Al-Bahr Al-Muhit — الأعراف 7:37 – الأعراف 7:62
المحتويات
- الأعراف 7:37
- الأعراف 7:38
- الأعراف 7:39
- الأعراف 7:40
- الأعراف 7:41
- الأعراف 7:42
- الأعراف 7:43
- الأعراف 7:44
- الأعراف 7:45
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:47
- الأعراف 7:48
- الأعراف 7:49
- الأعراف 7:50
- الأعراف 7:51
- الأعراف 7:52
- الأعراف 7:53
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:56
- الأعراف 7:57
- الأعراف 7:58
- الأعراف 7:59
- الأعراف 7:60
- الأعراف 7:61
- الأعراف 7:62
الأعراف 7:37
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ لَمّا لَبِسَ المُسْلِمُونَ الثِّيابَ وطافُوا بِالبَيْتِ عَيَّرَهُمُ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ وقالُوا اسْتَحَلُّوا الحُرُمَ فَنَزَلَتْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ في أواخِرِ الأنْعامِ، وزِيدَ هُنا أقْوالٌ، أحَدُها: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ طَوافُ الرَّجُلِ بِالنَّهارِ عُرْيانًا ﴿وما بَطَنَ﴾ طَوافُها بِاللَّيْلِ عارِيَةً. قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ طَوافُ الجاهِلِيَّةِ عُراةً ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا، وقِيلَ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ الظُّلْمُ ﴿وما بَطَنَ﴾ السَّرِقَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِن نِكاحِ الأبْناءِ نِساءَ الآباءِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وأنْ يَنْكِحَ المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا ﴿والإثْمَ﴾ عامٌّ يَشْمَلُ الأقْوالَ والأفْعالَ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الإثْمُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو صِغارُ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: الخَمْرُ، وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ هُنا؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُحَرَّمِ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ وماتُوا شُهَداءَ، وهي في أجْوافِهِمْ، وأمّا تَسْمِيَةُ الخَمْرِ إثْمًا، فَقِيلَ هو مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وهُوَ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مُوجِبَ الإثْمِ، ولا يَدُلُّ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ (الإثْمَ) الخَمْرُ عَلى أنَّهُ مِن أسْمائِها إذْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وأنْكَرَ أبُو العَبّاسِ أنْ يَكُونَ الإثْمُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ وقالَ الفَضْلُ: الإثْمُ الخَمْرُ، وأنْشَدَ:
؎نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرَبَ الخَنا ∗∗∗ وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ أيْضًا:
؎ورُحْتُ حَزِينًا ذاهِلَ العَقْلِ بَعْدَهم ∗∗∗ كَأنِّي شَرِبْتُ الإثْمَ أوْ مَسَّنِي خَبَلُ
قالَ: وقَدْ تُسَمّى الخَمْرُ إثْمًا، وأنْشَدَ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والفَرّاءُ: البَغْيُ الِاسْتِطالَةُ، وقالَ الحَسَنُ: السُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ: تَكَلُّمُ الرَّجُلِ في الرَّجُلِ بِغَيْرِ الحَقِّ إلّا أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِحَقٍّ، وقِيلَ: الظُّلْمُ والكِبْرُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ وأفْرَدُوهُ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿البَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] التَّعَدِّي وتَجاوُزُ الحَدِّ مُبْتَدِئًا كانَ، أوْ مُنْتَصِرًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ لا يُسَمّى بَغْيًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ في الأنْعامِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ بُرْهانًا بِأنْ يُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ ما لا تَعْلَمُونَ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: قَوْلُهم أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَآكِلَ ومَلابِسَ ومَشارِبَ في الإحْرامِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ، أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لِمَجِيءِ العَذابِ إذا خالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ، فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ، (p-٢٩٣)وقِيلَ: الأجَلُ هُنا أجَلُ الدُّنْيا، التَّقْدِيرُ لِلْأُمَمِ كُلِّها أجَلٌ، أيْ: يُقْدِمُونَ فِيهِ عَلى ما قَدَّمُوا مِن عَمَلٍ، وقِيلَ: الأجَلُ مُدَّةُ العُمْرِ، والتَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ عُمْرٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ بَقاؤُهُ في الدُّنْيا، وإذا ماتَ عَلِمَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ، أوْ باطِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيُّ فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ، وقالَ غَيْرُهُ: والأُمَّةُ الجَماعَةُ قَلُّوا، أوْ كَثُرُوا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ في قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ: «يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، وأفْرَدَ الأجَلَ؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، أوْ لِتَقارُبِ أعْمالِ أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، أوْ لِكَوْنِ التَّقْدِيرِ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن أُمَّةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ: فَإذا جاءَ آجالُهم، بِالجَمْعِ، وقالَ: ساعَةً؛ لِأنَّها أقَلُّ الأوْقاتِ في اسْتِعْمالِ النّاسِ، يَقُولُ المُسْتَعْجِلُ لِصاحِبِهِ في ساعَةٍ يُرِيدُ في أقْصَرِ وقْتٍ وأقْرَبِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظٌ عُنِيَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَّمانِ، والمُرادُ جَمْعُ أجْزائِهِ. انْتَهى. والمُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا إذا وقَعَ في الظّاهِرِ جَوابًا لِإذا يَجُوزُ أنْ يُتَلَقّى بِفاءِ الجَزاءِ، ويَجُوزَ أنْ لا يُتَلَقّى بِها ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والفِعْلِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إذْ ذاكَ اسْمِيَّةً، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِإذا فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الفاءِ، أوْ إذا الفُجائِيَّةِ، قالَ بَعْضُهم: ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى إذا حَيْثُ وقَعَ إلّا في يُونُسَ؛ لِأنَّها عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ بَيْنَهُما اتِّصالٌ وتَعْقِيبٌ فَكانَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ الفاءِ، وما في يُونُسَ يَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ . انْتَهى. وهَذا لا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ إذا شَرْطِيَّةٌ، فالَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إنَّما هو مُسْتَقْبَلٌ ولا يَتَرَتَّبُ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في المُسْتَقْبَلِ إلّا مُسْتَقْبَلٌ، وذَلِكَ يُتَصَوَّرُ في انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ لا في انْتِفاءِ الِاسْتِقْدامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِقْدامَ سابِقٌ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في الِاسْتِقْبالِ، فَيَصِيرُ نَظِيرَ قَوْلِكَ إذا قُمْتَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ في الماضِي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا قامَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُهُ هَذا في الماضِي، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقًا شَيْئًا إذا كانَ جائِيًا
ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ جائِيًا إلَيْهِ لا يَسْبِقُهُ، والَّذِي تُخَرَّجُ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مُنْقَطِعٌ مِنَ الجَوابِ عَلى سَبِيلِ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ، أيْ: لا يَسْتَقْدِمُونَ الأجَلَ، أيْ: لا يَسْبِقُونَهُ، وصارَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يَسْبِقُونَ الأجَلَ ولا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ.
﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . هَذا الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ. قِيلَ: هو في الأوَّلِ، وقِيلَ: هو مُراعًى بِهِ وقْتَ الإنْزالِ، وجاءَ بِصُورَةِ الِاسْتِقْبالِ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وما في إمّا تَأْكِيدٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذا لَمْ يَكُنْ ما لَمْ يُجِزْ دُخُولَ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. انْتَهى. وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُ ذَلِكَ وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن شُرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُسْتَقِلَّةً بِجَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن مَوْصُولَةً، فَتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مَجْمُوعُهُما هو جَوابُ الشَّرْطِ، وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ التَّقْسِيمَ وجُعِلَ القِسْمانِ جَوابًا لِلشَّرْطِ، أيْ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النّارِ فَثَمَرَةُ إتْيانِ الرُّسُلِ وفائِدَتِهِ هَذا، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ سَبْقَ الإيمانِ، إذِ التَّقْوى والإصْلاحُ هُما ناشِئانِ عَنْهُ وجاءَ في قَسَمِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ والتَّكْذِيبُ هو بُدُوُّ الشَّقاوَةِ إذْ لا يَنْشَأُ عَنْهُ إلّا الِانْهِماكُ والإفْسادُ وقالَ، بَلِ الإصْلاحُ بِالِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّ إصْلاحَ العَمَلِ مِن نَتِيجَةِ التَّقْوى، والِاسْتِكْبارُ مِن نَتِيجَةِ التَّكْذِيبِ، وهو التَّعاظُمُ فَلَمْ يَكُونُوا لِيَتَّبِعُوا الرُّسُلَ فِيما جاءُوا بِهِ ولا يَقْتَدُوا بِما أُمِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِالشَّيْءِ نَأى بِنَفْسِهِ عَنِ اتِّباعِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ حالَتانِ تَعُمُّ جَمِيعَ مَن (p-٢٩٤)يَصُدُّ عَنْ رِسالَةِ الرَّسُولِ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ أنَّهُ كَذَّبَ، وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ فَيُكَذِّبَ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَّكْذِيبِ، وهَذا نَحْوُ: الكُفْرُ عِنادٌ. انْتَهى. وتَضَمَّنَتِ الجُمْلَتانِ حَذْفَ رابِطٍ، وتَقْدِيرُهُ: فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ مِنكم، والَّذِينَ كَذَّبُوا مِنكم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ و﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ الجُمْلَتانِ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأعْرَجُ إمّا تَأْتِيَنَّكم بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَماعَةِ و﴿يَقُصُّونَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى إذْ ذاكَ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ تَقُصُّ.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ لَمّا ذَكَرَ المُكَذِّبِينَ ذَكَرَ أسْوَأ حالًا مِنهم، وهو مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ عَلى اللَّهِ وذَكَرَ أيْضًا مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ولا يُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذا، وقالَ الحَسَنُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ، وقالَ الرَّبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ: ما سَبَقَ لَهم في أُمِّ الكِتابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ أيْضًا، وقَتادَةُ: ما كَتَبَ الحَفَظَةُ في صَحائِفِ النّاسِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَيُقالُ: هَذا نَصِيبُهم مِن ذَلِكَ وهو الكُفْرُ والمَعاصِي، وقالَ الحَكَمُ، وأبُو صالِحٍ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ والخَيْرِ والشَّرِّ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَّحّاكُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الضَّلالَةِ والهُدى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأعْمالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: مِنَ الكِتابِ يُرادُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وحَظُّهم فِيهِ سَوادُ وُجُوهِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: ما أوْجَبَ مِن حِفْظِ عُهُودِهِمْ إذا أعْطُوا الجِزْيَةَ. وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: مِنَ المُقَرَّرِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الشَّرْعِ أنَّ حَظَّهم فِيهِ العَذابُ والسُّخْطُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الَّذِي كُتِبَ لَهم في الدُّنْيا مِن رِزْقٍ وأجَلٍ، وغَيْرِهِما يَنالُهم فِيها، ولِذَلِكَ جاءَتِ التَّغْيِيَةُ بَعْدَ هَذا بـِ حَتّى، وإلى هَذا المَعْنى نَحا الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: أيْ ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمالِ.
﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿حَتّى إذا﴾ في أوائِلِ الأنْعامِ، ووَقَعَ في التَّحْرِيرِ (حَتّى) هُنا لَيْسَ بِغايَةٍ، بَلْ هي ابْتِداءٌ وجَرٌّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وهَذا وهْمٌ، بَلْ مَعْناهاهُنا الغايَةُ والخِلافُ فِيها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ أهِيَ حَرْفُ جَرٍّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ وتَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها كَما تَتَعَلَّقُ حُرُوفُ الجَرِّ، أمْ لَيْسَتْ حَرْفَ جَرٍّ ولا تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها تَعَلُّقَ حُرُوفِ الجَرِّ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الإعْرابِ ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ لِابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، والزَّجّاجِ، والثّانِي لِلْجُمْهُورِ. وإذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فَهي لِلْغايَةِ ألا تَراها في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَما زالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دِماءُها ∗∗∗ بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أشْكَلُ
تُفِيدُ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ مَدَّ هَمَّهم في السَّيْرِ إلى كَلالِ المَطِيِّ والجِيادِ ومَجَّتِ الدِّماءُ إلى تَغْيِيرِ ماءِ دِجْلَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي حَتّى الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: وحَتّى غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَنالُهم، فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ الصِّناعِيَّ، وأنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ، والمَعْنى: أنَّهم يَنالُهم حَظُّهم مِمّا كُتِبَ لَهم إلى أنْ يَأْتِيَهم رُسُلُ المَوْتِ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم فَيَسْألُونَهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ أيْنَ (p-٢٩٥)مَعْبُوداتُكم مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيُجِيبُونَ بِأنَّهم حادُوا عَنّا وأخَذُوا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِنا، أوْ ضَلُّوا عَنّا هَلَكُوا واضْمَحَلُّوا، والرُّسُلُ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، ويَتَوَفَّوْنَهم في مَوْضِعِ الحالِ، وكُتِبَتْ أيْنَما مُتَّصِلَةً وكانَ قِياسُهُ كِتابَتَها بِالِانْفِصالِ؛ لِأنَّ ما مَوْصُولَةٌ كَهي في ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] إذِ التَّقْدِيرُ: أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ وقِيلَ: مَعْنى (تَدْعُونَ)، أيْ: تَسْتَغِيثُونَهم لِقَضاءِ حَوائِجِكم وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ هَذِهِ المُحاوَرَةَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وهَؤُلاءِ تَكُونُ وقْتَ المَوْتِ، وأنَّ التَّوَفِّيَ هو بِقَبْضِ الأرْواحِ، هو قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الحَسَنُ: (الرُّسُلُ) مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُحاوَرَةُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَعْنى ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يَسْتَوْفُونَهم عَدَدًا في السَّوْقِ إلى جَهَنَّمَ ونَيْلِ النَّصِيبِ عَلى هَذا إنَّما هو في الآخِرَةِ إذْ لَوْ كانَ في الدُّنْيا لَما تَحَقَّقَتِ الغايَةُ لِانْقِطاعِ النَّيْلِ قَبْلَها بِمَدَدٍ كَثِيرَةٍ، ويُحْتَمَلُ (وشَهِدُوا) أنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَلى (قالُوا) فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ جَوابِ السُّؤالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإقْرارِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] لِاحْتِمالِ ذَلِكَ مِن طَوائِفَ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ في أوْقاتٍ، وجَوابُ سُؤالِهِمْ لَيْسَ مُطابِقًا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ مَكانٍ، وأُجِيبَ بِفِعْلٍ وهو مُطابِقٌ مِن جِهَةِ المَعْنى إذْ تَقْدِيرُ السُّؤالِ: ما فَعَلَ مَعْبُودُوكم مِن دُونِ اللَّهِ مَعَكم ؟ ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ .
﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ . أيْ: يَقُولُ اللَّهُ لَهم، أيْ: لِكُفّارِ العَرَبِ وهُمُ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ والمُكَذِّبُونَ بِالآياتِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وقَوْلُهُ ذَلِكَ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في الظّاهِرِ بـِ ادْخُلُوا، والمَعْنى: في جُمْلَةِ أُمَمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ و﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أيْ: تَقَدَّمَتْكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ تَقَدَّمَتْكم، أيْ: تَقَدَّمَ دُخُولُها في النّارِ وقَدَّمَ الجِنَّ؛ لِأنَّهُمُ الأصْلُ في الإغْواءِ والإضْلالِ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عُصاةَ الجِنِّ يَدْخُلُونَ النّارَ، وفي النّارِ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ عَلى أنَّ المَعْنى تَقَدَّمَ دُخُولُها، أوْ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِأُمَمٍ، أيْ: في أُمَمٍ سابِقَةٍ في الزَّمانِ كائِنَةٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ كائِنَةً في النّارِ، أوْ بـِ ”ادْخُلُوا“ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ في بِمَعْنى مَعَ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فاخْتَلَفَ مَدْلُولُ في إذِ الأُولى تُفِيدُ الصُّحْبَةَ، والثّانِيَةُ تُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ وإذا اخْتَلَفَ مَدْلُولُ الحَرْفِ جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ اللَّفْظانِ بِفِعْلٍ واحِدٍ ويَكُونُ إذْ ذاكَ (ادْخُلُوا) قَدْ تَعَدّى إلى الظَّرْفِ المُخْتَصِّ بِفي وهو الأصْلُ وإنْ كانَ قَدْ تَعَدّى في مَوْضِعٍ آخَرَ بِنَفْسِهِ لا بِوَساطَةِ في كَقَوْلِهِ: وقِيلَ ادْخُلا النّارَ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في باقِيَةً عَلى مَدْلُولِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ و﴿فِي النّارِ﴾ كَذَلِكَ ويَتَعَلَّقانِ بِلَفْظِ (ادْخُلُوا) وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿فِي النّارِ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ﴾ [البروج: ٥]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ.
﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ (كُلَّما) لِلتَّكْرارِ ولا يَسْتَوِي ذَلِكَ في الأُمَّةِ الأُولى، فاللّاحِقَةُ تَلْعَنُ السّابِقَةَ، أوْ يَلْعَنُ بَعْضُ الأُمَّةِ الدّاخِلَةِ بَعْضَها، ومَعْنى ﴿أُخْتَها﴾، أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُخْتَها﴾ الَّتِي ضَلَّتْ بِالِاقْتِداءِ بِها. انْتَهى.، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُعادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ويَكْفُرُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، كَما جاءَ في آياتٍ أُخَرَ.
﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ (p-٢٩٦)(حَتّى) غايَةٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى: أنَّهم يَدْخُلُونَ فَوْجًا فَفَوْجًا لاعِنًا بَعْضُهم بَعْضًا إلى انْتِهاءِ تَدارُكِهِمْ وتَلاحُقِهِمْ في النّارِ واجْتِماعِهِمْ فِيها، وأصْلُ ﴿ادّارَكُوا﴾ تَدارَكُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أدّارَكُوا بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مُشْكِلٌ ولا يُسَوَّغُ أنْ يَقْطَعَها ارْتِجالًا فَذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ شاذًّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ في الِاسْمِ أيْضًا، لَكِنَّهُ وقَفَ مِثْلَ وقْفَةِ المُسْتَنْكِرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقَطَعَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ الدّالِ، وفَتْحِ الرّاءِ بِمَعْنى أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَرَأ حُمَيْدٌ: أُدْرِكُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ: أُدْخِلُوا في إدْراكِها، وقالَ مَكِّيٌّ في قِراءَةِ مُجاهِدٍ: إنَّها ادَّرَكُوا بِشَدِّ الدّالِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ الرّاءِ، قالَ: وأصْلُها ادْتَرَكُوا وزْنُها افْتَعَلُوا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ تَدارَكُوا ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عُمَرَ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وقُرِئَ ”إذا ادّارَكُوا“ بِألِفٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ والدّالُ بَعْدَها مُشَدَّدَةٌ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وجازَ في المُنْفَصِلِ كَما جازَ في المُتَّصِلِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: اثْنا عَشَرَ بِإثْباتِ الألِفِ وسُكُونِ العَيْنِ. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: كَما جازَ في المُتَّصِلِ نَحْوِ الضّالِّينَ وجانٍّ وأُخْراهم: الأُمَّةُ الأخِيرَةُ في الزَّمانِ الَّتِي وجَدَتْ ضَلالاتٍ مُقَرَّرَةً مُسْتَعْمَلَةً لِأُولاهُمُ الَّتِي شَرَعَتْ ذَلِكَ وافْتَرَتْ وسَلَكَتْ سَبِيلَ الضَّلالِ ابْتِداءً، أوْ أُخْراهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ الأتْباعُ والسَّفِلَةُ لِأُولاهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ القادَةُ المَتْبُوعُونَ، أوْ أُخْراهم في الدُّخُولِ إلى النّارِ وهُمُ الأتْباعُ لِأُولاهم دُخُولًا، وهُمُ القادَةُ، أقْوالٌ آخِرُها لِمُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آخِرُ أُمَّةٍ لِأوَّلِ أُمَّةٍ، وأُخْرى هُنا بِمَعْنى آخِرَةٍ مُؤَنَّثُ آخَرَ، فَمُقابِلُ أوَّلِ لا مُؤَنَّثَ لَهُ، آخَرُ بِمَعْنى غَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] واللّامُ في لِأُولاهم لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ أُولاهم؛ لِأنَّ خِطابَهم مَعَ اللَّهِ لا مَعَهم ﴿أضَلُّونا﴾ شَرَعُوا لَنا الضَّلالَ، أوْ جَعَلُونا نَضِلُّ وحَمَّلُونا عَلَيْهِ ضِعْفًا زائِدًا عَلى عَذابِنا إذْ هم كافِرُونَ ومُسَبِّبُو كُفْرِنا.
﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: لِكُلٍّ مِنَ الأُخْرى والأُولى عَذابٌ، ولِلْأُولى عَذابٌ مُتَضاعِفٌ زائِدٌ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ وذَلِكَ أنَّ العَذابَ مُؤَبَّدٌ، فَكُلُّ ألَمٍ يَعْقُبُهُ آخَرُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلسّائِلِينَ، أيْ: لا تَعْلَمُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ العَذابِ، أوْ لا تَعْلَمُونَ المَقادِيرَ وصُوَرَ العَذابِ. قِيلَ أوْ خِطابٌ لِأهْلِ الدُّنْيا، أيْ: ولَكِنْ يا أهْلَ الدُّنْيا لا تَعْلَمُونَ مِقْدارَ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الأُمَّةِ ويَكُونُ الضَّمِيرُ في (لا يَعْلَمُونَ) عائِدًا عَلى الأُمَّةِ الأخِيرَةِ الَّتِي طَلَبَتْ أنْ يُضَعَّفَ العَذابُ عَلى أُولاها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ قَدْرَ ما أُعِدَّ لَهُ مِنَ العَذابِ، أوْ قَدْرَ ما أُعِدَّ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ مِنَ العَذابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الضِّعْفَ هُنا الأفاعِي والحَيّاتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى أُولَئِكَ السّائِلِينَ، وعَدَمُ إسْعافٍ لِما طَلَبُوا.
﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ . أيْ: قالَتِ الطّائِفَةُ المَتْبُوعَةُ لِلطّائِفَةِ المُتَّبِعَةِ، واللّامُ في ﴿لِأُخْراهُمْ﴾ لامُ التَّبْلِيغِ نَحْوُ قُلْتُ لَكَ اصْنَعْ كَذا؛ لِأنَّ الخِطابَ هو مَعَ أُخْراهم بِخِلافِ اللّامِ، أيْ: في ﴿لِأُولاهُمْ﴾ فَإنَّها كَما ذَكَرْنا لامُ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الخِطابَ هُناكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنْتُمْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا ولَمْ تَزْدَجِرُوا حِينَ جاءَتْكُمُ الرُّسُلُ والنُّذُرُ، بَلْ دُمْتُمْ في كُفْرِكم، وتَرَكْتُمُ النَّظَرَ فاسْتَوَتْ حالُنا وحالُكم قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: قَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، وأنّا مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ الضِّعْفِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿مِن فَضْلٍ﴾ مِنَ التَّخْفِيفِ لِما قالَ اللَّهُ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ قالَتِ الأُولى لِلْأُخْرى لَمْ تُبَلَّغُوا أمَلًا بِأنَّ عَذابَكم أخَفُّ مِن عَذابِنا ولا فُضِّلْتُمْ بِالإسْعافِ. انْتَهى. والفاءُ في ”فَما“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطَفُوا هَذا الكَلامَ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِلسَّفِلَةِ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى انْتِفاءُ كَوْنِ فُضِّلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّفِلَةِ في الدُّنْيا بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ إيّاهم ومُوافَقَتِهِمْ لَهم في الكُفْرِ، أيْ: اتِّباعُكم (p-٢٩٧)إيّانا وعَدَمُ اتِّباعِكم سَواءٌ؛ لِأنَّكم كُنْتُمْ في الدُّنْيا أقَلَّ عِنْدَنا مِن أنْ يَكُونَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ بِاتِّباعِكم، بَلْ كَفَرْتُمُ اخْتِيارًا لا إنّا حَمَلْناكم عَلى ذَلِكَ إجْبارًا، وأنَّ قَوْلَهُ: (فَما) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَ القَوْلِ دَلَّ عَلَيْها ما سَبَقَ مِنَ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: قالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم ما دُعاؤُكُمُ اللَّهَ بِأنّا أضْلَلْناكم وسُؤالُكم ما سَألْتُمْ فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بِضَلالِكم، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ مِن كَلامِ الأُولى خِطابًا لِلْأُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّشَفِّي مِنهم، وأنَّ ذَوْقَ العَذابِ هو بِما كَسَبَتْ مِنَ الآثامِ لا بِسَبَبِ دَعْواكم أنّا أضْلَلْناكم، وقِيلَ: (فَذُوقُوا) مِن خِطابِ اللَّهِ لِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:38
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ لَمّا لَبِسَ المُسْلِمُونَ الثِّيابَ وطافُوا بِالبَيْتِ عَيَّرَهُمُ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ وقالُوا اسْتَحَلُّوا الحُرُمَ فَنَزَلَتْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ في أواخِرِ الأنْعامِ، وزِيدَ هُنا أقْوالٌ، أحَدُها: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ طَوافُ الرَّجُلِ بِالنَّهارِ عُرْيانًا ﴿وما بَطَنَ﴾ طَوافُها بِاللَّيْلِ عارِيَةً. قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ طَوافُ الجاهِلِيَّةِ عُراةً ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا، وقِيلَ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ الظُّلْمُ ﴿وما بَطَنَ﴾ السَّرِقَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِن نِكاحِ الأبْناءِ نِساءَ الآباءِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وأنْ يَنْكِحَ المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا ﴿والإثْمَ﴾ عامٌّ يَشْمَلُ الأقْوالَ والأفْعالَ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الإثْمُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو صِغارُ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: الخَمْرُ، وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ هُنا؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُحَرَّمِ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ وماتُوا شُهَداءَ، وهي في أجْوافِهِمْ، وأمّا تَسْمِيَةُ الخَمْرِ إثْمًا، فَقِيلَ هو مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وهُوَ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مُوجِبَ الإثْمِ، ولا يَدُلُّ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ (الإثْمَ) الخَمْرُ عَلى أنَّهُ مِن أسْمائِها إذْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وأنْكَرَ أبُو العَبّاسِ أنْ يَكُونَ الإثْمُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ وقالَ الفَضْلُ: الإثْمُ الخَمْرُ، وأنْشَدَ:
؎نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرَبَ الخَنا ∗∗∗ وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ أيْضًا:
؎ورُحْتُ حَزِينًا ذاهِلَ العَقْلِ بَعْدَهم ∗∗∗ كَأنِّي شَرِبْتُ الإثْمَ أوْ مَسَّنِي خَبَلُ
قالَ: وقَدْ تُسَمّى الخَمْرُ إثْمًا، وأنْشَدَ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والفَرّاءُ: البَغْيُ الِاسْتِطالَةُ، وقالَ الحَسَنُ: السُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ: تَكَلُّمُ الرَّجُلِ في الرَّجُلِ بِغَيْرِ الحَقِّ إلّا أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِحَقٍّ، وقِيلَ: الظُّلْمُ والكِبْرُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ وأفْرَدُوهُ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿البَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] التَّعَدِّي وتَجاوُزُ الحَدِّ مُبْتَدِئًا كانَ، أوْ مُنْتَصِرًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ لا يُسَمّى بَغْيًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ في الأنْعامِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ بُرْهانًا بِأنْ يُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ ما لا تَعْلَمُونَ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: قَوْلُهم أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَآكِلَ ومَلابِسَ ومَشارِبَ في الإحْرامِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ، أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لِمَجِيءِ العَذابِ إذا خالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ، فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ، (p-٢٩٣)وقِيلَ: الأجَلُ هُنا أجَلُ الدُّنْيا، التَّقْدِيرُ لِلْأُمَمِ كُلِّها أجَلٌ، أيْ: يُقْدِمُونَ فِيهِ عَلى ما قَدَّمُوا مِن عَمَلٍ، وقِيلَ: الأجَلُ مُدَّةُ العُمْرِ، والتَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ عُمْرٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ بَقاؤُهُ في الدُّنْيا، وإذا ماتَ عَلِمَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ، أوْ باطِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيُّ فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ، وقالَ غَيْرُهُ: والأُمَّةُ الجَماعَةُ قَلُّوا، أوْ كَثُرُوا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ في قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ: «يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، وأفْرَدَ الأجَلَ؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، أوْ لِتَقارُبِ أعْمالِ أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، أوْ لِكَوْنِ التَّقْدِيرِ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن أُمَّةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ: فَإذا جاءَ آجالُهم، بِالجَمْعِ، وقالَ: ساعَةً؛ لِأنَّها أقَلُّ الأوْقاتِ في اسْتِعْمالِ النّاسِ، يَقُولُ المُسْتَعْجِلُ لِصاحِبِهِ في ساعَةٍ يُرِيدُ في أقْصَرِ وقْتٍ وأقْرَبِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظٌ عُنِيَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَّمانِ، والمُرادُ جَمْعُ أجْزائِهِ. انْتَهى. والمُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا إذا وقَعَ في الظّاهِرِ جَوابًا لِإذا يَجُوزُ أنْ يُتَلَقّى بِفاءِ الجَزاءِ، ويَجُوزَ أنْ لا يُتَلَقّى بِها ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والفِعْلِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إذْ ذاكَ اسْمِيَّةً، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِإذا فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الفاءِ، أوْ إذا الفُجائِيَّةِ، قالَ بَعْضُهم: ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى إذا حَيْثُ وقَعَ إلّا في يُونُسَ؛ لِأنَّها عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ بَيْنَهُما اتِّصالٌ وتَعْقِيبٌ فَكانَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ الفاءِ، وما في يُونُسَ يَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ . انْتَهى. وهَذا لا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ إذا شَرْطِيَّةٌ، فالَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إنَّما هو مُسْتَقْبَلٌ ولا يَتَرَتَّبُ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في المُسْتَقْبَلِ إلّا مُسْتَقْبَلٌ، وذَلِكَ يُتَصَوَّرُ في انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ لا في انْتِفاءِ الِاسْتِقْدامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِقْدامَ سابِقٌ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في الِاسْتِقْبالِ، فَيَصِيرُ نَظِيرَ قَوْلِكَ إذا قُمْتَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ في الماضِي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا قامَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُهُ هَذا في الماضِي، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقًا شَيْئًا إذا كانَ جائِيًا
ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ جائِيًا إلَيْهِ لا يَسْبِقُهُ، والَّذِي تُخَرَّجُ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مُنْقَطِعٌ مِنَ الجَوابِ عَلى سَبِيلِ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ، أيْ: لا يَسْتَقْدِمُونَ الأجَلَ، أيْ: لا يَسْبِقُونَهُ، وصارَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يَسْبِقُونَ الأجَلَ ولا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ.
﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . هَذا الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ. قِيلَ: هو في الأوَّلِ، وقِيلَ: هو مُراعًى بِهِ وقْتَ الإنْزالِ، وجاءَ بِصُورَةِ الِاسْتِقْبالِ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وما في إمّا تَأْكِيدٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذا لَمْ يَكُنْ ما لَمْ يُجِزْ دُخُولَ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. انْتَهى. وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُ ذَلِكَ وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن شُرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُسْتَقِلَّةً بِجَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن مَوْصُولَةً، فَتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مَجْمُوعُهُما هو جَوابُ الشَّرْطِ، وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ التَّقْسِيمَ وجُعِلَ القِسْمانِ جَوابًا لِلشَّرْطِ، أيْ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النّارِ فَثَمَرَةُ إتْيانِ الرُّسُلِ وفائِدَتِهِ هَذا، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ سَبْقَ الإيمانِ، إذِ التَّقْوى والإصْلاحُ هُما ناشِئانِ عَنْهُ وجاءَ في قَسَمِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ والتَّكْذِيبُ هو بُدُوُّ الشَّقاوَةِ إذْ لا يَنْشَأُ عَنْهُ إلّا الِانْهِماكُ والإفْسادُ وقالَ، بَلِ الإصْلاحُ بِالِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّ إصْلاحَ العَمَلِ مِن نَتِيجَةِ التَّقْوى، والِاسْتِكْبارُ مِن نَتِيجَةِ التَّكْذِيبِ، وهو التَّعاظُمُ فَلَمْ يَكُونُوا لِيَتَّبِعُوا الرُّسُلَ فِيما جاءُوا بِهِ ولا يَقْتَدُوا بِما أُمِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِالشَّيْءِ نَأى بِنَفْسِهِ عَنِ اتِّباعِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ حالَتانِ تَعُمُّ جَمِيعَ مَن (p-٢٩٤)يَصُدُّ عَنْ رِسالَةِ الرَّسُولِ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ أنَّهُ كَذَّبَ، وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ فَيُكَذِّبَ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَّكْذِيبِ، وهَذا نَحْوُ: الكُفْرُ عِنادٌ. انْتَهى. وتَضَمَّنَتِ الجُمْلَتانِ حَذْفَ رابِطٍ، وتَقْدِيرُهُ: فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ مِنكم، والَّذِينَ كَذَّبُوا مِنكم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ و﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ الجُمْلَتانِ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأعْرَجُ إمّا تَأْتِيَنَّكم بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَماعَةِ و﴿يَقُصُّونَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى إذْ ذاكَ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ تَقُصُّ.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ لَمّا ذَكَرَ المُكَذِّبِينَ ذَكَرَ أسْوَأ حالًا مِنهم، وهو مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ عَلى اللَّهِ وذَكَرَ أيْضًا مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ولا يُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذا، وقالَ الحَسَنُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ، وقالَ الرَّبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ: ما سَبَقَ لَهم في أُمِّ الكِتابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ أيْضًا، وقَتادَةُ: ما كَتَبَ الحَفَظَةُ في صَحائِفِ النّاسِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَيُقالُ: هَذا نَصِيبُهم مِن ذَلِكَ وهو الكُفْرُ والمَعاصِي، وقالَ الحَكَمُ، وأبُو صالِحٍ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ والخَيْرِ والشَّرِّ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَّحّاكُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الضَّلالَةِ والهُدى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأعْمالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: مِنَ الكِتابِ يُرادُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وحَظُّهم فِيهِ سَوادُ وُجُوهِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: ما أوْجَبَ مِن حِفْظِ عُهُودِهِمْ إذا أعْطُوا الجِزْيَةَ. وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: مِنَ المُقَرَّرِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الشَّرْعِ أنَّ حَظَّهم فِيهِ العَذابُ والسُّخْطُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الَّذِي كُتِبَ لَهم في الدُّنْيا مِن رِزْقٍ وأجَلٍ، وغَيْرِهِما يَنالُهم فِيها، ولِذَلِكَ جاءَتِ التَّغْيِيَةُ بَعْدَ هَذا بـِ حَتّى، وإلى هَذا المَعْنى نَحا الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: أيْ ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمالِ.
﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿حَتّى إذا﴾ في أوائِلِ الأنْعامِ، ووَقَعَ في التَّحْرِيرِ (حَتّى) هُنا لَيْسَ بِغايَةٍ، بَلْ هي ابْتِداءٌ وجَرٌّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وهَذا وهْمٌ، بَلْ مَعْناهاهُنا الغايَةُ والخِلافُ فِيها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ أهِيَ حَرْفُ جَرٍّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ وتَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها كَما تَتَعَلَّقُ حُرُوفُ الجَرِّ، أمْ لَيْسَتْ حَرْفَ جَرٍّ ولا تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها تَعَلُّقَ حُرُوفِ الجَرِّ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الإعْرابِ ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ لِابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، والزَّجّاجِ، والثّانِي لِلْجُمْهُورِ. وإذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فَهي لِلْغايَةِ ألا تَراها في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَما زالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دِماءُها ∗∗∗ بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أشْكَلُ
تُفِيدُ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ مَدَّ هَمَّهم في السَّيْرِ إلى كَلالِ المَطِيِّ والجِيادِ ومَجَّتِ الدِّماءُ إلى تَغْيِيرِ ماءِ دِجْلَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي حَتّى الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: وحَتّى غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَنالُهم، فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ الصِّناعِيَّ، وأنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ، والمَعْنى: أنَّهم يَنالُهم حَظُّهم مِمّا كُتِبَ لَهم إلى أنْ يَأْتِيَهم رُسُلُ المَوْتِ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم فَيَسْألُونَهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ أيْنَ (p-٢٩٥)مَعْبُوداتُكم مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيُجِيبُونَ بِأنَّهم حادُوا عَنّا وأخَذُوا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِنا، أوْ ضَلُّوا عَنّا هَلَكُوا واضْمَحَلُّوا، والرُّسُلُ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، ويَتَوَفَّوْنَهم في مَوْضِعِ الحالِ، وكُتِبَتْ أيْنَما مُتَّصِلَةً وكانَ قِياسُهُ كِتابَتَها بِالِانْفِصالِ؛ لِأنَّ ما مَوْصُولَةٌ كَهي في ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] إذِ التَّقْدِيرُ: أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ وقِيلَ: مَعْنى (تَدْعُونَ)، أيْ: تَسْتَغِيثُونَهم لِقَضاءِ حَوائِجِكم وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ هَذِهِ المُحاوَرَةَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وهَؤُلاءِ تَكُونُ وقْتَ المَوْتِ، وأنَّ التَّوَفِّيَ هو بِقَبْضِ الأرْواحِ، هو قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الحَسَنُ: (الرُّسُلُ) مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُحاوَرَةُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَعْنى ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يَسْتَوْفُونَهم عَدَدًا في السَّوْقِ إلى جَهَنَّمَ ونَيْلِ النَّصِيبِ عَلى هَذا إنَّما هو في الآخِرَةِ إذْ لَوْ كانَ في الدُّنْيا لَما تَحَقَّقَتِ الغايَةُ لِانْقِطاعِ النَّيْلِ قَبْلَها بِمَدَدٍ كَثِيرَةٍ، ويُحْتَمَلُ (وشَهِدُوا) أنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَلى (قالُوا) فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ جَوابِ السُّؤالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإقْرارِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] لِاحْتِمالِ ذَلِكَ مِن طَوائِفَ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ في أوْقاتٍ، وجَوابُ سُؤالِهِمْ لَيْسَ مُطابِقًا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ مَكانٍ، وأُجِيبَ بِفِعْلٍ وهو مُطابِقٌ مِن جِهَةِ المَعْنى إذْ تَقْدِيرُ السُّؤالِ: ما فَعَلَ مَعْبُودُوكم مِن دُونِ اللَّهِ مَعَكم ؟ ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ .
﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ . أيْ: يَقُولُ اللَّهُ لَهم، أيْ: لِكُفّارِ العَرَبِ وهُمُ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ والمُكَذِّبُونَ بِالآياتِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وقَوْلُهُ ذَلِكَ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في الظّاهِرِ بـِ ادْخُلُوا، والمَعْنى: في جُمْلَةِ أُمَمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ و﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أيْ: تَقَدَّمَتْكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ تَقَدَّمَتْكم، أيْ: تَقَدَّمَ دُخُولُها في النّارِ وقَدَّمَ الجِنَّ؛ لِأنَّهُمُ الأصْلُ في الإغْواءِ والإضْلالِ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عُصاةَ الجِنِّ يَدْخُلُونَ النّارَ، وفي النّارِ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ عَلى أنَّ المَعْنى تَقَدَّمَ دُخُولُها، أوْ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِأُمَمٍ، أيْ: في أُمَمٍ سابِقَةٍ في الزَّمانِ كائِنَةٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ كائِنَةً في النّارِ، أوْ بـِ ”ادْخُلُوا“ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ في بِمَعْنى مَعَ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فاخْتَلَفَ مَدْلُولُ في إذِ الأُولى تُفِيدُ الصُّحْبَةَ، والثّانِيَةُ تُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ وإذا اخْتَلَفَ مَدْلُولُ الحَرْفِ جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ اللَّفْظانِ بِفِعْلٍ واحِدٍ ويَكُونُ إذْ ذاكَ (ادْخُلُوا) قَدْ تَعَدّى إلى الظَّرْفِ المُخْتَصِّ بِفي وهو الأصْلُ وإنْ كانَ قَدْ تَعَدّى في مَوْضِعٍ آخَرَ بِنَفْسِهِ لا بِوَساطَةِ في كَقَوْلِهِ: وقِيلَ ادْخُلا النّارَ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في باقِيَةً عَلى مَدْلُولِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ و﴿فِي النّارِ﴾ كَذَلِكَ ويَتَعَلَّقانِ بِلَفْظِ (ادْخُلُوا) وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿فِي النّارِ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ﴾ [البروج: ٥]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ.
﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ (كُلَّما) لِلتَّكْرارِ ولا يَسْتَوِي ذَلِكَ في الأُمَّةِ الأُولى، فاللّاحِقَةُ تَلْعَنُ السّابِقَةَ، أوْ يَلْعَنُ بَعْضُ الأُمَّةِ الدّاخِلَةِ بَعْضَها، ومَعْنى ﴿أُخْتَها﴾، أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُخْتَها﴾ الَّتِي ضَلَّتْ بِالِاقْتِداءِ بِها. انْتَهى.، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُعادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ويَكْفُرُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، كَما جاءَ في آياتٍ أُخَرَ.
﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ (p-٢٩٦)(حَتّى) غايَةٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى: أنَّهم يَدْخُلُونَ فَوْجًا فَفَوْجًا لاعِنًا بَعْضُهم بَعْضًا إلى انْتِهاءِ تَدارُكِهِمْ وتَلاحُقِهِمْ في النّارِ واجْتِماعِهِمْ فِيها، وأصْلُ ﴿ادّارَكُوا﴾ تَدارَكُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أدّارَكُوا بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مُشْكِلٌ ولا يُسَوَّغُ أنْ يَقْطَعَها ارْتِجالًا فَذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ شاذًّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ في الِاسْمِ أيْضًا، لَكِنَّهُ وقَفَ مِثْلَ وقْفَةِ المُسْتَنْكِرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقَطَعَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ الدّالِ، وفَتْحِ الرّاءِ بِمَعْنى أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَرَأ حُمَيْدٌ: أُدْرِكُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ: أُدْخِلُوا في إدْراكِها، وقالَ مَكِّيٌّ في قِراءَةِ مُجاهِدٍ: إنَّها ادَّرَكُوا بِشَدِّ الدّالِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ الرّاءِ، قالَ: وأصْلُها ادْتَرَكُوا وزْنُها افْتَعَلُوا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ تَدارَكُوا ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عُمَرَ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وقُرِئَ ”إذا ادّارَكُوا“ بِألِفٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ والدّالُ بَعْدَها مُشَدَّدَةٌ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وجازَ في المُنْفَصِلِ كَما جازَ في المُتَّصِلِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: اثْنا عَشَرَ بِإثْباتِ الألِفِ وسُكُونِ العَيْنِ. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: كَما جازَ في المُتَّصِلِ نَحْوِ الضّالِّينَ وجانٍّ وأُخْراهم: الأُمَّةُ الأخِيرَةُ في الزَّمانِ الَّتِي وجَدَتْ ضَلالاتٍ مُقَرَّرَةً مُسْتَعْمَلَةً لِأُولاهُمُ الَّتِي شَرَعَتْ ذَلِكَ وافْتَرَتْ وسَلَكَتْ سَبِيلَ الضَّلالِ ابْتِداءً، أوْ أُخْراهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ الأتْباعُ والسَّفِلَةُ لِأُولاهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ القادَةُ المَتْبُوعُونَ، أوْ أُخْراهم في الدُّخُولِ إلى النّارِ وهُمُ الأتْباعُ لِأُولاهم دُخُولًا، وهُمُ القادَةُ، أقْوالٌ آخِرُها لِمُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آخِرُ أُمَّةٍ لِأوَّلِ أُمَّةٍ، وأُخْرى هُنا بِمَعْنى آخِرَةٍ مُؤَنَّثُ آخَرَ، فَمُقابِلُ أوَّلِ لا مُؤَنَّثَ لَهُ، آخَرُ بِمَعْنى غَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] واللّامُ في لِأُولاهم لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ أُولاهم؛ لِأنَّ خِطابَهم مَعَ اللَّهِ لا مَعَهم ﴿أضَلُّونا﴾ شَرَعُوا لَنا الضَّلالَ، أوْ جَعَلُونا نَضِلُّ وحَمَّلُونا عَلَيْهِ ضِعْفًا زائِدًا عَلى عَذابِنا إذْ هم كافِرُونَ ومُسَبِّبُو كُفْرِنا.
﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: لِكُلٍّ مِنَ الأُخْرى والأُولى عَذابٌ، ولِلْأُولى عَذابٌ مُتَضاعِفٌ زائِدٌ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ وذَلِكَ أنَّ العَذابَ مُؤَبَّدٌ، فَكُلُّ ألَمٍ يَعْقُبُهُ آخَرُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلسّائِلِينَ، أيْ: لا تَعْلَمُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ العَذابِ، أوْ لا تَعْلَمُونَ المَقادِيرَ وصُوَرَ العَذابِ. قِيلَ أوْ خِطابٌ لِأهْلِ الدُّنْيا، أيْ: ولَكِنْ يا أهْلَ الدُّنْيا لا تَعْلَمُونَ مِقْدارَ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الأُمَّةِ ويَكُونُ الضَّمِيرُ في (لا يَعْلَمُونَ) عائِدًا عَلى الأُمَّةِ الأخِيرَةِ الَّتِي طَلَبَتْ أنْ يُضَعَّفَ العَذابُ عَلى أُولاها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ قَدْرَ ما أُعِدَّ لَهُ مِنَ العَذابِ، أوْ قَدْرَ ما أُعِدَّ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ مِنَ العَذابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الضِّعْفَ هُنا الأفاعِي والحَيّاتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى أُولَئِكَ السّائِلِينَ، وعَدَمُ إسْعافٍ لِما طَلَبُوا.
﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ . أيْ: قالَتِ الطّائِفَةُ المَتْبُوعَةُ لِلطّائِفَةِ المُتَّبِعَةِ، واللّامُ في ﴿لِأُخْراهُمْ﴾ لامُ التَّبْلِيغِ نَحْوُ قُلْتُ لَكَ اصْنَعْ كَذا؛ لِأنَّ الخِطابَ هو مَعَ أُخْراهم بِخِلافِ اللّامِ، أيْ: في ﴿لِأُولاهُمْ﴾ فَإنَّها كَما ذَكَرْنا لامُ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الخِطابَ هُناكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنْتُمْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا ولَمْ تَزْدَجِرُوا حِينَ جاءَتْكُمُ الرُّسُلُ والنُّذُرُ، بَلْ دُمْتُمْ في كُفْرِكم، وتَرَكْتُمُ النَّظَرَ فاسْتَوَتْ حالُنا وحالُكم قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: قَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، وأنّا مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ الضِّعْفِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿مِن فَضْلٍ﴾ مِنَ التَّخْفِيفِ لِما قالَ اللَّهُ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ قالَتِ الأُولى لِلْأُخْرى لَمْ تُبَلَّغُوا أمَلًا بِأنَّ عَذابَكم أخَفُّ مِن عَذابِنا ولا فُضِّلْتُمْ بِالإسْعافِ. انْتَهى. والفاءُ في ”فَما“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطَفُوا هَذا الكَلامَ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِلسَّفِلَةِ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى انْتِفاءُ كَوْنِ فُضِّلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّفِلَةِ في الدُّنْيا بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ إيّاهم ومُوافَقَتِهِمْ لَهم في الكُفْرِ، أيْ: اتِّباعُكم (p-٢٩٧)إيّانا وعَدَمُ اتِّباعِكم سَواءٌ؛ لِأنَّكم كُنْتُمْ في الدُّنْيا أقَلَّ عِنْدَنا مِن أنْ يَكُونَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ بِاتِّباعِكم، بَلْ كَفَرْتُمُ اخْتِيارًا لا إنّا حَمَلْناكم عَلى ذَلِكَ إجْبارًا، وأنَّ قَوْلَهُ: (فَما) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَ القَوْلِ دَلَّ عَلَيْها ما سَبَقَ مِنَ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: قالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم ما دُعاؤُكُمُ اللَّهَ بِأنّا أضْلَلْناكم وسُؤالُكم ما سَألْتُمْ فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بِضَلالِكم، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ مِن كَلامِ الأُولى خِطابًا لِلْأُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّشَفِّي مِنهم، وأنَّ ذَوْقَ العَذابِ هو بِما كَسَبَتْ مِنَ الآثامِ لا بِسَبَبِ دَعْواكم أنّا أضْلَلْناكم، وقِيلَ: (فَذُوقُوا) مِن خِطابِ اللَّهِ لِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:39
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ لَمّا لَبِسَ المُسْلِمُونَ الثِّيابَ وطافُوا بِالبَيْتِ عَيَّرَهُمُ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ وقالُوا اسْتَحَلُّوا الحُرُمَ فَنَزَلَتْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ في أواخِرِ الأنْعامِ، وزِيدَ هُنا أقْوالٌ، أحَدُها: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ طَوافُ الرَّجُلِ بِالنَّهارِ عُرْيانًا ﴿وما بَطَنَ﴾ طَوافُها بِاللَّيْلِ عارِيَةً. قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ طَوافُ الجاهِلِيَّةِ عُراةً ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا، وقِيلَ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ الظُّلْمُ ﴿وما بَطَنَ﴾ السَّرِقَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ: ﴿ما ظَهَرَ﴾ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ مِن نِكاحِ الأبْناءِ نِساءَ الآباءِ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وأنْ يَنْكِحَ المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها ﴿وما بَطَنَ﴾ الزِّنا ﴿والإثْمَ﴾ عامٌّ يَشْمَلُ الأقْوالَ والأفْعالَ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الإثْمُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو صِغارُ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: الخَمْرُ، وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ هُنا؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُحَرَّمِ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ وماتُوا شُهَداءَ، وهي في أجْوافِهِمْ، وأمّا تَسْمِيَةُ الخَمْرِ إثْمًا، فَقِيلَ هو مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وهُوَ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مُوجِبَ الإثْمِ، ولا يَدُلُّ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ (الإثْمَ) الخَمْرُ عَلى أنَّهُ مِن أسْمائِها إذْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وأنْكَرَ أبُو العَبّاسِ أنْ يَكُونَ الإثْمُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ وقالَ الفَضْلُ: الإثْمُ الخَمْرُ، وأنْشَدَ:
؎نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرَبَ الخَنا ∗∗∗ وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ أيْضًا:
؎ورُحْتُ حَزِينًا ذاهِلَ العَقْلِ بَعْدَهم ∗∗∗ كَأنِّي شَرِبْتُ الإثْمَ أوْ مَسَّنِي خَبَلُ
قالَ: وقَدْ تُسَمّى الخَمْرُ إثْمًا، وأنْشَدَ:
؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى زَلَّ عَقْلِي
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والفَرّاءُ: البَغْيُ الِاسْتِطالَةُ، وقالَ الحَسَنُ: السُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ: تَكَلُّمُ الرَّجُلِ في الرَّجُلِ بِغَيْرِ الحَقِّ إلّا أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِحَقٍّ، وقِيلَ: الظُّلْمُ والكِبْرُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ وأفْرَدُوهُ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿البَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] التَّعَدِّي وتَجاوُزُ الحَدِّ مُبْتَدِئًا كانَ، أوْ مُنْتَصِرًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ لا يُسَمّى بَغْيًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ في الأنْعامِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ بُرْهانًا بِأنْ يُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ ما لا تَعْلَمُونَ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: قَوْلُهم أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَآكِلَ ومَلابِسَ ومَشارِبَ في الإحْرامِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ.
﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ هَذا وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ، أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لِمَجِيءِ العَذابِ إذا خالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ، فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ، (p-٢٩٣)وقِيلَ: الأجَلُ هُنا أجَلُ الدُّنْيا، التَّقْدِيرُ لِلْأُمَمِ كُلِّها أجَلٌ، أيْ: يُقْدِمُونَ فِيهِ عَلى ما قَدَّمُوا مِن عَمَلٍ، وقِيلَ: الأجَلُ مُدَّةُ العُمْرِ، والتَّقْدِيرُ: ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ عُمْرٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ بَقاؤُهُ في الدُّنْيا، وإذا ماتَ عَلِمَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ، أوْ باطِلٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيُّ فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ، وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ، وقالَ غَيْرُهُ: والأُمَّةُ الجَماعَةُ قَلُّوا، أوْ كَثُرُوا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ في قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ: «يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، وأفْرَدَ الأجَلَ؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، أوْ لِتَقارُبِ أعْمالِ أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، أوْ لِكَوْنِ التَّقْدِيرِ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن أُمَّةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ: فَإذا جاءَ آجالُهم، بِالجَمْعِ، وقالَ: ساعَةً؛ لِأنَّها أقَلُّ الأوْقاتِ في اسْتِعْمالِ النّاسِ، يَقُولُ المُسْتَعْجِلُ لِصاحِبِهِ في ساعَةٍ يُرِيدُ في أقْصَرِ وقْتٍ وأقْرَبِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَفْظٌ عُنِيَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَّمانِ، والمُرادُ جَمْعُ أجْزائِهِ. انْتَهى. والمُضارِعُ المَنفِيُّ بِلا إذا وقَعَ في الظّاهِرِ جَوابًا لِإذا يَجُوزُ أنْ يُتَلَقّى بِفاءِ الجَزاءِ، ويَجُوزَ أنْ لا يُتَلَقّى بِها ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ أنَّ بَيْنَ الفاءِ والفِعْلِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إذْ ذاكَ اسْمِيَّةً، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِإذا فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الفاءِ، أوْ إذا الفُجائِيَّةِ، قالَ بَعْضُهم: ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى إذا حَيْثُ وقَعَ إلّا في يُونُسَ؛ لِأنَّها عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ بَيْنَهُما اتِّصالٌ وتَعْقِيبٌ فَكانَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ الفاءِ، وما في يُونُسَ يَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ . انْتَهى. وهَذا لا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ إذا شَرْطِيَّةٌ، فالَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إنَّما هو مُسْتَقْبَلٌ ولا يَتَرَتَّبُ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في المُسْتَقْبَلِ إلّا مُسْتَقْبَلٌ، وذَلِكَ يُتَصَوَّرُ في انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ لا في انْتِفاءِ الِاسْتِقْدامِ؛ لِأنَّ الِاسْتِقْدامَ سابِقٌ عَلى مَجِيءِ الأجَلِ في الِاسْتِقْبالِ، فَيَصِيرُ نَظِيرَ قَوْلِكَ إذا قُمْتَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ في الماضِي، ومَعْلُومٌ أنَّهُ إذا قامَ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُهُ هَذا في الماضِي، وهَذا شَبِيهٌ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقًا شَيْئًا إذا كانَ جائِيًا
ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ جائِيًا إلَيْهِ لا يَسْبِقُهُ، والَّذِي تُخَرَّجُ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مُنْقَطِعٌ مِنَ الجَوابِ عَلى سَبِيلِ اسْتِئْنافِ إخْبارٍ، أيْ: لا يَسْتَقْدِمُونَ الأجَلَ، أيْ: لا يَسْبِقُونَهُ، وصارَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يَسْبِقُونَ الأجَلَ ولا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ.
﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . هَذا الخِطابُ لِبَنِي آدَمَ. قِيلَ: هو في الأوَّلِ، وقِيلَ: هو مُراعًى بِهِ وقْتَ الإنْزالِ، وجاءَ بِصُورَةِ الِاسْتِقْبالِ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وما في إمّا تَأْكِيدٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإذا لَمْ يَكُنْ ما لَمْ يُجِزْ دُخُولَ النُّونِ الثَّقِيلَةِ. انْتَهى. وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُ ذَلِكَ وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن شُرْطِيَّةً، وجَوابُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُسْتَقِلَّةً بِجَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَن مَوْصُولَةً، فَتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ والَّتِي بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مَجْمُوعُهُما هو جَوابُ الشَّرْطِ، وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ التَّقْسِيمَ وجُعِلَ القِسْمانِ جَوابًا لِلشَّرْطِ، أيْ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النّارِ فَثَمَرَةُ إتْيانِ الرُّسُلِ وفائِدَتِهِ هَذا، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ سَبْقَ الإيمانِ، إذِ التَّقْوى والإصْلاحُ هُما ناشِئانِ عَنْهُ وجاءَ في قَسَمِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ والتَّكْذِيبُ هو بُدُوُّ الشَّقاوَةِ إذْ لا يَنْشَأُ عَنْهُ إلّا الِانْهِماكُ والإفْسادُ وقالَ، بَلِ الإصْلاحُ بِالِاسْتِكْبارِ؛ لِأنَّ إصْلاحَ العَمَلِ مِن نَتِيجَةِ التَّقْوى، والِاسْتِكْبارُ مِن نَتِيجَةِ التَّكْذِيبِ، وهو التَّعاظُمُ فَلَمْ يَكُونُوا لِيَتَّبِعُوا الرُّسُلَ فِيما جاءُوا بِهِ ولا يَقْتَدُوا بِما أُمِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِالشَّيْءِ نَأى بِنَفْسِهِ عَنِ اتِّباعِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ حالَتانِ تَعُمُّ جَمِيعَ مَن (p-٢٩٤)يَصُدُّ عَنْ رِسالَةِ الرَّسُولِ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ أنَّهُ كَذَّبَ، وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ فَيُكَذِّبَ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَّكْذِيبِ، وهَذا نَحْوُ: الكُفْرُ عِنادٌ. انْتَهى. وتَضَمَّنَتِ الجُمْلَتانِ حَذْفَ رابِطٍ، وتَقْدِيرُهُ: فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ مِنكم، والَّذِينَ كَذَّبُوا مِنكم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ و﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ الجُمْلَتانِ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأعْرَجُ إمّا تَأْتِيَنَّكم بِالتّاءِ عَلى تَأْنِيثِ الجَماعَةِ و﴿يَقُصُّونَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى إذْ ذاكَ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ تَقُصُّ.
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ لَمّا ذَكَرَ المُكَذِّبِينَ ذَكَرَ أسْوَأ حالًا مِنهم، وهو مَن يَفْتَرِي الكَذِبَ عَلى اللَّهِ وذَكَرَ أيْضًا مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، ولا يُناسِبُ هَذا التَّفْسِيرُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذا، وقالَ الحَسَنُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ العَذابِ، وقالَ الرَّبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ: ما سَبَقَ لَهم في أُمِّ الكِتابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ أيْضًا، وقَتادَةُ: ما كَتَبَ الحَفَظَةُ في صَحائِفِ النّاسِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَيُقالُ: هَذا نَصِيبُهم مِن ذَلِكَ وهو الكُفْرُ والمَعاصِي، وقالَ الحَكَمُ، وأبُو صالِحٍ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ والخَيْرِ والشَّرِّ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَّحّاكُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ ما كُتِبَ لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الضَّلالَةِ والهُدى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ما كُتِبَ لَهم مِنَ الأعْمالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: مِنَ الكِتابِ يُرادُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وحَظُّهم فِيهِ سَوادُ وُجُوهِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: ما أوْجَبَ مِن حِفْظِ عُهُودِهِمْ إذا أعْطُوا الجِزْيَةَ. وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: مِنَ المُقَرَّرِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الشَّرْعِ أنَّ حَظَّهم فِيهِ العَذابُ والسُّخْطُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الَّذِي كُتِبَ لَهم في الدُّنْيا مِن رِزْقٍ وأجَلٍ، وغَيْرِهِما يَنالُهم فِيها، ولِذَلِكَ جاءَتِ التَّغْيِيَةُ بَعْدَ هَذا بـِ حَتّى، وإلى هَذا المَعْنى نَحا الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: أيْ ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمالِ.
﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿حَتّى إذا﴾ في أوائِلِ الأنْعامِ، ووَقَعَ في التَّحْرِيرِ (حَتّى) هُنا لَيْسَ بِغايَةٍ، بَلْ هي ابْتِداءٌ وجَرٌّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ، وهَذا وهْمٌ، بَلْ مَعْناهاهُنا الغايَةُ والخِلافُ فِيها إذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ أهِيَ حَرْفُ جَرٍّ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ جَرٍّ وتَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها كَما تَتَعَلَّقُ حُرُوفُ الجَرِّ، أمْ لَيْسَتْ حَرْفَ جَرٍّ ولا تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها تَعَلُّقَ حُرُوفِ الجَرِّ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الإعْرابِ ؟ قَوْلانِ: الأوَّلُ لِابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، والزَّجّاجِ، والثّانِي لِلْجُمْهُورِ. وإذا كانَتْ حَرْفَ ابْتِداءٍ، فَهي لِلْغايَةِ ألا تَراها في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎فَما زالَتِ القَتْلى تَمُجُّ دِماءُها ∗∗∗ بِدِجْلَةَ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أشْكَلُ
تُفِيدُ الغايَةَ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ مَدَّ هَمَّهم في السَّيْرِ إلى كَلالِ المَطِيِّ والجِيادِ ومَجَّتِ الدِّماءُ إلى تَغْيِيرِ ماءِ دِجْلَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي حَتّى الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ. انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: وحَتّى غايَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَنالُهم، فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ الصِّناعِيَّ، وأنْ يُرِيدَ التَّعَلُّقَ المَعْنَوِيَّ، والمَعْنى: أنَّهم يَنالُهم حَظُّهم مِمّا كُتِبَ لَهم إلى أنْ يَأْتِيَهم رُسُلُ المَوْتِ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم فَيَسْألُونَهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ أيْنَ (p-٢٩٥)مَعْبُوداتُكم مَن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيُجِيبُونَ بِأنَّهم حادُوا عَنّا وأخَذُوا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِنا، أوْ ضَلُّوا عَنّا هَلَكُوا واضْمَحَلُّوا، والرُّسُلُ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، ويَتَوَفَّوْنَهم في مَوْضِعِ الحالِ، وكُتِبَتْ أيْنَما مُتَّصِلَةً وكانَ قِياسُهُ كِتابَتَها بِالِانْفِصالِ؛ لِأنَّ ما مَوْصُولَةٌ كَهي في ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤] إذِ التَّقْدِيرُ: أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ وقِيلَ: مَعْنى (تَدْعُونَ)، أيْ: تَسْتَغِيثُونَهم لِقَضاءِ حَوائِجِكم وما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ هَذِهِ المُحاوَرَةَ بَيْنَ المَلائِكَةِ وهَؤُلاءِ تَكُونُ وقْتَ المَوْتِ، وأنَّ التَّوَفِّيَ هو بِقَبْضِ الأرْواحِ، هو قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الحَسَنُ: (الرُّسُلُ) مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُحاوَرَةُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ومَعْنى ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يَسْتَوْفُونَهم عَدَدًا في السَّوْقِ إلى جَهَنَّمَ ونَيْلِ النَّصِيبِ عَلى هَذا إنَّما هو في الآخِرَةِ إذْ لَوْ كانَ في الدُّنْيا لَما تَحَقَّقَتِ الغايَةُ لِانْقِطاعِ النَّيْلِ قَبْلَها بِمَدَدٍ كَثِيرَةٍ، ويُحْتَمَلُ (وشَهِدُوا) أنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَلى (قالُوا) فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ جَوابِ السُّؤالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإقْرارِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] لِاحْتِمالِ ذَلِكَ مِن طَوائِفَ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ في أوْقاتٍ، وجَوابُ سُؤالِهِمْ لَيْسَ مُطابِقًا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ مَكانٍ، وأُجِيبَ بِفِعْلٍ وهو مُطابِقٌ مِن جِهَةِ المَعْنى إذْ تَقْدِيرُ السُّؤالِ: ما فَعَلَ مَعْبُودُوكم مِن دُونِ اللَّهِ مَعَكم ؟ ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ .
﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ . أيْ: يَقُولُ اللَّهُ لَهم، أيْ: لِكُفّارِ العَرَبِ وهُمُ المُفْتَرُونَ الكَذِبَ والمُكَذِّبُونَ بِالآياتِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَبَّرَ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وقَوْلُهُ ذَلِكَ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في الظّاهِرِ بـِ ادْخُلُوا، والمَعْنى: في جُمْلَةِ أُمَمٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ فَيَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ و﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أيْ: تَقَدَّمَتْكم في الحَياةِ الدُّنْيا، أوْ تَقَدَّمَتْكم، أيْ: تَقَدَّمَ دُخُولُها في النّارِ وقَدَّمَ الجِنَّ؛ لِأنَّهُمُ الأصْلُ في الإغْواءِ والإضْلالِ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عُصاةَ الجِنِّ يَدْخُلُونَ النّارَ، وفي النّارِ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ عَلى أنَّ المَعْنى تَقَدَّمَ دُخُولُها، أوْ بِمَحْذُوفٍ وهو صِفَةٌ لِأُمَمٍ، أيْ: في أُمَمٍ سابِقَةٍ في الزَّمانِ كائِنَةٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ كائِنَةً في النّارِ، أوْ بـِ ”ادْخُلُوا“ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ في بِمَعْنى مَعَ، وقَدْ قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فاخْتَلَفَ مَدْلُولُ في إذِ الأُولى تُفِيدُ الصُّحْبَةَ، والثّانِيَةُ تُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ وإذا اخْتَلَفَ مَدْلُولُ الحَرْفِ جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ اللَّفْظانِ بِفِعْلٍ واحِدٍ ويَكُونُ إذْ ذاكَ (ادْخُلُوا) قَدْ تَعَدّى إلى الظَّرْفِ المُخْتَصِّ بِفي وهو الأصْلُ وإنْ كانَ قَدْ تَعَدّى في مَوْضِعٍ آخَرَ بِنَفْسِهِ لا بِوَساطَةِ في كَقَوْلِهِ: وقِيلَ ادْخُلا النّارَ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في باقِيَةً عَلى مَدْلُولِها مِنَ الظَّرْفِيَّةِ و﴿فِي النّارِ﴾ كَذَلِكَ ويَتَعَلَّقانِ بِلَفْظِ (ادْخُلُوا) وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿فِي النّارِ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ كَقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ﴾ [البروج: ٥]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى واحِدٍ عَلى طَرِيقَةِ البَدَلِ.
﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ (كُلَّما) لِلتَّكْرارِ ولا يَسْتَوِي ذَلِكَ في الأُمَّةِ الأُولى، فاللّاحِقَةُ تَلْعَنُ السّابِقَةَ، أوْ يَلْعَنُ بَعْضُ الأُمَّةِ الدّاخِلَةِ بَعْضَها، ومَعْنى ﴿أُخْتَها﴾، أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ، وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُخْتَها﴾ الَّتِي ضَلَّتْ بِالِاقْتِداءِ بِها. انْتَهى.، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُعادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ويَكْفُرُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، كَما جاءَ في آياتٍ أُخَرَ.
﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ (p-٢٩٦)(حَتّى) غايَةٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى: أنَّهم يَدْخُلُونَ فَوْجًا فَفَوْجًا لاعِنًا بَعْضُهم بَعْضًا إلى انْتِهاءِ تَدارُكِهِمْ وتَلاحُقِهِمْ في النّارِ واجْتِماعِهِمْ فِيها، وأصْلُ ﴿ادّارَكُوا﴾ تَدارَكُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أدّارَكُوا بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مُشْكِلٌ ولا يُسَوَّغُ أنْ يَقْطَعَها ارْتِجالًا فَذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ شاذًّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ في الِاسْمِ أيْضًا، لَكِنَّهُ وقَفَ مِثْلَ وقْفَةِ المُسْتَنْكِرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقَطَعَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ الدّالِ، وفَتْحِ الرّاءِ بِمَعْنى أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقَرَأ حُمَيْدٌ: أُدْرِكُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ: أُدْخِلُوا في إدْراكِها، وقالَ مَكِّيٌّ في قِراءَةِ مُجاهِدٍ: إنَّها ادَّرَكُوا بِشَدِّ الدّالِ المَفْتُوحَةِ وفَتْحِ الرّاءِ، قالَ: وأصْلُها ادْتَرَكُوا وزْنُها افْتَعَلُوا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ تَدارَكُوا ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عُمَرَ. انْتَهى. وقالَ أبُو البَقاءِ: وقُرِئَ ”إذا ادّارَكُوا“ بِألِفٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ والدّالُ بَعْدَها مُشَدَّدَةٌ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وجازَ في المُنْفَصِلِ كَما جازَ في المُتَّصِلِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: اثْنا عَشَرَ بِإثْباتِ الألِفِ وسُكُونِ العَيْنِ. انْتَهى. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: كَما جازَ في المُتَّصِلِ نَحْوِ الضّالِّينَ وجانٍّ وأُخْراهم: الأُمَّةُ الأخِيرَةُ في الزَّمانِ الَّتِي وجَدَتْ ضَلالاتٍ مُقَرَّرَةً مُسْتَعْمَلَةً لِأُولاهُمُ الَّتِي شَرَعَتْ ذَلِكَ وافْتَرَتْ وسَلَكَتْ سَبِيلَ الضَّلالِ ابْتِداءً، أوْ أُخْراهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ الأتْباعُ والسَّفِلَةُ لِأُولاهم مَنزِلَةً ورُتْبَةً وهُمُ القادَةُ المَتْبُوعُونَ، أوْ أُخْراهم في الدُّخُولِ إلى النّارِ وهُمُ الأتْباعُ لِأُولاهم دُخُولًا، وهُمُ القادَةُ، أقْوالٌ آخِرُها لِمُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آخِرُ أُمَّةٍ لِأوَّلِ أُمَّةٍ، وأُخْرى هُنا بِمَعْنى آخِرَةٍ مُؤَنَّثُ آخَرَ، فَمُقابِلُ أوَّلِ لا مُؤَنَّثَ لَهُ، آخَرُ بِمَعْنى غَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] واللّامُ في لِأُولاهم لامُ السَّبَبِ، أيْ: لِأجْلِ أُولاهم؛ لِأنَّ خِطابَهم مَعَ اللَّهِ لا مَعَهم ﴿أضَلُّونا﴾ شَرَعُوا لَنا الضَّلالَ، أوْ جَعَلُونا نَضِلُّ وحَمَّلُونا عَلَيْهِ ضِعْفًا زائِدًا عَلى عَذابِنا إذْ هم كافِرُونَ ومُسَبِّبُو كُفْرِنا.
﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: لِكُلٍّ مِنَ الأُخْرى والأُولى عَذابٌ، ولِلْأُولى عَذابٌ مُتَضاعِفٌ زائِدٌ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ وذَلِكَ أنَّ العَذابَ مُؤَبَّدٌ، فَكُلُّ ألَمٍ يَعْقُبُهُ آخَرُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلسّائِلِينَ، أيْ: لا تَعْلَمُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ العَذابِ، أوْ لا تَعْلَمُونَ المَقادِيرَ وصُوَرَ العَذابِ. قِيلَ أوْ خِطابٌ لِأهْلِ الدُّنْيا، أيْ: ولَكِنْ يا أهْلَ الدُّنْيا لا تَعْلَمُونَ مِقْدارَ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ الأُمَّةِ ويَكُونُ الضَّمِيرُ في (لا يَعْلَمُونَ) عائِدًا عَلى الأُمَّةِ الأخِيرَةِ الَّتِي طَلَبَتْ أنْ يُضَعَّفَ العَذابُ عَلى أُولاها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ قَدْرَ ما أُعِدَّ لَهُ مِنَ العَذابِ، أوْ قَدْرَ ما أُعِدَّ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ مِنَ العَذابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الضِّعْفَ هُنا الأفاعِي والحَيّاتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ رَدٌّ عَلى أُولَئِكَ السّائِلِينَ، وعَدَمُ إسْعافٍ لِما طَلَبُوا.
﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ . أيْ: قالَتِ الطّائِفَةُ المَتْبُوعَةُ لِلطّائِفَةِ المُتَّبِعَةِ، واللّامُ في ﴿لِأُخْراهُمْ﴾ لامُ التَّبْلِيغِ نَحْوُ قُلْتُ لَكَ اصْنَعْ كَذا؛ لِأنَّ الخِطابَ هو مَعَ أُخْراهم بِخِلافِ اللّامِ، أيْ: في ﴿لِأُولاهُمْ﴾ فَإنَّها كَما ذَكَرْنا لامُ السَّبَبِ؛ لِأنَّ الخِطابَ هُناكَ مَعَ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنْتُمْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا ولَمْ تَزْدَجِرُوا حِينَ جاءَتْكُمُ الرُّسُلُ والنُّذُرُ، بَلْ دُمْتُمْ في كُفْرِكم، وتَرَكْتُمُ النَّظَرَ فاسْتَوَتْ حالُنا وحالُكم قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: قَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، وأنّا مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ الضِّعْفِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿مِن فَضْلٍ﴾ مِنَ التَّخْفِيفِ لِما قالَ اللَّهُ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ قالَتِ الأُولى لِلْأُخْرى لَمْ تُبَلَّغُوا أمَلًا بِأنَّ عَذابَكم أخَفُّ مِن عَذابِنا ولا فُضِّلْتُمْ بِالإسْعافِ. انْتَهى. والفاءُ في ”فَما“ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطَفُوا هَذا الكَلامَ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِلسَّفِلَةِ ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى انْتِفاءُ كَوْنِ فُضِّلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّفِلَةِ في الدُّنْيا بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ إيّاهم ومُوافَقَتِهِمْ لَهم في الكُفْرِ، أيْ: اتِّباعُكم (p-٢٩٧)إيّانا وعَدَمُ اتِّباعِكم سَواءٌ؛ لِأنَّكم كُنْتُمْ في الدُّنْيا أقَلَّ عِنْدَنا مِن أنْ يَكُونَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ بِاتِّباعِكم، بَلْ كَفَرْتُمُ اخْتِيارًا لا إنّا حَمَلْناكم عَلى ذَلِكَ إجْبارًا، وأنَّ قَوْلَهُ: (فَما) مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَ القَوْلِ دَلَّ عَلَيْها ما سَبَقَ مِنَ الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ: قالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم ما دُعاؤُكُمُ اللَّهَ بِأنّا أضْلَلْناكم وسُؤالُكم ما سَألْتُمْ فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بِضَلالِكم، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ مِن كَلامِ الأُولى خِطابًا لِلْأُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّشَفِّي مِنهم، وأنَّ ذَوْقَ العَذابِ هو بِما كَسَبَتْ مِنَ الآثامِ لا بِسَبَبِ دَعْواكم أنّا أضْلَلْناكم، وقِيلَ: (فَذُوقُوا) مِن خِطابِ اللَّهِ لِجَمِيعِهِمْ.
الأعراف 7:40
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ ولا لِما يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا يَصْعَدُ لَهم صالِحٌ فَتُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ لَهُ، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] . وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأرْواحِهِمْ، وذَكَرُوا في صُعُودِ الرُّوحَيْنِ إلى السَّماءِ والإذْنِ لِرُوحِ المُؤْمِنِ ورَدِّ رُوحِ الكافِرِ أحادِيثَ، وذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِما، وقِيلَ: المَعْنى ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ في القِيامَةِ لِيَدْخُلُوا مِنها إلى الجَنَّةِ، أيْ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ ولا يُغاثُونَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِالياءِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ مِن أعْلى والتَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ بِالثّاءِ مِن أعْلى مَفْتُوحَةً والتَّشْدِيدِ.
﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ هَذا نَفْيٌ مُغَيًّا بِمُسْتَحِيلٍ. والوُلُوجُ: التَّقَحُّمُ في الشَّيْءِ، وذَكَرَ الجَمَلَ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ الحَيَوانِ المُزاوِلِ لِلْإنْسانِ جُثَّةً فَلا يَلِجُ إلّا في بابٍ واسِعٍ كَما قالَ، لَقَدْ عَظُمَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ، وقالَ: جِسْمُ الجِمالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ، وذَكَرَ ﴿سَمُّ الخِياطِ﴾؛ لِأنَّهُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في ضِيقِ المَسْلَكِ يُقالُ: أضْيَقُ مِن خَرْتِ الإبْرَةِ، وقِيلَ: لِلدَّلِيلِ خِرِّيتٌ لِاهْتِدائِهِ في المَضايِقِ تَشْبِيهًا بِإخْراتِ الإبْرَةِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو مِجْلَزٍ والشَّعْبِيُّ ومالِكُ بْنُ الشِّخِّيرِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (الجُمَّلُ) بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، وفُسِّرَ بِالقَلْسِ الغَلِيظِ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ، تُجْمَعُ حِبالٌ وتُفْتَلُ وتَصِيرُ حَبْلًا واحِدًا، وقِيلَ: هو الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القِنَّبِ، وقِيلَ: الحَبْلُ الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ في النَّخْلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ تَشْبِيهًا مِن أنْ يُشَبِّهَ بِالجَمَلِ يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ، والحَبْلُ يُناسِبُ الخَيْطَ الَّذِي يَسْلُكُ بِهِ في خُرْمِ الإبْرَةِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الَّذِي رَوى الجُمَّلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ أعْجَمِيًّا فَشَدَّدَ الجِيمَ لِعُجْمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ. انْتَهى. ولِكَثْرَةِ القُرّاءِ بِها غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ وسالِمٍ الأفْطَسِ بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ: الجُمْلُ، وقَرَأ المُتَوَكِّلُ، وأبُو الجَوْزاءِ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ، ومَعْناهُ في هَذِهِ القِراءاتِ القَلْسُ الغَلِيظُ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿الجَمَلُ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ والمِيمِ أوْقَعُ؛ لِأنَّ سَمَّ الإبْرَةِ يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في الضِّيقِ والجَمَلُ وهو هَذا الحَيَوانُ المَعْرُوفُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في عِظَمِ الجُثَّةِ كَما ذَكَرْنا، وسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ زَوْجُ النّاقَةِ وذَلِكَ مِنهُ اسْتِجْهالٌ لِلسّائِلِ ومَنعٌ مِنهُ أنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ مَعْنًى آخَرَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ وطَلْحَةُ بِضَمِّ سِينِ ﴿سَمِّ﴾، وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الحَوْفِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ السِّينِ ”سِمِّ“، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ (p-٢٩٨)المِخْيَطُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بِفَتْحِ المِيمِ.
﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي أهْلَ الجَرائِمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُؤْذِنَ أنَّ الإجْرامَ هو السَّبَبُ المُوصِلُ، وأنَّ كُلَّ مَن أجْرَمَ عُوقِبَ، ثُمَّ كَرَّرَهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾؛ لِأنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ مِن كُلِّ جانِبٍ كَما قالَ لَهم ﴿مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] والغَواشِي جَمْعُ غاشِيَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: هي اللُّحُفُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَغْشاهُمُ الدُّخانُ مِن فَوْقِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: غاشِيَةٌ مِنَ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المِهادُ الفُرُشُ، والغَواشِي اللُّحُفُ والتَّنْوِينُ في ﴿غَواشٍ﴾ تَنْوِينُ صَرْفٍ، أوْ تَنْوِينُ عِوَضٍ قَوْلانِ، وتَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الياءِ، أوْ مِنَ الحَرَكَةِ قَوْلانِ كُلُّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقُرِئَ ”غَواشٌ“ بِالرَّفْعِ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَهُ الجَوارِ المُنشَآتُ) .
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ بِوَعِيدِ الكُفّارِ أخْبَرَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، وخَبَرُ و(الَّذِينَ) الجُمْلَةُ مِن ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ مِنهم، أوِ الجُمْلَةُ مِن (أُولَئِكَ) وما بَعْدَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لا نُكَلِّفُ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وفائِدَتُهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ و﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ وسِعَهم وغَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَجالِها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ، وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا في نَفَقاتِ الزَّوْجاتِ إلّا ما وجَدَ وتَمَكَّنَ مِنهُ دُونَ ما لا تَنالُهُ يَدُهُ ولَمْ يَرِدْ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ قَبْلَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧] . انْتَهى. ولَيْسَ السِّياقُ يَقْتَضِي ما ذُكِرَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما لا يَكْتَنِهُهُ وصْفُ الواصِفِ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ مَعَ العَظِيمِ بِما هو مِنَ الواسِعِ وهو الإمْكانُ الواسِعُ غَيْرُ الضَّيِّقِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾، أيْ: أذْهَبْنا في الجَنَّةِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الحُقُودِ. وقِيلَ: نَزْعُ الغِلِّ في الجَنَّةِ أنْ لا يَحْسُدَ بَعْضُهم بَعْضًا في تَفاضُلِ مَنازِلِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الأهْواءُ والبِدَعُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: فِينا واللَّهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ. وعَنْهُ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا﴾ الآيَةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النَّزْعَ لِلْغِلِّ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِهِمْ في الآخِرَةِ سالِمِي القُلُوبِ طاهِرِيها مُتَوادِّينَ مُتَعاطِفِينَ، كَما قالَ: إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. وتَجْرِي حالٌ. قالَهُ الحَوْفِيُّ قالَ: والعامِلُ فِيهِ نَزَعْنا، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ تَجْرِي لَيْسَ مِن صِفاتِ الفاعِلِ الَّذِي هو ضَمِيرُ نَزَعْنا ولا صِفاتِ المَفْعُولِ الَّذِي (p-٢٩٩)هُوَ ما في صُدُورِهِمْ، ولِأنَّ مَعْنى الإضافَةِ لا يَعْمَلُ إلّا إذا كانَتْ إضافَةً يُمْكِنُ لِلْمُضافِ أنْ يَعْمَلَ إذا جُرِّدَ مِنَ الإضافَةِ رَفْعًا، أوْ نَصْبًا فِيما بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنْ صِفَةِ حالِهِمْ.
﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾، أيْ: وفَّقَنا لِتَحْصِيلِ هَذا النَّعِيمِ الَّذِي صِرْنا إلَيْهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ إذْ هو نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِها حَمْدُهُ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعالى، وقِيلَ: الهِدايَةُ هُنا هو الإرْشادُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ ومَنازِلِهِمْ فِيها وفي الحَدِيثِ: «إنَّ أحَدَهم أهْدى إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ مِن مَنزِلِهِ في الدُّنْيا»، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَذا إلى العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي هَذا جَزاؤُهُ، وقِيلَ: إلى الإيمانِ الَّذِي تَأهَّلُوا بِهِ لِهَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وفَّقَنا لِمُوجِبِ هَذا الفَوْزِ العَظِيمِ وهو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. انْتَهى. وفي لَفْظَةِ (واجِبٌ والعَمَلُ الصّالِحُ) دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ مَعْنى هَدانا اللَّهُ: أعْطانا القُدْرَةَ وضَمَّ إلَيْها الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وصَيَّرَ مَجْمُوعَهُما لِحُصُولِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: التَّحْمِيدُ إنَّما وقَعَ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العَقْلَ ووَضَعَ الدَّلائِلَ وأزالَ المَوانِعَ. انْتَهى. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى مُنادٍ إنَّ لَكم أنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَنْعَمُوا فَلا تَيْأسُوا أبَدًا فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾» .
﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: وما كانَتْ تُوجِدُ مِنّا أنْفُسُنا وحْدَها الهِدايَةَ لَوْلا أنَّ اللَّهَ هَدانا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُوَضِّحُ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الهِدايَةِ فِيهِمْ، وأنَّهم لَوْ خُلُّوا وأنْفُسَهم لَمْ تَكُنْ مِنهم هِدايَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ يَسْتَقِيمُ أنْ نَكُونَ مُهْتَدِينَ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقُهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: والواوُ لِلْحالِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. انْتَهى. والثّانِي أظْهَرُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ما كُنّا. بِغَيْرِ واوٍ وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ وهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلْأُولى ومَن أجازَ فِيها الحالَ مَعَ الواوِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيزَها دُونَها، والَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ العَرَبِيَّةِ أنَّ جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ، أوْ لَضَلَلْنا؛ لِأنَّ لَوْلا لِلتَّعْلِيقِ فَهي في ذَلِكَ كَأدَواتِ الشَّرْطِ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ خَرَّجَ قَوْلَهُ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: (وهم بِها) وسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ في مَنعِ تَقْدِيمِ جَوابِ الشَّرْطِ.
﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِالمَوْعُودِ الَّذِي وُعِدْنا في الدُّنْيا قَضَوْا بِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ قَضاءٍ ومُشاهَدَةٍ بِالحِسِّ، وكانُوا في الدُّنْيا يَقْضُونَ بِذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وقَعَ المَوْعُودُ بِهِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ الوَعْدُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَكانَ لَنا لُطْفًا وتَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِداءِ فاهْتَدَيْنا يَقُولُونَ ذَلِكَ سُرُورًا واغْتِباطًا بِما نالُوا وتَلَذُّذًا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ لا تَقَرُّبًا وتَعَبُّدًا كَما تَرى، مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ ذَلِكَ ولا يَتَمالَكُ أنْ يَقُولَهُ لِلْفَرَحِ لا لِلْقُرْبَةِ.
﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ (p-٣٠٠)أنْ يَكُونَ النِّداءُ مِنَ اللَّهِ وهو أسَرُّ لِقُلُوبِهِمْ وأرْفَعُ لِقَدْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: ﴿ونُودُوا﴾ بِأنَّهُ ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُحْذَفُ إذا خُفِّفَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً لِوُجُودِ شَرْطِها، وهُما أنْ يَكُونَ قَبْلَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ وبَعْدَها جُمْلَةٌ وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿تِلْكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى غائِبَةٍ فَإمّا لِأنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فالإشارَةُ إلى تِلْكَ، أيْ: (تِلْكُمُ) هَذِهِ (الجَنَّةُ) وحُذِفَتْ هَذِهِ، وإمّا قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها، وإمّا بَعْدَ الدُّخُولِ وهم مُجْتَمِعُونَ في مَوْضِعٍ مِنها فَكُلٌّ غائِبٌ عَنْ مَنزِلِهِ. انْتَهى. وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ و”تِلْكُمُ“ إشارَةٌ إلى غائِبٍ، وإنَّما قالَ هُنا ”تِلْكُمُ“؛ لِأنَّهم وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فَلِأجْلِ الوَعْدِ جَرى الخِطابُ بِكَلِمَةِ العَهْدِ، «وقَوْلُهُ ﷺ لِلصِّدِّيقِ في الِاسْتِخْبارِ عَنْ عائِشَةَ كَيْفَ تِيكم لِلْعَهْدِ السّابِقِ» . انْتَهى. والجَنَّةُ جَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِتِلْكم و﴿أُورِثْتُمُوها﴾ حالٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] . قالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِن (الجَنَّةُ) والعامِلُ فِيها ما في تِلْكَ مِن مَعْنى الإشارَةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن تِلْكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ ولِكَوْنِ المُبْتَدَأِ لا يَعْمَلُ في الحالِ. انْتَهى. وفي العامِلِ في الحالِ في مِثْلِ هَذا زَيْدٌ قائِمًا خِلافٌ في النَّحْوِ، وأنْ يَكُونَ نَعْتًا وبَدَلًا، ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ الخَبَرُ، أدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ الثّاءَ في التّاءِ وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ، ومَعْنى ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ صُيِّرَتْ لَكم كالإرْثِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى أُورِثْتُمُوها عَنْ آبائِكم؛ لِأنَّها كانَتْ مَنازِلَهم لَوْ آمَنُوا فَحُرِمُوها بِكُفْرِهِمْ، وبُعْدُهُ أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ ولَمْ تَكُنْ آباؤُهم كُلُّهم كُفّارًا والباءُ في (بِما) لِلسَّبَبِ المَجازِيِّ، والأعْمالُ أمارَةٌ مِنَ اللَّهِ ودَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الرَّجاءِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ إنَّما هو بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللَّهِ، والقَسْمُ فِيها عَلى قَدْرِ العَمَلِ، ولَفْظُ ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ مُشِيرٌ إلى الأقْسامِ ولَيْسَ ذَلِكَ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِسَبَبِ أعْمالِكم لا بِالتَّفَضُّلِ كَما تَقُولُ المُبْطِلَةُ. انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» .
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ . عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذا النِّداءُ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ عَلى مَآلِ الفَرِيقَيْنِ وزِيادَةٌ في كُرَبِ أهْلِ النّارِ بِأنْ شُرِّفُوا عَلَيْهِمْ وبِخَلْقِ إدْراكِ أهْلِ النّارِ لِذَلِكَ النِّداءِ في أسْماعِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالُوا لَهم ذَلِكَ اغْتِباطًا بِحالِهِمْ وشَماتَةً بِأهْلِ النّارِ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، ولِيَكُونَ حِكايَتُهُ لُطْفًا لِمَن سَمِعَها وكَذَلِكَ قَوْلُ المُؤَذِّنِ بَيْنَهم أنْ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ، وهو مَلَكٌ يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى فَيُنادِي بَيْنَهم يُسْمِعُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، وأتى في إخْبارِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ما وعَدَنا﴾ بِذِكْرِ المَفْعُولِ وفي قِصَّةِ أهْلِ النّارِ ما وعَدَ ولَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ (وعَدَ)؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُسْتَبْشِرُونَ بِحُصُولِ مَوْعُودِهِمْ، فَذَكَرُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مُضافًا إلَيْهِمْ ولَمْ يَذْكُرُوا حِينَ سَألُوا أهْلَ الجَنَّةِ مُتَعَلِّقَ (وعَدَ) باسِمِ الخِطابِ فَيَقُولُوا: (ما وعَدَكم) لِيَشْمَلَ كُلَّ مَوْعُودٍ مِن عَذابِ أهْلِ النّارِ ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وتَكُونُ إجابَتُهم بِنَعَمْ تَصْدِيقًا لِجَمِيعِ ما وعَدَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ في الآخِرَةِ لِلصِّنْفَيْنِ ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا مِنهم بِحُصُولِ مَوْعُودِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَحَسَّرُوا عَلى ما فاتَهم مِن نَعِيمِهِمْ، إذْ نَعِيمُ أهْلِ الجَنَّةِ مِمّا يُخْزِيهِمْ ويَزِيدُ في عَذابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لِلْخِطابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ، والكِسائِيُّ (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مُخَفَّفَةً مِن أنَّ الثَّقِيلَةِ، وإذا ولِيَ المُخَفَّفَةَ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ غَيْرُ دُعاءٍ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَدْ في الأجْوَدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .
(p-٣٠١)﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾، أيْ: فَأعْلَمَ مُعْلِمٌ، قِيلَ: هو إسْرافِيلُ صاحِبُ الصُّورِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ يُسْمِعُ الفَرِيقَيْنِ تَفْرِيحًا وتَبْرِيحًا، وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ مُعَيَّنٌ، ودَخَلَ طاوُسٌ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: احْذَرْ يَوْمَ الأذانِ فَقالَ: وما يَوْمُ الأذانِ قالَ: يَوْمَ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ الآيَةَ فَصَعِقَ هِشامٌ فَقالَ طاوُسٌ: هَذا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ المُعايَنَةِ. وبَيْنَهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لـِ ”أذَّنَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَذِّنٍ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ والبَزِّيُّ (أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ) بِتَثْقِيلِ (أنَّ) ونَصْبِ (لَعْنَةَ)، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّثْقِيلِ ونَصْبِ (لَعْنَةَ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ أذَّنَ مَجْرى قالَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (أنْ) بِفْتَحِ الهَمْزَةِ خَفِيفَةَ النُّونِ، ورَفْعِ (لَعْنَةُ) عَلى الِابْتِداءِ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ و﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ، وهَذا الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ هو حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِهِمُ السّابِقِ، والمَعْنى: الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم وقْتَ الأذانِ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِهَذا الوَصْفِ، والمَعْنِيُّ بِالظُّلْمِ الكُفّارُ، ويَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ عامٌّ في الكافِرِ والفاسِقِ قَوْلُهُ أخِيرًا ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾؛ لِأنَّ الفاسِقَ لَيْسَ كافِرًا بِالآخِرَةِ، بَلْ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِها.
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾، أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وبِهَذا بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ وفُسِّرَ الحِجابُ بِأنَّهُ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويُقَوِّي أنَّهُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظُ بَيْنَهم إذْ هو ضَمِيرُ العُقَلاءِ، ولا يَحِيلُ ضَرْبُ السُّورِ بَعْدُ ما بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ في السَّماءِ، والنّارُ أسْفَلُ السّافِلِينَ.
﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾، أيْ: وعَلى أعْرافِ الحِجابِ وهو السُّورُ المَضْرُوبُ ﴿رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ مِن فَرِيقَيِ الجَنَّةِ والنّارِ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي مَيَّزَهُمُ اللَّهُ بِها مِنِ ابْيِضاضِ وُجُوهٍ واسْوِدادِ وُجُوهٍ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَلاماتِ، أوْ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ مَعْرِفَتَها، والأعْرافُ: تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ: هو أُحُدٌ مُمَثَّلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، رُوِيَ هَذا في حَدِيثٍ، وفي آخَرَ «إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ»، وقِيلَ: أعالِي السُّورِ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والرِّجالُ قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم وقَفُوا هُنالِكَ ما شاءَ اللَّهُ، لَمْ تَبْلُغْ حَسَناتُهم بِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ ولا سَيِّئاتُهم دُخُولَ النّارِ، ورُوِيَ في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ فِيهِ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ»، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أيْضًا: هم (p-٣٠٢)قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صَغائِرُهم إلى آخِرِ النّاسِ، وقِيلَ: غُزاةٌ جاهَدُوا مِن غَيْرِ إذْنِ والِدَيْهِمْ فَقُتِلُوا في المَعْرَكَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ أنَّهم حُبِسُوا عَنِ الجَنَّةِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ وأعْتَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّهم قُتِلُوا في سَبِيلِهِ، وقِيلَ: قَوْمٌ رَضِيَ عَنْهم آباؤُهم دُونَ أُمَّهاتِهِمْ، أوْ بِالعَكْسِ، وقِيلَ: هم أوْلادُ الزِّنا، وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الَّذِينَ كانُوا في الأسْرِ ولَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهم، وقِيلَ: عُلَماءٌ شَكُّوا في أرْزاقِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن آخِرِهِمْ دُخُولًا في الجَنَّةِ لِقُصُورِ أعْمالِهِمْ كَأنَّهُمُ المُرْجِئُونَ لِأمْرِ اللَّهِ يُحْبَسُونَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللّازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُّورِ، أوْ عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَتَأخَّرُ دُخُولُهم، ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ، ويَعْرِفُونَ كُلًّا بِعَلامَتِهِمْ وهي بَياضُ الوُجُوهِ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النّارِ. انْتَهى. والأقْوالُ السّابِقَةُ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ في التَّخْصِيصِ، والجَيِّدُ مِنها هو الأوَّلُ لِحَدِيثِ جابِرٍ ولِتَفْسِيرِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وهَذِهِ الأقْوالُ هي عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الأعْرافَ هو بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وفي شَعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:
؎وآخَرُونَ عَلى الأعْرافِ قَدْ طَمِعُوا في جَنَّةٍ حَفَّها الرُّمّانُ والخَضِرُ
وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ الصِّراطُ، وقِيلَ: مَوْضِعٌ عَلى الصِّراطِ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَبَلٌ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلاها واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في تَفْسِيرِ (رِجالٌ)، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: مَلائِكَةٌ في صُوَرِ رِجالٍ ذُكُورٍ وسُمُّوا رِجالًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: هم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ وعُلَماؤُهم، وقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ وقالَهُ الكِرْمانِيُّ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ: هو أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وقِيلَ: حَمْزَةُ والعَبّاسُ، وعَلِيٌّ، وجَعْفَرٌ الطَّيّارُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ.
﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ونادَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ عائِدٌ عَلى الرِّجالِ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ، وعَلى هَذا لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الضَّمائِرُ لِلْأنْبِياءِ ولا لِشَيْءٍ مِمّا فُسِّرَ بِهِ أنَّهم عَلى جَبَلٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلى الجَنَّةِ، وفي غايَةِ البُعْدِ ما تُئُوِّلَ مِن ذَلِكَ لِيَصِحَّ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأقْوالِ أنَّهم أُجْلِسُوا عَلى تِلْكَ الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشاهِدُوا أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ فَيَلْحَقُهُمُ السُّرُورُ بِتِلْكَ الأحْوالِ، ثُمَّ إذا اسْتَقَرَّ الفَرِيقانِ نُقِلُوا إلى أمْكِنَتِهِمُ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ، فَمَعْنى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ لَمْ يَدْخُلُوا مَنازِلَهُمُ المُعَدَّةَ لَهم فِيها، ومَعْنى ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَتَيَقَّنُونَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الزُّلْفى، وقَدْ جاءَ الطَّمَعُ بِمَعْنى اليَقِينِ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وطَمَعُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقِينٌ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وإنِّي لَأطْمَعُ أنَّ الإلَهَ ∗∗∗ قَدِيرٌ بِحُسْنِ يَقِينِي يَقِينِي
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأعْرافَ جَبَلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ القاضِي والجُبّائِيُّ وقالا: هو فاسِدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِدُخُولِها وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ أقْوامٍ لا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِمَحْضِ الفَضْلِ لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ، ولِأنَّ كَوْنَهم مِن أهْلِ الأعْرافِ يَدُلُّ عَلى مَيْزِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ القِيامَةِ فَإنَّ إجْلاسَهم عَلى الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ العالِيَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالأشْرافِ ومَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ دَرَجَتُهُ قاصِرَةٌ لا يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ونُودُوا خِطابٌ مَعَ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ، وعَنِ الثّانِي أجْلَسَهم (p-٣٠٣)لا لِلتَّشْرِيفِ، بَلْ لِأنَّها كالمَرْتَبَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ و﴿أنْ سَلامٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً ومُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولَمْ يَدْخُلُوها حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: ناداهم وهم في هَذِهِ الحالِ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ، وهم يَطْمَعُونَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، أيْ: نادَوْا أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرَ داخِلِيها، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم طامِعُونَ في دُخُولِها قالَ مَعْناهُ أبُو البَقاءِ، وقِيلَ: المَعْنى ونادى أصْحابُ الأعْرافِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ وهم قَدْ دَخَلُوا الجَنَّةَ، وأهْلُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ”ونادَوُا“ العائِدِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ فَقَطْ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ، وهَذا هو الأظْهَرُ والألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لِأنَّ النُّورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ طُفِئَ نُورُ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ، وقِيلَ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ﴿يَدْخُلُوها﴾، والمَعْنى: لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ لَها، بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ، لَكِنْ عَمَّهم عَفْوُ اللَّهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ قُلْتُ: لا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ لَهُ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ اسْتَأْخَرَ عَنْ دُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ فَلَمْ يَدْخُلُوها لِكَوْنِهِمْ مَحْبُوسِينَ، وهم يَطْمَعُونَ لَمْ يَيْأسُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَقَعَ صِفَةً. انْتَهى. وهَذا تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِجُمْلَةِ ونادَوْا ولَيْسَتْ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، وقَرَأ ابْنُ النَّحْوِيِّ وهم طامِعُونَ، وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ وهم ساخِطُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وإذا قُلِّبَتْ أبْصارُهم، والضَّمِيرُ في أبْصارِهِمْ عائِدٌ عَلى رِجالِ الأعْرافِ يُسَلِّمُونَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وإذا نَظَرُوا إلى أهْلِ النّارِ دَعَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّصِ مِنها. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿صُرِفَتْ﴾ دَلِيلٌ أنَّ أكْثَرَ أحْوالِهِمُ النَّظَرُ إلى تِلْقاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ، وأنَّ نَظَرَهم إلى أصْحابِ النّارِ هو بِكَوْنِهِمْ صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَهم، فَلَيْسَ الصَّرْفُ مِن قِبَلِهِمْ، بَلْ هم مَحْمُولُونَ عَلَيْهِ مَفْعُولٌ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُطَّلَعَ مَخُوفٌ مِن سَماعِهِ فَضْلًا عَنْ رُؤْيَتِهِ فَضَلًا عَنِ التَّلَبُّسِ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم إذا حُمِلُوا عَلى صَرْفِ أبْصارِهِمْ ورَأوْا ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ اسْتَغاثُوا بِرَبِّهِمْ مِن أنْ يَجْعَلَهم مَعَهم، ولَفْظَةُ (رَبَّنا) مُشْعِرَةٌ بِوَصْفِهِ تَعالى بِأنَّهُ مُصْلِحُهم وسَيِّدُهم وهم عَبِيدٌ، فَبِالدُّعاءِ بِهِ طَلَبُ رَحْمَتِهِ واسْتِعْطافُ كَرَمِهِ.
الأعراف 7:41
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ ولا لِما يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا يَصْعَدُ لَهم صالِحٌ فَتُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ لَهُ، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] . وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأرْواحِهِمْ، وذَكَرُوا في صُعُودِ الرُّوحَيْنِ إلى السَّماءِ والإذْنِ لِرُوحِ المُؤْمِنِ ورَدِّ رُوحِ الكافِرِ أحادِيثَ، وذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِما، وقِيلَ: المَعْنى ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ في القِيامَةِ لِيَدْخُلُوا مِنها إلى الجَنَّةِ، أيْ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ ولا يُغاثُونَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِالياءِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ مِن أعْلى والتَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ بِالثّاءِ مِن أعْلى مَفْتُوحَةً والتَّشْدِيدِ.
﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ هَذا نَفْيٌ مُغَيًّا بِمُسْتَحِيلٍ. والوُلُوجُ: التَّقَحُّمُ في الشَّيْءِ، وذَكَرَ الجَمَلَ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ الحَيَوانِ المُزاوِلِ لِلْإنْسانِ جُثَّةً فَلا يَلِجُ إلّا في بابٍ واسِعٍ كَما قالَ، لَقَدْ عَظُمَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ، وقالَ: جِسْمُ الجِمالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ، وذَكَرَ ﴿سَمُّ الخِياطِ﴾؛ لِأنَّهُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في ضِيقِ المَسْلَكِ يُقالُ: أضْيَقُ مِن خَرْتِ الإبْرَةِ، وقِيلَ: لِلدَّلِيلِ خِرِّيتٌ لِاهْتِدائِهِ في المَضايِقِ تَشْبِيهًا بِإخْراتِ الإبْرَةِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو مِجْلَزٍ والشَّعْبِيُّ ومالِكُ بْنُ الشِّخِّيرِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (الجُمَّلُ) بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، وفُسِّرَ بِالقَلْسِ الغَلِيظِ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ، تُجْمَعُ حِبالٌ وتُفْتَلُ وتَصِيرُ حَبْلًا واحِدًا، وقِيلَ: هو الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القِنَّبِ، وقِيلَ: الحَبْلُ الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ في النَّخْلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ تَشْبِيهًا مِن أنْ يُشَبِّهَ بِالجَمَلِ يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ، والحَبْلُ يُناسِبُ الخَيْطَ الَّذِي يَسْلُكُ بِهِ في خُرْمِ الإبْرَةِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الَّذِي رَوى الجُمَّلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ أعْجَمِيًّا فَشَدَّدَ الجِيمَ لِعُجْمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ. انْتَهى. ولِكَثْرَةِ القُرّاءِ بِها غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ وسالِمٍ الأفْطَسِ بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ: الجُمْلُ، وقَرَأ المُتَوَكِّلُ، وأبُو الجَوْزاءِ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ، ومَعْناهُ في هَذِهِ القِراءاتِ القَلْسُ الغَلِيظُ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿الجَمَلُ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ والمِيمِ أوْقَعُ؛ لِأنَّ سَمَّ الإبْرَةِ يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في الضِّيقِ والجَمَلُ وهو هَذا الحَيَوانُ المَعْرُوفُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في عِظَمِ الجُثَّةِ كَما ذَكَرْنا، وسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ زَوْجُ النّاقَةِ وذَلِكَ مِنهُ اسْتِجْهالٌ لِلسّائِلِ ومَنعٌ مِنهُ أنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ مَعْنًى آخَرَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ وطَلْحَةُ بِضَمِّ سِينِ ﴿سَمِّ﴾، وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الحَوْفِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ السِّينِ ”سِمِّ“، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ (p-٢٩٨)المِخْيَطُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بِفَتْحِ المِيمِ.
﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي أهْلَ الجَرائِمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُؤْذِنَ أنَّ الإجْرامَ هو السَّبَبُ المُوصِلُ، وأنَّ كُلَّ مَن أجْرَمَ عُوقِبَ، ثُمَّ كَرَّرَهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾؛ لِأنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ مِن كُلِّ جانِبٍ كَما قالَ لَهم ﴿مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] والغَواشِي جَمْعُ غاشِيَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: هي اللُّحُفُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَغْشاهُمُ الدُّخانُ مِن فَوْقِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: غاشِيَةٌ مِنَ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المِهادُ الفُرُشُ، والغَواشِي اللُّحُفُ والتَّنْوِينُ في ﴿غَواشٍ﴾ تَنْوِينُ صَرْفٍ، أوْ تَنْوِينُ عِوَضٍ قَوْلانِ، وتَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الياءِ، أوْ مِنَ الحَرَكَةِ قَوْلانِ كُلُّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقُرِئَ ”غَواشٌ“ بِالرَّفْعِ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَهُ الجَوارِ المُنشَآتُ) .
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ بِوَعِيدِ الكُفّارِ أخْبَرَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، وخَبَرُ و(الَّذِينَ) الجُمْلَةُ مِن ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ مِنهم، أوِ الجُمْلَةُ مِن (أُولَئِكَ) وما بَعْدَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لا نُكَلِّفُ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وفائِدَتُهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ و﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ وسِعَهم وغَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَجالِها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ، وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا في نَفَقاتِ الزَّوْجاتِ إلّا ما وجَدَ وتَمَكَّنَ مِنهُ دُونَ ما لا تَنالُهُ يَدُهُ ولَمْ يَرِدْ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ قَبْلَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧] . انْتَهى. ولَيْسَ السِّياقُ يَقْتَضِي ما ذُكِرَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما لا يَكْتَنِهُهُ وصْفُ الواصِفِ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ مَعَ العَظِيمِ بِما هو مِنَ الواسِعِ وهو الإمْكانُ الواسِعُ غَيْرُ الضَّيِّقِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾، أيْ: أذْهَبْنا في الجَنَّةِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الحُقُودِ. وقِيلَ: نَزْعُ الغِلِّ في الجَنَّةِ أنْ لا يَحْسُدَ بَعْضُهم بَعْضًا في تَفاضُلِ مَنازِلِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الأهْواءُ والبِدَعُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: فِينا واللَّهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ. وعَنْهُ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا﴾ الآيَةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النَّزْعَ لِلْغِلِّ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِهِمْ في الآخِرَةِ سالِمِي القُلُوبِ طاهِرِيها مُتَوادِّينَ مُتَعاطِفِينَ، كَما قالَ: إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. وتَجْرِي حالٌ. قالَهُ الحَوْفِيُّ قالَ: والعامِلُ فِيهِ نَزَعْنا، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ تَجْرِي لَيْسَ مِن صِفاتِ الفاعِلِ الَّذِي هو ضَمِيرُ نَزَعْنا ولا صِفاتِ المَفْعُولِ الَّذِي (p-٢٩٩)هُوَ ما في صُدُورِهِمْ، ولِأنَّ مَعْنى الإضافَةِ لا يَعْمَلُ إلّا إذا كانَتْ إضافَةً يُمْكِنُ لِلْمُضافِ أنْ يَعْمَلَ إذا جُرِّدَ مِنَ الإضافَةِ رَفْعًا، أوْ نَصْبًا فِيما بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنْ صِفَةِ حالِهِمْ.
﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾، أيْ: وفَّقَنا لِتَحْصِيلِ هَذا النَّعِيمِ الَّذِي صِرْنا إلَيْهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ إذْ هو نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِها حَمْدُهُ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعالى، وقِيلَ: الهِدايَةُ هُنا هو الإرْشادُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ ومَنازِلِهِمْ فِيها وفي الحَدِيثِ: «إنَّ أحَدَهم أهْدى إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ مِن مَنزِلِهِ في الدُّنْيا»، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَذا إلى العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي هَذا جَزاؤُهُ، وقِيلَ: إلى الإيمانِ الَّذِي تَأهَّلُوا بِهِ لِهَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وفَّقَنا لِمُوجِبِ هَذا الفَوْزِ العَظِيمِ وهو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. انْتَهى. وفي لَفْظَةِ (واجِبٌ والعَمَلُ الصّالِحُ) دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ مَعْنى هَدانا اللَّهُ: أعْطانا القُدْرَةَ وضَمَّ إلَيْها الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وصَيَّرَ مَجْمُوعَهُما لِحُصُولِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: التَّحْمِيدُ إنَّما وقَعَ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العَقْلَ ووَضَعَ الدَّلائِلَ وأزالَ المَوانِعَ. انْتَهى. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى مُنادٍ إنَّ لَكم أنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَنْعَمُوا فَلا تَيْأسُوا أبَدًا فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾» .
﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: وما كانَتْ تُوجِدُ مِنّا أنْفُسُنا وحْدَها الهِدايَةَ لَوْلا أنَّ اللَّهَ هَدانا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُوَضِّحُ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الهِدايَةِ فِيهِمْ، وأنَّهم لَوْ خُلُّوا وأنْفُسَهم لَمْ تَكُنْ مِنهم هِدايَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ يَسْتَقِيمُ أنْ نَكُونَ مُهْتَدِينَ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقُهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: والواوُ لِلْحالِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. انْتَهى. والثّانِي أظْهَرُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ما كُنّا. بِغَيْرِ واوٍ وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ وهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلْأُولى ومَن أجازَ فِيها الحالَ مَعَ الواوِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيزَها دُونَها، والَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ العَرَبِيَّةِ أنَّ جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ، أوْ لَضَلَلْنا؛ لِأنَّ لَوْلا لِلتَّعْلِيقِ فَهي في ذَلِكَ كَأدَواتِ الشَّرْطِ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ خَرَّجَ قَوْلَهُ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: (وهم بِها) وسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ في مَنعِ تَقْدِيمِ جَوابِ الشَّرْطِ.
﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِالمَوْعُودِ الَّذِي وُعِدْنا في الدُّنْيا قَضَوْا بِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ قَضاءٍ ومُشاهَدَةٍ بِالحِسِّ، وكانُوا في الدُّنْيا يَقْضُونَ بِذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وقَعَ المَوْعُودُ بِهِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ الوَعْدُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَكانَ لَنا لُطْفًا وتَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِداءِ فاهْتَدَيْنا يَقُولُونَ ذَلِكَ سُرُورًا واغْتِباطًا بِما نالُوا وتَلَذُّذًا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ لا تَقَرُّبًا وتَعَبُّدًا كَما تَرى، مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ ذَلِكَ ولا يَتَمالَكُ أنْ يَقُولَهُ لِلْفَرَحِ لا لِلْقُرْبَةِ.
﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ (p-٣٠٠)أنْ يَكُونَ النِّداءُ مِنَ اللَّهِ وهو أسَرُّ لِقُلُوبِهِمْ وأرْفَعُ لِقَدْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: ﴿ونُودُوا﴾ بِأنَّهُ ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُحْذَفُ إذا خُفِّفَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً لِوُجُودِ شَرْطِها، وهُما أنْ يَكُونَ قَبْلَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ وبَعْدَها جُمْلَةٌ وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿تِلْكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى غائِبَةٍ فَإمّا لِأنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فالإشارَةُ إلى تِلْكَ، أيْ: (تِلْكُمُ) هَذِهِ (الجَنَّةُ) وحُذِفَتْ هَذِهِ، وإمّا قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها، وإمّا بَعْدَ الدُّخُولِ وهم مُجْتَمِعُونَ في مَوْضِعٍ مِنها فَكُلٌّ غائِبٌ عَنْ مَنزِلِهِ. انْتَهى. وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ و”تِلْكُمُ“ إشارَةٌ إلى غائِبٍ، وإنَّما قالَ هُنا ”تِلْكُمُ“؛ لِأنَّهم وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فَلِأجْلِ الوَعْدِ جَرى الخِطابُ بِكَلِمَةِ العَهْدِ، «وقَوْلُهُ ﷺ لِلصِّدِّيقِ في الِاسْتِخْبارِ عَنْ عائِشَةَ كَيْفَ تِيكم لِلْعَهْدِ السّابِقِ» . انْتَهى. والجَنَّةُ جَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِتِلْكم و﴿أُورِثْتُمُوها﴾ حالٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] . قالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِن (الجَنَّةُ) والعامِلُ فِيها ما في تِلْكَ مِن مَعْنى الإشارَةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن تِلْكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ ولِكَوْنِ المُبْتَدَأِ لا يَعْمَلُ في الحالِ. انْتَهى. وفي العامِلِ في الحالِ في مِثْلِ هَذا زَيْدٌ قائِمًا خِلافٌ في النَّحْوِ، وأنْ يَكُونَ نَعْتًا وبَدَلًا، ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ الخَبَرُ، أدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ الثّاءَ في التّاءِ وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ، ومَعْنى ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ صُيِّرَتْ لَكم كالإرْثِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى أُورِثْتُمُوها عَنْ آبائِكم؛ لِأنَّها كانَتْ مَنازِلَهم لَوْ آمَنُوا فَحُرِمُوها بِكُفْرِهِمْ، وبُعْدُهُ أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ ولَمْ تَكُنْ آباؤُهم كُلُّهم كُفّارًا والباءُ في (بِما) لِلسَّبَبِ المَجازِيِّ، والأعْمالُ أمارَةٌ مِنَ اللَّهِ ودَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الرَّجاءِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ إنَّما هو بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللَّهِ، والقَسْمُ فِيها عَلى قَدْرِ العَمَلِ، ولَفْظُ ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ مُشِيرٌ إلى الأقْسامِ ولَيْسَ ذَلِكَ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِسَبَبِ أعْمالِكم لا بِالتَّفَضُّلِ كَما تَقُولُ المُبْطِلَةُ. انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» .
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ . عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذا النِّداءُ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ عَلى مَآلِ الفَرِيقَيْنِ وزِيادَةٌ في كُرَبِ أهْلِ النّارِ بِأنْ شُرِّفُوا عَلَيْهِمْ وبِخَلْقِ إدْراكِ أهْلِ النّارِ لِذَلِكَ النِّداءِ في أسْماعِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالُوا لَهم ذَلِكَ اغْتِباطًا بِحالِهِمْ وشَماتَةً بِأهْلِ النّارِ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، ولِيَكُونَ حِكايَتُهُ لُطْفًا لِمَن سَمِعَها وكَذَلِكَ قَوْلُ المُؤَذِّنِ بَيْنَهم أنْ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ، وهو مَلَكٌ يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى فَيُنادِي بَيْنَهم يُسْمِعُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، وأتى في إخْبارِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ما وعَدَنا﴾ بِذِكْرِ المَفْعُولِ وفي قِصَّةِ أهْلِ النّارِ ما وعَدَ ولَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ (وعَدَ)؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُسْتَبْشِرُونَ بِحُصُولِ مَوْعُودِهِمْ، فَذَكَرُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مُضافًا إلَيْهِمْ ولَمْ يَذْكُرُوا حِينَ سَألُوا أهْلَ الجَنَّةِ مُتَعَلِّقَ (وعَدَ) باسِمِ الخِطابِ فَيَقُولُوا: (ما وعَدَكم) لِيَشْمَلَ كُلَّ مَوْعُودٍ مِن عَذابِ أهْلِ النّارِ ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وتَكُونُ إجابَتُهم بِنَعَمْ تَصْدِيقًا لِجَمِيعِ ما وعَدَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ في الآخِرَةِ لِلصِّنْفَيْنِ ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا مِنهم بِحُصُولِ مَوْعُودِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَحَسَّرُوا عَلى ما فاتَهم مِن نَعِيمِهِمْ، إذْ نَعِيمُ أهْلِ الجَنَّةِ مِمّا يُخْزِيهِمْ ويَزِيدُ في عَذابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لِلْخِطابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ، والكِسائِيُّ (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مُخَفَّفَةً مِن أنَّ الثَّقِيلَةِ، وإذا ولِيَ المُخَفَّفَةَ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ غَيْرُ دُعاءٍ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَدْ في الأجْوَدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .
(p-٣٠١)﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾، أيْ: فَأعْلَمَ مُعْلِمٌ، قِيلَ: هو إسْرافِيلُ صاحِبُ الصُّورِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ يُسْمِعُ الفَرِيقَيْنِ تَفْرِيحًا وتَبْرِيحًا، وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ مُعَيَّنٌ، ودَخَلَ طاوُسٌ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: احْذَرْ يَوْمَ الأذانِ فَقالَ: وما يَوْمُ الأذانِ قالَ: يَوْمَ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ الآيَةَ فَصَعِقَ هِشامٌ فَقالَ طاوُسٌ: هَذا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ المُعايَنَةِ. وبَيْنَهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لـِ ”أذَّنَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَذِّنٍ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ والبَزِّيُّ (أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ) بِتَثْقِيلِ (أنَّ) ونَصْبِ (لَعْنَةَ)، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّثْقِيلِ ونَصْبِ (لَعْنَةَ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ أذَّنَ مَجْرى قالَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (أنْ) بِفْتَحِ الهَمْزَةِ خَفِيفَةَ النُّونِ، ورَفْعِ (لَعْنَةُ) عَلى الِابْتِداءِ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ و﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ، وهَذا الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ هو حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِهِمُ السّابِقِ، والمَعْنى: الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم وقْتَ الأذانِ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِهَذا الوَصْفِ، والمَعْنِيُّ بِالظُّلْمِ الكُفّارُ، ويَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ عامٌّ في الكافِرِ والفاسِقِ قَوْلُهُ أخِيرًا ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾؛ لِأنَّ الفاسِقَ لَيْسَ كافِرًا بِالآخِرَةِ، بَلْ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِها.
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾، أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وبِهَذا بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ وفُسِّرَ الحِجابُ بِأنَّهُ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويُقَوِّي أنَّهُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظُ بَيْنَهم إذْ هو ضَمِيرُ العُقَلاءِ، ولا يَحِيلُ ضَرْبُ السُّورِ بَعْدُ ما بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ في السَّماءِ، والنّارُ أسْفَلُ السّافِلِينَ.
﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾، أيْ: وعَلى أعْرافِ الحِجابِ وهو السُّورُ المَضْرُوبُ ﴿رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ مِن فَرِيقَيِ الجَنَّةِ والنّارِ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي مَيَّزَهُمُ اللَّهُ بِها مِنِ ابْيِضاضِ وُجُوهٍ واسْوِدادِ وُجُوهٍ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَلاماتِ، أوْ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ مَعْرِفَتَها، والأعْرافُ: تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ: هو أُحُدٌ مُمَثَّلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، رُوِيَ هَذا في حَدِيثٍ، وفي آخَرَ «إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ»، وقِيلَ: أعالِي السُّورِ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والرِّجالُ قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم وقَفُوا هُنالِكَ ما شاءَ اللَّهُ، لَمْ تَبْلُغْ حَسَناتُهم بِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ ولا سَيِّئاتُهم دُخُولَ النّارِ، ورُوِيَ في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ فِيهِ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ»، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أيْضًا: هم (p-٣٠٢)قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صَغائِرُهم إلى آخِرِ النّاسِ، وقِيلَ: غُزاةٌ جاهَدُوا مِن غَيْرِ إذْنِ والِدَيْهِمْ فَقُتِلُوا في المَعْرَكَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ أنَّهم حُبِسُوا عَنِ الجَنَّةِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ وأعْتَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّهم قُتِلُوا في سَبِيلِهِ، وقِيلَ: قَوْمٌ رَضِيَ عَنْهم آباؤُهم دُونَ أُمَّهاتِهِمْ، أوْ بِالعَكْسِ، وقِيلَ: هم أوْلادُ الزِّنا، وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الَّذِينَ كانُوا في الأسْرِ ولَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهم، وقِيلَ: عُلَماءٌ شَكُّوا في أرْزاقِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن آخِرِهِمْ دُخُولًا في الجَنَّةِ لِقُصُورِ أعْمالِهِمْ كَأنَّهُمُ المُرْجِئُونَ لِأمْرِ اللَّهِ يُحْبَسُونَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللّازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُّورِ، أوْ عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَتَأخَّرُ دُخُولُهم، ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ، ويَعْرِفُونَ كُلًّا بِعَلامَتِهِمْ وهي بَياضُ الوُجُوهِ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النّارِ. انْتَهى. والأقْوالُ السّابِقَةُ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ في التَّخْصِيصِ، والجَيِّدُ مِنها هو الأوَّلُ لِحَدِيثِ جابِرٍ ولِتَفْسِيرِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وهَذِهِ الأقْوالُ هي عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الأعْرافَ هو بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وفي شَعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:
؎وآخَرُونَ عَلى الأعْرافِ قَدْ طَمِعُوا في جَنَّةٍ حَفَّها الرُّمّانُ والخَضِرُ
وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ الصِّراطُ، وقِيلَ: مَوْضِعٌ عَلى الصِّراطِ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَبَلٌ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلاها واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في تَفْسِيرِ (رِجالٌ)، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: مَلائِكَةٌ في صُوَرِ رِجالٍ ذُكُورٍ وسُمُّوا رِجالًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: هم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ وعُلَماؤُهم، وقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ وقالَهُ الكِرْمانِيُّ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ: هو أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وقِيلَ: حَمْزَةُ والعَبّاسُ، وعَلِيٌّ، وجَعْفَرٌ الطَّيّارُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ.
﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ونادَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ عائِدٌ عَلى الرِّجالِ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ، وعَلى هَذا لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الضَّمائِرُ لِلْأنْبِياءِ ولا لِشَيْءٍ مِمّا فُسِّرَ بِهِ أنَّهم عَلى جَبَلٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلى الجَنَّةِ، وفي غايَةِ البُعْدِ ما تُئُوِّلَ مِن ذَلِكَ لِيَصِحَّ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأقْوالِ أنَّهم أُجْلِسُوا عَلى تِلْكَ الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشاهِدُوا أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ فَيَلْحَقُهُمُ السُّرُورُ بِتِلْكَ الأحْوالِ، ثُمَّ إذا اسْتَقَرَّ الفَرِيقانِ نُقِلُوا إلى أمْكِنَتِهِمُ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ، فَمَعْنى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ لَمْ يَدْخُلُوا مَنازِلَهُمُ المُعَدَّةَ لَهم فِيها، ومَعْنى ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَتَيَقَّنُونَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الزُّلْفى، وقَدْ جاءَ الطَّمَعُ بِمَعْنى اليَقِينِ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وطَمَعُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقِينٌ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وإنِّي لَأطْمَعُ أنَّ الإلَهَ ∗∗∗ قَدِيرٌ بِحُسْنِ يَقِينِي يَقِينِي
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأعْرافَ جَبَلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ القاضِي والجُبّائِيُّ وقالا: هو فاسِدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِدُخُولِها وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ أقْوامٍ لا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِمَحْضِ الفَضْلِ لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ، ولِأنَّ كَوْنَهم مِن أهْلِ الأعْرافِ يَدُلُّ عَلى مَيْزِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ القِيامَةِ فَإنَّ إجْلاسَهم عَلى الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ العالِيَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالأشْرافِ ومَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ دَرَجَتُهُ قاصِرَةٌ لا يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ونُودُوا خِطابٌ مَعَ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ، وعَنِ الثّانِي أجْلَسَهم (p-٣٠٣)لا لِلتَّشْرِيفِ، بَلْ لِأنَّها كالمَرْتَبَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ و﴿أنْ سَلامٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً ومُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولَمْ يَدْخُلُوها حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: ناداهم وهم في هَذِهِ الحالِ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ، وهم يَطْمَعُونَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، أيْ: نادَوْا أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرَ داخِلِيها، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم طامِعُونَ في دُخُولِها قالَ مَعْناهُ أبُو البَقاءِ، وقِيلَ: المَعْنى ونادى أصْحابُ الأعْرافِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ وهم قَدْ دَخَلُوا الجَنَّةَ، وأهْلُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ”ونادَوُا“ العائِدِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ فَقَطْ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ، وهَذا هو الأظْهَرُ والألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لِأنَّ النُّورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ طُفِئَ نُورُ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ، وقِيلَ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ﴿يَدْخُلُوها﴾، والمَعْنى: لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ لَها، بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ، لَكِنْ عَمَّهم عَفْوُ اللَّهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ قُلْتُ: لا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ لَهُ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ اسْتَأْخَرَ عَنْ دُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ فَلَمْ يَدْخُلُوها لِكَوْنِهِمْ مَحْبُوسِينَ، وهم يَطْمَعُونَ لَمْ يَيْأسُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَقَعَ صِفَةً. انْتَهى. وهَذا تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِجُمْلَةِ ونادَوْا ولَيْسَتْ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، وقَرَأ ابْنُ النَّحْوِيِّ وهم طامِعُونَ، وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ وهم ساخِطُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وإذا قُلِّبَتْ أبْصارُهم، والضَّمِيرُ في أبْصارِهِمْ عائِدٌ عَلى رِجالِ الأعْرافِ يُسَلِّمُونَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وإذا نَظَرُوا إلى أهْلِ النّارِ دَعَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّصِ مِنها. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿صُرِفَتْ﴾ دَلِيلٌ أنَّ أكْثَرَ أحْوالِهِمُ النَّظَرُ إلى تِلْقاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ، وأنَّ نَظَرَهم إلى أصْحابِ النّارِ هو بِكَوْنِهِمْ صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَهم، فَلَيْسَ الصَّرْفُ مِن قِبَلِهِمْ، بَلْ هم مَحْمُولُونَ عَلَيْهِ مَفْعُولٌ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُطَّلَعَ مَخُوفٌ مِن سَماعِهِ فَضْلًا عَنْ رُؤْيَتِهِ فَضَلًا عَنِ التَّلَبُّسِ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم إذا حُمِلُوا عَلى صَرْفِ أبْصارِهِمْ ورَأوْا ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ اسْتَغاثُوا بِرَبِّهِمْ مِن أنْ يَجْعَلَهم مَعَهم، ولَفْظَةُ (رَبَّنا) مُشْعِرَةٌ بِوَصْفِهِ تَعالى بِأنَّهُ مُصْلِحُهم وسَيِّدُهم وهم عَبِيدٌ، فَبِالدُّعاءِ بِهِ طَلَبُ رَحْمَتِهِ واسْتِعْطافُ كَرَمِهِ.
الأعراف 7:42
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ ولا لِما يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا يَصْعَدُ لَهم صالِحٌ فَتُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ لَهُ، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] . وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأرْواحِهِمْ، وذَكَرُوا في صُعُودِ الرُّوحَيْنِ إلى السَّماءِ والإذْنِ لِرُوحِ المُؤْمِنِ ورَدِّ رُوحِ الكافِرِ أحادِيثَ، وذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِما، وقِيلَ: المَعْنى ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ في القِيامَةِ لِيَدْخُلُوا مِنها إلى الجَنَّةِ، أيْ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ ولا يُغاثُونَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِالياءِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ مِن أعْلى والتَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ بِالثّاءِ مِن أعْلى مَفْتُوحَةً والتَّشْدِيدِ.
﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ هَذا نَفْيٌ مُغَيًّا بِمُسْتَحِيلٍ. والوُلُوجُ: التَّقَحُّمُ في الشَّيْءِ، وذَكَرَ الجَمَلَ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ الحَيَوانِ المُزاوِلِ لِلْإنْسانِ جُثَّةً فَلا يَلِجُ إلّا في بابٍ واسِعٍ كَما قالَ، لَقَدْ عَظُمَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ، وقالَ: جِسْمُ الجِمالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ، وذَكَرَ ﴿سَمُّ الخِياطِ﴾؛ لِأنَّهُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في ضِيقِ المَسْلَكِ يُقالُ: أضْيَقُ مِن خَرْتِ الإبْرَةِ، وقِيلَ: لِلدَّلِيلِ خِرِّيتٌ لِاهْتِدائِهِ في المَضايِقِ تَشْبِيهًا بِإخْراتِ الإبْرَةِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو مِجْلَزٍ والشَّعْبِيُّ ومالِكُ بْنُ الشِّخِّيرِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (الجُمَّلُ) بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، وفُسِّرَ بِالقَلْسِ الغَلِيظِ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ، تُجْمَعُ حِبالٌ وتُفْتَلُ وتَصِيرُ حَبْلًا واحِدًا، وقِيلَ: هو الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القِنَّبِ، وقِيلَ: الحَبْلُ الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ في النَّخْلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ تَشْبِيهًا مِن أنْ يُشَبِّهَ بِالجَمَلِ يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ، والحَبْلُ يُناسِبُ الخَيْطَ الَّذِي يَسْلُكُ بِهِ في خُرْمِ الإبْرَةِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الَّذِي رَوى الجُمَّلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ أعْجَمِيًّا فَشَدَّدَ الجِيمَ لِعُجْمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ. انْتَهى. ولِكَثْرَةِ القُرّاءِ بِها غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ وسالِمٍ الأفْطَسِ بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ: الجُمْلُ، وقَرَأ المُتَوَكِّلُ، وأبُو الجَوْزاءِ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ، ومَعْناهُ في هَذِهِ القِراءاتِ القَلْسُ الغَلِيظُ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿الجَمَلُ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ والمِيمِ أوْقَعُ؛ لِأنَّ سَمَّ الإبْرَةِ يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في الضِّيقِ والجَمَلُ وهو هَذا الحَيَوانُ المَعْرُوفُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في عِظَمِ الجُثَّةِ كَما ذَكَرْنا، وسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ زَوْجُ النّاقَةِ وذَلِكَ مِنهُ اسْتِجْهالٌ لِلسّائِلِ ومَنعٌ مِنهُ أنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ مَعْنًى آخَرَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ وطَلْحَةُ بِضَمِّ سِينِ ﴿سَمِّ﴾، وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الحَوْفِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ السِّينِ ”سِمِّ“، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ (p-٢٩٨)المِخْيَطُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بِفَتْحِ المِيمِ.
﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي أهْلَ الجَرائِمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُؤْذِنَ أنَّ الإجْرامَ هو السَّبَبُ المُوصِلُ، وأنَّ كُلَّ مَن أجْرَمَ عُوقِبَ، ثُمَّ كَرَّرَهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾؛ لِأنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ مِن كُلِّ جانِبٍ كَما قالَ لَهم ﴿مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] والغَواشِي جَمْعُ غاشِيَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: هي اللُّحُفُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَغْشاهُمُ الدُّخانُ مِن فَوْقِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: غاشِيَةٌ مِنَ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المِهادُ الفُرُشُ، والغَواشِي اللُّحُفُ والتَّنْوِينُ في ﴿غَواشٍ﴾ تَنْوِينُ صَرْفٍ، أوْ تَنْوِينُ عِوَضٍ قَوْلانِ، وتَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الياءِ، أوْ مِنَ الحَرَكَةِ قَوْلانِ كُلُّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقُرِئَ ”غَواشٌ“ بِالرَّفْعِ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَهُ الجَوارِ المُنشَآتُ) .
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ بِوَعِيدِ الكُفّارِ أخْبَرَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، وخَبَرُ و(الَّذِينَ) الجُمْلَةُ مِن ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ مِنهم، أوِ الجُمْلَةُ مِن (أُولَئِكَ) وما بَعْدَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لا نُكَلِّفُ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وفائِدَتُهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ و﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ وسِعَهم وغَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَجالِها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ، وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا في نَفَقاتِ الزَّوْجاتِ إلّا ما وجَدَ وتَمَكَّنَ مِنهُ دُونَ ما لا تَنالُهُ يَدُهُ ولَمْ يَرِدْ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ قَبْلَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧] . انْتَهى. ولَيْسَ السِّياقُ يَقْتَضِي ما ذُكِرَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما لا يَكْتَنِهُهُ وصْفُ الواصِفِ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ مَعَ العَظِيمِ بِما هو مِنَ الواسِعِ وهو الإمْكانُ الواسِعُ غَيْرُ الضَّيِّقِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾، أيْ: أذْهَبْنا في الجَنَّةِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الحُقُودِ. وقِيلَ: نَزْعُ الغِلِّ في الجَنَّةِ أنْ لا يَحْسُدَ بَعْضُهم بَعْضًا في تَفاضُلِ مَنازِلِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الأهْواءُ والبِدَعُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: فِينا واللَّهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ. وعَنْهُ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا﴾ الآيَةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النَّزْعَ لِلْغِلِّ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِهِمْ في الآخِرَةِ سالِمِي القُلُوبِ طاهِرِيها مُتَوادِّينَ مُتَعاطِفِينَ، كَما قالَ: إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. وتَجْرِي حالٌ. قالَهُ الحَوْفِيُّ قالَ: والعامِلُ فِيهِ نَزَعْنا، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ تَجْرِي لَيْسَ مِن صِفاتِ الفاعِلِ الَّذِي هو ضَمِيرُ نَزَعْنا ولا صِفاتِ المَفْعُولِ الَّذِي (p-٢٩٩)هُوَ ما في صُدُورِهِمْ، ولِأنَّ مَعْنى الإضافَةِ لا يَعْمَلُ إلّا إذا كانَتْ إضافَةً يُمْكِنُ لِلْمُضافِ أنْ يَعْمَلَ إذا جُرِّدَ مِنَ الإضافَةِ رَفْعًا، أوْ نَصْبًا فِيما بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنْ صِفَةِ حالِهِمْ.
﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾، أيْ: وفَّقَنا لِتَحْصِيلِ هَذا النَّعِيمِ الَّذِي صِرْنا إلَيْهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ إذْ هو نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِها حَمْدُهُ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعالى، وقِيلَ: الهِدايَةُ هُنا هو الإرْشادُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ ومَنازِلِهِمْ فِيها وفي الحَدِيثِ: «إنَّ أحَدَهم أهْدى إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ مِن مَنزِلِهِ في الدُّنْيا»، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَذا إلى العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي هَذا جَزاؤُهُ، وقِيلَ: إلى الإيمانِ الَّذِي تَأهَّلُوا بِهِ لِهَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وفَّقَنا لِمُوجِبِ هَذا الفَوْزِ العَظِيمِ وهو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. انْتَهى. وفي لَفْظَةِ (واجِبٌ والعَمَلُ الصّالِحُ) دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ مَعْنى هَدانا اللَّهُ: أعْطانا القُدْرَةَ وضَمَّ إلَيْها الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وصَيَّرَ مَجْمُوعَهُما لِحُصُولِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: التَّحْمِيدُ إنَّما وقَعَ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العَقْلَ ووَضَعَ الدَّلائِلَ وأزالَ المَوانِعَ. انْتَهى. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى مُنادٍ إنَّ لَكم أنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَنْعَمُوا فَلا تَيْأسُوا أبَدًا فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾» .
﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: وما كانَتْ تُوجِدُ مِنّا أنْفُسُنا وحْدَها الهِدايَةَ لَوْلا أنَّ اللَّهَ هَدانا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُوَضِّحُ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الهِدايَةِ فِيهِمْ، وأنَّهم لَوْ خُلُّوا وأنْفُسَهم لَمْ تَكُنْ مِنهم هِدايَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ يَسْتَقِيمُ أنْ نَكُونَ مُهْتَدِينَ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقُهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: والواوُ لِلْحالِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. انْتَهى. والثّانِي أظْهَرُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ما كُنّا. بِغَيْرِ واوٍ وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ وهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلْأُولى ومَن أجازَ فِيها الحالَ مَعَ الواوِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيزَها دُونَها، والَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ العَرَبِيَّةِ أنَّ جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ، أوْ لَضَلَلْنا؛ لِأنَّ لَوْلا لِلتَّعْلِيقِ فَهي في ذَلِكَ كَأدَواتِ الشَّرْطِ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ خَرَّجَ قَوْلَهُ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: (وهم بِها) وسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ في مَنعِ تَقْدِيمِ جَوابِ الشَّرْطِ.
﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِالمَوْعُودِ الَّذِي وُعِدْنا في الدُّنْيا قَضَوْا بِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ قَضاءٍ ومُشاهَدَةٍ بِالحِسِّ، وكانُوا في الدُّنْيا يَقْضُونَ بِذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وقَعَ المَوْعُودُ بِهِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ الوَعْدُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَكانَ لَنا لُطْفًا وتَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِداءِ فاهْتَدَيْنا يَقُولُونَ ذَلِكَ سُرُورًا واغْتِباطًا بِما نالُوا وتَلَذُّذًا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ لا تَقَرُّبًا وتَعَبُّدًا كَما تَرى، مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ ذَلِكَ ولا يَتَمالَكُ أنْ يَقُولَهُ لِلْفَرَحِ لا لِلْقُرْبَةِ.
﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ (p-٣٠٠)أنْ يَكُونَ النِّداءُ مِنَ اللَّهِ وهو أسَرُّ لِقُلُوبِهِمْ وأرْفَعُ لِقَدْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: ﴿ونُودُوا﴾ بِأنَّهُ ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُحْذَفُ إذا خُفِّفَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً لِوُجُودِ شَرْطِها، وهُما أنْ يَكُونَ قَبْلَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ وبَعْدَها جُمْلَةٌ وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿تِلْكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى غائِبَةٍ فَإمّا لِأنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فالإشارَةُ إلى تِلْكَ، أيْ: (تِلْكُمُ) هَذِهِ (الجَنَّةُ) وحُذِفَتْ هَذِهِ، وإمّا قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها، وإمّا بَعْدَ الدُّخُولِ وهم مُجْتَمِعُونَ في مَوْضِعٍ مِنها فَكُلٌّ غائِبٌ عَنْ مَنزِلِهِ. انْتَهى. وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ و”تِلْكُمُ“ إشارَةٌ إلى غائِبٍ، وإنَّما قالَ هُنا ”تِلْكُمُ“؛ لِأنَّهم وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فَلِأجْلِ الوَعْدِ جَرى الخِطابُ بِكَلِمَةِ العَهْدِ، «وقَوْلُهُ ﷺ لِلصِّدِّيقِ في الِاسْتِخْبارِ عَنْ عائِشَةَ كَيْفَ تِيكم لِلْعَهْدِ السّابِقِ» . انْتَهى. والجَنَّةُ جَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِتِلْكم و﴿أُورِثْتُمُوها﴾ حالٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] . قالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِن (الجَنَّةُ) والعامِلُ فِيها ما في تِلْكَ مِن مَعْنى الإشارَةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن تِلْكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ ولِكَوْنِ المُبْتَدَأِ لا يَعْمَلُ في الحالِ. انْتَهى. وفي العامِلِ في الحالِ في مِثْلِ هَذا زَيْدٌ قائِمًا خِلافٌ في النَّحْوِ، وأنْ يَكُونَ نَعْتًا وبَدَلًا، ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ الخَبَرُ، أدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ الثّاءَ في التّاءِ وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ، ومَعْنى ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ صُيِّرَتْ لَكم كالإرْثِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى أُورِثْتُمُوها عَنْ آبائِكم؛ لِأنَّها كانَتْ مَنازِلَهم لَوْ آمَنُوا فَحُرِمُوها بِكُفْرِهِمْ، وبُعْدُهُ أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ ولَمْ تَكُنْ آباؤُهم كُلُّهم كُفّارًا والباءُ في (بِما) لِلسَّبَبِ المَجازِيِّ، والأعْمالُ أمارَةٌ مِنَ اللَّهِ ودَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الرَّجاءِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ إنَّما هو بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللَّهِ، والقَسْمُ فِيها عَلى قَدْرِ العَمَلِ، ولَفْظُ ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ مُشِيرٌ إلى الأقْسامِ ولَيْسَ ذَلِكَ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِسَبَبِ أعْمالِكم لا بِالتَّفَضُّلِ كَما تَقُولُ المُبْطِلَةُ. انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» .
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ . عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذا النِّداءُ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ عَلى مَآلِ الفَرِيقَيْنِ وزِيادَةٌ في كُرَبِ أهْلِ النّارِ بِأنْ شُرِّفُوا عَلَيْهِمْ وبِخَلْقِ إدْراكِ أهْلِ النّارِ لِذَلِكَ النِّداءِ في أسْماعِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالُوا لَهم ذَلِكَ اغْتِباطًا بِحالِهِمْ وشَماتَةً بِأهْلِ النّارِ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، ولِيَكُونَ حِكايَتُهُ لُطْفًا لِمَن سَمِعَها وكَذَلِكَ قَوْلُ المُؤَذِّنِ بَيْنَهم أنْ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ، وهو مَلَكٌ يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى فَيُنادِي بَيْنَهم يُسْمِعُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، وأتى في إخْبارِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ما وعَدَنا﴾ بِذِكْرِ المَفْعُولِ وفي قِصَّةِ أهْلِ النّارِ ما وعَدَ ولَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ (وعَدَ)؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُسْتَبْشِرُونَ بِحُصُولِ مَوْعُودِهِمْ، فَذَكَرُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مُضافًا إلَيْهِمْ ولَمْ يَذْكُرُوا حِينَ سَألُوا أهْلَ الجَنَّةِ مُتَعَلِّقَ (وعَدَ) باسِمِ الخِطابِ فَيَقُولُوا: (ما وعَدَكم) لِيَشْمَلَ كُلَّ مَوْعُودٍ مِن عَذابِ أهْلِ النّارِ ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وتَكُونُ إجابَتُهم بِنَعَمْ تَصْدِيقًا لِجَمِيعِ ما وعَدَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ في الآخِرَةِ لِلصِّنْفَيْنِ ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا مِنهم بِحُصُولِ مَوْعُودِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَحَسَّرُوا عَلى ما فاتَهم مِن نَعِيمِهِمْ، إذْ نَعِيمُ أهْلِ الجَنَّةِ مِمّا يُخْزِيهِمْ ويَزِيدُ في عَذابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لِلْخِطابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ، والكِسائِيُّ (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مُخَفَّفَةً مِن أنَّ الثَّقِيلَةِ، وإذا ولِيَ المُخَفَّفَةَ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ غَيْرُ دُعاءٍ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَدْ في الأجْوَدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .
(p-٣٠١)﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾، أيْ: فَأعْلَمَ مُعْلِمٌ، قِيلَ: هو إسْرافِيلُ صاحِبُ الصُّورِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ يُسْمِعُ الفَرِيقَيْنِ تَفْرِيحًا وتَبْرِيحًا، وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ مُعَيَّنٌ، ودَخَلَ طاوُسٌ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: احْذَرْ يَوْمَ الأذانِ فَقالَ: وما يَوْمُ الأذانِ قالَ: يَوْمَ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ الآيَةَ فَصَعِقَ هِشامٌ فَقالَ طاوُسٌ: هَذا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ المُعايَنَةِ. وبَيْنَهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لـِ ”أذَّنَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَذِّنٍ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ والبَزِّيُّ (أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ) بِتَثْقِيلِ (أنَّ) ونَصْبِ (لَعْنَةَ)، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّثْقِيلِ ونَصْبِ (لَعْنَةَ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ أذَّنَ مَجْرى قالَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (أنْ) بِفْتَحِ الهَمْزَةِ خَفِيفَةَ النُّونِ، ورَفْعِ (لَعْنَةُ) عَلى الِابْتِداءِ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ و﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ، وهَذا الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ هو حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِهِمُ السّابِقِ، والمَعْنى: الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم وقْتَ الأذانِ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِهَذا الوَصْفِ، والمَعْنِيُّ بِالظُّلْمِ الكُفّارُ، ويَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ عامٌّ في الكافِرِ والفاسِقِ قَوْلُهُ أخِيرًا ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾؛ لِأنَّ الفاسِقَ لَيْسَ كافِرًا بِالآخِرَةِ، بَلْ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِها.
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾، أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وبِهَذا بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ وفُسِّرَ الحِجابُ بِأنَّهُ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويُقَوِّي أنَّهُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظُ بَيْنَهم إذْ هو ضَمِيرُ العُقَلاءِ، ولا يَحِيلُ ضَرْبُ السُّورِ بَعْدُ ما بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ في السَّماءِ، والنّارُ أسْفَلُ السّافِلِينَ.
﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾، أيْ: وعَلى أعْرافِ الحِجابِ وهو السُّورُ المَضْرُوبُ ﴿رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ مِن فَرِيقَيِ الجَنَّةِ والنّارِ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي مَيَّزَهُمُ اللَّهُ بِها مِنِ ابْيِضاضِ وُجُوهٍ واسْوِدادِ وُجُوهٍ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَلاماتِ، أوْ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ مَعْرِفَتَها، والأعْرافُ: تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ: هو أُحُدٌ مُمَثَّلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، رُوِيَ هَذا في حَدِيثٍ، وفي آخَرَ «إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ»، وقِيلَ: أعالِي السُّورِ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والرِّجالُ قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم وقَفُوا هُنالِكَ ما شاءَ اللَّهُ، لَمْ تَبْلُغْ حَسَناتُهم بِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ ولا سَيِّئاتُهم دُخُولَ النّارِ، ورُوِيَ في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ فِيهِ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ»، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أيْضًا: هم (p-٣٠٢)قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صَغائِرُهم إلى آخِرِ النّاسِ، وقِيلَ: غُزاةٌ جاهَدُوا مِن غَيْرِ إذْنِ والِدَيْهِمْ فَقُتِلُوا في المَعْرَكَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ أنَّهم حُبِسُوا عَنِ الجَنَّةِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ وأعْتَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّهم قُتِلُوا في سَبِيلِهِ، وقِيلَ: قَوْمٌ رَضِيَ عَنْهم آباؤُهم دُونَ أُمَّهاتِهِمْ، أوْ بِالعَكْسِ، وقِيلَ: هم أوْلادُ الزِّنا، وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الَّذِينَ كانُوا في الأسْرِ ولَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهم، وقِيلَ: عُلَماءٌ شَكُّوا في أرْزاقِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن آخِرِهِمْ دُخُولًا في الجَنَّةِ لِقُصُورِ أعْمالِهِمْ كَأنَّهُمُ المُرْجِئُونَ لِأمْرِ اللَّهِ يُحْبَسُونَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللّازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُّورِ، أوْ عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَتَأخَّرُ دُخُولُهم، ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ، ويَعْرِفُونَ كُلًّا بِعَلامَتِهِمْ وهي بَياضُ الوُجُوهِ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النّارِ. انْتَهى. والأقْوالُ السّابِقَةُ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ في التَّخْصِيصِ، والجَيِّدُ مِنها هو الأوَّلُ لِحَدِيثِ جابِرٍ ولِتَفْسِيرِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وهَذِهِ الأقْوالُ هي عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الأعْرافَ هو بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وفي شَعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:
؎وآخَرُونَ عَلى الأعْرافِ قَدْ طَمِعُوا في جَنَّةٍ حَفَّها الرُّمّانُ والخَضِرُ
وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ الصِّراطُ، وقِيلَ: مَوْضِعٌ عَلى الصِّراطِ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَبَلٌ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلاها واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في تَفْسِيرِ (رِجالٌ)، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: مَلائِكَةٌ في صُوَرِ رِجالٍ ذُكُورٍ وسُمُّوا رِجالًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: هم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ وعُلَماؤُهم، وقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ وقالَهُ الكِرْمانِيُّ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ: هو أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وقِيلَ: حَمْزَةُ والعَبّاسُ، وعَلِيٌّ، وجَعْفَرٌ الطَّيّارُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ.
﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ونادَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ عائِدٌ عَلى الرِّجالِ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ، وعَلى هَذا لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الضَّمائِرُ لِلْأنْبِياءِ ولا لِشَيْءٍ مِمّا فُسِّرَ بِهِ أنَّهم عَلى جَبَلٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلى الجَنَّةِ، وفي غايَةِ البُعْدِ ما تُئُوِّلَ مِن ذَلِكَ لِيَصِحَّ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأقْوالِ أنَّهم أُجْلِسُوا عَلى تِلْكَ الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشاهِدُوا أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ فَيَلْحَقُهُمُ السُّرُورُ بِتِلْكَ الأحْوالِ، ثُمَّ إذا اسْتَقَرَّ الفَرِيقانِ نُقِلُوا إلى أمْكِنَتِهِمُ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ، فَمَعْنى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ لَمْ يَدْخُلُوا مَنازِلَهُمُ المُعَدَّةَ لَهم فِيها، ومَعْنى ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَتَيَقَّنُونَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الزُّلْفى، وقَدْ جاءَ الطَّمَعُ بِمَعْنى اليَقِينِ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وطَمَعُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقِينٌ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وإنِّي لَأطْمَعُ أنَّ الإلَهَ ∗∗∗ قَدِيرٌ بِحُسْنِ يَقِينِي يَقِينِي
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأعْرافَ جَبَلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ القاضِي والجُبّائِيُّ وقالا: هو فاسِدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِدُخُولِها وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ أقْوامٍ لا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِمَحْضِ الفَضْلِ لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ، ولِأنَّ كَوْنَهم مِن أهْلِ الأعْرافِ يَدُلُّ عَلى مَيْزِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ القِيامَةِ فَإنَّ إجْلاسَهم عَلى الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ العالِيَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالأشْرافِ ومَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ دَرَجَتُهُ قاصِرَةٌ لا يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ونُودُوا خِطابٌ مَعَ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ، وعَنِ الثّانِي أجْلَسَهم (p-٣٠٣)لا لِلتَّشْرِيفِ، بَلْ لِأنَّها كالمَرْتَبَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ و﴿أنْ سَلامٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً ومُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولَمْ يَدْخُلُوها حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: ناداهم وهم في هَذِهِ الحالِ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ، وهم يَطْمَعُونَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، أيْ: نادَوْا أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرَ داخِلِيها، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم طامِعُونَ في دُخُولِها قالَ مَعْناهُ أبُو البَقاءِ، وقِيلَ: المَعْنى ونادى أصْحابُ الأعْرافِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ وهم قَدْ دَخَلُوا الجَنَّةَ، وأهْلُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ”ونادَوُا“ العائِدِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ فَقَطْ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ، وهَذا هو الأظْهَرُ والألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لِأنَّ النُّورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ طُفِئَ نُورُ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ، وقِيلَ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ﴿يَدْخُلُوها﴾، والمَعْنى: لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ لَها، بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ، لَكِنْ عَمَّهم عَفْوُ اللَّهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ قُلْتُ: لا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ لَهُ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ اسْتَأْخَرَ عَنْ دُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ فَلَمْ يَدْخُلُوها لِكَوْنِهِمْ مَحْبُوسِينَ، وهم يَطْمَعُونَ لَمْ يَيْأسُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَقَعَ صِفَةً. انْتَهى. وهَذا تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِجُمْلَةِ ونادَوْا ولَيْسَتْ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، وقَرَأ ابْنُ النَّحْوِيِّ وهم طامِعُونَ، وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ وهم ساخِطُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وإذا قُلِّبَتْ أبْصارُهم، والضَّمِيرُ في أبْصارِهِمْ عائِدٌ عَلى رِجالِ الأعْرافِ يُسَلِّمُونَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وإذا نَظَرُوا إلى أهْلِ النّارِ دَعَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّصِ مِنها. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿صُرِفَتْ﴾ دَلِيلٌ أنَّ أكْثَرَ أحْوالِهِمُ النَّظَرُ إلى تِلْقاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ، وأنَّ نَظَرَهم إلى أصْحابِ النّارِ هو بِكَوْنِهِمْ صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَهم، فَلَيْسَ الصَّرْفُ مِن قِبَلِهِمْ، بَلْ هم مَحْمُولُونَ عَلَيْهِ مَفْعُولٌ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُطَّلَعَ مَخُوفٌ مِن سَماعِهِ فَضْلًا عَنْ رُؤْيَتِهِ فَضَلًا عَنِ التَّلَبُّسِ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم إذا حُمِلُوا عَلى صَرْفِ أبْصارِهِمْ ورَأوْا ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ اسْتَغاثُوا بِرَبِّهِمْ مِن أنْ يَجْعَلَهم مَعَهم، ولَفْظَةُ (رَبَّنا) مُشْعِرَةٌ بِوَصْفِهِ تَعالى بِأنَّهُ مُصْلِحُهم وسَيِّدُهم وهم عَبِيدٌ، فَبِالدُّعاءِ بِهِ طَلَبُ رَحْمَتِهِ واسْتِعْطافُ كَرَمِهِ.
الأعراف 7:43
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ ولا لِما يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا يَصْعَدُ لَهم صالِحٌ فَتُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ لَهُ، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] . وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأرْواحِهِمْ، وذَكَرُوا في صُعُودِ الرُّوحَيْنِ إلى السَّماءِ والإذْنِ لِرُوحِ المُؤْمِنِ ورَدِّ رُوحِ الكافِرِ أحادِيثَ، وذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِما، وقِيلَ: المَعْنى ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ في القِيامَةِ لِيَدْخُلُوا مِنها إلى الجَنَّةِ، أيْ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ ولا يُغاثُونَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِالياءِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ مِن أعْلى والتَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ بِالثّاءِ مِن أعْلى مَفْتُوحَةً والتَّشْدِيدِ.
﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ هَذا نَفْيٌ مُغَيًّا بِمُسْتَحِيلٍ. والوُلُوجُ: التَّقَحُّمُ في الشَّيْءِ، وذَكَرَ الجَمَلَ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ الحَيَوانِ المُزاوِلِ لِلْإنْسانِ جُثَّةً فَلا يَلِجُ إلّا في بابٍ واسِعٍ كَما قالَ، لَقَدْ عَظُمَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ، وقالَ: جِسْمُ الجِمالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ، وذَكَرَ ﴿سَمُّ الخِياطِ﴾؛ لِأنَّهُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في ضِيقِ المَسْلَكِ يُقالُ: أضْيَقُ مِن خَرْتِ الإبْرَةِ، وقِيلَ: لِلدَّلِيلِ خِرِّيتٌ لِاهْتِدائِهِ في المَضايِقِ تَشْبِيهًا بِإخْراتِ الإبْرَةِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو مِجْلَزٍ والشَّعْبِيُّ ومالِكُ بْنُ الشِّخِّيرِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (الجُمَّلُ) بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، وفُسِّرَ بِالقَلْسِ الغَلِيظِ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ، تُجْمَعُ حِبالٌ وتُفْتَلُ وتَصِيرُ حَبْلًا واحِدًا، وقِيلَ: هو الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القِنَّبِ، وقِيلَ: الحَبْلُ الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ في النَّخْلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ تَشْبِيهًا مِن أنْ يُشَبِّهَ بِالجَمَلِ يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ، والحَبْلُ يُناسِبُ الخَيْطَ الَّذِي يَسْلُكُ بِهِ في خُرْمِ الإبْرَةِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الَّذِي رَوى الجُمَّلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ أعْجَمِيًّا فَشَدَّدَ الجِيمَ لِعُجْمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ. انْتَهى. ولِكَثْرَةِ القُرّاءِ بِها غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ وسالِمٍ الأفْطَسِ بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ: الجُمْلُ، وقَرَأ المُتَوَكِّلُ، وأبُو الجَوْزاءِ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ، ومَعْناهُ في هَذِهِ القِراءاتِ القَلْسُ الغَلِيظُ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿الجَمَلُ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ والمِيمِ أوْقَعُ؛ لِأنَّ سَمَّ الإبْرَةِ يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في الضِّيقِ والجَمَلُ وهو هَذا الحَيَوانُ المَعْرُوفُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في عِظَمِ الجُثَّةِ كَما ذَكَرْنا، وسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ زَوْجُ النّاقَةِ وذَلِكَ مِنهُ اسْتِجْهالٌ لِلسّائِلِ ومَنعٌ مِنهُ أنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ مَعْنًى آخَرَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ وطَلْحَةُ بِضَمِّ سِينِ ﴿سَمِّ﴾، وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الحَوْفِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ السِّينِ ”سِمِّ“، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ (p-٢٩٨)المِخْيَطُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بِفَتْحِ المِيمِ.
﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي أهْلَ الجَرائِمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُؤْذِنَ أنَّ الإجْرامَ هو السَّبَبُ المُوصِلُ، وأنَّ كُلَّ مَن أجْرَمَ عُوقِبَ، ثُمَّ كَرَّرَهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾؛ لِأنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ مِن كُلِّ جانِبٍ كَما قالَ لَهم ﴿مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] والغَواشِي جَمْعُ غاشِيَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: هي اللُّحُفُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَغْشاهُمُ الدُّخانُ مِن فَوْقِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: غاشِيَةٌ مِنَ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المِهادُ الفُرُشُ، والغَواشِي اللُّحُفُ والتَّنْوِينُ في ﴿غَواشٍ﴾ تَنْوِينُ صَرْفٍ، أوْ تَنْوِينُ عِوَضٍ قَوْلانِ، وتَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الياءِ، أوْ مِنَ الحَرَكَةِ قَوْلانِ كُلُّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقُرِئَ ”غَواشٌ“ بِالرَّفْعِ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَهُ الجَوارِ المُنشَآتُ) .
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ بِوَعِيدِ الكُفّارِ أخْبَرَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، وخَبَرُ و(الَّذِينَ) الجُمْلَةُ مِن ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ مِنهم، أوِ الجُمْلَةُ مِن (أُولَئِكَ) وما بَعْدَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لا نُكَلِّفُ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وفائِدَتُهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ و﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ وسِعَهم وغَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَجالِها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ، وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا في نَفَقاتِ الزَّوْجاتِ إلّا ما وجَدَ وتَمَكَّنَ مِنهُ دُونَ ما لا تَنالُهُ يَدُهُ ولَمْ يَرِدْ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ قَبْلَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧] . انْتَهى. ولَيْسَ السِّياقُ يَقْتَضِي ما ذُكِرَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما لا يَكْتَنِهُهُ وصْفُ الواصِفِ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ مَعَ العَظِيمِ بِما هو مِنَ الواسِعِ وهو الإمْكانُ الواسِعُ غَيْرُ الضَّيِّقِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾، أيْ: أذْهَبْنا في الجَنَّةِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الحُقُودِ. وقِيلَ: نَزْعُ الغِلِّ في الجَنَّةِ أنْ لا يَحْسُدَ بَعْضُهم بَعْضًا في تَفاضُلِ مَنازِلِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الأهْواءُ والبِدَعُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: فِينا واللَّهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ. وعَنْهُ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا﴾ الآيَةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النَّزْعَ لِلْغِلِّ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِهِمْ في الآخِرَةِ سالِمِي القُلُوبِ طاهِرِيها مُتَوادِّينَ مُتَعاطِفِينَ، كَما قالَ: إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. وتَجْرِي حالٌ. قالَهُ الحَوْفِيُّ قالَ: والعامِلُ فِيهِ نَزَعْنا، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ تَجْرِي لَيْسَ مِن صِفاتِ الفاعِلِ الَّذِي هو ضَمِيرُ نَزَعْنا ولا صِفاتِ المَفْعُولِ الَّذِي (p-٢٩٩)هُوَ ما في صُدُورِهِمْ، ولِأنَّ مَعْنى الإضافَةِ لا يَعْمَلُ إلّا إذا كانَتْ إضافَةً يُمْكِنُ لِلْمُضافِ أنْ يَعْمَلَ إذا جُرِّدَ مِنَ الإضافَةِ رَفْعًا، أوْ نَصْبًا فِيما بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنْ صِفَةِ حالِهِمْ.
﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾، أيْ: وفَّقَنا لِتَحْصِيلِ هَذا النَّعِيمِ الَّذِي صِرْنا إلَيْهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ إذْ هو نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِها حَمْدُهُ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعالى، وقِيلَ: الهِدايَةُ هُنا هو الإرْشادُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ ومَنازِلِهِمْ فِيها وفي الحَدِيثِ: «إنَّ أحَدَهم أهْدى إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ مِن مَنزِلِهِ في الدُّنْيا»، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَذا إلى العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي هَذا جَزاؤُهُ، وقِيلَ: إلى الإيمانِ الَّذِي تَأهَّلُوا بِهِ لِهَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وفَّقَنا لِمُوجِبِ هَذا الفَوْزِ العَظِيمِ وهو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. انْتَهى. وفي لَفْظَةِ (واجِبٌ والعَمَلُ الصّالِحُ) دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ مَعْنى هَدانا اللَّهُ: أعْطانا القُدْرَةَ وضَمَّ إلَيْها الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وصَيَّرَ مَجْمُوعَهُما لِحُصُولِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: التَّحْمِيدُ إنَّما وقَعَ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العَقْلَ ووَضَعَ الدَّلائِلَ وأزالَ المَوانِعَ. انْتَهى. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى مُنادٍ إنَّ لَكم أنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَنْعَمُوا فَلا تَيْأسُوا أبَدًا فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾» .
﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: وما كانَتْ تُوجِدُ مِنّا أنْفُسُنا وحْدَها الهِدايَةَ لَوْلا أنَّ اللَّهَ هَدانا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُوَضِّحُ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الهِدايَةِ فِيهِمْ، وأنَّهم لَوْ خُلُّوا وأنْفُسَهم لَمْ تَكُنْ مِنهم هِدايَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ يَسْتَقِيمُ أنْ نَكُونَ مُهْتَدِينَ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقُهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: والواوُ لِلْحالِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. انْتَهى. والثّانِي أظْهَرُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ما كُنّا. بِغَيْرِ واوٍ وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ وهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلْأُولى ومَن أجازَ فِيها الحالَ مَعَ الواوِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيزَها دُونَها، والَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ العَرَبِيَّةِ أنَّ جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ، أوْ لَضَلَلْنا؛ لِأنَّ لَوْلا لِلتَّعْلِيقِ فَهي في ذَلِكَ كَأدَواتِ الشَّرْطِ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ خَرَّجَ قَوْلَهُ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: (وهم بِها) وسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ في مَنعِ تَقْدِيمِ جَوابِ الشَّرْطِ.
﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِالمَوْعُودِ الَّذِي وُعِدْنا في الدُّنْيا قَضَوْا بِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ قَضاءٍ ومُشاهَدَةٍ بِالحِسِّ، وكانُوا في الدُّنْيا يَقْضُونَ بِذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وقَعَ المَوْعُودُ بِهِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ الوَعْدُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَكانَ لَنا لُطْفًا وتَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِداءِ فاهْتَدَيْنا يَقُولُونَ ذَلِكَ سُرُورًا واغْتِباطًا بِما نالُوا وتَلَذُّذًا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ لا تَقَرُّبًا وتَعَبُّدًا كَما تَرى، مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ ذَلِكَ ولا يَتَمالَكُ أنْ يَقُولَهُ لِلْفَرَحِ لا لِلْقُرْبَةِ.
﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ (p-٣٠٠)أنْ يَكُونَ النِّداءُ مِنَ اللَّهِ وهو أسَرُّ لِقُلُوبِهِمْ وأرْفَعُ لِقَدْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: ﴿ونُودُوا﴾ بِأنَّهُ ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُحْذَفُ إذا خُفِّفَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً لِوُجُودِ شَرْطِها، وهُما أنْ يَكُونَ قَبْلَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ وبَعْدَها جُمْلَةٌ وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿تِلْكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى غائِبَةٍ فَإمّا لِأنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فالإشارَةُ إلى تِلْكَ، أيْ: (تِلْكُمُ) هَذِهِ (الجَنَّةُ) وحُذِفَتْ هَذِهِ، وإمّا قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها، وإمّا بَعْدَ الدُّخُولِ وهم مُجْتَمِعُونَ في مَوْضِعٍ مِنها فَكُلٌّ غائِبٌ عَنْ مَنزِلِهِ. انْتَهى. وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ و”تِلْكُمُ“ إشارَةٌ إلى غائِبٍ، وإنَّما قالَ هُنا ”تِلْكُمُ“؛ لِأنَّهم وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فَلِأجْلِ الوَعْدِ جَرى الخِطابُ بِكَلِمَةِ العَهْدِ، «وقَوْلُهُ ﷺ لِلصِّدِّيقِ في الِاسْتِخْبارِ عَنْ عائِشَةَ كَيْفَ تِيكم لِلْعَهْدِ السّابِقِ» . انْتَهى. والجَنَّةُ جَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِتِلْكم و﴿أُورِثْتُمُوها﴾ حالٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] . قالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِن (الجَنَّةُ) والعامِلُ فِيها ما في تِلْكَ مِن مَعْنى الإشارَةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن تِلْكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ ولِكَوْنِ المُبْتَدَأِ لا يَعْمَلُ في الحالِ. انْتَهى. وفي العامِلِ في الحالِ في مِثْلِ هَذا زَيْدٌ قائِمًا خِلافٌ في النَّحْوِ، وأنْ يَكُونَ نَعْتًا وبَدَلًا، ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ الخَبَرُ، أدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ الثّاءَ في التّاءِ وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ، ومَعْنى ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ صُيِّرَتْ لَكم كالإرْثِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى أُورِثْتُمُوها عَنْ آبائِكم؛ لِأنَّها كانَتْ مَنازِلَهم لَوْ آمَنُوا فَحُرِمُوها بِكُفْرِهِمْ، وبُعْدُهُ أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ ولَمْ تَكُنْ آباؤُهم كُلُّهم كُفّارًا والباءُ في (بِما) لِلسَّبَبِ المَجازِيِّ، والأعْمالُ أمارَةٌ مِنَ اللَّهِ ودَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الرَّجاءِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ إنَّما هو بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللَّهِ، والقَسْمُ فِيها عَلى قَدْرِ العَمَلِ، ولَفْظُ ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ مُشِيرٌ إلى الأقْسامِ ولَيْسَ ذَلِكَ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِسَبَبِ أعْمالِكم لا بِالتَّفَضُّلِ كَما تَقُولُ المُبْطِلَةُ. انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» .
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ . عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذا النِّداءُ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ عَلى مَآلِ الفَرِيقَيْنِ وزِيادَةٌ في كُرَبِ أهْلِ النّارِ بِأنْ شُرِّفُوا عَلَيْهِمْ وبِخَلْقِ إدْراكِ أهْلِ النّارِ لِذَلِكَ النِّداءِ في أسْماعِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالُوا لَهم ذَلِكَ اغْتِباطًا بِحالِهِمْ وشَماتَةً بِأهْلِ النّارِ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، ولِيَكُونَ حِكايَتُهُ لُطْفًا لِمَن سَمِعَها وكَذَلِكَ قَوْلُ المُؤَذِّنِ بَيْنَهم أنْ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ، وهو مَلَكٌ يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى فَيُنادِي بَيْنَهم يُسْمِعُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، وأتى في إخْبارِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ما وعَدَنا﴾ بِذِكْرِ المَفْعُولِ وفي قِصَّةِ أهْلِ النّارِ ما وعَدَ ولَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ (وعَدَ)؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُسْتَبْشِرُونَ بِحُصُولِ مَوْعُودِهِمْ، فَذَكَرُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مُضافًا إلَيْهِمْ ولَمْ يَذْكُرُوا حِينَ سَألُوا أهْلَ الجَنَّةِ مُتَعَلِّقَ (وعَدَ) باسِمِ الخِطابِ فَيَقُولُوا: (ما وعَدَكم) لِيَشْمَلَ كُلَّ مَوْعُودٍ مِن عَذابِ أهْلِ النّارِ ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وتَكُونُ إجابَتُهم بِنَعَمْ تَصْدِيقًا لِجَمِيعِ ما وعَدَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ في الآخِرَةِ لِلصِّنْفَيْنِ ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا مِنهم بِحُصُولِ مَوْعُودِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَحَسَّرُوا عَلى ما فاتَهم مِن نَعِيمِهِمْ، إذْ نَعِيمُ أهْلِ الجَنَّةِ مِمّا يُخْزِيهِمْ ويَزِيدُ في عَذابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لِلْخِطابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ، والكِسائِيُّ (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مُخَفَّفَةً مِن أنَّ الثَّقِيلَةِ، وإذا ولِيَ المُخَفَّفَةَ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ غَيْرُ دُعاءٍ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَدْ في الأجْوَدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .
(p-٣٠١)﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾، أيْ: فَأعْلَمَ مُعْلِمٌ، قِيلَ: هو إسْرافِيلُ صاحِبُ الصُّورِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ يُسْمِعُ الفَرِيقَيْنِ تَفْرِيحًا وتَبْرِيحًا، وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ مُعَيَّنٌ، ودَخَلَ طاوُسٌ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: احْذَرْ يَوْمَ الأذانِ فَقالَ: وما يَوْمُ الأذانِ قالَ: يَوْمَ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ الآيَةَ فَصَعِقَ هِشامٌ فَقالَ طاوُسٌ: هَذا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ المُعايَنَةِ. وبَيْنَهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لـِ ”أذَّنَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَذِّنٍ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ والبَزِّيُّ (أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ) بِتَثْقِيلِ (أنَّ) ونَصْبِ (لَعْنَةَ)، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّثْقِيلِ ونَصْبِ (لَعْنَةَ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ أذَّنَ مَجْرى قالَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (أنْ) بِفْتَحِ الهَمْزَةِ خَفِيفَةَ النُّونِ، ورَفْعِ (لَعْنَةُ) عَلى الِابْتِداءِ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ و﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ، وهَذا الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ هو حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِهِمُ السّابِقِ، والمَعْنى: الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم وقْتَ الأذانِ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِهَذا الوَصْفِ، والمَعْنِيُّ بِالظُّلْمِ الكُفّارُ، ويَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ عامٌّ في الكافِرِ والفاسِقِ قَوْلُهُ أخِيرًا ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾؛ لِأنَّ الفاسِقَ لَيْسَ كافِرًا بِالآخِرَةِ، بَلْ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِها.
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾، أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وبِهَذا بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ وفُسِّرَ الحِجابُ بِأنَّهُ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويُقَوِّي أنَّهُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظُ بَيْنَهم إذْ هو ضَمِيرُ العُقَلاءِ، ولا يَحِيلُ ضَرْبُ السُّورِ بَعْدُ ما بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ في السَّماءِ، والنّارُ أسْفَلُ السّافِلِينَ.
﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾، أيْ: وعَلى أعْرافِ الحِجابِ وهو السُّورُ المَضْرُوبُ ﴿رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ مِن فَرِيقَيِ الجَنَّةِ والنّارِ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي مَيَّزَهُمُ اللَّهُ بِها مِنِ ابْيِضاضِ وُجُوهٍ واسْوِدادِ وُجُوهٍ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَلاماتِ، أوْ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ مَعْرِفَتَها، والأعْرافُ: تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ: هو أُحُدٌ مُمَثَّلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، رُوِيَ هَذا في حَدِيثٍ، وفي آخَرَ «إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ»، وقِيلَ: أعالِي السُّورِ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والرِّجالُ قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم وقَفُوا هُنالِكَ ما شاءَ اللَّهُ، لَمْ تَبْلُغْ حَسَناتُهم بِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ ولا سَيِّئاتُهم دُخُولَ النّارِ، ورُوِيَ في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ فِيهِ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ»، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أيْضًا: هم (p-٣٠٢)قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صَغائِرُهم إلى آخِرِ النّاسِ، وقِيلَ: غُزاةٌ جاهَدُوا مِن غَيْرِ إذْنِ والِدَيْهِمْ فَقُتِلُوا في المَعْرَكَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ أنَّهم حُبِسُوا عَنِ الجَنَّةِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ وأعْتَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّهم قُتِلُوا في سَبِيلِهِ، وقِيلَ: قَوْمٌ رَضِيَ عَنْهم آباؤُهم دُونَ أُمَّهاتِهِمْ، أوْ بِالعَكْسِ، وقِيلَ: هم أوْلادُ الزِّنا، وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الَّذِينَ كانُوا في الأسْرِ ولَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهم، وقِيلَ: عُلَماءٌ شَكُّوا في أرْزاقِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن آخِرِهِمْ دُخُولًا في الجَنَّةِ لِقُصُورِ أعْمالِهِمْ كَأنَّهُمُ المُرْجِئُونَ لِأمْرِ اللَّهِ يُحْبَسُونَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللّازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُّورِ، أوْ عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَتَأخَّرُ دُخُولُهم، ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ، ويَعْرِفُونَ كُلًّا بِعَلامَتِهِمْ وهي بَياضُ الوُجُوهِ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النّارِ. انْتَهى. والأقْوالُ السّابِقَةُ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ في التَّخْصِيصِ، والجَيِّدُ مِنها هو الأوَّلُ لِحَدِيثِ جابِرٍ ولِتَفْسِيرِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وهَذِهِ الأقْوالُ هي عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الأعْرافَ هو بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وفي شَعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:
؎وآخَرُونَ عَلى الأعْرافِ قَدْ طَمِعُوا في جَنَّةٍ حَفَّها الرُّمّانُ والخَضِرُ
وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ الصِّراطُ، وقِيلَ: مَوْضِعٌ عَلى الصِّراطِ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَبَلٌ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلاها واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في تَفْسِيرِ (رِجالٌ)، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: مَلائِكَةٌ في صُوَرِ رِجالٍ ذُكُورٍ وسُمُّوا رِجالًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: هم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ وعُلَماؤُهم، وقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ وقالَهُ الكِرْمانِيُّ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ: هو أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وقِيلَ: حَمْزَةُ والعَبّاسُ، وعَلِيٌّ، وجَعْفَرٌ الطَّيّارُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ.
﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ونادَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ عائِدٌ عَلى الرِّجالِ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ، وعَلى هَذا لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الضَّمائِرُ لِلْأنْبِياءِ ولا لِشَيْءٍ مِمّا فُسِّرَ بِهِ أنَّهم عَلى جَبَلٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلى الجَنَّةِ، وفي غايَةِ البُعْدِ ما تُئُوِّلَ مِن ذَلِكَ لِيَصِحَّ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأقْوالِ أنَّهم أُجْلِسُوا عَلى تِلْكَ الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشاهِدُوا أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ فَيَلْحَقُهُمُ السُّرُورُ بِتِلْكَ الأحْوالِ، ثُمَّ إذا اسْتَقَرَّ الفَرِيقانِ نُقِلُوا إلى أمْكِنَتِهِمُ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ، فَمَعْنى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ لَمْ يَدْخُلُوا مَنازِلَهُمُ المُعَدَّةَ لَهم فِيها، ومَعْنى ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَتَيَقَّنُونَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الزُّلْفى، وقَدْ جاءَ الطَّمَعُ بِمَعْنى اليَقِينِ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وطَمَعُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقِينٌ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وإنِّي لَأطْمَعُ أنَّ الإلَهَ ∗∗∗ قَدِيرٌ بِحُسْنِ يَقِينِي يَقِينِي
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأعْرافَ جَبَلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ القاضِي والجُبّائِيُّ وقالا: هو فاسِدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِدُخُولِها وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ أقْوامٍ لا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِمَحْضِ الفَضْلِ لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ، ولِأنَّ كَوْنَهم مِن أهْلِ الأعْرافِ يَدُلُّ عَلى مَيْزِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ القِيامَةِ فَإنَّ إجْلاسَهم عَلى الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ العالِيَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالأشْرافِ ومَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ دَرَجَتُهُ قاصِرَةٌ لا يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ونُودُوا خِطابٌ مَعَ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ، وعَنِ الثّانِي أجْلَسَهم (p-٣٠٣)لا لِلتَّشْرِيفِ، بَلْ لِأنَّها كالمَرْتَبَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ و﴿أنْ سَلامٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً ومُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولَمْ يَدْخُلُوها حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: ناداهم وهم في هَذِهِ الحالِ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ، وهم يَطْمَعُونَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، أيْ: نادَوْا أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرَ داخِلِيها، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم طامِعُونَ في دُخُولِها قالَ مَعْناهُ أبُو البَقاءِ، وقِيلَ: المَعْنى ونادى أصْحابُ الأعْرافِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ وهم قَدْ دَخَلُوا الجَنَّةَ، وأهْلُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ”ونادَوُا“ العائِدِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ فَقَطْ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ، وهَذا هو الأظْهَرُ والألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لِأنَّ النُّورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ طُفِئَ نُورُ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ، وقِيلَ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ﴿يَدْخُلُوها﴾، والمَعْنى: لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ لَها، بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ، لَكِنْ عَمَّهم عَفْوُ اللَّهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ قُلْتُ: لا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ لَهُ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ اسْتَأْخَرَ عَنْ دُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ فَلَمْ يَدْخُلُوها لِكَوْنِهِمْ مَحْبُوسِينَ، وهم يَطْمَعُونَ لَمْ يَيْأسُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَقَعَ صِفَةً. انْتَهى. وهَذا تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِجُمْلَةِ ونادَوْا ولَيْسَتْ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، وقَرَأ ابْنُ النَّحْوِيِّ وهم طامِعُونَ، وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ وهم ساخِطُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وإذا قُلِّبَتْ أبْصارُهم، والضَّمِيرُ في أبْصارِهِمْ عائِدٌ عَلى رِجالِ الأعْرافِ يُسَلِّمُونَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وإذا نَظَرُوا إلى أهْلِ النّارِ دَعَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّصِ مِنها. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿صُرِفَتْ﴾ دَلِيلٌ أنَّ أكْثَرَ أحْوالِهِمُ النَّظَرُ إلى تِلْقاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ، وأنَّ نَظَرَهم إلى أصْحابِ النّارِ هو بِكَوْنِهِمْ صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَهم، فَلَيْسَ الصَّرْفُ مِن قِبَلِهِمْ، بَلْ هم مَحْمُولُونَ عَلَيْهِ مَفْعُولٌ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُطَّلَعَ مَخُوفٌ مِن سَماعِهِ فَضْلًا عَنْ رُؤْيَتِهِ فَضَلًا عَنِ التَّلَبُّسِ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم إذا حُمِلُوا عَلى صَرْفِ أبْصارِهِمْ ورَأوْا ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ اسْتَغاثُوا بِرَبِّهِمْ مِن أنْ يَجْعَلَهم مَعَهم، ولَفْظَةُ (رَبَّنا) مُشْعِرَةٌ بِوَصْفِهِ تَعالى بِأنَّهُ مُصْلِحُهم وسَيِّدُهم وهم عَبِيدٌ، فَبِالدُّعاءِ بِهِ طَلَبُ رَحْمَتِهِ واسْتِعْطافُ كَرَمِهِ.
الأعراف 7:44
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ ولا لِما يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا يَصْعَدُ لَهم صالِحٌ فَتُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ لَهُ، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] . وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأرْواحِهِمْ، وذَكَرُوا في صُعُودِ الرُّوحَيْنِ إلى السَّماءِ والإذْنِ لِرُوحِ المُؤْمِنِ ورَدِّ رُوحِ الكافِرِ أحادِيثَ، وذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِما، وقِيلَ: المَعْنى ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ في القِيامَةِ لِيَدْخُلُوا مِنها إلى الجَنَّةِ، أيْ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ ولا يُغاثُونَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِالياءِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ مِن أعْلى والتَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ بِالثّاءِ مِن أعْلى مَفْتُوحَةً والتَّشْدِيدِ.
﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ هَذا نَفْيٌ مُغَيًّا بِمُسْتَحِيلٍ. والوُلُوجُ: التَّقَحُّمُ في الشَّيْءِ، وذَكَرَ الجَمَلَ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ الحَيَوانِ المُزاوِلِ لِلْإنْسانِ جُثَّةً فَلا يَلِجُ إلّا في بابٍ واسِعٍ كَما قالَ، لَقَدْ عَظُمَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ، وقالَ: جِسْمُ الجِمالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ، وذَكَرَ ﴿سَمُّ الخِياطِ﴾؛ لِأنَّهُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في ضِيقِ المَسْلَكِ يُقالُ: أضْيَقُ مِن خَرْتِ الإبْرَةِ، وقِيلَ: لِلدَّلِيلِ خِرِّيتٌ لِاهْتِدائِهِ في المَضايِقِ تَشْبِيهًا بِإخْراتِ الإبْرَةِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو مِجْلَزٍ والشَّعْبِيُّ ومالِكُ بْنُ الشِّخِّيرِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (الجُمَّلُ) بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، وفُسِّرَ بِالقَلْسِ الغَلِيظِ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ، تُجْمَعُ حِبالٌ وتُفْتَلُ وتَصِيرُ حَبْلًا واحِدًا، وقِيلَ: هو الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القِنَّبِ، وقِيلَ: الحَبْلُ الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ في النَّخْلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ تَشْبِيهًا مِن أنْ يُشَبِّهَ بِالجَمَلِ يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ، والحَبْلُ يُناسِبُ الخَيْطَ الَّذِي يَسْلُكُ بِهِ في خُرْمِ الإبْرَةِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الَّذِي رَوى الجُمَّلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ أعْجَمِيًّا فَشَدَّدَ الجِيمَ لِعُجْمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ. انْتَهى. ولِكَثْرَةِ القُرّاءِ بِها غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ وسالِمٍ الأفْطَسِ بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ: الجُمْلُ، وقَرَأ المُتَوَكِّلُ، وأبُو الجَوْزاءِ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ، ومَعْناهُ في هَذِهِ القِراءاتِ القَلْسُ الغَلِيظُ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿الجَمَلُ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ والمِيمِ أوْقَعُ؛ لِأنَّ سَمَّ الإبْرَةِ يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في الضِّيقِ والجَمَلُ وهو هَذا الحَيَوانُ المَعْرُوفُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في عِظَمِ الجُثَّةِ كَما ذَكَرْنا، وسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ زَوْجُ النّاقَةِ وذَلِكَ مِنهُ اسْتِجْهالٌ لِلسّائِلِ ومَنعٌ مِنهُ أنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ مَعْنًى آخَرَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ وطَلْحَةُ بِضَمِّ سِينِ ﴿سَمِّ﴾، وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الحَوْفِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ السِّينِ ”سِمِّ“، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ (p-٢٩٨)المِخْيَطُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بِفَتْحِ المِيمِ.
﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي أهْلَ الجَرائِمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُؤْذِنَ أنَّ الإجْرامَ هو السَّبَبُ المُوصِلُ، وأنَّ كُلَّ مَن أجْرَمَ عُوقِبَ، ثُمَّ كَرَّرَهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾؛ لِأنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ مِن كُلِّ جانِبٍ كَما قالَ لَهم ﴿مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] والغَواشِي جَمْعُ غاشِيَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: هي اللُّحُفُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَغْشاهُمُ الدُّخانُ مِن فَوْقِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: غاشِيَةٌ مِنَ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المِهادُ الفُرُشُ، والغَواشِي اللُّحُفُ والتَّنْوِينُ في ﴿غَواشٍ﴾ تَنْوِينُ صَرْفٍ، أوْ تَنْوِينُ عِوَضٍ قَوْلانِ، وتَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الياءِ، أوْ مِنَ الحَرَكَةِ قَوْلانِ كُلُّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقُرِئَ ”غَواشٌ“ بِالرَّفْعِ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَهُ الجَوارِ المُنشَآتُ) .
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ بِوَعِيدِ الكُفّارِ أخْبَرَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، وخَبَرُ و(الَّذِينَ) الجُمْلَةُ مِن ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ مِنهم، أوِ الجُمْلَةُ مِن (أُولَئِكَ) وما بَعْدَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لا نُكَلِّفُ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وفائِدَتُهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ و﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ وسِعَهم وغَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَجالِها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ، وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا في نَفَقاتِ الزَّوْجاتِ إلّا ما وجَدَ وتَمَكَّنَ مِنهُ دُونَ ما لا تَنالُهُ يَدُهُ ولَمْ يَرِدْ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ قَبْلَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧] . انْتَهى. ولَيْسَ السِّياقُ يَقْتَضِي ما ذُكِرَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما لا يَكْتَنِهُهُ وصْفُ الواصِفِ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ مَعَ العَظِيمِ بِما هو مِنَ الواسِعِ وهو الإمْكانُ الواسِعُ غَيْرُ الضَّيِّقِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾، أيْ: أذْهَبْنا في الجَنَّةِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الحُقُودِ. وقِيلَ: نَزْعُ الغِلِّ في الجَنَّةِ أنْ لا يَحْسُدَ بَعْضُهم بَعْضًا في تَفاضُلِ مَنازِلِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الأهْواءُ والبِدَعُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: فِينا واللَّهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ. وعَنْهُ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا﴾ الآيَةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النَّزْعَ لِلْغِلِّ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِهِمْ في الآخِرَةِ سالِمِي القُلُوبِ طاهِرِيها مُتَوادِّينَ مُتَعاطِفِينَ، كَما قالَ: إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. وتَجْرِي حالٌ. قالَهُ الحَوْفِيُّ قالَ: والعامِلُ فِيهِ نَزَعْنا، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ تَجْرِي لَيْسَ مِن صِفاتِ الفاعِلِ الَّذِي هو ضَمِيرُ نَزَعْنا ولا صِفاتِ المَفْعُولِ الَّذِي (p-٢٩٩)هُوَ ما في صُدُورِهِمْ، ولِأنَّ مَعْنى الإضافَةِ لا يَعْمَلُ إلّا إذا كانَتْ إضافَةً يُمْكِنُ لِلْمُضافِ أنْ يَعْمَلَ إذا جُرِّدَ مِنَ الإضافَةِ رَفْعًا، أوْ نَصْبًا فِيما بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنْ صِفَةِ حالِهِمْ.
﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾، أيْ: وفَّقَنا لِتَحْصِيلِ هَذا النَّعِيمِ الَّذِي صِرْنا إلَيْهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ إذْ هو نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِها حَمْدُهُ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعالى، وقِيلَ: الهِدايَةُ هُنا هو الإرْشادُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ ومَنازِلِهِمْ فِيها وفي الحَدِيثِ: «إنَّ أحَدَهم أهْدى إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ مِن مَنزِلِهِ في الدُّنْيا»، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَذا إلى العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي هَذا جَزاؤُهُ، وقِيلَ: إلى الإيمانِ الَّذِي تَأهَّلُوا بِهِ لِهَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وفَّقَنا لِمُوجِبِ هَذا الفَوْزِ العَظِيمِ وهو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. انْتَهى. وفي لَفْظَةِ (واجِبٌ والعَمَلُ الصّالِحُ) دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ مَعْنى هَدانا اللَّهُ: أعْطانا القُدْرَةَ وضَمَّ إلَيْها الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وصَيَّرَ مَجْمُوعَهُما لِحُصُولِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: التَّحْمِيدُ إنَّما وقَعَ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العَقْلَ ووَضَعَ الدَّلائِلَ وأزالَ المَوانِعَ. انْتَهى. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى مُنادٍ إنَّ لَكم أنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَنْعَمُوا فَلا تَيْأسُوا أبَدًا فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾» .
﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: وما كانَتْ تُوجِدُ مِنّا أنْفُسُنا وحْدَها الهِدايَةَ لَوْلا أنَّ اللَّهَ هَدانا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُوَضِّحُ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الهِدايَةِ فِيهِمْ، وأنَّهم لَوْ خُلُّوا وأنْفُسَهم لَمْ تَكُنْ مِنهم هِدايَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ يَسْتَقِيمُ أنْ نَكُونَ مُهْتَدِينَ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقُهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: والواوُ لِلْحالِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. انْتَهى. والثّانِي أظْهَرُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ما كُنّا. بِغَيْرِ واوٍ وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ وهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلْأُولى ومَن أجازَ فِيها الحالَ مَعَ الواوِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيزَها دُونَها، والَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ العَرَبِيَّةِ أنَّ جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ، أوْ لَضَلَلْنا؛ لِأنَّ لَوْلا لِلتَّعْلِيقِ فَهي في ذَلِكَ كَأدَواتِ الشَّرْطِ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ خَرَّجَ قَوْلَهُ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: (وهم بِها) وسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ في مَنعِ تَقْدِيمِ جَوابِ الشَّرْطِ.
﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِالمَوْعُودِ الَّذِي وُعِدْنا في الدُّنْيا قَضَوْا بِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ قَضاءٍ ومُشاهَدَةٍ بِالحِسِّ، وكانُوا في الدُّنْيا يَقْضُونَ بِذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وقَعَ المَوْعُودُ بِهِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ الوَعْدُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَكانَ لَنا لُطْفًا وتَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِداءِ فاهْتَدَيْنا يَقُولُونَ ذَلِكَ سُرُورًا واغْتِباطًا بِما نالُوا وتَلَذُّذًا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ لا تَقَرُّبًا وتَعَبُّدًا كَما تَرى، مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ ذَلِكَ ولا يَتَمالَكُ أنْ يَقُولَهُ لِلْفَرَحِ لا لِلْقُرْبَةِ.
﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ (p-٣٠٠)أنْ يَكُونَ النِّداءُ مِنَ اللَّهِ وهو أسَرُّ لِقُلُوبِهِمْ وأرْفَعُ لِقَدْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: ﴿ونُودُوا﴾ بِأنَّهُ ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُحْذَفُ إذا خُفِّفَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً لِوُجُودِ شَرْطِها، وهُما أنْ يَكُونَ قَبْلَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ وبَعْدَها جُمْلَةٌ وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿تِلْكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى غائِبَةٍ فَإمّا لِأنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فالإشارَةُ إلى تِلْكَ، أيْ: (تِلْكُمُ) هَذِهِ (الجَنَّةُ) وحُذِفَتْ هَذِهِ، وإمّا قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها، وإمّا بَعْدَ الدُّخُولِ وهم مُجْتَمِعُونَ في مَوْضِعٍ مِنها فَكُلٌّ غائِبٌ عَنْ مَنزِلِهِ. انْتَهى. وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ و”تِلْكُمُ“ إشارَةٌ إلى غائِبٍ، وإنَّما قالَ هُنا ”تِلْكُمُ“؛ لِأنَّهم وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فَلِأجْلِ الوَعْدِ جَرى الخِطابُ بِكَلِمَةِ العَهْدِ، «وقَوْلُهُ ﷺ لِلصِّدِّيقِ في الِاسْتِخْبارِ عَنْ عائِشَةَ كَيْفَ تِيكم لِلْعَهْدِ السّابِقِ» . انْتَهى. والجَنَّةُ جَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِتِلْكم و﴿أُورِثْتُمُوها﴾ حالٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] . قالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِن (الجَنَّةُ) والعامِلُ فِيها ما في تِلْكَ مِن مَعْنى الإشارَةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن تِلْكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ ولِكَوْنِ المُبْتَدَأِ لا يَعْمَلُ في الحالِ. انْتَهى. وفي العامِلِ في الحالِ في مِثْلِ هَذا زَيْدٌ قائِمًا خِلافٌ في النَّحْوِ، وأنْ يَكُونَ نَعْتًا وبَدَلًا، ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ الخَبَرُ، أدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ الثّاءَ في التّاءِ وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ، ومَعْنى ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ صُيِّرَتْ لَكم كالإرْثِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى أُورِثْتُمُوها عَنْ آبائِكم؛ لِأنَّها كانَتْ مَنازِلَهم لَوْ آمَنُوا فَحُرِمُوها بِكُفْرِهِمْ، وبُعْدُهُ أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ ولَمْ تَكُنْ آباؤُهم كُلُّهم كُفّارًا والباءُ في (بِما) لِلسَّبَبِ المَجازِيِّ، والأعْمالُ أمارَةٌ مِنَ اللَّهِ ودَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الرَّجاءِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ إنَّما هو بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللَّهِ، والقَسْمُ فِيها عَلى قَدْرِ العَمَلِ، ولَفْظُ ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ مُشِيرٌ إلى الأقْسامِ ولَيْسَ ذَلِكَ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِسَبَبِ أعْمالِكم لا بِالتَّفَضُّلِ كَما تَقُولُ المُبْطِلَةُ. انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» .
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ . عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذا النِّداءُ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ عَلى مَآلِ الفَرِيقَيْنِ وزِيادَةٌ في كُرَبِ أهْلِ النّارِ بِأنْ شُرِّفُوا عَلَيْهِمْ وبِخَلْقِ إدْراكِ أهْلِ النّارِ لِذَلِكَ النِّداءِ في أسْماعِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالُوا لَهم ذَلِكَ اغْتِباطًا بِحالِهِمْ وشَماتَةً بِأهْلِ النّارِ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، ولِيَكُونَ حِكايَتُهُ لُطْفًا لِمَن سَمِعَها وكَذَلِكَ قَوْلُ المُؤَذِّنِ بَيْنَهم أنْ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ، وهو مَلَكٌ يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى فَيُنادِي بَيْنَهم يُسْمِعُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، وأتى في إخْبارِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ما وعَدَنا﴾ بِذِكْرِ المَفْعُولِ وفي قِصَّةِ أهْلِ النّارِ ما وعَدَ ولَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ (وعَدَ)؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُسْتَبْشِرُونَ بِحُصُولِ مَوْعُودِهِمْ، فَذَكَرُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مُضافًا إلَيْهِمْ ولَمْ يَذْكُرُوا حِينَ سَألُوا أهْلَ الجَنَّةِ مُتَعَلِّقَ (وعَدَ) باسِمِ الخِطابِ فَيَقُولُوا: (ما وعَدَكم) لِيَشْمَلَ كُلَّ مَوْعُودٍ مِن عَذابِ أهْلِ النّارِ ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وتَكُونُ إجابَتُهم بِنَعَمْ تَصْدِيقًا لِجَمِيعِ ما وعَدَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ في الآخِرَةِ لِلصِّنْفَيْنِ ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا مِنهم بِحُصُولِ مَوْعُودِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَحَسَّرُوا عَلى ما فاتَهم مِن نَعِيمِهِمْ، إذْ نَعِيمُ أهْلِ الجَنَّةِ مِمّا يُخْزِيهِمْ ويَزِيدُ في عَذابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لِلْخِطابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ، والكِسائِيُّ (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مُخَفَّفَةً مِن أنَّ الثَّقِيلَةِ، وإذا ولِيَ المُخَفَّفَةَ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ غَيْرُ دُعاءٍ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَدْ في الأجْوَدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .
(p-٣٠١)﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾، أيْ: فَأعْلَمَ مُعْلِمٌ، قِيلَ: هو إسْرافِيلُ صاحِبُ الصُّورِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ يُسْمِعُ الفَرِيقَيْنِ تَفْرِيحًا وتَبْرِيحًا، وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ مُعَيَّنٌ، ودَخَلَ طاوُسٌ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: احْذَرْ يَوْمَ الأذانِ فَقالَ: وما يَوْمُ الأذانِ قالَ: يَوْمَ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ الآيَةَ فَصَعِقَ هِشامٌ فَقالَ طاوُسٌ: هَذا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ المُعايَنَةِ. وبَيْنَهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لـِ ”أذَّنَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَذِّنٍ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ والبَزِّيُّ (أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ) بِتَثْقِيلِ (أنَّ) ونَصْبِ (لَعْنَةَ)، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّثْقِيلِ ونَصْبِ (لَعْنَةَ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ أذَّنَ مَجْرى قالَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (أنْ) بِفْتَحِ الهَمْزَةِ خَفِيفَةَ النُّونِ، ورَفْعِ (لَعْنَةُ) عَلى الِابْتِداءِ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ و﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ، وهَذا الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ هو حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِهِمُ السّابِقِ، والمَعْنى: الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم وقْتَ الأذانِ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِهَذا الوَصْفِ، والمَعْنِيُّ بِالظُّلْمِ الكُفّارُ، ويَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ عامٌّ في الكافِرِ والفاسِقِ قَوْلُهُ أخِيرًا ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾؛ لِأنَّ الفاسِقَ لَيْسَ كافِرًا بِالآخِرَةِ، بَلْ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِها.
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾، أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وبِهَذا بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ وفُسِّرَ الحِجابُ بِأنَّهُ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويُقَوِّي أنَّهُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظُ بَيْنَهم إذْ هو ضَمِيرُ العُقَلاءِ، ولا يَحِيلُ ضَرْبُ السُّورِ بَعْدُ ما بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ في السَّماءِ، والنّارُ أسْفَلُ السّافِلِينَ.
﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾، أيْ: وعَلى أعْرافِ الحِجابِ وهو السُّورُ المَضْرُوبُ ﴿رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ مِن فَرِيقَيِ الجَنَّةِ والنّارِ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي مَيَّزَهُمُ اللَّهُ بِها مِنِ ابْيِضاضِ وُجُوهٍ واسْوِدادِ وُجُوهٍ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَلاماتِ، أوْ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ مَعْرِفَتَها، والأعْرافُ: تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ: هو أُحُدٌ مُمَثَّلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، رُوِيَ هَذا في حَدِيثٍ، وفي آخَرَ «إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ»، وقِيلَ: أعالِي السُّورِ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والرِّجالُ قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم وقَفُوا هُنالِكَ ما شاءَ اللَّهُ، لَمْ تَبْلُغْ حَسَناتُهم بِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ ولا سَيِّئاتُهم دُخُولَ النّارِ، ورُوِيَ في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ فِيهِ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ»، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أيْضًا: هم (p-٣٠٢)قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صَغائِرُهم إلى آخِرِ النّاسِ، وقِيلَ: غُزاةٌ جاهَدُوا مِن غَيْرِ إذْنِ والِدَيْهِمْ فَقُتِلُوا في المَعْرَكَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ أنَّهم حُبِسُوا عَنِ الجَنَّةِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ وأعْتَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّهم قُتِلُوا في سَبِيلِهِ، وقِيلَ: قَوْمٌ رَضِيَ عَنْهم آباؤُهم دُونَ أُمَّهاتِهِمْ، أوْ بِالعَكْسِ، وقِيلَ: هم أوْلادُ الزِّنا، وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الَّذِينَ كانُوا في الأسْرِ ولَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهم، وقِيلَ: عُلَماءٌ شَكُّوا في أرْزاقِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن آخِرِهِمْ دُخُولًا في الجَنَّةِ لِقُصُورِ أعْمالِهِمْ كَأنَّهُمُ المُرْجِئُونَ لِأمْرِ اللَّهِ يُحْبَسُونَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللّازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُّورِ، أوْ عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَتَأخَّرُ دُخُولُهم، ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ، ويَعْرِفُونَ كُلًّا بِعَلامَتِهِمْ وهي بَياضُ الوُجُوهِ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النّارِ. انْتَهى. والأقْوالُ السّابِقَةُ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ في التَّخْصِيصِ، والجَيِّدُ مِنها هو الأوَّلُ لِحَدِيثِ جابِرٍ ولِتَفْسِيرِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وهَذِهِ الأقْوالُ هي عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الأعْرافَ هو بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وفي شَعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:
؎وآخَرُونَ عَلى الأعْرافِ قَدْ طَمِعُوا في جَنَّةٍ حَفَّها الرُّمّانُ والخَضِرُ
وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ الصِّراطُ، وقِيلَ: مَوْضِعٌ عَلى الصِّراطِ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَبَلٌ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلاها واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في تَفْسِيرِ (رِجالٌ)، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: مَلائِكَةٌ في صُوَرِ رِجالٍ ذُكُورٍ وسُمُّوا رِجالًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: هم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ وعُلَماؤُهم، وقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ وقالَهُ الكِرْمانِيُّ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ: هو أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وقِيلَ: حَمْزَةُ والعَبّاسُ، وعَلِيٌّ، وجَعْفَرٌ الطَّيّارُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ.
﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ونادَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ عائِدٌ عَلى الرِّجالِ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ، وعَلى هَذا لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الضَّمائِرُ لِلْأنْبِياءِ ولا لِشَيْءٍ مِمّا فُسِّرَ بِهِ أنَّهم عَلى جَبَلٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلى الجَنَّةِ، وفي غايَةِ البُعْدِ ما تُئُوِّلَ مِن ذَلِكَ لِيَصِحَّ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأقْوالِ أنَّهم أُجْلِسُوا عَلى تِلْكَ الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشاهِدُوا أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ فَيَلْحَقُهُمُ السُّرُورُ بِتِلْكَ الأحْوالِ، ثُمَّ إذا اسْتَقَرَّ الفَرِيقانِ نُقِلُوا إلى أمْكِنَتِهِمُ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ، فَمَعْنى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ لَمْ يَدْخُلُوا مَنازِلَهُمُ المُعَدَّةَ لَهم فِيها، ومَعْنى ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَتَيَقَّنُونَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الزُّلْفى، وقَدْ جاءَ الطَّمَعُ بِمَعْنى اليَقِينِ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وطَمَعُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقِينٌ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وإنِّي لَأطْمَعُ أنَّ الإلَهَ ∗∗∗ قَدِيرٌ بِحُسْنِ يَقِينِي يَقِينِي
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأعْرافَ جَبَلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ القاضِي والجُبّائِيُّ وقالا: هو فاسِدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِدُخُولِها وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ أقْوامٍ لا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِمَحْضِ الفَضْلِ لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ، ولِأنَّ كَوْنَهم مِن أهْلِ الأعْرافِ يَدُلُّ عَلى مَيْزِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ القِيامَةِ فَإنَّ إجْلاسَهم عَلى الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ العالِيَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالأشْرافِ ومَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ دَرَجَتُهُ قاصِرَةٌ لا يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ونُودُوا خِطابٌ مَعَ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ، وعَنِ الثّانِي أجْلَسَهم (p-٣٠٣)لا لِلتَّشْرِيفِ، بَلْ لِأنَّها كالمَرْتَبَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ و﴿أنْ سَلامٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً ومُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولَمْ يَدْخُلُوها حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: ناداهم وهم في هَذِهِ الحالِ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ، وهم يَطْمَعُونَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، أيْ: نادَوْا أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرَ داخِلِيها، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم طامِعُونَ في دُخُولِها قالَ مَعْناهُ أبُو البَقاءِ، وقِيلَ: المَعْنى ونادى أصْحابُ الأعْرافِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ وهم قَدْ دَخَلُوا الجَنَّةَ، وأهْلُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ”ونادَوُا“ العائِدِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ فَقَطْ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ، وهَذا هو الأظْهَرُ والألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لِأنَّ النُّورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ طُفِئَ نُورُ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ، وقِيلَ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ﴿يَدْخُلُوها﴾، والمَعْنى: لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ لَها، بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ، لَكِنْ عَمَّهم عَفْوُ اللَّهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ قُلْتُ: لا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ لَهُ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ اسْتَأْخَرَ عَنْ دُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ فَلَمْ يَدْخُلُوها لِكَوْنِهِمْ مَحْبُوسِينَ، وهم يَطْمَعُونَ لَمْ يَيْأسُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَقَعَ صِفَةً. انْتَهى. وهَذا تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِجُمْلَةِ ونادَوْا ولَيْسَتْ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، وقَرَأ ابْنُ النَّحْوِيِّ وهم طامِعُونَ، وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ وهم ساخِطُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وإذا قُلِّبَتْ أبْصارُهم، والضَّمِيرُ في أبْصارِهِمْ عائِدٌ عَلى رِجالِ الأعْرافِ يُسَلِّمُونَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وإذا نَظَرُوا إلى أهْلِ النّارِ دَعَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّصِ مِنها. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿صُرِفَتْ﴾ دَلِيلٌ أنَّ أكْثَرَ أحْوالِهِمُ النَّظَرُ إلى تِلْقاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ، وأنَّ نَظَرَهم إلى أصْحابِ النّارِ هو بِكَوْنِهِمْ صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَهم، فَلَيْسَ الصَّرْفُ مِن قِبَلِهِمْ، بَلْ هم مَحْمُولُونَ عَلَيْهِ مَفْعُولٌ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُطَّلَعَ مَخُوفٌ مِن سَماعِهِ فَضْلًا عَنْ رُؤْيَتِهِ فَضَلًا عَنِ التَّلَبُّسِ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم إذا حُمِلُوا عَلى صَرْفِ أبْصارِهِمْ ورَأوْا ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ اسْتَغاثُوا بِرَبِّهِمْ مِن أنْ يَجْعَلَهم مَعَهم، ولَفْظَةُ (رَبَّنا) مُشْعِرَةٌ بِوَصْفِهِ تَعالى بِأنَّهُ مُصْلِحُهم وسَيِّدُهم وهم عَبِيدٌ، فَبِالدُّعاءِ بِهِ طَلَبُ رَحْمَتِهِ واسْتِعْطافُ كَرَمِهِ.
الأعراف 7:45
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ ولا لِما يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا يَصْعَدُ لَهم صالِحٌ فَتُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ لَهُ، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] . وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأرْواحِهِمْ، وذَكَرُوا في صُعُودِ الرُّوحَيْنِ إلى السَّماءِ والإذْنِ لِرُوحِ المُؤْمِنِ ورَدِّ رُوحِ الكافِرِ أحادِيثَ، وذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِما، وقِيلَ: المَعْنى ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ في القِيامَةِ لِيَدْخُلُوا مِنها إلى الجَنَّةِ، أيْ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ ولا يُغاثُونَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِالياءِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ مِن أعْلى والتَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ بِالثّاءِ مِن أعْلى مَفْتُوحَةً والتَّشْدِيدِ.
﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ هَذا نَفْيٌ مُغَيًّا بِمُسْتَحِيلٍ. والوُلُوجُ: التَّقَحُّمُ في الشَّيْءِ، وذَكَرَ الجَمَلَ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ الحَيَوانِ المُزاوِلِ لِلْإنْسانِ جُثَّةً فَلا يَلِجُ إلّا في بابٍ واسِعٍ كَما قالَ، لَقَدْ عَظُمَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ، وقالَ: جِسْمُ الجِمالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ، وذَكَرَ ﴿سَمُّ الخِياطِ﴾؛ لِأنَّهُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في ضِيقِ المَسْلَكِ يُقالُ: أضْيَقُ مِن خَرْتِ الإبْرَةِ، وقِيلَ: لِلدَّلِيلِ خِرِّيتٌ لِاهْتِدائِهِ في المَضايِقِ تَشْبِيهًا بِإخْراتِ الإبْرَةِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو مِجْلَزٍ والشَّعْبِيُّ ومالِكُ بْنُ الشِّخِّيرِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (الجُمَّلُ) بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، وفُسِّرَ بِالقَلْسِ الغَلِيظِ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ، تُجْمَعُ حِبالٌ وتُفْتَلُ وتَصِيرُ حَبْلًا واحِدًا، وقِيلَ: هو الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القِنَّبِ، وقِيلَ: الحَبْلُ الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ في النَّخْلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ تَشْبِيهًا مِن أنْ يُشَبِّهَ بِالجَمَلِ يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ، والحَبْلُ يُناسِبُ الخَيْطَ الَّذِي يَسْلُكُ بِهِ في خُرْمِ الإبْرَةِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الَّذِي رَوى الجُمَّلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ أعْجَمِيًّا فَشَدَّدَ الجِيمَ لِعُجْمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ. انْتَهى. ولِكَثْرَةِ القُرّاءِ بِها غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ وسالِمٍ الأفْطَسِ بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ: الجُمْلُ، وقَرَأ المُتَوَكِّلُ، وأبُو الجَوْزاءِ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ، ومَعْناهُ في هَذِهِ القِراءاتِ القَلْسُ الغَلِيظُ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿الجَمَلُ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ والمِيمِ أوْقَعُ؛ لِأنَّ سَمَّ الإبْرَةِ يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في الضِّيقِ والجَمَلُ وهو هَذا الحَيَوانُ المَعْرُوفُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في عِظَمِ الجُثَّةِ كَما ذَكَرْنا، وسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ زَوْجُ النّاقَةِ وذَلِكَ مِنهُ اسْتِجْهالٌ لِلسّائِلِ ومَنعٌ مِنهُ أنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ مَعْنًى آخَرَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ وطَلْحَةُ بِضَمِّ سِينِ ﴿سَمِّ﴾، وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الحَوْفِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ السِّينِ ”سِمِّ“، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ (p-٢٩٨)المِخْيَطُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بِفَتْحِ المِيمِ.
﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي أهْلَ الجَرائِمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُؤْذِنَ أنَّ الإجْرامَ هو السَّبَبُ المُوصِلُ، وأنَّ كُلَّ مَن أجْرَمَ عُوقِبَ، ثُمَّ كَرَّرَهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾؛ لِأنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ مِن كُلِّ جانِبٍ كَما قالَ لَهم ﴿مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] والغَواشِي جَمْعُ غاشِيَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: هي اللُّحُفُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَغْشاهُمُ الدُّخانُ مِن فَوْقِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: غاشِيَةٌ مِنَ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المِهادُ الفُرُشُ، والغَواشِي اللُّحُفُ والتَّنْوِينُ في ﴿غَواشٍ﴾ تَنْوِينُ صَرْفٍ، أوْ تَنْوِينُ عِوَضٍ قَوْلانِ، وتَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الياءِ، أوْ مِنَ الحَرَكَةِ قَوْلانِ كُلُّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقُرِئَ ”غَواشٌ“ بِالرَّفْعِ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَهُ الجَوارِ المُنشَآتُ) .
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ بِوَعِيدِ الكُفّارِ أخْبَرَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، وخَبَرُ و(الَّذِينَ) الجُمْلَةُ مِن ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ مِنهم، أوِ الجُمْلَةُ مِن (أُولَئِكَ) وما بَعْدَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لا نُكَلِّفُ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وفائِدَتُهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ و﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ وسِعَهم وغَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَجالِها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ، وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا في نَفَقاتِ الزَّوْجاتِ إلّا ما وجَدَ وتَمَكَّنَ مِنهُ دُونَ ما لا تَنالُهُ يَدُهُ ولَمْ يَرِدْ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ قَبْلَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧] . انْتَهى. ولَيْسَ السِّياقُ يَقْتَضِي ما ذُكِرَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما لا يَكْتَنِهُهُ وصْفُ الواصِفِ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ مَعَ العَظِيمِ بِما هو مِنَ الواسِعِ وهو الإمْكانُ الواسِعُ غَيْرُ الضَّيِّقِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾، أيْ: أذْهَبْنا في الجَنَّةِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الحُقُودِ. وقِيلَ: نَزْعُ الغِلِّ في الجَنَّةِ أنْ لا يَحْسُدَ بَعْضُهم بَعْضًا في تَفاضُلِ مَنازِلِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الأهْواءُ والبِدَعُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: فِينا واللَّهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ. وعَنْهُ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا﴾ الآيَةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النَّزْعَ لِلْغِلِّ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِهِمْ في الآخِرَةِ سالِمِي القُلُوبِ طاهِرِيها مُتَوادِّينَ مُتَعاطِفِينَ، كَما قالَ: إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. وتَجْرِي حالٌ. قالَهُ الحَوْفِيُّ قالَ: والعامِلُ فِيهِ نَزَعْنا، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ تَجْرِي لَيْسَ مِن صِفاتِ الفاعِلِ الَّذِي هو ضَمِيرُ نَزَعْنا ولا صِفاتِ المَفْعُولِ الَّذِي (p-٢٩٩)هُوَ ما في صُدُورِهِمْ، ولِأنَّ مَعْنى الإضافَةِ لا يَعْمَلُ إلّا إذا كانَتْ إضافَةً يُمْكِنُ لِلْمُضافِ أنْ يَعْمَلَ إذا جُرِّدَ مِنَ الإضافَةِ رَفْعًا، أوْ نَصْبًا فِيما بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنْ صِفَةِ حالِهِمْ.
﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾، أيْ: وفَّقَنا لِتَحْصِيلِ هَذا النَّعِيمِ الَّذِي صِرْنا إلَيْهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ إذْ هو نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِها حَمْدُهُ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعالى، وقِيلَ: الهِدايَةُ هُنا هو الإرْشادُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ ومَنازِلِهِمْ فِيها وفي الحَدِيثِ: «إنَّ أحَدَهم أهْدى إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ مِن مَنزِلِهِ في الدُّنْيا»، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَذا إلى العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي هَذا جَزاؤُهُ، وقِيلَ: إلى الإيمانِ الَّذِي تَأهَّلُوا بِهِ لِهَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وفَّقَنا لِمُوجِبِ هَذا الفَوْزِ العَظِيمِ وهو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. انْتَهى. وفي لَفْظَةِ (واجِبٌ والعَمَلُ الصّالِحُ) دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ مَعْنى هَدانا اللَّهُ: أعْطانا القُدْرَةَ وضَمَّ إلَيْها الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وصَيَّرَ مَجْمُوعَهُما لِحُصُولِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: التَّحْمِيدُ إنَّما وقَعَ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العَقْلَ ووَضَعَ الدَّلائِلَ وأزالَ المَوانِعَ. انْتَهى. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى مُنادٍ إنَّ لَكم أنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَنْعَمُوا فَلا تَيْأسُوا أبَدًا فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾» .
﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: وما كانَتْ تُوجِدُ مِنّا أنْفُسُنا وحْدَها الهِدايَةَ لَوْلا أنَّ اللَّهَ هَدانا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُوَضِّحُ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الهِدايَةِ فِيهِمْ، وأنَّهم لَوْ خُلُّوا وأنْفُسَهم لَمْ تَكُنْ مِنهم هِدايَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ يَسْتَقِيمُ أنْ نَكُونَ مُهْتَدِينَ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقُهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: والواوُ لِلْحالِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. انْتَهى. والثّانِي أظْهَرُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ما كُنّا. بِغَيْرِ واوٍ وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ وهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلْأُولى ومَن أجازَ فِيها الحالَ مَعَ الواوِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيزَها دُونَها، والَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ العَرَبِيَّةِ أنَّ جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ، أوْ لَضَلَلْنا؛ لِأنَّ لَوْلا لِلتَّعْلِيقِ فَهي في ذَلِكَ كَأدَواتِ الشَّرْطِ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ خَرَّجَ قَوْلَهُ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: (وهم بِها) وسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ في مَنعِ تَقْدِيمِ جَوابِ الشَّرْطِ.
﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِالمَوْعُودِ الَّذِي وُعِدْنا في الدُّنْيا قَضَوْا بِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ قَضاءٍ ومُشاهَدَةٍ بِالحِسِّ، وكانُوا في الدُّنْيا يَقْضُونَ بِذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وقَعَ المَوْعُودُ بِهِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ الوَعْدُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَكانَ لَنا لُطْفًا وتَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِداءِ فاهْتَدَيْنا يَقُولُونَ ذَلِكَ سُرُورًا واغْتِباطًا بِما نالُوا وتَلَذُّذًا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ لا تَقَرُّبًا وتَعَبُّدًا كَما تَرى، مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ ذَلِكَ ولا يَتَمالَكُ أنْ يَقُولَهُ لِلْفَرَحِ لا لِلْقُرْبَةِ.
﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ (p-٣٠٠)أنْ يَكُونَ النِّداءُ مِنَ اللَّهِ وهو أسَرُّ لِقُلُوبِهِمْ وأرْفَعُ لِقَدْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: ﴿ونُودُوا﴾ بِأنَّهُ ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُحْذَفُ إذا خُفِّفَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً لِوُجُودِ شَرْطِها، وهُما أنْ يَكُونَ قَبْلَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ وبَعْدَها جُمْلَةٌ وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿تِلْكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى غائِبَةٍ فَإمّا لِأنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فالإشارَةُ إلى تِلْكَ، أيْ: (تِلْكُمُ) هَذِهِ (الجَنَّةُ) وحُذِفَتْ هَذِهِ، وإمّا قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها، وإمّا بَعْدَ الدُّخُولِ وهم مُجْتَمِعُونَ في مَوْضِعٍ مِنها فَكُلٌّ غائِبٌ عَنْ مَنزِلِهِ. انْتَهى. وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ و”تِلْكُمُ“ إشارَةٌ إلى غائِبٍ، وإنَّما قالَ هُنا ”تِلْكُمُ“؛ لِأنَّهم وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فَلِأجْلِ الوَعْدِ جَرى الخِطابُ بِكَلِمَةِ العَهْدِ، «وقَوْلُهُ ﷺ لِلصِّدِّيقِ في الِاسْتِخْبارِ عَنْ عائِشَةَ كَيْفَ تِيكم لِلْعَهْدِ السّابِقِ» . انْتَهى. والجَنَّةُ جَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِتِلْكم و﴿أُورِثْتُمُوها﴾ حالٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] . قالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِن (الجَنَّةُ) والعامِلُ فِيها ما في تِلْكَ مِن مَعْنى الإشارَةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن تِلْكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ ولِكَوْنِ المُبْتَدَأِ لا يَعْمَلُ في الحالِ. انْتَهى. وفي العامِلِ في الحالِ في مِثْلِ هَذا زَيْدٌ قائِمًا خِلافٌ في النَّحْوِ، وأنْ يَكُونَ نَعْتًا وبَدَلًا، ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ الخَبَرُ، أدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ الثّاءَ في التّاءِ وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ، ومَعْنى ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ صُيِّرَتْ لَكم كالإرْثِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى أُورِثْتُمُوها عَنْ آبائِكم؛ لِأنَّها كانَتْ مَنازِلَهم لَوْ آمَنُوا فَحُرِمُوها بِكُفْرِهِمْ، وبُعْدُهُ أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ ولَمْ تَكُنْ آباؤُهم كُلُّهم كُفّارًا والباءُ في (بِما) لِلسَّبَبِ المَجازِيِّ، والأعْمالُ أمارَةٌ مِنَ اللَّهِ ودَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الرَّجاءِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ إنَّما هو بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللَّهِ، والقَسْمُ فِيها عَلى قَدْرِ العَمَلِ، ولَفْظُ ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ مُشِيرٌ إلى الأقْسامِ ولَيْسَ ذَلِكَ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِسَبَبِ أعْمالِكم لا بِالتَّفَضُّلِ كَما تَقُولُ المُبْطِلَةُ. انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» .
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ . عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذا النِّداءُ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ عَلى مَآلِ الفَرِيقَيْنِ وزِيادَةٌ في كُرَبِ أهْلِ النّارِ بِأنْ شُرِّفُوا عَلَيْهِمْ وبِخَلْقِ إدْراكِ أهْلِ النّارِ لِذَلِكَ النِّداءِ في أسْماعِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالُوا لَهم ذَلِكَ اغْتِباطًا بِحالِهِمْ وشَماتَةً بِأهْلِ النّارِ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، ولِيَكُونَ حِكايَتُهُ لُطْفًا لِمَن سَمِعَها وكَذَلِكَ قَوْلُ المُؤَذِّنِ بَيْنَهم أنْ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ، وهو مَلَكٌ يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى فَيُنادِي بَيْنَهم يُسْمِعُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، وأتى في إخْبارِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ما وعَدَنا﴾ بِذِكْرِ المَفْعُولِ وفي قِصَّةِ أهْلِ النّارِ ما وعَدَ ولَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ (وعَدَ)؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُسْتَبْشِرُونَ بِحُصُولِ مَوْعُودِهِمْ، فَذَكَرُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مُضافًا إلَيْهِمْ ولَمْ يَذْكُرُوا حِينَ سَألُوا أهْلَ الجَنَّةِ مُتَعَلِّقَ (وعَدَ) باسِمِ الخِطابِ فَيَقُولُوا: (ما وعَدَكم) لِيَشْمَلَ كُلَّ مَوْعُودٍ مِن عَذابِ أهْلِ النّارِ ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وتَكُونُ إجابَتُهم بِنَعَمْ تَصْدِيقًا لِجَمِيعِ ما وعَدَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ في الآخِرَةِ لِلصِّنْفَيْنِ ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا مِنهم بِحُصُولِ مَوْعُودِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَحَسَّرُوا عَلى ما فاتَهم مِن نَعِيمِهِمْ، إذْ نَعِيمُ أهْلِ الجَنَّةِ مِمّا يُخْزِيهِمْ ويَزِيدُ في عَذابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لِلْخِطابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ، والكِسائِيُّ (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مُخَفَّفَةً مِن أنَّ الثَّقِيلَةِ، وإذا ولِيَ المُخَفَّفَةَ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ غَيْرُ دُعاءٍ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَدْ في الأجْوَدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .
(p-٣٠١)﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾، أيْ: فَأعْلَمَ مُعْلِمٌ، قِيلَ: هو إسْرافِيلُ صاحِبُ الصُّورِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ يُسْمِعُ الفَرِيقَيْنِ تَفْرِيحًا وتَبْرِيحًا، وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ مُعَيَّنٌ، ودَخَلَ طاوُسٌ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: احْذَرْ يَوْمَ الأذانِ فَقالَ: وما يَوْمُ الأذانِ قالَ: يَوْمَ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ الآيَةَ فَصَعِقَ هِشامٌ فَقالَ طاوُسٌ: هَذا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ المُعايَنَةِ. وبَيْنَهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لـِ ”أذَّنَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَذِّنٍ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ والبَزِّيُّ (أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ) بِتَثْقِيلِ (أنَّ) ونَصْبِ (لَعْنَةَ)، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّثْقِيلِ ونَصْبِ (لَعْنَةَ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ أذَّنَ مَجْرى قالَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (أنْ) بِفْتَحِ الهَمْزَةِ خَفِيفَةَ النُّونِ، ورَفْعِ (لَعْنَةُ) عَلى الِابْتِداءِ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ و﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ، وهَذا الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ هو حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِهِمُ السّابِقِ، والمَعْنى: الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم وقْتَ الأذانِ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِهَذا الوَصْفِ، والمَعْنِيُّ بِالظُّلْمِ الكُفّارُ، ويَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ عامٌّ في الكافِرِ والفاسِقِ قَوْلُهُ أخِيرًا ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾؛ لِأنَّ الفاسِقَ لَيْسَ كافِرًا بِالآخِرَةِ، بَلْ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِها.
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾، أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وبِهَذا بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ وفُسِّرَ الحِجابُ بِأنَّهُ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويُقَوِّي أنَّهُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظُ بَيْنَهم إذْ هو ضَمِيرُ العُقَلاءِ، ولا يَحِيلُ ضَرْبُ السُّورِ بَعْدُ ما بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ في السَّماءِ، والنّارُ أسْفَلُ السّافِلِينَ.
﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾، أيْ: وعَلى أعْرافِ الحِجابِ وهو السُّورُ المَضْرُوبُ ﴿رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ مِن فَرِيقَيِ الجَنَّةِ والنّارِ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي مَيَّزَهُمُ اللَّهُ بِها مِنِ ابْيِضاضِ وُجُوهٍ واسْوِدادِ وُجُوهٍ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَلاماتِ، أوْ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ مَعْرِفَتَها، والأعْرافُ: تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ: هو أُحُدٌ مُمَثَّلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، رُوِيَ هَذا في حَدِيثٍ، وفي آخَرَ «إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ»، وقِيلَ: أعالِي السُّورِ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والرِّجالُ قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم وقَفُوا هُنالِكَ ما شاءَ اللَّهُ، لَمْ تَبْلُغْ حَسَناتُهم بِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ ولا سَيِّئاتُهم دُخُولَ النّارِ، ورُوِيَ في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ فِيهِ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ»، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أيْضًا: هم (p-٣٠٢)قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صَغائِرُهم إلى آخِرِ النّاسِ، وقِيلَ: غُزاةٌ جاهَدُوا مِن غَيْرِ إذْنِ والِدَيْهِمْ فَقُتِلُوا في المَعْرَكَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ أنَّهم حُبِسُوا عَنِ الجَنَّةِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ وأعْتَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّهم قُتِلُوا في سَبِيلِهِ، وقِيلَ: قَوْمٌ رَضِيَ عَنْهم آباؤُهم دُونَ أُمَّهاتِهِمْ، أوْ بِالعَكْسِ، وقِيلَ: هم أوْلادُ الزِّنا، وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الَّذِينَ كانُوا في الأسْرِ ولَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهم، وقِيلَ: عُلَماءٌ شَكُّوا في أرْزاقِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن آخِرِهِمْ دُخُولًا في الجَنَّةِ لِقُصُورِ أعْمالِهِمْ كَأنَّهُمُ المُرْجِئُونَ لِأمْرِ اللَّهِ يُحْبَسُونَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللّازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُّورِ، أوْ عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَتَأخَّرُ دُخُولُهم، ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ، ويَعْرِفُونَ كُلًّا بِعَلامَتِهِمْ وهي بَياضُ الوُجُوهِ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النّارِ. انْتَهى. والأقْوالُ السّابِقَةُ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ في التَّخْصِيصِ، والجَيِّدُ مِنها هو الأوَّلُ لِحَدِيثِ جابِرٍ ولِتَفْسِيرِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وهَذِهِ الأقْوالُ هي عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الأعْرافَ هو بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وفي شَعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:
؎وآخَرُونَ عَلى الأعْرافِ قَدْ طَمِعُوا في جَنَّةٍ حَفَّها الرُّمّانُ والخَضِرُ
وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ الصِّراطُ، وقِيلَ: مَوْضِعٌ عَلى الصِّراطِ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَبَلٌ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلاها واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في تَفْسِيرِ (رِجالٌ)، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: مَلائِكَةٌ في صُوَرِ رِجالٍ ذُكُورٍ وسُمُّوا رِجالًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: هم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ وعُلَماؤُهم، وقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ وقالَهُ الكِرْمانِيُّ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ: هو أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وقِيلَ: حَمْزَةُ والعَبّاسُ، وعَلِيٌّ، وجَعْفَرٌ الطَّيّارُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ.
﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ونادَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ عائِدٌ عَلى الرِّجالِ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ، وعَلى هَذا لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الضَّمائِرُ لِلْأنْبِياءِ ولا لِشَيْءٍ مِمّا فُسِّرَ بِهِ أنَّهم عَلى جَبَلٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلى الجَنَّةِ، وفي غايَةِ البُعْدِ ما تُئُوِّلَ مِن ذَلِكَ لِيَصِحَّ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأقْوالِ أنَّهم أُجْلِسُوا عَلى تِلْكَ الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشاهِدُوا أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ فَيَلْحَقُهُمُ السُّرُورُ بِتِلْكَ الأحْوالِ، ثُمَّ إذا اسْتَقَرَّ الفَرِيقانِ نُقِلُوا إلى أمْكِنَتِهِمُ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ، فَمَعْنى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ لَمْ يَدْخُلُوا مَنازِلَهُمُ المُعَدَّةَ لَهم فِيها، ومَعْنى ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَتَيَقَّنُونَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الزُّلْفى، وقَدْ جاءَ الطَّمَعُ بِمَعْنى اليَقِينِ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وطَمَعُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقِينٌ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وإنِّي لَأطْمَعُ أنَّ الإلَهَ ∗∗∗ قَدِيرٌ بِحُسْنِ يَقِينِي يَقِينِي
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأعْرافَ جَبَلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ القاضِي والجُبّائِيُّ وقالا: هو فاسِدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِدُخُولِها وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ أقْوامٍ لا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِمَحْضِ الفَضْلِ لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ، ولِأنَّ كَوْنَهم مِن أهْلِ الأعْرافِ يَدُلُّ عَلى مَيْزِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ القِيامَةِ فَإنَّ إجْلاسَهم عَلى الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ العالِيَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالأشْرافِ ومَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ دَرَجَتُهُ قاصِرَةٌ لا يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ونُودُوا خِطابٌ مَعَ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ، وعَنِ الثّانِي أجْلَسَهم (p-٣٠٣)لا لِلتَّشْرِيفِ، بَلْ لِأنَّها كالمَرْتَبَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ و﴿أنْ سَلامٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً ومُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولَمْ يَدْخُلُوها حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: ناداهم وهم في هَذِهِ الحالِ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ، وهم يَطْمَعُونَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، أيْ: نادَوْا أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرَ داخِلِيها، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم طامِعُونَ في دُخُولِها قالَ مَعْناهُ أبُو البَقاءِ، وقِيلَ: المَعْنى ونادى أصْحابُ الأعْرافِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ وهم قَدْ دَخَلُوا الجَنَّةَ، وأهْلُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ”ونادَوُا“ العائِدِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ فَقَطْ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ، وهَذا هو الأظْهَرُ والألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لِأنَّ النُّورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ طُفِئَ نُورُ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ، وقِيلَ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ﴿يَدْخُلُوها﴾، والمَعْنى: لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ لَها، بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ، لَكِنْ عَمَّهم عَفْوُ اللَّهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ قُلْتُ: لا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ لَهُ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ اسْتَأْخَرَ عَنْ دُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ فَلَمْ يَدْخُلُوها لِكَوْنِهِمْ مَحْبُوسِينَ، وهم يَطْمَعُونَ لَمْ يَيْأسُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَقَعَ صِفَةً. انْتَهى. وهَذا تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِجُمْلَةِ ونادَوْا ولَيْسَتْ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، وقَرَأ ابْنُ النَّحْوِيِّ وهم طامِعُونَ، وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ وهم ساخِطُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وإذا قُلِّبَتْ أبْصارُهم، والضَّمِيرُ في أبْصارِهِمْ عائِدٌ عَلى رِجالِ الأعْرافِ يُسَلِّمُونَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وإذا نَظَرُوا إلى أهْلِ النّارِ دَعَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّصِ مِنها. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿صُرِفَتْ﴾ دَلِيلٌ أنَّ أكْثَرَ أحْوالِهِمُ النَّظَرُ إلى تِلْقاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ، وأنَّ نَظَرَهم إلى أصْحابِ النّارِ هو بِكَوْنِهِمْ صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَهم، فَلَيْسَ الصَّرْفُ مِن قِبَلِهِمْ، بَلْ هم مَحْمُولُونَ عَلَيْهِ مَفْعُولٌ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُطَّلَعَ مَخُوفٌ مِن سَماعِهِ فَضْلًا عَنْ رُؤْيَتِهِ فَضَلًا عَنِ التَّلَبُّسِ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم إذا حُمِلُوا عَلى صَرْفِ أبْصارِهِمْ ورَأوْا ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ اسْتَغاثُوا بِرَبِّهِمْ مِن أنْ يَجْعَلَهم مَعَهم، ولَفْظَةُ (رَبَّنا) مُشْعِرَةٌ بِوَصْفِهِ تَعالى بِأنَّهُ مُصْلِحُهم وسَيِّدُهم وهم عَبِيدٌ، فَبِالدُّعاءِ بِهِ طَلَبُ رَحْمَتِهِ واسْتِعْطافُ كَرَمِهِ.
الأعراف 7:46
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ ولا لِما يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا يَصْعَدُ لَهم صالِحٌ فَتُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ لَهُ، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] . وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأرْواحِهِمْ، وذَكَرُوا في صُعُودِ الرُّوحَيْنِ إلى السَّماءِ والإذْنِ لِرُوحِ المُؤْمِنِ ورَدِّ رُوحِ الكافِرِ أحادِيثَ، وذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِما، وقِيلَ: المَعْنى ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ في القِيامَةِ لِيَدْخُلُوا مِنها إلى الجَنَّةِ، أيْ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ ولا يُغاثُونَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِالياءِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ مِن أعْلى والتَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ بِالثّاءِ مِن أعْلى مَفْتُوحَةً والتَّشْدِيدِ.
﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ هَذا نَفْيٌ مُغَيًّا بِمُسْتَحِيلٍ. والوُلُوجُ: التَّقَحُّمُ في الشَّيْءِ، وذَكَرَ الجَمَلَ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ الحَيَوانِ المُزاوِلِ لِلْإنْسانِ جُثَّةً فَلا يَلِجُ إلّا في بابٍ واسِعٍ كَما قالَ، لَقَدْ عَظُمَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ، وقالَ: جِسْمُ الجِمالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ، وذَكَرَ ﴿سَمُّ الخِياطِ﴾؛ لِأنَّهُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في ضِيقِ المَسْلَكِ يُقالُ: أضْيَقُ مِن خَرْتِ الإبْرَةِ، وقِيلَ: لِلدَّلِيلِ خِرِّيتٌ لِاهْتِدائِهِ في المَضايِقِ تَشْبِيهًا بِإخْراتِ الإبْرَةِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو مِجْلَزٍ والشَّعْبِيُّ ومالِكُ بْنُ الشِّخِّيرِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (الجُمَّلُ) بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، وفُسِّرَ بِالقَلْسِ الغَلِيظِ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ، تُجْمَعُ حِبالٌ وتُفْتَلُ وتَصِيرُ حَبْلًا واحِدًا، وقِيلَ: هو الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القِنَّبِ، وقِيلَ: الحَبْلُ الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ في النَّخْلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ تَشْبِيهًا مِن أنْ يُشَبِّهَ بِالجَمَلِ يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ، والحَبْلُ يُناسِبُ الخَيْطَ الَّذِي يَسْلُكُ بِهِ في خُرْمِ الإبْرَةِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الَّذِي رَوى الجُمَّلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ أعْجَمِيًّا فَشَدَّدَ الجِيمَ لِعُجْمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ. انْتَهى. ولِكَثْرَةِ القُرّاءِ بِها غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ وسالِمٍ الأفْطَسِ بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ: الجُمْلُ، وقَرَأ المُتَوَكِّلُ، وأبُو الجَوْزاءِ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ، ومَعْناهُ في هَذِهِ القِراءاتِ القَلْسُ الغَلِيظُ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿الجَمَلُ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ والمِيمِ أوْقَعُ؛ لِأنَّ سَمَّ الإبْرَةِ يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في الضِّيقِ والجَمَلُ وهو هَذا الحَيَوانُ المَعْرُوفُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في عِظَمِ الجُثَّةِ كَما ذَكَرْنا، وسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ زَوْجُ النّاقَةِ وذَلِكَ مِنهُ اسْتِجْهالٌ لِلسّائِلِ ومَنعٌ مِنهُ أنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ مَعْنًى آخَرَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ وطَلْحَةُ بِضَمِّ سِينِ ﴿سَمِّ﴾، وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الحَوْفِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ السِّينِ ”سِمِّ“، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ (p-٢٩٨)المِخْيَطُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بِفَتْحِ المِيمِ.
﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي أهْلَ الجَرائِمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُؤْذِنَ أنَّ الإجْرامَ هو السَّبَبُ المُوصِلُ، وأنَّ كُلَّ مَن أجْرَمَ عُوقِبَ، ثُمَّ كَرَّرَهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾؛ لِأنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ مِن كُلِّ جانِبٍ كَما قالَ لَهم ﴿مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] والغَواشِي جَمْعُ غاشِيَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: هي اللُّحُفُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَغْشاهُمُ الدُّخانُ مِن فَوْقِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: غاشِيَةٌ مِنَ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المِهادُ الفُرُشُ، والغَواشِي اللُّحُفُ والتَّنْوِينُ في ﴿غَواشٍ﴾ تَنْوِينُ صَرْفٍ، أوْ تَنْوِينُ عِوَضٍ قَوْلانِ، وتَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الياءِ، أوْ مِنَ الحَرَكَةِ قَوْلانِ كُلُّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقُرِئَ ”غَواشٌ“ بِالرَّفْعِ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَهُ الجَوارِ المُنشَآتُ) .
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ بِوَعِيدِ الكُفّارِ أخْبَرَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، وخَبَرُ و(الَّذِينَ) الجُمْلَةُ مِن ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ مِنهم، أوِ الجُمْلَةُ مِن (أُولَئِكَ) وما بَعْدَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لا نُكَلِّفُ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وفائِدَتُهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ و﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ وسِعَهم وغَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَجالِها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ، وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا في نَفَقاتِ الزَّوْجاتِ إلّا ما وجَدَ وتَمَكَّنَ مِنهُ دُونَ ما لا تَنالُهُ يَدُهُ ولَمْ يَرِدْ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ قَبْلَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧] . انْتَهى. ولَيْسَ السِّياقُ يَقْتَضِي ما ذُكِرَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما لا يَكْتَنِهُهُ وصْفُ الواصِفِ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ مَعَ العَظِيمِ بِما هو مِنَ الواسِعِ وهو الإمْكانُ الواسِعُ غَيْرُ الضَّيِّقِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾، أيْ: أذْهَبْنا في الجَنَّةِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الحُقُودِ. وقِيلَ: نَزْعُ الغِلِّ في الجَنَّةِ أنْ لا يَحْسُدَ بَعْضُهم بَعْضًا في تَفاضُلِ مَنازِلِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الأهْواءُ والبِدَعُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: فِينا واللَّهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ. وعَنْهُ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا﴾ الآيَةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النَّزْعَ لِلْغِلِّ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِهِمْ في الآخِرَةِ سالِمِي القُلُوبِ طاهِرِيها مُتَوادِّينَ مُتَعاطِفِينَ، كَما قالَ: إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. وتَجْرِي حالٌ. قالَهُ الحَوْفِيُّ قالَ: والعامِلُ فِيهِ نَزَعْنا، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ تَجْرِي لَيْسَ مِن صِفاتِ الفاعِلِ الَّذِي هو ضَمِيرُ نَزَعْنا ولا صِفاتِ المَفْعُولِ الَّذِي (p-٢٩٩)هُوَ ما في صُدُورِهِمْ، ولِأنَّ مَعْنى الإضافَةِ لا يَعْمَلُ إلّا إذا كانَتْ إضافَةً يُمْكِنُ لِلْمُضافِ أنْ يَعْمَلَ إذا جُرِّدَ مِنَ الإضافَةِ رَفْعًا، أوْ نَصْبًا فِيما بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنْ صِفَةِ حالِهِمْ.
﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾، أيْ: وفَّقَنا لِتَحْصِيلِ هَذا النَّعِيمِ الَّذِي صِرْنا إلَيْهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ إذْ هو نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِها حَمْدُهُ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعالى، وقِيلَ: الهِدايَةُ هُنا هو الإرْشادُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ ومَنازِلِهِمْ فِيها وفي الحَدِيثِ: «إنَّ أحَدَهم أهْدى إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ مِن مَنزِلِهِ في الدُّنْيا»، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَذا إلى العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي هَذا جَزاؤُهُ، وقِيلَ: إلى الإيمانِ الَّذِي تَأهَّلُوا بِهِ لِهَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وفَّقَنا لِمُوجِبِ هَذا الفَوْزِ العَظِيمِ وهو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. انْتَهى. وفي لَفْظَةِ (واجِبٌ والعَمَلُ الصّالِحُ) دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ مَعْنى هَدانا اللَّهُ: أعْطانا القُدْرَةَ وضَمَّ إلَيْها الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وصَيَّرَ مَجْمُوعَهُما لِحُصُولِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: التَّحْمِيدُ إنَّما وقَعَ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العَقْلَ ووَضَعَ الدَّلائِلَ وأزالَ المَوانِعَ. انْتَهى. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى مُنادٍ إنَّ لَكم أنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَنْعَمُوا فَلا تَيْأسُوا أبَدًا فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾» .
﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: وما كانَتْ تُوجِدُ مِنّا أنْفُسُنا وحْدَها الهِدايَةَ لَوْلا أنَّ اللَّهَ هَدانا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُوَضِّحُ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الهِدايَةِ فِيهِمْ، وأنَّهم لَوْ خُلُّوا وأنْفُسَهم لَمْ تَكُنْ مِنهم هِدايَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ يَسْتَقِيمُ أنْ نَكُونَ مُهْتَدِينَ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقُهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: والواوُ لِلْحالِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. انْتَهى. والثّانِي أظْهَرُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ما كُنّا. بِغَيْرِ واوٍ وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ وهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلْأُولى ومَن أجازَ فِيها الحالَ مَعَ الواوِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيزَها دُونَها، والَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ العَرَبِيَّةِ أنَّ جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ، أوْ لَضَلَلْنا؛ لِأنَّ لَوْلا لِلتَّعْلِيقِ فَهي في ذَلِكَ كَأدَواتِ الشَّرْطِ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ خَرَّجَ قَوْلَهُ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: (وهم بِها) وسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ في مَنعِ تَقْدِيمِ جَوابِ الشَّرْطِ.
﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِالمَوْعُودِ الَّذِي وُعِدْنا في الدُّنْيا قَضَوْا بِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ قَضاءٍ ومُشاهَدَةٍ بِالحِسِّ، وكانُوا في الدُّنْيا يَقْضُونَ بِذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وقَعَ المَوْعُودُ بِهِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ الوَعْدُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَكانَ لَنا لُطْفًا وتَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِداءِ فاهْتَدَيْنا يَقُولُونَ ذَلِكَ سُرُورًا واغْتِباطًا بِما نالُوا وتَلَذُّذًا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ لا تَقَرُّبًا وتَعَبُّدًا كَما تَرى، مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ ذَلِكَ ولا يَتَمالَكُ أنْ يَقُولَهُ لِلْفَرَحِ لا لِلْقُرْبَةِ.
﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ (p-٣٠٠)أنْ يَكُونَ النِّداءُ مِنَ اللَّهِ وهو أسَرُّ لِقُلُوبِهِمْ وأرْفَعُ لِقَدْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: ﴿ونُودُوا﴾ بِأنَّهُ ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُحْذَفُ إذا خُفِّفَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً لِوُجُودِ شَرْطِها، وهُما أنْ يَكُونَ قَبْلَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ وبَعْدَها جُمْلَةٌ وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿تِلْكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى غائِبَةٍ فَإمّا لِأنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فالإشارَةُ إلى تِلْكَ، أيْ: (تِلْكُمُ) هَذِهِ (الجَنَّةُ) وحُذِفَتْ هَذِهِ، وإمّا قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها، وإمّا بَعْدَ الدُّخُولِ وهم مُجْتَمِعُونَ في مَوْضِعٍ مِنها فَكُلٌّ غائِبٌ عَنْ مَنزِلِهِ. انْتَهى. وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ و”تِلْكُمُ“ إشارَةٌ إلى غائِبٍ، وإنَّما قالَ هُنا ”تِلْكُمُ“؛ لِأنَّهم وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فَلِأجْلِ الوَعْدِ جَرى الخِطابُ بِكَلِمَةِ العَهْدِ، «وقَوْلُهُ ﷺ لِلصِّدِّيقِ في الِاسْتِخْبارِ عَنْ عائِشَةَ كَيْفَ تِيكم لِلْعَهْدِ السّابِقِ» . انْتَهى. والجَنَّةُ جَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِتِلْكم و﴿أُورِثْتُمُوها﴾ حالٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] . قالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِن (الجَنَّةُ) والعامِلُ فِيها ما في تِلْكَ مِن مَعْنى الإشارَةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن تِلْكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ ولِكَوْنِ المُبْتَدَأِ لا يَعْمَلُ في الحالِ. انْتَهى. وفي العامِلِ في الحالِ في مِثْلِ هَذا زَيْدٌ قائِمًا خِلافٌ في النَّحْوِ، وأنْ يَكُونَ نَعْتًا وبَدَلًا، ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ الخَبَرُ، أدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ الثّاءَ في التّاءِ وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ، ومَعْنى ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ صُيِّرَتْ لَكم كالإرْثِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى أُورِثْتُمُوها عَنْ آبائِكم؛ لِأنَّها كانَتْ مَنازِلَهم لَوْ آمَنُوا فَحُرِمُوها بِكُفْرِهِمْ، وبُعْدُهُ أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ ولَمْ تَكُنْ آباؤُهم كُلُّهم كُفّارًا والباءُ في (بِما) لِلسَّبَبِ المَجازِيِّ، والأعْمالُ أمارَةٌ مِنَ اللَّهِ ودَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الرَّجاءِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ إنَّما هو بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللَّهِ، والقَسْمُ فِيها عَلى قَدْرِ العَمَلِ، ولَفْظُ ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ مُشِيرٌ إلى الأقْسامِ ولَيْسَ ذَلِكَ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِسَبَبِ أعْمالِكم لا بِالتَّفَضُّلِ كَما تَقُولُ المُبْطِلَةُ. انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» .
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ . عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذا النِّداءُ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ عَلى مَآلِ الفَرِيقَيْنِ وزِيادَةٌ في كُرَبِ أهْلِ النّارِ بِأنْ شُرِّفُوا عَلَيْهِمْ وبِخَلْقِ إدْراكِ أهْلِ النّارِ لِذَلِكَ النِّداءِ في أسْماعِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالُوا لَهم ذَلِكَ اغْتِباطًا بِحالِهِمْ وشَماتَةً بِأهْلِ النّارِ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، ولِيَكُونَ حِكايَتُهُ لُطْفًا لِمَن سَمِعَها وكَذَلِكَ قَوْلُ المُؤَذِّنِ بَيْنَهم أنْ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ، وهو مَلَكٌ يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى فَيُنادِي بَيْنَهم يُسْمِعُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، وأتى في إخْبارِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ما وعَدَنا﴾ بِذِكْرِ المَفْعُولِ وفي قِصَّةِ أهْلِ النّارِ ما وعَدَ ولَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ (وعَدَ)؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُسْتَبْشِرُونَ بِحُصُولِ مَوْعُودِهِمْ، فَذَكَرُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مُضافًا إلَيْهِمْ ولَمْ يَذْكُرُوا حِينَ سَألُوا أهْلَ الجَنَّةِ مُتَعَلِّقَ (وعَدَ) باسِمِ الخِطابِ فَيَقُولُوا: (ما وعَدَكم) لِيَشْمَلَ كُلَّ مَوْعُودٍ مِن عَذابِ أهْلِ النّارِ ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وتَكُونُ إجابَتُهم بِنَعَمْ تَصْدِيقًا لِجَمِيعِ ما وعَدَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ في الآخِرَةِ لِلصِّنْفَيْنِ ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا مِنهم بِحُصُولِ مَوْعُودِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَحَسَّرُوا عَلى ما فاتَهم مِن نَعِيمِهِمْ، إذْ نَعِيمُ أهْلِ الجَنَّةِ مِمّا يُخْزِيهِمْ ويَزِيدُ في عَذابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لِلْخِطابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ، والكِسائِيُّ (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مُخَفَّفَةً مِن أنَّ الثَّقِيلَةِ، وإذا ولِيَ المُخَفَّفَةَ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ غَيْرُ دُعاءٍ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَدْ في الأجْوَدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .
(p-٣٠١)﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾، أيْ: فَأعْلَمَ مُعْلِمٌ، قِيلَ: هو إسْرافِيلُ صاحِبُ الصُّورِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ يُسْمِعُ الفَرِيقَيْنِ تَفْرِيحًا وتَبْرِيحًا، وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ مُعَيَّنٌ، ودَخَلَ طاوُسٌ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: احْذَرْ يَوْمَ الأذانِ فَقالَ: وما يَوْمُ الأذانِ قالَ: يَوْمَ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ الآيَةَ فَصَعِقَ هِشامٌ فَقالَ طاوُسٌ: هَذا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ المُعايَنَةِ. وبَيْنَهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لـِ ”أذَّنَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَذِّنٍ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ والبَزِّيُّ (أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ) بِتَثْقِيلِ (أنَّ) ونَصْبِ (لَعْنَةَ)، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّثْقِيلِ ونَصْبِ (لَعْنَةَ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ أذَّنَ مَجْرى قالَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (أنْ) بِفْتَحِ الهَمْزَةِ خَفِيفَةَ النُّونِ، ورَفْعِ (لَعْنَةُ) عَلى الِابْتِداءِ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ و﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ، وهَذا الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ هو حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِهِمُ السّابِقِ، والمَعْنى: الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم وقْتَ الأذانِ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِهَذا الوَصْفِ، والمَعْنِيُّ بِالظُّلْمِ الكُفّارُ، ويَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ عامٌّ في الكافِرِ والفاسِقِ قَوْلُهُ أخِيرًا ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾؛ لِأنَّ الفاسِقَ لَيْسَ كافِرًا بِالآخِرَةِ، بَلْ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِها.
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾، أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وبِهَذا بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ وفُسِّرَ الحِجابُ بِأنَّهُ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويُقَوِّي أنَّهُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظُ بَيْنَهم إذْ هو ضَمِيرُ العُقَلاءِ، ولا يَحِيلُ ضَرْبُ السُّورِ بَعْدُ ما بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ في السَّماءِ، والنّارُ أسْفَلُ السّافِلِينَ.
﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾، أيْ: وعَلى أعْرافِ الحِجابِ وهو السُّورُ المَضْرُوبُ ﴿رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ مِن فَرِيقَيِ الجَنَّةِ والنّارِ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي مَيَّزَهُمُ اللَّهُ بِها مِنِ ابْيِضاضِ وُجُوهٍ واسْوِدادِ وُجُوهٍ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَلاماتِ، أوْ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ مَعْرِفَتَها، والأعْرافُ: تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ: هو أُحُدٌ مُمَثَّلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، رُوِيَ هَذا في حَدِيثٍ، وفي آخَرَ «إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ»، وقِيلَ: أعالِي السُّورِ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والرِّجالُ قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم وقَفُوا هُنالِكَ ما شاءَ اللَّهُ، لَمْ تَبْلُغْ حَسَناتُهم بِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ ولا سَيِّئاتُهم دُخُولَ النّارِ، ورُوِيَ في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ فِيهِ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ»، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أيْضًا: هم (p-٣٠٢)قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صَغائِرُهم إلى آخِرِ النّاسِ، وقِيلَ: غُزاةٌ جاهَدُوا مِن غَيْرِ إذْنِ والِدَيْهِمْ فَقُتِلُوا في المَعْرَكَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ أنَّهم حُبِسُوا عَنِ الجَنَّةِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ وأعْتَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّهم قُتِلُوا في سَبِيلِهِ، وقِيلَ: قَوْمٌ رَضِيَ عَنْهم آباؤُهم دُونَ أُمَّهاتِهِمْ، أوْ بِالعَكْسِ، وقِيلَ: هم أوْلادُ الزِّنا، وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الَّذِينَ كانُوا في الأسْرِ ولَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهم، وقِيلَ: عُلَماءٌ شَكُّوا في أرْزاقِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن آخِرِهِمْ دُخُولًا في الجَنَّةِ لِقُصُورِ أعْمالِهِمْ كَأنَّهُمُ المُرْجِئُونَ لِأمْرِ اللَّهِ يُحْبَسُونَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللّازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُّورِ، أوْ عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَتَأخَّرُ دُخُولُهم، ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ، ويَعْرِفُونَ كُلًّا بِعَلامَتِهِمْ وهي بَياضُ الوُجُوهِ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النّارِ. انْتَهى. والأقْوالُ السّابِقَةُ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ في التَّخْصِيصِ، والجَيِّدُ مِنها هو الأوَّلُ لِحَدِيثِ جابِرٍ ولِتَفْسِيرِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وهَذِهِ الأقْوالُ هي عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الأعْرافَ هو بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وفي شَعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:
؎وآخَرُونَ عَلى الأعْرافِ قَدْ طَمِعُوا في جَنَّةٍ حَفَّها الرُّمّانُ والخَضِرُ
وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ الصِّراطُ، وقِيلَ: مَوْضِعٌ عَلى الصِّراطِ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَبَلٌ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلاها واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في تَفْسِيرِ (رِجالٌ)، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: مَلائِكَةٌ في صُوَرِ رِجالٍ ذُكُورٍ وسُمُّوا رِجالًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: هم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ وعُلَماؤُهم، وقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ وقالَهُ الكِرْمانِيُّ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ: هو أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وقِيلَ: حَمْزَةُ والعَبّاسُ، وعَلِيٌّ، وجَعْفَرٌ الطَّيّارُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ.
﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ونادَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ عائِدٌ عَلى الرِّجالِ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ، وعَلى هَذا لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الضَّمائِرُ لِلْأنْبِياءِ ولا لِشَيْءٍ مِمّا فُسِّرَ بِهِ أنَّهم عَلى جَبَلٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلى الجَنَّةِ، وفي غايَةِ البُعْدِ ما تُئُوِّلَ مِن ذَلِكَ لِيَصِحَّ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأقْوالِ أنَّهم أُجْلِسُوا عَلى تِلْكَ الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشاهِدُوا أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ فَيَلْحَقُهُمُ السُّرُورُ بِتِلْكَ الأحْوالِ، ثُمَّ إذا اسْتَقَرَّ الفَرِيقانِ نُقِلُوا إلى أمْكِنَتِهِمُ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ، فَمَعْنى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ لَمْ يَدْخُلُوا مَنازِلَهُمُ المُعَدَّةَ لَهم فِيها، ومَعْنى ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَتَيَقَّنُونَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الزُّلْفى، وقَدْ جاءَ الطَّمَعُ بِمَعْنى اليَقِينِ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وطَمَعُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقِينٌ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وإنِّي لَأطْمَعُ أنَّ الإلَهَ ∗∗∗ قَدِيرٌ بِحُسْنِ يَقِينِي يَقِينِي
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأعْرافَ جَبَلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ القاضِي والجُبّائِيُّ وقالا: هو فاسِدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِدُخُولِها وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ أقْوامٍ لا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِمَحْضِ الفَضْلِ لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ، ولِأنَّ كَوْنَهم مِن أهْلِ الأعْرافِ يَدُلُّ عَلى مَيْزِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ القِيامَةِ فَإنَّ إجْلاسَهم عَلى الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ العالِيَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالأشْرافِ ومَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ دَرَجَتُهُ قاصِرَةٌ لا يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ونُودُوا خِطابٌ مَعَ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ، وعَنِ الثّانِي أجْلَسَهم (p-٣٠٣)لا لِلتَّشْرِيفِ، بَلْ لِأنَّها كالمَرْتَبَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ و﴿أنْ سَلامٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً ومُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولَمْ يَدْخُلُوها حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: ناداهم وهم في هَذِهِ الحالِ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ، وهم يَطْمَعُونَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، أيْ: نادَوْا أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرَ داخِلِيها، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم طامِعُونَ في دُخُولِها قالَ مَعْناهُ أبُو البَقاءِ، وقِيلَ: المَعْنى ونادى أصْحابُ الأعْرافِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ وهم قَدْ دَخَلُوا الجَنَّةَ، وأهْلُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ”ونادَوُا“ العائِدِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ فَقَطْ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ، وهَذا هو الأظْهَرُ والألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لِأنَّ النُّورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ طُفِئَ نُورُ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ، وقِيلَ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ﴿يَدْخُلُوها﴾، والمَعْنى: لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ لَها، بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ، لَكِنْ عَمَّهم عَفْوُ اللَّهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ قُلْتُ: لا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ لَهُ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ اسْتَأْخَرَ عَنْ دُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ فَلَمْ يَدْخُلُوها لِكَوْنِهِمْ مَحْبُوسِينَ، وهم يَطْمَعُونَ لَمْ يَيْأسُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَقَعَ صِفَةً. انْتَهى. وهَذا تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِجُمْلَةِ ونادَوْا ولَيْسَتْ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، وقَرَأ ابْنُ النَّحْوِيِّ وهم طامِعُونَ، وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ وهم ساخِطُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وإذا قُلِّبَتْ أبْصارُهم، والضَّمِيرُ في أبْصارِهِمْ عائِدٌ عَلى رِجالِ الأعْرافِ يُسَلِّمُونَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وإذا نَظَرُوا إلى أهْلِ النّارِ دَعَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّصِ مِنها. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿صُرِفَتْ﴾ دَلِيلٌ أنَّ أكْثَرَ أحْوالِهِمُ النَّظَرُ إلى تِلْقاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ، وأنَّ نَظَرَهم إلى أصْحابِ النّارِ هو بِكَوْنِهِمْ صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَهم، فَلَيْسَ الصَّرْفُ مِن قِبَلِهِمْ، بَلْ هم مَحْمُولُونَ عَلَيْهِ مَفْعُولٌ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُطَّلَعَ مَخُوفٌ مِن سَماعِهِ فَضْلًا عَنْ رُؤْيَتِهِ فَضَلًا عَنِ التَّلَبُّسِ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم إذا حُمِلُوا عَلى صَرْفِ أبْصارِهِمْ ورَأوْا ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ اسْتَغاثُوا بِرَبِّهِمْ مِن أنْ يَجْعَلَهم مَعَهم، ولَفْظَةُ (رَبَّنا) مُشْعِرَةٌ بِوَصْفِهِ تَعالى بِأنَّهُ مُصْلِحُهم وسَيِّدُهم وهم عَبِيدٌ، فَبِالدُّعاءِ بِهِ طَلَبُ رَحْمَتِهِ واسْتِعْطافُ كَرَمِهِ.
الأعراف 7:47
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ ولا لِما يُرِيدُونَ بِهِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لا يَصْعَدُ لَهم صالِحٌ فَتُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ لَهُ، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ومِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] . وقالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ لِأرْواحِهِمْ، وذَكَرُوا في صُعُودِ الرُّوحَيْنِ إلى السَّماءِ والإذْنِ لِرُوحِ المُؤْمِنِ ورَدِّ رُوحِ الكافِرِ أحادِيثَ، وذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِما، وقِيلَ: المَعْنى ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ في القِيامَةِ لِيَدْخُلُوا مِنها إلى الجَنَّةِ، أيْ: لا يُؤْذَنُ لَهم في الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ ولا يُغاثُونَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِالياءِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالتّاءِ مِن أعْلى والتَّشْدِيدِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ بِالثّاءِ مِن أعْلى مَفْتُوحَةً والتَّشْدِيدِ.
﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ هَذا نَفْيٌ مُغَيًّا بِمُسْتَحِيلٍ. والوُلُوجُ: التَّقَحُّمُ في الشَّيْءِ، وذَكَرَ الجَمَلَ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ الحَيَوانِ المُزاوِلِ لِلْإنْسانِ جُثَّةً فَلا يَلِجُ إلّا في بابٍ واسِعٍ كَما قالَ، لَقَدْ عَظُمَ البَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ، وقالَ: جِسْمُ الجِمالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ، وذَكَرَ ﴿سَمُّ الخِياطِ﴾؛ لِأنَّهُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في ضِيقِ المَسْلَكِ يُقالُ: أضْيَقُ مِن خَرْتِ الإبْرَةِ، وقِيلَ: لِلدَّلِيلِ خِرِّيتٌ لِاهْتِدائِهِ في المَضايِقِ تَشْبِيهًا بِإخْراتِ الإبْرَةِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو مِجْلَزٍ والشَّعْبِيُّ ومالِكُ بْنُ الشِّخِّيرِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (الجُمَّلُ) بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً، وفُسِّرَ بِالقَلْسِ الغَلِيظِ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ، تُجْمَعُ حِبالٌ وتُفْتَلُ وتَصِيرُ حَبْلًا واحِدًا، وقِيلَ: هو الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القِنَّبِ، وقِيلَ: الحَبْلُ الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ في النَّخْلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ أنَّ اللَّهَ أحْسَنَ تَشْبِيهًا مِن أنْ يُشَبِّهَ بِالجَمَلِ يَعْنِي أنَّهُ لا يُناسِبُ، والحَبْلُ يُناسِبُ الخَيْطَ الَّذِي يَسْلُكُ بِهِ في خُرْمِ الإبْرَةِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الَّذِي رَوى الجُمَّلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ أعْجَمِيًّا فَشَدَّدَ الجِيمَ لِعُجْمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِكَثْرَةِ أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى القِراءَةِ المَذْكُورَةِ. انْتَهى. ولِكَثْرَةِ القُرّاءِ بِها غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ وسالِمٍ الأفْطَسِ بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، والضَّحّاكُ والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّ الجِيمِ والمِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ: الجُمْلُ، وقَرَأ المُتَوَكِّلُ، وأبُو الجَوْزاءِ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ، ومَعْناهُ في هَذِهِ القِراءاتِ القَلْسُ الغَلِيظُ وهو حَبْلُ السَّفِينَةِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ﴿الجَمَلُ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ والمِيمِ أوْقَعُ؛ لِأنَّ سَمَّ الإبْرَةِ يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في الضِّيقِ والجَمَلُ وهو هَذا الحَيَوانُ المَعْرُوفُ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في عِظَمِ الجُثَّةِ كَما ذَكَرْنا، وسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ زَوْجُ النّاقَةِ وذَلِكَ مِنهُ اسْتِجْهالٌ لِلسّائِلِ ومَنعٌ مِنهُ أنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ مَعْنًى آخَرَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ وطَلْحَةُ بِضَمِّ سِينِ ﴿سَمِّ﴾، وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الحَوْفِيُّ، وأبُو نَهِيكٍ والأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ السِّينِ ”سِمِّ“، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ (p-٢٩٨)المِخْيَطُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الخاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بِفَتْحِ المِيمِ.
﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي أهْلَ الجَرائِمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُؤْذِنَ أنَّ الإجْرامَ هو السَّبَبُ المُوصِلُ، وأنَّ كُلَّ مَن أجْرَمَ عُوقِبَ، ثُمَّ كَرَّرَهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾؛ لِأنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ وكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ هَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ مِن كُلِّ جانِبٍ كَما قالَ لَهم ﴿مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] والغَواشِي جَمْعُ غاشِيَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: هي اللُّحُفُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: يَغْشاهُمُ الدُّخانُ مِن فَوْقِهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: غاشِيَةٌ مِنَ النّارِ، وقالَ الضَّحّاكُ: المِهادُ الفُرُشُ، والغَواشِي اللُّحُفُ والتَّنْوِينُ في ﴿غَواشٍ﴾ تَنْوِينُ صَرْفٍ، أوْ تَنْوِينُ عِوَضٍ قَوْلانِ، وتَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الياءِ، أوْ مِنَ الحَرَكَةِ قَوْلانِ كُلُّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقُرِئَ ”غَواشٌ“ بِالرَّفْعِ كَقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (ولَهُ الجَوارِ المُنشَآتُ) .
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ بِوَعِيدِ الكُفّارِ أخْبَرَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، وخَبَرُ و(الَّذِينَ) الجُمْلَةُ مِن ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ مِنهم، أوِ الجُمْلَةُ مِن (أُولَئِكَ) وما بَعْدَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لا نُكَلِّفُ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وفائِدَتُهُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ و﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ نَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ وسِعَهم وغَيْرُ خارِجٍ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَعَ عِظَمِ مَجالِها يُوصَلُ إلَيْها بِالعَمَلِ السَّهْلِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ، وقالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا في نَفَقاتِ الزَّوْجاتِ إلّا ما وجَدَ وتَمَكَّنَ مِنهُ دُونَ ما لا تَنالُهُ يَدُهُ ولَمْ يَرِدْ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ قَبْلَ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧] . انْتَهى. ولَيْسَ السِّياقُ يَقْتَضِي ما ذُكِرَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما لا يَكْتَنِهُهُ وصْفُ الواصِفِ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ مَعَ العَظِيمِ بِما هو مِنَ الواسِعِ وهو الإمْكانُ الواسِعُ غَيْرُ الضَّيِّقِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾، أيْ: أذْهَبْنا في الجَنَّةِ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ صُدُورُهم مِنَ الحُقُودِ. وقِيلَ: نَزْعُ الغِلِّ في الجَنَّةِ أنْ لا يَحْسُدَ بَعْضُهم بَعْضًا في تَفاضُلِ مَنازِلِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الأهْواءُ والبِدَعُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: فِينا واللَّهِ أهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتْ. وعَنْهُ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا﴾ الآيَةَ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ النَّزْعَ لِلْغِلِّ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِهِمْ في الآخِرَةِ سالِمِي القُلُوبِ طاهِرِيها مُتَوادِّينَ مُتَعاطِفِينَ، كَما قالَ: إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. وتَجْرِي حالٌ. قالَهُ الحَوْفِيُّ قالَ: والعامِلُ فِيهِ نَزَعْنا، وقالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ تَجْرِي لَيْسَ مِن صِفاتِ الفاعِلِ الَّذِي هو ضَمِيرُ نَزَعْنا ولا صِفاتِ المَفْعُولِ الَّذِي (p-٢٩٩)هُوَ ما في صُدُورِهِمْ، ولِأنَّ مَعْنى الإضافَةِ لا يَعْمَلُ إلّا إذا كانَتْ إضافَةً يُمْكِنُ لِلْمُضافِ أنْ يَعْمَلَ إذا جُرِّدَ مِنَ الإضافَةِ رَفْعًا، أوْ نَصْبًا فِيما بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنْ صِفَةِ حالِهِمْ.
﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾، أيْ: وفَّقَنا لِتَحْصِيلِ هَذا النَّعِيمِ الَّذِي صِرْنا إلَيْهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ إذْ هو نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِها حَمْدُهُ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعالى، وقِيلَ: الهِدايَةُ هُنا هو الإرْشادُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ ومَنازِلِهِمْ فِيها وفي الحَدِيثِ: «إنَّ أحَدَهم أهْدى إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ مِن مَنزِلِهِ في الدُّنْيا»، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَذا إلى العَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي هَذا جَزاؤُهُ، وقِيلَ: إلى الإيمانِ الَّذِي تَأهَّلُوا بِهِ لِهَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وفَّقَنا لِمُوجِبِ هَذا الفَوْزِ العَظِيمِ وهو الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. انْتَهى. وفي لَفْظَةِ (واجِبٌ والعَمَلُ الصّالِحُ) دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ مَعْنى هَدانا اللَّهُ: أعْطانا القُدْرَةَ وضَمَّ إلَيْها الدّاعِيَةَ الجازِمَةَ، وصَيَّرَ مَجْمُوعَهُما لِحُصُولِ تِلْكَ الفَضِيلَةِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: التَّحْمِيدُ إنَّما وقَعَ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العَقْلَ ووَضَعَ الدَّلائِلَ وأزالَ المَوانِعَ. انْتَهى. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى مُنادٍ إنَّ لَكم أنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أبَدًا، وإنَّ لَكم أنْ تَنْعَمُوا فَلا تَيْأسُوا أبَدًا فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾» .
﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: وما كانَتْ تُوجِدُ مِنّا أنْفُسُنا وحْدَها الهِدايَةَ لَوْلا أنَّ اللَّهَ هَدانا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُوَضِّحُ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الهِدايَةِ فِيهِمْ، وأنَّهم لَوْ خُلُّوا وأنْفُسَهم لَمْ تَكُنْ مِنهم هِدايَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ يَسْتَقِيمُ أنْ نَكُونَ مُهْتَدِينَ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقُهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: والواوُ لِلْحالِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. انْتَهى. والثّانِي أظْهَرُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ما كُنّا. بِغَيْرِ واوٍ وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ وهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِلْأُولى ومَن أجازَ فِيها الحالَ مَعَ الواوِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيزَها دُونَها، والَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ العَرَبِيَّةِ أنَّ جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ، أوْ لَضَلَلْنا؛ لِأنَّ لَوْلا لِلتَّعْلِيقِ فَهي في ذَلِكَ كَأدَواتِ الشَّرْطِ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ خَرَّجَ قَوْلَهُ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ عَلى أنَّهُ جَوابٌ تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: (وهم بِها) وسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذا عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ في مَنعِ تَقْدِيمِ جَوابِ الشَّرْطِ.
﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِالمَوْعُودِ الَّذِي وُعِدْنا في الدُّنْيا قَضَوْا بِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ قَضاءٍ ومُشاهَدَةٍ بِالحِسِّ، وكانُوا في الدُّنْيا يَقْضُونَ بِذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وقَعَ المَوْعُودُ بِهِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ الوَعْدُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَكانَ لَنا لُطْفًا وتَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِداءِ فاهْتَدَيْنا يَقُولُونَ ذَلِكَ سُرُورًا واغْتِباطًا بِما نالُوا وتَلَذُّذًا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ لا تَقَرُّبًا وتَعَبُّدًا كَما تَرى، مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ ذَلِكَ ولا يَتَمالَكُ أنْ يَقُولَهُ لِلْفَرَحِ لا لِلْقُرْبَةِ.
﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ (p-٣٠٠)أنْ يَكُونَ النِّداءُ مِنَ اللَّهِ وهو أسَرُّ لِقُلُوبِهِمْ وأرْفَعُ لِقَدْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: ﴿ونُودُوا﴾ بِأنَّهُ ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُحْذَفُ إذا خُفِّفَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) مُفَسِّرَةً لِوُجُودِ شَرْطِها، وهُما أنْ يَكُونَ قَبْلَها جُمْلَةٌ في مَعْنى القَوْلِ وبَعْدَها جُمْلَةٌ وكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿تِلْكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى غائِبَةٍ فَإمّا لِأنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فالإشارَةُ إلى تِلْكَ، أيْ: (تِلْكُمُ) هَذِهِ (الجَنَّةُ) وحُذِفَتْ هَذِهِ، وإمّا قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها، وإمّا بَعْدَ الدُّخُولِ وهم مُجْتَمِعُونَ في مَوْضِعٍ مِنها فَكُلٌّ غائِبٌ عَنْ مَنزِلِهِ. انْتَهى. وفي كِتابِ التَّحْرِيرِ و”تِلْكُمُ“ إشارَةٌ إلى غائِبٍ، وإنَّما قالَ هُنا ”تِلْكُمُ“؛ لِأنَّهم وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا فَلِأجْلِ الوَعْدِ جَرى الخِطابُ بِكَلِمَةِ العَهْدِ، «وقَوْلُهُ ﷺ لِلصِّدِّيقِ في الِاسْتِخْبارِ عَنْ عائِشَةَ كَيْفَ تِيكم لِلْعَهْدِ السّابِقِ» . انْتَهى. والجَنَّةُ جَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِتِلْكم و﴿أُورِثْتُمُوها﴾ حالٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] . قالَ أبُو البَقاءِ: حالٌ مِن (الجَنَّةُ) والعامِلُ فِيها ما في تِلْكَ مِن مَعْنى الإشارَةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن تِلْكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ ولِكَوْنِ المُبْتَدَأِ لا يَعْمَلُ في الحالِ. انْتَهى. وفي العامِلِ في الحالِ في مِثْلِ هَذا زَيْدٌ قائِمًا خِلافٌ في النَّحْوِ، وأنْ يَكُونَ نَعْتًا وبَدَلًا، ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ الخَبَرُ، أدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ الثّاءَ في التّاءِ وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ، ومَعْنى ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ صُيِّرَتْ لَكم كالإرْثِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى أُورِثْتُمُوها عَنْ آبائِكم؛ لِأنَّها كانَتْ مَنازِلَهم لَوْ آمَنُوا فَحُرِمُوها بِكُفْرِهِمْ، وبُعْدُهُ أنَّ ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ ولَمْ تَكُنْ آباؤُهم كُلُّهم كُفّارًا والباءُ في (بِما) لِلسَّبَبِ المَجازِيِّ، والأعْمالُ أمارَةٌ مِنَ اللَّهِ ودَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الرَّجاءِ، ودُخُولُ الجَنَّةِ إنَّما هو بِمُجَرَّدِ رَحْمَةِ اللَّهِ، والقَسْمُ فِيها عَلى قَدْرِ العَمَلِ، ولَفْظُ ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ مُشِيرٌ إلى الأقْسامِ ولَيْسَ ذَلِكَ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بِسَبَبِ أعْمالِكم لا بِالتَّفَضُّلِ كَما تَقُولُ المُبْطِلَةُ. انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» .
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ﴾ . عَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وهَذا النِّداءُ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ عَلى مَآلِ الفَرِيقَيْنِ وزِيادَةٌ في كُرَبِ أهْلِ النّارِ بِأنْ شُرِّفُوا عَلَيْهِمْ وبِخَلْقِ إدْراكِ أهْلِ النّارِ لِذَلِكَ النِّداءِ في أسْماعِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالُوا لَهم ذَلِكَ اغْتِباطًا بِحالِهِمْ وشَماتَةً بِأهْلِ النّارِ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، ولِيَكُونَ حِكايَتُهُ لُطْفًا لِمَن سَمِعَها وكَذَلِكَ قَوْلُ المُؤَذِّنِ بَيْنَهم أنْ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ، وهو مَلَكٌ يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى فَيُنادِي بَيْنَهم يُسْمِعُ أهْلُ الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ، وأتى في إخْبارِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ما وعَدَنا﴾ بِذِكْرِ المَفْعُولِ وفي قِصَّةِ أهْلِ النّارِ ما وعَدَ ولَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ (وعَدَ)؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ مُسْتَبْشِرُونَ بِحُصُولِ مَوْعُودِهِمْ، فَذَكَرُوا ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مُضافًا إلَيْهِمْ ولَمْ يَذْكُرُوا حِينَ سَألُوا أهْلَ الجَنَّةِ مُتَعَلِّقَ (وعَدَ) باسِمِ الخِطابِ فَيَقُولُوا: (ما وعَدَكم) لِيَشْمَلَ كُلَّ مَوْعُودٍ مِن عَذابِ أهْلِ النّارِ ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وتَكُونُ إجابَتُهم بِنَعَمْ تَصْدِيقًا لِجَمِيعِ ما وعَدَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ في الآخِرَةِ لِلصِّنْفَيْنِ ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا مِنهم بِحُصُولِ مَوْعُودِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَحَسَّرُوا عَلى ما فاتَهم مِن نَعِيمِهِمْ، إذْ نَعِيمُ أهْلِ الجَنَّةِ مِمّا يُخْزِيهِمْ ويَزِيدُ في عَذابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لِلْخِطابِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ، والكِسائِيُّ (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مُخَفَّفَةً مِن أنَّ الثَّقِيلَةِ، وإذا ولِيَ المُخَفَّفَةَ فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ غَيْرُ دُعاءٍ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَدْ في الأجْوَدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ .
(p-٣٠١)﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾، أيْ: فَأعْلَمَ مُعْلِمٌ، قِيلَ: هو إسْرافِيلُ صاحِبُ الصُّورِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ يُسْمِعُ الفَرِيقَيْنِ تَفْرِيحًا وتَبْرِيحًا، وقِيلَ: مَلَكٌ غَيْرُهُ مُعَيَّنٌ، ودَخَلَ طاوُسٌ عَلى هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ فَقالَ لَهُ: احْذَرْ يَوْمَ الأذانِ فَقالَ: وما يَوْمُ الأذانِ قالَ: يَوْمَ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ الآيَةَ فَصَعِقَ هِشامٌ فَقالَ طاوُسٌ: هَذا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ المُعايَنَةِ. وبَيْنَهم: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لـِ ”أذَّنَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَذِّنٍ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، وقَرَأ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ والبَزِّيُّ (أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ) بِتَثْقِيلِ (أنَّ) ونَصْبِ (لَعْنَةَ)، وعِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ (إنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتَّثْقِيلِ ونَصْبِ (لَعْنَةَ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ أذَّنَ مَجْرى قالَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (أنْ) بِفْتَحِ الهَمْزَةِ خَفِيفَةَ النُّونِ، ورَفْعِ (لَعْنَةُ) عَلى الِابْتِداءِ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ و﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ، وهَذا الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ هو حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِهِمُ السّابِقِ، والمَعْنى: الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم وقْتَ الأذانِ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِهَذا الوَصْفِ، والمَعْنِيُّ بِالظُّلْمِ الكُفّارُ، ويَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ عامٌّ في الكافِرِ والفاسِقِ قَوْلُهُ أخِيرًا ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾؛ لِأنَّ الفاسِقَ لَيْسَ كافِرًا بِالآخِرَةِ، بَلْ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ بِها.
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾، أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وبِهَذا بَدَأ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ وفُسِّرَ الحِجابُ بِأنَّهُ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ويُقَوِّي أنَّهُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظُ بَيْنَهم إذْ هو ضَمِيرُ العُقَلاءِ، ولا يَحِيلُ ضَرْبُ السُّورِ بَعْدُ ما بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ في السَّماءِ، والنّارُ أسْفَلُ السّافِلِينَ.
﴿وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾، أيْ: وعَلى أعْرافِ الحِجابِ وهو السُّورُ المَضْرُوبُ ﴿رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ مِن فَرِيقَيِ الجَنَّةِ والنّارِ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي مَيَّزَهُمُ اللَّهُ بِها مِنِ ابْيِضاضِ وُجُوهٍ واسْوِدادِ وُجُوهٍ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَلاماتِ، أوْ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ مَعْرِفَتَها، والأعْرافُ: تَلٌّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: حِجابٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ: هو أُحُدٌ مُمَثَّلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، رُوِيَ هَذا في حَدِيثٍ، وفي آخَرَ «إنَّ أُحُدًا عَلى رُكْنٍ مِن أرْكانِ الجَنَّةِ»، وقِيلَ: أعالِي السُّورِ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والرِّجالُ قَوْمٌ تَساوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهم وقَفُوا هُنالِكَ ما شاءَ اللَّهُ، لَمْ تَبْلُغْ حَسَناتُهم بِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ ولا سَيِّئاتُهم دُخُولَ النّارِ، ورُوِيَ في مُسْنَدِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ فِيهِ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ»، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ، وأبُو هُرَيْرَةَ، قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أيْضًا: هم (p-٣٠٢)قَوْمٌ أبْطَأتْ بِهِمْ صَغائِرُهم إلى آخِرِ النّاسِ، وقِيلَ: غُزاةٌ جاهَدُوا مِن غَيْرِ إذْنِ والِدَيْهِمْ فَقُتِلُوا في المَعْرَكَةِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ أنَّهم حُبِسُوا عَنِ الجَنَّةِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ وأعْتَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ النّارِ؛ لِأنَّهم قُتِلُوا في سَبِيلِهِ، وقِيلَ: قَوْمٌ رَضِيَ عَنْهم آباؤُهم دُونَ أُمَّهاتِهِمْ، أوْ بِالعَكْسِ، وقِيلَ: هم أوْلادُ الزِّنا، وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الَّذِينَ كانُوا في الأسْرِ ولَمْ يُبَدِّلُوا دِينَهم، وقِيلَ: عُلَماءٌ شَكُّوا في أرْزاقِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن آخِرِهِمْ دُخُولًا في الجَنَّةِ لِقُصُورِ أعْمالِهِمْ كَأنَّهُمُ المُرْجِئُونَ لِأمْرِ اللَّهِ يُحْبَسُونَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ إلى أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واللّازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ عَلى أعْرافِ ذَلِكَ السُّورِ، أوْ عَلى مَواضِعَ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ رِجالًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَتَأخَّرُ دُخُولُهم، ويَقَعُ لَهم ما وُصِفَ مِنَ الِاعْتِبارِ في الفَرِيقَيْنِ، ويَعْرِفُونَ كُلًّا بِعَلامَتِهِمْ وهي بَياضُ الوُجُوهِ وحُسْنُها في أهْلِ الجَنَّةِ وسَوادُها وقُبْحُها في أهْلِ النّارِ. انْتَهى. والأقْوالُ السّابِقَةُ تَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ في التَّخْصِيصِ، والجَيِّدُ مِنها هو الأوَّلُ لِحَدِيثِ جابِرٍ ولِتَفْسِيرِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وهَذِهِ الأقْوالُ هي عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الأعْرافَ هو بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وفي شَعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:
؎وآخَرُونَ عَلى الأعْرافِ قَدْ طَمِعُوا في جَنَّةٍ حَفَّها الرُّمّانُ والخَضِرُ
وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ الصِّراطُ، وقِيلَ: مَوْضِعٌ عَلى الصِّراطِ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَبَلٌ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلاها واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في تَفْسِيرِ (رِجالٌ)، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: مَلائِكَةٌ في صُوَرِ رِجالٍ ذُكُورٍ وسُمُّوا رِجالًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: هم فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ وعُلَماؤُهم، وقِيلَ: هُمُ الشُّهَداءُ وقالَهُ الكِرْمانِيُّ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ: هو أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، وقِيلَ: حَمْزَةُ والعَبّاسُ، وعَلِيٌّ، وجَعْفَرٌ الطَّيّارُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ.
﴿ونادَوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ونادَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ عائِدٌ عَلى الرِّجالِ الَّذِينَ عَلى الأعْرافِ، وعَلى هَذا لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الضَّمائِرُ لِلْأنْبِياءِ ولا لِشَيْءٍ مِمّا فُسِّرَ بِهِ أنَّهم عَلى جَبَلٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، أوْ أعْلى الجَنَّةِ، وفي غايَةِ البُعْدِ ما تُئُوِّلَ مِن ذَلِكَ لِيَصِحَّ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأقْوالِ أنَّهم أُجْلِسُوا عَلى تِلْكَ الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ لِيُشاهِدُوا أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ فَيَلْحَقُهُمُ السُّرُورُ بِتِلْكَ الأحْوالِ، ثُمَّ إذا اسْتَقَرَّ الفَرِيقانِ نُقِلُوا إلى أمْكِنَتِهِمُ الَّتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ، فَمَعْنى ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ لَمْ يَدْخُلُوا مَنازِلَهُمُ المُعَدَّةَ لَهم فِيها، ومَعْنى ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَتَيَقَّنُونَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الزُّلْفى، وقَدْ جاءَ الطَّمَعُ بِمَعْنى اليَقِينِ قالَ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وطَمَعُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقِينٌ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وإنِّي لَأطْمَعُ أنَّ الإلَهَ ∗∗∗ قَدِيرٌ بِحُسْنِ يَقِينِي يَقِينِي
وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأعْرافَ جَبَلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ القاضِي والجُبّائِيُّ وقالا: هو فاسِدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِدُخُولِها وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ أقْوامٍ لا يَسْتَحِقُّونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِمَحْضِ الفَضْلِ لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ، ولِأنَّ كَوْنَهم مِن أهْلِ الأعْرافِ يَدُلُّ عَلى مَيْزِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ القِيامَةِ فَإنَّ إجْلاسَهم عَلى الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ العالِيَةِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالأشْرافِ ومَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ دَرَجَتُهُ قاصِرَةٌ لا يَلِيقُ بِهِمْ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ونُودُوا خِطابٌ مَعَ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أهْلُ الجَنَّةِ كَذَلِكَ، وعَنِ الثّانِي أجْلَسَهم (p-٣٠٣)لا لِلتَّشْرِيفِ، بَلْ لِأنَّها كالمَرْتَبَةِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ و﴿أنْ سَلامٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ (أنْ) تَكُونُ تَفْسِيرِيَّةً ومُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولَمْ يَدْخُلُوها حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: ناداهم وهم في هَذِهِ الحالِ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ، وهم يَطْمَعُونَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، أيْ: نادَوْا أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرَ داخِلِيها، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم طامِعُونَ في دُخُولِها قالَ مَعْناهُ أبُو البَقاءِ، وقِيلَ: المَعْنى ونادى أصْحابُ الأعْرافِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِالسَّلامِ وهم قَدْ دَخَلُوا الجَنَّةَ، وأهْلُ الأعْرافِ لَمْ يَدْخُلُوها فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ”ونادَوُا“ العائِدِ عَلى أهْلِ الأعْرافِ فَقَطْ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهِ ما جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّمَعَ في قُلُوبِهِمْ إلّا لِخَيْرٍ أرادَهُ بِهِمْ، وهَذا هو الأظْهَرُ والألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا: إنَّما طَمِعَ أصْحابُ الأعْرافِ؛ لِأنَّ النُّورَ الَّذِي كانَ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُطْفَأْ حِينَ طُفِئَ نُورُ ما بِأيْدِي المُنافِقِينَ، وقِيلَ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ﴿يَدْخُلُوها﴾، والمَعْنى: لَمْ يَدْخُلُوها في حالِ طَمَعٍ لَها، بَلْ كانُوا في حالِ يَأْسٍ وخَوْفٍ، لَكِنْ عَمَّهم عَفْوُ اللَّهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ قُلْتُ: لا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّهُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ لَهُ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ اسْتَأْخَرَ عَنْ دُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ فَلَمْ يَدْخُلُوها لِكَوْنِهِمْ مَحْبُوسِينَ، وهم يَطْمَعُونَ لَمْ يَيْأسُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأنْ يَقَعَ صِفَةً. انْتَهى. وهَذا تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِجُمْلَةِ ونادَوْا ولَيْسَتْ جُمْلَةَ اعْتِراضٍ، وقَرَأ ابْنُ النَّحْوِيِّ وهم طامِعُونَ، وقَرَأ إيادُ بْنُ لَقِيطٍ وهم ساخِطُونَ، وقَرَأ الأعْمَشُ وإذا قُلِّبَتْ أبْصارُهم، والضَّمِيرُ في أبْصارِهِمْ عائِدٌ عَلى رِجالِ الأعْرافِ يُسَلِّمُونَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ وإذا نَظَرُوا إلى أهْلِ النّارِ دَعَوُا اللَّهَ في التَّخَلُّصِ مِنها. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ الجَنَّةِ وهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿صُرِفَتْ﴾ دَلِيلٌ أنَّ أكْثَرَ أحْوالِهِمُ النَّظَرُ إلى تِلْقاءِ أصْحابِ الجَنَّةِ، وأنَّ نَظَرَهم إلى أصْحابِ النّارِ هو بِكَوْنِهِمْ صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَهم، فَلَيْسَ الصَّرْفُ مِن قِبَلِهِمْ، بَلْ هم مَحْمُولُونَ عَلَيْهِ مَفْعُولٌ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ المُطَّلَعَ مَخُوفٌ مِن سَماعِهِ فَضْلًا عَنْ رُؤْيَتِهِ فَضَلًا عَنِ التَّلَبُّسِ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهم إذا حُمِلُوا عَلى صَرْفِ أبْصارِهِمْ ورَأوْا ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ اسْتَغاثُوا بِرَبِّهِمْ مِن أنْ يَجْعَلَهم مَعَهم، ولَفْظَةُ (رَبَّنا) مُشْعِرَةٌ بِوَصْفِهِ تَعالى بِأنَّهُ مُصْلِحُهم وسَيِّدُهم وهم عَبِيدٌ، فَبِالدُّعاءِ بِهِ طَلَبُ رَحْمَتِهِ واسْتِعْطافُ كَرَمِهِ.
الأعراف 7:48
﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِّداءُ وأُولَئِكَ الرِّجالُ في النّارِ، ومَعْرِفَتُهم إيّاهم في الدُّنْيا بِعَلاماتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم يُحْمَلُونَ إلى النّارِ وسِيماهم تَسْوِيدُ الوَجْهِ وتَشْوِيهُ الخَلْقِ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: المَلائِكَةُ تُنادِي رِجالًا في النّارِ، وهَذا عَلى تَفْسِيرِهِ أنَّ الأعْرافَ هم مَلائِكَةٌ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهم آدَمِيُّونَ، ولَفْظُ ﴿رِجالًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: يُنادِي أصْحابُ الأعْرافِ رُؤَساءَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ امْتِحاءِ صُوَرِهِمْ بِالنّارِ يا ولِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ يا عاصِي بْنَ وائِلٍ يا عُتْبَةُ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ يا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ يا أُبَيُّ بْنَ خَلَفٍ يا سائِرَ رُؤَساءِ الكُفّارِ ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم في الدُّنْيا - المالُ والوَلَدُ والأجْنادُ والحُجّابُ والجُيُوشُ - وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ. انْتَهى. و﴿ما أغْنى﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وقِيلَ: نافِيَةٌ و”ما“ في و﴿ما كُنْتُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧] مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: وكَوْنُكم تَسْتَكْبِرُونَ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ تَسْتَكْثِرُونَ بِالثّاءِ مُثَلَّثَةً مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ مَقُولِ أهْلِ الأعْرافِ وتَكُونُ الإشارَةُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ الرُّؤَساءُ يَسْتَهِينُونَ بِهِمْ ويُحَقِّرُونَهم لِفَقْرِهِمْ وقِلَّةِ حُظُوظِهِمْ في الدُّنْيا وكانُوا يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ تَعالى لا يُدْخِلُهُمُ (p-٣٠٤)الجَنَّةَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ، قالَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ، والَّذِينَ خُوطِبُوا أهْلُ النّارِ، والمَعْنى: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ الضُّعَفاءُ في الدُّنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْبَأُ بِهِمْ قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللَّهِ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النّارِ، قالَ النَّقّاشُ لَمّا وبَّخُوهم بِقَوْلِهِمْ ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ﴾ أقْسَمَ أهْلُ النّارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النّارَ مَعَهم فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴿أهَؤُلاءِ﴾، ثُمَّ نادى أهْلُ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الأعْرافِ والقائِلُونَ هم أصْحابُ الأعْرافِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مُخاطَبَةِ أنْفُسِهِمْ فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ . قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَ الكُفّارُ يَحْلِفُونَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ والقائِلُ إمّا اللَّهُ وإمّا المَلائِكَةُ، وقِيلَ: المُشارُ بِهَؤُلاءِ أصْحابُ الأعْرافِ والقائِلُ مالِكٌ خازِنُ النّارِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ وهُمُ القائِلُونَ ﴿أهَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ مَجِيءُ قَوْلِ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءٌ وشُهَداءٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ: (أدْخِلُوا) مِن أدْخَلَ، أيْ: أدْخِلُوا أنْفُسَكم، أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلْمَلائِكَةِ، ثُمَّ خاطَبَ بَعْدُ البَشَرَ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ دَخَلُوا إخْبارًا بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ ﴿ادْخُلُوا﴾ خَبَرًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ: مَقُولًا لَهم لا خَوْفٌ عَلَيْكم، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ لِأهْلِ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بَعْدَ أنْ يُحْبَسُوا عَلى الأعْرافِ ويَنْظُرُوا إلى الفَرِيقَيْنِ ويَعْرِفُوهم بِسِيماهم ويَقُولُوا ما يَقُولُونَ، وفائِدَةُ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، وأنَّ التَّقَدُّمَ والتَّأخُّرَ عَلى حَسَبِها، وأنَّ أحَدًا لا يَسْبِقُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إلّا بِسَبْقِهِ مِنَ العَمَلِ ولا يَتَخَلَّفُهُ إلّا بِتَخَلُّفِهِ، ولِيَرْغَبَ السّامِعُونَ في حالِ السّابِقَيْنِ ويَحْرِصُوا عَلى إحْرازِ قَصَبِهِمْ، وأنَّ كُلًّا يَعْرِفُ ذَلِكَ اليَوْمَ بِسِيماهُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ أنْ يُوسَمَ بِها مِن أهْلِ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيَرْتَدِعَ المُسِيءُ عَنْ إساءَتِهِ ويَزِيدَ المُحْسِنُ في إحْسانِهِ ولِيُعْلَمَ أنَّ العُصاةَ يُوَبِّخُهم كُلُّ أحَدٍ حَتّى أقْصَرُ النّاسِ عَمَلًا. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ مِن بابِ الخَطابَةِ لا طائِلَ تَحْتَهُ وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَّفاعَةِ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ، ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَيَشْفَعَ لَهم، فَيُشَفَّعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ فَيَبْيَضُّونَ ويُسَمَّوْنَ مَساكِينَ الجَنَّةِ. قالَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.
﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾، وهَذا يَقْتَضِي سَماعَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَلامَ الآخَرِ، وهَذا جائِزٌ عَقْلًا عَلى بُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَهُما مِنَ العُلُوِّ والسُّفْلِ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ رُؤْيَةٍ واطِّلاعٍ مِنَ اللَّهِ وذَلِكَ أخْزى، وأنْكى لِلْكُفّارِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ الحِجابُ والسُّورُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ طَمِعَ أهْلُ النّارِ في الفَرَجِ (p-٣٠٥)بَعْدَ اليَأْسِ فَقالُوا: يا رَبِّ لَنا قَراباتٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَراباتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم قَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آخَرَ فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ وأخْبَرُوهم بِقَراباتِهِمْ فَيُنادِي الرَّجُلُ أخاهُ فَيَقُولُ يا أخِي قَدِ احْتَرَقْتُ فَأغِثْنِي فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ومُفَسِّرَةً، وكَلامُ ابْنُ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا النِّداءَ كانَ عَنْ رَجاءٍ وطَمَعِ حُصُولِ ذَلِكَ، وقالَ القاضِي هو مَعَ اليَأْسِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا دَوامَ عِقابِهِمْ، وأنَّهم لا يُفَتَّرُ عَنْهم ولَكِنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يَطْلُبُهُ كَما يُقالُ في المَثَلِ: الغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّبَدِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغْنِيهِ. انْتَهى. و﴿أفِيضُوا﴾ أمْكَنُ مِنَ اسْقُونا؛ لِأنَّها تَقْتَضِي التَّوْسِعَةَ، كَما يُقالُ أفاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، أيْ: وسَّعَها. وسُؤالُهُمُ الماءَ لِشِدَّةِ التِهابِهِمْ واحْتِراقِهِمْ؛ ولِأنَّ مِن عادَتِهِ إطْفاءَ النّارِ، أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ البَشَرِيَّةَ لا تَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ إذْ هو مُقَوِّيها، أوْ لِرَجائِهِمُ الرَّحْمَةَ بِأكْلِ طَعامٍ و(أوْ) عَلى بابِها مِن كَوْنِهِمْ سَألُوا أحَدَ الشَّيْئَيْنِ وأتى ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عامًّا، والعَطْفُ بـِ أوْ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلَ لا يَنْدَرِجُ في العُمُومِ، وقِيلَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما، وقِيلَ: المَعْنى حَرَّمَ كُلًّا مِنهُما فـَ أوْ عَلى بابِها وما رَزَقَكُمُ اللَّهُ عامٌّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّعامُ والفاكِهَةُ والأشْرِبَةُ غَيْرَ الماءِ، وتَخْصِيصُهُ بِالثَّمَرَةِ، أوْ بِالطَّعامِ، أوْ غَيْرِ الماءِ مِنَ الأشْرِبَةِ، أقْوالٌ ثانِيها لِلسُّدِّيِّ وثالِثُها لِلزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ لِدُخُولِهِ في حُكْمِ الإفاضَةِ فَقالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ كَقَوْلِهِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وإنَّما يَطْلُبُونَ ذَلِكَ مَعَ يَأْسِهِمْ مِنَ الإجابَةِ إلَيْهِ حَيْرَةً في أمْرِهِمْ كَما يَفْعَلُهُ المُضْطَرُّ المُمْتَحَنُ. انْتَهى وقَوْلُهُ وإنَّما يَطْلُبُونَ إلى آخِرِهِ هو كَلامُ القاضِي، وقَدْ قَدَّمْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدَهُما: أنْ يَكُونَ ﴿أفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] ضِمْنَ مَعْنى ألْقُوا ﴿عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فَيَصِحُّ العَطْفُ، ويُحْتَمَلُ وهو الظّاهِرُ مِن كَلامِهِ أنْ يَكُونَ أضْمَرَ فِعْلًا بَعْدَ (أوْ) يَصِلُ إلى ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ وهو ألْقُوا وهُما مَذْهَبانِ لِلنُّحاةِ فِيما عُطِفَ عَلى شَيْءٍ بِحَرْفِ عَطْفٍ، والفِعْلُ لا يَصِلُ إلَيْهِ والصَّحِيحُ مِنهُما التَّضْمِينُ لا الإضْمارُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى التَّحْرِيمِ هُنا المَنعُ كَما قالَ:
؎حَرامٌ عَلى عَيْنَيَّ أنْ تَطْعَما الكَرى
وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في الأنْعامِ.
﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَمّا يَفْعَلُ بِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَماعَةٌ يَتْرُكُهم في العَذابِ كَما تَرَكُوا النَّظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ. وقالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَّرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ النّاسِينَ الَّذِينَ يَنْسَوْنَ عَبِيدَهم مِنَ الخَيْرِ لا يَذْكُرُونَهم بِهِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ كَما فَعَلُوا بِلِقائِهِ فِعْلَ النّاسِينَ فَلَمْ يُخْطِرُوهُ بِبالِهِمْ ولَمْ يَهْتَمُّوا بِهِ، وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ أيْضًا والأكْثَرُونَ: ”نَتْرُكُهم في عَذابِهِمْ كَما تَرَكُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ“ . انْتَهى. وإنْ قُدِّرَ النِّسْيانُ بِمَعْنى الذُّهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ فَهو في جِهَةِ اللَّهِ بِتَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَّنْبِ ﴿وما كانُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما نَسُوا، وما فِيهِما مَصْدَرِيَّةٌ ويَظْهَرُ أنَّ الكافَ في ”كَما“ لِلتَّعْلِيلِ.
﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿ولَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ويَكُونُ الكِتابُ (p-٣٠٦)عَلى هَذا جِنْسًا، أيْ: ﴿بِكِتابٍ﴾ إلَهِيٍّ إذِ الضَّمِيرُ عامٌّ في الكُفّارِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الضَّمِيرُ لِمُكَذِّبِي مُحَمَّدٍ ﷺ وهو ابْتِداءُ كَلامٍ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ والكِتابُ هو القُرْآنُ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ عالِمِينَ كَيْفِيَّةَ تَفْصِيلِهِ مِن أحْكامٍ ومَواعِظَ وقِصَصٍ وسائِرِ مَعانِيهِ، وقِيلَ: ﴿فَصَّلْناهُ﴾ بِإيضاحِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ: نَزَّلْناهُ في فُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ فَضَّلْناهُ بِالضّادِ المَنقُوطَةِ، والمَعْنى: فَضَّلْناهُ عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ عالِمِينَ بِأنَّهُ أهْلٌ لِلتَّفْضِيلِ عَلَيْها، وفي التَّحْرِيرِ أنَّهُ فُضِّلَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ بِثَلاثِينَ خَصْلَةً لَمْ تَكُنْ في غَيْرِهِ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ صِفَةٌ لِكِتابٍ، وعَلى عِلْمٍ الظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿فَصَّلْناهُ﴾، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ وانْتَصَبَ ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ عَلى الحالِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”هُدًى ورَحْمَةٍ“ بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن كِتابٍ، أوِ النَّعْتِ وعَلى النَّعْتِ لِكِتابٍ خَرَّجَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ رَحِمَهُما اللَّهُ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾، أيْ: مَآلُ أمْرِهِ وعاقِبَتِهِ. قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَآلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ في الدُّنْيا كَوَقْعَةِ بَدْرٍ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن تَبْيِينِ صِدْقِهِ وظُهُورِ صِحَّتِهِ ما نَطَقَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ الوَعِيدِ، والتَّأْوِيلُ مادَّتُهُ هَمْزَةٌ وواوٌ ولامٌ مِن آلَ يَئُولُ، وقالَ الخَطّابِيُّ: أوَّلْتُ الشَّيْءَ رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ فاللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأوَّلِ. انْتَهى وهو خَطَأٌ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾، أيْ: يَظْهَرُ عاقِبَةُ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْألُ تارِكُو أتْباعِ الرَّسُولِ هَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ سُؤالًا عَنْ وجْهِ الخَلاصِ في وقْتِ أنْ لا خَلاصَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ولَمْ نُصَدِّقْهم، أوْ ولَمْ نَتَّبِعْهم ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ والرُّسُلُ هُنا الأنْبِياءُ أخْبَرُوا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ الَّذِي جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهم هو الحَقُّ. وقِيلَ: مَلائِكَةُ العَذابِ عِنْدَ المُعايَنَةِ ما أنْذَرُوا بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ بِرَفْعِ الدّالِ، (فَنَعْمَلَ) بِنَصْبِ اللّامِ عَطْفُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وتَقَدَّمَهُما اسْتِفْهامٌ فانْتَصَبَ الجَوابانِ، أيْ: هَلْ شُفَعاءُ لَنا فَيَشْفَعُوا لَنا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ، أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا، وقَرَأ الحَسَنُ: فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِنَصْبِ الدّالِ ورَفْعِ اللّامِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِرَفْعِهِما عَطَفَ ﴿فَنَعْمَلَ﴾ عَلى (نُرَدُّ)، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما، فَنَصَبَ أوْ (نُرَدَّ) عَطْفًا عَلى (فَيَشْفَعُوا لَنا) جَوابًا عَلى جَوابٍ فَيَكُونُ الشُّفَعاءُ في أحَدِ أمْرَيْنِ إمّا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وإمّا مِنَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا لِاسْتِئْنافِ العَمَلِ الصّالِحِ وتَكُونُ الشَّفاعَةُ قَدِ انْسَحَبَتْ عَلى الرَّدِّ، أوِ الخَلاصِ و(فَنَعْمَلُ) عَطْفٌ عَلى فَنُرَدُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (أوْ نُرَدُّ) مِن بابِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي عَلى تَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ ذَلِكَ حَتّى تَقْضِيَنِي حَقِّي، أوْ كَيْ تَقْضِيَنِي حَقِّي فَجَعَلَ اللُّزُومَ مُغَيًّا بِقَضاءِ حَقِّهِ، أوْ مَعْلُولًا لَهُ لِقَضاءِ حَقِّهِ، وتَكُونُ الشَّفاعَةُ إذْ ذاكَ في الرَّدِّ فَقَطْ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ سِيبَوَيْهِ ألا إنِّي لَألْزَمَنَّكَ إلّا أنْ تَقْضِيَنِي فَلَيْسَ يَظْهَرُ أنَّ مَعْنى ”أوْ“ مَعْنى إلّا هُنا إذْ يَصِيرُ المَعْنى هَلْ تَشْفَعُ لَنا شُفَعاءُ إلّا أنْ نُرَدَّ، وهَذا اسْتِثْناءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقَوْلُهم هَذا هَلْ هو مَعَ الرَّجاءِ، أوْ مَعَ اليَأْسِ فِيهِ الخِلافُ الَّذِي في نِدائِهِمْ ﴿أنْ أفِيضُوا﴾، قالَ القاضِي وهي تَدُلُّ عَلى حُكْمَيْنِ عَلى أنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ ولِذَلِكَ سَألُوا الرَّدَّ الثّانِي إنَّ أهْلَ الآخِرَةِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ خِلافًا لِلْمُجْبِرَةِ والنَّجّارِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ ما سَألُوا الرَّدَّ، بَلْ كانُوا يَتُوبُونَ ويُؤْمِنُونَ.
﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أيْ: خَسِرُوا في تِجارَةِ أنْفُسِهِمْ حَيْثُ ابْتاعُوا الخَسِيسَ الفانِي مِنَ الدُّنْيا بِالنَّفِيسِ الباقِي مِنَ الآخِرَةِ، وبَطَلَ عَنْهُمُ افْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ ولا أمَرَهم بِهِ وكَذَّبَهم في اتِّخاذِ آلِهَةٍ (p-٣٠٧)مِن دُونِ اللَّهِ.
الأعراف 7:49
﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِّداءُ وأُولَئِكَ الرِّجالُ في النّارِ، ومَعْرِفَتُهم إيّاهم في الدُّنْيا بِعَلاماتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم يُحْمَلُونَ إلى النّارِ وسِيماهم تَسْوِيدُ الوَجْهِ وتَشْوِيهُ الخَلْقِ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: المَلائِكَةُ تُنادِي رِجالًا في النّارِ، وهَذا عَلى تَفْسِيرِهِ أنَّ الأعْرافَ هم مَلائِكَةٌ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهم آدَمِيُّونَ، ولَفْظُ ﴿رِجالًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: يُنادِي أصْحابُ الأعْرافِ رُؤَساءَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ امْتِحاءِ صُوَرِهِمْ بِالنّارِ يا ولِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ يا عاصِي بْنَ وائِلٍ يا عُتْبَةُ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ يا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ يا أُبَيُّ بْنَ خَلَفٍ يا سائِرَ رُؤَساءِ الكُفّارِ ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم في الدُّنْيا - المالُ والوَلَدُ والأجْنادُ والحُجّابُ والجُيُوشُ - وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ. انْتَهى. و﴿ما أغْنى﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وقِيلَ: نافِيَةٌ و”ما“ في و﴿ما كُنْتُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧] مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: وكَوْنُكم تَسْتَكْبِرُونَ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ تَسْتَكْثِرُونَ بِالثّاءِ مُثَلَّثَةً مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ مَقُولِ أهْلِ الأعْرافِ وتَكُونُ الإشارَةُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ الرُّؤَساءُ يَسْتَهِينُونَ بِهِمْ ويُحَقِّرُونَهم لِفَقْرِهِمْ وقِلَّةِ حُظُوظِهِمْ في الدُّنْيا وكانُوا يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ تَعالى لا يُدْخِلُهُمُ (p-٣٠٤)الجَنَّةَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ، قالَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ، والَّذِينَ خُوطِبُوا أهْلُ النّارِ، والمَعْنى: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ الضُّعَفاءُ في الدُّنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْبَأُ بِهِمْ قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللَّهِ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النّارِ، قالَ النَّقّاشُ لَمّا وبَّخُوهم بِقَوْلِهِمْ ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ﴾ أقْسَمَ أهْلُ النّارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النّارَ مَعَهم فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴿أهَؤُلاءِ﴾، ثُمَّ نادى أهْلُ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الأعْرافِ والقائِلُونَ هم أصْحابُ الأعْرافِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مُخاطَبَةِ أنْفُسِهِمْ فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ . قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَ الكُفّارُ يَحْلِفُونَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ والقائِلُ إمّا اللَّهُ وإمّا المَلائِكَةُ، وقِيلَ: المُشارُ بِهَؤُلاءِ أصْحابُ الأعْرافِ والقائِلُ مالِكٌ خازِنُ النّارِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ وهُمُ القائِلُونَ ﴿أهَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ مَجِيءُ قَوْلِ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءٌ وشُهَداءٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ: (أدْخِلُوا) مِن أدْخَلَ، أيْ: أدْخِلُوا أنْفُسَكم، أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلْمَلائِكَةِ، ثُمَّ خاطَبَ بَعْدُ البَشَرَ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ دَخَلُوا إخْبارًا بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ ﴿ادْخُلُوا﴾ خَبَرًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ: مَقُولًا لَهم لا خَوْفٌ عَلَيْكم، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ لِأهْلِ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بَعْدَ أنْ يُحْبَسُوا عَلى الأعْرافِ ويَنْظُرُوا إلى الفَرِيقَيْنِ ويَعْرِفُوهم بِسِيماهم ويَقُولُوا ما يَقُولُونَ، وفائِدَةُ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، وأنَّ التَّقَدُّمَ والتَّأخُّرَ عَلى حَسَبِها، وأنَّ أحَدًا لا يَسْبِقُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إلّا بِسَبْقِهِ مِنَ العَمَلِ ولا يَتَخَلَّفُهُ إلّا بِتَخَلُّفِهِ، ولِيَرْغَبَ السّامِعُونَ في حالِ السّابِقَيْنِ ويَحْرِصُوا عَلى إحْرازِ قَصَبِهِمْ، وأنَّ كُلًّا يَعْرِفُ ذَلِكَ اليَوْمَ بِسِيماهُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ أنْ يُوسَمَ بِها مِن أهْلِ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيَرْتَدِعَ المُسِيءُ عَنْ إساءَتِهِ ويَزِيدَ المُحْسِنُ في إحْسانِهِ ولِيُعْلَمَ أنَّ العُصاةَ يُوَبِّخُهم كُلُّ أحَدٍ حَتّى أقْصَرُ النّاسِ عَمَلًا. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ مِن بابِ الخَطابَةِ لا طائِلَ تَحْتَهُ وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَّفاعَةِ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ، ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَيَشْفَعَ لَهم، فَيُشَفَّعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ فَيَبْيَضُّونَ ويُسَمَّوْنَ مَساكِينَ الجَنَّةِ. قالَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.
﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾، وهَذا يَقْتَضِي سَماعَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَلامَ الآخَرِ، وهَذا جائِزٌ عَقْلًا عَلى بُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَهُما مِنَ العُلُوِّ والسُّفْلِ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ رُؤْيَةٍ واطِّلاعٍ مِنَ اللَّهِ وذَلِكَ أخْزى، وأنْكى لِلْكُفّارِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ الحِجابُ والسُّورُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ طَمِعَ أهْلُ النّارِ في الفَرَجِ (p-٣٠٥)بَعْدَ اليَأْسِ فَقالُوا: يا رَبِّ لَنا قَراباتٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَراباتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم قَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آخَرَ فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ وأخْبَرُوهم بِقَراباتِهِمْ فَيُنادِي الرَّجُلُ أخاهُ فَيَقُولُ يا أخِي قَدِ احْتَرَقْتُ فَأغِثْنِي فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ومُفَسِّرَةً، وكَلامُ ابْنُ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا النِّداءَ كانَ عَنْ رَجاءٍ وطَمَعِ حُصُولِ ذَلِكَ، وقالَ القاضِي هو مَعَ اليَأْسِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا دَوامَ عِقابِهِمْ، وأنَّهم لا يُفَتَّرُ عَنْهم ولَكِنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يَطْلُبُهُ كَما يُقالُ في المَثَلِ: الغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّبَدِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغْنِيهِ. انْتَهى. و﴿أفِيضُوا﴾ أمْكَنُ مِنَ اسْقُونا؛ لِأنَّها تَقْتَضِي التَّوْسِعَةَ، كَما يُقالُ أفاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، أيْ: وسَّعَها. وسُؤالُهُمُ الماءَ لِشِدَّةِ التِهابِهِمْ واحْتِراقِهِمْ؛ ولِأنَّ مِن عادَتِهِ إطْفاءَ النّارِ، أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ البَشَرِيَّةَ لا تَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ إذْ هو مُقَوِّيها، أوْ لِرَجائِهِمُ الرَّحْمَةَ بِأكْلِ طَعامٍ و(أوْ) عَلى بابِها مِن كَوْنِهِمْ سَألُوا أحَدَ الشَّيْئَيْنِ وأتى ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عامًّا، والعَطْفُ بـِ أوْ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلَ لا يَنْدَرِجُ في العُمُومِ، وقِيلَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما، وقِيلَ: المَعْنى حَرَّمَ كُلًّا مِنهُما فـَ أوْ عَلى بابِها وما رَزَقَكُمُ اللَّهُ عامٌّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّعامُ والفاكِهَةُ والأشْرِبَةُ غَيْرَ الماءِ، وتَخْصِيصُهُ بِالثَّمَرَةِ، أوْ بِالطَّعامِ، أوْ غَيْرِ الماءِ مِنَ الأشْرِبَةِ، أقْوالٌ ثانِيها لِلسُّدِّيِّ وثالِثُها لِلزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ لِدُخُولِهِ في حُكْمِ الإفاضَةِ فَقالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ كَقَوْلِهِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وإنَّما يَطْلُبُونَ ذَلِكَ مَعَ يَأْسِهِمْ مِنَ الإجابَةِ إلَيْهِ حَيْرَةً في أمْرِهِمْ كَما يَفْعَلُهُ المُضْطَرُّ المُمْتَحَنُ. انْتَهى وقَوْلُهُ وإنَّما يَطْلُبُونَ إلى آخِرِهِ هو كَلامُ القاضِي، وقَدْ قَدَّمْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدَهُما: أنْ يَكُونَ ﴿أفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] ضِمْنَ مَعْنى ألْقُوا ﴿عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فَيَصِحُّ العَطْفُ، ويُحْتَمَلُ وهو الظّاهِرُ مِن كَلامِهِ أنْ يَكُونَ أضْمَرَ فِعْلًا بَعْدَ (أوْ) يَصِلُ إلى ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ وهو ألْقُوا وهُما مَذْهَبانِ لِلنُّحاةِ فِيما عُطِفَ عَلى شَيْءٍ بِحَرْفِ عَطْفٍ، والفِعْلُ لا يَصِلُ إلَيْهِ والصَّحِيحُ مِنهُما التَّضْمِينُ لا الإضْمارُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى التَّحْرِيمِ هُنا المَنعُ كَما قالَ:
؎حَرامٌ عَلى عَيْنَيَّ أنْ تَطْعَما الكَرى
وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في الأنْعامِ.
﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَمّا يَفْعَلُ بِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَماعَةٌ يَتْرُكُهم في العَذابِ كَما تَرَكُوا النَّظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ. وقالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَّرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ النّاسِينَ الَّذِينَ يَنْسَوْنَ عَبِيدَهم مِنَ الخَيْرِ لا يَذْكُرُونَهم بِهِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ كَما فَعَلُوا بِلِقائِهِ فِعْلَ النّاسِينَ فَلَمْ يُخْطِرُوهُ بِبالِهِمْ ولَمْ يَهْتَمُّوا بِهِ، وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ أيْضًا والأكْثَرُونَ: ”نَتْرُكُهم في عَذابِهِمْ كَما تَرَكُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ“ . انْتَهى. وإنْ قُدِّرَ النِّسْيانُ بِمَعْنى الذُّهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ فَهو في جِهَةِ اللَّهِ بِتَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَّنْبِ ﴿وما كانُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما نَسُوا، وما فِيهِما مَصْدَرِيَّةٌ ويَظْهَرُ أنَّ الكافَ في ”كَما“ لِلتَّعْلِيلِ.
﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿ولَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ويَكُونُ الكِتابُ (p-٣٠٦)عَلى هَذا جِنْسًا، أيْ: ﴿بِكِتابٍ﴾ إلَهِيٍّ إذِ الضَّمِيرُ عامٌّ في الكُفّارِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الضَّمِيرُ لِمُكَذِّبِي مُحَمَّدٍ ﷺ وهو ابْتِداءُ كَلامٍ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ والكِتابُ هو القُرْآنُ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ عالِمِينَ كَيْفِيَّةَ تَفْصِيلِهِ مِن أحْكامٍ ومَواعِظَ وقِصَصٍ وسائِرِ مَعانِيهِ، وقِيلَ: ﴿فَصَّلْناهُ﴾ بِإيضاحِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ: نَزَّلْناهُ في فُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ فَضَّلْناهُ بِالضّادِ المَنقُوطَةِ، والمَعْنى: فَضَّلْناهُ عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ عالِمِينَ بِأنَّهُ أهْلٌ لِلتَّفْضِيلِ عَلَيْها، وفي التَّحْرِيرِ أنَّهُ فُضِّلَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ بِثَلاثِينَ خَصْلَةً لَمْ تَكُنْ في غَيْرِهِ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ صِفَةٌ لِكِتابٍ، وعَلى عِلْمٍ الظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿فَصَّلْناهُ﴾، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ وانْتَصَبَ ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ عَلى الحالِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”هُدًى ورَحْمَةٍ“ بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن كِتابٍ، أوِ النَّعْتِ وعَلى النَّعْتِ لِكِتابٍ خَرَّجَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ رَحِمَهُما اللَّهُ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾، أيْ: مَآلُ أمْرِهِ وعاقِبَتِهِ. قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَآلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ في الدُّنْيا كَوَقْعَةِ بَدْرٍ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن تَبْيِينِ صِدْقِهِ وظُهُورِ صِحَّتِهِ ما نَطَقَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ الوَعِيدِ، والتَّأْوِيلُ مادَّتُهُ هَمْزَةٌ وواوٌ ولامٌ مِن آلَ يَئُولُ، وقالَ الخَطّابِيُّ: أوَّلْتُ الشَّيْءَ رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ فاللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأوَّلِ. انْتَهى وهو خَطَأٌ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾، أيْ: يَظْهَرُ عاقِبَةُ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْألُ تارِكُو أتْباعِ الرَّسُولِ هَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ سُؤالًا عَنْ وجْهِ الخَلاصِ في وقْتِ أنْ لا خَلاصَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ولَمْ نُصَدِّقْهم، أوْ ولَمْ نَتَّبِعْهم ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ والرُّسُلُ هُنا الأنْبِياءُ أخْبَرُوا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ الَّذِي جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهم هو الحَقُّ. وقِيلَ: مَلائِكَةُ العَذابِ عِنْدَ المُعايَنَةِ ما أنْذَرُوا بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ بِرَفْعِ الدّالِ، (فَنَعْمَلَ) بِنَصْبِ اللّامِ عَطْفُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وتَقَدَّمَهُما اسْتِفْهامٌ فانْتَصَبَ الجَوابانِ، أيْ: هَلْ شُفَعاءُ لَنا فَيَشْفَعُوا لَنا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ، أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا، وقَرَأ الحَسَنُ: فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِنَصْبِ الدّالِ ورَفْعِ اللّامِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِرَفْعِهِما عَطَفَ ﴿فَنَعْمَلَ﴾ عَلى (نُرَدُّ)، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما، فَنَصَبَ أوْ (نُرَدَّ) عَطْفًا عَلى (فَيَشْفَعُوا لَنا) جَوابًا عَلى جَوابٍ فَيَكُونُ الشُّفَعاءُ في أحَدِ أمْرَيْنِ إمّا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وإمّا مِنَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا لِاسْتِئْنافِ العَمَلِ الصّالِحِ وتَكُونُ الشَّفاعَةُ قَدِ انْسَحَبَتْ عَلى الرَّدِّ، أوِ الخَلاصِ و(فَنَعْمَلُ) عَطْفٌ عَلى فَنُرَدُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (أوْ نُرَدُّ) مِن بابِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي عَلى تَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ ذَلِكَ حَتّى تَقْضِيَنِي حَقِّي، أوْ كَيْ تَقْضِيَنِي حَقِّي فَجَعَلَ اللُّزُومَ مُغَيًّا بِقَضاءِ حَقِّهِ، أوْ مَعْلُولًا لَهُ لِقَضاءِ حَقِّهِ، وتَكُونُ الشَّفاعَةُ إذْ ذاكَ في الرَّدِّ فَقَطْ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ سِيبَوَيْهِ ألا إنِّي لَألْزَمَنَّكَ إلّا أنْ تَقْضِيَنِي فَلَيْسَ يَظْهَرُ أنَّ مَعْنى ”أوْ“ مَعْنى إلّا هُنا إذْ يَصِيرُ المَعْنى هَلْ تَشْفَعُ لَنا شُفَعاءُ إلّا أنْ نُرَدَّ، وهَذا اسْتِثْناءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقَوْلُهم هَذا هَلْ هو مَعَ الرَّجاءِ، أوْ مَعَ اليَأْسِ فِيهِ الخِلافُ الَّذِي في نِدائِهِمْ ﴿أنْ أفِيضُوا﴾، قالَ القاضِي وهي تَدُلُّ عَلى حُكْمَيْنِ عَلى أنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ ولِذَلِكَ سَألُوا الرَّدَّ الثّانِي إنَّ أهْلَ الآخِرَةِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ خِلافًا لِلْمُجْبِرَةِ والنَّجّارِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ ما سَألُوا الرَّدَّ، بَلْ كانُوا يَتُوبُونَ ويُؤْمِنُونَ.
﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أيْ: خَسِرُوا في تِجارَةِ أنْفُسِهِمْ حَيْثُ ابْتاعُوا الخَسِيسَ الفانِي مِنَ الدُّنْيا بِالنَّفِيسِ الباقِي مِنَ الآخِرَةِ، وبَطَلَ عَنْهُمُ افْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ ولا أمَرَهم بِهِ وكَذَّبَهم في اتِّخاذِ آلِهَةٍ (p-٣٠٧)مِن دُونِ اللَّهِ.
الأعراف 7:50
﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِّداءُ وأُولَئِكَ الرِّجالُ في النّارِ، ومَعْرِفَتُهم إيّاهم في الدُّنْيا بِعَلاماتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم يُحْمَلُونَ إلى النّارِ وسِيماهم تَسْوِيدُ الوَجْهِ وتَشْوِيهُ الخَلْقِ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: المَلائِكَةُ تُنادِي رِجالًا في النّارِ، وهَذا عَلى تَفْسِيرِهِ أنَّ الأعْرافَ هم مَلائِكَةٌ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهم آدَمِيُّونَ، ولَفْظُ ﴿رِجالًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: يُنادِي أصْحابُ الأعْرافِ رُؤَساءَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ امْتِحاءِ صُوَرِهِمْ بِالنّارِ يا ولِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ يا عاصِي بْنَ وائِلٍ يا عُتْبَةُ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ يا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ يا أُبَيُّ بْنَ خَلَفٍ يا سائِرَ رُؤَساءِ الكُفّارِ ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم في الدُّنْيا - المالُ والوَلَدُ والأجْنادُ والحُجّابُ والجُيُوشُ - وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ. انْتَهى. و﴿ما أغْنى﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وقِيلَ: نافِيَةٌ و”ما“ في و﴿ما كُنْتُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧] مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: وكَوْنُكم تَسْتَكْبِرُونَ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ تَسْتَكْثِرُونَ بِالثّاءِ مُثَلَّثَةً مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ مَقُولِ أهْلِ الأعْرافِ وتَكُونُ الإشارَةُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ الرُّؤَساءُ يَسْتَهِينُونَ بِهِمْ ويُحَقِّرُونَهم لِفَقْرِهِمْ وقِلَّةِ حُظُوظِهِمْ في الدُّنْيا وكانُوا يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ تَعالى لا يُدْخِلُهُمُ (p-٣٠٤)الجَنَّةَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ، قالَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ، والَّذِينَ خُوطِبُوا أهْلُ النّارِ، والمَعْنى: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ الضُّعَفاءُ في الدُّنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْبَأُ بِهِمْ قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللَّهِ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النّارِ، قالَ النَّقّاشُ لَمّا وبَّخُوهم بِقَوْلِهِمْ ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ﴾ أقْسَمَ أهْلُ النّارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النّارَ مَعَهم فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴿أهَؤُلاءِ﴾، ثُمَّ نادى أهْلُ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الأعْرافِ والقائِلُونَ هم أصْحابُ الأعْرافِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مُخاطَبَةِ أنْفُسِهِمْ فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ . قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَ الكُفّارُ يَحْلِفُونَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ والقائِلُ إمّا اللَّهُ وإمّا المَلائِكَةُ، وقِيلَ: المُشارُ بِهَؤُلاءِ أصْحابُ الأعْرافِ والقائِلُ مالِكٌ خازِنُ النّارِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ وهُمُ القائِلُونَ ﴿أهَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ مَجِيءُ قَوْلِ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءٌ وشُهَداءٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ: (أدْخِلُوا) مِن أدْخَلَ، أيْ: أدْخِلُوا أنْفُسَكم، أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلْمَلائِكَةِ، ثُمَّ خاطَبَ بَعْدُ البَشَرَ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ دَخَلُوا إخْبارًا بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ ﴿ادْخُلُوا﴾ خَبَرًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ: مَقُولًا لَهم لا خَوْفٌ عَلَيْكم، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ لِأهْلِ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بَعْدَ أنْ يُحْبَسُوا عَلى الأعْرافِ ويَنْظُرُوا إلى الفَرِيقَيْنِ ويَعْرِفُوهم بِسِيماهم ويَقُولُوا ما يَقُولُونَ، وفائِدَةُ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، وأنَّ التَّقَدُّمَ والتَّأخُّرَ عَلى حَسَبِها، وأنَّ أحَدًا لا يَسْبِقُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إلّا بِسَبْقِهِ مِنَ العَمَلِ ولا يَتَخَلَّفُهُ إلّا بِتَخَلُّفِهِ، ولِيَرْغَبَ السّامِعُونَ في حالِ السّابِقَيْنِ ويَحْرِصُوا عَلى إحْرازِ قَصَبِهِمْ، وأنَّ كُلًّا يَعْرِفُ ذَلِكَ اليَوْمَ بِسِيماهُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ أنْ يُوسَمَ بِها مِن أهْلِ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيَرْتَدِعَ المُسِيءُ عَنْ إساءَتِهِ ويَزِيدَ المُحْسِنُ في إحْسانِهِ ولِيُعْلَمَ أنَّ العُصاةَ يُوَبِّخُهم كُلُّ أحَدٍ حَتّى أقْصَرُ النّاسِ عَمَلًا. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ مِن بابِ الخَطابَةِ لا طائِلَ تَحْتَهُ وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَّفاعَةِ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ، ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَيَشْفَعَ لَهم، فَيُشَفَّعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ فَيَبْيَضُّونَ ويُسَمَّوْنَ مَساكِينَ الجَنَّةِ. قالَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.
﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾، وهَذا يَقْتَضِي سَماعَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَلامَ الآخَرِ، وهَذا جائِزٌ عَقْلًا عَلى بُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَهُما مِنَ العُلُوِّ والسُّفْلِ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ رُؤْيَةٍ واطِّلاعٍ مِنَ اللَّهِ وذَلِكَ أخْزى، وأنْكى لِلْكُفّارِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ الحِجابُ والسُّورُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ طَمِعَ أهْلُ النّارِ في الفَرَجِ (p-٣٠٥)بَعْدَ اليَأْسِ فَقالُوا: يا رَبِّ لَنا قَراباتٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَراباتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم قَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آخَرَ فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ وأخْبَرُوهم بِقَراباتِهِمْ فَيُنادِي الرَّجُلُ أخاهُ فَيَقُولُ يا أخِي قَدِ احْتَرَقْتُ فَأغِثْنِي فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ومُفَسِّرَةً، وكَلامُ ابْنُ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا النِّداءَ كانَ عَنْ رَجاءٍ وطَمَعِ حُصُولِ ذَلِكَ، وقالَ القاضِي هو مَعَ اليَأْسِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا دَوامَ عِقابِهِمْ، وأنَّهم لا يُفَتَّرُ عَنْهم ولَكِنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يَطْلُبُهُ كَما يُقالُ في المَثَلِ: الغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّبَدِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغْنِيهِ. انْتَهى. و﴿أفِيضُوا﴾ أمْكَنُ مِنَ اسْقُونا؛ لِأنَّها تَقْتَضِي التَّوْسِعَةَ، كَما يُقالُ أفاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، أيْ: وسَّعَها. وسُؤالُهُمُ الماءَ لِشِدَّةِ التِهابِهِمْ واحْتِراقِهِمْ؛ ولِأنَّ مِن عادَتِهِ إطْفاءَ النّارِ، أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ البَشَرِيَّةَ لا تَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ إذْ هو مُقَوِّيها، أوْ لِرَجائِهِمُ الرَّحْمَةَ بِأكْلِ طَعامٍ و(أوْ) عَلى بابِها مِن كَوْنِهِمْ سَألُوا أحَدَ الشَّيْئَيْنِ وأتى ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عامًّا، والعَطْفُ بـِ أوْ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلَ لا يَنْدَرِجُ في العُمُومِ، وقِيلَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما، وقِيلَ: المَعْنى حَرَّمَ كُلًّا مِنهُما فـَ أوْ عَلى بابِها وما رَزَقَكُمُ اللَّهُ عامٌّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّعامُ والفاكِهَةُ والأشْرِبَةُ غَيْرَ الماءِ، وتَخْصِيصُهُ بِالثَّمَرَةِ، أوْ بِالطَّعامِ، أوْ غَيْرِ الماءِ مِنَ الأشْرِبَةِ، أقْوالٌ ثانِيها لِلسُّدِّيِّ وثالِثُها لِلزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ لِدُخُولِهِ في حُكْمِ الإفاضَةِ فَقالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ كَقَوْلِهِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وإنَّما يَطْلُبُونَ ذَلِكَ مَعَ يَأْسِهِمْ مِنَ الإجابَةِ إلَيْهِ حَيْرَةً في أمْرِهِمْ كَما يَفْعَلُهُ المُضْطَرُّ المُمْتَحَنُ. انْتَهى وقَوْلُهُ وإنَّما يَطْلُبُونَ إلى آخِرِهِ هو كَلامُ القاضِي، وقَدْ قَدَّمْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدَهُما: أنْ يَكُونَ ﴿أفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] ضِمْنَ مَعْنى ألْقُوا ﴿عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فَيَصِحُّ العَطْفُ، ويُحْتَمَلُ وهو الظّاهِرُ مِن كَلامِهِ أنْ يَكُونَ أضْمَرَ فِعْلًا بَعْدَ (أوْ) يَصِلُ إلى ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ وهو ألْقُوا وهُما مَذْهَبانِ لِلنُّحاةِ فِيما عُطِفَ عَلى شَيْءٍ بِحَرْفِ عَطْفٍ، والفِعْلُ لا يَصِلُ إلَيْهِ والصَّحِيحُ مِنهُما التَّضْمِينُ لا الإضْمارُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى التَّحْرِيمِ هُنا المَنعُ كَما قالَ:
؎حَرامٌ عَلى عَيْنَيَّ أنْ تَطْعَما الكَرى
وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في الأنْعامِ.
﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَمّا يَفْعَلُ بِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَماعَةٌ يَتْرُكُهم في العَذابِ كَما تَرَكُوا النَّظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ. وقالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَّرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ النّاسِينَ الَّذِينَ يَنْسَوْنَ عَبِيدَهم مِنَ الخَيْرِ لا يَذْكُرُونَهم بِهِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ كَما فَعَلُوا بِلِقائِهِ فِعْلَ النّاسِينَ فَلَمْ يُخْطِرُوهُ بِبالِهِمْ ولَمْ يَهْتَمُّوا بِهِ، وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ أيْضًا والأكْثَرُونَ: ”نَتْرُكُهم في عَذابِهِمْ كَما تَرَكُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ“ . انْتَهى. وإنْ قُدِّرَ النِّسْيانُ بِمَعْنى الذُّهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ فَهو في جِهَةِ اللَّهِ بِتَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَّنْبِ ﴿وما كانُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما نَسُوا، وما فِيهِما مَصْدَرِيَّةٌ ويَظْهَرُ أنَّ الكافَ في ”كَما“ لِلتَّعْلِيلِ.
﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿ولَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ويَكُونُ الكِتابُ (p-٣٠٦)عَلى هَذا جِنْسًا، أيْ: ﴿بِكِتابٍ﴾ إلَهِيٍّ إذِ الضَّمِيرُ عامٌّ في الكُفّارِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الضَّمِيرُ لِمُكَذِّبِي مُحَمَّدٍ ﷺ وهو ابْتِداءُ كَلامٍ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ والكِتابُ هو القُرْآنُ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ عالِمِينَ كَيْفِيَّةَ تَفْصِيلِهِ مِن أحْكامٍ ومَواعِظَ وقِصَصٍ وسائِرِ مَعانِيهِ، وقِيلَ: ﴿فَصَّلْناهُ﴾ بِإيضاحِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ: نَزَّلْناهُ في فُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ فَضَّلْناهُ بِالضّادِ المَنقُوطَةِ، والمَعْنى: فَضَّلْناهُ عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ عالِمِينَ بِأنَّهُ أهْلٌ لِلتَّفْضِيلِ عَلَيْها، وفي التَّحْرِيرِ أنَّهُ فُضِّلَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ بِثَلاثِينَ خَصْلَةً لَمْ تَكُنْ في غَيْرِهِ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ صِفَةٌ لِكِتابٍ، وعَلى عِلْمٍ الظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿فَصَّلْناهُ﴾، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ وانْتَصَبَ ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ عَلى الحالِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”هُدًى ورَحْمَةٍ“ بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن كِتابٍ، أوِ النَّعْتِ وعَلى النَّعْتِ لِكِتابٍ خَرَّجَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ رَحِمَهُما اللَّهُ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾، أيْ: مَآلُ أمْرِهِ وعاقِبَتِهِ. قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَآلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ في الدُّنْيا كَوَقْعَةِ بَدْرٍ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن تَبْيِينِ صِدْقِهِ وظُهُورِ صِحَّتِهِ ما نَطَقَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ الوَعِيدِ، والتَّأْوِيلُ مادَّتُهُ هَمْزَةٌ وواوٌ ولامٌ مِن آلَ يَئُولُ، وقالَ الخَطّابِيُّ: أوَّلْتُ الشَّيْءَ رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ فاللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأوَّلِ. انْتَهى وهو خَطَأٌ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾، أيْ: يَظْهَرُ عاقِبَةُ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْألُ تارِكُو أتْباعِ الرَّسُولِ هَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ سُؤالًا عَنْ وجْهِ الخَلاصِ في وقْتِ أنْ لا خَلاصَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ولَمْ نُصَدِّقْهم، أوْ ولَمْ نَتَّبِعْهم ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ والرُّسُلُ هُنا الأنْبِياءُ أخْبَرُوا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ الَّذِي جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهم هو الحَقُّ. وقِيلَ: مَلائِكَةُ العَذابِ عِنْدَ المُعايَنَةِ ما أنْذَرُوا بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ بِرَفْعِ الدّالِ، (فَنَعْمَلَ) بِنَصْبِ اللّامِ عَطْفُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وتَقَدَّمَهُما اسْتِفْهامٌ فانْتَصَبَ الجَوابانِ، أيْ: هَلْ شُفَعاءُ لَنا فَيَشْفَعُوا لَنا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ، أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا، وقَرَأ الحَسَنُ: فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِنَصْبِ الدّالِ ورَفْعِ اللّامِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِرَفْعِهِما عَطَفَ ﴿فَنَعْمَلَ﴾ عَلى (نُرَدُّ)، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما، فَنَصَبَ أوْ (نُرَدَّ) عَطْفًا عَلى (فَيَشْفَعُوا لَنا) جَوابًا عَلى جَوابٍ فَيَكُونُ الشُّفَعاءُ في أحَدِ أمْرَيْنِ إمّا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وإمّا مِنَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا لِاسْتِئْنافِ العَمَلِ الصّالِحِ وتَكُونُ الشَّفاعَةُ قَدِ انْسَحَبَتْ عَلى الرَّدِّ، أوِ الخَلاصِ و(فَنَعْمَلُ) عَطْفٌ عَلى فَنُرَدُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (أوْ نُرَدُّ) مِن بابِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي عَلى تَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ ذَلِكَ حَتّى تَقْضِيَنِي حَقِّي، أوْ كَيْ تَقْضِيَنِي حَقِّي فَجَعَلَ اللُّزُومَ مُغَيًّا بِقَضاءِ حَقِّهِ، أوْ مَعْلُولًا لَهُ لِقَضاءِ حَقِّهِ، وتَكُونُ الشَّفاعَةُ إذْ ذاكَ في الرَّدِّ فَقَطْ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ سِيبَوَيْهِ ألا إنِّي لَألْزَمَنَّكَ إلّا أنْ تَقْضِيَنِي فَلَيْسَ يَظْهَرُ أنَّ مَعْنى ”أوْ“ مَعْنى إلّا هُنا إذْ يَصِيرُ المَعْنى هَلْ تَشْفَعُ لَنا شُفَعاءُ إلّا أنْ نُرَدَّ، وهَذا اسْتِثْناءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقَوْلُهم هَذا هَلْ هو مَعَ الرَّجاءِ، أوْ مَعَ اليَأْسِ فِيهِ الخِلافُ الَّذِي في نِدائِهِمْ ﴿أنْ أفِيضُوا﴾، قالَ القاضِي وهي تَدُلُّ عَلى حُكْمَيْنِ عَلى أنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ ولِذَلِكَ سَألُوا الرَّدَّ الثّانِي إنَّ أهْلَ الآخِرَةِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ خِلافًا لِلْمُجْبِرَةِ والنَّجّارِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ ما سَألُوا الرَّدَّ، بَلْ كانُوا يَتُوبُونَ ويُؤْمِنُونَ.
﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أيْ: خَسِرُوا في تِجارَةِ أنْفُسِهِمْ حَيْثُ ابْتاعُوا الخَسِيسَ الفانِي مِنَ الدُّنْيا بِالنَّفِيسِ الباقِي مِنَ الآخِرَةِ، وبَطَلَ عَنْهُمُ افْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ ولا أمَرَهم بِهِ وكَذَّبَهم في اتِّخاذِ آلِهَةٍ (p-٣٠٧)مِن دُونِ اللَّهِ.
الأعراف 7:51
﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِّداءُ وأُولَئِكَ الرِّجالُ في النّارِ، ومَعْرِفَتُهم إيّاهم في الدُّنْيا بِعَلاماتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم يُحْمَلُونَ إلى النّارِ وسِيماهم تَسْوِيدُ الوَجْهِ وتَشْوِيهُ الخَلْقِ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: المَلائِكَةُ تُنادِي رِجالًا في النّارِ، وهَذا عَلى تَفْسِيرِهِ أنَّ الأعْرافَ هم مَلائِكَةٌ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهم آدَمِيُّونَ، ولَفْظُ ﴿رِجالًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: يُنادِي أصْحابُ الأعْرافِ رُؤَساءَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ امْتِحاءِ صُوَرِهِمْ بِالنّارِ يا ولِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ يا عاصِي بْنَ وائِلٍ يا عُتْبَةُ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ يا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ يا أُبَيُّ بْنَ خَلَفٍ يا سائِرَ رُؤَساءِ الكُفّارِ ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم في الدُّنْيا - المالُ والوَلَدُ والأجْنادُ والحُجّابُ والجُيُوشُ - وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ. انْتَهى. و﴿ما أغْنى﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وقِيلَ: نافِيَةٌ و”ما“ في و﴿ما كُنْتُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧] مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: وكَوْنُكم تَسْتَكْبِرُونَ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ تَسْتَكْثِرُونَ بِالثّاءِ مُثَلَّثَةً مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ مَقُولِ أهْلِ الأعْرافِ وتَكُونُ الإشارَةُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ الرُّؤَساءُ يَسْتَهِينُونَ بِهِمْ ويُحَقِّرُونَهم لِفَقْرِهِمْ وقِلَّةِ حُظُوظِهِمْ في الدُّنْيا وكانُوا يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ تَعالى لا يُدْخِلُهُمُ (p-٣٠٤)الجَنَّةَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ، قالَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ، والَّذِينَ خُوطِبُوا أهْلُ النّارِ، والمَعْنى: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ الضُّعَفاءُ في الدُّنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْبَأُ بِهِمْ قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللَّهِ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النّارِ، قالَ النَّقّاشُ لَمّا وبَّخُوهم بِقَوْلِهِمْ ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ﴾ أقْسَمَ أهْلُ النّارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النّارَ مَعَهم فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴿أهَؤُلاءِ﴾، ثُمَّ نادى أهْلُ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الأعْرافِ والقائِلُونَ هم أصْحابُ الأعْرافِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مُخاطَبَةِ أنْفُسِهِمْ فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ . قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَ الكُفّارُ يَحْلِفُونَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ والقائِلُ إمّا اللَّهُ وإمّا المَلائِكَةُ، وقِيلَ: المُشارُ بِهَؤُلاءِ أصْحابُ الأعْرافِ والقائِلُ مالِكٌ خازِنُ النّارِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ وهُمُ القائِلُونَ ﴿أهَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ مَجِيءُ قَوْلِ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءٌ وشُهَداءٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ: (أدْخِلُوا) مِن أدْخَلَ، أيْ: أدْخِلُوا أنْفُسَكم، أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلْمَلائِكَةِ، ثُمَّ خاطَبَ بَعْدُ البَشَرَ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ دَخَلُوا إخْبارًا بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ ﴿ادْخُلُوا﴾ خَبَرًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ: مَقُولًا لَهم لا خَوْفٌ عَلَيْكم، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ لِأهْلِ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بَعْدَ أنْ يُحْبَسُوا عَلى الأعْرافِ ويَنْظُرُوا إلى الفَرِيقَيْنِ ويَعْرِفُوهم بِسِيماهم ويَقُولُوا ما يَقُولُونَ، وفائِدَةُ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، وأنَّ التَّقَدُّمَ والتَّأخُّرَ عَلى حَسَبِها، وأنَّ أحَدًا لا يَسْبِقُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إلّا بِسَبْقِهِ مِنَ العَمَلِ ولا يَتَخَلَّفُهُ إلّا بِتَخَلُّفِهِ، ولِيَرْغَبَ السّامِعُونَ في حالِ السّابِقَيْنِ ويَحْرِصُوا عَلى إحْرازِ قَصَبِهِمْ، وأنَّ كُلًّا يَعْرِفُ ذَلِكَ اليَوْمَ بِسِيماهُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ أنْ يُوسَمَ بِها مِن أهْلِ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيَرْتَدِعَ المُسِيءُ عَنْ إساءَتِهِ ويَزِيدَ المُحْسِنُ في إحْسانِهِ ولِيُعْلَمَ أنَّ العُصاةَ يُوَبِّخُهم كُلُّ أحَدٍ حَتّى أقْصَرُ النّاسِ عَمَلًا. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ مِن بابِ الخَطابَةِ لا طائِلَ تَحْتَهُ وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَّفاعَةِ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ، ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَيَشْفَعَ لَهم، فَيُشَفَّعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ فَيَبْيَضُّونَ ويُسَمَّوْنَ مَساكِينَ الجَنَّةِ. قالَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.
﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾، وهَذا يَقْتَضِي سَماعَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَلامَ الآخَرِ، وهَذا جائِزٌ عَقْلًا عَلى بُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَهُما مِنَ العُلُوِّ والسُّفْلِ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ رُؤْيَةٍ واطِّلاعٍ مِنَ اللَّهِ وذَلِكَ أخْزى، وأنْكى لِلْكُفّارِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ الحِجابُ والسُّورُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ طَمِعَ أهْلُ النّارِ في الفَرَجِ (p-٣٠٥)بَعْدَ اليَأْسِ فَقالُوا: يا رَبِّ لَنا قَراباتٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَراباتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم قَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آخَرَ فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ وأخْبَرُوهم بِقَراباتِهِمْ فَيُنادِي الرَّجُلُ أخاهُ فَيَقُولُ يا أخِي قَدِ احْتَرَقْتُ فَأغِثْنِي فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ومُفَسِّرَةً، وكَلامُ ابْنُ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا النِّداءَ كانَ عَنْ رَجاءٍ وطَمَعِ حُصُولِ ذَلِكَ، وقالَ القاضِي هو مَعَ اليَأْسِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا دَوامَ عِقابِهِمْ، وأنَّهم لا يُفَتَّرُ عَنْهم ولَكِنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يَطْلُبُهُ كَما يُقالُ في المَثَلِ: الغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّبَدِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغْنِيهِ. انْتَهى. و﴿أفِيضُوا﴾ أمْكَنُ مِنَ اسْقُونا؛ لِأنَّها تَقْتَضِي التَّوْسِعَةَ، كَما يُقالُ أفاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، أيْ: وسَّعَها. وسُؤالُهُمُ الماءَ لِشِدَّةِ التِهابِهِمْ واحْتِراقِهِمْ؛ ولِأنَّ مِن عادَتِهِ إطْفاءَ النّارِ، أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ البَشَرِيَّةَ لا تَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ إذْ هو مُقَوِّيها، أوْ لِرَجائِهِمُ الرَّحْمَةَ بِأكْلِ طَعامٍ و(أوْ) عَلى بابِها مِن كَوْنِهِمْ سَألُوا أحَدَ الشَّيْئَيْنِ وأتى ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عامًّا، والعَطْفُ بـِ أوْ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلَ لا يَنْدَرِجُ في العُمُومِ، وقِيلَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما، وقِيلَ: المَعْنى حَرَّمَ كُلًّا مِنهُما فـَ أوْ عَلى بابِها وما رَزَقَكُمُ اللَّهُ عامٌّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّعامُ والفاكِهَةُ والأشْرِبَةُ غَيْرَ الماءِ، وتَخْصِيصُهُ بِالثَّمَرَةِ، أوْ بِالطَّعامِ، أوْ غَيْرِ الماءِ مِنَ الأشْرِبَةِ، أقْوالٌ ثانِيها لِلسُّدِّيِّ وثالِثُها لِلزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ لِدُخُولِهِ في حُكْمِ الإفاضَةِ فَقالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ كَقَوْلِهِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وإنَّما يَطْلُبُونَ ذَلِكَ مَعَ يَأْسِهِمْ مِنَ الإجابَةِ إلَيْهِ حَيْرَةً في أمْرِهِمْ كَما يَفْعَلُهُ المُضْطَرُّ المُمْتَحَنُ. انْتَهى وقَوْلُهُ وإنَّما يَطْلُبُونَ إلى آخِرِهِ هو كَلامُ القاضِي، وقَدْ قَدَّمْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدَهُما: أنْ يَكُونَ ﴿أفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] ضِمْنَ مَعْنى ألْقُوا ﴿عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فَيَصِحُّ العَطْفُ، ويُحْتَمَلُ وهو الظّاهِرُ مِن كَلامِهِ أنْ يَكُونَ أضْمَرَ فِعْلًا بَعْدَ (أوْ) يَصِلُ إلى ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ وهو ألْقُوا وهُما مَذْهَبانِ لِلنُّحاةِ فِيما عُطِفَ عَلى شَيْءٍ بِحَرْفِ عَطْفٍ، والفِعْلُ لا يَصِلُ إلَيْهِ والصَّحِيحُ مِنهُما التَّضْمِينُ لا الإضْمارُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى التَّحْرِيمِ هُنا المَنعُ كَما قالَ:
؎حَرامٌ عَلى عَيْنَيَّ أنْ تَطْعَما الكَرى
وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في الأنْعامِ.
﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَمّا يَفْعَلُ بِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَماعَةٌ يَتْرُكُهم في العَذابِ كَما تَرَكُوا النَّظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ. وقالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَّرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ النّاسِينَ الَّذِينَ يَنْسَوْنَ عَبِيدَهم مِنَ الخَيْرِ لا يَذْكُرُونَهم بِهِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ كَما فَعَلُوا بِلِقائِهِ فِعْلَ النّاسِينَ فَلَمْ يُخْطِرُوهُ بِبالِهِمْ ولَمْ يَهْتَمُّوا بِهِ، وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ أيْضًا والأكْثَرُونَ: ”نَتْرُكُهم في عَذابِهِمْ كَما تَرَكُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ“ . انْتَهى. وإنْ قُدِّرَ النِّسْيانُ بِمَعْنى الذُّهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ فَهو في جِهَةِ اللَّهِ بِتَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَّنْبِ ﴿وما كانُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما نَسُوا، وما فِيهِما مَصْدَرِيَّةٌ ويَظْهَرُ أنَّ الكافَ في ”كَما“ لِلتَّعْلِيلِ.
﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿ولَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ويَكُونُ الكِتابُ (p-٣٠٦)عَلى هَذا جِنْسًا، أيْ: ﴿بِكِتابٍ﴾ إلَهِيٍّ إذِ الضَّمِيرُ عامٌّ في الكُفّارِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الضَّمِيرُ لِمُكَذِّبِي مُحَمَّدٍ ﷺ وهو ابْتِداءُ كَلامٍ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ والكِتابُ هو القُرْآنُ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ عالِمِينَ كَيْفِيَّةَ تَفْصِيلِهِ مِن أحْكامٍ ومَواعِظَ وقِصَصٍ وسائِرِ مَعانِيهِ، وقِيلَ: ﴿فَصَّلْناهُ﴾ بِإيضاحِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ: نَزَّلْناهُ في فُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ فَضَّلْناهُ بِالضّادِ المَنقُوطَةِ، والمَعْنى: فَضَّلْناهُ عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ عالِمِينَ بِأنَّهُ أهْلٌ لِلتَّفْضِيلِ عَلَيْها، وفي التَّحْرِيرِ أنَّهُ فُضِّلَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ بِثَلاثِينَ خَصْلَةً لَمْ تَكُنْ في غَيْرِهِ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ صِفَةٌ لِكِتابٍ، وعَلى عِلْمٍ الظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿فَصَّلْناهُ﴾، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ وانْتَصَبَ ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ عَلى الحالِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”هُدًى ورَحْمَةٍ“ بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن كِتابٍ، أوِ النَّعْتِ وعَلى النَّعْتِ لِكِتابٍ خَرَّجَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ رَحِمَهُما اللَّهُ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾، أيْ: مَآلُ أمْرِهِ وعاقِبَتِهِ. قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَآلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ في الدُّنْيا كَوَقْعَةِ بَدْرٍ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن تَبْيِينِ صِدْقِهِ وظُهُورِ صِحَّتِهِ ما نَطَقَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ الوَعِيدِ، والتَّأْوِيلُ مادَّتُهُ هَمْزَةٌ وواوٌ ولامٌ مِن آلَ يَئُولُ، وقالَ الخَطّابِيُّ: أوَّلْتُ الشَّيْءَ رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ فاللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأوَّلِ. انْتَهى وهو خَطَأٌ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾، أيْ: يَظْهَرُ عاقِبَةُ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْألُ تارِكُو أتْباعِ الرَّسُولِ هَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ سُؤالًا عَنْ وجْهِ الخَلاصِ في وقْتِ أنْ لا خَلاصَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ولَمْ نُصَدِّقْهم، أوْ ولَمْ نَتَّبِعْهم ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ والرُّسُلُ هُنا الأنْبِياءُ أخْبَرُوا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ الَّذِي جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهم هو الحَقُّ. وقِيلَ: مَلائِكَةُ العَذابِ عِنْدَ المُعايَنَةِ ما أنْذَرُوا بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ بِرَفْعِ الدّالِ، (فَنَعْمَلَ) بِنَصْبِ اللّامِ عَطْفُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وتَقَدَّمَهُما اسْتِفْهامٌ فانْتَصَبَ الجَوابانِ، أيْ: هَلْ شُفَعاءُ لَنا فَيَشْفَعُوا لَنا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ، أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا، وقَرَأ الحَسَنُ: فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِنَصْبِ الدّالِ ورَفْعِ اللّامِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِرَفْعِهِما عَطَفَ ﴿فَنَعْمَلَ﴾ عَلى (نُرَدُّ)، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما، فَنَصَبَ أوْ (نُرَدَّ) عَطْفًا عَلى (فَيَشْفَعُوا لَنا) جَوابًا عَلى جَوابٍ فَيَكُونُ الشُّفَعاءُ في أحَدِ أمْرَيْنِ إمّا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وإمّا مِنَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا لِاسْتِئْنافِ العَمَلِ الصّالِحِ وتَكُونُ الشَّفاعَةُ قَدِ انْسَحَبَتْ عَلى الرَّدِّ، أوِ الخَلاصِ و(فَنَعْمَلُ) عَطْفٌ عَلى فَنُرَدُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (أوْ نُرَدُّ) مِن بابِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي عَلى تَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ ذَلِكَ حَتّى تَقْضِيَنِي حَقِّي، أوْ كَيْ تَقْضِيَنِي حَقِّي فَجَعَلَ اللُّزُومَ مُغَيًّا بِقَضاءِ حَقِّهِ، أوْ مَعْلُولًا لَهُ لِقَضاءِ حَقِّهِ، وتَكُونُ الشَّفاعَةُ إذْ ذاكَ في الرَّدِّ فَقَطْ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ سِيبَوَيْهِ ألا إنِّي لَألْزَمَنَّكَ إلّا أنْ تَقْضِيَنِي فَلَيْسَ يَظْهَرُ أنَّ مَعْنى ”أوْ“ مَعْنى إلّا هُنا إذْ يَصِيرُ المَعْنى هَلْ تَشْفَعُ لَنا شُفَعاءُ إلّا أنْ نُرَدَّ، وهَذا اسْتِثْناءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقَوْلُهم هَذا هَلْ هو مَعَ الرَّجاءِ، أوْ مَعَ اليَأْسِ فِيهِ الخِلافُ الَّذِي في نِدائِهِمْ ﴿أنْ أفِيضُوا﴾، قالَ القاضِي وهي تَدُلُّ عَلى حُكْمَيْنِ عَلى أنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ ولِذَلِكَ سَألُوا الرَّدَّ الثّانِي إنَّ أهْلَ الآخِرَةِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ خِلافًا لِلْمُجْبِرَةِ والنَّجّارِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ ما سَألُوا الرَّدَّ، بَلْ كانُوا يَتُوبُونَ ويُؤْمِنُونَ.
﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أيْ: خَسِرُوا في تِجارَةِ أنْفُسِهِمْ حَيْثُ ابْتاعُوا الخَسِيسَ الفانِي مِنَ الدُّنْيا بِالنَّفِيسِ الباقِي مِنَ الآخِرَةِ، وبَطَلَ عَنْهُمُ افْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ ولا أمَرَهم بِهِ وكَذَّبَهم في اتِّخاذِ آلِهَةٍ (p-٣٠٧)مِن دُونِ اللَّهِ.
الأعراف 7:52
﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِّداءُ وأُولَئِكَ الرِّجالُ في النّارِ، ومَعْرِفَتُهم إيّاهم في الدُّنْيا بِعَلاماتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم يُحْمَلُونَ إلى النّارِ وسِيماهم تَسْوِيدُ الوَجْهِ وتَشْوِيهُ الخَلْقِ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: المَلائِكَةُ تُنادِي رِجالًا في النّارِ، وهَذا عَلى تَفْسِيرِهِ أنَّ الأعْرافَ هم مَلائِكَةٌ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهم آدَمِيُّونَ، ولَفْظُ ﴿رِجالًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: يُنادِي أصْحابُ الأعْرافِ رُؤَساءَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ امْتِحاءِ صُوَرِهِمْ بِالنّارِ يا ولِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ يا عاصِي بْنَ وائِلٍ يا عُتْبَةُ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ يا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ يا أُبَيُّ بْنَ خَلَفٍ يا سائِرَ رُؤَساءِ الكُفّارِ ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم في الدُّنْيا - المالُ والوَلَدُ والأجْنادُ والحُجّابُ والجُيُوشُ - وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ. انْتَهى. و﴿ما أغْنى﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وقِيلَ: نافِيَةٌ و”ما“ في و﴿ما كُنْتُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧] مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: وكَوْنُكم تَسْتَكْبِرُونَ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ تَسْتَكْثِرُونَ بِالثّاءِ مُثَلَّثَةً مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ مَقُولِ أهْلِ الأعْرافِ وتَكُونُ الإشارَةُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ الرُّؤَساءُ يَسْتَهِينُونَ بِهِمْ ويُحَقِّرُونَهم لِفَقْرِهِمْ وقِلَّةِ حُظُوظِهِمْ في الدُّنْيا وكانُوا يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ تَعالى لا يُدْخِلُهُمُ (p-٣٠٤)الجَنَّةَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ، قالَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ، والَّذِينَ خُوطِبُوا أهْلُ النّارِ، والمَعْنى: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ الضُّعَفاءُ في الدُّنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْبَأُ بِهِمْ قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللَّهِ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النّارِ، قالَ النَّقّاشُ لَمّا وبَّخُوهم بِقَوْلِهِمْ ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ﴾ أقْسَمَ أهْلُ النّارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النّارَ مَعَهم فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴿أهَؤُلاءِ﴾، ثُمَّ نادى أهْلُ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الأعْرافِ والقائِلُونَ هم أصْحابُ الأعْرافِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مُخاطَبَةِ أنْفُسِهِمْ فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ . قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَ الكُفّارُ يَحْلِفُونَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ والقائِلُ إمّا اللَّهُ وإمّا المَلائِكَةُ، وقِيلَ: المُشارُ بِهَؤُلاءِ أصْحابُ الأعْرافِ والقائِلُ مالِكٌ خازِنُ النّارِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ وهُمُ القائِلُونَ ﴿أهَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ مَجِيءُ قَوْلِ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءٌ وشُهَداءٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ: (أدْخِلُوا) مِن أدْخَلَ، أيْ: أدْخِلُوا أنْفُسَكم، أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلْمَلائِكَةِ، ثُمَّ خاطَبَ بَعْدُ البَشَرَ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ دَخَلُوا إخْبارًا بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ ﴿ادْخُلُوا﴾ خَبَرًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ: مَقُولًا لَهم لا خَوْفٌ عَلَيْكم، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ لِأهْلِ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بَعْدَ أنْ يُحْبَسُوا عَلى الأعْرافِ ويَنْظُرُوا إلى الفَرِيقَيْنِ ويَعْرِفُوهم بِسِيماهم ويَقُولُوا ما يَقُولُونَ، وفائِدَةُ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، وأنَّ التَّقَدُّمَ والتَّأخُّرَ عَلى حَسَبِها، وأنَّ أحَدًا لا يَسْبِقُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إلّا بِسَبْقِهِ مِنَ العَمَلِ ولا يَتَخَلَّفُهُ إلّا بِتَخَلُّفِهِ، ولِيَرْغَبَ السّامِعُونَ في حالِ السّابِقَيْنِ ويَحْرِصُوا عَلى إحْرازِ قَصَبِهِمْ، وأنَّ كُلًّا يَعْرِفُ ذَلِكَ اليَوْمَ بِسِيماهُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ أنْ يُوسَمَ بِها مِن أهْلِ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيَرْتَدِعَ المُسِيءُ عَنْ إساءَتِهِ ويَزِيدَ المُحْسِنُ في إحْسانِهِ ولِيُعْلَمَ أنَّ العُصاةَ يُوَبِّخُهم كُلُّ أحَدٍ حَتّى أقْصَرُ النّاسِ عَمَلًا. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ مِن بابِ الخَطابَةِ لا طائِلَ تَحْتَهُ وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَّفاعَةِ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ، ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَيَشْفَعَ لَهم، فَيُشَفَّعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ فَيَبْيَضُّونَ ويُسَمَّوْنَ مَساكِينَ الجَنَّةِ. قالَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.
﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾، وهَذا يَقْتَضِي سَماعَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَلامَ الآخَرِ، وهَذا جائِزٌ عَقْلًا عَلى بُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَهُما مِنَ العُلُوِّ والسُّفْلِ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ رُؤْيَةٍ واطِّلاعٍ مِنَ اللَّهِ وذَلِكَ أخْزى، وأنْكى لِلْكُفّارِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ الحِجابُ والسُّورُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ طَمِعَ أهْلُ النّارِ في الفَرَجِ (p-٣٠٥)بَعْدَ اليَأْسِ فَقالُوا: يا رَبِّ لَنا قَراباتٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَراباتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم قَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آخَرَ فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ وأخْبَرُوهم بِقَراباتِهِمْ فَيُنادِي الرَّجُلُ أخاهُ فَيَقُولُ يا أخِي قَدِ احْتَرَقْتُ فَأغِثْنِي فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ومُفَسِّرَةً، وكَلامُ ابْنُ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا النِّداءَ كانَ عَنْ رَجاءٍ وطَمَعِ حُصُولِ ذَلِكَ، وقالَ القاضِي هو مَعَ اليَأْسِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا دَوامَ عِقابِهِمْ، وأنَّهم لا يُفَتَّرُ عَنْهم ولَكِنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يَطْلُبُهُ كَما يُقالُ في المَثَلِ: الغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّبَدِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغْنِيهِ. انْتَهى. و﴿أفِيضُوا﴾ أمْكَنُ مِنَ اسْقُونا؛ لِأنَّها تَقْتَضِي التَّوْسِعَةَ، كَما يُقالُ أفاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، أيْ: وسَّعَها. وسُؤالُهُمُ الماءَ لِشِدَّةِ التِهابِهِمْ واحْتِراقِهِمْ؛ ولِأنَّ مِن عادَتِهِ إطْفاءَ النّارِ، أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ البَشَرِيَّةَ لا تَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ إذْ هو مُقَوِّيها، أوْ لِرَجائِهِمُ الرَّحْمَةَ بِأكْلِ طَعامٍ و(أوْ) عَلى بابِها مِن كَوْنِهِمْ سَألُوا أحَدَ الشَّيْئَيْنِ وأتى ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عامًّا، والعَطْفُ بـِ أوْ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلَ لا يَنْدَرِجُ في العُمُومِ، وقِيلَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما، وقِيلَ: المَعْنى حَرَّمَ كُلًّا مِنهُما فـَ أوْ عَلى بابِها وما رَزَقَكُمُ اللَّهُ عامٌّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّعامُ والفاكِهَةُ والأشْرِبَةُ غَيْرَ الماءِ، وتَخْصِيصُهُ بِالثَّمَرَةِ، أوْ بِالطَّعامِ، أوْ غَيْرِ الماءِ مِنَ الأشْرِبَةِ، أقْوالٌ ثانِيها لِلسُّدِّيِّ وثالِثُها لِلزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ لِدُخُولِهِ في حُكْمِ الإفاضَةِ فَقالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ كَقَوْلِهِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وإنَّما يَطْلُبُونَ ذَلِكَ مَعَ يَأْسِهِمْ مِنَ الإجابَةِ إلَيْهِ حَيْرَةً في أمْرِهِمْ كَما يَفْعَلُهُ المُضْطَرُّ المُمْتَحَنُ. انْتَهى وقَوْلُهُ وإنَّما يَطْلُبُونَ إلى آخِرِهِ هو كَلامُ القاضِي، وقَدْ قَدَّمْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدَهُما: أنْ يَكُونَ ﴿أفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] ضِمْنَ مَعْنى ألْقُوا ﴿عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فَيَصِحُّ العَطْفُ، ويُحْتَمَلُ وهو الظّاهِرُ مِن كَلامِهِ أنْ يَكُونَ أضْمَرَ فِعْلًا بَعْدَ (أوْ) يَصِلُ إلى ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ وهو ألْقُوا وهُما مَذْهَبانِ لِلنُّحاةِ فِيما عُطِفَ عَلى شَيْءٍ بِحَرْفِ عَطْفٍ، والفِعْلُ لا يَصِلُ إلَيْهِ والصَّحِيحُ مِنهُما التَّضْمِينُ لا الإضْمارُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى التَّحْرِيمِ هُنا المَنعُ كَما قالَ:
؎حَرامٌ عَلى عَيْنَيَّ أنْ تَطْعَما الكَرى
وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في الأنْعامِ.
﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَمّا يَفْعَلُ بِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَماعَةٌ يَتْرُكُهم في العَذابِ كَما تَرَكُوا النَّظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ. وقالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَّرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ النّاسِينَ الَّذِينَ يَنْسَوْنَ عَبِيدَهم مِنَ الخَيْرِ لا يَذْكُرُونَهم بِهِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ كَما فَعَلُوا بِلِقائِهِ فِعْلَ النّاسِينَ فَلَمْ يُخْطِرُوهُ بِبالِهِمْ ولَمْ يَهْتَمُّوا بِهِ، وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ أيْضًا والأكْثَرُونَ: ”نَتْرُكُهم في عَذابِهِمْ كَما تَرَكُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ“ . انْتَهى. وإنْ قُدِّرَ النِّسْيانُ بِمَعْنى الذُّهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ فَهو في جِهَةِ اللَّهِ بِتَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَّنْبِ ﴿وما كانُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما نَسُوا، وما فِيهِما مَصْدَرِيَّةٌ ويَظْهَرُ أنَّ الكافَ في ”كَما“ لِلتَّعْلِيلِ.
﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿ولَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ويَكُونُ الكِتابُ (p-٣٠٦)عَلى هَذا جِنْسًا، أيْ: ﴿بِكِتابٍ﴾ إلَهِيٍّ إذِ الضَّمِيرُ عامٌّ في الكُفّارِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الضَّمِيرُ لِمُكَذِّبِي مُحَمَّدٍ ﷺ وهو ابْتِداءُ كَلامٍ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ والكِتابُ هو القُرْآنُ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ عالِمِينَ كَيْفِيَّةَ تَفْصِيلِهِ مِن أحْكامٍ ومَواعِظَ وقِصَصٍ وسائِرِ مَعانِيهِ، وقِيلَ: ﴿فَصَّلْناهُ﴾ بِإيضاحِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ: نَزَّلْناهُ في فُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ فَضَّلْناهُ بِالضّادِ المَنقُوطَةِ، والمَعْنى: فَضَّلْناهُ عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ عالِمِينَ بِأنَّهُ أهْلٌ لِلتَّفْضِيلِ عَلَيْها، وفي التَّحْرِيرِ أنَّهُ فُضِّلَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ بِثَلاثِينَ خَصْلَةً لَمْ تَكُنْ في غَيْرِهِ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ صِفَةٌ لِكِتابٍ، وعَلى عِلْمٍ الظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿فَصَّلْناهُ﴾، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ وانْتَصَبَ ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ عَلى الحالِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”هُدًى ورَحْمَةٍ“ بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن كِتابٍ، أوِ النَّعْتِ وعَلى النَّعْتِ لِكِتابٍ خَرَّجَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ رَحِمَهُما اللَّهُ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾، أيْ: مَآلُ أمْرِهِ وعاقِبَتِهِ. قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَآلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ في الدُّنْيا كَوَقْعَةِ بَدْرٍ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن تَبْيِينِ صِدْقِهِ وظُهُورِ صِحَّتِهِ ما نَطَقَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ الوَعِيدِ، والتَّأْوِيلُ مادَّتُهُ هَمْزَةٌ وواوٌ ولامٌ مِن آلَ يَئُولُ، وقالَ الخَطّابِيُّ: أوَّلْتُ الشَّيْءَ رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ فاللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأوَّلِ. انْتَهى وهو خَطَأٌ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾، أيْ: يَظْهَرُ عاقِبَةُ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْألُ تارِكُو أتْباعِ الرَّسُولِ هَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ سُؤالًا عَنْ وجْهِ الخَلاصِ في وقْتِ أنْ لا خَلاصَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ولَمْ نُصَدِّقْهم، أوْ ولَمْ نَتَّبِعْهم ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ والرُّسُلُ هُنا الأنْبِياءُ أخْبَرُوا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ الَّذِي جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهم هو الحَقُّ. وقِيلَ: مَلائِكَةُ العَذابِ عِنْدَ المُعايَنَةِ ما أنْذَرُوا بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ بِرَفْعِ الدّالِ، (فَنَعْمَلَ) بِنَصْبِ اللّامِ عَطْفُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وتَقَدَّمَهُما اسْتِفْهامٌ فانْتَصَبَ الجَوابانِ، أيْ: هَلْ شُفَعاءُ لَنا فَيَشْفَعُوا لَنا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ، أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا، وقَرَأ الحَسَنُ: فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِنَصْبِ الدّالِ ورَفْعِ اللّامِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِرَفْعِهِما عَطَفَ ﴿فَنَعْمَلَ﴾ عَلى (نُرَدُّ)، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما، فَنَصَبَ أوْ (نُرَدَّ) عَطْفًا عَلى (فَيَشْفَعُوا لَنا) جَوابًا عَلى جَوابٍ فَيَكُونُ الشُّفَعاءُ في أحَدِ أمْرَيْنِ إمّا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وإمّا مِنَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا لِاسْتِئْنافِ العَمَلِ الصّالِحِ وتَكُونُ الشَّفاعَةُ قَدِ انْسَحَبَتْ عَلى الرَّدِّ، أوِ الخَلاصِ و(فَنَعْمَلُ) عَطْفٌ عَلى فَنُرَدُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (أوْ نُرَدُّ) مِن بابِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي عَلى تَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ ذَلِكَ حَتّى تَقْضِيَنِي حَقِّي، أوْ كَيْ تَقْضِيَنِي حَقِّي فَجَعَلَ اللُّزُومَ مُغَيًّا بِقَضاءِ حَقِّهِ، أوْ مَعْلُولًا لَهُ لِقَضاءِ حَقِّهِ، وتَكُونُ الشَّفاعَةُ إذْ ذاكَ في الرَّدِّ فَقَطْ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ سِيبَوَيْهِ ألا إنِّي لَألْزَمَنَّكَ إلّا أنْ تَقْضِيَنِي فَلَيْسَ يَظْهَرُ أنَّ مَعْنى ”أوْ“ مَعْنى إلّا هُنا إذْ يَصِيرُ المَعْنى هَلْ تَشْفَعُ لَنا شُفَعاءُ إلّا أنْ نُرَدَّ، وهَذا اسْتِثْناءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقَوْلُهم هَذا هَلْ هو مَعَ الرَّجاءِ، أوْ مَعَ اليَأْسِ فِيهِ الخِلافُ الَّذِي في نِدائِهِمْ ﴿أنْ أفِيضُوا﴾، قالَ القاضِي وهي تَدُلُّ عَلى حُكْمَيْنِ عَلى أنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ ولِذَلِكَ سَألُوا الرَّدَّ الثّانِي إنَّ أهْلَ الآخِرَةِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ خِلافًا لِلْمُجْبِرَةِ والنَّجّارِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ ما سَألُوا الرَّدَّ، بَلْ كانُوا يَتُوبُونَ ويُؤْمِنُونَ.
﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أيْ: خَسِرُوا في تِجارَةِ أنْفُسِهِمْ حَيْثُ ابْتاعُوا الخَسِيسَ الفانِي مِنَ الدُّنْيا بِالنَّفِيسِ الباقِي مِنَ الآخِرَةِ، وبَطَلَ عَنْهُمُ افْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ ولا أمَرَهم بِهِ وكَذَّبَهم في اتِّخاذِ آلِهَةٍ (p-٣٠٧)مِن دُونِ اللَّهِ.
الأعراف 7:53
﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النِّداءُ وأُولَئِكَ الرِّجالُ في النّارِ، ومَعْرِفَتُهم إيّاهم في الدُّنْيا بِعَلاماتٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وهم يُحْمَلُونَ إلى النّارِ وسِيماهم تَسْوِيدُ الوَجْهِ وتَشْوِيهُ الخَلْقِ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: المَلائِكَةُ تُنادِي رِجالًا في النّارِ، وهَذا عَلى تَفْسِيرِهِ أنَّ الأعْرافَ هم مَلائِكَةٌ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهم آدَمِيُّونَ، ولَفْظُ ﴿رِجالًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: يُنادِي أصْحابُ الأعْرافِ رُؤَساءَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ امْتِحاءِ صُوَرِهِمْ بِالنّارِ يا ولِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ يا أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ يا عاصِي بْنَ وائِلٍ يا عُتْبَةُ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ يا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ يا أُبَيُّ بْنَ خَلَفٍ يا سائِرَ رُؤَساءِ الكُفّارِ ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم في الدُّنْيا - المالُ والوَلَدُ والأجْنادُ والحُجّابُ والجُيُوشُ - وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإيمانِ. انْتَهى. و﴿ما أغْنى﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وقِيلَ: نافِيَةٌ و”ما“ في و﴿ما كُنْتُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧] مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: وكَوْنُكم تَسْتَكْبِرُونَ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ تَسْتَكْثِرُونَ بِالثّاءِ مُثَلَّثَةً مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ مَقُولِ أهْلِ الأعْرافِ وتَكُونُ الإشارَةُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ الرُّؤَساءُ يَسْتَهِينُونَ بِهِمْ ويُحَقِّرُونَهم لِفَقْرِهِمْ وقِلَّةِ حُظُوظِهِمْ في الدُّنْيا وكانُوا يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ تَعالى لا يُدْخِلُهُمُ (p-٣٠٤)الجَنَّةَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ، قالَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ والمُخاطَبُونَ هم أهْلُ الأعْرافِ، والَّذِينَ خُوطِبُوا أهْلُ النّارِ، والمَعْنى: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ الضُّعَفاءُ في الدُّنْيا الَّذِينَ حَلَفْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْبَأُ بِهِمْ قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ مِن كَلامِ مَلَكٍ بِأمْرِ اللَّهِ إشارَةً إلى أهْلِ الأعْرافِ ومُخاطَبَةً لِأهْلِ النّارِ، قالَ النَّقّاشُ لَمّا وبَّخُوهم بِقَوْلِهِمْ ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكُمْ﴾ أقْسَمَ أهْلُ النّارِ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ داخِلُونَ النّارَ مَعَهم فَنادَتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴿أهَؤُلاءِ﴾، ثُمَّ نادى أهْلُ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أهْلِ الأعْرافِ والقائِلُونَ هم أصْحابُ الأعْرافِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مُخاطَبَةِ أنْفُسِهِمْ فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ . قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَ الكُفّارُ يَحْلِفُونَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ والقائِلُ إمّا اللَّهُ وإمّا المَلائِكَةُ، وقِيلَ: المُشارُ بِهَؤُلاءِ أصْحابُ الأعْرافِ والقائِلُ مالِكٌ خازِنُ النّارِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: أهْلُ الأعْرافِ هُمُ المَلائِكَةُ وهُمُ القائِلُونَ ﴿أهَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى أهْلِ الجَنَّةِ، وكَذَلِكَ مَجِيءُ قَوْلِ مَن قالَ: أهْلُ الأعْرافِ أنْبِياءٌ وشُهَداءٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ: (أدْخِلُوا) مِن أدْخَلَ، أيْ: أدْخِلُوا أنْفُسَكم، أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلْمَلائِكَةِ، ثُمَّ خاطَبَ بَعْدُ البَشَرَ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ دَخَلُوا إخْبارًا بِفِعْلٍ ماضٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ ﴿ادْخُلُوا﴾ خَبَرًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ: مَقُولًا لَهم لا خَوْفٌ عَلَيْكم، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ لِأهْلِ الأعْرافِ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بَعْدَ أنْ يُحْبَسُوا عَلى الأعْرافِ ويَنْظُرُوا إلى الفَرِيقَيْنِ ويَعْرِفُوهم بِسِيماهم ويَقُولُوا ما يَقُولُونَ، وفائِدَةُ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، وأنَّ التَّقَدُّمَ والتَّأخُّرَ عَلى حَسَبِها، وأنَّ أحَدًا لا يَسْبِقُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إلّا بِسَبْقِهِ مِنَ العَمَلِ ولا يَتَخَلَّفُهُ إلّا بِتَخَلُّفِهِ، ولِيَرْغَبَ السّامِعُونَ في حالِ السّابِقَيْنِ ويَحْرِصُوا عَلى إحْرازِ قَصَبِهِمْ، وأنَّ كُلًّا يَعْرِفُ ذَلِكَ اليَوْمَ بِسِيماهُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ أنْ يُوسَمَ بِها مِن أهْلِ الخَيْرِ والشَّرِّ فَيَرْتَدِعَ المُسِيءُ عَنْ إساءَتِهِ ويَزِيدَ المُحْسِنُ في إحْسانِهِ ولِيُعْلَمَ أنَّ العُصاةَ يُوَبِّخُهم كُلُّ أحَدٍ حَتّى أقْصَرُ النّاسِ عَمَلًا. انْتَهى. وهو تَكْثِيرٌ مِن بابِ الخَطابَةِ لا طائِلَ تَحْتَهُ وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّ أهْلَ الأعْرافِ يَرْغَبُونَ في الشَّفاعَةِ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَدْفَعُهم إلى نُوحٍ، ثُمَّ يَتَدافَعُهُمُ الأنْبِياءُ حَتّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَيَشْفَعَ لَهم، فَيُشَفَّعُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُلْقَوْنَ في نَهْرِ الحَياةِ فَيَبْيَضُّونَ ويُسَمَّوْنَ مَساكِينَ الجَنَّةِ. قالَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ: لَيْتَ أنِّي مِن أهْلِ الأعْرافِ.
﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾، وهَذا يَقْتَضِي سَماعَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَلامَ الآخَرِ، وهَذا جائِزٌ عَقْلًا عَلى بُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَهُما مِنَ العُلُوِّ والسُّفْلِ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ رُؤْيَةٍ واطِّلاعٍ مِنَ اللَّهِ وذَلِكَ أخْزى، وأنْكى لِلْكُفّارِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وبَيْنَهُمُ الحِجابُ والسُّورُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا صارَ أصْحابُ الأعْرافِ إلى الجَنَّةِ طَمِعَ أهْلُ النّارِ في الفَرَجِ (p-٣٠٥)بَعْدَ اليَأْسِ فَقالُوا: يا رَبِّ لَنا قَراباتٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنا حَتّى نَراهم ونُكَلِّمَهم فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ وإلى ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فَعَرَفُوهم ونَظَرَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى قَراباتِهِمْ مِن أهْلِ جَهَنَّمَ فَلَمْ يَعْرِفُوهم قَدِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم وصارُوا خَلْقًا آخَرَ فَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأسْمائِهِمْ وأخْبَرُوهم بِقَراباتِهِمْ فَيُنادِي الرَّجُلُ أخاهُ فَيَقُولُ يا أخِي قَدِ احْتَرَقْتُ فَأغِثْنِي فَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ومُفَسِّرَةً، وكَلامُ ابْنُ عَبّاسٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا النِّداءَ كانَ عَنْ رَجاءٍ وطَمَعِ حُصُولِ ذَلِكَ، وقالَ القاضِي هو مَعَ اليَأْسِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا دَوامَ عِقابِهِمْ، وأنَّهم لا يُفَتَّرُ عَنْهم ولَكِنَّ اليائِسَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يَطْلُبُهُ كَما يُقالُ في المَثَلِ: الغَرِيقُ يَتَعَلَّقُ بِالزَّبَدِ، وإنْ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغْنِيهِ. انْتَهى. و﴿أفِيضُوا﴾ أمْكَنُ مِنَ اسْقُونا؛ لِأنَّها تَقْتَضِي التَّوْسِعَةَ، كَما يُقالُ أفاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، أيْ: وسَّعَها. وسُؤالُهُمُ الماءَ لِشِدَّةِ التِهابِهِمْ واحْتِراقِهِمْ؛ ولِأنَّ مِن عادَتِهِ إطْفاءَ النّارِ، أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ البَشَرِيَّةَ لا تَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعامِ إذْ هو مُقَوِّيها، أوْ لِرَجائِهِمُ الرَّحْمَةَ بِأكْلِ طَعامٍ و(أوْ) عَلى بابِها مِن كَوْنِهِمْ سَألُوا أحَدَ الشَّيْئَيْنِ وأتى ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ عامًّا، والعَطْفُ بـِ أوْ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلَ لا يَنْدَرِجُ في العُمُومِ، وقِيلَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما، وقِيلَ: المَعْنى حَرَّمَ كُلًّا مِنهُما فـَ أوْ عَلى بابِها وما رَزَقَكُمُ اللَّهُ عامٌّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّعامُ والفاكِهَةُ والأشْرِبَةُ غَيْرَ الماءِ، وتَخْصِيصُهُ بِالثَّمَرَةِ، أوْ بِالطَّعامِ، أوْ غَيْرِ الماءِ مِنَ الأشْرِبَةِ، أقْوالٌ ثانِيها لِلسُّدِّيِّ وثالِثُها لِلزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ لِدُخُولِهِ في حُكْمِ الإفاضَةِ فَقالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ كَقَوْلِهِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وإنَّما يَطْلُبُونَ ذَلِكَ مَعَ يَأْسِهِمْ مِنَ الإجابَةِ إلَيْهِ حَيْرَةً في أمْرِهِمْ كَما يَفْعَلُهُ المُضْطَرُّ المُمْتَحَنُ. انْتَهى وقَوْلُهُ وإنَّما يَطْلُبُونَ إلى آخِرِهِ هو كَلامُ القاضِي، وقَدْ قَدَّمْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وألْقُوا عَلَيْنا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعامِ والفاكِهَةِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدَهُما: أنْ يَكُونَ ﴿أفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] ضِمْنَ مَعْنى ألْقُوا ﴿عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فَيَصِحُّ العَطْفُ، ويُحْتَمَلُ وهو الظّاهِرُ مِن كَلامِهِ أنْ يَكُونَ أضْمَرَ فِعْلًا بَعْدَ (أوْ) يَصِلُ إلى ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ وهو ألْقُوا وهُما مَذْهَبانِ لِلنُّحاةِ فِيما عُطِفَ عَلى شَيْءٍ بِحَرْفِ عَطْفٍ، والفِعْلُ لا يَصِلُ إلَيْهِ والصَّحِيحُ مِنهُما التَّضْمِينُ لا الإضْمارُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى التَّحْرِيمِ هُنا المَنعُ كَما قالَ:
؎حَرامٌ عَلى عَيْنَيَّ أنْ تَطْعَما الكَرى
وإخْبارُهم بِذَلِكَ هو عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في الأنْعامِ.
﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ عَمّا يَفْعَلُ بِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَماعَةٌ يَتْرُكُهم في العَذابِ كَما تَرَكُوا النَّظَرَ لِلِقاءِ هَذا اليَوْمِ. وقالَ قَتادَةُ: نُسُوا مِنَ الخَيْرِ ولَمْ يُنْسَوْا مِنَ الشَّرِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ النّاسِينَ الَّذِينَ يَنْسَوْنَ عَبِيدَهم مِنَ الخَيْرِ لا يَذْكُرُونَهم بِهِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ كَما فَعَلُوا بِلِقائِهِ فِعْلَ النّاسِينَ فَلَمْ يُخْطِرُوهُ بِبالِهِمْ ولَمْ يَهْتَمُّوا بِهِ، وقالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ أيْضًا والأكْثَرُونَ: ”نَتْرُكُهم في عَذابِهِمْ كَما تَرَكُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ“ . انْتَهى. وإنْ قُدِّرَ النِّسْيانُ بِمَعْنى الذُّهُولِ مِنَ الكَفَرَةِ فَهو في جِهَةِ اللَّهِ بِتَسْمِيَةِ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَّنْبِ ﴿وما كانُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما نَسُوا، وما فِيهِما مَصْدَرِيَّةٌ ويَظْهَرُ أنَّ الكافَ في ”كَما“ لِلتَّعْلِيلِ.
﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿ولَقَدْ جِئْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ويَكُونُ الكِتابُ (p-٣٠٦)عَلى هَذا جِنْسًا، أيْ: ﴿بِكِتابٍ﴾ إلَهِيٍّ إذِ الضَّمِيرُ عامٌّ في الكُفّارِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الضَّمِيرُ لِمُكَذِّبِي مُحَمَّدٍ ﷺ وهو ابْتِداءُ كَلامٍ وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ والكِتابُ هو القُرْآنُ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ عالِمِينَ كَيْفِيَّةَ تَفْصِيلِهِ مِن أحْكامٍ ومَواعِظَ وقِصَصٍ وسائِرِ مَعانِيهِ، وقِيلَ: ﴿فَصَّلْناهُ﴾ بِإيضاحِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ: نَزَّلْناهُ في فُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ فَضَّلْناهُ بِالضّادِ المَنقُوطَةِ، والمَعْنى: فَضَّلْناهُ عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ عالِمِينَ بِأنَّهُ أهْلٌ لِلتَّفْضِيلِ عَلَيْها، وفي التَّحْرِيرِ أنَّهُ فُضِّلَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ بِثَلاثِينَ خَصْلَةً لَمْ تَكُنْ في غَيْرِهِ و﴿فَصَّلْناهُ﴾ صِفَةٌ لِكِتابٍ، وعَلى عِلْمٍ الظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿فَصَّلْناهُ﴾، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ وانْتَصَبَ ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ عَلى الحالِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: هو هُدًى ورَحْمَةٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”هُدًى ورَحْمَةٍ“ بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن كِتابٍ، أوِ النَّعْتِ وعَلى النَّعْتِ لِكِتابٍ خَرَّجَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ رَحِمَهُما اللَّهُ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾، أيْ: مَآلُ أمْرِهِ وعاقِبَتِهِ. قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَآلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ في الدُّنْيا كَوَقْعَةِ بَدْرٍ ويَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِن تَبْيِينِ صِدْقِهِ وظُهُورِ صِحَّتِهِ ما نَطَقَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ الوَعِيدِ، والتَّأْوِيلُ مادَّتُهُ هَمْزَةٌ وواوٌ ولامٌ مِن آلَ يَئُولُ، وقالَ الخَطّابِيُّ: أوَّلْتُ الشَّيْءَ رَدَدْتُهُ إلى أوَّلِهِ فاللَّفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأوَّلِ. انْتَهى وهو خَطَأٌ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾، أيْ: يَظْهَرُ عاقِبَةُ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْألُ تارِكُو أتْباعِ الرَّسُولِ هَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ سُؤالًا عَنْ وجْهِ الخَلاصِ في وقْتِ أنْ لا خَلاصَ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ولَمْ نُصَدِّقْهم، أوْ ولَمْ نَتَّبِعْهم ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ والرُّسُلُ هُنا الأنْبِياءُ أخْبَرُوا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ الَّذِي جاءَتْهم بِهِ رُسُلُهم هو الحَقُّ. وقِيلَ: مَلائِكَةُ العَذابِ عِنْدَ المُعايَنَةِ ما أنْذَرُوا بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ بِرَفْعِ الدّالِ، (فَنَعْمَلَ) بِنَصْبِ اللّامِ عَطْفُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ، وتَقَدَّمَهُما اسْتِفْهامٌ فانْتَصَبَ الجَوابانِ، أيْ: هَلْ شُفَعاءُ لَنا فَيَشْفَعُوا لَنا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ، أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا، وقَرَأ الحَسَنُ: فِيما نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِنَصْبِ الدّالِ ورَفْعِ اللّامِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِرَفْعِهِما عَطَفَ ﴿فَنَعْمَلَ﴾ عَلى (نُرَدُّ)، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو حَيْوَةَ بِنَصْبِهِما، فَنَصَبَ أوْ (نُرَدَّ) عَطْفًا عَلى (فَيَشْفَعُوا لَنا) جَوابًا عَلى جَوابٍ فَيَكُونُ الشُّفَعاءُ في أحَدِ أمْرَيْنِ إمّا في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ وإمّا مِنَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا لِاسْتِئْنافِ العَمَلِ الصّالِحِ وتَكُونُ الشَّفاعَةُ قَدِ انْسَحَبَتْ عَلى الرَّدِّ، أوِ الخَلاصِ و(فَنَعْمَلُ) عَطْفٌ عَلى فَنُرَدُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (أوْ نُرَدُّ) مِن بابِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي عَلى تَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ ذَلِكَ حَتّى تَقْضِيَنِي حَقِّي، أوْ كَيْ تَقْضِيَنِي حَقِّي فَجَعَلَ اللُّزُومَ مُغَيًّا بِقَضاءِ حَقِّهِ، أوْ مَعْلُولًا لَهُ لِقَضاءِ حَقِّهِ، وتَكُونُ الشَّفاعَةُ إذْ ذاكَ في الرَّدِّ فَقَطْ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ سِيبَوَيْهِ ألا إنِّي لَألْزَمَنَّكَ إلّا أنْ تَقْضِيَنِي فَلَيْسَ يَظْهَرُ أنَّ مَعْنى ”أوْ“ مَعْنى إلّا هُنا إذْ يَصِيرُ المَعْنى هَلْ تَشْفَعُ لَنا شُفَعاءُ إلّا أنْ نُرَدَّ، وهَذا اسْتِثْناءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقَوْلُهم هَذا هَلْ هو مَعَ الرَّجاءِ، أوْ مَعَ اليَأْسِ فِيهِ الخِلافُ الَّذِي في نِدائِهِمْ ﴿أنْ أفِيضُوا﴾، قالَ القاضِي وهي تَدُلُّ عَلى حُكْمَيْنِ عَلى أنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ ولِذَلِكَ سَألُوا الرَّدَّ الثّانِي إنَّ أهْلَ الآخِرَةِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ خِلافًا لِلْمُجْبِرَةِ والنَّجّارِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ ما سَألُوا الرَّدَّ، بَلْ كانُوا يَتُوبُونَ ويُؤْمِنُونَ.
﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أيْ: خَسِرُوا في تِجارَةِ أنْفُسِهِمْ حَيْثُ ابْتاعُوا الخَسِيسَ الفانِي مِنَ الدُّنْيا بِالنَّفِيسِ الباقِي مِنَ الآخِرَةِ، وبَطَلَ عَنْهُمُ افْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ ولا أمَرَهم بِهِ وكَذَّبَهم في اتِّخاذِ آلِهَةٍ (p-٣٠٧)مِن دُونِ اللَّهِ.
الأعراف 7:54
﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةٍ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أشْياءَ مِن مَبْدَأِ خَلْقِ الإنْسانِ وأمْرِ نَبِيِّهِ، وانْقِسامِ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ وذِكْرِ مَعادِهِمْ وحَشْرِهِمْ إلى جَنَّةٍ ونارٍ، ذَكَرَ مَبْدَأ العالَمِ واخْتِراعَهُ والتَّنْبِيهَ عَلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ وكَمالِ القُدْرَةِ والعِلْمِ والقَضاءِ، ثُمَّ بَعْدُ إلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ إذْ مَدارُ القُرْآنِ عَلى تَقْدِيرِ المَسائِلِ الأرْبَعِ: التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والمَعادِ والنُّبُوَّةِ، ورَبُّكم خِطابٌ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، ورَوى بَكّارُ بْنُ. . . (إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهَ) بِنَصْبِ الهاءِ عَطْفُ بَيانٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ وعَلى هَذا الظّاهِرِ فَسَّرَ مُعْظَمُ النّاسِ وبَدَأ بِالخَلْقِ يَوْمَ الأحَدِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ وخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ وخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ العَصْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ آخِرُ الخَلْقِ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ يَوْمِ الجُمُعَةِ فِيما بَعْدَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ»، وقالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ العَبّادِيُّ:
؎قَضى لِسِتَّةِ أيّامٍ خَلِيقَتَهُ وكانَ آخِرُ يَوْمٍ صَوَّرَ الرَّجُلا
وهُوَ اخْتِيارُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا إجْماعُ أهْلِ العِلْمِ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وكَعْبٌ، والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ: بَدَأ بِالخَلْقِ يَوْمَ الأحَدِ. وبِهِ يَقُولُ أهْلُ التَّوْراةِ، وقِيلَ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وبِهِ يَقُولُ أهْلُ الإنْجِيلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وكَعْبٌ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: مِقْدارُ كُلِّ يَوْمٍ مِن تِلْكَ الأيّامِ ألْفُ سَنَةٍ. ولا فَرْقَ بَيْنَ خَلْقِهِ تَعالى ذَلِكَ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، أوْ في مُدَدٍ مُتَوالِيَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى، وإبْداءُ مَعانٍ لِذَلِكَ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ قَوْلٌ بِلا بُرْهانٍ فَلا نُسَوِّدُ كِتابَنا بِذِكْرِهِ وهو تَعالى المُنْفَرِدُ بِعِلْمِ ذَلِكَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ فَلَيْسَتْ سِتَّةُ الأيّامِ أنْفُسُها وقَعَ فِيها الخَلْقُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] والمُرادُ مِقْدارُ البُكْرَةِ والعَشِيِّ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ لا لَيْلَ في الجَنَّةِ ولا نَهارَ وإنَّما ذَهَبَ الذّاهِبُ إلى هَذا؛ لِأنَّهُ إنَّما يَمْتازُ اليَوْمُ عَنِ اللَّيْلَةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها قَبْلَ خَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كَيْفَ يُعْقَلُ خَلْقُ الأيّامِ والَّذِي أقُولُ: إنَّهُ مَتى أمْكَنَ حَمْلُ الشَّيْءِ عَلى ظاهِرِهِ، أوْ عَلى قَرِيبٍ مَن ظاهِرِهِ كانَ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى ما لا يَشْمَلُهُ العَقْلُ، أوْ عَلى ما يُخالِفُ الظّاهِرَ جُمْلَةً وذَلِكَ بِأنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ظَرْفًا لِخَلْقِ الأرْضِ لا ظَرْفًا لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَيَكُونُ ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ مُدَّةً لِخَلْقِ الأرْضِ بِتُرْبَتِها وجِبالِها وشَجَرِها ومَكْرُوهِها ونُورِها ودَوابِّها وآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا يُطابِقُ الحَدِيثَ الثّابِتَ في الصَّحِيحِ وتَبْقى سِتَّةُ أيّامٍ عَلى ظاهِرِها مِنَ العَدَدِيَّةِ ومِن كَوْنِها أيّامًا بِاعْتِبارِ امْتِيازِ اليَوْمِ عَنِ اللَّيْلَةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، وأمّا اسْتِواؤُهُ عَلى العَرْشِ فَحَمَلَهُ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ بِذاتِهِ عَلى العَرْشِ قَوْمٌ، والجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ السُّفْيانانِ ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ، وابْنُ المُبارَكِ، وغَيْرُهم في أحادِيثِ الصِّفاتِ عَلى الإيمانِ بِها وإمْرارِها عَلى ما أرادَ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ تَعْيِينِ مُرادٍ، وقَوْمٌ تَأوَّلُوا ذَلِكَ عَلى عِدَّةِ تَأْوِيلاتٍ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتِواءً وعَنْ أبِي الفَضْلِ بْنِ النَّحْوِيِّ أنَّهُ قالَ: (العَرْشُ) مَصْدَرُ عَرَشَ يَعْرِشُ عَرْشًا والمُرادُ بِالعَرْشِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ هَذا، وهَذا يَنْبُو عَنْهُ ما تَقَرَّرَ في الشَّرِيعَةِ مِن أنَّهُ جِسْمٌ مَخْلُوقٌ مُعَيَّنٌ ومَسْألَةُ الِاسْتِواءِ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وقَدْ أمْعَنَ في تَقْرِيرِ ما يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ فِيها القَفّالُ، أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وذَكَرَ ذَلِكَ في التَّحْرِيرِ فَيُطالَعُ هُناكَ ولَفْظَةُ (العَرْشِ) (p-٣٠٨)مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، فالعَرْشُ سَرِيرُ المُلْكِ ومِنهُ: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ [النمل: ٤١]، والعَرْشُ السَّقْفُ وكُلُّ ما عَلا وأظَلَّ فَهو عَرْشٌ والعَرْشُ المُلْكُ والسُّلْطانُ والعِزُّ، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎تَدارَكْتُما عَبْسًا وقَدْ ثُلَّ عَرْشُها ∗∗∗ وذُبْيانَ إذْ زَلَّتْ بِأقْدامِها النَّعْلُ
وقالَ آخَرُ:
؎إنْ يَقْتُلُوكَ فَقَدْ ثَلَلْتُ عُرُوشَهم ∗∗∗ بِعُتَيْبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ شِهابِ
والعَرْشُ الخَشَبُ الَّذِي يُطْوى بِهِ البِئْرُ بَعْدَ أنْ يُطْوى أسْفَلُها بِالحِجارَةِ، والعَرْشُ أرْبَعَةُ كَواكِبَ صِغارٍ، أسْفَلُ مِنَ العُواءِ يُقالُ لَها: عَجُزُ الأسَدِ ويُسَمّى عَرْشَ السِّماكِ، والعَرْشُ ما يُلاقِي ظَهْرَ القَدَمِ وفِيهِ الأصابِعُ واسْتَوى أيْضًا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى اسْتَقَرَّ وبِمَعْنى عَلا وبِمَعْنى قَصَدَ وبِمَعْنى ساوى وبِمَعْنى تَساوى، وقِيلَ: بِمَعْنى اسْتَوْلى، وأنْشَدُوا:
؎هُما اسْتَوَيا بِفَضْلِهِما جَمِيعًا ∗∗∗ عَلى عَرْشِ المُلُوكِ بِغَيْرِ زُورِ
وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ لا نَعْرِفُ اسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ خَلَقَ، ثُمَّ اسْتَوى خَلْقُهُ عَلى العَرْشِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] لا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ اسْتَوى عَلى الرَّحْمَنِ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والضَّمِيرُ في ﴿اسْتَوى﴾ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ [طه: ٤]، أيْ: هو الرَّحْمَنُ اسْتَوى خَلْقُهُ عَلى العَرْشِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ ذَكَرَ خَلْقَ ما هو أكْبَرُ وأعْظَمُ وأوْسَعُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ ومَعَ الِاحْتِمالِ في العَرْشِ وفي اسْتَوى وفي الضَّمِيرِ العائِدِ لا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها هَذا مَعَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي أقامُوها عَلى اسْتِحالَةِ ذَلِكَ. وقالَ الحَسَنُ اسْتَوى أمْرُهُ وسَألَ مالِكَ بْنَ أنَسٍ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: كَيْفَ اسْتَوى فَأطْرَقَ رَأْسَهُ مَلِيًّا وعَلَتْهُ الرُّحَضاءُ، ثُمَّ قالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ والإيمانُ بِهِ واجِبٌ والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ وما أظُنُّكَ إلّا ضالًّا. ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ.
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ التَّغْشِيَةُ التَّغْطِيَةُ، والمَعْنى: أنَّهُ يُذْهِبُ اللَّيْلُ نُورَ النَّهارِ لِيَتِمَّ قِوامُ الحَياةِ في الدُّنْيا بِمَجِيءِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فاللَّيْلُ لِلسُّكُونِ، والنَّهارُ لِلْحَرَكَةِ وفَحْوى الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّهارَ يُغْشِيهِ اللَّهُ اللَّيْلَ، وهُما مَفْعُولانِ؛ لِأنَّ التَّضْعِيفَ والهَمْزَةَ مُعَدِّيانِ، وقَرَأ بِالتَّضْعِيفِ الأخَوانِ، وأبُو بَكْرٍ وبِإسْكانِ الغَيْنِ باقِي السَّبْعَةِ (p-٣٠٩)وبِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الغَيْنِ، وفَتْحِ الشِّينِ وضَمِّ اللّامِ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، كَذا قالَ عَنْهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ، وقالَ أبُو الفَتْحِ عُثْمانُ بْنُ جِنِّي عَنْ حُمَيْدٍ بِنَصْبِ (اللَّيْلَ) ورَفْعِ (النَّهارُ)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأبُو الفَتْحِ أثْبَتُ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ مِن أنَّ أبا الفَتْحِ أثْبَتُ كَلامٌ لا يَصِحُّ، إذْ رُتْبَةُ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ في القِراءاتِ ومَعْرِفَتِها وضَبْطِ رِواياتِها واخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ بِالمَكانِ الَّذِي لا يُدانِيهِ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ القِراءاتِ فَضْلًا عَنِ النُّحاةِ الَّذِينَ لَيْسُوا مُقْرِئِينَ، ولا رَوَوُا القُرْآنَ عَنْ أحَدٍ ولا رُوِيَ عَنْهُمُ القُرْآنُ هَذا مَعَ الدِّيانَةِ الزّائِدَةِ والتَّثَبُّتِ في النَّقْلِ وعَدَمِ التَّجاسُرِ ووُفُورِ الحَظِّ مِنَ العَرَبِيَّةِ فَقَدْ رَأيْتُ لَهُ كِتابًا في كَلّا، وكِتابًا في إدْغامِ أبِي عَمْرٍو الكَبِيرِ دَلّا عَلى اطِّلاعِهِ عَلى ما لا يَكادُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أئِمَّةُ النُّحاةِ ولا المُقْرِئِينَ إلى سائِرِ تَصانِيفِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ والَّذِي نَقَلَهُ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ أمْكَنُ مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُوافِقٌ لِقِراءَةِ الجَماعَةِ إذِ اللَّيْلُ في قِراءَتِهِمْ وإنْ كانَ مَنصُوبًا هو الفاعِلُ مِن حَيْثُ المَعْنى إذْ هَمْزَةُ النَّقْلِ، أوِ التَّضْعِيفُ صَيَّرَهُ مَفْعُولًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لِأنَّ المَنصُوبَيْنِ تَعَدّى إلَيْهِما الفِعْلُ، وأحَدُهُما فاعِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مِنهُما كَما لَزِمَ ذَلِكَ في مَلَّكْتُ زَيْدًا عَمْرًا إذْ رُتْبَةُ التَّقْدِيمِ هي المُوَضِّحَةُ أنَّهُ الفاعِلُ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما لَزِمَ ذَلِكَ في ضَرَبَ مُوسى عِيسى. والجُمْلَةُ مِن يَطْلُبُهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ مِن حَيْثُ المَعْنى وهو اللَّيْلُ، إذْ هو المُحَدَّثُ عَنْهُ قَبْلَ التَّعْدِيَةِ وتَقْدِيرُهُ حاثًّا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ النَّهارِ وتَقْدِيرُهُ مَحْثُوثًا، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: طَلَبًا حَثِيثًا، أيْ: حَثًّا، أوْ مُحِثًّا ونِسْبَةُ الطَّلَبِ إلى اللَّيْلِ مَجازِيَّةٌ، وهو عِبارَةٌ عَنْ تَعاقُبِهِ اللّازِمِ فَكَأنَّهُ طالِبٌ لَهُ لا يُدْرِكُهُ، بَلْ هو في إثْرِهِ بِحَيْثُ يَكادُ يُدْرِكُهُ وقَدَّمَ اللَّيْلَ هُنا كَما قَدَّمَهُ في ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [الحج: ٦١] وفي ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ [يس: ٤٠] وفي ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وصَفَ هَذِهِ الحَرَكَةَ بِالسُّرْعَةِ والشِّدَّةِ؛ لِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ يَحْصُلُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ وتِلْكَ الحَرَكَةُ أشَدُّ الحَرَكاتِ سُرْعَةً وأكْمَلُها شِدَّةً حَتّى إنَّ الباحِثِينَ عَنْ أحْوالِ المَوْجُوداتِ قالُوا: الإنْسانُ إذا كانَ في العَدْوِ الشَّدِيدِ الكامِلِ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رِجْلَهُ ويَضَعَها يَتَحَرَّكُ الفَلَكُ الأعْظَمُ ثَلاثَةَ آلافِ مِيلٍ، ولِهَذا قالَ: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ ونَظِيرُهُ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها﴾ [يس: ٤٠] الآيَةَ شَبَّهَ ذَلِكَ المَسِيرَ وتِلْكَ الحَرَكَةِ بِالسِّباحَةِ في الماءِ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى السُّرْعَةِ والسُّهُولَةِ وكَمالِ الِاتِّصالِ. انْتَهى وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ انْتَصَبَ ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ عَلى الحالِ مِنَ المَجْمُوعِ، أيْ: وخَلَقَ الشَّمْسَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالرَّفْعِ في الأرْبَعَةِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ بِرَفْعِ ﴿والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ﴾ فَقَطْ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ومَعْنى (بِأمْرِهِ) بِمَشِيئَتِهِ وتَصْرِيفِهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمُسَخَّراتٍ، أيْ: خَلَقَهُنَّ جارِياتٍ بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ وتَدْبِيرِهِ، وكَما يُرِيدُ أنْ يَصْرِفَها، سُمِّي ذَلِكَ أمْرًا عَلى التَّشْبِيهِ كَأنَّهُنَّ مَأْمُوراتٌ بِذَلِكَ، وقالَأبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ الشَّمْسُ لَها نَوْعانِ مِنَ الحَرَكَةِ أحَدُهُما بِحَسَبِ ذاتِها وذَلِكَ يَتِمُّ في سَنَةٍ كامِلَةٍ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ تَحْصُلُ السُّنَّةُ، والثّانِي حَرَكَتُها بِحَسَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ ويَتِمُّ في اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ، فَتَقُولُ اللَّيْلُ والنَّهارُ لا (p-٣١٠)يَحْصُلانِ بِحَرَكَةِ الشَّمْسِ وإنَّما يَحْصُلانِ بِحَرَكَةِ السَّماءِ الأقْصى الَّذِي يُقالُ لَهُ العَرْشُ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمّا دَلَّ عَلى العَرْشِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ ورَبَطَ بِقَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ وهو العَرْشُ يُحَرِّكُ الأفْلاكَ والكَواكِبَ عَلى خِلافِ طَبْعِها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأنَّهُ تَعالى أوْدَعَ في جِرْمِ الشَّمْسِ قُوَّةً قاهِرَةً بِاعْتِبارِها قَوِيَتْ عَلى قَهْرِ جَمِيعِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ وتَحْرِيكِها عَلى خِلافِ مُقْتَضى طَبائِعِها فَهَذِهِ أبْحاثٌ مَعْقُولَةٌ ولَفْظُ القُرْآنِ مُشْعِرٌ بِها والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. انْتَهى.
وتَكَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ كَلامًا كَثِيرًا هو مِن عِلْمِ الهَيْئَةِ وهو عِلْمٌ لَمْ نَنْظُرْ فِيهِ قالَ: أرْبابُهُ وهو عِلْمٌ شَرِيفٌ يُطَّلَعُ فِيهِ عَلى جُزْئِيّاتٍ غَرِيبَةٍ مِن صَنْعَةِ اللَّهِ تَعالى يَزْدادُ بِها إيمانُ المُؤْمِنِ إذِ المَعْرِفَةُ بِجُزْئِيّاتِ الأشْياءِ وتَفاصِيلِها لَيْسَتْ كالمَعْرِفَةِ بِجُمْلَتِها، وقِيلَ: ﴿بِأمْرِهِ﴾، أيْ: بِنَفاذِ إرادَتِهِ إذِ المَقْصُودُ تَبْيِينُ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٠] . وقِيلَ: الأمْرُ هو الكَلامُ.
الأعراف 7:55
﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ الظّاهِرُ أنَّ الدُّعاءَ هو مُناجاةُ اللَّهِ بِنِدائِهِ لِطَلَبِ أشْياءَ ولِدَفْعِ أشْياءَ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى اعْبُدُوا وانْتَصَبَ ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ عَلى الحالِ، أيْ: مُتَضَرِّعِينَ ومُخْفِينَ، أوْ ذَوِي تَضَرُّعٍ واخْتِفاءٍ في دُعائِكم وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّكم لَسْتُمْ تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا إنَّكم تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» وكانَ الصَّحابَةُ حِينَ أخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ قَدْ جَهَرُوا بِالذِّكْرِ أمَرَ تَعالى بِالدُّعاءِ مَقْرُونًا بِالتَّذَلُّلِ والِاسْتِكانَةِ والِاخْتِفاءِ إذْ ذاكَ أدْعى لِلْإجابَةِ وأبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، والدُّعاءُ خُفْيَةً أفْضَلُ مِنَ الجَهْرِ ولِذَلِكَ أثْنى اللَّهُ عَلى زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] وفي الحَدِيثِ: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ» وقَواعِدُ الشَّرِيعَةِ مُقَرِّرَةٌ أنَّ السِّرَّ فِيما لَمْ يُفْتَرَضْ مِن أعْمالِ البِرِّ أعْظَمُ أجْرًا مِنَ الجَهْرِ. قالَ الحَسَنُ: أدْرَكْنا أقْوامًا ما كانَ عَلى الأرْضِ عَمَلٌ يُقَدِّرُونَ أنْ يَكُونَ سِرًّا فَيَكُونُ جَهْرًا أبَدًا ولَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ ولا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ إنْ (p-٣١١)هُوَ إلّا الهَمْسُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. انْتَهى ولَوْ عاشَ الحَسَنُ إلى هَذا الزَّمانِ العَجِيبِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ ناسٌ يَتَسَمَّوْنَ بِالمَشايِخِ يَلْبَسُونَ ثِيابَ شُهْرَةٍ عِنْدَ العامَّةِ بِالصَّلاحِ ويَتْرُكُونَ الِاكْتِسابَ ويُرَتِّبُونَ لَهم أذْكارًا لَمْ تَرِدْ في الشَّرِيعَةِ يَجْهَرُونَ بِها في المَساجِدِ ويَجْمَعُونَ لَهم خُدّامًا يَجْلِبُونَ النّاسَ إلَيْهِمْ لِاسْتِخْدامِهِمْ ونَتْشِ أمْوالِهِمْ ويُذِيعُونَ عَنْهم كَراماتٍ ويَرَوْنَ لَهم مَناماتٍ يُدَوِّنُونَها في أسْفارٍ ويَحُضُّونَ عَلى تَرْكِ العِلْمِ والِاشْتِغالِ بِالسُّنَّةِ ويَرَوْنَ الوُصُولَ إلى اللَّهِ بِأُمُورٍ يُقَرِّرُونَها مِن خَلَواتٍ وأذْكارٍ لَمْ يَأْتِ بِها كِتابٌ مُنَزَّلٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ويَتَعاظَمُونَ عَلى النّاسِ بِالِانْفِرادِ عَلى سَجّادَةٍ ونَصْبِ أيْدِيهِمْ لِلتَّقْبِيلِ وقِلَّةِ الكَلامِ وإطْراقِ الرُّءُوسِ وتَعْيِينِ خادِمٍ يَقُولُ: الشَّيْخُ مَشْغُولٌ في الخَلْوَةِ، رَسَمَ الشَّيْخُ، قالَ الشَّيْخُ رَأى الشَّيْخُ، الشَّيْخُ نَظَرَ إلَيْكَ، الشَّيْخُ كانَ البارِحَةَ يَذْكُرُكَ إلى نَحْوٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي يَخُشُّونَ بِها عَلى العامَّةِ ويَجْلِبُونَ بِها عُقُولَ الجَهَلَةِ هَذا إنْ سَلِمَ الشَّيْخُ وخادِمُهُ مِنَ الِاعْتِقادِ الَّذِي غَلَبَ الآنَ عَلى مُتَصَوِّفَةِ هَذا الزَّمانِ مِنَ القَوْلِ بِالحُلُولِ، أوِ القَوْلِ بِالوَحْدَةِ فَإذْ ذاكَ يَكُونُ مُنْسَلِخًا عَنْ شَرِيعَةِ الإسْلامِ بِالكُلِّيَّةِ والتَّعَجُّبِ لِمِثْلِ هَؤُلاءِ كَيْفَ تُرَتَّبُ لَهُمُ الرَّواتِبُ وتُبْنى لَهُمُ الرُبُطُ وتُوقَفُ عَلَيْها الأوْقافُ ويَخْدِمُهُمُ النّاسُ في عِرْوِهِمْ عَنْ سائِرِ الفَضائِلِ ولَكِنَّ النّاسَ أقْرَبُ إلى أشْباهِهِمْ مِنهم إلى غَيْرِ أشْباهِهِمْ، وقَدْ أطَلْنا في هَذا رَجاءَ أنْ يَقِفَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ فَيَنْتَفِعَ بِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ ضَمَّةِ الخاءِ، وهُما لُغَتانِ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ ولا يَتَأتّى إلّا عَلى ادِّعاءِ القَلْبِ وهو خِلافُ الأصْلِ ونَقَلَ ابْنُ سِيدَهْ في المُحْكَمِ أنَّ فِرْقَةً قَرَأتْ (وخِيفَةً) مِنَ الخَوْفِ، أيِ: ادْعُوهُ بِاسْتِكانَةٍ وخَوْفٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ قَرَأها الأعْمَشُ فِيما زَعَمُوا.
﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”إنَّ اللَّهَ“ جَعَلَ مَكانَ المُضْمَرِ المُظْهَرَ، وهَذا اللَّفْظُ عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ أوَّلًا الدُّعاءُ عَلى غَيْرِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِن عَدَمِ التَّضَرُّعِ وعَدَمِ الخُفْيَةِ بِأنْ يَدْعُوَهُ وهو مُلْتَبِسٌ بِالكِبْرِ والزَّهْوِ، أوْ أنَّ ذَلِكَ دَأْبُهُ في المَواعِيدِ والمَدارِسِ فَصارَ ذَلِكَ لَهُ صَنْعَةً وعادَةً فَلا يَلْحَقُهُ تَضَرُّعٌ ولا تَذَلُّلٌ وبِأنْ يَدْعُوهُ بِالجَهْرِ البَلِيغِ والصِّياحِ، كَدُعاءِ النّاسِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ في المَشاهِدِ والمَزاراتِ، وقالَ العُلَماءُ: الِاعْتِداءُ في الدُّعاءِ عَلى وُجُوهٍ مِنها: الجَهْرُ الكَثِيرُ والصِّياحُ، وأنْ يَدْعُوَ أنْ يَكُونَ لَهُ مَنزِلَةُ نَبِيٍّ، وأنْ يَدْعُوَ بِمُحالٍ ونَحْوِهِ مِنَ الشَّطَطِ، وأنْ يَدْعُوَ طالِبُ مَعْصِيَةٍ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ والكَلْبِيُّ: الِاعْتِداءُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ وعَنْهُ الصِّياحُ في الدُّعاءِ مَكْرُوهٌ وبِدْعَةٌ، وقِيلَ: هو الإسْهابُ في الدُّعاءِ قالَ القُرْطُبِيُّ، وقَدْ ذَكَرَ وُجُوهًا مِنَ الِاعْتِداءِ في الدُّعاءِ قالَ: ومِنها أنْ يَدْعُوَ بِما لَيْسَ في الكِتابِ العَزِيزِ ولا في السُّنَّةِ فَيَتَخَيَّرُ ألْفاظًا مُقَفّاةً وكَلِماتٍ مُسَجَّعَةً، وقَدْ وجَدَها في كَرارِيسَ لِهَؤُلاءِ يَعْنِي المَشايِخَ لا مُعَوَّلَ عَلَيْها فَيَجْعَلُها شِعارَهُ يَتْرُكُ ما دَعا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، وكُلُّ هَذا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الِاعْتِداءُ في الدُّعاءِ أنْ يَدْعُوَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالخِزْيِ والشِّرْكِ واللَّعْنَةِ، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ أنَّ «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ القَصْرَ الأبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الجَنَّةِ إذا دَخَلْتُها فَقالَ: أيْ بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ الجَنَّةَ وعُذْ بِهِ مِنَ النّارِ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعاءِ» . زادَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا الحَدِيثِ «وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ وأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾» .
الأعراف 7:56
﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ . هَذا نَهْيٌ عَنْ إيقاعِ الفَسادِ في الأرْضِ وإدْخالِ ماهِيَّتِهِ في الوُجُودِ فَيَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ مِن (p-٣١٢)إيقاعِ الفَسادِ في الأرْضِ وإدْخالِ ماهِيَّتِهِ في الوُجُودِ فَيَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ مِن إفْسادِ النُّفُوسِ والأنْسابِ والأمْوالِ والعُقُولِ والأدْيانِ ومَعْنى (بَعْدَ إصْلاحِها) بَعْدَ أنْ أصْلَحَ اللَّهُ خَلْقَها عَلى الوَجْهِ المُلائِمِ لِمَنافِعِ الخَلْقِ ومَصالِحِ المُكَلَّفِينَ، وما رُوِيَ عَنِ المُفَسِّرِينَ مِن تَعْيِينِ نَوْعِ الإفْسادِ والإصْلاحِ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّمْثِيلِ إذِ ادِّعاءُ تَخْصِيصِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ كالظُّلْمِ بَعْدَ العَدْلِ، أوِ الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، أوِ المَعْصِيَةِ بَعْدَ الطّاعَةِ، أوْ بِالمَعْصِيَةِ فَيُمْسِكُ اللَّهُ المَطَرَ ويُهْلِكُ الحَرْثَ بَعْدَ إصْلاحِها بِالمَطَرِ والخِصْبِ، أوْ يَقْتُلُ المُؤْمِنَ بَعْدَ بَقائِهِ، أوْ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ بَعْدَ الوَحْيِ، أوْ بِتَغْوِيرِ الماءِ المَعِينِ وقَطْعِ الشَّجَرِ والثَّمَرِ ضِرارًا، أوْ بِقَطْعِ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، أوْ بِتِجارَةِ الحُكّامِ، أوْ بِالإشْراكِ بِاللَّهِ بَعْدَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ وتَقْرِيرِ الشَّرائِعِ وإيضاحِ المِلَّةِ.
﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ لَمّا كانَ الدُّعاءُ مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ كَرَّرَهُ فَقالَ أوَلًا ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وهاتانِ الحالَتانِ مِنَ الأوْصافِ الظّاهِرَةِ؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والِاسْتِكانَةَ وإخْفاءَ الصَّوْتِ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ القَلْبِيَّةِ، أيْ: وجِلِينَ مُشْفِقِينَ وراجِينَ مُؤَمِّلِينَ فَبَدَأ أوَّلًا بِأفْعالِ الجَوارِحِ، ثُمَّ ثانِيًا بِأفْعالِ القُلُوبِ، وانْتَصَبَ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، أوِ انْتِصابُ المَفْعُولِ لَهُ وعَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الخَوْفُ والرَّجاءُ مُتَساوِيَيْنِ لِيَكُونا لِلْإنْسانِ كالجَناحَيْنِ لِلطّائِرِ يَحْمِلانِهِ في طَرِيقِ اسْتِقامَةٍ فَإنِ انْفَرَدَ أحَدُهُما هَلَكَ الإنْسانُ، وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: يَنْبَغِي أنْ يَغْلِبَ الخَوْفُ الرَّجاءَ عَلى طُولِ الحَياةِ فَإذا جاءَ المَوْتُ غَلَبَ الرَّجاءُ ورَأى كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ أغْلَبَ ومِنهُ تَمَنِّي الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الَّذِي هو آخِرُ مَن يَدْخَلُ الجَنَّةَ وتَمَنّى سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ أنْ يَكُونَ مِن أصْحابِ الأعْرافِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّهم مُذْنِبُونَ، وسالِمٌ هَذا مِن رُتْبَةِ الدِّينِ والفَضْلِ بِحَيْثُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ كَلامًا مَعْناهُ: لَوْ كانَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ حَيًّا لَوَلَّيْتُهُ الخِلافَةَ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى خَوْفًا مِنَ الرَّدِّ وطَمَعًا في الإجابَةِ.
﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، انْتَهى. يَعْنِي أنَّ الرَّحْمَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالمُحْسِنِ وهو مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا وهَذا كُلُّهُ حَمْلُ القُرْآنِ وإنَّما عَلى مَذْهَبِهِ مِنَ الِاعْتِزالِ، والرَّحْمَةُ مُؤَنَّثَةٌ فَقِياسُها أنْ يُخْبِرَ عَنْها إخْبارَ (p-٣١٣)المُؤَنَّثِ فَيُقالُ قَرِيبَةٌ، فَقِيلَ: ذُكِرَ عَلى المَعْنى لِأنَّ الرَّحْمَةَ بِمَعْنى الرَّحِمِ والتَّرَحُّمِ، وقِيلَ: ذُكِرَ لِأنَّ الرَّحْمَةَ بِمَعْنى الغُفْرانِ والعَفْوِ. قالَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ بِمَعْنى المَطَرِ قالَهُ الأخْفَشُ أوِ الثَّوابِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، فالرَّحْمَةُ في هَذِهِ الأقْوالِ بَدَلٌ عَنْ مُذَكَّرٍ. وقِيلَ: التَّذْكِيرُ عَلى طَرِيقِ النَّسَبِ، أيْ ذاتُ قُرْبٍ، وقِيلَ: قَرِيبٌ نَعْتٌ لِمُذَكَّرٍ مَحْذُوفٍ أيْ شَيْءٌ قَرِيبٌ، وقِيلَ: قَرِيبٌ مُشَبَّهٌ بِفَعِيلٍ الَّذِي هو بِمَعْنى مَفْعُولٍ، نَحْوُ خَصِيبٍ وجَرِيحٍ كَما شُبِّهَ فَعِيلٌ بِهِ فَقِيلَ شَيْئًا مِن أحْكامِهِ فَقِيلَ: في جَمْعِهِ فُعَلاءُ كَأسِيرٍ وأُسَراءٍ وقَتِيلٍ وقُتَلاءٍ كَما قالُوا: رَحِيمٌ ورُحَماءٌ وعَلِيمٌ وعُلَماءٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ جاءَ عَلى فَعِيلٍ كالضَّغِيثِ وهو صَوْتُ الأرْنَبِ والنَّقِيقِ، وإذا كانَ مَصْدَرًا صَحَّ أنْ يُخْبَرَ بِهِ عَنِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والمُفْرَدِ والمُثَنّى والمَجْمُوعِ بِلَفْظِ المَصْدَرِ، وقِيلَ لِأنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ قالَهُالجَوْهَرِيُّ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ إلّا مَعَ تَقْدِيمِ الفِعْلِ أمّا إذا تَأخَّرَ فَلا يَجُوزُ إلّا التَّأْنِيثُ تَقُولُ: الشَّمْسُ طالِعَةٌ ولا يَجُوزُ طالِعٌ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ بِخِلافِ التَّقْدِيمِ، فَيَجُوزُ أطالِعَةٌ الشَّمْسُ وأطالِعٌ الشَّمْسُ، كَما يَجُوزُ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وطَلَعَ الشَّمْسُ، ولا يَجُوزُ طَلَعَ إلّا في الشِّعْرِ، وقِيلَ: فَعِيلٌ هُنا بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ مُقَرَّبَةٌ فَيَصِيرُ مِن بابِ كَفٍّ خَضِيبٍ وعَيْنٍ كَحِيلٍ قالَهُ الكِرْمانِيُّ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ إنَّما هو مِنَ الثُّلاثِيِّ غَيْرِ المَزِيدِ وهَذا بِمَعْنى مُقَرَّبَةٍ فَهو مِنَ الثُّلاثِيِّ المَزِيدِ ومَعَ ذَلِكَ فَهو لا يَنْقاسُ، وقالَ الفَرّاءُ إذا اسْتُعْمِلَ في النَّسَبِ والقَرابَةِ فَهو مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ، ولا بُدَّ تَقُولُ هَذِهِ قَرِيبَةُ فُلانٍ وإنِ اسْتُعْمِلَتْ في قُرْبِ المَسافَةِ أوِ الزَّمَنِ فَقَدْ تَجِيءُ مَعَ المُؤَنَّثِ بِتاءٍ وقَدْ تَجِيءُ بِغَيْرِ تاءٍ تَقُولُ: دارُكَ مِنِّي قَرِيبٌ، وفُلانَةٌ مِنّا قَرِيبٌ ومِنهُ هَذا، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎عَشِيَّةَ لا عَفْراءُ مِنكَ قَرِيبَةٌ فَتَدْنُو ولا عَفْراءُ مِنكَ بَعِيدُ
فَجَمَعَ في هَذا البَيْتِ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ في كِتابِهِ وقَدْ مَرَّ في كُتُبِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ مُغَيَّرًا انْتَهى. ورَدَّ الزَّجّاجُ وقالَ هَذا عَلى الفَرّاءِ هَذا خَطَأٌ لِأنَّ سَبِيلَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ أنْ يَجْرِيا عَلى أفْعالِهِما وقالَ مَنِ احْتَجَّ لَهُ هَذا كَلامُ العَرَبِ، قالَ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎لَهُ الوَيْلُ إنْ أمْسى ولا أُمُّ هاشِمٍ ∗∗∗ قَرِيبٌ ولا البَسْباسَةُ اِبْنَةُ يَشْكُرا
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ (قَرِيبٌ) في الآيَةِ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلرَّحْمَةِ وإنَّما هو ظَرْفٌ لَها ومَوْضِعٌ فَتَجِيءُ هَكَذا في المُؤَنَّثِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ وكَذَلِكَ بِعِيدٌ فَإنْ جَعَلُوها صِفَةً بِمَعْنى مُقْتَرِبَةٍ قالُوا قَرِيبَةٌ وقَرِيبَتانِ وقَرِيباتُ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ وهَذا خَطَأٌ ولَوْ كانَ كَما قالَ لَكانَ قَرِيبٌ مَنصُوبًا كَما تَقُولُ إنَّ زَيْدًا قَرِيبًا مِنكَ انْتَهى ولَيْسَ بِخَطَأٍ لِأنَّهُ يَكُونُ قَدِ اتَّسَعَ في الظَّرْفِ فاسْتَعْمَلَهُ غَيْرَ ظَرْفٍ كَما تَقُولُ هِنْدٌ خَلْفَكَ وفاطِمَةٌ أمامُكَ بِالرَّفْعِ إذا اتَّسَعْتَ في الخَلْفِ والأمامِ وإنَّما يَلْزَمُ النَّصْبُ إذا بَقِيَتا عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولَمْ يَتَّسِعْ فِيهِما، وقَدْ أجازُوا أنَّ قَرِيبًا مِنكَ زَيْدٌ عَلى أنْ يَكُونَ (قَرِيبًا) اسْمَ إنَّ و(زَيْدٌ) الخَبَرَ فاتُّسِعَ في قَرِيبٍ (p-٣١٤)واسْتُعْمِلَ اسْمًا لا مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ، والظّاهِرُ عَدَمُ تَقْيِيدِ قُرْبِ الرَّحْمَةِ مِنَ المُحْسِنِ بِزَمانٍ بَلْ هي قَرِيبٌ مِنهُ مُطْلَقًا وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ وقْتَ مُفارَقَةِ الأرْواحِ لِلْأجْسادِ تَنالُهُمُ الرَّحْمَةُ.
الأعراف 7:57
﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨] ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٢] ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٣] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤] ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٧] ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨] ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] ﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧١] ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢] ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤] ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩] ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨١] ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٤] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]
أقَلَّ الشَّيْءَ: حَمَلَهُ ورَفَعَهُ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ، ومِنهُ إقْلالُ البَطْنِ عَنِ الفَخِذِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ ومِنهُ القُلَّةُ؛ لِأنَّ البَعِيرَ يَحْمِلُها مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ وأصْلُهُ مِنَ القُلَّةِ فَكانَ المُقِلُّ يَرى ما يَرْفَعُهُ قَلِيلًا واسْتَقَلَّ بِهِ أقَلَّهُ، السَّوْقُ حَمْلُ الشَّيْءِ بِعُنْفٍ. النَّكِدُ العُسْرُ القَلِيلُ. قالَ الشّاعِرُ:(p-٣١٥)
؎لا تُنْجِزُ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدًا
ونَكِدَ الرَّجُلُ سُئِلَ إلْحافًا وأُخْجِلَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وأعْطِ ما أعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ∗∗∗ لا خَيْرَ في المَنكُودِ والنّاكِدِ
الآلاءُ: النِّعَمُ واحِدُها إلًى كَمِعًى. أنْشَدَ الزَّجّاجُ:
؎أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا ∗∗∗ يَقْطَعُ رُحْمًا ولا يَخُونُ إلًى
وإلى بِمَعْنى الوَقْتِ، أوْ ألًى كَقَفًا وألْي كَحَسْيٍ، أوْ إلْوٌ كَجِرْوٍ، وقَعَ، قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَرَعَ وصَدَرَ كَوُقُوعِ المِيقَعَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: نَزَلَ والواقِعَةُ النّازِلَةُ مِنَ الشَّدائِدِ، والوَقائِعُ الحُرُوبُ والمِيقَعَةُ المِطْرَقَةُ. قالَ بَعْضُ أُدَبائِنا:
؎ذُو الفَضْلِ كالتِّبْرِ طَوْرًا تَحْتَ مِيقَعَةٍ ∗∗∗ وتارَةً في ذُرى تاجٍ عَلى مَلِكٍ
ثَمُودُ اسْمُ قَبِيلَةٍ سُمِّيَتْ بِاسْمِ أبِيها ويَأْتِي ذِكْرُهُ في التَّفْسِيرِ إنْ شاءَ اللَّهُ. النّاقَةُ الأُنْثى مِنَ الجِمالِ وألِفُها مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ وجَمْعُها في القِلَّةِ أنْوُقٌ، وأنْيُقٌ، وفِيهِ القَلْبُ والإبْدالُ، وفي الكَثْرَةِ نِياقٌ ونُوقٌ واسْتَنْوَقَ الجَمَلُ إذا صارَ يُشْبِهُ النّاقَةَ. السَّهْلُ ما لانَ مِنَ الأرْضِ وانْخَفَضَ وهو ضِدُّ الحَزْنِ. القَصْرُ الدّارُ الَّتِي قُصِرَتْ عَلى بُقْعَةٍ مِنَ الأرْضِ مَخْصُوصَةٍ بِخِلافِ بُيُوتِ العَمُودِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقُصُورِ النّاسِ عَنِ ارْتِقائِهِ، أوْ لِقُصُورِ عامَّتِهِمْ عَنْ بِنائِهِ. النَّحْتُ: النَّجْرُ والنَّشْرُ في الشَّيْءِ الصُّلْبِ كالحَجَرِ والخَشَبِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎أمّا النَّهارُ فَفي قَيْدٍ وسِلْسِلَةٍ ∗∗∗ واللَّيْلُ في بَطْنٍ مَنحُوتٍ مِنَ السّاجِ
عَقَرْتَ النّاقَةَ: قَتَلْتَها فَهي مَعْقُورَةٌ وعَقِيرٌ، ومِنهُ مَن عَقَرَ جَوادَهُ. قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ الأزْهَرِيُّ العَقْرُ عِنْدَ العَرَبِ كَشْفُ عُرْقُوبِ البَعِيرِ، ولَمّا كانَ سَبَبًا لِلنَّحْرِ أُطْلِقَ العَقْرُ عَلى النَّحْرِ إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَطْعٌ لِلْعُرْقُوبِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارى مَطِيَّتِي ∗∗∗ فَيا عَجَبًا مِن كَوْرِها المُتَحَمَّلِ
وقالَ غَيْرُهُ: والعَقْرُ بِمَعْنى الجَرْحِ. قالَ:
؎تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِنا مَعًا ∗∗∗ عَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ
عَتا يَعْتُو عُتُوًّا: اسْتَكْبَرَ. الرَّجْفَةُ الطّامَّةُ الَّتِي يَرْجُفُ لَها الإنْسانُ، أيْ: يَتَزَعْزَعُ ويَضْطَرِبُ ويَرْتَعِدُ، ومِنهُ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ وأصْلُ الرَّجْفِ الِاضْطِرابُ رَجَفَتِ الأرْضُ، والبَحْرُ رَجّافٌ لِاضْطِرابِهِ، وأرْجَفَ النّاسُ بِالشَّرِّ خاضُوا فِيهِ واضْطَرَبُوا، ومِنهُ الأراجِيفُ، ورَجَفَ بِهِمُ الجَبَلُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَمّا رَأيْتُ الحَجَّ قَدْ حانَ وقْتُهُ ∗∗∗ وظَلَّتْ جِمالُ القَوْمِ بِالحَيِّ تَرْجُفُ
الجُثُومُ: اللُّصُوقُ بِالأرْضِ عَلى الصَّدْرِ مَعَ قَبْضِ السّاقَيْنِ كَما يَرْقُدُ الأرْنَبُ والطَّيْرُ. غَبَرَ: بَقِيَ. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎فَغَبَرْتُ بَعْدَهُمُ بِعَيْشٍ ناضِبٍ ∗∗∗ وإخالُ أنِّي لاحِقٌ مُسْتَتْبَعُ
هَذا المَشْهُورُ في اللُّغَةِ، ومِنهُ غَبَرَ الحَيْضُ. قالَ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ:
؎ومُبَرَّأٌ مِن كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ ∗∗∗ وفَسادِ مُرْضِعَةٍ وداءٍ مُغِيلِ
وغُبْرُ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ بَقِيَّتُهُ، وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ غَبَرَ بِمَعْنى مَضى، قالَ الأعْشى:
؎عَضَّ بِما ألْقى المُواسِي لَهُ ∗∗∗ مِن أُمِّهِ في الزَّمَنِ الغابِرِ
وبِمَعْنى غابَ، ومِنهُ غَبَرَ عَنّا زَمانًا، أيْ: غابَ. قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ غَبَرَ عُمَرُ دَهْرًا طَوِيلًا حَتّى (p-٣١٦)هَرِمَ، المَطَرُ مَعْرُوفٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ يُقالُ في الرَّحْمَةِ مَطَرٌ وفي العَذابِ أمْطَرَ، وهَذا مَعارَضٌ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فَإنَّهم لَمْ يُرِيدُوا إلّا الرَّحْمَةَ وكِلاهُما مُتَعَدٍّ، يُقالُ مَطَرَتْهُمُ السَّماءُ وأمْطَرَتْهم، شُعَيْبٌ: اسْمُ نَبِيٍّ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ نَسَبِهِ في التَّفْسِيرِ إنْ شاءَ اللَّهُ.
﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلائِلَ عَلى كَمالِ إلَهِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ أتْبَعَهُما بِالدَّلائِلِ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ وهي مَحْصُورَةٌ في آثارِ العالَمِ العُلْوِيِّ، ومِنها الرِّيحُ والسَّحابُ والمَطَرُ وفي المَعْدِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى نُزُولِ المَطَرِ أحْوالُ النَّباتِ وذَلِكَ هو المَذْكُورُ في الآيَةِ وانْجَرَّ مَعَ ذَلِكَ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، وانْتَظَمَتْ هاتانِ الآيَتانِ مُحَصِّلَتَيْنِ المَبْدَأ والمَعادَ وجُعِلَ الخَبَرُ مَوْصُولًا في أنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي، وفي وهو الَّذِي دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ مَعْهُودًا عِنْدَ السّامِعِ مَفْرُوغًا مِن تَحَقُّقِ النِّسْبَةِ فِيهِ والعِلْمِ بِهِ ولَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ إنَّ رَبَّكم خَلَقَ ولا وهو يُرْسِلُ الرِّياحَ، وقَرَأ (الرِّياحَ نُشُرًا) جَمْعَيْنِ وبِضَمِّ الشِّينِ جَمْعُ ناشِرٍ عَلى النَّسَبِ، أيْ: ذاتُ نَشْرٍ مِنَ الطَّيِّ كَلابِنٍ وتامِرٍ وقالُوا نازِلٌ ونُزُلٌ وشارِفٌ وشُرُفٌ، وهو جَمْعٌ نادِرٌ في فاعِلٍ، أوْ نُشُورٌ مِنَ الحَياةِ، أوْ جَمْعُ نَشُورٍ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ وهو جَمْعٌ مَقِيسٌ لا جَمْعُ نُشُورٍ بِمَعْنى مَنشُورٍ، خِلافًا لِمَن أجازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ فُعُولًا كَرُكُوبٍ بِمَعْنى مَرْكُوبٍ لا يَنْقاسُ ومَعَ كَوْنِهِ لا يَنْقاسُ لا يُجْمَعُ عَلى فِعْلٍ: الحَسَنُ، والسُّلَمِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، واخْتَلَفَ عَنْهم والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو يَحْيى، وأبُو نَوْفَلٍ الأعْرابِيّانِ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وقَرَأ كَذَلِكَ جَمْعًا إلّا أنَّهم سَكَّنُوا الشِّينَ تَخْفِيفا مِنَ الضَّمِّ كَرُسْلٍ - عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ وزِرٌّ، وابْنُ وثّابٍ والنَّخَعِيُّ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ ومَسْرُوقٌ، وابْنُ عامِرٍ، وقَرَأ نَشَرًا بِفَتْحِ النُّونِ والشِّينِ مَسْرُوقٌ فِيما حَكى عَنْهُ أبُو الفَتْحِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ كَغَيَبٍ ونَشَئٍ في غائِبَةٍ وناشِئَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ الرِّيحَ مُفْرَدًا نُشُرًا بِالنُّونِ وضَمِّها وضَمِّ الشِّينِ فاحْتَمَلَ نُشُرًا أنْ يَكُونَ جَمْعًا حالًا مِنَ المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ كَقَوْلِهِمْ: العَرَبُ هُمُ البِيضُ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا كَناقَةٍ سُرُحٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: نَشْرًا، بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ مَصْدَرًا كَنَشْرٍ خِلافَ طَوى، أوْ كَنَشَرَ بِمَعْنى حَيَّ، مِن قَوْلِهِمْ أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى فَنَشَرُوا، أيْ: حَيَوْا. قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ
وقَرَأ (الرِّياحَ) جَمْعًا ابْنُ عَبّاسٍ والسُّلَمِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (بُشُرًا) بِضَمِّ الباءِ والشِّينِ ورُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ وهو جَمْعُ بَشِيرَةٍ كَنَذِيرَةٍ ونُذُرٍ، وقَرَأ عاصِمٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ سَكَّنَ الشِّينَ تَخْفِيفًا مِنَ الضَّمِّ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ أيْضًا (بَشْرًا) بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وهو مَصْدَرُ بَشَرَ المُخَفَّفُ، ورُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ قُطَيْبٍ: بُشْرى، بِألِفٍ مَقْصُورَةٍ كَرُجْعى، وهو مَصْدَرٌ فَهَذِهِ ثَمانِي قِراءاتٍ أرْبَعَةٌ في النُّونِ وأرْبَعٌ في الباءِ، فَمَن قَرَأ بِالباءِ جَمْعًا، أوْ مَصْدَرًا بِألِفِ التَّأْنِيثِ فَفي مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ، أوْ مَصْدَرًا بِغَيْرِ ألِفِ التَّأْنِيثِ فَيُحْتَمَلُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ ومَن قَرَأ بِالنُّونِ جَمْعًا، أوِ اسْمَ جَمْعٍ فَحالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أوْ مَصْدَرًا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أوْ مَصْدَرًا لِيُرْسِلَ مِنَ المَعْنى؛ لِأنَّ إرْسالَها هو إطْلاقُها وهو بِمَعْنى النَّشْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ بِنَشْرِ الرِّياحِ نَشْرًا ووَصْفُ الرِّيحِ بِالنَّشْرِ بِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ بِخِلافِ الطَّيِّ وبِالحَياةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ في النَّشْرِ: إنَّها المُتَفَرِّقَةُ في الوُجُوهِ، وقالَ الشّاعِرُ في وصْفِ الرِّيحِ بِالإحْياءِ والمَوْتِ:
؎وهَبَّتْ لَهُ رِيحُ الجَنُوبِ وأحْيَيَتْ ∗∗∗ لَهُ رَيْدَةٌ يُحْيِي المِياهَ نَسِيمُها
والرَّيْدَةُ والمُرِيدُ أنَّهُ الرِّيحُ. وقالَ الآخَرُ:(p-٣١٧)
؎إنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَمُوتَ الرِّيحُ ∗∗∗ فَأقْعُدُ اليَوْمَ وأسْتَرِيحُ
ومَعْنى ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أمّا نِعْمَتُهُ وهو المَطَرُ الَّذِي هو مِن أجَلِّ النِّعَمِ وأحْسَنِها أثَرًا والتَّعْيِينُ عَنْ إمامِ الرَّحْمَةِ بِقَوْلِهِ: (بَيْنَ يَدَيَّ) مِن مَجازِ الِاسْتِعارَةِ إذِ الحَقِيقَةُ هو ما بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ مِنَ الإحْرامِ وقالَ الكِرْمانِيُّ: قالَ هُنا (يُرْسِلُ)؛ لِأنَّ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦] فَهُما في المُسْتَقْبَلِ فَناسَبَهُ المُسْتَقْبَلُ وفي الفُرْقانِ وفاطِرٍ (أرْسَلَ)؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] وبَعْدَهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ﴾ [الفرقان: ٥٣] وكَذا في الرُّومِ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ﴾ [الروم: ٤٦] لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ مِنَ المُسْتَقْبَلِ وفي فاطِرٍ قَبْلَهُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١] وذَلِكَ ماضٍ فَناسَبَهُ الماضِي. انْتَهى مُلَخَّصًا.
﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ . هَذِهِ غايَةٌ لِإرْسالِ الرِّياحِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُرْسِلُ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ، أوْ مُبَشِّراتٌ إلى سَوْقِ السَّحابِ وقْتَ إقْلالِهِ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ، والسَّحابُ اسْمُ جِنْسٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُفْرَدِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ فَيُذَكَّرُ كَقَوْلِهِ: ﴿والسَّحابِ المُسَخَّرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] كَقَوْلِهِ: ﴿يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور: ٤٣] ويُؤَنَّثُ ويُوصَفُ ويُخْبَرُ عَنْهُ بِالجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرعد: ١٢] وكَقَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ [ق: ١٠] وثَقَّلَهُ بِالماءِ الَّذِي فِيهِ، ونَسَبَ السَّوْقَ إلَيْهِ تَعالى بِنُونِ العَظَمَةِ التِفافًا لِما فِيهِ مِن عَظِيمِ المِنَّةِ، وذَكَرَ الضَّمِيرَ في ﴿سُقْناهُ﴾ رَعْيًا لِلَّفْظِ كَما قُلْنا إنَّهُ يُذَكَّرُ. وقالَ السُّدِّيُّ يُرْسِلُ تَعالى الرِّياحَ فَتَأْتِي السَّحابُ مِن بَيْنِ الخافِقَيْنِ طَرَفَ السَّماءِ والأرْضِ حَيْثُ يَلْتَقِيانِ فَيُخْرِجُهُ مِن ثَمَّ، ثُمَّ يَنْتَشِرُ ويَبْسُطُهُ في السَّماءِ وتُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ ويَسِيلُ الماءُ عَلى السَّحابِ، ثُمَّ يُمْطِرُ السَّحابُ بَعْدَ ذَلِكَ قالَ: وهَذا التَّفْصِيلُ لَمْ يَثْبُتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . انْتَهى. ومَذْهَبُ أهْلِ الحَقِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يُسَخِّرُ الرِّياحَ ويَصْرِفُها حَيْثُ أرادَ بِمَشِيئَتِهِ، وتَقْدِيرُهُ لا مُشارِكَ لَهُ في ذَلِكَ، ولِلْفَلاسِفَةِ كَيْفِيَّةٌ في حُصُولِ الرِّياحِ، ذَكَرَها أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وأبْطَلَها مِن وُجُوهٍ أرْبَعَةٍ يُوقَفُ عَلَيْها في كَلامِهِ ولِلْمُنَجِّمِينَ أيْضًا كَلامٌ في ذَلِكَ أبْطَلَهُ، وقالَ في آخِرِهِ: فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّ مُحَرِّكَ الرِّياحِ هو اللَّهُ تَعالى وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ صِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ .
وعَنِ ابْنِ عِمْرانَ: الرِّياحُ ثَمانٍ، أرْبَعٌ مِنها عَذابٌ هي: القاصِفُ والعاصِفُ والصَّرْصَرُ والعَقِيمُ وأرْبَعٌ مِنها رَحْمَةٌ: النّاشِراتُ والمُبَشِّراتُ والمُرْسَلاتُ والذّارِياتُ، واللّامُ في ﴿لِبَلَدٍ﴾ عِنْدِي لامُ التَّبْلِيغِ كَقَوْلِكَ قُلْتُ لَكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأجْلِ بَلَدٍ فَجَعَلَ اللّامَ لامَ العِلَّةِ ولا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ سُقْتُ لَكَ مالًا وسُقْتُ لِأجْلِكَ مالًا فَإنَّ الأوَّلَ مَعْناهُ أوْصَلْتُهُ لَكَ وأبْلَغْتُكَهُ والثّانِي لا يَلْزَمُ مِنهُ وُصُولُهُ إلَيْهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الَّذِي وصَلَ لَهُ الماءُ غَيْرَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ السَّوْقُ، ألا تَرى إلى صِحَّةِ قَوْلِ القائِلِ لِأجْلِ زَيْدٍ سُقْتُ لَكَ مالَكَ. ووَصْفُ البَلَدِ بِالمَوْتِ اسْتِعارَةٌ حَسَنَةٌ لِجَدْبِهِ وعَدَمِ نَباتِهِ، كَأنَّهُ مِن حَيْثُ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ كالجَسَدِ الَّذِي لا رُوحَ فِيهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ قُرْبِ رَحْمَةِ اللَّهِ وإظْهارَ إحْسانِهِ ذَكَرَ أخَصَّ الأرْضِ، وهو البَلَدُ حَيْثُ مُجْتَمَعُ النّاسِ ومَكانُ اسْتِقْرارِهِمْ، ولَمّا كانَ في سُورَةِ يس المَقْصِدُ إظْهارَ الآياتِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ، جاءَ التَّرْكِيبُ بِاللَّفْظِ العامِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] وبَعْدَهُ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] وسَكَّنَ ياءَ المَيِّتِ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو والأعْمَشُ.
﴿فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ﴾، الظّاهِرُ أنَّ الباءَ ظَرْفِيَّةٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى بَلَدٍ مَيِّتٍ، أيْ: فَأنْزَلْنا فِيهِ الماءَ، وهو أقْرَبُ مَذْكُورٍ (p-٣١٨)ويَحْسُنُ عَوْدُهُ إلَيْهِ فَلا يُجْعَلُ لِأبْعَدِ مَذْكُورٍ، وقِيلَ: الباءُ سَبَبِيَّةٌ والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى السَّحابِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مَن سُقْناهُ، فالتَّقْدِيرُ: بِالسَّحابِ، أوْ بِالسَّوْقِ، والثّالِثُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ مَعَ وُجُودِ المَذْكُورِ وصَلاحِيَتِهِ لِلْعَوْدِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى السَّحابِ، والباءُ بِمَعْنى مِن، أيْ: فَأنْزَلْنا مِنهُ الماءَ كَقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، أيْ: مِنها، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ تَضْمِينٌ مِنَ الحُرُوفِ.
﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ الخِلافُ في (بِهِ) كالخِلافِ السّابِقِ في بِهِ. وقِيلَ: الأوَّلُ عائِدٌ عَلى السَّحابِ، والثّانِي عَلى البَلَدِ، عَدَلَ عَنْ كِنايَةٍ إلى كِنايَةٍ مِن غَيْرِ فاصِلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] وفاعِلُ أمْلى لَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: مِثْلُ هَذا الإخْراجِ نُخْرِجُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً إلى الحَشْرِ، لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ بِإخْراجِ الثَّمَراتِ وإنْشائِها خُرُوجَكم لِلْبَعْثِ إذِ الإخْراجاتُ سَواءٌ، فَهَذا الإخْراجُ المُشاهَدُ نَظِيرُ الإخْراجِ المَوْعُودِ بِهِ. خَرَّجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُعِيدُ اللَّهُ الخَلْقَ وما آيَةُ ذَلِكَ في خَلْقِهِ ؟ قالَ: أما مَرَرْتَ بِوادِي قَوْمِكَ جَدْبًا، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ خَضِرًا قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَتِلْكَ آيَةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ» . انْتَهى. وهَلِ التَّشْبِيهُ في مُطْلَقِ الإخْراجِ، ودَلالَةُ إخْراجِ الثَّمَراتِ عَلى القُدْرَةِ في إخْراجِ الأمْواتِ أمْ في كَيْفِيَّةِ الإخْراجِ، وأنَّهُ يَنْزِلُ مَطَرٌ عَلَيْهِمْ فَيَحْيَوْنَ كَما يَنْزِلُ المَطَرُ عَلى البَلَدِ المَيِّتِ فَيَحْيا نَباتُهُ احْتِمالانِ، وقَدْ رُوِيَ: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ يُمْطِرُ عَلَيْهِمْ مِن ماءٍ تَحْتَ العَرْشِ يُقالُ لَهُ ماءُ الحَيَوانِ أرْبَعِينَ سَنَةً فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ الزَّرْعُ فَإذا كَمُلَتْ أجْسامُهم نَفَخَ فِيها الرُّوحَ، ثُمَّ يُلْقِي عَلَيْهِمْ نَوْمَةً فَيَنامُونَ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ الثّانِيَةِ قامُوا وهم يَجِدُونَ طَعْمَ النَّوْمِ فَيَقُولُونَ يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا فَيُنادِيهِمُ المُنادِي: هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ.
الأعراف 7:58
﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا﴾ والطَّيِّبُ الجَيِّدُ التُّرْبِ الكَرِيمُ الأرْضِ، ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ المَكانُ السَّبَخُ الَّذِي لا يُنْبِتُ ما يُنْتَفَعُ بِهِ، وهو الرَّدِيءُ مِنَ الأرْضِ، ولَمّا قالَ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] تَمَّمَ هَذا المَعْنى بِكَيْفِيَّةِ ما يَخْرُجُ مِنَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ الكَرِيمَةِ والأرْضِ السَّبَخَةِ وتِلْكَ عادَةُ اللَّهِ في إنْباتِ الأرَضِينَ، وفي الكَلامِ حالٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: يَخْرُجُ نَباتُهُ وافِيًا حَسَنًا وحُذِفَتْ لِفَهْمِ المَعْنى ولِدَلالَةِ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ عَلَيْها ولِمُقابَلَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا نَكِدًا﴾ ولِدَلالَةِ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾؛ لِأنَّ ما أذِنَ اللَّهُ في إخْراجِهِ لا يَكُونُ إلّا عَلى أحْسَنِ حالٍ و﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وخَصَّ خُرُوجَ نَباتِ الطَّيِّبِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ لَهُ والتَّشْرِيفِ، ونِسْبَةُ الإسْنادِ الشَّرِيفَةُ الطَّيِّبَةُ إلَيْهِ تَعالى وإنْ كانَ كِلا النَّباتَيْنِ يَخْرُجُ بِإذْنِهِ تَعالى، ومَعْنى ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِتَيْسِيرِهِ وحُذِفَ مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ المَوْصُوفُ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ والبَلَدُ الَّذِي خَبُثَ لِدَلالَةِ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ عَلَيْهِ فَكُلٌّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ فِيهِ حَذْفٌ وغايَرَ بَيْنَ المَوْصُولَيْنِ فَصاحَةً وتَفَنُّنًا فَفي الأُولى قالَ: ﴿الطَّيِّبُ﴾ وفي الثّانِيَةِ قالَ: (الَّذِي خَبُثَ) وكانَ إبْرازُ الصِّلَةِ هُنا فِعْلًا بِخِلافِ الأوَّلِ لِتَعادُلِ اللَّفْظِ يَكُونُ ذَلِكَ كَلِمَتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ والطَّيِّبُ والخَبِيثُ مُتَقابِلانِ في القُرْآنِ كَثِيرًا ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] و﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والفاعِلُ في ﴿لا يَخْرُجُ﴾ عائِدٌ عَلى (الَّذِي خَبُثَ)، وقَدْ قُلْنا إنَّهُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والبَلَدُ لا يَخْرُجُ فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ إمّا مِنَ الأوَّلِ، أيْ: ونَباتُ الَّذِي خَبُثَ، أوْ مِنَ الثّانِي، أيْ: لا يَخْرُجُ نَباتُهُ فَلَمّا حُذِفَ اسْتَكَنَّ الضَّمِيرُ الَّذِي كانَ مَجْرُورًا؛ لِأنَّهُ فاعِلٌ، وقِيلَ: هاتانِ الجُمْلَتانِ قُصِدَ بِهِما التَّمْثِيلُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مِثالٌ لِرُوحِ المُؤْمِنِ يَرْجِعُ إلى جَسَدِهِ سَهْلًا طَيِّبًا كَما خَرَجَ إذا ماتَ ولِرُوحِ الكافِرِ لا يَرْجِعُ (p-٣١٩)إلّا بِالنَّكَدِ كَما خَرَجَ إذْ ماتَ. انْتَهى. فَيَكُونُ هَذا راجِعًا مِن حَيْثُ المَعْنى إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: عَلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ.
وقالَ السُّدِّيُّ مِثالٌ لِلْقُلُوبِ لَمّا نَزَّلَ القُرْآنَ كَنُزُولِ المَطَرِ عَلى الأرْضِ، فَقَلْبُ المُؤْمِنِ كالأرْضِ الطَّيِّبَةِ يَقْبَلُ الماءَ وانْتَفَعَ بِما يَخْرُجُ، وقَلْبُ الكافِرِ كالسَّبَخَةِ لا يَنْتَفِعُ بِما يَقْبَلُ مِنَ الماءِ، وقالَ النَّحّاسُ: هو مِثالٌ لِلْفَهِيمِ والبَلِيدِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مَثَلٌ لِمَن يَنْجَعُ فِيهِ الوَعْظُ والتَّنْبِيهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ ولِمَن لا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وعَنْ مُجاهِدٍ ذُرِّيَّةُ آدَمَ خَبِيثٌ وطَيِّبٌ، وهَذا التَّمْثِيلُ واقِعٌ عَلى أثَرِ ذِكْرِ المَطَرِ وإنْزالِهِ بِالبَلَدِ المَيِّتِ، وإخْراجِ الثَّمَراتِ بِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ. انْتَهى. والأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ المَقْصُودَ التَّعْرِيفُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى في إخْراجِ النَّباتِ في الأرْضِ الطَّيِّبَةِ والأرْضِ الخَبِيثَةِ دُونَ قَصْدٍ إلى التَّمْثِيلِ بِشَيْءٍ مِمّا ذَكَرُوا، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ (نَكَدًا) بِفَتْحِ الكافِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ بِسُكُونِها وهُما مَصْدَرانِ، أيْ: ذا نَكَدٍ، وكَوْنُ نَباتِ الَّذِي خَبُثَ مَحْصُورًا خُرُوجُهُ عَلى حالَةِ النَّكَدِ مُبالَغَةً شَدِيدَةً في كَوْنِهِ لا يَكُونُ إلّا هَكَذا ولا يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ ﴿إلّا نَكِدًا﴾ وهي إشارَةٌ إلى مَنِ اسْتَقَرَّ فِيهِ وصْفُ الخَبِيثِ يَبْعُدُ عَنْهُ النُّزُوعُ إلى الخَيْرِ.
﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾، أيْ: مِثْلُ هَذا التَّصْرِيفِ والتَّرْدِيدِ والتَّنْوِيعِ نُنَوِّعُ الآياتِ ونُرَدِّدُها وهي الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ التّامَّةِ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، ولَمّا كانَ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِن إرْسالِ الرِّياحِ مُنْتَشِراتٍ ومُبَشِّراتٍ سَبَبًا لِإيجادِ النَّباتِ الَّذِي هو سَبَبُ وُجُودِ الحَياةِ ودَيْمُومَتِها كانَ ذَلِكَ أكْبَرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى الخَلْقِ فَقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾، أيْ: هَذِهِ النِّعْمَةُ الَّتِي لا يَكادُ تُوازِنُها نِعْمَةٌ، وخَصَّ الشّاكِرِينَ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهَذِهِ النِّعَمِ عَلى ما يَنْبَغِي، وهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالآياتِ وتَصْرِيفِها؛ لِأنَّ مَن لا يُفَكِّرُ في النِّعَمِ لا يَشْكُرُ ولا يَنْتَفِعُ بِالآياتِ. وقُرِئَ يُصَرِّفُ بِالياءِ مُراعاةً لِلْغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ .
الأعراف 7:59
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَبْدَأ الخَلْقِ الإنْسانِيِّ وهو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَصَّ مِن أخْبارِهِ ما قَصَّ واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى المَعادِ ومَصِيرِ أهْلِ السَّعادَةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ إلى النّارِ وأمَرَهُ تَعالى بِتَرْكِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وكانَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوَّلًا غَيْرَ مُسْتَجِيبِينَ لَهُ ولا مُصَدِّقِينَ لِما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ أحْوالَ الرُّسُلِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ وأحْوالَ مَن بُعِثُوا إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ والتَّأسِّي بِهِمْ، فَبَدَأ بِنُوحٍ إذْ هو آدَمُ الأصْغَرُ وأوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى مَن في الأرْضِ، وأُمَّتُهُ أدْوَمُ تَكْذِيبًا لَهُ وأقَلُّ اسْتِجابَةً، وتَقَدَّمَ رَفْعُ نَسَبِهِ إلى آدَمَ، وكانَ نَجّارًا بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسِينَ، (p-٣٢٠)وقالَ مُقاتِلٌ: ابْنُ مِائَةٍ، وقِيلَ: ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ. وقالَ عَوْنُ بْنُ شَدّادٍ: ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسِينَ، وقالَ وهْبٌ: ابْنُ أرْبَعِمِائَةٍ، وهَذا اضْطِرابٌ كَثِيرٌ مِن أرْبَعِينَ إلى أرْبَعِمِائَةٍ فَما بَيْنَهُما، ورُوِيَ أنَّ الطُّوفانَ كانَ سَنَةَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةٍ مِن عُمُرِهِ وهو أوَّلُ الرُّسُلِ بَعْدَ آدَمَ بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ، وجَمِيعُ الخَلْقِ الآنَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ العَرَبَ وفارِسَ والرُّومَ وأهْلَ الشّامِ واليَمَنِ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ، والهِنْدَ والسِّنْدَ والزِّنْجَ والحَبَشَةَ والزُّطَّ والنُّوبَةَ وكُلَّ جِلْدٍ أسْوَدَ مِن ولَدِ حامِ بْنِ نُوحٍ، والتُّرْكَ والبَرْبَرَ ووَراءَ الصِّينِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والصَّقالِبَةَ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ.
ولَقَدْ أرْسَلْنا اسْتِئْنافُ كَلامٍ دُونَ واوٍ وفي هُودٍ: والمُؤْمِنُونَ، ولَقَدْ، بِواوِ العَطْفِ، قالَ الكِرْمانِيُّ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ مَرّاتٍ في هُودٍ وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ ضِمْنًا في قَوْلِهِ ”وعَلى الفُلْكِ“؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَها عَطْفٌ في السُّورَتَيْنِ. انْتَهى. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أكَّدَ تَعالى هَذا الإخْبارَ بِالقَسَمِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما لَهم لا يَكادُونَ يَنْطِقُونَ بِهَذِهِ اللّامِ إلّا مَعَ قَدْ، وقَلَّ عَنْهم قَوْلُهُ:
؎حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا. . . . . . .
قُلْتُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها، فَكانَتْ مَظَنَّةً لِمَعْنى التَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى قَدْ عِنْدَ اسْتِماعِ المُخاطَبِ كَلِمَةَ القَسَمِ. انْتَهى. وبَعْضُ أصْحابِنا يَقُولُ إذا أقْسَمَ عَلى جُمْلَةٍ مُصَدَّرَةٍ بِماضٍ مُثْبَتٍ مُتَصَرِّفٍ، وكانَ قَرِيبًا مِن زَمانِ الحالِ أثْبَتَ مَعَ اللّامِ بِقَدِ الدّالَّةِ عَلى التَّقْرِيبِ مِن زَمَنِ الحالِ ولَمْ تَأْتِ بِقَدْ، بَلْ بِاللّامِ وحْدَها إنْ لَمْ يُرِدِ التَّقْرِيبَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أرْسَلْنا﴾ بَعَثْنا، وقالَ غَيْرُهُ حَمَّلْناهُ رِسالَةً يُؤَدِّيها فَعَلى هَذا تَكُونُ الرِّسالَةُ مُتَضَمِّنَةً لِلْبَعْثِ، وهُنا فَقالَ بِفاءِ العَطْفِ وكَذا في: ”المُؤْمِنُونَ“ في قِصَّةِ عادٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ، هُنا قالَ بِغَيْرِ فاءٍ، والأصْلُ الفاءُ، وحُذِفَتْ في القِصَّتَيْنِ تَوَسُّعًا واكْتِفاءً بِالرَّبْطِ المَعْنَوِيِّ، وفي قِصَّةِ نُوحٍ في هُودٍ ﴿إنِّي لَكُمْ﴾ [هود: ٢٥] عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: فَقالَ إنِّي. وفي نِدائِهِ قَوْمَهُ تَنْبِيهٌ لَهم لِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ واسْتِعْطافٌ وتَذْكِيرٌ بِأنَّهم قَوْمُهُ، فالمُناسِبُ أنْ لا يُخالِفُوهُ ومَعْمُولُ القَوْلِ جُمْلَةُ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةُ ودًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا وغَيْرَها، والجُمْلَةُ المُنَبِّهَةُ عَلى الوَصْفِ الدّاعِي إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وهو انْفِرادُهُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المَرْجُوُّ إحْسانُهُ المَحْذُورُ انْتِقامُهُ دُونَ آلِهَتِهِمْ ولَمْ تَأْتِ بِحَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّها بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِعِلَّةِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِأنْ يُعْبَدَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والكِسائِيُّ (غَيْرِهِ) بِالجَرِّ عَلى لَفْظِ (إلَهٍ) بَدَلًا، أوْ نَعْتًا، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ ﴿مِن إلَهٍ﴾؛ لِأنَّ مِن زائِدَةٌ بَدَلًا، أوْ نَعْتًا، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، (غَيْرَهُ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، والجَرُّ والرَّفْعُ أفْصَحُ، و(مِن إلَهٍ) مُبْتَدَأٌ و(لَكم) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: في الوُجُودِ و(لَكم) تَبْيِينٌ وتَخْصِيصٌ، و﴿أخافُ﴾ قِيلَ: بِمَعْنى أتَيَقَّنُ وأجْزِمُ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ أنَّ العَذابَ يَنْزِلُ بِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وقِيلَ: الخَوْفُ عَلى بابِهِ بِمَعْنى الحَذَرِ؛ لِأنَّهُ جَوَّزَ أنْ يُؤْمِنُوا، وأنْ يَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ و﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا، وهو الطُّوفانُ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إظْهارُ الشَّفَقَةِ والحُنُوِّ عَلَيْهِمْ.
الأعراف 7:60
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَبْدَأ الخَلْقِ الإنْسانِيِّ وهو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَصَّ مِن أخْبارِهِ ما قَصَّ واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى المَعادِ ومَصِيرِ أهْلِ السَّعادَةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ إلى النّارِ وأمَرَهُ تَعالى بِتَرْكِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وكانَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوَّلًا غَيْرَ مُسْتَجِيبِينَ لَهُ ولا مُصَدِّقِينَ لِما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ أحْوالَ الرُّسُلِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ وأحْوالَ مَن بُعِثُوا إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ والتَّأسِّي بِهِمْ، فَبَدَأ بِنُوحٍ إذْ هو آدَمُ الأصْغَرُ وأوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى مَن في الأرْضِ، وأُمَّتُهُ أدْوَمُ تَكْذِيبًا لَهُ وأقَلُّ اسْتِجابَةً، وتَقَدَّمَ رَفْعُ نَسَبِهِ إلى آدَمَ، وكانَ نَجّارًا بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسِينَ، (p-٣٢٠)وقالَ مُقاتِلٌ: ابْنُ مِائَةٍ، وقِيلَ: ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ. وقالَ عَوْنُ بْنُ شَدّادٍ: ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسِينَ، وقالَ وهْبٌ: ابْنُ أرْبَعِمِائَةٍ، وهَذا اضْطِرابٌ كَثِيرٌ مِن أرْبَعِينَ إلى أرْبَعِمِائَةٍ فَما بَيْنَهُما، ورُوِيَ أنَّ الطُّوفانَ كانَ سَنَةَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةٍ مِن عُمُرِهِ وهو أوَّلُ الرُّسُلِ بَعْدَ آدَمَ بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ، وجَمِيعُ الخَلْقِ الآنَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ العَرَبَ وفارِسَ والرُّومَ وأهْلَ الشّامِ واليَمَنِ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ، والهِنْدَ والسِّنْدَ والزِّنْجَ والحَبَشَةَ والزُّطَّ والنُّوبَةَ وكُلَّ جِلْدٍ أسْوَدَ مِن ولَدِ حامِ بْنِ نُوحٍ، والتُّرْكَ والبَرْبَرَ ووَراءَ الصِّينِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والصَّقالِبَةَ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ.
ولَقَدْ أرْسَلْنا اسْتِئْنافُ كَلامٍ دُونَ واوٍ وفي هُودٍ: والمُؤْمِنُونَ، ولَقَدْ، بِواوِ العَطْفِ، قالَ الكِرْمانِيُّ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ مَرّاتٍ في هُودٍ وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ ضِمْنًا في قَوْلِهِ ”وعَلى الفُلْكِ“؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَها عَطْفٌ في السُّورَتَيْنِ. انْتَهى. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أكَّدَ تَعالى هَذا الإخْبارَ بِالقَسَمِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما لَهم لا يَكادُونَ يَنْطِقُونَ بِهَذِهِ اللّامِ إلّا مَعَ قَدْ، وقَلَّ عَنْهم قَوْلُهُ:
؎حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا. . . . . . .
قُلْتُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها، فَكانَتْ مَظَنَّةً لِمَعْنى التَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى قَدْ عِنْدَ اسْتِماعِ المُخاطَبِ كَلِمَةَ القَسَمِ. انْتَهى. وبَعْضُ أصْحابِنا يَقُولُ إذا أقْسَمَ عَلى جُمْلَةٍ مُصَدَّرَةٍ بِماضٍ مُثْبَتٍ مُتَصَرِّفٍ، وكانَ قَرِيبًا مِن زَمانِ الحالِ أثْبَتَ مَعَ اللّامِ بِقَدِ الدّالَّةِ عَلى التَّقْرِيبِ مِن زَمَنِ الحالِ ولَمْ تَأْتِ بِقَدْ، بَلْ بِاللّامِ وحْدَها إنْ لَمْ يُرِدِ التَّقْرِيبَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أرْسَلْنا﴾ بَعَثْنا، وقالَ غَيْرُهُ حَمَّلْناهُ رِسالَةً يُؤَدِّيها فَعَلى هَذا تَكُونُ الرِّسالَةُ مُتَضَمِّنَةً لِلْبَعْثِ، وهُنا فَقالَ بِفاءِ العَطْفِ وكَذا في: ”المُؤْمِنُونَ“ في قِصَّةِ عادٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ، هُنا قالَ بِغَيْرِ فاءٍ، والأصْلُ الفاءُ، وحُذِفَتْ في القِصَّتَيْنِ تَوَسُّعًا واكْتِفاءً بِالرَّبْطِ المَعْنَوِيِّ، وفي قِصَّةِ نُوحٍ في هُودٍ ﴿إنِّي لَكُمْ﴾ [هود: ٢٥] عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: فَقالَ إنِّي. وفي نِدائِهِ قَوْمَهُ تَنْبِيهٌ لَهم لِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ واسْتِعْطافٌ وتَذْكِيرٌ بِأنَّهم قَوْمُهُ، فالمُناسِبُ أنْ لا يُخالِفُوهُ ومَعْمُولُ القَوْلِ جُمْلَةُ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةُ ودًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا وغَيْرَها، والجُمْلَةُ المُنَبِّهَةُ عَلى الوَصْفِ الدّاعِي إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وهو انْفِرادُهُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المَرْجُوُّ إحْسانُهُ المَحْذُورُ انْتِقامُهُ دُونَ آلِهَتِهِمْ ولَمْ تَأْتِ بِحَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّها بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِعِلَّةِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِأنْ يُعْبَدَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والكِسائِيُّ (غَيْرِهِ) بِالجَرِّ عَلى لَفْظِ (إلَهٍ) بَدَلًا، أوْ نَعْتًا، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ ﴿مِن إلَهٍ﴾؛ لِأنَّ مِن زائِدَةٌ بَدَلًا، أوْ نَعْتًا، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، (غَيْرَهُ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، والجَرُّ والرَّفْعُ أفْصَحُ، و(مِن إلَهٍ) مُبْتَدَأٌ و(لَكم) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: في الوُجُودِ و(لَكم) تَبْيِينٌ وتَخْصِيصٌ، و﴿أخافُ﴾ قِيلَ: بِمَعْنى أتَيَقَّنُ وأجْزِمُ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ أنَّ العَذابَ يَنْزِلُ بِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وقِيلَ: الخَوْفُ عَلى بابِهِ بِمَعْنى الحَذَرِ؛ لِأنَّهُ جَوَّزَ أنْ يُؤْمِنُوا، وأنْ يَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ و﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا، وهو الطُّوفانُ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إظْهارُ الشَّفَقَةِ والحُنُوِّ عَلَيْهِمْ.
الأعراف 7:61
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَبْدَأ الخَلْقِ الإنْسانِيِّ وهو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَصَّ مِن أخْبارِهِ ما قَصَّ واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى المَعادِ ومَصِيرِ أهْلِ السَّعادَةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ إلى النّارِ وأمَرَهُ تَعالى بِتَرْكِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وكانَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوَّلًا غَيْرَ مُسْتَجِيبِينَ لَهُ ولا مُصَدِّقِينَ لِما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ أحْوالَ الرُّسُلِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ وأحْوالَ مَن بُعِثُوا إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ والتَّأسِّي بِهِمْ، فَبَدَأ بِنُوحٍ إذْ هو آدَمُ الأصْغَرُ وأوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى مَن في الأرْضِ، وأُمَّتُهُ أدْوَمُ تَكْذِيبًا لَهُ وأقَلُّ اسْتِجابَةً، وتَقَدَّمَ رَفْعُ نَسَبِهِ إلى آدَمَ، وكانَ نَجّارًا بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسِينَ، (p-٣٢٠)وقالَ مُقاتِلٌ: ابْنُ مِائَةٍ، وقِيلَ: ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ. وقالَ عَوْنُ بْنُ شَدّادٍ: ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسِينَ، وقالَ وهْبٌ: ابْنُ أرْبَعِمِائَةٍ، وهَذا اضْطِرابٌ كَثِيرٌ مِن أرْبَعِينَ إلى أرْبَعِمِائَةٍ فَما بَيْنَهُما، ورُوِيَ أنَّ الطُّوفانَ كانَ سَنَةَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةٍ مِن عُمُرِهِ وهو أوَّلُ الرُّسُلِ بَعْدَ آدَمَ بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ، وجَمِيعُ الخَلْقِ الآنَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ العَرَبَ وفارِسَ والرُّومَ وأهْلَ الشّامِ واليَمَنِ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ، والهِنْدَ والسِّنْدَ والزِّنْجَ والحَبَشَةَ والزُّطَّ والنُّوبَةَ وكُلَّ جِلْدٍ أسْوَدَ مِن ولَدِ حامِ بْنِ نُوحٍ، والتُّرْكَ والبَرْبَرَ ووَراءَ الصِّينِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والصَّقالِبَةَ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ.
ولَقَدْ أرْسَلْنا اسْتِئْنافُ كَلامٍ دُونَ واوٍ وفي هُودٍ: والمُؤْمِنُونَ، ولَقَدْ، بِواوِ العَطْفِ، قالَ الكِرْمانِيُّ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ مَرّاتٍ في هُودٍ وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ ضِمْنًا في قَوْلِهِ ”وعَلى الفُلْكِ“؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَها عَطْفٌ في السُّورَتَيْنِ. انْتَهى. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أكَّدَ تَعالى هَذا الإخْبارَ بِالقَسَمِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما لَهم لا يَكادُونَ يَنْطِقُونَ بِهَذِهِ اللّامِ إلّا مَعَ قَدْ، وقَلَّ عَنْهم قَوْلُهُ:
؎حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا. . . . . . .
قُلْتُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها، فَكانَتْ مَظَنَّةً لِمَعْنى التَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى قَدْ عِنْدَ اسْتِماعِ المُخاطَبِ كَلِمَةَ القَسَمِ. انْتَهى. وبَعْضُ أصْحابِنا يَقُولُ إذا أقْسَمَ عَلى جُمْلَةٍ مُصَدَّرَةٍ بِماضٍ مُثْبَتٍ مُتَصَرِّفٍ، وكانَ قَرِيبًا مِن زَمانِ الحالِ أثْبَتَ مَعَ اللّامِ بِقَدِ الدّالَّةِ عَلى التَّقْرِيبِ مِن زَمَنِ الحالِ ولَمْ تَأْتِ بِقَدْ، بَلْ بِاللّامِ وحْدَها إنْ لَمْ يُرِدِ التَّقْرِيبَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أرْسَلْنا﴾ بَعَثْنا، وقالَ غَيْرُهُ حَمَّلْناهُ رِسالَةً يُؤَدِّيها فَعَلى هَذا تَكُونُ الرِّسالَةُ مُتَضَمِّنَةً لِلْبَعْثِ، وهُنا فَقالَ بِفاءِ العَطْفِ وكَذا في: ”المُؤْمِنُونَ“ في قِصَّةِ عادٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ، هُنا قالَ بِغَيْرِ فاءٍ، والأصْلُ الفاءُ، وحُذِفَتْ في القِصَّتَيْنِ تَوَسُّعًا واكْتِفاءً بِالرَّبْطِ المَعْنَوِيِّ، وفي قِصَّةِ نُوحٍ في هُودٍ ﴿إنِّي لَكُمْ﴾ [هود: ٢٥] عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: فَقالَ إنِّي. وفي نِدائِهِ قَوْمَهُ تَنْبِيهٌ لَهم لِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ واسْتِعْطافٌ وتَذْكِيرٌ بِأنَّهم قَوْمُهُ، فالمُناسِبُ أنْ لا يُخالِفُوهُ ومَعْمُولُ القَوْلِ جُمْلَةُ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةُ ودًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا وغَيْرَها، والجُمْلَةُ المُنَبِّهَةُ عَلى الوَصْفِ الدّاعِي إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وهو انْفِرادُهُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المَرْجُوُّ إحْسانُهُ المَحْذُورُ انْتِقامُهُ دُونَ آلِهَتِهِمْ ولَمْ تَأْتِ بِحَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّها بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِعِلَّةِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِأنْ يُعْبَدَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والكِسائِيُّ (غَيْرِهِ) بِالجَرِّ عَلى لَفْظِ (إلَهٍ) بَدَلًا، أوْ نَعْتًا، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ ﴿مِن إلَهٍ﴾؛ لِأنَّ مِن زائِدَةٌ بَدَلًا، أوْ نَعْتًا، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، (غَيْرَهُ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، والجَرُّ والرَّفْعُ أفْصَحُ، و(مِن إلَهٍ) مُبْتَدَأٌ و(لَكم) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: في الوُجُودِ و(لَكم) تَبْيِينٌ وتَخْصِيصٌ، و﴿أخافُ﴾ قِيلَ: بِمَعْنى أتَيَقَّنُ وأجْزِمُ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ أنَّ العَذابَ يَنْزِلُ بِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وقِيلَ: الخَوْفُ عَلى بابِهِ بِمَعْنى الحَذَرِ؛ لِأنَّهُ جَوَّزَ أنْ يُؤْمِنُوا، وأنْ يَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ و﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا، وهو الطُّوفانُ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إظْهارُ الشَّفَقَةِ والحُنُوِّ عَلَيْهِمْ.
الأعراف 7:62
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَبْدَأ الخَلْقِ الإنْسانِيِّ وهو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَصَّ مِن أخْبارِهِ ما قَصَّ واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى المَعادِ ومَصِيرِ أهْلِ السَّعادَةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ إلى النّارِ وأمَرَهُ تَعالى بِتَرْكِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وكانَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوَّلًا غَيْرَ مُسْتَجِيبِينَ لَهُ ولا مُصَدِّقِينَ لِما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ أحْوالَ الرُّسُلِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ وأحْوالَ مَن بُعِثُوا إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ والتَّأسِّي بِهِمْ، فَبَدَأ بِنُوحٍ إذْ هو آدَمُ الأصْغَرُ وأوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى مَن في الأرْضِ، وأُمَّتُهُ أدْوَمُ تَكْذِيبًا لَهُ وأقَلُّ اسْتِجابَةً، وتَقَدَّمَ رَفْعُ نَسَبِهِ إلى آدَمَ، وكانَ نَجّارًا بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسِينَ، (p-٣٢٠)وقالَ مُقاتِلٌ: ابْنُ مِائَةٍ، وقِيلَ: ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ. وقالَ عَوْنُ بْنُ شَدّادٍ: ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسِينَ، وقالَ وهْبٌ: ابْنُ أرْبَعِمِائَةٍ، وهَذا اضْطِرابٌ كَثِيرٌ مِن أرْبَعِينَ إلى أرْبَعِمِائَةٍ فَما بَيْنَهُما، ورُوِيَ أنَّ الطُّوفانَ كانَ سَنَةَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةٍ مِن عُمُرِهِ وهو أوَّلُ الرُّسُلِ بَعْدَ آدَمَ بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ، وجَمِيعُ الخَلْقِ الآنَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ العَرَبَ وفارِسَ والرُّومَ وأهْلَ الشّامِ واليَمَنِ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ، والهِنْدَ والسِّنْدَ والزِّنْجَ والحَبَشَةَ والزُّطَّ والنُّوبَةَ وكُلَّ جِلْدٍ أسْوَدَ مِن ولَدِ حامِ بْنِ نُوحٍ، والتُّرْكَ والبَرْبَرَ ووَراءَ الصِّينِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والصَّقالِبَةَ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ.
ولَقَدْ أرْسَلْنا اسْتِئْنافُ كَلامٍ دُونَ واوٍ وفي هُودٍ: والمُؤْمِنُونَ، ولَقَدْ، بِواوِ العَطْفِ، قالَ الكِرْمانِيُّ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ مَرّاتٍ في هُودٍ وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ ضِمْنًا في قَوْلِهِ ”وعَلى الفُلْكِ“؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَها عَطْفٌ في السُّورَتَيْنِ. انْتَهى. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أكَّدَ تَعالى هَذا الإخْبارَ بِالقَسَمِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما لَهم لا يَكادُونَ يَنْطِقُونَ بِهَذِهِ اللّامِ إلّا مَعَ قَدْ، وقَلَّ عَنْهم قَوْلُهُ:
؎حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا. . . . . . .
قُلْتُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها، فَكانَتْ مَظَنَّةً لِمَعْنى التَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى قَدْ عِنْدَ اسْتِماعِ المُخاطَبِ كَلِمَةَ القَسَمِ. انْتَهى. وبَعْضُ أصْحابِنا يَقُولُ إذا أقْسَمَ عَلى جُمْلَةٍ مُصَدَّرَةٍ بِماضٍ مُثْبَتٍ مُتَصَرِّفٍ، وكانَ قَرِيبًا مِن زَمانِ الحالِ أثْبَتَ مَعَ اللّامِ بِقَدِ الدّالَّةِ عَلى التَّقْرِيبِ مِن زَمَنِ الحالِ ولَمْ تَأْتِ بِقَدْ، بَلْ بِاللّامِ وحْدَها إنْ لَمْ يُرِدِ التَّقْرِيبَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أرْسَلْنا﴾ بَعَثْنا، وقالَ غَيْرُهُ حَمَّلْناهُ رِسالَةً يُؤَدِّيها فَعَلى هَذا تَكُونُ الرِّسالَةُ مُتَضَمِّنَةً لِلْبَعْثِ، وهُنا فَقالَ بِفاءِ العَطْفِ وكَذا في: ”المُؤْمِنُونَ“ في قِصَّةِ عادٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ، هُنا قالَ بِغَيْرِ فاءٍ، والأصْلُ الفاءُ، وحُذِفَتْ في القِصَّتَيْنِ تَوَسُّعًا واكْتِفاءً بِالرَّبْطِ المَعْنَوِيِّ، وفي قِصَّةِ نُوحٍ في هُودٍ ﴿إنِّي لَكُمْ﴾ [هود: ٢٥] عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: فَقالَ إنِّي. وفي نِدائِهِ قَوْمَهُ تَنْبِيهٌ لَهم لِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ واسْتِعْطافٌ وتَذْكِيرٌ بِأنَّهم قَوْمُهُ، فالمُناسِبُ أنْ لا يُخالِفُوهُ ومَعْمُولُ القَوْلِ جُمْلَةُ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةُ ودًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا وغَيْرَها، والجُمْلَةُ المُنَبِّهَةُ عَلى الوَصْفِ الدّاعِي إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وهو انْفِرادُهُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المَرْجُوُّ إحْسانُهُ المَحْذُورُ انْتِقامُهُ دُونَ آلِهَتِهِمْ ولَمْ تَأْتِ بِحَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّها بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِعِلَّةِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِأنْ يُعْبَدَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والكِسائِيُّ (غَيْرِهِ) بِالجَرِّ عَلى لَفْظِ (إلَهٍ) بَدَلًا، أوْ نَعْتًا، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ ﴿مِن إلَهٍ﴾؛ لِأنَّ مِن زائِدَةٌ بَدَلًا، أوْ نَعْتًا، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، (غَيْرَهُ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، والجَرُّ والرَّفْعُ أفْصَحُ، و(مِن إلَهٍ) مُبْتَدَأٌ و(لَكم) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: في الوُجُودِ و(لَكم) تَبْيِينٌ وتَخْصِيصٌ، و﴿أخافُ﴾ قِيلَ: بِمَعْنى أتَيَقَّنُ وأجْزِمُ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ أنَّ العَذابَ يَنْزِلُ بِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وقِيلَ: الخَوْفُ عَلى بابِهِ بِمَعْنى الحَذَرِ؛ لِأنَّهُ جَوَّزَ أنْ يُؤْمِنُوا، وأنْ يَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ و﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا، وهو الطُّوفانُ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إظْهارُ الشَّفَقَةِ والحُنُوِّ عَلَيْهِمْ.