كُنْتُمْ لَكانَ عَرَبِيًّا فَصِيحًا. والأوْلى جَعْلُهُ“ ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ ”صِفَةً لِأُمَّةٍ لا لِخَيْرٍ؛ لِتُناسِبَ الخِطابَ في كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ مَعَ الخِطابِ في تَأْمُرُونَ وما بَعْدَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: لِلنّاسِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأُخْرِجَتْ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِخَيْرِ. ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّها أفْضَلُ الأُمَمِ مِن نَفْسِ هَذا اللَّفْظِ، بَلْ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ. وقِيلَ: بِتَأْمُرُونَ، والتَّقْدِيرُ: تَأْمُرُونَ النّاسَ بِالمَعْرُوفِ. فَلَمّا قُدِّمَ المَفْعُولُ جُرَّ بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] أيْ تَعْبُرُونَ الرُّؤْيا، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ كَلامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الثَّناءِ مِنَ اللَّهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ. أوْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ في الخَيْرِيَّةِ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ عَمْرٍو، ومُجاهِدٍ، والزَّجّاجِ. فَقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ بَيَّنَ بِهِ كَوْنَهم خَيْرَ أُمَّةٍ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ كَرِيمٌ يُطَعِّمُ النّاسَ ويَكْسُوهم ويَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَأْمُرُونَ وما بَعْدَهُ أحْوالٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. انْتَهى، وقالَهُ الرّاغِبُ. والِاسْتِئْنافُ أمْكَنُ وأمْدَحُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ في أنْ يَكُونَ“ تَأْمُرُونَ ”خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ نَعْتًا لِخَيْرِ أُمَّةٍ. قِيلَ: وقَدَّمَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ عَلى الإيمانِ؛ لِأنَّ الإيمانَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ، فَلَيْسَ المُؤَثِّرُ لِحُصُولِ هَذِهِ الزِّيادَةِ، بَلِ المُؤَثِّرُ كَوْنُهم أقْوى حالًا في الأمْرِ والنَّهْيِ. وإنَّما الإيمانُ شَرْطٌ لِلتَّأْثِيرِ؛ لِأنَّهُ ما لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَضُرَّ شَيْءٌ مِنَ الطّاعاتِ مُؤَثِّرًا في صِفَةِ الخَيْرِيَّةِ، والمُؤَثِّرُ ألْصَقُ بِالأثَرِ مِن شَرْطِ التَّأْثِيرِ. وإنَّما اكْتَفى بِذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ عَنِ الإيمانِ بِالنُّبُوَّةِ لِأنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ. انْتَهى، وهو مِن كَلامِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الرّازِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُعِلَ الإيمانُ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ إيمانًا بِاللَّهِ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ بِبَعْضِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن رَسُولٍ أوْ كِتابٍ أوْ بَعْثٍ أوْ حِسابٍ أوْ عِقابٍ أوْ ثَوابٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَدَّ بِإيمانِهِ، فَكَأنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ. ويَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الآيَةِ. انْتَهى. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ وتُؤْمِنُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ. والظّاهِرُ في المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ العُمُومُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْرُوفُ الرَّسُولُ، والمُنْكَرُ عِبادَةُ الأصْنامِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: المَعْرُوفُ التَّوْحِيدُ، والمُنْكَرُ الشِّرْكُ. ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ ولَوْ آمَنَ عامَّتُهم وسائِرُهم. ويَعْنِي الإيمانَ التّامَّ النّافِعَ. واسْمُ كانَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن آمَنَ، كَما يَقُولُ: (p-٣٠)مَن صَدَّقَ كانَ خَيْرًا لَهُ، أيْ لَكانَ هو، أيِ الإيمانُ. وعَلَّقَ كَيْنُونَةَ الإيمانِ خَيْرًا لَهم عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِهِ؛ تَوْبِيخًا لَهم مَقْرُونًا بِنُصْحِهِ تَعالى لَهم أنْ لَوْ آمَنُوا لَنَجَّوا أنْفُسَهم مِن عَذابِ اللَّهِ. و“ خَيْرٌ " هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، والمَعْنى: لَكانَ خَيْرًا لَهم مِمّا هم عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم إمّا آثَرُوا دِينَهم عَلى دِينِ الإسْلامِ حُبًّا في الرِّئاسَةِ واسْتِتْباعِ العَوامِ، فَلَهم في هَذا حَظٌّ دُنْيَوِيٌّ. وإيمانُهم يَحْصُلُ بِهِ الحَظُّ الدُّنْيَوِيُّ مِن كَوْنِهِمْ يَصِيرُونَ رُؤَساءَ في الإسْلامِ، والحَظُّ الأُخْرَوِيُّ الجَزِيلُ بِما وعَدُوهُ عَلى الإيمانِ مِن إيتائِهِمْ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَفْظَةُ خَيْرٍ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، ولا مُشارَكَةَ بَيْنَ كُفْرِهِمْ وإيمانِهِمْ في الخَيْرِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِما في لَفْظَةِ خَيْرٍ مِنَ الشِّياعِ وتَشَعُّبِ الوُجُوهِ، وكَذَلِكَ هي لَفْظَةُ أفْضَلَ وأحَبَّ وما جَرى مَجْراها. انْتَهى كَلامُهُ. وإبْقاؤُها عَلى مَوْضُوعِها الأصْلِيِّ أوْلى إذا أمْكَنَ ذَلِكَ، وقَدْ أمْكَنَ، إذِ الخَيْرِيَّةُ مُطْلَقَةٌ، فَتَحْصُلُ بِأدْنى مُشارَكَةٍ. ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ ظاهِرُ اسْمِ الفاعِلِ التَّلَبُّسُ بِالفِعْلِ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ مَن هو مُلْتَبِسٌ بِالإيمانِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأخِيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، ومَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ. وكالنَّجاشِيِّ، وبَحِيرا، ومَن أسْلَمَ مِنَ النَّصارى، إذْ كانُوا مُصَدِّقِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ وبَعْدَهُ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الخُصُوصُ، أيْ باقِي أهْلِ الكِتابِ؛ إذْ كانَتْ طائِفَةٌ مِنهم قَدْ حَصَلَ لَها الإيمانُ. وقِيلَ: المُرادُ بِاسْمِ الفاعِلِ هُنا الِاسْتِقْبالُ، أيْ: مِنهم مَن يُؤْمِنُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ العُمُومُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ إخْبارًا بِمَغِيبٍ، وأنَّهُ سَيَقَعُ مِن بَعْضِهِمُ الإيمانُ، ولا يَسْتَمِرُّونَ كُلُّهم عَلى الكُفْرِ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّ أكْثَرَهُمُ الفاسِقُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مِنهم قَلِيلٌ. والألِفُ واللّامُ في (المُؤْمِنُونَ) وفي (الفاسِقُونَ) يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ والكَمالِ في الوَصْفَيْنِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ مَن آمَنَ بِكِتابِهِ وبِالقُرْآنِ فَهو كامِلٌ في إيمانِهِ، ومَن كَذَّبَ بِكِتابِهِ إذْ لَمْ يَتْبَعُ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ، وكَذَّبَ بِالقُرْآنِ - فَهو أيْضًا كامِلٌ في فِسْقِهِ مُتَمَرِّدٌ في كُفْرِهِ.

آل عمران 3:111

﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ هاتانِ الجُمْلَتانِ تَضَمَّنَتا الإخْبارَ بِمَعْنَيَيْنَ مُسْتَقْبَلَيْنَ، وهو: إنَّ ضَرَرَهم إيّاكم لا يَكُونُ إلّا أذًى، أيْ شَيْئًا تَتَأذَّوْنَ بِهِ، لا ضَرَرًا يَكُونُ فِيهِ غَلَبَةٌ واسْتِئْصالٌ؛ ولِذَلِكَ إنْ قاتَلُوكم خُذِلُوا ونُصِرْتُمْ، وكِلا هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ وقَعَ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما ضَرَّهم أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ ضَرَرًا يُبالُونَ بِهِ، ولا قَصَدُوا جِهَةَ كافِرٍ إلّا كانَ لَهُمُ النَّصْرُ عَلَيْهِمْ والغَلَبَةُ لَهم. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إلّا أذًى اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ، التَّقْدِيرُ: لَنْ يَضُرُّوكم ضَرَرًا إلّا ضَرَرًا يَسِيرًا لا نِكايَةَ فِيهِ، ولا إجْحافَ لَكم. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ وغَيْرُهم: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَنْ يَضُرُّوكم لَكِنْ أذًى بِاللِّسانِ، فَقِيلَ: هو سَماعُ كَلِمَةِ الكُفْرِ. وقِيلَ: هو بُهْتُهم وتَحْرِيفُهم. وقِيلَ: مَوْعِدٌ وطَعْنٌ. وقِيلَ: كَذِبٌ يَتَقَوَّلُونَهُ عَلى اللَّهِ. قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ. ودَلَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في تَصَلُّبِهِمْ في دِينِهِمْ وتَثْبِيتِهِمْ عَلَيْهِ، وعَلى تَحْقِيرِ شَأْنِ (p-٣١)الكُفّارِ؛ إذْ صارُوا لَيْسَ لَهم مِن ضَرَرِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ إلّا ما يَصِلُونَ إلَيْهِ مِن إسْماعِ كَلِمَةٍ بِسُوءٍ. ﴿وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ هَذِهِ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ مُكافَحَةِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا أرادُوا قِتالَهم، بَلْ بِنَفْسِ ما تَقَعُ المُقابَلَةُ ولَّوُا الأدْبارَ، فَلَيْسُوا مِمَّنْ يُغْلَبُ ويُقْتَلُ وهو مُقْبِلٌ عَلى قَرْنِهِ غَيْرُ مُدْبِرٍ عَنْهُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ جاءَتْ كالمُؤَكِّدَةِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، إذْ تَضَمَّنَتِ الأخْبارُ أنَّهم لا تَكُونُ لَهم غَلَبَةٌ ولا قَهْرٌ ولا دَوْلَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ حُصُولَ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ سَبَبُهُ صِدْقُ القِتالِ والثَّباتِ فِيهِ، أوِ النَّصْرُ المُسْتَمَدُّ مِنَ اللَّهِ، وكِلاهُما لَيْسَ لَهم. وأتى بِلَفْظِ الأدْبارِ لا بِلَفْظِ الظُّهُورِ؛ لِما في ذِكْرِ الأدْبارِ مِنَ الإهانَةِ دُونَ ما في الظُّهُورِ، ولِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الِانْهِزامِ والهَرَبِ؛ ولِذَلِكَ ورَدَ في القُرْآنِ مُسْتَعْمَلًا دُونَ لَفْظِ الظُّهُورِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] . ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ أبَدًا. ولَمْ يُشْرَكْ في الجَزاءِ فَيُجْزَمُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مُرَتَّبًا عَلى الشَّرْطِ، بَلِ التَّوْلِيَةُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى المُقاتَلَةِ. والنَّصْرُ مَنفِيٌّ عَنْهم أبَدًا، سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا؛ إذْ مَنعُ النَّصْرِ سَبَبُهُ الكُفْرُ. فَهي جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَما أنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِ والجَزاءِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ”﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾“ . ولَيْسَ امْتِناعُ الجَزْمِ لِأجْلِهِمْ كَما زَعَمَ بَعْضُهم، زَعَمَ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ يَقَعُ عَقِيبَ المَشْرُوطِ. قالَ: وثُمَّ لِلتَّراخِي؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَصْلُحُ في جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْطُوفُ عَلى الجَوابِ كالجَوابِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا الذّاهِبُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ ما زَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ قَدْ جاءَ في أفْصَحِ كَلامٍ. قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فَجَزَمَ المَعْطُوفَ بِثُمَّ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وثُمَّ هُنا لَيْسَتْ لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ، وإنَّما هي لِلتَّراخِي في الإخْبارِ. فالإخْبارُ بِتَوَلِّيهِمْ في القِتالِ وخِذْلانِهِمْ والظَّفْرِ بِهِمْ أبْهَجُ وأسَرُّ لِلنَّفْسِ. ثُمَّ أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِانْتِفاءِ النَّصْرِ عَنْهم مُطْلَقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّراخِي في المَرْتَبَةِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِتَسْلِيطِ الخِذْلانِ عَلَيْهِمْ أعْظَمُ مِنَ الإخْبارِ بِتَوَلِّيهِمُ الأدْبارَ. (فَإنْ قُلْتَ) ما مَوْقِعُ الجُمْلَتَيْنِ، أعْنِي مِنهم: المُؤْمِنُونَ، ولَنْ يَضُرُّوكم ؟ (قُلْتُ) هُما كَلامانِ وارِدانِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ إجْراءِ ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: وعَلى ذِكْرِ فُلانٍ، فَإنَّ مِن شَأْنِهِ كَيْتَ وكَيْتَ؛ ولِذَلِكَ جاءَ مِن غَيْرِ عاطِفٍ. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهي وصْفُ حالٍ تَقَرَّرَتْ عَلى اليَهُودِ في أقْطارِ الأرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: جاءَ الإسْلامُ والمَجُوسُ تَجْبِي اليَهُودَ الجِزْيَةَ، وما كانَتْ لَهم غَيْرَةٌ ومِنعَةٌ إلّا بِيَثْرِبَ وخَيْبَرَ وتِلْكَ الأرْضِ، فَأزالَها بِالإسْلامِ ولَمْ تَبْقَ لَهم رايَةٌ في الأرْضِ. ﴿أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ عامٌّ في الأمْكِنَةِ. وهي شَرْطٌ، وما مَزِيدَةٌ بَعْدَها، وثُقِفُوا في مَوْضِعِ جَزْمٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ومَن أجازَ تَقْدِيمَ جَوابِ الشَّرْطِ قالَ: ضُرِبَتْ هو الجَوابُ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ ضَرْبُ الذِّلَّةِ مُسْتَقْبَلًا. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ هو ماضٍ يَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ، أيْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ، وحَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ ووُجِدُوا تُضْرَبُ عَلَيْهِمُ، ودَلَّ ذِكْرُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ، كَما دَلَّ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ونَدْمانٌ يَزِيدُ الكَأْسَ طِيبًا سَقَيْتُ إذا تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ التَّقْدِيرُ: سَقَيْتُ وأسْقِيهِ إذا تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ. ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ ظاهِرُهُ الِانْقِطاعُ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، واخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ؛ لِأنَّ الذِّلَّةَ لا تُفارِقُهم. وقَدَّرَهُ الفَرّاءُ: إلّا أنْ يَعْتَصِمُوا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ، فَحَذَفَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ كَما قالَ حُمَيْدُ بْنُ نُورٍ الهِلالِيُّ:(p-٣٢) ؎رَأتْنِـي بِحَبْلَيْها فَصَدَّتْ مَخَـافَـةً ونَظَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] قالَ: لِأنَّ بادِئَ الرَّأْيِ يُعْطِي أنَّ لَهُ أنْ يَقْتُلَ خَطَأً، وأنَّ الحَبْلَ مِنَ اللَّهِ ومِنَ النّاسِ يُزِيلُ ضَرْبَ الذِّلَّةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما في الكَلامِ مَحْذُوفٌ يُدْرِكُهُ فَهْمُ السّامِعِ النّاظِرِ في الأمْرِ، وتَقْدِيرُهُ: في أُمَّتِنا، فَلا نَجاةَ مِنَ المَوْتِ إلّا بِحَبْلٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَلى ما قَدَّرَهُ لا يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ لِأنَّهُ مُسْتَثْنًى مِن جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ وهي قَوْلُهُ: فَلا نَجاةَ مِنَ المَوْتِ، وهو مُتَّصِلٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَلا يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا مِنَ الأوَّلِ، ضَرُورَةَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ الواحِدَ لا يَكُونُ مُنْقَطِعًا مُتَّصِلًا، والِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ كَما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ العامِلُ، ومِنهُ ما لا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ، إذِ التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ اعْتِصامَهم بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ يُنْجِيهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وسَبْيِ الذَّرارِي واسْتِئْصالِ أمْوالِهِمْ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُنْقَطَعُ الأخْبارِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] فَلَمْ يَسْتَثْنِ هُناكَ. وذَهَبُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، قالَ: وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ عامِّ الأحْوالِ، والمَعْنى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ في عامَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ اعْتِصامِهِمْ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ، يَعْنِي ذِمَّةَ اللَّهِ وذِمَّةَ المُسْلِمِينَ. أيْ لا عِزَّ لَهم قَطُّ إلّا هَذِهِ الواحِدَةُ، وهي التِجاؤُهم إلى الذِّمَّةِ لِما قَبِلُوهُ مِنَ الجِزْيَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو مُتَّجِهٌ، وشَبَّهَ العَهْدَ بِالحَبْلِ؛ لِأنَّهُ يَصِلُ قَوْمًا بِقَوْمٍ كَما يَفْعَلُ الحَبْلُ في الأجْرامِ. والظّاهِرُ في تَكْرارِ الحَبْلِ أنَّهُ أُرِيدَ حَبْلانِ، وفُسِّرَ حَبْلُ اللَّهِ بِالإسْلامِ، وحَبْلُ النّاسِ بِالعَهْدِ والذِّمَّةِ. وقِيلَ: حَبْلُ اللَّهِ هو الَّذِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أخْذِ الجِزْيَةِ. والثّانِي: هو الَّذِي فُوِّضَ إلى رَأْيِ الإمامِ، فَيَزِيدُ فِيهِ ويُنْقِصُ بِحَسَبِ الِاجْتِهادِ. وقِيلَ: المُرادُ حَبْلٌ واحِدٌ، إذْ حَبْلُ المُؤْمِنِينَ هو حَبْلُ اللَّهِ وهو العَهْدُ. ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظائِرِ هَذِهِ الجُمَلِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

آل عمران 3:112

﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ هاتانِ الجُمْلَتانِ تَضَمَّنَتا الإخْبارَ بِمَعْنَيَيْنَ مُسْتَقْبَلَيْنَ، وهو: إنَّ ضَرَرَهم إيّاكم لا يَكُونُ إلّا أذًى، أيْ شَيْئًا تَتَأذَّوْنَ بِهِ، لا ضَرَرًا يَكُونُ فِيهِ غَلَبَةٌ واسْتِئْصالٌ؛ ولِذَلِكَ إنْ قاتَلُوكم خُذِلُوا ونُصِرْتُمْ، وكِلا هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ وقَعَ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما ضَرَّهم أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ ضَرَرًا يُبالُونَ بِهِ، ولا قَصَدُوا جِهَةَ كافِرٍ إلّا كانَ لَهُمُ النَّصْرُ عَلَيْهِمْ والغَلَبَةُ لَهم. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: إلّا أذًى اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ، التَّقْدِيرُ: لَنْ يَضُرُّوكم ضَرَرًا إلّا ضَرَرًا يَسِيرًا لا نِكايَةَ فِيهِ، ولا إجْحافَ لَكم. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ وغَيْرُهم: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَنْ يَضُرُّوكم لَكِنْ أذًى بِاللِّسانِ، فَقِيلَ: هو سَماعُ كَلِمَةِ الكُفْرِ. وقِيلَ: هو بُهْتُهم وتَحْرِيفُهم. وقِيلَ: مَوْعِدٌ وطَعْنٌ. وقِيلَ: كَذِبٌ يَتَقَوَّلُونَهُ عَلى اللَّهِ. قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ. ودَلَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في تَصَلُّبِهِمْ في دِينِهِمْ وتَثْبِيتِهِمْ عَلَيْهِ، وعَلى تَحْقِيرِ شَأْنِ (p-٣١)الكُفّارِ؛ إذْ صارُوا لَيْسَ لَهم مِن ضَرَرِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ إلّا ما يَصِلُونَ إلَيْهِ مِن إسْماعِ كَلِمَةٍ بِسُوءٍ. ﴿وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ هَذِهِ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ مُكافَحَةِ الكُفّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا أرادُوا قِتالَهم، بَلْ بِنَفْسِ ما تَقَعُ المُقابَلَةُ ولَّوُا الأدْبارَ، فَلَيْسُوا مِمَّنْ يُغْلَبُ ويُقْتَلُ وهو مُقْبِلٌ عَلى قَرْنِهِ غَيْرُ مُدْبِرٍ عَنْهُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ جاءَتْ كالمُؤَكِّدَةِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، إذْ تَضَمَّنَتِ الأخْبارُ أنَّهم لا تَكُونُ لَهم غَلَبَةٌ ولا قَهْرٌ ولا دَوْلَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ حُصُولَ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ سَبَبُهُ صِدْقُ القِتالِ والثَّباتِ فِيهِ، أوِ النَّصْرُ المُسْتَمَدُّ مِنَ اللَّهِ، وكِلاهُما لَيْسَ لَهم. وأتى بِلَفْظِ الأدْبارِ لا بِلَفْظِ الظُّهُورِ؛ لِما في ذِكْرِ الأدْبارِ مِنَ الإهانَةِ دُونَ ما في الظُّهُورِ، ولِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الِانْهِزامِ والهَرَبِ؛ ولِذَلِكَ ورَدَ في القُرْآنِ مُسْتَعْمَلًا دُونَ لَفْظِ الظُّهُورِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] . ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ أبَدًا. ولَمْ يُشْرَكْ في الجَزاءِ فَيُجْزَمُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مُرَتَّبًا عَلى الشَّرْطِ، بَلِ التَّوْلِيَةُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى المُقاتَلَةِ. والنَّصْرُ مَنفِيٌّ عَنْهم أبَدًا، سَواءٌ قاتَلُوا أمْ لَمْ يُقاتِلُوا؛ إذْ مَنعُ النَّصْرِ سَبَبُهُ الكُفْرُ. فَهي جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَما أنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِ والجَزاءِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ”﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾“ . ولَيْسَ امْتِناعُ الجَزْمِ لِأجْلِهِمْ كَما زَعَمَ بَعْضُهم، زَعَمَ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ يَقَعُ عَقِيبَ المَشْرُوطِ. قالَ: وثُمَّ لِلتَّراخِي؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَصْلُحُ في جَوابِ الشَّرْطِ. والمَعْطُوفُ عَلى الجَوابِ كالجَوابِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا الذّاهِبُ خَطَأٌ؛ لِأنَّ ما زَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ قَدْ جاءَ في أفْصَحِ كَلامٍ. قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فَجَزَمَ المَعْطُوفَ بِثُمَّ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وثُمَّ هُنا لَيْسَتْ لِلْمُهْلَةِ في الزَّمانِ، وإنَّما هي لِلتَّراخِي في الإخْبارِ. فالإخْبارُ بِتَوَلِّيهِمْ في القِتالِ وخِذْلانِهِمْ والظَّفْرِ بِهِمْ أبْهَجُ وأسَرُّ لِلنَّفْسِ. ثُمَّ أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِانْتِفاءِ النَّصْرِ عَنْهم مُطْلَقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّراخِي في المَرْتَبَةِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِتَسْلِيطِ الخِذْلانِ عَلَيْهِمْ أعْظَمُ مِنَ الإخْبارِ بِتَوَلِّيهِمُ الأدْبارَ. (فَإنْ قُلْتَ) ما مَوْقِعُ الجُمْلَتَيْنِ، أعْنِي مِنهم: المُؤْمِنُونَ، ولَنْ يَضُرُّوكم ؟ (قُلْتُ) هُما كَلامانِ وارِدانِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ إجْراءِ ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: وعَلى ذِكْرِ فُلانٍ، فَإنَّ مِن شَأْنِهِ كَيْتَ وكَيْتَ؛ ولِذَلِكَ جاءَ مِن غَيْرِ عاطِفٍ. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهي وصْفُ حالٍ تَقَرَّرَتْ عَلى اليَهُودِ في أقْطارِ الأرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ. قالَ الحَسَنُ: جاءَ الإسْلامُ والمَجُوسُ تَجْبِي اليَهُودَ الجِزْيَةَ، وما كانَتْ لَهم غَيْرَةٌ ومِنعَةٌ إلّا بِيَثْرِبَ وخَيْبَرَ وتِلْكَ الأرْضِ، فَأزالَها بِالإسْلامِ ولَمْ تَبْقَ لَهم رايَةٌ في الأرْضِ. ﴿أيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ عامٌّ في الأمْكِنَةِ. وهي شَرْطٌ، وما مَزِيدَةٌ بَعْدَها، وثُقِفُوا في مَوْضِعِ جَزْمٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، ومَن أجازَ تَقْدِيمَ جَوابِ الشَّرْطِ قالَ: ضُرِبَتْ هو الجَوابُ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ ضَرْبُ الذِّلَّةِ مُسْتَقْبَلًا. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ هو ماضٍ يَدُلُّ عَلى المُسْتَقْبَلِ، أيْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ، وحَيْثُما ظُفِرَ بِهِمْ ووُجِدُوا تُضْرَبُ عَلَيْهِمُ، ودَلَّ ذِكْرُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ، كَما دَلَّ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ونَدْمانٌ يَزِيدُ الكَأْسَ طِيبًا سَقَيْتُ إذا تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ التَّقْدِيرُ: سَقَيْتُ وأسْقِيهِ إذا تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ. ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ ظاهِرُهُ الِانْقِطاعُ، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، واخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ؛ لِأنَّ الذِّلَّةَ لا تُفارِقُهم. وقَدَّرَهُ الفَرّاءُ: إلّا أنْ يَعْتَصِمُوا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ، فَحَذَفَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ كَما قالَ حُمَيْدُ بْنُ نُورٍ الهِلالِيُّ:(p-٣٢) ؎رَأتْنِـي بِحَبْلَيْها فَصَدَّتْ مَخَـافَـةً ونَظَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] قالَ: لِأنَّ بادِئَ الرَّأْيِ يُعْطِي أنَّ لَهُ أنْ يَقْتُلَ خَطَأً، وأنَّ الحَبْلَ مِنَ اللَّهِ ومِنَ النّاسِ يُزِيلُ ضَرْبَ الذِّلَّةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما في الكَلامِ مَحْذُوفٌ يُدْرِكُهُ فَهْمُ السّامِعِ النّاظِرِ في الأمْرِ، وتَقْدِيرُهُ: في أُمَّتِنا، فَلا نَجاةَ مِنَ المَوْتِ إلّا بِحَبْلٍ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَلى ما قَدَّرَهُ لا يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ لِأنَّهُ مُسْتَثْنًى مِن جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ وهي قَوْلُهُ: فَلا نَجاةَ مِنَ المَوْتِ، وهو مُتَّصِلٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَلا يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا مِنَ الأوَّلِ، ضَرُورَةَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ الواحِدَ لا يَكُونُ مُنْقَطِعًا مُتَّصِلًا، والِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ كَما قُرِّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنهُ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ العامِلُ، ومِنهُ ما لا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ، إذِ التَّقْدِيرُ: لَكِنَّ اعْتِصامَهم بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ يُنْجِيهِمْ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وسَبْيِ الذَّرارِي واسْتِئْصالِ أمْوالِهِمْ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُنْقَطَعُ الأخْبارِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] فَلَمْ يَسْتَثْنِ هُناكَ. وذَهَبُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، قالَ: وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ عامِّ الأحْوالِ، والمَعْنى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ في عامَّةِ الأحْوالِ إلّا في حالِ اعْتِصامِهِمْ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ، يَعْنِي ذِمَّةَ اللَّهِ وذِمَّةَ المُسْلِمِينَ. أيْ لا عِزَّ لَهم قَطُّ إلّا هَذِهِ الواحِدَةُ، وهي التِجاؤُهم إلى الذِّمَّةِ لِما قَبِلُوهُ مِنَ الجِزْيَةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو مُتَّجِهٌ، وشَبَّهَ العَهْدَ بِالحَبْلِ؛ لِأنَّهُ يَصِلُ قَوْمًا بِقَوْمٍ كَما يَفْعَلُ الحَبْلُ في الأجْرامِ. والظّاهِرُ في تَكْرارِ الحَبْلِ أنَّهُ أُرِيدَ حَبْلانِ، وفُسِّرَ حَبْلُ اللَّهِ بِالإسْلامِ، وحَبْلُ النّاسِ بِالعَهْدِ والذِّمَّةِ. وقِيلَ: حَبْلُ اللَّهِ هو الَّذِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن أخْذِ الجِزْيَةِ. والثّانِي: هو الَّذِي فُوِّضَ إلى رَأْيِ الإمامِ، فَيَزِيدُ فِيهِ ويُنْقِصُ بِحَسَبِ الِاجْتِهادِ. وقِيلَ: المُرادُ حَبْلٌ واحِدٌ، إذْ حَبْلُ المُؤْمِنِينَ هو حَبْلُ اللَّهِ وهو العَهْدُ. ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظائِرِ هَذِهِ الجُمَلِ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

آل عمران 3:113

﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] . الآناءُ: السّاعاتُ. وفي مُفْرَدِها لُغاتٌ: أنْيٌ كَمَعْيٌ، وأنى كَفَتى، وأنّى كَنَحّى، وأنْيٌ كَظَبْيٍ، وأنْوٌ كَجَرْوٍ. الصَّرُّ: البَرْدُ الشَّدِيدُ المُحْرِقُ. وقِيلَ: البارِدُ بِمَعْنى الصَّرْصَرُ كَما قالَ: ؎لا تَعْدِلَنَّ أتاوِيِّينَ تَضْرِ بُهم نَكْباءَ صَرٍّ بِأصْحابِ المَحَلّاتِ وقالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ: ؎ولَمْ يَغْلِبِ الخَصْمَ الألَدَّ ويَمْلَأ الــــجِـفانَ ∗∗∗ سَدِيفًا يَوْمَ نَكْباءَ صَرْصَرِ (p-٣٣)وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو صَوْتُ لَهَبِ النّارِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، مِنَ الصَّرِيرِ. وهو الصَّوْتُ مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَّيْءُ، ومِنهُ الرِّيحُ الصَّرْصَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: والصَّرُّ صَوْتُ النّارِ الَّتِي في الرِّيحِ. البِطانَةُ في الثَّوْبِ بِإزاءِ الظِّهارَةِ، ويُسْتَعارُ لِمَن يَخْتَصُّهُ الإنْسانُ كالشِّعارِ والدِّثارِ. يُقالُ: بَطَنَ فُلانٌ مِن فُلانٍ بُطُونًا وبِطانَةٍ إذا كانَ خاصًّا بِهِ، داخِلًا في أمْرِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُولَئِكَ خُلْصانِي نَعَمْ وبِطانَتِي ∗∗∗ وهم عَيْبَتِي مِن دُونِ كُلِّ قَرِيبِ ألَوْتُ في الأمْرِ: قَصَّرْتُ فِيهِ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎سَعى بَعْدَهم قَوْمٌ لِكَيْ يُدْرِكُوهُمُ ∗∗∗ فَلَمْ يَفْعَلُوا ولَمْ يَلِيمُوا لَمْ يَأْلُوا أيْ لَمْ يُقَصِّرُوا. الخَبالُ والخَبَلُ: الفَسادُ الَّذِي يَلْحَقُ الحَيَوانَ. يُقالُ: في قَوائِمِ الفَرَسِ خَبَلٌ وخَبالٌ أيْ فَسادٌ مِن جِهَةِ الِاضْطِرابِ والخَبَلِ والجُنُونِ. ويُقالُ: خَبَلُهُ الحُبُّ أيْ أفْسَدَهُ. البَغْضاءُ: مَصْدَرٌ كالسَّرّاءِ والبَأْساءِ، يُقالُ: بُغِضَ الرَّجُلُ فَهو بَغِيضٌ، وأبْغَضْتُهُ أنا اشْتَدَّتْ كَراهَتِي لَهُ. الأفْواهُ: مَعْرُوفَةٌ، والواحِدُ مِنها في الأصْلِ فُوهٌ. ولَمْ تَنْطِقْ بِهِ العَرَبُ، بَلْ قالَتْ: فَمٌ. وفي الفَمِ لُغاتٌ تِسْعٌ ذُكِرَتْ في بَعْضِ كُتُبِ النَّحْوِ. العَضُّ: وضْعُ الأسْنانِ عَلى الشَّيْءِ بِقُوَّةِ، والفِعْلُ مِنهُ عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهو بِالضّادِ. فَأمّا عَظُّ الزَّمانَ وعَظُّ الحَرْبِ فَهو بِالظّاءِ أُخْتِ الطّاءِ، قالَ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ والعُضُّ - بِضَمِّ العَيْنِ - عَلَفُ أهْلِ الأمْصارِ، مِثْلُ الكَسْبِ والنَّوى المَرْضُوضِ. يُقالُ مِنهُ: أعَضَّ القَوْمُ، إذا أكَلَ إبِلُهُمُ العَضَّ. وبَعِيرٌ عُضاضِيٌّ أيْ سَمِينٌ، كَأنَّهُ مَنسُوبٌ إلَيْهِ. والعِضُّ - بِالكَسْرِ -: الدّاهِيَةُ مِنَ الرِّجالِ. الأنامِلُ: جَمْعُ أُنْمُلَةٍ، ويُقالُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّها، وهي أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ عِيسى: أصْلُها النَّمْلُ المَعْرُوفُ، وهي مُشَبَّهَةٌ بِهِ في الدِّقَّةِ والتَّصَرُّفِ بِالحَرَكَةِ. ومِنهُ رَجُلٌ نَمِلٌ: أيْ نَمّامٌ. الغَيْضُ: مَصْدَرُ غاضَ، وغَيْضُ اسْمُ عَلَمٍ. الفَرَحُ: مَعْرُوفٌ، يُقالُ مِنهُ: فَرِحٌ بِكَسْرِ العَيْنِ. الكَيْدُ: المَكْرُ، كادَهُ يَكِيدُهُ، مَكَرَ بِهِ، وهو الِاحْتِيالُ بِالباطِلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُهُ المَشَقَّةُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ، أيْ يُعالِجُ مَشَقّاتِ النَّزْعِ وسَكَراتِ المَوْتِ. ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ سَبَبُ النُّزُولِ إسْلامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ، وقَوْلُ الكُفّارِ مِن أحْبارِهِمْ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والواوُ في ”﴿لَيْسُوا﴾“ هي لِأهْلِ الكِتابِ السّابِقِ ذِكْرِهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] والأصَحُّ: أنَّ الواوَ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، ”وسَواءً“ خَبَرُ لَيْسَ. والمَعْنى: لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِينَ، بَلْ مِنهم مَن آمَنَ بِكِتابِهِ وبِالقُرْآنِ مِمَّنْ أدْرَكَ شَرِيعَةَ الإسْلامِ، أوْ كانَ عَلى اسْتِقامَةٍ فَماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَها. ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الفَرّاءُ: أُمَّةٌ مُرْتَفِعَةٌ بِسَواءٍ، أيْ لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ، ودَلَّ عَلَيْها القِسْمُ الأوَّلُ كَقَوْلِهِ: ؎عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ ∗∗∗ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها التَّقْدِيرُ: أمْ غَيٌّ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ”أرُشْدٌ“، وقالَ: ؎أراكَ فَما أدْرِي أهَمٌّ ضَمَمْتُهُ ∗∗∗ وذُو الهَمِّ قِدْمًا خاشِعٌ مُتَضائِلُ التَّقْدِيرُ: أمْ غَيْرُهُ. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّ المُساواةَ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: ”﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ [الحج: ٢٥]“ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ [الجاثية: ٢١] ”. ويَضْعُفُ قَوْلُ الفَرّاءِ مِن حَيْثُ الحَذْفِ. ومِن حَيْثُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذِ التَّقْدِيرُ: (p-٣٤)لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ كَذا، وأُمَّةٌ كافِرَةٌ. وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ: إلى أنَّ الواوَ في“ لَيْسُوا ”عَلامَةُ جَمْعٍ لا ضَمِيرٌ، مِثْلُها في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يَلُومُونَنِي في شِراءِ النَّخِيـ ∗∗∗ ـلِ قَوْمِي وكُلُّهُمُ ألْوَمُ واسْمُ لَيْسَ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ لَيْسَ سَواءٌ، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةً كافِرَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ خَطَأٌ مَرْدُودٌ. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الخَطَأِ، وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ اسْمَ لَيْسَ هو“ ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”فَقَطْ، وأنَّهُ لا مَحْذُوفَ. ثُمَّ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ تَفاوُتُ الأُمَّةِ القائِمَةِ التّالِيَةِ، فَإذا قُدِّرَ ثَمَّ مَحْذُوفٌ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ خَطَأً مَرْدُودًا. قِيلَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ هو عَلى لُغَةِ“ أكَلُونِي البَراغِيثُ ”، وهي لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، والعَرَبُ عَلى خِلافِها، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْها مَعَ ما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ. انْتَهى. وقَدْ نازَعَ السُّهَيْلِيُّ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِهِمْ: إنَّها لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وكَثِيرًا ما جاءَتْ في الحَدِيثِ. والإعْرابُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وهو أنْ يَكُونَ“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”مُسْتَأْنَفَ بَيانٍ لِانْتِفاءِ التَّسْوِيَةِ، كَما جاءَ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٧١] بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى. وأُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ، مِن أقَمْتُ العُودَ فَقامَ، أيِ اسْتَقامَ. قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: عادِلَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللَّهِ وحُدُودِهِ، مُهْتَدِيَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: قانِتَةٌ مُطِيعَةٌ، وكُلُّها راجِعٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والسُّدِّيُّ: الضَّمِيرُ في لَيْسُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ إذْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اليَهُودِ وذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ:“ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] ”. والكِتابُ عَلى هَذا القَوْلِ جِنْسُ كُتُبِ اللَّهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”- أهْلُ القُرْآنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أهْلِ الكِتابِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ لِتَوالِي الضَّمائِرِ عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ ضَمِيرُ لَيْسُوا. وقالَ عَطاءٌ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”الآيَةَ، يُرِيدُ أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ نَجْرانَ مِنَ العَرَبِ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً مِنَ الرُّومِ، كانُوا عَلى دِينِ عِيسى وصَدَّقُوا مُحَمَّدًا ﷺ . وكانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ مُوَحِّدِينَ ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ، ويَقُومُونَ بِما عَرَفُوا مِن شَرائِعِ الحَنِيفِيَّةِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى جاءَهم مِنهُ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ، والبَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وقَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ بْنِ أنَسٍ. ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ وصَفَ الأُمَّةَ القائِمَةَ بِأنَّها تالِيَةُ آياتِ اللَّهِ، وعَبَّرَ بِالتِّلاوَةِ في ساعاتِ اللَّيْلِ عَنِ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ. وقَوْلُهُ: وهم يَسْجُدُونَ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْضًا مَعْطُوفَةٌ عَلى“ يَتْلُونَ ”، وصَفَهم بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ وبِالسُّجُودِ. فَتِلاوَةُ القُرْآنِ في القِيامِ، وأمّا السُّجُودُ فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ التِّلاوَةُ. وجاءَتِ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةٌ لِتَدُلَّ عَلى التَّوْكِيدِ بِتَكَرُّرِ الضَّمِيرِ وهو“ هم ”والواوُ في“ يَسْجُدُونَ ”، إذْ أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. وأخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالمُضارِعِ، وجاءَتِ الصِّفَةُ الأوْلى بِالمُضارِعِ أيْضًا لِتَدُلَّ عَلى التَّجَدُّدِ، وعُطِفَتِ الثّانِيَةُ عَلى الأوْلى بِالواوِ لِتُشْعِرَ بِأنَّ تِلْكَ التِّلاوَةَ كانَتْ في صَلاةٍ، فَلَمْ تَكُنِ التِّلاوَةُ وحْدَها ولا السُّجُودُ وحْدَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ:“ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ”أنَّها جَمِيعُ ساعاتِ اللَّيْلِ. فَيَبْعُدُ صُدُورُ ذَلِكَ - أعْنِي التِّلاوَةَ والسُّجُودَ - مِن كُلِّ شَخْصٍ شَخَصَ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ مِن جَماعَةٍ؛ إذْ بَعْضُ النّاسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَّيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ اسْتِيعابُ ساعاتِ اللَّيْلِ بِالقِيامِ في تِلاوَةِ القُرْآنِ والسُّجُودِ، وعَلى هَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وعَرَفُ النّاسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُّلُثِ الأخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، والقائِمُ طُولَ اللَّيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصّالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ القَصْدَ في ذَلِكَ في أوَّلِ المُزَّمِّلِ. وآناءُ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ. قالَهُ الرَّبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. وقالَ السُّدِّيُّ: جَوْفُهُ وهو مِن إطْلاقِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ، إذِ الجَوْفُ فَرْدٌ مِنَ الجَمْعِ. وعَنْ مَنصُورٍ: أنَّها نَزَلَتْ في المُصَلِّينِ بَيْنَ (p-٣٥)العِشاءَيْنِ، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ﴾ . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّها صَلاةُ العَتْمَةِ. وذَكَرَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها هو احْتِباكُ النَّبِيِّ ﷺ في صَلاةِ العَتَمَةِ، وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى اللَّيْلُ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ:“ أبْشِرُوا، فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ ”؛ ولِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ قَوْلَهُ:“ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ ”عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وهَذِهِ الأُمَّةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ:“ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ ”أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ السُّجُودُ في الصَّلاةِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنهُ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّكُوعِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والفَرّاءُ والزُّجاجُ؛ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في الرُّكُوعِ ولا في السُّجُودِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالصَّلاةِ. وقِيلَ: سُجُودُ التِّلاوَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالسُّجُودِ الخُشُوعُ والخُضُوعُ. وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عَنْهم أيْضًا أنَّهم أهْلُ سُجُودٍ، ويُحَسِّنُهُ أنْ كانَتِ التِّلاوَةُ في غَيْرِ صَلاةٍ. ويَكُونُ أيْضًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ في غَيْرِ صَلاةٍ نَعْتًا عُدِّدَ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ. وأجازَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: وهم يَسْجُدُونَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (قائِمَةٌ)، وحالًا مِن (أُمَّةٌ)؛ لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ بِـ (قائِمَةٌ) . فَتَلَخَّصَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما أنَّها لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، بِأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. والقَوْلُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ ويَكُونُ رَفْعًا بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أوْ بِأنْ يَكُونَ نَصْبًا، بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتْلُونَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في قائِمَةٍ، أوْ مِن أُمَّةٍ. ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى التَّرْغِيبِ في قِيامِ اللَّيْلِ، وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩] ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] . وفي الحَدِيثِ: «يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ، كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَهُ»، وفِيهِ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لا يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ“» وغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي شَيْبَةَ كانَ يَدْرُسُ الكُتُبَ، قالَ: إنّا نَجِدُ كَلامًا مِن كَلامِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ: أيَحْسَبُ راعِي إبِلٍ وغَنَمٍ إذا جَنَّهُ اللَّيْلُ انْجَدَلَ كَمَن هو قائِمٌ وساجِدُ اللَّيْلِ. (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ والآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ المُسارَعَةُ في الخَيْرِ ناشِئَةٌ عَنْ فَرْطِ الرَّغْبَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ مَن رَغِبَ في أمْرٍ بادَرَ إلَيْهِ وإلى القِيامِ بِهِ، وآثَرَ الفَوْرَ عَلى التَّراخِي. وجاءَ في الحَدِيثِ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ» . وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم إذا دَعَوْا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ، وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ، وعِبادَةِ اللَّهِ - بادَرُوا إلى فِعْلِهِ. والظّاهِرُ في ”يُؤْمِنُونَ“ أنْ يَكُونَ صِفَةً أيْ: تالِيَةٌ مُؤْمِنَةٌ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْجُدُونَ“، وأنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ السُّجُودِ. قِيلَ: لِأنَّ السُّجُودَ بِمَعْنى الإيمانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفَهم بِخَصائِصَ ما كانَتْ في اليَهُودِ مِن تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ ساجِدِينَ، ومِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ إيمانَهم بِهِ كَلا إيمانٍ؛ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ، ومِنَ الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِخِلافِ صِفَتِهِ، ومِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُداهِنِينَ، ومِنَ المُسارَعَةِ في الخَيْراتِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُتَباطِئِينَ عَنْها غَيْرَ راغِبِينَ فِيها. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ وصَفَها بِصِفاتٍ سِتٍّ، إحْداها: أنَّها قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ عَلى النَّهْجِ القَوِيمِ. ولَمّا كانَتِ الِاسْتِقامَةُ وصْفًا ثابِتًا لَها لا يَتَغَيَّرُ جاءَ بِاسْمِ الفاعِلِ. الثّانِيَةُ: الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتِّلاوَةِ والسُّجُودِ، وهي العِبادَةُ الَّتِي يَظْهَرُ بِها الخُلُوُّ لِمُناجاةِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ. الثّالِثَةُ: الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهو الحامِلُ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، (p-٣٦)وذَكَرَ اليَوْمَ الآخِرَ؛ لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ آثارِ عِبادَةِ اللَّهِ مِنَ الجَزاءِ الجَزِيلِ. وتَضَمَّنَ الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ الإيمانَ بِالأنْبِياءِ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ أخْبَرُوا بِكَيْنُونَةِ هَذا الجائِزِ في العَقْلِ ووُقُوعِهِ، فَصارَ الإيمانُ بِهِ واجِبًا. الرّابِعَةُ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ. الخامِسَةُ: النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، لَمّا كَمِلُوا في أنْفُسِهِمْ سَعَوْا في تَكْمِيلِ غَيْرِهِمْ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. السّادِسَةُ: المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ، وهي صِفَةٌ تَشْمَلُ أفْعالَهُمُ المُخْتَصَّةَ بِهِمْ، والأفْعالَ المُتَعَدِّيَةَ مِنهم إلى غَيْرِهِمْ. وهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ ناشِئَةٌ أيْضًا عَنِ الإيمانِ، فانْظُرْ إلى حُسْنِ سِياقِ هَذِهِ الصِّفاتِ حَيْثُ تَوَسَّطَ الإيمانُ، وتَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ المُخْتَصَّةُ بِالإنْسانِ في ذاتِهِ وهي الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ، وتَأخَّرَتْ عَنْهُ الصِّفَتانِ المُتَعَدِّيَتانِ والصِّفَةُ المُشْتَرِكَةُ، وكُلُّها نَتائِجُ عَنِ الإيمانِ. ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ هَذِهِ إشارَةٌ إلى مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ السِّتَّ، أيْ وأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الَّذِينَ صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالصّالِحِينَ المُسْلِمِينَ. انْتَهى. ويُشْبِهُ قَوْلُهُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وفِيما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدُ: بَلْ الظّاهِرُ أنَّ في الوَصْفِ بِالصَّلاحِ زِيادَةٌ عَلى الوَصْفِ بِالإسْلامِ؛ ولِذَلِكَ سَألَ هَذِهِ الرُّتْبَةَ بَعْضُ الأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢] وقالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ: ﴿وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] . وقالَ: ﴿والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] . و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ. انْتَهى. ولَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ فِيهِ إبْهامٌ فَيَبِينَ جِنْسُهُ. ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ. واخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هو مَرْدُودٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ ومَعْدُولِهِ. وقالَ مَكِّيٌّ: التّاءُ فِيها عُمُومٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، لَمّا وصَفَهم بِأوْصافٍ جَلِيلَةٍ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ تَأْنِيسًا لَهم واسْتِعْطافًا عَلَيْهِمْ، فَخاطَبَهم بِأنَّ ما تَفْعَلُونَ مِنَ الخَيْرِ فَلا تُمْنَعُونَ ثَوابَهُ؛ ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: مِن خَيْرٍ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ عَطْفٍ عَلَيْهِمْ وتَرَحُّمٍ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الشَّرِّ. ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ما يُفْعَلُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَوْعُودُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِالتِفاتَ وأنَّهُ راجِعٌ إلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“ قِراءَةُ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وحَفْصٍ، وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، وباقِي رُواةِ أبِي عَمْرٍو خَيَّرَ بَيْنَ التّاءِ والياءِ، ومَعْلُومٌ في هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“، كَما عادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”يَتْلُونَ“ وما بَعْدَهُ. وكَفَرَ: يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، يُقالُ: كَفَرَ النِّعْمَةَ، وهُنا ضَمَّنَ مَعْنى حَرَمَ، أيْ: فَلَنْ تُحْرَمُوا ثَوابَهُ، ولَمّا جاءَ وصْفُهُ تَعالى بِأنَّهُ شَكُورٌ في مَعْنى تَوْفِيَةِ الثَّوابِ، نَفى عَنْهُ تَعالى نَقِيضَ الشُّكْرِ وهو كُفْرُ الثَّوابِ، أيْ حِرْمانُهُ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ لَمّا كانَتِ الآيَةُ وارِدَةً فِيمَنِ اتُّصِفَ بِالأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُثِيبُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ ناسَبَ خَتْمَ الآيَةِ بِذِكْرِ عِلْمِهِ بِالمُتَّقِينَ، وإنْ كانَ عالِمًا بِالمُتَّقِينَ وبِضِدِّهِمْ. ومَعْنى عَلِيمٌ بِهِمْ أنَّهُ مُجازِيهِمْ عَلى تَقْواهم، وفي ذَلِكَ وعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُفَرِّطِينَ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ البَقَرَةِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ. وأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ لِيَتَّضِحَ الفَرْقُ بَيْنَ القَبِيلَيْنِ. ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ (p-٣٧)رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ما فَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخَيْرِ فَإنَّهم لا يُحْرَمُونَ ثَوابَهُ، بَلْ يَجْنُونَ في الآخِرَةِ ثَمَرَةَ ما غَرَسُوهُ في الدُّنْيا - أخَذَ في بَيانِ نَفَقَةِ الكافِرِينَ، فَضَرَبَ لَها مَثَلًا اقْتَضى بُطْلانَها وذَهابَها مَجّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ. قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في نَفَقاتِ الكُفّارِ وصَدَقاتِهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: في نَفَقاتِ سَفَلَةِ اليَهُودِ عَلى عُلَمائِهِمْ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُنافِقِينَ إذا خَرَجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ لِحَرْبِ المُشْرِكِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ ما كانُوا يُنْفِقُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ في المَكارِمِ، والمَفاخِرِ، وكَسْبِ الثَّناءِ، وحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النّاسِ، لا يَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ - بِالزَّرْعِ الَّذِي حَسَّهُ البَرْدُ فَصارَ حُطامًا. وقِيلَ: هو ما يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ مَعَ كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: ما أنْفَقُوا في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا بِإنْفاقِهِ ما أنْفَقُوهُ لِأجْلِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ المِثالُ القائِمُ في النَّفْسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النَّفْسِ، مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ، وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ، فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يُنْفِقُونَهُ. والظّاهِرُ تَشْبِيهُ ما يُنْفِقُونَهُ بِالرِّيحِ، والمَعْنى: تَشْبِيهُهُ بِالحَرْثِ. فَقِيلَ: هو مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ لَمْ يُقابَلْ فِيهِ الإفْرادُ بِالإفْرادِ، وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]؛ ولِذَلِكَ قالَ ثَعْلَبٌ: بَدَأ بِالرِّيحِ، والمَعْنى عَلى الحَرْثِ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقِيلَ: وقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، وذَكَرَ أحَدَ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَّيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما ولَيْسَ الَّذِي يُوازِنُ المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنَ. وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ. قالَ: وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإعْجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] . انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِنَ الأوَّلِ تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ مَهْلِكِ ما يُنْفِقُونَ. أوْ مِنَ الثّانِي تَقْدِيرُهُ: كَمَثَلِ مَهْلِكِ رِيحٍ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مَثَلُ إنْفاقِهِمْ، فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ المَعْقُولَ بِالمَحْسُوسِ، إذْ شَبَّهَ الإنْفاقَ بِالرِّيحِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: يُنْفِقُونَ أنَّهُ مِن نَفَقَةِ المالِ. وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ يُنْفِقُونَ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها. ويُضَعِّفُ هَذا أنَّها في الكُفّارِ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ، لا في المُنافِقِينَ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإنْفاقِ هو أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، هي كالرِّيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ أبْطَلَتْ أعْمالَهم، كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ، كَما يُبْطِلُ الرِّيحُ الزَّرْعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ. انْتَهى. وقالَ الرّاغِبُ: ومِنهم مَن قالَ: ما يُنْفِقُونَ عِبارَةٌ عَنْ أعْمالِهِمْ كُلِّها، لَكِنَّهُ خَصَّ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ و أكْثَرَ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ والأعْرَجُ: تُنْفِقُونَ بِالتّاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم، وأفْرَدَ رِيحًا؛ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعَذابِ، كَما أُفْرِدَتْ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ”﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ [الروم: ٥١]“، ”﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]“ ”﴿الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]“ . كَما أنَّ الجَمْعَ مُخْتَصٌّ بِالرَّحْمَةِ ﴿أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]؛ ولِذَلِكَ رُوِيَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» . وارْتِفاعُ (صِرٌّ) عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ، إذْ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ وقْعَ صِفَةٍ لِلرِّيحِ. فَإنْ كانَ الصِّرُّ البَرْدَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، أوْ صَوْتَ لَهِيبِ النّارِ أوْ صَوْتَ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ. فَظاهِرُ كَوْنِ ذَلِكَ في الرِّيحِ. وإنْ كانَ الصِّرُّ صِفَةً لِلرِّيحِ كالصَّرْصَرِ، فالمَعْنى فِيها قِرَّةٌ صِرٌّ، كَما تَقُولُ: بَرْدٌ بارِدٌ، وحُذِفَ المَوْصُوفُ، وقامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ. أوْ تَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ مَجازًا جَعَلَ المَوْصُوفَ ظَرْفًا لِلصِّفَةِ. كَما قالَ: وفي الرَّحْمَنِ كافٍ لِلضُّعَفاءِ. وقَوْلُهم: إنْ ضَيَّعَنِي فُلانٌ فَفي اللَّهِ كافٍ. المَعْنى: الرَّحْمَنُ كافٍ، واللَّهُ كافٍ. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقَوْلُهُ: ”﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرِيحٍ. بَدَأ أوَّلًا بِالوَصْفِ (p-٣٨)بِالمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالوَصْفِ بِالجُمْلَةِ. وقَوْلُهُ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْمٍ. وظاهِرُهُ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمَعاصِيهِمْ، فَكانَ الإهْلاكُ أشَدَّ؛ إذْ كانَ عُقُوبَةً لَهم. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ مَصائِبَ الدُّنْيا إنَّما هي بِمَعاصِي العَبْدِ. ويُسْتَنْبَطُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ حَرْثٍ تَحْرِقُهُ الرِّيحُ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وقِيلَ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم مَعْناهُ زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِّراعَةِ، أيْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أوْ هَيْئَةِ عَمَلٍ. وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الحَرْثَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوْعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، ونَحا إلى هَذا القَوْلِ الَمَهَدَوِيُّ. ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ جَوَّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى المُنْفِقِينَ، أيْ: ما ظَلَمَهم بِأنْ لَمْ تُقْبَلْ نَفَقاتُهم، وأنْ يَعُودَ عَلى أصْحابِ الحَرْثِ أيْ: ما ظَلَمَهم بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعاصِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في ”ظَلَمَهم“ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرَهم في يُنْفِقُونَ، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ، ولا لِتَبَيُّنِ ظُلْمِهِمْ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] . يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ. انْتَهى. وهو تَرْجِيحٌ حَسَنٌ. وقُرِئَ شاذًا: ”ولَكِنَّ“، بِالتَّشْدِيدِ، واسْمُها ”أنْفُسُهم“، والخَبَرُ يَظْلِمُونَ. والمَعْنى: يَظْلِمُونَها هم. وحَسَّنَ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ - وإنْ كانَ الحَذْفُ في مِثْلِهِ قَلِيلًا - كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ، فَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَزالَ هَذا المَعْنى. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ اسْمَ ”لَكِنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وحُذِفَ، وأنْفُسَهم مَفْعُولٌ بِـ ”يَظْلِمُونَ“؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ نَزَلَتْ في رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مِن يَهُودٍ لِلْجِوارِ والحِلْفِ والرَّضاعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والرَّبِيعُ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهم، شَبَّهَ الصِّدِّيقُ الصِّدْقَ بِما يُباشِرُ بَطْنَ الإنْسانِ مِن ثَوْبِهِ. يُقالُ لَهُ: بِطانَةٌ ووَلِيجَةٌ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِكم في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِبِطانَةٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكم، وهُمُ المُسْلِمُونَ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ ”مِن“ بِقَوْلِهِ: ”لا تَتَّخِذُوا“ . وقِيلَ: ”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ بِطانَةِ دُونِكم. والمَعْنى: أنَّهم نُهُوا أنْ يَتَّخِذُوا أصْفِياءَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ. ودَلَّ هَذا النَّهْيُ عَلى المَنعِ مِنِ اسْتِكْتابِ أهْلِ الذِّمَّةِ وتَصْرِيفِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ والِاسْتِنابَةِ إلَيْهِمْ. وقَدْ عَتَبَ عُمَرُ أبا مُوسى عَلى اسْتِكْتابِهِ ذِمِّيًّا، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ. وقَدْ قِيلَ لِعُمَرَ في كاتِبٍ مُجِيدٍ مِن نَصارى الحِيرَةِ: ألا يَكْتُبُ عَنْكَ ؟ فَقالَ: إذَنْ أتَّخِذُ بِطانَةً. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ إذْ جاءَتْ بَيانًا لِحالِ البِطانَةِ الكافِرَةِ هي والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَها؛ لِتَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها صِفَةٌ لِلْبِطانَةِ أوْ حالٌ مِمّا تَعَلَّقَتْ بِهِ ”مِن“ فَبَعِيدٌ عَنْ فَهْمِ الكَلامِ الفَصِيحِ؛ لِأنَّهم نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ كافِرَةٍ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أشْياءَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنِ ابْتِغاءِ الغَوائِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووِدادَةِ مَشَقَّتِهِمْ، وظُهُورِ بُغْضِهِمْ. والتَّقْيِيدُ بِالوَصْفِ أوْ بِالحالِ يُؤْذِنُ بِجَوازِ الِاتِّخاذِ عِنْدَ انْتِفائِهِما، و”ألا“ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، يُقالُ: ما ألَوْتُ في الأمْرِ، أيْ ما قَصَّرْتُ فِيهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”خَبالًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم خَبالَكم، أيْ في خَبالِكِمْ. فَكانَ أصْلُ هَذا المَفْعُولِ حَرْفُ الجَرِّ. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفٍ، التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم في تَخْبِيلِكم. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. (p-٣٩)قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ لا يُقَصِّرُونَ لَكم فِيما فِيهِ الفَسادُ عَلَيْكم. فَعَلى هَذا يَكُونُ قَدْ تَعَدّى لِلضَّمِيرِ عَلى إسْقاطِ اللّامِ، ولِلْخَبالِ عَلى إسْقاطِ ”في“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: ألا في الأمْرِ يَأْلُو، إذا قَصَّرَ فِيهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا، ولا آلُوكَ جُهْدًا، عَلى التَّضْمِينِ. والمَعْنى: لا أمْنَعُكَ نُصْحًا ولا أنْقُصُكَهُ. انْتَهى. ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ودُّوا إضْلالَكم. وقالَ الزَّجّاجُ: مَشَقَّتَكم. وقالَ الرّاغِبُ: المُعانَدَةُ والمُعانَتَةُ يَتَقارَبانِ، لَكِنَّ المُعانَدَةَ هي المُمانَعَةُ، والمُعانَتَةُ أنْ تَتَحَرّى مَعَ المُمانَعَةِ المَشَقَّةَ. انْتَهى. ويُقالُ: عَنِتَ - بِكَسْرِ النُّونِ - وأصْلُهُ انْهِياضُ العَظْمِ بَعْدَ جَبْرِهِ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ما عَنِتُّمْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِبِطانَةٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَأْلُونَكم، و(قَدْ) مَعَهُ مُرادَةٌ. ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”قَدْ“ بَدا ”؛ لِأنَّ الفاعِلَ مُؤَنَّثٌ مَجازًا أوْ عَلى مَعْنى البُغْضِ، أيْ لا يَكْتَفُونَ بِبُغْضِكم بِقُلُوبِهِمْ حَتّى يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ بِأفْواهِهِمْ. وذَكَرَ الأفْواهَ دُونَ الألْسِنَةِ؛ إشْعارًا بِأنَّ ما تَلَفَّظُوا بِهِ يَمْلَأُ أفْواهَهم، كَما يُقالُ: كَلِمَةٌ تَمْلَأُ الفَمَ، إذا تَشَدَّقَ بِها. وقِيلَ: المَعْنى لا يَتَمالَكُونَ مَعَ ضَبْطِهِمْ أنْفُسَهم وتَحامُلَهم عَلَيْها أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بُغْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِن وِدادِهِمْ عَنَتِ المُؤْمِنِينَ، وهو إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ قَلْبِيٍّ، ذَكَرَ ما أنْتَجَهُ ذَلِكَ الفِعْلُ القَلْبِيُّ مِنَ الفِعْلِ البَدَنِيِّ، وهو: ظُهُورُ البُغْضِ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ في أقْوالِهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ كَراهَةِ القُلُوبِ وبَذاذَةِ الألْسُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أبَطَنُوهُ مِنَ الشَّرِّ والإيذاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ والبُغْضِ لَهم أعْظَمُ مِمّا ظَهَرَ مِنهم، فَقالَ: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ أيْ أكْثَرُ مِمّا ظَهَرَ مِنها. والظّاهِرُ أنَّ بُدُوَّ البَغْضاءِ مِنهم هو لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ أظْهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ البُغْضَ. وقالَقَتادَةُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ لِاطِّلاعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: بَدَتْ بِإقْرارِهِمْ بَعْدَ الجُحُودِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُجاهِرِ. وأسْنَدَ الإخْفاءَ إلى الصُّدُورِ مَجازًا؛ إذْ هي مَحالُّ القُلُوبِ الَّتِي تُخْفى كَما قالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ في الدِّينِ، ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، ومُعاداةِ الكُفّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ ما بَيَّنَ لَكم فَعَمِلْتُمْ بِهِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم عُقَلاءُ، لَكِنْ عَلَّقَهُ عَلى هَذا الشَّرْطِ عَلى سَبِيلِ الهَزِّ لِلنُّفُوسِ كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَلا تُصافُوهم، بَلْ عامِلُوهم مُعامَلَةَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مَعْنى“ إنْ ”مَعْنى“ إذْ ”، أيْ إذْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ. ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِها“ أنْتُمْ أُولاءِ ”في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران: ٦٦] قِراءَةً وإعْرابًا. وتَلْخِيصُهُ هُنا أنْ يَكُونَ أُولاءِ خَبَرًا عَنْ أنْتُمْ، وتُحِبُّونَهم مُسْتَأْنَفٌ أوْ حالٌ أوْ صِلَةٌ، عَلى أنْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مَوْصُولًا أوْ خَبَرًا لِـ“ أنْتَمِ ”و“ أُولاءِ ”مُنادى، أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مُبْتَدَأً ثانِيًا، و“ تُحِبُّونَهم ”خَبَرًا عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَحْوَ: أنا زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، فَيَكُونُ مِنَ الِاشْتِغالِ. واسْمُ الإشارَةِ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ واقِعٌ عَلى غَيْرِ ما وقَعَ عَلَيْهِ أنْتُمْ؛ لِأنَّ أنْتُمْ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، و“ أُولاءِ " إشارَةٌ إلى الكافِرِينَ. وفي الأوْجُهِ السّابِقَةِ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ أنْتُمْ واحِدٌ. (p-٤٠)وهُوَ: المُؤْمِنُونَ. وعَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ في تُحِبُّونَهم، لا يَنْعَقِدُ مِمّا قَبْلَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ إلّا بِإضْمارِ وصْفٍ تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، إذْ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم. بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ، حَيْثُ يَبْذُلُونَ المَحَبَّةَ لِمَن يَبْغَضُهم، وضَمِيرُ المَفْعُولِ في تُحِبُّونَهم قالُوا: لِمُنافِقِي اليَهُودِ. وفي الزَّمَخْشَرِيِّ: لِمُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى بِطانَةٍ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، فَهو كُلُّ مُنافِقٍ حَتّى مُنافِقِ المُشْرِكِينَ. والمَحَبَّةُ هُنا: المَيْلُ بِالطَّبْعِ لِمَوْضِعِ القَرابَةِ والرَّضاعِ والحِلْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ لِأجْلِ إظْهارِ الإيمانِ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الرَّحْمَةُ لَهم لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ المَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إرادَةُ الإسْلامِ لَهم، قالَهُ المُفَضَّلُ والزَّجّاجِ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ تَوْبِيخٌ عَلى مَعْنى إرادَةِ إسْلامِ الكافِرِ أوِ المُصافاةِ؛ لِأنَّها مِن ثَمَرَةِ المَحَبَّةِ.

آل عمران 3:114

﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] . الآناءُ: السّاعاتُ. وفي مُفْرَدِها لُغاتٌ: أنْيٌ كَمَعْيٌ، وأنى كَفَتى، وأنّى كَنَحّى، وأنْيٌ كَظَبْيٍ، وأنْوٌ كَجَرْوٍ. الصَّرُّ: البَرْدُ الشَّدِيدُ المُحْرِقُ. وقِيلَ: البارِدُ بِمَعْنى الصَّرْصَرُ كَما قالَ: ؎لا تَعْدِلَنَّ أتاوِيِّينَ تَضْرِ بُهم نَكْباءَ صَرٍّ بِأصْحابِ المَحَلّاتِ وقالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ: ؎ولَمْ يَغْلِبِ الخَصْمَ الألَدَّ ويَمْلَأ الــــجِـفانَ ∗∗∗ سَدِيفًا يَوْمَ نَكْباءَ صَرْصَرِ (p-٣٣)وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو صَوْتُ لَهَبِ النّارِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، مِنَ الصَّرِيرِ. وهو الصَّوْتُ مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَّيْءُ، ومِنهُ الرِّيحُ الصَّرْصَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: والصَّرُّ صَوْتُ النّارِ الَّتِي في الرِّيحِ. البِطانَةُ في الثَّوْبِ بِإزاءِ الظِّهارَةِ، ويُسْتَعارُ لِمَن يَخْتَصُّهُ الإنْسانُ كالشِّعارِ والدِّثارِ. يُقالُ: بَطَنَ فُلانٌ مِن فُلانٍ بُطُونًا وبِطانَةٍ إذا كانَ خاصًّا بِهِ، داخِلًا في أمْرِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُولَئِكَ خُلْصانِي نَعَمْ وبِطانَتِي ∗∗∗ وهم عَيْبَتِي مِن دُونِ كُلِّ قَرِيبِ ألَوْتُ في الأمْرِ: قَصَّرْتُ فِيهِ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎سَعى بَعْدَهم قَوْمٌ لِكَيْ يُدْرِكُوهُمُ ∗∗∗ فَلَمْ يَفْعَلُوا ولَمْ يَلِيمُوا لَمْ يَأْلُوا أيْ لَمْ يُقَصِّرُوا. الخَبالُ والخَبَلُ: الفَسادُ الَّذِي يَلْحَقُ الحَيَوانَ. يُقالُ: في قَوائِمِ الفَرَسِ خَبَلٌ وخَبالٌ أيْ فَسادٌ مِن جِهَةِ الِاضْطِرابِ والخَبَلِ والجُنُونِ. ويُقالُ: خَبَلُهُ الحُبُّ أيْ أفْسَدَهُ. البَغْضاءُ: مَصْدَرٌ كالسَّرّاءِ والبَأْساءِ، يُقالُ: بُغِضَ الرَّجُلُ فَهو بَغِيضٌ، وأبْغَضْتُهُ أنا اشْتَدَّتْ كَراهَتِي لَهُ. الأفْواهُ: مَعْرُوفَةٌ، والواحِدُ مِنها في الأصْلِ فُوهٌ. ولَمْ تَنْطِقْ بِهِ العَرَبُ، بَلْ قالَتْ: فَمٌ. وفي الفَمِ لُغاتٌ تِسْعٌ ذُكِرَتْ في بَعْضِ كُتُبِ النَّحْوِ. العَضُّ: وضْعُ الأسْنانِ عَلى الشَّيْءِ بِقُوَّةِ، والفِعْلُ مِنهُ عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهو بِالضّادِ. فَأمّا عَظُّ الزَّمانَ وعَظُّ الحَرْبِ فَهو بِالظّاءِ أُخْتِ الطّاءِ، قالَ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ والعُضُّ - بِضَمِّ العَيْنِ - عَلَفُ أهْلِ الأمْصارِ، مِثْلُ الكَسْبِ والنَّوى المَرْضُوضِ. يُقالُ مِنهُ: أعَضَّ القَوْمُ، إذا أكَلَ إبِلُهُمُ العَضَّ. وبَعِيرٌ عُضاضِيٌّ أيْ سَمِينٌ، كَأنَّهُ مَنسُوبٌ إلَيْهِ. والعِضُّ - بِالكَسْرِ -: الدّاهِيَةُ مِنَ الرِّجالِ. الأنامِلُ: جَمْعُ أُنْمُلَةٍ، ويُقالُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّها، وهي أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ عِيسى: أصْلُها النَّمْلُ المَعْرُوفُ، وهي مُشَبَّهَةٌ بِهِ في الدِّقَّةِ والتَّصَرُّفِ بِالحَرَكَةِ. ومِنهُ رَجُلٌ نَمِلٌ: أيْ نَمّامٌ. الغَيْضُ: مَصْدَرُ غاضَ، وغَيْضُ اسْمُ عَلَمٍ. الفَرَحُ: مَعْرُوفٌ، يُقالُ مِنهُ: فَرِحٌ بِكَسْرِ العَيْنِ. الكَيْدُ: المَكْرُ، كادَهُ يَكِيدُهُ، مَكَرَ بِهِ، وهو الِاحْتِيالُ بِالباطِلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُهُ المَشَقَّةُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ، أيْ يُعالِجُ مَشَقّاتِ النَّزْعِ وسَكَراتِ المَوْتِ. ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ سَبَبُ النُّزُولِ إسْلامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ، وقَوْلُ الكُفّارِ مِن أحْبارِهِمْ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والواوُ في ”﴿لَيْسُوا﴾“ هي لِأهْلِ الكِتابِ السّابِقِ ذِكْرِهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] والأصَحُّ: أنَّ الواوَ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، ”وسَواءً“ خَبَرُ لَيْسَ. والمَعْنى: لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِينَ، بَلْ مِنهم مَن آمَنَ بِكِتابِهِ وبِالقُرْآنِ مِمَّنْ أدْرَكَ شَرِيعَةَ الإسْلامِ، أوْ كانَ عَلى اسْتِقامَةٍ فَماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَها. ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الفَرّاءُ: أُمَّةٌ مُرْتَفِعَةٌ بِسَواءٍ، أيْ لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ، ودَلَّ عَلَيْها القِسْمُ الأوَّلُ كَقَوْلِهِ: ؎عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ ∗∗∗ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها التَّقْدِيرُ: أمْ غَيٌّ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ”أرُشْدٌ“، وقالَ: ؎أراكَ فَما أدْرِي أهَمٌّ ضَمَمْتُهُ ∗∗∗ وذُو الهَمِّ قِدْمًا خاشِعٌ مُتَضائِلُ التَّقْدِيرُ: أمْ غَيْرُهُ. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّ المُساواةَ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: ”﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ [الحج: ٢٥]“ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ [الجاثية: ٢١] ”. ويَضْعُفُ قَوْلُ الفَرّاءِ مِن حَيْثُ الحَذْفِ. ومِن حَيْثُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذِ التَّقْدِيرُ: (p-٣٤)لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ كَذا، وأُمَّةٌ كافِرَةٌ. وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ: إلى أنَّ الواوَ في“ لَيْسُوا ”عَلامَةُ جَمْعٍ لا ضَمِيرٌ، مِثْلُها في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يَلُومُونَنِي في شِراءِ النَّخِيـ ∗∗∗ ـلِ قَوْمِي وكُلُّهُمُ ألْوَمُ واسْمُ لَيْسَ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ لَيْسَ سَواءٌ، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةً كافِرَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ خَطَأٌ مَرْدُودٌ. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الخَطَأِ، وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ اسْمَ لَيْسَ هو“ ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”فَقَطْ، وأنَّهُ لا مَحْذُوفَ. ثُمَّ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ تَفاوُتُ الأُمَّةِ القائِمَةِ التّالِيَةِ، فَإذا قُدِّرَ ثَمَّ مَحْذُوفٌ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ خَطَأً مَرْدُودًا. قِيلَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ هو عَلى لُغَةِ“ أكَلُونِي البَراغِيثُ ”، وهي لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، والعَرَبُ عَلى خِلافِها، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْها مَعَ ما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ. انْتَهى. وقَدْ نازَعَ السُّهَيْلِيُّ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِهِمْ: إنَّها لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وكَثِيرًا ما جاءَتْ في الحَدِيثِ. والإعْرابُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وهو أنْ يَكُونَ“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”مُسْتَأْنَفَ بَيانٍ لِانْتِفاءِ التَّسْوِيَةِ، كَما جاءَ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٧١] بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى. وأُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ، مِن أقَمْتُ العُودَ فَقامَ، أيِ اسْتَقامَ. قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: عادِلَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللَّهِ وحُدُودِهِ، مُهْتَدِيَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: قانِتَةٌ مُطِيعَةٌ، وكُلُّها راجِعٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والسُّدِّيُّ: الضَّمِيرُ في لَيْسُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ إذْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اليَهُودِ وذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ:“ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] ”. والكِتابُ عَلى هَذا القَوْلِ جِنْسُ كُتُبِ اللَّهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”- أهْلُ القُرْآنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أهْلِ الكِتابِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ لِتَوالِي الضَّمائِرِ عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ ضَمِيرُ لَيْسُوا. وقالَ عَطاءٌ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”الآيَةَ، يُرِيدُ أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ نَجْرانَ مِنَ العَرَبِ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً مِنَ الرُّومِ، كانُوا عَلى دِينِ عِيسى وصَدَّقُوا مُحَمَّدًا ﷺ . وكانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ مُوَحِّدِينَ ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ، ويَقُومُونَ بِما عَرَفُوا مِن شَرائِعِ الحَنِيفِيَّةِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى جاءَهم مِنهُ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ، والبَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وقَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ بْنِ أنَسٍ. ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ وصَفَ الأُمَّةَ القائِمَةَ بِأنَّها تالِيَةُ آياتِ اللَّهِ، وعَبَّرَ بِالتِّلاوَةِ في ساعاتِ اللَّيْلِ عَنِ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ. وقَوْلُهُ: وهم يَسْجُدُونَ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْضًا مَعْطُوفَةٌ عَلى“ يَتْلُونَ ”، وصَفَهم بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ وبِالسُّجُودِ. فَتِلاوَةُ القُرْآنِ في القِيامِ، وأمّا السُّجُودُ فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ التِّلاوَةُ. وجاءَتِ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةٌ لِتَدُلَّ عَلى التَّوْكِيدِ بِتَكَرُّرِ الضَّمِيرِ وهو“ هم ”والواوُ في“ يَسْجُدُونَ ”، إذْ أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. وأخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالمُضارِعِ، وجاءَتِ الصِّفَةُ الأوْلى بِالمُضارِعِ أيْضًا لِتَدُلَّ عَلى التَّجَدُّدِ، وعُطِفَتِ الثّانِيَةُ عَلى الأوْلى بِالواوِ لِتُشْعِرَ بِأنَّ تِلْكَ التِّلاوَةَ كانَتْ في صَلاةٍ، فَلَمْ تَكُنِ التِّلاوَةُ وحْدَها ولا السُّجُودُ وحْدَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ:“ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ”أنَّها جَمِيعُ ساعاتِ اللَّيْلِ. فَيَبْعُدُ صُدُورُ ذَلِكَ - أعْنِي التِّلاوَةَ والسُّجُودَ - مِن كُلِّ شَخْصٍ شَخَصَ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ مِن جَماعَةٍ؛ إذْ بَعْضُ النّاسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَّيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ اسْتِيعابُ ساعاتِ اللَّيْلِ بِالقِيامِ في تِلاوَةِ القُرْآنِ والسُّجُودِ، وعَلى هَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وعَرَفُ النّاسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُّلُثِ الأخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، والقائِمُ طُولَ اللَّيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصّالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ القَصْدَ في ذَلِكَ في أوَّلِ المُزَّمِّلِ. وآناءُ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ. قالَهُ الرَّبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. وقالَ السُّدِّيُّ: جَوْفُهُ وهو مِن إطْلاقِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ، إذِ الجَوْفُ فَرْدٌ مِنَ الجَمْعِ. وعَنْ مَنصُورٍ: أنَّها نَزَلَتْ في المُصَلِّينِ بَيْنَ (p-٣٥)العِشاءَيْنِ، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ﴾ . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّها صَلاةُ العَتْمَةِ. وذَكَرَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها هو احْتِباكُ النَّبِيِّ ﷺ في صَلاةِ العَتَمَةِ، وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى اللَّيْلُ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ:“ أبْشِرُوا، فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ ”؛ ولِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ قَوْلَهُ:“ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ ”عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وهَذِهِ الأُمَّةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ:“ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ ”أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ السُّجُودُ في الصَّلاةِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنهُ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّكُوعِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والفَرّاءُ والزُّجاجُ؛ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في الرُّكُوعِ ولا في السُّجُودِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالصَّلاةِ. وقِيلَ: سُجُودُ التِّلاوَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالسُّجُودِ الخُشُوعُ والخُضُوعُ. وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عَنْهم أيْضًا أنَّهم أهْلُ سُجُودٍ، ويُحَسِّنُهُ أنْ كانَتِ التِّلاوَةُ في غَيْرِ صَلاةٍ. ويَكُونُ أيْضًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ في غَيْرِ صَلاةٍ نَعْتًا عُدِّدَ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ. وأجازَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: وهم يَسْجُدُونَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (قائِمَةٌ)، وحالًا مِن (أُمَّةٌ)؛ لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ بِـ (قائِمَةٌ) . فَتَلَخَّصَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما أنَّها لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، بِأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. والقَوْلُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ ويَكُونُ رَفْعًا بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أوْ بِأنْ يَكُونَ نَصْبًا، بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتْلُونَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في قائِمَةٍ، أوْ مِن أُمَّةٍ. ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى التَّرْغِيبِ في قِيامِ اللَّيْلِ، وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩] ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] . وفي الحَدِيثِ: «يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ، كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَهُ»، وفِيهِ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لا يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ“» وغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي شَيْبَةَ كانَ يَدْرُسُ الكُتُبَ، قالَ: إنّا نَجِدُ كَلامًا مِن كَلامِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ: أيَحْسَبُ راعِي إبِلٍ وغَنَمٍ إذا جَنَّهُ اللَّيْلُ انْجَدَلَ كَمَن هو قائِمٌ وساجِدُ اللَّيْلِ. (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ والآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ المُسارَعَةُ في الخَيْرِ ناشِئَةٌ عَنْ فَرْطِ الرَّغْبَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ مَن رَغِبَ في أمْرٍ بادَرَ إلَيْهِ وإلى القِيامِ بِهِ، وآثَرَ الفَوْرَ عَلى التَّراخِي. وجاءَ في الحَدِيثِ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ» . وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم إذا دَعَوْا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ، وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ، وعِبادَةِ اللَّهِ - بادَرُوا إلى فِعْلِهِ. والظّاهِرُ في ”يُؤْمِنُونَ“ أنْ يَكُونَ صِفَةً أيْ: تالِيَةٌ مُؤْمِنَةٌ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْجُدُونَ“، وأنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ السُّجُودِ. قِيلَ: لِأنَّ السُّجُودَ بِمَعْنى الإيمانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفَهم بِخَصائِصَ ما كانَتْ في اليَهُودِ مِن تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ ساجِدِينَ، ومِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ إيمانَهم بِهِ كَلا إيمانٍ؛ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ، ومِنَ الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِخِلافِ صِفَتِهِ، ومِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُداهِنِينَ، ومِنَ المُسارَعَةِ في الخَيْراتِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُتَباطِئِينَ عَنْها غَيْرَ راغِبِينَ فِيها. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ وصَفَها بِصِفاتٍ سِتٍّ، إحْداها: أنَّها قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ عَلى النَّهْجِ القَوِيمِ. ولَمّا كانَتِ الِاسْتِقامَةُ وصْفًا ثابِتًا لَها لا يَتَغَيَّرُ جاءَ بِاسْمِ الفاعِلِ. الثّانِيَةُ: الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتِّلاوَةِ والسُّجُودِ، وهي العِبادَةُ الَّتِي يَظْهَرُ بِها الخُلُوُّ لِمُناجاةِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ. الثّالِثَةُ: الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهو الحامِلُ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، (p-٣٦)وذَكَرَ اليَوْمَ الآخِرَ؛ لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ آثارِ عِبادَةِ اللَّهِ مِنَ الجَزاءِ الجَزِيلِ. وتَضَمَّنَ الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ الإيمانَ بِالأنْبِياءِ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ أخْبَرُوا بِكَيْنُونَةِ هَذا الجائِزِ في العَقْلِ ووُقُوعِهِ، فَصارَ الإيمانُ بِهِ واجِبًا. الرّابِعَةُ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ. الخامِسَةُ: النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، لَمّا كَمِلُوا في أنْفُسِهِمْ سَعَوْا في تَكْمِيلِ غَيْرِهِمْ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. السّادِسَةُ: المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ، وهي صِفَةٌ تَشْمَلُ أفْعالَهُمُ المُخْتَصَّةَ بِهِمْ، والأفْعالَ المُتَعَدِّيَةَ مِنهم إلى غَيْرِهِمْ. وهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ ناشِئَةٌ أيْضًا عَنِ الإيمانِ، فانْظُرْ إلى حُسْنِ سِياقِ هَذِهِ الصِّفاتِ حَيْثُ تَوَسَّطَ الإيمانُ، وتَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ المُخْتَصَّةُ بِالإنْسانِ في ذاتِهِ وهي الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ، وتَأخَّرَتْ عَنْهُ الصِّفَتانِ المُتَعَدِّيَتانِ والصِّفَةُ المُشْتَرِكَةُ، وكُلُّها نَتائِجُ عَنِ الإيمانِ. ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ هَذِهِ إشارَةٌ إلى مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ السِّتَّ، أيْ وأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الَّذِينَ صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالصّالِحِينَ المُسْلِمِينَ. انْتَهى. ويُشْبِهُ قَوْلُهُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وفِيما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدُ: بَلْ الظّاهِرُ أنَّ في الوَصْفِ بِالصَّلاحِ زِيادَةٌ عَلى الوَصْفِ بِالإسْلامِ؛ ولِذَلِكَ سَألَ هَذِهِ الرُّتْبَةَ بَعْضُ الأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢] وقالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ: ﴿وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] . وقالَ: ﴿والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] . و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ. انْتَهى. ولَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ فِيهِ إبْهامٌ فَيَبِينَ جِنْسُهُ. ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ. واخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هو مَرْدُودٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ ومَعْدُولِهِ. وقالَ مَكِّيٌّ: التّاءُ فِيها عُمُومٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، لَمّا وصَفَهم بِأوْصافٍ جَلِيلَةٍ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ تَأْنِيسًا لَهم واسْتِعْطافًا عَلَيْهِمْ، فَخاطَبَهم بِأنَّ ما تَفْعَلُونَ مِنَ الخَيْرِ فَلا تُمْنَعُونَ ثَوابَهُ؛ ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: مِن خَيْرٍ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ عَطْفٍ عَلَيْهِمْ وتَرَحُّمٍ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الشَّرِّ. ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ما يُفْعَلُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَوْعُودُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِالتِفاتَ وأنَّهُ راجِعٌ إلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“ قِراءَةُ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وحَفْصٍ، وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، وباقِي رُواةِ أبِي عَمْرٍو خَيَّرَ بَيْنَ التّاءِ والياءِ، ومَعْلُومٌ في هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“، كَما عادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”يَتْلُونَ“ وما بَعْدَهُ. وكَفَرَ: يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، يُقالُ: كَفَرَ النِّعْمَةَ، وهُنا ضَمَّنَ مَعْنى حَرَمَ، أيْ: فَلَنْ تُحْرَمُوا ثَوابَهُ، ولَمّا جاءَ وصْفُهُ تَعالى بِأنَّهُ شَكُورٌ في مَعْنى تَوْفِيَةِ الثَّوابِ، نَفى عَنْهُ تَعالى نَقِيضَ الشُّكْرِ وهو كُفْرُ الثَّوابِ، أيْ حِرْمانُهُ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ لَمّا كانَتِ الآيَةُ وارِدَةً فِيمَنِ اتُّصِفَ بِالأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُثِيبُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ ناسَبَ خَتْمَ الآيَةِ بِذِكْرِ عِلْمِهِ بِالمُتَّقِينَ، وإنْ كانَ عالِمًا بِالمُتَّقِينَ وبِضِدِّهِمْ. ومَعْنى عَلِيمٌ بِهِمْ أنَّهُ مُجازِيهِمْ عَلى تَقْواهم، وفي ذَلِكَ وعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُفَرِّطِينَ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ البَقَرَةِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ. وأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ لِيَتَّضِحَ الفَرْقُ بَيْنَ القَبِيلَيْنِ. ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ (p-٣٧)رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ما فَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخَيْرِ فَإنَّهم لا يُحْرَمُونَ ثَوابَهُ، بَلْ يَجْنُونَ في الآخِرَةِ ثَمَرَةَ ما غَرَسُوهُ في الدُّنْيا - أخَذَ في بَيانِ نَفَقَةِ الكافِرِينَ، فَضَرَبَ لَها مَثَلًا اقْتَضى بُطْلانَها وذَهابَها مَجّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ. قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في نَفَقاتِ الكُفّارِ وصَدَقاتِهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: في نَفَقاتِ سَفَلَةِ اليَهُودِ عَلى عُلَمائِهِمْ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُنافِقِينَ إذا خَرَجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ لِحَرْبِ المُشْرِكِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ ما كانُوا يُنْفِقُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ في المَكارِمِ، والمَفاخِرِ، وكَسْبِ الثَّناءِ، وحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النّاسِ، لا يَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ - بِالزَّرْعِ الَّذِي حَسَّهُ البَرْدُ فَصارَ حُطامًا. وقِيلَ: هو ما يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ مَعَ كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: ما أنْفَقُوا في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا بِإنْفاقِهِ ما أنْفَقُوهُ لِأجْلِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ المِثالُ القائِمُ في النَّفْسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النَّفْسِ، مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ، وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ، فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يُنْفِقُونَهُ. والظّاهِرُ تَشْبِيهُ ما يُنْفِقُونَهُ بِالرِّيحِ، والمَعْنى: تَشْبِيهُهُ بِالحَرْثِ. فَقِيلَ: هو مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ لَمْ يُقابَلْ فِيهِ الإفْرادُ بِالإفْرادِ، وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]؛ ولِذَلِكَ قالَ ثَعْلَبٌ: بَدَأ بِالرِّيحِ، والمَعْنى عَلى الحَرْثِ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقِيلَ: وقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، وذَكَرَ أحَدَ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَّيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما ولَيْسَ الَّذِي يُوازِنُ المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنَ. وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ. قالَ: وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإعْجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] . انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِنَ الأوَّلِ تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ مَهْلِكِ ما يُنْفِقُونَ. أوْ مِنَ الثّانِي تَقْدِيرُهُ: كَمَثَلِ مَهْلِكِ رِيحٍ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مَثَلُ إنْفاقِهِمْ، فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ المَعْقُولَ بِالمَحْسُوسِ، إذْ شَبَّهَ الإنْفاقَ بِالرِّيحِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: يُنْفِقُونَ أنَّهُ مِن نَفَقَةِ المالِ. وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ يُنْفِقُونَ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها. ويُضَعِّفُ هَذا أنَّها في الكُفّارِ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ، لا في المُنافِقِينَ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإنْفاقِ هو أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، هي كالرِّيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ أبْطَلَتْ أعْمالَهم، كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ، كَما يُبْطِلُ الرِّيحُ الزَّرْعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ. انْتَهى. وقالَ الرّاغِبُ: ومِنهم مَن قالَ: ما يُنْفِقُونَ عِبارَةٌ عَنْ أعْمالِهِمْ كُلِّها، لَكِنَّهُ خَصَّ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ و أكْثَرَ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ والأعْرَجُ: تُنْفِقُونَ بِالتّاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم، وأفْرَدَ رِيحًا؛ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعَذابِ، كَما أُفْرِدَتْ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ”﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ [الروم: ٥١]“، ”﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]“ ”﴿الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]“ . كَما أنَّ الجَمْعَ مُخْتَصٌّ بِالرَّحْمَةِ ﴿أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]؛ ولِذَلِكَ رُوِيَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» . وارْتِفاعُ (صِرٌّ) عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ، إذْ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ وقْعَ صِفَةٍ لِلرِّيحِ. فَإنْ كانَ الصِّرُّ البَرْدَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، أوْ صَوْتَ لَهِيبِ النّارِ أوْ صَوْتَ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ. فَظاهِرُ كَوْنِ ذَلِكَ في الرِّيحِ. وإنْ كانَ الصِّرُّ صِفَةً لِلرِّيحِ كالصَّرْصَرِ، فالمَعْنى فِيها قِرَّةٌ صِرٌّ، كَما تَقُولُ: بَرْدٌ بارِدٌ، وحُذِفَ المَوْصُوفُ، وقامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ. أوْ تَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ مَجازًا جَعَلَ المَوْصُوفَ ظَرْفًا لِلصِّفَةِ. كَما قالَ: وفي الرَّحْمَنِ كافٍ لِلضُّعَفاءِ. وقَوْلُهم: إنْ ضَيَّعَنِي فُلانٌ فَفي اللَّهِ كافٍ. المَعْنى: الرَّحْمَنُ كافٍ، واللَّهُ كافٍ. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقَوْلُهُ: ”﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرِيحٍ. بَدَأ أوَّلًا بِالوَصْفِ (p-٣٨)بِالمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالوَصْفِ بِالجُمْلَةِ. وقَوْلُهُ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْمٍ. وظاهِرُهُ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمَعاصِيهِمْ، فَكانَ الإهْلاكُ أشَدَّ؛ إذْ كانَ عُقُوبَةً لَهم. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ مَصائِبَ الدُّنْيا إنَّما هي بِمَعاصِي العَبْدِ. ويُسْتَنْبَطُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ حَرْثٍ تَحْرِقُهُ الرِّيحُ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وقِيلَ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم مَعْناهُ زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِّراعَةِ، أيْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أوْ هَيْئَةِ عَمَلٍ. وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الحَرْثَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوْعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، ونَحا إلى هَذا القَوْلِ الَمَهَدَوِيُّ. ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ جَوَّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى المُنْفِقِينَ، أيْ: ما ظَلَمَهم بِأنْ لَمْ تُقْبَلْ نَفَقاتُهم، وأنْ يَعُودَ عَلى أصْحابِ الحَرْثِ أيْ: ما ظَلَمَهم بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعاصِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في ”ظَلَمَهم“ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرَهم في يُنْفِقُونَ، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ، ولا لِتَبَيُّنِ ظُلْمِهِمْ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] . يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ. انْتَهى. وهو تَرْجِيحٌ حَسَنٌ. وقُرِئَ شاذًا: ”ولَكِنَّ“، بِالتَّشْدِيدِ، واسْمُها ”أنْفُسُهم“، والخَبَرُ يَظْلِمُونَ. والمَعْنى: يَظْلِمُونَها هم. وحَسَّنَ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ - وإنْ كانَ الحَذْفُ في مِثْلِهِ قَلِيلًا - كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ، فَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَزالَ هَذا المَعْنى. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ اسْمَ ”لَكِنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وحُذِفَ، وأنْفُسَهم مَفْعُولٌ بِـ ”يَظْلِمُونَ“؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ نَزَلَتْ في رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مِن يَهُودٍ لِلْجِوارِ والحِلْفِ والرَّضاعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والرَّبِيعُ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهم، شَبَّهَ الصِّدِّيقُ الصِّدْقَ بِما يُباشِرُ بَطْنَ الإنْسانِ مِن ثَوْبِهِ. يُقالُ لَهُ: بِطانَةٌ ووَلِيجَةٌ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِكم في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِبِطانَةٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكم، وهُمُ المُسْلِمُونَ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ ”مِن“ بِقَوْلِهِ: ”لا تَتَّخِذُوا“ . وقِيلَ: ”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ بِطانَةِ دُونِكم. والمَعْنى: أنَّهم نُهُوا أنْ يَتَّخِذُوا أصْفِياءَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ. ودَلَّ هَذا النَّهْيُ عَلى المَنعِ مِنِ اسْتِكْتابِ أهْلِ الذِّمَّةِ وتَصْرِيفِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ والِاسْتِنابَةِ إلَيْهِمْ. وقَدْ عَتَبَ عُمَرُ أبا مُوسى عَلى اسْتِكْتابِهِ ذِمِّيًّا، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ. وقَدْ قِيلَ لِعُمَرَ في كاتِبٍ مُجِيدٍ مِن نَصارى الحِيرَةِ: ألا يَكْتُبُ عَنْكَ ؟ فَقالَ: إذَنْ أتَّخِذُ بِطانَةً. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ إذْ جاءَتْ بَيانًا لِحالِ البِطانَةِ الكافِرَةِ هي والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَها؛ لِتَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها صِفَةٌ لِلْبِطانَةِ أوْ حالٌ مِمّا تَعَلَّقَتْ بِهِ ”مِن“ فَبَعِيدٌ عَنْ فَهْمِ الكَلامِ الفَصِيحِ؛ لِأنَّهم نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ كافِرَةٍ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أشْياءَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنِ ابْتِغاءِ الغَوائِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووِدادَةِ مَشَقَّتِهِمْ، وظُهُورِ بُغْضِهِمْ. والتَّقْيِيدُ بِالوَصْفِ أوْ بِالحالِ يُؤْذِنُ بِجَوازِ الِاتِّخاذِ عِنْدَ انْتِفائِهِما، و”ألا“ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، يُقالُ: ما ألَوْتُ في الأمْرِ، أيْ ما قَصَّرْتُ فِيهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”خَبالًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم خَبالَكم، أيْ في خَبالِكِمْ. فَكانَ أصْلُ هَذا المَفْعُولِ حَرْفُ الجَرِّ. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفٍ، التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم في تَخْبِيلِكم. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. (p-٣٩)قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ لا يُقَصِّرُونَ لَكم فِيما فِيهِ الفَسادُ عَلَيْكم. فَعَلى هَذا يَكُونُ قَدْ تَعَدّى لِلضَّمِيرِ عَلى إسْقاطِ اللّامِ، ولِلْخَبالِ عَلى إسْقاطِ ”في“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: ألا في الأمْرِ يَأْلُو، إذا قَصَّرَ فِيهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا، ولا آلُوكَ جُهْدًا، عَلى التَّضْمِينِ. والمَعْنى: لا أمْنَعُكَ نُصْحًا ولا أنْقُصُكَهُ. انْتَهى. ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ودُّوا إضْلالَكم. وقالَ الزَّجّاجُ: مَشَقَّتَكم. وقالَ الرّاغِبُ: المُعانَدَةُ والمُعانَتَةُ يَتَقارَبانِ، لَكِنَّ المُعانَدَةَ هي المُمانَعَةُ، والمُعانَتَةُ أنْ تَتَحَرّى مَعَ المُمانَعَةِ المَشَقَّةَ. انْتَهى. ويُقالُ: عَنِتَ - بِكَسْرِ النُّونِ - وأصْلُهُ انْهِياضُ العَظْمِ بَعْدَ جَبْرِهِ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ما عَنِتُّمْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِبِطانَةٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَأْلُونَكم، و(قَدْ) مَعَهُ مُرادَةٌ. ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”قَدْ“ بَدا ”؛ لِأنَّ الفاعِلَ مُؤَنَّثٌ مَجازًا أوْ عَلى مَعْنى البُغْضِ، أيْ لا يَكْتَفُونَ بِبُغْضِكم بِقُلُوبِهِمْ حَتّى يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ بِأفْواهِهِمْ. وذَكَرَ الأفْواهَ دُونَ الألْسِنَةِ؛ إشْعارًا بِأنَّ ما تَلَفَّظُوا بِهِ يَمْلَأُ أفْواهَهم، كَما يُقالُ: كَلِمَةٌ تَمْلَأُ الفَمَ، إذا تَشَدَّقَ بِها. وقِيلَ: المَعْنى لا يَتَمالَكُونَ مَعَ ضَبْطِهِمْ أنْفُسَهم وتَحامُلَهم عَلَيْها أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بُغْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِن وِدادِهِمْ عَنَتِ المُؤْمِنِينَ، وهو إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ قَلْبِيٍّ، ذَكَرَ ما أنْتَجَهُ ذَلِكَ الفِعْلُ القَلْبِيُّ مِنَ الفِعْلِ البَدَنِيِّ، وهو: ظُهُورُ البُغْضِ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ في أقْوالِهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ كَراهَةِ القُلُوبِ وبَذاذَةِ الألْسُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أبَطَنُوهُ مِنَ الشَّرِّ والإيذاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ والبُغْضِ لَهم أعْظَمُ مِمّا ظَهَرَ مِنهم، فَقالَ: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ أيْ أكْثَرُ مِمّا ظَهَرَ مِنها. والظّاهِرُ أنَّ بُدُوَّ البَغْضاءِ مِنهم هو لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ أظْهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ البُغْضَ. وقالَقَتادَةُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ لِاطِّلاعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: بَدَتْ بِإقْرارِهِمْ بَعْدَ الجُحُودِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُجاهِرِ. وأسْنَدَ الإخْفاءَ إلى الصُّدُورِ مَجازًا؛ إذْ هي مَحالُّ القُلُوبِ الَّتِي تُخْفى كَما قالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ في الدِّينِ، ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، ومُعاداةِ الكُفّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ ما بَيَّنَ لَكم فَعَمِلْتُمْ بِهِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم عُقَلاءُ، لَكِنْ عَلَّقَهُ عَلى هَذا الشَّرْطِ عَلى سَبِيلِ الهَزِّ لِلنُّفُوسِ كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَلا تُصافُوهم، بَلْ عامِلُوهم مُعامَلَةَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مَعْنى“ إنْ ”مَعْنى“ إذْ ”، أيْ إذْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ. ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِها“ أنْتُمْ أُولاءِ ”في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران: ٦٦] قِراءَةً وإعْرابًا. وتَلْخِيصُهُ هُنا أنْ يَكُونَ أُولاءِ خَبَرًا عَنْ أنْتُمْ، وتُحِبُّونَهم مُسْتَأْنَفٌ أوْ حالٌ أوْ صِلَةٌ، عَلى أنْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مَوْصُولًا أوْ خَبَرًا لِـ“ أنْتَمِ ”و“ أُولاءِ ”مُنادى، أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مُبْتَدَأً ثانِيًا، و“ تُحِبُّونَهم ”خَبَرًا عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَحْوَ: أنا زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، فَيَكُونُ مِنَ الِاشْتِغالِ. واسْمُ الإشارَةِ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ واقِعٌ عَلى غَيْرِ ما وقَعَ عَلَيْهِ أنْتُمْ؛ لِأنَّ أنْتُمْ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، و“ أُولاءِ " إشارَةٌ إلى الكافِرِينَ. وفي الأوْجُهِ السّابِقَةِ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ أنْتُمْ واحِدٌ. (p-٤٠)وهُوَ: المُؤْمِنُونَ. وعَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ في تُحِبُّونَهم، لا يَنْعَقِدُ مِمّا قَبْلَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ إلّا بِإضْمارِ وصْفٍ تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، إذْ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم. بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ، حَيْثُ يَبْذُلُونَ المَحَبَّةَ لِمَن يَبْغَضُهم، وضَمِيرُ المَفْعُولِ في تُحِبُّونَهم قالُوا: لِمُنافِقِي اليَهُودِ. وفي الزَّمَخْشَرِيِّ: لِمُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى بِطانَةٍ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، فَهو كُلُّ مُنافِقٍ حَتّى مُنافِقِ المُشْرِكِينَ. والمَحَبَّةُ هُنا: المَيْلُ بِالطَّبْعِ لِمَوْضِعِ القَرابَةِ والرَّضاعِ والحِلْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ لِأجْلِ إظْهارِ الإيمانِ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الرَّحْمَةُ لَهم لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ المَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إرادَةُ الإسْلامِ لَهم، قالَهُ المُفَضَّلُ والزَّجّاجِ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ تَوْبِيخٌ عَلى مَعْنى إرادَةِ إسْلامِ الكافِرِ أوِ المُصافاةِ؛ لِأنَّها مِن ثَمَرَةِ المَحَبَّةِ.

آل عمران 3:115

﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] . الآناءُ: السّاعاتُ. وفي مُفْرَدِها لُغاتٌ: أنْيٌ كَمَعْيٌ، وأنى كَفَتى، وأنّى كَنَحّى، وأنْيٌ كَظَبْيٍ، وأنْوٌ كَجَرْوٍ. الصَّرُّ: البَرْدُ الشَّدِيدُ المُحْرِقُ. وقِيلَ: البارِدُ بِمَعْنى الصَّرْصَرُ كَما قالَ: ؎لا تَعْدِلَنَّ أتاوِيِّينَ تَضْرِ بُهم نَكْباءَ صَرٍّ بِأصْحابِ المَحَلّاتِ وقالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ: ؎ولَمْ يَغْلِبِ الخَصْمَ الألَدَّ ويَمْلَأ الــــجِـفانَ ∗∗∗ سَدِيفًا يَوْمَ نَكْباءَ صَرْصَرِ (p-٣٣)وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو صَوْتُ لَهَبِ النّارِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، مِنَ الصَّرِيرِ. وهو الصَّوْتُ مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَّيْءُ، ومِنهُ الرِّيحُ الصَّرْصَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: والصَّرُّ صَوْتُ النّارِ الَّتِي في الرِّيحِ. البِطانَةُ في الثَّوْبِ بِإزاءِ الظِّهارَةِ، ويُسْتَعارُ لِمَن يَخْتَصُّهُ الإنْسانُ كالشِّعارِ والدِّثارِ. يُقالُ: بَطَنَ فُلانٌ مِن فُلانٍ بُطُونًا وبِطانَةٍ إذا كانَ خاصًّا بِهِ، داخِلًا في أمْرِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُولَئِكَ خُلْصانِي نَعَمْ وبِطانَتِي ∗∗∗ وهم عَيْبَتِي مِن دُونِ كُلِّ قَرِيبِ ألَوْتُ في الأمْرِ: قَصَّرْتُ فِيهِ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎سَعى بَعْدَهم قَوْمٌ لِكَيْ يُدْرِكُوهُمُ ∗∗∗ فَلَمْ يَفْعَلُوا ولَمْ يَلِيمُوا لَمْ يَأْلُوا أيْ لَمْ يُقَصِّرُوا. الخَبالُ والخَبَلُ: الفَسادُ الَّذِي يَلْحَقُ الحَيَوانَ. يُقالُ: في قَوائِمِ الفَرَسِ خَبَلٌ وخَبالٌ أيْ فَسادٌ مِن جِهَةِ الِاضْطِرابِ والخَبَلِ والجُنُونِ. ويُقالُ: خَبَلُهُ الحُبُّ أيْ أفْسَدَهُ. البَغْضاءُ: مَصْدَرٌ كالسَّرّاءِ والبَأْساءِ، يُقالُ: بُغِضَ الرَّجُلُ فَهو بَغِيضٌ، وأبْغَضْتُهُ أنا اشْتَدَّتْ كَراهَتِي لَهُ. الأفْواهُ: مَعْرُوفَةٌ، والواحِدُ مِنها في الأصْلِ فُوهٌ. ولَمْ تَنْطِقْ بِهِ العَرَبُ، بَلْ قالَتْ: فَمٌ. وفي الفَمِ لُغاتٌ تِسْعٌ ذُكِرَتْ في بَعْضِ كُتُبِ النَّحْوِ. العَضُّ: وضْعُ الأسْنانِ عَلى الشَّيْءِ بِقُوَّةِ، والفِعْلُ مِنهُ عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهو بِالضّادِ. فَأمّا عَظُّ الزَّمانَ وعَظُّ الحَرْبِ فَهو بِالظّاءِ أُخْتِ الطّاءِ، قالَ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ والعُضُّ - بِضَمِّ العَيْنِ - عَلَفُ أهْلِ الأمْصارِ، مِثْلُ الكَسْبِ والنَّوى المَرْضُوضِ. يُقالُ مِنهُ: أعَضَّ القَوْمُ، إذا أكَلَ إبِلُهُمُ العَضَّ. وبَعِيرٌ عُضاضِيٌّ أيْ سَمِينٌ، كَأنَّهُ مَنسُوبٌ إلَيْهِ. والعِضُّ - بِالكَسْرِ -: الدّاهِيَةُ مِنَ الرِّجالِ. الأنامِلُ: جَمْعُ أُنْمُلَةٍ، ويُقالُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّها، وهي أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ عِيسى: أصْلُها النَّمْلُ المَعْرُوفُ، وهي مُشَبَّهَةٌ بِهِ في الدِّقَّةِ والتَّصَرُّفِ بِالحَرَكَةِ. ومِنهُ رَجُلٌ نَمِلٌ: أيْ نَمّامٌ. الغَيْضُ: مَصْدَرُ غاضَ، وغَيْضُ اسْمُ عَلَمٍ. الفَرَحُ: مَعْرُوفٌ، يُقالُ مِنهُ: فَرِحٌ بِكَسْرِ العَيْنِ. الكَيْدُ: المَكْرُ، كادَهُ يَكِيدُهُ، مَكَرَ بِهِ، وهو الِاحْتِيالُ بِالباطِلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُهُ المَشَقَّةُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ، أيْ يُعالِجُ مَشَقّاتِ النَّزْعِ وسَكَراتِ المَوْتِ. ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ سَبَبُ النُّزُولِ إسْلامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ، وقَوْلُ الكُفّارِ مِن أحْبارِهِمْ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والواوُ في ”﴿لَيْسُوا﴾“ هي لِأهْلِ الكِتابِ السّابِقِ ذِكْرِهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] والأصَحُّ: أنَّ الواوَ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، ”وسَواءً“ خَبَرُ لَيْسَ. والمَعْنى: لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِينَ، بَلْ مِنهم مَن آمَنَ بِكِتابِهِ وبِالقُرْآنِ مِمَّنْ أدْرَكَ شَرِيعَةَ الإسْلامِ، أوْ كانَ عَلى اسْتِقامَةٍ فَماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَها. ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الفَرّاءُ: أُمَّةٌ مُرْتَفِعَةٌ بِسَواءٍ، أيْ لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ، ودَلَّ عَلَيْها القِسْمُ الأوَّلُ كَقَوْلِهِ: ؎عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ ∗∗∗ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها التَّقْدِيرُ: أمْ غَيٌّ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ”أرُشْدٌ“، وقالَ: ؎أراكَ فَما أدْرِي أهَمٌّ ضَمَمْتُهُ ∗∗∗ وذُو الهَمِّ قِدْمًا خاشِعٌ مُتَضائِلُ التَّقْدِيرُ: أمْ غَيْرُهُ. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّ المُساواةَ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: ”﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ [الحج: ٢٥]“ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ [الجاثية: ٢١] ”. ويَضْعُفُ قَوْلُ الفَرّاءِ مِن حَيْثُ الحَذْفِ. ومِن حَيْثُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذِ التَّقْدِيرُ: (p-٣٤)لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ كَذا، وأُمَّةٌ كافِرَةٌ. وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ: إلى أنَّ الواوَ في“ لَيْسُوا ”عَلامَةُ جَمْعٍ لا ضَمِيرٌ، مِثْلُها في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يَلُومُونَنِي في شِراءِ النَّخِيـ ∗∗∗ ـلِ قَوْمِي وكُلُّهُمُ ألْوَمُ واسْمُ لَيْسَ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ لَيْسَ سَواءٌ، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةً كافِرَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ خَطَأٌ مَرْدُودٌ. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الخَطَأِ، وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ اسْمَ لَيْسَ هو“ ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”فَقَطْ، وأنَّهُ لا مَحْذُوفَ. ثُمَّ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ تَفاوُتُ الأُمَّةِ القائِمَةِ التّالِيَةِ، فَإذا قُدِّرَ ثَمَّ مَحْذُوفٌ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ خَطَأً مَرْدُودًا. قِيلَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ هو عَلى لُغَةِ“ أكَلُونِي البَراغِيثُ ”، وهي لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، والعَرَبُ عَلى خِلافِها، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْها مَعَ ما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ. انْتَهى. وقَدْ نازَعَ السُّهَيْلِيُّ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِهِمْ: إنَّها لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وكَثِيرًا ما جاءَتْ في الحَدِيثِ. والإعْرابُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وهو أنْ يَكُونَ“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”مُسْتَأْنَفَ بَيانٍ لِانْتِفاءِ التَّسْوِيَةِ، كَما جاءَ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٧١] بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى. وأُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ، مِن أقَمْتُ العُودَ فَقامَ، أيِ اسْتَقامَ. قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: عادِلَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللَّهِ وحُدُودِهِ، مُهْتَدِيَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: قانِتَةٌ مُطِيعَةٌ، وكُلُّها راجِعٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والسُّدِّيُّ: الضَّمِيرُ في لَيْسُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ إذْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اليَهُودِ وذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ:“ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] ”. والكِتابُ عَلى هَذا القَوْلِ جِنْسُ كُتُبِ اللَّهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”- أهْلُ القُرْآنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أهْلِ الكِتابِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ لِتَوالِي الضَّمائِرِ عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ ضَمِيرُ لَيْسُوا. وقالَ عَطاءٌ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”الآيَةَ، يُرِيدُ أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ نَجْرانَ مِنَ العَرَبِ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً مِنَ الرُّومِ، كانُوا عَلى دِينِ عِيسى وصَدَّقُوا مُحَمَّدًا ﷺ . وكانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ مُوَحِّدِينَ ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ، ويَقُومُونَ بِما عَرَفُوا مِن شَرائِعِ الحَنِيفِيَّةِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى جاءَهم مِنهُ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ، والبَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وقَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ بْنِ أنَسٍ. ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ وصَفَ الأُمَّةَ القائِمَةَ بِأنَّها تالِيَةُ آياتِ اللَّهِ، وعَبَّرَ بِالتِّلاوَةِ في ساعاتِ اللَّيْلِ عَنِ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ. وقَوْلُهُ: وهم يَسْجُدُونَ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْضًا مَعْطُوفَةٌ عَلى“ يَتْلُونَ ”، وصَفَهم بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ وبِالسُّجُودِ. فَتِلاوَةُ القُرْآنِ في القِيامِ، وأمّا السُّجُودُ فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ التِّلاوَةُ. وجاءَتِ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةٌ لِتَدُلَّ عَلى التَّوْكِيدِ بِتَكَرُّرِ الضَّمِيرِ وهو“ هم ”والواوُ في“ يَسْجُدُونَ ”، إذْ أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. وأخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالمُضارِعِ، وجاءَتِ الصِّفَةُ الأوْلى بِالمُضارِعِ أيْضًا لِتَدُلَّ عَلى التَّجَدُّدِ، وعُطِفَتِ الثّانِيَةُ عَلى الأوْلى بِالواوِ لِتُشْعِرَ بِأنَّ تِلْكَ التِّلاوَةَ كانَتْ في صَلاةٍ، فَلَمْ تَكُنِ التِّلاوَةُ وحْدَها ولا السُّجُودُ وحْدَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ:“ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ”أنَّها جَمِيعُ ساعاتِ اللَّيْلِ. فَيَبْعُدُ صُدُورُ ذَلِكَ - أعْنِي التِّلاوَةَ والسُّجُودَ - مِن كُلِّ شَخْصٍ شَخَصَ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ مِن جَماعَةٍ؛ إذْ بَعْضُ النّاسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَّيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ اسْتِيعابُ ساعاتِ اللَّيْلِ بِالقِيامِ في تِلاوَةِ القُرْآنِ والسُّجُودِ، وعَلى هَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وعَرَفُ النّاسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُّلُثِ الأخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، والقائِمُ طُولَ اللَّيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصّالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ القَصْدَ في ذَلِكَ في أوَّلِ المُزَّمِّلِ. وآناءُ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ. قالَهُ الرَّبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. وقالَ السُّدِّيُّ: جَوْفُهُ وهو مِن إطْلاقِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ، إذِ الجَوْفُ فَرْدٌ مِنَ الجَمْعِ. وعَنْ مَنصُورٍ: أنَّها نَزَلَتْ في المُصَلِّينِ بَيْنَ (p-٣٥)العِشاءَيْنِ، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ﴾ . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّها صَلاةُ العَتْمَةِ. وذَكَرَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها هو احْتِباكُ النَّبِيِّ ﷺ في صَلاةِ العَتَمَةِ، وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى اللَّيْلُ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ:“ أبْشِرُوا، فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ ”؛ ولِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ قَوْلَهُ:“ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ ”عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وهَذِهِ الأُمَّةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ:“ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ ”أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ السُّجُودُ في الصَّلاةِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنهُ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّكُوعِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والفَرّاءُ والزُّجاجُ؛ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في الرُّكُوعِ ولا في السُّجُودِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالصَّلاةِ. وقِيلَ: سُجُودُ التِّلاوَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالسُّجُودِ الخُشُوعُ والخُضُوعُ. وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عَنْهم أيْضًا أنَّهم أهْلُ سُجُودٍ، ويُحَسِّنُهُ أنْ كانَتِ التِّلاوَةُ في غَيْرِ صَلاةٍ. ويَكُونُ أيْضًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ في غَيْرِ صَلاةٍ نَعْتًا عُدِّدَ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ. وأجازَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: وهم يَسْجُدُونَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (قائِمَةٌ)، وحالًا مِن (أُمَّةٌ)؛ لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ بِـ (قائِمَةٌ) . فَتَلَخَّصَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما أنَّها لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، بِأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. والقَوْلُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ ويَكُونُ رَفْعًا بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أوْ بِأنْ يَكُونَ نَصْبًا، بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتْلُونَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في قائِمَةٍ، أوْ مِن أُمَّةٍ. ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى التَّرْغِيبِ في قِيامِ اللَّيْلِ، وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩] ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] . وفي الحَدِيثِ: «يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ، كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَهُ»، وفِيهِ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لا يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ“» وغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي شَيْبَةَ كانَ يَدْرُسُ الكُتُبَ، قالَ: إنّا نَجِدُ كَلامًا مِن كَلامِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ: أيَحْسَبُ راعِي إبِلٍ وغَنَمٍ إذا جَنَّهُ اللَّيْلُ انْجَدَلَ كَمَن هو قائِمٌ وساجِدُ اللَّيْلِ. (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ والآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ المُسارَعَةُ في الخَيْرِ ناشِئَةٌ عَنْ فَرْطِ الرَّغْبَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ مَن رَغِبَ في أمْرٍ بادَرَ إلَيْهِ وإلى القِيامِ بِهِ، وآثَرَ الفَوْرَ عَلى التَّراخِي. وجاءَ في الحَدِيثِ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ» . وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم إذا دَعَوْا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ، وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ، وعِبادَةِ اللَّهِ - بادَرُوا إلى فِعْلِهِ. والظّاهِرُ في ”يُؤْمِنُونَ“ أنْ يَكُونَ صِفَةً أيْ: تالِيَةٌ مُؤْمِنَةٌ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْجُدُونَ“، وأنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ السُّجُودِ. قِيلَ: لِأنَّ السُّجُودَ بِمَعْنى الإيمانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفَهم بِخَصائِصَ ما كانَتْ في اليَهُودِ مِن تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ ساجِدِينَ، ومِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ إيمانَهم بِهِ كَلا إيمانٍ؛ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ، ومِنَ الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِخِلافِ صِفَتِهِ، ومِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُداهِنِينَ، ومِنَ المُسارَعَةِ في الخَيْراتِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُتَباطِئِينَ عَنْها غَيْرَ راغِبِينَ فِيها. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ وصَفَها بِصِفاتٍ سِتٍّ، إحْداها: أنَّها قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ عَلى النَّهْجِ القَوِيمِ. ولَمّا كانَتِ الِاسْتِقامَةُ وصْفًا ثابِتًا لَها لا يَتَغَيَّرُ جاءَ بِاسْمِ الفاعِلِ. الثّانِيَةُ: الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتِّلاوَةِ والسُّجُودِ، وهي العِبادَةُ الَّتِي يَظْهَرُ بِها الخُلُوُّ لِمُناجاةِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ. الثّالِثَةُ: الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهو الحامِلُ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، (p-٣٦)وذَكَرَ اليَوْمَ الآخِرَ؛ لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ آثارِ عِبادَةِ اللَّهِ مِنَ الجَزاءِ الجَزِيلِ. وتَضَمَّنَ الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ الإيمانَ بِالأنْبِياءِ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ أخْبَرُوا بِكَيْنُونَةِ هَذا الجائِزِ في العَقْلِ ووُقُوعِهِ، فَصارَ الإيمانُ بِهِ واجِبًا. الرّابِعَةُ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ. الخامِسَةُ: النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، لَمّا كَمِلُوا في أنْفُسِهِمْ سَعَوْا في تَكْمِيلِ غَيْرِهِمْ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. السّادِسَةُ: المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ، وهي صِفَةٌ تَشْمَلُ أفْعالَهُمُ المُخْتَصَّةَ بِهِمْ، والأفْعالَ المُتَعَدِّيَةَ مِنهم إلى غَيْرِهِمْ. وهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ ناشِئَةٌ أيْضًا عَنِ الإيمانِ، فانْظُرْ إلى حُسْنِ سِياقِ هَذِهِ الصِّفاتِ حَيْثُ تَوَسَّطَ الإيمانُ، وتَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ المُخْتَصَّةُ بِالإنْسانِ في ذاتِهِ وهي الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ، وتَأخَّرَتْ عَنْهُ الصِّفَتانِ المُتَعَدِّيَتانِ والصِّفَةُ المُشْتَرِكَةُ، وكُلُّها نَتائِجُ عَنِ الإيمانِ. ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ هَذِهِ إشارَةٌ إلى مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ السِّتَّ، أيْ وأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الَّذِينَ صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالصّالِحِينَ المُسْلِمِينَ. انْتَهى. ويُشْبِهُ قَوْلُهُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وفِيما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدُ: بَلْ الظّاهِرُ أنَّ في الوَصْفِ بِالصَّلاحِ زِيادَةٌ عَلى الوَصْفِ بِالإسْلامِ؛ ولِذَلِكَ سَألَ هَذِهِ الرُّتْبَةَ بَعْضُ الأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢] وقالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ: ﴿وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] . وقالَ: ﴿والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] . و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ. انْتَهى. ولَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ فِيهِ إبْهامٌ فَيَبِينَ جِنْسُهُ. ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ. واخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هو مَرْدُودٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ ومَعْدُولِهِ. وقالَ مَكِّيٌّ: التّاءُ فِيها عُمُومٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، لَمّا وصَفَهم بِأوْصافٍ جَلِيلَةٍ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ تَأْنِيسًا لَهم واسْتِعْطافًا عَلَيْهِمْ، فَخاطَبَهم بِأنَّ ما تَفْعَلُونَ مِنَ الخَيْرِ فَلا تُمْنَعُونَ ثَوابَهُ؛ ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: مِن خَيْرٍ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ عَطْفٍ عَلَيْهِمْ وتَرَحُّمٍ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الشَّرِّ. ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ما يُفْعَلُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَوْعُودُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِالتِفاتَ وأنَّهُ راجِعٌ إلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“ قِراءَةُ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وحَفْصٍ، وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، وباقِي رُواةِ أبِي عَمْرٍو خَيَّرَ بَيْنَ التّاءِ والياءِ، ومَعْلُومٌ في هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“، كَما عادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”يَتْلُونَ“ وما بَعْدَهُ. وكَفَرَ: يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، يُقالُ: كَفَرَ النِّعْمَةَ، وهُنا ضَمَّنَ مَعْنى حَرَمَ، أيْ: فَلَنْ تُحْرَمُوا ثَوابَهُ، ولَمّا جاءَ وصْفُهُ تَعالى بِأنَّهُ شَكُورٌ في مَعْنى تَوْفِيَةِ الثَّوابِ، نَفى عَنْهُ تَعالى نَقِيضَ الشُّكْرِ وهو كُفْرُ الثَّوابِ، أيْ حِرْمانُهُ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ لَمّا كانَتِ الآيَةُ وارِدَةً فِيمَنِ اتُّصِفَ بِالأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُثِيبُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ ناسَبَ خَتْمَ الآيَةِ بِذِكْرِ عِلْمِهِ بِالمُتَّقِينَ، وإنْ كانَ عالِمًا بِالمُتَّقِينَ وبِضِدِّهِمْ. ومَعْنى عَلِيمٌ بِهِمْ أنَّهُ مُجازِيهِمْ عَلى تَقْواهم، وفي ذَلِكَ وعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُفَرِّطِينَ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ البَقَرَةِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ. وأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ لِيَتَّضِحَ الفَرْقُ بَيْنَ القَبِيلَيْنِ. ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ (p-٣٧)رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ما فَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخَيْرِ فَإنَّهم لا يُحْرَمُونَ ثَوابَهُ، بَلْ يَجْنُونَ في الآخِرَةِ ثَمَرَةَ ما غَرَسُوهُ في الدُّنْيا - أخَذَ في بَيانِ نَفَقَةِ الكافِرِينَ، فَضَرَبَ لَها مَثَلًا اقْتَضى بُطْلانَها وذَهابَها مَجّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ. قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في نَفَقاتِ الكُفّارِ وصَدَقاتِهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: في نَفَقاتِ سَفَلَةِ اليَهُودِ عَلى عُلَمائِهِمْ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُنافِقِينَ إذا خَرَجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ لِحَرْبِ المُشْرِكِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ ما كانُوا يُنْفِقُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ في المَكارِمِ، والمَفاخِرِ، وكَسْبِ الثَّناءِ، وحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النّاسِ، لا يَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ - بِالزَّرْعِ الَّذِي حَسَّهُ البَرْدُ فَصارَ حُطامًا. وقِيلَ: هو ما يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ مَعَ كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: ما أنْفَقُوا في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا بِإنْفاقِهِ ما أنْفَقُوهُ لِأجْلِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ المِثالُ القائِمُ في النَّفْسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النَّفْسِ، مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ، وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ، فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يُنْفِقُونَهُ. والظّاهِرُ تَشْبِيهُ ما يُنْفِقُونَهُ بِالرِّيحِ، والمَعْنى: تَشْبِيهُهُ بِالحَرْثِ. فَقِيلَ: هو مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ لَمْ يُقابَلْ فِيهِ الإفْرادُ بِالإفْرادِ، وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]؛ ولِذَلِكَ قالَ ثَعْلَبٌ: بَدَأ بِالرِّيحِ، والمَعْنى عَلى الحَرْثِ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقِيلَ: وقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، وذَكَرَ أحَدَ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَّيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما ولَيْسَ الَّذِي يُوازِنُ المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنَ. وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ. قالَ: وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإعْجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] . انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِنَ الأوَّلِ تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ مَهْلِكِ ما يُنْفِقُونَ. أوْ مِنَ الثّانِي تَقْدِيرُهُ: كَمَثَلِ مَهْلِكِ رِيحٍ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مَثَلُ إنْفاقِهِمْ، فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ المَعْقُولَ بِالمَحْسُوسِ، إذْ شَبَّهَ الإنْفاقَ بِالرِّيحِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: يُنْفِقُونَ أنَّهُ مِن نَفَقَةِ المالِ. وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ يُنْفِقُونَ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها. ويُضَعِّفُ هَذا أنَّها في الكُفّارِ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ، لا في المُنافِقِينَ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإنْفاقِ هو أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، هي كالرِّيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ أبْطَلَتْ أعْمالَهم، كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ، كَما يُبْطِلُ الرِّيحُ الزَّرْعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ. انْتَهى. وقالَ الرّاغِبُ: ومِنهم مَن قالَ: ما يُنْفِقُونَ عِبارَةٌ عَنْ أعْمالِهِمْ كُلِّها، لَكِنَّهُ خَصَّ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ و أكْثَرَ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ والأعْرَجُ: تُنْفِقُونَ بِالتّاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم، وأفْرَدَ رِيحًا؛ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعَذابِ، كَما أُفْرِدَتْ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ”﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ [الروم: ٥١]“، ”﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]“ ”﴿الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]“ . كَما أنَّ الجَمْعَ مُخْتَصٌّ بِالرَّحْمَةِ ﴿أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]؛ ولِذَلِكَ رُوِيَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» . وارْتِفاعُ (صِرٌّ) عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ، إذْ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ وقْعَ صِفَةٍ لِلرِّيحِ. فَإنْ كانَ الصِّرُّ البَرْدَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، أوْ صَوْتَ لَهِيبِ النّارِ أوْ صَوْتَ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ. فَظاهِرُ كَوْنِ ذَلِكَ في الرِّيحِ. وإنْ كانَ الصِّرُّ صِفَةً لِلرِّيحِ كالصَّرْصَرِ، فالمَعْنى فِيها قِرَّةٌ صِرٌّ، كَما تَقُولُ: بَرْدٌ بارِدٌ، وحُذِفَ المَوْصُوفُ، وقامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ. أوْ تَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ مَجازًا جَعَلَ المَوْصُوفَ ظَرْفًا لِلصِّفَةِ. كَما قالَ: وفي الرَّحْمَنِ كافٍ لِلضُّعَفاءِ. وقَوْلُهم: إنْ ضَيَّعَنِي فُلانٌ فَفي اللَّهِ كافٍ. المَعْنى: الرَّحْمَنُ كافٍ، واللَّهُ كافٍ. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقَوْلُهُ: ”﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرِيحٍ. بَدَأ أوَّلًا بِالوَصْفِ (p-٣٨)بِالمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالوَصْفِ بِالجُمْلَةِ. وقَوْلُهُ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْمٍ. وظاهِرُهُ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمَعاصِيهِمْ، فَكانَ الإهْلاكُ أشَدَّ؛ إذْ كانَ عُقُوبَةً لَهم. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ مَصائِبَ الدُّنْيا إنَّما هي بِمَعاصِي العَبْدِ. ويُسْتَنْبَطُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ حَرْثٍ تَحْرِقُهُ الرِّيحُ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وقِيلَ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم مَعْناهُ زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِّراعَةِ، أيْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أوْ هَيْئَةِ عَمَلٍ. وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الحَرْثَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوْعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، ونَحا إلى هَذا القَوْلِ الَمَهَدَوِيُّ. ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ جَوَّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى المُنْفِقِينَ، أيْ: ما ظَلَمَهم بِأنْ لَمْ تُقْبَلْ نَفَقاتُهم، وأنْ يَعُودَ عَلى أصْحابِ الحَرْثِ أيْ: ما ظَلَمَهم بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعاصِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في ”ظَلَمَهم“ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرَهم في يُنْفِقُونَ، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ، ولا لِتَبَيُّنِ ظُلْمِهِمْ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] . يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ. انْتَهى. وهو تَرْجِيحٌ حَسَنٌ. وقُرِئَ شاذًا: ”ولَكِنَّ“، بِالتَّشْدِيدِ، واسْمُها ”أنْفُسُهم“، والخَبَرُ يَظْلِمُونَ. والمَعْنى: يَظْلِمُونَها هم. وحَسَّنَ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ - وإنْ كانَ الحَذْفُ في مِثْلِهِ قَلِيلًا - كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ، فَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَزالَ هَذا المَعْنى. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ اسْمَ ”لَكِنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وحُذِفَ، وأنْفُسَهم مَفْعُولٌ بِـ ”يَظْلِمُونَ“؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ نَزَلَتْ في رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مِن يَهُودٍ لِلْجِوارِ والحِلْفِ والرَّضاعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والرَّبِيعُ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهم، شَبَّهَ الصِّدِّيقُ الصِّدْقَ بِما يُباشِرُ بَطْنَ الإنْسانِ مِن ثَوْبِهِ. يُقالُ لَهُ: بِطانَةٌ ووَلِيجَةٌ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِكم في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِبِطانَةٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكم، وهُمُ المُسْلِمُونَ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ ”مِن“ بِقَوْلِهِ: ”لا تَتَّخِذُوا“ . وقِيلَ: ”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ بِطانَةِ دُونِكم. والمَعْنى: أنَّهم نُهُوا أنْ يَتَّخِذُوا أصْفِياءَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ. ودَلَّ هَذا النَّهْيُ عَلى المَنعِ مِنِ اسْتِكْتابِ أهْلِ الذِّمَّةِ وتَصْرِيفِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ والِاسْتِنابَةِ إلَيْهِمْ. وقَدْ عَتَبَ عُمَرُ أبا مُوسى عَلى اسْتِكْتابِهِ ذِمِّيًّا، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ. وقَدْ قِيلَ لِعُمَرَ في كاتِبٍ مُجِيدٍ مِن نَصارى الحِيرَةِ: ألا يَكْتُبُ عَنْكَ ؟ فَقالَ: إذَنْ أتَّخِذُ بِطانَةً. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ إذْ جاءَتْ بَيانًا لِحالِ البِطانَةِ الكافِرَةِ هي والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَها؛ لِتَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها صِفَةٌ لِلْبِطانَةِ أوْ حالٌ مِمّا تَعَلَّقَتْ بِهِ ”مِن“ فَبَعِيدٌ عَنْ فَهْمِ الكَلامِ الفَصِيحِ؛ لِأنَّهم نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ كافِرَةٍ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أشْياءَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنِ ابْتِغاءِ الغَوائِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووِدادَةِ مَشَقَّتِهِمْ، وظُهُورِ بُغْضِهِمْ. والتَّقْيِيدُ بِالوَصْفِ أوْ بِالحالِ يُؤْذِنُ بِجَوازِ الِاتِّخاذِ عِنْدَ انْتِفائِهِما، و”ألا“ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، يُقالُ: ما ألَوْتُ في الأمْرِ، أيْ ما قَصَّرْتُ فِيهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”خَبالًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم خَبالَكم، أيْ في خَبالِكِمْ. فَكانَ أصْلُ هَذا المَفْعُولِ حَرْفُ الجَرِّ. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفٍ، التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم في تَخْبِيلِكم. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. (p-٣٩)قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ لا يُقَصِّرُونَ لَكم فِيما فِيهِ الفَسادُ عَلَيْكم. فَعَلى هَذا يَكُونُ قَدْ تَعَدّى لِلضَّمِيرِ عَلى إسْقاطِ اللّامِ، ولِلْخَبالِ عَلى إسْقاطِ ”في“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: ألا في الأمْرِ يَأْلُو، إذا قَصَّرَ فِيهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا، ولا آلُوكَ جُهْدًا، عَلى التَّضْمِينِ. والمَعْنى: لا أمْنَعُكَ نُصْحًا ولا أنْقُصُكَهُ. انْتَهى. ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ودُّوا إضْلالَكم. وقالَ الزَّجّاجُ: مَشَقَّتَكم. وقالَ الرّاغِبُ: المُعانَدَةُ والمُعانَتَةُ يَتَقارَبانِ، لَكِنَّ المُعانَدَةَ هي المُمانَعَةُ، والمُعانَتَةُ أنْ تَتَحَرّى مَعَ المُمانَعَةِ المَشَقَّةَ. انْتَهى. ويُقالُ: عَنِتَ - بِكَسْرِ النُّونِ - وأصْلُهُ انْهِياضُ العَظْمِ بَعْدَ جَبْرِهِ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ما عَنِتُّمْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِبِطانَةٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَأْلُونَكم، و(قَدْ) مَعَهُ مُرادَةٌ. ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”قَدْ“ بَدا ”؛ لِأنَّ الفاعِلَ مُؤَنَّثٌ مَجازًا أوْ عَلى مَعْنى البُغْضِ، أيْ لا يَكْتَفُونَ بِبُغْضِكم بِقُلُوبِهِمْ حَتّى يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ بِأفْواهِهِمْ. وذَكَرَ الأفْواهَ دُونَ الألْسِنَةِ؛ إشْعارًا بِأنَّ ما تَلَفَّظُوا بِهِ يَمْلَأُ أفْواهَهم، كَما يُقالُ: كَلِمَةٌ تَمْلَأُ الفَمَ، إذا تَشَدَّقَ بِها. وقِيلَ: المَعْنى لا يَتَمالَكُونَ مَعَ ضَبْطِهِمْ أنْفُسَهم وتَحامُلَهم عَلَيْها أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بُغْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِن وِدادِهِمْ عَنَتِ المُؤْمِنِينَ، وهو إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ قَلْبِيٍّ، ذَكَرَ ما أنْتَجَهُ ذَلِكَ الفِعْلُ القَلْبِيُّ مِنَ الفِعْلِ البَدَنِيِّ، وهو: ظُهُورُ البُغْضِ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ في أقْوالِهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ كَراهَةِ القُلُوبِ وبَذاذَةِ الألْسُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أبَطَنُوهُ مِنَ الشَّرِّ والإيذاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ والبُغْضِ لَهم أعْظَمُ مِمّا ظَهَرَ مِنهم، فَقالَ: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ أيْ أكْثَرُ مِمّا ظَهَرَ مِنها. والظّاهِرُ أنَّ بُدُوَّ البَغْضاءِ مِنهم هو لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ أظْهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ البُغْضَ. وقالَقَتادَةُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ لِاطِّلاعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: بَدَتْ بِإقْرارِهِمْ بَعْدَ الجُحُودِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُجاهِرِ. وأسْنَدَ الإخْفاءَ إلى الصُّدُورِ مَجازًا؛ إذْ هي مَحالُّ القُلُوبِ الَّتِي تُخْفى كَما قالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ في الدِّينِ، ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، ومُعاداةِ الكُفّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ ما بَيَّنَ لَكم فَعَمِلْتُمْ بِهِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم عُقَلاءُ، لَكِنْ عَلَّقَهُ عَلى هَذا الشَّرْطِ عَلى سَبِيلِ الهَزِّ لِلنُّفُوسِ كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَلا تُصافُوهم، بَلْ عامِلُوهم مُعامَلَةَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مَعْنى“ إنْ ”مَعْنى“ إذْ ”، أيْ إذْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ. ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِها“ أنْتُمْ أُولاءِ ”في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران: ٦٦] قِراءَةً وإعْرابًا. وتَلْخِيصُهُ هُنا أنْ يَكُونَ أُولاءِ خَبَرًا عَنْ أنْتُمْ، وتُحِبُّونَهم مُسْتَأْنَفٌ أوْ حالٌ أوْ صِلَةٌ، عَلى أنْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مَوْصُولًا أوْ خَبَرًا لِـ“ أنْتَمِ ”و“ أُولاءِ ”مُنادى، أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مُبْتَدَأً ثانِيًا، و“ تُحِبُّونَهم ”خَبَرًا عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَحْوَ: أنا زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، فَيَكُونُ مِنَ الِاشْتِغالِ. واسْمُ الإشارَةِ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ واقِعٌ عَلى غَيْرِ ما وقَعَ عَلَيْهِ أنْتُمْ؛ لِأنَّ أنْتُمْ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، و“ أُولاءِ " إشارَةٌ إلى الكافِرِينَ. وفي الأوْجُهِ السّابِقَةِ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ أنْتُمْ واحِدٌ. (p-٤٠)وهُوَ: المُؤْمِنُونَ. وعَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ في تُحِبُّونَهم، لا يَنْعَقِدُ مِمّا قَبْلَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ إلّا بِإضْمارِ وصْفٍ تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، إذْ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم. بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ، حَيْثُ يَبْذُلُونَ المَحَبَّةَ لِمَن يَبْغَضُهم، وضَمِيرُ المَفْعُولِ في تُحِبُّونَهم قالُوا: لِمُنافِقِي اليَهُودِ. وفي الزَّمَخْشَرِيِّ: لِمُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى بِطانَةٍ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، فَهو كُلُّ مُنافِقٍ حَتّى مُنافِقِ المُشْرِكِينَ. والمَحَبَّةُ هُنا: المَيْلُ بِالطَّبْعِ لِمَوْضِعِ القَرابَةِ والرَّضاعِ والحِلْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ لِأجْلِ إظْهارِ الإيمانِ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الرَّحْمَةُ لَهم لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ المَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إرادَةُ الإسْلامِ لَهم، قالَهُ المُفَضَّلُ والزَّجّاجِ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ تَوْبِيخٌ عَلى مَعْنى إرادَةِ إسْلامِ الكافِرِ أوِ المُصافاةِ؛ لِأنَّها مِن ثَمَرَةِ المَحَبَّةِ.

آل عمران 3:116

﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] . الآناءُ: السّاعاتُ. وفي مُفْرَدِها لُغاتٌ: أنْيٌ كَمَعْيٌ، وأنى كَفَتى، وأنّى كَنَحّى، وأنْيٌ كَظَبْيٍ، وأنْوٌ كَجَرْوٍ. الصَّرُّ: البَرْدُ الشَّدِيدُ المُحْرِقُ. وقِيلَ: البارِدُ بِمَعْنى الصَّرْصَرُ كَما قالَ: ؎لا تَعْدِلَنَّ أتاوِيِّينَ تَضْرِ بُهم نَكْباءَ صَرٍّ بِأصْحابِ المَحَلّاتِ وقالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ: ؎ولَمْ يَغْلِبِ الخَصْمَ الألَدَّ ويَمْلَأ الــــجِـفانَ ∗∗∗ سَدِيفًا يَوْمَ نَكْباءَ صَرْصَرِ (p-٣٣)وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو صَوْتُ لَهَبِ النّارِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، مِنَ الصَّرِيرِ. وهو الصَّوْتُ مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَّيْءُ، ومِنهُ الرِّيحُ الصَّرْصَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: والصَّرُّ صَوْتُ النّارِ الَّتِي في الرِّيحِ. البِطانَةُ في الثَّوْبِ بِإزاءِ الظِّهارَةِ، ويُسْتَعارُ لِمَن يَخْتَصُّهُ الإنْسانُ كالشِّعارِ والدِّثارِ. يُقالُ: بَطَنَ فُلانٌ مِن فُلانٍ بُطُونًا وبِطانَةٍ إذا كانَ خاصًّا بِهِ، داخِلًا في أمْرِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُولَئِكَ خُلْصانِي نَعَمْ وبِطانَتِي ∗∗∗ وهم عَيْبَتِي مِن دُونِ كُلِّ قَرِيبِ ألَوْتُ في الأمْرِ: قَصَّرْتُ فِيهِ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎سَعى بَعْدَهم قَوْمٌ لِكَيْ يُدْرِكُوهُمُ ∗∗∗ فَلَمْ يَفْعَلُوا ولَمْ يَلِيمُوا لَمْ يَأْلُوا أيْ لَمْ يُقَصِّرُوا. الخَبالُ والخَبَلُ: الفَسادُ الَّذِي يَلْحَقُ الحَيَوانَ. يُقالُ: في قَوائِمِ الفَرَسِ خَبَلٌ وخَبالٌ أيْ فَسادٌ مِن جِهَةِ الِاضْطِرابِ والخَبَلِ والجُنُونِ. ويُقالُ: خَبَلُهُ الحُبُّ أيْ أفْسَدَهُ. البَغْضاءُ: مَصْدَرٌ كالسَّرّاءِ والبَأْساءِ، يُقالُ: بُغِضَ الرَّجُلُ فَهو بَغِيضٌ، وأبْغَضْتُهُ أنا اشْتَدَّتْ كَراهَتِي لَهُ. الأفْواهُ: مَعْرُوفَةٌ، والواحِدُ مِنها في الأصْلِ فُوهٌ. ولَمْ تَنْطِقْ بِهِ العَرَبُ، بَلْ قالَتْ: فَمٌ. وفي الفَمِ لُغاتٌ تِسْعٌ ذُكِرَتْ في بَعْضِ كُتُبِ النَّحْوِ. العَضُّ: وضْعُ الأسْنانِ عَلى الشَّيْءِ بِقُوَّةِ، والفِعْلُ مِنهُ عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهو بِالضّادِ. فَأمّا عَظُّ الزَّمانَ وعَظُّ الحَرْبِ فَهو بِالظّاءِ أُخْتِ الطّاءِ، قالَ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ والعُضُّ - بِضَمِّ العَيْنِ - عَلَفُ أهْلِ الأمْصارِ، مِثْلُ الكَسْبِ والنَّوى المَرْضُوضِ. يُقالُ مِنهُ: أعَضَّ القَوْمُ، إذا أكَلَ إبِلُهُمُ العَضَّ. وبَعِيرٌ عُضاضِيٌّ أيْ سَمِينٌ، كَأنَّهُ مَنسُوبٌ إلَيْهِ. والعِضُّ - بِالكَسْرِ -: الدّاهِيَةُ مِنَ الرِّجالِ. الأنامِلُ: جَمْعُ أُنْمُلَةٍ، ويُقالُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّها، وهي أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ عِيسى: أصْلُها النَّمْلُ المَعْرُوفُ، وهي مُشَبَّهَةٌ بِهِ في الدِّقَّةِ والتَّصَرُّفِ بِالحَرَكَةِ. ومِنهُ رَجُلٌ نَمِلٌ: أيْ نَمّامٌ. الغَيْضُ: مَصْدَرُ غاضَ، وغَيْضُ اسْمُ عَلَمٍ. الفَرَحُ: مَعْرُوفٌ، يُقالُ مِنهُ: فَرِحٌ بِكَسْرِ العَيْنِ. الكَيْدُ: المَكْرُ، كادَهُ يَكِيدُهُ، مَكَرَ بِهِ، وهو الِاحْتِيالُ بِالباطِلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُهُ المَشَقَّةُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ، أيْ يُعالِجُ مَشَقّاتِ النَّزْعِ وسَكَراتِ المَوْتِ. ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ سَبَبُ النُّزُولِ إسْلامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ، وقَوْلُ الكُفّارِ مِن أحْبارِهِمْ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والواوُ في ”﴿لَيْسُوا﴾“ هي لِأهْلِ الكِتابِ السّابِقِ ذِكْرِهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] والأصَحُّ: أنَّ الواوَ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، ”وسَواءً“ خَبَرُ لَيْسَ. والمَعْنى: لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِينَ، بَلْ مِنهم مَن آمَنَ بِكِتابِهِ وبِالقُرْآنِ مِمَّنْ أدْرَكَ شَرِيعَةَ الإسْلامِ، أوْ كانَ عَلى اسْتِقامَةٍ فَماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَها. ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الفَرّاءُ: أُمَّةٌ مُرْتَفِعَةٌ بِسَواءٍ، أيْ لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ، ودَلَّ عَلَيْها القِسْمُ الأوَّلُ كَقَوْلِهِ: ؎عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ ∗∗∗ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها التَّقْدِيرُ: أمْ غَيٌّ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ”أرُشْدٌ“، وقالَ: ؎أراكَ فَما أدْرِي أهَمٌّ ضَمَمْتُهُ ∗∗∗ وذُو الهَمِّ قِدْمًا خاشِعٌ مُتَضائِلُ التَّقْدِيرُ: أمْ غَيْرُهُ. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّ المُساواةَ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: ”﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ [الحج: ٢٥]“ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ [الجاثية: ٢١] ”. ويَضْعُفُ قَوْلُ الفَرّاءِ مِن حَيْثُ الحَذْفِ. ومِن حَيْثُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذِ التَّقْدِيرُ: (p-٣٤)لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ كَذا، وأُمَّةٌ كافِرَةٌ. وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ: إلى أنَّ الواوَ في“ لَيْسُوا ”عَلامَةُ جَمْعٍ لا ضَمِيرٌ، مِثْلُها في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يَلُومُونَنِي في شِراءِ النَّخِيـ ∗∗∗ ـلِ قَوْمِي وكُلُّهُمُ ألْوَمُ واسْمُ لَيْسَ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ لَيْسَ سَواءٌ، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةً كافِرَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ خَطَأٌ مَرْدُودٌ. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الخَطَأِ، وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ اسْمَ لَيْسَ هو“ ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”فَقَطْ، وأنَّهُ لا مَحْذُوفَ. ثُمَّ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ تَفاوُتُ الأُمَّةِ القائِمَةِ التّالِيَةِ، فَإذا قُدِّرَ ثَمَّ مَحْذُوفٌ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ خَطَأً مَرْدُودًا. قِيلَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ هو عَلى لُغَةِ“ أكَلُونِي البَراغِيثُ ”، وهي لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، والعَرَبُ عَلى خِلافِها، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْها مَعَ ما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ. انْتَهى. وقَدْ نازَعَ السُّهَيْلِيُّ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِهِمْ: إنَّها لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وكَثِيرًا ما جاءَتْ في الحَدِيثِ. والإعْرابُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وهو أنْ يَكُونَ“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”مُسْتَأْنَفَ بَيانٍ لِانْتِفاءِ التَّسْوِيَةِ، كَما جاءَ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٧١] بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى. وأُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ، مِن أقَمْتُ العُودَ فَقامَ، أيِ اسْتَقامَ. قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: عادِلَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللَّهِ وحُدُودِهِ، مُهْتَدِيَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: قانِتَةٌ مُطِيعَةٌ، وكُلُّها راجِعٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والسُّدِّيُّ: الضَّمِيرُ في لَيْسُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ إذْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اليَهُودِ وذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ:“ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] ”. والكِتابُ عَلى هَذا القَوْلِ جِنْسُ كُتُبِ اللَّهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”- أهْلُ القُرْآنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أهْلِ الكِتابِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ لِتَوالِي الضَّمائِرِ عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ ضَمِيرُ لَيْسُوا. وقالَ عَطاءٌ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”الآيَةَ، يُرِيدُ أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ نَجْرانَ مِنَ العَرَبِ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً مِنَ الرُّومِ، كانُوا عَلى دِينِ عِيسى وصَدَّقُوا مُحَمَّدًا ﷺ . وكانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ مُوَحِّدِينَ ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ، ويَقُومُونَ بِما عَرَفُوا مِن شَرائِعِ الحَنِيفِيَّةِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى جاءَهم مِنهُ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ، والبَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وقَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ بْنِ أنَسٍ. ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ وصَفَ الأُمَّةَ القائِمَةَ بِأنَّها تالِيَةُ آياتِ اللَّهِ، وعَبَّرَ بِالتِّلاوَةِ في ساعاتِ اللَّيْلِ عَنِ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ. وقَوْلُهُ: وهم يَسْجُدُونَ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْضًا مَعْطُوفَةٌ عَلى“ يَتْلُونَ ”، وصَفَهم بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ وبِالسُّجُودِ. فَتِلاوَةُ القُرْآنِ في القِيامِ، وأمّا السُّجُودُ فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ التِّلاوَةُ. وجاءَتِ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةٌ لِتَدُلَّ عَلى التَّوْكِيدِ بِتَكَرُّرِ الضَّمِيرِ وهو“ هم ”والواوُ في“ يَسْجُدُونَ ”، إذْ أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. وأخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالمُضارِعِ، وجاءَتِ الصِّفَةُ الأوْلى بِالمُضارِعِ أيْضًا لِتَدُلَّ عَلى التَّجَدُّدِ، وعُطِفَتِ الثّانِيَةُ عَلى الأوْلى بِالواوِ لِتُشْعِرَ بِأنَّ تِلْكَ التِّلاوَةَ كانَتْ في صَلاةٍ، فَلَمْ تَكُنِ التِّلاوَةُ وحْدَها ولا السُّجُودُ وحْدَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ:“ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ”أنَّها جَمِيعُ ساعاتِ اللَّيْلِ. فَيَبْعُدُ صُدُورُ ذَلِكَ - أعْنِي التِّلاوَةَ والسُّجُودَ - مِن كُلِّ شَخْصٍ شَخَصَ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ مِن جَماعَةٍ؛ إذْ بَعْضُ النّاسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَّيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ اسْتِيعابُ ساعاتِ اللَّيْلِ بِالقِيامِ في تِلاوَةِ القُرْآنِ والسُّجُودِ، وعَلى هَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وعَرَفُ النّاسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُّلُثِ الأخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، والقائِمُ طُولَ اللَّيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصّالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ القَصْدَ في ذَلِكَ في أوَّلِ المُزَّمِّلِ. وآناءُ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ. قالَهُ الرَّبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. وقالَ السُّدِّيُّ: جَوْفُهُ وهو مِن إطْلاقِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ، إذِ الجَوْفُ فَرْدٌ مِنَ الجَمْعِ. وعَنْ مَنصُورٍ: أنَّها نَزَلَتْ في المُصَلِّينِ بَيْنَ (p-٣٥)العِشاءَيْنِ، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ﴾ . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّها صَلاةُ العَتْمَةِ. وذَكَرَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها هو احْتِباكُ النَّبِيِّ ﷺ في صَلاةِ العَتَمَةِ، وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى اللَّيْلُ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ:“ أبْشِرُوا، فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ ”؛ ولِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ قَوْلَهُ:“ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ ”عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وهَذِهِ الأُمَّةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ:“ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ ”أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ السُّجُودُ في الصَّلاةِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنهُ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّكُوعِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والفَرّاءُ والزُّجاجُ؛ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في الرُّكُوعِ ولا في السُّجُودِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالصَّلاةِ. وقِيلَ: سُجُودُ التِّلاوَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالسُّجُودِ الخُشُوعُ والخُضُوعُ. وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عَنْهم أيْضًا أنَّهم أهْلُ سُجُودٍ، ويُحَسِّنُهُ أنْ كانَتِ التِّلاوَةُ في غَيْرِ صَلاةٍ. ويَكُونُ أيْضًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ في غَيْرِ صَلاةٍ نَعْتًا عُدِّدَ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ. وأجازَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: وهم يَسْجُدُونَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (قائِمَةٌ)، وحالًا مِن (أُمَّةٌ)؛ لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ بِـ (قائِمَةٌ) . فَتَلَخَّصَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما أنَّها لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، بِأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. والقَوْلُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ ويَكُونُ رَفْعًا بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أوْ بِأنْ يَكُونَ نَصْبًا، بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتْلُونَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في قائِمَةٍ، أوْ مِن أُمَّةٍ. ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى التَّرْغِيبِ في قِيامِ اللَّيْلِ، وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩] ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] . وفي الحَدِيثِ: «يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ، كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَهُ»، وفِيهِ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لا يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ“» وغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي شَيْبَةَ كانَ يَدْرُسُ الكُتُبَ، قالَ: إنّا نَجِدُ كَلامًا مِن كَلامِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ: أيَحْسَبُ راعِي إبِلٍ وغَنَمٍ إذا جَنَّهُ اللَّيْلُ انْجَدَلَ كَمَن هو قائِمٌ وساجِدُ اللَّيْلِ. (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ والآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ المُسارَعَةُ في الخَيْرِ ناشِئَةٌ عَنْ فَرْطِ الرَّغْبَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ مَن رَغِبَ في أمْرٍ بادَرَ إلَيْهِ وإلى القِيامِ بِهِ، وآثَرَ الفَوْرَ عَلى التَّراخِي. وجاءَ في الحَدِيثِ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ» . وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم إذا دَعَوْا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ، وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ، وعِبادَةِ اللَّهِ - بادَرُوا إلى فِعْلِهِ. والظّاهِرُ في ”يُؤْمِنُونَ“ أنْ يَكُونَ صِفَةً أيْ: تالِيَةٌ مُؤْمِنَةٌ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْجُدُونَ“، وأنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ السُّجُودِ. قِيلَ: لِأنَّ السُّجُودَ بِمَعْنى الإيمانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفَهم بِخَصائِصَ ما كانَتْ في اليَهُودِ مِن تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ ساجِدِينَ، ومِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ إيمانَهم بِهِ كَلا إيمانٍ؛ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ، ومِنَ الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِخِلافِ صِفَتِهِ، ومِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُداهِنِينَ، ومِنَ المُسارَعَةِ في الخَيْراتِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُتَباطِئِينَ عَنْها غَيْرَ راغِبِينَ فِيها. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ وصَفَها بِصِفاتٍ سِتٍّ، إحْداها: أنَّها قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ عَلى النَّهْجِ القَوِيمِ. ولَمّا كانَتِ الِاسْتِقامَةُ وصْفًا ثابِتًا لَها لا يَتَغَيَّرُ جاءَ بِاسْمِ الفاعِلِ. الثّانِيَةُ: الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتِّلاوَةِ والسُّجُودِ، وهي العِبادَةُ الَّتِي يَظْهَرُ بِها الخُلُوُّ لِمُناجاةِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ. الثّالِثَةُ: الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهو الحامِلُ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، (p-٣٦)وذَكَرَ اليَوْمَ الآخِرَ؛ لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ آثارِ عِبادَةِ اللَّهِ مِنَ الجَزاءِ الجَزِيلِ. وتَضَمَّنَ الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ الإيمانَ بِالأنْبِياءِ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ أخْبَرُوا بِكَيْنُونَةِ هَذا الجائِزِ في العَقْلِ ووُقُوعِهِ، فَصارَ الإيمانُ بِهِ واجِبًا. الرّابِعَةُ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ. الخامِسَةُ: النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، لَمّا كَمِلُوا في أنْفُسِهِمْ سَعَوْا في تَكْمِيلِ غَيْرِهِمْ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. السّادِسَةُ: المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ، وهي صِفَةٌ تَشْمَلُ أفْعالَهُمُ المُخْتَصَّةَ بِهِمْ، والأفْعالَ المُتَعَدِّيَةَ مِنهم إلى غَيْرِهِمْ. وهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ ناشِئَةٌ أيْضًا عَنِ الإيمانِ، فانْظُرْ إلى حُسْنِ سِياقِ هَذِهِ الصِّفاتِ حَيْثُ تَوَسَّطَ الإيمانُ، وتَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ المُخْتَصَّةُ بِالإنْسانِ في ذاتِهِ وهي الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ، وتَأخَّرَتْ عَنْهُ الصِّفَتانِ المُتَعَدِّيَتانِ والصِّفَةُ المُشْتَرِكَةُ، وكُلُّها نَتائِجُ عَنِ الإيمانِ. ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ هَذِهِ إشارَةٌ إلى مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ السِّتَّ، أيْ وأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الَّذِينَ صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالصّالِحِينَ المُسْلِمِينَ. انْتَهى. ويُشْبِهُ قَوْلُهُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وفِيما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدُ: بَلْ الظّاهِرُ أنَّ في الوَصْفِ بِالصَّلاحِ زِيادَةٌ عَلى الوَصْفِ بِالإسْلامِ؛ ولِذَلِكَ سَألَ هَذِهِ الرُّتْبَةَ بَعْضُ الأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢] وقالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ: ﴿وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] . وقالَ: ﴿والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] . و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ. انْتَهى. ولَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ فِيهِ إبْهامٌ فَيَبِينَ جِنْسُهُ. ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ. واخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هو مَرْدُودٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ ومَعْدُولِهِ. وقالَ مَكِّيٌّ: التّاءُ فِيها عُمُومٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، لَمّا وصَفَهم بِأوْصافٍ جَلِيلَةٍ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ تَأْنِيسًا لَهم واسْتِعْطافًا عَلَيْهِمْ، فَخاطَبَهم بِأنَّ ما تَفْعَلُونَ مِنَ الخَيْرِ فَلا تُمْنَعُونَ ثَوابَهُ؛ ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: مِن خَيْرٍ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ عَطْفٍ عَلَيْهِمْ وتَرَحُّمٍ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الشَّرِّ. ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ما يُفْعَلُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَوْعُودُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِالتِفاتَ وأنَّهُ راجِعٌ إلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“ قِراءَةُ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وحَفْصٍ، وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، وباقِي رُواةِ أبِي عَمْرٍو خَيَّرَ بَيْنَ التّاءِ والياءِ، ومَعْلُومٌ في هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“، كَما عادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”يَتْلُونَ“ وما بَعْدَهُ. وكَفَرَ: يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، يُقالُ: كَفَرَ النِّعْمَةَ، وهُنا ضَمَّنَ مَعْنى حَرَمَ، أيْ: فَلَنْ تُحْرَمُوا ثَوابَهُ، ولَمّا جاءَ وصْفُهُ تَعالى بِأنَّهُ شَكُورٌ في مَعْنى تَوْفِيَةِ الثَّوابِ، نَفى عَنْهُ تَعالى نَقِيضَ الشُّكْرِ وهو كُفْرُ الثَّوابِ، أيْ حِرْمانُهُ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ لَمّا كانَتِ الآيَةُ وارِدَةً فِيمَنِ اتُّصِفَ بِالأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُثِيبُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ ناسَبَ خَتْمَ الآيَةِ بِذِكْرِ عِلْمِهِ بِالمُتَّقِينَ، وإنْ كانَ عالِمًا بِالمُتَّقِينَ وبِضِدِّهِمْ. ومَعْنى عَلِيمٌ بِهِمْ أنَّهُ مُجازِيهِمْ عَلى تَقْواهم، وفي ذَلِكَ وعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُفَرِّطِينَ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ البَقَرَةِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ. وأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ لِيَتَّضِحَ الفَرْقُ بَيْنَ القَبِيلَيْنِ. ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ (p-٣٧)رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ما فَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخَيْرِ فَإنَّهم لا يُحْرَمُونَ ثَوابَهُ، بَلْ يَجْنُونَ في الآخِرَةِ ثَمَرَةَ ما غَرَسُوهُ في الدُّنْيا - أخَذَ في بَيانِ نَفَقَةِ الكافِرِينَ، فَضَرَبَ لَها مَثَلًا اقْتَضى بُطْلانَها وذَهابَها مَجّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ. قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في نَفَقاتِ الكُفّارِ وصَدَقاتِهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: في نَفَقاتِ سَفَلَةِ اليَهُودِ عَلى عُلَمائِهِمْ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُنافِقِينَ إذا خَرَجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ لِحَرْبِ المُشْرِكِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ ما كانُوا يُنْفِقُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ في المَكارِمِ، والمَفاخِرِ، وكَسْبِ الثَّناءِ، وحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النّاسِ، لا يَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ - بِالزَّرْعِ الَّذِي حَسَّهُ البَرْدُ فَصارَ حُطامًا. وقِيلَ: هو ما يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ مَعَ كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: ما أنْفَقُوا في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا بِإنْفاقِهِ ما أنْفَقُوهُ لِأجْلِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ المِثالُ القائِمُ في النَّفْسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النَّفْسِ، مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ، وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ، فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يُنْفِقُونَهُ. والظّاهِرُ تَشْبِيهُ ما يُنْفِقُونَهُ بِالرِّيحِ، والمَعْنى: تَشْبِيهُهُ بِالحَرْثِ. فَقِيلَ: هو مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ لَمْ يُقابَلْ فِيهِ الإفْرادُ بِالإفْرادِ، وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]؛ ولِذَلِكَ قالَ ثَعْلَبٌ: بَدَأ بِالرِّيحِ، والمَعْنى عَلى الحَرْثِ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقِيلَ: وقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، وذَكَرَ أحَدَ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَّيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما ولَيْسَ الَّذِي يُوازِنُ المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنَ. وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ. قالَ: وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإعْجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] . انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِنَ الأوَّلِ تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ مَهْلِكِ ما يُنْفِقُونَ. أوْ مِنَ الثّانِي تَقْدِيرُهُ: كَمَثَلِ مَهْلِكِ رِيحٍ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مَثَلُ إنْفاقِهِمْ، فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ المَعْقُولَ بِالمَحْسُوسِ، إذْ شَبَّهَ الإنْفاقَ بِالرِّيحِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: يُنْفِقُونَ أنَّهُ مِن نَفَقَةِ المالِ. وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ يُنْفِقُونَ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها. ويُضَعِّفُ هَذا أنَّها في الكُفّارِ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ، لا في المُنافِقِينَ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإنْفاقِ هو أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، هي كالرِّيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ أبْطَلَتْ أعْمالَهم، كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ، كَما يُبْطِلُ الرِّيحُ الزَّرْعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ. انْتَهى. وقالَ الرّاغِبُ: ومِنهم مَن قالَ: ما يُنْفِقُونَ عِبارَةٌ عَنْ أعْمالِهِمْ كُلِّها، لَكِنَّهُ خَصَّ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ و أكْثَرَ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ والأعْرَجُ: تُنْفِقُونَ بِالتّاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم، وأفْرَدَ رِيحًا؛ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعَذابِ، كَما أُفْرِدَتْ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ”﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ [الروم: ٥١]“، ”﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]“ ”﴿الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]“ . كَما أنَّ الجَمْعَ مُخْتَصٌّ بِالرَّحْمَةِ ﴿أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]؛ ولِذَلِكَ رُوِيَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» . وارْتِفاعُ (صِرٌّ) عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ، إذْ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ وقْعَ صِفَةٍ لِلرِّيحِ. فَإنْ كانَ الصِّرُّ البَرْدَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، أوْ صَوْتَ لَهِيبِ النّارِ أوْ صَوْتَ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ. فَظاهِرُ كَوْنِ ذَلِكَ في الرِّيحِ. وإنْ كانَ الصِّرُّ صِفَةً لِلرِّيحِ كالصَّرْصَرِ، فالمَعْنى فِيها قِرَّةٌ صِرٌّ، كَما تَقُولُ: بَرْدٌ بارِدٌ، وحُذِفَ المَوْصُوفُ، وقامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ. أوْ تَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ مَجازًا جَعَلَ المَوْصُوفَ ظَرْفًا لِلصِّفَةِ. كَما قالَ: وفي الرَّحْمَنِ كافٍ لِلضُّعَفاءِ. وقَوْلُهم: إنْ ضَيَّعَنِي فُلانٌ فَفي اللَّهِ كافٍ. المَعْنى: الرَّحْمَنُ كافٍ، واللَّهُ كافٍ. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقَوْلُهُ: ”﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرِيحٍ. بَدَأ أوَّلًا بِالوَصْفِ (p-٣٨)بِالمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالوَصْفِ بِالجُمْلَةِ. وقَوْلُهُ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْمٍ. وظاهِرُهُ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمَعاصِيهِمْ، فَكانَ الإهْلاكُ أشَدَّ؛ إذْ كانَ عُقُوبَةً لَهم. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ مَصائِبَ الدُّنْيا إنَّما هي بِمَعاصِي العَبْدِ. ويُسْتَنْبَطُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ حَرْثٍ تَحْرِقُهُ الرِّيحُ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وقِيلَ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم مَعْناهُ زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِّراعَةِ، أيْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أوْ هَيْئَةِ عَمَلٍ. وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الحَرْثَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوْعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، ونَحا إلى هَذا القَوْلِ الَمَهَدَوِيُّ. ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ جَوَّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى المُنْفِقِينَ، أيْ: ما ظَلَمَهم بِأنْ لَمْ تُقْبَلْ نَفَقاتُهم، وأنْ يَعُودَ عَلى أصْحابِ الحَرْثِ أيْ: ما ظَلَمَهم بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعاصِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في ”ظَلَمَهم“ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرَهم في يُنْفِقُونَ، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ، ولا لِتَبَيُّنِ ظُلْمِهِمْ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] . يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ. انْتَهى. وهو تَرْجِيحٌ حَسَنٌ. وقُرِئَ شاذًا: ”ولَكِنَّ“، بِالتَّشْدِيدِ، واسْمُها ”أنْفُسُهم“، والخَبَرُ يَظْلِمُونَ. والمَعْنى: يَظْلِمُونَها هم. وحَسَّنَ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ - وإنْ كانَ الحَذْفُ في مِثْلِهِ قَلِيلًا - كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ، فَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَزالَ هَذا المَعْنى. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ اسْمَ ”لَكِنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وحُذِفَ، وأنْفُسَهم مَفْعُولٌ بِـ ”يَظْلِمُونَ“؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ نَزَلَتْ في رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مِن يَهُودٍ لِلْجِوارِ والحِلْفِ والرَّضاعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والرَّبِيعُ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهم، شَبَّهَ الصِّدِّيقُ الصِّدْقَ بِما يُباشِرُ بَطْنَ الإنْسانِ مِن ثَوْبِهِ. يُقالُ لَهُ: بِطانَةٌ ووَلِيجَةٌ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِكم في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِبِطانَةٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكم، وهُمُ المُسْلِمُونَ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ ”مِن“ بِقَوْلِهِ: ”لا تَتَّخِذُوا“ . وقِيلَ: ”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ بِطانَةِ دُونِكم. والمَعْنى: أنَّهم نُهُوا أنْ يَتَّخِذُوا أصْفِياءَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ. ودَلَّ هَذا النَّهْيُ عَلى المَنعِ مِنِ اسْتِكْتابِ أهْلِ الذِّمَّةِ وتَصْرِيفِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ والِاسْتِنابَةِ إلَيْهِمْ. وقَدْ عَتَبَ عُمَرُ أبا مُوسى عَلى اسْتِكْتابِهِ ذِمِّيًّا، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ. وقَدْ قِيلَ لِعُمَرَ في كاتِبٍ مُجِيدٍ مِن نَصارى الحِيرَةِ: ألا يَكْتُبُ عَنْكَ ؟ فَقالَ: إذَنْ أتَّخِذُ بِطانَةً. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ إذْ جاءَتْ بَيانًا لِحالِ البِطانَةِ الكافِرَةِ هي والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَها؛ لِتَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها صِفَةٌ لِلْبِطانَةِ أوْ حالٌ مِمّا تَعَلَّقَتْ بِهِ ”مِن“ فَبَعِيدٌ عَنْ فَهْمِ الكَلامِ الفَصِيحِ؛ لِأنَّهم نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ كافِرَةٍ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أشْياءَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنِ ابْتِغاءِ الغَوائِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووِدادَةِ مَشَقَّتِهِمْ، وظُهُورِ بُغْضِهِمْ. والتَّقْيِيدُ بِالوَصْفِ أوْ بِالحالِ يُؤْذِنُ بِجَوازِ الِاتِّخاذِ عِنْدَ انْتِفائِهِما، و”ألا“ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، يُقالُ: ما ألَوْتُ في الأمْرِ، أيْ ما قَصَّرْتُ فِيهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”خَبالًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم خَبالَكم، أيْ في خَبالِكِمْ. فَكانَ أصْلُ هَذا المَفْعُولِ حَرْفُ الجَرِّ. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفٍ، التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم في تَخْبِيلِكم. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. (p-٣٩)قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ لا يُقَصِّرُونَ لَكم فِيما فِيهِ الفَسادُ عَلَيْكم. فَعَلى هَذا يَكُونُ قَدْ تَعَدّى لِلضَّمِيرِ عَلى إسْقاطِ اللّامِ، ولِلْخَبالِ عَلى إسْقاطِ ”في“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: ألا في الأمْرِ يَأْلُو، إذا قَصَّرَ فِيهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا، ولا آلُوكَ جُهْدًا، عَلى التَّضْمِينِ. والمَعْنى: لا أمْنَعُكَ نُصْحًا ولا أنْقُصُكَهُ. انْتَهى. ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ودُّوا إضْلالَكم. وقالَ الزَّجّاجُ: مَشَقَّتَكم. وقالَ الرّاغِبُ: المُعانَدَةُ والمُعانَتَةُ يَتَقارَبانِ، لَكِنَّ المُعانَدَةَ هي المُمانَعَةُ، والمُعانَتَةُ أنْ تَتَحَرّى مَعَ المُمانَعَةِ المَشَقَّةَ. انْتَهى. ويُقالُ: عَنِتَ - بِكَسْرِ النُّونِ - وأصْلُهُ انْهِياضُ العَظْمِ بَعْدَ جَبْرِهِ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ما عَنِتُّمْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِبِطانَةٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَأْلُونَكم، و(قَدْ) مَعَهُ مُرادَةٌ. ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”قَدْ“ بَدا ”؛ لِأنَّ الفاعِلَ مُؤَنَّثٌ مَجازًا أوْ عَلى مَعْنى البُغْضِ، أيْ لا يَكْتَفُونَ بِبُغْضِكم بِقُلُوبِهِمْ حَتّى يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ بِأفْواهِهِمْ. وذَكَرَ الأفْواهَ دُونَ الألْسِنَةِ؛ إشْعارًا بِأنَّ ما تَلَفَّظُوا بِهِ يَمْلَأُ أفْواهَهم، كَما يُقالُ: كَلِمَةٌ تَمْلَأُ الفَمَ، إذا تَشَدَّقَ بِها. وقِيلَ: المَعْنى لا يَتَمالَكُونَ مَعَ ضَبْطِهِمْ أنْفُسَهم وتَحامُلَهم عَلَيْها أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بُغْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِن وِدادِهِمْ عَنَتِ المُؤْمِنِينَ، وهو إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ قَلْبِيٍّ، ذَكَرَ ما أنْتَجَهُ ذَلِكَ الفِعْلُ القَلْبِيُّ مِنَ الفِعْلِ البَدَنِيِّ، وهو: ظُهُورُ البُغْضِ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ في أقْوالِهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ كَراهَةِ القُلُوبِ وبَذاذَةِ الألْسُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أبَطَنُوهُ مِنَ الشَّرِّ والإيذاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ والبُغْضِ لَهم أعْظَمُ مِمّا ظَهَرَ مِنهم، فَقالَ: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ أيْ أكْثَرُ مِمّا ظَهَرَ مِنها. والظّاهِرُ أنَّ بُدُوَّ البَغْضاءِ مِنهم هو لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ أظْهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ البُغْضَ. وقالَقَتادَةُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ لِاطِّلاعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: بَدَتْ بِإقْرارِهِمْ بَعْدَ الجُحُودِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُجاهِرِ. وأسْنَدَ الإخْفاءَ إلى الصُّدُورِ مَجازًا؛ إذْ هي مَحالُّ القُلُوبِ الَّتِي تُخْفى كَما قالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ في الدِّينِ، ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، ومُعاداةِ الكُفّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ ما بَيَّنَ لَكم فَعَمِلْتُمْ بِهِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم عُقَلاءُ، لَكِنْ عَلَّقَهُ عَلى هَذا الشَّرْطِ عَلى سَبِيلِ الهَزِّ لِلنُّفُوسِ كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَلا تُصافُوهم، بَلْ عامِلُوهم مُعامَلَةَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مَعْنى“ إنْ ”مَعْنى“ إذْ ”، أيْ إذْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ. ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِها“ أنْتُمْ أُولاءِ ”في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران: ٦٦] قِراءَةً وإعْرابًا. وتَلْخِيصُهُ هُنا أنْ يَكُونَ أُولاءِ خَبَرًا عَنْ أنْتُمْ، وتُحِبُّونَهم مُسْتَأْنَفٌ أوْ حالٌ أوْ صِلَةٌ، عَلى أنْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مَوْصُولًا أوْ خَبَرًا لِـ“ أنْتَمِ ”و“ أُولاءِ ”مُنادى، أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مُبْتَدَأً ثانِيًا، و“ تُحِبُّونَهم ”خَبَرًا عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَحْوَ: أنا زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، فَيَكُونُ مِنَ الِاشْتِغالِ. واسْمُ الإشارَةِ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ واقِعٌ عَلى غَيْرِ ما وقَعَ عَلَيْهِ أنْتُمْ؛ لِأنَّ أنْتُمْ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، و“ أُولاءِ " إشارَةٌ إلى الكافِرِينَ. وفي الأوْجُهِ السّابِقَةِ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ أنْتُمْ واحِدٌ. (p-٤٠)وهُوَ: المُؤْمِنُونَ. وعَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ في تُحِبُّونَهم، لا يَنْعَقِدُ مِمّا قَبْلَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ إلّا بِإضْمارِ وصْفٍ تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، إذْ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم. بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ، حَيْثُ يَبْذُلُونَ المَحَبَّةَ لِمَن يَبْغَضُهم، وضَمِيرُ المَفْعُولِ في تُحِبُّونَهم قالُوا: لِمُنافِقِي اليَهُودِ. وفي الزَّمَخْشَرِيِّ: لِمُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى بِطانَةٍ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، فَهو كُلُّ مُنافِقٍ حَتّى مُنافِقِ المُشْرِكِينَ. والمَحَبَّةُ هُنا: المَيْلُ بِالطَّبْعِ لِمَوْضِعِ القَرابَةِ والرَّضاعِ والحِلْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ لِأجْلِ إظْهارِ الإيمانِ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الرَّحْمَةُ لَهم لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ المَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إرادَةُ الإسْلامِ لَهم، قالَهُ المُفَضَّلُ والزَّجّاجِ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ تَوْبِيخٌ عَلى مَعْنى إرادَةِ إسْلامِ الكافِرِ أوِ المُصافاةِ؛ لِأنَّها مِن ثَمَرَةِ المَحَبَّةِ.

آل عمران 3:117

﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] . الآناءُ: السّاعاتُ. وفي مُفْرَدِها لُغاتٌ: أنْيٌ كَمَعْيٌ، وأنى كَفَتى، وأنّى كَنَحّى، وأنْيٌ كَظَبْيٍ، وأنْوٌ كَجَرْوٍ. الصَّرُّ: البَرْدُ الشَّدِيدُ المُحْرِقُ. وقِيلَ: البارِدُ بِمَعْنى الصَّرْصَرُ كَما قالَ: ؎لا تَعْدِلَنَّ أتاوِيِّينَ تَضْرِ بُهم نَكْباءَ صَرٍّ بِأصْحابِ المَحَلّاتِ وقالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ: ؎ولَمْ يَغْلِبِ الخَصْمَ الألَدَّ ويَمْلَأ الــــجِـفانَ ∗∗∗ سَدِيفًا يَوْمَ نَكْباءَ صَرْصَرِ (p-٣٣)وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو صَوْتُ لَهَبِ النّارِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، مِنَ الصَّرِيرِ. وهو الصَّوْتُ مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَّيْءُ، ومِنهُ الرِّيحُ الصَّرْصَرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: والصَّرُّ صَوْتُ النّارِ الَّتِي في الرِّيحِ. البِطانَةُ في الثَّوْبِ بِإزاءِ الظِّهارَةِ، ويُسْتَعارُ لِمَن يَخْتَصُّهُ الإنْسانُ كالشِّعارِ والدِّثارِ. يُقالُ: بَطَنَ فُلانٌ مِن فُلانٍ بُطُونًا وبِطانَةٍ إذا كانَ خاصًّا بِهِ، داخِلًا في أمْرِهِ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎أُولَئِكَ خُلْصانِي نَعَمْ وبِطانَتِي ∗∗∗ وهم عَيْبَتِي مِن دُونِ كُلِّ قَرِيبِ ألَوْتُ في الأمْرِ: قَصَّرْتُ فِيهِ. قالَ زُهَيْرٌ: ؎سَعى بَعْدَهم قَوْمٌ لِكَيْ يُدْرِكُوهُمُ ∗∗∗ فَلَمْ يَفْعَلُوا ولَمْ يَلِيمُوا لَمْ يَأْلُوا أيْ لَمْ يُقَصِّرُوا. الخَبالُ والخَبَلُ: الفَسادُ الَّذِي يَلْحَقُ الحَيَوانَ. يُقالُ: في قَوائِمِ الفَرَسِ خَبَلٌ وخَبالٌ أيْ فَسادٌ مِن جِهَةِ الِاضْطِرابِ والخَبَلِ والجُنُونِ. ويُقالُ: خَبَلُهُ الحُبُّ أيْ أفْسَدَهُ. البَغْضاءُ: مَصْدَرٌ كالسَّرّاءِ والبَأْساءِ، يُقالُ: بُغِضَ الرَّجُلُ فَهو بَغِيضٌ، وأبْغَضْتُهُ أنا اشْتَدَّتْ كَراهَتِي لَهُ. الأفْواهُ: مَعْرُوفَةٌ، والواحِدُ مِنها في الأصْلِ فُوهٌ. ولَمْ تَنْطِقْ بِهِ العَرَبُ، بَلْ قالَتْ: فَمٌ. وفي الفَمِ لُغاتٌ تِسْعٌ ذُكِرَتْ في بَعْضِ كُتُبِ النَّحْوِ. العَضُّ: وضْعُ الأسْنانِ عَلى الشَّيْءِ بِقُوَّةِ، والفِعْلُ مِنهُ عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ، وهو بِالضّادِ. فَأمّا عَظُّ الزَّمانَ وعَظُّ الحَرْبِ فَهو بِالظّاءِ أُخْتِ الطّاءِ، قالَ: ؎وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ والعُضُّ - بِضَمِّ العَيْنِ - عَلَفُ أهْلِ الأمْصارِ، مِثْلُ الكَسْبِ والنَّوى المَرْضُوضِ. يُقالُ مِنهُ: أعَضَّ القَوْمُ، إذا أكَلَ إبِلُهُمُ العَضَّ. وبَعِيرٌ عُضاضِيٌّ أيْ سَمِينٌ، كَأنَّهُ مَنسُوبٌ إلَيْهِ. والعِضُّ - بِالكَسْرِ -: الدّاهِيَةُ مِنَ الرِّجالِ. الأنامِلُ: جَمْعُ أُنْمُلَةٍ، ويُقالُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّها، وهي أطْرافُ الأصابِعِ. قالَ ابْنُ عِيسى: أصْلُها النَّمْلُ المَعْرُوفُ، وهي مُشَبَّهَةٌ بِهِ في الدِّقَّةِ والتَّصَرُّفِ بِالحَرَكَةِ. ومِنهُ رَجُلٌ نَمِلٌ: أيْ نَمّامٌ. الغَيْضُ: مَصْدَرُ غاضَ، وغَيْضُ اسْمُ عَلَمٍ. الفَرَحُ: مَعْرُوفٌ، يُقالُ مِنهُ: فَرِحٌ بِكَسْرِ العَيْنِ. الكَيْدُ: المَكْرُ، كادَهُ يَكِيدُهُ، مَكَرَ بِهِ، وهو الِاحْتِيالُ بِالباطِلِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُهُ المَشَقَّةُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ، أيْ يُعالِجُ مَشَقّاتِ النَّزْعِ وسَكَراتِ المَوْتِ. ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ سَبَبُ النُّزُولِ إسْلامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ، وقَوْلُ الكُفّارِ مِن أحْبارِهِمْ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والواوُ في ”﴿لَيْسُوا﴾“ هي لِأهْلِ الكِتابِ السّابِقِ ذِكْرِهم في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] والأصَحُّ: أنَّ الواوَ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، ”وسَواءً“ خَبَرُ لَيْسَ. والمَعْنى: لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِينَ، بَلْ مِنهم مَن آمَنَ بِكِتابِهِ وبِالقُرْآنِ مِمَّنْ أدْرَكَ شَرِيعَةَ الإسْلامِ، أوْ كانَ عَلى اسْتِقامَةٍ فَماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَها. ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الفَرّاءُ: أُمَّةٌ مُرْتَفِعَةٌ بِسَواءٍ، أيْ لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ، ودَلَّ عَلَيْها القِسْمُ الأوَّلُ كَقَوْلِهِ: ؎عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ ∗∗∗ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها التَّقْدِيرُ: أمْ غَيٌّ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ”أرُشْدٌ“، وقالَ: ؎أراكَ فَما أدْرِي أهَمٌّ ضَمَمْتُهُ ∗∗∗ وذُو الهَمِّ قِدْمًا خاشِعٌ مُتَضائِلُ التَّقْدِيرُ: أمْ غَيْرُهُ. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّ المُساواةَ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: ”﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ [الحج: ٢٥]“ ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ [الجاثية: ٢١] ”. ويَضْعُفُ قَوْلُ الفَرّاءِ مِن حَيْثُ الحَذْفِ. ومِن حَيْثُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذِ التَّقْدِيرُ: (p-٣٤)لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُسْتَوِيًا، مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ كَذا، وأُمَّةٌ كافِرَةٌ. وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ: إلى أنَّ الواوَ في“ لَيْسُوا ”عَلامَةُ جَمْعٍ لا ضَمِيرٌ، مِثْلُها في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎يَلُومُونَنِي في شِراءِ النَّخِيـ ∗∗∗ ـلِ قَوْمِي وكُلُّهُمُ ألْوَمُ واسْمُ لَيْسَ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ لَيْسَ سَواءٌ، مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما ذُكِرَ وأُمَّةً كافِرَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ خَطَأٌ مَرْدُودٌ. انْتَهى. ولَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الخَطَأِ، وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ اسْمَ لَيْسَ هو“ ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”فَقَطْ، وأنَّهُ لا مَحْذُوفَ. ثُمَّ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ تَفاوُتُ الأُمَّةِ القائِمَةِ التّالِيَةِ، فَإذا قُدِّرَ ثَمَّ مَحْذُوفٌ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ خَطَأً مَرْدُودًا. قِيلَ: وما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ هو عَلى لُغَةِ“ أكَلُونِي البَراغِيثُ ”، وهي لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، والعَرَبُ عَلى خِلافِها، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْها مَعَ ما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ. انْتَهى. وقَدْ نازَعَ السُّهَيْلِيُّ النَّحْوِيِّينَ في قَوْلِهِمْ: إنَّها لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وكَثِيرًا ما جاءَتْ في الحَدِيثِ. والإعْرابُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وهو أنْ يَكُونَ“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”مُسْتَأْنَفَ بَيانٍ لِانْتِفاءِ التَّسْوِيَةِ، كَما جاءَ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٧١] بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَّصارى. وأُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ، مِن أقَمْتُ العُودَ فَقامَ، أيِ اسْتَقامَ. قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: عادِلَةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللَّهِ وحُدُودِهِ، مُهْتَدِيَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: قانِتَةٌ مُطِيعَةٌ، وكُلُّها راجِعٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والسُّدِّيُّ: الضَّمِيرُ في لَيْسُوا عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ إذْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اليَهُودِ وذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ:“ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] ”. والكِتابُ عَلى هَذا القَوْلِ جِنْسُ كُتُبِ اللَّهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”- أهْلُ القُرْآنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أهْلِ الكِتابِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ لِتَوالِي الضَّمائِرِ عائِدَةٌ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ ضَمِيرُ لَيْسُوا. وقالَ عَطاءٌ:“ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ ”الآيَةَ، يُرِيدُ أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ نَجْرانَ مِنَ العَرَبِ، واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً مِنَ الرُّومِ، كانُوا عَلى دِينِ عِيسى وصَدَّقُوا مُحَمَّدًا ﷺ . وكانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ مُوَحِّدِينَ ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ، ويَقُومُونَ بِما عَرَفُوا مِن شَرائِعِ الحَنِيفِيَّةِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى جاءَهم مِنهُ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ، والبَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وقَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ بْنِ أنَسٍ. ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ وصَفَ الأُمَّةَ القائِمَةَ بِأنَّها تالِيَةُ آياتِ اللَّهِ، وعَبَّرَ بِالتِّلاوَةِ في ساعاتِ اللَّيْلِ عَنِ التَّهَجُّدِ بِالقُرْآنِ. وقَوْلُهُ: وهم يَسْجُدُونَ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ أيْضًا مَعْطُوفَةٌ عَلى“ يَتْلُونَ ”، وصَفَهم بِالتِّلاوَةِ لِلْقُرْآنِ وبِالسُّجُودِ. فَتِلاوَةُ القُرْآنِ في القِيامِ، وأمّا السُّجُودُ فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ التِّلاوَةُ. وجاءَتِ الصِّفَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةٌ لِتَدُلَّ عَلى التَّوْكِيدِ بِتَكَرُّرِ الضَّمِيرِ وهو“ هم ”والواوُ في“ يَسْجُدُونَ ”، إذْ أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. وأخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالمُضارِعِ، وجاءَتِ الصِّفَةُ الأوْلى بِالمُضارِعِ أيْضًا لِتَدُلَّ عَلى التَّجَدُّدِ، وعُطِفَتِ الثّانِيَةُ عَلى الأوْلى بِالواوِ لِتُشْعِرَ بِأنَّ تِلْكَ التِّلاوَةَ كانَتْ في صَلاةٍ، فَلَمْ تَكُنِ التِّلاوَةُ وحْدَها ولا السُّجُودُ وحْدَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ:“ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾ ”أنَّها جَمِيعُ ساعاتِ اللَّيْلِ. فَيَبْعُدُ صُدُورُ ذَلِكَ - أعْنِي التِّلاوَةَ والسُّجُودَ - مِن كُلِّ شَخْصٍ شَخَصَ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ مِن جَماعَةٍ؛ إذْ بَعْضُ النّاسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَّيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ اسْتِيعابُ ساعاتِ اللَّيْلِ بِالقِيامِ في تِلاوَةِ القُرْآنِ والسُّجُودِ، وعَلى هَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وعَرَفُ النّاسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُّلُثِ الأخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، والقائِمُ طُولَ اللَّيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصّالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ القَصْدَ في ذَلِكَ في أوَّلِ المُزَّمِّلِ. وآناءُ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ. قالَهُ الرَّبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما. وقالَ السُّدِّيُّ: جَوْفُهُ وهو مِن إطْلاقِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ، إذِ الجَوْفُ فَرْدٌ مِنَ الجَمْعِ. وعَنْ مَنصُورٍ: أنَّها نَزَلَتْ في المُصَلِّينِ بَيْنَ (p-٣٥)العِشاءَيْنِ، وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ﴾ . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّها صَلاةُ العَتْمَةِ. وذَكَرَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها هو احْتِباكُ النَّبِيِّ ﷺ في صَلاةِ العَتَمَةِ، وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى اللَّيْلُ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ:“ أبْشِرُوا، فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ ”؛ ولِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ قَوْلَهُ:“ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ ”عائِدٌ عَلى اليَهُودِ وهَذِهِ الأُمَّةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ:“ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ ”أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ السُّجُودُ في الصَّلاةِ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالسُّجُودِ عَنِ الصَّلاةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنهُ، كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّكُوعِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والفَرّاءُ والزُّجاجُ؛ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في الرُّكُوعِ ولا في السُّجُودِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالصَّلاةِ. وقِيلَ: سُجُودُ التِّلاوَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالسُّجُودِ الخُشُوعُ والخُضُوعُ. وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عَنْهم أيْضًا أنَّهم أهْلُ سُجُودٍ، ويُحَسِّنُهُ أنْ كانَتِ التِّلاوَةُ في غَيْرِ صَلاةٍ. ويَكُونُ أيْضًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ في غَيْرِ صَلاةٍ نَعْتًا عُدِّدَ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ. وأجازَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: وهم يَسْجُدُونَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (قائِمَةٌ)، وحالًا مِن (أُمَّةٌ)؛ لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ بِـ (قائِمَةٌ) . فَتَلَخَّصَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما أنَّها لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، بِأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. والقَوْلُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ ويَكُونُ رَفْعًا بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أوْ بِأنْ يَكُونَ نَصْبًا، بِأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في يَتْلُونَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في قائِمَةٍ، أوْ مِن أُمَّةٍ. ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى التَّرْغِيبِ في قِيامِ اللَّيْلِ، وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩] ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] . وفي الحَدِيثِ: «يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ، كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَهُ»، وفِيهِ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لا يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ“» وغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وعَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي شَيْبَةَ كانَ يَدْرُسُ الكُتُبَ، قالَ: إنّا نَجِدُ كَلامًا مِن كَلامِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ: أيَحْسَبُ راعِي إبِلٍ وغَنَمٍ إذا جَنَّهُ اللَّيْلُ انْجَدَلَ كَمَن هو قائِمٌ وساجِدُ اللَّيْلِ. (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ والآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ. ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ المُسارَعَةُ في الخَيْرِ ناشِئَةٌ عَنْ فَرْطِ الرَّغْبَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ مَن رَغِبَ في أمْرٍ بادَرَ إلَيْهِ وإلى القِيامِ بِهِ، وآثَرَ الفَوْرَ عَلى التَّراخِي. وجاءَ في الحَدِيثِ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ» . وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم إذا دَعَوْا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ، وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ، وعِبادَةِ اللَّهِ - بادَرُوا إلى فِعْلِهِ. والظّاهِرُ في ”يُؤْمِنُونَ“ أنْ يَكُونَ صِفَةً أيْ: تالِيَةٌ مُؤْمِنَةٌ. وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ”يَسْجُدُونَ“، وأنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ السُّجُودِ. قِيلَ: لِأنَّ السُّجُودَ بِمَعْنى الإيمانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفَهم بِخَصائِصَ ما كانَتْ في اليَهُودِ مِن تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ ساجِدِينَ، ومِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ؛ لِأنَّ إيمانَهم بِهِ كَلا إيمانٍ؛ لِإشْراكِهِمْ بِهِ عُزَيْرًا وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ، ومِنَ الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِخِلافِ صِفَتِهِ، ومِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُداهِنِينَ، ومِنَ المُسارَعَةِ في الخَيْراتِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُتَباطِئِينَ عَنْها غَيْرَ راغِبِينَ فِيها. انْتَهى كَلامُهُ، وهو حَسَنٌ. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ وصَفَها بِصِفاتٍ سِتٍّ، إحْداها: أنَّها قائِمَةٌ، أيْ مُسْتَقِيمَةٌ عَلى النَّهْجِ القَوِيمِ. ولَمّا كانَتِ الِاسْتِقامَةُ وصْفًا ثابِتًا لَها لا يَتَغَيَّرُ جاءَ بِاسْمِ الفاعِلِ. الثّانِيَةُ: الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتِّلاوَةِ والسُّجُودِ، وهي العِبادَةُ الَّتِي يَظْهَرُ بِها الخُلُوُّ لِمُناجاةِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ. الثّالِثَةُ: الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهو الحامِلُ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، (p-٣٦)وذَكَرَ اليَوْمَ الآخِرَ؛ لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ آثارِ عِبادَةِ اللَّهِ مِنَ الجَزاءِ الجَزِيلِ. وتَضَمَّنَ الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ الإيمانَ بِالأنْبِياءِ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ أخْبَرُوا بِكَيْنُونَةِ هَذا الجائِزِ في العَقْلِ ووُقُوعِهِ، فَصارَ الإيمانُ بِهِ واجِبًا. الرّابِعَةُ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ. الخامِسَةُ: النَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، لَمّا كَمِلُوا في أنْفُسِهِمْ سَعَوْا في تَكْمِيلِ غَيْرِهِمْ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. السّادِسَةُ: المُسارَعَةُ في الخَيْراتِ، وهي صِفَةٌ تَشْمَلُ أفْعالَهُمُ المُخْتَصَّةَ بِهِمْ، والأفْعالَ المُتَعَدِّيَةَ مِنهم إلى غَيْرِهِمْ. وهَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ ناشِئَةٌ أيْضًا عَنِ الإيمانِ، فانْظُرْ إلى حُسْنِ سِياقِ هَذِهِ الصِّفاتِ حَيْثُ تَوَسَّطَ الإيمانُ، وتَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ المُخْتَصَّةُ بِالإنْسانِ في ذاتِهِ وهي الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ، وتَأخَّرَتْ عَنْهُ الصِّفَتانِ المُتَعَدِّيَتانِ والصِّفَةُ المُشْتَرِكَةُ، وكُلُّها نَتائِجُ عَنِ الإيمانِ. ﴿وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ هَذِهِ إشارَةٌ إلى مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ السِّتَّ، أيْ وأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الأوْصافِ مِنَ الَّذِينَ صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالصّالِحِينَ المُسْلِمِينَ. انْتَهى. ويُشْبِهُ قَوْلُهُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وفِيما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدُ: بَلْ الظّاهِرُ أنَّ في الوَصْفِ بِالصَّلاحِ زِيادَةٌ عَلى الوَصْفِ بِالإسْلامِ؛ ولِذَلِكَ سَألَ هَذِهِ الرُّتْبَةَ بَعْضُ الأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ: ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩] وقالَ تَعالى في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢] وقالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ: ﴿وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] ﴿وأدْخَلْناهم في رَحْمَتِنا إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] . وقالَ: ﴿والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] . و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ. انْتَهى. ولَمْ يَتَقَدَّمْ شَيْءٌ فِيهِ إبْهامٌ فَيَبِينَ جِنْسُهُ. ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ. واخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ، فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هو مَرْدُودٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] فَيَكُونُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ ومَعْدُولِهِ. وقالَ مَكِّيٌّ: التّاءُ فِيها عُمُومٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، لَمّا وصَفَهم بِأوْصافٍ جَلِيلَةٍ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ تَأْنِيسًا لَهم واسْتِعْطافًا عَلَيْهِمْ، فَخاطَبَهم بِأنَّ ما تَفْعَلُونَ مِنَ الخَيْرِ فَلا تُمْنَعُونَ ثَوابَهُ؛ ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: مِن خَيْرٍ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ عَطْفٍ عَلَيْهِمْ وتَرَحُّمٍ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الشَّرِّ. ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ما يُفْعَلُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَوْعُودُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا الِالتِفاتَ وأنَّهُ راجِعٌ إلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“ قِراءَةُ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وحَفْصٍ، وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، وباقِي رُواةِ أبِي عَمْرٍو خَيَّرَ بَيْنَ التّاءِ والياءِ، ومَعْلُومٌ في هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“، كَما عادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”يَتْلُونَ“ وما بَعْدَهُ. وكَفَرَ: يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، يُقالُ: كَفَرَ النِّعْمَةَ، وهُنا ضَمَّنَ مَعْنى حَرَمَ، أيْ: فَلَنْ تُحْرَمُوا ثَوابَهُ، ولَمّا جاءَ وصْفُهُ تَعالى بِأنَّهُ شَكُورٌ في مَعْنى تَوْفِيَةِ الثَّوابِ، نَفى عَنْهُ تَعالى نَقِيضَ الشُّكْرِ وهو كُفْرُ الثَّوابِ، أيْ حِرْمانُهُ. ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ لَمّا كانَتِ الآيَةُ وارِدَةً فِيمَنِ اتُّصِفَ بِالأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يُثِيبُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ ناسَبَ خَتْمَ الآيَةِ بِذِكْرِ عِلْمِهِ بِالمُتَّقِينَ، وإنْ كانَ عالِمًا بِالمُتَّقِينَ وبِضِدِّهِمْ. ومَعْنى عَلِيمٌ بِهِمْ أنَّهُ مُجازِيهِمْ عَلى تَقْواهم، وفي ذَلِكَ وعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُفَرِّطِينَ. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ. ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ البَقَرَةِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ. وأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكافِرِينَ لِيَتَّضِحَ الفَرْقُ بَيْنَ القَبِيلَيْنِ. ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ (p-٣٧)رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ ما فَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخَيْرِ فَإنَّهم لا يُحْرَمُونَ ثَوابَهُ، بَلْ يَجْنُونَ في الآخِرَةِ ثَمَرَةَ ما غَرَسُوهُ في الدُّنْيا - أخَذَ في بَيانِ نَفَقَةِ الكافِرِينَ، فَضَرَبَ لَها مَثَلًا اقْتَضى بُطْلانَها وذَهابَها مَجّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ. قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في نَفَقاتِ الكُفّارِ وصَدَقاتِهِمْ. وقالَ مُقاتِلٌ: في نَفَقاتِ سَفَلَةِ اليَهُودِ عَلى عُلَمائِهِمْ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: في نَفَقَةِ المُنافِقِينَ إذا خَرَجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ لِحَرْبِ المُشْرِكِينَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شَبَّهَ ما كانُوا يُنْفِقُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ في المَكارِمِ، والمَفاخِرِ، وكَسْبِ الثَّناءِ، وحُسْنِ الذِّكْرِ بَيْنَ النّاسِ، لا يَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ - بِالزَّرْعِ الَّذِي حَسَّهُ البَرْدُ فَصارَ حُطامًا. وقِيلَ: هو ما يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ مَعَ كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: ما أنْفَقُوا في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا بِإنْفاقِهِ ما أنْفَقُوهُ لِأجْلِهِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ المِثالُ القائِمُ في النَّفْسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النَّفْسِ، مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ، وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ، فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يُنْفِقُونَهُ. والظّاهِرُ تَشْبِيهُ ما يُنْفِقُونَهُ بِالرِّيحِ، والمَعْنى: تَشْبِيهُهُ بِالحَرْثِ. فَقِيلَ: هو مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ لَمْ يُقابَلْ فِيهِ الإفْرادُ بِالإفْرادِ، وقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]؛ ولِذَلِكَ قالَ ثَعْلَبٌ: بَدَأ بِالرِّيحِ، والمَعْنى عَلى الحَرْثِ، وهو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقِيلَ: وقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، وذَكَرَ أحَدَ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَّيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما ولَيْسَ الَّذِي يُوازِنُ المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنَ. وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ عَطِيَّةَ. قالَ: وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإعْجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] . انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِنَ الأوَّلِ تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ مَهْلِكِ ما يُنْفِقُونَ. أوْ مِنَ الثّانِي تَقْدِيرُهُ: كَمَثَلِ مَهْلِكِ رِيحٍ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مَثَلُ إنْفاقِهِمْ، فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ المَعْقُولَ بِالمَحْسُوسِ، إذْ شَبَّهَ الإنْفاقَ بِالرِّيحِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: يُنْفِقُونَ أنَّهُ مِن نَفَقَةِ المالِ. وقالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ يُنْفِقُونَ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها. ويُضَعِّفُ هَذا أنَّها في الكُفّارِ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ، لا في المُنافِقِينَ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الإنْفاقِ هو أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، هي كالرِّيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ أبْطَلَتْ أعْمالَهم، كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ، كَما يُبْطِلُ الرِّيحُ الزَّرْعَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ. انْتَهى. وقالَ الرّاغِبُ: ومِنهم مَن قالَ: ما يُنْفِقُونَ عِبارَةٌ عَنْ أعْمالِهِمْ كُلِّها، لَكِنَّهُ خَصَّ الإنْفاقَ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ و أكْثَرَ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ والأعْرَجُ: تُنْفِقُونَ بِالتّاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم، وأفْرَدَ رِيحًا؛ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعَذابِ، كَما أُفْرِدَتْ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ”﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا﴾ [الروم: ٥١]“، ”﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]“ ”﴿الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]“ . كَما أنَّ الجَمْعَ مُخْتَصٌّ بِالرَّحْمَةِ ﴿أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧]؛ ولِذَلِكَ رُوِيَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا» . وارْتِفاعُ (صِرٌّ) عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالمَجْرُورِ قَبْلَهُ، إذْ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ وقْعَ صِفَةٍ لِلرِّيحِ. فَإنْ كانَ الصِّرُّ البَرْدَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، أوْ صَوْتَ لَهِيبِ النّارِ أوْ صَوْتَ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ. فَظاهِرُ كَوْنِ ذَلِكَ في الرِّيحِ. وإنْ كانَ الصِّرُّ صِفَةً لِلرِّيحِ كالصَّرْصَرِ، فالمَعْنى فِيها قِرَّةٌ صِرٌّ، كَما تَقُولُ: بَرْدٌ بارِدٌ، وحُذِفَ المَوْصُوفُ، وقامَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ. أوْ تَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ مَجازًا جَعَلَ المَوْصُوفَ ظَرْفًا لِلصِّفَةِ. كَما قالَ: وفي الرَّحْمَنِ كافٍ لِلضُّعَفاءِ. وقَوْلُهم: إنْ ضَيَّعَنِي فُلانٌ فَفي اللَّهِ كافٍ. المَعْنى: الرَّحْمَنُ كافٍ، واللَّهُ كافٍ. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقَوْلُهُ: ”﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾“ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرِيحٍ. بَدَأ أوَّلًا بِالوَصْفِ (p-٣٨)بِالمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالوَصْفِ بِالجُمْلَةِ. وقَوْلُهُ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْمٍ. وظاهِرُهُ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمَعاصِيهِمْ، فَكانَ الإهْلاكُ أشَدَّ؛ إذْ كانَ عُقُوبَةً لَهم. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ مَصائِبَ الدُّنْيا إنَّما هي بِمَعاصِي العَبْدِ. ويُسْتَنْبَطُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ حَرْثٍ تَحْرِقُهُ الرِّيحُ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وقِيلَ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم مَعْناهُ زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِّراعَةِ، أيْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أوْ هَيْئَةِ عَمَلٍ. وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الحَرْثَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوْعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، ونَحا إلى هَذا القَوْلِ الَمَهَدَوِيُّ. ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ جَوَّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى المُنْفِقِينَ، أيْ: ما ظَلَمَهم بِأنْ لَمْ تُقْبَلْ نَفَقاتُهم، وأنْ يَعُودَ عَلى أصْحابِ الحَرْثِ أيْ: ما ظَلَمَهم بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعاصِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في ”ظَلَمَهم“ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرَهم في يُنْفِقُونَ، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ، ولا لِتَبَيُّنِ ظُلْمِهِمْ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] . يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ. انْتَهى. وهو تَرْجِيحٌ حَسَنٌ. وقُرِئَ شاذًا: ”ولَكِنَّ“، بِالتَّشْدِيدِ، واسْمُها ”أنْفُسُهم“، والخَبَرُ يَظْلِمُونَ. والمَعْنى: يَظْلِمُونَها هم. وحَسَّنَ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ - وإنْ كانَ الحَذْفُ في مِثْلِهِ قَلِيلًا - كَوْنُ ذَلِكَ فاصِلَةَ رَأْسِ آيَةٍ، فَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَزالَ هَذا المَعْنى. ولا يَجُوزُ أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ اسْمَ ”لَكِنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وحُذِفَ، وأنْفُسَهم مَفْعُولٌ بِـ ”يَظْلِمُونَ“؛ لِأنَّ حَذْفَ هَذا الضَّمِيرِ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ. ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ نَزَلَتْ في رِجالٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مِن يَهُودٍ لِلْجِوارِ والحِلْفِ والرَّضاعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والرَّبِيعُ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ. نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهم، شَبَّهَ الصِّدِّيقُ الصِّدْقَ بِما يُباشِرُ بَطْنَ الإنْسانِ مِن ثَوْبِهِ. يُقالُ لَهُ: بِطانَةٌ ووَلِيجَةٌ. وقَوْلُهُ: مِن دُونِكم في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِبِطانَةٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكم، وهُمُ المُسْلِمُونَ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ ”مِن“ بِقَوْلِهِ: ”لا تَتَّخِذُوا“ . وقِيلَ: ”مِن“ زائِدَةٌ، أيْ بِطانَةِ دُونِكم. والمَعْنى: أنَّهم نُهُوا أنْ يَتَّخِذُوا أصْفِياءَ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ. ودَلَّ هَذا النَّهْيُ عَلى المَنعِ مِنِ اسْتِكْتابِ أهْلِ الذِّمَّةِ وتَصْرِيفِهِمْ في البَيْعِ والشِّراءِ والِاسْتِنابَةِ إلَيْهِمْ. وقَدْ عَتَبَ عُمَرُ أبا مُوسى عَلى اسْتِكْتابِهِ ذِمِّيًّا، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ. وقَدْ قِيلَ لِعُمَرَ في كاتِبٍ مُجِيدٍ مِن نَصارى الحِيرَةِ: ألا يَكْتُبُ عَنْكَ ؟ فَقالَ: إذَنْ أتَّخِذُ بِطانَةً. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ إذْ جاءَتْ بَيانًا لِحالِ البِطانَةِ الكافِرَةِ هي والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَها؛ لِتَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها صِفَةٌ لِلْبِطانَةِ أوْ حالٌ مِمّا تَعَلَّقَتْ بِهِ ”مِن“ فَبَعِيدٌ عَنْ فَهْمِ الكَلامِ الفَصِيحِ؛ لِأنَّهم نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ كافِرَةٍ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أشْياءَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنِ ابْتِغاءِ الغَوائِلِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووِدادَةِ مَشَقَّتِهِمْ، وظُهُورِ بُغْضِهِمْ. والتَّقْيِيدُ بِالوَصْفِ أوْ بِالحالِ يُؤْذِنُ بِجَوازِ الِاتِّخاذِ عِنْدَ انْتِفائِهِما، و”ألا“ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِحَرْفِ الجَرِّ، يُقالُ: ما ألَوْتُ في الأمْرِ، أيْ ما قَصَّرْتُ فِيهِ. وقِيلَ: انْتَصَبَ ”خَبالًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ المَفْعُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم خَبالَكم، أيْ في خَبالِكِمْ. فَكانَ أصْلُ هَذا المَفْعُولِ حَرْفُ الجَرِّ. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى إسْقاطِ حَرْفٍ، التَّقْدِيرُ: لا يَأْلُونَكم في تَخْبِيلِكم. وقِيلَ: انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. (p-٣٩)قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ لا يُقَصِّرُونَ لَكم فِيما فِيهِ الفَسادُ عَلَيْكم. فَعَلى هَذا يَكُونُ قَدْ تَعَدّى لِلضَّمِيرِ عَلى إسْقاطِ اللّامِ، ولِلْخَبالِ عَلى إسْقاطِ ”في“ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: ألا في الأمْرِ يَأْلُو، إذا قَصَّرَ فِيهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا، ولا آلُوكَ جُهْدًا، عَلى التَّضْمِينِ. والمَعْنى: لا أمْنَعُكَ نُصْحًا ولا أنْقُصُكَهُ. انْتَهى. ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ودُّوا إضْلالَكم. وقالَ الزَّجّاجُ: مَشَقَّتَكم. وقالَ الرّاغِبُ: المُعانَدَةُ والمُعانَتَةُ يَتَقارَبانِ، لَكِنَّ المُعانَدَةَ هي المُمانَعَةُ، والمُعانَتَةُ أنْ تَتَحَرّى مَعَ المُمانَعَةِ المَشَقَّةَ. انْتَهى. ويُقالُ: عَنِتَ - بِكَسْرِ النُّونِ - وأصْلُهُ انْهِياضُ العَظْمِ بَعْدَ جَبْرِهِ. و”ما“ في قَوْلِهِ: ما عَنِتُّمْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِبِطانَةٍ، وحالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَأْلُونَكم، و(قَدْ) مَعَهُ مُرادَةٌ. ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”قَدْ“ بَدا ”؛ لِأنَّ الفاعِلَ مُؤَنَّثٌ مَجازًا أوْ عَلى مَعْنى البُغْضِ، أيْ لا يَكْتَفُونَ بِبُغْضِكم بِقُلُوبِهِمْ حَتّى يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ بِأفْواهِهِمْ. وذَكَرَ الأفْواهَ دُونَ الألْسِنَةِ؛ إشْعارًا بِأنَّ ما تَلَفَّظُوا بِهِ يَمْلَأُ أفْواهَهم، كَما يُقالُ: كَلِمَةٌ تَمْلَأُ الفَمَ، إذا تَشَدَّقَ بِها. وقِيلَ: المَعْنى لا يَتَمالَكُونَ مَعَ ضَبْطِهِمْ أنْفُسَهم وتَحامُلَهم عَلَيْها أنْ يَنْفَلِتَ مِن ألْسِنَتِهِمْ ما يُعْلَمُ بِهِ بُغْضُهم لِلْمُسْلِمِينَ. انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما انْطَوَوْا عَلَيْهِ مِن وِدادِهِمْ عَنَتِ المُؤْمِنِينَ، وهو إخْبارٌ عَنْ فِعْلٍ قَلْبِيٍّ، ذَكَرَ ما أنْتَجَهُ ذَلِكَ الفِعْلُ القَلْبِيُّ مِنَ الفِعْلِ البَدَنِيِّ، وهو: ظُهُورُ البُغْضِ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ في أقْوالِهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ كَراهَةِ القُلُوبِ وبَذاذَةِ الألْسُنِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ما أبَطَنُوهُ مِنَ الشَّرِّ والإيذاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ والبُغْضِ لَهم أعْظَمُ مِمّا ظَهَرَ مِنهم، فَقالَ: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ أيْ أكْثَرُ مِمّا ظَهَرَ مِنها. والظّاهِرُ أنَّ بُدُوَّ البَغْضاءِ مِنهم هو لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ أظْهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ البُغْضَ. وقالَقَتادَةُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ لِاطِّلاعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: بَدَتْ بِإقْرارِهِمْ بَعْدَ الجُحُودِ، وهَذِهِ صِفَةُ المُجاهِرِ. وأسْنَدَ الإخْفاءَ إلى الصُّدُورِ مَجازًا؛ إذْ هي مَحالُّ القُلُوبِ الَّتِي تُخْفى كَما قالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ أيِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ في الدِّينِ، ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، ومُعاداةِ الكُفّارِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أيْ ما بَيَّنَ لَكم فَعَمِلْتُمْ بِهِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم عُقَلاءُ، لَكِنْ عَلَّقَهُ عَلى هَذا الشَّرْطِ عَلى سَبِيلِ الهَزِّ لِلنُّفُوسِ كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ ونَهْيَهُ. وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَلا تُصافُوهم، بَلْ عامِلُوهم مُعامَلَةَ الأعْداءِ. وقِيلَ: مَعْنى“ إنْ ”مَعْنى“ إذْ ”، أيْ إذْ كُنْتُمْ عُقَلاءَ. ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى نَظِيرِها“ أنْتُمْ أُولاءِ ”في قَوْلِهِ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران: ٦٦] قِراءَةً وإعْرابًا. وتَلْخِيصُهُ هُنا أنْ يَكُونَ أُولاءِ خَبَرًا عَنْ أنْتُمْ، وتُحِبُّونَهم مُسْتَأْنَفٌ أوْ حالٌ أوْ صِلَةٌ، عَلى أنْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مَوْصُولًا أوْ خَبَرًا لِـ“ أنْتَمِ ”و“ أُولاءِ ”مُنادى، أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”مُبْتَدَأً ثانِيًا، و“ تُحِبُّونَهم ”خَبَرًا عَنْهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. أوْ يَكُونَ“ أُولاءِ ”في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَحْوَ: أنا زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، فَيَكُونُ مِنَ الِاشْتِغالِ. واسْمُ الإشارَةِ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ واقِعٌ عَلى غَيْرِ ما وقَعَ عَلَيْهِ أنْتُمْ؛ لِأنَّ أنْتُمْ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، و“ أُولاءِ " إشارَةٌ إلى الكافِرِينَ. وفي الأوْجُهِ السّابِقَةِ مَدْلُولُهُ ومَدْلُولُ أنْتُمْ واحِدٌ. (p-٤٠)وهُوَ: المُؤْمِنُونَ. وعَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ في تُحِبُّونَهم، لا يَنْعَقِدُ مِمّا قَبْلَهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ إلّا بِإضْمارِ وصْفٍ تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ أُولاءِ الخاطِئُونَ في مُوالاةِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، إذْ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم. بَيانٌ لِخَطَئِهِمْ في مُوالاتِهِمْ، حَيْثُ يَبْذُلُونَ المَحَبَّةَ لِمَن يَبْغَضُهم، وضَمِيرُ المَفْعُولِ في تُحِبُّونَهم قالُوا: لِمُنافِقِي اليَهُودِ. وفي الزَّمَخْشَرِيِّ: لِمُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى بِطانَةٍ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، فَهو كُلُّ مُنافِقٍ حَتّى مُنافِقِ المُشْرِكِينَ. والمَحَبَّةُ هُنا: المَيْلُ بِالطَّبْعِ لِمَوْضِعِ القَرابَةِ والرَّضاعِ والحِلْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوْ لِأجْلِ إظْهارِ الإيمانِ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوِ الرَّحْمَةُ لَهم لِما يَقَعُ مِنهم مِنَ المَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ. أوْ إرادَةُ الإسْلامِ لَهم، قالَهُ المُفَضَّلُ والزَّجّاجِ. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ تَوْبِيخٌ عَلى مَعْنى إرادَةِ إسْلامِ الكافِرِ أوِ المُصافاةِ؛ لِأنَّها مِن ثَمَرَةِ المَحَبَّةِ.