Al-Bahr Al-Muhit — الأعراف 7:63 – الأعراف 7:105
المحتويات
- الأعراف 7:63
- الأعراف 7:64
- الأعراف 7:65
- الأعراف 7:66
- الأعراف 7:67
- الأعراف 7:68
- الأعراف 7:69
- الأعراف 7:70
- الأعراف 7:71
- الأعراف 7:72
- الأعراف 7:73
- الأعراف 7:74
- الأعراف 7:75
- الأعراف 7:76
- الأعراف 7:77
- الأعراف 7:78
- الأعراف 7:79
- الأعراف 7:80
- الأعراف 7:81
- الأعراف 7:82
- الأعراف 7:83
- الأعراف 7:84
- الأعراف 7:85
- الأعراف 7:86
- الأعراف 7:87
- الأعراف 7:88
- الأعراف 7:89
- الأعراف 7:90
- الأعراف 7:91
- الأعراف 7:92
- الأعراف 7:93
- الأعراف 7:94
- الأعراف 7:95
- الأعراف 7:96
- الأعراف 7:97
- الأعراف 7:98
- الأعراف 7:99
- الأعراف 7:100
- الأعراف 7:101
- الأعراف 7:102
- الأعراف 7:103
- الأعراف 7:104
- الأعراف 7:105
الأعراف 7:63
﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَبْدَأ الخَلْقِ الإنْسانِيِّ وهو آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَصَّ مِن أخْبارِهِ ما قَصَّ واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى المَعادِ ومَصِيرِ أهْلِ السَّعادَةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ إلى النّارِ وأمَرَهُ تَعالى بِتَرْكِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وكانَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوَّلًا غَيْرَ مُسْتَجِيبِينَ لَهُ ولا مُصَدِّقِينَ لِما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ أحْوالَ الرُّسُلِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ وأحْوالَ مَن بُعِثُوا إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ لَهُ والتَّأسِّي بِهِمْ، فَبَدَأ بِنُوحٍ إذْ هو آدَمُ الأصْغَرُ وأوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى مَن في الأرْضِ، وأُمَّتُهُ أدْوَمُ تَكْذِيبًا لَهُ وأقَلُّ اسْتِجابَةً، وتَقَدَّمَ رَفْعُ نَسَبِهِ إلى آدَمَ، وكانَ نَجّارًا بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمِهِ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسِينَ، (p-٣٢٠)وقالَ مُقاتِلٌ: ابْنُ مِائَةٍ، وقِيلَ: ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ. وقالَ عَوْنُ بْنُ شَدّادٍ: ابْنُ ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسِينَ، وقالَ وهْبٌ: ابْنُ أرْبَعِمِائَةٍ، وهَذا اضْطِرابٌ كَثِيرٌ مِن أرْبَعِينَ إلى أرْبَعِمِائَةٍ فَما بَيْنَهُما، ورُوِيَ أنَّ الطُّوفانَ كانَ سَنَةَ ألْفٍ وسِتِّمِائَةٍ مِن عُمُرِهِ وهو أوَّلُ الرُّسُلِ بَعْدَ آدَمَ بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ، وجَمِيعُ الخَلْقِ الآنَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ العَرَبَ وفارِسَ والرُّومَ وأهْلَ الشّامِ واليَمَنِ مِن ذُرِّيَّةِ سامِ بْنِ نُوحٍ، والهِنْدَ والسِّنْدَ والزِّنْجَ والحَبَشَةَ والزُّطَّ والنُّوبَةَ وكُلَّ جِلْدٍ أسْوَدَ مِن ولَدِ حامِ بْنِ نُوحٍ، والتُّرْكَ والبَرْبَرَ ووَراءَ الصِّينِ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والصَّقالِبَةَ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ.
ولَقَدْ أرْسَلْنا اسْتِئْنافُ كَلامٍ دُونَ واوٍ وفي هُودٍ: والمُؤْمِنُونَ، ولَقَدْ، بِواوِ العَطْفِ، قالَ الكِرْمانِيُّ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ مَرّاتٍ في هُودٍ وتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ ضِمْنًا في قَوْلِهِ ”وعَلى الفُلْكِ“؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن صَنَعَها عَطْفٌ في السُّورَتَيْنِ. انْتَهى. واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أكَّدَ تَعالى هَذا الإخْبارَ بِالقَسَمِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما لَهم لا يَكادُونَ يَنْطِقُونَ بِهَذِهِ اللّامِ إلّا مَعَ قَدْ، وقَلَّ عَنْهم قَوْلُهُ:
؎حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا. . . . . . .
قُلْتُ: إنَّما كانَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها، فَكانَتْ مَظَنَّةً لِمَعْنى التَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى قَدْ عِنْدَ اسْتِماعِ المُخاطَبِ كَلِمَةَ القَسَمِ. انْتَهى. وبَعْضُ أصْحابِنا يَقُولُ إذا أقْسَمَ عَلى جُمْلَةٍ مُصَدَّرَةٍ بِماضٍ مُثْبَتٍ مُتَصَرِّفٍ، وكانَ قَرِيبًا مِن زَمانِ الحالِ أثْبَتَ مَعَ اللّامِ بِقَدِ الدّالَّةِ عَلى التَّقْرِيبِ مِن زَمَنِ الحالِ ولَمْ تَأْتِ بِقَدْ، بَلْ بِاللّامِ وحْدَها إنْ لَمْ يُرِدِ التَّقْرِيبَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أرْسَلْنا﴾ بَعَثْنا، وقالَ غَيْرُهُ حَمَّلْناهُ رِسالَةً يُؤَدِّيها فَعَلى هَذا تَكُونُ الرِّسالَةُ مُتَضَمِّنَةً لِلْبَعْثِ، وهُنا فَقالَ بِفاءِ العَطْفِ وكَذا في: ”المُؤْمِنُونَ“ في قِصَّةِ عادٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ، هُنا قالَ بِغَيْرِ فاءٍ، والأصْلُ الفاءُ، وحُذِفَتْ في القِصَّتَيْنِ تَوَسُّعًا واكْتِفاءً بِالرَّبْطِ المَعْنَوِيِّ، وفي قِصَّةِ نُوحٍ في هُودٍ ﴿إنِّي لَكُمْ﴾ [هود: ٢٥] عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: فَقالَ إنِّي. وفي نِدائِهِ قَوْمَهُ تَنْبِيهٌ لَهم لِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ واسْتِعْطافٌ وتَذْكِيرٌ بِأنَّهم قَوْمُهُ، فالمُناسِبُ أنْ لا يُخالِفُوهُ ومَعْمُولُ القَوْلِ جُمْلَةُ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ورَفْضِ آلِهَتِهِمُ المُسَمّاةُ ودًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا وغَيْرَها، والجُمْلَةُ المُنَبِّهَةُ عَلى الوَصْفِ الدّاعِي إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وهو انْفِرادُهُ بِالأُلُوهِيَّةِ، المَرْجُوُّ إحْسانُهُ المَحْذُورُ انْتِقامُهُ دُونَ آلِهَتِهِمْ ولَمْ تَأْتِ بِحَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّها بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِعِلَّةِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِأنْ يُعْبَدَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والكِسائِيُّ (غَيْرِهِ) بِالجَرِّ عَلى لَفْظِ (إلَهٍ) بَدَلًا، أوْ نَعْتًا، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ ﴿مِن إلَهٍ﴾؛ لِأنَّ مِن زائِدَةٌ بَدَلًا، أوْ نَعْتًا، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، (غَيْرَهُ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، والجَرُّ والرَّفْعُ أفْصَحُ، و(مِن إلَهٍ) مُبْتَدَأٌ و(لَكم) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: في الوُجُودِ و(لَكم) تَبْيِينٌ وتَخْصِيصٌ، و﴿أخافُ﴾ قِيلَ: بِمَعْنى أتَيَقَّنُ وأجْزِمُ؛ لِأنَّهُ عالِمٌ أنَّ العَذابَ يَنْزِلُ بِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وقِيلَ: الخَوْفُ عَلى بابِهِ بِمَعْنى الحَذَرِ؛ لِأنَّهُ جَوَّزَ أنْ يُؤْمِنُوا، وأنْ يَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ و﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا، وهو الطُّوفانُ وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إظْهارُ الشَّفَقَةِ والحُنُوِّ عَلَيْهِمْ.
الأعراف 7:64
﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (المَلَوُ) بِالواوِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ انْتَهى. ولَيْسَ مَشْهُورًا عَنِ ابْنِ عامِرٍ، بَلْ قِراءَتُهُ كَقِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ بِهَمْزَةٍ. ولَمْ يُجِبْهُ مِن قَوْمِهِ إلّا أشْرافُهم وسادَتُهم وهُمُ الَّذِينَ يَتَعاصَوْنَ عَلى الرُّسُلِ لِانْغِمارِ عُقُولِهِمْ بِالدُّنْيا وطَلَبِ الرِّئاسَةِ والعُلُوِّ فِيهِما. ونَراكَ: الأظْهَرُ أنَّها مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وقِيلَ: مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ومَعْنى ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠]، أيْ: في ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ وجَهالَةٍ بِما تَسْلُكُ بَيِّنَةٍ واضِحَةٍ. وجاءَتْ جُمْلَةُ الجَوابِ مُؤَكَّدَةً بِأنَّ وبِاللّامِ، وفي لِلْوِعاءِ فَكَأنَّ الضَّلالَ جاءَ ظَرْفًا لَهُ وهو فِيهِ (p-٣٢١)ولَمْ يَأْتِ ضالًّا ولا ذا ضَلالٍ.
﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٢] لَمْ يَرِدِ النَّفْيُ مِنهُ عَلى لَفْظِ ما قالُوهُ، فَلَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ لَسْتُ في ضَلالٍ مُبِينٍ، بَلْ جاءَ في غايَةِ الحُسْنِ مِن نَفْيٍ أنْ يَلْتَبِسَ بِهِ، ويَخْتَلِطَ ضَلالَةٌ ما واحِدَةٌ فَأنّى يَكُونُ في ضَلالٍ فَهَذا أبْلَغُ مِنَ الِانْتِفاءِ مِنَ الضَّلالِ إذْ لَمْ يَعْتَلِقْ بِهِ ولا ضَلالَةَ واحِدَةً، وفي نِدائِهِ لَهم ثانِيًا والإعْراضُ عَنْ جَفائِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى سِعَةِ صَدْرِهِ والتَّلَطُّفِ بِهِمْ.
ولَمّا نَفى عَنْهُمُ التِباسَ ضَلالَةٍ ما بِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ فَصَحَّ أنْ يَسْتَدْرِكَ كَما تَقُولُ ما زَيْدٌ بِضالٍّ ولَكِنَّهُ مُهْتَدٍ، فَلَكِنَّ واقِعَةٌ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَخْلُو مِن أحَدِ الشَّيْئَيْنِ: الضَّلالِ والهُدى، ولا تُجامِعُ ضَلالَةَ الرِّسالَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦١] تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ رَبُّهم؛ لِأنَّهم مِن جُمْلَةِ العالَمِ، أيْ: مِن رَبِّكُمُ المالِكِ لِأُمُورِكُمُ النّاظِرِ لَكم بِالمَصْلَحَةِ حَيْثُ وجَّهَ إلَيْكم رَسُولًا يَدْعُوكم إلى إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ و﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] اسْتِئْنافٌ عَلى سَبِيلِ البَيانِ بِكَوْنِهِ رَسُولًا، أوْ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَسُولٍ مَلْحُوظًا فِيهِ بِكَوْنِهِ خَبَرًا لِضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ كَما تَقُولُ أنا رَجُلٌ آمِرٌ مَعْرُوفٌ، فَتُراعِي لَفْظَ أنا، ويَجُوزُ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ فَيُراعِي لَفْظَ رَجُلٍ، والأكْثَرُ مُراعاةً ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ مُتَكَلِّمٍ، أوْ مُخاطَبٍ. قالَ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] بِالتّاءِ ولَوْ قُرِئَ بِالياءِ لَكانَ عَرَبِيًّا مُراعاةً لِلَفْظِ ﴿قَوْمِ﴾ [الأعراف: ٦٩]؛ لِأنَّهُ غائِبٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] هُنا في المَوْضِعَيْنِ وفي الأحْقافِ بِالتَّخْفِيفِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالتَّشْدِيدِ، والهَمْزَةُ والتَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ فِيهِ، وجَمَعَ ﴿رِسالاتِ﴾ [الأعراف: ٦٢] بِاعْتِبارِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ في الأزْمانِ المُتَطاوِلَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ المَعانِي المُخْتَلِفَةِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والزَّجْرِ والوَعْظِ والتَّبْشِيرِ والإنْذارِ، أوْ بِاعْتِبارِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وإلى مَن قَبْلِهِ، قِيلَ: في صُحُفِ إدْرِيسَ، وهي ثَلاثُونَ صَحِيفَةً وفي صُحُفِ شِيثٍ وهي خَمْسُونَ صَحِيفَةً. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ”نَصَحَ“ وتَعْدِيَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي زِيادَةِ اللّامِ مُبالَغَةٌ ودَلالَةٌ عَلى إمْحاضِ النَّصِيحَةِ، وأنَّها وقَعَتْ لِلْمَنصُوحِ لَهُ مَقْصُودًا بِهِ جانِبُهُ لا غَيْرَ، فَرُبَّ نَصِيحَةٍ يَنْتَفِعُ بِها النّاصِحُ بِقَصْدِ النَّفْعَيْنِ جَمِيعًا ولا نَصِيحَةَ أنْفَعُ مِن نَصِيحَةِ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ، وقالَ الفَرّاءُ: لا تَكادُ العَرَبُ تَقُولُ نَصَحْتُكَ إنَّما نَصَحْتُ لَكَ، وقالَ النّابِغَةُ:
؎نَصَحْتُ بَنِي عَوْفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلُوا
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٢] إبْهامٌ عَلَيْهِمْ وهو عامٌّ، ولَكِنْ ساقَ ذَلِكَ مَساقَ المَعْلُوماتِ الَّتِي يَخافُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَسْمَعُوا قَطُّ بِأُمَّةٍ عُذِّبَتْ فَتَضَمَّنَ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ما لا تَعْلَمُونَ مِن صِفاتِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وشِدَّةِ بَطْشِهِ عَلى مَنِ اتَّخَذَ إلَهًا مَعَهُ، أوْ يُرِيدُ ما لا تَعْلَمُونَ مِمّا أُوحِيَ إلَيَّ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا بُدَّ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكُلُّ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ إلى الخَلْقِ كانَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ بِخَرْقِ العادَةِ، فَمِنهم مَن عَرَفْنا بِمُعْجِزَتِهِ ومِنهم مَن لَمْ نَعْرِفْ، وما أحْسَنَ سِياقُ هَذِهِ الأفْعالِ قالَ أوَّلًا: (p-٣٢٢)﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢]، وهَذا مَبْدَأُ أمْرِهِ مَعَهم وهو التَّبْلِيغُ، كَما قالَ: إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، ثُمَّ قالَ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢]، أيْ: أُخْلِصُ لَكم في تَبْيِينِ الرُّشْدِ والسَّلامَةِ في العاقِبَةِ إذا عَبَدْتُمُ اللَّهَ وحْدَهُ، ثُمَّ قالَ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ مِن بَطْشِهِ بِكم وهو مَآلُ أمْرِكم إذا لَمْ تُفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ فَنَبَّهَ عَلى مَبْدَأِ أمْرِهِ ومُنْتَهاهُ مَعَهم.
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٣] يَتَضَمَّنُ قَوْلُهم ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] اسْتِبْعادَهم واسْتِمْحالَهم ما أخْبَرَهم بِهِ مِن خَوْفِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ ورَفْضِ آلِهَتِهِمْ وتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: سَبَبُ اسْتِبْعادِهِمْ إرْسالُ نُوحٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: هَذا مِمّا لا يُعْجَبُ مِنهُ إذْ لَهُ تَعالى التَّصَرُّفُ التّامُّ بِإرْسالِ مَن يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الواوُ لِلْعَطْفِ والمَعْطُوفُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ، أوَكَذَّبْتُمْ وعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم. انْتَهى. وهو كَلامٌ مُخالِفٌ لِكَلامِ سِيبَوَيْهِ والنُّحاةِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ الواوَ لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الكَلامِ ولا حَذْفَ هُناكَ وكَأنَّ الأصْلَ وأُعْجِبْتُمْ لَكِنَّهُ اعْتَنى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ فَقُدِّمَتْ عَلى حُرُوفِ العَطْفِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَعَهُ في نَظِيرِ هَذِهِ المَسْألَةِ، وقَدْ رَجَعَ هو عَنْ هَذا إلى قَوْلِ الجَماعَةِ، والذِّكْرُ الوَعْظُ أوِ الوَحْيُ أوِ المُعْجِزُ أوْ كِتابٌ مُعْجِزٌ أوِ البَيانُ، أقْوالٌ والأوْلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿عَلى رَجُلٍ﴾ [الأعراف: ٦٣] فِيهِ إضْمارٌ، أيْ: عَلى لِسانِ رَجُلٍ كَما قالَ: ﴿ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: لا حَذْفَ ولا تَضْمِينَ في الحَرْفِ، بَلْ قَوْلُهُ: ﴿عَلى رَجُلٍ﴾ [الأعراف: ٦٣] هو عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ ﴿جاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] بِمَعْنى نَزَلَ إلَيْكم كانُوا يَتَعَجَّبُونَ مِن نُبُوَّةِ نُوحٍ، ويَقُولُونَ ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ يَعْنُونَ إرْسالَ البَشَرِ و﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] وذَكَرَ عَلَيْهِ المَجِيءَ وهو الإعْلامُ بِالمَخُوفِ والتَّحْذِيرُ مِن سُوءِ عاقِبَةِ الكُفْرِ ووُجُودُ التَّقْوى مِنهم ورَجاءُ الرَّحْمَةِ، وكَأنَّها عِلَّةٌ مُتَرَتِّبَةٌ فَجاءَكُمُ الذِّكْرُ لِلْإنْذارِ بِالمَخُوفِ، والإنْذارُ بِالمَخُوفِ لِأجْلِ وُجُودِ التَّقْوى مِنهم، ووُجُودُ التَّقْوى لِرَجاءِ الرَّحْمَةِ وحُصُولِها، فَعَلَّلَ المَجِيءَ بِجَمِيعِ هَذِهِ العِلَلِ المُتَرَتِّبَةِ؛ لِأنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ . أخْبَرَ تَعالى أنَّهم كَذَّبُوهُ هَذا مَعَ حُسْنِ مُلاطَفَتِهِ لَهم ومُراجَعَتِهِ لَهم وشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ نَتِيجَةُ هَذا إلّا التَّكْذِيبَ لَهُ فِيما جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ هم مَن آمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ وكانُوا أرْبَعِينَ رَجُلًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ رَجُلًا وأرْبَعِينَ امْرَأةً. قالَهُ الكَلْبِيُّ وإلَيْهِمْ تُنْسَبُ القَرْيَةُ الَّتِي يُنْسَبُ إلَيْها الثَّمانُونَ وهي بِالمَوْصِلِ، وقِيلَ: عَشَرَةٌ فِيهِمْ أوْلادُهُ (p-٣٢٣)الثَّلاثَةُ، وقِيلَ: تِسْعَةٌ مِنهم بَنُوهُ الثَّلاثَةُ وفي قَوْلِهِ: ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ إعْلامٌ بِعِلَّةِ الغَرَقِ وهو التَّكْذِيبُ و﴿بِآياتِنا﴾ يَقْتَضِي أنَّ نُوحًا كانَتْ لَهُ آياتٌ ومُعْجِزاتٌ تَدُلُّ عَلى إرْسالِهِ ويَتَعَلَّقُ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ بِما يَتَعَلَّقُ بِهِ الظَّرْفُ الواقِعُ صِلَةً، أيْ: والَّذِينَ اسْتَقَرُّوا مَعَهُ في الفُلْكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْجَيْناهُ، أيْ: أنْجَيْناهم في السَّفِينَةِ مِنَ الطُّوفانِ وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في سَبَبِيَّةً، أيْ: بِالفُلْكِ كَقَوْلِهِ «دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»، أيْ: بِسَبَبِ هِرَّةٍ و﴿عَمِينَ﴾ مِن عَمِيَ القَلْبُ، أيْ: غَيْرُ مُسْتَبْصِرِينَ، ويَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ هَذا الوَصْفِ كَوْنُهُ جاءَ عَلى وزْنِ فَعِلٍ، ولَوْ قُصِدَ الحَذْفُ لَجاءَ عَلى فاعِلٍ كَما جاءَ ضائِقٌ في ضَيِّقٍ وثاقِلٌ في ثَقِيلٍ إذا قُصِدَ بِهِ حُدُوثُ الضِّيقِ والثِّقَلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَمِيَتْ قُلُوبُهم عَنْ مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وقالَ مُعاذٌ النَّحْوِيُّ: رَجُلٌ عَمٍ في أمْرِهِ لا يُبْصِرُهُ وأعْمى في البَصَرِ. قالَ:
؎ما في غَدٍ عَمٍ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمٍ
وقَدْ يَكُونُ العَمى والأعْمى كالخَضِرِ والأخْضَرِ، وقالَ اللَّيْثُ: رَجُلٌ عَمٍ إذا كانَ أعْمى القَلْبِ.
الأعراف 7:65
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ عادٌ اسْمُ الحَيِّ، ولِذَلِكَ صَرَفَهُ، وبَعْضُهم جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ فَمَنَعَهُ الصَّرْفَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْ شُهِدَتْ عادُ في زَمانِ عادِ لانْتَزَّها مُبارَكُ الجَلّادُ
سُمِّيَتِ القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ وهو عادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وهُودٌ: قالَ شَيْخُنا أبُو الحَسَنِ الأُبَّدِيُّ النَّحْوِيُّ: المَعْرُوفُ أنَّ هُودًا عَرَبِيٌّ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ لَمّا عَدَّهُ مَعَ نُوحٍ ولُوطٍ وهُما عَجَمِيّانِ أنَّهُ عَجَمِيٌّ عِنْدَهُ. انْتَهى. وذَكَرَ الشَّرِيفُ النَّسّابَةُ أبُو البَرَكاتِ الجُوّانِيُّ أنَّ يَعْرُبَ بْنَ قَحْطانَ بْنِ هُودٍ هو الَّذِي زَعَمَتْ يَمَنٌ أنَّهُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ ونَزَلَ أرْضَ اليَمَنِ فَهو أبُو اليَمَنِ كُلِّها، وأنَّ العَرَبَ إنَّما سُمِّيَتْ عَرَبًا بِهِ. انْتَهى. فَعَلى هَذا لا يَكُونُ هُودٌ عَرَبِيًّا وهُودٌ هو ابْنُ عابِرِ بْنِ شالِحِ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ و﴿أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: (نُوحًا) ومَعْناهُ واحِدًا مِنهم ولَيْسَ هُودٌ مِن بَنِي عادٍ كَما ذَكَرْنا، وهَذا كَما تَقُولُ: أيا أخا العَرَبِ لِلْواحِدِ مِنهم، وقِيلَ: هو مِن عادٍ وهو هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِياحِ بْنِ الجَلُودِ بْنِ عادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن عادٍ واسْمُ أُمِّهِ مُرْجانَةٌ، وكانَ رَجُلًا تاجِرًا، أشْبَهُ خَلْقِ اللَّهِ بِآدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، رُوِيَ أنَّ عادًا كانَتْ لَهُ ثَلاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً يَنْزِلُونَ رِمالَ عالِجٍ، وهي عادٌ الأُولى وكانُوا أصْحابَ بَساتِينَ وزُرُوعٍ وعِمارَةٍ وبِلادُهم أخْصَبُ بِلادٍ فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَها مَفاوِزَ وكانَتْ بِنَواحِي عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ إلى اليَمَنِ وكانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ولَمّا هَلَكُوا لَحِقَ هُودٌ ومَن آمَنَ مَعَهُ بِمَكَّةَ فَلَمْ يَزالُوا بِها حَتّى ماتُوا ولَمْ يَأْتِ، فَقالَ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: فَما قالَ لَهم ﴿ياقَوْمِ﴾ وكَذا ﴿قالَ المَلَأُ﴾ [الأعراف: ٦٦] وفي قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ اسْتِعْطافٌ وتَحْضِيضٌ عَلى تَحْصِيلِ التَّقْوى ولَمّا كانَ ما حَلَّ بِقَوْمِ نُوحٍ مِن أمْرِ الطُّوفانِ واقِعَةً لَمْ يَظْهَرْ في العالَمِ مِثْلُها قالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] وواقِعَةُ هُودٍ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِواقِعَةِ نُوحٍ، وعَهْدُ النّاسِ قَرِيبٌ بِها اكْتَفى هُودٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾، والمَعْنى: تَعْرِفُونَ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَمّا لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ وعَبَدُوا غَيْرَهُ حَلَّ بِهِمْ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي اشْتَهَرَ خَبَرُهُ في الدُّنْيا فَقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّخْوِيفِ بِتِلْكَ الواقِعَةِ المَشْهُورَةِ.
الأعراف 7:66
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أتى بِوَصْفِ ﴿المَلَأُ﴾ بِالَّذِينَ كَفَرُوا ولَمْ يَأْتِ بِهَذا الوَصْفِ في قَوْمِ نُوحٍ؛ لِأنَّ قَوْمَ هُودٍ كانَ في أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ، مِنهم مَرْثَدُ (p-٣٢٤)بْنُ سَعْدِ بْنِ عُفَيْرٍ. ولَمْ يَكُنْ في أشْرافِ قَوْمِ نُوحٍ مُؤْمِنٌ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا جاءَ لِلذَّمِّ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الفَرْقُ ولِنَراكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ومِن رُؤْيَةِ القَلْبِ كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ في قِصَّةِ نُوحٍ و﴿فِي سَفاهَةٍ﴾، أيْ: في خِفَّةِ حِلْمٍ وسَخافَةِ عَقْلٍ حَيْثُ تَتْرُكُ دِينَ قَوْمِكَ إلى دِينٍ غَيْرِهِ وفي سَفاهَةٍ يَقْتَضِي أنَّهُ فِيها قَدِ احْتَوَتْ عَلَيْهِ كالظَّرْفِ المُحْتَوِي عَلى الشَّيْءِ، ولَمّا كانَ كَلامُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ أشَدَّ مِن كَلامِ هُودٍ تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] كانَ جَوابُهم أغْلَظَ وهو ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] وكانَ كَلامُ هُودٍ ألْطَفَ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] فَكانَ جَوابُهم لَهُ ألْطَفَ مِن جَوابِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أخْبَرَهم بِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ عَلَّقُوا الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، أيْ: إنَّ لَنا آلِهَةً فَحَصْرُها في واحِدٍ كَذِبٌ. وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، أوْ بِمَعْنى تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ والثّانِي لِلْحَسَنِ، والزَّجّاجِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: خَوَّفَ نُوحٌ الكُفّارَ بِالطُّوفانِ العامِّ واشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ فَقالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] حَيْثُ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في إصْلاحِ سَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ في مَفازَةٍ لَيْسَ فِيها ماءٌ ولَمْ يَظْهَرْ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهو رَدِيفُ عِبادَةِ الأوْثانِ، ونَسَبُ قَوْمِهِ في السَّفاهَةِ فَقابَلُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] وهُناكَ جاءَ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وهُنا جاءَ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ لَمّا كانَ آخِرُ جَوابِهِمْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً جاءَ قَوْلُهُ كَذَلِكَ فَقالُوا هم ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ قالَ هو ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ وجاءَ بِوَصْفِ الأمانَةِ وهي الوَصْفُ العَظِيمُ الَّذِي حَمَلَهُ الإنْسانُ ولا أمانَةَ أعْظَمُ مِن أمانَةِ الرِّسالَةِ وإيصالِ أعْبائِها إلى المُكَلَّفِينَ، والمَعْنى: أنِّي عُرِفْتُ فِيكم بِالنُّصْحِ فَلا يَحِقُّ لَكم أنْ تَتَّهِمُونِي. وبِالأمانَةِ فِيما أقُولُ فَلا يَنْبَغِي أنْ أُكَذَّبَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: ﴿أمِينٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى الوَحْيِ والذِّكْرِ النّازِلِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْبِهِمْ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ أمِينُ الغَيْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مِنَ الأمْنِ، أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ لَكم مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ، قالَ القُشَيْرِيُّ: شَتّانَ ما بَيْنَ مَن دَفَعَ عَنْهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ومَن دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن نَسَبَهم إلى الضَّلالَةِ والسَّفاهَةِ بِما أجابُوهم مِنَ الكَلامِ الصّادِرِ عَنِ الحِلْمِ والإغْضاءِ وتَرْكِ المُقابَلَةِ بِما قالُوا لَهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ خُصُومَهم أصْلُ السَّفّاهِينَ، وأسْفَلُهم أدَبٌ حَسَنٌ وخُلُقٌ عَظِيمٌ وحِكايَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْهم ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِعِبادِهِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويُسْبِلُونَ أذْيالَهم عَلى ما يَكُونُ مِنهم.
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] أتى هُنا بِعِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي الإنْذارُ وهو التَّخْوِيفُ بِالعَذابِ واخْتَصَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإنْذارِ مِنَ التَّقْوى ورَجاءِ الرَّحْمَةِ.
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾، أيْ: سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَهم. قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا في الأرْضِ اسْتَخْلَفَكم فِيها. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَذْكِيرُ هُودٍ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ زَمانِهِمْ مِن زَمانِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ و”إذْ“ ظَرْفٌ في قَوْلِ الحَوْفِيِّ فَيَكُونُ مَفْعُولُ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا، أيْ: واذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ عَلَيْكم وقْتَ كَذا، والعامِلُ في (إذْ) ما تَضَمَّنَهُ النِّعَمُ مِنَ الفِعْلِ وفي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ (إذْ) مَفْعُولٌ بِهِ وهو مَنصُوبٌ بِاذْكُرُوا، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ جَعْلِكم.
﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ظاهِرُ التَّوارِيخِ أنَّ البَسْطَةَ الِامْتِدادُ والطُّولُ والجَمالُ في الصُّوَرِ (p-٣٢٥)والأشْكالِ، فَيُحْتَمَلُ إذْ ذاكَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: وزادَكم في خَلْقِكم بَسْطَةً، أيْ: مَدَّ وطَوَّلَ وحَسَّنَ خَلْقَكم قِيلَ: كانَ أقْصَرُهم سِتِّينَ ذِراعًا وأطْوَلُهم مِائَةَ ذِراعٍ. قالَهُ الكَلْبِيُّ، والسُّدِّيُّ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: سَبْعُونَ ذِراعًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَمانُونَ ذِراعًا. وقالَ مُقاتِلٌ: اثْنا عَشَرَ ذِراعًا. وقالَ وهْبٌ: كانَ رَأْسُ أحَدِهِمْ مِثْلَ القُبَّةِ العَظِيمَةِ وعَيْنُهُ تُفْرِخُ فِيها الضِّباعُ وكَذَلِكَ مِنخَرُهُ. وإذا كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ فالخَلْقُ قَوْمُ نُوحٍ، أوْ أهْلُ زَمانِهِمْ، أوِ النّاسُ كُلُّهم أقْوالٌ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ في الإجْرامِ، وهي ما تَصِلُ إلَيْهِ يَدُ الإنْسانِ إذا رَفَعَها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي في القُوَّةِ والجَلادَةِ لا في الإجْرامِ. وقِيلَ: زِيادَةُ البَسْطَةِ كَوْنُهم مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ مُشارِكِينَ في القُوَّةِ مُتَناصِرِينَ يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى (وزادَكم بَسْطَةً)، أيِ: اقْتِدارًا في المَخْلُوقِينَ واسْتِيلاءً.
﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ذَكَّرَهم أوَّلًا بِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم خُلَفاءَ وزادَهم بَسْطَةً، وذَكَّرَهم ثانِيًا بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا لا بِتَقْيِيدِ زَمانِ الجَعْلِ، و(اذْكُرُوا) الظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ وهو أنْ لا يَتَناسَوْا نِعَمَهُ، بَلْ تَكُونُ نِعَمُهُ عَلى ذِكْرٍ مِنكم رَجاءَ أنْ تَفْلَحُوا، وتَعْلِيقُ رَجاءِ الفَلاحِ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ لا يَظْهَرُ فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَجاءُ الفَلاحِ، وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وإفْرادَهُ بِالعِبادَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ وفي ذِكْرِهِمْ ﴿آلاءَ اللَّهِ﴾ ذِكْرُ المُنْعِمِ عَلَيْهِمُ المُسْتَحِقِّ لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِهِ ما سِواهُ، وقِيلَ: اذْكُرُوا هُنا بِمَعْنى اشْكُرُوا.
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهم ويُفْرِدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِاللَّهِ حُبًّا لِما نَشَئُوا عَلَيْهِ وتَآلُفًا لِما وجَدُوا آباءَهم عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ ويَكُونَ قَوْلُهم ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾، أيْ: عَلى قَوْلِكَ يا هُودُ ودَعْواكَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ: التَّأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِمْ وفي عُبّادِ الأوْثانِ ولا يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ مِنَ الكَفَرَةِ إلّا مَنِ ادَّعاها لِنَفْسِهِ كَفِرْعَوْنَ ونُمْرُودَ. انْتَهى. وكانَ في قَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا المُنْعِمُ، وأصْنامُهم جَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، والعِبادَةُ هي نِهايَةُ التَّعْظِيمِ فَلا يَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ ولَمّا نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ ولَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يُجِيبُوا عَنْها عَدَلُوا إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ فَقالُوا ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ والمَجِيءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِكَوْنِهِ مُتَغَيِّبًا عَنْ قَوْمِهِ مُنْفَرِدًا بِعِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَجاءَهم مِن مَكانِ مُتَغَيَّبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ إلّا المَلائِكَةَ فَكَأنَّهم قالُوا: أجِئْتَنا مِنَ السَّماءِ كَما يَجِيءُ المَلَكُ ولا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ المَجِيءِ ولَكِنِ التَّعَرُّضَ والقَصْدَ كَما يُقالُ: ذَهَبَ يَشْتُمُنِي لا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الذَّهابِ كَأنَّهم قالُوا: أقَصَدْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ وتَعَرَّضْتَ لَنا بِتَكالِيفِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَعِدُهم بِعَذابِ اللَّهِ إنْ دامُوا عَلى الكُفْرِ، وقَوْلُهم ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَصْمِيمِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ واسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ إذْ هي عِنْدَهم لا تَقَعُ أصْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ و﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَلَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاذِبًا قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، أيْ: في نُبُوَّتِكَ وإرْسالِكَ، أوْ في أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِنا.
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾، أيْ: حَلَّ بِكم وتَحَتَّمَ عَلَيْكم قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والأكْثَرُونَ: الرِّجْسُ هُنا العَذابُ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّخْطُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَكُونُ العَذابُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِازْدِيادُ في الكُفْرِ بِالرَّيْنِ عَلى القُلُوبِ، أيْ: لِتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ وقَعَ عَلَيْكم (p-٣٢٦)مِنَ اللَّهِ رَيْنٌ عَلى قُلُوبِكم كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] فَإنَّ الرِّجْسَ السُّخْطُ، أوِ الرَّيْنُ فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ وقَعَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ المُضِيِّ وإنْ كانَ العَذابُ فَيَكُونُ مِن جَعْلِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.
﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ هَذا إنْكارٌ مِنهُ لِمُخاصَمَتِهِمْ لَهُ فِيما لا يَنْبَغِي فِيهِ الخِصامُ وهو ذِكْرُ ألْفاظٍ لَيْسَ تَحْتَها مَدْلُولٌ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فَصارَتِ المُنازَعَةُ باطِلَةً بِذَلِكَ ومَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ سَمَّيْتُمْ بِها أنْتُمْ وآباؤُكم، أيْ: أحْدَثْتُمُوها قَرِيبًا أنْتُمْ وآباؤُكم وهي صَمُودُ وصُداءُ والهَباءُ، وقَدْ ذَكَرَها مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ في شِعْرِهِ فَقالَ:
؎عَصَتْ عادٌ رَسُولَهُمُ فَأضْحَوْا عِطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السَّماءُ
؎لَهم صَنَمٌ يُقالُ لَهُ صَمُودٌ ∗∗∗ يُقابِلُهُ صُداءٌ والهَباءُ
؎فَبَصَّرَنا الرَّسُولُ سَبِيلَ رُشْدٍ ∗∗∗ فَأبْصَرَنا الهُدى وجَلا العَماءُ
؎وإنَّ إلَهَ هُودٍ هُو إلَهِي ∗∗∗ عَلى اللَّهِ التَّوَكُّلُ والرَّجاءُ
فالجِدالُ إذْ ذاكَ يَكُونُ في الألْفاظِ لا مَدْلُولاتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجِدالُ وقَعَ في المُسَمَّياتِ وهي الأصْنامُ، فَيَكُونُ أطْلَقَ الأسْماءَ وأرادَ بِها المُسَمَّياتِ وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ﴿أتُجادِلُونَنِي﴾ في ذَواتِ أسْماءٍ ويَكُونُ المَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ آلِهَةً وعَبَدْتُمُوها مِن دُونِ اللَّهِ، قِيلَ: سَمَّوْا كُلَّ صَنَمٍ بِاسْمٍ عَلى ما اشْتَهَوْا، وزَعَمُوا أنَّ بَعْضَهم يَسْقِيهِمُ المَطَرَ وبَعْضَهم يَشْفِيهِمْ مِنَ المَرَضِ وبَعْضَهم يَصْحَبُهم في السَّفَرِ وبَعْضَهم يَأْتِيهِمْ بِالرِّزْقِ.
﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما نَزَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِذَلِكَ حُجَّةٌ ولا بُرْهانٌ وجاءَ هُنا ﴿نَزَّلَ﴾ وفي مَكانٍ غَيْرِهِ أنْزَلَ وكِلاهُما فَصِيحٌ والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ والهَمْزَةِ سَواءٌ.
﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾، وهَذا غايَةٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أيْ: فانْتَظِرُوا عاقِبَةَ أمْرِكم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي تَكْذِيبِ رَسُولِهِ، وهَذا غايَةٌ في الوُثُوقِ بِما يَحِلُّ بِهِمْ وإنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يَعْنِي مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ سابِقَةٍ لَهم مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم آمَنُوا فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنَجاتِهِمْ مِمّا أصابَ قَوْمَهم مِنَ العَذابِ.
﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ بِالعَذابِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في دابِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ قَطْعِ دابِرِهِمْ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لِهُودٍ مُعْجِزاتٌ ولَكِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنا بِتَعْيِينِها.
﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَوْ بَقُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، أيْ: ما كانُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ إيمانًا ألْبَتَّةَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يُؤْمِنُونَ لَأبْقاهم وذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبَ بِالآياتِ قَدْ يُؤْمِنُ بِها بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْسُنُ حالُهُ، فَأمّا مَن خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ فَلا يُؤْمِنُ أبَدًا، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَن آمَنَ مِنهم كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ ومَن نَجا مَعَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهُ قالَ: وقَطَعْنا دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مِنهم، ولَمْ يَكُونُوا مِثْلَ مَن آمَنُ مِنهم لِيُؤْذِنَ أنَّ الهَلاكَ خَصَّ المُكَذِّبِينَ ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا قِصَّةَ هَلاكِ عادٍ وذَكَرُوا فِيها أشْياءَ لا تَعَلُّقَ لَها بِلَفْظِ القُرْآنِ ولا صَحَّتْ عَنِ (p-٣٢٧)الرَّسُولِ، فَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا، وأمّا ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِلَفْظِ القُرْآنِ فَيَأْتِي في مَواضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الأعراف 7:67
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أتى بِوَصْفِ ﴿المَلَأُ﴾ بِالَّذِينَ كَفَرُوا ولَمْ يَأْتِ بِهَذا الوَصْفِ في قَوْمِ نُوحٍ؛ لِأنَّ قَوْمَ هُودٍ كانَ في أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ، مِنهم مَرْثَدُ (p-٣٢٤)بْنُ سَعْدِ بْنِ عُفَيْرٍ. ولَمْ يَكُنْ في أشْرافِ قَوْمِ نُوحٍ مُؤْمِنٌ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا جاءَ لِلذَّمِّ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الفَرْقُ ولِنَراكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ومِن رُؤْيَةِ القَلْبِ كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ في قِصَّةِ نُوحٍ و﴿فِي سَفاهَةٍ﴾، أيْ: في خِفَّةِ حِلْمٍ وسَخافَةِ عَقْلٍ حَيْثُ تَتْرُكُ دِينَ قَوْمِكَ إلى دِينٍ غَيْرِهِ وفي سَفاهَةٍ يَقْتَضِي أنَّهُ فِيها قَدِ احْتَوَتْ عَلَيْهِ كالظَّرْفِ المُحْتَوِي عَلى الشَّيْءِ، ولَمّا كانَ كَلامُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ أشَدَّ مِن كَلامِ هُودٍ تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] كانَ جَوابُهم أغْلَظَ وهو ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] وكانَ كَلامُ هُودٍ ألْطَفَ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] فَكانَ جَوابُهم لَهُ ألْطَفَ مِن جَوابِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أخْبَرَهم بِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ عَلَّقُوا الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، أيْ: إنَّ لَنا آلِهَةً فَحَصْرُها في واحِدٍ كَذِبٌ. وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، أوْ بِمَعْنى تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ والثّانِي لِلْحَسَنِ، والزَّجّاجِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: خَوَّفَ نُوحٌ الكُفّارَ بِالطُّوفانِ العامِّ واشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ فَقالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] حَيْثُ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في إصْلاحِ سَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ في مَفازَةٍ لَيْسَ فِيها ماءٌ ولَمْ يَظْهَرْ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهو رَدِيفُ عِبادَةِ الأوْثانِ، ونَسَبُ قَوْمِهِ في السَّفاهَةِ فَقابَلُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] وهُناكَ جاءَ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وهُنا جاءَ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ لَمّا كانَ آخِرُ جَوابِهِمْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً جاءَ قَوْلُهُ كَذَلِكَ فَقالُوا هم ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ قالَ هو ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ وجاءَ بِوَصْفِ الأمانَةِ وهي الوَصْفُ العَظِيمُ الَّذِي حَمَلَهُ الإنْسانُ ولا أمانَةَ أعْظَمُ مِن أمانَةِ الرِّسالَةِ وإيصالِ أعْبائِها إلى المُكَلَّفِينَ، والمَعْنى: أنِّي عُرِفْتُ فِيكم بِالنُّصْحِ فَلا يَحِقُّ لَكم أنْ تَتَّهِمُونِي. وبِالأمانَةِ فِيما أقُولُ فَلا يَنْبَغِي أنْ أُكَذَّبَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: ﴿أمِينٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى الوَحْيِ والذِّكْرِ النّازِلِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْبِهِمْ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ أمِينُ الغَيْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مِنَ الأمْنِ، أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ لَكم مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ، قالَ القُشَيْرِيُّ: شَتّانَ ما بَيْنَ مَن دَفَعَ عَنْهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ومَن دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن نَسَبَهم إلى الضَّلالَةِ والسَّفاهَةِ بِما أجابُوهم مِنَ الكَلامِ الصّادِرِ عَنِ الحِلْمِ والإغْضاءِ وتَرْكِ المُقابَلَةِ بِما قالُوا لَهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ خُصُومَهم أصْلُ السَّفّاهِينَ، وأسْفَلُهم أدَبٌ حَسَنٌ وخُلُقٌ عَظِيمٌ وحِكايَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْهم ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِعِبادِهِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويُسْبِلُونَ أذْيالَهم عَلى ما يَكُونُ مِنهم.
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] أتى هُنا بِعِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي الإنْذارُ وهو التَّخْوِيفُ بِالعَذابِ واخْتَصَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإنْذارِ مِنَ التَّقْوى ورَجاءِ الرَّحْمَةِ.
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾، أيْ: سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَهم. قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا في الأرْضِ اسْتَخْلَفَكم فِيها. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَذْكِيرُ هُودٍ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ زَمانِهِمْ مِن زَمانِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ و”إذْ“ ظَرْفٌ في قَوْلِ الحَوْفِيِّ فَيَكُونُ مَفْعُولُ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا، أيْ: واذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ عَلَيْكم وقْتَ كَذا، والعامِلُ في (إذْ) ما تَضَمَّنَهُ النِّعَمُ مِنَ الفِعْلِ وفي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ (إذْ) مَفْعُولٌ بِهِ وهو مَنصُوبٌ بِاذْكُرُوا، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ جَعْلِكم.
﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ظاهِرُ التَّوارِيخِ أنَّ البَسْطَةَ الِامْتِدادُ والطُّولُ والجَمالُ في الصُّوَرِ (p-٣٢٥)والأشْكالِ، فَيُحْتَمَلُ إذْ ذاكَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: وزادَكم في خَلْقِكم بَسْطَةً، أيْ: مَدَّ وطَوَّلَ وحَسَّنَ خَلْقَكم قِيلَ: كانَ أقْصَرُهم سِتِّينَ ذِراعًا وأطْوَلُهم مِائَةَ ذِراعٍ. قالَهُ الكَلْبِيُّ، والسُّدِّيُّ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: سَبْعُونَ ذِراعًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَمانُونَ ذِراعًا. وقالَ مُقاتِلٌ: اثْنا عَشَرَ ذِراعًا. وقالَ وهْبٌ: كانَ رَأْسُ أحَدِهِمْ مِثْلَ القُبَّةِ العَظِيمَةِ وعَيْنُهُ تُفْرِخُ فِيها الضِّباعُ وكَذَلِكَ مِنخَرُهُ. وإذا كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ فالخَلْقُ قَوْمُ نُوحٍ، أوْ أهْلُ زَمانِهِمْ، أوِ النّاسُ كُلُّهم أقْوالٌ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ في الإجْرامِ، وهي ما تَصِلُ إلَيْهِ يَدُ الإنْسانِ إذا رَفَعَها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي في القُوَّةِ والجَلادَةِ لا في الإجْرامِ. وقِيلَ: زِيادَةُ البَسْطَةِ كَوْنُهم مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ مُشارِكِينَ في القُوَّةِ مُتَناصِرِينَ يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى (وزادَكم بَسْطَةً)، أيِ: اقْتِدارًا في المَخْلُوقِينَ واسْتِيلاءً.
﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ذَكَّرَهم أوَّلًا بِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم خُلَفاءَ وزادَهم بَسْطَةً، وذَكَّرَهم ثانِيًا بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا لا بِتَقْيِيدِ زَمانِ الجَعْلِ، و(اذْكُرُوا) الظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ وهو أنْ لا يَتَناسَوْا نِعَمَهُ، بَلْ تَكُونُ نِعَمُهُ عَلى ذِكْرٍ مِنكم رَجاءَ أنْ تَفْلَحُوا، وتَعْلِيقُ رَجاءِ الفَلاحِ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ لا يَظْهَرُ فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَجاءُ الفَلاحِ، وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وإفْرادَهُ بِالعِبادَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ وفي ذِكْرِهِمْ ﴿آلاءَ اللَّهِ﴾ ذِكْرُ المُنْعِمِ عَلَيْهِمُ المُسْتَحِقِّ لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِهِ ما سِواهُ، وقِيلَ: اذْكُرُوا هُنا بِمَعْنى اشْكُرُوا.
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهم ويُفْرِدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِاللَّهِ حُبًّا لِما نَشَئُوا عَلَيْهِ وتَآلُفًا لِما وجَدُوا آباءَهم عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ ويَكُونَ قَوْلُهم ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾، أيْ: عَلى قَوْلِكَ يا هُودُ ودَعْواكَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ: التَّأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِمْ وفي عُبّادِ الأوْثانِ ولا يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ مِنَ الكَفَرَةِ إلّا مَنِ ادَّعاها لِنَفْسِهِ كَفِرْعَوْنَ ونُمْرُودَ. انْتَهى. وكانَ في قَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا المُنْعِمُ، وأصْنامُهم جَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، والعِبادَةُ هي نِهايَةُ التَّعْظِيمِ فَلا يَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ ولَمّا نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ ولَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يُجِيبُوا عَنْها عَدَلُوا إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ فَقالُوا ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ والمَجِيءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِكَوْنِهِ مُتَغَيِّبًا عَنْ قَوْمِهِ مُنْفَرِدًا بِعِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَجاءَهم مِن مَكانِ مُتَغَيَّبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ إلّا المَلائِكَةَ فَكَأنَّهم قالُوا: أجِئْتَنا مِنَ السَّماءِ كَما يَجِيءُ المَلَكُ ولا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ المَجِيءِ ولَكِنِ التَّعَرُّضَ والقَصْدَ كَما يُقالُ: ذَهَبَ يَشْتُمُنِي لا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الذَّهابِ كَأنَّهم قالُوا: أقَصَدْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ وتَعَرَّضْتَ لَنا بِتَكالِيفِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَعِدُهم بِعَذابِ اللَّهِ إنْ دامُوا عَلى الكُفْرِ، وقَوْلُهم ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَصْمِيمِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ واسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ إذْ هي عِنْدَهم لا تَقَعُ أصْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ و﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَلَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاذِبًا قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، أيْ: في نُبُوَّتِكَ وإرْسالِكَ، أوْ في أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِنا.
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾، أيْ: حَلَّ بِكم وتَحَتَّمَ عَلَيْكم قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والأكْثَرُونَ: الرِّجْسُ هُنا العَذابُ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّخْطُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَكُونُ العَذابُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِازْدِيادُ في الكُفْرِ بِالرَّيْنِ عَلى القُلُوبِ، أيْ: لِتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ وقَعَ عَلَيْكم (p-٣٢٦)مِنَ اللَّهِ رَيْنٌ عَلى قُلُوبِكم كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] فَإنَّ الرِّجْسَ السُّخْطُ، أوِ الرَّيْنُ فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ وقَعَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ المُضِيِّ وإنْ كانَ العَذابُ فَيَكُونُ مِن جَعْلِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.
﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ هَذا إنْكارٌ مِنهُ لِمُخاصَمَتِهِمْ لَهُ فِيما لا يَنْبَغِي فِيهِ الخِصامُ وهو ذِكْرُ ألْفاظٍ لَيْسَ تَحْتَها مَدْلُولٌ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فَصارَتِ المُنازَعَةُ باطِلَةً بِذَلِكَ ومَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ سَمَّيْتُمْ بِها أنْتُمْ وآباؤُكم، أيْ: أحْدَثْتُمُوها قَرِيبًا أنْتُمْ وآباؤُكم وهي صَمُودُ وصُداءُ والهَباءُ، وقَدْ ذَكَرَها مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ في شِعْرِهِ فَقالَ:
؎عَصَتْ عادٌ رَسُولَهُمُ فَأضْحَوْا عِطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السَّماءُ
؎لَهم صَنَمٌ يُقالُ لَهُ صَمُودٌ ∗∗∗ يُقابِلُهُ صُداءٌ والهَباءُ
؎فَبَصَّرَنا الرَّسُولُ سَبِيلَ رُشْدٍ ∗∗∗ فَأبْصَرَنا الهُدى وجَلا العَماءُ
؎وإنَّ إلَهَ هُودٍ هُو إلَهِي ∗∗∗ عَلى اللَّهِ التَّوَكُّلُ والرَّجاءُ
فالجِدالُ إذْ ذاكَ يَكُونُ في الألْفاظِ لا مَدْلُولاتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجِدالُ وقَعَ في المُسَمَّياتِ وهي الأصْنامُ، فَيَكُونُ أطْلَقَ الأسْماءَ وأرادَ بِها المُسَمَّياتِ وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ﴿أتُجادِلُونَنِي﴾ في ذَواتِ أسْماءٍ ويَكُونُ المَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ آلِهَةً وعَبَدْتُمُوها مِن دُونِ اللَّهِ، قِيلَ: سَمَّوْا كُلَّ صَنَمٍ بِاسْمٍ عَلى ما اشْتَهَوْا، وزَعَمُوا أنَّ بَعْضَهم يَسْقِيهِمُ المَطَرَ وبَعْضَهم يَشْفِيهِمْ مِنَ المَرَضِ وبَعْضَهم يَصْحَبُهم في السَّفَرِ وبَعْضَهم يَأْتِيهِمْ بِالرِّزْقِ.
﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما نَزَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِذَلِكَ حُجَّةٌ ولا بُرْهانٌ وجاءَ هُنا ﴿نَزَّلَ﴾ وفي مَكانٍ غَيْرِهِ أنْزَلَ وكِلاهُما فَصِيحٌ والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ والهَمْزَةِ سَواءٌ.
﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾، وهَذا غايَةٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أيْ: فانْتَظِرُوا عاقِبَةَ أمْرِكم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي تَكْذِيبِ رَسُولِهِ، وهَذا غايَةٌ في الوُثُوقِ بِما يَحِلُّ بِهِمْ وإنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يَعْنِي مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ سابِقَةٍ لَهم مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم آمَنُوا فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنَجاتِهِمْ مِمّا أصابَ قَوْمَهم مِنَ العَذابِ.
﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ بِالعَذابِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في دابِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ قَطْعِ دابِرِهِمْ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لِهُودٍ مُعْجِزاتٌ ولَكِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنا بِتَعْيِينِها.
﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَوْ بَقُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، أيْ: ما كانُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ إيمانًا ألْبَتَّةَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يُؤْمِنُونَ لَأبْقاهم وذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبَ بِالآياتِ قَدْ يُؤْمِنُ بِها بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْسُنُ حالُهُ، فَأمّا مَن خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ فَلا يُؤْمِنُ أبَدًا، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَن آمَنَ مِنهم كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ ومَن نَجا مَعَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهُ قالَ: وقَطَعْنا دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مِنهم، ولَمْ يَكُونُوا مِثْلَ مَن آمَنُ مِنهم لِيُؤْذِنَ أنَّ الهَلاكَ خَصَّ المُكَذِّبِينَ ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا قِصَّةَ هَلاكِ عادٍ وذَكَرُوا فِيها أشْياءَ لا تَعَلُّقَ لَها بِلَفْظِ القُرْآنِ ولا صَحَّتْ عَنِ (p-٣٢٧)الرَّسُولِ، فَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا، وأمّا ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِلَفْظِ القُرْآنِ فَيَأْتِي في مَواضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الأعراف 7:68
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أتى بِوَصْفِ ﴿المَلَأُ﴾ بِالَّذِينَ كَفَرُوا ولَمْ يَأْتِ بِهَذا الوَصْفِ في قَوْمِ نُوحٍ؛ لِأنَّ قَوْمَ هُودٍ كانَ في أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ، مِنهم مَرْثَدُ (p-٣٢٤)بْنُ سَعْدِ بْنِ عُفَيْرٍ. ولَمْ يَكُنْ في أشْرافِ قَوْمِ نُوحٍ مُؤْمِنٌ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا جاءَ لِلذَّمِّ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الفَرْقُ ولِنَراكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ومِن رُؤْيَةِ القَلْبِ كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ في قِصَّةِ نُوحٍ و﴿فِي سَفاهَةٍ﴾، أيْ: في خِفَّةِ حِلْمٍ وسَخافَةِ عَقْلٍ حَيْثُ تَتْرُكُ دِينَ قَوْمِكَ إلى دِينٍ غَيْرِهِ وفي سَفاهَةٍ يَقْتَضِي أنَّهُ فِيها قَدِ احْتَوَتْ عَلَيْهِ كالظَّرْفِ المُحْتَوِي عَلى الشَّيْءِ، ولَمّا كانَ كَلامُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ أشَدَّ مِن كَلامِ هُودٍ تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] كانَ جَوابُهم أغْلَظَ وهو ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] وكانَ كَلامُ هُودٍ ألْطَفَ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] فَكانَ جَوابُهم لَهُ ألْطَفَ مِن جَوابِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أخْبَرَهم بِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ عَلَّقُوا الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، أيْ: إنَّ لَنا آلِهَةً فَحَصْرُها في واحِدٍ كَذِبٌ. وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، أوْ بِمَعْنى تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ والثّانِي لِلْحَسَنِ، والزَّجّاجِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: خَوَّفَ نُوحٌ الكُفّارَ بِالطُّوفانِ العامِّ واشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ فَقالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] حَيْثُ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في إصْلاحِ سَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ في مَفازَةٍ لَيْسَ فِيها ماءٌ ولَمْ يَظْهَرْ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهو رَدِيفُ عِبادَةِ الأوْثانِ، ونَسَبُ قَوْمِهِ في السَّفاهَةِ فَقابَلُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] وهُناكَ جاءَ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وهُنا جاءَ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ لَمّا كانَ آخِرُ جَوابِهِمْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً جاءَ قَوْلُهُ كَذَلِكَ فَقالُوا هم ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ قالَ هو ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ وجاءَ بِوَصْفِ الأمانَةِ وهي الوَصْفُ العَظِيمُ الَّذِي حَمَلَهُ الإنْسانُ ولا أمانَةَ أعْظَمُ مِن أمانَةِ الرِّسالَةِ وإيصالِ أعْبائِها إلى المُكَلَّفِينَ، والمَعْنى: أنِّي عُرِفْتُ فِيكم بِالنُّصْحِ فَلا يَحِقُّ لَكم أنْ تَتَّهِمُونِي. وبِالأمانَةِ فِيما أقُولُ فَلا يَنْبَغِي أنْ أُكَذَّبَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: ﴿أمِينٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى الوَحْيِ والذِّكْرِ النّازِلِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْبِهِمْ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ أمِينُ الغَيْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مِنَ الأمْنِ، أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ لَكم مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ، قالَ القُشَيْرِيُّ: شَتّانَ ما بَيْنَ مَن دَفَعَ عَنْهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ومَن دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن نَسَبَهم إلى الضَّلالَةِ والسَّفاهَةِ بِما أجابُوهم مِنَ الكَلامِ الصّادِرِ عَنِ الحِلْمِ والإغْضاءِ وتَرْكِ المُقابَلَةِ بِما قالُوا لَهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ خُصُومَهم أصْلُ السَّفّاهِينَ، وأسْفَلُهم أدَبٌ حَسَنٌ وخُلُقٌ عَظِيمٌ وحِكايَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْهم ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِعِبادِهِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويُسْبِلُونَ أذْيالَهم عَلى ما يَكُونُ مِنهم.
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] أتى هُنا بِعِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي الإنْذارُ وهو التَّخْوِيفُ بِالعَذابِ واخْتَصَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإنْذارِ مِنَ التَّقْوى ورَجاءِ الرَّحْمَةِ.
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾، أيْ: سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَهم. قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا في الأرْضِ اسْتَخْلَفَكم فِيها. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَذْكِيرُ هُودٍ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ زَمانِهِمْ مِن زَمانِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ و”إذْ“ ظَرْفٌ في قَوْلِ الحَوْفِيِّ فَيَكُونُ مَفْعُولُ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا، أيْ: واذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ عَلَيْكم وقْتَ كَذا، والعامِلُ في (إذْ) ما تَضَمَّنَهُ النِّعَمُ مِنَ الفِعْلِ وفي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ (إذْ) مَفْعُولٌ بِهِ وهو مَنصُوبٌ بِاذْكُرُوا، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ جَعْلِكم.
﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ظاهِرُ التَّوارِيخِ أنَّ البَسْطَةَ الِامْتِدادُ والطُّولُ والجَمالُ في الصُّوَرِ (p-٣٢٥)والأشْكالِ، فَيُحْتَمَلُ إذْ ذاكَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: وزادَكم في خَلْقِكم بَسْطَةً، أيْ: مَدَّ وطَوَّلَ وحَسَّنَ خَلْقَكم قِيلَ: كانَ أقْصَرُهم سِتِّينَ ذِراعًا وأطْوَلُهم مِائَةَ ذِراعٍ. قالَهُ الكَلْبِيُّ، والسُّدِّيُّ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: سَبْعُونَ ذِراعًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَمانُونَ ذِراعًا. وقالَ مُقاتِلٌ: اثْنا عَشَرَ ذِراعًا. وقالَ وهْبٌ: كانَ رَأْسُ أحَدِهِمْ مِثْلَ القُبَّةِ العَظِيمَةِ وعَيْنُهُ تُفْرِخُ فِيها الضِّباعُ وكَذَلِكَ مِنخَرُهُ. وإذا كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ فالخَلْقُ قَوْمُ نُوحٍ، أوْ أهْلُ زَمانِهِمْ، أوِ النّاسُ كُلُّهم أقْوالٌ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ في الإجْرامِ، وهي ما تَصِلُ إلَيْهِ يَدُ الإنْسانِ إذا رَفَعَها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي في القُوَّةِ والجَلادَةِ لا في الإجْرامِ. وقِيلَ: زِيادَةُ البَسْطَةِ كَوْنُهم مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ مُشارِكِينَ في القُوَّةِ مُتَناصِرِينَ يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى (وزادَكم بَسْطَةً)، أيِ: اقْتِدارًا في المَخْلُوقِينَ واسْتِيلاءً.
﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ذَكَّرَهم أوَّلًا بِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم خُلَفاءَ وزادَهم بَسْطَةً، وذَكَّرَهم ثانِيًا بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا لا بِتَقْيِيدِ زَمانِ الجَعْلِ، و(اذْكُرُوا) الظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ وهو أنْ لا يَتَناسَوْا نِعَمَهُ، بَلْ تَكُونُ نِعَمُهُ عَلى ذِكْرٍ مِنكم رَجاءَ أنْ تَفْلَحُوا، وتَعْلِيقُ رَجاءِ الفَلاحِ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ لا يَظْهَرُ فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَجاءُ الفَلاحِ، وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وإفْرادَهُ بِالعِبادَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ وفي ذِكْرِهِمْ ﴿آلاءَ اللَّهِ﴾ ذِكْرُ المُنْعِمِ عَلَيْهِمُ المُسْتَحِقِّ لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِهِ ما سِواهُ، وقِيلَ: اذْكُرُوا هُنا بِمَعْنى اشْكُرُوا.
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهم ويُفْرِدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِاللَّهِ حُبًّا لِما نَشَئُوا عَلَيْهِ وتَآلُفًا لِما وجَدُوا آباءَهم عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ ويَكُونَ قَوْلُهم ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾، أيْ: عَلى قَوْلِكَ يا هُودُ ودَعْواكَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ: التَّأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِمْ وفي عُبّادِ الأوْثانِ ولا يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ مِنَ الكَفَرَةِ إلّا مَنِ ادَّعاها لِنَفْسِهِ كَفِرْعَوْنَ ونُمْرُودَ. انْتَهى. وكانَ في قَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا المُنْعِمُ، وأصْنامُهم جَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، والعِبادَةُ هي نِهايَةُ التَّعْظِيمِ فَلا يَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ ولَمّا نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ ولَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يُجِيبُوا عَنْها عَدَلُوا إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ فَقالُوا ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ والمَجِيءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِكَوْنِهِ مُتَغَيِّبًا عَنْ قَوْمِهِ مُنْفَرِدًا بِعِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَجاءَهم مِن مَكانِ مُتَغَيَّبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ إلّا المَلائِكَةَ فَكَأنَّهم قالُوا: أجِئْتَنا مِنَ السَّماءِ كَما يَجِيءُ المَلَكُ ولا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ المَجِيءِ ولَكِنِ التَّعَرُّضَ والقَصْدَ كَما يُقالُ: ذَهَبَ يَشْتُمُنِي لا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الذَّهابِ كَأنَّهم قالُوا: أقَصَدْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ وتَعَرَّضْتَ لَنا بِتَكالِيفِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَعِدُهم بِعَذابِ اللَّهِ إنْ دامُوا عَلى الكُفْرِ، وقَوْلُهم ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَصْمِيمِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ واسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ إذْ هي عِنْدَهم لا تَقَعُ أصْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ و﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَلَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاذِبًا قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، أيْ: في نُبُوَّتِكَ وإرْسالِكَ، أوْ في أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِنا.
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾، أيْ: حَلَّ بِكم وتَحَتَّمَ عَلَيْكم قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والأكْثَرُونَ: الرِّجْسُ هُنا العَذابُ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّخْطُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَكُونُ العَذابُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِازْدِيادُ في الكُفْرِ بِالرَّيْنِ عَلى القُلُوبِ، أيْ: لِتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ وقَعَ عَلَيْكم (p-٣٢٦)مِنَ اللَّهِ رَيْنٌ عَلى قُلُوبِكم كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] فَإنَّ الرِّجْسَ السُّخْطُ، أوِ الرَّيْنُ فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ وقَعَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ المُضِيِّ وإنْ كانَ العَذابُ فَيَكُونُ مِن جَعْلِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.
﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ هَذا إنْكارٌ مِنهُ لِمُخاصَمَتِهِمْ لَهُ فِيما لا يَنْبَغِي فِيهِ الخِصامُ وهو ذِكْرُ ألْفاظٍ لَيْسَ تَحْتَها مَدْلُولٌ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فَصارَتِ المُنازَعَةُ باطِلَةً بِذَلِكَ ومَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ سَمَّيْتُمْ بِها أنْتُمْ وآباؤُكم، أيْ: أحْدَثْتُمُوها قَرِيبًا أنْتُمْ وآباؤُكم وهي صَمُودُ وصُداءُ والهَباءُ، وقَدْ ذَكَرَها مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ في شِعْرِهِ فَقالَ:
؎عَصَتْ عادٌ رَسُولَهُمُ فَأضْحَوْا عِطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السَّماءُ
؎لَهم صَنَمٌ يُقالُ لَهُ صَمُودٌ ∗∗∗ يُقابِلُهُ صُداءٌ والهَباءُ
؎فَبَصَّرَنا الرَّسُولُ سَبِيلَ رُشْدٍ ∗∗∗ فَأبْصَرَنا الهُدى وجَلا العَماءُ
؎وإنَّ إلَهَ هُودٍ هُو إلَهِي ∗∗∗ عَلى اللَّهِ التَّوَكُّلُ والرَّجاءُ
فالجِدالُ إذْ ذاكَ يَكُونُ في الألْفاظِ لا مَدْلُولاتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجِدالُ وقَعَ في المُسَمَّياتِ وهي الأصْنامُ، فَيَكُونُ أطْلَقَ الأسْماءَ وأرادَ بِها المُسَمَّياتِ وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ﴿أتُجادِلُونَنِي﴾ في ذَواتِ أسْماءٍ ويَكُونُ المَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ آلِهَةً وعَبَدْتُمُوها مِن دُونِ اللَّهِ، قِيلَ: سَمَّوْا كُلَّ صَنَمٍ بِاسْمٍ عَلى ما اشْتَهَوْا، وزَعَمُوا أنَّ بَعْضَهم يَسْقِيهِمُ المَطَرَ وبَعْضَهم يَشْفِيهِمْ مِنَ المَرَضِ وبَعْضَهم يَصْحَبُهم في السَّفَرِ وبَعْضَهم يَأْتِيهِمْ بِالرِّزْقِ.
﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما نَزَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِذَلِكَ حُجَّةٌ ولا بُرْهانٌ وجاءَ هُنا ﴿نَزَّلَ﴾ وفي مَكانٍ غَيْرِهِ أنْزَلَ وكِلاهُما فَصِيحٌ والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ والهَمْزَةِ سَواءٌ.
﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾، وهَذا غايَةٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أيْ: فانْتَظِرُوا عاقِبَةَ أمْرِكم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي تَكْذِيبِ رَسُولِهِ، وهَذا غايَةٌ في الوُثُوقِ بِما يَحِلُّ بِهِمْ وإنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يَعْنِي مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ سابِقَةٍ لَهم مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم آمَنُوا فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنَجاتِهِمْ مِمّا أصابَ قَوْمَهم مِنَ العَذابِ.
﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ بِالعَذابِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في دابِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ قَطْعِ دابِرِهِمْ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لِهُودٍ مُعْجِزاتٌ ولَكِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنا بِتَعْيِينِها.
﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَوْ بَقُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، أيْ: ما كانُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ إيمانًا ألْبَتَّةَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يُؤْمِنُونَ لَأبْقاهم وذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبَ بِالآياتِ قَدْ يُؤْمِنُ بِها بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْسُنُ حالُهُ، فَأمّا مَن خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ فَلا يُؤْمِنُ أبَدًا، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَن آمَنَ مِنهم كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ ومَن نَجا مَعَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهُ قالَ: وقَطَعْنا دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مِنهم، ولَمْ يَكُونُوا مِثْلَ مَن آمَنُ مِنهم لِيُؤْذِنَ أنَّ الهَلاكَ خَصَّ المُكَذِّبِينَ ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا قِصَّةَ هَلاكِ عادٍ وذَكَرُوا فِيها أشْياءَ لا تَعَلُّقَ لَها بِلَفْظِ القُرْآنِ ولا صَحَّتْ عَنِ (p-٣٢٧)الرَّسُولِ، فَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا، وأمّا ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِلَفْظِ القُرْآنِ فَيَأْتِي في مَواضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الأعراف 7:69
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أتى بِوَصْفِ ﴿المَلَأُ﴾ بِالَّذِينَ كَفَرُوا ولَمْ يَأْتِ بِهَذا الوَصْفِ في قَوْمِ نُوحٍ؛ لِأنَّ قَوْمَ هُودٍ كانَ في أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ، مِنهم مَرْثَدُ (p-٣٢٤)بْنُ سَعْدِ بْنِ عُفَيْرٍ. ولَمْ يَكُنْ في أشْرافِ قَوْمِ نُوحٍ مُؤْمِنٌ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا جاءَ لِلذَّمِّ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الفَرْقُ ولِنَراكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ومِن رُؤْيَةِ القَلْبِ كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ في قِصَّةِ نُوحٍ و﴿فِي سَفاهَةٍ﴾، أيْ: في خِفَّةِ حِلْمٍ وسَخافَةِ عَقْلٍ حَيْثُ تَتْرُكُ دِينَ قَوْمِكَ إلى دِينٍ غَيْرِهِ وفي سَفاهَةٍ يَقْتَضِي أنَّهُ فِيها قَدِ احْتَوَتْ عَلَيْهِ كالظَّرْفِ المُحْتَوِي عَلى الشَّيْءِ، ولَمّا كانَ كَلامُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ أشَدَّ مِن كَلامِ هُودٍ تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] كانَ جَوابُهم أغْلَظَ وهو ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] وكانَ كَلامُ هُودٍ ألْطَفَ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] فَكانَ جَوابُهم لَهُ ألْطَفَ مِن جَوابِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أخْبَرَهم بِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ عَلَّقُوا الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، أيْ: إنَّ لَنا آلِهَةً فَحَصْرُها في واحِدٍ كَذِبٌ. وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، أوْ بِمَعْنى تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ والثّانِي لِلْحَسَنِ، والزَّجّاجِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: خَوَّفَ نُوحٌ الكُفّارَ بِالطُّوفانِ العامِّ واشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ فَقالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] حَيْثُ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في إصْلاحِ سَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ في مَفازَةٍ لَيْسَ فِيها ماءٌ ولَمْ يَظْهَرْ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهو رَدِيفُ عِبادَةِ الأوْثانِ، ونَسَبُ قَوْمِهِ في السَّفاهَةِ فَقابَلُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] وهُناكَ جاءَ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وهُنا جاءَ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ لَمّا كانَ آخِرُ جَوابِهِمْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً جاءَ قَوْلُهُ كَذَلِكَ فَقالُوا هم ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ قالَ هو ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ وجاءَ بِوَصْفِ الأمانَةِ وهي الوَصْفُ العَظِيمُ الَّذِي حَمَلَهُ الإنْسانُ ولا أمانَةَ أعْظَمُ مِن أمانَةِ الرِّسالَةِ وإيصالِ أعْبائِها إلى المُكَلَّفِينَ، والمَعْنى: أنِّي عُرِفْتُ فِيكم بِالنُّصْحِ فَلا يَحِقُّ لَكم أنْ تَتَّهِمُونِي. وبِالأمانَةِ فِيما أقُولُ فَلا يَنْبَغِي أنْ أُكَذَّبَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: ﴿أمِينٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى الوَحْيِ والذِّكْرِ النّازِلِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْبِهِمْ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ أمِينُ الغَيْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مِنَ الأمْنِ، أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ لَكم مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ، قالَ القُشَيْرِيُّ: شَتّانَ ما بَيْنَ مَن دَفَعَ عَنْهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ومَن دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن نَسَبَهم إلى الضَّلالَةِ والسَّفاهَةِ بِما أجابُوهم مِنَ الكَلامِ الصّادِرِ عَنِ الحِلْمِ والإغْضاءِ وتَرْكِ المُقابَلَةِ بِما قالُوا لَهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ خُصُومَهم أصْلُ السَّفّاهِينَ، وأسْفَلُهم أدَبٌ حَسَنٌ وخُلُقٌ عَظِيمٌ وحِكايَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْهم ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِعِبادِهِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويُسْبِلُونَ أذْيالَهم عَلى ما يَكُونُ مِنهم.
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] أتى هُنا بِعِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي الإنْذارُ وهو التَّخْوِيفُ بِالعَذابِ واخْتَصَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإنْذارِ مِنَ التَّقْوى ورَجاءِ الرَّحْمَةِ.
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾، أيْ: سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَهم. قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا في الأرْضِ اسْتَخْلَفَكم فِيها. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَذْكِيرُ هُودٍ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ زَمانِهِمْ مِن زَمانِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ و”إذْ“ ظَرْفٌ في قَوْلِ الحَوْفِيِّ فَيَكُونُ مَفْعُولُ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا، أيْ: واذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ عَلَيْكم وقْتَ كَذا، والعامِلُ في (إذْ) ما تَضَمَّنَهُ النِّعَمُ مِنَ الفِعْلِ وفي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ (إذْ) مَفْعُولٌ بِهِ وهو مَنصُوبٌ بِاذْكُرُوا، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ جَعْلِكم.
﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ظاهِرُ التَّوارِيخِ أنَّ البَسْطَةَ الِامْتِدادُ والطُّولُ والجَمالُ في الصُّوَرِ (p-٣٢٥)والأشْكالِ، فَيُحْتَمَلُ إذْ ذاكَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: وزادَكم في خَلْقِكم بَسْطَةً، أيْ: مَدَّ وطَوَّلَ وحَسَّنَ خَلْقَكم قِيلَ: كانَ أقْصَرُهم سِتِّينَ ذِراعًا وأطْوَلُهم مِائَةَ ذِراعٍ. قالَهُ الكَلْبِيُّ، والسُّدِّيُّ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: سَبْعُونَ ذِراعًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَمانُونَ ذِراعًا. وقالَ مُقاتِلٌ: اثْنا عَشَرَ ذِراعًا. وقالَ وهْبٌ: كانَ رَأْسُ أحَدِهِمْ مِثْلَ القُبَّةِ العَظِيمَةِ وعَيْنُهُ تُفْرِخُ فِيها الضِّباعُ وكَذَلِكَ مِنخَرُهُ. وإذا كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ فالخَلْقُ قَوْمُ نُوحٍ، أوْ أهْلُ زَمانِهِمْ، أوِ النّاسُ كُلُّهم أقْوالٌ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ في الإجْرامِ، وهي ما تَصِلُ إلَيْهِ يَدُ الإنْسانِ إذا رَفَعَها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي في القُوَّةِ والجَلادَةِ لا في الإجْرامِ. وقِيلَ: زِيادَةُ البَسْطَةِ كَوْنُهم مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ مُشارِكِينَ في القُوَّةِ مُتَناصِرِينَ يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى (وزادَكم بَسْطَةً)، أيِ: اقْتِدارًا في المَخْلُوقِينَ واسْتِيلاءً.
﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ذَكَّرَهم أوَّلًا بِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم خُلَفاءَ وزادَهم بَسْطَةً، وذَكَّرَهم ثانِيًا بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا لا بِتَقْيِيدِ زَمانِ الجَعْلِ، و(اذْكُرُوا) الظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ وهو أنْ لا يَتَناسَوْا نِعَمَهُ، بَلْ تَكُونُ نِعَمُهُ عَلى ذِكْرٍ مِنكم رَجاءَ أنْ تَفْلَحُوا، وتَعْلِيقُ رَجاءِ الفَلاحِ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ لا يَظْهَرُ فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَجاءُ الفَلاحِ، وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وإفْرادَهُ بِالعِبادَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ وفي ذِكْرِهِمْ ﴿آلاءَ اللَّهِ﴾ ذِكْرُ المُنْعِمِ عَلَيْهِمُ المُسْتَحِقِّ لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِهِ ما سِواهُ، وقِيلَ: اذْكُرُوا هُنا بِمَعْنى اشْكُرُوا.
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهم ويُفْرِدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِاللَّهِ حُبًّا لِما نَشَئُوا عَلَيْهِ وتَآلُفًا لِما وجَدُوا آباءَهم عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ ويَكُونَ قَوْلُهم ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾، أيْ: عَلى قَوْلِكَ يا هُودُ ودَعْواكَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ: التَّأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِمْ وفي عُبّادِ الأوْثانِ ولا يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ مِنَ الكَفَرَةِ إلّا مَنِ ادَّعاها لِنَفْسِهِ كَفِرْعَوْنَ ونُمْرُودَ. انْتَهى. وكانَ في قَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا المُنْعِمُ، وأصْنامُهم جَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، والعِبادَةُ هي نِهايَةُ التَّعْظِيمِ فَلا يَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ ولَمّا نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ ولَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يُجِيبُوا عَنْها عَدَلُوا إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ فَقالُوا ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ والمَجِيءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِكَوْنِهِ مُتَغَيِّبًا عَنْ قَوْمِهِ مُنْفَرِدًا بِعِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَجاءَهم مِن مَكانِ مُتَغَيَّبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ إلّا المَلائِكَةَ فَكَأنَّهم قالُوا: أجِئْتَنا مِنَ السَّماءِ كَما يَجِيءُ المَلَكُ ولا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ المَجِيءِ ولَكِنِ التَّعَرُّضَ والقَصْدَ كَما يُقالُ: ذَهَبَ يَشْتُمُنِي لا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الذَّهابِ كَأنَّهم قالُوا: أقَصَدْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ وتَعَرَّضْتَ لَنا بِتَكالِيفِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَعِدُهم بِعَذابِ اللَّهِ إنْ دامُوا عَلى الكُفْرِ، وقَوْلُهم ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَصْمِيمِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ واسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ إذْ هي عِنْدَهم لا تَقَعُ أصْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ و﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَلَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاذِبًا قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، أيْ: في نُبُوَّتِكَ وإرْسالِكَ، أوْ في أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِنا.
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾، أيْ: حَلَّ بِكم وتَحَتَّمَ عَلَيْكم قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والأكْثَرُونَ: الرِّجْسُ هُنا العَذابُ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّخْطُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَكُونُ العَذابُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِازْدِيادُ في الكُفْرِ بِالرَّيْنِ عَلى القُلُوبِ، أيْ: لِتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ وقَعَ عَلَيْكم (p-٣٢٦)مِنَ اللَّهِ رَيْنٌ عَلى قُلُوبِكم كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] فَإنَّ الرِّجْسَ السُّخْطُ، أوِ الرَّيْنُ فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ وقَعَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ المُضِيِّ وإنْ كانَ العَذابُ فَيَكُونُ مِن جَعْلِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.
﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ هَذا إنْكارٌ مِنهُ لِمُخاصَمَتِهِمْ لَهُ فِيما لا يَنْبَغِي فِيهِ الخِصامُ وهو ذِكْرُ ألْفاظٍ لَيْسَ تَحْتَها مَدْلُولٌ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فَصارَتِ المُنازَعَةُ باطِلَةً بِذَلِكَ ومَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ سَمَّيْتُمْ بِها أنْتُمْ وآباؤُكم، أيْ: أحْدَثْتُمُوها قَرِيبًا أنْتُمْ وآباؤُكم وهي صَمُودُ وصُداءُ والهَباءُ، وقَدْ ذَكَرَها مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ في شِعْرِهِ فَقالَ:
؎عَصَتْ عادٌ رَسُولَهُمُ فَأضْحَوْا عِطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السَّماءُ
؎لَهم صَنَمٌ يُقالُ لَهُ صَمُودٌ ∗∗∗ يُقابِلُهُ صُداءٌ والهَباءُ
؎فَبَصَّرَنا الرَّسُولُ سَبِيلَ رُشْدٍ ∗∗∗ فَأبْصَرَنا الهُدى وجَلا العَماءُ
؎وإنَّ إلَهَ هُودٍ هُو إلَهِي ∗∗∗ عَلى اللَّهِ التَّوَكُّلُ والرَّجاءُ
فالجِدالُ إذْ ذاكَ يَكُونُ في الألْفاظِ لا مَدْلُولاتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجِدالُ وقَعَ في المُسَمَّياتِ وهي الأصْنامُ، فَيَكُونُ أطْلَقَ الأسْماءَ وأرادَ بِها المُسَمَّياتِ وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ﴿أتُجادِلُونَنِي﴾ في ذَواتِ أسْماءٍ ويَكُونُ المَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ آلِهَةً وعَبَدْتُمُوها مِن دُونِ اللَّهِ، قِيلَ: سَمَّوْا كُلَّ صَنَمٍ بِاسْمٍ عَلى ما اشْتَهَوْا، وزَعَمُوا أنَّ بَعْضَهم يَسْقِيهِمُ المَطَرَ وبَعْضَهم يَشْفِيهِمْ مِنَ المَرَضِ وبَعْضَهم يَصْحَبُهم في السَّفَرِ وبَعْضَهم يَأْتِيهِمْ بِالرِّزْقِ.
﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما نَزَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِذَلِكَ حُجَّةٌ ولا بُرْهانٌ وجاءَ هُنا ﴿نَزَّلَ﴾ وفي مَكانٍ غَيْرِهِ أنْزَلَ وكِلاهُما فَصِيحٌ والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ والهَمْزَةِ سَواءٌ.
﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾، وهَذا غايَةٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أيْ: فانْتَظِرُوا عاقِبَةَ أمْرِكم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي تَكْذِيبِ رَسُولِهِ، وهَذا غايَةٌ في الوُثُوقِ بِما يَحِلُّ بِهِمْ وإنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يَعْنِي مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ سابِقَةٍ لَهم مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم آمَنُوا فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنَجاتِهِمْ مِمّا أصابَ قَوْمَهم مِنَ العَذابِ.
﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ بِالعَذابِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في دابِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ قَطْعِ دابِرِهِمْ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لِهُودٍ مُعْجِزاتٌ ولَكِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنا بِتَعْيِينِها.
﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَوْ بَقُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، أيْ: ما كانُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ إيمانًا ألْبَتَّةَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يُؤْمِنُونَ لَأبْقاهم وذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبَ بِالآياتِ قَدْ يُؤْمِنُ بِها بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْسُنُ حالُهُ، فَأمّا مَن خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ فَلا يُؤْمِنُ أبَدًا، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَن آمَنَ مِنهم كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ ومَن نَجا مَعَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهُ قالَ: وقَطَعْنا دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مِنهم، ولَمْ يَكُونُوا مِثْلَ مَن آمَنُ مِنهم لِيُؤْذِنَ أنَّ الهَلاكَ خَصَّ المُكَذِّبِينَ ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا قِصَّةَ هَلاكِ عادٍ وذَكَرُوا فِيها أشْياءَ لا تَعَلُّقَ لَها بِلَفْظِ القُرْآنِ ولا صَحَّتْ عَنِ (p-٣٢٧)الرَّسُولِ، فَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا، وأمّا ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِلَفْظِ القُرْآنِ فَيَأْتِي في مَواضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الأعراف 7:70
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أتى بِوَصْفِ ﴿المَلَأُ﴾ بِالَّذِينَ كَفَرُوا ولَمْ يَأْتِ بِهَذا الوَصْفِ في قَوْمِ نُوحٍ؛ لِأنَّ قَوْمَ هُودٍ كانَ في أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ، مِنهم مَرْثَدُ (p-٣٢٤)بْنُ سَعْدِ بْنِ عُفَيْرٍ. ولَمْ يَكُنْ في أشْرافِ قَوْمِ نُوحٍ مُؤْمِنٌ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا جاءَ لِلذَّمِّ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الفَرْقُ ولِنَراكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ومِن رُؤْيَةِ القَلْبِ كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ في قِصَّةِ نُوحٍ و﴿فِي سَفاهَةٍ﴾، أيْ: في خِفَّةِ حِلْمٍ وسَخافَةِ عَقْلٍ حَيْثُ تَتْرُكُ دِينَ قَوْمِكَ إلى دِينٍ غَيْرِهِ وفي سَفاهَةٍ يَقْتَضِي أنَّهُ فِيها قَدِ احْتَوَتْ عَلَيْهِ كالظَّرْفِ المُحْتَوِي عَلى الشَّيْءِ، ولَمّا كانَ كَلامُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ أشَدَّ مِن كَلامِ هُودٍ تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] كانَ جَوابُهم أغْلَظَ وهو ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] وكانَ كَلامُ هُودٍ ألْطَفَ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] فَكانَ جَوابُهم لَهُ ألْطَفَ مِن جَوابِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أخْبَرَهم بِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ عَلَّقُوا الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، أيْ: إنَّ لَنا آلِهَةً فَحَصْرُها في واحِدٍ كَذِبٌ. وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، أوْ بِمَعْنى تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ والثّانِي لِلْحَسَنِ، والزَّجّاجِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: خَوَّفَ نُوحٌ الكُفّارَ بِالطُّوفانِ العامِّ واشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ فَقالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] حَيْثُ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في إصْلاحِ سَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ في مَفازَةٍ لَيْسَ فِيها ماءٌ ولَمْ يَظْهَرْ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهو رَدِيفُ عِبادَةِ الأوْثانِ، ونَسَبُ قَوْمِهِ في السَّفاهَةِ فَقابَلُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] وهُناكَ جاءَ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وهُنا جاءَ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ لَمّا كانَ آخِرُ جَوابِهِمْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً جاءَ قَوْلُهُ كَذَلِكَ فَقالُوا هم ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ قالَ هو ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ وجاءَ بِوَصْفِ الأمانَةِ وهي الوَصْفُ العَظِيمُ الَّذِي حَمَلَهُ الإنْسانُ ولا أمانَةَ أعْظَمُ مِن أمانَةِ الرِّسالَةِ وإيصالِ أعْبائِها إلى المُكَلَّفِينَ، والمَعْنى: أنِّي عُرِفْتُ فِيكم بِالنُّصْحِ فَلا يَحِقُّ لَكم أنْ تَتَّهِمُونِي. وبِالأمانَةِ فِيما أقُولُ فَلا يَنْبَغِي أنْ أُكَذَّبَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: ﴿أمِينٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى الوَحْيِ والذِّكْرِ النّازِلِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْبِهِمْ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ أمِينُ الغَيْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مِنَ الأمْنِ، أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ لَكم مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ، قالَ القُشَيْرِيُّ: شَتّانَ ما بَيْنَ مَن دَفَعَ عَنْهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ومَن دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن نَسَبَهم إلى الضَّلالَةِ والسَّفاهَةِ بِما أجابُوهم مِنَ الكَلامِ الصّادِرِ عَنِ الحِلْمِ والإغْضاءِ وتَرْكِ المُقابَلَةِ بِما قالُوا لَهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ خُصُومَهم أصْلُ السَّفّاهِينَ، وأسْفَلُهم أدَبٌ حَسَنٌ وخُلُقٌ عَظِيمٌ وحِكايَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْهم ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِعِبادِهِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويُسْبِلُونَ أذْيالَهم عَلى ما يَكُونُ مِنهم.
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] أتى هُنا بِعِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي الإنْذارُ وهو التَّخْوِيفُ بِالعَذابِ واخْتَصَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإنْذارِ مِنَ التَّقْوى ورَجاءِ الرَّحْمَةِ.
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾، أيْ: سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَهم. قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا في الأرْضِ اسْتَخْلَفَكم فِيها. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَذْكِيرُ هُودٍ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ زَمانِهِمْ مِن زَمانِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ و”إذْ“ ظَرْفٌ في قَوْلِ الحَوْفِيِّ فَيَكُونُ مَفْعُولُ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا، أيْ: واذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ عَلَيْكم وقْتَ كَذا، والعامِلُ في (إذْ) ما تَضَمَّنَهُ النِّعَمُ مِنَ الفِعْلِ وفي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ (إذْ) مَفْعُولٌ بِهِ وهو مَنصُوبٌ بِاذْكُرُوا، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ جَعْلِكم.
﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ظاهِرُ التَّوارِيخِ أنَّ البَسْطَةَ الِامْتِدادُ والطُّولُ والجَمالُ في الصُّوَرِ (p-٣٢٥)والأشْكالِ، فَيُحْتَمَلُ إذْ ذاكَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: وزادَكم في خَلْقِكم بَسْطَةً، أيْ: مَدَّ وطَوَّلَ وحَسَّنَ خَلْقَكم قِيلَ: كانَ أقْصَرُهم سِتِّينَ ذِراعًا وأطْوَلُهم مِائَةَ ذِراعٍ. قالَهُ الكَلْبِيُّ، والسُّدِّيُّ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: سَبْعُونَ ذِراعًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَمانُونَ ذِراعًا. وقالَ مُقاتِلٌ: اثْنا عَشَرَ ذِراعًا. وقالَ وهْبٌ: كانَ رَأْسُ أحَدِهِمْ مِثْلَ القُبَّةِ العَظِيمَةِ وعَيْنُهُ تُفْرِخُ فِيها الضِّباعُ وكَذَلِكَ مِنخَرُهُ. وإذا كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ فالخَلْقُ قَوْمُ نُوحٍ، أوْ أهْلُ زَمانِهِمْ، أوِ النّاسُ كُلُّهم أقْوالٌ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ في الإجْرامِ، وهي ما تَصِلُ إلَيْهِ يَدُ الإنْسانِ إذا رَفَعَها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي في القُوَّةِ والجَلادَةِ لا في الإجْرامِ. وقِيلَ: زِيادَةُ البَسْطَةِ كَوْنُهم مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ مُشارِكِينَ في القُوَّةِ مُتَناصِرِينَ يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى (وزادَكم بَسْطَةً)، أيِ: اقْتِدارًا في المَخْلُوقِينَ واسْتِيلاءً.
﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ذَكَّرَهم أوَّلًا بِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم خُلَفاءَ وزادَهم بَسْطَةً، وذَكَّرَهم ثانِيًا بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا لا بِتَقْيِيدِ زَمانِ الجَعْلِ، و(اذْكُرُوا) الظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ وهو أنْ لا يَتَناسَوْا نِعَمَهُ، بَلْ تَكُونُ نِعَمُهُ عَلى ذِكْرٍ مِنكم رَجاءَ أنْ تَفْلَحُوا، وتَعْلِيقُ رَجاءِ الفَلاحِ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ لا يَظْهَرُ فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَجاءُ الفَلاحِ، وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وإفْرادَهُ بِالعِبادَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ وفي ذِكْرِهِمْ ﴿آلاءَ اللَّهِ﴾ ذِكْرُ المُنْعِمِ عَلَيْهِمُ المُسْتَحِقِّ لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِهِ ما سِواهُ، وقِيلَ: اذْكُرُوا هُنا بِمَعْنى اشْكُرُوا.
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهم ويُفْرِدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِاللَّهِ حُبًّا لِما نَشَئُوا عَلَيْهِ وتَآلُفًا لِما وجَدُوا آباءَهم عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ ويَكُونَ قَوْلُهم ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾، أيْ: عَلى قَوْلِكَ يا هُودُ ودَعْواكَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ: التَّأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِمْ وفي عُبّادِ الأوْثانِ ولا يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ مِنَ الكَفَرَةِ إلّا مَنِ ادَّعاها لِنَفْسِهِ كَفِرْعَوْنَ ونُمْرُودَ. انْتَهى. وكانَ في قَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا المُنْعِمُ، وأصْنامُهم جَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، والعِبادَةُ هي نِهايَةُ التَّعْظِيمِ فَلا يَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ ولَمّا نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ ولَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يُجِيبُوا عَنْها عَدَلُوا إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ فَقالُوا ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ والمَجِيءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِكَوْنِهِ مُتَغَيِّبًا عَنْ قَوْمِهِ مُنْفَرِدًا بِعِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَجاءَهم مِن مَكانِ مُتَغَيَّبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ إلّا المَلائِكَةَ فَكَأنَّهم قالُوا: أجِئْتَنا مِنَ السَّماءِ كَما يَجِيءُ المَلَكُ ولا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ المَجِيءِ ولَكِنِ التَّعَرُّضَ والقَصْدَ كَما يُقالُ: ذَهَبَ يَشْتُمُنِي لا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الذَّهابِ كَأنَّهم قالُوا: أقَصَدْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ وتَعَرَّضْتَ لَنا بِتَكالِيفِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَعِدُهم بِعَذابِ اللَّهِ إنْ دامُوا عَلى الكُفْرِ، وقَوْلُهم ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَصْمِيمِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ واسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ إذْ هي عِنْدَهم لا تَقَعُ أصْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ و﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَلَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاذِبًا قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، أيْ: في نُبُوَّتِكَ وإرْسالِكَ، أوْ في أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِنا.
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾، أيْ: حَلَّ بِكم وتَحَتَّمَ عَلَيْكم قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والأكْثَرُونَ: الرِّجْسُ هُنا العَذابُ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّخْطُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَكُونُ العَذابُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِازْدِيادُ في الكُفْرِ بِالرَّيْنِ عَلى القُلُوبِ، أيْ: لِتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ وقَعَ عَلَيْكم (p-٣٢٦)مِنَ اللَّهِ رَيْنٌ عَلى قُلُوبِكم كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] فَإنَّ الرِّجْسَ السُّخْطُ، أوِ الرَّيْنُ فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ وقَعَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ المُضِيِّ وإنْ كانَ العَذابُ فَيَكُونُ مِن جَعْلِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.
﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ هَذا إنْكارٌ مِنهُ لِمُخاصَمَتِهِمْ لَهُ فِيما لا يَنْبَغِي فِيهِ الخِصامُ وهو ذِكْرُ ألْفاظٍ لَيْسَ تَحْتَها مَدْلُولٌ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فَصارَتِ المُنازَعَةُ باطِلَةً بِذَلِكَ ومَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ سَمَّيْتُمْ بِها أنْتُمْ وآباؤُكم، أيْ: أحْدَثْتُمُوها قَرِيبًا أنْتُمْ وآباؤُكم وهي صَمُودُ وصُداءُ والهَباءُ، وقَدْ ذَكَرَها مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ في شِعْرِهِ فَقالَ:
؎عَصَتْ عادٌ رَسُولَهُمُ فَأضْحَوْا عِطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السَّماءُ
؎لَهم صَنَمٌ يُقالُ لَهُ صَمُودٌ ∗∗∗ يُقابِلُهُ صُداءٌ والهَباءُ
؎فَبَصَّرَنا الرَّسُولُ سَبِيلَ رُشْدٍ ∗∗∗ فَأبْصَرَنا الهُدى وجَلا العَماءُ
؎وإنَّ إلَهَ هُودٍ هُو إلَهِي ∗∗∗ عَلى اللَّهِ التَّوَكُّلُ والرَّجاءُ
فالجِدالُ إذْ ذاكَ يَكُونُ في الألْفاظِ لا مَدْلُولاتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجِدالُ وقَعَ في المُسَمَّياتِ وهي الأصْنامُ، فَيَكُونُ أطْلَقَ الأسْماءَ وأرادَ بِها المُسَمَّياتِ وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ﴿أتُجادِلُونَنِي﴾ في ذَواتِ أسْماءٍ ويَكُونُ المَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ آلِهَةً وعَبَدْتُمُوها مِن دُونِ اللَّهِ، قِيلَ: سَمَّوْا كُلَّ صَنَمٍ بِاسْمٍ عَلى ما اشْتَهَوْا، وزَعَمُوا أنَّ بَعْضَهم يَسْقِيهِمُ المَطَرَ وبَعْضَهم يَشْفِيهِمْ مِنَ المَرَضِ وبَعْضَهم يَصْحَبُهم في السَّفَرِ وبَعْضَهم يَأْتِيهِمْ بِالرِّزْقِ.
﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما نَزَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِذَلِكَ حُجَّةٌ ولا بُرْهانٌ وجاءَ هُنا ﴿نَزَّلَ﴾ وفي مَكانٍ غَيْرِهِ أنْزَلَ وكِلاهُما فَصِيحٌ والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ والهَمْزَةِ سَواءٌ.
﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾، وهَذا غايَةٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أيْ: فانْتَظِرُوا عاقِبَةَ أمْرِكم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي تَكْذِيبِ رَسُولِهِ، وهَذا غايَةٌ في الوُثُوقِ بِما يَحِلُّ بِهِمْ وإنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يَعْنِي مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ سابِقَةٍ لَهم مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم آمَنُوا فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنَجاتِهِمْ مِمّا أصابَ قَوْمَهم مِنَ العَذابِ.
﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ بِالعَذابِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في دابِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ قَطْعِ دابِرِهِمْ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لِهُودٍ مُعْجِزاتٌ ولَكِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنا بِتَعْيِينِها.
﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَوْ بَقُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، أيْ: ما كانُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ إيمانًا ألْبَتَّةَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يُؤْمِنُونَ لَأبْقاهم وذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبَ بِالآياتِ قَدْ يُؤْمِنُ بِها بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْسُنُ حالُهُ، فَأمّا مَن خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ فَلا يُؤْمِنُ أبَدًا، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَن آمَنَ مِنهم كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ ومَن نَجا مَعَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهُ قالَ: وقَطَعْنا دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مِنهم، ولَمْ يَكُونُوا مِثْلَ مَن آمَنُ مِنهم لِيُؤْذِنَ أنَّ الهَلاكَ خَصَّ المُكَذِّبِينَ ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا قِصَّةَ هَلاكِ عادٍ وذَكَرُوا فِيها أشْياءَ لا تَعَلُّقَ لَها بِلَفْظِ القُرْآنِ ولا صَحَّتْ عَنِ (p-٣٢٧)الرَّسُولِ، فَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا، وأمّا ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِلَفْظِ القُرْآنِ فَيَأْتِي في مَواضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الأعراف 7:71
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أتى بِوَصْفِ ﴿المَلَأُ﴾ بِالَّذِينَ كَفَرُوا ولَمْ يَأْتِ بِهَذا الوَصْفِ في قَوْمِ نُوحٍ؛ لِأنَّ قَوْمَ هُودٍ كانَ في أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ، مِنهم مَرْثَدُ (p-٣٢٤)بْنُ سَعْدِ بْنِ عُفَيْرٍ. ولَمْ يَكُنْ في أشْرافِ قَوْمِ نُوحٍ مُؤْمِنٌ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا جاءَ لِلذَّمِّ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الفَرْقُ ولِنَراكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ومِن رُؤْيَةِ القَلْبِ كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ في قِصَّةِ نُوحٍ و﴿فِي سَفاهَةٍ﴾، أيْ: في خِفَّةِ حِلْمٍ وسَخافَةِ عَقْلٍ حَيْثُ تَتْرُكُ دِينَ قَوْمِكَ إلى دِينٍ غَيْرِهِ وفي سَفاهَةٍ يَقْتَضِي أنَّهُ فِيها قَدِ احْتَوَتْ عَلَيْهِ كالظَّرْفِ المُحْتَوِي عَلى الشَّيْءِ، ولَمّا كانَ كَلامُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ أشَدَّ مِن كَلامِ هُودٍ تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] كانَ جَوابُهم أغْلَظَ وهو ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] وكانَ كَلامُ هُودٍ ألْطَفَ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] فَكانَ جَوابُهم لَهُ ألْطَفَ مِن جَوابِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أخْبَرَهم بِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ عَلَّقُوا الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، أيْ: إنَّ لَنا آلِهَةً فَحَصْرُها في واحِدٍ كَذِبٌ. وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، أوْ بِمَعْنى تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ والثّانِي لِلْحَسَنِ، والزَّجّاجِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: خَوَّفَ نُوحٌ الكُفّارَ بِالطُّوفانِ العامِّ واشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ فَقالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] حَيْثُ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في إصْلاحِ سَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ في مَفازَةٍ لَيْسَ فِيها ماءٌ ولَمْ يَظْهَرْ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهو رَدِيفُ عِبادَةِ الأوْثانِ، ونَسَبُ قَوْمِهِ في السَّفاهَةِ فَقابَلُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] وهُناكَ جاءَ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وهُنا جاءَ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ لَمّا كانَ آخِرُ جَوابِهِمْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً جاءَ قَوْلُهُ كَذَلِكَ فَقالُوا هم ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ قالَ هو ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ وجاءَ بِوَصْفِ الأمانَةِ وهي الوَصْفُ العَظِيمُ الَّذِي حَمَلَهُ الإنْسانُ ولا أمانَةَ أعْظَمُ مِن أمانَةِ الرِّسالَةِ وإيصالِ أعْبائِها إلى المُكَلَّفِينَ، والمَعْنى: أنِّي عُرِفْتُ فِيكم بِالنُّصْحِ فَلا يَحِقُّ لَكم أنْ تَتَّهِمُونِي. وبِالأمانَةِ فِيما أقُولُ فَلا يَنْبَغِي أنْ أُكَذَّبَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: ﴿أمِينٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى الوَحْيِ والذِّكْرِ النّازِلِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْبِهِمْ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ أمِينُ الغَيْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مِنَ الأمْنِ، أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ لَكم مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ، قالَ القُشَيْرِيُّ: شَتّانَ ما بَيْنَ مَن دَفَعَ عَنْهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ومَن دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن نَسَبَهم إلى الضَّلالَةِ والسَّفاهَةِ بِما أجابُوهم مِنَ الكَلامِ الصّادِرِ عَنِ الحِلْمِ والإغْضاءِ وتَرْكِ المُقابَلَةِ بِما قالُوا لَهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ خُصُومَهم أصْلُ السَّفّاهِينَ، وأسْفَلُهم أدَبٌ حَسَنٌ وخُلُقٌ عَظِيمٌ وحِكايَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْهم ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِعِبادِهِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويُسْبِلُونَ أذْيالَهم عَلى ما يَكُونُ مِنهم.
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] أتى هُنا بِعِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي الإنْذارُ وهو التَّخْوِيفُ بِالعَذابِ واخْتَصَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإنْذارِ مِنَ التَّقْوى ورَجاءِ الرَّحْمَةِ.
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾، أيْ: سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَهم. قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا في الأرْضِ اسْتَخْلَفَكم فِيها. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَذْكِيرُ هُودٍ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ زَمانِهِمْ مِن زَمانِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ و”إذْ“ ظَرْفٌ في قَوْلِ الحَوْفِيِّ فَيَكُونُ مَفْعُولُ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا، أيْ: واذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ عَلَيْكم وقْتَ كَذا، والعامِلُ في (إذْ) ما تَضَمَّنَهُ النِّعَمُ مِنَ الفِعْلِ وفي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ (إذْ) مَفْعُولٌ بِهِ وهو مَنصُوبٌ بِاذْكُرُوا، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ جَعْلِكم.
﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ظاهِرُ التَّوارِيخِ أنَّ البَسْطَةَ الِامْتِدادُ والطُّولُ والجَمالُ في الصُّوَرِ (p-٣٢٥)والأشْكالِ، فَيُحْتَمَلُ إذْ ذاكَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: وزادَكم في خَلْقِكم بَسْطَةً، أيْ: مَدَّ وطَوَّلَ وحَسَّنَ خَلْقَكم قِيلَ: كانَ أقْصَرُهم سِتِّينَ ذِراعًا وأطْوَلُهم مِائَةَ ذِراعٍ. قالَهُ الكَلْبِيُّ، والسُّدِّيُّ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: سَبْعُونَ ذِراعًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَمانُونَ ذِراعًا. وقالَ مُقاتِلٌ: اثْنا عَشَرَ ذِراعًا. وقالَ وهْبٌ: كانَ رَأْسُ أحَدِهِمْ مِثْلَ القُبَّةِ العَظِيمَةِ وعَيْنُهُ تُفْرِخُ فِيها الضِّباعُ وكَذَلِكَ مِنخَرُهُ. وإذا كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ فالخَلْقُ قَوْمُ نُوحٍ، أوْ أهْلُ زَمانِهِمْ، أوِ النّاسُ كُلُّهم أقْوالٌ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ في الإجْرامِ، وهي ما تَصِلُ إلَيْهِ يَدُ الإنْسانِ إذا رَفَعَها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي في القُوَّةِ والجَلادَةِ لا في الإجْرامِ. وقِيلَ: زِيادَةُ البَسْطَةِ كَوْنُهم مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ مُشارِكِينَ في القُوَّةِ مُتَناصِرِينَ يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى (وزادَكم بَسْطَةً)، أيِ: اقْتِدارًا في المَخْلُوقِينَ واسْتِيلاءً.
﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ذَكَّرَهم أوَّلًا بِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم خُلَفاءَ وزادَهم بَسْطَةً، وذَكَّرَهم ثانِيًا بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا لا بِتَقْيِيدِ زَمانِ الجَعْلِ، و(اذْكُرُوا) الظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ وهو أنْ لا يَتَناسَوْا نِعَمَهُ، بَلْ تَكُونُ نِعَمُهُ عَلى ذِكْرٍ مِنكم رَجاءَ أنْ تَفْلَحُوا، وتَعْلِيقُ رَجاءِ الفَلاحِ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ لا يَظْهَرُ فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَجاءُ الفَلاحِ، وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وإفْرادَهُ بِالعِبادَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ وفي ذِكْرِهِمْ ﴿آلاءَ اللَّهِ﴾ ذِكْرُ المُنْعِمِ عَلَيْهِمُ المُسْتَحِقِّ لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِهِ ما سِواهُ، وقِيلَ: اذْكُرُوا هُنا بِمَعْنى اشْكُرُوا.
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهم ويُفْرِدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِاللَّهِ حُبًّا لِما نَشَئُوا عَلَيْهِ وتَآلُفًا لِما وجَدُوا آباءَهم عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ ويَكُونَ قَوْلُهم ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾، أيْ: عَلى قَوْلِكَ يا هُودُ ودَعْواكَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ: التَّأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِمْ وفي عُبّادِ الأوْثانِ ولا يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ مِنَ الكَفَرَةِ إلّا مَنِ ادَّعاها لِنَفْسِهِ كَفِرْعَوْنَ ونُمْرُودَ. انْتَهى. وكانَ في قَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا المُنْعِمُ، وأصْنامُهم جَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، والعِبادَةُ هي نِهايَةُ التَّعْظِيمِ فَلا يَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ ولَمّا نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ ولَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يُجِيبُوا عَنْها عَدَلُوا إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ فَقالُوا ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ والمَجِيءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِكَوْنِهِ مُتَغَيِّبًا عَنْ قَوْمِهِ مُنْفَرِدًا بِعِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَجاءَهم مِن مَكانِ مُتَغَيَّبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ إلّا المَلائِكَةَ فَكَأنَّهم قالُوا: أجِئْتَنا مِنَ السَّماءِ كَما يَجِيءُ المَلَكُ ولا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ المَجِيءِ ولَكِنِ التَّعَرُّضَ والقَصْدَ كَما يُقالُ: ذَهَبَ يَشْتُمُنِي لا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الذَّهابِ كَأنَّهم قالُوا: أقَصَدْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ وتَعَرَّضْتَ لَنا بِتَكالِيفِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَعِدُهم بِعَذابِ اللَّهِ إنْ دامُوا عَلى الكُفْرِ، وقَوْلُهم ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَصْمِيمِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ واسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ إذْ هي عِنْدَهم لا تَقَعُ أصْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ و﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَلَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاذِبًا قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، أيْ: في نُبُوَّتِكَ وإرْسالِكَ، أوْ في أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِنا.
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾، أيْ: حَلَّ بِكم وتَحَتَّمَ عَلَيْكم قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والأكْثَرُونَ: الرِّجْسُ هُنا العَذابُ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّخْطُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَكُونُ العَذابُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِازْدِيادُ في الكُفْرِ بِالرَّيْنِ عَلى القُلُوبِ، أيْ: لِتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ وقَعَ عَلَيْكم (p-٣٢٦)مِنَ اللَّهِ رَيْنٌ عَلى قُلُوبِكم كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] فَإنَّ الرِّجْسَ السُّخْطُ، أوِ الرَّيْنُ فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ وقَعَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ المُضِيِّ وإنْ كانَ العَذابُ فَيَكُونُ مِن جَعْلِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.
﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ هَذا إنْكارٌ مِنهُ لِمُخاصَمَتِهِمْ لَهُ فِيما لا يَنْبَغِي فِيهِ الخِصامُ وهو ذِكْرُ ألْفاظٍ لَيْسَ تَحْتَها مَدْلُولٌ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فَصارَتِ المُنازَعَةُ باطِلَةً بِذَلِكَ ومَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ سَمَّيْتُمْ بِها أنْتُمْ وآباؤُكم، أيْ: أحْدَثْتُمُوها قَرِيبًا أنْتُمْ وآباؤُكم وهي صَمُودُ وصُداءُ والهَباءُ، وقَدْ ذَكَرَها مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ في شِعْرِهِ فَقالَ:
؎عَصَتْ عادٌ رَسُولَهُمُ فَأضْحَوْا عِطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السَّماءُ
؎لَهم صَنَمٌ يُقالُ لَهُ صَمُودٌ ∗∗∗ يُقابِلُهُ صُداءٌ والهَباءُ
؎فَبَصَّرَنا الرَّسُولُ سَبِيلَ رُشْدٍ ∗∗∗ فَأبْصَرَنا الهُدى وجَلا العَماءُ
؎وإنَّ إلَهَ هُودٍ هُو إلَهِي ∗∗∗ عَلى اللَّهِ التَّوَكُّلُ والرَّجاءُ
فالجِدالُ إذْ ذاكَ يَكُونُ في الألْفاظِ لا مَدْلُولاتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجِدالُ وقَعَ في المُسَمَّياتِ وهي الأصْنامُ، فَيَكُونُ أطْلَقَ الأسْماءَ وأرادَ بِها المُسَمَّياتِ وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ﴿أتُجادِلُونَنِي﴾ في ذَواتِ أسْماءٍ ويَكُونُ المَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ آلِهَةً وعَبَدْتُمُوها مِن دُونِ اللَّهِ، قِيلَ: سَمَّوْا كُلَّ صَنَمٍ بِاسْمٍ عَلى ما اشْتَهَوْا، وزَعَمُوا أنَّ بَعْضَهم يَسْقِيهِمُ المَطَرَ وبَعْضَهم يَشْفِيهِمْ مِنَ المَرَضِ وبَعْضَهم يَصْحَبُهم في السَّفَرِ وبَعْضَهم يَأْتِيهِمْ بِالرِّزْقِ.
﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما نَزَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِذَلِكَ حُجَّةٌ ولا بُرْهانٌ وجاءَ هُنا ﴿نَزَّلَ﴾ وفي مَكانٍ غَيْرِهِ أنْزَلَ وكِلاهُما فَصِيحٌ والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ والهَمْزَةِ سَواءٌ.
﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾، وهَذا غايَةٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أيْ: فانْتَظِرُوا عاقِبَةَ أمْرِكم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي تَكْذِيبِ رَسُولِهِ، وهَذا غايَةٌ في الوُثُوقِ بِما يَحِلُّ بِهِمْ وإنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يَعْنِي مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ سابِقَةٍ لَهم مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم آمَنُوا فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنَجاتِهِمْ مِمّا أصابَ قَوْمَهم مِنَ العَذابِ.
﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ بِالعَذابِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في دابِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ قَطْعِ دابِرِهِمْ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لِهُودٍ مُعْجِزاتٌ ولَكِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنا بِتَعْيِينِها.
﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَوْ بَقُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، أيْ: ما كانُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ إيمانًا ألْبَتَّةَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يُؤْمِنُونَ لَأبْقاهم وذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبَ بِالآياتِ قَدْ يُؤْمِنُ بِها بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْسُنُ حالُهُ، فَأمّا مَن خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ فَلا يُؤْمِنُ أبَدًا، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَن آمَنَ مِنهم كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ ومَن نَجا مَعَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهُ قالَ: وقَطَعْنا دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مِنهم، ولَمْ يَكُونُوا مِثْلَ مَن آمَنُ مِنهم لِيُؤْذِنَ أنَّ الهَلاكَ خَصَّ المُكَذِّبِينَ ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا قِصَّةَ هَلاكِ عادٍ وذَكَرُوا فِيها أشْياءَ لا تَعَلُّقَ لَها بِلَفْظِ القُرْآنِ ولا صَحَّتْ عَنِ (p-٣٢٧)الرَّسُولِ، فَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا، وأمّا ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِلَفْظِ القُرْآنِ فَيَأْتِي في مَواضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الأعراف 7:72
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أتى بِوَصْفِ ﴿المَلَأُ﴾ بِالَّذِينَ كَفَرُوا ولَمْ يَأْتِ بِهَذا الوَصْفِ في قَوْمِ نُوحٍ؛ لِأنَّ قَوْمَ هُودٍ كانَ في أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ، مِنهم مَرْثَدُ (p-٣٢٤)بْنُ سَعْدِ بْنِ عُفَيْرٍ. ولَمْ يَكُنْ في أشْرافِ قَوْمِ نُوحٍ مُؤْمِنٌ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِمْ ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا جاءَ لِلذَّمِّ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الفَرْقُ ولِنَراكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ ومِن رُؤْيَةِ القَلْبِ كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ في قِصَّةِ نُوحٍ و﴿فِي سَفاهَةٍ﴾، أيْ: في خِفَّةِ حِلْمٍ وسَخافَةِ عَقْلٍ حَيْثُ تَتْرُكُ دِينَ قَوْمِكَ إلى دِينٍ غَيْرِهِ وفي سَفاهَةٍ يَقْتَضِي أنَّهُ فِيها قَدِ احْتَوَتْ عَلَيْهِ كالظَّرْفِ المُحْتَوِي عَلى الشَّيْءِ، ولَمّا كانَ كَلامُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ أشَدَّ مِن كَلامِ هُودٍ تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] كانَ جَوابُهم أغْلَظَ وهو ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] وكانَ كَلامُ هُودٍ ألْطَفَ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] فَكانَ جَوابُهم لَهُ ألْطَفَ مِن جَوابِ قَوْمِ نُوحٍ لِنُوحٍ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أخْبَرَهم بِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ عَلَّقُوا الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، أيْ: إنَّ لَنا آلِهَةً فَحَصْرُها في واحِدٍ كَذِبٌ. وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، أوْ بِمَعْنى تَرْجِيحِ أحَدِ الجائِزَيْنِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ والثّانِي لِلْحَسَنِ، والزَّجّاجِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: خَوَّفَ نُوحٌ الكُفّارَ بِالطُّوفانِ العامِّ واشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ فَقالُوا ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] حَيْثُ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في إصْلاحِ سَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ في مَفازَةٍ لَيْسَ فِيها ماءٌ ولَمْ يَظْهَرْ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وهو رَدِيفُ عِبادَةِ الأوْثانِ، ونَسَبُ قَوْمِهِ في السَّفاهَةِ فَقابَلُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] وهُناكَ جاءَ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وهُنا جاءَ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ لَمّا كانَ آخِرُ جَوابِهِمْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً جاءَ قَوْلُهُ كَذَلِكَ فَقالُوا هم ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ قالَ هو ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ وجاءَ بِوَصْفِ الأمانَةِ وهي الوَصْفُ العَظِيمُ الَّذِي حَمَلَهُ الإنْسانُ ولا أمانَةَ أعْظَمُ مِن أمانَةِ الرِّسالَةِ وإيصالِ أعْبائِها إلى المُكَلَّفِينَ، والمَعْنى: أنِّي عُرِفْتُ فِيكم بِالنُّصْحِ فَلا يَحِقُّ لَكم أنْ تَتَّهِمُونِي. وبِالأمانَةِ فِيما أقُولُ فَلا يَنْبَغِي أنْ أُكَذَّبَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: ﴿أمِينٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى الوَحْيِ والذِّكْرِ النّازِلِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْبِهِمْ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ أمِينُ الغَيْبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مِنَ الأمْنِ، أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ لَكم مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ، قالَ القُشَيْرِيُّ: شَتّانَ ما بَيْنَ مَن دَفَعَ عَنْهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ومَن دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن نَسَبَهم إلى الضَّلالَةِ والسَّفاهَةِ بِما أجابُوهم مِنَ الكَلامِ الصّادِرِ عَنِ الحِلْمِ والإغْضاءِ وتَرْكِ المُقابَلَةِ بِما قالُوا لَهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ خُصُومَهم أصْلُ السَّفّاهِينَ، وأسْفَلُهم أدَبٌ حَسَنٌ وخُلُقٌ عَظِيمٌ وحِكايَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْهم ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِعِبادِهِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويُسْبِلُونَ أذْيالَهم عَلى ما يَكُونُ مِنهم.
﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] أتى هُنا بِعِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي الإنْذارُ وهو التَّخْوِيفُ بِالعَذابِ واخْتَصَرَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإنْذارِ مِنَ التَّقْوى ورَجاءِ الرَّحْمَةِ.
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾، أيْ: سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَهم. قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ إسْحاقَ، أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا في الأرْضِ اسْتَخْلَفَكم فِيها. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَذْكِيرُ هُودٍ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ زَمانِهِمْ مِن زَمانِ نُوحٍ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ و”إذْ“ ظَرْفٌ في قَوْلِ الحَوْفِيِّ فَيَكُونُ مَفْعُولُ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا، أيْ: واذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ عَلَيْكم وقْتَ كَذا، والعامِلُ في (إذْ) ما تَضَمَّنَهُ النِّعَمُ مِنَ الفِعْلِ وفي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ (إذْ) مَفْعُولٌ بِهِ وهو مَنصُوبٌ بِاذْكُرُوا، أيِ: اذْكُرُوا وقْتَ جَعْلِكم.
﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ ظاهِرُ التَّوارِيخِ أنَّ البَسْطَةَ الِامْتِدادُ والطُّولُ والجَمالُ في الصُّوَرِ (p-٣٢٥)والأشْكالِ، فَيُحْتَمَلُ إذْ ذاكَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: وزادَكم في خَلْقِكم بَسْطَةً، أيْ: مَدَّ وطَوَّلَ وحَسَّنَ خَلْقَكم قِيلَ: كانَ أقْصَرُهم سِتِّينَ ذِراعًا وأطْوَلُهم مِائَةَ ذِراعٍ. قالَهُ الكَلْبِيُّ، والسُّدِّيُّ، وقالَ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: سَبْعُونَ ذِراعًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَمانُونَ ذِراعًا. وقالَ مُقاتِلٌ: اثْنا عَشَرَ ذِراعًا. وقالَ وهْبٌ: كانَ رَأْسُ أحَدِهِمْ مِثْلَ القُبَّةِ العَظِيمَةِ وعَيْنُهُ تُفْرِخُ فِيها الضِّباعُ وكَذَلِكَ مِنخَرُهُ. وإذا كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِينَ فالخَلْقُ قَوْمُ نُوحٍ، أوْ أهْلُ زَمانِهِمْ، أوِ النّاسُ كُلُّهم أقْوالٌ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ في الإجْرامِ، وهي ما تَصِلُ إلَيْهِ يَدُ الإنْسانِ إذا رَفَعَها، وقِيلَ: الزِّيادَةُ هي في القُوَّةِ والجَلادَةِ لا في الإجْرامِ. وقِيلَ: زِيادَةُ البَسْطَةِ كَوْنُهم مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ مُشارِكِينَ في القُوَّةِ مُتَناصِرِينَ يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى (وزادَكم بَسْطَةً)، أيِ: اقْتِدارًا في المَخْلُوقِينَ واسْتِيلاءً.
﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ذَكَّرَهم أوَّلًا بِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم خُلَفاءَ وزادَهم بَسْطَةً، وذَكَّرَهم ثانِيًا بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا لا بِتَقْيِيدِ زَمانِ الجَعْلِ، و(اذْكُرُوا) الظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ وهو أنْ لا يَتَناسَوْا نِعَمَهُ، بَلْ تَكُونُ نِعَمُهُ عَلى ذِكْرٍ مِنكم رَجاءَ أنْ تَفْلَحُوا، وتَعْلِيقُ رَجاءِ الفَلاحِ عَلى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ لا يَظْهَرُ فَيَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَجاءُ الفَلاحِ، وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وإفْرادَهُ بِالعِبادَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ وفي ذِكْرِهِمْ ﴿آلاءَ اللَّهِ﴾ ذِكْرُ المُنْعِمِ عَلَيْهِمُ المُسْتَحِقِّ لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِهِ ما سِواهُ، وقِيلَ: اذْكُرُوا هُنا بِمَعْنى اشْكُرُوا.
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهم ويُفْرِدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِاللَّهِ حُبًّا لِما نَشَئُوا عَلَيْهِ وتَآلُفًا لِما وجَدُوا آباءَهم عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ ويَكُونَ قَوْلُهم ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾، أيْ: عَلى قَوْلِكَ يا هُودُ ودَعْواكَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ: التَّأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِمْ وفي عُبّادِ الأوْثانِ ولا يَجْحَدُ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ مِنَ الكَفَرَةِ إلّا مَنِ ادَّعاها لِنَفْسِهِ كَفِرْعَوْنَ ونُمْرُودَ. انْتَهى. وكانَ في قَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا المُنْعِمُ، وأصْنامُهم جَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، والعِبادَةُ هي نِهايَةُ التَّعْظِيمِ فَلا يَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ ولَمّا نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ ولَمْ يَكُنْ لَهم أنْ يُجِيبُوا عَنْها عَدَلُوا إلى التَّقْلِيدِ البَحْتِ فَقالُوا ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ والمَجِيءُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِكَوْنِهِ مُتَغَيِّبًا عَنْ قَوْمِهِ مُنْفَرِدًا بِعِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَجاءَهم مِن مَكانِ مُتَغَيَّبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ إلّا المَلائِكَةَ فَكَأنَّهم قالُوا: أجِئْتَنا مِنَ السَّماءِ كَما يَجِيءُ المَلَكُ ولا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ المَجِيءِ ولَكِنِ التَّعَرُّضَ والقَصْدَ كَما يُقالُ: ذَهَبَ يَشْتُمُنِي لا يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الذَّهابِ كَأنَّهم قالُوا: أقَصَدْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ وتَعَرَّضْتَ لَنا بِتَكالِيفِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يَعِدُهم بِعَذابِ اللَّهِ إنْ دامُوا عَلى الكُفْرِ، وقَوْلُهم ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَصْمِيمِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ واسْتِعْجالِ العُقُوبَةِ إذْ هي عِنْدَهم لا تَقَعُ أصْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ و﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فَلَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاذِبًا قالُوا ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، أيْ: في نُبُوَّتِكَ وإرْسالِكَ، أوْ في أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِنا.
﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾، أيْ: حَلَّ بِكم وتَحَتَّمَ عَلَيْكم قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والأكْثَرُونَ: الرِّجْسُ هُنا العَذابُ مِنَ الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السُّخْطُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لا يَكُونُ العَذابُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِازْدِيادُ في الكُفْرِ بِالرَّيْنِ عَلى القُلُوبِ، أيْ: لِتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ وقَعَ عَلَيْكم (p-٣٢٦)مِنَ اللَّهِ رَيْنٌ عَلى قُلُوبِكم كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] فَإنَّ الرِّجْسَ السُّخْطُ، أوِ الرَّيْنُ فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ وقَعَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ مِنَ المُضِيِّ وإنْ كانَ العَذابُ فَيَكُونُ مِن جَعْلِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.
﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ هَذا إنْكارٌ مِنهُ لِمُخاصَمَتِهِمْ لَهُ فِيما لا يَنْبَغِي فِيهِ الخِصامُ وهو ذِكْرُ ألْفاظٍ لَيْسَ تَحْتَها مَدْلُولٌ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ فَصارَتِ المُنازَعَةُ باطِلَةً بِذَلِكَ ومَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ سَمَّيْتُمْ بِها أنْتُمْ وآباؤُكم، أيْ: أحْدَثْتُمُوها قَرِيبًا أنْتُمْ وآباؤُكم وهي صَمُودُ وصُداءُ والهَباءُ، وقَدْ ذَكَرَها مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ في شِعْرِهِ فَقالَ:
؎عَصَتْ عادٌ رَسُولَهُمُ فَأضْحَوْا عِطاشًا ما تَبُلُّهُمُ السَّماءُ
؎لَهم صَنَمٌ يُقالُ لَهُ صَمُودٌ ∗∗∗ يُقابِلُهُ صُداءٌ والهَباءُ
؎فَبَصَّرَنا الرَّسُولُ سَبِيلَ رُشْدٍ ∗∗∗ فَأبْصَرَنا الهُدى وجَلا العَماءُ
؎وإنَّ إلَهَ هُودٍ هُو إلَهِي ∗∗∗ عَلى اللَّهِ التَّوَكُّلُ والرَّجاءُ
فالجِدالُ إذْ ذاكَ يَكُونُ في الألْفاظِ لا مَدْلُولاتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجِدالُ وقَعَ في المُسَمَّياتِ وهي الأصْنامُ، فَيَكُونُ أطْلَقَ الأسْماءَ وأرادَ بِها المُسَمَّياتِ وكانَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ﴿أتُجادِلُونَنِي﴾ في ذَواتِ أسْماءٍ ويَكُونُ المَعْنى ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ آلِهَةً وعَبَدْتُمُوها مِن دُونِ اللَّهِ، قِيلَ: سَمَّوْا كُلَّ صَنَمٍ بِاسْمٍ عَلى ما اشْتَهَوْا، وزَعَمُوا أنَّ بَعْضَهم يَسْقِيهِمُ المَطَرَ وبَعْضَهم يَشْفِيهِمْ مِنَ المَرَضِ وبَعْضَهم يَصْحَبُهم في السَّفَرِ وبَعْضَهم يَأْتِيهِمْ بِالرِّزْقِ.
﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما نَزَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَكم بِذَلِكَ حُجَّةٌ ولا بُرْهانٌ وجاءَ هُنا ﴿نَزَّلَ﴾ وفي مَكانٍ غَيْرِهِ أنْزَلَ وكِلاهُما فَصِيحٌ والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ والهَمْزَةِ سَواءٌ.
﴿فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾، وهَذا غايَةٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، أيْ: فانْتَظِرُوا عاقِبَةَ أمْرِكم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وفي تَكْذِيبِ رَسُولِهِ، وهَذا غايَةٌ في الوُثُوقِ بِما يَحِلُّ بِهِمْ وإنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يَعْنِي مَن آمَنَ مَعَهُ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ سابِقَةٍ لَهم مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ عَلَيْهِمْ حَيْثُ جَعَلَهم آمَنُوا فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنَجاتِهِمْ مِمّا أصابَ قَوْمَهم مِنَ العَذابِ.
﴿وقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ بِالعَذابِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في دابِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ قَطْعِ دابِرِهِمْ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِآياتِنا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَتْ لِهُودٍ مُعْجِزاتٌ ولَكِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنا بِتَعْيِينِها.
﴿وما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لَوْ بَقُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، أيْ: ما كانُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ إيمانًا ألْبَتَّةَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يُؤْمِنُونَ لَأبْقاهم وذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبَ بِالآياتِ قَدْ يُؤْمِنُ بِها بَعْدَ ذَلِكَ ويَحْسُنُ حالُهُ، فَأمّا مَن خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ فَلا يُؤْمِنُ أبَدًا، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَن آمَنَ مِنهم كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ ومَن نَجا مَعَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهُ قالَ: وقَطَعْنا دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مِنهم، ولَمْ يَكُونُوا مِثْلَ مَن آمَنُ مِنهم لِيُؤْذِنَ أنَّ الهَلاكَ خَصَّ المُكَذِّبِينَ ونَجّى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هُنا قِصَّةَ هَلاكِ عادٍ وذَكَرُوا فِيها أشْياءَ لا تَعَلُّقَ لَها بِلَفْظِ القُرْآنِ ولا صَحَّتْ عَنِ (p-٣٢٧)الرَّسُولِ، فَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا، وأمّا ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِلَفْظِ القُرْآنِ فَيَأْتِي في مَواضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الأعراف 7:73
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ثَمُودُ: اسْمُ القَبِيلَةِ سُمِّيَتْ بِاسْمِ أبِيهِمُ الأكْبَرِ وهو ثَمُودُ أخُو جَدِيسٍ، وهُما ابْنا جاثِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ وإلى وادِي القُرى. وقِيلَ: سُمِّيَتْ ثَمُودَ لِقِلَّةِ ما بِها مِنَ الثَّمَدِ وهو الماءُ القَلِيلُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎احْكم كَحُكْمِ فَتاةِ الحَيِّ إذْ نَظَرَتْ إلى حَمامِ شِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ
وكانَتْ ثَمُودُ عَرَبًا في سَعَةٍ مِنَ العَيْشِ فَخالَفُوا أمْرَ اللَّهِ وعَبَدُوا غَيْرَهُ وأفْسَدُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهم صالِحًا نَبِيًّا مِن أوْسَطِهِمْ نَسَبًا وأفْضَلِهِمْ حَسَبًا فَدَعاهم إلى اللَّهِ حَتّى شَمِطَ ولا يَتْبَعُهُ مِنهم إلّا القَلِيلُ. قالَهُ وهْبٌ. بَعَثَهُ اللَّهُ حِينَ راهَقَ الحُلُمَ فَلَمّا هَلَكَ قَوْمُهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ إلى مَكَّةَ فَأقامُوا مَعَهُ حَتّى ماتُوا فَقُبُورُهم بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ والحِجْرِ، وصالِحٌ هو صالِحُ بْنُ آسِفِ بْنِ كاشِحِ بْنِ أرُومَ بْنِ ثَمُودَ بْنِ جاثِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ هَكَذا نَسَبَهُ الشَّرِيفُ النَّسّابَةُ الجَوّانِيُّ وهو المُنْتَهى إلَيْهِ في عِلْمِ النَّسَبِ. ووَقَعَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ بَيْنَ صالِحٍ وآسِفٍ زِيادَةُ أبٍ وهو عُبَيْدٌ، فَقالُوا: صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ آسِفٍ، ونَقْصٌ في الأجْدادِ وتَصْحِيفُ جاثِرٍ بِقَوْلِهِمْ: عابِرٍ، قالَ الشَّرِيفُ الجَوّانِيُّ في المُقَدِّمَةِ الفاضِلِيَّةِ: والعَقِبُ مِن جاثِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وجَدِيسٍ والعَقِبُ مِن ثَمُودَ بْنِ جاثِرٍ - فالَخُ وهَيْلَعُ وتَنُوقُ وأرُومُ مِن ولَدِهِ صالِحٍ النَّبِيِّ ﷺ بْنُ آسِفِ بْنِ كاشِحِ بْنِ أرُومَ بْنِ ثَمُودَ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: (وإلى ثَمُودٍ) بِكَسْرِ الدّالِ والتَّنْوِينِ مَصْرُوفًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، جَعَلَهُ اسْمَ الحَيِّ، والجُمْهُورُ مَنَعُوهُ الصَّرْفَ جَعَلُوهُ اسْمَ القَبِيلَةِ، والأُخُوَّةُ هُنا في القَرابَةِ،؛ لِأنَّ نَسَبَهُ ونَسَبَهم راجِعٌ إلى ثَمُودَ بْنِ جاثِرٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ تَوارَدُوا عَلى الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ إذْ كانَ قَوْمُهم عابِدِي أصْنامٍ ومُتَّخِذِي آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ والعَرَبُ، فَفي هَذِهِ القِصَصِ تَوْبِيخُهم وتَهْدِيدُهم أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أُولَئِكَ مِنَ الهَلاكِ المُسْتَأْصِلِ مِنَ العَذابِ وكانَتْ قِصَّةُ نُوحٍ مَشْهُورَةً طَبَّقَتِ الآفاقَ، وقِصَّةُ هُودٍ وصالِحٍ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ بِحَيْثُ ذَكَرَها قُدَماءُ الشُّعَراءِ في الجاهِلِيَّةِ وشَبَّهُوا مُفْسِدِي قَوْمِهِمْ بِمُفْسِدِي قَوْمِ هُودٍ وصالِحٍ، قالَ بَعْضُ قُدَمائِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ:
؎فِينا مَعاشِرُ لَنْ يَبْنُوا لِقَوْمِهِمُ ∗∗∗ وإنْ بَنى قَوْمُهم ما أفْسَدُوا عادُوا
؎أضْحَوْا كَقَيْلِ ابْنِ عَنْزٍ في عَشِيرَتِهِ ∗∗∗ إذْ أُهْلِكَتْ بِالَّذِي سَدّى لَها عادُ
؎أوْ بَعْدَهُ كَقُدارٍ حِينَ تابَعَهُ ∗∗∗ عَلى الغِوايَةِ أقْوامٌ فَقَدْ بادُوا
وقَيْلُ: ابْنُ عَنْزٍ هو مِن قَوْمِ هُودٍ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ خَبَرِهِ عِنْدَ ذِكْرِ إرْسالِ الرِّيحِ عَلى قَوْمِ هُودٍ إنْ شاءَ اللَّهُ، وقُدارٌ هو ابْنُ سالِفٍ عاقِرُ ناقَةِ صالِحٍ ويَأْتِي خَبَرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾، أيْ: آيَةٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وشاهِدٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ الصِّفَةِ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ في القُرْآنِ فَوَلِيَتِ العَوامِلَ كَقَوْلِهِ: حَتّى جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ وقَوْلِهِ: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]، والمَعْنى: الآيَةُ البَيِّنَةُ وبِالآياتِ البَيِّناتِ فَقارَبَ أنْ تَكُونَ كالأبْطَحِ والأبْرَقِ إذْ لا يَكادُ يُصَرَّحُ بِالمَوْصُولِ مَعَها، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ كَأنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿ائْتِنا بِما﴾ [الأعراف: ٧٧] تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وأنَّكَ مُرْسَلٌ إلَيْنا و﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْكم، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِآيَةٍ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أيْ: مِن آياتِ رَبِّكم.
﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ لَمّا أبْهَمَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ (p-٣٢٨)بَيَّنَ ما الآيَةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ ما البَيِّنَةُ ؟ قالَ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ وأضافَها إلى اللَّهِ تَشْرِيفًا وتَخْصِيصًا، نَحْوُ: بَيْتُ اللَّهِ ورُوحُ اللَّهِ ولِكَوْنِهِ خَلَقَها بِغَيْرِ واسِطَةِ ذَكَرٍ وأُنْثى، ولِأنَّهُ لا مالِكَ لَها غَيْرُهُ ولِأنَّها حُجَّةٌ عَلى القَوْمِ، ولَمّا أوْدَعَ فِيها مِنَ الآياتِ ذَكَرَها في قِصَّةِ قَوْمِ صالِحٍ و﴿لَكُمْ﴾ بَيانٌ لِمَن هي لَهُ آيَةٌ مُوجِبَةٌ عَلَيْهِ الإيمانَ وهم ثَمُودُ؛ لِأنَّهم عايَنُوها وسائِرُ النّاسِ أُخْبِرُوا عَنْها كَأنَّهُ قالَ: (لَكم) خُصُوصًا، وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها ها بِما فِيها مِن مَعْنى التَّنْبِيهِ، أوِ اسْمُ الإشارَةِ بِما فِيهِ مِن مَعْنى الإشارَةِ، أوْ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ كَأنَّهُ قِيلَ انْظُرْ إلَيْها في حالِ كَوْنِها آيَةً، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقالَ الحَسَنُ هي ناقَةٌ اعْتَرَضَها مِن إبِلِهِمْ ولَمْ تَكُنْ تُحْلَبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: قِيلَ إنَّهُ أخَذَ ناقَةً مِن سائِرِ النُّوقِ وجَعَلَ اللَّهُ لَها شِرْبًا يَوْمًا ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ وكانَتِ الآيَةُ في شِرْبِها وحَلْبِها، قِيلَ: وجاءَ بِها مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي آيَةٌ مُقْتَرَحَةٌ لَمّا حَذَّرَهم، وأنْذَرَهم سَألُوهُ آيَةً فَقالَ: أيَّةُ آيَةٍ تُرِيدُونَ قالُوا: تَخْرُجُ مَعَنا إلى عِيدِنا في يَوْمٍ مَعْلُومٍ لَهم مِنَ السَّنَةِ فَتَدْعُو إلَهَكَ ونَدْعُو آلِهَتَنا فَإنِ اسْتُجِيبَ لَكَ اتَّبَعْناكَ وإنِ اسْتُجِيبَ لَنا اتَّبَعْتَنا قالَ صالِحٌ: نَعَمْ فَخَرَجَ مَعَهم فَدَعَوْا أوْثانَهم وسَألُوها الإجابَةَ فَلَمْ تُجِبْهم، ثُمَّ قالَ سَيِّدُهم جُنْدَعُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَوّاسٍ وأشارَ إلى صَخْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ مِن ناحِيَةِ الجَبَلِ يُقالُ لَها الكاثِبَةُ أخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ ناقَةً مُخْتَرِجَةً جَوْفاءَ وبْراءَ وعَشْراءَ، والمُخْتَرِجَةُ ما شاكَلَتِ البُخْتَ مِنَ الإبِلِ فَأخَذَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَواثِيقَهم لَئِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَتُؤْمِنُنَّ ولَتُصَدِّقُنَّ قالُوا: نَعَمْ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ودَعا رَبَّهُ فَتَمَخَّضَتِ الصَّخْرَةُ تَمَخُّضَ النَّتُوجِ بِوَلَدِها، ثُمَّ تَحَرَّكَتْ فانْصَدَعَتْ عَنْ ناقَةٍ كَما وصَفُوا لا يَعْلَمُ ما بَيْنَ جَنْبَيْها إلّا اللَّهُ عِظَمًا وهم يَنْظُرُونَ، ثُمَّ نَتَجَتْ سَقْبًا مِثْلَها في العِظَمِ فَآمَنَ بِهِ جُنْدَعٌ ورَهْطٌ مِن قَوْمِهِ وأرادَ أشْرافُ ثَمُودَ أنْ يُؤْمِنُوا فَنَهاهم ذُؤابُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لَبِيدٍ والحُبابُ صاحِبا أوْثانِهِمْ ورَيّانٌ ابْنُ كاهِنِهِمْ وكانُوا مِن أشْرافِ ثَمُودَ، وهَذِهِ النّاقَةُ وسَقْبُها مَشْهُورٌ قِصَّتُهُما عِنْدَ جاهِلِيَّةِ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرُوا السَّقْبَ في أشْعارِهِمْ. قالَ بَعْضُهم يَصِفُ ناسًا قُتِلُوا بِمَعْرَكَةِ حَرْبٍ بِأجْمَعِهِمْ:
؎كَأنَّهُمُ صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهُنَّ دَبِيبُ
؎رَغا فَوْقَهم سَقْبُ السَّماءِ فَداحِصٌ ∗∗∗ بِشَكَّتِهِ لَمْ يُسْتَلَبْ وسَلِيبُ
قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: أتَيْتُ أرْضَ ثَمُودَ فَذَرَعْتُ صَدْرَ النّاقَةِ فَوَجَدْتُهُ سِتِّينَ ذِراعًا.
﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ لَمّا أضافَ النّاقَةَ إلى اللَّهِ أضافَ مَحَلَّ رَعْيِها إلى اللَّهِ إذِ الأرْضُ وما أنْبَتَ فِيها مِلْكُهُ تَعالى لا مِلْكُكم ولا إنْباتُكم وفي هَذا الكَلامِ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ النّاقَةَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ يُنالُ خَيْرُها مِن غَيْرِ مَشَقَّةِ تَكَلُّفِ عَلَفٍ ولا طُعْمَةٍ، وهو شَأْنُ الإبِلِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «قالَ: فَضالَّةُ الإبِلِ ؟ قالَ ما لَكَ ولَها، مَعَها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتّى يَلْقاها رَبُّها» و﴿تَأْكُلْ﴾ جُزِمَ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ (تَأْكُلُ) بِالرَّفْعِ ومَوْضِعُهُ حالٌ، كانَتِ النّاقَةُ مَعَ ولَدِها تَرْعى الشَّجَرَ وتَشْرَبُ الماءَ تَرِدُ غِبًّا فَإذا كانَ يَوْمُها وضَعَتْ رَأْسَها في البِئْرِ فَما تَرْفَعُهُ حَتّى تَشْرَبَ كُلَّ ما فِيها، ثُمَّ تَفْجُجُ فَيَحْلِبُونَ ما شاءُوا حَتّى تَمْتَلِئَ أوانِيهِمْ فَيَشْرَبُونَ ويَدَّخِرُونَ.
﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ نَهاهم عَنْ مَسِّها بِشَيْءٍ مِنَ الأذى، وهَذا تَنْبِيهٌ بِالأدْنى عَلى الأعْلى إذا كانَ قَدْ نَهاهم عَنْ مَسِّها بِسُوءٍ إكْرامًا لِآيَةِ اللَّهِ فَنَهْيُهُ عَنْ نَحْرِها وعَقْرِها ومَنعِها عَنِ الماءِ والكَلَأِ أوْلى وأحْرى، والمَسُّ والأخْذُ هُنا اسْتِعارَةٌ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن مَسَّها بِسُوءٍ، والعَذابُ الألِيمُ هو ما حَلَّ بِهِمْ إذْ عَقَرُوها وما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ.
الأعراف 7:74
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (p-٣٢٩)ذَكَّرَ صالِحٌ قَوْمَهُ بِما ذَكَّرَ بِهِ هُودٌ قَوْمَهُ فَذَكَرَ أوَّلًا نِعَمًا خاصَّةً، وهي جَعْلُهم خُلَفاءَ بَعْدَ الأُمَّةِ الَّتِي سَبَقَتْهم، وذَكَرَ هُودٌ لِقَوْمِهِ ما اخْتَصُّوا بِهِ مِن زِيادَةِ البَسْطَةِ في الخَلْقِ وذَكَرَ صالِحٌ لِقَوْمِهِ ما اخْتَصُّوا بِهِ مِنَ اتِّخاذِ القُصُورِ مِنَ السُّهُولِ ونَحْتِ الجِبالِ بُيُوتًا، ثُمَّ ذَكَرَ أنْعُمًا عامَّةً بِقَوْلِهِما ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾، ومَعْنى ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ أنْزَلَكم بِها وأسْكَنَكم إيّاها، والمَباءَةُ: المَنزِلُ في الأرْضِ وهو مِن باءَ، أيْ: رَجَعَ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والأرْضُ هُنا الحِجْرُ ما بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ، و”تَتَّخِذُونَ“ حالٌ، أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ فَلا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والظّاهِرُ أنَّ بَعْضَ السُّهُولِ اتَّخَذُوهُ قُصُورًا، أيْ: بَنَوْا فِيهِ قُصُورًا، وأنْشَئُوها فِيهِ ولَمْ يَسْتَوْعِبُوا جَمِيعَ سُهُولِها بِالقُصُورِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾، أيْ: يَبْنُونَها مِن سُهُولَةِ الأرْضِ بِما يَعْمَلُونَ مِنها الرِّهْصَ واللَّبِنَ والآجُرَّ يَعْنِي أنَّ القُصُورَ الَّتِي بَنَوْها أجْزاؤُها مُتَّخَذَةٌ مِن لِينِ الأرْضِ كالجَيّارِ والآجُرِّ والجَصِّ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] يَعْنِي أنَّ الصُّورَةَ كانَتْ مادَّتُها مِنَ الحُلِيِّ كَما أنَّ القُصُورَ مادَّتُها مِن سُهُولِ الأرْضِ والأجْزاءِ الَّتِي صُنِعَتْ مِنها، وظاهِرُ الِاتِّخاذِ هُنا العَمَلُ فَيَتَعَدّى ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقِيلَ: يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ والمَجْرُورُ هو الثّانِي، وقَرَأ الحَسَنُ ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ بِفَتْحِ الحاءِ، وزادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّهُ قَرَأ (وتَنْحاتُونَ) بِإشْباعِ الفَتْحَةِ قالَ كَقَوْلِهِ:
؎يَنْباعُ مِن ذَفْرِي غَضُوبٍ جَسْرَةٍ
انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ أبُو مالِكٍ بِالباءِ مِن أسْفَلَ وفَتْحِ الحاءِ ومَن قَرَأ بِالياءِ فَهو التِفاتٌ، وانْتَصَبَ ﴿بُيُوتًا﴾ عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ إذْ لَمْ تَكُنِ الجِبالُ وقْتَ النَّحْتِ بُيُوتًا كَقَوْلِكَ إبْرِ لِي هَذِهِ اليَراعَةَ قَلَمًا وخُطَّ لِي هَذا قِباءً، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى تَضْمِينِ ﴿وتَنْحِتُونَ﴾ مَعْنى وتَتَّخِذُونَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِتَنْحِتُونَ و﴿الجِبالَ﴾ نُصِبَ عَلى إسْقاطِ مِن، أيْ: مِنَ الجِبالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ (تِعْثَوْا) بِكَسْرِ التّاءِ لِقَوْلِهِمْ أنْتَ تِعْلَمُ وهي لُغَةٌ و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القُصُورُ لِمَصِيفِهِمْ والبُيُوتُ في الجِبالِ لِمَشْتاهم، وقِيلَ: نَحَتُوا الجِبالَ لِطُولِ أعْمارِهِمْ كانَتِ القُصُورُ تُخَرَّبُ قَبْلَ مَوْتِهِمْ، قالَ وهْبٌ: كانَ الرَّجُلُ يَبْنِي البُنْيانَ فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ فَيَخْرَبُ، ثُمَّ يُجَدِّدُهُ فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ فَيَخْرَبُ، ثُمَّ يُجَدِّدُهُ فَتَمُرُّ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ فَيَخْرَبُ فَأضْجَرَهم ذَلِكَ فاتَّخَذُوا الجِبالَ بُيُوتًا.
الأعراف 7:75
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (وقالَ المَلَأُ) بِواوِ عَطْفٍ والجُمْهُورُ قالَ بِغَيْرِ واوٍ و﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وصْفٌ لِلْمَلَأِ إمّا لِلتَّخْصِيصِ لِأنَّ مِن أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ مِثْلَ جُنْدَعِ بْنِ عَمْرٍو وإمّا لِلذَّمِّ و﴿اسْتَكْبَرُوا﴾ وطَلَبُوا الهَيْبَةَ؛ لِأنْفُسِهِمْ وهو مِنَ الكِبْرِ فَيَكُونُ اسْتَفْعَلَ لِلطَّلَبِ وهو بابُها، أوْ تَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى فَعُلَ، أيْ: كَبُرُوا لِكَثْرَةِ المالِ والجاهِ فَيَكُونُ مِثْلَ عَجِبَ واسْتَعْجَبَ والَّذِينَ ﴿اسْتُضْعِفُوا﴾، أيِ: اسْتَضْعَفَهم رُؤَساءُ الكُفّارِ واسْتَذَلُّوهم وهُمُ العامَّةُ وهم أتْباعُ الرُّسُلِ، ولِمَن بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا، والضَّمِيرُ في (مِنهم) إنْ عادَ عَلى المُسْتَضْعَفِينَ كانَ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ويَكُونُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا قِسْمَيْنِ مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، وإنْ عادَ عَلى (قَوْمِهِ) كانَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وكانَ الِاسْتِضْعافُ مَقْصُورًا عَلى (p-٣٣٠)المُؤْمِنِينَ، وكانَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا قِسْمًا واحِدًا، ومَن آمَنَ مُفَسِّرًا لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِن قَوْمِهِ، واللّامُ في (لِلَّذِينَ) لِلتَّبْلِيغِ والجُمْلَةُ المَقُولَةُ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِخْفافِ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ اخْتِصاصٌ بِصالِحٍ ولَمْ يَقُولُوا مِن رَبِّنا ولا مِن رَبِّكم.
﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ جَوابٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، وعُدُولُهم عَنْ قَوْلِهِمْ هو مُرْسَلٌ إلى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ في غايَةِ الحُسْنِ إذْ أمْرُ رِسالَتِهِ مَعْلُومٌ واضِحٌ مُسَلَّمٌ لا يَدْخُلُهُ رَيْبٌ لِما أتى بِهِ مِن هَذا المُعْجِزِ الخارِقِ العَظِيمِ، فَلا يَحْتاجُ أنْ يُسْألَ عَنْ رِسالَتِهِ ولا أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنِ العِلْمِ بِإرْسالِهِ فَأخْبَرُوا بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِما أُرْسِلَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ بَعْدَ وُضُوحِ رِسالَتِهِ إلّا التَّصْدِيقُ بِما جاءَ بِهِ وتَضَمَّنَ كَلامُهُمُ العِلْمَ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
الأعراف 7:76
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ فالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ هو مِن حَيْثُ المَعْنى بِما أرْسَلَ بِهِ لَكِنَّهُ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ أعَمُّ قَصَدُوا الرَّدَّ لَمّا جَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مَعْلُومًا وأخَذُوهُ مُسَلَّمًا.
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ نَسَبَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ وإنْ كانَ صادِرًا عَنْ بَعْضِهِمْ لَمّا كانَ عَقْرُها عَنْ تَمالُئٍ واتِّفاقٍ حَتّى رُوِيَ أنَّ قُدارًا لَمْ يَعْقِرْها إلّا عَنْ مُشاوَرَةِ الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ فَأجْمَعُوا عَلى ذَلِكَ، وسَبَبُ عَقْرِها أنَّها كانَتْ إذا وقَعَ الحَرُّ نَصَبَتْ بِظَهْرِ الوادِي فَتَهْرُبُ مِنها أنْعامُهم فَتَهْبِطُ إلى بَطْنِهِ، وإذا وقَعَ البَرْدُ تَلْبَثُ بِبَطْنِ الوادِي فَتَهْرُبُ مَواشِيهِمْ إلى ظَهْرِهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وكانَتْ تَسْتَوْفِي ماءَهم شُرْبًا، ويَحْلِبُونَها ما شاءَ اللَّهُ حَتّى مَلُّوها وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِاللَّبَنِ، الماءُ أحَبُّ إلَيْنا مِنهُ، وقالَ لَهم صالِحٌ يَوْمًا إنَّ هَذا الشَّهْرَ يُولَدُ فِيهِ مَوْلُودٌ، يَكُونُ هَلاكُكم عَلى يَدَيْهِ، فَوُلِدَ لِعَشَرَةِ نَفَرٍ فَذَبَحَ التِّسْعَةُ أوْلادَهم، وبَقِيَ العاشِرُ وهو سالِفُ بْنُ قُدارٍ، وكانَ قُدارٌ أحْمَرَ أزْرَقَ قَصِيرًا، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ:
؎فَتُنْتَجْ لَكم غِلْمانُ أشْأمَ كُلُّهم كَأحْمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
قالَ الشُّرّاحُ: غَلَطٌ وإنَّما هو أحْمَرُ ثَمُودَ، وهو قُدارٌ وكانَ يَشِبُّ في اليَوْمِ شَبابَ غَيْرِهِ في السَّنَةِ، وكانَ التِّسْعَةُ إذا رَأوْهُ قالُوا: لَوْ عاشَ بَنُونا كانُوا مِثْلَ هَذا فَأحْفَظَهم أنْ قَتَلُوا أوْلادَهم بِكَلامِ صالِحٍ فَأجْمَعُوا عَلى قَتْلِهِ فَكَمَّنُوا لَهُ في غارٍ لِيُبَيِّتُوهُ، ويَأْتِي خَبَرُ التَّبْيِيتِ وما جَرى لَهم في سُورَةِ النَّمْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ورُوِيَ أنَّ السَّبَبَ في عَقْرِها أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن ثَمُودَ مِن أعْداءِ صالِحٍ، وهُما عُنَيْزَةُ بِنْتُ غَنْمٍ أُمُّ مِجْلَزٍ زَوْجَةُ دُؤابِ بْنِ عَمْرٍو، وتُكْنى أُمَّ غَنْمٍ، عَجُوزٌ ذاتُ بَناتٍ حِسانٍ ومالٍ مِن إبِلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ، وصَدُوفُ بِنْتُ المُحَيّا جَمِيلَةٌ غَنِيَّةٌ ذاتُ مَواشٍ كَثِيرَةٍ فَدَعَتْ عُنَيْزَةُ عَلى عَقْرِها قُدارًا عَلى أنْ تُعْطِيَهُ أيَّ بَناتِها شاءَ، وكانَ عَزِيزًا مَنِيعًا في قَوْمِهِ ودَعَتْ صَدُوفُ رَجُلًا مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهُ الحُبابُ إلى ذَلِكَ وعَرَضَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ، فَأبى فَدَعَتِ ابْنَ عَمٍّ لَها يُقالُ لَهُ مُصَدَّعُ بْنُ مُهَرِّجِ بْنِ المُحَيّا لِذَلِكَ وجَعَلَتْ لَهُ نَفْسَها فَأجابَ قُدارٌ ومُصَدَّعٌ واسْتَغْوَيا سَبْعَةَ نَفَرٍ، فَكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ فَرَصَدُوا النّاقَةَ حِينَ صَدَرَتْ عَنِ الماءِ وكَمَنَ قُدارٌ في أصْلِ صَخْرَةٍ، ومُصَدَّعٌ في أصْلِ أُخْرى فَمَرَّتْ عَلى مُصَدَّعٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةَ ساقِها وخَرَجَتْ أُمُّ غَنْمٍ عُنَيْزَةُ بِابْنَتِها وكانَتْ مِن أحْسَنِ النِّساءِ فَسَفَرَتْ لِقُدارٍ، ثُمَّ مَرَّتِ النّاقَةُ بِهِ فَشَدَّ عَلَيْها بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عُرْقُوبَها فَخَرَّتْ ورَغَتْ رُغاةً واحِدَةً فَطَعَنَ في لَبَّتِها ونَحَرَها وخَرَجَ أهْلُ البَلْدَةِ فاقْتَسَمُوا لَحْمَها وطَبَخُوهُ، وذَكَرُوا لِسَقْبِها حِكايَةً اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، وقِيلَ: سَبَبُ عَقْرِها أنَّ قُدارًا شَرِبَ الخَمْرَ وطَلَبُوا ماءً لِمَزْجِها فَلَمْ يَجِدُوهُ لِشُرْبِ النّاقَةِ فَعَزَمُوا عَلى عَقْرِها، وكَمَنَ لَها فَرَماها بِالحَرْبَةِ، ثُمَّ سَقَطَتْ فَعَقَرَها، وقالَ بَعْضُ شُعَراءِ العَرَبَ، وقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ النّاقَةِ:
؎فَأتاها أُحَيْمِرٌ كَأخِي السَّهْمِ ∗∗∗ بِعَضْبٍ فَقالَ كُونِي عَقِيرًا
(p-٣٣١)﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾، أيِ: اسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِ أمْرِ رَبِّهِمْ وهو ما أمَرَ بِهِ تَعالى عَلى لِسانِ صالِحٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣] ومِنِ اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ وهو دِينُهُ وشَرْعُهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى صَدَرَ عُتُوُّهم عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، كَأنَّ أمْرَ رَبِّهِمْ بِتَرْكِها كانَ هو السَّبَبَ في عُتُوِّهِمْ ونَحْوٌ عَنْ هَذِهِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] .
﴿وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾، أيْ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّهُ كانَ سَبَقَ مِنهُ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ فاسْتَعْجَلُوا ما وعَدَهم بِهِ مِن ذَلِكَ إذْ كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ في الإخْبارِ بِذَلِكَ الوَعِيدِ وبِغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ عَلَّقُوهُ بِما هم بِهِ كافِرُونَ وهو كَوْنُهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وقَرَأ ورْشٌ والأعْمَشُ (يا صالِحُ ائْتِنا)، وأبُو عَمْرٍو إذا أدْرَجَ بِإبْدالِ هَمْزَةِ فاءِ (ائْتِنا) واوًا لِضَمَّةِ حاءِ صالِحُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِإسْكانِها، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ عِيسى، وعاصِمٌ: ”أُوتِنا“ بِهَمْزٍ وإشْباعِ ضَمٍّ. انْتَهى. فَلَعَلَّهُ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ لا عاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ أحَدُ قُرّاءِ السَّبْعَةِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ رُوِيَ: أنَّ السَّقْبَ لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ رَغا ثَلاثًا فَقالَ صالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجَلُ يَوْمٍ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ فَقالُوا هازِئِينَ بِهِ مَتى ذَلِكَ وما آيَةُ ذَلِكَ فَقالَ تُصْبِحُونَ غَداةَ مُؤْنِسٍ مُصْفَرَّةً وُجُوهُكم وغَداةَ العَرُوبَةِ مُحْمَرِّيها ويَوْمَ شِيارٍ مُسْوَدِّيها، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ يَوْمَ أوَّلِ يَوْمٍ وهو يَوْمُ الأحَدِ فَرامَ التِّسْعَةُ عاقِرُو النّاقَةِ قَتْلَهُ وبَيَّتُوهُ فَدَمَغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، فَقالُوا لَهُ أنْتَ قَتَلْتَهم وهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَحَمَتْهُ عَشِيرَتُهُ، وقالُوا: وعَدَكم أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم بَعْدَ ثَلاثٍ فَإنْ صَدَقَ لَمْ تَزِيدُوا رَبَّكم عَلَيْكم إلّا غَضَبًا وإنْ كَذِبَ فَأنْتُمْ مِن وراءِ ما تُرِيدُونَ، فَأصْبَحُوا يَوْمَ الخَمِيسِ مُصْفَرِّي الوُجُوهِ كَأنَّها طُلِيَتْ بِالخَلُوقِ، فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ إلى بَطْنٍ مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهُ بَنُو غَنَمٍ فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ أبِي هُدْبٍ لِقَيْلٍ، وهو مُشْرِكٌ فَغَيَّبَهُ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَعَذَّبُوا أصْحابَ صالِحٍ فَقالَ مِنهم مُبْدِعُ بْنُ هَدْمٍ: يا نَبِيَّ اللَّهِ عَذَّبُونا لِنَدُلَّهم عَلَيْكَ أفَنَدُلُّهم. قالَ: نَعَمْ. فَدَلَّهم عَلَيْهِ فَأتَوْا أبا هُدْبٍ فَقالَ لَهم: عِنْدِي صالِحٌ ولا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِ فَأعْرَضُوا عَنْهُ وشَغَلَهم ما نَزَلَ بِهِمْ فَأصْبَحُوا في الثّانِي مُحْمَرِّي الوُجُوهِ كَأنَّها خُضِّبَتْ بِالدَّمِ، وفي الثّالِثِ مُسْوَدِّيها كَأنَّها طُلِيَتْ بِالقارِ، ولَيْلَةَ الأحَدِ خَرَجَ صالِحٌ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ إلى أنْ نَزَلَ رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ مِنَ الشّامِ فَأصْبَحُوا مُتَكَفِّنِينَ مُتَحَنِّطِينَ مُلْقِينَ أنْفُسَهم بِالأرْضِ، يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم لا يَدْرُونَ مِن أيْنَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَلَمّا اشْتَدَّ الضُّحى أخَذَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها صَوْتُ كُلِّ صاعِقَةٍ وصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ في الأرْضِ فَقَطَعَتْ قُلُوبَهم وهَلَكُوا كُلُّهم إلّا امْرَأةً مُقْعَدَةً كافِرَةً اسْمُها دَرِيعَةُ بِنْتُ سَلَفٍ عِنْدَما عايَنَتِ العَذابَ خَرَجَتْ أسْرَعَ ما يُرى حَتّى أتَتْ وادِيَ القُرى فَأخْبَرَتْ بِما أصابَ ثَمُودَ واسْتَسْقَتْ فَشَرِبَتْ وماتَتْ، وقِيلَ: خَرَجَ صالِحٌ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ وهم أرْبَعَةُ آلافٍ إلى حَضْرَمَوْتَ فَلَمّا دَخَلُوها ماتَ صالِحٌ فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتَ، وقِيلَ: ماتَ بِمَكَّةَ ابْنُ ثَمانٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وأقامَ في قَوْمِهِ عِشْرِينَ سَنَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: ﴿الرَّجْفَةُ﴾ الصَّيْحَةُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جاثِمِينَ﴾ هامِدِينَ لا يَتَحَرَّكُونَ مَوْتى يُقالُ: النّاسُ جُثُومٌ، أيْ: قُعُودٌ لا حَراكَ بِهِمْ ولا يَنْسُبُونَ بِنِسْبَةٍ ومِنهُ المُجَثَّمَةُ الَّتِي جاءَ النَّهْيُ عَنْها وهي البَهِيمَةُ تُرْبَطُ وتُجْمَعُ قَوائِمُها لِتُرْمى. انْتَهى. وقِيلَ: مَعْناهُ حِمَمًا مُحْتَرِقِينَ كالرَّمادِ الجاثِمِ ذَهَبَ هَذا القائِلُ إلى أنَّ الصَّيْحَةَ اقْتَرَنَ بِها صَواعِقُ مُحْرِقَةٌ، قالَ الكِرْمانِيُّ: حَيْثُ ذَكَرَ الرَّجْفَةَ وهي الزَّلْزَلَةُ وحَدُّ الدّارِ وحَيْثُ ذَكَرَ الصَّيْحَةَ جَمَعَ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ مِنَ السَّماءِ فَبُلُوغُها أكْثَرُ وأبْلَغُ مِنَ الزَّلْزَلَةِ فاتَّصَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِما هو لائِقٌ بِهِ، وقِيلَ: في دارِهِمْ، أيْ: في بَلَدِهِمْ كَنّى بِالدّارِ عَنِ البَلَدِ، وقِيلَ: وحَّدَ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والفاءُ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ فَيُمْكِنُ العَطْفُ بِها عَلى قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] عَلى تَقْدِيرِ قُرْبِ زَمانِ الهَلاكِ مِن زَمانِ طَلَبِ الإتْيانِ بِالوَعْدِ ولِقُرْبِ ذَلِكَ (p-٣٣٢)كانَ العَطْفُ بِالفاءِ ويُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَصِحُّ العَطْفُ بِالفاءِ عَلَيْهِ، أيْ: فَوَعَدَهُمُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثٍ فانْقَضَتْ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ ولا مُنافاةَ بَيْنَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وبَيْنَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] وبَيْنَ ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] كَما ظَنَّ قَوْمٌ مِنَ المَلاحِدَةِ؛ لِأنَّ الرَّجْفَةَ ناشِئَةٌ عَنِ الصَّيْحَةِ صِيحَ بِهِمْ فَرَجَفُوا فَناسَبَ أنْ يُسْنِدَ الأخْذَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ، فالباءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: أُهْلِكُوا بِالفِعْلَةِ الطّاغِيَةِ، وهي الكُفْرُ، أوْ عَقْرُ النّاقَةِ والطّاغِيَةُ مِن طَغى إذا تَجاوَزَ الحَدَّ وغَلَبَ ومِنهُ تَسْمِيَةُ المَلِكِ والعاتِي بِالطّاغِيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١]، أيْ: بِسَبَبِ طُغْيانِها حَصَلَ تَكْذِيبُهم ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالطّاغِيَةِ الرَّجْفَةُ، أوِ الصَّيْحَةُ لِتَجاوُزِ كُلٍّ مِنهُما الحَدَّ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ظاهِرُ العَطْفِ بِالفاءِ أنَّ هَذا التَّوَلِّيَ كانَ بَعْدَ هَلاكِهِمْ ومُشاهَدَةِ ما جَرى عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ الخِطابُ عَلى سَبِيلِ التَّفَجُّعِ عَلَيْهِمْ والتَّحَسُّرِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَهَلَكُوا، والِاغْتِمامُ لَهم ولِيَسْمَعَ ذَلِكَ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَزْدادُوا إيمانًا وانْتِفاءً عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ واقْتِضاءً لِما جاءَ بِهِ نَبِيُّهُ عَنِ اللَّهِ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ولَكِنْ كُنْتُمْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ فَتَكُونُ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ، وقَدْ خاطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ. ورُوِيَ: أنَّهُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعِشْرِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ وهو يَبْكِي فالتَفَتَ فَرَأى الدُّخانَ فَعَلِمَ أنَّهم قَدْ هَلَكُوا وكانُوا ألْفًا وخَمْسِمِائَةِ دارٍ، ورُوِيَ أنَّهُ رَجَعَ بِمَن مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم، وقِيلَ: كانَ تَوَلِّيهِ عَنْهم وقْتَ عَقْرِ النّاقَةِ، وقَوْلُهم ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ مُخاطَبَتِهِ لَهم وقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ وهو الَّذِي في قِصَصِهِمْ مِن أنَّهُ رَحَلَ عَنْهم لَيْلَةَ أنْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ صُبْحَتَها، وبَعْدَ ظُهُورِ أماراتِ الهَلاكِ الَّتِي وعَدَ بِها قالَ الطَّبَرِيُّ: وقِيلَ لَمْ تَهْلِكْ أُمَّةٌ ونَبِيُّها فِيها، ورُوِيَ أنَّهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ حَتّى جاءَ مَكَّةَ فَأقامَ بِها حَتّى ماتَ ولَفْظَةُ التَّوَلِّي تَقْتَضِي اليَأْسَ مِن خَيْرِهِمْ واليَقِينَ في هَلاكِهِمْ، وخِطابُهُ هَذا كَخِطابِهِمْ نُوحٍ وهُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ في قَوْلِهِما ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٨] وذَكَرَ النُّصْحَ بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿أبْلَغْتُكُمْ﴾ ماضِيًا عَطَفَ عَلَيْهِ ماضِيًا فَقالَ: ﴿ونَصَحْتُ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾، أيْ: مَن نَصَحَ لَكم مِن رَسُولٍ، أوْ غَيْرِهِ، أيْ: دَيْدَنُكم ذَلِكَ لِغَلَبَةِ شَهَواتِكم عَلى عُقُولِكم. وجاءَ لَفْظُ ﴿النّاصِحِينَ﴾ عامًّا، أيْ: أيُّ شَخْصٍ نَصَحَ لَكم لَمْ تَقْبَلُوا في أيِّ شَيْءٍ نَصَحَ لَكم وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أمَرَهم أنْ لا يَشْرَبُوا مِن مائِها ولا يَسْتَقُوا مِنها فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ طَبَخْنا وعَجَنّا، فَأمَرَهم أنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الطَّبِيخَ والعَجِينَ ويُهْرِيقُوا ذَلِكَ الماءَ وأمَرَهم أنْ يَسْتَقُوا مِنَ الماءِ الَّذِي كانَتْ تَرِدُهُ ناقَةُ صالِحٍ» وإلى الأخْذِ بِهَذا الحَدِيثِ أخَذَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ في ذَهابِهِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِماءِ أرْضِ ثَمُودَ إلّا إنْ كانَ مِنَ العَيْنِ الَّتِي كانَتْ تَرِدُها النّاقَةُ، وعَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا مَرَّ بِالحِجْرِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِأصْحابِهِ: لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِنكُمُ القَرْيَةَ ولا تَشْرَبُوا مِن مائِها ولا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم» وفي الحَدِيثِ: «أنَّهُ مَرَّ بِقَبْرٍ، فَقالَ: أتَعْرِفُونَ ما هَذا ؟ قالُوا: لا، قالَ: هَذا قَبْرُ أبِي رِغالٍ - الَّذِي هو أبُو ثَقِيفٍ - كانَ مِن ثَمُودَ فَأصابَ قَوْمَهُ البَلاءُ، وهو بِالحَرَمِ فَسَلِمَ، فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَهم، فَدُفِنَ هُنا وجُعِلَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ» قالَ: فابْتَدَرَ القَوْمُ بِأسْيافِهِمْ فَحَفَرُوا حَتّى أخْرَجُوا الغُصْنَ.
الأعراف 7:77
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ فالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ هو مِن حَيْثُ المَعْنى بِما أرْسَلَ بِهِ لَكِنَّهُ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ أعَمُّ قَصَدُوا الرَّدَّ لَمّا جَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مَعْلُومًا وأخَذُوهُ مُسَلَّمًا.
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ نَسَبَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ وإنْ كانَ صادِرًا عَنْ بَعْضِهِمْ لَمّا كانَ عَقْرُها عَنْ تَمالُئٍ واتِّفاقٍ حَتّى رُوِيَ أنَّ قُدارًا لَمْ يَعْقِرْها إلّا عَنْ مُشاوَرَةِ الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ فَأجْمَعُوا عَلى ذَلِكَ، وسَبَبُ عَقْرِها أنَّها كانَتْ إذا وقَعَ الحَرُّ نَصَبَتْ بِظَهْرِ الوادِي فَتَهْرُبُ مِنها أنْعامُهم فَتَهْبِطُ إلى بَطْنِهِ، وإذا وقَعَ البَرْدُ تَلْبَثُ بِبَطْنِ الوادِي فَتَهْرُبُ مَواشِيهِمْ إلى ظَهْرِهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وكانَتْ تَسْتَوْفِي ماءَهم شُرْبًا، ويَحْلِبُونَها ما شاءَ اللَّهُ حَتّى مَلُّوها وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِاللَّبَنِ، الماءُ أحَبُّ إلَيْنا مِنهُ، وقالَ لَهم صالِحٌ يَوْمًا إنَّ هَذا الشَّهْرَ يُولَدُ فِيهِ مَوْلُودٌ، يَكُونُ هَلاكُكم عَلى يَدَيْهِ، فَوُلِدَ لِعَشَرَةِ نَفَرٍ فَذَبَحَ التِّسْعَةُ أوْلادَهم، وبَقِيَ العاشِرُ وهو سالِفُ بْنُ قُدارٍ، وكانَ قُدارٌ أحْمَرَ أزْرَقَ قَصِيرًا، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ:
؎فَتُنْتَجْ لَكم غِلْمانُ أشْأمَ كُلُّهم كَأحْمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
قالَ الشُّرّاحُ: غَلَطٌ وإنَّما هو أحْمَرُ ثَمُودَ، وهو قُدارٌ وكانَ يَشِبُّ في اليَوْمِ شَبابَ غَيْرِهِ في السَّنَةِ، وكانَ التِّسْعَةُ إذا رَأوْهُ قالُوا: لَوْ عاشَ بَنُونا كانُوا مِثْلَ هَذا فَأحْفَظَهم أنْ قَتَلُوا أوْلادَهم بِكَلامِ صالِحٍ فَأجْمَعُوا عَلى قَتْلِهِ فَكَمَّنُوا لَهُ في غارٍ لِيُبَيِّتُوهُ، ويَأْتِي خَبَرُ التَّبْيِيتِ وما جَرى لَهم في سُورَةِ النَّمْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ورُوِيَ أنَّ السَّبَبَ في عَقْرِها أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن ثَمُودَ مِن أعْداءِ صالِحٍ، وهُما عُنَيْزَةُ بِنْتُ غَنْمٍ أُمُّ مِجْلَزٍ زَوْجَةُ دُؤابِ بْنِ عَمْرٍو، وتُكْنى أُمَّ غَنْمٍ، عَجُوزٌ ذاتُ بَناتٍ حِسانٍ ومالٍ مِن إبِلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ، وصَدُوفُ بِنْتُ المُحَيّا جَمِيلَةٌ غَنِيَّةٌ ذاتُ مَواشٍ كَثِيرَةٍ فَدَعَتْ عُنَيْزَةُ عَلى عَقْرِها قُدارًا عَلى أنْ تُعْطِيَهُ أيَّ بَناتِها شاءَ، وكانَ عَزِيزًا مَنِيعًا في قَوْمِهِ ودَعَتْ صَدُوفُ رَجُلًا مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهُ الحُبابُ إلى ذَلِكَ وعَرَضَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ، فَأبى فَدَعَتِ ابْنَ عَمٍّ لَها يُقالُ لَهُ مُصَدَّعُ بْنُ مُهَرِّجِ بْنِ المُحَيّا لِذَلِكَ وجَعَلَتْ لَهُ نَفْسَها فَأجابَ قُدارٌ ومُصَدَّعٌ واسْتَغْوَيا سَبْعَةَ نَفَرٍ، فَكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ فَرَصَدُوا النّاقَةَ حِينَ صَدَرَتْ عَنِ الماءِ وكَمَنَ قُدارٌ في أصْلِ صَخْرَةٍ، ومُصَدَّعٌ في أصْلِ أُخْرى فَمَرَّتْ عَلى مُصَدَّعٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةَ ساقِها وخَرَجَتْ أُمُّ غَنْمٍ عُنَيْزَةُ بِابْنَتِها وكانَتْ مِن أحْسَنِ النِّساءِ فَسَفَرَتْ لِقُدارٍ، ثُمَّ مَرَّتِ النّاقَةُ بِهِ فَشَدَّ عَلَيْها بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عُرْقُوبَها فَخَرَّتْ ورَغَتْ رُغاةً واحِدَةً فَطَعَنَ في لَبَّتِها ونَحَرَها وخَرَجَ أهْلُ البَلْدَةِ فاقْتَسَمُوا لَحْمَها وطَبَخُوهُ، وذَكَرُوا لِسَقْبِها حِكايَةً اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، وقِيلَ: سَبَبُ عَقْرِها أنَّ قُدارًا شَرِبَ الخَمْرَ وطَلَبُوا ماءً لِمَزْجِها فَلَمْ يَجِدُوهُ لِشُرْبِ النّاقَةِ فَعَزَمُوا عَلى عَقْرِها، وكَمَنَ لَها فَرَماها بِالحَرْبَةِ، ثُمَّ سَقَطَتْ فَعَقَرَها، وقالَ بَعْضُ شُعَراءِ العَرَبَ، وقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ النّاقَةِ:
؎فَأتاها أُحَيْمِرٌ كَأخِي السَّهْمِ ∗∗∗ بِعَضْبٍ فَقالَ كُونِي عَقِيرًا
(p-٣٣١)﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾، أيِ: اسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِ أمْرِ رَبِّهِمْ وهو ما أمَرَ بِهِ تَعالى عَلى لِسانِ صالِحٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣] ومِنِ اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ وهو دِينُهُ وشَرْعُهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى صَدَرَ عُتُوُّهم عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، كَأنَّ أمْرَ رَبِّهِمْ بِتَرْكِها كانَ هو السَّبَبَ في عُتُوِّهِمْ ونَحْوٌ عَنْ هَذِهِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] .
﴿وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾، أيْ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّهُ كانَ سَبَقَ مِنهُ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ فاسْتَعْجَلُوا ما وعَدَهم بِهِ مِن ذَلِكَ إذْ كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ في الإخْبارِ بِذَلِكَ الوَعِيدِ وبِغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ عَلَّقُوهُ بِما هم بِهِ كافِرُونَ وهو كَوْنُهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وقَرَأ ورْشٌ والأعْمَشُ (يا صالِحُ ائْتِنا)، وأبُو عَمْرٍو إذا أدْرَجَ بِإبْدالِ هَمْزَةِ فاءِ (ائْتِنا) واوًا لِضَمَّةِ حاءِ صالِحُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِإسْكانِها، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ عِيسى، وعاصِمٌ: ”أُوتِنا“ بِهَمْزٍ وإشْباعِ ضَمٍّ. انْتَهى. فَلَعَلَّهُ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ لا عاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ أحَدُ قُرّاءِ السَّبْعَةِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ رُوِيَ: أنَّ السَّقْبَ لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ رَغا ثَلاثًا فَقالَ صالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجَلُ يَوْمٍ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ فَقالُوا هازِئِينَ بِهِ مَتى ذَلِكَ وما آيَةُ ذَلِكَ فَقالَ تُصْبِحُونَ غَداةَ مُؤْنِسٍ مُصْفَرَّةً وُجُوهُكم وغَداةَ العَرُوبَةِ مُحْمَرِّيها ويَوْمَ شِيارٍ مُسْوَدِّيها، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ يَوْمَ أوَّلِ يَوْمٍ وهو يَوْمُ الأحَدِ فَرامَ التِّسْعَةُ عاقِرُو النّاقَةِ قَتْلَهُ وبَيَّتُوهُ فَدَمَغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، فَقالُوا لَهُ أنْتَ قَتَلْتَهم وهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَحَمَتْهُ عَشِيرَتُهُ، وقالُوا: وعَدَكم أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم بَعْدَ ثَلاثٍ فَإنْ صَدَقَ لَمْ تَزِيدُوا رَبَّكم عَلَيْكم إلّا غَضَبًا وإنْ كَذِبَ فَأنْتُمْ مِن وراءِ ما تُرِيدُونَ، فَأصْبَحُوا يَوْمَ الخَمِيسِ مُصْفَرِّي الوُجُوهِ كَأنَّها طُلِيَتْ بِالخَلُوقِ، فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ إلى بَطْنٍ مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهُ بَنُو غَنَمٍ فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ أبِي هُدْبٍ لِقَيْلٍ، وهو مُشْرِكٌ فَغَيَّبَهُ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَعَذَّبُوا أصْحابَ صالِحٍ فَقالَ مِنهم مُبْدِعُ بْنُ هَدْمٍ: يا نَبِيَّ اللَّهِ عَذَّبُونا لِنَدُلَّهم عَلَيْكَ أفَنَدُلُّهم. قالَ: نَعَمْ. فَدَلَّهم عَلَيْهِ فَأتَوْا أبا هُدْبٍ فَقالَ لَهم: عِنْدِي صالِحٌ ولا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِ فَأعْرَضُوا عَنْهُ وشَغَلَهم ما نَزَلَ بِهِمْ فَأصْبَحُوا في الثّانِي مُحْمَرِّي الوُجُوهِ كَأنَّها خُضِّبَتْ بِالدَّمِ، وفي الثّالِثِ مُسْوَدِّيها كَأنَّها طُلِيَتْ بِالقارِ، ولَيْلَةَ الأحَدِ خَرَجَ صالِحٌ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ إلى أنْ نَزَلَ رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ مِنَ الشّامِ فَأصْبَحُوا مُتَكَفِّنِينَ مُتَحَنِّطِينَ مُلْقِينَ أنْفُسَهم بِالأرْضِ، يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم لا يَدْرُونَ مِن أيْنَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَلَمّا اشْتَدَّ الضُّحى أخَذَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها صَوْتُ كُلِّ صاعِقَةٍ وصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ في الأرْضِ فَقَطَعَتْ قُلُوبَهم وهَلَكُوا كُلُّهم إلّا امْرَأةً مُقْعَدَةً كافِرَةً اسْمُها دَرِيعَةُ بِنْتُ سَلَفٍ عِنْدَما عايَنَتِ العَذابَ خَرَجَتْ أسْرَعَ ما يُرى حَتّى أتَتْ وادِيَ القُرى فَأخْبَرَتْ بِما أصابَ ثَمُودَ واسْتَسْقَتْ فَشَرِبَتْ وماتَتْ، وقِيلَ: خَرَجَ صالِحٌ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ وهم أرْبَعَةُ آلافٍ إلى حَضْرَمَوْتَ فَلَمّا دَخَلُوها ماتَ صالِحٌ فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتَ، وقِيلَ: ماتَ بِمَكَّةَ ابْنُ ثَمانٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وأقامَ في قَوْمِهِ عِشْرِينَ سَنَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: ﴿الرَّجْفَةُ﴾ الصَّيْحَةُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جاثِمِينَ﴾ هامِدِينَ لا يَتَحَرَّكُونَ مَوْتى يُقالُ: النّاسُ جُثُومٌ، أيْ: قُعُودٌ لا حَراكَ بِهِمْ ولا يَنْسُبُونَ بِنِسْبَةٍ ومِنهُ المُجَثَّمَةُ الَّتِي جاءَ النَّهْيُ عَنْها وهي البَهِيمَةُ تُرْبَطُ وتُجْمَعُ قَوائِمُها لِتُرْمى. انْتَهى. وقِيلَ: مَعْناهُ حِمَمًا مُحْتَرِقِينَ كالرَّمادِ الجاثِمِ ذَهَبَ هَذا القائِلُ إلى أنَّ الصَّيْحَةَ اقْتَرَنَ بِها صَواعِقُ مُحْرِقَةٌ، قالَ الكِرْمانِيُّ: حَيْثُ ذَكَرَ الرَّجْفَةَ وهي الزَّلْزَلَةُ وحَدُّ الدّارِ وحَيْثُ ذَكَرَ الصَّيْحَةَ جَمَعَ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ مِنَ السَّماءِ فَبُلُوغُها أكْثَرُ وأبْلَغُ مِنَ الزَّلْزَلَةِ فاتَّصَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِما هو لائِقٌ بِهِ، وقِيلَ: في دارِهِمْ، أيْ: في بَلَدِهِمْ كَنّى بِالدّارِ عَنِ البَلَدِ، وقِيلَ: وحَّدَ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والفاءُ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ فَيُمْكِنُ العَطْفُ بِها عَلى قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] عَلى تَقْدِيرِ قُرْبِ زَمانِ الهَلاكِ مِن زَمانِ طَلَبِ الإتْيانِ بِالوَعْدِ ولِقُرْبِ ذَلِكَ (p-٣٣٢)كانَ العَطْفُ بِالفاءِ ويُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَصِحُّ العَطْفُ بِالفاءِ عَلَيْهِ، أيْ: فَوَعَدَهُمُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثٍ فانْقَضَتْ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ ولا مُنافاةَ بَيْنَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وبَيْنَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] وبَيْنَ ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] كَما ظَنَّ قَوْمٌ مِنَ المَلاحِدَةِ؛ لِأنَّ الرَّجْفَةَ ناشِئَةٌ عَنِ الصَّيْحَةِ صِيحَ بِهِمْ فَرَجَفُوا فَناسَبَ أنْ يُسْنِدَ الأخْذَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ، فالباءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: أُهْلِكُوا بِالفِعْلَةِ الطّاغِيَةِ، وهي الكُفْرُ، أوْ عَقْرُ النّاقَةِ والطّاغِيَةُ مِن طَغى إذا تَجاوَزَ الحَدَّ وغَلَبَ ومِنهُ تَسْمِيَةُ المَلِكِ والعاتِي بِالطّاغِيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١]، أيْ: بِسَبَبِ طُغْيانِها حَصَلَ تَكْذِيبُهم ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالطّاغِيَةِ الرَّجْفَةُ، أوِ الصَّيْحَةُ لِتَجاوُزِ كُلٍّ مِنهُما الحَدَّ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ظاهِرُ العَطْفِ بِالفاءِ أنَّ هَذا التَّوَلِّيَ كانَ بَعْدَ هَلاكِهِمْ ومُشاهَدَةِ ما جَرى عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ الخِطابُ عَلى سَبِيلِ التَّفَجُّعِ عَلَيْهِمْ والتَّحَسُّرِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَهَلَكُوا، والِاغْتِمامُ لَهم ولِيَسْمَعَ ذَلِكَ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَزْدادُوا إيمانًا وانْتِفاءً عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ واقْتِضاءً لِما جاءَ بِهِ نَبِيُّهُ عَنِ اللَّهِ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ولَكِنْ كُنْتُمْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ فَتَكُونُ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ، وقَدْ خاطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ. ورُوِيَ: أنَّهُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعِشْرِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ وهو يَبْكِي فالتَفَتَ فَرَأى الدُّخانَ فَعَلِمَ أنَّهم قَدْ هَلَكُوا وكانُوا ألْفًا وخَمْسِمِائَةِ دارٍ، ورُوِيَ أنَّهُ رَجَعَ بِمَن مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم، وقِيلَ: كانَ تَوَلِّيهِ عَنْهم وقْتَ عَقْرِ النّاقَةِ، وقَوْلُهم ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ مُخاطَبَتِهِ لَهم وقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ وهو الَّذِي في قِصَصِهِمْ مِن أنَّهُ رَحَلَ عَنْهم لَيْلَةَ أنْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ صُبْحَتَها، وبَعْدَ ظُهُورِ أماراتِ الهَلاكِ الَّتِي وعَدَ بِها قالَ الطَّبَرِيُّ: وقِيلَ لَمْ تَهْلِكْ أُمَّةٌ ونَبِيُّها فِيها، ورُوِيَ أنَّهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ حَتّى جاءَ مَكَّةَ فَأقامَ بِها حَتّى ماتَ ولَفْظَةُ التَّوَلِّي تَقْتَضِي اليَأْسَ مِن خَيْرِهِمْ واليَقِينَ في هَلاكِهِمْ، وخِطابُهُ هَذا كَخِطابِهِمْ نُوحٍ وهُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ في قَوْلِهِما ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٨] وذَكَرَ النُّصْحَ بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿أبْلَغْتُكُمْ﴾ ماضِيًا عَطَفَ عَلَيْهِ ماضِيًا فَقالَ: ﴿ونَصَحْتُ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾، أيْ: مَن نَصَحَ لَكم مِن رَسُولٍ، أوْ غَيْرِهِ، أيْ: دَيْدَنُكم ذَلِكَ لِغَلَبَةِ شَهَواتِكم عَلى عُقُولِكم. وجاءَ لَفْظُ ﴿النّاصِحِينَ﴾ عامًّا، أيْ: أيُّ شَخْصٍ نَصَحَ لَكم لَمْ تَقْبَلُوا في أيِّ شَيْءٍ نَصَحَ لَكم وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أمَرَهم أنْ لا يَشْرَبُوا مِن مائِها ولا يَسْتَقُوا مِنها فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ طَبَخْنا وعَجَنّا، فَأمَرَهم أنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الطَّبِيخَ والعَجِينَ ويُهْرِيقُوا ذَلِكَ الماءَ وأمَرَهم أنْ يَسْتَقُوا مِنَ الماءِ الَّذِي كانَتْ تَرِدُهُ ناقَةُ صالِحٍ» وإلى الأخْذِ بِهَذا الحَدِيثِ أخَذَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ في ذَهابِهِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِماءِ أرْضِ ثَمُودَ إلّا إنْ كانَ مِنَ العَيْنِ الَّتِي كانَتْ تَرِدُها النّاقَةُ، وعَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا مَرَّ بِالحِجْرِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِأصْحابِهِ: لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِنكُمُ القَرْيَةَ ولا تَشْرَبُوا مِن مائِها ولا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم» وفي الحَدِيثِ: «أنَّهُ مَرَّ بِقَبْرٍ، فَقالَ: أتَعْرِفُونَ ما هَذا ؟ قالُوا: لا، قالَ: هَذا قَبْرُ أبِي رِغالٍ - الَّذِي هو أبُو ثَقِيفٍ - كانَ مِن ثَمُودَ فَأصابَ قَوْمَهُ البَلاءُ، وهو بِالحَرَمِ فَسَلِمَ، فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَهم، فَدُفِنَ هُنا وجُعِلَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ» قالَ: فابْتَدَرَ القَوْمُ بِأسْيافِهِمْ فَحَفَرُوا حَتّى أخْرَجُوا الغُصْنَ.
الأعراف 7:78
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ فالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ هو مِن حَيْثُ المَعْنى بِما أرْسَلَ بِهِ لَكِنَّهُ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ أعَمُّ قَصَدُوا الرَّدَّ لَمّا جَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مَعْلُومًا وأخَذُوهُ مُسَلَّمًا.
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ نَسَبَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ وإنْ كانَ صادِرًا عَنْ بَعْضِهِمْ لَمّا كانَ عَقْرُها عَنْ تَمالُئٍ واتِّفاقٍ حَتّى رُوِيَ أنَّ قُدارًا لَمْ يَعْقِرْها إلّا عَنْ مُشاوَرَةِ الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ فَأجْمَعُوا عَلى ذَلِكَ، وسَبَبُ عَقْرِها أنَّها كانَتْ إذا وقَعَ الحَرُّ نَصَبَتْ بِظَهْرِ الوادِي فَتَهْرُبُ مِنها أنْعامُهم فَتَهْبِطُ إلى بَطْنِهِ، وإذا وقَعَ البَرْدُ تَلْبَثُ بِبَطْنِ الوادِي فَتَهْرُبُ مَواشِيهِمْ إلى ظَهْرِهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وكانَتْ تَسْتَوْفِي ماءَهم شُرْبًا، ويَحْلِبُونَها ما شاءَ اللَّهُ حَتّى مَلُّوها وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِاللَّبَنِ، الماءُ أحَبُّ إلَيْنا مِنهُ، وقالَ لَهم صالِحٌ يَوْمًا إنَّ هَذا الشَّهْرَ يُولَدُ فِيهِ مَوْلُودٌ، يَكُونُ هَلاكُكم عَلى يَدَيْهِ، فَوُلِدَ لِعَشَرَةِ نَفَرٍ فَذَبَحَ التِّسْعَةُ أوْلادَهم، وبَقِيَ العاشِرُ وهو سالِفُ بْنُ قُدارٍ، وكانَ قُدارٌ أحْمَرَ أزْرَقَ قَصِيرًا، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ:
؎فَتُنْتَجْ لَكم غِلْمانُ أشْأمَ كُلُّهم كَأحْمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
قالَ الشُّرّاحُ: غَلَطٌ وإنَّما هو أحْمَرُ ثَمُودَ، وهو قُدارٌ وكانَ يَشِبُّ في اليَوْمِ شَبابَ غَيْرِهِ في السَّنَةِ، وكانَ التِّسْعَةُ إذا رَأوْهُ قالُوا: لَوْ عاشَ بَنُونا كانُوا مِثْلَ هَذا فَأحْفَظَهم أنْ قَتَلُوا أوْلادَهم بِكَلامِ صالِحٍ فَأجْمَعُوا عَلى قَتْلِهِ فَكَمَّنُوا لَهُ في غارٍ لِيُبَيِّتُوهُ، ويَأْتِي خَبَرُ التَّبْيِيتِ وما جَرى لَهم في سُورَةِ النَّمْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ورُوِيَ أنَّ السَّبَبَ في عَقْرِها أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن ثَمُودَ مِن أعْداءِ صالِحٍ، وهُما عُنَيْزَةُ بِنْتُ غَنْمٍ أُمُّ مِجْلَزٍ زَوْجَةُ دُؤابِ بْنِ عَمْرٍو، وتُكْنى أُمَّ غَنْمٍ، عَجُوزٌ ذاتُ بَناتٍ حِسانٍ ومالٍ مِن إبِلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ، وصَدُوفُ بِنْتُ المُحَيّا جَمِيلَةٌ غَنِيَّةٌ ذاتُ مَواشٍ كَثِيرَةٍ فَدَعَتْ عُنَيْزَةُ عَلى عَقْرِها قُدارًا عَلى أنْ تُعْطِيَهُ أيَّ بَناتِها شاءَ، وكانَ عَزِيزًا مَنِيعًا في قَوْمِهِ ودَعَتْ صَدُوفُ رَجُلًا مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهُ الحُبابُ إلى ذَلِكَ وعَرَضَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ، فَأبى فَدَعَتِ ابْنَ عَمٍّ لَها يُقالُ لَهُ مُصَدَّعُ بْنُ مُهَرِّجِ بْنِ المُحَيّا لِذَلِكَ وجَعَلَتْ لَهُ نَفْسَها فَأجابَ قُدارٌ ومُصَدَّعٌ واسْتَغْوَيا سَبْعَةَ نَفَرٍ، فَكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ فَرَصَدُوا النّاقَةَ حِينَ صَدَرَتْ عَنِ الماءِ وكَمَنَ قُدارٌ في أصْلِ صَخْرَةٍ، ومُصَدَّعٌ في أصْلِ أُخْرى فَمَرَّتْ عَلى مُصَدَّعٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةَ ساقِها وخَرَجَتْ أُمُّ غَنْمٍ عُنَيْزَةُ بِابْنَتِها وكانَتْ مِن أحْسَنِ النِّساءِ فَسَفَرَتْ لِقُدارٍ، ثُمَّ مَرَّتِ النّاقَةُ بِهِ فَشَدَّ عَلَيْها بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عُرْقُوبَها فَخَرَّتْ ورَغَتْ رُغاةً واحِدَةً فَطَعَنَ في لَبَّتِها ونَحَرَها وخَرَجَ أهْلُ البَلْدَةِ فاقْتَسَمُوا لَحْمَها وطَبَخُوهُ، وذَكَرُوا لِسَقْبِها حِكايَةً اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، وقِيلَ: سَبَبُ عَقْرِها أنَّ قُدارًا شَرِبَ الخَمْرَ وطَلَبُوا ماءً لِمَزْجِها فَلَمْ يَجِدُوهُ لِشُرْبِ النّاقَةِ فَعَزَمُوا عَلى عَقْرِها، وكَمَنَ لَها فَرَماها بِالحَرْبَةِ، ثُمَّ سَقَطَتْ فَعَقَرَها، وقالَ بَعْضُ شُعَراءِ العَرَبَ، وقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ النّاقَةِ:
؎فَأتاها أُحَيْمِرٌ كَأخِي السَّهْمِ ∗∗∗ بِعَضْبٍ فَقالَ كُونِي عَقِيرًا
(p-٣٣١)﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾، أيِ: اسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِ أمْرِ رَبِّهِمْ وهو ما أمَرَ بِهِ تَعالى عَلى لِسانِ صالِحٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣] ومِنِ اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ وهو دِينُهُ وشَرْعُهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى صَدَرَ عُتُوُّهم عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، كَأنَّ أمْرَ رَبِّهِمْ بِتَرْكِها كانَ هو السَّبَبَ في عُتُوِّهِمْ ونَحْوٌ عَنْ هَذِهِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] .
﴿وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾، أيْ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّهُ كانَ سَبَقَ مِنهُ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ فاسْتَعْجَلُوا ما وعَدَهم بِهِ مِن ذَلِكَ إذْ كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ في الإخْبارِ بِذَلِكَ الوَعِيدِ وبِغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ عَلَّقُوهُ بِما هم بِهِ كافِرُونَ وهو كَوْنُهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وقَرَأ ورْشٌ والأعْمَشُ (يا صالِحُ ائْتِنا)، وأبُو عَمْرٍو إذا أدْرَجَ بِإبْدالِ هَمْزَةِ فاءِ (ائْتِنا) واوًا لِضَمَّةِ حاءِ صالِحُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِإسْكانِها، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ عِيسى، وعاصِمٌ: ”أُوتِنا“ بِهَمْزٍ وإشْباعِ ضَمٍّ. انْتَهى. فَلَعَلَّهُ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ لا عاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ أحَدُ قُرّاءِ السَّبْعَةِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ رُوِيَ: أنَّ السَّقْبَ لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ رَغا ثَلاثًا فَقالَ صالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجَلُ يَوْمٍ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ فَقالُوا هازِئِينَ بِهِ مَتى ذَلِكَ وما آيَةُ ذَلِكَ فَقالَ تُصْبِحُونَ غَداةَ مُؤْنِسٍ مُصْفَرَّةً وُجُوهُكم وغَداةَ العَرُوبَةِ مُحْمَرِّيها ويَوْمَ شِيارٍ مُسْوَدِّيها، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ يَوْمَ أوَّلِ يَوْمٍ وهو يَوْمُ الأحَدِ فَرامَ التِّسْعَةُ عاقِرُو النّاقَةِ قَتْلَهُ وبَيَّتُوهُ فَدَمَغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، فَقالُوا لَهُ أنْتَ قَتَلْتَهم وهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَحَمَتْهُ عَشِيرَتُهُ، وقالُوا: وعَدَكم أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم بَعْدَ ثَلاثٍ فَإنْ صَدَقَ لَمْ تَزِيدُوا رَبَّكم عَلَيْكم إلّا غَضَبًا وإنْ كَذِبَ فَأنْتُمْ مِن وراءِ ما تُرِيدُونَ، فَأصْبَحُوا يَوْمَ الخَمِيسِ مُصْفَرِّي الوُجُوهِ كَأنَّها طُلِيَتْ بِالخَلُوقِ، فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ إلى بَطْنٍ مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهُ بَنُو غَنَمٍ فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ أبِي هُدْبٍ لِقَيْلٍ، وهو مُشْرِكٌ فَغَيَّبَهُ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَعَذَّبُوا أصْحابَ صالِحٍ فَقالَ مِنهم مُبْدِعُ بْنُ هَدْمٍ: يا نَبِيَّ اللَّهِ عَذَّبُونا لِنَدُلَّهم عَلَيْكَ أفَنَدُلُّهم. قالَ: نَعَمْ. فَدَلَّهم عَلَيْهِ فَأتَوْا أبا هُدْبٍ فَقالَ لَهم: عِنْدِي صالِحٌ ولا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِ فَأعْرَضُوا عَنْهُ وشَغَلَهم ما نَزَلَ بِهِمْ فَأصْبَحُوا في الثّانِي مُحْمَرِّي الوُجُوهِ كَأنَّها خُضِّبَتْ بِالدَّمِ، وفي الثّالِثِ مُسْوَدِّيها كَأنَّها طُلِيَتْ بِالقارِ، ولَيْلَةَ الأحَدِ خَرَجَ صالِحٌ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ إلى أنْ نَزَلَ رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ مِنَ الشّامِ فَأصْبَحُوا مُتَكَفِّنِينَ مُتَحَنِّطِينَ مُلْقِينَ أنْفُسَهم بِالأرْضِ، يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم لا يَدْرُونَ مِن أيْنَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَلَمّا اشْتَدَّ الضُّحى أخَذَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها صَوْتُ كُلِّ صاعِقَةٍ وصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ في الأرْضِ فَقَطَعَتْ قُلُوبَهم وهَلَكُوا كُلُّهم إلّا امْرَأةً مُقْعَدَةً كافِرَةً اسْمُها دَرِيعَةُ بِنْتُ سَلَفٍ عِنْدَما عايَنَتِ العَذابَ خَرَجَتْ أسْرَعَ ما يُرى حَتّى أتَتْ وادِيَ القُرى فَأخْبَرَتْ بِما أصابَ ثَمُودَ واسْتَسْقَتْ فَشَرِبَتْ وماتَتْ، وقِيلَ: خَرَجَ صالِحٌ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ وهم أرْبَعَةُ آلافٍ إلى حَضْرَمَوْتَ فَلَمّا دَخَلُوها ماتَ صالِحٌ فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتَ، وقِيلَ: ماتَ بِمَكَّةَ ابْنُ ثَمانٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وأقامَ في قَوْمِهِ عِشْرِينَ سَنَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: ﴿الرَّجْفَةُ﴾ الصَّيْحَةُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جاثِمِينَ﴾ هامِدِينَ لا يَتَحَرَّكُونَ مَوْتى يُقالُ: النّاسُ جُثُومٌ، أيْ: قُعُودٌ لا حَراكَ بِهِمْ ولا يَنْسُبُونَ بِنِسْبَةٍ ومِنهُ المُجَثَّمَةُ الَّتِي جاءَ النَّهْيُ عَنْها وهي البَهِيمَةُ تُرْبَطُ وتُجْمَعُ قَوائِمُها لِتُرْمى. انْتَهى. وقِيلَ: مَعْناهُ حِمَمًا مُحْتَرِقِينَ كالرَّمادِ الجاثِمِ ذَهَبَ هَذا القائِلُ إلى أنَّ الصَّيْحَةَ اقْتَرَنَ بِها صَواعِقُ مُحْرِقَةٌ، قالَ الكِرْمانِيُّ: حَيْثُ ذَكَرَ الرَّجْفَةَ وهي الزَّلْزَلَةُ وحَدُّ الدّارِ وحَيْثُ ذَكَرَ الصَّيْحَةَ جَمَعَ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ مِنَ السَّماءِ فَبُلُوغُها أكْثَرُ وأبْلَغُ مِنَ الزَّلْزَلَةِ فاتَّصَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِما هو لائِقٌ بِهِ، وقِيلَ: في دارِهِمْ، أيْ: في بَلَدِهِمْ كَنّى بِالدّارِ عَنِ البَلَدِ، وقِيلَ: وحَّدَ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والفاءُ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ فَيُمْكِنُ العَطْفُ بِها عَلى قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] عَلى تَقْدِيرِ قُرْبِ زَمانِ الهَلاكِ مِن زَمانِ طَلَبِ الإتْيانِ بِالوَعْدِ ولِقُرْبِ ذَلِكَ (p-٣٣٢)كانَ العَطْفُ بِالفاءِ ويُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَصِحُّ العَطْفُ بِالفاءِ عَلَيْهِ، أيْ: فَوَعَدَهُمُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثٍ فانْقَضَتْ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ ولا مُنافاةَ بَيْنَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وبَيْنَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] وبَيْنَ ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] كَما ظَنَّ قَوْمٌ مِنَ المَلاحِدَةِ؛ لِأنَّ الرَّجْفَةَ ناشِئَةٌ عَنِ الصَّيْحَةِ صِيحَ بِهِمْ فَرَجَفُوا فَناسَبَ أنْ يُسْنِدَ الأخْذَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ، فالباءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: أُهْلِكُوا بِالفِعْلَةِ الطّاغِيَةِ، وهي الكُفْرُ، أوْ عَقْرُ النّاقَةِ والطّاغِيَةُ مِن طَغى إذا تَجاوَزَ الحَدَّ وغَلَبَ ومِنهُ تَسْمِيَةُ المَلِكِ والعاتِي بِالطّاغِيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١]، أيْ: بِسَبَبِ طُغْيانِها حَصَلَ تَكْذِيبُهم ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالطّاغِيَةِ الرَّجْفَةُ، أوِ الصَّيْحَةُ لِتَجاوُزِ كُلٍّ مِنهُما الحَدَّ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ظاهِرُ العَطْفِ بِالفاءِ أنَّ هَذا التَّوَلِّيَ كانَ بَعْدَ هَلاكِهِمْ ومُشاهَدَةِ ما جَرى عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ الخِطابُ عَلى سَبِيلِ التَّفَجُّعِ عَلَيْهِمْ والتَّحَسُّرِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَهَلَكُوا، والِاغْتِمامُ لَهم ولِيَسْمَعَ ذَلِكَ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَزْدادُوا إيمانًا وانْتِفاءً عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ واقْتِضاءً لِما جاءَ بِهِ نَبِيُّهُ عَنِ اللَّهِ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ولَكِنْ كُنْتُمْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ فَتَكُونُ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ، وقَدْ خاطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ. ورُوِيَ: أنَّهُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعِشْرِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ وهو يَبْكِي فالتَفَتَ فَرَأى الدُّخانَ فَعَلِمَ أنَّهم قَدْ هَلَكُوا وكانُوا ألْفًا وخَمْسِمِائَةِ دارٍ، ورُوِيَ أنَّهُ رَجَعَ بِمَن مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم، وقِيلَ: كانَ تَوَلِّيهِ عَنْهم وقْتَ عَقْرِ النّاقَةِ، وقَوْلُهم ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ مُخاطَبَتِهِ لَهم وقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ وهو الَّذِي في قِصَصِهِمْ مِن أنَّهُ رَحَلَ عَنْهم لَيْلَةَ أنْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ صُبْحَتَها، وبَعْدَ ظُهُورِ أماراتِ الهَلاكِ الَّتِي وعَدَ بِها قالَ الطَّبَرِيُّ: وقِيلَ لَمْ تَهْلِكْ أُمَّةٌ ونَبِيُّها فِيها، ورُوِيَ أنَّهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ حَتّى جاءَ مَكَّةَ فَأقامَ بِها حَتّى ماتَ ولَفْظَةُ التَّوَلِّي تَقْتَضِي اليَأْسَ مِن خَيْرِهِمْ واليَقِينَ في هَلاكِهِمْ، وخِطابُهُ هَذا كَخِطابِهِمْ نُوحٍ وهُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ في قَوْلِهِما ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٨] وذَكَرَ النُّصْحَ بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿أبْلَغْتُكُمْ﴾ ماضِيًا عَطَفَ عَلَيْهِ ماضِيًا فَقالَ: ﴿ونَصَحْتُ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾، أيْ: مَن نَصَحَ لَكم مِن رَسُولٍ، أوْ غَيْرِهِ، أيْ: دَيْدَنُكم ذَلِكَ لِغَلَبَةِ شَهَواتِكم عَلى عُقُولِكم. وجاءَ لَفْظُ ﴿النّاصِحِينَ﴾ عامًّا، أيْ: أيُّ شَخْصٍ نَصَحَ لَكم لَمْ تَقْبَلُوا في أيِّ شَيْءٍ نَصَحَ لَكم وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أمَرَهم أنْ لا يَشْرَبُوا مِن مائِها ولا يَسْتَقُوا مِنها فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ طَبَخْنا وعَجَنّا، فَأمَرَهم أنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الطَّبِيخَ والعَجِينَ ويُهْرِيقُوا ذَلِكَ الماءَ وأمَرَهم أنْ يَسْتَقُوا مِنَ الماءِ الَّذِي كانَتْ تَرِدُهُ ناقَةُ صالِحٍ» وإلى الأخْذِ بِهَذا الحَدِيثِ أخَذَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ في ذَهابِهِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِماءِ أرْضِ ثَمُودَ إلّا إنْ كانَ مِنَ العَيْنِ الَّتِي كانَتْ تَرِدُها النّاقَةُ، وعَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا مَرَّ بِالحِجْرِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِأصْحابِهِ: لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِنكُمُ القَرْيَةَ ولا تَشْرَبُوا مِن مائِها ولا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم» وفي الحَدِيثِ: «أنَّهُ مَرَّ بِقَبْرٍ، فَقالَ: أتَعْرِفُونَ ما هَذا ؟ قالُوا: لا، قالَ: هَذا قَبْرُ أبِي رِغالٍ - الَّذِي هو أبُو ثَقِيفٍ - كانَ مِن ثَمُودَ فَأصابَ قَوْمَهُ البَلاءُ، وهو بِالحَرَمِ فَسَلِمَ، فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَهم، فَدُفِنَ هُنا وجُعِلَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ» قالَ: فابْتَدَرَ القَوْمُ بِأسْيافِهِمْ فَحَفَرُوا حَتّى أخْرَجُوا الغُصْنَ.
الأعراف 7:79
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ فالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ هو مِن حَيْثُ المَعْنى بِما أرْسَلَ بِهِ لَكِنَّهُ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ أعَمُّ قَصَدُوا الرَّدَّ لَمّا جَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مَعْلُومًا وأخَذُوهُ مُسَلَّمًا.
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ نَسَبَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ وإنْ كانَ صادِرًا عَنْ بَعْضِهِمْ لَمّا كانَ عَقْرُها عَنْ تَمالُئٍ واتِّفاقٍ حَتّى رُوِيَ أنَّ قُدارًا لَمْ يَعْقِرْها إلّا عَنْ مُشاوَرَةِ الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبْيانِ فَأجْمَعُوا عَلى ذَلِكَ، وسَبَبُ عَقْرِها أنَّها كانَتْ إذا وقَعَ الحَرُّ نَصَبَتْ بِظَهْرِ الوادِي فَتَهْرُبُ مِنها أنْعامُهم فَتَهْبِطُ إلى بَطْنِهِ، وإذا وقَعَ البَرْدُ تَلْبَثُ بِبَطْنِ الوادِي فَتَهْرُبُ مَواشِيهِمْ إلى ظَهْرِهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وكانَتْ تَسْتَوْفِي ماءَهم شُرْبًا، ويَحْلِبُونَها ما شاءَ اللَّهُ حَتّى مَلُّوها وقالُوا: ما نَصْنَعُ بِاللَّبَنِ، الماءُ أحَبُّ إلَيْنا مِنهُ، وقالَ لَهم صالِحٌ يَوْمًا إنَّ هَذا الشَّهْرَ يُولَدُ فِيهِ مَوْلُودٌ، يَكُونُ هَلاكُكم عَلى يَدَيْهِ، فَوُلِدَ لِعَشَرَةِ نَفَرٍ فَذَبَحَ التِّسْعَةُ أوْلادَهم، وبَقِيَ العاشِرُ وهو سالِفُ بْنُ قُدارٍ، وكانَ قُدارٌ أحْمَرَ أزْرَقَ قَصِيرًا، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ:
؎فَتُنْتَجْ لَكم غِلْمانُ أشْأمَ كُلُّهم كَأحْمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
قالَ الشُّرّاحُ: غَلَطٌ وإنَّما هو أحْمَرُ ثَمُودَ، وهو قُدارٌ وكانَ يَشِبُّ في اليَوْمِ شَبابَ غَيْرِهِ في السَّنَةِ، وكانَ التِّسْعَةُ إذا رَأوْهُ قالُوا: لَوْ عاشَ بَنُونا كانُوا مِثْلَ هَذا فَأحْفَظَهم أنْ قَتَلُوا أوْلادَهم بِكَلامِ صالِحٍ فَأجْمَعُوا عَلى قَتْلِهِ فَكَمَّنُوا لَهُ في غارٍ لِيُبَيِّتُوهُ، ويَأْتِي خَبَرُ التَّبْيِيتِ وما جَرى لَهم في سُورَةِ النَّمْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ورُوِيَ أنَّ السَّبَبَ في عَقْرِها أنَّ امْرَأتَيْنِ مِن ثَمُودَ مِن أعْداءِ صالِحٍ، وهُما عُنَيْزَةُ بِنْتُ غَنْمٍ أُمُّ مِجْلَزٍ زَوْجَةُ دُؤابِ بْنِ عَمْرٍو، وتُكْنى أُمَّ غَنْمٍ، عَجُوزٌ ذاتُ بَناتٍ حِسانٍ ومالٍ مِن إبِلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ، وصَدُوفُ بِنْتُ المُحَيّا جَمِيلَةٌ غَنِيَّةٌ ذاتُ مَواشٍ كَثِيرَةٍ فَدَعَتْ عُنَيْزَةُ عَلى عَقْرِها قُدارًا عَلى أنْ تُعْطِيَهُ أيَّ بَناتِها شاءَ، وكانَ عَزِيزًا مَنِيعًا في قَوْمِهِ ودَعَتْ صَدُوفُ رَجُلًا مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهُ الحُبابُ إلى ذَلِكَ وعَرَضَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ، فَأبى فَدَعَتِ ابْنَ عَمٍّ لَها يُقالُ لَهُ مُصَدَّعُ بْنُ مُهَرِّجِ بْنِ المُحَيّا لِذَلِكَ وجَعَلَتْ لَهُ نَفْسَها فَأجابَ قُدارٌ ومُصَدَّعٌ واسْتَغْوَيا سَبْعَةَ نَفَرٍ، فَكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ فَرَصَدُوا النّاقَةَ حِينَ صَدَرَتْ عَنِ الماءِ وكَمَنَ قُدارٌ في أصْلِ صَخْرَةٍ، ومُصَدَّعٌ في أصْلِ أُخْرى فَمَرَّتْ عَلى مُصَدَّعٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةَ ساقِها وخَرَجَتْ أُمُّ غَنْمٍ عُنَيْزَةُ بِابْنَتِها وكانَتْ مِن أحْسَنِ النِّساءِ فَسَفَرَتْ لِقُدارٍ، ثُمَّ مَرَّتِ النّاقَةُ بِهِ فَشَدَّ عَلَيْها بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عُرْقُوبَها فَخَرَّتْ ورَغَتْ رُغاةً واحِدَةً فَطَعَنَ في لَبَّتِها ونَحَرَها وخَرَجَ أهْلُ البَلْدَةِ فاقْتَسَمُوا لَحْمَها وطَبَخُوهُ، وذَكَرُوا لِسَقْبِها حِكايَةً اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، وقِيلَ: سَبَبُ عَقْرِها أنَّ قُدارًا شَرِبَ الخَمْرَ وطَلَبُوا ماءً لِمَزْجِها فَلَمْ يَجِدُوهُ لِشُرْبِ النّاقَةِ فَعَزَمُوا عَلى عَقْرِها، وكَمَنَ لَها فَرَماها بِالحَرْبَةِ، ثُمَّ سَقَطَتْ فَعَقَرَها، وقالَ بَعْضُ شُعَراءِ العَرَبَ، وقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ النّاقَةِ:
؎فَأتاها أُحَيْمِرٌ كَأخِي السَّهْمِ ∗∗∗ بِعَضْبٍ فَقالَ كُونِي عَقِيرًا
(p-٣٣١)﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾، أيِ: اسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِ أمْرِ رَبِّهِمْ وهو ما أمَرَ بِهِ تَعالى عَلى لِسانِ صالِحٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣] ومِنِ اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ وهو دِينُهُ وشَرْعُهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى صَدَرَ عُتُوُّهم عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، كَأنَّ أمْرَ رَبِّهِمْ بِتَرْكِها كانَ هو السَّبَبَ في عُتُوِّهِمْ ونَحْوٌ عَنْ هَذِهِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] .
﴿وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾، أيْ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّهُ كانَ سَبَقَ مِنهُ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ فاسْتَعْجَلُوا ما وعَدَهم بِهِ مِن ذَلِكَ إذْ كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ في الإخْبارِ بِذَلِكَ الوَعِيدِ وبِغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ عَلَّقُوهُ بِما هم بِهِ كافِرُونَ وهو كَوْنُهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وقَرَأ ورْشٌ والأعْمَشُ (يا صالِحُ ائْتِنا)، وأبُو عَمْرٍو إذا أدْرَجَ بِإبْدالِ هَمْزَةِ فاءِ (ائْتِنا) واوًا لِضَمَّةِ حاءِ صالِحُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِإسْكانِها، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ عِيسى، وعاصِمٌ: ”أُوتِنا“ بِهَمْزٍ وإشْباعِ ضَمٍّ. انْتَهى. فَلَعَلَّهُ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ لا عاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ أحَدُ قُرّاءِ السَّبْعَةِ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ رُوِيَ: أنَّ السَّقْبَ لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ رَغا ثَلاثًا فَقالَ صالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجَلُ يَوْمٍ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ فَقالُوا هازِئِينَ بِهِ مَتى ذَلِكَ وما آيَةُ ذَلِكَ فَقالَ تُصْبِحُونَ غَداةَ مُؤْنِسٍ مُصْفَرَّةً وُجُوهُكم وغَداةَ العَرُوبَةِ مُحْمَرِّيها ويَوْمَ شِيارٍ مُسْوَدِّيها، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ يَوْمَ أوَّلِ يَوْمٍ وهو يَوْمُ الأحَدِ فَرامَ التِّسْعَةُ عاقِرُو النّاقَةِ قَتْلَهُ وبَيَّتُوهُ فَدَمَغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، فَقالُوا لَهُ أنْتَ قَتَلْتَهم وهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَحَمَتْهُ عَشِيرَتُهُ، وقالُوا: وعَدَكم أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم بَعْدَ ثَلاثٍ فَإنْ صَدَقَ لَمْ تَزِيدُوا رَبَّكم عَلَيْكم إلّا غَضَبًا وإنْ كَذِبَ فَأنْتُمْ مِن وراءِ ما تُرِيدُونَ، فَأصْبَحُوا يَوْمَ الخَمِيسِ مُصْفَرِّي الوُجُوهِ كَأنَّها طُلِيَتْ بِالخَلُوقِ، فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ إلى بَطْنٍ مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهُ بَنُو غَنَمٍ فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ أبِي هُدْبٍ لِقَيْلٍ، وهو مُشْرِكٌ فَغَيَّبَهُ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَعَذَّبُوا أصْحابَ صالِحٍ فَقالَ مِنهم مُبْدِعُ بْنُ هَدْمٍ: يا نَبِيَّ اللَّهِ عَذَّبُونا لِنَدُلَّهم عَلَيْكَ أفَنَدُلُّهم. قالَ: نَعَمْ. فَدَلَّهم عَلَيْهِ فَأتَوْا أبا هُدْبٍ فَقالَ لَهم: عِنْدِي صالِحٌ ولا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِ فَأعْرَضُوا عَنْهُ وشَغَلَهم ما نَزَلَ بِهِمْ فَأصْبَحُوا في الثّانِي مُحْمَرِّي الوُجُوهِ كَأنَّها خُضِّبَتْ بِالدَّمِ، وفي الثّالِثِ مُسْوَدِّيها كَأنَّها طُلِيَتْ بِالقارِ، ولَيْلَةَ الأحَدِ خَرَجَ صالِحٌ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ إلى أنْ نَزَلَ رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ مِنَ الشّامِ فَأصْبَحُوا مُتَكَفِّنِينَ مُتَحَنِّطِينَ مُلْقِينَ أنْفُسَهم بِالأرْضِ، يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم لا يَدْرُونَ مِن أيْنَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَلَمّا اشْتَدَّ الضُّحى أخَذَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فِيها صَوْتُ كُلِّ صاعِقَةٍ وصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ في الأرْضِ فَقَطَعَتْ قُلُوبَهم وهَلَكُوا كُلُّهم إلّا امْرَأةً مُقْعَدَةً كافِرَةً اسْمُها دَرِيعَةُ بِنْتُ سَلَفٍ عِنْدَما عايَنَتِ العَذابَ خَرَجَتْ أسْرَعَ ما يُرى حَتّى أتَتْ وادِيَ القُرى فَأخْبَرَتْ بِما أصابَ ثَمُودَ واسْتَسْقَتْ فَشَرِبَتْ وماتَتْ، وقِيلَ: خَرَجَ صالِحٌ ومَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ وهم أرْبَعَةُ آلافٍ إلى حَضْرَمَوْتَ فَلَمّا دَخَلُوها ماتَ صالِحٌ فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتَ، وقِيلَ: ماتَ بِمَكَّةَ ابْنُ ثَمانٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وأقامَ في قَوْمِهِ عِشْرِينَ سَنَةً.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: ﴿الرَّجْفَةُ﴾ الصَّيْحَةُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿جاثِمِينَ﴾ هامِدِينَ لا يَتَحَرَّكُونَ مَوْتى يُقالُ: النّاسُ جُثُومٌ، أيْ: قُعُودٌ لا حَراكَ بِهِمْ ولا يَنْسُبُونَ بِنِسْبَةٍ ومِنهُ المُجَثَّمَةُ الَّتِي جاءَ النَّهْيُ عَنْها وهي البَهِيمَةُ تُرْبَطُ وتُجْمَعُ قَوائِمُها لِتُرْمى. انْتَهى. وقِيلَ: مَعْناهُ حِمَمًا مُحْتَرِقِينَ كالرَّمادِ الجاثِمِ ذَهَبَ هَذا القائِلُ إلى أنَّ الصَّيْحَةَ اقْتَرَنَ بِها صَواعِقُ مُحْرِقَةٌ، قالَ الكِرْمانِيُّ: حَيْثُ ذَكَرَ الرَّجْفَةَ وهي الزَّلْزَلَةُ وحَدُّ الدّارِ وحَيْثُ ذَكَرَ الصَّيْحَةَ جَمَعَ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ مِنَ السَّماءِ فَبُلُوغُها أكْثَرُ وأبْلَغُ مِنَ الزَّلْزَلَةِ فاتَّصَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِما هو لائِقٌ بِهِ، وقِيلَ: في دارِهِمْ، أيْ: في بَلَدِهِمْ كَنّى بِالدّارِ عَنِ البَلَدِ، وقِيلَ: وحَّدَ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والفاءُ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ فَيُمْكِنُ العَطْفُ بِها عَلى قَوْلِهِمْ ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] عَلى تَقْدِيرِ قُرْبِ زَمانِ الهَلاكِ مِن زَمانِ طَلَبِ الإتْيانِ بِالوَعْدِ ولِقُرْبِ ذَلِكَ (p-٣٣٢)كانَ العَطْفُ بِالفاءِ ويُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَصِحُّ العَطْفُ بِالفاءِ عَلَيْهِ، أيْ: فَوَعَدَهُمُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثٍ فانْقَضَتْ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ ولا مُنافاةَ بَيْنَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وبَيْنَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] وبَيْنَ ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] كَما ظَنَّ قَوْمٌ مِنَ المَلاحِدَةِ؛ لِأنَّ الرَّجْفَةَ ناشِئَةٌ عَنِ الصَّيْحَةِ صِيحَ بِهِمْ فَرَجَفُوا فَناسَبَ أنْ يُسْنِدَ الأخْذَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وأمّا فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ، فالباءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: أُهْلِكُوا بِالفِعْلَةِ الطّاغِيَةِ، وهي الكُفْرُ، أوْ عَقْرُ النّاقَةِ والطّاغِيَةُ مِن طَغى إذا تَجاوَزَ الحَدَّ وغَلَبَ ومِنهُ تَسْمِيَةُ المَلِكِ والعاتِي بِالطّاغِيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] وقالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١]، أيْ: بِسَبَبِ طُغْيانِها حَصَلَ تَكْذِيبُهم ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالطّاغِيَةِ الرَّجْفَةُ، أوِ الصَّيْحَةُ لِتَجاوُزِ كُلٍّ مِنهُما الحَدَّ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ظاهِرُ العَطْفِ بِالفاءِ أنَّ هَذا التَّوَلِّيَ كانَ بَعْدَ هَلاكِهِمْ ومُشاهَدَةِ ما جَرى عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ الخِطابُ عَلى سَبِيلِ التَّفَجُّعِ عَلَيْهِمْ والتَّحَسُّرِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَهَلَكُوا، والِاغْتِمامُ لَهم ولِيَسْمَعَ ذَلِكَ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَزْدادُوا إيمانًا وانْتِفاءً عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ واقْتِضاءً لِما جاءَ بِهِ نَبِيُّهُ عَنِ اللَّهِ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ولَكِنْ كُنْتُمْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ فَتَكُونُ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ، وقَدْ خاطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ. ورُوِيَ: أنَّهُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعِشْرِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ وهو يَبْكِي فالتَفَتَ فَرَأى الدُّخانَ فَعَلِمَ أنَّهم قَدْ هَلَكُوا وكانُوا ألْفًا وخَمْسِمِائَةِ دارٍ، ورُوِيَ أنَّهُ رَجَعَ بِمَن مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم، وقِيلَ: كانَ تَوَلِّيهِ عَنْهم وقْتَ عَقْرِ النّاقَةِ، وقَوْلُهم ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ مُخاطَبَتِهِ لَهم وقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ وهو الَّذِي في قِصَصِهِمْ مِن أنَّهُ رَحَلَ عَنْهم لَيْلَةَ أنْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ صُبْحَتَها، وبَعْدَ ظُهُورِ أماراتِ الهَلاكِ الَّتِي وعَدَ بِها قالَ الطَّبَرِيُّ: وقِيلَ لَمْ تَهْلِكْ أُمَّةٌ ونَبِيُّها فِيها، ورُوِيَ أنَّهُ ارْتَحَلَ بِمَن مَعَهُ حَتّى جاءَ مَكَّةَ فَأقامَ بِها حَتّى ماتَ ولَفْظَةُ التَّوَلِّي تَقْتَضِي اليَأْسَ مِن خَيْرِهِمْ واليَقِينَ في هَلاكِهِمْ، وخِطابُهُ هَذا كَخِطابِهِمْ نُوحٍ وهُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ في قَوْلِهِما ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٨] وذَكَرَ النُّصْحَ بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿أبْلَغْتُكُمْ﴾ ماضِيًا عَطَفَ عَلَيْهِ ماضِيًا فَقالَ: ﴿ونَصَحْتُ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾، أيْ: مَن نَصَحَ لَكم مِن رَسُولٍ، أوْ غَيْرِهِ، أيْ: دَيْدَنُكم ذَلِكَ لِغَلَبَةِ شَهَواتِكم عَلى عُقُولِكم. وجاءَ لَفْظُ ﴿النّاصِحِينَ﴾ عامًّا، أيْ: أيُّ شَخْصٍ نَصَحَ لَكم لَمْ تَقْبَلُوا في أيِّ شَيْءٍ نَصَحَ لَكم وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أمَرَهم أنْ لا يَشْرَبُوا مِن مائِها ولا يَسْتَقُوا مِنها فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ طَبَخْنا وعَجَنّا، فَأمَرَهم أنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الطَّبِيخَ والعَجِينَ ويُهْرِيقُوا ذَلِكَ الماءَ وأمَرَهم أنْ يَسْتَقُوا مِنَ الماءِ الَّذِي كانَتْ تَرِدُهُ ناقَةُ صالِحٍ» وإلى الأخْذِ بِهَذا الحَدِيثِ أخَذَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ في ذَهابِهِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِماءِ أرْضِ ثَمُودَ إلّا إنْ كانَ مِنَ العَيْنِ الَّتِي كانَتْ تَرِدُها النّاقَةُ، وعَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا مَرَّ بِالحِجْرِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِأصْحابِهِ: لا يَدْخُلُ أحَدٌ مِنكُمُ القَرْيَةَ ولا تَشْرَبُوا مِن مائِها ولا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم» وفي الحَدِيثِ: «أنَّهُ مَرَّ بِقَبْرٍ، فَقالَ: أتَعْرِفُونَ ما هَذا ؟ قالُوا: لا، قالَ: هَذا قَبْرُ أبِي رِغالٍ - الَّذِي هو أبُو ثَقِيفٍ - كانَ مِن ثَمُودَ فَأصابَ قَوْمَهُ البَلاءُ، وهو بِالحَرَمِ فَسَلِمَ، فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَهم، فَدُفِنَ هُنا وجُعِلَ مَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ» قالَ: فابْتَدَرَ القَوْمُ بِأسْيافِهِمْ فَحَفَرُوا حَتّى أخْرَجُوا الغُصْنَ.
الأعراف 7:80
﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ (p-٣٣٣)هُوَ لُوطُ بْنُ هارُونَ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وناحُورَ وهم بَنُو تارِحِ بْنِ ناحُورَ وتَقَدَّمَ رَفْعُ نَسَبِهِ، وقَوْلُهُ هم أهْلُ سَدُومَ وسائِرِ القُرى المُؤْتَفِكَةِ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أُمَّةٍ تُسَمّى سَدُومُ وانْتَصَبَ (لُوطًا) بِإضْمارِ وأرْسَلْنا عَطْفًا عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ، و(إذْ) مَعْمُولَةٌ (لِأرْسَلْنا) وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ نَصْبَهُ بـِ ”واذْكُرْ“ مُضْمَرَةً، زادَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ (إذْ) بَدَلٌ مِن لُوطٍ، أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى كَوْنِ إذْ تَكُونُ مَفْعُولًا بِها صَرِيحًا لِاذْكُرْ، وأنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ فِيها، والِاسْتِفْهامُ هو عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ والتَّوْقِيفِ عَلى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ، والفاحِشَةُ هُنا إتْيانُ ذُكْرانِ الآدَمِيِّينَ في الأدْبارِ ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ مَعْهُودًا قُبْحُهُ ومَرْكُوزًا في العُقُولِ فُحْشُهُ أتى مُعَرَّفًا بِالألِفِ واللّامِ، أوْ تَكُونُ ألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ كَأنَّهُ لِشِدَّةِ قُبْحِهِ جُعِلَ جَمِيعَ الفَواحِشِ ولِبُعْدِ العَرَبِ عَنْ ذَلِكَ البُعْدَ التّامَّ، وذَلِكَ بِخِلافِ الزِّنا فَإنَّهُ قالَ فِيهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] فَأتى بِهِ مُنَكَّرًا، أيْ: فاحِشَةٌ مِنَ الفَواحِشِ وكانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبُ يَفْعَلُهُ ولا يَسْتَنْكِرُونَ مِن فِعْلِهِ ولا ذِكْرِهِ في أشْعارِهِمْ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم هم أوَّلُ مَن فَعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ القَبِيحَةَ، وأنَّهم مُبْتَكِرُوها، والمُبالَغَةُ في (مِن أحَدٍ) حَيْثُ زِيدَتْ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الجِنْسِ، وفي الإتْيانِ بِعُمُومِ العالَمِينَ جَمْعًا.
قالَ عُمَرُ بْنُ دِينارٍ: ما رُئِيَ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ رُوِيَ أنَّهم كانَ يَأْتِي بَعْضُهم بَعْضًا، وقالَ الحَسَنُ: كانُوا يَأْتُونَ الغُرَباءَ، كانَتْ بِلادُهُمُ الأُرْدُنَّ تُؤْتى مِن كُلِّ جانِبٍ لِخِصْبِها فَقالَ لَهم إبْلِيسُ وهو في صُورَةِ غُلامٍ إنْ أرَدْتُمْ دَفْعَ الغُرَباءِ فافْعَلُوا بِهِمْ هَكَذا، فَمَكَّنَهم مِن نَفْسِهِ تَعْلِيمًا، ثُمَّ فَشا واسْتَحَلُّوا ما اسْتَحَلُّوا وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ مِن عالَمِي زَمانِهِمْ ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى ﴿ما سَبَقَكُمْ﴾ إلى لُزُومِها ويَشْهَدُها وفي تَسْمِيَةِ هَذا الفِعْلِ بِالفاحِشَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجْرِي مَجْرى الزِّنا يُرْجَمُ مَن أُحْصِنَ ويُجْلَدُ مَن لَمْ يُحْصَنْ، وفَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أُتِيَ بِسَبْعَةٍ مِنهم فَرَجَمَ أرْبَعَةً أُحْصِنُوا وجَلَدَ ثَلاثَةً وعِنْدَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ ولَمْ يُنْكِرُوا، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وقالَ مالِكٌ: يُرْجَمُ أُحْصِنَ، أوْ لَمْ يُحْصَنْ، وكَذا المَفْعُولُ بِهِ إنْ كانَ مُحْتَلِمًا. وعِنْدَهُ يُرْجَمُ المُحْصَنُ ويُؤَدَّبُ ويُحْبَسُ غَيْرُ المُحْصَنِ وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وابْنِ المُسَيَّبِ والنَّخَعِيِّ، وغَيْرِهِمْ، وعَنْ مالِكٍ أيْضًا يُعَزَّرُ أُحْصِنَ أوْ لَمْ يُحْصَنْ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وحَرَقَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ رَجُلًا يُقالُ لَهُ الفُجاءُ عَمِلَ ذَلِكَ العَمَلَ وذَلِكَ بِرَأْيِ أبِي بَكْرٍ وعَلِيٍّ، وأنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أجْمَعَ رَأْيُهم عَلَيْهِ وفِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أحْرَقَهم في زَمانِهِ وخالِدٌ القَسْرِيُّ بِالعِراقِ وهِشامٌ.
و﴿ما سَبَقَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنَ الفاعِلِ، أوْ مِنَ (الفاحِشَةِ)؛ لِأنَّ في سَبَقَكم بِها ضَمِيرُهم وضَمِيرُها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾، ثُمَّ وبَّخَهم عَلَيْها فَقالَ: أنْتُمْ أوَّلُ مَن عَمِلَها، أوْ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا لِمَ لا نَأْتِيها فَقالَ ما سَبَقَكم بِها أحَدٌ فَلا تَفْعَلُوا ما لَمْ تُسْبَقُوا بِهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ مِن قَوْلِكَ سَبَقْتُهُ بِالكُرَةِ إذا ضَرَبْتُها قَبْلَهُ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «سَبَقَكَ بِها عُكّاشَةُ» . انْتَهى. ومَعْنى التَّعْدِيَةِ هُنا قَلِقٌ جِدًّا؛ لِأنَّ الباءَ المُعَدِّيَةُ في الفِعْلِ المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ هي بِجَعْلِ المَفْعُولِ الأوَّلِ (p-٣٣٤)يَفْعَلُ ذَلِكَ الفِعْلَ بِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ فَهي كالهَمْزَةِ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ صَكَكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ فَمَعْناهُ أصْكَكْتُ الحَجَرَ الحَجَرَ، أيْ: جَعَلْتَ الحَجَرَ يَصُكُّ الحَجَرَ، وكَذَلِكَ دَفَعْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو عَنْ خالِدٍ مَعْناهُ أدْفَعْتُ زَيْدًا عَمْرًا عَنْ خالِدٍ، أيْ: جَعَلْتَ زَيْدًا يَدْفَعُ عَمْرًا عَنْ خالِدٍ، فَلِلْمَفْعُولِ الأوَّلِ تَأْثِيرٌ في الثّانِي ولا يَتَأتّى هَذا المَعْنى هُنا إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ أسْبَقْتُ زَيْدًا الكُرَةَ، أيْ: جَعَلْتُ زَيْدًا يَسْبِقُ الكُرَةَ إلّا بِمَجازٍ مُتَكَلَّفٍ، وهو أنْ تَجْعَلَ ضَرْبَكَ لِلْكُرَةِ أوَّلَ جَعْلِ ضَرْبَةٍ قَدْ سَبَقَها، أيْ: تَقَدَّمَها في الزَّمانِ فَلَمْ يَجْتَمِعا.
الأعراف 7:81
﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ هَذا بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] وأتى هُنا مِن قَوْلِهِ أتى المَرْأةَ غَشِيَها وهو اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ (إنَّكم) عَلى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، و(شَهْوَةً) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَهُ الحَوْفِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأبُو البَقاءِ، أيْ: مُشْتَهِينَ تابِعِينَ لِلشَّهْوَةِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ لِقُبْحِها، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ أبُو البَقاءِ، أيْ: لِلِاشْتِهاءِ لا حامِلَ لَكم عَلى ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ ولا ذَمَّ أعْظَمُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ لَهم بِالبَهِيمَةِ، وأنَّهم لا داعِيَ لَهم مِن جِهَةِ العَقْلِ كَطَلَبِ النَّسْلِ ونَحْوِهِ و﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُنْفَرِدِينَ عَنِ النِّساءِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِشَهْوَةٍ و(بَلْ) هُنا لِلْخُرُوجِ مِن قِصَّةٍ إلى قِصَّةٍ تُنْبِئُ بِأنَّهم مُتَجاوِزُو الحَدِّ في الِاعْتِداءِ، وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ تَقْرِيرِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ والإنْكارُ، أوْ عَنِ الإخْبارِ عَنْهم بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الشَّنِيعَةِ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالحالِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها القَبائِحُ وتَدْعُو إلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ وهي الإسْرافُ، وهو الزِّيادَةُ المُفْسِدَةُ لَمّا كانَتْ عادَتُهُمُ الإسْرافَ أسْرَفُوا حَتّى في بابِ قَضاءِ الشَّهْوَةِ وتَجاوَزُوا المُعْتادَ إلى غَيْرِهِ ونَحْوِهِ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]، وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ما عَدَلْتُمْ، بَلْ أنْتُمْ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: بَلْ رَدٌّ لِجَوابِ زَعَمُوا أنْ يَكُونَ لَهم عُذْرٌ، أيْ: لا عُذْرَ لَكم ولا حُجَّةَ ﴿بَلْ أنْتُمْ﴾ وجاءَ هُنا ﴿مُسْرِفُونَ﴾ باسِمِ الفاعِلِ لِيَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ ولِمُوافَقَةِ ما سَبَقَ مِن رُءُوسِ الآيِ في خَتْمِها بِالأسْماءِ، وجاءَ في النَّمْلِ ﴿تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] بِالمُضارِعِ لِتَجَدُّدِ الجَهْلِ فِيهِمْ ولِمُوافَقَةِ ما سَبَقَ مِن رُءُوسِ الآيِ في خَتْمِها بِالأفْعالِ.
﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى لُوطٍ ومَن آمَنَ بِهِ ولَمّا تَأخَّرَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عَنْ سُورَةِ النَّمْلِ أُضْمِرَ ما فَسَّرَهُ الظّاهِرُ في النَّمْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: ٥٦]، وآلُ لُوطٍ ابْنَتاهُ وهُما رَعْواءُ ورَيْفاءُ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا ابْنَتاهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى آلِ لُوطٍ وأهْلِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ فَإنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ (جَوابُ) بِالرَّفْعِ. انْتَهى وهُنا جاءَ العَطْفُ بِالواوِ، والمُرادُ بِها أحَدُ مَحامِلِها الثَّلاثِ مِنَ التَّعْقِيبِ المَعْنِيِّ في النَّمْلِ في قَوْلِهِ: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما﴾ [النمل: ٥٦] وفي العَنْكَبُوتِ ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما﴾ [العنكبوت: ٢٩] وكانَ التَّعْقِيبُ مُبالَغَةً في الرَّدِّ حَيْثُ لَمْ يُمْهِلُوا في الجَوابِ زَمانًا، بَلْ أعْجَلُوهُ بِالجَوابِ سُرْعَةً (p-٣٣٥)وعَدَمَ البَراءَةِ بِما يُجاوِبُونَ بِهِ ولَمْ يُطابِقِ الجَوابُ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ الفاحِشَةَ وعَظَّمَ أمْرَها ونَسَبَهم إلى الإسْرافِ بادَرُوا بِشَيْءٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِ وهو الأمْرُ بِالإخْراجِ ونَظِيرُهُ جَوابُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِأنْ قالُوا: ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨] حَتّى قَبَّحَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] فَأتَوْا بِجَوابٍ لا يُطابِقُ كَلامَهُ، والقَرْيَةُ هي سَدُومُ سُمِّيَتْ باسِمِ سَدُومَ بْنِ باقِيمَ الَّذِي يُضْرَبُ المَثَلُ في الحُكُوماتِ، هاجَرَ لُوطٌ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ مِن أرْضِ بابِلَ فَنَزَلَ إبْراهِيمُ أرْضَ فِلَسْطِينَ، وأنْزَلَ لُوطًا الأُرْدُنَّ.
﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ يَتَقَذَّرُونَ عَنْ إتْيانِ أدْبارِ الرِّجالِ والنِّساءِ، وقِيلَ: يَأْتُونَ النِّساءَ في الأطْهارِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: يَرْتَقِبُونَ أطْهارَ النِّساءِ فَيُجامِعُونَهُنَّ فِيها، وقِيلَ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ فِعْلِنا، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: يَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ ويَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ، عَيَّرُوهم بِذَلِكَ ويُسَمّى هَذا النَّوْعُ في عِلْمِ البَيانِ التَّعْرِيضَ بِما يُوهِمُ الذَّمَّ، وهو مَدْحٌ كَقَوْلِهِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عابُوهم بِما يُمْدَحُ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّهم) تَعْلِيلٌ لِلْإخْراجِ، أيْ: لِأنَّهم لا يُوافِقُونَنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ومَن لا يُوافِقُنا وجَبَ أنْ نُخْرِجَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهم ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ سُخْرِيَةٌ بِهِمْ وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ وافْتِخارٌ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ القَذارَةِ كَما يَقُولُ الشَّيْطانُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهُمُ أبْعِدُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾، أيْ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِقَوْمِهِ وأهْلِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ مَعَهُ، أوِ ابْنَتاهُ عَلى الخِلافِ الَّذِي سَبَقَ، واسْتَثْنى مِن أهْلِهِ امْرَأتَهُ فَلَمْ تَنْجُ واسْمُها واهِلَةُ كانَتْ مُنافِقَةً تُسِرُّ الكُفْرَ مُوالِيَةً لِأهْلِ سَدُومَ ومَعْنى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ بَقُوا في دِيارِهِمْ فَهَلَكُوا، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ تَفْسِيرًا وتَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ مِن كَوْنِها لَمْ يُنْجِها اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ﴾ اكْتَفى بِهِ في أنَّها لَمْ تَنْجُ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَها بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِها النَّجاةُ ولا الهَلَكَةُ، وهي أنَّها كانَتْ مِمَّنْ أسَنَّ وبَقِيَ مِن عَصْرِهِ إلى عَصْرِ غَيْرِهِ فَكانَتْ غابِرَةً، أيْ: مُتَقَدِّمَةً في السِّنِّ كَما قالَ: إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ إلى أنْ هَلَكَتْ مَعَ قَوْمِها. انْتَهى. وجاءَ ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقالَ الزَّجّاجُ: مِنَ الغائِبِينَ عَنِ النَّجاةِ فَيَكُونُ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ. انْتَهى. و﴿كانَتْ﴾ بِمَعْنى صارَتْ، أوْ كانَتْ في عِلْمِ اللَّهِ، أوْ باقِيَةٌ عَلى ظاهِرِها مِن تَقْيِيدِ غُبُورِها بِالزَّمانِ الماضِي، أقْوالٌ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ ضَمَّنَ (أمْطَرْنا) مَعْنى أرْسَلْنا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى كَقَوْلِهِ: فَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، والمَطَرُ هُنا هي حِجارَةٌ، وقَدْ ذُكِرَتْ في غَيْرِ آيَةٍ خَسَفَ بِهِمْ وأمْطَرَتْ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ، وقِيلَ: كانَتِ المُؤْتَفِكَةُ خَمْسَ مَدائِنَ، وقِيلَ: سِتٌّ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، اقْتَلَعَها جِبْرِيلُ بِجَناحِهِ فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نَهِيقَ الحَمِيرِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ، ثُمَّ عَكَسَها فَرَدَّ أعْلاها أسْفَلَها وأرْسَلَها إلى الأرْضِ، وتَبِعَتْهُمُ الحِجارَةُ مَعَ هَذا فَأهْلَكَتْ مَن كانَ مِنهم في سَفَرٍ، أوْ خارِجًا عَنِ البِقاعِ، وقالَتِ امْرَأةُ لُوطٍ حِينَ سَمِعَتِ الرَّجَّةَ واقَوْماهُ والتَفَتَتْ فَأصابَتْها صَخْرَةٌ فَقَتَلَتْها، والظّاهِرُ أنَّ الإمْطارَ شَمِلَهم كُلَّهم، وقِيلَ: خُسِفَ بِأهْلِ المُدُنِ وأمْطَرَتِ الحِجارَةُ عَلى المُسافِرِينَ مِنهم، وسُئِلَ مُجاهِدٌ هَلْ سَلِمَ مِنهم أحَدٌ قالَ: لا، إلّا رَجُلًا كانَ بِمَكَّةَ تاجِرًا وقَفَ الحَجَرُ لَهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى قَضى تِجارَتَهُ، وخَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَأصابَهُ فَماتَ، وكانَ عَدَدُهم مِائَةَ ألْفٍ.
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، أوْ لِلسّامِعِ قِصَّتَهم كَيْفَ كانَ مَآلُ مَن أجْرَمَ، وفِيهِ إيقاظٌ وازْدِجارٌ أنْ تَسْلُكَ هَذِهِ الأُمَّةُ هَذا المَسْلَكَ (p-٣٣٦)و﴿المُجْرِمِينَ﴾ عامٌّ في قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وغَيْرِهِمْ وهو مِن نَظَرِ التَّفَكُّرِ، أوْ مِن نَظَرِ البَصَرِ فِيمَن بَقِيَتْ لَهُ آثارُ مَنازِلَ ومَساكِنَ كَثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .
الأعراف 7:82
﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ هَذا بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] وأتى هُنا مِن قَوْلِهِ أتى المَرْأةَ غَشِيَها وهو اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ (إنَّكم) عَلى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، و(شَهْوَةً) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَهُ الحَوْفِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأبُو البَقاءِ، أيْ: مُشْتَهِينَ تابِعِينَ لِلشَّهْوَةِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ لِقُبْحِها، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ أبُو البَقاءِ، أيْ: لِلِاشْتِهاءِ لا حامِلَ لَكم عَلى ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ ولا ذَمَّ أعْظَمُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ لَهم بِالبَهِيمَةِ، وأنَّهم لا داعِيَ لَهم مِن جِهَةِ العَقْلِ كَطَلَبِ النَّسْلِ ونَحْوِهِ و﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُنْفَرِدِينَ عَنِ النِّساءِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِشَهْوَةٍ و(بَلْ) هُنا لِلْخُرُوجِ مِن قِصَّةٍ إلى قِصَّةٍ تُنْبِئُ بِأنَّهم مُتَجاوِزُو الحَدِّ في الِاعْتِداءِ، وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ تَقْرِيرِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ والإنْكارُ، أوْ عَنِ الإخْبارِ عَنْهم بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الشَّنِيعَةِ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالحالِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها القَبائِحُ وتَدْعُو إلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ وهي الإسْرافُ، وهو الزِّيادَةُ المُفْسِدَةُ لَمّا كانَتْ عادَتُهُمُ الإسْرافَ أسْرَفُوا حَتّى في بابِ قَضاءِ الشَّهْوَةِ وتَجاوَزُوا المُعْتادَ إلى غَيْرِهِ ونَحْوِهِ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]، وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ما عَدَلْتُمْ، بَلْ أنْتُمْ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: بَلْ رَدٌّ لِجَوابِ زَعَمُوا أنْ يَكُونَ لَهم عُذْرٌ، أيْ: لا عُذْرَ لَكم ولا حُجَّةَ ﴿بَلْ أنْتُمْ﴾ وجاءَ هُنا ﴿مُسْرِفُونَ﴾ باسِمِ الفاعِلِ لِيَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ ولِمُوافَقَةِ ما سَبَقَ مِن رُءُوسِ الآيِ في خَتْمِها بِالأسْماءِ، وجاءَ في النَّمْلِ ﴿تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] بِالمُضارِعِ لِتَجَدُّدِ الجَهْلِ فِيهِمْ ولِمُوافَقَةِ ما سَبَقَ مِن رُءُوسِ الآيِ في خَتْمِها بِالأفْعالِ.
﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى لُوطٍ ومَن آمَنَ بِهِ ولَمّا تَأخَّرَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عَنْ سُورَةِ النَّمْلِ أُضْمِرَ ما فَسَّرَهُ الظّاهِرُ في النَّمْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: ٥٦]، وآلُ لُوطٍ ابْنَتاهُ وهُما رَعْواءُ ورَيْفاءُ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا ابْنَتاهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى آلِ لُوطٍ وأهْلِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ فَإنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ (جَوابُ) بِالرَّفْعِ. انْتَهى وهُنا جاءَ العَطْفُ بِالواوِ، والمُرادُ بِها أحَدُ مَحامِلِها الثَّلاثِ مِنَ التَّعْقِيبِ المَعْنِيِّ في النَّمْلِ في قَوْلِهِ: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما﴾ [النمل: ٥٦] وفي العَنْكَبُوتِ ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما﴾ [العنكبوت: ٢٩] وكانَ التَّعْقِيبُ مُبالَغَةً في الرَّدِّ حَيْثُ لَمْ يُمْهِلُوا في الجَوابِ زَمانًا، بَلْ أعْجَلُوهُ بِالجَوابِ سُرْعَةً (p-٣٣٥)وعَدَمَ البَراءَةِ بِما يُجاوِبُونَ بِهِ ولَمْ يُطابِقِ الجَوابُ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ الفاحِشَةَ وعَظَّمَ أمْرَها ونَسَبَهم إلى الإسْرافِ بادَرُوا بِشَيْءٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِ وهو الأمْرُ بِالإخْراجِ ونَظِيرُهُ جَوابُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِأنْ قالُوا: ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨] حَتّى قَبَّحَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] فَأتَوْا بِجَوابٍ لا يُطابِقُ كَلامَهُ، والقَرْيَةُ هي سَدُومُ سُمِّيَتْ باسِمِ سَدُومَ بْنِ باقِيمَ الَّذِي يُضْرَبُ المَثَلُ في الحُكُوماتِ، هاجَرَ لُوطٌ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ مِن أرْضِ بابِلَ فَنَزَلَ إبْراهِيمُ أرْضَ فِلَسْطِينَ، وأنْزَلَ لُوطًا الأُرْدُنَّ.
﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ يَتَقَذَّرُونَ عَنْ إتْيانِ أدْبارِ الرِّجالِ والنِّساءِ، وقِيلَ: يَأْتُونَ النِّساءَ في الأطْهارِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: يَرْتَقِبُونَ أطْهارَ النِّساءِ فَيُجامِعُونَهُنَّ فِيها، وقِيلَ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ فِعْلِنا، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: يَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ ويَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ، عَيَّرُوهم بِذَلِكَ ويُسَمّى هَذا النَّوْعُ في عِلْمِ البَيانِ التَّعْرِيضَ بِما يُوهِمُ الذَّمَّ، وهو مَدْحٌ كَقَوْلِهِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عابُوهم بِما يُمْدَحُ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّهم) تَعْلِيلٌ لِلْإخْراجِ، أيْ: لِأنَّهم لا يُوافِقُونَنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ومَن لا يُوافِقُنا وجَبَ أنْ نُخْرِجَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهم ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ سُخْرِيَةٌ بِهِمْ وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ وافْتِخارٌ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ القَذارَةِ كَما يَقُولُ الشَّيْطانُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهُمُ أبْعِدُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾، أيْ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِقَوْمِهِ وأهْلِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ مَعَهُ، أوِ ابْنَتاهُ عَلى الخِلافِ الَّذِي سَبَقَ، واسْتَثْنى مِن أهْلِهِ امْرَأتَهُ فَلَمْ تَنْجُ واسْمُها واهِلَةُ كانَتْ مُنافِقَةً تُسِرُّ الكُفْرَ مُوالِيَةً لِأهْلِ سَدُومَ ومَعْنى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ بَقُوا في دِيارِهِمْ فَهَلَكُوا، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ تَفْسِيرًا وتَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ مِن كَوْنِها لَمْ يُنْجِها اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ﴾ اكْتَفى بِهِ في أنَّها لَمْ تَنْجُ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَها بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِها النَّجاةُ ولا الهَلَكَةُ، وهي أنَّها كانَتْ مِمَّنْ أسَنَّ وبَقِيَ مِن عَصْرِهِ إلى عَصْرِ غَيْرِهِ فَكانَتْ غابِرَةً، أيْ: مُتَقَدِّمَةً في السِّنِّ كَما قالَ: إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ إلى أنْ هَلَكَتْ مَعَ قَوْمِها. انْتَهى. وجاءَ ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقالَ الزَّجّاجُ: مِنَ الغائِبِينَ عَنِ النَّجاةِ فَيَكُونُ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ. انْتَهى. و﴿كانَتْ﴾ بِمَعْنى صارَتْ، أوْ كانَتْ في عِلْمِ اللَّهِ، أوْ باقِيَةٌ عَلى ظاهِرِها مِن تَقْيِيدِ غُبُورِها بِالزَّمانِ الماضِي، أقْوالٌ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ ضَمَّنَ (أمْطَرْنا) مَعْنى أرْسَلْنا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى كَقَوْلِهِ: فَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، والمَطَرُ هُنا هي حِجارَةٌ، وقَدْ ذُكِرَتْ في غَيْرِ آيَةٍ خَسَفَ بِهِمْ وأمْطَرَتْ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ، وقِيلَ: كانَتِ المُؤْتَفِكَةُ خَمْسَ مَدائِنَ، وقِيلَ: سِتٌّ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، اقْتَلَعَها جِبْرِيلُ بِجَناحِهِ فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نَهِيقَ الحَمِيرِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ، ثُمَّ عَكَسَها فَرَدَّ أعْلاها أسْفَلَها وأرْسَلَها إلى الأرْضِ، وتَبِعَتْهُمُ الحِجارَةُ مَعَ هَذا فَأهْلَكَتْ مَن كانَ مِنهم في سَفَرٍ، أوْ خارِجًا عَنِ البِقاعِ، وقالَتِ امْرَأةُ لُوطٍ حِينَ سَمِعَتِ الرَّجَّةَ واقَوْماهُ والتَفَتَتْ فَأصابَتْها صَخْرَةٌ فَقَتَلَتْها، والظّاهِرُ أنَّ الإمْطارَ شَمِلَهم كُلَّهم، وقِيلَ: خُسِفَ بِأهْلِ المُدُنِ وأمْطَرَتِ الحِجارَةُ عَلى المُسافِرِينَ مِنهم، وسُئِلَ مُجاهِدٌ هَلْ سَلِمَ مِنهم أحَدٌ قالَ: لا، إلّا رَجُلًا كانَ بِمَكَّةَ تاجِرًا وقَفَ الحَجَرُ لَهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى قَضى تِجارَتَهُ، وخَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَأصابَهُ فَماتَ، وكانَ عَدَدُهم مِائَةَ ألْفٍ.
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، أوْ لِلسّامِعِ قِصَّتَهم كَيْفَ كانَ مَآلُ مَن أجْرَمَ، وفِيهِ إيقاظٌ وازْدِجارٌ أنْ تَسْلُكَ هَذِهِ الأُمَّةُ هَذا المَسْلَكَ (p-٣٣٦)و﴿المُجْرِمِينَ﴾ عامٌّ في قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وغَيْرِهِمْ وهو مِن نَظَرِ التَّفَكُّرِ، أوْ مِن نَظَرِ البَصَرِ فِيمَن بَقِيَتْ لَهُ آثارُ مَنازِلَ ومَساكِنَ كَثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .
الأعراف 7:83
﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ هَذا بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] وأتى هُنا مِن قَوْلِهِ أتى المَرْأةَ غَشِيَها وهو اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ (إنَّكم) عَلى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، و(شَهْوَةً) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَهُ الحَوْفِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأبُو البَقاءِ، أيْ: مُشْتَهِينَ تابِعِينَ لِلشَّهْوَةِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ لِقُبْحِها، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ أبُو البَقاءِ، أيْ: لِلِاشْتِهاءِ لا حامِلَ لَكم عَلى ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ ولا ذَمَّ أعْظَمُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ لَهم بِالبَهِيمَةِ، وأنَّهم لا داعِيَ لَهم مِن جِهَةِ العَقْلِ كَطَلَبِ النَّسْلِ ونَحْوِهِ و﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُنْفَرِدِينَ عَنِ النِّساءِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِشَهْوَةٍ و(بَلْ) هُنا لِلْخُرُوجِ مِن قِصَّةٍ إلى قِصَّةٍ تُنْبِئُ بِأنَّهم مُتَجاوِزُو الحَدِّ في الِاعْتِداءِ، وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ تَقْرِيرِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ والإنْكارُ، أوْ عَنِ الإخْبارِ عَنْهم بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الشَّنِيعَةِ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالحالِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها القَبائِحُ وتَدْعُو إلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ وهي الإسْرافُ، وهو الزِّيادَةُ المُفْسِدَةُ لَمّا كانَتْ عادَتُهُمُ الإسْرافَ أسْرَفُوا حَتّى في بابِ قَضاءِ الشَّهْوَةِ وتَجاوَزُوا المُعْتادَ إلى غَيْرِهِ ونَحْوِهِ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]، وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ما عَدَلْتُمْ، بَلْ أنْتُمْ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: بَلْ رَدٌّ لِجَوابِ زَعَمُوا أنْ يَكُونَ لَهم عُذْرٌ، أيْ: لا عُذْرَ لَكم ولا حُجَّةَ ﴿بَلْ أنْتُمْ﴾ وجاءَ هُنا ﴿مُسْرِفُونَ﴾ باسِمِ الفاعِلِ لِيَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ ولِمُوافَقَةِ ما سَبَقَ مِن رُءُوسِ الآيِ في خَتْمِها بِالأسْماءِ، وجاءَ في النَّمْلِ ﴿تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] بِالمُضارِعِ لِتَجَدُّدِ الجَهْلِ فِيهِمْ ولِمُوافَقَةِ ما سَبَقَ مِن رُءُوسِ الآيِ في خَتْمِها بِالأفْعالِ.
﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى لُوطٍ ومَن آمَنَ بِهِ ولَمّا تَأخَّرَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عَنْ سُورَةِ النَّمْلِ أُضْمِرَ ما فَسَّرَهُ الظّاهِرُ في النَّمْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: ٥٦]، وآلُ لُوطٍ ابْنَتاهُ وهُما رَعْواءُ ورَيْفاءُ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا ابْنَتاهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى آلِ لُوطٍ وأهْلِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ فَإنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ (جَوابُ) بِالرَّفْعِ. انْتَهى وهُنا جاءَ العَطْفُ بِالواوِ، والمُرادُ بِها أحَدُ مَحامِلِها الثَّلاثِ مِنَ التَّعْقِيبِ المَعْنِيِّ في النَّمْلِ في قَوْلِهِ: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما﴾ [النمل: ٥٦] وفي العَنْكَبُوتِ ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما﴾ [العنكبوت: ٢٩] وكانَ التَّعْقِيبُ مُبالَغَةً في الرَّدِّ حَيْثُ لَمْ يُمْهِلُوا في الجَوابِ زَمانًا، بَلْ أعْجَلُوهُ بِالجَوابِ سُرْعَةً (p-٣٣٥)وعَدَمَ البَراءَةِ بِما يُجاوِبُونَ بِهِ ولَمْ يُطابِقِ الجَوابُ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ الفاحِشَةَ وعَظَّمَ أمْرَها ونَسَبَهم إلى الإسْرافِ بادَرُوا بِشَيْءٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِ وهو الأمْرُ بِالإخْراجِ ونَظِيرُهُ جَوابُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِأنْ قالُوا: ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨] حَتّى قَبَّحَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] فَأتَوْا بِجَوابٍ لا يُطابِقُ كَلامَهُ، والقَرْيَةُ هي سَدُومُ سُمِّيَتْ باسِمِ سَدُومَ بْنِ باقِيمَ الَّذِي يُضْرَبُ المَثَلُ في الحُكُوماتِ، هاجَرَ لُوطٌ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ مِن أرْضِ بابِلَ فَنَزَلَ إبْراهِيمُ أرْضَ فِلَسْطِينَ، وأنْزَلَ لُوطًا الأُرْدُنَّ.
﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ يَتَقَذَّرُونَ عَنْ إتْيانِ أدْبارِ الرِّجالِ والنِّساءِ، وقِيلَ: يَأْتُونَ النِّساءَ في الأطْهارِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: يَرْتَقِبُونَ أطْهارَ النِّساءِ فَيُجامِعُونَهُنَّ فِيها، وقِيلَ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ فِعْلِنا، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: يَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ ويَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ، عَيَّرُوهم بِذَلِكَ ويُسَمّى هَذا النَّوْعُ في عِلْمِ البَيانِ التَّعْرِيضَ بِما يُوهِمُ الذَّمَّ، وهو مَدْحٌ كَقَوْلِهِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عابُوهم بِما يُمْدَحُ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّهم) تَعْلِيلٌ لِلْإخْراجِ، أيْ: لِأنَّهم لا يُوافِقُونَنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ومَن لا يُوافِقُنا وجَبَ أنْ نُخْرِجَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهم ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ سُخْرِيَةٌ بِهِمْ وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ وافْتِخارٌ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ القَذارَةِ كَما يَقُولُ الشَّيْطانُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهُمُ أبْعِدُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾، أيْ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِقَوْمِهِ وأهْلِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ مَعَهُ، أوِ ابْنَتاهُ عَلى الخِلافِ الَّذِي سَبَقَ، واسْتَثْنى مِن أهْلِهِ امْرَأتَهُ فَلَمْ تَنْجُ واسْمُها واهِلَةُ كانَتْ مُنافِقَةً تُسِرُّ الكُفْرَ مُوالِيَةً لِأهْلِ سَدُومَ ومَعْنى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ بَقُوا في دِيارِهِمْ فَهَلَكُوا، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ تَفْسِيرًا وتَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ مِن كَوْنِها لَمْ يُنْجِها اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ﴾ اكْتَفى بِهِ في أنَّها لَمْ تَنْجُ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَها بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِها النَّجاةُ ولا الهَلَكَةُ، وهي أنَّها كانَتْ مِمَّنْ أسَنَّ وبَقِيَ مِن عَصْرِهِ إلى عَصْرِ غَيْرِهِ فَكانَتْ غابِرَةً، أيْ: مُتَقَدِّمَةً في السِّنِّ كَما قالَ: إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ إلى أنْ هَلَكَتْ مَعَ قَوْمِها. انْتَهى. وجاءَ ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقالَ الزَّجّاجُ: مِنَ الغائِبِينَ عَنِ النَّجاةِ فَيَكُونُ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ. انْتَهى. و﴿كانَتْ﴾ بِمَعْنى صارَتْ، أوْ كانَتْ في عِلْمِ اللَّهِ، أوْ باقِيَةٌ عَلى ظاهِرِها مِن تَقْيِيدِ غُبُورِها بِالزَّمانِ الماضِي، أقْوالٌ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ ضَمَّنَ (أمْطَرْنا) مَعْنى أرْسَلْنا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى كَقَوْلِهِ: فَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، والمَطَرُ هُنا هي حِجارَةٌ، وقَدْ ذُكِرَتْ في غَيْرِ آيَةٍ خَسَفَ بِهِمْ وأمْطَرَتْ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ، وقِيلَ: كانَتِ المُؤْتَفِكَةُ خَمْسَ مَدائِنَ، وقِيلَ: سِتٌّ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، اقْتَلَعَها جِبْرِيلُ بِجَناحِهِ فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نَهِيقَ الحَمِيرِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ، ثُمَّ عَكَسَها فَرَدَّ أعْلاها أسْفَلَها وأرْسَلَها إلى الأرْضِ، وتَبِعَتْهُمُ الحِجارَةُ مَعَ هَذا فَأهْلَكَتْ مَن كانَ مِنهم في سَفَرٍ، أوْ خارِجًا عَنِ البِقاعِ، وقالَتِ امْرَأةُ لُوطٍ حِينَ سَمِعَتِ الرَّجَّةَ واقَوْماهُ والتَفَتَتْ فَأصابَتْها صَخْرَةٌ فَقَتَلَتْها، والظّاهِرُ أنَّ الإمْطارَ شَمِلَهم كُلَّهم، وقِيلَ: خُسِفَ بِأهْلِ المُدُنِ وأمْطَرَتِ الحِجارَةُ عَلى المُسافِرِينَ مِنهم، وسُئِلَ مُجاهِدٌ هَلْ سَلِمَ مِنهم أحَدٌ قالَ: لا، إلّا رَجُلًا كانَ بِمَكَّةَ تاجِرًا وقَفَ الحَجَرُ لَهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى قَضى تِجارَتَهُ، وخَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَأصابَهُ فَماتَ، وكانَ عَدَدُهم مِائَةَ ألْفٍ.
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، أوْ لِلسّامِعِ قِصَّتَهم كَيْفَ كانَ مَآلُ مَن أجْرَمَ، وفِيهِ إيقاظٌ وازْدِجارٌ أنْ تَسْلُكَ هَذِهِ الأُمَّةُ هَذا المَسْلَكَ (p-٣٣٦)و﴿المُجْرِمِينَ﴾ عامٌّ في قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وغَيْرِهِمْ وهو مِن نَظَرِ التَّفَكُّرِ، أوْ مِن نَظَرِ البَصَرِ فِيمَن بَقِيَتْ لَهُ آثارُ مَنازِلَ ومَساكِنَ كَثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .
الأعراف 7:84
﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ هَذا بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] وأتى هُنا مِن قَوْلِهِ أتى المَرْأةَ غَشِيَها وهو اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ (إنَّكم) عَلى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، و(شَهْوَةً) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ. قالَهُ الحَوْفِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأبُو البَقاءِ، أيْ: مُشْتَهِينَ تابِعِينَ لِلشَّهْوَةِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ لِقُبْحِها، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ أبُو البَقاءِ، أيْ: لِلِاشْتِهاءِ لا حامِلَ لَكم عَلى ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ ولا ذَمَّ أعْظَمُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ لَهم بِالبَهِيمَةِ، وأنَّهم لا داعِيَ لَهم مِن جِهَةِ العَقْلِ كَطَلَبِ النَّسْلِ ونَحْوِهِ و﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُنْفَرِدِينَ عَنِ النِّساءِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِشَهْوَةٍ و(بَلْ) هُنا لِلْخُرُوجِ مِن قِصَّةٍ إلى قِصَّةٍ تُنْبِئُ بِأنَّهم مُتَجاوِزُو الحَدِّ في الِاعْتِداءِ، وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ تَقْرِيرِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ والإنْكارُ، أوْ عَنِ الإخْبارِ عَنْهم بِهَذِهِ المَعْصِيَةِ الشَّنِيعَةِ إلى الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالحالِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها القَبائِحُ وتَدْعُو إلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ وهي الإسْرافُ، وهو الزِّيادَةُ المُفْسِدَةُ لَمّا كانَتْ عادَتُهُمُ الإسْرافَ أسْرَفُوا حَتّى في بابِ قَضاءِ الشَّهْوَةِ وتَجاوَزُوا المُعْتادَ إلى غَيْرِهِ ونَحْوِهِ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]، وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ما عَدَلْتُمْ، بَلْ أنْتُمْ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: بَلْ رَدٌّ لِجَوابِ زَعَمُوا أنْ يَكُونَ لَهم عُذْرٌ، أيْ: لا عُذْرَ لَكم ولا حُجَّةَ ﴿بَلْ أنْتُمْ﴾ وجاءَ هُنا ﴿مُسْرِفُونَ﴾ باسِمِ الفاعِلِ لِيَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ ولِمُوافَقَةِ ما سَبَقَ مِن رُءُوسِ الآيِ في خَتْمِها بِالأسْماءِ، وجاءَ في النَّمْلِ ﴿تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] بِالمُضارِعِ لِتَجَدُّدِ الجَهْلِ فِيهِمْ ولِمُوافَقَةِ ما سَبَقَ مِن رُءُوسِ الآيِ في خَتْمِها بِالأفْعالِ.
﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى لُوطٍ ومَن آمَنَ بِهِ ولَمّا تَأخَّرَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عَنْ سُورَةِ النَّمْلِ أُضْمِرَ ما فَسَّرَهُ الظّاهِرُ في النَّمْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: ٥٦]، وآلُ لُوطٍ ابْنَتاهُ وهُما رَعْواءُ ورَيْفاءُ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا ابْنَتاهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى آلِ لُوطٍ وأهْلِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ فَإنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ (جَوابُ) بِالرَّفْعِ. انْتَهى وهُنا جاءَ العَطْفُ بِالواوِ، والمُرادُ بِها أحَدُ مَحامِلِها الثَّلاثِ مِنَ التَّعْقِيبِ المَعْنِيِّ في النَّمْلِ في قَوْلِهِ: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥] ﴿فَما﴾ [النمل: ٥٦] وفي العَنْكَبُوتِ ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما﴾ [العنكبوت: ٢٩] وكانَ التَّعْقِيبُ مُبالَغَةً في الرَّدِّ حَيْثُ لَمْ يُمْهِلُوا في الجَوابِ زَمانًا، بَلْ أعْجَلُوهُ بِالجَوابِ سُرْعَةً (p-٣٣٥)وعَدَمَ البَراءَةِ بِما يُجاوِبُونَ بِهِ ولَمْ يُطابِقِ الجَوابُ قَوْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمُ الفاحِشَةَ وعَظَّمَ أمْرَها ونَسَبَهم إلى الإسْرافِ بادَرُوا بِشَيْءٍ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِ وهو الأمْرُ بِالإخْراجِ ونَظِيرُهُ جَوابُ قَوْمِ إبْراهِيمَ بِأنْ قالُوا: ﴿حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨] حَتّى قَبَّحَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] فَأتَوْا بِجَوابٍ لا يُطابِقُ كَلامَهُ، والقَرْيَةُ هي سَدُومُ سُمِّيَتْ باسِمِ سَدُومَ بْنِ باقِيمَ الَّذِي يُضْرَبُ المَثَلُ في الحُكُوماتِ، هاجَرَ لُوطٌ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ مِن أرْضِ بابِلَ فَنَزَلَ إبْراهِيمُ أرْضَ فِلَسْطِينَ، وأنْزَلَ لُوطًا الأُرْدُنَّ.
﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ يَتَقَذَّرُونَ عَنْ إتْيانِ أدْبارِ الرِّجالِ والنِّساءِ، وقِيلَ: يَأْتُونَ النِّساءَ في الأطْهارِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: يَرْتَقِبُونَ أطْهارَ النِّساءِ فَيُجامِعُونَهُنَّ فِيها، وقِيلَ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ فِعْلِنا، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: يَغْتَسِلُونَ مِنَ الجَنابَةِ ويَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ، عَيَّرُوهم بِذَلِكَ ويُسَمّى هَذا النَّوْعُ في عِلْمِ البَيانِ التَّعْرِيضَ بِما يُوهِمُ الذَّمَّ، وهو مَدْحٌ كَقَوْلِهِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عابُوهم بِما يُمْدَحُ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (إنَّهم) تَعْلِيلٌ لِلْإخْراجِ، أيْ: لِأنَّهم لا يُوافِقُونَنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، ومَن لا يُوافِقُنا وجَبَ أنْ نُخْرِجَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهم ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ سُخْرِيَةٌ بِهِمْ وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ وافْتِخارٌ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ القَذارَةِ كَما يَقُولُ الشَّيْطانُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهُمُ أبْعِدُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾، أيْ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِقَوْمِهِ وأهْلِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ مَعَهُ، أوِ ابْنَتاهُ عَلى الخِلافِ الَّذِي سَبَقَ، واسْتَثْنى مِن أهْلِهِ امْرَأتَهُ فَلَمْ تَنْجُ واسْمُها واهِلَةُ كانَتْ مُنافِقَةً تُسِرُّ الكُفْرَ مُوالِيَةً لِأهْلِ سَدُومَ ومَعْنى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ بَقُوا في دِيارِهِمْ فَهَلَكُوا، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ تَفْسِيرًا وتَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ مِن كَوْنِها لَمْ يُنْجِها اللَّهُ تَعالى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ﴾ اكْتَفى بِهِ في أنَّها لَمْ تَنْجُ، ثُمَّ ابْتَدَأ وصْفَها بَعْدَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ لا تَتَعَلَّقُ بِها النَّجاةُ ولا الهَلَكَةُ، وهي أنَّها كانَتْ مِمَّنْ أسَنَّ وبَقِيَ مِن عَصْرِهِ إلى عَصْرِ غَيْرِهِ فَكانَتْ غابِرَةً، أيْ: مُتَقَدِّمَةً في السِّنِّ كَما قالَ: إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ إلى أنْ هَلَكَتْ مَعَ قَوْمِها. انْتَهى. وجاءَ ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وقالَ الزَّجّاجُ: مِنَ الغائِبِينَ عَنِ النَّجاةِ فَيَكُونُ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ. انْتَهى. و﴿كانَتْ﴾ بِمَعْنى صارَتْ، أوْ كانَتْ في عِلْمِ اللَّهِ، أوْ باقِيَةٌ عَلى ظاهِرِها مِن تَقْيِيدِ غُبُورِها بِالزَّمانِ الماضِي، أقْوالٌ.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ ضَمَّنَ (أمْطَرْنا) مَعْنى أرْسَلْنا فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِعَلى كَقَوْلِهِ: فَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، والمَطَرُ هُنا هي حِجارَةٌ، وقَدْ ذُكِرَتْ في غَيْرِ آيَةٍ خَسَفَ بِهِمْ وأمْطَرَتْ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ، وقِيلَ: كانَتِ المُؤْتَفِكَةُ خَمْسَ مَدائِنَ، وقِيلَ: سِتٌّ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، اقْتَلَعَها جِبْرِيلُ بِجَناحِهِ فَرَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نَهِيقَ الحَمِيرِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ، ثُمَّ عَكَسَها فَرَدَّ أعْلاها أسْفَلَها وأرْسَلَها إلى الأرْضِ، وتَبِعَتْهُمُ الحِجارَةُ مَعَ هَذا فَأهْلَكَتْ مَن كانَ مِنهم في سَفَرٍ، أوْ خارِجًا عَنِ البِقاعِ، وقالَتِ امْرَأةُ لُوطٍ حِينَ سَمِعَتِ الرَّجَّةَ واقَوْماهُ والتَفَتَتْ فَأصابَتْها صَخْرَةٌ فَقَتَلَتْها، والظّاهِرُ أنَّ الإمْطارَ شَمِلَهم كُلَّهم، وقِيلَ: خُسِفَ بِأهْلِ المُدُنِ وأمْطَرَتِ الحِجارَةُ عَلى المُسافِرِينَ مِنهم، وسُئِلَ مُجاهِدٌ هَلْ سَلِمَ مِنهم أحَدٌ قالَ: لا، إلّا رَجُلًا كانَ بِمَكَّةَ تاجِرًا وقَفَ الحَجَرُ لَهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى قَضى تِجارَتَهُ، وخَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَأصابَهُ فَماتَ، وكانَ عَدَدُهم مِائَةَ ألْفٍ.
﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، أوْ لِلسّامِعِ قِصَّتَهم كَيْفَ كانَ مَآلُ مَن أجْرَمَ، وفِيهِ إيقاظٌ وازْدِجارٌ أنْ تَسْلُكَ هَذِهِ الأُمَّةُ هَذا المَسْلَكَ (p-٣٣٦)و﴿المُجْرِمِينَ﴾ عامٌّ في قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ، وغَيْرِهِمْ وهو مِن نَظَرِ التَّفَكُّرِ، أوْ مِن نَظَرِ البَصَرِ فِيمَن بَقِيَتْ لَهُ آثارُ مَنازِلَ ومَساكِنَ كَثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .
الأعراف 7:85
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . قالَ الفَرّاءُ: مَدْيَنَ اسْمُ بَلَدٍ وقُطْرٍ، وأنْشَدَ:
؎رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأوْكِ تَنَزَّلُوا
فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ وإلى أهْلِ مَدْيَنَ، وقِيلَ: اسْمُ قَبِيلَةٍ سُمِّيَتْ بِاسْمِ أبِيها مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ قالَهُ مُقاتِلٌ وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وشُعَيْبٌ قِيلَ: هو ابْنُ بِنْتِ لُوطٍ، وقِيلَ: زَوْجُ بِنْتِهِ، وهَذِهِ مُناسَبَةٌ بَيْنَ قِصَّتِهِ وقِصَّةِ لُوطٍ، وشُعَيْبٌ اسْمٌ عَرَبِيٌّ، تَصْغِيرُ شَعْبٍ أوْ شِعْبٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ مَدْيَنَ أعْجَمِيٌّ فَإنْ كانَ عَرَبِيًّا احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ فَعْيَلًا مِن مَدْيَنَ بِالمَكانِ أقامَ بِهِ، وهو بِناءٌ نادِرٌ، وقِيلَ: مُهْمَلٌ أوْ مَفْعَلًا مِن دانَ، فَتَصْحِيحُهُ شاذٌّ كَمَرْيَمَ ومِكْوَرَةٍ ومِطْيَبَةٍ وهو مَمْنُوعُ الصَّرْفِ عَلى كُلِّ حالٍ سَواءٌ كانَ اسْمَ أرْضٍ أوِ اسْمَ قَبِيلَةٍ أعْجَمِيًّا أمْ عَرَبِيًّا، واخْتَلَفُوا في نَسَبِ شُعَيْبٍ، فَقالَ عَطاءٌ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُما: هو شُعَيْبُ بْنُ مِيكِيلَ بْنِ يَشْجُرَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، واسْمُهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ بَيْرُوتُ، وقالَ الشَّرْقِيُّ بْنُ القُطامِيِّ: شُعَيْبُ بْنُ عَنْقاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، وقالَ أبُو القاسِمِ إسْماعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ بْنِ عَلِيِّ الطَّلْحِيُّ الأصْبَهانِيُّ في كِتابِ الإيضاحِ في التَّفْسِيرِ مِن تَأْلِيفِهِ: هو شُعَيْبُ بْنُ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: شُعَيْبُ بْنُ جَذْيِ بْنِ سِجْنِ بْنِ اللّامِ بْنِ يَعْقُوبَ، وكَذا قالَ ابْنُ سَمْعانَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ مَكانَ اللّامِ لاوى، ولا يُعْرَفُ في أوْلادِ يَعْقُوبَ اللّامُ فَلَعَلَّهُ تَصْحِيفٌ مِن لاوِي، وقِيلَ: شُعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ عَنْقاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، وقالَ الشَّرِيفُ النَّسّابَةُ الجَوّانِيُّ - وهو المُنْتَهى إلَيْهِ في هَذا العِلْمِ -: هو شُعَيْبُ بْنُ حُبَيْشِ بْنِ وائِلِ بْنِ مالِكِ بْنِ حَرامِ بْنِ جُذامِ واسْمُهُ عامِرٌ أخُو نَجْمٍ وهُما ولَدا الحارِثِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ عُرَيْبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلانَ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْحُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ بْنِ عابِرٍ وهو هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَيْنَهُ وبَيْنَ هُودٍ في هَذا النَّسَبِ الأخِيرِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ أبًا وبَيْنَهُما في بَعْضِ النَّسَبِ المَذْكُورِ سَبْعَةُ آباءٍ لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، وإبْراهِيمُ هو ابْنُ تارِحِ بْنِ ناحُورَ بْنِ سارُوغَ بْنِ أزَغُو بْنِ فالِغِ بْنِ عابِرٍ وهو هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ يُقالُ لِشُعَيْبٍ: خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ، قالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً إلى مَدْيَنَ ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ وتَعَلَّقَ إلى مَدْيَنَ، وانْتَصَبَ (أخاهم) بِأرْسَلْنا وهَذا يُقَوِّي قَوْلَ مَن نَصَبَ لُوطًا بِأرْسَلْنا وجَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ.
﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قَرَأ الحَسَنُ (آيَةٌ مِن رَبِّكم) وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ جاءَ بِالمُعْجِزَةِ إذْ كُلُّ نَبِيٍّ لا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنَ هُنا ما المُعْجِزَةُ ولا مِن أيِّ نَوْعٍ هي كَما أنَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْجِزاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا لَمْ تُعَيَّنْ في القُرْآنِ، وقالَ قَوْمٌ: كانَ شُعَيْبٌ نَبِيًّا ولَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، والبَيِّنَةُ هُنا المَوْعِظَةُ وأنْكَرَ الزَّجّاجُ هَذا القَوْلَ، وقالَ: لا تُقْبَلُ نُبُوَّةٌ بِغَيْرِ مُعْجِزَةٍ، ومِن مُعْجِزاتِهِ أنَّهُ دَفَعَ إلى مُوسى عَصاهُ وتِلْكَ العَصا صارَتْ تِنِّينًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن مُعْجِزاتِ شُعَيْبٍ ما رُوِيَ مِن مُحارَبَةِ عَصا مُوسى التِّنِّينَ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ غَنَمَهُ، ووِلادَةُ الغَنَمِ الدُّرْعِ خاصَّةً حِينَ وعَدَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ الدُّرْعُ مِن أوْلادِها، ووُقُوعُ عَصا آدَمَ عَلى يَدِهِ في المَرّاتِ السَّبْعِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّ هَذِهِ كُلَّها كانَتْ قَبْلَ أنْ يُسْتَنْبَأ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَتْ مُعْجِزاتٍ لِشُعَيْبٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: وأيْضًا قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الأغْنامُ تَلِدُ أوْلادًا فِيها سَوادٌ وبَياضٌ وقَدْ وهَبْتُها لَكَ، فَكانَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ عَنْهُ، وهَذِهِ الأحْوالُ كُلُّها كانَتْ مُعْجِزَةً لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ما ادَّعى الرِّسالَةَ انْتَهى. وما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُتَّبِعًا فِيهِ الزَّجّاجَ هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ أنَّ الإرْهاصَ وهو ظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلى (p-٣٣٧)يَدِ مَن سَيَصِيرُ نَبِيًّا ورَسُولًا بَعْدَ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ في جَوازِهِ، فالمُعْتَزِلَةُ تَقُولُ: هو غَيْرُ جائِزٍ فَلِذَلِكَ جَعَلُوا هَذِهِ المُعْجِزاتِ لِشُعَيْبٍ وأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِجَوازِهِ، فَهي إرْهاصٌ لِمُوسى بِالنُّبُوَّةِ قَبْلَ الوَحْيِ إلَيْهِ، والحُجَجُ لِلْمَذْهَبَيْنِ مَذْكُورَةٌ في أُصُولِ الدِّينِ.
﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ أمَرَهم أوَّلًا بِشَيْءٍ خاصٍّ، وهو إيفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ ثُمَّ نَهاهم عَنْ شَيْءٍ عامٍّ، وهو قَوْلُهُ (أشْياءَهم) و(الكَيْلُ) مَصْدَرٌ كُنِيَ بِهِ عَنِ الآلَةِ الَّتِي يُكالُ بِها كَقَوْلِهِ في هُودٍ (المِكْيالَ والمِيزانَ) فَطابَقَ قَوْلَهُ (والمِيزانَ) أوْ هو باقٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وأُرِيدَ بِالمِيزانِ المَصْدَرُ كالمِيعادِ لا الآلَةُ فَتَطابَقا، أوْ أخَذَ المِيزانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ووَزْنُ المِيزانِ والكَيْلُ عَلى إرادَةِ المِكْيالِ فَتَطابَقا، والبَخْسُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] و(أشْياءَهم) عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ لَهم، وقِيلَ: أمْوالَهم، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: حُقُوقَهم وفي إضافَةِ الأشْياءِ إلى النّاسِ دَلِيلٌ عَلى مِلْكِهِمْ إيّاها خِلافًا لِلْإباحِيَّةِ الزَّنادِقَةِ كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في مُبايَعاتِهِمْ، وكانُوا ماكِسِينَ لا يَدَعُونَ شَيْئًا إلّا مَكَسُوهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمَكْسِ البَخْسِ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا إذا دَخَلَ الغَرِيبُ بَلَدَهم أخَذُوا دَراهِمَهُ الجِيادَ وقالُوا هي زُيُوفٌ فَقَطَّعُوها قِطَعًا، ثُمَّ أخَذُوها بِنُقْصانٍ ظاهِرٍ وأعْطَوْهُ بَدَلَها زُيُوفًا، وكانَتْ هَذِهِ المَعْصِيَةُ قَدْ فَشَتْ فِيهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانِ مَعَ كُفْرِهِمُ الَّذِي نالَتْهُمُ الرَّجْفَةُ بِسَبَبِهِ.
﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَرِيبًا في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الإشارَةُ إلى إيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ وتَرْكِ البَخْسِ والإفْسادِ، و(خَيْرٌ) أفْعَلُ التَّفْضِيلِ أيْ مِنَ التَّطْفِيفِ والبَخْسِ والإفْسادِ لِأنَّ خَيْرِيَّةَ هَذِهِ لَكم عاجِلَةٌ جِدًّا مُنْقَضِيَةٌ عَنْ قَرِيبٍ مِنكم إذْ يَقْطَعُ النّاسُ مُعامَلَتَكم ويَحْذَرُونَكم فَإذا أوْفَيْتُمْ وتَرَكْتُمُ البَخْسَ والإفْسادَ جَمُلَتْ سِيرَتُكم وحَسُنَتِ الأُحْدُوثَةُ عَنْكم وقَصَدَكُمُ النّاسُ بِالتِّجاراتِ والمَكاسِبِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أخْيَرُ مِمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ لِدَيْمُومَةِ التِّجارَةِ والأرْباحِ بِالعَدْلِ في المُعامَلاتِ والتَّحَلِّي بِالأماناتِ، وقِيلَ: (ذَلِكم) إشارَةٌ إلى الإيمانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وإلى تَرْكِ البَخْسِ في الكَيْلِ والمِيزانِ، وقِيلَ: (خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِقَوْلِهِ أيْ ذاكَ نافِعٌ عِنْدَ اللَّهِ مُكْسِبٌ فَوْزَهُ ورِضْوانَهُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ وعَلى ذَلِكَ يَدُلُّ صَدْرُ الآيَةِ وآخِرُ القِصَّةِ فَمَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ لا يَكُونُ ذَلِكَ لَكم خَيْرًا ونافِعًا عِنْدَ اللَّهِ إلّا بِشَرْطِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وإلّا فَلا يَنْفَعُ عَمَلٌ دُونَ إيمانٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ لِي في قَوْلِي ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ .
الأعراف 7:86
﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ (p-٣٣٨)الظّاهِرُ النَّهْيُ عَنِ القُعُودِ بِكُلِّ طَرِيقٍ لَهم عَنْ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن إيعادِ النّاسِ وصَدِّهِمْ عَنْ طَرِيقِ الدِّينِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: كانُوا يَقْعُدُونَ عَلى الطُّرُقاتِ المُفْضِيَةِ إلى شُعَيْبٍ فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ ويَصُدُّونَهُ ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ عَلى نَحْوِ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ قُرَيْشٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ السُّدِّيُّ: هَذا نَهْيُ العَشّارِينَ والمُتَقَبِّلِينَ ونَحْوِهِ مِن أخْذِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هو نَهْيٌ عَنِ السَّلْبِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ، وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي خَشَبَةً عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ، فَقُلْتُ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ فَقالَ هَذا مَثَلٌ لِقَوْمٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ، ثُمَّ تَلا ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾» . وفي هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ مُناسَبَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] لَكِنْ لا تَظْهَرُ مُناسَبَةٌ لَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾، بَلْ ذَلِكَ يُناسِبُ القَوْلَ الأوَّلَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ عُلَماؤُنا: ومِثْلُهُمُ اليَوْمَ هَؤُلاءِ المَكّاسُونَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ مِنَ النّاسِ ما لا يَلْزَمُهم شَرْعًا مِنَ الوَظائِفِ المالِيَّةِ بِالقَهْرِ والجَبْرِ، وضَمِنُوا ما لا يَجُوزُ ضَمانُ أصْلِهِ مِنَ الزَّكاةِ والمَوارِيثِ والمَلاهِي والمُتَرَتِّبُونَ في الطُّرُقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَدْ كَثُرَ في الوُجُودِ وعُمِلَ بِهِ في سائِرِ البِلادِ وهو مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ وأكْبَرِها وأفْحَشِها فَإنَّهُ غَضَبٌ وظُلْمٌ وعَسْفٌ عَلى النّاسِ وإذاعَةٌ لِلْمُنْكَرِ وعَمَلٌ بِهِ ودَوامٌ عَلَيْهِ، وإقْرارٌ لَهُ وأعْظَمُهُ تَضْمِينُ الشَّرْعِ والحُكْمِ لِلْقَضاءِ، فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، لَمْ يَبْقَ مِنَ الإسْلامِ إلّا رَسْمُهُ ولا مِنَ الدِّينِ إلّا اسْمُهُ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ قَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأمْوالَ والأعْراضَ بِالدِّماءِ في قَوْلِهِ في حِجَّةِ الوَداعِ: «ألا إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم عَلَيْكم حَرامٌ» وما أكْثَرَ ما تَساهَلَ النّاسُ في أخْذِ الأمْوالِ وفي الغَيْبَةِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قُتِلَ دُونَ مالِهِ فَهو شَهِيدٌ»، والعَجَبُ إطْباقُ مَن يَتَظاهَرُ بِالصَّلاحِ والدِّينِ والعِلْمِ عَلى عَدَمِ إنْكارِ هَذِهِ المُكُوسِ والضَّماناتِ وادِّعاءِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَهُ تَصَرُّفٌ في الوُجُودِ ودَلالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ إنَّهُ يَدْعُو فَيُسْتَجابُ لَهُ فِيما أرادَ ويَضْمَنُ لِمَن كانَ مِن أصْحابِهِ وأتْباعِهِ الجَنَّةَ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَتَرَدَّدُ لِأصْحابِ المُكُوسِ ويَتَذَلَّلُ إلَيْهِمْ في نَزْعِ شَيْءٍ حَقِيرٍ وأخْذِهِ مِنَ المَكْسِ الَّذِي حَصَّلُوهُ، وهَذِهِ وقاحَةٌ لا تَصْدُرُ مِمَّنْ شَمَّ رائِحَةَ الإيمانِ ولا تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنَ الإسْلامِ، وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ:
؎تَساوى الكُلُّ مِنّا في المَساوِي فَأفْضَلُنا فَتِيلًا ما يُساوِي
وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ يَكُونُ القُعُودُ بِكُلِّ صِراطٍ حَقِيقَةً، وحَمَلَ القُعُودَ والصِّراطَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى (p-٣٣٩)المَجازِ، فَقالَ ولا تَقْتَدُوا بِالشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] فَتَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ، أيْ: بِكُلِّ مِنهاجٍ مِن مَناهِجِ الدِّينِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصِّراطِ سَبِيلُ الحَقِّ، قَوْلُهُ: ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فَإنْ قُلْتَ: صِراطُ الحَقِّ واحِدٌ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فَكَيْفَ قِيلَ بِكُلِّ صِراطٍ، قُلْتُ: صِراطُ الحَقِّ واحِدٌ، ولَكِنَّهُ يَتَشَعَّبُ إلى مَعارِفَ وحُدُودٍ وأحْكامٍ كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكانُوا إذا رَأوْا واحِدًا يَشْرَعُ في شَيْءٍ مِنهُ مَنَعُوهُ وصَدُّوهُ. انْتَهى. ولا تَظْهَرُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصِّراطِ سَبِيلُ الحَقِّ مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كَما ذَكَرَ، بَلِ الظّاهِرُ التَّغايُرُ لِعُمُومِ كُلِّ صِراطٍ وخُصُوصِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَكُونُ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ حَقِيقَةً في الطُّرُقِ، و﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَجازٌ عَنْ دِينِ اللَّهِ، والباءُ في ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ ظَرْفِيَّةٌ نَحْوُ زَيْدٍ بِالبَصْرَةِ، أيْ: في كُلِّ صِراطٍ، وفي البَصْرَةِ، والجُمَلُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُوعِدُونَ﴾ ﴿وتَصُدُّونَ﴾ و﴿تَبْغُونَها﴾ [آل عمران: ٩٩] أحْوالٌ، أيْ: مُوعِدِينَ وصادِّينَ وباغِينَ، والإيعادُ ذِكْرُ إنْزالِ المَضارِّ بِالمُوعَدِ، ولَمْ يَذْكُرِ المُوعَدَ بِهِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ مِنَ الشَّرِّ؛ لِأنَّ أوْعَدَ لا يَكُونُ إلّا في الشَّرِّ، وإذا ذُكِرَ تَعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ بِالباءِ.
قالَ أبُو مَنصُورٍ الجَوالِيقِيُّ: إذا أرادُوا أنْ يَذْكُرُوا ما يُهَدِّدُوا بِهِ مَعَ أوْعَدْتُ جاءُوا بِالباءِ فَقالُوا: أوْعَدْتُهُ بِالضَّرْبِ، ولا يَقُولُونَ أوْعَدْتُهُ الضَّرْبَ، والصَّدُّ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً في عَدَمِ التَّمْكِينِ مِنَ الذَّهابِ إلى الرَّسُولِ لِيَسْمَعَ كَلامَهُ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنِ الإيعادِ مِنَ الصّادِّ بِوَجْهٍ ما، أوْ عَنْ وعْدِ المَصْدُودِ بِالمَنافِعِ عَلى تَرْكِهِ و﴿مَن آمَنَ﴾ مَفْعُولٌ بِتَصُدُّونَ عَلى إعْمالِ الثّانِي، ومَفْعُولُ ﴿تُوعِدُونَ﴾ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) الظّاهِرُ أنَّهُ عَلى (سَبِيلِ اللَّهِ) وذَكَّرَهُ؛ لِأنَّ السَّبِيلَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: إلامَ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ في آمَنَ بِهِ ؟، قُلْتُ: إلى كُلِّ صِراطٍ، تَقْدِيرُهُ: تُوعِدُونَ مَن آمَنَ بِهِ وتَصُدُّونَ عَنْهُ، فَوَضَعَ الظّاهِرَ الَّذِي هو سَبِيلُ اللَّهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ زِيادَةً في تَقْبِيحِ أمْرِهِمْ دَلالَةً عَلى عِظَمِ ما يَصُدُّونَ عَنْهُ. انْتَهى. وهَذا تَعَسُّفٌ في الإعْرابِ لا يَلِيقُ بِأنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ووَضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ذَلِكَ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أبْعَدِ مَذْكُورٍ مَعَ إمْكانِ عَوْدِهِ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، الإمْكانَ السّائِغَ الحَسَنَ الرّاجِحَ وجَعَلَ ﴿مَن آمَنَ﴾ مَنصُوبًا بِتُوعِدُونَ فَيَصِيرُ مِن إعْمالِ الأوَّلِ وهو قَلِيلٌ.
وقَدْ قالَ النُّحاةُ: إنَّهُ لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ لِقِلَّتِهِ ولَوْ كانَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ لَلَزِمَ ذِكْرُ الضَّمِيرِ في الفِعْلِ الثّانِي، وكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ (وتَصُدُّونَهُ)، أوْ وتَصُدُّونَهم إذْ هَذا الضَّمِيرُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ إلّا ضَرُورَةً عَلى قَوْلِ بَعْضِ النُّحاةِ يُحْذَفُ في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ، ويَدُلُّ عَلى ﴿مَن آمَنَ﴾ مَنصُوبٌ بِتَصُدُّونَ الآيَةُ الأُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ﴾ [آل عمران: ٩٩] ولا يُحْذَفُ مِثْلُ هَذا الضَّمِيرِ إلّا في شِعْرٍ، وأجازَ بَعْضُهم حَذْفَهُ عَلى قِلَّةٍ مَعَ هَذِهِ التَّكْلِيفاتِ المُضافَةِ إلى ذَلِكَ، فَكانَ جَدِيرًا بِالمَنعِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّعْقِيدِ البَعِيدِ عَنِ الفَصاحَةِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ عَلى شُعَيْبٍ في قَوْلِ مَن رَأى القُعُودَ عَلى الطَّرِيقِ لِلرَّدِّ عَنْ شُعَيْبٍ، وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ القائِلَ ﴿ولا تَقْعُدُوا﴾ هو شُعَيْبٌ فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ مَن آمَنَ بِي ولا يُسَوَّغُ هُنا أنْ يَكُونَ التِفاتًا لَوْ قُلْتَ: يا هِنْدُ أنا أقُولُ لَكِ لا تُهِينِي مَن أُكْرِمُهُ، تُرِيدُ مَن أكْرَمَنِي لَمْ يَصِحَّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ في آلِ (p-٣٤٠)عِمْرانَ.
﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (إذْ) مَفْعُولٌ بِهِ غَيْرُ ظَرْفٍ، أيْ واذْكُرُوا عَلى جِهَةِ الشُّكْرِ وقْتَ كَوْنِكم قَلِيلًا عَدَدُكم، فَكَثَّرَكُمُ اللَّهُ ووَفَّرَ عَدَدَكُمُ انْتَهى. وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ (واذْكُرُوا) لِاسْتِقْبالِ اذْكُرُوا وكَوْنِ (إذْ) ظَرْفًا لِما مَضى والقِلَّةُ والتَّكْثِيرُ هُنا بِالنِّسْبَةِ إلى الأشْخاصِ أوْ إلى الفَقْرِ والغِنى أوْ إلى قِصَرِ الأعْمارِ وطُولِها أقْوالٌ ثَلاثَةٌ أظْهَرُها الأوَّلُ. قِيلَ: إنَّ مَدْيَنَ بْنَ إبْراهِيمَ تَزَوَّجَ بِنْتَ لُوطٍ، فَوَلَدَتْ فَرَمى اللَّهُ في نَسْلِها بِالبَرَكَةِ والنَّماءِ فَكَثُرُوا وفَشَوْا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذْ كُنْتُمْ أقِلَّةً أذِلَّةً فَأعَزَّكم بِكَثْرَةِ العَدَدِ والعُدَدِ انْتَهى. ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى حَذْفِ صِفَةٍ وهي أذِلَّةٌ ولا إلى تَحْمِيلِ قَوْلِهِ ﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ مَعْنى بِالعَدَدِ ألا تَرى أنَّ القِلَّةَ لا تَسْتَلْزِمُ الذِّلَّةَ ولا الكَثْرَةَ تَسْتَلْزِمُ العِزَّ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎تُعَيِّرُنا أنّا قَلِيلٌ عَدِيدُنا ∗∗∗ فَقُلْتُ لَها إنَّ الكِرامَ قَلِيلُ
؎وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ
وقِيلَ: المُرادُ مَجْمُوعُ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ، فَإنَّهُ تَعالى كَثَّرَ عَدَدَهم وأرْزاقَهم وطَوَّلَ أعْمارَهم وأعَزَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا عَلى مُقابَلاتِها.
﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ لَهم وتَذْكِيرٌ بِعاقِبَةِ مَن أفْسَدَ قَبْلَهم وتَمْثِيلٌ لَهم بِمَن حَلَّ بِهِ العَذابُ مِن قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وكانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِما أجابَ المُؤْتَفِكَةَ.
الأعراف 7:87
﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا الكَلامُ مِن أحْسَنِ ما تَلَطَّفَ بِهِ في المُحاوَرَةِ إذْ بَرَزَ المُتَحَقِّقُ في صُورَةِ المَشْكُوكِ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ آمَنَ بِهِ طائِفَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِ المُسْتَكْبِرِينَ عَنِ الإيمانِ (p-٣٤١)﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ [الأعراف: ٨٨] وهو أيْضًا مِن بارِعِ التَّقْسِيمِ إذْ لا يَخْلُو قَوْمُهُ مِنَ القِسْمَيْنِ، والَّذِي أُرْسِلَ بِهِ هُنا ما أمَرَهم بِهِ مِن إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ وإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ ونَهاهم عَنْهُ مِنَ البَخْسِ والإفْسادِ والقُعُودِ المَذْكُورِ، ومُتَعَلِّقُ (لَمْ يُؤْمِنُوا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ وتَقْدِيرُهُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ (مِنكم) لِقَوْمِهِ ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (فاصْبِرُوا) خِطابًا لِفَرِيقَيْ قَوْمِهِ مَن آمَنَ ومَن لَمْ يُؤْمِن، و(بَيْنَنا) أيْ بَيْنَ الجَمِيعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ الصَّبْرِ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ووَعِيدًا لِلْكافِرِينَ بِالعُقُوبَةِ والخَسارِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى وإنْ كُنْتُمْ يا قَوْمِ قَدِ اخْتَلَفْتُمْ عَلَيَّ وشَعَّبْتُمْ بِكُفْرِكم أمْرِي فَآمَنَتْ طائِفَةٌ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ، فاصْبِرُوا أيُّها الكَفَرَةُ حَتّى يَأْتِيَ حُكْمُ اللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم، فَفي قَوْلِهِ فاصْبِرُوا قُوَّةُ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ هَذا ظاهِرُ الكَلامِ، وإنَّ المُخاطَبَةَ بِجَمِيعِ الآيَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ النَّقّاشُ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: المَعْنى ﴿فاصْبِرُوا﴾ يا مَعْشَرَ الكُفّارِ قالَ: وهَذا قَوْلُ الجَماعَةِ انْتَهى. وهَذا القَوْلُ بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ ﴿فاصْبِرُوا﴾ فَتَرَبَّصُوا وانْتَظَرُوا ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ أيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِأنْ يَنْصُرَ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ ويُظْهِرَهم عَلَيْهِمْ، وهَذا وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ بِانْتِقامِ اللَّهِ تَعالى مِنهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَكى مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى الوَعْدِ لَهم، وقالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ انْتَهى. وثَنى بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ أوْ هو مَوْعِظَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وحَثٌّ عَلى الصَّبْرِ واحْتِمالِ ما كانَ يَلْحَقُهم مِن أذى المُشْرِكِينَ إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهم ويَنْتَقِمَ لَهم مِنهُمُ انْتَهى. والَّذِي قَدَّمْناهُ أوَّلًا مِن أنَّهُ خِطابٌ لِلْفَرِيقَيْنِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ وأتى بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ثالِثًا، فَقالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْفَرِيقَيْنِ لِيَصْبِرَ المُؤْمِنُونَ عَلى أذى الكُفّارِ ولِيَصْبِرَ الكُفّارُ عَلى ما يَسُوءُهم مِن إيمانِ مَن آمَنَ مِنهم حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ فَيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ انْتَهى. وهو جارٍ عَلى عادَتِهِ مِن ذِكْرِ تَجْوِيزاتٍ في الكَلامِ تُوهِمُ أنَّها مِن قَوْلِهِ، وهي أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ المُتَقَدِّمِينَ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّ حُكْمَهُ عَدْلٌ لا يُخْشى أنْ يَكُونَ فِيهِ حَيْفٌ وجَوْرٌ.
الأعراف 7:88
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢] ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْم لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٠] ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٣] ﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٤] ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٨] ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٢] ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣] ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٤] ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]
(p-٣٤٢)عادَ: رَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ وتَأْتِي بِمَعْنى صارَ. قالَ:
؎تُعِدْ فِيكم جَزْرَ الجَزُورِ رِماحُنا ويَرْجِعْنَ بِالأسْيافِ مُنْكَسِراتِ
ضُحًى: ظَرْفٌ مُتَصَرِّفٌ إنْ كانَ نَكِرَةً، وغَيْرُ مُتَصَرِّفٍ إذا كانَ مِن يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، وهو وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ إذا طَلَعَتْ وهو مُؤَنَّثٌ وشَذُّوا في تَصْغِيرِهِ فَقالُوا: ضُحَيٌّ بِغَيْرِ تاءِ التَّأْنِيثِ، وتَقُولُ أتَيْتُهُ ضُحًى وضَحاءً، إذا فَتَحْتَ الضّادَ مَدَدْتَ، الثُّعْبانُ: ذَكَرُ الحَيّاتِ العَظِيمُ، أُخِذَ مَن ثَعَبْتَ بِالمَكانِ فَجَّرْتَهُ بِالماءِ، والمَثْعَبُ مَوْضِعُ انْفِجارِ الماءِ؛ لِأنَّ الثُّعْبانَ يَجْرِي كالماءِ عِنْدَ الِانْفِجارِ. الإرْجاءُ: التَّأْخِيرُ، المَدِينَةُ: مَعْرُوفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مَن مَدَنَ فَهي فَعِيلَةٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها مَفْعَلَةٌ مِن دانَ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِإجْماعِ العَرَبِ عَلى الهَمْزِ في جَمْعِها قالُوا مَدائِنُ بِالهَمْزِ، ولا يُحْفَظُ فِيهِ مَدايِنُ بِالياءِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى أنَّها مَفْعَلَةٌ ويَقْطَعُ بِأنَّها فَعِيلَةٌ جَمْعُهم لَها عَلى فُعُلٍ قالُوا: مُدُنٌ، كَما قالُوا صُحُفٌ في صَحِيفَةٍ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾، أيِ: الكُفّارُ ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ أقْسَمُوا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ إخْراجِ شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ، أوْ عَوْدَتِهِمْ في مِلَّتِهِمْ، والقَسَمُ يَكُونُ عَلى فِعْلِ المُقْسِمِ وفِعْلِ غَيْرِهِ سَوَّوْا بَيْنَ نَفْيِهِ ونَفْيِ أتْباعِهِ وبَيْنَ العَوْدِ في المِلَّةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صُعُوبَةِ مُفارَقَةِ الوَطَنِ إذْ قَرَنُوا ذَلِكَ بِالعَوْدِ إلى الكُفْرِ، وفي الإخْراجِ والعَوْدِ طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، وعادَ كَما تَقَدَّمَ لَها اسْتِعْمالانِ أحَدُهُما أنْ تَكُونَ بِمَعْنى صارَ والثّانِي بِمَعْنى رَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، فَعَلى الأوَّلِ لا إشْكالَ في قَوْلِهِ، أوْ لَتَعُودُنَّ إذْ صارَ فِعْلًا مُسْنَدًا إلى شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ شُعَيْبًا كانَ في مِلَّتِهِمْ وعَلى المَعْنى الثّانِي يُشْكَلُ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ في مِلَّتِهِمْ قَطُّ لَكِنَّ أتْباعَهم كانُوا فِيها، وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِوُجُوهٍ، أحَدِها: أنْ يُرادَ بِعَوْدِ شُعَيْبٍ في المِلَّةِ حالُ سُكُوتِهِ عَنْهم قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ لا حالَةَ الضَّلالِ فَإنَّهُ كانَ يُخْفِي دِينَهُ إلى أنْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَغْلِيبِ حُكْمِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ لَمّا عَطَفُوا أتْباعَهُ عَلى ضَمِيرِهِ في الإخْراجِ سَحَبُوا عَلَيْهِ حُكْمَهم في العَوْدِ، وإنْ كانَ شُعَيْبٌ بَرِيئًا مِمّا كانَ عَلَيْهِ أتْباعُهُ قَبْلَ الإيمانِ، الثّالِثُ: أنَّ رُؤَساءَهم قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّلْبِيسِ عَلى العامَّةِ والإيهامِ أنَّهُ كانَ مِنهم.
﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾، أيْ: أيَقَعُ مِنكم أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى في حالِ كَراهِيَّتِنا لِذَلِكَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْقِيفِ عَلى شُنْعَةِ المَعْصِيَةِ بِما أقْسَمُوا (p-٣٤٣)عَلَيْهِ مِنَ الإخْراجِ عَنْ مَواطِنِهِمْ ظُلْمًا، أوِ الإقْرارِ بِالعَوْدِ في مِلَّتِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ والواوُ واوُ الحالِ تَقْدِيرُهُ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا، أوْ مَعَ كَوْنِنا كارِهِينَ. انْتَهى. فَجَعَلَ الِاسْتِفْهامَ خاصًّا بِالعَوْدِ في مِلَّتِهِمْ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الِاسْتِفْهامُ هو عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، وجَعَلَ الواوَ واوَ الحالِ، وتَقْدِيرُهُ أتُعِيدُونَنا في حالِ كَراهَتِنا ولَيْسَتْ واوَ الحالِ الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْها النَّحْوِيُّونَ بِواوِ الحالِ، بَلْ هي واوُ العَطْفِ عُطِفَتْ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ كَقَوْلِهِ: «رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» لَيْسَ المَعْنى رُدُّوهُ في حالِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ، بَلِ المَعْنى رُدُّوهُ مَصْحُوبًا بِالصَّدَقَةِ ولَوْ مَصْحُوبًا بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ، تَقَدَّمَ لَنا إشْباعُ القَوْلِ في نَحْوِ هَذا.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ هَذا إخْبارٌ مُقَيَّدٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِالشَّرْطِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ، وتَقْدِيرُهُ ﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ فَقَدِ افْتَرَيْنا، ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ هو جَوابُ الشَّرْطِ إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَقْدِيمَ جَوابِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ فَيُمْكِنُ أنْ يُخَرَّجَ هَذا عَلَيْهِ، وجَوَّزُوا في هَذِهِ الجُمْلَةِ وجْهَيْنِ أحَدَهُما أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهم قالُوا ما أكْذَبَنا عَلى اللَّهِ إنْ عُدْنا في الكُفْرِ بَعْدَ الإسْلامِ؛ لِأنَّ المُرْتَدَّ أبْلَغُ في الِافْتِراءِ مِنَ الكافِرِ، يَعْنِي الأصْلِيَّ؛ لِأنَّ الكافِرَ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّ لِلَّهِ نِدًّا ولا نِدَّ لَهُ، والمُرْتَدُّ مِثْلُهُ في ذَلِكَ وزائِدٌ عَلَيْهِ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّهُ قَدْ بُيِّنَ لَهُ ما خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْيِيزِ ما بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ، أيْ: قَدْ كُنّا نُواقِعُ أمْرًا عَظِيمًا في الرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ قَسَمًا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ اللّامِ، أيْ: واللَّهِ لَقَدِ افْتَرَيْنا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأوْرَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ القَسَمِ الَّذِي هو في صِيغَةِ الدُّعاءِ، مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎بَقَّيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ∗∗∗ ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ
وكَما تَقُولُ افْتَرَيْتُ عَلى اللَّهِ أنْ كَلَّمْتُ فُلانًا، ولَمْ يُنْشِدِ ابْنُ عَطِيَّةَ البَيْتَ الَّذِي يُقَيِّدُ قَوْلَهُ: بَقَّيْتُ وما بَعْدَهُ بِالشَّرْطِ، وهو قَوْلُهُ:
؎إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غارَةً ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن نِهابِ نُفُوسِ
ولَمّا كانَ أمْرُ الدِّينِ هو الأعْظَمُ عِنْدَ المُؤْمِنِ والمُؤْثَرُ عَلى أمْرِ الدُّنْيا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الإخْراجِ وإنْ كانَ أحَدُ الأمْرَيْنِ هو الأعْظَمُ عِنْدَ المُؤْمِنِ والمُؤْثَرُ عَلى الكَذِبِ أقْسَمَ عَلى وُقُوعِهِ الكُفّارُ فَقالُوا قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العَوْدِ بِالصَّيْرُورَةِ، وتَأْوِيلُهُ إنْ كانَ في مَعْنى الرُّجُوعِ إلى ما كانَ الإنْسانُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ المَعْصُومِ مِنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ.
﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾، أيْ: وما يَنْبَغِي ولا يَتَهَيَّأُ لَنا أنْ نَعُودَ في مِلَّتِكم إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا فَنَعُودُ فِيها، وهَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى سَبِيلِ عَذْقِ جَمِيعِ الأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، وتَجْوِيزُ العَوْدِ (p-٣٤٤)مِنَ المُؤْمِنِينَ إلى مِلَّتِهِمْ دُونَ شُعَيْبٍ لِعِصْمَتِهِ بِالنُّبُوَّةِ، فَجَرى الِاسْتِثْناءُ عَلى سَبِيلِ تَغْلِيبِ حُكْمِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الواحِدُ داخِلًا في حُكْمِ الجَمْعِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اسْتِثْناءَ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِمّا تَفْعَلُهُ الكَفَرَةُ مِنَ القُرُباتِ، فَلَمّا قالَ لَهم إنّا لا نَعُودُ في مِلَّتِكم، ثُمَّ خَشِيَ أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِن أفْعالِ الكَفَرَةِ فَيُعارِضَ مُلْحِدٌ بِذَلِكَ، ويَقُولُ هَذِهِ عَوْدَةٌ إلى مِلَّتِنا اسْتَثْنى مَشِيئَةَ اللَّهِ فِيما يُمْكِنُ أنْ يُتَعَبَّدَ بِهِ. انْتَهى. وهَذا الِاحْتِمالُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ إنَّما يَعْنِي النَّجاةَ مِنَ الكَفَرَةِ والمَعاصِيَ لا مِن أعْمالِ البِرِّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَعْنى الِاسْتِبْعادِ كَما تَقُولُ لا أفْعَلُ ذَلِكَ حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، وقَدْ عُلِمَ امْتِناعُ ذَلِكَ فَهي إحالَةٌ عَلى مُسْتَحِيلٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَكاهُ المُفَسِّرُونَ ولَمْ يَشْعُرُوا بِما فِيهِ. انْتَهى. وهَذا تَأْوِيلٌ إنَّما هو لِلْمُعْتَزِلَةِ ومَذْهَبُهم أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ لَيْسَ بِمَشِيئَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: وما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ أنْ يَشاءَ رِدَّةَ المُؤْمِنِينَ وعَوْدَهم في الكُفْرِ، قُلْتُ: مَعْناهُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ خِذْلانَنا ومَنعَنا الإلْطافَ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّها لا تَنْفَعُ فِينا، ويَكُونُ عَبَثًا والعَبَثُ قَبِيحٌ لا يَفْعَلُهُ الحَكِيمُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، أيْ: هو عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ ويَكُونُ وهو تَعالى يَعْلَمُ أحْوالَ عِبادِهِ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ قُلُوبُهم، وكَيْفَ تَنْقَلِبُ وكَيْفَ تَقْسُو بَعْدَ الرِّقَّةِ وتَمْرَضُ بَعْدَ الصِّحَّةِ، وتَرْجِعُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ حَسْمًا لِطَمَعِهِمْ في العَوْدِ؛ لِأنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى بِعَوْدِهِمْ في الكُفْرِ مُحالٌ خارِجٌ عَنِ الحِكْمَةِ. انْتَهى. وهَذانِ التَّأْوِيلانِ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وقِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ إنَّما هو تَسْلِيمٌ وتَأدُّبٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعَلُّقُ هَذا التَّأْوِيلِ مِن جِهَةِ اسْتِقْبالِ الِاسْتِثْناءِ ولَوْ كانَ الكَلامُ إنْ شاءَ قَوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ. انْتَهى ولَيْسَ يُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ لا فَرْقَ بَيْنَ إلّا أنْ يَشاءَ وبَيْنَ إلّا إنْ شاءَ؛ لِأنَّ إنْ تُخْلِصُ الماضِيَ لِلِاسْتِقْبالِ كَما تُخْلِصُ أنِ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ، وكِلا الفِعْلَيْنِ مُسْتَقْبَلٌ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فِيها﴾ يَعُودُ عَلى القَرْيَةِ لا عَلى المِلَّةِ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في الأنْعامِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾، أيْ: في دَفْعِ ما تَوَعَّدْتُمُونا بِهِ وفي حِمايَتِنا مِنَ الضَّلالِ، وفي ذَلِكَ اسْتِسْلامٌ لِلَّهِ وتَمَسُّكٌ بِلُطْفِهِ، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الأوَّلَ في إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُثَبِّتُنا عَلى الإيمانِ ويُوَفِّقُنا لِازْدِيادِ الإيقانِ.
﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾، أيِ: احْكم، والفاتِحُ والفَتّاحُ القاضِي بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وقِيلَ: بِلُغَةِ مُرادٍ، وقالَ بَعْضُهم:
؎ألا أبْلِغْ بَنِي عُصَمٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ حَتّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ لِزَوْجِها: تَعالَ (p-٣٤٥)أُفاتِحْكَ، أيْ: أُحاكِمْكَ، وقالَ الفَرّاءُ أهْلُ عُمانَ يُسَمُّونَ القاضِيَ الفاتِحَ، وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ بَحْرٍ: احْكم بَيْنَنا، قالَ أبُو إسْحاقَ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْفَتِحَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا ويَنْكَشِفَ ذَلِكَ، وذَلِكَ بِأنْ يَنْزِلَ بِعَدُوِّهِمْ مِنَ العَذابِ ما يَظْهَرُ بِهِ أنَّ الحَقَّ مَعَهم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ، ولَمّا طالَ تَمادى قَوْمُهُ في كُفْرِهِمْ ويَئِسَ مِن صَلاحِهِمْ دَعا عَلَيْهِمْ فاسْتَجابَ دُعاءَهُ وأهْلَكَهم بِالرَّجْفَةِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أرادَ هَلاكَ قَوْمِهِ أمَرَهُ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ اسْتَجابَ لَهُ فَأهْلَكَهم.
الأعراف 7:89
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢] ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْم لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٠] ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٣] ﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٤] ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٨] ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٢] ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣] ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٤] ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]
(p-٣٤٢)عادَ: رَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ وتَأْتِي بِمَعْنى صارَ. قالَ:
؎تُعِدْ فِيكم جَزْرَ الجَزُورِ رِماحُنا ويَرْجِعْنَ بِالأسْيافِ مُنْكَسِراتِ
ضُحًى: ظَرْفٌ مُتَصَرِّفٌ إنْ كانَ نَكِرَةً، وغَيْرُ مُتَصَرِّفٍ إذا كانَ مِن يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، وهو وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ إذا طَلَعَتْ وهو مُؤَنَّثٌ وشَذُّوا في تَصْغِيرِهِ فَقالُوا: ضُحَيٌّ بِغَيْرِ تاءِ التَّأْنِيثِ، وتَقُولُ أتَيْتُهُ ضُحًى وضَحاءً، إذا فَتَحْتَ الضّادَ مَدَدْتَ، الثُّعْبانُ: ذَكَرُ الحَيّاتِ العَظِيمُ، أُخِذَ مَن ثَعَبْتَ بِالمَكانِ فَجَّرْتَهُ بِالماءِ، والمَثْعَبُ مَوْضِعُ انْفِجارِ الماءِ؛ لِأنَّ الثُّعْبانَ يَجْرِي كالماءِ عِنْدَ الِانْفِجارِ. الإرْجاءُ: التَّأْخِيرُ، المَدِينَةُ: مَعْرُوفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مَن مَدَنَ فَهي فَعِيلَةٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها مَفْعَلَةٌ مِن دانَ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِإجْماعِ العَرَبِ عَلى الهَمْزِ في جَمْعِها قالُوا مَدائِنُ بِالهَمْزِ، ولا يُحْفَظُ فِيهِ مَدايِنُ بِالياءِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى أنَّها مَفْعَلَةٌ ويَقْطَعُ بِأنَّها فَعِيلَةٌ جَمْعُهم لَها عَلى فُعُلٍ قالُوا: مُدُنٌ، كَما قالُوا صُحُفٌ في صَحِيفَةٍ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾، أيِ: الكُفّارُ ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ أقْسَمُوا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ إخْراجِ شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ، أوْ عَوْدَتِهِمْ في مِلَّتِهِمْ، والقَسَمُ يَكُونُ عَلى فِعْلِ المُقْسِمِ وفِعْلِ غَيْرِهِ سَوَّوْا بَيْنَ نَفْيِهِ ونَفْيِ أتْباعِهِ وبَيْنَ العَوْدِ في المِلَّةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صُعُوبَةِ مُفارَقَةِ الوَطَنِ إذْ قَرَنُوا ذَلِكَ بِالعَوْدِ إلى الكُفْرِ، وفي الإخْراجِ والعَوْدِ طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، وعادَ كَما تَقَدَّمَ لَها اسْتِعْمالانِ أحَدُهُما أنْ تَكُونَ بِمَعْنى صارَ والثّانِي بِمَعْنى رَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، فَعَلى الأوَّلِ لا إشْكالَ في قَوْلِهِ، أوْ لَتَعُودُنَّ إذْ صارَ فِعْلًا مُسْنَدًا إلى شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ شُعَيْبًا كانَ في مِلَّتِهِمْ وعَلى المَعْنى الثّانِي يُشْكَلُ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ في مِلَّتِهِمْ قَطُّ لَكِنَّ أتْباعَهم كانُوا فِيها، وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِوُجُوهٍ، أحَدِها: أنْ يُرادَ بِعَوْدِ شُعَيْبٍ في المِلَّةِ حالُ سُكُوتِهِ عَنْهم قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ لا حالَةَ الضَّلالِ فَإنَّهُ كانَ يُخْفِي دِينَهُ إلى أنْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَغْلِيبِ حُكْمِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ لَمّا عَطَفُوا أتْباعَهُ عَلى ضَمِيرِهِ في الإخْراجِ سَحَبُوا عَلَيْهِ حُكْمَهم في العَوْدِ، وإنْ كانَ شُعَيْبٌ بَرِيئًا مِمّا كانَ عَلَيْهِ أتْباعُهُ قَبْلَ الإيمانِ، الثّالِثُ: أنَّ رُؤَساءَهم قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّلْبِيسِ عَلى العامَّةِ والإيهامِ أنَّهُ كانَ مِنهم.
﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾، أيْ: أيَقَعُ مِنكم أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى في حالِ كَراهِيَّتِنا لِذَلِكَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْقِيفِ عَلى شُنْعَةِ المَعْصِيَةِ بِما أقْسَمُوا (p-٣٤٣)عَلَيْهِ مِنَ الإخْراجِ عَنْ مَواطِنِهِمْ ظُلْمًا، أوِ الإقْرارِ بِالعَوْدِ في مِلَّتِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ والواوُ واوُ الحالِ تَقْدِيرُهُ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا، أوْ مَعَ كَوْنِنا كارِهِينَ. انْتَهى. فَجَعَلَ الِاسْتِفْهامَ خاصًّا بِالعَوْدِ في مِلَّتِهِمْ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الِاسْتِفْهامُ هو عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، وجَعَلَ الواوَ واوَ الحالِ، وتَقْدِيرُهُ أتُعِيدُونَنا في حالِ كَراهَتِنا ولَيْسَتْ واوَ الحالِ الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْها النَّحْوِيُّونَ بِواوِ الحالِ، بَلْ هي واوُ العَطْفِ عُطِفَتْ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ كَقَوْلِهِ: «رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» لَيْسَ المَعْنى رُدُّوهُ في حالِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ، بَلِ المَعْنى رُدُّوهُ مَصْحُوبًا بِالصَّدَقَةِ ولَوْ مَصْحُوبًا بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ، تَقَدَّمَ لَنا إشْباعُ القَوْلِ في نَحْوِ هَذا.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ هَذا إخْبارٌ مُقَيَّدٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِالشَّرْطِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ، وتَقْدِيرُهُ ﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ فَقَدِ افْتَرَيْنا، ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ هو جَوابُ الشَّرْطِ إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَقْدِيمَ جَوابِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ فَيُمْكِنُ أنْ يُخَرَّجَ هَذا عَلَيْهِ، وجَوَّزُوا في هَذِهِ الجُمْلَةِ وجْهَيْنِ أحَدَهُما أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهم قالُوا ما أكْذَبَنا عَلى اللَّهِ إنْ عُدْنا في الكُفْرِ بَعْدَ الإسْلامِ؛ لِأنَّ المُرْتَدَّ أبْلَغُ في الِافْتِراءِ مِنَ الكافِرِ، يَعْنِي الأصْلِيَّ؛ لِأنَّ الكافِرَ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّ لِلَّهِ نِدًّا ولا نِدَّ لَهُ، والمُرْتَدُّ مِثْلُهُ في ذَلِكَ وزائِدٌ عَلَيْهِ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّهُ قَدْ بُيِّنَ لَهُ ما خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْيِيزِ ما بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ، أيْ: قَدْ كُنّا نُواقِعُ أمْرًا عَظِيمًا في الرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ قَسَمًا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ اللّامِ، أيْ: واللَّهِ لَقَدِ افْتَرَيْنا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأوْرَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ القَسَمِ الَّذِي هو في صِيغَةِ الدُّعاءِ، مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎بَقَّيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ∗∗∗ ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ
وكَما تَقُولُ افْتَرَيْتُ عَلى اللَّهِ أنْ كَلَّمْتُ فُلانًا، ولَمْ يُنْشِدِ ابْنُ عَطِيَّةَ البَيْتَ الَّذِي يُقَيِّدُ قَوْلَهُ: بَقَّيْتُ وما بَعْدَهُ بِالشَّرْطِ، وهو قَوْلُهُ:
؎إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غارَةً ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن نِهابِ نُفُوسِ
ولَمّا كانَ أمْرُ الدِّينِ هو الأعْظَمُ عِنْدَ المُؤْمِنِ والمُؤْثَرُ عَلى أمْرِ الدُّنْيا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الإخْراجِ وإنْ كانَ أحَدُ الأمْرَيْنِ هو الأعْظَمُ عِنْدَ المُؤْمِنِ والمُؤْثَرُ عَلى الكَذِبِ أقْسَمَ عَلى وُقُوعِهِ الكُفّارُ فَقالُوا قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العَوْدِ بِالصَّيْرُورَةِ، وتَأْوِيلُهُ إنْ كانَ في مَعْنى الرُّجُوعِ إلى ما كانَ الإنْسانُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ المَعْصُومِ مِنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ.
﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾، أيْ: وما يَنْبَغِي ولا يَتَهَيَّأُ لَنا أنْ نَعُودَ في مِلَّتِكم إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا فَنَعُودُ فِيها، وهَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى سَبِيلِ عَذْقِ جَمِيعِ الأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، وتَجْوِيزُ العَوْدِ (p-٣٤٤)مِنَ المُؤْمِنِينَ إلى مِلَّتِهِمْ دُونَ شُعَيْبٍ لِعِصْمَتِهِ بِالنُّبُوَّةِ، فَجَرى الِاسْتِثْناءُ عَلى سَبِيلِ تَغْلِيبِ حُكْمِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الواحِدُ داخِلًا في حُكْمِ الجَمْعِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اسْتِثْناءَ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِمّا تَفْعَلُهُ الكَفَرَةُ مِنَ القُرُباتِ، فَلَمّا قالَ لَهم إنّا لا نَعُودُ في مِلَّتِكم، ثُمَّ خَشِيَ أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِن أفْعالِ الكَفَرَةِ فَيُعارِضَ مُلْحِدٌ بِذَلِكَ، ويَقُولُ هَذِهِ عَوْدَةٌ إلى مِلَّتِنا اسْتَثْنى مَشِيئَةَ اللَّهِ فِيما يُمْكِنُ أنْ يُتَعَبَّدَ بِهِ. انْتَهى. وهَذا الِاحْتِمالُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ إنَّما يَعْنِي النَّجاةَ مِنَ الكَفَرَةِ والمَعاصِيَ لا مِن أعْمالِ البِرِّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَعْنى الِاسْتِبْعادِ كَما تَقُولُ لا أفْعَلُ ذَلِكَ حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، وقَدْ عُلِمَ امْتِناعُ ذَلِكَ فَهي إحالَةٌ عَلى مُسْتَحِيلٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَكاهُ المُفَسِّرُونَ ولَمْ يَشْعُرُوا بِما فِيهِ. انْتَهى. وهَذا تَأْوِيلٌ إنَّما هو لِلْمُعْتَزِلَةِ ومَذْهَبُهم أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ لَيْسَ بِمَشِيئَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: وما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ أنْ يَشاءَ رِدَّةَ المُؤْمِنِينَ وعَوْدَهم في الكُفْرِ، قُلْتُ: مَعْناهُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ خِذْلانَنا ومَنعَنا الإلْطافَ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّها لا تَنْفَعُ فِينا، ويَكُونُ عَبَثًا والعَبَثُ قَبِيحٌ لا يَفْعَلُهُ الحَكِيمُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، أيْ: هو عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ ويَكُونُ وهو تَعالى يَعْلَمُ أحْوالَ عِبادِهِ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ قُلُوبُهم، وكَيْفَ تَنْقَلِبُ وكَيْفَ تَقْسُو بَعْدَ الرِّقَّةِ وتَمْرَضُ بَعْدَ الصِّحَّةِ، وتَرْجِعُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ حَسْمًا لِطَمَعِهِمْ في العَوْدِ؛ لِأنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى بِعَوْدِهِمْ في الكُفْرِ مُحالٌ خارِجٌ عَنِ الحِكْمَةِ. انْتَهى. وهَذانِ التَّأْوِيلانِ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وقِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ إنَّما هو تَسْلِيمٌ وتَأدُّبٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعَلُّقُ هَذا التَّأْوِيلِ مِن جِهَةِ اسْتِقْبالِ الِاسْتِثْناءِ ولَوْ كانَ الكَلامُ إنْ شاءَ قَوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ. انْتَهى ولَيْسَ يُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ لا فَرْقَ بَيْنَ إلّا أنْ يَشاءَ وبَيْنَ إلّا إنْ شاءَ؛ لِأنَّ إنْ تُخْلِصُ الماضِيَ لِلِاسْتِقْبالِ كَما تُخْلِصُ أنِ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ، وكِلا الفِعْلَيْنِ مُسْتَقْبَلٌ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فِيها﴾ يَعُودُ عَلى القَرْيَةِ لا عَلى المِلَّةِ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في الأنْعامِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾، أيْ: في دَفْعِ ما تَوَعَّدْتُمُونا بِهِ وفي حِمايَتِنا مِنَ الضَّلالِ، وفي ذَلِكَ اسْتِسْلامٌ لِلَّهِ وتَمَسُّكٌ بِلُطْفِهِ، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الأوَّلَ في إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُثَبِّتُنا عَلى الإيمانِ ويُوَفِّقُنا لِازْدِيادِ الإيقانِ.
﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾، أيِ: احْكم، والفاتِحُ والفَتّاحُ القاضِي بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وقِيلَ: بِلُغَةِ مُرادٍ، وقالَ بَعْضُهم:
؎ألا أبْلِغْ بَنِي عُصَمٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ حَتّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ لِزَوْجِها: تَعالَ (p-٣٤٥)أُفاتِحْكَ، أيْ: أُحاكِمْكَ، وقالَ الفَرّاءُ أهْلُ عُمانَ يُسَمُّونَ القاضِيَ الفاتِحَ، وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ بَحْرٍ: احْكم بَيْنَنا، قالَ أبُو إسْحاقَ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْفَتِحَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا ويَنْكَشِفَ ذَلِكَ، وذَلِكَ بِأنْ يَنْزِلَ بِعَدُوِّهِمْ مِنَ العَذابِ ما يَظْهَرُ بِهِ أنَّ الحَقَّ مَعَهم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ، ولَمّا طالَ تَمادى قَوْمُهُ في كُفْرِهِمْ ويَئِسَ مِن صَلاحِهِمْ دَعا عَلَيْهِمْ فاسْتَجابَ دُعاءَهُ وأهْلَكَهم بِالرَّجْفَةِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أرادَ هَلاكَ قَوْمِهِ أمَرَهُ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ اسْتَجابَ لَهُ فَأهْلَكَهم.
الأعراف 7:90
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أيْ: كُبَراؤُهم لِأتْباعِهِمْ تَثْبِيطًا عَنِ الإيمانِ: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ﴾ وجَوابُ الشَّرْطِ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ. انْتَهى. والَّذِي تَقُولُ النَّحْوِيُّونَ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ وجَبَ مُضِيُّ فِعْلِ الشَّرْطِ فَإنْ عَنى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ: إنَّهُ اجْتُزِئَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ جَوابِ الشَّرْطِ فَهو قَرِيبٌ، وإنْ عَنى بِهِ أنَّهُ مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ النَّحْوِيَّةِ فَلَيْسَ كَما زَعَمَ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وأنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ (وإذًا) هُنا مَعْناها التَّوْكِيدُ، وهي الحَرْفُ الَّذِي هو جَوابٌ ويَكُونُ مَعَهُ الجَزاءُ، وقَدْ لا يَكُونُ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّها في هَذا المَوْضِعِ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ (لَخاسِرُونَ) والنُّونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّكم إذا اتَّبَعْتُمُوهُ لَخاسِرُونَ فَلَمّا حَذَفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ عَوَّضَ مِن ذَلِكَ النُّونَ فَصادَفَتِ الألِفَ فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَ الألِفُ لِالتِقائِهِما، والتَّعْوِيضُ فِيهِ مِثْلُ التَّعْوِيضِ في يَوْمِئِذٍ وحِينَئِذٍ ونَحْوِهِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا الزّاعِمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ التَّعْوِيضُ، والحَذْفُ في (إذًا) الَّتِي لِلِاسْتِقْبالِ في مَوْضِعٍ فَيُحْمَلُ هَذا عَلَيْهِ (لَخاسِرُونَ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَغْبُونُونَ، وقالَ عَطاءٌ: جاهِلُونَ، وقالَ الضَّحّاكُ: عَجَزَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَخاسِرُونَ لِاسْتِبْدالِكُمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى لِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] . وقِيلَ: تَخْسَرُونَ بِاتِّباعِهِ فَوائِدَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ؛ لِأنَّهُ يَنْهاكم عَنْهُ ويَحْمِلُكم عَلى الإيفاءِ والتَّسْوِيَةِ. انْتَهى.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ بابٌ مِن جَهَنَّمَ بِحَرٍّ شَدِيدٍ أخَذَ بِأنْفاسِهِمْ فَلَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فَإذا دَخَلُوا الأسْرابَ لِيَتَبَرَّدُوا وجَدُوها أشَدَّ حَرًّا مِنَ الظّاهِرِ فَخَرَجُوا هَرَبًا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَتَنادَوْا عَلَيْكُمُ الظُّلَّةُ فاجْتَمَعُوا تَحْتَها كُلُّهم فانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ وألْهَبَها اللَّهُ نارًا ورَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ فاحْتَرَقُوا كَما يَحْتَرِقُ الجَرادُ المَقْلُوُّ فَصارُوا رَمادًا. (p-٣٤٦)ورُوِيَ أنَّ الرِّيحَ حُبِسَتْ عَنْهم سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الحَرُّ، وقالَ يَزِيدُ الجَرِيرِيُّ: سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رُفِعَ لَهم جَبَلٌ مِن بَعِيدٍ فَأتاهُ رَجُلٌ فَإذا تَحْتَهُ أنْهارٌ وعُيُونٌ فاجْتَمَعُوا تَحْتَهُ كُلُّهم فَوَقَعَ ذَلِكَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكُوا بِالظُّلَّةِ، وإلى أصْحابِ مَدْيَنَ فَصاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَهَلَكُوا جَمِيعًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ فِرْقَةً مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ هَلَكَتْ بِالرَّجْفَةِ وفِرْقَةً هَلَكَتْ بِالظُّلَّةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا مِنهُ يُقالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْها لَمّا رَأى الظُّلَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا عَنْكم سُمَيْرًا وعِمْرانَ بْنَ شَدّادِ
؎إنِّي أرى غَيْمَةً يا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ∗∗∗ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلى صَمّانَةِ الوادِ
؎وإنَّهُ لَنْ تَرَوْا فِيها صُحاءَ غَدٍ ∗∗∗ إلّا الرَّقِيمَ تَمَشّى بَيْنَ أنْجادِ
سُمَيْرٌ وعِمْرانُ كاهِناهم، والرَّقِيمُ كَلْبُهم، وعَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ: أبْجَدْ وهَوَّزْ وحُطِّي وكَلَمُنْ وسَعْفَصْ وقَرْشَتْ أسْماءٌ كَمُلُوكِ مَدْيَنَ، وكانَ كَلَمُنْ مَلِكَهم يَوْمَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ زَمانَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا هَلَكَ قالَتِ ابْنَتُهُ تَبْكِيهِ:
؎كَلَمُنْ قَدْ هَدَّ رُكْنِي ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحَلَّهْ
؎سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ ∗∗∗ الحَتْفُ نارًا وسْطَ ظُلَّهْ
؎جُعِلَتْ نارًا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّهْ
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾، أيْ: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا ناعِمِي البالِ رَخِيِّي العَيْشِ في دارِهِمْ، وفِيها قُوَّةُ الإخْبارِ عَنْ هَلاكِهِمْ وحُلُولُ المَكْرُوهِ بِهِمْ، والتَّنْبِيهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرُ
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وغَنَيْتُ بِالمَكانِ إنَّما يُقالُ في الإقامَةِ الَّتِي هي مُقْتَرِنَةٌ بِتَنَعُّمٍ وعَيْشٍ رَخِيٍّ هَذا الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ الأشْعارِ الَّتِي ذَكَرَتِ العَرَبُ فِيها هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ عِدَّةَ أبْياتٍ، ثُمَّ قالَ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ فَكُلًّا سَقانا بِكَأْسَيْهِما الدَّهْرُ
فَمَعْناهُ اسْتَغْنَيْنا ورَضِينا مَعَ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً بِمَكانٍ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَأنْ لَمْ يُعَمَّرُوا، وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا، وقالَ الأخْفَشُ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا، وقالَ أيْضًا قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ: كَأنْ لَمْ يَكُونُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَنْزِلُوا، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا، و(الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ خَبَرُهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا الِابْتِداءِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ المَخْصُوصُونَ بِأنْ أُهْلِكُوا واسْتُؤْصِلُوا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا شُعَيْبًا قَدْ أنْجاهُمُ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ، و﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (كَذَّبُوا) وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا صِفَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مَن قَوْمِهِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ (كَأنْ) حالًا. انْتَهى. وهَذِهِ أوْجُهٌ مُتَكَلَّفَةٌ، والظّاهِرُ أنَّها جُمَلٌ مُسْتَقِلَّةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ هَذا أيْضًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، أيْ: هُمُ المَخْصُوصُونَ بِالخُسْرانِ العَظِيمِ دُونَ اتِّباعِهِ، فَإنَّهم هُمُ الرّابِحُونَ وفي هَذا الِاسْتِئْنافِ لِهَذا الِابْتِداءِ، وهَذا التَّكْرِيرُ مُبالَغَةٌ في رَدِّ (p-٣٤٧)مَقالَةِ المَلَأِ لِأشْياعِهِمْ وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ واسْتِهْزاءٌ بِنُصْحِهِمْ لِقَوْمِهِمْ واسْتِعْظامٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ. انْتَهى. وهاتانِ الجُمْلَتانِ مُنْبِئَتانِ عَنْ ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ في مَقالَتِهِمْ قالُوا ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ﴾ [الأعراف: ٨٨] فَجاءَ الإخْبارُ بِإخْراجِهِمْ بِالهَلاكِ، وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِن إخْراجِهِمْ وقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَحَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ هم بِالخُسْرانِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ في إعْرابِ ”الَّذِينَ“ هُنا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَغْنَوْا)، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي، والِابْتِداءُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْوى وأجْزَلُ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾، أيْ: فَكَيْفَ أحْزَنُ عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُحْزَنَ عَلَيْهِ ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ الَّتِي لا تَبْعَثُ عَلى الحُزْنِ وهي الكُفْرُ، إذْ هو أعْظَمُ ما يُعادِي بِهِ المُؤْمِنُ إذْ هُما نَقِيضانِ كَما جاءَ: لا تَتَراءى ناراهُما، وكَأنَّهُ وجَدَ في نَفْسِهِ رِقَّةً عَلَيْهِمْ حَيْثُ كانَ أمَلُهُ فِيهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا فَلَمْ يَقْدِرْ فَسَرّى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِاسْتِحْضارِ سَبَبِ التَّسَلِّي عَنْهم والقَسْوَةِ فَذَكَرَ أشْنَعَ ما ارْتَكَبُوهُ مَعَهُ مِنَ الوَصْفِ، الَّذِي هو الكُفْرُ بِاللَّهِ الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وعَلى المُناوَأةِ الشَّدِيدَةِ حَتّى لا يُساكِنُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ وبِأشَدَّ مِنهُ، وهو عَوْدُهم إلى مِلَّتِهِمْ، قالَ مَكِّيٌّ: وسارَ شُعَيْبٌ بِمَن تَبِعَهُ إلى مَكَّةَ فَسَكَنُوها، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ (إيسِي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في الفاتِحَةِ.
الأعراف 7:91
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أيْ: كُبَراؤُهم لِأتْباعِهِمْ تَثْبِيطًا عَنِ الإيمانِ: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ﴾ وجَوابُ الشَّرْطِ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ. انْتَهى. والَّذِي تَقُولُ النَّحْوِيُّونَ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ وجَبَ مُضِيُّ فِعْلِ الشَّرْطِ فَإنْ عَنى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ: إنَّهُ اجْتُزِئَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ جَوابِ الشَّرْطِ فَهو قَرِيبٌ، وإنْ عَنى بِهِ أنَّهُ مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ النَّحْوِيَّةِ فَلَيْسَ كَما زَعَمَ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وأنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ (وإذًا) هُنا مَعْناها التَّوْكِيدُ، وهي الحَرْفُ الَّذِي هو جَوابٌ ويَكُونُ مَعَهُ الجَزاءُ، وقَدْ لا يَكُونُ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّها في هَذا المَوْضِعِ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ (لَخاسِرُونَ) والنُّونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّكم إذا اتَّبَعْتُمُوهُ لَخاسِرُونَ فَلَمّا حَذَفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ عَوَّضَ مِن ذَلِكَ النُّونَ فَصادَفَتِ الألِفَ فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَ الألِفُ لِالتِقائِهِما، والتَّعْوِيضُ فِيهِ مِثْلُ التَّعْوِيضِ في يَوْمِئِذٍ وحِينَئِذٍ ونَحْوِهِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا الزّاعِمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ التَّعْوِيضُ، والحَذْفُ في (إذًا) الَّتِي لِلِاسْتِقْبالِ في مَوْضِعٍ فَيُحْمَلُ هَذا عَلَيْهِ (لَخاسِرُونَ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَغْبُونُونَ، وقالَ عَطاءٌ: جاهِلُونَ، وقالَ الضَّحّاكُ: عَجَزَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَخاسِرُونَ لِاسْتِبْدالِكُمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى لِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] . وقِيلَ: تَخْسَرُونَ بِاتِّباعِهِ فَوائِدَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ؛ لِأنَّهُ يَنْهاكم عَنْهُ ويَحْمِلُكم عَلى الإيفاءِ والتَّسْوِيَةِ. انْتَهى.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ بابٌ مِن جَهَنَّمَ بِحَرٍّ شَدِيدٍ أخَذَ بِأنْفاسِهِمْ فَلَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فَإذا دَخَلُوا الأسْرابَ لِيَتَبَرَّدُوا وجَدُوها أشَدَّ حَرًّا مِنَ الظّاهِرِ فَخَرَجُوا هَرَبًا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَتَنادَوْا عَلَيْكُمُ الظُّلَّةُ فاجْتَمَعُوا تَحْتَها كُلُّهم فانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ وألْهَبَها اللَّهُ نارًا ورَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ فاحْتَرَقُوا كَما يَحْتَرِقُ الجَرادُ المَقْلُوُّ فَصارُوا رَمادًا. (p-٣٤٦)ورُوِيَ أنَّ الرِّيحَ حُبِسَتْ عَنْهم سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الحَرُّ، وقالَ يَزِيدُ الجَرِيرِيُّ: سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رُفِعَ لَهم جَبَلٌ مِن بَعِيدٍ فَأتاهُ رَجُلٌ فَإذا تَحْتَهُ أنْهارٌ وعُيُونٌ فاجْتَمَعُوا تَحْتَهُ كُلُّهم فَوَقَعَ ذَلِكَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكُوا بِالظُّلَّةِ، وإلى أصْحابِ مَدْيَنَ فَصاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَهَلَكُوا جَمِيعًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ فِرْقَةً مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ هَلَكَتْ بِالرَّجْفَةِ وفِرْقَةً هَلَكَتْ بِالظُّلَّةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا مِنهُ يُقالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْها لَمّا رَأى الظُّلَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا عَنْكم سُمَيْرًا وعِمْرانَ بْنَ شَدّادِ
؎إنِّي أرى غَيْمَةً يا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ∗∗∗ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلى صَمّانَةِ الوادِ
؎وإنَّهُ لَنْ تَرَوْا فِيها صُحاءَ غَدٍ ∗∗∗ إلّا الرَّقِيمَ تَمَشّى بَيْنَ أنْجادِ
سُمَيْرٌ وعِمْرانُ كاهِناهم، والرَّقِيمُ كَلْبُهم، وعَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ: أبْجَدْ وهَوَّزْ وحُطِّي وكَلَمُنْ وسَعْفَصْ وقَرْشَتْ أسْماءٌ كَمُلُوكِ مَدْيَنَ، وكانَ كَلَمُنْ مَلِكَهم يَوْمَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ زَمانَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا هَلَكَ قالَتِ ابْنَتُهُ تَبْكِيهِ:
؎كَلَمُنْ قَدْ هَدَّ رُكْنِي ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحَلَّهْ
؎سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ ∗∗∗ الحَتْفُ نارًا وسْطَ ظُلَّهْ
؎جُعِلَتْ نارًا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّهْ
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾، أيْ: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا ناعِمِي البالِ رَخِيِّي العَيْشِ في دارِهِمْ، وفِيها قُوَّةُ الإخْبارِ عَنْ هَلاكِهِمْ وحُلُولُ المَكْرُوهِ بِهِمْ، والتَّنْبِيهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرُ
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وغَنَيْتُ بِالمَكانِ إنَّما يُقالُ في الإقامَةِ الَّتِي هي مُقْتَرِنَةٌ بِتَنَعُّمٍ وعَيْشٍ رَخِيٍّ هَذا الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ الأشْعارِ الَّتِي ذَكَرَتِ العَرَبُ فِيها هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ عِدَّةَ أبْياتٍ، ثُمَّ قالَ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ فَكُلًّا سَقانا بِكَأْسَيْهِما الدَّهْرُ
فَمَعْناهُ اسْتَغْنَيْنا ورَضِينا مَعَ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً بِمَكانٍ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَأنْ لَمْ يُعَمَّرُوا، وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا، وقالَ الأخْفَشُ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا، وقالَ أيْضًا قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ: كَأنْ لَمْ يَكُونُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَنْزِلُوا، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا، و(الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ خَبَرُهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا الِابْتِداءِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ المَخْصُوصُونَ بِأنْ أُهْلِكُوا واسْتُؤْصِلُوا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا شُعَيْبًا قَدْ أنْجاهُمُ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ، و﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (كَذَّبُوا) وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا صِفَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مَن قَوْمِهِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ (كَأنْ) حالًا. انْتَهى. وهَذِهِ أوْجُهٌ مُتَكَلَّفَةٌ، والظّاهِرُ أنَّها جُمَلٌ مُسْتَقِلَّةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ هَذا أيْضًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، أيْ: هُمُ المَخْصُوصُونَ بِالخُسْرانِ العَظِيمِ دُونَ اتِّباعِهِ، فَإنَّهم هُمُ الرّابِحُونَ وفي هَذا الِاسْتِئْنافِ لِهَذا الِابْتِداءِ، وهَذا التَّكْرِيرُ مُبالَغَةٌ في رَدِّ (p-٣٤٧)مَقالَةِ المَلَأِ لِأشْياعِهِمْ وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ واسْتِهْزاءٌ بِنُصْحِهِمْ لِقَوْمِهِمْ واسْتِعْظامٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ. انْتَهى. وهاتانِ الجُمْلَتانِ مُنْبِئَتانِ عَنْ ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ في مَقالَتِهِمْ قالُوا ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ﴾ [الأعراف: ٨٨] فَجاءَ الإخْبارُ بِإخْراجِهِمْ بِالهَلاكِ، وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِن إخْراجِهِمْ وقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَحَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ هم بِالخُسْرانِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ في إعْرابِ ”الَّذِينَ“ هُنا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَغْنَوْا)، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي، والِابْتِداءُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْوى وأجْزَلُ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾، أيْ: فَكَيْفَ أحْزَنُ عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُحْزَنَ عَلَيْهِ ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ الَّتِي لا تَبْعَثُ عَلى الحُزْنِ وهي الكُفْرُ، إذْ هو أعْظَمُ ما يُعادِي بِهِ المُؤْمِنُ إذْ هُما نَقِيضانِ كَما جاءَ: لا تَتَراءى ناراهُما، وكَأنَّهُ وجَدَ في نَفْسِهِ رِقَّةً عَلَيْهِمْ حَيْثُ كانَ أمَلُهُ فِيهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا فَلَمْ يَقْدِرْ فَسَرّى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِاسْتِحْضارِ سَبَبِ التَّسَلِّي عَنْهم والقَسْوَةِ فَذَكَرَ أشْنَعَ ما ارْتَكَبُوهُ مَعَهُ مِنَ الوَصْفِ، الَّذِي هو الكُفْرُ بِاللَّهِ الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وعَلى المُناوَأةِ الشَّدِيدَةِ حَتّى لا يُساكِنُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ وبِأشَدَّ مِنهُ، وهو عَوْدُهم إلى مِلَّتِهِمْ، قالَ مَكِّيٌّ: وسارَ شُعَيْبٌ بِمَن تَبِعَهُ إلى مَكَّةَ فَسَكَنُوها، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ (إيسِي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في الفاتِحَةِ.
الأعراف 7:92
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أيْ: كُبَراؤُهم لِأتْباعِهِمْ تَثْبِيطًا عَنِ الإيمانِ: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ﴾ وجَوابُ الشَّرْطِ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ. انْتَهى. والَّذِي تَقُولُ النَّحْوِيُّونَ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ وجَبَ مُضِيُّ فِعْلِ الشَّرْطِ فَإنْ عَنى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ: إنَّهُ اجْتُزِئَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ جَوابِ الشَّرْطِ فَهو قَرِيبٌ، وإنْ عَنى بِهِ أنَّهُ مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ النَّحْوِيَّةِ فَلَيْسَ كَما زَعَمَ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وأنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ (وإذًا) هُنا مَعْناها التَّوْكِيدُ، وهي الحَرْفُ الَّذِي هو جَوابٌ ويَكُونُ مَعَهُ الجَزاءُ، وقَدْ لا يَكُونُ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّها في هَذا المَوْضِعِ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ (لَخاسِرُونَ) والنُّونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّكم إذا اتَّبَعْتُمُوهُ لَخاسِرُونَ فَلَمّا حَذَفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ عَوَّضَ مِن ذَلِكَ النُّونَ فَصادَفَتِ الألِفَ فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَ الألِفُ لِالتِقائِهِما، والتَّعْوِيضُ فِيهِ مِثْلُ التَّعْوِيضِ في يَوْمِئِذٍ وحِينَئِذٍ ونَحْوِهِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا الزّاعِمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ التَّعْوِيضُ، والحَذْفُ في (إذًا) الَّتِي لِلِاسْتِقْبالِ في مَوْضِعٍ فَيُحْمَلُ هَذا عَلَيْهِ (لَخاسِرُونَ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَغْبُونُونَ، وقالَ عَطاءٌ: جاهِلُونَ، وقالَ الضَّحّاكُ: عَجَزَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَخاسِرُونَ لِاسْتِبْدالِكُمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى لِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] . وقِيلَ: تَخْسَرُونَ بِاتِّباعِهِ فَوائِدَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ؛ لِأنَّهُ يَنْهاكم عَنْهُ ويَحْمِلُكم عَلى الإيفاءِ والتَّسْوِيَةِ. انْتَهى.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ بابٌ مِن جَهَنَّمَ بِحَرٍّ شَدِيدٍ أخَذَ بِأنْفاسِهِمْ فَلَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فَإذا دَخَلُوا الأسْرابَ لِيَتَبَرَّدُوا وجَدُوها أشَدَّ حَرًّا مِنَ الظّاهِرِ فَخَرَجُوا هَرَبًا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَتَنادَوْا عَلَيْكُمُ الظُّلَّةُ فاجْتَمَعُوا تَحْتَها كُلُّهم فانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ وألْهَبَها اللَّهُ نارًا ورَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ فاحْتَرَقُوا كَما يَحْتَرِقُ الجَرادُ المَقْلُوُّ فَصارُوا رَمادًا. (p-٣٤٦)ورُوِيَ أنَّ الرِّيحَ حُبِسَتْ عَنْهم سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الحَرُّ، وقالَ يَزِيدُ الجَرِيرِيُّ: سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رُفِعَ لَهم جَبَلٌ مِن بَعِيدٍ فَأتاهُ رَجُلٌ فَإذا تَحْتَهُ أنْهارٌ وعُيُونٌ فاجْتَمَعُوا تَحْتَهُ كُلُّهم فَوَقَعَ ذَلِكَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكُوا بِالظُّلَّةِ، وإلى أصْحابِ مَدْيَنَ فَصاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَهَلَكُوا جَمِيعًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ فِرْقَةً مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ هَلَكَتْ بِالرَّجْفَةِ وفِرْقَةً هَلَكَتْ بِالظُّلَّةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا مِنهُ يُقالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْها لَمّا رَأى الظُّلَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا عَنْكم سُمَيْرًا وعِمْرانَ بْنَ شَدّادِ
؎إنِّي أرى غَيْمَةً يا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ∗∗∗ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلى صَمّانَةِ الوادِ
؎وإنَّهُ لَنْ تَرَوْا فِيها صُحاءَ غَدٍ ∗∗∗ إلّا الرَّقِيمَ تَمَشّى بَيْنَ أنْجادِ
سُمَيْرٌ وعِمْرانُ كاهِناهم، والرَّقِيمُ كَلْبُهم، وعَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ: أبْجَدْ وهَوَّزْ وحُطِّي وكَلَمُنْ وسَعْفَصْ وقَرْشَتْ أسْماءٌ كَمُلُوكِ مَدْيَنَ، وكانَ كَلَمُنْ مَلِكَهم يَوْمَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ زَمانَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا هَلَكَ قالَتِ ابْنَتُهُ تَبْكِيهِ:
؎كَلَمُنْ قَدْ هَدَّ رُكْنِي ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحَلَّهْ
؎سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ ∗∗∗ الحَتْفُ نارًا وسْطَ ظُلَّهْ
؎جُعِلَتْ نارًا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّهْ
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾، أيْ: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا ناعِمِي البالِ رَخِيِّي العَيْشِ في دارِهِمْ، وفِيها قُوَّةُ الإخْبارِ عَنْ هَلاكِهِمْ وحُلُولُ المَكْرُوهِ بِهِمْ، والتَّنْبِيهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرُ
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وغَنَيْتُ بِالمَكانِ إنَّما يُقالُ في الإقامَةِ الَّتِي هي مُقْتَرِنَةٌ بِتَنَعُّمٍ وعَيْشٍ رَخِيٍّ هَذا الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ الأشْعارِ الَّتِي ذَكَرَتِ العَرَبُ فِيها هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ عِدَّةَ أبْياتٍ، ثُمَّ قالَ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ فَكُلًّا سَقانا بِكَأْسَيْهِما الدَّهْرُ
فَمَعْناهُ اسْتَغْنَيْنا ورَضِينا مَعَ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً بِمَكانٍ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَأنْ لَمْ يُعَمَّرُوا، وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا، وقالَ الأخْفَشُ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا، وقالَ أيْضًا قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ: كَأنْ لَمْ يَكُونُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَنْزِلُوا، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا، و(الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ خَبَرُهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا الِابْتِداءِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ المَخْصُوصُونَ بِأنْ أُهْلِكُوا واسْتُؤْصِلُوا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا شُعَيْبًا قَدْ أنْجاهُمُ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ، و﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (كَذَّبُوا) وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا صِفَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مَن قَوْمِهِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ (كَأنْ) حالًا. انْتَهى. وهَذِهِ أوْجُهٌ مُتَكَلَّفَةٌ، والظّاهِرُ أنَّها جُمَلٌ مُسْتَقِلَّةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ هَذا أيْضًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، أيْ: هُمُ المَخْصُوصُونَ بِالخُسْرانِ العَظِيمِ دُونَ اتِّباعِهِ، فَإنَّهم هُمُ الرّابِحُونَ وفي هَذا الِاسْتِئْنافِ لِهَذا الِابْتِداءِ، وهَذا التَّكْرِيرُ مُبالَغَةٌ في رَدِّ (p-٣٤٧)مَقالَةِ المَلَأِ لِأشْياعِهِمْ وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ واسْتِهْزاءٌ بِنُصْحِهِمْ لِقَوْمِهِمْ واسْتِعْظامٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ. انْتَهى. وهاتانِ الجُمْلَتانِ مُنْبِئَتانِ عَنْ ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ في مَقالَتِهِمْ قالُوا ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ﴾ [الأعراف: ٨٨] فَجاءَ الإخْبارُ بِإخْراجِهِمْ بِالهَلاكِ، وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِن إخْراجِهِمْ وقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَحَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ هم بِالخُسْرانِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ في إعْرابِ ”الَّذِينَ“ هُنا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَغْنَوْا)، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي، والِابْتِداءُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْوى وأجْزَلُ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾، أيْ: فَكَيْفَ أحْزَنُ عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُحْزَنَ عَلَيْهِ ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ الَّتِي لا تَبْعَثُ عَلى الحُزْنِ وهي الكُفْرُ، إذْ هو أعْظَمُ ما يُعادِي بِهِ المُؤْمِنُ إذْ هُما نَقِيضانِ كَما جاءَ: لا تَتَراءى ناراهُما، وكَأنَّهُ وجَدَ في نَفْسِهِ رِقَّةً عَلَيْهِمْ حَيْثُ كانَ أمَلُهُ فِيهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا فَلَمْ يَقْدِرْ فَسَرّى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِاسْتِحْضارِ سَبَبِ التَّسَلِّي عَنْهم والقَسْوَةِ فَذَكَرَ أشْنَعَ ما ارْتَكَبُوهُ مَعَهُ مِنَ الوَصْفِ، الَّذِي هو الكُفْرُ بِاللَّهِ الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وعَلى المُناوَأةِ الشَّدِيدَةِ حَتّى لا يُساكِنُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ وبِأشَدَّ مِنهُ، وهو عَوْدُهم إلى مِلَّتِهِمْ، قالَ مَكِّيٌّ: وسارَ شُعَيْبٌ بِمَن تَبِعَهُ إلى مَكَّةَ فَسَكَنُوها، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ (إيسِي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في الفاتِحَةِ.
الأعراف 7:93
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أيْ: كُبَراؤُهم لِأتْباعِهِمْ تَثْبِيطًا عَنِ الإيمانِ: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ﴾ وجَوابُ الشَّرْطِ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ. انْتَهى. والَّذِي تَقُولُ النَّحْوِيُّونَ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ وجَبَ مُضِيُّ فِعْلِ الشَّرْطِ فَإنْ عَنى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ: إنَّهُ اجْتُزِئَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ جَوابِ الشَّرْطِ فَهو قَرِيبٌ، وإنْ عَنى بِهِ أنَّهُ مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ النَّحْوِيَّةِ فَلَيْسَ كَما زَعَمَ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وأنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ (وإذًا) هُنا مَعْناها التَّوْكِيدُ، وهي الحَرْفُ الَّذِي هو جَوابٌ ويَكُونُ مَعَهُ الجَزاءُ، وقَدْ لا يَكُونُ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّها في هَذا المَوْضِعِ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ (لَخاسِرُونَ) والنُّونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّكم إذا اتَّبَعْتُمُوهُ لَخاسِرُونَ فَلَمّا حَذَفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ عَوَّضَ مِن ذَلِكَ النُّونَ فَصادَفَتِ الألِفَ فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَ الألِفُ لِالتِقائِهِما، والتَّعْوِيضُ فِيهِ مِثْلُ التَّعْوِيضِ في يَوْمِئِذٍ وحِينَئِذٍ ونَحْوِهِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا الزّاعِمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ التَّعْوِيضُ، والحَذْفُ في (إذًا) الَّتِي لِلِاسْتِقْبالِ في مَوْضِعٍ فَيُحْمَلُ هَذا عَلَيْهِ (لَخاسِرُونَ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَغْبُونُونَ، وقالَ عَطاءٌ: جاهِلُونَ، وقالَ الضَّحّاكُ: عَجَزَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَخاسِرُونَ لِاسْتِبْدالِكُمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى لِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] . وقِيلَ: تَخْسَرُونَ بِاتِّباعِهِ فَوائِدَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ؛ لِأنَّهُ يَنْهاكم عَنْهُ ويَحْمِلُكم عَلى الإيفاءِ والتَّسْوِيَةِ. انْتَهى.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ بابٌ مِن جَهَنَّمَ بِحَرٍّ شَدِيدٍ أخَذَ بِأنْفاسِهِمْ فَلَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فَإذا دَخَلُوا الأسْرابَ لِيَتَبَرَّدُوا وجَدُوها أشَدَّ حَرًّا مِنَ الظّاهِرِ فَخَرَجُوا هَرَبًا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَتَنادَوْا عَلَيْكُمُ الظُّلَّةُ فاجْتَمَعُوا تَحْتَها كُلُّهم فانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ وألْهَبَها اللَّهُ نارًا ورَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ فاحْتَرَقُوا كَما يَحْتَرِقُ الجَرادُ المَقْلُوُّ فَصارُوا رَمادًا. (p-٣٤٦)ورُوِيَ أنَّ الرِّيحَ حُبِسَتْ عَنْهم سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الحَرُّ، وقالَ يَزِيدُ الجَرِيرِيُّ: سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رُفِعَ لَهم جَبَلٌ مِن بَعِيدٍ فَأتاهُ رَجُلٌ فَإذا تَحْتَهُ أنْهارٌ وعُيُونٌ فاجْتَمَعُوا تَحْتَهُ كُلُّهم فَوَقَعَ ذَلِكَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكُوا بِالظُّلَّةِ، وإلى أصْحابِ مَدْيَنَ فَصاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَهَلَكُوا جَمِيعًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ فِرْقَةً مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ هَلَكَتْ بِالرَّجْفَةِ وفِرْقَةً هَلَكَتْ بِالظُّلَّةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا مِنهُ يُقالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْها لَمّا رَأى الظُّلَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:
؎يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا عَنْكم سُمَيْرًا وعِمْرانَ بْنَ شَدّادِ
؎إنِّي أرى غَيْمَةً يا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ∗∗∗ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلى صَمّانَةِ الوادِ
؎وإنَّهُ لَنْ تَرَوْا فِيها صُحاءَ غَدٍ ∗∗∗ إلّا الرَّقِيمَ تَمَشّى بَيْنَ أنْجادِ
سُمَيْرٌ وعِمْرانُ كاهِناهم، والرَّقِيمُ كَلْبُهم، وعَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ: أبْجَدْ وهَوَّزْ وحُطِّي وكَلَمُنْ وسَعْفَصْ وقَرْشَتْ أسْماءٌ كَمُلُوكِ مَدْيَنَ، وكانَ كَلَمُنْ مَلِكَهم يَوْمَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ زَمانَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا هَلَكَ قالَتِ ابْنَتُهُ تَبْكِيهِ:
؎كَلَمُنْ قَدْ هَدَّ رُكْنِي ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحَلَّهْ
؎سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ ∗∗∗ الحَتْفُ نارًا وسْطَ ظُلَّهْ
؎جُعِلَتْ نارًا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّهْ
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾، أيْ: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا ناعِمِي البالِ رَخِيِّي العَيْشِ في دارِهِمْ، وفِيها قُوَّةُ الإخْبارِ عَنْ هَلاكِهِمْ وحُلُولُ المَكْرُوهِ بِهِمْ، والتَّنْبِيهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرُ
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وغَنَيْتُ بِالمَكانِ إنَّما يُقالُ في الإقامَةِ الَّتِي هي مُقْتَرِنَةٌ بِتَنَعُّمٍ وعَيْشٍ رَخِيٍّ هَذا الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ الأشْعارِ الَّتِي ذَكَرَتِ العَرَبُ فِيها هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ عِدَّةَ أبْياتٍ، ثُمَّ قالَ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ فَكُلًّا سَقانا بِكَأْسَيْهِما الدَّهْرُ
فَمَعْناهُ اسْتَغْنَيْنا ورَضِينا مَعَ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً بِمَكانٍ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَأنْ لَمْ يُعَمَّرُوا، وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا، وقالَ الأخْفَشُ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا، وقالَ أيْضًا قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ: كَأنْ لَمْ يَكُونُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَنْزِلُوا، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا، و(الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ خَبَرُهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا الِابْتِداءِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ المَخْصُوصُونَ بِأنْ أُهْلِكُوا واسْتُؤْصِلُوا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا شُعَيْبًا قَدْ أنْجاهُمُ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ، و﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (كَذَّبُوا) وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا صِفَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مَن قَوْمِهِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ (كَأنْ) حالًا. انْتَهى. وهَذِهِ أوْجُهٌ مُتَكَلَّفَةٌ، والظّاهِرُ أنَّها جُمَلٌ مُسْتَقِلَّةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ هَذا أيْضًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، أيْ: هُمُ المَخْصُوصُونَ بِالخُسْرانِ العَظِيمِ دُونَ اتِّباعِهِ، فَإنَّهم هُمُ الرّابِحُونَ وفي هَذا الِاسْتِئْنافِ لِهَذا الِابْتِداءِ، وهَذا التَّكْرِيرُ مُبالَغَةٌ في رَدِّ (p-٣٤٧)مَقالَةِ المَلَأِ لِأشْياعِهِمْ وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ واسْتِهْزاءٌ بِنُصْحِهِمْ لِقَوْمِهِمْ واسْتِعْظامٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ. انْتَهى. وهاتانِ الجُمْلَتانِ مُنْبِئَتانِ عَنْ ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ في مَقالَتِهِمْ قالُوا ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ﴾ [الأعراف: ٨٨] فَجاءَ الإخْبارُ بِإخْراجِهِمْ بِالهَلاكِ، وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِن إخْراجِهِمْ وقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَحَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ هم بِالخُسْرانِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ في إعْرابِ ”الَّذِينَ“ هُنا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَغْنَوْا)، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي، والِابْتِداءُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْوى وأجْزَلُ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾، أيْ: فَكَيْفَ أحْزَنُ عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُحْزَنَ عَلَيْهِ ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ الَّتِي لا تَبْعَثُ عَلى الحُزْنِ وهي الكُفْرُ، إذْ هو أعْظَمُ ما يُعادِي بِهِ المُؤْمِنُ إذْ هُما نَقِيضانِ كَما جاءَ: لا تَتَراءى ناراهُما، وكَأنَّهُ وجَدَ في نَفْسِهِ رِقَّةً عَلَيْهِمْ حَيْثُ كانَ أمَلُهُ فِيهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا فَلَمْ يَقْدِرْ فَسَرّى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِاسْتِحْضارِ سَبَبِ التَّسَلِّي عَنْهم والقَسْوَةِ فَذَكَرَ أشْنَعَ ما ارْتَكَبُوهُ مَعَهُ مِنَ الوَصْفِ، الَّذِي هو الكُفْرُ بِاللَّهِ الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وعَلى المُناوَأةِ الشَّدِيدَةِ حَتّى لا يُساكِنُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ وبِأشَدَّ مِنهُ، وهو عَوْدُهم إلى مِلَّتِهِمْ، قالَ مَكِّيٌّ: وسارَ شُعَيْبٌ بِمَن تَبِعَهُ إلى مَكَّةَ فَسَكَنُوها، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ (إيسِي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في الفاتِحَةِ.
الأعراف 7:94
﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِن بَأْسِهِ وسَطْوَتِهِ عَلَيْهِمْ آخِرَ أمْرِهِمْ حِينَ لا تُجْدِي فِيهِمُ المَوْعِظَةُ ذَكَرَ تَعالى أنَّ تِلْكَ عادَتَهُ في أتْباعِ الأنْبِياءِ إذا أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وجاءَ بَعْدَ إلّا فِعْلٌ ماضٍ وهو (أخَذْنا) ولا يَلِيها فِعْلٌ ماضٍ إلّا إنْ تَقَدَّمَ فِعْلٌ، أوْ أُصْحِبَ بِقَدْ، فَمِثالُ ما تَقَدَّمَهُ فِعْلٌ هَذِهِ الآيَةُ، ومِثالُ ما أُصْحِبَ قَدْ قَوْلُكَ ما زَيْدٌ إلّا قَدْ قامَ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (أخَذْنا) حالِيَّةٌ، أيْ: إلّا آخِذِينَ أهْلَها، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأحْوالِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أخَذْنا﴾ إلى آخِرِهِ.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾، أيْ: مَكانَ الحالِ السَّيِّئَةِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ الحالُ الحَسَنَةُ مِنَ السَّرّاءِ والنِّعْمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ مَكانُ الشِّدَّةِ الرَّخاءُ، وقِيلَ: مَكانُ الشَّرِّ الخَيْرُ ومَكانُ و(الحَسَنَةَ) مَفْعُولًا بَدَلَ و(مَكانَ) هو مَحَلُّ الباءِ، أيْ: بِمَكانِ السَّيِّئَةِ، وفي لَفْظِ (مَكانَ) إشْعارٌ بِتَمَكُّنِ البَأْساءِ مِنهم كَأنَّهُ صارَ لِلشِّدَّةِ عِنْدَهم مَكانٌ، وأعْرَبَ بَعْضُهم (مَكانَ) ظَرْفًا، أيْ: في مَكانِ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾، أيْ: كَثُرُوا وتَناسَلُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: كَثُرَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: حَتّى أعْرَضُوا مِن عَفا عَنْ ذَنْبِهِ، أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقالَ الحَسَنُ: سَمِنُوا، وقالَ قَتادَةُ سُرُّوا بِكَثْرَتِهِمْ، وذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ لَهم؛ لِأنَّهُ أخَذَهم بِالشِّدَّةِ لِيَتَّعِظُوا ويَزْدَجِرُوا فَلَمْ يَفْعَلُوا، ثُمَّ أخَذَهم بِالرَّخاءِ لِيَشْكُرُوا.
﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ وأشِرُوا، فَقالُوا هَذِهِ عادَةُ الدَّهْرِ ضَرّاءُ وسَرّاءُ، وقَدْ أصابَ آباءَنا مِثْلُ ذَلِكَ لا بِابْتِلاءٍ وقَصْدٍ، بَلْ ذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ لا عَلى ما تُخْبِرُ الأنْبِياءُ جَعَلُوا أسْلافَهم وما أصابَهم مَثَلًا لَهم ولِما يُصِيبُهم، فَلا يَنْبَغِي أنْ نُنْكِرَ هَذِهِ العادَةَ مِن أفْعالِ الدَّهْرِ.
﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَثَلِ هَذِهِ الآيَةِ لَمّا أفْسَدُوا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أُخِذُوا هَذا (p-٣٤٨)الأخْذِ.
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أيْ: لَوْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم يَتَلَبَّسُونَ بِالإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وبِالطّاعاتِ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الإيمانِ لِيَتَيَسَّرَ لَهم مِن بَرَكاتِ السَّماءِ، ولَكِنْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُكَذِّبُونَ الأنْبِياءَ فَيُؤْخَذُونَ بِاجْتِرامِهِمْ، وكُلٌّ مِنَ الإيمانِ والتَّكْذِيبِ والثَّوابِ والعِقابِ سَبَقَ بِهِ القَدَرُ، وأُضِيفَ الإيمانُ والتَّكْذِيبُ إلى العَبْدِ كَسْبًا، والمُوجِدُ لَهُما هو اللَّهُ تَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اللّامُ في القُرى إشارَةٌ إلى (القُرى) الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ كَأنَّهُ قالَ ولَوْ أنَّ أهْلَ تِلْكَ القُرى الَّذِينَ كَذَّبُوا وأُهْلِكُوا آمَنُوا بُدِّلَ كُفْرُهم واتَّقَوُا المَعاصِيَ مَكانَ ارْتِكابِها ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لَآتَيْناهم بِالخَيْرِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وقِيلَ: أرادَ المَطَرَ والنَّباتَ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ﴾ بِسُوءِ كَسْبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في (القُرى) لِلْجِنْسِ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ واتَّقَوُا المَعاصِيَ نَزْعَةُ الِاعْتِزالِ، رَتَّبَ تَعالى عَلى الإيمانِ والتَّقْوى فَتْحَ البَرَكاتِ، ورَتَّبَ عَلى التَّكْذِيبِ وحْدَهُ وهو المُقابِلُ لِلْإيمانِ الهَلاكَ، ولَمْ يَذْكُرْ مُقابِلَ التَّقْوى؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ لَمْ يَنْفَعْ مَعَهُ الخَيْرُ بِخِلافِ الإيمانِ فَإنَّهُ يَنْفَعُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِعْلُ الطّاعاتِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لا يُرادُ بِها مُعَيَّنٌ، ولِذَلِكَ جاءَتْ نَكِرَةً، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ المَطَرُ، وبَرَكاتُ الأرْضِ الثِّمارُ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ السَّماءِ والأرْضِ بِالرِّزْقِ، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ إجابَةُ الدُّعاءِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ تَيْسِيرُ الحاجاتِ، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ المَطَرُ وبَرَكاتُ الأرْضِ المَواشِي والأنْعامُ، وحُصُولُ السَّلامَةِ والأمْنِ، وقِيلَ: البَرَكاتُ النُّمُوُّ والزِّياداتُ فَمِنَ السَّماءِ بِجِهَةِ المَطَرِ والرِّيحِ والشَّمْسِ ومِنَ الأرْضِ بِجِهَةِ النَّباتِ والحِفْظِ لِما نَبَتَ هَذا الَّذِي تُدْرِكُهُ فِطَرُ البَشَرِ ولِلَّهِ خُدّامٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا يُحْصى عَدَدُهم وما عَلِمَ اللَّهُ أكْثَرَ، وذَلِكَ أنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ والأرْضَ مَجْرى الأُمِّ ومِنهُما تَحْصُلُ جَمِيعُ الخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، والأخْذُ أخْذُ إهْلاكٍ بِالذُّنُوبِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (لَفَتَّحْنا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، ومَعْنى الفَتْحِ هُنا التَّيْسِيرُ عَلَيْهِمْ كَما تَيَسَّرَ عَلى الأبْوابِ المُسْتَغْلَقَةِ بِفَتْحِها، ومِنهُ فَتَحْتَ عَلى القارِئِ إذا يَسَّرْتَ عَلَيْهِ بِتَلْقِينِكَ إيّاهُ ما تَعَذَّرَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ مِنَ القُرْآنِ إذا أرادَ القِراءَةَ.
﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ الهَمْزَةُ دَخَلَتْ عَلى أمِنَ لِلِاسْتِفْهامِ عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ والإنْكارِ (p-٣٤٩)والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ، والفاءُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ولِمَ عُطِفَتِ الأُولى بِالفاءِ والثّانِيَةُ بِالواوِ ؟ قُلْتُ: المَعْطُوفُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ وقَوْلُهُ: ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى إلى يَكْسِبُونَ، وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنَّما عُطِفَتْ بِالفاءِ؛ لِأنَّ المَعْنى فَعَلُوا وصَنَعُوا فَأخَذْناهم بَغْتَةً، أبَعْدَ ذَلِكَ أمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا، وأمِنُوا أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ حَرْفَ العَطْفِ الَّذِي بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو عاطِفٌ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَ الهَمْزَةِ مِنَ الجُمَلِ رُجُوعٌ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في ذَلِكَ وتَخْرِيجٌ لِهَذِهِ الآيَةِ عَلى خِلافِ ما قَرَّرَ هو مِن مَذْهَبِهِ في غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُ يُقَدِّرُ مَحْذُوفًا بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ يَصِحُّ بِتَقْدِيرِهِ عَطْفُ ما بَعْدَ الحَرْفِ عَلَيْهِ، وأنَّ الهَمْزَةَ وحَرْفَ العَطْفِ واقِعانِ في مَوْضِعِهِما مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ حَرْفِ العَطْفِ عَلى الهَمْزَةِ في التَّقْدِيرِ، وأنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِفْهامَ اعْتِناءً؛ لِأنَّهُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ كَلامُنا مَعَهُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ، وبَأْسُنا عَذابُنا وبَياتًا لَيْلًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أوَّلَ السُّورَةِ، ونَصَبَهُ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: وقْتَ مَبِيتِهِمْ، أوِ الحالِ وذَلِكَ وقْتُ الغَفْلَةِ والنَّوْمِ فَمَجِيءُ العَذابِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ الرّاحَةِ والِاجْتِماعِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إذْ أتى وقْتَ المَأْمَنِ.
﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾، أيْ: في حالِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ والِاشْتِغالِ بِما لا يُجْدِي كَأنَّهم يَلْعَبُونَ و(ضُحًى) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: صَحْوَةً ويُقَيَّدُ كُلُّ ظَرْفٍ بِما يُناسِبُهُ مِنَ الحالِ فَيُقَيَّدُ البَياتُ بِالنَّوْمِ والضُّحى بِاللَّعِبِ، وجاءَ (نائِمُونَ) باسِمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّها حالَةُ ثُبُوتٍ، واسْتِقْرارٍ لِلْبائِتِينَ، وجاءَ (يَلْعَبُونَ) بِالمُضارِعِ؛ لِأنَّهم مُشْتَغِلُونَ بِأفْعالٍ مُتَجَدِّدَةٍ شَيْئًا فَشَيْئًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَرَأ نافِعٌ والِابْنانِ (أوْ أمِنَ) بِسُكُونِ الواوِ، جَعَلَ أوْ عاطِفَةً ومَعْناها التَّنْوِيعُ لا أنَّ مَعْناها الإباحَةُ، أوِ التَّخْيِيرُ خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ وحَذَفَ ورْشٌ هَمْزَةَ (أمِنَ) ونَقَلَ حَرَكَتِها إلى الواوِ السّاكِنَةِ، والباقُونَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها واوُ العَطْفِ، وتَكَرَّرَ لَفْظُ أهْلُ القُرى لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّسْمِيعِ والإبْلاغِ والتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالسّامِعِ ما لا يَكُونُ في الضَّمِيرِ لَوْ جاءَ، أوْ أمِنُوا فَإنَّهُ مَتى قَصَدَ التَّفْخِيمَ والتَّعْظِيمَ والتَّهْوِيلَ جِيءَ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ.
﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] جاءَ العَطْفُ بِالفاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾، (أوَ أمِنَ) وتَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ ذَلِكَ فَناسَبَ إعادَةَ الجُمْلَةِ مَصْحُوبَةً بِالفاءِ، ومَكْرٌ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ وهو اسْتِعارَةٌ لِأخْذِهِ العَبْدَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] هي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى الخالِقِ كَما تَقُولُ ناقَةُ اللَّهِ وبَيْتُ اللَّهِ والمُرادُ فِعْلٌ مُعاقِبٌ بِهِ مَكْرَ الكَفَرَةِ، وأُضِيفَ إلى اللَّهِ لَمّا كانَ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العُقُوبَةَ عَلى أيِّ جِهَةٍ كانَتْ بِاسْمِ الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وهَذا نَصٌّ في قَوْلِهِ: و(مَكَرُوا) و(مَكَرَ اللَّهُ) . انْتَهى. وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: مَكْرُ اللَّهِ عَذابُهُ وجَزاؤُهُ عَلى مَكْرِهِمْ، وقِيلَ: مَكْرُهُ اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ وأخْذُهُ عَلى غِرَّةٍ وكَرَّرَ المَكْرَ مُضافًا إلى اللَّهِ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِ جَزاءِ المَكْرِ بِهِمْ.
الأعراف 7:95
﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِن بَأْسِهِ وسَطْوَتِهِ عَلَيْهِمْ آخِرَ أمْرِهِمْ حِينَ لا تُجْدِي فِيهِمُ المَوْعِظَةُ ذَكَرَ تَعالى أنَّ تِلْكَ عادَتَهُ في أتْباعِ الأنْبِياءِ إذا أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وجاءَ بَعْدَ إلّا فِعْلٌ ماضٍ وهو (أخَذْنا) ولا يَلِيها فِعْلٌ ماضٍ إلّا إنْ تَقَدَّمَ فِعْلٌ، أوْ أُصْحِبَ بِقَدْ، فَمِثالُ ما تَقَدَّمَهُ فِعْلٌ هَذِهِ الآيَةُ، ومِثالُ ما أُصْحِبَ قَدْ قَوْلُكَ ما زَيْدٌ إلّا قَدْ قامَ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (أخَذْنا) حالِيَّةٌ، أيْ: إلّا آخِذِينَ أهْلَها، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأحْوالِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أخَذْنا﴾ إلى آخِرِهِ.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾، أيْ: مَكانَ الحالِ السَّيِّئَةِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ الحالُ الحَسَنَةُ مِنَ السَّرّاءِ والنِّعْمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ مَكانُ الشِّدَّةِ الرَّخاءُ، وقِيلَ: مَكانُ الشَّرِّ الخَيْرُ ومَكانُ و(الحَسَنَةَ) مَفْعُولًا بَدَلَ و(مَكانَ) هو مَحَلُّ الباءِ، أيْ: بِمَكانِ السَّيِّئَةِ، وفي لَفْظِ (مَكانَ) إشْعارٌ بِتَمَكُّنِ البَأْساءِ مِنهم كَأنَّهُ صارَ لِلشِّدَّةِ عِنْدَهم مَكانٌ، وأعْرَبَ بَعْضُهم (مَكانَ) ظَرْفًا، أيْ: في مَكانِ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾، أيْ: كَثُرُوا وتَناسَلُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: كَثُرَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: حَتّى أعْرَضُوا مِن عَفا عَنْ ذَنْبِهِ، أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقالَ الحَسَنُ: سَمِنُوا، وقالَ قَتادَةُ سُرُّوا بِكَثْرَتِهِمْ، وذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ لَهم؛ لِأنَّهُ أخَذَهم بِالشِّدَّةِ لِيَتَّعِظُوا ويَزْدَجِرُوا فَلَمْ يَفْعَلُوا، ثُمَّ أخَذَهم بِالرَّخاءِ لِيَشْكُرُوا.
﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ وأشِرُوا، فَقالُوا هَذِهِ عادَةُ الدَّهْرِ ضَرّاءُ وسَرّاءُ، وقَدْ أصابَ آباءَنا مِثْلُ ذَلِكَ لا بِابْتِلاءٍ وقَصْدٍ، بَلْ ذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ لا عَلى ما تُخْبِرُ الأنْبِياءُ جَعَلُوا أسْلافَهم وما أصابَهم مَثَلًا لَهم ولِما يُصِيبُهم، فَلا يَنْبَغِي أنْ نُنْكِرَ هَذِهِ العادَةَ مِن أفْعالِ الدَّهْرِ.
﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَثَلِ هَذِهِ الآيَةِ لَمّا أفْسَدُوا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أُخِذُوا هَذا (p-٣٤٨)الأخْذِ.
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أيْ: لَوْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم يَتَلَبَّسُونَ بِالإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وبِالطّاعاتِ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الإيمانِ لِيَتَيَسَّرَ لَهم مِن بَرَكاتِ السَّماءِ، ولَكِنْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُكَذِّبُونَ الأنْبِياءَ فَيُؤْخَذُونَ بِاجْتِرامِهِمْ، وكُلٌّ مِنَ الإيمانِ والتَّكْذِيبِ والثَّوابِ والعِقابِ سَبَقَ بِهِ القَدَرُ، وأُضِيفَ الإيمانُ والتَّكْذِيبُ إلى العَبْدِ كَسْبًا، والمُوجِدُ لَهُما هو اللَّهُ تَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اللّامُ في القُرى إشارَةٌ إلى (القُرى) الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ كَأنَّهُ قالَ ولَوْ أنَّ أهْلَ تِلْكَ القُرى الَّذِينَ كَذَّبُوا وأُهْلِكُوا آمَنُوا بُدِّلَ كُفْرُهم واتَّقَوُا المَعاصِيَ مَكانَ ارْتِكابِها ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لَآتَيْناهم بِالخَيْرِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وقِيلَ: أرادَ المَطَرَ والنَّباتَ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ﴾ بِسُوءِ كَسْبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في (القُرى) لِلْجِنْسِ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ واتَّقَوُا المَعاصِيَ نَزْعَةُ الِاعْتِزالِ، رَتَّبَ تَعالى عَلى الإيمانِ والتَّقْوى فَتْحَ البَرَكاتِ، ورَتَّبَ عَلى التَّكْذِيبِ وحْدَهُ وهو المُقابِلُ لِلْإيمانِ الهَلاكَ، ولَمْ يَذْكُرْ مُقابِلَ التَّقْوى؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ لَمْ يَنْفَعْ مَعَهُ الخَيْرُ بِخِلافِ الإيمانِ فَإنَّهُ يَنْفَعُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِعْلُ الطّاعاتِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لا يُرادُ بِها مُعَيَّنٌ، ولِذَلِكَ جاءَتْ نَكِرَةً، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ المَطَرُ، وبَرَكاتُ الأرْضِ الثِّمارُ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ السَّماءِ والأرْضِ بِالرِّزْقِ، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ إجابَةُ الدُّعاءِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ تَيْسِيرُ الحاجاتِ، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ المَطَرُ وبَرَكاتُ الأرْضِ المَواشِي والأنْعامُ، وحُصُولُ السَّلامَةِ والأمْنِ، وقِيلَ: البَرَكاتُ النُّمُوُّ والزِّياداتُ فَمِنَ السَّماءِ بِجِهَةِ المَطَرِ والرِّيحِ والشَّمْسِ ومِنَ الأرْضِ بِجِهَةِ النَّباتِ والحِفْظِ لِما نَبَتَ هَذا الَّذِي تُدْرِكُهُ فِطَرُ البَشَرِ ولِلَّهِ خُدّامٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا يُحْصى عَدَدُهم وما عَلِمَ اللَّهُ أكْثَرَ، وذَلِكَ أنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ والأرْضَ مَجْرى الأُمِّ ومِنهُما تَحْصُلُ جَمِيعُ الخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، والأخْذُ أخْذُ إهْلاكٍ بِالذُّنُوبِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (لَفَتَّحْنا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، ومَعْنى الفَتْحِ هُنا التَّيْسِيرُ عَلَيْهِمْ كَما تَيَسَّرَ عَلى الأبْوابِ المُسْتَغْلَقَةِ بِفَتْحِها، ومِنهُ فَتَحْتَ عَلى القارِئِ إذا يَسَّرْتَ عَلَيْهِ بِتَلْقِينِكَ إيّاهُ ما تَعَذَّرَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ مِنَ القُرْآنِ إذا أرادَ القِراءَةَ.
﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ الهَمْزَةُ دَخَلَتْ عَلى أمِنَ لِلِاسْتِفْهامِ عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ والإنْكارِ (p-٣٤٩)والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ، والفاءُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ولِمَ عُطِفَتِ الأُولى بِالفاءِ والثّانِيَةُ بِالواوِ ؟ قُلْتُ: المَعْطُوفُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ وقَوْلُهُ: ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى إلى يَكْسِبُونَ، وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنَّما عُطِفَتْ بِالفاءِ؛ لِأنَّ المَعْنى فَعَلُوا وصَنَعُوا فَأخَذْناهم بَغْتَةً، أبَعْدَ ذَلِكَ أمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا، وأمِنُوا أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ حَرْفَ العَطْفِ الَّذِي بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو عاطِفٌ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَ الهَمْزَةِ مِنَ الجُمَلِ رُجُوعٌ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في ذَلِكَ وتَخْرِيجٌ لِهَذِهِ الآيَةِ عَلى خِلافِ ما قَرَّرَ هو مِن مَذْهَبِهِ في غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُ يُقَدِّرُ مَحْذُوفًا بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ يَصِحُّ بِتَقْدِيرِهِ عَطْفُ ما بَعْدَ الحَرْفِ عَلَيْهِ، وأنَّ الهَمْزَةَ وحَرْفَ العَطْفِ واقِعانِ في مَوْضِعِهِما مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ حَرْفِ العَطْفِ عَلى الهَمْزَةِ في التَّقْدِيرِ، وأنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِفْهامَ اعْتِناءً؛ لِأنَّهُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ كَلامُنا مَعَهُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ، وبَأْسُنا عَذابُنا وبَياتًا لَيْلًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أوَّلَ السُّورَةِ، ونَصَبَهُ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: وقْتَ مَبِيتِهِمْ، أوِ الحالِ وذَلِكَ وقْتُ الغَفْلَةِ والنَّوْمِ فَمَجِيءُ العَذابِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ الرّاحَةِ والِاجْتِماعِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إذْ أتى وقْتَ المَأْمَنِ.
﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾، أيْ: في حالِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ والِاشْتِغالِ بِما لا يُجْدِي كَأنَّهم يَلْعَبُونَ و(ضُحًى) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: صَحْوَةً ويُقَيَّدُ كُلُّ ظَرْفٍ بِما يُناسِبُهُ مِنَ الحالِ فَيُقَيَّدُ البَياتُ بِالنَّوْمِ والضُّحى بِاللَّعِبِ، وجاءَ (نائِمُونَ) باسِمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّها حالَةُ ثُبُوتٍ، واسْتِقْرارٍ لِلْبائِتِينَ، وجاءَ (يَلْعَبُونَ) بِالمُضارِعِ؛ لِأنَّهم مُشْتَغِلُونَ بِأفْعالٍ مُتَجَدِّدَةٍ شَيْئًا فَشَيْئًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَرَأ نافِعٌ والِابْنانِ (أوْ أمِنَ) بِسُكُونِ الواوِ، جَعَلَ أوْ عاطِفَةً ومَعْناها التَّنْوِيعُ لا أنَّ مَعْناها الإباحَةُ، أوِ التَّخْيِيرُ خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ وحَذَفَ ورْشٌ هَمْزَةَ (أمِنَ) ونَقَلَ حَرَكَتِها إلى الواوِ السّاكِنَةِ، والباقُونَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها واوُ العَطْفِ، وتَكَرَّرَ لَفْظُ أهْلُ القُرى لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّسْمِيعِ والإبْلاغِ والتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالسّامِعِ ما لا يَكُونُ في الضَّمِيرِ لَوْ جاءَ، أوْ أمِنُوا فَإنَّهُ مَتى قَصَدَ التَّفْخِيمَ والتَّعْظِيمَ والتَّهْوِيلَ جِيءَ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ.
﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] جاءَ العَطْفُ بِالفاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾، (أوَ أمِنَ) وتَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ ذَلِكَ فَناسَبَ إعادَةَ الجُمْلَةِ مَصْحُوبَةً بِالفاءِ، ومَكْرٌ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ وهو اسْتِعارَةٌ لِأخْذِهِ العَبْدَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] هي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى الخالِقِ كَما تَقُولُ ناقَةُ اللَّهِ وبَيْتُ اللَّهِ والمُرادُ فِعْلٌ مُعاقِبٌ بِهِ مَكْرَ الكَفَرَةِ، وأُضِيفَ إلى اللَّهِ لَمّا كانَ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العُقُوبَةَ عَلى أيِّ جِهَةٍ كانَتْ بِاسْمِ الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وهَذا نَصٌّ في قَوْلِهِ: و(مَكَرُوا) و(مَكَرَ اللَّهُ) . انْتَهى. وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: مَكْرُ اللَّهِ عَذابُهُ وجَزاؤُهُ عَلى مَكْرِهِمْ، وقِيلَ: مَكْرُهُ اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ وأخْذُهُ عَلى غِرَّةٍ وكَرَّرَ المَكْرَ مُضافًا إلى اللَّهِ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِ جَزاءِ المَكْرِ بِهِمْ.
الأعراف 7:96
﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِن بَأْسِهِ وسَطْوَتِهِ عَلَيْهِمْ آخِرَ أمْرِهِمْ حِينَ لا تُجْدِي فِيهِمُ المَوْعِظَةُ ذَكَرَ تَعالى أنَّ تِلْكَ عادَتَهُ في أتْباعِ الأنْبِياءِ إذا أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وجاءَ بَعْدَ إلّا فِعْلٌ ماضٍ وهو (أخَذْنا) ولا يَلِيها فِعْلٌ ماضٍ إلّا إنْ تَقَدَّمَ فِعْلٌ، أوْ أُصْحِبَ بِقَدْ، فَمِثالُ ما تَقَدَّمَهُ فِعْلٌ هَذِهِ الآيَةُ، ومِثالُ ما أُصْحِبَ قَدْ قَوْلُكَ ما زَيْدٌ إلّا قَدْ قامَ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (أخَذْنا) حالِيَّةٌ، أيْ: إلّا آخِذِينَ أهْلَها، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأحْوالِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أخَذْنا﴾ إلى آخِرِهِ.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾، أيْ: مَكانَ الحالِ السَّيِّئَةِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ الحالُ الحَسَنَةُ مِنَ السَّرّاءِ والنِّعْمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ مَكانُ الشِّدَّةِ الرَّخاءُ، وقِيلَ: مَكانُ الشَّرِّ الخَيْرُ ومَكانُ و(الحَسَنَةَ) مَفْعُولًا بَدَلَ و(مَكانَ) هو مَحَلُّ الباءِ، أيْ: بِمَكانِ السَّيِّئَةِ، وفي لَفْظِ (مَكانَ) إشْعارٌ بِتَمَكُّنِ البَأْساءِ مِنهم كَأنَّهُ صارَ لِلشِّدَّةِ عِنْدَهم مَكانٌ، وأعْرَبَ بَعْضُهم (مَكانَ) ظَرْفًا، أيْ: في مَكانِ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾، أيْ: كَثُرُوا وتَناسَلُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: كَثُرَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: حَتّى أعْرَضُوا مِن عَفا عَنْ ذَنْبِهِ، أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقالَ الحَسَنُ: سَمِنُوا، وقالَ قَتادَةُ سُرُّوا بِكَثْرَتِهِمْ، وذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ لَهم؛ لِأنَّهُ أخَذَهم بِالشِّدَّةِ لِيَتَّعِظُوا ويَزْدَجِرُوا فَلَمْ يَفْعَلُوا، ثُمَّ أخَذَهم بِالرَّخاءِ لِيَشْكُرُوا.
﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ وأشِرُوا، فَقالُوا هَذِهِ عادَةُ الدَّهْرِ ضَرّاءُ وسَرّاءُ، وقَدْ أصابَ آباءَنا مِثْلُ ذَلِكَ لا بِابْتِلاءٍ وقَصْدٍ، بَلْ ذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ لا عَلى ما تُخْبِرُ الأنْبِياءُ جَعَلُوا أسْلافَهم وما أصابَهم مَثَلًا لَهم ولِما يُصِيبُهم، فَلا يَنْبَغِي أنْ نُنْكِرَ هَذِهِ العادَةَ مِن أفْعالِ الدَّهْرِ.
﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَثَلِ هَذِهِ الآيَةِ لَمّا أفْسَدُوا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أُخِذُوا هَذا (p-٣٤٨)الأخْذِ.
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أيْ: لَوْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم يَتَلَبَّسُونَ بِالإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وبِالطّاعاتِ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الإيمانِ لِيَتَيَسَّرَ لَهم مِن بَرَكاتِ السَّماءِ، ولَكِنْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُكَذِّبُونَ الأنْبِياءَ فَيُؤْخَذُونَ بِاجْتِرامِهِمْ، وكُلٌّ مِنَ الإيمانِ والتَّكْذِيبِ والثَّوابِ والعِقابِ سَبَقَ بِهِ القَدَرُ، وأُضِيفَ الإيمانُ والتَّكْذِيبُ إلى العَبْدِ كَسْبًا، والمُوجِدُ لَهُما هو اللَّهُ تَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اللّامُ في القُرى إشارَةٌ إلى (القُرى) الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ كَأنَّهُ قالَ ولَوْ أنَّ أهْلَ تِلْكَ القُرى الَّذِينَ كَذَّبُوا وأُهْلِكُوا آمَنُوا بُدِّلَ كُفْرُهم واتَّقَوُا المَعاصِيَ مَكانَ ارْتِكابِها ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لَآتَيْناهم بِالخَيْرِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وقِيلَ: أرادَ المَطَرَ والنَّباتَ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ﴾ بِسُوءِ كَسْبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في (القُرى) لِلْجِنْسِ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ واتَّقَوُا المَعاصِيَ نَزْعَةُ الِاعْتِزالِ، رَتَّبَ تَعالى عَلى الإيمانِ والتَّقْوى فَتْحَ البَرَكاتِ، ورَتَّبَ عَلى التَّكْذِيبِ وحْدَهُ وهو المُقابِلُ لِلْإيمانِ الهَلاكَ، ولَمْ يَذْكُرْ مُقابِلَ التَّقْوى؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ لَمْ يَنْفَعْ مَعَهُ الخَيْرُ بِخِلافِ الإيمانِ فَإنَّهُ يَنْفَعُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِعْلُ الطّاعاتِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لا يُرادُ بِها مُعَيَّنٌ، ولِذَلِكَ جاءَتْ نَكِرَةً، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ المَطَرُ، وبَرَكاتُ الأرْضِ الثِّمارُ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ السَّماءِ والأرْضِ بِالرِّزْقِ، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ إجابَةُ الدُّعاءِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ تَيْسِيرُ الحاجاتِ، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ المَطَرُ وبَرَكاتُ الأرْضِ المَواشِي والأنْعامُ، وحُصُولُ السَّلامَةِ والأمْنِ، وقِيلَ: البَرَكاتُ النُّمُوُّ والزِّياداتُ فَمِنَ السَّماءِ بِجِهَةِ المَطَرِ والرِّيحِ والشَّمْسِ ومِنَ الأرْضِ بِجِهَةِ النَّباتِ والحِفْظِ لِما نَبَتَ هَذا الَّذِي تُدْرِكُهُ فِطَرُ البَشَرِ ولِلَّهِ خُدّامٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا يُحْصى عَدَدُهم وما عَلِمَ اللَّهُ أكْثَرَ، وذَلِكَ أنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ والأرْضَ مَجْرى الأُمِّ ومِنهُما تَحْصُلُ جَمِيعُ الخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، والأخْذُ أخْذُ إهْلاكٍ بِالذُّنُوبِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (لَفَتَّحْنا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، ومَعْنى الفَتْحِ هُنا التَّيْسِيرُ عَلَيْهِمْ كَما تَيَسَّرَ عَلى الأبْوابِ المُسْتَغْلَقَةِ بِفَتْحِها، ومِنهُ فَتَحْتَ عَلى القارِئِ إذا يَسَّرْتَ عَلَيْهِ بِتَلْقِينِكَ إيّاهُ ما تَعَذَّرَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ مِنَ القُرْآنِ إذا أرادَ القِراءَةَ.
﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ الهَمْزَةُ دَخَلَتْ عَلى أمِنَ لِلِاسْتِفْهامِ عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ والإنْكارِ (p-٣٤٩)والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ، والفاءُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ولِمَ عُطِفَتِ الأُولى بِالفاءِ والثّانِيَةُ بِالواوِ ؟ قُلْتُ: المَعْطُوفُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ وقَوْلُهُ: ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى إلى يَكْسِبُونَ، وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنَّما عُطِفَتْ بِالفاءِ؛ لِأنَّ المَعْنى فَعَلُوا وصَنَعُوا فَأخَذْناهم بَغْتَةً، أبَعْدَ ذَلِكَ أمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا، وأمِنُوا أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ حَرْفَ العَطْفِ الَّذِي بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو عاطِفٌ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَ الهَمْزَةِ مِنَ الجُمَلِ رُجُوعٌ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في ذَلِكَ وتَخْرِيجٌ لِهَذِهِ الآيَةِ عَلى خِلافِ ما قَرَّرَ هو مِن مَذْهَبِهِ في غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُ يُقَدِّرُ مَحْذُوفًا بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ يَصِحُّ بِتَقْدِيرِهِ عَطْفُ ما بَعْدَ الحَرْفِ عَلَيْهِ، وأنَّ الهَمْزَةَ وحَرْفَ العَطْفِ واقِعانِ في مَوْضِعِهِما مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ حَرْفِ العَطْفِ عَلى الهَمْزَةِ في التَّقْدِيرِ، وأنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِفْهامَ اعْتِناءً؛ لِأنَّهُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ كَلامُنا مَعَهُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ، وبَأْسُنا عَذابُنا وبَياتًا لَيْلًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أوَّلَ السُّورَةِ، ونَصَبَهُ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: وقْتَ مَبِيتِهِمْ، أوِ الحالِ وذَلِكَ وقْتُ الغَفْلَةِ والنَّوْمِ فَمَجِيءُ العَذابِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ الرّاحَةِ والِاجْتِماعِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إذْ أتى وقْتَ المَأْمَنِ.
﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾، أيْ: في حالِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ والِاشْتِغالِ بِما لا يُجْدِي كَأنَّهم يَلْعَبُونَ و(ضُحًى) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: صَحْوَةً ويُقَيَّدُ كُلُّ ظَرْفٍ بِما يُناسِبُهُ مِنَ الحالِ فَيُقَيَّدُ البَياتُ بِالنَّوْمِ والضُّحى بِاللَّعِبِ، وجاءَ (نائِمُونَ) باسِمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّها حالَةُ ثُبُوتٍ، واسْتِقْرارٍ لِلْبائِتِينَ، وجاءَ (يَلْعَبُونَ) بِالمُضارِعِ؛ لِأنَّهم مُشْتَغِلُونَ بِأفْعالٍ مُتَجَدِّدَةٍ شَيْئًا فَشَيْئًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَرَأ نافِعٌ والِابْنانِ (أوْ أمِنَ) بِسُكُونِ الواوِ، جَعَلَ أوْ عاطِفَةً ومَعْناها التَّنْوِيعُ لا أنَّ مَعْناها الإباحَةُ، أوِ التَّخْيِيرُ خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ وحَذَفَ ورْشٌ هَمْزَةَ (أمِنَ) ونَقَلَ حَرَكَتِها إلى الواوِ السّاكِنَةِ، والباقُونَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها واوُ العَطْفِ، وتَكَرَّرَ لَفْظُ أهْلُ القُرى لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّسْمِيعِ والإبْلاغِ والتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالسّامِعِ ما لا يَكُونُ في الضَّمِيرِ لَوْ جاءَ، أوْ أمِنُوا فَإنَّهُ مَتى قَصَدَ التَّفْخِيمَ والتَّعْظِيمَ والتَّهْوِيلَ جِيءَ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ.
﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] جاءَ العَطْفُ بِالفاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾، (أوَ أمِنَ) وتَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ ذَلِكَ فَناسَبَ إعادَةَ الجُمْلَةِ مَصْحُوبَةً بِالفاءِ، ومَكْرٌ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ وهو اسْتِعارَةٌ لِأخْذِهِ العَبْدَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] هي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى الخالِقِ كَما تَقُولُ ناقَةُ اللَّهِ وبَيْتُ اللَّهِ والمُرادُ فِعْلٌ مُعاقِبٌ بِهِ مَكْرَ الكَفَرَةِ، وأُضِيفَ إلى اللَّهِ لَمّا كانَ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العُقُوبَةَ عَلى أيِّ جِهَةٍ كانَتْ بِاسْمِ الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وهَذا نَصٌّ في قَوْلِهِ: و(مَكَرُوا) و(مَكَرَ اللَّهُ) . انْتَهى. وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: مَكْرُ اللَّهِ عَذابُهُ وجَزاؤُهُ عَلى مَكْرِهِمْ، وقِيلَ: مَكْرُهُ اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ وأخْذُهُ عَلى غِرَّةٍ وكَرَّرَ المَكْرَ مُضافًا إلى اللَّهِ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِ جَزاءِ المَكْرِ بِهِمْ.
الأعراف 7:97
﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِن بَأْسِهِ وسَطْوَتِهِ عَلَيْهِمْ آخِرَ أمْرِهِمْ حِينَ لا تُجْدِي فِيهِمُ المَوْعِظَةُ ذَكَرَ تَعالى أنَّ تِلْكَ عادَتَهُ في أتْباعِ الأنْبِياءِ إذا أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وجاءَ بَعْدَ إلّا فِعْلٌ ماضٍ وهو (أخَذْنا) ولا يَلِيها فِعْلٌ ماضٍ إلّا إنْ تَقَدَّمَ فِعْلٌ، أوْ أُصْحِبَ بِقَدْ، فَمِثالُ ما تَقَدَّمَهُ فِعْلٌ هَذِهِ الآيَةُ، ومِثالُ ما أُصْحِبَ قَدْ قَوْلُكَ ما زَيْدٌ إلّا قَدْ قامَ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (أخَذْنا) حالِيَّةٌ، أيْ: إلّا آخِذِينَ أهْلَها، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأحْوالِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أخَذْنا﴾ إلى آخِرِهِ.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾، أيْ: مَكانَ الحالِ السَّيِّئَةِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ الحالُ الحَسَنَةُ مِنَ السَّرّاءِ والنِّعْمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ مَكانُ الشِّدَّةِ الرَّخاءُ، وقِيلَ: مَكانُ الشَّرِّ الخَيْرُ ومَكانُ و(الحَسَنَةَ) مَفْعُولًا بَدَلَ و(مَكانَ) هو مَحَلُّ الباءِ، أيْ: بِمَكانِ السَّيِّئَةِ، وفي لَفْظِ (مَكانَ) إشْعارٌ بِتَمَكُّنِ البَأْساءِ مِنهم كَأنَّهُ صارَ لِلشِّدَّةِ عِنْدَهم مَكانٌ، وأعْرَبَ بَعْضُهم (مَكانَ) ظَرْفًا، أيْ: في مَكانِ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾، أيْ: كَثُرُوا وتَناسَلُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: كَثُرَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: حَتّى أعْرَضُوا مِن عَفا عَنْ ذَنْبِهِ، أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقالَ الحَسَنُ: سَمِنُوا، وقالَ قَتادَةُ سُرُّوا بِكَثْرَتِهِمْ، وذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ لَهم؛ لِأنَّهُ أخَذَهم بِالشِّدَّةِ لِيَتَّعِظُوا ويَزْدَجِرُوا فَلَمْ يَفْعَلُوا، ثُمَّ أخَذَهم بِالرَّخاءِ لِيَشْكُرُوا.
﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ وأشِرُوا، فَقالُوا هَذِهِ عادَةُ الدَّهْرِ ضَرّاءُ وسَرّاءُ، وقَدْ أصابَ آباءَنا مِثْلُ ذَلِكَ لا بِابْتِلاءٍ وقَصْدٍ، بَلْ ذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ لا عَلى ما تُخْبِرُ الأنْبِياءُ جَعَلُوا أسْلافَهم وما أصابَهم مَثَلًا لَهم ولِما يُصِيبُهم، فَلا يَنْبَغِي أنْ نُنْكِرَ هَذِهِ العادَةَ مِن أفْعالِ الدَّهْرِ.
﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَثَلِ هَذِهِ الآيَةِ لَمّا أفْسَدُوا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أُخِذُوا هَذا (p-٣٤٨)الأخْذِ.
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أيْ: لَوْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم يَتَلَبَّسُونَ بِالإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وبِالطّاعاتِ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الإيمانِ لِيَتَيَسَّرَ لَهم مِن بَرَكاتِ السَّماءِ، ولَكِنْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُكَذِّبُونَ الأنْبِياءَ فَيُؤْخَذُونَ بِاجْتِرامِهِمْ، وكُلٌّ مِنَ الإيمانِ والتَّكْذِيبِ والثَّوابِ والعِقابِ سَبَقَ بِهِ القَدَرُ، وأُضِيفَ الإيمانُ والتَّكْذِيبُ إلى العَبْدِ كَسْبًا، والمُوجِدُ لَهُما هو اللَّهُ تَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اللّامُ في القُرى إشارَةٌ إلى (القُرى) الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ كَأنَّهُ قالَ ولَوْ أنَّ أهْلَ تِلْكَ القُرى الَّذِينَ كَذَّبُوا وأُهْلِكُوا آمَنُوا بُدِّلَ كُفْرُهم واتَّقَوُا المَعاصِيَ مَكانَ ارْتِكابِها ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لَآتَيْناهم بِالخَيْرِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وقِيلَ: أرادَ المَطَرَ والنَّباتَ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ﴾ بِسُوءِ كَسْبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في (القُرى) لِلْجِنْسِ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ واتَّقَوُا المَعاصِيَ نَزْعَةُ الِاعْتِزالِ، رَتَّبَ تَعالى عَلى الإيمانِ والتَّقْوى فَتْحَ البَرَكاتِ، ورَتَّبَ عَلى التَّكْذِيبِ وحْدَهُ وهو المُقابِلُ لِلْإيمانِ الهَلاكَ، ولَمْ يَذْكُرْ مُقابِلَ التَّقْوى؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ لَمْ يَنْفَعْ مَعَهُ الخَيْرُ بِخِلافِ الإيمانِ فَإنَّهُ يَنْفَعُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِعْلُ الطّاعاتِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لا يُرادُ بِها مُعَيَّنٌ، ولِذَلِكَ جاءَتْ نَكِرَةً، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ المَطَرُ، وبَرَكاتُ الأرْضِ الثِّمارُ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ السَّماءِ والأرْضِ بِالرِّزْقِ، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ إجابَةُ الدُّعاءِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ تَيْسِيرُ الحاجاتِ، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ المَطَرُ وبَرَكاتُ الأرْضِ المَواشِي والأنْعامُ، وحُصُولُ السَّلامَةِ والأمْنِ، وقِيلَ: البَرَكاتُ النُّمُوُّ والزِّياداتُ فَمِنَ السَّماءِ بِجِهَةِ المَطَرِ والرِّيحِ والشَّمْسِ ومِنَ الأرْضِ بِجِهَةِ النَّباتِ والحِفْظِ لِما نَبَتَ هَذا الَّذِي تُدْرِكُهُ فِطَرُ البَشَرِ ولِلَّهِ خُدّامٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا يُحْصى عَدَدُهم وما عَلِمَ اللَّهُ أكْثَرَ، وذَلِكَ أنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ والأرْضَ مَجْرى الأُمِّ ومِنهُما تَحْصُلُ جَمِيعُ الخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، والأخْذُ أخْذُ إهْلاكٍ بِالذُّنُوبِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (لَفَتَّحْنا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، ومَعْنى الفَتْحِ هُنا التَّيْسِيرُ عَلَيْهِمْ كَما تَيَسَّرَ عَلى الأبْوابِ المُسْتَغْلَقَةِ بِفَتْحِها، ومِنهُ فَتَحْتَ عَلى القارِئِ إذا يَسَّرْتَ عَلَيْهِ بِتَلْقِينِكَ إيّاهُ ما تَعَذَّرَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ مِنَ القُرْآنِ إذا أرادَ القِراءَةَ.
﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ الهَمْزَةُ دَخَلَتْ عَلى أمِنَ لِلِاسْتِفْهامِ عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ والإنْكارِ (p-٣٤٩)والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ، والفاءُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ولِمَ عُطِفَتِ الأُولى بِالفاءِ والثّانِيَةُ بِالواوِ ؟ قُلْتُ: المَعْطُوفُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ وقَوْلُهُ: ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى إلى يَكْسِبُونَ، وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنَّما عُطِفَتْ بِالفاءِ؛ لِأنَّ المَعْنى فَعَلُوا وصَنَعُوا فَأخَذْناهم بَغْتَةً، أبَعْدَ ذَلِكَ أمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا، وأمِنُوا أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ حَرْفَ العَطْفِ الَّذِي بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو عاطِفٌ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَ الهَمْزَةِ مِنَ الجُمَلِ رُجُوعٌ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في ذَلِكَ وتَخْرِيجٌ لِهَذِهِ الآيَةِ عَلى خِلافِ ما قَرَّرَ هو مِن مَذْهَبِهِ في غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُ يُقَدِّرُ مَحْذُوفًا بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ يَصِحُّ بِتَقْدِيرِهِ عَطْفُ ما بَعْدَ الحَرْفِ عَلَيْهِ، وأنَّ الهَمْزَةَ وحَرْفَ العَطْفِ واقِعانِ في مَوْضِعِهِما مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ حَرْفِ العَطْفِ عَلى الهَمْزَةِ في التَّقْدِيرِ، وأنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِفْهامَ اعْتِناءً؛ لِأنَّهُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ كَلامُنا مَعَهُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ، وبَأْسُنا عَذابُنا وبَياتًا لَيْلًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أوَّلَ السُّورَةِ، ونَصَبَهُ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: وقْتَ مَبِيتِهِمْ، أوِ الحالِ وذَلِكَ وقْتُ الغَفْلَةِ والنَّوْمِ فَمَجِيءُ العَذابِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ الرّاحَةِ والِاجْتِماعِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إذْ أتى وقْتَ المَأْمَنِ.
﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾، أيْ: في حالِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ والِاشْتِغالِ بِما لا يُجْدِي كَأنَّهم يَلْعَبُونَ و(ضُحًى) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: صَحْوَةً ويُقَيَّدُ كُلُّ ظَرْفٍ بِما يُناسِبُهُ مِنَ الحالِ فَيُقَيَّدُ البَياتُ بِالنَّوْمِ والضُّحى بِاللَّعِبِ، وجاءَ (نائِمُونَ) باسِمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّها حالَةُ ثُبُوتٍ، واسْتِقْرارٍ لِلْبائِتِينَ، وجاءَ (يَلْعَبُونَ) بِالمُضارِعِ؛ لِأنَّهم مُشْتَغِلُونَ بِأفْعالٍ مُتَجَدِّدَةٍ شَيْئًا فَشَيْئًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَرَأ نافِعٌ والِابْنانِ (أوْ أمِنَ) بِسُكُونِ الواوِ، جَعَلَ أوْ عاطِفَةً ومَعْناها التَّنْوِيعُ لا أنَّ مَعْناها الإباحَةُ، أوِ التَّخْيِيرُ خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ وحَذَفَ ورْشٌ هَمْزَةَ (أمِنَ) ونَقَلَ حَرَكَتِها إلى الواوِ السّاكِنَةِ، والباقُونَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها واوُ العَطْفِ، وتَكَرَّرَ لَفْظُ أهْلُ القُرى لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّسْمِيعِ والإبْلاغِ والتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالسّامِعِ ما لا يَكُونُ في الضَّمِيرِ لَوْ جاءَ، أوْ أمِنُوا فَإنَّهُ مَتى قَصَدَ التَّفْخِيمَ والتَّعْظِيمَ والتَّهْوِيلَ جِيءَ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ.
﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] جاءَ العَطْفُ بِالفاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾، (أوَ أمِنَ) وتَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ ذَلِكَ فَناسَبَ إعادَةَ الجُمْلَةِ مَصْحُوبَةً بِالفاءِ، ومَكْرٌ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ وهو اسْتِعارَةٌ لِأخْذِهِ العَبْدَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] هي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى الخالِقِ كَما تَقُولُ ناقَةُ اللَّهِ وبَيْتُ اللَّهِ والمُرادُ فِعْلٌ مُعاقِبٌ بِهِ مَكْرَ الكَفَرَةِ، وأُضِيفَ إلى اللَّهِ لَمّا كانَ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العُقُوبَةَ عَلى أيِّ جِهَةٍ كانَتْ بِاسْمِ الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وهَذا نَصٌّ في قَوْلِهِ: و(مَكَرُوا) و(مَكَرَ اللَّهُ) . انْتَهى. وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: مَكْرُ اللَّهِ عَذابُهُ وجَزاؤُهُ عَلى مَكْرِهِمْ، وقِيلَ: مَكْرُهُ اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ وأخْذُهُ عَلى غِرَّةٍ وكَرَّرَ المَكْرَ مُضافًا إلى اللَّهِ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِ جَزاءِ المَكْرِ بِهِمْ.
الأعراف 7:98
﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِن بَأْسِهِ وسَطْوَتِهِ عَلَيْهِمْ آخِرَ أمْرِهِمْ حِينَ لا تُجْدِي فِيهِمُ المَوْعِظَةُ ذَكَرَ تَعالى أنَّ تِلْكَ عادَتَهُ في أتْباعِ الأنْبِياءِ إذا أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وجاءَ بَعْدَ إلّا فِعْلٌ ماضٍ وهو (أخَذْنا) ولا يَلِيها فِعْلٌ ماضٍ إلّا إنْ تَقَدَّمَ فِعْلٌ، أوْ أُصْحِبَ بِقَدْ، فَمِثالُ ما تَقَدَّمَهُ فِعْلٌ هَذِهِ الآيَةُ، ومِثالُ ما أُصْحِبَ قَدْ قَوْلُكَ ما زَيْدٌ إلّا قَدْ قامَ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (أخَذْنا) حالِيَّةٌ، أيْ: إلّا آخِذِينَ أهْلَها، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأحْوالِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أخَذْنا﴾ إلى آخِرِهِ.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾، أيْ: مَكانَ الحالِ السَّيِّئَةِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ الحالُ الحَسَنَةُ مِنَ السَّرّاءِ والنِّعْمَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ مَكانُ الشِّدَّةِ الرَّخاءُ، وقِيلَ: مَكانُ الشَّرِّ الخَيْرُ ومَكانُ و(الحَسَنَةَ) مَفْعُولًا بَدَلَ و(مَكانَ) هو مَحَلُّ الباءِ، أيْ: بِمَكانِ السَّيِّئَةِ، وفي لَفْظِ (مَكانَ) إشْعارٌ بِتَمَكُّنِ البَأْساءِ مِنهم كَأنَّهُ صارَ لِلشِّدَّةِ عِنْدَهم مَكانٌ، وأعْرَبَ بَعْضُهم (مَكانَ) ظَرْفًا، أيْ: في مَكانِ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾، أيْ: كَثُرُوا وتَناسَلُوا، وقالَ مُجاهِدٌ: كَثُرَتْ أمْوالُهم وأوْلادُهم، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: حَتّى أعْرَضُوا مِن عَفا عَنْ ذَنْبِهِ، أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقالَ الحَسَنُ: سَمِنُوا، وقالَ قَتادَةُ سُرُّوا بِكَثْرَتِهِمْ، وذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ لَهم؛ لِأنَّهُ أخَذَهم بِالشِّدَّةِ لِيَتَّعِظُوا ويَزْدَجِرُوا فَلَمْ يَفْعَلُوا، ثُمَّ أخَذَهم بِالرَّخاءِ لِيَشْكُرُوا.
﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ وأشِرُوا، فَقالُوا هَذِهِ عادَةُ الدَّهْرِ ضَرّاءُ وسَرّاءُ، وقَدْ أصابَ آباءَنا مِثْلُ ذَلِكَ لا بِابْتِلاءٍ وقَصْدٍ، بَلْ ذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ لا عَلى ما تُخْبِرُ الأنْبِياءُ جَعَلُوا أسْلافَهم وما أصابَهم مَثَلًا لَهم ولِما يُصِيبُهم، فَلا يَنْبَغِي أنْ نُنْكِرَ هَذِهِ العادَةَ مِن أفْعالِ الدَّهْرِ.
﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَثَلِ هَذِهِ الآيَةِ لَمّا أفْسَدُوا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أُخِذُوا هَذا (p-٣٤٨)الأخْذِ.
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أيْ: لَوْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم يَتَلَبَّسُونَ بِالإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وبِالطّاعاتِ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الإيمانِ لِيَتَيَسَّرَ لَهم مِن بَرَكاتِ السَّماءِ، ولَكِنْ كانُوا مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُكَذِّبُونَ الأنْبِياءَ فَيُؤْخَذُونَ بِاجْتِرامِهِمْ، وكُلٌّ مِنَ الإيمانِ والتَّكْذِيبِ والثَّوابِ والعِقابِ سَبَقَ بِهِ القَدَرُ، وأُضِيفَ الإيمانُ والتَّكْذِيبُ إلى العَبْدِ كَسْبًا، والمُوجِدُ لَهُما هو اللَّهُ تَعالى لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اللّامُ في القُرى إشارَةٌ إلى (القُرى) الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ كَأنَّهُ قالَ ولَوْ أنَّ أهْلَ تِلْكَ القُرى الَّذِينَ كَذَّبُوا وأُهْلِكُوا آمَنُوا بُدِّلَ كُفْرُهم واتَّقَوُا المَعاصِيَ مَكانَ ارْتِكابِها ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لَآتَيْناهم بِالخَيْرِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وقِيلَ: أرادَ المَطَرَ والنَّباتَ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ﴾ بِسُوءِ كَسْبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في (القُرى) لِلْجِنْسِ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ واتَّقَوُا المَعاصِيَ نَزْعَةُ الِاعْتِزالِ، رَتَّبَ تَعالى عَلى الإيمانِ والتَّقْوى فَتْحَ البَرَكاتِ، ورَتَّبَ عَلى التَّكْذِيبِ وحْدَهُ وهو المُقابِلُ لِلْإيمانِ الهَلاكَ، ولَمْ يَذْكُرْ مُقابِلَ التَّقْوى؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ لَمْ يَنْفَعْ مَعَهُ الخَيْرُ بِخِلافِ الإيمانِ فَإنَّهُ يَنْفَعُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِعْلُ الطّاعاتِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لا يُرادُ بِها مُعَيَّنٌ، ولِذَلِكَ جاءَتْ نَكِرَةً، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ المَطَرُ، وبَرَكاتُ الأرْضِ الثِّمارُ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ السَّماءِ والأرْضِ بِالرِّزْقِ، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ إجابَةُ الدُّعاءِ، وبَرَكاتُ الأرْضِ تَيْسِيرُ الحاجاتِ، وقِيلَ: بَرَكاتُ السَّماءِ المَطَرُ وبَرَكاتُ الأرْضِ المَواشِي والأنْعامُ، وحُصُولُ السَّلامَةِ والأمْنِ، وقِيلَ: البَرَكاتُ النُّمُوُّ والزِّياداتُ فَمِنَ السَّماءِ بِجِهَةِ المَطَرِ والرِّيحِ والشَّمْسِ ومِنَ الأرْضِ بِجِهَةِ النَّباتِ والحِفْظِ لِما نَبَتَ هَذا الَّذِي تُدْرِكُهُ فِطَرُ البَشَرِ ولِلَّهِ خُدّامٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا يُحْصى عَدَدُهم وما عَلِمَ اللَّهُ أكْثَرَ، وذَلِكَ أنَّ السَّماءَ تَجْرِي مَجْرى الأبِ والأرْضَ مَجْرى الأُمِّ ومِنهُما تَحْصُلُ جَمِيعُ الخَيْراتِ بِخَلْقِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، والأخْذُ أخْذُ إهْلاكٍ بِالذُّنُوبِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (لَفَتَّحْنا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، ومَعْنى الفَتْحِ هُنا التَّيْسِيرُ عَلَيْهِمْ كَما تَيَسَّرَ عَلى الأبْوابِ المُسْتَغْلَقَةِ بِفَتْحِها، ومِنهُ فَتَحْتَ عَلى القارِئِ إذا يَسَّرْتَ عَلَيْهِ بِتَلْقِينِكَ إيّاهُ ما تَعَذَّرَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ مِنَ القُرْآنِ إذا أرادَ القِراءَةَ.
﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ الهَمْزَةُ دَخَلَتْ عَلى أمِنَ لِلِاسْتِفْهامِ عَلى جِهَةِ التَّوْقِيفِ والتَّوْبِيخِ والإنْكارِ (p-٣٤٩)والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ، والفاءُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ولِمَ عُطِفَتِ الأُولى بِالفاءِ والثّانِيَةُ بِالواوِ ؟ قُلْتُ: المَعْطُوفُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ وقَوْلُهُ: ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى إلى يَكْسِبُونَ، وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنَّما عُطِفَتْ بِالفاءِ؛ لِأنَّ المَعْنى فَعَلُوا وصَنَعُوا فَأخَذْناهم بَغْتَةً، أبَعْدَ ذَلِكَ أمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا، وأمِنُوا أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى. انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ حَرْفَ العَطْفِ الَّذِي بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو عاطِفٌ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَ الهَمْزَةِ مِنَ الجُمَلِ رُجُوعٌ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ في ذَلِكَ وتَخْرِيجٌ لِهَذِهِ الآيَةِ عَلى خِلافِ ما قَرَّرَ هو مِن مَذْهَبِهِ في غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُ يُقَدِّرُ مَحْذُوفًا بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ يَصِحُّ بِتَقْدِيرِهِ عَطْفُ ما بَعْدَ الحَرْفِ عَلَيْهِ، وأنَّ الهَمْزَةَ وحَرْفَ العَطْفِ واقِعانِ في مَوْضِعِهِما مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَقْدِيمِ حَرْفِ العَطْفِ عَلى الهَمْزَةِ في التَّقْدِيرِ، وأنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِفْهامَ اعْتِناءً؛ لِأنَّهُ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ كَلامُنا مَعَهُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ، وبَأْسُنا عَذابُنا وبَياتًا لَيْلًا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أوَّلَ السُّورَةِ، ونَصَبَهُ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: وقْتَ مَبِيتِهِمْ، أوِ الحالِ وذَلِكَ وقْتُ الغَفْلَةِ والنَّوْمِ فَمَجِيءُ العَذابِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو وقْتُ الرّاحَةِ والِاجْتِماعِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ إذْ أتى وقْتَ المَأْمَنِ.
﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾، أيْ: في حالِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ والِاشْتِغالِ بِما لا يُجْدِي كَأنَّهم يَلْعَبُونَ و(ضُحًى) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، أيْ: صَحْوَةً ويُقَيَّدُ كُلُّ ظَرْفٍ بِما يُناسِبُهُ مِنَ الحالِ فَيُقَيَّدُ البَياتُ بِالنَّوْمِ والضُّحى بِاللَّعِبِ، وجاءَ (نائِمُونَ) باسِمِ الفاعِلِ؛ لِأنَّها حالَةُ ثُبُوتٍ، واسْتِقْرارٍ لِلْبائِتِينَ، وجاءَ (يَلْعَبُونَ) بِالمُضارِعِ؛ لِأنَّهم مُشْتَغِلُونَ بِأفْعالٍ مُتَجَدِّدَةٍ شَيْئًا فَشَيْئًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَرَأ نافِعٌ والِابْنانِ (أوْ أمِنَ) بِسُكُونِ الواوِ، جَعَلَ أوْ عاطِفَةً ومَعْناها التَّنْوِيعُ لا أنَّ مَعْناها الإباحَةُ، أوِ التَّخْيِيرُ خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ وحَذَفَ ورْشٌ هَمْزَةَ (أمِنَ) ونَقَلَ حَرَكَتِها إلى الواوِ السّاكِنَةِ، والباقُونَ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها واوُ العَطْفِ، وتَكَرَّرَ لَفْظُ أهْلُ القُرى لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّسْمِيعِ والإبْلاغِ والتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالسّامِعِ ما لا يَكُونُ في الضَّمِيرِ لَوْ جاءَ، أوْ أمِنُوا فَإنَّهُ مَتى قَصَدَ التَّفْخِيمَ والتَّعْظِيمَ والتَّهْوِيلَ جِيءَ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ.
﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] جاءَ العَطْفُ بِالفاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾، (أوَ أمِنَ) وتَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ ذَلِكَ فَناسَبَ إعادَةَ الجُمْلَةِ مَصْحُوبَةً بِالفاءِ، ومَكْرٌ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ وهو اسْتِعارَةٌ لِأخْذِهِ العَبْدَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩] هي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى الخالِقِ كَما تَقُولُ ناقَةُ اللَّهِ وبَيْتُ اللَّهِ والمُرادُ فِعْلٌ مُعاقِبٌ بِهِ مَكْرَ الكَفَرَةِ، وأُضِيفَ إلى اللَّهِ لَمّا كانَ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العُقُوبَةَ عَلى أيِّ جِهَةٍ كانَتْ بِاسْمِ الذَّنْبِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وهَذا نَصٌّ في قَوْلِهِ: و(مَكَرُوا) و(مَكَرَ اللَّهُ) . انْتَهى. وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: مَكْرُ اللَّهِ عَذابُهُ وجَزاؤُهُ عَلى مَكْرِهِمْ، وقِيلَ: مَكْرُهُ اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ وأخْذُهُ عَلى غِرَّةٍ وكَرَّرَ المَكْرَ مُضافًا إلى اللَّهِ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِ جَزاءِ المَكْرِ بِهِمْ.
الأعراف 7:99
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ (يَهْدِ) يُبَيِّنُ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، أيْ: بَيَّنّا لَهم طَرِيقَ الهُدى، والفاعِلُ بِيَهْدِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، أحَدُها أنْ يَعُودَ عَلى اللَّهِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ (p-٣٥٠)مَن قَرَأ (نَهْدِ) بِالنُّونِ، والثّانِي أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ السّابِقِ، أيْ: (أوَلَمْ يَهْدِ) ما جَرى لِلْأُمَمِ السّالِفَةِ أهْلِ القُرى وغَيْرِهِمْ وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ أنْ لَوْ نَشاءُ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بـِ (يَهْدِ)، أيْ: أوَلَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ، أوْ ما سَبَقَ مِن قِصَصِ القُرى ومَآلِ أمْرِهِمْ لِلْوارِثِينَ إصابَتَنا إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ لَوْ شِئْنا ذَلِكَ، أيْ: عِلْمُهم بِإصابَتِنا، أوْ قُدْرَتِنا عَلى إصابَتِنا إيّاهم،، والمَعْنى: إنَّكم مُذْنِبُونَ لَهم، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما حَلَّ بِهِمْ أفَما تَحْذَرُونَ أنْ يَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِهِمْ فَذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَلَيْنا لَوْ شِئْنا، والوَجْهُ الثّالِثُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ (يَهْدِ) قَوْلَهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ فَيَنْسَبِكُ المَصْدَرُ مِن جَوابِ لَوْ، والتَّقْدِيرُ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ ونُوَضِّحْ لِلْوارِثِينَ مَآلَهم وعاقِبَتَهم وإصابَتَنا إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ لَوْ شِئْنا ذَلِكَ، أيْ: عِلْمَهم بِإصابَتِنا أوْ قُدْرَتِنا عَلى إصابَتِنا إيّاهم، والمَعْنى: عَلى التَّقْدِيرَيْنِ إذا كانَتْ (أنْ) مَفْعُولَةً و(أنْ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ فِيها مَعْنى العِلْمِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِلَوْ و(نَشاءُ) في مَعْنى شِئْنا لا أنْ لَوِ الَّتِي هي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ إذا جاءَ بَعْدَها المُضارِعُ صَرَفَتْ مَعْناهُ إلى المُضِيِّ، ومَفْعُولُ (نَشاءُ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ (لَوْ)، والجَوابُ ﴿أصَبْناهُمْ﴾ ولَمْ يَأْتِ بِاللّامِ وإنْ كانَ الفِعْلُ مُثْبَتًا إذْ حَذْفُها جائِزٌ فَيَصِحُّ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] والأكْثَرُ الإتْيانُ بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] والَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ، أيْ: يُخَلَّفُونَ فِيها مِن بَعْدِ هَلاكِ أهْلِها، وظاهِرُهُ التَّسْمِيعُ لِمَن كانَ في عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أهْلَ مَكَّةَ.
﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أيْ: ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ مَن أوْضَحَ اللَّهُ لَهُ سُبُلَ الهُدى وذَكَرَ لَهُ أمْثالًا مِمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى بِذُنُوبِهِمْ وهو مَعَ ذَلِكَ (p-٣٥١)دائِمٌ عَلى غَيِّهِ لا يَرْعَوِي يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ فَيَنْبُوَ سَمْعُهُ عَنْ سَماعِ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أصَبْنا إذا كانَ بِمَعْنى نُصِيبُ فَوَضَعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ عِنْدَ وُضُوحِ مَعْنى الِاسْتِعْمالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]، أيْ: إنْ يَشَأْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] . انْتَهى فَجَعَلَ (لَوْ) شَرْطِيَّةً بِمَعْنى أنْ ولَمْ يَجْعَلْها الَّتِي هي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ أصَبْنا بِمَعْنى نُصِيبُ، ومِثالُ وُقُوعِ لَوْ مَوْقِعَ أنْ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يُلْفِكَ الرّاجُوكَ إلّا مُظْهِرًا خُلُقَ الكِرامِ ولَوْ تَكُونُ عَدِيمًا
وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ رَدَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن جِهَةِ المَعْنى لَكِنْ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿ونَطْبَعُ﴾ بِمَعْنى طَبَعْنا، فَيَكُونُ قَدْ عَطَفَ المُضارِعَ عَلى الماضِي الَّذِي هو جَوابُ (لَوْ نَشاءُ) فَجَعَلَهُ بِمَعْنى نُصِيبُ، فَتَأوَّلَ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ وهو الجَوابُ ورَدَّهُ إلى المُسْتَقْبَلِ، والزَّمَخْشَرِيُّ تَأوَّلَ المَعْطُوفَ ورَدَّهُ إلى المُضِيِّ، وأنْتَجَ رَدُّ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا يَصِحُّ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ونَطْبَعُ﴾ بِمَعْنى طَبَعْنا كَما كانَ لَوْ نَشاءُ بِمَعْنى لَوْ شِئْنا ويُعْطَفُ عَلى ﴿أصَبْناهُمْ﴾، قُلْتُ: لا يُساعِدُ هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ القَوْمَ كانَ مَطْبُوعًا عَلى قُلُوبِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ اقْتِرافِ الذُّنُوبِ والإصابَةِ بِها، وهَذا التَّفْسِيرُ يُؤَدِّي إلى خُلُوِّهِمْ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ لاتَّصَفُوا بِها. انْتَهى هَذا الرَّدُّ ظاهِرُهُ الصِّحَّةُ ومُلَخَّصُهُ أنَّ المَعْطُوفَ عَلى الجَوابِ جَوابٌ سَواءٌ تَأوَّلْنا المَعْطُوفَ عَلَيْهِ أمِ المَعْطُوفَ وجَوابُ لَوْ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ سَواءٌ كانَتْ حَرْفًا لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ أمْ بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ والإصابَةُ لَمْ تَقَعْ، والطَّبْعُ عَلى القُلُوبِ واقِعٌ، فَلا يَصِحُّ أنْ يُعْطَفَ عَلى الجَوابِ فَإنْ تَأوَّلَ ﴿ونَطْبَعُ﴾ عَلى مَعْنى ونَسْتَمِرُّ عَلى الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ أمْكَنَ التَّعاطُفُ؛ لِأنَّ الِاسْتِقْرارَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ وإنْ كانَ الطَّبْعُ قَدْ وقَعَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَقْرِيرُ صاحِبِ الكَشّافِ عَلى أقْوى الوُجُوهِ هو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ في الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ مُنافِيًا لِصِحَّةِ العَطْفِ وكانَ قَدْ قَرَّرَ أنَّ المَعْنى، أوْ لَمْ يُبَيِّنْ لِلَّذِينِ نُبْقِيهِمْ في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِنا مَن كانَ قَبْلَهم فِيها أنْ نُهْلِكَهم بَعْدَهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ أصَبْناهم، أيْ: بِعِقابِ ذُنُوبِهِمْ ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، أيْ: لَمْ نُهْلِكْهم بِالعَذابِ ﴿نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾، أيْ: لا يَقْبَلُونَ ولا يَتَّعِظُونَ ولا يَنْزَجِرُونَ، وإنَّما قُلْنا إنَّ المُرادَ إمّا الإهْلاكُ وإمّا الطَّبْعُ عَلى القَلْبِ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الطَّبْعِ عَلى القَلْبِ، فَإنَّهُ إذا أهْلَكَهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَطْبَعَ عَلى قَلْبِهِ. انْتَهى. والعَطْفُ في ﴿ونَطْبَعُ﴾ بِالواوِ بِمَنعِ ما ذَكَرَهُ؛ لِأنَّ جَعْلَ المَعْنى عَلى أنَّهُ إمّا الإهْلاكُ وإمّا الطَّبْعُ، وظاهِرُ العَطْفِ بِالواوِ ويَنْبُو عَنِ الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ جَعَلْتَ الواوَ بِمَعْنى، أوْ أمْكَنَ ذَلِكَ وكَذَلِكَ يَنْبُو عَنْ قَوْلِهِ إنْ لَمْ نُهْلِكْهم بِالعَذابِ ونَطْبَعْ عَلى قُلُوبِهِمُ العَطْفُ بِالواوِ، وأوْرَدَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ مِن أقْوالِ المُفَسِّرِينَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ في الكُفْرِ لا يُنافِي صِحَّةَ العَطْفِ فَقالَ أبُو عَلِيٍّ ويَعْنِي بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ الجُبّائِيَّ: الطَّبْعُ (p-٣٥٢)سِمَةٌ في القَلْبِ مِن نُكْتَةٍ سَوْداءَ إنَّ صاحِبَها لا يُفْلِحُ، وقالَ الأصَمُّ: أيْ: يَلْزَمُهم ما هم عَلَيْهِ فَلا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدَ المُعايَنَةِ فَلا تُقْبَلُ تَوْبَتُهم، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الطَّبْعُ الخِذْلانُ إنَّهُ يُخْذَلُ الكافِرُ فَيَرى الآيَةَ فَلا يُؤْمِنُ بِها ويَخْتارُ ما اعْتادَ وألِفَ، وهَذِهِ الأقْوالُ لا يُمْكِنُ مَعَها العَطْفُ إلّا عَلى تَأْوِيلِ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى، أوْ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في عَطْفِ ﴿ونَطْبَعُ﴾ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ أحَدُهُما ضَعِيفٌ، والآخَرُ خَطَأٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، قُلْتُ: فِيهِ أوْجُهٌ، أوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى، ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] كَأنَّهُ قِيلَ يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، أوْ عَلى ﴿يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ . انْتَهى. فَقَوْلُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ وهو يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إضْمارٌ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ إذْ قَدْ صَحَّ أنْ يَكُونَ عَلى الِاسْتِئْنافِ مِن بابِ العَطْفِ في الجُمَلِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، وقَوْلُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (يَرِثُونَ) خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْطُوفًا عَلى يَرْثُونَ كانَ صِلَةً لِلَّذِينِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الصِّلَةِ صِلَةٌ، ويَكُونُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ أبْعاضِ الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ مِنَ الصِّلَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ﴾ بِذُنُوبِهِمْ، سَواءٌ قَدَّرْنا ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ في مَوْضِعِ الفاعِلِ لـِ (يَهْدِ) أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ فَهو مَعْمُولٌ لِـ (يَهْدِ) لا تَعَلُّقَ لَهُ بِشَيْءٍ مِن صِلَةِ (الَّذِينَ) وهو لا يَجُوزُ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ بِعِقابِ ذُنُوبِهِمْ، أوْ يُضَمَّنُ ﴿أصَبْناهُمْ﴾ مَعْنى أهْلَكْناهم فَهو مِن مَجازِ الإضْمارِ، أوِ التَّضْمِينِ، ونَفْيِ السَّماعِ، والمَعْنى: نَفْيُ القَبُولِ والِاتِّعاظِ المُتَرَتِّبِ عَلى وُجُودِ السَّماعِ جَعَلَ انْتِفاءَ فائِدَتِهِ انْتِفاءً لَهُ.
الأعراف 7:100
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ (يَهْدِ) يُبَيِّنُ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، أيْ: بَيَّنّا لَهم طَرِيقَ الهُدى، والفاعِلُ بِيَهْدِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، أحَدُها أنْ يَعُودَ عَلى اللَّهِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ (p-٣٥٠)مَن قَرَأ (نَهْدِ) بِالنُّونِ، والثّانِي أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى ما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ السّابِقِ، أيْ: (أوَلَمْ يَهْدِ) ما جَرى لِلْأُمَمِ السّالِفَةِ أهْلِ القُرى وغَيْرِهِمْ وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ أنْ لَوْ نَشاءُ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بـِ (يَهْدِ)، أيْ: أوَلَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ، أوْ ما سَبَقَ مِن قِصَصِ القُرى ومَآلِ أمْرِهِمْ لِلْوارِثِينَ إصابَتَنا إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ لَوْ شِئْنا ذَلِكَ، أيْ: عِلْمُهم بِإصابَتِنا، أوْ قُدْرَتِنا عَلى إصابَتِنا إيّاهم،، والمَعْنى: إنَّكم مُذْنِبُونَ لَهم، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما حَلَّ بِهِمْ أفَما تَحْذَرُونَ أنْ يَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِهِمْ فَذَلِكَ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَلَيْنا لَوْ شِئْنا، والوَجْهُ الثّالِثُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ بـِ (يَهْدِ) قَوْلَهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ فَيَنْسَبِكُ المَصْدَرُ مِن جَوابِ لَوْ، والتَّقْدِيرُ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ ونُوَضِّحْ لِلْوارِثِينَ مَآلَهم وعاقِبَتَهم وإصابَتَنا إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ لَوْ شِئْنا ذَلِكَ، أيْ: عِلْمَهم بِإصابَتِنا أوْ قُدْرَتِنا عَلى إصابَتِنا إيّاهم، والمَعْنى: عَلى التَّقْدِيرَيْنِ إذا كانَتْ (أنْ) مَفْعُولَةً و(أنْ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ فِيها مَعْنى العِلْمِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِلَوْ و(نَشاءُ) في مَعْنى شِئْنا لا أنْ لَوِ الَّتِي هي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ إذا جاءَ بَعْدَها المُضارِعُ صَرَفَتْ مَعْناهُ إلى المُضِيِّ، ومَفْعُولُ (نَشاءُ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ (لَوْ)، والجَوابُ ﴿أصَبْناهُمْ﴾ ولَمْ يَأْتِ بِاللّامِ وإنْ كانَ الفِعْلُ مُثْبَتًا إذْ حَذْفُها جائِزٌ فَيَصِحُّ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] والأكْثَرُ الإتْيانُ بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] والَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ، أيْ: يُخَلَّفُونَ فِيها مِن بَعْدِ هَلاكِ أهْلِها، وظاهِرُهُ التَّسْمِيعُ لِمَن كانَ في عَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أهْلَ مَكَّةَ.
﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أيْ: ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ مَن أوْضَحَ اللَّهُ لَهُ سُبُلَ الهُدى وذَكَرَ لَهُ أمْثالًا مِمَّنْ أهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى بِذُنُوبِهِمْ وهو مَعَ ذَلِكَ (p-٣٥١)دائِمٌ عَلى غَيِّهِ لا يَرْعَوِي يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ فَيَنْبُوَ سَمْعُهُ عَنْ سَماعِ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أصَبْنا إذا كانَ بِمَعْنى نُصِيبُ فَوَضَعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ عِنْدَ وُضُوحِ مَعْنى الِاسْتِعْمالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]، أيْ: إنْ يَشَأْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] . انْتَهى فَجَعَلَ (لَوْ) شَرْطِيَّةً بِمَعْنى أنْ ولَمْ يَجْعَلْها الَّتِي هي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ أصَبْنا بِمَعْنى نُصِيبُ، ومِثالُ وُقُوعِ لَوْ مَوْقِعَ أنْ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يُلْفِكَ الرّاجُوكَ إلّا مُظْهِرًا خُلُقَ الكِرامِ ولَوْ تَكُونُ عَدِيمًا
وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ رَدَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن جِهَةِ المَعْنى لَكِنْ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿ونَطْبَعُ﴾ بِمَعْنى طَبَعْنا، فَيَكُونُ قَدْ عَطَفَ المُضارِعَ عَلى الماضِي الَّذِي هو جَوابُ (لَوْ نَشاءُ) فَجَعَلَهُ بِمَعْنى نُصِيبُ، فَتَأوَّلَ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ وهو الجَوابُ ورَدَّهُ إلى المُسْتَقْبَلِ، والزَّمَخْشَرِيُّ تَأوَّلَ المَعْطُوفَ ورَدَّهُ إلى المُضِيِّ، وأنْتَجَ رَدُّ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا يَصِحُّ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ونَطْبَعُ﴾ بِمَعْنى طَبَعْنا كَما كانَ لَوْ نَشاءُ بِمَعْنى لَوْ شِئْنا ويُعْطَفُ عَلى ﴿أصَبْناهُمْ﴾، قُلْتُ: لا يُساعِدُ هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ القَوْمَ كانَ مَطْبُوعًا عَلى قُلُوبِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ مَن قَبْلَهم مِنَ اقْتِرافِ الذُّنُوبِ والإصابَةِ بِها، وهَذا التَّفْسِيرُ يُؤَدِّي إلى خُلُوِّهِمْ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ لاتَّصَفُوا بِها. انْتَهى هَذا الرَّدُّ ظاهِرُهُ الصِّحَّةُ ومُلَخَّصُهُ أنَّ المَعْطُوفَ عَلى الجَوابِ جَوابٌ سَواءٌ تَأوَّلْنا المَعْطُوفَ عَلَيْهِ أمِ المَعْطُوفَ وجَوابُ لَوْ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ سَواءٌ كانَتْ حَرْفًا لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ أمْ بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ والإصابَةُ لَمْ تَقَعْ، والطَّبْعُ عَلى القُلُوبِ واقِعٌ، فَلا يَصِحُّ أنْ يُعْطَفَ عَلى الجَوابِ فَإنْ تَأوَّلَ ﴿ونَطْبَعُ﴾ عَلى مَعْنى ونَسْتَمِرُّ عَلى الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ أمْكَنَ التَّعاطُفُ؛ لِأنَّ الِاسْتِقْرارَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ وإنْ كانَ الطَّبْعُ قَدْ وقَعَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَقْرِيرُ صاحِبِ الكَشّافِ عَلى أقْوى الوُجُوهِ هو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ في الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ مُنافِيًا لِصِحَّةِ العَطْفِ وكانَ قَدْ قَرَّرَ أنَّ المَعْنى، أوْ لَمْ يُبَيِّنْ لِلَّذِينِ نُبْقِيهِمْ في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِنا مَن كانَ قَبْلَهم فِيها أنْ نُهْلِكَهم بَعْدَهم وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ أصَبْناهم، أيْ: بِعِقابِ ذُنُوبِهِمْ ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، أيْ: لَمْ نُهْلِكْهم بِالعَذابِ ﴿نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾، أيْ: لا يَقْبَلُونَ ولا يَتَّعِظُونَ ولا يَنْزَجِرُونَ، وإنَّما قُلْنا إنَّ المُرادَ إمّا الإهْلاكُ وإمّا الطَّبْعُ عَلى القَلْبِ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ لا يَجْتَمِعُ مَعَ الطَّبْعِ عَلى القَلْبِ، فَإنَّهُ إذا أهْلَكَهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَطْبَعَ عَلى قَلْبِهِ. انْتَهى. والعَطْفُ في ﴿ونَطْبَعُ﴾ بِالواوِ بِمَنعِ ما ذَكَرَهُ؛ لِأنَّ جَعْلَ المَعْنى عَلى أنَّهُ إمّا الإهْلاكُ وإمّا الطَّبْعُ، وظاهِرُ العَطْفِ بِالواوِ ويَنْبُو عَنِ الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنْ جَعَلْتَ الواوَ بِمَعْنى، أوْ أمْكَنَ ذَلِكَ وكَذَلِكَ يَنْبُو عَنْ قَوْلِهِ إنْ لَمْ نُهْلِكْهم بِالعَذابِ ونَطْبَعْ عَلى قُلُوبِهِمُ العَطْفُ بِالواوِ، وأوْرَدَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ مِن أقْوالِ المُفَسِّرِينَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مَطْبُوعًا عَلَيْهِ في الكُفْرِ لا يُنافِي صِحَّةَ العَطْفِ فَقالَ أبُو عَلِيٍّ ويَعْنِي بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ الجُبّائِيَّ: الطَّبْعُ (p-٣٥٢)سِمَةٌ في القَلْبِ مِن نُكْتَةٍ سَوْداءَ إنَّ صاحِبَها لا يُفْلِحُ، وقالَ الأصَمُّ: أيْ: يَلْزَمُهم ما هم عَلَيْهِ فَلا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدَ المُعايَنَةِ فَلا تُقْبَلُ تَوْبَتُهم، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الطَّبْعُ الخِذْلانُ إنَّهُ يُخْذَلُ الكافِرُ فَيَرى الآيَةَ فَلا يُؤْمِنُ بِها ويَخْتارُ ما اعْتادَ وألِفَ، وهَذِهِ الأقْوالُ لا يُمْكِنُ مَعَها العَطْفُ إلّا عَلى تَأْوِيلِ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى، أوْ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في عَطْفِ ﴿ونَطْبَعُ﴾ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ أحَدُهُما ضَعِيفٌ، والآخَرُ خَطَأٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، قُلْتُ: فِيهِ أوْجُهٌ، أوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى، ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٢٦] كَأنَّهُ قِيلَ يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، أوْ عَلى ﴿يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ . انْتَهى. فَقَوْلُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ وهو يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إضْمارٌ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ إذْ قَدْ صَحَّ أنْ يَكُونَ عَلى الِاسْتِئْنافِ مِن بابِ العَطْفِ في الجُمَلِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، وقَوْلُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (يَرِثُونَ) خَطَأٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْطُوفًا عَلى يَرْثُونَ كانَ صِلَةً لِلَّذِينِ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الصِّلَةِ صِلَةٌ، ويَكُونُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَ أبْعاضِ الصِّلَةِ بِأجْنَبِيٍّ مِنَ الصِّلَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ﴾ بِذُنُوبِهِمْ، سَواءٌ قَدَّرْنا ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ﴾ في مَوْضِعِ الفاعِلِ لـِ (يَهْدِ) أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ فَهو مَعْمُولٌ لِـ (يَهْدِ) لا تَعَلُّقَ لَهُ بِشَيْءٍ مِن صِلَةِ (الَّذِينَ) وهو لا يَجُوزُ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ بِعِقابِ ذُنُوبِهِمْ، أوْ يُضَمَّنُ ﴿أصَبْناهُمْ﴾ مَعْنى أهْلَكْناهم فَهو مِن مَجازِ الإضْمارِ، أوِ التَّضْمِينِ، ونَفْيِ السَّماعِ، والمَعْنى: نَفْيُ القَبُولِ والِاتِّعاظِ المُتَرَتِّبِ عَلى وُجُودِ السَّماعِ جَعَلَ انْتِفاءَ فائِدَتِهِ انْتِفاءً لَهُ.
الأعراف 7:101
﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ و(القُرى) هي بِلادُ قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ بِلا خِلافٍ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ، وجاءَتِ الإشارَةُ بِتِلْكَ إشارَةً إلى بُعْدِ هَلاكِها وتَقادُمِهِ وحَصَلَ الرَّبْطُ بَيْنَ هَذِهِ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٦] و(نَقُصُّ) يُحْتَمَلُ إبْقاؤُهُ عَلى حالِهِ مِنَ الِاسْتِقْبالِ، والمَعْنى: قَدْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ﴿مِن أنْبائِها﴾ ونَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أيْضًا مِنها مُفَرَّقًا في السُّوَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ عَنِ الماضِي، أيْ: ﴿تِلْكَ القُرى﴾ قَصَصْنا، والإنْباءُ هُنا إخْبارُهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ ومَآلِ عِصْيانِهِمْ، و(تِلْكَ) مُبْتَدَأٌ و(القُرى) خَبَرٌ (ونَقُصُّ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ نَحْوُ قَوْلِهِ فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةٌ وفي الإخْبارِ بِالقُرى مَعْنى التَّعْظِيمِ لِمَهْلِكِها، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] وفي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ» وكَقَوْلِ أُمَيَّةَ:
؎تِلْكَ المَكارِمُ لا قِعْبانِ مِن لَبَنٍ
ولَمّا كانَ الخَبَرُ مُقَيَّدًا بِالحالِ أفادَ كالتَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ في قَوْلِكَ هو الرَّجُلُ الكَرِيمُ وأجازُوا أنْ يَكُونَ (نَقُصُّ) خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا و(القُرى) صِفَةٌ، ومَعْنى (مِن) التَّبْعِيضُ فَدَلَّ عَلى أنَّ لَها أنْباءً أُخَرَ لَمْ تُقَصَّ عَلَيْهِ، وإنَّما قَصَّ ما فِيهِ عِظَةٌ وازْدِجارٌ وادِّكارٌ بِما جَرى عَلى مَن خالَفَ الرُّسُلَ لِيَتَّعِظَ بِذَلِكَ السّامِعُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
(p-٣٥٣)﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لِيُؤْمِنُوا اليَوْمَ بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلِ يَوْمِ المِيثاقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما كانُوا لِيُخالِفُوا عِلْمَ اللَّهِ فِيهِمْ، وقالَ يَمانُ بْنُ رِئابٍ: بِما كَذَّبُوا أسْلافَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] فالفِعْلُ في (لِيُؤْمِنُوا) لِقَوْمٍ وفي ﴿بِما كَذَّبُوا﴾ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. وقِيلَ: ﴿جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ بَعْدَ المُعْجِزاتِ ﴿بِما كَذَّبُوا﴾ بِهِ قَبْلَها كَما قالَ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]، وقالَ الكِرْمانِيُّ: (مِن قَبْلُ) يَعُودُ عَلى الرُّسُلِ، تَقْدِيرُهُ مِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ لَمْ يُسْلَبْ عَنْهُمُ اسْمَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، بَلْ بَقُوا كافِرِينَ مُكَذِّبِينَ كَما كانُوا قَبْلَ الرُّسُلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ بِما كَذَّبُوهُ مِن آياتِ اللَّهِ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ مِمّا كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلى آخِرِ أعْمارِهِمْ بِما كَذَّبُوا بِهِ أوَّلًا حَتّى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ، أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ مِن لَدُنْ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ إلى أنْ باتُوا مُصِرِّينَ لا يَرْعَوُونَ، ولا تَلِينُ شَكِيمَتُهم في كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ مَعَ تَكْرارِ المَواعِظِ عَلَيْهِمْ، وتَتابُعِ الآياتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ وُجُوهٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، أحَدُها أنْ يُرِيدَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهم فَكَذَّبُوهُ لِأوَّلِ أمْرِهِ، ثُمَّ اسْتَبانَتْ حُجَّتُهُ وظَهَرَتِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ مَعَ اسْتِمْرارِ دَعَوْتِهِ فَلَجُّوا هم في كُفْرِهِمْ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلُ، وكَأنَّهُ وصَفَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِاللَّجاجِ في الكُفْرِ والصَّرامَةِ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾، ويُحْتَمَلُ في هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَما كانُوا لِيُوَفِّقَهُمُ اللَّهُ إلى الإيمانِ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا مِن قَبْلُ فَكانَ تَكْذِيبُهم سَبَبًا لِأنْ يُمْنَعُوا الإيمانَ بَعْدُ، والثّانِي مِنَ الوُجُوهِ أنْ يُرِيدَ فَما كانَ آخِرُهم في الزَّمَنِ والعَصْرِ لِيَهْتَدِيَ ويُؤْمِنَ بِما كَذَّبَ بِهِ أوَّلُهم في الزَّمَنِ والعَصْرِ، بَلْ كَفَرَ كُلُّهم ومَشى بَعْضُهم عَلى سُنَنِ بَعْضٍ في الكُفْرِ. أشارَ إلى هَذا القَوْلِ النَّقّاشُ، فَكانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (كانُوا) يَخْتَصُّ بِالآخِرِينَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (كَذَّبُوا) يَخْتَصُّ بِالقُدَماءِ مِنهم، والثّالِثُ مِنَ الوُجُوهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَما كانَ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِأجْمَعِهِمْ لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا ومُكِّنُوا مِنَ العَوْدَةِ لِيُؤْمِنُوا بِما قَدْ كَذَّبُوا بِهِ في حالِ حَياتِهِمْ ودَعا الرَّسُولُ لَهم. قالَهُ مُجاهِدٌ وقَرَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] وهَذِهِ أيْضًا صِفَةٌ بَلِيغَةٌ في اللَّجاجِ والثُّبُوتِ عَلى الكُفْرِ، بَلْ هي غايَةٌ في ذَلِكَ، والرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَهم بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهم مُكَذِّبُونَ بِهِ، فَحَمْلُ سابِقِ القَدَرِ عَلَيْهِمْ بِمَثابَةِ تَكْذِيبِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لا سِيَّما وقَدْ خَرَجَ تَكْذِيبُهم إلى الوُجُودِ في وقْتِ مَجِيءِ الرُّسُلِ، وذَكَرَ هَذا القَوْلَ المُفَسِّرُونَ وقَرَّبُوهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَتَّمَ عَلَيْهِمُ التَّكْذِيبَ وقْتَ أخْذِ المِيثاقِ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”كانُوا“ وفي ”لِيُؤْمِنُوا“ عائِدٌ عَلى أهْلِ القُرى، وأنَّ الباءَ في ”بِما“ لَيْسَتْ سَبَبِيَّةً، فالمَعْنى أنَّهُمُ انْتَفَتْ عَنْهم قابِلِيَّةُ الإيمانِ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ بِما كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ، بَلْ حالُهم واحِدٌ قَبْلَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، وبَعْدَ ظُهُورِها لَمْ تُجْدِ عَنْهم شَيْئًا، وفي الإتْيانِ بِلامِ الجُحُودِ في لِيُؤْمِنُوا مُبالِغَةٌ في نَفْيِ القابِلِيَّةِ والوُقُوعِ وهو أبْلَغُ مِن تَسَلُّطِ النَّفْيِ عَلى الفِعْلِ بِغَيْرِ لامٍ، وما في بِما كَذَّبُوا مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: بِما كَذَّبُوهُ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، قالَ الكِرْمانِيُّ: وجاءَ هُنا بِما كَذَّبُوا فَحَذَفَ مُتَعَلِّقَ التَّكْذِيبِ لَمّا حَذَفَ المُتَعَلِّقَ في ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ [الأعراف: ٩٦] وقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ [الأعراف: ٩٦] وفي يُونُسَ أبْرَزَهُ، فَقالَ: ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] لَمّا كانَ قَدْ أُبْرِزَ في فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ، ثُمَّ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَوافَقَ الخَتْمَ في كُلٍّ مِنهُما بِما يُناسِبُ ما قَبْلَهُ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
(p-٣٥٤)﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ أهْلِ القُرى حِينَ انْتَفَتْ عَنْهم قابِلِيَّةُ الإيمانِ وتَساوى أمْرُهم في الكُفْرِ قَبْلَ المُعْجِزاتِ وبَعْدَها يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ مِمَّنْ أتى بَعْدَهم، قالَ الكِرْمانِيُّ: تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ بِالصَّرِيحِ وبِالكِنايَةِ فَجَمَعَ بَيْنَهُما فَقالَ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠] وخَتَمَ بِالصَّرِيحِ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾، وفي يُونُسَ بَنى عَلى ما قَبْلَهُ بِنُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ: فَنَجَّيْناهُ، وجَعَلْناهم، ثُمَّ بَعَثْنا فَناسَبَ نَطْبَعُ بِالنُّونِ.
﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾، أيْ: لِأكْثَرِ النّاسِ، أوْ أهْلِ القُرى، أوِ الأُمَمِ الماضِيَةِ احْتِمالاتٌ ثَلاثَةٌ. قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، والعَهْدُ هُنا هو الَّذِي عُوهِدُوا عَلَيْهِ في صُلْبِ آدَمَ. قالَهُ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الإيمانُ. قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْنُ اتَّخَذَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا، وهو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فالمَعْنى مِن إيفاءٍ، أوِ التِزامِ عَهْدٍ، وقِيلَ: العَهْدُ هو وضْعُ الأدِلَّةِ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ إذْ ذَلِكَ عَهْدٌ في رِقابِ العُقَلاءِ، كالعُقُودِ فَعَبَّرَ عَنْ صَرْفِ عُقُولِهِمْ إلى النَّظَرِ في ذَلِكَ بِانْتِفاءِ وِجْدانِ العَهْدِ و(مِن) في ﴿مِن عَهْدٍ﴾ زائِدَةٌ تَدُلُّ عَلى الِاسْتِغْراقِ لِجِنْسِ العَهْدِ.
﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ إنْ هُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ووَجَدَ بِمَعْنى عَلِمَ، ومَفْعُولُ (وجَدْنا) الأُولى (أكْثَرَهم) ومَفْعُولُ الثّانِيَةِ ﴿لَفاسِقِينَ﴾، واللّامُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وإنِ النّافِيَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] ودَعْوى بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّ إنَّ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ وجَدْنا. انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ يَزْعُمُ أنَّ إنَّ إذا خُفِّفَتْ كانَ مَحْذُوفًا مِنها الِاسْمُ، وهو الشَّأْنُ والحَدِيثُ إبْقاءً لَها عَلى الِاخْتِصاصِ بِالدُّخُولِ عَلى الأسْماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا تَقْدِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ ورَدَدْنا عَلَيْهِ.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ أخْبارَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ وما آلَ إلَيْهِ أمْرُ قَوْمِهِمْ وكانَ هَؤُلاءِ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ أتْبَعَ بِقِصَصِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وبَنِي إسْرائِيلَ إذْ كانَتْ مُعْجِزاتُهُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ وأُمَّتُهُ مِن أكْثَرِ الأُمَمِ تَكْذِيبًا وتَعَنُّتًا واقْتِراحًا وجَهْلًا وكانَ قَدْ بَقِيَ مِن أتْباعِهِ عالَمٌ وهُمُ اليَهُودُ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا قِصَصَهم لِنَعْتَبِرَ ونَتَّعِظَ ونَنْزَجِرَ عَنْ أنْ نَتَشَبَّهَ بِهِمْ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ بَيْنَ مُوسى وشُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ مُصاهَرَةً - كَما حَكى اللَّهُ في كِتابِهِ - ونَسَبًا لِكَوْنِهِما مِن نَسْلِ إبْراهِيمَ ولَمّا اسْتَفْتَحَ قِصَّةَ نُوحٍ بـِ (أرْسَلْنا) بِنُونِ العَظَمَةِ أتْبَعَ ذَلِكَ قِصَّةَ مُوسى فَقالَ: (ثُمَّ بَعَثْنا) والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِمْ) عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾، أوْ لِلْأُمَمِ السّابِقَةِ، والآياتُ الحُجَجُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ عَلى قَوْمِهِ، أوِ الآياتُ التِّسْعُ، أوِ التَّوْراةُ أقْوالٌ، وتَعْدِيَةُ فَظَلَمُوا بِالباءِ إمّا عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ بِمَعْنى كَفَرُوا بِها ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وإمّا أنْ تَكُونَ الباءُ سَبَبِيَّةً، أيْ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها، أوِ النّاسَ حَيْثُ صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ، أوِ الرَّسُولَ فَقالُوا: سِحْرٌ وتَمْوِيهٌ أقْوالٌ، وقالَ الأصَمُّ: ظَلَمُوا تِلْكَ النِّعَمَ الَّتِي آتاهُمُ اللَّهُ بِأنِ اسْتَعانُوا بِها عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فانْظُرْ أيُّها السّامِعُ ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ المُفْسِدِينَ الظّالِمِينَ جَعَلَهم (p-٣٥٥)مِثالًا تَوَعَّدَ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
الأعراف 7:102
﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ و(القُرى) هي بِلادُ قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ بِلا خِلافٍ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ، وجاءَتِ الإشارَةُ بِتِلْكَ إشارَةً إلى بُعْدِ هَلاكِها وتَقادُمِهِ وحَصَلَ الرَّبْطُ بَيْنَ هَذِهِ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٦] و(نَقُصُّ) يُحْتَمَلُ إبْقاؤُهُ عَلى حالِهِ مِنَ الِاسْتِقْبالِ، والمَعْنى: قَدْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ﴿مِن أنْبائِها﴾ ونَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أيْضًا مِنها مُفَرَّقًا في السُّوَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ عَنِ الماضِي، أيْ: ﴿تِلْكَ القُرى﴾ قَصَصْنا، والإنْباءُ هُنا إخْبارُهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ ومَآلِ عِصْيانِهِمْ، و(تِلْكَ) مُبْتَدَأٌ و(القُرى) خَبَرٌ (ونَقُصُّ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ نَحْوُ قَوْلِهِ فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةٌ وفي الإخْبارِ بِالقُرى مَعْنى التَّعْظِيمِ لِمَهْلِكِها، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] وفي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ» وكَقَوْلِ أُمَيَّةَ:
؎تِلْكَ المَكارِمُ لا قِعْبانِ مِن لَبَنٍ
ولَمّا كانَ الخَبَرُ مُقَيَّدًا بِالحالِ أفادَ كالتَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ في قَوْلِكَ هو الرَّجُلُ الكَرِيمُ وأجازُوا أنْ يَكُونَ (نَقُصُّ) خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا و(القُرى) صِفَةٌ، ومَعْنى (مِن) التَّبْعِيضُ فَدَلَّ عَلى أنَّ لَها أنْباءً أُخَرَ لَمْ تُقَصَّ عَلَيْهِ، وإنَّما قَصَّ ما فِيهِ عِظَةٌ وازْدِجارٌ وادِّكارٌ بِما جَرى عَلى مَن خالَفَ الرُّسُلَ لِيَتَّعِظَ بِذَلِكَ السّامِعُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
(p-٣٥٣)﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لِيُؤْمِنُوا اليَوْمَ بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلِ يَوْمِ المِيثاقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما كانُوا لِيُخالِفُوا عِلْمَ اللَّهِ فِيهِمْ، وقالَ يَمانُ بْنُ رِئابٍ: بِما كَذَّبُوا أسْلافَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] فالفِعْلُ في (لِيُؤْمِنُوا) لِقَوْمٍ وفي ﴿بِما كَذَّبُوا﴾ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. وقِيلَ: ﴿جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ بَعْدَ المُعْجِزاتِ ﴿بِما كَذَّبُوا﴾ بِهِ قَبْلَها كَما قالَ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]، وقالَ الكِرْمانِيُّ: (مِن قَبْلُ) يَعُودُ عَلى الرُّسُلِ، تَقْدِيرُهُ مِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ لَمْ يُسْلَبْ عَنْهُمُ اسْمَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، بَلْ بَقُوا كافِرِينَ مُكَذِّبِينَ كَما كانُوا قَبْلَ الرُّسُلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ بِما كَذَّبُوهُ مِن آياتِ اللَّهِ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ مِمّا كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلى آخِرِ أعْمارِهِمْ بِما كَذَّبُوا بِهِ أوَّلًا حَتّى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ، أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ مِن لَدُنْ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ إلى أنْ باتُوا مُصِرِّينَ لا يَرْعَوُونَ، ولا تَلِينُ شَكِيمَتُهم في كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ مَعَ تَكْرارِ المَواعِظِ عَلَيْهِمْ، وتَتابُعِ الآياتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ وُجُوهٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، أحَدُها أنْ يُرِيدَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهم فَكَذَّبُوهُ لِأوَّلِ أمْرِهِ، ثُمَّ اسْتَبانَتْ حُجَّتُهُ وظَهَرَتِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ مَعَ اسْتِمْرارِ دَعَوْتِهِ فَلَجُّوا هم في كُفْرِهِمْ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلُ، وكَأنَّهُ وصَفَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِاللَّجاجِ في الكُفْرِ والصَّرامَةِ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾، ويُحْتَمَلُ في هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَما كانُوا لِيُوَفِّقَهُمُ اللَّهُ إلى الإيمانِ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا مِن قَبْلُ فَكانَ تَكْذِيبُهم سَبَبًا لِأنْ يُمْنَعُوا الإيمانَ بَعْدُ، والثّانِي مِنَ الوُجُوهِ أنْ يُرِيدَ فَما كانَ آخِرُهم في الزَّمَنِ والعَصْرِ لِيَهْتَدِيَ ويُؤْمِنَ بِما كَذَّبَ بِهِ أوَّلُهم في الزَّمَنِ والعَصْرِ، بَلْ كَفَرَ كُلُّهم ومَشى بَعْضُهم عَلى سُنَنِ بَعْضٍ في الكُفْرِ. أشارَ إلى هَذا القَوْلِ النَّقّاشُ، فَكانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (كانُوا) يَخْتَصُّ بِالآخِرِينَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (كَذَّبُوا) يَخْتَصُّ بِالقُدَماءِ مِنهم، والثّالِثُ مِنَ الوُجُوهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَما كانَ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِأجْمَعِهِمْ لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا ومُكِّنُوا مِنَ العَوْدَةِ لِيُؤْمِنُوا بِما قَدْ كَذَّبُوا بِهِ في حالِ حَياتِهِمْ ودَعا الرَّسُولُ لَهم. قالَهُ مُجاهِدٌ وقَرَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] وهَذِهِ أيْضًا صِفَةٌ بَلِيغَةٌ في اللَّجاجِ والثُّبُوتِ عَلى الكُفْرِ، بَلْ هي غايَةٌ في ذَلِكَ، والرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَهم بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهم مُكَذِّبُونَ بِهِ، فَحَمْلُ سابِقِ القَدَرِ عَلَيْهِمْ بِمَثابَةِ تَكْذِيبِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لا سِيَّما وقَدْ خَرَجَ تَكْذِيبُهم إلى الوُجُودِ في وقْتِ مَجِيءِ الرُّسُلِ، وذَكَرَ هَذا القَوْلَ المُفَسِّرُونَ وقَرَّبُوهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَتَّمَ عَلَيْهِمُ التَّكْذِيبَ وقْتَ أخْذِ المِيثاقِ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”كانُوا“ وفي ”لِيُؤْمِنُوا“ عائِدٌ عَلى أهْلِ القُرى، وأنَّ الباءَ في ”بِما“ لَيْسَتْ سَبَبِيَّةً، فالمَعْنى أنَّهُمُ انْتَفَتْ عَنْهم قابِلِيَّةُ الإيمانِ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ بِما كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ، بَلْ حالُهم واحِدٌ قَبْلَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، وبَعْدَ ظُهُورِها لَمْ تُجْدِ عَنْهم شَيْئًا، وفي الإتْيانِ بِلامِ الجُحُودِ في لِيُؤْمِنُوا مُبالِغَةٌ في نَفْيِ القابِلِيَّةِ والوُقُوعِ وهو أبْلَغُ مِن تَسَلُّطِ النَّفْيِ عَلى الفِعْلِ بِغَيْرِ لامٍ، وما في بِما كَذَّبُوا مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: بِما كَذَّبُوهُ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، قالَ الكِرْمانِيُّ: وجاءَ هُنا بِما كَذَّبُوا فَحَذَفَ مُتَعَلِّقَ التَّكْذِيبِ لَمّا حَذَفَ المُتَعَلِّقَ في ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ [الأعراف: ٩٦] وقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ [الأعراف: ٩٦] وفي يُونُسَ أبْرَزَهُ، فَقالَ: ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] لَمّا كانَ قَدْ أُبْرِزَ في فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ، ثُمَّ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَوافَقَ الخَتْمَ في كُلٍّ مِنهُما بِما يُناسِبُ ما قَبْلَهُ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
(p-٣٥٤)﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ أهْلِ القُرى حِينَ انْتَفَتْ عَنْهم قابِلِيَّةُ الإيمانِ وتَساوى أمْرُهم في الكُفْرِ قَبْلَ المُعْجِزاتِ وبَعْدَها يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ مِمَّنْ أتى بَعْدَهم، قالَ الكِرْمانِيُّ: تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ بِالصَّرِيحِ وبِالكِنايَةِ فَجَمَعَ بَيْنَهُما فَقالَ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠] وخَتَمَ بِالصَّرِيحِ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾، وفي يُونُسَ بَنى عَلى ما قَبْلَهُ بِنُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ: فَنَجَّيْناهُ، وجَعَلْناهم، ثُمَّ بَعَثْنا فَناسَبَ نَطْبَعُ بِالنُّونِ.
﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾، أيْ: لِأكْثَرِ النّاسِ، أوْ أهْلِ القُرى، أوِ الأُمَمِ الماضِيَةِ احْتِمالاتٌ ثَلاثَةٌ. قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، والعَهْدُ هُنا هو الَّذِي عُوهِدُوا عَلَيْهِ في صُلْبِ آدَمَ. قالَهُ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الإيمانُ. قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْنُ اتَّخَذَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا، وهو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فالمَعْنى مِن إيفاءٍ، أوِ التِزامِ عَهْدٍ، وقِيلَ: العَهْدُ هو وضْعُ الأدِلَّةِ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ إذْ ذَلِكَ عَهْدٌ في رِقابِ العُقَلاءِ، كالعُقُودِ فَعَبَّرَ عَنْ صَرْفِ عُقُولِهِمْ إلى النَّظَرِ في ذَلِكَ بِانْتِفاءِ وِجْدانِ العَهْدِ و(مِن) في ﴿مِن عَهْدٍ﴾ زائِدَةٌ تَدُلُّ عَلى الِاسْتِغْراقِ لِجِنْسِ العَهْدِ.
﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ إنْ هُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ووَجَدَ بِمَعْنى عَلِمَ، ومَفْعُولُ (وجَدْنا) الأُولى (أكْثَرَهم) ومَفْعُولُ الثّانِيَةِ ﴿لَفاسِقِينَ﴾، واللّامُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وإنِ النّافِيَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] ودَعْوى بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّ إنَّ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ وجَدْنا. انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ يَزْعُمُ أنَّ إنَّ إذا خُفِّفَتْ كانَ مَحْذُوفًا مِنها الِاسْمُ، وهو الشَّأْنُ والحَدِيثُ إبْقاءً لَها عَلى الِاخْتِصاصِ بِالدُّخُولِ عَلى الأسْماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا تَقْدِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ ورَدَدْنا عَلَيْهِ.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ أخْبارَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ وما آلَ إلَيْهِ أمْرُ قَوْمِهِمْ وكانَ هَؤُلاءِ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ أتْبَعَ بِقِصَصِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وبَنِي إسْرائِيلَ إذْ كانَتْ مُعْجِزاتُهُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ وأُمَّتُهُ مِن أكْثَرِ الأُمَمِ تَكْذِيبًا وتَعَنُّتًا واقْتِراحًا وجَهْلًا وكانَ قَدْ بَقِيَ مِن أتْباعِهِ عالَمٌ وهُمُ اليَهُودُ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا قِصَصَهم لِنَعْتَبِرَ ونَتَّعِظَ ونَنْزَجِرَ عَنْ أنْ نَتَشَبَّهَ بِهِمْ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ بَيْنَ مُوسى وشُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ مُصاهَرَةً - كَما حَكى اللَّهُ في كِتابِهِ - ونَسَبًا لِكَوْنِهِما مِن نَسْلِ إبْراهِيمَ ولَمّا اسْتَفْتَحَ قِصَّةَ نُوحٍ بـِ (أرْسَلْنا) بِنُونِ العَظَمَةِ أتْبَعَ ذَلِكَ قِصَّةَ مُوسى فَقالَ: (ثُمَّ بَعَثْنا) والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِمْ) عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾، أوْ لِلْأُمَمِ السّابِقَةِ، والآياتُ الحُجَجُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ عَلى قَوْمِهِ، أوِ الآياتُ التِّسْعُ، أوِ التَّوْراةُ أقْوالٌ، وتَعْدِيَةُ فَظَلَمُوا بِالباءِ إمّا عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ بِمَعْنى كَفَرُوا بِها ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وإمّا أنْ تَكُونَ الباءُ سَبَبِيَّةً، أيْ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها، أوِ النّاسَ حَيْثُ صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ، أوِ الرَّسُولَ فَقالُوا: سِحْرٌ وتَمْوِيهٌ أقْوالٌ، وقالَ الأصَمُّ: ظَلَمُوا تِلْكَ النِّعَمَ الَّتِي آتاهُمُ اللَّهُ بِأنِ اسْتَعانُوا بِها عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فانْظُرْ أيُّها السّامِعُ ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ المُفْسِدِينَ الظّالِمِينَ جَعَلَهم (p-٣٥٥)مِثالًا تَوَعَّدَ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
الأعراف 7:103
﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ و(القُرى) هي بِلادُ قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ بِلا خِلافٍ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ، وجاءَتِ الإشارَةُ بِتِلْكَ إشارَةً إلى بُعْدِ هَلاكِها وتَقادُمِهِ وحَصَلَ الرَّبْطُ بَيْنَ هَذِهِ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ [الأعراف: ٩٦] و(نَقُصُّ) يُحْتَمَلُ إبْقاؤُهُ عَلى حالِهِ مِنَ الِاسْتِقْبالِ، والمَعْنى: قَدْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ﴿مِن أنْبائِها﴾ ونَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أيْضًا مِنها مُفَرَّقًا في السُّوَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ عَنِ الماضِي، أيْ: ﴿تِلْكَ القُرى﴾ قَصَصْنا، والإنْباءُ هُنا إخْبارُهم مَعَ أنْبِيائِهِمْ ومَآلِ عِصْيانِهِمْ، و(تِلْكَ) مُبْتَدَأٌ و(القُرى) خَبَرٌ (ونَقُصُّ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ نَحْوُ قَوْلِهِ فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةٌ وفي الإخْبارِ بِالقُرى مَعْنى التَّعْظِيمِ لِمَهْلِكِها، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] وفي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ» وكَقَوْلِ أُمَيَّةَ:
؎تِلْكَ المَكارِمُ لا قِعْبانِ مِن لَبَنٍ
ولَمّا كانَ الخَبَرُ مُقَيَّدًا بِالحالِ أفادَ كالتَّقْيِيدِ بِالصِّفَةِ في قَوْلِكَ هو الرَّجُلُ الكَرِيمُ وأجازُوا أنْ يَكُونَ (نَقُصُّ) خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا و(القُرى) صِفَةٌ، ومَعْنى (مِن) التَّبْعِيضُ فَدَلَّ عَلى أنَّ لَها أنْباءً أُخَرَ لَمْ تُقَصَّ عَلَيْهِ، وإنَّما قَصَّ ما فِيهِ عِظَةٌ وازْدِجارٌ وادِّكارٌ بِما جَرى عَلى مَن خالَفَ الرُّسُلَ لِيَتَّعِظَ بِذَلِكَ السّامِعُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
(p-٣٥٣)﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لِيُؤْمِنُوا اليَوْمَ بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلِ يَوْمِ المِيثاقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما كانُوا لِيُخالِفُوا عِلْمَ اللَّهِ فِيهِمْ، وقالَ يَمانُ بْنُ رِئابٍ: بِما كَذَّبُوا أسْلافَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] فالفِعْلُ في (لِيُؤْمِنُوا) لِقَوْمٍ وفي ﴿بِما كَذَّبُوا﴾ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. وقِيلَ: ﴿جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ بَعْدَ المُعْجِزاتِ ﴿بِما كَذَّبُوا﴾ بِهِ قَبْلَها كَما قالَ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]، وقالَ الكِرْمانِيُّ: (مِن قَبْلُ) يَعُودُ عَلى الرُّسُلِ، تَقْدِيرُهُ مِن قَبْلِ مَجِيءِ الرُّسُلِ لَمْ يُسْلَبْ عَنْهُمُ اسْمَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، بَلْ بَقُوا كافِرِينَ مُكَذِّبِينَ كَما كانُوا قَبْلَ الرُّسُلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ بِما كَذَّبُوهُ مِن آياتِ اللَّهِ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ، أوْ مِمّا كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلى آخِرِ أعْمارِهِمْ بِما كَذَّبُوا بِهِ أوَّلًا حَتّى جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ، أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ مِن لَدُنْ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ إلى أنْ باتُوا مُصِرِّينَ لا يَرْعَوُونَ، ولا تَلِينُ شَكِيمَتُهم في كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ مَعَ تَكْرارِ المَواعِظِ عَلَيْهِمْ، وتَتابُعِ الآياتِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ وُجُوهٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، أحَدُها أنْ يُرِيدَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنهم فَكَذَّبُوهُ لِأوَّلِ أمْرِهِ، ثُمَّ اسْتَبانَتْ حُجَّتُهُ وظَهَرَتِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِهِ مَعَ اسْتِمْرارِ دَعَوْتِهِ فَلَجُّوا هم في كُفْرِهِمْ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ بِهِ تَكْذِيبُهم مِن قَبْلُ، وكَأنَّهُ وصَفَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِاللَّجاجِ في الكُفْرِ والصَّرامَةِ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾، ويُحْتَمَلُ في هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَما كانُوا لِيُوَفِّقَهُمُ اللَّهُ إلى الإيمانِ بِسَبَبِ أنَّهم كَذَّبُوا مِن قَبْلُ فَكانَ تَكْذِيبُهم سَبَبًا لِأنْ يُمْنَعُوا الإيمانَ بَعْدُ، والثّانِي مِنَ الوُجُوهِ أنْ يُرِيدَ فَما كانَ آخِرُهم في الزَّمَنِ والعَصْرِ لِيَهْتَدِيَ ويُؤْمِنَ بِما كَذَّبَ بِهِ أوَّلُهم في الزَّمَنِ والعَصْرِ، بَلْ كَفَرَ كُلُّهم ومَشى بَعْضُهم عَلى سُنَنِ بَعْضٍ في الكُفْرِ. أشارَ إلى هَذا القَوْلِ النَّقّاشُ، فَكانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (كانُوا) يَخْتَصُّ بِالآخِرِينَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (كَذَّبُوا) يَخْتَصُّ بِالقُدَماءِ مِنهم، والثّالِثُ مِنَ الوُجُوهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَما كانَ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِأجْمَعِهِمْ لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا ومُكِّنُوا مِنَ العَوْدَةِ لِيُؤْمِنُوا بِما قَدْ كَذَّبُوا بِهِ في حالِ حَياتِهِمْ ودَعا الرَّسُولُ لَهم. قالَهُ مُجاهِدٌ وقَرَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] وهَذِهِ أيْضًا صِفَةٌ بَلِيغَةٌ في اللَّجاجِ والثُّبُوتِ عَلى الكُفْرِ، بَلْ هي غايَةٌ في ذَلِكَ، والرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وصْفَهم بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهم مُكَذِّبُونَ بِهِ، فَحَمْلُ سابِقِ القَدَرِ عَلَيْهِمْ بِمَثابَةِ تَكْذِيبِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لا سِيَّما وقَدْ خَرَجَ تَكْذِيبُهم إلى الوُجُودِ في وقْتِ مَجِيءِ الرُّسُلِ، وذَكَرَ هَذا القَوْلَ المُفَسِّرُونَ وقَرَّبُوهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَتَّمَ عَلَيْهِمُ التَّكْذِيبَ وقْتَ أخْذِ المِيثاقِ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”كانُوا“ وفي ”لِيُؤْمِنُوا“ عائِدٌ عَلى أهْلِ القُرى، وأنَّ الباءَ في ”بِما“ لَيْسَتْ سَبَبِيَّةً، فالمَعْنى أنَّهُمُ انْتَفَتْ عَنْهم قابِلِيَّةُ الإيمانِ وقْتَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ بِما كَذَّبُوا بِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ، بَلْ حالُهم واحِدٌ قَبْلَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، وبَعْدَ ظُهُورِها لَمْ تُجْدِ عَنْهم شَيْئًا، وفي الإتْيانِ بِلامِ الجُحُودِ في لِيُؤْمِنُوا مُبالِغَةٌ في نَفْيِ القابِلِيَّةِ والوُقُوعِ وهو أبْلَغُ مِن تَسَلُّطِ النَّفْيِ عَلى الفِعْلِ بِغَيْرِ لامٍ، وما في بِما كَذَّبُوا مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَنصُوبٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: بِما كَذَّبُوهُ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، قالَ الكِرْمانِيُّ: وجاءَ هُنا بِما كَذَّبُوا فَحَذَفَ مُتَعَلِّقَ التَّكْذِيبِ لَمّا حَذَفَ المُتَعَلِّقَ في ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ [الأعراف: ٩٦] وقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ [الأعراف: ٩٦] وفي يُونُسَ أبْرَزَهُ، فَقالَ: ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] لَمّا كانَ قَدْ أُبْرِزَ في فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ، ثُمَّ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَوافَقَ الخَتْمَ في كُلٍّ مِنهُما بِما يُناسِبُ ما قَبْلَهُ. انْتَهى مُلَخَّصًا.
(p-٣٥٤)﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ أهْلِ القُرى حِينَ انْتَفَتْ عَنْهم قابِلِيَّةُ الإيمانِ وتَساوى أمْرُهم في الكُفْرِ قَبْلَ المُعْجِزاتِ وبَعْدَها يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ مِمَّنْ أتى بَعْدَهم، قالَ الكِرْمانِيُّ: تَقَدَّمَ ذِكْرُ اللَّهِ بِالصَّرِيحِ وبِالكِنايَةِ فَجَمَعَ بَيْنَهُما فَقالَ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠] وخَتَمَ بِالصَّرِيحِ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾، وفي يُونُسَ بَنى عَلى ما قَبْلَهُ بِنُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ: فَنَجَّيْناهُ، وجَعَلْناهم، ثُمَّ بَعَثْنا فَناسَبَ نَطْبَعُ بِالنُّونِ.
﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾، أيْ: لِأكْثَرِ النّاسِ، أوْ أهْلِ القُرى، أوِ الأُمَمِ الماضِيَةِ احْتِمالاتٌ ثَلاثَةٌ. قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ، والعَهْدُ هُنا هو الَّذِي عُوهِدُوا عَلَيْهِ في صُلْبِ آدَمَ. قالَهُ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الإيمانُ. قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الأمْنُ اتَّخَذَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا، وهو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فالمَعْنى مِن إيفاءٍ، أوِ التِزامِ عَهْدٍ، وقِيلَ: العَهْدُ هو وضْعُ الأدِلَّةِ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ إذْ ذَلِكَ عَهْدٌ في رِقابِ العُقَلاءِ، كالعُقُودِ فَعَبَّرَ عَنْ صَرْفِ عُقُولِهِمْ إلى النَّظَرِ في ذَلِكَ بِانْتِفاءِ وِجْدانِ العَهْدِ و(مِن) في ﴿مِن عَهْدٍ﴾ زائِدَةٌ تَدُلُّ عَلى الِاسْتِغْراقِ لِجِنْسِ العَهْدِ.
﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ إنْ هُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ووَجَدَ بِمَعْنى عَلِمَ، ومَفْعُولُ (وجَدْنا) الأُولى (أكْثَرَهم) ومَفْعُولُ الثّانِيَةِ ﴿لَفاسِقِينَ﴾، واللّامُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وإنِ النّافِيَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] ودَعْوى بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّ إنَّ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ وجَدْنا. انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ يَزْعُمُ أنَّ إنَّ إذا خُفِّفَتْ كانَ مَحْذُوفًا مِنها الِاسْمُ، وهو الشَّأْنُ والحَدِيثُ إبْقاءً لَها عَلى الِاخْتِصاصِ بِالدُّخُولِ عَلى الأسْماءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا تَقْدِيرُ نَظِيرِ ذَلِكَ ورَدَدْنا عَلَيْهِ.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ أخْبارَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ وما آلَ إلَيْهِ أمْرُ قَوْمِهِمْ وكانَ هَؤُلاءِ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ أتْبَعَ بِقِصَصِ مُوسى وفِرْعَوْنَ وبَنِي إسْرائِيلَ إذْ كانَتْ مُعْجِزاتُهُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ وأُمَّتُهُ مِن أكْثَرِ الأُمَمِ تَكْذِيبًا وتَعَنُّتًا واقْتِراحًا وجَهْلًا وكانَ قَدْ بَقِيَ مِن أتْباعِهِ عالَمٌ وهُمُ اليَهُودُ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا قِصَصَهم لِنَعْتَبِرَ ونَتَّعِظَ ونَنْزَجِرَ عَنْ أنْ نَتَشَبَّهَ بِهِمْ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ بَيْنَ مُوسى وشُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ مُصاهَرَةً - كَما حَكى اللَّهُ في كِتابِهِ - ونَسَبًا لِكَوْنِهِما مِن نَسْلِ إبْراهِيمَ ولَمّا اسْتَفْتَحَ قِصَّةَ نُوحٍ بـِ (أرْسَلْنا) بِنُونِ العَظَمَةِ أتْبَعَ ذَلِكَ قِصَّةَ مُوسى فَقالَ: (ثُمَّ بَعَثْنا) والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِمْ) عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾، أوْ لِلْأُمَمِ السّابِقَةِ، والآياتُ الحُجَجُ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ عَلى قَوْمِهِ، أوِ الآياتُ التِّسْعُ، أوِ التَّوْراةُ أقْوالٌ، وتَعْدِيَةُ فَظَلَمُوا بِالباءِ إمّا عَلى سَبِيلِ التَّضْمِينِ بِمَعْنى كَفَرُوا بِها ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وإمّا أنْ تَكُونَ الباءُ سَبَبِيَّةً، أيْ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها، أوِ النّاسَ حَيْثُ صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ، أوِ الرَّسُولَ فَقالُوا: سِحْرٌ وتَمْوِيهٌ أقْوالٌ، وقالَ الأصَمُّ: ظَلَمُوا تِلْكَ النِّعَمَ الَّتِي آتاهُمُ اللَّهُ بِأنِ اسْتَعانُوا بِها عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فانْظُرْ أيُّها السّامِعُ ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ المُفْسِدِينَ الظّالِمِينَ جَعَلَهم (p-٣٥٥)مِثالًا تَوَعَّدَ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
الأعراف 7:104
﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هَذِهِ مُحاوَرَةٌ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفِرْعَوْنَ وخِطابٌ لَهُ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ، وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مَن مَلَكَ مِصْرَ يُقالُ لَهُ فِرْعَوْنٌ كَنُمْرُودَ في يُونانَ، وقَيْصَرَ في الرُّومِ، وكِسْرى في فارِسَ، والنَّجاشِيِّ في الحَبَشَةِ وعَلى هَذا لا يَكُونُ فِرْعَوْنُ وأمْثالُهُ عَلَمًا شَخْصِيًّا، بَلْ يَكُونُ عَلَمَ جِنْسٍ كَأُسامَةَ وثُعالَةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ قَدِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ فاتَحَهُ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِيُنَبِّهَهُ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ادَّعاهُ، وأنَّهُ فِيهِ مُبْطِلٌ لا مُحِقٌّ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ أرْدَفَها بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها وهو قَوْلُهُ: (قَدْ جِئْتُكم) ولَمّا قَرَّرَ رِسالَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْها تَبْلِيغَ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ: (فَأرْسِلْ) ولَمْ يُنازِعْهُ فِرْعَوْنُ في هَذِهِ السُّورَةِ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ مُوسى إلّا أنَّهُ طَلَبَ المُعْجِزَةَ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى مُوافَقَتِهِ لِمُوسى، وأنَّ الرِّسالَةَ مُمْكِنَةٌ لِإمْكانِ المُعْجِزَةِ إذْ لَمْ يَدْفَعْ إمْكانَها، بَلْ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ ويَأْتِي الكَلامُ عَلى هَذا الطَّلَبِ مِن فِرْعَوْنَ لِلْمُعْجِزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ) بِتَشْدِيدِ الياءِ جَعَلَ (عَلى) داخِلَةً عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، ومَعْنى ﴿حَقِيقٌ﴾ جَدِيرٌ وخَلِيقٌ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ و﴿أنْ لا أقُولَ﴾ الأحْسَنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِحَقِيقٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَحِقُّ عَلَيَّ كَذا ويَجِبُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿حَقِيقٌ﴾ خَبَرُهُ، وقالَ قَوْمٌ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ و﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلَيَّ بِجَرِّها ﴿أنْ لا أقُولَ﴾، أيْ: ﴿حَقِيقٌ﴾ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، فَقالَ قَوْمٌ ضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ: عَلَيَّ بِمَعْنى الباءِ كَما أنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أيْ: عَلى كُلِّ صِراطٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِأنْ لا أقُولَ كَما تَقُولُ فُلانٌ حَقِيقٌ بِهَذا الأمْرِ وخَلِيقٌ بِهِ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّوْجِيهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ بِأنْ لا أقُولَ وضَعَ مَكانَ عَلى الباءَ، قالَ الأخْفَشُ: ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُطَّرِدِ لَوْ قُلْتَ ذَهَبْتُ عَلى زَيْدٍ تُرِيدُ بِزَيْدٍ لَمْ يَجُزْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي المَشْهُورَةِ إشْكالٌ ولا يَخْلُو مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مِمّا يُقْلَبُ مِنَ الكَلامِ لا مِنَ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ:
؎وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ
ومَعْناهُ وتَشْقى الضَّياطِرَةُ بِالرِّماحِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ، وأصْحابُنا يَخُصُّونَ القَلْبَ بِالشِّعْرِ ولا يُجِيزُونَهُ في فَصِيحِ الكَلامِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القِراءَةُ عَنْهُ، وعَلى هَذا يَصِيرُ مَعْنى (p-٣٥٦)هَذِهِ القِراءَةِ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِي أنَّ ما لَزِمَكَ لَزِمْتَهُ فَلَمّا كانَ قَوْلُ الحَقِّ حَقِيقًا عَلَيْهِ كانَ هو حَقِيقًا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: لازِمًا لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّالِثُ أنْ يُضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ تَضْمِينَ هَيَّجَنِي مَعْنى ذَكَّرَنِي في بَيْتٍ الكِتابَ. انْتَهى يَعْنِي بِالكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ، والبَيْتُ:
؎إذا تَغَنّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ∗∗∗ ولَوْ تَسَلَّيْتُ عَنْها أُمَّ عَمّارِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرّابِعُ وهو الأوْجَهُ وإلّا دَخَلَ في نُكَتِ القُرْآنِ أنْ يَغْرَقَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في وصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ في ذَلِكَ المَقامِ لا سِيَّما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ قالَ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَذَبْتَ فَيَقُولُ أنا حَقِيقٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، أيْ: واجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ أنْ أكُونَ أنا قائِلَهُ والقائِمَ بِهِ ولا يَرْضى إلّا بِمِثْلِي ناطِقًا بِهِ. انْتَهى ولا يَتَّضِحُ هَذا الوَجْهُ إلّا إنْ عَنى أنَّهُ يَكُونُ ﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ صِفَةً كَما تَقُولُ أنا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: طَرِيقِي وعادَتِي قَوْلُ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ مِقْسَمٍ ﴿حَقِيقٌ﴾ مِن نَعْتِ الرَّسُولِ، أيْ: رَسُولٌ حَقِيقٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أُرْسِلْتُ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ واضِحٌ، وقَدْ غَفَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن أرْبابِ اللُّغَةِ عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ ولَمْ يَخْطُرْ لَهم تَعْلِيقُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ . انْتَهى. وكَلامُهُ فِيهِ تَناقُضٌ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ أوَّلًا العامِلَ في (عَلى) أُرْسِلْتُ، وقالَ آخَرُ: إنَّهم غَفَلُوا عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ فَأمّا هَذا الآخَرُ فَلا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ رَسُولًا قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ مَعْمُولَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأمّا التَّقْدِيرُ الأوَّلُ وهو إضْمارُ أُرْسِلْتُ ويُفَسِّرُهُ لَفْظُ رَسُولٍ فَهو تَقْدِيرٌ سائِغٌ، وتَناوَلَ كَلامُ ابْنِ مِقْسَمٍ أخِيرًا في قَوْلِهِ عَنْ تَعْلِيقِ عَلى بِرَسُولٍ، أيْ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ رَسُولٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ بِإسْقاطِ عَلى فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ عَلى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ بِها واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ الباءِ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِحَقِيقٍ.
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ أخَذَ يَذْكَرُ المُعْجِزَةَ والخارِقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، والخِطابُ في (جِئْتُكم) لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الحاضِرِينَ مَعَهُ ومَعْنى (بِبَيِّنَةٍ) بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةِ الدَّلالَةِ عَلى ما أذْكُرُهُ، والبَيِّنَةُ قِيلَ: التِّسْعُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ البَيِّنَةَ هي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ هي العَصا وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] تَعْرِيضٌ أنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ رَبًّا لَهم، بَلْ رَبُّهم هو الَّذِي جاءَ مُوسى بِالبَيِّنَةِ مِن عِنْدِهِ (فَأرْسِلْ)، أيْ: فَخَلِّ، والإرْسالُ ضِدُّ الإمْساكِ ﴿مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيْ: حَتّى يَذْهَبُوا إلى أوْطانِهِمْ ومَوْلِدِ آبائِهِمُ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تُوُفِّيَ وانْقَرَضَ الأسْباطُ غَلَبَ فِرْعَوْنُ عَلى نَسْلِهِمْ واسْتَعْبَدَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ وكانُوا يُؤَدُّونَ إلَيْهِ الجَزاءَ فاسْتَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ مِصْرَ، واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسى أرْبَعُمِائَةٍ عامٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى لَمْ يَطْلُبْ مِن فِرْعَوْنَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ وفي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إيّاهُ إلى الإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وكُلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] فَهَذا ونَظائِرُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ خِلافًا لِمَن قالَ إنَّ مُوسى لَمْ يَدْعُهُ إلى الإيمانِ ولا إلى التِزامِ شَرْعِهِ ولَيْسَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى.
(p-٣٥٧)﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لَمّا عَرَضَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رِسالَتَهُ عَلى فِرْعَوْنَ وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى صِدْقِهِ وهو مَجِيئُهُ بِالبَيِّنَةِ والخارِقِ المُعْجِزِ اسْتَدْعى فِرْعَوْنُ مِنهُ خَرْقَ العادَةِ الدّالَّ عَلى الصِّدْقِ، وهَذا الِاسْتِدْعاءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِبارِ وتَجْوِيزِهِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ لِما تَقَرَّرَ في ذِهْنِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ، والمَعْنى: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ فَأحْضِرْها عِنْدِي لِتَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتَ صِدْقُكَ.
﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ بَدَأ بِالعَصا دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّها مُعْجِزَةٌ تَحْتَوِي عَلى مُعْجِزاتٍ كَثِيرَةٍ قالُوا مِنها أنَّهُ ضَرَبَ بِها بابَ فِرْعَوْنَ فَفَزِعَ مِن قَرْعِها فَشابَ رَأْسُهُ فَخُضِّبَ بِالسَّوادِ فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ وانْقِلابُها ثُعْبانًا وانْقِلابُ خَشَبَةٍ لَحْمًا ودَمًا قائِمًا بِهِ الحَياةُ مِن أعْظَمِ الإعْجازِ ويَحْصُلُ مِنِ انْقِلابِها ثُعْبانًا مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَحْصُلُ في غَيْرِهِ، وضَرْبُهُ بِها الحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، وضَرْبُهُ بِها فَتُنْبِتُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحارَبَتُهُ بِها اللُّصُوصَ والسِّباعَ القاصِدَةَ غَنَمَهُ، واشْتِعالُها في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ وصَيْرُورَتِها كالرِّشا لِيَنْزَحَ بِها الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ وتَلَقُّفُها الحِبالَ والعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ، وإبْطالُها لِما صَنَعُوهُ مِن كَيْدِهِمْ وسِحْرِهِمْ، والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ هو في الأجْرامِ ومَجازٌ في المَعانِي نَحْوُ ألْقى المَسْألَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: صارَتِ العَصا حَيَّةً عَظِيمَةً شَعْراءَ فاغِرَةً فاها، ما بَيْنَ لِحْيَيْها ثَمانُونَ ذِراعًا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنْ فَرْقَدٍ واضِعَةً أحَدَ لِحْيَيْها بِالأرْضِ والآخَرَ عَلى سُورِ القَصْرِ وذَكَرُوا مِنِ اضْطِرابِ فِرْعَوْنَ وفَزَعِهِ وهَرَبِهِ ووَعْدِهِ مُوسى بِالإيمانِ إنْ عادَتْ إلى حالِها، وكَثْرَةِ مَن ماتَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَزَعًا أشْياءَ لَمْ تَتَعَرَّضْ إلَيْها الآيَةُ ولا تَثْبُتْ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ فاللَّهُ أعْلَمُ بِها، ومَعْنى (مُبِينٌ) ظاهِرٌ لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو ثُعْبانٌ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وإذا) ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنا أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ وهو المَنسُوبُ إلى سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ لَيْسَتْ في هَذا المَكانِ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، بَلْ خَبَرُ هي قَوْلُهُ: (ثُعْبانٌ) ولَوْ قُلْتَ (فَإذا هي) لَمْ يَكُنْ كَلامًا ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ عَلى مِثْلِ: خَرَجْتُ فَإذا السَّبْعُ، عَلى تَأْوِيلِ مَن جَعَلَها ظَرْفَ مَكانٍ وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ هو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ ونُسِبَ أيْضًا إلى سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ حَرْفٌ لا اسْمٌ.
﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، أيْ: جَذَبَ (يَدَهُ) قِيلَ مِن جَيْبِهِ وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]، وقِيلَ: مِن كُمِّهِ و(لِلنّاظِرِينَ)، أيْ: لِلنُّظّارِ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ بَياضِها؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِضُ لَها لِلنُّظّارِ إلّا إذا كانَ بَياضُها عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ إلَيْهِ كَما يَجْتَمِعُ النُّظّارُ لِلْعَجائِبِ، قالَ مُجاهِدٌ: (بَيْضاءُ) كاللَّبَنِ، أوْ أشُدُّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ (p-٣٥٨)مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَّمْسِ، ثُمَّ يَرُدُّها فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ مُوسى، وكانَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَدِيدَ الأُدْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَتْ نُورًا ساطِعًا يُضِيءُ لَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ لَمَعانٌ مِثْلُ لَمَعانِ البَرْقِ فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: بَلَغَنا أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ يا فِرْعَوْنُ ما هَذِهِ بِيَدِي ؟ قالَ: هي عَصا، فَألْقاها مُوسى فَإذا هي ثُعْبانٌ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ رَأى يَدَ مُوسى فَقالَ لِفِرْعَوْنَ ما هَذِهِ ؟ فَقالَ: يَدُكَ، ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ، وعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ ونَزَعَها فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا، غَلَبَ شُعاعُها شُعاعَ الشَّمْسِ وما أعْجَبَ أمْرَ هَذَيْنِ الخارِقَيْنِ أحَدُهُما في نَفْسِهِ وذَلِكَ اليَدُ البَيْضاءُ، والآخَرُ في غَيْرِ نَفْسِهِ وهي العَصا، وجَمَعَ بِذَيْنِكَ تَبَدُّلَ الذَّرّاتِ وتَبَدُّلَ الأعْراضِ، فَكانا دالَّيْنِ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ وإنَّهُما كِلاهُما مُمْكِنُ الوُقُوعِ، قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْمُعارَضَةِ ودَعا إلى اللَّهِ بِهِما وخَرَقَ العادَةَ بِهِما وتَحَدّى النّاسَ إلى الدِّينِ بِهِما فَإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ إلى الدِّينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى وإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُعارَضَةَ والمُعْجِزَ فِيها وقَعا ويُقالُ: التَّحَدِّي هو الدُّعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ فَهَذِهِ نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدِّي مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُّعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَثْبِيجٌ.
﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ . وفي الشُّعَراءِ ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٤] والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ فِرْعَوْنَ وهم قالُوا هَذا الكَلامَ فَحَكى هُنا قَوْلَهم وهُناكَ قَوْلَهُ، أوْ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّفَهُ مِنهُ المَلَأُ فَقالُوهُ لِأعْقابِهِمْ، أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِلنّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ يَرى الواحِدُ مِنهُمُ الرَّأْيَ فَيُكَلِّمُ بِهِ مَن يَلِيهِ مِنَ الخاصَّةِ، ثُمَّ تُبْلِغُهُ الخاصَّةُ العامَّةَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم أجابُوهُ في قَوْلِهِ: (أرْجِهْ) وكانَ السِّحْرُ إذْ ذاكَ في أعْلى المَراتِبِ فَلَمّا رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والأدْماءَ بَيْضاءَ، وأنْكَرُوا النُّبُوَّةَ ودافَعُوهُ عَنْها قَصَدُوا ذَمَّهُ بِوَصْفِهِ بِالسِّحْرِ وحَطِّ قَدْرِهِ إذْ لَمْ يُمْكِنُهم في ظُهُورِ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نِسْبَةُ شَيْءٍ إلَيْهِ غَيْرَ السِّحْرِ وبالَغُوا في وصْفِهِ بِأنْ قالُوا: (عَلِيمٌ)، أيْ: بالِغُ الغايَةِ في عِلْمِ السِّحْرِ وخُدَعِهِ وخَيالاتِهِ وفُنُونِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ هَذا إذا كانَ مِن كَلامِ الكُفّارِ في التَّنَقُّصِ والِاسْتِغْرابِ كَما قالَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْدِلُونَ عَنْ لَفْظِ اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلى لَفْظِ الإشارَةِ وأكَدُّوا نِسْبَةَ السِّحْرِ إلَيْهِ بِدُخُولِ إنَّ واللّامِ.
﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ اسْتَشْعَرَتْ نُفُوسُهم ما صارَ إلَيْهِ أمْرُهم مِن إخْراجِهِمْ مِن أرْضِهِمْ وخُلُوِّ مَواطِنِهِمْ مِنهم وخَرابِ بُيُوتِهِمْ فَبادَرُوا (p-٣٥٩)إلى الإخْبارِ بِذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ كَما اسْتَشْعَرُوا إذْ غَرَّقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وآلَهُ وأخْلى مَنازِلَهم مِنهم ونَبَّهُوا عَلى هَذا الوَصْفِ الصَّعْبِ الَّذِي هو مُعادِلٌ لِقَتْلِ الأنْفُسِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وأرادَ بِهِ إحْراجَهم إمّا بِكَوْنِهِ يَحْكُمُ فِيكم بِإرْسالِ خَدَمِكم وعَمارِ أرْضِكم مَعَهُ حَيْثُ يَسِيرُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم وإمّا بِكَوْنِهِمْ خافُوا مِنهُ أنْ يُقاتِلَهم بِمَن يَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويَغْلِبَ عَلى مُلْكِهِمْ قالَ النَّقّاشُ كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوْا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥] وهُنا حُذِفَتْ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى هُنا بُنِيَتْ عَلى الِاخْتِصارِ فَناسَبَتِ الحَذْفَ، ولِأنَّ لَفْظَ ساحِرٍ يَدُلُّ عَلى السِّحْرِ و﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن قَوْلِ المَلَأِ إمّا لِفِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ وإمّا لَهُ وحْدَهُ كَما يُخاطَبُ أفْرادُ العُظَماءِ بِلَفْظِ الجَمْعِ وهو مِنَ الأمْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ تُشِيرُونَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أمَرْتُهُ فَأمَرَنِي بِكَذا أيْ شاوَرْتُهُ فَأشارَ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُونَ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي الشُّعَراءِ ورَوى كَرْدَمٌ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ النُّونِ فِيهِما وماذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفَهامًا وتَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَأْمُرُونِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ فِيهِ بِأنْ حَذَفَ مِنهُ حَرْفَ الجَرِّ، كَما قالَ أمَرْتُكَ الخَيْرَ ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى أيْ أيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وأصْلُهُ بِأيِّ شَيْءٍ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْهُ و(تَأْمُرُونَ) صِلَةَ ذا، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ مَفْعُولَيْ (تَأْمُرُونَ) الأوَّلُ وهو ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ والثّانِي وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ فَأيُّ شَيْءِ الَّذِي تَأْمُرُونَنِيهِ أيْ تَأْمُرُنَنِي بِهِ، وكِلا الإعْرابَيْنِ في ماذا جائِزٌ في قِراءَةِ مَن كَسَرَ النُّونَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ ياءَ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الكَسْرَةَ دَلالَةً عَلَيْها، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ العائِدَ عَلى ذا إذا كانَتْ مَوْصُولَةً مَقْرُونَةً بِحَرْفِ الجَرِّ، فَقالَ وفي (تَأْمُرُونَ) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى (الَّذِي) تَقْدِيرُهُ تَأْمُرُونَ بِهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِفَواتِ شَرْطِ جَوازِ حَذْفِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ لا يَكُونَ الضَّمِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وأنْ يَجُرَّ ذَلِكَ الحَرْفُ المَوْصُولَ أوِ المَوْصُوفَ بِهِ أوِ المُضافَ إلَيْهِ ويَتَّحِدَ المُتَعَلِّقُ بِهِ الحَرْفانِ لَفْظًا ومَعْنًى ويَتَّحِدَ مَعْنى الحَرْفِ أيْضًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَدَّرَهُ عَلى الأصْلِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِغَيْرِ واسِطَةِ الحُرُوفِ، ثُمَّ حُذِفَ بَعْدَ الِاتِّساعِ.
﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ مُناظَرَةَ مُوسى مِن عُقَلاءِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وأشْرافِهِ قِيلَ: ولَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غَيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا ولِذَلِكَ أشارُوا عَلَيْهِ بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى النّاسِ شُبْهَةٌ ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ، وقُرِئَ بِالهَمْزِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ المَعْنى احْبِسْهُ، وقِيلَ: أرْجِهْ بِغَيْرِ هَمْزٍ أطْمِعْهُ جَعَلَهُ مِن رَجَوْتَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ الفِعْلِ أيْ أطْمِعْهُ وأخاهُ ولا تَقْتُلْهُما حَتّى يَظْهَرَ كَذِبَهُما فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُما ظُنَّ أنَّهُما صَدَقا ولَمْ يَجْرِ لِهارُونَ ذِكْرٌ في صَدْرِ القِصَّةِ وقَدْ تَبَيَّنَ مِن غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُما ذَهَبا مَعًا وأُرْسِلا إلى فِرْعَوْنَ ولَمّا كانَ مُوافِقًا لَهُ في دَعْواهُ (p-٣٦٠)ومُؤازِرًا أشارُوا بِإرْجائِهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ (أرْجِئْهُو) بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ، ورُوِيَ هَذا عَنْ هِشامٍ وعَنْ يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ والكِسائِيُّ (أرْجِهِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِكَسْرِ الهاءِ ووَصْلِها بِياءٍ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ وسَكَّنا الهاءَ، وقَرَأ قالُونُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ومُخْتَلِسٌ كَسْرَةَ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةٍ كَقِراءَةِ ورْشٍ والكِسائِيِّ، وفي المَشْهُورِ عَنْهُ أرْجِئْهِ بِالهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ صِلَةٍ، وقَدْ قِيلَ عَنْهُ أنَّهُ يَصِلُها بِياءٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ أرْجِئْهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَها، قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ انْتَهى. ونِسْبَةُ ابْنِ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ لِابْنِ عامِرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي رَوى ذَلِكَ إنَّما هو ابْنُ ذَكْوانَ لا هِشامٌ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وقالَ بَعْضُهم: قالَ أبُو عَلِيٍّ ضَمُّ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ قالَ: ورِوايَةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ بَعْدَهُ وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا إذا وقَعَ قَبْلَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ ساكِنَةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ مَعَ الهَمْزِ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الهَمْزَ حَرْفٌ صَحِيحٌ ساكِنٌ فَلَيْسَ قَبْلَ الهاءِ ما يَقْتَضِي الكَسْرَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أتْبَعَ الهاءَ كَسْرَةَ الجِيمِ والحاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ ويَخْرُجُ أيْضًا عَلى تَوَهُّمِ إبْدالِ الهَمْزِ ياءً أوْ عَلى أنَّ الهَمْزَ لَمّا كانَ كَثِيرًا ما يُبَدَّلُ بِحَرْفِ العِلَّةِ أُجْرِي مَجْرى حَرْفِ العِلَّةِ في كَسْرِ ما بَعْدَهُ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِن غَلَطِ هَذِهِ القِراءَةِ، وأنَّها لا تَجُوزُ قَوْلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ ثابِتَةٌ مُتَواتِرَةٌ رَوَتْها الأكابِرُ عَنِ الأئِمَّةِ وتَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ ولَها تَوْجِيهٌ في العَرَبِيَّةِ ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ كَغَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ لِأنَّها قابِلَةٌ لِلتَّغْيِيرِ بِالإبْدالِ والحَرْفِ بِالنَّقْلِ وغَيْرِهِ فَلا وجْهَ لِإنْكارِ هَذِهِ القِراءَةِ.
﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (المَدائِنِ) مَدائِنُ مِصْرَ وقُراها: ”والحاشِرُونَ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أصْحابُ الشُّرَطِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما رَأى قالَ: لَنْ نُغالِبَ مُوسى إلّا بِمَن هو مِنهُ فاتَّخَذَ غِلْمانًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَبَعَثَ بِهِمْ إلى قَرْيَةٍ. قالَ البَغَوِيُّ: هي الفَرَما يُعَلِّمُونَهُمُ السِّحْرَ كَما يُعَلِّمُونَ الصِّبْيانَ في المَكْتَبِ فَعَلَّمُوهم سِحْرًا كَثِيرًا، وواعَدَ فِرْعَوْنُ مُوسى مَوْعِدًا، ثُمَّ دَعاهم وسَألَهم فَقالَ: ماذا صَنَعْتُمْ قالُوا: عَلَّمْناهم مِنَ السِّحْرِ ما لا يُقاوِمُهم بِهِ أهْلُ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِكُلِّ سَحّارٍ هُنا وفي يُونُسَ والباقُونَ (ساحِرٍ) وفي الشُّعَراءِ أجْمَعُوا عَلى سَحّارٍ وتُناسِبُ سَحّارٌ (عَلِيمٌ) لِكَوْنِهِما مِن ألْفاظِ المُبالَغَةِ، ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ناسَبَ هُنا أنْ يُقابِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .
الأعراف 7:105
﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هَذِهِ مُحاوَرَةٌ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفِرْعَوْنَ وخِطابٌ لَهُ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ، وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مَن مَلَكَ مِصْرَ يُقالُ لَهُ فِرْعَوْنٌ كَنُمْرُودَ في يُونانَ، وقَيْصَرَ في الرُّومِ، وكِسْرى في فارِسَ، والنَّجاشِيِّ في الحَبَشَةِ وعَلى هَذا لا يَكُونُ فِرْعَوْنُ وأمْثالُهُ عَلَمًا شَخْصِيًّا، بَلْ يَكُونُ عَلَمَ جِنْسٍ كَأُسامَةَ وثُعالَةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ قَدِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ فاتَحَهُ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِيُنَبِّهَهُ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ادَّعاهُ، وأنَّهُ فِيهِ مُبْطِلٌ لا مُحِقٌّ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ أرْدَفَها بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها وهو قَوْلُهُ: (قَدْ جِئْتُكم) ولَمّا قَرَّرَ رِسالَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْها تَبْلِيغَ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ: (فَأرْسِلْ) ولَمْ يُنازِعْهُ فِرْعَوْنُ في هَذِهِ السُّورَةِ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ مُوسى إلّا أنَّهُ طَلَبَ المُعْجِزَةَ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى مُوافَقَتِهِ لِمُوسى، وأنَّ الرِّسالَةَ مُمْكِنَةٌ لِإمْكانِ المُعْجِزَةِ إذْ لَمْ يَدْفَعْ إمْكانَها، بَلْ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ ويَأْتِي الكَلامُ عَلى هَذا الطَّلَبِ مِن فِرْعَوْنَ لِلْمُعْجِزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ) بِتَشْدِيدِ الياءِ جَعَلَ (عَلى) داخِلَةً عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، ومَعْنى ﴿حَقِيقٌ﴾ جَدِيرٌ وخَلِيقٌ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ و﴿أنْ لا أقُولَ﴾ الأحْسَنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِحَقِيقٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَحِقُّ عَلَيَّ كَذا ويَجِبُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿حَقِيقٌ﴾ خَبَرُهُ، وقالَ قَوْمٌ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ و﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلَيَّ بِجَرِّها ﴿أنْ لا أقُولَ﴾، أيْ: ﴿حَقِيقٌ﴾ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، فَقالَ قَوْمٌ ضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ: عَلَيَّ بِمَعْنى الباءِ كَما أنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أيْ: عَلى كُلِّ صِراطٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِأنْ لا أقُولَ كَما تَقُولُ فُلانٌ حَقِيقٌ بِهَذا الأمْرِ وخَلِيقٌ بِهِ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّوْجِيهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ بِأنْ لا أقُولَ وضَعَ مَكانَ عَلى الباءَ، قالَ الأخْفَشُ: ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُطَّرِدِ لَوْ قُلْتَ ذَهَبْتُ عَلى زَيْدٍ تُرِيدُ بِزَيْدٍ لَمْ يَجُزْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي المَشْهُورَةِ إشْكالٌ ولا يَخْلُو مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مِمّا يُقْلَبُ مِنَ الكَلامِ لا مِنَ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ:
؎وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ
ومَعْناهُ وتَشْقى الضَّياطِرَةُ بِالرِّماحِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ، وأصْحابُنا يَخُصُّونَ القَلْبَ بِالشِّعْرِ ولا يُجِيزُونَهُ في فَصِيحِ الكَلامِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القِراءَةُ عَنْهُ، وعَلى هَذا يَصِيرُ مَعْنى (p-٣٥٦)هَذِهِ القِراءَةِ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِي أنَّ ما لَزِمَكَ لَزِمْتَهُ فَلَمّا كانَ قَوْلُ الحَقِّ حَقِيقًا عَلَيْهِ كانَ هو حَقِيقًا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: لازِمًا لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّالِثُ أنْ يُضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ تَضْمِينَ هَيَّجَنِي مَعْنى ذَكَّرَنِي في بَيْتٍ الكِتابَ. انْتَهى يَعْنِي بِالكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ، والبَيْتُ:
؎إذا تَغَنّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ∗∗∗ ولَوْ تَسَلَّيْتُ عَنْها أُمَّ عَمّارِ
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرّابِعُ وهو الأوْجَهُ وإلّا دَخَلَ في نُكَتِ القُرْآنِ أنْ يَغْرَقَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في وصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ في ذَلِكَ المَقامِ لا سِيَّما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ قالَ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَذَبْتَ فَيَقُولُ أنا حَقِيقٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، أيْ: واجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ أنْ أكُونَ أنا قائِلَهُ والقائِمَ بِهِ ولا يَرْضى إلّا بِمِثْلِي ناطِقًا بِهِ. انْتَهى ولا يَتَّضِحُ هَذا الوَجْهُ إلّا إنْ عَنى أنَّهُ يَكُونُ ﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ صِفَةً كَما تَقُولُ أنا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: طَرِيقِي وعادَتِي قَوْلُ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ مِقْسَمٍ ﴿حَقِيقٌ﴾ مِن نَعْتِ الرَّسُولِ، أيْ: رَسُولٌ حَقِيقٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أُرْسِلْتُ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ واضِحٌ، وقَدْ غَفَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن أرْبابِ اللُّغَةِ عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ ولَمْ يَخْطُرْ لَهم تَعْلِيقُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ . انْتَهى. وكَلامُهُ فِيهِ تَناقُضٌ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ أوَّلًا العامِلَ في (عَلى) أُرْسِلْتُ، وقالَ آخَرُ: إنَّهم غَفَلُوا عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ فَأمّا هَذا الآخَرُ فَلا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ رَسُولًا قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ مَعْمُولَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأمّا التَّقْدِيرُ الأوَّلُ وهو إضْمارُ أُرْسِلْتُ ويُفَسِّرُهُ لَفْظُ رَسُولٍ فَهو تَقْدِيرٌ سائِغٌ، وتَناوَلَ كَلامُ ابْنِ مِقْسَمٍ أخِيرًا في قَوْلِهِ عَنْ تَعْلِيقِ عَلى بِرَسُولٍ، أيْ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ رَسُولٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ بِإسْقاطِ عَلى فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ عَلى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ بِها واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ الباءِ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِحَقِيقٍ.
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ أخَذَ يَذْكَرُ المُعْجِزَةَ والخارِقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، والخِطابُ في (جِئْتُكم) لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الحاضِرِينَ مَعَهُ ومَعْنى (بِبَيِّنَةٍ) بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةِ الدَّلالَةِ عَلى ما أذْكُرُهُ، والبَيِّنَةُ قِيلَ: التِّسْعُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ البَيِّنَةَ هي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ هي العَصا وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] تَعْرِيضٌ أنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ رَبًّا لَهم، بَلْ رَبُّهم هو الَّذِي جاءَ مُوسى بِالبَيِّنَةِ مِن عِنْدِهِ (فَأرْسِلْ)، أيْ: فَخَلِّ، والإرْسالُ ضِدُّ الإمْساكِ ﴿مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيْ: حَتّى يَذْهَبُوا إلى أوْطانِهِمْ ومَوْلِدِ آبائِهِمُ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تُوُفِّيَ وانْقَرَضَ الأسْباطُ غَلَبَ فِرْعَوْنُ عَلى نَسْلِهِمْ واسْتَعْبَدَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ وكانُوا يُؤَدُّونَ إلَيْهِ الجَزاءَ فاسْتَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ مِصْرَ، واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسى أرْبَعُمِائَةٍ عامٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى لَمْ يَطْلُبْ مِن فِرْعَوْنَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ وفي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إيّاهُ إلى الإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وكُلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] فَهَذا ونَظائِرُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ خِلافًا لِمَن قالَ إنَّ مُوسى لَمْ يَدْعُهُ إلى الإيمانِ ولا إلى التِزامِ شَرْعِهِ ولَيْسَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى.
(p-٣٥٧)﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لَمّا عَرَضَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رِسالَتَهُ عَلى فِرْعَوْنَ وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى صِدْقِهِ وهو مَجِيئُهُ بِالبَيِّنَةِ والخارِقِ المُعْجِزِ اسْتَدْعى فِرْعَوْنُ مِنهُ خَرْقَ العادَةِ الدّالَّ عَلى الصِّدْقِ، وهَذا الِاسْتِدْعاءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِبارِ وتَجْوِيزِهِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ لِما تَقَرَّرَ في ذِهْنِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ، والمَعْنى: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ فَأحْضِرْها عِنْدِي لِتَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتَ صِدْقُكَ.
﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ بَدَأ بِالعَصا دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّها مُعْجِزَةٌ تَحْتَوِي عَلى مُعْجِزاتٍ كَثِيرَةٍ قالُوا مِنها أنَّهُ ضَرَبَ بِها بابَ فِرْعَوْنَ فَفَزِعَ مِن قَرْعِها فَشابَ رَأْسُهُ فَخُضِّبَ بِالسَّوادِ فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ وانْقِلابُها ثُعْبانًا وانْقِلابُ خَشَبَةٍ لَحْمًا ودَمًا قائِمًا بِهِ الحَياةُ مِن أعْظَمِ الإعْجازِ ويَحْصُلُ مِنِ انْقِلابِها ثُعْبانًا مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَحْصُلُ في غَيْرِهِ، وضَرْبُهُ بِها الحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، وضَرْبُهُ بِها فَتُنْبِتُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحارَبَتُهُ بِها اللُّصُوصَ والسِّباعَ القاصِدَةَ غَنَمَهُ، واشْتِعالُها في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ وصَيْرُورَتِها كالرِّشا لِيَنْزَحَ بِها الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ وتَلَقُّفُها الحِبالَ والعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ، وإبْطالُها لِما صَنَعُوهُ مِن كَيْدِهِمْ وسِحْرِهِمْ، والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ هو في الأجْرامِ ومَجازٌ في المَعانِي نَحْوُ ألْقى المَسْألَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: صارَتِ العَصا حَيَّةً عَظِيمَةً شَعْراءَ فاغِرَةً فاها، ما بَيْنَ لِحْيَيْها ثَمانُونَ ذِراعًا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنْ فَرْقَدٍ واضِعَةً أحَدَ لِحْيَيْها بِالأرْضِ والآخَرَ عَلى سُورِ القَصْرِ وذَكَرُوا مِنِ اضْطِرابِ فِرْعَوْنَ وفَزَعِهِ وهَرَبِهِ ووَعْدِهِ مُوسى بِالإيمانِ إنْ عادَتْ إلى حالِها، وكَثْرَةِ مَن ماتَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَزَعًا أشْياءَ لَمْ تَتَعَرَّضْ إلَيْها الآيَةُ ولا تَثْبُتْ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ فاللَّهُ أعْلَمُ بِها، ومَعْنى (مُبِينٌ) ظاهِرٌ لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو ثُعْبانٌ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وإذا) ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنا أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ وهو المَنسُوبُ إلى سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ لَيْسَتْ في هَذا المَكانِ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، بَلْ خَبَرُ هي قَوْلُهُ: (ثُعْبانٌ) ولَوْ قُلْتَ (فَإذا هي) لَمْ يَكُنْ كَلامًا ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ عَلى مِثْلِ: خَرَجْتُ فَإذا السَّبْعُ، عَلى تَأْوِيلِ مَن جَعَلَها ظَرْفَ مَكانٍ وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ هو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ ونُسِبَ أيْضًا إلى سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ حَرْفٌ لا اسْمٌ.
﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، أيْ: جَذَبَ (يَدَهُ) قِيلَ مِن جَيْبِهِ وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]، وقِيلَ: مِن كُمِّهِ و(لِلنّاظِرِينَ)، أيْ: لِلنُّظّارِ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ بَياضِها؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِضُ لَها لِلنُّظّارِ إلّا إذا كانَ بَياضُها عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ إلَيْهِ كَما يَجْتَمِعُ النُّظّارُ لِلْعَجائِبِ، قالَ مُجاهِدٌ: (بَيْضاءُ) كاللَّبَنِ، أوْ أشُدُّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ (p-٣٥٨)مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَّمْسِ، ثُمَّ يَرُدُّها فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ مُوسى، وكانَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَدِيدَ الأُدْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَتْ نُورًا ساطِعًا يُضِيءُ لَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ لَمَعانٌ مِثْلُ لَمَعانِ البَرْقِ فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: بَلَغَنا أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ يا فِرْعَوْنُ ما هَذِهِ بِيَدِي ؟ قالَ: هي عَصا، فَألْقاها مُوسى فَإذا هي ثُعْبانٌ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ رَأى يَدَ مُوسى فَقالَ لِفِرْعَوْنَ ما هَذِهِ ؟ فَقالَ: يَدُكَ، ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ، وعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ ونَزَعَها فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا، غَلَبَ شُعاعُها شُعاعَ الشَّمْسِ وما أعْجَبَ أمْرَ هَذَيْنِ الخارِقَيْنِ أحَدُهُما في نَفْسِهِ وذَلِكَ اليَدُ البَيْضاءُ، والآخَرُ في غَيْرِ نَفْسِهِ وهي العَصا، وجَمَعَ بِذَيْنِكَ تَبَدُّلَ الذَّرّاتِ وتَبَدُّلَ الأعْراضِ، فَكانا دالَّيْنِ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ وإنَّهُما كِلاهُما مُمْكِنُ الوُقُوعِ، قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْمُعارَضَةِ ودَعا إلى اللَّهِ بِهِما وخَرَقَ العادَةَ بِهِما وتَحَدّى النّاسَ إلى الدِّينِ بِهِما فَإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ إلى الدِّينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى وإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُعارَضَةَ والمُعْجِزَ فِيها وقَعا ويُقالُ: التَّحَدِّي هو الدُّعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ فَهَذِهِ نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدِّي مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُّعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَثْبِيجٌ.
﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ . وفي الشُّعَراءِ ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٤] والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ فِرْعَوْنَ وهم قالُوا هَذا الكَلامَ فَحَكى هُنا قَوْلَهم وهُناكَ قَوْلَهُ، أوْ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّفَهُ مِنهُ المَلَأُ فَقالُوهُ لِأعْقابِهِمْ، أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِلنّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ يَرى الواحِدُ مِنهُمُ الرَّأْيَ فَيُكَلِّمُ بِهِ مَن يَلِيهِ مِنَ الخاصَّةِ، ثُمَّ تُبْلِغُهُ الخاصَّةُ العامَّةَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم أجابُوهُ في قَوْلِهِ: (أرْجِهْ) وكانَ السِّحْرُ إذْ ذاكَ في أعْلى المَراتِبِ فَلَمّا رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والأدْماءَ بَيْضاءَ، وأنْكَرُوا النُّبُوَّةَ ودافَعُوهُ عَنْها قَصَدُوا ذَمَّهُ بِوَصْفِهِ بِالسِّحْرِ وحَطِّ قَدْرِهِ إذْ لَمْ يُمْكِنُهم في ظُهُورِ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نِسْبَةُ شَيْءٍ إلَيْهِ غَيْرَ السِّحْرِ وبالَغُوا في وصْفِهِ بِأنْ قالُوا: (عَلِيمٌ)، أيْ: بالِغُ الغايَةِ في عِلْمِ السِّحْرِ وخُدَعِهِ وخَيالاتِهِ وفُنُونِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ هَذا إذا كانَ مِن كَلامِ الكُفّارِ في التَّنَقُّصِ والِاسْتِغْرابِ كَما قالَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْدِلُونَ عَنْ لَفْظِ اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلى لَفْظِ الإشارَةِ وأكَدُّوا نِسْبَةَ السِّحْرِ إلَيْهِ بِدُخُولِ إنَّ واللّامِ.
﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ اسْتَشْعَرَتْ نُفُوسُهم ما صارَ إلَيْهِ أمْرُهم مِن إخْراجِهِمْ مِن أرْضِهِمْ وخُلُوِّ مَواطِنِهِمْ مِنهم وخَرابِ بُيُوتِهِمْ فَبادَرُوا (p-٣٥٩)إلى الإخْبارِ بِذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ كَما اسْتَشْعَرُوا إذْ غَرَّقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وآلَهُ وأخْلى مَنازِلَهم مِنهم ونَبَّهُوا عَلى هَذا الوَصْفِ الصَّعْبِ الَّذِي هو مُعادِلٌ لِقَتْلِ الأنْفُسِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وأرادَ بِهِ إحْراجَهم إمّا بِكَوْنِهِ يَحْكُمُ فِيكم بِإرْسالِ خَدَمِكم وعَمارِ أرْضِكم مَعَهُ حَيْثُ يَسِيرُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم وإمّا بِكَوْنِهِمْ خافُوا مِنهُ أنْ يُقاتِلَهم بِمَن يَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويَغْلِبَ عَلى مُلْكِهِمْ قالَ النَّقّاشُ كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوْا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥] وهُنا حُذِفَتْ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى هُنا بُنِيَتْ عَلى الِاخْتِصارِ فَناسَبَتِ الحَذْفَ، ولِأنَّ لَفْظَ ساحِرٍ يَدُلُّ عَلى السِّحْرِ و﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن قَوْلِ المَلَأِ إمّا لِفِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ وإمّا لَهُ وحْدَهُ كَما يُخاطَبُ أفْرادُ العُظَماءِ بِلَفْظِ الجَمْعِ وهو مِنَ الأمْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ تُشِيرُونَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أمَرْتُهُ فَأمَرَنِي بِكَذا أيْ شاوَرْتُهُ فَأشارَ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُونَ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي الشُّعَراءِ ورَوى كَرْدَمٌ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ النُّونِ فِيهِما وماذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفَهامًا وتَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَأْمُرُونِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ فِيهِ بِأنْ حَذَفَ مِنهُ حَرْفَ الجَرِّ، كَما قالَ أمَرْتُكَ الخَيْرَ ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى أيْ أيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وأصْلُهُ بِأيِّ شَيْءٍ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْهُ و(تَأْمُرُونَ) صِلَةَ ذا، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ مَفْعُولَيْ (تَأْمُرُونَ) الأوَّلُ وهو ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ والثّانِي وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ فَأيُّ شَيْءِ الَّذِي تَأْمُرُونَنِيهِ أيْ تَأْمُرُنَنِي بِهِ، وكِلا الإعْرابَيْنِ في ماذا جائِزٌ في قِراءَةِ مَن كَسَرَ النُّونَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ ياءَ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الكَسْرَةَ دَلالَةً عَلَيْها، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ العائِدَ عَلى ذا إذا كانَتْ مَوْصُولَةً مَقْرُونَةً بِحَرْفِ الجَرِّ، فَقالَ وفي (تَأْمُرُونَ) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى (الَّذِي) تَقْدِيرُهُ تَأْمُرُونَ بِهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِفَواتِ شَرْطِ جَوازِ حَذْفِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ لا يَكُونَ الضَّمِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وأنْ يَجُرَّ ذَلِكَ الحَرْفُ المَوْصُولَ أوِ المَوْصُوفَ بِهِ أوِ المُضافَ إلَيْهِ ويَتَّحِدَ المُتَعَلِّقُ بِهِ الحَرْفانِ لَفْظًا ومَعْنًى ويَتَّحِدَ مَعْنى الحَرْفِ أيْضًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَدَّرَهُ عَلى الأصْلِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِغَيْرِ واسِطَةِ الحُرُوفِ، ثُمَّ حُذِفَ بَعْدَ الِاتِّساعِ.
﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ مُناظَرَةَ مُوسى مِن عُقَلاءِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وأشْرافِهِ قِيلَ: ولَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غَيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا ولِذَلِكَ أشارُوا عَلَيْهِ بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى النّاسِ شُبْهَةٌ ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ، وقُرِئَ بِالهَمْزِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ المَعْنى احْبِسْهُ، وقِيلَ: أرْجِهْ بِغَيْرِ هَمْزٍ أطْمِعْهُ جَعَلَهُ مِن رَجَوْتَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ الفِعْلِ أيْ أطْمِعْهُ وأخاهُ ولا تَقْتُلْهُما حَتّى يَظْهَرَ كَذِبَهُما فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُما ظُنَّ أنَّهُما صَدَقا ولَمْ يَجْرِ لِهارُونَ ذِكْرٌ في صَدْرِ القِصَّةِ وقَدْ تَبَيَّنَ مِن غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُما ذَهَبا مَعًا وأُرْسِلا إلى فِرْعَوْنَ ولَمّا كانَ مُوافِقًا لَهُ في دَعْواهُ (p-٣٦٠)ومُؤازِرًا أشارُوا بِإرْجائِهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ (أرْجِئْهُو) بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ، ورُوِيَ هَذا عَنْ هِشامٍ وعَنْ يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ والكِسائِيُّ (أرْجِهِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِكَسْرِ الهاءِ ووَصْلِها بِياءٍ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ وسَكَّنا الهاءَ، وقَرَأ قالُونُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ومُخْتَلِسٌ كَسْرَةَ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةٍ كَقِراءَةِ ورْشٍ والكِسائِيِّ، وفي المَشْهُورِ عَنْهُ أرْجِئْهِ بِالهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ صِلَةٍ، وقَدْ قِيلَ عَنْهُ أنَّهُ يَصِلُها بِياءٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ أرْجِئْهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَها، قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ انْتَهى. ونِسْبَةُ ابْنِ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ لِابْنِ عامِرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي رَوى ذَلِكَ إنَّما هو ابْنُ ذَكْوانَ لا هِشامٌ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وقالَ بَعْضُهم: قالَ أبُو عَلِيٍّ ضَمُّ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ قالَ: ورِوايَةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ بَعْدَهُ وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا إذا وقَعَ قَبْلَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ ساكِنَةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ مَعَ الهَمْزِ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الهَمْزَ حَرْفٌ صَحِيحٌ ساكِنٌ فَلَيْسَ قَبْلَ الهاءِ ما يَقْتَضِي الكَسْرَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أتْبَعَ الهاءَ كَسْرَةَ الجِيمِ والحاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ ويَخْرُجُ أيْضًا عَلى تَوَهُّمِ إبْدالِ الهَمْزِ ياءً أوْ عَلى أنَّ الهَمْزَ لَمّا كانَ كَثِيرًا ما يُبَدَّلُ بِحَرْفِ العِلَّةِ أُجْرِي مَجْرى حَرْفِ العِلَّةِ في كَسْرِ ما بَعْدَهُ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِن غَلَطِ هَذِهِ القِراءَةِ، وأنَّها لا تَجُوزُ قَوْلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ ثابِتَةٌ مُتَواتِرَةٌ رَوَتْها الأكابِرُ عَنِ الأئِمَّةِ وتَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ ولَها تَوْجِيهٌ في العَرَبِيَّةِ ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ كَغَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ لِأنَّها قابِلَةٌ لِلتَّغْيِيرِ بِالإبْدالِ والحَرْفِ بِالنَّقْلِ وغَيْرِهِ فَلا وجْهَ لِإنْكارِ هَذِهِ القِراءَةِ.
﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (المَدائِنِ) مَدائِنُ مِصْرَ وقُراها: ”والحاشِرُونَ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أصْحابُ الشُّرَطِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما رَأى قالَ: لَنْ نُغالِبَ مُوسى إلّا بِمَن هو مِنهُ فاتَّخَذَ غِلْمانًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَبَعَثَ بِهِمْ إلى قَرْيَةٍ. قالَ البَغَوِيُّ: هي الفَرَما يُعَلِّمُونَهُمُ السِّحْرَ كَما يُعَلِّمُونَ الصِّبْيانَ في المَكْتَبِ فَعَلَّمُوهم سِحْرًا كَثِيرًا، وواعَدَ فِرْعَوْنُ مُوسى مَوْعِدًا، ثُمَّ دَعاهم وسَألَهم فَقالَ: ماذا صَنَعْتُمْ قالُوا: عَلَّمْناهم مِنَ السِّحْرِ ما لا يُقاوِمُهم بِهِ أهْلُ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِكُلِّ سَحّارٍ هُنا وفي يُونُسَ والباقُونَ (ساحِرٍ) وفي الشُّعَراءِ أجْمَعُوا عَلى سَحّارٍ وتُناسِبُ سَحّارٌ (عَلِيمٌ) لِكَوْنِهِما مِن ألْفاظِ المُبالَغَةِ، ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ناسَبَ هُنا أنْ يُقابِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .